الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




منتهى المطلب (ط.ج) - العلامة الحلي ج 3

منتهى المطلب (ط.ج)

العلامة الحلي ج 3


[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 3 ]

منتهى المطلب في تحقيق المذهب للعلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر 648 - 726 ه‍ الجزء الثالث تحقيق قسم الفقه في مجمع البحوث الإسلامية

[ 5 ]

كلمة المجمع لقد خاض علماؤنا العظام، وسلفنا الصالح في مختلف مجالات العلوم والمعارف، فلم يدعوا علما " من العلوم، ولا فنا " من الفنون دون أن يسبروا غوره، ويغوصوا في أعماق لججه، ويشبعوه بحثا " وتنقيبا "، وشرحا " وتحقيقا "،.. فقدموا لبني الانسان زادا " نافعا "، وعطاءا " زاخرا " من المعرفة والخدمة العلمية التي بها يكتسب الانسان سعادته، ويتسنم العلياء. فكان أن كتبوا في كل حقل من العلوم والمعارف، وشتى موضوعات الثقافة والفكر، طارقين كل باب يمكن من خلاله أن ينفذ إليه الفكر البشري، فخلفوا لنا ثروة علمية وحضارية ضخمة، من جواهر الافكار، تركوها في كتبهم ومصنفاتهم المخطوطة.. من هنا كان الاهتمام بالتراث العلمي منذ القدم، حتى أصبح اليوم شيئا " مفهوما " لدى العلماء والمحققين،.. فبدأوا يبحثون وينقبون في زوايا المكتبات والخزانات الخطية القديمة - التي كادت الحوادث التاريخية تأتي عليها، كما أتت على كثير منها - ليحصلوا على بضع وريقات من كتاب مخطوط قديم، مكتوب بخط يكاد لا يقرأ لقدمه ورداءته، فيأخذوه بعناية، ويبذلوا في سبيل إحيائه جهودا مضنية، ثم يقدموه - بعد كل ما يقاسونه من أجل ذلك - إلى عالم النور، بغية الاستفادة منه، وخدمة لابناء مجتمعهم، وطلبا لرضوان الله تعالى.. وكتاب " منتهى المطلب في تحقيق المذهب " للعلامة الحلي، الحسن بن

[ 6 ]

يوسف بن المطهر، هو من أجمع الكتب الفقهية المقارنة، وأضخمها في بابها، وأغزرها علما "، وأحسنها تفصيلا وتفريعا "، وأجودها تقسيما " وتنويعا ".. قد حوى جل المسائل الخلافية بين المسلمين في الفقه، وهو غني بغزارة مادته الفقهية، لما فيه من متانة في المقارنة العلمية، وروعة في الاستدلال الفقهي.. وقد كان أملنا وطيدا بالتوفيق والنجاح فيما أقدم عليه إخوتنا المحققون في قسم الفقه في مجمع البحوث الاسلامية من مشروع في سبيل إحياء هذا التراث، والان وقد حقق الله سبحانه هذا الامل بإخراج الجزءين الأول والثاني من هذا السفر القيم إلى عالم النشر، فها نحن نتبعهما بالجزء الثالث، معتمدين عليه جل وعلا، وملتمسينه وحده العون والسداد في إنجاز بقية أجزائه، في القريب العاجل، إن شاء الله تعالى، في ظل رعاية سيدنا ومولانا الامام علي بن موسى الرضا صلوات الله وسلامه عليه. كما لا يفوتنا هنا أن نتقدم بفائق الامتنان والتقدير إلى الأخ الفاضل صفاء الدين البصري، الذي تفضل بكتابة دراسة موجزة عن العلامة الحلي وحياته، أوردناها مقدمة لهذا الجزء من الكتاب، تعميما للفائدة مجمع البحوث الاسلامية

[ 7 ]

قبسات من حياة العلامة

[ 9 ]

تقدمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه الأخيار المنتجبين، ومن تابعهم إلى قيام يوم الدين، وبعد: إذا كانت الحضارات والأمم الحية تعنى بحياة عظمائها، ومفكريها، وتخيلدا لذكراهم، تقيم لهم التماثيل، وتشيد لهم النصب التذكارية، وتقدم حياتهم لأبنائها كمنهج دراسي يستلهمون منه الدروس والعبر، لا لشئ إلا لأنها ترى في ذلك دعما " لحضارتها، وإحياءا لتراثها، وتشييدا لنهضتها.. فحري بنا نحن المسلمين أن ندرس حياة أئمتنا وعظمائنا ومفكرينا وعلمائنا، وأن نبحث عن آثارهم، وننقب عن أخبارهم، ونتخذ من حياتهم وسيرهم مصدر إشعاع للفكر، ومنهلا عذبا للخير، وينبوعا فياضا بالحكمة والعطاء، ورصيدا ضخما في الكمالات والمعرفة.. فهي مصدر علمي أخلاقي ثري، ومدرسة كبرى للانسانية، ومعالم وضاءة لتحقيق الحق والعدالة ولو أننا معاشر المسلمين عموما، والشيعة خصوصا، أخذنا بسير هؤلاء العظام من أسلافنا الصالحين وترجمناها إلى واقعنا السلوكي والتطبيق العملي، لكنا قد حصلنا على أعظم مكسب في مجال التوجيه والأخلاق، ولقدر لنا أن نرتقي أعلى درجات الارتقاء، إذ لم تعهد البشرية جمعاء - بقادتها وعلمائها ومفكريها وذوي

[ 10 ]

الكفاءات فيها - على مر العصور والأجيال بمثل هذا العطاء الزاخر، وهذه القمم الأخلاقية السامقة، ولقدر لنا أن نسود العالم والأمم، وأن نتصدرهم من خلال امتداد رسالة السماء إلى كافة أرجاء المعمورة، تلك الرسالة التي أعطتنا عند ما تمسكنا بها: هوية، وعزة، وعظمة، وارتقت بنا إلى سلالم المجد والخلود، وتلك التي عندما تركنا العمل بتعاليمها ومبادئها: هوينا إلى أحط درجات الانحطاط، وأدنى مستويات التسيب والاسفاف، وصرنا بعد أن كنا أمة حية، مهابة الجانب، يفتخر الغير بالاقتداء والاهتداء بها، صرنا أمة يطمع بها لضعفها، ويرثى لحالها من فقرها وجدبها، وليس هذا، الذي توخاه لنا الدين، ولا هو، الذي أراده لنا النبي - صلى الله عليه وآله -، ولنعم ما قال أحد الشعراء العرب، معللا سبب انهيارنا بعد ذاك العز التليد: محمد هل لهذا جئت تسعى * وهل لك ينتمي همل مشاع أإسلام وتغلبهم يهود * وآساد وتغلبهم ضباع شرعت لهم طريق الحق لكن * أضاعوا شرعك السامي فضاعوا فما أحرانا سيما ونحن في مثل هذا الدهر الذي ضاعت فيه كل القيم الانسانية، والمبادئ الأخلاقية، وعاد فيه الدين غريبا كما بدأ غريبا، وما أحوجنا إلى أن نخلد ذكرى أئمتنا وعلمائنا، وذلك من خلال إلزام أنفسنا باتباعهم، والانتهاج بمنهجهم، والاحتذاء بحذوهم، والأخذ من عظاتهم وسلوكهم بلسما لأمراضنا الاجتماعية التي جرتنا إلى هذه الهوة السحيقة، والأخذ بمثل هذه السير العطرة لهؤلاء العظماء، كي نخرج من هذا الواقع المعاب، إلى واقع مشرف، طافح بالعزة والكرامة، وأن نستعيد مجدنا الاسلامي التليد، بعد هذا الاعراض الطويل العتيد، ليعود لواء الاسلام المحمدي الاصيل عاليا " خفاقا " على العالم من جديد.. ومن أبرز هؤلاء العظام، الشخصية العلمية الفذة، صاحب المكانة المرموقة في افق العلم والعلماء، العلامة الحلي الشيخ الحسن بن يوسف بن علي بن

[ 11 ]

المطهر " قدس سره " ولادته ونشأته ذكر العلامة في الرياض أنه قال في أجوبة مسائل مهنأ بن سنان المدني الموسومة بالمسائل المهنائية: وأما مولد العبد، فالذي وجدته بخط والدي، ما صورته: ولد ولدي المبارك أبو منصور الحسن بن يوسف بن مطهر: ليلة الجمعة في الثلث الأخير من الليل 27 رمضان من سنة 648 ق. واشتباه سبع بتسع قريب فكانت ولادته في مدينة الحلة بجنوب العراق، البلدة المعروفة بطيب المناخ، ونقاء الجو، وجمال الطبيعة، وفي بيئة صالحة كريمة، عرفت بالنبوغ الذهني، والذكاء الفطري، وبعلو الرتبة، وسمو القدر، من أبوين كريمين: الشيخ الجليل والعالم النحرير سديد الدين، وعقيلته كريمة الشيخ أبي يحيى الحسن بن يحيى الحلي - صاحب كتاب " الجامع " واخت المحقق الحلي صاحب كتاب " الشرائع ". في مثل هذا البيت الشريف الممتلئ بالسؤدد والفضل، نشأ وترعرع تحت رعاية والده الشيخ، وخاله المحقق الذي كان له - هو الآخر - بمنزلة الأب الشفيق والوالد الرحيم، ونال العلامة من تربيته القسط الاوفر، وتلمذ عليه أكثر من غيره، ونهل من معينه الصافي الرقراق ما كان له زادا " نافعا " طيلة مدة حياة، سيما في الفقه والأصول، اللذين اشتهر فيهما أكثر من غيرهما، فنشأ التلميذ كما توخاه خاله الاستاذ، وتغلب على أقرانه المتتلمذين، وعرف بالنبوغ الفكري والاستعداد الذهني، والمستوى العلمي الرفيع وهو بعد لم يبلغ سن المراهقة، وانتقلت إليه الرئاسة الدينية، والريادة في التدريس والفتيا بعد وفاة أستاذه وخاله المحقق، فكان له النصيب الاوفر بعد ذلك في تطوير المناهج العلمية في الفقه والأصول،

[ 12 ]

وفي إلباس الفقه الامامي أقشب الحلل وأنيقها. لقد تألق ذكر العلامة في الافاق، وسطع نجمه، وتصدرت مكانته، وليس أدل على ذلك من الوقوف على سر تسميته وتلقيبه ب‍ " العلامة " واختصاصه به على الاطلاق، حتى عاد هذا اللقب المستعار اسما " له، يشخصه ويميزه من بقية الفطاحل من العلماء والفقهاء الذين تقدموا عليه وعاصروه فما يكاد يذكر هذا اللقب وهذا الاسم، إلا ويتبادر إلى الذهن شخصية عيلمنا المترجم له، والذي يبدو لنا في سر هذه التسمية واختصاصها به، أنه: حصل عليها عقب مناظرته المشهورة في مجلس السلطان الجايتو محمد خدابنده الذي تشيع بعدها على يديه (1)، حيث كشفت عن سعة فهمه، ووفور علمه، ودقة نظره، وحدة ذهنه، والتي منحت له في بداية الأمر على سبيل الارتجال، ثم لازمته بدافع الشهرة في نهاية المطاف (2). ففي عصره استبصر هذا السلطان، وتشيع، وضرب النقود باسم الأئمة في عام 708 ق فتخلصت الأمة الاسلامية من بدعة الخلافة التي قامت بموت النبي - صلى الله عليه وآله -، فانفصلت السلطة السياسية عن الامامة الروحية، وأعطيت بعض الحريات الدينية التي كان العباسيون يضنون بها فلو كان العباسيون قبل ذلك مقتنعين بالسلطة السياسية، وتاركين الامامة الروحية لاهلها، فلعله لم يحصل ما حصل من الدمار.. وفي عصره أرجعت إلى الحلة - وهي مدينة بابل - مكانتها العلمية القديمة، فصارت مركزا فلسفيا للشيعة، وازدهرت فيها مدارسهم بعد ما عانت من الاضطهاد

(1) قال في الرياض: رأيت في بعض تواريخ العامة ذكر هذه القصة - تشيع السلطان خدابنده - بهذه الصورة، قال: ومن سوانح سنة 707 ق إظهار خدابنده شعار التشيع بإضلال ابن المطهر
(2) مقدمة مبادئ الوصول، للأستاذ البقال، بتصرف.

[ 13 ]

مددا " طويلة، ومنها كانت تستقي مدرسته السيارة (1)، التي أسست في معسكر السلطان لتجوب البلاد الاسلامية لنشر العلم والفلسفة (2). وقد كان من تظلع العلامة في الميادين العلمية وتبحره بها أن برع في المعقول والمنقول منها، وحاز على قصب السبق وهو في ريعان شبابه ومقتبل عمره، على زملائه من العلماء والفحول، إذ قيل: إنه كان في عصره في الحلة: أربعمائة مجتهد (3). وقد ذكر العلامة نفسه في مقدمة كتابه " منتهى المطلب " أنه فرغ من تصنيفاته الحكمية والكلامية، وأخذ في تحرير الفقه قبل أن يكمل له 26 سنة. كما تقدم في فقه الشريعة وصنف فيه - كما سيمر عليك - المؤلفات المتنوعة والمختلفة من موسوعات ومطولات وشروح وإيضاحات ومختصرات ورسائل، كانت من الرفعة في المقام لدرجة أنها لا زالت تحتل الصدارة في مختلف المدارس العلمية، وشتى الميادين الثقافية، ولا زالت محط أنظار العارفين والعلماء، من عصره إلى اليوم، بحثا وتدريسا، وشرحا وتعليقا.. فهي تمثل عصارة النتاج الفكري المنبثق من ذلك العقل المبدع والفكر الوقاد، فكان - رحمه الله - حسنة من حسنات الدهر، وفلتة من فلتات الزمان، علما، وعملا، وزهدا، وخلقا، إذ جمع الله فيه ضروب الفضائل، فجدير بنا معاشر الشيعة الامامية أن نثمن هذه الشخصية كل الثمن، وأن نستلهم منها الدروس والعبر، ونأخذ منها ما يكون لنا زادا نافعا في حياتنا وفي مسيرنا إلى الله تعالى

(1) سيأتي ذكرها فيما بعد، وسبب تسميتها.
(2) طبقات أعلام الشيعة، ق 8 ص 53
(3) طبقات أعلام الشيعة، ق 8 ص 53.

[ 14 ]

نبذة تأريخية عن مدرسة الحلة برزت مدرسة الحلة الفقهية بعد احتلال بغداد على يد هولاكو التتار، فقد كانت مدرسة بغداد قبل الاحتلال، حافلة بالفقهاء والباحثين وحلقات الدراسة الواسعة، وكان النشاط الفكري فيما قبل الاحتلال على قدم وساق. وحينما احتلت بغداد من قبل المغول، أوفد أهل الحلة وفدا " إلى قيادة الجيش المغولي، يلتمسون الأمان لبلدهم، فاستجاب لهم هولاكو وآمنهم على بلدهم بعد أن اختبرهم على صدقهم (1). وبذلك ظلت الحلة مأمونة من النكبة، التي حلت بسائر البلاد في محنة الاحتلال المغولي، وأخذت - الحلة - تستقطب الشاردين من بغداد من الطلاب والأساتذة والفقهاء واجتمع في الحلة عدد كبير من الطلاب والعلماء، وانتقل معهم النشاط العلمي من بغداد إلى الحلة، واحتفلت هذه البلدة - وهي يومئذ من الحواضر الاسلامية الكبرى - بما كانت تحتفل به بغداد من وجوه النشاط الفكري: ندوات البحث والجدل، وحلقات الدراسة، والمكاتب، والمدارس، وغيرها. واستقرت المدرسة في الحلة، وظهر في هذا الدور في الحلة: فقهاء كبار، كان لهم الأثر الكبير في تطوير مناهج الفقه والأصول الامامي، وتجديد صياغة عملية الاجتهاد، وتنظيم أبواب الفقه كالمحقق الحلي، والعلامة، وولده فخر المحققين، وابن نما، وابن أبي الفوارس، والشهيد الأول، وابن طاوس، وغيرهم من فطاحل الاعلام ورجال الفكر.. ومهما يكن من أمر، فقد كانت (مدرسة الحلة) امتدادا لمدرسة بغداد،

(1) راجع سبب إعطاء الامان إليهم في الموضوع التالي.

[ 15 ]

وتطويرا لمناهجها وأساليبها، فبالرغم من الفتح الفقهي الكبير الذي قدر لمدرسة بغداد على يد شيخ الطائفة الطوسي، كانت المدرسة بداية لفتح جديد، ومرحلة جديدة الاستنباط لم تخل من بدائية. فقدر لمدرسة الحلة - نتيجة لممارسة هذا اللون الجديد من التفكير والاستنباط - أن تمسح عنها مظاهر البدائية، وأن تسوي من مسالكها، وأن توسع الطريق للسالكين، وتمهدها لهم. ولئن كان الشيخ الطوسي بلغ قمة الفكر الفقهي لمدرسة بغداد، فقد بلغ - من بعده - العلامة الحلي قمة الفكر الفقهي لمدرسة الحلة. ولولا جهود علماء هذا العصر، لظلت مدرسة بغداد على المستوى الذي خلفها الشيخ عليه من ورائه، ولما قطعت هذه المراحل الطويلة التي قطعتها فيما بعد على أيدي علماء كبار، أمثال: المحقق الحلي والعلامة والشهيد الأول وغيرهم (1). بين والده وهولاكو ومما يناسب المقام هنا بعد ذكر هذه النبذة التأريخية المختصرة عن مدرسة الحلة الفقهية، ما نقله العلامة نفسه في كتابه: " كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين - عليه السلام - " ص 28 في أخبار مغيبات أمير المؤمنين - عليه السلام - قال: ومن ذلك إخباره - عليه السلام - بعمارة بغداد، وملك بني العباس، وأحوالهم، وأخذ المغول الملك منهم، رواه والدي رحمه الله، وكان ذلك سبب سلامة أهل الكوفة والحلة والمشهدين الشريفين من القتل [ والفتك ]. لما وصل السلطان هولاكو إلى بغداد قبل أن يفتحها، هرب أكثر أهل الحلة

(1) ومن أراد التوسع، فليراجع تقديم العلامة الآصفي لكتاب اللمعة ج 1 ص 68 - 76.

[ 16 ]

إلى البطائح إلا القليل، فكان من جملة القليل والدي رحمه الله، والسيد مجد الدين ابن طاوس، والفقيه ابن أبي العز، فأجمع رأيهم على مكاتبة السلطان بأنهم مطيعون داخلون تحت الأيلية (1)، وأنفذوا به شخصا أعجميا، فأنفذ السلطان إليهم فرمانا (2) مع شخصين، أحدهما يقال له: نكله، والآخر: علاء الدين، وقال لهما: قولا لهم: إن كانت قلوبكم كما وردت به كتبكم، تحضرون إلينا. فجاء الأميران، فخافوا لعدم معرفتهم بما ينتهي الحال إليه، فقال والدي - رحمه الله -: إن جئت وحدي كفى؟ فقالا: نعم، فاصعد معهما، فلما حضر بين يديه وكان ذلك قبل فتح بغداد وقبل قتل الخليفة، قال له: كيف قدمتم على مكاتبتي والحضور عندي قبل أن تعلموا بما ينتهي إليه أمري وأمر صاحبكم؟ وكيف تأمنون إن يصالحني (3) ورحلت عنه؟ فقال والدي - رحمه الله -: إنما أقدمنا على ذلك، لأنا روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - أنه قال في خطبة الزوراء (4):.. وما أدراك ما الزوراء، أرض ذات أثل (5)، يشيد فيها البنيان وتكثر فيها السكان، ويكون فيها مهادم وخزان، يتخذها ولد العباس موطنا، ولزخرفهم مسكنا "، تكون لهم دار لهو ولعب، يكون بها الجور الجائر، والخوف المخيف، والائمة الفجرة، والأمراء الفسقة، والوزراء الخونة، تخدمهم أبناء فارس والروم، لا يأتمرون بمعروف إذا عرفوه، ولا يتناهون عن منكر إذا نكروه، تكفى الرجال منهم بالرجال، والنساء بالنساء، فعند ذلك: الغم العميم، والبكاء الطويل، والويل

(1) عنوان القيادة المغولية، إيل: قبيلة هولاكو.
(2) جمعها: فرامين، عهد السلطان للولاة، وهي فارسية الأصل، معربها: أمر.
(3) المقصود به الخليفة العباسي المستعصم الذي كان في بغداد.
(4) قال الفيروز آبادي: الزوراء: بغداد.
(5) شجر من فصيلة الطرفائيات، يكثر قرب المياه، أوراثه دقيقة وأزهاره عنقودية.

[ 17 ]

والعويل لأهل الزوراء من سطوات الترك، وهم صغار الحدق (1)، وجوههم كالمجان المطرقة (2)، لباسهم الحديد، جرد مرد (3)، يقدمهم ملك يأتي من حيث بدا ملكهم، جهوري الصوت، قوي الصولة، عالي الهمة، لا يمر بمدينة إلا فتحها، ولا ترفع عليه راية إلا نكسها، الويل الويل لمن ناوأه (4)، فلا يزال كذلك حتى يظفر (5). فلما وصف لنا ذلك ووجدنا الصفات فيكم، رجوناك فقصدناك، فطيب قلوبهم وكتب لهم فرمانا " باسم والدي - رحمه الله -، يطيب فيه قلوب أهل الحلة وأعمالها. فكان بفضل حزم وتدبير والد العلامة، سلامة مدينة الحلة الفيحاء، والكوفة الغراء والمشاهد المشرفة للائمة الطاهرين، بعيدة محفوظة عن فتك المغول ووحشيتهم، وإتماما لهذه البادرة العقلائية الخيرة من هذا الشيخ الجليل، كانت مبادرة السيد مجد الدين محمد بن الحسن بن موسى بن جعفر بن طاوس، حيث ألف كتابا " خاصا " أسماه: " البشارة " وأهداه إلى هولاكو، فكان من بركته أن رد - هولاكو - إليه شؤون النقابة في البلاد الفراتية، وأمر بسلامة المشهدين الشريفين للامامين الكاظمين الجوادين، ومدينتهم: الحلة الفيحاء. ومهما قيل عن هاتين المبادرتين الخيرتين من تفسير وتأويل، فإنهما كانتا مثمرتين بثمار مفيدة، منتهيتين بنتائج نافعة تركت آثارا طيبة إلى يومنا هذا، ولم يكن علماء الحلة ولا غيرهم من سائر علمائنا العظام من أولئك المساومين أو

إشارة منه عليه السلام إلى صغر عيونهم، الحدق: جمع حدقة، وهي: سواد العين الأعظم
(2) النعال التي الزق بها الطراق، وهو جلد يقور على مقدار الترس ثم يلزق به
(3) جرد: جمع أجرد وهو: الذي لا شعر في بدنه، ومرد: جمع أمرد وهو: الذي لا لحية له
(4) ناوأه: عاداه، عارضه
(5) نهج البلاغة، للدكتور صبحي الصالح، في وصف الأتراك، ص 186.

[ 18 ]

النازلين على حكم الأجنبي الغادر، خصوصا " إذا كان بهذه الدرجة من الوحشية الكاسرة، والبعد عن حمل المظاهر الانسانية. كل ما في الأمر أنهم أرادوا أن يطلبوا الأمان لانفسهم، ويكونوا بعيدين عن الفتك والسفك، حفظا لحرمهم، وحقنا لدمائهم، وصونا لمقدساتهم عن التعرض والانتهاك. مشايخه في القراءة والرواية درس العلامة الحلي - رحمه الله - على جمهور كثير من الفقهاء والأعلام المبرزين في عصره - عامة وخاصة - وإليك أسماءهم شيعة فسنة: 1 - خاله الاكرم وأستاذه الأعظم، رئيس العلماء والمحقق على الاطلاق، فقيه مدرسة آل محمد - صلى الله عليه وآله -: الشيخ نجم الدين أبو القاسم جعفر بن سعيد الهذلي الحلي - صاحب الشرائع والمختصر النافع والنكت - الرائد الأول لمدرسة الحلة الفقهية، ومن أعاظم فقهاء الامامية، توفي سنة 676 ق. درس عليه العلوم الفقهية والأصولية والعربية خاصة. وصفه تلميذه ابن داود قائلا ": الامام العلامة واحد عصره، كان ألسن أهل زمانه، وأقومهم بالحجة، وأسرعهم استحضارا (1).
2 - والده الاجل والشيخ الاكمل، الفقيه، المتكلم، الأصولي: سديد الدين يوسف ابن زين الدين علي بن المطهر الحلي.
3 - أستاذه، سلطان المحققين: الخواجة نصير الدين محمد بن الحسن الطوسي، درس عليه الفلسفة والكلام والهيئة والرياضيات، كما أشار العلامة نفسه إلى أنه قرأ عليه: " إلهيات الشفاء، لابن سينا " وكتاب " التذكرة في الهيئة،

(1) الكنى والألقاب ج 3 ص 134.

[ 19 ]

للطوسي " وغيرهما.
4 - الشيخ الجليل: مفيد الدين محمد بن علي بن محمد بن جهم الحلي الأسدي.
5 - الحكيم المتأله: كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني، صاحب الشروح الثلاثة على نهج البلاغة.
6 - الشيخ نجيب الدين أبو زكريا يحيى بن أحمد بن يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلي الحلي - صاحب كتاب: نزهة الناظر، وجامع الشرائع - ابن عم المحقق الحلي.
7 - العالم النحرير: الحسن بن الشيخ كمال الدين علي بن سليمان البحراني 8 - السيد الجليل: رضي الدين علي بن موسى بن طاوس.
9 - جمال الدين أبو الفضائل والمناقب: السيد أحمد بن موسى بن جعفر بن طاوس.
10 - نجم الملة والدين: جعفر بن نجيب الدين محمد بن جعفر بن أبي البقاء هبة الله بن نما الحلي الربعي، المتوفى سنة 645 - صاحب كتاب: أخذ الثار، ومثير الأحزان.
11 - الشيخ الأعظم: بهاء الدين علي بن عيسى الأربلي - صاحب كتاب: كشف الغمة.
12 - السيد عبد الكريم بن طاوس - صاحب كتاب: فرحة الغري. كما درس القرآن الكريم وتعلم علومه وأتقن فنونه على أستاذه الخاص (محرم) الذي كان والده قد عينه له. كان هؤلاء شيوخه من الامامية، أما شيوخه من العامة الذين درس عليهم: 1 - نجم الدين علي بن عمر الكاتبي القزويني الشافعي المعروف بدبيران

[ 20 ]

المنطقي، تلميذ المحقق الطوسي، صاحب كتاب: متن الشمسية في المنطق، والتصانيف، الكثيرة، كان من أفضل علماء الشافعية وأعلم أهل زمنه بالمنطق والهندسة وآلات الرصد، وكان عارفا " بالحكمة، كما عن إجازة العلامة لبني زهرة.
2 - الشيخ برهان الدين النسفي.
3 - الشيخ جمال الدين حسين بن آبان النحوي 4 - الشيخ عز الدين الفاروقي الواسطي، وهو من كبار فقهاء العامة.
5 - الشيخ تقي الدين عبد الله بن جعفر بن علي الصباغ الحنفي الكوفي.
6 - شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد الكشي - المتكلم الفقيه - ابن أخت قطب الدين العلامة الشيرازي 7 - رضي الدين الحسن بن علي الصنعاني الحنفي، فإن العلامة قد روى عنه 8 - عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي، المتوفى سنة 655 ق، صاحب الموسوعة الغراء: شرح نهج البلاغة للامام أمير المؤمنين - عليه السلام. تلاميذه في القراءة والرواية لقد فاز العلامة الحلي بالمقام الرفيع والمثوبة العظيمة، بتربية نخبة من أعاظم الفقهاء والعلماء على يديه، كانوا بعد ذلك مشاعل نيرة وأعلاما خيرة في سبيل إحياء تراث الأئمة الخالد الذي يمثل عظمة رواد مدرسة أهل البيت - عليهم السلام -، فمن هؤلاء التلاميذ العظام: 1 - ولده الصالح، أجل الفقهاء وأعظم الأساتيذ، المحقق البحاثة، فخر المحققين أبو طالب محمد - الذي خصه العلامة بتأليف الكثير من كتبه لأجله، كما خصه بالوصية الغراء التي أوردها في آخر كتابه القواعد (1)، أمره فيها بإتمام

(1) سنذكرها كاملة فيما بعد.

[ 21 ]

ما بقي ناقصا " من كتبه بعد وفاته، وإصلاح ما وجد فيها من الخلل، وهي تتضمن أنبل المواعظ الأخلاقية، وأسمى النصائح الربانية - المتولد في ليلة الإثنين 20 جمادى الأولى سنة 628 ق والمتوفى ليلة الجمعة 25 جمادى الاخرة سنة 771 ق.
2 - ابنا أخته السيدان الجليلان والحسينيان الأعرجيان: عميد الدين عبد المطلب والسيد ضياء الدين عبد الله، ابنا السيد مجد الدين أبي الفوارس محمد الحسيني. ولهما أعقاب علماء أجلاء، كما وأن لفخر المحققين (ولد العلامة) ولدين عالمين هما: ظهير الدين محمد، وأبو المظفر يحيى. 3 - الشيخ تقي الدين إبراهيم بن محمد البصري، كتب العلامة: مبادئ الوصول إلى علم الأصول، بطلب منه.
4 - الشيخ محمد بن علي بن محمد الجرجاني الغروي، شرح كتاب أستاذه: مبادئ الوصول وأسماه: غاية البادئ في شرح المبادئ.
5 - الشيخ تقي الدين إبراهيم بن الحسين بن علي الآملي.
6 - رضي الدين أبو الحسن علي بن جمال الدين أحمد بن يحيى المزيدي، المتوفى سنة 757 ق.
7 - الشيخ علي بن الحسن الامامي، وقد شرح من تأليفات أستاذه العلامة كتاب: مبادئ الوصول وأسماه: خلاصة الأصول.
8 - الشيخ الفقيه زين الملة والدين أبو الحسن علي بن أحمد بن طراد المطار آبادي المتوفى سنة 762 ق.
9 - السيد بدر الدين محمد، أخو علاء الدين - التالي ذكره.
10 - السيد علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن الحسن بن زهرة الحسني الحلي، وهو الذي كتب العلامة له ولولده ولأخيه الاجازة الكبيرة لأبناء زهرة.

[ 22 ]

11 - السيد شرف الدين أبو عبد الله الحسين بن علاء الدين - المتقدم ذكره - وهم من أبناء زهرة.
12 - السيد الجليل مهنأ بن سنان بن عبد الوهاب المدني الحسيني، صاحب الجوابات الأولى والثانية.
13 - السيد العالم النحرير: أحمد بن أبي إبراهيم محمد بن الحسن بن زهرة الحسني الحلبي.
14 - السيد النقيب تاج الدين أبو عبد الله محمد بن القاسم بن الحسين بن معية الحلي الحسني.
15 - الشيخ العالم: الحسن بن الحسين بن الحسن السرابشنوي (نزيل قاسان).
16 - الشيخ الحكيم المتأله: قطب الدين أبو جعفر محمد بن محمد الرازي البويهي، صاحب شرح الشمسية والمطالع.
17 - الشيخ الحسن بن الحسين بن الحسن بن معانق (1). 18 - السيد أحمد العريضي (2). ذكره صاحب الرياض طرفه إلى كتب الاحاديث قال في آخر الخلاصة: لنا طرق متعددة إلى الشيخ السعيد أبي جعفر الطوسي - رحمه الله - وكذا إلى الشيخ الصدوق أبي جعفر بن بابويه، وكذا إلى الشيخين أبي عمرو الكشي وأحمد

(1) ذكره صاحب " رياض العلماء " وقال: رأيت نسخة من الخلاصة للعلامة مكتوبة بخط هذا الشيخ، وكان تأريخ كتابتها سنة 707 ق، أي في في حياة أستاذه المترجم له.
(2) أعرضنا عن ذكر المصادر في الأسماء خوف السأم والملل، ومن أراد الاطلاع، فليراجع المدخل من موسوعة البحار للعلامة المجلسي ص 246 من الطبعة الجديدة.

[ 23 ]

أبي العباس النجاشي. ونحن نثبت هاهنا منها ما يتفق، وكلها صحيحة، فالذي إلى الشيخ الطوسي - رحمه الله - فإنا نروي جميع رواياته ومصنفاته وإجازاته عن والدي الشيخ يوسف بن علي بن مطهر - رحمه الله - عن الشيخ يحيى بن محمد بن يحيى بن الفرج السوراوي، عن الفقيه الحسن بن هبة الله بن رطبة، عن المفيد أبي علي الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي، عن والده الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي. وعن والدي عن السيد أحمد بن يوسف بن أحمد العريضي العلوي الحسيني، عن برهان الدين محمد بن محمد بن علي الحمداني القزويني - نزيل الري - عن السيد فضل الله أبي علي الحسيني الراوندي، عن عماد الدين أبي الصمصام ذي الفقار بن معبد الحسيني، عن الشيخ أبي جعفر الطوسي. وعن والدي أبي المظفر يوسف بن مطهر - رحمه الله - عن السيد فخار بن معد بن فخار العلوي الموسوي، عن الشيخ شاذان بن جبرئيل القمي، عن الشيخ أبي القاسم العماد الطبري، عن المفيد أبي علي الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي، عن الشيخ والده أبي جعفر الطوسي. والذي لي إلى الشيخ أبي جعفر بن بابويه، فإنا نروي جميع مصنفاته وإجازته عن والدي - رحمه الله - عن السيد أحمد بن يوسف بن أحمد بن العريضي الحسيني، عن البرهان محمد بن محمد بن علي الحمداني القزويني، عن السيد فضل الله بن علي الحسيني الراوندي، عن العماد أبي الصمصام بن معبد الحسيني، عن الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه - رحمه الله. وبهذا الاسناد عن أبي الصمصام عن النجاشي بكتابه عن الشيخ أبي جعفر الطوسي - رحمه الله. وبالاسناد عن أبي هارون بن موسى التلعكبري - رحمه الله - عن أبي عمرو

[ 24 ]

محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي - رحمه الله - بكتابه، وقد اقتصرت من الروايات إلى هؤلاء المشايخ بما ذكرت، والباقي من الروايات إلى هؤلاء المشايخ وإلى غيرهم مذكور في كتابنا الكبير، من أراده، وقف عليه هناك. تقسيمه الحديث إلى أقسامه المشهورة قال المحقق الكبير السيد محسن الامين العاملي: اعلم أن تقسيم الحديث إلى أقسامه المشهورة، كان أصله من غيرنا ولم يكن معروفا " بين قدماء علمائنا، وإنما كانوا يردون الحديث بضعف السند، ويقبلون ما صح سنده، وقد يردونه لامور أخر، وقد يقبلون ما لم يصح سنده، لاعتضاده بقرائن الصحة أو غير ذلك، ولم يكن معروفا " بينهم الاصطلاح المعروف في أقسام الحديث اليوم، وأول من استعمل ذلك الاصطلاح: العلامة الحلي، فقسم الحديث إلى: الصحيح، والحسن، والموثق، والضعيف، والمرسل، وغير ذلك. وتبعه من بعده إلى اليوم. وعاب عليه وعلى سائر المجتهدين ذلك الاخباريون، لزعمهم أن جميع ما في كتب الأخبار صحيح، من أن نفس أصحاب الكتب الأربعة قد يردون الرواية بضعف السند. وبالغ بعض متعصبة الاخبارية فقال: هدم الدين مرتين، ثانيتهما: يوم أحدث الاصطلاح الجديد في الأخبار. وربما نقل عن بعضهم جعل الثانية: يوم ولد العلامة الحلي. وهذا كله جهل فاضح ساعد عليه: تسويل إبليس، وضعف التقوى، فأصحابنا لم يريدوا أن يكونوا محرومين من فائدة تقسيم الحديث إلى أقسامه، ولا أن يمتاز غيرهم بشئ عنهم، فقسموا الحديث إلى أقسامه المشهورة، وتركوا للمجتهد الخيار فيما يختاره منها أن يكون مقبولا عنده، فمن عابها بذلك فهو

[ 25 ]

أولى بالعيب والذم (1). أقوال علماء الشيعة فيه قال معاصره ابن داود في رجاله: شيخ الطائفة وعلامة وقته، صاحب التحقيق والتدقيق، كثير التصانيف، انتهت رئاسة الامامية إليه في المعقول والمنقول وأثنى عليه البحاثة الرجالي الميرزا عبد الله الاصفهاني في المجلد الثاني من رياض العلماء، قائلا: الامام الهمام، العالم العامل، الفاضل، الكامل، الشاعر، الماهر، علامة الاطلاق، والموصوف بغاية العلم، ونهاية الفهم، والكمال في الافاق، كان ابن أخت المحقق، وكان - رحمه الله - آية لأهل الارض، وله حقوق عظيمة على زمرة الامامية والطائفة الحقة الاثنى عشرية، لسانا وبيانا وتدريسا، وتأليفا. وقد كان - رضي الله عنه - جامعا لأنواع العلوم، مصنفا في أقسامها، حكيما، متكلما، فقيها، محدثا، أصوليا، أديبا، شاعرا ماهرا، وقد رأيت أشعاره ببلدة أردبيل، وهي تدل على جودة طبعه في أنواع النظم أيضا "، وكان وافر التصانيف، متكاثر التآليف، أخذ واستفاد عن جم غفير من علماء عصره من العامة والخاصة، وأفاد على جمع غفير من فضلاء دهره من الخاصة، بل من العامة.. وكان من أزهد الناس وأتقاهم، ومن زهده: ما حكاه السيد حسين المجتهد في رسالة النفحات القدسية أنه - قدس سره - أوصى بجميع صلواته وصيامه مدة عمره، وبالحج عنه مع أنه كان قد حج.

(1) أعيان الشيعة ج 5 ص 401.

[ 26 ]

وأطراه العلامة المجلسي قائلا ": الشيخ الاجل الأعظم، فريد عصره ووحيد دهره، بحر العلوم والفضائل، ومنبع الأسرار والدقائق، مجدد المذهب ومحييه، وماحي أعلام الغواية ومفنيه، الامام العلامة الأوحد، آية الله المطلق جمال الدين. كان من فطاحل علماء الشريعة، وأعاظم فقهاء الجعفرية، جامعا لشتى العلوم، حاويا مختلفات الفنون، مكثرا للتصانيف ومجودا فيها، استفادت الأمة جمعاء من تصانيفه القيمة منذ تأليفها، وتمتعوا من أنظاره الثاقبة طيلة حياته وبعد مماته، له ترجمة ضافية في كتب التراجم وغيرها، تعرب عن تقدمه في العلوم وتضلعه فيها، وتنم عن مراتبه السامية في العلم والعمل، وقوة عارضته في الظهور على الخصم، وذبه عن حوزة الشريعة، ونصرته للمذهب وقال العلامة الفقيه الشيخ أسد الله التستري الكاظمي في كتاب المقابس: الشيخ الاجل الأعظم، بحر العلوم والفضائل والحكم، حافظ ناموس الهداية، كاسر ناقوس الغواية، حامي بيضة الدين، ماحي آثار المفسدين، الذي هو بين علمائنا الاصفياء كالبدر بين النجوم، وعلى المعاندين الاشقياء أشد من عذاب السموم، وأحد من الصارم المسموم، صاحب المقالات الفاخرة، والكرامات الباهرة، والعبارات الزاهرة، والسعادات الظاهرة، لسان الفقهاء والمتكلمين والمحدثين والمفسرين، ترجمان الحكماء والعارفين، والسالكين والمتبحرين الناطقين، مشكاة الحق المبين، الكاشف عن أسرار الدين المتين، آية الله التامة العامة، وحجة الخاصة على العامة، علامة المشارق والمغارب، وشمس سماء المفاخر والمناقب والمكارم والمآرب.. وامتدحه العلامة النوري بعد أن بالغ في مدحه وثنائه قائلا: ولاية الله العلامة بعد ذلك من المناقب والفضائل مالا يحصى، أما درجاته في العلوم ومؤلفاته فيها: فقد ملات الصحف، وضاق عنها الدفتر، وكلما اتعب نفسي

[ 27 ]

فحالي كناقل التمر إلى هجر، فالأولى - تبعا " لجمع من الاعلام - الاعراض عن هذا المقام. وأثنى عليه صاحب المجالس قائلا: العلامة جمال الدين حسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي، حامي بيضة الدين، وماحي آثار المفسدين، وناشر ناموس الهداية، وكاسر ناقوس الغواية، متمم العقلية، وحاوي أساليب الفنون النقلية، محيط دائرة الدرس والفتوى، مركز دائرة الشرع والتقوى، مجدد مآثر الشريعة المصطفوية، ومحدد جهات الطريقة المرتضوية.. وقال الشيخ عباس القمي في السفينة: العلامة: هو الشيخ الاجل الأعظم، بحر العلوم والفضائل والحكم، حامي بيضة الدين، ماحي آثار المفسدين، لسان الفقهاء والمتكلمين والمحدثين المفسرين، ترجمان الحكماء والعارفين والسالكين المتبحرين، الناطق عن مشكاة الحق المبين، الكاشف عن أسرار الدين المتين، علامة المشارق والمغارب، وشمس سماء المفاخر والمناقب، آية الله الشيخ.. أفاض الله على تربته شآبيب الرحمة والرضوان، وأسكنه أعلى غرف الجنان، محقق، مدقق، عظيم الشأن، لا نظير له في الفنون والعلوم العقليات والنقليات. وقال السيد بحر العلوم في فوائده الرجالية: علامة العالم، وفخر نوع بني آدم، أعظم العلماء شأنا "، وأعلاهم برهانا "، سحاب الفضل الهاطل، وبحر العلوم الذي ليس له ساحل، جمع من العلوم ما تفرق في جميع الناس، وأحاط من الفنون بما لا يحيط به القياس، مروج المذهب والشريعة في المائة السابعة، ورئيس علماء الشيعة من غير مدافعة، صنف في كل علم كتبا "، وآتاه الله من كل شئ سببا،.. إلى أن قال: إنه مع ذلك كان شديد التورع، كثير التواضع، خصوصا " مع الذرية الطاهرة النبوية، والعصابة

[ 28 ]

العلوية، كما يظهر من المسائل المدنية وغيرها. وقد سمعت من مشايخنا - رضوان الله عليهم - أنه: كان يقضي صلاته إذا تبدل رأيه في بعض ما يتعلق بها من المسائل، حذرا " من احتمال التقصير في الاجتهاد، وهذا غاية الاحتياط، ومنتهى الورع والسداد، وليت شعري كيف كان يجمع بين هذه الاشياء التي لا يتيسر القيام ببعضها لأقوى العلماء والعباد، ولكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وفي مثله يصح قول القائل: ليس على الله بمستبعد * أن يجمع العالم في واحد وقال السماهيجي في إجازته: إن هذا الشيخ رحمه الله، بلغ في الاشتهار بين الطائفة، بل العامة شهرة الشمس في رائعة النهار، وكان فقيها، متكلما، حكيما، منطقيا، هندسيا، رياضيا، جامعا لجميع الفنون، متبحرا في كل العلوم من المعقول والمنقول، ثقة إماما في الفقه والأصول، وقد ملأ الافاق بتصنيفه، وعطر الاكوان بتأليفه مصنفاته، وكان أصوليا بحتا، ومجتهدا صرفا. وقال المولى الرجالي الجليل الشيخ عبد النبي بن علي الكاظمي - قدس سره - في كتابه الرجال - - الذي هو تعليقة على كتاب: نقد الرجال للتفرشي: الحسن بن يوسف بن المطهر، هذا الرجل اتفق علماء الاسلام على وفور علمه في جميع الفنون وسرعة التصنيف، وبالغوا فيه وفي وثاقته. وقال فقيه الشيعة الشيخ يوسف البحراني في لؤلؤة البحرين: وكان هذا الشيخ وحيد عصره، وفريد دهره، الذي لم تكتحل حدقة الزمان له بمثيل ولا نظير، كما لا يخفى على من أحاط خبرا " بما بلغ إليه من عظم الشأن في هذه الطائفة ولا ينبؤك مثل خبير. وأطراه الشيخ الحر في تذكرة المتبحرين قائلا ": فاضل، عالم علامة العلماء، محقق، مدقق، ثقة، ثقة، فقيه، محدث،

[ 29 ]

متكلم، ماهر، جليل القدر، عظيم الشأن، رفيع المنزلة، لا نظير له في الفنون والعلوم العقليات والنقليات، وفضائله ومحاسنه أكثر من أن تحصى وامتدحه المولى نظام الدين في نظام الأقوال بقوله: شيخ الطائفة وعلامة وقته، صاحب التحقيق والتدقيق، وكل من تأخر عنه استفاد منه، وفضله أشهر من أن يوصف وقال الشيخ البهائي في إجازته لصفي الدين محمد القمي: العلامة آية الله في العالمين، جمال الحق والملة والدين. وذكره الفاضل التفرشي في نقد الرجال قائلا: ويخطر ببالي أن لا أصفه، إذ لا يسع كتابي هذا ذكر علومه وتصانيفه، وفضائله ومحامده، وأن كل ما يوصف به الناس من جميل وفضل فهو فوقه، له أكثر من سبعين كتابا في الأصول والفروع والطبيعي والإلهي وغيرها. وأطراه علي بن هلال في إجازته للمحقق الكركي، بقوله: الشيخ الامام الأعظم المولى الاكمل الافضل الاعلم جمال الملة والحق والدين. وفي إجازة المحقق الكركي لسمية الميسي: شيخنا الامام، شيخ الاسلام، مفتي الفرق، بحر العلوم، أوحد الدهر، شيخ الشيعة بلا مدافع، جمال الملة والحق والدين. وفي إجازته للمولى حسين بن شمس الدين محمد الاسترآبادي، قال: الامام السعيد، أستاذ الكل في الكل، شيخ العلماء والراسخين، سلطان الفضلاء، المحققين، جمال الملة والحق والدين. وقال الشهيد الأول في إجازته لابن الخازن: الامام الأعظم الحجة، أفضل المجتهدين: جمال الدين. وأثنى عليه الشهيد الثاني في إجازته للسيد علي بن الصائغ، قائلا:

[ 30 ]

شيخ الاسلام ومفتي فرق الانام، الفاروق للحق بالحق، جمال الاسلام والمسلمين، ولسان الحكماء والفقهاء والمتكلمين، جمال الدين.. وقال شرف الدين الشولستاني في إجازته للعلامة المجلسي الأول: الشيخ الاكمل العلامة آية الله في العالمين، جمال الملة والحق والدين وامتدحه ابن أبي جمهور الاحسائي في إجازته للشيخ محمد بن صالح الحلي، قائلا: شيخنا وإمامنا، ورئيس جميع علمائنا، العلامة الفهامة، شيخ مشايخ الاسلام والفارق بفتاويه بين الحلال والحرام، والمسلم له الرئاسة في جميع فرق الاسلام. وقال السيد حسن الصدر في كتابه تأسيس الشيعة لفنون الاسلام: لم يتفق في الدنيا مثله، لا في المتقدمين ولا في المتأخرين، وخرج من عالي مجلس تدريسه: خمسمائة مجتهد.. كان اسما " طابق المسمى، ووصفا " طابق المعنى، وهو بحر العلوم على التحقيق، والمحقق في كل معنى دقيق، أستاذ الكل في الكل بلا تأمل. وقال العلامة الشهيد مرتضى المطهري: كان من أعاجيب الرجال الأفذاذ، كتب في الفقه والأصول والكلام والمنطق والفلسفة والرجال وغيرها، يوجد الان من كتبه مات يقرب من مائة كتاب مطبوع أو مخطوط، يكفي بعضها كتذكرة الفقهاء، ليكون مرآة لنبوغ هذه الشخصية الفقهية.. إلى غير ذلك من كلمات وأقوال الفطاحل من الفقهاء، ومؤلفي معاجم التراجم في حق هذا العبقري، الذي عقمت أعصار الدهر أن تلد مثله، فكان مثال قول القائل: هيهات أن يأتي الزمان بمثله * إن الزمان لمثله لعقيم

[ 31 ]

أقوال علماء السنة فيه قال ابن حجر في لسان الميزان ج 2 ص 317: الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي، عالم الشيعة ومصنفهم، وكان آية في الذكاء، شرح مختصر ابن الحاجب شرحا جيدا سهل المأخذ غاية في الايضاح، واشتهرت تصانيفه في حياته، وهو الذي رد عليه الشيخ تقي الدين ابن تيمية في كتابه المعروف بالرد على الرافضي. وكان ابن المطهر مشهر الذكر وحسن الأخلاق، ولما بلغه بعض كتاب ابن تيمية، قال: لو كان يفهم ما أقول أجبته (1). وقال أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي الاتابكي في كتابه النجوم الزاهرة الجزء التاسع ص 267:.. فيها توفي شيخ الرافضة، جمال الدين الحسين بن يوسف بن المطهر الحلي المعتزلي، شارح كتاب: " مختصر ابن الحاجب " في المحرم. كان عالما " بالمعقولات، وكان رضي الخلق، حليما، وله وجاهة عند خربندا - ملك التتار - وله عدة مصنفات، غير أنه كان رافضيا " خبيثا " على مذهب القوم، ولابن تيمية عليه رد في أربعة مجلدات، وكان يسميه ابن المنجس، يعني عكس شهرته كونه كان يعرف بابن المطهر. وقال خير الدين الزركلي في أعلامه ج 2 ص 244: الحسن، ويقال: الحسين بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي، جمال الدين، ويعرف بالعلامة: من أئمة الشيعة، وأحد كبار العلماء. نسبته إلى الحلة (في العراق) وكان من سكانها، مولده ووفاته فيها، له كتب كثيرة، منها.. ثم عد كتبه

(1) هذه العبارة هي صدر بيت من الشعر.

[ 32 ]

قال العلم النسابة السيد شهاب الدين المرعشي النجفي: رأيت بخط بعض العلماء الشوافع في مجموعه وقد أطرى في الثناء على المترجم: وأنه فاق علماء الاسلام في عصره في بابي القضاء والفرائض، لم ير له مثيل، ونقل عنه مسائل عويصة ومعاضل مشكلة في هذين البابين. وقال ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة ج 2 ص 71: الحسن بن يوسف بن مطهر الحلي، جمال الدين الشهير بابن المطهر الأسدي - يأتي في الحسين - ثم قال هناك: الحسين بن يوسف بن المطهر الحلي المعتزلي، جمال الدين الشيعي.. ولازم النصير الطوسي مدة، واشتغل في العلوم العقلية، فمهر فيها، وصنف في الأصول والحكمة، وكان صاحب أموال وغلمان وحفدة، وكان رأس الشيعة بالحلة، واشتهرت تصانيفه، وتخرج به جماعة، وشرحه على مختصر ابن الحاجب في غاية الحسن في حل ألفاظه وتقريب معانيه في فقه الامامية، وكان قيما " بذلك داعيا " إليه، وله كتاب في الامامة رد عليه فيه ابن تيمية بالكتاب المشهور، وقد أطنب فيه وسهب وأجاد في الرد، إلا أنه تحامل في مواضع عديدة ورد أحاديث موجودة وإن كانت ضعيفة بأنها مختلقة، وإياه عني الشيخ تقي الدين السبكي بقوله: وابن المطهر لم تطهر خلائقه * داع إلى الرفض غال في تعصبه ولابن تيمية رد عليه به * أجاد في الرد واستيفاء أضربه قال: وله كتاب الاسرار الخفية في العلوم العقلية، وبلغت تصانيفه، مائة وعشرين مجلدة فيما يقال، ولما وصل إليه كتاب ابن تيمية في الرد عليه، كتب أبياتا أولها: لو كنت تعلم كل ما علم الورى * طرا لصرت صديق كل العالم لكن جهلت فقلت إن جميع من * يهوى خلاف هواك ليس بعالم قال: وقد أجابه الشمس الموصلي على لسان ابن تيمية، ويقال: إنه تقدم

[ 33 ]

في دولة خربندا وكثرت أمواله وكان مع ذلك في غاية الشح، وحج في أواخر عمره وتخرج به جماعة في عدة فنون. وللعلامة الحجة السيد محسن الامين تعليق على هذا، نورده هنا إتماما " للفائدة، ودحضا لشبه المبطلين، قال: وفي كلام ابن حجر هذا مواقع للنظر وأمور محتاجة للشرح والاكمال، فهو قد أنصف بعض الانصاف في قوله: إن ابن تيمية تحامل في مواضع عديدة ورد أحاديث موجودة بأنها مختلقة، لكنه ما أنصف في قوله: إنها ضعيفة. فإن فيها: المتواتر، والمستفيض، وما روته الثقاة، وأودعته في كتبها الرواة. والصواب: أن ابن تيمية بلغ به التحامل إلى إنكار متواتر الأخبار ومسلمات التأريخ. وقد خطر بالبال عند قراءة أبيات السبكي - التي نقلها - هذه الأبيات: لا تتبع كل من أبدى تعصبه * لرأيه نصرة منه لمذهبه بالرفض يرمى ولي الطهر حيدرة * وذاك يعرب عن أقصى تنصبه كن دائما لدليل الحق متبعا " * لا للذي قاله الآباء وانتبه وابن المطهر وافى بالدليل فإن * أردت إدراك عين الحق فأت به إن السباب سلاح العاجزين وباك * برهان إن كان يبدو كل مشتبه والشتم لا يلحق المشتوم تبعته * لكنه عائد في وجه صاحبه وابن المطهر قد طابت خلائقه * داع إلى الحق خال من تعصبه ولابن تيمية رد عليه وما * أجاد في رده في كل أضربه حسب ابن تيمية ما كان قبل جرى * له وعاينه من أهل مذهبه في مصر أو في دمشق وهو بعد قضى * في السجن مما رأوه من مصائبه مجسم وتعالى الله خالقنا * عن أن يكون له بالجسم من شبه بذاك صرح يوما " فوق منبره * بالشام حسبك هذا من معائبه الله ينزل من فوق السماء كما * نزلت عن منبري ذا من عجائبه

[ 34 ]

قد شاهد ابن جبير ذاك منه على * مسامع الخلق أقصاه وأقربه والأبيات التي أرسلها العلامة إلى ابن تيمية وجوابها الذي أجاب به الشمس الموصلي، قد نقلها ابن عراق في تذكرته فيما حكاه عنه صاحب مجالس المؤمنين، فقال: قال الشيخ نور الدين علي بن عراق المصري في تذكرته: إن الشيخ تقي الدين بن تيمية كان معاصرا " للشيخ جمال الدين ويتكلم على الشيخ جمال الدين في غيابه، فكتب إليه الشيخ جمال الدين: لو كنت تعلم كلما علم الورى * طرا " لصرت صديق كل العالم لكن جهلت فقلت إن جميع من * يهوى خلاف هواك ليس بعالم. فكتب الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن عبد الكريم الموصلي في جوابه هذين البيتين: يا من يموه في السؤال مسفسطا * إن الذي ألزمت ليس بلازم هذا رسول الله يعلم كلما * علموا وقد عاداه جل العالم قال السيد الامين: السفسطة، هي من الشمس الموصلي، فالعلامة الحلي يقول: إن ردك علي لجهلك بما أقول وعدم فهمك إياه على حقيقته، فلو علمت كل ما علم الورى ووصل إليه علمهم من الحق، لكنت تذعن لهم ولا تعاديهم، لكنك جهلت حقيقة ما قالوا فنسبت من لا يهوى هواك منهم إلى الجهل فهو نظير قول القائل: لو كنت تعلم ما أقول عذرتني * أو كنت أعلم ما تقول عذلتكا لكن جهلت مقالتي فعذلتني * وعلمت أنك جاهل فعذرتكا فأين هذا من نقضه السوفسطائي بأن رسول الله - صلى الله عليه وآله - يعلم كلما يعلمه الناس وقد عاداه جل الناس. ولما اطلعت على بيتي الموصلي خطر بالبال هذان البيتان: أحسنت في التشبيه كل معاند * لولي آل المصطفى ومقاوم

[ 35 ]

مثل المعاند للنبي محمد * والحق متضح لكل العالم أما نسبته إلى غاية الشح: فلا تكاد تصح ولا تصدق في عالم فقه عظيم عرف مذام الشح وقبحه. فهو إن لم يكن سخيا " بطبعه فلا بد أن يتسخى بسبب علمه، مع أننا لم نجد ناقلا نقلها غيره، وليس الباعث على هذه النسبة إلا عدم ما يعاب به في علمه وفضله وورعه وتقواه فعدل إلى العيب بالشح الذي لم تجر عادة بذكره في صفة العلماء، بل ولا بذكر الكرم والسخاء غالبا " (1)... وقد ذكر العلامة كثير من علماء أهل السنة في غير هذه الكتب، لم نثبت ما قالوا به، لعدم وجودها في مكتبتنا، ومن أحب الاستزادة، فليرجع إلى: فهرس دار الكتب ج 1 ص 567، والفهرس التمهيدي ص 170 و 268 و 331، وابن الوردي ج 2 ص 279، وقال فيه: من غلاة الشيعة، والمنهل الصافي، وغيرها. مؤلفاته وآثاره العلمية. لقد برع العلامة في علم الفقه وأصوله وألف فيهما المؤلفات المتنوعة من مطولات ومتوسطات ومختصرات، كانت كلها محط أنظار العلماء في البحث والتدريس والتحقيق.. كما برع في الحكمة العقلية حتى أنه باحث الحكماء السابقين في تأليفاته وأورد عليهم الاشكالات فيه، وحاكم بين شراح الاشارات لابن سينا، وناقش أستاذه: إمام الكلام الخواجة نصير الدين الطوسي، حتى أنه لما سئل بعد عودته من زيارته لمدينة الحلة عما شاهده فيها قال: رأيت خريتا ماهرا، وعالما إذا جاهد فاق. عني بالخريت الماهر: المحقق الحلي، وبالعالم: عيلمنا المترجم له، وجاء في ركاب الخواجة نصير الدين من الحلة إلى بغداد فسأله في الطريق عن اثنتي عشرة مسألة من مشكلات العلوم، إحدادها: انتقاض حدود

(1) أعيان الشيعة ج 5 ص 398.

[ 36 ]

الدلالات بعضها بعض. وباحث الفيلسوف الاسلامي الكبير ابن سينا وخطأه، وكتب في علم أصول الدين وفن المناظرة والجدل وعلم الكلام من الطبيعيات والالهيات والحكمة العقلية ومباحثة ابن سينا، وألف في الرد على الخصوم والاحتجاج المؤلفات الكثيرة النافعة، وليس أدل على سبقه في هذا الفن من مناظرته المشهورة التي تشيع بعدها السلطان على يده - كما سنذكرها لاحقا ". ومهر في علم المنطق وألف فيه التصانيف الكثيرة وتقدم في معرفة الرجال، وألف فيه المطولات والمختصرات، إلا أن بعضها فقد، ولم يعرف له غير (الخلاصة) وتفوق في علم الحديث، وتفنن في التأليف فيه وفي شرح الاحاديث ولكن فقدت مؤلفاته في الحديث، كما برع في علم التفسير وكتب فيه، وفي الادعية المأثورة وفي علم الأخلاق، وتربى على يده من العلماء الكبار، العدد الكثير وفاقوا علماء أعصارهم، وهاجر إليه الشهيد الأول من جبل عامل ليقرأ عليه، فوجده قد توفي فقرأ على ولده - فخر المحققين - تيمنا وتبركا، لا حاجة وتعلما، ولذلك قال فخر المحققين: استفدت منه أكثر مما استفاد مني وله في مختلف العلوم وشتى الحقول الثقافية كتب كثيرة نافعة اشتهر صيتها في جميع البلدان من عصره إلى اليوم ذكر في نقد الرجال أن له أكثر من سبعين مؤلفا، وذكر الطريحي في مجمع البحرين مادة (علم) أنه: رأى خمسمائة مجلد بخطه، ولكن العلامة نفسه ذكر في (خلاصة الأقوال) أسماء 67 مصنفا له، وفي إجازته لمهنأ بن سنان التي كتبها قبل وفاته بست سنوات ذكر 52 منها. وأورد العلامة المدرس الخياباني في " ريحانة الأدب " 120 عنوانا لتأليفاته: 15 منها فقهية، و 10 أصولية، وأكثر من أربعين مجلدا في الكتب الكلامية والفلسفية. وذكر العلامة آغا بزرگ الطهراني في طبقات أعلام الشيعة عن رجال أبي

[ 37 ]

علي في ترجمة العلامة عن بعض شراح التجريد أنه: بلغ أسماء تصانيفه نحوا " من ألف عنوان وفي الرياض: قد اشتهر أن مؤلفات العلامة بلغت في الكثرة إلى حد لو قسمت على أيام عمره: لكان لكل يوم ألف بيت، أي: ألف سطر، كل سطر خمسون حرفا ". وفي اللؤلؤة: لقد قيل: إنه وزع تصنيف العلامة على أيام عمره - من ولادته إلى موته - فكان قسط كل يوم كراسا، مع ما كان عليه من الاشتغال بالافادة والاستفادة والتدريس والأسفار، والحضور عند الملوك، والمباحثات مع الجمهور، والقيام بوظائف العبادة والمراسم العرفية، ونحو ذلك من الاشغال، وهذا هو العجب العجاب، الذي لا شك فيه ولا ارتياب إلى غير ذلك من كلمات الأصحاب ونقل بعض متأخري الأصحاب أنه ذكر ذلك عند العلامة المجلسي فقال: ونحن بحمد الله لو وزعت تصانيفنا على أيامنا، كانت كذلك. فقال بعض الحاضرين: إن تصانيف مولانا الاخوند مقصورة على النقل، وتصانيف العلامة مشتملة على التحقيق والبحث بالعقل، فسلم له ذلك حيث كان الأمر كذلك. وإليك أسماء كتبه مرتبة على حسب حروف الهجاء: 1 - آداب البحث - رسالة مختصرة - توجد نسخة في خزانة المولى محمد علي الخوانساري في النجف الاشرف.
2 - الأبحاث المفيدة في تحصيل العقيدة - ذكره مؤلفه في الخلاصة، عليه شرح للشيخ ناصر بن إبراهيم البويهي، وشرح للملا هادي السبزواري، يوجدان في الخزانة الرضوية المقدسة.
3 - إثبات الرجعة - توجد نسخة في مكتبة مدرسة فاضل خان بمدينة مشهد كما ذكر ذلك صاحب الذريعة، ومكتبة جامعة طهران 4 - الاجازة الكبيرة لبني زهرة - ذكرها صاحب أمل الامل - وهم خمسة:

[ 38 ]

أ - علاء الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن محمد بن أبي الحسن بن أبي المحاسن زهرة الحسيني الحلبي. ب - ولده شرف الدين أبو عبد الله الحسين بن علي. ج - أخوه بدر الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم د - ولده أمين الدين أبو طالب أحمد بن محمد. ه‍ - ولده الآخر عز الدين أبو محمد الحسن بن محمد.
5 - الاجازة الكبيرة للسيد نجم الدين مهنأ بن سنان بن عبد الوهاب الحسني المدني، ذكر فيها فهرس تصانيفه 6 - الادعية الفاخرة المنقولة عن الأئمة الطاهرة - عليهم السلام - ورد في بعض نسخ الخلاصة، أنه: يقع في أربعة أجزاء.
7 - الاربعون مسألة في أصول الدين 8 - إرشاد الأذهان إلى معرفة أحكام الايمان - في الفقه - قال صاحب الذريعة: مجلد حسن الترتيب مبلغ مسائله خمسة عشر ألف مسألة. وهو كثير الحواشي والشروح، ذكر منها 38 شرحا " وحاشية مختلفة لأهل العصر، ومنها نحو عشرين شرحا لمشاهير العلماء القدماء، من جملتها تسعة شروح للعلماء العامليين القدماء. ومن شروحه: الهادي إلى الرشاد 9 - استقصاء الاعتبار في تحقيق معاني الأخبار - قال العلامة عنه: ذكرنا فيه كل حديث وصل إلينا، وبحثنا في كل حديث على صحة السند، أو إبطاله، وكون متنه محكما " أو متشابها "، وما اشتمل عليه المتن من المباحث الأصولية والأدبية وما يستنبط من المتن من الأحكامية وغيرها، وهو كتاب لم يعمل مثله. وأشار إليه في كتابه المختلف في مسألة سؤر كل ما يؤكل لحمه بما دل على أنه في غاية البسط.
10 - استقصاء (البحث) والنظر في القضاء والقدر - وكأنما هي التي

[ 39 ]

وسمها البعض برسالة: إبطال الجبر، التي ألفها للسلطان خدابنده، لما سأله بيان الأدلة الدالة على أن العبد مختار في أفعاله وأنه غير مجبور عليها، وقد ألف بعض علماء الهند - من غير الشيعة - قديما " كتابا " في رده، فكتب القاضي الشهيد التستري ردا " عليه سماه (النور الأنور في تنوير خفايا رسالة، القضاء والقدر) زيف فيه اعتراضات الهندي على العلامة، وقد طبعه الشيخ علي الخاقاني بالنجف الاشرف عام 1354 ق.
11 - الاسرار الخفية في العلوم العقلية - من الحكمة والكلام والمنطق، ثلاثة أجزاء، موجود في المكتبة الحيدرية بالنجف الاشرف، يرد به على الفلاسفة، ألفه باسم هارون بن شمس الدين الجويني، توجد نسخة أيضا " في مكتبة الامام الحكيم العامة بالنجف الاشرف ويظهر أنها بخط العلامة، تقع في 460 صفحة.
12 - الاشارات إلى معاني الاشارات. مجلد، وهو من شروح العلامة على كتاب الاشارات لابن سينا. 13 - الالفين في إمامة أمير المؤمنين - عليه السلام - كتبه بطلب من ولده فخر المحققين ولم يتمه بسبب موافاة الاجل، وأتمه ولده من بعده. قال العلامة في مقدمته: أما بعد فإن أضعف عباد الله تعالى، الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي يقول: أجبت سؤال ولدي العزيز علي: محمد، أصلح الله أمر داريه، كما هو بر بوالديه، ورزقه أسباب السعادات الدنيوية والأخروية، كما أطاعني في استعمال قواه العقلية والحسية، وأسعفه ببلوغ آماله، كما أرضاني بأقواله وأفعاله، وجمع له بين الرئاستين، كما لم يعصني طرفة عين من إملاء هذا الكتاب الموسوم بكتاب الألفين، الفارق بين الصدق والمين. أورد فيه ألفا وثمانية وثلاثين دليلا على وجوب عصمة الامام أمير المؤمنين - عليه السلام.

[ 40 ]

14 - أنوار الملكوت في شرح فص الياقوت - في الكلام - لأبي إسحاق إبراهيم النوبختي. مطبوع في إيران ضمن منشورات جامعة طهران.
15 - إيضاح الاشتباه في أسماء الرواة - مطبوع، وقد رتبه على النهج المألوف: جد صاحب الروضات، وزاد عليه أيضا ": ابن ملا محسن الكاشاني، وطبع من فهرست الشيخ في أوربا، كما أنه مطبوع منظما إلى فهرست الشيخ في كلكتة.
16 - إيضاح التلبيس من كلام الرئيس - قال في الخلاصة: باحثنا فيه الشيخ أبا علي بن سينا.
17 - إيضاح مخالفة السنة - وهو يعد من كتب التفاسير لما فيه من تفسير الآيات وبيان مداليلها - توجد نسخة منه في مكتبة مجلس الشورى الاسلامي بطهران.
18 - إيضاح المعضلات من شرح الاشارات - وهو شرح لشرح أستاذه الخواجة نصير الطوسي على إشارات ابن سينا الموسوم بحل مشكلات الاشارات.
19 - إيضاح المقاصد من حكمة عين القواعد - وهو شرح لكتاب حكمة العين، للكاتبي القزويني المعروف بدبيران، توجد نسخة منه في مكتبة جامعة طهران.
20 - الباب الحادي عشر فيما يجب على عامة المكلفين، من معرفة أصول الدين - ألحقه بمختصر مصباح المتهجد الموسوم بمنهاج الصلاح في اختصار المصباح، وهو مطبوع مع شرحه للفاضل المقداد السيوري، له شروح بلغت 22 شرحا " كما ذكره صاحب الذريعة.
21 - بسط الاشارات - مجلد، وهو شرح إشارات الشيخ الرئيس ابن سينا.
22 - بسط الكافية - وهو اختصار شرح الكافية في النحو، ذكره العلامة في الخلاصة.

[ 41 ]

23 - تبصرة المتعلمين في أحكام الدين، وهو كتاب فتوائي في الفقه. مطبوع وعليه عدة شروح مختلفة لأهل هذه الاعصار، ناهزت الثلاثين شرحا، كما يوجد عليه شرح أيضا " للعلامة المحقق السيد محسن الامين العاملي، مطبوع معه.
24 - تحرير الأبحاث في معرفة العلوم الثلاثة: المنطق، والطبيعي. والإلهي - مجلد.
25 - تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الامامية - فتوائي في الفقه - يقع في أربعة مجلدات، مطبوع كله في مجلد واحد. قال عنه في الخلاصة: حسن جيد استخرجنا فيه فروعا لم نسبق إليها مع اختصار. وقال صاحب الذريعة: أحصيت مسائله، فبلغت أربعين ألف مسألة، وعليه عدة شروح.
26 - تحصيل السداد شرح واجب الاعتقاد. مطبوع. 27 - تحصيل الملخص - ويبدو أنه شرح على ملخص فخر الدين الرازي في الحكمة والمنطق، ذكره العلامة في جواب مسائل مهنأ بن سنان، وقال: إنه خرج منه مجلد، ويظهر أنه لم يكمل حتى ذلك الوقت. 28 - تذكرة الفقهاء - قال في الخلاصة: خرج منه إلى النكاح أربعة عشر جزءا ". وهو مطبوع في مجلد كبير، يعد هذا الكتاب أول موسوعة فقهية زاخرة في الفقه المقارن، فريدة من نوعها في تاريخ تطور الفقه الامامي من حيث السعة والاحاطة والشمول والمقارنة، وتطور مناهج البحث العلمي، وهو بعد هذا وذاك: يعد مرجعا " لمذهب الامامية، ولكل المذاهب الاسلامية الأخرى. 29 - تسبيل الأذهان إلى أحكام الايمان - في الفقه، مجلد 30 - تسليك الأفهام في معرفة الأحكام - في الفقه. 31 - تسليك النفس إلى حضرة القدس - في بيان نكات علم الكلام ودقائقه. توجد نسخة منه في الخزانة الغروية بالنجف الاشرف

[ 42 ]

التعليم الثاني التام - في الحكمة والكلام. يقع في عدة مجلدات، خرج منه بعضها كما في بعض نسخ الخلاصة. 33 - تلخيص الفهرست للشيخ الطوسي - بحذف الكتب والأسانيد. 34 - تلخيص المرام في معرفة الأحكام - في قواعد الفقه ومسائله. 35 - التناسب بين الأشعرية وفرق السوفسطائية. 36 - تنقيح قواعد الدين المأخوذة عن آل ياسين - عليهم السلام - يقع في عدة أجزاء. 37 - تهذيب طريق الوصول إلى علم الأصول - توجد منه نسخة في المكتبة الرضوية في مشهد بالطبعة الحجرية من نسخ طهران بتاريخ 1308 ق، وكان المرحوم الشيخ محمد صالح العلامة الحائري قد أوقفها للمكتبة، وبهامش هذا الكتاب شرح من السيد عميد الدين، موسوم بمنية اللبيب في شرح التهذيب. قال في الخلاصة: صنفه باسم ولده فخر المحققين. وهو مطبوع، وكان عليه مدار التدريس في العراق وجبل عامل قبل المعالم، وعليه شروح وحواش كثيرة جدا "، ذكرها العلامة الاغا بزرگ في الذريعة. 38 - تهذيب النفس في معرفة المذاهب الخمس. 39 - جامع (مجامع) الأخبار. 40 - جوابات مسائل مهنأ بن سنان المدني الأولى. 41 - جوابات مسائل مهنأ بن سنان المدني الثانية. 42 - جواهر المطالب في فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام. 43 - الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد. وهو مطبوع 44 - حاشية التلخيص - كتبها على تلخيص الأحكام 45 - حاشية على قواعد الأحكام - كتبها على كتابه القواعد. 46 - خلاصة الأقوال في معرفة أحوال الرجال - رتبه قسمين: الأول: فيمن

[ 43 ]

يعتمد عليه، والثاني: فيمن يتوقف فيه. مجلد مطبوع. وقد اعتنى بأقواله كل من كتب في الرجال، فنقلوها كلها في كتبهم مع أنه يقتصر غالبا " على ما في فهرست الشيخ ورجال النجاشي، وقد يزيد عنهما 47 - خلاصة الأخبار. قال آية الله المرعشي النجفي: وهو صغير، وعندنا نسخة منه، كتب بعض العلماء على ظهرها: أنه بعينه خلاصة الأخبار من تآليف مولانا العلامة. 48 - الدر المكنون في علم القانون - في المنطق 49 - الدر والمرجان في الاحاديث الصحاح والحسان - مجلد، وقيل: يقع في عشرة أجزاء. وهذا الكتاب والنهج الوضاح والمصابيح واستقصاء الاعتبار ليس لها عين ولا أثر، ويبدو أنه ضاعت وذهبت بذهاب حوادث الدهر. 50 - الرسالة السعدية - في الكلام - مطبوعة. صنفها في سفره مع السلطان خدابنده ببلدة جرجان. 51 - رسالة في تحقيق معنى الايمان، ونقل الأقوال فيه. 52 - رسالة مختصرة في جواب السلطان محمد خدابنده عن حكمة النسخ في الأحكام الشرعية. 53 - رسالة في جواب سؤالين سأل عنهما رشيد الدين فضل الله الطبيب الهمداني وزير غازان بن أرغون المغولي، ووزير أخيه محمد خدابنده. موجودة في مكتبة الشيخ علي المدرس. قال في مقدمتها كما في النسخة التي موجودة عند الشيخ المدرس: يقول العبد الفقير إلى الله تعالى حسن بن يوسف بن المطهر: إنني لما أمرت بالحضور بين يدي الدرگاه (1) المعظمة الممجدي الايلخانية،

(1) كلمة فارسية، معناها: البلاط.

[ 44 ]

أيد الله سلطانها، وشيد أركانها، وأعلى على الفرقدين شأنها، وأمدها بالدوام والخلود، إلى يوم الموعود، وكبت كل عدو لها وحسود، وجدت الدولة القاهرة مزينة بالمولى الأعظم، والصاحب الكبير المخدوم المعظم، مربي العلماء، ومقتدى الفضلاء، أفضل المحققين، رئيس المدققين، صاحب النظر الثاقب، والحدس الصائب، أوحد الزمان، المخصوص بعناية الرحمن، المميز عن غيره من نوع الانسان، ترجمان القرآن، الجامع لكمالات النفس، المترقي بكماله إلى حظيرة القدس، ينبوع الحكمة العملية، وموضع أسرار العلوم الربانية، موضح المشكلات، ومظهر النكت الغامضات، وزير الممالك شرقا وغربا، وبعدا وقربا، خواجه رشيد الملة والحق والدين - أعز الله أنصار، وضاعف أقداره، وأيده بالالطاف، وأمده بالاسعاف - وجدت فضله بحرا لا يساجل، وعلمه لا يقاس ولا يماثل، وحضرت بعض الليالي خدمته للاستفادة من نتائج قريحته، فسئل تلك الليلة سؤالين مشكلين، فأجاد في الجواب عنهما، وأوردت في هذه الرسالة تقرير ما بينه... الخ. السؤال الأول: أنه من المعلوم أن النبي - صلى الله عليه وآله - أعلى مرتبة من الوصي، وقد قال: (رب زدني علما ") كما حكاه القرآن الكريم، وقال أمير المؤمنين - عليه السلام - لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا "؟. السؤال الثاني: في الجمع بين قوله تعالى: (وقفوهم إنهم مسؤلون، فو ربك لنسألنهم أجمعين) وقوله تعالى: (يومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان). انتهى ما في النسخة قال العلامة السيد محسن الامين العاملي جوابا " على هذين السؤالين: يمكن الجواب عن السؤال الأول: بأن قول أمير المؤمنين - عليه السلام -: (لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا ") معناه وأقصى ما يمكن من معرفة الله تعالى، وقوله - صلى الله عليه وآله -: (رب زدني

[ 45 ]

علما ") يدل على أن علمه قابل للزيادة، وهو لا ينافي بلوغه أقصى درجات الايمان، وأقصى ما يمكن من معرفة الله تعالى. وأما الجمع بين ما دل على سؤال العباد يوم القيامة وما دل على عدم سؤالهم: بأن عدم السؤال عما يصدر منهم في ذلك الموقف، والسؤال: عما صدر في دار الدنيا. وقيل: لا يسأل: سؤال استفهام، لأن الله قد أحصى الأعمال، وإنما يسأل سؤال تقريع. ورشيد الدين، هو: فضل الله الطبيب الهمذاني وزير غازان خان وأخيه الجايتو (خدا بنده) محمد خان المغولي. وصاحب الدرگاه المذكور، هو: الجايتو محمد الذي تشيع على يد العلامة، وكان اجتماعه بهذا الوزير في ذلك السفر الذي حضر فيه عند الجايتو (1). 54 - رسالة في خلق الأعمال. 55 - رسالة في شرح الكلمات الخمس لأمير المؤمنين - عليه السلام - في جواب صاحبه كميل بن زياد النخعي. وقد طبعت في ضمن مجموعة بطهران. 56 - رسالة في واجبات الحج وأركانه - من دون ذكر الادعية والمستحبات ونحوها. 57 - رسالة في واجبات الوضوء والصلاة - ألفها باسم الوزير (ترمتاش) ذكرها صاحب الرياض. 58 - شرح الحديث القدسي. 59 - شرح حكمة الاشراق - في الفلسفة، للسهروردي المقتول سنة 587 ق، وهذا الكتاب غير شرح حكمة العين.

(1) أعيان الشيعة ج 5 ص 400.

[ 46 ]

60 - غاية الأحكام في تصحيح تلخيص المرام - كتبه على كتابه التلخيص 61 - غاية السؤول في شرح مختصر منتهى المأمول 62 - قواعد الأحكام في معرفة مسائل الحلال والحرام - مجلدان، بلغت مسائله 6600 مسألة شرعية. وهو كثير الشروح والحواشي، منها: شرح السيد عميد الدين - ابن أخت العلامة - ولولد العلامة: فخر المحققين: إيضاح على كتاب الفوائد في شرح القواعد. 63 - القواعد الجلية في شرح الرسالة الشمسية، لأستاذه الكاتبي المعروف بدبيران. توجد نسخته بخطه الشريف في الخزانة الرضوية المقدسة. 64 - القواعد والمقاصد - في المنطق والطبيعي والإلهي. 65 - القول (السر) الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 66 - كاشف الاستار في شرح كشف الاسرار - مجلد. 67 - كتاب السلطان. 68 - كشف الحق ونهج الصدق - مطبوع في بغداد - صنفه باسم السلطان خدابنده، كما صرح العلامة في خطبته، وهو الذي رده الفضل بن روزبهان، ورد على رد الفضل: القاضي الشهيد نور الله التستري بكتاب أسماه (إحقاق الحق وإزهاق الباطل) كما رد عليه أيضا: الحجة الحسن المظفر بكتاب أسماه (دلائل الصدق) وهما مطبوعان. 69 - كشف الخفاء من كتاب الشفاء - في الحكمة - لابن سينا. خرج منه مجلدات. 70 - كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد. 71 - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد - لأستاذه الخواجة نصير الدين الطوسي - في علم الكلام. مطبوع، وله شرح منطقه خاصة أسماه (الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد).

[ 47 ]

72 - كشف (حل) المشكلات من كتاب التلويحات - يقع في مجلدين. 73 - كشف المقال في معرفة أحوال الرجال - وهو أكبر من كتابه الخلاصة ويحيل عليه فيها. وفي إيضاح الاشتباه: لا وجود له - كما ذكر سلفا ". 74 - كشف المكنون من كتاب القانون - وهو اختصار شرح الكافية في النحو. 75 - كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين - عليه السلام - مطبوع. 76 - لب الحكمة 77 - المباحث والمعارضات النصيرية. 78 - مبادئ الوصول إلى علم الأصول - مطبوع بتحقيق الاستاذ البقال. 79 - المحاكمات بين شراح الاشارات - ذكره العلامة في المسائل المهنائية يقع في ثلاثة مجلدات. 80 - مختصر شرح نهج البلاغة - ذكره في الخلاصة، واستظهر غير واحد أنه مختصر الشرح الكبير لأستاذه ابن ميثم البحراني المتوفى سنة 679 ق. 81 - مختلف الشيعة في أحكام الشريعة. قال عنه في الخلاصة: ذكرنا فيه خلاف علمائنا خاصة، وحجة كل شخص والترجيح لما نصير إليه. ويعد هذا الكتاب واحدا " من أفخر الكتب الدراسية التي تستعرض المسائل الخلافية بين فقهاء الشيعة الامامية أنفسهم بشكل متفرد، وهو عطاء فقهي علمي غزير وثري، ولم يصنف بعده كتاب يماثله من حيث السعة والشمولية. يقع في سبعة مجلدات مطبوعة. 82 - مدارك الأحكام - في الاجازة: يخرج منه الطهارة والصلاة: مجلد، ومنه أخذ صاحب المدارك اسم الكتابة. 83 - مراصد التدقيق ومقاصد التحقيق - في المنطق والطبيعي والإلهي - نسخة المنطق موجودة بمكتبة جامعة طهران، ونسخة الالهي في مكتبة النصيري

[ 48 ]

84 - مرثية الحسين - عليه السلام. 85 - مصابيح الانوار - قال عنه: ذكرنا فيه كل أحاديث علمائنا، وجعلنا كل حديث يتعلق بفن في بابه، ورتبنا كل فن على أبواب ابتدأنا فيها بما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله - ثم بما روي عن أمير المؤمنين علي - عليه السلام - وهكذا.. إلى آخر الأئمة - عليهم السلام. 86 - المطالب العلية في علم العربية - ذكره في الخلاصة. 87 - معارج الفهم في شرح النظم - في الكلام - وهو شرح لكتابه: نظم البراهين - الآتي ذكره. 88 - المعتمد - في الفقه. 89 - المقاصد الوافية بفوائد القانون والكافية - قال عنه في الخلاصة: جمعنا فيه بين الجزولية والكافية في النحو، مع تمثيل ما يحتاج إلى المثال. 90 - المقاومات - قال عنه في الخلاصة: باحثنا فيه الحكماء السابقين، وهو يتم مع تمام عمرنا. 91 - مقصد (مقاصد) الواصلين في معرفة أصول الدين - ذكره في الخلاصة، وأنه يقع في مجلد - كما في إجازته لمهنأ بن سنان المدني. 92 - المناهج السوية. 93 - منتهى المطلب في تحقيق المذهب - قال عنه في الخلاصة: لم يعمل مثله، ذكرنا فيه جميع مذاهب المسلمين في الفقه، ورجحنا ما نعتقده بعد إبطال حجج من خالفنا فيه، يتم إن شاء الله تعالى عملنا منه إلى هذا التاريخ وهو: شهر ربيع الآخر سنة 693 ق. سبعة مجلدات مطبوع بالحجري. ومطبوع بالطبع الحديث بتحقيق قسم الفقه والأصول بمؤسسة البحوث الاسلامية التابعة للروضة الرضوية. المقدسة، يقوم بتحقيقه أيضا " مؤسسة آل البيت - عليهم السلام - لاحياء التراث، بقم

[ 49 ]

94 - منتهى الوصول إلى علمي الكلام والأصول - ذكره في إجازة السيد مهنأ بن سنان في عداد كتب أصول الفقه، ولولا ذلك الظن أنه في أصول الدين لذكر الأصول فيه مع الكلام. 95 - منهاج السلامة إلى معراج الكرامة - في الكلام - ذكره في الخلاصة 96 - منهاج الصلاح في اختصار المصباح - وهو مختصر كتاب (مصباح المتهجد) للشيخ الطوسي، ألفه بطلب من الوزير محمد بن محمد القوفهدي، ورتبه على عشرة أبواب ثم ألحق به كتابه الباب الحادي عشر في أصول الدين - كما بينا سابقا ". 97 - منهاج (تاج) الكرامة في إثبات الامامة - سماه صاحب كشف الظنون (منهاج الاستقامة) وهو مطبوع مستقلا على هامش بعض طبقات كتاب الالفين، صنفه باسم السلطان خدابنده، وهو الذي رد عليه ابن تيمية بكتاب أسماه (منهاج السنة) ورد على منهاج السنة: السيد محمد مهدي القزويني بكتاب أسماه: (منهج الشريعة) وهو مطبوع في مجلدين. 98 - منهاج الهداية ومعراج الدراية - في علم الكلام. 99 - منهاج اليقين في أصول الدين - عليه شرح لابن العتائقي، موجود في الخزانة الغروية الشريفة، أسماه: (الايضاح والتبيين). 100 - المنهاج في مناسك الحاج. 101 - نظم البراهين في أصول الدين - ذكره في الخلاصة، وللمصنف نفسه شرح عليه - تقدم ذكره. 102 - النكت البديعة في تحرير الذريعة - للسيد المرتضى، في أصول الفقه. ذكره العلامة في الخلاصة. 103 - نهاية الأحكام في معرفة الحلال والحرام - توجد نسخة من أوله إلى

[ 50 ]

كتاب البيع في مكتبة الامام الحكيم العامة بالنجف الاشرف بتاريخ 859 ق. 104 - نهاية الفقهاء. ذكره العلامة المجلسي الثاني وعده من كتبه. 105 - نهاية المرام في علم الكلام - يقع في أربعة أجزاء، ذكره في إجازته المهنائية. 106 - نهاية الوصول إلى علم الأصول - يقع في أربعة مجلدات 107 - نهج الايمان في تفسير القرآن. قال عنه في الخلاصة: ذكرنا فيه ملخص الكشاف والتبيان وغيرهما. 108 - نهج العرفان في علم الميزان - في المنطق - مجلد. 109 - نهج المسترشدين في أصول الدين - مطبوع مع شرحه للفاضل المقداد السيوري. 110 - نهج الوصول إلى علم الأصول. 111 - النهج الوضاح في الاحاديث الصحاح. 112 - النور المشرق في علم المنطق. 113 - الهادي. 114 - واجب الاعتقاد على جميع العباد - في الأصول والفروع - وعليه شرح للفاضل المقداد السيوري، طبع حديثا " بتحقيقنا، وعلى شرح الفاضل شرح اسمه: نهج السداد إلى شرح واجب الاعتقاد كتب منسوبة إليه 1 - الاسرار في إمامة الأئمة الاطهار. وهذا بعيد جدا " أن يكون له، لأنه من تأليفات الحسن الطبرسي، أو أحد العلماء الطبرسيين. 2 - رسائل الدلائل البرهانية في تصحيح الحضرة الغروية.
3 - الكشكول فيما جرى على آل الرسول.

[ 51 ]

قال العلامة السيد محسن الامين: أما نسبة الكشكول إليه، فهو سهو ظاهر، فإنه ليس البتة من مصنفاته: أما أولا: فلأن سياقه ليس على سياق مؤلفاته كما لا يخفى على من تفحصها وتأمل فيها. وأما ثانيا: فلأن في أول هذا أورد تاريخ التأليف وقال: إنه في سنة 735 ق، فهو بعد وفاة العلامة بعشر سنين تقريبا "، لأن وفاته سنة 726 ق. وأما ثالثا: فلأنه من مؤلفات السيد حيدر بن على العبيدلي الآملي الحسيني الصوفي الذي وصل إلى خدمة الشيخ فخر الدين ولد العلامة وأضرابه، وصرح بذلك: القاضي نور الله التستري في مجالس المؤمنين في ترجمة ذلك السيد وغيره في غيره (1). ما عيب عليه في التأليف قال في اللؤلؤة ما حاصله بعد حذف الأسجاع: كان لاستعجاله في التصنيف وكثرة مؤلفاته يرسم كلما ترجح عنده وقت التأليف، ولا يراجع ما سبق له فيقع منه تخالف بين الفتاوى، ولذلك طعن عليه بعض المتحذلقين الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وجعلوا ذلك طعنا " في أصل الاجتهاد، وهو خروج عن مذهب الصواب والسداد، وإن غلط بعض المجتهدين - على تقدير تسليمه - لا يستلزم بطلان أصل الاجتهاد متى ما كان مبنيا " على دليل الكتاب والسنة. انتهى. وتعليقا " على هذا، قال العلامة السيد محسن الامين العاملي: مخالفة العلماء فتاواهم السابقة في كتبهم بتجدد اجتهادهم خارج عن حد

(1) أعيان الشيعة ج 5 ص 407.

[ 52 ]

الحصر، وقد جعل له العلماء بحثا " خاصا " في باب الاجتهاد والتقليد. وليس العلامة أول من وقع منه ذلك (1). قصة تشيع السلطان خدابنده ذكر العلامة المجلسي الأول في شرح الفقيه: أن السلطان الجايتو محمد المغولي الملقب بشاه خدابنده (2) غضب على إحدى زوجاته فقال لها: أنت طالق ثلاثا "، ثم ندم، فسأل العلماء، فقالوا: لابد من المحلل، فقال: لكم في كل مسألة أقوال، فهل يوجد هنا اختلاف؟ فقالوا: لا، فقال أحد وزرائه: في الحلة عالم يفتي ببطلان هذا الطلاق، فقال العلماء: إن مذهبه باطل ولا عقل له ولا لأصحابه، ولا يليق بالملك أن يبعث إلى مثله، فقال الملك: أمهلوا حتى يحضر ونرى كلامه، فبعث، فأحضر العلامة الحلي، فلما حضر جمع له الملك جميع علماء المذاهب، فلما دخل على الملك أخذ نعله بيده ودخل وسلم وجلس إلى جانب الملك، فقالوا للملك: ألم نقل لك إنهم ضعفاء العقول؟ فقال: اسألوه عن كل ما فعل. فقالوا: لماذا لم تخضع للملك بهيئة الركوع؟ فقال: لأن رسول الله - صلى الله عليه وآله - لم يكن يركع له أحد، وكان يسلم عليه، وقال الله تعالى: (فإذا دخلتم بيوتا " فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة) ولا يجوز الركوع والسجود لغير الله. قالوا: فلم جلست بجنب الملك؟ قال: لأنه لم يكن مكان خال غيره.

(1) أعيان الشيعة ج 5 ص 403.
(2) ذكره هكذا: (خربندا) وسيأتي بيان خطئه.

[ 53 ]

قالوا: فلم أخذت نعليك بيدك وهو مناف للأدب؟ قال: خفت أن يسرقه بعض أهل المذاهب، كما سرقوا نعل رسول الله - صلى الله عليه وآله. فقالوا: إن أهل المذاهب لم يكونوا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله، بل ولدوا بعد المائة فما فوق من وفاته - صلى الله عليه وآله - كل هذا والترجمان يترجم للملك كلما يقوله العلامة. فقال العلامة للملك: قد سمعت اعترافهم هذا، فمن أين حصروا الاجتهاد فيهم ولم يجوزوا الأخذ من غيرهم ولو فرض أنه أعلم؟! فقال الملك: ألم يكن أحد من أصحاب المذاهب في زمن النبي - صلى الله عليه وآله - ولا الصحابة؟ قالوا: لا. قال العلامة: ونحن نأخذ مذهبنا عن علي بن أبي طالب نفس رسول الله - صلى الله عليه وآله - وأخيه، وابن عمه، ووصيه، وعن أولاده من بعده. فسأله عن الطلاق، فقال العلامة: باطل، لعدم وجود الشهود العدول. وجرى البحث بينه وبين العلماء حتى ألزمهم جميعا "، فتشيع الملك وخطب بأسماء الأئمة الاثني عشر في جميع بلاده، وأمر فضربت السكة بأسمائهم وأمر بكتابتها على المساجد والمشاهد قال المجلسي: والموجود بأصبهان في الجامع القديم في ثلاثة موضع بتاريخ ذلك الزمان، وفي معبد (بيرمكران لنجان) ومعبد (الشيخ نور الدين النطنزي) من العرفاء وعلى منارة دار السيادة التي تممها السلطان المذكور بعدما ابتدأ بها أخوه غازان. وكان من جملة القائمين بمناظرة العلامة: الشيخ نظام الدين عبد الملك المراغي - أفضل علماء الشافعية - فاعترف المراغي بفضله، كما عن تاريخ الحافظ

[ 54 ]

(أبرو) من علماء السنة وغيره. من هو السلطان؟ هو السلطان المؤيد غياث الدين الجايتو محمد المشتهر ب‍ (خدابنده) ابن أرغون شاه ابن أباقا خان ابن هولاكوخان بن قولوي خان بن چنگيزخان، الملك المغولي الشهير. كان خدابنده من أعدل الملوك وأرأفهم وأبرهم للرعية، ذا شوكة ونجدة وعلو همة، وحلم ووقار، وسكينة وسلامة نفس، وسخاء وكرم وسؤدد، وفقه الله للاستبصار، وانتقل إلى مذهب التشيع باختياره بعد ملاحظة أدلة الطرفين، وكان استبصاره ببركة العلامة الحلي. قال المؤرخ الجليل معين الدين النطنزي في كتابه (منتخب التواريخ): إن السلطان محمد خدابنده الجايتو: كان ذا صفات جليلة، وخصال حميدة، لم يقترف طيلة عمره فجورا وفسقا، وكان أكثر معاشرته ومؤانسته مع الفقهاء والزهاد والسادة والأشراف، مصر بلدة السلطانية وبنى فيها تربة لنفسه ذات قبة سامية عجيبة، وعينها مدفنا له، وفقه الله لتأسيس صدقات جارية، منها: أنه بنى ألف دار من بقاع الخير والمستشفيات ودور الحديث ودور الضيافة ودور السيادة والمدارس والمساجد والخانقاهات بحيث أراح الحاضر والمسافر، وكان زمانه من خير الازمنة لأهل الفضل والتقى، ملك الممالك، وحكم عليها ست عشرة سنة، وكان من بلاد العجم إلى إسكندرية مصر، وإلى ما وراء النهر تحت سلطته، توفي سنة 717 أو 719 ق، ودفن بمقبرته التي أعدها قبل موته في بلدة (سلطانية). وقال العلم النسابة المرعشي النجفي في ترجمة السلطان خدابنده: إن لهذا الملك الجليل عدة بنين وبنات، أشهرهم إبنه السلطان أبو سعيد، وله ولأخوته عقب متسلسل وذرية مباركة، فيهم: الفقهاء والأمراء والشعراء، وأرباب

[ 55 ]

الفضل والحجى والورع والتقى. ثم قال: ولا يذهب عليك أنه بعدما اختار التشيع، لقب نفسه ب‍ (خدابنده) وبعض المتعصبين من العامة كابن حجر العسقلاني وغيره، غيروا ذاك اللقب الشريف إلى (خربنده (1) وذلك لحميتهم الجاهلية الباردة، ومن الواضح لدى العقلاء أن صيانة قلم المؤرخ وطهارة لسانه وعفة بيانه ومن البذاءة والفحش من الشرائط المهمة في قبول نقله والاعتماد عليه والركون إليه، ومن العجب أن بعض المتأخرين من الخاصة، تبع تعبير القوم عن هذا الملك الجليل، ولم يتأمل أنه لقب تنابزوا به، وما ذلك إلا لبغض آل الرسول، الداء الدفين في قلوبهم، وتلك الأحقاد البدرية والحنينية. وإلا، فما ذنب هذا الملك؟ بعد اعترافهم بجلالته وعدالته، وشهامته ورقة قلبه، وحسن سياسته وتدبيره (2). مناظرة أخرى ومن مناظراته أيضا " في نصرة مذهب أهل البيت - عليهم السلام -: تلك التي كانت بحضرة السلطان الجايتو أيضا " في سنة 708 ق، وكان مائلا " إلى الحنفية ثم رجع إلى الشافعية بعدما وقع بحضرته مناظرة بين القاضي نظام الدين عبد الملك الشافعي وعلماء الحنفية، فأفحمهم القاضي ثم تحير هو وأمراؤه فبقوا متذبذبين في مدة ثلاثة أشهر في تركهن دين الاسلام، وندموا على تركهم دين الآباء بعد ما ورد عليه ابن صدر جهان الحنفي من بخاري، فوقعت بينه وبين القاضي مناظرة في جواز نكاح البنت المخلوقة من ماء الزناء، حتى قدم على السلطان السيد تاج الدين الاوي الامامي مع جماعة من الشيعة، وناظروا مع القاضي نظام الدين بمحضر

(1) تعني بالفارسية: (عبد الحمار) وكلمة (خدابنده) تعني: (عبد الله) (2) اللئالئ المتنظمة والدرر الثمينة ص 70، 72.

[ 56 ]

السلطان في مباحث كثيرة، فعزم السلطان على الرواح إلى بغداد وزيارة الامام أمير المؤمنين - عليه السلام. فلما ورد رأى بعض ما قوى به دين الشيعة، فعرض السلطان الواقعة على الامراء فحرضه عليه من كان منهم في مذهب الشيعة فصدر الأمر بإحضار أئمة الشيعة، فطلبوا جمال الدين العلامة وولده فخر المحققين، وكان مع العلامة من تأليفاته: كتاب (نهج الحق وكشف الصدق) وكتاب: (منهاج الكرامة) فأهداهما إلى السلطان وصار موردا للألطاف، فأمر السلطان قاضي القضاة نظام الدين - أفضل علماء زمانهم - أن يناظر مع آية الله العلامة، وهيأ مجلسا عظيما مشحونا بالعلماء والفضلاء، فأثبت العلامة بالبراهين القاطعة والدلائل الساطعة خلافة مولانا أمير المؤمنين - عليه السلام - بعد رسول الله - صلى الله عليه وآله - بلا فصل، وأبطل خلافة الثلاثة بحيث لم يبق للقاضي مجال للمدافعة والانكار، بل شرع في مدح العلامة واستحسن أدلته. قال: غير أنه لما سلك السلف سبلا، فاللازم على الخلف أن يسلكوا سبيلهم لالجام العوام، ودفع تفرق كلمة الاسلام، يستر زلاتهم، ويسكت في الظاهر من الطعن عليهم. فدخل السلطان وأكثر أمرائه - في ذلك المجلس - في مذهب الامامية، وأمر السلطان في تمام ممالكه بتغيير الخطبة وإسقاط أسامي الثلاثة عنها، وبذكر أسامي أمير المؤمنين - عليه السلام - وسائر الأئمة - عليهم السلام - على المنابر، وبذكر (حي على خير العمل) في الأذان، وبتغيير السكة ونقش الاسامي المباركة عليها. ولما انقضى مجلس المناظرة، خطب العلامة خطبة بليغة شافية، حمد الله تعالى، وأثنى عليه، وصلى على النبي وآله - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - فقال السيد ركن الدين الموصلي وكان ينتظر عثرة منه ولم يعثر عليها: ما الدليل

[ 57 ]

على جواز الصلاة على غير الأنبياء؟ فقرأ العلامة: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) فقال الموصلي: وما الذي أصاب عليا " وأولاده من المصيبة حتى استوجبوا الصلاة عليهم؟ فذكر العلامة بعض مصائبهم، ثم قال له: أي مصيبة أعظم عليهم من أن يكون مثلك تدعي أنك من أولادهم، ثم تسلك سبيل مخالفيهم، وتفضل بعض المنافقين عليهم، وتزعم أن الكمال في شرذمة من الجهال! فاستحسنه الحاضرون وضحكوا على السيد المطعون، فأنشد بعض من حضر: إذا العلوي تابع ناصبيا " * بمذهبه فما هو من أبيه وكان الكلب خيرا منه طبعا * لأن الكلب طبع أبيه فيه. وجعل السلطان بعد ذلك السيد تاج الدين محمد الاوي - المتقدم ذكره، وهو من أقارب السيد الجليل رضي الدين محمد بن محمد الاوي - نقيب الممالك. أقول: لعل هذه القصة هي التي تشيع بعدها السلطان، فتكون واحدة مع التي ذكرناها سابقا من حيث المضمون، لأن فيها شبها كبيرا. ومهما يكن اختلاف في قصة التشيع، فليس يختلف إثنان في أن العلامة المترجم له سبب تشيعه بعد مناظرة خالدة دارت بمحضر السلطان نفسه. مكاتبة في مسألة أصولية حكى البحاثة الكبير الميرزا عبد الله الاصفهاني في كتاب رياض العلماء عن كتاب لسان الخواص للاغا رضي القزويني: أن القاضي البيضاوي لما وقف على ما أفاده العلامة الحلي في بحث الطهارة من القواعد بقوله: ولو تيقنهما - أي: الطهارة والحدث - وشك في المتأخر، فإن لم يعلم حاله قبل زمانهما تطهر، وإلا استصحبه. كتب القاضي بخطه إلى العلامة:

[ 58 ]

يا مولانا جمال الدين - أدام الله فواضلك - أنت إمام المجتهدين في علم الأصول، وقد تقرر في الأصول مسألة إجماعية، هي: أن الاستصحاب حجة ما لم يظهر دليل على رفعه، ومعه لا يبقى حجة، بل يصير خلافه هو الحجة، لأن خلاف الظاهر إذا عضده دليل صار هو الحجة وهو ظاهر، والحالة السابقة على حالة الشك قد انتقض بضده، فإن كان متطهرا " فقد ظهر أنه أحدث حدثا " ينقض تلك الطهارة، ثم حصل الشك في رفع هذا الحدث، فيعمل على بقاء الحدث بأصالة الاستصحاب، وبطل الاستصحاب الأول، وإن كان محدثا " فقد ظهر ارتفاع حدثه بالطهارة المتأخرة عنه، ثم حصل الشك في ناقض هذه الطهارة والأصل فيها البقاء، وكان الواجب على القانون الكلي الأصولي أن يبقى على ضد ما تقدم. فأجابه العلامة: وقفت على ما أفاده المولى الامام العالم - أدام الله فضائله، وأسبغ عليه فواضله، بل استدل بقياس مركب من منفصلة مانعة الخلو بالمعنى الأعم عنادية وحمليتين، وتقريره: أنه إن كان في الحالة السابقة متطهرا، فالواقع بعدها: إما أن يكون الطهارة وهي سابقة على الحدث، أو الحدث الرافع للطهارة الأولى فيكون الطهارة الثانية بعده، ولا يخلو الأمر منهما، لأنه صدر منه طهارة واحدة رافعة للحدث في الحالة الثانية وحدث واحد رافع للطهارة، وامتناع الخلو بين أن يكون السابقة الطهارة الثانية أو الحدث ظاهر، إذ يمتنع أن يكون الطهارة السابقة، وإلا كانت طهارة عقيب طهارة رافعة للحدث، والتقدير: خلافه، فتعين أن يكون السابق الحدث، وكلما كان السابق الحدث فالطهارة الثانية، متأخرة عنه، لأن التقدير أنه لم يصدر عنه إلا طهارة واحدة رافعة للحدث، فإذا امتنع تقدمها على الحدث وجب تأخرها عنه، وإن كان في الحالة السابقة محدثا "، فعلى هذا التقدير: إما أن يكون السابق الحدث أو الطهارة، والأول محال وإلا كان حدث عقيب حدث، فلم يكن رافعا " للطهارة، والتقدير: أن الصادر حدث واحد رافع للطهارة، فتعين أن يكون

[ 59 ]

السابق هو الطهارة، والمتأخر هو الحدث، فيكون محدثا ". فقد ثبت بهذا البرهان أن حكمه في هذه الحالة موافق للحكم في الحالة الأولى بهذا الدليل لا بالاستصحاب، والعبد إنما قال: استصحبه، أي: عمل بمثل حكمه. انتهى كلامه. ثم أنفذه إلى شيراز ولما وقف القاضي البيضاوي على هذا الجواب استحسنه جدا "، وأثنى على العلامة (1). ولم يكن هذا غريبا " من العلامة المترجم له أن يكون بهذا المستوى من التظلع والاحاطة، فربما كان من جملة العوامل والأسباب التي جعلته من سادة هذا الفن وأشياخه، هي: 1 - التربية الأسرية، فقد عرف عنه أنه عاش في بيت يعج بالأعاظم من العلماء، ومن المتبحرين في علم الأصول من أمثال: خاله المحقق، ووالده البحاثة، وابن عم والدته الشيخ نجيب الدين وغيرهم.
2 - تلقيه المعارف الأساسية في هذا الفن - إمامية وغير إمامية - من مصادرها الأصلية على خيرة أساتذتها المبرزين، وذلك بقراءته وسماعه فترة زمنية طويلة.
3 - ثقافته الموسوعية في بقية نواحي العلوم الحياتية الأخرى، حتى أن كتبه التي ألفها في هذا المجال زادت على العشرة كتب، - ذكرناها في جملة مؤلفاته وآثاره العلمية - الأمر الذي مكنه من الاستيعاب والاحاطة بكل ماله صلة بموضوعة من بحوثها.
4 - احتكا كه المباشر بالوسط العلمي الذي عاصره، والذي كان يضم مختلف المدارس الفكرية، وبرجالها وعلمائها، خاصة في مدينة الحلة التي كانت امتدادا " لمدرسة الشيخ الطوسي في بغداد، بعد أن تعرضت الأخيرة للغزو

(1) بحار الانوار ج. من الطبعة الجديدة، المدخل ص 248، بتصرف.

[ 60 ]

البربري الكاسر من قبل المغول. 5 - رحلاته وأسفاره الكثيرة إلى مختلف الحواضر الاسلامية، وبالأخص تلك التي أملت عليه أن يكون على علم تام بمعارف المذاهب المناظرة له، خصوصا وأنه كان موفدا إلى مهمة خطيرة جدا وذات أهمية مصيرية، قد يترتب عليها مستقبله ومستقبل الشيعة الامامية بصفته مذهبا معاصرا، ومنافسا من قبل بقية المذاهب الاسلامية الأربعة، ألا وهي المناظرة الخالدة التي دارت في مجلس السلطان محمد خدابنده الذي كان حنفي المذهب أولا ثم صار شافعيا.. وأمام طائفة كبيرة جدا من أساطين العلم وفحول الجدل، الوحيد بينهم في صحة ما يدعي، إذا لم يكن أحد يناصره في مذهبه الامامي (1). مدرسته السيارة. اقترح العلامة بعد مناظرته المعروفة على السلطان محمد خدابنده تأسيس مدرسة لتربية وإعداد طلاب العلوم الدينية، فرحب السلطان بهذا الاقتراح وأجابه بالقبول، ولما كانت رغبة السلطان بحضور العلامة بمجالسه المختلفة والاستئناس به وبتلاميذه حتى في طريقه وسفره، كانت المدرسة هذه مدرسة متنقلة وسميت (بالمدرسة السيارة (2))، وكانت تضم أكثر من مائة تلميذ وطالب للعلوم، كلهم مكفول المأكول والمشرب والملبس والمنام وجميع ما يحتاجون إليه، وكان يدرس فيها مختلف العلوم وفي شتى الميادين الثقافية بما في ذلك علوم: الكلام، وأصول الدين، والفقه، والأصول، والحديث، والتاريخ، والدراية، والفلسفة، والمنطق، والطبيعة والرياضيات، وعلم النفس والتربية، وآداب البحث والاحتجاج

(1) استفدنا هذه النكات الخمس من مقدمة مبادئ الوصول، بتصرف تام.
(2) يدل على هذه التسمية: ما وجد في آخر بعض مؤلفاته، أنه وقع الفراغ منه في المدرسة السيارة السلطانية في كرمانشاهان.

[ 61 ]

وقواعد الجدل والمناظرة، وقد تخرج من هذه المدرسة علماء كثيرون، برعوا واشتهروا في مختلف الفنون، ذكرنا بعضهم في جملة تلامذته. وقد ألفت هذه المدرسة، من: أربعة أواوين، ومجموعة غرف مكونة من الخيام الكرباسية الغليظة، وكان الطلاب يرحلون برحيل السلطان ويقيمون بإقامته. رؤيته في المنام. يحكى: أن ولده رآه في المنام بعد موته، فسأله عن حاله، فقال له: لولا كتاب الالفين، وزيارة الحسين، لقصمت الفتوى ظهر أبيك نصفين. وتشبث بهذا المنام بعض العامة فيما حكاه المولى محمد أمين الاسترآبادي في أواخر الفوائد المدنية، فقال: إن العلامة الذي هو أفضل علمائكم يقول هكذا، فعلم أن مذهبكم باطل. وقال: إن إجابه بعض الفضلاء، بأن هذا المنام لنا لا علينا، فإن كتاب الالفين يشتمل على ألف دليل لاثبات مذهبنا، وألف دليل لا بطال، مذهب غيرنا. كما تشبث بهذا المنام الملا محمد أمين الاسترآبادي الاخباري المذكور في فوائده. بحمل ذلك المنام على تأليف العلامة في أصول الفقه الذي لا يرتضيه الاخبارية. ونحن نقول: إن هذا المنام مختلق مكذوب على العلامة، وإمارة ذلك: ما فيه من التسجيع، مع أن العلامة إما مأجور أو معذور، وتأليفه في علم أصول الفقه من أفضل أعماله. ولا يستند إلى المنامات إلا ضعفاء العقول أو من يروجون بها نحلهم وأهواءهم (1).

(1) أعيان الشيعة ج 5 ص 400.

[ 62 ]

وصاياه الأخلاقية وللعلامة - رحمه الله - وصايا أخلاقية كثيرة، نذكر منها اثنتين: الأولى: الوصية التي أوردها في آخر كتابه القواعد، والثانية: التي أوصى بها ولده محمد عند ما كان مشغولا بإتمام كتاب والده الالفين في إمامة أمير المؤمنين - عليه السلام -، الذي ظل ناقصا " بسبب وفاة العلامة، أما الأولى، قال فيها لابنه فخر المحققين: اعلم يا بني أعانك الله على طاعته، ووفقك لفعل الخير وملازمته، وأرشدك إلى ما يحبه ويرضاه، وبلغك من الخير ما تأمله وتتمناه، وأسعدك في الدارين، وحباك بكل ما تقربه العين، ومد لك في العمر السعيد والعيش الرغيد، وختم أعمالك بالصالحات، ورزقك أسباب السعادات، وأفاض عليك من عظائم البركات، ووقاك الله كل محذور، ودفع عنك الشرور. إني قد لخصت لك في هذا الكتاب لب فتاوى الأحكام، وبينت لك فيه قواعد شرائع الاسلام، بألفاظ مختصرة، وعبارة محررة، وأوضحت لك فيه نهج الرشاد وطريق السداد، وذلك بعد أن بلغت من العمر الخمسين، ودخلت في عشر الستين، وقد حكم سيد البرايا، بأنها مبدأ اعتراك المنايا، فإن حكم الله تعالى علي فيها بأمره، وقضى فيها بقدره، وأنفذ ما حكم به على العباد، الحاضر منهم والباد فإني أوصيك كما افترض الله تعالى علي من الوصية، وأمرني به حين إدراك المنية، بملازمة تقوى الله تعالى، فإنها السنة القائمة، والفريضة اللازمة، والجنة الواقية، والعدة الباقية، وأنفع ما أعده الانسان ليوم تشخص فيه الابصار، ويعدم عنه الأنصار. عليك باتباع أوامر الله تعالى، وفعل ما يرضيه، واجتناب ما يكرهه، والانزجار

[ 63 ]

عن نواهيه، وقطع زمانك في تحصيل الكمالات النفسانية، وصرف أوقاتك في اقتناء الفضائل العلمية، والارتقاء عن حضيض النقصان إلى ذروة الكمال، والارتفاع إلى أوج العرفان عن مهبط الجهال، وبذل المعروف، ومساعدة الاخوان، ومقابلة المسئ بالاحسان، والمحسن بالامتنان، وإياك ومصاحبة الأرذال، ومعاشرة الجهال، فإنها تفيد خلقا ذميما، وملكة ردية، بل عليك بملازمة العلماء، ومجالسة الفضلاء، فإنها تفيد استعدادا تاما لتحصيل الكمالات، وتثمر لك ملكة راسخة لاستنباط المجهولات، وليكن يومك خيرا من أمسك، وعليك بالتوكل والصبر والرضاء، وحاسب نفسك في كل يوم وليلة، وأكثر من الاستغفار لربك، واتق دعاء المظلوم، خصوصا اليتامى والعجائز، فإن الله تعالى لا يسامح بكسر كسير، وعليك الصلاة الليل، فإن رسول الله - صلى الله عليه وآله - حث عليها، وندب إليها، وقال: (من ختم له بقيام الليل ثم مات فله الجنة). وعليك بصلة الرحم فإنها تزيد في العمر، وعليك بحسن الخلق، فإن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم). وعليك بصلة الذريعة العلوية، فإن الله تعالى قد أكد الوصية فيهم، وجعل مودتهم أجر الرسالة والارشاد فقال تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا " إلا المودة في القربى) وقال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: (إني شافع يوم القيامة لاربعة أصناف ولو جاءوا بذنوب أهل الدنيا: رجل نصر ذريتي، ورجل بذل ماله لذريتي عند المضيق، ورجل أحب ذريتي باللسان والقلب، ورجل سعى في حوائج ذريتي إذا طردوا وشردوا) وقال الصادق - عليه السلام -: (إذا كان يوم القيامة، نادى مناد: أيها الخلائق أنصتوا فإن محمدا يكلمكم، فينصت الخلائق، فيقوم النبي - صلى الله عليه وآله - فيقول: يا معشر الخلائق، من كانت له عندي يد أو منة أو معروف فليقم حتى أكافيه، فيقولون: بآبائنا وأمهاتنا، وأي يد وأي منة وأي معروف لنا؟ بل اليد والمنة والمعروف لله ولرسوله على جميع الخلائق؟! فيقول: بلى من آوى أحدا من أهل بيتي

[ 64 ]

أو برهم أو كساهم من عري أو أشبع جائعهم، فليقم حتى أكافيه، فيقوم أناس قد فعلوا ذلك، فيأتي النداء من عند الله: يا محمد، يا حبيبي، قد جعلت مكافأتهم إليك فأسكنهم من الجنة حيث شئت، فيسكنهم في الوسيلة حيث لا يحجبون عن محمد - صلى الله عليه وآله - وأهل بيته - صلوات الله عليهم). وعليك بتعظيم الفقهاء، وتكريم العلماء، فإن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: (من أكرم فقيها " مسلما "، لقى الله تعالى يوم القيامة وهو عنه راض، ومن أهان فقيها " مسلما "، لقى الله تعالى يوم القيامة وهو عليه غضبان). وجعل النظر إلى وجه العلماء عبادة، والنظر إلى باب العالم عبادة، ومجالسة العلماء عبادة. وعليك بكثرة الاجتهاد في ازدياد العلم والفقه في الدين، فإن أمير المؤمنين - عليه السلام - قال لولده: (تفقه في الدين، فإن الفقهاء ورثة الأنبياء، وأن طالب العلم يستغفر له من في السماوات ومن في الارض، حتى الطير في جو السماء، والحوت في البحر، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى به). وإياك وكتمان العلم ومنعه عن المستحقين لبذله، فإن الله تعالى يقول: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون). وقال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: (إذا ظهرت البدع في أمتي، فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل، فعليه لعنة الله). وقال - صلى الله عليه وآله -: (لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم). وعليك بتلاوة القرآن العزيز، والتفكر في معانيه، وامتثال أوامره ونواهيه، وتتبع الأخبار النبوية، والآثار المحمدية، والبحث عن معانيها، واستقصاء النظر فيها، وقد وضعت لك كتبا " متعددة في ذلك كله.

[ 65 ]

هذا ما يرجع إليك، وأما ما يرجع إلي ويعود نفعه علي: فأن تتعهدي بالترحم في بعض الاوقات، وأن تهدي علي ثواب بعض الطاعات، ولا تقلل من ذكري، فينسبك أهل الوفاء إلى الغدر، ولا تكثر من ذكري، فينسبك أهل العزم إلى العجز، بل اذكرني في خلواتك وعقيب صلواتك، واقض ما علي من الديون الواجبة، والتعهدات اللازمة، وزر قبري بقدر الامكان، واقرأ عليه شيئا " من القرآن، وكل كتاب صنفته وحكم الله تعالى بأمره قبل إتمامه، فأكمله، وأصلح ما تجده من الخلل والنقصان، والخطأ والنسيان. هذه وصيتي إليك، والله خليفتي عليك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وأما الثانية: فهي التي نقلها ولده فخر المحققين محمد في كتاب الالفين، قال: يقول محمد بن الحسن بن المطهر حيث وصل في ترتيب هذا الكتاب وتبيينه إلى هذا الدليل.. خطر لي أن هذا خطابي لا يصلح في المسائل البرهانية، فتوقفت في كتابته، فرأيت والدي عليه الرحمة تلك الليلة في المنام وقد سلاني السلوان، وصالحني الأحزان، فبكيت بكاءا شديدا وشكيت إليه من قلة المساعد وكثرة المعاند، وهجر الاخوان، وكثرة العدوان، وتواتر الكذب والبهتان، حتى أوجب ذلك لي جلاءا عن الاوطان، والهرب إلى أراضي آذربايجان، فقال لي: اقطع خطابك فقد قطعت نياط قلبي، وقد سلمتك إلى الله، فهو سند من لا سند له، وجاز في المسئ بالاحسان، فلك ملك عالم عادل قادر لا يهمل مثقال ذرة، وعوض الآخرة أحب إليك من عوض الدنيا، ومن أجرته إلى الآخرة فهو أحسن وأنت أكسب، ألا ترضى بوصول أعواض لم تتعب فيها أعضاؤك، ولم تكل بها قواك، والله لو علم الظالم والمظلوم بخسارة التجارة وربحها لكان الظلم عند المظلوم مترجى، وعند الظالم متوقى، دع المبالغة في الحزن علي، فإني قد بلغت من المنى أقصاها، ومن الدرجات أعلاها، ومن الغرف ذراها، وأقلل من البكاء،

[ 66 ]

فأنا مبالغ لك في الدعاء (1). ثم سأله إبنه عن الدليل وأجابه عليه، فثبته بما أفاده العلامة. وإلى جانب هاتين الوصيتين الرفيعتين، هناك وصايا له كثيرة، ذكرها في ذيل الاجازات الشريفة لتلاميذه ومن رووا عنه. مناقبه وله - رحمه الله - مناقب كثيرة، نذكر منها واحدة فقط، رواها المحدث القمي - قدس سره - في السفينة، قال: ذكر القاضي في المجالس، وبعض فضلاء عصر الشيخ البهائي في كشكوله حكاية له، بهذا اللفظ: قيل: إنه كان يطلب من بعض الافاضل كتابا لينسخه وكان يأبى عليه وكان كتابا كبيرا جدا، فاتفق أنه أخذه منه مشترطا بأنه لا يبقى عنده غير ليلة واحدة، وهذا الكتاب لا يمكن نسخه إلا في ستة أو أكثر، فأتى به الشيخ رحمه الله وشرع في كتابته في تلك الليلة، فكتب منه صفحات ومل، وإذا برجل يدخل عليه من الباب بصفة أهل الحجار، فسلم وجلس، ثم قال: أيها الشيخ تمسطر لي الأوراق وأنا أكتب، فكان الشيخ يمسطر له الأوراق وذلك الرجل يكتب، وكان لا يلحق الممسطر بسرعة كتابته، فلما نقر ديك الصباح وصاح إذا الكتاب بأسره مكتوب تماما ". وقيل: إن العلامة - رحمه الله - لما مل الكتابة، فرأى الكتاب مكتوبا "، وصرح في المجالس بأنه كان هو الحجة - عليه السلام - (2).

(1) الالفين ص 127.
(2) سفينة البحار ج 2 ص 228.

[ 67 ]

أعقابه خلف - رحمه الله - عدة أولاد ذكورا وإناثا، أرباب الفضل ورباته، أشهرهم وأجلهم: الشيخ الامام الهمام القدوة فخر الاسلام محمد - صاحب كتاب إيضاح القواعد - المتوفى سنة 771 ق. ثم إنه - قدس سره - من على من بعده من المستفيدين بإقدامه على شرح كتب المتقدمين والتعليقة عليها، سيما مصنفات أستاذه في العلوم العقلية، بحيث قال أستاذه المذكور في حقه على ما في بعض المجاميع المخطوطة ما لفظه: لو لم يكن هذا الشاب العربي، لكانت كتبي ومقالاتي في العلوم كبخاتي خراسان، غير ممكنة من السلطة عليها. وينقل عن شيخه وخاله المحقق، أنه وصفه بما يقرب من هذا بالنسبة إلى كتبه الفقهية والأصولية (1). أشعاره قال العلامة المجلسي في البحار: قد سمعت من صاحب الرياض أنه وصفه بالشاعر الماهر، ولم نجد له في كتب التراجم شعرا غير ما ذكره صاحب الروضات، قال: اتفق لي العثور في هذه الأواخر على مجموعة من ذخائر أهل الاعتبار، ولطائف آثار فضلاء الأدوار، فيها نسبة هذه الاشعار الابكار إليه: ليس في كل ساعة أنا محتاج * ولا أنت قادر أن تنيلا فاغتنم حاجتي ويسرك فاحرز * فرصة تسترق فيها الخليلا

(1) اللئالئ المنتظمة والدرر الثمينة ص 62.

[ 68 ]

وقال: وله أيضا ": ما كتبه إلى العلامة الطوسي مسترخصا للسفر إلى العراق من السلطانية: محبتي تقتضي مقامي * وحالتي تقتضي الرحيلا هذان خصمان لست أقضي * بينهما خوف أن أميلا ولا يزالان في اختصام * حتى نرى رأيك الجميلا وكتب إلى الشيخ تقي الدين ابن تيمية - كما مر بنا - بعد ما بلغه أنه رد على كتابه في الامامة، ووصل إليه كتابه أبياتا " أولها: لو كنت تعلم كل ما علم الورى * طرا لصرت صديق كل العالم لكن جهلت فقلت إن جميع من * يهوى خلاف هواك ليس بعالم (1). وفاته ومدفنه وتوفي - رحمه الله - في مدينته (الحلة المزيدية) يوم السبت، الحادي والعشرين من محرم الحرام سنة 726 ق، فيكون عمره الشريف 78 عاما " وأربعة أشهر وتسعة أيام. ونقل إلى الحضرة الحيدرية - على صاحبها آلاف التحية والسلام - فدفن في حجرة عن يمين الداخل إلى الحرم الغروي من جهة الشمال، وقبره ظاهر معروف مزور إلى اليوم، ويقابله قبر المحقق الأردبيلي، فأكرم بهما من بوابين لتلك القبة السامقة، والروضة الربانية الشريفة. صفاء الدين البصري مشهد المقدسة 1414 ق

(1) بحار الانوار ج. (المدخل) ص 248 من الطبعة الجديدة.

[ 1 ]

منتهى المطلب في تحقيق المذهب للعلامة الحلي الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر 648 - 726 ه‍ الجزء الثالث تحقيق قسم الفقه في مجمع البحوث الاسلامية

[ 3 ]

نحمد الله تعالى على أن وفقنا للعمل في تحقيق كتاب منتهى المطلب للعلامة الحلي قدس سره وذلك بالاستفادة من إمكانيات مجمع البحوث الاسلامية، ومصادر مكتبته الغنية. وقد صدر منه لحد الآن مجلدان، وها نحن نقدم المجلد الثالث بين يدي طلاب العلم، والذي يبدأ من أول " المقصد الرابع: في أحكام التيمم " وينتهي بآخر " المقصد الخامس: في الطهارة من النجاسات وأحكامها، وكلام في الاواني والجلود ". وهو آخر الجزء الأول من المنتهى حسب تقسيم العلامة نفسه للكتاب. وهنا نود أن نحيط قراءنا الأعزاء علما بأن بقية أجزاء الكتاب ستخرج إلى عالم النور في القريب العاجل، إن شاء الله. قسم الفقه في مجموع البحوث الاسلامية

[ 5 ]

* * المقصد الرابع * * في التيمم

[ 9 ]

وهو في اللغة: القصد (1)، قال الله تعالى: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " (2). ونقل في الشرع إلى مسح الوجه واليدين بالتراب على وجه التقرب، وحده أنه طهارة ترابية مقرونة بالنية، وهو جائز بالنص والاجماع، والنظر فيه يتعلق بشروطه، وما به يكون التيمم، وكيفيته، وأحكامه. فها هنا أربعة مباحث: الأول: في الشروط: مسألة: إنما يباح التيمم عند العجز عن استعمال الماء، وللعجز أسباب. أحدها: فقد الماء سفرا، طويلا كان أو قصيرا. وهو مذهب علمائنا أجمع، وهو قول أكثر أهل العلم (3)، خلافا للشافعي في أحد القولين فإنه اشترط السفر الطويل في إباحة التيمم (4). لنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا " (5) دل بمطلقه على إباحة

(1) النهاية لابن الأثير: 300.
(2) البقرة ": 267. (3) المغني 1: 266، تفسير القرطبي 5: 218، عمدة القارئ 4: 7، الأم (مختصر المزني) 8: 7، الأم 1: 45 (4) المجموع 2: 303.
(5) المائدة: 6، النساء: 43

[ 10 ]

التيمم في كل سفر. وما رواه الجمهور، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير " (1). قال الترمذي: وهو حديث حسن صحيح (2)، وذلك عام في قصير السفر وطويله. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن ابن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إذا لم يجد الرجل طهورا أو كان جنبا فليمسح من الارض وليصل فإذا وجد الماء فليغتسل وقد أجزأته صلاته التي صلاها " (3) وذلك عام في كل فاقد، ولأن السفر القصير يكثر فيكثر عدم الماء فيه فيحتاج معه إلى التيمم، فيسقط به الفرض كالسفر الطويل. فرعان: الأول: لا فرق بين السفر إذا كان طاعة أو معصية لأن التيمم واجب على الفاقد مطلقا، فلا يجوز تركه، ولأنه رخصة لا يختص بالسفر فساغ في سفر المعصية، ولا إعادة عليه لأنها وقعت مأمورا بها فوجب الإجزاء. الثاني: لو خرج من بلده إلى أرض من ضياعه لحاجة كالزرع والحصاد والاحتطاب وأشباهها ولم يستصحب الماء للوضوء فحضرت الصلاة ولا ماء معه ولا يمكنه الرجوع إلا مع فوات حاجته الضرورية، ساغ (4) له التيمم، لأنه في محل

(1) سنن الترمذي 1: 212 حديث 124، نيل الأوطار 1: 336.
(2) سنن الترمذي 1: 213.
(3) التهذيب 1: 197 حديث 572، الاستبصار 1: 161 حديث 558، الوسائل 2: 983 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 7.
(4) " ح " يساغ.

[ 11 ]

الضرورة. مسألة: لو فقد الماء حضرا بأن انقطع الماء عنه أو حبس، وجب عليه التيمم والصلاة. وهو مذهب علمائنا أجمع وبه قال مالك (1)، والثوري، والأوزاعي (2)، والشافعي (3)، وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: أولا لا يصلي (4). وهو قول أحمد في [ رواية ] (5). وقال زفر: لا يصلي أصلا (6) قولا واحدا. لنا: ما رواه الجمهور، عن أبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين) (7) وهي عامة. وما رووه عنه عليه السلام أنه قال: (جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا، أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت) (8) وذلك عام في السفر والحضر.

(1) المدونة الكبرى 1: 44، بداية المجتهد 1: 66، المغني 1: 267، المجموع 2: 305، ميزان الكبرى 1: 124، تفسير القرطبي 5: 218، عمدة القاري 4: 7.
(2) المغني 1: 267، المجموع 2: 305.
(3) المجموع 2: 305، ميزان الكبرى 1: 124، بداية المجتهد 1: 66، المغني 1: 267.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 123، بدائع الصنائع 1: 50، المغني 1: 267، عمدة القاري 4: 7، المجموع 2: 305.
(5) المغني 1: 267، الكافي لابن قدامة 1: 88.
(6) بدائع الصنائع 1: 50، المحلى 2: 139، تفسير القرطبي 5: 218، المحلى 2: 118، عمدة القاري 4: 7.
(7) سنن الترمذي 1: 212 حديث 124، سنن النسائي 1: 171، مسند أحمد 5: 180، مستدرك الحاكم 1: 176 177.
(8) صحيح مسلم 1: 371 حديث 521، سنن الدار قطني 1: 175 حديث 1، وفيهما: تربتها مكان ترابها، سنن البيهقي 1: 213. وبهذا اللفظ من الخاصة انظر: عوالي اللئالي 2: 13، 208، الوافي 1: 4، دعائم الاسلام 1: 121120.

[ 12 ]

ومن طريق الخاصة: ما تقدم في حديث ابن سنان، فإنه عام في الفاقد سفرا وحضرا. وما رواه في الصحيح، عن محمد بن حمران، وجميل عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إن الله تعالى جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " (1) والمشابهة تستلزم التساوي في كل الأحكام، وخرجت عنه صورة وجود الماء، فيبقى الباقي على العموم، وطهورية الماء غير مشروطة بالسفر فكذا التراب. احتج أبو حنيفة: بأن الله تعالى شرط السفر لجواز التيمم، فلا يجوز لغيره (2)، تحقيقا لمعنى الشرط. والجواب: المنع من اشتراط السفر، والآية لا تدل عليه لأنه تعالى ذكر أمورا في الأغلب هي أعذار كالمرض والسفر، وإذا خرج الوصف مخرج الأغلب لا يدل على نفي الحكم عما عداه إجماعا، ولو سلمنا، لكنه إنما يدل من حيث دليل الخطاب، وأبو حنيفة لا يقول به. فكيف استجاز هاهنا أن يعمل به، وهل ذلك إلا مناقضة؟! فروع: الأول: إذا (3) صلى بهذا التيمم لا يجب عليه الاعادة. وبه قال مالك (4)، والمزني (5)، وقال الشافعي: يعيد (6). وسيأتي.

(1) التهذيب 1: 404 حديث 1264، الوسائل 2: 994 الباب 23 من أبواب التيمم، حديث 1 و 995 الباب 24 أبواب التيمم، حديث 2 وج 1: 99 الباب 1 من أبواب الماء المطلق، حديث 1. (2) المغني 1: 267، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 268.
(3) " ح " " ق ": لو.
(4) المجموع 2: 305، المغني 1: 267، المدونة الكبرى 1: 421، تفسير القرطبي 4: 218، عمدة القاري 4: 7، ميزان الكبرى 1: 124.
(5) المجموع 2: 305، الأم (مختصر المزني) 8: 7.
(6) المجموع 2: 304، المغني 1: 267.

[ 13 ]

الثاني: مسافر افتتح الصلاة بالتيمم، ثم نوى الإقامة في أثناء صلاته، مضى في صلاته إجماعا ولا يعيد عندنا. وقال الشافعي: يعيد (1)، لأن الإقامة إذا قارنت ابتداء الصلاة منعت من الاحتساب بالصلاة في حق المتيمم، فكذا إذا طرأت، لأن الصلاة لا ينتقض حكمها. الثالث: مسافر دخل في طريقه إلى بعض البلاد فعدم الماء، فإنه يصلي بالتيمم. وهل يلزمه الاعادة؟ أما عندنا فلا يلزمه إجماعا، وأما عند الشافعي فوجهان، هذا أحدهما، لأنه مسافر، فلهذا يباح له الفطر والقصر. والثاني: يعيد، لأن عدم الماء في دار الإقامة نادر ولا يدوم، فتجب الاعادة (2) كما وجب على الحائض قضاء الصوم لندوره وعدم دوامه. مسألة: لو وجد الماء بثمن مثله في موضعه وهو يقدر عليه مع استغنائه عنه، وجب عليه شراؤه. ولا نعرف فيه خلافا، لأنه واجد لأن القدرة على ثمن العين الكاملة كالقدرة على عينها في المنع من الانتقال إلى العين الناقصة كالرقبة. أما لو وجده بزيادة عن ثمن مثله، فإن كانت الزيادة يسيرة وجب عليه شراؤه. وهو مذهب علمائنا، وبه قال أحمد (3) وأبو حنيفة (4)، ومالك (5). وقال الشافعي: لا يجب (6). لنا: إنه قادر على ثمن العين، فكان قادرا على العين، فإن القدرة على الثمن كالقدرة على العين في المنع من الانتقال إلى البدل بدليل ما لو بيعت بثمن مثلها، وكالرقبة في باب الظهار. ولو وجده بثمن زائد عن ثمن المثل زيادة كثيرة، قال الشيخ: يجب عليه شراؤه مع

(21) المجموع 2: 304.
(3) المغني 1: 273، الكافي لابن قدامة 1: 83.
(4) بدائع الصنائع 1: 49، شرح فتح القدير 1: 125، المجموع 2: 255. (5) المدونة الكبرى 1: 46، تفسير القرطبي 5: 228.
(6) المجموع 2: 254، بدائع الصنائع 1: 49، تفسير القرطبي 5: 228، المحلى 2: 136.

[ 14 ]

المكنة ودفع الضرر (1). وهو مذهب المرتضى (2)، واختاره مالك (3). وقال ابن الجنيد: لا يجب (4)، وهو قول الشافعي (5)، وأصحاب الراي (6). ولأحمد وجهان (7)، والحق الأول. لنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا " (8) وهذا واجد لما بينا أن وجدان الثمن كوجدان العين وما رواه الجمهور، عن أبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وآله (فإذا وجد الماء فليمسه بشرته) (9). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ وابن يعقوب في الصحيح، عن صفوان، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام، عن رجل احتاج إلى الوضوء للصلاة وهو لا يقدر على الماء فوجد قدر ما يتوضأ به بمائة درهم أو بألف درهم وهو واجد لها، يشتري ويتوضأ أو يتيمم؟ قال: " لا بل يشتري، قد أصابني مثل هذا فاشتريت وتوضأت وما يشترى بذلك مال كثير " (10). وأيضا: عندهم أن المريض يلزمه الغسل، وضرر النفس أعظم من ضرر المال،

(1) المبسوط 1: 30.
(2) نقل عنه في المعتبر 1: 369.
(3) المدونة الكبرى 1: 46، المحلى 2: 136.
(4) نقل عنه في المعتبر 1: 369.
(5) المجموع 2: 254، بدائع الصنائع 1: 49، تفسير القرطبي 5: 228، المحلى 2: 136، المغني 1: 273.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 115، الهداية للمرغيناني 1: 28، المغني 1: 273، المجموع 2: 254 255، بدائع الصنائع 1: 49، شرح فتح القدير 1: 125.
(7) المغني 1: 273، الكافي لابن قدامة 1: 83.
(8) النساء: 48، المائدة: 6.
(9) سنن الترمذي 1: 212 حديث 124، مستدرك الحاكم 1: 176 177، مسند أحمد 5: 180.
(10) التهذيب 1: 406 حديث 1276، الكافي 3: 74 حديث 17، الوسائل 2: 997 الباب 26 من أبواب التيمم، حديث 1.

[ 15 ]

فلما أسقطوا اعتبار الضرر ثم، وجب سقوطه هنا احتج المخالف (1) بقوله عليه السلام (لا ضرر ولا إضرار) (2)، وزيادة الثمن ضرر، ولأنه لو خاف لصا على ماله لو فارقه إلى الوضوء لساغ له التيمم، فلا يجب صرفه ثمنا. والجواب عن الأول: إنه ليس محل النزاع، إذ البحث فيما لا ضرر فيه، وأيضا: فهو مخصوص بالثمن المساوي، فإنه نوع ضرر، ومع ذلك لم يلتفت إليه، فكذا هنا بجامع ما يشتركان فيه من المصلحة الناشئة من تحصيل ثواب الطهارة. وعن الثاني بالفرق. أما أولا: فلوجود النص الدال على إباحة التيمم مع الخوف على المال ووجود النص الدال على وجود الشراء بالثمن الكثير. وأما ثانيا: فلانتقاضه بصورة المساوي. وأما ثالثا: فللفرق بينهما، فإن في صورة الخوف يسوغ له التيمم، لأن عوض المال هناك على اللص فلا يزيد عليه. وفي صورة الشراء العوض فيه على الله تعالى فيحصل الثواب وهو زائد على المال فافترقا. فروع: الأول: لا فرق بين أن تكون الزيادة مما يتغابن الناس بها أولا عندنا. وقالت الحنفية: إن كانت الزيادة يتغابن الناس في مثلها، لزمه شراؤها كالوكيل في الشراء يجوز أن يشتري بأزيد من ثمن المثل مما يتغابن الناس به وإن كانت مما لا يتغابن الناس بها، لم يجز الشراء (3). والحق عندنا وجوب الشراء مطلقا. الثاني: لو بذل له ماء للطهارة وجب عليه قبوله، لأنه قادر على استعماله ولا منة

(1) المغني 1: 273.
(2) مسند أحمد 1: 313، سنن الدار قطني 4: 228 حديث 84 85.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 115، بدائع الصنائع 1: 49، شرح فتح القدير 1: 126125.

[ 16 ]

عليه في قبوله، فكان الشرط مفقودا. الثالث: لو وجده بثمن لا يقدر عليه، فبذل له الثمن، وجب عليه قبوله. وهو اختيار الشيخ (1)، خلافا للشافعي (2). لنا: إنه واجد فلا يجوز له التيمم. احتجوا بأن المنة تلحقه بذلك فلا يلزمه القبول والجواب: إن المنة غير معتبرة في نظر، الشرع ولهذا أوجبوا قبول الماء، فثمنه مساو له في عدم المنة وثبوتها. الرابع: لو كانت الزيادة كثيرة تجحف بماله، سقط عنه وجوب الشراء ولا نعرف فيه مخالفا. الخامس: إذا لم يكن معه الثمن، فبذل له بثمن في ذمته يقدر على أدائه في بلده وجب عليه قبوله، خلافا لبعض الجمهور (3). لنا: إنه قادر على أخذه بما لا ضرر عليه فيه فكان واجبا، كما لو اشتراه بثمن مثله وكان واجدا. احتج المخالف بأن بقاء الدين في ذمته ضرر، لجواز تلف ماله قبل أدائه (4). والجواب: لا اعتبار بهذا التجويز مع غلبة الظن بإمكان الاداء. السادس: ولو لم يبذل له وكان فاضلا عن حاجته لم يجز له المكابرة عليه، لعدم الضرورة إلى ذلك، لوجود البدل وهو التيمم بخلاف الطعام في المجاعة. السابع: لو كان عليه دين مستغرق وجب عليه الشراء في الذمة إن وجد البائع، لأنه ممكن، خلافا للشافعي (5).

(1) الخلاف 1: 44 مسألة 120، المبسوط 1: 31.
(2) مغني المحتاج 1: 91، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 232 233. (43) المغني 1: 274.
(5) المجموع 2: 255، مغني المحتاج 1: 90، السراج الوهاج: 26.

[ 17 ]

الثامن: لو احتاج إلى الثمن للنفقة لم يجب عليه الشراء قولا واحدا. التاسع: لو علم مع قوم (1) ماءا فعليه أن يطلبه منهم، لأنه إذا بذلوه لزمه قبوله منهم، وقد يبذلونه عند طلبه فلزمه ذلك، ويحتمل عدم الوجوب. وكذا لا يجب أن يستوهب الماء، نعم لو وهب وجب القبول، ويحتمل وجوب الاستيهاب، لأنه شروع في التحصيل فوجب كالطلب. العاشر: لو امتنع من اتهاب الماء، لم تصح صلاته بالتيمم ما دام الماء باقيا في يد الواهب المقيم لي الهبة، وللشافعية وجه آخر، هو عدم الوجوب، فيصح الصلاة به (2). الحادي عشر: فلو فقد الثمن لكنه يمكنه التكسب (3) والشراء وجب عليه ذلك، خلافا للشافعية (4). لنا: إنه ممكن (5)، فيجب. الثاني عشر: لو وجد ماءا موضوعا في الفلاة في حب أو كوز أو نحو ذلك للسابلة جاز له الوضوء منه ولم يسغ له التيمم خلافا لبعض الجمهور (6). لنا: إنه واجد فلم يسغ له التيمم، قالوا: إنه وضع للشرب لا غير ظنا، فلا تباح الطهارة به. قلنا: إن غلب ذلك على ظنه، وجب التيمم. أما لو كان كثيرا فالكثرة إمارة على جواز الاباحة في الشرب والوضوء، فلا خلاف في الجواز.

(1) " ح " " ق ": قومه.
(2) المجموع 2: 256، المغني المحتاج 1: 91، السراج الوهاج: 26.
(3) " د ": الدين.
(4) المجموع 2: 255، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 233.
(5) " خ " متمكن.
(6) المجموع 2: 248، بدائع الصنائع 1: 48.

[ 18 ]

مسألة: ولو وجد من الماء لا يكفيه لطهارته، وجب عليه التيمم سواء كان جنبا أو محدثا حدثا أصغر، وهو مذهب علمائنا، ولا يجب عليه استعمال الماء في الوضوء إذا كان جنبا، ولا في غسل بعض أعضائه (1) فيه وفي الحدث الأصغر، وهو أحد قولي الشافعي (2)، والأوزاعي (3)، والزهري، وحماد (4) ومالك (5)، وأصحاب الرأي (6). وقال أحمد: يتوضأ إذا (7) كان جنبا ويتيمم وإن كان محدثا تيمم (8). وقال الشافعي: يستعمل الجنب والمحدث الماء ثم يتيمم (9)، وبه قال عطاء، والحسن بن صالح (10). وحكي، عن الحسن البصري أنه قال: يغسل الجنب وجهه ويديه، وبه قال عطاء وزاد عليه فقال: إذا وجد من الماء ما يغسل به وجهه، غسله ومسح كفيه بالتراب (11). لنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (12) وأراد به ماءا مطهرا لكم، حتى تحصل المغايرة بين الأول والثاني، ولا شك أن هذا لا يطهره فلا يلزمه استعماله،

(1) " م " الأعضاء.
(2) الأم 1: 49، الأم (مختصر المزني) 8: 7، المهذب للشيرازي 1: 35، المجموع 2: 268، مغني المحتاج 1: 89، 90، المغني 1: 270، تفسير القرطبي 5: 230.
(3) المجموع 2: 268.
(4) المغني 1: 270، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 281.
(5) المدونة الكبرى 1: 47، المغني 1: 270، تفسير القرطبي 5: 230، المجموع 2: 268.
(6) المغني 1: 270، المجموع 2: 268، تفسير القرطبي 5: 230، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 281 المبسوط للسرخسي 1: 113.
(7) " ح " " ق ": إن.
(8) المغني 1: 270، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 280 281.
(9) الأم 1: 49، الأم (مختصر المزني) 6: 7، المغني 1: 270، تفسير القرطبي 1: 230.
(10) المغني 1: 270، المجموع 2: 268.
(11) المغني 1: 270. (12) النساء: 43، المائدة: 6.

[ 19 ]

ولأن الآية إنما سيقت له، وإنما الماء المحلل للصلاة ماء مقدور، وحديث أبي ذر دال عليه أيضا، لأن قوله عليه السلام: (الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين) (1) إنما أراد به، وإن لم يجد الماء الطهور أي: الذي تحصل به الطهارة. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام في رجل أجنب في سفر ومعه ما قدر ما يتوضأ به، قال: " تيمم ولا يتوضأ " (2). وما رواه في الصحيح، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (3). وما رواه، عن الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب ومعه من الماء بقدر ما يكفيه لوضوء الصلاة أيتوضأ بالماء أو يتيمم؟ قال: " يتيمم " (4). وما رواه ابن يعقوب في الحسن، عن الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إذا لم يجد الرجل طهورا وكان جنبا فليمسح من الأرض ويصلي " (5) ولأنه ماء لا يطهر فلا يلزمه استعماله كالمستعمل. ولأنه عدم الماء المقيد للطهارة المحللة للصلاة، فساغ التيمم كما لو كان عنده ماء نجس أو ماء يحتاج إليه للعطش. وهذا لأن الغسل بالماء إنما وجب لأداء الصلاة لا لذاته، فإذا لم يفده صار كالعدم. احتجوا (6) بقوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (7). * هامش * (1) سنن الترمذي 1: 213 حديث 124، سنن أبي داود 1: 91 حديث 333، النسائي 1: 171، مسند أحمد 5: 146، 155، 180، سنن البيهقي 1: 212، 220، سنن الدار قطني 1: 186 حديث 61 بتفاوت يسير.
(2) التهذيب 1: 405 حديث 1272، الوسائل 2: 996 الباب 24 من أبواب التيمم، حديث 4.
(3) التهذيب 1: 405 حديث 1273، الوسائل 2: 996 الباب 24 من أبواب التيمم، ذيل حديث 4.
(4) التهذيب 1: 404، حديث 1266، الوسائل 2: 996 الباب 24 من أبواب التيمم، حديث 3.
(5) الكافي 3: 63، حديث 3، الوسائل 2: 982 الباب 41 من أبواب التيمم، حديث 4.
(6) المغني 1: 270، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 280 281.

[ 20 ]

لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم) (1). ولأنه وجد ما يمكنه استعماله في بعض جسده، فلزمه كما لو كان أكثر بدنه صحيحا وبعضه جريحا، ولأنه قدر على بعض الشرط، فلزمه كالسترة وإزالة النجاسة، ولأنه يكفيه مسح بعض وجهه ويديه بالتراب، فغسل جميعهما (2) أولى. والجواب عن الأول: ما بينا من دلالة الآية لنا، وعن الثاني: أنه عليه السلام إنما أشار بذلك إلى فعل يقبل الشدة، والزيادة، والنقصان، والطهارة ليست كذلك، نعم عدد مراتها قابل بخلاف ذاتها، على أنه ليس ها هنا ما يدل على العموم في هذه الصيغة. وعن الثالث: بالفرق بين الأكثر وصورة النزاع، على أنا نمنع الحكم في الأصل. وسيأتي. وعن الرابع: إن ستر كل واحدة من العورتين وإزالة النجاسة عن كل جزء شرط، بخلاف الطهارة التي إنما هي شرط بمجموع أجزائها، وفيه بحث، فإن لقائل أن يقول: إن غسل كل عضو أيضا شرط، لاشتراطه في تحقق المجموع. ويمكن الجواب بأن الغسل مطلقا ليس بشرط، بل الغسل بصفة الطهورية وهو إنما يحصل مع انضمام العضو الآخر إليه على تلك الصفة ولا يدور، لأنه ينتقض بالطهارة الصغرى، مع أن أظهر أقوالهم فيها التيمم من غير طهارة البعض. فروع: الأول: قالوا وإذا قلنا بصرف (3) استعماله في بعض أعضاء الطهارتين، وجب

(7) النساء: 43، المائدة: 6. (1) صحيح البخاري 9: 117، صحيح مسلم 2: 975 حديث 1337 وج 4: 1830 حديث 2337. سنن بن ماجة 1: 1 حديث 2، سنن النسائي 5: 110، مسند أحمد 2: 313، 314، 495، 580.
(2) " خ " " ح " " ق ": جميعها.
(3) " خ " " ن ": يصرف.

[ 21 ]

استعماله قبل التيمم لتحقق الاعواز المشترط. الثاني: لو تيمم فاقد الماء ثم وجد من الماء ما لا يكفيه لطهارته، لم ينتقض تيممه عندنا، وهو أحد قولي الشافعي، والآخر: ينتقض فيستعمل الماء في بعض أعضاء الطهارة ثم يتيمم (1). الثالث: لو وجد من الماء ما لا يكفيه للطهارة، وفقد التراب فكالفاقد للمطهرين. ولو فقد الماء ووجد التراب ما يكفيه لمسح وجهه فكذلك. السبب الثاني: أن يخاف على نفسه أو ماله لصا، أو سبعا، أو عدوا، أو حريقا، أو التخلف عن الرفقة وما أشبهه، فهو كالعادم لا نعرف فيه خلافا، لأنه غير واجد، إذ المراد بالوجدان تمكن الاستعمال، لاستحالة الأمر بما لا يطاق. ويؤيده: ما رواه الشيخ، عن يعقوب بن سالم (2)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل لا يكون معه ماء، والماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين أو نحو ذلك قال: " لا آمره أن يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع " (3). وما رواه في الصحيح، عن داود الرقي (4) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أكون في السفر وتحضر الصلاة وليس معي ماء ويقال: إن الماء قريب منا فأطلب الماء وأنا في وقت يمينا وشمالا؟ قال: " لا تطلب الماء ولكن تيمم فإني أخاف عليك

(1) المجموع 2: 270.
(2) يعقوب بن سالم الأحمر الكوفي، أخو أسباط بن سالم، عده الشيخ في رجاله بهذا العنوان من أصحاب الصادق (ع)، وأخرى بعنوان: يعقوب بن سالم أخو أسباط العليم السراج. رجال النجاشي 449، رجال الطوسي: 336، 337، رجال العلامة: 176.
(3) التهذيب 1: 184 حديث 528، الوسائل 2: 964 الباب 2 من أبواب التيمم، حديث 2. (4) أبو سليمان داود بن كثير الرقي، روى عن الامامين موسى والرضا (ع)، وقد عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامامين الصادق والكاظم (ع). رجال النجاشي: 156، رجال الطوسي: 190، 349، رجال العلامة: 67.

[ 22 ]

التخلف عن أصحابك فتضل ويأكلك السبع " (1). فروع: الأول: لو كان الماء بمجمع الفساق فخافت المرأة على نفسها منهم، كانت بمنزلة العادم، لما في الأمر بالمضي إلى الماء من التعرض للزنا وهتك عرضها، وربما أفضى ذلك إلى قتلها، مع أنه قد أبيح لها التيمم عند الخوف على قليل الماء فعند الخوف على النفس الأولى. الثاني: لو خاف على ماله ساغ له التيمم وكان عذرا لأنه في محل الضرورة وذلك أيضا مفهوم من قوله عليه السلام: " فيعرض له لص أو سبع ". الثالث: لو خاف على أهله إن مضى إلى الماء وتركهم من لص، أو سبع، أو خوف شديد فهو كالعادم للضرورة. الرابع: لو كان يخاف جبنا لا عن سبب موجب للخوف فهل يعذر أم لا؟ فيه نظر منشأ (2) أنه بمنزلة الخائف بسبب. السبب الثالث: أن يحتاج إلى الماء لعطشه في الحال أو لتوقعه في ثاني الحال. وقد أجمع كل من يحفظ عنه العلم على أن المسافر إذا كان معه ماء فخشي العطش، حفظ الماء للشرب وتيمم، منهم: علي عليه السلام، وابن عباس، والحسن، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وقتادة، والضحاك (3)، والثوري (4)، ومالك (5)، والشافعي (6)، وأصحاب

(1) التهذيب 1: 185 حديث 536، الوسائل 2: 964 الباب 2 من أبواب التيمم، حديث 1.
(2) " ح " " ق ": ينشأ.
(3) أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني البصري، محدث البصرة، سمع من جعفر بن محمد ويزيد بن أبي عبيد وجماعة من التابعين، وروى عنه أحمد والدارمي والبخاري وغيرهم. مات سنة 212 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 366، شذرات الذهب 2: 28، العبر 1: 285.
(4) المغني 1: 300 الشرح الكبير بهامش المغني 1: 273.
(5) المدونة الكبرى 1: 46، بلغة السالك 1: 68، المغني 1: 300، تفسير القرطبي 5: 228.

[ 23 ]

الرأي (1)، وعلمائنا أجمع، لا نعرف فيه خلافا، لأنه خائف على نفسه من استعمال الماء، فأبيح له التيمم كالمريض. ويؤيده: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن ابن سنان عن، أبي عبد الله عليه السلام، قال: في رجل أصابته جنابة في السفر وليس معه إلا ماء قليل يخاف إن هو اغتسل أن يعطش؟ قال: " إن خاف عطشا فلا يهرق منه قطرة وليتيمم بالصعيد، فإن الصعيد أحب إلي " (2). وما رواه في الموثق عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلته؟ قال: " يتيمم بالصعيد ويستبقي [ الماء ] (3) فإن الله عزوجل جعلهما طهورا: الماء والصعيد " (4). وما رواه، عن الحلبي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام الجنب يكون معه الماء القليل، فإن هو اغتسل به خاف العطش، أيغتسل به أو يتيمم؟ فقال: " بل يتيمم، وكذلك إذا أراد الوضوء " (5). فروع: الأول: لو خاف على رفيقه أو حيوان محترم أو بهائمه ساغ له التيمم، لأن المعنى المقتضي لاباحة التيمم وهو الضرورة الناشئة من خوف هلاك النفس موجود في ذلك

(6) المهذب للشيرازي 1: 34، المجموع 2: 244 245، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 239 240، مغني المحتاج 1: 92، السراج الوهاج: 26، المغني 1: 300. (1) بدائع الصنائع 1: 47، أحكام القرآن للجصاص 4: 10 المبسوط للسرخسي 1: 114، المغني 1: 300.
(2) التهذيب 1: 404 حديث 1267، الوسائل 2: 996 الباب 25 من أبواب التيمم، حديث 1.
(3) أضفناه من المصدر.
(4) التهذيب 1: 405 حديث 1274، الوسائل 2: 997 الباب 25 من أبواب التيمم، حديث 3.
(5) التهذيب 1: 406 حديث 1275، الوسائل 2: 997 الباب 25 من أبواب التيمم، حديث 2.

[ 24 ]

كله، وحرمة الرفيق والعبيد والاماء كحرمة نفسه، وحرمة بهائمه كحرمة ماله. الثاني: لو وجد خائف العطش ماءا طاهرا وماءا نجسا يكفيه أحدهما لشربه تحفظ بالطاهر للشرب، خلافا لبعض الجمهور، فإنه أوجب التوضؤ بالطاهر واستبقاء النجس للشرب (1). لنا: إن رخصة التيمم أوسع من رخصة استعمال الماء النجس. وأيضا: فهو غير قادر على ما يجوز الوضوء به وعلى ما يجوز شربه سوى هذا الظاهر، فجاز حبسه للشرب كما لو لم يكن معه سواه. احتج المخالف بأنه وجد ماءا طاهرا يستغني عن شربه فأشبه ما لو كان ماءا كثيرا طاهر (2). والجواب: المنع متجه على الاستغناء عن الشرب، إذ النجس لا يجوز شربه مع وجود الطاهر، فأشبه ما لو لم يكن موجودا. الثالث: لو وجدهما وهو عطشان شرب، الطاهر وأراق النجس مع الاستغناء سواء كان في الوقت أو قبله، خلافا لبعض الشافعية، فإنه أوجب التطهير في الوقت (3)، وإن لم يكن في الوقت جوز شرب الطاهر. لنا: إنه محتاج إلى الشرب دفعا لضرورة العطش، وشرب النجس مع وجود الطاهر حرام فتعين الطاهر. احتج بأن الطاهر مستحق للطهارة، فهو كالمعدوم. والجواب: إنما يصير مستحقا لو لم يتعلق به وجوب الشرب لدفع الضرر وها هنا هو كذلك، إذ شرب النجس حرام.

(1) المغني 1: 301، المجموع 2: 245، الانصاف 1: 266.
(2) المغني 1: 301.
(3) المغني 1: 301.

[ 25 ]

الرابع لو وجد عطشانا يخاف تلفه وجب أن يسقيه الماء ويتيمم خلافا لبعض الجمهور (1). لنا: إنه بسقيه يصدق عليه إحياء النفس، فيدخل تحت قوله تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) (2) ولأن حرمة الآدمي يقدم على الصلاة، كما لو شاهد في الصلاة غريقا لزمه تركها وإنقاذه، فلأن يقدمها على الطهارة بالماء أولى، ولأن حفظ نفس الغير واجب لا عوض له، والوضوء وإن كان واجبا إلا أن التيمم يقوم مقامه. الخامس: لو مات صاحب الماء ورفقاؤه عطاش، يمموه وشربوا الماء وغرموا ثمن المال لأجل الضرورة. السادس: لو احتاج إلى ثمن ما معه من الماء للنفقة جاز له بيعه والتيمم، لأن ما استقر فيه حاجة الانسان يجعل كالمعدوم شرعا. السابع: لو لم يحتج إليه في يومه لكن في غده، فإن ظن فقدانه في الغد تيمم وحفظه. وإن علم وجوده في الغد توضأ به، وإن ظن، احتمل إلحاقه بالعالم وبالأول لأن الأصل العدم. الثامن: لو خاف على حيوان الغير التلف، ففي وجوب سقيه إشكال، فإن أوجبناه فالأقرب رجوعه على المالك بالثمن. السبب الرابع: المرض والجرح وما أشبههما، وقد ذهب علماؤنا أجمع إلى أنه إذا خاف على نفسه من استعمال الماء فله التيمم، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم: ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس، والنخعي، وقتادة (3)، ومالك (4)، والشافعي (5)،

(1) المغني 1: 301، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 242.
(2) المائدة: 32.
(3) المغني 1: 294، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 271. (4) المدونة الكبرى 1: 45، بداية المجتهد 1: 66، المغني 1: 294، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 271. + + + +

[ 26 ]

وأصحاب الرأي (1) ولم يرخص عطاء في التيمم إلا عند عدم الماء (2)، ونحوه عن الحسن في المجدور والجنب، قال: لابد من الغسل (3). لنا: قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (4) وقوله: (ولا تقتلوا أنفسكم) (5). وما رواه الجمهور في حديث ابن عباس وجابر في الذي أصابته الشجة (6) وفي (7) وحديث عمرو بن العاص حين تيمم من خوف البرد (8). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن محمد بن مسكين (9) وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قيل له: إن فلانا أصابته جنابة وهو مجدور فغسلوه فمات، فقال: " قتلوه ألا سألوا؟ ألا يمموه؟ إن شفاء العي السؤال ". قال الشيخ وابن يعقوب معا عقيب هذا الحديث: وروي ذلك في الكسير

(5) المجموع 2: 285، مغني المحتاج 1: 92، السراج الوهاج: 26، المغني 1: 294، الشرح المغني 1: 271. (1) بدائع الصائغ 1: 48، المبسوط للسرخسي 1: 122، الهداية للمرغيناني 1: 25، شرح فتح القدير 1: 108، 109.
(2) المغني 1: 294 295، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 271، المجموع 2: 285، بداية المجتهد 1: 66.
(3) المغني 1: 295 الشرح الكبير بهامش المغني 1: 271، المجموع 2: 285.
(4) البقرة: 195.
(5) النساء: 29.
(6) سنن ابن ماجة 1: 189 حديث 572، سنن أبي داود 1: 93 حديث 337، سنن البيهقي 1: 227، سنن الدار قطني 1: 190 191 حديث 74 مستدرك الحاكم 1: 178.
(7) سنن أبي داود 1: 93 حديث 336، سنن البيهقي 1: 227 228، سنن الدار قطني 1: 189 حديث 3.
(8) سنن أبي داود 1: 92 حديث 334، سنن البيهقي 1: 225، مسند أحمد 4: 203، مستدرك الحاكم 1: 177.
(9) محمد بن سكين أو مسكين بن عمار النخعي الجمال، ثقة، روى أبوه عن أبي عبد الله (ع). الفهرست: 151، رجال النجاشي: 361، رجال العلامة: 158.

[ 27 ]

والمبطون يتيمم ولا يغتسل (1). وما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجنب يكون به القروح، قال: " لا بأس بأن لا يغتسل ويتيمم " (2). وما رواه في الحسن، عن داود بن سرحان (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل تصيبه الجنابة وبه جروح أو قروح أو يخاف على نفسه من البرد؟ قال: " لا يغتسل ويتيمم " (4). وما رواه في الموثق عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام في الرجل تكون به القروح في جسده فتصيبه الجنابة؟ قال: " يتيمم " (5). وما رواه في الصحيح، عن أبي عمير، عن بعض أصحابه قال: " يؤمم المجدور والكسير إذا أصابتهما الجنابة " (6). ولأنه يسوغ التيمم عند خوف العطش والسبع فكذا هاهنا، إذ الخوف واحد واختلاف جهاته لا يوجب تغايره. احتج المخالف بأنه تعالى شرط في التيمم عدم الماء فلم يجز معه مطلقا (7).

(1) الكافي 3: 68 حديث 5، التهذيب 1: 184 حديث 529، الوسائل 2: 967 الباب 5 من أبواب التيمم، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 184 حديث 530، الوسائل 2: 967 الباب 5 من أبواب التيمم، حديث 5.
(3) داود بن سرحان العطار، كوفي ثقة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (ع)، له كتاب، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال النجاشي: 159، رجال الطوسي: 190، الفهرست: 68.
(4) التهذيب 1: 185 حديث 531، الوسائل 2: 968 الباب 5 من أبواب التيمم، حديث 8.
(5) التهذيب 1: 185 حديث 532، الوسائل 2: 968 الباب 5 من أبواب التيمم، حديث 9.
(6) التهذيب 1: 185 حديث 533، الوسائل 2: 968 الباب 5 من أبواب التيمم، حديث 10. وفيهما: عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام.
(7) المغني 1: 294، 295، المجموع 2: 285.

[ 28 ]

والجواب: المراد من الوجدان أن، التمكن من الاستعمال، لما قلناه. مسألة: لا فرق في الخوف بين خوف التلف، أو زيادة المرض، أو تباطؤ البرء، أو الشين الفاحش، أو الالم الذي لا يحتمله. وهو على الاطلاق مذهب أكثر علمائنا (1). وقال الشيخ رحمه الله: إن كان الخائف قد تعمد الجنابة وجب عليه الغسل وإن لحقه برد، إلا أن يبلغ حدا يخاف على نفسه التلف (2). وقال الشافعي في الأم: لا يباح التيمم للخائف مطلقا إلا مع خوف التلف (3). وهو إحدى الروايتين عن أحمد (4)، وحكاه ابن المنذر، عن عطاء، والحسن البصري (5)، وله قول آخر أنه يجوز له التيمم وإن خاف ما ذكرناه (6). وهو قول أصحاب الرأي (7)، والرواية الأخرى لأحمد (8). لنا: قوله تعالى: " وإن كنتم مرضى " (9) وذلك عام. ولأنه يجوز له التيمم إذا خاف ذهاب شئ من ماله، أو ضررا في نفسه، أو سبعا أو لصا، أو لم يجد الماء إلا بالكثرة الضارة فلإن يجوز ها هنا أولى.

(1) منهم: الصدوق في الفقيه 1: 58 59، والشيخ في المبسوط 1: 30، والقاضي ابن البراج في المهذب 1: 47 48، وأبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 136، والمحقق الحلي في المعتبر 1: 363، 365.
(2) النهاية: 46.
(3) الأم 1: 42، تفسير القرطبى. (4) المغني 1: 295 الانصاف 1: 265، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 272. المجموع 2: 286، سبل السلام 1: 98.
(5) المغني 1: 294 295، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 271، تفسير القرطبي 5: 216.
(6) المهذب للشيرازي 1: 35، المجموع 2: 285، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 270 271، تفسير القرطبي 5: 217.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 112، الهداية للمرغيناني 1: 25، شرح فتح القدير 1: 108 109، المغني 1: 295، الشرح الكبير بهامش المغني 2: 272، المجموع 2: 285.
(8) المغني 1: 295، الكافي لابن قدامة 1: 82، الانصاف 1: 265، المجموع 2: 285.
(9) النساء: 42، المائدة: 6.

[ 29 ]

ولأن ترك القيام في الصلاة وتأخير الصيام وترك الاستقبال لا ينحصر في خوف التلف، فكذا ها هنا. وما رواه الشيخ في الصحيح، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر: في الرجل تصيبه الجنابة وبه قروح أو جروح أو يكون يخاف على نفسه البرد؟ قال: " لا يغتسل يتيمم " (1) ورواه في الحسن، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله عليه السلام (2). احتج الشيخ بما رواه، عن علي بن أحمد (3) رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن مجدور أصابته جنابة؟ قال: " إن كان أجنب هو فليغتسل وإن كان احتلم فليتيمم " (4). وما رواه في الصحيح عن سليمان بن خالد وأبي بصير وعبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن رجل كان في أرض باردة فتخوف إن هو اغتسل أن يصيبه عنت (5) من الغسل كيف يصنع؟ قال: " يغتسل وإن أصابه ما أصابه " قال: وذكر أنه كان وجعا شديد الوجع فأصابته جنابة وهو في مكان بارد وكانت ليلة شديدة الريح باردة فدعوت الغلمة فقلت لهم: احملوني فاغسلوني، فقالوا: إنا نخاف عليك، فقلت ليس بد، فحملوني ووضعوني على خشبات، ثم صبوا علي الماء فغسلوني (6).

(1) التهذيب 1: 196 حديث 566، الوسائل 2: 968 الباب 5 من أبواب التيمم، حديث 7.
(2) التهذيب 1: 185 حديث 531، الوسائل 2: 968 الباب 5 من أبواب التيمم، حديث 8.
(3) وقع بهذا العنوان في إسناد جملة الروايات تبلغ أربعة وعشرين موردا، والأظهر أنه علي بن أحمد بن أشيم، لرواية أحمد بن محمد بن خالد عنه الذي وقع في طريق الصدوق. عد الشيخ الرجل من أصحاب الامام الرضا (ع) وقال: أنه مجهول، وذكره المصنف في القسم الثاني من الخلاصة. رجال الشيخ: 384، رجال العلامة: 232، معجم رجال الحديث 11: 261.
(4) التهذيب 1: 198 حديث 574، الاستبصار 1: 162 حديث 562، الوسائل 2: 986 الباب 17 من أبواب التيمم، حديث 1.
(5) العنت: المشقة والفساد. النهاية لابن الأثير 3: 306.
(6) التهذيب 1: 198 حديث 575، الاستبصار 1: 216 حديث 563، الوسائل 2: 986 الباب 17 من + + +

[ 30 ]

وما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تصيبه الجنابة في أرض باردة ولا يجد الماء وعسى أن يكون الماء جامدا، فقال: " يغتسل على ما كان " حدثه رجل أنه فعل ذلك فمرض شهرا من البرد، فقال: " اغتسل على ما كان فإنه لا بد من الغسل " وذكر أبو عبد الله عليه السلام أنه اضطر إليه وهو مريض فأتوه به مسخنا فاغتسل، وقال: " لابد من الغسل " (1). وهذه الروايات وإن كانت صحيحة السند إلا أن مضمونها مشكل، إذ هو معارض بعموم قوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (2) وبقوله عليه السلام " لا ضرر ولا ضرار " (3)، ومعارض أيضا بقول أبي عبد الله عليه السلام: " لا آمره أن يضر بنفسه " (4). وهو يدل بمفهومه على صورة النزاع. فروع: الأول: المريض أو الجريح الذي لا يخاف الضرر باستعمال الماء كالصداع

أبواب التيمم، حديث 3. (1) التهذيب 1: 198 حديث 576، الاستبصار 1: 163 حديث 564، الوسائل 2: 987 الباب 17 من أبواب التيمم، حديث 4.
(2) الحج: 78.
(3) الكافي: 5: 292 294 حديث 2، 6، 8، الفقيه 3: 45 حديث 154، و 147 حديث 648، التهذيب 7: 146 حديث 651، و 164 حديث 727، الوسائل 17: 319 الباب 5 من أبواب الشفعة، حديث 1، و 340، 341 الباب 12 من أبواب إحياء الموات، حديث 1، 3، 4، 5. ومن طريق العامة انظر: سنن ابن ماجة 2: 784 حديث 2340، 2341، الموطأ 2: 745 حديث 31، سنن الدار قطني 4: 227 - 228 حديث 83 85، مستدرك الحاكم 2: 57، سنن البيهقي 6: 69، 70، 156، 157، وج 10: 133، مسند أحمد 1: 313، وج 5: 327.
(4) الكافي 3: 65 حديث 8، التهذيب 1: 184 حديث 528، الوسائل 2: 964 الباب 2 من أبواب التيمم، حديث 2 في الجميع: أن يغرر بنفسه.

[ 31 ]

والحمى الحار لا يجوز له التيمم نص عليه الشيخ (1). وهو مذهب أكثر الجمهور (2) وخلافا لمالك (3) وداود (4) فإنهما أباحا التيمم للمريض مطلقا. لنا: إنه واجد لا يستضر فوجب عليه الاستعمال كالصحيح. احتجا بقوله تعالى: " وإن كنتم مرضى " (5) وذلك مطلق والجواب إنها مشروطة بعدم الماء فلا يتناول صورة النزاع. وأيضا: فلا بد من إضمار الضرورة وهي إنما تحصل عند الضرر. الثاني لو خاف من شدة البرد وأمكنه أن يسخن الماء أو يستعمله على وجه يأمن الضرر مثل أن يغسل عضوا عضوا كلما غسل شيئا ستره وجب عليه ذلك وإن لم يقدر تيمم وصلى. وهو قول أكثر أهل العلم (6). وقال الحسن وعطاء: يغتسل وإن مات، وهو قول ابن مسعود (7). لنا: ما قدمناه في المسألة الأولى من الاستدلال. وما رواه الجمهور، عن عمرو بن العاص قال: احتلمت ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وآله فقال: (يا عمرو أصليت بأصحابك وأنت جنب؟) فأخبرته بالذي منعني عن الاغتسال وقلت: إني سمعت الله عزوجل يقول:

(1) الخلاف 1: 38 مسألة 103.
(2) المجموع 2: 284 - 285، عمدة القارئ 4: 33، المغني 1: 295.
(3) الشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1: 68، المغني 1: 295، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 272، عمدة القارئ 4: 33.
(4) المغني 1: 295، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 272، عمدة القارئ 4: 33.
(5) النساء: 43، المائدة: 6.
(6) المغني 1: 298، نيل الأوطار 1: 325.
(7) المغني 1: 298، نيل الأوطار 1: 325.

[ 32 ]

" ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما " (1) فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يقل شيئا (2) فسكوته صلى الله عليه وآله يدل على الرضا. وأما وجوب التسخين فلأن الواجب استعمال الماء مع التمكن، وهو حاصل مع التسخين، وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدورا واجب. الثالث: لو خاف الشين باستعمال الماء جاز له التيمم قاله علماؤنا. وقال الشافعي: ليس له التيمم (3). لنا: قوله عليه السلام: (لا ضرر ولا إضرار) (4) وقوله تعالى: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " (5). مسألة: لو أمكن الجريح غسل بعض جسده أو بعض أعضائه في الوضوء جاز له التيمم. قال الشيخ في الخلاف: ولا يغسل الأعضاء الصحيحة أصلا فإن غسلها، ثم تيمم كان أحوط (6) وقال أبو حنيفة ومالك: إن كان أكثر بدنه أو أكثر أعضائه صحيحا غسله ولا تيمم عليه، وإن كان أكثره جريحا تيمم ولا غسل عليه (7) (8). وقال الشافعي وأحمد: يجب عليه غسل ما أمكنه وتيمم للباقي (9) (10).

(1) النساء 29.
(2) سنن أبي داود: 1: 92 حديث 334، مستدرك الحاكم 1: 177، مسند أحمد: 4: 203، سنن البيهقي 1: 225. في الجميع: احتلمت في ليلة باردة.
(3) المجموع 2: 286، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 273 - 274، السراج الوهاج: 26.
(4) تقدم في ص 15.
(5) البقرة: 185.
(6) الخلاف 1: 38 مسألة 105.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 122، بدائع الصنائع 1: 51، المغني 1: 295، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 277، التفسير الكبير 11: 166 - 167.
(8) المدونة الكبرى 1: 45، المغني 1: 295، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 277.
(9) المهذب للشيرازي 1: 35 36، المجموع 2: 287، المغني 1: 295، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 277.
(10) المغني 1: 295، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 277، الكافي لابن قدامة 1: 86، الانصاف 1: 271.

[ 33 ]

لنا: إن كمال الطهارة متعذرة للضرر وبالبعض لا يحصل الإجزاء، والجمع بين البدل والمبدل منه غير واجب كالصيام والإطعام في الكفارة، وما تقدم من الأحاديث الدالة على جواز استعمال التيمم للمجروح. احتج الموجب بما رواه جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا شجة في وجهه، ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت قادر على الماء فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وآله أخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه، ثم يمسح عليه، ثم يغسل سائر جسده) (1). ومثله عن ابن عباس (2). ولأن كل جزء من الجسد يجب تطهيره بشئ مع استواء الأجزاء في الصحة والمرض، فكذا مع الاختلاف. والجواب عن الأول: يحتمل أن يكون قوله: (ويعصب) عطف على (أن يتيمم) ونحن نقول بموجبه فإنه يجوز أن يعصب على الجراح خرقة ويغسل جسده ويمسح على تلك الخرقة. وحاصله حصول الاكتفاء بالتيمم، والتعصيب والمسح وغسل سائر الجسد على معنى إن كل واحد منهما كاف. ويحتمل أن يكون عطفا على لفظة يتيمم ويكون الواو بمعنى (أو) ولا استبعاد في ذلك. وعن الثاني: إن الطهارة إنما تجب على كل جزء مع حصول طهارة بقية الأجزاء، إذ الطهارة إنما تحصل بالمجموع ولا اعتبار بكل واحد من الأعضاء بإنفراده. قال الشيخ: وإنما قلنا باستحباب الجمع ليؤدي الصلاة بالاجماع وليس عليه في ذلك

(1) سنن أبي داود 1: 93 حديث 336، سنن الدار قطني 1: 189 حديث 3 سنن البيهقي 1: 227 - 228.
(2) سنن أبي داود 1: 93 حديث 337، سنن ابن ماجة 1: 189 حديث 572، مستدرك الحاكم 1: 178، سنن البيهقي 1: 227، سنن الدار قطني 1: 190 191 حديث 4 7.

[ 34 ]

ضرر (1). فروع: الأول: لو كان الجرح مما يتمكن من شده وغسل باقي العضو ومسح الخرقة التي عليه الماء وجب ولا يتيمم، وإن لم يتمكن من ذلك تيمم. الثاني: إن علم أن الماء يضره أو ظن ذلك وجب التيمم، وإن لم يظن ذلك وجب الرجوع فيه إلى قول العارف المسلم، ولا يكفيه قول الذمي وإن كان عارفا. ويكفيه قول العارف الفاسق والمراهق لحصول الظن بالضرر. الثالث: لو كان الجرح في غير الأعضاء وخاف من استعمال الماء في الأعضاء، سقط الوضوء ووجب التيمم كالمريض. الرابع: إذا كان الصحيح لا يمكن غسله إلا بالوصول إلى الجرح كان حكمه حكمه في جواز المسح عليه. الخامس: لا فرق بين تقديم التيمم على استعمال الماء في العضو الصحيح وبين تأخيره عنه إجماعا، لأن التيمم للعجز وهو موجود في كل حال، بخلاف التيمم إذا كان لقلة الماء مع وجود بعض الماء عند من يقول بوجوب صرفه إلى بعض الأعضاء (2)، لأن الموجب ثم الاعواز، إنما يتحقق بالاستعمال. السادس: إذا قلنا بالجمع في الجريح لم يجز التبعيض بأن يغسل السليم وييمم باقي أعضاء الطهارة تيمما، لأن كل واحد منهما ليس بطهارة فالمجموع كذلك، لتوقف

(1) الخلاف 1: 39 مسألة 105.
(2) المغني 1: 270 - 271، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 280 281، المهذب للشيرازي 1: 34، المجموع 2: 268، الأم 1: 49، الأم (مختصر المزني) 8: 7، المبسوط للسرخسي 1: 113، مغني المحتاج 1: 89 تفسير القرطبي 5: 230.

[ 35 ]

حصول الزائد على المجموعية على دليل. وخالف فيه بعض الجمهور (1). السابع: يجوز تقديم الغسل للصحيح على التيمم وبالعكس مع القول بالجمع. وقال بعض الجمهور: يجب الترتيب فيجعل التيمم في مكان الغسل الذي يتيمم بدلا عنه، فإن كان الجرح في وجهه بحيث لا يمكنه غسل شئ منه لزمه التيمم أولا، ثم يتمم الوضوء. وإن كان في بعض وجهه تخير بين غسل صحيح وجهه، ثم التيمم، ثم يتمم الوضوء، وبين أن يتيمم أولا، ثم يغسل صحيح وجهه ويتمم الوضوء فإن كان الجرح في بعض الأعضاء غسل ما قبله. ولو كان في سائر أعضائه احتاج في كل عضو إلى تيمم في محل غسله ليحصل الترتيب (2). لنا: إن الجمع ليس بواجب لما قلناه فكيفيته أولى بعدم الوجوب. ولأن الترتيب إنما يجب في نوع كل طهارة، أما مع الاختلاف فلا دليل عليه، والأصل عدمه. ولأن التيمم طهارة منفردة فلا يجب الترتيب بينها وبين أخرى كما لو كان الجريح جنبا. ولأن فيه جرحا، وأنه تيمم عن الحدث الأصغر فلم يجب أن يتيمم عن كل عضو في موضع غسله، كما لو تيمم عن جملة الوضوء. احتجوا بأنه على تقدير أن يكون الجرح في وجهه ويديه، لو تيمم لهما تيمما واحدا أدى إلى سقوط الفرض عن جزء من الوجه واليدين في حالة واحدة (3). والجواب: أنه ينتقض بما إذا كان التيمم بدلا عن جملة الطهارة حيث يسقط الفرض عن جميع الأعضاء دفعة واحدة. السبب الخامس: فقد الآلة التي يتوصل بها إلى الماء كما لو كان على شفير بئر أو نهر ولم

(1) المغني 1: 295، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 277، المهذب للشيرازي 1: 36، المجموع 2: 287 - 288، مغني المحتاج 1: 93.
(2) المغني 1: 296 - 297، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 279.
(3) المغني 1: 297، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 279.

[ 36 ]

يتمكن من الوصول إلى الماء إلا بمشقة أو تغرير بالنفس ولا آلة معه يغرف به (1) الماء، أبيح له التيمم. وهو قول علمائنا أجمع، وذهب إليه الشافعي (2) والثوري (3) وأحمد (4)، لأنه فاقد للماء معنى، فجاز التيمم. ولما رواه الشيخ في الحسن، عن الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يمر بالركية وليس معه دلو، قال: " ليس عليه أن ينزل الركية، إن رب الماء هو رب الأرض فليتيمم " (5). وما رواه في الصحيح، عن عبد الله بن أبي يعفور وعنبسة بن مصعب عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " إذا أتيت البئر وأنت جنب فلم تجد دلوا ولا شيئا تغرف به فتيمم بالصعيد الطيب فإن رب الماء ورب الصعيد ولا تقع في البئر ولا تفسد على القوم ماءهم " (6). أما لو قدر على النزول من غير ضرر، أو على آلة كالدلو، أو الثوب يبله، ثم يعصره، وجب عليه ذلك لزوال العذر الموجب للرخصة. ولو وجد ثمن الآلة وجب عليه شراؤ لأنه بالشراء يكون واجدا، وتحصيل الطهارة واجب فيجب ما يتوقف عليه وكذا لو أعير الآلة. أما لو وهب له ثمنها أو وهبت هي، فالحق الوجوب لما قدمناه أولا، خلافا للشافعي (7).

(1) كذا في " خ "، والصحيح: بها. (2) المغني 1: 273، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 275، المجموع 2: 247.
(3) المغني 1: 273، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 275.
(4) المغني 1: 273، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 275.
(5) التهذيب 1: 184 حديث 527، الوسائل 2: 966 الباب 3 من أبواب التيمم، حديث 4.
(6) التهذيب 1: 185 حديث 535، الاستبصار 1: 127 حديث 435، الوسائل 2: 965 الباب 3 من أبواب التيمم، حديث 2.
(7) المجموع: 2: 253، مغني المحتاج 1: 91.

[ 37 ]

فروع: الأول: لو ازدحم الواردون على الماء، وعلم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد الوقت، صبر إلى أن يتمكن من الأخذ، فلعل علمه الأول يصير ظنا ببطلانه في ثاني الحال، فإن تضيق الوقت ولم يتمكن فهو كالعادم. وكذا راكب السفينة إذا لم يتمكن من اغتراف الماء ولا آلة له تصعد الماء ساغ له التيمم. الثاني: لو وجد الآلة بأكثر من ثمن المثل، وجب الشراء مع المكنة على ما تقدم بيانه في الماء (1) وكذا البحث في مال الاجارة أو أجرة من يستأجر لنقل الماء أو للاستقاء. الثالث: لو غصب آلة الاستقاء فعل حراما وصحت صلاته وطهارته بخلاف ما لو غصب الماء. الرابع: لو كان معه ثياب يمكنه أن يوصل بعضها في بعض إلى أن يصل الماء ويعصره ويتطهر في المتساقط منه وجب مع تعذر الماء إلا به، سواء كان ذلك ينقص قيمة الثوب بأكثر من ثمن الحبل والدلو أو لا. وكذا لو افتقر إلى شق الثوب الذي معه بنصفين، ويوصل أحدهما في الآخر سواء غلا ثمنه أو لا. السبب السادس: الضعف عن الحركة، فلو كان يحتاج إلى حركة عنيفة ليتوصل (2) بها إلى الماء وعجز عنها، أما لمرض، أو ضعف قوة فهو كالعادم، لأنه لا سبيل له إلى الماء، فكان كالواقف على شفير البئر وفقد الآلة.

(1) تقدم في ص 13.
(2) " خ ": يتوصل.

[ 38 ]

فروع: الأول: لو وجد من يناوله الماء قبل خروج الوقت فهو كالواجد. الثاني: لو لم يجد من يناوله الماء إلا بأجرة، وجب عليه مع المكنة وعدم الضرر، كثرت الأجرة أو قلت. الثالث: لو خاف خروج الوقت قبل مجيئه لم يجز له التيمم إلا في آخر الوقت، خلافا لبعض الجمهور (1). السبب السابع: ضيق الوقت، فلو كان الماء موجودا إلا أنه إن اشتغل بتحصيله فاته الوقت جاز له التيمم. وهو قول الأوزاعي والثوري (2) خلافا للشافعي (3)، وأبي ثور (4) وأصحاب الرأي، فإنهم منعوا من جواز التيمم، وأوجبوا عليه التحصيل وإن خرج الوقت (5). لنا: إن الصلاة قد تعين عليه فعلها وتحصيل الطهارة المائية متعذر، فجاز التيمم القائم مقامها. ولما رواه الشيخ في الصحيح، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل لا يجد الماء أيتيمم لكل صلاة؟ فقال: " لا هو بمنزلة الماء " (6).

(1) المغني 1: 272، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 275.
(2) المغني 1: 301، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 275، 312 المجموع 2: 244.
(3) المجموع 2: 244، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 219، المغني 1: 301، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 275.
(4) المغني 1: 301، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 275.
(5) بدائع الصنائع 1: 55، الهداية للمرغيناني 1: 27، شرح فتح القدير 1: 123، المغني 1: 301، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 275.
(6) التهذيب 1: 200 حديث 581، الاستبصار 1: 163 حديث 566، الوسائل 2: 995 الباب 23 من أبواب التيمم، حديث 2.

[ 39 ]

وإنما يكون بمنزلته لو ساواه في أحكامه، ولا ريب أنه لو وجد الماء وتمكن من استعماله وجب عليه، فكذا لو وجد ما ساواه. وما رواه في الصحيح، عن محمد بن حمران وجميل، عن أبي عبد الله عليه السلام " فإن الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " (1) والتشبيه يقتضي المساواة في الأحكام إلا ما أخرجه الدليل. احتجوا بقوله تعالى: (ولم تجدوا) جعل الشرط الفقدان وهو منتف ها هنا، ولأنه قادر على الماء فلم يجز له التيمم كما لو لم يخف فوت الوقت. ولأن الطهارة شرط فلم يبح تركها خيفة فوت وقتها كسائر شرائطها (2). والجواب عن الأول: لا نسلم أنه واجد، إذ المراد به التمكن من الاستعمال، وهذا غير متمكن منه مع تعين الصلاة عليه وعن الثاني بذلك أيضا، فإنكم إن عنيتم بقدرة تحصيل الطهارة القدرة على تحصيل طهارة هذه الصلاة، فهو ممنوع، إذ البحث فيما إذا خاف فوت الوقت، وإن عنيتم القدرة على تحصيل الطهارة للصلاة الآتية غير هذه، فذلك غير محل النزاع. وعن الثالث: بالمنع من ثبوت الحكم في الأصل. وسيأتي. فروع: الأول: لو خاف فوت العيد جاز له التيمم، لأن المقتضي للجواز موجود وهو تعذر استعمال الماء، ولأنه يخاف فوتها بالكلية فأشبه العادم. وهذا اختيار الأوزاعي (3)،

(1) التهذيب 1: 404 حديث 1264، الوسائل 2: 995 الباب 24 من أبواب التيمم، حديث 2. (2) المغني 1: 301، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 312، المجموع 2: 244.
(3) المغني 1: 302، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 312.

[ 40 ]

وأصحاب الرأي (1) وخالف فيه بعض الجمهور (2). الثاني: الجنازة لا يشترط فيها الطهارة، لما يأتي، لكن يستحب، فلو خاف فوتها جاز له التيمم. وهو قول النخعي، والزهري، والحسن، ويحيى الأنصاري، وسعد بن إبراهيم، والليث بن سعد، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي (3) وإن كانوا يقولون باشتراط الطهارة، وخالف فيه أحمد في إحدى الروايتين (4). لنا: أنها لا ركوع فيها ولا سجود وإنما هي دعاء فأشبهت الدعاء في غير الصلاة. احتج المخالف (5) بقوله عليه السلام: (لا يقبل الله الصلاة إلا بطهور) (6). والجواب: لا نسلم أنها صلاة حقيقة، سلمنا، لكن التيمم أحد الطهورين فلم قلتم باشتراط الوضوء؟ الثالث: لو صلى بالتيمم، ثم ظهر فساد خياله، لم يجز بتلك الصلاة، لظهور فساد ما ظنه، فلم يكن معتبرا. السبب الثامن: خوف الزحام يوم الجمعة أو عرفة، فلو كان في الجامع يوم الجمعة فأحدث ولم يقدر على الخروج للطهارة لأجل الزحام، قال الشيخ: يتيمم ويصلي ويعيد (7) وفي الاعادة بحث سيأتي، والتعويل في ذلك على رواية السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام أنه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم

(1) المغني 1: 302، بدائع الصنائع 1: 51، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 312.
(2) المغني 1: 302.
(3) المغني 1: 302، المجموع 2: 244.
(4) المعني 1: 302، الانصاف 1: 304، الكافي لابن قدامة 1: 83.
(5) المغني 1: 302، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 313.
(6) صحيح مسلم 1: 204 حديث 224، سنن ابن ماجة 1: 100 حديث 271 - 274، سنن الترمذي 1: 5 حديث 1، سنن النسائي 1: 87 88، سنن الدارمي 1: 175، مسند أحمد 2: 73، سنن الدار قطني 1: 355 حديث 4، كنز العمال 9: 280 حديث 26013، 26015.
(7) النهاية: 47، المبسوط 1: 31.

[ 41 ]

لجمعة أو يوم عرفة لا يستطيع الخروج من المسجد من كثرة الناس، قال: " يتيمم ويصلي معهم ويعيد إذا انصرف " (1) ولأنه غير متمكن من استعمال الماء. مسألة: وهذه الأسباب المبيحة للتيمم مشتركة بين المحدث والمجنب حتى أن الجنب لو حصل له أحد هذه الأسباب ساغ له التيمم. وهو مذهب علمائنا أجمع، وبه قال جمهور العلماء كعلي عليه السلام، وابن عباس، وعمار، وبه قال عمرو بن العاص، وأبو موسى، والثوري (2)، ومالك (3)، والشافعي (4)، وأبو ثور، وإسحاق (5)، وأصحاب الرأي (6). وكان ابن مسعود لا يرى التيمم للجنب (7)، ورواه ابن المنذر، عن النخعي (8)، وهو قول عمر (9)، وروي عن ابن مسعود أنه رجع عن قوله (10).

(1) التهذيب 1: 185 حديث 534، الوسائل 2: 965 الباب 3 من أبواب التيمم، حديث 3، و 985 الباب 15 من أبواب التيمم، حديث 1.
(2) المغني 1: 294، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 284، بدائع الصنائع 1: 44.
(3) الموطأ 1: 56 57، المدونة الكبرى 1: 42، الشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1: 67، بداية المجتهد 1: 64، المغني 1: 294.
(4) الأم 1: 44، المهذب للشيرازي 1: 32، المجموع 2: 207، مغني المحتاج 1: 87، السراج الوهاج: 24، المغني 1: 294.
(5) المغني 1: 294، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 284.
(6) الهداية للمرغيناني 1: 25، أحكام القرآن للجصاص 4: 2، بدائع الصنائع 1: 45، شرح فتح القدير 1: 111، المغني 1: 294.
(7) بدائع الصنائع 1: 44، شرح العناية بهامش شرح فتح القدير 1: 111، المغني 1: 294، المجموع 2: 208، بداية المجتهد 1: 64، نيل الأوطار 1: 322.
(8) المجموع 2: 208، نيل الأوطار 1: 322، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 434، وفيها قول النخعي وليس حكاية ابن المنذر عنه.
(9) المغني 1: 294، بدائع الصنائع 1: 44، شرح العناية بهامش فتح القدير 1: 111، المجموع 2: 208، بداية المجتهد 1: 64، نيل الأوطار 1: 322.
(10) المغني 1: 294، المجموع 2: 208، نيل الأوطار 1: 322، بدائع الصنائع 1: 44.

[ 42 ]

لنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (1) وذلك ثابت في حق كل فاقد. وما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث أبي ذر (2)، وعمرو بن العاص (3)، وجابر، وابن عباس في الذي أصابته الشجة (4) (5). وما رواه عمران بن حصين (6) أن رسول الله صلى الله عليه وآله رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم، فقال: (يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم؟) فقال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) (7). وعن عمار قال: أجنبت فتمعكت في التراب، فقال النبي صلى الله عليه وآله: (إنما يكفيك هكذا) وضرب بيديه على الأرض ومسح وجهه وكفيه (8). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح في حديث ابن سنان في قول أبي

(1) المائدة: 6.
(2) سنن الترمذي 1: 211 حديث 124، سنن النسائي 1: 171، مسند أحمد 5: 180، سنن البيهقي 1: 220.
(3) سنن أبي داود 1: 92 حديث 334، سنن البيهقي 1: 225 - 226، مسند أحمد 4: 203، مستدرك الحاكم 1: 177.
(4) سنن أبي داود 1: 93 حديث 336، سنن البيهقي 1: 227 - 228، سنن الدار قطني 1: 189 حديث 3. سنن أبي داود 1: 90 91، حديث 332، 333. (5) سنن ابن ماجة 1: 189 حديث 572، سنن أبي داود 1: 93 حديث 337، سنن البيهقي 1: 227، سنن الدار قطني 1: 190 191 حديث 74، مستدرك الحاكم 1: 178.
(6) عمران بن حصين بن عبيد بن خلف. أبو نجيد الخزاعي، أسلم عام خيبر وغزا مع النبي صلى الله عليه وآله غزوات، بعثه عمر إلى البصرة ليفقه أهلها، ثم ولي القضاء فيها. روى عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه زرارة، والحسن، ومحمد بن سيرين، وعامر الشعبي، وخلق. مات سنة 52 ه‍. أسد الغابة 4: 137، تذكرة الحفاظ 1: 29.
(7) صحيح البخاري 1: 93 94، 96، سنن النسائي 1: 171، سنن الدارمي 1: 189 - 190، مسند أحمد 4: 434، سنن البيهقي 1: 216.
(8) صحيح مسلم 1: 280 حديث 368، سنن البيهقي 1: 209 - 211، كنز العمال 9: 591 حديث (27562). في بعضها بتفاوت يسير.

[ 43 ]

عبد الله عليه السلام وكان جنبا (1). وكذا في رواية ابن يعقوب عن الحلبي (2). وفي رواية محمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما عليهما السلام في رجل أجنب في سفر ومعه ماء قدر ما يتوضأ به، قال " يتيمم " (3) والأحاديث في ذلك كثيرة، تقدمت قطعة منها. ولأنه حدث فيجوز التيمم منه عند عدم الماء كالأصغر. قال شقيق بن سلمة: إن أبا موسى ناظر ابن مسعود فاحتج عليه بحديث عمار وبالآية التي في المائدة فما درى عبد الله ما يقول: فقال إنا لو رخصنا لهم في هذا لاوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم (4). احتجوا بأن الله تعالى ذكر التيمم للإحداث دون الجنابة (5). وهو غلط لأن قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء " (6) راجع إلى الكل. مسألة: ولا نعرف خلافا بين أهل العلم في أن الاعواز شرط في جواز التيمم، لأن الله تعالى شرطه فقال: (فلم تجدوا ماء) وقال عليه السلام: " التراب كافيك ما لم تجد الماء " (7) فاشترطه. مسألة: ويجب الطلب عند إعواز الماء فلو أخل به مع التمكن لم يعتد بتيممه. وهو مذهب علمائنا أجمع، وبه قال الشافعي (8) وهو أظهر الروايتين عن أحمد (9). وقال

(1) التهذيب 1: 193 حديث 556، الاستبصار 1: 159 حديث 549، الوسائل 2: 983 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 7.
(2) الكافي 3: 63 حديث 3، الوسائل 2: 982 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 4. (3) التهذيب 1: 405 حديث 1272، الوسائل 2: 996 الباب 24 من أبواب التيمم، حديث 4.
(4) صحيح البخاري 1: 9695 صحيح مسلم 1: 208 حديث 368، سنن أبي داود 1: 87 حديث 321، سنن النسائي 1: 170، سنن الدار قطني 1: 179 حديث 15، سنن البيهقي 1: 211.
(5) المجموع 2: 208.
(6) المائدة: 6، النساء: 43.
(7) المغني 1: 270، وبمعناه في كنز العمال 9: 593 حديث 27567.
(6) الأم 1: 47، المهذب للشيرازي 1: 34، المجموع 2: 249، أحكام القرآن للجصاص 4: 14، بدائع + + +

[ 44 ]

أبو حنيفة: لا يشترط الطلب (1) وهو الرواية الأخرى لأحمد (2). لنا قوله تعالى: " فلم تجدوا " ولا يتحقق هذا الوصف إلا بعد الطلب، لإمكان قرب الماء منه ولا يعلمه. ولهذا لما أمر بالاعتاق في كفارة الظهار، وثم بصيام الشهرين إن لم يجد، كان الطلب واجبا ثم، حتى أنه قبل الطلب لا يعد أنه غير واجد، فكذا ها هنا. ولأنه سبب للطهارة، فيلزمه الاجتهاد في تحصيله بالطلب والبحث عند الاعواز كالقبلة. ويؤيده: ما رواه الشيخ في الحسن، عن زرارة عن أحدهما عليهما السلام، قال: " إذا لم يجد المسافر الماء فيطلب ما دام في الوقت، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت، فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضأ لما يستقبل " (3). وما رواه الشيخ، عن السكوني، عن جعفر عن أبيه، عن علي عليه السلام أنه قال: " يطلب الماء في السفر إن كانت الحزونة فغلوة وإن كانت سهولة فغلوتين لا يطلب أكثر من ذلك " (4).

الصنائع 1: 47، المغني 1: 269، بداية المجتهد 1: 67.
(9) المغني 1: 269، الكافي لابن قدامة 1: 83، المجموع 2: 249. (1) أحكام القرآن للجصاص 4: 14، بدائع الصنائع 1: 47، شرح فتح القدير 1: 125، الهداية للمرغيناني 1: 27. المغني 1: 269، بداية المجتهد 1: 67.
(2) المغني 1: 269، الكافي لابن قدامة 1: 83. (3) التهذيب 1: 192 حديث 555، الاستبصار 1: 159 حديث 548، الوسائل 2: 982 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 3.
(4) التهذيب 1: 202 حديث 586، الاستبصار 1: 165 حديث 571، الوسائل 2: 963 الباب 1 من أبواب التيمم، حديث 2.

[ 45 ]

لا يقال: يعارضه ما رواه الشيخ، عن علي بن سالم (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: أتيمم وأصلي، ثم أجد الماء وقد بقي علي وقت، فقال: " لا تعد الصلاة فإن رب الماء هو رب الصعيد " فقال له داود بن كثير الرقي: أفأطلب الماء يمينا وشمالا؟ فقال: " لا تطلب الماء يمينا ولا شمالا " (2). وما رواه، عن يعقوب بن سالم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل لا يكون معه ماء والماء عن يمين الطريق ويساره غلوتين أو نحو ذلك؟ قال: " لا أمره أن يضر (3) بنفسه فيعرض له لص أو سبع " (4). وما رواه، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن أبي ذر أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله هلكت، جامعت على غير ماء؟ قال: فأمر النبي صلى الله عليه وآله بمحمل فاستترت به، وبماء، فاغتسلت أنا وهي، ثم قال: " يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين " (5) ولم يشترط الطلب فزيادته تكون نسخا. لأنا نقول: الأحاديث التي ذكرتموها ليس شئ منها يسلم عن الطعن في سنده، فلا تعويل عليها مع الرواية الصحيحة. وأيضا فيحمل النهي في الأول أنه إنما كان لأجل الضرورة ويدل عليه الحديث الثاني وهو قوله: " فيعرض له لص أو سبع " فإن إدخال " الفاء " على الوصف الصالح للعلية يشعر بها، خصوصا إذا لم يكن لذكره فائدة إلا التعليل. والحديث الأخير ليس

(1) على بن سالم الكوفي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع) وظاهره كونه إماميا لكن حاله مجهول. رجال الطوسي: 244، تنقيح المقال 2: 290.
(2) التهذيب 1: 202 حديث 587، الاستبصار 1: 165 حديث 572، الوسائل 2: 964 الباب 2 من أبواب التيمم، حديث 3.
(3) في المصادر: يغرر.
(4) التهذيب 1: 184 حديث 528، الوسائل 2: 964 الباب 2 من أبواب التيمم، حديث 2. (5) التهذيب 1: 194 حديث 561، الوسائل 2: 983 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 12.

[ 46 ]

فيه دلالة على الاكتفاء دائما، لأنه نكرة إذ الجمل نكرات، ولو كان للعموم في كل وقت، لم يكن فقدان الماء شرطا، وهو منفي بالاجماع. احتج أبو حنيفة (1) بقوله تعالى: (فلم تجدوا ماءا فتيمموا) (2) وهو قبل الطلب غير واجد، فساغ له التيمم وبقوله عليه السلام: (التراب كافيك ما لم تجد الماء) (3) ولأنه غير عالم بوجود الماء قريبا منه، فأشبه ما لو طلب فلم يجد. والجواب عن الأول: إن عدم الوجدان إنما يكون بعد الطلب وقد سبق تقريره، وهو الجواب عن الحديث، وعن القياس بالفرق، فإن مع الطلب يتحقق فقدان الماء الذي هو الشرط في الترخص، بخلاف ما إذا لم يطلب فإنه غير عالم ولا ظان بوجود الشرط، ومع الشك في وجود الشرط لا يتحقق الجواز المشروط. مسألة: اختلف عبارة الأصحاب في الطلب وحده، فقال الشيخ في المبسوط: الطلب واجب قبل تضييق الوقت، في رحله وعن يمينه وعن يساره وسائر جوانبه رمية سهم أو سهمين إذا لم يكن هناك خوف (4)، وقال في النهاية: ولا يجوز له التيمم في آخر الوقت إلا بعد طلب الماء في رحله، وعن يمينه ويساره مقدار رمية أو رميتين إذا لم يكن هناك خوف (5). وأسقط لفظة سائر جوانبه. وقال المفيد في المقنعة: ومن فقد الماء فلا يتيمم حتى يدخل وقت الصلاة، ثم يطلبه أمامه وعن يمينه وعن شماله مقدار رمية سهمين من كل جهة إن كانت الأرض سهلة، وإن كانت حزنة، طلبه من كل جهة

(1) المغني 1: 269، شرح فتح القدير 1: 153.
(2) النساء: 43، المائدة: 6.
(3) تقدم الحديث في ص 43.
(4) المبسوط 1: 31.
(5) النهاية: 48.

[ 47 ]

مقدار رمية سهم واحد (1). فزاد ذكر الامام والتفصيل، وكلام الشيخ وإن احتمله إلا أنه ليس بنص فيه. وقال أبو الصلاح مثل قول المفيد (2) وقال صاحب الوسيلة فيها: وإنما يصح التيمم بعد طلبه قبل التضيق عن اليمين واليسار مقدار رمية في حزن الأرض ورميتين في سهلها (3) وقال ابن إدريس: وحد ما وردت به الروايات وتواتر به النقل في طلبه إذا كانت الأرض سهلة، غلوة سهمين وإذا كانت حزنة فغلوة سهم (4) ولم يقدره السيد المرتضى في الجمل (5) ولا الشيخ في الخلاف والجمل (6) بقدر، ولم نقف في ذلك إلا على حديث واحد (7)، وفي سنده قول، ويمكن العمل به لاعتضاده بالشهرة، إلا أنه إنما يدل على الطلب غلوة سهمين في السهلة، وغلوة في الحزنة، وليس فيه تعميم التقدير بالجهات، فعلى هذه الرواية يغلب على ظنه جهة الماء، ثم يطلبه في تلك الجهة. ولو قيل: التحري باطل والتخصيص بالبعض ترجيح من غير مرجح، ولابد من الطلب في الجميع، ولأن كل جهة يجوز أن يكون الماء موجودا فيها فيجب الطلب عندها، إذ الموجب للتجويز كان قويا. ولأن الطلب واجب والأكثر من المقدر ضرر، وبه يحصل غلبة الظن بالفقد، فساغ التيمم معه. فروع: الأول: لو خاف على نفسه أو ماله لو فارق مكانه لم يجب الطلب، لأن الخوف

(1) المقنعة: 8.
(2) الكافي في الفقه: 136. (3) الوسيلة (الجوامع الفقيه): 667.
(4) السرائر: 26.
(5) جمل العلم والعمل: 52.
(6) الخلاف 1: 35 مسالة 95، الجمل والعقود: 53.
(7) التهذيب 1: 202 حديث 586، الاستبصار 1: 165 حديث 571، الوسائل 2: 963 الباب 1 من أبواب التيمم، حديث 2.

[ 48 ]

مسقط للمشروط فالشرط أولى، ويؤيده رواية يعقوب بن سالم (1). الثاني: ينبغي له أن يطلب الماء في رحله، ثم إن رأى ما يقضي العادة بوجود الماء عنده كالخضرة، قصده وطلب الماء عنده وإن زاد عن المقدر. ولو كان بقربه قرية طلبها، ولو كان هناك ربوة أتاها. والحاصل وجوب الطلب عندما يغلب على الظن وجود الماء معه. الثالث: لو تيقن عدم الماء في الجوانب بأسرها سقط عنه الطلب، لأن الفائدة تحصيل الماء، ومع التيقن بعدمه يجب السقوط، وهو أحد وجهي الشافعية وفي الثاني يجب (2) لعموم الآية. ولو غلب على ظنه ذلك لم يسقط، لجواز كذبه. الرابع: لو طلبه حواليه أولا فلم يجده وصلى متيمما، ثم حضرت الصلاة الثانية ففي وجوب إعادة الطلب نظرا أقربه الوجوب، وللشافعي فيه وجهان (3) وعلتهما ظاهرة. الخامس: لو تيقن وجود الماء لزمه السعي إليه ما دام الوقت باقيا والمكنة حاضرة، سواء كان قريبا أو بعيدا يمكنه الوصول إليه من غير مشقة، وحده الشافعي بما تردد إليه المسافر للرعي والاحتطاب وهو فوق حد يلحقه غوث الرفاق (4). لنا: إن الطلب واجب ولا سبب لوجوبه إلا تحصيل الماء وهما، فمع التيقن يكون أولى. السادس: لو توهم قرب الماء منه وجب عليه الطلب ما دام الوقت باقيا، لما قلناه.

(1) تقدمت في ص 45 رقم 4.
(2) المجموع 2: 249، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 195.
(3) المجموع 2: 252، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 200. (4) المجموع 2: 257، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 202 203.

[ 49 ]

السابع: لو كان البعد قد انتهى إلى حيث لا يجد الماء في الوقت، لم يجب عليه الطلب حينئذ لعدم فائدته. ولو كان بين مرتبتي البعد المذكور والقرب الذي حد الغوث، وجب الطلب لما قلناه، واختاره الشافعي فيما إذا كان عن يمين المنزل ويساره دون المقصد (1)، لأن جوانب المنزل منسوبة إليه دون صوب الطريق. وهو ضعيف. الثامن: لو كان يطلب الماء فظهرت قافلة كثيرة لزمه طلب الماء من جميعهم ما لم يخف فوت الصلاة، فيطلبه حينئذ إلى أن يبقى من الوقت قدر الفعل فيتيمم ويصلي، وقال بعض الشافعية: يطلبه إلى أن يبقى قدر ركعة لادراك الصلاة بإدراكها (2). ولا إثم في التأخير، لأنه من مصلحة الصلاة. التاسع: لو أمر غيره فطلب الماء فلم يجد لم يكتف به، لأن الخطاب بالطلب للمتيمم فلا يجوز أن يتولاه غيره، كما لا يجوز له أن يؤممه وللشافعية وجهان (3). العاشر: لو طلب قبل الوقت لم يعتد به ووجب إعادته، لأنه طلب قبل المخاطبة بالتيمم فلم يسقط فرضه، كالشفيع لو طلب قبل البيع. ولما رواه الشيخ في الحسن، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام، قال: " فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم " (4). لا يقال: إذا كان قد طلب قبل الوقت ودخل الوقت ولم يتجدد حدوث ماء، كان طلبه عبثا. لأنا نقول: إنما يتحقق أنه لم يحدث إذا كان ناظرا إلى مواضع الطلب ولم يتجدد فيها شئ، وهذا يجزيه بعد دخول الوقت، لأن هذا هو الطلب.

(1) المجموع 2: 258، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 205 - 206.
(2) مغني المحتاج 1: 88، المجموع 2: 251.
(3) المجموع 2: 251، فتح العزير بهامش المجموع 2: 169.
(4) التهذيب 1: 203 حديث 589، الاستبصار 1: 165 حديث 574، الوسائل 2: 993 الباب 22 من أبواب التيمم، حديث 2.

[ 50 ]

وأما إذا غاب عنه جاز أن يتجدد فيها حدوث الماء، فاحتاج إلى الطلب مسألة ويشترط في التيمم دخول الوقت. وهو مذهب علمائنا أجمع، وبه قال مالك (1)، والشافعي (2)، وأحمد (3)، وداود (4) وقال أبو حنيفة: يصح التيمم قبل وقت الصلاة (5). لنا: قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) (6) عقب إرادة القيام بالغسل، ثم عطف عليه التيمم ولا يصح القيام إلى الصلاة إلا بعد الوقت، خرج عنه موضع الاجماع وهو الوضوء، فيبقى الباقي على الأصل. وما رواه الجمهور، عن أبي سعيد أن رجلين خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا، فصلينا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يعد: (أصبت السنة) (7) وإصابته للسنة إنما هو بفعله كله، فدل على أن من تيمم قبل الوقت لم يصب السنة،

(1) بداية المجتهد 1: 67، المدونة الكبرى 1: 42، المغني 1: 268، المجموع 2: 243، نيل الأوطار 1: 329. الأم 1: 46 مغني المحتاج 1: 105، المجموع 2: 243، المغني 1: 268، نيل الأوطار 1: 329، بدائع الصنائع 1: 54، بداية المجتهد 1: 67، التفسير الكبير 11: 173، (3) المغني 1: 268، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 266، المجموع 2: 243، الكافي لابن قدامة 1: 84، الانصاف 1: 263، منار السبيل 1: 45.
(4) المجموع 2: 243، نيل الأوطار 1: 329.
(5) بدائع الصنائع 1: 54، المغني 1: 268، المجموع 2: 243، التفسير الكبير 11: 173، بداية المجتهد 1: 67 المبسوط للسرخسي 1: 109.
(6) المائدة: 6.
(7) سنن أبي داود 1: 93 حديث 338، سنن الدارمي 1: 190، سنن الدار قطني 1: 188 حديث 1، سنن البيهقي 1: 231، مستدرك الحاكم 1: 178.

[ 51 ]

وعن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام قال: " فيطلب ما دام في الوقت " (1) ولأنها طهارة ضرورية فلم يجز قبل الوقت كطهارة المستحاضة، وأيضا: هو قبل الوقت مستغن عن التيمم للفرض فأشبه ما لو تيمم عند وجود الماء. احتج أبو حنيفة: بأنها طهارة تبيح الصلاة فأبيح تقديمها على وقت الصلاة كسائر الطهارات (2). والجواب: الفرق بأن سائر الطهارات ليست ضرورية بخلافه، والنقض بطهارة المستحاضة. مسألة: ذهب أكثر علمائنا إلى أنه لا يجوز التيمم إلا في آخر الوقت واشترطوا التضيق، ذهب إليه الشيخ في كتبه (3) والسيد المرتضى (4)، والمفيد (5)، وأبو الصلاح (6)، وصاحب الوسيلة (7)، وابن إدريس (8) ونقل عن ابن بابويه أنه يجوز التيمم في أول الوقت (9). وروى الجمهور، عن علي عليه السلام، استحباب التأخير. هو قول عطاء، والحسن، وابن سيرين، والزهري، والثوري، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي في أحد قوليه: التقديم أفضل إلا أن يكون واثقا بوجود الماء في

(1) التهذيب 1: 203 حديث 589، الاستبصار 1: 165 حديث 574، الوسائل 2: 993 الباب 22 من أبواب التيمم، حديث 2.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 109، بدائع الصنائع 1: 54، 55 المغني 1: 268.
(3) المبسوط 1: 31، الخلاف 1: 35 مسألة 94 النهاية 47.
(4) الانتصار: 31، جمل العلم والعمل: 52، الناصريات (الجوامع الفقهية): 189. (5) المقنعة: 8.
(6) الكافي في الفقه 136.
(7) الوسيلة (الجوامع الفقهية): 668.
(8) السرائر: 26.
(9) نقله في المختلف: 47.

[ 52 ]

الوقت (1). وقال بعض الجمهور: يستحب التأخير إن رجا وجود الماء، وإلا استحب تقديمه (2) وهو قول مالك (3) ونقل عن أبي حنيفة هذا التفصيل (4). ونقل عن مالك استحباب التيمم وسط الوقت مطلقا (5). لنا ما رواه الجمهور، عن علي عليه السلام في الجنب يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء وإلا تيمم (6). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام، قال: " إذا لم يجد المسافر ماءا فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت " (7). وما رواه، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام بهذه العبارة إلا أنه قال: " فليمسك " عوض قوله: فليطلب (8). وما رواه في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: سمعته يقول: " إذا لم تجد الماء وأردت التيمم فأخر التيمم إلى آخر الوقت، فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض " (9) ولأنها

(1) الأم 1: 46، المغني 1: 276.
(2) المغني 1: 276، بدائع الصنائع 1: 55.
(3) المدونة الكبرى 1: 42، المغني 1: 276، المحلى 2: 120، عمدة القارئ 4: 13.
(4) بدائع الصنائع 1: 54، شرح فتح القدير 1: 120، المبسوط للسرخسي 1: 106، عمدة القارئ 4: 13.
(5) بدائع الصنائع 1: 55، شرح فتح القدير 1: 120، المحلى 2: 120، المدونة الكبرى 1: 42، عمدة القارئ 4: 13.
(6) سنن الدار قطني 1: 186 حديث 5، المغني 1: 276، بدائع الصنائع 1: 55، عمدة القارئ 4: 13.
(7) التهذيب 1: 192 حديث 555، الاستبصار 1: 165 حديث 574، الوسائل 2: 993 الباب 22 من أبواب التيمم، حديث 2. (8) التهذيب 1: 194 حديث 560.
(9) التهذيب 1: 203 حديث 588، الاستبصار 1: 165 حديث 573، الوسائل 2: 993 الباب 22 من + + +

[ 53 ]

طهارة ضرورية فتتقدر بقدر الضرورة، ولا ضرورة قبل التضييق. ولأنه يمكن وصول الماء إليه، فكان التأخير أولى، فإنه قد استحب تأخيرها لادراك الجماعة، فتأخرها لادراك الشرط أولى. واحتج ابن بابويه (1) بقوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا " ثم قال: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (2). ولا شك أن الأول خطاب في أول الوقت فكذا الثاني، لوجوب الاشتراك بالعطف. وبما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: فإن أصاب الماء وقد صلى بتيمم وهو في وقت؟ قال: " تمت صلاته ولا إعادة عليه " (3). ولو كان التضييق شرطا لوجبت عليه الاعادة، ولأنه عليه السلام قال: " إنما هو بمنزلة الماء " (4) فيثبت له جميع أحكامه إلا ما خرج بالدليل. وقال عليه السلام: " إن الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا " (5) وقول ابن بابويه في غاية من القوة، فالأقرب عندي أن التأخير مستحب والتقديم جائز. ولأنه لو وجب التأخير لرجاء حصول الطهارة لوجب على أصحاب الاعذار ذلك، كالمستحاضة وصاحب السلس + + +

أبواب التيمم، حديث 1. (1) لم نعثر على احتجاجه إلا في المختلف: 48.
(2) المائدة: 6.
(3) التهذيب 1: 194 حديث 562، الاستبصار 1: 160 حديث 552، الوسائل 2: 983 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 9.
(4) التهذيب 1: 200 حديث 581، الاستبصار 1: 163 حديث 566، الوسائل 2: 995 الباب 23 من أبواب التيمم، حديث 2 في المصادر: (لا) بدل (إنما).
(5) الكافي 3: 66 حديث 3، وليس فيه (كما جعل الماء طهورا)، الفقيه 1: 60 حديث 223، التهذيب 1: 404 حديث 1264، وج 3: 167 حديث 365، الاستبصار 1: 425 حديث 1638، الوسائل 2: 995 الباب 24 من أبواب التيمم، حديث 2، و 994 الباب 23 حديث 1، وج 1: 99 الباب 1 من أبواب الماء المطلق، حديث 1 وج 5: 401 الباب 17 من أبواب صلاة الجماعة، حديث 1.

[ 54 ]

لوجود المقتضي، والتالي باطل. احتج الشافعي بأن الصلاة في أول الوقت مستحب فلا يترك مع تحققه لامر مظنون (1). والجواب: إن انتظار أكمل الطهارتين مستحب فكان متحققا. البحث الثاني: فيما به يكون التيمم: أصل: " إنما " تفيد الحصر بالنقل حكاه أبو علي الفارسي في الشيرازيات والاستعمال، كما في قول الفرزدق (2): وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي (3). وفي قول الأعشى (4): وإنما العزة للكاثر (5).

(1) المغني 1: 276.
(2) أبو فراس: همام بن غالب التميمي، الشاعر المشهور، صاحب جرير، وله قصيدة مشهورة في فضل الامام السجاد (ع) لما حج هشام بن عبد الملك وجهد أن يصل إلى الحجر ليستلمه فلم يقدر عليه لكثرة الزحام، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين (ع) فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى الناس، قال رجل من أهل الشام: من هذا؟ فقال هشام: لا أعرفه، قال الفرزدق: أنا أعرفه، فأنشد: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * * * * والبيت يعرفه والحل والحرم توفي بالبصرة سنة 110 ه‍. العبر 1: 104، شذرات الذهب 1: 141، الكنى والألقاب 3: 18.
(3) مغني اللبيب 1: 309، وصدر البيت، هكذا: أنا الذائد الحامي الذمار وإنما..
(4) أبو بصير: ميمون بن قيس بن جندل الأسدي، من شعراء الجاهلية، وفحولهم، له ديوان شعر، تمثل أمير المؤمنين (ع) في الخطبة الشقشقية ببيت من قصيدته التي قالها في معاقرة علقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل: شتان ما يومي على كورها * * * * ويوم حيان أخي جابر. الكنى والألقاب 2: 38. + + +

[ 55 ]

وبأن لفظه " إن " للاثبات " وما " للنفي، فمع التركيب تبقى الدلالتين وإلا لكان التركيب يخرج الشئ عن حقيقته وذلك باطل. وإذا ثبت هذا فنقول: إن كان الاثبات للمذكور والنفي لما عداه، فهو المطلوب، وإن تواردا لزم المحال، وإن كان بالعكس، فهو خرق الاجماع، وقوله تعالى: " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " (1) محمول على المبالغة. مسألة قال علماؤنا: لا يجوز التيمم إلا بالتراب والأرض. وهو مذهب الشافعي (2)، وإسحاق (3) وأبي يوسف (4) وداود (5) وأحمد (6). وقال مالك، وأبو حنيفة: يجوز بكل ما كان من جنس الأرض كالرماد، والزرنيخ والجص، والنورة، والكحل (7) (8). وقال مالك: يجوز بالثلج والملح (9). لنا: قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " (10) قال ابن دريد: الصعيد هو + + +

(5) صحاح اللغة 2: 803، المفردات في غريب القرآن: 410، 426، صدر البيت: ولست بالأكثر منهم حصى.. (1) الانفال: 2.
(2) الأم 1: 50، المجموع 2: 213، مغنى المحتاج 1: 96، المحلى 2: 160، تفسير القرطبي 5: 236، المغني 1: 281، عمدة القارئ 4: 10، نيل الأوطار 1: 328، المبسوط للسرخسي 1: 108، بداية المجتهد 1: 71، مقدمات ابن رشد 1: 78.
(3) المغني 1: 281. (4) المغني 1: 281، بدائع الصنائع 1: 53.
(5) المجموع 2: 213، المغني 1: 281، نيل الأوطار 1: 328.
(6) المغني 1: 281، الانصاف 1: 284، المجموع 2: 213، عمدة القارئ 4: 10 (7) تفسير القرطبي 5: 236 المغني 1: 281، بداية المجتهد 1: 71، المجموع 2: 213.
(8) المبسوط للسرخسي 1: 108، المغني 1: 281، بداية المجتهد 1: 71، المجموع 2: 213، المحلى 2: 161، عمدة القارئ 4: 10، شرح فتح القدير 1: 112، الهداية 1: 25.
(9) المدونة الكبرى 1: 46، بداية المجتهد 1: 71، عمدة القارئ 4: 10، المجموع 2: 213، المحلى 2: 160.
(10) المائدة: 6.

[ 56 ]

التراب الخالص الذي لا يخالطه سبخ ولا رمل. ونقله في كتاب الجمهرة عن أبي عبيدة معمر بن المثنى (1) وقال ابن فارس (2) والصعيد: التراب (3). قال: وفي كتاب الخليل (4) تيمم بالصعيد، أي: خذ من غباره، والصعيد: الأرض المستوية (5). قال ابن عباس: الصعيد: التراب، والطيب: الطاهر (6). وما رواه الجمهور، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (أعطيت ما لم يعط نبي من أنبياء الله: جعل لي التراب طهورا) وذكر الحديث. رواه الشافعي في مسنده (7). وروى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (جعلت لي الأرض مسجدا، وترابها طهورا) (8) ولو كان غير التراب طهورا لذكره فيما من الله تعالى به عليه، ولم يكن للتخصيص معنى. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام

(1) جمهرة اللغة 2: 272.
(2) أبو الحسين: أحمد بن فارس بن زكريا الرازي اللغوي، كان نحويا على طريقة الكوفيين، سمع أباه وعلي بن إبراهيم القطان وطائفة. مات بالري سنة 395 ه‍. العبر 2: 186، بغية الوعاء: 153.
(3) معجم مقاييس اللغة 3: 287.
(4) الخليل بن أحمد الازدي البصري: أبو عبد الرحمن، صاحب العربية والعروض، كان أماما كبير القدر في لسان العرب، صنف كتاب " العين " في اللغة. العبر 1: 207، البداية والنهاية 10: 161.
(5) العين 1: 290، معجم مقاييس اللغة 3: 282.
(6) المغني 1: 281، مغني المحتاج 1: 96، تفسير القرطبي 5: 236. (7) لم نعثر عليه في مسند الشافعي، رواه في مسند أحمد 1: 98، سنن البيهقي 1: 213، مجمع الزوائد 1: 260.
(8) صحيح مسلم 1: 371 حديث 521، سنن الدار قطني 1: 175 حديث 1، وفيهما: تربتها مكان ترابها. سنن البيهقي 1: 213. وبهذا اللفظ من الخاصة انظر: عوالي اللئالئ 2: 13، 208، الوافي 1 أبواب أحكام المياه 4، دعائم الاسلام 1: 120 - 121.

[ 57 ]

عن الرجل يكون معه اللبن أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: " لا، إنما هو الماء والصعيد " (1) أتى بصيغة إنما الدلالة على الحصر. وما رواه عن، السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام قال: أيتيمم بالرماد؟ فقال: " لا، أنه ليس يخرج من الأرض وإنما يخرج من الشجر " (2) وذكر " أن " الدالة على التعليل يوجب التعميم في الطرفين. احتج أبو حنيفة: بأن ما شابه أجزاء الأرض في النعومة والانسحاق يشبه التراب، فيجوز التيمم به. والجواب: ليس المقتضي لجواز التيمم هو الانسحاق مطلقا، بل الارضية لا غير. وأيضا: فالطهارة اختصت بأعم المائعات وجودا وهو الماء، فيختص بأعم الجامدات وجودا وهو التراب وأيضا: لو جاز التيمم الشرعي بغير التراب وما يشبهه كالارض لجاز إما مع الوجوب أو مع عدمه والأول منتف إجماعا، والثاني أيضا منتف، لأنه لو كان كذلك لكان أعم منه، ضرورة ثبوته مع الواجب ويلزم من عدم الأعم عدم الأخص، فيثبت الوجوب عند عدم الجواز، هذا خلف، وفيه بحث. وأيضا: روى الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام وقد سئل عن كيفية التيمم فوضع كفيه في الأرض، ثم مسح وجهه وكفيه (3)، والتخصيص في معرض البيان يدل على النفي إجماعا. مسألة: ويجوز التيمم بالارض وإن لم يكن عليها تراب. ذكره الأصحاب (4)

(1) التهذيب 1: 188 حديث 540، الاستبصار 1: 155 حديث 534، الوسائل 1: 146 الباب 1 من أبواب الماء المضاف، حديث 1 وج 2: 970 الباب 7 من أبواب التيمم، حديث 6.
(2) التهذيب 1: 187 حديث 539، الوسائل 2: 971 الباب 8 من أبواب التيمم، حديث 1.
(3) التهذيب 1: 208 حديث 603، الوسائل 2: 977 الباب 11 من أبواب التيمم، حديث 5. (4) المبسوط 1: 31، السرائر: 26، الشرائع 1: 47.

[ 58 ]

خلافا لبعض الجمهور (1). لنا: قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " (2) قال أهل اللغة: والصعيد: وجه الأرض (3). وما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) (4). ومن طريق الخاصة: ما تقدم. وما رواه الشيخ في الموثق، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام، عن التيمم فضرب بيده الأرض (5)، وذكر الحديث. وما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: سمعته يقول: " إذا لم تجد الماء وأردت التيمم فأخر التيمم إلى آخر الوقت، فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض " (6) وإنما يكون وجدان الأرض نافعا لو جاز الطهور بها، ولأن الأرض تراب اكتسب رطوبة أفادته استمساكا فهي تراب في الحقيقة، فجاز التيمم بها. فروع: الأول هل يجوز التيمم بالحجر؟ نص الشيخ على جوازه (7)، وكذا الحصى وهو

(1) المغني 1: 281، المجموع 2: 213، المحلى 2: 160، بداية المجتهد 1: 71.
(2) المائدة: 6.
(3) الصحاح 2: 498، المصباح المنير 339.
(4) صحيح البخاري 1: 91، سنن ابن ماجة 1: 187 حديث 567، مسند أحمد 5: 145.
(5) التهذيب 1: 211 حديث 613، الاستبصار 1: 171 حديث 593 وفيه (بتفاوت)، الوسائل 2: 976 الباب 11 من أبواب التيمم، حديث 3.
(6) التهذيب 1: 203 حديث 588، الاستبصار 1: 165 حديث 573، الوسائل 2: 993 الباب 22 من أبواب التيمم، حديث 1.
(7) النهاية: 49 المبسوط 1: 32، الخلاف 1: 30 مسالة 77.

[ 59 ]

اختيار المفيد (1)، وابن إدريس (2)، وابن حمزة (3)، وهو قول مالك (4)، وأبي حنيفة (5). وقال الشافعي: لا يجوز إلا أن يعلق على يديه شئ من الغبار (6). واختلف الأصحاب في الترتيب، فقال الشيخ في النهاية ولا بأس بالتيمم بالأحجار وأرض النورة، وأرض الجص إذا لم يقدر على التراب (7). وقال المفيد في المقنعة بعد أن ذكر أن الصعيد هو التراب: سمي بذلك لصعوده على وجه الأرض، فإن كان في أرض صخر وأحجار ليس عليه التراب وضع يديه أيضا عليها ومسح بهما وجهه وكفيه، وليس عليه حرج في الصلاة بذلك لموضع الاضطرار (8). وقال ابن إدريس: ولا يعدل إلى الحجر إلا إذا فقد التراب (9). وبمثله قال ابن حمزة في الوسيلة (10)، وأطلق الشيخ في المبسوط والخلاف الجواز (11). وتحرير البحث: إن اسم الصعيد إن تناول الحجر جاز التيمم به، وإلا فلا، ما لم يحصل عليه تراب فيجري مجرى الثوب وشبهه، والأقرب الأول، لتناول اسم الأرض له. الثاني يجوز التيمم بالرمل، لكنه مكروه، نص عليه الأصحاب. وهو قول أبي

(1) المقنعة: 8.
(2) السرائر: 26.
(3) الوسيلة (الجوامع الفقهية): 668. (3) بداية المجتهد 1: 71، أحكام القرآن للجصاص 4: 30، مقدمات ابن رشد 1: 78.
(5) عمدة القارئ 4: 10، بداية المجتهد 1: 71، المبسوط 1: 109.
(6) الأم 1: 50، الأم (مختصر المزني) 8: 6، تفسير القرطبي 5: 237.
(7) النهاية: 49.
(8) المقنعة: 87.
(9) السرائر: 26.
(10) الوسيلة (الجوامع الفقهية): 668.
(11) المبسوط 1: 32، الخلاف 1: 30 مسألة 77.

[ 60 ]

حنيفة (1) ومالك، (2)، والأوزاعي (3)، والشافعي في أحد قوليه (4) وقال في الآخر: لا يجوز (5). لنا: قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " (6) واسم الصعيد يتناول الرمل إذ هو أجزأ أرضية في الحقيقة اكتسبت حرارة شديدة أوجبت لها التشتت، وتغيرا ما في كيفيتها لا تخرج به عن حقيقة الأرض إلى المعدنية. وما رواه الجمهور، عن أبي هريرة، قال إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أنا نكون بالرمل فتصيبنا الجنابة والحيض والنفاس ولا نجد الماء أربعة أشهر؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله، (عليكم بالارض) (7) وإنما أشار عليه السلام بذلك إلى أرضهم ليقع الجواب مطابقا للسؤال، ولأن الألف واللام هاهنا توهم إنها للعهد، فلو لم تكن له لزم التلبيس. على أنه قد روي بصيغة أخرى وهي التنصيص، فقال: (عليكم بأرضكم) (8) رواها صاحب مختلف الرواية. الثالث: يجوز التيمم بالارض السبخة سواء كان عليها غبار أو لم يكن، خلافا

(1) الهداية للمرغيناني 1: 25، شرح فتح القدير 1: 112، المبسوط للسرخسي 1: 108، عمدة القارئ 4: 10، تفسير القرطبي 5: 236.
(2) بداية المجتهد 1: 71، عمدة القارئ 4: 10، تفسير القرطبي 5: 236.
(3) المغني 1: 281، عمدة القارئ 4: 10، المجموع 2: 213.
(4) المهذب للشيرازي 1: 32، المجموع 2: 314، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 311، السراج الوهاج: 27 مغني المحتاج 1: 96. (5) الأم 1: 50، المهذب للشيرازي 1: 32، المجموع 2: 314، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 311، السراج الوهاج: 27، مغني المحتاج 1: 96.
(6) النساء: 43، المائدة: 6.
(7) سنن البيهقي 1: 217، كنز العمال 9: 594 حديث 27572 مع تفاوت. وبهذا اللفظ انظر: المغني 1: 281.
8) أحكام القرآن للجصاص 4: 30.

[ 61 ]

لبعض الجمهور (1)، لتناول اسم الأرض لها، ولم يخرج بالحرارة المكتسبة المفيدة تغيرا ما في كيفيتها عن حقيقتها. الرابع: حكم الرخام حكم الحجر، ولم يذكره أصحابنا بالتنصيص. الخامس: الحجر أعم من أن يكون مطبوخا بالنار وإن لا يكون، فالقول بجواز الحكم [ للعام ] يستلزم ذلك، وكذا الخزف. ولو دقهما جاز التيمم بهما، لأنا قلنا أن الطبخ لم يخرجهما عن حقيقة الارضية، وعندي فيه إشكال. وقال الشافعي: لا يجوز (2). أما الطين الصلب كالأرمني فإنه يجوز التيمم به وإن لم يكن مدقوقا. خلافا لبعض الجمهور (3). السادس: يجوز التيمم بتراب القبر سواء كان منبوشا أو غير منبوش، إلا أن يعلم مخالطة شئ من النجاسة له، لتناول اسم الصعيد له، والشك فيه لا يمنع من استعماله كالماء، وقال الشافعي: المقبرة إذا تكرر نبشها لا يجوز التيمم بترابها، لاختلاطه بصديد الموتى، وإن لم يتكرر جاز، وإن جهل فوجهان: المنع، لأن الظاهر نبشها، والجواز للأصل (4). السابع: يجوز التيمم بالتراب المستعمل وهو المجتمع من التراب المتناثر من أعضاء المتيمم. وبه قالت الحنيفة (5)، خلافا لاكثر أصحاب الشافعي (6). وقد سبق البحث في المستعمل من الماء (7)، وحكم التراب حكمه.

(1) المغني 1: 282، المجموع 2: 218، عمدة القارئ 4: 10.
(2) الأم 1: 50، المهذب للشيرازي 1: 33، المجموع 2: 213، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 311.
(3) الأم 1: 50، المجموع 2: 218.
(4) الأم 1: 51، المجموع 2: 216، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 311، إلا أنه لم يذكر فيها التكرر.
(5) الهداية للمرغيناني 1: 25، عمدة القارئ 4: 10، المغني 1: 293. (6) الأم 1: 50، المهذب للشيرازي 1: 33، مغني المحتاج 1: 96، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 312، السراج الوهاج: 27، المجموع 2: 218.
(7) تقدم في الجزء الأول ص 128.

[ 62 ]

الثامن: البطحاء هو من مسيل (1) السيول للمكان السهل الذي لا جص فيه ولا حجر. وكذا الأبطح، ويجوز التيمم به. وقال الشافعي في الأم: لا يقع اسم الصعيد على البطحاء الغليظة والرقيقة (2). مسألة: ويستحب أن يكون التراب من ربى الأرض وعواليها دون المهابط، وإن استعمل جاز، ولم يفرق الجمهور بينهما في الأولوية. لنا: إن ملاقاتها للنجاسة أقل وجودا من ملاقاة المهابط لها، لانحدار الماء والبول إلى المهابط، ولأن وصول الماء من السماء المطهر إلى العوالي أكثر من المهابط. ويؤيده: ما رواه الشيخ، عن النوفلي (3)، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: " لا وضوء من موطأ " قال النوفلي: يعني ما تطأ عليه برجلك (4) وروي، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " نهى أمير المؤمنين عليه السلام أن يتيمم الرجل بتراب من أثر الطريق " (5). قال الشيخ: هذان الخبران يدلان على الكراهية (6) وهو حق، لسبق دلالة الآية على جواز التيمم من الصعيد مطلقا. مسألة: ولا يجوز التيمم بما ليس بأرض على الاطلاق، كالمعادن، والنبات

(1) " خ " " ن " " د " منتقل.
(2) الأم 1: 50.
(3) أبو عبد الله الحسين بن يزيد بن محمد بن عبد الملك المتطبب النخعي النوفلي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا (ع)، وقال في الفهرست: له كتاب رجال النجاشي: 38، رجال الطوسي: 373، الفهرست: 59، رجال العلامة: 216.
(4) التهذيب 1: 186 حديث 537، الوسائل 2: 969 الباب 6 من أبواب التيمم، حديث 1.
(5) التهذيب 1: 187 حديث 538، الوسائل 2: 969 الباب 6 من أبواب التيمم، حديث 2.
(6) التهذيب 1: 187.

[ 63 ]

المنسحق، والأشجار وغيرهما، سواء كان متصلا بالارض أو لم يكن، وسواء كان من جنسها أو لم يكن. وهو مذهب علمائنا أجمع، وهو قول الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: كل ما كان من جنس الأرض أو متصلا بها من الثلج والشجر، جاز التيمم به (2)، وبه قال مالك، إلا أنه اعتبر أن يكون من جنس الأرض ما يتصل بها (3). وقال الثوري والأوزاعي: يجوز التيمم بالارض وبكل ما عليها، سواء كان متصلا بها أو غير متصل (4) (5). لنا: إنه تعالى قال: " صعيدا " وقد بينا أن الصعيد هو التراب والأرض لا غير. والأحاديث من طرق الجمهور وطرقنا قد سلفت أيضا. لا يقال: قد روى الشيخ، عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الدقيق يتوضأ به؟ قال: " لا بأس بأن يتوضأ به وينتفع به " (6). لأنا نقول: إن هذه الرواية ضعيفة السند، إذ في طريقها ابن بكير وهو فطحي، وأيضا: يحتمل أن يكون المراد بالتوضئ هاهنا المفهوم اللغوي، بل هو الواجب، إذ مع تعذر حمل اللفظ على المعنى الشرعي، يحمل على اللغوي، ولا ريب أن الوضوء لا يصح استعماله إلا في غسل الأعضاء بالماء شرعا، وذلك غير متحقق هاهنا. ولو حمل على

(1) الأم 1: 50، مغني المحتاج 1: 96. (2) أحكام القرآن للجصاص 4: 29، الهداية للمرغيناني 1: 25، بدائع الصنائع 1: 53، شرح فتح القدير 1: 112، عمدة القارئ 4: 10، المجموع 2: 213، تفسير القرطبي 5: 236.
(3) بداية المجتهد 1: 71، تفسير القرطبي 5: 236، أحكام القرآن للجصاص 4: 30، المجموع 2: 213، عمدة القارئ 4: 10.
(4) أحكام القرآن للجصاص 4: 30، المجموع 2: 213، تفسير القرطبي 5: 236، عمدة القارئ 4: 10، نيل الأوطار 1: 328.
(5) المجموع 2: 213، عمدة القارئ 4: 10، نيل الأوطار 1: 328.
(6) التهذيب 1: 188 حديث 541، الوسائل 2: 970 الباب 7 من أبواب التيمم، حديث 7.

[ 64 ]

التيمم لكان حمل اللفظ على مجازه بالنظر إلى الاستعمالين، ولا يصح مع إمكان حمله على حقيقته اللغوية. ويؤيد هذا الاحتمال: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يطلي بالنورة فيجعل الدقيق بالزيت، ثم يلته به يتمسح به بعد النورة ليقطع ريحها؟ قال: " لا بأس ". (1). فروع: الأول: لا يجوز التيمم بالرماد. وهو مذهب علمائنا أجمع، وقد تقدمت الرواية الدالة عليه (2). وكذا لا يجوز بالاشنان والدقيق ولا ما أشبهه في نعومته وانسحاقه، لعدم تناول اسم الأرض لهذه الاشياء. الثاني: نص الأصحاب على أنه لا يجوز التيمم بالزرنيخ، لأنه معدن، واختلفوا في النورة، فقال المرتضى: يجوز التيمم بها (3). وقال الشيخان: يجوز التيمم بأرض النورة وأرض الجص (4). وجوز المرتضى التيمم بالجص أيضا (5). ومنع ابن إدريس من التيمم بالنورة (6). وهو الأقرب، لأنها معدن فخرجت عن اسم الأرض. ولا تعويل على ما رواه الشيخ، عن السكوني، عن جعفر عن أبيه، عن علي عليه السلام أنه سئل عن التيمم بالجص؟ فقال: " نعم " فقيل: بالنورة؟ فقال " نعم " فقيل: بالرماد؟ فقال:

(1) التهذيب 1: 188 حديث 542، الوسائل 1: 396 الباب 38 من أبواب آدام الحمام، حديث 1.
(2) تقدمت في ص 57.
(3) رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الثالثة): 26، جمل العلم والعمل: 52.
(4) المفيد في المقنعة: 8 والطوسي في النهاية: 49، المبسوط 1: 32.
(5) رسائل الشريف المرتضى (المجموعة الثالثة): 26، جمل العلم والعمل: 52. (6) السرائر: 26.

[ 65 ]

" لا " (1) لأن رواتها ضعيفة والأولى اعتبار الاسم. الثالث: لو اختلط التراب بغيره مما لا يجوز التيمم به كالمعادن، قال في الخلاف: لا يجوز التيمم به سواء غلب عليه أو لم يغلب (2). وقال في المبسوط: يجوز إذا كان مستهلكا (3). وبالأول قال الشافعي (4)، وبالثاني قال بعض الشافعية، واعتبر الغلبة (5) وهو الاقوى عندي، لبقاء الاسم معه، ولأنه يتعذر في بعض المواضع. الرابع: لو اختلط التراب بما لا يتعلق باليد كالشعير، جاز التيمم به، لأن التراب موجود فيه والحائل لا يمنع من التصاق اليد به، فكان سائغا. الخامس: يجوز التيمم بالتراب وإن اختلفت ألوانه كالأسود، والأصفر، والأبيض، والأخضر لتناول الاسم له. مسألة: لو فقد التراب نفض ثوبه، أو لبد سرج دابته، أو عرفها ويتيمم بغباره. وقال مالك: لا يجوز التيمم بغبار اللبد والثوب، مع قوله بأنه يجوز التيمم بكل ما يصاعد على وجه الأرض، كالثلج، والحشيش، وغيرهما (6). لنا: قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا " (7) وهو التراب عملا بالاصل. احتج مالك (8) بأن النبي صلى الله عليه وآله لما ضرب بيده نفخهما (9). وذلك

(1) التهذيب 1: 187 حديث 539، الوسائل 2: 971 الباب 8 من أبواب التيمم، حديث 1.
(2) الخلاف 1: 30 مسألة 78.
(3) المبسوط 1: 32.
(4) الأم 1: 50، المجموع 2: 217، مغني المحتاج 1: 96.
(5) المجموع 2: 217، مغني المحتاج 1: 96.
(6) المدونة الكبرى 1: 46، بداية المجتهد 1: 71، المغني 1: 283، مقدمات ابن رشد 1: 78.
(7) النساء: 43، المائدة: 6.
(8) المغني 1: 283.
(9) صحيح البخاري 1: 92، سنن ابن ماجة 1: 188 حديث 569، سنن أبي داود 1: 88 حديث 322، + + +

[ 66 ]

يدل على أنه لا يجوز بالغبار. والجواب: إن النفخ عندنا مستحب ولا يزيل الغبار الملاصق، وذلك يكفي، إذ لفظة " من " في الآية (1) للتبعيض. ويؤيد ما ذكرناه: ما رواه الجمهور، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وآله ضرب بيده على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه (2). وليس ثم إلا الغبار، فكما ساغ في الحائط ساغ في غيره. من طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا كنت في حال لا تقدر إلا على الطين فتيمم به، فإن الله أولى بالعذر إذا لم يكن معك ثوب جاف ولا لبد تقدر على أن تنفضه وتتيمم به " (3). وما رواه في الصحيح عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أرأيت المواقف إن لم يكن على وضوء كيف يصنع ولا يقدر على النزول؟ قال: " تيمم من لبده أو سرجه أو معرفة دابته، فإن فيها غبارا ويصلي " (4). وما رواه في الموثق، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إن أصابك (5) الثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو من شئ معه، وإن كان في حال لا يجد إلا

سنن النسائي 1: 165، مسند أحمد 4: 265، سنن البيهقي 1: 214. (1) المراد منها قوله تعالى: " فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ". المائدة: 6.
(2) سنن أبي داود 1: 90 حديث 330، سنن البيهقي 1: 215، سنن الدار قطني 1: 177 حديث 7 في الجميع: ضرب بيديه.
(3) التهذيب 1: 189 حديث 543، الاستبصار 1: 156 حديث 537، الوسائل 2: 973 الباب 9 من أبواب التيمم، حديث 7.
(4) التهذيب 1: 189 حديث 544، الاستبصار 1: 157 حديث 541، الوسائل 2: 972 الباب 9 من أبواب التيمم، حديث 1.
(5) كذا في النسخ، وفي المصادر: أصابه. وهو الصحيح.

[ 67 ]

الطين فلا بأس أن يتيمم منه " (1). وما رواه في الصحيح، عن رفاعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا كانت الأرض مبتلة ليس فيها تراب ولا ماء فانظر أجف موضع تجده فتيمم منه فإن: ذلك توسيع من الله عزوجل " قال: " فإن كان في ثلج فلينظر في لبد سرجه فليتيمم من غباره أو شئ مغبر، وإن كان في موضع لا يجد إلا الطين فلا بأس أن يتيمم منه " (2). فروع: الأول: هل يشترط [ في ] (3) التيمم بغبار هذه وما شابهها فقد التراب أم لا؟ عبارة الشيخ (4) وأكثر الأصحاب تقتضي الاشتراط (5)، ونص ابن إدريس في كتابه عليه (6)، والسيد المرتضى في كتاب الجمل أطلق القول بالجواز (7). وهو اختيار أبي حنيفة، ومحمد (8). والوجه الاشتراط على ما ذكره أكثر الأصحاب، واختاره أبو يوسف (9).

(1) التهذيب 1: 189 حديث 545، الاستبصار 1: 158 حديث 545، الوسائل 2: 972 الباب 9 من أبواب التيمم، حديث 2.
(2) التهذيب 1: 189 حديث 546، الاستبصار 1: 156 حديث 539، الوسائل 2: 972 الباب 9 من أبواب التيمم، حديث 4.
(3) أضفناه لاستقامة المعنى.
(4) النهاية: 49، الخلاف 1: 39 مسألة 107، المبسوط 1: 32.
(5) منهم المفيد في المقنعة: 8، وسلار في المراسم: 53، وابن حمزة في الوسيلة (الجوامع الفقهية): 668.
(6) السرائر: 26. (7) جمل العلم والعمل: 52 53.
(8) بدائع الصنائع 1: 54، المبسوط للسرخسي 1: 109، الهداية للمرغيناني 1: 26، شرح فتح القدير 1: 113.
(9) المبسوط للسرخسي 1: 109، بدائع الصنائع 1: 54، شرح فتح القدير 1: 113.

[ 68 ]

لنا: إن النص يتناول الصعيد، وهو: التراب الساكن الثابت. قال أبو يوسف: وغبار الثوب واللبد ليس بتراب من كل وجه، بل هو ثوب ولبد من وجه، لخروجه منها فلا يجوز إلا عند الضرورة (1). ويؤيد ما اخترناه: ما تقدم من الروايات، فإنها دالة على الاشتراط. احتج أبو حنيفة ومحمد: بأن الصعيد وجه الأرض، والغبار تراب حقيقة وإن استخرج من غير الأرض، لأنه كان مجاورا له، فإذا نفض عاد إلى أصله فصار ترابا مطلقا (2). وفيه قوة. الثاني: اشترط السيد المرتضى في الجمل أن يكون الغبار الذي على الثوب أو ما يجري مجراه، مما يجوز أن يتيمم بمثله، كالتراب لا كالاشنان والزرنيخ (3). وتبعه ابن إدريس (4) في ذلك. وهو جيد. الثالث: قال الشيخ في النهاية: ولو كان في أرض وحلة لا تراب فيها ولا صخر وكانت معه دابة، فلينفض عرفها أو لبد سرجها ويتيمم بغبرته، فإن لم يكن معه دابة وكان معه ثوب تيمم منه (5). وهذا يعطي الترتيب، والوجه عدمه. ولعله رتب ذلك لكثرة وجود أجزاء التراب في دابته وقلته في الثوب. مسألة: ولو لم يجد إلا الوحل تيمم منه. وهو مذهب علمائنا، إلا أنه إذا تمكن من أخذ شئ من الوحل يلطخ به جسده حتى يجف، وجب عليه ذلك ليتيمم بتراب، وإن لم يتمكن لضيق الوقت أو لغيره، وجب عليه التيمم. وقال أبو حنيفة: إذا لم

(1) المبسوط للسرخسي 1: 109، شرح العناية بهامش شرح فتح القدير 1: 113، بدائع الصنائع 1: 54، شرح فتح القدير.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 109، بدائع الصنائع 1: 54، شرح فتح القدير 1: 113.
(3) جمل العلم والعمل: 52.
(4) السرائر: 26. (5) النهاية 49.

[ 69 ]

يتمكن لم يصل (1). وبه قال الشافعي (2). وقال أبو يوسف: يصلي بالايماء، ثم يعيد (3)، واختاره محمد في إحدى الروايات عنه (4). لنا: ما رواه الجمهور، عن ابن عباس أنه قال: يأخذ الطين فيطلي به جسده، فإذا جف تيمم به (5) وهذا يبطل قول أبي يوسف. ويدل على إبطال قول أبي حنيفة أنه مأمور بالصلاة، فلا يجوز تركها، لفقد صفة الشرط كغيره من الشروط، ولأنه بممازجته للماء لم يخرج عن حقيقة الارضية، فجاز التيمم به خصوصا ومن مذهبه جواز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض (6)، ولأنه مركب من العنصرين المطهرين، فكان مطهرا كأحدهما. ويؤيده: ما رواه الشيخ، عن أبي بصير في الحسن وما رواه في الموثق، عن زرارة وما رواه في الصحيح، عن رفاعة وقد تقدمت (7). وما رواه، علي بن مطر (8) عن بعض أصحابنا قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل لا يصيب الماء ولا التراب أيتيمم بالطين؟ فقال: " نعم صعيد طيب وماء طهور " (9).

(1) أحكام القرآن للجصاص 4: 19، بدائع الصنائع 1: 50، المبسوط للسرخسي 1: 123، المغني 284.
(2) كذا نسب إليه، والموجود في المصادر: موافقته لقول أبي يوسف الآتي.
(3) أحكام القرآن للجصاص 4: 19، المبسوط للسرخسي 1: 123، بدائع الصنائع 1: 50.
(4) بدائع الصنائع 1: 50، المبسوط للسرخسي 1: 123.
(5) المغني 1: 284، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 290، تفسير القرطبي 5: 238.
(6) بدائع الصنائع 1: 53، تفسير القرطبي 5: 236، عمدة القارئ 4: 10، المجموع 2: 213، المبسوط للسرخسي 1: 108.
(7) تقدمت الروايات في ص 66 67.
(8) علي بن مطر في طريق الصدوق، وليس له ذكر في كتب الرجال. جامع الرواة 1: 602، تنقيح المقال 2: 309.
(9) التهذيب 1: 190 حديث 549، الوسائل 2: 973 الباب 9 من أبواب التيمم، حديث 6.

[ 70 ]

احتج أبو حنيفة: بأن الطهارة شرط ولا تصح إلا بالماء أو التراب، والوحل ليس واحدا منهما (1). والجواب: قد بينا أنه لا يخرج بالمزج عن الحقيقة. فروع: الأول: الطين مرتبة ثالثة بعد غبار الثوب واللبد وشبههما، بمعنى أنه لا يعدل إليه إلا مع فقده، وهو قول علمائنا، لأن التراب الخالص موجود في الغبار وليس موجودا في الطين إلا مع المزج، فكان الأول أولى، ويؤيده: الروايات المتقدمة. لا يقال: يعارض هذا ما رواه الشيخ، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام قال: قلت: رجل دخل الاجمة ليس فيها ماء وفيها طين، ما يصنع؟ قال: " يتيمم فإنه الصعيد " قلت: فإنه راكب ولا يمكنه النزول من خوف وليس هو على وضوء، قال: " إن خاف على نفسه من سبع أو غيره وخاف فوت الوقت فليتيمم بضرب بيده على اللبد والبرذعة ويتيمم ويصلي " (2). لأنا نقول: هذه الرواية ضعيفة السند، ومع ذلك فهي غير منافية لما قلناه، لأنه لم يتعرض لنفي التراب بل لنفي الماء، وهو لا يستلزم ذلك، ولا قوله: وفيها طين أيضا. الثاني: إذا (3) تمكن من جفاف أجزاء الطين بحيث يصير ترابا ويتيمم به، تعين ذلك، وكان أولى من التيمم بغبار الثوب واللبد، لأنه في هذه الصورة متيمم بتراب حقيقة. ولأنا قد بينا تأخر مرتبة اللبد وشبهه عن التراب والأرض. الثالث: يشترط في الوحل أن تكون أرضه مما يجوز التيمم منها، وإلا كان حكم

(1) أحكام القرآن للجصاص 4: 19، بدائع الصنائع 1: 50، المبسوط للسرخسي 1: 123.
(2) التهذيب 1: 190 حديث 547، الاستبصار 1: 156 حديث 540، الوسائل 2: 973 الباب 9 من أبواب التيمم، حديث 5.
(3) " د " تتنديا. وما في المتن مطابق للمصدر.

[ 71 ]

ما لو لم يجد ما يتطهر به، وسيأتي. مسألة: ولو لم يجد إلا الثلج، قال الشيخ: يضع يديه على الثلج باعتماد حتى تنتديا (2) ثم يمسح وجهه من قصاص شعر رأسه إلى محادر شعر ذقنه مثل الدهن، ثم يضع يده اليسرى على الثلج كما وصفناه، ويمسح يده اليمنى بها من المرفق إلى أطراف الأصابع، ثم يضع يده اليمنى على الثلج كذلك، ويمسح يده اليسرى من المرفق إلى أطراف الأصابع ويمسح بباقي نداوة يديه رأسه وقدميه. وإن كان قد وجب عليه الغسل فعل بجميع بدنه مثل ذلك، فإن خاف على نفسه من البرد، أخر الصلاة إلى أن يجد الماء فيغتسل، أو التراب فيتيمم (3). وهو اختيار المفيد (4) رحمه الله، وابن حمزة (5). وقال السيد المرتضى: يضرب بيديه عليه ويتيمم بنداوته (6) وابن إدريس منع منهما، وأوجب التأخير إلى أن يجد الماء أو التراب (1). وجوز مالك، التيمم بالثلج في حال وجود التراب (2). قال الشيخ: وإن لم يحصل نداوة لم يجزيه مطلقا، سواء حصل على بدنه نداوة أو لم يحصل. وقال الأوزاعي: يجزيه مطلقا، سواء حصل أو لم يحصل (3). والذي أذهب إليه، أنه إن بلغت النداوة حدا تجري على العضو المغسول بحيث يسمى غسلا، فلينتقل الجزء من الماء على جزء من البدن إلى آخر، وجب عليه فعل ما ذكره الشيخ، وكان مقدما على التراب. وإن لم يكن كذلك فالأقرب ما قاله الشيخ من

(1) " د " تتنديا. وما في المتن مطابق للمصدر.
(2) النهاية: 47.
(3) المقنعة: 8.
(4) الوسيلة (الجوامع الفقهية): 668.
(5) نقله عنه في المعتبر 1: 377.
(6) السرائر: 26. (7) المدونة الكبرى 1: 46، بداية المجتهد 1: 71، المغني 1: 283، المجموع 2: 213.
(8) المجموع 2: 213. بلغة السالك 1: 74.

[ 72 ]

استعمال الثلج، لما رواه ابن يعقوب في كتابه في الصحيح، عن زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: " إنما الوضوء حد من حدود الله ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه، وإن المؤمن لا ينجسه شئ إنما يكفيه مثل الدهن " (1). وما رواه ابن يعقوب، عن هارون بن حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: " يجزيك من الغسل والاستنجاء ما بلت يمينك " (2). وما رواه في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في، الوضوء قال: " إذا مس جلدك الماء فحسبك " (3). وما رواه الشيخ، عن معاوية بن شريح، قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده فقال: يصيبنا الدمق والثلج ونريد أن نتوضأ فلا نجد إلا ماءا جامدا، فكيف أتوضأ؟ أدلك به جلدي؟ قال: " نعم " (4) ولأنه في محل الضرورة، فسقط عنه المقدار المجزي، كستر العورة، فإنه يكتفي فيها مع الضرورة بالأقل. ولأن الواجب عليه أمران: إمساس جسده بالماء، وإجراؤه عليه فلا يسقط أحدهما بتعذر الآخر. احتج السيد المرتضى: بما رواه ابن يعقوب في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يجنب في السفر فلا يجد إلا الثلج أو ماءا جامدا؟ قال: " هو بمنزلة الضرورة يتيمم ولا اري أن يعود إلى هذه الأرض التي توبق دينه " (5).

(1) الكافي 3: 21 حديث 2، الوسائل 1: 340 الباب 52 من أبواب الوضوء، حديث 1.
(2) الكافي 3: 22 حديث 6، الوسائل 1: 511 الباب 31 من أبواب الجنابة، حديث 5.
(3) الكافي 3: 22 حديث 7، الوسائل 1: 341 الباب 52 من أبواب الوضوء، حديث 3.
(4) التهذيب 1: 191 حديث 552، الاستبصار 1: 157 حديث 543، الوسائل 2: 975 الباب 10 من أبواب التيمم، حديث 2، (5) الكافي 3: 67 حديث 1، التهذيب 1: 191 حديث 553، الوسائل 2: 973 الباب 9 من أبواب التيمم، حديث 9.

[ 73 ]

قال الشيخ: فالوجه في هذا الخبر أنه إذا لم يتمكن من استعماله من برد أو غيره. واستدل على هذا التأويل، بما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل الجنب أو على غير وضوء لا يكون معه ماء وهو يصيب ثلجا وصعيدا أيهما أفضل؟ التيمم أو يتمسح بالثلج وجهه؟ قال: " الثلج إذا بل رأسه وجسده أفضل، فإن لم يقدر على أن يغتسل به، فليتيمم " (1) وهذا التأويل من الشيخ والاستدلال عليه، يشعر بتقدم استعماله على التراب، وهو يؤيد ما ذكرناه من أنه متى حصل مسمى الغسل وجب، وإلا فالتراب أولى. ويحتمل الحديث وجهين آخرين: أحدهما: التجويز بالتيمم عن المسح بالثلج، للاشتراك في المسح، والثاني: تخصيص عدم الوجدان بالماء ويكون التراب حاصلا. احتج ابن إدريس بانعقاد الاجماع على أن التيمم إنما يكون بالارض أو ما أطلق عليه اسمها، والثلج ليس أحدهما، فلا يجوز التيمم به ولا المسح أيضا، لأن المأخوذ إنما هو الغسل، وحده ما جرى على العضو المغسول (2). ثم أخذ بالثناء على نفسه، وليس ذلك موجبا له. أما الاجماع فإنما انعقد على المتمكن من استعمال الأرض، أما على المضطر فلا نسلم تحققه، سلمناه، لكن لم لا يجوز استعماله على سبيل الدهن؟ والامر وإن توجه بالغسل لكن مع الاختيار، أما مع الضرورة فلا. مسألة: إذا فقد جميع هذه الاشياء، قال بعض الأصحاب: تسقط الصلاة أداءا (3). وبه قال الشيخ (4). وقال السيد المرتضى في المسائل الناصرية: ليس

(1) التهذيب 1: 192 حديث 554، الاستبصار 1: 158 حديث 547 وفيهما: أيتيمم.، الوسائل 2: 975 الباب 10 من أبواب التيمم، حديث 3.
(2) السرائر: 26.
(3) هو ظاهر المقنعة: 8، السرائر: 26، والمعتبر: 379.
(4) المبسوط 1: 31.

[ 74 ]

لأصحابنا في هذه المسألة نص صريح، ويقوى في نفسي أن الصلاة لا تجب عليه، وإذا تمكن من الماء أو التراب الطاهر قضى الصلاة وإن خرج الوقت (1). الذي قوى في نفس السيد هو الاقوى عندي. وبه قال أبو حنيفة (2)، والثوري، والأوزاعي (3). وقال الشافعي (4)، والليث بن سعد، وأحمد (5)، وأبو يوسف (6)، ومحمد: يصلي على حسب حاله ويعيد (7). وقال مالك: تسقط الصلاة أداءا وقضاءا (8) وهو قول لبعض أصحابنا (9) وقول داود (10) وأنكر ابن عبد البر (11) هذه الرواية عن مالك (12). لنا على السقوط: قوله تعالى: " ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا " (13) نهى عن القرب للصلاة قبل الاغتسال، ومع الفقد، التيمم. وأيضا:

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): 190.
(2) أحكام القرآن للجصاص 4: 1918، بدائع الصنائع 1: 50، المغني 1: 284، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 286، المجموع 2: 280، فتح الباري 1: 349، المحلى 2: 139.
(3) المغني 1: 284، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 286، المجموع 2: 280، أحكام القرآن للجصاص 4: 19. المحلى 2: 139، فتح الباري 1: 349.
(4) الأم 1: 51، المهذب للشيرازي 1: 35، المجموع 2: 278، مغني المحتاج 1: 106105، السراج الوهاج: 30، عمدة القارئ 4: 12، المحلى 2: 139.
(5) المغني 1: 284، الكافي لابن قدامة 1: 89، الانصاف 1: 283282، المجموع 2: 280.
(6) عمدة القارئ 4: 12، المبسوط للسرخسي 1: 116، بدائع الصنائع 1: 50.
(7) عمدة القارئ 4: 12، بدائع الصنائع 1: 50. (8) بلغة السالك 1: 75، المغني 1: 284، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 287، عمدة القارئ 4: 12.
(9) وهو قول المفيد. كذا نقل عنه في المعتبر 1: 380.
(10) المجموع 2: 280.
(11) أبو عمرو بن عبد البر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، روى عن سعيد بن نصر، وعبد الله بن أسد وابن ضيفون وطبقتهم. مات سنة 463 ه‍. العبر 2: 316، شذرات الذهب 3: 314.
(12) المغني 1: 284، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 287.
(13) النساء: 43.

[ 75 ]

فإنه شرط، وقد فقد، ففقد (1) المشروط. ولأنها عبادة لا تسقط القضاء فلم تكن واجبة كصيام الحائض. وعلى وجوب القضاء ما يأتي من وجوب قضاء الفوائت. احتج الشافعي بما رواه مسلم إن النبي صلى الله عليه وآله بعث أناسا لطلب قلادة أضلتها عائشة، فحضرت الصلاة، فصلوا بغير وضوء فأتوا النبي صلى الله عليه وآله، فذكروا ذلك له، فنزلت آية التيمم (2) ولم ينكر النبي صلى الله عليه وآله ذلك ولا أمرهم بإعادة. ولأن الطهارة شرط، فلم يؤخر الصلاة عند عدمه كالاستقبال. احتج أبو يوسف ومحمد بأنه قد عجز عن الصلاة فيتشبه بالمصلين كالعاجز عن الصوم يتشبه بالصائمين (3). والجواب عن الأول: بأن ذلك قد كان ثابتا قبل شرع التيمم على تقدير تسليمه، ولا يمكن بقاء ذلك التقدير بعد نزول الآية، فلم يكن فيها حجة. وعن الثاني: بأن الشرط من حقيقته استلزام عدمه عدم المشروط، والاستقبال إنما سقط لوجود (4) البدل وهو الاستقبال إلى غير القبلة. وعن الثالث: بأن التشبه إنما يجوز بما هو مشروع في نفسه، وصوم بعض اليوم مشروع في الجملة، كالامساك في الحائض إذا طهرت قبل الافطار، بخلاف الصلاة بغير طهارة، فإنها غير مشروعة. احتج مالك بأنه عجز عن الطهارة، فلم يجب عليه الصلاة كالحائض وإذا سقطت أداءا سقطت قضاءا إذ هو تابع (5).

(1) " خ ": فيفقد. (2) صحيح مسلم 1: 279 حديث 367.
(3) بدائع الصنائع 1: 50، المبسوط للسرخسي 1: 116.
(4) " ح " " ق ": بوجود.
(5) المغني 1: 284، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 287، عمدة القارئ 2: 12، المجموع 2: 281، بلغة + + +

[ 76 ]

والجواب: القضاء إنما يجب بأمر جديد. مسألة: ولا يجوز التيمم بالتراب المغصوب، وكذا الماء المغصوب لا يجوز التطهير به غسلا ووضوءا. وهو مذهب علمائنا أجمع، خلافا للجمهور (1). لنا: إن التصرف في مال الغير قبيح عقلا وشرعا، والقبيح لا يكون مأمورا به، فيبقى في عهدة الأمر. احتجوا بأنه قد أتى بالغسل والتيمم، فكان مجزيا. والجواب: إن المأمور به إنما هو الفعل الحسن الخالي عن جهات القبح، وذلك غير حاصل في صورة النزاع، ولأنه منهي عنه، فيستحيل أن يكون مأمورا به، وإلا لزم تكليف المحال. أصل: النهي عن الشئ يقتضي الفساد في العبادات خاصة. أما الأول: فلأنه بعد الاتيان بالمنهي عنه، يصدق عليه أنه غير آت بالمأمور به، لأن المنهي يستحيل أن يكون عين المأمور به، لأن أقل مراتب الأمر، رفع الحرج عن الفعل المأمور به قطعا، والمنهي عنه هو الذي لم يرفع الحرج عن فعله، فالجمع بينهما ممتنع، وإذا لم يكن آتيا وجب القول بشغل الذمة، والبقاء في عهدة الأمر. وقولهم: لو اقتضاه لفظا لاستلزم الوضع، أو معنى لاستلزم الالتزام وهما منفيان، مدفوع بحصول اللزوم، إذ النهي دل على مغايرة المأمور به للنهي عنه، والنص دل على أن الخروج عن العهدة إنما يحصل بالاتيان بالمأمور به، فيحصل من ذلك أن الاتيان بالمنهي عنه لا يقتضي الخروج عن العهدة. وقولهم: أن النهي قد تعلق بالصلاة في الأماكن المكروهة مع الصحة، مدفوع بالمنع من اتحاد متعلقي الصحة والنهي.

السالك 1: 75. (1) المجموع 1: 215، إلا أحمد فإنه قال بمذهبنا، انظر: الانصاف 1: 286، المجموع 1: 251.

[ 77 ]

وأما الثاني: فلانتفاء الدلالة اللفظية فيه، إذ لفظ النهي إنما يدل على الزجر والعقوبة، إذ لا استبعاد في أن يقال: نهيتك عن البيع وإن أتيت به حصل الملك، فإن عارضوا بالنهي في العبادات، قلنا: المراد من الفساد ثم عدم الإجزاء وهاهنا عدم إفادة الأحكام المترتبة على العقد وأحدهما غير الآخر. قالوا: أجمعت الصحابة على فساد الربا بالنهي عنه، ولأن النهي نقيض الأمر الدال على الإجزاء فيكون دالا على الفساد. قلنا: نمنع استناد الاجماع إلى النهي، وكيف يكون كذلك مع أنهم قد حكموا بصحة كثير من المنهيات؟! وعن الثاني: بأن المختلفات قد تتساوى في الأحكام، سلمنا لكن الأمر لما دل على الإجزاء وجب أن يكون نقيضه لا يدل عليه لا أنه يدل على الفساد. فروع: الأول: لو استعمل المغصوب، ماءا كان أو ترابا في الطهارة لم يجزئه ووجب عليه الاستئناف، ولم يرتفع حدثه، لأنه عبادة فالنهي عنها يقتضي الفساد. الثاني لو كانت الآنية مغصوبة دون الماء، صحت الطهارة، لوجود المقتضي وهو الغسل أو التيمم السليم عن معارضة الفساد الناشئ بغصبية ما يتطهر به. لا يقال: ما ذكرتموه ثم عائد هنا، لأن استعمال الماء إنما يكون بأخذ من الآنية فهو لا ينفك عن الغصبية، فكان هنا هنا منهيا عنه، فلم يكن مجزيا. لأنا نقول: ها هنا تصرفان، أحدهما: أخذ الماء من الآنية، وذلك منهي عنه ولا يتوجه إليه فساد، إذ ليس عبادة. والثاني: صرف الماء من الأعضاء، وذلك غير منهي عنه، فكان مجزيا. ولقائل أن يقول: أنهما وإن تغايرا لكن الثاني ملزوم الأول، وفيه بحث. الثالث: لو اشترى الماء بثمن مغصوب، فإن اشتراه بالعين لم يصح الوضوء، وإن

[ 78 ]

اشتراه بالذمة صح. مسألة: ويشترط في التراب أن يكون طاهرا كالماء، ولا نعرف فيه مخالفا ويدل عليه قوله تعالى: " صعيدا طيبا " (1) والطيب هو الطاهر. فروع: الأول: لو أصاب التراب بول أو ماء نجس لم يجز التيمم به. وقال داود: إن غير رائحته لم يجز، وإن لم يغير جاز واعتبره بالماء، وهو غلط لقوله تعالى: " صعيدا طيبا ". ولأن الجامد لا يعتبر فيه التغير كالثوب يصيبه الماء النجس، وللفرق بأن للماء قوة الغلبة بخلاف التراب، ولأنه لا نقول بالقياس. الثاني: لو جف هذا التراب بعد ملاقاة البول له، فإن كان بالشمس طهر وجاز التيمم منه، وإن كان بغيرها لم يطهر. وقال الشافعي: يجوز أن يصلى عليه ولا يتيمم منه. الثالث: لا فرق بين قلة النجاسة وكثرتها، ولا بين كثرة التراب وقلته، بخلاف الماء الكثير، لأنه يستهلك النجاسة. البحث الثالث: في كيفيته: مسألة: ويجب فيه النية ولا نعلم فيه خلافا بين علمائنا، وممن قال بذلك: ربيعة (2)، ومالك (3)، والليث (4)، والشافعي (5)، وأبو عبيدة، وأبو ثور (6)، وأصحاب

(1) المائدة: 6، النساء: 43.
(2) المغني 1: 286، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 292.
(3) بداية المجتهد 1: 67، بلغة السالك 1: 67، أحكام القرآن لابن العربي 1: 447، المغني 1: 286، + + +

[ 79 ]

الرأي، وعامة أهل العلم (1) غير ما حكي عن الأوزاعي، والحسن بن صالح بن حي أنه يصح بغير نية (2) اعتبارا بإزالة النجاسة. والحجة فيه ما تقدم في باب الوضوء (3)، وزيادة قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " والتيمم: القصد، فتجب النية، وينوي استباحة الصلاة، ولا يجوز أن ينوي رفع الحدث لأنه غير رافع. وهو مذهب علمائنا أجمع، ومالك (4)، والشافعي (5)، وأكثر أهل العلم (6). ونقل عن أبي حنيفة أنه يرفع الحدث (7). ونقل الشيخ في الخلاف عن داود وبعض أصحاب مالك كمذهب أبي حنيفة (8). لنا: أنه لو وجد الماء لزمه استعماله لرفع الحدث السابق جنابة كان أو حدثا أصغر أو حيضا. ولو كان التيمم مزيلا للحدث لما وجب عليه الغسل، لأن رؤية الماء لا توجب الغسل، وكان يلزم استواء الجميع لاستوائهم في الوجدان. ولأنها طهارة ضرورية، فلم ترفع الحدث كطهارة المستحاضة.

الشرح الكبير بهامش المغني 1: 292.
(4) المغني 1: 286، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 292. (5) المهذب للشيرازي 1: 33، المجموع 2: 220، المغني 1: 286، التفسير الكبير 11: 171.
(6) المغني 1: 286. (1) المبسوط للسرخسي 1: 117، بدائع الصنائع 1: 52، شرح فتح القدير 1: 114، الهداية للمرغيناني 1: 26، المغني 1: 286، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 292، التفسير الكبير 11: 171.
(2) المغني 1: 286، بداية المجتهد 1: 67، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 293، المجموع 1: 313.
(3) تقدم في ج 1: 238.
(4) المغني 1: 286، بلغة السالك 1: 72، مقدمات ابن رشد 1: 82.
(5) المهذب للشيرازي 1: 33، مغنى المحتاج 1: 97، السراج الوهاج: 28، المجموع 2: 220، ميزان الكبرى 1: 122، المغني 1: 286.
(6) المجموع 2: 221، المغني 1: 286، تفسير القرطبي 5: 234، سبل السلام 1: 9493، بلغة السالك 1: 72.
(7) المغني 1: 286، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 293.
(8) الخلاف 1: 34 مسألة 92.

[ 80 ]

ويؤيده: رواية عمرو بن العاص فإنه لما حكى النبي صلى الله عليه وآله ما فعل قال له: (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟) فذكر العذر، فضحك صلى الله عليه وآله (1). وتسميته صلى الله عليه وآله له جنبا يدل على بقاء الحدث. فروع: الأول: لو نوى بتيممه فريضة فله أن يصلي به ما شاء من الفرض والنفل، سواء نوى فريضة معينة أو مطلقة، واستباح كلما يستباح بالتيمم ولا نعرف فيه مخالفا، لكن قال الشافعي: إن نوى معينة صح أن يصليها به ولو نوى فريضة مطلقة فكذلك عنده (2)، إلا ما حكى بعض أصحابه عنه أنه لا يجوز أن يستبيح به أكثر من فريضة واحدة ويجوز عنده أن يتيمم لفريضة ويصلي غيرها (3). الثاني: لو نوى للفرض جاز أن يتطوع به قبل الفريضة وهذا إنما يصح على رأي من يجوز التيمم قبل التضييق (4) (5)، وهو الذي اخترناه في كتابنا هذا (6): وبه قال الشافعي (7)، وأحمد (8)، وأصحاب الرأي (9)، ومالك، وإن جوز التقديم قبل

(1) سنن أبي داود 1: 92 حديث 334، مسند أحمد 4: 203، سنن الدار قطني 1: 178 حديث 12، كنز العمال 9: 27563، سنن البيهقي 1: 227، مستدرك الحاكم 1: 177. (32) المجموع 2: 221، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 319.
(4) " ح " " م ": التضييق.
(5) راجع ص 51 وما بعدها.
(6) تقدم في ص 53.
(7) الأم 1: 47، المهذب للشيرازي 1: 33، 36، المجموع 2: 224، المغني 1: 288، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 297، المحلى 2: 129.
(8) المغني 1: 288، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 297، الكافي لابن قدامة 1: 80، الانصاف 1: 292.
(9) المبسوط للسرخسي 1: 113، بدائع الصنائع 1: 55، الهداية للمرغيناني 1: 27، شرح فتح القدير 1: 121، المغني 1: 288، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 297.

[ 81 ]

التضييق (1)، إلا أنه قال: لا يتطوع قبل الفريضة بصلاة غير راتبة (2). ومثله حكي عن أحمد (3) والشافعي (4). لنا: أنه تطوع فأبيح له فعله إذا نوى الفرض، كالسنن المرتبة، ولأنه يصح التطوع بعد الفرض فيصح قبله. احتج مالك بأن التطوع تبع للفرض، فلا يتقدم متبوعه (5). والجواب: التبعية إنما هي في الاستباحة لا في الفعل، كالمرتبات من السنن وقراءة القرآن وغيرهما. الثالث: لو نوى نفلا، أو صلاة مطلقة جاز الدخول بها في الفرائض. وهو مذهب علمائنا، وبه قال أبو حنيفة (6)، خلافا للشافعي (7)، ومالك (8)، وأحمد (9). لنا: أنه نوى الطهارة فيجب حصولها مع الفعل، عملا بقوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات) وبقوله: (إنما لامرئ ما نوى) (10) ولأنها طهارة يصح بها النفل فيصح

(1) " ح " " خ " " ن " " ق ": التضييق.
(2) المدونة الكبرى 1: 47، المغني 1: 288، المحلى 2: 129. المغني 1: 288، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 297، المحلى 2: 129.
(3) المغني 1: 288، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 297، الانصاف 1: 292.
(4) المهذب للشيرازي 1: 36، المجموع 2: 224، 299، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 322.
(5) بلغة السالك 1: 69، المغني 1: 288، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 297. (6) المبسوط للسرخسي 1: 117، المجموع 2: 222، المغني 1: 287، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 294.
(7) الأم 1: 47، المهذب للشيرازي 1: 33، المجموع 2: 222، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 319، مغني المحتاج 1: 98.
(8) بلغة السالك 1: 73، المجموع 2: 222.
(9) المغني 1: 288، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 294، الكافي لابن قدامة 1: 80، الانصاف 1: 291، المجموع 2: 222.
(10) صحيح البخاري 1: 2، صحيح مسلم 3: 1515، حديث 1907، سنن الترمذي 4: 179 حديث 1647، سنن أبي داود 2: 262 حديث 2201، سنن ابن ماجة 2: 1413 حديث 4227، سنن + + +

[ 82 ]

بها الفرض كالطهارة المائية. احتج الشافعي (1) بقوله عليه السلام: (الأعمال بالنيات) وهو لم ينو الفرض. الجواب: إنه نوى الطهارة فيجب حصولها، ولا يشترط جزئيات ما تتوقف عليه الطهارة وإلا لما صح النفل لو نوى الفرض، ولما صح قراءة القرآن واللبث في المساجد إلا بطهارات متعددة وهو باطل بالاتفاق. الرابع: لو نوى استباحة دخول المساجد وكان جنبا، أو قراءة العزائم أو مس الكتابة أو الطواف، فالأقرب أنه يصح له الدخول في الصلاة، لأنه نوى الطهارة لتوقف هذه الافعال عليها، فيجب حصولها، فساغت له الصلاة. وكذا لو نوى نفل الطواف، استباح فرضه وبالعكس. وقال الشافعي: وإن نوى النافلة جاز له الدخول في المساجد، وقراءة العزائم، ووطئ الحائض (2). لأن الطهارة في النافلة آكد. ولو نوى أحد هذه لم تستبح الفريضة، وفي استباحة النافلة وجهان. الخامس: لا يصح تيمم الكافر، لأنه لا يصح منه النية. السادس: يجب نية التقرب، لأنه عبادة فشرط (3) فيها الاخلاص، ولأنه بدل من الغسل أو الوضوء لاختلافه فيهما، فلا يتخصص لاحدهما إلا بنية. السابع: لو بلغ الصبي المتيمم نفلا لاحدى الصلوات الخمس، جاز له الدخول في الصلاة الواجبة، لأنه متطهر كما لو كان متطهرا بالماء. الثامن: يجب استدامتها حكما، وتقديمها بأن يأتي بها عند الضرب. التاسع: لو تيمم لقضاء فريضة فلم يصلها حتى دخل وقت أخرى، جاز له أن + + + +

النسائي 1: 58، سنن البيهقي 7: 341، مسند أحمد 1: 25، 43، سنن الدار قطني 1: 50 حديث 1. (1) المغني 1: 287، حيث أن قول الشافعي موافق لقول أحمد.
(2) المجموع 2: 223، مغني المحتاج 1: 99.
(3) " م " يشترط.

[ 83 ]

يصليها به. وهو قول أكثر الشافعية (1). وقال بعضهم: لا يجوز (2)، وإلا لزم أن يتيمم للفريضة قبل دخول وقتها. وليس بجيد، لأنه إنما تيمم للفائتة لا لما يدخل وقتها. مسألة: ويجب مسح الوجه في التيمم بالنص والاجماع وإنما الخلاف في تقديره، فأكثر علمائنا على أن حد الوجه هنا: من قصاص الشعر إلى طرف الانف. اختاره الشيخ في كتبه (3)، والمفيد (4)، والمرتضى في انتصاره (5)، وابن إدريس (6)، وأبو الصلاح (7). وقال علي بن بابويه بالاستيعاب، كالغسل في الوضوء (8)، وهو يلوح من كلام ابن أبي عقيل، فإنه قال: ولو مسح ببعض وجهه أجزأه (9)، بمثله قال سليمان بن داود (10) (11)، والجمهور أوجبوا الاستيعاب.
(12)، لنا: قوله تعالى: " فامسحوا بوجوهكم " (13) والباء للتبعيض، وقد تقدم. ولأنها طهارة ضرورية فلا يجب فيها الاستيعاب، ولأن استيعاب اليدين عند بعضهم

(1) المهذب للشيرازي 1: 34، المجموع 2: 241.
(2) المصدر نفسه.
(3) النهاية: 49، المبسوط 1: 33، الجمل والعقود: 53، مصباح المتهجد: 13.
(4) المقنعة: 8.
(5) الانتصار: 32.
(6) السرائر: 26.
(7) الكافي في الفقه: 136. (98) نقله عنهما في المعتبر 1: 384.
(10) سليمان بن داود بن الجارود البصري: أبو داود الطيالسي صاحب المسند، روى عن ابن عون وطبقته، وروى عنه أحمد والفلاس وابن الفرات، مات سنة 204 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 351، العبر 1: 270، شذرات الذهب 2: 12.
(11) المغني 1: 290. (12) المغني 1: 290، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 291، الأم 1: 48، المهذب للشيرازي 1: 32، المجموع 2: 210، الهداية للمرغيناني 1: 25، بداية المجتهد 1: 68، البحر الزخار 2: 124.
(13) المائدة: 6، النساء: 43.

[ 84 ]

على ما يأتي غير واجب، وكذا الوجه، لأنه إنما لم يستوعب ثم للتخفيف. ويؤيده: ما رواه الشيخ في الموثق، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن التيمم، فضرب بيده على الأرض، ثم رفعهما (1) فنفضهما (2)، ثم مسح بهما جبينه وكفيه مرة واحدة (3). وروي، عن عمرو بن أبي المقدام (4)، عن أبي عبد الله عليه السلام إنه وصف التيمم فضرب بيديه على الأرض، ثم رفعهما فنفضهما، ثم مسح على جبينه وكفيه مرة واحدة (5). وما رواه ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه في الصحيح، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: ألا تخبرني من أين علمت وقلت: إن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك وقال: (يا زرارة قاله رسول الله صلى الله عليه وآله ونزل به الكتاب من الله عزوجل قال: " اغسلوا وجوهكم " فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل ثم قال: " وأيديكم إلى المرافق " فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه، فعرفنا أنهما ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثم فصل بين الكلام فقال: " وامسحوا برؤسكم " فعرفنا حين قال: برؤسكم أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: " وأرجلكم إلى الكعبين " فعرفنا

(1) " ح " رفعها.
(2) " ح " " ن " " ق ": فنفضها.
(3) التهذيب 1: 211 حديث 613، الاستبصار 1: 171 حديث 593، الوسائل 2: 967 الباب 11 من أبواب التيمم، حديث 3. في (4) ثابت بن هرمز الحداد مولى بني عجل، روى عن علي بن الحسين، وأبي جعفر وأبي عبد الله (ع) عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق مرتين. رجال النجاشي: 290، رجال الطوسي: 247، 266.
(5) التهذيب 1: 212 حديث 614 الاستبصار 1: 171 حديث 594، الوسائل 2: 977 الباب 11 من أبواب التيمم، حديث 6.

[ 85 ]

حين وصلهما بالرأس أن المسح على بعضهما، ثم فسر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله للناس فضيعوه، ثم قال: " فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم " فلما أن وضع [ الوضوء ] (1) عمن لم يجد الماء أثبت بعض الغسل مسحا، لأنه قال: " بوجوهكم " ثم وصل بها " وأيديكم منه " أي من ذلك التيمم، لأنه علم أن ذلك أجمع لم يجز على الوجه، لأنه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف ولا يعلق ببعضها، ثم قال: " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج " (2) والحرج: الضيق) (3). وروي في الصحيح أيضا، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم لعمار في سفر له: " يا عمار بلغنا أنك أجنبت وكيف صنعت؟ قال تمرغت يا رسول الله في التراب، قال: فقال له: " كذلك يتمرغ الحمار، أفلا صنعت كذا؟ " ثم أهوى بيديه إلى الأرض فوضعهما على الصعيد، ثم مسح جبينيه بأصابعه وكفيه إحداهما بالأخرى، ثم لم يعد ذلك (4). واحتج ابن بابويه بأنه تعالى قال: " فامسحوا بوجوهكم " وأحال بذلك على ما ثبت في الغسل، والاستيعاب ثابت في الوضوء فكذا في التيمم، ولأن الباء زائدة للالصاق، فيجب التعميم. وبما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ثم مسح وجهه (5).

(1) أضفناه من المصدر.
(2) المائدة: 6.
(3) الفقيه 1: 56 حديث 212، الوسائل 2: 980 الباب 13 من أبواب التيمم، حديث 1.
(4) الفقيه 1: 57 حديث 212، الوسائل 2: 977 الباب 11 من أبواب التيمم، حديث 8 وفيه " ثم مسح جبينه ".
(5) التهذيب 1: 208 حديث 603، الوسائل 2: 977 الباب 11 من أبواب التيمم، حديث 5.

[ 86 ]

وما رواه، عن داود بن النعمان، عن أبي عبد الله عليه السلام ثم رفعهما فمسح وجهه (1). وما رواه، عن سماعة قال: سألته كيف التيمم؟ فوضع يده على الأرض فمسح بها وجهه وذراعيه إلى المرفقين (2). وبمثله روي، عن ليث المرادي، عن أبي عبد الله عليه السلام (3). واحتج الجمهور بالآية (4)، وقد بينا كيفية استدلالهم فيها. والجواب عن الأول: لا نسلم أنه أراد بلفظ الوجه في التيمم جميع ما قصده في الوضوء، وكيف وقد أتى فيه بالباء الدالة على التبعيض. وعن الثاني: بمنع زيادة الباء فإنه متى أمكن حمل كلام الله تعالى على معنى، وجب أن لا يحمل على الزيادة التي لا تفيد معنى النية، وقد بينا أن الباء إذا دخلت على المتعدي أفادت التبعيض، فيحمل عليه. وعن الثالث: بأن الوجه كما يصدق على الجميع يصدق على البعض نظرا إلى الاستباق (5) لا على المجاز بل على الحقيقة، فإذا دل دليل على صرفه إلى أحد المعنيين وجب حمله عليه، وهو الجواب عن الخبرين الاخيرين. على أن الخبر الثالث ضعيف السند ومع ذلك فإن سماعة لم يسنده عن إمام، فلا تعول عليه حينئذ.

(1) التهذيب 1: 207 حديث 598، الاستبصار 1: 170 حديث 591، الوسائل 2: 976 الباب 11 من أبواب التيمم، حديث 4.
(2) التهذيب 1: 208 حديث 602، الاستبصار 1: 170 حديث 592، الوسائل 2: 981 الباب 13 من أبواب التيمم، حديث 3.
(3) التهذيب 1: 209 حديث 608، الاستبصار 1: 171 حديث 596، الوسائل 2: 978 الباب 12 من أبواب التيمم، حديث 2.
(4) المغني 1: 290، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 291.
(5) " م " الاسباق. " ح " " ق " " خ ": الاشتقاق.

[ 87 ]

قال الشيخ: يحتمل أنه إنما أراد به الحكم لا الفعل، بمعنى أنه إذا مسح ظاهر الكف فكأنه غسل ذراعيه في الوضوء (1)، هذا هو الجواب عن الرواية الرابعة، وأيضا: في طريقها محمد بن سنان، وهو ضعيف (2). فروع: الأول: قال الشيخ في كتبه في كيفية المسح على الوجه: ثم يمسح بهما وجهه من قصاص شعر الرأس إلى طرف أنفه (3). وكذا عبارة المفيد (4)، والسيد المرتضى (5)، وابن حمزة (6) وأبي الصلاح (7). والمراد هو الطرف الأعلى لا الأسفل، إذا العبارة الموجودة في الأحاديث بأربع صيغ: أحدها: مسح جبينه. ثانيها: مسح جبهته. ثالثها: مسح وجهه. ورابعها: ضربه للوجه. لكن في العبارتين الاولتين دلالة على التفسير الأول، فالعمل عليه، ولأن الأصل براءة الذمة. وفي كتاب المقنع لابن بابويه: وتمسح بهما بين عينيك إلى أسفل حاجبيك (8).

(1) التهذيب 1: 208، الاستبصار 1: 171.
(2) مرت ترجمته والقول فيه في الجزء الأول ص 25.
(3) المبسوط 1: 33، النهاية: 49، الجمل والعقود: 53، مصباح المتهجد: 13.
(4) المقنعة: 8.
(5) الانتصار: 32.
(6) الوسيلة (الجوامع الفقهية): 668. (7) الكافي في الفقه: 136.
(8) المقنع: 9.

[ 88 ]

الثاني: ظاهر عبارة المشايخ يقتضي وجوب الابتداء من القصاص والانتهاء إلى الطرف، فلو نكس أعاد كالوضوء. الثالث: لا يجب مسح ما تحت شعر الحاجبين، بل ظاهره كالماء، لما بيناه أو لا (1). مسألة: ويجب مسح اليدين بالنص والاجماع، واختلفوا في قدر ما يمسح منهما، فقال أكثر علمائنا بوجوب المسح من الرسغ إلى أطراف الأصابع (2). وبه قال علي عليه السلام، وعمار، وابن عباس، وعطاء، والشعبي، ومكحول، والأوزاعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق والشافعي قديما (3). وقال علي بن بابويه من أصحابنا باستيعاب المسح إلى المرفقين كالغسل (4). وبه قال الشافعي (5) ثانيا، وأبو حنيفة (6)، وهو مروي، عن ابن عمر، وأبنه سالم، والحسن، والثوري (7). وقال بعض أصحابنا: أن المسح من أصول الأصابع إلى رؤسها،

(1) تقدم بيانه في ص 83.
(2) منهم: المفيد في المقنعة: 8، والطوسي في المبسوط 1: 33، والمرتضى في الجمل: 52، وسلار في المراسم: 54، وابن البراج في المهذب 1: 47، وأبو الصلاح في الكافي في الفقه 136.
(3) المغني 1: 278، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 309، سنن الترمذي 1: 269، المحلى 2: 156، فتح الباري 1: 353، المجموع 2: 211، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 329، تفسير القرطبي 5: 240، نيل الأوطار 1: 333، عمدة القارئ 4: 19.
(4) نقل عنه في المعتبر 1: 384.
(5) الأم 1: 49، المهذب للشيرازي 1: 33، مغني المحتاج 1: 99، المجموع 2: 210، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 327.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 107، بدائع الصنائع 1: 46، الهداية للمرغيناني 1: 25، شرح فتح القدير 1: 110 و 111، عمدة القارئ 4: 19.
(7) أحكام القرآن للجصاص 4: 27، سنن الترمذي 1: 269 و 270، المغني 1: 278، المحلى 2: 148، المجموع 2: 210 و 211، عمدة القارئ 4: 19 و 20، نيل الأوطار 1: 333.

[ 89 ]

نقله ابن إدريس (1). وقال مالك أيضا: أن التيمم على الكف ونصف الذراع (2). وقال الزهري: يمسح يديه إلى المنكبين (3) (4). لنا: قوله تعالى: " فامسحوا بوجوهكم وأيديكم " واليد مطلقا إنما يتناول ما ذكرناه. وما رواه الجمهور، عن عمار قال: بعثنا النبي صلى الله عليه وآله في حاجة فأجنبت فلم أجد ماءا فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة ثم أتيت النبي صلى الله عليه وآله فذكرت ذلك له، فقال: (إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا) ثم ضرب بيديه في الأرض ضربة واحد، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه (6). ومن طريق الخاصة: ما رواه ابن بابويه في الصحيح في حكاية عمار، وقد تقدم (7). وما رواه الشيخ في الصحيح، عن الكاهلي: قال: سألته عن التيمم قال: فضرب بيديه على البساط فمسح بهما وجهه، ثم مسح كفيه إحداهما على ظهر الأخرى (8).

(1) السرائر: 26.
(2) المدونة الكبرى 1: 43، 44، المحلى 2: 153. (3) " ح " " ق " " م " " ن ": المنكب.
(4) بداية المجتهد 1: 69، المجموع 2: 211، المحلى 2: 153، نيل الأوطار 1: 334 (5) النساء: 43، المائدة: 6.
(6) صحيح البخاري 1: 96، سنن أبي داود 1: 87 حديث 321، سنن الترمذي 1: 368 حديث 144. (بتفاوت يسير)، سنن النسائي 1: 170، سنن الدارمي 1: 190، مسند أحمد 4: 264، 265، سنن البيهقي 1: 210.
(7) تقدم في ص 85.
(8) التهذيب 1: 207 حديث 600، الاستبصار 1: 170 حديث 589، الوسائل 2: 976 الباب 11 من أبواب التيمم، حديث 1.

[ 90 ]

وما رواه في الموثق، عن زرارة: قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن التيمم؟ فضرب بيديه الأرض، ثم رفعهما فنفضهما، ثم مسح بهما جبهته وكفيه مرة واحدة (1). وما رواه في الصحيح، عن زرارة: قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول، وذكر التيمم وما صنع عمار، فوضع أبو جعفر عليه السلام كفيه في الأرض، ثم مسح وجهه وكفيه ولم يمسح الذراعين بشئ (2). وما تقدم من الأحاديث الدالة على أن المسح على الكفين، وما يأتي. ولأنه حكم معلق على مطلق اليدين فلم يدخل فيه الذراع، كالقطع ومس الفرج، وهذه حجة ابن عباس (3). احتج ابن بابويه (4) بقوله تعالى: " وأيديكم منه " (5) وأحال بالايدي على ما ذكر في الغسل، إذ الكلام كالجملة الواحدة، فيجب التناسب فيهما. ولأنه لما بين في الأول لم يحتج في الثاني إلى بيان. وبما رواه الشيخ عن سماعة، وليث المرادي. وقد تقدمتا (6). وبما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم: قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التيمم؟ فضرب بكفيه الأرض، ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب بشماله الأرض فمسح بها مرفقه إلى أطراف الأصابع واحدة على ظهرها وواحدة على بطنها، ثم ضرب بيمينه الأرض، ثم صنع بشماله كما صنع بيمينه، ثم قال: هذا التيمم على ما كان

(1) التهذيب 1: 207 حديث 601، الاستبصار 1: 170 حديث 590، الوسائل 2: 976 الباب 11 من أبواب التيمم، حديث 3. (2) التهذيب 1: 208 حديث 603، الوسائل 2: 977 الباب 11 من أبواب التيمم، حديث 5.
(3) المغني 1: 278، الشرح الكبير بهامش 1: 309.
(4) الفقيه 1: 56.
(5) المائدة: 6.
(6) تقدمنا في ص 86.

[ 91 ]

فيه الغسل، وفي الوضوء الوجه واليدين إلى المرفقين، وألقى ما كان عليه مسح الرأس والقدمين فلا يؤمم بالصعيد (1). احتج أبو حنيفة بما رواه ابن الصمة (2) أن النبي صلى الله عليه وآله تيمم فمسح وجهه وذراعيه (3). وروى ابن عمر (4)، وجابر (5)، وأبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين) (6). وبما رواه عمار، عن النبي صلى الله عليه وآله (يكفيك أن تضع كفيك على الأرض وتمسح بهما وجهك، ثم تعيدهما فتمسح بهما يديك إلى المرفقين) (7). ولأنه بدل يؤتى به في محل مبدله فكان حده فيهما واحدا كالوجه. واحتج مالك بأن العلماء اختلفوا فيه، فمنهم من أوجبه إلى المرفقين، ومنهم من

(1) التهذيب 1: 210 حديث 612، الاستبصار 1: 172 حديث 600، الوسائل 2: 979 الباب 12 من أبواب التيمم، حديث 5، المغني 1: 278، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 309.
(2) أبو الجهيم، يقال: أبو الجهم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، أبوه من كبار الصحابة، روى عنه عمير مولى ابن عباس. الاصابة 4: 36، الاستيعاب بهامش الاصابة 4: 36، أسد الغابة 5: 163.
(3) سنن أبي داود 1: 89 حديث 329، سنن النسائي 1: 165 (بتفاوت)، سنن البيهقي 1: 205، سنن الدار قطني 1: 176 حديث 3.
(4) سنن البيهقي 1: 207، سنن الدار قطني 1: 180 حديث 16، مستدرك الحاكم 1: 179، كنز العمال 9: 401 حديث 26688.
(5) سنن البيهقي 1: 207، سنن الدار قطني 1: 181 حديث 22، مستدرك الحاكم 1: 180.
(6) مجمع الزوائد 1: 262.
(7) صحيح البخاري 1: 93، صحيح مسلم 1: 280 حديث 368، سنن أبي داود 1: 88 حديث 322، سنن ابن ماجة 1: 188 حديث 569، سنن النسائي 1: 165، مسند أحمد 265، سنن البيهقي 1: 209 وفي الجميع بتفاوت.

[ 92 ]

أوجبه إلى الرسغ ولا نص في مقداره (1)، فقلنا قولا بينهما وقد ورد ذلك في أخبارنا. وروى الشيخ، عن داود بن النعمان (2) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التيمم؟ فحكى واقعة عمار، ثم قال: " فوضع يديه على الأرض، ثم رفعهما فمسح وجهه ويديه فوق الكفين قليلا " (3). واحتج من قال بوجوب المسح من أصول الأصابع بما رواه الشيخ، عن حماد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه سئل عن التيمم فتلى هذه الآية: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " (4) وقال: " اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق " (5) وقال: امسح على كفيك من حيث موضع القطع، وقال: " وما كان ربك نسيا " (6) (7). ولأن القطع يثبت من هذا الموضع فيثبت المسح، لتناول اسم اليد لهما. واحتج القائلون بوجوب المسح من الكتفين بأن الآية وردت بمسح اليد والمفهوم منها عند الاطلاق ذلك، ولهذا مسح الصحابة من المنكب (8)

(1) مقدمات ابن رشد 1: 79.
(2) داود بن النعمان مولى بني هاشم أخو علي بن النعمان، وداود الأكبر، روى عن أبي الحسن موسى (ع)، وقيل: أبي عبد الله، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق بعنوان: داود بن النعمان الانباري. رجال النجاشي: 195، رجال الطوسي: 191.
(3) التهذيب 1: 207 حديث 598، الاستبصار 1: 170 حديث 591، الوسائل 2: 976 الباب 11 من أبواب التيمم، حديث. 4 في المصادر: الكف بدل الكفين.
(4) المائدة: 38.
(5) المائد: 6.
(6) مريم: 64.
(7) التهذيب 1: 207 حديث 599، الاستبصار 1: 170 حديث 588، الوسائل 2: 980 الباب 13 من أبواب التيمم، حديث 2.
(8) بدائع الصنائع 1: 45، المغني 1: 278، المجموع 2: 211.

[ 93 ]

والجواب عن الأول: بالمنع من الاحالة على اليد السابقة، وتقييد المعطوف عليه لا يوجب تقييد المعطوف إجماعا، إنما الخلاف في العكس، سلمنا ذلك لكن لا خلاف في أن العطف يقتضي تكرير العامل، والقراءة ها هنا بالجر لا غير، فيجب تقدير الباء في الأيدي فيلزم البعضية وذلك إنما يكون بالمسح من الزند. ورواية سماعة وليث (1) تقدم الجواب عنهما، وهو بعينه الجواب عن رواية محمد بن مسلم. ولو حمل على الاستحباب كان وجها. وعن أحاديث أبي حنيفة: بضعفها، فإن أكثر العلماء أنكرها (2). قال الخلال (3): الأحاديث في ذلك ضعيف جدا ولم يرو منها أصحاب السنن إلا حديث ابن عمر. وقال أحمد: أنه ليس بصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله، إنما هو عن ابن عمر، وهو عندهم منكر. وقال الخطابي: يرويه محمد بن ثابت (4)، وهو ضعيف (5). وقال ابن عبد البر: لم يروه غير محمد بن ثابت، وبه يعرف ومن أجله يضعف وهو عندهم حديث منكر (6). وحديث ابن الصمة محرف، لأنه إنما جاء في المتفق عليه فمسح وجهه ويديه، وذلك لا ينفعهم، بل هو حجة لنا، لأن ما علق على مطلق اليد لا يتناول الذراعين.

(1) تقدمنا في ص 86.
(2) المغني 1: 279، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 309.
(3) أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي المشهور بالخلال مؤلف علم أحمد بن حنبل وجامعه ومرتبه، تفقه على المروزي وسمع من الحسن بن عرفة وأقرانه وروى عنه تلميذه أبو بكر بن عبد العزيز بن جعفر يعرف بغلام الخلال. مات سنة 311 ه‍. تذكرة الحفاظ 3: 785، طبقات الحفاظ: 331، شذرات الذهب 2: 261، العبر 1: 461.
(4) محمد بن ثابت العبدي: أبو عبد الله البصري، روى عنه ابن المبارك ووكيع وروى عن نافع عن ابن عمر مرفوعا، ضعفه البخاري وابن حبان. الضعفاء الصغير للبخاري: 203، المجروحين لابن حبان 2: 251، ميزان الاعتدال 3: 495، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 3: 45. (65) المغني 1: 279، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 309.

[ 94 ]

وحديث عمار إلى المرفقين لا يعول عليه، لأنه إنما رواه بهذا القيد سلمة (1) وشك فيه، وقال له منصور (2)، ما يقول فيه فإنه لا يذكر الذراعين أحد غيرك؟ فشك وقال: لا أدري أذكر الذراعين أم لا. ذكر ذلك النسائي (3) (4)، ومع الشك كيف يصح التعويل عليه مع أنه لو تيقن لم يعمل على حديثه، مع معارضته لما قدمناه من الأدلة. قالوا: يحتمل أنه أراد بالكفين اليدين إلى المرفقين (5)، وهذا تأويل ضعيف جدا. أما أولا: فلأن عمار الراوي له الحاكي بفعل الرسول صلى الله عليه وآله أفتى بعد النبي صلى الله عليه وآله في التيمم للوجه والكفين، وقد شاهد فعل النبي صلى الله عليه وآله، والفعل لا احتمال فيه. وأما ثانيا: فإنه تأويل غير معروف بين أهل اللغة فلا يكون مسموعا، إذ لا يعبر في اللغة بالكفين عن الذراعين. وعن قياسهم: بالنقض في الغسل، إذ لا يستوعب المسح أجزاء البدن، وبباقي أعضاء الوضوء من المسح وغسل الرجلين والمضمضة والاستنشاق. وكذا نقول في الوجه

(1) أبو يحيى، سلمة بن كهيل بن حصين بن تمارح بن أسد الحضرمي الكوفي، روى عن جندب، وذر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وروى عنه منصور وأعمش والثوري وشعبة. مات سنة 121 ه‍. العبر 1: 118، شذرات الذهب 1: 159، الجرح والتعديل 4: 170، رجال صحيح مسلم 1: 277.
(2) منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة السلمي: أبو عتاب الكوفي، روى عن زيد بن وهب، وأبي وائل، وإبراهيم النخعي، وروى عنه شعبة والثوري وأبو الاحوص. مات سنة 132 ه‍. العبر 1: 136، الجرح والتعديل 8: 177، الجمع بين رجال الصحيحين 2: 495، رجال صحيح مسلم 2: 254.
(3) أبو عبد الرحمن: أحمد بن شعيب بن علي النسائي، سمع قتيبة وإسحاق وطبقتهما بخراسان والحجاز والشام والعراق ومصر والجزيرة. مات سنة 303 ه‍. العبر 1: 444، شذرات الذهب 2: 239.
(4) المغني 1: 279.
(5) المغني 1: 279.

[ 95 ]

فإنه لا يجب فيه الاستيعاب، وقد سبق (1). والجواب عن قول مالك: إنه خروج عن قول العلماء. والجواب عن الأخير بالمنع من فهم ذلك، ولو سلم فالباء مقدرة وهو تفيد التبعيض، وعمل الصحابة مدفوع، إذ النبي صلى الله عليه وآله بين لهم أن المسح من الزند. مسألة: يجب استيعاب مواضع المسح. ذهب إليه علماؤنا، والشافعي (2)، وأحمد (3)، والكرخي (4). وقال أبو حنيفة: لو مسح الأكثر أجزأه (5). وهو قول أبي يوسف، وزفر (6). لنا: أن الواجب المسح على المقدر و [ مع ] (7) ترك البعض لا يحصل الامتثال. ولأن الغسل لا يجتزي فيه بالأكثر، فكذا في بدله. ولأنه شرط في الوضوء، فكذا هو شرط بالتيمم، والجامع أن الحدث لا يتجزأ وقليله يمنع، فكذا كثيره. احتج أبو حنيفة: بإن اشتراط الاستيعاب في التيمم حرج، لأن التراب لا يصل إلى كل موضع منه إلا بتكلف، والحرج مدفوع شرعا بخلاف الوضوء، لوصول الماء إلى كل موضع.

(1) تقدم في ص 83.
(2) الأم 1: 49، المهذب للشيرازي 1: 32، المجموع 2: 210، مغني المحتاج 1: 99، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 326، المغني 1: 290.
(3) المغني 1: 290، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 291، الكافي لابن قدامة 1: 79، الانصاف 1: 287.
(4) بدائع الصنائع 1: 46، المجموع 2: 239. (5) بدائع الصنائع 1: 46، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 326، المجموع 2: 239، التفسير الكبير 11: 271، المبسوط للسرخسي 1: 107.
(6) المجموع 2: 239.
(7) أضفناه لاقتضاء السياق.

[ 96 ]

والجواب: نحن لا نشترط وصول التراب إلى جميع الأجزاء، فسقط ما ذكره. وقوله: إنه حرج، مبني عليه، وأيضا: فالحرج غير ملتفت إليه مع ورود التكليف وقد بينا وجود التكليف، فلو أخل بشئ منه وجب عليه الاعادة من أوله. مسألة: وكيفيته أن يضرب بيديه على الأرض، ثم ينفضهما مستحبا، ثم يمسح بهما وجهه إلى الحد الذي ذكرناه، ثم يمسح ظهر يده اليمنى ببطن يده اليسرى، ثم ظهر يده اليسرى ببطن يده اليمنى من الزند إلى أطراف الأصابع. أما استحباب النفض فهو مذهب علمائنا خلافا للجمهور. لنا: ما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله أنه ضرب بيديه على الأرض، ثم نفضهما ومسح بهما وجهه وكفيه (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الموثق، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، ثم رفعهما فنفضهما، ثم مسح (2). وما رواه في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، ثم ينفضهما نفضة للوجه ومرة لليدين (3). وما رواه، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي عبد الله عليه السلام، ثم رفعهما فنفضهما (4).

(1) صحيح البخاري 1: 93 و 96، صحيح مسلم 1: 280 حديث 368، سنن ابن ماجة 1: 188 حديث 569 - 570، سنن أبي داود 1: 87 حديث 321 وص 88 حديث 322، سنن النسائي 1: 171، سنن البيهقي 1: 214 بتفاوت يسير في الجميع.
(2) التهذيب 1: 207 حديث 601، الاستبصار 1: 170 حديث 590، الوسائل 2: 999 الباب 29 من أبواب التيمم، حديث 1.
(3) التهذيب 1: 210 حديث 611، الاستبصار: 172 حديث 599، الوسائل 2: 978 الباب 12 من أبواب التيمم، حديث 4.
(4) التهذيب 1: 212 حديث 614، الاستبصار 1: 171 حديث 594، الوسائل 2: 977 الباب 11 من أبواب التيمم، حديث 6.

[ 97 ]

وأما وجوب الترتيب فهو مذهب علمائنا أجمع. وقال الشافعي: يجب الترتيب بين الوجه واليدين بأن يقدم الوجه، ولا ترتيب في اليدين (1). وقال أبو حنيفة: لا يجب الترتيب مطلقا (2). لنا: قوله تعالى: " فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه " (3) وقد بينا أن الواو للترتيب (4). وما رواه الجمهور، عن عمار قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: (يكفيك أن تضع يديك على الأرض فتمسح بهما وجهك، ثم تعيدهما فتمسح بهما يديك) (5). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن الكاهلي فمسح بهما وجهه، ثم يمسح كفيه (6)، وثم للترتيب بإجماع أهل اللغة. وما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب بشماله الأرض فمسح بهما مرفقه إلى أطراف الأصابع، ثم ضرب بيمينه الأرض، ثم صنع بشماله كما صنع بيمينه (7). ويحمل المرفق على الرسغ مجازا. وما قلناه في باب الوضوء آت ها هنا. مسألة: ولا يجب استعمال التراب في الأعضاء الممسوحة. ذكره علماؤنا، وهو

(1) الأم 1: 49، المهذب للشيرازي 1: 34، المجموع 2: 233، مغني المحتاج 1: 99، المحلى 2: 161.
(2) عمدة القارئ 4: 37، المحلى 2: 161.
(3) المائدة: 6.
(4) تقدم في الجزء الثاني ص 102.
(5) سنن النسائي 1: 170، سنن الدار قطني 1: 180 حديث سنن ابن ماجه 1: 188 حديث 569 سنن أبي داود 1: 88 حديث 324.
(6) التهذيب 1: 207 حديث 600، الاستبصار 1: 170 حديث 589، الوسائل 2: 976 الباب 11 من أبواب التيمم، حديث 1.
(7) التهذيب 1: 210 حديث 612، الاستبصار 1: 172 حديث 600، الوسائل 2: 979 الباب 12 من أبواب التيمم، حديث 5.

[ 98 ]

اختيار أبي حنيفة (1). وقال الشافعي (2) ومحمد: يجب المسح بالتراب، فلو لم يلتصق باليد ولم يعلق عليها بحيث ينتقل إلى الأعضاء الممسوحة لم يجز (3). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نفض يديه، ثم مسح بهما (4) ومع النفض تزول الأجزاء الترابية. ولأنه تعالى أمر بالضرب على الصعيد والمسح ولم يشترط بقاء التراب، وإذا ضرب بيديه امتثل وإذا مسح الوجه واليدين امتثل فيحصل الإجزاء. ومن طريق الخاصة: ما روي من استحباب النفض، وقد تقدم (5). وأيضا: فليس يجوز اشتراط تعلق التراب باليد من القائل بالضربة الواحدة، لأن مسح الوجه يستوعب التراب ولا يبقى على اليد منه شئ. احتج الشافعي: بأن المأمور المسح بالتراب فيشترط فيه الالصاق، وبقوله تعالى: " فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه " (6) أي من التراب (7). والجواب عن الأول: المنع من تعلق الأمر بالمسح بالتراب، فإنه نفس النزاع. وعن الثاني: بأن لفظة من، مشتركة فلا أولوية في الاحتجاج بها لكم دوننا. فروع: الأول: لو كان مقطوع اليدين من فوق الزند يسقط المسح عليهما، لتعلق المسح بمحل

(1) بدائع الصنائع 1: 46، الهداية للمرغيناني 1: 25، شرح فتح القدير 1: 110، المجموع 2: 239.
(2) المهذب للشيرازي 1: 33، المجموع 2: 238، بداية المجتهد 1: 70.
(3) بدائع الصنائع 1: 53 54.
(4) سنن ابن ماجة: 1: 188 حديث 570، سنن النسائي 1: 171، سنن البيهقي 1: 214، سنن الدار قطني 1: 179 حديث 14 في الجميع بتفاوت يسير.
(5) تقدم في ص 96.
(6) المائدة: (7) المهذب للشيرازي 1: 33، المجموع 2: 214.

[ 99 ]

مفقود، فكان ساقطا، لاستحالة التكليف بما لا يطاق، وبراءة الذمة من الانتقال عن محل الفرض إلى غيره. قال في المبسوط: ولو كان مقطوع اليدين من المرفق استحب له مسح ما بقي (1). الثاني: لو كان مقطوعا من تحت الزند وجب مسح ما تخلف منه، لأن الواجب مسح الجميع، وبفوات بعض أجزائه لا يجب سقوط الباقي، فكان المقتضي ثابتا والمانع زائلا. الثالث: لو كان مقطوعا من الزند، هل يجب مسح موضع القطع؟ قال بعض الجمهور بوجوبه، لأن الرسغين في التيمم كالمرفقين في الوضوء (2) وثم تعلق الوجوب بالمرفقين، فكذا هنا. وعندي فيه تردد، منشأه أن الغاية هل تدخل أم لا؟ والأقرب السقوط، لأن الفرض تعلق بالكف، وقد زال، فيزول المتعلق، والعظم الباقي مع بقاء الكف إنما وجب مسحه لضرورة توقف الواجب وهو مسح اليد عليه، فلما زال الأصل سقط ما وجب لضرورته، كمن سقط الصوم عنه لا يجب عليه صوم جزء من الليل. الرابع: لا يستحب مسح إحدى الراحتين بالأخرى، خلافا لبعض الجمهور (3). ولا تخليل الأصابع، لأن الاستحباب يتوقف على الدليل الشرعي، ولم نقف عليه، ولأن فرض الراحتين قد سقط بإمرار كل واحدة على ظهر الكف. الخامس: لو كان له لحم زائد أو إصبع زائدة وجب عليه مسحه كما قلناه في الوضوء (4). مسألة: ويجب أن يتوالى المسح بنفسه، لتعلق الأمر به، فلا يجزيه لو فعله غيره

(1) المبسوط: 33.
(2) المغني 1: 292، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 292.
(3) المغني 1: 290، المجموع 2: 232.
(4) يراجع الجزء الثاني ص 38.

[ 100 ]

فيه ولا خلاف فيه عندنا. وقال الشافعي: يجوز (1). فروع: الأول: لو لم يتمكن من استعمال التراب بنفسه، وجب أن يستعين بغيره كما قلناه في الوضوء (2). الثاني: لو أوصل التراب إلى محل الفرض بخرقة، أو خشبة أو غيرهما من الآلات لم يجز خلافا للشافعي (3). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى اله عليه وآله في حديث عمار (يكفيك أن تضع كفيك على الأرض فتمسح بهما وجهك، ثم تعيدهما فتمسح بهما يديك) (4) وذلك نص في الباب. ومن طريق الخاصة: ما تقدم من الأحاديث الدالة على وجوب استعمال اليدين في المسح (5)، وكان ذلك في معرض السؤال، فكان بيانا فكان واجبا. الثالث: لو وضع جبهته على الأرض فمسحها بها، ثم فعل بكفيه ذلك لم يجزئه، لما قلناه. الرابع: لو تعرض لمهب الهواء لم يكف نقل التراب إلى أعضائه به، لما قلناه. وبه قال الشافعي (6). وقال بعض أصحابه: يجوز، كما لو جلس المغتسل تحت الميزاب (7).

(1) الأم 1: 49، المهذب للشيرازي 1: 34، المجموع 2: 235.
(2) يراجع الجزء الثاني ص 38.
(3) الأم 1: 49، المجموع 2: 228.
(4) سنن ابن ماجة 1: 188 حديث 569، سنن أبي داود 1: 89 حديث 326، سنن النسائي 1: 170، سنن الدار قطني 1: 179 حديث 15 و 183 حديث 33.
(5) تقدم في ص 9796.
(6) الأم 1: 49، المهذب للشيرازي 1: 34، المجموع 2: 235، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 317.
(7) المهذب للشيرازي 1: 34، المجموع 2: 235.

[ 101 ]

والجواب: الفرق، فإنه في التيمم مأمور بالمسح ولم يتحقق، وفي الغسل بالتطهير وقد حصل بالجلوس تحت الميزاب. الخامس: لو نقل الهواء التراب إلى وجهه فرده بيده لم يجزئه، سواء قصده أو لم يقصد، نوى أو لم ينو، خلافا لبعض الجمهور (1). لنا: ما رواه الجمهور في حديث عمار (يكفيك أن تضع كفيك على الأرض) (2) وذلك في معرض البيان، فكان هو الواجب. ومن طريق الخاصة: ما تقدم من وجوب الضرب على الأرض (3). السادس: لو أخذ ما على بعض أعضائه من التراب فمسح به، فالوجه الجواز، بخلاف ما لو أمر ما على وجهه منه على وجهه، لأنه لم يأخذ التراب لوجهه، وفيه احتمال. السابع: لو كان على محل الفرض جبائر لا يتمكن من نزعها، مسح بالتراب على الجبائر وصلى، وإذا أزالها لم يجب عليه إعادة الصلاة، لأنها وقعت على الوجه المأمور به شرعا فتكون مجزية. وقال الشافعي: يعيد الصلاة (4). أما التيمم فإنه إذا نزع الجبيرة وجب عليه إعادته، إن أوجبنا إعادة الوضوء لو مسح على الجبيرة، وإلا فلا. مسألة: واختلف الأصحاب في عدد الضربات، فالمشهور عندنا أنه يكفيه للوضوء ضربة واحدة للوجه واليدين معا، ولما هو بدل من الغسل ضربتان: واحدة للوجه والأخرى لليدين ذهب إليه الشيخ (5)، وأبو جعفر بن بابويه (6)، والمفيد (7)،

(1) المغني 1: 280، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 311.
(2) ورد بمضمونه في سنن البيهقي 1: 208 210.
(3) تقدم في ص 9796.
(4) المذهب للشيرازي 1: 37، المجموع 2: 328.
(5) النهاية: 49، المبسوط 1: 33، الخلاف 1: 29 مسألة 76.
(6) الفقيه 1: 57.

[ 102 ]

وسلار (1)، وأبو الصلاح (2)، وابن حمزة (3)، وابن إدريس (4). وبه قال السيد المرتضى في المصباح، وقال في شرح الرسالة بالضربة الواحدة في الغسل والوضوء معا ولم يفصل بينهما (5). وهو اختيار ابن أبي عقيل من أصحابنا (6)، ونقله الجمهور، عن علي عليه السلام، وعمار، وابن عباس، وعطاء، والشعبي، ومكحول، والأوزاعي، ومالك (7)، وإسحاق (8)، وأحمد (9). وقال علي بن بابويه: يضرب بيديه على الأرض مرة وينفضهما ويمسح بهما وجهه، ثم يضرب يساره ويمسح بهما يمينه من المرفق، ثم يضرب بيمينه ويمسح بها يساره (10). فأوجب الضربتين في الكل ولم يفصل، وهو مذهب ابن عمر، وابنه سالم، والحسن، والثوري (11)، والشافعي (12)، وأصحاب الرأي (13). وقال ابن سيرين: يضرب ثلاث ضربات، ضربة للوجه، وضربة

(7) المقنعة: 8. (1) المراسم: 54.
(3) الكافي في الفقيه: 136.
(3) الوسيلة (الجوامع الفقهية): 668.
(4) السرائر: 26.
(5) نقله عنه في المعتبر 1: 388.
(6) نقله عنه في المختلف: 50.
(7) المغني 1: 278 الشرح الكبير بهامش المغني 1: 309. (8) المغني 1: 278، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 309، المجموع 2: 211، عمدة القارئ 4: 19.
(9) المغني 1: 278، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 309، الانصاف 1: 301، الكافي لابن قدامة 1: 79، منار السبيل 1: 49، عمدة القارئ 4: 19.
(10) نقله عنه المعتبر 1: 388.
(11) المغني 1: 278، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 309، المجموع 2: 210.
(12) الأم 1: 49، المهذب للشيرازي 1: 32، المجموع 2: 210، مغني المحتاج 1: 99، السراج الوهاج: 28، المغني 1: 278، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 309، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 329.
(13) بدائع الصنائع 1: 45، المجموع 2: 211، المغني 1: 278، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 309.

[ 103 ]

للكفين، وضربة للذراعين (1). لنا: على الاكتفاء بالضربة في الوضوء قوله تعالى: (فامسحوا) (2) ولم يوجب التعدد، فكان الأصل عدمه، وحصول الإجزاء مع فعل أمر به. وما رواه الجمهور في حديث عمار: (إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا) (3) ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه. وهذا الحديث ذكرناه في معرض الالزام لا الاستدلال. ومن طريق الخاصة: رواية داود بن النعمان، الكاهلي، وزرارة. وقد تقدمت (4) ورواية زرارة الموثقة صريحة في الدلالة، وروايته الصحيحة والباقيتان ظاهرة في ذلك. وروى الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت: كيف التيمم؟ فقال: " هو ضرب واحد للوضوء، وللغسل من الجنابة تضرب بيديك مرتين، ثم تنفضهما نفضة للوجه، وضربة لليدين، ومتى تصيب الماء فعليك الغسل إن كنت جنبا والوضوء إن لم تكن جنبا " (5). وروي في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عيه السلام إن التيمم من الوضوء مرة واحدة ومن الجنابة مرتان (6). وفي خبر عمرو بن أبي المقدام (7) دلالة على الاكتفاء بالمرة الواحدة في الوضوء،

(1) بدائع الصنائع 1: 45، شرح فتح القدير 1: 111، المجموع 2: 211.
(2) المائدة: 6. (3) تقدم في ص 89.
(4) تقدمت في ص 9792.
(5) التهذيب 1: 210 حديث 611، الاستبصار 1: 172 حديث 599، الوسائل 2: 978 الباب 12 من أبواب التيمم، حديث 4 وفيها جميعا: أصبت.
(6) التهذيب 1: 211 حديث 612، الوسائل 2: 980 الباب 12 من أبواب التيمم، حديث 8.
(7) التهذيب 1: 212 حديث 614، الاستبصار 1: 171 حديث 594، الوسائل 2: 977 الباب 11 من + + +

[ 104 ]

على الضربتين في الغسل رواية ومحمد بن مسلم. احتج القائلون بالاكتفاء بالمرة مطلقا من أصحابنا بقوله تعالى: " فتيمموا " ذكره عقيب الحدثين والمراد منه شئ واحد والأصل براءة الذمة من الضربتين، فوجب أن يكون التساوي باعتبار دلالته على الوحدة. وبما رواه الشيخ في واقعة عمار لما قال: فكيف التيمم، فوضع بيديه على الأرض، ثم رفعهما فمسح وجهه ويديه فوق الكف قليلا (1)، ولم يذكر تعدد الضرب، والواقعة في حدث الجنابة. وفي رواية زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام سألته عن التيمم، فضرب بيديه الأرض، ثم رفعهما فنفضهما، ثم مسح بهما جبهته وكفيه مرة واحدة (2). والسؤال وقع عن الماهية أو عن العام، إذ الألف واللام إما أن تدل على الأول أو الثاني، لانتفاء دلالتها على العهد، إذ لا معهود هنا. وعلى التقديرين يثبت المطلوب، وإلا لزم التأخير في البيان، وزيادة الاجمال، إذ ترك التفصيل فيما هو ثابت فيه، مشعر بعدمه. وبما رواه الشيخ، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن التيمم من الوضوء والجنابة ومن الحيض للنساء سواء؟ فقال: " نعم " (3) والتفصيل ينافي التسوية.

أبواب التيمم، حديث 6. (1) التهذيب 1: 207 حديث 598، الاستبصار 1: 170 حديث 591، الوسائل 2: 967 الباب 11 من أبواب التيمم، حديث 4.
(2) التهذيب 1: 207 حديث 601، الاستبصار 1: 170 حديث 590، الوسائل 2: 967 الباب 11 من أبواب التيمم، حديث 3.
(3) التهذيب 1: 212 حديث 617، الوسائل 2: 979 الباب 12 من أبواب التيمم، حديث 6.

[ 105 ]

واحتج مالك (1) بما رووه، عن عمار، عن النبي صلى الله عليه وآله في واقعته من أنه ضرب بيده (2) فمسح بيديه ووجهه (3). واحتج القائلون بالمرتين من أصحابنا بما رواه الشيخ في الحسن، عن إسماعيل بن همام الكندي (4)، عن الرضا عليه السلام، قال: " التيمم ضربة للوجه وضربة للكفين " (5). وذلك مطلق. وبما رواه الشيخ، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عيهما السلام، قال: سألته عن التيمم، فقال: " مرتين مرتين للوجه واليدين " (6). وبما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن التيمم فضرب بكفيه الأرض، ثم مسح بهما وجهه، ثم ضرب بشماله الأرض فمسح بها مرفقه إلى أطراف الأصابع واحدة على ظهرها وواحدة على بطنها، ثم ضرب بيمينه الأرض، ثم صنع بشماله كما صنع بيمينه (7).

(1) مقدمات ابن رشد 1: 80.
(2) " ن " " م " " ق " " د ": بيده.
(3) صحيح البخاري 1: 96، صحيح مسلم 1: 280 حديث 368، سنن ابن ماجة 1: 188 حديث 569، سنن أبي داود 1: 87 حديث 321، سنن الترمذي 1: 268 حديث 144، سنن الدارمي 1: 190، سنن البيهقي 1: 211210 بتفاوت في اللفظ.
(4) إسماعيل بن همام بن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ميمون البصري، مولى كندة، وإسماعيل يكنى: أبا همام، روى عن الرضا (ع)، ثقة هو وأبوه وجده، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا (ع). رجال الطوسي: 368، رجال النجاشي: 30.
(5) التهذيب 1: 210 حديث 609، الاستبصار 1: 171 حديث 597، الوسائل 2: 978 الباب 12 من أبواب التيمم، حديث 3.
(6) التهذيب 1: 210 حديث 610، الاستبصار 1: 172 حديث 598، الوسائل 2: 978 الباب 12 من أبواب التيمم، حديث 1.
(7) التهذيب 1: 210 حديث 612، الاستبصار 1: 172 حديث 600، الوسائل 2: 979 الباب 12 من أبواب التيمم، حديث 5.

[ 106 ]

واحتج الشافعي بما رواه أبو أمامة إن النبي صلى الله عليه وآله قال: (التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين) (1). والجواب عن الأول: أن الآية تدل على وجوب التيمم مطلقا، والكيفية مستفادة من السنة، ولا دلالة فيها على الوحدة ولا التعدد. قوله: المراد منه شئ واحد قلنا: مسلم وهو التيمم المطلق كما لو ذكر حدثين، ثم قال عقبيهما: واطهروا مع أنه لا يقتضي اتحادهما، فكذا، هنا، والحاصل أن التيمم مقول بالتواطؤ بين البدلين لا بالاشتراك اللفظي. وعن الثاني: أن عدم الذكر لا يدل على العدم، إذ قد استفيد من دليل آخر وهو ما ذكرناه من الأحاديث الدالة على التعدد. وهو الجواب عن الثالث، مع أنه جاز أن يكون السؤال عن بدل الوضوء وإن لم ينقل، ذكره أو لم يذكره، لكنه عليه السلام فهم من قصده ذلك، أو لأنه أجاب على الغالب، وأخر ما يقع نادرا ليبينه في وقت آخر، ورواية عمار ضعيفة السند وهي محتملة للتأويل وغير دالة على العموم، أو صدق التسوية المقيدة يستلزم صدق مطلق التسوية. وعن حجة مالك: أن الحديث رواه الجمهور هكذا: (يكفيك أن تضع يديك على الأرض فتمسح بها وجهك، ثم تعيدهما فتمسح بهما يديك) (2). وذلك يدل على التعدد. وعن الروايات التي احتج بها الأصحاب: أنها مطلقة، وما ذكرناه من الأحاديث مفصلة، فيحمل عليها جمعا بين الأدلة، والرواية الأخيرة من تتمتها قال: هذا التيمم على ما كان فيه الغسل. ونحن نقول به.

(1) كنز العمال 9: 401 حديث 26692. وفيه: وضربة للكفين.
(2) ورد مؤداه في سنن ابن ماجة 1: 189 حديث 571، سنن البيهقي 1: 209، سنن الدار قطني 1: 179 حديث 15.

[ 107 ]

وعن احتجاج الشافعي: بأنه يحمل على التفصيل الذي ذكرناه، جمعا بين الأدلة فروع: الأول: لو ضرب فيما هو بدل من الوضوء مرتين ففي جوازه إشكال ينشأ من وجوب الموالاة في التيمم وكون الثانية ليست منه. الثاني: لو ضرب مرة واحدة فيما هو بدل من الغسل لم يجزئه، لأنه فعل البعض فلم يكن مجزيا. الثالث: التيمم في جميع الأغسال واحد، ويدل عليه رواية عمار وهي ضعيفة السند، وفي رواية محمد بن مسلم ذكر الجنابة، وفي رواية زرارة تقييد الغسل بالجنابة فلا دلالة فيهما. وحمل أصحابنا الأحاديث الموجبة للتعدد على ما هو بدل من الغسل لا يصلح أن يكون حجة هنا، ولا شك في مساواته الجميع في تكرار الضرب، إنما المشكل الاكتفاء به وعدمه، فإن الغسل من الحيض وشبهه غير كاف بل لا بد من انضمام الوضوء إليه، فهل الحكم كذلك في البدل؟ فيه إشكال. والوجه إن ما عدا غسل الجنابة من الأغسال يجب فيه التيمم مرتين، مرة هي بدل من الغسل تشتمل على ضربتين، ومرة هي بدل من الوضوء تشتمل على ضربة واحدة. والفرعان الأولان نازع فيهما بعض الجمهور. أصل: الفاء تفيد التعقيب وأجمع عليه أهل العربية، ولأنه يدخل على الجزاء أذا لم يكن بلفظ الماضي المستقبل كقوله: من دخل داري فله درهم، دخولا واجبا. ولما كان داخلا على الجزاء ولا ريب في أن الجزاء لا بد وأن يحصل عقيب الشرط وجب اقتضاء الفاء للتعقيب. ولا يعارض بقوله: من يفعل الحسنات الله يشكرها. لأن المبرد أنكره (1)، وروي: من يفعل الخير فالرحمن يشكره (2).

(21) المقتضب 2: 72 73، مغني اللبيب 1: 165، عجز البيت: والشر بالشر عند الله مثلان.

[ 108 ]

ولا بقوله تعالى: (فيسحتكم) (1) ولا بقوله " فرهان مقبوضة " (2) ولا بدخول الفاء على التعقيب، لأنه في مقابلة النص فلا يعارضه بل ينزل على التأويل المحتمل، وهو تنزيل اللفظ في الأول على المجاز بقرينة ذكر العذاب الصارف عن إرادة التعقيب، وفي الثانية على التأكيد. مسألة: قال علماؤنا: الموالاة واجبة في التيمم، خلافا للجمهور (3). لنا: قوله تعالى: " فتيمموا " أوجب علينا التيمم عقيب إرادة القيام إلى الصلاة، ولا يتحقق إلا بمجموع أجزائه المسح على الوجه والكفين، فيجب فعلهما عقيب الارادة على حسب الامكان بأن يأتي بأحدهما، ثم يعقبه بالباقي من غير فصل. وأيضا عند القائلين بوجوب التيمم في آخر الوقت يكون وجوب الموالاة ظاهرا (4). ولأنها عبادة يفسدها الحدث فاشترطت الموالاة كالصلاة. احتجوا بأنه أمر بالمسح مطلقا وقد فعل. والجواب: لا نسلم الاطلاق وقد بيناه. * البحث الرابع * في الأحكام: مسألة: قال علماؤنا: يجوز للمتيمم أن يصلي بتيممه الواحد ما شاء من الصلوات فرائضها ونوافلها، حواضر أو فوائت، أو هما، ما لم يحدث، أو يجد الماء. وهو

(1) طه: 61.
(2) البقرة: 283.
(3) مغني المحتاج 1: 100، المبسوط للسرخسي 1: 121، المجموع 2: 233.
(4) منهم المفيد في المقنعة: 8، والشيخ في الخلاف 1: 31 مسألة 85، وابن البراج في المهذب 1: 49، والمحقق في المعتبر 1: 391.

[ 109 ]

مذهب سعيد بن المسيب، والحسن، والزهري، والثوري، وداود، وابن المنذر (1)، والمزني (2) وأصحاب الرأي (3)، وهو مروي، عن ابن عباس (4). وقال الشافعي: لا يجمع المتيمم بين فريضتين ويصلي الفرض والنافلة وصلاة الجنازة بتيمم واحد (5). ونقله الجمهور، عن علي عليه السلام، وابن عباس، وعبد الله بن عمر وابن العاص، والنخعي، وقتادة، وربيعة، والليث بن سعد، وإسحاق (6) وقال مالك: لا يصلي المتيمم بتيمم واحد صلاتي فرض، ولا يصلي فرضا ونافلة إلا بأن يكون الفرض قبل النافلة (7). وقال شريك: يتيمم لكل صلاة (8). وروي، عن أحمد أنه قال: يجمع بين فوائت ولا يجمع بين راتبتين وكان يتيمم لوقت الفريضة (9). وبه قال أبو ثور (10). لنا: قوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا " (11) أوجب علينا الغسل عند القيام إلى جنس الصلاة المتناول للقلة والكثرة، ثم عقب بالتيمم بقوله: " فلم تجدوا ماء فتيمموا ". فكأنه تعالى قال الطهارة بالماء إذا وجدتموه تجزيكم لجنس الصلاة وإذا فقدتموه أجزاكم التيمم للجنس.

(1) المغني 1: 299، المجموع 2: 294، عمدة القارئ 4: 24، المحلى 2: 128.
(2) المهذب للشيرازي 1: 36، المجموع 2: 294.
(3) بدائع الصنائع 1: 55، عمدة القارئ 4: 24، المغني 1: 299 المجموع 2: 294.
(4) المجموع 2: 294، عمدة القارئ 4: 24، المغني 1: 299.
(5) المهذب للشيرازي 1: 36، المجموع 2: 293، عمدة القارئ 4: 24، المبسوط للسرخسي 1: 113، بدائع الصنائع 1: 55، المحلى 2: 129.
(6) المغني 1: 299، المجموع 2: 294، عمدة القارئ 4: 24، المحلى 2: 129.
(7) المدونة الكبرى 1: 48، بداية المجتهد 1: 74، المحلى 2: 129.
(8) أحكام القرآن للجصاص 4: 21، المحلى 2: 129، عمدة القارئ 4: 24، فتح الباري 1: 354.
(9) المغني 1: 300، الكافي لابن قدامة 1: 84، التفسير الكبير 11: 174، الانصاف 1: 292.
(10) المغني 1: 300، المحلى 2: 129، المجموع 2: 294.
(11) المائدة: 6

[ 110 ]

وما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لأبي ذر رضي الله عنه يا أبا ذر (الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك) (1). وما رووه عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يحدث أو يجد الماء) (2). وهذا نص في الباب. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل تيمم، قال: " يجزيه ذلك إلى أن يجد الماء " (3). وما رواه في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: يصلي الرجل بتيمم واحد صلاة الليل والنهار كلها؟ فقال: " نعم، ما لم يحدث أو يصيب ماءا " (4) الحديث. وما رواه في الصحيح، عن حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن الرجل لا يجد الماء أيتيمم لكل صلاة؟ فقال: " لا هو بمنزلة الماء " (5). وما رواه، عن السكوني، عن جعفر، عن آبائه عليهم السلام، قال: " لا بأس بأن يصلي صلاة لليل والنهار بتيمم واحد ما لم يحدث أو يصيب الماء " (6).

(1) سنن أبي داود 1: 91 حديث 333، سنن الترمذي 1: 211 حديث 124، سنن الدار قطني 1: 187 حديث 3 سنن البيهقي 1: 7، مسند أحمد 5: 146، 155 بتفاوت يسير.
(2) بدائع الصنائع 1: 44، المبسوط للسرخسي 1: 113.
(3) التهذيب 1: 200 حديث 579، الوسائل 2: 990 الباب 20 من أبواب التيمم، حديث 2.
(4) التهذيب 1: 200 حديث 580، الاستبصار 1: 164 حديث 570، الوسائل 2: 989 الباب 19 من أبواب التيمم، حديث 1.
(5) التهذيب 1: 200 حديث 580، الاستبصار 1: 163 حديث 566، الوسائل 2: 995 الباب 23 من أبواب التيمم، حديث 2.
(6) التهذيب 1: 201 حديث 582، الاستبصار 1: 163 حديث 567، الوسائل 2: 991 الباب 20 من أبواب التيمم، حديث 5.

[ 111 ]

وما رواه، عن السكوني، عنه عليه السلام، عن أبيه، عن أبي ذر أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله هلكت جامعت على غير ماء، قال: فأمر النبي صلى الله عليه وآله بمحمل فاستترت به ودعا بماء فاغتسلت أنا وهي، ثم قال: " يا أبا ذر يكفيك الصعيد عشر سنين " (1). ولأنها طهارة تبيح الصلاة، فلم يتقدر بالوقت كطهارة الماء. لا يقال: يعارض هذا ما رواه الشيخ، عن أبي همام، عن الرضا عليه السلام قال: " يتيمم لكل صلاة حتى يوجد الماء " (2). وما رواه، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: " لا يتمتع بالتيمم إلا صلاة واحدة ونوافلها: (3). لأنا نقول: يحمل ذلك على الاستحباب كما في تجديد الوضوء. قال الشيخ: إن أبا همام رواه تارة عن الرضا (ع) وتارة عن محمد بن سعيد بن غزوان (4)، والحكم واحد (5). وهذا يوجب الضعف احتج الشافعي (6) بما رواه الحارث، عن علي عليه السلام أنه قال: (التيمم لكل

(1) التهذيب 1: 199 حديث 578، الوسائل 2: 983 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 12.
(2) التهذيب 1: 201 حديث 583، الاستبصار 1: 163 حديث 568، الوسائل 2: 991 الباب 20 من أبواب التيمم، حديث 4.
(3) التهذيب 1: 201، حديث 584، الاستبصار 1: 164 حديث 569، الوسائل 2: 991 الباب 20 من أبواب التيمم، حديث 6 وفي المصادر: ونافلتها.
(4) محمد بن سعيد بن غزوان الأسدي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر (ع)، واستظهر العلامة المامقاني كونه إماميا إلا أن حاله مجهول. رجال النجاشي: 372، رجال الطوسي: 136، تنقيح المقال 3: 120. (5) التهذيب 1: 201، الاستبصار 1: 164.
(6) المجموع 2: 295، عمدة القارئ 4: 24.

[ 112 ]

صلاة (1). ولأنها طهارة ضرورية فتقيدت بالوقت كطهارة المستحاضة. والجواب: عن الأول: بأن لفظة كل تتناول تارة كل واحد، وتارة الكل المجموعي ولا احتجاج بها إلا على تقدير الأول. وأيضا: فقوله: التيمم لكل صلاة، لا دلالة فيه على المطلوب، إذ لو أريد منه أن التيمم الواحد لكل صلاة لم يكن بعيدا بل هو الأقرب ولا حجة فيه إذن على مطلوبهم. وأيضا: يحتمل أن يقال إنه صالح لكل صلاة من فريضة ونافلة وصلاة جنازة وغيرها على معنى أنه لا يتخصص بصلاة دون صلاة. وعن الثاني: بوجهين: أحدهما: الفرق، فإن المستحاضة حدثها مع بقائه متجدد بخلاف المحدث، فجاز استناد الفرق إلى هذا الوصف. الثاني: إن ما ذكرتموه قياس في مقابلة النص، فلا يكون مقبولا، ومعارضة بقياسات منها: إنها طهارة صحيحة أباحت فرضا فأباحت ما عداه كالماء. منها: أنه بعد الفرض الأول تيمم صحيح مبيح للتطوع نوى به المكتوبة، فكان له أن يصلي ما شاء كحال الابتداء. ومنها: أن الطهارة في الأصل إنما تتقيد بالوقت دون الفعل، كطهارة الماسح على الخف، وهذا يبطل قوله في أنه لا يجوز الجمع بين الفرضين وإن كان غير دال على جواز الغرضين مع اختلاف الوقتين. ومنها: إن كل تيمم أباح ما هو من نوعها بدليل صلاة النوافل. واحتج الشافعي (2) أيضا بما رواه ابن عباس أنه قال: من السنة أن لا يصلي

(1) سنن الدار قطني 1: 184 حديث 2، سنن البيهقي 1: 221.
(2) المهذب للشيرازي 1: 36، المجموع 2: 295، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 341، المغني 1: 299.

[ 113 ]

بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للاخرى (1) وهذا يقتضي سنة النبي صلى الله عليه وآله. والجواب من وجهين: أحدهما: إن لفظة السنة قد يعني به عن ذلك، وقد يعني به الندب على التساوي، فصرفه إلى أحد المعنيين يحتاج إلى دليل. الثاني: ضعف السند، فإن راويه الحسن بن عمار [ ة ] (2) (3) وهو ضعيف، ثم وهو معارض بالنوافل. واحتج مالك (4) بمثل ما احتج الشافعي، والجواب ما تقدم. واحتج شريك (5) برواية ابن عباس. والجواب قد سلف. فروع: الأول: يجوز الجمع بين فوائت الصلاة وحواضرها فرضا ونفلا، للعموم. الثاني: يجوز أن يجمع بين صلاة واجبة وصلاة منذورة، للعموم. وقال الشافعي: إن سلكنا بالمنذورة مسلك جائز الشرع جاز، وإن سلكنا بها مسلك واجبة لم يجز (6). الثالث: يجوز الجمع بين الصلاة والطواف وصلاته أيضا. وقال الشافعي: لا

(1) سنن الدار قطني 1: 185 حديث 5، 7، سنن البيهقي 1: 221.
(2) أضفناه من المصدر.
(3) أبو محمد الحسن بن عمارة بن مضر من موالي بجيلة من أهل الكوفة، روى عن الحكم بن عتيبة، وروى عنه إسحاق، ضعفه البخاري وابن حبان والدار قطني، مات سنة 153 ه‍. الضعفاء الصغير: 62، المجروحين لابن حبان 1: 229، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي 1: 207، الضعفاء الكبير للعقيلي 1: 237.
(4) المدونة الكبرى 1: 48، المجموع 2: 295، المغني 1: 299.
(5) يظهر ذلك من المحلى 2: 131.
(6) المجموع 2: 293، مغني المحتاج 1: 103، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 342.

[ 114 ]

يجوز أن يجمع بين مكتوبتين ولا بين طوافين ولا بين فريضة وطواف (1) وكذا يجمع بين فريضة وصلاة جنازة، سواء تعينت عليه أولا في أحد القولين، وفي الآخر بالتفصيل (2). الرابع: لو نسي تعيين صلاة فائتة فوجب عليه صلاة خمس، أجزأه تيمم واحد، أما عندنا فظاهر، وأما عند الشافعي فلأن الواجب في الأصل واحدة، حتى أنه لو ذكرها يسقط عنه الباقي، فلم يكن حكم الواجب، وكذا لو نسى صلاتين عندنا. وقال الشافعي: إن شاء أدى الخمس، كل واحدة بتيمم، وإن شاء اقتصر على تيممين، وأدى بالأول الأربعة الأول من الخمس، وبالثاني الأربعة الأخيرة. ويصلي بالأول الصبح والظهر والعصر والمغرب، وبالثاني الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولا يكفيه أن يصلي الخمس بتيممين، لأنه لا بد وأن يجمع بين صلاتين بتيمم واحد، فربما كانت المتروكتان (3). الخامس: يتيمم لصلاة الخسوف بالخسوف، ولصلاة الاستسقاء وباجتماع الناس في الصحراء، وللفائتة بتذكرها، وللنوافل الرواتب بدخول وقتها. ولو لم تيمم للفائتة ضحوة النهار فلم يؤديها إلا ظهرا بعد الزوال فهو جائز، وهو أصح الوجهين للشافعي (4). ولو تيمم لنافلة ضحوة مما يستحب فعلها فيه فأدى بها الظهر جاز، وللشافعي قولان (5). السادس: إذا كان التيمم لنافلة، لم يجز التيمم لها في وقت نهي عن فعلها فيه،

(1) المجموع 2: 293 - 294، مغني المحتاج 1: 103.
(2) المجموع 2: 299 300 مغني المحتاج 1: 103 - 104، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 343 - 344، السراج الوهاج: 29.
(3) المهذب للشيرازي 1: 36، المجموع 2: 296 - 297، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 345 - 346، مغني المحتاج 1: 104، السراج الوهاج 1: 3029.
(4) المهذب للشيرازي 1: 34، المجموع 2: 241، مغني المحتاج 1: 105. (5) المجموع 2: 242، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 348، 350.

[ 115 ]

لأنه ليس بوقت لها، وإن كانت فائتة فريضة جاز التيمم مطلقا، وإن كانت نافلة تيمم إذا أراد قضاءها في غير الوقت المنهي عنه. السابع: قد بينا أنه يجوز الجمع بين فريضتين بتيمم واحد (1)، خلافا للشافعي (2). واختلف أصحابه فيما لو أراد أن يجمع بين صلاتي الجمع بالتيمم، فقال بعضهم: لا يجوز لأنه يحتاج أن يطلب للثانية ويجدد التيمم وذلك يقطع الجمع، كما إذا انتقل بينهما. وقال بعضهم: يجوز لأنهما فريضتان صلاهما بتيممين. والتفريق هنا من مصلحة الصلاة، فلا يزيد على قدر الإقامة في العادة بخلاف النافلة، لأنه لا حاجة به إليها (3). وهذا عندنا ساقط. الثامن: لو تعين لصلاة الجنازة، بأن لا يكون غيره، جاز له أن يصلي بغير طهارة عندنا، وقال الشافعي: لا يجوز (4). وهل يجوز أن يصلي بتيمم صلى به فريضة؟ فيه وجهان: أقواهما عنده الجواز، لأنها من فروض الكافيات فليس لها مزية على فرائض الاعيان (5). ولو حضرت جنازتان وتعينت الصلاة عليه، لم يجز له أن يصلي عليهما بتيمم واحد على أحد الوجهين، ولا أن يصلي عليهما صلاة واحدة بتيمم، لأنه يريد إسقاط فرضين عنه بتيمم واحد (6).

(1) راجع ص 108.
(2) المجموع 2: 293، المبسوط للسرخسي 1: 113، المحلى 2: 129، المهذب للشيرازي 1: 36، عمدة القارئ 4: 24، التفسير الكبير 11: 174، المغني 1: 299.
(3) المجموع 2: 252، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 349.
(4) الأم 1: 275، المهذب للشيرازي 1: 132، المجموع 5: 222 - 223، فتح العزيز بهامش المجموع 5: 184 - 185، مغني المحتاج 1: 344. (5 6) المهذب للشيرازي 1: 36، المجموع 2: 300، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 343، مغني المحتاج 1: 103 - 104.

[ 116 ]

أصل: الاتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء، بمعنى أنه كاف في سقوط الأمر، لأن الأمر لو توجه عليه بعد الاتيان، لكان إما بذلك الفعل بعينه وهو تكليف بما لا يطاق، لاستحالة إعادة المعدوم، وأما بغيره وذلك يستلزم كون الأمر قد تناوله، وحينئذ لا يكون الآتي آتيا بتمام المأمور به وهو خلاف التقدير. ولأنه لو وجب فعله ثانيا وثالثا وهكذا دائما لزم إفادة الأمر للتكرار وهو باطل، فلم يبق إلا الخروج عن العهدة بما [ يطلق ] (1) عليه الاسم. وقولهم: أنه قد أمر بإتمام الحج الفاسد مع عدم الإجزاء ضعيف، لأنه مجز بالنسبة إلى الأمر الوارد بإتمامه، وغير مجز بالنسبة إلى الأمر الأول، لأن الأمر الأول اقتضى إيقاع المأمور به لا على هذا الوجه. قالوا: الأمر بالشئ يفيد كونه مأمورا به، فأما كون الاتيان سببا في سقوط التكليف فلا يدل عليه. قلنا: الاتيان بتمام المأمور به يوجب أن لا يقع الأمر مقتضيا بعد ذلك، وهذا هو المراد بالاجزاء. مسألة: قال علماؤنا: إذا تيمم وصلى، ثم خرج الوقت لم تجب عليه الاعادة، وعليه إجماع (2) أهل العلم (3). وحكي عن طاوس أنه يعيد ما صلى بالتيمم، لأن التيمم بدل فإذا وجد الأصل نقض حكم البدل، كالحاكم إذا حكم بالقياس، ثم وجد النص على خلافه (4). ولنا: أن الأمر تناول الصلاة بالتيمم وقد فعل فتجزي. ويدل عليه أيضا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (التراب

(1) " ح " " ق " يتطلق. " ن " " م " خ ": ينطلق، ولعل الصحيح ما أثبتناه.
(2) " ح " " خ ": أجمع.
(3) المغني 1: 277، المجموع 2: 306. (4) المغني 1: 277، المجموع 2: 306، التفسير الكبير 11: 174، نيل الأوطار 1: 336.

[ 117 ]

طهور المؤمن عشر سنين) (1). ومن طريق: الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام قال: " فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضأ لما يستقبل " (2). وما رواه في الصحيح، عن ابن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إذا لم يجد طهورا وكان جنبا فليمسح من الأرض وليصل، فإذا وجد ماء فليغتسل وقد أجزأته صلاته التي صلى " (3). أما لو وجد الماء والوقت باق، فمن ذهب من أصحابنا إلى أن التيمم يجب في آخر الوقت (4) يجب عليه عنده الاعادة هنا، لوقوع الصلاة على غير الوجه المشروع. وأما نحن فلا نوجب الاعادة لما بينا من جواز فعل التيمم في أول الوقت (5). وأما الجمهور فاختلفوا ها هنا، فقال أبو سلمة، والشعبي، والنخعي، والثوري (6)، ومالك (7)، والشافعي (8)، وأحمد (9)، وإسحاق، وابن المنذر (10) وأصحاب الرأي: لا يجب

(1) سنن أبي داود 1: 90 حديث 332، سنن النسائي 1: 171، سنن البيهقي 1: 212، سنن الدار قطني 1: 186.
(2) التهذيب 1: 192 حديث 555، و 194 حديث 560، الاستبصار 1: 159 حديث 548، و 165 حديث 574، الوسائل 2: 982 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 3.
(3) التهذيب 1: 193 حديث 556، و 197 حديث 572، الاستبصار 1: 159 حديث 549، و 161 حديث 558، الوسائل 2: 983 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 7.
(4) منهم الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 31، والنهاية: 47، السيد المرتضى في جمل العلم والعمل: 52، وسلار في المواسم: 54.
(5) تقدم في ص 53.
(6) المغني 1: 277، المجموع 2: 306.
(7) المدونة الكبرى 1: 42، المغني 1: 277، المجموع 2: 306، نيل الأوطار 1: 336.
(8) المغني 1: 277، المجموع 2: 306، نيل الأوطار 1: 336.
(9) المغني 1: 277، الانصاف 1: 264، الكافي لابن قدامة 1: 85، المجموع 2: 307، نيل الأوطار 1: 336.
(10) المغني 1: 277، المجموع 2: 306.

[ 118 ]

الاعادة (1). وقال عطاء، وطاوس، والقاسم بن محمد، ومكحول، وابن سيرين، والزهري، وربيعة: يعيد الصلاة، مع اتفاقهم على الجواز في أول الوقت (2). لنا: على عدم وجوب الاعادة ما تقدم والتضييق ليس بشرط على ما بيناه فوجد المقتضي وانتفى المانع فيثبت الحكم. وما رواه الجمهور، عن أبي داود، عن أبي سعيد أن رجلين خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا فصليا، ثم وجد الماء في الوقت فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يعد: (أصبت السنة وأجزأتك صلاتك) وقال للذي أعاد: (لك الاجر مرتين) (3). ونقل أحمد، عن ابن عمر أنه تيمم وهو يرى بيوت مكة فصلى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد (4). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: فإن أصاب الماء وقد صلى بتيمم هو في وقت، قال: " تمت صلاته ولا إعادة عليه " (5). وما رواه في الموثق، عن يعقوب بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل تيمم

(1) المغني 1: 277، المجموع 2: 306، نيل الأوطار 1: 336. (2) المغني 1: 277، المجموع 2: 306، تفسير القرطبي 5: 234، المحلى 2: 124، نيل الأوطار 1: 336.
(3) سنن أبي داود 1: 93 حديث 338، سنن النسائي 1: 213، سنن الدارمي 1: 190، سنن الدار قطني 1: 188 حديث 1، مستدرك الحاكم 1: 178 بتفاوت يسير في الجميع.
(4) المغني 1: 277.
(5) التهذيب 1: 194 حديث 562، الاستبصار 1: 160 حديث 552، الوسائل 2: 983 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 9.

[ 119 ]

وصلى، ثم أصاب الماء وهو في وقت؟ قال: " قد مضت صلاته وليتطهر " (1). وما رواه، عن معاوية بن ميسرة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل في السفر لا يجد الماء، ثم صلى، ثم أتى بالماء وعليه شئ من الوقت أيمضي على صلاته لم يتوضأ ويعيد الصلاة؟ قال: " يمضي على صلاته فإن رب الماء رب التراب " (2). وما، رواه عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل تيمم وصلى، ثم بلغ الماء قبل أن يخرج الوقت؟ فقال: " ليس عليه إعادة الصلاة " (3). ما رواه في الصحيح، عن العيص قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يأتي الماء وهو جنب وقد صلى؟ قال: " يغتسل ولا يعيد الصلاة " (4). والاستدلال من وجهين: أحدهما: من حيث الاطلاق، ولو كان فيه تفصيل لوجب عليه أن يبينه. الثاني: إن الاعادة إنما تطلق غالبا في الاتيان بالفعل في وقته مرة ثانية. وما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب فتيمم بالصعيد وصلى، ثم وجد الماء؟ فقال: " لا يعيد، إن رب الماء رب الصعيد فقد فعل أحد الطهورين " (5) وفيه إشارة إلى العلة.

(1) التهذيب 1: 195، حديث 563، الاستبصار 1: 160 حديث 553، الوسائل 2: 984 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 14.
(2) التهذيب 1: 195 حديث 564، الاستبصار 1: 160 حديث 554، الوصائل 2: 984 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 13.
(3) التهذيب 1: 195 حديث 565، الاستبصار 1: 160 حديث 555، الوسائل 2: 983 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 11. (4) التهذيب 1: 197 حديث 569، الاستبصار 1: 161 حديث 556، الوسائل 2: 984 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 16.
(5) التهذيب 1: 197 حديث 571، الاستبصار 1: 161 حديث 557، الوسائل 2: 984 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 15.

[ 120 ]

وما رواه في الصحيح، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " هو بمنزلة الماء " (1) ولأنه أدى فريضة كما أمر، فلا تجب الاعادة كما لو فعله بعد الوقت. ولأن عدم الماء عذر معتاد فيسقط مع التيمم به القضاء كالمرض. ولأنه أسقط فرض الصلاة فلم يعد إلى ذمته كما لو وجده بعد الوقت. واحتج الشيخ بأن التيمم آخر الوقت شرط، فتبطل بدونه، فلا يعتد بالصلاة الواقعة به (2). وبما رواه في الصحيح عن يعقوب بن يقطين قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل تيمم فصلى فأصاب بعد صلاته ماءا أيتوضأ ويعيد الصلاة أم تجوز صلوته؟ قال: " إذا وجد الماء قبل أن يمضي الوقت توضأ وأعاد، فإن مضى الوقت فلا إعادة عليه " (3). والجواب عن الأول بالمنع من الشرطية، وقد سلف (4). وعن الرواية: بالحمل على الاستحباب جمعا بين الأخبار. فروع: الأول: لو كان محبوسا فصلى بتيممه لم يعد بعد الوقت ذهب إليه علماؤنا أجمع، وهو قول مالك (5)، وإحدى الروايتين عن أحمد (6)، وفي رواية عن أبي يوسف (7).

(1) التهذيب 1: 200 حديث 581، الاستبصار 1: 163 حديث 566، الوسائل 2: 995 الباب 23 من أبواب التيمم، حديث 2.
(2) الاستبصار 1: 159، التهذيب 1: 193.
(3) التهذيب 1: 193 حديث 559، الاستبصار 1: 159 حديث 551، الوسائل 2: 983 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 8.
(4) تقدم في ص 53.
(5) المغني 1: 267، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 269.
(6) المغني 1: 267، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 269، الانصاف 1: 303، الكافي لابن قدامة 1: 88.

[ 121 ]

وقال الشافعي: يعيد (1) وهو إحدى الروايتين، عن أحمد (2)، وقول أبي حنيفة (3)، ومحمد (4). لنا: ما تقدم من الأدلة على عدم الاعادة (5). ولأنه أتى بالتيمم المشروع على الوجه المشروع، فأشبه المريض والمسافر. ولأنه عادم للماء بعذر متطاول معتاد فهو كالمسافر. ولأن عدم هذا للماء أكثر من عدم المسافر له، فالنص على التيمم للمسافر تنبيه على التيمم هاهنا. احتج المخالف بأن هذا عذر نادر، فلا يسقط به القضاء، كالحيض في الصوم (6)، ولأن العجز ثبت بفعل العبادة فلا يجعل عذرا، إما لأنه يمكن إزالته في الجملة غالبا، وإما لأنه منع لا من قبل من له الحق، فلا يوجب سقوط حق صاحب الحق وصار كما إذا كان معه ماء ومنعه منه غيره عن استعماله. والجواب عن الأول: بالمنع من الندرة. ولو سلم فلا يجوز التعليل بها لعدم ضبطها ولوقوعها في حق بعض المسافرين والمرضى. والفرق بينهما وبين الحائض أن الفعل قد وقع ها هنا بخلاف الحائض، ثم الحق في الجواب، إن القضاء إنما يجب بأمر جديد وقد ثبت في الحائض ولم يثبت هاهنا بل ثبت نقيضه. وعن الثاني: بأنه لو لم يكن عذر لكان معاقبا بتأخير الصلاة عن طهارة مائية، وليس كذلك اتفاقا، والمقيس عليه ممنوع عندنا.

(7) بدائع الصنائع 1: 50. (1) الأم 1: 51، المجموع 2: 278، المغني 1: 267، الشرح الكبير بهامش المغني، المحلى 2: 139.
(2) المغني 1: 267، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 269، الانصاف 1: 303.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 123، المحلى 2: 139.
(4) المحلى 2: 139، المبسوط للسرخسي 1: 123.
(5) تقدم في ص 53.
(6) المغني 1: 267، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 269، الكافي لابن قدامة 1: 88، المجموع 2: 281.

[ 122 ]

الثاني: لو كان محبوسا بدين يقدر على قضائه لم يكن عذرا، وصار كما لو كان الماء قريبا منه وتمكن من استعماله فلم يستعمله حتى ضاق الوقت بحيث لا يتمكن من المضي إليه واستعماله. الثالث: لو تيمم بسبب الخوف من عدو أو لص أو سبع وصلى فلا إعادة عليه للعموم ولو بان فساد وهمه فكذلك، لأنه صلى صلاة مشروعة فلم تجب إعادتها كما لو كان السبب محققا وهو قول بعض الجمهور (1). وقال بعضهم بالاعادة، لأنه تيمم من غير سبب يبيح التيمم (2). والجواب: المنع من عدم السبب، إذ السبب هو الخوف لا وجود المخوف تحقيقا. الرابع: لو كان معه ماء فأراقه قبل الوقت أو مر بماء قبل الوقت فتجاوزه وعدم الماء في الوقت، صلى بتيممه المتجدد إجماعا ولا يعيد. وبه قال الشافعي (3)، وأحمد (4). وقال الأوزاعي: إن ظن أنه يدرك الماء في الوقت فكقولنا، والأصلي بالتيمم وعليه الاعادة (5). لنا: أنه في تلك الحال، لم يجب عليه استعمال الماء، فأشبه ما لو ظن أنه يدرك الماء في الوقت. الخامس: لو أراقه في الوقت ولم يستعمله، ثم عدم الماء، ثم تيمم وصلى، ففي الاعادة وجهان: أحدهما: الوجوب، حيث وجبت عليه الصلاة بوضوء وتمكن، وفوت الواجب فلم يكن عذرا.

(21) المغني 1: 272، الشرح الكبير المغني 1: 275.
(3) المهذب للشيرازي 1: 37، المجموع 2: 307، المغني 1: 274، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 283.
(4) المغني 1: 274، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 283، الكافي لابن قدامة 1: 88، الانصاف 1: 277.
(5) المغني 1: 274، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 283

[ 123 ]

الثاني: السقوط، حيث إنه صلى بتيمم مشروع تحققت شرائطه فأشبه ما لو أراقه قبل الوقت. وكذا لو كان بقرب الماء وتمكن من استعماله وأهمل حتى ضاق الوقت فصار بحيث لو مشى إليه خرج الوقت فإنه يتيمم. وفي الاعادة وجهان: أقربهما الوجوب. السادس: لو وهبه بعد دخول الوقت لم ينتقل عن ملكه، لتعلق الوجوب بالوضوء به، فلو تيمم مع بقائه لم يصح، ولو تصرف الموهوب فيه فهو كالاراقة. السابع: قال الشيخ: لو تيمم يوم الجمعة لأجل الزحام وصلى، ثم خرج، توضأ وأعاد (1)، تعويلا على رواية السكوني (2)، وفيه ضعف، والأقرب الصحة. الثامن: لو كان المتطهر محبوسا في موضع نجس ولا ثوب معه، صلى قائما ويركع ويسجد، ولا يضع جبهته على النجاسة بل يؤمي قاعدا ولا إعادة عليه. وخالف الشافعي في موضعين: أحدهما أنه يصلي قائما ولا يقعد للسجود، بل يؤمئ بأنه يدني رأسه من الأرض ولا يدع جبهته ولا أنفه ولا يديه ولا ركبتيه. وعندنا: كما قال في الجبهة دون اليدين والركبتين. الثاني: الاعادة (3). والحق عندنا: إنه لا يعيد. وهو أحد قولي الشافعي، وقال في القديم: إنه يعيد، لأنه عذر نادر فأوجب الاعادة كعدم الماء في المصر (4). والجواب: المنع من ثبوت الحكم في الأصل، وله أربعة أقوال:

(1) المبسوط 1: 31، النهاية: 47.
(2) التهذيب 1: 185 حديث 534، الوسائل 2: 965 الباب 3 من أبواب التيمم، حديث 3 و 985 الباب 15 من أبواب التيمم، حديث 1.
(3) الأم 1: 51، المجموع 3: 154، بدائع الصنائع 1: 50.
(4) المجموع 3: 154.

[ 124 ]

أحدها: أنه لا اعتداد بالأولى وإن وجبت عليه لما عرفت. الثاني: كلاهما فرض. الثالث: الأولى فرض والثانية استحباب. الرابع: يحتسب له تعالى أيهما شاء (1). مسألة: لو نسي الماء في رحله أو موضع يمكنه استعماله، فتيمم وصلى، فإن كان قد طلب واجتهد ولم يظفر به لخفائه أو لظنه أنه ليس معه ماء صحت صلاته، وإن كان قد فرط في الطلب أعاد قاله علمائنا. وقال الشافعي (2) وأبو يوسف تجب عليه الاعادة مطلقا (3). وهو أحد قولي أحمد (4)، وأحد قولي مالك (5). والقول الآخر لهما: عدم الاعادة (6). وهو مذهب أبي حنيفة (7)، وأبي ثور (8)، ومحمد (9). لنا: أن الطلب واجب، فمع الاخلال به لم يقع الفعل على الوجه المطلوب، فلا يكون مجزيا. وقد تقدم تمامه. ومع الطلب يكون قد صلى صلاة مشروعة فيثبت الإجزاء. ولأنه مع النسيان عن قادر على استعمال الماء فهو كالعادم. احتجوا بأنها طهارة تجب مع الذكر، فلم تسقط بالنسيان، كما لو صلى ناسيا

(1) المجموع 2: 280، و 3: 154.
(2) الأم: 1: 46، المجموع: 2: 266، أحكام القرآن للجصاص 4: 13، المغني 1: 275، التفسير الكبير 11: 571.
(3) أحكام القرآن للجصاص 4: 13، التفسير الكبير 11: 571، المجموع 2: 267.
(4) المغني 1: 275، المجموع 2: 267، التفسير الكبير 11: 175.
(5) راجع نفس المصادر.
(6) أحكام القرآن للجصاص 4: 13، المغني 1: 275، المجموع 2: 267.
(7) أحكام القرآن للجصاص 4: 13، المغني 1: 275، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 283، المجموع 2: 267، التفسير الكبير 11: 175.
(8) المغني 1: 275، المجموع 2: 267.
(9) أحكام القرآن للجصاص 4: 13.

[ 125 ]

لحدثه ثم ذكر (1). والجواب: الفرق ثابت، إذ البدل موجود في صورة النزاع بخلاف المقيس عليه. فروع: الأول: لو ضل عن رحله أو كان يعرف بئرا فضاعت عنه فتيمم وصلى ثم وجدها، فالصحيح أن لا إعادة، لأنه عادم، وقيل: هو كالناسي (2)، وليس بشئ، وبالأول قال الشافعي (3). والفرق بينه وبين الناسي ظاهر، فإن الناسي مفرط بخلاف هذا. الثاني: لو كان الماء مع عبد ه ولم يعلم به فصلى بالتيمم فالوجه الصحة، لأن التفريط من غيره. الثالث: لو صلى فبان الماء بقربه أما في بئرا أو مصنع أو غيرهما، فإن كان خفيا وطلب فلم يظفر فلا إعادة، لأنه فعل المأمور به، وإن لم يطلب أعاد. الرابع: لو وضع له غيره الماء في رحله ولم يعلم، فالوجه الاعادة أيضا، لأن المقتضي للاعادة هناك ليس النسيان بل ترك الطلب. مسألة: الجنب إذا فقد الماء تيمم وصلى ولا إعادة عليه مطلقا عند علمائنا. لنا: قوله تعالى: " أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا " (4) فمع الفعل يقع الامتثال، فيحصل الإجزاء. وما رواه الجمهور، عن أبي ذر إنه قال للنبي صلى الله عليه وآله: إني أعزب عن

(1) المغني 1: 275، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 284، المجموع 2: 267. (2) المغني 1: 275، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 284.
(3) المغني 1: 275، المجموع 2: 266.
(4) المائدة: 6.

[ 126 ]

الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور فقال النبي صلى الله عليه وآله: (الصعيد الطيب طهور) (1). وأصاب ابن عباس جاريه له رومية وهو عادم للماء وصلى بأصحابه وفيهم عمار، فلم ينكروه (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن ابن سنان، عن الصادق عليه السلام قال: " إذا لم يجد الرجل طهورا وكان جنبا فليمسح الأرض وليصل، فإذا وجد الماء فليغتسل وقد أجزأته الصلاة التي صلى " (3). ما روي، عن السكوني في حديث أبي ذر (4). وما رواه، عن العيص في الصحيح، عن أبي عبد الله عليه السلام (5). وحديث محمد بن مسلم المشار فيه إلى العلة، وقد تقدم (6). فروع: الأول: لو أجنب مختارا وخشي البرد تيمم عندنا، وقد مضى البحث (7). وهل تلزمه الاعادة، قال الشيخ: نعم (8). وهو قول أبي يوسف، ومحمد، والشافعي (9)

(1) سنن أبي داود 1: 91 حديث 333، سنن الدار قطني 1: 187 حديث 2.
(2) المغني 1: 312.
(3) التهذيب 1: 193 حديث 556، و 197 حديث 572، الاستبصار 1: 159 حديث 549، و 161 حديث 558، الوسائل 2: 983 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 7.
(4) التهذيب 1: 194 حديث 561، الوسائل 2: 983 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 12.
(5) التهذيب 1: 197 حديث 569، الاستبصار 1: 161 حديث 556، الوسائل 2: 984 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 16.
(6) تقدم في ص 119.
(7) تقدم في ص 28.
(8) النهاية: 46، المبسوط 1: 30.
(9) المغني 1: 298 299، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 271

[ 127 ]

وإحدى الروايتين عن أحمد (1). والحق عندي أنه لا إعادة عليه. وهو مذهب جماعة من أصحابنا (2)، وقول الثوري (3) ومالك (4)، وأبي حنيفة (5)، وأبي بكر بن المنذر (6)، والرواية الأخرى عن أحمد (7). لكن الشيخ فرق بين المختار، وغيره، والباقي لم يفرقوا، وأبو يوسف فرق بين الحاضر والمسافر فأوجب الاعادة على الحاضر خاصة، والباقون لم يفرقوا. لنا: ما رواه الجمهور، عن حديث عمرو بن العاص لما حكى النبي صلى الله عليه وآله ولم يأمره بالاعادة (8). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسكين وغيره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قيل له: إن فلانا أصابته جنابة وهو مجدور فغسلوه فمات، فقال: " قتلوه، ألا سألوا، ألا تيمموه؟! إن شفاء العي السؤال " (9). وغيره من الأحاديث المتقدمة (10) كحديث داود بن سرحان عن الحسن، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل تصيبه الجنابة وبه جروح أو قروح أو يخاف على نفسه من البرد فقال: " لا،

(1) المغني 1: 298، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 271، الكافي لابن قدامة 1: 82، الانصاف 1: 281.
(2) منهم: المفيد في المقنعة: 13، والطوسي في الخلاف 1: 39 مسألة 108، وابن إدريس في السرائر: 27. (3) المغني 1: 298، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 271، نيل الأوطار 1: 325.
(4) راجع المصادر السابقة.
(5) المغني 1: 298، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 271، عمدة القارئ 4: 34، نيل الأوطار 1: 325.
(6) المغني 1: 298، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 271، نيل الأوطار 1: 325.
(7) المغني 1: 298، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 271، الكافي لابن قدامة 1: 82، الانصاف 1: 281.
(8) صحيح البخاري 1: 95، سنن أبي داود 1: 92 حديث 334، سنن البيهقي 1: 225، سنن الدار قطني 1: 178 حديث 12، مستدرك الحاكم 1: 177.
(9) التهذيب 1: 184 حديث 529، الوسائل 2: 967 الباب 5 من أبواب التيمم، حديث 1.
(10) تقدمت في ص 27.

[ 128 ]

يغتسل ويتمم " (1). وإذا فعل ما أمر به مع أنه هو الواجب عليه وإلا لما حصل الاكتفاء به، ثبت الإجزاء. ولأنه خائف على نفسه فأشبه المريض. ولأنه أتى بالمأمور به فأشبه غيره. احتج الشيخ (2) بما رواه، عن جعفر بن بشير (3)، عمن رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل أصابته جنابة في ليلة باردة يخاف على نفسه التلف إن اغتسل؟ قال: " يتيمم، فإذا أمن البرد اغتسل وأعاد الصلاة " (4) وبما رواه، عن جعفر بن بشير أيضا، عن عبد الله بن سنان أو غيره، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (5). واحتج أبو يوسف ومحمد بأنه عذر نادر غير متصل، فلم يمنع الاعادة كنسيان الطهارة (6) والجواب عن الأول: أن الرواية الأولى مقطوعة السند، فلا تعويل عليها والرواية الثانية مشكوك في المروي عنه فيها فلا تعويل عليها أيضا، مع أن الراوي واحد وذلك يوجب الضعف. وعن الثاني: بالفرق، إذ الناسي غير آت بالشرط وهذا آت، وها هنا قول آخر

(1) التهذيب 1: 185 حديث 531، الوسائل 2: 968 الباب 5 من أبواب التيمم، حديث 8.
(2) التهذيب 1: 196، الاستبصار 1: 162.
(3) جعفر بن بشير: أبو محمد البجلي الوشاء، من زهاد أصحابنا وعبادهم ونساكهم، وكان ثقة، وقال الشيخ: ثقة جليل القدر، روى عن الثقات ورووا عنه. رجال النجاشي: 119، الفهرست: 43. (4) التهذيب 1: 196 حديث 567، الاستبصار 1: 161 حديث 559 الوسائل 2: 982 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 6.
(5) التهذيب 1: 196 حديث 568، الاستبصار 1: 161 حديث 560، الوسائل 2: 986 الباب 16 من أبواب التيمم، حديث 1.
(6) المغني 1: 298، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 271.

[ 129 ]

لبعض الجمهور، وهو أنه إن (1) كان مسافرا فلا إعادة عليه وإن كان حاضرا ففيه وجهان (2). وقال الشافعي: إن كان حاضرا أعاد، وإن كان مسافرا فعلى قولين (3). الثاني: يجوز للعادم الجماع وإن كان معه ما يكفيه للوضوء قبل الوقت، عملا بالمقتضي، وهو قوله تعالى: " فأتوا حرثكم أنى شئتم " (4) السالم عن المعارض، وهو وجوب الصلاة بالطهارة، لكن هل يكره أم لا؟ قال جابر بن زيد، والحسن، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي: أنه لا يكره (5). وقال أحمد في إحدى الروايتين: هو مكروه (6). وقال الأوزاعي: إن كان بينه وبين أهله أربع ليال فليصب أهله، وإن كان ثلاثا فما دونها فلا يصبها (7). والوجه عندي الأول. لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى اله عليه وآله في قوله لأبي ذر حين سأله عن الجماع مع الفقد: (التراب طهور المسلم) (8). ومن طريق الخاصة ما رواه الشيخ، عن السكوني في هذه القصة (9) بعينها (10).

(1) " م ": إذا.
(2) المغني 1: 299، المجموع 1: 322.
(3) المهذب للشيرازي 1: 37، المجموع 2: 321، مغني المحتاج 1: 107، المغني 1: 299، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 271.
(4) البقرة: 223.
(5) المغني 1: 311، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 315، المجموع 2: 209.
(6) المغني 1: 311، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 315.
(7) المغني 1: 311.
(8) سنن أبي داود 1: 91 حديث 333، سنن الترمذي 1: 211 حديث 124، سنن النسائي 1: 171، مسند أحمد 5: 146، 155، 180، سنن البيهقي 1: 212 217، مستدرك الحاكم 1: 176، سنن الدار قطني 1: 186 حديث 1 6.
(9) " ح " " م " " د ": القضية.
(10) التهذيب 1: 194 حديث 561 و 199 حديث 578، الوسائل 2: 983 الباب 14 من أبواب التيمم،

[ 130 ]

لا يقال: هذه الرواية ضعيفة، ومع ذلك فهي معارضة بما رواه الشيخ، عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن رجل يكون معه أهله في السفر فلا يجد الماء يأتي أهله؟ فقال: " ما أحب أن يفعل ذلك إلا أن يكون شبقا أو يخاف على نفسه " (1) لأنا نقول: إن روايتنا وإن كانت ضعيفة، إلا أن الجماعة قد شهدوا لرواتها بالثقة، وأما رواية إسحاق فإن في طريقها علي بن السندي ولا يحضرني الآن حاله، فإن كان ثقة فالعمل عليها. أما لو دخل الوقت ومعه ما يكفيه للوضوء فالوجه تحريم الجماع عليه حينئذ، لأنه يفوت الواجب وهو الصلاة بالمائية. ولو لم يكن معه ماء أصلا فالأقرب جواز فعله، لعدم وجوب الطهارة المائية عليه حينئذ، والتراب كما قام مقام الماء في الصغرى، فكذا في الكبرى، وكما جاز فعل الناقص للصغرى فكذا الكبرى. ولو كان على الطهارة فدخل الوقت، ثم فقد الماء وعلم استمراره، وجب عليه فعل الصلاة بتلك الطهارة، وحرم عليه نقضها قبل الفعل مع التمكن. الثالث: لو جامعها ومعه من الماء ما لا يكفيه للغسل، غسل به فرجه وفرجها، ثم تيمما وصليا. ولا نعرف فيه خلافا، لأن طهارة البدن شرط وقد أمكنت، والطهارة الشرعية شرط أيضا لكنها غير ممكنة فلا يلزم من سقوطها سقوط تلك. على أن هذه ذات بدل بخلاف تلك. مسألة: ولو كان التيمم من حدث الغائط وجب عليه الاستنجاء قبل الصلاة، ويجوز قبل التيمم وبعده لأن إزالة النجاسة واجب وهو ممكن ها هنا بالأحجار فكان واجبا. ولو كان معه ما يكفيه للطهارة، استنجى بالأحجار وصرف الماء إلى الوضوء

حديث 12. (1) التهذيب 1: 405 حديث 1269، الوسائل 2: 998 الباب 27 من أبواب التيمم، حديث 1.

[ 131 ]

لأن الجمع بين إزالة النجاسة والوضوء واجب وقد أمكن. أما لو تعدى المخرج، أو كان بولا وجب عليه إزالته بالماء، وإن قل عن الطهارة وتيمم للطهارة. مسألة: ولو كان على بدنه نجاسة ومعه من الماء ما يكفي أحدهما صرفه إلى الازالة لا إلى الطهارة، لأن الطهارة واجب لها بدل، بخلاف إزالة النجاسة. ولا نعرف فيه خلافا. وكذا لو كانت النجاسة على ثوبه. وقال أحمد: أنه يتوضأ ويدع الثوب، لأنه واجد للماء (1). وهو ضعيف إذ المراد بالوجدان التمكن من الاستعمال وهذا غير متمكن منه شرعا فكان كالنجاسة على البدن. ولو نجسا معا، فالأقرب غسل البدن دون الثوب. وقال بعض الجمهور: يغسل الثوب ويتيمم (2) والأقرب الأول. فرع: لو كان على قرحة في محل الوضوء دم يخاف إن غسله أن يملى جرحه، تيمم وصلى ولا إعادة عليه. وبه قال أبو حنيفة والمزني (3). وقال الشافعي: يعيد (4). لنا: إنه عاجز عن استعمال الماء فوجب عليه التيمم وإذا امتثل لم يعد، لأن الأمر يقتضي الإجزاء. احتج بأنه عذر نادر فيعيد (5). والجواب: المنع من المقدمتين. مسألة: ولو كان الثوب نجسا ولا ماء معه، نزعه وصلى عاريا يتيمم، ولا إعادة عليه، أما لو لم يتمكن من نزعه صلى فيه بتيمم، وهل يجب الاعادة أم لا؟ قال الشيخ: يجب (6) تعويلا على رواية عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

(1) المغني 1: 309، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 286.
(2) المغني 1: 309، الشرح الكبير بهامش 1: 286.
(3) الأم (مختصر المزني) 8: 7.
(4) الأم 1: 4443، الأم (مختصر المزني) 8: 7، مغني المحتاج 1: 107.
(5) مغني المحتاج 1: 107.
(6) النهاية: 55.

[ 132 ]

إنه سئل عن رجل ليس عليه إلا ثوب ولا تحل الصلاة فيه وليس يجد ماءا يغسله كيف يصنع؟ قال: " يتيمم ويصلي فإذا أصاب ماءا غسله وأعاد الصلاة " (1). وحملها الشيخ على حال الضرورة التي لا يمكن نزعه معها، والرواية ضعيفة السند مع منافاتها للأصل الدال على الإجزاء مع الامتثال، والأقرب عندي عدم وجوب الاعادة. مسألة: قال الشيخ: ولو كان على البدن نجاسة أو جامع زوجته ولم يجد ماءا لغسل الفرجين تيمما وصليا ولا إعادة عليهما، عملا بقوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (2) ولم يفصل، والأحوط أن نقول: عليهما الاعادة وكذلك صاحب النجاسة (3). هذا قوله رحمه الله. والوجه عندي عدم الاعادة، لما قدمناه من الاستدلال (4). تذنيب: على قول الشيخ هل تتعلق الاعادة به عند غسل النجاسة أو عند وجود الماء الكافي للطهارتين؟ ظاهر كلامه الأول، فإنه قال: ثم يعيد إذا غسل الموضع. ولأن المؤثر هو وجود النجاسة، وقد زالت. مسألة: لو نسى الجنابة وتيمم للحدث، قال الشيخ في الخلاف: الذي يقتضيه المذهب أنه لا يجوز له الدخول به في الصلاة (5). وبه قال أحمد (6)، ومالك (7) وأبو

(1) التهذيب 1: 407 حديث 1279 و 2: 224 حديث 886، الاستبصار 1: 169 حديث 587، الوسائل 2: 1000 الباب 30 من أبواب التيمم، حديث 1، و 1067 الباب 45 من أبواب النجاسات، حديث 8.
(2) النساء: 43، المائدة: 6.
(3) المبسوط 1: 35.
(4) تقدم في ص 127.
(5) الخلاف 1: 32 مسألة 87. (6) المغني 1: 302، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 293، الانصاف 1: 290، الكافي لابن قدامة 1: 80، منار السبيل 1: 48، المجموع 2: 225.
(7) الشرح الصغير بهامش بلغة السالم 1: 73، المغني 1: 302، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 293، + + +

[ 133 ]

وثور (1). قال أبو حنيفة، والشافعي: يجزيه (2) (3). وهو رواية مالك أيضا (4). لنا: افتقار التيمم إلى نية أنه بدل عن الوضوء أو الغسل، وإذا لم ينوه لم يصح لقوله عليه السلام: (الأعمال بالنيات) (5) ولأنهما سببان مختلفان، فلم يجزئه أحدهما عن الآخر كالحج والعمرة. ولأنهما طهارتان فلا يحصل إحداهما بنية الأخرى كطهارة الماء. ولأنهما بدل فلهما حكم المبدل. احتج المخالف بأن طهارتهما واحدة فسقطت إحداهما بفعل الأخرى كالبول والغائط (6). والجواب: المنع من التساوي، وقد بيناه. وبالفرق بأن الأصل حكمهما واحد وهو الحدث الأصغر ولهذا يجزي أحدهما عن نية الآخر في طهارة الماء. والأجود على رأي من سوى بين الأصغر والأكبر الإجزاء، لأنه لا ينوي رفع الحدث بل الاستباحة وقد وجدت، ولأنه لو أعاده لم تجب زيادة على ما فعله. فروع: الأول: لو نوى بتيممه استباحة الصلاة من حدث، جاز له الدخول في الصلاة،

المجموع 2: 225. (1) المغني 1: 203، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 293.
(2) بدائع الصنائع 1: 52، الهداية للمرغيناني 1: 26، شرح فتح القدير 1: 114 115، المغني 1: 302، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 293 294.
(3) الأم (مختصر المزني) 8: 6، المجموع 2: 225، مغني المحتاج 1: 97، المغني 1: 302، الشرح الكبير بهامش المغني 1 294293.
(4) بلغة السالك 1: 73.
(5) صحيح البخاري 1: 1، صحيح مسلم 3: 1515 حديث 1907، سنن أبي داود 2: 262 حديث 2201، سنن النسائي 1: 58، مسند أحمد 1: 25، سنن الدار قطني 1: 50 حديث 1، سنن البيهقي 7: 341. (6) المغني 1: 302، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 294.

[ 134 ]

وقواه الشيخ في الخلاف، قال: والأحوط التعيين (1). الثاني: لو نوى الجنابة أجزأ عن الحدث الأصغر، والخلاف فيه كالأول. الثالث: لو نوى مجموع الحدثين أجزأه قولا واحدا. الرابع: لو تيمم للجنابة دون الحدث استباح ما يستبيحه الطاهر منهما خلافا لبعض الجمهور (2). فلو أحدث انتقض تيممه وصار جنبا وحرم عليه ما يحرم على الجنب، خلافا لبعضهم (3). مسألة: وإنما يجب التيمم من الاحداث الموجبة للطهارتين، لا غير، وهو مذهب علمائنا أجمع، فلو كان على بدنه نجاسة ولم يتمكن من الماء مسحها بالتراب وصلى إن كان على طهارة من غير تيمم. وهو قول أكثر أهل العلم (4). وقال أحمد: إذا عجز عن غسلها لعدم الماء أو لخوف الضرر باستعماله تيمم لها وصلى (5). لنا: إن الشرع إنما ورد بالتيمم للحدث وليس إزالة النجاسة منه ولا في معناه، لأنها إنما يؤتى في محل النجاسة. ولأن المقصود من غسل النجاسة إزالتها وذلك لا يحصل بالتيمم. احتجوا (6) بقوله عليه السلام: (الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد إلى عشر سنين) (7).

(1) الخلاف 1: 32 مسألة 87.
(2) المغني 1: 302، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 294.
(3) المغني 1: 303، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 294.
(4) المغني 1: 307.
(5) المغني 1: 307، الكافي لابن قدامة 1: 81.
(6) المغني 1: 307.
(7) سنن الترمذي 1: 211 حديث 124، سنن أبي داود 1: 91 حديث 333، سنن النسائي 1: 171، سنن البيهقي 1: 212، سنن الدار قطني 1: 187 حديث 1 إلى 6.

[ 135 ]

ولأنها طهارة تراد للصلاة فجاز لها التيمم عند عدم الماء كالحدث. والجواب عنهما: أن الطهارة من المشتركات اللفظية، لم يلتفت الشارع إلى الاشتراك المعنوي بينهما. وأيضا فالحديث إنما ورد في واقعة أبي ذر وذلك يدل على أن المراد الطهارة من الحدث، والمشترك في القياس ليس بعلة وإلا لاشترطت النية أما لو كانت النجاسة على ثوبه فإنه لا يجب لها التيمم إجماعا. مسألة: التيمم مشروع لكل ما يشترط فيه الطهارة ولصلاة الجنازة استحبابا، لأنها غير مشروطة بها ولا يشترط فيه هنا عدم الماء. وبه قال الشعبي (1) وابن جرير (2). وقال الشافعي: لا يجوز لها التيمم مع وجود الماء بل تجب المائية (3). وبه قال مالك (4)، وأحمد (5)، وأبو ثور (6)، سواء خاف فوتها مع الامام أو لا. وقال أبو حنيفة: إن خاف فوتها إن توضأ، تيمم وصلاها (7). وبه قال الثوري (8)، والأوزاعي (9)، والليث بن سعد (10)، إسحاق (11). لنا: إنها دعاء للميت وصلاة على النبي صلى الله عليه وآله فلا تفتقر إلى

(1) المغني 1: 302، المجموع 5: 223، بداية المجتهد 1: 243.
(2) المجموع 5: 223.
(3) المجموع 5: 223، بداية المجتهد 1: 243، المبسوط للسرخسي 1: 118.
(4) المجموع 5: 223، بداية المجتهد 1: 243.
(5) المغني 1: 302، المجموع 5: 223، بداية المجتهد 1: 243.
(6) المجموع 5: 223. (7) بدائع الصنائع 1: 51، الهداية للمرغيناني 1: 27، عمدة القارئ 8: 123، المبسوط للسرخسي 1: 118، المجموع 5: 223، فتح العزيز بهامش المجموع 5: 185، بداية المجتهد 1: 243.
(8) المغني 1: 302، المجموع 5: 223، عمدة القارئ 8: 123.
(9) المغني 1: 302، بداية المجتهد 1: 243، المجموع 5: 223، عمدة القارئ 4: 16 وج 8: 123.
(10) المغني 1: 302، المجموع 5: 223، عمدة القارئ 4: 16 وج 8: 123.
(11) المغني 1: 302، المجموع 5: 223، عمدة القارئ 8: 123.

[ 136 ]

الطهارة كسائر الادعية. احتج الشافعي (1) بقوله عليه السلام " لا صلاة إلا بطهور " (2) وهي صلاة لقوله تعالى: " وصل عليهم " (3). والجواب: المنع من كون اسم الصلاة عليها حقيقة شرعية بل لغوية. مسألة: لو وجد الماء قبل الدخول في الصلاة انتقض تيممه، وهو قول أهل العلم كافة، لأنها طهارة ضرورية وقد زالت الضرورة، فتزول الرخصة. ولو وجده بعد الصلاة، فقد بينا (4) أنها لا تبطل صلاته لكن ينتقض تيممه، ولما يأتي. ولو وجده في أثناء الصلاة، ذهب بعض أصحابنا إلى وجوب الانصراف ما لم يركع. اختاره الشيخ في النهاية (5)، والمرتضى في المصباح (6) والجمل (7)، وابن أبي عقيل في المتمسك (8)، وقال الشيخ في الخلاف والمبسوط: يرجع ما لم يكبر (9). واختاره السيد المرتضى في شرح الرسالة (10)، وعلي بن بابويه في الرسالة، والمفيد في المقنعة (11)، وابن إدريس (12)، وهو الحق عندي. وقال سلار: يرجع ما لم يكبر، ويقرأ (13). وقال

(1) المجموع 5: 223.
(2) سنن الدار قطني 1: 355 حديث 4.
(3) التوبة: 103.
(4) راجع ص 116.
(5) النهاية: 48.
(6) نقله في المعتبر 1: 400.
(7) جمل العلم والعمل: 53. والعبارة فيه ناقصة وتتمتها في الجمل المطبوع ضمن رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): 26.
(8) نقله عنه المختلف: 51. (9) الخلاف 1: 33 مسألة 89، المبسوط 1: 33.
(10) نقله عنه في المعتبر 1: 400.
(11) المقنعة: 8.
(12) السرائر: 27.
(13) المراسم: 54.

[ 137 ]

ابن الجنيد: ما لم يركع في الثانية (1). وأما الجمهور، فقال الثوري (2)، وأبو حنيفة (3)، وأحمد في رواية: يرجع مطلقا ويتوضأ ويصلي (4). وقال مالك (5)، والشافعي (6)، وداود (7) وأحمد في رواية (8)، وأبو ثور (9)، وابن المنذر يتم صلاته مطلقا (10)، وهو الذي قلناه نحن إلا أن الشافعي ومن وافقه جوز له الخروج منها للوضوء (11). وهو قوي عندي. وقال الأوزاعي: تصير نفلا. لنا: على الأول: أنه قد دخل دخولا مشروعا فلا يجوز له إبطاله لقوله تعالى: " ولا تبطلوا أعمالكم " (12).

(1) نقله عنه في المختلف: 51. (2) المغني 1: 303، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 306، التفسير الكبير 11: 174، المحلى 2: 126، نيل الأوطار 1: 336، المجموع 2: 318.
(3) المغني 1: 303، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 306، المحلى 2: 126، تفسير القرطبي 5: 235، التفسير الكبير 11: 174، نيل الأوطار 1: 336، المجموع 2: 318.
(4) المغني 1: 303، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 306، التفسير الكبير 11: 174، المجموع 2: 319 - 318.
(5) المغني 1: 303، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 306، المحلى 2: 126، التفسير الكبير 11: 174، تفسير القرطبي 5: 235، نيل الأوطار 1: 336، المجموع 2: 318.
(6) المغني 1: 303، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 306، المحلى 2: 126، المجموع 2: 318، تفسير القرطبي 5: 235.
(7) المحلى 2: 126، المجموع 2: 318، نيل الأوطار 1: 336.
(8) المغني 1: 303، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 306، التفسير الكبير 11: 174، المجموع 2: 318.
(9) المغني 1: 303، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 306، المحلى 2: 126، المجموع 2: 318.
(10) المغني 1: 303، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 306، المجموع 2: 318، تفسير القرطبي 5: 235. (11) مغني المحتاج 1: 102، السراج الوهاج 1: 29.
(12) محمد: 33.

[ 138 ]

وما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (الصعيد الطيب وضوء للمسلم وأن لم يجد الماء عشر سنين) (1) أخرجه أبو داود والنسائي، أي هو بمنزلة الوضوء فتجب مشاركته له في كل الأحكام إلا ما أخرجه الدليل. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن معاوية بن ميسرة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل في السفر لا يجد الماء، ثم صلى، ثم أتى بالماء وعليه شئ من الوقت أيمضي على صلاته أم يتوضأ ويعيد الصلاة؟ قال: " يمضي على صلاته فإن رب الماء رب التراب " (2) وهو مطلق في حق من دخل بركوع أو بغيره. ونحوه روي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام (3). وما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل أجنب فتيمم بالصعيد وصلى، ثم وجد الماء، فقال: " لا يعيد إن رب الماء رب الصعيد فقد فعل أحد الطهورين " (4). وهذا التعليل يدل على المنع من الاعادة مطلقا. وما رواه في الحسن، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام قال: " إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خاف أن يفوته فليتيمم وليصل في آخر الوقت، فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه وليتوضأ لما يستقبل " (5) وهو مطلق فلا يتقيد بالركوع.

(1) سنن أبن داود 1: 90 حديث 332، سنن النسائي 1: 171.
(2) التهذيب 1: 195 حديث 564، الاستبصار 1: 160 حديث 554، الوسائل 2: 984 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 13.
(3) التهذيب 1: 195 حديث 565، الاستبصار 1: 160 حديث 555، الوسائل 2: 983 الباب 14 من أبوا ب التيمم، حديث 11.
(4) التهذيب 1: 197 حديث 571، الاستبصار 1: 161 حديث 557، الوسائل 2: 984 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 15.
(5) التهذيب 1: 192 حديث 555، الاستبصار 1: 159 حديث 548، الوسائل 2: 982 الباب 14 من أبواب التيمم، حديث 3.

[ 139 ]

وما رواه، عن محمد بن حمران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له رجل تيمم، ثم دخل في الصلاة وقد طلب الماء فلم يقدر عليه، ثم يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة، قال: " يمضي في الصلاة " (1). ولأن حرمة الصلاة مانعة من التوضؤ فصار عادما للماء حكما كما لو وجد الماء بزيادة يسيرة في الثمن عندهم، لأن حرمة الصلاة فوق حرمة الزيادة، ولأنه وجد المبدل بعد التلبس بمقصود البدل، فلم يلزمه الخروج، كما لو وجد الرقبة بعد التلبس بالصيام. احتج الشيخ بما رواه في الصحيح، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قلت: فإن أصاب الماء وقد دخل في الصلاة، قال: " فلينصرف ويتوضأ ما لم يركع فإن كان قد ركع فليمض في صلاته فإن التيمم أحد الطهورين " (2). وبما رواه، عن عبد الله بن عاصم، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل لا يجد الماء فيتيمم ويقيم في الصلاة فجاء الغلام فقال: هو ذا الماء، فقال: " إن كان لم يركع انصرف وليتوضأ، وإن كان قد ركع فليمض في صلاته " (4). وبما رواه في الصحيح، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل تيمم، قال: " يجزيه ذلك إلى أن يجد الماء " (5). وهذا يدل بمفهومه على بطلان الصلاة مطلقا

(1) التهذيب 1: 203 حديث 590، الاستبصار 1: 166 حديث 575، الوسائل 2: 992 الباب 21 من أبواب التيمم، حديث 3.
(2) التهذيب: 1: 200 حديث 580، الوسائل 2: 991 الباب 21 من أبواب التيمم، حديث 1.
(3) عبد الله بن عاصم، عده البرقي في رجاله من أصحاب الصادق (ع) روى عن أبي عبد الله وروى عنه أبان بن عثمان الأحمر وجعفر بن بشير والحسن بن الحسين اللؤلؤي. رجال البرقي: 33.
(4) التهذيب 1: 204 حديث 591، الاستبصار 1: 166 حديث 576، الوسائل 2: 992 الباب 21 من أبواب التيمم، حديث 2.
(5) التهذيب 1: 200 حديث 579، الوسائل 2: 990 الباب 20 من أبواب التيمم، حديث 2.

[ 140 ]

خرج ما لو ركع فيبقى الباقي على العموم. واحتج أبو حنيفة بأنه فقد شرط الصلاة، إذ الطهارة شرط، وقد فقدت، إذ حصولها مشروط بالعجز لقوله عليه السلام: (التراب طهور للمسلم ولو إلى عشر سنين) (1). وفي حديث آخر: (الصعيد الطيب وضوء المسلم ما لم يجد الماء ولو عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك) (2) وقد انتفى العجز، ولأن الحديث دل بمفهومه على أنه لا يكون طهورا عند وجود الماء، وبمنطوقه على وجوب الامساس عند الوجود، ولأنه قادر على الاستعمال، فبطل تيممه كالخارج من الصلاة. والجواب عن الأول: بالحمل على الاستحباب لا الوجوب، وقد ذكره الشيخ في المبسوط (3)، ويدل عليه مفهوم قوله عليه السلام: " فإن التيمم أحد الطهورين " وهذا التعليل ثابت قبل الفعل. ويمكن أن يحمل قوله: وقد دخل في الصلاة، أي: قارب الدخول فيها، أو دخل في مقدماتها من التوجه بالأذان والتكبيرات. وقوله: " فلينصرف وليتوضأ ما لم يركع ": أي: ما لم يدخل في الصلاة ذات الركوع وأطلق على الصلاة اسم الركوع مجازا من باب إطلاق اسم الجزء على الكل وهذان المجازان وإن بعدا إلا أن المصير إليهما للجمع أولى. وهذا هو الجواب عن الثاني. وعن الثالث: أنه يدل من حيث المفهوم، فلا يعارض المنطوق. وأيضا: نمنع بأنه واجد إذ المراد به المتمكن (4)، ومع دخوله في الصلاة فهو غير

(1) سنن أبي داود: 90 حديث 332، سنن الترمذي 1: 211 حديث 124، سنن النسائي 1: 171، سنن الدار قطني 1: 186 حديث 1 بتفاوت يسير.
(2) سنن البيهقي 1: 212، سنن الدار قطني 1: 187 حديث 2.
(3) المبسوط 1: 33.
(4) " ق " " ح ": التمكن.

[ 141 ]

متمكن، كما لو وجده بعد الركوع. وعن الرابع: بالمنع من فقد الشرط، ويحققه قوله عليه السلام: (التراب طهور المسلم). قوله: دوام العجز شرط لبقائها. قلنا ممنوع عندنا وهو ظاهر، وعندكم لأن مقتضاه بطلان الصلاة من حينه، كما لو سبقه الحدث في أثناء الصلاة، فإن الصلاة تبطل من حينه ويبني، وأنتم قضيتم ها هنا بالاستئناف. سلمنا: لكن دوام العجز موجود هنا إذ العجز قد يطلق بحسب الحقيقة وهو ظاهر، وبحسب العرف الشرعي كخائف العطش، والعجز الشرعي موجود هنا، لتحريم قطع الصلاة بالآية فحينئذ لا يمكنكم الاستدلال على قطع الصلاة إلا بعد موجود هنا، إذ العجز قد يطلق بحسب الحقيقة وهو ظاهر، وبحسب العرف الشرعي كخائف العطش، والعجز الشرعي موجود هنا، لتحريم قطع الصلاة بالآية، فحينئذ لا يمكنكم الاستدلال على قطع الصلاة إلا بعد بيان كونه قادرا، وذلك لا يتم إلا بعد بيان جواز القطع وهو دور، والحديثان دالان على كونه طهورا عند عدم الماء، لا على نفي الطهورية عند وجود الماء وكيف يمكن ذلك وقد يكون طهورا عند وجوده كما في المريض والعطشان. ولو دل فإنما يدل بمفهوم دليل الخطاب وهو ضعيف، وأبو حنيفة لا يقول به، ودلالته على إمساس الماء عند الوجود غير نافع، للزوم الدور المتقدم بيانه، وهذا ما يبطل قياسهم، إذ القدرة ممنوعة، وتمنع (1) المساواة بين الأصل والفرع. فروع: الأول: لو قلنا بجواز الخروج قبل الركوع توضأ واستأنف، لأن الطهارة شرط وقد فاتت ببطلان التيمم، فلا تبقى الصلاة مع فوات شرطها، وخالف فيه بعض الجمهور فإنه جوز البناء، كما لو سبقه الحدث (2). والجواب: بمنع الحكم في الأصل وسيأتي. ولو سلم فالفرق حاصل إذ ما مضى من الصلاة في صورة النزاع مبني على طهارة ضعيفة فلم يمكن البناء عليه كطهارة المستحاضة بخلاف من سبقه الحدث.

(1) " م ": ونمنع.
(2) المغني 1: 304، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 306.

[ 142 ]

الثاني: لو قلنا أن فاقد الماء والتراب يصلي كما ذهب بعض علمائنا (1) وبعض الجمهور (2) لو وجد الماء في أثناء الصلاة خرج منها بكل حال، لأنها صلاة بغير طهارة ثبت الترخص فيها لمحل الضرورة وقد زالت. الثالث: لو يمم الميت، ثم وجد الماء في أثناء الصلاة عليه، وجب تغسيله، لأن غسله ممكن، خلافا لبعض الجمهور (3). الرابع: هل يجوز له الخروج إذا وجد الماء وإن لم يجب عليه كما ذهبنا إليه؟ أما إذا وجده بعد الركوع فلا، عملا بالآية والأحاديث، وأما إذا وجد قبل الركوع فالآية وإن دلت على المنع والخروج، إلا أنه يمكن أن يقال بجواز (4) الخروج، عملا بحديث زرارة، ولأنه شرع في مقصود البدل فخير بين الرجوع إلى البدل وبين إتمام ما شرع فيه، كما في صوم الكفارة لو وجد الرقبة، وخالف بعض الجمهور (5)، لأن ما لا، يوجب الخروج من الصلاة لا يتجه، كسائر الاشياء. الخامس: لو وجد الماء بعد الركوع استمر على فعله ولم ينتقض تيممه في تلك الصلاة، فإذا فرغ بعد فقده قال الشيخ: يبطل تيممه في حق ما يستقبل من الصلوات (6). وهو عندي مشكل، إذ المبطل وجود الماء مع التمكن من استعماله وهذا غير متمكن شرعا، فجرى مجرى غير المتمكن حقيقة، وكلام الشيخ رحمه الله لا يخلو عن قوة. أما لو وجده قبل الركوع، فإن أوجبنا عليه الانصراف كما هو مذهب بعض

(1) المبسوط 1: 31.
(2) المجموع 2: 279، المغني 1: 284، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 286.
(3) المغني 1: 304، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 307.
(4) " خ " يجوز.
(5) المغني 1: 304، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 308.
(6) النهاية 48، المبسوط 1: 33.

[ 143 ]

علمائنا (1)، انتقض تيممه قولا واحدا في حق هذه الصلاة وغيرها، ووجب عليه الوضوء منه والاستئناف. وإن لم يوجب عليه الانصراف، فإن قلنا بتحريمه فهو كما لو وجده بعد الركوع، وإن قلنا بجوازه فالأقرب حينئذ البطلان، لأنه واجد غير ممنوع شرعا من استعماله. السادس: لو تلبس بنافلة فالأقرب مساواتها للفريضة وإن كان فيه بحث. السابع: الطهارة شرط في صلاة العيدين دون صلاة الجنازة، ويجوز أن يتيمم للجنازة مع وجود الماء والجمهور شرطوا الطهارة فيها (2). إذا عرفت هذا، فلا فرق بين صلاة العيد والفرائض اليومية لأنها فرائض، أما الجنازة فإن تيممها ليس شرطا فلا ينتقض بوجود الماء، لأنه يجوز مع وجود الماء. أما أبو حنيفة فإنه قال: لا يبطل التيمم لو وجده (3) في أثناء صلاة الجنازة والعيدين (4)، خلافا للشافعي (5). الثامن: سؤر الحمار والبغل عندنا طاهر، فإذا وجد الماء من سؤرهما في الأثناء، لم يبطل تيممه. وأبو حنيفة وإن أبطلها مع وجود الماء في الأثناء فإنه هنا لا يبطلها (6). مسألة: ويبطل التيمم كل نواقض الطهارة المائية، ويزيد عليه رؤية الماء المقدور استعماله ولا نعرف فيه خلافا إلا ما نقله الشيخ، عن أبي سلمة عن أبي عبد الرحمن فإنه قال: لا يبطل (7). لأنه بدل فلا يزيد على حكم مبدله في انتقاضه بما ينتقض به أصله.

(1) النهاية: 48.
(2) المجموع 5: 223، المغني 1: 302، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 312، عمدة القارئ 8: 123، بداية المجتهد 1: 243، الأم 1: 275.
(3) " م ": بوجوده، " ن " " ق: " ح " " د ": لوجوده.
(4) المجموع 5: 223، عمدة القارئ 8: 123.
(5) الأم 1: 275، المجموع 5: 223، المبسوط للسرخسي 1: 118، عمدة القارئ 8: 123.
(6) بدائع الصنائع 1: 59.
(7) الخلاف 1: 33 مسألة 88.

[ 144 ]

ولأنه تعالى سوغ التيمم عند عدم الوجدان، فمعه تزول الرخصة. ويؤيده: ما رواه الجمهور، من قوله عليه السلام: (فإذا أصبت الماء فأمسه جسدك) (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: يصلي الرجل بتيمم واحد صلاة الليل والنهار كلها، فقال: " نعم، ما لم يحدث أو يصيب ماءا " قلت: فإن أصاب الماء ورجا أن يقدر على ماء آخر، وظن أنه يقدر عليه، فلما أن أراد تعسر عليه قال: " ينقض ذلك التيمم وعليه أن يعيد التيمم " (2). وما رواه، عن السكوني، عن أبي جعفر عليه السلام، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: " لا بأس بأن يصلي صلاة الليل والنهار بتيمم واحد ما لم يحدث أو يصيب الماء " (3). فروع: الأول: لا ينتقض التيمم بتوهم وجود الماء، فلو رأى ركبا توهم أن الماء معه، أو رأى خضرة أو شيئا يدل على الماء وجب عليه الطلب، لما تقدم (4)، وإن وجد انتقض التيمم وإلا فلا، خلافا للشافعي (5)، لأنه على يقين من الطهارة فلا ينقضها بالشك، ووجوب الطلب ليس بناقض، لعدم النص ومعناه، أما لو طلع الركب وهو في الصلاة فإنه لا تبطل صلاته ولا ينقض تيممه، لأنه دخل في الصلاة دخولا مشروعا،

(1) سنن الدار قطني 1: 187 حديث 6. سنن أبي داود: 91 حديث 333، مسند أحمد 5: 146 و مع تفاوت يسير.
(2) التهذيب 1: 200 حديث 580، الاستبصار 1: 164 حديث 570، الوسائل 2: 989 الباب 19 من أبواب التيمم، حديث 1.
(3) التهذيب 1: 201 حديث 582، الاستبصار 1: 163 حديث 567، الوسائل 2: 991 الباب 20 من أبواب التيمم حديث 5.
(4) راجع ص 48.
(5) المجموع 2: 259، المغني 1: 305، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 305.

[ 145 ]

فلا تبطل بالوهم. قال الشافعي: إذا تيمم ولم يدخل في الصلاة حتى طلع عليه ركب بماء، فامتنع أن يعطيه، أو وجد ماء فحيل بينه وبينه، لم يجز التيمم الأول (1). وليس بجيد لأن الناقض إنما هو التمكن من استعمال الماء لا مطلق وجود الماء. قال: ولو طلع عليه راكب وهو لا يعلم أمعه ماء أم لا لزمه السؤال، فإن لم يكن شئ لزم هذا السائل إعادة التيمم (2). وليس بشئ. الثاني: هل يجب عليه إذا طلع الركب بعد التيمم أن يسألهم عن الماء، قال الشيخ في الخلاف: لا يجب. خلافا للشافعي، فاستدل بأن هذه الحال حال وجوب الصلاة وتضيق وقتها والخوف من فوتها وقد مضى وقت الطلب فلا يجب عليه (3). وهذا جيد على أصله. الثالث: خروج وقت الصلاة لا ينقض التيمم، ولا دخول وقت الصلاة، خلافا لبعض الجمهور (4). لنا: قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) (5) عقيب الأمر بالوضوء عند القيام إلى جنس الصلاة الشامل للقيل والكثير. وما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين) (6). ومن طريق الخاصة: رواية زرارة وغيرها، وقد

(1) المجموع 2: 259، المهذب للشيرازي 1: 34، الأم 1: 48.
(2) المهذب للشيرازي 1: 34. (3) الخلاف 1: 37 مسألة 99.
(4) المغني 1: 299، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 299.
(5) المائدة: 6.
(6) سنن الترمذي 1: 211 حديث 124، سنن النسائي 1: 171، سنن الدار قطني 1: 187، سنن أبي داود 1: 91 حديث 333، سنن البيهقي 1: 212 مع تفاوت يسير.

[ 146 ]

تقدم. قالوا: طهارة ضرورية فتتقدر بالوقت كالمستحاضة (1). قلنا: فيتقدر لكل صلاة كالمستحاضة، وبعضهم لا يقول بالتعدد وبالفرق. وقد تقدم.
(2) الرابع: لا يبطل التيمم بنزع العمامة والخف، وهذا عندنا ظاهر، لأن المسح على الخفين والعمامة في الوضوء باطل عندنا. أما الجمهور فقد اختلفوا فقال أحمد: أنه يبطل التيمم كما أبطل الوضوء (3) وخالفه الباقي في ذلك لأن التيمم طهارة لم يمسح فيها عليه فلا يبطل بنزعه (4)، وقياسه باطل، لأن الوضوء يبطل بنزع ما هو ممسوح عليه فيه. الخامس: لو أحدث المتيمم من جنابة حدثا أصغر ومعه من الماء ما يكفيه للوضوء، قال السيد المرتضى: يتوضأ به لأن حدث الجنابة ارتفع بالتيمم وتجدد حدث آخر، ومعه من الماء ما يزيله، فيجب استعماله (5). وخالف فيه الشيخ (6) والحق معه، لأن التيمم عندنا غير رافع للحدث بل مبيح للصلاة، فمع الحدث زالت تلك الرخصة، فيعود إلى ما كان. السادس لو رعف المتيمم، ثم وجد ماءا يكفيه لأحد الأمرين، إما الوضوء أو غسل الدم، لم ينتقض تيممه لأنه لم يجد ما يتمكن من الوضوء به. وقال الشافعي: ينتقض (7)، لأن وجود الطلب (8) ينقض التيمم.

(1) المغني 1: 299، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 300، المجموع 2: 243.
(2) تقدم في ص 112.
(3) المجموع 2: 333، المغني 1: 306، الكافي لابن قدامة 1: 87، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 303.
(4) المغني 1: 306، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 303، المجموع 2: 332.
(5) نقل عنه في المعتبر 1: 395.
(6) النهاية: 50، المبسوط 1: 34، الخلاف 1: 45 مسألة 125. (7) الأم 1: 48، المجموع 2: 318.
(8) هامش " ح ": بزيادة: إنما.

[ 147 ]

مسألة: ويجوز التيمم لكل ما يتطهر له من فريضة، ونافلة، ومس مصحف، وقراءة عزائم، ودخول مساجد، وغيرها. وبه قال عطاء، ومكحول، والزهري، وربيعة، ويحيى الأنصاري (1)، ومالك (2)، والشافعي (3)، والثوري (4)، وأصحاب الرأي (5). وقال أبو مخرمة (6): لا يتيمم إلا لمكتوبة (7)، وكره الأوزاعي أن يمس المتيمم المصحف (8). لنا: قوله تعالى: " ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا " ثم قال: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (9). وما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (الصعيد الطيب طهور المسلم) (10).

(1) المغني 1: 306، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 304.
(2) المدونة الكبرى 1: 47، بداية المجتهد 1: 73، بلغة السالك 1: 70، المغني 1: 306، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 304. (3) الأم 1: 47، المهذب للشيرازي 1: 36، المجموع 2: 301، المغني 1: 306، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 304.
(4) المغني 1: 306، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 304.
(5) بدائع الصنائع 1: 52، الهداية للمرغيناني 1: 26، شرح فتح القدير 1: 114، المغني 1: 306، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 304.
(6) كذا في النسخ والمغني، ولكن نسب هذا القول في الشرح الكبير بهامش المغني إلى " أبي مجلز " ولعله الصحيح، لعدم عثورنا على شخص بهذا الاسم في الكتب الرجالية التي بأيدينا. وقد مرت ترجمة أبي مجلز في الجزء الأول ص 194، فلنراجع.
(7) المغني 1: 306، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 304.
(8) المغني 1: 306، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 304.
(9) النساء: 43.
(10) سنن الترمذي 1: 211 حديث 124، سنن أبي داود 1: 91 حديث 333، سنن النسائي 1: 171، سنن البيهقي 1: 212، سنن الدار قطني 1: 187 بتفاوت يسير.

[ 148 ]

ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن حمران وجميل، عن أبي عبد الله عليه السلام " فإن الله جعل التراب طهورا كما لو جعل الماء طهورا " (1) ولأنه يستباح بطهارة الماء هذه الاشياء فيستباح بالتيمم كالمكتوبة. فروع: الأول: الميت إذا لم يوجد الماء لغسله وجب أن يؤمم كما يؤمم الحي، ويتيمم من يؤممه، ثم يدفن، فإذا وجد الماء اغتسل. الثاني: لو وجد الماء بالثمن وجب أن يشتري من تركة الميت، لأنه كالكفن. الثالث: لو خاف الغاسل على نفسه من البرد وأمكن تسخين الماء وجب، وإن لم يمكن انتقل الفرض إلى التيمم لأنه حرج. الرابع يجوز أن يتيمم لصلاة الجنازة مع وجود الماء، لأنها غير مشروطة بالطهارة على ما يأتي، ولا يدخل به في غيرها من الصلوات، ويجوز أن يصلي عليها من غير تيمم. الخامس: يستباح بالتيمم ما يستباح بالمائية، وهل يجب للجنب إذا تعذر عليه الغسل قبل الفجر؟ أقربه عدم، الوجوب وكذا الحائض والمستحاضة، فيصح صومهم وإن كانوا محدثين من غير تيمم إذا لم يجدوا الماء. السادس: إذا انقطع دم الحيض جاز الوطئ وإن لم تغتسل، على ما بيناه (2). ولا يشترط التيمم، خلافا للشافعي (3)، وهو مبني على اشتراط فعل الطهارة وعدمه وقد

(1) التهذيب 1: 404 حديث 1264، الوسائل 2: 995 الباب 24 من أبواب التيمم، حديث 2.
(2) يراجع الجزء الثاني ص 394.
(3) الأم 1: 59، المهذب للشيرازي 1: 38، المجموع 2: 370، ميزان الكبرى 1: 129، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 31، مغنى المحتاج 1: 110.

[ 149 ]

سبق (1). لكنه مستحب. ورى الشيخ، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المرأة إذا تيممت من الحيض هل تحل لزوجها؟ قال: " نعم " (2). وأوجب بعض الجمهور التيمم حتى أن بعضهم قال: إن قلنا إن كل صلاة تحتاج إلى تيمم، احتاج كل وطئ إلى تيمم (3). ليس بشئ. وعلى القول باشتراط الطهارة في الوطئ يحتمل وجوب التيمم له ويستباح الوطئ به حينئذ، وقال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: لا يستبيح (5) الوطئ بمجرد التيمم حتى تصلى به (6)، فلو أحدث لم يحرم على الزوج وطؤها على ما اخترناه. وعند المشروطين من أصحابنا يحتمل التحريم (7)، لبقاء الحدث الأكبر. مسألة: الكافر لا يصح تيممه وقد تقدم (8) سواء كان بنية الاسلام أو لا. وبه قال أبو حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لو تيمم بنية الاسلام وأسلم له أن يصلي بذلك التيمم (9). لنا: إن الشرط النية ولا تصح من الكافر.

(1) يراجع الجزء الثاني ص 395.
(2) التهذيب 1: 405 حديث 1268، الوسائل 2: 565 الباب 21 من أبواب الحيض، حديث 2.
(3) المغني 1: 303، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 296.
(4) الأم 1: 59، المهذب للشيرازي 1: 38، المجموع 2: 370، مغني المحتاج 1: 110، ميزان الكبرى 1: 129، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 31.
(5) كذا في النسخ، ولعل الأنسب: لا يستباح.
(6) المجموع 2: 370، المغني 1: 387، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 349، ميزان الكبرى 1: 129، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 31، المبسوط 2: 16.
(7) الفقيه 1: 50، الهداية 22.
(8) تقدم في ص 82.
(9) الهداية للمرغيناني 1: 26، بدائع الصنائع 1: 52، شرح فتح القدير 1: 116.

[ 150 ]

احتج بأن الاسلام عبادة وقد نواه بتيممه، وشرط صحة التيمم أن ينوي به عبادة وقد وجد (1). والجواب: الشرط نية عبادة لا تصح بدون الطهارة، والاسلام يصح بدونها. فرعان: الأول: لو ارتد المتيمم المسلم لم يبطل تيممه، وقد تقدم (2). الثاني: لو تيمم مرتدا لم يعتد به ووجب عليه استئنافه لأنه عبادة فيشترط فيها الاسلام. مسألة: ولو وجد المتيمم بعد دخوله في الصلاة نبيذ التمر لم يقطع صلاته عند علمائنا أجمع. وهو قول أبي يوسف ومن لم يجوز التوضؤ به. وقال أبو حنيفة: يقطعها. وقال محمد: يمضي فيها، ثم يتوضأ بنبيذ التمر ويعيدها (3). لنا: أنه غير طهور وقد سلف (4)، فلا يجوز قطع الصلاة به ولا التوضؤ به ابتداءا. احتج أبو حنيفة (5) بحديث ابن مسعود في ليلة الجن وأنه عليه السلام قال: (تمرة طيبة وماء طهور) (6). والجواب ما تقدم (7).

(1) راجع المصادر السابقة.
(2) يراجع الجزء الثاني ص 242.
(3) أحكام القرآن للجصاص 4: 27، بدائع الصنائع 1: 59، الهداية للمرغيناني 1: 24، شرح فتح القدير 1: 103 104، المبسوط للسرخسي 1: 124.
(4) تقدم في الجزء الأول ص 116.
(5) الهداية للمرغيناني 1: 24، شرح فتح القدير 1: 103.
(6) سنن ابن ماجة 1: 135 حديث 384، سنن أبي داود 1: 21 حديث 84، سنن الترمذي 1: 147 حديث 88، سنن البيهقي 1: 9.
(7) تقدم في الجزء الأول ص 118 119.

[ 151 ]

قال محمد: التوضؤ بالنبيذ عرف ليلة الجن، والتيمم عرف بالآية، ولا نعرف المتأخر، فكان مشكلا، فجمعنا بينهما احتياطا (1). والجواب: المنع من العرفان في النبيذ، وقد سلف (2). ولو وجد سؤر الحمار قبل الدخول استعمله لأنه طاهر، ولا يتيمم عندنا لأنه طهور، وقد سلف (3) والحنفية لما شكوا فيه جمعوا بينه وبين التيمم، ثم اختلفوا، فقال زفر: لو تيمم أولا لم يصح لأنه تيمم وعند ماء مأمور بالتوضؤ به، فلم يكن سائغا (4). وقال أبو حنيفة وصاحباه: لو قدمه أو أخره أجزأه، لأن الفرض الطهارة المتيقنة، فإن كان السؤر طهورا فالتيمم سائغ في الحالين وإلا فهو المعتبر فيهما، فعلى كلا التقديرين تحصل الطهارة المتيقنة (5). مسألة: ولو أحدث المتيمم في صلاته حدثا يوجب الوضوء ناسيا ووجد الماء توضأ وبنى على ما مضى من صلاته، ذكره الشيخان (6)، ما لم يتكلم أو يستدبر القبلة، ومنع ابن إدريس (7) منه، لأن الطهارة انتقضت بالحدث، فتبطل الصلاة معها كما في الطهارة المائية. واحتج الشيخان (8) بما رواه زرارة ومحمد بن مسلم في الصحيح، عن أحدهما عليه السلام قال: قلت له: رجل دخل في الصلاة وهو متيمم فصلى ركعة، ثم

(1) الهداية للمرغيناني 1: 24، شرح فتح القدير 1: 104.
(2) تقدم في الجزء الأول ص 119.
(3) تقدم في الجزء الأول ص 148.
(4) الهداية للمرغيناني 1: 24، شرح فتح القدير 1: 102، المبسوط للسرخسي 1: 116.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 116، الهداية للمرغيناني 1: 24، شرح فتح القدير 1: 102.
(6) المفيد في المقنعة: 8 والطوسي في النهاية: 48.
(7) السرائر: 27.
(8) المفيد في المقنعة: 8، الطوسي في التهذيب 1: 204.

[ 152 ]

أحدث فأصاب الماء، قال: " يخرج ويتوضأ، ثم يبني على ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم " (1). وما رواه زرارة ومحمد بن مسلم في الصحيح قال: قلت: في رجل لم يصب الماء وحضرت الصلاة فتيمم وصلى ركعتين، ثم أصاب الماء أينقض الركعتين أو يقطعهما ويتوضأ، ثم يصلي؟ قال: " لا ولكنه يمضي في صلاته ولا ينقضهما لمكان أنه دخلها وهو على طهور بتيمم " قال زرارة: قلت له: دخلها وهو متيمم فصلى ركعة وأحدث فأصاب ماءا قال: يخرج ويتوضأ ويبني على ما مضى من صلاته التي صلى بالتيمم " (2). قال الشيخ: ولا يلزم مثل ذلك في المتوضئ، لأن الشريعة منعت من ذلك في حقه، أما لو كان متعمدا فإنه يبطل الصلاة إجماعا (3). مسألة: قال علماؤنا: يكره أن يؤم المتيمم المتوضئين. وقال الجمهور: إنه جائز غير مكروه (4). وقال محمد بن الحسن: لا يجوز (5). ونقله ابن إدريس عن بعض أصحابنا (6). لنا: قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) (7) سوغ الدخول في الصلاة مع

(1) التهذيب 1: 204 حديث 594، الوسائل 4: 1242 الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة، حديث 10.
(2) التهذيب 1: 205 حديث 595، الاستبصار 1: 167 حديث 580، الوسائل 2: 992 الباب 21 من أبواب التيمم، حديث 4. وفي الاخيرين: على طهر بتيمم.
(3) التهذيب 1: 205.
(4) المجموع 4: 263، المحلى 2: 143، المغني 2: 52، الشرح الكبير بهامش المغني 2: 42، عمدة القارئ 4: 24، بدائع الصنائع 1: 56.
(5) بدائع الصنائع 1: 56، الهداية للمرغيناني 1: 57، شرح فتح القدير 1: 319، المحلى 2: 143، عمدة القارئ 4: 24، المجموع 4: 263.
(6) السرائر: 27.
(7) المائدة: 6.

[ 153 ]

التيمم على الاطلاق، إماما كان أو مأموما كالطهارة. وما رواه الجمهور في حديث أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (التراب طهور المسلم عشر سنين) (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن جميل ومحمد بن حمران، عن أبي عبد الله عليه السلام " فأن الله جعل التراب طهورا، كما جعل الماء طهورا " (2). احتج محمد بأن هذا اقتداء كامل الحال بناقص الحال فلا يجوز كاقتداء اللابس بالعاري (3). والجواب: ينتقض بائتمام القائم بالقاعد وهو جائز عندهم (4)، لما رووه، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه صلى آخر صلاته قاعدا وأصحابه خلفه قيام (5). ولأن التيمم خلف عن الوضوء، والخلف يقوم مقام الأصل كالغاسل، بالماسح على الخفين عندهم، وبالماسح على الجبائر، بخلاف ما ذكره، لأن الأصل فات، فلا خلف له. مسألة: إذا اجتمع ميت ومحدث وجنب والماء يكفي أحدهم، خص به الجنب وتيمم المحدث ويمم الميت، ذكره الشيخ (6) ورواه ابن بابويه في كتاب من لا يحضره

(1) سنن أبي داود 1: 90 حديث 332، سنن الترمذي 1: 211 حديث 124، سنن النسائي 1: 171، سنن البيهقي 1: 212، سنن الدار قطني 1: 186 حديث 61 بتفاوت.
(2) التهذيب 1: 404 حديث 1264، الوسائل 2: 995 الباب 24 من أبواب التيمم، حديث 2.
(3) الهداية للمرغيناني 1: 57، شرح فتح القدير 1: 319.
(4) المغني 2: 50، الشرح الكبير بهامش المغني 2: 50، المجموع 4: 264، الهداية للمرغيناني 1: 58، شرح فتح القدير 1: 320.
(5) صحيح البخاري 1: 167، صحيح مسلم 1: 309 حديث 412، سنن أبي داود 1: 165 حديث 605، الموطأ 1: 135، حديث 17 سنن البيهقي 3: 79. (6) النهاية: 50.

[ 154 ]

الفقيه في الصحيح، عن عبد الرحمن بن أبي نجران (1) قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن ثلاثة نفر كانوا في سفر، أحدهم جنب، والثاني ميت والثالث على غير وضوء وحضرت الصلاة ومعهم من الماء قدر ما يكفي أحدهم، من يأخذ الماء وكيف يصنعون؟ قال: " يغتسل المجنب ويدفن الميت ويتيمم الذي هو على غير وضوء لأن الغسل من الجنابة فريضة، وغسل الميت سنة، والتيمم للآخر جائز " (2). والبحث في الأولوية ها هنا إنما هو إذا لم يكن الماء ملكا لاحدهم بل وجدوه في المباح، أو سمح (3) المالك ببذله. ولو كان ملكا لاحدهم اختص به، لأنه يحتاج إليه لنفسه، فلا يجوز بذله لغيره، سواء كان المالك هو الميت أو الاحياء. فروع: الأول: لو اجتمع ميت وجنب وحائض، قال الشيخ: إذا لم يكن الماء ملكا لاحدهم، كانوا مخيرين في أن يستعمله واحد منهم، وإن كان ملكا لاحدهم فهو أولى به (4). وقال الشافعي: الميت أحق به (5). وهو أحد قولي أحمد والقول الآخر يخص به أحد الحيين أما الجنب على أحد الوجهين أو الحائض على الآخر (6). احتج الشيخ بأن هذه فروض قد اجتمعت، ولا أولوية لأحدها ولا دليل يوجب

(1) عمرو بن مسلم التميمي: أبو الفضل مولى كوفي ثقة معتمدا على ما يرويه، عده الشيخ في رجاله تارة من أصحاب الرضا (ع) وأخرى من أصحاب الجواد (ع). رجال النجاشي: 235، الفهرست: 109، رجال الطوسي: 380، 403.
(2) الفقيه 1: 59 حديث 222، الوسائل 2: 987 الباب 18 من أبواب التيمم، حديث 1.
(3) " ح ": يبيح.
(4) الخلاف 1: 43 مسألة 118، المبسوط 1: 34.
(5) الأم (مختصر المزني) 8: 8، المهذب للشيرازي 1: 35، المجموع 2: 375.
(6) المغني 1: 310، الكافي لابن قدامة 1: 90، الانصاف 1: 305.

[ 155 ]

التخصيص فوجب التخيير (1)، ولأن الروايات اختلفت في الترجيح، ففي رواية التفليسي (2)، عن الرضا عليه السلام في القوم يكونون في السفر فيموت منهم ميت ومعهم جنب ومعهم ماء قليل قدر ما يكفي أحدهما، أيهما يبدأ به؟ قال: " يغتسل الجنب ويترك الميت " (2). وروى محمد بن علي (4)، عن بعض أصحابنا قال: قلت: الجنب والميت يتفقان في مكان ولا يكون الماء إلا بقدر ما يكفى أحدهما، أيهما أولى أن يغتسل بالماء؟ قال: " يتيمم الجنب ويغسل (5) الميت " (6) ووجه هذه الرواية أن غسله خاتمة طهارته، فيستحب إكمالها، والحي قد يجد الماء فيغتسل. وأيضا: القصد في غسل الميت التنظيف ولا يحصل بالتيمم، وفي الحي الدخول في الصلاة وهو حاصل به. وجه الأولى أنه متعبد بالغسل مع وجود الماء، والميت قد سقط عنه الفرض بالموت، ولأن الطهارة في حق الحي تفيد فعل الطاعات على الوجه الاكمل بخلاف الميت.

(1) الخلاف 1: 43 مسألة 118.
(2) أبو محمد الحسن النضر التفليسي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا (ع)، وقال في باب الكنى من أبواب أصحاب الرضا (ع): أبو محمد التفليسي مجهول. وفي الباب رواية أخرى في التهذيب والوسائل عن الحسين بن نضر الارمني، وفي الاستبصار عن الحسن بن نضر الارمني، وقد نقل المحقق المامقاني اختلاف الأقوال في اتحادهما وعدمه. رجال الطوسي: 371، 397، تنقيح المقال 1: 313. (3) التهذيب 1: 110 حديث 287، الاستبصار 1: 102 حديث 331، الوسائل 2: 988 الباب 18 من أبواب التيمم حديث 4.
(4) قال المحقق الخوئي: وقع بهذا العنوان في إسناد كثيرة من الروايات تبلغ ثلثمائة وأربعة عشر موردا، وروى عنه علي بن محمد القاساني، والرجل هذا مشترك بين محمد بن علي ومحمد بن علي بن إبراهيم ومحمد بن علي بن بلال، ومحمد بن علي بن شاذان. معجم رجال الحديث 21: 128، و 16: 324.
(5) " خ ": ويغتسل.
(6) التهذيب 1: 110 حديث 288، الاستبصار 1: 102 حديث 332، الوسائل 2: 988 الباب 18 من أبواب التيمم، حديث 5.

[ 156 ]

الثاني: لو اجتمع محدث وجنب، قال الشيخ بالتخيير (1). وهو أحد أقوال الشافعي (2) وقال أيضا: يخص المحدث به، وقال أيضا: يخص به الجنب (3). وفي رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوم كانوا في سفر فأصاب بعضهم جنابة وليس معهم من الماء إلا ما يكفي الجنب لغسله يتوضؤن هم هو أفضل، أو يعطون الجنب فيغتسل وهم لا يتوضؤن؟ فقال: " هم يتوضؤن ويتيمم الجنب " (4). وفي الطريق وهب بن حفص، وفيه قول (5). الثالث: لو اجتمع ميت وجنب فعلى قول الشيخ ينبغي التخيير. ولو قيل: يخص (6) به الحي أو الميت عملا بأقوى الدليلين السابقين كان وجها. الرابع: لو وجدوه في مكان مباح فهو للاحياء، لأن الميت غير واجد. الخامس: لو كان للميت ماء ففضل منه فضله فهو لوارثه، فإن لم يكن حاضرا جاز للحي أن يقومه ويستعمله، لأن في تركه إتلافا له. وقال بعض الجمهور: وليس له أخذه لأن مالكه لم يأذن فيه، إلا أن يخاف العطش، فيأخذه بشرط الضمان (7). السادس: لو تغلب المرجوح على غيره أساء وأجزأه، لأن الآخر ليس بمالك وإنما

(1) الخلاف 1: 44 مسألة 119.
(2) المجموع 2: 276.
(3) المجموع 2: 276.
(4) التهذيب 1: 190 حديث 548، الوسائل 2: 988 الباب 18 من أبواب التيمم، حديث 2 وفيهما: (يتوضؤن ويتيمم الجنب).
(5) وهب أبو وهيب بن حفص النخاس، له كتاب ذكره سعد، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). قال السيد الخوئي: لم يثبت وجود لعنوان وهب بن حفص مطلقا أو مقيدا في الكتب الأربعة، والصحيح في جميع ذلك: وهيب بن حفص. رجال الطوسي: 328، رجال النجاشي: 431، معجم رجال الحديث 19: 253.
(6) " خ ": يختص.
(7) المغني 1: 311.

[ 157 ]

الترجيح لشدة حاجته. السابع: لو اجتمع ميت ومن على جسده نجاسة، احتمل تقديم الميت لما تقدم، والآخر لوجود البدل في طهارة الميت بخلاف غسل الجناسة. ولو اجتمع من على بدنه نجاسة مع جنب أو محدث أو حائض فهو أولى لعدم البدل بخلافهم. ولو اجتمع حائض وجنب، احتمل تقديم الحائض لغلظ الحيض، والتساوي، وكذا الحائض والمحدث. مسألة: لو شاهد المأموم المتوضئ الماء في أثناء الصلاة ولم يشاهده إمامه المتيمم لا تفسد صلاته. وهو قول زفر (1)، خلافا لأبي حنيفة وصاحبيه فإنهم قالوا: تفسد صلاته (2). أما صلاة الامام فتصح على القولين. لنا: إنه لو شاهد الامام لم تبطل صلاته، لما بيناه (3) فالأولى في المتوضئ ذلك، ولو قلنا بمذهب الشيخ (4) من إبطال الصلاة بالمشاهدة قبل الركوع فالوجه أيضا ذلك، لأن التيمم إنما يبطل برؤية المتيمم الماء لا برؤية غيره، والامام لم ير الماء، والمأموم الذي رآه ليس بمتيمم. احتجوا بأن الامام صار واجدا للماء فيما يرجع إلى المقتدي فيبطل تيمم الامام فيما يرجع إليه، ففسدت صلاته فيما يرجع إليه، فتفسد صلاته، لأنه بنى على صلاته (5). والجواب: المنع عن كونه واجدا، وقوله: إنه واجد بالنسبة إلى المأموم ضعيف، لأنه ليس من المضاف حتى يكون ثابتا بالنسبة إلى شخص دون غيره. مسألة: ولو ظن فناء مائة فتيمم وصلى فلم يجزئه إن أخل بالطلب، وإلا أجزأه.

(1) شرح فتح القدير 1: 320، المبسوط للسرخسي 1: 120.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 120.
(3) مر في ص 136. (4) النهاية: 48، المبسوط 1: 33.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 120.

[ 158 ]

ولو كان الماء معلقا في عنقه وعلى ظهره فنسيه، فإن طلب أجزأه وإلا فلا. ولو كان معلقا على رحله فإن طلب ولم يجد لخفائه سقط عنه الاعادة وإلا فلا. وقالت الخفية إن: كان راكبا والماء مقدم الرحل جاز، وإن كان مؤخره لم يجز، وإن كان سائقا فبالعكس (1). والوجه تعلق الحكم بالطلب. مسألة: ولو وجد خمسة متيممون ماءا يكفي أحدهم في المباح، انتقض تيممهم جميعا، لوجود الدليل الدال على انتقاض التيمم بوجود الماء، وهو صادق في حق كل واحد منهم، ولو كان ملكا لواحد فقال لهم: ليستعمله من شاء منكم، فكذلك أيضا، أما لو وهبهم أو أباحهم على الجمع لم ينتقض تيمم واحد منهم، ولو أذن لواحد منهم انتقض تيممه خاصة. ولو مر المتيمم على الماء ولم يعلم به لم ينتقض تيممه. مسألة: ولو اغتسل الجنب فبقى على جسده لمعة لم يصبها الماء ولم يعلم، ثم أراق ماؤه وفقده تيمم لبقاء الجنابة، فلو أحدث قبل التيمم تيمم للجنابة ولو أحدث بعد التيمم، ثم وجد الماء وكان يكفيه للمعة فعلى قولنا من أن المحدث في أثناء الغسل يعيد، وإن المحدث عقيب تيمم الجنابة يعيد التيمم ولا يتوضأ، ولا اعتبار بذلك، إلا أن يكون الماء كافيا للغسل. وإنما يتفرع هذا على قول السيد المرتضى (3) المخالف في الأصلين، فإنه على قوله يمكن أن يقال: لا اعتداد به أيضا، لأن الواجب عليه، الوضوء في الأصلين. ولو وجد ماءا يكفيهما، غسل اللمعة وتوضأ (4). ولو كان يكفي الوضوء خاصة توضأ به بدلا عن التيمم لا من حيث تخلل (4) الحدث، لأنه يكون حكمه حكم الجنب إذا تيمم، ثم أحدث ووجد ما يكفيه لوضوئه.

(1) شرح فتح القدير 1: 124.
(2) " ق " " ح ": الجميع.
(3) المعتبر 1: 196.
(4) " ح " " ق ": تجدد.

[ 159 ]

ولو وجد ما يكفي أحدهما فالأقرب على قوله صرفه في الوضوء، لأنه غير متمكن من الدخول في الصلاة بغسله، لوجود الحدث الأصغر. أما لو وجد ما يكفيه للمعة ولم يحدث، صرفه إليها قولا واحدا. ولو وجد من الماء ما يكفي وضؤه أو غسل ثوبه على البدل صرفه في غسل الثوب لما قلناه. ولا فرق بين تقديم التيمم وتأخيره إلا عند من يقول بالتضيق من أصحابنا (1). ولو رأى سرابا فظنه ماءا فانصرف ليتوضأ به، ثم ظهر فساد ظنه لم يبطل تيممه. مسألة: ولو لم يجد الماء إلا في المسجد وكان جنبا فالأقرب أنه يجوز له الدخول والأخذ من الماء والاغتسال خارجا. ولو لم يكن معه ما يغترف به فالأقرب جواز اغتساله فيه، ولم أقف فيه على نص للأصحاب. ولو نسي الماء في رحله فإن كان قد أخل بالطلب وجب عليه الاعادة، لأنه أخل بشرطه، وإن لم يكن أخل بالطلب صحت صلاته. وحكى أبو ثور، عن الشافعي أنه لا إعادة عليه (2). والصحيح عنه وجوب الاعادة (3). وبه قال أحمد (4). وأبو يوسف (5). وقال أبو حنيفة: لا إعادة عليه (6). وعن مالك روايتان (7) لأنه مع النسيان غير قادر على استعماله، لأن النسيان حال بينه وبين الماء، فكان فرضه التيمم كالعادم، والمعتمد التفصيل.

(1) كالمفيد في المقنعة: 8، والطوسي في النهاية: 47، والمحقق الحلي في الشرائع: 1: 48. (2) المجموع 2: 264.
(3) المغني 1: 275، أحكام القرآن للجصاص 4: 13، التفسير الكبير 11: 175.
(4) المغني 1: 275، المجموع 2: 267، التفسير الكبير 11: 175.
(5) أحكام القرآن للجصاص 4: 13، الهداية للمرغيناني 1: 27، شرح فتح القدير 1: 124، المجموع 2: 267، التفسير الكبير 11: 175، المبسوط للسرخسي 1: 121.
(6) أحكام القرآن للجصاص 4: 13، الهداية للمرغيناني 1: 27، شرح فتح القدير 1: 124، المغني 1: 275، المجموع 2: 267، التفسير الكبير 11: 175.
(7) المدونة الكبرى 1: 43، المغني 1: 275، المجموع 2: 267.

[ 160 ]

مسألة: روى الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام أنه سئل عن الرجل يقيم بالبلاد الأشهر ليس فيها ماء من أجل المراعي وصلاح الابل؟ قال: " لا " (1) وفي التحريم إشكال، فالأقرب الحمل على الكراهية.

(1) التهذيب 1: 405 حديث 1270، الوسائل 2: 999 الباب 28 من أبواب التيمم، حديث 1.

[ 161 ]

* * المقصد الخامس * * في الطهارة من النجاسات وأحكامها، وكلام في الاواني والجلود، وفيه مباحث:

[ 163 ]

الأول: في أصناف النجاسات. مسألة: قال علماؤنا: بول الآدمي نجس. وهو قول علماء الاسلام، روى الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله في الذي مر به وهو يعذب في قبره (أنه كان لا يستبرئ (1) من بوله) (2) متفق عليه. ورووا، عنه عليه السلام: (تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر من البول) (3). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الثوب يصيب البول؟ قال: (اغسله في المركن مرتين، فإن غسلته في ماء جار فمرة واحدة) (4). وما رواه في الحسن، عن الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البول يصيب الجسد؟ قال: (اغسله مرتين فإنما هو ماء) (5). وما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته

(1) " ن ": يستتر.
(2) صحيح البخاري 1: 65، و 8: 20، صحيح مسلم 1: 240 حديث 292، سنن ابن ماجة 1: 125. حديث 347، سنن أبي داود 1: 6 حديث 20، سنن الترمذي 1: 102 حديث 70، سنن النسائي 1: 28، سنن الدارمي 1: 188، مسند أحمد 1: 225.
(3) سنن الدار قطني 1: 127 حديث 2، كنز العمال 9: 345 حديث 26365.
(4) التهذيب 1: 250 حديث 717، الوسائل 2: 1002 الباب 2 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(5) التهذيب: 249 حديث 714، وص 269 حديث 790، الوسائل 2: 1001 الباب 1 من أبواب النجاسات، حديث 4، وفيهما: صب عليه الماء مرتين.

[ 164 ]

عن البول يصيب الثوب؟ فقال: (اغسله مرتين) (1). وما رواه في الصحيح، عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البول يصيب الثوب؟ قال: (اغسله مرتين). ولأنه مستخبث فيدخل تحت قوله تعالى: " ويحرم عليهم الخبائث " (3) والتحريم يتناول جميع أنواع التصرف. فروع: الأول: يجب إزالة قليل البول وكثيره عن الثوب والبدن لأجل الصلاة. وبه قال مالك (4)، والشافعي (5)، وأبو ثور (6)، وأحمد (7). وقال أبو حنيفة: يعفى عن الدرهم فما دون (8). لنا: قوله تعالى: (وثيابك فطهر) (9). وما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (تنزهوا من البول) (10).

(1) التهذيب 1: 251 حديث 721، الوسائل 2: 1001 الباب 1 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 251 حديث 722، الوسائل 2: 1001 الباب 1 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(3) الاعراف: 157.
(4) المدونة الكبرى 1: 22، بلغة السالك 1: 26، المغني 1: 760، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 337.
(5) الأم 1: 55، المهذب للشيرازي 1: 46، مغني المحتاج 1: 188، المبسوط للسرخسي 1: 60، بداية المجتهد 1: 81، المغني 1: 760، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 337.
(6) المغني 1: 760، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 377.
(7) المغني 1: 760، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 337، الكافي لابن قدامة 1: 137، الانصاف 1: 483، منار السبيل 1: 75.
(8) المبسوط للسرخسي 1: 60، بدائع الصنائع 1: 79، الهداية للمرغيناني 1: 35، شرح فتح القدير 1: 178، بداية المجتهد 1: 81، المغني 1: 760، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 337.
(9) المدثر: 4.
(10) سنن الدار قطني 1: 127 حديث 2، كنز العمال 9: 345 حديث 26365.

[ 165 ]

ومن طريق الخاصة ما تقدم (1)، فانها غير دالة على التقييد، بل علق الحكم فيها على إصابة البول المطلق، فيعم بعموم صور وجوده. ولأنها نجاسة لا تشق إزالتها، فتجب كالكثير. ولأن مبنى الصلاة على التعظيم، وكمال التعظيم بالطهارة من كل وجه، وذلك بإزالة قليل النجاسة وكثيرها إلا ما يخرج بالدليل. ولأن القليل من النجاسة الحكمية وهو الحدث يمنع، فالحقيقة أولى، لأنها أقوى. احتج أبو حنيفة بقول عمر: إذا كانت النجاسة مثل ظفري هذا لم يمنع جواز الصلاة، وظفره كان قريبا من كف أحدنا (2) ولأن في التحرز عن القليل حرجا، والحرج منفي ولأنها يجتزي فيها بالمسح في محل الاستنجاء، ولو لم يعف عنها لم يكف فيها المسح كالكثير، ولأنه يشق التحرز عنه فيعفى عن قليله كالدم. والجواب عن الأول: أنه ليس بحجة، إذا لم يروه عن الرسول الله صلى الله عليه وآله. ولأن ما ذكره من الفتوى عام في النجاسة، وما ذكرناه من الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله خاص في البول، والخاص مقدم على العام. ولأنه يمكن أن يكون المراد بالنجاسة الدم. وعن الثاني: بالمنع من ثبوت الحرج، إذ ملاقاة البول غير دائمة. وعن الثالث: بالمنع من الاجتزاء بالمسح فيها، وقد سلف (3). وعن الرابع: أنه لا مشقة لندوره بخلاف الدم، فإن الانسان لا يكاد يخلو من بثرة (4)، أو حكة، أو دمل ويخرج من أنفه وفيه وغيرهما، فيشق التحرز منه، فعفي عن يسيره.

(1) تقدم في ص 163.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 60، بدائع الصنائع 1: 79.
(3) تقدم في الجزء الأول ص 256.
(4) البثور مثل الجدري يقبح على الوجه وغيره من بدن الانسان. لسان العرب 4: 39.

[ 166 ]

الثاني: لا فرق بين بول المرأة والرجل في التنجيس، بلا خلاف. الثالث: لا فرق بين بول المسلم والكافر، بلا خلاف. مسألة: وبول ما لا يؤكل لحمه مما له نفس سائلة نجس. وهو قول علمائنا أجمع، وبه قال الشافعي (1)، وأبو حنيفة (2)، وأبو يوسف (3)، ومحمد (4)، وزفر (5)، وأكثر أهل العلم (6). وقال النخعي: أبوال البهائم كلها طاهرة، أكل لحمها أم لم يؤكل (7). لنا: قوله تعالى: " ويحرم عليهم الخبائث " (8). وما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله: (تنزهوا من البول) (9) فهو مطلق. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ مما تقدم من الأحاديث الدالة على الأمر بالغسل من الثوب مطلقا. وما رواه في الحسن، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:

(1) المجموع 2: 548، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 177، السراج الوهاج: 22، ميزان الكبرى 1: 108، بدية المجتهد 1: 80، المحلى 1: 169.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 60، شرح فتح القدير 1: 178، بداية المجتهد 1: 80، المحلى 1: 168، المجموع 2: 548، بدائع الصنائع 1: 61.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 61.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 61.
(5) المحلى 1: 169.
(6) المغني 1: 767، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 341، المجموع 2: 548، الانصاف 1: 340.
(7) المجموع 2: 548 549.
(8) الاعراف: 157. (9) سنن الدار قطني 1: 127 حديث 2، كنز العمال 9: 345 حديث 26365.

[ 167 ]

(اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه) (1). وما رواه، عن داود البرقي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول الخشاشيف (2) يصيب ثوبي فاطلبه ولا أجده؟ قال: (اغسل ثوبك) (3). وما رواه في الموثق، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن أصاب الثوب شئ من بول السنور فلا تصلح الصلاة فيه) (4) ولأنه بول ما لا يؤكل لحمه، فكان نجسا كالآدمي، ولا نعرف للنخعي دليلا على ما قال. فروع: الأول: حكم هذا البول حكم بول الانسان في إزالة قليله وكثيره، خلافا لأبي حنيفة، وقد سبق (5). الثاني: لو كان المأكول قد عرض له التحريم إما بالجلل أو بوطئ الانسان له، كان بوله نجسا، لعموم قول أبي عبد الله عليه السلام: (اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه) (6). الثالث: لو كان ما لا يؤكل لحمه غير ذي نفس سائلة كان بوله طاهرا.

(1) التهذيب 1: 264 حديث 770، الوسائل 2: 1008 الباب 8 من أبواب النجاسات، حديث 2. (2) الخشاف: طائر صغير العينين، وهو من طير الليل. لسان العرب 9: 69 (خشف)، المصباح المنير 1: 170.
(3) التهذيب 1: 265 حديث 777، الاستبصار 1: 188 حديث 658، الوسائل 2: 1013 الباب 10 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(4) التهذيب 1: 420 حديث 1329، الوسائل 2: 1007 الباب 8 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(5) تقدم في ص 164.
(6) الكافي 3: 57 حديث 3، التهذيب 1: 264 حديث 770، الوسائل 2: 1008 الباب 9 من أبواب النجاسات، حديث 2.

[ 168 ]

وقال الشافعي (1) وأبو حنيفة (2) وأبو يوسف: إنه نجس (3). لنا: الأصل الطهارة، ولأن التحرز عنه متعذر وحرج فيكون منفيا، وحكم روثه حكم بوله. أصل: إذا تعارض خبران بينهما عموم من وجه وكانا معلومين، أو مظنونين، أو المتأخر معلوما والمتقدم مظنونا، كان المتأخر ناسخا للمتقدم عند قوم. والأقرب أنه ليس كذلك، بل يرجع إلى الترجيح. وإن جهل التاريخ وكانا معلومين وجب الترجيح لا في الطريق بل في الحكم، فإن فقد فالتخيير. وإن كانا مظنونين جاز الترجيح أيضا بقوة الاسناد، ومع الفقد التخيير (4). وإن كان أحدهما معلوما والآخر مظنونا جاز ترجيح المعلوم على المظنون، فإن ترجيح المظنون بما يتضمنه الحكم حتى حصل التعارض كان الحكم ما قدمناه. آخر: إذا كان أحد الخبرين أعلى إسنادا من الآخر كان العمل به أولى، لأن الرواة كلما كانوا أقل، كان احتمال الغلط والكذب أقل، فكان احتمال الصحة أظهر. آخر: إذا كان أحدهما مقررا لحكم الأصل والآخر ناقلا، فقد قيل: أن المبقي أولى، لأن حمل الحديث على ما لا يستفاد إلا من الشرع أولى من حمله على ما يستقل العقل بمعرفته، فلو جعلنا المبقي متقدما على الناقل، لكان واردا، حيث لا يحتاج إليه،

(1) المجموع 2: 550، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 177، ميزان الكبرى 1: 108، المحلى 1: 169، بداية المجتهد 1: 80.
(2) انظر: بدائع الصنائع 1: 61، المجموع 2: 548، المحلى 1: 168، بداية المجتهد 1: 80.
(3) انظر: بدائع الصنائع 1: 61.
(4) في النسخ: الترجيح، والصحيح ما أثبتناه.

[ 169 ]

لمعرفتنا بذلك الحكم بالعقل. ولو قلنا: أن المبقي وارد (1) بعد الناقل، لكان واردا حيث يحتاج إليه فكان الحكم بتأخره عن الناقل أولى من الحكم بتقدمه. وقيل: الناقل أولى، لأنه يستفاد منه ما لا يعلم إلا منه، وأما المبقي فإن حكمه معلوم بالعقل فكان الناقل أولى. ولأن القول بتقديم الناقل يستلزم كثرة النسخ، لأنه أزال حكم العقل ثم المبقي أزاله بخلاف العكس، وهذا إنما يصح في أخبار الرسول صلى الله عليه وآله، وأما في أخبار الأئمة عليهم السلام فلا. الرابع: قال الشيخ في المبسوط: بول الطيور كلها طاهرة، سواء أكل لحمها أو لم يؤكل، وذرقها إلا الخشاف (2). وحجته ما رواه في الحسن، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كل شئ يطير فلا بأس بخرئه وبوله) (3) والرواية مشكلة، وهي معارضة لرواية ابن سنان، وتلك أقل رجالا من هذه وهي متضمنة للناقل إلا أن لقائل أن يقول: أنها غير مصرحة بالتنجيس، أقصى ما في الباب أنه أمر بالغسل منه، وهذا غير دال على النجاسة إلا من حيث المفهوم، ودلالة المنطوق أقوى. وروى غياث، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: (لا بأس بدم البراغيث، والبق، وبول الخشاشيف) (4) وفي الطريق نظر، فإن الراوي إن كان غياث بن إبراهيم فهو بتري. قال الشيخ: هذه رواية شاذة (5)، ويجوز أن يكون قد وردت للتقية. مسألة: وبول ما يؤكل لحمه طاهر. ذهب إليه علماؤنا، وهو قول عطاء،

(1) " خ " " ح " " ق ": ورد.
(2) المبسوط 1: 39.
(3) التهذيب 1: 266 حديث 779، الوسائل 2: 1013 الباب 10 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(4) التهذيب 1: 266 حديث 778، الاستبصار 1: 188 حديث 659، الوسائل 2: 1013 الباب 10 من أبواب النجاسات، حديث 5.
(5) التهذيب 1: 266.

[ 170 ]

والنخعي (1)، ومالك (2)، والزهري (3)، وأحمد (4)، ومحمد (5)، وزفر (6)، والليث بن سعد (7)، وقال مالك: لا يرى أهل العلم أبوال ما أكل لحمه وشرب لبنه نجسا (8). وقال الشافعي (9)، وأبو حنيفة (10)، وأبو يوسف (11)، وأبو ثور: أنه نجس (12). وهو مروي، عن ابن عمر (13) ونحوه، عن الحسن البصري (14). لنا: ما رواه الجمهور أن النبي صلى الله عليه وآله أمر المؤمنين أن يشربوا من أبوال الابل (15)، والنجس لا يؤمر بشربه.

(1) المجموع 2: 549، المغني 1: 768، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 340.
(2) المدونة الكبرى 1: 5، المغني 1: 768، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 178، المجموع 2: 549، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 340.
(3) المغني 1: 768، المجموع 2: 549، نيل الأوطار 1: 60.
(4) المغني 1: 768، الكافي لابن قدامة 1: 109، الانصاف 1: 339، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 178، نيل الأوطار 1: 60.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 54، بدائع الصنائع 1: 61، الهداية للمرغيناني 1: 21، شرح فتح القدير 1: 180.
(6) المحلى 1: 169، شرح فتح القدير 1: 179.
(7) المجموع 2: 549.
(8) المغني 1: 768.
(9) المجموع 2: 549، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 177، ميزان الكبرى 1: 108، نيل الأوطار 1: 61.
(10) المبسوط للسرخسي 1: 54، بدائع الصنائع 1: 61، الهداية للمرغيناني 1: 21، شرح فتح القدير 1: 180، 181، المجموع 2: 549.
(11) المبسوط للسرخسي 1: 54، بدائع الصنائع 1: 61، الهداية للمرغيناني 1: 21، المجموع 2: 549.
(12) المغني 1: 769، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 340.
(13) " ن " ابن عمرو. ولم نظفر على قوله في المصادر الموجودة.
(14) المغني 1: 769، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 340.
(15) صحيح مسلم 3: 1296 حديث 1671، سنن ابن ماجة 2: 861 حديث 2578، سنن أبي داود 4: 130 حديث 4364، مسند أحمد 3: 161، 163، 177، 186، 287، 290، سنن الترمذي 1: 106 حديث 72 وج 4: 281 حديث 1845.

[ 171 ]

لا يقال: إنه أمرهم للضرورة، إذ شرب البول حرام في نفسه، لاستخباثه وإن كان طاهرا. لأنا نقول: كان يجب أن يأمرهم بغسل أثره منهم إذا أرادوا الصلاة. وما رواه الجمهور، عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (ما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله) (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن زرارة أنهما قال: (لا تغسل ثوبك من بول شئ يؤكل لحمه) (2) وما رواه في الحسن، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ألبان الابل، والبقر، والغنم وأبوالها ولحومها، فقال: (لا توضأ (3) منه [ و ] (4) إن أصابك منه شئ أو ثوبا لك فلا تغسله إلا أن تتنظف) (5) (6). وما رواه في الموثق، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كلما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه) (7). وما رواه، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يمسه بعض أبوال البهائم أيغسله أم لا؟ قال: (يغسل بول الفرس، والحمار، والبغل، فأما الشاة وكلما يؤكل لحمه فلا بأس ببوله) (8) ولأنه متحلل معتاد من حيوان

(1) سنن الدارقطني 1: 128 حديث 3، سنن البيهقي 3: 413.
(2) التهذيب 1: 246 حديث 710، الوسائل 2: 1010 الباب 9 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(3) " ح ": لا تتوضأ.
(4) أضفناه من المصدر.
(5) " ح ": تنظف.
(6) التهذيب 1: 264 حديث 771، الاستبصار 1: 178 حديث 620، الوسائل 2: 1010 الباب 9 من أبواب النجاسات، حديث 5.
(7) التهذيب 1: 266 حديث 781، الوسائل 2: 1011 الباب 9 من أبواب النجاسات، حديث 12.
(8) التهذيب 1: 266 حديث 780، الاستبصار 1: 179 حديث 624، الوسائل 2: 1011 الباب 9 من + + +

[ 172 ]

يؤكل لحمه، فكان طاهرا كاللبن. ولأنه كان يلزم تنجيس الحبوب التي تدوسها البقر، إذ لا تنفك عن أبوالها ويختلط الطاهر بالنجس، فيصير حكم الجميع حكم النجس. احتجوا (1) بقوله عليه السلام: (تنزهوا عن البول) (2) وهو عام. والجواب: المنع من العموم، للدليل. مسألة: وفي أبوال الخيل والبغال والحمير للأصحاب قولان: أصحهما الطهارة (3). لنا: إنه حيوان مأكول اللحم، فكان بوله طاهرا لما تقدم ويؤيد ما قلناه: ما رواه الشيخ، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام في أبوال الدواب تصيب الثوب فكرهه، فقلت: أليس لحومها حلالا؟ فقال: (بلى ولكن ليس مما جعله الله للأكل) (4) وهذا يدل على الكراهية. احتج المانعون من أصحابنا بما رواه الشيخ في الحسن، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن أبوال الدواب، والبغال، والحمير؟ فقال: (اغسله، فإن لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله، فإن شككت فانضحه) (5). وما رواه في الصحيح، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أبوال

أبواب النجاسات، حديث 9. (1) المغني 1: 769، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 340.
(2) سنن الدار قطني 1: 127 حديث 2، كنز العمال 9: 345 حديث 26365. (3) القائل بالطهارة: الصدوق في الفقيه 3: 71، وقال ابن إدريس في السرائر: 36، وابن حمزة في الوسيلة (الجوامع الفقهية): 669 بالكراهة، والقائل بالنجاسة: ابن الجنيد كما نقله عنه في المعتبر 1: 413، والطوسي في النهاية: 51.
(4) التهذيب 1: 264 حديث 772، وص 422 حديث 1338، الاستبصار 1: 179 حديث 626، الوسائل 2: 1010 الباب 9 من أبواب النجاسات، حديث 7.
(5) التهذيب 1: 264 حديث 771، الاستبصار 1: 178 حديث 620، الوسائل 2: 1010 الباب 9 من أبواب النجاسات، حديث 6.

[ 173 ]

الخيل، والبغال؟ فقال: (اغسل ما أصابك منه) (1). والجواب: هذه الأحاديث تدل على الاستحباب جمعا بين الأدلة. ويؤيده: ما رواه ابن يعقوب في كتابه، عن أبي الاعز النحاس (2) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أعالج الدواب فربما خرجت بالليل وقد بالت وراثت فيضرب أحدها برجله أو يده فينضح على ثيابي فأصبح فأرى أثره فيه؟ فقال: (ليس عليك شئ) (3). وروي، عن المعلى بن خنيس، وعبد الله بن أبي يعفور قالا: كنا في جنازة وقربنا حمار فبال، فجاءت الريح ببوله حتى صكت وجوهنا وثيابنا فدخلنا على أبي عبد الله عليه السلام فأخبرناه، فقال: (ليس عليكم شئ) نعم هو مكروه، وكذا كل ما كان مكروه اللحم (4). مسألة: وروث ما لا يؤكل لحمه كالآدمي وغيره مما له نفس سائلة نجس في قول علماء الاسلام. أما روث ما يؤكل لحمه، فمذهب علمائنا أنه طاهر. وهو قول عطاء، والنخعي، والثوري (5)، ومالك (6)، والزهري (7)، وأحمد (8)، وزفر (9). وقال الليث بن

(1) التهذيب 1: 265 حديث 774، الاستبصار 1: 178 حديث 622، الوسائل 2: 1011 الباب 9 من أبواب النجاسات، حديث 11.
(2) أبو الأعز النخاس غير مذكور في كتب الرجال ولم يتبين اسمه، إلا أنه وقع في طريق الصدوق، وقال في مشيخته: وما كان فيه عن أبي الاعز النخاس فقد رويته عن أبي رضي الله عنه عن محمد بن يحيى عن إبراهيم بن هاشم عن صفوان ومحمد بن أبي عمير عن أبي الاعز النخاس، وصفوان ومحمد بن أبي عمير من أصحاب الاجماع، وهذا يفيد نوع اعتماد ووثوق به. وقال المحقق المامقاني: الظاهر من بعض النسخ أنه: الاعز بالعين المهملة والزاي المعجمة الفقيه. (شرح المشيخة) 4: 15، تنقيح المقال (فصل الكنى) 3: 3. (3) الكافي 3: 58 حديث 10، الوسائل 2: 1009 الباب 9 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(4) التهذيب 1: 425 حديث 1351، الاستبصار 1: 180 حديث 628، الوسائل 2: 1011 الباب 9 من أبواب النجاسات، حديث 14. وفي الاخيرين: (ليس عليكم بأس).
(5) المغني 1: 768، المجموع 2: 549.
(6) المدونة الكبرى 1: 5، المغني 1: 768، المجموع 2: 549، بدائع الصنائع 1: 62.

[ 174 ]

سعد، ومحمد بن الحسن: أبوال ما يؤكل لحمه طاهرة وأرواثها نجسة (1). وقال الشافعي (2)، وأبو حنيفة، وأبو يوسف: أنها نجسة (3). لنا: ما رواه الجمهور عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (ما أكل لحمه فلا بأس ببوله وسلحه) (4) (5). وما رووه، عن عمار، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (إنما يغسل الثوب من البول، والدم، والمني) (6) ولفظة " إنما " للحصر، وذلك يفيد التعميم في النفي إلا ما يخرجه الدليل. ومن طريق الخاصة ما رواه ابن يعقوب، عن أبي الاعز النخاس، وقد تقدم. وما رواه الشيخ، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا بأس بروث الحمير واغسل أبوالها) (7). ومما يدل على ذلك ما رواه الجمهور أن النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي في مرابض الغنم (8). متفق عليه، وقال: (صلوا في مرابض الغنم) (9). وقال ابن المنذر:

(7) المجموع 2: 549.
(8) المغني 1: 768، الكافي لابن قدامة 1: 109، الانصاف 1: 339.
(9) بدائع الصنائع 1: 62، شرح فتح القدير 1: 179، المجموع 2: 549. (1) المجموع 2: 549.
(2) المجموع 2: 549، ميزان الكبرى 1: 108.
(3) بدائع الصنائع 1: 62، المجموع 2: 549.
(4) سنن الدار قطني 1: 128 حديث 3، سنن البيهقي 1: 252، كنز العمال 9: 368 حديث 26505 بتفاوت يسير.
(5) السلاح: النجو، هو من الطائر كالتغوط من الانسان لسان العرب 2: 487، المصباح المنير 1: 284.
(6) أحكام القرآن للجصاص 5: 369. (7) التهذيب 1: 265 حديث 773، الاستبصار 1: 178 حديث 621، الوسائل 2: 1009 الباب 9 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(8) صحيح البخاري 1: 117، صحيح مسلم 1: 374 حديث 524، سنن أبي داود 1: 124 ذيل حديث

[ 175 ]

أجمع كل من يحفظ عنه العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم ولم يكن للنبي صلى الله عليه وآله ولا لأصحابه ما يصلون عليه من الأوطئة والمصليات، إنما كانوا يصلون على الأرض، ولا ريب أن المرابض لا تنفك عن البعر والبول، فدل على أنهم كانوا يباشرونها في صلاتهم (1)، وذلك يدل على طهارتها. ولأنه متحلل معتاد من حيوان يؤكل لحمه، فكان طاهرا كاللبن وذرق الطائر، عند أبي حنيفة (2). احتجوا بأنه رجيع، فكان نجسا كرجيع الآدمي (3). وبقوله تعالى: " نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا " (4) فامتن علينا بأن سقانا طاهرا من بين نجسين. والجواب عن الأول: الفرق بين مأكول اللحم وغير مأكوله ثابت، ولهذا قالوا: إن مأكول اللحم نجاسته حقيقية (5). ومع الفرق لا يتم القياس. وعن الثاني: إن الامتنان يجوز أن يكون بمطلق السقي، والتخصيص للفرث والدم بالذكر إظهارا للقدرة، فإن إخراج الأبيض من بين دم أحمر وفرث أصفر في غاية من القدرة. فروع: الأول: أرواث البغال، والحمير، والدواب طاهرة لكنها مكروهة وقد تقدم

453، سنن الترمذي 2: 182 حديث 350، سنن النسائي 2: 40، مسند أحمد 3: 123، 131، 194، 212.
(9) سنن الترمذي 2: 180 حديث 348، مسند أحمد 5: 56، 57. (1) المغني 1: 768 769.
(2) المغني 1: 769.
(3) المغني 1: 769.
(4) النحل: 66.
(5) انظر: بدائع الصنائع 1: 61.

[ 176 ]

البحث فيها في باب البول (1) ورواية أبي الاعز والحلبي يدلان عليه. لا يقال: قد روى الشيخ، عن أبي مريم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في أبوال الدواب وأرواثها؟ قال: (أما أبوالها فاغسل إن أصابك، وأما أرواثها فهي أكثر (2) من ذلك) (3). وعن عبد الأعلى بن أعين قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أبوال الحمير، والبغال؟ قال: (اغسل ثوبك) قال: قلت: فأرواثهما؟ قال: (هو أكثر (4) من ذلك) (5). لأنا نقول: أنهما محمولتان على الاستحباب. على أن سندهما لا يخلو من قول. الثاني: خرء ما لا يؤكل لحمه من سباع الطير كالبازي والصقر نجس، وكذلك غير سباعة، وقال الشيخ: إنه طاهر (6)، وكذا قال ابن بابويه (7)، واحتجا برواية أبي بصير (8) وهي حسنة. وقال أبو حنيفة: إنه نجس نجاسة خفيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: نجاسة غليظة (9). قال أبو حنيفة: إن فيه ضرورة، لأنها تذرق من الهواء فلا يمكن

(1) (1) تقدم في ص 172.
(2) " م " " ن " " د ": أكبر.
(3) التهذيب 1: 265 حديث 775، الاستبصار 1: 178 حديث 623، الوسائل 2: 1011 الباب 9 من أبواب النجاسات، حديث 8.
(4) " خ " " م " " ن " " د ": أكبر.
(5) التهذيب 1: 265 حديث 776، الاستبصار 1: 179 حديث 625، الوسائل 2: 1011 الباب 9 من أبواب النجاسات، حديث 13.
(6) المبسوط 1: 39.
(7) الفقيه 1: 41.
(8) الكافي 3: 58 حديث 9، التهذيب 1: 266 حديث 779، الوسائل 2: 1013 الباب 10 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(9) شرح فتح القدير 1: 182.

[ 177 ]

التجافي عنه، فيخفف حكمه (1) وقال أبو يوسف ومحمد: أنه لا يعم به البلوى، لأنه لا يكثر إصابته (2). ونقل الكرخي، عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه طاهر (3). وعن محمد: أنه نجس نجاسة غليظة (4). الثالث: خرء ما يؤكل لحمه من الطيور طاهر عندنا، واستثنى بعض علمائنا الدجاج (5). وهو مذهب الحنفية، واستثنوا مع الدجاج الإوز والبط (6). وقال الشافعي: أنه نجس سواء كان من الحمام والعصافير أو غيرهما (7). لنا: ما رواه الجمهور في حديث عمار إنما يغسل الثوب من المني، والدم، والبول (8). وما رووه، عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وآله: (ما أكل لحمه فلا بأس ببوله وسلحه) (9) وذلك عام في الطيور وغيرها. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الموثق، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كلما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه) (10) ولأن الناس أجمعوا على إمساك الحمام في المساجد مع وجوب تطهير المساجد.

(1) بدائع الصنائع 1: 62، الهداية للمرغيناني 1: 36.
(2) بدائع الصنائع 1: 62.
(3) بدائع الصنائع 1: 62، المبسوط للسرخسي 1: 57، شرح فتح القدير 1: 182.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 57، بدائع الصنائع 1: 62، شرح فتح القدير 1: 182.
(5) كالمفيد في المقنعة: 10، والطوسي في المبسوط 1: 36.
(6) بدائع الصنائع 1: 62، المبسوط للسرخسي 1: 57، المجموع 2: 550. (7) المهذب للشيرازي 1: 46، المجموع 2: 550، بدائع الصنائع 1: 62، بداية المجتهد 1: 80.
(8) أحكام القرآن للجصاص 5: 369.
(9) سنن الدار قطني 1: 128 حديث 3، كنز العمال 9: 368 حديث 26505، سنن البيهقي 1: 252 بتفاوت.
(10) التهذيب 1: 266 حديث 781، الوسائل 2: 1011 الباب 9 من أبواب النجاسات، حديث 12.

[ 178 ]

احتج الشافعي بأنه يستحيل إلى نتن وفساد، فأشبه غير مأكول اللحم (1). والجواب: لانتن فيه، وفساده بمنزلة فساد النخامة وخبثها، وذلك غير دال على النجاسة. وأما استثناء الدجاج، فشئ ذهب إليه الشيخ في بعض كتبه (2) والمفيد (3). وقال ابن بابويه: ولا بأس بخرء الدجاجة، والحمامة يصيب الثوب (4). واحتج الشيخ بما رواه، عن فارس (5) قال: كتب إليه رجل يسأله عن ذرق الدجاج تجوز الصلاة فيه؟ فكتب (لا) (6) وفارس لم يسندها إلى الامام فلا تعويل عليها. والحق عندي ما ذكر ابن بابويه. وقد ذهب إليه الشيخ أيضا في الاستبصار، واستدل عليه فيه بما رواه، عن وهب بن وهب، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أنه قال: (لا بأس بخرء الدجاج، والحمام يصيب الثوب) (7) وتأول الرواية الأولى بحملها على الجلال منه، أو على الاستحباب، أو على التقية (8). احتج أبو حنيفة على التنجيس مطلقا بأن فيه نتنا وفسادا، فأشبه رجيع الآدمي (9).

(1) المجموع 2: 550.
(2) المبسوط 1: 36، الخلاف 1: 181 مسألة 230.
(3) المقنعة: 10.
(4) الفقيه 1: 41.
(5) فارس بن حاتم بن ماهويه القزويني نزيل العسكر من أصحاب الرضا (ع) قلما روى الحديث إلا شاذا. صرح المصنف بأنه غال ملعون فسد مذهبه، ونقل الكشي أخبارا في ذمة. رجال النجاشي: 747، رجال الكشي: 522، رجال العلامة: 247.
(6) التهذيب 1: 266 حديث 782، الاستبصار 1: 178 حديث 619، الوسائل 2: 1013 الباب 10 من أبواب النجاسات، حديث 3.
(7) الاستبصار 1: 177 حديث 618، الوسائل 2: 1013 الباب 10 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(8) الاستبصار 1: 178. (9) المبسوط للسرخسي 1: 57، بدائع الصنائع 1: 62، المجموع 2: 550.

[ 179 ]

والجواب: العلة مكسورة (1)، لأن كل واحد من الوصفين قد وجد بدون الحكم. الرابع: لو كان الدجاج والحمام جلالا كان ذرقه نجسا، لأنه حينئذ غير مأكول اللحم. ولو كان الحيوان غير ذي نفس سائلة كان رجيعه طاهرا. الخامس: لو تناول ما لا يؤكل لحمه الحب وخرج من بطنه صحيحا، فإن كانت الصلابة باقية بحيث لو زرع نبت لم يكن نجسا، بل يجب غسل ظاهره، لعدم تغيره إلى فساد، فصار كما لو ابتلع نواة، وإن كانت قد زالت صلابته فهو نجس. السادس: الحب إذا نبت في النجاسة كان طاهرا، لأنه فرع الحب، لكن يجب غسل ما لاقته النجاسة رطبا منه، وكذا الشجرة إذا سقيت ماءا نجسا فالثمرة، والأغصان، والأوراق طاهرة، ولا نعلم فيه خلافا. السابع: روث السمك عندنا طاهر، لأنه مأكول اللحم، ولأنه لا نفس له سائلة. ولو كان في البحر حيوان له نفس سائلة كان حراما وكان روثه نجسا، وعند الشافعي إن روث السمك نجس، لأنه غذاء مستحيل إلى فساد (2)، وفيه وجه آخر أنه طاهر، وكذا حكم الجراد (3). أما سائر الحشرات، فإنها تبنى على نجاسة ميتها عنده، فإن قال بنجاستها (4) فكذا رجيعها وإلا فلا. مسألة: قال علماؤنا: المني نجس. وهو قول مالك (5)، والأوزاعي (6)،

(1) " م " مكررة.
(2) المجموع 2: 550، مغني المحتاج 1: 79.
(3) المجموع 2: 550.
(4) المجموع 2: 550.
(5) بداية المجتهد 1: 82، المجموع 2: 554، المغني 1: 772، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 341، ميزان الكبرى 1: 108، رحمة الأمة بهامش ميزان الحكمة 1: 11.
(6) المغني 1: 772، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 341، المجموع 2: 554.

[ 180 ]

وأصحاب الرأي (1)، وإحدى الروايتين عن أحمد (2)، وبه قال الشافعي في القديم (3). وقال في الجديد: هو طاهر (4). وهو الرواية الشهيرة عن أحمد (5)، وهو قول سعد بن أبي وقاص، وابن عمر (6). وقال ابن عباس: امسحه عنك بإذخرة (7) أو خرقه ولا تغسله إن شئت. وقال ابن المسيب: إذا صلى فيه لم يعد (8). وهو قول أبي ثور (9). وحكى الطحاوي، عن الحسن بن صالح بن حي أنه قال: يعيد الصلاة من المني في البدن وإن قل، ولا يعيدها من المني في الثوب (10). لنا: قوله تعالى: " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عليكم رجز الشيطان " (11) قال أهل التفسير: المراد بذلك أثر الاحتلام.
(12). واستدل المرتضى بهذه الآية في المسائل الناصرية بوجه آخر، وهو: أن الرجز والرجس والنجس بمعنى واحد، لقوله تعالى: " والرجز فاهجر " (13) وأراد به عبادة

(1) المغني 1: 772، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 341، المجموع 2: 554.
(2) المغني 1: 771، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 341، الكافي لابن قدامة 1: 109، الانصاف 1: 340، المجموع 2: 554.
(3) مغني المحتاج 1: 80.
(4) الأم 1: 55، المهذب للشيرازي 1: 47، المجموع 2: 553، مغني المحتاج 1: 37، ميزان الكبرى 1: 108، المغني 1: 772، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 11.
(5) المغني 1: 771، الكافي لابن قدامة 1: 109، الانصاف 1: 340، المجموع 2: 554، ميزان الكبرى 1: 108، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 11،، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 341.
(6) المغني 1: 771، المجموع 2: 554، المحلى 1: 126.
(7) الاذخر بكسر الهمزة والخاء نبات معروف ذكي الريح، وإذا جف ابيض المصباح المنير 1: 207.
(8) المغني 1: 771، المجموع 2: 554.
(9) المغني 1: 772.
(10) لم نعثر على كتاب الطحاوي ولكن نقل هذا القول الشوكاني في نيل الأوطار 1: 66.
(11) الانفال: 11.
(12) التبيان 5: 86، فقه القرآن للراوندي 1: 69، التفسير الكبير 15: 133، تفسير الطبري 9: 194.
(13) المدثر: 5.

[ 181 ]

الاوثان، فعبر عنها تارة بالرجز وأخرى بالرجس، فاتحد معناهما، وإذا سمى الله تعالى المني رجسا، ثبت نجاسته، ولأنه تعالى أطلق اسم التطهير ولا يراد شرعا إلا في إزالة النجاسة أو غسل الأعضاء الأربعة (1). وما رواه الجمهور، عن عمار بن ياسر رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وآله قال له حين رآه يغسل ثوبه من النخامة: (ما نخامتك ودموع عينيك والماء الذي في ركوتك إلا سواء، وإنما يغسل الثوب من خمس: البول، والغائط، والدم، والقئ، والمني) (2). وما رووه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (سبعة يغسل الثوب منها البول والمني). وما رووه عن عائشة أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله قالت: ثم رأى فيه بقعة أو بقعا (3). وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله قال في المني يصيب الثوب: (إن كان رطبا فاغسليه، وإن كان يابسا فافركيه) (4) والامر للوجوب. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المني يصيب الثوب؟ قال: (إن عرفت مكانه فاغسله، فإن خفي عليك مكانه فاغسله كله) (5). وما رواه، عن ميسر قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: آمر الجارية فتغسل ثوبي

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): 181. (2) سنن الدار قطني 1: 127، حديث 1، سنن البيهقي 1: 14، نيل الأوطار 1: 66، بدائع الصنائع 1: 60.
(3) صحيح البخاري 1: 67، سنن أبي داود 1: 102 حديث 373، مسند أحمد 6: 142، 162.
(4) سنن الدار قطني 1: 125 حديث 3 بتفاوت يسير وبهذا اللفظ في المغني 1: 772.
(5) التهذيب 1: 251 حديث 725، الوسائل 2: 1022 الباب 16 من أبواب النجاسات، حديث 6.

[ 182 ]

من المني فلا تبالغ في غسله فأصلي فيه فإذا هو يابس؟ قال: (اعد صلاتك، أما انك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شئ) (1). وما رواه، عن سماعة قال: سألته عن المني يصيب الثوب؟ قال: (اغسل الثوب كله إذا خفي عليك مكانه، قليلا كان أو كثيرا) (2). وما رواه في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا احتلم الرجل فأصاب ثوبه مني فليغسل الذي أصابه، فإن ظن أنه أصابه مني ولم يستيقن ولم ير مكانه فلينضحه بالماء، وإن استيقن إنه أصابه ولم ير مكانه فليغسل ثوبه كله فإنه أحسن) (3). وما رواه، عن عنبسة بن مصعب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المني يصيب الثوب فلا يدري أين مكانه؟ قال: (يغسل كله، فإن علم مكانه فليغسله) (4). وروي في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر المني فشدده وجعله أشد من البول، ثم قال: (إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، وإن أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه، ثم صليت فيه، ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك، وكذلك البول) (5). ولأن الواجب بخروجه أكبر الطهارتين وهو الغسل، فدل ذلك على أن إيجاب الطهارة لا يعمل إلا في محل النجاسة. ولأنه خارج معتاد من السبيل فأشبه البول، ولأنه خارج يوجب الطهارة فأشبه البول. ولأنه خارج ينقض الطهارة فأشبه البول والغائط.

(1) التهذيب 1: 252 حديث 726، الوسائل 2: 1024 الباب 18 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 252 حديث 727، الوسائل 2: 1025 الباب 19 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(3) التهذيب 1: 252 حديث 728، الوسائل 2: 1022 الباب 16 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(4) التهذيب 1: 252 حديث 729، الوسائل 2: 1006 الباب 7 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(5) التهذيب 1: 252 حديث 730، الوسائل 2: 1022 الباب 16 من أبواب النجاسات، حديث 2.

[ 183 ]

احتج المخالف (1) بقول عائشة: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي فيه (2)، ولو كان نجسا لمنع الشروع فيها. ولأنه أحد أصلي الآدمي، فيكون طاهرا، كالتراب الذي هو الأصل الآخر. ولأن ابن عباس أمر بمسحه بأذخرة أو خرقة لا بغسله فكان طاهرا. ولأنه لا يجب غسله إذا جف فلم يكن نجسا كالبصاق. والجواب عن الأول: باحتمال أنه كان يصلي فيه بعد الفرك لا في تلك الحال كما يقال: كنت أخبز الخبز وهو يأكل، وكنت أخيط الثوب وهو يلبس. والفرك وإن كان عندنا غير مجز إلا أنه يحتمل أن يكون بعده الغسل، فإن الفرك مستحب. وعن الثاني: أنه لا اعتبار به لانتقاضه بالدم والعلقة. وعن الثالث: بالمنع عن النقل عن ابن عباس، ولو سلم فيحمل أنه قال عن اجتهاده، إذا لم يسنده، فلا يكون حجة. وعن الرابع: بالمنع في العلة وسيأتي. فروع: الأول: مني الحيوان ذي النفس السائلة نجس كمني الآدمي سواء كان مأكولا أو لم يكن، للشافعية ثلاثة أقوال: أحدها: أنه طاهر إلا ما كان نجس العين، كالكلب والخنزير وما تولد منهما. والثاني: أنه بأجمعه نجس. والثالث: اعتباره باللبن، فإن كان لحمه مأكولا فهو طاهر كاللبن، وإلا فهو

(1) المغني 1: 772، الكافي لابن قدامة 1: 109، المهذب للشيرازي 1: 47، المجموع 2: 554، مغني المحتاج 1: 80.
(2) صحيح مسلم 1: 238 حديث 288، سنن أبي داود 1: 101 حديث 372.

[ 184 ]

نجس (1). لنا: العموم الدال على نجاسة المني. ولأنه حيوان إذا مات صار نجسا، فقبل حصول الحياة فيه ينبغي أن يكون نجسا. الثاني: ما لا نفس له سائلة الأقرب طهارته. الثالث: مني المرأة كمني الرجل، لتناول الأدلة له، والشافعي وإن قال بطهارة مني الرجل إلا أنه قال: إن في منيها وجهين: أحدهما: الطهارة كالرجل. والثاني: النجاسة، لأنه لا ينفك من رطوبة فرجها (2). وعنده في رطوبة فرجها وجهان (3). الرابع: لو تكون المني في الرحم فصار علقة وهو نجس. وبه قال أبو حنيفة (4)، وأبو إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي (5)، وهو أشهر الروايتين عن أحمد (6). وقال الصيرفي (7) من أصحاب الشافعي: إنها طاهرة (8)، وهو الرواية الضعيفة عن أحمد (9). لنا: أنه مني استحال دما، فكان نجسا.

(1) المهذب للشيرازي 1: 47، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 191.
(2) المجموع 2: 553، مغني المحتاج 1: 80.
(3) المهذب للشيرازي 1: 48، المجموع 2: 570، مغني المحتاج 1: 81، السراج الوهاج: 23.
(4) بدائع الصنائع 1: 61، المبسوط للسرخسي 1: 81.
(5) المهذب للشيرازي 1: 47.
(6) المغني 1: 773، الكافي لابن قدامة 1: 111.
(7) أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي الشافعي، له مصنفات. روى عن أحمد بن منصور الرمادي وتفقه على ابن سريج. العبر 2: 36، شذرات الذهب 2: 324.
(8) المهذب للشيرازي 1: 47، المجموع 2: 559.
(9) المغني 1: 773، الكافي لابن قدامة 1: 111.

[ 185 ]

قالوا: هو مبدأ خلق آدمي، فكان طاهرا (1). قلنا: قد بينا ضعف هذا الكلام، ولو سلم لكن المني جاز أن يخرج إلى النجاسة بالاستحالة كالعصير. ولأنه دم من الفرج، فأشبه الحيض. وكذا البحث في المضغة والبيضة إذا صارت دما. الخامس: المشيمة التي يكون فيها الولد نجسة لانفصالها عن الحي، وقال صلى الله عليه وآله: (ما أبين من حي فهو ميت) (2). مسألة: والمذي والودي عندنا طاهران، والمذي: ماء لزج رقيق يخرج عقيب الشهوة على طرف الذكر، والودي: ماء أبيض يخرج عقيب البول خاثر. وقال أكثر الجمهور بنجاستهما (3). لنا: ما رواه الجمهور، عن ابن عباس أنه قال: إن المذي بمنزلة البصاق والمخاط (4). ولا نقوله إلا بالتوقيت. وما رووه، عن سهل بن حنيف (5) قال: كنت ألقي من المذي شدة وعناءا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: (يجزيك منه الوضوء).

(1) المغني 1: 773، الكافي لابن قدامة 1: 111.
(2) سنن ابن ماجة 2: 1072 حديث 3216، سنن الترمذي 4: 74 حديث 148، مسند أحمد، 218، مستدرك الحاكم 4: 124، 239، سنن البيهقي 1: 23 وج 9: 245، سنن الدار قطني 4: 292 حديث 83 84.
(3) المغني 1: 767، المجموع 2: 552، بدائع الصنائع 1: 25، بداية المجتهد 1: 34، المحلى 1: 106.
(4) المغني 1: 767، 772.
(5) سهل بن حنيف بن وهب بن العكيم. الاوسي الأنصاري، يكنى أبا ثابت، شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله، صحب عليا (ع) واستخلفه على المدينة حين خرج إلى البصرة. وشهد مع علي (ع) صفين. مات بالكوفة سنة 38 ه‍، وصلى عليه علي (ع) وكبر ستا. روى عن النبي صلى الله عليه وآله وزيد بن ثابت، وروى عنه ابناه وأبو وائل وغيرهم. أسد الغابة 2: 364، الاستيعاب بهامش الاصابة 2: 92، تهذيب التهذيب 4: 251.

[ 186 ]

قلت: فكيف بما أصاب ثوبي منه؟ قال: (يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به حيث ترى أنه [ أصابه ] (1)) (2) ولو كان نجسا لوجب غسله بحيث لا يتخلف في المحل منه شئ، ولم أجزأ فيه النضح، للزوجته وشدة ملازمته لما يلاصقه. وما رووه من حديث عمار (3). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المذي يصيب الثوب، قال: (لا بأس به) فلما رددنا عليه قال: (تنضحه بالماء) (4) وما رواه في الصحيح، عن ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ليس في المذي من الشهوة ولا من الانعاظ ولا من القبلة ولا من مس الفرج ولا من المضاجعة وضوء ولا يغسل منه الثوب ولا الجسد) (5). وما رواه، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (الودي لا ينقض الوضوء، إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق) (6) وإنما يكون بمنزلتهما لو ساواهما في الطهارة وغيرها. وما رواه في الصحيح، عن زيد الشحام وزرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (إن سال من ذكرك شئ من مذي أو ودي فلا تغسله ولا تقطع

(1) أضفناه من المصدر.
(2) سنن ابن ماجه 1: 169 حديث 506، سنن أبي داود: 54 حديث 210، سنن الترمذي 1: 197 حديث 115، سنن الدارمي 1: 184.
(3) سنن الدارقطني 1: 127 حديث 1، سنن البيهقي 1: 14.
(4) التهذيب 1: 253 حديث 733، الوسائل 1: 1023 الباب 17 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(5) التهذيب 1: 253 حديث 734، الاستبصار 1: 174 حديث 605، الوسائل 1: 191 الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 2.
(6) التهذيب 1: 21 حديث 51، الاستبصار 1: 94 حديث 304، الوسائل 1: 198 الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 2.

[ 187 ]

له الصلاة ولا تنقض له الوضوء، إنما ذلك بمنزلة النخامة، وكل شئ خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل) (1) والأحاديث كثيرة. ولأن الأصل الطهارة فيستصحب لي أن يقوم الدليل المنافي. ولأنه مما يعم به البلوى ويكثر ويردد، فلو كان نجسا لوجب نقلة أما متواترا أو مشهورا كما في البول والغائط. لا يقال: يعارض هذا ما رواه الشيخ في الحسن، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المذي يصيب الثوب؟ قال: (إن عرفت مكانه فاغسله، وإن خفي مكانه عليك فاغسل الثوب كله) (2). وعنه، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المذي الذي يصيب الثوب فيلتزق به؟ قال: (يغسله ولا يتوضأ) (3). لأنا نقول: أنهما محمولان على الاستحباب، ويؤيده: أن الراوي بعينه روى عدم وجوب الغسل (4). احتج المخالف (5) بأن النبي صلى الله عليه وآله أمر عليا عليه السلام بغسل ذكره منه (6). ولأنه خارج من السبيل، فكان نجسا كالبول.

(1) التهذيب 1: 21 حديث 52، الاستبصار 1: 94 حديث 305، الوسائل 1: 196 الباب 12 من نواقض الوضوء، ذيل حديث 2.
(2) التهذيب 1: 253 حديث 731، الاستبصار 1: 174 حديث 606، الوسائل 2: 1024 الباب 18 من أبواب النجاسات، حديث 3.
(3) التهذيب 1: 253 حديث 732، الاستبصار 1: 175 حديث 607، الوسائل 2: 1024 الباب 17 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(4) التهذيب 1: 253 حديث 733، الوسائل 2: 1023 الباب 17 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 67، المدونة الكبرى 1: 12، المغني 1: 194، الكافي لابن قدامة 1: 70، المهذب للشيرازي 1: 47، المجموع 2: 553، المحلى 1: 106.
(6) صحيح مسلم 1: 247 حديث 303، سنن أبي داود 1: 53 حديث 206، سنن النسائي 1: + + + +

[ 188 ]

والجواب عن الأول بالمنع من الرواية، فإن الرواية المشهورة عند أهل البيت عليهم السلام أن المقداد سأله لاستحياء أمير المؤمنين عليه السلام من ذلك فقال: (ليس بشئ) (1) وهؤلاء أعرف من غيرهم، فالحجة في قولهم، ولو سلم فالامر ها هنا يحمل على الاستحباب، جمعا بين الروايتين، ولأنهما تعارضتا، فيصار إلى الأصل. وعن الثاني بالفرق، فإن البول مما يمكن التحفظ منه والاحتراز منه، بخلاف المذي، على أنا نمنع كون ما ذكروه من المشترك علة. تذنيب: الأصل في رطوبة فرج المرأة: الطهارة، لأنه ليس بمني. وعن الجمهور قولان: أحدهما: أنه نجس، لأنه في الفرج لا يخلق منه الولد، فأشبه المذي. والثاني: الطهارة (2)، لأن عائشة كانت تفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله (3) وهو من جماع، فإنه ما احتلم نبي قط، وهو يلاقى رطوبة الفرج. وقال بعضهم: ما أصاب منه في حال الجماع فهو نجس، لأنه لا يسلم من المذي، وهو نجس (4). مسألة: قال علماؤنا: الدم المسفوح من كل حيوان ذي نفس سائلة أي يكون خارجا بدفع من عرق نجس. وهو مذهب علماء الاسلام، لقوله تعالى: " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا

214 - 215، مسند أحمد 1: 80، 124، 125، 145. (1) التهذيب 1: 17 حديث 39، الاستبصار 1: 91 حديث 292، الوسائل 1: 197 الباب 12 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 7.
(2) المغني 1: 768، الكافي لابن قدامة 1: 110، المهذب للشيرازي 1: 48، المجموع 2: 570 - 571، مغني المحتاج 1: 81، السراج الوهاج: 23.
(3) صحيح مسلم 1: 238 حديث 288، سنن ابن ماجة 1: 179 حديث 537، 538، سنن أبي داود 1: 101 حديث 371، 372، سنن النسائي 1: 156 - 157.
(4) المغني 1: 768.

[ 189 ]

أو لحم خنزير فإنه رجس " (1). وروى الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعمار بن ياسر رحمه الله: (إنما تغسل ثوبك من الغائط، والبول، والدم، والمني) (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن زرارة قال: قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني فعلمت أثره إن أصيب له الماء [ فأصبت ] (3) وحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي منيا شيئا وصليت، ثم إني ذكرت بعد ذلك؟ قال: (تعيد الصلاة وتغسله) (4). وما رواه في الموثق، عن عمار الساباطي قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل يسيل من أنفه الدم فهل عليه أن يغسل باطنه حتى جوف الانف؟ فقال: (إنما عليه أن يغسل ما ظهر منه) (5). وما رواه في الصحيح، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: فالرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به، ثم يعلم فينسى أن يغسله فيصلي، ثم يذكر بعد ما صلى، أيعيد صلاته؟ قال: (يغسله ولا يعيد صلاته إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد الصلاة) (6).

(1) الانعام: 145.
(2) سنن الدار قطني 1: 127 حديث 1، سنن البيهقي 1: 14.
(3) أضفناه من المصدر.
(4) التهذيب 1: 421 حديث 1335، الاستبصار 1: 183 حديث 641، الوسائل 2: 1063 الباب 42 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(5) التهذيب 1: 420 حديث 1330، الوسائل 2: 1032 الباب 24 من أبواب النجاسات، حديث 5.
(6) التهذيب 1: 255 حديث 740، الاستبصار 1: 176 حديث 611، الوسائل 2: 1026 الباب 20 من أبواب النجاسات، حديث 1.

[ 190 ]

فروع: الأول: دم ما لا نفس له سائلة كالبق والبراغيث والذباب ونحوه طاهر. هو مذهب علمائنا، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه (1)، وأحمد بن حنبل (2). ورخص في دم البراغيث عطاء، وطاوس، والحسن، والشعبي، والحكم، وحبيب بن أبي ثابت (3) وحماد، وإسحاق (4). وقال مالك في دم البراغيث: إذا تفاحش غسل، وإن لم يتفاحش لا بأس به (5). وروي، عن أبي حنيفة: أن دم ما لا نفس له سائلة إن كثر غسل. وهو قول أبي سعيد الاصطخري من الشافعية (6). وقال الشافعي: إن دم مالا نفس له سائلة نجس (7). لنا: قوله تعالى: " أو دما مسفوحا " (8) وهذا ليس بمسفوح، فلا يكون نجسا. وقوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (9) وهذا حرج. ولأنه ليس بأكثر من الميتة، وميتته طاهرة. ولأنه ليس بمسفوح، فلا يكون نجسا كالدم في

(1) المبسوط للسرخسي 1: 86، بدائع الصنائع 1: 62، شرح فتح القدير 1: 183، المجموع 2: المحلى 1: 105.
(2) المغني 1: 763، الكافي لابن قدامة 1: 111، الانصاف 1: 327، المجموع 2: 557.
(3) حبيب بن أبي ثابت وأسم أبي ثابت: قيس بن دينار، وقيل: قيس بن هند، وقيل: هند أبو يحيى الكوفي، فقيه الكوفة ومفتيها، روى عن ابن عباس وابن عمر وأنس وسعيد بن جبير وروى عنه الأعمش ومسعر والثوري وأبو بكر بن عياش مات سنة 119 ه‍، وقيل 122. تهذيب التهذيب 2: 178، تذكرة الحفاظ 1: 116، العبر 1: 115.
(4) المغني 1: 763، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 335.
(5) المدونة الكبرى 1: 21، بلغة السالك 1: 32، المغني 1: 763، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 335.
(6) المهذب للشيرازي 1: 60، المجموع 3: 133.
(7) المجموع 2: 557، بدائع الصنائع 1: 62.
(8) الانعام: 145.
(9) الحج: 78.

[ 191 ]

العروق بعد الذكاة. ويؤيده: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما تقول في دم البراغيث؟ فقال: (ليس به بأس) قال: قلت: إنه يكثر؟ قال: (وإن كثر) (1). وما رواه، في الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن دم البراغيث يكون في الثوب، هل يمنعه من ذلك في الصلاة؟ فقال: (لا، وإن كثر) (2). وما رواه، عن محمد بن ريان (3) قال: كتبت إلى الرجل عليه السلام هل يجري دم البق مجرى دم البراغيث؟ وهل يجوز لأحد أن يقيس بدم البق على البراغيث فيصلي فيه؟ وأن يقيس على نحو هذا فيعمل به؟ فوقع عليه السلام: (تجوز الصلاة، والطهر منه أفضل) (4). ويلحق بذلك الدم المتخلف في اللحم المذكى إذا لم يقذفه الحيوان، لأنه ليس بمسفوح. الثاني: دم السمك طاهر. هو مذهب علمائنا. لأنه ليس له نفس سائلة، وبه قال أبو حنيفة (5). وللشافعي (6)، وأحمد قولان: أحدهما: التنجيس (7). وهو قول أبي

(1) التهذيب 1: 255 حديث 740، الاستبصار 1: 176 حديث 611، الوسائل 2: 1030 الباب 23 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 259 حديث 753، الوسائل 2: 1027 الباب 20 من أبواب النجاسات، حديث 7.
(3) محمد بن ريان بن الصلت، عده الشيخ من أصحاب أبي الحسن والهادي (ع)، وقال: ثقة. ووثقه المصنف في الخلاصة. رجال الطوسي: 423، رجال النجاشي: 370، رجال العلامة: 142.
(4) التهذيب 1: 260 حديث 754، الوسائل 2: 1031 الباب 23 من أبواب النجاسات، حديث 3.
(5) أحكام القرآن للجصاص 1: 152، المبسوط للسرخسي 1: 87، بدائع الصنائع 1: 61، شرح فتح القدير 1: 183، الهداية للمرغيناني 1: 37، المحلى 1: 105، المجموع 2: 57 5.
(6) المهذب للشيرازي 1: 47، المجموع 2: 557.
(7) الانصاف 1: 327، المجموع 2: 557.

[ 192 ]

ثور (1). لنا: قوله تعالى: " أحل لكم صيد البحر وطعامه " (2) (وجه الدلالة إن) (3) التحليل يقتضي الاباحة من جميع الوجوه، وذلك يستلزم الطهارة. وقوله تعالى: " أو دما مسفوحا " (4) ودم السمك ليس بمسفوح، فلا يكون محرما، فلا يكون نجسا. ولأنه لو كان نجسا لتوقفت إباحته على سفحه كالحيوان البري. ولأنه لو ترك صار ماءا. احتجوا بقوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة والدم " (5) ولأنه دم مسفوح، فدخل تحت قوله تعالى: " أو دما مسفوحا ". والجواب عن الآية الأولى: إن المراد بالدم إنما هو المسفوح، ويدل عليه التقييد في الآية الأخرى. ولأن الميتة مقيدة به أيضا. ولأنه ليس من ألفاظ العموم، فيحمل على المسفوح، توفيقا بين الأدلة. وعن الثاني: بالمنع من كونه مسفوحا، إذ المراد منه ماله عرق يخرج الدم منه بقوة لا رشحا كالسمك. ويدل على ما ذكرناه أيضا: ما رواه الشيخ، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن عليا عليه السلام كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذك يكون في الثوب، فيصلي فيه الرجل يعني دم السمك) (6).

(1) المغني 1: 764، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 335.
(2) المائدة: 96.
(3) توجد في " خ " فقط.
(4) المائدة: 3.
(5) الانعام: 145.
(6) التهذيب 1: 260 حديث 755، الوسائل 2: 1030 الباب 3 من أبواب النجاسات، حديث 2.

[ 193 ]

الثالث: قال الشيخ: الصديد والقيح طاهران (1)، خلافا للجمهور، فإنهم قالوا بنجاستهما (2)، وقال بعضهم بطهارتهما (3) والحق ما قاله الشيخ في القيح. لنا: إنه ليس بدم. قال صاحب الصحاح: القيح: المدة لا يخالطها دم (4). والأصل الطهارة، فثبت المقتضي وانتفى المانع، فثبت الحكم. ويؤيده: ما رواه الجمهور من حديث عمار (5). وأما الصديد فهو ماء الجرح المختلط بالدم قبل أن تغلظ المدة. ذكره صاحب الصحاح (6). قال بعض الجمهور: أنه طاهر (7) أيضا. قال إسماعيل السراج (8): رأيت إزار مجاهد قد يبست من الصديد والدم من قروح كانت بساقيه (9). واعتبر بعضهم النتن، فقال إن كانت له رائحة فهو نجس، وإلا فلا (10). لنا: إنه ليس بدم، فلا يجب غسله، لحديث عمار. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن الرجل يخرج به القروح فلا تزال تدمى كيف يصلي؟

(1) المبسوط 1: 38.
(2) بدائع الصنائع 1: 60، الكافي لابن قدامة 1: 111، مغني المحتاج 1: 79.
(3) المغني 1: 762.
(4) الصحاح 1: 398.
(5) سنن الدار قطني 1: 127 حديث 1: سنن البيهقي 1: 14.
(6) الصحاح 2: 496.
(7) المغني 1: 762.
(8) إسماعيل السراج، روى عن مجاهد، وروى عنه أبو معاوية. يعد في الكوفيين. الجرح والتعديل 2: 205.
(9) المغني 1: 762.
(10) المهذب للشيرازي 1: 47، المجموع 2: 558.

[ 194 ]

فقال: (يصلي وإن كانت الدماء تسيل) (1). وعن ليث المرادي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل تكون به الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوة دما وقيحا؟ فقال: (يصلي في ثيابه ولا يغسلها ولا شئ عليه) (2). وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: الجرح يكون في مكان لا نقدر على ربطه فيسيل منه الدم والقيح فيصيب ثوبي؟ فقال: (دعه فلا يضرك [ أن ] (3) لا تغسله) (4). ولأن الأصل الطهارة، والاستدلال بالاحاديث المذكورة ضعيف، إذ ليس محل النزاع، وعندي فيه تردد، لما ذكره صاحب الصحاح. احتجوا بأنه مستحيل من الدم، فكان نجسا (5). والجواب: ينتقض ما ذكروه بالمني، فإنه طاهر عندهم، وباللحم والعظم وما أشبه ذلك مما أصله الدم. الرابع: لو اشتبه الدم المرئي في الثوب هل هو دم طاهر أو نجس، فالاصل الطهارة. الخامس: في نجاسة دم رسول الله صلى الله عليه وآله إشكال ينشأ من أنه دم مسفوح، ومن أن أبا طيبة الحجام (6) شربه ولم ينكر عليه (7). وكذا في بوله عليه السلام من حيث

(1) التهذيب 1: 256 حديث 744، الاستبصار 1: 177 حديث 615، الوسائل 2: 1029 الباب 22 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(2) التهذيب 1: 258 حديث 750، الوسائل 2: 1029 الباب 22 من أبواب النجاسات، حديث 5.
(3) أضفناه من المصدر.
(4) التهذيب 1: 259 حديث 751، الوسائل 2: 1029 الباب 22 من أبواب النجاسات، حديث 6.
(5) المغني 1: 763، الكافي لابن قدامة 1: 111، مغني المحتاج 1: 79.
(6) أبو طيبة الحجام مولى الأنصار من بني حارثة، يقال: اسمه: دينار، وقيل: نافع، وقيل: ميسرة. كان يحجم النبي صلى الله عليه وآله، روى عنه ابن عباس وجابر وأنس. أسد الغابة 5: 236، الاصابة 4: 114، الاستيعاب بهامش الاصابة 4: 118.

[ 195 ]

إنه بول ومن إن أم أيمن (1) شربته (2). مسألة: الميتة من الحيوان ذي النفس السائلة نجسة سواء كان آدميا أو غير آدمي. وهو مذهب علمائنا أجمع. وقد أجمع كل من يحفظ عنه العلم على نجاسة لحم غير الآدمي منه، لأن تحريم ما ليس بمحرم ولا فيه ضرر كالسم يدل على نجاسته، أما جلده فكذلك عندنا. وهو قول عامة العلماء. وحكي عن الزهري أنه قال: جلد الميتة لا ينجس (3). وهو أحد وجهي الشافعية، حكاه ابن القطان (4) منهم (5)، وإنما الزهومة التي في الجلد تصير نجسة، فيؤمر بالدبغ لازالتها. لنا: إنه تحله الحياة، فكان ميتة، فكانت نجسة كاللحم. وأما الآدمي، فللشافعي في تنجيسه بالموت قولان: أحدهما: التنجيس، والثاني: عدمه (6). لنا: إنه حيوان لو فارقته الحياة ينجس كغيره من الحيوانات. احتج: بأنه يغسل، فلا يكون نجسا، لانتفاء الفائدة. والجواب: المنع من الملازمة، ولا استبعاد في طهارة الآدمي بالغسل دون غيره من

(7) فتح العزيز بهامش المجموع 1: 179، 182. (1) أم أيمن مولاة النبي صلى الله عليه وآله وحاضنته واسمها: بركة، أسلمت قد يما أول الاسلام وهاجرت إلى المدينة والحبشة، وهي التي شربت بول النبي صلى الله عليه وآله. وقيل: أن التي شربت بول النبي صلى الله عليه وآله بركة جارية أم حبيبة وتكنى أم أيمن بابنها أيمن. أسد الغابة 5: 567، الاصابة 4: 432، الاستيعاب بهامش الاصابة 4: 250.
(2) مستدرك الحاكم 4: 63.
(3) المجموع 1: 217.
(4) أحمد بن محمد بن أحمد: أبو الحسين بن القطان البغدادي، آخر أصحاب ابن سريح من كبراء الشافعيين، له مصنفات في أصول الفقه وفروعه. مات سنة 359 ه‍. تاريخ بغداد 4: 365، شذرات الذهب 3: 28، طبقات ابن قاضي شهبة 1: 124.
(5) المجموع 1: 215.
(6) المهذب للشيرازي 1: 47، المجموع 2: 561 562، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 162، مغني المحتاج 1: 78، ميزان الكبرى 1: 108، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 10

[ 196 ]

النجاسات، لاختصاصه بالتكريم. ولأنه معارض بأنه لو كان طاهرا لما أمر بغسله كالاعيان. الطاهرة وأما غير ذي النفس السائلة فلا ينجس بالموت، خلافا للشافعي (1) في أحد قوليه. وقد تقدم البحث في هذه المسألة، فلا حاجة إلى إعادته، وحكم أبعاض الميتة حكمها. أما الصوف، والشعر، والوبر، والعظم، وما لا تحله الحياة فهي طاهرة، إلا أن يكون من حيوان نجس العين كالكلب، والخنزير، والكافر. وأطلق أبو حنيفة التطهير (2)، والشافعي التنجيس (3). ونقل صاحب المهذب (4) عن الشافعي رواية أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي، قال: واختلف أصحابنا في هذه الرواية، فمنهم من لم يثبتها، ومنهم من قال: ينجس الشعر بالموت قولا واحدا، لأنه متصل بالحيوان اتصال خلقه، فينجس كالأعضاء. ومنهم من جعل الرجوع عن تنجيس شعر الآدمي رجوعا عن تنجيس جميع الشعور (5). وممن قال بأن الشعر فيه حياة ينجس بموت الحيوان عطاء، والحسن البصري، والأوزاعي، والليث بن سعد (6). وذهب مالك (7)، وأبو حنيفة (8)،

(1) فتح العزيز بهامش المجموع 1: 163.
(2) بدائع الصنائع 1: 63، الهداية للمرغيناني 1: 21، شرح فتح القدير 1: 84، المجموع 1: 236، بداية المجتهد 1: 78.
(3) المهذب للشيرازي 1: 11، المجموع 1: 236، المغني 1: 85، بدائع الصنائع 1: 63، الهداية للمرغيناني 1: 21، شرح فتح القدير 1: 84.
(4) أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله الشيرازي، ولد بفيروز آباد ثم دخل شيراز. له مصنفات في فقه الشافعي، منها: المهذب، أخذه من تعليق شيخه أبي الطيب. مات سنة 476 ه‍. طبقات ابن قاضي شهبة 1: 238، العبر 2: 334.
(5) المهذب للشيرازي 1: 11.
(6) المجموع 1: 236، عمدة القارئ 3: 35.
(7) بداية المجتهد 1: 78، المجموع 1: 236،، عمدة القارئ 3: 35.
(8) أحكام القرآن للجصاص 1: 149، بداية المجتهد 1: 78، المجموع 1: 236، المحلى 1: 122، عمدة القارئ 3: 35.

[ 197 ]

والثوري، وأحمد (1)، وإسحاق (2)، والمزني إلى إنه لا روح فيه ولا ينجس بموت الحيوان (3). وحكي عن حماد بن أبي سليمان أنه ينجس بموت الحيوان ويطهر بالغسل. لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه ناول شعره أبا طلحة الأنصاري (4) يقسمه بين الناس (5). وكل جزء من الحيوان ينجس بالموت فإنه ينجس بالانفصال. وما رووه عنه عليه السلام أنه قال: (لا بأس بشعر الميتة وصوفها إذا غسل) (6). ولأنه ليس الموت منجسا باعتبار ذاته بل المنجس الرطوبات السيالة والدماء، ولا رطوبة في هذه الاشياء. ولأنه تعالى قال: " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة " (7) وما لا تحله الحياة لا يسمى ميتا، إذ الموت فقد الحياة عما من شأنه أن يكون حيا. ولأن الأصل الطهارة والمعارض وهو الموت ليس بثابت، فثبت التطهير. احتجوا (8) بقوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة " (9) وبقوله

(1) المغني 1: 95، الانصاف 1: 92، المجموع 1: 236، عمدة القارئ 3: 35.
(2) المجموع 1: 236، عمدة القارئ 3: 35.
(3) الأم (مختصر المزني) 8: 1، المجموع 1: 236، عمدة القارئ 3: 35.
(4) أبو طلحة الأنصاري الخزرجي، زيد بن سهل بن الأسود، أحد النقباء ليلة العقبة، ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله والمسلمون إلى المدينة آخى رسول الله بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح. وشهد المشاهد كلها مع رسول الله. مات بالمدينة سنة 34 ه‍ وقيل غير ذلك، وصلى عليه عثمان. أسد الغابة 2: 232، وج 5: 234، العبر 1: 25.
(5) صحيح مسلم 2: 948 حديث 1305.
(6) سنن الدار قطني 1: 47 حديث 19.
(7) الانعام: 145.
(8) المغني 1: 85، المجموع 1: 236.
(9) المائدة: 5.

[ 198 ]

عليه السلام: (ولا تنتفعوا من الميتة بشئ) (1) ولأن الشعر والصوف والقرن وما عددناه جزء نام لحياة الأصل فتنجس بالموت كاللحم. والجواب: المنع من تسمية ما ذكرناه ميتة وقد بينا وجهه مع أن التحريم المضاف إلى الاعيان إنما يتناول ما يقصد به عرفا، والمقصود هنا الاكل، وإلا لزم الاجمال. وقد روى الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله: (إنما حرم من الميتة أكلها) (2) فخرج قوله: (لا تنتفعوا من الميتة بشئ) والفرق بين اللحم وما ذكرناه ظاهر لوجود الحياة في اللحم دونه. ويؤيد ما ذكرناه من طريق الخاصة: ما رواه الشيخ عن الحسين بن زرارة (3) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (العظم، والشعر، والصوف، والريش كل ذلك نابت لا يكون ميتا) (4). وما رواه، عن يونس عنهم عليهم السلام قال: (خمسة أشياء ذكية مما فيها منافع الخلق: الأنفحة، والبيضة، والصوف، والشعر، والوبر) (5). وما رواه، عن علي بن الحسين بن رباط (6) وعلي بن عقبة، قال: والشعر،

(1) نقله في المغني 1: 85.
(2) صحيح البخاري 7: 125124، صحيح مسلم 1: 276 حديث 363، سنن أبي داود 4: 65 حديث 4120.
(3) الحسين بن زرارة بن أعين أخو الحسن، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال الطوسي: 182، الفهرست 92، رجال النجاشي 257، رجال العلامة: 93.
(4) التهذيب 9: 78 حديث 332، الوسائل 2: 1089 الباب 68 من أبواب النجاسات، حديث 4، وج 16: 448 الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 8.
(5) التهذيب 9: 75 حديث 319، الوسائل 16: 446 الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 2.
(6) علي بن الحسن بن رباط البجلي الكوفي: ثقة معول عليه، نقل النجاشي والمصنف عن الكشي أنه من أصحاب الرضا (ع). وقال الشيخ في الفهرست: له كتاب. الفهرست: 90، رجال النجاشي: 251، رجال العلامة: 99.

[ 199 ]

والصوف كله ذكي) (1). وما رواه في الصحيح، عن حريز قال: قال (أبو عبد الله عليه السلام) (2) لزرارة ومحمد بن مسلم: (اللبن، واللبأ، والبيضة، والشعر، والصوف، والقرن، والناب، والحافر وكل شئ يفصل من الشاة والدابة فهو ذكي، وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه) (3) والأقرب أنه لا يشترط الجز. نعم، لو قلع وجب أن يغسل موضع الاتصال. وأما العظم، فقال علماؤنا: أنه طاهر إلا أن يكون من عين نجسه كما قلناه لأنه لا تحله الحياة، وهو قول محمد بن سيرين وغيره، وعطاء، وطاوس، والحسن، وعمر بن عبد العزيز (4)، وأصحاب الرأي (5). وقال مالك (6)، والشافعي (7)، وأحمد (8)، وإسحاق: أنه نجس (9). وسئل فقيه العرب (10) عن الوضوء من إناء معوج، فقال: إن كان الماء يصيب تعويجه لم يجز، وإن كان لا يصيب تعويجه جاز، والاناء المعوج:

(1) التهذيب 9: 75 ضمن حديث 320، الوسائل 16: 448 الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 5.
(2) " م " " ن " " د ": عبد الرحمن بن أبي عبد الله.
(3) التهذيب 9: 75 حديث 321، الاستبصار 4: 88 حديث 338، الوسائل 16: 447 الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 3.
(4) المغني 1: 89.
(5) أحكام القرآن للجصاص 1: 149، بدائع الصنائع 1: 63، الهداية للمرغيناني 1: 21، شرح فتح القدير 1: 84، المغني 1: 90.
(6) الشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1: 21، المجموع 1: 236، المغني 1: 89.
(7) المهذب للشيرازي 1: 11، المجموع 1: 236، المغني 1: 89. (8) المغني 1: 89، الكافي لابن قدامة 1: 24، الانصاف 1: 92.
(9) المغني 1: 89.
(10) فقيه العرب ليس شخصا بعينه، وإنما العلماء يذكرون مسائل فيها ألغاز ينسبونها إلى فتيا فقيه العرب. المجموع 1: 243.

[ 200 ]

الذي جعل فيه العاج (1). لنا: ما رواه الجمهور، عن ثوبان، أن رسول الله صلى الله عليه وآله اشترى لفاطمة قلادة من عصيب وسوارين من عاج (2). ومن طريق الخاصة: رواية الحسين بن زرارة وقد تقدمت ولأنه لا تحله الحياة، فلا يحلها الموت، فلا ينجس كالشعر. ولأن المنجس اتصال الدماء والرطوبات بالشئ، والعظم لا يوجد فيه ذلك. احتجوا (3) بقوله تعالى: " قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة " (4) فكانت قابلة للموت. والجواب: الاحياء إنما يتوجه إلى المكلف صاحب العظام. فروع: الأول: الظفر، والقرن، والحافر، والسن كالعظم طاهر، لأنه لا تحله الحياة، والقائلون بنجاسة العظم قالوا بنجاسته (5). وفيما يتساقط من قرون الوعول (6) عند القائلين بنجاسته وقت الموت قولان: أحدهما: الطهارة وهو الصحيح، لأنه طاهر حال اتصاله مع عدم الحياة فيه، فلم ينجس بالفصل من الحيوان ولا يموت الحيوان كالشعر. والآخر: النجاسة (7)، لقوله عليه السلام: (ما يقطع من البهيمة وهي حية فهو

(1) المجموع: 1: 243.
(2) سنن أبي داود 4: 87 حديث 2413، مسند أحمد 5: 275.
(3) المغني 1: 90، المجموع 1: 238.
(4) يس: 78 و 79.
(5) المغني 1: 90، المجموع 1: 236.
(6) الوعل: ذكر الاروى، وهو الشاة الجبلية. المصباح المنير 2: 666.
(7) المغني 1: 90.

[ 201 ]

ميتة قال الترمذي: هو حديث حسن. والجواب: المراد ما يقطع مما فيه حياة، لأنه بفصله بموت وتفارقه الحياة بخلاف ما لا تحله الحياة. الثاني: ما لا ينجس بالموت كالسمك لا بأس بعظامه، وهو وفاق. الثالث الريش كالشعر، لأنه في معناه، وأما أصولهما إذا كانت رطبة ونتف من الميتة، غسل وصار طاهرا، لأنه ليس بميتة وقد لاقاها برطوبة، فكان طاهرا في أصله، نجسا باعتبار الملاقاة. وقال بعض الجمهور: وهو نجس وإن غسل، لأنه جزء من اللحم لم يستكمل شعرا ولا ريشا (2). والجواب: التقدير صيرورته كذلك. الرابع: شعر الآدمي إذا انفصل في حياته فهو طاهر، على قول علمائنا وأكثر الجمهور (3) خلافا للشافعي (4). لنا: ما رواه مسلم وأبو داود أن النبي صلى الله عليه وآله فرق شعره بين أصحابه، قال أنس: لما رمى النبي صلى الله عليه وآله ونحر نسكه ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر، قال: (احلق) فحلقه، وأعطاه أبا طلحة، فقال: (اقسمه بين الناس) (5) ولو كان نجسا لما ساغ هذا،

(1) سنن الترمذي 4: 74 حديث 1480، سنن أبي ماجة 2: 1072 حديث 3216، سنن أبي داود 3: 111 حديث 2858، سنن الدارمي 2: 93، مسند أحمد 5: 218.
(2) المغني 1: 96، المجموع 1: 236، الانصاف 1: 93.
(3) المغني 1: 96، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 5: 431.
(4) المغني 1: 96، المجموع 1: 232.
(5) صحيح مسلم 2: 948 حديث 1305، سنن أبي داود 2: 203 حديث 1981، في سنن أبي داود بدون عبارة: (اقسمه بين الناس).

[ 202 ]

مع علمه بأنهم يأخذونه للبركة ويحملونه معهم، وما كان طاهرا من النبي صلى الله عليه وآله، كان طاهرا من غيره كسائره. ولأنه متصله طاهر فنفصله كذلك كشعر الحيوانات كلها. احتج الشافعي بأنه جزء من الآدمي انفصل في حياته، فكان نجسا كعضوه (1). والجواب: الفرق بحلول الحياة وعدمها. وللشافعي في شعر النبي صلى الله عليه وآله وجهان (2)، وأما شعر غيره مما هو غير نجس العين، فإنه طاهر عندنا، وقال الشافعي: إن كان الحيوان غير مأكول كان نجسا، وإن كان مأكولا وجز كان طاهرا، لأن الجز كالذكاة (3). ولو نتف فوجهان: أحدهما: التنجيس، لأنه ترك طريق تطهيره وهو الجز وكان كما لو خنق الشاة (4). الخامس: حكم أجزاء الميتة مما تحله الحياة، حكمها، لوجود معنى الموت فيها، سوى أخذت من حي أو ميت، لوجود المعنى في الحالين. السادس: الوزغ لا ينجس بالموت، لأنه لا نفس له سائلة، وخالف فيه بعض الجمهور (5) واحتجوا عليه بما روي، عن علي عليه السلام أنه كان يقول: (إذا ماتت الوزغة أو الفأرة في الحب فصب ما فيه، وإذا ماتت في بئر فانزعها حتى تغلبك) (6). والجواب: أنه مع صحة هذه الرواية إنما أمر بذلك من حيث الطب. ويدل عليه: ما رواه الخاصة في أخبارهم، روى الشيخ في الموثق، عن عمار

(1) المغني 1: 96.
(2) المهذب للشيرازي 1: 11، المجموع 1: 232. (3) المهذب للشيرازي 1: 11، المجموع 1: 241، مغني المحتاج 1: 81.
(4) المجموع 1: 241، (5) المغني 1: 70، الانصاف 1: 339.
(6) المغني 1: 70.

[ 203 ]

الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام: سئل عن العضاية تقع في اللبن، قال: (يحرم اللبن) وقال: (إن فيها السم) فالتعليل يشعر بما قلناه. السابع: اختلف علماؤنا في شعر الكلب والخنزير، فقال الأكثر: أنه نجس العين (2)، وهو قول أكثر الجمهور (3). وقال السيد المرتضى في المسائل الناصرية: أنه طاهر سواء كانا حيين أو ميتين (4). لنا: قوله تعالى: " أو لحم خنزير فإنه رجس " (5) والضمير عائد إلى أقرب المذكورين، والرجس هو النجس، والشعر كالجزء منه. وما رواه الشيخ في الصحيح، عن الفضل أبي العباس قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل الهر والشاة إلى أن قال: حتى انتهيت إلى الكلب، فقال: (رجس نجس) (6). واحتج السيد المرتضى بأنه لا تحله الحياة، فلا يكون نجسا، لأنه إنما يكون من جملة الكلب والخنزير إذا كانت محلا لها. والجواب: المنع من ذلك. قال الشيخ في النهاية: لا يجوز أن يستعمل شعر الخنزير مع الاختيار، فإن اضطر فليستعمل منه ما لم يكن بقي فيه دسم، ويغسل يده عند حضور الصلاة (7).

(1) التهذيب 1: 285 حديث 832، الوسائل 16: 466 الباب 46 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 2.
(2) المبسوط 1: 15، الشرائع 1: 52، الجامع للشرائع: 26.
(3) المغني 1: 97، المجموع 1: 234.
(4) الناصريات (الجوامع الفقهية): 182.
(5) الانعام: 145.
(6) التهذيب 1: 225 حديث 646، الاستبصار 1: 19 حديث 40، الوسائل 2: 1014 الباب 11 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(7) النهاية: 587.

[ 204 ]

وروى الشيخ عن الحسين بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: فشعر الخنزير يعمل حبلا يستقى من البئر الذي يشرب منها ويتوضأ منها؟ فقال: (لا بأس) (1) وفي الطريق ابن فضال، وفيه ضعف. ولأنه لا يلزم من ذلك ملامسته بالرطوبة وإن كان الأغلب ذلك، فيحمل على النادر، جمعا بين الأدلة. الثامن: روى الشيخ، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن مس عظم الميت؟ قال: إذا جاز سنة فليس به بأس) (2). وفي التقييد بالسنة نظر، ويمكن أن يقال: العظم لا ينفك من بقايا الأجزاء، وملاقاة الأجزاء الميتة منجسة وإن لم تكن رطبة، أما إذا جاءت عليه سنة، فإن الأجزاء الميتة تزول عنه، ويبقى العظم خاصة وهو ليس بنجس إلا من نجس العين. التاسع: المشهور عند علمائنا أن اللبن من الميتة المأكولة اللحم بالذكاة نجس (3). وقال بعضهم: هو طاهر (4). والأول قول مالك (5)، والشافعي (6)، وإحدى الروايتين عن أحمد (7). والثاني: مذهب أبي حنيفة (8) والرواية الضعيفة عن أحمد (9)، وهو قول داود (10).

(1) التهذيب 9: 75 حديث 320، الوسائل 16: 447 الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 4. (2) التهذيب 1: 277 حديث 814، الاستبصار 1: 192 حديث 673، الوسائل 2: 931 الباب 2 من أبواب غسل المس، حديث 2.
(3) المراسم 211، السرائر 369، الشرائع 3: 223.
(4) المقنعة 90، الوسيلة (الجوامع الفقهية) 732، النهاية 585، الجامع للشرائع: 390.
(5) المغني 1: 90، المجموع 1: 244.
(6) المهذب للشيرازي 1: 11، المجموع 1: 244، مغني المحتاج 1: 80، المبسوط للسرخسي 24: 27.
(7) المغني 1: 90، الكافي لابن قدامة 1: 25، الانصاف 1: 92، المجموع 2: 244.
(8) المبسوط للسرخسي 24: 27، بدائع الصنائع 1: 63، المغني 1: 90، المجموع 1: 244.
(9) المغني 1: 90، الكافي لابن قدامة 1: 25، الانصاف 1: 92.
(10) المغني 1: 90.

[ 205 ]

لنا: على التنجيس: أنه مائع في وعاء نجس، فكان نجسا، كما لو احتلب في وعاء نجس. ولأنه لو أصاب الميتة بعد حلبه، نجس، فكذا لو انفصل قبله، لأن الملاقاة ثابتة في البابين. احتج أبو حنيفة بما روي أن الصحابة أكلوا الجبن لما دخلوا المدائن وهو إنما يعمل في الأنفحة (1) وهو بمنزلة اللبن، وذبائحهم ميتة (2). واحتج الأصحاب بما رواه الشيخ في حديث محمد بن مسلم وقد سبق (3). وبما رواه، عن يونس، عنهم عليهم السلام قال: (ولا بأس بأكل الجبن كله ما عمله مسلم أو غيره) (4). وما رواه عن الحسين بن زرارة قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام وأبي يسأله عن الشئ (5) من الميتة، والأنفحة من الميتة، واللبن من الميتة، والبيضة من الميتة؟ فقال: (كل هذا ذكي) (6). وما رواه في الصحيح، عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الأنفحة تخرج من الجدي الميت؟ قال: (لا بأس به) قلت: اللبن يكون في ضرع الشاة وقد ماتت؟ قال: (لا بأس به) (7). والجواب عن الأول: بالفرق بين الأنفحة واللبن بالحاجة.

(1) الأنفحة: هي الكرش. وقيل: ما يؤخذ من الجدي قبل أن يطعم غير اللبن. المصباح المنير 2: 616.
(2) المغني 1: 90، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 102.
(3) سبق في ص 199. (4) التهذيب 9: 75 حديث 319، الوسائل 16: 446 الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 2.
(5) في التهذيب: عن اللبن، وفي الوسائل: عن السن.
(6) التهذيب 9: 75 حديث 320، الوسائل 16: 447 الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 4.
(7) التهذيب 9: 76 حديث 324، الاستبصار 4: 89 حديث 339، الوسائل 16: 449 الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 10.

[ 206 ]

وأما الأحاديث التي رواها الأصحاب، فهي معارضة بما ذكرناه. وبما رواه الشيخ، عن الفتح بن يزيد الجرجاني (1)، عن أبي الحسن عليه السلام قال: كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة؟ فكتب: (لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب كلما كان السخال من الصوف وإن جز، الشعر، والوبر، والأنفحة، والقرن ولا يتعدى إلى غيرها إن شاء الله) (2) ولم يذكر اللبن. وبما رواه، عن وهب، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام إن عليا عليه السلام سئل عن شاة ماتت فحلب منها لبن، فقال علي عليه السلام: (ذلك الحرام محضا) (3) قال الشيخ: هذه رواية شاذة ولم يروها غير وهب بن وهب، وهو ضعيف جدا بين أصحاب الحديث، وإن كان صحيحا حمل على التقية، لأنه موافق لمذهب العامة، لانهم يحرمون كل شئ من الميتة (4).

(1) الفتح بن يزيد: أبو عبد الله الجرجاني، عده الشيخ في رجاله بغير كنية تارة من أصحاب الهادي (ع) وأخرى ممن لم يرو عنهم. وقال المصنف في الخلاصة: هو صاحب المسائل لأبي الحسن (ع)، واختلفوا أيهم هو: الرضا (ع) أم الثالث. ثم قال: والرجل مجهول والاسناد إليه مدخول. رجال الطوسي: 420، 489، رجال النجاشي: 311، رجال العلامة 247.
(2) التهذيب 9: 76 حديث 323، الاستبصار 4: 89 حديث 341، الوسائل 16: 448 الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 7. كذا في جميع نسخنا، والنقص في الرواية واضح. قال في الوافي: هكذا وجه الحديث في نسخ الكافي والتهذيبين وكأنه سقط منه شئ، وقال السيد العاملي صاحب المدارك في حاشيته على الأصل: هكذا فيما رأينا من نسخ الكتاب، والذي في الكافي: (وكل ما كان من السخال والصوف وإن جز والشعر.) وهو أصح، فالتقدير: كل وانتفع بالصوف. ويوجد في هامش التهذيب نسخة منه: (ينتفع بها) وبإثباتها يحصل المطلوب وبدونها فالتشويش في الخبر ظاهر، والاستفادة منه تحتاج إلى تأمل وتصرف. انظر: هامش الاستبصار 4: 90.
(3) التهذيب 9: 76 حديث 325، الاستبصار 4: 89 حديث 340، الوسائل 16: 449 الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 11.
(4) التهذيب 9: 77.

[ 207 ]

أما لبن الحي، فإن كان الحيوان طاهرا، كان لبنه طاهرا، وإلا فلا، ثم إن كان، مأكولا، كان شرب لبنه جائزا، وإلا فلا. وقال الشافعي: إن لبن غير المأكول نجس كلحمه (1). والجواب: المنع من نجاسة لحمه بعد التذكية، وعلى تقدير طهارته عنده، هل يحل شربه؟ وجهان (2). العاشر: الأنفحة من الميتة طاهرة. وهو قول علمائنا، وأبي حنيفة (3) وداود (4) خلافا للشافعي (5)، وأحمد (6). لنا: ما تقدم من الأحاديث من طريق الجمهور والأصحاب (7). احتج المخالف بأنها جزء الميتة فكانت نجسة (8). والجواب: أنها مخصوصة بالاحاديث لمكان الضرورة، ولأن الحاجة ماسة إلى استعمالها، فكان القول بطهارتها مناسبا للحكمة بخلاف أجزاء الميتة. الحادي عشر: البيضة من الدجاج الميتة طاهرة إن اكتست الجلد الصلب. وهو.

(1) المهذب للشيرازي 1: 46، المجموع 2: 569، مغني المحتاج 1: 80، فتح الوهاب 1: 20، السراج الوهاج: 23.
(2) المجموع 2: 569.
(3) بدائع الصنائع 1: 63، المبسوط للسرخسي 24: 27، المغني 1: 90، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 102.
(4) المغني 1: 90، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 102.
(5) المجموع 2: 570، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 187، مغني المحتاج 1: 80، المغني 1: 90، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 102.
(6) المغني 1: 90، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 102، الكافي لابن قدامة 1: 25، الانصاف 1: 92.
(7) تقدم في ص 198 وما بعدها. (8) المجموع 2: 570.

[ 208 ]

قول علمائنا أجمع، وبه قال أبو حنيفة (1)، وأحمد (2)، وابن المنذر، وابن القطان من الشافعية (3). وقال الشافعي: أنها نجسة (4)، ونقله الجمهور، عن علي عليه السلام، وعن ابن مسعود (5). لنا: إنها صلبة القشر لاقت نجاسة بعد تمام خلقتها فلم تكن نجسة في نفسها بل بالملاقاة كما لو لاقت النجاسة الطارئة ولأنها خارجة من حيوان يخلق منها مثل أصلها، فكانت طاهرة كالولد الحي. لأن نماءها في بطنها لا ينقطع بموت حاملها، فصار كالجبن. وما رواه الشيخ في الموثق، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام في بيضة خرجت من است دجاجة ميتة، قال: (إن كانت قد اكتست الجلد الغليظ فلا بأس بها) (6)، وما تقدم من الأحاديث أيضا (7). احتج بأن عليا عليه السلام، وابن عمر، وربيعة كرهوا ذلك (8). ولأنها جزء من الميتة. والجواب عن الأول بأن الكراهة لا تستلزم التحريم. وعن الثاني بالمنع من كونها جزءا، بل هي متصلة بها اتصال المحوي بالحاوي. ولو لم تكتس القشر الأعلى فهي نجسة، لأن الصادق عليه السلام علق الحكم بالطهارة

(1) المبسوط للسرخسي 24: 28، المجموع 1: 245، المغني 1: 91، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 102.
(2) المغني 1: 91، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 102، الكافي لابن قدامة 1: 25، الانصاف 1: 942.
(3) المغني 1: 91، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 102 وفيها: وابن المنذر وبعض الشافعية، ولم يذكر اسم ابن القطان، حيث لم نجد قوله في المصادر الموجودة.
(4) المجموع 1: 244.
(5) المجموع 1: 245.
(6) التهذيب 9: 76 حديث 322، الوسائل 16: 448 الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 6.
(7) تقدمت في ص 198.
(8) المغني 1: 91، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 102.

[ 209 ]

عليه، فينتفي مع انتفائه. ولأنه ليس عليها حائل حصين يمنع من ملاقاة النجاسة. وقال بعض الجمهور: هي طاهرة، لأن عليها غاشية رقيقة تحول بينها وبين النجاسة (1). وأما بيض الدجاجة الميتة (2) الجلالة أو بيض ما لا يؤكل لحمه مما له نفس سائلة فالاقوى فيه النجاسة. ولو جعلت تحت طائر فخرجت فرخا فهو طاهر في قول أهل العلم كافة (3). الثاني عشر: فأرة المسك إذا انفصلت عن الظبية في حياتها أو بعد التذكية طاهرة، وإن انفصلت بعد موتها فالأقرب النجاسة. الثالث عشر: ما لا يؤكل لحمه مما يقع عليه الذكاة إذا ذبح كان جلده طاهرا، وكذا لحمه. وقال الشافعي: أنهما نجسان (4). وقال أبو حنيفة: الجلد طاهر (5). وفي اللحم روايتان (6). لنا: الأصل. احتج الشافعي بأن ذبحه لا يفيد إباحة لحمه، فلا يفيد طهارة الجلد كذكاة المجوس (7). والجواب: الفرق بأن تذكية المجوسي غير معتد بها، فكان ميتة. الرابع عشر: المشيمة التي فيها الولد نجسة، لأنه جزء حيوان أبين منه، فكان ميتة. الخامس عشر: الوسخ الذي ينفصل عن بدن الآدمي في الحمام وغيره طاهر، لأنه

(1) المغني 1: 92، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 103.
(2) خ: الحية.
(3) المغني 1: 91، المجموع 1: 244.
(4) المهذب للشيرازي 1: 11، المجموع 1: 245، المغني 1: 88.
(5) الهداية للمرغيناني 4: 69، الانصاف 1: 89، المغني 1: 88، المجموع 1: 245.
(6) المجموع 1: 245.
(7) المهذب للشيرازي 1: 11، المغني 1: 88، الهداية للمرغيناني 4: 69.

[ 210 ]

ليس جزءا من الآدمي، وعند الشافعي أنه نجس، لأن الوسخ يتولد من البشرة (1). وكذا الوسخ المنفصل عن سائر الحيوانات حكمه حكم الميتة عنده (2)، وليس بجيد، لأنه من الفصلات، فأشبه البصاق. السادس عشر: الأقرب طهارة ما ينفصل من بدن الانسان من الأجزاء الصغيرة، مثل البثور، والثالول (3) وغيرهما، لعدم إمكان التحرز عنها، فكان عفوا دفعا للمشقة. السابع عشر: الدود المتولد من الميتة طاهر، خلافا لبعض الشافعية (4)، لعدم اطلاق اسم الميتة عليه، وكذا (بثورا له) (5) خلافا له. ولا خلاف في طهارة دود القز. الثامن عشر: المسك طاهر بالاجماع وإن قيل أنه دم، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يستعمله وكان أحب الطيب إليه (6). وكذا فأرته عندنا، وللشافعية وجهان (7). مسألة: الكلب والخنزير نجسان عينا قاله علماؤنا أجمع. وبه قال في الصحابة: ابن عباس، وأبو هريرة، وعروة بن الزبير (8)، وهو مذهب الشافعي (9)، وأبي حنيفة،

(1) المجموع 2: 573.
(2) المجموع 2: 573.
(3) الثؤلول: حبة تظهر في الجلد كالحمصة فما دونها. النهاية لابن الأثير 1: 205.
(4) المجموع 2: 572، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 161.
(5) " ن " " م ": تور البر، " د " " خ ": بثور البر. وما أثبتناه من " ح " " ق ". (6) فتح العزيز بهامش المجموع 1: 193.
(7) المجموع 2: 573، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 193.
(8) المغني 1: 70.
(9) المهذب للشيرازي 1: 46، المجموع 2: 567، مغني المحتاج 1: 78، السراج الوهاج: 22، المغني 1: 70.

[ 211 ]

وأصحابه (1)، وأبي ثور وأبي عبيد (2)، وأحمد (3). وذهب الزهري، وداود (4)، ومالك إلى أن الكلب طاهر وإن الأمر بالغسل من ولوغه تعبد (5). وكذا الخنزير عند الزهري، ومالك (6)، وداود طاهر. لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه دعي إلى دار فأجاب، وإلى أخرى فامتنع فطلب العلة منه فقال: (إن في دار فلان كلبا) فقيل: وفي دار فلان هرة، فقال: (الهرة ليست بنجسة) (7) وذلك يدل على نجاسة الكلب. وقوله تعالى: " أو لحم خنزير فإنه رجس " (8) ولأنه أشد حالا في التنجيس من الكلب، ولهذا استحب قتله. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل؟ قال: (يغسل المكان الذي أصابه) (9). وما رواه في الصحيح، عن الفضل أبي العباس قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، وإن مسه جافا فاصبب عليه الماء) قلت:

(1) المبسوط للسرخسي 1: 48، بدائع الصنائع 1: 63، المجموع 2: 567.
(2) المجموع 2: 567، المغني 1: 70.
(3) المغني 1: 70، الكافي لابن قدامة 1: 112، الانصاف 1: 310، المجموع 2: 567.
(4) المغني 1: 70، المجموع 2: 567.
(5) المغني 1: 70، المجموع 2: 567، الانصاف 1: 310، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 161.
(6) المجموع 2: 568، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 161.
(7) المهذب للشيرازي 1: 47، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 160.
(8) الانعام: 145.
(9) التهذيب 1: 23 حديث 61، وص 260 حديث 758، الاستبصار 1: 90 حديث 287، الوسائل 2: 1015 الباب 12 من أبواب النجاسات، حديث 4، 8.

[ 212 ]

لم صار بهذه المنزلة؟ قال: (لأن النبي صلى الله عليه وآله أمر بقتلها) (1). وما رواه معاوية ابن شريح، عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: أليس هو سبع يعني الكلب؟ قال: (لا والله إنه نجس، لا والله إنه نجس) (2). ومثله روى معاوية بن ميسرة، عن أبي عبد الله عليه السلام (3). وروي في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله، فذكر وهو في صلاته كيف يصنع به؟ قال: (إن كان دخل في صلاته فليمض وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلا أن يكون فيه أثر فيغسله) (4) وهذا يدل على أن في الصورة الأولى لم تكن المماسة برطوبة، أما مع وجود الأثر فالامر بالغسل مطلق. احتج المخالف (5) بقوله تعالى: " فكلوا مما أمسكن عليكم " (6) ولم يأمر بغسله. وبما رواه أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عن الحياض التي من مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر، وعن الطهارة بها، فقال: (لها ما حملت في بطونها ولنا ما أبقت شراب وطهور) (7). ولأنه حيوان فكان طاهرا كالمأكول.

(1) التهذيب 1: 261 حديث 759، الوسائل 2: 1015 الباب 12 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 225 حديث 647، الاستبصار 1: 19 حديث 41، الوسائل 2: 1015 الباب 12 من أبواب النجاسات، حديث 6.
(3) التهذيب 1: 225 حديث 648، الاستبصار 1: 19 حديث 42، الوسائل 1: 163 الباب 1 من أبواب الأسئآر، حديث 6.
(4) التهذيب 1: 261 حديث 760، الوسائل 2: 1017 الباب 13 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(5) المغني 1: 71، المجموع 2: 567.
(6) المائدة: 4.
(7) سنن ابن ماجة 1: 173 حديث 519، سنن البيهقي 1: 258 بتفاوت يسير.

[ 213 ]

الجواب عن الأول: أنه تعالى أمر بالاكل، والنبي صلى الله عليه وآله أمر بالغسل. ولأنه في محل الضرورة. وعن الثاني: أنه قضية في عين، فيحتمل أن الحياض كانت كثيرة الماء. وعن الثالث: بالفرق، فإن كونه مأكولا يناسب طهوريته، وكونه غير مأكول يناسب نجاسته، فيضاف الحكم إليه عملا بالمناسبة والاعتبار. فروع: الأول: الحيوان المتولد من الكلب والخنزير نجس وإن لم يقع عليه اسم أحدهما على إشكال، وأما المتولد من أحدهما ومن الطاهر، فالأقرب عندي فيه اعتبار الاسم. الثاني: لعاب الكلب وسائر رطوباته والخنزير نجس لأنه ملاق له، لأنه جزء منه منفصل عنه فلم يكن طاهرا بالانفصال، وكذا سائر أجزائهما رطبة كانت أو يابسة. الثالث: الأقرب أن كلب الماء لا يتناوله هذا الحكم، لأن اللفظ مقول عليه وعلى المعهود، بالاشتراك اللفظي. مسألة: الخمر نجس. وهو قول أكثر أهل العلم (1)، وقال ابن بابويه من أصحابنا: ولا بأس بالصلاة في ثوب أصابه خمر (2). وقال داود طاهرة (3). وروى الطحاوي، عن الليث بن سعد، عن ربيعة أنه قال: هو طاهر (4). لنا: قوله تعالى: " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس " (5)

(1) المهذب للشيرازي 1: 46، المجموع 2: 563، مغني المحتاج 1: 77، السراج الوهاج: 22، المغني 10: 337، الكافي لابن قدامة 1: 111، بدائع الصنائع 1: 66.
(2) الفقيه 1: 43.
(3) المجموع 2: 563.
(4) المجموع 2: 563.
(5) المائدة: 90.

[ 214 ]

والرجس في اللغة: النجس. قال صاحب الصحاح والمجمل معا: الرجس بالكسر القذر (1). ولأن ما حرم على الاطلاق كان نجسا كالدم والبول. ولأنه تعالى قال: " فاجتنبوه " وهذا أمر يقتضي الوجوب، فيحمل على جميع معاني الاجتناب، من عدم أكله، وملاقاته، وتطهير المحل بإزالة عنه، وإلا لما كان مجتنبا، ولا معنى للنجس إلا ذلك. وما رواه الشيخ في الموثق، عن مصدق بن صدقة، عن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ولا تصل في ثوب أصابه خمر أو مسكر حتى تغسل) (2). وما رواه، عن يونس، عن بعض من رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كله، فإن صليت فيه فأعد صلاتك) (3). وما رواه، عن خيران الخادم (4) قال: كتبت إلى الرجل عليه السلام أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه أم لا فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه؟ فكتب: (لا تصل فيه فإنه رجس) (5).

(1) الصحاح 3: 933.
(2) التهذيب 1: 278 حديث 817، الاستبصار 1: 189 حديث 660، الوسائل 2: 1056 الباب 38 من أبواب النجاسات، حديث 7.
(3) التهذيب 1: 278 حديث 818، الاستبصار 1: 189 حديث 661، الوسائل 2: 1055 الباب 38 من أبواب النجاسات، حديث 3.
(4) خيران الخادم القراطيسي، عده الشيخ والمصنف من أصحاب أبي الحسن الثالث (ع)، وقال النجاشي: خيران مولى الرضا (ع). رجال الطوسي: 414، رجال النجاشي 155، رجال العلامة: 66.
(5) التهذيب 1: 279 حديث 819، الاستبصار 1: 189 حديث 662، الوسائل 2: 1055 الباب 38 من أبواب النجاسات حديث 4.

[ 215 ]

وما رواه، عن زكريا بن آدم (1) قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير؟ قال (يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة أو الكلب، واللحم اغسله وكله) قلت: فإنه قطر فيه الدم؟ قال: (الدم تأكله النار إن شاء الله) قلت: فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم؟ قال: فقال: (فسد) قلت: أبيعه من اليهودي والنصراني وأبين لهم؟ قال: (نعم فإنهم يستحلون شربه) قلت: والفقاع هو بتلك المنزلة إذا قطر في شئ من ذلك؟ قال: فقال: أكره أن أكله إذا قطر في شئ من طعامي) (2). وما رواه في الحسن، عن علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب عبد الله بن محمد (3) إلى أبي الحسن عليه السلام جعلت فداك روى زرارة، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في الخمر يصيب ثوب الرجل أنهما قالا: (لا بأس أن يصلي فيه إنما حرم شربها) وروى، [ غير ] (4) زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه، فاغسله كله وإن صليت فيه فأعد صلاتك) (5) فأعلمني ما آخذ به؟ فوقع بخطه عليه السلام

(1) زكريا بن آدم بن سعد الأشعري القمي، ثقة جليل عظيم القدر، كفى في فضله قول الرضا (ع) " إنه المأمون على الدين والدنيا " عده الشيخ في رجاله من أصحاب الأئمة: الصادق والرضا والجواد (ع). رجال الطوسي: 200، 377، 401، رجال الكشي: 595، رجال النجاشي: 174، رجال العلامة: 75.
(2) التهذيب 1: 279 حديث 820، الوسائل 2: 1056 الباب 38 من أبواب النجاسات، حديث 8.
(3) عبد الله بن محمد بن عيسى: أخو أحمد بن محمد بن عيسى، ويظهر من بعص أسانيد التهذيب أنه أخو بنان بن محمد. وقال الكشي: إن بنان لقب عبد الله بن محمد، واستظهره السيد الخوئي. رجال الكشي: 508، 512، جامع الرواة 1: 506، معجم رجال الحديث 10: 309.
(4) في النسخ: عن، وما أثبتناه من المصدر.
(5) التهذيب 1: 281 حديث 826، الاستبصار 1: 190 حديث 669، الوسائل 2: 1055 الباب 38 من + + + + (

[ 216 ]

وقرأته: (خذ بقول أبي عبد الله) (1) أمره عليه السلام بالاخذ بقول أبي عبد الله عليه السلام بإنفراده، فدل على أن الرواية عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام لم تصح عنده، وإلا لكان امتثال أمرهما أولى. احتج المخالف بالاستصحاب، فإنه كان عصيرا طاهرا. وبما رواه الشيخ، عن أبي بكر الحضرمي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أصاب ثوبي نبيذ أصلي فيه؟ قال: (نعم) قلت: قطرة من نبيذ [ قطرات ] (2) في حب أشرب منه؟ قال: (نعم إن أصل النبيذ حلال، وإن أصل الخمر حرام) (3). وما رواه، عن الحسن بن أبي سارة (4) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن أصاب ثوبي شئ من الخمر أصلي فيه قبل أن أغسله؟ قال: (لا بأس، أن الثوب لا يسكر) (5). وما رواه، عن عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل وأنا عنده عن المسكر والنبيذ يصيب الثوب، قال: (لا بأس) (6).

أبواب النجاسات، حديث 2. (1) التهذيب 1: 281 حديث 826، الاستبصار 1: 190 حديث 669، الوسائل 2: 1055 الباب 38 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(2) أضفناه من المصدر.
(3) التهذيب 1: 279 حديث 821، الاستبصار 1: 89 حديث 663، الوسائل 2: 1056 الباب 38 من أبواب النجاسات، حديث 9.
(4) الحسن بن أبي سارة النيلي الأنصاري القرظي مولى محمد بن كعب، وهو ابن عم معاذ الهراء، وله ابن يقال له: أبا جعفر الرواسي النحوي، وكنية الحسن بن أبي سارة أبو علي. عده الشيخ في رجاله بهذا العنوان من أصحاب الباقر (ع) وبعنوان: الحسن بن أبي سارة النيلي من أصحاب الصادق (ع). رجال الطوسي: 112، 167، رجال العلامة: 44.
(5) التهذب: 280 حديث 822، الاستبصار 1: 189 حديث 664، الوسائل 2: 1057 الباب 38 من أبواب النجاسات، حديث 10 وفيه: عن الحسين بن أبي ساره.
(6) التهذيب 1: 280 حديث 823، الوسائل 2: 1057 الباب 38 من أبواب النجاسات، حديث 11.

[ 217 ]

وما رواه الحسن بن أبي سارة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا نخالط اليهود والنصارى والمجوس وندخل عليهم وهم يأكلون ويشربون، فيمر ساقيهم فيصب على ثيابي الخمر، فقال: (لا بأس به إلا أن تشتهي أن تغسله لأثره) (1). وعن الحسين بن موسى الحناط (2) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشرب الخمر ثم يمجه من فيه فيصيب ثوبي؟ فقال: (لا بأس) (3). والجواب عن الأول بأن الاستصحاب إنما يكون دليلا ما لم يظهر مناف، والأدلة التي ذكرناها تزيل حكم الاستصحاب. وعن الأخبار: الطعن في سندها، وباحتمال إرادة المجاز، فإن العصير قد يسمى خمرا، لأنه يئول إليه، فيحمل عليه جمعا بين الأدلة. ويحتمل إن رفع البأس إنما هو عن اللبس لا عن الصلاة فيه، والأخير لا احتجاج به، لأن البصاق عندنا طاهر. فروع: الأول: أجمع علماؤنا على أن حكم الفقاع حكم الخمر، ويؤيده: ما تقدم من الأحاديث (4)، وما رواه الشيخ، عن أبي جميلة البصري قال: كنت مع يونس ببغداد وأنا أمشي معه في السوق ففتح صاحب الفقاع فقاعه فقفز فأصاب ثوب يونس فرأيته قد اغتم لذ لك حتى زالت، الشمس فقلت له: يا أبا محمد ألا تصلي؟ فقال لي: ليس

(1) التهذيب 1: 280 حديث 824، الاستبصار 1: 190 حديث 666، الوسائل 2: 1057 الباب 38 من أبواب النجاسات، حديث 12.
(2) الحسين بن موسى بن سالم الأسدي الحناط الكوفي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع) روى عن أبي عبد الله (ع) وعن أبيه عنه (ع). رجال الطوسي: 170، رجال النجاشي: 45.
(3) التهذيب 1: 280 حديث 825، الاستبصار 1: 190 حديث 667، الوسائل 2: 1059 الباب 39 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(4) تقدم في ص 214

[ 218 ]

أريد أصلي [ حتى ] (1) أرجع إلى البيت واغسل هذا الخمر من ثوبي، فقلت له: هذا رأي رأيته أو شئ ترويه؟ فقال: أخبرني هشام بن الحكم أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الفقاع، فقال: (لا تشربه فإنه خمر مجهول، فإذا أصاب ثوبك فاغسله) (2). الثاني: بصاق شارب الخمر طاهر ما لم يكن متلوثا بالنجاسة، لرواية الحسين بن موسى الخياط. وما رواه الشيخ، عن عبد الحميد بن أبي الديلم (3) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل شرب الخمر فبصق فأصاب ثوبي من بصاقه؟ فقال: (ليس بشئ) (4). ولأنه ليس بخمر وإنما هو رطوبة منفصلة من الانسان، والبواطن لا تقبل النجاسة. الثالث: كل مسكر حكمه حكم الخمر، وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: كل المسكرات طاهرة إلا الخمر (6). لنا: ما رواه الجمهور، عن عمر وابن عمر أنهما قالا: النبيذ نجس. ومن طريق الخاصة: رواية عمار، ويونس، وزكريا بن آدم، وعلي بن مهزيار وقد

(1) أضفناه من المصدر.
(2) التهذيب 1: 282 حديث 828، الوسائل 17: 288 الباب 27 من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 8.
(3) عبد الحميد بن أبي الديلم النبالي الكوفي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع) مرتين، مرة بهذا العنوان وأخرى مع عبد الرزاق بن همام قائلا: رويا عنهما (ع). وصرح النجاشي في ترجمة معلى بن خنيس أنه ابن أخي المعلى، كما صرح بذلك المصنف أيضا. رجال الطوسي 235، 267، رجال النجاشي 417، رجال العلامة 245.
(4) التهذيب 1: 282 حديث 827، الاستبصار 1: 191 حديث 670، الوسائل 2: 1058 الباب 39 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(5) المجموع 2: 564، مغني المحتاج 1: 77، السراج الوهاج: 22.
(6) المجموع 2: 564.

[ 219 ]

تقدمت (1). وما رواه الشيخ، عن عطاء ين يسار، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (كل مسكر حرام وكل مسكر خمر) (2). وما رواه، عن عمر بن حنظلة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره؟ فقال: (لا والله ولا قطرة تقطر منه في حب إلا أهريق ذلك الحب) (3). وما رواه في الصحيح، عن علي بن يقطين، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: (إن الله لم يحرم الخمر لإسمها، ولكن حرمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر) (4) ولأنه مسكر فأشبه الخمر في النجاسة. الرابع: حكم العصير إذا غلى واشتد حكم الخمر ما لم يذهب ثلثاه. الخامس: الخمر إذا انقلب بنفسه طهر. وهو قول علماء الاسلام، لأن المقتضي للتحريم والنجاسة صفة الخمرية، وقد زالت. وأما إذا طرح فيها شئ طاهر فانقلب خلا طهر عند علمائنا، خلافا للشافعي (5). لنا: حصول المقتضي وهو الأصل وزوال المانع، فيحصل الحكم وهو الطهارة. وما رواه الشيخ في الموثق، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال في الرجل إذا باع عصيرا فحبسه السلطان حتى صار خمرا فجعله صاحبه خلا،

(1) تقدمت الروايات في ص 214، 215.
(2) التهذيب 9: 111 حديث 482، الوسائل 17: 260 الباب 15 من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 5.
(3) التهذيب 9: 112 حديث 485، الوسائل 17: 287 الباب 26 من أبواب الأطعمة والأشربة، حديث 2.
(4) التهذيب 9: 112 حديث 486، الوسائل 17: 273 الباب 19 من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 1.
(5) الأم 3: 159، المهذب للشيرازي 1: 48، المجموع 2: 576، فتح العزيز بهامش المجموع 10: 82، المبسوط للسرخسي 24: 22، المغني 10: 338، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 327.

[ 220 ]

فقال: (إذا تحول عن اسم الخمر فلا بأس به) (1). وما رواه في الصحيح، عن جميل قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: يكون لي على الرجل الدراهم فيعطيني بها خمرا؟ فقال: (خذها، ثم أفسدها، قال علي: واجعلها خلا) (2). وما رواه في الصحيح، عن عبد العزيز بن المهتدي (3) قال: كتبت إلى الرضا عليه السلام: جعلت فداك، العصير يصير خمرا فيصب عليه الخل وشئ يغيره حتى يصير خلا؟ قال: (لا بأس به) (4). لكن يستحب تركه لينقلب من نفسه، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام سئل عن الخمر يجعل فيها الخل؟ فقال: (لا إلا ما جاء من قبل نفسه) (5). احتج المخالف (6) بما رووه، عن أبي طلحة قال: سألت رسول الله صلى الله عليه

(1) التهذيب 9: 117 حديث 507، الاستبصار 4: 93 حديث 357، الوسائل 17: 297 الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 5.
(2) التهذيب 9: 118 حديث 508، الاستبصار 4: 93 حديث 358، الوسائل 17: 297 الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 6.
(3) عبد العزيز المهتدي بن محمد بن عبد العزيز الأشعري القمي، ثقة روى عن الرضا (ع)، عده الشيخ في رجاله تارة من أصحاب الرضا (ع) قائلا: أشعري قمي، وأخرى ممن لم يرو عنهم (ع) قائلا: جد محمد بن الحسين، روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى والبرقي. رجال الطوسي: 380، 487، رجال النجاشي 245، تنقيح المقال 2: 155.
(4) التهذيب 9: 118 حديث 509، الاستبصار 4: 93 حديث 359، الوسائل 17: 297 الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 8.
(5) التهذيب 9: 118 حديث 510، الاستبصار 4: 93 حديث 360، الوسائل 17: 297 الباب 31 من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 7.
(6) المهذب للشيرازي 1: 48، المجموع 2: 575، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 327، المغني 10: 338 - 339.

[ 221 ]

وآله عن أيتام ورثوا خمرا؟ فقال: (أهرقها) فقال: أولا أخللها؟ فقال: (لا) (1) فنهاه عن التخليل، فدل على أنه لا يجوز. وما رووه، عن عمر أنه خطب فقال: لا يحل خل من خمر أفسدت حتى يبدل الله إفسادها، فعند ذلك يطيب الخل (2). ولأنه إذا طرح فيها الخل نجس الخل بالخمر، فإذا زالت الشدة بقيت نجاسة الخل فلم يطهر. والجواب عن الأول بأن النهي يدل على الكراهية لما قلناه. وعن الثاني بأن عمر لم ينقله عن النبي صلى الله عليه وآله بل قاله من نفسه، فاحتمل أن يكون عن اجتهاد، فلا يكون حجة. وعن الثالث بأن النجاسة في الخل إنما هي مستفادة من النجاسة الخمرية، فإذا انقلبت طهر، أما لو طرح فيها شئ نجس، أو كان المعتصر مشركا، فالوجه أنها لا تطهر، لأن الانقلاب يزيل نجاسة الخمرية لا غير، فإن قالوا: النجاسة لا تقبل التفاوت، منعنا ذلك. ولو نقلنا من الشمس إلى الظل أو بالعكس حتى تخلل، طهر عندنا قولا واحدا، وللشافعي وجهان: أحدهما: الطهارة، للانقلاب. والثاني: النجاسة، لأنه فعل محظور يتوصل به إلى استعجال ما يحل في الثاني، فلا يحل، كما لو نفر صيدا حتى خرج من الحرم إلى الحل (3). والجواب: المنع من تحريم التوصل وقد سلف.

(1) سنن أبي داود 3: 326 حديث 3675، مسند أحمد 3: 119.
(2) المهذب للشيرازي 1: 48، المجموع 2: 574، المغني 10: 339.
(3) المهذب للشيرازي 1: 48، المجموع 2: 575، مغني المحتاج 1: 81، السراج الوهاج: 23، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 327، المغني 10: 338.

[ 222 ]

السادس: لم أقف على قول لعلمائنا في الحشيشة المتخذة من ورق القنب (1)، والوجه أنها إن أسكرت فحكمها حكم الخمر في التحريم، أما النجاسة فلا، وكذا حكم ما عداها من الجامدات إذا أسكرت فإنها تكون محرمة لا نجسة. أما لو جمد الخمر، فإنه لا يخرج عن حكم النجاسة إلا أن تزول عنه صفة الاسكار. السابع: الخمر المستحيل في بواطن حبات العنب نجس لوجود المقتضي خلافا لبعض الشافعية، حيث قاسوه على ما في باطن الحيوان (2)، والأصل ممنوع. مسألة: الكفار أنجاس. وهو مذهب علماؤنا أجمع، سواء كانوا أهل كتاب، أو حربيين، أو مرتدين، وعلى أي صنف كانوا، خلافا للجمهور (3). لنا: قوله تعالى: " إنما المشركون نجس " (4). لا يقال: إنه مصدر، فلا يصح وصف الجنة إلا مع حرف النسبة (5)، ولا دلالة فيه حينئذ. لأنا نقول: أنه يصح الوصف بالمصادر إذا كثرت معانيها في الذات، كما يقال: رجل عدل. وذلك يؤيد ما قلناه. وما رواه الجمهور، عن أبي ثعلبة قال: قلت: يا رسول الله، إنا بأرض أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ فقال رسول الله عليه وآله: (إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها) (6) متفق عليه.

(1) القنب: نبات يؤخذ لحاؤه ثم يفتل حبالا، وله حب يسمى الشهدانج. المصباح المنير 2: 517.
(2) المجموع 2: 564، 578.
(3) التفسير الكبير 16: 24.
(4) التوبة: 28.
(5) " خ " " ح " " ق ": التشبيه. (6) صحيح البخاري 7: 111، 114، 117، صحيح مسلم 3: 1532 حديث 1930، سنن ابن ماجة 2: 1069 حديث 3207، سنن الترمذي 4: 129 حديث 1560، سنن الدارمي 2: 233، مسند أحمد 4: 195 في بعضها بتفاوت يسير.

[ 223 ]

وما رووه، عنه صلى الله عليه وآله قال: (المؤمن ليس بنجس) (1) وتعليق الحكم على الوصف يدل على سلبه عما عداه. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن فراش اليهودي والنصراني ينام عليه؟ قال: (لا بأس، ولا تصل في ثيابهما، ولا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة، ولا يقعده على فراشه ولا مسجده، ولا يصافحه) قال: وسألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق للبس لا يدري لمن كان هل تصلح الصلاة فيه؟ قال: (إن اشتراه من مسلم فليصل فيه، وإن اشتراه من نصراني فلا يصلي فيه حتى يغسله) (2). وفي الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن رجل صافح مجوسيا؟ قال: (يغسل يده ولا يتوضأ) (3). وما رواه، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال في مصافحة المسلم لليهودي والنصراني، قال: (من وراء الثياب، فإن صافحك بيده فاغسل يدك) (4) ولأن أسئارهم نجسة، ولا موجب إلا نجاستهم، ولأنهم لا ينفكون عن النجاسات، فكان الكفر مظنة النجاسة، فتعلق تحريم الملاقاة بهم. ولأن فيه إذلالا لهم، فكان الحكم بنجاستهم مناسبا، فيكون علة، إذ المناسبة والاقتران يوجبان التعليل.

(1) صحيح البخاري 2: 93، صحيح مسلم 1: 282 حديث 371، سنن ابن ماجة 1: 178 حديث 534، سنن النسائي 1: 146، مسند أحمد 2: 235، سنن البيهقي 1: 190. لم نعثر على رواية اللفظ، لكن رواه الجماعة كلهم بلفظ: " المؤمن لا ينجس " ورواه بعضها بلفظ: " المسلم ".
(2) التهذيب 1: 263 حديث 766، الوسائل 2: 1020 الباب 14 من أبواب النجاسات حديث 10: وفيهما: ولا يصلى في ثيابهما، وقال: (لا يأكل المسلم مع المجوسي).
(3) التهذيب 1: 263 حديث 765، الوسائل 2: 1018 الباب 14 من أبواب النجاسات، حديث 3.
(4) التهذيب 1: 262 حديث 764، الوسائل 2: 1019 الباب 14 من أبواب النجاسات، حديث 5.

[ 224 ]

احتجوا (1) بقوله تعالى: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " (2) ولو كان نجسا لكان حراما. وبأن النبي صلى الله عليه وآله أضافة يهودي بخبر (3). والجواب عن الأول بحمل الطعام على ما لا يقبل النجاسة، جمعا بين الأدلة، قال صاحب المجمل: قال بعض أهل اللغة: الطعام البر خاصة. وذكر حديث أبي سعيد كما نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله صاعا من طعام أو صاعا من كذا (4). وقال صاحب الصحاح: وربما خص اسم الطعام بالبر (5). ولأجل ذلك ذكروا المحامل (6) وإلا قطع (7) في كتابيهما الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة في الوكيل لشراء الطعام: هل يختص بالحنطة أو بها وبالدقيق؟. وعن الثاني: لعله كان من خبز المسلمين، فلا احتجاج به، لأنه واقعة في قضية عين، فلا يعم. فروع: الأول: حكم الناصب حكم الكافر، لأنه ينكر ما يعلم من الدين ثبوته بالضرورة، والغلاة أيضا كذلك، وهل المجسمة والمشبهة كذلك؟ الأقرب المساواة، لاعتقادهم أنه تعالى جسم، وقد ثبت أن كل جسم محدث.

(1) المغني 1: 97، المجموع 1: 264.
(2) المائدة: 5.
(3) المغني 1: 98، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 91، مسند أحمد 3: 210 - 211، 270.
(4) سنن الترمذي 3: 59، سنن النسائي 5: 51.
(5) الصحاح 5: 1974.
(6) أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل الضبي أبو الحسن المحاملي البغدادي أحد ائمة الشافعية، تفقه على أبي حامد الاسفراييني. له مصنفات في المذهب منها كتابة في الخلاف. تاريخ بغداد 4: 372، شذرات الذهب 3: 202، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 1: 174.
(7) لم نعثر على ترجمته في المصادر الموجودة عندنا.

[ 225 ]

الثاني: لو أسلم طهر إجماعا، لأن المقتضي للطهارة وهو الأصل موجود، والمانع وهو الكفر مفقود، فيثبت الحكم. الثالث: لو باشر شيئا في حال كفره برطوبة نجسه، فإذا أسلم وجب غسله. الرابع: ثوب الكافر طاهر ما لم يعلم مباشرته له برطوبة، والأفضل اجتنابه، لأن الأصل طهارة الثوب ولم يحصل علم المباشرة برطوبة. مسألة: السباع كلها طاهرة، وكذا غيرها من الحيوانات عدا الكلب والخنزير والكافر والناصب. وهو قول أكثر علمائنا (1)، وكذا لعابها وعرقها ودمعها وسائر رطوباتها عدا ما استثني. وقد خالف جماعة من علمائنا وجماعة من الجمهور في أشياء نحن نعدها عدا، ونذكر ما احتجوا به، ونفسخ احتجاجاتهم، ونذكر الحق عندنا في ذلك. الأول: الهرة طاهرة، وهو مذهب علمائنا أجمع وأكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين (2) إلا أن أبا حنيفة قال: القياس يقتضي أنها نجسة، وكره الوضوء بسؤرها، فإن فعل أجزأه (3). وهو مروي عن ابن عمر، ويحيى الأنصاري، وابن أبي ليلى (4). وقال أبو هريرة: يغسل مرة أو مرتين (5)، وقال ابن المسيب (6). والحسن، وابن سيرين: يغسل مرة (7). وقال طاوس: يغسل سبعا كالكلب (8).

(1) منهم ابن إدريس في السرائر: 38، والمحقق الحلي في الشرائع 1: 52.
(2) المغني 1: 73، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 345، المجموع 1: 173، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 269. (3) المبسوط للسرخسي 1: 49، 51، بدائع الصنائع 1: 65، المغني 1: 73، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 345، المجموع 1: 173.
(4) المغني 1: 73، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 345، المجموع 1: 173.
(5) المغني 1: 73، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 345، المحلى 1: 118.
(6) المجموع 1: 173، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 345.
(7) المغني 1: 73، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 345.

[ 226 ]

واعلم أن أبا حنيفة قسم الاسئار أربعة: ضرب هو نجس. وهو: سؤر الكلب. والخنزير، والسباع كلها، وضرب هو مكروه وهو حشرات الأرض، وجوارح الطير والهر وضرب مشكوك فيه وهو سؤر الحمار، والبغل وضرب طاهر غير مكروه وهو كل حيوان يؤكل لحمه (1). لنا: ما رواه الجمهور، عن كبشة بنت كعب بن مالك (2) وكانت تحت ابن أبي قتادة (3) أن أبا قتادة (4) دخل عليها فسكبت له وضوءا، قالت: فجاءت هرة فأصغى لها الاناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي! فقلت: نعم، فقال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (إنها ليست بنجس، أنها من الطوافين عليكم والطوافات) (5) قال الترمذي: وهو حديث حسن صحيح، وهو أحسن شئ في هذا الباب.

(8) المغني 1: 73، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 345، المجموع 1: 173، المحلى 1: 118. (1) المبسوط للسرخسي 1: 47، بدائع الصنائع 1: 63، الهداية للمرغيناني 1: 23 - 24، شرح فتح القدير 1: 94، المجموع 1: 173.
(2) كبشة بنت كعب بن مالك الانصارية السلمية، لها صحبة. روت عن أبي قتادة وعنها بنت أختها حميدة بنت عبيد بن أبي رفاعة. أسد الغابة 5: 537، الاصابة 4: 395، تهذيب التهذيب 12: 447.
(3) عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري السلمي: أبو إبراهيم، ويقال: أبو يحيى المدني، روى عن أبيه وجابر، وعنه ابناه: ثابت ويحيى بن أبي كثير وطائفة. مات سنة 99 ه‍. تهذيب التهذيب 5: 360.
(4) أبو قتادة بن ربعي الأنصاري اسمه الحارث، وقيل: النعمان، اختلف في شهوده بدرا بعد الاتفاق على أنه شهد أحدا وما بعدها. روى عن النبي، وروى عنه إبنه. مات بالكوفة في خلافة علي (ع) سنة 38 ه‍ وقيل: مات بالمدينة سنة 54 ه‍. أسد الغابة 5: 274، الاصابة 158.
(5) سنن ابن ماجة 1: 131 حديث 367، سنن أبي داود 1: 19 حديث 75، سنن الترمذي 1: 153. حديث 92، سنن النسائي 1: 55، الموطأ 1: 22، سنن الدارمي 1: 187، مسند أحمد 5: 303.

[ 227 ]

ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن أبي الصباح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كان علي عليه السلام يقول: لا تدع فضل السنور أن تتوضأ منه، إنما هي سبع) (1). وفي الصحيح، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (في كتاب علي عليه السلام أن الهر سبع، ولا بأس بسؤره وإني لاستحيي من الله أن أدع طعاما لأن الهر أكل منه) (2) ولأن التنجيس حرج عظيم إذ لا يمكن التحرز منها فكان منفيا. احتجوا (3): بما رواه أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة) (4). والجواب: أنه معارض بما روته عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم) وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ بفضلها (5). رواه أبو داود فيبقى الأول سالما. على أنه يحتمل أن يكون الأمر للندب، أو أن يكون على فم الهرة نجاسة. فروع: الأول: لو أكلت الهرة فأرة، ثم ولغت في ماء قليل قال الشيخ لا بأس باستعماله، سواء غابت عن العين أو لا (6)، لعموم الخبر، ولقوله عليه السلام: (أنها من الطوافين عليكم والطوافات) أراد أنه لا يمكن الاحتراز منها، وهو أحد وجهي

(1) التهذيب 1: 227 حديث 653، الوسائل 1: 164 الباب 2 من أبواب الاسئار حديث 4.
(2) التهذيب 1: 227 حديث 655، الوسائل 1: 164 الباب 2 من أبواب الاسئار حديث 2.
(3) المغني 1: 73، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 345، المجموع 1: 175.
(4) سنن أبي داود 1: 19 حديث 72، سنن الترمذي 1: 151 حديث 91، سنن البيهقي 1: 241.
(5) سنن أبي داود 1: 19 حديث 76.
(6) الخلاف 1: 60 مسألة 167، المبسوط 1: 10.

[ 228 ]

الشافعية (1). والثانية: إنه نجس إن لم تغب عن العين، وطاهر إن غابت (2). الثاني: الحمر الاهلية، والبغال طاهرة عندنا، وهو قول أكثر الجمهور (3)، خلافا لأحمد في إحدى الروايتين (4). لنا: ما ثبت بالتواتر أن النبي صلى الله عليه وآله كان يركب الحمار (5) وكذا الصحابة ولو كان نجسا لنقل احترازهم عنه لعموم البلوى به. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام في سؤر الدواب، والغنم، والبقر أيتوضأ منه وتشرب؟ فقال: (لا بأس) (6) ولو كانت نجسة لكان الماء الباقي نجسا. ولأنهما مما لا يمكن التحرز منهما لأربابهما، فأشبها السنور. احتجوا (7) بأن النبي صلى الله عليه وآله قال يوم حنين في الحمر: (أنها رجس) (8)، ولأنه حيوان حرم أكله لا لحرمة يمكن التحرز منه غالبا فأشبه الكلب. والجواب عن الأول: أنه أراد (أنها رجس) محرمة، ويحتمل أنه أراد لحمها الذي في قدورهم إذ تذكية الكفار ميتة. وعن الثاني بالمنع من كونه حراما، ومن إمكان التحرز منه.

(1) المهذب للشيرازي 1: 8، المجموع 1: 170، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 169.
(2) المجموع 1: 170.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 50، المجموع 1: 172، الهداية للمرغيناني 1: 24، المحلى 1: 132، المغني 1: 71، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 344، الكافي لابن قدامة 1: 18.
(4) المغني 1: 71، الكافي لابن قدامة 1: 18، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 344، الانصاف 1: 342.
(5) صحيح البخاري 6: 49، صحيح مسلم 3: 1422 حديث 1798، مسند أحمد 5: 203.
(6) التهذيب 1: 227 حديث 657، الوسائل 1: 167 الباب 5 من أبواب الاسئار، حديث 4.
(7) المغني 1: 72، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 344، الكافي لابن قدامة 1: 18.
(8) صحيح البخاري 5: 167 وج 7: 124، صحيح مسلم 3: 1540 حديث 1940، سنن ابن ماجة 1: 1066 حديث 3196، سنن الدارمي 2: 87.

[ 229 ]

الثالث: الفيل طاهر. وهو قول بعض الجمهور (1)، خلافا لمحمد (2). لنا: الأصل ولأنه منتفع به حقيقة، فكان منتفعا به شرعا، اعتبارا بسائر السباع، وهذا هو الأصل إلا ما أخرج بالدليل كالخنزير. احتج بأنه بمنزلة الخنزير في تناول اللحم، فكان نجس العين كالخنزير. والجواب: لا يلزم من تحريم لحمه نجاسته. فرع: لا بأس باتخاذ الامشاط منها واستعمال الاواني وغيرها المصنوعة من عظامها. وبه قال أبو حنيفة (3)، خلافا للشافعي (4). لنا: ما رواه ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وإله قال: (اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج) (5) ومن طريق الخاصة ما رواه الشيخ، عن [ الحسين بن الحسن بن ] (6) (7) عاصم، عن أبيه أنه قال: دخلت على أبي إبراهيم عليه السلام وفي يده مشط عاج يتمشط به، فقلت له: جعلت فداك إن عندنا بالعراق من يزعم أنه لا يحل التمشط بالعاج؟ قال: (العاج يذهب بالوباء) (8)

(1) المغني 1: 89، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 103، المجموع 1: 243.
(2) شرح فتح القدير 1: 85، بدائع الصنائع 1: 86.
(3) شرح فتح القدير 1: 85، المجموع 1: 243.
(4) الأم 1: 9، المجموع 1: 242. (5) سنن أبي داود 4: 87 حديث 4213.
(6) أضفناه من المصدر.
(7) الحسين بن الحسن بن عاصم، روى عن أبيه، وروى عنه ابن أبي عمير وأحمد بن المبارك. كذا ذكره المحقق السيد الخوئي. معجم رجال الحديث 5: 219.
(8) الكافي 6: 488 حديث 3، الوسائل 1: 427 الباب 72 من أبواب آداب الحمام، حديث 1 والرواية منسوبة إلى الشيخ ولم نجدها في كتبه.

[ 230 ]

وعن القاسم بن الوليد (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن عظام الفيل مداهنها وأمشاطها، فقال: (لا بأس) (2)، ولأنه عظم، فلا تحله الحياة، فكان طاهرا. احتجوا بأنه ميتة، فيكون نجسا (3). والجواب: المنع من المقدمة الأولى. الرابع: السباع طاهرة، خلافا لأحمد في إحدى الروايتين (4). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل أيتوضأ بما أفضلت الحمير؟ فقال: (نعم وبما أفضلت السباع كلها) (5) رواه الشافعي في مسنده. ولو كانت نجسة لكان الفضل نجسا. وما رووه عن علي عليه السلام في الحياض التي تردها السباع، فقال: (لها ما حملت في بطونها ولنا ما أبقت) (6) ولأنه حيوان يجوز الانتفاع به من غير ضرورة، فكان طاهرا كالشاة. ومن طريق الخاصة ما تقدم من الروايات في الهر (7). احتجوا (8) بأن النبي صلى الله عليه وآله سئل الماء وما ينوبه من السباع؟

(1) القاسم بن الوليد القرشي العماري الكوفي، روى عن أبي عبد الله (ع)، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق. رجال الطوسي: 273، رجال النجاشي: 313.
(2) الكافي 6: 489 حديث 11، الوسائل 1: 427 الباب 72 من أبواب آداب الحمام، حديث 3.
(3) المجموع 1: 238.
(4) المغني 1: 71، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 343، الكافي لابن قدامة 1: 17، الانصاف 1: 342.
(5) مسند الشافعي: 8. (6) سنن ابن ماجة 1: 173، حديث 519، سنن الدار قطني 1: 31 حديث 12، سنن البيهقي 1: 258، كنز العمال 9: 584، حديث 27534.
(7) تقدم في ص 227.
(8) المغني 1: 72، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 343، الكافي لابن قدامة 1: 17، المجموع 1: 173.

[ 231 ]

فقال: (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس) (1) ولو كانت طاهرة لم يكن للتحديد معنى. والجواب: إن من جملة السباع الخنزير، وهو نجس، فصح التحديد. وأيضا: فإنهم سألوه عن الماء متى ينجس؟ فحد لهم بذلك، ووقع ذكر السباع حشوا ليس بمقصود. الخامس: الأظهر بين علمائنا طهارة الثعلب، والأرنب، والفأرة، والوزغة، وسائر الحشرات. وقال الشيخ في النهاية: ومتى أصاب الثوب أو البدن الثعلب أو الارنب أو الفأرة أو الوزغة وجب الغسل مع الرطوبة (2). لنا: الأصل الطهارة، ولأن الاحتراز عن الفأرة والوزغة مما يشق جدا، والثعلب والأرنب من السباع. ويدل عليه أيضا: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام في الهرة: (أنها من أهل البيت) (3). وهذا يدل من حيث المفهوم على طهارة سائر الحشرات، وكذا قوله: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) (4). احتج الشيخ بما رواه في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الفأرة الرطبة قد وقعت في الماء تمشي على الثياب، أيصلى فيها؟ قال: (اغسل ما رأيت من أثرها، وما لم تره فانضحه بالماء) (5). وما رواه، عن يونس بن عبد الرحمن، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته هل يجوز أن يمس الثعلب، والأرنب أو شيئا من السباع حيا أو

(1) سنن ابن ماجة 1: 172 حديث 517، سنن أبي داود 1: 17 حديث 63، سنن الترمذي 1: 97 حديث 67، سنن النسائي 1: 46، سنن الدارمي 1: 186، مسند أحمد 2: 27.
(2) النهاية: 52.
(3) التهذيب 1: 226 حديث 652، الوسائل 1: 164 الباب 2 من أبواب الاسئار، حديث 1.
(4) تقدم الحديث في ص 226. (5) التهذيب 1: 261 حديث 761، الوسائل 2: 1049 الباب 33 من أبواب النجاسات، حديث 2.

[ 232 ]

ميتا؟ قال: (لا يضره ذلك، ولكن يغسل يده) (1). والجواب عنهما: بأن الأمر للاستحباب، على أن الرواية الثانية مرسلة ومع ذلك فإنها غير دالة على المطلوب، لأن قوله: (لا يضره ذلك) ينافي التنجيس، وقوله: (ولكن يغسل يده) بحمل على ما إذا كان ميتا كما في الرواية. السادس: لعاب البغل والحمار لا يمنع الصلاة وإن كثر، لأنه طاهر، وكذا ما يخرج من منخره خلافا لأبي يوسف (2). ويؤيد ما ذكرناه: ما رواه الشيخ، عن مالك الجهني قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عما يخرج من منخر الدابة فيصيبني؟ قال: (لا بأس) (3). احتج بأن لحمه نجس واللعاب متولد منه (4). والجواب: المنع من النجاسة وقد تقدم (5). السابع: عرق الجنب طاهر وإن كان من الحرام، وعرق الابل طاهر وإن كانت من الجلالة وكذا غيرهما كالحائض. وقال الشيخ بنجاسة العرقين في بعض كتبه (6). وفي المبسوط قال: يجب غسل ما عرق فيه الجنب من الحرام على رواية بعض أصحابنا (7). وسلار استحب الازالة (8). لنا: إن الأصل الطهارة، فيستصحب.

(1) التهذيب 1: 262 حديث 763، الوسائل 2: 105 الباب 34 من أبواب النجاسات، حديث 3.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 50.
(3) التهذيب 1: 420 حديث 1328، الوسائل 2: 1014 الباب 11 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(4) بدائع الصنائع 1: 65.
(5) تقدم في ص 225.
(6) النهاية: 53.
(7) المبسوط 1: 38.
(8) المراسم: 56.

[ 233 ]

وما رواه الشيخ في الحسن، عن أبي أسامة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب يعرق في ثوبه، أو يغتسل فيعانق امرأته ويضاجعها وهي حائض أو جنب فيصيب جسده من عرقها؟ قال: (هذا كله ليس بشئ) (1). وما رواه في الصحيح، عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القميص يعرق فيه الرجل وهو جنب حتى يبتل القميص؟ فقال: (لا بأس، وإن أحب أن يرشه بالماء فليفعل) (2). وما رواه، عن حمزة بن حمران (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا يجنب الثوب الرجل، ولا يجنب الرجل الثوب) (4). وعن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن الجنب والحائض يعرقان في الثوب حتى يلصق عليهما؟ فقال: (إن الحيض والجنابة حيث جعلهما الله عزوجل ليس في العرق، فلا يغسلان ثوبهما) (5). وفي الصحيح، عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن

(1) التهذيب 1: 268 حديث 786، الاستبصار 1: 184 حديث 644، الوسائل 2: 1037 الباب 27 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 269 حديث 791، الاستبصار 1: 185 حديث 647، الوسائل 2: 1038 الباب 27 من أبواب النجاسات، حديث 8.
(3) حمزة بن حمران بن أعين الشيباني الكوفي، روى عن أبي عبد الله (ع)، عده الشيخ من أصحاب الامامين الباقر والصادق (ع)، وقال في الفهرست: له كتاب. رجال النجاشي: 140، رجال الطوسي: 118، 177، الفهرست: 64.
(4) التهذيب 1: 268 حديث 788، الاستبصار 1: 185 حديث 646، الوسائل 2: 1038 الباب 27 من أبواب النجاسات، حديث 5.
(5) التهذيب 1: 269 حديث 792، الاستبصار 1: 185 حديث 648، الوسائل 2: 1038 الباب 27 من أبواب النجاسات، حديث 9.

[ 234 ]

الحائض تعرق في ثيابها أتصلي فيها قبل أن تغسلها؟ فقال: (نعم لا بأس) (1). احتج الشيخ بما رواه في الحسن، عن الحلبي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل أجنب في ثوبه وليس معه ثوب غيره، قال: (يصلي فيه وإذا وجد الماء غسله) (2) قال: وجه الدلالة أن المراد بهذا الخبر: من عرق في الثوب من جنابة إذا كانت من حرام لأن الجنابة لا تتعدى إلى الثوب، وعندنا أن عرق الجنب لا ينجس الثوب، فلم يبقى معنى يحمل عليه الخبر إلا عرق الجنابة من حرام (3) وهذا الاستدلال ضعيف جدا كما ترى والأولى حمله على المعنى الظاهر منه، وهو أن يكون الثوب قد أصابته النجاسة فيصلي فيه لمكان الضرورة، لقوله: (وليس معه غيره) يفهم منه حاجة إليه. واحتج على نجاسة عرق الابل الجلالة بما رواه في الحسن، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا تشرب من ألبان الابل الجلالة وإن أصابك شئ من عرقها فاغسله) (4). وما رواه في الصحيح، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا تأكل اللحوم الجلالة، وإن أصابك من عرقها فاغسله) (5). والجواب: أنه محمول على الاستحباب أو التعبد، والحديثان قويان، ولأجل ذلك جزم الشيخ في المبسوط بوجوب إزالة عرقها، وجعل إزالة عرق الجنب رواية (6)، وعليه أعمل.

(1) التهذيب 1: 269 حديث 793، الاستبصار 1: 186 حديث 649 الوسائل 2: 1041 الباب 28 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(2) التهذيب 1: 271 حديث 799، الاستبصار 1: 187 حديث 655، الوسائل 2: 1039 الباب 27 من أبواب النجاسات، حديث 11.
(3) التهذيب 1: 271.
(4) التهذيب 1: 263 حديث 767، الوسائل 2: 1021، الباب 15 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(5) التهذيب 1: 263 حديث 768، الوسائل 2: 1021 الباب 15 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(6) المبسوط 1: 38.

[ 235 ]

فروع: الأول: لا فرق بين أن يكون الجنب رجلا أو امرأة، ولا بين أن تكون الجنابة من زنا، أو لواط، أو وطئ بهيمة، أو وطئ ميتة وإن كانت زوجة (1)، أو وطأ محرما، وسواء كان مع الجماع إنزالا أو لا، والاستمناء باليد كالزنا، أما الوطئ في الحيض أو الصوم فالأقرب طهارة العرق فيه، وفي المظاهرة إشكال. الثاني: لو وطأ الصغير أجنبية وألحقنا به حكم الجنابة بالوطئ ففي نجاسة عرقه إشكال ينشأ من عدم التحريم في حقه. الثالث: الأقرب اختصاص الحكم في الجلال بالابل، اقتصارا على مورد النص (2) وتمسكا بالاصل. الرابع: بدن الجنب من الحرام والإبل الجلالة طاهر، فلو مسا ببدنهما الخالي من عرق رطبا فالأقرب أنه طاهر. الثامن: لم يثبت عندي نجاسة المسوخ ولا لعابها، وقد نجسه الشيخ (3)، والأصل الطهارة إلا الخنزير. وقد روى الشيخ في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن الضب والفأرة والقردة والخنازير مسوخ) (4). وروي في الضعيف عن أبي سهل القرشي (5)، عن أبي عبد الله عليه السلام:

(1) " ح " " ق ": زوجته.
(2) تقدم في ص 234.
(3) الخلاف 1: 47 مسألة 131، المبسوط 1: 14.
(4) التهذيب 1: 39 حديث 163، الوسائل 16: 379 الباب 2 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 1.
(5) أبو سهل القرشي، روى عاصم بن حميد عنه عن أبي عبد الله (ع). قال العلامة المامقاني: لم يتبين اسمه ولا حاله. جامع الرواة 2: 392، تنقيح المقال (فصل الكنى) 3: 19.

[ 236 ]

قال: (الكلب مسخ) (1). وروي، عن الحسين بن خالد (2) قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: [ أيحل أكل لحم الفيل؟، فقال: (لا) فقلت: لم؟ ] (3) قال: (الفيل مثلة وقد حرم الله الأمساخ ولحم ما مثل به في صورها) (4). وروي، عن أحمد بن محمد، [ عن محمد ] (5) بن الحسن الأشعري (6)، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: (الفيل مسخ كان ملكا زناءا، والذئب كان أعرابيا ديوثا، والأرنب مسخ كانت امرأة تخون زوجها ولا تغتسل من حيضها، والوطواط مسخ كان يسرق تمور الناس، والقرد والخنازير قوم من بني إسرائيل اعتدوا في السبت، والجريث والضب فرقة من بني إسرائيل حين (7) نزلت المائدة على عيسى بن مريم عليه السلام لم يؤمنوا فتاهوا فوقعت فرقة في البحر وفرقة في البر، والفأرة هي الفويسقة، والعقرب كان نماما، والدب والوزغ والزنبور كان لحاما يسرق في الميزان) (8). وروي عن سليمان الجعفي، عن أبي الحسن عليه السلام قال: (الطاووس مسخ) (9) وفي الطريق ضعف.

(1) التهذيب 9: 39 حديث 164، الوسائل 16: 380 الباب 2 من أبواب الأطعمة المحرمة 4.
(2) الحسين بن خالد الصيرفي، عده الشيخ في رجاله تارة من أصحاب الكاظم (ع)، وأخرى من أصحاب الرضا (ع). رجال الطوسي 347، 373، تنقيح المقال 1: 326.
(3) أضفناه من المصدر.
(4) التهذيب 9: 39 حديث 165، الوسائل 16: 380 الباب 2 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 2.
(5) أضفناه من المصدر.
(6) محمد بن الحسن بن أبي خالد القمي الأشعري، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا (ع). رجال الطوسي: 391.
(7) " م " " د ": حيث.
(8) التهذيب 9: 39 حديث 166، الوسائل 16: 381 الباب 2 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 7.
(9) التهذيب 9: 18 حديث 70، الوسائل 16: 381 الباب 2 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 6.

[ 237 ]

وروي، عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر بن محمد عليه السلام إن الغراب فاسق (1). وغياث ضعيف، وهذا شئ ذكرناه ها هنا بالعرض. مسألة: القئ ليس ينجس. وهو مذهب علمائنا إلا من شذ منهم، نقله الشيخ (2) وابن إدريس (3)، وخالف فيه أكثر الجمهور (4). لنا: ما رواه الجمهور، عن عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إنما يغسل الثياب من البول والدم والمني) (5) وذلك يقتضي تعميم المنع عما عدا الثلاثة إلا ما خرج بالدليل، ولأنه طاهر قبل الاستحالة فيستصحب. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الموثق، عن عمار الساباطي قال: سألته عن القئ يصيب الثوب فلا يغسل؟ قال: (لا بأس) (6). احتجوا (7) بما رواه عمار أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إنما يغسل الثياب من البول والمني والقئ والدم) (8). قلنا: قد روي، عن عمار ما قدمناه ورويتم هذه الزيادة، وذلك ما يقتضي تطرق التهمة، فتسقط ويبقى الحكم على الأصل. وأيضا: فإن الغسل لا يستلزم التنجيس، وتعديده مع غيره لا يقتضي اتحاده في العلة، فجاز أن تكون العلة فيه نفور النفس، وفي

(1) التهذيب 9: 19 حديث 74، الاستبصار 4: 66 حديث 238، الوسائل 16: 396 الباب 7 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 2.
(2) المبسوط 1: 38.
(3) السرائر: 37.
(4) المهذب للشيرازي 1: 47، المجموع 2: 551، الانصاف 1: 331، مغني المحتاج 1: 79، الكافي لابن قدامة 1: 110، بدائع الصنائع 1: 60.
(5) أحكام القرآن للجصاص 5: 369.
(6) التهذيب 1: 423 حديث 1340، الوسائل 2: 1070 الباب 48 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(7) المهذب للشيرازي 1: 47، بدائع الصنائع 1: 60.
(8) سنن البيهقي 1: 14، سنن الدار قطني 1: 127 حديث 1.

[ 238 ]

غيره النجاسة. فروع: الأول: النخامة طاهرة: وهو قول أكثر أهل العلم (1)، لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله في يوم الحديبية ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه (2). رواه البخاري ولو كانت نجسة لم يفعلوا ذلك. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله رأى نخامة في قبلة المسجد فأقبل على الناس فقال: (ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه، أيحب أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا) ووصف القاسم فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه ببعض. أخرجه البخاري (3). الثاني: لا فرق في القئ بين خروجه قبل الاستحالة وبعدها إلا أن يستحيل غائطا، فيكون نجسا، وفي بعضه قولان سلفا (4). الثالث: لا فرق بين ما ينزل من الرأس وما يخرج من الصدر من البلغم في الطهارة. وبه قال أبو حنيفة (5)، والشافعي (6). وقال أبو الخطاب (7) (8)، والمزني:

(1) المغني 1: 769، الكافي لابن قدامة 1: 110، المجموع 2: 551، بدائع الصنائع 1: 60، المبسوط للسرخسي 1: 75.
(2) صحيح البخاري 1: 69 70. (3) صحيح البخاري 1: 112 113 بتفاوت يسير. وبهذا اللفظ رواه مسلم، انظر صحيح مسلم 1: 389.
(4) راجع الجزء الأول ص 188 189.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 75، المغني 1: 769.
(6) المجموع 2: 551.
(7) أبو الخطاب محمود أو محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلواذاني البغدادي شيخ الحنابلة وصاحب التصانيف، تفقه على القاضي أبي يعلى، وحدث عن الجوهري. مات سنة 510 ه‍. + + + +

[ 239 ]

البلغم نجس (1). لنا: إنه دخل في عموم الخبرين، ولأنه أحد نوعي النخامة، فكان طاهرا كالآخر. احتج بأنه طعام استحال في المعدة، فأشبه القئ (2). والجواب: المنع من استحالته، وإنما هو شئ يتكون من الأبخرة، فهو كالنازل من الرأس، ولو سلم فالمنع في الأصل قائم. الرابع: المرة الصفرة طاهرة. وقال الشافعية: إنها نجسة (3). لنا: الأصل الطهارة. مسألة: وروى الشيخ، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن الحديد نجس) (4) وهي رواية منافية للأصل ولعمل الأصحاب، فلا اعتداد بها. وروي في الموثق، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المداد يصيب الثوب (5) [ فلا يغسل ]؟ قال: (لا بأس به) (6). وروي، عن محمد بن الحسين عن أبي الخطاب، عن وهب عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام مثل ذلك وزاد (ولا بأس بالسمن والزيت إذا أصابا الثوب أن يصلي فيه) (7) هاتان مناسبتان للمذهب.

العبر 2: 395، شذرات الذهب 4: 27.
(8) المغني 1: 770، الكافي لابن قدامة 1: 110. (1) الأم (مختصر المزني) 8: 4، المجموع 2: 551.
(2) المغني 1: 770.
(3) المجموع 2: 552.
(4) التهذيب 1: 425 حديث 1353، الاستبصار 1: 96 حديث 311، الوسائل 2: 1102 الباب 83 من أبواب النجاسات، حديث 6.
(5) أضفناه من المصدر.
(6) التهذيب 1: 423 حديث 1341، الوسائل 2: 1078، الباب 57 من أبواب النجاسات، حديث 1. (7) التهذيب 1: 423 حديث 1342، الوسائل 2: 1078 الباب 57 من أبواب النجاسات، حديث 2. + + + +

[ 240 ]

وروي، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكنيف يكون خارجا فتمطر السماء فتقطر علي القطرة؟ قال: (ليس به بأس) (1) والأصحاب عملوا بهذه الرواية لكن يشترط (2) أن لا يتلون الماء بلون النجاسة، فإنه حينئذ يكون مقهورا. وروي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه، عن علي عليهما السلام (3) قال: قال: (لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم، ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا بوله قبل أن يطعم، لأن لبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين) (4). وفي طريقها ضعف، والصحيح عندي: أن اللبن طاهر سواء كان لأنثى أو لذكر. مسألة: وطين الطريق طاهر ما لم يعلم فيه نجاسة عملا بالاصل، فإن علمت فيه نجاسة فهو نجس وإذا وقع المطر فطينه طاهر أيضا، ويستحب إزالته إذا مضى عليه ثلاثة أيام لغلبة الظن بعدم سلامته من النجاسة. ولا يجب لعدم العلم بها فلا يترك يقين الطهارة بشك المتجدد. ويؤيده: ما رواه الشيخ، عن محمد بن إسماعيل، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن عليه السلام قال في طين المطر: (أنه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام إلا أن يعلم أنه قد نجسه شئ بعد المطر، فإن أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله، فإن كان الطريق نظيفا لم يغسله) (5).

وفيهما: عن وهيب. (1) التهذيب 1: 424 حديث 1348، الوسائل 1: 110 الباب 6 من أبواب الماء المطلق، حديث 8.
(2) " م ": بشرط.
(3) " ح " " ق " " د ": عليه السلام.
(4) التهذيب 1: 250 حدث 718، الاستبصار 1: 173 حديث 601، الوسائل 2: 1003 الباب 3 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(5) التهذيب 1: 267 حديث 783، الوسائل 2: 1096 الباب 75 من أبواب النجاسات، حديث 1.

[ 241 ]

فرع: لو سقط عليه ماء من طريق لا يعلم ما هو، فالاصل الطهارة، ولا يجب عليه السؤال عنه. وهو قول أهل العلم (1). لما رواه الجمهور أن عمر مر هو وعمرو بن العاص على حوض فقال عمرو: يا صاحب الحوض ترد السباع على حوضك؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنا نرد عليها وترد علينا (2). رواه مالك في الموطأ، وهذا مع دلالته على المطلوب يدل على طهارة سؤر السباع. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن حفص بن غياث، عن جعفر، عن أبيه عن علي عليهم السلام قال: (ما أبالي [ أ ] (3) بول أصابني أو ماء إذا لم أعلم) (4) ولأن الأصل الطهارة. ولو سأل لم يجب على المسؤل رد الجواب، خلافا لبعض الجمهور (5). لنا: حديث عمر، فإنه نهاه عن الجواب، وحديث علي عليه السلام مطلق في عدم المبالاة مع عدم العلم. احتجوا بأنه سئل عن شرط الصلاة، فلزمه الجواب إذا علم، كما لو سأله عن القبلة (6) والجواب: الفرق حاصل، مع عدم الجواب في صورة النزاع، إذ هو عدم العلم بالنجاسة لا العلم بعدمها، بخلاف القبلة.

(1) المغني 1: 83.
(2) الموطأ 1: 23 حديث 14.
(3) أضفناه من المصدر.
(4) التهذيب 1: 253 حديث 735، الاستبصار 1: 180 حديث 629، الوسائل 2: 1054 الباب 37 من أبواب النجاسات، حديث 5.
(5) المغني 1: 83.
(6) المغني 1: 83.

[ 242 ]

البحث الثاني: في الأحكام: مسألة: يجب إزالة النجاسة عن الثوب والبدن للصلاة والطواف ودخول المساجد. وهو قول أكثر أهل العلم كابن عباس، وسعيد بن المسيب، وقتادة (1)، ومالك (2)، والشافعي (3)، وأصحاب الرأي (4). ويروى عن ابن عباس أنه قال: ليس على ثوب جنابة. ومثله عن النخعي (5). وسئل سعيد بن جبير عن الرجل يرى في ثوبه الأذى وقد صلى: فقال: اقرأ علي الآية التي فيها غسل الثياب) (6). لنا: قوله تعالى: " وثيابك فطهر " (7) قال المفسرون: هو الغسل بالماء (8). وما رواه الجمهور، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت امرأة تسأل رسول الله صلى الله عليه وآله، كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا [ رأت ] (9) الطهر، أتصلي فيه؟ قال: (تنظر فيه، فإن رأت دما فلتقرصه بشئ من ماء ولتنضح ما لم تر ولتصل

(1) المغني 1: 750.
(2) مقدمات ابن رشد 1: 115، بداية المجتهد 1: 116، بلغة السالك 1: 26، المغني 1: 750.
(3) المهذب للشيرازي 1: 59، 60، 61، المجموع 3: 131، 142، مغني المحتاج 1: 188، 190، ميزان الكبرى 1: 157، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 54، السراج الوهاج: 53، المغني 1: 750.
(4) بدائع الصنائع 1: 114، الهداية للمرغيناني 1: 34، شرح فتح القدير 1: 167، 168، المغني 1: 750، ميزان الكبرى 1: 157، رحمة الأمة بهامش ميزان الكبرى 1: 54.
(5) المغني 1: 750.
(6) المغني 1: 750.
(7) المدثر: 4.
(8) تفسير الطبري 29: 146، أحكام القرآن للجصاص 5: 369، تفسير القرطبي 9: 65، أحكام القرآن لابن العربي 4: 1888، التبيان 10: 173.
(9) في النسخ: أرادت، وما أثبتناه من المصدر.

[ 243 ]

فيه) (1). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا احتلم الرجل فأصاب ثوبه فليغسل الذي أصابه، فإن ظن أنه أصابه مني ولم يستيقن ولم ير مكانه فلينضحه بالماء، وإن استيقن أنه قد أصابه ولم ير مكان فليغسل ثوبه كله فإنه أحسن) (2) والأحاديث كثيرة تأتي في موضع الحاجة إليها، ولأنها إحدى الطهارتين، فكانت شرطا للصلاة كالطهارة من الحدث، ولأن النجاسة التقديرية تجب إزالتها بالوضوء، فالعينية أولى. فروع: الأول: يجب إزالة العين بالماء، فإن تعذر أزيلت بغيره إن أمكن، ثم غسل المحل بالماء. وكذا يجب إزالة الأثر وهو اللون، وأما الرائحة فلا. ولو تعذر إزالة اللون أجزأ إزالة العين، واستحب ستر ذلك اللون بشئ من الاصباغ. الثاني: إذا تعذر إزالة اللون طهر المحل بإزالة العين، وهو أحد وجهي الشافعية، والآخر أنه يكون عفوا لا طاهرا (3). الثالث: لو صبغ الثوب بصبغ نجس وغسله، أو خضب يده بالحناء النجس طهر المحل بالغسل وإن بقي اللون، لأن نجاسته عارضة، وقال أبو إسحاق الاسفراييني (4): لا

(1) سنن أبي داود 1: 99 حديث 360.
(2) التهذيب 252 حديث 728، الوسائل 2: 1022 الباب 16 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(3) المجموع 2: 594، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 238، 239، 141، 242.
(4) إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران: أبو إسحاق الاسفراييني، الأصولي، المتكلم، الشافعي، روى دعلج وطبقته وأملى مجالس، وكان شيخ أهل خراسان في زمانه. مات سنة 418 ه‍. طبقات ابن قاضي شهبة 1: 170، شذرات الذهب 3: 309.

[ 244 ]

يطهر، لأن بقاء اللون دليل بقاء العين (1). وهو خطأ، فإن اللون هنا طاهر، وإنما عرض له التنجيس بخلاف الدم. مسألة: ولا فرق بين قليل النجاسة وكثيرها في وجوب الازالة إلا الدم وسيأتي بيانه وبه قال الشافعي (2)، ومالك (3)، وأحمد (4). وقال أبو حنيفة: يراعى في النجاسات كلها قدر الدرهم البغلي، فإن زاد وجبت إزالته وإلا فلا، إلا بول ما يؤكل لحمه، فإنه نجس ولا تجب إزالته بالماء إلا أن يتفاحش (5). واختلف أصحابه في التفاحش، فقال الطحاوي: أن يكون ربع الثوب. ومنهم من قال: ذراع في ذراع. وقال أبو بكر الرازي (6): أن يكون شبرا في شبر (7). لنا: قوله تعالى: " وثيابك فطهر " (8) وذلك عام. وما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه) (9). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما

(1) قال في فتح العزيز هامش المجموع 1: 241 وروي في اللون أيضا وجه إنه لا يطهر المحل ما دام باقيا.
(2) الأم 1: 55، المهذب للشيرازي 1: 60، المغني 1: 760، الهداية للمرغيناني 1: 35، بداية المجتهد 1: 81، شرح فتح القدير 1: 177.
(3) بداية المجتهد 1: 81، المدونة الكبرى 1: 21، المغني 1: 760.
(4) المغني 1: 760، الكافي لابن قدامة 1: 117، الانصاف 1: 325.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 61، الهداية للمرغيناني 1: 35، شرح فتح القدير 1: 177 فتح العزيز بهامش المجموع 4: 76، 77.
(6) أحمد بن علي الفقيه شيخ الحنفية ببغداد وصاحب أبي الحسن الكرخي، انتهت إليه رئاسة المذهب، روى عن الاصم وابن قانع وغيره. مات سنة 370 ه‍. العبر 2: 133، شذرات الذهب 3: 71، تذكرة الحفاظ 3: 959.
(7) راجع شرح فتح القدير 1: 178.
(8) المدثر: 4.
(9) سنن الدار قطني 1: 127 حديث 2.

[ 245 ]

عليهم السلام قال: سألته عن البول يصيب الثوب، فقال: (اغسله مرتين) (1) وغيره من الأحاديث الآتية. ولأنها نجاسة لا تشق إزالتها فتجب كالكثير، ولأنها إحدى الطهارتين، فلا يتقدر سببها بقدر كالأخرى. ولأن قليل الحكمية مانع، فالحقيقة أولى. ولأن مبنى الصلاة على التعظيم، وكماله بالطهارة من كل وجه وذلك بإزالة قليل النجاسة وكثيرها. احتج أبو حنيفة بقول عمر: إذا كانت النجاسة مثل ظفري هذا لم يمنع جواز الصلاة وظفره كان قريبا من كف أحدنا (2) ولأن التحرز عن القليل حرجا، فيكون مدفوعا كالدم. ولأنه يجتزى منها بالمسح في محل الاستنجاء، ولو لم يعف عنها لم يكف فيها المسح كالكثير. والجواب عن الأول باحتمال أن يكون ذلك قاله عن اجتهاد، إذ لم يسنده، فلا يكون حجة، ولو سلم فيحتمل أن يكون المراد بالنجاسة الدم. وعن الثاني بالمنع من مشقة الاحتراز بخلاف الدم الذي لا ينفك الانسان منه، إذ لا يخلو من حكة وبثرة أو دمل أو جرح أو رعاف أو غير ذلك، فكانت المشقة فيه أبلغ. على أن التعليل بالحرج تعليل لوصف غير منضبط، فلا يكون مقبولا، ولأن غيره من النجاسات أغلظ فيه ولهذا أوجب البول والغائط: الوضوء، والمني: الغسل، بخلاف الدم. وعن الثالث بأن الاستنجاء مزيل للنجاسة، فكان كالماء في حصول الطهارة، فلا يجوز قياس ثبوت النجاسة على زوالها. مسألة: الدم النجس قسمان: أحدهما: يجب إزالته مطلقا أقل أو أكثر، وهو دم الحيض والاستحاضة والنفاس،

(1) التهذيب 1: 251 حديث 721، الوسائل 2: 1001 الباب 1 من أبواب النجاسات، حديث 1، (2) المبسوط للسرخسي 1: 60.

[ 246 ]

أ ما دم الحيض فشئ ذكره الشيخان (1)، والسيد المرتضى (2)، وابن بابويه (3)، وأتباعهم (4)، وأما الآخران فقد ذكره (5) الشيخ (6) ومن تبعه (7). والجمهور لم يفرقوا بين الدماء (8). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لاسماء لما سألته عن دم الحيض يكون في الثوب: (اقرصيه، ثم اغسليه بالماء) (9) وذلك عام في القليل والكثير. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن أبي بصير قال: (لا تعاد الصلاة من دم لم تبصره إلا دم الحيض، فإن قليله وكثيره في الثوب إن رآه وإن لم يره سواء) (10) وهذه الرواية وإن كانت مرسلة إلا أنها من المشاهير، ولأن الأصل وجوب الازالة لما بينا ولقوله تعالى: " وثيابك فطهر " (11) وأما الدمان الآخران فتدل عليهما الآية والأصل ولأن دم النفاس دم الحيض في الحقيقة. الثاني: ما لا تجب إزالته في حال قلته، وهو أما أن لا تجب إزالته وإن كثر، وأما

(1) المفيد في المقنعة: 10، والطوسي في المبسوط 1: 35، والنهاية: 51.
(2) الانتصار: 13، (3) الفقيه 1: 42.
(4) منهم: ابن البراج في المهذب 1: 51، وسلار في المراسم: 55، وابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 550.
(5) كذا في النسخ والأنسب ذكرهما، (6) النهاية: 51، المبسوط 1: 35.
(7) انظر مصادر الهامش " 4 ".
(8) المغني 1: 763، المدونة الكبرى 1: 20.
(9) صحيح البخاري 1: 84، سنن ابن ماجة 1: 206 حدث 629، سنن أبي داود 1: 99 حديث 361، سنن الترمذي 1: 254 حديث 138، سنن النسائي 1: 195، سنن الدارمي 1: 197.
(10) التهذيب 1: 257 حديث 745، الوسائل 2: 1028 الباب 21 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(11) المدثر: 4.

[ 247 ]

أن تجب، فالأول دم الجروح السائلة والقروح الدامية التي تشق إزالتها ولا يقف جريانها، لما رواه الجمهور، عن ابن عمر أنه كان يسجد فيخرج يديه فيضعهما بالأرض وهما يقطران دما من شقاق (1) كان في يده وعصر بثرة فخرج منها شئ من دم وقيح فمسحه بيديه وصلى (1)، ولم ينكر عليه أحد، وإلا لنقل ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن الرجل يخرج به القروح فلا تزال تدمى كيف يصلي؟ فقال: (يصلي وإن كان الدم يسيل) (3). وما رواه في الصحيح، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام وهو يصلي، فقال لي قائدي: أن في ثوبه دما، فلما انصرف قلت له إن قائدي أخبرني أن في ثوبك دما، فقال: (إن بي دماميل ولست اغسل ثوبي حتى تبرأ) (4). وما رواه، عن ليث المرادي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل تكون به الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوة دما وقيحا؟ فقال: يصلي (في ثيابه ولا يغسلها ولا شئ عليه) (5) وما رواه عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الجرح يكون في مكان لا يقدر على ربطه، فيسيل منه الدم والقيح فيصيب ثوبي؟ فقال: (دعه فلا يضرك أن لا تغسله) (6). *.

(1) الشقاق: هو تشقق الجلد من برد أو غيره في اليدين والوجه، لسان العرب 10: 181.
(2) المغني 1: 761.
(3) التهذيب 1: 256 حديث 744، الاستبصار 1: 177 حديث 615، الوسائل 2: 1029 الباب 21 من أبواب النجاسات، حديث 4 وفيهما: وإن كانت الدماء تسيل.
(4) التهذيب 1: 258 حديث 747، الاستبصار 1: 177 حديث 616، الوسائل 2: 1028 الباب 22 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(5) التهذيب 1: 258 حديث 750، الوسائل 2: 1029 الباب 22 من أبواب النجاسات، حديث 5.
(6) التهذيب 1: 259 حديث 751 الوسائل 2: 1029 الباب 22 من أبواب النجاسات، حديث 6.

[ 248 ]

وما رواه في الموثق، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا كان بالانسان جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه فلا يغسل حتى يبرأ وينقطع الدم) (1) ولأنه يشق التحرز منه، فكان الترخص (2) واجبا. فروع: الأول: يستحب لصاحب هذا العذر أن يغسل ثوبه في كل يوم مرة، لأن فيه تطهير غير مشق فكان مطلوبا، ولما رواه الشيخ، عن سماعة قال: سألته عن الرجل به القرح أو الجرح فلا يستطيع أن يربطه ولا يغسل دمه قال: (يصلي ولا يغسل ثوبه كل يوم إلا مرة فإنه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كل ساعة (3). الثاني: لو تمكن من إبدال الثوب فالأقرب الوجوب، لانتفاء المشقة حينئذ، فينتفي الترخص لانتفاء المعلول عند انتفاء علته. الثالث: لا فرق بين الثوب والبدن في هذا الحكم، لوجود المشقة فيها. الرابع: لو تعدى الدم عن محل الضرورة في الثوب أو البدن بأن لمس بالسليم من بدنه دم الجرح أو بالطاهر من ثوبه، فالأقرب عدم الترخص فيه، ويجب إزالته، لعدم المشقة، وكذا لو ترشش عليه دم غيره. الخامس: لا يخرج هذا النوع من الدم عن مقتضاه وهو النجاسة باعتبار العفو عنه لا في محل المشقة ولا غيره، وهل يسري العفو عنه إلى ما لاقاه؟ الوجه المنع، فلو لاقاه جسم رطب ينجس، ولو لاقى ذلك الجسم جسم آخر رطب ينجس أيضا.

(1) التهذيب 1: 259 حديث 752، الوسائل 2: 1030 الباب 22 من أبواب النجاسات، حديث 7 وفيهما: إذا كان بالرجل جرح. (2) " م ": الرخص.
(3) التهذيب 1: 258 حديث 748، الاستبصار 1: 177 حديث 617، الوسائل 2: 1029 الباب 22 من أبواب النجاسات، حديث 2.

[ 249 ]

القسم الثاني: ما عدا ما ذكرنا من الدماء، فإن كان مجتمعا وجب إزالة ما زاد على الدرهم البغلي سعة منه إجماعا منا وهو قول قتادة، والنخعي، وسعيد بن جبير، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعي، وأصحاب الرأي (1)، والشافعي (2)، وقال أحمد: لا تجب إزالته ما لم يتفاحش وتكثر (3)، وهو قول مالك (4). واختلفا في حد التفاحش: فقال أحمد في رواية: أنه شبر في شبر (5)، وقال في أخرى: قدر الكف (6)، وقال مالك: التفاحش نصف الثوب (7). لنا: إن الأصل وجوب إزالة النجاسة، والاحتياط يقتضيه، وقوله تعالى: " وثيابك فطهر " (8) وما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم) فالزائد أولى (9). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الموثق، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه، وإن هو علم قبل أن يصلي فنسي وصلى فعليه الاعادة) (10). وما رواه، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام، (وإن كان أكثر من

(1) المغني 1: 761، المجموع 3: 136.
(2) الأم 1: 55، المجموع 3: 136، المغني 1: 761.
(3) المغني 1: 761، الكافي لابن قدامة 1: 117، المجموع 3: 136.
(4) المدونة الكبرى 1: 21.
(5) المغني 1: 762، المجموع 3: 136.
(6) المغني 1: 762.
(7) المجموع 3: 136.
(8) المدثر: 4.
(9) سنن الدار قطني 1: 401 حديث 1، سنن البيهقي 2: 404.
(10) التهذيب 1: 254 حديث 737، الوسائل 2: 1060 الباب 40 من أبواب النجاسات، حديث 7.

[ 250 ]

قدر الدرهم وكان رآه فلم يغسله حتى صلى فليعد صلاته، وإن لم يكن رآه حتى صلى فلا يعيد الصلاة) (1). احتجوا بأن الشارع لم يقدره، فوجب صرفه إلى المعتاد (2). والجواب: المنع من عدم التقدير الشرعي، لأن الحديث الذي ذكرناه يدل عليه. وقد عفى عما نقص عن الدرهم إجماعا منا وهو قول أكثر أهل العلم (3)، إلا الشافعي (4). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم) وذلك يدل على أن الأقل لا تعاد الصلاة منه، وإلا لم يكن للتعليق بذلك المقدار فائدة. وما رواه، عن عمر أنه قال: إن كانت النجاسة مثل ظفري هذا لم يمنع جواز الصلاة (5). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال في الدم يكون في الثوب: (إن كان أقل من الدرهم فلا يعيد الصلاة، وإن كان أكثر.) الحديث. ولأنه لا ينفك الانسان عن ملاقاته أما من بثر أو جرح أو رعاف أو غيرها، فالاحتراز عن القليل مشقة عظيمة فكانت منفية. أما ما بلغ درهما من الدراهم البغلية المضروبة من درهم وثلث فلم يزد، فقد اختلف

(1) التهذيب 1: 255 حديث 739، الاستبصار 1: 175 حديث 610، الوسائل 2: 1026 الباب 20 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(2) المغني 1: 762.
(3) المغني 1: 762.
(4) المجموع 3: 134، بداية المجتهد 1: 81.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 60، عمدة القارئ 3: 141.

[ 251 ]

علماؤنا على قولين: فبعض أوجب إزالته (1)، وهو قول النخعي، والأوزاعي (2)، وبعض لم يوجبه (3)، وهو مذهب أبو حنيفة (4)، فالطائفة الأولى جعلوا الدرهم في حد الكثرة، والأخرى جعلوه في حد القلة، والأقرب الأول. لنا: ما رواه الجمهور في قوله صلى الله عليه وآله: (تعاد الصلاة من قدر الدرهم) (5). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: (لا بأس بأن يصلي الرجل في ثوب فيه الدم متفرقا شبه النضح، وإن كان قد رآه صاحبه قبل ذلك فلا بأس به ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم) (6). وما رواه في الصحيح، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام [ قال ] (7): قلت: ما لرجل يكون في ثوبه نقط الدم لا يعلم به، ثم يعلم فنسي أن يغسله فيصلي، ثم يذكر بعد ما صلى، أيعيد صلاته؟ قال: (يغسله ولا يعيد صلاته إلا أن يكون مقدار الدرهم مجتمعا فيغسله ويعيد الصلاة) (8) ولأن الأصل وجوب الازالة بقوله تعالى: " وثيابك فطهر " (9) إلا ما خرج بالدليل، ولأنه نجس فوجب إزالته كما لو زاد،

(1) كابن بابويه في الهداية: 15، والمفيد في المقنعة: 10، والطوسي في المبسوط 1: 35، وابن البراج في المهذب 1: 51، وابن إدريس في السرائر: 35.
(2) المغني 1: 762، المجموع 3: 136. (3) كسلار في المواسم: 55.
(4) المجموع 3: 136، بداية المجتهد 1: 81.
(5) سنن الدار قطني 1: 401 حديث 1.
(6) التهذيب 1: 256 حديث 742، الاستبصار 1: 176 حديث 612، الوسائل 2: 1026 الباب 20 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(7) أضفناه من المصدر.
(8) التهذيب 1: 255 حديث 740، الاستبصار 1: 176 حديث 611، 2: 1026 الباب 20 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(9) المدثر: 4.

[ 252 ]

احتج المخالف من الأصحاب بما رواه الشيخ في الحسن، عن محمد بن مسلم قال: قلت له: الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة، قال: (إن رأيت وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل، فإن لم يكن عليك غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم، [ وما كان أقل ] (1) من ذلك فليس بشئ، رأيته أو لم تره، فإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت عليك غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه) (2). وبرواية إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام: (إن كان أقل من الدرهم فلا يعيد الصلاة، وإن كان أكثر من قدر الدرهم فليعد إذا رآه فلم يغسله) ولأن في إزالته مشقة كما لو كان أقل (3). والجواب عن الأول بأن الرواية مرسلة، فلعل محمد بن مسلم أسند الحديث إلى غير إمام، فلا يكون حجة. وعن الثاني: إنه لا دلالة على مطلوبكم فيه، إذ دلالته على حكمي الزائد والناقص، والمساوي لم يتعرض له، فيحمل على الأصل. فروع: الأول: لو كان الدم متفرقا في كل موضع أقل من الدرهم، قال الشيخ في النهاية: لا يجب إزالته ما لم يتفاحش ويكثر (4). وقال في المبسوط: إذا كان الدم متفرقا

(1) أضفناه من الكافي والفقيه والاستبصار والوسائل.
(2) الفقيه 1: 161 حديث 758، الكافي 3: 59 حديث 3، التهذيب 1: 254 حديث 736، الاستبصار 1: 175 حديث 609، الوسائل 2: 1027 الباب 20 من أبواب النجاسات، حديث 6 وفي الجميع: (فضيعت غسله) مكان (فضيعت عليك غسله).
(3) التهذيب 1: 255 حديث 739، الاستبصار 1: 175 حديث 610، الوسائل 2: 1026 الباب 20 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(4) النهاية: 52.

[ 253 ]

لا يجب إزالته، ولو قلنا: إذا كان جميعه لو جمع كان مقدار الدرهم وجب إزالته، كان أحوط للعبادة (1). وابن حمزة (2) اعتبر الدرهم لو جمع (3). وابن إدريس أطلق القول بعدم وجوب الازالة (4). والأقرب عندي اعتبار الدرهم لو جمع. لنا: إن الحكم معلق على قدر الدرهم، وهو أعم من أن يكون مجتمعا ومتفرقا. ولأن الأصل وجوب الازالة للآية، عفى عما نقص عن قدر الدرهم لكثرة وقوعه، فلا تتعدى الرخصة إلى المتفرق النادر لعدم المشقة فيه، ولأنه يلزم أنه لو كان الثوب قد استولت النجاسة عليه صحت الصلاة فيه، ومع عدم الاستيلاء لا يلزم مع التساوي في إمكان الازالة، واللازم باطل قطعا، فالملزوم مثله. بيان الملازمة: أنه لو كان بين موضعين من الثوب حصل فيهما أقل من سعة الدرهم بجزء لا يتجزأ ما هو خال عن الدم وهو قليل جدا كجزء لا يتجزأ، صدق أنه لم يجتمع فيه قدر الدرهم. احتج المخالف برواية جميل بن دراج عن أبي جعفر عليهما السلام وقد تقدمت (5). والجواب: إنها مرسلة، ومع ذلك فهي غير ناصة على المطلوب، فإنه يحتمل أن يكون المراد القليل من الدم المتفرق، ويدل عليه قوله: (أشبه النضح) ويحتمل أيضا أن يكون اسم " يكن " في قوله: (ما لم يكن مجتمعا قدر الدرهم) هو الدم المتفرق، وذلك هو ما قلناه، ويكون معناه ما لم يكن الدم المتفرق لو جمع قدر الدرهم، ويكون قوله:

(1) المبسوط 1: 36.
(2) عماد الدين محمد بن علي بن محمد الطوسي المشهدي، فقيه عالم فاضل له تصانيف منها: الوسيلة في الفقيه، والرائع في الشرائع والثاقب في المناقب. ويظهر من كتبه أته كان في طبقة تلاميذ شيخ الطائفة أو تلاميذ ولده الشيخ أبي علي. الكنى والألقاب 1: 262.
(3) الوسيلة (الجوامع الفقهية): 669.
(4) السرائر: 35. (5) تقدمت في ص 251.

[ 254 ]

(مجتمعا) حالا، والخبر قوله: (قدر الدرهم). الثاني: لو كان الدم متفرقا ولو جمع لزاد على الدرهم فعلى أحد قولي الشيخ: لا يجب (1). أما على قوله المختار من اعتبار الدرهم: فالمصلي بالخيار، أن شاء أن يزيل الجميع فعل، وهو الأولى، وإن شاء أزال (ما يبقي معه حد القلة) (2) لأنه حينئذ يصدق عليه أن في ثوبه أقل من درهم، فساغ له الدخول في الصلاة به. الثالث: الدماء بأسرها متساوية في اعتبار الدرهم إلا ما استثنيناه. واستثنى قطب الدين الراوندي دم الكلب والخنزير فألحقهما بدم الحيض (3) في وجوب إزالة ما قل أو كثر، وكذا ابن (4) حمزة. وأوجب أحمد إزالة قليل دم الكلب والخنزير دون قليل دم الحيض (5). والمشهور مساواة غيرهما من الحيوانات لما تقدم من الأحاديث الدالة على الاطلاق (6). احتج قطب الدين بما رواه الشيخ في الصحيح، عن الفضل أبي العباس قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله، وإن مسحه جافا فاصبب عليه الماء) قلت: لم صار بهذه المنزلة؟ قال: (لأن النبي صلى الله عليه وآله أمر بقتلها) (7) وإذا كان حال رطوبته كذلك فحال دمه أبلغ في الاحتراز، ولأن

(1) المبسوط 1: 36.
(2) هذه العبارة في النسخ متفاوتة، ففي " م " يوجد: (ما يمتنع منه حد القلة) وفي " ن ": (ما يمنع منه حد القلة) وفي " ح " " ق ": (ما ينفي منه حد الغسلة). وما أثبتناه من " خ ".
(3) نقله عنه ابن إدريس في السرائر: 35.
(4) الوسيلة (الجوامع الفقهية): 669.
(5) المغني 1: 563.
(6) تقدم في ص 252245.
(7) التهذيب 1: 261 حديث 759، الوسائل 2: 1015 الباب 12 من أبواب النجاسات، حديث 1. وفيهما: (وإن مسه جافا مكان: وإن مسحه).

[ 255 ]

المشقة إنما تحصل بدم الانسان نفسه، لعدم انفكاكه منه غالبا، أما دم الكلب فنادر، فلا حرج في إزالته. والجواب عن الأول: بالفرق بين الرطوبة والدم، إذ قد ثبت في الدم العفو عما نقص عن الدرهم، ولم يثبت فيما هو أخف نجاسة منه كبول الصبي. وعن الثاني: بأن المشقة غير مضبوط، فلا تعتبر في التعليل، بل المظنة التي هي الدم، الموجود في دم الكلب، ولو سلم ذلك لزم عدم اعتبار الدرهم في جميع الدماء إلا دم الانسان نفسه، وذلك باطل بالاجماع. والأقرب عندي قول قطب الدين، لأن نجس العين يحصل لدمه بملاقاته نجاسة غير معفو عنها، وهكذا حكم دم الكافر. الرابع: لو أصاب الدم نجاسة، لم يعف عنه قليلا وكثيرا، لأن المعفو عنه إنما هو النجاسة الدموية لا غير. الخامس: روى الشيخ، عن مثنى بن عبد السلام (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام [ قال ] (2): قلت له: إني حككت جلدي فخرج منه دم؟ فقال: (إن اجتمع قدر حمصة فاغسله وإلا فلا) (3) وهذه الرواية تحمل على الاستحباب، أو على أن القدر ليس في السعة بل في الوزن، فإنه تقريبا يساوي سعة الدرهم. السادس: حكم البدن حكم الثوب في هذا الباب. ذكره أصحابنا، ويؤيده: رواية مثنى بن عبد السلام، لأن المشقة في البدن موجود كالثوب بل أبلغ، لكثرة وقوعها، إذ لا يتعدى إلى الثوب غالبا إلا منه، وهل

(1) مثنى بن عبد السلام العبدي مولاهم كوفي، عده الشيخ في رجاله بهذا العنوان من أصحاب الصادق (ع). وقال في الفهرست: مثنى بن عبد السلام له كتاب. رجال النجاشي: 415، رجال الطوسي: 312، الفهرست 168.
(2) أضفناه من المصدر.
(3) التهذيب 1: 255 حديث 741، الاستبصار 1: 176 حديث 613، الوسائل 2: 1027 الباب 20 من أبواب النجاسات، حديث 5. يساوي الثوب الملبوس والمصحوب فيه إشكال فلو لم يكن على بدنه ولا على ثوبه الذي يلبسه دم وكان في كمه

[ 256 ]

يتساوى (1) الثوب الملبوس والمصحوب؟ فيه إشكال. فلو لم يكن على بدنه ولا على ثوبه الذي يلبسه دم وكان في كمه ثوب فيه دم يسير، ففي العفو عنه إشكال ينشأ من عموم الترخص، ومن كونه مشروعا لأجل المشقة. السابع: الرطب الطاهر لو تنجس بالدم ثم أصاب الثوب لم يعتبر الدرهم فيه، بل وجب إزالة قليله، لأنه نجس ليس بدم، فوجب إزالته بالاصل السالم عن المعارض. لا يقال: إن النجاسة مستفادة من الدم، فكان الحكم له. لأنا نقول: قد لا يثبت في الفرع ما ثبت في الأصل، خصوصا في هذا الباب، إذ الرخصة لا تتعدى، ولأن الاعتبار بالمشقة المستندة إلى كثرة الوقوع، وذلك غير موجود في صورة النزاع لندوره. أما لو زالت عين الدم بما لا يطهرها، ففي جواز الصلاة نظر أقربه الجواز، لأنه مع العينية يجوز وبزوال العين تخف النجاسة، فكان الدخول سائغا، وفارق خفة النجاسة في البول للصبي، لأن شدة النجاسة وخفتها هاهنا تعتبران بالقياس إلى الدم نفسه، لا إليه وإلى غيره. الثامن: يجب غسل الدم في كل موضع يجب غسله بالماء، وذلك لما سبق من أن المزيل للنجاسة إنما هو الماء لا غير، وفي دم الحيض إذا لم يزل أثره بالغسل يستحب صبغه بالمشق بكسر الميم وهو المغرة، قاله صاحب الصحاح (2). لما رواه الشيخ، عن أبي بصير: وسألته امرأة أن بثوبي دم الحيض وغسلته ولم يذهب أثره؟ فقال: اصبغيه بمشق) (3).

(1) " ح " " ق " " م " " ن ": يساوي. (2) الصحاح 4: 1555.
(3) التهذيب 1: 257 حديث 746، الوسائل 2: 1033 الباب 25 من أبواب النجاسات، حديث 4. بتفاوت في السند.

[ 257 ]

وقد روى الشيخ في الموثق، عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (ولا بأس أيضا بشبهه من الرعاف ينضحه ولا يغسله) (1) وفي طريقها قول. والحق عندي أنه يجب غسله سواء كان دم رعاف أو غيره، لما مر من الأحاديث (2) الدالة على وجوب غسله، ويحمل قوله (ينضحه) على صب الماء عليه بحيث يزول أثره وحينئذ يطهر. ويؤيد ما ذكرنا: ما رواه الشيخ في الموثق، عن عمار الساباطي قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل يسيل من أنفه الدم فهل عليه أن يغسل باطنه يعني جوف الانف؟ فقال: (إنما عليه أن يغسل ما ظهر منه) (3). وروى الشيخ أيضا، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه عن علي عليه السلام قال: (لا بأس أن يغسل الدم بالبصاق) (4). وروي، عن غياث أيضا، عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال: (لا يغسل بالبصاق (5) شئ غير الدم) (6) والروايتان ضعيفتان، فلا تعويل عليهما، بل المتعين هو الماء، ويحتمل أنهما يغسلان بالبصاق، ثم يغسلان بالماء، لأنه لا تنافي بينهما. التاسع: لو كان الثوب ضعيفا فأصاب الدم أحد الجانبين واتصل بالجانب الآخر فهما نجاسة واحدة يعتبر فيها قدر الدرهم، أما لو لم يتصلا بل حال بينهما شئ لم يصبه الدم تعددتا، فإن بلغ مجموعهما الدرهم لم يعف عنه، كما لو كان في موضعين من جهة واحدة. مسألة: وقد عفي عن النجاسة مطلقا دما كانت أو غيره عما لا تتم الصلاة فيه

(1) التهذيب 1: 259 حديث 753، الوسائل 2: 1027 الباب 20 من أبواب النجاسات، حديث 7.
(2) تقدمت في ص 252.
(3) التهذيب 1: 420 حديث 1330، الوسائل 2: 1032 الباب 24 من أبواب النجاسات، حديث 5.
(4) التهذيب 1: 425 حديث 1350، الوسائل 1: 149 الباب 4 من أبواب الماء المضاف، حديث 2.
(5) " خ " " م " " ن ": بالبزاق.
(6) التهذيب 1: 423 حديث 1339، الوسائل 1: 148 الباب 4 من أبواب الماء المضاف، حديث 1.

[ 258 ]

منفردا. قال ابن بابويه: ومن أصاب قلنسوته، أو تكته، أو عمامته، أو جوربه، أو خفه مني، أو بول، أو غائط فلا بأس بالصلاة فيه، ذلك لأن الصلاة لا تتم في شئ من هذا وحده (1). وقال الشيخ في المبسوط والنهاية: وإذا أصاب خفه، أو جوربه، أو قلنسوته، أو تكته، أو ما لا تتم الصلاة فيه منفردا شئ من النجاسة لم يكن بالصلاة فيه بأس، وإزالته أفضل (2). وقال في الجمل: ويشترط الخلو من النجاسة إلا مالا تتم الصلاة فيه منفردا، مثل التكة، والجورب، والخف، والقلنسوة، والنعل، والتنزه عنه أفضل (3). وقال في الخلاف: كما لا تتم الصلاة فيه منفردا لا بأس بالصلاة فيه وإن كان فيه نجاسة مثل الخف إلى آخر ما ذكر في الجمل (4) وقال المفيد: ولا بأس بالصلاة في الخف وإن كان فيه نجاسة، وكذلك النعل والتنزه أفضل، وإذا أصاب تكته، أو جوربه نجاسة لم يخرج بالصلاة فيهما، لأنهما مما لا تتم الصلاة بها دون ما سواها من اللباس (5). وقال السيد المرتضى، وانفردت الامامية بجواز صلاة من في قلنسوته نجاسة، أو تكته، أو ما جرى مجراهما مما لا تتم الصلاة به على الانفراد (6). وقال أبو الصلاح: ومعفو عن الصلاة في القلنسوة، والتكة، والجورب، والنعلين، والخفين وإن كان نجسا (7). وقال سلار: وما يلبس ضربان: أحدهما لا تتم الصلاة به منفردا وهو القلنسوة، والجورب، والتكة، والخف، والنعل، فكل ذلك إذا كان فيه نجاسة جاز الصلاة فيه،

(1) الفقيه 1: 42.
(2) المبسوط 1: 38، النهاية 54.
(3) الجمل والعقود: 64.
(4) الخلاف 1: 178 مسألة 223.
(5) المقنعة: 10.
(6) الانتصار: 38.
(7) الكافي لابن قدامة: 140.

[ 259 ]

وما عدا ذلك من الملابس إن كان فيه نجاسة فلا تجوز الصلاة فيه (1). وهذه العبارات مختلفة، ففي بعضها تصريح التعميم في كل ما لا تتم الصلاة فيه بانفراده كالخاتم، والسوار، وما أشبههما، وفي البعض التخصيص بما ذكر. وقد ادعى ابن إدريس التعميم (2)، وخالف الجمهور في ذلك كله. والأقرب عندي التعميم. احتج الآخرون بأن إباحة الصلاة في التكة، والجورب، والقلنسوة، والنعل، والخف خاصة مما اتفق عليه الأصحاب أما ما عدا ذلك فلا، وإدخال العمامة في كلام ابن بابويه ضعيف، إذ قد تتم الصلاة بها. لنا: في مطلق العفو: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (إذا وطئ أحدكم بخفه قذرا فطهوره التراب) (3). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن حماد، عمن رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يصلي في الخف قد أصابه القذر، فقال: (إذا كان مما لا تتم الصلاة فيه فلا بأس) (4). وما رواه، عن حفص بن [ أبي ] (5) عيسى (6) قال قلت: لأبي عبد الله عليه السلام: إني وطئت عذرة بخفي ومسحته حتى لم أر فيه شيئا، ما تقول في الصلاة فيه؟ فقال: (لا بأس) (7).

(1) المراسم: 56. (2) السرائر: 37.
(3) سنن أبي داود 1: 105 حديث 385، مستدرك الحاكم 1: 166. بتفاوت.
(4) التهذيب 1: 274 حديث 807، الوسائل 2: 1045 الباب 31 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(5) أضفناه من المصدر.
(6) حفص بن أبي عيسى الكوفي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). وقال العلامة المامقاني: ظاهره كونه إماميا إلا أن حاله مجهول. رجال الطوسي: 176، جامع الرواة 1: 260، تنقيح المقال 1: 351.
(7) التهذيب 1: 274 حديث 808، الوسائل 2: 1047 الباب 32 من أبواب النجاسات، حديث 6.

[ 260 ]

وعلى التعميم ما رواه (1) عبد الله بن سنان، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (كلما كان على الانسان أو معه مما لا يجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلي فيه وإن كان فيه قذر مثل القلنسوة، والتكة، والكمرة والنعل، والخفين وما أشبه ذلك) (2). ولأن التكة وشبهها لا حظ لها في أجزاء الصلاة، ولا تصح الصلاة فيها على الانفراد، فكان وجودها كالعدم. فروع: الأول: هذا الحكم إنما يتعلق بما لا تتم الصلاة فيه منفردا من الملابس، أما غيرها فلا، فلو كان معه دراهم نجسة أو غيرها لم تصح صلاته. الثاني: إنما يعفى عن نجاسة هذه الاشياء إذا كانت في محالها، فلو وضع التكة على رأسه والخف في يده كانا نجسين لم تصح صلاته، وإلا لم يبق فرق بين الملبوس وغيره. الثالث: لا فرق بين أن يكون النجس واحدا من هذه الاشياء أو أكثر والجميع، عملا بعموم العفو عما لا تتم الصلاة فيه منفردا. مسألة: لا يجزي في المني الفرك، بل لا بد من غسله بالماء رطبا كان أو يابسا، مني إنسان كان أو غيره، ذكرا أو أنثى. وهو قول مالك (3)، والأوزاعي، والثوري (4). وقال أبو حنيفة: يغسل رطبا ويفرك يابسا (5). وقال أحمد بالفرك إذا

(1) " خ " " د ": روى.
(2) التهذيب 1: 275 حديث 810، الوسائل 2: 1046 الباب 31 من أبواب النجاسات، حديث 5.
(3) المدونة الكبرى 1: 21، بداية المجتهد 1: 82، المغني 1: 772، المجموع 2: 554، المحلى 1: 126. (4) المغني 1: 772، المجموع 2: 554.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 81، بدائع الصنائع 1: 84، الهداية للمرغيناني 1: 35، شرح فتح القدير 1: 173، المغني 1: 772، المجموع 2: 554، بداية المجتهد 1: 82.

[ 261 ]

كان يابسا، تفريعا على التنجيس، إذ له فيه روايتان، وذلك في مني الرجل. أما مني المرأة فلا يجزي فيه إلا الغسل تفريعا على التنجيس (1). لنا: قوله تعالى: " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان " (2) قال المفسرون: المراد به أثر الاحتلام امتن الله تعالى علينا بجعل الماء مطهرا منه، فلا يجزي فيه غيره (3). وما رواه الجمهور، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (سبعة يغسل منها الثوب: البول، والمني) وفي حديث عمار: (إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمني) (4). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا احتلم الرجل فأصاب ثوبه مني فليغسل الذي أصابه) (5). وعن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المني يصيب الثوب؟ قال: (إن عرفت مكانه فاغسله، فإن خفي عليك مكانه فاغسله كله) (6) ولأنه نجس فتجب إزالته باليقين ولا يقين بالفرك، لاستبعاد زوال أجزائه به. احتجوا بما (7) روته عائشة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال في المني يصيب الثوب: (إن كان رطبا فاغسليه، وإن كان يابسا فافركيه) (8). وروت أنها كانت

(1) المغني 1: 771 و 773، الانصاف 1: 341، الكافي لابن قدامة 1: 109.
(2) الانفال: 11.
(3) أحكام القرآن للجصاص 4: 225، التفسير الكبير 15: 134، التبيان 5: 86.
(4) أحكام القرآن للجصاص 5: 369.
(5) التهذيب 1: 252 حديث 728، الوسائل 2: 1022 الباب 16 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(6) التهذيب 1: 251 حديث 725، الوسائل 1: 1022 الباب 16 من أبواب النجاسات، حديث 6.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 81، بدائع الصنائع 1: 84، المغني 1: 772، المجموع 2: 554، الهداية للمرغيناني 1: 35.
(8) سنن الدار قطني 1: 125 حديث 3.

[ 262 ]

تفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله فيصلي فيه (1). والجواب عنهما: أنهما قضية في عين، فلعلها بعد الفرك تغسله، وذلك للفرق بين الرطب واليابس، فإن الأول يمكن زواله بسرعة بخلاف الثاني، فاستحب الفرك للاستطهار. مسألة: ويستحب قرص الثوب وحته، ثم غسله بالماء من دم الحيض. وهو مذهب علمائنا، وبه قال أكثر أهل العلم (2). وذهب قوم من أهل الظاهر إلى أنه يجب القرص والحت (3). لنا: قوله تعالى:: " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به " (4) فلو لم يكن كافيا لم تحصل المنة به، ولم يجعله الله تعالى مطهرا. وما رواه الجمهور، عن خولة بنت يسار قالت: قلت يا رسول الله، أرأيت لو بقي أثره؟ قال: (الماء يكفيك ولا يضرك أثره) (5) فأخبر عليه السلام بالاكتفاء بالماء، فالزائد غير واجب. ولأن الأصل عدم الوجوب. تذنيب: الحت بالظفر لتذهب خشونته، ثم يقرصه ليلين للغسل، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال لاسماء في دم الحيض: (حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء) (6).

(1) سنن ابن ماجة 1: 179 حديث 537، سنن أبي داود 1: 101 حديث 372، سنن الترمذي 1: 199 حديث 116.
(2) المغني 1: 78، المجموع 2: 594، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 242.
(3) قال في المجموع 2: 594: إن الحت والقرص مستحبان وليسا بشرط، وفي وجه شاذ: هما شرط.
(4) الانفال: 11.
(5) سنن أبي داود 1: 100 حديث 365، مسند أحمد 2: 364، سنن البيهقي 2: 408 بتفاوت يسير.
(6) سنن ابن ماجة 1: 206 حديث 629، سنن أبي داود 1: 99 حديث 361، سنن الترمذي 1: 254 حديث 138، سنن النسائي 1: 195، سنن الدارمي 1: 197، سنن البيهقي 1: 13. بتفاوت في الجميع.

[ 263 ]

مسألة: ويجب غسل الثوب من البول مرتين، لما رواه الشيخ في الحسن، عن الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البول يصيب الجسد؟ قال: ([ صب عيه الماء ] (1) مرتين، فإنهما هو ماء) وسألته عن الثوب يصيبه البول؟ قال: (اغسله مرتين) (2). وما رواه في الصحيح، عن محمد، عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن الثوب يصيبه البول؟ قال: (اغسله مرتين) (3). وما رواه، عن ابن أبي إسحاق النحوي (4)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن البول يصيب الثوب؟ قال: (اغسله مرتين) (5). وفي الصحيح، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام عن البول يصيب الثوب قال: (اغسله مرتين) (6). وروى الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الثوب يصيبه البول؟ قال: (اغسله في المركن مرتين، فإن غسلته في ماء جار فمرة واحدة) (7) والأقرب عندي وجوب الازالة فإن حصل بالمرة الواحدة كفى.

(1) في النسخ: (اغسله)، وما أثبتناه من المصدر.
(2) التهذيب 1: 249 حديث 714، الوسائل 2: 1001 الباب 1 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(3) التهذيب 1: 251 حديث 721، الوسائل 2: 1001 الباب 1 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(4) ثعلبة بن ميمون مولى بني أسد: أبو إسحاق النحوي، وجها في أصحابنا، عده الشيخ في رجاله تارة من أصحاب الصادق (ع) وأخرى من أصحاب الكاظم (ع). رجال النجاشي: 117، رجال الطوسي: 161، 345.
(5) التهذيب 1: 249 حديث 716، الوسائل 2: 1001 الباب 1 من أبواب النجاسات، حديث 3 وفيها: (صب عليه الماء مرتين).
(6) التهذيب 1: 251 حديث 722، الوسائل 2: 1001 الباب 1 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(7) التهذيب 1: 250 حديث 717، الوسائل 2: 1002 الباب 2 من أبواب النجاسات، حديث 1.

[ 264 ]

فروع: الأول: النجاسات التي لها قوام وثخن كالمني وشبهه أولى بالتعدد في الغسلات. ويؤيده: قول أبي عبد الله عليه السلام عن البول، فإنما هو ما يدل بمفهومه على أنه غير الماء أكثر عددا. وما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر المني فشدده وجعله أشد من البول (1). ويستحب فركه إن كان يابسا وقد تقدم. وغير المني من النجاسات المتجسدة (2) كالمني في استحباب الفرك مقدما على الغسل، لأن فيه استظهارا. الثاني: النجاسة إذا لم تكن مرئية طهرت بالغسل مرة واحدة. وبه قال الشافعي (3). وقال أصحاب الرأي: لا يطهر إلا بالغسل ثلاثا (4). لنا: إن المطلوب من الغسل إنما هو إزالة العين والأثر، وغير المرئية لا عين لها، فكان الاكتفاء فيها بالمرة ثابتا. ولأن الماء غير مطهر عقلا، لأنه إذا استعمل في المحل جاورته النجاسة فينجس، وهكذا دائما، وإنما عرفت طهارته بالشرع بتسميته طهورا بالنص، فإذا وجد استعمال الطهور مرة عمل عمله من الطهارة وصار كالنجاسة الحكمية. احتجوا (5) بقوله عليه السلام (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في

(1) التهذيب 1: 252 حديث 730، الوسائل 2: 1022 الباب 16 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(2) " خ ": المستجدة. " م ": المتحدة.
(3) بدائع الصنائع 1: 87.
(4) بدائع الصنائع 1: 87، الهداية للمرغيناني 1: 37. (5) بدائع الصنائع 1: 87.

[ 265 ]

الاناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده) (1) ولأن طهورية الماء مستندة إلى كونه مزيلا وذلك لا يحصل بالمرة الواحدة، والكثرة مؤثرة، فقدرناها بالثلاث، لأنه، أدنى الكثير (2). والجواب عن الأول: إن غسل اليد ليس للنجاسة، وإنما هو تعبد شرعي لا معنى له، فلا يصح القياس عليه، على أن ابن عباس وعائشة أنكرا هذا الحديث ولذلك قالا: فكيف يصنع بالمهراس. وعن الثاني بأن الازالة إنما تكون لعين ثابتة، والتقدير أنها غير مرئية، وإن المرة مزيلة. الثالث: لا يكفي صب الماء في النجاسة بل لابد من عصر الثوب ودلك الجسد، لأن فيه استظهارا، ولأن الأجزاء من النجاسة دخلت أجزاء الثوب وبالملاقاة لأجزاء الماء ينجس الماء فيجب زواله عن الثوب بقدر الامكان، ولأن الغسل إنما يفهم منه في الثوب صب الماء مع العصر، ويدل عليه رواية أبي الفضل العباس الصحيحة عن أبي عبد الله عليه السلام، (إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله وإن مسحه جافا فاصبب عليه الماء) (3). وما رواه الشيخ في الحسن، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام: وسألته عن الصبي يبول على الثوب؟ قال: (تصب عليه الماء قليلا ثم

(1) صحيح مسلم 1: 233 حديث 278، سنن ابن ماجة 1: 138 حديث 393، سنن أبي داود 1: 25 حديث 103، الموطأ 1: 21 حديث 9، سنن الترمذي 1: 36 حديث 24، سنن البيهقي 1: 46، مسند أحمد 2: 241 سنن الدار قطني 1: 49 حديث 1، بتفاوت في الجميع.
(2) " م ": الكثرة.
(3) التهذيب 1: 261 حديث 759، الوسائل 2: 1015 الباب 12 من أبواب النجاسات، حديث 1 وفيهما: (وإن مسه جافا مكان: وإن مسحه).

[ 266 ]

تعصره) (1). وما رواه في الموثق، عن عمار بن موسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قدح أو إناء يشرب منه الخمر، قال: (تغسله ثلاث مرات) سئل: أيجزيه أن يصب فيه الماء؟ قال: (لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله ثلاث مرات) (2). وجه الاستدلال منه من وجهين: أحدهما: أنه أمر بدلك الاناء لأجل ملاقاته للنجاسة، وهذا المعنى موجود في البدن وغيره. الثاني: أنه أجاب بالغسل فلو لم يتضمن الدلك، ثم أوجبه بعد ذلك لكان تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة، وذلك غير جائز. لا يقال: أنه عطف الغسل على الدلك وذلك يقتضي المغايرة. لأنا نقول: لا شك في المغايرة، إذ جزء الماهية مغاير لها، ولا استحالة في عطف الكل على الجزء. لا يقال: قد روى الشيخ في الحسن عن الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البول يصيب الجسد؟ قال: (اصبب عليه الماء مرتين) (3). لأنا نقول: لا منافاة لما ذكرناه، إذ وجوب الصب لا ينافي وجوب الدلك، مع أن هذا الراوي روى، عن أبي عبد الله عليه السلام عن البول يصيب [ الثوب ] (4)، قال: (اغسله مرتين) (5) وقد بينا أن الغسل يشتمل على الدلك. والأقرب عندي أن

(1) التهذيب 1: 249 حديث 714، الاستبصار 1: 174 حديث 603، الوسائل 2: 1002 الباب 3 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 283 حديث 830، الوسائل 2: 1074 الباب 51 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(3) التهذيب 1: 249 حديث 714، الوسائل 2: 1001 الباب 1 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(4) في النسخ: الجسد، وما أثبتناه مطابق للمصدر.
(5) راجع المصادر المتقدمة.

[ 267 ]

الدلك في الجسد مستحب مع تيقن زوال النجاسة. الرابع: ولو كان المتنجس (1) بساطا أو فراشا يعسر عصره غسل ما ظهر في وجهه، وإن سرت النجاسة في أجزائه غسل الجميع واكتفى بالتقليب والدق عن العصر للضرورة. روى الشيخ في الحسن، عن إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا عليه السلام: الطنفسة والفراش يصيبهما البول كيف يصنع به وهو [ ثخين ] (2) كثير الحشو؟ قال: (يغسل ما ظهر منه في وجهه) (3) وهذا يحمل ما فرضناه من التقدير لما رواه ابن يعقوب، عن إبراهيم بن عبد الحميد قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الثوب يصيبه البول فينفذ إلى الجانب الآخر وعن الفرو وما فيه من الحشو؟ قال: (اغسل ما أصاب منه ومس الجانب الآخر، فإن أحببت مس شئ منه فاغسله وإلا فانضحه بالماء) (4). الخامس: لو أخل بالعصر في الثوب لم يطهر، خلافا لابن سيرين، فإنه قال بطهارته وطهارة الماء المنفصل. لنا: إنه أخل بشرط التطهير وهو العصر، فلا يحصل المشروط، والماء المنفصل قليل لاقى نجاسة، فيحكم بنجاسته، وقياسه على ما في المحل ضعيف، للفرق بالحرج، وهو أحد وجهي الشافعية. والثاني: أنه يطهر (5)، ومبنى الخلاف على طهارة الغسالة ونجاستها، فإن قالوا بالطهارة فالثوب طاهر، وإن قالوا بالنجاسة فهو نجس، وكذا لو لم يرش الماء عن الاناء. السادس لو غسل بعض ثوب النجس طهر المغسول دون غيره، وهو قول أكثر

(1) " ح " " ق " " ن " " م " " د ": النجس.
(2) أضفناه من المصدر.
(3) التهذيب 1: 251 حديث 724، الوسائل 2: 1004 الباب 5 من أبواب النجاسات، حديث 1. (4) الكافي 3: 55 حديث 3، الوسائل 2: 1004 الباب 5 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(5) المجموع 2: 593.

[ 268 ]

أهل العلم (1). وقال بعض الشافعية: لا يطهر (2). لنا: إن الماء مطهر وقد لاقى محلا قابلا، فيطهر أثره. احتج المخالف بأن المغسول يجاور النجس فينجس كل جزء منه بالمجاورة (3). والجواب: إن هذا خيال ضعيف، فإنه يلزم نجاسة العالم بالملاقاة، ولأن طهارة كل جزء لو كان شرطا لطهارة الآخر لزم الدور. السابع: إذا أراد غسل الثوب بالماء القليل ينبغي أن يورد الماء عليه، ولو صبه في الاناء ثم غمسه فيه لم يطهر. قاله السيد، وهو جيد، وفرق بين ورود النجاسة على الماء وورود الماء عليها، وهو أحد وجهي الشافعية. والآخر إنه يطهر (4)، لأن غمسه يزيل نجاسته، وإذا قصد ذلك كان بمنزلة إيراد الماء عليه، وليس بجيد، لأن القصد لا يؤثر، ولهذا لو غسل الصبي أو المجنون طهر المحل. مسألة: في بول الصبي روايتان: روى الشيخ في الحسن، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام، وسألته عن الصبي يبول على الثوب؟ قال: (يصب عليه الماء قليلا، ثم يعصره) (5). والأخرى رواها في الحسن، عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول الصبي؟ قال: (تصب عليه الماء، فإن كان قد أكل فاغسله غسلا، والغلام والجارية شرع سواء) (6) والمشهورة بين علمائنا الأخيرة، وهي صب الماء على بول

(1) المغني 1: 78، المجموع 2: 595.
(2) المهذب للشيرازي 1: 49، المجموع 2: 595.
(3) المجموع 2: 595، مغني المحتاج 1: 189.
(4) المهذب للشيرازي 1: 49، المجموع 2: 593.
(5) التهذيب 1: 249 حديث 714، الاستبصار 1: 174 حديث 603، الوسائل 2: 1002 الباب 3 من أبواب النجاسات، حديث 1، (6) التهذيب 1: 249 حديث 715، الاستبصار 1: 173 حديث 602، الوسائل 2: 1003 الباب 3 من أبواب النجاسات، حديث 2.

[ 269 ]

الصبي، أما الصبية، فلا بد من غسله، وهو قول علي عليه السلام (1)، وعطاء، والحسن (2)، والشافعي (3)، وأحمد (4)، وإسحاق (5)، وأبو عبيد (6). وقال الثوري (7)، وأبو حنيفة (8)، ومالك: يغسل بول الغلام كما يغسل بول الجارية (9)، ولا خلاف بين أهل العلم في نجاسة البولين إلا داود، فإنه قال: بول الصبي طاهر ويستحب الرش (10)، لنا على الإجزاء (11) بالصب: ما رواه الجمهور، عن أم قيس بنت محصن (12) أنها أتت بابن صغير لها لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فأجلسه رسول الله رسول الله صلى الله عليه وآله في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله (13)،

(1) المغني 1: 770، المجموع 2: 590، المحلى 1: 101، نيل الأوطار 1: 58.
(2) المغني 1: 770، المحلى 1: 102، نيل الأوطار 1: 58.
(3) المجموع 2: 589، المغني 1: 770، المحلى 1: 102.
(4) المغني 1: 770، الكافي لابن قدامة 1: 115، المحلى 1: 102، المجموع 2: 590، نيل الأوطار 1: 58. (5) المغني 1: 770، المجموع 2: 590، المحلى 1: 102، نيل الأوطار 1: 58.
(6) المجموع 2: 590.
(7) المغني 1: 771، المجموع 2: 590.
(8) المغني 1: 771، المجموع 2: 590، المحلى 1: 102، نيل الأوطار 1: 158.
(9) المدونة الكبرى 1: 24، المجموع 2: 590، المحلى 1: 102.
(10) يستفاد من ظاهر المجموع 2: 590.
(11) " خ ": الاجتزاء.
(12) أم قيس بنت محصن بن حرثان الاسدية، أسلمت بمكة قديما وبايعت النبي صلى الله عليه وآله وهاجرت إلى المدينة، وهي من المهاجرات الأول اللاتي بايعن رسول الله صلى الله عليه وآله. أسد الغابة 5: 609.
(13) صحيح البخاري 1: 66، صحيح مسلم 1: 238 حديث 287، سنن ابن ماجة 1: 174 حديث 524، سن أبي داود 1: 102 حديث 374، سنن الترمذي 1: 104 حديث 71، سن النسائي 1: 157،

[ 270 ]

وعن عائشة قالت: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله (1) متفق عليه. ورووا، عن لبابة بنت الحرث (2) قالت: كان الحسين بن علي عليهما السلام في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله فبال عليه فقلت: البس ثوبا آخر وأعطني إزارك حتى اغسله؟ قال: (إنما يغسل من بول الانثى وينضح من بول الذكر) (3) رواه أبو داود. ورووا، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (بول الغلام ينضح وبول الجارية يغسل) (4). ومن طريق الخاصة: رواية الحلبي وقد تقدمت. وما رواه الشيخ، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه عليهم السلام أن عليا عليه السلام قال: (لبن الجارية وبولها يغسل منه الثوب قبل أن تطعم، [ ولأن لبنها يخرج من مثانة أمها ] (5). ولبن الغلام لا يغسل منه الثوب ولا بوله قبل أن يطعم، لأن لبن الغلام

سنن الدارمي 1: 189، الموطأ 1: 64 حديث 110، مسند أحمد 6: 355. (1) صحيح البخاري 1: 66، صحيح مسلم 1: 237 حديث 286، سنن أبن ماجة 1: 174 حديث 523، سنن النسائي 1: 157، الموطأ 1: 64 حديث 109، مسند أحمد 6: 52. (2) لبابة بنت الحارث بن حزم من بني هلال بن عامر أم الفضل، وهي أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وآله وزوجة العباس بن عبد المطلب يقال: إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة وكان النبي يزورها. روت عن النبي صلى الله عليه وآله وروى عنها ابناها عبد الله وتمام، وأنس بن مالك وعبد الله بن الحارث وغيرهم. أسد الغابة 5: 539، الأصالة 4: 398، الاستيعاب بهامش الاصابة 4: 398.
(3) سنن أبي داود 1: 102 حديث 375.
(4) سنن ابن ماجة 1: 174 حديث 525، سنن أبي داود 1: 103 حديث 377، سنن الترمذي 2: 509. حديث 610، مسند أحمد 1: 76، 97، 137 وج 6: 339.
(5) أضفناه من المصدر.

[ 271 ]

يخرج من العضدين والمنكبين) (1). احتج أبو حنيفة بأنه بول نجس، فوجب غسله كغيره من النجاسات، ولأنه حكم يتعلق بالنجاسة، فاستوى فيه الذكر والانثى (2). والجواب: ما ذكرناه من الأحاديث نصوص، وما ذكره قياس، والنص أولى. وأيضا: فالنجاسات قابلة للشدة والضعف، وحينئذ يبطل القياس. لا يقال: قد روى الشيخ، عن سماعة قال: سألته عن بول الصبي يصيب الثوب؟ فقال: (اغسله) قلت: فإن لم أجد مكانه؟ قال (اغسل الثوب كله) (3). لأنا نقول: هذه الرواية ضعيفة، ومع ذلك فيمكن أن تتناول من أكل الطعام ومن لم يأكل، والجمع يقتضي حملها على الأول، ولو حملت على الثاني كان ترجيحا من غير مرجح، وإبطالا لما ذكرناه من الأحاديث، فكان قولنا أولى. تذنيب: هذا التحقيق متعلق بمن لم يأكل، وحده ابن إدريس بالحولين (4)، وليس شيئا، إذ روايتا الحلبي والسكوني دلتا على الاكل والطعم سواء بلغ الحولين أو لم يبلغ، ولا أعلم علته في ذلك، بل الأقرب تعلق الحكم بطعمه مستندا إلى إرادته وشهوته وإلا لتعلق الغسل بساعة الولادة، إذ يستحب تحنيكه بالتمر. مسألة: ويكتفي في المربية للصبي إذا لم تجد إلا ثوبا واحدا بالمرة في اليوم. ذكره الشيخ (5) لأنه متكرر، فيشق إزالته، فجرى مجرى دم القروح السائلة.

(1) التهذيب 1: 250 حديث 718، الاستبصار 1: 173 حديث 601، الوسائل 2: 1003 الباب 3 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(2) المغني 1: 771. (3) التهذيب 1: 251 حديث 723، الاستبصار 1: 174 حديث 604، الوسائل 2: 1003 الباب 3 من أبواب النجاسات، حديث 3.
(4) السرائر 38.
(5) المبسوط 1: 39، النهاية: 55.

[ 272 ]

ويؤيده: ما رواه الشيخ، عن أبي حفص (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن امرأة ليس لها إلا قميص ولها مولود فيبول عليها، كيف تصنع؟ قال: (تغسل القميص في اليوم مرة) (2). فروع: الأول: اسم اليوم يطلق على النهار والليل فيكتفي فيهما بالمرة. الثاني: لو قيل باستحباب جعل الغسلة (3) آخر النهار لتوقع الصلوات الأربع في الطهارة كان حسنا. الثالث: روى عبد الرحيم القصير قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام عن خصي يبول فيلقى من ذلك شدة ويرى البلل بعد البلل؟ قال: (يتوضأ وينضح ثوبه في النهار مرة واحدة) (4) وفي الطريق كلام، لكن العمل بمضمونها أولى، لما فيه من الرخصة عند المشقة. مسألة: كل نجاسة لاقت البدن أو الثوب رطبا وجب غسل موضع الملاقاة، وإن كان يابسا استحب رش الثوب بالماء ومسح البدن بالتراب إن كانت النجاسة كلبا أو خنزير. أما وجوب الغسل لهما مع ملاقاة الرطب منهما لكل نجاسة فاتفاق إذ النجاسة تؤثر بالملاقاة، ويدل عليه ما رواه الجمهور، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه

(1) أبو حفص، روى عن أبي عبد الله، وروى عنه سيف بن عميرة، وقد عنونه الاردبيلي في جامع الرواة ب‍: أبي حفص الكلبي، إلا أن هذه النسبة ردها العلامة المامقاني مستدلا بأن الأسانيد المروية عنه خالية من هذا اللقب، وقال: لم نقف على اسمه ولا على ذكر له في كلمات أصحابنا الرجاليين. جامع الرواة 2: 380، تنقيح المقال (فصل الكنى) 3: 13.
(2) التهذيب 1: 250 حديث 719، الوسائل 2: 1004 الباب 14 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(3) " د ": الغسل.
(4) الكافي 3: 20 حديث 6، الفقيه 1: 43 حديث 168، التهذيب 1: 353 حديث 1051، الوسائل 1: 208 الباب 13 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 8.

[ 273 ]

وآله (إذا وطي أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب) (1). رواه أبو داود. وما رووه، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا) (2) أخرجه أبو داود، ولا طهور إلا مع التنجيس. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يصيب ثوبه جسد الميت؟ فقال: (يغسل ما أصاب الثوب) (3). وأما استحباب النضح مع اليبوسة، فلما رواه الشيخ، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إذا مس ثوبك كلب فإن كان يابسا فانضحه، وإن كان رطبا فاغسله) (4). وعن الحسين بن سعيد، عن القاسم، عن علي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الكلب يصيب الثوب؟ قال: (انضحه، وإن كان رطبا فاغسله) (5). وفي الصحيح، عن الفضل أبي العباس قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله وإن مسحه جافا فاصبب عليه الماء) (6). وفي الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام في الخنزير يمس الثوب؟ (وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلا أن يكون فيه أثر فيغسله) (7). وأما مسح الجسد، فشئ ذكره بعض الأصحاب (8)، ولم يثبت.

(1) سنن أبي داود 1: 105 حديث 386.
(2) سنن أبي داود 1: 19 حديث 71.
(3) التهذيب 1: 276 حديث 812، الاستبصار 1: 1: 192 حديث 671، الوسائل 2: 1050 الباب 34 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(4) التهذيب 1: 260 حديث 756، الوسائل 2: 1034 الباب 26 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(5) التهذيب 1: 260 حديث 757، الوسائل 2: 1034 الباب 26 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(6) التهذيب 1: 261 حديث 759، الوسائل 2: 1015 الباب 12 من أبواب النجاسات، حديث 1 وفيهما: " وإن مسه جافا " مكان: " وإن مسحه ".
(7) التهذيب 1: 261 حديث 760، الوسائل 2: 1017 الباب 13 من أبواب النجاسات حديث 1. + + + +

[ 274 ]

مسألة: والبول إذا لاقى الأرض والبواري والحصر وجففته الشمس كانت المحال طاهرة في قول الشيخين (1)، وابن إدريس (2). وقال ابن الجنيد: الاحوط تجنبها إلا أن يكون ما يلاقيها من الأعضاء يابسا (3). وقال الراوندي (4) وابن حمزة: تجوز الصلاة عليها وإن كانت نجسة (5). وقال الشافعي في القديم: أنها تطهر مع الجفاف (6). وهو قول أبي حنيفة (7). وقال أبو يوسف (8)، ومحمد: إنها تطهر بالجفاف وإن كان بغير الشمس (9). وقال مالك (10)، وأحمد (11)، وأبو ثور (12)، وزفر (13)، والشافعي في القول الآخر: إنها لا تطهر إلا بالماء (14). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (ذكاة الأرض

(8) المبسوط 1: 37. (1) المفيد في المقنعة: 10، والطوسي في المبسوط 1: 38، والنهاية: 35.
(2) السرائر: 36، 38.
(3) نقله عنه في المعتبر 1: 446.
(4) نقله عنه في المعتبر 1: 446.
(5) الوسيلة (الجوامع الفقهية): 670. (6) المجموع 2: 596 (7) بدائع الصنائع 1: 85، الهداية للمرغيناني 1: 35، المغني 1: 775، المجموع 2: 596، ميزان الكبرى 1: 103، نيل الأوطار 1: 52.
(8) المجموع 2: 596، نيل الأوطار 1: 52.
(9) بدائع الصنائع 1: 85، المغني 1: 775، المجموع 2: 596.
(10) المجموع 2: 596، نيل الأوطار 1: 52.
(11) المغني 1: 775، الكافي لابن قدامة 1: 113، المجموع 2: 596، الانصاف 1: 317، منار السبيل 1: 51.
(12) المغني 1: 775.
(13) بدائع الصنائع 1: 85، المجموع 2: 596، نيل الأوطار 1: 52.
(14) الأم 1: 53، المجموع 2: 596، المغني 1: 775، بدائع الصنائع 1: 85، نيل الأوطار 1: 52.

[ 275 ]

يبسها) (1). وعن ابن عمر قال: كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون من ذلك شيئا. أخرجه أبو داود (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الشمس هل تطهر الأرض؟ قال: (إذا كان الموضع قذرا من البول وغير ذلك فأصابته الشمس، ثم ييبس الموضع فالصلاة على الموضع جائزة، وإن أصابته الشمس ولم ييبس الموضع القذر وكان رطبا فلا تجوز الصلاة عليه حتى ييبس، وإن كانت رجلك أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصل على ذلك الموضع حتى ييبس، وإن كان غير الشمس أصابه حتى ييبس فإنه لا يجوز ذلك) (3). وما رواه، عن علي بن جعفر في الصحيح، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن البواري يصيبها البول، هل تصلح الصلاة عليها إذا جفت من غير أن يغسل؟ قال: (نعم، لا بأس) (4). وما رواه، عن أبي بكر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (يا أبا بكر ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر) (5).

(1) نيل الأوطار 1: 52. (2) سنن أبي داود 1: 104 حديث 382.
(3) التهذيب 1: 272 حديث 802، الاستبصار 1: 193 حديث 675، الوسائل 2: 1042 الباب 29 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(4) التهذيب 1: 273 حديث 803، الاستبصار 1: 193 حديث 676، الوسائل 2: 1042 الباب 29 من أبواب النجاسات، حديث 3.
(5) التهذيب 1: 273 حديث 804، الاستبصار 1: 193 حديث 677، الوسائل 2: 1043 الباب 29 من أبواب النجاسات، حديث 5.

[ 276 ]

قال ابن إدريس: هذه رواية شاذة (1). ونحن نقول: إنها لا تحمل على إطلاقها، بل على الأرض والبواري وشبههما، توفيقا بين الأدلة. وروى ابن بابويه في الصحيح، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن البول يكون على السطح أو في المكان الذي يصلي فيه؟ فقال: (إذا جففته الشمس فصل عليه فهو طاهر) (2) ولأن حرارة الشمس تفيد تسخينا وهو يوجب تبخير الأجزاء الرطبة وتصعيدها والباقي تشربه الأرض فيكون الظاهر طاهرا. قال الشيخ (3): ويمكن أن يستدل بقوله عليه السلام: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركتني الصلاة صليت) (4). واعلم أن الشيخ لما استدل بخبري عمار وعلي بن جعفر، نظر بعض المتأخرين فيه فوجد الحديث الثاني غير دال على الطهارة، بل على جواز الصلاة التزم بذلك وقال: أنها غير دالة على جواز السجود عليها وعلى طهارتها، واختار مذهب الراوندي (5)، وليس ما ذكره بجيد، ولأن رواية عمار فرقت بين اليبوسة بالشمس وغيرها، فجوز الصلاة في الأول دون الثاني، ولو كان كما ذكره لم يبق فرق بينهما، إذ المذهب جواز الصلاة على الأرض النجسة إذا لم تتعد النجاسة وكان موضع السجود طاهرا، ولأن الإذن في الصلاة مطلقا في الروايتين دليل على جواز السجود عليها، إذ هو أحد أجزائها، ومن شرط السجود طهارة المحل. هذا بالنظر إلى هاتين الروايتين، وأما رواية ابن بابويه فهي صريحة بالطهارة وهي صحيحة، ورواية أبي بكر الحضرمي أيضا

(1) السرائر: 36.
(2) الفقيه 1: 157 حديث 732، الوسائل 2: 1042 الباب 29 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(3) الخلاف 1: 186 مسألة 236. (4) صحيح البخاري 1: 91، صحيح مسلم 1: 370 - 371 حديث 521 - 523، سنن النسائي 1: 210 - 211 بتفاوت يسير.
(5) هو المحقق الحلي، أنظر: المعتبر 1: 446.

[ 277 ]

تدل على الطهارة. لا يقال: قد روى الشيخ في الصحيح، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألته عن الأرض والسطح يصيبه البول وما أشبهه هل تطهره الشمس من غير ماء؟ قال: (كيف يطهر من غير ماء) (1). والجواب من وجهين: أحدهما: أنها مرسلة، فلعل محمدا سأل من ليس بإمام، فلا حجة فيها. الثاني: يحتمل أنها جفت بغير الشمس. ويؤيد هذا التأويل رواية عمار. احتج المخالف (2) بقوله عليه السلام: (أهريقوا على بوله سجلا (3) من ماء) (4) والامر للوجوب، ولأنه محل نجس، فلا يطهر بغير الماء كالثياب. والجواب عن الأول: إنه واقعة في عين جزئية فلعلها كانت فيما لا تصل الشمس إليه. وأيضا: الواجب تطهير ذلك الموضع، والماء أسرع في ذلك من الشمس، فالنبي صلى الله عليه وآله أمر بما هو أسرع إفضاءا إلى المقصود لحكمة التطهير عن النجاسة الثانية في المسجد، ولئلا يتأذى بها من يدخل جاهلا. وعن الثاني: بالفرق، إذ الأرض يعسر غسلها بخلاف الثوب، ولا يلزم من اشتراط الغسل في الاسهل اشتراطه في الأصعب، ولا فرق بين بول الصحيح والمرطوب والمحرور وغيرهم للعموم.

(1) التهذيب 1: 273 حديث 805، الاستبصار 1: 193 حديث 678، الوسائل 2: 1043 الباب 29 من أبواب النجاسات، حديث 7.
(2) المغني 1: 776.
(3) السجل: الدلو الضخمة المملوءة ماءا. لسان العرب 11: 325، النهاية لابن الأثير 2: 343.
(4) صحيح البخاري 1: 65، سنن النسائي 1: 49، مسند أحمد 2: 282.

[ 278 ]

فروع: الأول: لو جف بغير الشمس لم يطهر عندنا قولا واحدا، خلافا للحنفية (1). لنا: الأصل بعد ملاقاة النجاسة ثبوتها واستصحابها، وما رويناه من حديث عمار وغيره. لا يقال: قد روى ابن بابويه في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن البيت والدار لا تصيبهما الشمس ويصيبها البول، ويغتسل فيهما من الجنابة أيصلى فيهما إذا جفا؟ قال: (نعم) (3). وسأل عمار الساباطي أبا عبد الله عليه السلام عن البارية يبل قصبها بماء قذر، هل تجوز الصلاة عليها؟ فقال: (إذا جفت فلا بأس بالصلاة عليها) (2) وذلك مطلق، ولأن الجفاف ثابت في الموضعين وذلك يقتضي زوال عين النجاسة، فلا وجه للتخصيص. والجواب عن الأول بأنا نحملها على الصلاة عليها مع نجاستها إذا سجد على طاهر، جمعا بين الأخبار. وعن الثاني: أنها مطلقة فيقيد بما رواه عمار أيضا. وعن الثالث: بالفرق، إذ مفارقة أجزاء النجاسة بالتسخين ليس مساويا لمفارقتها بالنشف. الثاني: قال الشيخ في الخلاف: أن الأرض لو جفت بغير الشمس لم تطهر (4).

(1) شرح فتح القدير 1: 174.
(2) الفقيه 1: 158 حديث 738، الوسائل 2: 1043 الباب 30 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(3) الفقيه 1: 158 حديث 738، التهذيب 2: 370 حديث 1539، الوسائل 2: 1044 الباب 30 من أبواب النجاسات، حديث 5.
(4) الخلاف 1: 185 مسألة 236.

[ 279 ]

وقال في موضع آخر: لو طلعت عليها الشمس أوهبت عليها الريح حتى زالت عين النجاسة فإنها تطهر ويجوز السجود عليها والتيمم بترابها، وإن لم يطرح عليها الماء (1)، فأخذ ابن إدريس عليه ذلك (2). وهو جيد، لأنه إن اشترط مجموع الأمرين نازعناه، ولا دليل عليه، وإن جعل المطهر أحدهما لا بعينه فهو أشكل ويناقض لما ذكره أولا. ويمكن الاعتذار بأن الريح المزيلة لعين النجاسة هاهنا المراد بها إذا زالت الأجزاء الارضية الملاقية أيضا، جمعا بين الكلامين. الثالث: قال في المبسوط: لو وقع الخمر لم تطهره الشمس (3)، لأن حمله على البول قياس، وقال في موضع آخر منه: إن كانت النجاسة مائعة طهرت بالتجفيف من الشمس (4) وقال في الخلاف: الأرض إذا أصابتها نجاسة مثل البول وما أشبهه وطلعت عليها الشمس أو هبت عليها الريح حتى زالت عين النجاسة طهرت (5)، وما ذكره في المبسوط جيد، لأن الروايات الصحيحة إنما تضمنت البول فالتعدية بغير دليل لا يجوز، ورواية عمار وإن دلت على التعميم إلا أنها لضعف سندها لم يعول عليها. الرابع: لا تطهر غير الأرض والبارية والحصر وما يشبههما من المعمول من نبات الأرض غير القطن والكتان بالشمس، من الثياب والأواني وغيرها مما ينقل ويحول، أما ما لا ينقل مما ليس بأرض كالنباتات وغيرها فالوجه الطهارة، دفعا للمشقة. الخامس: لا يطهر الكنيف وشبهه بالشمس. قاله ابن الجنيد (6)، لاختصاص إزالة الشمس بالاجزاء الرطبة أما الأجزاء الترابية النجسة فلا. وكذا لو اختلط التراب

(1) الخلاف 1: 66 مسألة: 186.
(2) السرائر: 36.
(3) المبسوط 1: 93.
(4) المبسوط 1: 38.
(5) الخلاف 1: 66 مسألة: 186.
(6) نقله عنه في المعتبر 1: 447.

[ 280 ]

بعظم الكلب والخنزير وانسحقا وكذا ما أشبههما. السادس: يجوز التيمم بالأرض اليابسة بالشمس لأنها طاهرة، وكذا السجود عليها. مسألة: وتطهر الأرض من البول إذا وقع عليها ذنوب من ماء بحيث يقهره ويزيل لونه وريحه، ويبقى الماء على الطهارة. ذكره الشيخ (1)، وابن إدريس (2)، وبه قال الشافعي (3)، وأحمد (4)، وقال أبو حنيفة: لا تطهر الأرض حتى ينفصل الماء فيكون المنفصل نجسا (5). والأقرب عندي أنها لا تطهر بذلك. لنا: الأصل النجاسة، فلا تزول إلا مع اليقين، والماء الملاقي ماء قليل فينجس بالملاقاة. احتج الشيخ (6) بما رواه أنس قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي صلى الله عليه وآله، فلما قضا بوله أمر بذنوب (7)، من ماء (8) فاهريق عليه. والنبي صلى الله عليه وآله إنما يأمر بالطهارة بالمؤثر لا بما يزيد التنجيس، فيلزم طهارة الماء أيضا. والجواب: إن هذه الرواية عندنا ضعيفة، فكيف يعول عليها، مع أنها معارضة بالأصل وبما رواه ابن معقل (9) إن النبي صلى الله عليه وآله قال: (خذوا ما بال عليه

(1) المبسوط 1: 92، الخلاف 1: 185 مسألة: 235.
(2) السرائر: 38.
(3) الأم 1: 52، المغني 1: 773.
(4) المغني 1: 773، الكافي لابن قدامة 1: 113، الانصاف 1: 315، منار السبيل 1: 51.
(5) المغني 1: 773.
(6) الخلاف 1: 185 مسألة: 235، إلا أنه احتج برواية أبي هريرة. (7) الدنوب: الدلو فيها ماء، لسان العرب 1: 392.
(8) صحيح البخاري 1: 65، المغني 1: 774.
(9) عبد الله بن معقل بن مقرن المزني: أبو الوليد الكوفي، روى عن أبيه وعلي وابن مسعود، وعنه أبو * * * *

[ 281 ]

من التراب وأهريقوا على مكانه ماءا) (1). وما رواه أبو بكر بن عياش، عن أبي وائل، عن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: فأمر به فحفر (2). قالوا: حديث ابن معقل مرسل (3). قلنا: هذا لا يتأتى من أبي حنيفة فإنه يعمل بالمرسل وأيضا: فهي مؤثرة في الظن، ومع ظن وجود المعارض لا يبقى حديثهم سليما، وأيضا: فيحتمل أنه إنما أمر بذلك بعد يبوسة الأرض بالشمس، كما ذكره بعض الجمهور. فروع: الأول: لا تطهر الأرض من نجاسة البول وشبهه إلا بإجراء الماء الكثير عليه أو بوقوع المطر أو السيل بحيث يذهب أثرها، أو بوقوع الشمس حتى يجف به البول قال الشيخ: وتطهر أيضا بزوال الأجزاء النجسة أو بتطين الأرض بطين طاهر (4) وفي الحقيقة هذان غير مطهرين ما كان نجسا. الثاني: لا فرق بين قليل المطر إذا وقع وكثيره إذا أزال العين والأثر، واعتبر أحمد (5) وقوع ما كان بقدر الذنوب عليه، وليس عندنا هذا بشئ لما رواه الجمهور بأن الصحابة والتابعين كانوا يخوضون المطر في الطرقات فلا يغسلون أرجلهم من القذر ولأن ماء المطر مطهر لكل ما يلاقيه على ما بان.
(6).

إسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير ويزيد بن أبي زياد، مات سنة بضع وثمانين. تهذيب التهذيب 6: 40. (1) سنن أبي داود 1: 104 حديث 381 (2) سنن الدار قطني 1: 131 حديث 2.
(3) سنن أبي داود: 104، المغني 1: 774.
(4) المبسوط 1: 94.
(5) المغني 1: 774.
(6) المغني 1: 775.

[ 282 ]

الثالث: لا تطهر الأرض مع وجود الرائحة أو اللون، لأن جودها دليل على بقائها، إلا أن يعلم أن الرائحة لأجل المجاورة. الرابع: لو كانت النجاسة جامدة أزيلت عينها ولو خالطت أجزاء التراب لم يطهر إلا بإزالة الجميع. مسألة: وتطهر الأرض أسفل الخف والنعل والقدم مع زوال النجاسة. قال المفيد: وإذا مس خف الانسان أو نعله نجاسة، ثم مسحها بالتراب طهر بذلك (1) وقال ابن الجنيد (2): لو وطئ برجله أو ما هو وقاء لها نجاسة، ثم وطئ بعده على أرض طاهرة يابسة، طهر ما مس الأرض من رجله والوقاء ولو مسحها حتى تذهب عين النجاسة وأثرها بغير ماء أجزأه مع طهارة الممسوح به. وهو اختيار الأوزاعي، وإسحاق (3)، وإحدى الروايات عن أحمد (4)، والرواية الثانية: إنه يجب غسله كسائر النجاسات (5)، والثالثة: يجب غسله من البول والعذرة خاصة (6). وقال أبو حنيفة: النجاسة الجرمية إذا أصابت الخف ونحوه وجفت ودلكها بالأرض طهر، وإن كانت رطبة لم يطهر إلا بالغسل (7). وقال أبو يوسف كما قلناه (8). فقال محمد (9)، والشافعي (10) في الجديد بالرواية الثانية عن أحمد.

(1) المقنعة: 10. (2) نقلة عنة في المعتبر 1: 447.
(3) المغني 1: 765، نيل الأوطار 1: 54.
(4) المغني 1: 765، الكافي لابن قدامة 1: 114، الانصاف 1: 323، نيل الأوطار 1: 55.
(5) المغني 1: 765، الكافي لابن قدامة 1: 114، الانصاف 1: 323.
(6) راجع نفس المصادر.
(7) بدائع الصنائع 1: 84، الهداية للمرغيناني 1: 34.
(8) بدائع الصنائع 1: 84، الهداية للمرغيناني 1: 35، نيل الأوطار 1: 54.
(9) بدائع الصنائع 1: 84، نيل الأوطار 1: 55.
(10) المهذب للشيرازي 1: 50، المجموع 2: 598، بدائع الصنائع 1: 84، نيل الأوطار 1: 55.

[ 283 ]

لنا: ما رواه الجمهور، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب) (1). وفي لفظ آخر: (إذا وطئ أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب له طهور) (2). وروت عائشة عنه صلى الله عليه وآله مثله (3). وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرا أو أذي فليمسحه وليصل فيهما) (4). وعن ابن مسعود قال: كنا لا نتوضأ من موطئ. أخرج (5) ذلك أبو داود. ولأن النبي صلى الله عليه وآله والصحابة كانوا يصلون في نعالهم مع أنها لا تنفك غالبا عن ملاقاة نجاسة. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ عن جعفر بن أبي عيسى قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني وطئت عذرة بخفي ومسحته حتى لم أر فيه شيئا، ما تقول في الصلاة فيه؟ فقال: (لا بأس) (6). وما رواه في الصحيح، عن زرارة بن أعين قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل وطئ على عذرة فساحت رجله فيها أينقض ذلك وضوءه؟ وهل يجب عليه غسلها؟ فقال: (لا يغسلها إلا أن يقذرها ولكنه يمسحها حتى يذهب أثرها ويصلي) (7).

(1) سنن أبي داود 1: 105 حديث 386.
(2) سنن أبي داود 1: 105 حديث 385.
(3) سنن أبي داود 1: 105 حديث 387. (4) سنن أبي داود 1: 175 حديث 650، سنن الدارمي 1: 320، مسند أحمد 3: 20.
(5) سنن أبي داود 1: 53 حديث 204.
(6) التهذيب 1: 274 حديث 808، الوسائل 2: 1047 الباب 32 من أبواب النجاسات، حديث 6.
(7) التهذيب 1: 275 حديث 809، الوسائل 2: 1048 الباب 32 من أبواب النجاسات، حديث 7.

[ 284 ]

وما رواه ابن يعقوب في كتابه في الصحيح، عن الاحول، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف، ثم يطأ بعده مكانا نظيفا قال: (لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك) (1). وما رواه ابن يعقوب في الحسن، عن محمد بن مسلم قال: كنت مع أبي جعفر عليه السلام إذ مر على عذرة يابسة فوطئ عليها فأصابت ثوبه، فقلت: جعلت فداك قد وطئت على عذرة فأصابت ثوبك؟ فقال: (أليس هي يابسة)؟ فقلت بلى، فقال: (لا بأس أن الأرض يطهر بعضها بعضا) (2). وما رواه ابن يعقوب في الصحيح، عن الحلبي قال: نزلنا في مكان بيننا وبين المسجد زقاق قذر، فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال: (أين نزلتم)؟ فقلت نزلنا في دار فلان، فقال: إن بينكم وبين المسجد زقاقا قذرا أو قلنا له: أن بيننا وبين المسجد زقاقا قذرا فقال: (لا بأس الأرض يطهر بعضها بعضا) فقلت: السرقين الرطب أطأ عليه، قال: (لا يضرك مثله) (3) ولأن الخف والنعل لا ينفكان عن ملاقاة النجاسة فلو اقتصرنا في إزالتها عنهما على الماء كان حرجا، والتراب من طبعه إحالة ما يلاقيه، فإذا زالت العين زالت النجاسة. احتج الشافعي، ومحمد بأن النبي صلى الله عليه وآله قال في نعليه: (أن فيهما قذرا) (4) وبأن هذه عين تنجست بإصابة النجاسة، فلا تطهر بغير الغسل كغيرها من الاعيان، والدلك لا يذهب جميع أجزاء النجاسة (5). واحتج أبو حنيفة على الفرق بأن الجلد صلب لا يتشرب كثير النجاسة فتبقى

(1) الكافي 3: 38 حديث 1:، الوسائل 2: 1046 الباب 32 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(2) الكافي 3: 38 حديث 2، الوسائل 2: 1047 الباب 32 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(3) الكافي 3: 38 حديث 3، الوسائل 2: 1047 الباب 32 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(4) سنن أبي داود 1: 175 حديث 650، سنن الدارمي 1: 320، مسند أحمد 3: 92.
(5) المهذب للشيرازي 1: 50، فتح العزيز بهامش المجموع 4: 45، بدائع الصنائع 1: 84.

[ 285 ]

الرطوبة على ظاهره، فإذا جفت النجاسة عادت الرطوبة إلى جرمها وتزول بزواله ولا كذلك الرطب (1). والجواب عن الأول: أنه عليه السلام لم يعلم بقدرهما فلم يدلكهما حتى أخبره جبرئيل عليه السلام بأنهما قذرة، فنزعهما. وعن الثاني: أنه قياس في معرض النص، فلا يكون مقبولا. وأيضا: فالفرق ظاهر بلزوم المشقة، إذ الغالب ملاقاة النجاسة، فكان الانسان دائما لا ينفك عن الغسل. وعن الثالث: فعل التراب في الازالة واحد في البابين، ولأن الروايات ظاهرة العموم والعمل بها. فروع: الأول: قال بعض أصحابنا: إن أسفل القدم حكمه حكم الخف والنعل (2). ويدل عليه رواية زرارة (3)، وعندي فيه توقف. الثاني: لو دلكهما قبل جفاف النجاسة أو بعدها استويا إذا زالت العين، عملا بمطلق الروايات، خلافا لبعض الجمهور (4). الثالث: الدلك مطهر، خلافا لبعض الجمهور (5)، لرواية أبي هريرة (6).

(1) بدائع الصنائع 1: 84، الهداية للمرغيناني 1: 35، شرح فتح القدير 1 " 172.
(2) المعتبر 1: 447.
(3) التهذيب 1: 275 حديث 809، الوسائل 2: 1048 الباب 32 من أبواب النجاسات، حديث 7.
(4) المغني 1: 766، المهذب للشيرازي 1: 50، المجموع 2: 598، الانصاف 1: 324، بدائع الصنائع 1: 84، الهداية للمرغيناني 1: 34، نيل الأوطار 1: 55.
(5) المغني 1: 765، الكافي لابن قدامة 1: 114، الانصاف 1: 323.
(6) سنن أبي داود 1: 105 حديث 385، 386.

[ 286 ]

ومن طريق الخاصة: رواية محمد بن مسلم والحلبي. مسألة: الجسم الصيقل كالسيف والمرآة وشبههما إذا لاقته نجاسة، قال السيد المرتضى: تطهر بالمسح المزيل للعين (1). وبه قال أبو حنيفة (2) قال الشيخ: ولست أعرف به أثرا (3)، والظاهر أنه لا يطهر إلا بالغسل بالماء. وبه قال الشافعي (4)، والأقرب عندي ما قاله الشيخ، لقوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) (5) فلو كان غيره مطهرا لكان التخصيص في معرض الامتنان منافيا للغرض، ولأن حصول النجاسة معلوم، فيفتقر في زوال حكمها إلى دليل. احتج السيد المرتضى بأن المسح يزيل عين النجاسة، والحكم بالتنجيس تابع، ويرتفع بارتفاع المتبوع. والجواب: المسح إنما يزيل عين النجاسة الظاهرة، أما الأجزاء الملاصقة فلا، ولأن النجاسة الرطبة يتعدى حكمها إلى الملاقي ولا تطهر بزوالها. مسألة: الاعيان النجسة إذا استحالت فقد تطهر في مواضع قد وقع الاتفاق على بعضها، ونحن نعدها ها هنا. الأول: الخمر إذا انقلب طهر إجماعا. وقد تقدم (6) البحث فيه. الثاني: جلود الميتة إذا دبغت، قال بعض الجمهور، (7): إنها تطهر. واتفق علماؤنا

(1) نقله عنه في الخلاف 1: 178 مسألة: 222، والمعتبر 1: 450.
(2) بدائع الصنائع 1: 85، الهداية للمرغيناني 1: 35، المجموع 2: 599.
(3) الخلاف 1: 178 مسألة: 222. (4) المجموع 2: 599.
(5) الانفال: 11.
(6) تقدم في ص 219.
(7) الأم 1: 9، المهذب للشيرازي 1: 10، المجموع 1: 217، ميزان الكبرى 1: 107، السراج الوهاج: 23، التفسير الكبير 5: 16، أحكام القرآن للجصاص 1: 142، بدائع الصنائع 1: 85، الهداية للمرغيناني 1: 20، المغني 1: 84، المحلى 1: 122، بداية المجتهد 1: 78، نيل الأوطار 1: 74.

[ 287 ]

إلا ابن الجنيد (1) على خلافه وسيأتي. الثالث: النطفة والعلقة إذا تكونتا إنسانا طهرتا إجماعا من القائلين بالتنجيس. وكذا الدم إذا صار قيحا أو صديدا عند علمائنا. الرابع: إذ وقع الخنزير وشبهه في ملاحة فاستحال ملحا، والعذرة في البئر فاستحالت حمأة لم تطهر. وهو قول أكثر أهل العلم (2)، خلافا لأبي حنيفة (3). لنا: إن النجاسة قائمة بالاجزاء لا بالصفات، والإجزاء باقية، وتغاير الاوصاف لا يخرجها عن الذاتية، ولأن نجاستها لم تحصل بالاستحالة، فلا تزول بها. واحتج بالقياس على الخمر (4). والجواب: الفرق بينهما بما ذكرناه من حصول نجاسته بالاستحالة دون ما نحن فيه. الخامس: الاعيان النجسة إذا أحرقت بالنار فصارت رمادا طهرت. قاله الشيخ (5)، وهو مذهب أبي حنيفة (6)، وخالف فيه الشافعي (7)، وأحمد (8). لنا: على الطهارة ما رواه الحسن بن محبوب (9)، قال: سألت أبا الحسن عليه

(1) نقله عنه في المعتبر 1: 463.
(2) المغني 1: 776، المجموع 2: 579، شرح فتح القدير 1: 176.
(3) بدائع الصنائع 1: 85، المجموع 2: 579.
(4) بدائع الصنائع 1: 85.
(5) الخلاف 1: 187 مسألة: 239.
(6) بدائع الصنائع 1: 85، المجموع 2: 579.
(7) المجموع 2: 579.
(8) المغني 1: 776، الكافي لابن قدامة 1: 112، الانصاف 1: 318، المجموع 2: 579.
(9) الحسن بن محبوب السراد والزراد، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الكاظم والرضا (ع)، وعده الكشي من أصحاب الاجماع. مات سنة 224 ه‍. رجال الطوسي: 347، 372، رجال الكشي: 556، رجال العلامة: 37.

[ 288 ]

السلام عن الجص يوقد عليه عذرة وعظام الموتى، ويجصص به المسجد [ أ ] (1) يسجد عليه؟ فكتب إلي بخطه: (إن الماء والنار قد طهراه) (2) وفي الاستدلال بهذه إشكال من وجهين: أحدهما: إن الماء الممازج هو الذي يحل به، ذلك غير مطهر. إجماعا. الثاني: إنه حكم بنجاسة الجص، ثم بتطهيره وفي نجاسته بدخان الاعيان النجسة إشكال، والأقرب أن يقال: النار أقوى إحالة من الماء، فكما أن الماء مطهر فالنار أولى، ولأن الناس بأسرهم لم يحكموا بنجاسة الرماد، إذ لا يتوقون منه ولو كان نجسا لتوقوا منه قطعا. السادس: قال الشيخ: اللبن المضروب من الطين النجس إذا طبخ آجرا أو عمل خزفا طهرته النار (3)، واستدل بالحديث الأول وفيه إشكال، وقال الشافعي: لا يطهر بذلك (4). السابع: لو استحال الدبس النجس إلى الخل لم يطهر، لاختصاص التطهير بالاستحالة بنجاسة الخمرية. الثامن: لو صارت الاعيان النجسة ترابا فالأقرب الطهارة، لأن الحكم معلق على الاسم ويزول بزواله، ولقوله عليه السلام: (التراب طهور المسلم) (5) (جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا) (6).

(1) في النسخ: ويسجد عليه. وما أثبتناه من المصدر.
(2) الكافي 3: 330 حديث 3، الفقيه 1: 175 حديث 829، التهذيب 2: 235 حديث 828، الوسائل 2: 1099 الباب 81 من أبواب النجاسات حديث 1.
(3) الخلاف 1: 187 مسألة 239، المبسوط 1: 94.
(4) المهذب للشيرازي 1: 50، المجموع 2: 597.
(5) سنن أبي داود 1: 90 حديث 332، سنن النسائي 1: 171، سنن الدار قطني 1: 187 حديث 3، سنن البيهقي 1: 217 بتفاوت في الجميع.
(6) صحيح البخاري 1: 91، صحيح مسلم 1: 371 حديث 522، سنن الدار قطني 1: 175 حديث 1 + + + +

[ 289 ]

التاسع: العجين إذا كان ماؤه نجسا لم تطهره النار إلا بصيرورته رمادا، ولا يجوز أكله. وقال الشيخ في موضع من النهاية: إن النار قد طهرته، وفي موضع آخر: إنها لا تطهره (1). لنا: ما رواه الشيخ، عن زكريا بن آدم: قال قلت لأبي الحسن عليه السلام: فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم، قال: فقال: (فسد) قلت: أبيعه من اليهود والنصارى وأبين لهم؟ قال: نعم فإنهم يستحلون شربه) (2) فلو كانت النار تطهره لبينه له. وما رواه في الصحيح، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (يدفن ولا يباع) (3). احتج المخالف بما رواه الشيخ، عن أحمد بن محمد بن عبد الله بن الزبير (4)، عن جده قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البئر تقع فيها الفأرة وغيرها من الدواب فتموت فيعجن من مائها أيؤكل ذلك الخبز؟ قال: (إذا أصابته النار فلا بأس بأكله) (5). وعن ابن أبي عمير، عمن رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام في عجين عجن وخبز

و 176 حديث 2، سنن البيهقي 1: 213 بتفاوت في الجميع ومن طريق الخاصة انظر: دعائم الاسلام 1: 120. (1) النهاية 8، 590. (2) التهذيب 1: 279 حديث 820، الوسائل 2: 1056 الباب 38 من أبواب النجاسات، حديث 8.
(3) التهذيب 1: 414 حديث 1306، الاستبصار 1: 29 حديث 77، الوسائل 1: 174 الباب 11 من أبواب الاسئار، حديث 2.
(4) أحمد بن محمد بن عبد الله الزبير الأسدي، روى عنه أحمد بن الحسين الميثمي، قال العلامة المامقاني: لم أجد للرجل ذكرا في كتب الرجال. جامع الرواة 1: 68، تنقيح المقال 1: 88.
(5) التهذيب 1: 413 حديث 1303، الاستبصار 1: 29 حديث 74، الوسائل 1: 129 الباب 14 من أبواب الماء المطلق، حديث 17.

[ 290 ]

ثم علم أن الماء كانت فيه ميتة، قال: (لا بأس، أكلت النار ما فيه) (1). والجواب عن الرواية الأولى: بضعف سندها، فإن في طريقها أحمد بن الحسين الميثمي (2) وهو واقفي، والرواية الثانية مرسلة، وإن كانت مراسيل بن أبي عمير معمولة بها إلا أنها معارضة بالأصل، فلا تكون مقبولة، ولأن النار لم تحله بل جففته وأزالت عنه بعض الرطوبة فالنجاسة موجودة، أما ما تضمنته الرواية من البيع ففيه نظر، والأقرب أنه لا يباع، لرواية ابن أبي عمير فإن استدل بما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا وما أحسبه إلا عن حفص بن البختري، قال: قيل لأبي عبد الله عليه السلام عن العجين يعجن من الماء النجس، كيف يصنع به؟ قال: (يباع ممن يستحيل أكل الميتة) (3). والجواب عنها: إنها معارضة بما قدمناه، ويمكن أن يحمل على البيع على غير أهل، الذمة وإن لم يكن ذلك بيعا في الحقيقة. ويجوز إطعامه الحيوان المأكول اللحم، خلافا لأحمد (4)، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال للقوم الذين اختبزوا من آبار الذين مسخوا: (اعلفوه النواضح) (5) وقال مالك،

(1) التهذيب 1: 414 حديث 1304، الاستبصار 1: 29 حديث 75، الوسائل 1: 129 الباب 14 من أبواب الماء المطلق، حديث 18.
(2) أحمد بن الحسين، أو أحمد بن الحسن الميثمي، صرح الصدوق والكشي بأنه كان واقفيا، والرجل في المصادر الروائية وأكثر كتب الرجال معنون بأحمد بن الحسن، وفي النسخ وتنقيح المقال بأحمد بن الحسين الميثمي. رجال الكشي: 468، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 20، تنقيح المقال 1: 58. (3) التهذيب 1: 414 حديث 1305، الاستبصار 1: 29 حديث 76، الوسائل 1: 174 الباب 11 من أبواب الاسئار، حديث 1.
(4) المغني 1: 65.
(5) المغني 1: 65. وفيه: ظلموا أنفسهم مكان، مسخوا.

[ 291 ]

والشافعي: يطعم البهائم (1). وقال ابن المنذر، لا يطعم شيئا (2)، لأن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن شحوم الميتة يطلي بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: (لا، هو حرام) (3). والجواب: النهي وقع عن الميتة، وليس محل النزاع ولا شبهه. العاشر: الصابون إذا انتقع في الماء النجس والسمسم والحنطة إذا انتقعا كان حكمها حكم العجين. وقال أبو يوسف: الحنطة والسمسم والخشبة إذا تنجست بالماء، واللحم إذا كان مرقه نجسا، يطهر، بأن يغسل ثلاثا ويترك حتى يجف في كل مرة، فيكون ذلك كالعصر (4)، وهو الاقوى عندي، لأنه قد ثبت ذلك في اللحم مع سريان أجزاء الماء النجسة فيه، فكذا ما ذكرناه. فرع: لا بأس أن يطعم العجين النجس الدواب، إذ لا تحريم في حقها والمحرم على المكلف تناولها ولم يحصل، ولأن فيه نفعا، فكان سائغا. وخالف فيه بعض الجمهور، وهو باطل، لما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله قال للقوم الذين اختبزوا من آبار الذين مسخوا: (اعلفوه النواضح) (5). ويجوز أن يطعم لما يؤكل في الحال، خلافا لأحمد (6). وكذا ما يحلب لبنه وقت أكله، عملا بالاطلاق. الحادي عشر: الدهن النجس لا يطهر بالغسل. نعم لو صب في كر ماء ومازجت

(1) المغني 1: 65.
(2) المغني 1: 65.
(3) صحيح البخاري 3: 110، صحيح مسلم 3: 1207 حديث 1581، سنن ابن ماجة 2: 732 حديث 2167، سنن أبي داود 3: 279 حديث 3486، سنن الترمذي 3: 591 حديث 1297، سنن النسائي 7: 309، مسند أحمد 2: 213.
(4) المبسوط للسرخسي 24: 25.
(5) المغني 1: 65. وفيه: " ظلموا أنفسهم " مكان: " مسخوا ".
(6) المغني 1: 66.

[ 292 ]

أجزاء الماء أجزاءه واستظهر على ذلك بالتصويل بحيث يعلم وصول أجزاء الماء إلى جميع أجزائه طهر. الثاني عشر: طين الطريق ما لم يعلم فيه نجاسة بناءا على الأصل. نعم، يستحب إزالته بعد ثلاثة أيام. وللشافعي قولان، أحدهما: وجوب الازالة، لعدم انفكاكه من النجاسة. والثاني: الاستحباب (1). وكذا البحث في الميازيب الجارية من المطر وغيره، الأصل فيه الطهارة ما لم يعلم نجاسته. وللشافعي قولان: أحدهما: الوجوب لعدم انفكاك السطوح من النجاسات (2). الثالث عشر: دخان الاعيان النجسة طاهر عندنا، لخروجها عن المسمى، خلافا لأحمد (3)، أما البخار المتصاعد من الماء النجس إذا اجتمعت منه نداوة على جسم صقيل وتقاطر فإنه نجس، إلا أن يعلم تكونه من الهواء، كالقطرات الموجودة على طرف إناء في أسفله جمد نجس، فإنها طاهرة. مسألة: وإذا كان حصول النجاسة في الثوب أو البدن معلوما وجب غسل ما أصابه، وإن كان مشكوكا يستحب نضحه بالماء لما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام عن رجل يبول بالليل فيحسب أن البول أصابه ولا يستيقن، فهل يجزيه أن يصب على ذكره إذا بال ولا يتنشف؟ قال: (يغسل ما استبان أنه أصابه وينضح ما يشك فيه من جسده وثيابه ويتنشف قبل أن يتوضأ) (4).

(1) قال في المجموع 1: 209: قال إمام الحرمين وغيره في طين الشوارع الذي يغلب على الظن نجاسته، قولان: أحدهما: يحكم بنجاسته، والثاني: بطهارته، بناءا على تعارض الأصل.
(2) المجموع 1: 209 وفيه، ماء الميزاب الذي يظن نجاسته ولا يتيقن طهارته ولا نجاسته. فيه القولان.
(3) الكافي لابن قدامة 1: 112.
(4) التهذيب 1: 421 حديث 1234، الوسائل 2: 1053 الباب 37 من أبواب النجاسات، حديث 2.

[ 293 ]

وروي في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: (فإن ظن أنه أصابه مني ولم يستيقن ولم ير مكانه فلينضحه بالماء، وإن استيقن أنه قد أصابه ولم ير مكانه فليغسل ثوبه كله، فإنه أحسن) (1). فصل: وروي استحباب النضح في مواضع أخر: منها: في المذي، رواه الشيخ في الحسن، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام (2)، وفي الصحيح، عن محمد، عن أحدهما عليهما السلام (3). ومنها: في الكلب إذا أصاب الثوب يابسين وقد تقدم (4). ومنها: في الخنزير إذا أصاب الثوب كذلك. ومنها: في الفأرة إذا لاقت الثوب وهي رطبة ولم ير الموضع، رواه الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام (5). ومنها: في بول الدواب والبغال والحمير إذا شك في إصابتها للثوب، رواه الشيخ في الحسن، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام (6). ومنها: في الثوب يصيبه عرق الجنب، رواه الشيخ، علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام (7). ومنها: في بول البعير والشاة، رواه الشيخ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن

(1) التهذيب 1: 252 حديث 728، الوسائل 2: 1022 الباب 16 من أبواب النجاسات، حديث 4. (2) التهذيب 1: 253 حديث 733، الوسائل 2: 1023 الباب 17 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(3) التهذيب 1: 267 حديث 784، الوسائل 2: 1023 الباب 17 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(4) تقدم في ص 273.
(5) التهذيب 1: 261 حديث 761، الوسائل 2: 1049 الباب 33 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(6) التهذيب 1: 264 حديث 771، الاستبصار 1: 178 حديث 620، الوسائل 2: 1010 الباب 9 من أبواب النجاسات، حديث 6.
(7) التهذيب 1: 268 حديث 787، الاستبصار 1: 185 حديث 645، الوسائل 2: 1037 الباب 27 من أبواب النجاسات، حديث 4.

[ 294 ]

أبي عبد الله عليه السلام (1). وروى الشيخ، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام سألته عن الرجل إذا قص أظفاره بالحديد أو أخذ من شعره أو حلق قفاه (فإن عليه أن يمسحه بالماء قبل أن يصلي) (2) والأقرب أنه على الاستحباب. مسألة: وإذا علم بموضع النجاسة وجب غسله، وإن اشتبه وجب غسل كلما يحتمل إصابة النجاسة له، فإذا لم يعلم جهتها من الثوب أو البدن وجب غسل الجميع منهما، وإن علمها في إحدى جهتيه وجب غسل تلك الجهة كلها. وهو قول علمائنا أجمع، وبه قال النخعي، والشافعي، ومالك، وأحمد (3). وقال عطاء والحكم، وحماد: إذا خفيت النجاسة في الثوب نضحه كله (4) وقال ابن شبرمة (5): يتحرى مكان النجاسة فيغسله (6). لنا: قوله تعالى:: وثيابك فطهر " (7) ومع تطهير أحد المواضع المشكوك فيها لا يحصل الامتثال، ولأنه متيقن للمانع بين الدخول في الصلاة، فلم يبح له إلا بيقين الزوال، كالمتيقن للحدث إذا شك في الطهارة، وأما النضح فلا يزيل النجاسة، فلا يكون مجزيا.

(1) التهذيب 1: 422 حديث 1337، الوسائل 2: 1011 الباب 9 من أبواب النجاسات، حديث 10.
(2) التهذيب 1: 425 حديث 1353، الاستبصار 1: 96 حديث 311، الوسائل 1: 204 الباب 14 من أبواب نواقض الوضوء، حديث 5.
(3) المغني 1: 766.
(4) المغني 1: 766.
(5) أبو شبرمة عبد الله بن شبرمة بن حسان بن المنذر. القاضي فقيه الكوفة، روى عن أنس وأبي الطفيل وعبد الله بن شداد. وعنه إبنه عبد الملك وسعيد ومحمد بن طلحة. مات سنة 144 ه‍. العبر 1: 152، تهذيب التهذيب 5: 250.
(6) المغني 1: 766.
(7) المدثر: 4.

[ 295 ]

ويؤيده: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد، عن أحدهما عليهما السلام، وقال في المني الذي يصيب الثوب: قال (فإن عرفت مكانه فاغسله، وإن خفي عليك مكانه فاغسله كله) (1). وعن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المني يصيب الثوب؟ قال: (إن عرفت مكانه فاغسله، فإن خفي عليك مكانه فاغسله كله) (2). وعن سماعة قال: سألته، عن بول الصبي يصيب الثوب؟ فقال: (اغسله) قلت: فإن لم أجد مكانه؟ قال: (اغسل الثوب كله) (3). وفي الحسن عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، (وإن استيقن أنه قد أصابه مني ولم ير مكانه فليغسل الثوب كله، فإنه أحسن) (4). وعن يونس، عمن رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا أصاب ثوبك خمرا أو نبيذ مسكر فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كله، فإن صليت فيه فأعد صلاتك). احتج المخالف (5) بما رواه سهل بن أبي حنيف، عن النبي صلى الله عليه وآله في المذي قال: قلت: يا رسول الله فكيف بما أصاب ثوبي منه؟ قال: (يجزئك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به حيث ترى أنه أصاب منه) فأمر بالتحري والنضح (6).

(1) التهذيب 1: 267 حديث 784، الوسائل 2: 1021 الباب 16 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 251 حديث 725، الوسائل 2: 1022 الباب 16 من أبواب النجاسات، حديث 6.
(3) التهذيب 1: 251 حديث 723، الاستبصار 1: 174 حديث 604، الوسائل 2: 1003 الباب 3 من أبواب النجاسات، حديث 3.
(4) التهذيب 1: 252 حديث 728، الوسائل 2: 1022 الباب 16 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(5) المغني 1: 766.
(6) سنن أبن ماجة 1: 169 حديث 506، سنن أبي داود 1: 54 حديث 210، سنن الترمذي 1: 197 حديث 115، سنن الدارمي 1: 184، مسند أحمد 3: 485.

[ 296 ]

والجواب: إن المذي عندنا طاهر ويستحب نضحه، فلا احتجاج به، ولأنه حكم في نجاسة معينة عند القائلين بنجاسته، والنجاسات قد تختلف في الأحكام، فلا تتعدى إلى غيرها. لا يقال: قد روى الشيخ في الصحيح، عن زرارة قال: قلت: فإني قد علمت أنه قد أصابه ولم أدر أين هو فأغسله؟ قال: (تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك) (1) وهذا دليل التحري. لأنا نقول: أما أولا: فزرارة لم يسندها إلى إمام، فلا احتجاج بها. وأما ثانيا: فإن الرؤية ها هنا بمعنى العلم، ويكون الواجب عليه غسل الناحية التي يعلم وصول النجاسة إليها بأجمعها، وإن كانت النجاسة حصلت في جزء منها، ليكون على يقين من الطهارة، وهذا التعليل في الرواية يدل على ما ذكرناه. فروع: الأول: لو تيقن حصول النجاسة غير المعفو عنها في أحد الثوبين وجهل المعين وجب عليه غسلهما معا. وهو قول علمائنا أجمع، وقول أحمد، وأبي ثور، والمزني، وابن الماجشون (2). لنا: وجوب غسل واحد متيقن، لقوله تعالى: " وثيابك فطهر " (3) والنجاسة متيقنة، ولا وجه للتخصيص، إذ كل ثوب يحتمل أن يكون هو النجس، فأما أن لا يجب غسل شئ منهما وهو باطل إجماعا، أو يجب غسل الجميع وهو المطلوب. الثاني: لا يجوز له التحري فيهما، بل يصلي في كل واحد منهما الصلاة المعينة لو لم

(1) التهذيب 1: 421 حديث 1335، الاستبصار 1: 183 حديث 641، الوسائل 2: 1006 الباب 7 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(2) لم نعثر على أقوالهم في المصادر المتوفرة لدينا.
(3) المدثر: 4.

[ 297 ]

يتمكن من غسلهما. وهو قول أكثر علمائنا (1)، وذهب إليه أحمد (2)، وأبن الماجشون (3). وحكى الشيخ في الخلاف عن بعض أصحابنا طرحهما وأن يصلي عريانا (4). واختاره ابن إدريس (5)، وبه قال أبو ثور، والمزني (6). وقال الشافعي (7)، وأبو حنيفة: يتحرى فيهما، فإن غلب ظنه على طهارة أحدهما صلى فيه وإلا نزعهما وصلى عريانا وأعاد (8). لنا: أنه أمكنه أداء الصلاة بيقين الطهارة من غير مشقة، فيجب عليه، كما ولو اشتبه عليه تعين الصلاة المنسية. ويؤيده: ما رواه الشيخ في الحسن، عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن عليه السلام قال: كتبت إليه أسأله عن رجل كان معه ثوبان، فأصاب أحدهما بول ولم يدر أيهما هو وحضرت الصلاة وخاف فوتها وليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال: (يصلي فيهما) (9). احتج ابن إدريس بأن الواجب عليه عند افتتاح كل صلاة القطع بطهارة الثوب، ولا يجوز له الدخول مع الشك، وهذا الشرط غير حاصل هنا، ولا يجوز أن تكون صلاته موقوفة على أمر يظهر بعد، فإن كون الصلاة واجبة وجه تقع عليه الصلاة، فلا يؤثر فيه

(1) منهم: الصدوق في الفقيه 1: 161، والطوسي في المبسوط 1: 90 91، والمحقق الحلي في المعتبر 1: 438. (2) المغني 1: 82، الانصاف 1: 77.
(3) المغني 1: 82، المجموع 1: 181.
(3) الخلاف 1: 56 مسألة: 153.
(5) السرائر: 37.
(6) المغني 1: 82.
(7) المجموع 1: 181، مغني المحتاج 1: 189، السراج الوهاج: 53، المغني 1: 82.
(8) المغني 1: 82، المجموع 1: 181.
(9) التهذيب 2: 225 حديث 887، الوسائل 2: 1082 الباب 64 من أبواب النجاسات، حديث 1.

[ 298 ]

ما بعده (1). واحتج أبو ثور، والمزني بالقياس على الأواني (2). واحتج الشافعي، وأبو حنيفة بالقياس عليها أيضا وعلى القبلة (3). والجواب عن الأول: بالمنع من اشتراط القطع فإنه نفس النزاع، إذ هو شرط مع القدرة، ولا قدرة مع الاشتباه. قوله: وجوب الصلاة وجه تقع عليه الصلاة فلا يؤثر فيه ما بعده وهو اليقين بالبراءة عقيب الصلاتين. قلنا هذا بناءا على إعتقاده أنا نقول: إن إحدى الصلاتين واجبة والأخرى غير واجبة، فإذا فعلهما حصل له اليقين بفعل الواجب. ونحن لا نقول به، بل الصلاتان معا واجبتان، لكن إحدهما بالذات والأخرى لأجل الاشتباه كما في القبلة والصلاة المنسية ثم نقول: إن اشترطت القطع بعدم النجاسة فهو غير محقق وتكليف ما لا يطاق، وإن اشترطت عدم القطع بالنجاسة فهو ثابت عند الصلاة لكل واحد من الثوبين. وعن الثاني: بالفرق بين الأواني والثياب، إذ باستعمال النجس ينجس وذلك يمنعه من صحة صلاته في الحال وفيما بعد، ولأن الثوب النجس قد تجوز الصلاة فيه، بخلاف الماء النجس. وعن الثالث: بالمنع عن ثبوت الحكم في الأصل، أما الأواني فقد بينا أنه لا يجوز التحري فيها (4)، وأما القبلة فكذلك لما يأتي. وأيضا: فالفرق قد يظهر بين الأواني وبين الثوبين، وأما بين القبلة وبينهما، فلأن القبلة يكثر الاشتباه فيها، بخلاف الثوبين، فسقط اليقين فيها للمشقة ولأن الاشتباه في

(1) السرائر: 37.
(2) المغني 1: 82.
(3) المغني 1: 82، المجموع 1: 181.
(4) تقدم بيانه في الجزء الأول ص 174، 179.

[ 299 ]

الثوبين حصل بتفريطه، إذ كان ينبغي له غسل النجس قبل الاشتباه أو تعليمه، ولا يمكن ذلك في القبلة، ولأن الأدلة قائمة في القبلة كالنجوم والشمس والمغرب والمشرق، فيصح الاجتهاد فيها، ويقوى دليل الاصابة بحيث يضعف وهم الخطأ جدا، بخلاف الثوبين. وأيضا: ينتقض ما ذكروه بأجزاء الثوب الواحد. وقد فرق بعض الشافعية بأن الأصل في كل واحد من الثوبين الطهارة، فإذا اجتهد استند اجتهاده إلى أصل الطهارة، والثوب الواحد قد بطل فيه حكم الأصل، فلم يجز التحري (1). والجواب: أن البحث في الثوب كله حتى يبطل فيه حكم الأصل، بل في أجزائه. الثالث: لو تعددت الثياب النجسة صلى بعددها وزاد صلاة على ذلك العدد ولم يجز له التحري كالثوبين، خلافا لبعض الحنابلة (2)، حيث فرق بينهما وهو غلط، لأنه إذا صلى في عدد النجس بأجمعه فإن حصل له صلاة في طاهر برئت ذمته، وإلا وجب عليه أن يصلي في آخر فيحصل له اليقين، ولأنه إذا جاز له التحري بين متيقن النجاسة والطاهر كان جواز التحري بين مشتبه النجس والطاهر أولى. الرابع: لو صلى الظهر في أحدهما، ثم كررها في الآخر صحت له الظهر، ولو صلى الظهر في ثوب، ثم العصر في آخر، ثم الظهر فيه، ثم العصر في الأول صحت الظهر لا غير ووجب عليه إعادة العصر في الثاني. الخامس: لو نجس أحد الكمين واشتبها لم يجز له التحري، وغسلهما معا لما سبق، أو نزعه وصلى عريانا إن لم يجد ماءا ولا ثوبا آخر. وبه قال أبو إسحاق من الشافعية (3). وقال أبو العباس منهم: يجوز له التحري (4). ولو فصل أحد الكمين من

(1) المجموع 1: 180.
(2) المغني 1: 82، الانصاف 1: 77.
(3) المهذب للشيرازي 1: 61، المجموع 3: 144.
(4) المهذب للشيرازي 1: 61، المجموع 3: 144.

[ 300 ]

الآخر اتفقوا على جواز التحري والاجتهاد، لأن الطاهر قد تميز من النجس بخلاف الصورة الأولى، لأنها في ثوب واحد. ولو شق الثوب بنصفين والنجاسة فيه مشتبهة، لم يجز له أن يتحرى فيهما إجماعا منا ومنهم، لجواز أن ينقسم النجاسة فيهما، فلم يبطل ما حكموا به من الانتقال عن حكم الأصل فيه مع هذا الجواز. ولو كان الثوب واحد ونجس موضع منه ولم يعرف موضعه لم يجز له التحري عند الشافعي (1) أيضا قولا واحدا بخلاف الكمين فإن فيه وجهين. ولو تيقن نجاسة أحد البيتين (2) لم يجز التحري عندنا وصلى في غيرهما. وقال الشافعي: يجوز (3). ولو أصابت موضعا من بيت فكالثوب. السادس: لو غسل النجس بالاشتباه صحت الصلاة فيه قطعا لطهارته، أما الآخر فإنه باق على المنع، إذ احتمال النجاسة موجود فيه، لجواز أن يكون المغسول هو الطاهر. السابع: لو جمعهما وصلى فيهما لم تصح صلاته، سواء غسل أحدهما أو لم يغسل، وسواء غسل مع عدم الاجتهاد أو معه، أو مع عدم الغسل فلأنه صلى في ثوب نجس متيقن النجاسة، وأما إذا غسل أحدهما فلأنه جمع بين الثوبين فقد صار في حكم الثوب، وقد تيقن حصول النجاسة ولم يتيقن زوالها، لجواز أن يكون المغسول هو الطاهر، فكان حكمه حكم الثوب الواحد إذا أصاب بعضه نجاسة وهذا اختيار أبي إسحاق من الشافعية (4). وذهب أبو العباس من سريج منهم إلى صحة صلاته (5)، لأن أحد الثوبين

(1) الأم 1: 55، المهذب للشيرازي 1: 61، المجموع 3: 143، مغني المحتاج 1: 189، السراج الوهاج: 53.
(2) " خ " " م " " ن " " د ": الثوبين.
(3) مغني المحتاج 1: 189.
(4) المهذب للشيرازي 1: 61.
(5) المهذب للشيرازي 1: 61.

[ 301 ]

طاهر قطعا وهو المغسول، والآخر طاهر بالاجتهاد وذلك يجري مجرى اليقين ولهذا تجوز الصلاة فيه، فإذا جمعهما جاز الصلاة فيهما، بخلاف الثوب الواحد الذي لا يجوز الاجتهاد فيه، فلا يحصل الحكم بطهارة جميعه، وها هنا قد صح الاجتهاد، فيثبت حكمه. وهذا إنما يتأتى على قولهم في جواز التحري في الثوبين، أما عندنا فلا. الثامن: لو كان معه ثوب متيقن الطهارة تعين الصلاة، ولم يجز له أن يصلي في الثوبين، لا متعددة ولا منفردة. ولو كان أحدهما طاهرا والآخر نجسا معفو عنها تخير في الصلاة في أيهما كان، والأولى له الصلاة في الطاهر. وكذا لو كانت إحدى النجاستين المعفو عنهما في الثوب أقل من الأخرى، كان الأولى الصلاة في الأقل. مسألة: لو لم يكن معه إلا ثوب نجس ولم يتمكن من تطهيره، قال الشيخ في المبسوط والنهاية والخلاف: ينزعه ويصلي عريانا بالايماء، ولا إعادة عليه (1). واختاره ابن البراج في الكامل، وابن إدريس (2)، وهو قول الشافعي (3). قال في البويطي: وقد قيل: أنه يصلي ويعيد. قال أصحابه: وليس هذا مذهبه، بل حكاه (4) عن غيره (5). وقال مالك: يصلي فيه ولا إعادة عليه (6). وبه قال محمد بن الحسن (7)، والمزني (8). وقال أبو حنيفة: إن كان أكثره طاهرا لزمه الصلاة فيه ولا إعادة، وإن كان أكثره نجسا تخير في الصلاة فيه وعريانا، ولا إعادة في الموضعين (9).

(1) المبسوط 1: 38، النهاية: 55، الخلاف 1: 179 مسألة: 225. (2) السرائر: 38.
(3) الأم 1: 91، المهذب للشيرازي 1: 61، المجموع 3: 142، مغني المحتاج 1: 186، المغني 1: 666.
(4) " ح " " ق " " م " " ن " " د ": حكاية.
(5) المهذب للشيرازي 1: 61.
(6) المدونة الكبرى 1: 34، بلغة السالك 1: 26، المغني 1: 666، المجموع 3: 143.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 187.
(8) المغني 1: 666، المجموع 3: 143.
(9) المبسوط للسرخسي 1: 187، الهداية للمرغيناني 1: 44، المغني 1: 666، المجموع 3: 143.

[ 302 ]

احتج الشيخ (1) بما رواه زرعة، عن سماعة قال: سألته عن رجل يكون في فلاة من الأرض ليس عليه إلا ثوب واحد وأجنب فيه وليس عنده ماء، كيف يصنع؟ قال: (يتيمم ويصلي عريانا قاعدا ويومئ) (2). وروي عن محمد بن علي الحلبي (3)، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل أصابته جنابة وهو بالفلاة وليس عليه إلا ثوب واحد وأصاب ثوبه مني؟ قال: (يتيمم ويطرح ثوبه ويجلس مجتمعا ويصلي ويومئ إيماءا) (4) ولأن الصلاة مع العري يسقط بها الفرض، ومع النجاسة لا يسقط لأنه يجب إعادتها، وقد روى أصحابنا أيضا أنه يصلي فيه (5). وروى ذلك الشيخ، عن محمد الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب في الثوب أو يصيبه بول وليس معه ثوب غيره؟ قال: (يصلي فيه إذا اضطر إليه) (6) وروي عن أبان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل يجنب في ثوب وليس معه غيره ولا يقدر على غسله؟ قال:

(1) الخلاف 1: 176 مسألة 218.
(2) التهذيب 2: 223 حديث 881، الاستبصار 1: 168 حديث 582، الوسائل 2: 1068 الباب 46 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(3) محمد بن علي بن أبي شعبة الحلبي: أبو جعفر، وجه أصحابنا وفقيههم. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر (ع). رجال الطوسي: 136، رجال النجاشي: 325، الفهرست: 130.
(4) التهذيب 2: 223 حديث 882، الاستبصار 1: 168 حديث 583، الوسائل 2: 1068 الباب 46 من أبواب النجاسات، حديث 4. في الاخيرين: فيصلي. وكذا في نسخة " ح " و " ق ".
(5) لعل المراد به الصدوق حيث اقتصر على نقل الروايات الدالة في الثوب النجس ولم يتعرض لشئ من روايات الصلاة عاريا. الفقيه 1: 16 حديث 753.
(6) التهذيب 2: 224 حديث 883، الاستبصار 1: 169 حديث 584، الوسائل 2: 1067 الباب 45 من أبواب النجاسات، حديث 7.

[ 303 ]

(يصلي فيه) (1) وجمع الشيخ بين هذه الأخبار في الخلاف (2) بجواز الصلاة فيه مع الاضطرار من برد وغيره، وبوجوب النزع مع عدمه، لرواية الحلبي، وجمع في التهذيب بأنه يجوز الصلاة فيه إلا أنه يجب عليه عند وجود الماء غسله وإعادة الصلاة (3). واحتج (4) بما رواه عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن رجل ليس معه إلا ثوب ولا تحل الصلاة فيه وليس يجد ماءا يغسله، كيف يصنع؟ قال: (يتيمم ويصلي، فإن أصاب ماءا غسله وأعاد الصلاة) (5). والأقرب عندي أن المصلي مخير بين الصلاة عاريا وبين الصلاة فيه، لأن ستر العورة شرط وطهارة الثوب شرط، فلا أولوية لاعتبار أحدهما. ويدل عليه: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل عريان وحضرت الصلاة فأصاب ثوبا نصفه دم أو كله، يصلي فيه أو يصلي عريانا؟ فقال: (إن وجد ماءا غسله، وإن لم يجد ماءا صلى فيه ولم يصل عريانا) (6) وهذه الرواية وإن دلت على أنه لا يصلي عريانا إلا أن الروايات المتقدمة قد دلت على الصلاة عاريا، فقلت بالتخيير بينهما. وأما الجمع الأول للشيخ للرواية الحلبي، غير سليمة عن الطعن، ومع ذلك فإن الاضطرار يكفي فيه عدم التمكن من غيره، والجمع الثاني ضعيف، ورواية عمار لا

(1) التهذيب 2: 224 حديث 885، الاستبصار 1: 169 حديث 586، الوسائل 2: 1067 الباب 45 من أبواب النجاسات، حديث 6.
(2) الخلاف 1: 176.
(3) التهذيب 2: 224.
(4) الخلاف 1: 176 مسألة 218.
(5) التهذيب 1: 407 حديث 1: 1279، الاستبصار 1: 169 حديث 587، الوسائل 2: 1067 الباب 45 من أبواب النجاسات، حديث 8 وص 1000 الباب 30 من أبواب التيمم، حديث 1.
(6) التهذيب 2: 224 حديث 884، الاستبصار 1: 169 حديث 585، الوسائل 2: 1067 الباب 45 من أبواب النجاسات، حديث 5.

[ 304 ]

تعويل عليها. فرع: لو صلى عاريا لم يعد الصلاة قولا واحدا. ولو صلى في الثوب فالأقرب أنه لا يعيد أيضا وإن كان الشيخ قد أوجب عليه الاعادة مع التمكن من غسل الثوب معولا على رواية عمار، وهي عندنا ضعيفة، والأصل صحة الصلاة، إذ الأمر يقتضي الإجزاء. مسألة: من صلى في ثوب نجس نجاسة مغلظة عالما بنجاسته متمكنا من غيره أو غسله لم تصح صلاته، ووجب عليه إعادة الصلاة في الوقت وخارجه. وهو قول علمائنا أجمع، وذهب إليه أكثر أهل العلم (1). ونقل عن مالك أنه قال: إذا صلى بالنجاسة أعاد في الوقت (2). وهذا يفهم منه أنه لا يوجب الاعادة خارجا. وعن ابن مسعود أنه نحر جزورا فأصابه من فرثه ودمه فصلى ولم يغسله. لنا: قوله تعالى: " وثيابك فطهر " (3). وما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لما سئل كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر أتصلي فيه؟ قال: (تنظر فيه فإن رأت فيه دما فلتقرصه بشئ من ماء ولتنضح ما لم تر ولتصل فيه) (4) جعل الطهارة شرطا، ومع الاخلال به تبطل الصلاة. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة) (5) ولأنه أخل بالشرط فيبطل المشروط تحقيقا لمعنى الشرط.

(1) المغني 1: 750، المجموع 3: 131، (2) المدونة الكبرى 1: 34.
(3) المدثر: 4.
(4) سنن أبي داود 1: 99 حديث 360.
(5) التهذيب 1: 252 حديث 730، الوسائل 2: 1022 الباب 16 من أبواب النجاسات، حديث 2.

[ 305 ]

مسألة: ولو صلى في الثوب النجس جاهلا، فله حالتان: الأولى: سبق العلم ولنا فيه روايتان: إحداهما: وجوب الاعادة في الوقت والقضاء خارجه، روى الشيخ في الصحيح، عن زرارة قال قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء فأصبت وحضرت الصلاة فنسيت أن بثوبي شيئا وصليت، ثم إني ذكرت بعد ذلك، قال: (تعيد الصلاة وتغسله) (1). وعن منصور (2)، عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: رجل أصابته جنابة بالليل فاغتسل وصلى فلما أصبح نظر فإذا في ثوبه جنابة، فقال: (الحمد لله الذي لم يدع شيئا إلا وقد جعل له حدا)، إن كان حين قام نظر فلم ير شيئا فلا إعادة عليه، وإن كان حين قام ولم ينظر فعليه الاعادة) (3). وعن مسير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: آمر الجارية فتغسل ثوبي من المني فلا تبالغ في غسله فأصلي فيه فإذا هو يابس، قال: (اعد صلاتك، أما انك لو كنت غسلت أنت لم يكن عليك شئ) (4).

(1) التهذيب 1: 421 حديث 1335، الاستبصار 1: 183 حديث 641، الوسائل 2: 1063 الباب 42. من أبواب النجاسات، حديث 2. (2) منصور بن الوليد الصيقل الكوفي، يكنى أبا محمد، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر والصادق (ع)، والرواية بعينها في التهذيب عن ميمون الصيقل، قال المحقق الاردبيلي: إنه الصواب بقرينة رواية سيف عن ميمون الصيقل كثيرا، وقال المحقق المامقاني: إبدال بعض نسخ الكافي ميمون بمنصور اشتباه من النساخ، ومع ذلك كله قال المحقق السيد الخوئي: الظاهر أن منصور هو الصحيح الموافق للوافي. رجال الطوسي 138، 313، جامع الرواة 2: 286، تنقيح المقال 3: 265، معجم رجال الحديث 19: 137.
(3) الكافي 3: 406 حديث 7، التهذيب 1: 424 حديث 1346، الاستبصار 1: 182 حديث 640، الوسائل 1: 1062 الباب 41 من أبواب النجاسات، حديث 3 وفي التهذيب والوسائل: عن ميمون الصيقل.
(4) التهذيب 1: 252 حديث 726، الوسائل 2: 1024 الباب 18 من أبواب النجاسات، حديث 1.

[ 306 ]

وروي في الحسن، عن محمد بن مسلم قال: (فإذا كنت قد رأيته وهو أكثر من مقدار الدراهم فضيعت غسله وصليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه) (1). وروي في الموثق، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن أصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه وهو لا يعلم فلا إعادة عليه، وإن هو علم قبل أن يصلي فنسي وصلى [ فيه ] (2) فعليه الاعادة) (3). وعن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يرى في ثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلي؟ قال: (يعيد صلاته كي يهتم بالشئ إذا كان في ثوبه عقوبة لنسيانه) (4). وبمثله روي في الصحيح، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام (5)، وفي الصحيح، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام (6). وروي في الحسن عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم؟ قال: (إن كان علم إنه أصاب ثوبه جنابة قبل أن يصلي، ثم صلى فيه ولم يغسله فعليه أن يعيد ما صلى، وإن كان يرى أنه أصابه شئ

(1) التهذيب 1: 254 حديث 736، الاستبصار 1: 175 حديث 609، الوسائل 2: 1027 الباب 20 من أبواب النجاسات، حديث 6. (2) أضفناه من المصدر.
(3) التهذيب 1: 254 حديث 737، الاستبصار 1: 82 حديث 637، الوسائل 2: 106 الباب 40 من أبواب النجاسات، حديث 7.
(4) التهذيب 1: 254 حديث 738، الاستبصار 1: 182 حديث 638، الوسائل 2: 1064 الباب 42 من أبواب النجاسات، حديث 5.
(5) التهذيب 1: 255 حديث 739، الاستبصار 1: 175 حديث 610، الوسائل 2: 1026 الباب 20 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(6) التهذيب 1: 255 حديث 740، الاستبصار 1: 176 حديث 611، الوسائل 2: 1026 الباب 20 من أبواب النجاسات، حديث 1.

[ 307 ]

فنظر فلم ير شيئا أجزأه أن ينضحه بالماء) (1). وبهذه الروايات أفتى الشيخ في النهاية في باب الجنابة (2) وأطلق في غيرها. وقال في المبسوط والخلاف بمثل ما قاله في النهاية من وجوب الاعادة مطلقا (3)، وادعى ابن إدريس الاجماع فيه (4)، وهو اختيار المرتضى في المصباح، وابن بابويه فيمن لا يحضره الفقيه (5)، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (6)، ومذهب الشافعي (7). لأنه أخل بالشرط مع تمكنه وتحصيله، فلزمه القضاء. الرواية الثانية أنه لا يعيد، وهو الرواية الأخرى عن أحمد (8)، لأن النسيان معفو عنه، لقوله عليه الاسلام: (عفي عن أمتي الخطأ والنسيان) (9) وهي رواية الشيخ في الصحيح، عن العلاء (10)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه الشئ ينجسه فينسى أن يغسله فيصلي فيه، ثم يذكر أنه لم يكن غسله أيعيد

(1) التهذيب 2: 359 حديث 1488، الاستبصار 1: 182 حديث 636، الوسائل 2: 1059 الباب 40 من أبواب النجاسات، حديث 3.
(2) النهاية: 20.
(3) المبسوط 1: 28، 90، الخلاف 1: 178، (4) السرائر 37.
(5) الفقيه 1: 161 حديث 758.
(6) المغني 1: 751، الانصاف 1: 486، الكافي لابن قدامة 1: 138، المجموع 3: 157.
(7) الأم (مختصر المزني) 8: 18، المجموع 3: 157، المغني 1: 751. (8) المغني 1: 751، الكافي لابن قدامة 1: 138، الانصاف 486.
(9) سنن ابن ماجة 1: 659 حديث 2043 2045، سنن البيهقي 7: 357، سنن الدار قطني 4: 170 حديث 33، كنز العمال 12: 155 حديث 34457 بتفاوت يسير (10) العلاء بن رزين القلا، مولى ثقيف، كوفي جليل القدر ثقة، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع). رجال الطوسي: 245، الفهرست: 112.

[ 308 ]

الصلاة؟ قال: (لا يعيد، قد مضت الصلاة وكتبت له) (1). قال الشيخ في الاستبصار: الوجه في هذا الخبر أنه يحمل على أنه يكون قد مضى الوقت، لأنه متى نسي غسل النجاسة عن الثوب إنما يلزمه إعادتها ما دام في الوقت، فإذا مضى الوقت فلا إعادة عليه (2). وهو ينافي ما ذكره في كتبه (3). واستدل على هذا التأويل بما رواه علي بن مهزيار قال: كتب إليه سليمان بن رشيد (4) يخبره أنه بال في ظلمة الليل وأنه أصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك أنه أصابه ولم يره وأنه مسحه بخرقة، ثم نسى أن يغسله وتمسح بدهن فمسح به كفيه ووجهه ورأسه ثم توضأ وضوء الصلاة فصلى؟ فأجاب بجواب قرأته بخطه: (أما ما توهمت مما أصاب يدك فليس بشئ إلا ما تحقق، فإن تحققت ذلك كنت حقيقا أن تعيد الصلوات التي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها، وما فات وقتها فلا إعادة عليك لها، من قبل، إن الرجل إذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة إلا ما كان في وقت، وإذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه إعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته، لأن الثوب خلاف الجسد، فاعمل على ذلك إن شاء الله) (5) وهذا التأويل لا بأس به. الحالة الثانية: لو لم يسبقه العلم ولم يعلم حتى فرغ من الصلاة فيه روايتان لعلمائنا، وقولان بحسبهما:

(1) التهذيب 1: 423 حديث 1345 وج 2: 360 حديث 1492، الاستبصار 1: 183 حديث 642، الوسائل 2: 1063 الباب 42 من أبواب النجاسات، حديث 3.
(2) الاستبصار 1: 184.
(3) تقدم في ص 307.
(4) سليمان بن رشيد، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا (ع). وقال العلامة المامقاني: لم أقف فيه إلا على عد الشيخ إياه في رجاله من أصحاب الرضا (ع). رجال الطوسي: 378، تنقيح المقال 2: 60.
(5) التهذيب 1: 426 حديث 1355، الاستبصار 1: 184 حديث 643، الوسائل 2: 1063 الباب 42 من أبواب النجاسات، حديث 1.

[ 309 ]

إحداهما: لا يعيد مطلقا، وأفتى الشيخ به في موضع من كتاب النهاية (1)، والاستبصار (2)، واختاره المفيد (3)، والسيد المرتضى (4)، وابن إدريس (5). وهو قول ابن عمر، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وسالم، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والزهري، ويحيى الأنصاري، وإسحاق، وابن المنذر (6)، وهو الأقوى عندي. الثانية: يعيد في الوقت لا خارجه، اختاره الشيخ في باب المياه من كتاب النهاية، وفي المبسوط (7)، وبه قال ربيعة (8)، ومالك (9). وأكثر علمائنا على أنه لا يعيد خارج الوقت (10) وهو قول أكثر أهل العلم (11)، خلافا لأبي قلابة (12)، والشافعي (13). لنا: ما رواه الجمهور، عن أبي سعيد قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فخلع الناس نعالهم فلما قضى رسول

(1) النهاية: 52.
(2) الاستبصار 1: 181.
(3) نقله عنه في المعتبر 1: 442.
(4) نقله عنه في المعتبر 1: 442.
(5) السرائر: 37.
(6) المغني 1: 751، المجموع 3: 157.
(7) النهاية: 8، المبسوط 1: 28.
(8) المدونة الكبرى 1: 34، المغني 1: 751.
(9) المدونة الكبرى 1: 34، بلغة السالك 1: 26، المغني 1: 751.
(10) منهم أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقيه: 140، وابن إدريس في السرائر: 37، والمحقق الحلي في المعتبر 1: 442.
(11) المغني 1: 751، المجموع 3: 157.
(12) المغني 1: 751، المجموع 3: 157.
(13) الأم 1: 55، المهذب للشيرازي 1: 63، الأم (مختصر المزني) 8: 18، المجموع 3: 157، المغني 1: 751.

[ 310 ]

الله صلى الله عليه وآله صلاته قال: (ما حملكم على إلقائكم نعالكم)؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، قال: (إن جبرئيل عليه السلام أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا) (1) رواه أبو داود. ولو اشترطت الطهارة مع عدم العلم لاستأنف. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي وفي ثوبه عذرة من إنسان، أو سنور، أو كلب، أيعيد صلاته؟ قال: (إن كان لم يعلم فلا يعيد) (2). وما رواه في الصحيح، عن العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى في ثوب رجل أياما، ثم إن صاحب الثوب أخبره أنه لا يصلي فيه؟ قال (لا يعيد شيئا من صلاته) (3). وعن حفص بن غياث، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام قال: (ما أبالي بول أصابني أو ماء إذا لم أعلم) (4). وفي الصحيح، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (وسألته عن رجل يصلي وفي ثوبه جنابة أو دم حتى فرغ عن صلاته، ثم علم، قال: (مضت صلاته ولا شئ عليه) (5) ولأنه حينئذ مأمور بالصلاة، فمع الامتثال يحصل الإجزاء.

(1) سنن أبي داود 1: 175 حديث 650.
(2) التهذيب 2: 359 حديث 1487، الاستبصار 1: 180 حديث 630، الوسائل 2: 1060 الباب 40 من أبواب النجاسات، حديث 5.
(3) التهذيب 2: 360 حديث 1490، الاستبصار 1: 180 حديث 631، الوسائل 2: 1060 الباب 40 من أبواب النجاسات، حديث 6.
(4) التهذيب 1: 253 حديث 735، الاستبصار 1: 180 حديث 629، الوسائل 2: 1054 الباب 37 من أبواب النجاسات، حديث 5.
(5) التهذيب 2: 360 حديث 1489، الاستبصار 1: 181 حديث 634، الوسائل 2: 1059 الباب 40 من أبواب النجاسات، حديث 2.

[ 311 ]

وقد روى الشيخ في الصحيح، عن وهب بن عبد ربه (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام في الجنابة تصيب الثوب ولا يعلم بها صاحبه فيصلي فيه، ثم يعلم بعد؟ قال: (يعيد إذا لم يكن علم) (2). وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل صلى وفي ثوبه بول أو جنابة، فقال: (علم به أو لم يعلم فعليه إعادة الصلاة إذا علم) (3). والوجه في هاتين الروايتين سبق العلم وعدمه حال الصلاة. احتج الشيخ بأنه يجب عليه لو علم في الصلاة الاعادة، فكذا إذا علم في الوقت بعد الفراغ. واحتج الشافعي بأنها طهارة مشترطة للصلاة، فلم تسقط بجهلها، كطهارة الحدث.
(4) والجواب عن الأول بالمنع من الاعادة، وسيأتي البحث فيه، ولو سلم فالفرق حاصل، إذ الدخول ليس كالفراغ. وعن الثاني بالفرق بين الطهارتين فإن طهارة الحدث آكد، إذ لا يعفى عن يسيرها، بخلاف هذه.

(1) وهب بن عبد ربه بن أبي ميمونة بن يسار الأسدي مولى بني نصر بن قعين. ثقة روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع)، عدة الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق (ع) قائلا: أخو شهاب بن عبد ربه. وقال في الفهرست: له كتاب. رجال النجاشي: 430، رجال الطوسي: 328، الفهرست: 172.
(2) التهذيب 2: 360 حديث 1491، الاستبصار 1: 181 حديث 635 وفيهما: لا يعيد إن لم يكن علم. الوسائل 2: 1060 الباب 40 من أبواب النجاسات، حديث 8.
(3) التهذيب 2: 202 حديث 792، الاستبصار 1: 182 حديث 639، الوسائل 2: 1061 الباب 40 من أبواب النجاسات، حديث 9.
(4) المهذب للشيرازي 1: 63، المجموع 3: 156، المغني 1: 751.

[ 312 ]

فروع: الأول: لو دخل في الصلاة ولم يعلم، ثم تجدد له العلم بسبق النجاسة على الصلاة في أثنائها فيه روايتان: إحدهما: يعيد الصلاة من رأس. وهي رواية زرارة في الصحيح قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟ قال: (تنقض الصلاة وتعيد) (1) وفي هذه الرواية نظر، إذ زرارة لم يسندها إلى إمام وإن كان الغالب على الظن ذلك وروى الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل الصلاة فعليك إعادة الصلاة) ثم قال بعد كلام: (وكذلك البول) (2) وهذه الرواية مناسبة للقائلين بوجوب الاعادة بعد الفراغ في الوقت. الثانية: الاتمام روى الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر وهو في صلاته، كيف يصنع به؟ قال: (إن كان دخل في صلاته فليمض) (3). وفي الاستدلال بهذه الرواية نظر إذ يمكن أن تكون الاصابة مع يبوستها. وهو الأظهر، إذ الأصل عدم الرطوبة، ويؤيده تتمة الحديث وهو قوله: (وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلا أن يكون فيه أثر فيغسله).

(1) التهذيب 1: 421 حديث 1335، الاستبصار 1: 183 حديث 641، الوسائل 2: 1065 الباب 44 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(2) التهذيب 1: 252 حديث 730 وج 2: 223 حديث 880، الوسائل 2: 1062 الباب 41 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(3) التهذيب 1: 261 حديث 760، الوسائل 2: 1017 الباب 13 من أبواب النجاسات، حديث 1.

[ 313 ]

وروى الشيخ في الحسن، عن محمد بن مسلم قال: قلت: له الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة؟ قال: (إن رأيت وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل، فإن لم يكن عليك غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك ما لم يزد على مقدار الدرهم، [ وإن كان أقل ] (1) من ذلك فليس بشئ رأيته أو لم تره) (2). الحديث، وفيه نظر، إذ محمد بن مسلم لم يسندها إلى إمام. وبنحو هذه الرواية أفتى الشيخ في النهاية (3) والمبسوط، فإنه قال: إن كان عليه غيره طرحه وأتم، وإلا طرحه وأخذ ما يستر عورته إن كان بالقرب منه بشئ ويتم، إن لم يكن بالقرب شئ ولا عنده غيره يناوله، قطع الصلاة وأخذ ما يستر به عورته واستأنف الصلاة. قاله في المبسوط (4). ولو لم يملك طاهرا أصلا تتم صلاته من قعود إيماءا وهو الحق عندي. إذا عرفت هذا، فكل موضع يجب إعادة الصلاة إنما يجب إعادة صلاة واحدة، سواء كانت النجاسة رطبة أو يابسة، وسواء كانت في الصيف أو الشتاء. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن كانت رطبة أعاد صلاة واحدة، وكذا إن كانت يابسة في الصيف، وإن كانت يابسة في الشتاء أعاد خمس صلوات (5). الثاني: لو صلى ثم رأى النجاسة وشك هل كانت عليه في الصلاة أم لا؟ فالصلاة صحيحة، لا نعرف فيه خلافا بين أهل وعدم النجاسة.

(1) أضفناه من الاستبصار والوسائل.
(2) التهذيب 1: 254 حديث 736، الاستبصار 1: 175 حديث 609، الوسائل 2: 1027 الباب 20 من أبواب النجاسات، حديث 6.
(3) النهاية: 96.
(4) المبسوط 1: 90.
(5) قال في مبسوط السرخسي 1: 59: وعند أبي حنفية إن كانت النجاسة بالية يعيد صلاة ثلاثة أيام ولياليها، وإن كانت طرية يعيد صلاة يوم وليلة.

[ 314 ]

الثالث: لو سقطت عليه نجاسة ثم زالت عنه وهو لا يعلم ثم علم، استمر على صلاته على ما اخترناه، وعلى القول الآخر: ينبغي القول بالاستيناف. ولو رآها قبل زوالها وتمكن من إزالتها أزالها إن لم يحتج إلى فعل كثير. الرابع: لو حمل حيوانا طاهرا مأكول اللحم صحت صلاته، وكذا غير المأكول، لأن النبي صلى الله عليه وآله حمل أمامة بنت أبي العاص (1) (2). وركب الحسن والحسين عليهما السلام ظهره صلى الله عليه وآله وهو ساجد (3). نقله الجمهور كافة، ولأن النجاسة في المحمول في معدنه كالحامل. أما لو حمل قارورة مشدودة الرأس، فيها نجاسة فقال الشيخ في المبسوط: إنه تبطل صلاته (4). واختاره ابن إدريس (5)، وهو قول أكثر الجمهور (6)، وقواه في الخلاف وقال فيه: وليس لأصحابنا فيه نص معين، والذي يقتضيه المذهب أنه لا تبطل الصلاة به. وبه قال ابن أبي هريرة من الشافعية قياسا على الحيوان الطاهر. ثم استدل بأن قواطع الصلاة معلومة بالشرع، ولا شرع يدل عليه. ثم قال: ولو قلنا بالبطلان كان قويا للاحتياط وللاجماع، فإن خلاف ابن أبي هريرة لا اعتداد به (7). وفي ادعائه الاجماع نظر، إلا أن يكون المراد به إجماع الجمهور، إذ قد ذكر أنه ليس

(1) أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى القرشية، وهي من زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، تزوجها علي (ع) بعد موت فاطمة (ع)، روت عن النبي صلى الله عليه وآله. أسد الغابة 5: 400، الاصابة 4: 236، الاستيعاب بهامش الاصابة 4: 244. (2) صحيح البخاري 1: 137، صحيح مسلم 1: 385 حديث 543، سنن أبي داود 1: 241 حديث 917، 918، وص 242 حديث 920، الموطأ 1: 170 حديث 81.
(3) سنن النسائي 2: 229، مسند أحمد 3: 493 494 وج 6: 467.
(4) المبسوط 1: 94.
(5) السرائر: 38.
(6) المغني 1: 752 المجموع 3: 150.
(7) الخلاف 1: 190 مسألة: 244.

[ 315 ]

لأصحابنا فيه نص. وذلك غير حجة عندنا وعندهم. ولو قيل بالصحة من حيث أن الصلاة لا تتم فيه منفردا كان وجها. هذا إن قلنا بتعميم جواز الدخول مع نجاسة ما لا تتم الصلاة فيها منفردا وإلا فالاقوى ما ذكره الشيخ في المبسوط وإن كان لم يقم عليه عندي دليل. وقول الجمهور أنه حامل نجاسة فتبطل صلاته، كما لو كانت على ثوبه، ضعيف، إذ الثوب شرط الدخول به طهارته. فإن احتج في هذا المقام برواية محمد بن مسلم (1) في الثوبين إذا كان أحدهما نجسا يطرحه. فالجواب أنها مرسلة، والفرق بين الثوب وصورة النزاع ظاهر. الخامس: لو جبر عظمه بعظم حيوان طاهر فقد أجمع أهل العلم على جوازه، أما عظم الميتة فعندنا أنه كذلك بناءا على طهارته وقد سلف (2)، أما عظم الكلب والخنزير فيجب عليه نقله ما لم يحصل له ضرر، فيسقط عنه وجوب الازالة، وتصح صلاته فيه. وهو قول أكثر أهل العلم (3). وقيل: يجب قلعه ما لم يخف التلف (4). لنا: قوله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (5) ولأنها نجاسة باطنة يستضر بإزالتها، فأشبهت الدم المبثوث في الجسد. ولو انقلعت سنه (فأنبتها لحرارة) (6) الدم لم يلزمه قلعها، سواء استضر أو لم يستضر، لأنها طاهرة عندنا. أما الشافعي، فقال: إن لم يستضر وجبت الازالة، وإن استضر ضررا لا يخاف معه تلفه ولا تلف بعض أعضائه فكذلك، فإن لم يفعل جبره السلطان

(1) تقدمت في ص 313 رقم 5.
(2) تقدمت في ص 196.
(3) المجموع 3: 138، فتح العزيز بهامش المجموع 4: 27، مغني المحتاج 1: 190، السراج الوهاج: 54. (4) المهذب للشيرازي 1: 60.
(5) الحج: 78.
(6) " د ": فأنبتها بحرارة.

[ 316 ]

على قلعه، فإن مات ولم يقلع لم يقلع بعد موته، لأنه صار ميتا كله (1). وقال أبو بكر الصيرفي (2): الأولى قلعه لئلا يلقى الله بمعصية (3). وهو ضعيف، لأن المعصية لو ثبت لم تزل بالنزع ولا معصية في بقائه، والمعنى الموجب للنزع ما عليه من التكليف، وقد زال بالموت. أما لو خاف التلف أو تلف عضو فقال أبو إسحاق: لا يجب قلعه (4). وقيل: يجب (5). وأبو حنيفة قال: لا يجب قلعه (6) في المسألتين الاخرتين. وهذا كله بناءا على الطهارة والنجاسة وقد مضى. السادس: يكره للمرأة أن تصل شعرها بشعر غيرها رجلا كان أو امرأة، ولا بأس أن تصل بشعر حيوان طاهر، ولا يجوز أن تصل بشعر نجس العين. وقال الشافعي: إن كان الشعر نجسا منع من صحة الصلاة، وإن كان طاهرا فإن كان لها زوج أو مولى كره ذلك وإلا فلا (7). وقال أحمد: يكره مطلقا (8). ولا بأس بالقرامل (9). وهو اختيار أحمد (10)، وابن جبير. ونقل عن الشافعي: أن الرجل متى وصل شعره بشعر ما لا يؤكل

(1) الأم 1: 54، المهذب للشيرازي 1: 60، المجموع 3: 138، مغني المحتاج 1: 191، السراج الوهاج: 54. محمد بن عبد الله: أبو بكر الفقيه الشافعي المعروف بالصيرفي، له مصنفات في المذهب وهو صاحب وجه، تفقه على ابن سريج، وروى عن أحمد بن منصور الرمادي مات سنة 330 ه‍. تاريخ بغداد 5: 449، شذرات الذهب 2: 325، طبقات ابن قاضي شهبة 1: 116.
(3) قال في المهذب 1: 60: وإن مات فقد قال أبو العباس: يقلع حتى لا يلقى الله تعالى حاملا للنجاسة.
(4) المهذب للشيرازي 1: 60.
(5) المهذب للشيرازي 1: 60.
(6) فتح العزيز بهامش المجموع 4: 27.
(7) المجموع 3: 139.
(8) المغني 1: 107.
(9) القرامل: ضفائر من شعر أو صوف أو ابريسم به المرأة شعرها. النهاية لابن الأثير 4: 51. (10) المغني 1: 107.

[ 317 ]

لحمه بطلت صلاته (1). لنا: أن الشعر غير قابل للنجاسة إذا لم يكن من حيوان نجس العين، فكان حكمه حكم غيره، وأما كراهية ذلك فبالاتفاق. ومن طريق الجمهور: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشرة والمستوشرة. فالواصلة هي التي تصل شعرها بغيره أو شعر غيرها، والمستوصلة الموصول شعرها بأمرها (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن القاسم بن محمد، عن علي قال: سألته عن امرأة مسلمة تمشط العرائس ليس لها معيشة غير ذلك وقد دخلها ضيق؟ قال: (لا بأس، ولكن لا تصل بالشعر) (3). وما رواه، عن ابن أبي عمير، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخلت ماشطة على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لها بعد كلام طويل: (لا تصل الشعر بالشعر) (4) وهذا النهي ليس للتحريم وإن كان بعض الجمهور قد ذهب إليه (5)، عملا بالحديث المتضمن للعن الواصلة والمستوصلة. ولنا ظن براءة الذمة، والحديث لم يثبت عندنا، ولو ثبت فقد روى الشيخ ما يمكن حمله عليه، وهو ما رواه سعد الاسكاف (6) قال: سئل أبو جعفر عليه السلام عن

(1) الأم 1: 54، المجموع 3: 140.
(2) صحيح البخاري 7: 213، سنن أبي داود 4: 77 حديث 4168، سنن النسائي 8: 145، 146، مسند أحمد 2: 21، 339 بتفاوت في الجميع.
(3) التهذيب 6: 359 حديث 1030، الوسائل 12: 94 الباب 19 من أبواب ما يكتسب به، حديث 4.
(4) التهذيب 6: 359 حديث 1031، الوسائل 12: 94 الباب 19 من أبواب ما يكتسب به، حديث 2.
(5) المغني 1: 107، فتح العزيز بهامش المجموع 4: 31.
(6) سعد بن طريف الحنظلي الاسكاف، مولى بني تميم الكوفي، عده الشيخ في رجاله تارة من أصحاب السجاد (ع) مضيفا إلى ما في العنوان قوله: ويقال: سعد الخفاف، وأخرى من أصحاب الباقر (ع) بعنوان سعد بن طريف، وثالثة من أصحاب الصادق بعنوان سعد بن طريف التيمي الحنظلي، ورابعة في + + +

[ 318 ]

القرامل التي تضعها النساء في رؤسهن يصلنه بشعورهن؟ فقال: (لا بأس به على المرأة ما تزينت به لزوجها) قال: قلت: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن الواصلة والموصلة؟ فقال: (ليس هناك، إنما لعن رسول الله صلى الله عليه وآله الواصلة التي تزني في شبابها، فلما كبرت قادت النساء إلى الرجال، فتلك الواصلة والموصلة) (1) ومع تطرق هذا الاحتمال لا يبقى للحديث دلالة على المطلوب. السابع: لو شرب خمرا أو أكل ميتة ففي وجوب قيئه نظر أقربه الوجوب، وهو أصح قولي الشافعية (2). وقال بعضهم: لا يجب (3). لنا: إن شربه محرم فاستدامته كذلك، لأن التغذية موجودة، والظاهر أن المنع من الشرب والأكل إنما هو لذلك ولو أدخل دما تحت جلده فنبت عليه اللحم، فإن أمكنه نزعه من غير مشقة وجب وإلا فلا. والشافعي أطلق وجوب إخراجه وأوجب إعادة كل صلاة صلاها مع ذلك الدم (4). الثامن: لو كان وسطه مشدودا بطرف حبل وطرفه الآخر مشدودا في نجاسة وصلى لم تبطل صلاته، لأنه ليس بحامل للنجاسة، وسواء كان الحبل مشدودا في كلب أو سفينة فيها نجاسة، صغيرين أو كبيرين، وسواء كان الطرف الطاهر من الحبل مشدودا

باب أصحاب الصادق أيضا بعنوان: سعد بن طريف الشاعر. وقد نقل الكشي روايات في مدحه وقدحه. رجال النجاشي: 178، رجال الطوسي: 92، 124، 203، رجال الكشي: 215. (1) التهذيب 6: 360 حديث 1032 وفيه: تصنعها النساء، الوسائل 12: 94 الباب 19 من أبواب ما يكتسب به حديث 3.
(2) المهذب للشيرازي 1: 60، المجموع 3: 139، مغني المحتاج 1: 191.
(3) المهذب للشيرازي 1: 61، المجموع 3: 139.
(4) الأم 1: 54.

[ 319 ]

في المصلى أو تحت قدميه، لا خلاف بين علمائنا فيه. وقال أصحاب الشافعي: إن كان واقفا على الحبل صحت صلاته، وإن كان حاملا له بطلت (1) وقال بعضهم: إن كان الكلب كبيرا لا يتحرك بحركته صحت صلاته، وإن كان صغيرا يتحرك لو تحرك المصلي بطلب، وكذا القول في السفينة (2). وقال آخرون في السفينة: إن كان مشدودا في موضع طاهر صحت، وإن كان الشد في موضع نجس فسدت (3). والكل باطل، إذ بطلان الصلاة يتوقف على الشرع، ولا شرع، إذ المبطلات مضبوطة. التاسع: يجوز أن يصلي على فراش قد أصابته نجاسة إذا لم يتعد إليه وكان موضع السجود طاهرا، وبعض أصحابنا اشترط طهارة المساجد (4) والبحث فيه سيأتي. ويدل عليه: ما رواه الشيخ، عن محمد بن أبي عمير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أصلي على الشاذكونة وقد أصابها الجنابة؟ قال: (لا بأس) (5). مسألة: روى الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصلح له أن يصب الماء من فيه يغسل به الشئ يكون في ثوبه؟ قال: (لا بأس) (6). وهذه الرواية موافقة للمذهب، إذ المطلوب الازالة، ولا فائدة في الوعاء الحاوي للمزيل. مسألة: ولا بأس بالصلاة في ثياب الصبيان. وهو قول أهل العلم (7)، لأن

(1) المجموع 3: 149، مغني المحتاج 1: 190، فتح العزيز بهامش المجموع 4: 23.
(2) المهذب للشيرازي 1: 61، مغني المحتاج 1: 190.
(3) المجموع 3: 148.
(4) الكافي في الفقيه: 140. (5) التهذيب 2: 370 حديث 1538، وج 1: 374 حديث 806، الاستبصار 1: 393 حديث 1500، الوسائل 2: 1044 الباب 30 من أبواب النجاسات، حديث 4، وج 3: 469 الباب 38 من أبواب مكان المصلي، حديث 4.
(6) التهذيب 1: 423 حديث 1343، الوسائل 2: 1079 الباب 59 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(7) المغني 1: 99، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 93.

[ 320 ]

النبي صلى الله عليه وآله حمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع وهو في الصلاة (1). وكان يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين عليهما السلام على ظهره (2). نعم، يكره، لعدم تحفظهم من النجاسات. وكذا لا بأس بالصلاة في ثوب الحائض، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحائض تعرق في ثيابها، أتصلي فيها قبل أن تغسلها؟ فقال: (نعم لا بأس) (3). ويكره إذا لم يكن مأمونة، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: المرأة الحائض تعرق في ثوبها؟ قال: (تغسله) قلت: فإن كان دون الدرع إزار فإنما يصيب العرق دون الازار؟ قال: (لا تغسله) (4) وليس المراد أن العرق موجب للغسل، إذ هو طاهر، لما قدمناه في الحديث الأول، والامر بالغسل إنما هو مع ملاقاة النجاسة، جمعا بين الأدلة. ويؤيده: ما رواه الشيخ في الموثق، عن عمار بن موسى الساباطي قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الحائض تعرق في ثوب تلبسه؟ فقال: (ليس عليها شئ إلا أن يصيب شئ [ من مائها ] (5) أو غير ذلك من القذر فتغسل ذلك الموضع الذي أصابه ذلك بعينه) (6).

(1) صحيح بخاري 1: 137، صحيح مسلم 1: 385 حديث 543، سنن أبي داود 241 حديث 917، الموطأ 1: 170 حديث 81.
(2) سنن النسائي 1: 229، مسند أحمد 3: 493 494 وج 6: 467.
(3) التهذيب 1: 269 حديث 793، الاستبصار 1: 186 حديث 649، الوسائل 2: 1041 الباب 28 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(4) التهذيب 1: 270 حديث 794، الاستبصار 1: 186 حديث 650، الوسائل 2: 1041 الباب 28 من أبواب النجاسات، حديث 8. (5) في النسخ: من ثيابها، وما أثبتناه من المصدر.
(6) التهذيب 1: 270 حديث 795، الاستبصار 1: 186 حديث 651، الوسائل 2: 1041 الباب 28 من + + +

[ 321 ]

وقد روى الجمهور، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يصلي في شعرنا أو لحفنا (1) وهذا محمول على الكراهية أيضا، لما رووه عنه عليه السلام أنه قال: إن حيضتك ليست في يدك) (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن سورة بن كليب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن العرق ليس من الحيضة) (3). وكذا ثوب الجنب، عرق فيه أو لا، ويدل عليه ما تقدم. ولعاب الصبيان طاهر. وهو مذهب كافة أهل العلم، لا يغسل من الثوب وتجوز الصلاة فيه، روى الجمهور، عن أبي هريرة قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله حاملا الحسين بن علي عليهما السلام على عاتقه ولعابه يسيل عليه، وحمل أبو بكر (4) الحسن بن علي عليهما السلام على عاتقه ولعابه يسيل عليه (5)، وعلي عليه السلام إلى جانبه ولم ينكر عليه. مسألة: والثوب إذا كان على كافر لم تجز الصلاة فيه، لأنه نجس بملاقاته وقد

أبواب النجاسات، حديث 5. (1) سنن أبي داود: 101 حديث 367، مسند أحمد 6: 101 وفيه: بدون كلمة (ولحفنا).
(2) صحيح مسلم 1: 244 حديث 298 299، سنن أبي داود 1: 68 حديث 261، سنن الترمذي 1: 241 حديث 134، سنن النسائي 1: 146، مسند أحمد 2: 70 وج 6: 101 بتفاوت يسير.
(3) التهذيب 1: 270 حديث 796، الاستبصار 1: 186 حديث 652، الوسائل 2: 1040 الباب 28 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(4) عبد الله بن أبي قحافة عثمان القرشي التيمي، روى عن النبي، وروى عنه عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وغيرهم. مات سنة 13 ه‍. أسد الغابة 3: 205، تذكرة الحفاظ 1: 2.
(5) سنن أبي ماجة 1: 216 حديث 658، مسند أحمد 2: 279، 406، 447. والحديث يتعلق بالحسن (ع). وانظر المغني 1: 99، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 93.

[ 322 ]

سلف بيان نجاسة الكافر (1) فينجس ما يلاقونه برطوبة. وكذا لو قصره، أو صبغه، أو غسله، أو غسل غزله، أو سداه، أو بله عند العمل فإنه لا تجوز الصلاة فيه عندنا. ويكره الصلاة في ثياب شارب الخمر وغيره من المحرمات ما لم يعلم أنه قد أصاب الثوب شئ من النجاسات. * البحث الثالث: في الأواني والجلود * مسألة: أجمع كل من يحفظ عنه العلم على تحريم الأكل والشرب في الآنية المتخذة من الذهب والفضة، إلا ما نقل عن داود أنه يحرم الشرب (2) خاصة، وعن الشافعي في القديم أن النهي نهي تنزيه (3). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) (4). ونهى عليه السلام عن الشرب في آنية الفضة، قال عليه السلام: (من شرب في آنية الفضة في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة) (5). وقال: (الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) (6) معناه: يلقى

(1) تقدمت في ص 222.
(2) المجموع 1: 249، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 8: 339، نيل الأوطار 1: 81. (3) المجموع 1: 250، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 8: 339، عمدة القارئ 21: 60، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 301، نيل الأوطار 1: 81.
(4) صحيح البخاري 7: 146، صحيح مسلم 3: 1637 حديث 2067 بتفاوت فيهما.
(5) صحيح مسلم 3: 1636 حديث 2066.
(6) صحيح البخاري 7: 146، صحيح مسلم 3: 1634 حديث 2065، سنن ابن ماجه 2: 1130 حديث 3413 و 3415، سنن الدارمي 2: 121، مسند أحمد 6: 98، 301، 302، 304، 306.

[ 323 ]

في جوفه نار جهنم، يقال: جرجر فلان الماء في حلقه إذا جرعه جرعا متتابعا يسمع له صوت، والجرجرة حكاية ذلك الصوت. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا تأكل من آنية من فضة ولا في آنية مفضضة) (1). وما رواه، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا تأكل في آنية الذهب والفضة) (2). وما رواه، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام أنه نهى عن آنية الذهب والفضة) (3). وما رواه، عن ابن فضال، عن بريد، عن أبي عبد الله عليه السلام، إنه كره الشرب في الفضة وفي الأقداح المفضضة وكذلك أن يدهن في مدهن مفضض والمشط كذلك (4). وما رواه، عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن موسى عليه السلام، قال: (آنية الذهب والفضة متاع الذين لا يوقنون) (5). وما رواه في الصحيح، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن آنية الذهب والفضة؟ فكرهها، فقلت له: قد روى بعض أصحابنا أنه كانت لأبي الحسن عليه السلام مرآة ملبسة فضة، فقال: (لا والله (6) إنما

(1) التهذيب 9: 90 حديث 386، الوسائل 2: 1085 الباب 66 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(2) التهذيب 9: 90 حديث 384، الوسائل 2: 1083 الباب 65 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(3) التهذيب 9: 90 حديث 385، الوسائل 2: 1083 الباب 65 من أبواب النجاسات، حديث 3.
(4) التهذيب 9: 90 حديث 387، الوسائل 2: 1085 الباب 66 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(5) التهذيب 9: 91 حديث 389، الوسائل 2: 1084 الباب 65 من أبواب النجاسات، حديث 4. (6) " ح " بزيادة: والحمد لله.

[ 324 ]

كانت لها حلقة من فضة وهي عندي، ثم قال: (إن العباس (1) حين عذر عمل له قضيب ملبس من فضة من نحو ما يعمل للصبيان تكون فضة نحوا من عشرة دراهم، فأمر به أبو الحسن عليه السلام فسكر) (2) ولأن إزالة الفخر والخيلاء وكسر قلب الفقراء أمر مطلوب، والتحريم طريق صالح، فيضاف إليه عملا بالمناسبة. فروع: الأول: هل يحرم استعمالها مطلقا في غير الأكل والشرب؟ قال به علماؤنا، وبه قال الشافعي (3)، ومالك (4). وحرم أبو حنيفة التطيب مع الأكل والشرب (5). وأباح داود ما عدا الشرب (6). لنا: ما تضمنه حديث الجمهور، عنه عليه السلام في قوله: فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) (7) وهذا يقتضي تحريم أنواع الاستعمال. ومن طريق الخاصة: رواية محمد بن مسلم، فإن النهي عن الآنية إنما يتناول النهي

(1) العباس بن موسى بن جعفر (ع)، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الكاظم (ع)، وقال: ثقة. المحقق المامقاني: لم أقف على من نقله عنه ولا على من تعرض للرجل فيشبه أن يكون النسخة غلطا. ثم قال: وقد عثرت بعد حين على نسختين معتمدتين خاليتين عنه بالمرة، وعلى فرض صحة النسخة فتوثيقه محل نظر، لأنه نازع أخاه أبي الحسن الرضا (ع). رجال الطوسي: 353، تنقيح المقال 2: 130، أصول الكافي 1: 316.
(2) التهذيب 9: 91 حديث 390، الوسائل 2: 1083 الباب 65 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(3) المجموع 1: 248، 250، مغني المحتاج 1: 29، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 302، المغني 1: 92.
(4) بلغة السالك 1: 24، 25، المغني 1: 92.
(5) بدائع الصنائع 5: 132، لهداية للمرغيناني 4: 78، شرح فتح القدير 8: 441.
(6) المجموع 1: 249 250، شرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 8: 339، نيل الأوطار 1: 81.
(7) صحيح البخاري 7: 146، صحيح مسلم 3: 1637 حديث 2067، سنن ابن ماجة 2: 1130 حديث 3414، سنن أبي داود 3: 337 حديث 3723، سنن الترمذي 4: 229 حديث 1878.

[ 325 ]

عن استعمالها، إذ النهي عن الأعيان يتناول المعنى المطلوب منها عرفا ولرواية موسى بن بكر، ومحمد بن إسماعيل ين بزيع، ولأن فيه كسر قلب الفقراء ونوعا من الخيلاء، ولأن التحريم استعماله في غير الطهارة، فالتحريم فيها من حيث أنها عبادة أولى. احتج داود بأن النبي صلى الله عليه وآله نص على تحريم الشرب. والجواب: قد بينا تحريم غيره. الثاني: لو توضأ من الآنية أو اغتسل صحت طهارته. وبه قال الشافعي (1)، وإسحاق، وابن المنذر، وأصحاب الرأي (2)، خلافا لبعض الحنابلة (3). لنا: إن فعل الطهارة وماءها لا يتعلق بشئ من ذلك، ولأن النزع ليس جزءا من الطهارة، بل الطهارة تحصل بعده، فلا يكون مؤثرا في بطلانها. احتج المخالف بأنه استعمل المحرم في العبادة، فكان مبطلا، كالصلاة في المكان المغصوب (4). والجواب: الفرق، فإن الكون في المكان أحد أجزاء الصلاة، وهو منهي عنه، فكان مؤثرا في البطلان، بخلاف صورة النزاع. ولو قيل أن الطهارة لا تتم إلا بانتزاع الماء المنهي عنه فيستحيل الأمر بها لاشتمالها على المفسدة، كان وجها وقد سلف نظيره. الثالث: لو جعلت مصبا لماء الوضوء يفصل الماء عن أعضائه إليه صحت طهارته، لأن رفع الحدث قد حصل قبل الاستعمال، فلم يؤثر في البطلان. وخالف فيه بعض الجمهور من حيث أن الاستعمال المحرم قد حصل، إلا أنه قد تأخر في الوجود عن

(1) الأم 1: 10، المجموع 1: 251، المغني 1: 93.
(2) المغني 1: 93.
(3) المغني 1: 93، الكافي لابن قدامة 1: 22، الانصاف 1: 81.
(4) المغني 1: 93، الكافي لابن قدامة 1: 22.

[ 326 ]

الوضوء، وفي الصورة المتقدمة قد تقدم، فهما متساويان معنى وإن اختلفا صورة. (والحق بطلانه) (1) فإن الفرق واقع بين التقدم الذي هو شرط في الطهارة والتأخر المستغني عنه، على أن المنع ثابت في الصورة المتقدمة وقد مضى. الرابع: قال الشيخ يحرم اتخاذ أواني الذهب والفضة (2). وهو مذهب أحمد بن حنبل (3)، وأصح قولي الشافعي (4). وحكي عنه عدم التحريم (5). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله: (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) دل بمفهومه على تحريم الاتخاذ مطلقا. ومن طريق الخاصة: رواية محمد بن مسلم، فإن النهي عن الآنية يتناول نهي اتخاذها. ورواية موسى بن بكر تدل عليه أيضا، ولأن تحريم استعمالها مطلقا يستلزم تحريم اتخاذها على هيئة الاستعمال كالطنبور، ولأن فيه تعطيلا للمال، فيكون سرفا، لعدم الانتفاع به، ولأن التعطيل مناسب للاتلاف المنهي عنه. احتج الشافعي بأن الخبر إنما دل على تحريم الاستعمال، فلا يحرم الاتخاذ، كما لو اتخذ الرجل ثياب الحرير (6). والجواب: إنا قد بينا استلزام تحريم الاستعمال تحريم (7) الاتخاذ، فنحن نسلم

(1) " م " " ن " " د ": والحق عدم بطلانه، والمراد به عدم بطلان الوضوء. والمراد بما في المتن بطلان الاستدلال.
(2) المبسوط 1: 13.
(3) المغني 1: 93، الكافي لابن قدامة 1: 21، الانصاف 1: 79، منار السبيل 1: 14.
(4) المجموع 1: 247، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 302، مغني المحتاج 1: 29، السراج الوهاج: 10. (5) المجموع 1: 247، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 302، مغني المحتاج 1: 29، السراج الوهاج: 10، المغني 1: 93.
(6) المجموع 1: 247، مغني المحتاج 1: 29، المغني 1: 93.
(7) " ح " " ق " " خ ": لتحريم.

[ 327 ]

أن الخبر إنما دل بمنطوقه على تحريم الاستعمال، والفرق بين الثياب وبين صورة النزاع ظاهر، إذ اتخاذ الثياب مباح للنساء والتجارة فلم يحرم استعماله مطلقا. الخامس: تحريم الاستعمال مشترك بين الرجال والنساء لعموم الأدلة، وإباحة التحلي للنساء بالذهب لا يقتضي إباحة استعمالهن الآنية منه، إذ الحاجة وهي التزيين ماسة في التحلي، وهو مختص به، فتختص به الاباحة. السادس: لو اتحد إناءا من ذهب أو فضة، وموهه بنحاس أو رصاص حرم استعماله، لوجود المنهي عنه. وهو أحد قولي الشافعي، وفي الآخر لا يحرم (1)، ولأنه لا يظهر للناس السرف فيه، فلا يخشى منه فتنة الفقراء ولا إظهار التكبر (2). والجواب: السرف موجود فيه وإن لم يظهر. مسألة: وفي المفضض قولان: ففي الخلاف شرك بينهما في الحكم (2). وقال في المبسوط: يجوز استعماله (3). وبه قال أبو حنيفة (4). وقال الشافعي: إن كان الذهب أو الفضة كثيرا حرم وإلا كان مباحا (5). والأقرب عندي الكراهية. لنا: على الاباحة: ما رواه الجمهور، عن أنس قال: إن قدح رسول الله صلى الله عليه وآله انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة (6). رواه البخاري. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن عبد الله بن سنان، عن أبي

(1) المجموع 1: 259، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 303 304، مغني المحتاج 1: 3029.
(2) الخلاف 1: 8 مسألة 15.
(3) المبسوط 1: 13.
(4) بدائع الصنائع 5: 132، الهداية للمرغيناني 4: 78، المغني 1: 94، المجموع 1: 261.
(5) المهذب للشيرازي 1: 12، المجموع 1: 258، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 305، مغني المحتاج 1: 30، السراج الوهاج: 11، المغني 1: 94.
(6) صحيح البخاري 4: 101.

[ 328 ]

عبد الله عليه السلام، قال: (لا بأس أن يشرب الرجل من قدح المفضض واعزل فيك عن موضع الفضة) (1). احتج الشيخ على القول الثاني له (2) برواية الحلبي، قال: (لا تأكل في آنية من فضة، ولا في آنية مفضضة (3) والعطف يقتضي التساوي في الحكم، وقد ثبت التحريم في آنية الفضة، فيثبت في المعطوف. وبرواية بريد، عن الصادق عليه السلام إنه كره الشرب في الفضة وفي القداح المفضضة (4). والمراد بالكراهية في الأول التحريم، فيكون في الثاني كذلك تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه. ولأنه لولا ذلك لزم استعمال اللفظ المشترك في كلا معنييه، أو اللفظ الواحد في معنى الحقيقة والمجاز، وذلك باطل. وبما رواه، عن عمرو بن أبي المقدام قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام قد أتي بقدح من ماء فيه ضبة من فضة فرأيته ينزعها بأسنانه (5). احتج الشافعي بأن في المضبب بالكثير سرفا وخيلاء، فأشبه الخالص (6). والجواب عن الحديث الأول: إن المعطوف والمعطوف عليه قد اشتركا في مطلق النهي، وذلك يكفي في المساواة، ويجوز الافتراق بعد ذلك يكون أحدهما نهي تحريم والآخر نهي كراهية وكذا الجواب عن الرواية الثانية مع سلامتها عن الطعن، واستعمال اللفظ المشترك في كلا معنييه أو في الحقيقة والمجاز غير لازم، إذ المراد بالكراهية مطلق رجحان العدم غير مقيد بالمنع من النقيض وعدمه، فكان من قبيل المتواطئ. وعن الثالثة: أن ما فعله أبو عبد الله عليه السلام لا يدل على التحريم، فلعله فعل

(1) التهذيب 9: 91 حديث 392، الوسائل 2:: 1086 الباب 66 من أبواب النجاسات، حديث 5.
(2) الخلاف 1: 8 مسألة 15.
(3) التهذيب 9: 90 حديث 386، الوسائل 2: 1085 الباب 66 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(4) التهذيب 9: 90 حديث 387، الوسائل 2: 1085 الباب 66 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(5) التهذيب 9: 91 حديث 388، الوسائل 2: 1086 الباب 66 من أبواب النجاسات، حديث 6.
(6) فتح العزيز بهامش المجموع 1: 305، المغني 1: 94.

[ 329 ]

ذلك للتنزيه. ويؤيده: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن معاوية بن وهب، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الشرب في القدح فيه ضبة من فضة؟ فقال: (لا بأس إلا أن يكره (1) الفضة فينزعها). وعن كلام الشافعي: المنع من المساواة في البابين، ومن كون العلة ما ذكره. نعم، يجوز أن يكون علة، أما التعليل بما ذكره قطعا فلا، إذ يجوز اتخاذ الأواني من غير الذهب والفضة واستعمالها في الأكل وغيره وإن كثرت أثمانها، ثم يعارضه بأنه تابع للمباح، فكان مباحا، كالمضبب باليسير. فروع: الأول: قال الشيخ: يجب عزل الفم عن موضع الفضة (2). وهو جيد، لرواية عبد الله بن سنان الصحيحة: (واعزل فيك عن موضع الفضة) (3) ولأمر للوجوب، ولا احتجاج في رواية معاوية بن وهب (4) على الضد، كما صار إليه بعض الأصحاب (5). الثاني: الأحاديث وردت في المفضض وهو مشتق من الفضة، ففي دخول الآنية المضببة بالذهب نظر، ولم أقف للأصحاب فيه على قول. والأقوى عندي جواز اتخاذه، عملا بالأصل، فالنهي إنما استعمال آنية الذهب والفضة. نعم، مكروه، إذ لا ينزل عن درجة الفضة. الثالث: لا بأس باتخاذ الفضة اليسيرة كالحلية للسيف، والقصعة، والسلسلة

(1) التهذيب 9: 91 حديث 391، الوسائل 2: 1086 الباب 66 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(2) المبسوط 1: 13، النهاية 589.
(3) التهذيب 9: 91 حديث 392، الوسائل 2: 1086 الباب 66 من أبواب النجاسات، حديث 5.
(4) التهذيب 9: 91 حديث 391، الوسائل 1086 الباب 66 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(5) المعتبر 1: 455.

[ 330 ]

التي يشعب بها الاناء، وأنف الذهب، وما يربط به أسنانه، لما رواه الجمهور في قدح رسول الله صلى الله عليه وآله (1)، والخاصة في مرآة موسى عليه السلام (2). وروى الجمهور، عن عرفجة بن أسعد (3) أصيب أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفا من ورق، فأنتن عليه، فأمره النبي صلى الله عليه وآله أن يتخذ أنفا من ذهب (4). وللحاجة إلى ذلك واتخاذ ذلك جائز مع الحاجة وبدونها، خلافا لبعض الجمهور (5). أما ما ليس بإناء، فالوجه الكراهية فيه، وذلك كالصفائح في قائم السيف والميل، لما فيه من النفع، ولما رواه أنس قال: كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه وآله من فضة وقبيعة سيفه فضة، وما بين ذلك حلق الفضة (6). ورواية محمد بن إسماعيل لما أمر موسى عليه السلام بكسر قضيب العباس الملبس بالفضة قد تحمل على الكراهية (7). الرابع: يجوز اتخاذ الأواني من كل ما عدا الذهب والفضة مرتفعا كان في الثمن أولا، عملا بالأصل. ولا يكره استعمال شئ منها في قول أكثر أهل العلم (8)، إلا أنه قد روي عن ابن عمر أنه كره الوضوء في الصفر، والنحاس، والرصاص، وشبهه (9)،

(1) صحيح البخاري 7: 147 وج 4: 101.
(2) التهذيب 9: 91 حديث 390، الوسائل 2: 1083 الباب 65 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(3) عرفجة بن أسعد بن كرب التميمي، هو الذي أصيب أنفه يوم الكلاب في الجاهلية ثم أسلم، فأذن له النبي صلى الله عليه وآله أن يتخذ أنفا من ذهب. الاصابة 2: 474، أسد الغابة 3: 400.
(4) سنن أبي داود 4: 92 حديث 4232، سنن الترمذي 4: 240 حديث 1770، سنن النسائي 8: 164.
(5) المغني 1: 94، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 90.
(6) سنن أبي داود 3: 30 حديث 2583، سنن الدارمي 2: 221، سنن النسائي 8: 219.
(7) التهذيب 9: 91 حديث 390، الوسائل 2: 1083 الباب 65 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(8) الأم 1: 10، المجموع 1: 252، المغني 1: 95. (9) المغني 1: 95.

[ 331 ]

واختار أبو الفرج المقدسي (1) لتغير الماء منه (2). وللشافعي في الثمن قولان: أحدهما: التحريم (3). وقال بعض الجمهور: يكره الشرب في الصفر. لنا: ما رواه الجمهور، عن عبد الله بن زيد قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وآله فأخرجنا له ماءا في تور من صفر فتوضأ. رواه البخاري (4). وروى أبو داود، عن عائشة قالت: كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله في تور من شبه (5) (6). ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ، عن يوسف بن يعقوب (7) قال: إن أبا عبد الله عليه السلام استسقى ماءا فأتي بقدح من صفر فيه ماء، فقال له بعض جلسائه: إن عباد البصري (8) يكره الشرب في الصفر، فقال: (سله أذهب هو أو فضة) (9).

(1) عبد الواحد بن محمد بن علي الشيرازي ثم المقدسي: أبو الفرج، شيخ الشام في وقته، حنبلي أصله من شيراز وتفقه ببغداد، سمع من أبي الحسن بن السمسار وأبي عثمان الصابوني. من كتبه: المبهج والايضاح. مات بدمشق سنة 486 ه‍. العبر 2: 352، الاعلام للزركلي 4: 177.
(2) المغني 1: 95.
(3) المهذب للشيرازي 1: 12، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 302، مغني المحتاج 1: 30، المغني 1: 95.
(4) صحيح البخاري 1: 61.
(5) الشبه: النحاس يصنع فيصفر. لسان العرب 13: 505.
(6) سنن أبي داود 1: 24 حديث 98.
(7) يوسف بن يعقوب، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الكاظم عليه السلام وقال: واقفي، وتبعه المصنف في الخلاصة، وقال ابن بابويه: يوسف بن يعقوب أخو يونس: فطحي. رجال الطوسي: 364، رجال العلامة: 265 الفقيه 4 (شرح المشيخة): 105 (8) عباد بن عباد بن حبيب بن المهلب المهلبي البصري: أبو معاوية، روى عن أبي حمزة الضبعي وهشام بن عروة وعاصم الاحول، وروى عنه أحمد بن حنبل وقتيبة ويحيى بن معين. مات سنة 181 ه‍. تذكرة الحفاظ 1: 260 العبر 1: 216، تهذيب التهذيب 5: 95.
(9) التهذيب 9: 92 حديث 393، الوسائل 2: 1084 الباب 65 من أبواب النجاسات، حديث 6 بتفاوت يسير.

[ 332 ]

احتج الشافعي بأن تحريم إتخاذ الأثمان بينة على تحريم ما هو أعلى ولأن فيه سرفا وكسرا (1). والجواب: أن كسر القلب لا يحصل به للفقراء لعدم معرفتهم الجواهر المثمنة غالبا، ولأنها لقلتها لا يحصل اتخاذ الآنية منها إلا نادرا، فلا تفضي إباحتها إلى اتخاذها واستعمالها، بخلاف الأثمان الكثيرة منها، كما أنه يحرم اتخاذ خاتم الذهب لا الخاتم من الجواهر المثمنة. الخامس: لو أكل من آنية الذهب أو الفضة على القول بالتحريم أو شرب يكون قد فعل محرما أما المأكول والمشروب فلا يكون محرما، إن النهي عن الاستعمال لا يتناول المستعمل، فيكون مباحا بالأصل السالم عن المعارض. مسألة:: إذا ولغ الكلب في الاناء نجس الماء ووجب غسله، وهو قول أكثر أهل العلم (2) إلا من شذ (3)، وبه قال في الصحابة علي عليه السلام، وابن عباس، وأبو هريرة (4). وروى ذلك عن عروة بن الزبير (5)، وهو مذهب الشافعي (6)، وأبي حنيفة، وأصحابه (7)، وأبي ثور، وأبي عبيد (8)، وأحمد (9). وذهب الزهري (10)، ومالك (11)،

(1) المغني 1: 95.
(2) الأم 1: 6، المغني 1: 70، المجموع 2: 580، المحلى 1: 109، المبسوط للسرخسي 1: 48، الهداية للمرغيناني 1: 23، شرح فتح القدير 1: 94، ميزان الكبرى 1: 105، مغني المحتاج 1: 83.
(3) المغني 1: 70، المجموع 2: 580، المبسوط للسرخسي 1: 48، فتح الباري 1: 221، المحلى 1: 113، ميزان الكبرى 1: 105.
(4) المجموع 2: 580، المحلى 1: 112، نيل الأوطار 1: 42.
(5) المغني 1: 70، المجموع 2: 580، المحلى 1: 112، نيل الأوطار 1: 42.
(6) الأم 1: 6، المهذب للشيرازي 1: 48، الأم (مختصر المزني) 8: 8، المجموع 2: 580، مغني المحتاج 1: 83، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 160، ميزان الكبرى 1: 105، المغني 1: 70.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 48، بدائع الصنائع 1: 64، الهداية للمرغيناني 1: 23، شرح فتح القدير 1: 94، النافع الكبير شرح الجامع الصغير: 74، المجموع 2: 580، المحلى 1: 113.
(8) المغني 1: 70، المجموع 2: 580، المحلى 1: 112، نيل الأوطار 1: 42. + + + +

[ 333 ]

وداود إلى أنه طاهر يجوز التطهير به (1)، واختاره ابن المنذر. لنا ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات) (2). ومن طريق الخاصة: ما رواه البقباق عنه عليه السلام أنه سئل عن الكلب، فقال: (رجس نجس لا يتوضأ بفضله) (3). الحديث. واعلم أن مالكا احتج بما رواه جابر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الحياض بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب؟ قال: (لها ما شربت في بطونها ولنا ما أبقت شرابا وطهورا) (4). والجواب: أنه محمول على الماء الكثير. إذا ثبت هذا، فاعلم أن الولوغ عبارة عن شرب الكلب مما فيه بطرف لسانه. ذكره صاحب الصحاح (5). واختلف العلماء في العدد، فقال علماؤنا أجمع ألا ابن

(9) المغني 1: 70، المجموع 2: 580، المحلى 1: 112، الكافي لابن قدامة 1: 17، نيل الأوطار 1: 42.
(10) المغني 1: 70. (11) المدونة الكبرى 1: 5، مقدمات ابن رشد 1: 60، المحلى 1: 113، المغني 1: 70، المجموع 2: 580، المبسوط للسرخسي 1: 48، بدائع الصنائع 1: 64، عمدة القارئ 3: 39، نيل الأوطار 1: 43. (1) المغني 1: 70.
(2) صحيح البخاري 1: 54، صحيح مسلم 1: 234 حديث 279، سنن ابن ماجة 1: 130 حديث 363 - 366، سنن النسائي 1: 52 الموطأ 1: 34 حديث 35، مسند أحمد 2: 245، 253، 271، 360، 398، 460، 480، 482 مع تفاوت يسير.
(3) التهذيب 1: 225 حديث 646، الاستبصار 1: 19 حديث 40، الوسائل 2: 1015 الباب 12 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(4) بدائع الصنائع 1: 64، المبسوط للسرخسي 1: 48، سنن ابن ماجة 1: 173 حديث 715 بتفاوت يسير وفيه عن أبي سعيد الخدري.
(5) الصحاح 4: 1329.

[ 334 ]

الجنيد: إنه يجب غسله ثلاث مرات إحداهن بالتراب (1). واختلف الشيخان هنا، فقال المفيد: أن التراب في وسطى الثلاث (2). وقال أبو جعفر الطوسي: إنه يكون في الأول (3). وهو الحق عندي وبه قال سلار (4)، وابن البراج (5)، وابن حمزة (6)، وابن إدريس (7). وقال السيد المرتضى في الانتصار والجمل: يغسل ثلاث مرات إحداهن بالتراب (8). وبمثله قال الشيخ في الخلاف (9). وقال علي بن بابويه: يغسل مرة بالتراب ومرتين بالماء. وبمثله قال ولده أبو جعفر في من لا يحضره الفقيه (10). وقال الشافعي: يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب (11). وهو قول ابن الجنيد (12)، وإحدى الروايتين عن أحمد. وفي الرواية الأخرى عنه أنه يغسل ثماني مرات، الثامنة بالتراب (13). وهو مذهب الحسن البصري (14)، وقال الأوزاعي مثل قول السيد المرتضى (15). وقال أبو حنيفة: لا يجب العدد في شئ من النجاسات بل الواجب

(1) نقله عنه في المعتبر 1: 458.
(2) المقنعة: 9.
(3) المبسوط 1: 14، النهاية: 53.
(4) المراسم: 36.
(5) المهذب 1: 28. (6) الوسيلة (الجوامع الفقهية): 670.
(8) السرائر: 15.
(8) الانتصار 9، جمل العلم والعمل: 49.
(9) الخلاف 1: 47 مسألة: 130.
(10) الفقيه 1: 8.
(11) الأم 1: 6، المهذب للشيرازي 1: 48، المجموع 2: 580، مغني المحتاج 1: 83، السراج الوهاج: 23، المغني 1: 74.
(12) نقله عنه في المعتبر 1: 458.
(13) المغني 1: 74، الكافي لابن قدامة 1: 112، المجموع 2: 580، المحلى 1: 112.
(14) المغني 1: 74.
(15) كذا نسب إليه ولكن عده النووي في المجموع 1: 580، وابن حزم في المحلى 1: 12.

[ 335 ]

الغسل حتى يغلب الظن زوال النجاسة (1). ونقل عن ومالك (2) وداود أنهما قالا: يجب الغسل تعبدا ولا يعتبر العدد، ونقل عنهما استحباب الغسل سبعا (3). لنا: ما رواه الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاث مرات) رواه أبو هريرة (4). وما رواه أبو هريرة أيضا عنه عليه السلام: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا) (5) وجه الاستدلال: أنه عليه السلام أوجب الثلاث، ولم يجوز الاقتصار على أقل منها بالامر، وقوله: (أو خمسا أو سبعا) للتخيير، والتخيير يسقط وجوب الزيادة. لا يقال: أنه خير بين الثلاث والخمس والسبع، ولا يجوز التخيير بين الواجب والندب، فتعين وجوب كل واحد من هذه. لأنا نقول: هذا خلاف الاجماع، إذ لم يقل أحد بوجوب كل واحد من هذه الثلاث كوجوب الآخر، فإن القائلين بوجوب السبع لا يجعلون الثلاث والخمس واجبات ويخيرون بينها وبين الثلاث، لانهم يوجبون السبع دون ما عداها. وما ذكروه غير لازم، إذ الثلاث داخلة في الخمس وفي السبع، وإنما وقع التخيير بين الاقتصار على الواجب وهو الثلاث، وبين فعله مع الزيادة.

(1) من القائلين بوجوب الغسل سبعا. المجموع 2: 580، المغني 1: 74، ميزان الكبرى 1: 105.
(2) المجموع 2: 580، بدائع الصنائع 1: 64، ميزان الكبرى 1: 105، المغني 1: 70، المبسوط للسرخسي 1: 48.
(3) كذا نسب إليه ولكن عده ابن حزم في المحلى 1: 112 من القائلين بالغسل سبع مرات إحداهن بالتراب، والنووي في المجموع 1: 580 من القائلين بوجوب الغسل ثماني مرات إحداهن بالتراب.
(4) سنن الدار قطني 1: 66 حديث 16، 17 بتفاوت يسير.
(5) سنن البيهقي 1: 240، سنن الدار قطني 1: 65 حديث 13.

[ 336 ]

ومن طريق الخاصة ما رواه الشيخ في الصحيح، عن أبي العباس الفضل قال: سألته عن الكلب؟ فقال: (رجس نجس لا يتوضأ بفضله واغسله بالتراب أول مرة، ثم بالماء مرتين) (1). احتج ابن الجنيد بما رواه عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (يغسل الخمر سبعا وكذلك الكلب) (2) وفي عمار قول: واحتج أحمد (3) بما رواه عبد الله المغفل (4) أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (إذا ولغ في الاناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب) (5). واحتج الشافعي (6) بما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا أولاهن بالتراب) (7). واحتج أبو حنيفة (8) بما روي، عن النبي صلى الله عليه وآله قال في الكلب يلغ في

(1) التهذيب 1: 225 حديث 646، الاستبصار 1: 19 حديث 40، الوسائل 2: 1015 الباب 12 من أبواب النجاسات، حديث 2 وفي الجميع لا توجد كلمة " مرتين ".
(2) التهذيب 9: 116 حديث 502، الوسائل 17: 294 الباب 30 من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 2 بتفاوت يسير.
(3) المغني 1: 74، المجموع 2: 581.
(4) عبد الله بن المغفل بن عبد غنم - أونهم - بن عفيف بن أسحم بن ربيعة.. يكنى: أبا زياد، سكن المدينة ثم تحول إلى البصرة، له صحبة، روى عن النبي صلى الله عليه وآله، وروى عنه الحسن البصري وأبو العالية ومطرف ويزيد إبنا عبد الله الشخير وغيرهم، مات بالبصرة سنة 57 ه‍. أسد الغابة 3: 265، الاصابة 2: 372.
(5) صحيح مسلم 1: 235 حديث 280، سنن ابن ماجة 1: 130 حديث 365، سنن أبي داود 1: 19 حديث 74، سنن النسائي 1: 54، سنن الدارمي 1: 188، مسند أحمد 4: 86 وج 5: 56.
(6) الأم 1: 6، المجموع 2: 581، مغني المحتاج 1: 83.
(7) صحيح مسلم 1: 234 حديث 279، سنن الترمذي 1: 151 حديث 91، سنن أبي داود 1: 19 حديث 71، سنن النسائي 1: 177، مسند أحمد 2: 427.
(8) بدائع الصنائع 1: 64، المجموع 2: 580.

[ 337 ]

الاناء: (يغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا) (1) وذلك نص في عدم تعيين العدد، ولأنها نجاسة، فلا يجب العدد فيها كما لو كانت على الأرض. والجواب عن الحديثين الأولين: أن الأمر فيهما للاستحباب، لرواية أبي حنيفة، فإنه لو كان للوجوب لنافى التخيير، فيسقط الحديث بالكلية، بخلاف ما لو علمنا بها فإنه أولى. وعن احتجاج أبي حنيفة: أنا قد بينا أنه حجة لنا، وقياسه باطل، لحصول المشقة في غسل الأرض، ولكثرة ملاقاته لها، فلم يعتبر فيها ما يعتبر في الاسهل. فروع: الأول: قال المفيد: يغسل ثلاث مرات، مرتين منها بالماء، ومرة بالتراب تكون في أوسط الغسلات، ثم يجفف ويستعمل (2). وعندي: ليس التجفيف شرطا في الاستعمال، إذ الماء المتخلف في المغسول طاهر وإلا لم يطهره التجفيف. الثاني: لو لم يوجد التراب، قال الشيخ: جاز الاقتصار على الماء (3). وذلك يعطي أحد معنيين: أما استعمال الماء ثلاث مرات، أو استعمال الماء مرتين. ووجه الاحتمال الأول: أنه قد أمر بالغسل وقد فات ما يغسل به، فينتقل إلى ما هو أبلغ وهو الماء. ووجه الثاني: إنه قد أمر بالغسل بالتراب ولم يوجد، فالتعدية خروج عن المأمور بة، وتنجيس الاناء دائما تكليف بالمشقة فوجب القول بطهارته بالغسل مرتين، وهو قوي.

(1) سنن البيهقي 1: 240، سنن الدار قطني 1: 65 حديث 13.
(2) المقنعة: 9.
(3) المبسوط 1: 14.

[ 338 ]

الثالث: قال: لو لم يوجد التراب ووجد ما يشبهه، كالاشنان والصابون والجص ونظائرها أجزأ. وهو قول ابن الجنيد (1)، وللشافعي وجهان: أحدهما: الإجزاء. والثاني: عدمه (2). وكذا عند أحمد الوجهان معا (3). أما الأول، فلأن هذه الاشياء أبلغ من التراب في الازالة، فالنص لما يتناول الأدون كان دالا بالتنبيه على الأعلى، ولأنه جامد أمر به في إزالة النجاسة فالحق به ما يماثله كالحجر والاستجمار. وأما الثاني، فلأن التعبد في هذه الطهارة وقع بالتراب، فلم يجز بغيره كالتيمم، ولأنه غير معقول المعنى، فلا يجوز فيه القياس. والأخير عندي أقوى، فإن المصلحة الناشئة من التعبد باستعمال التراب لو حصلت بالاشنان وشبهه لصح استعماله مع وجود التراب. وتردد أصحاب الشافعي في القول الأول، فقال بعضهم: أن القولين في حال عدم التراب، فأما مع وجوده فلا يجوز بغيره قولا واحدا (4). وقال آخرون: إن القولين في الأحوال كلها، لأنه في أحد القولين جعله كالتيمم، وفي الآخر كالاستنجاء، وفي الأصلين لا فرق بين وجود المنصوص عليه وبين عدمه (5). الرابع: لو خيف فساد المحل باستعمال التراب فهو كما لو فقد التراب. الخامس: لو غسله بالماء بدل التراب مع وجوده لم يجزئه، لأن التعبد وقع بالتراب، فلا يكون غيره مجزيا كالماء في طهارة الحدث، وللشافعي وجهان: أحدهما:

(1) نقله عنه في المعتبر 1: 459.
(2) الأم 1: 6، المهذب للشيرازي 1: 48، الأم (مختصر المزني) 8: 8، المجموع 2: 583، مغني المحتاج 1: 83.
(3) المغني لابن قدامة 1: 75.
(4) المهذب للشيرازي 1: 48.
(5) المهذب للشيرازي 1: 48.

[ 339 ]

كما قلناه، والثاني: الإجزاء (1)، لأن الماء أبلغ من التراب. والجواب عنه قد تقدم. السادس: قال ابن إدريس: الغسل بالتراب غسل بمجموع الأمرين منه ومن الماء لا يفرد أحدهما عن الآخر، إذ الغسل بالتراب لا يسمى غسلا، إذ حقيقته جريان المائع على الجسم المغسول، والتراب وحده غير جار (2). وفي اشتراط الماء نظر وإن كان ما قاله قويا. السابع: لو تكرر الولوغ كفت الثلاث، اتحد الكلب أو تعدد، لأن النجاسة واحدة، فلا فرق بين القليل منها والكثير، وللشافعي في تكرر الغسل مع تعدد الكلب وجهان (3). الثامن: لا يغسل بالتراب إلا مع الولوغ خاصة، فلو أدخل الكلب يده أو رجله أو غيرهما كان كغيره من النجاسات. ذكره الشيخ في الخلاف (4) وابن إدريس (5). وقال علي بن بابويه وولده بالتسوية بين الولوغ والوقوع (6) (7). قال الشافعي وأحمد: لا فرق بين الولوغ والملاقاة بكل واحد من أجزائه (8) (9). وقال مالك وداود: لا يجب غسل الاناء (10) (11) منه. وبناه على أصلهما من طهارة الكلب، وإنما يغسل من ولوغه

(1) المهذب للشيرازي 1: 48، المجموع 2: 583 584.
(2) السرائر 15.
(3) المهذب للشيرازي 1: 48، المجموع 2: 584، مغني المحتاج 1: 84.
(4) الخلاف 1: 51 مسألة 142.
(5) السرائر: 15.
(6) نقله عنه في المعتبر 1: 459.
(7) من لا يحضره الفقيه 1: 8.
(8) المهذب للشيرازي 1: 48، المجموع 2: 586. (9) المغني 1: 77.
(10) مقدمات ابن رشد 1: 61، الشرح الصغير بهامش بلغة السالك 1: 34، عمدة القارئ 3: 39، ميزان الكبرى 1: 105، سبل الاسلام 1: 22.
(11) قال في المغني 1: 70. وقال مالك والأوزاعي وداود: سؤرهما طاهر يتوضأ به ويشرب، وإن ولغا في + + + +

[ 340 ]

تعبدا (1). لنا: إنه تكليف غير معقول المعنى، فيقف على النص، وهو إنما دل على الولوغ. احتج المخالف بأن كل جزء من الحيوان يساوى بقية الأجزاء في الحكم (2). والجواب: التساوي ممنوع والفرق واقع، إذ في الولوغ تحصل ملاقاة الرطوبة اللزجة للاناء المفتقرة إلى زيادة في التطهير. التاسع: المتولد من الكلب وغيره يعتبر في إلحاق حكمه به حصول الاسم. العاشر: قال الشيخ في المبسوط والخلاف: حكم الخنزير في الولوغ حكم الكلب (3). وهو مذهب الجمهور. ونقل ابن القاص (4)، عن الشافعي في القديم: يغسل مرة واحدة. وخطأه سائر أصحابه، قالوا: لأنه في القديم قال: يغسل بقول مطلق، وإنما أراد به السبع (5). وقال ابن إدريس: حكم الخنزير حكم غيره من النجاسات في أنه لا يعتبر فيه التراب (6). وهو الحق. لنا: اختصاص الحكم بالكلب، وهو غير معقول فلا يتعدى إلى غيره. احتج الشيخ بوجهين: أحدهما: أنه يسمى كلبا في اللغة، فيتناوله الحكم المعلق على الاسم.

طعام لم يحرم أكله. سبل السلام 1: 22. (1) تقدم بيانه في ص 335.
(2) المغني 1: 77.
(3) المبسوط 1: 15، الخلاف 1: 52 مسألة 143.
(4) أبو العباس بن القاص: أحمد بن أبي أحمد الطبري الشافعي، تفقه على ابن سريج، وله مصنفات مشهورة. مات سنة 335 ه‍. العبر 2: 50، شذرات الذهب 2: 339.
(5) المهذب للشيرازي 1: 49، المجموع 2: 586.
(6) السرائر: 15.

[ 341 ]

الثاني: إن الاناء يغسل من جميع النجاسات ثلاث مرات، والخنزير نجس بلا خلاف (1). واحتج الجمهور بأنه أسوأ حالا من الكلب، للاجماع على نجاسته وتحريم ميتته، فيعتبر فيه ما يعتبر في الاخف (2). والجواب عن الأول بالمنع من التسمية لغة، ولو سلم كان مجازا، والأصل عدمه في الخبر الدال على تعليق الحكم عن الاسم. وعن الثاني بالمنع من وجوب الغسل ثلاثا، ولو سلم فأين الدليل على وجوب استعمال التراب. وعن الثالث بالمنع من كونه أسوأ من الكلب، ولو سلم لم يدل على المطلوب. ولو قيل بوجوب غسل الاناء منه سبع مرات كان قويا، لما رواه الشيخ في الصحيح، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: وسألته عن خنزير شرب في إناء كيف يصنع به، قال: (يغسل سبع مرات) (3) وحمله على الاستحباب ضعيف، إذ لا دليل عليه مع ثبوت أن الأمر للوجوب. الحادي عشر: لو وقع فيه نجاسة بعد غسله بعض العدد، فإن كانت ذات عدد مساو للباقي كان كافيا، وإلا حصلت المداخلة في الباقي واتى بالزائد، وهكذا لو وقع فيه نجاسة قبل الغسل، إلا أن التراب لابد منه للولوغ، ثم إن كانت النجاسة تفتقر إلى الغسل ثلاثا وجبت الثلاث غير التراب. وبالجملة إذا تعددت النجاسة، فإن تساوت في الحكم تداخلت، وإن اختلفت فالحكم لأغلظها. الثاني عشر: لو غسله بالتراب، ثم بالماء مرة واحدة فولغ مرة ثانية وجب

(1) الخلاف 1: 52 مسألة 143.
(2) الأم (مختصر المزني) 8: 8، المهذب للشيرازي 1: 49، مغني المحتاج 1: 83.
(3) التهذيب 1: 261 حديث 760، الوسائل 2: 1017 الباب 13 من أبواب النجاسات، حديث 1.

[ 342 ]

الاستئناف، ولا يجب الاكمال، ثم الاستئناف. الثالث عشر: لو وقع إناء الولوغ في ماء قليل، نجس الماء ولم يحتسب بغسله، ولو وقع في كثير لم ينجس، وهل يصلح له غسله أم لا؟ الأقرب أنه لا يحصل، لوجوب تقديم التراب. هذا على قولنا، أما على قول المفيد (1) والجمهور (2)، فإن الوجه الاحتساب بغسله. ولو وقع في ماء جار ومرت عليه جريات متعددة احتسب كل جرية بغسله، خلافا للشيخ (3)، إذ القصد غير معتبر، فجرى مجرى ما لو وضعه تحت المطر. ولو خضخضه في الماء حركه بحيث تخرج تلك الأجزاء الملاقية عن حكم الملاقاة ويلاقيه غيرها احتسب بذلك غسلة ثانية كالجريات. ولو طرح فيه ما لم يحتسب به غسله حتى يفرغ منه سواء كان كثيرا بحيث يسع الكر أو لم يكن، خلافا لبعض الجمهور، فإنه قال في الكثير: إذا وسع قلتين أو طرح فيه ماء وخضخض احتسب به غسلة ثانية (4). والوجه: أنه لا يكون غسله إلا بتفريغه منه، مراعاة للعرف. ولو كان المغسول مما يفتقر إلى العصر لم يحتسب له غسلة إلا بعد عصره. والأقرب عندي بعد ذلك كله أن العدد إنما يعتبر لو صب الماء فيه، أما لو وقع الاناء في ماء كثير أو ماء جار وزالت النجاسة طهر. الرابع عشر: ليس حكم الماء الذي يغسل به إناء الولوغ حكم الولوغ في أنه متى لاقى جسما يجب غسله بالتراب، لأنها نجاسة، فلا يعتبر فيها حكم المحل الذي انفصلت

(1) المقنعة: 9.
(2) المغني 1: 77، المجموع 2: 587. (3) المبسوط 1: 14.
(4) المغني 1: 77، المجموع 2: 587.

[ 343 ]

عنه. وقال الشافعي (1)، وبعض الحنابلة: يجب غسله بالتراب وإن كان المحل الأول قد غسل بالتراب (2). وقال بعضهم: يجب غسله من الغسلة الأولى ستا، ومن الثانية خمسا، ومن الثالثة، أربعا وهكذا، فإنه بكل غسلة ارتفع سبع النجاسة عنده فإن كان قد انفصلت عن محل غسله بالتراب غسل محلها بغير تراب، وإن كانت الأولى بغير تراب غسلت هذه بالتراب (3). وهذا كله ضعيف فإنه بكل غسلة ارتفع سبع النجاسة عنده فيلزم غسل ما أصابه مرة واحدة. والوجه: إنه يساوي غيره من النجاسات، لاختصاص النص بالولوغ. الخامس عشر: الأقرب اشتراط طهارة التراب، سواء أضفناه أو لا، لأن المطلوب منه التطهير، وهو غير مناسب بالنجس. السادس عشر: لو ولغ الكلب في إناء فيه طعام جامد، القي ما أصابه فمه وانتفع بالباقي، كما لو ماتت الفأرة في سمن جامد. السابع عشر: لو اجتمع ماء الغسلات كان نجسا، على ما اخترناه (4)، وعلى ما قاله الشيخ (5)، والشافعي (6) في بعض أقوالهما من اعتبار التغير والانفصال عن محل طاهر يحتمل ذلك أيضا، لأن الغسلتين انفصلتا عن محل نجس، والثالثة لا تطهرها إلا أن يصير كرا، ويحتمل الطهارة، لأنه ماء غير متغير انفصل عن محل طاهر، فكان طاهرا. الثامن عشر: لا يجب التراب في غير نجاسة الكلب، وهو إحدى الروايتين عن

(1) المجموع 2: 585.
(2) المغني 1: 76.
(3) المغني 1: 76.
(4) تقدمت في ج 1: 145.
(5) الخلاف 1: 50 مسألة 137.
(6) المهذب للشيرازي 1: 49، المجموع 2: 585.

[ 344 ]

أحمد (1)، للأصل، ولقول النبي صلى الله عليه وآله: (إذا أصاب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء، ثم لتصل فيه) (2). والثانية: أنه يجب لوجوب السبع، فأشبه الكلب (3). والمقدمتان ممنوعتان. مسألة: وهل يعتبر العدد في غير الولوغ أم لا؟: قال الشيخ (4): نعم: إلا أنه لا يعتبر التراب، والنظر هنا يتعلق بأمور: الأول: قال الشيخان: يغسل الاناء من الخمر سبعا (5). وللشيخ قول آخر أنه يغسل ثلاثا (6)، وكذا غيره من المسكرات. والأقرب عندي عدم اعتبار العدد، بل الواجب الانقاء. لنا: محل نجس فوجب تطهيره بصيرورته إلى الحال الأولى، وذلك إنما يحصل بالنقاء فيجب الانقاء، لكن الغالب إنه لا يحصل ألا مع الثلاث، فيجب لا باعتبار أنه مقدر. احتج الشيخ على الأول بما رواه عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام في الاناء يشرب منه النبيذ، قال: (يغسله سبع مرات) (7). وعلى الثاني (8) بما رواه عمار أيضا، عن أبي عبد الله عليه السلام في الاناء يشرب فيه الخمر هل يجزيه أن يصب فيه الماء؟ قال: (لا يجزيه حتى يدلكه بيده ويغسله

(1) المغني 1: 76، الكافي لابن قدامة 1: 116، الانصاف 1: 314.
(2) صحيح البخاري 1: 84، سنن أبي داود 1: 99 حديث 361.
(3) المغني 1: 76، الكافي لابن قدامة 1: 116، الانصاف 1: 314.
(4) المبسوط 1: 15، الخلاف 1: 50 مسألة 138.
(5) المفيد في المقنعة: 10، والطوسي في المبسوط 1: 15، النهاية: 53.
(6) النهاية: 592.
(7) التهذيب 9: 116 حديث 502، الوسائل 17: 294 الباب 30 من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 2.
(8) الخلاف 1: 50 مسألة 138.

[ 345 ]

ثلاث مرات) (1) ووجه الجمع بينهما: حمل الأولى على الاستحباب، والثانية على الإجزاء. لا يقال: إذا كانت الثانية دالة على حد الإجزاء تعينت الثلاث. لأنا نقول: لما كان الانقاء إنما يحصل غالبا بالثلاث لا جزم علق الحكم عليه، والتعليق إذا جرى مجرى الغالب لا يدل على نفي الحكم عما عداه إجماعا. وقد روى الشيخ، عن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الدن يكون فيه الخمر، هل يصلح أن يكون فيه الخل وماء كامخ (2) أو زيتون؟ قال: (إذا غسل فلا بأس) وعن الابريق وغيره يكون فيه خمر أيصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: (إذا غسل فلا بأس) (3) ولم يعتبر هنا العدد، فعلم أن الواجب هو مطلق الغسل المشتمل على إزالة المانع. الثاني: يستحب غسل الاناء لموت الجرذ سبعا وأقله ثلاث مرات، وكذا الفأرة. وقال الشيخ في النهاية: يغسل لموت الفأرة سبعا (4). وجعله في المبسوط، والجمل رواية (5). واحتج على ما ذكره في النهاية بما رواه عن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (اغسل الاناء الذي يصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرات) (6) والرواية ضعيفة السند، فالأولى الاستحباب عملا بالاحتياط. الثالث: يغسل الاناء من باقي النجاسات مره واحدة وجوبا، ويستحب الثلاث

(1) التهذيب 9: 115 حديث 501، الوسائل 17: 294 الباب 30 من أبواب الأشربة المحرمة، حديث 1.
(2) الكامخ: بفتح الميم وربما كسرت: الذي يؤتدم به. الصحاح 1: 430، المصباح المنير: 540. وخصه بعضهم بالمخللات التي تشهي الطعام.
(3) التهذيب 9: 115 حديث 501، الوسائل 17: 294 الباب 30 من أبواب الأشربة المحرمة حديث 1.
(4) النهاية: 5.
(5) المبسوط 1: 15، الجمل والعقود: 57.
(6) التهذيب 1: 284 حديث 832، الوسائل 2: 1076 الباب 53 من أبواب النجاسات، حديث 1.

[ 346 ]

للاحتياط. وقال الشيخ في الخلاف: يغسل الاناء من سائر النجاسات سوى الولوغ ثلاث مرات (1). وبمثله قال في المبسوط، وجعل المرة رواية (2)، واختاره ابن الجنيد (3). وقال أبو حنيفة: الواجب ما يغلب على الظن معه حصول الطهارة (4). ولأحمد قولان: أحدهما: مثل ما قلنا (5). وهو قول الشافعي (6). والثاني: سبع مرات أو ثمان مرات (7). وبه قال ابن عمر كالولوغ (8). لنا: ثبت وجوب إزالة النجاسة بالغسل ولم يثبت العدد فالأصل عدمه، واستحباب الثلاث للاحتياط، أيضا: روى الجمهور، عن ابن عمر قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، والغسل من البول سبع مرات، فلم يزل النبي صلى الله عليه وآله يسأل حتى جعلت الصلاة خمسا، والغسل من البول مرة، والغسل من الجنابة مرة،. رواه أحمد وأبو داود (9). وما رواه البخاري، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا أصاب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء، ثم لتصل) (10) ولم يقدر بعدد. وما رواه أبو داود أن مرأة ركبت ردف النبي صلى الله عليه وآله على ناقته، فلما

(1) الخلاف 1: 50 مسألة 138.
(2) المبسوط 1: 15.
(3) نقله عنه في المعتبر 1: 461.
(4) الهداية للمرغيناني 1: 37، شرح فتح القدير 1: 185.
(5) المغني 1: 75، الكافي لابن قدامة 1: 166، الانصاف 1: 313.
(6) المهذب للشيرازي 1: 49، المجموع 2: 592، الأم (مختصر المزني) 8: 8، مغني المحتاج 1: 86، المغني 1: 75.
(7) المغني 1: 75، الكافي لابن قدامة 1: 166، الانصاف 1: 313، المجموع 2: 592.
(8) المغني 1: 75. (9) سنن أبي داود 1: 64 حديث 247 وفيه: وغسل البول من الثوب مرة. مسند أحمد 2: 109.
(10) صحيح البخاري 1: 84.

[ 347 ]

نزلت إذا على حقيبته (1) شئ من دمها، فأمرها النبي صلى الله عليه وآله أن تجعل في الماء ملحا، ثم تغسل به الدم (2). ولم يأمرها بعدد. ومن طريق الخاصة: رواية عمار في إطلاق الغسل وقد تقدمت ولأن الأصل براءة الذمة. احتج الشيخ بالاحتياط، فإنه مع الغسل ثلاث مرات يعلم الطهارة إجماعا منا ومن الشافعي، وما زاد عليه يحتاج إلى دليل (3). وبرواية عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن الكوز والاناء يكون قذرا كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ قال: (يغسل ثلاث مرات، يصب فيه الماء فيحرك فيه، ثم يفرغ [ منه ذلك الماء ] (4)، ثم يصب فيه ماء آخر [ فتحرك فيه ] (5)، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، يفرغ منه ] (6) وقد طهر) (7). وقال: في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر؟ قال: (يغسله ثلاث مرات) وسئل: أيجزيه أن يصب فيه الماء؟ قال: (لا يجزيه حتى يدلكه بيده، ويغسله ثلاث مرات) (8).

(1) الحقيبة: بفتح الحاء المهملة، هي: كل ما شد في مؤخر رحل أو قتب، والرحل، هو: المركب للبعير وهو أصغر من القتب، وقال ابن الأثير: هي الزيادة التي تجعل في مؤخرة القتب. النهاية لابن الأثير 1: 412.
(2) سنن أبي داود: 84 حديث 313.
(3) الخلاف 1: 50 حديث 138.
(4) أضفناه من المصدر.
(5) أضفناه من المصدر.
(6) أضفناه من المصدر.
(7) التهذيب 1: 284 حديث 832، الوسائل 2: 1076 الباب 53 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(8) التهذيب 1: 283 حديث 830، الوسائل 2: 1074 الباب 51 من أبواب النجاسات، حديث 1.

[ 348 ]

واحتج أحمد بالقياس على نجاسة الولوغ (1)، وبما روي، عن ابن عمر أنه قال: أمرنا بغسل الانجاس سبعا. فينصرف إلى أمر النبي صلى الله عليه وآله (2). والجواب عن الأول: إن الاحتياط لا يقتضي الايجاب، وهو معارض ببراءة الذمة، فكان الاستحباب أشبه. وقد توهم بعض الناس (3) أن الشيخ استدل هنا بالاجماع، واستبعده من روايته للمرة. والشيخ لم يستدل بالاجماع هنا كما ترى، بالاحتياط، ولا ريب فيه. وعن الثاني: إن رواية عمار لا يعول عليها، إذ مع كونها منافية للأصل غير سليمة عن الطعن. وعن الثالث ببطلان القياس هنا، إذ القياس لا يجري في المقدرات، لكونها غير معقولة المعنى، والقياس فرع ما يعقل المعنى، وهو معارض للنص، فلا يكون مقبولا، ومعارض أيضا بقياس مثله، فإنا نقول: انها نجاسة غير الكلب، فلا يجب فيها العدد، كنجاسة الأرض. ومما يدل على بطلان قول أحمد خاصة: ما رواه مسلم، عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده) (4) أمر بغسلها ثلاثا ليرتفع وهم النجاسة، وذلك إنما يكون بما يرفع حقيقتها. والبخاري روى هذا الحديث أيضا (5) إلا قوله: (ثلاثا)، فكان الاطلاق يجزي فيه بالمرة الواحدة، ويسوق البحث.

(1) المغني 1: 75، الكافي لابن قدامة 1: 116.
(2) المغني 1: " 75.
(3) المحقق في المعتبر 1: 461.
(4) صحيح مسلم 1: 233 حديث 278.
(5) صحيح البخاري 1: 52.

[ 349 ]

مسألة: أواني المشركين طاهرة ما لم يعلم ملاقاتهم بها برطوبة أو ملاقاة نجاسة، عملا بالأصل، فلا يزول إلا مع تيقن السبب، سواء كانوا أهل الكتاب أو لا، خلافا للجمهور (1). لنا: ما رواه الجمهور، عن أبي ثعلبة، قلت: يا رسول الله، إنا بأرض أهل الكتاب، أفنأكل من آنيتهم؟ فقال: (إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها) (2) فلو كان ما يباشرونه طاهرا، لما جاز التأخير عن وقت الحاجة. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن آنية أهل الذمة والمجوس، فقال: (لا تأكلوا في آنيتهم ولا من طعامهم الذي يطبخونه، ولا في آنيتهم التي يشربون فيها) (3) ولأنهم أنجاس لما سبق فينجس ما يباشرونه. احتجوا بأنه عليه السلام توضأ من مزادة مشركة، وتوضأ عمر من جرة نصرانية (4). والجواب: إنه ليس في الخبرين دلالة على مباشرتهم، ولو سلم منعنا صحة السند، ولم سلم عارضناه برواية أبي ثعلبة. وأيضا فما نقلناه قول، وما نقلوه فعل، فقولنا أولى،

(1) المغني 1: 98، المهذب للشيرازي 1: 12، المبسوط للسرخسي 1: 47، وج 24: 27، تفسير القرطبي 6: 78، الأم (مختصر المزني) 8: 1، مغني المحتاج 1: 31، المجموع 1: 264.
(2) صحيح البخاري 7: 111، 114، 117، صحيح مسلم 3: 1533 حديث 1930، سنن الترمذي 4: 64 حديث 1464، وص 129 حديث 1560، سنن ابن ماجة 2: 1069. حديث 3207، سنن الدارمي 2: 233، مسند أحمد 4: 194. في الجميع: في آنيتهم.
(3) التهذيب 9: 88 حديث 372، الوسائل 2: 1092 الباب 72 من أبواب النجاسات، حديث 2. وج 16: 475 الباب 544 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 3. وفيهما: يشربون فيها الخمر.
(4) المغني 1: 98، المهذب للشيرازي 1: 12، الأم (مختصر المزني) 8: 1، مغني المحتاج 1: 31، سنن البيهقي 1: 32.

[ 350 ]

وحديث عمر لا حجة فيه، إذ يجوز أن يكون رأيا له. فرع: لو جهل مباشرتهم لها كان استعمالها مكروها، لاحتمال النجاسة ولأن الاحتياط مطلوب في باب الطهارة. مسألة: ويطهر بالغسل من الخمر ما كان متخذا من الجواهر الصلبة التي لا تتشرب أجزاء الخمر، كالرصاص، والصفر، والحجر، والخزف المطلي إجماعا، أما ما كان من الخشب، والخزف غير المغضور، والقرع فالأقرب أنه مكروه. وهو اختيار الشيخ (1). وقال ابن الجنيد: لا يطهر بالغسل (2) وهو قول أحمد (3). لنا: إن الواجب إزالة النجاسة والاستظهار غير المعلوم. احتج ابن الجنيد (4) بما رواه الشيخ في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام، قال: سألته عن الظروف فقال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الدباء والمزفت وزدتم أنتم الحنتم [ يعني (5) ] الغضار، والمزفت يعني الزفت الذي يكون في الزق ويصب في الخوابي ليكون أجود للخمر) قال: وسألته، عن الجرار الخضر، والرصاص؟ قال: (لا بأس بها) (6) وما رواه الشيخ، عن أبي الربيع الشامي (7)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن الظروف التي يصنع فيها المسكر؟ فقال:

(1) المبسوط 1: 15.
(2) نقله عنه في المعتبر 1: 467.
(3) المغني 1: 79.
(4) نقله عنه في المعتبر 1: 467.
(5) أضفناه من المصدر.
(6) التهذيب 9: 115 حديث 500، الوسائل 2: 1075 الباب 52 من أبواب النجاسات حديث 1. (7) أبو الربيع الشامي، أن الكل متفقون على هذا اللقب مختلفون في اسمه، منهم من سماه خالد بن أوفى، ومنهم من سماه خليد بن أوفى كالنجاشي، واكتفى الشيخ في الفهرست بكنيته. روى عنه ابن محبوب. رجال النجاشي: 153، الفهرست: 186، تنقيح المقال (فصل الكنى) 3: 16.

[ 351 ]

(نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الدباء والمزفت والختم والنقير) قلت: وما ذاك؟ قال: (الدباء: القرع، والمزفت: الدنان، والختم: الجرار الزرق، والنقير: خشب كان أهل الجاهلية ينقرونها حتى يصير لها أجواف ينبذون فيها) (1) ولأن الآنية تتشرب أجزاء الخمر، فلا تطهر البتة. والجواب: أن النهي يحتمل أن يكون نهي تنزيه، عملا بإطلاق الأمر بغسل الآنية، وقد حصل، وما ذكره من تشرب الآنية الإجزاء فضعيف، لوصول الماء إلى ما وصلت إليه أجزاء الخمر. فروع: الأول: لا تجب إزالة الرائحة مع زوال العين. وذهبت الشافعية إلى الوجوب (2). لنا: الأصل: عدم التكليف. احتجوا بأن بقاء الرائحة يدل على بقاء، العين لاستحالة انتقال الاعراض (3). والجواب: المنع، والعرض لم ينتقل، بل انفعل الاناء بمجاورة الملاقي. الثاني: لو كان في إناء بول أو ماء نجس وقلب منه وغسل الاناء طهر. ولو قذف فيه الماء قبل قلبه لم يطهر. وهو أحد قولي الشافعي. وفي الآخر: إنه يطهر (4)، لأنه لو كاثر الاناء بالماء لطهره، فكذا ما فيه من النجاسة لو كاثر لطهر. والفرق ظاهر لانتقال (5) الماء بالنجاسة الموجودة، بخلاف الاناء النجس، للضرورة هنا المنتفية (6) هناك.

(1) التهذيب 9: 115 حديث 499، الوسائل 2: 1075 الباب 52 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(2) المهذب للشيرازي 1: 49، المجموع 2: 593 594، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 240 241.
(3) المهذب للشيرازي 1: 49، المجموع 2: 593 594، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 240 241.
(4) المهذب للشيرازي 1: 49، المجموع 2: 593، بدائع الصنائع 1: 89.
(5) كذا في النسخ ولعل الأنسب: لانفعال.
(6) " م " " ن " " خ " " د ": المنفية.

[ 352 ]

الثالث: غسل النجاسة يختلف باختلاف محلها، فإن كان جسما لا يتشرب النجاسة كالآنية، فغسله بإمرار الماء عليه كل مرة غسله، سواء كان بفعل آدمي أو غيره، لانتفاء اعتبار القصد، فإن وقع في ماء قليل نجسه ولم يطهر، وإن كان كثيرا راكدا احتسب بوضعه فيه ومرور الماء على أجزائه غسله، وإن خضخضه فيه وحركه بحيث تمر عليه أجزاء غير التي كانت ملاقية له، احتسب بذلك غسلة ثانية، كما لو مرت عليه جريات من الماء الجاري. وإن كان المغسول إناءا وطرح فيه الماء، لم يحتسب به غسلة حتى يفرغه منه، لأنه العادة في غسله، إلا أن يسع كرا فصاعدا، فإن إداره الماء فيه تجري مجرى الغسلات بمرور جريات من الماء غير الأولى على أجزائه. ولو كان المغسول جسما يدخل فيه أجزاء النجاسة لم يحتسب برفعه من الماء غسلة إلا بعد عصره، ولو تعذر كالبساط الثقيل دق وقلب. مسألة: اتفق علماؤنا على أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ إلا ابن الجنيد (1)، سواء كان طاهرا في حال الحياة أو لم يكن. وبه قال علي عليه السلام، وهو المشهور، عن أحمد (2)، وإحدى الروايتين عن مالك (3). وبه قال عمر، وابنه عبد الله، وعمران بن حصين، وعائشة (4). وقال الشافعي: كل حيوان طاهر في الحياة يطهر جلده بعد الموت بالدباغ (5). وما رواه الجمهور، عن علي عليه السلام (6). وهو مروي، عن عطاء،

(1) نقله عنه في المعتبر 1: 463. (2) المغني 1: 84، الكافي لابن قدامة 1: 23، الانصاف 1: 86، المجموع 1: 217، التفسير الكبير 5: 16، المحلى 1: 121، نيل الأوطار 1: 74.
(3) المغني 1: 84، المجموع 1: 217، بدائع الصنائع 1: 85، تفسير القرطبي 2: 219، نيل الأوطار 1: 74.
(4) المغني 1: 84، المجموع 1: 217، نيل الأوطار 1: 74.
(5) الأم 1: 9، الأم (مختصر المزني) 8: 1، المهذب للشيرازي 1: 10، المجموع 1: 217، التفسير الكبير 5. 16، المغني 1: 84، بداية المجتهد 1: 79، بدائع الصنائع 1: 85، المحلى 1: 122، نيل الأوطار 1: 74.
(6) المجموع 1: 217، نيل الأوطار 1: 74، سبل السلام 1: 31.

[ 353 ]

والحسن، والشعبي، والنخعي، وقتادة، ويحيى الأنصاري، وسعيد بن جبير، والأوزاعي، والليث، والثوري، وابن المبارك، وإسحاق (1) وروي أيضا، عن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وعائشة (2). وإن اختلفوا فيما هو طاهر في الحياة، فعند الشافعي: طهارة الحيوانات كلها إلا الكلب والخنزير، فيطهر عنده كل جلد إلا جلدهما، وفي الآدمي عنده وجهان (3). وقال أبو حنيفة: يطهر كل جلد بالدباغ إلا الخنزير والانسان (4). وحكي عن أبي يوسف طهارة كل جلد حتى الخنزير (5). وهو رواية عن مالك (6)، وبه قال داود (7). ونقل الحنفية عن الشافعي أنه لا يطهر بالدباغ (8). وقال الأوزاعي: يطهر جلد ما يؤكل لحمه دون ما لا يؤكل (9). وهو مذهب أبي ثور (10)، وإسحاق (11). ونقل الشيخ عن مالك أنه قال: يطهر الظاهر منه دون الباطن (12). فيصلى عليه ولا يصلى فيه، ويستعمل في الأشياء اليابسة دون الرطبة، ولا نعرف خلافا بين العلماء في نجاسته قبل الدباغ إلا ما نقله الشيخ عن

(1) المغني 1: 84، نيل الأوطار 1: 75.
(2) المغني 1: 84.
(3) المجموع 1: 216، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 290، المغني 1: 84.
(4) بدائع الصنائع 1: 85، الهداية للمرغيناني 1: 20، المغني 1: 84، المجموع 1: 217، المحلى 1: 122، التفسير الكبير 5: 16، نيل الأوطار 1: 76.
(5) بدائع الصنائع 1: 86، المجموع 1: 217، المغني 1: 84، نيل الأوطار 1: 76.
(6) المغني 1: 84، تفسير القرطبي 2: 219، نيل الأوطار 1: 75.
(7) المجموع 1: 217، التفسير الكبير 5: 16، نيل الأوطار 1: 76. (8) المجموع 1: 217، التفسير الكبير 5: 16، نيل الأوطار 1: 76.
(9) المغني 1: 87، المجموع 1: 217، التفسير الكبير 5: 16، نيل الأوطار 1: 75.
(10) المغني 1: 87، التفسير الكبير 5: 16، نيل الأوطار 1: 75.
(11) المغني 1: 87، المجموع 1: 217، نيل الأوطار 1: 75.
(12) الخلاف 1: 6 مسألة: 9.

[ 354 ]

الزهري إنه يجوز الانتفاع بجلد الميتة قبل الدباغ وبعده (1). لنا: قوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة " (2) والجلد مما تحله الحياة، فيدخل تحت المحرم، ولم يخص التحريم بشئ معين، فينصرف إلى الانتفاع مطلقا. وما رواه الجمهور، عن عبد الله بن عكيم (3) أن النبي صلى الله عليه وآله كتب إلى جهينة (أني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا أتاكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (4) ورواه أبو داود، وأحمد قال: إسناد جيد (5). وفي لفظ آخر: أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله قبل وفاته بشهر أو شهرين (6). وروى وأبو بكر الشافعي (7) بإسناده، عن أبي الزبير (8)، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا تنتفعوا من الميتة بشئ) (9) وإسناده حسن. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن علي بن المغيرة قال: قلت

(1) الخلاف 1: 6 مسألة 9.
(2) المائدة: 3.
(3) عبد الله بن عكيم أو حكيم الجهني، أبو معبد أدرك زمان النبي " ص " ولا يعرف له سماع صحيح. روى عنه زيد بن وهب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وهلال الوزان. أسد الغابة 3: 236، الضعفاء الصغير للبخاري: 129.
(4) سنن أبي داود 4: 67 حديث 4127 4128، مسند أحمد 4: 311310 بتفاوت.
(5) المغني 1: 84 85، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 94.
(6) سنن الترمذي 4: 222 ذيل حديث 1729، مسند أحمد 4: 310.
(7) محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدويه: أبو بكر الشافعي البغدادي محدث العراق، حدث عنه الدار قطني وعمر بن شاهين وأبو علي بن شاذان. مات في ذي الحجة سنة 354 ه‍. تذكرة الحفاظ 3: 880، العبر 2: 95.
(8) أبو الزبير المكي محمد بن مسلم بن تدرس، روى عن جابر وعائشة وأبي الطفيل وسعيد بن جبير، وروى عنه عطاء وأيوب وسلمة بن كهيل. مات سنة 126 ه‍. تهذيب التهذيب 9: 440، رجال صحيح مسلم 4: 130.
(9) كنز العمال 9: 421 حديث 29787، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 94.

[ 355 ]

لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، الميتة ينتفع بشئ منها؟ قال: (لا) قلت: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله مر بشاة ميتة فقال: (ما كان على أهل هذه الشاة إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها)؟ فقال: (تلك شاة لسودة بنت زمعة (1) زوجة النبي صلى الله عليه وآله كانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها، فتركوها حتى ماتت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما كان على أهلها إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها أي تذكى) (2). وما رواه في الصحيح، عن محمد بن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد الله عليه السلام في الميتة قال: (لا تصل في شئ منه ولا شسع) (3). وما رواه في الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: سألته عن الجلد الميت أيلبس في الصلاة إذا دبغ؟ فقال: (لا، ولو دبغ سبعين مرة) (4). وما رواه، عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، عن علي بن الحسين صلوات الله عليهما في حديث إن أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة ويزعمون أن دباغه ذكاته) (5) أجاب به عند سؤال نزع الفراء عنه عليه السلام وقت الصلاة. وعن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته أدخل سوق المسلمين فأشتري منهم الفراء للتجارة، فأقول لصاحبها: أليس هي ذكية؟ فيقول:

(1) سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشية العامرية، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله بعد خديجة، روى عنها ابن عباس ويحيى بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة. ماتت سنة 54 ه‍. أسد الغابة 5: 484، الاصابة 4: 338.
(2) التهذيب 2: 204 حديث 799، الوسائل 16: 452 الباب 34 من أبواب الأطعمة والأشربة حديث 1، وج 2: 1080 الباب 61 من أبواب النجاسات، حديث 2.
(3) التهذيب 2: 203 حديث 793، الوسائل 3: 273 الباب 14 من أبواب لباس المصلي، حديث 6.
(4) التهذيب 2: 203 حديث 794، الوسائل 2: 1080 الباب 61 من أبواب النجاسات، حديث 1. (5) التهذيب 2: 203 حديث 796، الوسائل 3: 338 الباب 61 من أبواب لباس المصلي، حديث 2.

[ 356 ]

بلى، فهل يصلح لي أن أبيعها على أنها ذكية؟ فقال: (لا، ولكن لا بأس أن تبيعها وتقول، قد شرط الذي اشتريتها منه أنها ذكية) قلت: وما أفسد ذلك؟ قال: (استحلال أهل العراق للميتة، وزعموا أن دباغ جلد الميتة ذكاته، ثم لم يرضوا أن يكذبوا في ذلك إلا على رسول الله صلى الله عليه وآله) (1). وما روي، عن موسى عليه السلام أنه كتب: (لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب) (2) ولأن الموت ينجس لذاته كاللحم فكان كجلد الخنزير، ولأنه جزء من الميتة فلا يطهر بالدباغ كاللحم، ولأنه نجس قبل الدباغ فكذا بعده عملا بالاستصحاب. ولأنه حرم بالموت وكان نجسا كما قبل الدبغ. ولأن الموت سبب للتنجيس بالمناسبة، لتعريضه الجثة للنتن والتغيرات التي تحسن معها المجانبة، ولأنه علة للنجاسة بالدوران وجودا وعدما، فكان نجسا دائما لوجود السبب. احتج ابن الجنيد (3) بما رواه الشيخ، عن الحسين بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في جلد شاة ميتة يدبغ ويصب فيه اللبن [ أو الماء فأشرب ] (4) منه وأتوضأ؟ قال: (نعم) [ وقال: ] (5) (يدبغ وينتقع به ولا يصلى فيه) (6). واحتج الجمهور (7) بما رووه، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (إذا دبغ

(1) التهذيب 2: 204 حديث 798، الوسائل 2: 1081 الباب 61 من أبواب النجاسات، حديث 4.
(2) الكافي 6: 258 حديث 6، التهذيب 9: 76 حديث 323، الاستبصار 4: 89 حديث 341، الوسائل 16: 448 الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 7.
(3) نقله عنه في المعتبر 1: 463.
(4) في النسخ: ويشرب، وما أثبتناه من المصدر.
(5) أضفناه من المصدر.
(6) التهذيب 9: 78 حديث 332، الاستبصار 4: 90 حديث 343، الوسائل 16: 453 الباب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة، حديث 7.
(7) المغني 1: 84، المجموع 1: 217، بدائع الصنائع 1: 85، بداية المجتهد 1: 79.

[ 357 ]

الاهاب فقد طهر) (1) ولأن رسول الله صلى الله عليه وآله وجد شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله (هلا انتفعتم بجلدها)؟ قالوا: إنها ميتة؟ قال: (إنما حرم أكلها) (2) ولأنه إنما كان نجسا باتصال الدماء والرطوبات به بالموت، والدبغ يزيل ذلك، فيرجع الجلد إلى أصله في حال الحياة. والجواب عن حديث ابن الجنيد: إنه معارض بما ذكرناه، فيرجع إلى أصل النجاسة. وأيضا: فالانتفاع لا يستلزم الطهارة، لأنه لو كان طاهرا لم يكن للنهي عن الصلاة فيه معنى. وعن حديثهم من وجهين: أحدهما: معارضته بحديثنا، ومع التعارض يرجع إلى أصل النجاسة الحاصل بالموت. ولأن حديثنا متأخر إذ لفظه دال على سبق الترخص، وآخر الأحاديث أولى من السابق. ولأنه قد نقل، عن جماعة من الصحابة: نجاسة الجلد بعد الدباغ، كعائشة، وعمر، وأبنه (3). ولو كان طاهرا لما خفي عنهم، لكثرة وقوع الموت في دوابهم ودعوى الحاجة إلى ما ينتفع منها. وأيضا: فقوله عليه السلام: (إذا دبغ الاهاب فقد طهر) ليس عاما فيحمل على المذكى، ويكون الدباغ شرطا في جواز الاستعمال كما هو مذهب بعضهم، وبهذا خرج الجواب عن الحديث الثاني، على إن القصة قد رويت (4) على غير هذه الصفة، وقد

(1) صحيح مسلم 1: 277 حديث 366، سنن ابن ماجة 2: 1193 حديث 3609، سنن أبي داود 4: 66 حديث 4123، سنن الترمذي 4: 221 حديث 1728، الموطأ 2: 498 حديث 17، سنن الدارمي 2: 85، مسند أحمد 1: 219، 270.
(2) صحيح البخاري 2: 158، صحيح مسلم 1: 276 حديث 363، سنن ابن ماجة 2: 1193 حديث 3610، سنن أبي داود 4: 65 حديث 4120، الموطأ 2: 498 حديث 16، سنن الدارمي 2: 86.
(3) المغني 1: 84.
(4) " م ": وردت.

[ 358 ]

تقدمت في حديث ابن المغيرة. وأيضا: فالانتفاع بالجلد لا يستلزم الطهارة، وتعليل النجاسة باتصال الرطوبات باطل، وإلا لاختص التنجيس بالباطل، وهو باطل إجماعا، ومع ذلك فهو غير مسموع من الشافعي (1) وهو يحكم بنجاسة الشعر، والصوف، والعظم. ولا من أبي حنيفة (2) القائل بطهارة جلد الكلب مع نجاسته عنده حيا. فروع: الأول: في جواز الانتفاع به في اليابسات نظر أقربه عدم الجواز، عملا بعموم النهي الدالة عليه رواية ابن المغيرة. ومن طريق الجمهور، رواية عبد الله بن عكيم. ولأحمد روايتان: إحداهما كما قلناه، والثانية: الجواز (3)، لقوله عليه السلام: (ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به) (4) ولأن الصحابة لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم وذبائحهم ميتة (5). ولأنه انتفاع من غير ضرر، فكان كالاصطياد بالكلب: والأقرب ما ذكرناه أولا، لعموم النص، وحديثهم قد بينا ضعفه، والقياس لا يعارض النص. الثاني: قال أبو إسحاق من الشافعية: الدباغ لا يطهر، بل لا بد من الغسل بالماء، لأن ما لاقاه نجس به (6). وقال ابن القاص منهم: إنه طاهر (7). وهذا الفرع ساقط

(1) الأم 1: 9، المهذب للشيرازي 1: 11، المجموع 1: 236، المغني 1: 85.
(2) المغني 1: 85، شرح فتح القدير 1: 81 82.
(3) المغني 1: 86، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 95، الانصاف 1: 87.
(4) صحيح مسلم 1: 277 حديث 102 ذيل رقم 363، سنن ابن ماجة 2: 1193 حديث 3610، سنن البيهقي 1: 15، سنن النسائي 7: 172.
(5) المغني 1: 86، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 95.
(6) المهذب للشيرازي 1: 10، المجموع 1: 225 226.
(7) المجموع 1: 225 226.

[ 359 ]

عنا، لأنه عندنا نجس، وإنما يتأتى على رأي ابن الجنيد (1). الثالث: قال الشافعي: إنما يطهر بالدباغ الجلد خاصة، أما الشعر، والصوف، والوبر، والريش فإن فيه روحا يموت مع الحيوان وينجس بالموت (2). وعندنا: إن هذه الأشياء لا تحلها الحياة، وهي طاهرة من الميت إلا الكلب والخنزير. مسألة: اتفق علماؤنا على أن الكلب، والخنزير لا يقع عليهما الذكاة، وجلدهما لا يطهر بالدباغ. وبه قال الشافعي (3)، وأحمد (4). وقال أبو حنيفة (5)، وداود: يطهر جلد الكلب بالدباغ (6). لنا: إن الدباغ كالحياة، والحياة لا تدفع النجاسة عن الكلب والخنزير، فكذا الدباغ. احتجوا (7) بقوله صلى الله عليه وآله: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (8). والجواب: إن الدبغ إنما يؤثر في دفع نجاسة حادثة بالموت، فيبقى ما عداه على قضية العموم. على أن هذا الحديث ورد في شاة ميمونة، فلا يتعداها على رأي قوم. وأما الانسان فكذلك لا يقع عليه الذكاة فلا يطهر جلده بالدباغ. وحكي، عن

(1) نقله عنه في المعتبر 1: 463.
(2) الأم (مختصر المزني) 8: 1، المهذب للشيرازي 1: 11، المجموع 1: 231، المغني 1: 85.
(3) الأم 1: 9، المهذب للشيرازي 1: 10، المجموع 1: 215.
(4) المغني 1: 84، الكافي لابن قدامة 1: 23، الانصاف 1: 86.
(5) بدائع الصنائع 1: 85، التفسير الكبير 5: 16، الهداية للمرغيناني 1: 20.
(6) المجموع 1: 217، التفسير الكبير 5: 16.
(7) بدائع الصنائع 1: 85، المجموع 1: 221، الهداية للمرغيناني 1: 20، نيل الأوطار 1: 76.
(8) صحيح مسلم 1: 277 حديث 366، سنن ابن ماجة 2: 1193 حديث 3609، سنن أبي داود 4: 66 حديث 4123، سنن الترمذي 4: 221 حديث 1728، الموطأ 2: 498 حديث 17، سنن الدارمي 2: 85، مسند أحمد

[ 360 ]

بعض الشافعية، أنه يطهر بالدباغ (1)، وقال بعضهم: لا يتأتى فيه الدباغ (2). وأما الحيوان الطاهر حال الحياة لا يؤكل لحمه كالسباع، فإنه يقع عليه الذكاة، ويطهر الجلد بها. وهو قول مالك (3)، وأبي حنيفة (4). وقال الشيخ (5)، والسيد المرتضى: لا يطهر إلا بالدباغ (6). وبه قال الشافعي (7)، وأحمد في إحدى الروايتين (8). وفي الأخرى: لا يجوز الانتفاع بجلود السباع قبل الدبغ ولا بعده (9). وبه قال الأوزاعي، ويزيد بن هارون (10)، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور. ومنع علي عليه السلام من الصلاة في جلود الثعالب. وكرهه سعيد بن جبير، والحكم، ومكحول، وإسحاق. وكره الانتفاع بجلود السنانير عطاء، وطاوس، ومجاهد، وعبيدة السلماني (11). ورخص في جلود السباع جابر. وأباح الحسن البصري، والشعبي،

(1) المجموع 1: 216، فتح العزيز بهامش المجموع 1: 290.
(2) المجموع 1: 216.
(3) المغني 1: 88، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 101، المجموع 1: 245. (4) بدائع الصنائع 1: 86، الهداية للمرغيناني 1: 21، المجموع 1: 245، المغني 1: 88، التفسير الكبير 5: 18.
(5) المبسوط 1: 15.
(6) الانتصار 2: 13.
(7) الأم 1: 9، المجموع 1: 245، التفسير الكبير 5: 18، المغني 1: 88.
(8) المغني 1: 86، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 98، الانصاف 1: 89.
(9) المغني 1: 86.
(10) يزيد بن هارون بن وادي: أبو خالد الواسطي، روى عن سليمان التيمي وحميد الطويل وعاصم الاحول، وروى عنه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين. مات سنة 206 ه‍. العبر 1: 275، تهذيب التهذيب 11: 366.
(11) عبيدة بن عمرو السلماني المرادي: أبو عمرو الكوفي، روى عن علي وابن مسعود وابن مسعود وابن الزبير، وروى عنه عبد الله بن مسلمة المرادي وإبراهيم النخعي. مات سنة 72 ه‍. العبر 1: 58، تهذيب التهذيب 7: 84.

[ 361 ]

وأصحاب الرأي: الصلاة في جلود الثعالب (1) لأنها تفدى في الاحرام، فكانت مباحة والملازمة ممنوعة. وقال أحمد (2)، والشافعي: إذا ذبح ما لا يؤكل لحمه كان جلده نجسا (3). ووافقنا مالك (4)، وأبو حنيفة على طهارته (5). لنا: قولة تعالى: " إلا ما ذكيتم " (6). وما رواة الجمهور، عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: (دباغ الاديم ذكاته) (7) أي: كذكاته. وفي حديث آخر: (ذكاة الاديم دباغه) (8) أقام كل واحد منهما مقام الآخر، ولما كان الدباغ مطهرا، فكذا الذكاة. ومن طريق الخاصة: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام [ عن ] (9) لباس الفراء، والسمور، والفنك، والثعالب وجميع الجلود؟ فقال: (لا بأس بذلك) (10). وما رواه في الموثق، عن ابن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (الصلاة

(1) المغني 1: 86، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 97. (2) المغني 1: 88، الكافي لابن قدامة 1: 25، الانصاف 1: 89.
(3) الأم 1: 9، المجموع 1: 245، التفسير الكبير 5: 18، المغني 1: 88.
(4) المغني 1: 88، الشرح الكبير بهامش المغني 1: 101، المجموع 1: 245.
(5) بدائع الصنائع 1: 86، الهداية للمرغيناني 1: 21، المجموع 1: 245، المغني 1: 88، التفسير الكبير 5: 18.
(6) المائدة: 3.
(7) مسند أحمد 1: 372 بتفاوت يسير، سنن البيهقي 1: 21، 24.
(8) سنن النسائي 7: 173 174، مسند أحمد 3: 476 وج 5: 6، سنن البيهقي 1: 21، 24.
(9) أضفناه من المصدر.
(10) التهذيب 2: 211 حديث 826، الاستبصار 1: 385 حديث 1560، الوسائل 3: 255 الباب 5 من أبواب لباس المصلي، حديث 1.

[ 362 ]

في كل شئ نهي عن أكله أو حرم عليك أكله فاسدة، ذكاة الذبح أو لم يذكه) (1) وهذا دال على كون الذبح مطهرا، والحديث الأول أعم جواز لبس الجلود، فلو اشترط الدباغ لوجب التقييد. احتجوا (2) بأن النبي صلى الله عليه وآله، نهى عن افتراش جلود السباع وركوب النمور (3)، وذلك عام في المذكى وغيره. والجواب: المنع من العموم. وأيضا: فلعل الراوي توهم ما ليس بنهي نهيا، وأيضا: فهو معارض بما قدمناه، وأيضا: فالذكاة تقع عليه وإلا لكان ميتة، والميتة لا تطهر بالدباغ سواء كان مأكولا أو لم يكن. ويكره استعماله قبل الدباغ، عملا بالاحتياط. فروع: الأول: قد بينا (4) أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ سواء كان مأكولا أو لم يكن وأكثر الجمهور على طهارة ما يؤكل لحمه بعد الدباغ (5). واختلفوا في جواز أكله حينئذ، فذهب أكثر أهل العلم إلى تحريمه (6). وقال بعض أصحاب الشافعي: يحل

(1) التهذيب 2: 209 حديث 818، الاستبصار 1: 383 حديث 1454، الوسائل 3: 250 الباب 2 من أبواب لباس المصلي، حديث 1 بتفاوت في الالفاظ.
(2) المغني 1: 88.
(3) سنن أبي داود 4: 67 حديث 4129، سنن الترمذي 4: 241 حديث 1770، سنن النسائي 7: 176، سنن الدارمي 2: 85، مسند أحمد 4: 95، سنن البيهقي 1: 21.
(4) تقدم في ص 352.
(5) المجموع 1: 217، المغني 1: 84، المحلى 1: 118 122، نيل الأوطار 1: 74. 76، التفسير الكبير 5: 16.
(6) المغني 1: 87، المجموع 1: 230، المحلى 1: 118، نيل الأوطار 1: 77.

[ 363 ]

أكله (1). واختاره في الجديد (2). ولو كان غير مأكول، قال أكثر أهل العلم: أنه لا يؤكل (3)، لأن الدباغ كالذكاة وهي لا تحله. وعن بعض الشافعية جوازه (4) والحق: إنه لا يحل، لأنه عندنا لا يطهر. وأما عند القائلين بالطهارة، فلقوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة " (5) والجلد منها. وقال النبي صلى الله عليه وآله: (إنما حرم من الميتة أكلها) (6) ولأنه جزء من الميتة، فلا تحل كغيره منها. احتجوا بقوله عليه السلام: (دباغ الاديم ذكاته). والجواب: لا يلزم من الطهارة إباحة الأكل كالخبائث غير المحرمة. وقالوا: الدباغ معنى يفيد الطهارة في الجلد، فيبيح الأكل كالذبح (7). قلنا: هذا قياس لا يعارض النص. الثاني: يجوز استعمال الطاهر في الدباغ كالشب (8)، والقرظ (9)،

(1) المهذب للشيرازي 1: 10.
(2) المهذب للشيرازي 1: 10، المجموع 1: 230، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 298.
(3) المهذب للشيرازي 1: 10، المجموع 1: 230.
(4) المجموع 1: 230.
(5) المائدة: 3.
(6) صحيح البخاري 2: 158، صحيح مسلم 1: 274 حديث 363، سنن أبي داود 4: 65 حديث 4120، سنن النسائي 7: 171 172 الموطأ 2: 498 حديث 16، سنن الدارمي 2: 86، سنن البيهقي 1: 23، مسند أحمد 1: 262.
(7) المهذب للشيرازي 1: 10، المغني 1: 87.
(8) الشب: حجر معروف يشبه الزاج، وقد يدبغ به الجلود. النهاية لابن الأثير 2: 439، المصباح المنير 302.
(9) القرظ: ورق السلم بدبغ الأديم. المصباح المنير: 449، النهاية لابن الأثير 4: 43.

[ 364 ]

والعفص (1)، وقشور الرمان وغيرها. والقائلون بتوقيف الطهارة على الدباغ من أصحابنا والجمهور اتفقوا على حصول الطهارة بهذه الأشياء. أما الأشياء النجسة فلا يجوز استعمالها في الدباغ، وهل يطهر أم لا؟ وأما عندنا فإن الطهارة حصلت بالتذكية، فكان ملاقاة النجس موجبة لتنجيس المحل ويطهر بالغسل. وأما القائلون بتوقيف الطهارة على الدباغ، فقد ذهب بعضهم إلى عدم الطهارة. ذكره ابن الجنيد (2)، وبعض الجمهور (3)، لأنها طهارة من نجاسة، فلا تحصل بالنجس، كالاستجمار والغسل، وينبغي أن يكون ما يدبغ به منشفا للرطوبة، مزيلا للخبث. وقد روي عن، الرضا عليه السلام عدم جواز الصلاة في الجلود المدبوغة بخرء الكلاب (4). والرواية ضعيفة، ومع تسليمها تحمل على المنع من الصلاة قبل الغسل. الثالث: لا يفتقر بعد الدبغ إلى الغسل. وهو قول بعض الجمهور (5)، خلافا لبعضهم (6)، ولا يحضرني الآن قول لعلمائنا في ذلك. لنا: قوله عليه السلام: (ذكاة الأديم دباغة). وقوله: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (7).

(1) العفص: تمر معروف كالبندقة يدبغ به ويتخذ منه الحبر. مجمع البحرين 4: 175.
(2) نقله عنه في المعتبر 1: 466.
(3) المغني 1: 88، المجموع 1: 225، فتح العزيز بهامش المجموع 2: 292.
(4) الكافي 3: 403 حديث 25، التهذيب 2: 373 حديث 1552، الوسائل 2: 1091 الباب 71 من أبواب النجاسات، حديث 1.
(5) المهذب للشيرازي 1: 10، المجموع 1: 226، المغني 1: 88.
(6) راجع نفس المصادر.
(7) صحيح مسلم 1: 277 حديث 366، سنن ابن ماجه 2: 1193 حديث 3609، سنن أبي داود 4: 66 حديث 4123، سنن الترمذي 4: 221 حديث 1728، الموطأ 2: 498 حديث 17، سنن + + + +

[ 365 ]

احتجوا بأن ما يدبغ به نجس بملاقاة الجلد، ومع الدباغ تبقى الآلة نجسة، فتبقى نجاسة الجلد بملاقاتها له، فافتقر إلى الغسل (1). والجواب: المنع من نجاسة الجلد. الرابع: لا يفتقر الدبغ إلى فعل، فلو وقع المدبوغ في مدبغة فأدبغ طهر، كالآنية الواقعة تحت المطر. الخامس: القائلون بجواز الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ اختلفوا في جواز بيعها، واتفقوا على المنع قبل الدبغ لأنه نجس، واختلفوا فيما بعده. قال الشافعي في القديم: لا يجوز (2). وبه قال مالك (3) لثبوت التحريم بالموت. ورخص في الانتفاع به فيبقى ما عداه على المنع. وقال في الجديد بالجواز (4). وهو مذهب أبي حنيفة (5)، لأنه منع من البيع لنجاسته وقد زالت بالدباغ. وهذا الفرع ساقط عنا، إذ النجاسة ثابتة في الحالين إلا عند ابن الجنيد منا (6). السادس: إن قلنا بجواز البيع جاز الانتفاع به في كل ما يمكن الانتفاع به من الاجارة والعارية وغيرهما. هذا آخر الجزء الأول من كتاب منتهى المطلب فرغ من (تصنيفه مصنفه) (7) حسن بن يوسف بن المطهر الحلي في وهذا الفرع ساقط عنا، إذ النجاسة ثابتة في الحالين إلا عند ابن الجنيد منا (6). السادس: إن قلنا بجواز البيع جاز الانتفاع به في كل ما يمكن الانتفاع به من الاجارة والعارية وغيرهما. هذا آخر الجزء الأول من كتاب منتهى المطلب فرغ من (تصنيفه مصنفه) (7) حسن بن يوسف بن المطهر الحلي في سادس عشر ربيع الآخر من سنة اثنين وثمانين وسبعمائة من الهجرة النبوية، والحمد لله رب العالمين.

الدارمي 2: 85، مسند أحمد 1: 219، 270. (1) المهذب للشيرازي 1: 10، المغني 1: 88، المجموع 1: 226.
(2) المهذب للشيرازي 1: 10، المجموع 1: 229228.
(3) المحلى 1: 122.
(4) المهذب للشيرازي 1: 10، المجموع 1: 229.
(5) المجموع 1: 229، المحلى 1: 122.
(6) نقله عنه في المعتبر 1: 463.
(7) " د ": نسخه وتعليقه، " ن ": تصنيف هذه المصنفة.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الالكترونية