الثمر الدانى في تقريب المعاني شرح رسالة ابن أبى زيد القير واني جمع الاستاذ المحقق الشيخ صالح عبد السميع الابى الأزهري بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله الذى اصطفى من عباده من وفقه لمصرفة أحكام وهدى من اختاره التبيين سننه والتحذير من حرامه والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلقه وعلى آله وصحبه ومن تحلى بهديه وعلى خلقه. أما بعد فيقول الفقير إليه تعالى " صالح عبد السميع الابى الازورى " عفى عنه: إنى اما رأيت رسالة الإمام ابن أبى زيد القير وانى قد كثر الاقبال عليها والاشتغال بها وقد أكثر المتقدمون والمتأخرون من العنايد في بيانه ولكن إما بكلام طويل تقصر عنه الهمم أو باختصار يعسر على الفهم فأردت أن أشرحها شرحا يبين مرادها وستخرج دررها بعبارات واضحة وتقول معتمدة راجحة لا طويل ممل ولا مختصر مخل راجيا من الله القبول واستعافه بالمأمول المكتبة الثقافية بيروت لبنان
[ 2 ]
قال للؤلف (بسم الله الرحمن الرحيم) لا يخفى أن كل شارع في أمر له حظ من الشرف يضمر ما جعلت التسمية مبدأ له فالشارع في السفر يقدر أسافر بسم الله والشارع والتأليف يقدر أؤلف بسم الله فيكون مضمون الجملة حينئذ أولف مستعينا بسم الله وإنما ابتدأ بالبسملة في طالعة كتابه
ليكون مقتديا العزيز ومتثلا لقوله صلى الله عليه وسلم ابدؤا أمور كم ذوات البال ببسم الله (وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم) وإنما ثنى بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم طلبا لمزيد الكمال للذات الأحمدية التى هي الواسطة العظمى في كل نعم ء ولما ثبت في الخبر أن من صلى على في كتاب الاتزال الملائكة تستغفر له مادام اسمى في ذلك الكتاب (قال أبو محمد الخ) هذا كنيته وأما اسمه فهو عبد الله بن أبى زيد القير وانى نسبة إلى القير وان بلد بالمغرب وإنما كنى نفسه مع نهى الشارع عن تزكية النفس قال عيز من قائل فلا تزكوا أنفسكم تحدثا بالنعمة (رضى الله عنه) أي أنعم عليه (وأرضاه)
[ 3 ]
بلغه أنيته حتى يرضى فهو أخص مما قبله (الحمد لله) ولما كانت النعم موجبة لشكر موليها وللقيام بحق مسديها وكان التأليف من أعظمها قال المؤلف لإنشاء الثناء الحمد لله أي الثناء يجميل الصفات مستحق لله (الذى ابتداء الإنسان بنعمة) أي ابتدأ خلقه بإيجاد تفضلا وإحسانا منه لا وجوبا عليه (وصوره في الأرحام) الضمير في قوله وصورة يرجع إلى الإنسان وأفرده وإن كان المصور في الأرحام غير واحد مراعاة للفظ الإنسان وخص الإنسان وإن كان غيره كذلك يصور في الحريم لشرفه (وأبرزه وخص رفقه) أي أخرجه من ضيق الرحم إلى رجب الدنيا وأغدق عليه الأرزاق وكمله بالمعارف فالرفق حاصل له كلا النشأتين نشأته في الأرحام ونشأته في سعة الدينا (ونبه بآثار صنعته) أي أيقظ الله الانسان وجعل له عقلا يستدل به ونصف له الآثار الدالة على باهر الصنعة وكما القدرة والوجود المطلق وسعة العلم والآثار جمع أثر وهو كل ما يدل على المؤثر كما تقرر عند ذوى العقول ونطق به القرآن الحكيم قال تعالى إن في ذلك
لآيات لأولى النهى والآيات هي الآثار الدالة على وجود الصانع (وأعذر إليه على ألسنة المرسلين) أي قطع عذره فلا عذر له بعد إرسال الرسل وإلا لقال لولا أرسلت الى رسولا فأتبع آياتك (فهدى من وفقه بفضله) هداه
[ 4 ]
أرشده وبين له سبيل الخير والشر قال تعالى وهدينا النجدين والتوفيق خلق قدرة الطاعة في العبد بمحض الفضل وضده الخذلان وهو إضلال من خذله بعدله ولا حجر في ذلك لما له من تمام الملك وسعة التصرف ولذا نفى عن نفسه الظلم قال تعالى وما ربك بظلام للعبيد والظلم التصرف في ملك الغير كيف ولله ملك السموات والأرض (ويسر المؤمنين اليسرى) أي هيأهم للأعمال الموجبة لسعادة الدارين قال تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان (وشرح صدور هم للذكرى) أي فتح ووسع قاوب المؤمنين للإيمان فهم على نور من ربهم أفمن شرح الله وصدره للاسلام فهو على نور من ربه (فآمنوا الخ) أي نطقوا بألسنتهم وأذعنوا بقاوبهم ووفقوا على ماحد لهم من الاعمال فامتثلوا المأمورات واجتنبوا المنهيات واستغنوا بما أحل لهم بالنص عما حرم عليهم بالنص (أما بعد) هي فصل الخطاب فهى للفصل بين كلامين (أعاننا الله وإياك) فصد بهذه الجملة إنشاء الدعاء له ولمن حمله على تأليف الرسالة وهو الشيخ محرز بفتح الراء (على رعاية ودائعه) أي حفظ ما أودعه فينا من الجوارح السبعة السمع والبصر واللسان واليدان والرجلان والبطن والفرج وجعلت ودائع تشبيها لها بالودائع من المسال
[ 5 ]
بجامع الحفظ من التلف الضياع فاستعمال الأعضاء المذكورة في غير ما جعلت له ضياع لها واستعمالها فيها جعلت له حفظ لها من الضياع (وحفظ ما أودعنا
من شرائعه) الرعاية والحفظ بمعنى فارتكاب التعبير في جانب الأعضاء بالرعاية وفى جانب الشرائع بالحفظ للتفنن ولدفع الثقل الحاصل بالتكرار والشرائع جمع شريعة وهى ما شرعة الله من الأحكام وبينه لنا واجبا كان أو مندوبا وحفظها الجرى على مقتضاها (فإنك سألتنى الخ) جواب أما التقدير أما بعد تقديم ما يجب تقديمه من الثناء على الله والصلاة على رسوله فأقول إنك سألتنى أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة (مما تنطق به الألسنة) كالشهادتين (وتعتقده القلوب) كالإيمان (وتعمله الجوارح) كالصلاة والصوم (وما يتصل بالواجب من ذلك) الإشارة راجعة إلى ما تعمله الجوارح (من السنن) بيان لما يتصل (من مؤكدها الخ) بدل من السنن (وشئ من الآداب) وهى ما سيذكره آخر الكتاب كآداب الأكل والشرب ونحو ذلك (وجمل من أصول الفقه وفنونه) أراد بالأصول أمهات المسائل كمسألة بيوع الآجال فهى أصل بالنسبة لما يخرج منها لأنها البيع المتكرر على الوجه المخصوص إن أدى إلى محرم حرم
[ 6 ]
وإلا فلا وهذه كلية يخرج منها فروع كثيرد وفرع بالنسبة لما أخذت منه وهو الكتاب والسنة يدل على أن لا مراد الأصول أمهات المسائل قوله (وفنونه) جمع فن وهو الفرع فتلخص أن هذه الرسالة في فروع الفقه بالنسبة لأخذها من الكتاب والسنة (على مذهب الامام مالك) وطريقته متعلق بأكتب وأراد بمذهب الامام قوله أي رأيه أي الحكم الذى رآه واعتقده وبطريقته قول أصحابه ويقال في طريقته ما قيل في مذهبه من أن المراد الحم الذى رأوه واعتقدوه وليس المراد بالقول اللفظ لأنه ليس حكما ووجه كون رأى أصحابه طريقته إنه لما كان مبنيا على قواعد صح
أن يجعل طريقه له (مع ما سهل) أن سألتنى أن تكون هذه الجملة مصاحبة لما سهل أي بين طريق (ما أشكل من ذلك) المذهب (من تفسير الراسخين) بيان لما سهل أي هذا البيان مأخوذ من تفسير الراسخين في العلم (و) من (بيان المتفقهين) من أصحاب الامام (لما رغبت فيه الخ) الخطاب المحرز أي لما يعلقت به رغبتك من تعليم ذلك لأولاد المؤمين كما تعلمهم حروف القرآن (ليسبق إلى قلوبهم) جواب من سؤال مقدر فكأنه قال له لأى شئ خصصت الأولاد فقال لكى يسبق إلى قلوبهم (من فهم دين الله) وهو دين الاسلام
[ 7 ]
(وشرائعه) وهى فروع الشريعة كالصلاة والصوم (فأجبتك إلى ذلك) أي إلى سؤالك لما رجوت أي طمعت فيه (لنفس ولك من ثواب) أي جزاء (من علم دين الله أي الأحكام مطلقا اعتقادية أو فرعية (أو دعا إليه) أي إلى التعليم (وأولى ماعنى به الخ) أي اهتم به الناصحون بعد أداء ما عليهم من الفرائض إبصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمين (وتنبيههم على معالم الديانة) وهى القواعد الدينية (وحدود الشريعة) أي الأحكام العملية (ليراضوا عليها) أي يتمرنوا عليها (فإنه روى الخ) ومعنى الحديث أن تعليم الصغار لكتاب الله يرد العذاب الواقع بإرادة الله وهل عن آبائهم
[ 8 ]
أو عن معلميهم أو يرد العذاب عموما ذلك فضل الله (وقد جاء الخ) أي ورد في الحديث (أن يؤمروا) أي الصغار بالصلاة لسبع أي أمر ندب (ويضربوا عليها لعشر) والضرب لا يكون مبرحا أي لا يهشم لحا ولا يشين جارحة وهو غير محدود بل يختلف باختلاف الصبيان وحمله ان أفاد فإن الوسيلة إذا لم يترتب عليها المقصد لاتشرع (ويفرق بينهم الخ)
التفرقة في المضاجع يكفى فيها أن يكون كل في ثوب وان كانوا تحت لحاف واحد وعدم التفرقة مكروه ولا فرق في هذا بين الإناث والذكر (وقد فرض الله سبحانه على القلب الخ) كالإيمان وفيه مع قوله (ولعى الجوارح)
[ 9 ]
مجاز الفرض إنما هو على النفس (وإياه نتسخير) أي نطلب منه الخيرة أي كان فيه خير فيسره لى وإلا فلا (وبه نستعين) أي نطلب منه الإعانة أي الإقدار على فعل الخيرات (ولا حول الخ) أي لاتحول عن معيصة الله إلا بعصمته ولا قدرة على الطاعة إلا باعانته (باب ما تنطق الخ) أي هذا باب في بيان الذى تنطق به الألسنة (وتعتقده الأفئدة) أي تجزم به القلوب وقد اشتمل هذا الباب على نحو مائة عقيده وترجح في التفصيل إلى ثلاثة أقسام قسم فيها يجب لله تعالى وقد أشار له بقوله العالم الخبير إلى قوله الباعث بإخراج الغاية وقسم أشار له فيما يستحيل عليه بقوله لا إليه غيره إلى قوله العالم الخبير بإخراج الغاية وقسم فيما يجوز في حقه وقد أشار له بقوله الباعث الخ واستظهر بعضهم أن أول الواجبات أن الله إله واحد لما أن الوجود المفهوم من قوله إليه واحد صفة نفسيه يجب اعتقادها له (الديانات) جمعها اعبتار المكلفين (من ذلك) أي الواجب (الإيمان بالقب) أي التصديق بالقلب (والنطق باللسان) أي النطق بالشهادتين
[ 10 ]
وظاهره أن الايمان مركب منهما، وظاهر كلامه الآتي أن الايمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح، أنه مركب من الثلاثة، ونسب للمعتزلة، وهذا كله باعتبار جريان الاحكام، وإلا والتصديق وحده ينجي صاحبه من الخلود في النار (أن الله إله واحد) أتى بالاسم الاعظم في كلمة
التوحيد تنبيها على أنه هو الذي يقع به الاسلام لا غير، فلا يجزي أن تقول لا إله إلا العزيز، وغير ذلك من الاسماء (لا إله غيره) تأكيد لقوله إله واحد (ولا شبيه له ولا نظير) هما مترادفان على معنى واحد، وهو نفي المماثل ليس كمثله شئ (ولا صاحبة) أي لا زوجة لان هذا شأن المحتاج وهو الغني المطلق (ليس لاوليته ابتداء) أي ليس وجوده مفتتحا بأولية فيكون له أول، ولا منقضيا بآخرية فيكون له آخر فهو القديم الباقي (لا يبلغ كنه صفته الخ) أي لا تدرك حقيقة صفته وبالاولى حقيقة ذاته (يعتبر الخ) أي يتعظ المتأملون بالعلامات التي نصبها على باهر قدرته (في مائية ذاته) أي لا يتفكرون في حقيقة ذاته لقوله عليه الصلاة والسلام تفكروا في مخلوقاته ولا تتفكروا في ذاته (وسع كرسيه الخ) أي لم يضق عن السموات
[ 11 ]
والارض. (ولا يئؤوده الخ) أي لا يثقله ولا يشق عليه حفظهما مع حفظ ما اشتملا عليه (العالم) أي بجميع الاشياء موجودها ومعدومها، قديمها وحادثها، واجبها ومستحيلها جائزها، ألا وهو بكل شئ عليم (القدير) صيغة مبالغة في قادر بمعنى أن قدرته كثيرة التعلق بالممكنات كما أن سمعه وبصره متعلقان بجميع الموجودات (فوق عرشه) أي فوقية سلطنة وقهر قال تعالى: * (وإنا فوقهم قاهرون) * (الاعراف: 127) (توسوس به الخ) أي الذي تتحدث بيبه نفسه (وهو أقرب إليه الخ) أي أن الله تعالى أقرب للانسان من حبل الوريد الذي هو جزء منه. وحبل الوريد عرق بباطن العنق. (وما تسقط من ورقة الخ) بزيادة من لتأكيد العموم أي ما تسقط ورقة إلا في حال علمه بها لان سقوطها بإرادته، والارادة على وفق ما في العلم (في ظلمات الارض) أي في بطونها (ولا رطب الخ) معطوف على ورقة والرطب ما ينبت واليابس
ما لا ينبت (على العرش استوى) هو من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. ولما سئل عن ذلك الامام مالك أجاب بأن الاستواء معلوم والكيف مجهول. (وعلى الملك احتوى) أي أن الله تعالى محيط بجميع المخلوقات
[ 12 ]
فلا يخفى عليه منها شئ. (وله الاسماء الحسنى) وصفها بالحسنى لدلالتها على أشرف المعاني وأفضلها (والصفات الخ) جمع صفة وهي المعنى القائم بالموصوف، كالقدرة والارادة. والعلى جمع العليا تأنيث الاعلى أي المرتفعة عن كل نقض (لم يزل بجميع صفاته الخ) أي لم يزل متصفا بجميع صفاته ومسمى بجميع أسمائه (تعالى أن تكون الخ) أي ليست صفاته مخلوقة ولا أسماؤه (كلم الله موسى) أي ناجاه وأسمعه كلامه القديم. (وأن القرآن كلام الله) أي القائم بذاته وذاته لا يقوم بها إلا القديم (فيبيد) بالنصب في جواب النفي. وحاصل المعنى أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد أي يفنى، ولا صفة لمخلوق فينفد، أي يذهب (والايمان بالقدر خيره وشره) أي ومما يجب اعتقاده أن جميع الاشياء بتقدير الله لا يخرج منها شئ عن إرادته تعالى أن يقع في ملكه إلا ما أراده من خير وشر (وكل ذلك) الاشارة إلى الخير، وما ذكر بعده (قد قدره الله ربنا الخ) أي أن تكوين الاشياء وإيجادها من كتم العدم إلى حيز التجلي على أنحاء شتى وأشكال مختلفة من طول وقصر، ووقت دون وقت ومكان دون مكان، صادر وواقع عن قضائه
[ 13 ]
على حسب ما جرى به علمه وتعلقت به مشيئته (علم كل شئ قبل كونه) أي قبل وقوعه فلا يقع إلا على القدر الذي علمه ألا يعلم من خلق (فكل ميسر بتيسيره الخ) أي كل إنسان مهيأ إلى الذي سبق في علم الله من كونه
سعيدا أو شقيا، وعلى حسب استعداده لان الله ما خلق الانسان إلا على ما علمه وما علمه إلا على ما هو عليه، فلله الحجة البالغة (تعالى أن يكون الخ) أي تنزه ربنا وجل مجده عن وقوع شئ في ملكه خارج عن تدبيره قاص عن سلطان مشيئته، بل الاشياء كلها من عز وذل وغنى وفقر وعمل بر وغير ذلك بإرادته وقهر سلطانه، ولا غنى لها عن قيوم السموات والارض (باعث الرسل الخ) أول الرسل آدم وآخرهم محمد (ص) أي من الجائز الذي يجب اعتقاده والتصديق به بعثة الرسل إلى من تحققت فيهم شروط
[ 14 ]
التكليف، وهي: البلوغ والعقل وبلوغ الدعوة (لاقامة الحجة الخ) بيان لحكمة البعثة، وهي قطع العذر، وإلا لقالوا * (لولا أرسلت إلينا رسولا) * (طه: 134). (ثم ختم الرسالة) الرسالة كون المرسل موحى إليه بشرع ومأمورا بتبليغه. (والنذارة) هي التحذير من السوء. (والنبوة) مأخوذة من النبأ وهو الخبر لان النبي مخبر عن الله (بمحمد نبيه الخ) ولما كانت رسالة نبينا محمد (ص) ونذارته ونبوته مانعة من ظهور نبوة ورسالة بعدها شبهت بالخاتم على سبيل المكنية، والجامع المنع، فكما أن رسالته مانعة من ظهور رسالة بعدها، كذلك الخاتم يمنع من ظهور ما ختم عليه، وذلك باعتبار أثر الآلة وختم قرينة المكنية. (فجعله آخر المرسلين) أي صير الله نبينا محمدا (ص) آخر المرسلين (بشيرا) من البشارة بالكسر للباء وهي إذا أطلقت لا تكون إلا بالخير، وإذا قيدت جاز أن تكون بالشر، كقوله * (فبشرهم بعذاب أليم) * (آل عمران: 21، الانشقاق: 24) (وداعيا إلى الله الخ) الدعاء إلى الله تبليغ التوحيد إلى المكلفين، ومكافحة الكفرة أي ردهم (وسراجا منيرا) أي ذا سراج منير وإنما كان شرعه سراجا منيرا يهتدي به الحائر، لان من اتبعه وسلك طريقه القويم يخرج
به من ظلمة الكفر إلى نور الايمان (وأنزل عليه كتابا) أي ومما يجب اعتقاده والتصديق به ويكفر جاحده أن الله أنزل على نبيه محمد (ص)
[ 15 ]
كتابا محكما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (وشرح به دينه الخ) أي أن الله فتح ووسع بنبيه محمد (ص) دين الاسلام (القويم) أي المستقيم. والمراد لازم ذلك وهو إظهار الاحكام وبيانها على لسان نبيه * (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) * (النحل: 64) (وهدى به الصراط الخ) أي هدى بمحمد (ص) فهو شمس المعارف، ومصدر الرشاد، وعين اليقين وكفانا شرفا * (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) * (الشورى: 52) (وأن الساعة آتية الخ) أي ومما يجب اعتقاده والتصديق به ويكفر جاحده أن الساعة آتية من الاتيان، وهو المجئ، ووقت مجيئها موكول إلى علام الغيوب * (لا يجليها لوقتها إلا هو) * (الاعراف: 187) (وأن الله يبعث من يموت) ومما يجب اعتقاده أن الله يبعث الاموات، أي ينشئهم بعد موتهم إلى الحشر ولا خلاف في هذا بين المسلمين، وإنما الخلاف هل إنشاؤهم عن عدم للذوات بالكلية، أو عن تفريق استدل كل فريق منهم على مدعاه. (وأن الله سبحانه الخ) ومما يجب اعتقاده أن الله يضاعف الحسنات لعباده المؤمنين بقدر الاخلاص، وعلى حسب درجات الخشوع، فالتضعيف يرتقي من عشر إلى سبعمائة، بل إلى غاية عظيمة فقد أخرج الامام أحمد أن الله يضاعف الحسنة إلى ألف ألف، والمراد مضاعفة جزائها، والحسنة ما يحمد عليها شرعا عكس السيئة وهي ما يذم عليها شرعا. (وصفح لهم الخ) مما تفضل به المبدأ الفياض على عباده المؤمنين أن من
[ 16 ]
اقترف منهم شيئا من كبائر السيئات ثم تاب وأصلح أنه يتجاوز عنه، ويعفو
على سبيل الفضل والكرم. وأما الصغائر فتكفر باجتناب الكبائر (وجعل من لم يتب الخ) أي أن من اقترف شيئا من كبائر السيئات من المؤمنين، ومات غير تائب فأمره موكول إلى مشيئة الله إن شاء عفا عنه فضلا وإن شاء عاقبه عدلا * (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) * (النساء: 48) (ومن عاقبه الله بناره الخ) أي ومما يجب التصديق به أن عصاة المؤمنين إن أراد الله تعذيبهم في دار العقاب يكون العقاب بقدر ما جنوا على أنفسهم من السيئات، ثم تتغمدهم الرحمة فيخرجون من دار العقاب إلى دار السلام، ولا يخلد في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فالايمان سبب في عدم الخلود في النار، وسبب في دخول الجنة، إلا أن مسببية الايمان في دخول الجنة مع عفو الله ورحمته * (فبذلك فليفرحوا) * (يونس: 58). (ويخرج منها الخ) أي ومما يجب التصديق به ثبوت الشفاعة لنبينا محمد (ص) ولغيره أيضا، وإنما خصه بالذكر لكونه أول شافع، فيخرج من النار بشفاعة نبينا من كان من أهل الكبائر من أمته الموحدين، وأنكرت المعتزلة الشفاعة بناء على عدم تجويز الصفح والعفو عن الذنوب، ولكنا راعينا الادلة السمعية، وهم
[ 17 ]
تمسكوا بالادلة العقلية، والسمع أجلى وأنور (وأن الله سبحانه الخ) أي أن الله خلق الجنة وأعدها دار خلود واستقرار حياة لعباده المؤمنين لا كد فيها ولا نصب، بل هم في شغل فاكهون، وبالنظر إلى وجه ربهم متنعمون. (وخلق النار الخ) يعني أن الله خلق النار وأعدها دار خلود ومقر عقاب مؤبد لمن كفر به وألحد وزاغ عن الادلة الدالة على وجود الصانع ووحدانيته، وأنكر كتبه المنزلة ورسله المرسلة، فهم في مقت الكفر مقيمون، وعن رؤية ربهم يومئذ محجوبون. (وأن الله تبارك الخ) قد ثبت في السمع
أن الله يجئ يوم القيامة والملك صفا صفا، ولا يسعنا إلا التصديق بذلك ونكل علمه إلى صاحب الشرع. وكان مالك وغيره يقول في هذه الآية وأمثالها: اقرؤوها كما جاءت بلا كيف أي اقرؤوها وأحيلوا ظاهرها فلا تشبهوه بخلقه. (لعرض الامم الخ) متعلق بيجئ، يعني أن جميع الامم تعرض للنظر في أحوالها والحساب على أعمالها وهو أن يعدد على من أحضر
[ 18 ]
للحساب كل ما فعل من حسنة ومن سيئة، فيحاسب المؤمن بالفضل والمنافق والكافر بالحجة والعدل. فالمؤمن يخلو بربه فيقول الله سبحانه وتعالى له: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك يوم القيامة. والكافرون يحاسبون على رؤوس الاشهاد، وينادى بهم * (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) * (هود: 18) (وتوضع الموازين الخ) أي تنصب الموازين لاظهار العدل فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل يأتي بها الله يوم القيامة فمن ثقلت موازينه فهو المفلح الذي فاز بالسعادة التي لا شقاء بعدها، ومن خفت موازينه فهو الشقي الذي شقي شقاء لا سعادة بعده. (ويؤتون صحائفهم الخ) يعني أن الامم يؤتون صحائفهم، جمع صحيفة، وهي كتب أعمالهم فإذا أعطوها يخلق الله تعالى فيهم علما ضروريا فيفهمون ما فيها، فمن أوتي كتابه بيمينه كان ذلك دليلا على أنه من أهل اليمين والسعادة، ومن أوتي كتابه بشماله كان ذلك دليلا على أنه من أهل الشقاء وأهل الشمال، وكان الاولى للمؤلف أن يقدم قوله: ويؤتون الصحف، على الوزن، لان الوزن بعد الحساب والحساب بعد أخذ الصحف (وأن الصراط حق) وفي وصفه كلام طويل قيل إنه أدق من الشعرة وأحد من السيف، وهو ما يفيده ظاهر الحديث، وذهب إليه كثير، وخالف في ذلك القرافي قائلا: لم يصح في الصراط أنه أدق من الشعرة
وأحد من السيف، والذي صح أنه عريض، وفيه طريقان يمنى ويسرى،
[ 19 ]
فأهل السعادة يسلك بهم ذات اليمين، وأهل الشقاوة ذات الشمال، وفيه طاقات كل طاقة تنفذ إلى طبقة من طبقات جهنم، وجهنم بين الخلائق وبين الجنة، والصراط منصوب على متن جهنم، فلا يدخل أحد الجنة حتى يمر على جهنم. (يجوزه العباد الخ) أي أن مرور الخلائق على الصراط يتفاوت بحسب تفاوتهم في الاعمال والاعراض عن حرمات الله، فمنهم من يمر كالبرق ومنهم ناج مسلم، أي من خدش الكلاليب، ومنهم مخدوش مرسل، أي تخدشه الكلاليب ثم يطلق منها، ومكدوش في نار جهنم، أي مدفوع إليها. (والايمان بحوض الخ) ومما يجب اعتقاده وجود حوض رسول الله (ص) (ويذاد عنه من غير وبدل) أي يطرد ويبعد من غير وبدل كالمرتدين، وترده أمته، أي أتباعه الذين اتبعوه بإحسان حين خروجهم من قبورهم عطاشا، فيشربون منه، فمن شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا. (وأن الايمان الخ) فمن نطق بالشهادتين، وأذعن بقلبه بصدق الرسول بما جاء به وعمل بأحكام الشريعة كالصلاة والصوم كان مؤمنا، وإن لم يعتقد أن الايمان مجموع هذه الثلاثة، وإن أوهم ذلك كلام المصنف لعطفه على ما يجب اعتقاده لان الاجماع على أن من آمن بقلبه ونطق بلسانه وعمل بجوارحه فهو مؤمن، وإن لم يعتقد أن الايمان مجموع
[ 20 ]
هذه الثلاثة، وإنما ذكرها توطئة لقوله (يزيد) أي الايمان من حيث هو (ب) - سبب (زيادة الاعمال وينقص ب) سبب (نقص الاعمال فيكون فيها) أي الاعمال (النقص وبها الزيادة) ما ذكره من زيادة الايمان ونقصانه
باعتبار الثمرات هو مذهب جماعة من سلف الامة وخلفها، وهو آخر قول مالك رضي الله عنه، وكان أولا يقول: يزيد ولا ينقص. وإطلاق اسم الايمان على الاعمال متفق عليه قال الله تعالى * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (البقرة: 143) أي صلاتكم جهة بيت المقدس (ولا يكمل قول الخ) فمدار الاقوال والاعمال على النيات، فالنية هي المحور التي تدور عليه الاعمال وتقفو أثره، فينبغي للانسان أن لا يدور عمله إلا على السنة المطهرة والشرع القويم الذي أتى به خير بشير ونذير، ويسلك طريقة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين. (وأنه لا يكفر أحد الخ) ومما يجب التصديق به أن من كان من أهل القبلة أي الاسلام وارتكب من الذنوب ما لا يخل بالايمان كمن يفعل المعاصي غير مستحل لها، ويعتقد أن الشرع يمنعه منها وأما من فعل ما يخل بالايمان كإلقاء مصحف بقذر فهو مرتد، وليس كلامنا فيه، وفي الحديث من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو مؤمن حقا وألحد الخوارج حيث قالوا: كل ذنب كبيرة وكل كبيرة محبطة للعمل، ومرتكبها كافر. وقال المعتزلة: كل كبيرة محبطة للعمل، ومرتكبها له منزلة بين منزلتين لا يسمى مؤمنا ولا كافرا، وإنما
[ 21 ]
يقال له فاسق. (وأن الشهداء الخ) ومما يجب التصديق به أن الشهداء جمع شهيد، وهو من قاتل الكفار وقتل في طريق إعلاء كلمة الله (أحياء) منعمون فرحين لما أعطوا من المزايا منها الامن من الفزع الاكبر يوم القيامة، ومنها أنهم يتوجون بتاج الكرامة يوم القيامة. (وأرواح) أهل (السعادة الخ) أي أن أرواح السعداء باقية منعمة إلى يوم القيامة برؤيتها لمقعدها في الجنة إذ قد ورد: إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي (وأرواح أهل الشقاوة) وهم الكفار معذبة برؤيتها
لمقعدها في النار وغير ذلك من أنواع العذاب (إلى يوم الدين) أي يوم القيامة. (وأن المؤمنين الخ) المراد سؤال الملكين، أي أن الميت إذا وضع في قبره وانصرف الناس عنه يأتي إليه ملكان ويجلسان ويقولان له من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ أما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الاسلام، ونبيي محمد، فيوسع له في قبره. وأما الكافر إذا أدخل في قبره أجلس وقيل له من ربك ؟ ومخ 9 وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ فيقول: لا أدري، فيضرب بمطراق من حديد ضربة فيصيح منها صيحة يسمعها الخلائق إلا الثقلين. وورد أن ضغطة القبر وهي التقاء حافتيه على جسد الميت لم ينج منها أحد إلا من استثناهم النبي (ص) ومنهم فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ببركة نزول النبي
[ 22 ]
(ص) في قبرها، ومن قرأ * (قل هو الله أحد) * (الصمد: 1) في مرضه الذي مات فيه (وأن على العباد حفظة) أي على العباد إنسهم وجنهم مؤمنهم وكافرهم، ذكرهم وأنثاهم، أحرارا كانوا أو أرقاء حفظة يحفظون الاعمال ويكتبونها ولا يدعون حتى المباح والانين في المرض، وحتى عمل القلب أي جميع الخواطر التي تخطر به، ويجعل الله لهم علامة على عمل القلب يميزون بها بين الحسنة والسيئة، ومصدر علم ذلك قوله تعالى * (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) * (الانفطار: 10 - 12) وقوله (ص) يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار وانعقد الاجماع على ذلك. (ولا يسقط شئ الخ) صرح بذلك دفعا لما عساه أن يتوهم من أن الله يخفى عليه شئ من أعمال العباد تعالى الله عن ذلك، وإنما ذلك من لطف الله تعالى بعباده لانهم إذا علموا أن الله وكل بهم ملائكة تحفظ عليهم أعمالهم انزجروا عن المعاصي، ولاقامة الحجة عليهم إذا جحدوا وأنكروا، وقالوا ما عملنا (وأن ملك الموت الخ) أي أن الله وكل ملكا يسمى عزرائيل بقبض أرواح المخلوقات من
إنس وجن وغيرهم من كل ذي روح من الطيور والبهائم وما ورد من قوله تعالى * (الله يتوفى الانفس حين موتها) * (الزمر: 42) ومن قوله * (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا) * (الانعام: 61) مما ظاهره يخالف هذا فمؤول بأن إسناد التوفي إلى الله لانه الفاعل حقيقة وإسناد قبض الارواح إلى ملك الموت لانه المباشر لذلك بإذن الله، وإسناد التوفي إلى الرسل من الملائكة لانهم أعوان ملك الموت في قبض الارواح (وأن خير القرون الخ) أي أن من كانوا في عصره (ص) وآمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا
[ 23 ]
النور الذي أنزل معه قد أشرقت عليهم شموس بوته فحازوا فخار الاجتماع وفضيلة الصحبة، فكان قرنهم أفضل القرون، ومصداق هذا قوله (ص) خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (وأفضل الصحابة الخ) لما كان قوله خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله يوهم أنهم بدرجة واحدة في الخيرية نبه على أنهم متفاوتون في الفضل بقوله وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون، ثم رتب الخلفاء في الذكر على حسب درجاتهم في الفضل، فقال أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين. (وأن لا يذكر أحد من الصحابة الخ) الاولى واللائق الامساك عما وقع بينهم من التشاجر، فإن وقع ذكر التشاجر الذي كان بينهم فأحق أن يلتمس لهم أحسن المخارج أي التأويلات، وأن يظن بهم أحسن المذاهب أي الآراء المتبعة في الدين (والطاعة لائمة الخ) أي الانقياد واجب لائمة المسلمين من ولاة الامور الذين نصبوا أنفسهم لمصالح المسلمين، فإذا أمروا بمعروف وجب الامتثال وإذا نهوا عن منكر وجب الانكفاف وتجب الطاعة والانقياد أيضا للعلماء العاملين بعلمهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر
[ 24 ]
والحافظين لحدود الله. ودليل الوجوب قوله تعالى * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
وأولي الامر منكم) * (النساء: 59) وأما الجائز من كلا الفريقين فلا يطاع لقوله (ص) لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق رواه الامام أحمد والحاكم. (واتباع السلف الخ) أي يجب اتباع السلف الصالح وهم الصحابة في أقوالهم وأفعالهم سواء تلقوها منه (ص) أو كانت باستنباط واجتهاد منهم (و) كذلك يطلب (الاستغفار لهم) أي طلب المغفرة، (وترك المراء الخ) أي يجب ترك المراء والجدال في الدين. والمراء جحد الحق بعد ظهوره. والجدال مناظرة أهل البدع. وإنما منع ذلك لانه يؤدي إلى الطعن في الصحابة وإيقاع الشبهة في القلب وإن كان المقصود من الجدال إظهار الحق دون التعنت فهو جائز (وترك كل ما أحدثه الخ) لقوله (ص) من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد أي مردود وهو محمول على ابتداع أمر لم يقع في زمنه (ص) ودل الشرع على حرمته وإليه ذهب بعضهم، وبعضهم ذهب إلى أن البدعة ما لم يقع في زمنه (ص) سواء دل الشرع على حرمته أو وجوبه أو ندبه أو كراهته أو إباحته وعليه فالبدعة تعتريها الاحكام الخمس، وبه قال ابن عبد السلام والقرافي وغيرهما، وهذا آخر الكلام على ما تنطق به الالسنة وتعتقده القلوب، أما ما تعمله الجوارح فسيأتي بيانه.
[ 25 ]
باب ما يجب منه الوضوء والغسل (باب ما يجب منه الوضوء والغسل) أي هذا باب في بيان الشئ الذي يجب لاجله الوضوء والغسل. (الوضوء) بضم الواو اسم للفعل، وبفتحها اسم للماء. وهل هو اسم لمطلق الماء أو له بعد كونه معدا للوضوء، أو بعد كونه مستعملا في العبادات ؟ أقوال. وهو لغة الحسن والنظافة، وشرعا تطهير أعضاء مخصوصة بالماء لتنظف ويرفع عنها حكم الحدث لتستباح به العبادة الممنوعة. (والغسل) قال ابن العربي: لا خلاف أعلمه أنه بفتح الغين اسم للفعل، وبضمها اسم للماء. وفي الذخيرة: الغسل
بالضم الفعل وبالفتح اسم للماء على الاشهر والدليل على وجوب الوضوء والغسل الكتاب والسنة والاجماع، قال تعالى * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) * (المائدة: 6) الآية وقال * (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغسلوا) * (النساء: 43) وقال (ص) لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ ولا خلاف بين الائمة في وجوبهما (الوضوء يجب الخ) ولوجوبه شروط: الاسلام، والبلوغ، والعقل، وارتفاع دم الحيض والنفاس، ودخول وقت الصلاة، وكون المكلف غير ساه ولا نائم ولا غافل، ووجود ما يكفيه من الماء المطلق، إمكان الفعل احترازا عن المطلوب كالمريض والمكره والذي يجب منه الوضوء شيئان أحداث وأسباب، فالحدث ما ينقض الوضوء بنفسه كالبول، والسبب ما لا ينقض الوضوء بنفسه، ولكن بما يؤدي إلى الحدث وهو ثلاثة أشياء: زوال العقل، ولمس من تشتهي، ومس الذكر (لما يخرج من أحد المخرجين الخ) أي يجب الوضوء وجوب الفرائض لا وجوب السنن. ومعنى الاول التحتم، ومعنى الثاني التأكد لاجل الشئ الذي يخرج من أحد المخرجين المعتادين، وهما
[ 26 ]
القبل والدبر خروجا معتادا على وفق العادة وقيدنا بمعتادا للاحتراز عما يخرج غير معتاد كالحصا والدود، فإنه لا ينقض، ولو كان مبتلا بشئ من البول والعذرة. ولا بد أن يكون الخروج على وفق العادة، فلو خرج لعلة كالسلس في غالب أحواله، وهو أن يلازمه كل الزمن أو جله أو نصفه فلا نقض ففي الاول لا يجب الوضوء ولا يستحب، وفي الاخيرين يستحب إلا أن يشق عليه ذلك، وإلا فلا استحباب. وتقييد المخرجين بالمعتادين للاحتراز عما يخرج من غيرهما كدم الفصادة والحجامة والقئ المتغير عن حالة الطعام، والحدث الخارج من فتق تحت المعدة، ولم ينسد المخرجان، أما إذا انسد المخرجان وكان الفتق تحت المعدة فيعتبر
كالخارج المعتاد من المخرج المعتاد (من بول أو غائط أو ريح) بيان لما يخرج أي يجب الوضوء من أجل خروج البول من القبل، ومن خروج الغائط من الدبر ومن خروج الريح، والمراد به ما يخرج من الدبر سواء كان بصوت أولا، وأما الخارج من الذكر أو من فرج المرأة فلا يوجب الوضوء لعدم اعتباره في نواقض الوضوء (أو لما يخرج الخ) أي يجب الوضوء لاجل الشئ الذي يخرج من القبل وهو المذي وصفته أنه ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة أي الانتعاش الباطني الذي ينشأ عنه الانتعاش الظاهري عند ملاعبة من يلتذ به وعند التفكر، وكما أنه يوجب الوضوء يوجب غسل الذكر كله بنية قبل الوضوء بالماء فالماء متعين ولا تكفي الاحجار. (وأما الودي فهو ماء أبيض خاثر) أي ثخين
[ 27 ]
(يخرج) غالبا عقب البول وقد يخرج بنفسه أو مع البول (فيجب منه ما يجب من البول) وهو الوضوء والاستبراء منه، وهو استفراغ ما في المخرج بالسلت والنتر الخفيفين وغسل محله فقط (وأما المني) خروج المني من موجبات الغسل لا الوضوء، وإنما ذكره المؤلف في موجبات الوضوء استطرادا لما أنه يوجب الوضوء في بعض أحواله، وهو ما إذا خرج بلذة غير معتادة، وإن كانت الحالة التي ذكرها المؤلف من موجبات الغسل، ولذكر ما يخرج من القبل وكان المني من جملته (فهو الماء الدافق الخ) أي الماء الذي يخرج دفقة بعد دفقة (عند اللذة الكبرى بالجماع) وله رائحة كرائحة الطلع، أي الطلع النخل، أي رائحة غباره الذي يسقط منه. (وماء المرأة الخ) وأما ماء المرأة أي منيها فصفته أنه ماء أصفر رقيق إذا خرج على وجه العادة والصحة لا على وجه المرض. والسلس يجب منه الغسل ولا يشترط بروزه إلى خارج، بل المدار على إحساسها به فبمجرد الاحساس يجب عليها الطهر كما يجب عند انقطاع الحيض. (وأما دم الاستحاضة الخ) دم الاستحاضة هو الدم
السائل في غير أيام زمن الحيض والنفاس من عرق فمه في أدنى الرحم يسمى العاذل بكسر الذال، وحكمه وجوب الوضوء إذا كان انقطاعه أكثر من إتيانه، وأما إذا كان إتيانه أكثر من انقطاعه أو تساوى الامران فلا يجب
[ 28 ]
(ولسلس البول الخ) هو بكسر اللام التي بين السينين اسم فاعل صفة للرجل أي يستحب لصاحب السلس أن يتوضأ لكل صلاة، وأن يكون وضوءه متصلا بالصلاة، ولا خصوصية لسلس البول بالحكم، بل الحكم عام لكل ذي سلس بولا أو ريحا أو منيا، فالجميع سواء في عدم النقض بالذي خرج منهم، ولازم، ولو نصف الزمن حيث عجز عن رفعه بتداو أو تزوج فإن قدر على رفعه فإنه يكون ناقصا وتغتفر له مدة التداوي في عدم النقض. (ويجب الوضوء من زوال الخ) أي من الاسباب المؤدية إلى الحدث وموجبة للوضوء بعد زوالها زوال العقل بمعنى استتاره لا ذهابه بالكلية، إذ لو ذهب بالكلية لم يعد إذ الغرض في إنسان يلحقه ما ذكر من نحو نوم أو إغماء ثم يعود له عقله فيحكم عليه بوجوب الوضوء. (بنوم مستثقل) بفتح القاف أي أن النوم الثقيل ينقض الوضوء مطلقا طال أو قصر. وحقيقة النوم الثقيل أنه الذي يخالط القلب ولا يشعر صاحبه بما فعل مبنيا للمفعول سواء فعله أو فعل غيره ومفهوم قوله مستثقل أن الخفيف الذي يشعر صاحبه بأدنى سبب لا ينقض مطلقا قصيرا كان أو طويلا لما في مسلم كان أصحاب رسول الله (ص) ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون، لكن يستحب الوضوء من النوم الخفيف الطويل. (أو إغماء) قال مالك ومن أغمي عليه فعليه الوضوء، والاغماء مرض في الرأس. (أو سكر) يعني أن من غاب عقله بسبب سكر فعليه الوضوء، ولا تفصيل بين السكر بحرام أو حلال كأن شرب لبنا يظنه غير مسكر فسكر منه. (أو تخبط جنون) الاولى حذف تخبط لان زوال
العقل يكون بالجنون، والتخبط مصاحب لزوال العقل لا أنه سبب له، وإنما وجب الوضوء بسبب الجنون والسكر والاغماء لانه لما وجب بالنوم مع كونه أخف حالا
[ 29 ]
منها لانه يزول بيسير الانتباه، ولا كذلك هذه كان وجوبه بها أولى لانها أدخل في استتار العقل، ولذلك لم يفرقوا بين طويلها وقصيرها ولا بين ثقيلها وخفيفها وحكموا بزوال التكليف معها بخلاف النوم، فصاحبه مخاطب، وإن رفع عنه الاثم والكلام في جنون يتقطع لا إن كان مطبقا فلا يحكم عليه بشئ (ويجب الوضوء من الملامسة) أي من الاسباب المؤدية إلى الحدث الملامسة وهي ما دون الجماع على ما فسر به جماعة من الصحابة والتابعين ومالك وأصحابه قول تعالى * (أو لا مستم النساء) * (النساء: 43) وفسرها علي وابن عباس بالجماع، فيكون معنى قوله تعالى * (أو لامستم النساء) * (المائدة: 6) جامعتموهن (للذة) حاصل فقه المسألة أن اللامس إن كان قاصدا اللذة وجب عليه الوضوء بمجرد الملامسة وجد لذة أو لا، وأولى إن قصد ووجد وإن لم يكن قاصدا اللذة بل كان قاصدا بالملامسة الاختبار هل الجسم صلب أو لا، ولكنه وجد لذة فيجب عليه الوضوء لوجود اللذة، وإن لم تكن ناشئة عن قصد فمدار وجوب الوضوء على القصد، وإن لم يكن معه وجدان لذة وعلى الوجدان وإن لم يكن معه قصد، ولا بد أن يكون الوجدان حال اللمس، وأما بعده فلا، لانه صار كاللذة بالتفكر، ولا شئ فيه. وأما إن لم يقصد ولم يجد فلا شئ عليه. هذا حكم اللامس، وأما الملموس فإن بلغ والتذ توضأ وإلا فلا شئ عليه ما لم يقصد اللذة، وإلا صار حكمه حكم اللامس (والقبلة للذة) ظاهر كلامه أن التقبيل مطلقا على الفم أو غيره يجري على القصد أو الوجدان، وليس كذلك، بل المشهور أن القبلة على الفم تنقض مطلقا قصد ووجد أم لا، لانها مظنة اللذة، ما لم تكن قرينة صارفة للذة. (ومن مس الذكر) أي من الاسباب المؤدية إلى الحدث مس الذكر لما في الموطأ وغيره أن رسول الله (ص) قال: إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ
[ 30 ]
وأما حديث: هل هو إلا بضعة منك فمتكلم فيه. ويعتبر المس إذا كان بباطن الكف أو بباطن الاصابع أو بجنبيهما وأل في الذكر للعهد، والمعهود ذكر الماس لا ذكر غيره. وأما ذكر الغير فيجري على حكم الملامسة من اعتبار القصد أو الوجدان، ولا بد أن يكون الذكر متصلا بالبدن، وأما المنفصل عن البدن فلا نقض بمسه. ويعتبر في الخنثى الاشكال وعدمه، فإن كان مشكلا نقض مسه، وإن كان غير مشكل اعتبر في حقه ما حكم له به، فإن حكم له بالذكورة نقض وإلا فلا، ويفصل في المس من فوق الحائل، فإن كان كثيفا فلا نقض قولا واحدا، وإن كان خفيفا فالمشهور عدم النقض ولا نقض بمس الدبر والانثيين على المشهور. (واختلف في مس المرأة الخ) فمذهب المدونة عدم النقض لما في الحديث إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ ورد هذا المذهب بأنه مفهوم لقب ومفهوم اللقب لا يعتبر في الحجية. واستند القائل بالنقض لحديث من أفضى بيده إلى فرجه فليتوضأ لان الفرج لغة العورة، فيقع على الذكر وفرج المرأة، وقال بعضهم: لا نقض إذا مست ظاهره، والنقض إذا قبضت عليه أو ألطفت. والالطاف أن تدخل يديها بين شفريها، وهذا آخر الكلام على ما يجب من الوضوء. وأما ما يجب منه الغسل فسيأتي بيانه. (ويجب الطهر الخ) من موجبات الغسل خروج المني بلذة معتادة سواء خرج في نوم أو يقظة من رجل أو امرأة، ولا يشترط في وجوب الغسل من خروجه للذة أن تكون اللذة مقارنة للخروج، فقد يجب الغسل لخروجه بعد ذهاب اللذة، كأن يلتذ بغير جماع ثم يخرج منه المني بعد ذهابها.
[ 31 ]
(أو انقطاع دم الحيضة) الصواب أن يقول دم الحيض لانه أعم من الحيضة
إذ هي خاصة بما تقدمها طهر فاصل، وتأخر عنها طهر فاصل، فأول دم خرج لا يقال له حيضة، وكذلك آخر دم والحيض شرعا هو الدم الخارج بنفسه من فرج المرأة الممكن حملها عادة غير زائد على خمسة عشر يوما، ويكون خروجه لغير مرض ولا ولادة، فالدم الخارج لا بنفسه، والخارج من الدبر، والخارج من الصغيرة كبنت سبع سنين أو سبعين سنة، والزائد على خمسة عشر يوما، والخارج بسبب مرض، والخارج لاجل الولادة لا يكون حيضا حتى تترتب عليه أحكامه. (أو الاستحاضة) انظر كيف جعل انقطاع دم الاستحاضة من موجبات الغسل. والذي رجع إليه مالك آخرا استحباب الغسل. وكان أولا يقول: إنها لا تغتسل، وليس من أهل المذهب من يقول بالوجوب إلا الباجي على ما يؤخذ من ظاهر نقله. (أو النفاس) أي من موجبات الغسل النفاس. والنفاس لغة ولادة المرأة سواء كان معها دم أم لا لا نفس الدم الخارج من الفرج لاجل الولادة. والنفاس في اصطلاح أهل الشرع الدم الخارج من الفرج لاجل الولادة على جهة الصحة والعادة. فالدم الخارج من غير الفرج لا يكون نفاسا والخارج لغير الولادة لا يعد نفاسا. والخارج لا على جهة الصحة ليس نفاسا. والعادة كأن خرج بعد مدة النفاس وهي ستون يوما. (أو بمغيب الحشفة) يعني أن من موجبات الغسل مغيب الحشفة من البالغ في الفرج وإن لم ينزل سواء كان فرج آدمية أو بهيمة أو في الدبر، وسواء في ذلك دبر الانثى والذكر، وسواء كان معه انتشار أو لا، لف عليها خرقة أو لا، لكن بشرط أن يكون الحائل خفيفا
[ 32 ]
يشعر معه باللذة. وأما الحائل الكثيف فلا يجب معه الغسل إلا إن أنزل، وحينئذ يكون الغسل لاجل الانزال لا لمغيب الحشفة والاصل في ذلك ما في
الموطأ ومسلم من قوله (ص) إذا جلس بين شعبها الاربع ثم جهدها فقد وجب الغسل وهذا الحديث ناسخ لما رواه مسلم من قوله (ص) إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل ولما روي من قوله إنما الماء من الماء. (ومغيب الحشفة في الفرج الخ) تقدم أن مغيب الحشفة من موجبات الغسل، وإنما أعاده لجمع النظائر (يوجب الحد) أي حد الزنى على الزاني. (ويوجب الصداق) أي كماله لان العقد موجب لنصفه (و) أنه (يحصن الزوجين) بشرط أن يكونا حرين مسلمين عاقلين بالغين. (ويحل المطلقة ثلاثا) للذي طلقها وهو الحر وأما مطلقة العبد فيحلها إذا طلقها ثنتين لكن يشترط في التحليل للمطلقة ثلاثا أن يكون مع التغييب انتشار، والحاصل أنه لا يشترط الانتشار في الثلاثة الاول وأما تحصين الزوجين والمطلقة ثلاثا فلا بد من الانتشار وعدم الحائل. (ويفسد الحج) مطلقا فرضا كان أو تطوعا، عمدا كان أو نسيانا، إذا وقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده قبل طواف الافاضة ورمي جمرة العقبة في يوم النحر، ويتمادى على حجه ويقضيه من قابل. (ويفسد الصوم) أي وإن لم يكن معه انتشار فرضا كان أو نفلا، عمدا كان أو نسيانا، ويلزمه القضاء والكفارة في الفرض إن تعمد، وإلا فالقضاء فقط كالعمد في النفل (وإذا رأت المرأة الخ)
[ 33 ]
ولما ذكر أن من موجبات الغسل دم الحيض انتقل يبين العلامة الدالة على انقطاعه وعلى براءة الرحم منه، فذكر له علامتين القصة والجفوف، فإذا رأت الحائض إحدى العلامتين فقد استبان طهرها، ويحكم لها من ساعتئذ بأنها طاهرة، فلا تنتظر العلامة الثانية (رأته بعد يوم الخ) أي الطهر المفهوم من قوله تطهرت يشير إلى أنه لا حد لاقل الحيض باعتبار الزمن، وأما باعتبار المقدار فله أقل وهو الدفعة، وأما أكثره فلا حد له باعتبار المقدار، وله حد باعتبار الزمن وهو خمسة
عشر يوما (ثم إن عاودها الخ) أي أن من رأت علامة الطهر وحكم بأنها طهرت من ساعتئذ أي من وقت أن رأت الطهر إن عاودها دم آخر أو صفرة شئ كالصديد تعلوه صفرة (أو كدرة) شئ كدر ليس على ألوان الدماء، فإنها تترك الصلاة وتحسب ذلك اليوم يوم حيض، وتجعله كله حيضا واحدا، ومحل كونه حيضا واحدا إذا أتاها قبل طهر تام، أو كان انقطاعه أولا قبل تمام عادتها أو بعدها، وقبل الاستظهار أو قبتمامه، وأما إذا أتاها بعد طهر تام أو كان انقطاعه بعدما تمادى بها عادتها وأيام الاستظهار لا يكون حيضا بل استحاضة. (ثم إذا انقطع عنها الخ) أي إذا انقطع عن المرأة ذلك الدم الذي عاودها (اغتسلت وصلت) ولا تنتظر هل يأتيها دم آخر أو لا، ويعبر عن هذه المسألة بمسألة الملفقة وهي التي تقطع طهرها أي تخلله دم. (ولكن ذلك الخ) أي أن الدم المتخلل يعتبر كدم واحد في باب العدة والاستبراء، بمعنى أنها تلفق أيام الدم بعضها إلى بعض حتى تنتهي لما
[ 34 ]
هو حكمها من عادة أو غيرها ثم تكون مستحاضة (حتى يبعد ما بين الدمين) أي أن محل كون الدم المتخلل يعتبر كدم واحد في باب العدة والاستبراء إن لم يبعد ما بين الدمين، فإن بعد ما بينهما بعدا بينا بأن يكون أقل زمن الطهر وهو ثمانية أو عشرة، وإن كان المشهور خمسة عشر يكون الثاني منهما حيضا مؤتنفا أي مبتدأ تعتد به وحده في العدة والاستبراء (ومن تمادى بها الدم الخ) يعني أن من استرسل عليها نزول الدم فإنها تتربص خمسة عشر يوما إن كانت مبتدأة لان أكثر الحيض في حقها خمسة عشر يوما، يحكم لها بأنها مستحاضة، ميزت بين الدمين أو لا، فتغتسل وتصلي وتصوم، ويأتيها زوجها، وقولنا إن كانت مبتدأة احتراز عن غير المبتدأة، فإن فيها تفصيلا لانها إما أن تختلف عادتها أو لا، فإن لم تختلف، واسترسل عليها الدم أكثر من عادتها استظهرت بثلاثة أيام ما لم تجاوز
خمسة عشر يوما، وإن اختلفت استظهرت على أكثر عادتها (وإذا انقطع دم النفساء الخ) بأن رأت بقرب الولادة العلامة الدالة على انقطاعه من القصة والجفوف اغتسلت وصلت. وفهم من قوله بقرب الولادة أنه لا حد لاقل النفاس باعتبار الزمن، وله أقل باعتبار الخارج وهو لدفعة (وإن تمادى بها الخ) يعني
[ 35 ]
أن النفساء إذا استرسل عليها الدم تمكث ستين يوما أكثر أمده، فإن انقطع بعد الستين فالامر ظاهر، وإن تمادى عليها الدم بعد الستين كانت مستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم ويأتيها زوجها. باب طهارة الماء (باب طهارة الماء الخ) أي هذا باب في بيان اشتراط طهارة الماء وفي بيان اشتراط طهارة الثوب، وفي بيان اشتراط طهارة البقعة، وفي بيان اشتراط ما يجزئ من اللباس في الصلاة. الطهارة شرعا صفة حكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصلاة به أو فيه أو له. (والمصلي يناجي ربه الخ) افتتح الباب بقوله والمصلي يناجي ربه، مع أنه ليس داخلا في الترجمة ليرتب عليه قوله (فعليه أن يتأهب الخ) وهو بعض حديث رواه مالك في الموطأ، ونص الموطأ أن رسول الله (ص) خرج على أصحابه وهم يصلون وقد علت أصواتهم فقال: إن المصلي يناجي ربه فلينظر بم يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض (فعليه أن يتأهب الخ) أي على المصلي أن يستعد لذلك أي للمناجاة بأن يكون حاضر القلب خاشعا مستحضرا عظمة من هو قائم بين يديه، لائذا بجنابه، فإذا فتر عن ذلك لم يكن مناجيا، ولا يصدق عليه اسم المناجاة، وإنما يصدق عليه أنه متلاعب. ولا بد أن يتخذ الوسيلة لذلك بأن يكون طاهرا أي متطهرا من الحدثين الحدث الاصغر والاكبر (ويكون ذلك الخ) أي أن التطهر من الاحداث يكون بماء
[ 36 ]
طاهر أي لم يخالطه ما يغير أحد أوصافه الثلاثة: اللون أو الطعم أو الريح. وسواء في ذلك المغير لاوصافه النجس والطاهر حتى لو تغير بماء الورد الذي هو من الجواهر اللطيفة لا يصح استعماله في الوسائل كالوضوء والغسل إلا ما غيرت لونه الارض) أي أنه لما اشترط في الماء المستعمل في الوسائل كالوضوء والغسل أن لا يكون متغير الاوصاف بما يفارقه غالبا استثني من ذلك الماء الذي غيرت لونه الارض التي هو متصل بها وملازم لها، بأن كان استقراره على أرض سبخة ونحوها من الاراضي التي بها ملح أو كبريت أو حمأة وهي طين أسود منتن. (وماء السماء الخ) هذه المياه التي ذكرها من ماء السماء وما عطف عليه كلها طاهرة في نفسها طيبة لكل ما تستعمل فيه، سواء كان من العادات كالشرب ونحوه، أو من العبادات كالوضوء والغسل وإزالة النجاسة ما دامت باقية على أصل خلقتها لم تتغير بشئ ينفك عنها غالبا. (وما غير لونه إلخ) أي أن الماء الذي تغير لونه بشئ طاهر كماء العجين، فذلك الماء طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، فلا يستعمل لا في وضوء ولا في غيره كالغسل. (وما غيرته النجاسة الخ) أي أن الماء المتغير بنجس سواء كان التغير في لونه أو طعمه أو ريحه وسواء كان الماء قليلا أو كثيرا،
[ 37 ]
كانت له مادة أو لا، مسلوب الطهارة والطهورية فلا يستعمل في العادات ولا في العبادات (وقليل الماء الخ) أي أن الماء القليل كالماء المعد للوضوء أو الغسل إذا حلت فيه نجاسة ولو قليلة وإن لم تغيره نجس، فلا يجوز استعماله، والمشهور أنه طاهر لكنه مكروه الاستعمال مع وجود غيره، والفرض أنه لم يتغير، وإلا فهو مسلوب الطهورية قطعا. (وقلة الماء مع إحكام الخ) أي أن تقليل الماء حال الاستعمال مع إحكام أي إتقان الغسل وهو صب الماء
مع الدلك مستحب، أي أمر مطلوب على جهة الاحبية للشرع والاكثار منه، أي من صب الماء في حال الاستعمال غلو أي زيادة في الدين وبدعة أي أمر محدث مخالف للسنة وطريقة السلف الصالح (وقد توضأ الخ) استأنس بهذه المسألة على قوله وقلة الماء الخ لانه ليس من موضوع الباب أي أنه ثبت في السنة أن رسول الله (ص) توضأ بمد بمده عليه الصلاة والسلام، وهو رطل وثلث، وتطهر بصاع، وهو أربعة أمداد، فمجموعها خمسة أرطال وثلث والغرض الاخبار عن فضيلة الاقتصاد وترك الاسراف، وعن القدر الذي كان يكفيه عليه الصلاة والسلام (وطهارة البقعة الخ) أي أن طهارة البقعة التي تماسها أعضاء المصلي واجب لاجل الصلاة، أي الطهارة لاجل الصلاة
[ 38 ]
وأما الطهارة لغيرها كالذكر فمندوبة. (وكذلك طهارة الثوب) أي أن طهارة ثوب المصلي واجبة وجوب الفرائض لكن مع الذكر والقدرة، فلو صلى في ثوب نجس متعمدا قادرا على إزالتها أعاد تلك الصلاة أبدا، وإن صلى ناسيا أو عاجزا أعاد في الوقت. والوقت في الظهرين إلى الاصفرار. وفي العشاءين الليل كله. وقيل بسنية إزالة النجاسة وشهر كل من القولين وعلى القول بالسنية يعيد في الوقت مطلقا متعمدا أو قادرا على إزالتها أو ناسيا أو جاهلا. (وينهى عن الصلاة الخ) يعني أن فعل الصلاة في معاطن الابل جمع معطن وهو موضع اجتماعها عند صدورها من الماء مكروه، ولو أمن من النجاسة ولو بسط شيئا طاهرا وصلى عليه لان النهي ليس معللا بالنجاسة حتى ينتفي انتفائها. (ومحجة الطريق) أي تكره الصلاة في قارعة الطريق حيث شك في إصابتها بأرواث الدواب وأبوالها، وحينئذ لو صلى تندب الاعادة في الوقت. ومحل الكراهة إن لم يصل فيها لضيق المسجد. وأما
إن صلى فيها لضيق المسجد أو فرش شيئا طاهرا وصلى عليه، أو تيقن طهارتها فلا كراهة. (وظهر بيت الله الحرام) أي ينهى نهي تحريم عن الصلاة فوق ظهر الكعبة بناء على أن العبرة باستقبال بنائها، والذي فوق ظهرها لم يستقبل البناء، فلو صلى صلاة مفروضة على ظهرها
[ 39 ]
يعيد أبدا بناء على أن العبرة باستقبال بنائها. (والحمام) أي أن الصلاة في الحمام أي في داخله مكروهة، وعلة الكراهة غلبة النجاسة حتى أنه لو أيقن بطهارته انتفت الكراهة وجازت الصلاة. (والمزبلة) بفتح الباء وضمها مكان طرح الزبل أي تكره الصلاة في مكان طرح الزبل إن لم يؤمن من النجاسة، وإلا فلا كراهة. (والمجزرة) بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الزاي، المكان المعد للذبح والنحر، أي تكره فيه الصلاة إن لم تؤمن نجاسته وإلا فلا. (ومقبرة المشركين) بتثليث الباء موضع دفن موتاهم، وحاصل فقه المسألة أن المقبرة إن كانت من مقابر المسلمين، فإن كانت غير منبوشة أي لم يكن شئ من أجزاء الموتى في موضع الصلاة فالصلاة جائزة، وإن كان في موضع الصلاة شئ من أجزاء المقبورين فيجري حكم الصلاة فيها على الخلاف في الآدمي هل ينجس بالموت أو لا. وعلى أنه لا ينجس بالموت وهو المعتمد فتكره الصلاة حيث شك أو تحقق وجود الاجزاء من حيث الاهانة، أو من حيث كونها مشيا على القبر. وأما من حيث ذات الصلاة فلا كراهة. وأما مقابر الكفار فكره ابن حبيب الصلاة فيها لانها حفرة من النار، لكن من صلى فيها وأمن من النجاسة فلا تفسد صلاته، وإن لم يأمن كان مصليا على نجاسة. (وكنائسهم) جمع كنيسة بفتح الكاف وكسر النون موضع تعبدهم، فيشمل الكنيسة التي للنصارى، والبيع التي لليهود، وبيت النار التي هي للمجوس. كره الامام مالك الصلاة فيها لنجاستها من أقدامهم أي الشأن فيها ذلك لا أنها
محققة، وإلا كانت الصلاة فيها حراما مع بطلانها والكراهة حيث صلى فيها اختيارا لا إن اضطر لذلك، وإلا فلا كراهة لا فرق بين دارسة أو عامرة. (وأقل ما يصلي فيه الرجل الخ) أي أن أقل ما ينتفي معه الاثم ويكفي في المطلوب من المصلي ثوب ساتر
[ 40 ]
للعورة من درع أو رداء أو سروال. أما الدرع فهو القميص، وهو ما يسلك في العنق. وأما الرداء فهو ما يلتحف به، ويشترط فيه أن يكون كثيفا لا يصف، ولا يشف، أي يصف جرم العورة أي يحدده لرقته أو إحاطته فإن كان كذلك كره ما لم يكن الوصف بسبب ريح، وإلا فلا، وإن كان يشف فتارة تبدو منه العورة بدون تأمل فالصلاة به باطلة، وتارة لا تبدو إلا بتأمل وحكمه كالواصف في الكراهة وصحة الصلاة. (ويكره أن يصلي الخ) أي يكره للرجل أن يصلي في ثوب ليس على كتفيه شئ منه مع وجود غيره فإن صلى ولحم كتفيه بارز مع القدرة على الساتر لم يعد ما صلى لا في الوقت ولا بعده. (وأقل ما يجزئ المرأة الخ) أي أقل ما يجزئ المرأة الحرة البالغة من اللباس في الصلاة شيئان أحدهما الدرع الحصيفة بالحاء المهملة على الرواية الصحيحة، وروي بالخاء المعجمة. ومعنى الاولى الكثيف الذي لا يصف ولا يشف ومعنى الثانية الساتر السابغ أي الكامل التام الذي يستر ظهور قدميها، ويراد به أيضا الذي لا يصف ولا يشف لان مراد المؤلف أقلية لا إعادة معها لا في الوقت ولا في غيره. وثانيهما خمار بكسر الخاء تتقنع به أي تستر به شعرها وعنقها. ومن شرطه أن يكون كثيفا، وحاصل الفقه أنه يجب على المرأة أن تستر جميع بدنها في الصلاة حتى بطون قدميها
[ 41 ]
لقول مالك: لا يجوز للمرأة أن تبدي في الصلاة إلا وجهها وكفيها (وتباشر بكفيها الخ) أي أن المرأة تباشر الارض بكفيها حال السجود وجه ذكره لهذه
المسألة هنا أنه لما كان يتوهم من قوله: تستر ظهور قدميها وبطونهما أنها تستر الكفين لان كلا منهما من أجزاء المصلي المطلوب بستر جميع بدنه، فلاجل دفع هذا التوهم ذكرها هنا. باب صفة الوضوء (باب في صفة الوضوء الخ) إي هذا باب في بيان صفة الوضوء (ومسنونه) أي وفي بيان المسنون منه (وذكر الاستنجاء) وفي بيان ذكر الاستنجاء حكما وصفة، فيكون كلام المصنف شاملا للامرين، والاولى حذف ذكر ويقول: والاستنجاء بالعطف على صفة. والاستنجاء غسل موضع الخبث بالماء، مأخوذ من نجوت بمعنى قطعت، فكأن المستنجي يقطع الاذى عنه. (والاستجمار) أي وفي بيان الاستجمار حكما وصفة وحكمه أنه مجز، وصفته أنه استعمال الحجارة الصغار في إزالة ما على المحل من الاذى. (وليس الاستنجاء الخ) أي لا يجب ولا يسن ولا يستحب أن يوصل الوضوء بالاستنجاء، بل هو عبادة منفردة يجوز تفرقته عن الوضوء في الزمان والمكان، ولا يعد في سنن الوضوء، ولا في فرائضه، ولا في مستحباته، وإنما المقصود منه إنقاء المحل خاصة، ولكن يستحب تقديمه على الوضوء، فإذا
[ 42 ]
أخره فليحذر من مس ذكره ومن خروج حدث. (وهو من باب الخ) أي أن الاستنجاء من باب إزالة النجاسة، فيجب أن يكون بالماء أو بالاستجمار بالاحجار لئلا يصلي بالنجاسة وهي على جسده. ومما يدل على أنه من باب إزالة النجاسة أنه يجزئ فعله بغير نية. (وكذلك غسل الثوب النجس) أي المتنجس لا يحتاج إلى نية (وصفة الاستنجاء الخ) أي الصفة الكاملة أنه بعد أن يستبرئ بالسلت والنتر الخفيفين بأن يأخذ ذكره بيساره أي السبابة والابهام، ثم يجذبه من أسفله إلى الحشفة جذبا رفيقا، ثم يمسح ما على دبره من الاذى بمدر أو بغيره مما يجوز الاستجمار به، يبدأ بغسل يده اليسرى مخافة أن
يعلق بها شئ من رائحة الاذى، ثم يستنجي بالماء، ولكنه يقدم غسل مخرج البول على غسل مخرج الغائط لئلا تتنجس يده. وما ذكره المصنف من الجمع بين الاستجمار والاستنجاء بالماء هو الافضل لفعله ذلك عليه الصلاة والسلام. (ويواصل الخ) أي يوالي صب الماء من غير تراخ لانه أعون على الازالة. (ويسترخي قليلا) وإنما طلب منه ذلك
[ 43 ]
لان المخرج فيه طيات، فإذا قابله الماء انكمش، فإذا استرخى تمكن من غسله. (ويجيد عرك ذلك الخ) أي أن المستنجي يعرك المحل بيده وقت صب الماء حتى ينظف من الاذى. وتكفي غلبة الظن إن قدر على ذلك، فإن لم يقدر لقطع يده أو قصرها استناب من يجوز له مباشرة ذلك المحل من زوجة أو سرية وإلا توضأ وترك ذلك من غير غسل. (وليس عليه الخ) أي لا يجب ولا يستحب للمستنجي (غسل ما بطن من المخرجين) والصواب من المخرج بلفظ الافراد لان مخرج البول من الرجل لا يمكن غسل داخله. (ولا يستنجى من ريح) أي ينهى عن الاستنجاء من الريح. والاصل فيه قوله (ص) من استنجى من ريح فليس منا وهل الحكم المنع أو الكراهة ؟ لا نص على عين الحكم والحديث يحتملهما. (ومن استجمر بثلاثة الخ) يعني أن من استجمر بثلاثة أحجار، وخرج آخرهن نقيا من الاذى كفاه ذلك، ولو كان الماء موجودا. ويؤخذ من كلامه أن الاستجمار بدون الثلاثة لا يجزئ ولكن المشهور أن المدار على الانقاء ولو بواحد. ولما أفهم كلامه أن الاحجار تجزئ ولو كان الماء موجودا خشي أن يتوهم مساواة ذلك لاستعمال الماء، وأنهما سواء في الفضل دفع ذلك بقوله: (والماء أطهر) لانه لا يبقى معه عين ولا أثر والحجر إنما يزيل العين فقط. (وأطيب للنفس) وإنما كان أطيب لانه يذهب الشك. (وأحب
إلى العلماء) أي كافة إلا ابن المسيب فإنه قال: الاستنجاء من فعل النساء
[ 44 ]
وحمل على أنه من واجبهن، أي متعين في حقهن فلا يجزئهن الاستجمار كما أنه متعين في حيض ونفاس ومني، أي بالنسبة لمن فرضه التيمم لمرض أو عدم ماء كاف للغسل، ومعه من الماء ما يزيل به النجاسة. ويتعين الماء أيضا في المنتشر عن المخرج كثيرا بأن جاوز ما جرت العادة بتلوثه. (ومن لم يخرج منه بول الخ) أي أن من لم يخرج منه بول ولا غائط ولا غيرهما مما يستنجى منه كمذي وودي، وأراد أن يتوضأ لاجل خروج ريح أو غيره مما يوجب الوضوء كالردة والشك في الحدث والرفض وبقية الاسباب من النوم والسكر والاغماء (فلا بد من غسل يديه قبل إدخالهما في الاناء) أي يلزمه ذلك على طريق السنية وإن لم يكن بهما ما يقتضي غسلهما بأن كانتا نظيفتين فغسل اليدين مطلوب مطلقا سواء استنجى أو لا. (ومن سنة الوضوء) أي من سنن الوضوء (غسل اليدين) إلى الكوعين قبل إدخالهما في الاناء ومحل كون السنة الغسل قبل الادخال في الاناء إن كان الماء قليلا وأمكن الافراغ منه، وإلا فلا يسن الغسل قبل الادخال. (والمضمضة) أي من سننه أيضا المضمضة بضادين وهي خضخضة الماء في الفم ومجه، فلو ابتلعه لم يكن آتيا بالسنة. وأيضا لو فتح فاه حتى نزل فيه الماء لم يكن آتيا بالسنة، فلابد من خضخضة الماء ومجه. (والاستنشاق) أي من سنن الوضوء الاستنشاق، وهو إدخال الماء في الخياشم بالنفس، فلو دخل الماء أنفه بغير إدخال بالنفس
[ 45 ]
لا يكون آتيا بالسنة. (والاستنثار) كيفيته أن يجعل أصبعيه السبابة والابهام من يده اليسرى على أنفه ويرد الماء من خيشومه بريح الانف
(ومسح الاذنين) أي من سنن الوضوء مسح الاذنين ظاهرهما وباطنهما الظاهر ما كان من جهة الرأس، والباطن ما كان من جهة الوجه (وباقيه فريضة) أي باقي الوضوء فريضة. واستشكل بأن من الباقي ما هو سنة كرد مسح الرأس، وتجديد الماء للاذنين، والترتيب. ومنها ما هو مستحب كالتسمية في ابتدائه. وأجيب بأنه أراد بقوله: وباقيه فريضة بقية الاعضاء المغسولة والممسوحة على طريق الاستقلال، إذ الرأس فرضه المسح والرد تبع له أي متعلق بكسر اللام بقية الاعضاء أي القائم ببقية الاعضاء على جهة الاستقلال فريضة وإنما احتجنا لتقدير متعلق لانه ليس نفس بقية الاعضاء هي الفريضة. وأما التجديد والترتيب فليسا بعضوين، أي فليسا متعلقين بعضوين بل متعلقهما غير عضوين لان متعلق التجديد الماء، ومتعلق الترتيب الغسلات. (فمن قام إلى وضوء) ليس المراد بالقيام حقيقته، وإنما المراد من أراد أن يتوضأ لحصول موجبه من نوم أو غيره مما يوجب الوضوء، فمن قائل من العلماء إنه يبدأ بسم الله تعالى قيل بأن يقول بسم الله الرحمن الرحيم، وقيل: بأن يقول بسم الله فقط. ومن العلماء من لم ير البداءة بالتسمية من الامر المعروف عند السلف، بل رآه من المنكر أي المكروه. والظاهر من كلام المصنف حيث عزا كل قول منهما لبعض أنه لم يقف لمالك في التسمية على شئ. والمنقول عن مالك في التسمية ثلاث روايات إحداها الاستحباب، وبه قال ابن حبيب وشهرت لقوله (ص)
[ 46 ]
لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله وظاهر الحديث الوجوب. وبه قال الامام أحمد وإسحاق بن راهويه، وهو مجتهد. الثانية الانكار قائلا أهو يذبح أي حتى يحتاج إلى تسمية. الثالثة التخيير فالحكم إذا الاباحة. (وكون
الاناء على يمينه الخ) أي يستحب للمتوضئ أن يجعل الاناء الذي يتوضأ منه على يمينه لانه أسهل وأمكن في تناول الماء إن كان الاناء مفتوحا يمكن الاغتراف منه. وأما إن كان ضيقا فالافضل أن يكون عن يساره لانه أيسر. (ويبدأ فيغسل الخ) أي وبعد أن يجعل الاناء المفتوح عن يمينه. والضيق عن يساره، يبدأ على جهة السنية بغسل يديه إلى الكوعين ثلاث مرات قبل أن يدخلهما في الاناء بنية مفترقتين. (فإن كان قد بال الخ) أي أن ما تقدم في حق من لم يبل ومن لم يتغوط. وأما من بال أو تغوط غسل ذلك الشخص البول أو الغائط، أي أزالهما عن نفسه. (ثم توضأ الخ) ومعناه يفعل الوضوء اللغوي، وهو غسل اليدين. وحاصل المسألة أن قوله أولا فيغسل يديه قبل أن يدخلهما في الاناء في حق من لم يبل ومن لم يتغوط. وأما من بال أو تغوط فحكمه أنه يغسل موضع البول أو غيره ثم يتوضأ، أي يغسل يديه الذي هو سنة أولى من سنن الوضوء. (ثم يدخل يده في الاناء) إن أمكنه إدخالها فيه وإلا أفرغ عليها (فيأخذ الماء فيمضمض الخ) أي يأخذ من الماء بقدر حاجته من غير إسراف، فيمضمض فاه ثلاثا
[ 47 ]
من غرفة واحدة إن شاء ذلك لكن الاولى سنة، وكل من الباقيتين مستحب، وإن شاء تمضمض ثلاث مرات بثلاث غرفات. والصفة الثانية أرجح من الاولى (وإن استاك الخ) أي إن استاك بأصبعه من يريد الوضوء قبل أن يتوضأ (فحسن) أي مستحب. (ثم يستنشق) ثم للترتيب فقط لا للتراخي أي أن المتلبس بأعمال الوضوء بعد فراغه من المضمضة يستنشق بأن يجذب الماء. وانظر ما فائدة قوله بأنفه فهل يكون الاستنشاق بغير الانف. ولعله ذكر ذلك تبركا بلفظ الحديث ففي مسلم فليستنشق بمنخريه الماء (ويستنثره
ثلاثا) والمشهور أنه سنة على انفراده وصفة الاستنثار أن يجعل السبابة والابهام من يده اليسرى على أنفه، ويرد الماء بريح الانف كما يفعل في امتخاطه. وكره عند مالك امتخاطه كامتخاط الحمار لوقوع النهي عنه في الحديث. (ويجزئه أقل من ثلاث الخ) أي يكفيه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق. والاقل صادق بالمرة الواحدة والثنتين. ودليل ما ذكر أنه عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين. (وله جمع ذلك في غرفة واحدة) أي للمتوضئ أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة. وله صورتان إحداهما أن لا ينتقل إلى الاستنشاق إلا بعد الفراغ من المضمضة. والاخرى أن يتمضمض، ثم يستنشق، ثم يتمضمض، ثم يستنشق، ثم
[ 48 ]
يتمضمض، ثم يستنشق. والاولى أفضل لسلامتها من التنكيس في العبادة (ثم يأخذ الماء الخ) ثم بعد الفراغ من الاستنشاق والاستنثار يأخذ الماء بيديه جميعا إن شاء، وإن شاء أخذه بيده اليمنى، ثم يجعله في يديه جميعا، ثم ينقله إلى وجهه وظاهره أن نقل الماء شرط، وهو كذلك عند ابن حبيب وابن الماجشون وسحنون، والمشهور أنه لا يشترط النقل وإنما المطلوب إيقاع الماء على سطح الوجه كيفما أمكن ولو بميزاب. (فيفرغه عليه الخ) أي يفرغ الماء على وجهه من غير أن يلطم وجهه بالماء كما تفعل النساء وعوام الرجال. (غاسلا له بيديه) يستفاد منه أشياء: فيستفاد منه أن مقارنة الغسل لنقل الماء إلى العضو المغسول شرط للاستحباب في الوضوء بدليل الحالية التي تفيد المقارنة. ويستفاد منه أيضا أنه يباشر ذلك بنفسه، فلو وكل غيره على الوضوء لغير ضرورة ولا يجزئه لانه من أفعال المتكبرين. ويستفاد منه أن الدلك واجب، وهو كذلك على المشهور أن الدلك واجب لنفسه لا لايصال الماء للبشرة. (من أعلى جبهته)
متعلق بغاسلا، أي أن السنة أن يبدأ في غسل الاعضاء من أولها، فإن بدأ من أسفلها أجزأه وبئس ما صنع أي يكره. (وحده منابت شعر رأسه) تفسير لا على الجبهة. والمراد بالجبهة هنا ما يشمل ما يصيب الارض في حال السجود، والجبينين وهما ما أحاطا بها من يمين وشمال، أي أعلاه حده منابت شعر الرأس المعتاد، فلا يعتبر الاغم ولا الاصلع، فيدخل موضع الغمم في الغسل ولا يدخل موضع الصلع. وفهم من قوله: منابت الخ أنه لا بد من غسل جزء
[ 49 ]
من الرأس ليتحقق الواجب. (إلى طرف ذقنه) الوجه له طول وله عرض فأول طوله من منابت شعر الرأس المعتاد، وآخره طولا إلى طرف ذقنه، وهو مجمع اللحيين بفتح اللام وهو ما تحت العنفقة. ولا خلاف في دخوله في الغسل. وحده عرضا من الاذن إلى الاذن. (ودور وجهه كله كان من حد عظمي لحييه إلى صدغيه) أي ويغسل دور وجهه كله، فهو مفعول لفعل محذوف. واللحيين بفتح اللام تثنية لحي بفتحها أيضا. والصدغين تثنية صدغ بضم الصاد، وهو ما بين الاذن والعين، والمشهور دخوله في الغسل فإلى في كلام المصنف بمعنى مع. (ويمر يديه على ما غار الخ) يعني أنه يجب إمرار اليد على ما خفي من ظاهر أجفانه. وأما داخل العين فلا يجب غسله، ويجب أيضا إمرار اليد على التكاميش التي تكون في الجبهة، وهي موضع السجود. (وما تحت مارنه من ظاهر أنفه) أي يجب أن يمر يده على ما تحت مارنه، وهو ما لان من الانف تفسير لمارن الانف، وما تحته يقال له وتره. ومفهوم ظاهر أنفه أن باطنه لا يجب غسله. ويجب عليه أن يغسل ظاهر شفتيه ولا يطبقهما في حال غسل الوجه. (يغسل وجهه هكذا ثلاثا) يعني أن الصفة المطلوبة من الابتداء بأول العضو والانتهاء إلى آخره، والدلك وتتبع المغابن تفعل في جميع الغسلات. (ينقل الماء إليه) أي إلى الوجه (ويحرك
لحيته) الكثيفة أي أنه في حال غسل وجهه يحرك بكفيه شعر لحيته الكثيف لاجل أن يداخلها الماء، إذ لو لم يفعل ذلك لم يعم ظاهر الشعر، لان الشعر يدفع الماء
[ 50 ]
الذي يلاقيه إذا لم يحصل تحريك بالكفين. (وليس عليه تخليلها الخ) يعني أن المشهور عن مالك أن شعر اللحية الكثيف لا يخلل في الوضوء، بل ظاهر المدونة الكراهة، وموضوع المصنف شعر اللحية الكثيف في الوضوء. وأما الشعر الخفيف الذي تظهر البشرة تحته فيجب تخليله اتفاقا في الوضوء. ويجب تخليل شعر اللحية طلقا، خفيفا كان أو كثيفا في الغسل. (ويجري عليها يديه إلى آخرها) وإذا سقط وجوب التخليل فلا بد أن يجري يديه بالماء على اللحية إلى آخرها. (ثم يغسل يده ليمنى) أي أولا، ثم بعد أن يفرغ من غسل الواجب الاول وهو الوجه ينتقل إلى الواجب الثاني، وهو اليدان، فيغسل يده اليمنى أولا، لان البداءة بالميامن قبل المياسر مستحبة بلا خلاف لما صح من قوله عليه الصلاة والسلام إذا توضأتم فابدؤوا بميامنكم (ثلاثا أو اثنتين) انظر لم خير في غسل اليدين بقوله ثلاثا أو اثنتين ولم يخير في غسل الوجه والرجلين. ووجه ذلك أنه ثبت عنه (ص) أنه غسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين مرتين. (يفيض عليها الماء الخ) صفة ذلك أنه يصب الماء على يده اليمنى ويدلكها بيده اليسرى. وينبغي أن يكون الدلك متصلا بصب الماء (ويخلل أصابع يديه بعضها ببعض) يعني يدخل أصابع إحدى يديه في فروج الاخرى، ويخللهما من ظاهرهما لا من باطنهما لانه تشبيك وهو مكروه، وكلامه محتمل للوجوب والندب، والمشهور الاول،
[ 51 ]
والاصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام إذا توضأت فخلل أصابع يديك
ورجليك ولكن الامر للوجوب بالنسبة لليدين، وللندب بالنسبة للرجلين. (ثم يغسل يده اليسرى كذلك) ثم بعد الفراغ من غسل اليد اليمنى على الصفة المتقدمة يغسل يده اليسرى مثل ذلك. (ويبلغ فيهما بالغسل الخ) أي أن المتوضئ يبلغ في غسل يده اليمنى وغسل يده اليسرى إلى المرفقين أي يبلغ في غسلهما إلى هذا الموضع (يدخلهما في غسله) لما كان قوله إلى المرفقين محتملا لا دخالهما في الغسل وعدمه. والمشهور وجوب إدخالهما. صرح بذلك بقوله: يدخلهما في غسله. فإلى في كلامه كالآية الشريفة بمعنى مع. (وقد قيل إليهما الخ) يعني أن من ذهب إلى عدم دخول الغاية يقول: إن الغسل ينتهي إلى المرفقين. فإلى في الآية الشريفة على حقيقتها، وليست بمعنى مع، وحينئذ فالغاية خارجة فلا يجب غسل المرفقين. (وإدخالهما فيه أحوط) إشارة إلى قول ثالث يقول باستحباب دخولهما في الغسل لزوال مشقة التحديد، لانه يلزم من يقول إليهما ينتهي حد الغسل أن يحدد نهاية الغسل وفيه مشقة. (ثم يأخذ الماء الخ) ثم بعد الفراغ من الواجب الثاني ينتقل إلى فعل الواجب الثالث فيأخذ الماء بيده اليمنى فيفرغه على باطن يده اليسرى
[ 52 ]
ثم يمسح بيديه رأسه كله. (يبدأ من مقدمه) أي أن البداءة بمقدم الرأس مستحب. (من أول منابت الخ) أي ومقدمه من أول منابت شعر رأسه المعتاد فلا يعتبر أغم ولا أصلع. (وقد قرن أطراف الخ) وتكون البداءة بيديه حالة كونه قد قرن أطراف أصابع يديه ما عدا إبهاميه بعضها ببعض على رأسه وجعل إبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بيديه ماسحا رأسه إلى منتهى الجمجمة. والجمجمة عظم الرأس المشتمل على الدماغ، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ويأخذ بإبهاميه خلف أذنيه. وعظم الصدغين
من الرأس، فيجب مسحه. ويجب أن يمسح مع ذلك أشياء من الوجه فيحيط بالشعر، (وكيفما مسح أجزأه الخ) أشار إلى أن الكيفية المذكورة في صفة مسح الرأس ليست بواجبة، بل مدار الاجزاء على الايعاب، وتعميم المسح جميع الشعر. (ولو أدخل يديه في الاناء الخ) أشار إلى صفة أخرى في أخذ الماء لمسح الرأس، وهو أنه لو أخرج يديه مبلولتين بعد إدخالهما في الماء، سواء كان في إناء أو غيره، ثم مسح بهما رأسه أجزأه ذلك عند مالك من
[ 53 ]
غير كراهة وفاته المستحب عند ابن القاسم. (ثم يفرغ الماء الخ) ثم بعد مسح الرأس ينتقل إلى مسح الاذنين بأن يأخذ الماء بيمينه، ويفرغه على سبابة يده اليسرى مع إبهامها، وما اجتمع في كفه اليسرى يفرغه على سبابة يده اليمنى مع إبهامها، ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما. وإن شاء غمس السبابتين والابهامين في الماء، ثم يمسح بهما أذنيه. والصفة الاولى لابن القاسم، وهذه لمالك. (وتمسح المرأة الخ) أي أن المرأة تمسح رأسها وأذنيها مثل الرجل في المقدار. والصفة لقوله تعالى * (وامسحوا برؤوسكم) * (المائدة: 6) والنساء شقائق الرجال، وغلب الرجال لشرفهم. (وتمسح على دلاليها) أي أنها تمسح على ما استرسل من شعرها. والمشهور وجوب مسح ما استرخى من شعر الرجال على الجانبين بحيث نزل عن محل الفرض، أو على الوجه. وأما القائم بمحل الفرض فمتفق على وجوب مسحه. (ولا تمسح على الوقاية) الوقاية هي الخرقة التي تعقد بها المرأة شعر رأسها لتقيه من الغبار وكذلك لا تمسح على ما في معنى الوقاية من خمار وحناء إذا جعلت مثل اللزقة ووضعت على الرأس، لان ذلك كله حائل. هذا إذا لم تدع إلى المسح على ما ذكر ضرورة، وإلا جاز كما قال مالك إن مسحه عليه الصلاة والسلام على عمامته كان لضرورة.
وخالف الامام أحمد فقال: إن ذلك كان اختيارا، والذي ثبت أنه (ص) مسح الناصية التي هي مقدم الرأس أولا وكمل المسح على العمامة. (وتدخل
[ 54 ]
يديها من تحت الخ) يعني أن المرأة بعد أن بدأت في المسح بمقدم رأسها، وانتهت إلى آخر ما استرخى من شعرها يجب عليها أن تدخل يديها من تحت عقاص شعرها لتوقف التعميم عليه. ثم يسن لها الرد إن بقي بيديها بلل. وظاهر كلامه أنه ليس عليها حل عقاصها للمشقة. وقيده بعضهم بما إذا كان مربوطا بالخيط والخيطين. وأما إن كثرت عليه الخيوط فلا بد من نقضه. (ثم يغسل رجليه) أي بعد الفراع من مسح الاذنين يشرع في الفريضة الرابعة أي أن غسل الرجلين هو الفريضة الرابعة عند الجمهور وقيل: فرضهما المسح. وسبب الخلاف اختلاف القراءة في قوله تعالى * (وأرجلكم) * خفضا ونصبا. فعلى قراءة النصب يكون معطوفا على الوجه واليدين، ولا شك أن فرضهما الغسل، فيعطى هذا الحكم للمعطوف. وعلى قراءة الخفض يكون معطوفا على الرأس فيعطى حكم المعطوف عليه وهو المسح، فهما يمسحان. والذي نبغي أن يقال إن قراءة الخفض عطف على الرؤوس فهما يمسحان إذا كان عليهما خفان. واستفيد هذا من فعله عليه الصلاة والسلام، إذ لم يصح عنه أنه مسح على رجليه إلا وعليهما خفان. والمتواتر عنه غسلهما دائما عند عدم الخفين. (يصب الماء الخ) أي وصفة غسلهما أنه يصب الماء بيده اليمنى على رجله اليمنى ويعركها أي يدلكها بيده اليسرى فلا يكفي ذلك إحدى الرجلين بالاخرى. وفي كلام ابن القاسم أنه يكفي ذلك إحدى الرجلين بالاخرى. (يوعبها بذلك ثلاثا) أي يستكمل غسلها بالماء والدلك ثلاث
[ 55 ]
مرات على جهة الاستحباب ولا يزيد على ذلك، فيكون غسل الرجلين محدودا بثلاث غسلات، وهو أحد قولين مشهورين. وهل تكره المرة الرابعة أو تمنع ؟ خلاف. والقول الآخر إن غسل الرجلين لا يحد فالمطلوب الانقاء ولو زاد على الثلاث وشهر أيضا. (وإن شاء خلل أصابعه الخ) أي أنه إن شاء خلل أصابع رجليه في حال غسلهما. وإن شاء ترك ذلك، ولكن التخليل أطيب للنفس فلا يبقى معه شك. (ويعرك عقبيه) ذكره بلفظ الخبر ومعناه الطلب، أي: وليعرك عقبيه، أي: وليدلكهما. والعقبان تثنية عقب، وهي مؤخر القدم مما يلي الارض. والطلب يصدق بالوجوب والندب، والمراد الاول. (وعرقوبيه) تثنية عرقوب بضم أوله وهو العصبة الناتئة من العقب إلى الساق، أي يدلك عرقوبيه. (وما لا يكاد الخ) أي ويدلك كل ما لا يداخله الماء بسرعة، فيكاد زائدة. (من جساوة) بيان لما لا يداخله الماء بسرعة. والجساوة بجيم وسين مهملة مفتوحتين غلظ في الجلد نشأ عن قشف. (أو شقوق الخ) أي تفاتيح تكون من غلبة السوداء أو البلغم فيتعهدها بالدلك بيده مع صب الماء. وكذلك التكاميش التي تكون من استرخاء الجلد في أهل الاجسام الغليظة. (فإنه جاء الاثر الخ) في الصحيحين: ويل للاعقاب من النار وفي الكلام حذف مضاف تقديره لصاحب الاعقاب من النار. وهذا لا يختص بالاعقاب خاصة، بل شامل لكل لمعة تبقى في أعضاء
[ 56 ]
الوضوء. وإنما قال النبي (ص) هذا حين رأى أعقاب الناس تلوح أي تظهر بدون ماء عليها ولم يمسها ماء الوضوء. (وعقب الشئ طرفه) أي عقب الشئ طرفه بفتح الراء وهو آخره (ثم يفعل بالرجل اليسرى الخ) أي مثل ما فعل في اليمنى سواء بسواء. ولم يبين منتهى الغسل في الرجلين ومنتهاه
الكعبان الناتئان في جانبي الساقين، والمشهور دخولهما في الغسل. (وليس عليه تحديد الخ) أي ليس على المتوضئ تحديد غسل أعضائه التي حقها الغسل ثلاثا ثلاثا بأمر لا يجزئ دونه. (ولكنه أكثر ما يفعل) أي، ولكن التحديد بالثلاث أكثر ما يفعله المتوضئ، ولا فضيلة فيما زاد على الثلاث. بل حكى ابن بشير الاجماع على منع الرابعة، وإن كان لا يسلم له حكاية الاجماع على المنع لوجود القول بالكراهة إلا أن يريد بالمنع ما يشمل الكراهة. والاصل في هذا ما روي أن أعرابيا سأل رسول الله (ص) عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا. والظاهر أنه توضأ بحضرته ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم (ومن كان يوعب) أي يسبغ أعضاء الوضوء (بأقل من ذلك) أي من ثلاث غسلات (أجزأه) أي ذلك الاقل (إذا أحكم ذلك) أي أتقن ذلك الفعل. وقد حدد الاكثر ولم يحدد الاقل، لان الاقل لما كان محصورا في الواحدة والاثنتين فحاله معلوم، فلا حاجة للتنبيه عليه. (وليس كل الناس الخ) أي
[ 57 ]
ليس كل الناس في إتقان ذلك الغسل سواء، فمن لم يحكم بالواحدة لا تجزئه، ويتعين في حقه ما يحكم به، فإن كان لا يسبغ، إلا باثنتين نوى بهما الفرض وبالثالثة الفضيلة. وإن كان لا يسبغ إلا بالثلاث نوى بها الفرض وسقط ندب ما زاد. ولما بين صفة الوضوء المشتملة على فرائض وسنن وفضائل شرع يحث على الاتيان بها على هذه الصفة لا يخل بشئ منها فقال: (وقد قال رسول الله (ص): من توضأ الخ) أي من أتى بوضوء كامل بأن كان مستجمعا لفرائضه وسننه وفضائله ولم يخل بشئ منها (ثم رفع طرفه إلى السماء فقال) قبل أن يتكلم (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. وقد استحب بعض العلماء الخ) هو ابن حبيب قال: إنه يستحب (أن يقول بإثر الوضوء) بكسر الهمزة وسكون المثلثة: (اللهم اجعلني من التوابين) أي الذين كلما أذنبوا تابوا (واجعلني من المتطهرين) أي من الذنوب. وظاهر كلامه أن ما نقله عن بعض العلماء ليس من الحديث. وقد ذكره الترمذي في الحديث. (ويجب عليه الخ) قال العلماء: إن الشيخ لم
[ 58 ]
يتكلم على النية في الوضوء لانه لم يقل ينوي عمل الوضوء، وهي فرض اتفاقا عند ابن رشد، لانه لم يحفظ خلافا في وجوبها في الوضوء. ولذا حكى الاتفاق على الوجوب، وعلى الاصح عند ابن الحاجب ومقابله رواية عن مالك بعدم فرضيتها نصا في الوضوء. ويتخرج عليه الغسل. ثم اختلفوا هل تؤخذ من كلامه أم لا ؟ فقال بعضهم: لم يتكلم على النية في الرسالة أصلا. وقال بعضهم: تؤخذ من قوله: ويجب عليه أي المتوضئ أن يعمل عمل الوضوء احتسابا أي خالصا لله تعالى لا لرياء ولا لسمعة. (لما أمره به) أي لاجل ما أمره به من الاخلاص المستفاد من قوله تعالى * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) * (البينة: 5) والاخلاص أن يقصد إفراد المعبود بالعبادة من غير نطق باللسان فإن مدار النية القلب، ومن شرطها أن تكون مقارنة لاول واجب، وهو غسل الوجه في الوضوء. فإن تقدمت عليه بكثير لم تجز اتفاقا. وفي تقدمها بيسير قولان مشهوران أشهرهما الاجزاء. واتفقوا على أنه إذا نوى بعد غسل الوجه لا يجزئه، والاصل في النية أن تكون مستصحبة فإن حصل ذهول عنها اغتفر. (يرجو تقبله وتطهيره من الذنوب به الخ) أي إذا عمل عمل الوضوء خالصا قاصدا به امتثال ما أمر الله به، واثقا من نفسه
بأن الفعل صادر عن طيب نفس، فينبغي له أن يطمع في تقبله وتطهيره من الذنوب به لما في مسلم أنه (ص) قال: إذا توضأ المسلم أو المؤمن فغسل وجهه يخرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطرة من الماء الحديث. (ويشعر نفسه) أي يعلم نفسه (أن ذلك) الوضوء (تأهب)
[ 59 ]
أي استعداد (وتنظف) من الذنوب والادران (لمناجاة ربه والوقوف بين يديه) الاولى تقديم الوقوف على ا لمناجاة، لان الوقوف مقدم اعتبارا. وحاصل ما قال إن المكلف إذا أراد الوضوء فليفعله خالصا لله تعالى طامعا في أن الله يتقبله منه ولا يقطع بذلك، وأنه يثيبه عليه، وأنه يطهره به من الذنوب. ويستحضر أن فعله لاجل التأهب لمناجاة ربه. ومناجاة الرب إخلاص القلب، وتفريغ السر لذكره. (لاداء فرائضه) أي لاجل أداء ما فرض الله عليه (والخضوع) أي ولاجل التذلل له تعالى (بالركوع والسجود) وإنما خصهما بالذكر مع أن التذلل بغيرهما أيضا لان بهما يقع التذلل أعني التذلل الكامل، ولان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. (فيعمل على يقين بذلك الخ) فإذا أشعر نفسه بأن الوضوء تأهب واستعداد لمناجاة ربه تمكن من قلبه الاجلال والتعظيم، فينتج له أنه يعمل الوضوء على يقين بالخضوع أي جازما بوجوب الخضوع لمولاه، وخلاصته أن الاجلال والتعظيم ينتج أنه يعمل عمل الوضوء في حال كونه على تحفظ في الوضوء عن النقص والوسوسة، وعلى يقين أن عليه أن يخضع لله تعالى بالركوع والسجود. (فإن تمام كل عمل الخ) أي لا تجري الاعمال إلا على حسب النية ولا تتكون في دائرة الوجود إلا موافقة لها وغير خارجة عن طورها وحسبك قول عليه الصلاة والسلام: وإنما لكل امرئ ما نوى.
[ 60 ]
باب في بيان صفة الغسل (باب في) بيان صفژ (الغسل) قد تقدم دليله وشرائطه في باب ما يجب منه الوضوء وصفة الغسل تشتمل على فرائض وسنن وفضائل. ولم يتعرض المصنف لبيان الفرض من غيره. وسنبين ذلك فنقول: أما فرائضه فخمسة: تعميم الجسد بالماء، والنية، والموالاة، والدلك، وتخليل الشعر ولو كثيفا، وضغث المضفور. وسننه خمسة: غسل اليدين للكوعين أولا، والمضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، ومسح الصماخين فقط، وهما الثقبان، فيمسح منهما ما لا يمكن غسله. وصفة غسلهما أن يحمل الماء في يديه، وإمالة رأسه حتى يصيب الماء باطن أذنيه، ولا يصب الماء في أذنيه صبا لانه يورث الضرر. وفضائله سبع: التسمية والبدء بإزالة الاذى عن جسده، وغسل أعضاء وضوئه كلها قبل الغسل، والبدء بغسل الاعالي قبل الا سافل والميامن قبل المياسر، وتثليث الرأس، وقلة الماء مع أحكام الغسل. ومكروهاته خمسة: تنكيس الفعل، والاكثار من صب الماء، وتكرار الغسل بعد الاسباغ، والغسل في الخلاء وفي موضع الاقذار، وأن يتطهر بادي العورة. (أما الطهر) أي الغسل وهو تعميم ظاهر الجسد بالماء أي مع الدلك، لان حقيقة الغسل مركبة من الامرين. (فهو من الجنابة) وهي شيئان: الانزال، ومغيب الحشفة، أي مسبب الانزال لان الجنابة وصف معنوي قائم بالشخص يترتب على الانزال ومغيب الحشفة. (ومن الحيضة والنفاس) أي من انقطاع دم الحيض والنفاس (سواء يريد في الصفة والحكم وقال بعضهم في الصفة دون الحكم، لانه قدم الكلام عليه وأنت خبير بأن التشبيه إذا كان في الصفة لا في الحكم فالصفة لا تختص بالواجب. فلو قال: وأما الطهر
[ 61 ]
فهو من الجنابة وغيرها سواء كان أشمل. (فإن اقتصر المتطهر الخ) يعني
لو اقتصر المتطهر من الجنابة والحيض والنفاس على الغسل دون الوضوء أجزأه ذلك الغسل عن الوضوء فله أن يصلي بذلك الغسل من غير وضوء إذا لم يمس ذكره لاندراج الحدث الاصغر في الحدث الاكبر. هذا إذا كان الغسل واجبا كغسل الجنابة أما لو كان الغسل سنة أو مستحبا فلا يجزئ عن الوضوء. (وأفضل له) أي المتطهر من الجنابة ونحوها (أن يتوضأ بعد أن يبدأ الخ) على المتطهر فعل فضيلتين: إحداهما أن يبدأ بغسل ما بفرجه أو في جسده من الاذى. فإن غسله بنية الجنابة وزوال الاذى أجزأه على المشهور، وليس عليه أن يعيد غسله ثانيا، وإن غسله بنية إزالة الاذى، ثم لم يغسله بعد لم يجزه اتفاقا. وثانيتهما الوضوء قبل أن يغسل جسده تشريفا لاعضاء الوضوء. (ثم يتوضأ وضوء الصلاة) بحمل قوله السابق. وأفضل له أن يتوضأ على الوضوء اللغوي، وهو غسل اليدين للكوعين يندفع التكرار الحاصل بقوله: ثم يتوضأ وضوء الصلاة. ويكون قوله: ثم يتوضأ، أي يكمل الوضوء، لكن هذا الحمل يقتضي أن غسل ما على بدنه أو فرجه من الاذى مقدم على غسل اليدين وليس كذلك إذ غسل اليدين مقدم، فالاحسن أن يقال بأنه تكلم أولا على الحكم، وثانيا على الصفة. بقي أمر آخر وهو أنه هل يعيد غسل اليدين ثانيا بعد أن غسل ذكره بنية الجنابة أو لا، فحديث ميمونة يقتضي أنه بعد إزالة الاذى لا يعيد غسل يديه، وبه جزم بعضهم، وغالب شراح خليل قائل بإعادة غسلهما.
[ 62 ]
(فإن شاء غسل رجليه الخ) ظاهر كلامه التخيير في غسل رجليه بين أن يقدمهما على غسل جسده أو يؤخرهما. وبه قال بعضهم إنه مخير بين أن يقدم غسل رجليه أو يؤخره. والقول المشهور أنه يقدم غسل رجليه مطلقا سواء كان الموضع الذي يغتسل فيه نقيا من الاذى أو لا، دليل المشهور ما في الموطأ أن
رسول الله (ص) كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة. وظاهره أنه يتوضأ وضوءا كاملا، وهو مذهب مالك والشافعي. قال الفاكهاني: وهو المشهور. وقيل يؤخرهما مطلقا سواء كان الموضع نقيا أولا. والقول بالتأخير أظهر من المشهور لما في الصحيحين أنه (ص) كان يؤخر غسل رجليه إلى آخر غسله، فيغسلهما إذ ذاك، وهذا صريح وما تقدم ظاهر وأنى يقاوم الظاهر الصريح، أي بعيد، فيكون هذا القول هو المشهور بناء على أن المشهور ما قوي دليله لاما كثر قائله. والمقابل يقول المشهور ما كثر قائله. ثم بعد أن يفرغ من وضوئه (يغمس يديه في الاناء) إن كان مفتوحا أو يفرغ عليهما الماء إن كان غير مفتوح. (ويرفعهما) حال كونه (غير قابض) أي غير مغترف (بهما شيئا) من الماء بحيث لا يكون فيهما إلا ما علق بهما من أثر الماء. (فيخلل بهما أصول شعر رأسه) ويبدأ في ذلك من مؤخر الدماغ. وفي التخليل فائدتان فقهية فهي سرعة إيصال الماء للبشرة. وطبية، وهي تأنس الرأس بالماء، فلا يتأذى بصب الماء عليه بعد، لانقباض المسام. (ثم) بعد أن يفرغ من تخليل شعر رأسه (يغرف بهما الماء
[ 63 ]
على رأسه ثلاث غرفات) حال كونه (غاسلا له بهن) أي دالكا رأسه بهن ولا بد أن يعم الرأس بكل غرفة من الثلاث ولا ينقص عن الثلاث أي يكره النقص عن الثلاث، وإن عم بواحدة واجتزأ بها أجزأته. وإن لم يعم بالثلاث فإنه يزيد حتى يعم. (وتفعل ذلك المرأة) أي كل ما تقدم من غسل الاذى وتقديم الوضوء وتخليل أصول الشعر (وتضغث) بفتح التاء والغين وسكون الضاد المعجمة آخره ثاء مثلثة، معناه: تجمع وتضم. (وليس عليها) لا وجوبا ولا استحبابا في غسل الجنابة والحيض. (حل عقاصها)
العقاص جمع عقيصة، وهي الخصلة من الشعر تضفرها ثم ترسلها. ودليل ما قال ما في مسلم أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة فقال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين وهو حجة لمن لم يشترط الدلك لان الافاضة الاسالة. وكما لا يلزم المرأة حل عقاصها لا يلزمها نزع خاتمها ولو ضيقا وكذلك الاساور. وكذا لا يلزم الرجل نزع خاتمه المأذون فيه ولو ضيقا. (ثم) بعد أن يغسل رأسه (يفيض الماء على شقه الايمن) أي أنه يبدأ في غسل جسده بشقه الايمن كله ويبدأ بأعلاه (ثم على شقه الايسر) ويفعل فيه مثل ما فعل بالايمن من غسله كله والبدء بأعلاه. (ثم) بعد أن يفرغ من صب الماء على شقيه (يتدلك) وجوبا فالدلك واجب لنفسه على المشهور. وظاهر كلامه أنه لا يتدلك بعد صب الماء على شقه الايمن حتى
[ 64 ]
يصب الماء على شقه الايسر. فإذا صب الماء على الايسر دلك الشقين ومثله في تحقيق المباني. والظاهر أنه يدلك الشق الايمن قبل الصب على الايسر. ولذلك تجد نسخة المؤلف عند غير شارحنا ويتدلك بيديه بالتعبير بالواو لا بثم لمقتضية تأخر الدلك بعد الصب على الشقين. (بيديه) إن أمكنه ذلك، وإلا وكل غيره على الدلك. ولا يمكن فيما بين السرة والركبة إلا من يجوز له مباشرة ذلك من زوجة وأمة. فإن لم يجد من يوكله أجزأه صب الماء على جسده من غير دلك. وإن كل لغير ضرورة لا يجزئه على المشهور. (بإثر صب الماء) أي أن الدلك يكون عقب صب الماء واستظهر هذا القول لما في المقارنة من المشقة عند من يشترطها. (حتى يعم جسده) جميعه ويتحقق أن الماء قد عم جميع جسده لان الذمة عامرة فلا تبرأ إلا بيقين. (وما
شك أن يكون الماء أخذه) أي أن ما حصل فيه شك من أعضاء المغتسل في أن الماء أصابه أو لم يصبه. (من جسده عاوده بالماء) أي بماء جديد وجوبا ولا يجزئه غسله بما تعلق من جسده من الماء. (ودلكه بيده) أو ما يقوم مقامها عند التعذر، وكذا إذا شك في موضع من جسده هل دلكه أم لا فإنه يستأنف له الماء ويدلكه حتى يتحقق ذلك. وتكفي غلبة الظن خلافا لمن قال بعدم كفايتها وعليه أنها إذا كفت في وصول الماء للبشرة الذي هو مجمع عليه، فأولى الدلك الذي همختلف فيه. (حتى يوعب) أي يعم (جميع جسده) تكرار مع قوله حتى يعم جسده يل في دفعه إن الاول
[ 65 ]
محمول على من لم يحصل له شك، وما هنا على من حصل له شك وكان غير مستنكح. (ويتابع) يعني بالماء والدلك (عمق سرته) بفتح العين المهملة وضمها وسكون الميم باطن السرة. (وتحت حلقه) أي يتابع ما يلي حلقه والصواب أن لو قال تحت ذقنه لان ما تحت ذقنه هو حلقه وهو المقصود لا ما تحت حلقه وهو الصدر، كما تقتضيه عبارة المصنف، لانه لا مغابن فيه (ويخلل وجوبا) شعر (لحيته) وسكت عن تخليل شعر الرأس اكتفاء بما تقدم أول الباب. وكذا يجب تخليل شعر غيرهما كشعر الحاجبين والاهداب والشارب والابط والعانة. (و) يتابع ما (تحت جناحيه) أي إبطيه لانه كالسرة في الخفاء واجتماع الاوساخ (و) يتابع ما (بين أليتيه) بفتح الهمزة وسكون اللام أي مقعدتيه فيوصل الماء إليه مع استرخائه حتى يتمكن من غسل تكاميش الدبر، فإن لم يفعل كان الغسل باطلا (و) يتابع (رفغيه) تثنية رفغ بفتح الراء وضمها باطن الفخذ، وقيل: ما بين الدبر والذكر. (و) يتابع ما (تحت ركبتيه) يعني باطنهما من خلف لا ما تحتهما
من أمام. (و) يتابع (أسافل رجليه) عقبيه وعرقوبيه وتحت قدميه. (ويخلل أصابع يديه) وجوبا في وضوئه إن كان قدمه وإلا ففي أثناء غسله. وسكت عن أشياء ينبو عنها الماء كأسارير الجبهة، وما غار من ظاهر الاجفان، وما تحت مارنه، وغير ذلك، اكتفاء بما تقدم في الوضوء. (ويغسل رجليه آخر ذلك) الغسل إذا لم يكن غسلهما أولا عند وضوئه.
[ 66 ]
(يجمع ذلك) الغسل المذكور (فيهما) أي في الرجلين أي يحصل ذلك الغسل المذكور فيهما. وأنت خبير بأن الغسل المذكور غسل الرجلين ولا معنى لكونه يحصل غسل الرجلين في الرجلين، فالجواب أن يراد بالغسل المذكور الغسل مجردا عن قيده، وهو إضافته للرجلين. (لتمام غسله) وإنما فعل ذلك لاجل تمام غسله الواجب، (ولتمام وضوئه) المستحب (إن كان أخر غسلهما) في الوضوء، وحينئذ يغسلهما بنية الوضوء والغسل. (و) إذا توضأ الجنب بعد غسل ما بفرجه من الاذى بنية رفع الجنابة (يحذر) أي يتحفظ بعد ذلك (أن يمس ذكره) إنما نص المصنف على مس الذكر لانه الغالب، وإلا فغيره من سائر النواقض كذلك (في) حال (تدلكه بباطن كفه) ظاهره أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر إلا إن كان المس بباطن الكف، وهو للامام أشهب، ومذهب ابن القاسم يجب الوضوء من مس الذكر بباطن الكف أو بباطن الاصابع. وفي المختصر للشيخ خليل أو بجنبيهما. (فإن) لم يتحفظ و (فعل ذلك) المس بشئ مما ذكر عامدا أو ناسيا. (و) الحال أنه (قد أوعب) أي أكمل (طهره) بفعل موجباته من الفرائض والسنن (أعاد الوضوء) إذا أراد الصلاة، وإلا فلا تلزمه إعادته حتى يريد الصلاة كسائر الاحداث. وحيث قلنا بإعادة الوضوء إن
أراد الصلاة، فلا بد من نيته لان حدثه الاكبر قد ارتفع حتى قال بعضهم: إن تجديد نية للوضوء أمر متفق عليه. (و) أما (إن مسه في ابتداء غسله
[ 67 ]
وبعد أن غسل مواضع الوضوء) كلا أو بعضا والواو زائدة كما نقل عن أبي عمران (منه) أي من المغتسل أي من نفسه فأضمر في محل الاظهار (فليمر بعد ذلك) المس بيديه على مواضع الوضوء) لا فرق بين أن يكون غسلها كلها سابقا ثم مس، أو غسل بعضها (بالماء) متعلق بيمر، والباء بمعنى مع يعني أنه يمر بيديه على مواضع الوضوء بماء جديد. (على ما ينبغي من ذلك) قيل الاشارة عائدة على الترتيب أي يستحب فينبغي على بابه. وفيه أن الترتيب في الوضوء سنة عندنا. والظاهر أنه أراد به عدم الوجوب المتحقق في السنة. وقيل: عائدة على فرائض الوضوء وسننه وفضائله. وقيل على إجراء الماء على الاعضاء والدلك. فعلى هذا والذي قبله يكون ينبغي بمعنى الوجوب. () a اختلف في تجديد نية الوضوء فقال المصنف: (ينويه) أي يلزمه تجديد نية الوضوء فإن نوى رفع الحدث الاكبر لم تجزه، ويكون بمنزلة ما إذا نوى المتوضئ غير الجنب رفع الحدث الاكبر. وقال القابسي: لا يلزمه تجديدها. ومبنى الخلاف هل يطهر كل عضو بانفراده أو لا يطهر إلا بالكمال ؟ فإن قلنا بالاول لزم تجديدها لان طهارته قد ذهبت بالحدث، فوجب تجديد النية لها عند تجديد الغسل وإن قلنا بالثاني لا يلزمه تجديدها لبقائها ضمنا في نية الطهارة الكبرى. باب التيمم (باب في) حكم (من لم يجد الماء) وحكمه أنه يجب عليه التيمم. (و) في بيان (صفة التيمم) المستحبة وفي بيان الاعذار المبيحة له والتيمم لغة القصد قال تعالى:
[ 68 ]
* (ولا تيمموا الخبيث) * (البقرة: 267) الآية. أي لا تقصدوه. وشرعا عبادة حكمية تستباح بها الصلاة. فقوله: عبادة حكمية، أي حكم الشرع بها. ولا يخفى أن هذا القدر موجود في الوضوء والغسل. وتستباح بها الصلاة لاخراج الوضوء والغسل لان التيمم ليس إلا للاستباحة فقط. والوضوء والغسل لرفع الحدث وهو واجب بالكتاب والسنة والاجماع. قال تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) * (النساء: 43، المائدة: 6) وفي مسلم من قوله (ص) فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الارض كلها مسجدا، وجعلت تربتها طهورا إذا لم نجد الماء والاجماع على أن التيمم واجب عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله. ولوجوبه ثمانية شرائط: الاسلام، والبلوغ، والعقل، وارتفاع دم الحيض، والنفاس، ودخول الوقت، وعدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، وأن لا يكون على الاعضاء حائل وعدم المنافي. (التيمم يجب لعدم الماء) إما حقيقة بأن لا يجد الماء أصلا، وإما حكما بأن يجد ماء لا يكفيه لوضوء أو غسل (في السفر) أو في الحضر. وسواء كان السفر سفر قصر أم لا، وسواء كان المسافر صحيحا أم لا، وسواء كان السفر مباحا أم لا، لان الرخصة إذا كانت تفعل في السفر والحضر لا يشترط فيها إباحة السفر. وأما إذا كانت الرخصة لا تفعل إلا في السفر كفطر الصائم في رمضان الحاضر، فلا بد أن يكون السفر مباحا، وأن يكون أربعة برد كقصر الرباعية، (إذا يئس أن يجده) أي لا يكون عدم الماء سببا لوجوب التيمم إلا إذا يئس من وجود الماء، أو غلب على أنه عدم وجود الماء لا مفهوم له. بل ولو شك أو رجا الماء أو تيقن وجود الماء في الوقت. وأجاب الاجهوري بأن قوله إذا يئس شرط في مقدر، والتقدير: ويستحب له قديمه إذا أيس أن يجده. ويدل على أن
[ 69 ]
قوله: إذا أيس، ليس شرطا في الوجوب. قوله بعد ذلك إن الراجي والمتردد يتيمم والمراد بالوجوب الوجوب الموسع. واليأس إنما يكون بعد أن يطلبه طلبا لا يشق بمثله، ولا يلزمه الطلب إلا إذا كان يرجو وجوده أو يتوهمه. أما إن قطع بعدمه فلا يطلبه في الوقت يريد الوقت بالوقت المختار وهو الذي يستعمل في هذا الباب كله، ويقع فيه التفصيل. وأما بالوقت الضروري فلا تفصيل فيه بين آيس وغيره، بل يتيمم حين إذ ذكر الصلاة. (وقد يجب التيمم مع وجوده) أي الماء (إذا لم يقدر على مسه) سواء كان (في سفر أو) في (حضر ل) - أجل (مرض مانع) من استعماله بأن يخاف باستعماله فوات روحه، أو فوات منفعة، وزيادة مرض، أو تأخر برء أو حدوث مرض فإن لم يخف شيئا مما ذكر بل كان يتألم في الحال فقط لزمه الوضوء أو الغسل. (أو مريض يقدر على مسه) معطوف على مقدر وتقديره وكذلك قد يجب التيمم مع وجود الماء على صحيح لا يقدر على مسه لتوقع مرض باستعماله أو مريض يقدر على مسه أي الماء. (و) لكن (لا يجد من يناوله إياه) ولو بأجرة تساوي الثمن الذي يلزمه الشراء به أو لا يجد آلة أو وجد آلة محرمة أو لا يقدر على أجرة المناول. (وكذلك) مثل من تقدم في وجوب التيمم عليه (مسافر يقرب منه الماء و) لكن (يمنعه منه) أي من الوصول إليه (خوف لصوص) جمع لص، وهو
[ 70 ]
السارق، وماله ومال غيره مما يجب عليه حفظه سواء. ولا بد أن يكون المال أكثر مما يلزمه بذله في شراء الماء، ولا بد أن يتحقق وجودهم أو يغلب على ظنه وجودهم، وأما الشك فلا عبرة به (أو) خوف (سباع) على نفسه حيث تيقن ذلك أو غلب على ظنه ولا عبرة بالشك. (وإذا تيقن المسافر)
سواء كان سفره سفرا تقصر فيه الصلاة أم لا (بوجود الماء) الطهور الكافي لغسله أو وضوئه (في الوقت المختار أخر التيمم إلى آخره) استحبابا. وحاصل فقه المسألة أن من شروط وجوب التيمم دخول الوقت والحكم فيه مختلف لاختلاف حال المتيمم، لانه إما متيقن لوجود الماء في الوقت أو للحوقة فيه أو يائس من وجوده أو من لحوقه فيه، أو متردد في الوجود أو في اللحوق في الوقت، أو راج الوجود أو اللحوق في الوقت. وقد بين المصنف هذه الاحوال فأشار إلى أولها بقوله وإذا تيقن المسافر الخ. ولا خصوصية للمسافر بل هو عام في حق كل من أبيح له التيمم لفقد الماء إذا تيقن وجود الماء، أو تيقن لحوقه في الوقت، أو غلب على ظنه الوجود أو اللحوق في الوقت أخر التيمم إلى آخره استحبابا. (وإن يئس منه) أي من وجود الماء، أو من إدراكه في الوقت بعد طلبه إن كان هناك ما يوجب الطلب (تيمم في أوله) أي في أول الوقت استحبابا لتحصل له فضيلة الوقت لان فضيلة الماء قد يئس منها، وكذلك حكم من غلب على ظنه عدم وجوده في الوقت أو عدم لحوقه فيه. (وإن لم يكن عنده) أي المتيمم (منه) أي من الماء (علم) بأن يكون مترددا في وجوده
[ 71 ]
(تيمم في وسطه) بفتح السين استحبابا (وكذلك) يتيمم في وسطه استحبابا (إن خاف أن لا يدرك الماء في الوقت ورجا أن يدركه فيه) هكذا قرره الشيخ أحمد زروق، على أن المراد به المتردد في لحوقه قائلا: لا فرق بينه وبين ما قبله على المذهب وتقريره وإن كان صحيحا من جهة الحكم لكنه حمل كلام المصنف على خلاف ما يفيده قوله ورجا أن يدركه فيه وقرره ابن ناجي على أن المراد به الراجي فقال: وفي كلام المؤلف
مخالفة للمذهب، وذلك أن ظاهر قوله في الراجي لا يؤخر، بل يتيمم وسط الوقت، وليس كما قال، بل حكمه حكم الموقن، والموقن يؤخر لآخر الوقت. وقد قال ابن هارون: لا أعلم من نقل في الراجي أنه يتيمم وسط الوقت غير ابن أبي زيد. قال ابن ناجي: ويمكن أن يرد قوله وكذلك إن خاف إلى القسم الاول، وهو قوله: وإن أيقن الخ، لا إلى ما يليه ومعنى الرد إليه الالحاق به في الحكم. وعلى كلام ابن ناجي يكون المصنف أراد بقوله خاف أي توهم. (ومن تيمم من هؤلاء) جواب من محذوف والتقدير ففيه تفصيل والاشارة عائدة على السبعة المذكورين المريض الذي لا يقدر على مس الماء والمريض الذي لا يجد من يناوله الماء والمسافر الذي يقرب منه الماء ويمنعه منه خوف لصوص أو سباع، والمسافر الذي تيقن وجود الماء في الوقت، واليائس منه في الوقت، والذي ليس عنده منه علم والخائف الراجي. (ثم أصاب الماء في الوقت بعد أن صلى) لا يصدق على المريض فاقد القدرة على استعمال الماء
[ 72 ]
ولا على المريض الذي عنده قدرة على استعمال الماء، ولكنه لا يجد من يناوله إياه إلا أن يقال إن قوله ثم أصاب الماء أي أصابه من حيث القدرة على استعماله أو وجوده أو وجود آلته. (فأما المريض الذي لم يجد من يناوله إياه) أي الماء (فليعد) الصلاة في الوقت استحبابا. والحاصل أن المريض الذي لا يجد من يناوله الماء أو لا يجد الآلة التي يستخرج بها الماء يكون حكمه حينئذ أنه يؤخر التيمم إلى وسط الوقت. فإذا فعل ما طلب منه من التيمم وسط الوقت وصلى وقبل خروج وقت الصلاة زال المانع من استعمال الماء كأن وجد ما يناوله إياه فإنه يعيد الصلاة في الوقت استحبابا إن كان عنده تقصير بأن كان لا يتكرر عليه الداخلون، وأما إن
كان يتكرر عليه الداخلون فلا تقصير عنده حينئذ فلا إعادة عليه. (وكذلك) المسافر (الخائف من سباع ونحوها) يعني أن المسافر الخائف على نفسه من السباع أو على ماله من اللصوص مثل المريض الذي لا يجد من يناوله الماء في أنه إذا أصاب الماء في الوقت فإنه يعيد الصلاة استحبابا والحاصل أن الخائف من نحو سباع إذا تيمم وسط الوقت فإنه يندب له الاعادة في الوقت بقيود أربعة، وهي: أن يتيقن وجود الماء، أو لحوقه لولا خوفه، وكون خوفه جزما أو غلبة ظن، وتبين عدم ما خافه ووجود الماء بعينه. فإن لم يتيقن وجوده أو لحوقه، أو تبين ما خافه، أو لم يتبين شئ أو وجد غيره لم يعد. وإن كان خوفه شكا فإنه يعيد أبدا. (وكذلك) أي مثل المريض والخائف المذكورين (المسافر الذي يخاف أن لا يدرك الماء
[ 73 ]
في الوقت ويرجو أن يدركه فيه) في أنه إذا وجد الماء في الوقت يعيد استحبابا ما صلى في وقته المقدر له وهو الوسط، ومن باب أولى إذا قدم. والمراد بالخوف في كلام المصنف التردد في اللحوق، فإنه الذي يعيد في الوقت استحبابا ما صلى في الوقت المقدر له، وبالاولى إذا قدم. وأما المتردد في الوجود فإن قدم على وسط الوقت المقدر له أعاد وإن صلى وسط الوقت المقدر له فلا إعادة. والفرق بينهما أن المتردد في اللحوق عنده نوع تقصير فلذا طلب بالاعادة. وأما المتردد في الوجود فإنه استند إلى الاصل وهو العدم. (ولا يعيد غير هؤلاء الثلاثة) ظاهره أن اليائس لا يعيد إذا وجد الماء مطلقا، وليس كذلك بل فيه تفصيل، وهو أنه إن وجد الماء الذي يئس منه فإنه يعيد، وإن وجد غيره فلا إعادة. وظاهره أيضا أن من وجد الماء بقربه أو برحله، أو نسيه فيه ثم تذكره فلا إعادة عليه. والمعتمد أن على الثلاثة الاعادة
خلافا لظاهر المصنف. (ولا يصلي صلاتين) فريضتين حضريتين أو سفريتين أو منسيتين اشتركتا في الوقت أم لا (بتيمم واحد من هؤلاء) السبعة المتقدم ذكرهم (إلا مريض لا يقدر على مس الماء لضرر بجسمه مقيم) أي مرض لازم وبقي إلى وقت الصلاة الثانية. وقد اتفق أنه لم يفعل الاولى في وقتها إما عمدا أو نسيانا أو جهلا فله أن يصليهما معا بتيمم واحد وهذا الحكم عام في الحضريات والسفريات. (وقد قيل يتيمم لكل صلاة)
[ 74 ]
مفروضة صحيحا كان أو مريضا مسافرا أو مقيما (وقد روي عن مالك رحمه الله تعالى فيمن ذكر صلوات) مفروضات تركهن نسيانا أو نام عنهن أو تعمد تركهن، ثم تاب وأراد قضاءهن فله. (أن يصليها بتيمم واحد) سواء كان صحيحا أو مريضا مسافرا أو مقيما. والقول الاول لابن شعبان، والثاني لابن القاسم وهو المشهور. ولذا اعترض على الشيخ في تمريضه بقيل، وتقديم غيره عليه، وعلى المشهور لو خالف وصلى صلاتين بتيمم واحد سواء كانتا مشتركتين أم لا أعاد الثانية أبدا، وأخذ من قوله أول الباب في الوقت أن الفرض يتيمم له مطلقا حتى الجمعة وليس كذلك إذ الجمعة لا يتيمم لها الحاضر أي الصحيح بناء على بدليتها عن الظهر فيصلي الظهر بالتيمم ولو في أول الوقت. فإن صلى الجمعة بالتيمم فإنه لا يجزئه. وأما المريض والمسافر فيتيممان لها، وكذلك صلاة الجنازة لا يتيمم لها الحاضر الصحيح إلا إذا تعينت بأن لا يوجد مصل غيره، ولا يمكن تأخيرها حتى يحصل الماء، وأما السنن والنوافل فيتيمم لها المسافر دون الحاضر الصحيح، أي الذي فرضه التيمم لعدم الماء. وأما الحاضر الصحيح الذي فرضه التيمم لخوف مرض فحكمه كالمريض فيتيمم للجمعة وللجنازة. وإن لم تتعين وللسنن
والنوافل، ولو نوى بتيممه فرضا جاز له أن يصلي به نفلا بعده بشرط اتصاله بالفرض. وإن لم ينو صلاة النفل بعد الفرض والتقييد بالبعدية مع أنه لو صلى به نفلا قبله لصح لقوله: بشرط اتصاله بالفرض. فإن فصله بطول أو خروج من المسجد أعاد تيممه إن أراد صلاة النفل، ويسير الفصل مغتفر، ويحد بمثل آية الكرسي. ويشترط أيضا أن لا يكثر
[ 75 ]
النفل وتعتبر الكثرة بالعرف. (والتيمم) يكون (بالصعيد الطاهر) هذا من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين للطيب في قوله تعالى * (فتيمموا صعيدا طيبا) * (النساء: 43، المائدة: 6) (وهو) أي الصعيد الطيب في كلام العرب وبه قال مالك. (ما ظهر) أي صعد أي أن مالكا قال: إن الصعيد ما ظهر على وجه الارض موافقا لما عند العرب، وذهب غيره إلى أن الصعيد في الآية التراب الطاهر وجد على وجه الارض أو أخرج من باطنها. (على وجه الارض منها من تراب أو رمل أو حجارة أو سبخة) بفتح الباء واحدة السباخ وهي أرض ذات ملح ورشح، ولا يتيمم على الخشب والحشيش والزرع على المعتمد، وظاهر قوله: يتيمم على الحجارة ولو كانت من الصفوان، ولم يكن عليها تراب ما لم تطبخ، فلا يجوز التيمم على الجير، ولا على الآجر، وهو الطوب الاحمر، ويتيمم على التراب نقل أو لم ينقل، إلا أن الثاني باتفاق والاول على المشهور وغير االتراب كالملح والشب والكبريت والنحاس والحديد لا يتيمم عليها إلا في موضعها أو نقلت من موضع لآخر ولكن لم تصر في أيدي الناس كالعقاقير، وأما لو صارت في أيدي الناس كالعقاقير فلا يصح التيمم عليها. (يضرب بيديه الارض) جملة مستأنفة لبيان كيفية الفعل، فكأنه قيل: كيف يفعل، فقال: يضرب بيديه الارض، فإن لم يكن له يد يتيمم بغيرها، فإن عجز استناب، فإن لم تمكنه الاستنابة مرغ وجهه وليس المراد بالضرب
حقيقته، بل المراد أنه يضع يديه على ما يتيمم به ترابا أو غيره، وهذا الضرب فرض، ولا يشترط علوق شئ بكفيه، فإن تعلق بهما شئ نفضهما نفضا خفيفا حتى عد بعضهم هذا النفض من فضائل التيمم لئلا يؤذي وجهه.
[ 76 ]
ولا بد قبل الشروع في التيمم أن يقصد الصعيد لا غيره مما لا يصح التيمم عليه، وأن ينوي استباحة الصلاة، أو ينوي فرض التيمم عند الضربة الاولى. فإن كان محدثا حدثا أصغر نوى استباحة الصلاة من الحدث الاصغر وإن كان محدثا حدثا أكبر نوى استباحة الصلاة من الحدث الاكبر. وإن لم يتعرض للحدث الاكبر أي ترك نية الاكبر عامدا أو ناسيا وصلى بذلك التيمم أعاد الصلاة أبدا. وإن نوى الاكبر معتقدا أنه عليه فتبين خلافه أجزأه عن الاصغر، لا إن اعتقد أنه ليس عليه، وإنما قصد بنيته الاكبر نفس الاصغر فلا يجزئه وأما إن نوى فرض التيمم فيجزئه ولو لم يتعرض لنية أكبر عليه. ولو نوى المتيمم رفع الحدث لم يجزئه على المشهور، فإن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبيح الصلاة فقط. (ثم) بعد نفض يديه (يمسح بهما وجهه كله مسحا) ولا يترك منه شيئا ويراعي الوترة وغيرها فإن ترك شيئا من مسح الوجه كله ولو يسيرا لا يجزئه. ويبدأ من أعلاه كما في الوضوء، ويجري يديه على ما طال من لحيته. ودفع ما يتوهم من قوله كله أنه يمر على غضون الوجه بقوله مسحا لان المسح مبني على التخفيف. (ثم) بعد أن يفرغ من مسح وجهه (يضرب بيديه الارض) ضربة ثانية لمسح يديه على جهة السنية لا يقال كيف يفعل الواجب بما هو سنة، لانا نقول أثر الواجب باق من الضربة الاولى مضافا إليه الضربة الثانية، حتى أنه لو ترك الضربة الثانية ومسح الوجه واليدين بالاولى
أجزأه. (فيمسح يمناه بيسراه) فإذا شرع في مسحهما فالمستحب في صفة
[ 77 ]
مسحهما أنه يمسح أولا يمناه بيسراه (فيجعل أصابع يده اليسرى) ما عدا الابهام (على أطراف أصابع يده اليمنى) ما عدا إبهامها (ثم يمر أصابعه على ظاهر يده) يعني كفه (و) على ظاهر (ذراعه) وهو ما بين المرفق والكوع (و) يكون في مروره على ظاهر ذراعه (قد حنى) أي يحني بمعنى يطوي (عليه أصابعه حتى يبلغ المرفقين) صوابه المرفق لانه ليس لليد الواحدة إلا مرفق، ويمكن أن يقال إن المصنف قصد بيان غاية المسح بالنسبة لليدين. وظاهر كلام المصنف أن المرفق لا يمسح لان حتى للغاية أي والغاية خارجة. قيل: أراد مع المرفقين كما تقدم في الوضوء، إذ التيمم بدل عنه والمسح إلى المرفقين سنة وإلى لكوعين فريضة على ما في المختصر. وتعقبه العلامة البساطي بأن مشهور المذهب أن المسح إلى المرفقين واجب ابتداء، وإنما الخلاف إذا اقتصر على الكوعين وصلى فالمشهور أنه يعيد في الوقت ومقابله يعيد أبدا وهذا التعقب مردود، فقد رجح في المقدمات ما مشى عليه المختصر واقتصر عليه القاضي عياض في قواعده وهو الراجح والمشهور من المذهب تخليل الاصابع، ويكون التخليل بباطنها لا بجنبها لانه لم يمسه التراب والمشهور أيضا نزع الخاتم، ويقوم مقام النوع نقله عن موضعه والفرق بين التيمم والوضوء حيث قيل بنزع الخاتم في التيمم وعدم النزع في الوضوء قوة سريان الماء في الوضوء ولا كذلك التراب. (ثم) إذا فرغ من مسح ظاهر يده اليمنى (يجعل يده اليسرى) وفي رواية كفه
[ 78 ]
وهي مفسرة للاولى، فيكون المراد باليد الكف ما عدا الاصابع لان
الاصابع قد مسح بها أولا ظاهر اليد ما عدا الابهام. والجعل المذكور يكون (على باطن ذراعه) الايمن ويكون ابتداؤه (من طي مرفقه) حال كونه (قابضا عليه) أي على باطن ذراعه ويكون في قبضه رافعا إبهامه ونهاية ذلك (حتى يبلغ الكوع من يده اليمنى) وهو رأس الزند مما يلي الابهام على وزن فلس. (ثم) بعد أن يفرغ من مسح باطن ذراعه (يجري باطن بهمه) أي إبهامه من يده اليسرى (على ظاهر بهم يده اليمنى) لانه لم يمسحه أولا. وما ذكره من إمرار البهم مثله لابن الطلاع وهو محمد بن فرح شيخ الفقهاء في عصره. وظاهر الروايات وهو المعول عليه مسح ظاهر إبهام اليمنى مع ظاهر أصابعها قال الفاكهاني: لا أعلم أحدا من أهل اللغة نقل في الابهام التي هي الاصبع العظمى بهما، وإنما البهم بفتح الباء وسكون الهاء جمع بهيمة وهي أولاد الضأن. وأما البهم بضم الباء وفتح الهاء جمع بهمة فهي الشجعان، ويجاب بأن المصنف أكثر اطلاعا من الفاكهاني، والاعتراض يتوقف على الاحاطة بسائر اللغة وهو متعذر أو متعسر. (ثم) إذا فرغ من مسح اليد اليمنى على الصفة المتقدمة (يمسح اليسرى باليمنى هكذا) أي على الصفة المتقدمة في مسح اليد اليمنى. (فإذا بلغ الكوع) من يده اليسرى (مسح كفه اليمنى بكفه اليسرى إلى
[ 79 ]
آخر أطرافه) أي أطراف الكف، أراد به باطن الكف والاصابع وانظر كيف سكت عن كف اليسرى إلا أن يقال إن كل واحدة منهما ماسحة وممسوحة وهذه الصفة التي ذكرها الشيخ وذكرها الشيخ خالد أيضا. وهي البداءة بظاهر اليمنى باليسرى، والانتقال إلى اليسرى قبل استكمال اليمنى رواية ابن حبيب عن مالك. وقال ابن القاسم: لا ينتقل إلى اليسرى إلا بعد
استكمال اليمنى واختاره اللخمي وعبد الحق ورجح قول ابن القاسم وسند الترجيح أن الانتقال إلى الثانية قبل كمال الاولى مفوت لفضيلة الترتيب بين الميامن والمياسر. واستحسن بعض الشيوخ رواية ابن حبيب قائلا: لئلا يمسح ما يكون على الكف من التراب، ولكن صاحب القول المعتمد يقول إن بقاء التراب غير مراد، فالمرعي حكمه. (ولو) خالف المتيمم هذه الصفة المستحبة (ومسح اليمنى باليسرى) وفي رواية (أو اليسرى باليمن كيف شاء وتيسر عليه وأوعب لمسح لاجزأه) وخالف الافضل فقط ويؤخذ من قوله: وأوعب أنه إذا لم يمسح على الذراعين لم يجزه لانه ذكر في المسح الذراعين، والمشهور أنه إذا اقتصر على الكوعين وصلى أعاد في الوقت. (وإذا لم يجد الجنب أو الحائض الماء للطهر تيمما وصليا) ولو وجدا ما يكفي مواضع الاصغر ويكون تيممهما على التفصيل السابق، فالآيس أول المختار الخ، واعترض عليه بأنه مكرر مع قوله التيمم يجب لعدم الماء، ويقال في دفعه إنه كرره للرد على من يقول إن الجنب والحائض لا يتيممان. (فإذا
[ 80 ]
وجدا الماء تطهرا ولم يعيدا ما صليا) لان صلاتهما وقعت على الوجه المأمور به. وظاهر كلامه وجداه في الوقت أو بعده وهو مقيد بغير ما فيه الاعادة في الوقت على ما تقدم، وظاهره أيضا سواء كان بأجسادهما نجاسة أم لا وهو نص المدونة، وقيدت بما إذا لم يكن في بدنهما نجاسة. وأما لو كان في بدنهما نجاسة وصليا بها نسيانا، وتذكرا بعد الفراغ فإنهما يعيدان في الوقت وأشعر قول المصنف: ولم يعيدا ما صليا، أن وجود الماء بعد صلاتهما بالتيمم، وأما لو وجدا الماء قبل الصلاة فإن كان الوقت متسعا للغسل والصلاة ولو ركعة في الوقت الذي هما فيه، فإن التيمم يبطل. وأما إن وجداه بعد الدخول فيها وقبل فراغها
ولو اتسع الوقت أو قبل الدخول فيها ولكن لم يتسع الوقت للغسل وإدراك ركعة فإنهما يصليان بالتيمم. (ولا يطأ الرجل امرأته) المسلمة أو الكتابية أو أمته (التي انقطع عنها دم حيض أو) دم (نفاس بالطهر بالتيمم) على المشهور، أي يحرم عليه الوطئ ولا مفهوم للوطئ بل التمتع بما بين السرة والركبة ولو من فوق حائل حرام. (حتى يجد) وفي رواية حتى يجدا بالتثنية فعلى الاولى طلب الماء أو شراؤه عليه وحده وعلى الثانية عليهما معا. (من الماء ما تتطهر به المرأة) أو الامة من دم الحيض أو دم النفاس (ثم ما يتطهران به جميعا) من الجنابة. وما قاله هنا يفسر قوله آخر الكتاب: وأن لا يقرب النساء في دم حيضهن أو دم نفاسهن لان ظاهره إن انقطع عنهن جاز له
[ 81 ]
الوطئ، فأفاد هنا أنه ولو انقطع الحيض لا يجوز له الوطئ ولو بالتيمم، وإنما امتنع الوطئ على المشهور لان التيمم لا يرفع الحدث، وإنما هو مبيح للصلاة فقط. ويؤخذ من كلام المصنف أن التيمم يسمى طهورا وهو كذلك لقوله عليه الصلاة والسلام وتربتها طهورا ويسمى أيضا وضوءا لقوله عليه الصلاة والسلام التيمم وضوء المسلم ويؤخذ منه أيضا أن من لم يجد الماء ليس له إدخال لجنابة على نفسه، وهو قول مالك في المدونة، أي يكره ولو كان يتيمم للاصغر فليس له إدخال الجنابة على نفسه بحيث يصير يتيمم للاكبر. ولا نافي هذا ما تقدم من الحرمة في قول المصنف: ولا يطأ الخ. لان الحرمة إنما جاءت من قدومه على وطئها بطهرها من حيضها بالتيمم وهذا ما لم يضر به ترك الوطئ في بدنه أو يخشى العنت. وأما إن كان يضر بجسمه لطول المدة أو خشي العنت فإنه يطأ ويتيمم. باب في المسح على الخفين (باب في المسح على الخفين) أي هذا باب في حكم المسح على الخفين، وسقوط التوقيت فيه،
وما يبطله، وبعض شروطه، وصفته، وما يمنع منه المسح. وابتدأ بحكمه فقال: (وله) أي ورخص للماسح المفهوم من السياق، أو من المسح لان المسح لا بد له من ماسح رجلا كان أو امرأة (أن يمسح على الخف) ويروى على الخفين أي يجوز المسح على الخفين. فالمسح على الخفين رخصة وتخفيف، والغسل أفضل منه فيكون الجواز بمعنى خلاف الاولى، ولا مفهوم للخفين بل مثلهما الجرموقان، وهما خفان غليظان لا ساق لهما ومثلهما الجور بان، وهما على شكل الخف يصنعان من نحو القطن ويغشيان بجلد، والاصل في مشروعيته فعله عليه الصلاة والسلام (في الحضر والسفر) وحيث كان
[ 82 ]
المسح على الخفين من باب الرخص، والرخص لا تختص بالسفر فيجوز فعله حضرا وسفرا وعلى المشهور لا يشترط لجواز المسح إباحة السفر. (ما لم ينزعهما) أي أن المسح على الخفين غير محدود بمدة معلومة من الزمان. وروي عن مالك توقيته في الحضر بيوم وليلة، وفي السفر بثلاثة أيام، وتستمر هذه الرخصة وهي جواز المسح عليهما من غير تحديد بمدة إلى أن ينزعهما، فإن نزعهما بطل المسح عليهما اتفاقا، وتلزمه المبادرة لغسل رجليه، فإن أخر غسلهما عامدا بقدر ما تجف فيه أعضاء الوضوء ابتدأ الوضوء، ومثله العاجز والناسي يبني طال أو لم يطل. وإذا خلع إحدى خفيه خلع الاخرى، وغسل رجليه، ولم يجز المسح على إحداهما وغسل الاخرى. وللمسح شروط عشرة: خمسة في الممسوح وخمسة في الماسح. فشروط الممسوح أن يكون جلدا لا ما صنع على هيئة الخف من نحو القطن، طاهرا لا نجسا كجلد ميتة ولو دبغ، ولا متنجسا مخروزا، لا ما لصق بنحو رسراس ساترا لمحل الفرض، لا ما نقص عنه، وأن يمكن تتابع المشي فيه بحيث لا يكون
واسعا ولا ضيقا جدا وإلا فلا يجوز المسح حينئذ. وشروط الماسح أن لا يكون عاصيا لبسه، فالرجل المحرم لا يمسح على الخفين، ولا مترفها بلبسه فإن كان مترفها بلبسه كما إذا لبسه ليدفع عنه مشقة غسل الرجلين أو غير ذلك مما يصدق عليه اسم الترفيه لم يجزه المسح ويعيد أبدا. وأما إن لبسه لاتقاء حر أو برد أو اقتداء بالنبي (ص) فإنه يمسح حينئذ. وأن يلبسه على طهارة فلا يمسح لابسه على حدث مائية ولو غسلا فلا يمسح لابسه على طهارة ترابية كاملة حسا بأن أتم أعضاء وضوئه قبل لبسه احترازا عما إذا غسل رجليه فلبسهما، ثم كمل أو غسل رجلا فأدخلها قبل غسل الاخرى، فلو
[ 83 ]
خلعهما في الاولى ولبسهما بعد كمال الطهارة أو خلع التي لبسها ولبسها بعد أن غسل الثانية فإنه يمسح. ومعنى بأن كان يستباح بها الصلاة احترازا من الوضوء للتبرد (وذلك) أي المسح المرخص فيه (إذا أدخل) الماسح (فيهما) أي الخفين (رجليه بعد أن غسلهما في وضوء تحل به الصلاة) تضمن هذا الكلام بعض الشروط التي ترخص المسح، فإن قوله: غسلهما يتضمن لبسهما على طهارة، وكونها مائية. وقوله: تحل به الصلاة يتضمن أن تكون كاملة حسا ومعنى. (فهذا الذي) أدخل رجليه في الخف بعد غسلهما الخ مع بقية الشروط هو الذي يرخص له (إذا أحدث) بعد ذلك الحدث الاصغر (و) أراد أن (يتوضأ مسح عليهما) وتقييد الحدث بالاصغر لان الاكبر مبطل للمسح لوجوب الغسل عليه. (وإلا) أي وإن لم يكن كذلك بأن لبسهما على غير طهارة أو طهارة ترابية أو على طهارة مائية قبل كمالها. (ف) - هذا (لا) يرخص له المسح (وصفة المسح) المستحبة (أن يجعل) الماسح (يده اليمنى) على رجله اليمنى (من فوق الخف)
يبدأ بذلك (ومن طرف) بتحريك الراء (الاصابع) أي أصابع رجله اليمنى (و) يجعل (يده اليسرى من تحت ذلك) أي من تحت الاصابع (ثم) بعد أن يفعل ذلك (يذهب) أي يمر (بيديه إلى حد) أي منتهى
[ 84 ]
(الكعبين) الناتئين بطرفي الساقين ويدخلهما في المسح كالوضوء، لانه بدل عنه. ويكره له أن يتتبع الغضون وهي التجعيدات التي فيه لان المسح مبني على التخفيف، وأن يكرر المسح وأن يغسله، فإن فعل ذلك أجزأه. ويندب له المسح لما يستقبل من الصلوات إن غسله بنية الوضوء فقط أو انضم لها نية إزالة الطين أو نجاسته ولو معفوا عنها. فإن غسله بنية إزالة طين أو نجاسة أو لم ينو شيئا فلا يجزئه. (وكذلك يفعل ب) رجله (اليسرى) مثل ذلك أي مثل ما فعل في اليمنى. والمرور باليدين إلى حد الكعبين، ولكن وضعهما على اليسرى عكس وضعهما على اليمنى (فيجعل يده اليسرى من فوقها و) يده (اليمنى من أسفلها) وقال ابن شبلون: اليسرى كاليمني على ظاهر المدونة. وما ذكره من الجمع بين مسح أعلى الخف وأسفله متفق عليه، وإنما الخلاف في القدر الذي يجب مسحه. فذهب أشهب إلى أن من اقتصر في مسح خفه على الاعلى أو الاسفل أجزأه، ولا يعيد صلاته. وذهب ابن نافع إلى عدم الاجزاء فيهما. ولكن المشهور وجوب مسح أعلاه واستحباب مسح أسفله. فإن اقتصر على مسح الاعلى وصلى فإنه يعيد في الوقت المختار استحبابا ويستحب أن يعيد الوضوء والصلاة حيث ترك مسح الاسفل جهلا أو عمدا أو عجزا وطال. فإن لم يطل مسح الاسفل فقط، وكذلك أي مثل الاقتصار على مسح الاسفل فقط إن كان الترك سهوا طال أم لا. وإن اقتصر على مسح الاسفل فإنه يعيد أبدا عمدا أو جهلا أو
نسيانا ويبني بنية إن نسي مطلقا. وإن عجز ما لم يطل. واستظهر بعض الشيوخ أن أجناب الرجلين من الاعلى. (ولا يمسح على طين في أسفل
[ 85 ]
خفه أو روث دابة) بالمد وتشديد الباء في اصطلاح الفقهاء البغل والفرس والحمار. (حتى يزيله) أي ما أصابه منهما (بمسح) للطين (أو غسل) للروث النجس، وأولى لو غسل الطين أو الروث الطاهرين. قال عبد الوهاب: لان المسح إنما يكون على الخف، وهذا حائل دون الخف، فوجب نزعه. ونظر فيه الفاكهاني بأن ذلك على سبيل الندب دون الوجوب، لانه لو ترك مسح أسفل الخف جملة لم يكن عليه إعادة إلا في الوقت على قول ابن القاسم وعلى قول أشهب لا إعادة عليه لا في الوقت ولا في غيره. (و) قد (قيل يبدأ في مسح أسفله من الكعبين إلى أطراف الاصابع) هذه صفة أخرى في المسح على الخف يعني والمسألة بحالها من وضع اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى. (لئلا يصل إلى عقب خفه شئ من رطوبة ما مسح من خفيه من القشب) بفتح القاف وسكون المعجمة العذرة اليابسة عند أهل اللغة. وإنما كان يبدأ من الكعبين لئلا ينتقل شئ من القشب إلى أعلى الخف بخصوصه لان نقل النجاسة من موضع إلى آخر لازم على كل حال بدأ من العقب أو من الاصابع أي ونقل النجاسة إلى أعلى الخف أشد من نقلها في أسفله أي من حيث إن ترك مسح الاعلى يبطل المسح دون الاسفل. وفي الكلام بحث قوي لا دافع له، وذلك أنه إذا طلب منه مسح الطين وغسل الروث النجس قبل المسح أنى يعقل نقل نجاسة من موضع إلى آخر كان الاعلى أو غيره بدأ المسح من العقب أو من الاصابع
[ 86 ]
(وإن كان في أسفله طين فلا يمسح عليه حتى يزيله) أي تجب إزالته على القول بأن مسح الاسفل واجب، وتندب على القول بأنه مندوب. باب في أوقات الصلاة (باب في أوقات الصلاة) في بيان متعلق معرفة أوقات الصلاة وهي النسب المتعلقة بالاوقات (و) بيان معرفة (أسمائها) أما معرفة الاوقات فهي فرض عين على كل مكلف أمكنه ذلك. ومن لا يمكنه كالاعمى قلد غيره. والاوقات جمع وقت وهو الزمن المقدر للعبادة شرعا، وهو إما وقت أداء أو وقت قضاء. ووقت الاداء إما وقت اختيار بمعنى أن المكلف مخير في إيقاع الصلاة في أي جزء من أجزائه، وإما وقت ضرورة. والاختيار إما وقت فضيلة، وإما وقت توسعة. وأما الصلاة فالمراد بها في اصطلاح أهل الشرع الركعات والسجدات، وهي منقولة من الدعاء لاشتمالها على الفاتحة المشتملة على الدعاء، وهو: اهدنا إلى آخره. وعلى غير الفاتحة وهي مما علم وجوبه من الدين بالضرورة، فجاحدها مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وكذلك جاحد باقي أركان الاسلام التي هي الشهادتان والزكاة والصوم والحج. ولوجوبها شروط خمسة: الاسلام والبلوغ والعقل وارتفاع دم الحيض والنفاس ودخول وقت الصلاة. وزاد عياض: بلوغ الدعوة. وهي أعظم العبادات لانها فرضت في السماء ليلة الاسراء، وذلك بمكة قبل الهجرة بسنة بخلاف سائر الشرائع فإنها فرضت في الارض. واختلف في كيفية فرضها، فعن عائشة رضي الله عنها أنها فرضت ركعتين في الحضر والسفر فأقرت في السفر وزيدت في الحضر. وقيل: فرضت أربع ركعات إلا المغرب والصبح فالاولى فرضت ثلاثا والثانية ركعتين ثم قصر منها ركعتان في السفر. وأما معرفة أسمائها فواجبة
[ 87 ]
أيضا لان بها يقع التمييز والتعيين لانه إن لم يعين الصلاة فصلاته باطلة
(أما صلاة الصبح فهي الصلاة الوسطى عند أهل المدينة وهي صلاة الفجر) لا يخفى أن كثرة الاسماء تدل على شرف المسمى، فقد ذكر بإزاء هذه الصلاة أربعة أسماء: الصبح والوسطى والفجر والغداة. والصبح مشتق من الصباح وهو البياض لوجوبها عنده. والفجر مشتق من الانفجار لوجوبها عند انفجار الفجر من ظلمة الليل. (فأول وقتها) يعني الاختياري (انصداع) أي انشقاق (الفجر المعترض) أي المنتشر (بالضياء في أقصى) أي أبعد (المشرق) أي أن ضياء الفجر مستمد من ضوء الشمس، وهي تارة تطلع من أقصى المشرق، وتارة من غيره، فهو تابع لها، فموضع انفجاره هو موضع طلوع الشمس وخرج بقوله المعترض الفجر الكاذب، وهو البياض الذي يصعد كذنب السرحان أي الذئب مستدقا فلا ينتشر، فليس له حكم (ذاهبا من القبلة إلى دبر القبلة حتى يرتفع فيعم) أي يسد (الافق) استشكل ابن عمر هذا الكلام قائلا: إن المصنف قال: المعترض بالضياء في أقصى المشرق، فبين أنه من أقصى المشرق يطلع ثم قال: ذا هبا من القبلة إلى دبر القبلة، فأفاد أنه من القبلة طلع. وأفاد أيضا أن القبلة لها دبر وليس كذلك. وأجاب الاجهوري أن القبلة والمشرق واحد وهو ما قابل المغرب. والدبر الجوف، فمن عميت عليه القبلة جعل المشرق أمامه والمغرب خلفه،
[ 88 ]
وحينئذ يكون مستقبلا لان انحرافه عن القبلة يكون انحرافا يسيرا. (وآخر الوقت) أي وقت الصبح (الاسفار البين الذي ذا سلم منها) أي من صلاة الصبح (بدا) أي ظهر (حاجب) أي طرف (قرص الشمس) مفاد كلامه أن آخر الوقت المختار للصبح طلوع الشمس، وهو مشهور قول مالك، وقال ابن عبد البر: إنه الذي عليه عمل الناس، بل عزاه عياض
لكافة العلماء أئمة الفتوى. وعليه فلا ضروري للصبح والذي في المدونة وهو المعتمد، ومشى عليه صاحب المختصر أن وقتها الاختياري من طلوع الفجر الصادق إلى الاسفار الاعلى، والغاية خارجة، والاسفار الاعلى هو الذي يتراءى فيه الوجوه في محل لا سقف فيه ولا غطاء. ويراعى في ذلك البصر المتوسط. وحينئذ يكون الوقت الضروري للصبح من أول الاسفار الاعلى إلى الجزء الاول من الطلوع. (و) إذا ثبت أن أول وقت صلاة الصبح انصداع الفجر وآخره الاسفار البين، ف (- ما بين هذين الوقتين وقت واسع) لايقاع الصلاة متى أوقعها في شئ منه لم يكن مفرطا، لان أول الوقت المختار وآخره سواء في نفي الحرج إلا أن يظن الموت قبل الفعل لو لم يشتغل به فإنه يعصي بتركه اتفاقا، لان الوقت الموسع صار في حقه مضيقا أي أن من ظن أنه يموت أثناء الوقت يجب عليه أن يصلي قبل ذلك الوقت، فلو لم يصل في ذلك الوقت الذي طلب منه أن يصلي فيه كان آثما مات أو لا. وينبغي أن يكون مثل الموت ظن باقي الموانع التي طروها مسقط كالحيض وإن كانت لو أخرت وطرأ المانع لا تقضى لان عدم
[ 89 ]
القضاء لا ينافي الاثم (و) إذا تقرر أن الوقت المختار كله سواء في نفي الحرج فاعلم أنه متفاوت في الفضيلة، ف (- أفضل ذلك) أي الوقت المختار (أوله) ظاهره مطلقا ي الصيف والشتاء للفذ والجماعة، وهو كذلك عند مالك وأكثر العلماء لتحصيل ضيلة الوقت. والاصل في هذا ما صح أنه عليه الصلاة السلام كان يصلي الصبح بغلس، وعليه واظب الخلفاء الراشدون (ووقت الظهر) أي أول وقته المختار (إذا زالت) أي مالت (الشمس عن كبد السماء) الكبد بفتح الكا ف وكسر الباء عبر به عن وسط السماء على
سبيل المجاز المرسل من إطلاق اسم الحال على المحل في الجملة لان موضعه پمن الحيوان الوسط. (وأخذ الظل في الزيادة) أي ويلزم من ميل الشمس عن كبد السماء أخذ الظل في الزيادة فيكون تفسير ميل الشمس عن كبد السماء بأخذ الظل في الزياد تفسيرا باللازم. ويعرف الزوال بأن يقام عود مستقيم، فإذا تناهى الظل في النقصان، وأخذ في الزيادة فهو وقت الزوال ولا اعتداد بالظل الذي زالت عليه لشمس في القامة، بل يعتبر ظله مفردا عن الزيادة (ويستحب أن يؤخر) أي صلاة الظهر (في الصيف) قال الفاكهاني نصه اختصاص التأخير بالصيف دون الشتاء جماعة وأفذاذا. وقال ابن ناجي: لا مفهوم لقوله في الصيف، بل وكذلك الشتاء، يستمر التأخير المستحب (إلى أن يزيد ظل كل شئ) مما له ظل كالانسان (ربعه بعد
[ 90 ]
الظل الذي زالت عليه الشمس) واحترز بذلك من أن يقدر الظل من أصله أطلق الظل على ما بعد الزوال، وهي لغة شاذة. واللغة المشهورة أن الظل لما قبل الزوال والفئ لما بعده. (وقيل إنما يستحب ذلك) أي التأخير المذكور (في) حق أهل (المساجد) خاصة (ل) - أجل أن (يدرك الناس الصلاة، وأما الرجل في خاصة نفسه) وفي نسخة في خاصته (فأول الوقت أفضل له) لانه لا فائدة في تأخيره (وقيل أما في شدة الحر فالافضل له) أي لمن يريد صلاة الظهر (أن يبرد بها وإن كان وحده) ومعنى الابراد أن ينكسر وهج الحر فتحصل من كلامه أن في الابراد بالظهر ثلاثة أقوال استحباب التأخير مطلقا للفذ والجماعة، وقصر الاستحباب على المساجد للجماعة خاصة، والثالث التفرقة بين وقت شدة الحر وغيره، فيستحب في وقت شدة الحرللفذ والجماعة. (لقول النبي (ص) أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم) ولفظ الموطأ أن رسول الله (ص) قال: إذا اشتد الحر فأبردوا
عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم ومعنى الابراد أن تتفيأ الافياء
[ 91 ]
وينكسر وهج الحر. والفيح لهب النار وسطوعها أي ارتفاعها. وحديث التعجيل منسوخ بهذا الحديث، وهو: كان رسول الله (ص) يصلي الظهر بالهاجرة وقت اشتداد الحر. (وآخر الوقت) لمختار للظهر (أن يصير ظل كل شئ مثله بعد ظل نصف النهار) اعتبار النهار هنا من طلوع الشمس إلى الغروب بخلاف النهار في الصوم، فإن أوله من طلوع الفجر (أول وقت العصر) المختار هو (آخر وقت الظهر) المختار، فعلى هذا هما مشتركان، وهو المشهور. واختلف التشهير هل الظهر تشارك العصر في أول وقتها بمقدار أربع ركعات، أو العصر تشارك الظهر في آخر وقتها بمقدار أربع ركعات. فعلى الاول لو أخر الظهر حتى دخل وقت العصر وأوقع الظهر أول الوقت لا إثم عليه. ومن صلى العصر على هذا القول في آخر القامة الاولى كانت باطلة. وعلى الثاني لو صلى العصر عند ما بقي مقدار أربع ركعات من وقت الظهر من القامة الاولى، فإن العصر تقع في أول وقتها أي: ومن صلى الظهر أول القامة الثانية كان آثما لوقوعها بعد خروج وقتها. (وآخره) أي آخر وقت العصر المختار (أن يصير ظل كل شئ مثليه بعد ظل نصف النهار وقيل) أول وقت العصر أنك (إذا استقبلت الشمس بوجهك) يعني ببصرك (وأنت قائم غير منكس رأسك ولا
[ 92 ]
مطأطئ له) التطاطؤ أخفض من التنكيس لان التنكيس إطراق الجفون إلى الارض، والتطاطؤ الانحناء على حسب ما يريد الانسان (فإن نظرت إلى الشمس ببصرك) يعني إذا جاءت على بصرك (فقد دخل الوقت، وإذا لم
ترها ببصرك فلم يدخل الوقت، وإن نزلت عن بصرك) أي جاءت تحت بصرك (فقد تمكن دخول الوقت) وقد أنكر على المصنف حكاية هذا القول بأنه لم يعلم قائله، واعترض عليه أيضا بأنه لا يعلم دخول الوقت بما ذكر لعدم اطراده في كل الازمنة، لان الشمس تكون في الصيف مرتفعة وفي الشتاء منخفضة (والذي وصف عن مالك رحمه الله) في تحديد آخر الوقت المختار للعصر من رواية ابن القاسم (أن الوقت فيها ما لم تصفر الشمس) أي في الارض والجدر، أي لا في عين الشمس إذ لا تزال نقية حتى تغرب، والمذهب أن تقديم العصر أول وقتها أفضل. (ووقت صلاة المغرب) الاختياري (وهي) أي صلاة المغرب لها اسمان هذا لانها تقع عند الغروب، والآخر (صلاة الشاهد يعني) أي مالك بقوله الشاهد (الحاضر) وكأن قائلا قال له: ما معنى الحاضر ؟ فقال (يعني أن المسافر لا يقصرها ويصليها كصلاة
[ 93 ]
الحاضر) قال الفاكهاني: تعليل تسمية المغرب بالشاهد لكون المسافر لا يقصرها منقوض بالصبح ورده عبد الوهاب بأنه مسموع لا يقاس، وإلا لسميت الصبح بذلك. (فوقتها غروب الشمس) والمراعى في ذلك غيبوبة جرمها وقرصها المستدير دون أثرها وشعاعها، قال ابن بشير: بموضع لا جبال فيه، وأما ما فيه جبال فينظر لجهة المشرق، فإذا ظهرت الظلمة كان دليلا على مغيبها. (فإذا توارت) أي استترت وغابت (بالحجاب) أي لم تظهر لنا بسبب الحجاب الحائل بيننا وبينها (وجبت الصلاة) أي دخل وقتها لا تؤخر عنه مكرر مع قوله فوقتها غروب الشمس. (وليس لها إلا وقت واحد) أي اختياري فمتى أخرت عنه فقد وقعت في وقتها الضروري (لا تؤخر عنه) والمشهور أنه غير ممتد بل بقدر فعلها بعد تحصيل شروطها
فوقتها مضيق ويجوز لمن كان محصلا لشروطها من طهارة وستر واستقبال وأذان وإقامة تأخير فعلها بمقدار تحصيلها. وقيل: وقتها ممتد إلى مغيب الشفق الاحمر. واختاره الباجي وكثير من أهل المذهب لما في الموطأ من قوله: إذا ذهبت الحمرة فقد وجبت العشاء، وخرج وقت المغرب ولما في مسلم من قوله عليه الصلاة والسلام وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق. (ووقت صلاة العتمة) المختار (وهي) أي صلاة العتمة (صلاة العشاء) بكسر العين والمد (وهذا الاسم) أي العشاء (أولى بها) في التسمية من العتمة على جهة الاستحباب لانه الذي نطق به الكتاب العزيز. تسميتها بالعتمة مكروه
[ 94 ]
عند جماعة من العلماء منهم الامام مالك. وأما ما ورد في الموطأ ومسند أحمد والصحيحين من حديث أبي هريرة لو يعلمون ما في العتمة والصبح لاتوهما ولو حبوا من تسميتها بالعتمة فمؤول بأن ذلك لبيان الجواز أي أن التسمية ليست بحرام، فلا ينافي أنها مكروهة. (غيبوبة الشفق) خبر عن قوله: ووقت صلاة العتمة وما بينهما معترض (والشفق) هو (الحمرة الباقية في المغرب) أي في ناحية غروب الشمس أي لا كل المغرب كما هو ظاهر المصنف. (من بقايا شعاع الشمس) وهو ما يرى عند ذهابها كالقضبان أي أن ضوءها يشبه القضبان أي قضبان الذهب. (فإذا لم يبق في المغرب) أي ناحية غروب الشمس (صفرة ولا حمرة فقد وجب) أي دخل (الوقت) أي وقت العشاء وانظر كيف قدم الصفرة وهي متأخرة عن الحمرة وأجيب بأن الواو لا تقتضي ترتيبا. (ولا ينظر إلى البياض الباقي في المغرب) إشارة إلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى: إن الشفق هو البياض. دليلنا ما رواه الدارقطني أن النبي (ص) قال: الشفق الحمرة، فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة
(فذلك) أي غيبوبة الشفق الاحمر (لها) أي للعشاء (وقت) يعني أن أول وقتها المختار مبدؤه من مغيب الشفق الاحمر ونهايته (إلى ثلث الليل) الاول على المشهور وقال ابن حبيب: إنه ينتهي إلى نصف الليل. (ممن يريد) وكان الاولى لمن يريد (تأخيرها لشغل) أي لاجل شغل مهم. (أو)
[ 95 ]
لاجل (عذر) أي لا ينبغي أن يؤخرها عن أول وقتها إلا أهل الاعذار (و) أما غيرهم فإن كان منفردا ف (- المبادرة) أي المسارعة (بها) أي بصلاة العشاء في أول وقتها (أولى) أي مستحب (و) إن كان غير منفرد (لا بأس) بمعنى يستحب (أن يؤخرها أهل المساجد قليلا ل) - أجل (اجتماع الناس) وما مشى عليه المصنف ضعيف والراجح التقديم مطلقا (ويكره) كراهة تنزيه (النوم قبلها) أي قبل صلاة العشاء (والحديث لغير شغل) مهم (بعدها) أي: وكذا يكره الحديث بعدها. قال ابن عمر: وكراهة الحديث بعدها أشد من كراهة النوم قبلها، لانه ربما فوت عليه الفواضل من صلاة الصبح جماعة، أو فوات وقتها، أو فوات قيام الليل للتهجد، ولذكر الله. ويستثنى من ذلك الحديث في العلم والقربات. ويستثنى أيضا العروس والضيف والمسافر أي القادم من سفر أو المتوجه إلى السفر، وما تدعو الحاجة إليه، كالحديث الذي يتعلق به مصالح الا نسان كالبيع والشراء. تكلم الشيخ رحمه الله على الوقت الاختياري، ولم يتكلم على الضروري. أما الصبح فقد تقدم الكلام عليه. وأما الظهر فمبدأ ضروريه أول القامة الثانية، ومبدؤه في العصر الاصفرار وانتهاؤه فيهما غروب الشمس إلا أن العصر تختص بأربع ركعات قبل الغروب فيكون هذا الوقت ضروريا لها خاصة، بحيث لو صليت الظهر في ذلك الوقت كانت قضاء ومبدؤه في المغرب فراغه منها
من غير توان أي ما يعقب فراغه وفي العشاء أول ثلث الليل الثاني، وانتهاؤه
[ 96 ]
فيهما طلوع الفجر. وتختص الاخيرة منها بمقدار ربع ركعات كما بين في الظهر والعصر. وسميت هذه الاوقات أوقات ضرورة لانه لا يجوز تأخير الصلاة إليها إلا لاصحاب الضرورة. وأصحاب الضرورات الحائض والنفساء والكافر أصلا وارتدادا والصبي والمجنون والمغمى عليه والنائم والناسي، فكل من زال عنه المانع من هؤلاء وصلى في الوقت الضروري لا إثم عليه. ومن صلى في هذا الوقت من غير أرباب الاعذار يكون عاصيا. باب في بيان حكم الاذان (باب) في بيان حكم (الاذان و) حكم (الاقامة) وبيان صفتهما. والاذان لغة الاعلام، أي بأي شئ كان. وشرعا الاعلام بأوقات الصلاة أي بألفاظ مخصوصة. (والاذان واجب) أي حكم الاذان أنه واجب وجوب السنن، أي أنه سنة مؤكدة (في المساجد) ظاهر كلامه عدم الفرق بين المسجد الجامع أي الذي تقام فيه الجمعة وغير الجامع، ولا فرق أيضا بين أن تتقارب المساجد أو لا أو يكون مسجد فوق مسجد. (و) في أماكن (الجماعات الراتبة) ظاهره سواء كانت في مساجد أو غيرها حيث يطلبون غيرهم بل كل جماعة تطلب غيرها ولو لم تكن راتبة، فإنه يسن في حقها الاذان، واحترز بالراتبة عن الجماعة الغير الراتبة أي الجماعة في الحضر الذين لا ينتظرون غيرهم في غير المسجد فلا يسن في حقهم الاذان، ولا يستحب، بل يكره. وأما في السفر فيندب لها الاذان بل المنفرد في السفر يندب له الاذان. ويحرم الاذان قبل دخول الوقت، ومكروه للسنن كما يكره للفائتة، وفي الوقت الضروري، ولفرض الكفاية. والدليل على سنية الاذان أمره (ص) به ومواظبة أهل الدين عليه في زمنه وغير زمنه، وهذا ضابط السنة
[ 97 ]
(فأما الرجل في خاصة نفسه) ويروى في خاصته (فإن أذن فحسن) أي مستحب ظاهره سواء كان في حضر أو سفر. والمشهور اختصاصه بالمسافر دون المقيم لما صح أن أبا سعيد سمع رسول الله (ص) يقول: إذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة قال التوربشتي: المراد من هذه الشهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلو الدرجة ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: إذا كنت في غنمك أي إذا كنت في فلاة من الارض بغنمك وقوله أو باديتك يحتمل أن أو للشك من الراوي. ويحتمل أنها للتنويع، لان الغنم قد لا تكون في البادية، وقد يكون في البادية حيث لا غنم. (ولا بد له من الاقامة) أي أن الاقامة تطلب من المكلف طلبا أكيدا إن كان رجلا. وحمل ابن كنانة كلام المصنف على الوجوب قائلا: إن من تركها عمدا بطلت صلاته، وحمله عبد الوهاب على السنة، أي سنة عين لبالغ يصلي ولو فائتة أو منفردا أو إماما بنساء فقط، وكفاية لصلاة جماعة ذكور فقط أو معهم نساء في حق الامام والذكور، ومحل سنة الاقامة إن كان الوقت متسعا وإلا تركها. والاقامة آكد من الاذان لاتصالها بالصلاة. وإذا تراخى ما بينهما بطلت الاقامة واستؤنفت. (وأما المرأة فإن أقامت فحسن) أي مستحب (وإلا) أي وإن لم تقم (فلا حرج عليها) أي لا إثم عليها هذا غير متوهم. (ولا يؤذن لصلاة قبل وقتها) أي حيث
[ 98 ]
كان المقصود من مشروعية الاذان الاعلام بدخول الوقت أي إعلام المكلفين بدخول لوقت لاجل أدائهم الفرض الواجب عليهم فيكون فعله
بعد دخول الوقت. وأما قبل دخول الوقت فلا يجوز أن يؤذن لصلاة من الصلوات الخمس حتى الجمعة أي يحرم. وقال إبن حبيب: إن الجمعة يؤذن لها قبل الزوال ولا تصلى إلا بعده. (إلا الصبح) أي صلاة الصبح. (فإنه لا بأس) بمعنى يستحب (أن يؤذن لها في السدس الاخير) وهو ساعتان (من) آخر (الليل) قبل طلوع الفجر، ثم يؤذن لها عند دخول الوقت ثانيا على جهة السنية. فالاذان الاول مستحب والثاني سنة. وقال ابن حبيب: يؤذن لها نصف الليل. وقال أبو حنيفة: لا يؤذن لها قبل وقتها كسائر الصلوات لنا ما في الصحيح أنه (ص) قال: إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم قال البساطي: ضبط أهل المذهب النداء بالليل بالسدس. (والاذان) أي حقيقته (الله أكبر الله أكبر أشهد) أي أتحقق (أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله لا الله أشهد) أي أتحقق
[ 99 ]
(أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ثم ترجع بأرفع) أي بأعلى (من صوتك أول مرة، فتكرر التشهد فتقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة) أي هلموا. فحي اسم فعل أمر بمعنى أقبلوا وأسرعوا أي أسراعا بلا هرولة، لئلا تذهب السكينة والوقار فتكره الهرولة حينئذ ولو خاف فوات الجماعة. (حي على الفلاح حي على الفلاح) أي هلموا إلى الفلاح وهو الفوز بالنعيم في الآخرة (فإن كنت في نداء الصبح زدت ههنا: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، لا تقل ذلك في غير نداء الصبح) ولو كان بفلاة من الارض ولو لم يكن ثم أحد والصلاة مبتدأ وخبر والجملة في محل نصب بزدت لتأولها بمفرد وهو هذا اللفظ ومعناه التيقظ للصلاة
خير من الراحة الحاصلة بالنوم. واختلف فيمن أمر بهذه الجملة أي بالصلاة خير الخ فقيل رسول الله (ص)، وقيل عمر رضي الله عنه. (الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله مرة واحدة والاقامة) أي صفتها أنها (وتر) عني ما عدا التكبير الاول والثاني (وهي: الله أكبر الله أكبر
[ 100 ]
أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله مرة واحدة) وما ذكره من إفراد الاقامة هو المذهب فإذا شفعها غلطا لا تجزئه على المشهور، وأراد بالغلط ما يشمل النسيان، فالعمد أولى. باب في بيان صفة العمل (باب) في بيان (صفة العمل) قولا وفعلا (في الصلوات المفروضة و) في بيان (ما يتصل بها من النوافل) كالركوع قبل الظهر والركوع بعده وقبل العصر وبعد المغرب وبعد العشاء (و) ما يتصل بها أيضا من (السنن) احترز المصنف بقوله: وما يتصل بها من السنن عن السنن التي لا تتصل بالصلوات المفروضات فإنه لا يذكرها في هذا الباب، بل يفرد لها أبوابا غير هذا وقد اشتملت الصفة التي ذكرها على فرائض وسنن وفضائل ولم يميزها وسنبين كلا من ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. ويؤخذ من كلامه أن من أتى بصلاته على نحو ما رتب ولم يعلم شيئا من فرائض الصلاة ولا من سننها وفضائلها أن صلاته صحيحة إن كان يعتقد أن فيها فرائض وسننا ومستحبات. وأما لو اعتقد أن كلها سنن أو مندوبات أو الفرض سنة أو مندوب فتبطل. وأما إذا اعتقد أنها كلها فرائض فتصح فيما يظهر إذا
[ 101 ]
سلمت مما يفسدها، وكذا لو اعتقد أن السنة أو الفضيلة فرض أو السنة
مستحب أو العكس، بشرط السلامة مما يفسد، وكذا إن كان أخذ وصفها عن عالم بأن رآه يفعل أو علمه كيفية الفعل. وقيل تبطل إن لم يعرف المكلف أحكام ما اشتملت عليه. ولذا قال بعضهم: إن حاجتنا إلى معرفة الاحكام آكد من حاجتنا إلى معرفة الصفة. (الاحرام) وهل هو النية أو التكبير أو هما مع الاستقبال رجح الاجهوري الاخير، فالاضافة على الاول في قولهم تكبيرة الاحرام من إضافة المصاحب للمصاحب، وعلى الثاني بيانية، وعلى الثالث من إضافة الجزء للكل، أي أن أول الصفة الاحرام وهو الدخول (في الصلاة) فرضا كانت أو نفلا بالتكبير وهو (أن تقول الله أكبر) بالمد الطبيعي للفظ الجلالة قدر ألف فإن تركه لم يصح إحرامه كما أن الذاكر لا يكون ذاكرا إلا به. (لا يجزئ غير هذه الكلمة) إن كان يحسن العربية أما من لا يحسنها فقال عبد الوهاب: يدخل بالنية دون العجمية وقال أبو الفرج يدخل بلغته وهو ضعيف. وإن كانت الصلاة لا تبطل قياسا على كراهة الدعاء بالعجمية للقادر على العربية، ولكن المعتمد القول الاول. وسمى المصنف هذه الجملة كلمة نظرا للغة لا لاصطلاح النحويين. والتكبير فرض في حق الامام والفذ بالاتفاق، وفي حق المأموم على المشهور. وروي عن مالك أن الامام يحمل تكبيرة الاحرام عن المأموم، فلو ترك الامام تكبيرة الاحرام عامدا أو ساهيا بطلت صلاته وصلاة من خلفه، ودليل وجوبه ما في الصحيحين من قوله (ص) مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم والمعنى في الحديث من قوله
[ 102 ]
الطهور بضم الطاء المصدر، أي التطهر الاعم من الوضوء والغسل. ويشترط في التكبير القيام لغير المسبوق اتفاقا، فإن تركه في الفرض بأن أتى به
جالسا أو منحنيا أو مستندا لعماد بحيث لو أزيل لسقط بطلت صلاته. وأما المسبوق ففي المدونة إذا كبر للركوع ونوى به العقد أي الاحرام أو نواه والركوع أو لم ينوهما لانه ينصرف للاحرام أجزأه ذلك الركوع أي أنه يصح إحرامه، ويحتسب بهذه الركعة. قال ابن يونس: هذا إذا كبر قائما أي ابتدأه قائما وكمله كذلك. وأما لو ابتدأه من قيام وأتمه في حال الانحطاط أو بعده بلا فصل فإن الركعة تبطل. وإن كان فصل بطلت الصلاة ويشترط في تكبيرة الاحرام مقارنة النية فإن تأخرت عنها فلا تجزئ اتفاقا. وإن تقدمت بكثير فكذلك. وإن تقدمت بيسير فقولان مشهوران بالاجزاء وعدمه. ومفاد ميارة أن الراجح منهما الاجزاء إذ لم ينقل عنهم اشتراط المقارنة المؤدية إلى الوسوسة المذمومة شرعا وطبعا. ومعنى اشتراط المقارنة على القول الثاني أنه لا يجوز الفصل بين النية والتكبير لا أنه يشترط أن تكون النية مصاحبة للتكبير (و) إذا أحرمت فإنك (ترفع يديك) أي ندبا، أي والحال أن ظهورهما إلى السماء وبطونهما إلى الارض (حذو) أي إزاء منكبيك) تثنية منكب بوزن مجلس، وهو مجمع عظم العضد والكتف، وقيل إنتهاؤه إلى الصدر، وإليه أشار بقوله: (أو دون ذلك) أي دون المنكب، فأو في كلامه للتنويع لا للشك. وهذا في حق الرجل. وأما المرأة فدون ذلك. وقد حكى القرافي الاجماع عليه، واختلف في حكم هذا الرفع، فمن ذاهب إلى أنه سنة، ومن ذاهب إلى أنه فضيلة، وهو المعتمد. وظاهر كلام المصنف أن هذا الرفع مختص بتكبيرة الاحرام
[ 103 ]
وهو كذلك على المشهور، ومقابله يرفعهما عند الركوع وعند الرفع منه وعند القيام من اثنتين (ثم) بعد أن تفرغ من التكبير (تقرأ)
أي تتبع التكبير بالقراءة من غير أن تفصل بينهما بشئ، فقد كره مالك رحمه الله التسبيح والدعاء بين تكبيرة الاحرام والقراءة. واستحب بعضهم الفصل بينهما بلفظ: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. (فإن كنت في) صلاة الصبح (قرأت جهرا بأم القرآن) أما قراءة أم القرآن ففرض في الصبح وغيرها من الصلوات المفروضات على الامام والفذ. وهل في كل ركعة أو في الجل ؟ قولان لمالك في المدونة. والصحيح منهما وجوبها في كل ركعة، قاله ابن الحاجب. والقول بوجوبها في الاكثر، والعفو عنها في الاقل ضعيف. واختلف في الاقل، فقيل: الاقل على الاطلاق، وقيل: الاقل بالاضافة. ومعنى الاقل على الاطلاق العفو عنها في ركعة واحدة، وإن كانت الصلاة صبحا أو جمعة أو ظهرا لمسافر. ومعنى الاقل بالاضافة أن تكون الركعة من صلاة رباعية أو ثلاثية لا من ثنائية، وأما المأموم فمستحبة في حقه فيما أسر فيه الامام وأما كون القراءة فيها جهرا فسنة. وإذا قرأت في صلاة الصبح أو غيرها من الصلوات المفروضات ف (- لا تستفتح) القراءة فيها (ببسم الله الرحمن الرحيم) مطلقا لا (في أم القرآن ولا في السورة التي بعدها) لا سرا ولا جهرا إماما كنت أو غيره. والنهي في كلامه للكراهة لما صح أن عبد الله بن مغفل قال: سمعنى أبي وأنا أقول
[ 104 ]
بسم الله الرحمن الرحيم فقال: يا بني إياك والحدث، أي: إياك وأن تحدث شيئا لم يكن عليه المصطفى وأصحابه. قال عبد الله مغفل: ولم أرمن أصحاب رسول الله (ص) رجلا أبغض إليه حدثا في الاسلام منه أي لم أر رجلا موصوفا بأشدية بغضه للحدث منه أي من أبي، أي بل أبي أشد الصحابة بغضا للحدث. ومن تمام كلام أبيه أني صليت مع رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر
وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقولها فلا تقلها إذا أنت قرأت، وقل الحمد لله رب لعالمين الخ. وأما قراءتها في النافلة فذلك واسع إن شاء قرأ، وإن شاء ترك. ويكره التعوذ في الفريضة دون النافلة (فإذا قلت: ولا الضالين، فقل:) على جهة الاستحباب (آمين) بالمد مع التخفيف اسم فعل أمر بمعنى استجب (إن كنت) تصلي (وحدك) سواء كنت في صلاة سرية أو جهرية (أو) كنت تصلي (خلف إمام) صلاة سرية أو جهرية إن سمعته يقول ولا الضالين (و) لا تجهر بها بل (تخفيها) في الحالتين ولو كانت الصلاة جهرية أي فيكره الر ويندب الاخفاء (ولا يقولها الامام يما جهر) أي أعلن (فيه) والظاهر الكراهة (ويقولها فيما أسر) أي أخفى (فيه) اتفاقا. وقوله (وفي قوله إياها في الجهر اختلاف) قال بعضهم: إنه تكرار، وفيه أن توهم التكرار بعيد لان صريحه جزمه أولا بقول، ثم حكايته القولين بعد، وليس في مثل ذلك تكرار. وكأن المتوهم للتكرار نظر إلى مجرد حكاية القول بعدم التأمين لا لذكر الخلاف من حيث هو. (ثم) إذا فرغت من قراءة أم القرآن جهرا (تقرأ) بعدها (سورة)
[ 105 ]
كذلك جهرا لا تفصل بينهما بدعاء ولا غيره. وحكم قراءة السورة كاملة بعد أم القرآن الاستحباب. والسنة مطلق الزيادة على أم القرآن ولو آية أو بعض آية له بال كآية الدين والدليل على أن السنة مطلق ما زاد على الفاتحة أن سجود السهو وعدمه دائر مع ما زاد على الفاتحة لا السورة، فإن أتى بالزائد فلا سجود وإلا سجد ويؤخذ من قوله: سورة أنه لا يقرأ سورتين في الركعة الواحدة وهو الافضل للامام والفذ، ولا بأس بذلك للمأموم والسورة التي تقرأ في الصبح تكون من (طوال المفصل) بكسر الطاء المهملة وأول
المفصل الحجرات على القول المرتضى ومقابله أقوال: قيل: من الشورى، وقيل من الجاثية، وقيل من الفتح، وقيل من النجم، وطواله إلى عبس. والغاية خارجة ومتوسطاته من عبس إلى والضحى، ثم من الضحى إلى الختم. وسمي مفصلا لكثرة الفصل فيه بالبسملة. (وإن كانت) السورة التي تقرأ في الركعة الاولى من صلاة الصبح (أطول من ذلك) أي من السورة التي من طوال المفصل بأن كانت تقرب من السورة التي من طوال المفصل لا لانه يقرأ البقرة ونحوها وهذا التطويل إنما هو في حق إمام بقوم محصورين يرضون بذلك، أو منفرد يقوى على ذلك، وإلا فالافضل عدم التطويل (ف) - ذلك (حسن) أي مستحب ظاهر عبارته أن السنة لا تحصل إلا بقراءة سورة من طوال المفصل وأن الاستحباب إنما هو فيما زاد وليس كذلك، بل السنة تحصل ولو بقراءة آية. (بقدر التغليس) وهو اختلاط الظلمة بالضياء والضياء بالظلمة بحيث لا يبلغ الاسفار. ويفهم من كلامه أنه إذا لم يكن تغليس لا يطول. (وتجهر بقراءتها) أي يسن أن تجهر بقراءة السورة
[ 106 ]
التي مع أم القرآن فإن حكمهما واحد في الجهر. (فإذا تمت السورة) التي مع أم القرآن كبرت (في) حال (انحطاطك) أي انحنائك (إلى الركوع) أخذ منه ثلاثة أشياء أحدها التكبير وهو سنة وهل جميعه ما عدا تكبيرة الاحرام سنة واحدة، وبه قال أشهب وعليه أكثر العلماء، أو كل تكبيرة سنة مستقلة وهو قول ابن القاسم ؟ وهو الراجح والدليل على رجحانه أنهم رتبوا سجود السهو على ترك اثنتين منه. ولو كان مجموعه سنة لما رتبوا لان شأن البعض أن لا يسجد له فحاصل ما في ذلك أنه على القولين لو ترك تكبيرة واحدة غير تكبيرة العيد سهوا لا يسجد وإن سجد لها
قبل السلام عمدا أو جهلا بطلت صلاته، وإن ترك أكثر من واحدة ولو جميعه فإنه يسجد. فلو ترك السجود وطال فهنا يفترق القولان، فعلى القول بأن الجميع سنة واحدة لا تبطل الصلاة بترك ثلاثة أو أكثر، وعلى القول الآخر تبطل بترك السجود لما ذكر ثانيها مقارنة التكبير للركوع وهو مستحب. وهكذا عند كل فعل من أفعال الصلاة إلا في القيام من اثنتين، فإنه يكون بعد الاستقلال ثالثها الركوع، وهو فرض من فروض الصلاة المجمع عليها، وله ثلاثة أحوال دنيا ووسطى وعليا. فالدنيا أن يضع يديه قرب الركبتين، والوسطى أن يضعهما على الركبتين من غير تمكين، وعليا وهي التي أشار لها المصنف بقوله (فتمكن يديك) يعني كفيك (من ركبتيك) على جهة الاستحباب إن كانتا سالمتين، ولم يمنع من وضعهما عليهم مانع فإن كان مانع من قطع أو قصر لم يزد في الانحناء على تسوية ظهره وليست التسوية واجبة، بل هي مستحبة إذ الواجب مطلق الانحناء، وحيث كان
[ 107 ]
الاكمل وضع يديه على ركبتيه فيندب له تفرقة أصابعهما لما أخرجه الحاكم والبيهقي أنه (ص) كان إذا ركع فرج بين أصابعه، وإذا سجد ضمها. (وتسوي ظهرك مستويا) أي معتدلا إلى جهة الندب. وجمع المصنف بين وضع اليدين على الركبتين وتسوية الظهر لعدم استلزام أحدهما للآخر، فتسوية الظهر لا تستلزم وضع اليدين على الركبتين، ولا وضع اليدين على الركبتين يستلزم تسوية الظهر، وهل مجموعهما مستحب أو أحدهما على انفراده مستحب ؟ (ولا ترفع رأسك ولا تطأطئه) أي ندبا (وتجافي) أي تباعد أي ندبا فلا تبطل الصلاة بترك شئ من ذلك، بل يكره فقط (بضبعيك) بفتح الضاد وسكون الباء أي عضديك (عن جنبيك) ظاهره أنه يباعدهما
جدا، ولكن يفسره قوله بعد يجنح بهما تجنيحا وسطا، وظاهره أيضا أن ذلك في حق الرجال والنساء، ولكن يفسره قوله بعد غير أنها تنضم، وسكت عن تسوية الركبتين وهي أن لا يبالغ في الانحناء بجعلهما قائمتين، وسكت أيضا عن تسوية القدمين، وهي أن لا يقرنهما، وهو مكروه أي الاقران المفهوم من يقرن، فعدم الاقران مندوب. (وتعتقد) بقلبك (الخضوع) أي التذلل (بذلك) حكم هذا الاعتقاد الندب كما هو مشهور عند الفقهاء، وقال ابن رشد: هو من فرائضها التي لا تبطل الصلاة بتركها، فهو واجب في جزء منها وينبغي أن يكون عند الاحرام (بركوعك وسجودك ولا تدعو في ركوعك) والاقرب أن يكون قوله بركوعك هو
[ 108 ]
مفسرالاشارة في قوله: وتعتقد الخضوع بذلك خلافا لمن جعل تفسير الاشارة ما ذكر من تسوية الظهر وما ذكر بعده ويكره الدعاء في الركوع لما صح أنه عليه الصلاة والسلام قال: أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم أي حقيق أن يستجاب لكم. (وقل إن شئت: سبحان ربي العظيم وبحمده) ليس التخيير بين الفعل والترك بل التخيير بين هذا القول وغيره من ألفاظ التسبيح، فأي لفظ قاله كان آتيا بالمندوب لما صح أنه (ص) كان يقول في ركوعه وسجوده سبوح قدوس رب الم. ملائكة والروح (وليس في ذلك) أي في عدد ما يقول في الركوع والسجود (توقيت قول) أي تحديد ما يقوله لقوله عليه الصلاة والسلام: أما الركوع فعظموا فيه الرب ولم يعلق ذلك بحد واستحب الشافعي أن يسبح ثلاثا لما في أبي داود والترمذي أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم
ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربي الاعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه. (ولا حد في اللبث) أي المكث في الركوع يريد في أكثره أي الزائد على الطمأنينة التي هي فرض، ومحصله أن عدم التحديد في حق الامام ما لم يضر بالناس. وفي الفذ ما لم يطول جدا وإلا كره أي في الفريضة، وله في النافلة التطويل ما شاء. وأما أقله فسيذكره بعد أي بقوله أن تطمئن مفاصلك. (ثم) إذا فرغت من التسبيح في الركوع (ترفع رأسك وأنت قائل) على جهة السنية (سمع
[ 109 ]
الله لمن حمده) يعني أجاب دعاء من حمده فإن قلت قد قدرت دعاء فأين هو حتى يستجاب أولا قلت: إن الحامد بحمده يطلب الفضل من ربه، فهو داع أعنى وتقول ذلك إن كنت إماما أو فذا (ثم تقول) مع ذلك (اللهم ربنا ولك الحمد) أي تقبل ولك الحمد على قبولك أو على توفيقك لي بأداء تلك العبادة (إن كنت وحدك) أو خلف إمام (ولا يقولها الامام) بل يقتصر على قول سمع الله لمن حمده (ولا يقول المأموم سمع الله لمن حمده و) إنما (يقول اللهم ربنا ولك الحمد) والاصل في هذا التفصيل ما في الموطأ وغيره أنه (ص) قال: إذا قال الامام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد فإنه من وافق قوله قول الامام غفر له ما تقدم من ذنبه أي الصغائر، وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة أو عفو الله. وفي رواية للترمذي ولك الحمد. وهذا الحديث يقتضي أن الامام لا يقول: ربنا ولك الحمد، وأن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده. (و) إذا رفعت رأسك من الركوع فإنك (تستوي قائما مطمئنا) أخذ منه شيئان الطمأنينة وهي فرض وسيأتي الكلام عليها، والاعتدال وهو سنة عند ابن القاسم في سائر أركان
الصلاة، وفرض عند أشهب، وصحح. والفرق بين الطمأنينة والاعتدال أن الاعتدال نصب القامة، والطمأنينة استقرار الاعضاء زمنا ما. (مترسلا) مرادف لمطمئنا، وقيل معناه متمهلا أي زيادة على الطمأنينة. (ثم) بعد
[ 110 ]
رفعك من الركوع (تهوي) بفتح التاء المثناة فوق أي تنزل إلى الارض (ساجدا) أي ناويا السجود، فيكون سجودك من قيام لفعله عليه الصلاة والسلام ذلك. والسجود فرض بلا خلاف (ولا تجلس) في هويك (ثم تسجد) حتى يكون سجودك من جلوس كما يقول بعض أهل العلم، أفاد في التحقيق أن منهم الشافعي رضي الله عنه حيث يقول إن الجلوس قبل السجود بوجه خفيف جدا من سنته وحجة بعض أهل العلم فعله (ص) ذلك. وحجة من نفى الجلوس قبل السجود ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنه فعل ذلك في آخر أمره لما بدن أي ثقلت حركة أعضائه الشريفة لارتفاع سنه أي ففعل ذلك لعذر، فينتفي عند انتفاء لعذر. وهذا الجلوس إن وقع سهوا ولم يطل لم يضر، وإن طال سجد له، وإن كان عمدا فاختلف فيه، والمشهور إن لم يطل لم يضر، وإن طال ضر. ويعتبر الطول بحيث يعد الرائي له أنه معرض عن الصلاة. (وتكبر في) حال (انحطاطك للسجود) على جهة السنية لتعمر الركن بالتكبير ولم يذكر ما يسبق به إلى الارض. والمستحب تقديم اليدين على الركبتين إذا هوى للسجود وتأخيرهما عن الركبتين عند القيام لامره عليه الصلاة والسلام بذلك، وبه عمل أهل المدينة. وأما ما رواه أصحاب السنن من أنه (ص) كان إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض يرفع يديه قبل ركبتيه فقال الدارقطني: تفرد به شريك وشريك فيه مقال. وزعم بعض أنه حديث منسوخ
(و) إذا سجدت فإنك (تمكن جبهتك وأنفك من الارض) الجبهة هي مستدير ما بين الحاجبين إلى الناصية. والتمكين أن يضعهما على أبلغ
[ 111 ]
ما يمكنه وهذا على جهة الاستحباب. وأما الواجب من ذلك فيكفي فيه وضع أيسر ما يمكن من الجبهة. وإذا وضع جبهته على الارض فلا يشدها بالارض جدا حتى يؤثر ذلك فيها أي يكره ذلك لانه من فعل الجهال الذين لا علم عندهم وضعفة النساء، أي لان الشأن فيهم ذلك وإن كان عندهم علم والسجود على الجبهة والانف واجب، فإن اقتصر على أحدهما ففيه أقوال مشهورها إن اقتصر على أنفه لم يجزه ويعيد أبدا، وإن اقتصر على جبهته أجزأه وأعاد في الوقت، وهل الاختياري أو الضروري قيل بكل منهما، وهذا إن كانت الجبهة سالمة. وأما إن كان بها قروح فقال في المدونة: أومأ ولم يسجد على أنفه لان السجود على الانف إنما يطلب تبعا للسجود على الجبهة فحيث سقط فرضها سقط تابعها فإن وقع وسجد على أنفه فقال أشهب: يجزئه لانه زاد على الايماء، فإن سجد على كور عمامته بفتح الكاف ففي المدونة يكره ويصح، أي إذا كان قدر الطاقة والطاقتين اللطيفتين بأن تكون من الشاش الرفيع. (وتباشر) في سجودك أي من غير حائل (بكفيك الارض) على جهة الاستحباب. وإنما استحب المباشرة بالوجه واليدين لان ذلك من التواضع، ولاجل ذلك كره السجود على ما فيه ترفه وتنعم من صوف وقطن، واغتفر الحصير لانه كالارض، والاحسن تركه فالسجود عليه خلاف الاولى (باسطا يديك) تكرار مع قوله وتباشر بكفيك الارض لان مباشرة الارض بالكفين لا تكون إلا مع بسطهما، ويقال إنه كرره لاجل التأكيد (مستويتين للقبلة) أي ندبا وعلل ذلك
القرافي بأنهما يسجدان فيتوجهان لها. وأما السجود نفسه على اليدين
[ 112 ]
كالركبتين وأطراف القدمين فسنة (تجعلهما حذو أذنيك أو دون ذلك) أشار إلى أنه لا تحديد في موضع وضع اليدين لقول المدونة: لا تحديد في ذلك. (وكل ذلك واسع) أي جائز يعني أن وضع يديه حذو أذنيه أو دون ذلك من الامور الجائزة لا من الواجبة حتى يترتب على تركها فساد بل لو خالف فقد ارتكب مكروها فقط. (غير أنك لا تفترش ذراعيك في الارض) لما صح أنه (ص) نهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وفي رواية افتراش الكلب، أي يكره أن يفترش الرجل ذراعيه بالارض في حال سجوده كما يكره له افتراشهما على فخذيه (ولا تضم عضديك إلى جنبيك) أي ينهى على جهة الكراهة أن يضم الرجل في حال سجوده عضديه إلى جنبيه. (لكن يجنح بهما تجنيحا وسطا) أي يستحب للرجل خاصة أن يباعد بين عضديه وجنبيه كما كان يفعل (ص) ففي الصحيحين أنه (ص) كان إذا سجد جافى بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه. (وتكون رجلاك في سجودك قائمتين وبطون إبهاميهما إلى الارض) وكذلك بطون سائر الاصابع، ويزاد على هذا الوصف أن يفرق بين ركبتيه، وأن يرفع بطنه عن فخذيه. ودليل ذلك من السنة ما روى أبو داود أنه (ص) كان إذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شئ من فخذيه. (وتقول إن
[ 113 ]
شئت في سجودك: سبحانك ربي ظلمت نفسي وعملت سوءا فاغفر لي أو) تقول (غير ذلك إن شئت) التخيير الاول بين القول والترك، والثاني بين هذا القول وغيره من الاذكار. وفي التخيير الاول إشارة للرد على من يقول:
التسبيح واجب. وفي التخيير الثاني إشارة إلى الرد على من يقول: لا بد من هذا القول. أي وإن كان يقول بأن التسبيح مندوب إلا أنه لا بد من هذا القول. فلا يتحقق المندوب إلا به. والحاصل أن التسبيح في السجود مندوب عند المصنف وغيره وعبارة التخيير المفيدة بحسب ظاهرها استواء الطرفين إنما هي إشارة إلى الرد فقط. (وتدعو في السجود إن شئت) أي يستحب أن يدعو بدعاء القرآن وغيره، لكن لا بد أن يكون بأمر جائز شرعا، وعادة لا يمتنع، وإن لم تبطل الصلاة به، وليس هذا تكرارا مع الذي قبله لان هذا دعاء مجرد عن التسبيح (وليس لطول ذلك) السجود (وقت) أي حد في الفريضة. أما في حق المنفرد ما لم يطل جدا فإن طال كره وأما في النافلة فلا بأس به، وفي حق الامام ما لم يضر بمن خلفه. (وأقله) أي أقل ما يجزئ من اللبث في السجود (أن تطمئن) أي تستقر (مفاصلك) عن الاضطراب اطمئنانا (متمكنا) والمفاصل جمع مفصل بفتح الميم وكسر الصاد ملتقى الاعضاء. وأما مفصل بكسر الميم وفتح الصاد فهو اللسان. فالطمأنينة فرض في السجود وفي سائر أركان الصلاة ولكن لا يؤخذ من الرسالة وجوب الطمأنينة إلا من هذا الموضع، حيث جعلها أقل ما يجزئ في السجود
[ 114 ]
الذي هو واجب، فتكون فرضا لان ما يتوقف عليه الواجب الذي هو السجود فهو واجب. واختلف في الزائد على الطمأنينة، فالذي مشى عليه صاحب المختصر أنه سنة، وانظر ما قدر الزائد في حق الفذ والامام والمأموم، وهل هو مستو فيما يطلب فيه التطويل وفي غيره، أم لا، كالرفع من الركوع ومن السجود، وكلام المختصر يقتضي استواءه في جميع ما ذكر. (ثم) إذا فرغت من التسبيح والدعاء في السجود (ترفع رأسك
بالتكبير) أي مصاحبا له. وهذا الرفع فرض بلا خلاف إذ لا يتصور تعدد السجود بغير فصل بينهما وبعد أن ترفع رأسك. (ف) - إنك (تجلس) وجوبا معتدلا (فتثني) أي تعطف (رجلك اليسرى في جلوسك بين السجدتين وتنصب) أي تقيم رجلك (اليمنى و) تكون (بطون أصابعها إلى الارض) لا مفهوم لقوله في جلوسك بين السجدتين إذ جلوسه حال التشهد كذلك. وأما جلوس من يصلي قاعدا حال القراءة والركوع فهو التربيع استحبابا. وسكت عن قدم اليسرى أين يضعها. قال عبد الوهاب: يضعها تحت ساقه الايمن، وقيل: بين فخذيه، وقيل: خارجا. والرجال والنساء في ذلك سواء. (و) إذا رفعت رأسك من السجود فإنك أيضا (ترفع يديك عن الارض) فتجعلهما (على ركبتيك) أي على قريب من الركبتين. قال في الجوهر: ويضع يديه قريبا من ركبتيه مستويتي الاصابع. وإذا لم يرفعهما عن الارض ففي بطلان صلاته قولان أشهرهما البطلان، والاصح على ما قال القرافي
[ 115 ]
عدم البطلان، وهو المعتمد لان هذا الرفع عن الارض مستحب فقط، وليس من مبطلات الصلاة ترك المستحب. (ثم) بعد أن ترفع رأسك من السجدة الاولى مع رفع يديك (تسجد) السجدة (الثانية كما فعلت أولا) في السجدة الاولى من تمكين الجبهة والانف من الارض وقيام القدمين ومباشرة الارض بالكفين وغير ذلك. (ثم) بعد فراغك من السجدة الثانية (تقوم من الارض كما أنت معتمدا على يديك) أي حالة كونك ثابتا على ما أنت عليه من عدم الجلوس. وأشار بقوله كما أنت إلى رد قول الحنفية لا يقوم معتمدا. قال ابن عمر: إن جلس ثم قام، فإن كان عامدا استغفر الله ولا شئ عليه، وإن كان ناسيا سجد بعد السلام. والمعتمد لا سجود
عليه. (لا ترجع جالسا لتقوم من جلوس) إشارة إلى مخالفة الشافعية القائلين إنه يقوم إلى الركعة الثانية والرابعة من جلوس على جهة السنة. (ولكن) الفضيلة عندنا في الرجوع إلى القيام (كما ذكرت لك في السجود) لا حاجة له بعد ما تقدم من قوله ثم تقوم من الارض كما أنت معتمدا على يديك (وتكبر في حال قيامك) لان التكبير عند الحركة والشروع في أفعال الصلاة مستحب (ثم) بعد أن تنتصب قائما وتفرغ من التكبير (تقرأ) الفاتحة ثم تقرأ معها سورة (كما قرأت في الركعة الاولى) أي بحيث تكون الثانية كالاولى في الطول (أو دون ذلك)
[ 116 ]
أي بحيث تكون الثانية أقصر من الاولى. وكلا المقروأين من طوال المفصل سواء كانت الثانية مماثلة للاولى في الطول، أو أقصر منها. وتعقب المصنف الفاكهاني بأن المستحب أن تكون الركعة الاولى أطول من الثانية، ودليله في الصحيحين أنه (ص) كان يطول في الاولى ويقصر في الثانية. ويجاب عن اعتراض الفاكهاني بأن أو بمعنى بل والاضراب إبطالي، والمراد بكون الاولى أطول من الثانية زمنا وإن كانت القراءة في الثانية أكثر من الاولى بأن رتل في الاولى. ويستحب أن يقرأ على نظم المصحف، ويكره التنكيس، فإن نكس فلا شئ عليه إن فعل التنكيس المكروه كتنكيس السور أو قراءة نصف سورة أخير ثم نصفها الاول كان ذلك في ركعة أو ركعتين. وأما إذا فعل التنكيس الحرام فتبطل الصلاة كتنكيس آيات سورة واحدة بركعة واحدة. (وتفعل مثل ذلك سواء) الظاهر أن الاشارة راجعة لجميع ما تقدم وعليه يكون قوله بعد ثم تفعل في السجود والجلوس كما تقدم من الوصف تكرارا. (غير أنك تقنت) في الركعة الثانية (بعد) الرفع
من (الركوع وإن شئت قبل الركوع بعد تمام القراءة) اختلف في زمان القنوت هل هو قبل الركوع أو بعده وفي حكمه هل هو فضيلة أو سنة ؟ فعلى أنه سنة فإن تركه ولم يسجد له بطلت صلاته، وعلى أنه فضيلة فإن سجد له بطلت صلاته إن كان السجود قبل السلام. وظاهر كلام المصنف أنه بعد الركوع أفضل، وهو قول ابن حبيب، والمشهور أنه قبل الركوع أفضل لما في الصحيح أنه (ص) سئل أهو قبل أم بعد ؟ فقال: قبل، ولما فيه من الرفق بالمسبوق، ولانه الذي استقر عليه عمر رضي الله عنه
[ 117 ]
بحضور الصحابة. والمشهور أنه لا يرفع يديه كما لا يرفع في التأمين ولا في دعاء التشهد، والاسرار به أفضل لانه دعاء وإذا نسيه قبل الركوع أتى به بعده، ولا يرجع له من الركوع إذا تذكر فإن رجع فسدت صلاته لانه يرجع من فرض إلى مستحب. واختلف في المسبوق بركعة فقيل: يقنت في قضائها، وقيل: لا يقنت. وهو المشهور وجه ذلك بأنه يقضي الركعة الاولى وهي لم يكن فيها قنوت، والذي يقتضيه النظر أنه يقنت في ركعة القضاء لانه من باب البناء في الافعال. (والقنوت) أي لفظه المختار عند المالكية (اللهم) أي يا الله (إنا نستعينك) أي نطلب معونتك على طاعتك (ونستغفرك) أي نطلب منك المغفرة وهي الستر على الذنوب لا تؤاخذنا بها (ونؤمن بك) أي نصدق بما يجب لك. (ونتوكل) أي نعتمد (عليك) في أمورنا. قيل: الصحيح أن قوله ونتوكل عليك، زيد في الرسالة وليس منها وفي رواية: ونثني عليك الخير بعد قوله ونتوكل عليك. وما يجري على ألسنة العامة من لفظ كله بعد قوله الخير غير مثبت في الرواية مع أن العبد لا يطيق كل الثناء عليه فتركه خير. (ونخنع) أي نخضع ونذل (لك
ونخلع) الاديان كلها لوحدانيتك (ونترك من يكفرك) أي يجحدك ويفتري عليك الكذب (اللهم) أي يا الله (إياك نعبد) أي لا نعبد إلا إياك واستفيد الحصر من تقديم المعمول (ولك نصلي ونسجد) ذكر الصلاة بعد دخولها في قوله إياك نعبد لشرفها وذكر السجود مع دخوله في الصلاة
[ 118 ]
لشرفه فإنه أشرف أجزاء الصلاة (وإليك نسعى) أي نعمل الطاعات من السعي للجمعة والحج والعمرة، والسعي بين الصفا والمروة (ونحفد) بفتح الفاء وكسرها وبالدال المهملة أي نسرع في العمل (نرجو رحمتك) أي نطمع في نعمتك وهي الجنة، والطمع فيها إنما يكون بامتثال الامر بالعمل وأما بالقلب واللسان من غير عمل، فهو رجاء الكذابين (ونخاف عذابك الجد) بكسر الجيم أي الحق الثابت (إن عذابك بالكافرين ملحق) بكسر الحاء بمعنى لاحق اسم فاعل من ألحق اللازم بمعنى لحق. ويجوز أن يكون اسم فاعل من الحق المتعدي أي ملحق بهم الهوان. (ثم) إذا فرغت من قراءة القنوت فإنك تهوي ساجدا لا تجلس، ثم تسجد، و (تفعل في السجود والجلوس) بين السجدتين (كما تقدم من الوصف) ففي السجود تمكن جبهتك وأنفك من الارض، إلى آخر ما تقدم، وفي الجلوس تثني رجلك، إلى آخر ما تقدم (فإذا جلست بعد السجدتين) من الركعة الثانية للتشهد (نصبت رجلك اليمنى) أي قدمها (و) جعلت (بطون أصابعها إلى الارض وثنيت) أي عطفت رجلك (اليسرى وأفضيت) أي ألصقت (بأليتيك)
[ 119 ]
أي مقعدتك اليسرى (إلى الارض) وهي الرواية الصحيحة، ويروى بأليتيك وهي خطأ، لانه إذا جلس عليهما كان إقعاء، أي شبيها به، وهو
مكروه، وإنما كان شبيها بالاقعاء، ولم يكن إقعاء لان حقيقة الاقعاء أن يلصق أليتيه بالارض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الارض، كما يقعي الكلب. (ولا تقعد على رجلك اليسرى) أي قدمك اليسرى، قال تت: أشار بذلك إلى أبي حنيفة القائل بأنه يجلس على قدمه الايسر، والصفة التي ذكرها مثلها في المدونة في جميع جلوس الصلوات (وإن شئت حنيت اليمنى في انتصابها فجعلت جنب بهمها) فقط (إلى الارض) وتترك القدم قائما. وما ذكره الشيخ مخالف للباجي القائل بأن باطن إبهامها يكون مما يلي الارض لا جنبها، وهو الراجح (فواسع) أي جائز (ثم) إذا جلست بعد السجدتين من الركعة الثانية على الصفة المتقدمة (تتشهد والتشهد) أي لفظه المختار عندنا معاشر المالكية (التحيات) أي الالفاظ الدالة على الملك أي ملك مستحقة بفتح الحاء (لله) تعالى (الزاكيات) أي الناميات، وهي الاعمال الصالحة وحذف الواو اختصارا، وهو جائز معروف في اللغة تقديره: والزاكيات، ونسبة الزكاء إلى الاعمال إما على تقدير أي التي يزكو جزاؤها أو تزكو هي نفسها أي تزيد، لان تحسين العمل سبب في التوفيق لزيادته (لله) تعالى (الطيبات) أي الكلمات الطيبات، وهي ذكر الله وما والاه أي المذكور المتعلق بالله لان الكلمات ليست هي نفس الذكر لانه الفعل. ولم يقل الطيبات لله كما
[ 120 ]
قال في غيرها لانه يوهم المستلذات، وهي لا تليق به. (الصلوات) الخمس (لله) تعالى (السلام) قيل: إنه اسم من أسمائه تعالى وقيل مصدر. والاصل يسلم الله عليك سلاما ثم نقل من الدعاء إلى الخبر. (عليك) أي الله حفيظ وراض عليك (أيها النبي ورحمة الله) زاد في بعض روايات الموطأ (وبركاته) أي خيراته المتزايدة (السلام) أي أمان الله (علينا وعلى عباد
الله الصالحين) أي المؤمنين من الانس والجن والملائكة (أشهد) أي أتحقق (أن لا إله إلا الله) زاد في بعض الروايات (وحده لا شريك له) في أفعاله (وأشهد) أي أتحقق (أن محمدا عبد الله) بصيغة الاسم الظاهر والذي في المدونة وهو في بعض لنسخ عبده (ورسوله) بالضمير (فإن سلمت بعد هذا) أي بعد وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله (أجزأك) أي كفاك ولا مفهوم له، بل وكذلك لو قال بعضه أو تركه جملة. قال ابن ناجي: أي على أحد القولين، وكذا لو قال غيره، ولا يصح أن تقول أجزأك أي على جهة الكمال، لانه لم يذكر الصلاة على النبي فالحق أنه وصف طردي، أي لا مفهوم له. (ومما تزيده إن شئت وأشهد أن الذي جاء به محمد حق) أي ثابت (و) أشهد (أن الجنة حق وأن النار حق) أي أتحقق أنهما
[ 121 ]
مخلوقان الآن (و) أشهد (أن الساعة) أي القيامة (آتية لا ريب فيها) خبر بمعنى النهي أي لا ترتابوا فيه (و) أشهد (أن الله يبعث من في القبور) أي يبعث الاموات من قبورهم للعرض على الحساب (اللهم) أي يا الله (صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد اللهم صل على ملائكتك المقربين) وفي نسخة والمقربين بزيادة واو العطف (و) صل (على أنبيائك المرسلين) وروي أيضا بإثبات الواو وهو الاكثر في الموضعين (و) صل (على أهل طاعتك أجمعين) وهم القائمون بما وجب عليهم من حقوق الله تعالى وحقوق عباده. قال الترمذي: من أراد أن يحظى بهذا الاسلام الذي سلمه الخلق في صلاتهم فليكن عبدا صالحا وإلا حرم هذا الفضل العظيم. (اللهم) أي يا الله
(اغفر لي ولوالدي) المؤمنين (و) اغفر (لائمتنا) هم العلماء.
[ 122 ]
(و) اغفر (لمن سبقنا بالايمان) وهم الصحابة (مغفرة عزما) أي قطعا أي مقطوعا بها لان من صفة المغفرة التي تكون منك يا رب أنها مقطوع بها (اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك) وهذا حديث صحيح أخرجه الترمذي، والدعاء به مندوب، وهو عام أريد به الخصوص، إذ الشفاعة العظمى مختصة به (ص) لا يشاركه غيره فيها، أي وغيرها من كل ما اختص به (ص) (وأعوذ) أي أتحصن بك (من كل شر استعاذك منه محمد نبيك) (ص) (اللهم) أي يا الله (اغفر لنا ما قدمنا) أي من الذنوب (و) اغفر لنا (ما أخرنا) من الطاعات عن أوقاتها (و) اغفر لنا (ما أسررنا) أي أخفينا من المعاصي عن الخلق (و) اغفر لنا (ما أعلنا) أي أظهرنا للخلق من المعاصي (و) اغفر لنا (ما أنت أعلم به منا) أي ما وقع منا ونحن جاهلون بحكمه أو وقع منا عمدا ونسيناه فأفعل التفضيل ليس على بابه. (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) هي خير الدنيا من الاستقامة والعافية والسير على نهج الشرع القويم (وفي الآخرة حسنة) هي المغفرة بقرينة الآية التي بعدها (وقنا عذاب النار) أي اجعل بيننا وبينها وقاية وليس إلا المغفرة (وأعوذ بك من فتنة المحيا) أي أتحصن بك أن أفتتن بأعمال
[ 123 ]
السوء التي ترث والعياذ بالله سوء المنقلب (والممات) وأعوذ بك من فتنة الممات، وهي والعياذ بالله التبديل عند الاحتضار، وذلك أن الانسان إذا كان عند الموت قعد معه شيطانان أحدهما عن يمينه والآخره عن شماله، فالذي عن يمينه على صفة أبيه يقول يا بني إنك لتعز علي وإني عليك لشفيق، ولكن
مت على دين النصارى فهو خير الاديان، والذي عن شماله على صفة أمه يقول يا بني مت على دين اليهود فهو خير الاديان، فإن كان ممن يتولى قبض روحه ملائكة الرحمة فإنهم إذا نزلوا فر الشيطان ومات على الاسلام. قاله ابن عمر (و) أعوذ بك (من فتنة القبر) وهي عدم الثبات عند سؤال الملكين أي عدم رد الجواب حين يقول له الملك من ربك وما دينك الخ أي فلا يجيب بقوله ربي الله. (و) أعوذ بك (من فتنة المسيح) بالحاء المهملة على الصحيح وبالخاء المعجمة جعله التتائي تصحيفا وهي فتنة عظيمة لانه يدعي الربوبية وتتبعه الارزاق فمن تبعه كفر والعياذ بالله، وهو يسلك الدنيا كلها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس وجبل الطور، فإن الملائكة تطرده عن هذه المواضع ويبقى في الدنيا أربعين يوما، فقد روى مسلم أنه (ص) قال: يثبت الدجال في الارض أربعين يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة يكفينا فيه صلاة يوم ؟ قال: لا أقدروا له قدره وسمي مسيحا لانه يمسح الارض في زمن قصير، وهو الاربعون يوما المذكورة في الحديث. وصفه بالدجال لانه يغطي الحق بالباطل، مأخوذ من دجل إذا ستر وغطى، وللفرق بينه وبين عيسى عليه السلام. وسمي عيسى عليه السلام مسيحا لسياحته في الارض لاجل الاعتبار. فعيسى عليه السلام مسيح الهدى
[ 124 ]
والدجال مسيح الضلال (و) أعوذ بك (من عذاب النار وسوء المصير) أي سوء المرجع أي الرجوع إلى الله (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) ظاهره أن المصلي إذا فرغ من الدعاء فلا يأتي بتسليمة التحليل حتى يقول على جهة الاستحباب: السلام
عليك أيها النبي الخ، وأن ذلك مطلوب من كل مصل، وهو خلاف المشهور، بل المشهور ما حكاه القرافي أنه لا يعيد التسليم على النبي (ص) إذا دعا. وعن مالك يستحب للمأموم إذا سلم إمامه أن يقول: السلام عليك الخ. والحاصل أن هذه الزيادة ضعيفة، ومع ضعفها هي خاصة بالمأموم، كما قال الامام مالك رحمه الله. (ثم) بعد ذلك تسلم تسليمة التحليل، ف (تقول السلام عليكم) وهذا السلام فرض بلا خلاف على كل مصل إمام وفذ ومأموم، لا يخرج من الصلاة إلا به، ويتعين له اللفظ الذي ذكره الشيخ، أي بالتعريف والترتيب وصيغة الجمع. فلو قال: عليكم السلام، أو سلامي عليكم، أو سلام الله عليكم، أو أسقط أل لم يجزه. وهل يفتقر إلى نية الخروج من الصلاة أم لا ؟ قولان مشهوران والراجح كما يفيده كلام ابن عرفة عدم الاشتراط، لكن يندب الاتيان بها نعم من عجز عن تسليمة التحليل جملة خرج من الصلاة بنيته، وحينئذ تكون نية الخروج واجبة ولا يسقط عنه السلام بالعجز عن بعضه حيث كان ما يقدر عليه له معنى. (تسليمة واحدة عن يمينك
[ 125 ]
تقصد بها قبالة وجهك وتتيامن برأسك قليلا هكذا يفعل الامام والرجل وحده) يعني أن صفة السلام تختلف باختلاف المصلي، فإن كان إماما أو فذا فالمطلوب من كل منهما أن يأتي بتسليمة واحدة جهة وجهه ح، ويتيامن برأسه قليلا، فهو يبدأ بها إلى القبلة ويختم بها مع التيامن بقدر ما ترى صفحة وجهه على جهة الندب. ويسن الجهر بتسليمة التحليل لكل مصل. وأما تسليمة غيره ولا يتصور إلا من المأموم، فالافضل فيها السر وهذا في حق الرجل الذي ليس معه من يحصل بجهره التخليط عليه. وأما المرأة فجهرها أن تسمع نفسها. ويندب الجهر بتكبيرة الاحرام في حق كل مصل كغيرها
للامام بخلاف المأموم كالفذ، ويستحب للامام جزم التسليم كتكبيرة الاحرام لئلا يسبقه المأموم فيهما. والمراد به الاسراع من غير مد، وإنما طلب من الامام والفذ الابتداء بها إلى القبلة لانهما مأموران بالاستقبال في سائر أركان الصلاة والسلام من جملة أركانها إلا أنه لما كان يخرج به من الصلاة ندب انحرافه في أثنائه إلى جهة مينه، فلو سلم على يساره قاصدا التحليل ولم يسلم على يساره لم تبطل صلاته على المشهور، لانه إنما ترك التيامن وهو فضيلة، وأما لو سلم المأموم على اليسار قاصدا الفضيلة ونيته العود إلى تسليمة التحليل، ويعتقد أن تسليمة اليسار فضيلة لا تخرج من الصلاة فإن طال الامر قبل عوده إلى تسليمة التحليل بطلت صلاته فإن لم يطل فلا بطلان لان التسليم على اليسار للفضيلة ليس كالكلام الاجنبي قبل تسليمة التحليل، لانه لما فعله مع قصد الاتيان بتسليمة التحليل عقبه صار كمن قدم فضيلة
[ 126 ]
على فرض وأما المأموم (ف) - صفة سلامه أن يسلم تسليمة واحدة (يتيامن بها قليلا) أي يوقع جميعها على جهة يمينه فهو مخالف للامام والفذ. والفرق بينه وبينهما أن سلامهما وردهما معتبر في الصلاة، فاستقبلا في أوله القبلة كسائر أفعال الصلاة. وأما المأموم فقد سلم إمامه، وهو تبع له فهو في معنى من انقضت صلاته. (ويرد أخرى على الامام قبالته) أي قبالة الامام أي يسن للمأموم أن يأتي بتسليمة أخرى غير تسليمة التحليل يوقعها جهة الامام، ولا يتيامن ولا يتياسر بها. (يشير بها إليه) أي بقلبه، وقيل برأسه إن كان أمامه. ومحل الخلاف حيث كان أمامه، فإن كان خلفه أو على يمينه أو على يساره فالاشارة بقلبه اتفاقا. (ويرد على من كان يسلم عليه على يساره) أي يسن للمأموم أن يرد على يساره إن كان على يساره
أحد، وظاهره أنه لا يسلم على يساره إلا إذا سلم الذي على يساره عليه، وأنه لو فرض أنه لم يسلم عليه لذهوله عن السلام مثلا أنه لا يسلم عليه، وليس كذلك (فإن لم يكن سلم عليه أحد لم يرد على يساره شيئا) أي أن محل طلب رد السلام من المأموم على جهة اليسار إن كان على يساره أحد أدرك فضل الجماعة. وأما إن لم يكن على يساره من أدرك فضل الجماعة بأن لم يكن هناك أحد أو كان هناك مسبوق لم يدرك ركعة مع الامام، فلا يطالب بالرد. قال بهرام: وهل يرد المسبوق الذي أدرك فضل الجماعة على الامام وعلى من كان سلم على يساره إذا فرغ من الصلاة أم لا لفوات
[ 127 ]
محله روايتان والذي اختاره ابن القاسم وهو المعتمد الرد ولو انصرف من على يساره (ويجعل يديه في تشهديه) وفي نسخة في تشهده أي ندبا (على فخذيه) تثنية فخذ وهما قريبتان من ركبتيه، وهذا الجعل مختلف، أما كيفيته في اليمنى فأشار إليه بقوله: (ويقبض يده اليمنى ويبسط) أي يمد (السبابة) وهي التي تلي الابهام سميت بذلك لان العرب كانوا يتسابون بها، وتسمى أيضا الداعية لانها يشار بها عند الدعاء والمسبحة للاشارة بها للتوحيد ومذبة للشيطان في مسلم أنه مذبة للشيطان لا يسهو أحدكم ما دام يشير بأصبعه. ومذبة بالذال المعجمة والباء الموحدة المشددة آخره تاء أي مطردة. (يشير بها) أي السبابة الاشارة صفة زائدة على البسط فالبسط المد، والاشارة زائدة على ذلك، وهي تتضمن البسط والبسط لا يتضمنها. (وقد نصب حرفها) أي جنبها (إلى وجهه) أي قبالة وجهه، واحترز بذلك من أن يبسطها وباطنها إلى الارض وظاهرها إلى وجهه وبالعكس. (واختلف في تحريكها) فقال ابن القاسم:
يحركها، وهو المعتمد. وقال غيره: لا يحركها وعلى القول بأنه يحركها فهل في جميع التشهد أو عند الشهادتين فقط قولان اقتصر في المختصر على الاول. وظاهر كلام ابن الحاجب أن الثاني هو المشهور وعلى القولين فهل يمينا وشمالا أو أعلى وأسفل ؟ قولان. (فقيل يعتقد بالاشارة بها) أي بنصبها من غير تحريك (إن الله إله واحد و) قيل (يتأول) أي يعتقد.
[ 128 ]
(من يحركها أنها مقمعة) أي مطردة (للشيطان) فقد قال ابن العربي: المقمعة بفتح الميم إذا جعلتها محلا لقمعه، وإن جعتلها آلة لقمعه قلت: مقمعة بكسر الميم الاولى، وهي خشبة يضرب بها الانسان على رأسه ليذل ويهان. (و أحسب) أي أظن (تأويل) أي معنى (ذلك) التحريك (أن يذكر بذلك) التحريك (من أمر) أي شأن (الصلاة ما يمنعه إن شاء الله) تعالى أي شيئا يمنعه وهذا الشئ كونه في صلاة (عن السهو) أي عن الذهول (فيها) أي في الصلاة (و) ما يمنعه عن (الشغل عنها) أي عن الاشتغال عنها بأمر وهو ما يشغل به قلبه خارج الصلاة (ويبسط) أي يمد (يده اليسرى على فخذه الايسر ولا يحركها) أي سبابتها ولا يشير بها، ولو قطعت يمناه. (ويستحب الذكر بإثر الصلوات) المفروضات من غير فصل بنافلة لما رواه أبو داود أن رجلا صلى الفريضة فقام يتنفل فجذبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأجلسه وقال له: لا تصل النافلة بإثر الفريضة فقال له النبي (ص): أصبت يا ابن الخطاب أصاب الله بك أي أوقع الصواب متلبسا بك أي على يديك والذكر يكون بالالفاظ المسموعة من الشارع منها أنه (يسبح الله ثلاثا وثلاثين) تسبيحة (ويحمد الله
[ 129 ]
ثلاثا وثلاثين) تحميدة (ويكبر الله ثلاثا وثلاثين) تكبيرة (ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير) هذه الرواية هي الصحيحة بترك يحيي ويميت، وقدم التحميد على التكبير، وعكس في باب السلام والاستئذان، وإنما فعل ذلك لينبه على أنه وقع في الحديث كذلك. ففي الصحيحين مثل ما هنا، وفي الموطأ مثل ما في باب السلام والاستئذان. وظاهر كلامه أنه يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا وثلاثين مجموعة لانه أتى بالواو لا بثم، واختاره جماعة منهم ابن عرفة، ومنهم من اختار أن يقولها مفرقة فيقول: سبحان الله ثلاثا وثلاثين والحمد لله كذلك، والله أكبر كذلك. (ويستحب بإثر صلاة الصبح التمادي في الذكر والاستغفار والتسبيح والدعاء) يظهر من كلامه أن الذكر خلاف الاستغفار والتسبيح والدعاء، قال بعضهم: يعني بالذكر قراءة القرآن. وقال بعضهم: تفسير الذكر ما بعده، فكأنه يقول: وهو الاستغفار الخ. (إلى طلوع الشمس أو قرب طلوعها) والاصل في ذلك ما رواه الترمذي وحسنه أنه (ص) قال: من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة تامة
[ 130 ]
وعلى هذا مضى عمل السلف رضي الله عنهم كانوا يثابرون على الاشتغال بالذكر بعد صلاة الصبح إلى آخر وقتها (وليس بواجب) نبه به على خلاف أهل الظاهر وإلا فهو مستغنى عنه بقوله أولا ويستحب. (ويركع ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح بعد) طلوع (الفجر) أخذ منه بيان وقتها فلا تجزئ إذا ركعها قبل طلوع الفجر ولو بالاحرام لانها صلاة شرعت تابعة لفريضة الفجر، فتعلقت بوقت المتبوع، وقد حكي فيها في باب جمل
من الفرائض قولين: الرغيبة والسنية. ومشى على الاول صاحب المختصر وهو المعتمد. ولا بد أن ينوي بهما ركعتي الفجر ليمتازا عن النوافل، فإن صلاهما بغير ذلك لم يجزياه. (يقرأ في كل ركعة) منهما على جهة الاستحباب (بأم القرآن) فقط (يسرها) لما في الموطأ ومسلم أن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) يصلي ركعتي الفجر فيخفف حتى أقول هل قرأ فيهما بأم القرآن أم لا ؟ وروى ابن القاسم عن مالك: يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة من قصار المفصل لما في مسلم أنه (ص) قرأ فيهما بعد الفاتحة بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد وصلاتهما في المسجد أفضل، ومن دخل المسجد ولم يكن ركعهما فأقيمت عليه الفريضة تركهما ودخل مع الامام، ثم يركعهما بعد الشمس، فإن وقتهما ممتد إلى الزوال. ولا يقضي شئ من النوافل غيرهما، ومن نام عن الصبح حتى طلعت الشمس صلى الصبح ثم يصليهما بعد، ومن نسيهما حتى صلى الصبح أو دخل في صلاة الصبح فلا يركعهما حتى تطلع الشمس. (والقراءة في الظهر بنحو القراءة في الصبح من الطوال أو دون
[ 131 ]
ذلك قليلا) أفاد كلامه أن القراءة في الظهر تساوي المقروء في الصبح يعني تكون من طوال المفصل، وهو للامام أشهب وابن حبيب. وقال الامام مالك: إن المستحب أن تكون القراءة في الظهر دون المقروء في الصبح قليلا أي قريبا منه، وهو الراجح، فإذا قرأ بالفتح مثلا في الصبح يقرأ في الظهر بنحو الجمعة أو الصف، ولا تفهم أنه يقرأ فيها من أوساط المفصل. وجعل ابن عمر كلام المصنف قولا ثالثا بالتخيير. (ولا تجهر فيها) أي في صلاة الظهر (بشئ من القراءة) لا بالفاتحة ولا بشئ مما زاد عليها. (و) إنما (يقرأ في الاولى والثانية في كل ركعة بأم القرآن وسورة سراو) يقرأ
(في الاخيرتين بأم القرآن وحدها سرا) أي على جهة السنية، وهو تكرار مع قوله: ولا يجهر فيها. وأجاب التتائي بما يدفع التكرار فقال: ولما فهم من قوله: لا يجهر أنه يقرأ سرا، ولكنه لا يعتبر المفهوم صرح به فقال يقرأ في الاولى والثانية في كل ركعة بأم القرآن وسورة سرا. (ويتشهد في الجلسة الاولى إلى قوله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) علم من هذا أن الزيادة التي ذكرها قبل بقوله ومما يزيده الخ محلها التشهد الثاني فيما فيه تشهدان، وهو كذلك على المشهور ومقابله أنه يجوز الدعاء في التشهد الاول كالثاني وهو رواية ابن نافع وغيره عن مالك (ثم) بعد أن يفرغ من التشهد إلى الحد المذكور (يقوم) إلى الثالثة (فلا يكبر) عند شروعه في القيام، بل
[ 132 ]
(حتى يستوي قائما) على المعروف من المذهب للعمل، ولانه لم ينتقل عن ركن إنما انتقل عن سنة إلى فرض، فالفرض أولى بأن يكون التكبير فيه، ولان القائم إلى الثالثة كالمستفتح لصلاة جديدة هكذا يفعل الامام والرجل وحده (وأما المأموم ف) - لا يقوم إلا بعد أن يكبر الامام ويفرغ منه، فحينئذ (يقوم المأموم أيضا فإذا) قام و (استوى قائما كبر) لانه تابع للامام ومقتد به، فسبيل أفعاله أن تكون بعد أفعاله، وفي الحديث لا تسبقوني بركوع ولا سجود ففيه تنبيه على متابعة المأموم للامام لان النهي عن السبق يفيد طلب المتابعة، وهي منتفية في السبق وفي المساواة. (ويفعل في بقية الصلاة من صفة الركوع والسجود) والرفع منهما والاعتدال والطمأنينة، (والجلوس) بين السجدتين، والاعتماد على اليدين في القيام (نحو ما تقدم ذكره في) صلاة (الصبح) دليله فعله عليه الصلاة والسلام وتعليمه الناس، ولا خلاف فيما ذكر من كونه فعله وعلمه الناس. (ويتنفل
بعدها) أي بعد صلاة الظهر (ويستحب له أن يتنفل بأربع ركعات يسلم من كل ركعتين) لقوله عليه الصلاة والسلام من حافظ على أربع ركعات
[ 133 ]
قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار أي فتكون المداومة المذكورة سببا في عدم ارتكاب الكبائر، وحينئذ يحرم جسده على النار. والحديث رواه الامام أحمد وأصحاب السنن أي الترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داود، فإن قلت حيث ورد الحث بالمحافظة على أربع قبل وأربع بعد فلم اقتصر المصنف على أربع بعد قلت: تنبيها على المخالفة بينها وبين العصر، فإنه إنما يتنفل قبلها فقط، ذكره التتائي (ويستحب له) أي للمصلي (مثل ذلك) التنفل بأربع ركعات بعد صلاة الظهر أن يتنفل بأربع ركعات (قبل صلاة العصر) لما صح أنه عليه الصلاة والسلام قال: رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا جملة خبرية لفظا إنشائية معنى، أي اللهم ارحم الخ، ولا شك أن دعاءه مستجاب. (ويفعل في) صلاة (العصر) كما وصفنا في صفة الظهر سواء لا يستثنى منه شئ (لا أنه يقرأ في الركعتين الاولتين مع أم القرآن بالقصار من السور مثل والضحى وإنا أنزلناه ونحوهما) فلو افتتحها بسورة من طوال المفصل تركها وقرأ سورة قصيرة. (وأما المغرب فيجهر بالقراءة في الركعتين الاولتين منها) فقط ويسر في الثالثة (ويقرأ في كل أربعة
[ 134 ]
منهما) أي الاولتين (بأم القرآن وسورة من السور القصار) لان العمل استمر على ذلك، وما روي بخلافه فمؤول أي، فقد روى النسائي وأبو داود أن النبي (ص) كان يقرأ في المغرب بالاعراف، فأول بأنه محمول على أنه عرف أن من خلفه لا يتضررون بذلك، وإلا فالذي استمر عليه العمل التخفيف.
(و) يقرأ (في الثالثة بأم القرآن فقط) أي قط بمعنى حسب، أي والفاء لتزيين اللفظ، وقط التي بمعنى حسب مفتوحة الفاء ساكنة الطاء، فإذا كانت بمعنى الزمن الماضي فهي مضمومة الطاء مع التشديد، تقول: ما فعلته قط بالفعل الماضي. وقول العامة لا أفعله قط لحن، كما قال ابن هشام. والحاصل أن قط مضمومة الطاء مع التشديد تختص بالنفي تقول ما فعلته قط مشتقة من قططته أي قطعته، فمعنى ما فعلته قط ما فعلته فيما انقطع من عمري لان الماضي منقطع عن الحال والاستقبال، وبنيت لتضمنها معنى مذ وإلى إذ المعنى مذ أن خلقت إلى الآن، وعلى حركة لئلا يلتقي ساكنان وكانت الضمة تشبيها بالغايات وقد تكسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تتبع قافه طاءه في الضم، وقد تخفف طاؤه مع ضمها أو إسكانها، ذكره ابن هشام. (و) إذا رفع رأسه من سجود الركعة الثالثة (يتشهد) ويصلي على النبي (ص) ويدعو (و) بعد ذلك (يسلم) على الصفة المتقدمة (ويستحب) له (أن يتنفل بعدها) أي بعد صلاة المغرب أي بعد فراغه من الذكر عقبها (بركعتين) أي على جهة الآكدية لقوله وما زاد على الركعتين فهو خير.
[ 135 ]
ودليل الاستحباب فعله عليه الصلاة والسلام. (وما زاد) على الركعتين (فهو خير) له لقوله تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) * (الزلزلة: 7) (وإن تنفل) بعدها (بست ركعات فحسن) أي مستحب لقوله (ص): من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم بينهن بسوء - أي حرام - عدلن له عبادة ثنتي عشرة سنة رواه ابن خزيمة في صحيحه والترمذي والذي في التتائي عن صحيح ابن خزيمة عدلن بعبادة الخ قال بعضهم: من عبادة بني إسرائيل. وفي معجمات الطبراني مرفوعا من صلى بعد المغرب ست ركعات غفرت ذنوبه ولو كانت
مثل زبد البحر أي رغوته. (والتنفل بعد المغرب والعشاء مرغب فيه) قال الغزالي: سئل رسول الله (ص) عن قوله تعالى * (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) * فقال: الصلاة بين العشاءين. ومعنى تتجافى أي ترتفع وتتنحى جنوبهم عن المضاجع، الفرش ومواضع النوم، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: عليكم بالصلاة بين العشاءين فإنها تذهب بملاغات - بضم الميم - النهار وتهذب آخره. الملاغات جمع ملغاة من اللغو، أي تطرح ما على العبد من الباطل، أي تطرح ما اقترفه من مكروه قولا أو فعلا بحيث لا يلام عليه أو لا يجره إلى فعل محرم أو من ذنب صغير إلى كبيرة أو يكون سببا في العفو عن كبيرة كما هو مقرر، ومعلوم أن الكبيرة لا يكفرها إلا التوبة أو عفو الله. وقوله: وتهذب آخره، أي تصفي آخره، أي بذهاب جميع اللهو. (وأما غير ذلك) أي غير ما ذكر من الجهر بالقراءة في الاوليين بأم القرآن وسورة قصيرة وبأم القرآن فقط سرا في الثالثة (من شأنها) أي من صفتها كتكبيرة الاحرام ورفع اليدين حذو المنكبين والتكبير في
[ 136 ]
الانحطاط من الركوع وتمكين اليدين من الركبتين إلى غير ذلك مما تقدم فحكمها فيه (كما) أي مثل الذي (تقدم ذكره في غيرها) من صلاة الصبح وما بعدها فلا حاجة إلى إعادته. (وأما العشاء الاخيرة) قال ابن عمر: هذا من لحن الفقهاء، لانه يوهم أن ثم عشاء أولى، وليس كذلك، فقد قال عياض وغيره: لا تسمى المغرب عشاء لا لغة ولا شرعا، وقول مالك: ما بين العشاءين تغليب، وفيه أن نسبة التثنية لمالك، والجواب عنه بالتغليب قصور مع كون التثنية في الحديث المتقدم عن الغزالي (وهي العتمة واسم العشاء أخص بها وأولى) تفسير لقوله أخص (فيجهر في الاوليين بأم القرآن
وسورة في كل ركعة) منهما هذا لا خلاف فيه، وقد جاءت به الاحاديث الصحيحة. (وقراءتها) أي السورة في صلاة العشاء (أطول قليلا من القراءة في) صلاة (العصر) فيقرأ فيها من المتوسطات وإنما سكت عن المغرب مع أن المغرب أقرب لها لانه لم يعين فيها القراءة، وإنما عين القراءة في العصر (و) يقرأ (في الاخيرتين) من العشاء (بأم القرآن) فقط (في كل ركعة سرا ثم يفعل في سائرها كما تقدم من الوصف) في صلاة الصبح. وهنا انتهى الكلام على صفة العمل في الصلوات المفروضات فمن صلاها على ما وصف فقد صلاها على أكمل الهيئات. (ويكره النوم قبلها)
[ 137 ]
أي قبل صلاة العشاء (والحديث بعدها لغير ضرورة) أي بعد فعلها. وأما الحديث بعد دخول وقتها وقبل فعلها فلا يكره، قاله الفاكهاني، وكذا يكره السهر بلا كلام خوف تفويت الصبح وقيام الليل. (والقراءة التي يسر بها في الصلاة كلها) بالرفع تأكيد للقراءة (هي بتحريك اللسان) هذا أدنى السر وأعلاه أن يسمع نفسه فقط واحترز بتحريك اللسان من أن يقرأ في الصلاة بقلبه فإنها لا تجزئه ومن ذلك لو حلف أنه لا يقرأ القرآن فأجراه على قلبه لا يحنث أو حلف يقرأنه لا يبر. (و) احترز (بالتكلم بالقرآن) أي بالعبارة الدالة على القرآن من أن يقرأ فيها بغيره من التوراة والانجيل وغيرهما من الكتب المنزلة، فإنها تبطل. وعلة البطلان إما أن غير القرآن من الكتب السماوية منسوخ أو مبدل، وإما أن ذلك مخالف لفعله عليه الصلاة والسلام وقوله صلوا كما رأيتموني أصلي. (وأما الجهر ف) - أقله (أن يسمع نفسه ومن يليه) أي على فرض أن هناك من يسمعه، وأعلاه لا حد له. (وإن كان وحده) قال الفاكهاني: وانظر ما معنى قوله: إن كان وحده.
والظاهر أنه يحترز عن الامام فإنه يطلب منه أن يسمع نفسه ومن خلفه، فلو لم يسمع من خلفه فصلاته صحيحة، وحصلت السنة بسماعه من يليه، وقال الاقفهسي: إن كان وحده احترز به ممن يقرب منه مصل آخر، فحكمه في جهره حكم المرأة. تنبيه: محل طلب الجهر كما في شرح الشيخ حيث كان لا يترتب عليه تخليط الغير وإلا نهى عما يحصل به التخليط، ولو أدى
[ 138 ]
إلى إسقاط السنة، لانه لا يرتكب محرم لتحصيل السنة، وما ذكره من الجهر إنما هو في حق الرجل. (و) أما (المرأة) فهي (دون الرجل في الجهر) وهي أن تسمع نفسها خاصة كالتلبية، فيكون أعلى جهرها وأدناه واحدا، وهو سماع نفسها فقط. وعلى هذا يستوي في حقها السر والجهر، أي أعلى السر لا أدناه الذي هو حركة اللسان، أي مع سر الرجل، أي مع أعلى سره، أي حالة كونهما أي السر والجهر مصاحبين لسر الرجل أي مصاحبة مساواة، أي أن أعلى سرها وجهرها يساويان أعلى سر الرجل. فالمساواة الاولى بين أعلى سر المرأة وجهرها والمساواة الثانية بينهما وبين أعلى سر الرجل. ووجه ما ذكر أن صوتها ربما كان فتنة، ولذلك لا تؤذن اتفاقا، وهل حرام أو مكروه ؟ قولان. وجاز بيعها وشراؤها للضرورة. (وهي) أي المرأة (في هيئة الصلاة مثله) أي مثل الرجل (غير أنها تنضم ولا تفرج) بفتح التاء وسكون الفاء وضم الراء، وهو تفسير تنضم، فالعطف للتفسير (فخذيها ولا عضديها) وقوله (وتكون منضمة منزوية) تكرار، أي قوله: وتكون منضمة منزوية تكرار لا يقال إن المكرر هو قوله وتكون منضمة لانه تقدم في قوله غير أنها تنضم. وأما الانزواء فلم يتقدم له ذكر حتى يكون تكرارا، لانا نقول: الانزواء هو الانضمام، وإنما تفعل ذلك مخافة ما يخرج منها
أي من الريح لانها ليست كالرجل في الاستمساك بل عندها رخاوة، فلو فرجت بين فخذيها لربما خرج منها ريح لانها مهيأة للحدث، وكأن قائلا
[ 139 ]
قال له: أين تكون بهذه الحالة ؟ فقال: (في جلوسها وسجودها وأمرها) أي شأنها (كله) يدخل فيه الركوع، فلا تجنح كالرجل، وما ذكره المصنف رواية ابن زياد عن مالك، وهو خلاف قول ابن القاسم في المدونة لانه ساوى بين الرجل والمرأة في الهيئة والذي ذكره المصنف من رواية ابن زياد هو الراجح، وكلام ابن القاسم ضعيف. (ثم) بعد أن (يصلي) العشاء يصلي بعدها (الشفع) ركعتين، وهل يشترط أن يخصهما بنية أو يكتفي بأي ركعتين كانتا ؟ قولان. الظاهر منهما الثاني لما صح أنه (ص) قال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم صلاة الصبح صلى ركعة توتر له ما قد صلى (و) بعد أن يصلي ركعتي الشفع يصلي (الوتر) بفتح الواو وكسرها وبتاء مثناة فوق، وأما بالمثلثة مع كسر الواو فالفراش للوطئ ومع فتحها ماء الفحل يجتمع في رحم الناقة إذا أكثر الفحل ضرابها ولم تلقح، ذكره التتائي، وهو سنة آكد السنن على المشهور، أي سنة مؤكدة على المشهور، وقيل بوجوبه. وأل للجنس أي آكد جنس السنن فإنها آكد من العيد الآكد من الكسوف والاستسقاء، وليست آكد من العمرة بل العمرة آكد منها، وكذلك ركعتا الطواف آكد من الوتر كما أنهما آكد من العمرة، وأما صلاة الجنازة فهي دون الوتر وآكد من العيد. واستظهر عبد الباقي أن الجنازة آكد من الوتر والافضل أن تكون ركعة واحدة عقب شفع. ومحط الافضلية عقب شفع، وهل الشفع شرط كمال أو شرط صحة ؟ قولان شهر الاول صاحب الجوهر وابن الحاجب، وصرح الباجي بمشهورية
الثاني فإن أوتر بغير شفع فقال أشهب: يعيد وتره بإثر شفع ما لم يصل الصبح أي على طريق السنة إن كان أشهب يقول بأن تقدم الشفع شرط صحة
[ 140 ]
أو على طريق الندب إن كان أشهب يقول إنه شرط كمال لان مذهب أشهب لم يتعين لنا. وإذا قلنا لا بد من تقدم شفع أي أن تقدمه شرط صحة، فهل يلزم اتصاله بالوتر وفي حكمه الفصل اليسير، أو يجوز أن يفرق بينهما بالزمن الطويل قولان، والراجح الثاني، ويستحب أن يقرأ في الشفع والوتر (جهرا وكذلك يستحب في نوافل الليل الاجهار وفي نوافل النهار الاسرار، وإن جهر في النهار في تنفله فذلك واسع) أي جائز أي خلاف الاولى لا أنه جائز مستوي الطرفين. وحكى ابن الحاجب في كراهته قولين: (وأقل الشفع ركعتان) وأما أكثره فلا حد له. (ويستحب له أن يقرأ في الركعة الاولى) منه بأم القرآن وسبح اسم ربك الاعلى وفي) الركعة (الثانية بأم القرآن وقل يا أيها الكافرون و) بعد الفراغ من الركعة الثانية من الشفع، بأن كمل سجدتيها يجلس و (يتشهد و) بعد الفراغ من التشهد (يسلم ثم) بعد أن يسلم يقوم ف (- يصلي الوتر ركعة) والفصل بينها وبين الشفع بسلام مستحب للحديث المتقدم. والمذهب (أنه يقرأ فيها) أي في ركعة الوتر على جهة الاستحباب (بأم القرآن وقل هو الله أحد والمعوذتين) بكسر الواو
[ 141 ]
المشددة لان معناهما المحصنتين مما يؤذي. وقال ابن العربي: يقرأ فيها المتهجد من تمام حزبه وغيره بقل هو الله أحد. والمعتمد ما ذكره المصنف لما رواه أبو داود وغيره أن عائشة رضي الله عنها سئلت بأي شئ، كان يوتر النبي (ص) قالت: كان يقرأ في الاولى بسبح اسم ربك الاعلى، وفي الثانية بقل
يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد والمعوذتين. ولا يخفاك أن هذا الجواب غير مطابق لظاهر لفظ السؤال لان ظاهره هل كان يوتر بثلاث أو غير ذلك، فلعلها فهمت أن مراد السائل بأي شئ كان يقرأ المصطفى في وتره. (وإن زاد من الاشفاع) جمع شفع وهو الزوج يعني أنه إذا أراد أن يصلي ابتداء أكثر من ركعتين (جعل آخر ذلك الوتر) على جهة الاستحباب للحديث المتقدم، أي فالامر فيه للندب (و) لما روي (كان رسول الله (ص) يصلي من الليل) أي في الليل (اثنتي عشرة ركعة ثم يوتر بواحدة وقيل) كان يصلي من الليل (عشر ركعات ثم يوتر بواحدة) الروايات في الصحيح أي من حديث عائشة. ولا تنافي بين رواية اثنتي عشرة ركعة، وبين رواية عشر ركعات، لانه عليه الصلاة والسلام كان يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين بعد الوضوء فتارة اعتبرتهما من الورد فأخبرت باثنتي عشرة ركعة، وتارة لم تعتبرهما من الورد لانهما للوضوء ولحل
[ 142 ]
عقد الشيطان، فأخبرت بعشر ركعات. وقيام الليل أي التهجد فيه واجب في حقه عليه الصلاة والسلام مستحب في حقنا، لقوله: عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم أي عادتهم وشأنهم، وهو قربة لكم إلى ربكم ومكفرة للسيئات ومكفرة بوزن مفعلة بمعنى اسم الفاعل أي مكفرة، ونظيرها مطهرة ومنهاة عن الاثم (وأفضل الليل آخره في القيام) أي لاجل التهجد عند مالك وأتباعه لما في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الاخير يقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له وخصه الشافعي بوسط الليل لخبر أن داود كان ينام نصفه ويقوم ثلثه وينام
سدسه، وإذا ثبت أن آخر الليل أفضل (فمن أخر تنفله ووتره إلى آخره فذلك أفضل، إلا من الغالب عليه أن لا يتنبه فليقدم وتره مع ما يريد من النوافل أول الليل) لما في مسلم وغيره من حديث جابر يرفعه من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخر الليل فإن صلاة آخر الليل مشهودة أي يشهدها ملائكة الرحمة والحاصل أن تأخير الوتر مندوب في صورتين أن تكون عادته الانتباه آخر الليل أو تستوي حالتاه وتقديمه في صورة واحدة، وهي أن يكون أغلب أحواله النوم إلى الصبح (ثم إن شاء) أي الذي الغالب عليه أن لا ينتبه إذا قدم وتره ونفله كما هو الافضل له (إذا استيقظ في آخره) أي في آخر
[ 143 ]
الليل (تنفل ما شاء منها) أي من النوافل، لان تقديم الوتر لا يمنع من استئناف صلاة بعده، ولكن محل ذلك إذا حدثت له نية النفل بعد الوتر أو فيها لا إن حدثت قبل الشروع في الوتر فلا يكون تنفله بعده جائزا، بل مكروها، والافضل في التنفل أن يكون (مثنى مثنى) أي ركعتين ركعتين، لما في الحديث صلاة الليل مثنى مثنى. (و) بعد أن يفرغ من تنفله (لا يعيد الوتر) أي حيث وقع بعد عشاء صحيحة وشفق، أي يكره له إعادة الوتر لقوله عليه الصلاة والسلام لا وتران في ليلة رواه أبو داود والترمذي وحسنه أي الترمذي. (ومن غلبته عيناه) أي استغرقه النوم (عن حزبه) وألحق به من حصل له إغماء أو جنون أو حيض، وزال عذره عند طلوع الفجر لا إن تعمد تأخيره فلا يصليه ولو كان يمكنه فعله مع الفجر والصبح قبل الاسفار (ف) - يباح (له أن يصليه ما بينه وبين طلوع الفجر وأول الاسفار) فشرط الفعل أن لا يخشى إسفارا، وأن يكون نام عنه غلبة، وأن
لا يخشى فوات الجماعة. فإن اختل شرط تركه وصلى الصبح بغير الشفع والوتر لانهما يفعلان بعد الفجر من غير شرط. (ثم) إذا صلى من غلبته عيناه عن حزبه بعد طلوع الفجر فإنه (يوتر) لان له وقتين: وقت اختياري وهو من بعد صلاة العشاء الصحيحة إلى طلوع الفجر، ووقت ضروري من طلوع الفجر إلى أن يصلي الصبح على المشهور خلافا للقائل أنه لا يصلي الوتر إذا طلع الفجر، حكاه التتائي (و) بعد ذلك (يصلي الصبح) أي
[ 144 ]
ويترك الفجر، فيصليها بعد حل النافلة، وهذا إن اتسع الوقت لثلاث ركعات، فإن لم يتسع إلا لركعتين ترك الوتر وصلى الصبح على المشهور، ومقابله قول أصبغ: يصلي الوتر ركعة وركعة من الصبح قبل الشمس. وإن لم يتسع الوقت إلا لركعة تعين الصبح اتفاقا. وإن اتسع لخمس أو ست صلى الشفع والوتر والصبح وترك الفجر. وإن اتسع لسبع صلى الجميع. وإذا تأملت في هذا الكلام لا تجده مناسبا، وذلك أن فر ض الكلام فيمن نام عن حزبه وأنه يفعله قبل الاسفار فصار الاسفار خاليا من صلاة الحزب فيه فيتأتى له فعل الجميع قبل طلوع الشمس، فكيف يعقل إيراد هذه التفاصيل هنا ؟ فهذه التفاصيل تفرض في إنسان استيقظ من نومه مثلا قبل طلوع الشمس فيقال: إن الوقت تارة يسع كذا، وتارة يسع كذا إلى آخر ما تقدم من التفصيل، ولذلك قال بعض شراح خليل: إن من ترك الوتر ونام عنه ثم استيقظ فإن كان الباقي إلى طلوع الشمس مقدار ما يدرك فيه الصبح هو ركعتان ترك الوتر والشفع وصلى الصبح، وأخر الفجر إلى آخر كلامه، فجعل هذا التفصيل في حق من ترك الوتر ونام. (ولا يقضي الوتر من ذكره بعد أن صلى الصبح) نحوه في الموطأ عن جماعة من الصحابة. فإن نسي الوتر وتذكره
في صلاة الصبح استحب له القطع على المشهور إن كان فذا، ثم يصلي الوتر، ثم يستأنف صلاة الصبح أي بعد أن يعيد الفجر بعد الوتر، وأولى إن تذكر الوتر بعد صلاة الفجر وقبل الشروع في الصبح فيصلي الوتر ثم يعيد الفجر، وكذا إذا صلى الفجر ثم ذكر صلاة فرض تقدم على الصبح لكونها يسيرة، فإنه بعد صلاة الفائتة يعيد الفجر، وإن كان مأموما استحب له التمادي ولو أيقن أنه إن قطع صلاته وصلى الوتر أدرك فضل الجماعة. وفي الامام
[ 145 ]
روايتان القطع وعدمه. وعلى القول بالقطع فهل يستخلف قياسا على الحدث أو لا يستخلف قياسا على من ذكر صلاة في صلاة، وعلى القول بعدم الاستخلاف فهل يقطع المأموم أو لا، بل يستخلف ويتمون صلاتهم. وهذا الخلاف في القطع أو التمادي إن كان الوقت واسعا، أما إن ضاق الوقت فإنه يتمادى من غير خلاف. (ومن دخل المسجد) ويروى مسجدا (وهو على وضوء فلا يجلس) أي يكره الجلوس قبل الصلاة، ولا تسقط بالجلوس، فلو كثر دخوله كفته الاولى إن قرب رجوعه له عرفا وإلا طولب بها ثانيا. (حتى يصلي ركعتين) تحية المسجد على جهة الفضيلة، وهو المعتمد. واختار ابن عبد السلام أنهما سنة. والاصل في هذا قوله (ص) إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين هكذا رواه مسلم بصيغة النهي، وفي لفظ له وللبخاري إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس بصيغة الامر، وهذا الامر على جهة الفضيلة لا الوجوب، والنهي على جهة كراهة لا التحريم. ولا فرق في الامر بتحية المسجد بين مسجد الجمعة وغيره إلا مسجد مكة، فإنه يبدأ فيه بالطواف لمن طلب به ولو ندبا أو أراده آفاقيا فيهما أو لا أو لم يرده وهو آفاقي، فإن كان مكيا ولم يطلب بطواف ولم يرده بل دخله
لصلاة أو لمشاهدة البيت فتحيته ركعتان إن كان الوقت تحل فيه النافلة وإلا جلس كغيره من المساجد وإلا مسجده عليه الصلاة والسلام على أحد قولي مالك في أنه يبدأ بالسلام على النبي (ص) قبل الركوع، وقوله الآخر يبدأ بالركوع، واستحسنه ابن القاسم، وهو المعتمد، لان التحية حق الله والسلام حق آدمي، والاول آكد. (وإن كان وقت) بالرفع، ويروى وقتا
[ 146 ]
أي يشترط في فعل التحية أن يكون الوقت وقتا (يجوز فيه الركوع) فلو دخل في وقت النهي كوقت طلوع الشمس، وغروبها، وخطبة الجمعة، وبعد صلاة العصر، وبعد الفجر، فإنه لا يركع أي وجوبا في وقت الطلوع والغروب والخطبة وندبا بعد العصر وبعد الفجر، فلو أحرم وقت المنع قطع وجوبا وندبا وقت الكراهة، ويندب لمن لا يجوز له التحية للموانع المتقدمة أن يقول أربع مرات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وتتأدى التحية بفرض وأولى بسنة أو رغيبة، ويحصل له الثواب إن نوى التحية مع الفرض. (ومن دخل المسجد و) الحال أنه (لم يركع الفجر أجزأه) أي كفاه (لذلك) أي عن ركعتي تحية المسجد (ركعتا الفجر) ولا يركع تحية المسجد قبلهما، وهو المعتمد وقيل يركعهما، وهو ضعيف، فإن قلت: إن هذا الوقت لا يطلب فيه تحية والاجزاء عن الشئ فرع الطلب، قلت: إن هذا مبني على القول بطلب التحية في هذا الوقت. (وإن ركع الفجر في بيته) أو يره (ثم أتى المسجد) ووجد الصلاة لم تقم (فاختلف فيه) أي في حكم من أتى المسجد بعد أن ركع سنة الفجر خارجه (فقيل يركع) ركعتين، (وقيل لا يركع) بل لا يجلس من غير ركوع، وهو المعتمد. (ولا صلاة نافلة بعد الفجر إلا ركعتا الفجر) أي والورد لنائم عنه كما تقدم
والشفع والوتر مطلقا والجنازة التي لم يخش تغيرها وسجود التلاوة يفعلان
[ 147 ]
قبل الاسفار، ففعلهما فيه مكروه، وأما التي يخشى عليها التغير فلا تحرم الصلاة عليها وقت المنع، ولا تكره وقت الكراهة. وإذا خشي عليها التغير وصلى عليها وقت منع أو وقت الكراهة لا تعاد الصلاة عليها وقت الجواز دفنت أم لا. وأما إن لم يخش عليها التغير فلا إعادة إن صلى عليها بوقت كراهة دفنت أو لا وكذا بوقت منع إن دفنت وإلا أعيدت (إلى طلوع الشمس) فإذا أخذت في الطلوع حرمت النافلة الشاملة للجنازة وسجود التلاوة والنفل المنذور رعيا لاصله حتى يتكامل طلوعها، فتعود الكراهة حتى ترتفع قدر رمح من الرماح التي قدرها اثنا عشر شبرا. باب في الامامة (باب في الامامة) وفي بيان من هو أولى بالامامة، ومن يصح الائتمام به، ومن لا تكره إمامته (و) في بيان (حكم الامام) من أنه إذا صلى وحده يقوم مقام الجماعة، ومن أنه يجمع وحده ليلة المطر (و) في بيان حكم (المأموم) من أنه يقرأ مع الامام فيما يسر فيه، ومن أنه يقف على يمين الامام إن كان وحده. (ويؤم الناس أفضلهم) أي أكثرهم فضلا يعني لو اجتمع جماعة اشتركوا في الفضل وزاد أحدهم فيه كان أولى بالامامة هذا إذا كان أفعل التفضيل على بابه، ويحتمل أن أفعل التفضيل ليس على بابه، وحينئذ يكون المعنى ويؤم الناس فاضلهم فيقدم الفاضل على غيره ممن ليس فاضلا (وأفقههم) يقال فيه ما قيل في أفضلهم، (ولا تؤم المرأة في فريضة
[ 148 ]
ولا نافلة لا رجالا ولا نساء) وكما لا تؤم المرأة لا يؤم الخنثى المشكل،
فإن ائتم بهما أحد أعاد أبدا على المذهب سواء كان من جنسهما أولا، وأما صلاتهما فصحيحة ولو نويا الامامة، وخالف في ذلك أبو إبراهيم الاندلسي حيث قال: من أمته المرأة ومثلها الخنثى المشكل من النساء أعدن في الوقت. وروى ابن أيمن أنها تؤم أمثالها من النساء إذا علمت ذلك. فاعلم أن الذكورة المحققة شرط في صحة الامامة، ويزاد على هذا الشرط شروط أخر وهي: الاسلام، فلا تصح إمامة الكافر، والبلوغ فلا تصح إمامة الصبي للبالغ في الفرض لان الصبي متنفل، ولا يصح نفل خلف فرض، والعقل فلا تصح إمامة المجنون، والعلم بما لا تصح الصلاة إلا به من قراءة وفقه وعدالة وقدرة على الاركان. فالجاهل بالقراءة أو الفقه لا تصح صلاة المقتدي العالم به، وأما الامي بمثله فتصح عند فقد القارئ لا عند وجوده، ويراد بالعدالة عدم الفسق المتعلق بالصلاة، فالفاسق فسقا متعلقا بها كمن يقصد بإمامته الكبر لا تصح إمامته، وأما فسق الجارحة كالزنى فتكره إمامته وصلاته صحيحة خلافا لما مشى عليه صاحب المختصر من بطلانها بفسق الجارحة. وكذا لا تصح إمامة العاجز عن بعض الاركان في الفرض للقادر ولا بد من الاتفاق في المقتدى فيه أي شخصا ووضعا وزمانا، فلا يصح ظهر خلف عصر ولا عكسه، ولا أداء خلف قضاء ولا عكسه، ولا ظهر سبت خلف ظهر أحد ولا عكسه. وموافقة مذهب المأموم مع الامام في الواجبات فلا يصح الاقتداء بمن يسقط القراءة من الاخيرتين أو يترك الرفع من الركوع أو السجود مثلا والاقامة والحرية في الجمعة فلا تصح إمامة المسافر إلا إذا كان الخليفة. والمراد بالمسافر الخارج عن بلد الجمعة بكفرسخ. ولا تصح إمامة
[ 149 ]
العبد في الجمعة، وتعاد جمعة إن أمكن (ويقرأ) أي المأموم مع الامام (فيما
يسر فيه) ويروى به يعني أن حكم المأموم مع الامام فيما يسر فيه الامام استحباب القراءة وذلك أن عدم القراءة ذريعة إلى التفكر والوسوسة. (ولا يقرأ معه فيما يجهر فيه) أي يكره له ذلك ظاهره ولو كان لا يسمع صوته وهو كذلك على المنصوص، فإن قرأ معه فبئس ما صنع ولا تبطل صلاته. والاصل في هذا قوله تعالى * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) * (الاعراف: 204) قال البيهقي عن مجاهد: كان رسول الله (ص) يقرأ في الصلاة فسمع قراءة فتى من الانصار فنزل قوله تعالى * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) * ورويناه عن مجاهد من وجه آخر أنه قال في الخطبة يوم الجمعة ومن وجه آخر في الصلاة وفي الخطبة. (ومن أدرك) أي مع الامام من الصلاة المفروضة وأولى غيرها مما شرعت فيه الجماعة كالعيدين (ركعة فأكثر فقد أدرك الجماعة) أي حكمها وفضلها ولفظ الموطأ من قوله (ص) من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة أي فيلزمه ما يلزم الامام من السجود للسهو ولا يقتدي به غيره، ولا يعيد صلاته في جماعة أخرى، ويسلم على إمامه وعلى من على يساره، ويحصل له من الثواب مثل ثواب من حضرها من أولها وهو سبع وعشرون درجة، وهذا إذا فاتته بقيتها اضطرارا لا اختيارا. وعن أبي حنيفة أنه يحصل له فضل الجماعة وهو ظاهر كلام المصنف وارتضاه في شرحه، قال: ويدل لما قلنا أن إدراك ركعة من الوقت الاختياري بمنزلة إدراك جميع الصلاة في نفي الاثم ولو أخر اختيارا وأيضا لم يقل أحد إن من فاته بعض الصلاة مع الامام اختيارا يعيد لتحصيل فضل الجماعة. هذا
[ 150 ]
ما ظهر لي انتهى كلامه. وإدراك الركعة مع الامام يكون بوضع اليدين على الركبتين بمعنى أن ينحني بحيث لو أراد وضع يديه على ركبتيه لامكنه ذلك
موقنا بأن الامام لم يرفع رأسه من الركوع قبل أن يضع يديه على ركبتيه، فلو شك هل رفع الامام رأسه من الركوع قبل أن يضع يديه على ركبتيه قطع واستأنف. وحكم المسبوق الذي أدرك مع الامام ركعة فأكثر أن يأتي بما فاته مع الامام قاضيا في القول بانيا في الفعل. وإلى الاول أشار بقوله (فليقض بعد سلام الامام ما) أي الذي (فاته) قبل دخوله مع الامام من القول (على نحو ما فعل الامام في القراءة) فما قرأ فيه الامام بأم القرآن وسورة قرأ فيه مثل ما قرأ الامام وما أسر فيه أسر فيه، وما جهر فيه جهر فيه، فإن جلس في موضع يجوز له فيه الجلوس لو انفرد وحده بأن يدركه في ركعتين، فإنه يقوم بتكبير، وإن جلس في موضع لا يجوز له فيه الجلوس لو انفرد بأن يدرك معه ركعة أو ثلاث ركعات، فإنه يقوم بغير تكبير وهو المشهور خلافا لابن الماجشون، وكأنه رأى أن التكبير إنما هو للانتقال إلى ركن. وذكر صاحب الطراز عن مالك في العتبية قولا أنه إذا جلس في ثانيته يقوم بغير تكبير. قال: بناء على أنه قاض للماضيتين، والذي شرع في أولهما تكبيرة الاحرام (وأما) الثاني وهو البناء (في) الفعل ك (- القيام والجلوس ففعله) فيه (كفعل الباني المصلي وحده) وهو الذي يصلي صلاته إلى آخرها ثم يذكر ما يفسد له بعضها وله ثلاث
[ 151 ]
صور لانه إما أن يذكر ما يفسد له ركعة أو ركعتين أو ثلاث ركعات بترك سجدة أو ركوع أو قراءة أم القرآن وغير ذلك مما تبطل به الصلاة ووجه العمل في الباني أن يجعل ما صح عنده هو أول صلاته فيبني عليه ويأتي بما فسد له على نحو ما يفعل في انتهاء صلاته، فإذا ذكر ما أفسد له الركعة الاولى في العشاء مثلا أي تذكر في لتشهد الاخير فيأتي بأم القرآن خاصة،
ويسجد قبل السلام لانه نقص السورة والجلوس الاول لان جلوسه كان في غير محله لانه كان عن ركعة واحدة، فلا يعتد به، وزاد الركعة الملغاة، ويوازي هذا أي يقابله من حال المدرك أن تفوته الركعة الاولى فيأتي بأم القرآن وسورة جهرا لان الامام فعل كذلك ويخالفه في الجلوس لان الامام لم ويجلس عليها وجالس هو عليها لانها رابعة له فهو بذلك الاعتبار بان لانه جعلها آخر صلاته، قال في التحقيق: وإن ذكر الباني ما يفسد له ركعتين فإنه يأتي بأم القرآن خاصة وتكون صلاته كلها بأم القرآن، ويسجد قبل السلام لانه نقص السورتين، ونقص أيضا الجلوس الاول لانه ظهر الامر أن جلوسه كان على غير شئ. انظر وتأمل قوله، ونقص أيضا الجلوس الاول فإنه غير ظاهر، ويوازيه من حال المدرك أن تفوته الركعتان فيأتي فيهما بأم القرآن وسورة جهرا لان الامام كذلك قرأ فيهما، ووافق الامام أيضا في جلوسه عليهما لان الامام كان يجلس عليهما ويجلس هو أيضا عليهما في آخر صلاته. وإن ذكر الباني ما يفسد له ثلاث ركعات فإنه يأتي بركعة بأم القرآن وسورة يجلس عليها لانها ثانية له، ويقوم ويأتي بالركعتين الباقيتين بأم القرآن خاصة، ويسجد أيضا قبل السلام لانه نقص السورة وزاد الركعة الملغاة، يوازيه حال المدرك إذا فاته ثلاث ركعات، فإنه يقوم فيأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرا ويجعلها مع التي أدركها ويجلس عليها فوافق في هذا فعل الباني ثم يقوم
[ 152 ]
فيأتي بركعة بأم القرآن وسورة، ثم يأتي ركعة بأم القرآن فقط، انتهى. (ومن صلى وحده) صلاة مفروضة في غير أحد المساجد الثلاثة مسجد مكة والمدينة والمسجد الاقصى ولم يكن إماما راتبا ولم تقم الصلاة عليه وهو
في المسجد (ف) - إنه يستحب (له أن يعيد) ما صلى (في الجماعة) ولو في وقت الضرورة، فالاعادة لفضل الجماعة مقيدة بعدم خروج وقت الصلاة، فإن خرج وقتها فلا إعادة، ذكره سند، ونحوه لابن عرفة. والجماعة اثنان فصاعدا فلا يعيد مع الواحد إلا إن كان راتبا وما قاله صاحب المختصر ضعيف، ويعيد بنية التفويض إلى الله تعالى في جعل أيهما شاء فرضه، قال الفاكهاني: ولا بد مع التفويض من نية الفرض، فإن ترك نية التفويض ونوى الفريضة صحت، وإن ترك نية الفريضة صحت إن لم يتبين عدم الاولى وفسادها، وإلا لم تصح أيضا. فقول الفاكهاني لا بد من نية الفريضة مراده لاجزاء هذه إن تبين عدم الاولى أو فسادها وأما المساجد الثلاثة فإنه إذا صلى فيها منفردا ثم وجد جماعة في غيرها لا يعيد، وإذا وجدهم فيها أعاد معهم، وكذلك لو صلى منفردا في غيرها ثم أتاها أعاد فيها منفردا لاجل فضلها. ومن أقيمت عليه الصلاة وهو في المسجد فإنها تلزمه. قال في المدونة: ومن سمع الاقامة وقد صلى حده فليس بواجب عليه إعادتها إلا أن يشاء ولو كان في المسجد لدخل مع الامام، والمقصود من إعادة المنفرد في الجماعة (ل) تحصيل (الفضل) الوارد (في ذلك) أي في صلاة الجماعة وهو ما صح من قوله (ص) صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة والصلاة التي تعاد لفضل الجماعة عامة في كل فريضة (إلا المغرب
[ 153 ]
وحدها) أي فإن أعادها مع الامام قطع ما لم يركع فإن ركع شفعها وقطع وعدها نافلة، وإن لم يتذكر حتى صلى معه ثلاثا فإذا سلم الامام أتى برابعة بعدها نافلة، وإن لم يتذكر حتى سلم مع الامام فلا إعادة، وقيل يعيد، ذكره التتائي. وإنما لم تطلب الاعادة في المغرب لاجل الجماعة لانها إذا أعيدت
صارت شفعا، وهي إنما جعلت ثلاثا لتوتر عدد ركعات اليوم والليلة، وظاهر المصنف أنه يعيد العشاء ولو أوتر، والمشهور لا يعيد إذا أوتر لاجتماع وترين في ليلة على أحد قولي سحنون في أنه يعيد الوتر إذا أعاد العشاء، وعلى القول الثاني لا يلزم عليه اجتماع وترين لكن يلزم عليه المخالفة للآخر، وهو اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا. (ومن أدرك ركعة فأكثر من صلاة الجماعة فلا يعيدها في جماعة) أي يحرم عليه ذلك ظاهره ولو كانت الجماعة الثانية أكثر عددا أو أزيد خيرا وتقوى وهو المشهور، أي لان الفضل الذي تشرع له الاعادة قد حصل، وإن كانت الصلاة ابتداء مع الفضلاء وفي الجموع الكثيرة أفضل، إلا أن هذا الفضل لا تشرع لاجله الاعادة. وقال ابن حبيب: تفضل الجماعة بالكثرة. وفضيلة الامام لما صح من قوله (ص) صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى أي وحيث كان كذلك فلمن صلى مع جماعة أن يعيد مع أفضل منها، أو صلى مع إمام أن يعيد مع أفضل منه هذا مراده وليس مرادا في الحديث بل إن هذا الحديث إنما يدل على الحث على إيقاع الصلاة في جماعة أو في جماعة كثيرة، ثم صرح المصنف بمفهوم قوله: ومن أدرك ركعة الخ زيادة في
[ 154 ]
الايضاح فقال: (ومن لم يدرك إلا التشهد أو السجود فله أن يعيد في جماعة) أخرى، وهو مخير بين أمرين أن يبني على إحرامه، أو يقطع ويدرك جماعة أخرى إن رجاها فإن لم يرجها كمل صلاته ولا يقطعها هذا في حق من لم يصل قبل ذلك. وأما من صلى قبل ذلك ولم يدرك من صلاة الجماعة، إلا هذا المقدار، فإنه يشفع أي ندبا بعد سلام الامام وإنما يشفع إذا كانت الصلاة
مما يجوز النفل بعدها كما في التتائي. وعند ابن القاسم يقطع مطلقا سواء أحرم بنية الفرض أو النفل أي بعد تمام الركعتين أي لا يتم صلاته، ومقابله ما لمالك في المبسوط إن كانت نيته حين دخل مع الامام أن يجعلها ظهرا أربعا وصلاته في بيته نافلة فعليه أن يتمها، وأمرهما إلى الله تعالى، يجعل فرضه أيتهما شاء، وإن لم يرد رفض الاولى أجزأته الاولى ولم يكن عليه أن يتم هذه اه. ثم إن للمأموم مع الامام ستة مراتب معتبرة من أحواله من كونه وحده أو مع غيره نساء أو رجالا، أشار إلى أولها بقوله: (والرجل الواحد) فقط أو الصبي الذي يعقل الصلاة أي يدرك أن الطاعة يثاب عليها، وأن المعصية يعاقب عليها أي يعاقب فاعلها، إلا إن كان صبيا (مع الامام) أي موقفه مع إمامه أنه (يقوم عن يمينه) على جهة الندب، وأنه يتأخر عنه قليلا بقدر ما يتميز به الامام من المأموم، وتكره المحاذاة وهذه أولى مراتب المأموم مع الامام أنه إن كان المأموم واحدا فقط فموقفه من الامام على يمينه، لما في الصحيح أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بت في بيت خالتي ميمونة فقام رسول الله (ص) يصلي، فقمت عن ساره، فأخذ بيدي من وراء ظهره فعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الايمن.
[ 155 ]
والمرتبة الثانية أشار إليها بقوله (ويقوم الرجلان فأكثر خلفه) لما في مسلم قال جابر: قام رسول الله (ص) ليصلي فجئت حتى قمت عن يسار رسول الله (ص)، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه. ثم جاء جابر بن صخر فقام عن يسار رسول الله (ص) فأخذ بيدينا جميعا، فدفعنا حتى أقامنا خلفه. والمرتبة الثالثة أشار إليها بقوله (فإن كانت امرأة معهما) أي مع الرجلين (قامت خلفهما) لما في مسلم قال أنس: صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف رسول الله (ص) وأم سليم خلفنا. والرابعة أشار إليها بقوله (وإن كان معهما)
أي مع الامام والمرأة (رجل صلى) الرجل ومثله الصبي الذي يعقل القربة (عن يمين الامام و) صلت (المرأة خلفهما) لما في مسلم عن أنس أن رسول الله (ص) صلى به وبأمه أو خالته، شك الراوي، فأقامني عن يمينه وأقام المرأة التي هي أمه أو خالته خلفه. وحكم جماعة النسوة مع الامام والرجل حكم المرأة الواحدة معهما. وقد أشار إلى ذلك في باب الجمعة بقوله: وتكون النساء خلف صفوف الرجال. والخامسة أشار إليها بقوله: (ومن صلى بزوجته) قال ابن العربي: الافصح فيه زوج كالرجل، قال تعالى * (اسكن أنت وزوجك الجنة) * (البقرة: 35) (قامت خلفه) ولا تقف عن يمينه أي يكره لها ذلك، وينبغي أن يشير إليها بالتأخير، ولا تبطل صلاة واحد منهما بالمحاذاة إلا أن يحصل ما يبطل الطهارة. والسادسة أشار إليها بقوله: (والصبي إن صلى مع رجل واحد خلف
[ 156 ]
الامام قاما) أي الصبي والرجل (خلفه) أي خلف الامام دليله حديث أنس المتقدم، لكن قيد أهل المذهب هذا بقيد أشار إليه بقوله: (إن كان الصبي يعقل) ثواب من أتم الصلاة وإثم من قطعها (لا يذهب ويدع) أي يترك (من يقف معه) فإن لم يعقل ما ذكر قام الرجل عن يمين الامام، ويترك الصبي يقف حيث شاء. وحكم هذه المراتب الاستحباب، فمن خالف مرتبة وصلى في غيرها لا شئ عليه، إلا أن المرأة إذا تقدمت إلى مرتبة الرجل أو أمام الامام فكالرجل يتقدم أمام الامام يكره له ذلك من غير عذر، ولا تفسد صلاة الامام الذي تقدمت المرأة أمامه، ولا صلاة من معه إلا أن يلتذ برؤيتها أو بمماستها، وضعف القول بالبطلان بالتلذذ بالرؤية حيث لا مماسة ولا إنزال، فلو تقدم المأموم لعذر كضيق المسجد جاز من غير كراهة. (والامام الراتب) هو من أقامه السلطان أو نائبه أو الواقف أو
جماعة المسلمين على أي وجه يجوز أو يكره، لان شرط الواقف يجب اتباعه وإن كره، وكذلك السلطان أو نائبه، وإن أمرا بمكروه على أحد القولين، وسواء كان المنتصب للامامة في مسجد حقيقة أو حكما فدخل فيه السفينة والمكان الذي جرت العادة بالجمع فيه (إن صلى وحده قام مقام الجماعة) في حصول فضيلة الجماعة المتقدمة، وفي الحكم فلا يعيد في جماعة أخرى، ولا تجمع الصلاة في ذلك المسجد مرة أخرى. ومن صلى وحده عيد معه لكن بشرط صلاته في وقته المعتاد وانتظار الناس على العادة ونية الامامة والاذان والاقامة، ويجمع وحده ليلة المطر، لان المشقة حاصلة في حقه، ويقول سمع
[ 157 ]
الله لمن حمده، ولا يزيد ربنا ولك الحمد، أي يكره (ويكره) كراهة تنزيه (في كل مسجد له إمام راتب أن تجمع فيه الصلاة مرتين) قبل الراتب أو بعده أو معه على قول، والمذهب أنه يحرم أن يصلي أحد صلاة حال صلاة الامام الراتب لها انفرادا أو جماعة، لان ذلك يؤدي إلى التباغض والتشاجر بين الائمة وتفريق الجماعة وقد أمر الشارع بالالفة. (ومن صلى صلاة) من الصلوات المفروضة وحده أو مع جماعة إماما كان أو مأموما (فلا يؤم فيها أحدا) لانه يكون في الثانية متنفلا. والمعروف من المذهب أنه لا يجوز أن يأتم المفترض بالمتنفل ويعيد من ائتم به أبدا جماعة إن شاؤوا، وهو معتمد المذهب أو أفذاذا. وقال ابن حبيب: أفذاذا، وكأنه راعى مذهب المخالف، لان الصلاة الاولى تجزيهم عند الشافعي وغيره، فإذا أعادوها في جماعة صاروا كمن صلى في جماعة ثم أعاد في جماعة أخرى. (وإذا سها الامام) في صلاته (فليتبعه) أي وجوبا (من لم يسه معه ممن خلفه) ظاهره ولو كان مسبوقا. والمسألة ذات تفصيل، وهو إن كان أدرك معه
الصلاة كلها لزمه اتباعه على كل وجه سواء كان السجود قبليا أو بعديا. وإن كان مسبوقا فلا يخلو إما أن يعقد معه ركعة أو لا، فإن عقد معه ركعة وكان السجود قبليا سجد معه، وإن كان بعديا لا يسجد معه، وينتظره جالسا على ما في المدونة. قالوا: ويكون ساكتا ولا يتشهد معه، فإن خالف وسجد أفسد صلاته وإن جهل فقال عيسى: يعيد أبدا، قال في البيان: وهو الاقيس
[ 158 ]
على أصل المذهب لانه أدخل في صلاته ما ليس منها، وعذره ابن القاسم في الجهل فحكم له بحكم النسيان مراعاة لمن يقول عليه السجود مع الامام اه. وإن لم يعقد معه ركعة لم يترتب عليه سجوده البعدي، وأما القبلي فقال ابن القاسم: لا يتبعه، وعليه إذا خالف وتبعه بطلت صلاته اه. أي عمدا أو جهلا لا سهوا والاصل فيما قال ما رواه الدارقطني أنه (ص) قال: ليس على من خلف الامام سهو وإن سها الامام فعليه وعلى من خلفه وفي الصحيحين أنه (ص) قال إنما جعل الامام ليؤتم به أي ليقتدى به في أحوال الصلاة، فتنتفي المقارنة والمسابقة والمخالفة كما قال فلا تختلفوا عليه، فالرفع قبله، والخفض قبله من الاختلاف عليه، فيرجع ليرفع بعد رفعه، ويخفض بعد خفضه، قاله شارح الحديث. (ولا يرفع أحد) من المأمومين (رأسه) من ركوع أو سجود أي تحريما، فلو خالف فإنه يرجع له إن ظن إدراكه قبل الرفع، وهل الرجوع سنة أو واجب ؟ اقتصر المواق على الثاني. ولو ترك الرجوع صحت صلاته حيث أخذ فرضه مع الامام قبل رفعه وإلا وجب عليه الرجوع، فإن تركه عمدا أو جهلا بطلت صلاته لا سهوا، وكان بمنزلة من زوحم، ويقاس عليه الخفض. (قبل الامام) لما في الصحيحين عنه (ص) أنه قال: أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الامام
أن يحول الله وجهه وجه حمار أو يجعل صورته صورة حمار الشك من الراوي، وقوله في الحديث يحول الله وجهه إما حقيقة بأن يمسخ، إذ لا مانع من وقوع المسخ في هذه الامة كما يشهد له حديث أبي مالك الاشعري الذي في البخاري في باب الاشربة، أو يحول هيئته الحسية يوم القيامة ليحشر على تلك الصورة أي أو المعنوية كالبلادة الموصوف بها الحمار، فاستعير
[ 159 ]
ذلك للجاهل. ورد هذا المعنى الاخير بأن الوعيد بأمر مستقبل، وهذه الصفة حاصلة في فاعل ذلك عند فعله ذلك، وفي لفظ لمسلم أنه (ص) قال: أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف (ولا يفعل) أحد فعلا من أفعال الصلاة (إلا بعد فعله) أي إلا بعد الشروع في فعله، أي فالاولى أن يفعل بعد الشروع في الفعل ويدركه فيه، وهذا في غير القيام من اثنتين. وأما فيه فيطلب منه أن لا يفعل حتى يستقل الامام قائما. والاصل في ذلك أن البراء قال: كان رسول الله (ص) إذا قال سمع الله لمن حمده لم يحن أحد منا ظهره أي لم يقوس حتى يقع رسول الله (ص) ساجدا ثم نقع سجودا بعده، أي بحيث يتأخر ابتداء فعلهم عن ابتداء فعله عليه الصلاة والسلام، ويتقدم ابتداء فعلهم على فراغه عليه الصلاة والسلام من السجود، قاله شارح الحديث، فإن قيل قوله ولا يفعله الخ تكرار مع ما قبله، فالجواب من وجهين أحدهما: أنه من باب ذكر العام بعد الخاص، الثاني: أن الاول نهي عن السبق، وهذا نهي عن المصاحبة. وملخصه أن السبق حرام كالتأخر عنه حتى ينتقل إلى ركن آخر، والمصاحبة مكروهة. (ويفتتح) أي المأموم بالتكبير (بعده) أي بعد تكبير الامام على جهة الوجوب، أي بعد الفراغ من التكبير، فإن
سبقه به أو ساواه فيه بطلت صلاته ختم قبله أو معه أو بعده، فهذه ست صور. وإذا ابتدأ بعده إن ختم قبله بطلت، ومعه أو بعده صحت، فالصور تسع. ومثلها في السلام إلا أنه في الاحرام لا فرق بين العمد والسهو وفي السلام يقيد بالعمد لا بالسهو فلا يعتد بذلك السلام، ولا تبطل الصلاة به. تنبيه: إذا علم أنه أحرم قبل إمامه وأراد أن يحرم بعده، فقال مالك:
[ 160 ]
يكبر ولا يسلم، لانه كأنه لم يكبر لمخالفته ما أمر به. وقال سحنون: يسلم لانه اختلف في صحة الاحرام الاول. (ويقوم من اثنتين بعد قيامه) أي بعد قيام الامام مستقلا على جهة الاستحباب. (ويسلم بعد سلامه) على جهة الوجوب فإن سبقه به أو ساواه فيه بطلت صلاته إلا أن يكون ناشئا عن السهو، وإلا فلا، وينتظر الامام حتى يسلم ويسلم بعده. (وما سوى ذلك) أي الافتتاح والقيام من اثنتين والسلام بعده كالانحناء للركوع والسجود والقيام إلى الثانية والرابعة (فواسع) أي جائز أي ليس بممتنع فلا ينافي أنه مكروه بقرينة قوله: وبعده أحسن، فأفعل التفضيل ليس على بابه. (أن يفعله معه وبعده أحسن) أي أفضل (وكل سهو سهاه المأموم) في حال قدوته بالامام (فالامام يحمله عنه) أي كالتكبير، ولفظ التشهد أو زيادة سجدة أو ركوع، ولا مفهوم للسهو، بل يحمل عنه بعض العمد كترك التكبير أو لفظ التشهد، وذلك إذا كان في حال القدوة. وأما إذا كان مسبوقا وسها في حال قضاء ما فاته مع الامام فإن الامام لا يحمله عنه، لان القدوة قد انقطعت، وصار حكمه حكم المنفرد. ثم استثنى من الكلية التي ذكرها مسائل فقال: (إلا ركعة) أي إلا كركعة أي من كل ما كان فرضا غير الفاتحة. ولم يرد المصنف الحصر لان إلا لا تكون للحصر إلا إذا سبقها
نفي إذ بقي الجلوس للسلام والرفع وترتيب الاداء وغير ذلك. (أو سجدة أو تكبيرة
[ 161 ]
الاحرام أو السلام أو اعتقاد نية الفريضة لان هذه كلها فرائض، والفرائض لا تسقط بالسهو، ولا يجزئ عنها السجود، (و) من فضائل الصلاة أنه (إذا سلم الامام) من الفريضة (فلا يثبت) في مكانه (بعد سلامه) سواء كانت الصلاة مما يتنفل بعدها أم لا (ولينصرف) وهل ينصرف جملة وهو ظاهر كلام المصنف، أو يتحول ليس إلا. والمراد بانصرافه خروجه من المحراب، والمراد بتحويله أي يمينا أو شمالا، ورجح القول بالتحويل، قال الاجهوري ويكفي تغيير هيئته. قال الثعالبي: وهذا هو السنة. واختلف في علته فقيل لان الموضع لا يستحقه إلا من أجل الصلاة فإذا فرغ لا يستحقه بعدها، وقيل: إن العلة التلبيس على الداخل، ونقل عن الشافعي رضي الله عنه أنه يثبت بعد سلامه قليلا لما في صحيح مسلم أنه (ص) كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام، ثم استثنى من انصراف الامام بعد سلامه مسألة فقال (إلا أن يكون في محله) وهو داره في الحضر ورحله في السفر، أو كان بفلاة من الارض (فذلك) يعني الجلوس بعد سلامه (واسع) أي جائز لا كراهة فيه لانه مأمون مما يخاف منه. فائدة: كره مالك رضي الله عنه وجماعة من العلماء لائمة المساجد والجماعات الدعاء عقب الصلوات المكتوبة جهرا للحاضرين، فيجتمع لهذا الامام التقديم وشرف كونه نصب نفسه واسطة بين الله تعالى وبين عباده في تحصيل مصالحهم على يديه في الدعاء، فيوشك أن تعظم نفسه ويفسد
[ 162 ]
قلبه ويعصي ربه في هذه الحالة أكثر مما يطيعه. وروي أن بعض الائمة استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يدعو لقومه بدعوات بعد الصلاة فقال: لا، لاني أخاف عليك أن تشمخ نفسك حتى تصل الثريا، أي ترتفع نفسك. وهذا كناية عن الكبر، ويجري مجرى هذا كل من نصب نفسه للدعاء لغيره. وهذا آخر الكلام على الربع الاول من الرسالة. ثم شرع يتكلم على الربع الثاني فقال: باب جامع في الصلاة (باب جامع) بالتنوين ويروى بالاضافة وهذه الترجمة من تراجم الموطأ، ومعناها: هذا باب أذكر فيه مسائل مختلفة (في الصلاة) واعترض على الشيخ بأنه ذكر في الباب مسائل ليست منه كقوله: ومن أيقن بالوضوء وشك في الحدث ابتدأ الوضوء، ومن لم يقدر على مس الماء لضرر به أو لا يجد من يناوله إياه يتيمم. وأجيب بأن أكثر ما ذكره في الصلاة أي، فقوله: باب جامع الخ أي بحسب الاغلب، وبأنه وعد بمسألة التيمم أي فكأنها مستثناة، وبأن مسألة الوضوء لها تعلق بالصلاة، فكأنه قال: باب جامع فالصلاة حقيقة أو حكما، فما يتعلق بالصلاة صلاة حقيقة، وما يتعلق بالوضوء صلاة حكما. وهذا الجواب جار أيضا في مسألة التيمم. وابتدأ الباب بمسألة تقدمت في باب طهارة الماء أي للمناسبة لان الستر يطلب حين إرادة الدخول في الصلاة. قال لتتائي: وكرر هذه المسألة مع تقدمها في باب طهارة الماء والثوب وأجيب بأنه إنما كررها لزيادة صفة الخمار أو لان هذا محلها قال المصنف: (وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة) شيئان الشئ الاول: (الدرع) بدال مهملة. (الحصيف)
[ 163 ]
قال في التحقيق: روي بالحاء المهملة، وبالخاء المعجمة، ومعنى الاولى الكثيف بالثاء المثلثة وهو المتين، ومعنى الثانية الساتر اه فعلى الثانية يكون قوله
السابغ تفسيرا للخصيف بالخاء المعجمة (السابغ) أي الكامل (الذي يستر ظهور قدميها) تفسير للسابغ وقوله ظهور قدميها بل لا بد أيضا من ستر بطون قدميها وإن كان لا إعادة عند ترك ستر بطن القدم. (وهو) أي الدرع (القميص) وهو ما يسلك في العنق (و) الشئ الثاني (الخمار) بكسر الخاء المعجمة، وهو ثوب تجعله المرأة على رأسها (الحصيف) فشرطه شرط القميص من كونه كثيفا لا يشف، فإن صلت بالخفيف النسج الذي يشف فإن كان ممن تبدو منه العورة بدون تأمل فإنها تعيد أبدا، وإن كان يصف العورة فقط أي يحددها فيكره، وتعيد في الوقت، والرجل كالمرأة في ذلك فيجب على المرأة أن تستر ظهور قدميها وبطونهما وعنقها ودلاليها. ويجوز أن تظهر وجهها وكفيها في الصلاة خاصة. والاصل فيما ذكر قوله (ص) لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار يعني بالغ. وفي رواية: سئل رسول الله (ص) أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار قال: إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها (ويجزئ الرجل في الصلاة ثوب واحد) من غير كراهة إن كان كثيفا ساترا لجميع جسده، فإن لم يستر إلا عورته فقط أجزأته صلاته مع الكراهة، وإنما كرر هذه المسألة ليرتب عليها قوله (ولا يغطي) المصلي ذكرا كان أو أنثى (أنفه أو وجهه في الصلاة أو يضم ثيابه
[ 164 ]
أو يكفت) أي يضم (شعره) والنهي عن هذه الامور لها نهي كراهة. أما تغطية الانف بالنسبة إلى المرأة فلانه من التعمق في الدين أي التشديد في الدين. وأما بالنسبة للرجل فللكبر إلا من كانت عادتهم ذلك كأهل مسوقة، بلد بالمغرب، فيباح له في الصلاة بمعنى أنه لا يكره، فلا ينافي أنه خلاف الاولى ويجوز في غيرها جوازا مستوي الطرفين. والحاصل أن
تغطية الانف مكروهة في الصلاة وغيرها إذا لم تكن عادتهم ذلك، وإلا فخلاف الاولى في الصلاة، ومستوي الطرفين في غيرها. وأما تغطية الوجه فمكروهة مطلقا في الصلاة للرجل والمرأة لما فيها من التعمق في الدين. وأما ضم الثياب فإنما يكره إذا فعل ذلك لاجل الصلاة أو خوفا على ثيابه أن تتغير بالتراب، لان في ذلك نوعا من ترك الخشوع. أما إذا كان في صنعة أو عمل فحضرته الصلاة وهو بهذه الحالة فيجوز له أن يصلي على ما هو عليه من غير كراهة. وأما كفت الشعر فإنما يكره إذا قصد بذلك عزة شعره من أن يتلوث بنحو تراب أو فعل ذلك لاجل الصلاة أي كفت شعره لاجل الصلاة. (وكل سهو) سهاه الامام أو الفذ أو المأموم في بعض الصور، وهو فيما إذا شرع يقضي ما عليه (في الصلاة) المفروضة أو النافلة على ما في المدونة خلافا لمن قال إنه لا سجود في النافلة دليلنا قوله (ص) لكل سهو سجدتان والحاصل أن النافلة كالفريضة إلا في خمس مسائل: السر والجهر والسورة تغتفر في النافلة دون الفريضة. الرابعة إذا عقد ثالثة برفع رأسه من ركوعها كملها رابعة في النافلة بخلاف الفريضة الخامسة إذا نسي ركنا من النافلة وطال أو شرع في صلاة مفروضة مطلقا أو نافلة وركع فلا شئ عليه بخلاف الفريضة فإنه يعيدها. (بزيادة) يسيرة سواء كانت من غير أقوال الصلاة كالتكلم ساهيا أو كانت من جنس أفعال الصلاة كالركوع
[ 165 ]
والسجود. (فليسجد له) أي للسهو على جهة السنية على ما في المختصر وفي الطراز وجوب البعدي، قاله التتائي. (سجدتين بعد السلام) ولو تكرر سهوه ما لم تكثر الزيادة، وإلا بطلت الصلاة سواء كانت من غير أقوال الصلاة كالكلام نسيانا ويطول، فإن كانت من أقوال الصلاة فلا سجود
في سهوها، كما لا يبطل تعمدها كما لو كرر السورة أو زاد سورة في أخرييه إلا أن يكون القول فرضا، فإنه يسجد لسهوه كما لو كرر الفاتحة سهوا ولو في ركعة. وجرى الخلاف في بطلان الصلاة بتعمد تكرارها، والمعتمد عدم البطلان أو كانت من غير جنس أفعال الصلاة مثل أن ينسى أنه في الصلاة فيأكل ويشرب. واختلف في ذلك فقيل إن جمعهما مبطل كثر أم لا. وقيل: إن كثر بطل وإلا فلا. ويجبر بالسجود أو كانت من جنس أفعال الصلاة والكثير منه في الرباعية مثلها أربع ركعات محققات على ما شهره ابن الحاجب ومن تبعه. وتعتبر الركعة برفع الرأس من الركوع فإذا رفع رأسه من ثانية في رباعية أو سابقة في ثلاثية أو رابعة في ثنائية فقد بطلت الصلاة وفي بطلانها بنصفها قولان فقيل: تبطل، وقيل: لا تبطل وهو المعتمد، ويسجد للسهو والكثير في الثنائية مثلها ركعتان ولا تبطل بزيادة ركعة على المشهور، مثال الثنائية الصبح والجمعة بناء على أنها فرض يومها وعلى مقابله فلا يبطلها، إلا زيادة أربع ركعات وكالرباعية السفرية فلا يبطلها إلا زيادة أربع ركعات والكثير في المغرب أربع ركعات على المعتمد أن الثلاثية كالرباعية لا تبطل إلا بزيادة أربع ركعات محققات. وظاهر قوله (يتشهد لهما) أي لسجدتي السهو البعدي أنه ألا يحرم للسجود البعدي والمشهور افتقاره إلى الاحرام ويكتفي بتكبيرة الاحرام عن تكبيرة الهوي
[ 166 ]
وعلى القول بافتقاره إلى الاحرام، فهل يحرم من قيام، وهو لبعض المتقدمين أو من جلوس، وهو قول ابن شبلون. نقله في الجواهر، انتهى. (ويسلم منهما) أي بعد فراغه من التشهد. (وكل سهو) في الصلاة سهاه الامام أو الفذ أو المأموم في بعض صوره (بنقص) يعني بنقص سنة مؤكدة ومثلها
السنتان الخفيفتان، وسواء كان النقص محققا أو مشكوكا فيه، والسنن المؤكدة التي يسجد لها ثمانية: الاولى قراءة ما زاد على أم القرآن في الفريضة فيسجد لترك ذلك فيها لا في النافلة، الثانية الجهر بالقراءة في الفريضة الجهرية فيسجد لتركه فيها لا في النافلة، بأن يأتي بالسر بدله فيها، الثالثة الاسرار في محله فإذا قرأ جهرا في محل السر فإنه يسجد قبل السلام، وهذا وارد على رأي ابن القاسم، وهو ضعيف، والمعتمد أنه بعد السلام، فعلى المعتمد ليس من هذا الباب، أي باب السجود قبل السلام، الرابعة التكبير سوى تكبيرة الاحرام، وهذا بناء على أنه كله سنة واحدة وأما على القول بأن كل تكبيرة سنة، وهو ما عليه صاحب المختصر ومنصوص عليه في شرح المدونة أيضا، فإنه يسجد لترك تكبيرتين، الخامسة قول سمع الله لمن حمده يجري فيه ما جرى في الذي قبله، السادسة والسابعة التشهد الاول والجلوس له فذاته سنة وكونه باللفظ الخاص سنة أخرى، والجلوس له سنة أخرى أيضا، فهو مركب من ثلاث سنن، الثامنة التشهد الاخير ولا سجود لغير هذه الثمانية والسجود الذي قبل السلام إنما يكون (إذا تم تشهده ثم) بعد أن يفرغ من السجدتين (يتشهد) ثانيا على المشهور (ويسلم) وهو مختار ابن القاسم، ووجهه أن من سنة السلام أن يعقب تشهدا، وأشعر كلامه أنه لا يعيد
[ 167 ]
الصلاة على النبي (ص)، وهو كذلك (وقيل لا يعيد التشهد) وهو مروي عن مالك أيضا، واختاره عبد الملك لان طريقة الجلوس الواحد لا يتكرر فيه التشهد مرتين (ومن نقص في) صلاته شيئا من السنن المؤكدة (و) مع ذلك (زاد) فيها شيئا يسيرا مما تقدم بيانه (سجد) له (قبل السلام) أيضا مثل أن يترك التشهد والجلوس له ويزيد سجدة وما ذكره الشيخ
من التفصيل من أنه يسجد للنقص فقط أوله مع الزيادة قبل السلام ويسجد للزيادة فقط بعد السلام هو قول مالك، وعن الشافعي يسجد قبل السلام مطلقا، وعن أبي حنيفة بعده مطلقا، ودليلنا على الزيادة ما صح أنه عليه الصلاة والسلام صلى العصر، فسلم من ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت ؟ إلى أن قال: فقام رسول الله (ص) فأتم ما بقي من الصلاة ثم سجد سجدتين بعد السلام وهو جالس ودليل النقص ما صح أنه (ص) صلى الظهر فقام من الركعتين الاوليين ولم يجلس، فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم، قال ابن عبد السلام: ثم غلب النقصان على الزيادة إذا اجتمعا وفي الحديث دلالة على مشروعية السجود للسهو وأنه سجدتان وأن التسليم سهوا لا يبطل الصلاة، وأن الفصل اليسير بعده غير مبطل، وأن الكلام لاصلاحها من الامام والمأموم لا يبطل الصلاة. (ومن نسي أن يسجد) سجود السهو البعدي الذي يفعله (بعد السلام) ثم تذكره (فليسجد متى ما ذكره وإن طال ذلك) أي ما بين تذكره
[ 168 ]
والسلام من الصلاة ولو بعد شهر ولا مفهوم للنسيان، بل مثله الترك عمدا لان السجود البعدي ترغيم للشيطان، فناسب أن يسجد وإن بعد وأما القبلي فإنه جابر لنقص الصلاة فلذا طلب وقوعه فيها أو عقبها مع القرب، وظاهر كلامه في المدونة أنه يأتي به ولو كان في وقت نهي، وهو كذلك في القبلي لانه من جملة الصلاة وتابع لها وكذا البعدي إن كان متعلقا بصلاة مفروضة. وأما لو تذكره من صلاة غير مفروضة في وقت النهي فإنه يؤخره لحل النافلة وظاهره أيضا أنه إن ترتب من صلاة الجمعة لا يرجع إلى الجامع. والمذهب
على ما قاله التادلي بالدال المهملة المفتوحة نسبة إلى تادلة محلة بالمغرب الرجوع إلى الجامع، وظاهر المختصر اختصاص الرجوع إلى الجامع بالقبلي دون البعدي، وهو المعتمد، وإنما كان هذا ظاهر المختصر لانه قال: وبالجامع في الجمعة في سياق الكلام في السجود القبلي ثم اعلم أن السجود القبلي لا بد أن يفعل في الجامع الذي أديت فيه الجمعة، كما لو فاتته الركعة الاولى من الجمعة وقام لقضائها فنسي السورة وخرج من المسجد ولم يطل الامر، فإنه يرجع إلى الجامع الذي صلى فيه الجمعة. وأما البعدي، كما لو تكلم ساهيا، أو زاد ركعة سهوا ونسي السجود حتى خرج من المسجد، فإنه يسجد في أي جامع كان. تنبيه: ظاهر المتن سواء ذكره في صلاة أم لا، ولا يخلو هذا من أربعة أوجه، لانه إما أن يكون من فرض فيذكره في فرض، أو من فرض فيذكره في نفل، أو من نفل فيذكره في نفل، أو من نفل فيذكره في فرض. والحكم في ذلك كله أن يتم ما هو فيه، ويسجد بعد فراغه مما هو فيه. (وإن كان) سجود السهو الذي نسيه قبليا أي يفعل (قبل السلام سجد) إذا تذكره (إن كان) تذكره له (قريبا) من انصرافه من الصلاة
[ 169 ]
والقرب غير محدود على المذهب، وهو مذهب ابن القاسم، وكذلك الطول، بل مرجعهما إلى العرف، فما قاله العرف يعمل به فيهما، ويحد بعدم الخروج من المسجد عند الامام أشهب. (و) أما (إن بعد) تذكره له (ابتدأ) بمعنى أعاد (الصلاة) وجوبا لبطلانها حيث كان مترتبا عن نقص ثلاث سنن. قال التتائي: كالتحقيق كنسيان الجلوس الوسط أو ثلاث تكبيرات أو تحميدات، وهذا إن كان تركه على جهة السهو، وأما لو تركه عمدا لبطلت الصلاة بمجرد الترك على رأي الاجهوري. وقال السنهوري: لا تبطل إلا بالطول،
ولو كان الترك عمدا، وفي كلام العدوي لعل الاوجه كلام السنهوري لما تقدم من أن تأخير القبلي لا يبطل الصلاة ولو كان عمدا (إلا أن يكون ذلك) السجود القبلي ترتب (من نقص شئ خفيف كالسورة) التي تقرأ (مع أم القرآن) أي فإنها مركبة من سنتين خفيفتين ذاتها وكونها سرا أو جهرا، أي فيسجد لهما، ولكن إذا ترك وطال لا تبطل صلاته، وهذا إذا أتى بالقيام لها، وإلا فتبطل في هذه الحالة، لانه ترك ثلاث سنن، وقيل لا تبطل ولو لم يأت بالقيام لها، وكلام الجزولي يفيد ترجيح الاول ويتفق على البطلان حيث ترك السورة في أكثر من ركعة. وقول المصنف كالسورة مع أم القرآن لو قال بعد أم القرآن لكان أوضح لئلا يتوهم أن أم القرآن متروكة أيضا، وإن كان ذلك مدفوعا بأن موضوع كلام المصنف في نقصان شئ خفيف (أو تكبيرتين أو التشهدين وشبه ذلك) كتحميدتين، وهذا مرور منه رحمه
[ 170 ]
الله على غير الراجح بناء على أن خصوص اللفظ مندوب، وأنه ترك التشهدين وأتى بالجلوس لهما لانه في تلك الحالة ليس سجوده إلا عن سنتين خفيفتين، وقد علمت أن المذهب كما يفيده كلام المواق أنه يسجد لترك تشهد واحد، وحينئذ فمن ترك تشهدا واحدا مع الجلوس له، ولم يسجد حتى طال الامر بطلت صلاته لتركه السجود المترتب عن ثلاث سنن: الجلوس، ومطلق التشهد، وخصوص اللفظ، فأولى من ذلك لو ترك تشهدين. واعترض القرافي على هذه المسألة قائلا لا يتصور أن ينسى التشهدين ويكون السجود لهما قبل السلام لانه لا يتحقق سهوه عن التشهد الاخير إلا بالسلام، لان كل ما قبله ظرف للتشهد والجواب أن هذا يتصور في الراعف المسبوق بركعة خلف الامام، ويدرك الثانية، وتفوته الركعة الثالثة والرابعة، فإنه يطالب
بتشهدين بعد مفارقته لامامه غير تشهد السلام، فإذا ترك هذين التشهدين فإنه يسجد قبل السلام (فلا شئ عليه) أي لا إعادة ولا سجود، أي مع الطول إذ هو موضوع مسألة المصنف، وإلا فمن المعلوم أن السنتين الخفيفتين يسجد لهما، لكن إذا طال الامر ولم يسجد لا يخاطب بسجود ولا يعيد صلاته لكونه عن سنتين خفيفتين. وقد علمت مما تقدم أن السجود شرع لجبر الخلل الواقع في الصلاة كما لو زاد ركوعا أو سجودا سهوا، أو ترك ركوعا أو سجودا كذلك، أي سهوا، وتلافي ذلك المتروك قبل السلام أو ترك سنة مؤكدة أو سنتين خفيفتين فإنه يطالب بالسجود على حسب أحواله من كونه قبل أو بعد لجبر هذا الخلل، وكان من جملة الخلل الواقع في الصلاة ما لا يجبر بالسجود، أي لا يكون السجود بدلا عنه، أي بحيث يقال إن هذا السجود متمم لصلاة من ترك منها ركنا، وإنه قائم مقام ذلك الركن، نبه على ذلك المصنف بقوله: (ولا يجزئ سجود السهو لنقص ركعة) أي
[ 171 ]
كاملة تيقن تركها أو شك فيه حال تشهده وقبل سلامه، ولا بد من الاتيان بتلك الركعة، وكيفية الاتيان بها أنه يأتي بها بانيا على ما سبق من الركعات، ولو كانت تلك الركعة إحدى الاوليين، ويسجد بعد ذلك قبل السلام لانقلاب ركعاته حيث كان إماما أو فذا، فإن لم تكن من إحدى الاوليين، فإنه يسجد بعد الاتيان بتلك الركعة بعد السلام لتمحض الزيادة. (ولا) لنقص (سجدة) أي أو ركوع، أو رفع منهما، وذكر ذلك في حال قيامه مثلا أو تشهده قبل سلامه تحقق نقصها، أو شك فيه، والفرض أنه لم يمكنه تلافيه في محله، فإنه يأتي ببدل المشكوك فيه ويسجد قبل السلام، لان الفرض في السجود قبل، والمراد بالشك مطلق التردد فيشمل الظن والشك والوهم.
هذا في الفرائض لان الشك في النقص فيها كتحققه في وجوب الاتيان ببدل المشكوك فيه بخلاف السنن فلا يسجد لنقصها إلا عند تيقن النقص أو التردد فيه على السواء، لا عند توهمه. (ولا لترك القراءة في الصلاة كلها أو في ركعتين منها وكذلك في ترك القراءة في ركعة من الصبح) لو قال لنقص فريضة أو ركن لكان أخصر، وما ذكره من عدم الجبر بالسجود لنقص ركعة أو سجدة مجمع عليه، وما ذكره من عدم الجبر في ترك القراءة يعني قراءة أم القرآن في الصلاة كلها هو قول الاكثر، وهو الراجح، ومقابله ما رواه الواقدي عن مالك أنه إذا ترك القراءة في الصلاة كلها أن صلاته تجزئه، وما ذكره من عدم الجبر في ترك القراءة في الركعتين، قال ابن ناجي: هو مؤثر في البطلان. ونص عبارته: وأما ترك القراءة في ركعتين منها أو ثلاث، فإنه مؤثر في البطلان، انتهى. وظاهر عبارته بطلان الصلاة وأنه لا يأتي
[ 172 ]
ببدل ما ترك فيه القراءة وهو لا يتم فليحمل على أن المراد لا يجبر بالسجود، فلا ينافي أنه يلغي ما ترك فيه القراءة ويأتي ببدله وتصح صلاته. وقال الفاكهاني في ترك القراءة في نصف الصلاة كركعة من الثنائية أو ركعتين من الرباعية ثلاثة أقوال: أشهرها أنه يتمادى ويسجد قبل السلام ويعيد صلاته احتياطا على جهة الندب. ثانيها يسجد قبل السلام وتجزئه، ثالثها يلغي ما ترك فيه القراءة ويأتي بمثله ويسجد بعد السلام، وهو الجاري على المعتمد من أنها واجبة في كل ركعة فيكون هو المعتمد، ولما بين ترك حكم قراءة الفاتحة في الصلاة كلها أو في نصفها انتقل يتكلم على تركها في أقل الصلاة، فقال: (واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غيرها) أي من غير الصبح كركعة من الثلاثية أو الرباعية على ثلاثة أقوال كلها في المدونة (فقيل يجزئ فيه)
أي في السهو عن القراءة في ركعة من غير الصبح (سجود السهو قبل السلام) ولا يلغيها وتجزئه، واختار هذا القول عبد الملك بناء على أنها فرض في الجل، أو بناء على عدم وجوبها، أو على أنها واجبة في ركعة أو النصف. (وقيل يلغيها) أي الركعة التي ترك منها قراءة الفاتحة (ويأتي بركعة) بدلها، واختار هذا القول ابن القاسم، وهذا يقتضي وجوبها في كل ركعة، وهو المعتمد وصححه ابن الحاجب، وقال ابن شاس: هي الرواية المشهورة. (وقيل يسجد قبل السلام ولا يأتي بركعة) بدلها (ويعيد الصلاة احتياطا) لبراءة
[ 173 ]
ذمته مراعاة لمن يقول بوجوبها في كل ركعة وبالاعادة افترقت الرواية الثالثة من الاولى. وظاهر المصنف أن إتمام الاولى واجب وأن إعادة الثانية مستحب لان الاحتياط لا يكون إلا مستحبا (وهذا) القول الثالث (أحسن ذلك) أي الاقوال المذكورة لان فيه مراعاة القولين السابقين فسجوده قبل السلام وعدم بطلانها رعي للقول بأنها فرض في الجل مثلا وإعادة الصلاة رعي للقول الثاني. (إن شاء الله) تعالى قال ذلك مع كونه أحسن الروايات عنده إما لعدم جزمه بما قاله من الاحسنية أو للتبرك. تنبيهان من الفاكهاني: الاول: لم يذكر الشيخ حكم ما إذا ترك القراءة من أكثر الصلاة كثلاث من الرباعية وركعتين من المغرب، وفي ذلك قولان مشهورهما أنه يسجد قبل السلام ويعيد احتياطا أي ندبا، فمحصله أن ترك الجل والنصف لا يبطل، ويسجد قبل السلام ويعيد احتياطا. الثاني محل الخلاف المتقدم كله في ترك قراءة الفاتحة إذا فات موضع الاتيان بها، أما إذا لم يفت بأن تذكرها قبل أن يرفع رأسه من الركوع فإنه يرجع لقراءتها، وفي إعادة السورة قولان، استحسن اللخمي الاعادة وهو المشهور كما في التوضيح،
إما لكونها بعد الفاتحة سنة أو لكون السنة لا تحصل إلا إذا وقعت بعد الفاتحة والظاهر أن القول الثاني أي القائل بعدم الاعادة وهو لمالك في المجموعات لا يرى ذلك بل يرى أن السنة تحصل بقراءتها، وقعت قبل الفاتحة أو بعدها، والله أعلم. وعلى ما استحسنه اللخمي من الاعادة قال سحنون: يسجد بعد السلام، أي لتلك الزيادة القولية. وقال ابن حبيب: لا سجود عليه أي فلا يرى ترتب السجود على تلك الزيادة القولية، وهذا هو الراجح، قال صاحب التوضيح: وقول ابن حبيب أصح لان زيادة القراءة
[ 174 ]
لا يسجد لها بدليل لو قرأ سورتين أو قرأ السورة في الاخيرتين كما أفاده في التحقيق، ثم انتقل يبين ما لا يسجد له من نقص سنة خفيفة أو نقص فضيلة فقال: (ومن سها عن تكبيرة) سوى تكبيرة الاحرام (أو عن سمع الله لمن حمده مرة) واحدة (أو) عن (القنوت فلا سجود عليه) أما ترك السجود عن التكبيرة الواحدة، فهو المشهور، وعليه فإن سجد قبل السلام بطلت صلاته إلا أن يكون مقتديا بمن يرى السجود لترك ذلك، فلا تبطل صلاته كما لا تبطل إن ترك السجود خلفه وعن ابن القاسم: يسجد لها. وما ذكره من ترك السجود لترك التحميدة الواحدة هو المذهب، ولا سجود على من ترك القنوت، فإن سجد له قبل السلام بطلت صلاته. (ومن انصرف) أي خرج (من الصلاة) بسلام سهوا مع اعتقاد الاتمام المراد سها عن كونها ناقصة فلا ينافي أنه أوقع السلام عمدا. وأما إن سلم ساهيا عن كونه في الصلاة أو عن كونه متكلما بالسلام فإنه بمنزلة من لم يسلم فيتدارك ما تركه (ثم) بعد خروجه منها (ذكر) أي تذكر يقينا أو شك، والمراد مطلق التردد ظنا أو شكا أو وهما (أنه بقي عليه شئ منها)
أي من أركان الصلاة المفروضة فيها كالركوع أو السجود أو الجلوس بقدر السلام، فإذا سلم ساهيا في حال رفعه من السجود، فإنه يجلس بقدر السلام ويسلم (فليرجع) أي للصلاة أي ينوي تكميلها (إن كان) تذكره (بقرب ذلك) الانصراف قال التتائي: ظاهر المذهب يقتضي أنه
[ 175 ]
يصلي بمكانه فورا وإن لم يفعل وصلى بمكان آخر بطلت صلاته (ف) - إذا رجع أي فإذا نوى الرجوع أي نوى تكميل الصلاة (يكبر تكبيرة يحرم بها) أي معها يعني ينوي الرجوع مصاحبا للتكبير ظاهر كلامه وإن قرب جدا، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وهذا هو المعتمد، ومقابله أنه إن قرب جدا لا يحرم، وجعله ابن ناجي ظاهر كلام الشيخ حيث أتى بثم، والخلاف إنما هو في التكبير، وأما النية فمتفق عليها، وحيث قلنا يرجع بإحرام، فإن ذكر وهو جالس أحرم على حالته ولا يطالب بقيام هذا حيث فارق الصلاة من محل الجلوس، وأما إن فارقها في غير محله كأن انصرف بعد ما صلى ركعة أو صلى ثلاثا من غير المغرب فإنه يرجع للرفع من السجود ويحرم منه ولا يجلس وإن ذكر وهو قائم ففي إحرامه وهو قائم قولان، حاصله أن القدماء من أصحاب مالك ذهبوا إلى أنه يحرم من قيام لاجل الفور وعليه فهل يجلس عقيبه ثم ينهض أو لا ؟ قولان. وذهب ابن شبلون إلى أنه يجلس لانه الحالة التي فارق الصلاة عليها وهو المعتمد، ولا يكبر لذلك الجلوس، وإنما يجلس بغير تكبير فإذا جلس كبر للاحرام ثم يقوم بالتكبير الذي يفعله من فارق الصلاة من اثنتين ومحل كونه يجلس للاحرام إذا سلم من اثنتين وأما إن سلم من واحدة أو من ثلاث فإنه يرجع إلى حال رفعه من السجود ويحرم، ولا يجلس إذ لم يكن ذلك موضعا
لجلوسه، ويندب له رفع يديه حين يحرم، وإن ترك الاحرام ورجع بنية فقط ففي التوضيح عن مصنفنا وهو ابن أبي زيد لا تبطل، وهو المعتمد. (ثم) بعد أن يكبر التكبيرة التي أحرم بها (يصلي ما بقي عليه) من صلاته إذا سلم على يقين أن صلاته تامة، أما إن سلم عالما بأن صلاته لم تتم
[ 176 ]
أو شك المراد مطلق التردد سواء ظهر الكمال أو النقصان، أو لم يظهر شئ، فالصلاة باطلة، وقد عرفت ما إذا تذكر بعد أن سلم. وأما إن كان تذكره قبل أن يسلم فإن كان من الاخيرة، فلا يخلو إما أن يكون ركوعا أو لا، فإن كان ركوعا أتى به قائما، وإن كان رفعا من ركوع أتى به محدودبا أو سجدة أتى بها من جلوس أو اثنتين أتى بهما من قيام، فإن أتى بهما من جلوس سهوا سجد قبل السلام لنقص الانحطاط لهما فهو غير واجب وإلا لم يجبر بسجود السهو، ويكره تعمد ذلك، كما قال زروق، وإن كان المتروك من غير الاخيرة فإنه يأتي به على ما قررنا فيما إذا كان من الاخيرة من جلوس أو قيام أو احديداب ما لم يعقد الركعة التي تلي ركعة النقص، فإذا عقدها فقد فاتت وقامت التي عقدها مقامها حيث كان فذا أو إماما، وما ذكرنا من أنه يأتي بالفرض المتروك إن أمكن تداركه، وأما إن كان المتروك هو النية وتكبيرة الاحرام فلا يتدار كان لانهما إذا نسيا لم توجد صلاة، فإذا سها عن واحدة منهما فإنه يبتدئ الصلاة من أولها. واعلم أن النقص المشكوك كالمحقق، والمراد بالشك مطلق التردد. وأما في السنن فلا يعتبر إلا تيقن النقص أو التردد فيه على السواء لا عند التوهم. (وإن تباعد ذلك) التذكر عن الانصراف من الصلاة وهو محدود بالعرف عند مالك وابن القاسم، أو خرج من المسجد عند أشهب،
(أو خرج من المسجد ابتدأ صلاته) لان من شروط الصلاة أن تكون كلها في فور واحد وظاهر قوله (وكذلك من نسي السلام) أن فيه التفصيل المتقدم فيرجع إلى الجلوس إن كان بقرب ذلك، فيكبر تكبيرة
[ 177 ]
يحرم بها وهو جالس ويتشهد ويأتي بالسلام ويسجد بعد السلام. وإن تباعد ذلك أو خرج من المسجد ابتدأ صلاته ومحل كونه يأتي بتكبيرة يجزم بها وهو جالس ويتشهد ويأتي بالسلام إذا تذكر السلام بعد أن فارق مكانه. أما إن تذكر بالقرب وهو جالس مستقبل القبلة سلم مكانه، ولا يطالب بتكبيرة يحرم بها ولا تشهد، فإن انحرف عنها انحرافا لا تبطل به الصلاة استقبلها وسلم، ولا شئ عليه من تكبيرة إحرام أو تشهد، وإنما عليه أن يسجد بعد السلام للسهو. (ومن لم يدر ما صلى أثلاث ركعات أم أربعا بنى على اليقين) أي الاعتقاد الجازم (وصلى ما شك فيه) أي في تركه فالثلاثة محققة، والذي وقع فيه الشك هو الرابعة، فلا تحقق الكمال الذي تبرأ به الذمة إلا برابعة وهو معنى قول المصنف: وصلى ما شك فيه، فقوله (وأتى برابعة) تفسير لقوله ما شك فيه (وسجد بعد سلامه) على المشهور، وقال ابن لبابة: يسجد قبل السلام، وهو ظاهر ما في الموطأ ومسلم من قوله (ص) إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم وسند المشهور أن السجود بعد السلام بحمل الحديث على ما إذا لم يتقين سلامة الاولتين. (ومن) كان إماما أو فذا و (تكلم) في صلاته كلاما يسيرا (ساهيا) أي عن كونه في الصلاة أو عن كونه متكلما به، وأما لو تكلم عامدا فتبطل صلاته إلا أن يكون لاصلاحها فلا تبطل إلا أن يكثر في نفسه، والكثرة
[ 178 ]
بالعرف (سجد بعد السلام) لانه زيادة فينجبر سهوه بالسجود، واحترز بالساهي من العامد والجاهل والمكره ومن وجب عليه الكلام لانقاذ أعمى مثلا، فإن صلاتهم باطلة. وأما من وجب عليه الكلام لاجابة النبي (ص) فلا تبطل صلاته، وسواء كان ذلك في حياته أو بعد موته إذا تيقن أو ظن أنه النبي (ص) لا إن شك فلا يجيب، فإن أجاب بطلت صلاته (ومن لم يدر أسلم أو لم يسلم) ولم يقم من مقامه وكان بقرب تشهده (سلم ولا سجود) سهو (عليه) لانه إن كان سلم فصلاته تامة، والسلام الثاني واقع في غير الصلاة فلا وجه للسجود، وإن كان لم يسلم فقد سلم الآن ولم يقع منه سهو يسجد له، وأما إذا قرب ولكن تحول عن مقامه، أي ولم ينحرف عن القبلة فإنه يرجع بتكبيرة ويتشهد ويسلم ويسجد بعد السلام للزيادة، فلو لم يتحول إلا أنه انحرف عن القبلة فإنه يستقبل ويسلم ولا يتشهد ولا إحرام عليه، ويسجد بعد السلام (ومن استنكحه) أي داخله (السهو) في الصلاة (فليله عنه) وجوبا بمعنى أنه يضرب عنه صفحا ولا يعول على ما يجده في نفسه من ذلك لانه بلية من الشيطان إذا تمكنت من القلب لا ينتج معها عمل أبدا، فالدواء النافع من هذا الداء الذي يورث خبل العقل هو الاعراض وأنفع دواء هو ذكر الله * (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا) * (الاعراف: 201) فإذا قال له مثلا ما صليت إلا ثلاثا فيقول له: ما صليت إلا أربعا وإن صلاتي صحيحة (ولا إصلاح عليه) فلو أصلح
[ 179 ]
وبنى على اليقين لم تبطل صلاته كما قال الخطابي، ولعل وجهه أن الاصل البناء على اليقين، وإنما سقط عن المستنكح تخفيفا عليه، فإذا أصلح فقد وافق
الاصل (ولكن عليه أن يسجد بعد السلام) عند ابن القاسم على جهة الاستحباب لانه إلى الزيادة أقرب، وجهه أن من هذه صفته على تقدير أن يكون شك هل صلى ثلاثا أو أربعا يقرب أن يكون صلى خمسا (وهو الذي يكثر ذلك منه) أي يعتريه الشك في زمن كثير (يشك كثيرا أن يكون سها ونقص) أي سها فنقص وفي رواية سها زاد أو نقص، وتحته صورتان: الاولى يشك هل صليت أربعا أو خمسا. والثانية يشك هل صليت أربعا أو ثلاثا. ولكن مفاد قوله فليله عنه ولا إصلاح عليه لا يعقل إلا فيما إذا كان سها بنقص لا إن كان سها بزيادة. وغاية الاعتذار عنه أن يقال الالهاء بحيث إنه لا يطالب بالسجود على جهة السنية فلا ينافي أنه يسجد ندبا. واعلم أن الكثرة تعتبر إذا كان يأتيه في كل صلاة، أو في كل وضوء، أو كل يوم مرة أو مرتين، أو يأتيه يوما وينقطع عنه يوما، أو يأتيه يومين وينقطع عند الثالث، فذا هو المستنكح، وأما لو أتاه يومين وانقطع عنه ثلاثة فليس بمستنكح كما لو أتاه يوما في الوضوء ويوما في الصلاة، فليس بمستنكح لان الشك في الوسائل كالوضوء لا يضم للشك في المقاصد كالصلاة بل كل عبادة تقرر على حدتها والمراد بزمن إتيانه اليوم الذي يحصل فيه ولو مرة. وقوله (ولا يوقن) تكرار مع قوله يشك، وكذا قوله: (فليسجد بعد السلام) تكرار مع قوله، ولكن عليه أن يسجد بعد
[ 180 ]
السلام وقوله: (فقط) إشارة لمن يقول عليه الاصلاح. (وإذا أيقن) المصلي (بالسهو سجد بعد إصلاح) يعني أن من أيقن بأنه ترك ما أفسد له ركعة، أي أيقن بأنه سها عن سجدة أو ركوع وفات التدارك، كأن ذكر وهو في التشهد الاخير مثلا، فإنه يأتي بركعة مكان التي حصل
فيها الفساد، ثم يسجد، فإن كانت الركعة التي سها فيها إحدى الاولتين سجد قبل السلام لانه اجتمع عليه الزيادة والنقصان أما الزيادة فهي الركعة التي ألغاها، والجلوس في غير محله. وأما النقصان فلترك السورة لانه إنما يأتي بالركعة متلبسة بالبناء أي بالفاتحة فقط، وإن كانت من الاخيرتين لم يكن معه إلا الزيادة خاصة فيسجد بعد السلام. (وإن كثر ذلك) السهو (منه فهو يعتريه) أي صيبه (كثيرا) مثل أن تكون عادته السهو أبدا عن الجلوس الاول أو تكون عادته نسيان السجود (أصلح صلاته ولم يسجد لسهوه) اعلم أن إصلاح ذلك يقع على وجهين، أحدهما: أن يفوت محل التدارك، الثاني: أن لا يفوت مثال الاول من عادته السهو عن السجدة الثانية من الركعة الثانية مثلا من غير الثنائية، ولم يتذكر إلا بعد السلام أو بعد أن عقد الثالثة، فإنه يأتي بركعة في الاول ولا يسجد، وتنقلب الثالثة ثانية في الثاني ولا يسجد. ومثال الثاني ما إذا تذكر في الفرض المذكور قبل أن يعقد الثالثة، وهذان الوجهان يدخلان في قوله: أصلح ولم يسجد لسهوه، فلو سجد في هذه الحالة وكان سجوده قبل السلام، فهل تبطل صلاته إن فعله عمدا أو جهلا أم لا مراعاة لمن يقول إنه يسجد ؟ استظهر بعضهم
[ 181 ]
عدم البطلان. (ومن قام) يريد تزحزح للقيام ولم تبقه على ظاهره لئلا يتناقض مع قوله بعد رجع، لان ظاهره أنه لم يقم من اثنتين من صلاة الفريضة تاركا للجلوس، ومن لازمه ترك التشهد. وأما لو جلس وقام ناسيا للتشهد فلا يرجع ولا سجود عليه (رجع) اتفاقا (ما لم يفارق الارض بيديه وركبتيه) وأحرى إذا لم يفارق الارض إلا بيديه فقط أو بركبتيه خاصة ثم يتشهد ويتم صلاته ولا سجود عليه لخفة الامر في ذلك، فإن تمادى
على القيام عامدا بطلت صلاته على المشهور لانه ترك ثلاث سنن عامدا، وإن تمادى ناسيا سجد قبل السلام. (فإذا فارقها) أي الارض بيديه وركبتيه (تمادى ولم يرجع وسجد قبل السلام) فإن طال زمن الترك ولم يسجد بطلت صلاته اه. وهذا صادق بصورتين الاولى أن يفارق الارض بيديه وركبتيه ولم يعتدل قائما، ثم تذكر بعد أن فارق الارض. والثانية أن يفارق الارض ويعتدل قائما. والحكم فيها واحد، وهو أنه يتمادى ولا يرجع ويسجد قبل السلام. لكن لو خالف ورجع في الصورة الاولى إلى الجلوس عمدا أو سهوا أو جهلا لا تبطل صلاته، ويسجد بعد السلام لتحقق الزيادة وفي الصورة الثانية إن رجع إلى الجلوس عامدا ففي التوضيح المشهور الصحة وعليه يسجد بعد السلام لتحقق الزيادة، وإن رجع جاهلا ففي النوادر عن سحنون تفسد صلاته. والمعتمد ما رواه ابن القاسم في المجموعة يتمادى على صلاته ويسجد، وإذا رجع فلا ينهض حتى يتشهد لان رجوعه معتد به عند ابن القاسم، وينقلب سجوده القبلي بعديا، فلو ترك التشهد عمدا بعد رجوعه بطلت صلاته على كلام ابن القاسم لا على كلام أشهب، ولعل كلام
[ 182 ]
ابن القاسم بناء على بطلانها بتعمد ترك سنة خلافا لاشهب، كذا في بعض شروح خليل. وإن رجع ناسيا فلا تبطل صلاته اتفاقا، ويسجد بعد السلام. ثم انتقل يتكلم على ما إذا نسي صلاة أو أكثر من الصلوات المفروضات، ولا يخلو إما أن يتذكرها بعد أن صلى صلاة حاضرة لم يخرج وقتها أو قبل أن يصليها أو فيها، وقد أشار إلى الحالة الاولى بقوله: (ومن ذكر صلاة) نسيها، أو نام عنها، أو تعمد تركها على المعروف من المذهب (صلاها) أي يجب عليه قضاؤها بلا خلاف في المنسية، وعلى المعروف من المذهب في
المتروكة عمدا، فكان الاولى للمصنف أن يذكر العمد، والاصل في ذلك ما رواه مسلم من قوله عليه الصلاة والسلام من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها وإذا امتنع من قضاء المنسيات فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. واختلف في المتعمد فقيل: إنه يقتل بعد الاستتابة، وقيل: لا يقتل مراعاة لمن يقول بعدم وجوب القضاء، إذ هو محل خلاف، وإذا ثبت وجوب قضاء المنسيات فليصلها (متى ما ذكرها) في ليل أو نهار عند طلوع الشمس وعند غروبها، أي حيث تحقق تركها أو ظنه. وأما المشكوك في تركها وعدمه على السواء فيجب عليه القضاء، ولكن يتوقى أوقات النهي وجوبا في نهي الحرمة وندبا في نهي الكراهة، وأما توهم الترك أو التجويز العقلي فلا يجب بهما قضاء ولا يندب، وظاهر كلام المصنف أن قضاء الفوائت يجب على الفور، ولا يجوز التأخير إلا لعذر وهو كذلك في نقل الاكثر أي أكثر أهل المذهب. وإذا أراد قضاء المنسية فإنه يفعلها (على نحو ما فاتته) من إعداد الركوع والسجود وهيئاتها من إسرار وجهر، ويقنت إن كان صبحا، ويقيم لكل صلاة، وإن
[ 183 ]
نسيها سفرية قضاها كذلك سفرية، وإن نسيها حضرية قضاها كذلك حضرية، وإذا اختلف وقت القضاء ووقت الفوات بالصحة والمرض، فإنه يعتبر وقت القضاء، فإذا فاتته في الصحة وكان في وقت القضاء مريضا لا يقدر إلا على النية فقط أو مع الايماء بالطرف، فإنه يقضيها بالنية أو النية والطرف، ولا يؤخرها لاحتمال موته، وإذا كفى هذا في الاداء فيكفي في القضاء الاولى. (ثم) بعد قضاء ما فاته من الصلوات المنسية (أعاد ما) أي الصلاة الحاضرة التي (كان) أوقعها (في وقته) الضمير عائد على ما وذكره
باعتبار اللفظ، وسواء في ذلك الامام والفذ والمأموم، فكل منهم مطالب على جهة الندب بأنه لو ذكر يسير الفوائت وهي خمس أو أربع بعد أن صلى الحاضرة وقد بقي وقتها أن يعيد الحاضرة بعد قضاء ما نسيه من يسير الفوائت مثال ذلك أن ينسى مغرب أمسه مثلا فيذكره بعد أن صلى الصبح من غده وقبل أن تطلع المشمس، فإنه يصلي المغرب ويعيد الصبح، ولا يعيد العشاء لفوات وقتها، وإن ذكر المغرب بعد طلوع الشمس فإنه يأتي بها ولا يعيد شيئا أصلا وأما لو صلى حاضرة ثم ذكر فائتة كثيرة وهي ست أو خمس فلا يتأتى إعادة الحاضرة بعد قضاء ما فاتته لانه لو ذكرها قبل الحاضرة لقدمت الحاضرة عليها فكيف يتأتى إعادة الحاضرة بعد قضائها. وقوله (مما صلى) بيان لما والضمير في (بعدها) عائد على المنسية. وقوله (ومن عليه صلوات كثيرة) سواء نسيها أو نام عنها أو تعمد تركها (صلاها) أي قضاها (في كل وقت من ليل أو نهار وعند طلوع الشمس وعند غروبها) وسوغ
[ 184 ]
التكرار أنه تكلم أولا على الصلوات اليسيرة، وتكلم هنا على الكثيرة، وكرر قوله عند طلوع الشمس وعند غروبها إشارة إلى أبي حنيفة القائل بأنه لا يصلي عند طلوع الشمس إلا صبح يومه، وعند الغروب إلا عصر يومه، دليلنا الحديث المتقدم. وقوله (وكيفما تيسر له) إشارة إلى دفع المشقة في قضائها من غير تفريط. ثم أشار إلى القسم الثاني بقوله: (وإن كانت) أي الصلوات التي عليه (يسيرة أقل من صلاة يوم وليلة) وهي أربع صلوات (بدأ بهن) أي قدمهن على الصلاة الحاضرة وجوبا، ويدخل في الفائتة اليسيرة ما لو كان عليه الظهر والعصر أو المغرب والعشاء، ولم يبق من الوقت إلا ما يسع الاخيرة، فيجب تقديم الاولى، فإن خالف وقدم الحاضرة صحت مع
الاثم في العمد دون النسيان، ولا يتأتى هنا إعادة لخروج الوقت. (وإن فات وقت ما هو في وقته) يعني أن من عليه يسير الفوائت يجب عليه أن يقدمها على الحاضرة وإن لزم على ذلك أنه يفعل الحاضرة بعد خروج وقتها وما ذكر من تقديم اليسيرة على الحاضرة إذا ضاق الوقت عن إدراك الحاضرة هو المشهور. وقال ابن وهب: يبدأ بالحاضرة. وما ذكره من الترتيب بين اليسيرة والحاضرة هل هو واجب شرط أو واجب غير شرط ؟ والثاني هو المشهور، والاول رواه مطرف وابن الماجشون عن مالك، وهو ظاهر المدونة عند سند وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا خالف ما أمر به بأن قدم الحاضرة على الفائتة اليسيرة، فعلى الشرطية يعيد الحاضرة أبدا، وعلى مقابله يعيدها ما دام الوقت الضروري باقيا، ففي الظهرين إلى الغروب، وفي العشاءين إلى طلوع الفجر، وفي الصبح إلى طلوع الشمس. ثم شرع يبين حكم ترتيب
[ 185 ]
الفوائت الكثيرة مع الحاضرة فقال: (وإن كثرت) أي الفوائت التي عليه وهي على ما قال الشيخ خمس فما فوق، وعلى ما شهره المازري ست فما فوق (بدأ بما يخاف فوات وقته) مفهوم كلامه أنه إذا لم يخف فوات وقت الحاضرة أنه يبدأ بالمنسيات وهذا القول لابن حبيب والمعتمد ما رواه ابن القاسم أنه يبدأ بالحاضرة مطلقا ضاق الوقت أو اتسع، لكن وجوبا عند ضيق الوقت وندبا عند اتساعه. ثم انتقل يتكلم على القسم الثالث فقال: (ومن ذكر صلاة) أي ذكر يسير الفوائت وهي ما يجب ترتيبها مع الحاضرة (في) حال تلبسه ب (صلاة) مفروضة (فسدت هذه) أي الصلاة التي هو فيها بمعنى أنه يقطعها لا أنها فسدت بالفعل، (عليه) قال ابن ناجي: ظاهر كلام الشيخ أن القطع واجب، وهذا القول ظاهر المذهب
كما قاله في التوضيح، وقيل: مستحب، واستشكله ابن عبد السلام بأن الترتيب إما أن يكون واجبا فيلزم القطع أو مستحبا فيلزم التمادي، وظاهره أيضا أن المأموم يقطع كغيره، وهو قول في المذهب، والمشهور ما في المدونة يتمادى مع الامام ويعيد، وفي وجوب الاعادة خلاف أي بناء على أن الترتيب بين اليسيرة والحاضرة واجب شرط وشهر في المختصر الاعادة في الوقت، أي فلا تكون الاعادة واجبة بل مستحبة، وحاصل ما في المسألة أنه إذا ذكر الامام أو الفذ يسير الفوائت قبل عقد ركعة بسجدتيها فإنه يجب القطع، وقيل يندب، فلو عقد ركعة بسجدتيها شفع استحبابا وقيل وجوبا، ويتبع المأموم إمامه في ذلك، ولا فرق بين الرباعية والثنائية كالصبح والجمعة والمقصورة، وظاهر المدونة أن المغرب كغيرها أي يشفعها إن عقد ركعة، وهو غير معول
[ 186 ]
عليه بل يتمها مغربا وهو ما رجحه ابن عرفة، فلو تذكر بعد أن كمل من المغرب ركعتين تامتين بسجدتيهما فإنه يكملها بنية الفريضة كما أنه إذا كمل ثلاثا من غيرها فإنه يكملها بنية الفريضة، وبعد تكميل المغرب أو غيرها يعيد ندبا في الوقت، أي بعد إتيانه بيسير الفوائت. وإن كان الذاكر ليسير الفوائت المأموم، فإنه يتمادى مع إمامه، ثم تندب له الاعادة في الوقت. ولا فرق بين أن تكون المعادة جمعة أو غيرها، ويعيدها جمعة إن أمكن وإلا ظهرا. (ومن ضحك) أي قهقه وهو الضحك بصوت وهو (في الصلاة أعادها) وجوبا أبدا لانها بطلت اتفاقا إن كان عمدا سواء كان إماما أو مأموما أو فذا. وعلى المشهور إن كان سهوا أو غلبة ومقابله لا يضر قياسا على الكلام. قال ابن ناجي: وظاهر كلامه وإن كان ضحكه سرورا بما أعده الله للمؤمنين كما إذا قرأ آية فيها صفة أهل الجنة فيضحك سرورا
وبه أفتى غير واحد ممن لقيته من القرويين والتونسيين وعلى المشهور في السهو والغلبة يستخلف الامام فيهما ويرجع مأموما، ثم يعيد بعد ذلك وجوبا في الوقت وبعده، والمراد بالسهو نسيان كونه في الصلاة، وأما نسيان الحكم، أو نسيان كون ما يفعل ضحكا، فمقتضى كلام التوضيح أنه كالعمد. (ولم يعد الوضوء) خلافا لابي حنيفة القائل بأن القهقهة تنقض الوضوء أيضا كما أبطلت الصلاة إلا أن يكون في صلاة الجنازة فتبطل الصلاة فقط. ولما كان المأموم يخالف الفذ والامام في حالة نبه على ذلك بقوله: (وإن كان) الذي ضحك في صلاته (مع إمام تمادى) معه استحبابا مراعاة لحقه وقيل وجوبا، وتمادي المأموم مقيد بقيود الاول
[ 187 ]
أن لا يقدر على الترك في أثناء الضحك بل غلبة، وكذا فعله نسيانا، فإن قدر على الترك لم يتماد، الثاني أن لا يكون ضحكه ابتداء عمدا وإلا لم يتماد في الغلبة والنسيان بعد. الثالث أن لا يخاف بتماديه خروج الوقت وإلا قطع. الرابع أن لا يلزم على بقائه ضحك المأمومين كلا أو عضا وإلا قطع ولو بظن ذلك، الخامس أن لا يكون جمعة وإلا فيقطع ولو اتسع الوقت. (ولا شئ عليه) أي المصلي فذا كان أو إماما أو مأموما (في التبسم) حال تلبسه بالصلاة، أي ولا سجود في السهو ولا بطلان في العمد أو الجهل، غير أن العمد مكروه وإن كثر أبطلها ولو سهوا لان التبسم إنما هو تحريك الشفتين فهو كحركة الاجفان أو القدمين (والنفخ في الصلاة كالكلام) فتبطل بعمده وجهله ولا تبطل بسهوه اليسير ويسجد بعد السلام فقوله (والعامد لذلك) أي للنفخ في الصلاة (مفسد لصلاته) حشو إلا أن يحمل الاول على السهو، ولا يشترط في الابطال بالنفخ أن يظهر منه حرفان بل
ولا حرف واحد، فظهر من ذلك أن المراد النفخ بالفم، وأما بالانف فلا يبطل عمده ولا سجود في سهوه، قال الاجهوري: وينبغي أن يقيد بأن لا يكون عبثا وإلا جرى على الافعال الكثيرة، ودليل الابطال ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: النفخ في الصلاة كلام، يعني: فيبطل، ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي بل عن سماع من النبي (ص). والتنحنح لضرورة لا يبطل الصلاة، ولا سجود فيه اتفاقا ولغير ضرورة قولان لمالك يفرق بين العمد والسهو، والقول الآخر لا يبطل مطلقا وبه أخد ابن القاسم واختاره الابهري واللخمي لخفة الامر، والمذهب أن الانين لمرض لا يبطل الصلاة
[ 188 ]
وإن كان من الاصوات الملحقة بالكلام لانه محل ضرورة، قاله بهرام والتتائي. وكذلك البكاء إذا كان لتخشع أي بشرط أن يكون غلبة وحاصل ما يتعلق بالبكاء أنه إذا كان بغير صوت لا يبطل اختيارا أو غلبة تخشعا أو لا إلا أن يكثر الاختياري، وما بصوت يبطل إن كان لتخشع أو مصيبة إن كان اختيارا فإن كان غلبة لا يبطل إن كان لتخشع، وإن كان لغيره أبطل. (ومن) كان من أهل الاجتهاد بالادلة المنصوبة على الكعبة، ومثله من كان مقلدا غيره عدلا عارفا أو محرابا، وكان بغير مكة والمدينة واجتهد في جهة غلبت على ظنه لما قام عنده من الامارات فصلى إليها، ثم تبين له بعد الفراغ منها أنه (أخطأ القبلة) أي جهة الكعبة باستدبارها أو الانحراف عنها انحرافا شديدا في غير قتال جائز (أعاد) ما صلى ما دام في الوقت المختار استحبابا. هذا حكم من كان بغير مكة والمدينة، وكان عنده الادلة المنصوبة على القبلة، واجتهد وأخطأ، فلو لم يجتهد وصلى بغير اجتهاد أعاد أبدا. وإن أصاب القبلة كما أن من كان بمكة أو المدينة أو المساجد التي صلى
فيها النبي عليه الصلاة والسلام واجتهد وصلى أعاد أبدا. وإن كشف الغيب أنه صلى إلى القبلة لانه خالف الواجب عليه من مسامتة عين الكعبة وعدم الاجتهاد. (أو) صلى (على كان نجس) أو ثوب كذلك أي نجس، أو كان على بدنه نجاسة ثم تذكر بعد الفراغ من الصلاة نجاسة ذلك أعاد في الوقت. والوقت في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين الليل كله. (وكذلك من توضأ) ناسيا (بماء نجس) أي متنجس، أي محكوم بنجاسته عند
[ 189 ]
المصنف (مختلف في نجاسته) كماء قليل حلته نجاسة ولم تغيره، ولم يتذكر حتى فرغ من صلاته. وأما فيها فتبطل بمجرد الذكر فالاعادة في الوقت استحبابا منوطة بالتذكر بعد الفراغ ولا يخفى أن كلام المصنف مبني على مذهبه، وهو أن الماء القليل الذي حلته نجاسة ولم تغيره متنجس، والمعتمد أنه ليس بمتنجس، وعليه فلا إعادة أصلا، وعلى مذهب المصنف يعيد الوضوء أيضا، أي استحبابا، لانه وسيلة لمستحب فيكون مستحبا، ويغسل ما أصاب جسده وثوبه من ذلك الماء أي استحبابا. (وأما من توضأ بماء قد تغير لونه أو طعمه) يعني أو ريحه بشئ طاهر أو نجس (أعاد صلاته أبدا ووضوءه) سواء توضأ به عامدا أو ناسيا لانه أوقعها بوضوء لم يجز ويعيد الاستنجاء أيضا إن كان استنجى من هذا الماء فلا مفهوم لقول المصنف: وأما من توضأ. ثم انتقل يتكلم على الجمع بين الصلاتين وذكره في خمسة مواضع أولها أشار إليه بقوله (ورخص في الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر وكذلك في طين وظلمة) ما ذكر من كون الجمع ليلة المطر رخصة هو الذي مشى عليه صاحب المختصر ولم يبين حكمها، وهل هو الاباحة وهو ظاهر كلامهم أو خلاف الاولى إذ الاولى إيقاع الصلاة في وقتها، وهو ما مشى عليه
ابن عبد البر مراعاة لمن يقول لا جمع ليلة المطر أو الاولى لما في السنن من قول أبي سلمة من السنة إذا كان يوم مطر الجمع بين المغرب والعشاء، وهذا القول هو المعتمد إلا أنه محتمل للسنية والندب، ولكن جزم الاجهوري
[ 190 ]
بالندب أي فقول أبي سلمة من السنة مراده الطريقة والرخصة لغة التيسير وشرعا إباحة الشئ الممنوع مع قيام السبب المانع، أي لولا وجود تلك المشقة والسبب المانع هنا كونها يمكن فعلها في وقتها. وما ذكره المصنف في سبب الجمع فمنه ما هو على المشهور وهو المطر، فالمطر سبب للجمع بين المغرب والعشاء على القول المشهور بشرط أن يكون وابلا أي كثيرا، وهو الذي يحمل أواسط الناس على تغطية الرأس، وسواء كان واقعا أو متوقعا، ويمكن علم ذلك بالقرينة. ومثل المطر الثلج والبرد ومنه ما هو متفق على أنه سبب للجمع وهو الطين والظلمة والمراد بالطين الوحل، وبالظلمة ظلمة الليل من غير قمر، فلو غطى السحاب القمر فليس بظلمة فلا يجمع لذلك، وظاهر كلام المصنف أنه لا يجمع للظلمة وحدها ولا للطين وحده، وهو كذلك. أما الظلمة فاتفق أهل المذهب على أنه لا يجمع لها وحدها. وأما الطين فقد صرح القرافي بمشهورية القول بعدم الجمع، وعليه اقتصر صاحب المختصر وهو المعتمد، وظاهر قصره الرخصة بين المغرب والعشاء أنه لا يجمع بين غيرهما وهو كذلك. قال ابن الحاجب: والمنصوص اختصاصه بالمغرب والعشاء ثم بين صفة الجمع بينهما بقوله (يؤذن للمغرب أول الوقت خارج المسجد) على المنارة (ثم يؤخر) صلاة المغرب شيئا (قليلا في) مشهور (قول مالك) الاضافة للبيان أي في مشهور هو قول مالك لان القول لمالك، وقد خالفه ابن عبد الحكم وابن وهب لا أن القولين لمالك، وهذا هو المشهور وإنما
طلب تأخير المغرب شيئا قليلا ليأتي المسجد من بعدت داره، قال ابن ناجي: تردد شيخنا هل تأخير المغرب على المشهور أمر واجب لا بد منه، أم ذلك
[ 191 ]
على طريق الندب ؟ قولان، والراجح أن ذلك على طريق الندب والتأخير بقدر ما يدخل وقت الاشتراك لاختصاص الاولى بثلاث بعد الغروب. (ثم) بعد أن يؤخر المغرب قليلا (يقيم) لها الصلاة أي على طريق السنية. (داخل المسجد ويصليها) ولا يطول على المشهور لان تقصيرها مطلوب في غير هذا، فهذا أولى. قال ابن الحاجب: وينوي الجمع عند الاولى، فإن أخره إلى الثانية فقولان أي بالاجزاء وعدمه، والقولان متفقان على أن النية عند الاولى والنزاع إنما هو في الاجزاء عند الثانية على فرض أن يكون إنما نوى عندها والحاصل أن محلها الصلاة الاولى، وتطلب من الامام والمأموم، فلو تركت فلا بطلان، فهي واجب غير شرط. وأما نية الامامة فلا بد منها، فلو ترك الامام نية الامامة بطلتا حيث تركها فيهما، وأما لو تركها في الثانية وأتى بها في الاولى فالظاهر صحتها، وتبطل الثانية ولا يصليها إلا عند مغيب الشفق. وأما لو تركها عند الاولى ونيته الجمع فإنها تبطل لان صحتها مشروطة بنية الامامة، كذا في شرح الشيخ (ثم) بعد الفراغ من صلاة المغرب أي من غير مهلة ولا تسبيح ولا تحميد ولا تنفل، فيمنع التنفل بين المغرب والعشاء على المشهور (يؤذن للعشاء) إثر المغرب أذانا ليس بالعالي، والظاهر أن هذا الاذان مستحب، لانه ليس جماعة تطلب غيرها، ولا يسقط طلب الاذان لها في وقتها، فيؤذن لها عند دخول وقتها (في داخل المسجد) وإنما كان داخل المسجد لئلا يظن الناس أن وقت العشاء قد دخل (و) إذا فرغ من الاذان (يقيم) الصلاة (ثم يصليها) الامام
بالناس بلا مهلة هذا شرط في كل جمع وليس خاصا بالجمع ليلة المطر (ثم)
[ 192 ]
بعد أن يفرغوا من الصلاة (ينصرفون) إثر الصلاة بلا مهلة، فلو جمعوا ولم ينصرفوا حتى غاب الشفق أعادوا العشاء وقيل لا إعادة عليهم (وعليهم إسفار) أي شئ من بقية بياض النهار (قبل مغيب الشفق) فلا يتنفل أحد في المسجد بعد الجمع ولا يوتر بإثر صلاة العشاء، أي يحرم لانه دخل في عبادة باطلة إذ وقتها بعد مغيب الشفق ففعلها قبل مغيب الشفق فعل لها قبل وقتها وهو باطل، والموضع الثاني أشار إليه بقوله: (والجمع بعرفة) يوم وقوف الحاج بها (بين الظهر والعصر عند) بمعنى بعد (الزوال سنة واجبة) أي مؤكدة وقد كرر هذه المسألة في باب الحج وفي باب جمل وصفة الجمع أن يخطب الخطيب بعد الزوال خطبة يعلم الناس فيها صلاتهم بعرفة، ووقوفهم بها، ومبيتهم بمزدلفة إلى غير ذلك، ثم يؤذن للظهر بعد الفراغ من الخطبة، ثم يقيم الصلاة. فإذا صلى الظهر أذن للعصر وأقام لها وصلاها. وما ذكر في صفة الجمع من أن لكل صلاة من الظهر والعصر أذانا وإقامة هو المشهور وإليه أشار الشيخ بقوله (بأذان وإقامة لكل صلاة) ومقابله ما نقل عن ابن الماجشون بأذان واحد لانه روي عن النبي (ص) كذلك، وانظره مع المشهور فما وجهه أي إذا كان كذلك فما وجه المشهور والموضع الثالث أشار إليه بقوله (وكذلك في جمع المغرب والعشاء بالمزدلفة) أي مثل ذلك الحكم في السنية والاذان للمغرب والعشاء بالمزدلفة، وقد عده صاحب المختصر في المستحبات والمعتمد ما ذكرت لك من أنه سنة (إذا
[ 193 ]
وصل إليها) أي إذا أمكن أن يصل إليها، أما من لا يمكنه ذلك لمرض به
أو بدابته فإنه يجمع حيث غاب عليه الشفق إذا كان وقف مع الامام وفقه المسألة أن الذاهب إلى المزدلفة إما أن يقف مع الامام أم لا فإن كان وقف مع الامام، وكان يمكنه السير بسير الناس بأن لم يكن هناك مانع من مرض به أو بدابته سار معهم، أو تأخر فالسنة في حقه أن لا يجمع إلا في المزدلفة فإن كان لا يمكنه السير وتأخر لعجز جمع حيث شاء عند مغيب الشفق، والفرض أنه وقف مع الامام. وأما إن لم يكن وقف مع الامام بأن وقف وحده أو لم يقف أصلا صلى كل صلاة لوقتها. والموضع الرابع أشار إليه بقوله: (وإذا جد السير بالمسافر) سفرا واجبا كسفر الحج الواجب أو مندوبا كسفر حج التطوع، أو مباحا كسفر التجارة سواء كانت تقصر فيه الصلاة أم لا (فله) أي فيباح له (أن يجمع بين الصلاتين) المشتركتي الوقت وهما الظهر والعصر والمغرب والعشاء فإذا أدركه الزوال سائرا ونوى النزول بعد الغروب فله أن يجمع بين الظهر والعصر (في آخر وقت الظهر) وهو آخر القامة الاولى (وأول وقت العصر) وهو أول القامة الثانية، وهذا جمع صوري لا حقيقي، إذ الحقيقي هو الذي تقدم فيه إحدى الصلاتين عن وقتها المعروف أو تؤخر عنه، وهذا تؤدى فيه كل صلاة في وقتها، ولا يحتاج لنية الجمع، ولا يشترط فيه أن يجد السير، وإن كان ظاهر المصنف مع أن ذلك لا يعقل إذ هو جمع صوري، وحكمه أنه خلاف الاولى إذ (وكذلك الاولى إيقاع الصلاة في أول وقتها، فلا معنى لاشتراط الجد فيه المغرب
[ 194 ]
والعشاء) أي أن صفة الجمع بين المغرب والعشاء مثل صفته بين الظهر والعصر في أنه إذا أدركه الغروب سائرا. ونوى النزول بعد طلوع الفجر فله أن يجمع بين المغرب والعشاء جمعا صوريا بأن يصلي المغرب قرب مغيب
الشفق، ويصلي العشاء في أول وقتها، لانه ينزل طلوع الفجر هنا منزلة الغروب في الظهرين. (وإذا ارتحل) أي أراد الارتحال لان فرض المسألة أنه نازل بالمهل وزالت أو غربت الشمس وهو به (في أول وقت الصلاة الاولى) ونوى النزول بعد الغروب (جمع حينئذ) أي قبل ارتحاله على المشهور ليوقع أولاهما في أول وقتها المختار، والاخرى في وقتها الضروري، وهذا هو الجمع الحقيقي. ومن هنا يعلم أن ضروري العصر كائن قبلها وبعدها، وأن الجمع الحقيقي ما كان على هذا الاسلوب ولا يفعله إلا ذو عذر من سفر أو غيره. وأما الجمع الصوري فجائز لذي العذر وغيره. وأما إذا نوى النزول قبل اصفرار الشمس فإنه لا يجمع، بل يصلي الظهر قبل أن يرتحل، ويؤخر العصر لنزوله أي وجوبا لتمكنه من إيقاع كل صلاة في وقتها المقدر لها شرعا، ويخير في صلاة العصر إن شاء أخرها إلى نزوله، وإن شاء قدمها إن نوى النزول عند الاصفرار. والموضع الخامس قسمه قسمين أشار إلى أولهما بقوله (وللمريض) أي رخص له (أن يجمع) بين الصلاتين المشتركتي الوقت على المشهور أي أن يجمع على المشهور. وقال ابن نافع: يصلي كل صلاة لوقتها (إذا خاف أن يغلب على عقله) في وقت الصلاة الثانية، والجمع المذكور يكون في أول وقت الصلاة الاولى على المشهور، وقيل: الاولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها وعلى المشهور فيجمع بين الظهر والعصر (عند الزوال
[ 195 ]
و) بين المغرب والعشاء (عند الغروب) وإنما كان يجمع في أول الوقت لان الاغماء سبب يبيح الجمع، ومثله الحمى النافضة، أي المرعدة أو الدوخة التي تحصل له وقت الثانية إذا تقرر هذا فقول المصنف: وللمريض، أي من سيصير مريضا ففي عبارته مجاز الاول وبقي عليه ما إذا خاف الغلبة على
عقله في أول وقت الثانية وقد نص ابن الجلاب على المسألتين فقال: وكذلك حكم المريض إذا خاف الغلبة على عقله في أول وقت الصلاة الاولى أخرها إلى وقت الصلاة الاخيرة، وإن خاف ذلك في وقت الصلاة الاخيرة قدمها إلى الصلاة الاولى. تنبيه: إذا جمع من خاف الغلبة على عقله وقت الثانية ثم كشف الغيب بالسلامة من ذلك فقال عيسى: يعيد الثانية، قال سند: يريد في الوقت، والارجح أنه الضروري، وقال ابن شعبان: لا يعيد، وهو ضعيف، والمعتمد الاول ثم أشار إلى القسم الثاني بقوله: (وإن كان الجمع أرفق به ل) - لاجل إسهال (بطن به ونحوه) مما يشق عليه من سائر الامراض القيام معه لكل صلاة (جمع) بين الصلاتين المشتركتي الوقت، فالظهر والعصر يجمع بينهما (وسط وقت الظهر و) المغرب والعشاء يجمع بينهما (عند غيبوبة الشفق) فيوقع المغرب في آخر وقتها الاختياري بناء على امتداده للشفق والعشاء في أول اختياريها وللصحيح فعل هذا الجمع لانه ليس جمعا حقيقيا. واختلف في المراد بوسط وقت الظهر فقيل أراد به نصف القامة، لان حقيقة الوسط النصف، وقيل: أراد به آخر القامة، وهو قول سحنون وغيره، فيجمع جمعا صوريا. واستظهر لانه لا ضرورة له تدعو إلى قيام الصلاة الثانية قبل وقتها والضرورة إنما هي من أجل تكرار الحركة.
[ 196 ]
ثم انتقل يتكلم على عذرين من الاعذار المسقطة لقضاء الصلاة أشار إلى أحدهما بقوله: (والمغمى) أي الذي أغمي (عليه لا يقضي ما خرج وقته) من الصلوات المفروضة ومثله السكران بحلال كمن شرب خمرا يظنه لبنا أو عسلا، وأولى المجنون (في) حال (إغمائه) أو في حال سكره الحلال أو في حال جنونه، وسواء كان الذي فاته في حال إغمائه الخ قليلا أو كثيرا
خلافا لابن عمر في أنه يقضي ما قل كخمس صلوات فدون وإلا فلا. (ويقتضي) بمعنى ويؤدي (ما أفاق في وقته) من الصلوات المفروضة والمراد بالوقت هنا الضروري، وهو في الظهرين الغروب أي نهايته في الظهرين الغروب وفي العشاءين طلوع الفجر، أي نهايته طلوع الفجر، وفي الصبح طلوع الشمس أي نهايته طلوع الشمس (مما يدرك منه ركعة فأكثر من الصلوات) بيان للقدر من الوقت الذي يلزمه فيه أداء ما أفاق فيه وسقوط ما أغمي عليه في وقته، ولا بد أن تكون الركعة كاملة بسجدتيها بعد تحصيل ما يكون به أداء الصلاة وهو الطهارة من الحدث فقط على المعتمد، فإذا أغمي عليه ولم يكن صلى الظهر والعصر وقد بقي من النهار ما يدرك فيه خمس ركعات بعد الطهارة من الحدث لم يقضهما لانه أغمي عليه في وقتهما. ولو أفاق وقد بقي من النهار مقدار ما يدرك فيه خمس ركعات بعد الطهارة أيضا قضاهما لانه أفاق في وقتهما وإذا أغمي عليه ولم يكن صلى المغرب والعشاء وقد بقي من وقتهما مقدار خمس ركعات لم يقضهما، ولو أفاق في هذا المقدار قضاهما وكذلك الحكم في السقوط والاداء إذا بقي للفجر أربع ركعات لانه يعتبر فضل ركعة عن الاولى، وإن بقي للفجر مقدار ثلاث ركعات
[ 197 ]
سقطت العشاء وتخلدت المغرب في ذمته. والعذر الآخر أشار إليه بقوله: (وكذلك الحائض تطهر) بمعنى انقطع حيضها ومثلها النفساء فما خرج وقته في حال حيضها لا تقضيه وتؤدي ما بقي من وقته مقدار ما يسع ركعة فأكثر بعد تطهرها، والوقت الذي تطهر فيه إما أن يكون نهارا أو ليلا (فإذا) تطهرت نهارا و (بقي من النهار بعد طهرها) بالماء حيث لم يكن فرضها التيمم وإلا فمقدار الطهارة الترابية. والحاصل أنه يقدر لها الطهر
زيادة على ما تدرك فيه ركعة كاملة بسجدتيها. ومثلها سائر أرباب الاعذار غير عذر الكفر (بغير توان) أي بغير تأخير لطهرها. زاد عبد الوهاب: ولبس ثيابها، ولكن االمعتمد أنه لا يقدر لها إلا الطهر الحدثي، وأما الخبثي كالاستبراء الواجب على تقدير أن هناك حاجة فلا يقدر لها، وكذلك ستر العورة والاستقبال فلا تقدير لشئ من هذه على المعتمد، وكما يعتبر الطهر في جانب الادراك يعتبر أيضا في جانب السقوط، ثم لو شرعت في الظهر لظن إدراك الصلاتين وغربت الشمس صلت العصر وسقطت الظهر، وتتم ما تشرع فيه نافلة، فتسلم من ركعتين لانه غير مدخول عليه. (خمس ركعات صلت الظهر والعصر) بلا خلاف لانها تقدر للعصر أربع ركعات وتدرك الظهر بركعة، فإن ذكرت منسيتين قبل حيضها صلتهما أولا للترتيب، ثم تقضي الظهر والعصر لانها طهرت في وقتهما، وهذا الترتيب في حق الحاضرة. وأما المسافرة فإنها تقدر للظهر والعصر بثلاث ركعات لانها تجعل للظهر ركعتين وللعصر ركعة. (وإن) طهرت ليلا و (كان الباقي من الليل) بعد طهرها (أربع
[ 198 ]
ركعات صلت المغرب والعشاء) على قول ابن القاسم بناء على التقدير بالمغرب فيكون لها ثلاث ركعات وتبقى ركعة للعشاء وهذا التقدير في حق الحاضرة والمسافرة من غير فرق، إذ لا فرق في الليليتين بين الحاضرة والمسافرة، وحينئذ يكون قول المصنف: وكان من الليل أربع ركعات، أي ولو في السفر. (و) أما (إن كان) الباقي (من النهار والليل أقل من ذلك) أي أقل من خمس ركعات في المثال الاول وأقل من أربع ركعات في المثال الثاني (صلت الصلاة الاخيرة) فقط وهي العصر في الاول، والعشاء في الثاني، لانها لم تدرك وهي طاهرة إلا وقتها. ولما أنهى الكلام على ما إذا
طهرت نهارا أو ليلا انتقل يتكلم على ما إذا حاضت كذلك فقال: (وإن حاضت لهذا التقدير) يعني تقدير خمس ركعات للنهار وأربع ركعات لليل (لم تقض ما حاضت في وقته) أخرت ذلك ناسية أو عامدة، وإن كانت عاصية في العمد، فإن حاضت وقد بقي من النهار ما يسع خمس ركعات، ولم تكن صلت الظهر والعصر لم تقضهما لنها حاضت في وقتهما (وإن حاضت لاربع ركعات من النهار فأقل إلى ركعة) ولم تكن صلت الظهر والعصر (أو) حاضت (لثلاث ركعات من الليل) أي بقي منه مقدار ما يسع
[ 199 ]
أن توقع فيه ثلاث ركعات فأقل (إلى ركعة) ولم تكن صلت المغرب والعشاء (قضت الاولى فقط) أي الصلاة الاولى وهي الظهر في المثال الاول والمغرب في المثال الثاني، لانها أدركتها وهي طاهرة وتسقط الثانية لحيضها في وقتها، والوقت إذا ضاق يختص بالاخيرة إدراكا وسقوطا (واختلف في حيضها) يعني إذا حاضت (لاربع ركعات من الليل) يعني والباقي منه مقدار ما يسع أن توقع فيه أربع ركعات (فقيل) الحكم فيه (مثل ذلك) أي مثل ما إذا حاضت لثلاث ركعات من الليل تقضي الصلاة الاولى فقط وهو لابن عبد الحكم وغيره بناء على أن التقدير بالثانية، ووجهه أن الوقت إذا ضاق حتى لا يسع إلا إحدى الصلاتين، فالواجب إنما هو الاخيرة (وقيل) الحكم فيه أنها (حاضت في وقتهما فلا تقضيهما) وهو قول مالك وابن القاسم وغيرهما، وهو المذهب إذ التقدير عندهم في مشتركتي الوقت بالاولى ووجهه أن أول الصلاتين لما وجب تقديمها على الاخرى فعلا وجب التقدير بها. ثم انتقل يتكلم على مسألة حقها أن تذكر في موجبات الوضوء فقال: (ومن أيقن بالوضوء وشك في الحدث) وكان غير مستنكح (ابتدأ
الوضوء) وجوبا على المشهور. وظاهر عبارة المصنف مصاحبة الشك لليقين في زمن واحد، وهو مستحيل فكان الاولى أن يعبر بثم بدل الواو، ليعلم منه أن الشك متأخر عن اليقين. والمراد بالحدث مطلق الناقض وسواء
[ 200 ]
كان ذلك الشك في الصلاة أو خارجها إلا أنه إذا كان فيها بعد دخوله متيقن الطهارة فيجب عليه التمادي فيها وبعد تمامها إن بان له البقاء على الطهارة لم يعدها وإن ان حدثه أو بقي على شكه أعادها وجوبا، وكما يجب الوضوء في صورة المصنف يجب في عكسها بالاولى، وهو ما إذا تيقن الحدث وشك في الوضوء، وكذا إذا تيقنهما وشك في السابق منهما أو شك فيهما وشك في السابق منهما أو لا، أو تيقن الوضوء وشك في الحدث وشك مع ذلك هل كان قبله أو بعده، أو تيقن الحدث وشك في الوضوء، وشك مع ذلك هل كان قبله أو بعده من باب أولى ثم انتقل يتكلم على حكم من ترك شيئا من فرائض الوضوء، أو من سننه، والاول على أربعة أقسام لانه إما أن يتركه عمدا أو نسيانا وكل منهما إما أن يذكر بالقرب أو بعد الطول. والثاني كذلك فالاقسام ثمانية أشار إلى الاول بقوله: (وإن ذكر من وضوئه شيئا مما هو فريضة منه) مغسولا كان كالوجه واليدين إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين أو ممسوحا وهو الرأس أي كلا أو بعضا. (فإن كان) ذكره له (بالقرب أعاد ذلك) أي فعل ذلك المتروك بنية إتمام الوضوء وجوبا لان الفرض لا يسقط بالنسيان، ولا بد أن ينوي إتمام الوضوء على المشهور وإلا لم يجزه كما صرح به التتائي خلافا لابن عمر من قوله المشهور بغير نية، لانسحاب النية الاولى عليه، وضعف هذا القول. (و) إذا فرغ من فعل المتروك أعاد (ما يليه) يعني ما بعده إلى آخر الوضوء استحبابا لاجل
الترتيب، كذا في بعض الشروح، وفي بعضها استنانا. واختلف في حد القرب، فعن ابن القاسم وهو راجع للعرف في كل ما لم يرد عن الشارع فيه تحديد
[ 201 ]
وقيل حده ما لم تجف الاعضاء في الزمان المعتدل والعضو المعتدل والمكان المعتدل، وهو المشهور، والظاهر كما قاله بعضهم إن المعتبر جفاف الغسلة الاخيرة من العضو الاخير. والقسم الثاني أشار إليه بقوله: (وإن تطاول ذلك) يعني ذكر المنسي بأن لم يتذكره إلا بعد جفاف المغسول آخرا (أعاده فقط) يعني فعله أي ثلاثا بنية على الفور من زمن التذكر، فلو تأخر عن زمن التذكر حتى طال فسد وضوءه، ولو كان ناسيا لان لا يعذر بالنسيان الثاني على المعتمد. وقال ابن حبيب: يعيده وما بعد كالقرب، واختاره ابن عبد السلام، والمشهور الاول. والقسم الثالث أشار إليه بقوله: (وإن تعمد ذلك) أي تعمد ترك شئ من فرائض وضوئه (ابتدأ الوضوء) وجوبا (إن طال ذلك) أي ترك الغسل في العضو المغسول والمسح في العضو الممسوح، وهذا مبني على أن الفور واجب وهو الاتيان بالوضوء في زمن واحد من غير تفريق متفاحش مع الذكر والقدرة وهو المشهور. ومفهوم كلامه وهو القسم الرابع أنه إن تعمد ترك ذلك ولم يطل أعاده وما بعده لاجل الترتيب، فالعمد والنسيان لا فرق بينهما في القرب، ويفترقان في الطول فالناسي يبني وإن طال بخلاف العامد فإنه لو طال ابتدأ الوضوء، ومثله العاجز في بعض صوره وهي أن يعد من الماء ما يظن أنه يكفيه فيغصب منه أو يراق أو يتبين عدم كفايته، فهو في هذه الحال كالعامد يبني ما لم يطل لان عنده نوع تقصير بعدم احتياطه بتكثير الماء. وأما إن أعد من الماء ما يقطع بكفايته فأريق منه مثلا فهو كالناسي، ومثله المكره بمطلق مؤلم
من ضرب أو غيره. (وإن كان) الذي ترك شيئا مما هو فريضة من وضوئه
[ 202 ]
(قد صلى) بهذا الوضوء (في) جميع صور ذلك العمد والنسيان والقرب والبعد (أعاد صلاته أبدا) لانه قد صلى بغير وضوء. وفي نسخة (ووضوءه) لكن إعادة الوضوء إنما هي في قسم واحد وهو ما إذا تركه عمدا وطال، ولو حذف المصنف قوله ووضوءه لكان أحسن لفهمه من قوله أولا، وإن تعمد ذلك ابتدأ الوضوء إن طال، بل الاول حسن وغيره أوهم العموم لكنه اتكل على ما تقدمه قريبا. والقسم الخامس أشار إليه بقوله: (وإن ذكر مثل المضمضة والاستنشاق ومسح الاذنين) أي مما هو سنة ولم ينب عنه غيره ولم يكن فعله موقعا في مكروه احترازا من ترك فضيلة كشفع غسله وتثليثه، فحكمه أنه لا يطالب إعادتها أصلا وقولنا: ولم ينب عنه غيره احترازا عن رد مسح الرأس وغسل اليدين للكوعين، لانه ناب عنهما غيرهما، وقولنا ولم يكن فعله موقعا في مكروه احترازا عن الاستنثار، فإنه يؤدي لاعادة الاستنشاق، وعن تجديد الماء للاذنين لانه يؤدي لتكرير المسح فالحكم في غير هذه (إن كان) التذكر للمنسي (قريبا فعل ذلك) المنسي فقط (ولم يعد ما بعده) على المذهب لان الترتيب فيما بين المسنون والمفروض غير واجب. والقسم السادس أشار إليه بقوله: (وإن تطاول) ذكر ما نسيه من سنن وضوئه (فعل ذلك) المنسي فقط دون ما بعده (لما يستقبل) من الصلوات مثال التطاول أن يذكره بعد ما صلى الظهر، فإنه يفعله للعصر إن كان باقيا على وضوئه أي فإن أراد أن يصلي به العصر فإنه يسن
[ 203 ]
في حقه فعل السنة المتروكة، ومثل الصلاة الطواف، والحاصل أنه مع القرب
يفعل المتروك من السنن حيث أراد البقاء على طهارة ولو لم يرد الصلاة ولا غيرها ومع الطول، فإنما يسن فعله إذا أراد الصلاة أو الطواف ومفاد المصنف أن الطول هو أن يصلي بذلك الوضوء وعدمه أن لا يصلي به، وهو ما صرح به ابن الجلاب. (و) إذا صلى بالوضوء الذي نسي منه سنة (لم يعد ما صلى به قبل أن يفعل ذلك) المتروك نسيانا لانه على يقين من الطهارة، ولان الصلاة لا تبطل بترك شئ من سنن الوضوء. ولو كان الترك لجميعها وكذلك سنن الغسل والفرق بين الوضوء والغسل وبين الصلاة حيث جرى الخلاف القوي في سنن الصلاة من أنه إذا ترك سنة عمدا من سننها فقيل بالبطلان، وقيل بعدمه لعله احتمال وجوب سننها، أي الصلاة، لقوله عليه الصلاة والسلام: صلوا كما رأيتموني أصلي وضعف ذلك في الوضوء لقوله: توضأ كما أمرك الله أي ولم يأمر إلا بأربعة. وترك المصنف الكلام على ما إذا نكس بأن قدم اليدين مثلا على غسل الوجه. وحاصل الكلام عليه أن المنكس يعاد وحده إن بعد الامر والبعد مقدر بجفاف الاعضاء المعتدلة في الزمان والمكان المعتدلين إن نكس سهوا وإلا أعاد الوضوء والصلاة أبدا أي ندبا في الوقت وغيره. وأما مع القرب ولا فرق بين كونه عمدا أو نسيانا فإنه يعيد المنكس ثلاثا استنانا مع تابعه شرعا لا فعلا مرة مرة ندبا. (ومن صلى على موضع طاهر من حصير) أو غيره (وبموضع آخر منه) ويروى منها (نجاسة) سواء كانت رطبة أو يابسة تحركت بحركته أو لا (فلا شئ عليه) أي لا إعادة عليه لان صلاته لم تبطل حتى تستوجب الاعادة، لانه إنما خوطب بطهارة
[ 204 ]
بقعته التي تماسها أعضاؤه وهذا بخلاف العمامة يكون بطرفها المسدول على الارض نجاسة فإن صلاته باطلة باتفاق إن تحركت النجاسة بحركته وعلى
المشهور إن لم تتحرك لانه حامل للنجاسة بخلاف الحصير فإنه ليس حاملا للنجاسة. (والمريض إذا كان) مقيما (على فراش نجس فلا بأس أن يبسط عليه ثوبا طاهرا كثيفا ويصلي عليه) ويشترط في الثوب الذي يفرش أن يكون منفصلا عن المصلي وإلا بطلت الصلاة. ويشترط فيه أيضا أن يكون كثيفا لا إن كان خفيفا يشف بحيث تبدو منه النجاسة بدون تأمل قياسا على ما قيل في ستر العورة. وظاهر كلامه أن الصحيح لا يغتفر له ذلك وهو ظاهر المدونة، وقيل: إن ذلك عام للمريض والصحيح. وصوبه ابن يونس وإنما خص المريض بالذكر للغالب أو ليرتب عليه قوله (وصلاة المريض) الصلاة المفروضة (إن لم يقدر على القيام) فيها لقراءة جميع الفاتحة لا مستقلا ولا مستندا لغير جنب أو حائض بأن عجز عنه جملة أو تلحقه مشقة شديدة إذا كان مريضا وفقه المسألة أن من لا يقدر على القيام جملة أو يخاف به مرضا أو زيادته، أو تلحقه المشقة الشديدة بشرط كونه مريضا لا إن كان صحيحا فلا تكون المشقة المذكورة مبيحة له ترك القيام تجوز له الصلاة جالسا واعلم أن وجوب القيام استقلالا إنما هو في حال فعل الفرض كالركوع والاحرام وقراءة الفاتحة على غير المأموم. وأما المأموم فلا فإذا استند المأموم في حال قراءتها لعماد بحيث لو أزيل العماد لسقط فصلاته صحيحة كحال
[ 205 ]
قراءة السورة مطلقا أي فذا أو إماما أو مأموما كما قرره من يدري ولا تلتفت لمن قال غير ذلك واغتر بظاهر عبارة بعض الشراح والاستناد في نحو الركوع مبطل حيث كان على وجه العمد لا على وجه السهو فتبطل الركعة فقط (صلى جالسا) فذا على المشهور أي ولا يصح أن يكون إماما لا لاصحاء ولا لمرضى ولو لمثله هكذا قرره بعضهم وهو ضعيف والمعتمد صحة
إمامته لمثله والافضل أن يجلس متربعا في موضع القيام (إن قدر على التربع) لينبئ جلوسه على هذا الوجه عن البدلية عن القيام. وقيل: يجلس كما يجلس للتشهد واختاره المتأخرون وعلى الاول يغير جلسته بين السجدتين كما في التشهد. وكذا الافضل في حق المتنفل جالسا التربع لفعله عليه الصلاة والسلام ذلك (وإلا) أي وإن لم يقدر المريض الذي فرضه الجلوس على التربع (ف) - إنه يجلس (بقدر طاقته) من الجلوس والترتيب بينه وبين التربع مندوب لا واجب (وإن لم يقدر) المريض الذي فرضه الجلوس (على) الركوع و (السجود) أيضا بأن عجز عنه جملة أو تلحقه المشقة الشديدة (فليومئ بالركوع والسجود) برأسه وظهره أي لا بد من الايماء بهما فإن لم يقدر بظهره أومأ برأسه أي إن لم يقدر على الايماء بهما أومأ برأسه فإن لم يقدر برأسه ويلزم منه عدم القدرة بظهره أومأ بما يستطيع ويضع يديه على ركبتيه إذا أومأ للركوع، وإذا رفع رفعهما عنهما وإذا أومأ للسجود وضع يديه على الارض وإذا رفع منه وضعهما على ركبتيه. (ويكون سجوده
[ 206 ]
أخفض من ركوعه) استحبابا، وقال بعضهم وجوبا وهو المفهوم من كلام المصنف والمدونة. ومفهوم أيضا من بعض شراح خليل إذا علمت ذلك، فالحكم بالاستحباب ضعيف ويكره للمومئ أن يرفع شيئا يسجد عليه فإن فعل ذلك لم يعد صلاته سواء فعل ذلك عمدا أو جهلا. وهذا إذا نوى بإيمائه الارض فإن نوى به ما رفع دون الارض لم يجزه كما قاله اللخمي (وإن لم يقدر) المريض أن يصلي جالسا استقلالا ولا مستندا ولا متربعا ولا غير متربع (صلى على جنبه الايمن إيماء) ويجعل وجهه إلى القبلة كما يوضع في لحده فإن لم يقدر على جنبه الايمن فعلى جنبه الايسر ووجهه للقبلة أيضا
(وإن لم يقدر) أن يصلي (إلا) مستلقيا (على ظهره فعل ذلك) أي صلى مستلقيا على ظهره إيماء ورجلاه إلى القبلة، فإن عجز عن الصلاة مستلقيا على ظهره صلى مضطجعا على بطنه ووجهه إلى القبلة ورجلاه إلى دبرها. وحكم الاستقبال في تلك الحالات الوجوب مع القدرة فلو صلى لغيرها مع القدرة بطلت والقدرة تكون بوجود من يحوله فلو وجد من يحوله بعد الصلاة يندب له الاعادة في الوقت. واعلم أن الترتيب بين القيام استقلالا واستنادا واجب وبين القيام استنادا مع الجلوس استقلالا مندوب وبين الجلوسين واجب كالترتيب بين الجلوس مستندا والاضطجاع بحالتيه والظهر. وحكم الترتيب في هذه الاحوال الثلاثة الندب وبينها وبين الاضطجاع على البطن الوجوب، والمصلي من اضطجاع يومئ أيضا وكيفيته أنه يومئ برأسه فإن عجز عن الايماء برأسه أومأ بعينه وحاجبه، فإن لم يستطع فبأصبعه والظاهر كما قال الاجهوري: إن ترتيب الايماء بهذه الثلاثة واجب. (ولا يؤخر)
[ 207 ]
المكلف بمعنى لا يترك (الصلاة إذا كان في عقله وليصلها بقدر ما يطيق) من قيام وجلوس وإيماء واضطجاع، ويصلي المريض بقدر ما يستطيع أي ولو بنية أفعالها إن كان لا يقدر على الايماء بطرف أو غيره. وصفة الاتيان بها أن يقصد أركانها بقلبه بأن ينوي الاحرام والقراءة والركوع والرفع والسجود وهكذا إلى آخر أفعال الصلاة ثم شرع يبين ما ذكر في باب التيمم أن في باب جامع الصلاة شيئا من مسائل التيمم وهو قوله (وإن لم يقدر) المخاطب بأداء الصلاة (على مس الماء لضرر به أو لانه لا يجد) المريض (من يناوله إياه) أي الماء (تيمم) أي ففرضه التيمم (فإن لم يجد) المريض (من يناوله ترابا تيمم بالحائط إلى جانبه إن كان طينا) أي بني
بالطين (أو) بني بغير طين ولكن ركب (عليه طين) وفهم من كلامه أنه يتيمم بالتراب المنقول أي حيث قال، فإن لم يجد من يناوله ترابا وفهم منه أيضا أنه لا يتيمم بالحائط إلا مع عدم التراب، وهو خلاف المذهب، والمذهب جواز التيمم بالحائط مع وجود التراب، لكن يندب له أن لا يتيمم به إلا مع عدم التراب. قال صاحب المختصر: كتراب وهو الافضل. والحاصل أنه يجوز التيمم على الحائط اللبن والحائط الحجر للمريض والصحيح، ولو مع وجود التراب حيث لم يكن به حائل يمنع من مباشرته (فإن كان عليه) أي الحائط التي بجنبه (جص أو جير فلا يتيمم به) أي عليه
[ 208 ]
لدخول الصنعة في ذلك. وقوله: جير صوابه جيار. ذكره الزبيدي بفتح الزاي في لحن العوام. (والمسافر) الراكب (يأخذه) أي يضيق عليه (الوقت) المختار حالة كونه سائرا. كذا في بعض شراح خليل وشرح التتائي أيضا. والاحسن الوقت الذي فيه اختياريا أو ضروريا (في طين خضخاض) وهو الطين الرقيق، وييأس أن يخرج منه في الوقت الذي هو فيه اختياريا أو ضروريا وهو يستطيع النزول به ولكنه (لا يجد أين يصلي) لاجل تلطخ ثيابه أو لاجل الغرق بالطريق الاولى (فلينزل عن دابته ويصلي فيه قائما يومئ) بالركوع والسجود أي للركوع الخ لكن محل إيمائه للركوع إذا كان الخضخاض آخذا له لصدره بحيث لا يتمكن منه. وأما لو كان آخذا لركبتيه مثلا بحيث يتمكن من الركوع فإنه يركع بالفعل ويكون إيماؤه (بالسجود أخفض من الركوع) وإذا أومأ للركوع وضع يديه على ركبتيه وإذا رفع رفعهما عنهما، وإذا أومأ للسجود أومأ بيديه إلى الارض وينوي الجلوس بين السجدتين قائما. وكذلك جلوس التشهد إنما يكون
قائما أي يفرق بين القيام والجلوس بالنية. واحترز بالخضخاض عن اليابس فإنه ينزل ويصلي فيه بالركوع والسجود والجلوس. وهكذا حكم من أخذه الوقت في طين خضخاض وغلب على ظنه أنه لا يخرج منه في الوقت الذي هو فيه ضروريا أو اختياريا. وأما من غلب على ظنه أنه يخرج منه قبل خروج الوقت فإنه يؤخر إلى آخر الوقت (فإن لم يقدر أن ينزل فيه)
[ 209 ]
أي إن محل كونه ينزل عن دابته ويصلي إيماء إن أمكن أن ينزل في الخضخاض، فإن لم يمكن أن ينزل فيه لخوف الغرق (صلى على دابته إلى القبلة) فلا يبيح الصلاة على الدابة إلا خوف الغرق. وأما خشية تلطخ الثياب لا يوجب صحة الصلاة على الدابة، وإنما يبيح الصلاة إيماء بالارض. وكذلك أي ومثل الصلاة على الدابة إلى القبلة إن لم يكن طين وخاف أن ينزل عن دابته من اللصوص أو السباع فإنه يصلي على دابته يومئ بالركوع والسجود إلى الارض، ويرفع عمامته عن جبهته إذا أومأ للسجود ولا يسجد على سرج الدابة ولا غيره. ويكون جلوسه متربعا إن أمكنه ذلك. وحكم الحاضر حكم المسافر إذا أخذه الوقت في طين خضخاض، وإنما اقتصر على المسافر لان الخضخاض غالبا إنما يكون في السفر. (و) يجوز المراد به خلاف الاولى (للمسافر أن يتنفل على دابته في سفره حيثما توجهت به) دابته ظاهره كان راكبا على ظهرها أو في شقدف أو غيره، ولكن لا بد أن يكون الركوب معتادا فيخرج الراكب مقلوبا أو بجنبه. ومفاد المصنف بحسب الظاهر سواء أحرم إلى القبلة في أول الامر أم لا خلافا لما نص عليه ابن حبيب. من أنه يوجه الدابة إلى القبلة أولا ثم يحرم ثم يصلي حيثما توجهت. ومذهب مالك جواز ذلك ليلا ونهارا خلافا لابن عمر: لا يتنفل
المسافر نهارا ويكون في جلوسه متربعا إن أمكنه، ويرفع العمامة عن وجهه في السجود وله ضرب الدابة وركضها إلا أنه لا يتكلم ولا يلتفت. واحترز بالمسافر عن الحاضر فإنه لا يتنفل على الدابة. وكذلك الماشي لا يتنفل في سفره ماشيا. وقوله: حيثما توجهت به احتراز من راكب السفينة فإنه لا يتنفل
[ 210 ]
فيها إلا إلى القبلة فيدور معها حيثما دارت إن تمكن من ذلك. والاصل فيما ذكر ما صح عنه: أنه (ص) كان يسبح على الراحلة قبل أي جهة توجهت، ويوتر عليها أي يصلي النافلة ولا يصلي المكتوبة. والراحلة هي الناقة التي تصلح لان ترحل (إن كان سفرا تقصر فيه الصلاة) أي إن شرط جواز تنفل المسافر على الدابة حيثما توجهت أن يكون سفره سفرا تقصر فيه الصلاة فلو كان دون مسافة القصر أو سفر معصية فلا (وليوتر) المسافر (على دابته إن شاء) بالشرط المتقدم وإن شاء أوتر على الارض وهو الافضل (ولا يصلي) أي المسافر (الفريضة وإن كان مريضا إلا بالارض) دليله الحديث المتقدم (إلا أن يكون إن نزل) عن دابته (صلى جالسا إيماء) بالركوع والسجود (ل) - أجل (مرضه فليصل) الفريضة (على الدابة بعد أن توقف له ويستقبل بها القبلة) ظاهره كالمختصر الجواز من غير كراهة. والذي في المدونة: الكراهة وقيدت بما إذا صلى حيثما توجهت به راحلته وأما إذا أوقفت له واستقبل وصلى فلا كراهة. وهذا التقييد نقله الفاكهاني عن الشيخ ثم قال: فالذي في الرسالة تقييد لما في المدونة. (ومن رعف) قد ذكر في الصحاح فيه ثلاث لغات وهي فتح العين في الماضي وضمها وفتحها في المستقبل والشاذ ضمها فيهما. وعبر صاحب المصباح بالقلة فيما عبر فيه الصحاح بالشذوذ والمعنى
[ 211 ]
أن من خرج من أنفه دم حالة كونه في الصلاة (مع الامام خرج فغسل الدم) أي يخرج لغسل الدم الذي خرج من أنفه ممسكا لانفه من أعلاه ولم يظن دوامه لآخر الوقت المختار. وأما إذا ظن دوامه لآخر الوقت المختار فإنه يتمها ولا يخرج، ولو كان الدم سائلا حيث كان في غير مسجد أو فيه وفرش شيئا يلاقي به الدم، أو كان محصبا أو متربا لا حصير عليه لان ذلك ضرورة ويغسل الدم بعد فراغه فإن كان في مسجد مفروش أو مبلط يخشى تلويثه ولو بأقل من درهم فإنه يقطع وجوبا ومحل كونه يتم صلاته بالركوع والسجود ما لم يخش ضررا بالركوع والسجود، أو تلطخ ثيابه التي يفسدها الغسل وإلا أتمها ولو بالايماء لا إن خشي تلطخ جسده أو ثيابه التي لا يفسدها الغسل فلا يجوز له الايماء (ثم) بعد أن يفرغ من غسل الدم (بنى) بمعني يبني، لان الفقيه إنما يتكلم على أحكام مستقبلة ولا يقطع الصلاة على المشهور. وقال ابن القاسم: الافضل القطع. قال زروق: وهو أولى بالعامي ومن لا يحسن التصرف في العلم لجهله. وسند المشهور عمل جمهور الصحابة والتابعين. وقال أبو حنيفة: تبطل الصلاة بناء على أن الخارج النجس ينقض الوضوء، وحيث قلنا بالبناء فله ستة شروط أشار إلى اثنين منها بقوله (ما لم يتكلم أو يمش على نجاسة) أما الاول فظاهره البطلان إن تكلم مطلقا عمدا أو جهلا أو نسيانا ولا فرق بين أن يكون الكلام في ذهابه أو عوده ما لم يكن لاصلاحها وإنما بطلت بالكلام نسيانا لكثرة المنافيات، قاله الاجهوري. وأما الثاني فظاهره البطلان إن مشى على نجاسة مطلقا سواء كانت النجاسة رطبة أو يابسة أما إذا كانت رطبة فمتفق على
[ 212 ]
البطلان. وأما إن كانت يابسة كالقشب فكذلك عند سحنون. قال بهرام: وهذا كله في العذرة. وأما أرواث الدواب وأبوالها فإنه يبني إذا مشى عليها اتفاقا لان الطرقات لا تخلو عن ذلك غالبا وظاهر عبارته ولو رطبة ولو عامدا، وليس كذلك قال الحطاب. قلت: وينبغي أن يقيد بما إذا طئها ناسيا أو مضطرا لذلك لعمومها وانتشارها في الطريق. وأما إن وطئها عامدا من غير عذر لسعة الطريق وعدم عمومها وإمكان عدوله فينبغي أن تبطل صلاته لانتفاء العلة التي هي الضرورة. وفقه المسألة أن المرور على النجاسة مع العمد والاختيار مبطل مطلقا ولو يابسة ولو أرواث داوب وأما مع الاضطرار فلا بطلان ولا إعادة أيضا في المرور على أن أرواث الدواب ولو رطبة. وكذا في المرور على غيرها لا بطلان لكن يستحب الاعادة في الوقت هذا كله مع العلم، وأما مع النسيان ففي نحو العذرة إن لم يتذكر إلا بعد الصلاة فلا بطلان وتندب الاعادة في الوقت، وإذا تذكر وهو في الصلاة وقد تعلق به شئ بطلت صلاته، وإن لم يتعلق به شئ فيتحول وتصح صلاته على الراجح وأما أرواث الدواب فإن لم يتذكر إلا بعد الفراغ فلا إعادة عليه لا في الوقت ولا في غيره وإن تذكر فيها فلا بطلان أيضا ولا إعادة وإنما يدلكها. الشرط الثالث أن لا يتجاوز ماء قريبا إلى آخر ولا بد أن يكون الماء القريب قريبا في نفسه لا قريبا بالنسبة إلى ما هو أبعد منه. الرابع أن لا يستدبر القبلة لغير طلب الماء، وأما لطلب الماء فلا بطلان، الخامس أن يقطر الدم أو يسيل ولا يتلطخ به، أما إن رشح فقط من غير أن يسيل أو يقطر فلا يخرج لغسله. السادس أن يكون الراعف في جماعة إماما كان أو مأموما، أما الفذ ففي بنائه قولان مشهوران منشؤهما هل رخصة البناء لحرمة الصلاة وهي المنع من إبطالها أو لتحصيل
فضل الجماعة ؟ فيبني على الاول دون الثاني فإذا استكملت الشروط
[ 213 ]
(و) بنى ف (لا يبني على ركعة) يعني لا يعتد بركعة (لم تتم بسجدتيها) وإنما يعتد بركعة تمت بسجدتيها، على ما نقل عن ابن القاسم. وقال ابن مسلمة: يبني على القليل والكثير كان ذلك في الركعة الاولى أو في غيرها. واستظهره ابن عبد السلام، فعلى رواية ابن القاسم: لو رعف بعد الركوع وقبل السجود أو بعد أن سجد سجدة واحدة ألغى ذلك وابتدأ القراءة (وليلغها) تكرار زيادة في البيان وهذا الذي تقدم إذا كان الدم كثيرا يدل عليه قوله (ولا ينصرف ل) - غسل (دم خفيف وليفتله بأصابعه) يعني برؤوس أصابع يده اليسرى وصفة الفتل أن يلقاه أولا برأس الخنصر ويفتله برأس الابهام ثم بعد الخنصر البنصر ثم الوسطى ثم السبابة وانظر قول المصنف (إلا أن يسيل أو يقطر) هل أراد ابتداء فيكون تقدير كلامه وليفتله بأصابعه إلا أن يسيل أو يقطر فلا يبتدئ فتله ولينصرف إلى الماء وإنما أراد إذا سال أو قطر بعد أن فتله فيكون تقدير الكلام أنه يفتله بأصبعه إلا أن يغلب عليه بالسيل أو القطر فلا يفتله، وهذا هو المناسب. وأما الاحتمال الاول فهو عين قوله ومن رعف الخ وحينئذ فقوله إلا أن يسيل أو يقطر أي فلا يفتله. وهذا إذا كان القاطر لا يمكن فتله وإلا فتله. وهل أراد بقوله أيضا: إلا أن يسيل أو يقطر على الارض أو على ثوبه ؟ أما إذا سال أو قطر على الارض فإنه ينصرف ويغسله ويبني استحبابا وله القطع وهذا إذا لم تخش تلويث مسجد ولو بأقل من درهم، وإلا قطع ولو ضاق الوقت وإن سال على ثوبه أو على أصابعه وتجاوز الانملة العليا إلى الوسطى بقدر لا يعفى عنه بأن زاد على درهم فإنه يقطع وأما ما كان في العليا فلا بطلان به ولو زاد على
[ 214 ]
درهم وإن سال على ثوبه فإنه يبني أيضا إن سلمت ثيابه من القذر الذي لا يعفى عنه ولما كان البناء للرعاف تعبديا لا يقاس عليه وخشي أن يتوهم القياس عليه رفع ذلك التوهم بقوله (ولا يبني) ويروى ولا يبن فعلى الاولى لا نافية وعلى الثانية ناهية والفعل مجزوم بحذف الياء (في قئ) مطلقا عمدا أو سهوا أي قئ متنجس خرج منه حال صلاته ولو قليلا. ومثله الطاهر الكثير والحاصل أن الصلاة لا تبطل بالطاهر بشرط كونه يسيرا وخرج غلبة فإذا كان نجسا ولو يسيرا أو طاهرا كثيرا أو تعمد إخراجه بطلت صلاته. وكذا لو تعمد ابتلاعه والموضوع أنه خرج غلبة، وأما لو ابتلعه غلبة في ذلك الموضوع ففي بطلان صلاته قولان متساويان لا أرجحية لاحدهما على الآخر وأما سهوا فلا (ولا) يبني أيضا في (حدث) ولا غيرهما على المشهور ومقابله ما لا شهب من أنه يبني في الحدث ويبني أيضا من رأى في ثوبه أو جسده نجاسة أو أصابه ذلك وهو في الصلاة، وسند القول المشهور أن الاصل عند البناء في الجميع فجاءت الرخصة في الرعاف وبقي ما سواه على الاصل (ومن رعف بعد سلام الامام سلم وانصرف) وإنما أبيح له السلام وهو حامل النجاسة لانه أخف من ذهابه إلى الماء (وإن رعف قبل سلامه) أي قبل سلام الامام (انصرف) إلى الماء (وغسل الدم) لانه إن لم يخرج فقد تعمد حمل النجاسة في صلاته وقد بقي بعضها (ثم رجع) ليسلم (فجلس) وأعاد التشهد إن كان قد تشهد على المشهور
[ 215 ]
فإن لم يكن تشهد تشهد من غير خلاف (وسلم) وظاهر كلامه أنه يخرج لغسل الدم ولو كان سلام الامام عقيب رعافه وليس كذلك بل إن كان
سلام الامام قريبا من رعافة فإنه يسلم وينصرف وتجزئه صلاته كالمسألة التي قبلها لانه لم يبق عليه شئ من فعل الصلاة يحتاج معه إلى البناء عليه، ثم انتقل يبين أين يتم الراعف صلاته بعد غسل الدم بالشروط المتقدمة فقال (وللراعف) إذا كان في جماعة (أن يبني في منزله) أي في مكانه الذي غسل فيه الدم إن أمكنه أو في أقرب الاماكن التي يمكنه فيها الصلاة (إذا يئس أن يدرك بقية صلاة الامام) المراد باليأس هنا غلبة الظن قال ابن ناجي: ظاهر كلامه أنه إذا طمع أن يدرك شيئا من صلاة الامام ولو السلام فإنه يرجع إليه وهو كذلك على ظاهر المدونة وغيرها. وقال ابن شعبان: إن لم يرج إدراك ركعة أتم مكانه وإنما لزم الرجوع مع الشك لان الاصل لزوم متابعته للامام فلا يخرج منها إلا بعلم أو ظن. وما تقدم من أن للراعف أن يبني في أي مكان يمكنه الصلاة فيه عام في كل صلاة جماعة (إلا في) صلاة (الجمعة) إذا أدرك مع الامام ركعة بسجدتيها وكذلك يجب الرجوع على من ظن إدراك ركعة مع الامام بعد رجوعه وإن لم يدرك معه ركعة قبل الرعاف وأما إذا لم يدرك ركعة قبل الرعاف ولا ظن إدراك ركعة بعد رجوعه مع الامام فإنه لا يرجع بل يقطع ويبتدئ ظهرا بإحرام ولو بنى على إحرامه وصلى أربعا فالظاهر الصحة كما قال الحطاب. ومحل ابتدائها ظهرا حيث لم يتمكن من صلاة الجمعة وإلا فلا بأن كان البلد مصرا تتعدد فيه الجمعة (ف) - إنه (لا يبني) فيها (إلا في الجامع) أي الذي
[ 216 ]
ابتدأها فيه. ولو ظن فراغ إمامه لان الجامع شرط في صحة الجمعة ولا يتمها برحابه ولو كان ابتدأها به لضيق أو اتصال صفوف كما استظهره الحطاب. وقال ابن عبد السلام: يصح إتمامها في الرحاب، ومن كلف بالبناء في الجامع
الذي ابتدأها فيه لا يكلف بموضعه الذي صلى فيه مع الامام بل يكفي أي موضع منه لان ذلك يؤدي إلى كثرة الفعل، وكثرته تبطل. ولو صلى في جامع غير الذي صلى فيه لبطلت صلاته وإن كان أقرب منه تت وعج. وظاهر قوله لا يبني إلا في الجامع سواء حال بينه وبين عوده إليه حائل أم لا، وهو المشهور وعليه فإن حال بينه وبين الجامع الذي ابتدأها فيه حائل قبل إتمام صلاته بطلت جمعته. ولما تكلم على الرعاف شرع يتكلم على مسألة تقدمت في باب الطهارة لمناسبة تلك المسألة لذلك المقام من حيث الحكم على الغسل المذكور بالاستحباب الذي هو المعتمد إذ هو يؤذن بأن هذا الدم معفو عنه فقال (ويغسل قليل الدم من الثوب) يعني والجسد والبقعة. قال ابن عمر: يريد المصنف على جهة الاستحباب فيكون مفاد المصنف: ويغسل قليل الدم الخ أي ندبا لا وجوبا وهذا هو مذهب المدونة، أي إن غسل الدم القليل لا الكثير مستحب على مذهب المدونة إذا تقرر هذا تعلم أن مذهب المدونة، واستحباب غسل القليل لا الكثير وتعلم أيضا أنه مخالف لقول زروق أن مذهب المدونة وجوب غسل قليل الدم (ولا تعاد الصلاة إلا من كثيره) وفي حده وحد اليسير مشهور الخلاف فقيل الكثرة معتبرة بالعرف، وقيل لا وهو المشهور. أي إن المشهور اعتبار الكثير بالدرهم البغلي فيما كانت مساحته قدر مساحة الدرهم البغلي أي الذي في ذراع البغل فهو كثير وإليه أشار مالك في العتبية، وقال ابن
[ 217 ]
سابق اليسير ما دون الدرهم والكثير ما فوقه اه. وفي الدرهم روايتان قيل: إنه من حيز الكثير، وقيل: من حيز اليسير. وقول المصنف ولا تعاد الخ يعني في الوقت إذا صلى به ناسيا وإن صلى به عامدا أعاد أبدا على قول ابن القاسم.
فيفيد هذا أن ابن القاسم يقول بأن إزالة النجاسة واجبة والدم من أفرادها، وهذا يخالف ما نقله صاحب البيان أن المشهور من رواية ابن القاسم عن مالك: أن رفع النجاسة سنة ولما كان غير الدم من النجاسات مخالفا له في الحكم من حيث التفرقة بين القليل فيعفى عنه والكثير لا عفو فيه، وخشي أن يتوهم أن غيره كذلك دفع هذا بقوله (وقليل كل نجاسة) من (غيره) أي الدم (وكثيره سواء) في وجوب الازالة على القول بوجوب إزالة النجاسة وإعادة الصلاة أبدا إذا صلى متلبسا بالنجاسة عامدا وفي الوقت إذا صلى ناسيا أو عاجزا والفرق بين الدم وغيره من النجاسات أن الدم لا يكاد يتحفظ منه لان بدن الانسان كالقربة المملوءة بخلاف سائر النجاسات فإنه يمكن أن يتحرز منها في الغالب (ودم البراغيث ليس عليه غسله) لان في غسله كبير مشقة وزيادة كلفة إذ لا يكاد يفارق الانسان مع أن يسير الدم معفو عنه (إلا أن يتفاحش) ويخرج عن العادة فيستحب غسله وقيل يجب. وحد التفاحش ما بلغ حدا يستحى من ظهوره بين الناس. باب في سجود القرآن (باب في سجود القرآن) كذا في بعض النسخ وفي بعضها باب سجود
[ 218 ]
القرآن بحذف في وفي بعضها (وسجود القرآن) من غير ذكر باب وزيادة واو وهو سنة، وقضية ابن عرفة أنه الراجح، وقيل فضيلة. وظاهر كلام ابن الحاجب وغيره أنه المشهور في حق القارئ وقاصد الاستماع لا السامع. ويشترط في سجود المستمع ثلاثة شروط: الاول: أن يكون القارئ صالحا للامامة أي بالفعل بأن يكون ذكرا بالغا عاقلا متوضئا فلا يسجد لسماع قراءة آية السجدة من الخنثى ولا من المرأة ولا من الصبي ولا من غير متوضئ. الثاني: أن يكون المستمع جلس ليتعلم من القارئ ما يحتاج إليه
في القراءة من الادغام ونحوه أو لحفظ ذلك المقروء. والثالث: أن لا يجلس القارئ ليسمع الناس حسن قراءته بل جلس قاصدا تلاوة كلام الله أو قاصدا إسماع الناس لاجل أن يتعظوا فينزجروا عن المعاصي وإذا وجدت هذه الشروط ولم يسجد القارئ سجد قاصد الاستماع على المشهور والمشهور أن سجدات القرآن (إحدى عشرة سجدة وهي العزائم) أي الاوامر بمعنى المأمور بالسجود عند قراءاتها فليس المراد بالامر حقيقته بل المراد به اسم المفعول، وإنما سميت بالعزائم للحث على فعلها خشية تركها الذي هو مكروه (ليس في المفصل) وهو ما كثر فيه الفصل بالبسملة، وأوله الحجرات على ما اختاره بعضهم (منها) أي العزائم (شئ) فلا سجود في التي في النجم والانشقاق والقلم أولها في (المص عند قوله) تعالى (* (ويسبحونه وله يسجدون) *) وإنما قال (وهو آخرها) وإن كان من المعلوم أنه آخرها ليرتب عليه قوله
[ 219 ]
(فمن كان في صلاة) نافلة أو فريضة وقرأها (يسجدها) أي وإن كان في وقت حرمة لانها تبع للصلاة ويكره تعمد قراءة آية السجدة في الصلاة المفروضة (فإذا سجد قام فقرأ) على جهة الاستحباب (من) سورة (الانفال أو من غيرها ما تيسر عليه) مما يليها على نظم المصحف فليس المراد بالذي يليها ما كان بلصقها وإلا نافى قوله أو من غيرها (ثم ركع وسجد) وإنما أمر بالقراءة لان الركوع لا يكون إلا عقب القراءة أي الركوع المعتد به كما لا يكون إلا عقب القراءة (و) ثانيها (في) سورة (الرعد عند قوله) تعالى (* (وظلالهم بالغدو والآصال) *) (و) ثالثها (في) سورة (لنحل) عند قوله تعالى (* (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) *) (و) رابعها (في) سورة (بني إسرائيل) عند قوله تعالى (* (ويخرون
للاذقان يبكون ويزيدهم خشوعا) *) (و) خامسها (في) سورة (مريم) عند قوله تعالى (* (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا) *) (مريم: 58) (و) سادسها (في) سورة (الحج) وهو المذكور (أولها) عند قوله تعالى (* (ومن
[ 220 ]
يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء) *) (الحج: 18) ونبه بقوله أولها إلى قول الشافعي أن فيها سجدتين أولها وآخرها (و) سابعها (في) سورة (الفرقان) عند قوله تعالى (* (أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا) *) (الفرقان: 60) (و) ثامنها (في) سورة (الهدهد) عند قوله تعالى (* (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) *) (النمل: 26) (و) تاسعها (في) سورة (* (الم تنزيل) *) عند قوله تعالى (* (وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون) * (السجدة: 15) (و) عاشرها (في) سورة (ص) عند قوله تعالى (* (فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب) * (ص: 24) (وقيل) السجود فيها (عند قوله) تعالى * (لزلفى وحسن مآب) * (ص: 25) والاول هو المشهور لان قوله تعالى * (فغفرنا له ذلك) * كالجزاء على السجود فكان بعد السجود فقدم السجود عليه (و) حادية عشرتها (في) سورة (حم تنزيل عند قوله) تعالى (* (واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) *) (فصلت: 37) هذا هو المشهور لانه موضع الامر. وقيل: السجود فيها عند قوله تعالى * (وهم لا يسأمون) * لانه تمام الاول ولمخالفته للكافر المتكبر بالسآمة أي المتكبر عن السجود مع ملله
[ 221 ]
وضجره منه أي إن الذي منعه من السجود أمران تكبره وسامته (ولا يسجد السجدة في التلاوة إلا على وضوء) لانه يشترط لها ما يشترط لسائر الصلوات من الطهارتين أي الحدث والخبث واستقبال القبلة (ويكبر لها) في الخفض والرفع اتفاقا إن كان في صلاة وعلى المشهور إن كان في غير صلاة. وقيل: يكره. وقيل: هو مخير بين التكبير وعدمه فإذا الاقوال ثلاثة
ولا يرفع يديه أي يكره ذلك في الخفض والرفع، ولا يتشهد على المشهور وقيل يتشهد (ولا يسلم) منها أي يكره إلا أن يقصد الخروج من الخلاف قالوا وقول الشيخ (وفي التكبير في الرفع منها سعة) أنه رابع في المسألة التي حكى ابن الحاجب فيها الاقوال الثلاثة أي من حيث إنه خير في الرفع ولم يخير في الخفض كما نبه عليه ابن ناجي وانظر قوله (وإن كبر فهو أحب إلينا) هل هو عائد إلى التكبير في الرفع أي فيكون المعنى أنه يكبر في الرفع كما أنه يكبر في الخفض فيكون عين القول الاول من الاقوال الثلاثة، أو عائد إلى التكبير في الرفع والخفض الذي هو الاول أيضا فهو على كل حال اختيار منه للمشهور (ويسجدها) أي سجدة التلاوة (من قرأها) وهو (في) صلاة (الفريضة و) صلاة (النافلة) سواء كان إماما أو فذا وإن كره لهما تعمدها في الفريضة على المشهور، وظاهر المصنف ولو كان يصلي الفريضة وقت النهي عن النافلة. وقال التتائي: على المختصر ينبغي أن تقيد بما إذا لم يتعمد قراءة السجدة أي في وقت النهي اه وإنما كره
[ 222 ]
لهما أي الامام، والفذ تعمد قراءة السجدة في الفريضة لانه إن لم يسجد دخل في الوعيد، وإن سجد يزيد في سجود الفريضة على أنه ربما يؤدي إلى التخليط على المأمومين. وأما النافلة فلا يكره تعمد قراءة السجدة فيها فذا كان أو جماعة جهرا أو سرا في حضر أو سفر ليلا أو نهارا متأكدا أو غير متأكد، خشي على من خلفه التخليط أولا. تنبيهات: فهم من قوله فريضة ونافلة أنه لو قرأها في حال الخطبة لا يسجد وهو كذلك لما فيه من الاخلال بنظام الخطبة وحكم الاقدام على قراءتها الكراهة، وإن وقع أنه سجد في الخطبة لم تبطل وإن نهى عن السجود (الثاني) لو كان
القارئ للسجدة إماما وتركها فإن المأموم يتركها، فإن سجدها المأموم دون إمامه بطلت صلاته في العمد دون السهو، كما أنها لا تبطل صلاة المأموم بترك السجود مع إمامه الساجد ولو كان تركه عمدا ولكنه أساء. وروى ابن وهب: لا تكره قراءتها في الفريضة ابتداء وصوبه اللخمي وابن يونس وابن بشير وغيرهم لما ثبت أنه (ص) كان يداوم على قراءة السجدة في الركعة الاولى من صلاة الصبح يوم الجمعة. قال ابن بشير: وعلى ذلك كان يواظب الاخيار من أشياخي وأشياخهم وتفعل في كل وقت من ليل أو نهار، إلا عند خطبة الجمعة وعند طلوع الشمس واصفرارها وعند الاسفار فإنه يكره فعلها في هذه الاوقات، واختلف في فعلها قبل الاسفار والاصفرار بعد أن تصلي الصبح، وبعد أن تصلي العصر. ففي الموطأ: لا تجوز بعدهما مطلقا اصفرت أو أسفرت أولا. وفي المدونة وهو المعتمد يسجدها بعدهما ما لم تصفر أو تسفر وعليه مشى الشيخ فقال (ويسجدها من قرأها بعد الصبح ما لم
[ 223 ]
يسفر) بالسين من الاسفار وهو الضياء (وبعد العصر ما لم تصفر الشمس) بالصاد من الاصفرار وهو التغير لانها سنة مؤكدة وبذلك شبهت بالجنائز، ففارقت من فعلها في الوقتين بسبب كونها سنة مؤكدة النوافل المحضة لانها أي النوافل المحضة لا تفعل بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح. باب في بيان صلاة المسافر (باب) في بيان (صلاة السفر) وحكمها، وهو السنية وسببها هو السفر ومحلها وهو الرباعية، وبعض شروطها وهو أربعة برد وبعض ما يبطل القصر ومسائل متعلقة بها. وقد أشار إلى الخمسة الاول أي التي هي صفة صلاة السفر وحكمها وسببها ومحلها وبعض شروطها بقوله: ومن سافر إلى قوله حتى يجاوز الخ بإدخال الغاية ومعنى قوله (ومن سافر) أي قصد
سفرا في البر أو في البحر، واجبا كان كسفر الحج الواجب، أو مندوبا كسفر الحج التطوع، أو مباحا كسفر التجارة (مسافة أربعة برد) جمع بريد وهو أربعة فراسخ والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ألفا ذراع. وصحح ابن عبد البر كونه ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع، والذراع ما بين طرفي المرفق إلى آخر الاصبع المتوسط وهو ستة وثلاثون أصبعا كل أصبع ست شعيرات بطن إحداهما إلى ظهر الاخرى كل شعيرة ست شعرات من شعر البرذون. وهذا بيان لاقل المسافة التي تقصر فيه الصلاة وحدها بالزمان سفر يوم وليلة بسير الحيوانات المثقلة بالاحمال المعتادة (وهي) أي الاربعة برد (ثمانية وأربعون
[ 224 ]
ميلا فعليه أن يقصر) بفتح الياء وسكون القاف ضم الصاد فإن قصر فيما دونها، فإن كان فيما مسافته خمسة وثلاثون ميلا أعاد أبدا وفيما مسافته أربعون لا إعادة وفيما مسافته بينهما خلاف هل يعيد في جل الوقت أم لا ؟ أي لا إعادة عليه أصلا قاله ابن رشد. وفي التوضيح يعيد من قصر في ستة وثلاثين ميلا أبدا على المذهب (الصلاة) المفروضة المؤداة في السفر والمقضية لفواتها فيه (فيصليها ركعتين إلا المغرب فلا يقصرها) لانها وتر لا نصف لها قال في التحقيق ليس في الشريعة نصف ركعة. فإن قيل: لم لم تكمل ركعتين كما فعل في طلاق العبد فيمن طلق طلقة ونصف طلقة قيل في جوابه لو فعل ذلك لذهب مقصود الشرع من كون عدد ركعات الفرض في اليوم والليلة وترا، وللشرع قصد في الوتر وانظر لم سكت عن الصبح مع أنها لا تقصر أيضا لانه لم يثبت في الشرع قصرها، وإن كان ذلك ممكنا بأن تجعل ركعة والذي يغني عن تطويل القول فيه وفي
المغرب أن الاجماع انعقد على أنهما لا يقصران ولا تأثير للسفر فيهما. وللقصر شروط: أحدها: أن تكون المسافة مقصودة دفعة واحدة، فلو لم تكن مقصودة مثل أن يمشي في طلب حاجة له يظن أنها أمامه بل ولو جزم بأنها أمامه إلا أنه لم يدر عين موضعها فلا يقصر ولو مشى أربعة برد وكذا لا يقصر إذا قام فيما بين تلك المسافة إقامة توجب الاتمام كأربعة أيام صحاح وملخصه أن الشرط الاول اشتمل على أمرين أحدهما مقصودة. والثاني: دفعة ثانيها: أن يكون السفر مباحا. ثالثها: على ما قال في الذخيرة أن لا يقتدي بمقيم. قال ابن القاسم في الكتاب: يتم وراءه إن أدرك معه ركعة إلى أن
[ 225 ]
قال: فإن أدرك أقل من ركعة قال مالك لا يتم وفقه المسألة إن المأموم المسافر خلف المقيم تارة ينوي الاتمام خلفه، ومثله الاحرام بما أحرم به الامام وتارة ينوي صلاة سفر وفي كل إما أن يدرك ركعة أم لا ففي القسم الاول يتبعه مطلقا وفي الثاني إن أدرك معه ركعة بطلت صلاته وإلا صحت ويصلي ركعتين. رابعها: أن لا يعدل عن مسافة قصيرة إلى طويلة بلا عذر خامسها: لا يقصر حتى يبرز عن بيوت القرية وإليه أشار الشيخ بقوله (ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر) قال ابن ناجي: ظاهر كلامه سواء كان الموضع موضع جمعة أم لا وهو كذلك على المشهور. ومقابله ما رواه مطرف وابن الماجشون عن الامام رضي الله عنه أن القرية التي ابتدأ السفر منها إن كانت قرية جمعة لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال من سورها، وإلا فمن آخر بنيانها ومحل الخلاف في الزائد على البساتين للاتفاق على مجاوزة البساتين ومجاوزة العمودي حلته بكسر الحاء أي منزل إقامته، ولو تفرقت البيوت فلا بد من مفارقة الجميع حيث جمعهم اسم الحي
والدار أو اسم الدار فقط أو اسم الحي حيث كان يرتفق بعضهم ببعض وإلا قصر بمجرد انفصاله عن منزله (وتصير خلفه ليس بين يديه ولا بحذائه منها شئ) هو عين ما قبله فالداعي لتكريره زيادة البيان فكأنه يقول ليس أمامه ولا عن يمينه ولا عن شماله منها شئ، ولما بين المبدأ أراد أن يبين المنتهى فقال (ثم لا يتم حتى يرجع إليها) أي إلى البيوت (أو يقاربها بأقل من الميل) استشكل
[ 226 ]
ابن عمر كلام الشيخ فقال: هذا اللفظ مشكل لان أول الكلام جعله في أقل من الميل مسافرا وآخر الكلام جعله فيه مقيما وهذا لا يصح. قال بعضهم لدفع هذا التنافي: إن قوله حتيرجع إليها يعني على قول، وقوله أو يقاربها يعني على قول آخر. وقال بعضهم: معنى قوله حتى يرجع إليها أي حتى يدنو منها وحينئذ يكون قوله أو يقاربها هو بمعنى قوله حتى يرجع إليها ومحصل هذا التأويل أنه متى كان أقل من الميل يتعين عليه الاتمام سواء كان بها بساتين أم لا كانت البساتين قليلة بحيث تكون ثلث ميل مثلا أو أكثر. (وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع أو ما يصلي فيه عشرين صلاة أتم الصلاة حتى يظعن) بالظاء المعجمة أي يرتحل ويصير إذا ظعن كالظاعن من بلده فيقصر إذا جاوز البلد وما في حكمها واعتمد ذلك ابن ناجي. (من مكانه ذلك) تقدم أن المصنف إذا أتى بأو يكون أراد أن المسألة ذات قولين ومفاد كلامه أن القصر بشرطه يقطعه نية إقامة أربعة أيام صحاح فأكثر مع إدراك عشرين صلاة، وهو الذي مشى عليه ابن القاسم. فابن القاسم يراعي في قطع حكم السفر الاربعة الايام الصحاح والعشرين صلاة. فالاقامة القاطعة لحكم السفر عنده أن يقيم إلى عشاء الرابع فمن دخل قبل فجر يوم ونوى الخروج بعد غروب الرابع فإنه
يقصر لانه لم يقم مدة عشرين صلاة. وقال سحنون وعبد الملك: إن نية ما يصلي فيه عشرين صلاة قاطع لحكم السفر. وفائدة الخلاف يظهر إذا دخل وقت الظهر فإن قدر بالصلوات حسب ظهر يومه عصره فيتم الظهر والعصر وإن قدر بالايام ألغى اليوم الذي دخل فيه بمعنى أنه لا يحسبه من
[ 227 ]
الاربعة أيام التي يقيمها، فمن نوى إقامة أربعة أيام صحاح فإنه يتم من حين دخوله في المحل الذي نوى فيه ذلك، فإذا دخل وقت الظهر أتمه وأتم العصر والعشاء وإن كان يوم دخوله لا يحسب في الايام التي يقيمها وأخذ من قوله نوى أن الاتمام يكون بالنية خاصة بخلاف القصر، فإنه لا يكون إلا بالنية والفعل وهو تعدي البساتين المسكونة. وذلك أن الاتمام هو الاصل فلا ينتفل عنه إلا بشيئين والقصر فرع ينتفل عنه بشئ واحد وأخذ منه أيضا أنه إذا أقام من غير نية إقامة أربعة أيام فإنه يقصر ما دام ناويا للسفر واستثنوا من كون نية إقامة أربعة أيام فأكثر يبطل حكم السفر نية العسكر الاقامة بدار الحرب والمراد بدار الحرب محل إقامة العسكر ولو في دار الاسلام حيث لا أمن. ومما يقطع القصر أيضا العلم بالاقامة عادة كعادة الحاج إذا دخل مكة أن يقيم أربعة أيام (ومن خرج) أي شرع في السفر (و) الحال أنه (لم يصل الظهر والعصر وقد بقي من النهار قدر ثلاث ركعات صلاهما سفريتين) اتفاقا إن كان تركهما ناسيا وعلى المنصوص إن كان تركهما عامدا ويكون آثما وإنما كان كذلك أي يصليهما سفريتين لانه سافر في وقتيهما إذ يقدر للظهر ركعتان وتبقى ركعة للعصر واختلف في هذا التقدير، هل يراعى قبله تقدير الطهارة إن لم يكن على طهارة ؟ وبه قال اللخمي والقرافي وأبو الحسن، أم لا وبه قال آخرون وعليه ابن عرفة
. (فإن بقي) أي من النهار بعد أن خرج والحال أنه لم يصلهما (قدر ما يصلي فيه
[ 228 ]
ركعتين أو ركعة صلى الظهر حضرية) لفوات وقتها وهو غير مسافر فترتبت في ذمته حضرية (و) صلى (العصر سفرية) لانه مسافر في وقتها ويبدأ بالظهر عند ابن القاسم وهو الراجح، وبالعصر عند ابن وهب لئلا يفوتها عن وقتها، وقال أشهب: يبدأ بأيتهما شاء لاختلاف أهل العلم في ذلك فمالك وابن شهاب يقولان يبدأ بالاولى. وسعيد بن المسيب يقول يبدأ بالاخيرة. (ولو دخل) من سفره (لخمس ركعات) أي وإذا دخل وقد بقي من النهار مقدار ما يصلي فيه خمس ركعات، والحال أنه لم يصل الظهر والعصر (ناسيا لهما صلاهما حضريتين) لانه مدرك لوقتيهما الظهر بأربع والعصر بركعة وحكم العامد كالناسي، وإنما اقتصر المصنف على الناسي لانه الغالب (فإن كان) دخوله (بقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية) لانها بخروج وقتها ترتبت في ذمته سفرية (و) صلى (العصر حضرية) لانه أدركها في الحضر، ولما أنهى الكلام على الصلاتين المشتركتي الوقت نهارا خروجا ودخولا انتقل يتكلم على المشتركتي الوقت ليلا كذلك لكنه بدأ بالكلام على الدخول عكس ما تقدم في النهار فقال (وإن قدم في ليل وقد بقي لطلوع الفجر ركعة فأكثر) أي مما يقدر به (و) الحال أنه (لم
[ 229 ]
يكن صلى المغرب والعشاء) ناسيا أو عامدا (صلى المغرب ثلاثا والعشاء حضرية) لانه قد بقي من الوقت ما يدرك به العشاء فوجب أن يصليها حضرية. وأما المغرب فلم يختلف حكمها في السفر والحضر فلا معنى
لذكرها ثم عقب بالخروج فقال (ولو خرج وقد بقي عليه من الليل ركعة فأكثر صلى المغرب ثلاثا ثم صلى العشاء سفرية) لانه مدرك لوقتها في السفر وقاعدة هذا الباب بالنسبة لليليتين أنه يقدر بركعة دخولا وخروجا وبالنسبة للنهاريتين أو إحداهما أنه في الخروج إذا بقي ما يسع ثلاثا فإنه يصليهما سفريتين واثنتين أو واحدة. فالثانية سفرية وبالنسبة للنهاريتين أنه في الدخول إذا بقي من النهار ما يصلي فيه خمس ركعات صلاهما حضريتين وبقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية والله أعلم. باب في صلاة الجمعة (باب) في بيان حكم السعي إلى (صلاة الجمعة) أي من أنه واجب وفي بيان وقت وجوبها والمحل الذي تجب فيه ومن تجب عليه، وغير ذلك مما له تعلق بها وهي مشتقة من الجمع لاجتماع الناس فيها. وأول من سماها جمعة قصي فإنه جمع قريشا في يومها وقال: هذا يوم الجمعة وابتدأ بحكم السعي فقال: (والسعي إلى الجمعة واجب) وإذا وجب السعي وهو وسيلة فأحرى ما سعى
[ 230 ]
إليه وقد صرح بوجوب ما سعى إليه في باب جمل فقال وصلاة الجمعة والسعي إليها فريضة دل على وجوبه الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) * (الجمعة: 9) قال الفاكهاني: قال مالك: السعي في كتاب الله العمل، والفعل عطف مرادف أي فالمراد بالسعي إلى الذكر مطلق الذهاب سواء كان بالمشي على لارجل أم لا. واستدل الفاكهاني على ذلك بقراءة فامضوا إلى ذكر الله والمراد بالذكر الخطبة أو الصلاة أو هما معا. أفاده شارح الموطأ. وأما السنة، فما في مسلم من قوله عليه الصلاة والسلام لقوم يتخلفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون
عن الجمعة بيوتهم. وأما الاجماع فقال الفاكهاني: لا خلاف بين الائمة أن الجمعة واجبة على الاعيان والسعي إليها إنما يجب حيث لا مانع فإن كان ثم أي هناك مانع سقطت، والمانع عدة أشياء منها المرض الذي يشق معه السعي إليها، ومنها أن يكون قد اشتد بأحد والديه المرض أو احتضر أو خشي عليه الضيعة، ومثل أحد والديه كل قريب خاص كولد وزوج ومنها أن يخاف على ماله من سلطان أو سارق أو حريق ومنها المطر الشديد والوحل الكثير إلى غير ذلك (وذلك) أي وجوب السعي إلى صلاة الجمعة على من قربت داره يكون (عند جلوس الامام على المنبر) بكسر الميم وفتح الموحدة (وأخذ) بصيغة الفعل بفتح الخاء والذال المعجمتين بمعنى شرع (المؤذنون في الاذان) وفي بعض النسخ وأخذ بصيغة الاسم وجر المؤذنين على الاضافة، وحينئذ تكون جملة وأخذ المؤذنين حالية ووجوب السعي إذ ذاك أي عند جلوس الامام على المنبر إنما هو في حق من قربت داره من المسجد. وأما
[ 231 ]
السعي في حق من بعدت داره فبمقدار ما يصل فيه عند الزوال أي بمقدار زمن يصل فيه إلى الموضع الذي تقام فيه الجمعة عند الزوال. وهذا التفصيل في غير من تنعقد به الجمعة. وأما من تنعقد به الجمعة فيجب عليه السعي بحيث يسمع الخطبة من أولها كما هو المعول عليه ولا يتقيد حضوره بالزوال ولا بجلوس الامام على المنبر، ويجب السعي إليها على من في المصر ومن على ثلاثة أميال منه فأقل ولما تقدم ذكر الاذان وكان للجمعة أذانان أحدهما لم يكن في زمن النبي (ص) والآخر في زمنه أراد أن يبين ذا من ذا فقال (والسنة المتقدمة) أي الطريقة المندوبة (أن يصعدوا) بمعنى يرتفعوا أي المؤذنون (حينئذ) أي حين جلوس الامام على المنبر (على
المنار فيؤذنون) أراد بالسنة المتقدمة سنة الصحابة إذ لم يكن في زمنه (ص) منار وإنما كانوا يؤذنون عند باب المسجد. قاله زروق، وحاصل كلامه أنه كان في زمن النبي (ص) أذان واحد يفعل عند باب المسجد والنبي (ص) جالس على المنبر ثم أحدث سيدنا عثمان رضي الله عنه أذانا آخر يفعل قبل هذا على المنار ويكون الامام جالسا على المنبر حينئذ أيضا. وقال الفاكهاني: قال ابن حبيب: كان النبي (ص) إذا دخل المسجد رقي المنبر فجلس ثم يؤذن المؤذنون وكانوا ثلاثة يؤذنون على المنار واحدا بعد واحد، فإذا فرغ الثالث قام النبي (ص) للخطبة. وكذا في زمن أبي بكر وعمر. ثم لما كثر الناس أمر عثمان بإحداث أذان سابق على الذي يفعل على المنار وأمرهم بفعله عند الزوال عند الزوراء وهو موضع بالسوق ليجتمع الناس ويرتفعوا من السوق فإذا خرج وجلس على المنبر أذن المؤذنون على المنار. ثم إن هشام بن عبد الملك في زمن إمارته نقل الاذان الذي كان بالزوراء فجعله على المنار عند الزوال
[ 232 ]
فإذا جلس على المنبر أذن بين يديه فإذا فرغ المؤذن خطب فالاذان الذي أحدثه عثمان أول في الفعل وثان في المشروعية، وهو الواقع الآن على المنار والواقع بين يدي الخطيب ثان في الفعل، وأول في المشروعية لان الذي يفعل بين يدي الخطيب الآن هو ما كان يفعل عند باب المسجد زمن النبي (ص) وحوله هشام. والمراد بالمنار في كلام ابن حبيب موضع التأذين لانه لم يكن منار في زمنه (ص) وموضع التأذين هو باب المسجد. (ويحرم حينئذ) أي حين الاذان بين يدي الامام (البيع) أي والشراء على كل من تجب عليه الجمعة إلا من اضطر إليه كمن أحدث وقت نداء الجمعة ولا يجد ماء يتطهر به إلا بالثمن فيجوز كل من البيع والشراء لان هذا من
باب التعاون على العبادة، فإن وقع ما حظر من البيع بين من تلزمهما الجمعة فسخ، فإن فات فالقيمة حين قبضه أي فالقيمة معتبرة حين قبضه ويكون مستثنى من قاعدة أن المختلف فيه يمضي بالثمن، وهذا قد مضى بالقيمة (و) كذلك يحرم (كل ما يشغل) بفتح الياء والغين (عن السعي إليها) كالاكل والخياطة والسفر وأدخلت الكاف الشركة والهبة والصدقة والاخذ بالشفعة (وهذا الاذان الثاني) في الاحداث هو الاول في الفعل (أحدثه بنو أمية) يعني عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو أول أمراء بني أمية. واعلم أن الجمعة لها شرائط وجوب وشرائط أداء والفرق بينهما أن شرائط الوجوب ما تعمر بها الذمة ولا يجب على المكلف تحصيلها، وشرائط الاداء ما تبرأ بها الذمة ويجب على المكلف تحصيلها والاولى عشرة الاعلام بدخول وقتها والاسلام والبلوغ والعقل والذكورية والحرية والاقامة والصحة والقرب
[ 233 ]
بحيث لا يكون على أكثر من ثلاثة أميال ويلحق بالثلاثة أميال ربع ميل أو ثلثه والاستيطان، والثانية أربعة الامام والجماعة والجامع والخطبة وقد ذكر الشيخ بعض هذه الشروط ولم يميز بعضها من بعض فقال: (والجمعة تجب بالمصر والجماعة) أما الاول فظاهر على مذهب أبي حنيفة أن الجمعة لا تكون إلا في المصر. وزاد بعض أصحابه وأن يكون بالمصر الامام الذي يقيم الحدود. ومذهب الامام مالك أنها تكون في المصر وفي القرى المتصلة البنيان بل ولو لم يكن اتصال إلا أن هناك ارتفاقا بأن كان يعاون بعضهم بعضا ولو لم يكن بها ما يقيم الحدود فعلى هذا لا بد من التأويل في كلام الشيخ بأن يقال: إنه أراد بقوله تجب بالمصر وبالقرى المتصلة البنيان أي جنس القرى فيصدق بالقرية الواحدة. وأما الثاني فشرط صحة أي من شروط إقامة
الجمعة أن يكون هناك جماعة ولا يحصرون بعدد عند الامام مالك، بل المطلوب وجود من يستقل بحيث يدفع من يقصده ويساعد بعضهم بعضا في المعاش الحاجي وغيره، ومتى كان يمكنهم الاقامة على التأبيد مع الامن والقدرة على الدفع عن أنفسهم صحت الجمعة ولو لم يحضر منهم إلا اثنا عشر رجلا باقين لتمام الصلاة مع الامام لا فرق بين أول جمعة وغيرها. (والخطبة فيها) أي الجمعة (واجبة) على المشهور وقيل: إنها سنة حكاهما في المقدمات فهي شرط صحة لانه لم ينقل أن النبي (ص) صلاها بلا خطبة فإذا صلوا بغير خطبة أعادوا في الوقت فإن لم يعيدوا حتى خرج الوقت فإنهم يعيدونها ظهرا ولصحة الخطبة شروط منها ما أشار إليه بقوله (قبل الصلاة) لقوله تعالى * (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض) * (الجمعة: 10) والفاء للترتيب
[ 234 ]
والتعقيب فمن كونه للتعقيب لا يرد أن يقال إن كون الانتشار بعد الصلاة لا ينافي أن يكون بعد الخطبة بأن تكون الخطبة بعد الصلاة فإن البعدية ظرف متسع ولفعله عليه الصلاة والسلام وفعل الخلفاء الراشدين بعده، فمن جهل وصلى بهم قبل الخطبة أعاد الصلاة فقط، ومنها أن تكون بعد الزوال، ومنها أن تكون بحضور الجماعة الذين تنعقد بهم الجمعة، ومنها أن تكون اثنتين فإن خطب واحدة وصلى أعاد الجمعة بعد الاتيان بالخطبة الثانية. والفصل بين الخطبتين بالصلاة يسير فلا يكون موجبا لبطلان الخطبة الاولى، وأقل ما يجزئ من الخطبة على المشهور ما يقع عليه اسم الخطبة عند العرب وهو نوع من الكلام مسجع مخالف النظم والنثر، ووقوعها بغير اللغة العربية لغو فإن لم يوجد من يعرف اللغة العربية سقطت. وقيل: إن أقله الحمد لله والصلاة على رسول الله وتحذير وتبشير وهو ضعيف
إذ المعتمد أنهما يستحبان في الخطبتين، ويشترط في الخطبة أن تكون جهرا وسرها لغو وهل يشترط في صحتهما الطهارة قولان مشهوران المشهور منهما أنه لا يشترط فيها الطهارة غايته الكراهة (ويتوكأ) أي يعتمد الامام في قيامه لخطبته (على قوس أو عصا) على جهة الاستحباب ويكون ما يتوكأ عليه بيده اليمنى. قال ابن العربي: ولا يقال عصاة وهو أول لحن سمع بالبصرة ولكن المسموع من الفراء أول لحن سمع هذه عصاتي فجعل أول اللحن هذه عصاتي لا عصاة كما هو عن ابن العربي، ولم يقيد بالبصرة كما قيده ابن العربي (ويجلس في أولها) أي الخطبة (وفي وسطها) واختلف في هذا وفي القيام لها. قال المازري: إن القيام لها واجب شرطا، وقيل: سنة فإن خطب جالسا صحت وأساء وحاصل الكلام أن كلا من
[ 235 ]
الجلوسين الاول والثاني سنة على المشهور ومقدار الجلوس الوسط مقدار الجلوس بين السجدتين والاصل فيما ذكر استمرار العمل على ذلك في جميع الامصار والاعصار منذ زمانه (ص) إلى هلم جرا. وأخذ من قوله (وتقام الصلاة عند فراغها) اشتراط اتصال الصلاة بالخطبة ويسير الفصل عفو بخلاف كثيره ويجب على سبيل الشرطية أن يكون إمام الصلاة هو الخطيب، فإن طرأ ما يمنع إمامته كحدث أو رعاف فإن كان الماء قريبا يجب انتظاره، وإن كان بعيدا فإنه يستخلف اتفاقا. وكذلك عند مالك في القريب وحيث يستخلف فإنه يندب استخلاف من حضر الخطبة ثم انتقل يتكلم على صفة صلاة الجمعة فقال (ويصلي الامام ركعتين) اتفاقا فإن زاد عمدا بطلت، وإن زاد سهوا فتجري على حكم الزيادة في الصلاة، ولا بد أن ينوي الامام الامامة وإلا لم تجز ويستحب تعجيلها في أول الوقت. قال بهرام: لم يختلف
أحد أن أوله زوال الشمس والمشهور امتداده إلى الغروب وصفة القراءة في ركعتي الجمعة أنه (يجهر فيهما بالقراءة) إجماعا (يقرأ في) الركعة (الاولى) بعد الفاتحة (ب) - سورة (الجمعة) واعترض ابن عمر على قوله (ونحوها) بأن القراءة فيها بسورة الجمعة مستحبة لما تضمنته من أحكام الجمعة ولان النبي (ص) كان يقرؤها في أول ركعة ويجاب عن المصنف بأن غرضه الرد على من قال إنه عليه الصلاة والسلام لم يقرأ في الجمعة إلا بها. ففي مسلم: أنه (ص) قرأ في الركعة الاولى بسبح اسم ربك الاعلى فلا اعتراض على
[ 236 ]
المصنف (و) يقرأ (في) الركعة (الثانية ب) - سورة (* (هل أتاك حديث الغاشية) * ونحوها) أي أن المندوب في الركعة الاولى الجمعة. وفي الثانية إما بهل أتاك أو سبح أو المنافقون. (و) يجب (السعي إليها على من في المصر) اتفاقا إذا وجدت فيه شروط الجمعة ولم يمنعه مانع شرعي (و) كذا يجب على (من) هو خارج عن المصر إذا كان (على ثلاثة أميال منه) أي من المصر ظاهره أن مبدأ الثلاثة من المصر، وهو قول ابن عبد الحكم وصدر به ابن الحاجب، وقال عبد الوهاب وغيره: مبدؤها من المسجد وصدر به صاحب العمدة واستظهره، لان التحديد بالثلاثة أميال للسماع، والسماع إنما هو من المنار وظاهر قوله (فأقل) أن الثلاثة أميال تحديد فلا يجب على من زاد عليها ولو قلت الزيادة وهو مذهب أشهب، والمعتمد رواية ابن القاسم أن الثلاثة تقريب فيجب على من زاد عليها زيادة يسيرة بنحو الربع أو الثلث. ثم أشار إلى بعض شروط الجمعة فقال (ولا تجب على مسافر) اتفاقا (ولا على أهل منى) غير ساكنيها وأما ساكنوها فتجب عليهم إذا كان فيهم عدد تنعقد بهم الجمعة كانوا حجاجا أو لا. (و)
كذلك (لا) تجب الجمعة (على عبد) على المشهور ومقابله أنها واجبة على العبد إذا أسقط السيد حقه (ولا على امرأة ولا) على (صبي) اتفاقا فيهما والاصل فيما ذكر ما رواه الطبراني في الكبير من قوله (ص): الجمعة واجبة إلا على امرأة أو صبي أو مريض أو عبد أو مسافر. ولما كان بعض
[ 237 ]
ما تقدم ممن لا يجب عليه إذا حضرها وصلاها أجزأته عن الظهر نبه عليه بقوله (وإن حضرها عبد أو امرأة أو مسافر فليصلها) يعني وتجزئه عن الظهر. أما العبد فباتفاق ويستحب له حضورها إن أذن له سيده ليشهد الخير، ودعوة المسلمين أي دعاء المسلمين لان الانسان حين يدعو يعمم الدعاء له وللحاضرين. وأما المرأة فكذلك يجزئها اتفاقا وصلاتها في بيتها أفضل لها. وأما المسافر فتجزئه عند مالك. وقال ابن الماجشون: لا تجزئه لانه غير مخاطب بها والنفل لا يجزئ عن الفرض ورد بالاتفاق في المرأة والعبد على الاجزاء ولما ذكر أن المرأة إذا حضرتها تصليها بين موقفها بقوله (وتكون النساء خلف صفوف الرجال) ولما أوهم كلامه أن المرأة تخرج إلى الجمعة مطلقا شابة أو غيرها رفع ذلك التوهم بقوله (ولا تخرج إليها) أي إلى صلاة الجمعة (الشابة) وهذا النهي على جهة الكراهة إلا أن تكون فائقة في الجمال فيحرم خروجها وفهم من كلامه أن المتجالة تخرج إليها أي جوازا بمعنى خلاف الاولى والاولى لها صلاتها في بيتها ثم انتقل يتكلم على شيئين واجبين كان المناسب ذكرهما عند الكلام على الخطبة لانهما يتعلقان بها أحدهما أشار إليه بقوله (وينصت) بالبناء للمفعول أي يجب الانصات وهو السكوت على كل من شهد الجمعة (ل) - أجل سماع (الامام) وهو (في) حال (خطبته) الاولى والثانية وفي
الجلوس بينهما سمع الخطبة أو لم يسمعها سب الامام من لا يجوز سبه أو
[ 238 ]
مدح من لا يجوز مدحه. وقال ابن حبيب: يجوز الكلام إذا تكلم الامام بما لا يجوز وصوبه اللخمي. واقتصر عليه صاحب المختصر ولا شمت عاطسا وإذا عطس هو حمد الله سرا في نفسه ولا يسلم ولا يرد سلاما ولو بالاشارة ولا يشرب الماء والحاصل أنه يحرم كل ما ينافي وجوب الانصات ولو على غير السامع، والاصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: إذا قلت لصاحبك أنصت والامام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت. سمي الامر بالمعروف لغوا فغيره أولى واللغو الكلام الذي لا خير فيه. وظاهر كلام الشيخ أن الكلام بعد الفراغ من الخطبة جائز وهو كذلك، ويستمر الجواز إلى أن يشرع في الاقامة فيكره إذا إلى أن يحرم الامام فيحرم. ومن أوقات الجواز الوقت الذي فيه الترضي على الصحب والدعاء للسلطان. ويجوز الكلام حال الخطبة في مسائل منها: الذكر القليل عند سببه والتأمين عند سماع المغفرة أو النجاة من النار والتعوذ عند سماع ذكر النار أو الشيطان والصلاة على النبي (ص) عند ذكره كل ذلك سرا ويكره جهرا. (ويستقبله الناس) يعني أن الناس يستقبلون الامام في حال خطبته أي يستقبلون جهته وذاته وظاهر كلامه أن الصف الاول وغيره سواء وهو ظاهر المدونة عند بعضهم وهو الراجح وضعف ما حكاه الباجي أن الصف الاول لا يلزمه ذلك (والغسل لها) أي لصلاة الجمعة لا لليوم فهو من آداب الصلاة (واجب) وجوب السنن، يعني أنه سنة مؤكدة ووقته قبل صلاة الجمعة ولا بد من اتصاله بالرواح إلى الجمعة على المشهور. وقال ابن وهب: إن اغتسل بعد الفجر أجزأه وإن لم يتصل رواحه بغسله وصفته كصفة غسل الجنابة. (والتهجير)
أي ومن آداب الجمعة التهجير وحكمه أنه (حسن) أي مستحب لان النبي
[ 239 ]
(ص) والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفعلون ذلك أي يأتون المسجد في هذا الوقت وأول أجزائه الساعة السادسة المعنية في قوله عليه الصلاة والسلام: من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الاولى فكأنما قرب بدنة الحديث (وليس ذلك في أول النهار) وأما في أول النهار فمكروه لان النبي عليه الصلاة والسلام لم يفعله ولا فعله أحد من أصحابه (وليتطيب لها) أي للجمعة استحبابا فمن آداب الجمعة استعمال الطيب لمن يحضرها من الرجال دون النساء ويكون مما خفي لونه وظهرت رائحته كالمسك ويقصد به امتثال السنة ولا يقصد به الفخر والرياء (ويلبس أحسن ثيابه) أي أن من الآداب التزين باللباس الحسن يوم الجمعة، فالتجمل بجميل الثياب من آداب اليوم ويعتبر في الحسن الحسن الشرعي وهو ما يعده أهل الشرع حسنا في هذا اليوم أي يوم الجمعة، وهو الابيض. والاصل فيما ذكر ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه، ومس من الطيب إن كان عنده ثم يأتي الجمعة ولم يتخط أعناق الناس، ثم يصلي ما كتب الله تعالى عليه، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت له كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها قال: ويقول أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام. ويقول: إن الحسنة بعشر أمثالها (وأحب إلينا) أي المالكية (أن ينصرف) مصلي الجمعة (بعد فراغها) أي وبعد الفراغ مما يتصل بها من تسبيح وغير ذلك (ولا يتنفل في المسجد) ظاهره إماما كان أو مأموما وهو كذلك اتفاقا في الاول وعلى أحد قولين في الثاني. أي من الآداب أن مصلي
[ 240 ]
الجمعة ينصرف بعد الصلاة ولا يتنفل في المسجد، لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا صلى الجمعة انصرف فصلى ركعتين في بيته. ثم قال: كان رسول الله (ص) يفعل ذلك. هذا حكم التنفل بعدها، وأما قبلها فيباح للمأموم دون الامام أي يندب وإلى الاول أشار بقوله (وليتنفل) يعني المأموم في المسجد (إن شاء قبلها) أي قبل صلاة الجمعة ما لم يجلس الامام على المنبر فإذا جلس فإنه لا يتنفل بل إذا خرج للخطبة فإنه لا يتنفل، وإذا دخل عليه وهو في أثناء التنفل خفف (ولا يفعل ذلك الامام) أي التنفل قبل صلاة الجمعة في المسجد أي يكره ذلك للامام لما صح أنه (ص) لم يكن يصلي قبل الجمعة شيئا. قال ابن عمر: وظاهر كلام الشيخ أن ذلك عام اتسع الوقت أم لا، وليس هو على ظاهره، وإنما يعني به عند دخوله للخطبة دل عليه قوله (وليرق) أي يصعد (المنبر كما يدخل) أي وقت دخوله فما مصدرية والكاف زائدة، والتقدير: وليرق المنبر وقت دخوله، ولكن لا بد من حذف في العبارة أيضا، والمعنى: وليرق المنبر إذا جاء وقت دخوله مريدا الخطبة وهو بعد الزوال. وأما إذا جاء قبل الزوال أو بعده ولم يرد أن يخطب بأن لم تحضر الجماعة فقال ابن حبيب: يجوز له أن يتنفل ويسلم على الناس حين دخوله ولا يسلم إذا صعد على المنبر، أي يكره. ومن الآداب المستحبة قص الشارب والاظفار ونتف الابط والاستحداد إن احتاج والسواك والمشي لما ورد في ذلك من الاخبار.
[ 241 ]
باب في صلاة الخوف (باب) في بيان صفة (صلاة الخوف). قال البدر القرافي: يمكن رسمها بأنها فعل فرض من الخمسة ولو جمعة مقسوما فيه المأمومون قسمين مع الامكان
ومع عدمه لا قسم في قتال مأذون فيه فيدخل قتال المحاربين وكل قتال جائز، وحكمها الوجوب أي وجوب السنن. وقال ابن المواز: إنها رخصة. واقتصر عليه صاحب المختر لصدق الرخصة عليها وهي الحكم المشروع لعذر مع قيام المحرم كأكل الميتة فهو مشروع لعذر وهو الاضطرار مع قيام المحرم أي مع وجود المحرم وهو الخبث في الميتة. وعلى قياسه يقال هنا وهي المشروع لعذر وهو الخوف مع قيام المحرم وهو أنه تغيير عن الصلاة الشرعية، ولا تنافي بين كونها سنة وبين كونها رخصة، لان الرخصة قد تكون واجبة كأكل الميتة للمضطر والدليل على ثبوت حكمها وأنها غير منسوخة الكتاب والسنة والاجماع. وادعى المزني نسخها وهو مردود. أما دليلها من الكتاب فقوله تعالى * (وإذا كنت فيهم) * (النساء: 102) الآية. وأما من السنة فمنها ما رواه يزيد بن رومان بسنده: أن طائفة صلت مع النبي (ص) وطائفة وجاه العدو فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا لانفسهم، ثم انصرفوا وجاء العدو وجاءت الطائفة الاخرى لى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسا وأتموا لانفسهم ثم سلم بهم. وأما الاجماع فقد صلاها بعد موته (ص) جماعة من الصحابة منهم علي بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو موسى ولم ينكر ذلك عليهم أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وتفعل في السفر والحضر جماعة وفرادى، وهذا إنما يظهر في صلاة الالتحام وقد بدأ بالكلام على صفتها في السفر جماعة لان الخوف غالبا إنما يكون في السفر فقال: (وصلاة الخوف)
[ 242 ]
أي وصفتها (في) حال (السفر) أن المسلمين (إذا خافوا العدو) أي اعتقدوا ضرر العدو أو ضنوا ذلك والمراد بهم الكفار لان قتالهم وهو محل الرخصة وقاسوا عليه قتال المحاربين (أن يتقدم الامام بطائفة ويدع طائفة
مواجهة للعدو) ظاهره كالمختصر كان العدو في جهة القبلة أو لا وهو كذلك خلافا للامام أحمد أنه إذا كان العدو جهة القبلة صلوا مع الامام جميعا من غير قسم لنظرهم للعدو. ولا يشترط تساوي الطائفتين في القسمة خلافا لمن شرط ذلك والصحيح أن يكون كل طائفة عندها قدرة على العدو وتقاومه فإن كان العدو يقاوم بالنصف قسمهم نصفين، وإن كان يقاوم بالثلث صلى بالثلث الركعة الاولى وبالثلثين الركعة الثانية وعلى الامام أن يعلم الناس كيفيتها قبل أن يشرعوا في الصلاة خوفا من التخليط لعدم إلف أكثر الناس لها (ف) - بعد ذلك (يصلي الامام بطائفة ركعة ثم يثبت قائما) أي بالطائفة فهم مؤتمون به إلى أن يستقل ثم يفارقونه فإذا أحدث عمدا قبل استقلاله بطلت عليهم، أو سهوا أو غلبة استخلف هو أو هم وهو مخير بعد استقلاله قائما بين القراءة والدعاء والسكوت (و) أما الطائفة التي صلت معه ركعة فإنهم (يصلون لانفسهم ركعة ثم يسلمون ف) يذهبون (يقفون مكان أصحابهم) مواجهة العدو (ثم يأتي أصحابهم
[ 243 ]
فيحرمون خلف الامام فيصلي بهم الركعة الثانية ثم يتشهد) الامام (ويسلم) على المشهور، ومقابله لا يسلم بل يشير للطائفة الثانية فتقوم للركعة الثانية التي بقيت عليهم فيصلونها ويسلم بها فتدرك معه الثانية السلام كما أدركت الاولى الاحرام، وعلى المشهور من أن الامام يسلم ولا ينتظر الطائفة الثانية الذين صلوا معه ركعة أنهم يفارقون الامام (ثم يقضون الركعة) الاولى (التي فاتتهم) معه (وينصرفون) وقوله (وهكذا يفعل في صلاة الفرائض كلها) توطئة لقوله (إلا المغرب فإنه) أي الامام (يصلي بالطائفة الاولى ركعتين) ويتشهد فإذا تم تشهده ثبت قائما على المشهور. ويشير إلى الطائفة الاولى
بالقيام فإذا قاموا أتموا صلاتهم لانفسهم ثم يتشهدون ويسلمون وينصرفون فيقفون في مكان أصحابهم ثم تأتي الطائفة الثانية فيحرمون خلفه (و) يصلي بهم أي (ب) - الطائفة (الثانية ركعة) ثم يتشهد ويسلم ثم يقضون لانفسهم الركعتين اللتين فاتتهم بالفاتحة وسورة، ثم ينصرفون وهذه الصفة التي ذكرها الشيخ هي المشهورة من قول مالك وصحح فعلها عن النبي (ص) ولها شرطان الاول أن يكون القتال جائزا أي مأذونا فيه فيشمل الواجب كقتال أهل الشرك والبغي والمباح كقتال مريد المال، وأن يكون الذين صلوا مع الامام يمكنهم الترك فلو كان العدو بحيث لا يقاومه المرصد له لم يجز الثاني إذا انقطع الخوف في أثناء الصلاة أتموا على صفة الامن وإن
[ 244 ]
حصل الامن بعد الصلاة لا إعادة عليهم. هذه صفة صلاة الخوف في السفر وأما صفتها في الحضر فأشار إليها بقوله (وإن صلى) الامام (بهم) أي بمن معه (في الحضر لشدة خوف صلى) بهم (في الظهر العصر والعشاء بكل طائفة ركعتين) وعبارة الجلاب أكثر فائدة وأوضح من عبارة الشيخ ونصها إذا نزل الخوف في صلاة الحضر لم يجز قصر الصلاة وجاز تفريقهم فيها، فيصلي الامام بإحدى الطائفتين ركعتين ويجلس ويتشهد ثم يشير إليهم بالقيام للاتمام، وقد قيل: إنه يقوم إذا قضى تشهده فينتظر إتمامهم وانصرافهم ومجئ الآخرين قائما يعني ساكتا أو داعيا لا قارئا، ثم يصلي بالطائفة الثانية الركعتين الباقيتين ثم يسلم وينصرف ويقضون ما فاتهم بعد سلامه وقد قيل ينتظرهم حتى يقضوا ما فاتهم ثم يسلم ويسلمون بسلامه اه. والاول هو المشهور (ولكل صلاة) مما تقدم في السفر والحضر جماعة (أذان وإقامة) لان كل صلاة فرض مجتمع لها في السفر مطلقا وفي الحضر إن طلبت غيرها أذان وإقامة، ثم أشار إلى صفة صلاة
الخوف فرادى فقال (وإذا اشتد الخوف عن ذلك) أي عن صلاة الجماعة على الصفة المتقدمة (صلوا وحدانا) أي فرادى (بقدر طاقتهم) فإن قدروا على الركوع والسجود فعلوا ذلك وإن لم يقدروا على شئ من ذلك صلوا إيماء ويكون إيماؤهم للسجود أخفض من الركوع. (مشاة) أي غير راكبين
[ 245 ]
(أو ركبانا) على الخيل والابل (ماشين) أي على الهينة (أو ساعين) أي جارين (مستقبلي القبلة وغير مستقبليها) ثم لا إعادة عليهم إذا أمنوا لا في الوقت ولا بعده والاصل فيما ذكر قوله تعالى * (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) * (البقرة: 239) وقوله تعالى * (فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) * (النساء: 103) فأمر الله سبحانه وتعالى أن تصلى الصلاة في وقتها على حسب الحال وفي الموطأ قال ابن عمر رضي الله عنهما: إذا اشتد الخوف صلوا رجالا قياما على أقدامكم أو ركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. قال نافع: لا أرى عبد الله ذكر ذلك إلا عن رسول الله (ص). تنبيه: يجوز في تلك الحالة أعني حالة اشتداد الخوف مشي كثير وركض وهو تحريك الرجل وطعن برمح ورمي بنبل وكلام بغير إصلاحها ولو كثر إن احتيج له فيما يتعلق بهكتحذير غيره ممن يريده أو أمره بقتله وكتسبيح وافتخار عند الرمي، ورجز إن ترتب لى ذلك توهين العدو وإلا لم يكن من المحتاج له. باب في صلاة العيدين (باب في) بيان حكم (صلاة العيدين) الفطر والاضحى وفي بيان وقت الخروج إليها وكيفيتها وبيان الطريق التي يرجع منها وبيان ما يفعله وما يقوله عند خروجه إليها (و) في بيان (التكبير) في (أيام منى) وفي بيان الوقت الذي يوقع فيه التكبير من أيام منى وبيان ما يستحب فعله في يوم العيد وابتدأ بحكمها فقال (وصلاة العيدين المراد أن كلا منهما سنة
مؤكدة فقوله واجبة أي وجوب السنن وهو التأكد فهي سنة عين في
[ 246 ]
حق من تلزمه الجمعة من حر مكلف الخ فلا تسن في حق عبد ولا صبي ولا مجنون ولا امرأة ولا مسافر وهو ما كان خارجا عن بلد الجمعة بأكثر من ثلاثة أميال، لكن يستحب لمن لم يؤمر بها أن يصليها فيصليها العبد والمرأة والصبي والخارج عن بلد الجمعة كفرسخ على جهة الندب غير أنه يستثنى من المسافر الحاج بمنى فإنهم لا يؤمرون بإقامتها لا ندبا ولا سنة لان وقوفه بالمشعر يقوم مقام صلاته لها، وأما أهل منى فصلاتهم لها جماعة بدعة مذمومة ولا بأس أن يصليها الرجل منهم في خاصة نفسه ومن فاتته صلاة العيد مع الامام فيستحب له أن يصليها منفردا، وإذا خرجت المرأة إليها لا تلبس المشهور من الثياب وهو ما شأنه أن ترقب الناس له ولا تتطيب خوف الفتنة أي يحرم فعل ذلك إن كان الخوف ظنا، ويكره إن كان شكا والعجوزة وغيرها في هذا سواء ثم بين وقت الخروج فقال (يخرج لها الامام والناس ضحوة) يعني أن وقت الخروج لصلاة العيد للامام والناس بعد طلوع الشمس بحيث إذا وصلوا إلى المصلى حل وقت الصلاة هذا لمن قربت داره، وأما من بعدت داره فإنه يخرج قبل ذلك بحيث يدرك الصلاة مع الامام وهذا بيان وقت الخروج لا وقت الصلاة يدل عليه قول المصنف (قدر ما إذا وصل) وفي رواية بقدر ما إذا وصل (حانت) أي حان وقتها وجاء وقت حلها أي حلت (الصلاة) وحلها إذا ارتفعت الشمس قدر رمح أو رمحين من رماح العرب وهو اثنا عشر شبرا بالاشبار المتوسطة وهذا باعتبار رأي العين وأما باعتبار الحقيقة فقد قطعت الشمس من المسافة ما لا يعلمه إلا الله وإيقاعها بالمصلى أفضل لفعل ذلك منه عليه الصلاة
[ 247 ]
والسلام مع المداومة واستقر على ذلك عمل أهل المدينة وظاهر قوله في المدونة، ويستحب الخروج لها إلى المصلى إلا من عذر أن مكة وغيرها في ذلك سواء. وعن الامام مالك أن أهل مكة يصلون بالمسجد الحرام أي لمعاينة الكعبة، وهي عبادة مفقودة في غيرها. فقد ورد ينزل على هذا البيت في كل يوم مائة وعشرون رحمة ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين إليه. ويستحب المشي في الذهاب إلى صلاة العيدين دون الرجوع لانه قد فرغ من القربة، ويستحب الاكل قبل الغدو إلى المصلى في عيد الفطر دون الاضحى. (وليس فيها أذان ولا إقامة) وليس فيها أيضا على المشهور نداء الصلاة جامعة لما في مسلم عن عطاء قال: أخبرني جابر أنه لا أذان يوم الفطر قبل أن يخرج الامام ولا بعد أن يخرج ولا إقامة ولا نداء أي بالصلاة جامعة ولا شئ أي ليس هناك شئ يفعل يعلم به صلاة العيد كضرب دف مثلا فإذا حان وقت الصلاة فلا أذان ولا إقامة ولا نداء وإنما يبتدئ الامام الصلاة (فيصلي بهم) أي بالناس أي بمجرد وصوله المصلى أو المسجد بعد حل النافلة واجتماع الناس (ركعتين) لما في الصحيحين: أنه (ص) صلاها ركعتين وكذلك الخلفاء بعده (يقرأ فيهما جهرا) بلا خلاف (بأم القرآن والشمس وضحاها وسبح اسم ربك الاعلى ونحوهما) وفي بعض النسخ تقديم سبح على الشمس وضحاها وهي ظاهرة وقضيته الاقتصار عليهما وقضية ما في الموطأ ومسلم: أن رسول الله (ص) كان يقرأ
[ 248 ]
في الاضحى والفطر بق والقرآن المجيد واقتربت الساعة وانشق القمر غير ذلك فلعله لم يصحب لقراءتهما عمل أهل المدينة. (ويكبر في) الركعة (الا ولى
سبعا قبل القراءة يعد فيها تكبيرة الاحرام و) يكبر (في) الركعة (الثانية) بعد القيام (خمس تكبيرات لا يعد فيها تكبيرة القيام) ولا يرفع يديه في شئ من التكبير لا في الاولى ولا في الثانية إلا في تكبيرة الاحرام على المشهور. وعن مالك استحبابه في كل تكبيرة ويكون التكبير متصلا بعضه ببعض إلا بقدر تكبيرة المؤتم فيندب له الفصل بقدره. وإذا كبر الامام في الاولى أكثر من سبع أو في الثانية أكثر من خمس فلا يتبعه المأموم ولو كان ذلك مذهب الامام ويكبر قبل القراءة، ولو كان مذهب الامام التأخير كما دل عليه ظواهر أهل المذهب. وإذا سها الامام عن تكبيرة صلاة العيد رجع ما لم ينحن للركوع فإذا وضع يديه على ركبتيه فإنه لا يرجع، فلو رجع فبعضهم استظهر عدم البطلان واستظهر غيره البطلان معللا ذلك بأنه رجوع من تلبس في فرض إلى سنة، وإذا رجع من يسوغ له الرجوع فإنه يكبر ويعيد القراءة ويسجد بعد السلام على المشهور ومقابله طسصلا يسجد، حكاه اللخمي والمازري. وإن وضع يديه على ركبتيه تارك التكبير سهوا تمادى وسجد قبل السلام ومن جاء بعد أن فرغ الامام من التكبير ووجده يقرأ كبر على المشهور خلافا لابن وهب قال: لانه يصير قاضيا في حكم الامام ورأى صاحب القول المشهور أن ذلك ليسبقضاء لخفة الامر وكذا إذا أدركه في بعض التكبير فإنه يكبر معه ما أدركه فيه، ثم يكمل
[ 249 ]
ما بقي بشروع الامام في القراءة ولا يكبر ما فاته في خلال تكبير الامام، وإن وجده في الركوع كبر تكبيرة الاحرام ولا شئ عليه، وإذا أدرك القراءة في الركعة الثانية كبر خمسا إذ تكبيرة القيام ساقطة عنه وإذا قضى الاولى كبر سبعا يعد فيها تكبيرة القيام لفوات الاحرام (وفي كل ركعة سجدتين)
هكذا رواه بعضهم، وصوابه سجدتان ليكون مبتدأ وخبرا وقال بعضهم هو منصوب بفعل مضمر تقديره ويسجد في كل ركعة سجدتين، وما ذكره لا خلاف فيه إذ لا قائل بسجدة واحدة في ركعة (ثم يتشهد) أي بعد فراغه من السجدتين أي ويصلي على النبي (ص) ويدعو وأراد بالتشهد ما يشمل الكل (ويسلم) أي بعد فراغه من التشهد. (ثم يرقى) أي بعد الفراغ من السلام يرقى بفتح الياء (المنبر ويخطب ويجلس في أول خطبته ووسطها) أخذ من كلامه أن الخطبة تكون بعد الصلاة فليست خطبة العيد كخطبة الجمعة لا من حيث الوقت، فإن هذه بعد الصلاة وتلك قبل الصلاة ولا من حيث الافتتاح فإن هذه تفتتح بالتكبير وتلك بالحمد والصلاة على النبي (ص) وإن كانت مثلها من حيث إن كلا منهما باللفظ العربي، ومن حيث الجهر فإنه يطلب في كل منهم. ا وقد نص في المختصر على استحباب البعدية يعني أن حكم كون الخطبة بعد الصلاة الاستحباب لما في الصحيح أنه (ص) كان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة وعلى هذا جرى عمل الخلفاء الراشدين بعده، وأخذ من قوله يجلس أولها ووسطها أنهما خطبتان أولى وثانية مشتملة أي الخطبة الشاملة للاولى والثانية على أحكام العيد وما يشرع
[ 250 ]
فيه واجبا ومستحبا. (ثم ينصرف) أي من غير جلوس إذا فرغ من الخطبة إن شاء وله أن يقيم مكانه ويكره له وللمأمومين التنفل قبلها وبعدها إن أوقعها في الصحراء لما في الصحيحين: أن رسول الله (ص) خرج يوم الا ضحى فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما. وأما إن أوقعها في المسجد فلا يكره له ولا للمأمومين التنفل قبلها ولا بعدها عند ابن القاسم، لان الحديث إنما
كان في الصحراء. (ويستحب) للامام (أن يرجع من طريق غير) الطريق (التي أتى منها) لما صح أنه (ص) كان يفعل ذلك وأشار بقوله (والناس كذلك) إلى أنهما متساويان في هذا الطلب فكما يطلب من الامام الرجوع من طريق آخر غير الذي أتى منه فكذلك المأمومون لما أن الحكمة منوطة بالجميع (وإن كان) خروج الامام لصلاة العيد (في الاضحى) أي يوم النحر (خرج بأضحيته) بتشديد الياء (إلى المصلى فذبحها) إن كانت مما يذبح (أو نحرها) إن كانت مما ينحر وإنما كان كذلك (ل) - أجل أن (يعلم الناس ذلك فيذبحون) أو ينحرون (بعده) إذ لا يجوز لهم الذبح قبله فإن ذبح أحد قبله أعاد اتفاقا فإن لم يخرج الامام أضحيته إلى المصلى فإنهم يذبحون بعد رجوعه إلى منزله وتجزيهم وإن أخطؤوا في تحريهم بأن ذهبوا قبله. (وليذكر) أي يكبر الامام (الله) تعالى (في خروجه من بيته)
[ 251 ]
أو غيره يعني أنه يطلب من الامام على جهة الاستحباب عند خروجه من بيته أو غيره أن يذكر الله تعالى بالتكبير، ويفهم من كلامه أنه لا يكبر قبل الخروج وهو المشهور. وهناك قول بأنه يدخل زمن التكبير بغروب الشمس ليلة العيد وذلك (في) عيد (الفطر و) في عيد (الاضحى) وقال أبو حنيفة: لا يكبر في عيد الفطر دليلنا ما رواه الدارقطني: أنه عليه الصلاة والسلام كان يكبر يوم الفطر حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى، وعليه عمل أهل المدينة خلفا عن سلف. وظاهر كلام الشيخ أنه يكبر سواء خرج قبل طلوع الشمس أو بعدها وهو لمالك في المبسوط، بل نقل بعضهم أن الذي لمالك في المبسوط التكبير من وقت الانصراف من صلاة الصبح. قال ابن عبد السلام: وهو الاولى لا سيما في الاضحى تحقيقا للشبه بأهل المشعر والتكبير المذكور
يكون (جهرا) عند عامة العلماء يسمع نفسه ومن يليه وفوق ذلك قليلا. قال القرافي: كان رسول الله (ص) يخرج يوم الفطر والاضحى رافعا صوته بالتكبير، واستمر على هذا عمل السلف بعده. وقوله: (حتى يأتي المصلى الامام) غاية لتكبير الامام وأما قوله (والناس كذلك) فمعناه أنهم مثل الامام في ابتداء التكبير وصفته، وأما في الانتهاء فيخالفونه فيه يدل عليه قوله (فإذا دخل الامام للصلاة) أي لمحلها ويروى في الصلاة (قطعوا ذلك) التكبير (و) السامعون للخطبة (يكبرون) سرا (بتكبير الامام في خطبته) على المذهب لفعل جماعة من الصحابة ذلك (وينصتون له) أي للامام
[ 252 ]
(فيما سوى ذلك) التكبير عند مالك من رواية ابن القاسم لان عليهم أن يستمعوا له فأشبهت الجمعة (فإن كانت) الايام (أيام النحر) ويجوز رفع أيام على أن كان تامة أي فإن حضرت أيام النحر (فليكبر الناس) استحبابا (دبر الصلوات) المفروضات الحاضرة قبل التسبيح والتحميد والتكبير وظاهر كلامه أن الامام والمأموم والفذ والذكر والانثى في ذلك سواء والاحتراز بالمفروضات من النوافل وبالحاضرة من الفائتة وابتداء التكبير إثر الصلوات المفروضات (من صلاة الظهر من يوم النحر) وانتهاؤه (إلى صلاة الصبح من اليوم الرابع منه) أي من يوم النحر (وهو) أي اليوم الرابع (آخر أيام منى) ودفع بقوله (يكبر إذا صلى الصبح) الايهام في قوله إلى صلاة الصبح إذ يحتمل أن تكون إلى فيه للغاية، أي: والغاية خارجة ويحتمل أن تكون بمعنى بعد. (ثم) إذا فرغ من التكبير بعد صلاة الصبح من اليوم الرابع من أيام النحر (يقطع) التكبير (والتكبير) الذي يكبره الناس (دبر الصلوات) له
صفتان إحداهما (الله أكبر الله أكبر الله أكبر) والثانية أشار إليها بقوله (وإن جمع مع التكبير تهليلا وتحميدا فحسن) أي مستحب ثم
[ 253 ]
بين صفة الجمع بقوله (يقول إن شاء ذلك الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد وقد روي عن مالك هذا) من رواية ابن عبد الحكم واستحبها ابن الجلاب (و) روي عنه أيضا (الاول) من رواية علي وصرح عياض بمشهوريته (والكل واسع) أي جائز لما أنه لم يثبت عن النبي (ص) تعيين شئ من هاتين الصفتين ولما تقدم له الامر الذكر عند خروجه إلى صلاة العيدين وكان مراده به الذكر المأمور به في قوله تعالى * (ليذكروا اسم الله في أيام معلومات) * (الحج: 28) وقوله * (واذكروا الله في أيام معدودات) * (البقرة: 203) ناسب أن يذكر الايام المذكورة ويبين هذه من هذه فقال (والايام المعلومات) أي للنحر المذكورة في الآية الاولى هي (أيام النحر الثلاثة) الاول وتالياه (و) أما (الايام المعدودات) أي للرمي المذكورة في الآية الاخرى فهي (أيام منى وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر) ثاني يوم النحر وتالياه فأول يوم النحر معلوم غير معدود ورابعه معدود غير معلوم واليومان الوسطان معلومان معدودان (والغسل للعيدين حسن) أي مستحب وصفته كصفة غسل الجنابة، ويطلب من كل مميز وإن لم يكن مكلفا ولا مريدا للصلاة (وليس بلازم) أي لزوم السنن وأفضل أوقاته بعد صلاة