الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




البحر الرائق - ابن نجيم المصري ج 4

البحر الرائق

ابن نجيم المصري ج 4


[ 1 ]

البحر الرائق شرح كنز الدقائق (في فروع الحنفية) للشيخ الامام أبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود المعروف بحافظ الدين النسفي المتوفى سنة 710 ه‍ والشرح " البحر الرائق " للامام العلامة الشيخ زين الدين بن إبراهيم بن محمد المعروف بابن نجيم المصري الحنفي المتوفى سنة 970 ه‍ ومعه الحراشي المسماة منحة الخالق على البحر الرائق للعلامة الشيخ محمد أمين عابدين بن عمر عابدين بن عبد العزيز المعروف بابن عابدين الدمشقي الحنفي المتوفى سنة 1252 ه‍ ضبطه وخرج آياته وأحاديثه الشيخ زكريا عميرات تنبيه وضعنا متن كنز الدقائق في اعلى الصفحات، ووضعنا اسفل منه مباشرة نص البحر الرائق ووضعنا في أسفل الصفحات حواشي الشيخ ابن عابدين الجزء الرابع منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

[ 2 ]

جميع الحقوق محفوطة

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم باب التعليق باب التعليق لما فرغ من بيان المنجز شرع في المعلق. والتعليق من علقه تعليقا جعله معلقا كذا في القاموس. وفي المصباح: علقت الشئ بغيره وأعلقته بالتشديد والالف فتعلق اه‍. وفي الاصطلاح: ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى. وتعبيره بالتعليق أولى من تعبير الهداية باليمين لشمول التعليق الصوري وإن لم يكن يمينا كالتعليق بحيضها وطهرها أو بحيضها حيضة أو بما لا يمكنه الامتناع عنه كطلوع الشمس ومجئ الغد أو بفعل من أفعال قلبها كالمحبة والمشيئة أو بفعل من أفعال قلبه فإنه في هذه المواضع ليس بيمين كما في المحيط، فلا يحنث لو كان حلف أن لا يحلف بها مع أن بعضها مذكور في هذا الباب كالمحبة والحيض حيضة بخلاف إن دخلت أو إن حضت. وفي تلخيص الجامع: لو حلف لا

[ 4 ]

يحلف يحنث بالتعليق لوجود الركن دون الاضافة لعدمه إلا أن يعلق بأعمال القلب أو بمجئ الشهر في ذوات الاشهر لانه يستعمل في التمليك أو بيان وقت السنة فلا يتمحض للتعليق ولهذا لم يحنث بتعليق الطلاق بالتطليق لاحتمال حكاية الواقع ولا ب‍ " إن أديت فأنت حر وإن عجزت فأنت رقيق لانه تفسير الكتابة، ولا ب‍ " إن حضت حيضة أو عشرين حيضة لاحتمال تفسير السنة اه‍. وشرط صحة التعليق كون الشرط معدوما على خطر الوجود فخرج ما كان محققا كقوله أنت طالق إن كان السماء فوقنا فهو تنجيز، وخرج ما كان مستحيلا كقوله إن دخل الجمل في سم الخياط فأنت طالق فلا يقع أصلا لان غرضه منه تحقيق النفي حيث علقه بأمر محال وهذا يرجع إلى قولهما إمكان البر شرط انعقاد اليمين خلافا لابي يوسف. وعلى هذا ظهر ما في الخانية: لو قال لها إن لم تردي علي الدينار الذي أخذتيه من كيسي فأنت طالق فإذا الدينار في كيسه لا تطلق امرأة. ولو قال إن حضت وهي حائض أو مرضت وهي مريضة فعلى حيضة مستقبلة. ولو قال للصحيحة إن صححت فأنت طالق طلقت الساعة، وكذا لو قال إن أبصرت أو سمعت وهي بصيرة أو سميعة لان الصحة والسمع أمر يمتد فكان لبقائه حكم الابتداء بخلاف الحيض والمرض فإنهما مما لا يمتد. ولو قال لعبده إن ملكتك فأنت حر عتق حين سكت، وتمامه في المحيط من باب الشرط الذي يحتمل الحال والاستقبال. وبهذا علم أن قولهم إن ما كان محققا تنجيز ليس على إطلاقه بل فيما لبقائه حكم ابتدائه. ومن شرائطه وجود رابط حيث كان الجزاء مؤخرا وسيأتي بيانه. ومن شرائطه أن لا يفصل بين الشرط والجزاء فاصل أجنبي فإن كان ملائما وذكر لاعلام المخاطبة أو لتأكيد ما خاطبها بمعنى قائم في المنادى فإنه لا يضر كقوله لامرأته أنت طالق يا زانية إن دخلت الدار تعلق الطلاق بالدخول ولا حد ولا لعان لانه لتأكيد ما خاطبها به كقوله يا زينب بخلاف ما إذا قال يا زانية أنت طالق إن دخلت فإنه قاذف، وتمامه في المحيط من باب ما يتخلل بين الشرط والجزاء. وفي الخانية: لو قال إن دخلت الدار يا عمرة فأنت طالق ويا زينب فدخلت عمرة الدار طلقت ويسأل عن نيته في زينب، فإن قال نويت طلاقها أيضا طلقت أيضا، ولو قال ذلك بغير واو فقال نويت طلاقها مع عمرة طلقتا جميعا، ولو قدم الطلاق فقال يا عمرة أنت طالق إن دخلت الدار ويا زينب فدخلت عمرة الدار طلقتا جميعا، ولو قال لم أنو طلاق زينب لا يقبل قوله وتمامه فيها. وفي تلخيص الجامع من باب الاستثناء

[ 5 ]

يكون على الجميع والبعض يا زانية إن تخلل الشرط والجزاء أو الايجاب والاستثناء لم يكن قذفا في الاصح، وإن تقدم أو تأخر كان قذفا لانه للاستحضار عنه عرفا ولاثبات الصفة وضعا فلاءم من وجه دون آخر فعلق خللا ونجز طرفا عملا بهما كيا طالق، وقد يعلق الخبر للنفي كالاقرار اه‍. ومن شرطه أن لا يكون الظاهر قصد المجازاه فلو سبته بنحو قرطبان وسفلة فقال إن كنت كما قلت فأنت طالق تنجز، سواء كان الزوج كما قالت أو لم يكن، لان الزوج في الغالب لا يريد إلا إيذاءها بالطلاق، فإن أراد التعليق يدين، وفتوى أهل بخارى عليه كما في فتح القدير. ومن شرطه الاتصال فلو ألحق شرطا بعد سكوته لم يصح. وفي الظهيرية: رجل له فأفأة أو ثقل في لسانه لا يمكنه إتمام الكلام إلا بعد مدة فحلف بالطلاق وذكر الشرط والاستثناء بعد تردد وتكلف، إن كان معروفا بذلك جاز استثناؤه وتعليقه اه‍. وركنه أداة شرط وفعله وجزاء صالح فلو اقتصر على أداة الشرط لم يكن تعليقا اتفاقا واختلفوا في تنجيزه فلذا قال في الظهيرية: لو قال أنت طالق إن ولم يزد تطلق للحال في قول محمد ولا تطلق في قول أبي يوسف والفتوى على قول أبي يوسف لانه ما أرسل الكلام إرسالا ذكره في الجامع العتابي. وكذلك لو قال أنت طالق ثلاثا لو لا، أو قال وإلا، أو قال إن كان، أو قال إن لم يكن، لا تطلق في قول أبي يوسف وبه أخذ محمد بن سلمة اه‍. قوله: (إنما يصح في الملك كقوله لمنكوحته إن زرت فأنت طالق أو مضافا إليه كأن نكحتك فأنت طالق) أي معلقا بسبب الملك كقوله لاجنبية إن نكحتك أي تزوجتك فإن النكاح سبب للملك فاستعير السبب للمسبب أي إن مكلتك بالنكاح كقوله إن اشتريت عبدا

[ 6 ]

فهو حر أي إن ملكته بسبب الشراء بخلاف ما لو قال الوارث لعبد مورثه إن مات سيدك فأنت حر فإنه لا يصح التعليق لان الموت ليس بموضوع للملك بل موضوع لابطاله بخلاف الشراء. وفي كشف الاسرار: ولو قال لحرة أن ارتديت فسبيت فملكتك فأنت حرة صح اه‍. لان السبي من أسباب الملك الموضوعة، ولو مثل بقوله أنت طالق يوم أتزوجك لكان أولى وفي المعراج: وتمثيله غير مطابق لانه تعليق محض بحرف الشرط ولو إضافة إلى النكاح لا يقع كما لو قال أنت طالق مع نكاحك أو في نكاحك - ذكره في الجامع - بخلاف أنت طالق مع تزوجي إياك فإنه يقع وهو مشكل. وقيل الفرق أنه لما أضاف التزوج إلى فاعله واستوفى مفعوله جعل التزويج مجازا عن الملك لانه سببه وحمل مع على بعد تصحيحا له وفي نكاحك لم يذكر الفاعل فالكلام ناقص فلا يقدر بعد النكاح فلا يقع ويصح النكاح اه‍. أطلق الملك فأفاد أنه يشمل الحقيقي كالملك حال بقاء النكاح، والحكمي كبقاء العدة والتعليق يصح فيهما، وقدمنا عند شرح قوله آخر الكنايات والصريح يلحق الصريح أن تعليق طلاق المعتدة فيهما صحيح في جميع الصور إلا إذا كانت معتدة عن بائن وعلق بائنا كما في البدائع اعتبارا للتعليق بالتنجيز. وفي المصباح: زاره يزوره زيارة وزورا قصده فهو زائر وزور وزوار مثل سافر وسفر وسفار، ونسوة زور أيضا وزوار وزائرات والمزار يكون مصدرا وموضع الزيارة والزيارة في العرف قصد المزور إكراما له واستئناسا به اه‍. وقدمنا في أول كتاب الحج أنه لو حلف لا يزوره فلقيه من غير قصد فإنه لا يحنث وينبغي تقييدها بما قاله في المصباح من الاكرام والاستئناس للعرف فلا يحنث في مسألة الكتاب إلا مع القصد للاكرام، فلو كان الشرط زيارتها فذهبت من غير قصد الاكرام لم يحنث، وفي عرفنا زيارة المرأة لا يكون الا بطعام معها يطبخ عند المزور. وفي المحيط: حلف يزرون فلانا غدا أو ليعودنه فأتى بابه واستأذنه فلم يؤذن له لا يحنث، فإن أتى بابه ولم يستأذنه يحنث حتى يصنع في ذلك ما يصنع الزائر والعائد من الاستئذان. والفرق أن في الاول لم يتصور البر فلم ينعقد اليمين، وفي الثاني يتصور وهكذا ذكر في العيون. وعلى قياس من قال إن لم أخرج من هذا المنزل اليوم فمنع أو قيد حنث يجب أن يحنث، هنا في الوجهين وهو المختار لمشايخنا وفي النوازل: حلف لا يزور فلانا لا حيا ولا ميتا فشيع جنازته لا يحنث وإن زار قبره يحنث هو المختار لان زيارة الميت زيارة قبره عرفا لا تشييع جنازته اه‍. وأطلق المضاف إلى الملك فشمل ما إذا خصص أو عمم كقوله كل امرأة خلافا لمالك في الثاني معللا بانسداد باب النكاح عليه. وأجيب بأنه لا

[ 7 ]

مانع من انسداده إما لدينه خوفا من جوره أو لدنياه لعدم يساره، ويمنع اسنداده لامكان أن يزوجه فضولي ويجيز بالفعل كسوق الواجب إليها وبإمكان أن يتزوجها بعدما وقع الطلاق عليها لان كلمة كل لا تقتضي التكرار إلا أن صحته لا فرق فيها بين أن يعلق بأداة الشرط أو بمعناه إن كانت المرأة منكرة، فإن كانت معينة يشترط أن يكون بصريح الشرط، فلو قال هذه المرأة التي أتزوجها طالق فتزوجها لم تطلق لانه عرفها بالاشارة فلا تؤثر فيها الصفة وهي اتزوجها بل الصفة فيها لغو فكأنه قال هذه طالق كقوله لامرأته هذه المرأة التي تدخل هذه الدار طالق فإنها تطلق للحال دخلت أو لا بخلاف قوله إن تزوجت هذه فإنه يصح. وفي الذخيرة: والتعريف بالاسم والنسب كالتعريف بالاشارة، فلو قال فلانة بنت فلان التي أتزوجها طالق فتزوجها لم تطلق. وأورد عليه ما ذكره في الجامع: رجل اسمه محمد بن عبد الله وله غلام فقال إن كلم غلام محمد بن عبد الله هذا أحد فامرأته طالق أشار الحالف إلى الغلام لا إلى نفسه، ثم إن الحالف كلم الغلام بنفسه تطلق ولو كان التعريف بالاسم كالتعريف بالاشارة لم تطلق امرأته كما لو أشار إلى نفسه. والجواب أن تعريف الحاضر بالاشارة والغائب بالاسم والنسب وفي مسألة محمد بن عبد الله الحالف حاضر فتعريفه بالاشارة أو الاضافة ولم يوجدا فبقي منكرا فدخل تحت اسم النكرة، وفي مسألة الطلاق الاسم النسب في الغائب لا في الحاضر فيحصل بهما التعريف وتلغو الصفة حتى إن في مسألة الطلاق لو كانت فلانة حاضرة عند الحلف فبذكر اسمها ونسبها لا يحصل التعريف ولا تلغو الصفة ويتعلق الطلاق بالتزوج. هكذا ذكره شيخ الاسلام في الجامع. وفرق بعضهم بأن التعريف بالاضافة والاشارة لا يحتمل التنكير بوجه ما، والتعريف بالاسم والنسب يحتمل التنكير، ولو قال كل امرأة أتزوجها ما دامت عمرة حية أو قال حتى تموت عمرة فهي طالق فتزوج عمرة، ذكر محمد في الكتاب أنها لا تطلق، وعامة المشايخ على أن تأويل المسألة أن عمرة كانت مشارا إليها فلو كانت غير مشار إليها تطلق وتدخل تحت اسم النكرة. وعلى قياس ما ذكره شيخ الاسلام ينبغي أن يقال: إذا كانت عمرة حاضرة تطلق وإذا كانت غائبة لا تطلق وتمامه في الذخيرة. وقدم التعليق في الملك لانه لا خلاف فيه، وأخر المعلق به لان الشافعي قائل بعدم صحته خصص أو عمم لحديث أبي داود والترمذي وحسنه مرفوعا لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك ولنا

[ 8 ]

أن هذا تعليق لما يصح تعليقه وهو الطلاق فيلزم كالعتق والوكالة والحاجة داعية إليه لان نفسه قد تدعوه إلى تزويجها مع عمله بفساد حالها ويخشى غلبتها عليه فيؤيسها بتعليق طلاقها بنكاحها فطاما لها، والحديث محمول على نفي التنجيز وما هو مأثور عن السلف رضي الله عنهم كالشعبي والزهري وجماعة كما رواه ابن أبي شيبة في مصنفة وهو وإن كان ظاهرا لنا لكن لما كانوا في الجاهلية يطلقون قبل التزوج تنجيزا ويعدونه طلاقا إذا وجد النكاح نفاه صاحب الشرع، والخلاف هنا مبني على أن المعلق بالشرط هل هو سبب للحال أولا نفيناه وأثبته؟ وتحقيقه أن اللفظ الذي ثبتت سببيته شرعا لحكم إذا جعل جزاء الشرط هل نسلبه سببيته لذلك الحكم قبل وجود معنى الشرط كأنت طالق وحرة جعل شرعا سببا لزوال الملك فإذا دخل الشرط منع الحكم عنده، وعندنا منع سببيته فتفرعت الخلافية، فعندنا ليس بطلاق قبل وجود الشرط فلم يتناوله الحديث، وعنده طلاق فيتناوله، والاوجه قولنا لان الحنث هو السبب عقلا لا اليمين، ولان السبب هو المفضي إلى الحكم والتعليق مانع من الافضاء لمنعه من الوصول إلى المحل، والاسباب الشرعية لا تصير أسبابا قبل الوصول إلى المحل فضعف قوله إن السبب هو قوله أنت طالق والشرط لم يعدمه. وإنما آخر الحكم وأورد بأنه يجب أن يلغو كالاجنبية. وأجيب بأنه لو لم يرج لغا كطالق إن شاء الله، وأما غيره فبعرضية أن يصير سببا فلا يلغى تصحيحا لكلام العاقل أو نقول: لما توقف الحكم على الشرط صار الشرط كجزء سببه ولا يرد علينا البيع المؤجل فإنه سبب قبل حلوله لان الاجل دخل على الثمن فقط، وكذا لا يرد البيع بشرط الخيار لان الشرط بعلى لتعليق ما بعده فقط لغة فأتيك على أن تأتيني المعلق إتيان المخاطب فكذا قوله بعتك على أني بالخيار أي في الفسخ، فالمعلق الفسخ لا البيع وهو منجز فتعلق الحكم دفعا للضرر لا لان المعلق ينعقد سببا للحال. وكذا لا يرد المضاف كقوله أنت طالق غدا فإنه عندنا سبب في الحال لان التعليق يمين وهو للبر وهو إعدام موجب المعلق فلا يفضي إلى الحكم، أما الاضافة فلثبوت حكم السبب في وقته لا لمنعه فيتحقق السبب بلا مانع إذ الزمان من لوازم الوجود وهو معنى ما فرق به الزيلعي وهو مردود لانه يرد عليه أن اليمين لا توجب الاعدام مطلقا بل في المنع، أما في الحمل فلا نحو إن بشرتني بقدوم ولدي فأنت حر فإن المقصود إيجاد الشرط لا إعدامه. وفرقوا بينهما أيضا بأن الشرط على خطر الوجود بخلاف المضاف وهو مردود لانه يقتضي تسوية المضاف والمعلق في نحو

[ 9 ]

يوم يقدم زيد وإن قدم في يوم كذا لان كلامنهما على خطر الوجود، وإن استويا في عدم انعقاد السببية للخطر استويا في الاحكام فيلزم منه عدم جواز التعجيل فيما لو قال علي صدقة يوم يقدم فلان لعدم جواز التقديم على السبب وإن كان بصورة الاضافة مع أن الحكم في المضاف جواز التعجيل قبل الوقت بخلافه في المعلق، ويقتضي أيضا كون إذا جاء غد فأنت حر كإذا مت فأنت حر لانه لا خطر فيهما فيكون الاول مضافا فيمتنع بيعه قبل الغد كما قبل الموت لانعقاده سببا في الحال كما عرف في التدبير لكنهم يجيزون بيعه قبل الغد، ويفرقون بين أنت حر غدا فلا يجيزون بيعه قبل الغد، وبين إذا جاء غد فأنت حرة فيجيزونه مع أنه لا خطر فيهما. وقد يقال في الفرق بينهما إن الاضافة ليست بشرط حقيقة لعدم كلمة الشرط لكنه في معنى الشرط من حيث إن الحكم يتوقف عليه فمن حيث إنه ليس بشرط لا يتأخر عنه ولا يمنع السببية، ومن حيث إنه في معنى الشرط لا ينزل في الحال فقلنا بأنه ينعقد سببا للحال ويقع مقارنا ويتأخر الحكم عملا بالشبهين. وفي الخانية من أول كتاب الاجارات: رجل قال لغيره أجرتك داري هذه رأس الشهر كل شهر بكذا جاز في قولهم، ولو قال إذا جاء رأس الشهر فقد أجرتك هذه الدار كل شهر بكذا قال الفقيه أبو الليث وأبو بكر الاسكاف: يجوز. وقال أبو القاسم الصفار: لا يجوز لانه تعليق التمليك فلا يصح كما لو علقها بشرط آخر، ويؤيده ما ذكره في الجامع: رجل حلف أن لا يحلف ثم قال لامرأته إذا جاء غد فأنت طالق كان حانثا في يمينه، وهذا يؤيد قوله. والذي يؤيد قول الفقيه أبي الليث ما ذكر في المنتقى: رجل له خيار الشرط في البيع فقال أبطلت خياري غدا أو قال أبطلت خياري إذا جاء غد كان ذلك جائزا قال: فليس هذا كقوله إن لم أفعل كذا فقد أبطلت خياري فإن ذلك لا يصح لان هذا وقت يجئ لا محالة. ولو أجر داره كل شهر بكذا ثم قال إذا جاء رأس الشهر فقد أبطلت الاجارة. قال الفقيه أبو بكر: كما يصح تعليق الاجارة بمجئ الشهر يصح تعليق فسخها بمجئ الشهر وغيره من الاوقات، ومسألة المنتفي في تعليق إبطال الخيار تؤيد قوله. قال شمس الائمة السرخسي قال بعض أصحابنا: إضافة الفسخ إلى الغد وغيره من الاوقات صحيح وتعليق الفسخ بمجئ الشهر وغير ذلك لا يصح والفتوى على قوله اه‍. فقد تحرر عندنا أن المعلق بشرط على خطر ليس كالمضاف اتفاقا وبما ليس فيه خطر فيه اختلاف المشايخ فسوى بينهما الفقيهان في الاجارة، وفرق بينهما الصفار، والافتاء بالفرق بينهما في فسخ الاجارة افتاء بقول الصفار بالفرق في الاجارة، فالفتوى على الفرق في الاجارة وفسخها ومسألة الجامع تؤيده وإنما خرج عن ذلك مسألة المنتفى. ثم اعلم أن المراد بالصحة في قوله إنما يصح اللزوم فإن التعليق في غير الملك والمضاف إليه صحيح موقوف على إجازة الزوج حتى لو قال أجنبي لزوجة إنسان إن دخلت الدار فأنت طالق توقف على الاجازة فإن أجازه لزم التعليق فتطلق بالدخول بعد الاجازة لا

[ 10 ]

قبلها، وكذا الطلاق المنجز من الاجنبي موقوف على إجازة الزوج فإذا أجازه وقع مقتصرا على وقت الاجازة ولا يستند بخلاف البيع الموقوف فإنه بالاجازة يستند إلى وقت البيع حتى ملك المشتري الزوائد المتصلة والمنفصلة. والضابط فيه أن ما يصح تعليقه بالشرط فإنه يقتصر، وما لا يصح تعليقه فإنه يستند وتمامه في تلخيص الجامع، ودخل تحت المضاف إلى الملك ما لو قال لمعتدته إن تزوجتك فأنت طالق ثلاثا، فهذا وما لو قال لاجنبية سواء كما في الخلاصة: وللحنفي أن يرفع الامر إلى شافعي يفسخ اليمين المضافة، فلو قال إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثا فتزوجها فخاصمته إلى قاض شافعي وادعت الطلاق فحكم بأنها امرأته وأن الطلاق ليس بشئ حل له ذلك، ولو وطئها الزوج بعد النكاح قبل الفسخ ثم فسخ يكون الوطئ حلالا إذا فسخ، وإذا فسخ بعد التزوج لا يحتاج إلى تجديد العقد، ولو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق فتزو امرأة وفسخ اليمين ثم تزوج امرأة أخرى لا يحتاج إلى الفسخ في كل امرأة. كذا ذكر في الخلاصة. وفي الظهيرية أنه قول محمد وبقوله يفتي، وكذلك في قوله كل عبد اشتريته وإذا عقد أيمانا على امرأة واحدة فإذا قضى بصحة النكاح بعد ارتفعت الايمان كلها، وإذا عقد على كل امرأة يمينا على حدة لا شك أنه إذا فسخ على امرأة لا ينفسخ على الاخرى، وإذا عقد يمينه بكلمة كلما فإنه يحتاج إلى تكرار الفسخ في كل يمين اه‍. فهي أربع مسائل في شرح المجمع للمصنف فإن أمضاه قاض حنفي بعد ذلك كان أحوط اه‍. وفي الخانية: حكم الحاكم كالقضاء على الصحيح اه‍. وفي البزازية وعن الصدر أقول: لا يحل لاحد أن يفعل ذلك. وقال الحلواني: يعلم ولا يفتى به لئلا يتطرق الجهال إلى هدم المذهب. وعن أصحابنا ما هو أوسع من ذلك وهو أنه لو استفتى فقيها عدلا فأفتاه ببطلان اليمين حل له العمل بفتواه وإمساكها. وروي أوسع من هذا وهو أنه لو أفتاه مفت بالحل ثم أفتاه آخر بالحرمة بعدما عمل بالفتوى الاولى فإن يعمل بفتوى الثاني في حق امرأة أخرى لا في حق الاولى، ويعمل بكلا الفتوتين في حادثتين لكن لا يفتى به اه‍. وفيها قبيل الرجعة والتزوج فعلا أولى من فسخ اليمين في زماننا. وينبغي أن يجئ إلى عالم ويقول له ما

[ 11 ]

حلف واحتياجه إلى نكاح الفضولي فيزوجه العالم امرأة ويجيز بالفعل فلا يحنث، وكذا إذا قال لجماعة لي حاجة إلى نكاح الفضولي فيزوجه واحد منهم، أما إذا قال لرجل اعقد لي عقد فضولي يكون توكيلا اه‍. وسيأتي في آخر الايمان. واعلم أن الفسخ من الشافعي إنما محله قبل أن يطلقها ثلاثا لما في الخانية: رجل قال لامرأته إذا تزوجتك فأنت طالق فتزوجها وطلقها ثلاثا ثم إنها رفعت أمرها إلى القاضي ليفسخ اليمين فإن القاضي لا يفسخ لانه لو فسخ تطلق ثلاثا بالتنجيز بعد النكاح فلا يفيد اه‍. فإن قلت: لم وسع أصحابنا في فسخ اليمين المضافة ما لم يوسعوا في غيره مع أن دليلهم ظاهر؟ قلت: قد اختلج هذا في خاطري كثيرا ولم أر عنه جوابا حتى رأيت الزاهدي في المجتبى قال: وقد ظفرت برواية عن محمد أنه لا يقع وبه كان يفتي كثير من أئمة خوارزم اه‍. وشرط قاضيخان لجواز فسخ اليمين المضافة أن لا يكون القاضي أخذ على ذلك مالا، فإن أخذ لا ينفذ فسخه عند الكل، وإن أخذ على الكتابة فإن كان بقدر أجرة المثل نفذ، وإن كان أزيد لا ينفذ، والاولى أن لا يأخذ مطلقا وتمامه فيها. وفي المحيط من باب عطف الشروط بعضها على بعض: لو قال إن تزوجتك وإن تزوجتك فأنت طالق لم يقع حتى يتزوجها مرتين، ولو قدم الجزاء فهو على تزويج واحد وكذا لو وسطه. ولو قال أنت طالق إن تزوجتك فإن تزوجتك أو وسط الجزاء لم يقع حتى يتزوجها مرتين فقد فرق بين الفاء والواو بعده فجعله بالواو إعادة للشرط الاول وبالفاء جعله شرطا مبتدأ. ولو قال أنت طالق إن تزوجتك ثم تزوجتك ففي قياس قول أبي حنيفة على التزويج الاول، ولو قال إن تزوجتك ثم تزوجتك فأنت طالق انعقدت في الاخيرة اه‍. وفي البزازية: إن تزوجت فلانة فهي طالق إن تزوجت فلانة فتزوج لا يقع، فإن طلقها ثم

[ 12 ]

تزوجها وقع. وفي المحيط من باب تعليق اليمين بالشرط: لو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق إن كلمت فلانا فتزوج امرأة قبل الكلام وامرأة بعده طلقت التي تزوجها قبل الكلام، ولو قدم الشرط بأن قال إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها فهي طالق طلقت التي تزوجها بعد الكلام زكذا إذا وسطه ا ه‍، وفي الباب أضافة الطلاق إلى الملك لو قال إذا تزوجت امرأة فهي طالق فتزوج امرأتين تطلق أحداهما والبيان إليه، ولو كان قال وحدها لا يقع شئ فإن تزوج أخرى بعدهما وقع عليها. ولو قال يوم أتزوجك فأنت طالق قال ذلك ثلاث مرات فتزوجها يقع الثلاث لان هذه أيمان، ولو قال إذا تزوجتك فأنت طالق وأنت علي كظهر أمي ووالله لا أقربك ثم تزوجها وقع الطلاق ويلغو الظهار والايلاء عند أبي حنيفة خلافا لهما لما عرف أن عنده ينزل الطلاق أولا فتصير مبانة، وعندهما ينزلن جملة. ولو قال إن تزوجتك فوالله لا أقربك وأنت علي كظهر أمي وأنت طالق فتزوجها وقع الطلاق وصح الظهار والايلاء لانها بنزول الظهار والايلاء لا تصير مبانة، وكذا لو قال إن تزوجتك فأنت طالق إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي ثو تزوجها صحا لانهما يمينان ذكر لكل واحدة شرطا على حدة وهو التزوج فنزلا معا اه‍. وفي باب الحلف على التزويج إن تزوجت امرأة فعبدي حر فتزوج صبية حنث، ولو حلف لا يشتري امرأة فاشترى صغيرة لم يحنث. والفرق أن اسم المرأة مطلقا لا يتناول الصغيرة إلا أن في الشراء اعتبر ذكر المرأة لان الشراء قد يكون للرجل وقد يكون للمرأة ولم يعتبر ذلك المرأة في النكاح لان النكاح لا يكون إلا للمرأة فلغا ذكرها. ولو قال إن كلمت امرأة فكلم صبية لا يحنث لان الصبي مانع عن هجران الكلام فلا تراد الصبية في اليمين المعقودة على الكلام عادة ولا كذلك التزوج اه‍. وفي الذخيرة في نوع آخر في دخول شخص واحد تحت اليمينين: إذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق ثم قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق ثم تزوج فلانة طلقت تطليقتين بحكم اليمينين لانها فلانة وامرأة، وكذلك لو قال إن كلمت فلانا فأنت طالق وإن كلمت انسانا فأنت طالق فكلمت فلانا تطلق تطليقتين

[ 13 ]

بحكم اليمينين اه‍. قوله: (فيقع بعده) أي يقع الطلاق بعد وجود الشرط في المسألتين، سواء كان التعليق في الملك أو مضافا إليه. وفي فتح القدير: وقوله وقع عقيب النكاح يفيد أن الحكم يتأخر عنه وهو المختار لان الطلاق المقارن لا يقع كقوله أنت طالق مع نكاحك إذ لا يثبت الشئ منتفيا ثم قال: وأما قولهم إنه ينزل سببا عند الشرط كأنه عند الشرط أوقع تنجيزا فالمراد الايقاع حكما ولهذا إذا علق العاقل الطلاق ثم جن عند الشرط تطلق ولو كان كالملفوظ حقيقة لم يقع لعدم أهليته اه‍. وأشار بقوله بعده إلى أنه لو قال إن تزوجتك فأنت طالق قبله ثم نكحها لم يقع وهو قولهما لان المعلق كالملفوظ عند الشرط. ولو قال وقت النكاح أنت طالق قبل أن أنكحك لا تطلق كذا هذا. وأوقعه أبو يوسف بإلغاء الظرف لعدم قدرته على الايقاع فيه. وفي المحيط: لو قال كل امرأة أتزوجها في قرية كذا فهي طالق ثلاثا فتزوجها في غير تلك القرية لم يحنث لانه لم يتزوجها في تلك القرية، ولو قال من قرية كذا حنث حيثما تزوجها. ولو قال إن تزوجت امرأة ما دمت بالكوفة فهي طالق ففارق الكوفة ثم عاد إليها فتزوج امرأة لم تطلق لانتهاء اليمين بالمفارقة، ولو قال لامرأته إن تزوجت عليك ما عشت فحلال الله علي حرام ثم قال لامرأته إن تزوجت عليك فالطلاق واجب علي ثم تزوج عليها يقع على كل واحدة منهما تطليقة على القديمة والحديثة ويقع تطليقة أخرى يصرفها إلى أيتهما شاء لان اليمين الاولى انصرفت إلى الطلاق عرفا فينصرف إلى طلاق كل واحدة منهما واليمين الثانية يمين بطلاق واحدة، فإذا تزوج امرأة انحلت اليمينان جميعا اه‍. وفي المحيط من كتاب الايمان: لو قال إن فعلت كذا فكل امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج ثم فعل لا تطلق لان المعلق بالفعل طلاق المتزوجة بعده ولم يوجد، وإذا نوى تقديم النكاح على الفعل صحت نيته لانه نوى ما يحتمله لانه يحتمل التقديم والتأخير فصار كأنه قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق إن فعلت. قوله: (فلو قال لاجنبية إن زرت فأنت طالق فنكحها فزارت لم تطلق) لانه حين صدر لا يصح جعله إيقاعا لعدم المحل ولا يمينا لعدم معنى اليمين وهو ما يكون حاملا على البر

[ 14 ]

لاخافته لانه لم يصدر مخيفا لعدم ظهور الجزاء عند الفعل وهو الزيارة هنا لعدم ثبوت المحلية عند وجود الشرط، ومعنى الاخافة هنا لزوم نصف المهر إن تزوجها لانه حينئذ يقع الطلاق فيجب المال فيمتنع عن التزوج خوفا من ذلك، وقد أورد على هذا قوله إذا حضت فأنت طالق فإنه يمين مع أنه لا حمل فيه ولا منع، وأجيب بأن العبرة فيه للغالب لا للشاذ كذا في فتح القدير. وأشار المصنف إلى مسائل: الاولى لو قال كل امرأة أجتمع معها في فراش فهي طالق فتزوج امرأة لا تطلق، ومثله كل جارية أطوءها حرة فاشترى جارية فوطئها لا تعتق لان العتق لم يضف إلى الملك كذا في المحيط. وفي الولوالجية: إذا قال الرجل لاجنبية إن طلقتك فعبدي حر يصح ويصير كأنه قال إن تزوجتك وطلقتك فعبدي حر، ولو قال لها إن طلقتك فأنت طالق ثلاثا لا يصح لان ذكر الطلاق ذكر النكاح الذي لا يستغنى عنه الطلاق لا ذكر لما لا يستغني عنه الجزاء اه‍. الثانية لو قال لوالديه إن زوجتماني امرأة فهي طالق ثلاثا فزوجاه امرأة بغير أمره لا تطلق لان التعليق لم يصح لاه غير مضاف إلى ملك النكاح لان تزويج الوالدين له بغير أمره غير صحيح لانه غير مضاف إلى ملك النكاح لانه لم يأمرهما بالتزويج عند التعليق كذا في المحيط. ولا فرق في حق هذا الحكم بين أن يزوجاه بأمره أو بغير أمره لما في المعراج: ولو قال لغيره إن زوجتني امرأة فهي طالق فزوجه بامره أو بغير أمره لا تطلق لان التعليق لم يصح اه‍. الثالثة لو قال إن تزوجت فلانة قبل فلانة فهما طالقان فتزوج الاولى طلقت، واختلفوا فيما إذا تزوج الثانية فقال في المحيط: تطلق أيضا. وقيل: ينبغي أن لا تطلق لان نكاح الثانية غير مذكور صريحا ولا ضرورة. ولو قال إن تزوجت زينب قبل عمرة بشهر فهما طالقتان فتزوج زينب ثم عمرة بعدها بشهر طلقت زينب للحال لوجود الشرط ولا يستند ولا تطلق عمرة لانه ما أضاف طلاقها إلى نكاحها لان تزوجها لم يصر مذكورا وتمامه في المحيط. الرابعة لو قال إن تزوجت امرأة أو أمرت إنسانا بالتزوج لي امرأة فهي طالق ثم أمر غيره أن يزوجه امرأة ففعل المأمور لا تطلق امرأة الحالف لانه حنث بالامر لا إلى جزاء وهو نظير ما روي عن أبي يوسف: لو قال رجل إن تزوجت فلانة أو خطبتها فهي طالق فخطب امرأة وتزوجها لا يحنث في يمينه لانه حنث بالخطبة كذا في الخانية. وحاصل ما ذكره في الذخيرة أنه إذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق وإن أمرت من يزوجنيها فهي طالق فأمر إنسانا فزوجها منه طلقت لانهما يمينان فانحلال أحدهما لا يوجب انحلال الاخرى. ولو قال إن تزوجت وإن أمرت من يزوجنيها

[ 15 ]

فهي طالق فأمر رجلا فزوجهاا منه لم تطلق لان اليمين واحدة والشرط شيئان الامر والتزويج فبمجرد الامر لا تنحل اليمين، ولذا لو تزوجها من غير أن يأمر أحدا بذلك لا تطلق لانه بعض الشرط، فإن أمر بعد ذلك رجلا فقال زوجني فلانة وهي امرأته على حالها طلقت لانه كل الشرط. ولو قال إن خطبت فلانة أو تزوجتها فهي طالق فخطبها ثم تزوجها لا تطلق لان شرط حنثه أحد شيئين، فإذا خطبها فقد وجد شرط الحنث والمرأة ليست في نكاحه فانحلت اليمين لا إلى حنث، فإذا تزوجها بعد ذلك واليمين منحلة فلا تطلق. وقوله لانه حنث بالخطبة يدل على أنها يمين منعقدة وفائدتها لو زوجه فضولي فبلغه فأجاز طلقت، ونظيرها إن تزوجت فلانة أو أمرت من يزوجنيها فأمر غيره فزوجها منه لا تطلق وتمامه فيها من فصل التعليقات. وفي تتمة الفتاوى في مسألتي الامر والخطبة باو وهذا رد على من يقول اليمين غير منعقدة لان الشرط أحدهما وأحدهما بعينه صالح والآخر لا فإنه نص على الحنث حتى لو تزوج قبل الامر في المسألة الاولى أو قبل الخطبة في المسألة الثانية لو تصور فإنها تطلق اه‍. وفي الخانية: قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق ونوى من بلد كذا أو نوى امرأة حبشية أو غيرها لا يكون مصدقا في ظاهر الرواية قضاء، ولو قال أي امرأة أتزوجها فهي طالق كانت على امرأة واحدة إلا أن ينوي جميع النساء. ولو قال إن تزوجت امرأة من بنات فلان فهي طالق وليس لفلان بنت ثم ولد له بنت فتزوجها الحالف قالوا لا يحنث في يمينه ويشترط قيام البنت وقت اليمين، ولا يدخل في اليمن ما يحدث بعد اليمين كما لو حلف أن لا يتزوج من أهل هذه الدار وليس لتلك الدار أهل ثم سكنها قوم فتزوج الحالف منهم امرأة لا يحنث في يمينه ويشترط وجود الاهل عند اليمين إلا أن هذا الجواب يوافق قول محمد، وأما قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف يدخل في هذا اليمين من كان موجودا وقت اليمين ومن يحدث بعده كمن حلف أن لا يكلم ابن فلان وليس لفلان ابن ثم ولد له ابن فكلمه الحالف حنث في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يحنث في قول محمد. ولو قال والله لا أتزوج امرأة من أهل الكوفة فتزوج امرأة من أهل الكوفة ولدت بعد اليمين حنث، فرق محمد بين هذا وبين بنت فلان لان أهل الكوفة قوم لا يحصون فلم يكن الحامل على اليمين غيظ لحقه من جهة الاهل بل الحامل على اليمين معنى في الكوفة فيدخل الموجود والحادث. بخلاف بنت فلان لان الحامل على اليمين غيظ لحفه من جهة فلان فيدخل فيه الموجود لها الحادث. ولو حلف أن لا يتزوج من نساء أهل البصرة فتزوج جارية ولدت بالبصرة ونشأت بالكوفة واستوطنت بها حنث الحالف في قول أبي حنيفة لان المعتبر عنده في هذه الولادة، ولو حلف أن لا يتزوج من

[ 16 ]

أهل بيت فلان فتزوج بنت بنت فلان لا يحنث لان هذا الاسم لا يتناول أولاد البنات. ولو قال إن تزوجت امرأة إلى خمس سنين فهي طالق فتزوج في السنة الخامسة طلقت لانها لا تنتهي قبل مضي السنة الخامسة كما لو أجر داره إلى خمس سنين. ولو قال إن أكلت من خبز والدي ما لم أتزوج فاطمة فكل امرأة أتزوجها فهي طالق فأكل ثم تزوج فاطمة بعد الاكل طلقت. ولو قال كل امرأة أتزوجها ما لم أتزوج فاطمة فهي طالق فماتت فاطمة أو غابت فتزوج غيرها طلقت في الغيبة ولا تطلق في الموت، أما في الغيبة فلانه ما تزوج فاطمة حال بقاء اليمين فيحنث، وأما في الموت فلا يحنث في قول أبي حنيفة ومحمد لان عندهما يمينه تبطل بالموت فلا يحنث بعده. ولو قال كل امرأة أتزوجها فقد بعت طلاقها منك بدرهم ثم تزوج بامرأة فقالت التي كانت عنده حين علمت بنكاح غيرها قبلت أو قالت طلقتها أو قالت اشتريت طلاقها طلقت التي تزوجها، وإن قالت التي كان عنده قبل أن يتزوج أخرى قبلت لا يصح قبولها لان ذلك قبول قبل الايجاب اه‍. وفي الكافي للحاكم: لو قال يوم أتزوجك فأنت طالق وأنت طالق وأنت طالق ثم تزوجها طلقت واحدة في قول أبي حنيفة وثلاثا عندهما. ولو قال يوم أتزوجك فأنت طالق يوم أتزوجك فأنت طالق يوم أتزوجك فأنت طالق ثم تزوجها طلقت ثلاثا، وكذلك إن وإذا ومتى وكلما. وإن قال أنت طالق وطالق وطالق يوم أتزوجك ثم تزوجها طلقت ثلاثا بخلاف ما إذا أخر الطلاق فإن الاولى تقع فقط اه‍. ثم قال: لو قال إذا تزوجت امرأة فهي طالق فتزوج امرأتين في عقدة واحدة فإحداهما طالق والخيار له، وإن نوى امرأة وحدها لم يدين في القضاء. ولو قال إن تزوجت امرأة وحدها لم تطلق واحدة منهما فإن تزوج أخرى بعدها طلقت اه‍. وفي القنية: قال لاجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق من جهتي أو طلقتك صح وصار كأنه قال إن دخلت الدار وتزوجتك فأنت طالق. ولو قال لاجنبية إن ولدت فأنت طالق مني فتزوجها فولدت طلقت اه‍. وهو مشكل ولو زاد قوله من جهتي كما لا يخفى. قوله: (وألفاظ الشرط إن وإذا وإذاما وكل وكلما ومتى ومتى ما) وهو في اللغة كما في القاموس إلزام الشئ والتزامه في البيع ونحوه كالشريطة والجمع شروط. وفي المثل الشرط أملك عليك أم لك. وبزغ الحجام بشرط ويشرط فيهما. والدون اللئيم السافل. والجمع أشراط. وبالتحريك العلامة والجمع أشراط وكل مسيل صغير يجئ من قدر عشرة أذرع. وأول الشئ ورزال المال وصغارها. والاشراف أشراط أيضا ضد ا ه‍. وعند الاصوليين كما في التلويح تعليق حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة ويزاد في أن فقط أي من غير اعتبار ظرفية ونحوها كما في إذا ومتى ا ه‍. وفي المعراج: الشروط

[ 17 ]

شرعية وعقلية وعرفية ولغوية. فالشرعية كالوضوء وستر العورة واستقبال القبلة وطهارة الثوب والمكان والبدن فيتوقف وجود الصلاة عليها ولا يلزم من وجودها وجود الصلاة. والعقلي كالحياة مع العلم فيلزم من وجود العلم الحياة من غير عكس. والعرفية ويقال لها الشرطية العادية كالسلم مع صعود السطح فيلزم من الصعود وجوده من غير عكس. واللغوية مثل التعليقات فيلزم من وجود الشرط وجود المشروط. قالوا: وهو حقيقة السبب وبهذا قال النحويون في الشرط والجزاء مع السببية للاول والمسببية للثاني والمعتبر من المانع وجوده ومن الشرط عدمه ومن السبب وجوده وعدمه ا ه‍. وقال قبله: إنما قال ألفاظ الشرط دون حروفه كما قال بعضهم لان عامتها اسم كمتى وإذا ا ه‍. وليس مقصود المؤلف الحصر في الالفاظ الستة وقد ذكر في جوامع الفقه لو ولولا. وفي فتح القدير: وإنما لم يذكر المصنف لو لان مقصودة ينافيه أعني التعليق على ما على خطر الوجود لانها أفادت تحقق عدمه فلا يحصل معنى اليمين ولعدم حصوله لم تذكر لما وإن كان لو دخلت فأنت طالق تعليق للطلاق كما ذكره التمرتاشي ويروى عن أبي يوسف لكنه ليس معناها الاصلي ولا المشهور ولذا قال بعضهم: لا يتعلق. وفي الحاوي في فروعنا: قال أنت طالق لو تزوجتك تطلق إذا تزوجها، ولو قال أنت طالق لولا دخولك أو لولا أبوك أو مهرك لا يقع، وكذا في الاخبار بأن قال طلقتك أمس لولا كذا ا ه‍. ولا محل للتردد لان المذهب أن لو بمعنى الشرط. قال في المحيط: وكلمة لو بمعنى الشرط فإنها تستعمل هذه الكلمة لامر مترقب منتظر فصار بمعنى الشرط الذي هو مترقب الثبوت وعلى خطر الوجود فتوقف عليه حتى لو قال لامرأته أنت طالق لو دخلت الدار لم تطلق حتى تدخل، ولو قال أنت طالق لو حسن خلقك سوف أراجعك طلقت الساعة لان لو دخلت على المراجعة، وكذا لو قدم أبوك راجعتك. وعن أبي يوسف أنت طالق لو دخلت الدار لطلقتك فهذا رجل حلف بطلاق امرأته ليطلقها إن دخلت الدار فإذا دخلت لزمه أن يطلقها ولا يقع إلا بموت أحدهما كقوله إن لم آت البصرة ا ه‍. وفي المعراج: وإنما لم يذكر المصنف كلمة لو مع أنها للشرط وضعا ذكره في شرح المفصل باعتبار أنه يعمل عمل الشرط معنى لا لفظا وغيرها يعمل معنى ولفظا حتى تجزم في مواضع الجزم وفي غير مواضع الجزم لزم دخول الفاء في جزائهن بخلاف لو انتهى. ولم يذكر من مع أنها من الجوازم لفظا ومعنى ومن مسائلها فرع غريب في المعراج:

[ 18 ]

رجل قال لنسوة له من دخلت منكن الدار فهي طالق فدخلت واحدة مرارا طلقت بكل مرة لان الدخول لما أضيف إلى جماعة فيراد به تعميمه عرفا مرة بعد مرة كقوله تعالى * (ومن قتله منكم متعمدا) * [ المائدة: 59 ] فإنه أفاد عموم الصيد ولهذا ذكر محمد في السير الكبير: لو قال الامير من قتل قتيلا فله سلبه فقتل واحد قتليين فله سلبهما. قيل لا حجة لمحمد في الاستشهادين لان الصيد في قوله لا تقتلوا الصيد عام باعتبار اللام الاستغراقية والقتيل عام لوقوعه في سياق الشرط ولو استشهد بقوله تعالى * (وإذا رأيت الذين يخوضون) * [ الانعام: 86 ] الآية * (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا) * [ الانعام: 45 ] الآية. فإن إذا في ذلك تفيد التكرار. وعن بعض الحنابلة أن متى تقتضي التكرار والصحيح أن غير كلما لا يوجب التكرار ا ه‍. والحاصل أن أدوات الشرط إن ومن وما ومهما وأي و أين وأنى ومتى ومتى ما وحيث وحيثما وإذا وإذا ما وإيان و كيفما عند الكوفيين ولم يذكر النحاة كلا وكلما فيها لانهما ليسا من أدوات الشرط وإنما ذكرهما الفقهاء لثبوت معنى الشرط معهما وهو التعليق بأمر على خطر الوجود وهو الفعل الواقع صفة الاسم الذي أضيف إليه. قالوا: وكلها جازمة إلا لو وإذا والمشهور أنه إنما يجزم ب‍ " إذا في الشعر وكذا لو. والمراد ب‍ " إن المكسورة فلو فتحها تنجز وهو قول الجمهور لانها للتعليل، ولا يشترط وجود العلة وهذا مذهب البصريين واختاره محمد. ومذهب الكوفيين أنها بمعنى إذا واختاره الكسائي وهو منهم وتمامه في المعراج. وأشار بقوله ألفاظ الشرط إلا أنه لا يتحقق التعليق إلا بالفاء في الجواب في موضع وجوبها إلا أن يتقدم الجواب فيتعلق بدونها على خلاف في أنه حينئذ هو الجواب أو يضمر الجواب بعده والمقدم دليله. وأما الفقيه فنظره من جهة المعنى فلا عليه من اعتبار الجواب كذا في فتح القدير. وكون الاول هو الجواب مذهب الكوفيين، وكونه دليلا عليه مذهب البصريين. فإن قلت: ما فائدة الاختلاف بين أهل البلدين؟ قلت: يجوز عند البصريين ضربت غلامه إن ضربت زيد اعلى إن ضمير غلامه لزيد لرتبة الجزاء عند البصريين بعد الشرط، ولا يجوز عند الكوفيين لرتبته قبل الاداة كما أشار إليه الرضى. وفي الالفية لابن مالك.

[ 19 ]

واقرن بفا حتما جوابا لو جعل شرطا لان أو غيرها لم ينجعل وتوضيحه كما في المغني أنها واجبة في جواب لا يصلح أن يكون شرطا قال: وهو منحصر في ست مسائل. إحداها أن يكون الجواب جملة اسمية نحو * (إن تعذبهم فإنهم عبادك) * [ المائدة: 811 ] الثانية أن يكون فعلها جامدا نحو * (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) * [ البقرة: 172 ] الثالثة أن يكون فعلها انشائيا نحو * (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) * [ آل عمران: 13 ] الرابعة أن يكون فعلها ماضيا لفظا ومعنى نحو * (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) * [ يوسف: 77 ] الخامسة أن يقترن بحرف الاستقبال نحو * (من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم) * [ البقرة: 712 ] ونحو * (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه) * [ آل عمران: 511 ] السادسة أن يقترن بحرف له الصدر كرب وإنما دخلت في نحو * (ومن عاد فينتقم الله منه) * [ المائدة: 59 ] لتقدير الفعل خبر المحذوف فالجملة اسمية وقد مر أن إذا الفجائية تنوب عن الفاء نحو * (وإن تصيهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون) * [ الروم: 36 ] وإن الفاء قد تحذف للضرورة كقوله: من يفعل الحسنات الله يشكرها وعن المبرد أنه منع من ذلك حتى في الشعر وزعم أن الرواية من يفعل الخير فالرحمن يشكره. وعن الاخفش أن ذلك واقع في النثر الفصيح وأن منه قوله تعالى * (إن ترك خيرا الوصية للوالدين) * [ البقرة: 081 ] وتقدم تأويله. وقال ابن مالك: يجوز في النثر نادرا ومنه حديث اللقطة فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها وكما تربط الفاء الجواب بشرطه كذلك تربط شبه الجواب بشبه الشرط وذلك في نحو الذي يأتيني فله درهم ا ه‍ ما في المغني: وذكر المرادي في شرح الالفية أحد عشر موضعا لوجوب الاقتران بالفاء وهي: الجملة الاسمية والفعلية الطلبية والفعل غير المتصرف والمقرون بالسين أو سوف أو قد أو منفيا بما أو لن وإن والمقرون بالقسم والمقرون برب. قال: فهذه الاجوبة تلزمها الفاء لانها لا يصلح جعلها شرطا وخطب التمثيل سهل ا ه‍. وهذا لا يخالف قول المغني أنها منحصرة في ست لان حرف الاستقبال شامل للسين وسوف ولن وما له الصدر شامل للقسم ورب. والاضبط

[ 20 ]

والاخصر ما ذكره الرضى أنها واجبة في أربعة مواضع: أحدها الجملة الطلبية كالامر والنهي والاستفهام والتمني والعرض والتحضيض والدعاء. الثاني الجملة الانشائية كنعم وبئس وما تضمن معنى انشاء المدح والذم وكذا عسى وفعل التعجب. والقسم الثالث الجملة الاسمية. الرابع كل فعلية مصدرة بحرف سوى لا ولم في المضارع سواء كان الفعل المصدر ماضيا أو مضارعا ا ه‍. وظاهره أن الطلبية لا تدخل تحت الانشائية ولذا صرح بعده بما يفيد التغاير فقال: إن الجملة الانشائية متجردة عن الزمان والطلبية متمحضة للاستقبال وتمامه فيه. وفي شرح التوضيح من بحث الصلة الانشائية ما قارن لفظها معناها والطلبية ما تأخر وجود معناها عن وجود لفظها ا ه‍. وهذا كله عند النحاة، وأما في علم المعاني فالطلبية من أقسام الانشائية لانها ما ليس لها خارج تطابقه أو لا تطابقه، والخبرية ما لها خارج تطابقه أو لا تطابقه. وبما قررناه ظهر أن قول الزيلعي أن مواضعها سبع ونظمها بعضهم فقال: طلبية واسمية وبجامد وبما وقد ولن وبالتنفيس قاصر عن الاستيفاء وزيادة المحقق عليه في فتح القدير ما ذكره المرادي ليس تحريرا والحق ما أسلفناه عن الرضى. فإذا عرف ذلك تفرع عليه أنه لو لم يأتي بالفاء في موضع وجوبها فإنه يتنجز ك‍ " إن دخلت الدار أنت طالق فإن نوى تعليقه دين، وكذا إن نوى تقديمه. وعن أبي يوسف أنه يتعلق حملا لكلامه على الفائدة فتضمر الفاء. قلت: الخلاف مبني على جواز حذفها اختيارا فأجازه أهل الكوفة وعليه فرع أبو يوسف، ومنعه أهل البصرة وعليه تفرع المذهب، وقد حكى الرضى خلاف الكوفيين كما ذكرناه، فإن قلت: يرد على البصريين قوله تعالى * (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) * [ الانعام: 121 ] قلت: قد أجاب عنه الرضى بأنه بتقدير القسم ويجوز أن يكون قوله تعالى * (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم) * [ الجاثية: 52 ] مثله أي بتقدير القسم، ويجوز أن تكون إذا لمجرد الوقت من دون ملاحظة الشرط كما لم يلاحظ في قوله تعالى * (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) * [ الشورى: 93 ] وقوله تعالى * (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) * [ الشورى: 73 ] ا ه‍. ولو أجاب بالواو وفي موضع وجوب الفاء تنجز وإن نوى تعليقه بدين. وفي المعراج: ولو نوى تقديمه قيل يصح وتحمل الواو على الابتداء وفيه ضعف لان واو الابتداء لا تستعمل في أول الكلام ا ه‍. وظاهر ما في المحيط أنه لو نوى تعليقه لا يدين فإنه قال: ولا تصح نية التعليق

[ 21 ]

أصلا لانه يحتاج إلى اسقاط حرف الواو ثم إلى اضمار حرف الفاء ولان الاضمار إنما يصح متى أظهر ما أضمر لا يختل الكلام وهنا لو ظهر ما أضمر اختل الكلام لانه يصير إن دخلت الدار فوأنت طالق ولو لم يأت بحرف التعليق ك‍ " أنت طالق دخلت الدار تنجز لعدم التعليق. ولو قدم الجواب وأخر الشرط لكن ذكره بالواو ك‍ " أنت طالق وإن دخلت الدار تنجز لان الواو في مثله عاطفة على شرط هو نقيض المذكور على ما عرف في موضعه تقديره إن لم تدخلي وإن دخلت و إن هذه هي الوصلية. كذا في فتح القدير وهو اختيار لقول الجرمي وهو ليس بمرضى عند الرضى لانه يلزمه أن يأتي بالفاء في الاختيار فتقول زيد وإن كان غنيا فبخيل لان الشرط لا يلغي بين المبتدأ والخبر اختيارا، وأما على ما اخترنا من كون الواو اعتراضية فيجوز لان الاعتراضية بين أي جزئين من الكلام كانا بلا فصل إذا لم يكن أحدهما حرفا ا ه‍. وقال قبله: وشرط دخولها أن يكون ضد الشرط المذكور أولى بذلك المقدم الذي هو كالعوض عن الجزاء من ذلك الشرط كقوله أكرمه وإن شتمني فالشتم بعيد من إكرامك الشاتم وضده وهو المدح أولى بالاكرام، وكذلك اطلبوا العلم ولو بالصين. والظاهر أن الواو الداخلة على كلمة الشرط في مثله اعتراضية ونعني بالجملة الاعتراضية ما تتوسط بين أجزاء الكلام ومتعلقاته معنى مستأنفا لفظا على طريق الالتفات إلى آخره. وفي المحيط: وذكر الكرخي أنه لو نوى بيان الحال على معنى أنت طالق في حال دخولك تصح نيته ديانة لا قضاء لان الواو في مثله تذكر للحال كقوله أنت طالق وأنت راكبة ا ه‍. وقال الرضى: وعن الزمخشري في مثله الحال فيكون الذي هو كالعوض عن الجزاء عاملا في الشرط أيضا على أنه حال كما عمل جواب متى عند بعضهم في متى النصب على أنه ظرفه ومعنى الظرفية والحال متقاربان، ولا يصح اعتراض الجرمي عليه بأن معنى الاستقبال الذي في أن يناقض معنى الحال الذي في الواو لان حالية الحال باعتبار عامله مستقبلا كان العامل أو ماضيا نحو اضربه غدا مجردا أو ضربته أمس مجردا واستقبالية شرط أن باعتبار زمن التكلم فلا تناقض بينهما ا ه‍ كلام الرضى. وهو مؤيد لقول الكرخي. ولو ذكره بالفاء كانت طالق فإن دخلت الدار قال في المعراج: لا رواية فيه. ولقائل إن يقول: تطلق لان الفاء صارت فاصلة، ولقائل أن يقول لا تطلق لان الفاء حرف التعليق ا ه‍. وفي فتح القدير: وقياس المذكور في حرف الفاء في موضع وجوبها وذكر الواو مع الجواب أن يكون التنجيز موجب اللفظ إلا أن ينوي التعليق لاتحاد الجامع وهو عدم كون التعليق إذ ذاك مدلول اللفط فلا يثبت إلا بالنية، والفاء وإن كان حرف تعليق لكن لا يوجبه إلا في محله فلا أثر له هنا ا ه‍. وثم كالواو قال في المحيط: لو قال أنت طالق ثم إن دخلت الدار طلقت للحال ولا تصح نية التعليق أصلا لانه لا يحتمله لان ثم للتعقيب مع الفصل والتعليق للوصل فكان بينهما مضادة ا ه‍. ثم اعلم أن ما المذكورة بعد أداة شرط زائدة. قال الرضى: وأما ما فتزاد مع الخمس كلمات المذكورة إذا أفادت معنى الشرط نحو

[ 22 ]

إذا ما تكرمني أكرمك بغير الجزم ومتى ما تكرمني أكرمك بمعنى متى تكرمني ولا تفيد ما معنى التكرير ولو أفادتها لم تكن زائدة، فمن قال إن متى للتكرير فمتى ما مثله، ومن قال ليس للتكرير فكذا متى ما وإياما تفعل أفعل وأينما تكن أكن * (فاما نذهبن بك) * [ الزخرف: 14 ] وقد تدخل بعد أيان أيضا قليلا وليست في حيثما وإذ ما زائدة لانها هي المصححة لكونهما جازمين فهي الكافة أيضا عن الاضافة ا ه‍. ذكره في بحث حروف الزيادة ولم يذكر هنا ما في كلما لكونها ليست زائدة لافادتها التكرار ولذا قال: وتفيد كل التكرار بدخول ما عليه دون غيره من أدوات الشرط ا ه‍. وفي المحيط وعن أبي يوسف: لو قال أنت طالق لدخلت الدار فهذا يخبر أنه دخل الدار وأكده باليمين فيصير كأنه قال إن لم أكن دخلت الدار فإن لم يكن دخل الدار طلقت. ولو قال أنت طالق لا دخلت الدار يتعلق بالدخول لان لا حرف نفي وقد أكده بالدخول فكان الطلاق معلقا بالدخول. ولو قال أنت طالق لدخولك الدار طلقت الساعة لان اللام للتعليل فقد جعل الدخول علة للوقوع وجدت العلة أو لا. ولو قال أنت طالق بدخولك الدار أو بحيضك لم تطلق حتى تدخل أو تحيض لان الباء للوصل والالصاق وإنما يتصل الطلاق ويلتصق بالدخول إذا تعلق به. ولو قال أنت طالق على دخولك الدار إن قبلت يقع وإلا فلا لانه استعمل الدخول استعمال الاعواض فكان الشرط قبول العوض لا وجوده كما لو قال أنت طالق على أن تعطيني ألف درهم ا ه‍. وفي فتح القدير: ويقع في الحال بقوله أنت طالق إن دخلت وبقوله ادخلي الدار وأنت طالق فيتعلق بالدخول لان الحال شرط مثل ادي إلي ألفا وأنت طالق لا تطلق حتى تؤدي ا ه‍. وسيأتي في العتق أنه على القلب أي كوني طالقا في حال الاداء وكن حرا في حال الاداء. وقوله لان الحال شرط منقوض بأنت طالق وأنت مريضة فإنه يقع للحال فالتعليل الصحيح أن جواب الامر بالواو كجواب الشرط بالفاء كذا في المعراج. وفيه: لو قال ادي إلي ألفا فأنت طالق بالفاء يتنجز لانها للتعليل كقوله افتحوا الابواب وأنتم آمنون يتعلق، ولو قال فأنتم آمنون لا يتعلق للتفسير، ولو قال أنت طالق ووالله لا أفعل كذا فهو تعليق ويمين، ولو قال أنت طالق والله لا أفعل كذا طلقت في الحال. ذكرهما في جوامع الفقه. قوله: (ففيها إن وجد الشرط انتهت اليمين) أي في ألفاظ الشرط إن وجد المعلق عليه انحلت اليمين وحنث وانتهت لانها غير مقتضية للعموم والتكرار لغة فبوجود الفعل مرة يتم الشرط ولا يتم بقاء اليمين بدونه وإذا تم وقع الحنث فلا يتصور الحنث مرة أخرى إلا بيمين

[ 23 ]

أخرى أو بعموم تلك اليمين ولا عموم. وفي المحيط معزيا إلى الجامع الاصل: إن إضافة الجمع إلى الواحد يعتبر جمعا في حق الواحد، والجمع المضاف إلى الجمع يعتبر آحادا في حق الآحاد ولا يعتبر جميعا في حق الآحاد، فلو قال إن دخلتما هذه الدار فلا بد من دخولهما، وإن قال هاتين الدارين فدخلت كل واحدة دارا على حدة طلقتا، ولو قال إن ولدتما ولدا أو حضتما حيضة فولدت إحداهما أو حاضت طلقتا لعدم إمكان الاجتماع بخلاف إن ولدتما أو حضتما أو إن ولدتما ولدين أو حضتما حيضتين لا بد من ولادة كل واحدة وحيضها، وكذا إن أكلتما هذا الرغيف لا بد من أكلهما للامكان. وإن قال إن لبستما قيمصين لا بد من لبسهما معا للحنث فلا يحنث بلبسهما متفرقين بخلاف هذين القميصين يحنث بلبسهما متفرقين كان تغديت رغيفين يحنث بأكلهما متفرقين بخلاف إن أكلت رغيفين لا بد من أكلهما معا. وأفاد بإطلاقه أنه لو زاد على إن أبدا فإنها لا تفيد التكرار كما لو قال إن تزوجت فلانة أبدا فهي طلاق فتزوجها طلقت ثم إذا تزوجها ثانيا لا تطلق. كذا أجاب أبو نصر الدبوسي كما في فتح القدير وعلله البزازي في فتاواه بأن التأبيد ينفي التوقيت لا التوحيد فيتأبد عدم التزوج ولا يتكرر. ومن مسائل إن ما في الواقعات الحسامية والمحيط: لو كان له أربع نسوة فقال لواحدة منهن إن لم أبت عندك الليلة فالثلاث طوالق ثم قال للثانية مثل ذلك ثم قال للثالثة مثل ذلك ثم قال للرابعة مثل ذلك ثم بات عند الاولى وقع عليها الثلاث لانه انحل عليها ثلاثة أيمان، ويقع على كل واحدة منهن ممن لم يبت عندهن تطليقتان لانه انحل على كل واحدة منها ثنتان، ولو بات مع ثنتين وقع على كل واحدة منهما تطليقتان وعلى الاخريين على كل واحدة منهما تطليقة. يخرج على هذا الاصل أنه لو بات مع الثلاث وقع على كل واحدة منهن تطليقة لانه انحل على كل واحدة منهن واحدة وهي اليمين التي عقدت على التي لم يبت عندها، ولا يقع على هذه التي لم يبت عندها شئ لان الايمان التي عقدت على الثلاث لم ينحل شئ منها على الرابعة وهي التي لم يبت عندها ا ه‍. ومنها ما في الخانية: إن دخلت الدار إن دخلت الدار إن دخلت الدار فأنت طالق فهذه على دخلة واحدة، ولو قال إن دخلت الدار فأنت طالق إن دخلت فهذا على دخلتين، ولو قال إن قلت لك أنت طالق فأنت طالق ثم قال قد طلقتك تطلق ثنتين واحدة بالتطليق وواحدة باليمين ا ه‍. والفرع الاخير يفيد أن قولهم إن التعليق يراعي فيه اللفظ ولا يقوم لفظ آخر مقامه يستثنى منه المرادف له فإن قوله قد طلقتك مرادف لقوله أنت طالق من جهة إفادة وقوع الطلاق. ومنها ما في الصيرفية: إن لم تمت فلانة غدا فأنت طالق فمضى الغد وهي حية يقع لامكانه

[ 24 ]

بخلاف إن تكلمت الموتى حيث لا يقع لعدمه. ومنها ما فيها أيضا: قالت لزوجها لك مع فلانة شغل ولك معها حديث فقال إن كنت أعرف أنه رجل أو امرأة فأنت كذا قال: إن كان له معها حديث أو شغل وقع وإلا فلا لان الاعتبار هنا للمعنى لا للحقيقة والمعنى ترك التعرض. ومنها ما لو قال إن لم أكن اليوم في العالم أو في هذه الدنيا فحلال الله علي حرام يحبس حتى يمضي اليوم سواء حبسه القاضي أو الوالي أو في بيت لان الحبس يسمى نفيا قال تعالى * (أو ينفوا من الارض) * [ المائدة: 33 ] ا ه‍ ومنها ما في الخانية أيضا لو قال أنت طالق إن دخلت الدار ثلاثا ينصرف الثلاث إلى الطلاق إلا أن ينوي الدخول، ولو قال أنت طالق إن دخلت الدار عشرا فهي على الدخول عشر مرات لا إلى الطلاق ا ه‍. ومنها ما فيها أيضا: قال إن لم أجامعها ألف مرة فهي طالق قالوا هذا على المبالغة والكثرة دون العدد ولا تقدير في ذلك والسبعون كثير ا ه‍. ومنها ما فيها لو قال لامرأته إن تكوني امرأتي فأنت طالق ثلاثا فإن لم يطلقها واحدة بائنة متصلة بيمينه تطلق ثلاثا، ولو قال إن أنت امرأتي فأنت طالق ثلاثا طلقت ثلاثا ا ه‍. ودل اقتصاره على استثناء كلما أن من لا تقيد التكرار فعلى هذا ما في الغاية: لو قال لنسوة له من دخلت منكن الدار فهي طالق فدخلت واحدة منهن الدار مرارا طلقت بكل مرة تطليقة لان الفعل وهو الدخول أضيف إلى جماعة فيراد به تعميم الفعل عرفا مرة بعد أخرى كقوله تعالى * (ومن قتله منكم متعمدا) * [ المائدة: 59 ] أفاد العموم واستدل عليه بما ذكر في السير الكبير: إذا قال الامام من قتل قتيلا فله سلبه فقتل واحد قتيلين فله سلبهما ا ه‍. وهو مشكل لان عموم الصيد لكون الواجب فيه مقدرا بقيمة المقتول وفي السلب بدلالة الحال وهو أن مراده التشجيع وكثرة القتل. كذا في التبيين. والحق أن ما في الغاية أحد القولين فقد نقل القولين في القنية في مسألة صعود السطح ودل أيضا على أن إذا لا تفيد التكرار، وأما قوله تعالى * (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم) * [ الانعام: 86 ] فإنما حرم القعود مع الواحد في كل مرة من العلة لا من الصيغة كمن فيما تقدم لما فيهما من ترتيب الحكم وهو الجزاء في الاول ومنع القعود على المشتق منه وهو القتل والخوض فيتكرر به كما في فتح القدير. ودل أيضا على أن أيا لا تفيد التكرار. وفي المحيط وجوامع الفقه: لو قال أي امرأة أتزوجها فهو على امرأة واحدة بخلاف كل امرأة أتزوجها حيث يعم بعموم الصفة ا ه‍. واستشكله في التبيين وفتح القدير حيث لم يعم أي امرأة أتزوجها بعموم الصفة ولم يجيبا عنه، وقد ظهر لي أنه لا إشكال فيه من حيث

[ 25 ]

الحكم وهو منقول في الخلاصة والولوالجية أيضا. وزاد في البزازية إلا أن ينوي جميع النساء لان الصفة هنا ليست عامة لان الفعل وهو أتزوج مسند إلى خاص وهو المتكلم فهو نظير ما صرح به الاصوليون في الفرق بين أي عبيدي ضربته لا يتناول إلا واحدا وبين أي عبيدي ضربك يعتق الكل إذا ضربوا لانه في الاول أسند إلى خاص، وفي الثاني إلى عام بخلاف كل امرأة أتزوجها فإن العموم إنما هو من كلمة كل لا من الوصف إذ الوصف خاص كلما قلنا، وإنما الاشكال في قوله حيث تعم بعموم الصفة لانها لا عموم لها فيهما إلا أن الاشكال لتسليم عمومها وأنه ينبغي أن يكون كذلك في أي كما فعلا. فإن قلت: هذا يقتضي أنه لو قال أي امرأة زوجت نفسها مني فهي طالق أن يتناول جميع النساء لان الوصف هنا عام لانه لم يستند إلى معين فهو كقوله أي عبيدي ضربك بل أولى لتنكير المضاف إليه. قلت: الحكم كذلك كما في الخلاصة من الفصل الرابع في اليمين في النكاح ويدل على ما قررناه ما ذكره الحاكم في الكافي: لو قال لنسوة أيتكن أكلت من هذا الطعام شيئا فهي طالق فأكلن جميعا منه طلقن كلهن، وكذلك لو قال أيتكن دخلت هذه الدار فدخلنها، وكذلك لو قال أيتكن شاءت فهي طالق فشئن جميعا، ولو قال أيتكن بشرتني بكذا فبشرنه جميعا طلقن، وإن بشرته واحدة قبل الاخرى طلقت وحدها ا ه‍. وفي المحيط: لو قال لعبيده أيكم حمل هذه الخشبة فهو حر فحملوها جميعا إن كانت الخشبة بحيث يطيق حملها واحد لم يحنث لان كلمة أي تتناول الواحد المنكر من الجملة فكان شرط الحنث حمل الواحد ولم يوجد بكماله، وإن كانت بحيث لا يحملها الواحد عتقوا لان في العرف يراد به حملهم على الشركة لما تعذر

[ 26 ]

حملها على الواحد فصار كأنه قال أيكم حملها مع أصحابه، ونظيره لو قال أيكم شرب ماء هذا الوادي فشربوا جميعا عتقوا لان المراد منه شرب البعض عرفا لان شرب الكل متعذر فصار كأنه قال أيكم شرب بعض هذا الماء فهو حر. ولو قال أيكم شرب ماء هذا الكوز وكان ماؤه يمكن شربه للواحد بدفعة أو دفعتين فشربوا جميعا لم يعتق واحد منهم، وإن حملها بعضهم يعتق لان كلمة أي تتناول واحدا منكرا من الجملة لكنها صارت عامة بعموم الوصف وهو الحمل فتتناول كل واحد على الانفراد على سبيل البدل لا على العموم والشمول بخلاف قوله إن حملتم هذ الخشبة فأنتم أحرار فحملها بعضهم لم يعتق لان اللفظ عام بصيغته فيتناول الكل لعمومه فما لم يوجد الحمل منهم لا يتحقق شرط الحنث ا ه‍. وبه علم أن قولهم إنها تعم بعموم الوصف ليس على إطلاقه. قوله: (إلا في كلما لاقتضائها عموم الافعال كاقتضاء كل عموم الاسماء) لان كلمة كل موضوعة لاستغراق ما دخلت عليه كان ليس معه غيره غير أن كلما تدخل على الافعال وكل تدخل على الاسماء فيفيد كل منهما عموم ما دخلت عليه، فإذا وجد فعل واحد أو اسم واحد فقد وجد المحلوف عليه فانحلت اليمين في حقه وفي حق غيره من الافعال، والاسماء باقية على حالها فيحنث كلما وجد المحلوف عليه غير أن المحلوف عليه طلقات هذا الملك وهي متناهية. فالحاصل أن كلما لعموم الافعال وعموم الاسماء ضروري فيحنث بكل فعل حتى ينتهي طلقات هذا الملك، وكل لعموم الاسماء وعموم الافعال ضروري، ولو قال المصنف إلا في كل وكلما لكان أولى لان اليمين في كل وإن انتهت في حق اسم بقيت في حق غيره من الاسماء كما سيأتي. وفي الولوالجية: الطلاق والعتاق متى علق بشرط متكرر يتكرر، واليمين متى علق بشرط متكرر لا يتكرر حتى لو قال كلما دخلت الدار فوالله لا أكلم فلانا فدخلت الدار مرارا فكلمه بعد ذلك لا يحنث إلا في يمين واحدة. ولو قال كلما دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت فلانا فدخل الدار مرارا ثم كلمه مرة يحنث في الايمان كلها. والفرق أن انعقاد اليمين بالله ليس إلا ذكر اسم الله تعالى مقرونا

[ 27 ]

بخبر وذكر اسم الله تعالى مقرون بخبر الدخول والكلام، فكما أن لانعقاد اليمين تعلقا بالدخول كان لها تعلق بالكلام بدليل أنه لو قال إن دخلت والله ولم يقل لا أكلم لا ينعقد فلم ينفسخ ليكن تصحيح اليمين بالله تعالى معلقا بالدخول وحده وإنما تصحيحها بالدخول والكلام جميعا والدخول متكرر والكلام غير متكرر والمعلق بشرط متكرر وغير متكرر لا يتكرر فأما اليمين بالطلاق والعتاق وغيرهما فمعلق بالدخول وحده، ألا ترى أنه لو اقتصر عليه صح فلم يكن لانعقاد اليمين تعلق بالكلام فيبقى اليمين معلقا بالدخول وحده والدخول يتكرر لانه أدخل فيه كلمة كلما والمعلق بشرط متكرر يتكرر فيصير قائلا عند كل دخلة إن كلمت فلانا فامرأته طالق، ولو كرر هذه المقالة ثم كلمه مرة يحنث في الايمان كلها لان الشرط الواحد يصلح شرطا للايمان كلها ا ه‍. وزاد البزازي على الطلاق والعتاق الظهار. وفي المحيط معزيا إلى الجامع: أصله أن الجزاء متى علق بشرط مكرر وغير مكرر فإنه لا يتكرر بتكرر المكرر لان المعلق بشرطين لا ينزل إلا عند وجودهما، فلو قال كلما دخلت هذه الدار فعلي حجة إن ضربتك فدخل مرارا ولم يضربه إلا مرة فإنه يلزمه الحج بعدد الدخلات لان المعلق بالشرط كالمرسل عند وجود الشرط فكأنه قال عند كل دخلة علي حجة إن ضربتك بخلاف ما لو ضربه ودخل ثم دخل مرة أخرى فإنه لا يلزمه حجة أخرى ما لم يضربه ثانيا، وكذلك لو قال كلما دخلت الدار فامرأته طالق وعبده حر إن ضربت فلانا لانه علق بشرط مكرر وهو الدخول عتقا أو طلاقا معلقا بالضرب ا ه‍. قوله: (فلو قال كلما تزوجت امرأة يحنث بكل امرأة ولو بعد زوج آخر) بيان لبعض تفاريع كل وكلما وهي مسائل منها: مسألة الكتاب ووجهه أن الشرط ملك يوجد في المستقبل وهو غير محصور وكلما أوجد هذا الشرط تبعه ملك الثلاث فيتبعه جزاؤه. وحاصل ما ذهب إليه أبو يوسف أن كلما إنما توجب التكرار في المعينة لا في غير المعينة بادعاء اتحاد الحاصل بين كل وكلما إذا نسب فعلها إلى منكر متكرر لان الحاصل كل تزوج لكل امرأة وفي مثله تنقسم الآحاد فلزم بالضرورة أنها إذا انحلت في فعل انحلت في اسمه فلا يتكرر الحنث في امرأة واحدة وهو مردود لانقسام الآحاد على الآحاد عند التساوي وهو منتف لان دائرة عموم الافعال أوسع لان كثيرا من أفراده ما يتحقق بالتكرار من شخص واحد وقد فرض عمومه بكلما فلا يعتبر كل اسم بفعل واحد فقط. ومنها لو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق فكل امرأة تزوجها تطلق واحدة فإن تزوجها ثانيا لا تطلق لاقتضائها عموم الاسماء لا عموم

[ 28 ]

الافعال، ولو نوى بعض النساء صحت نيته ديانة لا قضاء لان نية تخصيص العام خلاف الظاهر. وقال الخصاف: تصح نيته في القضاء أيضا وهذا مخلص لمن يحلفه ظالم فأخذ بقوله لا بأس به لان الحالة دلالة ظاهرة، كذا في المحيط والفتوى على ظاهر المذهب وإن أخذ بقول الخصاف إذا كان الحالف مظلوما فلا بأس به كذا في الولوالجية. ومنها: لو كان له أربع نسوة فقال كل امرأة تدخل الدار فهي طالق فدخلت واحدة طلقت ولو دخلن طلقن، فإن دخلت تلك المرأة مرة أخرى لا تطلق. ولو قال كلما دخلت فدخلت امرأة طلقت ولو دخلت ثانيا تطلق وكذا ثالثا، فإن تزوجت بعد الثلاث وعادت إلى الاول ثم دخلت لم تطلق خلافا لزفر. ومنها لو قال كلما تزوجت امرأة ودخلت الدار فهي طالق فتزوج امرأة مرتين ثم دخلت الدار لم تطلق إلا مرة واحدة لان قوله ودخلت عطف على التزوج وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه وكلمة كلما توجب التكرار فصار الدخول مكررا أيضا بخلاف ما لو قال كلما تزوجت امرأة فهي طالق إن دخلت الدار فتزوجها مرارا ودخلت مرة طلقت ثلاثا لانه لم يعطفه على الشرط المتكرر وإنما جعله شرطا ب‍ " إن وهي لا تفيد التكرار فصار الدخول شرط الحنث في الايمان كلها، كذا في المحيط. ومنها لو قال كلما تزوجت امرأة فهي طالق. وعبد من عبيدي حر فتزوج امرأة طلقت وعتق عبد من عبيده، ولو تزوج أخرى طلقت ولا يعتق عبد من عبيده. كذا ذكره الاسبيجابي. وأصله أن الكلام إذا كان تاما مستقلا بنفسه يؤخذ حكمه من نفسه لا من غيره، وإن كان ناقصا غير مستقل بنفسه ولا مفهوم المعنى بذاته يؤخذ حكمه من غيره لئلا يلغو بنفسه والكناية لا تستقل بنفسها فأخذ حكمها من المكنى عنه والصريح معتبر بنفسه، فلو قال كل امرأة لي تدخل الدار فهي طالق وعبد من عبيدي حر فدخلن طلقن ولم يعتق إلا عبد واحد لان العبد صريح مستقل بنفسه فلم ينعطف على الاول وأنه نكرة في الاثبات فيخص. ولو قال كلما والمسألة بحالها عتق أربعة عبيد لان كلما أوجبت تعميم الفعل فصار كل دخول شرطا على حدة وعتق العبد معلق بالدخول، ومن ضرورة تكرار الشرط تكرر الجزاء حتى يفيد، ومن ضرورة تكرار الجزاء تعميم الاسم. ولو قال كل جارية لي تدخل فهي حرة وولدها وعبد من عبيدي حر فدخلن جميعا عتقن وعتق الاولاد كلهم ولم يعتق إلا عبد واحد. ولو قال كل دار دخلتها فعلي حجة فدخل دورا لم يلزمه إلا حجة لانه صرح بالحجة وهي نكرة في الاثبات فتخص ولم يقترن بها ما يوجب تعميمها ولم يعلقها بشرط مكرر فإن الدخول غير مكرر لان كلمة كل تجمع الاسماء دون الافعال. ولو قال فعلي بها حجة لزمه بكل دار حجة، وتمامه في المحيط إلا أنه يشكل بفرع الاسبيجابي ولعل الصواب في عبارة الاسبيجابي كل امرأة أتزوجها دون كلما كما لا يخفى.

[ 29 ]

ومنها ما في الكافي وغيره: لو قال كلما نكحتك فأنت طالق فنكحها في يوم ثلاث مرات ووطئها في كل مرة طلقت طلقتين وعليه مهران ونصف. وقال محمد: بانت بثلاث وعليه أربعة مهور ونصف. ولو قال كلما نكحتك فأنت طالق بائن فنكحها ثلاث مرات في يوم ووطئ في كل مرة بانت بثلاث إجماعا وعليه خمسة مهور ونصف وتوضيحه فيه. ومنها ما لو قال كلما دخلت هذه الدار فامرأتي طالق وله أربع نسوة فدخلها أربع مرات ولم يعين واحدة منهن بعينها يقع بكل دخلة واحدة إن شاء فرقها عليهن وإن شاء جمعها على واحدة. ولو قال كلما دخلت هذه الدار وكلمت فلانا أو فكلمت فلانا فعبد من عبيدي حر فدخلت مرارا وكلمت مرة لم يعتق إلا عبد واحد. ولو قال كلما دخلت هذه الدار فإن كلمت فلانا فأنت طالق فدخلت ثلاثا ثم كلمت فلانا طلقت ثلاثا، ولو قال كلما دخلت هذه الدار فكلما كلمت فلانا فأنت طالق فاليمين الثانية تصير معلقة بالدخول وإذا دخلت الدار انعقدت اليمين الثانية فإذا كلمت فلانا ثلاث مرات بعد ذلك طلقت ثلاثا، كذا في المحيط. ومنها ما في الخانية والمحيط: رجل له أربع نسوة فقال كل امرأة لم أجامعها منكن الليلة فالاخريات طوالق فجامع واحدة منهن وطلع الفجر طلقت المجامعة ثلاثا لانها مطلقة بترك جماعة كل واحدة منهن وسائرهن طلقن كل واحدة ثنتين لان في حق سائرهن ترك جماع امرأتين في حق كل واحدة سواها وعلى هذا القياس فافهم. ومنها ما في الخانية: قال كلما قعدت عندك فامرأته طالق فقعد عنده ساعة طلقت ثلاثا لان الدوام على القعود وعلى كل ما يستدام بمنزلة الانشاء. ولو قال كلما ضربتك فأنت طالق فضربها بيديه جميعا طلقت ثنتين وإن ضربها بكف واحد لا تطلق إلا واحدة، وإن وقعت الاصابع متفرقة لان في اليدين تكرار الضرب لان الضرب بكل يد ضربة على حدة فكان ذلك بمنزلة الضرب بضغث واحد، أما في الوجه الثاني لم يتكرر الضرب لان الاصل في الضرب هو الكف والاصابع تبع لها فلم يتعدد الضرب. فلو قال لامرأته كلما طلقتك فأنت طالق فطلقها واحدة يقع طلاقان طلاق بالتطليق وطلاق بقوله كلما طلقتك فأنت طالق. ولو قال كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق

[ 30 ]

فطلقها واحدة طلقت ثلاثا ا ه‍. ومنها ما في المحيط: ثم المنعقد بكلمة كلما يمين واحدة. للحال ويتجدد انعقادها مرة بعد أخرى كلما حنث في يمينه، أما أيمان منعقدة على رواية الجامع أيمان منعقدة للحال انحلت بعضها وبقي بعضها منعقدة بعد الحنث إلى أن يوجد شرطها، وعلى رواية المبسوط المنعقدة للحال يمين واحدة ويتجدد انعقادها مرة بعد أخرى كلما حنث لان الجزاء لم يذكر إلا مرة وهو المعتبر. وجه رواية الجامع أن كلما بمنزلة تكرار الشرط والجزاء والفتوى على رواية الجامع لانه أحوط ا ه‍. ولم يذكر ثمرة الاختلاف، وينبغي أن تظهر الثمرة فيما إذا حلف بالطلاق لا يحلف بأن قال كلما حلفت فأنت طالق ثم علق بكلمة كلما، فعلى رواية الجامع يقع الآن الثلاث، وعلى رواية المبسوط يقع الآن واحدة. وأما إذا حلف بالله أن لا يحلف فينبغي أن تجب كفارة واحدة للحال اتفاقا لانه لا يعلم ما زاد على اليمين الواحدة. وفي البزازية من كتاب القضاء: لو قال لامرأة كلما تزوجتك فأنت طالق ثلاثا ثم تزوجها ورفع الحال إلى حاكم يرى صحة النكاح فقضى بها ثم طلقها ثلاثا ثم تزوجها بعد دخول زوج آخر اختلف المشايخ في أنه هل يحتاج إلى القضاء ثانيا بناء على أن المنعقدة بكلمة كلما للحال يمين واحدة يتجدد انعقادها كلما وقع الحنث وهو رواية الاصل، أم المنعقدة بها في الحال أيمان كما هو رواية الجامع وهو الاصح فيحنث في البعض لوجود الشرط وتبقى الباقية منعقدة؟ فمن قال بهذا شرط القضاء ثانيا. ومن قال بالاول لم يشترط القضاء ثانيا ا ه‍. وهذا بيان ثمرة الاختلاف في المعلق بالتزوج لا مطلقا. قوله: (وزوال الملك بعد اليمين لا يبطلها) لانه لم يوجد الشرط والجزاء باق لبقاء محله فتبقى اليمين، وسيأتي ان زوال الملك بالثلاث مبطل للتعليق فكان مراده هنا الزوال بما دون الثلاث بأن طلقها بعد التعليق واحدة أو ثنتين فانقضت عدتها ثم تزوجها ثم وجد الشرط طلقت. أطلق الملك فشمل ملك النكاح وملك اليمين حتى لو قال لعبده إذا دخلت الدار فأنت حر فباعه ثم اشتراه فدخل عتق. وقيد بزوال الملك لان زوال إمكان البر المصحح للتعليق مبطل له أيضا. وتفرع على ذلك فروع منها ما في البزازية: قال لها إن لم أدفع إليك الدينار الذي علي إلى شهر فأنت كذا فأبرأته قبل الشهر بطل اليمين ا ه‍. ومنها ما في القنية:

[ 31 ]

إن لم تردي ثوبي الساعة فأنت طالق فأخذه هو قبل أن تدفع إليه لا يحنث، وقيل يحنث، وهكذا إن لم تجيئي بفلان فأنت طالق فجاء فلان من جانب آخر بنفسه. فالحاصل أنه متى عجز عن الفعل المحلوف عليه واليمين موقتة بطلت عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لابي يوسف. دعا امرأته إلى الوقاع فأبت فقال متى يكون فقالت غدا فقال إن لم تفعلي هذا المراد غدا فأنت طالق ثم نسياه حتى مضى الغد لا يحنث. حلف ليخرجن ساكن داره اليوم والساكن ظالم غالب يتكلف في إخراجه فإن لم يمكنه فاليمين على التلفظ باللسان ا ه‍. وذكر قبله فيها فروعا تحتاج إلى التوفيق: حلف إن لم يخرب بيت فلان غدا فقيد ومنع فلم يخربه حتى مضى الغد اختلف فيه والمختار للفتوى الحنث. قال لها وهي في بيت أمها إن لم أذهب بك إلى داري فأنت طالق ثم أخرجها من دار أمها فهربت منه فلم يقدر على أخذها وقع. حلف لا يسكن فلم يقدر على الخروج إلا بطرح نفسه من الحائط بعد ما أوثق لم يحنث ولو وجد الباب مغلقا لم يمكنه فتحه ففي حنثه قولان. ولو قال إن لم أخرج من هذا منزل اليوم فقيد ومنع حنث، وكذا لو قال لها في منزل والدها إن لم تحضري في منزلي الليلة فأنت طالق فمنعها الوالد من الحضور تطلق هو المختار. ولو قال لاصحابه إن لم أذهب بكم الليلة إلى منزلي فذهب بهم بعض الطريق فأخذهم العسس فحبسهم لا يحنث. إن لم أعمل هذه السنة في المزارعة بتمامها فمرض ولم يتم حنث ولو حبسه السلطان لا يحنث ا ه‍. أقول: إن قوله إن لم أخرج وإن لم أذهب بك وإن لم أخرج وإن لم تحضري منزلي سواء في أن القيد والمنع لا يمنع الحنث لانه إكراه وللاكراه تأثير في الفعل بالاعدام كالسكنى لا في العدم، والمعلق عليه

[ 32 ]

في هذه المسائل العدم فلم يؤثر فيه الاكراه وإنما يشكل مسألة العسس فإن الشرط العدم وقد أثر فيه الحبس، وكذا يشكل مسألة إن لم أعمل هذه السنة فإن الشرط العدم وقد أثر فيه حبس السلطان. ومنها ما في الخانية: امرأة دفعت من كيس زوجها درهما فاشترت به لحما وخلط اللحام الدرهم بدراهمه وقال لها الزوج إن لم تردي علي ذلك الدرهم اليوم فأنت طالق فمضي اليوم وقع الطلاق لوجود شرطه، فإن أراد الحيلة للخورج عن اليمين أن تأخذ المرأة كيس اللحام وتسلمه إلى الزوج ا ه‍. وذكر قبله رجل دفع إلى امرأته درهما ثم قال ما فعلت بالدرهم فقالت اشتريت به اللحم فقال الزوج إن لم تردي علي ذلك الدرهم فأنت طالق وقد ضاع الدرهم من يد القصاب قالوا ما لم يعلم أنه أذيب ذلك الدرهم أو سقط في البحر لا يحنث ا ه‍. ومفهومه أنه إذا لم يمكن رده فإنه يحنث فعلم به أن قولهم يشترط لبقاء اليمين إمكان البر إنما هو في المقيدة بالوقت فعدمه مبطل لها، أما المطلقة فعدمه موجب للحنث، والحاصل أن إمكان البر شرط لانعقاد اليمين مطلقا مطلقة كانت أو مقيدة، وأما في البقاء فإن كانت مقيدة فيشترط بقاء إمكان البر لبقائها، وإن كانت مطلقة فلا ولذا قال في الكتاب من باب اليمين في الاكل والشرب: إن لم أشرب ماء هذا الكوز اليوم فكذا ولا ماء فيه أو كان فصبت أو أطلق ولا ماء فيه لا يحنث وإن كان فصبه حنث ا ه‍. وسنوضحه إن شاء الله تعالى. وفي الخانية: رجل قال لاصحابه إن لم أذهب بكم الليلة إلى منزلي فامرأته طالق فذهب

[ 33 ]

بهم بعض الطريق فأخذهم اللصوص وحبسوهم قالوا لا يحنث في يمينه، وهذا الجواب يوافق قول أبي حنيفة ومحمد أصله مسألة الكوز اه‍. بقي ها هنا مسألتان كثر وقوعهما: الاولى حلف بالطلاق ليؤدين له اليوم كذا فعجز عن الاداء بأن لم يكن معه شئ ولا وجد من يقرضه، الثانية ما يكتب في التعاليق أنه متى نقلها أو تزوج عليها وأبرأته من كذا مما لها عليه فدفع لها جميع ما عليه قبل الشرط فهل تبطل اليمين؟ فالجواب أن قوله في القنية أنه متى عجز عن المحلوف عليه واليمين موقتة فإنها تبطل يقتضي بطلانها في الحادثة الاولى إلا أن يوجد نقل صريح بخلافه، وأما الثانية فقد يقال إن الابراء بعد الاداء ممكن فإنه لو دفع الدين إلى صاحبه ثم قال الدائن للمديون قد أبرأتك براءة إسقاط قال في الذخيرة: صح الابراء ويرجع المديون بما دفعه. ذكره في كتاب البيوع في مسألة الابراء من الثمن والحط منه إلا أن يوجد نقل بخلافه فيتبع. وفي المحيط قبيل القسم الخامس في الطاعات والمحرمات من كتاب الايمان: لو قال لامرأته إن كنت زوجتي غدا فأنت طالق ثلاثا فخلعها في الغد إن نوى بذلك كونها امرأة له في بعض النهار تطلق، وإن لم يكن له نية لم تطلق لان البر إنما يتصور في آخر النهار، ولو خلعها قبل غروب الشمس ثم تزوجها قبل غروب الشمس طلقت لانها امرأته قبل الغروب، ولو خلعها قبل الغرو ب ثم تزوجها بعد الغروب كانت امرأته وبر في يمينه لانه لم تكن امرأته قبل الغروب اه‍. وفي القنية: إن سكنت في هذه البلدة فامرأته طالق

[ 34 ]

وخرج على الفور وخلع امرأته ثم سكنها قبل انقضاء العدة لا تطلق لانها ليست بامرأته وقت وجود الشرط اه‍. فقد بطلت اليمين بزوال الملك هنا فعلى هذا يفرق بين كون الجزاء فأنت طالق وبين كونه فامرأته طالق لانها بعد البينونة لم تبق امرأته فليحفظ هذا فإنه حسن جدا. وفي القنية أيضا: إن فعلت كذا فحلال الله علي حرام ثم قال إن فعلت كذا فحلال الله علي حرام ففعل أحد الفعلين حتى بانت امرأته ثم فعل الآخر فقيل لا يقع الثاني لانها ليست بامرأته عند وجود الشرط، وقيل يقع وهو الاظهر اه‍. فعلى الاظهر قوله حلال الله علي حرام مثل أنت طالق والاظهر عندي أنه مثل امرأتي طالق كما لا يخفى. فإن قلت: قد جعلوا زوال الملك مبطلا لليمين فيما لو حلف لا تخرج امرأته إلا بإذنه فخرجت بعد الطلاق وانقضاء العدة لم يحنث وبطلت اليمين بالبينونة حتى لو تزوجها ثانيا ثم خرجت بلا إذن لم يحنث، لا يقال إن البطلان لتقييده بامرأته لانها لم تبق امرأته لانا نقول لو كان لاضافتها إليه لم يحنث فيما لو حلف لا تخرج امرأته من هذه الدار فطلقها وانقضت عدتها وخرجت، وفيما لو قال إن قبلت امرأتي فلانة فعبدي حر فقبلها بعد البينونة مع أنه يحنث فيهما كما في المحيط معللا بأن الاضافة للتعريف لا للتقييد. قلت: اليمين مقيدة بحال ولاية الاذن والمنع بدلالة

[ 35 ]

الحال وذلك حال قيام الزوجية فسقط اليمين بزوال النكاح كما لو حلف لا يخرج إلا بإذن غريمه فقضى دينه ثم خرج لم يحنث بخلاف ما إذا حلف لا يخرج إلا بإذن فلان وليس بينهما معاملة لانها مطلقة كما في المحيط من باب اليمين على الفور أو التراخي. ثم اعلم أن مما يبطل التعليق ارتداد الزوج ولحاقه بدار الحرب عنده خلافا لهما حتى لو دخلت الدار بعد لحاقه وهي في العدة لا تطلق حتى لو جاء ثانيا مسلما فتزوجها ثانيا لا ينقص من عدد الطلاق شئ، كذا في شرح المجمع للمصنف. والبطلان عنده لخروج المعلق عن الاهلية لا لزوال الملك، فلو قال المؤلف وزوال الملك بغير ارتداد وثلاث لا يبطلها لكان أولى باليمين لان زوال الملك بعد الامر باليد يبطله لما في القنية: لو قال لها أمرك بيدك ثم اختلعت منه وتفرقا ثم تزوجها ففي بقاء الامر بها روايتان والصحيح أنه لا يبقى قال لها إن غبت عنك أربعة أشهر فأمرك بيدك ثم طلقها وانقضت عدتها وتزوجت ثم عادت إلى الاول وغاب عنها أربعة أشهر فلها أن تطلق نفسها اه‍. والفرق بينهما أن الاول تنجيز للتخيير فيبطل بزوال الملك والثاني تعليق التخيير فكان يمينا فلا يبطل. قوله: (فإن وجد الشرط في الملك طلقت وانحلت اليمين) لانه قد وجد الشرط والمحل قابل للجزاء فينزل ولم تبق اليمين لان بقاءها ببقاء الشرط والجزاء ولم يبق واحد منهما. وفي القنية: قال لها إن خرجت من الدار إلا بإذني فأنت طالق فوقع فيها غرق أو حرق غالب فخرجت لا يحنث اه‍. مع كون الشرط قد وجد ولكن الشرط الخروج بغير إذنه لغير الغرق والحرق. وفيها قبيل النفقة: قال لزوجته الامة إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم أعتقها مولاها فدخلت وقع ثنتان. وفي جامع الكرخي: طلقت تنتين وملك الزوج الرجعة له امرأة جنب وحائض ونفساء فقال أخبثكن طالق طلقت النفساء. وفي أفحشكن على الحائض لانه نص اه‍. أطلق الملك فشمل ما إذا وجد في العدة كما قدمناه قبيل باب التفويض، وليس مراده أن يوجد جميع الشرط في الملك بل الشرط تمامه فيه حتى لو قال لها إذا حضت حيضتين فأنت طالق فحاضت الاولى في غير ملك والثانية في ملك طلقت، وكذلك إن تزوجها قبل أن تطهر من الحيضة الثانية بساعة أو بعد ما انقطع عنها الدم قبل أن تغتسل وأيامها دون العشرة فإذا

[ 36 ]

اغتسلت أو مضى عليها وقت صلاة طلقت لان الشرط قد تم وهي في نكاحه، وكذا لو قال إن أكلت هذا الرغيف فأنت طالق فأكلت عامة الرغيف في غير ملكه ثم تزوجها فأكلت ما بقي منه طلقت لان الشرط تم في ملكه والحنث به يحصل، كذا في المبسوط. وسيصرح بأن الملك يشترط لآخر الشرطين وكلامنا هنا في الشرط الواحد. وفي البزازية: أنت طالق إن فعلت كذا وكذا لا تطلق ما لم يوجد الكل وإن كرر حرف الشرط. إن أكلت أو شربت إن قدم الجزاء فأي شئ وجد منها يقع الطلاق وترتفع اليمين وإن أخر الطلاق لا يقع ما لم توجد الامور على قول محمد، وعلى قول أبي يوسف إذا وجد واحد يقع الطلاق ويرتفع اليمين اه‍. ومما يناسب قوله فإن وجد الشرط طلقت ما في المحيط من باب الايمان التي يكذب بعضها بعضا: إذا حلف المدعى عليه بالطلاق فقال امرأته طالق إن كان لك علي ألف وبرهن المدعي وقضى به حنث الحالف عند أبي يوسف وهي رواية عن محمد، وعنه أنه لا يحنث. ولو برهن على إقرار المدعي بألف ذكر في واقعات الناطفي أنه لا يحنث. ولو حلف رجلان في أيديهما دار حلف كل أن الدار داره وبرهنا كانت بينهما ويحنثان وإن كانت في يد أحدهما حنث صاحب اليد لتقديم بينة الخارج عليه. حلف بالله أنه لم يدخل هذه الدار اليوم ثم قال عبده حر إن لم يكن دخلها اليوم لا كفارة ولا يعتق عبده لانه إن كان صادقا في اليمين بالله تعالى لم يحنث ولا كفارة، وإن كان كاذبا فهو يمين الغموس فلا توجب الكفارة واليمين بالله تعالى لا مدخل لها في القضاء فلم يصر فيها مكذبا شرعا فلم يتحقق شرط الحنث في اليمين بالعتق وهو عدم الدخول حتى لو كانت اليمين الاولى بعتق أو طلاق حنث في اليمينين لان لها مدخلا في القضاء. ولو ادعى على رجل دينا فحلف المدعى عليه بالطلاق ما له عليه شئ فأقام المدعي البينة وقضى به له ينظر، إن قال كان له على دين وأوفيته لم تطلق امرأته، وإن قال لم يكن له علي شئ قط طلقت امرأته وتمامه فيه. ثم اعلم أن ها هنا مسائل في الايمان تحمل على المعنى دون ظاهر اللفظ منها: لو قال سكران لآخر إن لم أكن عبدا لك فامرأته طالق ثلاثا لا يحنث إن كان متواضعا له. ومنها إن وضعت يدك على المغزل فكذا فوضعت يدها عليه ولم تغزل لا يحنث. ومنها إن دفعت لاخيك شيئا ودفع إليها أرزا لتدفع إليه لا يحنث. ومنها خرج من داره وحلف لا يرجع ثم رجع لشئ نسيه في داره لا يحنث، كذا في القنية. وفيها: لو قال لامرأتين له أطولكما حياة طالق لا تطلق في الحال، فلو كانت إحداهما بنت ستين سنة والاخرى بنت عشرين سنة فماتت العجوز قبل

[ 37 ]

الشابة طلقت الشابة في الحال ولا يستند خلافا لزفر. قال رحمه الله: ولو ماتتا معا لا تطلق واحدة منهما. إن لم تخرج الفساق من النار فأنت طالق ثلاثا لا تطلق لتعارض الادلة اه‍. وفيها: دعا امرأته إلى الوقاع فأبت فقال متى يكون قالت غدا فقال إن لم تفعلي لي هذا المراد غدا فأنت طالق ثم نسياه حتى مضى الغد لا يحنث اه‍. وهذا يستثنى من قولهم إذا فعل المحلوف عليه ناسيا يحنث. والجواب أن الحنث شرطه أن يطلب منها غدا وتمتنع ولم يطلب فلا استثناء قوله: (وإلا لا وانحلت) أي إن لم يوجد الشرط في الملك لا يقع الطلاق وتنحل اليمين إن وجد في غير الملك، وأما بمجرد عدم الشرط في الملك لا تنحل. ثم اعلم أنه تعتبر الاهلية وقت التعليق. قال في القنية: وفي الطريقة الرضوية أجمعنا أن الاهلية في تعليق الطلاق تعتبر وقت اليمين لا وقت الشرط حتى لو كان مفيقا وقت اليمين مجنونا وقت الشرط يصح ويقع وعلى العكس لا يصح اليمين اه‍. قوله: (وإن اختلفا في وجود الشرط فالقول له) أي للزوج لانه منكر وقوع الطلاق وهي تدعيه وهذا أولى من التعليل بأنه متمسك بالاصل لان الاصل عدم الشرط والقول لمن يتمسك بالاصل لان الظاهر شاهد له اه‍. لانه لا يشمل ما إذا كان الظاهر شاهدا لها والحكم قبول قوله مطلقا فلذا لو قال لها إن لم تدخلي هذه الدار اليوم فأنت طالق فقالت لم أدخلها وقال الزوج بل دخلتيها فالقول له وإن كان الظاهر شاهدا لها وهو أن الاصل عدم الدخول لكونه منكرا. وأقوى منه لو قال لها إن لم أجامعك في حيضتك فالقول له أنه جامعها مع أن الظاهر شاهد لها من وجهين: كون الاصل عدم العارض، وكون الحرمة مانعة له من الجماع. قيد بالشرط لان الاختلاف لو كان في وقت المضاف كان القول لها كما إذا قال لها أنت طالق للسنة ثم قال جامعتك وهي طاهرة لا يقبل قوله بخلاف ما إذا كانت حائضا لانه يمكنه إنشاء الجماع فيه وإن لم يجز شرعا، أما إذا كانت طاهرة فلكونه اعترف بالسبب لما قدمنا أن المضاف ينعقد سببا للحال بخلاف المعلق. وفي الكافي من هذا الباب: لو قال لامرأته الموطوءة أنت طالق للسنة لا يقع إلا في طهر حال عن الطلاق والوطئ عقيب حيض حال عن الطلاق والوطئ فإذا حاضت وطهرت وادعى الزوج جماعها وطلاقها في الحيض لا يقبل قوله في منع الطلاق السني لانعقاد المضاف سببا للحال وإنما يتراخى حكمه فقط، فدعوى الطلاق أو الجماع بعده دعوى المانع فلا يقبل قوله في منع وقوع الطلاق في الطهر لكن يقع طلاق آخر بإقراره بالطلاق في الحيض وإن ادعى الطلاق أو الجماع وهي حائض

[ 38 ]

صدق. ولو قال إن لم أجامعك في حيضتك فأنت طالق فادعى الجماع في الحيض لا تطلق لانه علق الطلاق بصريح الشرط والمعلق بالشرط إنما ينعقد سبيا عند الشرط لما عرف، فإذا أنكر الشرط فقد أنكر السبب فيقبل قوله. وكذا لو قال والله لا أقربك أربعة أشهر فمضت المدة ثم ادعى قربانها في المدة لا يقبل لان الايلاء سبب في الحال لكن تراخي وقوع الطلاق إلى مضي المدة وقد مضت المدة ووقع ظاهرا، فدعوى القربان في المدة دعوى المانع فلا يقبل. ولو ادعى القربان قبل مضي المدة يقبل قوله لانه لم يقع الطلاق بعد وقد أخبر عما يملك انشاءه فيقبل قوله. وإن قال إن لم أقربك في أربعة أشهر فأنت طالق فمضت المدة ثم ادعى القربان في المدة لا يقع لانه علق الطلاق بصريح الشرط فمتى أنكر الشرط فقد أنكر السبب فيقبل قوله. وإن قال عبده حر إن طلقتك ثم خيرها فقالت اخترت نفسي في المجلس وادعى أنك أخذت في عمل آخر قبل الاختيار وأنكرت وقع الطلاق والعتق لان سبب الطلاق وجد والظاهر وقوعه فدعواه الاعراض دعوى المبطل فلا يقبل، وإذا ثبت الطلاق ثبت العتق لبنائه عليه. ولو قال عبده حر إن لم تشتغلي بعمل آخر فادعى الاشتغال بعمل آخر قبل الاختيار لا يعتق لانه أنكر شرط العتق وتطلق لما مر. ولو باع عبده بالخيار ثلاثة أيام للبائع ثم قال إن تم البيع بيننا فعبده حر فمضت مدة الخيار ثم ادعى النقض في المدة لا يقبل ويثبت الملك والعتق لان المدة إذا مضت فالظاهر ثبوت الملك نظرا إلى السبب، وإذا ثبت الملك ثبت العتق. ولو قال إن لم أنقض البيع في الثلاث فعبدي حر فادعى النقض بعده لم يعتق لانكاره شرط العتق والملك ثابت لما مر اه‍. وفيه من آخر كتاب الايمان: لو قال كل أمة لي حرة إلا أمهات أولادي ثم ادعى أمية الولد فيهن أو بعضهن لا يصدق، سواء كان معهن ولد أو لا. والاصل أن السيد إذا أوجب العتق بلفظ عام واستثنى بوصف خاص ثم ادعى وجود ذلك، فإن كان الوصف عارضا لا يقبل قوله، وإن كان أصليا قبل قوله لان القول قول من يتمسك بالاصل. وإن أوجب العتق بلفظ خاص ثم أنكر وجود ذلك الوصف فالقول قوله لانه ينكر الاعتاق أصلا وهنا أوجب العتق بلفظ عام واستثنى بوصف خاص عارضي فكان مدعيا إبطال العتق الثابت أصلا فلم يصدق، وقيام الولد لا يدل على صدق دعواه لاحتمال أن يكون من غيره ولكن يثبت نسب الولد منه لحصول الدعوة في ملكه وعتق الولد، ولم تصر الامة أم ولده لانها عتقت بالايجاب العام. ولو عرف دعوى النسب من المولى قبل الخصومة واختلفوا فقال المولى كنت ادعيت قبل اليمين ولم تعتق الامة وقالت الامة ادعيت بعد اليمين وقد عتقت فالقول للمولى لان أمية الولد تثبت في الحال والحال يدل على ما قبله لما عرف. فإن قيل للامة ظاهر آخر وهو أن الاصل عدم أمية الولد قلنا: هي بظاهرها تثبت الاستحقاق وهو يدفع. ولو قال إلا أمة خبازة أو اشتريتها من زيد أو نكحتها البارحة أو إلا ثيبا وادعى ذلك لا يصدق لان هذه صفة عارضة لكن القاضي يريها النساء، فإن قلن ثيب لا

[ 39 ]

تعتق ويحلف السيد لان شهادتهن ضعيفة فلا بد من مؤيد وهو حلف المولى، وإن قلن بكر أو أشكل عليهن عتقت بالايجاب العام لعدم صفة ثبوت المستثنى، وإن كانت ثيبا وخاصم واختلفوا فقال أصبتها قبل الحلف وقالت أصبتني بعد الحلف فالقول له لان الحال يدل على ما قبله. وكذا لو قال إلا أمة بكرا أو لم أشترها من فلان أو لم أطأها البارحة أو إلا خراسانية ثم ادعى ذلك فالقول قوله لان هذه صفة أصلية إذا الاصل هي البكارة وعدم الولادة وعدم الشراء من فلان وعدم الوطئ، وكذا الخراسانية لان الخراسانية من يكون مولدها بخراسان فكانت صفة أصلية مقارنة لحدوث الذات. ولو قال كل أمة لي بكر أو ثيب أو اشتريتها من فلان أو لم اشترها منه أو نكحتها البارحة أو ولدت مني أو لم تلد مني أو خبازة أو غير خبازة فهي حرة ثم أنكر هذه الاوصاف فالقول له لانه أوجب العتق بوصف خاص ثم أنكر وجود ذلك الوصف فكان القول قوله اه‍. ويجري هذا في الطلاق أيضا، فلو قال كل امرأة لي طالق إلا امرأة خبارة أو وطئتها البارحة ونحوه وادعى ذلك لا يقبل إلى آخر المسائل. ثم اعلم أن ظاهر المتون يقتضي أنه لو علق طلاقها بعدم وصول نفقتها شهرا ثم ادعى الوصول وأنكرت فالقول قوله في عدم وقوع الطلاق، وقولها في عدم وصول المال، وقد جزم به في القنية فقال: إن لم تصل نفقتي إليك عشرة أيام فأنت طالق ثم اختلفا بعد العشرة فادعى الزوج الوصول وأنكرت هي فالقول له اه‍. لكن صحح في الخلاصة والبزازية كما قدمناه في فصل

[ 40 ]

الامر باليد أنه لا يقبل قوله في كل موضع يدعي إيفاء حق وهي تنكر كما قبل قولها في عدم وصول المال وهو يقتضي تخصيص المتون وكأنه ثبت في ضمن قبول قولها في عدم وصول المال، وهذا التقرير في هذا المحل من خواص هذا الشرح إن شاء الله تعالى. قوله: (إلا إذا برهنت) أي أقامت البينة على وجود الشرط لانها نورت دعواها بالحجة. أطلقه فشمل ما إذا كان الشرط عدميا فإن برهانها عليه مقبول لما في جامع الفصولين: الشرط يجوز إثباته ببينة ولو كان نفيا كما لو قال لقنه إن لم أدخل الدار فأنت حر فبرهن القن أنه لم يدخلها يعتق. قيل فعلى هذا لو جعل أمرها بيدها إن ضربها بغير جناية ثم ضربها وقال ضربتها بجناية وبرهنت أنه ضربها بغير جناية ينبغي أن تقبل بينتها وإن أقامت على النفي لقيامها على الشرط حلف إن لم تجئ صهرتي هذه الليلة فامرأتي كذا فشهد أنه حلف كذا ولم تجئ صهرته في تلك الليلة وطلقت امرأته تقبل لانها على النفي صورة وعلى إثبات الطلاق حقيقة، والعبرة للمقاصد لا للصورة كما لو شهدا أنه أسلم واستثنى وشهد آخران أنه أسلم ولم يستثن تقبل بينة إثبات الاسلام ولو كان فيها نفي إذ غرضهما إثبات إسلامه. ثم رقم بعلامة مح قال: تقبل على الشرط وإن كان نفيا اه‍. فإن قلت سيأتي في كتاب الايمان في هذا المختصر أنه لو قال عبده حر إن لم يحج العام فشهدا بنحره في الكوفة لم يعتق يعني عندهما خلافا لمحمد، وعللوا لهما بأنها شهادة نفي معنى لانها بمعنى لم يحج العام فهذا يدل على أن شهادة النفي لا تقبل على الشرط. قلت: قد اختلفوا في بناء هذه المسألة فقيل إنها مبنية على مسألة اشتراط الدعوى في شهادة عتق القن. قال في جامع الفصولين: فعلى هذا لو وضعت المسألة في الامة ينبغي أن تعتق وفاقا إذ دعواها العتق لا يشترط اه‍. فيحنئذ لا إشكال. وأما على ما علل به في الهداية من أنها قامت على النفي لان المقصود منها نفي الحج

[ 41 ]

لا إثبات التضحية لانها لا مطالب بها فصار كما إذا شهدوا أنه لم يحج. غاية الامر أن هذا النفي مما يحيط به علم الشاهد ولكنه لا يميز بين نفي ونفي تيسيرا اه‍. فمشكل ولذا قال في فتح القدير: إن قول محمد أوجه، ظاهره تسليم أنها على الشرط مقبولة ولو نفيا وقد نقله عن المبسوط أيضا وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى. ولو قال المصنف ولو ادعى عليه أن الشرط قد وجد وأنكر فالقول له إلا إذا شهدت البينة لكان أولى لانه لا يشترط دعوى المرأة للطلاق ولا أن تبرهن لان الشهادة على عتق الامة وطلاق المرأة تقبل حسبة بلا دعوى، ولا يشترط حضور المرأة والامة لكن يشترط حضور الزوج والمولى صح تحضر المرأة ليشير إليها الشهود ط. لو شهدا أنه أبان امرأته فلانة فقالت لم يطلقني وقال الزوج ليس اسمها فلانة وشهدا أن اسمها فلانة فالقاضي يفرق بينهما ويماثله عتق الامة، فلو شهدا أنه حررها وأن اسمها كذا وقالت لم يحررني فالقاضي يحكم بعتقها والشهادة بحرمة المصاهر والايلاء والظهار بدون الدعوى تقبل ويشترط حضور المشهود عليه، وقيل لا تقبل بدون الدعوى في الايلاء والظهار وفي عتق الامة والطلاق بدون الدعوى قيل يحلف وقيل لا فليتأمل عند الفتوى، كذا في جامع الفصولين. وفي القنية: ادعت أنه طلقها من غير شرط والزوج يقول طلقتها بالشرط ولم يوجد فالبينة فيه بينة المرأة، ولو ادعت عليه أنه حلف لا يضربها وادعى هو أنه لا يضربها من غير ذنب وأقاما البينة فيثبت كلا الامرين وتطلق بأيهما كان اه‍. وفي القنية من باب البينتين والمتضادتين: ولو قال لامرأته إن شربت مسكرا بغير إذنك فأمرك بيدك فأقامت بينة على وجود الشرط وأقام الزوج بينة أنه كان بإذنها فبينة المرأة أولى اه‍. قوله: (وما لا يعلم إلا منها فالقول لها في حقها كان حضت فأنت طالق وفلانة أو إن كنت تحبيني فأنت طالق وفلانة فقالت حضت أو أحبك طلقت هي فقط) عليه الائمة الاربعة لانها أمينة مأمورة بإظهار ما في رحمها. وفائدته ترتيب أحكام الطهر وهو فرع قبول قولها كما قبل إخبارها بالحيض في انقضاء العدة وحرمة جماعها وبالطهر وبقولها طهرت في حله وهي

[ 42 ]

متهمة في حق غيرها إن كذبها الزوج وإن صدقها طلقت فلانة أيضا. والحاصل أن المنظور إليه في حقها مشرعا الاخبار به لانها أمينة، وفي حق ضرتها متهمة وشهادتها على ذلك شهادة فرد ولا بعد في أن يقبل قول الانسان في حق نفسه لا في حق غيره كأحد الورثة إذا أقر بدين على الميت اقتصر على نصيبه إذا لم يصدقه الباقون، والمشتري إذا أقر بالمبيع لمستحق لا يرجع بالثمن على البائع، كذا في فتح القدير. وقد يقال: إن المقر في المسألتين لم يتعد ضرر إقراره إلى أحد وهنا تعدى إلى الزوج بقطع العصمة مع كونها متهمة في حق نفسها أيضا ولا بد من قيام الحيض عند الاخبار، أما بعد الانقطاع فلا لانه ضرورة فيشترط قيام الشرط بخلاف إن حضت حيضة حيث يقبل قولها في الطهر الذي يلي الحيضة لا قبله ولا بعده لانها أخبرت عن الشرط حال عدمه، والمعنى فيه أن الشرع جعلها أمينة فيما تخبر به عن الحيض والطهر ضرورة إقامة الاحكام المتعلقة بهما فما دامت الاحكام قائمة كان الاسمان قائمين من جهة الشرع فتصدق، وإذا كانت الاحكام منقضية كان الاسمان غير ثابتين فلا تصدق بخلاف المودع لو قال رددتها أو هلكت يصدق ولا يشترط لتصديقه قيام الامانة لانه صار أمينا من جهة صاحب المال صريحا وابتداء لا لضرورة حيث ائتمنه صاحب المال مطلقا، كذا في المعراج. قيد بقوله إن حضت لانه لو قال لامرأتيه إن حضتما فأنتما طالقان فقالتا حضنا لم تطلق واحدة منهما إلا أن يصدقهما، فإن صدق إحداهما وكذب الاخرى طلقت المكذبة. وإن كن ثلاثا فقال ذلك فقلن حضنا لم تطلق واحدة منهن إلا أن يصدقهن، وكذا إن صدق إحداهن، فإن صدق ثنتين فقط طلقت المكذبة دون المصدقات، ولو كن أربعا والمسألة بحالها لم يطلقن إلا أن يصدقهن، وكذا إن صدق إحداهن أو اثنتين، وإن صدق ثلاثا فقط طلقت المكذبة دون المصدقات والوجه ظاهر من الشرح وفي المحيط قال لنسائه الاربع إذا حضتن حيضة فأنتن طوالق فقالت واحدة حضت حيضة وصدقها الزوج طلقن لان شرط وقوع الطلاق عليهن حيضة واحدة منهن لان اجتماعهن على حيضة واحدة لا يتصور فيجعل ذلك مجازا عن حيضة إحداهن كما لو قال لامرأتيه إذا حضتما حيضة فأنتما طالقان فحاضت إحداهما طلقتا وإن كذبها طلقت واحدقا تطليقه لانها مصدقة في حقها دون ضراتها، ولو

[ 43 ]

قالت كل واحدة حضت حيضة طلقت كل واحدة تطليقة صدقها الزوج أو كذبها لان كل واحدة مصدقة شرعا فيما بينها وبين زوجها. ولو قال كلما حضتن حيضة فأنتن طوالق فقالت كل واحدة حضت حيضة، فإن كذبهن طلقت كل واحدة تطليقة لانه ثبت حيضة كل واحدة في حق نفسها خاصة دون صواحبها فلم يوجد في حق كل واحدة إلا شرط طلاق واحدة، وإن صدق واحدة دون الثلاث طلقت كل واحدة من الثلاث ثنتين والمصدقة واحدة لانه ثبت في حق المصدقة دون حيض صواحبها وثبت في حق كل واحدة من المكذبات حيضتان حيضها بإخبارها وحيضة المصدقة بالتصديق، وإن صدق منهن اثنتين طلقت كل مصدقة اثنتين لوجود حيضتين في حق كل واحدة حيضتها وحيضة صاحبتها المصدقة وكل مكذبة ثلاثا لوجود ثلاث حيض في حقها حيضتها وحيضتي المصدقتين، وإن صدق ثلاثا طلقت كل واحدة ثلاثا لثبوت ثلاث حيض في حق المصدقات وأربع حيض في حق المكذبة اه‍. ثم اعلم أن الوقوع على الضرة لم ينحصر في تصديقه وإنما يتوقف على تصديقه إذا لم يعلم وجود الحيض منها، أما إذا علم طلقت فلانة أيضا، كذا في الجوهرة. وقيد بكونه لا يعلم إلا منها لانه لو كان يعلم من غيرها توقف الوقوع على تصديقه أو البينة كالدخول والكلام اتفاقا. واختلفوا فيما لو علق طلاقها بولادتها فقالا يقع الطلاق بشهادة القابلة. وقال الامام الاعظم: لا بد من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين كما في الجوهرة. ولا يشمل ما لو علقه على فعل بغير إذنها لما في البزازية: إن شربت مسكرا بغير إذنك فأمرك بيدك وشرب ثم اختلفا في الاذن فالقول له والبينة لها وفي الصيرقية إن ذهبت إلى بيت أبي بغير إذنك فأنت طالق فادعى إذنها وأنكرت فالقول له لانه ينكر وقوع الطلاق اه‍ مع أن الاذن لا يستفاد إلا منها ولكن يطلع عليه بالقول بخلاف الحيض والمحبة والبغض ومن قبيل الدخول والكلام ما لو علق بقوله إن كنت جائعة في بيتي. قال قاضيخان: إن لم تكن جائعة في غير الصوم لا يكون حانثا. ومنه ما لو علقه بقوله إن لم أشبعك من الجماع قال القاضي: إن جامعها حتى

[ 44 ]

أنزلت فقد أشبعها اه‍. وفي القنية: والمسرة كالمحبة وكذا الغيرة باللسان لا بالقلب اه‍. وقد سوى المصنف بين المحبة والحيض وليس بينهما فرق إلا من وجهين: أحدهما أن التعليق بالمحبة يقتصر على المجلس لكونه تخييرا حتى لو قامت وقالت أحبك لا تطلق، والتعليق بالحيض لا يبطل بالقيام كسائر التعليقات والثاني أنها إذا كانت كاذبة في الاخيار تطلق في التعليق بالمحبة لما قلنا، وفي التعليق بالحيض لا تطلق فيما بينه وبين الله تعالى حتى يحل وطؤها ديانة لان حقيقة المحبة والبغض أمر خفي لا يوقف عليها من قبل أحد لا من قبلها ولا من قبل غيرها لان القلب يتقلب لا يستقر على شئ، فلما لم يوقف عليها تعلق الحكم بإخبارها لانه دليل عليها لان أحكام الشرع لا تناط بأحكام خفية. وفي الفوائد الظهيرية: لو قال أنت طالق إن كنت أنا أحب كذا ثم قال لست أحبه وهو كاذب فهي امرأته يسعه وطؤها ديانة. قال شمس الائمة: وهذا مشكل لانه يعرف ما في قلبه حقيقة وإن كان لا يعرف ما في قلبها لكن الطريق ما قلنا أن الحكم يدار على الظاهر وهو الاخبار وجودا وعدما، وكذا الحكم لو قال إن كنت تبغضيني، ولو قال إن كنت تحبيني بقلبك فقالت أحبك طلقت ديانة وقضاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف لان المحبة فعل القلب فكان إطلاقها وتقييدها بالقلب سواء وإنما يفيد التأكيد. وقال محمد: لا تطلق ديانة لان المحبة عمل القلب وجعل اللسان خلفا عنه وعند التقييد بالقلب تبطل الخلفية فيبقى الحكم متعلقا بالاصل، كذا في المعراج. والظاهر من كلام مشايخنا أنه لا فرق بين التعليق بمحبتها إياه أو بمحبتها فراقه وذكره في المعراج عن غير أهل المذهب فقال: وفي التبصرة للخمي: قال لها إن كنت تحبين فراقي فأنت طالق فقالت أحب ثم قالت كنت لاعبة قال: أرى أن يقع عليها. ثم نقله عن الانوار للمالكية. وذكر في المحيط مسألة ما إذا قال إن كنت تحبين الطلاق ولا فرق بين الطلاق والفراق فكان منقولا عن أصحابنا أيضا. وأطلق في المحبة فشمل ما إذا قال إن كنت تحبين أن يعذبك الله في نار جهنم فأنت طالق ولا يتيقن بكذبها لانها لشدة بغضها إياه قد تحب التخلص منه بالعذاب، كذا في الهداية. وذكر قاضيخان: قال لامرأته إن سررتك فأنت طالق فضربها فقالت سرني قالوا: لا تطلق امرأته لانا نتيقن بكذبها. قال مولانا رضي الله تعالى عنه: وفيه إشكال وهو أن السرور مما لا يوقف عليه فينبغي أن يتعلق الطلاق بخبرها ويقبل قولها في ذلك وإن كنا نتيقن بكذبها كما لو قال إن كنت تحبين أن يعذبك الله بنار جهنم فأنت طالق فقالت أحب يقع الطلاق عليها. ولو أعطى ألف درهم فقالت لم يسرني كان القول قولها ولا يقع الطلاق لاحتمال أنها طلبت الالفين فلا يسرها الالف اه‍.

[ 45 ]

قلت: بينهما فرق، وقوله وإن كنا نتيقن بكذبها ممنوع لما سمعته عن الهداية من أنه لا يتيقن بكذبها. وبهذا ظهر أنه لو علق بفعل قلبي وأخبرت به فإن تيقنا بكذبها لم يقع وإلا وقع. وفي البدائع: إن كنت تكرهين الجنة تعلق بإخبارها بالكراهة مع أنها لا تصل إلى حالة تكره الجنة فقد تيقنا بكذبها. وقد يقال: إن لشدة محبتها للحياة الدنيا تكره الجنة لانها لا تتوصل إليها إلا بالموت وهي تكرهه فلم يتيقين بكذبها. وهل تكفر المرأة بقولها أنا أحب عذاب جهنم وأكره الجنة؟ قلت: ظاهر كلامهم هنا عدمه. وفي المحيط لو قال لامرأتيه أشدكما حبا للطلاق وأشدكما بغضا له طالق فقالت كل واحدة أنا أشد حبا في ذلك لا يقع شئ لان كل واحدة مخيرة في حق نفسها شاهدة على صاحبتها بما في ضميرها لانها تقول أنا أشد حبا منها وهي أقل حبا مني وهي غير مصدقة في الشهادة على صاحبتها فلم يتم الشرط اه‍. وقيد بمحبتها لانه لو علقه بمحبة غيرها فظاهر ما في المحيط أنه لا بد من تصديق الزوج فإنه قال: لو قال أنت طالق إن لم تكن أمك تهوى ذلك فقالت الام أنا لا أهوى وكذبها الزوج لا تطلق. فإن صدقها طلقت لما عرف. وروى ابن رستم عن محمد أنه لو قال إن كان فلان مؤمنا فأنت طالق لا تطلق لان هذا لا يعلمه إلا هو ولا يصدق هو على غيره وإن كان هو بين مسلمين يصلي ويحج. ولو قال لآخر لي إليك حاجة فاقضها لي فقال امرأته طالق إن لم أقض حاجتك فقال حاجتي أن تطلق زوجتك فله أن لا يصدقه فيه ولا تطلق زوجته لانه محتمل للصدق والكذب فلا يصدق على غيره اه‍. وأطلق في المرأة فشمل ما إذا كانت مراهقة لم تحض بعد لما في المحيط: لو قال لامرأته المراهقة إن حضت فأنت طالق فقالت حضت، أو قال لغلامه المراهق إن احتلمت فأنت حر فقال احتلمت، تصدق المرأة ولا يصدق الغلام في رواية هشام لان الغلام ينظر إليه كيف يخرج منه المني ولا يستطاع ذلك في الحيض لانها تدخل الدم في الفرج فلا يعلم منها أو من غيرها، وفي رواية يصدق الغلام أيضا وهي الاصح لان الاحتلام يعرفه غيره كالحيض ولذلك إذا قال احتلمت في حال إشكال أمره يصدق فيما له وفيما عليه لانه أخبر بخبر يحتمل الصدق والكذب فيصدق كالجارية اه‍. ولم أر صريحا أن المرأة إذا قبل قولها في حقها في الحيض والمحبة فهل يكون بيمينها أو بلا يمين. ووقع في الوقاية أنه قال صدقت في حقها خاصة وظاهره أنه لا يمين عليها ويدل عليه قولهم إن الطلاق معلق بإخبارها وقد وجد ولا فائدة في التحليف لانه وقع

[ 46 ]

بقولها والتحليف لرجاء النكول وهي لو أخبرت ثم قالت كنت كاذبة لا يرتفع الطلاق لتناقضها كما سيأتي نقله عن الكافي قريبا إن شاء الله تعالى. قوله: (وبرؤية الدم لا يقع فإن استمر ثلاثا وقع من حين رأت) يعني لا يقع برؤيته فيما إذا علق الطلاق بحيضها، سواء كان ب‍ " إن أو بفي أو مع نحو أنت طالق في حيضك أو مع حيضك أو إن حضت لانه لم يتحقق كونه حيضا حينئذ، فإذا استمر حينئذ ثلاثة أيام بلياليها وقع الطلاق من حين رأت الدم لانه بالامتداد تبين أنه حيض من الابتداء فيجب على المفتي أن يعينه فيقول طلقت من حين رأت الدم. وليس هذا من باب الاستناد وإنما هو من باب التبيين ولذا قال من حين رأت. وقال المصنف في شرح المجمع: إنه تبين بالانتهاء أنه حيض من الابتداء. وأظهر منه ما في المحيط: لو قال لها عبده حر إن حضت فقالت رأيت الدم وصدقها الزوج لا يحكم بعتقه حتى يستمر ثلاثة أيام فيحكم بعتقه من حين رأت لان الدم لا يكون حيضا حتى يستمر ثلاث أيام، والظاهر وإن كان فيه الاستمرار ولكن الظاهر يكفي للدفع فيدفع به العبد استخدام المولى عن نفسه ولا يكفي للاستحقاق فإذا استمر تبين أنه كان حيضا فيعتق من حين رأت الدم حتى لو جنى أو جنى عليه كان أرشه أرش الاحرار لانه يظهر عتقه ولا يستند بمنزلة قوله إن كان فلان في الدار فأنت حر فظهر ذلك في آخر النهار يظهر عتقه بخلاف قوله أنت حر قبل موتي بشهر فمات بعده بشهر وقد جنى العبد كان حكمه حكم العبيد عند أبي حنيفة لان ثمة العتق يثبت مستندا والاستناد لا يظهر في حق الفائت والمتلاشي، فإن قال الزوج انقطع الدم في الثلاثة وأنكرت المرأة والعبد فالقول لهما لان الزوج أقر بوجود شرط العتق ظاهرا لان رؤية الدم في وقته يكون حيضا ولهذا تؤمر بترك الصلاة والصوم ثم ادعى عارضا يخرج المرئي من أن يكون حيضا فلا يصدق فإن صدقته المرأة وكذبه العبد في الايام الثلاثة فالقول لهما وإن كان بعدها فالقول للعبد اه‍. وفي الكافي

[ 47 ]

في مسألة إن حضت فعبدي حر وضرتك طالق إذا رأت الدم فقالت حضت وصدقها أنه قبل الاستمرار يمنع الزوج عن وطئ المرأة واستخدام العبد في الثلاثة لاحتمال الاستمرار فلو صدقها الزوج ثم قالت كان الطهر قبل الدم عشرة أيام لم تصدق لانه بعد إقرارها بالحيض رجوع بخلافه بعد إقرارها برؤية الدم. ولو ادعى الزوج أن الدم كان قبله الطهر عشرة أيام وقالت بل عشرين فالقول لها، ولو قال وهي حائض إن طهرت فعبدي حر فقالت طهرت بعد ثلاثة أيام وكذبها الزوج لا يعتق وإن صدقها أو مضت العشرة عتق، وإن قالت بعد العشرة عاودني الدم في العشرة وصدقها الزوج وكذبها العبد عتق، وكذا لو قالت ذلك بعدما أقرت بالانقطاع. وإن كان حيضها خمسة فقال لها إن حضت هذه المرة ستة فعبدي حر فقالت رأيت الدم في اليوم السادس إلى آخر اليوم وكذبها الزوج فالقول له لانكاره شرط العتق بخلاف ما إذا علق عتقه بأصل الحيض فادعى الزوج الانقطاع في الثلاث وادعت الامتداد فالقول لها، وإن صدقها الزوج بالدم في اليوم السادس توقف العتق، فإن جاوز العشرة تبين أنه لم يكن حيضا ولم يعتق وإن لم يجاوز عتق، فإن مضت فادعت الانقطاع فيها وادعى المجاوزة فالقول له ولا عتق. ولو أخبرت في العشرة بالانقطاع ثم قالت عاودني الدم لا يقبل قولها وإن صدقها الزوج، ولو كانت عادتها خمسة فطلقها في مرض موته فحاضت حيضتين ثم مات الزوج في الثالثة بعد خمسة فقالت الورثة طهرت على رأس الخمسة ولا ميراث لك وقالت لم ينقطع وأرى الدم في الحال فالقول لها لان الاصل في كل ثابت دوامه فهي تتمسك بهذا الظاهر لدفع الحرمان وهو حجة للدفع وتمامه في الكافي. ومن أحكام الوقوع من الابتداء أنها لو كانت غير مدخولة وتزوجت حين رأت الدم فإن النكاح صحيح. ومن أحكامه أنها لا تحسب هذه الحيضة من العدة لانها بعض حيضة لانه حين كان الشرط رؤية الدم لزم أن يقع الطلاق بعد حيضها. وفي الخانية: رجل قال لامرأته قبل الدخول إذا حضت فأنت طالق فقالت حضت وتزوجت من ساعتها ثم ماتت قال محمد: ميراثها للزوج الاول دون الثاني. وقال: لا يدري أكان ذلك حيضا أو لا ا ه‍. ومن أحكامه أيضا أن الطلاق بدعي. ومنها أنه لو خالعها في الثلاث بطل الخلع لكونها مطلقة ذكرهما في الجوهرة. وفي الثاني نظر لان الخلع يلحق

[ 48 ]

الطلاق الصريح كما قدمناه في آخر باب الكنايات. وذكر المؤلف في المستصفى من باب المسح على الخفين الاحكام تثبت بطرق أربعة: الاقتصار كما إذا أنشأ الطلاق أو العتاق وله نظائر جمة، والانقلاب وهو انقلاب ما ليس بعلة علة كما إذا علق الطلاق أو العتاق بالشرط فعنده وجود الشرط ينقلب ما ليس بعلة علة. والاستناد وهو أن يثبت في الحال ثم يستند وهو دائر بين التبيين والاقتصار وذلك كالمضمونات تملك عند أداء الضمان مستندا إلى وقت وجود السبب، وكالنصاب فإنه يجب الزكاة عند تمام الحول مستندا إلى وقت وجوده، وكالطهارة في المستحاضة والتيمم ينقض عند خروج الوقت ورؤية الماء مستندا إلى وقت الحدث، ولذا قلنا: لا يجوز المسح لهما. والتبيين وهو أن يظهر في الحال أن الحكم كان ثابتا من قبل مثل أن يقول في اليوم إن كان زيد في الدار فأنت طالق وتبين في الغد وجوده فيها فيقع الطلاق في اليوم ويعتبر ابتداء العدة منه، وكما إذا قال لامرأته إذا حضت فأنت طالق فرأت الدم لا يقضي بوقوع الطلاق ما لم يمتد ثلاثة أيام، فإذا امتد ثلاثة أيام حكمنا بوقوع الطلاق من حين حاضت. والفرق بين التبيين والاستناد أن التبيين يمكن أن يطلع عليه العباد وفي الاستناد لا يمكن، وفي الحيض يمكن أن يطلع عليه بأن يشق بطنها فيعلم أنه من الرحم. وكذا يشترط المحلية في الاستناد دون التبيين، وكذا الاستناد يظهر أثره في القائم دون المتلاشي، وأثر التبيين يظهر فيهما فلو قال أنت طالق قبل موت فلان بشهر لم تطلق حتى يموت فلان بعد اليمين بشهر، فإن مات لتمام الشهر طلقت مستندا إلى أول الشهر فتعتبر العدة من أوله. ولو وطئها في الشهر صار مراجعا لو كان الطلاق رجعيا وغرم العقر لو كان بائنا، ويرد الزوج بدل الخلع إليها لو خالعها في خلاله ثم مات فلان ولو مات فلان بعد العدة بأن كانت بالوضع أو لم تجب العدة لكونه قبل الدخول لا يقع الطلاق لعدم المحل. وبهذا تبين أنه فيها بطريق الاستناد لا بطريق التبيين وهو الصحيح، ولو قال أنت طالق قبل قدوم فلان بشهر يقع مقتصرا على القدوم لا مستندا ا ه‍. قوله: (وفي إن حضت حيضة يقع حين تطهر) يعني إما بمضي العشرة مطلقا أو بانقطاع الدم مع أخذ شئ من أحكام الطاهرات إذا انقطع لاقل منها لان الحيضة اسم للكاملة، وكذا إذا قال نصف حيضة أو ثلثها أو سدسها أو أنت طالق مع حيضتك أو في حيضتك بالتاء كقوله إن صمت يوما أو صليت صلاة لا يحنث إلا بصوم يوم كامل وبشفع بخلاف ما تقدم لانه يدل على جنس الحيض فهو كقوله إن صمت أو صليت. وأشار بقوله

[ 49 ]

حين تطهر إلى أنه ليس ببدعي. وأشار بقوله حين رأت الدم إلى أنه بدعي وإلى أنها لو كانت حائضا لا تطلق ما لم تطهر ثم تحيض كقوله لطاهرة إذا طهرت فأنت طالق لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر لما قدمنا أن اليمين تقتضي شرطا مستقبلا. وفي الصحاح: الحيضة بالفتح المرة الواحدة والحيضة بالكسر الاسم والجمع الحيض ا ه‍. وفي الخانية: لو قال لها وهي حائض إذا حضت فأنت طالق فهو على حيض في المستقبل، ولو قال لها إن حضت غدا فأنت طالق وهو يعلم أنها حائض فهو على دوام ذلك الحيض إلى الغد إن دام إلى أن يطلع الفجر من الغد طلقت لان الحيضة الثانية لا يتصور حدوثها من الغد فيحمل على الدوام إذا علم ا ه‍. وفي الكافي: لو قالت بعد عشرة أيام حضت وطهرت وكذبها الزوج تطلق لانها أخبرت عن الامانة في أوانها، ولو قالت بعد مضي شهر إني حضت وطهرت ثم حضت حيضة أخرى وأنا الآن حائض لا يقبل قولها، ولكن إذا طهرت يقع لانها أخرت الاخبار عن أوانه فصارت متهمة. ولو قال إذا حضت فأنت طالق فقالت بعد خمسة أيام حضت وأنا حائض الساعة فالقول لها لان الاخبار في أوانه، ولو قالت حضت وطهرت لا تصدق حتى تحيض لانها أخبرت والحال منافية لما أخبرت ا ه‍. وفي تلخيص الجامع للصدر: من ملك الانشاء ملك الاخبار كالوصي والمولى والمراجع والوكيل بالبيع ومن له الخيار. قال إذا حضت حيضة فأنت طالق فقال بعد مدة محتملة حضت وطهرت وقع، ولو قالت حضت وطهرت وأنا حائض لا حتى تطهر، ولو قال إذا حضت فقالت حضت منذ خمسة أيام وقع ولا تتهم في التأخير للعذر، ولو قالت وطهرت لا ا ه‍. وذكر في باب الحنث يقع الحيض والفعل: قال أنت طالق قبل أن تحيضي حيضة بشهر فحاضت بعده طلقت ولا ينتظر الطهر للبينونة واختلفوا، والاصح فيه أنه يقتصر. ولو قال قبل قدوم فلان أو موت فلان بشهر وتقدم القدوم يقع والموت لا بخلاف ما إذا قدم ومات للتعليق ا ه‍. وفي الجوهرة: إذا حضت نصف حيضة فأنت طالق وإذا حضت نصفها الآخر فأنت طالق لا يقع شئ ما لم تحض وتطهر، فإذا حاضت وطهرت وقع تطليقتان. ولو قال لها وهي حائض إذا حضت فأنت طالق أو قال وهي مريضة إذا مرضت فهذا على حيض في المستقبل ومرض في المستقبل، فإن نوى ما يحدث من هذا الحيض أو ما يزيد من هذا المرض فهو كما نوى، وكذا إذا قال لصاحبة الرعاف إن رعفت، وكذا إذا قال للحبلى إذا حبلت فهو على حبل في المستقبل، ولو

[ 50 ]

نوى الحبل الذي هو فيه لا يحنث لانه ليس له أجزاء متعددة وإنما هو معنى واحد بخلاف الحيض وإخواته لان له أجزاء ا ه‍. وفي المحيط: لو قال إذا حضت حيضة فأنت طالق ثم قال إن حضت حيضتين فأنت طالق فحاضت حيضة يقع واحدة باليمين الاول، فإذا حاضت أخرى يقع أخرى باليمين الثانية لان الحيضة الاولى كل الشرط لليمين الاولى وشطر الشرط لليمين الثانية، فإذا حاضت أخرى فقد تم الشرط لليمين الثانية، فإن قال ثم إذا حاضت والمسألة بحالها لا يقع شئ حتى يوجد حيضتان بعد الاولى لان كلمة ثم للتعقيب مع التراخي فيقتضي وجود الحيضتين بعد الاولى ا ه‍. قوله: (وفي إن ولدت ذكرا فأنت طالق واحدة وإن ولدت أنثى فثنتين فولدتهما ولم يدر الاول تطلق واحدة قضاء وثنتين تنزها ومضت العدة) لانها لو ولدت الغلام وقعت واحدة وتنقضي عدتها بوضع الجارية ثم لا يقع أخرى به لانه حال انقضاء العدة، ولو ولدت الجارية أولا وقعت تطليقتان وانقضت عدتها بوضع الغلام ثم لا يقع شئ آخر به لما ذكرنا أنه حال انقضاء العدة فإذا في حال تقع واحدة وفي حال تقع ثنتان فلا تقع الثانية بالشك والاولى أن يؤخذ بالثنتين تنزها واحتياطا والعدة منقضية بيقين لما بينا. قيد بقوله لم يدر الاول لانه لو علم فقد بيناه وإن اختلفا فالقول للزوج لانكاره. وأشار بمضي العدة إلى أنه لا رجعة ولا إرث كما في غاية البيان. وقيد بقوله إن ولدت لانه لو قال إن كان حملك غلاما فطالق واحدة أو جارية فثنتين فولدتهما لم تطلق لان حملك اسم جنس مضاف فيعم كله فما لم يكن الكل غلاما أو جارية لم يقع كما في قوله إن كان ما في بطنك غلاما والباقي بحاله. وقوله إن كان ما في هذا العدل حنطة فهي طالق أو دقيقا فطالق فإذا فيه حنطة ودقيق لا تطلق بخلاف قوله إن كان في بطنك غلام والباقي بحاله حيث تقع الثلاث. وقيد بقوله فولدتهما أي الغلام والجارية لانها لو ولدت غلاما وجاريتين ولم يدر الاول وقع الثلاث تنزها وثنتين قضاء، ولو ولدت غلامين وجارية وقعت واحدة قضاء وثلاث تنزها، وقدمنا أن الولادة لا تثبت بقولها اتفاقا بل لا بد من نصاب الشهادة عنده وامرأة عندهما. ولو علق طلاقها بولادتها ولدا فولدت ميتا طلقت وسيأتي تمامه في الايمان. وفي المحيط: قال كلما ولدت

[ 51 ]

ولدا فأنت طالق فولدت ولدين في بطن، فإن كان بينهما أقل من ستة أشهر طلقت بالاول وانقضت عدتها بالثاني ولا يقع طلاق آخر، ولو ولدت ثلاثة أولاد وقع ثنتان، ولو ولدت ثلاثا بين كل ولدين ستة أشهر وقع ثلاث وتعتد بثلاث حيض. ولو قال لامرأته الحامل كلما ولدت فأنت طالق للسنة فولدت ثلاثة في بطن واحدة لم يقع عندهما حتى تطهر من نفاسها فيقع في كل طهر تطليقة، وعند محمد وزفر طلقت واحدة بالولد الاول وتنقضي عدتها بالاخير. ولو قال لامرأتيه كلما ولدتما ولدا فأنتما طالقان فولدت إحداهما ثم الاخرى آخر ثم الاولى آخر ثم الاخرى آخر في بطن واحدة حتى ولدت كل واحدة ولدين، طلقت الاولى ثنتين وانقضت عدتها بولدها الثاني والاخرى ثلاثا وانقضت عدتها بولدها الثاني، ولو كان بين ولدي كل واحدة ستة أشهر فأكثر إلى سنتين طلقت الاولى ثنتين وانقضت عدتها بالولد الثاني وثبت نسب الولدين وطلقت الاخرى واحدة وانقضت عدتها بالولد الاول ولا يثبت نسب ولدها الثاني. ولو قال لامرأته الحامل إذ ولدت ولدا فأنت طالق ثنتين ثم قال إن كان الولد الذي تلدينه غلاما فأنت طالق فولدت غلاما طلقت ثلاثا. ولو قال إن كان الولد الذي في بطنك غلاما والمسألة بحالها طلقت وتمامه في المحيط. وقيد بالولادة لانه لو علق طلاقها بحبلها فالمستحب أن لا يطأها إلا بالاستبراء لتصور حدوث الحبل ولا يقع الطلاق ما لم تلد لاكثر من سنتين من يوم اليمين لانه علقه بحدوث الحبل بعد اليمين ويتوهم حدوث الحبل قبل اليمين إلى سنتين فوقع الشك في الموقع فلا يقع بالشك، كذا في المحيط. وذكر قاضيخان أنه لو قال إن لم تكوني حاملا فأنت طالق ثلاثا فجاءت بولد لاقل من سنتين بيوم من وقت اليمين لا تطلق في الحكم، وإن جاءت لاكثر من سنتين بيوم طلقت، فإن حاضت بعد اليمين لا يقربها لاحتمال أن لا تكون حاملا، وكذا إذا لم تحض لا ينبغي له أن يقربها حتى تضع ا ه‍. قوله: (والملك يشترط لآخر الشرطين) لان صحة الكلام بأهلية المتكلم إلا أن الملك يشترط حالة التعليق ليصير الجزاء غالب الوجود لاستصحاب الحال فتصح اليمين وعند تمام الشرط لينزل الجزاء لانه لا ينزل إلا في الملك وفيما بين ذلك الحال حال بقاء اليمين فيستغنى عن قيام الملك إذ بقاؤه بمحله وهو الذمة، فالمراد من اشتراطه لآخرهما بيان عدم اشتراطه

[ 52 ]

لاولهما فلا ينافي اشتراطه وقت التعليق.، وأيضا علم الاشتراط وقت التعليق من قوله أول الباب فلو قال لاجنبية إن زرت فأنت طالق لم يصح لكن في القنية قبيل النفقات معزيا إلى الملتقط: قال حلال الله علي حرام إن فعلت كذا وليس له امرأة فتزوج ثم فعل ذلك الفعل لا تطلق حج طلقت ا ه‍. وينبغي الاعتماد على الاول لما ذكرنا، وأراد من الشرطين أمرين يتعلق الطلاق بهما ولا يقع بأحدهما، سواء كانا شرطين حقيقة بتعدد أداة الشرط أو لا. أما الاول فبأن عطف شرطا على آخر وأخر الجزاء نحو إذا قدم فلان وإذا قدم فلان فأنت طالق فإنه لا يقع حتى يقدما لانه عطف شرطا محضا على شرط لا حكم له ثم ذكر الجزاء فيتعلق بهما فصارا شرطا واحدا فلا يقع إلا بوجودهما، فإن نوى الوقوع بأحدهما صحت نية تقديم الجزاء على أحدهما وفيه تغليظ، أو بأن كرر أداة الشرط بغير عطف كقوله إن أكلت أو لبست فأنت طالق فأنها لا تطلق ما لم تلبس ثم تأكل فيقدم المؤخر، وكذا لو قال كل امرأة أتزوجها إن كلمت فلانا فهي طالق يقدم المؤخر فيصير التقدير إن كلمت فلانا فكل امرأة أتزوجها طالق. واستغنى عن الفاء بتقدير الجزاء فالكلام شرط الانعقاد والتزوج شرط الانحلال وأصله قوله تعالى * (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم) * [ هود: 34 ] فالمعنى إن كان الله يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم. ووجه المسألة أنه لا يمكن أن يجعل الشرطان شرطا واحدا لنزول الجزاء لعدم العطف وإن روي عن محمد في غير رواية الاصول أنه رجع عن التقديم والتأخير وأقر كل شرط في موضعه وهو رأي امام الحرمين من الشافعية لان الاصل عدم التقرير إلا بدليل والكلام في موجب اللفظ ولا الشرط الثاني مع ما بعده هو الجزاء للاول لعدم الفاء الرابطة، ونية التقديم والتأخير أحق من إضمار الحرف لانه تصحيح للمنطوق من غير زيادة شئ آخر فكان قوله إن أكلت مقدما من تأخير لانه في حيز الجواب المتأخر. والتقدير إن لبست فإن أكلت فأنت طالق، وهذا بناء على ما قدمناه من لزوم التخبيز في مثل إن دخلت الدار أنت طالق، وعلى ما قدمناه عن أبي يوسف من لزوم إضمار الفاء يجب أن لا يعكس الترتيب. وفي التجريد: لو قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت فلانا لا بد من اعتبار الملك عند الشرط الاول فإن طلقها بعد الدخول بها ثم دخلت الدار وهي في العدة ثم كلمت فلانا وهي في العدة طلقت ا ه‍. وهو على الظاهر من التقديم والتأخير فكان المتقدم شرط الانحلال فيعتبر الملك عنده. وعلى هذا لو قال إن أعطيتك إن وعدتك إن سألتيني فأنت طالق لا تطلق حتى تسأله

[ 53 ]

أولا ثم يعدها ثم يعطيها لانه شرط في العطية الوعد وفي الوعد السؤال فكأنه قال إن سألتيني إن وعدتك إن أعطيتك، كذا في فتح القدير. وهذا إذا لم يكن الشرط الثاني مترتبا على الاول عادة، فإن كان كذلك كان كل شرط في موضعه نحو إن أكلت إن شربت فأنت كذا كان الاكل مقدما والشرب مؤخرا حتى إذا شرب ثم أكل لم يعتق وإن أكل ثم شرب عتق. ولو قال إن شربت إن أكلت يؤخر الشرط الاول، ولو قال إن دعوتني إن أجبتك يقر كل شرط في موضعه، ولو قال إن أجبتك إن دعوتني تؤخر الاجابة، ولو قال إن لبست طيلسانا إن أتيتني يقر كل في موضعه، ولو قال إن أتيتني إن لبست طيلسانا يؤخر الاتيان، ولو قال إن ركبت الدابة إن أتيتني يقر كل في موضعه بخلاف إن أتيتني إن ركبت الدابة لانهما متى كانا مرتبين عرفا أضمرت كلمة ثم وإذا لم يكونا مرتبين عرفا لم يثبت العطف بينهما لا عرفا ولا ذكرا، فمتى أقر كل شرط في موضعه لا يتصل الجزاء بأحد الشرطين ا ه‍. كذا في المحيط: وفي البزازية وفي الفارسية: المقدم مقدم والمؤخر مؤخر وعليه الاعتماد. وذكر القاضي في تفسيره أن قوله * (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم) * شرط ودليل جواب والجملة دليل جواب قوله تعالى * (إن كان الله يريد أن يغويكم) * تقدير الكلام إن كان الله يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي ا ه‍. وجعل في فتح القدير من هذا القبيل قوله تعالى * (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها) * [ الاحزاب: 05 ] قال: فالمعنى إن أراد أن ينكح مؤمنة وهبت نفسها فقد أحللناها ا ه‍. وذكر القاضي أن قوله تعالى * (إن أراد النبي) * شرط للشرط الاول في استيجاب الحل فإن وهبتها نفسها منه لا توجب له حلا إلا بإرادته نكاحها فإنها جارية مجرى القبول ا ه‍. فلم تكن من هذا القبيل. وفي المعراج: إنها محتملة للامرين فإن إرادة النبي متأخرة فإنها كالقبول، ويحتمل تقدم إرادة النبي فإذا فهمت ذلك وهبت نفسها له ا ه‍. وذكر في المحيط أنها على ثلاثة أوجه: أحدها إذا أخر الجزاء عن الشرطين، والثاني إذا قدمه، والثالث إذا وسطه. أما الاول والثاني فعلى التقديم والتأخير، وأما الثالث فيقر كل شرط في موضعه ولا يكون من المسائل المعترضة لانه لا حاجة إلى التقديم والتأخير لانه تخلل الجزاء بين الشرطين بحرف الوصل وهو الفاء فيكون الاول شرطا لانعقاد اليمين والثاني شرط الحنث ا ه‍. وكذا في البدائع في مسألة توسط الجزاء فقال: لو قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت فلانا يشترط قيام الملك عند وجود الشرط الاول وهو الدخول لانه جعل الدخول شرط انعقاد اليمين كأنه قال عند الدخول إن كلمت فلانا فأنت طالق واليمين لا تنعقد إلا في الملك ومضافة إلى الملك، فإن كانت في ملكه عند دخول الدار صحت اليمين المتعلقة بالكلام، فإذا كلمت يقع وإن لم تكن في ملكه عند الدخول بأن طلقها وانقضت عدتها ثم دخلت لم يصح التعليق وإن كلمت، وإن طلقها بعد الدخول ثم دخلت في العدة

[ 54 ]

ثم كلمت فيها طلقت ا ه‍. والحاصل أن الجزاء إذا كان متوسطا فلا بد من الملك عن الشرطين وأن كل شرط يقر في موضعه فلم تكن هذه المسألة داخلة تحت قوله والملك يشترط لآخر الشرطين إلا باعتبار أن الشرط الاول هو شرط الانعقاد، وقدمنا أن الملك لا بد منه وقت التعليق فحينئذ ليس معلقا إلا بشرط واحد فجعله في فتح القدير من قسم تقديم المؤخر منهما من كلام التجريد وهو لما علمت أن كل شرط في موضعه. وهذا كله إذا كان الشرط الثاني غير الاول، فإن كان عينه فقال في البزازية: إن دخلت هذه الدار فعبدي حر وهما واحد فالقياس عدم الحنث حتى تدخل دخلتين فيها، وفي الاستحسان يحنث بدخول واحد ويجعل الباقي تكرارا وإعادة، ولقائل أن يقول: لو جعل الثاني تكرارا لزم ثبوت الحرية حالا على قول الامام ويصير الثاني فاصلا كما في أنت حر وحد إن شاء الله، ويجاب بأن يجعل الثاني تكرارا معنى لا لفظا لان الثاني عطف على الاول ولا يعطف الشئ على نفسه، والعبرة في الباب للفظ فإذا انتفى التكرار لفظا كان الثاني حشوا فصار فاصلا، وفيما نحن فيه الثاني غير معطوف على الاول فأمكن جعل الثاني تكرارا فكان واحد معنى فلا يفصل، ونظيره حر حر إن شاء الله تعالى ا ه‍. وقدمنا عن المحيط أنه لو قال إن تزوجتك وإن تزوجتك فأنت طالق لم يقع حتى يتزوجها مرتين بخلاف ما إذا قدم الجزاء أو وسطه ا ه‍. فعلى هذا يفرق بين ما إذا كان بالواو وبدونه فيما إذا أخر الجزاء وكانا بمعنى واحد فليحفظ. وذكر في الخانية هذه المسألة ثم قال: ولو قال إذا دخلت الدار فأنت طالق إذا دخلت هذه الدار لا تطلق ما لم تدخل مرتين ولا تطلق ما لم يتزوج مرتين ا ه‍. فعلى هذا إذا كانا بمعنى واحد بلا عطف فإن تأخر الجزاء عنهما فالشرط أحدهما، وإن توسط فلا بد من الفعل مرتين. وقيدنا بكون الامرين تعلق الطللاق بهما لانه لو قدم الجزاء وأخر الشرط ثم ذكر شرطا آخر بعطف فإن الطلاق فيه معلق بأحدهما نحو أنت طالق إذا قدم فلان وإذا قدم فلان أو ذكر بكلمة أن أو متى فأيهما قدم أولا يقع الطلاق ولا ينتظر قدوم الآخر، ولو قدما معا لا يقع إلا واحدة. ولا بد من الملك عند أيهما وجد، وكذا لو وسط الجزاء مع العطف نحو إن قدم فلان فأنت طالق وإذا قدم فلان فأيهما سبق وقع، ثم لا يقع عند الشرط الثاني شئ إلا أن ينوي أن يقع عند كل واحد تطليقة فتقع أخرى عند الثاني، وأما الثاني أعني ما ليا شرطين حقيقة وهو أن يكون فعلا متعلقا بشيئين من حيث هو متعلق بهما نحو إن دخلت هذه الدار وهذه أو إن كلمت أبا عمرو وأبا يوسف فكذا فإنهما شرط واحد إلا أن ينوي الوقوع بأحدهما

[ 55 ]

فاشترط للوقوع قيام الملك عند آخرهما. وكذا إذا كان فعلا قائما باثنتين من حيث هو قائم بهما نحو إذا جاء زيد وعمرو فكذا فإن الشرط مجيئهما. فإذا عرف هذا فقصر الشارح كلام المصنف على القسم الثاني مما لا ينبغي، واعتراض الكمال على الشارح في جعله مسألة الكلام من تعدد الشرط سهو لانه إنما جعله من قبيل الشرط المشتمل على وصفين وعليه حمل عبارة المصنف لا من قبيل تعدد الشرط. والحاصل أنه إذا كرر أداة الشرط من غير عطف فإن الوقوع يتوقف على وجودهما، سواء قدم الجزاء عليهما أو أخره عنهما أو وسطه، لكن إن قدمه أو أخره فالملك يشترط عند آخرهما وهو الملفوظ به أولا على التقديم والتأخير، وإن وسطه فلا بد من الملك عندهما وإن كان بالعطف فإنه موقوف على أحدهما إن قدم الجزاء أو وسطه. وأما إذا أخره فإنه موقوف عليهما وإن لم يكرر أداة الشرط فإنه لا بد من وجود الشيئين قدم الجزاء عليهما أو أخره عنهما. هذا ما ظهر لي من كلامهم. وفي الولوالجية: إذا قال إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق إن كلمت فلانا فالطلاق الاول والثاني يتعلق بالشرط الاول، والثالث بالشرط الثاني حتى لو دخلت طلقت تطليقتين، ولو كلمه طلقت واحدة لا أن يصير الشرط الاول شرط الانعقاد في حق الكل والثاني شرط الانحلال في حق الكل لانا علقنا الجزاء الثاني بالدخول كان الجزاء مؤخرا عن الشرط، ولو علقناه بالكلام كان الجزاء مقدما على الشرط والاصل في الشرط هو التقديم فمهما أمكن حفظه على الاصل لا يغير. ولو قال امرأته طالق إن دخلت الدار وعبدي حر وعلي المشي إلى بيت الله تعالى إن كلمت فلانا فالطلاق على الدخول والعتق والمشي على الكلام الحق الجزاء المتوسط بالشرط الاخير هنا بخلاف ما تقدم لان ثمة الكلام متفق عليه لانه عطف الاسم على الاسم فصار الوصل أصلا، وإنما يقطع لضرورة ولا ضرورة في حق المتخلل، وأما هنا فالكلام منقطع لانه عطف الاسم على الفعل فلا يلحق بالاول إلا الضرورة لانه أمكن إلحاقه بالثاني انتهى. وتمام تفريعات الطلاق المعلق بالتزوج وبالكلام مذكور في تتمة الفتاوى من فصل تعليق الطلاق بالملك. وفي البزازية من الايمان: والطلاق المضاف إلى وقتين ينزل عند أولهما والمعلق بالفعلين

[ 56 ]

عند آخرهما والمضاف إلى أحد الوقتين كقوله غدا أو بعد غد ينزل بعد غد، ولو علق بأحد الفعلين ينزل عند أولهما والمعلق بفعل ووقت يقع بأيهما سبق انتهى. وقدمناه في فصل إضافة الطلاق إلى الزمان. وفي الخانية: قال لها إن دخلت دار فلان وفلان يدخل في دارك فأنت طالق فدخلت المرأة دار فلان وفلان لم يدخل دارها حنث في يمينه لانه يراد باليمين أحدهما دون الجمع انتهى. قوله: (ويبطل تنجيز الثلاث تعليقه) أي تعليق الثلاث على ما يشير إليه أكثر الكتب والاولى أن يعود إلى الزوج ليشمل ما دون الثلاث، كذا في شرح مسكين. قلت: الاولى أن يعود إلى الطلاق لان الكلام فيه حتى لو قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا أو قال واحدة أو قال ثنتين ثم طلقها ثلاثا ثم عادت إليه بعد زوج آخر ثم دخلت لم تطلق لان الجزاء طلقات هذا الملك لانها هي المانع لان الظاهر عدم ما يحدث واليمين تعقد للمنع أو الحمل، وإذا كان الجزاء ما ذكرناه وقد فات بتنجيز الثلاث المبطل للمحلية فلا تبقي اليمين. قيد بالثلاث لانه لو نجز أقل منها لا يبطل التعليق لان الجزاء باق لبقاء محله، فلو طلقها ثنتين ثم عادت إليه بعد زوج أخر وقد كان علق الثلاث ثم وجد المعلق طلقت ثلاثا اتفاقا، أما عندهما فلوقوع المعلق كله لان الزوج الثاني هدم الواقع، وأما عند محمد فلوقوع واحدة من المعلق لان الثاني لا يهدم عنده، ولو كان المعلق طلقة والمنجز ثنتين ثم عادت إليه بعد زوج آخر ثم وجد الشرط فعند محمد تحرم حرمة غليظة بالمنجز والمعلق، وعندهما لا تحرم إذ يملك بعد وقوع الطلاق المعلق ثنتين لهدم الثاني ما نجزه الاول. وقيد بالطلاق لان الملك إذا زال بعد تعليق العتق لا يبطل التعليق كما إذا قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر ثم باعه ثم اشتراه ثم دخل عتق لان العبد بصفة الرق محل للعتق وبالبيع لم تفت تلك الصفة حتى لو فاتت بالعتق بطلت اليمين حتى لو ارتد ولحق بدار الحرب ثم سبي ثم ملكه المولى ودخل الدار لم يعتق، كذا في المعراج. وصوابه حتى لو ارتدت لان المرتد لا يملك بالسبي وإنما هو في الامة. وقيد بتعليق الطلاق لان تنجيز الثلاث لا يبطل الظهار منجزا كان أو معلقا كما إذا قال إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي ثم طلقها ثلاثا ثم دخلت بعدما عادت إليه بعد زوج آخر كان مظاهرا لان الظهار تحريم الفعل لا تحريم الحل الاصلي لكن قيام النكاح شرط له فلا يشترط بقاؤه لبقاء المشروط كالشهود في النكاح بخلاف الطلاق لانه تحريم للحل الاصلي.

[ 57 ]

وفي فتح القدير: وأورد بعض أفاضل أصحابنا أنه يجب أن لا يقع إلا واحدة كقول زفر لقولهم المعلق تطليقات هذا الملك، والفرض أن الباقي من هذا الملك ليس إلا واحدة فصار كما لو طلق امرأته ثنتين ثم قال أنت طالق ثلاثا فإنما يقع واحدة لانه لم يبق في ملكه سواها. والجواب أن هذه مشروطة، والمعنى أن المعلق طلقات هذا الملك الثلاث ما دام ملكه لها فإذا زال بقي المعلق ثلاثا مطلقة كما هو اللفظ لكن بشرط بقائها محلا للطلاق، فإذا نجز اثنتين زال ملك الثلاث فبقي المعلق ثلاثا مطلقة ما بقيت محليتها وأمكن وقوعها وهذا ثابت في تنجيزه الثنتين فيقع والله أعلم انتهى. وقدمنا أن مما يبطل التعليق لحاقه بدار الحرب قال في المجمع: فلحاقه مرتدا مبطل لتعليقه أي عند الامام. وقالا: لا لان زوال الملك لا يبطله. وله أن إبقاء تعليقه باعتبار قيام أهليته وبالارتدار ارتفعت العصمة فلم يبق تعليقه لفوات الاهلية فإذا عاد إلى الاسلام لم يعد بعد ذلك التعليق الذي حكم بسقوطه لاستحالة عود الساقط، وكذا في شرح المصنف. ومما يبطله فوت محل الشرط كفوت محل الجزاء كما إذا قال إن كلمت فلانا فأنت طالق فمات فلان كذا في النهاية. ومنه ما إذا قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق فجعلت الدار بستانا كما في المعراج. وقدمنا أن مما يبطله زوال إمكان البر وذكرنا فروعا عليه عند شرح قوله وزوال الملك بعد اليمين لا يبطلها. وفي القنية: حلف لا يخرج من بخارى إلا بإذن هؤلاء الثلاثة فجن أحدهم لا يخرج لانه إن أفاق المجنون حنث ولو مات أحدهما لم يحنث لبطلان اليمين انتهى. قوله: (ولو علق الثلاث أو العتق بالوطئ لم يجب العقر باللبث) أي لم يجب مهر المثل للمطلقة ثلاثا والمعتقة بالمكث من غير فعل لان الجماع هو إدخال الفرج في الفرج وليس له دوام حتى يكون لدوامه حكم ابتدائه كمن حلف لا يدخل هذه الدار وهو فيها لا يحنث باللبث، وكذا لو حلف أن لا يدخل دابته الاصطبل وهي فيه فأمسكها فيه لم يحنث. وفي الفوائد الظهيرية: الجماع عبارة عن الموافقة والمساعدة في أي شئ كان فإن محمدا كثيرا ما يقول في كتاب الحج على أهل المدينة ألستم جامعتمونا في كذا أي وافقتمونا. وحكي عن الطحاوي أنه كان يملي على ابنته مسائل يقول في املائه ألسنا قد جامعناكم على كذا أو لستم قد جامعتمونا على كذا فتبسمت ابنته يوما من ذلك فوقع بصره عليها فقال: ما شأنك؟ فتبسمت مرة أخرى فأحس الطحاوي أنها ذهبت إلى الجماع المعروف بهذا اللفظ فقال: أو يفهم من هذا؟ فاحترق غضبا وقطع الاملاء ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم لا أريد حياة بعد هذا فتمنى الموت فمات بعد ذلك من نحو خمسة أيام، كذا في المعراج. أشار بنفي العقر

[ 58 ]

فقط إلى ثبوت الحرمة باللبث فإن الواجب عليه النزع للحال وإلى أنه لو جامع في رمضان ناسيا فتذكر ودام على ذلك حتى أنزل فعليه القضاء، وإن نزع من ساعته لا. وقيدنا المكث بكونه من غير فعل لانه لو تحرك لزمه مهربه لانه كالايلاج ولذا قالوا أولج ثم قال لها إن جامعتك فأنت طالق أو حرة إن نزع أو لم ينزع ولم يتحرك حتى أنزل لا تطلق ولا تعتق، وإن حرك نفسه طلقت وعتقت ويصير مراجعا بالحركة الثانية ويجب للامة العقر ولا حد عليهما ولو جامع عامدا قبل الفجر وطلع الفجر وجب النزع في الحال فإن حرك نفسه قضى وكفر كما لو حرك بعد التذكر في الاولى، كذا في البززية وغيرها من الصوم، وفي المعراج: ولو قال إن وطئتك فيمينه على الجماع. وقال ابن قدامه الحنبلي: وعن محمد بن الحسن يمينه على الوطئ بالقدم ولو قال أردت به الجماع ولم يقبل وقد غلط ابن قدامة في النقل عن محمد فإن محمدا ذكر في أيمان الجامع لو قال لها إن وطئتك فهو على الجماع في فرحها بذكره ولو نوى الدوس بالقدم لا يصدق في الصرف عن الجماع ويحنث بالدوس بالقدم أيضا لاعترافه به على نفسه. ولو قال إن وطئت من غير ذكر امرأة فهو على الدوس بالقدم وهو في اللغة والعرف باتفاق أصحابنا ا ه‍. والعقر بالضم مهر المرأة إذا وطئت على شبهة، وبالفتح الجرح من عقره أي جرحه فهو عقير، كذا في الصحاح. وفي القاموس: العقر بالضم دية الفرج المغصوب وصداق المرأة ا ه‍. وفي المصباح: العقر بالضم دية فرج المرأة إذا غصبت على نفسها ثم كثر ذلك حتى استعمل في المهر انتهى. واللبث من لبث بالمكان لبثا من باب تعب وجاء في المصدر السكون للتخفيف واللبث بالفتح، والمرة بالكسر الهيئة، والنوع والاسم اللبث بالضم، كذا في المصباح. وفي القاموس: اللبث بفتح اللام وسكون الباء المكث من لبث كسمع وهو نادر لان المصدر من فعل بالكسر قياسه التحريك إذا لم يتعد انتهى. وهو أولى مما في المصباح لايهامه أن المصدر بفتح الباء وأن السكون جائز قوله: (ولم يصر به مراجعا في الرجعي إلا إذا أولجه ثانيا) أي لم يصر باللبث مراجعا إذا كان المعلق بالجماع طلاقا رجعيا عند محمد لان الدوام ليس بتعرض للبضع. وقال أبو يوسف: يصير مراجعا لوجود المساس بشهوة وهو القياس، وجزم المصنف بقول محمد دليل على أنه المختار لانه فعل واحد فليس لآخره حكم على حدة. وقيل: ينبغي أن يصير مراجعا عند الكل لوجود المساس بشهوة، كذا في المعراج: وينبغي تصحيح قول أبي يوسف لظهور دليله والاستثناء في كلام المصنف راجع إلى المسألتين فإذا أولج ثانيا وجب عليه مهر المثل وصار مراجعا فجعل الشارح إياه راجعا إلى الثانية قصور. وقيد بالمسألتين لان الحد لا يجب بالايلاج ثانيا وإن كان جماعا لما فيه من شبهة أنه جماع واحد بالنظر إلى اتحاد المقصود وهو قضاء الشهوة في المجلس الواحد وقد كان أوله غير موجب للحد فلا يكون آخره موجبا له. وإن قال ظننت أنها علي حرام كما

[ 59 ]

في المعراج ووجب المهر لان البضع المحترم لا يخلو عن عقر أو عقر. وفي المعراج: ولقائل أن يقول إذا أخرج ثم أولج في العتق ينبغي أن يجب الحد لانه وطئ لا في ملك ولا في شبهة وهي العدة بخلاف الطلاق لوجود العدة، وجوابه ما ذكر في الكتاب أن هذا ليس بابتداء فعل من كل وجه لاتحاد المجلس والمقصود ا ه‍. وقيدنا بالتعليق للاحتراز عما روي عن محمد لو أن رجلا زنى بامرأة ثم تزوجها في تلك الحالة فإن لبث على ذلك ولم ينزع وجب مهران مهر بالوطئ ومهر بالعقد، وإن لم يستأنف الادخال لان دوامه على ذلك فوق الخلوة بعد العقد، كذا نقلوا، وتخصيص الرواية بمحمد لا يدل على خلاف بل لانها رويت عنه دون غيره. وفي البزازية: حلف لا يقربها فاستلقى وجاءت وقضت منه حاجتها يحنث فيما عليه الفتوى ولو نائما لا يحنث. قال لامته إن جامعتك فأنت حرة فالحيلة أن يبيعها من غيره ثم يتزوجها ويطؤها فتنحل لا إلى جزاء ثم يشتريها منه فيطؤها فلا تعتق. حلف لا يغشاها وهو عليها فاليمين على الاخراج ثم الادخال فإن دام عليها لا يحنث وذكر في أول الفصل الثالث عشر في الجماع لا يحنث بالجماع فميا دون الفرج وإن أنزل إلا إذا نوى انتهى. قوله: (ولا تطلق في أن نكحتها عليك فهي طالق فنكح عليها في عدة البائن) يعني لا تطلق امرأته الجديدة فيما إذا قال للتي تحته إن تزوجت عليك امرأة فهي طالق فطلق امرأته بائنا ثم تزوج أخرى في عدتها لان الشرط لم يوجد لان التزوج عليها أن يدخل عليها من ينازعها في الفراش ويزاحمها في القسم ولم يوجد قيد بالبائن لانه لو كان رجعيا طلقت كما في شرح مسكين. وفي البزازية من فصل الامر باليد جعل أمر المرأة التي يتزوجها عليها بأن قال إن تزوجت عليك امرأة فأمرها بيدك أو قال ما دمت امأتي ثم طلقها بائنا أو خالعها وتزوج أخرى في عدتها ثم تزوج بالاولى لا يصير الامر بيدها لان المراد حال المنازعة في القسم ولم يوجد وقت الادخال، وإن قال إن تزوجت امرأة فأمرها بيدك فأبانها ثم تزوج بأخرى صار الامر بيدها ا ه‍. وفي القنية من باب تفويض الطلاق: إن تزوجت عليك امرأة فأمرها بيدك ثم دخلت المرأة في نكاحه بنكاح الفضولي وأجاز بالفعل ليس لها أن تطلقها، ولو قال إن دخلت امرأة في نكاحي فلها ذلك وكذا في التوكيل بذلك انتهى. وفي آخر الايمان: إن سكنت في هذه البلدة فامرأته طالق وخرج في الفور وخلع امرأته ثم سكنها قبل انقضاء عدتها لا تطلق لانها ليست بامرأته وقت وجود الشرط. قال إن فعلت كذا فحلال الله علي حرام ثم قال إن فعلت كذا فحلال الله علي حرام لفعل الآخر ففعل أحد الفعلين حتى بانت امرأته ثم فعل الآخر فقيل لا يقع الثاني لانها ليست بامرأته عند الشرط، وقيل يقع وهو

[ 60 ]

الاظهر انتهى. وفي القنية: طلقها ثم قال إن أمسكت امرأتي إلى مماتي فهي طالق ثلاثا يتركها حتى تنقضي عدتها ثم يتزوجها بعد يوم لا يقع لانها بمضي العدة خرجت عن أن تكون امرأته فبالنكاح لم يمسك امرأته انتهى قوله: (ولا في أنت طالق إن شاء الله متصلا وإن ماتت قبل قوله إن شاء الله). أي لا يقع الطلاق لحديث رواه الترمذي وحسنه مرفوعا من حلف على يمين وقال إن شاء الله لم يحنث وقد بحث فيه المحقق ابن الهمام في كتاب الايمان. قيد بالاتصال لانه لو كان بينهما سكوت كثير بلا ضرورة ثبت حكم الكلام الاول بخلاف ما إذا كان السكوت بالجشاء أو التنفس وإن كان له منه بد أو بامساك غيره فمه أو كان بلسانه ثقل فطال في تردده، والفاصل اللغو يبطل المشيئة فلذا طلقت ثلاثا في قوله أنت طالق ثلاثا وثلاثا إن شاء الله وفي قوله أنت طالق وطالق وطالق وطالق إن شاء الله، وفي قوله أنت طالق ثلاثا وواحدة إن شاء الله كقوله عبده حر وحر إن شاء الله بالواو بخلاف ما إذا كان بدونها للتأكيد بخلاف حر وعتيق إن شاء الله لكونه تفسيرا وهو إنما يكون بغير لفظ الاول وبخلاف طالق واحدة وثلاثا إن شاء الله لكونه أفاد التكميل كقوله أنت طالق وطالق وطالق إن شاء الله. وفي المجتبي من كتاب الايمان: لو قال أنت طالق رجعيا إن شاء الله يقع ولو قال بائنا لا يقع لان الاول لغو دون الثاني. وفي القنية بعده: ولو قال أنت طالق رجعيا أو بائنا إن شاء الله يسأل عن نيته فإن عنى الرجعي لا يقع وإن عنى البائن يقع ولا

[ 61 ]

يعمل الاستثناء انتهى. وصوابه إن عنى الرجعي يقع لعدم صحة الاستثناء للفاصل، وإن عنى البائن لم يقع لصحة الاستثناء. وفي البزازية: أنت طالق ثلاثا يا زانية إن شاء الله يقع وصرف الاستثناء إلى الوصف، وكذا أنت طالق يا طالق إن شاء الله وكذا أنت طالق يا صبية إن شاء الله، يصرف الاستثناء إلى الكل ولا يقع الطلاق كأنه قال يا فلانة، والاصل عنده أن المذكور في آخر الكلام إذا كان يقع به طلاق أو يلزم به حد كقوله يا طالق يا زانية فالاستثناء على الكل انتهى. وأطلق فشمل ما إذا أتى بالمشيئة عن قصد أو لا فلا يقع فيهما، وكذا إذا كان لا يعلم المعنى فلو شهد أنه استثنى متصلا وهو لا يذكره قالوا: إن كان بحال لا يدري ما يجري على لسانه لغضب جاز له الاعتماد عليهما وإلا لا. وشمل ما إذا ادعى الاستثناء وأنكرته فإن القول قوله وكذا في دعوى الشرط، ولو شهدوا أنه طلق أو خالع بلا استثناء أو شهدوا بأنه لم يستثن تقبل وهذا مما تقبل فيه البينة على النفي لانه في المعنى أمر وجودي لانه عبارة عن ضم الشفتين عقيب التكلم بالموجب، وإن قالوا أطلقوا ولم نسمع منه غير كلمة الخلع والزوج يدعي الاستثناء فالقول له لجواز أنه قاله ولم يسمعوه والشرط سماعه لاسماعهم على ما عرف في الجامع الصغير، وفي الصغرى إذا ذكر البدل في الخلع لا تسمع دعوى الاستثناء، كذا في البزازية. وفي الخانية: لو قال الزوج طلقتك أمس وقلت إن شاء الله ففي ظاهر الرواية يكون

[ 62 ]

القول قول الزوج، وذكر في النوادر خلافا بين أبي يوسف ومحمد، فقال على قول أبي يوسف يقبل قول الزوج، وعلى قول محمد لا يقبل قوله ويقع الطلاق ولعيه الاعتماد والفتوى احتياطا في أمر الفروج في زمن غلب على الناس الفساد انتهى. وأشار بصحة المشيئة في الطلاق إلى صحتها في كل ما كان من صيغ الاخبار وإن كانت انشاآت شرعا فدخل البيع والاعتكاف والعتق والنذر بالصوم، وخرج الامر والنهي. فلو قال اعتقوا عبدي في بعد موتي إن شاء الله لا يصح الاستثناء، وكذا بع عبدي من بعد موتي إن شاء الله لا يصح الاستثناء، وكذا بع عبدي هذا إن شاء الله لم يبعه. وخرج ما لم يختص باللسان كالنية فلو قال نويت أن أصوم إن شاء الله صح صومه. وأشار بإسناد المشيئة إلى الله تعالى إلى كل من لم يوقف له على مشيئة كإن شاء الجن أو الانس أو الملائكة أو الحائط فلا يقع في الكل فخرج من يوقف له عليها كإن شاء زيد فهو تمليك له معتبر فيه مجلس علمه فإن شاء فيه طلقت وإلا خرج الامر من يده. وصورة مشيئته أن يقول شئت ما جعله إلى فلان ولا تشترط فيه نية الطلاق ولا ذكره كما في الجوهرة. ودخل في كلامه ما إذا علقه بمشيئة الله ومشيئة من يوقف على مشيئته كما إذا قال إن شاء الله وشاء زيد فلا وقوع وإن شاء زيد كما في البدائع. وقدمنا عن تلخيص الجامع حكم ما إذا قال أمرها بيد الله وبيدك. وأشار بكلمة أن إلى ما كان بمعناها فدخل إلا أن يشاء الله أو ما شاء الله أو إذا شاء الله أو بمشيئة الله. وبالمشيئة إلى ما كان بمعناها كالارادة والمحبة والرضا بجميع الادوات المتقدمة لا فرق بين إن والباء فخرج ما لم يكن بمعناها كأمره وحكمه وإرادته وقضائه وإذنه وعلمه وقدرته فإنه يقع للحال إن كان بالباء، وإن أضافه إلى العبد. وخرج أيضا ما إذا كان باللام فإنه يقع في الوجوه كلها وإن أضافه إلى العبد، وأما إذا كان بفي وأضافه إلى الله تعالى فإنه لا يقع في الوجوه كلها إلا في

[ 63 ]

قوله طالق في علم الله، وإلا في قوله في قدرة الله إن أراد بالقدرة ضد العجز لان قدرة الله تعالى موجودة قطعا كالعلم سواء بخلاف ما إذا لم ينو لانها بمعنى التقدير ولا يعلم تقديره كذا في المحيط. والحاصل أنه إن أتى ب‍ " إن لم يقع في الكل، وإن أتى بالباء لم يقع في المشيئة والارادة والرضا والمحبة ووقع في الباقي، وإن أتى بفي لم يقع إلا في علم الله، وإن أتى باللام وقع في الكل، وإن أضافه إلى العبد كان تمليكا في الاربعة الاولى وهي المشيئة وأخواتها وما بمعناها كالهوية والرؤية تعليقا في الستة وهي الامر وأخواته. وأطلقه فشمل ما إذا كتب الطلاق والاستثناء أو كتب الطلاق واستثنى بلسانه أو طلق بلسانه واستثنى بالكتابة يصح كما في البزازية. وأشار ب‍ " إن بدون الواو إلى أنه لو قال أنت طالق وإن شاء الله فإنه لا يصح الاستثناء كما في الجوهرة، ولو قدم المشيئة ولم يأت بالفاء صحت المشيئة ولا تطلق لكونه إبطالا وعليه الفتوى كما في الخانية، وهو الاصح كما في البزازية معزيا كل منهما إلى أبي يوسف. وقد حكى صاحب المجمع خلافا فيه فقال: وإن شاء الله أنت طالق يجعله تعليقا وهما تطليقا فأفاد أنه يقع عند أبي يوسف لكونه تعليقا عنده

[ 64 ]

والشرط فيه الفاء في الجواب المتأخر فإذا لم يأت به لا يتعلق فينجز ولغت المشيئة، ولا يقع عند أبي حنيفة ومحمد لانه ليس بتعليق. هذا ما يقتضيه ما في المتن وقرره الزيلعي وابن الهمام وغيرهما، وقد خالف شارح المجمع فنسب إلى أبي يوسف القائل بالتعليق عدم الوقوع وإليهما الوقوع نظرا إلى ما نقله قاضيخان في هذه المسألة من أن عدم الوقوع قول أبي يوسف. فالحاصل أن ثمرة الخلاف تظهر فيما إذا قدم المشيئة ولم يأت بالفاء في الجواب ويصدق على القول بالوقوع ديانة أنه أراد الاستثناء كما في الجوهرة ولو أجاب بالواو فهو استثناء اجماعا. وفي الاسبيجابي: لا يصح الاستثناء بذكر الواو بالاجماع. قال في الجوهرة: وهو الاظهر. وتظهر أيضا فيمن حلف بالطلاق إن حلف بطلاقها ثم قال أنت طالق إن شاء الله حنث على القول بالتعليق لا الابطال. قال في فتح القدير: وفي فتاوى قاضيخان الفتوى على قول أبي يوسف إلا أنه عزى إليه الابطال فتحصل على أن الفتوى على أنه إبطال اه‍. فظاهره أن الفتوى على عدم الوقوع فيما إذا قدم المشيئة ولم يأت بالفاء وفيما إذا حلف بالطلاق إن حلف

[ 65 ]

بطلاقها ثم حلف مستثنيا وليس كذلك لما صرح به قاضيخان بأن الفتوى على عدم الوقوع في الاولى وهو قول أبي يوسف كما قدمناه. وصرح في البزازية بأن الفتوى على الوقوع في المسألة الثانية وهو قول أبي يوسف. وقوله إلا أنه أي قاضيخان عزا إليه أي إلى أبي يوسف الابطال سهو وإنما عزى إليه اليمين ولا بأس بسوق عبارته بتمامها قال: ولو قال إن شاء الله أنت طالق لا تطلق في قول أبي يوسف وتطلق في قول محمد والفتوى على قول أبي يوسف، وكذا لو قال إن شاء الله وأنت طالق ثم اختلف أبو يوسف ومحمد أن الطلاق المقرون بالاستثناء في موضع يصح الاستثناء هل يكون يمينا قال أيو يوسف: يكون يمينا حتى لو قال إن حلفت بطلاقك فعبدي حر ثم قال لها أنت طالق إن شاء الله حتى يصح الاستثناء حنث في قول أبي يوسف. وقال محمد: لا يكون يمينا ولا يحنث. وعلى هذا لو قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار وعبده حر إن كلمت فلانا إن شاء الله تعالى على قول محمد ينصرف الاستثناء إلى الطلاق والعتاق جميعا، وعلى قول أبي يوسف ينصرف الاستثناء إلى اليمين الثانية اه‍. فقد ظهر بهذا أن أبا يوسف قائل بأنها يمين لا إبطال وأن على القول بالتعليق لا يقع الطلاق فيما إذا قدم الشرط ولم يأت بالفاء في الجزاء كما في شرح المجمع لا أنه يقع على القول به، وأن شارح المجمع قد غلط كما توهمه في فتح القدير، وأن أبا يوسف القائل بعدم الوقوع في الاولى قائل بالوقوع في الثانية، وأن الفتوى على قوله في المسألتين.

[ 66 ]

فتحصل من هذا أن الفتوى على أنه تعليق لا إبطال ولكن فيه إشكال وهو أن مقتضى التعليق الوقوع عند عدم الفاء لعدم الرابط، ومما يظهر فيه ثمرة الخلاف ما لو قال كنت طلقتك أمس إن شاء الله فعندهما لا يقع، وعند أبي يوسف يقع، كذا في المحيط. فثمرة الخلاف تظهر في هذه وفيما إذا أخر الجواب ولم يأت بالفاء أو أتى بالواو وحلف أن لا يحلف أو تعقب جملا وقيد بموتها لانه إذا مات الزوج قبل الاستثناء وهو يريده يقع الطلاق وتعلم إرادته بأن ذكر لآخر قصده قبل التلفظ بالطلاق. والفرق بين موتها وموته أن الاستثناء خرج الكلام من أن يكون ايجابا والموت ينافي الموجب دون المبطل بخلاف موته لانه لم يتصل به الاستثناء كذا في الهداية. وفي البزازية: لو قال أنت طالق إن شاء الله أنت طالق فالاستثناء ينصرف إلى الاول ويقع الثاني عندنا خلافا لزفر فإنه ينصرف إليهما عنده ولا يقع شئ، وكذا لو قال أنت طالق ثلاثا إن شاء الله أنت طالق وقعت واحدة في الحال وينبغي أن يكون المفتى به قول زفر لان إن شاء الله صالح لتعليق الطلاق الاول اتفاقا ولتعليق الاخير أيضا وإن لم تكن الفاء فيه لما تقدم أن عند أبي يوسف إذا قدم الشرط وأخر الجزاء ولم يأت بالفاء لا يقع شئ وعليه الفتوى. وأشار بقوله إن شاء الله إلى أنه لو قال أنت طالق إن لم يشأ الله لا يقع شئ فأفاد أنه لو قال أنت طالق واحدة إن شاء الله وأنت طالق اثنتين إن لم يشأ الله لا يقع شئ أما في الاول فللاستثناء، وأما في الثاني فلانا لو أوقعناه علمنا أن الله تعالى شاء لان الوقوع دليل المشيئة لان كل واقع بمشيئة الله تعالى وهو علق في الثاني بعدم مشيئة الله تعالى لا بمشيئته جل وعلا فيبطل الايقاع ضرورة. ولو قال أنت طالق اليوم واحدة إن شاء الله وإن لم يشأ فثنتين فمضى اليوم ولم يطلقها طلقت ثنتين لان وقوع ثنتين تعلق بعدم مشيئة الله تعالى الواحدة في اليوم وبمضيه بلا طلاق وجد الشرط. ثم اعلم أن مذهبنا كما قدمناه عدم الوقوع في المعلق بالمشيئة نواه وعلم معناه أولا، وعند مالك يقع مطلقا، وعند الشافعي إن نواه وعلمه لا يقع

[ 67 ]

وإلا يقع، وعند المعتزلة كما في البزازية إن كان يمسكها بمعروف لا يقع الطلاق وإن كان يسئ معا شرتها يقع لان الطلاق في الاول حرام والقبائح لا تعلق لها بمشيئة الله تعالى، وفي الثاني واجب وبه تتعلق مشيئته تعالى وإن كان لا يحسن ولا يضر فالطلاق مباح. وهل يتعلق بالمباح مشيئة الله تعالى ففيه خلاف بين المعتزلة اه‍. وقيد بقوله إن شاء الله لانه لو قال أنت طالق كيف شاء الله فإنها تطلق رجعية كما في الخلاصة وقدمناه. وفي المحيط: ولو حرك لسانه بالاستثناء يصح وإن لم يكن مسموعا عند الكرخي، وعند الهند وإني لا يصح ما لم يكن مسموعا على ما مر في الصلاة اه‍. قوله: (وفي أنت طالق ثلاثا إلا واحدة تقع ثنتان وفي الاثنتين واحدة وفي إلا ثلاثا ثلاث) شروع في بيان الاستثناء وهو في الاصل نوعان: وضعي وعرفي. فالعرفين ما تقدم من التعليق بالمشيئة والوضعي هو المراد هنا وهو بيان ب إلا أو إحدى أخواتها أن ما بعدها لم يرد بحكم الصدر قد اتقفوا على أن ما بعد إلا لم يرد بحكم الصدر فالمقربة ليس إلا سبعة في علي عشرة إلا ثلاثة، وإنما اختلفوا هل أريد ما بعد إلا باالصدر فأكثر الاصوليين أنه لم يرد وكلمة إلا قرينة عليه، وجماعة على أنه أريد ما بعد إلا ثم أخرج ثم حكم على الباقي. والمراد أنه أريد عشرة في هذا المثال وحكم على سبعة فإرادة العشرة باق بعد الحكم، وما نسب إلى الشافعي من القول بالمعارضة فمعناه أنه اسند الحكم إلى العشرة مثلا ثم نفي الحكم عن ثلاثة فتعارضا صورة، ثم ترجح الثاني فيحكم أن المراد بالاول ما سواه وليس مراده حقيقة النسبة إليهما لان حقيقة التناقض لم يقل به عاقل فاندفع ما ذكره الشارح وغيره من الاستدلال عليه بقوله تعالى * (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) * [ العنكبوت: 41 ] لانه في غير محل النزاع وتمامه في التحرير لابن الهمام. ولم يقيد المصنف بالاتصال هنا اكتفاء بما ذكره فميا قبله لما قدمنا أن كلا منهما استثناء ويبطل الاستثناء بأربعة: بالسكتة اختيارا، وبالزيادة على المستثنى منه كأنت طالق ثلاثا إلا أربعا، وبالمساواة، وباستثناء بعض الطلاق كأنت طالق إلا نصفها، كذا في البزازية. وزاد في الخانية خامسا فقال: والخامس ما يؤدي

[ 68 ]

إلى تصحيح بعض الاستثناء وإبطال البعض كما لو قال أنت طالق ثنتين وثنتين إلا ثلاثا، لو قال أنت طالق ثلاثا يا فلانة إلا واحدة وقعت اثنتان ولا يصير النداء فاصلا لانه للتأكيد كما في الولوالجية. وأشار باستثناء الثنتين إلى جواز استثناء الاكثر، وأفاد بقوله وفي إلا ثلاثا ثلاث عدم جواز استثناء الكل من الكل وحاصله أنه إذا كان المستثنى منه أو بمساو ولم يكن بعده استثناء آخر فإن الاستثناء باطل، فالاول كمسألة الكتاب وكقوله نسائي طوالق إلا نسائي، وعبيدي أحرارا إلا عبيدي، وكما إذا أوصى بثلث ماله. ومن المساوي أنت طالق ثلاثا إلا واحدة وواحدة وواحدة أو الاثنتين وواحدة. وفي الولوالجية من آخر العتق: قال لعبيده الثلاث أنتم أحرار إلا فلانا وفلانا وفلانا يقع العتق ولا يصح الاستثناء لانه استثناء الكل من الكل اه‍. وفي قياسه أنتن طوالق إلا فلانة وفلانة وفلانة وليس له أربعة وهو من قبيل المساوي بخلاف ما إذا كان بغير المساوي كقوله كل امرأة لي طالق إلا هذه وليس له سواها لا تطلق لان المساواة في الوجود لا تمنع صحته إن عم وضعا لانه تصرف صيغي كقوله نسائي طوالق إلا زينب وهندا وعمرة وبكرة، وأوصيت بثلث مالي إلا ألفا والثلث ألف فإنه يصح، وعبيدي أحرار إلا فلانا وفلانا وليس له إلا هما. وفي الجوهرة: واحتلفوا في استثناء الكل قال بعضهم هو رجوع، وقال بعضهم هو استثناء فاسد وليس برجوع وهو الصحيح لانهم قالوا في الموصي إذا استثنى جميع الموصى به فإنه يبطل الاستثناء والوصية صحيحة ولو كان رجوعا لبطلت الوصية لان الرجوع فيها جائز اه‍. وفي المحيط: لو قال أنت طالق ثنتين وثنتين إلا ثنتين، إن نوى الاستثناء عن إحدى الثنتين لم يصح لانه استثناء الكل من الكل، وإن نوى واحدة من الاولى وواحدة من الاخرى يصح، وإن لم تكن له نية يصح الاستثناء ويقع ثنتان خلافا لزفر لانه أمكن تصحيح الاستثناء بأن يصرف إلى كلا العددين فيصير مستثنى من كل جملة واحدة فيصرف إليهما تصحيحا لكلامه، وروى هشام عن محمد لو قال أنت طالق ثنتين وثنتين إلا ثلاثا أو أنت طالق ثنتين وأربعا إلا خمسا وقع الثلاث لانه تعذر تصحيح الاستثناء لان استثناء الثلاث من الثنتين لا يصح لانه يزيد عليه ولا استثناء نصف الثلاث من كل ثنتين لانه استثناء جميع الثنتين لان ذكر نصف ما لا يتجزئ كذكر كله ولا استثناء واحدة من إحدى الثنتين لانه يبقى ثنتين استثناء من الاخرى وأنه لا يصح. ولو قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة أو ثنتين ومات قبل البيان طلقت واحدة في رواية ابن سماعة عن أبي يوسف. وفي رواية أخرى يقع اثنتان. ولو قال أنت طالق عشرا إلا تسعا يقع واحدة لان الاستثناء يرد على اللفظ فيكون العبرة للفظ لا للحكم وباعتبار هذا اللفظ

[ 69 ]

استثناء البعض من الكل. ولو قال إلا ثمانيا تقع اثنتان، ولو قال إلا سبعا يقع الثلاث. ولو قال للمدخولة أنت طالق أنت طالق أنت طالق إلا واحدة يقع الثلاث، وكذا لو قال أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة لانه ذكر كلمات متفرقة فيعتبر كل كلام في حق صحة الاستثناء كأنه ليس معه غيره، وكذا لو قال أنت طالق بائن وأنت طالق غير بائن إلا تلك البائن لا يصح الاستثناء، وكذا لو قال هذه طالق وهذه وهذه إلا هذه، ولو قال أنتن طوالق إلا هذه صح الاستثناء اه‍. وقيدنا بكونه لم يكن بعده استثناء آخر لانه لو كان بعده ما يكون جبرا للصدر فإنه يصح كقوله أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا الا واحدة فإنها تطلق واحدة والاصل أنه إذا تعدد الاستثناء بلا وأو كان كل اسقاطا مما يليه فوقع اثنتان في قوله أنت طالق ثلاثا الاثنتين إلا واحدة، ولزمه خمسة في قوله له علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثا إلا ثنتين إلا واحدة. وفي المحيط: وطريقة أخرى لمعرفتها أن تأخذ الثلاث بيمينك والثنتين بسارك والواحدة بيمينك ثم تسقط ما اجتمع في يسارك مما اجتمع في يمينك فما بقي فهو الواقع اه‍. وقيد بقوله إلا واحدة لانه لو قال أنت طالق ثلاثا إلا نصف واحدة لا يصح الاستثناء ووقع الثلاث على المختار، وقد ذكر المصنف المستثنى والمستثنى منه من غير وصف لانه لو قال أنت طالق ثلاثا بائنة إلا واحدة أو ثلاثا ألبتة إلا واحدة وقع اثنتان رجعيتان، ولو قال أنت طالق اثنتين إلا واحدة بائنة إو إلا واحدا بائنا تطلق واحدة رجعية، ولو قال أنت طالق اثنتين ألبتة إلا واحدة تقع واحدة بائنة، وكذا لو قال أنت طالق ثنتين إلا واحدة ألبتة تقع واحدة بائنة وتمامه في البزازية وفي الولوالجية أنت طالق ثلاثا إلا واحدة غدا أو قال إلا واحدة إن كلمت فلانا يصير قائلا أنت طالق اثنتين غدا أو إن كلمت فلانا، ولو قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة للسنة كانت طالقا اثنتين للسنة عند كل طهر تطليقة واحدة لانه صار كأنه قال أنت طالق اثنتين للسنة وتمامه في المحيط. ولو قال أنت بائن ينوي ثلاثا إلا واحدة طلقت اثنتين بائنتين. وقال محمد: طلقت واحدة. ولو قال أنت طالق ثلاثا إلا نصفها يقع ثنتان، ولو قال إلا أنصافهن يقع الثلاث، كذا في الخانية والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

[ 70 ]

باب طلاق المريض لما كان المرض من العوارض أخره ومعناه ضروري فتعريفه تعريف بالاخفى، والمراد به هنا من عجز عن القيام بحوائجه خارج البيت كعجز الفقيه عن الاتيان إلى المسجد، وعجز السوقي عن الاتيان إلى دكانه، فأما من يذهب ويجئ ويحم فلا وهو الصحيح. وهذا في حقه، أما في حقها فيعتبر عجزها عن القيام بمصالحها داخل البيت، كذا في البزازية. وزاد في فتح القدير أن لا تقدر على الصعود إلى السطح. وفي صلاة المريض الذي يباح له ترك القيام أن يكون بحيث يلحقه بالقيام ضرر على الاصح كما في الجوهرة. وليس الحكم هنا مقصورا على المريض بل المراد من يخاف عليه الهلاك غالبا وإن كان صحيحا كما سيأتي. وقد علم من كلامهم أنه لا يجوز للزوج المريض التطليق لتعلق حقها بماله إلا إذا رضيت به. قوله: (طلقها رجعيا أو بائنا في مرض موته ومات في عدتها ورثت وبعدها لا) لان الزوجية سبب إرثها في مرض موتة والزوج قصد إبطاله فيرد عليه قصده بتأخير عمله إلى زمن انقضاء العدة دفعا للضرر عنها وقد أمكن لان النكاح في العدة يبقى في حق بعض الآثار فجاز أن يبقى في حق إرثها عنه بخلاف ما بعد الانقضاء لانه لا إمكان والزوجية في هذه الحالة ليست بسبب لارثه عنها فيبطل في حقه خصوصا إذا رضي به. وفي الظهيرية: وإن كانت المطلقة في المرض مستحاضة وكان حيضها مختلفا ففي الميراث يؤخذ بالاقل لان المال لا يستوجب بالشك اه‍. أطلق الرجعي ليفيد أنها ترث وإن طلق في الصحة ما دامت في العدة لبقاء الزوجية بينهما حقيقة حتى حل الوطئ وورثها إذا ماتت فيها، ولا يشترط أهليتها للارث وقت الطلاق بل وقت موته حتى لو كانت في الرجعي مملوكة أو كتابية ثم أعتقت أو أسلمت في العدة ورثته. وأطلق البائن فشمل الواحدة والثلاث. وترك المصنف قيد الطواعية ولا بد منه لانه لو أكره على طلاقها البائن لا ترث كما لو أكرهت على سؤالها الطلاق فإنها

[ 71 ]

ترث كما في القنية، وذكر في جامع الفصولين خلافا فيه. وقيد بأن يكون في مرضه احترازا عما إذا طلق في الصحة ثم مرض ومات وهي في العدة لا ترث منه، ولو قال صحيح لامرأتيه إحداكما طالق ثم بين في مرضه في إحداهما صار فارا بالبيان وترث لانه كالانشاء في حق الارث للتهمة وتمامه في الكافي. وأراد به المرض الذي اتصل به الموت لان حقها لا يتعلق بما له إلا به، فلو طلقها في مرضه ثم صح ثم مات وهي في العدة لا ترث منه كما سيأتي. ولو طلقها في مرضه ثم قتل أو مات من غير ذلك المرض غير أنه لم يبرأ فلها الميراث لانه قد اتصل الموت بمرضه، كذا في الظهيرية. ولا بد في البائن أن تكون أهلا للميراث وقت الطلاق والموت وما بينهما وسيأتي. ولا يشترط عمله بأهليتها للميراث حتى لو طلقها بائنا في مرضه وقد كان سيدها أعتقها قبل ولم يعلم به الزوج كان فارا، وكذا لو كان تحته كتابية فأسلمت فطلقها الزوج ثلاثا وهولا يعلم بإسلامها كما في الظهيرية، بخلاف ما لو قال المولى لامته أنت حرة غدا. وقال الزوج أنت طالق ثلاثا بعد غد إن علم الزوج بكلام المولى كان فارا وإلا فلا كما في الخانية لانه وقت التعليق لم يقصد إبطال حقها حيث لم يعلم وإن صارت أهلا قبل نزول الطلاق ولم تكن حرة وقت التعليق لان عتقها مضاف بخلاف ما إذا كانت حرة وقته ولم يعلم به لانه أمر حكمي فلا يشترط العلم به ولو علق طلاقها البائن بعتقها كان فارا كما في الظهيرية. ولو علق طلاقها بمرضه كما إذا قال إن مرضت فأنت طالق ثلاثا يكون فارا لانه جعل شرط الحنث المرض مطلقا كما في الولوالجية، وصححه في الخانية. وشمل كلامه ما إذا وكل بطلاقها وهو صحيح ثم مرض فطلق الوكيل بشرط أن يقدر على عزله، أما إذا لم يستطع عزله حتى طلقها في مرضه لا ترث منه كما في الظهيرية. وفي الولوالجية: لو قالت بعد موته طلقني في مرضه ثلاثا وكذبها الورثة في الطلاق في

[ 72 ]

المرض ورثته لانهم يدعون عليها الحرمان بالطلاق في الصحة وهي تنكر فيكون القول لها كما لو قالت طلقني وهو نائم.، وقالوا في اليقظة كان القول لها. وفي الخانية: لو كانت المرأة أمة قد عتقت ومات الزوج فادعت المرأة العتق في حياة الزوج وادعت الورثة أنه كان بعد موته فالقول للورثة ولا يعتبر قول مولاها كما إذا ادعت أنها أسلمت في حياته وقال الورثة أسلمت بعد موته فالقول لهم والقول لها في إنه مات قبل انقضاء عدتها مع اليمين، فإن نكلت لا إرث لها. ولو تزوجت قبل موته ثم قالت لم تنقض عدتي لا يقبل قولها ولو لم تتزوج لكنها قالت أيست ثم مات بعد مضي ثلاثة أشهر من وقت إقرارها لا ميراث لها اه‍. وفي المحيط: وإن لم يعلم منها كفر فقالت الورثة كنت كتابية وأسلمت بعد موت الزوج وهي تقول ما زلت مسلمة فالقول قولها لان الورثة يدعون بطلان حقها وهي تنكر. ولو مات الزوج كافرا فقالت امرأة مسلمة أسلمت بعد موت زوجي وقالت الورثة بل كنت مسلمة قبل موته فالقول لهم لانه ظهر بطلان حقها حيث كانت مسلمة للحال فهي تدعي ثبوت حقها في ماله والورثة ينكرونه اه‍. وأشار بقوله في عدتها إلى أنها مدخولة فلو أبانها قبل الدخول بها فلا ميراث لها لانه تعذر إبقاء الزوجية في غير حالة العدة كما في المحيط. وقيد بموته لانه لو ماتت المرأة لم يرثها الزوج بحال لان الزوج بالطلاق رضي ببطلان حقه، كذا في الميحط. وفي جامع الفصولين: طلقها في المرض فمات بعد مضي العدة فالمشكل من متاع البيت لوارث الزوج إذ صارت أجنبية بمضي العدة ولم يبق لها يد ولو مات قبل العدة فالمشكل من متاع البيت للمرأة عند أبي حنيفة لانها ترث فلم تكن أجنبية فكأنه مات قبل الطلاق اه‍. قوله: (ولو أبانها بأمرها أو اختلعت منه أو اختارت نفسها بتفويضه لم ترث) لانها رضيت بإبطال حقها للامر منها بالعلة في الاولى ولمباشرتها العلة في الاخيرين، أما في التخيير فظاهر لانه تمليك منها، وأما في الخلع فلان التزام المال علة العلة لانه شري الطلاق. قيد بالبائن لانها لو سألته الرجعي فطلقها لا يمتنع إرثها لما قدمنا أنها زوجة حقيقة. وقيد بكونه طلق بأمرها لانها لو طلقت نفسها بائنا فأجاز ترث لان المبطل للارث إجازته كما في القنية. وأراد بالامر الرضا بالطلاق فخرج ما لو أكرهت على سؤالها الطلاق فإنها ترث لعدم

[ 73 ]

الرضا، وشمل ما لو وقعت الفرقة بتمكين ابن الزوج فلا ترث إلا أن يكون أبوه أمره بذلك فقربها مكرهة لانه بذلك ينتقل إليه فيصير كالمباشر، وشمل ما إذا فارقته بسبب الجب أو العنة أو خيار البلوغ والعتق فلا ترث لرضاها، وكذا لو ارتدت وهو مريض. وأشار باختلاعها منه إلى مباشرتها لعلة الطلاق فدخل فيه ما لو أبانها في مرضه ثم قال لها إذا تزوجتك فأنت طالق ثلاثا ثم تزوجها في العدة ومات من مرضه حيث لا ترث لانه موت في عدة مستقبلة فأبطل حكم الفرار بالطلاق الاول والطلاق الثاني وإن وقع إلا أن شرطه وهو التزوج حصل بفعلها فلا يكون فرارا خلافا لمحمد، كذا في الخانية. وقيد باختلاعها منه لانه لو خلعها أجنبي من زوجها المريض مرض الموت فلها الارث لو مات الزوج في مرضه ذلك وهي في العدة لانها لم ترض بهذا الطلاق فيصير الزوج فارا، كذا في جامع الفصولين. ولم يذكر المصنف حكم ما إذا وقعت الفرقة من قبلها في مرض موتها ولا يخفى أنه لما تعلق حقها بما له في مرض موته تعلق حقه بما لها في مرض موتها، فلو باشرت سبب الفرقة وهي مريضة وماتت قبل انقضاء عدتها ورثها كما إذا وقعت الفرقة باختيارها نفسها في خيار البلوغ والعتق أو بتقبيلها ابن زوجها وهي مريضة لانها من قبلها ولذا لم يكن طلاقا وهذا ظاهر، وأما إذا وقعت بسبب الجب أو العنة أو العان وهي مريضة فمشى الشارح على أنها كالاول. وفي الخانية ونقله في فتح القدير عن الجامع أنه لا يرثها لانها طلاق فكانت مضافة إليه وعزاه في المحيط إلى الجامع أيضا مقتصرا عليه وجزم به في الكافي فكان هو المذهب. وإذا ارتدت المرأة ثم ماتت أو لحقت بدار الحرب إن كانت الردة في الصحة لا يرثها زوجها، وإن كانت في المرض ورثها زوجها استحسانا بخلاف ما إذا ارتد فقتل أو لحق بدار الحرب أو مات على الردة فإنها ترثه مطلقا. وإن ارتدا معا ثم أسلم أحدهما ثم مات أحدهما إن مات المسلم لا يرث المرتد وإن كان الذي مات مرتدا هو الزوج ورثته المسلمة وإن كانت المرتدة قد ماتت فإن كانت ردتها في المرض ورثها الزوج المسلم، وإن كانت في الصحة لم ترث، كذا في الخانية. وفي الكافي: الاصل أن المأمورين بالطلاق بغير بدل ينفرد كل واحد منهما بالايقاع والمأمورين بالطلاق بالبدل لا ينفرد أحدهما بالايقاع بل يشترط اجتماعهما وأن التمليك يقتصر على المجلس والتوكيل، لا ومن عمل لنفسه فهو مالك ومن عمل لغيره فهو وكيل. وامرأة الفار لم ترث إن باشرت علة الفرقة أو شرطها أو أخر وصفي العلة أو إحدى العلتين، وإن باشرت بعض العلة أو بعض الشرط لم يبطل حقها من الارث. قال المريض لامرأتيه بعد الدخول طلقا

[ 74 ]

أنفسكما ثلاثا فطلقت كل نفسها وصاحبتها على التعاقب طلقتا ثلاثا بتطليق الاولى وتطليق الاخرى نفسها بعد ذلك وصاحبتها باطل فإذا طلقت الاولى نفسها وصاحبتها طلقتا وورثت الثانية دون الاولى بخلاف ما إذا ابتدأت الاولى فطلقت صاحبتها دون نفسها حيث يقع الطلاق على صاحبتها ولم يقع عليها لانها في حق نفسها مالكة والتمليك يقتصر على المجلس، فإذا بدأت بطلاق صاحبتها خرج الامر من يدها وورثت، وكذا لو ابتدأت كل واحدة بتطليق صاحبتها لان كل واحدة طلقت بتطليق غيرها. وإن طلقت كل واحدة نفسها وصاحبتها معا طلقتا ولم يرثا لان كل واحدة طلقت بتطليق نفسها، وإن طلقت احداهما بأن قالت إحداهما طلقت نفسي وقالت الاخرى طلقت صاحبتي وخرج الكلامان معا طلقت تلك الواحدة ولا ترث، وإن طلقت إحداهما نفسها ثم طلقتها صاحبتها طلقت ولا ترث وعلى العكس ترث. هذا كله إذا كانتا في مجلسهما ذلك، فإن قامتا عن مجلسهما ذلك ثم طلقت كل نفسها وصاحبتها معا أو على التعاقب أو طلقت كل واحدة صاحبتها ورثتا، ولو طلقت كل واحدة منهما نفسها لم تطلق واحدة منهما. ولو قال طلقا أنفسكما ثلاثا إن شئتما فطلقت إحداهما نفسها وصاحبتها لم تطلق واحدة منهما حتى تطلق الاخرى نفسها وصاحبتها، فلو طلقت الاخرى بعد ذلك نفسها وصاحبتها ثلاثا طلقتا وورثت الاولى دون الثانية، لو قامتا عن المجلس ثم طلقت كل واحدة كليهما متعاقبا أو معا لا يقع. ولو قال أمركما بأيديكما ناويا التفويض صار تمليكا حتى لا تنفرد إحداهما بالطلاق ويقتصر على المجلس وهو كالتعليق بالمشيئة إلا في حكم واحد وهو أنهما إذا اجتمعا على طلاق واحدة منهما يقع، وفي قوله إن شئتما لا يقع. ولو قال طلقا أنفسكما بألف فقالت كل واحدة طلقت نفسي وصاحبتي بألف معا أو متعاقبا بانتا بألف ويقسم على مهريهما ولم يرثا، ولو طلقت إحداهما طلقت بحصتها من الالف وإن قامتا من المجلس بطل الامر. اه‍ مختصرا قوله: (وفي طلقني رجعية فطلقها ثلاثا ورثت) لما قدمنا أن الرجعي لا يزيل النكاح فلم تكن بسؤالها راضية ببطلان حقها، وأراد من ذكر الرجعية نفي سؤالها البائن فدخل ما لو قالت طلقني ولم تزد عليه فطلقها بائنا فإنها ترث لانه ينصرف إلى الرجعي عند الاطلاق كما في الخانية، وكذا ينصرف إليه في الوكالة والتفويض والانشاء فلم تكن بسؤالها راضية ببطلان حقها. والمراد بالثلاث البائن فدخل ما لو طلقها واحدة بائنة أيضا ولم أرحكم ما إذا سألته واحدة بائنة فطلقها ثلاثا وظاهر المحيط أنها ترث فإنه قال: لو قالت له طلقني فطلقها ثلاثا ورثت استحسانا لانها سألته في الواحدة

[ 75 ]

وقد طلقها ثلاثا انتهى. ولم يعلل بالرجعي وإنما علل بالواحدة وينبغي أن لا ميراث لها لرضاها بالبائن. قوله: (وإن أبانها بأمرها في مرضه أو تصادقا عليها في الصحة ومضى العدة فاقر أو أوصى لها فلها الاقل منها ومن ارثها) أي لها الاقل من كل واحد من المقر به والموصى به ومن إرثها منه لان العدة باقية في المسألة الاولى وهي سبب التهمة والحكم يدار على دليل التهمة، وفي الثانية قال الامام ببقاء التهمة أيضا لان المرأة قد تختار الطلاق لينفتح باب الاقرار والوصية فيزيد حقها والزوجان قد يتواضعان على الاقرار بالفرقة وانقضاء العدة وهذه التهمة في الزيادة فرددناها ولا تهمة في قدر الميراث فصححناه. وهما قالا في الثانية بنفي التهمة لكونها أجنبية لعدم العدة بدليل قبول شهادته لها وجواز وضع الزكاة فيها وتزوجها بزوج آخر. وأجاب الامام الاعظم رضي الله عنه بأنه لا مواضعة عادة في حق الزكاة والشهادة والتزوج فلا تهمة. هذا حاصل ما في الهداية وقرره الشارحون من غير تعقب وهو ظاهر في أنه إذا أقر بالطلاق منذ زمان وصدقته أن العدة تعتبر من وقت الطلاق بدليل أنهم اتفقوا هنا أنه يجوز له دفع الزكاة إليها وشهادته لها وتزوجها وهو خلاف ما صرحوا به في العدة من أن الفتوى على أن العدة تعتبر من وقت الاقرار كما في الهداية والخانية وغيرهما، فلا يثبت شئ من هذه الاحكام ولا تزوجه بأختها وأربع سواها أيضا فحينئذ ظهرت التهمة في إقراره ووصيته، واندفع به ما ذكره السروجي في غايته من أنه ينبغي تحكيم الحال فإن كان جرى

[ 76 ]

بينهما خصومة وتركت خدمته في مرضه فذلك يدل على عدم المواضعة فلا تهمة وإلا فلا تصح للتهمة. وقد رده في فتح القدير بوجه آخر بأن حقيقة الخصومة ليست ظاهرة إذ الايصاء لها بأكثر من الميراث ظاهر في أن تلك الخصومة ليست على حقيقتها كما يفعله أهل الحيل للاغراض انتهى. وظهر بما ذكرنا سهو الشمني في شرح النقاية حيث قال: وفي الذخيرة لا بد من تحكيم الحال فإن كان حال خصومة وغضب يقع الطلاق عليها بهذا الاقرار وإن لم يكن كذلك لا يقع انتهى. فإن صاحب الذخيرة إنما ذكر تحكيم الحال فيما إذا قالت لك امرأة غيري أو تزوجت علي فقال كل امرأة لي طالق فإنه قال قيل الاولى تحكيم الحال إن كان قد جرى بينهما مشاجرة وخصومة تدل على غضبه يقع الطلاق عليها أيضا وإن لم يكن كذلك لا يقع انتهى. فقاس السروجي مسألتنا هنا على ما في الذخيرة كما صرح به في فتح القدير، ولا يخفى على عاقل فساد قول من قال إن الطلاق الصريح لا يقع إلا في الخصومة، ولم يذكر صاحب الذخيرة هذه المسألة أصلا فكيف تنسب إليه؟ ودلت المسألة على أن المريضة إذا اختلعت بمهرها الذي على الزوج ولم يكن قريبا لها فإنه ينظر إلى المسمى في بدل الخلع وإلى ثلث ما لها إن ماتت بعد انقضاء العدة وإلى المسمى في بدل الخلع وإلى قدر ميراثه منها إن ماتت قبل انقضاء العدة فيكون له الاقل، وتمامه في البزازية من الخلع. وأشار إلى أن ما تأخذه منه له شبه بالدين وشبه بالميراث فللاول لو أرادت أن تأخذ من عين التركة ليس على الورثة ذلك بل لهم أن يعطوها من مال آخر اعتبارا لزعمها أن ما تأخذه دين، وللثاني لو هلك شئ من التركة قبل القسمة فهو على الكل، ولو طلبت أن تأخذه دنانير والتركة عروض ليس لها ذلك. وفي فصول العمادي: وهذا كله إذا كانت عدتها لم تنقض، أما إذا

[ 77 ]

انقضت عدتها من وقت الاقرار ثم مات فلها جميع ما أقر لها به أو أوصى انتهى. وفي جامع الفصولين: قال لها في مرضه قد كنت ابنتك في صحتي أو جامعت أم امرأتي أو بنت امرأتي أو تزوجتها بلا شهود أو بيننا رضاع قبل النكاح أو تزوجتك في العدة وأنكرت المرأة ذلك بانت منه وترثه لا لو صدقته انتهى. وفيه: ادعت على زوجها المريض أنه طلقها ثلاثا فجحد وحلفه القاضي فحلف ثم صدقته ومات ترثه لو صدقته قبل موته لا لو بعده انتهى. وفي شرح الوقاية: واعلم أن حرف من في قوله فلها الاقل منه ومن الارث ليس صلة لافعل التفضيل إذ لو كان لوجب أن يكون الواجب أقل من كل واحد منهما وليس كذلك بل حرف من للبيان وأفعل التفضيل استعمل باللام فيجب أن يقال أو من الارث لانه لما قال الاقل بينه بأحدهما وصلة الاقل محذوفة وهي من الآخر أي فلها أحدهما الذي هو أقل من الآخر فتكون الواو بمعنى أو أو تكون الواو على معناها لكن لا يراد بها المجموع بل الاقل الذي هو الارث تارة والموصى به أخرى فتكون الواو للجمع وهو أن الاقلية ثابتة لكن بحسب زمانين انتهى. قوله: (ومن بارز رجلا أو قدم ليقتل بقود أو رجم فأبانها ورثت أن مات في ذلك الوجه أو قتل) بيان لحكم الصحيح الملحق بالمريض هنا وهو من كان غالب حاله الهلاك كما في النقاية وغيرها. والاولى أن يقال من يخاف عليه الهلاك غالبا على أن الغلبة تتعلق بالخوف وإن لم يكن الواقع غلبة الهلاك فإن في المبارزة لا يكون الهلاك غالبا إلا أن يبرز لمن علم أنه ليس من أقرانه بخلاف غلبة خوف الهلاك. ودخل تحته من كان راكب السفينة إذا انكسرت وبقي على لوح أو افترسه السبع وبقي في فمه كما ذكره الشارح، وقد يوهم أن الانكسار شرط لكونه فارا وليس كذلك فقد قال في المبسوط: فإن تلاطمت الامواج وخيف الغرق

[ 78 ]

فهو كالمريض. وكذا في البدائع. وقيده الاسبيجابي بأن يموت من ذلك الموج، أما لو سكن ثم مات لا ترث انتهى. والحامل لا تكون فارة إلا في حال الطلق. وفي المجتبى: واختلف في تفسير الطلق فقيل الوجع الذي لا يسكن حتى تموت أو تلد، وقيل وإن سكن لان الوجع يسكن تارة ويهيج أخرى والاول أوجه اه‍. والمسلول والمفلوج والمقعد ما دام يزداد ما به فهو غالب الهلاك وإلا فكالصحيح وبه كان يفتي برهان الائمة والصدر الشهيد، وذكر في جامع الفصولين فيه أقوالا فنقل أولا أنه إن لم يكن قديما فهو كمريض ولو قديما فكصحيح، وثانيا لو لم يرج برؤه بتداو فكصحيح وإلا فكمريض، وثالثا لو طال وصار بحال لا يخاف منه الموت فكصحيح. واختلف في حد التطاول فقيل سنة وبعضهم اعتبروا العرف فما يعده تطاولا فتطاول وإلا فلا. ورابعا إن لم يصر صاحب فراش فكصحيح وإلا فمريض. وخامسا لو يزداد كل يوم فهو مريض لو ينتقص مرة ويزداد أخرى فلو مات بعد سنة فكصحيح ولو مات قبل سنة فمريض اه‍. وأشار بقوله إن مات في ذلك الوجه أو قتل إلى أنه لو طلق بعدما قدم للقتل ثم خلى سبيله أو حبس ثم قتل أو مات فهو كالمريض ترثه لانه ظهر فراره بذلك الطلاق ثم ترتب موته فلا يبالي بكونه بغيره كالمريض إذا طلق ثم قتل. وفي فتح القدير: وأما في حال فشو الطاعون فهل يكون لكل من الاصحاء حكم المرض؟ فقال به الشافعية ولم أره لمشايخنا اه‍. وفي جامع الفصولين: ثم من له حكم المريض لو طلقها ومات في العدة ترثه مات بهذه الجهة أو بجهة أخرى ولذا قال في الاصل: مريض صاحب الفراش لو أبانها ثم قتل ترثه. طعن فيه عيسى بن أبان فقال: لا ترثه إذ مرض الموت ما هو سبب للموت ولم يوجد ولكنا نقول: قد اتصل الموت بمرضه حين لم يصح حتى مات وقد يكون للموت سببان فلا يتبين بهذا أن مرضه لم يكن مرض موته وأن حقها لم يكن ثابتا في ماله اه‍.

[ 79 ]

وفي المصباح: برز الشئ بروزا من باب قعد ظهر وبارز في الحرب مبارزة وبرازا فهو مبارز اه‍. وفيه: والسل بالكسر مرض معروف وأسله الله بالالف أمرضه بذلك فسل هو بالبناء للمفعول وهو مسلول من النوادر ولا يكاد صاحبه يبرأ منه. وفي كتب الطب أنه من أمراض الشباب لكثرة الدم فيهم وهو قروح تحدث في الرئة اه‍. وفيه: والفالج مرض يحدث في أحد شقي البدن طولا فيبطل إحساسه وحركته وربما كان في الشقين ويحدث بغتة إلى آخره. قوله: (ولو محصورا أو في صف القتال لا) أي لا ترث لانه لا يغلب خوف الهلاك، وكذا راكب السفينة قبل خوف الغرق، والحامل قبل الطلق، والمحصور الممنوع سواء كان في حصن أو حبس لقتل من رجم أو قصاص أو غيره، وكذا من نزل بمسبعة أو مخيف من عدو. وفي المصباح: حصره العدو حصرا من باب قتل أحاطوا به ومنعوه من المضي لامره قوله: (ولو علق طلاقها بفعل أجنبي أو بمجئ الوقت والتعليق والشرط في مرضه أو بفعل نفسه وهما في مرضه أو الشرط فقط أو بفعلها ولا بد لها منه وهما في المرض أو الشرط ورثت وفي غيرها لا) لان في الوجه الاول والثاني إذا كان التعليق والشرط في مرضه وجه القصد إلى الفرار عن الميراث في حال تعلق حقها بما له بخلاف ما إذا كان التعليق في الصحة والشرط في المرض لان التعليق السابق يصير تطليقا عند الشرط حكما لا قصدا ولا ظلم إلا عن قصد فلا يرد تصرفه. والمراد من الطلاق في قوله علق طلاقها البائن لان حكم الفرار لا يثبت إلا به. وأطلق في فعل الاجنبي فشمل ما إذا كان له منه بد كدخول الدار أو لا كصلاة الظهر. وأما الوجه الثالث وهو ما إذا علقه بفعل نفسه فلوجود قصد الابطال. أما بالتعليق أو بمباشرة الشرط في المرض. وأطلقه فشمل ما إذا كان له بد منه أو لا فإنه وإن لم يكن له بد من فعل الشرط فله من التعليق ألف بد فيرد تصرفه دفعا للضرر عنها، وشمل ما إذا فوض طلاقها لرجل في صحته فطلقها الاجنبي في المرض وكان يقدر الزوج على عزله لانه لما أمكنه عزله في المرض ولم يفعل صار كأنه أنشأ التوكيل في المرض. ودخل في الاول ما إذا لم يمكنه عزله. ودخل في التعليق بفعله ما إذا قال في صحته إن لم آت البصرة فأنت طالق ثلاثا فلم يأتها حتى مات ورثته وإن ماتت هي وبقي الزوج ورثها لانها ماتت وهي

[ 80 ]

زوجته. فالحاصل أن المسألة على ثمانية أوجه لانه إما أن يعلق بمجئ الوقت أو بفعل أجنبي أو بفعلها أو بفعله، وكل على وجهين إما أن يكون التعليق في الصحة والشرط في المرض أو كانا في المرض، فإن كان بفعل أجنبي أو بمجئ الوقت لا يكون فارا إلا إذا كانا في المرض، وإن كان بفعله فإنه يكون فارا حيث يكون الشرط في المرض فقط، وإن كان بفعلها فقط فكذلك إن كان ذلك الفعل لا يمكنها تركه، وإن كان يمكنها تركه لا يكون فارا. ولو قال لها إن لم أطلقك فأنت طالق فلم يطلقها حتى مات ورثته، ولو ماتت هي وبقي الزوج لم يرثها، وكذا لو قال إن لم أتزوج عليك فأنت طالق ثلاثا فلم يفعل حتى مات ورثته، ولو ماتت هي وبقي الزوج لم يرثها كذا في البدائع وفي الخانية: رجل قال لامرأته في صحته إن شئت أنا وفلان فأنت طالق ثلاثا ثم مرض فشاء الزوج والاجنبي الطلاق معا أو شاء الزوج ثم الاجنبي ثم مات الزوج لا ترث، وإن شاء الاجنبي أولا ثم الزوج ورثت ا ه‍. وحاصله أن الطلاق معلق على مشيئتهما فإذا شاآ معا لم يكن الزوج تمام العلة فلا يكون فارا بخلاف ما إذا تأخرت مشيئة الزوج لانه حينئذ تمت العلة. وأما الوجه الرابع وهو ما إذا علقه بفعلها فإن كان التعليق والشرط في المرض والفعل مما لها بد منه ككلام زيد لم ترث لرضاها، وإن كان لا بد لها منه طبعا كالاكل أو شرعا كصلاة الظهر فلها الميراث لاضطرارها، وأما إذا كان التعليق في الصحة فلا ميراث لها عند محمد مطلقا لفوات الصنع منه في مرضه، وعندهما ترث إن كان مما لا بد لها منه وصححوا قول محمد. قوله: (ولو أبانها في مرضه فصح فمات أو أبانها فارتدت فأسلمت فمات لم ترث) لما قدمنا أنه لا بد أن يكون المرض الذي طلقها فيه مرض الموت فإذا صح تبين أنه لم يكن مرض

[ 81 ]

الموت. وفي معراج الدراية: قيل هذا إن كان به حمى ربع فزالت ثم صار به حمى غب، أما إذا كان به حمى ربع فزالت ثم عادت إليه فإن الثانية تجعل عين الاولى ويكون لها الميراث وفيه نظر، لانها لما زالت لم يبق لها تعلق بماله ا ه‍. وفي قانون شاه في الطب: وأما حمى السوداوية خارج العروق وداخلها فهي حمى الربع فيجب أن يراعى فيها حفظ القوة، وأما حمى الغب بكسر الغين ففي المصباح هي التي تأتي يوما وتغيب يوما ا ه‍. وإن في البائن لا بد أن تستمر أهليتها للارث من وقت الطلاق إلى وقت الموت. أطلق البائن فشمل الثلاث والواحدة، وأشار بارتدادها إلى أنها لو كانت كتابية أو مملوكة وقت الطلاق ثم أسلمت أو أعتقت لا ترث. وقيد بالبائن لان المطلقة رجعيا إنما يشترط أهليتها للارث وقت الموت كما قدمناه. وفي المحيط: ولو ارتد الزوجان معا ثم أسلم الزوج ومات لا ترث منه لانها مرتدة، وإن أسلمت المرأة ثم مات الزوج مرتدا ورثته لان الفرقة قد وقعت ببقاء الزوح على الردة فصار بمنزلة ارتداده ابتداء، ولو ارتد المسلم فمات أو لحق بدار الحرب وله امرأة مسلمة في العدة ورثت، ولو ارتدت المرأة فماتت أو لحقت بدار الحرب معتدة لم يرث منها، وإن كانت مريضة فارتدت ثم ماتت ورث الزوج منها استحسانا لان الفرقة حصلت بعدما تعلق حقه بمالها، ولو قال لامرأته الحرة الكتابية أنت طالق ثلاثا غدا ثم أسلمت قبل الغد أو بعده فلا ميراث لها منه لانها ليست من أهل الميراث منه في الحال، ولو أضاف الطلاق إلى حالة يثبت لها الارث فيها فلا يصير فارا، ولو قال إن أسلمت فأنت طالق ثلاثا ورثت لانه أضاف الطلاق إلى ما بعد الاسلام وهو حالة تعلق حقها بماله، ولو أسلمت فطلقها ثلاثا وهو لا يعلم بإسلامها ترث، ولو أسلمت امرأة الكافر ثم طلقها ثلاثا في مرضه ثم أسلم ومات وهي في العدة لا ترث لان التطليق حصل في حالة لا تستحق المرأة الارث منه، وكذلك العبد إذا طلق امرأته في مرضه ثم أعتق لا ترث ا ه‍ قوله: (وإن طاوعت ابن الزوج أو لا عن أو آلى مريضا ورثت) يعني لو أبانها في مرضه ثم طاوعت ابن الزوج ترث لان الاهلية للارث لم تبطل بالمطاوعة لان المحرمية لا تنافي الارث. قيد بكون المطاوعة بعد الابانة لان الفرقة لو وقعت بتقبيل ابن زوجها لا ترث مطاوعة كانت أو مكرهة، أما إذا كانت مطاوعة فلرضاها بإبطال حقها، وأما إذا كانت مكرهة فلم يوجد من الزوج إبطال حقها المتعلق بالارث لوقوع الفرقة بفعل غيره، كذا في البدائع. وبه علم أن اقتصار الشارحين على المطاوعة لا ينبغي، وخرج ما لو طاوعته بعد الرجعي فإنها لا ترث كما لو طاوعته حال قيام النكاح. وفي الخانية: لو طاوعت ابن زوجها وهي مريضة ثم ماتت في العدة ورثها الزوج استحسانا ا ه‍. وقيد بالمطاوعة لانها لو قبلته لا ترث، وفي المسألة الثانية إنما ورثت وإن كانت الفرقة بفعلها وهو آخر اللعانين لانه يلحق بالتعليق بفعل لا بد لها منه إذ هي ملجأة إلى الخصومة لدفع عار الزنا عن نفسها. وأطلقه فشمل ما إذا كان القذف في الصحة أو في

[ 82 ]

المرض لان العبرة لكون اللعان في المرض وفيه خلاف محمد. وأراد بالايلاء في المرض أن يكون مضي المدة في المرض أيضا لان الايلاء في معنى تعليق الطلاق بمضي أربعة أشهر خالية عن الوقاع فيكون ملحقا بالتعليق بمجئ الوقت وقد تقدم أنه لا بد أن يكون التعليق والشرط في مرضه قوله: (وإن آلى في صحته وبانت منه في مرضه لا) أي بانت بالايلاء في مرضه لا ترث لما تقدم أنه لا بد أن يكون التعليق والشرط في مرضه، وهنا وإن تمكن من إبطاله بالفئ لكن بضرر يلزمه وهو وجوب الكفارة عليه فلم يكن متمكنا مطلقا كما قدمناه في مسألة الوكيل إذا لم يتمكن من عزله. وفي الخانية: لو طلق المريض امرأته بعد الدخول طلاقا بائنا ثم قال لها إذا تزوجتك فأنت طالق ثلاثا ثم تزوجها في العدة طلقت ثلاثا، فإن مات وهي في العدة فهذا موت في عدة مستقبلة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف فيبطل حكم ذلك الفرار بالتزوج وإن وقع الطلاق بعد ذلك لان الزوج حصل بفعلهما فلا يكون فارا. وعلى قول محمد لتمام العدة الاولى فإن كان الطلاق الاول في المرض ورثت وإن كان الطلاق الاول في الصحة لم ترث ا ه‍ والله أعلم. باب الرجعة بكسر الراء وفتحها والفتح أفصح. وفي المصباح: وأما الرجعة بعد الطلاق فبالفتح والكسر وبعضهم اقتصر على الفتح وهو أفصح. قال ابن فارس: والرجعة مراجعة الرجل أهله وقد تكسر وهو يملك الرجعة على زوجته وطلاق رجعي بالوجهين أيضا ا ه‍. وقدمنا أن الطلاق الصريح وما في حكمه يعقب الرجعة. وضبطه في البدائع بأن يكون الطلاق صريحا بعد الدخول حقيقة غير مقرون بعوض ولا بعدد الثلاث نصا ولا إشارة ولا موصوف بصفة تنبئ عن البينونة أو تدل عليها من غير حرف العطف ولا مشبه بعدد أو صفة تدل عليها قوله: (وهي استدامة الملك القائم في العدة) أي الرجعة إبقاء النكاح على ما كان ما دامت في العدة لقوله تعالى * (فامسكوهن بمعروف) * [ البقرة: 822 ] لان الامساك استدامة الملك القائم لا إعادة الزائل، وقوله تعالى * (وبعولتهن أحق بردهن) * [ البقرة: 822 ] يدل على عدم اشتراط رضاها وعلى اشتراط العدة إذ لا يكون بعدها بعلا والرد يصدق حقيقة بعد

[ 83 ]

انعقاد سبب زوال الملك وإن لم يكن زائلا بعد كما بعد الزوال. وأشار المؤلف إلى أنه ليس في الرجعة مهر ولا عوض لانها استبقاء ملك والمهر يقابله ثبوتا لابقاء. ولو قال راجعتك بألف درهم إن قبلت المرأة صح ذلك وإلا لا لانه زيادة في المهر. وفي المرغيناني والحاوي: قال راجعتك على ألف درهم قال أبو بكر لا تجب عليه الالف ولا تصير زيادة في المهر كما في الاقالة، كذا في المعراج. ولو قال لها زدتك في مهرك لا يصح، كذا في الولوالجية. وأفاد به أنه لو طلق امرأته الامة رجعيا ثم تزوج حرة كان له أن يراجع الامة ولو كانت الرجعة استحداث ملك لما كان له مراجعتها لحرمة إدخال الامة على الحرة ولهذا كان الملك باقيا في حق الارث والايلاء والظهار واللعان وعدة الوفاة، وينتناولها قوله زوجاتي طوالق وجواز الاعتياض بالخلع ونحو ذلك حتى صح الخلع والطلاق بمال بعد الطلاق الرجعي. ومن أحكامها أنه لا يصح إضافتها إلى وقت في المستقبل ولا تعليقها بالشرط كما إذا قال إذا جاء غد فقد راجعتك أو إن دخلت الدار فقد راجعت امرأتي. وتصح مع الاكراه. والهزل واللعب والخطأ كالنكاح كذا في البدائع. وفي الخلاصة: وبالطلاق يتعجل المؤجل ولو راجعها لا يتأجل، وصححه في الظهيرية. وفي الصيرفية: لا يكون حالا حتى تنقضي العدة. وقيد بقيام العدة لانه لا رجعة بعد انقضائها والقول في انقضاء العدة بالحيض قول المرأة ولا تصدق في انقضائها في أقل من شهرين، كذا في الحاوي القدسي. وفي البزازية: وإذا أسقطت تام الخلق أو ناقص الخلق بطل حق الرجعة لانقضاء العدة، ولو قالت ولدت لا تقبل بلا بينة، فإن طلب يمينها بالله تعالى لقد أسقطت بهذه الصفة حلفت اتقاقا ا ه‍. وفيها: لو قال بعد الخلوة بها وطئتك وأنكرت فله الرجعة وإن أنكر الزوج الوطئ لا رجعة له ا ه‍. وأشار بالاستدامة إلى أنه لو طلقها على مال بعد الطلاق الرجعي يصح كما في القنية. قوله: (وتصح في العدة إن لم يطلق ثلاثا ولو لم ترض براجعتك أو راجعت امرأتي وبما يوجب حرمة المصاهرة) بيان لشرطها وركنها فشرطها إن لا يكون الطلاق ثلاثا كما ذكره ومراده أن لا يكون بائنا سواء كان واحدة أو ثنتين، وقدمنا الرجعي والثنتان في الامة كالثلاث في الحرة بشرط أن لا يكون رقها ثابتا بإقرارها، ولهذا لو كان اللقيط امرأة متزوجة وقد طلقها ثنتين ثم أقرت بالرق فله الرجعة لانها متهمة في إبطال حقه بخلاف ما لو كان طلقها واحدة ثم أقرت بالرق فإنه يصير طلاقها ثنتين لا يملك الزوج عليها بعد ذلك إلا

[ 84 ]

طلقة واحدة وتمامه في الخانية في باب اللقيط. وفي القنية: قبيل النفقة: قال لزوجته الامة إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم أعتقها مولاها فدخلت وقع ثنتان. وفي جامع الكرخي: طلقت ثنتين وملك الزوج الرجعة انتهى. وأطلق في المرأة فشمل المسلمة والكتابية والحرة والمملوكة لاطلاق الدلائل كما في المحيط. وأما ركنها فقول أو فعل، فالاول صريح وكناية. أما الاول فراجعتك وراجعت امرأتي. وجمع بينهما ليفيد ما إذا كانت حاضرة فخاطبها أو غائبة وارتجعتك ورجعتك ورددتك وأمسكتك ومسكتك فيصير مراجعا بلا نية ومنه النكاح والتزوج فلو تزوجها في العدة كان رجعة في ظاهر الرواية، كذا في البدائع، وهو المختار كذا في الولوالجية، وعليه الفتوى كذا في الينابيع. فقول الشارحين أنه ليس برجعة عند أبي حنيفة خلافا لمحمد على غير ظاهر الرواية كما لا يخفى فعلم أن لفظ النكاح يستعار للرجعة. وهل يستعار لفظ الرجعة للنكاح؟ قال في الخلاصة: ولو طلق امرأته ثم قال إن راجعتك فأنت طالق فإذا انقضت عدتها فتزوجها لم تطلق ولو كان الطلاق بائنا تطلق. وعلل له في المحيط بأنها لما لم تكن محلا انصرف إلى النكاح مجازا انتهى. وحاصله أنه إذا أمكن انصراف اللفظ إلى حقيقته وقت التعليق وانصرف إليه لا يصير بعده مجازا وإلا صار مجازا، وأما الكناية فنحو أنت عندي كما كنت أو أنت امرأتي فيتوقف على النية. وأما الثاني أعني الفعل فأفاد أن كل فعل أوجب حرمة المصاهرة فإن الرجعة تصح به وسوى بين القول والفعل في الصحة للاحتراز عن الكراهة فإنها مكروهة بالفعل كما في الجوهرة، فدخل الوطئ والتقبيل بشهوة على أي موضع كان فما أو خدا أو ذقنا أو جبهة أو رأسا والمس بلا حائل أو بحائل يجد الحرارة معه بشهوة والنظر إلى داخل الفرج شهوة بأن كانت متكئة والوطئ في الدبر على المفتى به لانه لا يخلو عن مس بشهوة، ولا فرق بين كون التقبيل والمس والنظر بشهوة منه أو منها بشرط أن يصدقها سواء كان بتمكينه أو فعلته اختلاسا أو كان نائما أو مكرها أو معتوها، أما إذا ادعته وأنكره لا تثبت الرجعة، وقدمنا في باب التعليق أنه لو قال لها إن جامعتك فأنت طالق فجامعها ومكث بعدما جامعها فهو رجعة عند محمد. وقال أبو يوسف: لا يكون رجعة إلا أن يتنحى عنها، ولا تقبل الشهادة على فعلها لان الشهوة لا تعرف إلا بقولها. وخرج ما إذا كانت هذه الافعال بغير شهوة أو نظر إلى غير داخل الفرج بشهوة ولو إلى حلقة الدبر فإنه لا يكون مراجعا لكنه مكروه كما في الولوالجية. وفي الجوهرة: ولو صدقها الورثة بعد موته أنها لمسته بشهوة كان ذلك رجعة انتهى. وفي المعراج: والامة لو فعلت بالبائع في الخيار كان فسخا لان الفسخ قد يحصل بفعلها كما لو زنت أو قتلت نفسها، وأبو يوسف سوى بين الخيار والرجعة في أنهما لا يثبتان بفعلها، ومحمد أثبت الرجعة دون الفسخ. وفي البدائع:

[ 85 ]

أبو حنيفة سوى بينهما في الثبوت. وفي شرح الطحاوي: لو قال أبطلت رجعتي أو لا رجعة لي عليك لا تبطل الرجعة انتهى. وفي القنية: أجاز مراجعة الفضولي صح ويصير مراجعا بوقوع بصره على فرجها بشهوة من غير قصد المراجعة انتهى. واختلف فيما إذا طلق رجعيا ثم جن ثم راجعها بقول أو فعل فقيل لا يصح بهما، وقيل يصح بهما، وقيل تصح بالفعل دون القول كما في القنية من غير ترجيح، واقتصر البزازي على الاخير ولعله الراجح لما عرف أنه مؤاخذ بأفعاله دون أقواله. وعلله في الصيرفية بأنه استدامة النكاح والرضا ليس بشرط ولهذا لو أكره على الرجعة بالفعل يصح انتهى. وفي الحاوي القدسي: وإذا راجعها بقبلة أو لمس فالافضل أن يراجعها بالاشهاد ثانيا ا ه‍. وفي المحيط: قال أبو يوسف: ويكره التقبيل واللمس بغير شهوة إذا لم يرد الرجعة، ويكره أن يراها متجردة لانه لا يأمن من أن يشتهي فيصير به مراجعا ثم يحتاج إلى الطلاق فيؤدي إلى تطويل العدة انتهى. قوله: (والاشهاد مندوب عليها) أي على الرجعة وفاقا لمالك والشافعي على الاظهر خروجا من خلاف عند الشافعي ومالك وإن كان ضعيفا وعملا بقوله تعالى * (واشهدوا ذوي عدل منكم) * [ الطلاق: 2 ] بناء على أنه للندب بدليل أنه أمر بالاشهاد بعد الامر بشيئين: الامساك والمفارقة: فلو كان الاشهاد واجبا في الرجعة مندوبا في المفارقة للزم استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه وهو ممنوع عندنا، واحترازا عن التجاحد وعن الوقوف في مواضع التهم. وأشار المصنف رحمه الله إلى أن الرجعة على ضربين: سني وبدعي. فالسني أن يراجعها بالقول ويشهد على رجعتها ويعلمها ولو راجعها بالقول ولم يشهد أو أشهد ولم يعلمها كان مخالفا للسنة كما في شرح الطحاوي قوله: (ولو قال بعد العدة راجعتك فيها فصدقته تصح وإلا لا) أي وإن لم تصدقه لا تصح الرجعة لانه أخبر عن شئ لا يملك إنشاءه في الحال وهي تنكره فكان القول لها من غير يمين لما عرف في الاشياء الستة، وإن صدقته صحت لان النكاح يثبت بتصادقهما فالرجعة أولى، ونظيره الوكيل بالبيع، إذا قال قبل العزل كنت بعته من فلان صدق بخلاف ما لو قاله بعد العزل كذا في الكافي. وفي تلخيص

[ 86 ]

الجامع للصدر: من ملك الانشاء ملك الاخبار كالوصي والمولى والمراجع والوكيل بالبيع ومن له الخيار انتهى. ولو أقام بينة بعد العدة أنه قال في عدتها قد راجعتها أو أنه قال قد جامعتها كان رجعة لان الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة وهذا من أعجب المسائل فإنه يثبت إقراره نفسه بالبينة بما لو أقر به في الحال لم يكن مقبولا كذا في المبسوط. قيد بقوله بعد العدة لانه لو قال في العدة كنت راجعتك أمس ثبتت وإن كذبته لملكه الانشاء في الحال. قوله: (كراجعتك فقالت مجيبة مضت عدتي) يعني لو قال لها راجعتك فأجابته بقولها مضت عدتي لا تصح الرجعة عند أبي حنيفة لانها صادفت حال انقضاء العدة فلا تصح. وقالا: تصح والقول له لانها صادفت العدة لبقائها ظاهرا ما لم تخبر بالانقضاء وقد سبقت الرجعة خبرها بالانقضاء كما لو قال طلقتك فقالت مجيبة انقضت عدتي فإنه يقع الطلاق، وكالموكل إذا قال للوكيل عزلتك فقال الوكيل مجيبا له بعت لا يصح كذا في المحيط. وله أن قوله راجعتك إنشاء وهو إثبات أمر لم يكن فلا يستدعي سبق الرجعة. وقولها انقضت عدتي إخبار وهو إظهار أمر قد كان فيقتضي سبق الانقضاء ضرورة. ومسألة الطلاق قيل على الخلاف فلا يقع عنده كما لو قال أنت طالق مع انقضاء عدتك والاصح أنه يقع لاقرار الزوج بالوقوع كما لو قال بعد انقضاء العدة كنت طلقتها في العدة كان مصدقا في ذلك بخلاف الرجعة. قيد بكونها إجابته من غير سكوت لانها لو سكتت ساعة تصح الرجعة اتفاقا. وأشار بكون الزوج بدأها إلى أنها لو بدأت فقالت انقضت عدتي فقال الزوج مجيبا لها موصولا بكلامها راجعتك لا يصح بالاولى ولهذا لم يذكر الاسبيجابي فيها خلافا. وإذا لم تصح الرجعة في مسألة الكتاب تستحلف عنده، والفرق بينها وبين الاولى أن اليمين فائدتها النكول وهو بذل عنده، وفي المسألة الاولى تحليفها على الرجعة وبذلها لا يجوز، وفي الثانية تحليفها على مضي عدتها وهو الامتناع عن التزوج والاحتباس في منزل الزوج وبذله جائز. وأما مذهبهما في المسألة الثانية فقد عرفت أنه صحة الرجعة فلا يتصور أن يقال تستحلف المرأة بالاجماع كما ذكره الشارح وقلده في فتح القدير وشرح المجمع وقد اقتصر على أنها تستحلف عند أبي حنيفة في البدائع وغاية البيان والاقطع والخلاصة والولوالجية فكان نقل الاجماع سهوا قوله: (ولو قال زوج الامة بعد العدة راجعت فيها فصدق سيدها وكذبته أو قالت مضت عدتي وأنكرا فالقول لها) أي أنكر الزوج والمولى وقبول قولها في الاولى قول أبي حنيفة لان الرجعة تبتني على قيام العدة والقول فيها قولها. وقالا: القول للمولى لان البضع حقه كإقراره عليها بالنكاح. قيد بتصديق السيد لان المولى لو كذبه وصدقته الامة فالقول قول المولى على الصحيح

[ 87 ]

لان ملكه قد ظهر للحال بخلاف الاول لاعترافه ببقاء العدة ولا يظهر ملكه معها. فالحاصل أنه لا فرق في الحكم بين المسألتين وهو عدم صحة الرجعة وإن اختلف التصوير. وقيد بكونها قالت مضت عدتي لانها لو قالت ولدت يعني انقضت عدتي بالولادة لا يقبل إلا ببينة، وكذا لو قالت أسقطت سقطا مستبين الخلق وللزوج أن يطلب يمينها على أنها أسقطت بهذه الصفة بالاتفاق، ولا فرق في هذا بين الحرة والامة كذا في فتح القدير. وفي شرح النقاية: لو قالت انقضت عدتي ثم قالت لم تنقض كان له الرجعة لانها أخبرت بكذبها في حق عليها انتهى. قوله: (وتنقطع إن طهرت من الحيض الاخير لعشرة وإن لم تغتسل ولا قل لا حتى تغتسل أو يمضي وقت صلاة) أي وتنقطع الرجعة إن حكم بخروجها من الحيضة الثالثة إن كانت حرة أو الثانية إن كانت أمة لتمام عشرة أيام مطلقا. وليس المراد من الطهارة هنا الانقطاع لانها بمضي العشرة خرجت من الحيض وإن لم ينقطع. وأشار بمضي الوقت إلى أنه لا بد من خروجه لتصير الصلاة دينا في ذمتها فإن كان الطهر في آخر الوقت فهو ذلك الزمن اليسير الذي تقدر فيه على الاغتسال والتحريمة لا ما دونه، وإن كان في أوله لم يثبت هذا حتى يخرج جميعه لان الصلاة لا تصير دينا إلا بذلك. وعلى هذا لو طهرت في وقت مهمل

[ 88 ]

كبعد الشروق لا تنقطع الرجعة إلى دخول وقت العصر. وأطلق الاغتسال فشمل ما إذا اغتسلت بسؤر الحمار ولو مع وجود الماء المطلق فإنه تنقطع الرجعة لاحتمال طهارته وإن كانت لا تصلي به لاحتمال النجاسة ولذا لا يقربها الزوج ولا تتزوج بآخر احتياطا كما في التتارحانية. وإنما شرط في الاقل أحد الشيئين لانه لما احتمل عود الدم لبقاء المدة فلا بد من أن يتقوى الانقطاع بحقيقة الاغتسال أو يلزم شئ من أحكام الطاهرات فخرجت الكتابية لانه لا يتوقع في حقها أمارة زائدة فاكتفى بالانقطاع، كذا ذكره الشارحون وظاهره أن القاطع للرجعة الانقطاع لكن لما كان غير محقق اشترط معه ما يحققه فأفاد أنها لو اغتسلت ثم عاد الدم ولم يجاوز العشرة كان له الرجعة وتبين أن الرجعة لم تنقطع بالغسل، ولو تزوجت بعد الانقطاع للاقل قبل الغسل ومضي الوقت تبين صحة النكاح، هكذا أفاد في فتح القدير بحثا وهو وإن خالف ظاهر المتون لكن المعنى يساعده والقواعد لا تأباه قوله: (أو تتيمم وتصلي) أي لا تنقطع الرجعة عند فقد الماء حتى تتيمم وتصلي به فرضا كان أو غيره، ولا يكفي مجرد التيمم عندهما لانها طهارة ضرورية لم تشرع إلا عند العجز عن الماء فلا بد لها من مؤكد فلا ينافيه قولهما في باب الامامة أنها طهارة مطلقة حتى جوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم لان

[ 89 ]

مرادهما بالاطلاق أنه يرفع الحدث إلى غاية وجود الماء كالطهارة بالماء فهي مطلقة من هذه الجهة وإن كانت ضرورية من جهة أخرى، وكذا لا ينافيه قول الكل في باب التيمم أيضا إنها مطلقة لما علمت، ولا تنافى هنا أيضا بين قول محمد هنا إنها مطلقة حتى اكتفى بمجرد التيمم لانقطاعها وبين قوله في باب الامامة أنها ضرورية حتى منع اقتداء المتوضئ بالمتيمم لما علمت أن الاطلاق من جهة والضرورة من جهة أخرى لكن محمد عمل بالاحتياط فيهما وقد رجح في فتح القدير قولهما في الامامة. وقوله في الرجعة وتمام تحقيقه فيه. قيد توقف الانقطاع على الصلاة لان حل قربان الزوج لها غير متوقف عليها بل يجوز قبل الصلاة وأجمعوا أن حلها للازواج متوقف على صلاتها بذلك التيمم كما ذكره الاسبيجابي. وأشار بقوله حتى تصلي إلى أنها لا تنقطع حتى تفرغ من الصلاة على الصحيح لاحتمال وجود الماء في أثنائها فتبطل. وقيد بالصلاة لانها لو قرأت القرآن بعد التيمم أو مست المصحف أو دخلت المسجد لا تنقطع الرجعة لانها اتباع الصلاة فلا يعطى لها حكمها. وقال الكرخي: تنقطع لانه من أحكام الطاهرات. قوله: (ولو اغتسلت ونسيت أقل من عضو تنقطع ولو عضو إلا) لان ما دون العضو يتسارع إليه الجفاف لقلته فلا يتيقن بعدم وصول الماء إليه. قيد بالانقطاع لانه لا يحل لزوجها أن يقربها ولا يحل لها أن تتزوج يزوج آخر ما لم تغسل تلك اللمعة أو بمضي عليها أدنى وقت صلاة مع القدرة على الاغتسال كما ذكره الاسبيجابي. والمراد بالعضو نحو اليد والرجل وبما دونهما نحو الاصبع والاصبعين وبعض العضو والساعد وأحد المنخرين، وترك المضمضة أو الاستنشاق كترك عضو عند أبي يوسف وعنه وهو قول محمد كترك ما دون العضو. وقيد بالنسيان لانها لو تعمدت اخلاء ما دون العضو لا تنقطع قوله: (ولو طلق ذا حمل أو ولد وقال لم أطأها راجع) يعني لو طلق امرأته وهي حامل أو بعد ما ولدت في عصمته وقال لم أجامعها فله الرجعة لانها مبنية على الدخول وقد ثبت حكما لثبوت النسب لانه يثبت بظهور الحمل بأن ولدت لاقل من ستة أشهر فلم يلتفت إلى قوله لم أطأها لانه صار مكذبا شرعا ومن صار مكذبا شرعا بطل زعمه ما لم يتعلق بإقراره حق الغير فلا يرد ما أورده في الكافي بأن من أقر بعبد لآخر ثم اشتراه ثم استحق من يده ثم وصل إليه فإنه يؤمر بالتسليم إلى المقر له وإن صار مكذبا شرعا لكونه تعلق بإقراره حق الغير بخلاف مسألة الرجعة. ثم اعلم أن

[ 90 ]

من فروع الاصل المذكور ما إذا اختلف البائع والمشتري في ثمن العقار فقال المشتري اشتريته بألف وقال البائع بعته بألفين وأقام البينة فإن الشفيع يأخذها بألفين لان القاضي كذب المشتري في إقراره. ومن فروعه أيضا أن المشتري إذا أقر بالملك للبائع ثم استحق المبيع من يده بالبينة فإن له الرجوع عليه بالثمن لكونه صار مكذبا في إقراره حين قضى القاضي به للمستحق والفرعان في الخلاصة. ومنه ما في التلخيص: لو ادعى عليه كفالة معينة فأنكرها فبرهن المدعي وقضى على الكفيل فإن له الرجوع على المديون إذا كانت بأمره عندنا لكونه صار مكذبا في إنكارها حين قضى القاضي بها عليه. وقيد في الخلاصة الاصل المذكور في كتاب القضاء من الفصل الثالث منه بأن يكون القضاء بالبينة، أما إذا قضى القاضي باستصحاب الحال فإنه لا يصير مكذبا كما لو اشترى عبدا وأقر أن البائع أعتقه قبل البيع وكذيه البائع فقضى القاضي بالثمن على المشتري لم يبطل إقرار المشتري بالعتق حتى يعتق عليه. وكذا المديون إذا ادعى الايفاء أو الابراء على صاحب الدين وجحد الدائن وحلف وقضى القاضي له بالدين على الغريم لا يصير الغريم مكذبا حتى لو وجدت بينة الايفاء أو الابراء تقبل ا ه‍. فكان دلالة على الوطئ ودلالة الشرع أقوى من صريح العبد لاحتمال الكذب من العبد دون الشارع. فعلم بما قررناه أن الحمل يثبت قبل الوضع ويثبت النسب به قبله لما صرحوا به في باب خيار العيب أن حمل الجارية المبيعة يثبت بظهوره قبل الوضع بشهادة امرأة حتى كان للمشتري ردها بعيب الحبل قبل الوضع، وفي باب ثبوت النسب أنه يثبت بالحبل الظاهر فاندفع ما اعترض به صدر الشريعة على المشايخ بأن قولهم له الرجعة تساهل لان وجود الحمل وقت الطلاق إنما يعرف إذا ولدت لاقل من ستة أشهر من وقت الطلاق فإذا ولدت انقضت العدة فلا يملك الرجعة فيكون المراد أنه راجع قبل وضع الحمل فولدت لاقل من ستة أشهر يحكم بصحة الرجعة السابقة، ولا يراد أنه يحل له الرجعة قبل وضع الحمل لانه لما أنكر الوطئ والشرع لا يحكم بوجود الحمل وقت الطلاق بل إنما يحكم به إذا ولدت لاقل من ستة أشهر من وقت الطلاق فلم يوجد تكذيب الشرع قبل وضع الحمل، فالصواب أن يقال:

[ 91 ]

ومن طلق حاملا منكرا وطأها فراجعها فجاءت بولد لاقل من ستة أشهر صحت الرجعة. وأما مسألة الولادة فصورتها أنه طلق امرأته التي ولدت قبل الطلاق منكرا وطأها فله الرجعة ا ه‍. وقيد بكون الولادة قبل الطلاق لانها لو ولدت بعده تنقضي به العدة فتستحيل الرجعة. قوله: (وإن خلا بها ثم قال لم أجامعها ثم طلقها لا) أي لا يملك الرجعة لان الملك يتأكد بالوطئ وقد أقر بعدمه فيصدق في حق نفسه والرجعة حقه ولم يصر مكذبا شرعا لان تأكيد المهر المسمى يبتنى على تسليم المبدل لا على القبض، والعدة تجب احتياطا لاحتمال الوطئ فلم يكن القضاء بها قضاء بالدخول. قيد بإنكاره الجماع لانه لو قال جامعتها وأنكرت المرأة فله الرجعة لان الظاهر شاهد له فإن الخلوة دلالة الدخول، فإن لم يخل بها فلا رجعة له عليها لان الظاهر شاهد لها، كذا في الولوالجية. وفي المبسوط: فإن قيل الظاهر حجة لدفع الاستحقاق والزوج إنما يريد استحقاق الرجعة بقوله قلنا: ليس كذلك بل الزوج إنما يستبقي ملكه بما يقول ويدفع استحقاقها نفسها والظاهر يكفي لذلك قوله: (وإن راجعها ثم ولدت بعدها لاقل من عامين صحت تلك الرجعة) يعني راجعها والمسألة بحالها. والمراد بالصحة ظهور صحة الرجعة السابقة لان العدة لما وجبت ثبت نسب الولد منه وظهر أن العلوق كان سابقا على الطلاق فنزل واطئا قبل الطلاق دون ما بعده لان على الاعتبار الثاني يزول الملك بنفس الطلاق لعدم الوطئ قبله فيحرم الوطئ والمسلم لا يفعل الحرام، وهو وإن كان لا يكذب لكن لما لزم أحد الاعتبارين من الزنا أو كذبه فجعله كاذبا أخف من حمله على الزنا قوله: (إن ولدت فأنت طالق فولدت ثم ولدت من بطن آخر فهي رجعة) يعني ثم ولدت بعد ستة أشهر وإن كان أكثر من سنتين إذا لم تقر بانقضاء عدتها لانه وقع الطلاق عليها بالولد الاول ووجبت العدة فيكون الولد الثاني من علوق حادث منه في العدة لانها لم تقر بانقضاء العدة فيصير مراجعا حملا لامرها على الصلاح كما إذا طلقها رجعيا فجاءت بولد لاكثر من سنتين. قيد بكونه من بطن آخر لانه لو كان بينهما أقل من ستة أشهر لا يكون رجعة لان الثاني ليس بحادث بعد الولد الاول كما إذا طلقها رجعيا فجاءت بولد لاقل من سنتين قوله: (كلما ولدت فأنت طالق فولدت ثلاثة في بطون فالولد الثاني والثالث رجعة) لوقوع الطلاق

[ 92 ]

بالاول وثبتت الرجعة بالثاني والثالث ويقع بكل طلقة أخرى فتحرم حرمة غليظة ويثبت نسب الاولاد من الزوج وعليها العدة بالاقراء. قيد بكونهم في بطون أي بين كل واحد مدة الحمل فأكثر إذ لو كان بين الولادتين أقل منها لا يكون رجعة ويقع طلقتان بالاول والثاني ولا يقع بالثالث شئ لانقضاء العدة به، ولو كان الاولان في بطن والثالث في بطن تقع تطليقة واحدة بالاولى لا غير وتنقضي العدة بالثاني ولا يقع بالثالث شئ، ولو كان الاول في بطن والثاني والثالث في بطن يقع ثنتان بالاول والثاني وتنقضي العدة بالثالث فلا يقع به شئ، كذا في فتح القدير. وفي المحيط: ولو ولدت ولدين في بطن وقع بالاول ولا يقع بالثاني لمصادفته انقضاء العدة، والمراد من كون الولد الثاني والثالث رجعة أنه ظهر صحة الرجعة السابقة بهما كما قدمناه أنه يحمل على أنه بوطئ حادث قوله: (والمطلقة الرجعية تتزين) يعني لزوجها إذا كانت الرجعة مرجوة لانها حلال للزوج لان النكاح قائم بينهما ثم الرجعة مستحبة والتزين حامل عليها فيكون مشروعا. قيدنا بكونه لزوجها لانه لو كان غائبا فلا تتزين لفقد العلة، وقيدنا بالرجعية لان المعتدة من طلاق بائن لا يجوز لها التزين مطلقا لحرمة النظر إليها وعدم مشروعية الرجعة، كذا في غاية البيان. وخرجت المعتدة عن وفاة فإنها تحد. وقيدنا بكونها مرجوة لانها لو كانت تعلم أنه لا يراجعها لشدة بغضها فإنها لا تفعل ذلك كما ذكره في شرح مسكين: وقد صرحوا بأن للزوج أن يضرب امرأته على تركها الزينة إذا طلبها منها لانها حقه وهو شامل للمطلقة رجعيا. قوله: (وندب إن لا يدخل عليها حتى يؤذنها) أي يعلمها بدخوله إما بخفق النعل أو بالتنحنح أو بالنداء أو نحو ذلك. أطلقه فشمل ما إذا قصد رجعتها أو لا، فإن كان الاول فإنه لا يأمن أن يرى الفرج بشهوة فتكون رجعة بالفعل من غير إشهاد وهو مكروه من جهتين كما قدمناه، وإن كان الثاني فلانه ربما يؤدي إلى تطويل العدة عليها بأن يصير مراجعا بالنظر من غير قصد ثم يطلقها وذلك إضرار بها. فبهذا علم أنه لا يحتاج إلى حمل المتون على ما إذا لم يقصد رجعتها كما فعل في الهداية وغيرها، وإنما هي على إطلاقها كما لا يخفى، وقد صرح

[ 93 ]

بالاطلاق الولوالجي في فتاواه قوله: (ولا يسافر بها) يعني يحرم عليه السفر بها لقوله تعالى * (ولا تخرجوهن من بيوتهن) * [ الطلاق: 1 ] ولحرمته لم يكن رجعة لان الرجعة مندوبة والمسافرة بها حرام، ومراده إذا كان يصرح بعدم رجعتها، أما إذا سكت كانت رجعة دلالة كما أشار إليه في فتح القدير وشرح الجامع الصغير للقاضي وفتاويه والبدائع وغاية البيان معللين بأن السفر دلالة الرجعة فانتفى به ما ذكره الشارح من أن السفر ليس دلالة الرجعة وأورد أن التقبيل بشهوة يكون رجعة وإن نادى على نفسه بعدم الرجعة وجوابه الفرق بالحل والحرمة كما نقلنا، كذا في فتح القدير. وأجاب الشمني بأن التقبيل رجعة حقيقة لا دلالة بخلاف السفر فإنه رجعة دلالة لانه يستلزم شيئا تثبت به الرجعة. قيد بالسفر أي بإنشائه لانه لو طلقها في السفر لها أن تمشي معه، ذكره الاسبيجابي. ومراده من المسافرة بها إخراجها من بيتها لا السفر الشرعي المقدر بثلاثة أيام لانه يحرم إخراجها إلى ما دونه أيضا للنهي المطلق لكن لا يكون رجعة دلالة. واعلم أن في الهداية ما يدل على أن حرمة المسافرة بها مقيدة بما إذا لم يراجعها في عدتها لانه تبين أن المبطل للعصمة عمل عمله من وقت الطلاق حتى احتسبت الاقراء الماضية من العدة فكانت المسافرة بأجنبية، أما إذا راجعها في عدتها تبين أنه لم يعمل عمله فزالت الحرمة قوله: (والطلاق الرجعي لا يحرم الوطئ) لما قدمناه من الآيات والمعنى أول الباب فلا يلزم به عقر، والشافعي لما حرمه أوجب له العقر. وفي المعراج معزيا إلى الروضة للشافعية: لو وطئها فلا حد عليه، وإن كان عالما بالتحريم وفيه وجه ضعيف لا يجب التعزير إن كان جاهلا أو يعتقد إباحته وإلا فيجب، ولو وطئها ولم يراجعها يجب مهر المثل، ولو راجعها فالنص وجوب مهر المثل. وفي الروضة أيضا قال الشافعي: إنها زوجته في خمس مواضع من كتاب الله: في آية الميراث والايلاء والظهار واللعان والطلاق وعدة الوفاة وكذا في عدم اشتراط الولي في الرجعة وعدم اشتراط لفظة النكاح والتزويج ورضاها عند الكل ا ه‍. وأشار إلى أن الخلوة بها لا تحرم لكنها مكروهة كراهة تنزيهية إن لم يكن من قصده المراجعة وإلا فلا، وكذا القسم لانه لو ثبت لها القسم فخلا بها فربما أدى إلى المساس بشهوة فيصير مراجعا وهو لا يريدها فيطلقها فتطول العدة عليها حتى لو كان من قصده المراجعة كان لها القسم، كذا في البدائع والله سبحانه وتعالى أعلم.

[ 94 ]

فصل فيما تحل به المطلقة قوله: (وينكح مبانته في العدة وبعدها) أي المبانة بما دون الثلاث لان المحلية باقية لان زوالها معلق بالطلقة الثالثة فينعدم قبلها ومنع الغير في العدة لاشتباه النسب ولا اشتباه في الاطلاق له قوله: (لا المبانة بالثلاث لو حرة وبالثنتين لو أمة حتى يطأها غيره ولو مراهقا بنكاح صحيح وتمضي عدته لا بملك يمين) أي لا ينكح مبانته بالبينونة الغليظة. أطلقه فشمل ما إذا كان قبل الدخول أو بعده كما صرح به في الاصل، وأما ما عن المشكلات فيمن طلق امرأته قبل الدخول بها ثلاثا فله أن يتزوجها بلا تحليل. وأما قوله تعالى * (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) * [ البقرة: 032 ] ففي المدخول بها ا ه‍. فمعناه أنه طلقها ثلاثا متفرقة فلا يقع إلا بالاولى لا الثلاث بكلمة واحدة كما ذكره العلامة البخاري شارح الدرر فحينئذ لا حاجة إلى ما في فتح القدير من أنها زلة عظيمة إلى أن قال لا يبعد إكفار مخالفه. وفي القنية أن سعيد بن المسيب رضي الله عنه رجع عن مذهبه في أن الدخول بها ليس بشرط في صيرورتها حلالا للاول ولو قضى به قاض لا ينفذ قضاؤه، فإن شرط الدخول ثبت بالآثار المشهورة. م فع: يحتال في التطليقات الثلاث ويأخذ الرشى بذلك ويزوجها للاول بدون دخول الثاني هل يصح النكاح وما جزاء من يفعل ذلك قالوا: إن يسود وجهه ويبعد. فع فقيه يفتي بمذهب سعيد بن المسيب وبزوج للاول قال: بقيت مطلقة بثلاث ويعزر الفقيه ا ه‍. وشمل ما إذا طلقها أزواج كل زوج ثلاثا قبل الدخول فتزوجت بآخر فدخل بها تحل للكل. وأشار بالوطئ إلى أن الشرط الايلاج بشرط كونه عن قوة نفسه وإن كان ملفوفا بخرقة إذا كان يجد لذة حرارة المحل، فلو أولج الشيخ الكبير الذي لا يقدر على الجماع لا بقوته بل بمساعدة اليد لا يحلها للاول إلا إن انتعش وعمل بخلاف من في

[ 95 ]

آلته فتور وأولجها فيها حتى التقى الختانان فإنها تحل به. وخرج المجبوب الذي لم يبق له شئ يولج في محل الختان فلا تحل بسحقه حتى تحبل، ودخل الخصي الذي مثله يجامع فيحلها. وأراد بالمراهق الذي مثله يجامع وتتحرك آلته ويشتهي الجماع، وقدره شمس الاسلام بعشر سنين. واحترز به عن الصغير الذي لا يجامع مثله فلا يحلها. وأطلق الوطئ فشمل ما إذا وطئها في حيض أو نفاس أو إحرام وإن كان حراما. وشمل ما إذا كان الزوج الثاني مسلما أو ذميا فتحل الذمية بوطئ الذمي لزوجها المسلم، وسواء كان حرا أو عبدا ولهذا قالوا: لو حافت ظهور أمرها في التحليل تهب لمن تثق به ثمن عبد فيشتري لها مراهقا فيزوجها منه بشاهدين ثم يهب العبد لها فيبطل النكاح ثم تبعث العبد إلى بلد آخر فلا يظهر أمرها. وهذا مبني على ظاهر المذهب من أن الكفاءة في النكاح ليست بشرط في الانعقاد، وأما على رواية الحسن المفتى بها فلا يحلها العبد لفقد الكفاءة لكن بشرط أن يكون لها ولي، أما إذا لم يكن لها ولي فيحلها اتفاقا، والاولى أن يكون حرا بالغا فإن مالكا يشترط الانزال كما في البزازية. وأشار بالوطئ إلى أن المرأة لا بد أن يوطأ مثلها، أما إذا كانت صغيرة لا يوطأ مثلها لا تحل للاول بهذا الوطئ، وإلى أنه لا بد من التيقن بكونه في المحل حق لو كانت المرأة مفضاة لا تحل للاول بعد دخول الثاني إلا إذا حبلت ليعلم أن الوطئ كان في قبلها. وفي القنية: المحلل إذا أولج في مكان البكارة تحل للاول والموت لا يقوم مقام الدخول في حق التحليل ا ه‍. مع أنه نقل في المحيط من كتاب الطهارة أنه لو أتى امرأة وهي عذراء لا غسل عليه ما لم ينزل لان العذرة مانعة من مواراة الخشفة ا ه‍. وأراد بالنكاح الصحيح النافذ فخرج النكاح الفاسد والموقوف كما لو تزوجها عبد بغير إذن سيده ثم وطئها قبل الاجازة لا يحلها إلا إذا وطئها بعد الاجازة. وأشار إلى أن الانزال ليس بشرط لانه مشبع. ودخل في قوله لا يملك يمين ثلاث صور: الاولى أن الامة لو طلقها زوجها اثنتين وانقضت عدتها فوطئها المولى لا تحل لزوجها. الثانية لو اشتراها الزوج بعد الثنتين لا تحل له بوطئه حتى تتزوج بغيره. الثالثة لو كانت تحته حرة فطلقها ثلاثا ثم ارتدت ولحقت بدار الحرب ثم استرقها م تحل له حتى تتزوج بزوج آخر.

[ 96 ]

وفي مناقب البزازي: إذا كان العقد بلا ولي بل بعبارة المرأة أو كان بلفظ الهبة أو كان بحضرة فاسقين ثم طلقها ثلاثا ثم أراد أن تحل له بلا زوج فإنه يرفع الامر إلى شافعي فيقضي ببطلان النكاح وبزوجها له بعقد جديد ولا يرد أن القضاء بفساد النكاح يستلزم حرمة الوطئ المتقدم وأن الاولاد متولدة من وطئ حرام لانا نقول: القضاء يعمل في القائم والآتي لا في الماضي ا ه‍. وفي فتاويه: وإن حافت أن لا يطلقها المحلل تقول له حتى يقول إن تزوجتك وجامعتك فأنت طالق ا ه‍. وأطلق فشمل ما إذا كان الزوج الاول معترفا بالطلاق الثلاث أو منكرا بعد أن كان الواقع الطلاق الثلاث ولهذا قالوا: لو طلقها ثلاثا وأنكر لها أن تتزوج بآخر وتحلل نفسها سرا منه إذا غاب في سفر فإذا رجع التمست منه تجديد النكاح لشك خالج قلبها لا لانكار الزوج النكاح. وقد ذكر في القنية خلافا فرقم للاصل بأنها إن قدرت على الهروب منه لم يسعها أن تعتد وتتزوج بآخر لانها في حكم زوجية الاول قبل القضاء بالفرقة، ثم رمز شمس الائمة الاوزجندي وقال: قالوا هذا في القضاء ولها ذلك ديانة، وكذلك إن سمعته طلقها ثلاثا ثم جحد وحلف أنه لم يفعل وردها القاضي عليه لم يسعها المقام معه ولم يسعها أن تتزوج بغيره أيضا. قال - يعني البديع: والحاصل أنه على جواب شمس الاسلام الاوزجندي ونجم الدين النسفي والسيد أبي شجاع وأبي حامد والسرخسي يحل لها أن تتزوج بزوج آخر فيما بينها وبين الله تعالى، وعلى جواب الباقين لا يحل انتهى. وفي الفتاوى السراجية: إذا أخبرها ثقة أن الزوج طلقها وهو غائب وسعها أن تعتد وتتزوج ولم يقيده بالديانة والله أعلم. قال المصنف رحمه الله: وقد نقل في القنية قبل ذلك عن شرح السرخسي ما صورته: طلق امرأته ثلاثا وغاب عنها فلها أن تتزوج بزوج آخر بعد العدة ديانة. ونقل آخر أنه لا يجوز في المذهب الصحيح ا ه‍. قلت: إنما رقم لشمس الائمة الاوزجندي وهو الموافق لما تقدم عنه والقائل بأنه المذهب الصحيح العلاء الترجماني ثم رقم بعده لعمر النسفي وقال: حلف بثلاثة فظن أنه لم يحنث وعلمت الحنث وظنت أنها لو أخبرته ينكر اليمين فإذا غاب عنها بسبب من الاسباب فلها التحلل ديانة لا قضاء. قال عمر

[ 97 ]

النسفي: سألت عنها السيد أبا شجاع فكتب أنه يجوز. ثم سألته بعد مدة فقال: إنه لا يجوز. والظاهر أنه إنما أجاب في امرأة لا يوثق بها ا ه‍. كذا في شرح المنظومة. وفي البزازية: شهد أن زوجها طلقها ثلاثا إن كان غائبا ساغ لها أن تتزوج بآخر، وإن كان حاضرا لا لان الزوج إن أنكرا احتيج إلى القضاء بالفرقة ولا يجوز القضاء بها إلا بحضرة الزوج ا ه‍. وفيها: سمعت بطلاق زوجها إياها ثلاثا ولا تقدر على منعه إلا بقتله إن علمت أنه يقربها تقتله بالدواء ولا تقتل نفسها. وذكر الاوزجندي أنها ترفع الامر إلى القاضي فإن لم يكن لها بينة تحلفه، فإن حلف فالاثم عليه، وإن قتلته فلا شئ عليها والبائن كالثلاث ا ه‍. وفي التتارخانية: وسئل الشيخ أبو القاسم عن امرأة سمعت من زوجها أنه طلقها ثلاثا ولا تقدر أن تمنعه نفسها هل يسعها أن تقتله في الوقت الذي يريد أن يقربها ولا تقدر على منعه إلا بالقتل؟ فقال: لها أن تقتله. وهكذا كان فتوى الامام شيخ الاسلام عطاء بن حمزة أبي شجاع. وكان القاضي الامام الاسبيجابي يقول: ليس لها أن تقتله. وفي الملتقط: وعليه الفتوى. وفي فتاوى الشيخ الامام محمد بن الوليد السمرقندي في مناقب أبي حنيفة عن عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة أن لها أن تقتله. وفي المحيط في مسألة النظم: وينبغي لها أن تفتدي بمالها وتهرب منه فإن لم تقدر قتلته متى علمت أنه يقربها ولكن ينبغي أن تقتله بالدواء وليس لها أن تقتل نفسها. قلت قال في المنتفى: وإن قتلته بالآلة يجب عليها القصاص ا ه‍. وفي التتمة: سئل عن امرأة حرمت على زوجها ولا تقدر أن تتخلص ولو غاب عنها سحرته وردته إليها هل يحتال في قتلها بالسم وغيره ليتخلص منها؟ قال: لا يحل ويبعد عنها بأي وجه قدر والله أعلم ا ه‍. قوله: (وكره بشرط التحليل للاول) أي كره التزوج الثاني بشرط أن يحلها للاول بأن قال تزوجتك على أن أحللك له أو قالت المرأة ذلك، أما لو نويا كان مأجورا لان مجرد النية في المعاملات غير معتبر. وقيل: المحلل مأجور وتأويل اللعن إذا شرط الاجر كذا في البزازية. والمراد بالكراهة كراهة التحريم فينتهض سببا للعقاب لما روى النسائي والترمذي وصححه مرفوعا: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له. لانه لو كان فاسدا لما سماه محللا، ولو كان غير مكروه لما لعنه. وهل هذا الشرط لازم؟ قال في البزازية: زوجت المطلقة نفسها من الثاني بشرط أن يجامعها ويطلقها لتحل للاول قال الامام: النكاح والشرط جائزان

[ 98 ]

حتى إذا أبى الثاني طلاقها أجبره القاضي على ذلك وحلت للاول ا ه‍. ونقله في غاية البيان عن روضة الزندوسني ورده في فتح القدير بأن هذا مما لم يعرف في ظاهر الرواية ولا ينبغي أن يعول عليه ولا يحكم به لانه بعد كونه ضعيف الثبوت تنبو عنه قواعد المذهب لانه لا شك أنه شرط في النكاح لا يقتضيه العقد والعقود في مثله على قسمين. منها ما يفسد كالبيع ونحوه، ومنها ما يبطل فيه ويصح الاصل، ولا شك أن النكاح مما لا يبطل بالشروط الفاسدة بل يبطل الشرط ويصح هو فيجب بطلان هذا وأن لا يجبر على الطلاق، نعم يكره الشرط كما تقدم من مجمل الحديث ويبقى ما وراءه وهو قصد التحليل بلا كراهة ا ه‍. قوله: (ويهدم الزوج الثاني ما دون الثلاث) حتى لو طلقها واحدة وانقضت عدتها وتزوجت بآخر وطلقها وانقضت عدتها منه ثم تزوجها الاول يملك عليها ثلاثا إن كانت حرة وثنتين إن كانت أمة، ولا يتحقق في الامة إلا هدم طلقة واحدة، وعند محمد يملك عليها ثنتين في الحرة وواحدة في الامة، ومراده إن دخل بها ولو لم يدخل بها لا يهدم اتفاقا كما في القنية. وقد أخذ أبو حنيفة وأبو يوسف فيها بقول شبان الصحابة رضي الله عنهم كابن عباس وابن عمر، وأخذ محمد بقول الاكابر كعمر وعلي رضي الله عنهما. وحاصل ما استدلوا به من قوله صلى الله عليه وسلم لعن الله المحلل والمحلل له بطريق الدلالة أنه لما كان محللا في الغليظة ففي الخفيفة أولى، أو بالقياس بجامع كونه زوجا، ورده المحقق في فتح القدير والتحرير بأن التحليل إنما جعل في حرمتها بالثلاث فلا حرمة قبلها فظهر أن القول ما قاله محمد وباقي الائمة الثلاث. قوله: (ولو أخبرت مطلقة الثلاث بمضي عدته وعدة الزوج الثاني والمدة تحتمله له أن يصدقها إن غلب على ظنه صدقها) يعني للزوج الاول أن يتزوجها لانه معاملة أو أمر ديني لتعليق الحل به وقول الواحدة فيهما مقبول وهو غير مستنكر إذا كانت المدة تحتمله، وقد اقتصر المصنف في إخبارها على ما ذكر وذكره في الهداية مبسوطا فقال: قالت قد انقضت عدتي وتزوجت ودخل بي الزوج وطلقني وانقضت عدتي. وفي النهاية إنما ذكر إخبارها هكذا مبسوطا لانها لو قالت حللت لك فتزوجها ثم قالت لم يكن الثاني دخل بي إن كانت عالمة بشرائط الحل لم تصدق وإلا تصدق وفيما ذكرته مبسوطا لا تصدق في كل حال. وعن السرخسي لا يحل له أن يتزوجها حتى يستفسرها لاختلاف بين الناس في حلها بمجرد العقد. وفي التفاريق: لو تزوجها ولم يسألها ثم قالت ما تزوجت أو ما دخل بي صدقت إذ

[ 99 ]

لا يعلم ذلك إلا من جهتها. واستشكل بأن إقدامها على النكاح دليل على اعتراف منها بصحته فكانت متناقضة فينبغي أن لا يقبل منها كما لو قالت بعد التزوج بها كنت مجوسية أو مرتدة أو معتدة أو منكوحة الغير أو كان العقد بغير شهود، ذكره في الجامع الكبير وغيره بخلاف قولها لم تنقض عدتي. ولو قال الزوج لها ذلك وكذبته تقع الفرقة كأنه طلقها ولذا يجب عليه نصف المهر المسمى أو كماله ا ه‍. من قائله. ثم رأيت في الخلاصة ما يوافق الاشكال المذكور. وقال في الفتاوى في باب الباء: لو قالت بعدما تزوجها الاول ما تزوجت بآخر وقال الزوج الاول تزوجت بآخر ودخل بك لا تصدق المرأة ا ه‍. ولو قال الزوج النكاح وقع فاسدا لاني جامعت أمها إن صدقته المرأة لا تحل للزوج الاول، وإن كذبته تحل، كذا أجاب القاضي الامام. ولو قالت دخل بي الثاني والثاني منكر فالمعتبر قولها، وكذا على العكس. وفي النهاية: ولم يمر بي لو قال المحلل بعد الدخول كنت حلفت بطلاقها إن تزوجتها هل تحل للاول. قلت: يبتني الامر على غالب ظنها إن كان صادقا عندها فلا تحل له، وإن كان كاذبا تحل. وعن الفضلي: لو قالت تزوجني فإني تزوجت غيرك وانقضت عدتي فتزوجها ثم قالت ما تزوجت صدقت إلا أن تكون أقرت بدخول الثاني كأنه - والله أعلم - يحمل قولها تزوجت على العقد وقولها ما تزوجت على معنى ما دخل بي لا على إنكار ما اعترفت به ولذا قال إلا أن تكون أقرت بدخول الثاني فإنه لم يقبل قولها فإنه حينئذ تكون مناقضة صريحة، كذا في فتح القدير. وأشار بقبول قولها إلى أنه لا عبرة بقول الزوج الثاني حتى لو قال لم أدخل بها أو كان النكاح فاسدا وكذبته فالمعتبر قولها، ولو قال الزوج الاول لها ذلك يعتبر قوله في حق الفرقة كأنه طلقها لا في حقها حتى يجب لها نصف المسمى أو كماله إن دخل بها. وأشار بقوله إن غلب على ظنه صدقها إلى أن عداتها ليست شرطا ولهذا قال في البدائع وكافي الحاكم وغيرهما: لا بأس أن يصدقها إذا كانت ثقة عنده أو وقع في قلبه صدقها، وبقبول قول المطلقة إلى أن منكوحة رجل قالت لآخر طلقني زوجي وانقضت عدتي جاز تصديقها إذا وقع في الظن صدقها عدلة كانت أم لا، ولو قالت نكاحي الاول فاسد ليس له أن يصدقها وإن كانت عدلة، كذا في البزازية وفيها: سمع رجل من امرأة أنها مطلقة الثلاث والزوج يقول لا بل مطلقة الثنتين لا يسع لمن سمع منها أن يحضر نكاحها ويمنعها ما استطاع. أراد أن يتزوج امرأة فشهد عنده أو عند القاضي أن لها زوجا فتزوجها لا يفرق انتهى. وفيها: قالت طلقني ثلاثا ثم أرادت تزويج نفسها منه ليس لها ذلك أصرت عليه أم كذبت نفسها ا ه‍. وقيد بقوله والمدة تحتمله لان المدة لو لم تحتلمه فإنه لا يصدقها واحتمالها أن يذكر لكل عدة ما يمكن وهو شهران عند أبي حنيفة، وتسعة وثلاثون يوما عندهما، تمامه في الشرح ولكن في القنية برقم شب: قالت المعتدة أسقطت سقطا استبان خلقه أو بعض خلقه تصدق وتنقضي به العدة وإن أخبرت بعد الطلاق بساعة أو يوم ففي

[ 100 ]

بق: إذا قالت انقضت عدتي في يوم أو أقل تصدق أيضا وإن لم تقل سقط لا حتماله بو: خلافه ا ه‍. فقولهم الامكان بشهرين عند الامام محله ما إذا لم تقل أسقطت سقطا استبان بعض خلقه وجزمهم بهذه المدة دليل على ضعف قول من قال بقبول قولها انقضت عدتي بعد يوم أو أقل لاحتمال سقوط سقط من غير تصريح منها بذلك والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. باب الايلاء لما كان الايلاء يوجب البينونة في ثاني الحال كالطلاق الرجعي أولاه به وهو لغة اليمين وشرعا قوله: (هو الحلف على ترك قربانها أربعة أشهر أو أكثر) أي الزوجة وهو تعريف لاحد قسمي الايلاء الحقيقي وهو ما اشتمل على القسم كقوله آليت أن لا أقربك أو حلفت أو والله أو ما يؤل إليه كقوله أنا منك مول قاصدا به الايجاب أو أنت مثل امرأة فلان وقد كان فلان آلى من امرأته لان معناه أنا منك حالف، وكذا الثاني يؤول إليه فانجل إلى القسم، وأما ما كان في معنى اليمين وهو اليمين بتعليق ما يستشقه على القربان فسنتكلم عليه بعده. وبهذا سقط اعتراض ابن الهمام تبعا للشارح من أنه يرد عليه اليمين بتعليق ما لا يستشقه كقوله إن وطئتك فلله علي أن أصلي ركعتين فإنه لا يكون موليا مع أن التعريف شامل له مع أن في كونه موليا اختلافا فما ذكروه من عدم كونه موليا هو قول أبي يوسف. وقال محمد: يكون موليا كما في المجتمع فجازان يكون المؤلف قصد تعريف الايلاء المتفق عليه وان كان المعتمد قول أبي يوسف كما سيأتي. والتعريف الشامل لكل من القسمين السالم من الايراد قولنا اليمين على ترك قربانها أربعة أشهر فصاعدا بالقسم أو بتعليق ما يستشقه على القربان، وعلى

[ 101 ]

هذا فقولهم المولي من لا يخلو عن أحد المكروهين من الطلاق أو الكفارة مبنى على أحد قسمي الايلاء الحقيقي فلا يعترض عليهم بالمعنوي كما في فتح القدير، والشامل لهما المولي من لا يخلو أحد المكروهين من الطلاق لزوم ما يشق عليه وأوردت عليه إيلاء الذمي على قول أبي حنيفة فإنه إذا قربها خلا عنهما كما سيأتي ولكن قال في الكافي: إنه ما خلا عن حنث لزمه بدليل أنه يحلف في الدعاوى بالله العظيم ولكن منع من وجوب الكفارة عليه مانع وهو كونها عبادة وهو ليس من أهلها وما إذا قال لاربع نسوة والله لا أقربكن صار موليا منهن ويمكنه قربان ثلاث من غير شئ يلزمه لانه لا يحنث إلا يقربان جميعهن. وركنه الحلف المذكور، وشرطه محليه المرأة بأن تكون منكوحة وقت تنجيز الايلاء فلا يرد ما لو قال إن تزوجتك فوالله لا أقربك فتزوجها فإنه يصير موليا عندنا كما في المبسوط. وأهلية الزوج للطلاق عنده وللكفارة عندهما فيصح ايلاء الذمي عنده مما فيه كفارة نحو والله لا أقربك فإن قربها لا تلزمه كفارة. وفائدة كونه موليا أن المدة لو مضت بلا قربان بانت بتطليقة ولا يصح عندهما، أما لو آلى بما هو قربة كالحج لا يصح اتفاقا أو بما لا يلزم كونه قربة كالعتق فإنه يصح اتفاقا فإيلاء الذمي على ثلاثة أوجه وعدم النقص عن أربعة أشهر في الحرة من الشرائط فهي ثلاث. وحكمه لزوم الكفارة أو الجزاء المعلق بتقدير الحنث بالقربان ووقوع طلقة بائنة بتقدير البر. قوله: (كقوله والله لا أقربك أربعة أشهر أو والله لا أقربك) لقوله تعالى * (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) * [ البقرة: 622 ] وأفاد بالمثالين أنه لا فرق بين تعيين المدة أو الاطلاق لانه كالتأبيد وبإطلاقه إلى أن هذا اللفظ صريح فيه لانه لم يشترط فيه النية ومثله لا أجامعك، لا أطؤك، لا أباضعك، لا أغتسل منك من جنابة، فلو ادعى أنه لم يعن الجماع لا يصدق قضاء ويصدق ديانة. والكناية كل لفظ لا يسبق إلى الفهم معنى الوقاع ويحتمل غيره ما لم ينو نحو لا أمسك ولا آتيك، ولا أغشاك، لا المسك، لاغيظنك، لاسؤنك، لا أدخل

[ 102 ]

عليك، لا أجمع رأسي ورأسك، لا أضاجعك، لا أدنو منك، لا أبيت معك في فراش، لا يمس جلدي جلدك، لا أقرب فراشك، فلا يكون إيلاء بلا نية ويدين في القضاء. وفي غاية البيان معزيا إلى الشامل: حلف لا يقربها وهي حائض لا يكون موليا لان الزوج ممنوع عن الوطئ بالحيض فلا يصير المنع مضافا إلى اليمين ا ه‍. وبهذا علم أن الصريح وإن كان لا يحتاج إلى النية لا يقع به لوجود صارف. وقيد المصنف بالقسم لانه لو قال لا أقربك ولم يقل والله لا يكون موليا، كذا ذكر الاسبيجابي. وفي البدائع: لو آلى من امرأته ثم قال لامرأته الاخرى أشركتك في إيلائها لم يصح فإن كان مكان الايلاء ظهار صح، والفرق أن الشركة في الايلاء لو صحت لثبتت الشركة في المدة فيصير كل واحد منهما أقل من أربعة أشهر وهذا يمنع صحة الايلاء انتهى. والطلاق كالظهار وهو يفيد أنه لو آلى منها مدة لو قسمت خص كل واحدة منهما أربعة أشهر فأكثر فإنه يكون موليا من الثانية بالتشريك. وذكر الكرخي لو قال لامرأته أنت علي حرام ثم قال لامرأته الاخرى قد أشركتك معها كان موليا من كل منهما لان إثبات الشركة لا يغير موجب اليمين هنا فإنه لو قال أنتما علي حرام كان موليا من كل واحدة منهما على حدة وتلزمه الكفارة بوطئهما بخلاف قوله والله لا أقربكما لان هذا صار إيلاء لما يلزمه من هتك حرمة الاسم وذلك لا يتحقق إلا بقربانهما. وأما قوله أنتما علي حرام صار إيلاء باعتبار معناه وهو إثبات التحريم وإثبات التحريم قد وجد في كل واحدة منهما فيثبت الايلاء في حق كل واحدة منهما، ولو حلف لا يقربها في زمان أو مكان معين لا يكون موليا خلافا لابن أبي ليلى لانه يمكنه قربانها في مكان آخر أو زمان آخر، ولو حلف لا يقرب امرأته وأجنبية لا يصير موليا ما لم يقرب الاجنبية لانه يمكنه قربان امرأته من غير شئ يلزمه لان الايلاء واحد ولا يصح في حق الاجنبية في حق الطلاق فكذلك في حق امرأته فإذا قرب الاجنبية لا يمكنه قربانها إلا بكفارة تلزمه وصار كما لو حلف لا يقرب امرأته وأمته، ولو حلف لا يقربها إن شاءت يتوقف على مشيئتها لانه طلاق مؤجل فيجوز تعليقه بمشيئتها كالطلاق المنجز، كذا في المحيط. ومن الكنايات أنت علي مثل

[ 103 ]

امرأة فلان وقد كان فلان آلى من امرأته فإن كان نوى الايلاء كان موليا وإلا فلا. ومنها ما لو قال أنت علي كالميتة كذا في الظهيرية وسيأتي أنت علي حرام. وأراد بقوله والله ما ينعقد به اليمين كقوله تالله وعظمة الله وجلاله وكبريائه فخرج ما لا ينعقد به اليمين كقوله وعلم الله لا أقربك وعلي غضب الله وسخطه إن قربتك وإن جعل للايلاء غاية إن كان لا يرجى وجودها في مدة الايلاء كان موليا كما إذا قال والله لا أقربك حتى أصوم المحرم وهو في رجب أو لا أقربك إلا في مكان كذا وبينه مسيرة أربعة أشهر فصاعدا فإنه يكون موليا، وإن كان أقل لم يكن موليا. وكذا إذا قال حتى تفطمي طفلك وبينها وبين الفطام أربعة أشهر فصاعدا فإنه يكون موليا وإن كان أقل لم يكن موليا. وإن قال لا أقربك حتى تطلع الشمس من مغربها أو حتى تخرج الدابة أو الدجال كان القياس أن لا يكون موليا لانه يرجى وجود ذلك ساعة فساعة. وفي الاستحسان يكون موليا لان هذا اللفظ في العرف والعادة إنما يكون للتأبيد. وكذا إذا قال حتى تقوم الساعة أو قال حتى يلج الجمل في سم الخياط فإنه يكون موليا، فإن كان يرجى وجوده في المدة لا مع بقاء النكاح فإنه يكون موليا أيضا مثل أن يقول والله لا أقربك حتى تموتي أو أقتل أو حتى أطلقك ثلاثا فإنه يكون موليا إجماعا. وكذا إذا كانت أمة فقال لا أقربك حتى أملكك أو أملك شقصا منك يكون موليا. وإن قال حتى أشتريك لا يكون موليا لانه قد يشتريها لغيره ولا يفسد النكاح. ولو قال حتى أشتريك لنفسي لا يكون موليا أيضا لانه ربما يشتريها لنفسه شراء فاسدا. ولو قال اشتريتك لنفسي وأقبضك كان موليا. وإن كان يرجى وجوده مع بقاء النكاح كان موليا مثل أن يقول إن قربتك فعبدي حر، كذا في الجوهرة. وقيد بالقربان لانه لو قال والله لا يمس جلدي جلدك لا يكون موليا لانه يحنث في يمينه بالمس بدون الجماع في الفرج. ولو قال والله لا يمس فرجي فرجك يكون موليا لانه يراد بهذا الكلام الجماع في الفرج. ولو قال لامرأته إن قربتك أو دعوتك إلى فراشي فأنت طالق لا يكون موليا لانه يمكنه قربانها من غير وقوع

[ 104 ]

الطلاق بأن يدعوها إلى الفراش فيحنث، ثم يقربها بعد ذلك من غير أن يحنث بالقربان. ولو قال لامرأته إن اغتسلت من جنابتي ما دمت امرأتي فأنت طالق ثلاثا وأعاد هذا القول وكانت المرأة حاملا ولم يقربها بعد المقالة حتى وضعت حملها بعد أربعة أشهر فصاعدا فإنها تبين بواحدة عند انقضاء أربعة أشهر لانه كان موليا وتنقضي عدتها بوضع الحمل، فإن تزوجها بعد ذلك لا يكون موليا لو قربها لا يحنث لان اليمين كانت موقتة إلى بقاء النكاح وبعدما وقعت تطليقة بالايلاء لا يقع عليها طلاق آخر وإن مضت أربعة أشهر أخرى قبل وضع الحمل لان المبانة بالايلاء لا يقع عليها طلاق آخر بحكم ذلك الايلاء وإن كانت في العدة ما لم تتزوج وتمامه في الخانية. وعلم أن القربان مصدر قرب يقرب من باب فعل بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع وله مصدران: القربان والقرب بمعنى الدنو، كذا في ضياء الحلوم. قوله: (فإن وطئ في المدة كفر) بتشديد الفاء أي لزمته الكفارة إذا كانت يمينه بالله تعالى وبه قالت الائمة الثلاثة. ووعد المغفرة بسبب الفئ الذي هو مثل التوبة لا ينافي الزام الكفارة لانه حكم دنيوي وذاك أخروي. قيد بالوطئ لانه لو كفر قبله لا يكون كفارة، كذا ذكر الاسبيجابي. وأطلق في الوطئ فشمل ما إذا جن بعد الايلاء ثم وطئها انحلت وسقط الايلاء، كذا في فتح القدير قوله: (وسقط الايلاء) بإجماع الفقهاء حتى لو مضت أربعة أشهر لا يقع طلاق لانحلال اليمين بالحنث وسواء حلف على أربعة أشهر أو أطلق أو على الابد قوله: (وإلا بانت) أي إن لم يطأ في المدة وهي أربعة أشهر وقعت عليه طلقة بائنة لانه قد وقع التخلص من الظلم ولا يكون بالرجعي لانه بسبيل من أن يردها إلى عصمته ويعبد الايلاء فتعين البائن لتملك نفسها وتزول سلطنته عنها جزاء لظلمه وهو مروي عن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وتمامه في فتح القدير. وذكر الاسبيجابي أن العدة من وقت البينونة وبه فارق الطلاق الرجعي فإنه وإن أوجب بينونة في ثاني الحال كالايلاء لكن العدة فيه من وقت الطلاق لا البينونة. وفي المبسوط: وإذا ادعى أنه قد جامعها فإن ادعى في الاربعة الاشهر فالقول قوله، وإن ادعى ذلك بعد مضي المدة لم يقبل قوله بناء على الاصل المعروف أنه متى أقر بما يملك انشاءه لا يكون متهما، فلو أقام بينة على مقالته في الاربعة الاشهر أنه قد جامعها فهي امرأته لانه الثابت بإقراره كالثابت بالمعاينة وهي من أعجب المسائل أنه لا يقبل إقراره بعد مضي المدة ويتمكن من إثباته بالبينة ا ه‍. قوله: (وسقط اليمين لو حلف على أربعة أشهر) لانها موقتة بوقت فلا تبقى بعد مضيه قوله: (وبقيت لو على الابد) أي بقيت اليمين لو كان حلف على الابد سواء صرح به أو أطلق

[ 105 ]

لعدم ما يبطلها من حنث أو مضى وقت قوله: (فلو نكحها ثانيا وثالثا ومضت المدتان بلا فئ بانت بأخريين) يعني لو تزوجها بعدما بانت بالايلاء ثم مضت المدة بعد التزوج الثاني بانت بتطليقة أخرى. وكذا لو تزوجها بعد ذلك ثالثا ومضت المدة بانت بثالثة. وتعتبر المدة من وقت التزوج لان به يثبت حقها في الجماع وبامتناعه صار ظالما فيجازى بإزالة نعمة النكاح. وأشار إلى أنه لا يتكرر الطلاق قبل التزوج لانه لا حق لها في الجماع قبله وهو الاصح بخلاف ما لو أبانها بتنجيز الطلاق ثم مضت مدة الايلاء وهي في العدة حيث تقع أخرى بالايلاء لانه بمنزلة التعليق بمضي الزمان والمعلق لا يبطل بتنجيز ما دون الثلاث. وفي الظهيرية: لو قال والله لا أقربك أبدا فمضت أربعة أشهر ووقع الطلاق ثم مضت أربعة أشهر أخرى وهي في العدة تقع أخرى، وكذلك هذا في الكرة الثالثة. ولو تزوجها بعد انقضاء العدة تعتبر مدة الايلاء الثاني من وقت التزوج، ولو تزوجها في العدة تعتبر المدة من وقت وقوع الطلاق الاول ا ه‍. قوله: (فإن نكحها بعد زواج آخر لم تطلق) لتقييده بطلاق هذا الملك وقد انتهى بالثلاث سواء وقعت متفرقة بسبب الايلاء المؤبد أو نجزها بعد الايلاء قبل مضي مدته ثم عادت إليه بعد زوج آخر لبطلان الايلاء فلا يعود بالتزوج قوله: (فلو وطئها كفر لبقاء اليمين) أي لو وطئها بعد ما عادت إليه بعد زوج آخر لزمه التكفير عن يمينه لبقائها في حقه وإن لم يبق في حق الطلاق. وفي الجامع الكبير للصدر الشهيد: الايلاء يصح في المنكرة حلف لا يقرب إحداهما ومضت المدة بانت واحدة ويخير، فإن مضت مدة أخرى قبله بانت الاخرى للتعيين ودلت أن الايلاء يبطل بالبينونة وأنه لا ينعقد على المبانة في العدة وهو الاصح بخلاف الابانة بغيره، وعلى هذا تكرار مدة الواحدة بخلاف كلما مضت أربعة أشهر فأنت بائن ينوي الطلاق اه‍. ومن باب اليمين في الايلاء يوجب طلاقا ويتعدد بتعدد المدة وكفارة في الحنث وتتعدد بتعدد الاسم. قال كلما دخلت واحدة من هاتين الدارين فوالله لا أقربك ودخلها، أو قال كلما دخلت هذه ودخلها مرتين يتعدد في حق الطلاق دون الكفارة، ولو قال فعلي يمين إن قربتك تعددا. قال في مجلس مرتين إذا جاء غد فوالله لا أقربك تعدد الكفارة بالوطئ لتعدد الاسم والطلاق بالبر لا لاتحاد المدة، وعند زفر تتعدد، ولو علقه بوقتين تعددا لتعددهما. قال كلما دخلت فأنت طالق ثلاثا إن قربتك أو فعبدي هذا حر يتعدد الايلاء والجزاء متحد لتعذره. قال كلما دخلت فإن قربتك فعلي يمين أو نذر أو حجة يتعدد ويشترط مع كل دخلة قربان للعطف. قال كلما دخلت فوالله لا أقربك أو قدم القسم يتعدد الطلاق

[ 106 ]

دون الكفارة، ولو قال إن قربتك فأنت طالق كلما دخلت لا يكون موليا لان به ينعقد ويمكنه أن لا يدخل. آلى مرارا في مجلس ونوى التكرار يتحد الطلاق والكفارة وإن عطف يتعدد الكفارة وتطلق ثلاثا يتبع بعضها قياسا وهو قول محمد وزفر، وواحدة استحسانا وهو قولهما ا ه‍ قوله: (ولا إيلاء فيما دون أربعة أشهر) يعني في الحرة بدليل أنه سيذكر حكم الامة وبه قال الائمة الاربعة وظاهر الآية صحة الايلاء فيما دونها لانه إنما خص بالاربعة مدة التربص وأما الحلف فمطلق، وما ذكره الشارح وغيره من المعنى فمصادرة كما في فتح القدير ولكن كان مشايخنا إنما تمسكوا بفتوى ابن عباس على أنه تفسير للآية وتمامه في العناية والله أعلم. قوله: (والله لا أقربك شهرين وشهرين بعد هذين الشهرين إيلاء) لان الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظه وقوله بعد هذين الشهرين قيد اتفاقي لانه لو لم يذكره كان الحكم كذلك. قيد بالواو بدون تكرار النفي والقسم لانه لو كرر النفي بأن قال والله لا أقربك شهرين ولا شهرين أو كرر القسم بأن قال والله لا أقربك شهرين والله لا أقربك شهرين لا يكون موليا لانهما يمينان فتتداخل مدتهما حتى لو قربها قبل مضي شهرين يجب عليه كفارتان، ولو قربها بعد مضيهما لا تجب عليه لانقضاء مدتهما. وحكم اليمين كحكم الايلاء في عدم التعدد إذا كانت بالواو فقط والتعدد إذا تكرر حرف النفي أو القسم، ولا فرق في تكرار القسم بين تكرار المقسم عليه أو لا حتى لو قال والله والله لا أفعل كذا فهو يمينان في ظاهر الرواية كقوله والله لا أفعل كذا والله لا أفعل كذا. واعلم أنه لا تلازم بين كونه إيلاء ويمينا فلذلك قد يتعدد البر والحنث وقد يتحدان وقد يتعدد البر ويتحد الحنث وقلبه مثال الاول: إذا جاء غد فوالله لا أقربك إذا جاء بعد غد فوالله لا أقربك فتعدد الايلاء لتعدد المدة وتعدد اليمين لتعدد الذكر فإن تركها أربعة أشهر من اليوم الاول بر في الاولى وبانت، فإذا مضى يوم آخر بر في الثانية وطلقت أيضا، ولو قربها بعد الغد تجب كفارتان وإن قربها في الغد تجب كفارة واحدة. ومثال الثاني: والله لا أقربك أربعة أشهر وكذا مسألة الكتاب.

[ 107 ]

ومثال الثالث كلما دخلت هذه الدار فوالله لا أقربك فدخلتها في يوم ثم في يوم ثم في يوم آخر فإن قربها تجب كفارة واحدة لاتحاد الحنث، وإن تركها أربعة أشهر من اليوم الاول بانت بطلقة، فإذا مضى يوم آخر بانت بطلقة أخرى، وكذا إذا مضي يوم آخر بانت بثالثة لتعدد البر، وفي فتح القدير: وفي هذا المثال نظر لان الحلف بالله وقع جزاء لشرط متكرر فيلزم تكرره. ولا يشكل بأنه لا حلف عند الشرط الثاني والثالث لانه لم يوجد فيه ذكر اسم الله تعالى وإلا لزم أن لا حلف عند الشرط الاول أيضا، ومع ذلك ثبت الحلف عنده ولعله اشتبه بوالله كلما دخلت الدار لا أقربك أو بكلما دخلت الدار فوالله لا أقربك ا ه‍. والجواب لا اشتباه لان المنقول في الفتاوى كالولوالجية والبزازية أن الطلاق والعتاق والظهار متى علق بشرط متكرر يتكرر واليمين لا وإن علق بمتكرر حتى لو قال كلما دخلت الدار فوالله لا أكلم زيدا فدخل الدار مرارا لا يتكرر اليمين لانه إنشاء عقد والانشاء لا يتكرر بلا تكرر صيغته، ألا ترى أنه لا يتعدد وإن سمى التعدد لان الكفارة لا تلزم بلاهتك حرمة اسم الله تعالى ا ه‍. وقوله والالزام أن لا حلف عند الشرط الاول ممنوع لانه صريح قيد كما لا يخفي. ومثال الرابع أعني اتحاد الايلاء وتعدد اليمين: إذا جاء غد فوالله لا أقربك ثم قال في المجلس إذا جاء غد فوالله لا أقربك فهو إيلاء واحدا في حكم البر حتى لو مضت أربعة أشهر من الغد طلقت وإن قربها فعليه كفارتان لاتحاد المدة وتعدد الاسم. قوله: (ولو مكث يوما ثم قال والله لا أقربك شهرين بعد الشهرين الاولين أو قال والله لا أقربك سنة إلا يوما أو قال بالبصرة والله لا أدخل مكة وهي بها لا) أي لا يكون موليا في هذه المسائل الثلاث. أما في الاولى فلان الثاني إيجاب مبتدأ أو قد صار ممنوعا بعد اليمين الاولى شهرين وبعد الثانية أربعة إلا يوما فلم تتكامل مدة المنع. أراد باليوم مطلق الزمان لانه لا فرق بين مكثه يوما أو ساعة، وتقييده بقوله بعد الشهرين اتفاق أيضا لانه لو لم يذكره لا يكون موليا أيضا لكن بينهما فرق من وجه أخر وهو أنه عند ذكره تتعين مدة اليمين الثانية، وعند عدمه تصير مدتهما واحدة وتتأخر الثانية عن الاولى بيوم ولكن في مسألة الكتاب

[ 108 ]

تتداخل المدتان، فلو قربها في الشهرين الاولين لزمته كفارة واحدة، وكذا في الشهرين الاخيرين لانه لم يجتمع على شهرين يمينان بل على كل شهرين يمين واحدة، وقد توارد شروح الهداية من النهاية ومختصريها وغاية البيان على الخطأ عند كلامهم على هذه المسألة فاحذره، كذا في فتح القدير. وأقول: وقيد بالوقت لانه لو أطلق بأن قال والله لا أقربك ثم قال بعد ساعة والله لا أقربك ثم بعد ساعة قال والله لا أقربك فقربها بعد اليمين الثالثة لزمه ثلاث كفارات لتداخل المحلوف عليه، ولو لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر بانت وعند تمام الثانية وهو ساعة بعدها تبين بأخرى إذا كانت في العدة، وعند تمام الثالثة تبين بثالثة بلا خلاف. وفي الجوهرة: ولو كرر والله لا أقربك ثلاثا في مجلس واحد، فإن أراد التكرار فالايلاء واحد واليمين واحدة، وإن لم يكن له نية فالايلاء واحد واليمين ثلاث، وإن أراد التغليظ والتشديد فالايلاء واحد واليمين ثلاث في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وإذا تعدد المجلس تعدد الايلاء واليمين وتمامه فيها. وأما الثانية وهو ما إذا قال والله لا أقربك سنة إلا يوما فإن المولى من لا يمكنه القربان في المدة إلا بشئ يلزمه ويمكنه ها هنا القربان من غير شئ يلزمه لان المستثنى يوم منكر ولو قربها في يوم صار موليا إذا غربت الشمس من ذلك اليوم ولا يكون موليا بمجرد القربان بخلاف قوله سنة إلا مرة فإنه إذا قربها صار موليا من ساعته، ولا بد فيها من كون الباقي من السنة أربعة أشهر فأكثر، ذكره الاسبيجابي. قيد بالايلاء لان في الاجارة ينصرف إلى اليوم الاخير من السنة لان الصرف إلى الاخير لتصحيحها فإنها لا تصح مع التنكير ولا كذلك اليمين في الايلاء، وأما اليمين في غيره فقالوا ينصرف إلى الاخير كقوله والله أكلم فلانا سنة إلا يوما فاحتاجوا إلى الفرق بين اليمينين. وفرق صاحب النهاية بأن المعنى الحامل وهو المغايظة المقتضية لعدم كلامه في الحال منظور فيه بأنه مشترك الالزام إذ الايلاء أيضا يكون عن المغايظة، كذا في فتح القدير تبعا للشارح. وقد يقال لا يلزم في الايلاء أن يكون عن مغايظة كما إذا كان برضاها الخوف غيل

[ 109 ]

على ولدها وعدم موافقة مزاجهما ونحوه فيتفقان عليه لقطع لجاج النفس كما صرح به في فتح القدير أول الباب ولم يتنبه له هنا وتأجيل الدين كالاجارة. وقيد باليوم لانه لو قال إلا نقصان يوم انصرف إلى الاخير لان النقصان منها لا يكون إلا من آخرها عرفا والتقييد بالسنة اتفاقي لانه لو أطلق فقال لا أقربك إلا يوما لا يكون موليا أيضا لكن إذا قربها هنا صار موليا مطلقا، وكذا لا فرق بين الاقتصار على اليوم وبين وصفه بقوله إلا يوما أقربك فيه في كونه لا يكون موليا لكن هنا لا يصير موليا أبدا قربها أو لا بخلاف ما تقدم. وقيد بالاستثناء لانه لو قال لا أقربك سنة كان موليا ووقع عليه طلقتان فقط إذا تركها السنة كلها ولا تقع الثالثة، كذا في الولوالجية. وأما المسألة الثالثة وهو ما إذا كان في بلدة وامرأته في أخرى فحلف لا يدخل البلدة التي هي فيها لانه يمكنه القربان من غير شئ يلزم بالاخراج من البلد بوكيله أو نائبه قبل مضي المدة، فإن كان لا يمكنه بأن كان بينهما ثمانية أشهر صار موليا على ما في جوامع الفقه، وأما على ذكره قاضيخان فالعبرة لاربعة أشهر، والذي يظهر ضعفه لامكان خروج كل منهما إلى الآخر فيلتقيان في أقل من ذلك وقدمنا بعض مسائل الايلاء المغيا بغاية عن الجوهرة. وفي الجامع للصدر الشهيد: الغاية كالشرط. قال لا أقربك حتى أقتل أو تقتلي أو أقتلك أو تقتليني أو أملكك أو تملكيني أو ما دام النكاح بيننا فهو ومول، وحتى أشتريك لا خلافا فالزفر دليله التعليق. ولو قال حتى أعتق عبدي أو أطلق امرأتي صار موليا خلافا لابي يوسف. ولو قال حتى أقتله أو أضربه أو يأذن لي لا لامكان الغاية فإن وحدت الغاية سقطت اليمين، وكذا إن تعذرت عندهما خلافا لابي يوسف وهي معروفة. ولو قال حتى أقتلك أو فلانا وقتله بطلت، وإن مات صار موليا بعده. ولو قال حتى تموت أو يموت ومات بطلت. قال في رجب لا أقربك حتى أصوم شعبان فأفطر أول يوم منه أو عمل ما لا يستطيع معه الصوم بطلت يمينه، وعند أبي يوسف يصير موليا من وقت التعذر، عند محمد من وقت اليمين وخالف أصله، ولو قال حتى أصوم المحرم فهو مول بالاتفاق، وكذا حتى تخرج الدابة أو تطلع الشمس من مغربها ا ه‍. قوله: (وإن حلف بحج أو صوم أو عتق أو صدقة أو طلاق أو آلى من المطلقة الرجعية فهو مول) هذا شروع في القسم الثاني من الايلاء وهو الايلاء المعنوي وهو اليمين بتعليق ما

[ 110 ]

يستشقه على القربان كإن قربتك فلله علي حج. وخرج اليمين بما لا يستشقه كإن قربتك فلله علي صلاة ركعتين أو فلله علي صلاة ركعتين في بيت المقدس لانه لا يلزمه بتعيين المكان شئ عندنا فله صلاتهما في غيره كما خرج فعلي اتباع جنازة أو سجدة تلاوة أو قراءة القرآن أو تسبيحة، ودخل ما لو قال فلله علي مائة ركعة لانه يشق على النفس كما في فتح القدير بحثا. وإطلاق أن الصلاة مما لا يستشقه كما فعل الشارح مما لا ينبغي، هذا إن علل الصلاة بما لا يستشق، أما إذا علل بأن الصلاة لا يحلف بها عادة كما في شرح المجمع للمصنف قال، فالتحق بصلاة الجنازة وسجدة التلاوة فلا فرق بين الركعتين ومائة ركعة كما لا يخفى. ودخل الهدي والاعتكاف واليمين وكفارة اليمين وذبح الولد لانه يلزمه بالنذر به ذبح شاة عندنا كما في البدائع. وأراد بالصوم غير المعين كقوله فلله علي صوم يوم أو شهر، والمعين إن كان بمدة الايلاء أو أكثر كقوله فلله علي صوم أربعة أشهر أولها هذا الشهر مثلا، وأما إذا كان بأقل منها كقوله فلله علي صوم هذا الشهر فليس بمول لانه يمكنه ترك القربان إلى أن يمضي ذلك ثم يطأها بلا شئ يلزمه. وأطلق العتق فشمل عتق العبد المعين كقوله فلله علي عتق هذا العبد وغيره كقوله فلله علي عتق عبد سواء كان منجزا أو معلقا حتى لو قال فكل مملوك اشتريته فهو حر صار موليا خلافا لابي يوسف. كما أطلق الطلاق فشمل طلاقها وطلاق غيرها منجزا أو معلقا حتى لو قال فكل امرأة أتزوجها من أهل الاسلام طالق صار موليا. وفي التلخيص من باب الايلاء يكون في موطنين: وفي إن قربتك فأنت طالق كلما دخلت فليس بمول لان له مدفعا بالترك أو بحمل الغير بخلاف فكل مملوك أملك حرا وأخر الجزاء كان موليا للاعراض اه‍. ومن باب الفئ في اليمين: قال إن قربتك فعبداي حران فباع أحدهما ثم اشتراه وباع الآخر أو قدم بيعه فهو مول من وقت شرائه وفي واحدهما حر من وقت اليمين اه‍. ولو باع العبد المعين سقط الايلاء لانه صار بحال يمكنه قربانها بغير شئ يلزمه، ولو ملكه بسبب شراء أو غيره عاد الايلاء من وقت الملك إن لم يكن وطئها قبله، فإن كان وطئها قبل تجدد الملك لم يعد لسقوط الايلاء، ولو مات العبد المعين قبل البيع سقط الايلاء لقدرته على الوطئ بغير شئ، وعلى هذا التفصيل موت المرأة المعلق طلاقها أو إبانتها ثم تزوجها. وفي الجامع للصدر: قال أنت طالق ثلاثا قبل أن أقربك

[ 111 ]

بشهر أو قبل أن أقربك بشهر إذا قربتك لا يصير موليا قبل الشهر وبعده يصير إلا إذا قربها فيه والثاني تأكيد بخلاف والله لا أقربك إن قربتك للتعليق. قال أنت طالق قبل أن أقربك يتنجز، وقيل لا ويصير موليا اه‍. وفي الخانية: قال لامرأته إن قربتك فعبدي هذا حر فمضت أربعة أشهر وخاصمته إلى القاضي وفرق بينهما ثم أقام العبد البينة أنه حر الاصل القاضي يقضي بحريته ويبطل الايلاء وترد المرأة إلى زوجها لانه تبين أنه لم يكن موليا اه‍. وأما صحة الايلاء من المطلقة رجعيا وإن لم يكن لها حق في الوطئ فباعتباران وطأها مباح، فإن كانت تعتد بالاقراء فلاحتمال امتداد عدتها حتى تمضي مدة الايلاء فتبين، وإن كانت بالاشهر فلاحتمال أن يراجعها قبل مضيها، فإن لم يراجعها حتى مضت عدتها قبل مضيها سقط الايلاء لفوات محله. قوله: (ومن المبانة والاجنبية لا) أي لا يصح الايلاء لفوات محله وهو الزوجة ولو وطئها كفر لانعقادها في حق وجوب الكفارة عند الحنث لان انعقاد اليمين يعتمد التصور حسا لا شرعا، ألا ترى أنها تنعقد على ما هو معصية. وفي الخانية: رجل آلى من امرأته ثم طلقها تطليقة بائنة إن مضت أربعة أشهر من وقت الايلاء وهي في العدة طلقت أخرى بالايلاء، وإن انقضت عدتها ثم تمت مدة الايلاء يقع الطلاق بالايلاء. رجل آلى من امرأته ثم طلقها ثم تزوجها إن تزوجها قبل انقضاء العدة كان الايلاء على حاله حتى لو تمت أربعة أشهر من وقت الايلاء يقع عليها تطليقة أخرى بحكم الايلاء، وإن تزوجها بعدما طلقها بعد

[ 112 ]

انقضاء العدة كان موليا تعتبر مدة الايلاء من وقت التزوج اه‍ قوله: (ومدة إيلاء الامة شهران) لان الرق منصف. أطلقه فشمل ما إذا كان الزوج حرا أو عبدا ذكره الاسبيجابي. ولا يرد عليه الايلاء من أمته لان شرطه المحلية وهي بالزوجية كما قدمناه، ولو طلقها زوجها بعد الايلاء رجعيا أو بائنا ثم أعتقت في المدة انتقلت المدة إلى مدة إيلاء الحرائر ذكره الاسبيجابي. وفي الجامع الكبير للصدر الشهيد: تحته حرة وأمة حلف لا يقرب إحداهما ومضي شهران بانت الامة لسبق مدتها، فلو عتقت قبلها كملت مدتها، وكذا لو أبانها ثم عتقت بخلاف العدة فلو مضت مدة أخرى بانت الحرة. وعن أبي يوسف لا وتتعين له الامة كالحنث فإن تزوجها بعد البينونة عاد إيلاؤها وكذاهما لكن إن رتب بانت الاولى عند تمام مدتها من وقت العقد والثانية بمدة ثانية بخلاف ما لو بانت قبلها. قال لامرأته وأمته والله لا أقرب إحداكما لم يكن موليا، وكذا لو أعتق الامة ثم تزوجها ومن وطئها كفر ويمكنه تركه كالاجنبية بخلاف واحدة منكما لعمومه. وعلى هذا لو قال لزوجته لا أقرب إحداكما أو واحدة منكما لعمومه استحسانا. قال إن قربت إحداكما فالاخرى علي كظهر أمي وبانت إحداهما بالايلاء أو بغيره بطل إيلاء الاخرى بخلاف فالاخرى طالق ما دامت في العدة، ولو قال فإحداكما أو فواحدة أو فهي لا لتعينها. قال إن اشتريت جارية فهي حرة صح فيمن في ملكه دون من يملكها خلافا لزفر. قوله: (وإن عجز المولى عن وطئها بمرضه أو مرضها أو بالرتق أو بالصغر أو بعد مسافة ففيؤه أن يقول فئت إليها) لانه أذاها بذكر المنع فيكون إرضاؤها بالوعد باللسان. أراد ببعد المسافة أن يكون بينهما مسافة لا يقدر على قطعها في مدة الايلاء، فإن قدر لا يصح فيؤه باللسان كما في البدائع. وقيد بالقول لان المريض لو فاء بقلبه لا بلسانه لا يعتبر، كذا في الخانية. وليس مراده خصوص لفظ فئت إليها بل ما يدل عليه كقوله رجعتك أو راجعتك أو ارتجعتك أو أبطلت الايلاء أو رجعت عما قلت ونحوه. ودخل تحت العجز أن تكون ممتنعة منه أو كانت في مكان لا يعرفه وهي ناشزة أو حال القاضي بينهما لشهادة الطلاق الثلاث للتزكية أو كانت محبوسة أو محبوسا إذا لم يقدر على مجامعتها في السجن فإن قدر عليه ففيؤه

[ 113 ]

الجماع، كذا في غاية البيان. وقيد بما ذكره من أنواع العجز الحقيقي احترازا عن العجز الحكمي مثل أن يكون محرما وقت الايلاء وبينه وبين الحج أربعة أشهر، فعندنا لا يكون فيؤه إلا بالجماع لان المتسبب باختياره بطريق محظور فيما لزمه فلا يستحق تخفيفا. وأراد بكون الفئ باللسان معتبرا مبطلا للايلاء في حق الطلاق، أما في حق بقاء اليمين باعتبار الحنث فلا، حتى لو وطئها بعد الفئ باللسان في مدة الايلاء لزمته الكفارة لتحقق الحنث. وفي البدائع: ومن شروط صحة الفئ بالقول قيام ملك النكاح وقت الفئ بالقول وهو أن يكون في حال ما يفئ إليها زوجته غير بائنة منه، فإن كانت بائنة منه ففاء بلسانه لم يكن ذلك فيئا ويبقى الايلاء لان الفئ بالقول حال قيام النكاح إنما يرفع الايلاء في حق حكم الطلاق بحصول إيفاء حقها به ولا حق لها حالة البينونة بخلاف الفئ بالجماع فإنه يصح بعد ثبوت البينونة حتى لا يبقى الايلاء بل يبطل لانه حنث بالوطئ فانحلت اليمين وبطلت ولم يوجد الحنث ها هنا فلا تنحل اليمين فلا يرتفع الايلاء اه‍ قوله: (وإن قدر في المدة ففيؤه الوطئ) لكونه خلفا عنه فإذا قدر على الاصل قبل حصول المقصود بالبدل بطل كالمتيمم إذا رأى الماء في صلاته. قيد بكونه في المدة لانه لو قدر عليه بعدها لا يبطل، وشمل كلامه ما إذا كان قادرا وقت الايلاء ثم عجز بشرط أن يمضي زمان يقدر على وطئها بعد الايلاء، وما إذا كان عاجزا وقته ثم قدر في المدة، وأما لو آلى إيلاء مؤبدا وهو مريض فبانت بمضي المدة ثم صح وتزوجها وهو مريض ففاء بلسانه لم يصح عندهما خلافا لابي يوسف وصححوا قوله، كذا في فتح القدير. وفي الجامع الكبير للصدر: الجامع أصل واللسان خلفه آلى في مرضه وفاء بلسانه بطل إيلاؤه في حق الطلاق فإن صح قبل تمام المدة بطل لقدرته على الاصل كالمتيمم، ولو لم يفئ حتى بانت فصح ثم مرض فتزوجها ففيؤه بالجماع. وعن أبي يوسف وزفر لانه

[ 114 ]

حرام كالخلوة لكنه بتقصيره كمن أحرم بالحج ثم آلى أو آلى وهو صحيح ثم بانت ثم مرض وتزوجها بخلاف إن تزوجتك فوالله لا أقربك. آلى في مرضه ثم أعاده بعد عشرة أيام وصح في بعض المدة فكما مر اه‍ قوله: (أنت علي حرام إيلاء إن نوى التحريم أو لم ينو شيئا) لان الاصل في تحريم الحلال إنما هو اليمين عندنا على ما سنذكره في الايمان إن شاء الله تعالى. ولا فرق في الاحكام كلها بين أن يذكر كلمة علي أو لم يذكر، وما ذكره في خزانة الاكمل عن العيون من أنه لو قال أنت حرام أو بائن ولم يقل مني فهو باطل سهو منه حيث نقله عن العيون، وفي العيون ذكر ذلك من جانب المرأة فقال لو جعل أمر امرأته بيدها فقالت للزوج أنت علي حرام أو أنت مني بائن أو حرام أو أنا عليك حرام أو بائن وقع، ولو قالت أنت بائن أو حرام ولم تقل مني فهو باطل. ووقع في بعض نسخ العيون: ولو قال بغير تاء التأنيث فظن صاحب الاكمل أنها مسألة مبتدأة وظن أنه لو قال ذلك الرجل لامرأته فهو باطل. قال رضي الله عنه: وعند هذا ازداد سهو شيخنا نجم الدين البخاري فزاد فيها لفظة لها فقال: لو قال لها أنت حرام أو بائن فهو باطل والمسألة مع تاء التأنيث مذكورة في الواقعات الكبرى المرتبة وغير المرتبة في مسائل العيون فعرف به سهوهما، كذا في القنية. قيد بالزوج لان الزوجة لو قالت لزوجها أنا عليك حرام أو حرمتك صار يمينا حتى لو جامعها طائعة أو مكرهة تحنث بخلاف ما لو حلف لا يدخل هذه الدار فأدخل فيها مكرها لا يحنث ومعناه أدخل محمولا، ولو أكره على الدخول فدخل مكرها حنث، كذا في البزازية. وحرمتك علي أو لم يقل علي أو أنت محرمة علي أو حرام علي أو لم يقل علي أو أنا عليك حرام أو محرم أو حرمت نفسي عليك بمنزلة أنت علي حرام كما في البزازية وقوله أنت علي كالحمار أو الخنزير أو ما كان محرم العين فهو كقوله أنت علي حرام كما في البزازية. قوله: (وظهار إن نواه) أي الظهار وهذا عندهما. وقال محمد: ليس بظهار لانعدام التشبيه بالمحرمة وهو الركن فيه. ولهما أنه أطلق الحرمة وفي الظهار نوع حرمة والمطلق يحتمل المقيد، كذا في الهداية تبعا للقدوري وشمس الائمة، وليس الخلاف مذكورا في ظاهر الرواية ولذا لم يذكره الحاكم الشهيد في مختصره ولا الطحاوي.

[ 115 ]

قوله: (وكذب إن نوى الكذب) لانه نوى حقيقة كلامه إذ حقيقته وصفها بالحرمة وهي موصوفة بالحل فكان كذبا وأورد لو كان حقيقة كلامه لانصرف إليه بلا نية لكنكم تقولون عند عدم النية ينصرف إلى اليمين. والجواب أن هذه حقيقة أولى فلا تنال إلا بالنية واليمين الحقيقة الثانية بواسطة الاشتهار، وقيل لا يصدق قضاء. وقال شمس الائمة السرخسي: بل فيما بينه وبين الله تعالى لكونه يمينا ظاهرا لان تحريم الحلال يمين بالنص فلا يصدق قضاء في نيته خلاف الظاهر وهذا هو الصواب على ما عليه العمل والفتوى كما سنذكره. والاول قول الحلواني وهو ظاهر الرواية ولكن الفتوى على العرف الحادث كذا في فتح القدير وفيه نظر، لان العمل والفتوى إنما هو في انصرافه إلى الطلاق من غير نية لا في كونه يمينا. وفي المصباح: الكذب بفتح الكاف وكسر الذال وبكسر الكاف وسكون الذال هو الاخبار عن الشئ بخلاف ما هو سواء فيه العمد والخطأ ولا واسطة بين الصدق والكذب على مذهب أهل السنة والاثم يتبع العمد اه‍ قوله: (وبائنة إن نوى الطلاق) سواء نوى واحدة أو ثنتين قوله: (وثلاث إن نواه) أي الثلاث لان الحرام من الكنايات وهذا حكمها وقدمنا أن النية شرط في الحالة المطلقة أي الخالية عن الغضب والمذاكرة، وأما مع أحدهما فليست شرطا للوقوع قضاء. وشمل قوله وبائنة إن نوى الطلاق ما إذا طلقها واحدة ثم قال لها أنت علي حرام ناويا ثنتين فإنه وإن تم به الثلاث لم يقع بالحرام إلا واحدة. وقوله في فتح القدير لم يقع شئ سبق قلم وعبارة غيره: لم تصح نيته بخلاف ما إذا نوى الثلاث به فإنه يصح ويقع ثنتان تكملة للثلاث كما في الخانية وقدمناه. وفي البزازية: أنت علي حرام ألف مرة يقع واحدة وفي كل موضع تشترط النية ينظر المفتي إلى سؤال السائل إن قال قلت كذا هل يقع يقول نعم إن نويت وإن قال كم يقع يقول واحدة ولا يتعرض لاشتراط النية لان كم عبارة عن عدد الواقع وذلك يقتضي أصل الواقع وهذا حسن اه‍. ثم قال فيها: قال لها مرتين أنت علي حرام ونوى بالاول الطلاق وبالثاني اليمين فعلى ما نوى. قال لامرأتيه أنتما علي حرام ونوى الثلاث في إحداهما والواحدة في الاخرى صحت نيته عند الامام وعليه الفتوى. ولو قال نويت الطلاق في إحداهما واليمين في الاخرى عند الثاني يقع الطلاق

[ 116 ]

عليهما، وعندهما كما نوى. قال لثلاث أنتن علي حرام ونوى الثلاث في الواحدة واليمين في الثانية والكذب في الثالثة طلقت ثلاثا، وقيل هذا على قول الثاني، وعلى قولهما ينبغي أن يكون على ما نوى اه‍. قوله: (وفي الفتاوى إذا قال لامرأته أنت علي حرام والحرام عنده طلاق ولكن لم ينو طلاقا وقع الطلاق) يعني قضاء لما ظهر من العرف في ذلك حتى لو قال لامرأته إن تزوجتك فحلال الله علي حرام فتزوجها تطلق ولهذا لا يحلف به إلا الرجال. قيدنا بالقضاء لانه لا يقع الطلاق ديانة بلا نية. وذكر الامام ظهير الدين: لا نقول لا تشترط النية لكن يجعل ناويا عرفا. فإن قلت: إذا وقع الطلاق بلا نية ينبغي أن يكون كالصريح فيكون الواقع رجعيا قلت: المتعارف به إيقاع البائن، كذا في البزازية. فلو قال المصنف ويقع البائن لكان أولى. وقوله أنت معي في الحرام بمنزلة قوله أنت علي حرام وكذا قوله حلال المسلمين علي حرام. وفي المواضع التي يقع الطلاق بلفظ الحرام إن لم تكن له امرأة إن حنث لزمته الكفارة. والنسفي على أنه لا تلزمه وإن كان له أكثر من زوجة واحدة. قال في الفتاوى: يقع على كل تطليقة واحدة بخلاف الصريح فإنه لا يقع إلا واحدة فيما إذا قال امرأته طالق وله أكثر من واحدة. وأجاب شيخ الاسلام الاوزجندي أنه لا يقع إلا على واحدة وإليه البيان وهو الاشبه، كذا في البزازية والخلاصة والذخيرة. وفي فتح القدير: وعندي أن الاشبه ما في الفتاوى لان قوله حلال الله أو حلال المسلمين يعم كل زوجة فإذا كان فيه عرف في الطلاق

[ 117 ]

يكون بمنزلة قوله هن طوالق لان حلال الله يشملهن على سبيل الاستغراق لا على سبيل البدل كما في قوله إحداكن طالق، وحيث وقع الطلاق بهذا اللفظ وقع بائنا اه‍. ويوجد في بعض النسخ وفي الفتاوى وفي بعضها وفي الفتوى والاولى لا يدل على أنه هو المفتى به مع أن هذا القول هو المفتي به عند المتأخرين ولذا قال في البزازية: ومشايخنا أفتوا في أنه لو قال أنت علي حرام والحلال عليه حرام أو حلال الله عليه حرام أو حلال المسلمين عليه حرام أن الكل بائن بلا نية، وإذا حلف بهذه الالفاط على فعل في المستقبل ففعل وليست له امرأة عليه الكفارة، وإذا كان له امرأة وقت الحلف وماتت قبل الشرط أو بانت لا إلى عدة ثم باشر الشرط الصحيح أنه لا تطلق امرأته المتزوجة وعليه الفتوى لان حلفه صار حلفا بالله تعالى وقت الوجود فلا ينقلب طلاقا. خالعها ثم قال حلال الله علي حرام إن شرب إلى سنة وشرب لا يقع لعدم الملك والاضافة إليه، ولو قال لها إن تزوجتك فحلال الله علي حرام فتزوجها تطلق. قال بعضهم: والصحيح خلافه لوقوعه على القائمة لا على المتزوجة فلو لم تكن في نكاحه وقت وجود الشرط امرأة لا يقع على فلانة أيضا وتمامه في البزازية. وفي قوله حلال الله عليه حرام وله امرأتان ولم تكن له نية طلقتا وإن نوى إحداهما دين لا في القضاء، وفتوى الامام الاوزجندي على أنه يقع على واحدة وعليه البيان وقد ذكرناه. وفي الظهيرية: حلف بهذه الالفاظ أنه لم يفعل كذا وكان فعله وله امرأتان وأكثر بن، وإن ليست له امرأة فلا

[ 118 ]

شئ عليه لانه إن حمل على الطلاق فلا يراد به شئ آخر، وإن حمل على اليمين فهو غموس. وفي فوائد شيخ الاسلام: قال حلال الله عليه حرام إن فعل كذا وفعله وحلف بطلاق امرأته إن فعل كذا وفعله وله امرأتان فأراد أن يصرف هذين الطلاقين في واحدة منهما أشار في الزيادات إلى أنه يملك ذلك. وفي الذخيرة: إن فعل كذا فحلال الله عليه حرام ثم حلف كذلك على فعل آخر وحنث في الاول ووقع الطلاق على امرأته ثم حنث في اليمين الثانية وهي في العدة، قيل لا يقع والاشبه الوقوع لالتحاق البائن بالبائن إذا كان معلقا. قالت أنا عليك حرام فقال لا أدري أحلال أم حرام لا يقع شئ. قال بين يدي أصحابه من كانت امرأته عليه حراما فليفعل هذا الامر ففعله واحد منهم قال في المحيط: هذا إقرار منه بحرمتها عليه في الحكم. وقيل لا يكون إقرارا بالحرمة. قال ثلاث مرات حلال الله عليه حرام إن فعل كذا ووجد الشرط وقع الثلاث، كذا في البزازية والله سبحانه وتعالى أعلم. باب الخلع لما اشترك مع الايلاء في أن كلا منهما قد يكون معصية وقد يكون مباحا وزاد الخلع عليه بتسمية المال أخر عنه لانه بمنزلة المركب من المفرد، وقدما على الظهار واللعان لانهما لا ينفكان عن المعصية. وهو لغة النزع يقال خلعت النعل وغيره خلعا نزعته، وخالعت المرأة

[ 119 ]

زوجها مخالعة إذا افتدت منه وطلقها على الفدية فخلعها هو خلعا والاسم الخلع بالضم، وهو استعارة من خلع اللباس لان كل واحد منهما لباس للآخر فإذا فعلا ذلك فكان كل واحد نزع لباسه عنه، كذا في المصباح. وشرعا على ما اخترناه إزالة ملك النكاح المتوقفة على قبولها بلفظ الخلع أو ما في معناه. وقولي هذا أولى من قول بعض الشارحين أخذه المال بإزاء ملك النكاح لمغايرته المفهوم اللغوي من كل وجه والاصل أن يتحد جنس المفهومين، ويزاد في الشرعي قيد لاخراج اللغوي ولانه يرد عليه الطلاق على مال وليس مساويا له في جميع أحكامه لاستقلال حكم الخلع باسقاط الحقوق وإن اشتركا في البينونة. ويرد عليه أيضا ما إذا عري عن البدل كما سنذكره. وقولي أيضا أولى مما اختاره في فتح القدير من أنه إزالة ملك النكاح ببدل بلفظ الخلع لانه يرد عليه ما إذا قال خالعتك ولم يسم شيئا فقبلت فإنه خلع مسقط للحقوق - كما في الخلاصة - إلا أن يقال مهرها الذي سقط به بدل فلم يعر عن البدل. فإن قلت: لو كانت قبضت جميع المهر ما حكمه؟ قلت: ذكر قاضيخان أنها ترد عليه ما ساق إليها من الصداق كما ذكره الحاكم الشهيد في المختصر وجواهر زاده وأخذ به ابن الفضل، قال القاضي: وهذا يؤيد ما ذكرنا عن أبي يوسف أن الخلع لا يكون إلا بعوض اه‍. وسيأتي تمامه آخر الباب. وإنما قيدنا بالمفاعلة لانه لو قال خلعتك ناويا وقع بائنا غير مسقط كما سيأتي وهو خارج عن تعريفنا بقولنا المتوقفة على قبولها لعدم توقفه كما في الخلاصة. ويرد عليه أيضا ما إذا كان بلفظ المباراة فإنه يقع به البائن وتسقط الحقوق كالخلع بلفظه وما إذا كان بلفظ البيع والشراء فإنه خلع مسقط للحقوق على ما صححه في الصغرى وإن صرح قاضيخان بخلافه فلذا زدنا في تعريفنا أو ما في معناه. واستفيد من قولنا إزالة ملك النكاح أنه لو خالع المطلقة رجعيا بمال فإنه يصح ويجب المال، ولو خالعها بمال ثم خالعها في العدة لم يصح كما في القنية ولكن يحتاج إلى الفرق بين ما إذا خالعها بعد الخلع حيث لم يصح، وبين ما إذا طلقها بمال بعد الخلع حيث يقع ولا يجب المال وقد ذكرناه في آخر

[ 120 ]

الكنايات. وخرج الخلع بعد الطلاق البائن وبعد الردة فإنه غير صحيح فيهما فلا يسقط المهر ويبقى له بعد الخلع ولاية الجبر على النكاح في الردة كما في البزازية. قوله: (الواقع به وبالطلاق على مال طلاق بائن) أي بالخلع الشرعي، أما الخلع فلقوله عليه الصلاة والسلام الخلع تطليقة بائنة ولانه يحتمل الطلاق حتى صار من الكنايات والواقع بالكناية بائن. وفي الخلاصة: ولو قضى بكون الخلع فسخا قيل ينفذ وقيل لا اه‍. والظاهر الاول لانه قضى في فصل مجتهد فيه، ومذهبنا قول الجمهور، ومن العلماء من قال بعدم مشروعيته أصلا، ومنهم من قيده بما إذا كرهته وخاف أن لا يوفيها حقها وأن لا توفيه، ومنهم من قال لا يجوز إلا بإذن السلطان. وقالت الحنابلة: لا يقع به طلاق بل هو فسخ بشرط عدم نية الطلاق فلا ينقص العدد. وقال قوم: وقع به رجعي فإن راجعها رد البدل الذي أخذه وتمامه في فتح القدير. أطلقه فشمل ما إذا كان بغير عوض أيضا، وما إذا وقع بلفظ الخلع أو البيع أو المباراة وما إذا لم ينو الطلاق به ولكن بشرط ذكر العوض حتى لو قال لم أعن الطلاق مع ذكره لا يصدق قضاء ويصدق ديانة لان الله تعالى عالم بما في سره لكن لا يسع المرأة أن تقيم معه لانها كالقاضي لا تعرف منه إلا الظاهر، كذا في المبسوط. وحال مذاكرة الطلاق كالنية كذا في الخانية. وفي البزازية: ادعى الاستثناء أو الشرط في الخلع وكذبته فيه فالقول له إلى أن قال: والفتوى على صحة دعوى المغير والمبطل إلا إذا ظهر ما ذكرنا من التزام البدل أو قبضه أو نحوه ادعى الاستثناء وقال قبضت ما قبضت منك بحق لي عليك وقالت بل لبدل الخلع فالقول له لانه أنكر وجوب البدل عليها وأقر أن له عليها مالا واحدا لا مالين والمرأة مقرة أن له عليها مالا آخر فيكون القول له بخلاف ما إذا لم يدع

[ 121 ]

الاستثناء لانه يدعي عليها بدل الخلع وهي تنكر فالقول لها اه‍. وأما إذا لم يذكر العوض فهو من الكنايات فيتوقف على النية أو مذاكرة الطلاق إن كان بلفظ الخلع أو المباراة، وإن كان بلفظ البيع كبعت نفسك أو طلاقك فلا لانه خلاف الظاهر. وقد أفاد بوقوع البائن حكمه وسيأتي بيان صفته أنه يمين من جانبه معاوضة من جانبها فلا يصح رجوعه عنه ولا يبطل بقيامه عن المجلس وصح مضافا منه وانعكست الاحكام في حقها لو بدأت كما سيأتي. ولم يذكر شرطه لان شرطه شرط الطلاق ولكن لا بد من القبول منها حيث كان على مال أو كان بلفظ خالعتك أو اختلعي ولذا قال في المحيط: لو قال لها اختلعي فقالت اختلعت تطلق ويسقط المهر لان قوله اختلعي أمر بالطلاق بلفظ الخلع والمرأة تملك الطلاق بأمر الزوج فصار بمنزلة ما لو قال لها طلقي نفسك طلاقا بائنا بخلاف قوله اشتري نفسك مني فقالت اشتريت لا تطلق ما لم يقل الزوج بعت لانه أمر بالخلع الذي هو معاوضة لان الشراء معاوضة فلا يصح الامر إذا لم يكن البدل مذكورا معلوما. وأما إذا ذكر مالا مجهولا بأن قال اخلعي نفسك بمال فقالت اختلعت نفسي بألف درهم لا يتم الخلع ولا تطلق حتى يقول الزوج خلعت لانه لم يصح تفويض الخلع إليها لانه إذا ذكر المال كان خلعا حقيقة والخلع لا يصح إلا بتسمية البدل والبدل ها هنا مجهول فلم يصح، وإن ذكر مالا معلوما بأن قال اخلعي نفسك بألف درهم فقالت اختعلت بألف درهم

[ 122 ]

ولم يقل الزوج خلعت أو قالت المرأة خالعني بألف درهم فقال الزوج خالعت ولم تقل المرأة قبلت تم الخلع في رواية ولم يتم في أخرى والكتابة والصلح عن دم العمد على الروايتين. وكذا لو قال اشترى ثلاث تطليقات بكذا فقالت اشتريت بخلاف النكاح. وفي النوادر: لو قال لها اشتريت مني ثلاث تطليقات بكذا فقالت اشتريت لا يتم الخلع ما لم يقل الزوج بعت وهو الصحيح إلا إذا أراد به التحقيق دون المساومة لانه لم يوجد الامر بالخلع والخلع معاوضة فلا يتم بركن واحد اه‍. وفي جامع الفصولين: كل طلاق وقع بشرط ليس بمال فهو رجعي، وفيه أن القبول في المعلق إنما يكون بعد وجود الشرط. وفي الكافي: القبول في المضاف إنما يكون بعد وجود الوقت ولا يصح القبول قبله لان الايجاب معلق بالشرط والمعلق بالشرط عدم قبل الشرط فلا يصح القبول قبل الايجاب اه‍. وفي التجنيس ما يفيد صحة القبول في المعلق قبل وجود الشرط فإنه قال: لو قال إن دخلت الدار فقد خلعتك على ألف فتراضيا عليه ففعلت صح الخلع. وفي الوجيز كما في الكافي وأقول: لو قيل بصحة القبول في المضاف قبل وجود الوقت لانعقاده سببا للحال عندنا وبعدم صحته في المعلق قبل وجود الشرط لعدم انعقاده سببا للحال لكان حسنا لتخريجه على الاصول. وفي المجتبى: باع طلاقها منها بمهرها فهو براءة من المهر والطلاق رجعي ويشترط في قبولها علمها بمعناه فلو قال لها اختلعي نفسك بكذا ثم لقنها بالعربية حتى قالت اختلعت وهي لا تعلم بذلك فالصحيح أنه لا يصح ما لم تعلم المرأة ذلك لانه معاوضة كالبيع بخلاف الطلاق والعتاق والتدبير لانه إسقاط محض والاسقاط يصح مع الجهل، كذا في المحيط. وقولها فعلت في جواب قوله خلعت نفسك مني بكذا ليس بقبول على الصحيح المختار إلا إذا أراد به التحقيق. ولو قالت لزوجها اخلعني على ألف درهم فقال الزوج مجيبا لها أنت طالق صار كقوله خلعتك لان هذا يحتمل أن يكون جوابا فيجعل جوابا لها وهو المختار كما في الخانية. ولو قال بعت منك طلاقك بمهرك فقالت طلقت نفسي بانت منه بمهرها بمنزلة قولها اشتريت لانه يصح جوابا ويصح ابتداء فيجعل جوابا لها، وقيل يقع رجعيا والاول أصح. ولو قال لها اخلعي نفسك فقالت قد طلقت لزمها المال إلا أن ينوي بغير مال. ولو قال بعت منك تطليقة فقالت اشتريت يقع الطلاق رجعيا مجانا لانه صريح. ولو قال لها بعت نفسك

[ 123 ]

منك فقالت اشتريت يقع الطلاق بائنا لان هذا كناية وهي بائنة. ولو قال لها بعت منك أمرك بألف درهم إن اختارت نفسها في المجلس وقع الطلاق ولزمها المال لانه ملكها الطلاق بالمال، فإذا اختارت فقد تملكت. ولو قال لامرأته كل امرأة أتزوجها فقد بعت طلاقها منك بدرهم ثم تزوج امرأة فالقبول إليها بعد التزوج، فإن قبلت بعد التزوج طلاقها أو طلقتها يقع، وإن قبلت قبله لا يقع لان هذا الكلام من الزوج خلع بعد التزوج فيشترط القبول بعده. ولو قالت المرأة بعت منك مهري ونفقة عدتي فقال اشتريت فالظاهر أنها لا تطلق لان الزوج ما باع نفسها ولا طلاقها منها إنما اشترى مهرها وهذا لا يكون طلاقا لكن الاحوط أن يجدد النكاح، كذا في المحيط. وفي القنية في الباب المعقود للمسائل التي لم يوجد فيها رواية ولا جواب شاف للمتأخرين آخرها: قالت لزوجها أبرأتك من المهر بشرط الطلاق الرجعي فقال لها أنت طالق طلاقا رجعيا يقع بائنا للمقابلة في المال كمسألة الزيادات. أنت طالق اليوم رجعيا وغدا أخرى بألف فالالف مقابل بهما وهما بائنتان أم رجعيا وهل يبرأ الزوج لوجود الشرط صورة أو لا يبرأ اه‍. وفي الذخيرة: أنت طالق الساعة واحدة وغدا أخرى بألف درهم فقبلت وقعت واحدة في الحال بنصف الالف وأخرى غدا بغير شئ، وإن تزوجها قبل مجئ الغد ثم جاء الغد تقع أخرى بخمسمائة. أنت طالق الساعة واحدة أملك الرجعة وغدا أخرى بألف فقبلت وقعت واحدة للحال بغير شئ وفي الغد أخرى بالالف، ولو قال أنت طالق اليوم بائنة وغدا أخرى بألف وقع للحال واحدة بائنة بغير شئ وغدا أخرى بالالف. ولو قال أنت

[ 124 ]

طالق واحدة وأنت طالق أخرى بألف فقبلت وقعتا بألف. ولو قال أنت طالق الساعة واحدة أملك الرجعة وغدا أخرى أملك الرجعة بألف فقبلت انصرف البدل إليهما، وكذا لو قال أنت طالق الساعة ثلاثا وغدا أخرى بائنة بألف وأنت طالق الساعة واحدة بغير شئ وغدا أخرى بغير شئ بالالف فالبدل ينصرف إليهما اه‍. قوله: (ولزمها المال) أي في المسألتين لانه ما رضي بخروج بعضها عن ملكه إلا به فلزمها المال بالقبول. ولو قال وكان المسمى له لكان أولى ليشمل ما إذا قبله غيرها وسيأتي آخر الباب بيان خلع الفضولي إن شاء الله، وليشمل الابراء حتى لو قالت له أبرأتك عما لي عليك على طلاقي ففعل جازت البراءة وكان الطلاق بائنا، وكذا لو طلقها على أن تبرئه من الالف التي كفل بها للمرأة من فلان صح والطلاق بائن كما في البزازية. وقيد به احترازا عن التأخير فإنه ليس بمال وأنما تتأخر فيه المطالبة كما لو قالت له طلقني على أن أؤخر مالي عليك فطلقها، فإن كان للتأخير غاية معلومة صح التأخير، وإن يكن له غاية معلومة لا يصح والطلاق رجعي على كل حال كما في البزازية أيضا. ولو قال قد خلعتك على ألف قال ثلاث مرات فقبلت طلقت ثلاثا بثلاثة آلاف لانه لم يقع شئ إلا بقبولها لان الطلاق يتعلق بقبولها

[ 125 ]

في الخلع فوقع الثلاث عند قبولها جملة بثلاثة آلاف. ولو قال بعت منك تطليقة بألف فقالت اشتريت ثم قاله ثانيا وثالثا كذلك وقال أردت التكرار لا يصدق ويقع الثلاث ولم يلزمها إلا الالف لانها ملكت نفسها بالاولى وقد صرح بالطلاق في اللفظ الثانية والثالثة والصريح يلحق البائن، كذا في المحيط. ولو اتفقا على الخلع وقالت بغير جعل فالقول لها لان صحة الخلع لا تستدعي البدل فتكون منكرة فيكون القول لها، ولو ادعت الخلع والزوج ينكره فشهد أحدهما بألف والآخر بألف وخمسمائة لا يقبل ولا يثبت الخلع لانها تحتاج إلى إثبات أن الزوج علق الطلاق بقبول المال والطلاق المعلق بقبول الالف غير الطلاق المعلق بقبول الالفين إذ هما شرطان مختلفان فكان كل واحد يشهد بغير ما يشهد به الآخر فلا يقبل، ولو كان الزوج هو المدعي وقد ادعى ألفا وخمسمائة والمسألة بحالها تقبل على الالف لان الطلاق وقع بإقرار الزوج فبقي دعوى الزوج دينا مجردا واتفق الشاهدان على الالف وانفرد أحدهما بزيادة خمسمائة فيقضي بما اتفقا عليه وإن كان يدعي ألفا لا يقبل وقد كذب أحد شاهديه لما عرف ويقع الطلاق بإقراره. وإذا شهد شاهدان أنه طلقها قبل الخلع ثلاثا تسترد المال لانها بمباشرة الخلع وإن كانت مقرة بصحة الخلع ظاهرا فإذا ادعت الفساد بعد ذلك صارت متناقضة في الدعوى إلا أن البينة على الطلاق تقبل من غير دعوى فيثبت أنه أخذ المال بعد البينونة فلزمه الرد، كذا في المحيط. أطلق في لزومها المال فشمل المكاتبة ولكن لا يلزمها المال إلا بعد العتق ولو بإذن المولى لحجرها عن التبرع ولو بالاذن كهبتها، وشمل الامة وأم الولد ولكن بشرط إذن المولى فيلزمها للحال لانفكاك الحجر بإذن المولى فظهر في حقه كسائر الديون. وفي الجامع: لو خلع الامة مولاها على رقبتها وزوجها حر فالخلع واقع بغير شئ، ولو كان الزوج مكاتبا أو عبدا أو مدبرا جاز الخلع وصارت لسيد العبد والمدبر لانها لا تصير مملوكة للزوج بل للمولى فلا يبطل النكاح، وفي الحر لو ملك رقبتها بعد النكاح لبطل ولو بطل بطل الخلع فكان في تصحيحه ابطاله. وأما المكاتب فإنه يثبت له فيها حق الملك وحق الملك لا يمنع بقاء النكاح فلا يفسد النكاح كما لو اشترى زوجة أمة تحت عبد خلعها مولاها على عبد في يديه ثم استحق العبد المخلوع عليه فلا شئ على المولى لانه لم يضف العبد المخلوع عليه إلى نفسه ولا ضمنه فكان العقد مضافا إلى الامة، وتباع الامة في قيمة العبد المستحق لان المولى يملك ايجاب بدل الخلع عليها فظهر في حقه فتعلق برقبتها، فإن كان عليها دين آخر قبله بدأ به لانه وجب باختيار المولى فلم يظهر في حق الغريم كما في الصلح، فإن بقي شئ يؤخذ من الامة بعد العتق فإن كان المولى ضمن بدل الخلع أخذ به، كذا في المحيط. وفي الظهيرية: امرأة قالت لزوجها اختلعت منك بكذا وهو ينسج كرباسا فجعل ينسج وهو

[ 126 ]

يخاصمها ثم قال خلعت قالوا إن لم يطل ذلك فهو جواب اه‍. وفي جامع الفصولين: قال خلعتك بكذا درهما فجعلت المرأة تعد الدراهم فلما تم العد قالت قبلت ينبغي أن يصح اه‍. وفي كافي الحاكم: وإذا خلع الرجل امرأتيه على ألف درهم فإن الالف تنقسم عليهما على قدر ما تزوجهما عليه من المهر اه‍. وفي البزازية: اختلعا وهما يمشيان إن كان كلام كل منهما متصلا بالآخر صح، وإن لم يكن متصلا لا يصح ولا يقع الطلاق أيضا، ولو اختلعا وزعمت تمام الخلع وادعى القيام ثم القبول فالقول له لانه انكار الخلع اه‍. ودخل تحت الطلاق على مال لو طلقها على إعطاء المال لما في الخانية: لو قال لامرأته أنت طالق على أن تعطيني ألف درهم فقالت قبلت تطلق للحال وإن لم تعط ألفا لامرأته أنت طالق على دخولك الدار فقبلت تطلق للحال وإن لم تدخل لان كلمة على لتعليق الايجاب بالقبول لا للتعليق بوجود القبول اه‍. ولو قال ولزمها المال إن لم تكن مريضة مرض الموت ولا سفيهة ولا مكرهة لكان أولى لان المحجورة بالسفه لو قبلت الخلع وقع ولا يلزمها المال ويكون بائنا إن كان بلفظ الخلع رجعيا إن كان بلفظ الطلاق كما في شرح المنظومة. وأما المريضة فقال في جامع الفصولين: مريضة اختلعت من زوجها بمهرها ثم ماتت ينظر إلى ثلاثة أشياء: إلى ميراثه منها وإلى بدل الخلع وإلى ثلث مالها فيجب أقلها لا الزيادة، كذا في شحي وفي حل في هذه الصورة: لو لم يدخل بها سقط نصف المهر بطلاقه والنصف الآخر وصية وهو لغير الوارث فصح من الثلث، فلو دخل بها وماتت بعد مضي العدة فكل المهر وصية وتصح من الثلث إذا الاختلاع تبرع ولو ماتت في العدة هكذا عند أبي يوسف ومحمد إذا الزوج لم يبق وارثا لرضاه بالفرقة وعند أبي حنيفة يعطى الاقل من ميراثه ومن بدل الخلع ومن الثلث إذ اتهما في حق سائر الورثة ولم يتهما في الاقل وهو نظير ما قلنا جميعا في طلاقها بسؤالها في مرض الموت. وحاصل التفاوت بين مضي العدة عدم مضيها أنه بعد مضيها لا ينظر إلى قدر حق الزوج في الميراث وإنما ينظر إلى الثلث فيسلم للزوج قدر الثلث من بدل الخلع ولو أكثر من ميراثه، وقبل مضيها لا ينظر إلى الثلث وإنما ينظر إلى ميراثه فيسلم للزوج قدر إرثه من بدل الخلع دون ثلث المال لو ثلثه أكثر كذا. ولو كان الزوج ابن عمها فلو لم يرث منها بأن كان لها عصبات أخر أقرب منه فهو والاجنبي سواء، ولو يرثها بقرابة وماتت بعد مضيها ينظر إلى بدل الخلع وإلى إرثه بالقرابة، فلو كان البدل قدر إرثه أو أقل سلم له ذلك، ولو أكثر فالزيادة على قدر إرثه لا تسلم له إلا بإجازة الورثة. هذا لو كانت مدخولة وإلا فالنصف يعود إلى الزوج بطلاق قبل دخوله لا بحكم الوصية وفي النصف الآخر ينظر لو كان الزوج أجنبيا فهو متبرع فيصح من الثلث، ولو كان ابن عمها

[ 127 ]

ويرثها فله الاقل من إرثه ومن نصف المهر. هذا لو ماتت في ذلك المرض، ولو برئت منه سلم للزوج كل البدل كهبتها منه ثم يرثها ولا إرث بينهما بالزوجية ماتت في العدة أو بعدها لتراضيهما ببطلان حقه. هذا لو كانت مريضة فلو اختلعت صحيحة والزوج مريض فالخلع جائز بالمسمى قل أو كثر ولا إرث بينهما مات في العدة أو بعدها، ولو خالها أجنبي من الزوج بمال ضمنه للزوج وكان ذلك في مرض موت الاجنبي جاز ويعتبر البدل من ثلث مال الاجنبي، فلو كان الزوج مريضا حين تبرع الاجنبي بخلعها فلها الارث لو مات الزوج من مرضه ذلك وهي في العدة لانها لم ترض بهذا الطلاق فيعتبر الزوج فارا اه‍. ولو كانت مكرهة على القبول لم يلزمها البدل. وفي القنية: ولو اختلفا في الكره بالخلع والطوع فالقول له مع اليمين اه‍. وفي الظهيرية: لو قالت طلقني ثلاثا بألف درهم طلقني ثلاثا بمائة دينار فطلقها ثلاثا طلقت بمائة دينار ولو كان الايجاب من الزوج بالمالين لزمها المالان اه‍. وأشار بقوله ولزمها المال إلى أنه لا يتصور أن يلزمه مال في الخلع ولذا قال في المجتبى: خلعتك على عبدي وقف على قبولها ولم يجب شئ قلنا: الظاهر أنه عنى بقوله وقف على قبولها أي وقوع الطلاق ومعرفة هذه المسألة من أهم المهمات في هذا الزمان لان الناس يعتادون إضافة الخلع إلى مال الزوج يعد إبرائها إياه من المهر، فبهذا علم أنها إذا قبلت وقع الطلاق ولم يجب على الزوج شئ. وفي منية الفقهاء: خلعتك بمالي عليك من الدين فقبلت ينبغي أن يقع الطلاق ولا يجب شئ ويبطل الدين، ولو كانت اختلعت على عبد ثم تبين أنه عبد الزوج بتصادقهما ينبغي أن لا يلزمها شئ لسلامة البدل له اه‍. وظاهر اقتصاره على لزومها المال أنه لو تخالعا ولم يذكرا من المال شيئا أن لا يصح الخلع وهو رواية عن محمد لانه لا يكون إلا بالمال ولكن الاصح أنه يصح، كذا في المجتبى. وفي الخانية: الزيادة في البدل بعد الخلع غير صحيحة.

[ 128 ]

قوله: (وكره له أخذ شئ إن نشز) أي كرهها والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه كما في المغرب. وفي المصباح: نشزت المرأة من زوجها نشوزا من بابي قعد وضرب عصت زوجها وامتنعت عليه، ونشز الرجل من امرأته نشوزا بالوجهين تركها وجفاها. وفي التنزيل * (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا) * [ النساء: 128 ] وأصله الارتفاع يقال نشز من مكانه نشوزا بالوجهين إذا ارتفع عنه. وفي السبعة وإذا قيل انشروا فانشزوا بالضم والكسر والنشز بفتحتين المكان المرتفع من الارض والسكون لغة فيه اه‍. وأراد بالكراهة كراهة التحريم المنتهضة سببا للعقاب، والحق أن الاخذ في هذه الحالة حرام قطعا لقوله تعالى * (فلا تأخذوا منه شيئا) * [ النساء: 20 ] ولا يعارضه الآية الاخرى * (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) * [ البقرة: 229 ] لان تلك فيما إذا كان النشوز من قبله فقط والاخرى فيما إذا خافا أن لا يقيما حدود الله فليس من قبله فقط نشوز على أنهما لو تعارضا كانت حرمت الاخذ ثابتة بالعمومات القطعية فإن الاجماع على حرمة أخذ مال المسلم بغير حق وفي إمساكها لا لرغبة بل إضرارا وتضييقا ليقتطع ما لها في مقابلة خلاصها من الشدة التي هي معه فيها ذلك وقال تعالى * (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) * [ البقرة: 231 ] فهذا دليل قطعي على حرمة أخذ مالها كذلك فيكون حراما إلا أنه لو أخذ جاز في الحكم أي يحكم بصحة التمليك وإن كان بسبب خبيث وتمامه في فتح القدير. وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي جرير عن ابن زيد في الآية قال: ثم رخص بعد فقال * (فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) * قال فنسخت هذه تلك اه‍ والحاصل أن ما في النساء منسوخ بآية البقرة وهو يقتضي حل الاخذ مطلقا إذا رضيت. أطلقه فشمل القليل والكثير ويلحق به الايراء عما لها عليه فإنه لا يجوز أيضا إذا كان النشوز منه لانه اعتداء وإضرار قوله: (وإن نشزت لا) أي لا يكره له الاخذ إذا كانت هي الكارهة. أطلقه فشمل القليل والكثير وإن كان أكثر مما أعطاها وهو المذكور في الجامع الصغير، وسواء كان منه نشوز لها أيضا أو لا، فإن كانت الكراهة من الجانبين فالاباحة ثابتة بعبارة قوله تعالى * (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) * [ البقرة: 922 ] وإن كانت من جانبها فقط فبدلالتها

[ 129 ]

بالاولى والمذكور في الاصل كراهة الزيادة على ما أعطاها، وينبغي حمله على خلاف الاول كما ينبغي حمل الحديث عليه أيضا وهو قوله أما الزيادة فلا لان النص نفي الجناح مطلقا فتقييده بخبر الواحد لا يجوز لما عرف في الاصول ولذا قال في فتح القدير: إن رواية الجامع أوجه وصحح الشمني رواية الاصل لاحاديث ذكرها. قوله: (وما صلح مهر اصلح بدل الخلع) لان ما صلح عوضا للمتقوم أولى أن يصلح عوضا لغير المتقوم فإن البضع غير متقوم حالة الخروج ومتقوم حالة الدخول فمنع الاب من خلع صغيرته على مالها وجاز له تزوج ولده بماله، ونفذ خلع المريضة من الثلث، وجاز تزويج المريض بمهر المثل من جميع ماله فصح الخلع على ثوب موصوف أو مكيل أو موزون كالمهر، وكذا على زراعة أرضها أو ركوب دابتها وخدمتها على وجه لا يلزم خلوة بها أو خدمة أجنبي لان هذه تجوز مهرا وبطل البدل فيه لو كان ثوبا أو دارا كالمهر ووجب عليها رد المهر. وأشار إلى أن هذا الاصل لا ينعكس كليا فلا يصح أن يقال ما لا يصلح مهرا لا يصلح بدلا في الخلع لانه لو خالعها على ما في بطن جاريتها أو غنمها صح وله ما في بطونها ولا يجوز مهرا بل يجب مهر المثل، وكذا على أقل من عشرة، وكذا على ما في يدها، كذا في التبيين وفتح القدير. وذكر في غاية البيان أنه مطرد منعكس كليا لان الغرض من طرد الكلي أن يكون مالا متقوما ليس فيه جهالة مستتمة وما دون العشرة بهذه المثابة، ومن عكس الكلي أن لا يكون مالا متقوما أو أن يكون فيه جهالة مستتمة وما دون العشرة مال متقوم ليس فيه جهالة فلا يرد السؤال لا على الطرد الكلي ولا على عكسه اه‍. وفي المحيط: لو اختلعت على ثوب لم يتبين جنسه أو على دار فله المهر وفي العبد يلزمها الوسط، ولو اختلعت على ما تكتسبه العام أو على ما ترثه من المال أو على أن تزوجه امرأة وتمهرها عنه فالشرط باطل وترد المهر، ولو اختلعت بحكمه أو بحكمها صح فإن حكمت ولم يرض الزوج رجع بالمهر، ولو خلعها على ألف إلى الحصاد ثبت الاجل، ولو قالت إلى قدوم فلان أو موته وجب المال حالا، ولو خالعها على دراهم معينة فوجدها ستوقة يرجع بالجياد، وكذلك الثوب على أنه هروي فإذا هو مروي يرجع بهروي وسط ولا يرد بدل الخلع إلا بعيب فاحش فإن كان حلال

[ 130 ]

الدم أو اليد فأمضى عنده رجع عليها بقيمته عند أبي حنيفة، وعندهما بنقصان قيمته لان كونه حلال الدم بمنزلة الاستحقاق عنده، وعندهما بمنزلة النقصان. ولو اختلعت على عبد بعينه فمات في يدها أو استحق فعليها قيمته، فإن ظهر أنه كان ميتا وقت الانخلاع فله مهرها. ولو خلعها على حيوان ثم صالحته على دراهم أو مكيل أو موزون جاز يدا بيد. ولو خالعها على عبد ومهرها ألفا ثم زادها ألفا ثم استحق العبد رجع عليها بألف وبنصف قيمة العبد لان المرأة بذلت العبد بإزاء البضع وألف درهم فانقسم العبد عليهما نصفين: نصفه بدل الخلع ونصفه بيعا بالالف، والمبيع متى استحق ثمنه رجع بثمنه وبدل الخلع متى استحق تجب قيمته فيرجع بنصف قيمة العبد. ولو خلع امرأتيه على عبد قسمت قيمته على مسميهما في العقد لانه قيمة بضعيهما لا على مهر مثليهما لان الزيادة على المسمى مكروهة في الخلع والزيادة في بدل الخلع باطلة لانها زادت بعد هلاك المعقود عليه فصار كما لو زاد في بدل الصلح عن دم العمد فإنها لا تصح اه‍. وفي التتارخانية: إذا قال لامرأتيه إحداكما طالق بألف درهم والاخرى بمائة دينار فقبلتا طلقتا بغير شئ. وروى ابن سماعة عن محمد: إذا قال لامرأتيه إحداكما طالق بألف فقبلتا ومات فعلى كل واحدة منهما خمسمائة ولا ميراث اه‍. وفي القنية: اختلعت نفسها بالمهر بشرط أن الزوج يعطيها كذا منا من الارز الابيض وخالعها به ينبغي أي يصح ولا يشترط بيان مكان الايفاء عند أبي حنيفة لان الخلع أوسع من البيع ففي بت: خالعها على ثوب بشرط أن تسلم إليه الثوب فقبلت فهلك الثوب قبل التسليم لم تبن لانه يجعل نفس التسليم شرطا. مخ: وهبت مهرها لاخيها فأخذ أخوها منه المهر قبالة ثم اختلعت نفسها منه بشرط أن تسلم له القبالة غدا فقبل ولم تسلم إليه القبالة غدا لا تحرم. ولو اختلعت بشرط الصك أو قالت بشرط أن يرد عليها أقمشتها فقيل لا تحرم ويشترط كتابة الصك ورد الاقمشة في المجلس. خلعتك على عبدي وقف على قبولها ولم يجب شئ. خلعتك بمالي عليك من الدين وقبلت ينبغي أن يقع الطلاق ولا يجب شئ ويبطل الدين. ادعت مهرها على زوجها فأنكره ثم اختلعت نفسها بمهرها وقبل ثم تبين بالشهود أنها كانت امرأته قبل الخلع فليس له شئ. ولو اختلعت على عبد ثم تبين أنه عبد الزوج ولا ذلك إلا بالتصادق فينبغي أن لا يلزمها شئ لان ما هو بدل الخلع يسلم له كما لو علم أنه عبده. وسئل لو كان الخلع على دراهم أو دنانير ثم تبين أنها للزوج لم يجب شئ اه‍. وفي الخانية: ويجوز الرهن والكفالة ببدل الخلع. وفي المجتبى: فوضت الخلع إلى زوجها أو العبد إلى المولى ففعل بغير حضرتهما جاز والواحد يتولى الخلع من الجانبين. وفي عتاق الاصل الواحد يكون وكيلا من الجانبين في

[ 131 ]

العتاق والخلع والصلح عن دم العمد إذا كان البدل مسمى وإلا لا يكون في ظاهر الرواية، وعن محمد أنه يكون اه‍. قوله: (فإن خالعها أو طلقها بخمر أو خنزير أو ميتة وقع بائن في الخلع رجعي في غيره مجانا) لان الخلع على ما لا يحل صحيح لانه لا يبطل بالشرط الفاسد ولا يجب له شئ لانها لم تغره والبضع غير متقوم في الاصل حالة الخروج وإنما يتقوم بتسمية المال. وفي المجتبى: وإنما يلزم المال بالالتزام أو باستهلاك المال أو بملكه ولم يوجد، ولما بطل العوض كان العامل في الخلع لفظه وهو يوجب البينونة لانه من الكنايات الموجبة لقطع وصلة النكاح، وفي الثاني الصريح وهو رجعي فقوله مجانا عائد إلى المسألتين. وفي المصباح: فعلته مجانا أي بغير عوض. قال ابن فارس: المجان عطية الشئ بلا ثمن. وقال الفارابي: هذا الشئ لك مجانا أي بلا بدل اه‍. وأوجب زفر عليها رد المهر كما في المحيط. قيد بكونها سمت محرما لانها لو سمت له حلالا كخالعني على هذا الحل فإذا هو خمر فلها أن ترد المهر المأخوذ إن لم يعلم الزوج بكونه خمرا، وإن علم به فلا شئ له. وفي المحيط: لو خلعها على عبد فإذا هو حر رجع بالمهر عندهما، وعند أبي يوسف بقيمته لو كان عبدا لما عرف في النكاح. وقيد بالخلع والطلاق لان الكتابة على خمر أو خنزير فاسدة وعلى ميتة أو دم باطلة فيعتق إن أداه في الاولى مع وجوب قيمة نفسه لان ملك المولى متقوم ولا يعتق في الثانية، والنكاح بالكل صحيح مع وجوب مهر المثل لتقوم البضع عند الدخول. ثم اعلم أن البدل وإن لم يجب في الخلع والطلاق فلا يقعان إلا بقبولها ولذا قال في البزازية: لو قالت له خالعني بمال أو على مال ولم تذكر قدره لا يتم في ظاهر الرواية بلا قبولها. وإذا لم بجب البدل هل يقع الطلاق؟ قيل يقع وبه يفتى، وقيل لا يقع وهو الاشبه بالدليل اه‍. قوله: (كخالعني على ما في يدي ولا شئ في يدها) أي يقع الطلاق البائن من غير شئ عليها لعدم تسمية شئ تصير به غارة له، وأشار إلى أنه لو قال لها خالعتك على ما في يدي ولا شئ في يده إنه لا شئ له أيضا إذ لا فرق بينهما، فلو كان في يده جوهرة لها فقبلت فهي له وإن لم تكن علمت ذلك لانها هي التي أضرت بنفسها حين قبلت الخلع قبل أن تعلم ما في يده، ولو اشترى منها بهذه الصفة كان جائزا ولا خيار لها فالخلع أولى، كذا في المبسوط. وأشار إلى أنها لو قالت خالعني على ما في بيتي أو ما في بيتي من شئ ولا شئ في بيتها

[ 132 ]

أنها كمسألة الكتاب لان الشئ يصدق على غير المال، كذا في فتح القدير. وكذا لو قالت على ما في يدي من شئ أو على ما في بطن جاريتي ولم تلد لاقل من ستة أشهر، كذا في المجتبى. وفي المحيط: لو اختلعت على ما في بطن جاريتي أو غنمها أو ما في نخلها صح وله ما في بطنها، وإن لم يكن فلا شئ له، ولو حدث بعده في بطونها فللمرأة لان ما في بطنها اسم للموجود للحال. ولو اختلعت على حمل جاريتها وليس في بطنها حمل ترد المهر لانها غرته حيث أطمعته فيما له قيمة لان الحمل مال متقوم ولكن في وجوده احتمال وتوهم ويصح الخلع بعوض موهوم بخلاف ما في البطن لانه قد يكون مالا وقد لا يكون كريح أو ما يحويه البطن اه‍. وفي التتارخانية: لو طلقها على أن تبريه عن كفالة نفس فلان فالطلاق رجعي، ولو طلقها على أن تبريه عن الالف التي كفلها لها عن فلان فالطلاق بائن اه‍. قوله: (وإن زادت من مال أو من دراهم ردت مهرها أو ثلاثة دراهم) يعني ردت مهرها فيما إذا قالت خالعني على ما في يدي من مال ولم يكن في يدها شئ وردت ثلاثة دراهم فيما إذا قالت خالعني على ما في يدي من دارهم ولم يكن في يدها شئ لانها في الاولى لما سمت مالا لم يكن الزوج راضيا بالزوال إلا بالعوض ولا وجه إلى إيجاب المسمى وقيمته للجهالة ولا إلى قيمة البضع أعني مهر المثل لانه غير متقوم حالة الخروج فتعين إيجاب ما قام به على الزوج، كذا في الهداية. وقيده في الخلاصة بعدم العلم فقال: لو خالعها على ما في هذا البيت من المتاع وعلم أنه لا متاع في هذا البيت وقع وقع الطلاق ولا يلزمها شئ وذكر اليد مثال، والبيت والصندوق وبطن الجارية والغنم كاليد. وقوله من مال مثال أيضا والمتاع والحمل للبطن كالمال فإذا قالت على ما في بطن جاريتي أو غنمي من حمل ردت المهر. وفي المحيط: لو خالعها بما لها عليه من المهر ثم تبين أنه لم يبق عليه شئ من المهر لزومها رد المهر لانه طلقها بطمع ما نص عليه فلا يقع مجانا، فإن علم الزوج أنه لا مهر لها عليه وأن لا متاع في البيت في مسألة على ما في البيت من متاع لا يلزمها شئ لانها لم تطمعه فلم يصر مغرورا اه‍. وفي الثاني ذكرت الجمع ولا غاية لاقصاه وأدناه ثلاثة فوجب الادنى كما لو أقر بدراهم أو أوصى بدراهم وأورد عليه أن من للتبعيض فينبغي وجوب درهم أو درهمين. وأجيب بأنها هنا للبيان لان الاصل أن كل موضع تم الكلام بنفسه ولكنه اشتمل على ضرب إبهام فهي للبيان وإلا فللتبعيض، وقولها خالعني على ما في يدي كلام تام بنفسه حتى جاز الاقتصار عليه ولا فرق في الحكم بين ذكر الجمع منكرا أو معرفا. وأورد عليه إذا كان معرفا أنه ينبغي وجوب واحد فقط لما عرف أن الجمع المحلي كالمفرد المحلي كما لو حلف لا يشتري العبيد أو لا يتزوج النساء. وأجيب بأنه إنما ينصرف إلى الجنس إذا عرى عن قرينة العهد كما في المثالين وقد وجدت

[ 133 ]

القرينة هنا على العهد وهو قولها على ما في يدي، كذا في الكافي. وأوضحه في فتح القدير فقال: لان قولها على ما في يدي أفاد كون المسمى مظروفا بيدها وهو عام يصدق على الدراهم وغيرها فصار بالدراهم عهد في الجملة من حيث هو مما صدقات لفظ ما وهو مبهم وقعت من بيانا له ومدخولها هو المبين لخصوص المظروف والدراهم مثال، والمراد أنها بينت المبهم بجمع كالدنانير وينبغي أن يكون قولها على ما في هذا البيت من الشياه أو الخيل أو البغال أو الحمير كذلك يلزمها ثلاثة من المسمى. ثم رأيت في المعراج: لكن زاد الثياب وفيه نظر للجهالة المتفاحشة. وقيد بقوله ولا شئ في يدها لانه لو كان في يدها مال متقوم كان له قليلا كان أو كثيرا ولا يلزمها رد المهر في الاولى، وأما في الثانية فلا بد أن يكون في يدها جمع مما سمته، فلو كان في يدها درهم أو درهمان لزمها تكملة الثلاثة، كذا في الخانية والمبسوط. وبهذا علم أن في كلام المصنف مسامحة لان عدم وجود شئ في يدها شرط لرد المهر في الاولى، وعدم وجود الثلاثة شرط في الثانية، وكلامه لا يفيده. وأفاد بقوله ردت المهر أنه مقبوض فيدل على أنه لو لم يكن مقبوضا يرئ منه ولا شئ عليها كما ذكره العمادى في فصوله وفي الجوهرة. ثم إذا وجب الرجوع بالمهر له وكانت قد أبرأته منه لم يرجع عليها بشئ لان عين ما يستحقه قد سلم له بالبراءة فلو رجع عليها يرجع لاجل الهبة وهي لا توجب على الواهب ضمانا اه‍. وفي البزازية: والحاصل أنه إذا سمى ما ليس بمتقوم لا يجب شئ، وإن سمى موجودا معلوما يجب المسمى، وإن سمى مجهولا جهالة مستدركة فكذلك، وإن فحشت الجهالة وتمكن الخطر بأن خالعها على ما يثمر نخلها العام أو على ما في البيت من المتاع ولم يكن فيه شئ بطلت التسمية وردت ما قبضت اه‍. وقيد بالخلع لان السيد لو أعتق عبده على ما في يده من الدراهم وليس في يده شئ يجب عليه قيمة نفسه لان منافع البضع غير متقومة حالة الخروج فلا يشترط كون المسمى معلوما بخلاف العبد فإنه متقوم في نفسه، وبخلاف النكاح حيث يجب مهر المثل لانه متقوم حالة الدخول، كذا في البدائع. ودلت المسألة الاولى على أنه لو خالعها على عبد بعينه مثلا وقد كان ميتا قبل الخلع أنه يرجع عليها بالمهر الذي أخذته منه للغرور بخلاف ما لو مات بعده حيث تجب قيمته كما لو استحق وظهور حريته كموته قبل الخلع فيرجع عليها بالمهر

[ 134 ]

عندهما، وعند أبي يوسف بقيمته لو كان عبدا كالمهر وقتله عنده بسبب كان عندها كاستحقاقه فيرجع بقيمته، كذا لو قطع بده، كذا في المبسوط. وأشار بقوله ردت المهر إلى صحة الخلع على المهر وقد قال في الجوهرة: وإن وقع الخلع على المهر صح فن لم تقبضه المرأة سقط عنه وإن قبضته استرده منها اه‍. وفي الولوالجية: خلعها بما لها عليه من المهر ظنا منه أن لها عليه بقية المهر ثم تذكر أنه لم يبق عليه شئ من المهر وقع الطلاق بمهرها فيجب عليها أن ترد المهر لانه طلقها بطمع ما بقي عليه فلا يقع مجانا، أما إذا علم أن لا مهر لها عليه فلا شئ له اه‍. وفي القنية: ادعت مهرها على زوجها فأنكره ثم اختعلت نفسها بمهرها وقبل ثم تبين بالشهود أنها كانت أبرأته قبل الخلع فليس له شئ، ولو اختلعت على عبد ثم تبين أنه عبد الزوج ولا يعلم ذلك إلا بالتصادق ينبغي أن لا يلزمها شئ لان ما هو بدل الخلع مسلم له كما لو علم أنه عبده قوله: (فإن خالعها على عبد أبق لها على أنها برية من ضمانه لم تبرأ) لانه عقد معاوضة فيقتضي سلامة العوض واشتراط البراءة شرط فاسد فبطل فكان عليها تسليم عينه إن قدرت، وتسليم قيمته إن عجزت. أشار إلى أن الخلع لا يبطل بالشروط الفاسدة كالنكاح ولذا قال في العمادي: لو خالعها على أن يمسك الولد عنده صح الخلع وبطل الشرط اه‍. وفي الخانية: لو اختلعت من زوجها على أن جعلت صداقها لولدها أو على أن تجعل صداقها لفلان الاجنبي قال محمد: الخلع جائز والمهر للزوج ولا شئ للولد ولا للاجنبي اه‍. ومعنى اشتراطها البراءة أنها إن وجدته سلمته وإلا فلا شئ عليها. وقيد باشتراط البراءة من ضمانه لانها لو اشترطت البراءة من عيب في البدل صح الشرط وإنما صحت تسمية الآبق في الخلع لان مبناه على المسامحة بخلاف البيع لان مبناه على المضايقة، فالعجز عن التسليم يفضي إلى المنازعة فيه ولا كذلك هنا لان العجز عن التسليم هنا دون العجز عن التسليم فيما إذا اختلعت على عبد الغير أو على ما في بطن غنمها وذلك جائز فكذا هنا. وقيد بالشرط الفاسد لان الشرط لو كان ملائما لم يبطل ولذا قال في القنية: خالعها على ثوب بشرط أن تسلم إليه الثوب فقبلت فهلك الثوب قبل التسليم لم تبن لانه يجعل نفس التسليم شرطا. وهبت مهرها لاخيها فأخذ أخوها منه المهر قبالة ثم اختلعت نفسها منه بشرط أن تسلم إليه القبالة غدا فقبل ولم تسلم إليه القبالة غدا لم تحرم. ولو اختلعت بشرط الصك أو قالت بشرط أن يرد إليها أقمشتها فقبل لا تحرم ويشترط كتبه الصك

[ 135 ]

ورد الاقمشة في المجلس اه‍. وفي الخانية: رجل قال لغيره طلق امرأتي على شرط أن لا تخرج من المنزل شيئا فطلقها المأمور ثم اختلفا فقال الزوج إنها قد أخرجت من المنزل شيئا وقالت المرأة لم أخرج، ذكر في النوادر أن القول قول الزوج ولم يقع الطلاق. قالوا: هذا الجواب صحيح إن كان الزوج قال للمأمور قل لها أنت طالق إن لم تخرجي من الدار شيئا فقال لها المأمور ذلك ثم ادعى الزوج أنها قد أخرجت من المنزل شيئا فيكون القول قوله لانه منكر شرط الطلاق، أما إذا كان الزوج قال للمأمور قل لامرأتي أنت طالق على أن لا تخرجي من المنزل شيئا فقال لها المأمور ذلك فقبلت ثم قال الزوج إنها قد أخرجت من المنزل شيئا لا يقبل قوله لان في هذا الوجه الطلاق يتعلق بقبول المرأة، فإذا قبلت يقع الطلاق للحال، أخرجت من المنزل شيئا أو لم تخرج كما لو قال لامرأته أنت طالق على أن تعطيني ألف درهم فقالت قبلت تطلق للحال وإن لم تعطه ألفا. وكذا لو قال لامرأته أنت طالق على دخولك الدار فقبلت تطلق للحال وإن لم تدخل الدار لان كلمة على لتعليق الايجاب بالقبول لا للتعليق بوجود القبول اه‍. واستفيد من قوله لم تبرأ أن العقد يقتضي سلامة العوض فلذا قال في التتارخانية: لو قال لها أنت طالق غدا على عبدك هذا فقبلت وباعت العبد ثم جاء الغد يقع الطلاق وعليها قيمة العبد اه‍. قوله: (قالت طلقني ثلاثا بالف فطلق واحدة له ثلث الالف وبانت) لان الباء تصحب الاعواض وهو ينقسم على المعوض ويشترط أن يطلقها في المجلس حتى لو قام فطلقها لا يجب شئ، - كذا في فتح القدير - بخلاف ما إذا بدأ هو فقال خالعتك على ألف فإنه يعتبر في القبول مجلسها لا مجلسه حتى لو ذهب من المجلس ثم قبلت في مجلسها ذلك صح قبولها، كذا في الجوهرة. أشار بطلبها الثلاث إلى أنه لم يطلقها قبله إذ لو كان طلقها ثنتين ثم قالت طلقني ثلاثا على أن لك ألف درهم فطلقها واحدة كان عليها كل الالف لانها التزمت المال بإيقاع البينونة الغليظة وقد تم ذلك بإيقاع الثلاث، كذا في المبسوط والخانية. وينبغي أن لا فرق فيها بين الباء وعلى لان المنظور إليه حصول المقصود لا اللفظ ولذا قال في الخلاصة: لو قالت طلقني أربعا بألف فطلقها ثلاثا فهي بالالف، لو طلقها واحدة فبثلث الالف اه‍. وقيد بكونه طلق واحدة إذا لو طلق الثلاث كان له جميع الالف، سواء كان بلفظ واحد أو متفرقة بعد أن تكون في مجلس واحد، كذا في فتح القدير لا يقال كيف وقع الثاني مع أن البائن لا يلحق البائن إلا إذا كان معلقا لانا نقول: قد أسلفنا أن مرادهم من البائن ما كان بلفظ الكناية لا مطلق البائن حتى صرحوا بوقوع أنت طالق ثلاثا بعد البينونة. وفي التتارخانية: ثم في قولها طلقني ثلاثا بألف إذا طلقها ثلاثا متفرقة في مجلس واحد القياس أن تقع تطليقة واحدة بثلث الالف وتقع الاخريان بغير شئ، وفي الاستحسان تقع الثلاث

[ 136 ]

بالالف، ومن مشايخنا من قال: ما ذكر من جواب الاستحسان محمول على ما إذا وصل التطليقات بعضها ببعض، أما إذا فصل بين كل تطليقة بسكوت لا يجب جميع الالف وإن حصل الايقاع في مجلس واحد. ومنهم من يقول: إذا كان المجلس واحدا لا يشترط الوصل وهو الصحيح اه‍. قيد بقوله ثلاثا لانها لو قالت طلقني واحدة بألف فقال أنت طالق ثلاثا فإن اقتصر ولم يذكر المال طلقت ثلاثا بغير شئ في قول أبي حنيفة. وقال صاحباه: تقع واحدة بألف وثنتان بغير شئ ولو قال أنت طالق ثلاثا بألف يتوقف ذلك على قبول المرأة إن قبلت تقع الثلاث بالالف، وإن لم تقبل لا يقع شئ. ولو قالت طلقني واحدة بألف فقال لها الزوج أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة تقع الثلاث واحدة بألف وثنتان بغير شئ عند الكل، كذا في الخانية. قوله: (وفي على وقع رجعي مجانا) أي في قولها طلقني ثلاثا على ألف أو على أن لك علي ألفا فطلقها واحدة وقع رجعيا بغير شئ عليها عند الامام خلافا لهما، فهما جعلاها كالباء وهو جعلها للشرط والمشروط لا يتوزع على أجزاء الشرط، ألا ترى أنه ذكر في السير الكبير لو أمن الامام ثلاث سنين بألف دينار فبدا للامام أن ينبذ إليهم بعد سنة رد عليهم ثلثا الالف، ولو أمن على ألف دينار رد الكل، كذا في المحيط. قيد بكونه طلقها واحدة لانه لو طلقها ثلاثا استحق الالف وإن طلقها ثلاثا متفرقات في مجلس واحد لزمها الالف لان الاولى والثانية تقع عنده رجعية فإيقاع الثالثة وجد وهي منكوحته فيستوجب عليها الالف درهم، وإن طلقها ثلاثا في ثلاث مجالس عندهما يستوجب ثلث الالف، وعنده لا يستوجب شيئا، كذا في المحيط. وحاصل ما حققه في فتح القدير أن كلمة على مشتركة بين الاستعلاء واللزوم فإذا اتصلت بالاجسام المحسوسة كانت للاستعلاء وفي غيره للزوم وهو صادق على الشرط المحض نحو أنت طالق على أن تدخلي الدار، وعلى المعاوضة كبعني هذا على ألف واحمله على درهم سواء كانت شرطا محضا كما مثلنا، أو عرفا نحو افعل كذا على أن أنصرك، والمحل المتنازع فيه يصح فيه كل من الشرط والمعاوضة ولا مرجح، وكون مدخولها مالا لا يرجح معنى الاعتياض فإن المال يصح جعله شرطا محضا كإن طلقتني ثلاثا فلك ألف فلا

[ 137 ]

يجب المال بالشك ولا يحتاط في اللزوم إذا الاصل فراغ الذمة. ومنهم من جعلها للاستعلاء حقيقة وللزوم مجازا لان المجاز خير من الاشتراك ورد بأن المعنى الحقيقي ليس إلا لتبادر ذلك المعنى عند أهل اللسان وهو متبادر كتبادر الاستعلاء، وكون المجاز خيرا من الاشتراك إنما هو عند التردد، أما عند قيام دليل الحقيقة وهي التبادر بمجرد الاطلاق فلا. وذكر في التحرير ما يرجح قولهما بمنع قوله في دليله ولا مرجح بل فيه مرجح العوضية وهو أن الاصل فيما علمت مقابلته العوضية ولا يرد عليه لو قالت طلقني وضرتي على ألف فطلقها وحدها حيث وافقهما أنه يلزمها حصتها من الالف لانه لا غرض لها في طلاق ضرتها حتى يجعل كالشرط بخلاف اشتراط الثلاث بتحصيل البينونة الغليظة، كذا ذكروا. ولا يخلو من شئ فإن لها غرضا في أنه إذا طلقها لا تبقى ضرتها معه بعدها فالاولى أن نكون على الاختلاف أيضا كما في غاية البيان معزيا للمختلف. ثم رأيت في التتارخانية أن الاصح أنها على الخلاف وفيها: ما لو قالت طلقني وضرتي على ألف علي فطلق إحداهما لا رواية فيها. ولقائل أن يقول يلزمها حصتها من الالف، ولقائل أن يقول لا يلزمها شئ حتى يطلقهما جميعا. وفي المحيط: قالت طلقني وفلانة وفلانة على ألف فطلق واحدة ومهورهن سواء يجب ثلث الالف لانها أمرته بعقود لان طلاق كل واحدة على مال خلع على حدة فانقسم الالف عليهن ضرورة أنه لا بد أن يكون لكل عقد بدل على حدة لتصح المعاوضة اه‍. وهذا التعليل لا يرد عليه شئ. قوله: (طلقي نفسك ثلاثا بألف أو على ألف فطلقت نفسها واحدة لم يقع شئ) لانه لم يرض بالبينونة إلا بسلامة الالف كلها له بخلاف قولها له طلقني ثلاثا بألف لانها لما رضيت بالبينونة بألف كانت ببعضها أولى أن ترضى فظهر الفرق بين ابتدائه وابتدائها. وفي الخانية: رجل قال لغيره طلق امرأتي ثلاثا للسنة بألف فقال لها الوكيل في وقت السنة أنت طالق ثلاثا للسنة بألف فقبلت تقع واحدة بثلث الالف، فإن طلقها الوكيل في الطهر الثاني تطليقة بثلث الالف فقبلت تقع أخرى بغير شئ، وكذا لو طلقها الثالثة في الطهر الثالث. ولو طلقها الوكيل أولا تطليقة بثلث الالف ثم تزوجها الزوج ثم طلقها الوكيل تطليقة ثانية بثلث الالف

[ 138 ]

تقع الثانية بثلث الالف، وكذا الثالثة على هذا الوجه اه‍. وفي المحيط: قال للمدخولة طلقي نفسك ثلاثا للسنة بألف فقالت طلقت نفسي ثلاثا للسنة بألف، فإن كانت طاهرة من غير جماع طلقت للحال واحدة ولا تقع الثانية والثالثة إلا بتجديد الايقاع في مجلس السنة فيقعان بغير شئ. هكذا ذكر الزعفراني لانه فوض إليها إيقاع كل تطليقة في كل طهر فيكون بمنزلة المضاف إلى وقت كل طهر لم يجامعها فيه فلا تملك إيقاعها حتى يجئ الوقت وقد أمرها بالايقاع فلا بد من التجديد وإنما يقعان مجانا لانها بانت بالاولى فلا تملك نفسها بالثانية والثالثة ألا ترى أنه لو أمرها أن تطلق نفسها ببدل بعدما أبانها ففعلت وقع مجانا، وفي رواية محمد لا يقع بهذا القول أبدا لانه تعذر إيقاعهما بعوض لما بينا وتعذر إيقاعهما بغير عوض لان الزوج لم يرض بوقوعهما مجانا فلم يقعا اه‍. والحاصل أنه لا يخلو إما أن تسأله الطلاق أو يسألها على مال، فإن كان الاول، فإما أن يجنبها بالموافقة أو لا، فإن كان الاول فظاهر واستحق المسمى، وإن كان الثاني، فإما أن تسأله بالباء أو به على، فإن كان بالباء وقع ما تلفظ به وانقسم المال على عدد الطلقات فكان له بحسابه إن لم يحصل مقصودها، فإن حصل، فإن كانت الواحدة مكملة للثلاث استحق الكل، وإن كان به على، فإما إن كانت المخالفة بأنقص أو بأزيد، فإن كان بأنقص وقع بغير شئ، وإن كان الثاني كما لو سألته واحدة بألف فطلقها ثلاثا، فإن ذكر المال في جوابه وقع الثلاث بالمسمى إن قبلت وإلا فلا، وإن لم يذكر المال وقع الثلاث بغير شئ. وهذا كله إن ذكر الثلاث بكلمة واحدة، وإن ذكر متفرقة وقعت الاولى بالمال وثنتان بغير شئ. قوله: (أنت طالق بألف أو على ألف فقبلت لزم وبانت) يعني إن قبلت في المجلس لزم المال وبانت المرأة وهو تكرار لانه علم من قوله أو الباب الواقع به وبالطلاق على مال طلاق بائن ولزمها المال إلا أنه زاد القبول هنا فقط، ولو ذكره عند قوله ولزمها المال لاستغنى عن التطويل. وفي التتارخانية: لو قال لامرأته أنت طالق واحدة بألف فقالت قبلت نصف هذه التطليقة طلقت واحدة بألف بلا خلاف، ولو قالت قبلت نصفها بخمسمائة كان باطلا. ولو قالت لزوجها طلقني واحدة بألف فقال الزوج أنت طالق نصف تطليقة بألف درهم طلقت تطليقة بألف درهم، ولو قال أنت طالق نصف تطليقة بخمسمائة طلقت واحدة بخمسمائة اه‍. وفي المحيط معزيا إلى المتنقى: أنت طالق أربعا بألف فقبلت طلقت ثلاثا بألف، وإن

[ 139 ]

قبلت الثلاث لم تطلق لانه علق الطلاق بقبولها الالف بإزاء الاربع اه‍. وفي المحيط: لو قال لغير المدخولة أنت طالق ثلاثا للسنة بألف أو على ألف ولا نية له طلقت واحدة بثلث الالف لان جميع الاوقات في حق غير المدخولة وقت لطلاق السنة وقد قابل الالف بالثلاث فيتوزع عليها، فإن تزوجها ثانيا طلقت أخرى بثلث الالف، وكذلك ثالثا لان الايقاع كان صحيحا فلا يرتفع بزوال الملك، فإذا وجد الملك، فإذا وجد الملك وجد الشرط فوقع ولا يحتاج إلى قبول جديد منها لان القبول يشترط في مجلس الخطاب وقد وجد إلا أن الوقوع تأخر لعدم المحل كما لو قال أنت طالق غدا بألف فقبلت فجاء غد طلقت بألف من غير قبول، وإن كانت مدخولة وقعت واحدة في طهر لم يجامعها فيه بثلث الالف ثم أخرى في الطهر الثاني وأخرى في الثالث بغير شئ لان البدل يجب مقابلا بملك النكاح وقد زال بالاولى فلا تملك نفسها بالثانية ليصح الاعتياض عنها، وإن قبلت وهي مجامعة لم يقع شئ حتى تحيض وتطهر فيقع حينئذ كما ذكرنا اه‍. ثم اعلم أن الطلاق على مال يمين من جهته فتصح إضافته وتعليقة ولا يصح رجوعه ولا يبطل بقيامه عن المجلس، ويتوقف على البلوغ إليها إذا كانت غائبة ومن جهتها مبادلة فلا يصح تعليقها ولا إضافتها، ويصح رجوعها قبل قبول الزوج لو ابتدأت ويبطل بقيامها ومثل قوله علي ألف على أن تعطيني ألفا بخلاف إذا اعطيتني أو إذا أجبتني بألف فلا تطلق حتى تعطيه للتصريح بجعل الاعطاء شرطا بخلافه مع على حتى إنه إذا كان على الزوج دين لها وقعت المقاصة في مسألة على أن تعطيني دون أن أعطيتني إلا أن يرضى الزوج طلاقا مستقبلا بألف له عليها، وذلك لانه يقال على أن تعطيني كذا ويراد قبوله في العرف قال تعالى * (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * [ التوبة: 92 ] أي حتى يقبلوا للاجماع على أن بقبولها

[ 140 ]

ينتهي الحرب منهم ولكن بين أن وبين إذا ومتى فرق فإن في أن يتوقف الطلاق على الاعطاء في المجلس بخلاف إذا ومتى. وفي جوامع الفقه: قال لاجنبية أنت طالق على ألف إن تزوجتك فقبلت ثم تزوجها لا يعتبر القبول إلا بعد التزوج لانه خلع بعد التزوج فيشترط القبول بعد كذا في فتح القدير ولو قال لانه طلاق على مال بعد التزوج لكان أولى. وقد طلب مني بالمدرسة الصرغتمشية الفرق بين على أن تعطيني حيث توقف على القبول وبين على أن تدخلي الدار حيث توقف على الدخول، وطلب أيضا الفرق بين أنت طالق على دخولك الدار حيث توقف على قبولها لا على الدخول كما في الخانية وبين على أن تدخلي حيث لا يكفي القبول مع أن إن والفعل بمعنى المصدر وها هنا قاعدة في الطلاق على مال الاصل أنه متى ذكر طلاقين وذكر عقيبهما مالا يكون مقابلا بهما إذ ليس أحدهما بصرف البدل إليه بأولى من الآخر إلا إذا وصف الاول بما ينافي وجوب المال فيكون المال حينئذ مقابلا بالثاني، ووصفه بالمنافي كالتنصيص على أن المال بمقابلة الثاني وإن شرط وجوب المال على المرأة حصول البينونة لانه إنما يلزمها التملك نفسها. فلو قال لها أنت طالق الساعة واحدة وغدا أخرى بألف أو قال على أنك طالق غدا أخرى بألف أو قال اليوم واحدة وغدا أخرى رجعية بألف فقبلت تقع واحدة بخمسمائة للحال وغدا أخرى بغير شئ إلا أن يعود ملكه قبله لانه جمع بين تطليقة منجزة وتطليقة مضافة إلى الغد وذكر عقيبهما مالا فانصرف إليهما، ألا ترى أنه لو ذكر مكان البدل استثناء ينصرف إليهما فيقع اليوم واحدة بخمسمائة، فإذا جاء غد تقع أخرى لوجود الوقت المضاف إليه ولا يجب شئ لانه شرط وجوب المال بالطلاق الثاني حصول البينونة ولم تحصل لحصولها بالاولى حتى لو نكحها قبل مجئ الغد ثم جاء الغد تقع أخرى بخمسمائة لوجود شرط وجوب المال. ولو قال أنت طالق الساعة واحدة

[ 141 ]

رجعية أو بائنة أو بغير شئ على أنك طالق غدا أخرى بألف تقع في الحال واحدة مجانا وغدا أخرى بألف لتعذر الصرف إليهما لانه وصف الاولى بما ينافي وجوب المال إلا أن في قوله بائنة فيشترط التزوج لوجوب المال بالثاني. ولو قال أنت طالق ثلاثا للسنة بألف فقبلت يقع في الطهر الاول واحدة بثلث الالف وفي الطهر الثاني أخرى مجانا لانها بانت بالاولى ولا يجب بالثانية المال إلا إذا نكحها قبل الطهر الثاني فحينئذ تقع أخرى بثلث الالف وفي الطهر الثالث كذلك، كذا في فتح القدير. في التتارخانية: وإن طلق امرأته على أن تفعل كذا وقبلت لزمها الطلاق على الفعل ثم ينظر، فإن كان جعلا فهو على ما ذكرت لك، وإن كان غير جعل فقد مضي الطلاق. عن أبي يوسف: إذا طلق امرأته على أن تهب عنه لفلان ألف درهم أجبرها على هذه الالف والزوج هو الواهب وإن لم يقل عنه لم تجبر على الهبة وعليها أن ترد المهر والطلاق بائن ولا شئ عليها غير الهبة التي وهبت ولا رجوع في هذه الهبة لاحد. وعن محمد في امرأة قالت لزوجها طلقني على أن أهب مهري من ولدك ففعل فأبت أن تهبه فالطلاق رجعي ولا شئ عليها اه‍. قوله: (أنت طالق وعليك ألف أو أنت حر وعليك ألف طلقت وعتق مجانا) يعني قبلا أو لا عند الامام، وعندهما وقع إن قبلا ولزمهما المال وإلا لا عملا بأن الواو للحال مجازا لتعذر حملها على العطف للانقطاع لان الاولى جملة إنشائية والثانية خبرية، وعنده الواو للعطف هنا عملا بالحقيقة ولا انقطاع لان التحقيق أن الجملة الاولى خبرية لا انشائية، كذا في فتح القدير. وذكر في تحريره أن الاوجه أن الواو للاستئناف عدة أو غيره لا للعطف للانقطاع، ولا شك أنه مجاز لكن ترجح على مجاز أنها للحال بالاصل وهو براءة الذمة وعدم إلزام المال بلا معين، واتفقوا على أنها للحال في أد الي ألفا وأنت حر وانزل وأنت آمن لتعذر العطف لكمال الانقطاع بين الجملتين لكنه من باب القلب لان الشرط الاداء والنزول، واتفقوا على أنها بمعنى الباء وهو المعاوضة في قوله احمل هذا الطعام ولك درهم لان المعاوضة في الاجارة أصلية، واتفقوا على تعين الاصل وهو العطف من غير احتمال غيره في

[ 142 ]

خذه واعمل به في البز للانشائية فلا تتقيد المضاربة به ولو نوى، واتفقوا على احتمال الامرين في أنت طالق وأنت مريضة أو مصلية لانه لا مانع من كل منهما ولا معني فيتنجز الطلاق قضاء ويتعلق ديانة إن أراده. فالضابط الاعتبار بالصلاحية وعدمها فإن تعين معنى الحال تقيد وإلا فإن احتمل فالمعين النية وإلا كانت لعطف الجملة، كذا في التحرير والبديع. وعلى هذا الخلاف لو قالت طلقني ولك ألف أو اخلعني ولك ألف ففعل فعنده وقع ولم يجب المال. وقالا: يجب المال، كذا في الكافي. وفي المحيط: لو قالت طلقني ولك ألف فقال طلقتك على الالف التي سميتها إن قبلت يقع الطلاق ويجب المال، وإن لم تقبل لا يقع الطلاق ولم يجب عنده لانها التمست طلاقا بغير عوض لان قولها ولك ألف لم يكن تعويضا على الطلاق فقد أعرض الزوج عما التمست حيث أوقع طلاقا بعوض، فإن قبلت وقع وإلا بطل. وعندهما يقع ويجب المال ا ه‍. ثم اعلم أن الوقوع مجانا مع ذكر المال لا يختص بمسألة الكتاب بل يكون في مسائل أخرى منها لو قال أنت طالق على عبدي هذا فإذا هو حر فقبلت طلقت مجانا لعدم صحة التسمية، وأوجب عليها زفر قيمته قياسا على تسمية عبد الغير، وفرقنا بإمكان تسليمه بإجازة مالكه في المقيس عليه وفي المقيس لا يتصور تسليمه. ومنها لو قالت طلقني واحدة بألف أو على ألف فطلقها ثلاثا ولم يذكر الالف طلقت ثلاثا مجانا عنده للمخالفة، وعندهما طلقت ثلاثا وعليها الالف بإزاء الواحدة لانه مجيب بالواحدة مبتدئا بالباقي، وإن ذكر الالف لا يقع شئ عنده ما لم تقبل المرأة، وإذا قبلت الكل وقع الثلاث بالالف، وعندهما إن لم تقبل فهي طالق واحدة، فقط، وإن قبلت طلقت ثلاثا واحدة بألف وثنتان بغير شئ، كذا في الكافي. قوله: (وصح خيار الشرط لها لا له) لما قدمنا أنه معاوضة من جهتها ويمين من جهته ولذا صح رجوعها قبل القبول ولا تصح إضافتها وتعليقها بالشرط، ولا يتوقف على ما وراء المجلس وانعكست الاحكام من جانبه وهما منعاه من جانبها أيضا نظرا إلى جانب اليمين، والحق ما قاله الامام رضي الله تعالى عنه. أطلقه فشمل الخلع والطلاق على مال ويتفرع على هذا الاصل مسائل منها ما لو قال أنت طالق على ألف على أنني بالخيار ثلاثة أيام فقبلت بطل الخيار ووقع الطلاق. ومنها ما لو قال أنت طالق على ألف على أنك بالخيار ثلاثة أيام فقبلت إن ردت الطلاق في الايام الثلاثة بطل الطلاق، وإن اختارت الطلاق في الايام الثلاثة وقع

[ 143 ]

ووجب الالف له، وعندهما الطلاق واقع في الوجهين والمال لازم عليها والخيار باطل في الوجهين، كذا في الكافي وغيره. وفي فتاوى قاضيخان من باب الاكراه: لو قال لامرأته أنت طالق على ألف على إنك بالخيار ثلاثة أيام فقبلت يقع الطلاق ولها الخيار في قول أبي حنيفة ا ه‍. وهو مشكل والظاهر أنه سبق قلم فإن الطلاق لا يقع قبل إسقاط الخيار إما بالرضا أو بمضي المدة لا أنه وقع ثم يرتفع بالفسخ بالخيار ولذا قال في البدائع: إن أبا يوسف ومحمدا يقولان في مسألة الخيار إن الخيار إنما شرع للفسخ والخلع لا يحتمل الفسخ. وجواب أبي حنيفة عن هذا أن محل الخيار في منع انعقاد العقد في حق الحكم على أصل أصحابنا فلم يكن العقد منعقدا في حق الحكم للحال بل موقوف إلى وقت سقوط الخيار فحينئذ يعمل على ما عرف في البيوع ا ه‍. فإن قلت: هل يصح اشتراط الخيار لها بعد الخلع؟ قلت: لم أره صريحا ومقتضى جعله كالبيع أن يصح لان شرط الخيار اللاحق بعد البيع كالمقارن مع أن فيه اشكالا لان الطلاق وقع حيث كان بلا شرط فكيف يرتفع بعد وقوعه؟ وأطلق في المدة فشمل اشتراطه لها أكثر من ثلاثة عنده والفرق للامام بينه وبين البيع أن اشتراطه في البيع على خلاف القياس لانه من التمليكات فيقتصر على مورد النص، وفي الخلع على وفقه لانه من الاسقاطات، والمال وإن كان مقصودا فيه بالنظر إلى العاقد لكنه تابع في الثبوت في الطلاق الذي هو مقصود العقد كما أن الثمن تابع في البيع وبالنظر إلى المقصود يلزم أن لا يتقدر بالثلاث، كذا في الكشف من آخر بحث الهزل، فعلى هذا إذا قدرا وقتا ومضى بطل الخيار سواء كان ثلاثة أو أكثر ووقع الطلاق ولزم المال، وإذا أطلقا ينبغي أن يكون لها الخيار في مجلسها فقط، فإن قامت منه بطل استنباطا مما إذا أطلقا في البيع لما أنه له شبه البيع. وذكر الشارح أن جانب العبد في العتاق مثل جانب المرأة في الطلاق حتى صح اشتراط الخيار له دون المولى. ثم اعلم أنهم نقلوا هنا أنه لا يصح تعليقها للخلع لكونه معاوضة من جهتها، وقد ذكر الحاكم في الكافي أنها لو قالت إن طلقتني ثلاثا فلك علي ألف درهم، فإن قبل في المجلس فله الالف، وإن قبل بعده فلا شئ له. وعزاه إليه في فتح القدير ولم يتعقبه مع أنه تعليق منها له بصريح الشرط. وظاهر إطلاقهم أنه لا فرق بين أن يعلق القبول أو الايجاب. وفي البزازية: خالعها وقالت إن لم أؤد البدل إلى أربعة أيام فالخلع باطل فمضت المدة ولم تؤد فهذه بمنزلة شرط الخيار في الخلع وأنه على الخلاف إذا كان من

[ 144 ]

جانبها ا ه‍. يعني إذا مضت المدة قبل الاداء بطل الخلع وإن أدت في المدة وقع كمسألة خيار العقد في البيع، واستفيد منه أن الخيار لا يتقيد بالثلاث كما قدمناه صريحا. وقيد بخيار الشرط لان خيار الرؤية لا يثبت في الخلع ولا في كل عقد لا يحتمل الفسخ كما ذكره العمادي في فصوله، وأما خيار العيب في بدل الخلع فثابت في العيب الفاحش دون اليسير والفاحش ما يخرجه من الجودة إلى الوساطة ومن الوساطة إلى الرداءة ا ه‍. وفي جامع الفصولين: الاصل أن من له الرجوع عن خطابه قولا يبطل خطابه بقيامه ومن لا رجوع له لا يبطل بقيامه ثم قال: والحاصل أن الخلع من جانبه يبطل بقيامها لا بقيامه ومن جانبها يبطل بقيام كل منهما ا ه‍. قوله: (طلقتك أمس بألف فلم تقبلي وقالت قبلت صدق بخلاف البيع) والفرق أن الطلاق على مال بلا قبول عقد تام وهو عقد يمين فلا يكون إقراره به اقرارا بقبول المرأة، أما البيع بلا قبول المشتري فليس ببيع فكان إقراره به اقرارا بقبول المشتري، فدعواه بعده عدم قبول تناقض ومراده من تصديق الزوج قبول قوله مع يمينه كما نص عليه العمادي في الفصول، ولو قيد المسألة بالمال كما في الهداية لكان أولى ولولا ما ذكره المصنف في الكافي شرحا لقوله بخلاف البيع من أن صورته ما لو قال لغيره بعت منك هذا العبد بألف درهم أمس فلم تقبل وقال المشتري قبلت إلى آخره لشرحت قوله بخلاف البيع بما لو قال بعتك طلاقك أمس فلم تقبلي فقالت بل قبلت، فقد نص في فتح القدير أن القبول لها لمناسبته للطلاق وفيه: ولو قال لعبده أعتقك أمس على ألف فلم تقبل وبعتك أمس نفسك منك بألف فلم تقبل على قياس قول الزوج لها ا ه‍. وفي التتارخانية: لو أقاما بينة أخذ ببينة المرأة ا ه‍. وفي البزازية: ادعى الخلع على حالها والمرأة تنكر يقع الطلاق بإقراره والدعوى في المال على حالها وعكسه لا يقع كيفما كان ادعت المهر إو نفقة العدة، لانه طلقها وادعى الخلع وليس لها بينة ففي حق المهر القول لها وفي النفقة قوله ا ه‍. وينبغي حمله على ما إذا كان مدعيا أن نفقة العدة من جملة بدل الخلع وعلى تقديره فالفرق أن المهر كان ثابتا عليه قبله فدعواه سقوطه غير مقبول، وأما نفقة العدة فليست واجبة قبله وهي تدعي استحقاقها بالطلاق وهو ينكر فكان القول له وهو مشكل فإنهما اتفقا على سبب استحقاقها لان الخلع والطلاق يوجبان نفقة العدة فكيف تسقط؟ وفي جامع الفصولين: اختلفا في كمية الخلع فقال مرتان وقالت ثلاث قيل القول له، وقيل لو اختلفا بعد التزوج فقالت لم يجز التزوج لانه وقع بعد الخلع الثالث

[ 145 ]

وأنكره فالقول له، ولو اختلفا في العدة وبعد مضيها فقال هي عدة الخلع الثاني وقالت هي عدة الخلع الثالث فالقول لها فلا يحل النكاح ا ه‍. وفي القنية: لو أقامت بينة أن زوجها المجنون خالعها في صحته وأقام وليه أو هو بعد الافاقة بينة أنه خالعها في جنونه فبينة المرأة أولى ا ه‍. وفي كافي الحاكم: قال لها قد طلقتك واحدة بألف فقبلت فقالت إنما سألتك ثلاثا بألف فطلقتني واحدة فلك ثلثها فالقول للمرأة مع يمينها، فإن أقاما البينة فالبينة بينة الزوج، وكذا لو اختلفا في مقدار الجعل بعد الاتفاق على الخلع أو قالت اختلعت بغير شئ فالقول قولها والبينة بينة الزوج، أما إذا اتفقا أنها سألته أن يطلقها ثلاثا بألف وقالت طلقتني واحدة وقال هو ثلاثا فالقول قوله إن كانا في المجلس، ألا ترى أنه لو قال لها أنت طالق أنت طالق أنت طالق في مجلس سؤالها الثلاث بألف كان له الالف؟ فغاية هذا أن يكون موقعا الباقي في المجلس فيكون مثله، وإن كان غير ذلك المجلس لزمها الثلاث، وإن كانت في العدة فمن المتفق عليه ولا يكون للزوج إلا ثلث الالف، وإن قالت سألتك أن تطلقني ثلاثا على ألف فطلقتني واحدة فلا شئ لك يعني على قول أبي حنيفة، وقال هو بل سألتني واحدة على ألف فطلقتكها فالقول قولها على قول أبي حنيفة، وإن قالت سألتك ثلاثا بألف فطلقتني في ذلك المجلس واحدة والباقي في غيره وقال بل الثلاث فيه فالقول لها، وإن قالت سألتك أن تطلقني أنا وضرتي على ألف فطلقتني وحدي وقال طلقتها معك وقد افترقا من ذلك المجلس فالقول لها وعليها حصتها من الالف والاخرى طالق بإقراره، وكذا إذا قالت فلم تطلقني ولا في ذلك المجلس، وفي مسألة خلع الثنتين بسؤال واحد تنبيه وهو أنه إذا خلع امرأتيه على ألف كانت منقسمة على قدر ما تزوجهما عليه من المهر حتى لو سألتاه طلاقهما على ألف أو بألف فطلق إحداهما لزم المطلقة حصتها من الالف على قدر ما تزوجها عليه، فإن طلق الاخرى في ذلك المجلس أيضا لزمها حصتها لان الالف تنقسم عليهما بالسوية، ولو طلقهما بعدما افترقوا فلا شئ له. وإذا ادعت المرأة الخلع والزوج ينكره فأقامت بينة فشهد أحدهما بالالف والآخر بألف وخمسمائة أو اختلفا في جنس الجعل فالشهادة باطلة. وإن كان الزوج هو المدعي للخلع والمرأة تنكره فشهد أحد شاهديه بألف والآخر بألف وخمسمائة والزوج يدعي ألفا وخمسمائة حازت شهادتهما على الالف، وإن ادعى ألفا لم تجز شهادتهما ولزمه الطلاق بإقراره، كذا في فتح القدير. وفيه: لو اختلفا في مقدار العوض فالقول لها عندنا، وعند الشافعي يتحالفان ا ه‍. وفي البزازية: دفعت بدل الخلع وزعم الزوج أنه قبضه بجهة أخرى، أفتى الامام ظهير الدين أن القول له، وقيل لها لانها المملكة.

[ 146 ]

قوله: (ويسقط الخلع والمبارأة كل حق لكل واحد على الآخر مما يتعلق بالنكاح حتى لو خالعها أو باراها بمال معلوم كان للزوج ما سمت له ولم يبق لاحدهما قبل صاحبه دعوى في المهر مقبوضا كان أو غير مقبوض قبل الدخول بها أو بعده) لان الخلع كالبراءة يقتضي البراءة من الجانبين لانه ينبئ عن الخلع وهو الفصل ولا يتحقق ذلك إلا إذا لم يبق لكل واحد منهما قبل صاحبه حق وإلا تحققت المنازعة بعده. والمبارأة بالهمزة وتركها خطأ وهي أن يقول الزوج برئت من نكاحك بكذا، كذا في شرح الوقاية. ولا يخفى وقوع الطلاق البائن في هذه الصورة وقد صورها في فتح القدير بأن يقول بارأتك على ألف وتقبل ولم يذكر وقوع الطلاق به، وقد صرح بوقوع الطلاق بهذا اللفظ في الخلاصة والبزازية لكن قال فيها نية الطلاق في الخلع والمبارأة شرط الصحة إلا أن المشايخ لم يشترطوه في الخلع لغلبة الاستعمال، ولان الغالب كون الخلع بعد مذاكرة الطلاق، فلو كانت المبارأة أيضا كذلك لا حاجة إلى النية وإن كان من الكنايات وإن لم يكن كذلك فبقيت مشروطه في المباراة وسائر الكنايات على الاصل ا ه‍. وشمل أول كلامه ستة عشر وجها لانه لا يخلو إما أن لا يسميا شيئا أو سميا المهر أو بعضه أو مالا آخر، وكل وجه على وجهين إما أن يكون المهر مقبوضا أو لا، وكل على وجهين إما أن يكون قبل الدخول أو بعده، فإن لم يسميا شيئا برئ كل منهما كما صححه في الخلاصة والبزازية. وعبارة الخلاصة: لو خالعها ولم يذكر العوض عليها فهو على وجوه: الاول أن يسكت عنه: ذكر شمس الائمة السرخسي في نسخته أنه يبرأ كل واحد منهما عن دعوى صاحبه وذكر الامام خواهر زاده أن هذا إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وهو الصحيح وإن لم يكن على الزوج مهر فعليها رد ما ساق إليها من المهر لان المال مذكور عرفا بذكر الخلع، وفي رواية عن أبي حنيفة وهو قولهما أنه لا يبرأ أحدهما عن صاحبه ا ه‍. وهكذا ذكر في البزازية وظاهر عبارتهما أولا أن المهر إذا كان مقبوضا فلا رجوع له عليها، وصريح كلامهما ثانيا الرجوع. وقد صرح قاضيخان في فتاويه في هذه الصورة بأنها ترد ما

[ 147 ]

ساق إليها من المهر فحينئذ لم يبرأ كل منهما عن صاحبه، وقد ظهر لي أن محل البراءة لكل منهما ما إذا خالعها بعد ما دفع لها معجل المهر وقد بقي مؤجله فإنه يبرأ عن مؤجله وتبرأ هي عن معجله، ولذا قال في المحيط: وهو الصحيح أنه يسقط من المهر ما قبضت المرأة فهو لها وما كان باقيا في ذمة الزوج يسقط ا ه‍. وفي البزازية: قال لها خلعتك فقالت قبلت لا

[ 148 ]

يسقط شئ من المهر ويقع الطلاق البائن بقوله إذا نوى ولا دخل لقبولها حتى إذا نوى الزوج الطلاق ولم تقبل المرأة يقع البائن، وإن قال لم أرد الطلاق لا يقع ويصدق قضاء وديانة بخلاف قوله خالعتك فقالت قبلت يقع الطلاق والبراءة ا ه‍. وحاصله أن الفرق بين خلعتك وخالعتك من وجهين: الاول أن خلعتك لا يتوقف على القبول بخلاف خالعتك. الثاني لا يبرأ في الاول ويبرأ في الثاني فلذا قال في الكتاب: حتى لو خالعها بصيغة المفاعلة. الثاني أن يصرح بنفي العوض فيه كما لو قال لها اخلعي نفسك مني بغير شئ ففعلت وقبل الزوج صح بغير شئ لانه صريح في عدم المال ووقوع البائن، كذا في البزازية. يعني فلا يبرأ كل منهما عن حق صاحبه كما لا يخفى. الثالث أن يقع ببدل على الزوج. قال في البزازية قال الامام في الاسرار: يجوز الخلع ولا يجوز بدل المال. وقال بعضهم: يجوز والمختار الجواز، وطريقه أن يحمل على الاستثناء من المهر لان الخلع يوجب براءته من المهر فكأنه قال إلا قدرا من المهر فإنه لا يسقط عني، فإن لم يكن عليه مهر يجعل كان ذلك القدر استثنى عن نفقة العدة، فإن زاد على نفقة العدة يجعل كأنه زاد على مهرها ذلك القدر قبل الخلع ثم خالع تصحيحا للخلع بقدر الامكان ا ه‍. وبه علم حكم ما إذا خالعها واشترطت عليه أن يدفع لها بعض المهر فإنه صحيح. الرابع أن يقع بشرط أن يكون المهر لولدها أو لاجنبي. قال في البزازية: خالعها على أن يجعل صداقها لولدها أو لاجنبي جاز والمهر للزوج لا لغيره ا ه‍. وإن سميا المهر فإن كان مقبوضا رجع بجميعه وإلا سقط عنه كله مطلقا في الاحوال كلها. وفي البزازية: خلع زوجته على أن ترد عليه جميع ما قبضت منه وكانت وهبته أو باعته من إنسان ولم ترد ذلك عليه رجع عليها بقيمة ذلك إن عروضا وبالمثل في المكيلات والموزونات كأنه استحق بدل الخلع فيرجع بالقيمة ا ه‍. وفيها: خالعها بغير خسران يلحق الزوج إذا أبرأته عن مهرها يقع الطلاق وإلا لا لان ارتفاع الخسران يكون بسلامة المهر له ا ه‍. وإن سميا بعض المهر كالعشر مثلا فإن كان مقبوضا رجع بالمسمى فقط

[ 149 ]

إن كان بعد الدخول وسلم لها الباقي وبنصفه فقط إن كان قبله، وإن لم يكن مقبوضا سقط الكل مطلقا المسمى بحكم الشرط والباقي بحكم لفظ الخلع. وإن سميا مالا آخر غير المهر فله المسمى وبرئ كل منهما مطلقا في الاحوال كلها. وبما قررناه ظهر أن قولهم الخلع يسقط كل الحقوق ليس في جميع الصور ويستثنى منه ما إذا خالعها على مهرها أو بعضه وكان مقبوضا فإنها ترده ولا تبرأ. ومقتضى إطلاقهم البراءة إلا أن يقال إن مرادهم البراءة عن سائر الحقوق ما عدا بدل الخلع والمهر بدل الخلع فلا تبرأ عنه كما لو كان مالا آخر. وبما قررناه ظهر أن الوجوه أربعة وعشرون، لانه إما أن يسكتا عن البدل أو ينفى أو يشترط على الزوج أو عليها أو مهرها أو بعضه، وكل على وجهين إما أن يكون مقبوضا أو لا، وكل على وجهين إما أن يكون قبل الدخول أو بعده. هذا إن كان المسمى معلوما موجودا متقوما أو محمولا جهالة مستدركة كثوب هروي أو مروي. وإن فحشت الجهالة كمطلق ثوب أو تمكن الخطر بأن خلعها على ما يثمر نخلها العام أو على ما في البيت وليس فيه شئ بطلت التسمية وردت ما قبضت من المهر، كذا في البزازية. وقدمناه. ثم اعلم أنه بقي هنا صورة وهي ما في البزازية: اختلفت مع زوجها على مهرها ونفقة عدتها على أن الزوج يرد عليها عشرين درهما صح ولزم الزوج عشرون، دليله ما ذكر في الاصل: خالعت على دار على أن الزوج يرد عليها ألفا لا شفعة فيه، وفيه دليل على أن إيجاب بدل الخلع عليه يصح. وفي صلح القدوري: ادعت عليه نكاحا وصالحها على مال بذله لها لم يجز، وفي بعض النسخ جاز والرواية الاولى تخالف المتقدم، والتوفيق أنها إذا خالعت على بدل يجوز إيجاب البدل على الزوج أيضا ويكون مقابلا ببدل الخلع، وكذا إذا لم يذكر نفقة العدة في الخلع ويكون تقديرا لنفقة العدة، أما إذا خالعت على نفقة العدة ولم تذكر عوضا آخر ينبغي أن لا يجب بدل الخلع على الزوج وقد ذكرنا ما فيه من الوجه ا ه‍. قيد بالخلع والمبارأة لان الطلاق على مال لا يسقط شيئا مما يتعلق بالنكاح في ظاهر الرواية وصححه الشارحون وقاضيخان وفي البزازية والولوالجية وعليه الفتوى بعد أن حكي

[ 150 ]

أن فيه روايتين عن الامام وأن عندهما هو كالخلع. وفي موضع منها: طلقها على ألف قبل الدخول ولها عليه ثلاثة آلاف تسقط ألف وخمسمائة بالطلاق قبل الدخول وبقي عليه ألف وخمسمائة وتقاصا بألف، ولا ترجع عليه بخمسمائة عند البلخي وترجع عند غيره، وعليه الفتوى بناء على أن صريح الطلاق بقدر من المال هل يوجب البراءة من المهر عند الامام أم لا، فالبلخي يوجبه وغيره لا ا ه‍. ثم اعلم أن الاولى في التعبير أن يقال إن الطلاق على مال لا يسقط المهر فقد صرح في شرح الوقاية والخلاصة والبزازية والجوهرة بأن النفقة المقتضى بها تسقط بالطلاق. وأطلقوه فشمل الطلاق بمال وغيره وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى في كتاب النفقات. وأما الخلع بلفظ البيع والشراء فقال قاضيخان في فتاواه: إنه لا يوجب البراءة عن المهر إلا بذكره اتفاقا وهو الصحيح. وصحح في الفتاوى الصغرى أنه يوجب البراءة كالخلع واختاره العمادي في الفصول. وأطلق في الحق فشمل المهر والنفقة المفروضة والماضية والكسوة كذلك، وأما المتعة فقال في البزازية: خالعها قبل الدخول وكان لم يسم مهرا تسقط المتعة بلا ذكر ا ه‍. وأما نفقة العدة فلم تدخل تحت العموم لانها لم تكن واجبة قبل الخلع لتسقط به وإنما تسقط بالتنصيص. قال البزازي: اختلعت بمهرها ونفقة عدتها صح وإن لم تجب النفقة بعد وهي مجهولة لدخولها تبعا كبيع الشرب تبعا للارض وإن كان مجهولا. وفي شرح الطحاوي: خالعها على نفقة العدة صح ولا تجب النفقة بخلاف ما لو أبرأت الزوج عن النفقة في المستقبل لا يصح. وفي الظهيرية: إن أبرأته عن نفقة العدة بعد الخلع لا يصح، وكذا بعد الطلاق وقيل يصح وهو الاشبه ا ه‍. ما في البزازية. وفيها في موضع آخر: اختلعت بتطليقة بائنة على كل حق يجب للنساء على الرجال قبل الخلع وبعده ولم يذكر الصداق ونفقة العدة تثبت البراءة عنهما لان المهر ثابت قبل الخلع وبعد تثبت نفقتها ا ه‍. وفي الخانية من العدة: رجل طلق امرأته ثم صالحته من نفقة العدة على شئ إن كانت عدتها بالاشهر جاز الصلح لان زمان العدة معلوم، وإن كانت عدتها بالحيض لا يجوز لان المدة غير معلومة ا ه‍. وأما السكني فلم يصح أسقاطها بحال لما أن سكناها في غير بيت الطلاق معصية إلا إن أبرأته عن مؤنة السكن بأن كانت ساكنة في بيت نفسها أو تعطى الاجرة من مالها فيصح التزامها ذلك، كذا في فتح القدير. أما إذا شرطا البراءة من نفقة الولد وهي مؤنة الرضاع إن وقتا لذلك وقتا كسنة مثلا صح ولزم وإلا لا يصح. وفي المنتفى: إن كان الولد رضيعا صح وإن لم يبين المدة وترضعه حولين ا ه‍. بخلاف الفطيم كذا في فتح القدير. واقتصر في البزازية على ما في المنتفى فإن تركته على الزوج وهربت فللزوج أن يأخذ قيمة النفقة منها ولها أن تطالبه بكسوة الصبي إلا إذا اختلعت على نفقته وكسوته

[ 151 ]

فليس لها أن تطالبه وإن كانت الكسوة مجهولة، سواء كان الولد رضيعا أو فطيما. ولو خالعته على نفقة ولده شهرا وهي معسرة فطالبته بنفقته يجبر عليها وعليه الاعتماد لا على ما أفتى به بعضهم من سقوط النفقة، كذا في فتح القدير: وهو المذكور في القنية. وإن مات الولد قبل تمام الوقت كان للزوج الرجوع عليه بحصة الاجر إلى تمام المدة. والحيلة في براءتها أن يقول الزوج خالعتك على أني برئ من نفقة الولد إلى سنتين. فإن مات الولد قبلها فلا رجوع لي عليك، كذا في الخانية، بخلاف ما لو استأجر الطئر للارضاع سنة بكذا على أنه إن مات قبلها فالاجر كله لها فالاجارة فاسدة، كذا في إجارات الخلاصة. ومقتضى مسألة موت الولد قبل المدة أن نفقة العدة لو جعلت بدلا في الخلع ثم لم تسكن في منزل الطلاق حتى صارت ناشزة وسقطت نفقتها أن يرجع الزوج عليها بالنفقة وأنه إذا شرط أنها إذا لم تسكن فلا رجوع أن يصح الشرط كما لا يخفى فإن قلت: إذا خالعها على نفقة العدة ثم تزوجها بعد خمسة أيام مثلا فهل يرجع عليها ببقية النفقة؟ قلت: نعم لما في القنية: اختلعت نفسها بالمهر ونفقة العدة ونفقة ولده سنة ثم مات الولد بعد خمسة أيام وتزوجها يرجع بنفقة بقية العدة وبقية نفقة ولده سنة ا ه‍. وهو دليل لما ذكرناه في مسألة النشوز. ثم اعلم أن موتها وعدم وجود ولد في بطنها كموته في أثناء المدة من كونها ترد قيمة الرضاع كما في المحيط. ولو اختلعت على أن تمسكه إلى وقت البلوغ صح في الانثى لا الغلام، وإذا تزوجت فللزوج أن يأخذ الولد ولا يتركه عندها، وإن اتفقا على ذلك لان هذا حق الولد وينظر إلى مثل إمساك الولد في تلك المدة فيرجع به عليها، كذا في فتح القدير. ومقتضاه أنها لو قصرت في الانفاق عليه أن يرجع عليها بقيمة النفقة وينفق هو عليه نظرا له. وفي الولوالجية من كتاب الصلح: صالحها على أن يطلقها على أن ترضع ولده سنتين على أن زادها ثوبا بعينه وقبضته فاستهلكته وأرضعت الصبي سنة ثم مات فإن الزوج يرجع عليها إذا كانت قيمة الثوب والمهر سواء بنصف قيمة الثوب وبربع قيمة الرضاع. ولو زادت مع ذلك شاة قيمتها مثل قيمة الرضاع رجع عليها بربع الثوب وبربع قيمة الرضاع وسلمت له الشاة

[ 152 ]

وتوضيحه فيها وقد أطال في بيانه فليراجع. قيد بقوله مما يتعلق بالنكاح لانهما لا يوجبان البراءة من دين آخر سوى النكاح على الصحيح لانه وإن كان مطلقا فقد قيدناه بحقوق النكاح لدلالة الغرض. وادعى في الجوهرة الاجماع عليه وليس بصحيح فقد روي عن الامام البراءة عن سائر الديون كما في فتح القدير. فإن قلت: لو اختلعت على أن لا دعوى لكل على صاحبه هل يشمل ما ليس من حقوق النكاح؟ قلت: مقتضى الابراء العام ذلك لكن المنقول في البزازية: اختلعت على أن لا دعوى لكل على صاحبه ثم ادعى أن له عندها كذا من القطن يصح لان البراءة تختص بحقوق النكاح ا ه‍. وكأنه لما وقع في ضمن الخلع تخصص بما هو من حقوق النكاح وأراد بالنكاح ما ارتفع بهذا الخلع لانه إذا تزوج امرأة على مهر مسمى ثم طلقها بائنة بعد الدخول ثم تزوجها ثانيا بمهر آخر ثم اختلعت منه على مهرها برئ الزوج عن المهر الذي يكون في النكاح الثاني دون الاول، كذا في الخانية. وإنما نص على المهر ليعلم سقوط باقي الحقوق بالاولى. وأطلق النكاح فانصرف إلى الصحيح فالخلع في الفاسدة غير مسقط لمهر المثل كما في البزازية. وقيد بقوله خالعها المفيد لكونه خاطبها لانه لو خالعها مع أجنبي بمال فإنه لا يسقط المهر لانه لا ولاية للاجنبي في إسقاط حقها وهو خلع الفضولي وسنتكلم عليه مع خلع الوكيل والرسول إن شاء الله تعالى. قوله: (ولو خلع صغيرة بمالها لم يجز عليها) أي لا يلزمها المال لانه لا نظر لها فيه لعدم تقوم البضع حالة الخروج، وإنما فسرنا عدم الجواز في كلامه بعدم لزوم المال لان الصحيح وقوع الطلاق كما في الهداية لانه تعليق بشرط قبوله فيعتبر بالتعليق بسائر الشروط. هذا إذا قبل الاب، فإن قبلت وهي عاقلة تعقل أن النكاح جالب والخلع سالب وقع الطلاق بالاتفاق ولا يلزمها المال. وذكر صاحب المنظومة أن خلع الصغيرة بمال مع الزوج إن كان بلفظ الخلع يقع البائن، وإن كان بلفظ الطلاق يقع الرجعي. وفي جامع الفصولين: لو طلق الصبية بمال يقع رجعيا وفي الامة يصير بائنا إذا الطلاق بمال يصح في الامة لكنه مؤجل وفي الصبية يقع بلا مال ا ه‍. وفي جوامع الفقه: طلقها بمهرها وهي صغيرة عاقلة فقبلت وقعت طلقة ولا يبرأ. وإن قبل أبوها أو أجنبي روى هشام عن محمد أنه يقع، وروى الهندواني عن محمد أنه لا يقع، فلو بلغت وأجازت جاز، كذا في فتح القدير. وذكر الشارح ولو شرط الزوج البدل عليها توقف على قبولها إن كانت أهلا، فإن قبلت وقع اتفاقا ولا يلزم المال، وإن قبل الاب عنها صح في رواية لانه نفع محض لانها تتخلص بلا مال، ولا يصح في أخرى لان قبولها بمعنى شرط اليمين وهو لا يحتمل النيابة وهذا هو الاصح ا ه‍. أطلق في مالها فشمل مهرها الذي على الزوج ولذا قال في البزازية: والخلع على مهرها ومال آخر سواء في الصحيح ا ه‍. وقيد بالصغيرة ليفيد أنه لو خلع كبيرته بلا إذنها فإنه لا يلزمها المال بالاولى لانه كالاجنبي في حقها. وفي البزازية: الكبيرة إذا خلعها أبوها أو أجنبي بإذنها جاز

[ 153 ]

والمال عليها وإن بلا إذنها لم يجز وترجع بالصداق على الزوج والزوج على الاب إن ضمن الاب، وإن لم يضمن فالخلع يتوقف على قبولها إن قبلت تم الخلع في حق المال، وهذا دليل على أن الطلاق واقع، وقيل لا يقع الطلاق ها هنا إلا بإجازتها ا ه‍. وقيد بالاب لانه لو جرى الخلع بين زوج الصغيرة وأمها فإن أضافت الام البدل إلى مال نفسها أو ضمنت تم الخلع كالاجنبي، وإن لم تضف ولم تضمن لا رواية فيه، والصحيح أنه لا يقع الطلاق بخلاف الاب. وإن كان العاقد أجنبيا ولم يضمن البدل إن كانت الصغيرة تعقل العقد والزوج والصداق أنه ما هو يتوقف على إجازتها، وقيل لا يتوقف، ومذهب مالك أن الاب إذا علم أن الخلع خير لها بأن كان الزوج لا يحسن عشرتها فالخلع على صداقها صحيح، فإن قضى به قاض نفذ قضاؤه، كذا في البزازية. وفيها: وإذا أراد أن يصح خلع الصغيرة على وجه يسقط المهر والمتعة عن زوجها يخالع أجنبي مع زوجها على مال قدر المهر والمتعة فيجب البدل على الاجنبي للزوج ثم يحيل الزوج بما عليه من الصداق والمتعة لمن له ولاية قبض صداقها على ذلك الاجنبي فيبرأ الزوج عن المهر ويكون في ذمة ذلك الرجل ا ه‍. وفيها من موضع آخر: وحيلة أخرى أن يحيل الزوج بالصداق على الاب فيبرأ الزوج منه وينتقل إلى ذمة الاب والاب يملك قبول الحوالة إذا كان المحتال عليه املا من المحيل والغالب كون الاب أملا من الزوج، كذا لو كان المحتال عليه مثل المحيل في الملاءة، ذكره في الجامع الصغير. وذكر اسحق الولوالجي أنه لا يملك قبولها لو مثله في الملاءة ولو كان المخالع وليا غير الاب جعله القاضي وصيا حتى يملك قبولها. وذكر الحاكم حيلة أخرى وهو أن يقرب الاب بقبض صداقها ونفقة عدتها ثم يطلقها الزوج بائنا. وهذا خاص بالاب لصحة إقراره بالقبض بخلاف سائر الاولياء ويبرأ الزوج في الظاهر لاقرار الاب لا في إقرار غيره، ويكتب إقرار الاب بقبض حقها وطلاق الزوج بائنا ا ه‍. وتعقبه في جامع الفصولين بأن الاب إذا كان كاذبا في الاقرار لم يبرأ الزوج عند الله ويحرم عليه فلم تكن هذه الحيلة شرعية ولذا قال في الظاهر ا ه‍. وفيها أيضا: وكلت الصغيرة بالخلع ففعل الوكيل في رواية يصح ويتم الخلع وله البدل، وفي رواية لا إلا إذا ضمن الوكيل البدل، وإن لم يضمن الوكيل البدل لا يقع الطلاق. قال لها وهي صغيرة إن غبت عنك فأمرك بيدك فطلقي نفسك مني متى شئت بعد أن تبرئي ذمتي من المهر فوجد الشرط فطلقت نفسها بعد ما أبرأته لا يسقط المهر لعدم صحته ابراء الصغيرة ويقع الرجعي لانه كالقائل لها عند وجود الشرط أنت طالق على كذا وحكمه ما ذكرنا ا ه‍. وقيد

[ 154 ]

بالانثى لانه لو خلع ابنه الصغير لا يصح ولا يتوقف خلع الصغير على إجازة الولي ا ه‍. وحاصله أنه في الصغيرة لا يلزم المال مع وقوع الطلاق وفي الصغير لا وقوع أصلا. قوله: (ولو بألف على أنه ضامن طلقت والالف عليه) أي على الاب الملتزم لان اشتراط بدل الخلع على الاجنبي صحيح فعلى الاب أولى، ولا يسقط مهرها لانه لم يدخل تحت ولاية الاب فإذا بلغت تأخذ نصف الصداق إن كان قبل الدخول، وكله إن كان بعده من الزوج ويرجع هو على الاب الضامن أو ترجع على الاب ولا يرجع هو على الزوج، ولو كان المهر عينا أخذته من الزوج كله إن كان بعد الدخول، ونصفه إن كان قبله ويرجع الزوج على الاب الضامن بقيمته، كذا في فتح القدير وليس بصحيح لان هذا حكم ما إذا خالعها على صداقها على أنه ضامن له فحينئذ إذا رجعت به على الزوج رجع الزوج به على الاب لضمانه، والكلام هنا إنما هو فيما إذا خالعها على الالف على أنه ضامن لها وحكمه لزوم الالف عليه للزوج، وإذا رجعت على الزوج بمهرها فلا رجوع له على أبيها لانه لم يضمن له الصداق مع أن في جامع الفصولين في مسألة ما إذا خالعها أبوها على مهرها وضمنه أنها ترجع على الاب لا على الزوج، هذا لو ضمن مهرها للزوج وإلا فلا شك أن المهر لا يسقط بهذا الخلع لصغرها ا ه‍. والظاهر أنها مخيرة إن شاءت رجعت على زوجها أو أبيها. وفي البزازية: خالعها أبوها أو أجنبي على صداقها إن ضمن المخالع تم ووقع كائنا من كان العاقد وبعد البلوغ آخذت الزوج بنصفه لو قبل الدخول وبكله لو بعده. وقال شمس الائمة: ترجع به على الاب لا على الزوج وإذا لم يضمن الاب لا شك أن الصداق لا يسقط، وهل تقع البينونة؟ وإن قبلت الصغيرة وهي أهل للقبول وقع اتفاقا، وإن لم تقبل إن كان المخالع أجنبيا ولم يضمن لا يقع اتفاقا، وتكلموا أنه هل يتوقف على إجازتها إذا بلغت قيل لا يتوقف وإن كان العاقد أبا ولم يضمن للزوج قال بكر: اختلفت المشايخ في الوقوع. وقال الامام الحلواني: فيه روايتان. وفي حيل الاصل أنه لا يقع ما لم يضمن الاب الدرك له. وفي كشف الغوامض: إن الطلاق يقع بقبول الاب على قول محمد بن سلمة وإن لم يضمن البدل أي الصداق ولا يجب البدل على الاب ولا عليها. وعنه أن الخلع واقع بقبول الاب والبدل عليه وإن لم يضمن وفي طلاق

[ 155 ]

الاصل في خلع الاب على صداقها قبل الدخول بها أن الخلع جائز ولها نصف الصداق ويضمن الاب للزوج نصف الصداق. قالوا: كيف صح الخلع على صداقها وهو ملكها ولا ولاية له في إبطال ملكها؟ وكيف يصح ضمان الصداق للزوج وهو عليه؟ ولاي معنى يضمن الاب نصف الصداق للزوج وقد ضمن الزوج ذلك لها؟ أجابوا عن ذلك بأن الخلع لما أضيف إلى مهرها وذلك ملكها كان مضافا إلى مالها والاضافة إلى مال الغير بأن خالع على عبد إنسان يصح كإضافة الشراء إلى مال غيره، فلما صح إضافة الشراء فلان يصح الخلع وهو أقرب إلى الجواز أولى، لكن في باب الشراء يجب تسليم البدل على العاقد وفي الخلع لا يجب إلا بضمان لرجوع الحقوق إلى من يقع له العقد غير أنه إذا ضمن رجع إليه الحقوق بالضمان فإذا خلع وضمن صح وضمن البدل ووقع الطلاق بقبوله ووجب نصف المهر وسقط النصف ويجب للزوج على الاب نصفه بضمانه تسليم كل المهر إلى الزوج، وإن كانت مدخولة فلها جميع المهر عليه والاب يضمن للزوج لانه ضمن تسليم الكل فلم يقدر فيضمن مثله ا ه‍. ولا فرق في حكم ضمانه بين الصغيرة والكبيرة التي لم تأذن له ولكن إذا أجازته وقع وبرئ من الصداق واعتبر هذا الخلع معاوضة بين الزوج والمخالع وطلاقا بلا بدل في حقها، فإذا بلغ الخبر إليها فأجازت نفذ عليها وبرئ الزوج، وإن لم تجز رجعت عليه بمهرها والزوج يرجع على الاب بحكم الضمان. وتقدير هذا الخلع كان المخالع قال له إذا بلغها الخبر وأجازت كان البدل عليها، وإن لم تجزه فالبدل علي وما يجب على الاب من الضمان إنما يجب بالعقد لا بحكم الكفالة، كذا في البزازية: ولذا قال في فتح القدير: المراد بالضمان هنا التزام المال لان اشتراط بدل الخلع على الاجنبي صحيح بخلاف بدل العتق لا يجوز اشتراطه على الاجنبي لانه يحصل به للعبد ما لم يكن حاصلا له وهو إثبات الاهلية وهو القوة عن ذلك الاسقاط بخلاف إسقاط الملك في الخلع لا يحصل عنه للمرأة ما لم يكن حاصلا قبله فصار الاب والاجنبي مثلها فإنه لم يحصل له شئ بخلاف العبد فإنه حصل له ما ذكرنا، والعوض

[ 156 ]

لا يجب على غير من يحصل له المعوض فصار كثمن المبيع إلا أن البيع يفسد بالشروط الفاسدة والخلع لا يفسد بها ا ه‍. وبهذا علم الفرق بين ما يصح التزامه وما لا يصح. ومن صور الالتزام أيضا ما في جامع الفصولين: لو زوج الاب بنته الكبيرة فطلبوا منه وقت الدخول أن يهب للزوج شيئا من مهرها ينيغي أن يهب بإذنها وأن يضمن للزوج عنها فيقول إن أنكرت هي الاذن بالهبة وغرمتك ما وهبته فأنا ضامن ما وهبته، ويصح هذا الضمان لاضافته إلى سبب الوجوب لان من زعم الاب والزوج أنها كاذبة في الانكار وأن ما أخذته دين عليها للزوج فالاب ضمن بدين واجب فصح ا ه‍. والظاهر من آخر كلامه أن الضمان هنا بمعنى الكفالة لا التزام المال ابتداء كما لا يخفى. وأشار بقوله لم يجز عليها إلى أن الاب فضولي في خلع الصغيرة فيستفاد منه جواز خلع الفضولي. وحاصله كما في المحيط أن المتعاقدين من يدخلان تحت حكم الايجابين وإن كان المخاطب في الخلع المرأة فالمعتبر قبولها، سواء كان البدل مبهما أو معينا، أضاف البدل إلى نفسه أو لم يضفه، لانها هي العاقدة، وإن كان المخاطب هو الاجنبي إن أضاف البدل إلى نفسه فالمعتبر قبوله لانه التزم تسليم ذلك من ملكه وإن لم يضفه إلى نفسه ولا إلى أحد فالمعتبر قبولها لانها الاصل فيه، فلو قال أجنبي للزوج اخلع امرأتك على هذه الدار وهذه الالف فالقبول إلى المرأة، ولو قال على عبدي هذا وألفي هذه ففعل وقع الخلع لانه هو العاقد لما أضاف المال إلى نفسه، ولو قال لها الزوج خلعتك على دار فلان فالقبول إليها، ولو قال لصاحب العبد خلعت امرأتي بعبدك والمرأة حاضرة فالقبول لصاحب العبد، ولو قال رجل للزوج اخلعها على ألف فلان هذا أو على عبد فلان أو على ألف على أن فلانا ضامن لها فالقبول لفلان، ولو قالت اخلعني على ألف على أن فلانا ضامن له ففعل وقع الخلع فإن ضمن فلان أخذ الزوج من أيهما شاء وإلا فمنها فقط ا ه‍. وفي البزازية: الخلع إذا جرى بين الزوج والمرأة فإليها القبول كان البدل مرسلا أو مطلقا أو مضافا إلى المرأة أو الاجنبي إضافة ملك أو ضمان، ومتى جرى بين الاجنبي والزوج فتى كان البدل مرسلا فالقبول إليها، وإن أضيف إلى الاجنبي إضافة ملك أو ضمان فإلى الاجنبي لا إلى المرأة اه‍. وأما الوكيل به فقال في الخانية: وكيل المرأة بالخلع إذا قبل الخلع يتم الخلع وهل يطالب الوكيل ببدل الخلع فالمسألة على وجهين: إن كان الوكيل أرسل البدل إرسالا بأن قال للزوج اخلع امرأتك بألف درهم أو على هذه الالف وأشار إلى ألف للمرأة كان البدل على المرأة ولا يطالب به الوكيل، وإن أضاف الوكيل البدل إلى نفسه إضافة ملك أو ضمان بأن قال اخلع امرأتك على ألفي هذه أو على هذه الالف وأشار إلى نفسه أو

[ 157 ]

على ألف على أني ضامن كان البدل على الوكيل ولا تطالب به المرأة، وللوكيل أن يرجع على المرأة قبل الاداء وبعده وإن لم تكن المرأة أمرته بالضمان بخلاف الوكيل بالنكاح من قبل الزوج إذا ضمن المهر للمرأة ولم يكن الضمان بأمر الموكل فإنه لا يرجع على الموكل اه‍. ولا ينفرد أحد الوكيلين به بخلاف الطلاق والوكيل بالطلاق لا يملك الخلع والطلاق على مال إن كانت مدخولة على الصحيح لانه خلاف إلى شر بخلاف غيرها فإنه إلى خير. ولو زعم رجل أنه وكيلها بالخلع فخالعها معه على ألف ثم أنكرت المرأة التوكيل فإن ضمن الفضولي المال للزوج وقع الطلاق وعليه المال وإلا إن لم يدع الزوج التوكيل لم يقع، وإن ادعاه وقع ولا يجبر المال، كذا في المحيط. ولو وكله بأن يخالعها بعد شهر فمضت المدة ولم يخالعها الوكيل لا يجبر الوكيل على الخلع وإن طلبت المرأة وبمضي المدة لا ينعزل الوكيل. وذكر الامام محمد أن توكيل الصبي والمعتوه عن البالغ العاقل بالخلع صحيح الواحد لا يصلح في الخلع وكيلا من الجانبين بأن وكلت رجلا بالخلع فوكله الزوج أيضا، سواء كان البدل مسمى أو لا، وعن محمد أنه يصح، كذا في البزازية والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. باب الظهار هو في اللغة مصدر ظاهر امرأته إذا قال لها أنت علي كظهر أمي، كذا في الصحاح والمغرب. وفي المصباح: قيل إنما خص ذلك بذكر الظهر لان الظهر من الدابة موضع الركوب والمرأة مركوبة وقت الغشيان فركوب الام مستعار من ركوب الدابة، ثم شبه ركوب الزوجة بركوب الام الذي هو ممتنع وهو استعارة لطيفة فكأنه قال ركوبك للنكاح حرام علي، وكأن الظهار طلاقا في الجاهلية فنهوا عن الطلاق بلفظ الجاهلية وأوجب عليهم الكفارة تغليظا في النهي اه‍. والمذكور في كتب الشافعية أنه كان طلاقا في الجاهلية يوجب حرمة مؤبدة لا رجعة فيه، وفي الشريعة ما ذكره بقوله: (هو تشبيه المنكوحة بمحرمة عليه على

[ 158 ]

التأبيد) أراد بالمنكوحة ما يصح إضافة الطلاق إليه من الزوجة وهو أن يشبهها أو عضوا منها يعبر به عنها أو جزء شائعا منها لما سيأتي. وأراد بالمشبه به عضوا يحرم إليه النظر من عضو محرمة عليه على التأبيد لما سنذكره أيضا. وأراد بالزوج المسلم لاظهار للذمي عندنا. وأطلقه فشمل السكران والمكره والاخرس بإشارته كما في التتارخانية. وقيد بالمنكوحة احترازا عن الامة والاجنبية على ما سيصرح به، ولم يقيدها بشئ ليشمل المدخولة وغيرها الكبيرة والصغيرة الرتقاء وغيرها العاقلة والمجنونة والمسلمة والكتابية. وقيد بالتأبيد لانه لو شبهها بأخت امرأته لا يكون مظاهرا لان حرمتها موقتة بكون امرأته في عصمته وكذا المطلقة ثلاثا. وأطلق الحرمة فشمل الحرمة نسبا وصهرية ورضاعا، وأراد بالتأبيد تأبيد الحرمة باعتبار وصف لا يمكن زواله لا باعتبار وصف يمكن زواله فإن المجوسية محرمة على التأبيد، ولو قال كظهر مجوسية لا يكون ظهارا - ذكره في جوامع الفقه - لان التأبيد باعتبار دوام الوصف وهو غير لازم لجواز إسلامها بخلاف الامية والاختية وغيرهما، كذا في فتح القدير. والتحقيق أن حرمة المجوسية ليست بمؤبدة بل هي موقتة بإسلامها أو بصيرورتها كتابية فلا حاجة إلى ما ذكره كما لا يخفى ولذا علل في المحيط بأنها ليست بمحرمة على التأبيد وضم إلى المجوسية المرتدة. وشمل كلامه التشبيه الصريح والضمني فدخل ما لو ظاهر من امرأته ثم قال للاخرى أنت علي مثل هذه ينوي الظاهر فإنه يكون مظاهرا ولو بعد موتها وبعد التكفير باعتبار تضمن قوله لها أنت علي كظهر أمي فالتشبيه فيها باعتبار خصوص وجه الشبه المراد لا باعتبار نفس التشبيه بها، وكذا لو كانت امرأة رجل آخر ظاهر زوجها منها فقال أنت علي مثل فلانة ينوي ذلك صح ولو كان بعد موتها، وكذا لو ظاهر من امرأته ثم قال لاخرى أشركتك في ظهارها. فالحاصل أن حقيقة الظهار الشرعي تشبيه الزوجة أو جزء شائع منها أو ما يعبر به عن الكل بما لا يحل النظر إليه من المحرمة على التأبيد كذا قالوا، ولو قالوا من محرم دون محرمة صفة لشخص المتناول للذكر والانثى لكان أولى لانه لو قال أنت علي كفرج أبي أو قريبي كان

[ 159 ]

مظاهرا إذ فرجهما في الحرمة كفرج أمه، كذا في المحيط. وينبغي عدم التقييد بالاب والقريب لان فرج الرجل الاجنبي محرم على التأبيد أيضا. وأشار بقوله بمحرمة إلى أن المشبه الرجل لانه لو كان المرأة بأن قالت أنت علي كظهر أمي أو أنا عليك كظهر أمك فالصحيح كما في المحيط أنه ليس بشئ فلا حرمة ولا كفارة، ومنهم من أوجب عليها الكفارة. ثم اختلفوا هل هي كفارة يمين أو ظهار؟ ورجح ابن الشحنة أنها كفارة يمين، وذكر ابن وهبان تفريعا على القول بوجوب الكفارة أنها تجب بالحنث إن كانت كفارة يمين وإن كانت كفارة ظهار فإن كان تعليقا يجب متى تزوجت به، وإن كانت في نكاحه تجب للحال ما لم يطلقها لانه لا يحل لها العزم على منعه من الجماع اه‍. وفي الخانية: ولو شبهها بمزنية الاب أو الابن قال محمد: لا يكون ظهارا. وقال أبو يوسف: يكون ظهارا. وهو الصحيح ولو شبهها بأم امرأة أو ابنة امرأة قد زنى بها يكون ظهارا اه‍. ولو قبل أجنبية بشهوة ثم شبه زوجته بابنتها لم يكن مظاهرا عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لابي يوسف، كذا في الولوالجية. فلذا زاد في النهاية لفظة اتفاقا في التعريف وتبعه الشارح وغيره. وما في الدراية أنه لو شبهها بأم امرأة زنى بها أبوه أو ابنه كان مظاهرا مشكل لان غايته أن تكون كأم زوجة أبيه أو ابنه وهي حلال، كذا في فتح القدير. والظاهر أنه سبق قلم وقد ظهر لي أنه لا حاجة إلى قيد

[ 160 ]

الانفاق، أما في تشبيهها بمزنية الاب أو الابن فقد علمت أنه يكون مظاهرا على الصحيح مع أنه لا اتفاق على تحريمها لمخالفة الشافعي. وأما في مسألة تشبيهها بابنة المقبلة بشهوة فلان حرمة البنت عليه ليست مؤبدة لارتفاعها بقضاء الشافعي بحلها كما في المحيط فارقا بين التقبيل والوطئ بأن حرمة الوطئ منصوص عليها فلم ينفذ قضاء الشافعي بحل أصول المزنية وفروعها بخلاف التقبيل. وعلى هذا لو شبهها بالملاعنة لا يكون مظاهرا لان حرمتها موقتة بتكذيبه نفسه، ولو شبهها بالاخت من لبن الفحل لا يكون مظاهرا لان حرمتها موقتة بقضاء الشافعي بحلها فهي كالمقبلة، وبهذا التقرير إن شاء الله تعالى استغنى عما في فتح القدير. وأطلق في التشبيه فشمل المعلق ولو بمشيئتها كالطلاق والموقت كأنت علي كظهر أمي يوما أو شهرا، فإن أراد قر بأنها في ذلك الوقت فإنه لا يجوز بغير كفارة ويرتفع الظهار بمضي الوقت كما في الخانية، ولو قال لها أنت علي كظهر أمي كل يوم فهو ظهار واحد، ولو قال في كل يوم تجدد الظهار كل يوم، فإذا مضى يوم بطل ظهار ذلك اليوم وكان مظاهرا منها في اليوم الآخر وله أن يقربها ليلا، ولو قال لها أنت علي كظهر أمي اليوم وكلما جاء يوم كان مظاهرا منها اليوم وإذا مضى بطل هذا الظهار وله أن يقربها في الليل فإذا جاء غد كان مظاهرا ظهارا آخر دائما غير موقت، وكذا كلما جاء يوم صار مظاهر ظهارا آخر مع بقاء الاول. وإذا قال أنت علي كظهر أمي رمضان كله ورجب كله فكفر في رجب سقط ظهار رجب وظهار رمضان استحسانا والظهار واحد، وإن كفر في شعبان لم يجز. أنت علي كظهر أمي إلا يوم الجمعة ثم كفر، إن كفر في يوم الاستثناء لم يجز وإلا يجوز. أنت علي كظهر أمي إلى شهر لا يكون مظاهرا قبله كذا في التتارخانية وغيرها. وفيها عن أبي يوسف: أنت علي كظهر أمي إذا جاء غد كان باطلا ولو قال أنت علي كظهر أمي أمس كان باطلا اه‍ والفرعان مشكلان لان الاول من قبيل إضافة الظهار أو تعليقة اه‍. وهما صحيحان كما قدمناه وقد صرح بهما في البدائع. والثاني ينبغي أن يكون كالطلاق إن كان نكحها قبل أمس كان مظاهرا الآن، وإن كان نكحها اليوم كان لغوا. والحاصل أن هنا أربعة أركان: المشبه والمشبه والمشبه به وأداة التشبيه. أما الاول وهو المشبه وهو بكسر الباء فهو الزوج البالغ العاقل المسلم - وزاد

[ 161 ]

في التتارخانية - العالم ولا يخض ما فيه. وأما الثاني وهو المشبه بفتح الباء المنكوحة أو عضو منها يعبر به عن كلها أو جزء شاسع. وأما الثالث وهو المشبه به عضو لا يحل النظر إليه من محرمة عليه تأبيدا. وأما الرابع وهو الدال عليه وهو ركنه وهو صريح وكناية، فالصريح أنت علي كظهر أمي ومني وعندي ومعي كعلى ولم أر حكم ما إذا قال أنت كظهر أمي بدون إضافة له وينبغي أن لا يكون مظاهرا لاحتمال أنه قصد أنها كظهر أمه على غيره وأنا منك مظاهر وظاهرت منك من الصريح. وفي التتارخانية وعن أبي يوسف: لو قال أنت مني مظاهرة أنه يكون باطلا. وشرطه في المرأة كونها زوجة ولو أمة فلا يصح من أمته ولا من مبانته ولا من أجنبية إلا إذا أضافه إلى التزوج كما سيأتي. وفي الرجل كونه من أهل الكفارة فلا يصح من ذمي وصبي ومجنون لان الكافر ليس من أهل الكفارة. وفي التتارخانية: يلزم الذمي كفارة الظهار إذا ظاهر وفي صحته عن أبي يوسف نظر إنما نقله المشايخ عن الشافعي. والحاصل أنه تعالى قيد بقوله منكم في الآية الاولى وهو قوله تعالى * (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم أن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وأنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور) * [ المجادلة: 2 ] ولما شرع في بيان الكفارة لم يقيده بقوله منكم فقال * (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) * [ المجادلة: 3 ] لكن لما لم يكن أهلا للكفارة لم يصح ظهاره. قال بعضهم: والعجب من الشافعي أنه قيد الرقبة بالايمان ولم يجوز أن يملك الكافر المؤمن وصحح ظهاره فكان تناقضا. ورده بعض الشافعية بأنا عينا لكفارته الاطعام ولا يلزم من صحة الظهار أن يكون المظاهر أهلا لكل الانواع بدليل أن ظهار العبد صحيح عندنا مع أنه ليس أهلا لغير الصوم. ولو ظاهر المسلم ثم ارتد والعياذ بالله تعالى بقي ظهاره عند أبي حنيفة حتى لو أسلم لا يحل القربان إلا بالكفارة، وعندهما لا يبقى لان المرتد ليس أهلا لحكمه وهو الكفارة، وله أن الحال حال بقاء حكمه وهو الحرمة لا حال الانعقاد والكفر ليس بمناف للحرمة وحكمه حرمة الوطئ ودواعيه إلى غاية الكفارة. قوله: (حرم الوطئ ودواعيه بأنت على كظهر أمي حتى يكفر) أما حرمة الوطئ فبالكتاب والسنة، وأما حرمة الدواعي فإن دخولها تحت النص المفيد لحرمة الوطئ وهو قوله تعالى * (من قبل أن يتماسا) * [ المجادلة: 3 ] لانه لا موجب فيه للحمل على المجاز وهو الوطئ لامكان الحقيقة، ويحرم الجماع لانه من أفراد التماس فيحرم الكل بالنص، كذا في فتح

[ 162 ]

القدير. وقد يقال إن الموجب للحمل على المجاز موجود وهو صدق التماس على المس بغير شهوة وليس بمحرم اتفاقا فالتحقيق خلاف ما زعم أنه التحقيق وهو أن الاصل أن الوطئ إذا حرم حرم ما كان داعيا إليه لان طريق المحرم محرم وقد استمر هذا في الاستبراء والاحرام والاعتكاف، وخرج في الصوم والحيض عن هذا الاصل لنص صريح وهو أنه عليه السلام كان يقبل بعض نسائه وهو صائم وكان يقبلها وهي حائض، وحكمته لزوم الحرج لو حرمت الدواعي في الصوم والحيض لكثرة وقوعهما بخلاف غيرهما. وعن محمد للمظاهر تقبيلها إذا قدم من سفره بغير شهوة للشفقة والدواعي المباشرة والتقبيل واللمس عن شهوة والنظر إلى فرجها بشهوة كما في البدائع. ولا يدخل فيها النظر إليها بشهوة. وفي التتارخانية: ولا يحرم النظر إلى ظهرها وبطنها ولا إلى الشعر والصدر. وفي الهداية أن اللفظ الصريح أعني - أنت علي كظهر أمي - لا يكون إلا ظهارا ولو نوى به الطلاق لا يصح لانه منسوخ فلا يتمكن من الاتيان به وهو يقتضي أن الظهار كان طلاقا في الاسلام حتى يوصف بالنسخ مع أنه قال أولا إنه كان طلاقا في الجاهلية وهو يقتضي أن جعله ظهارا ليس ناسخا ولم أر أحدا من شراحها تعرض لذلك. وذكر الامام فخر الدين الرازي في التفسير الكبير البحث الثاني أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية لانه في التحريم أوكد ما يمكن، فإن كان ذلك الحكم مقررا في الشرع كانت الآية ناسخة له وإلا لم يعد ناسخا في الشرع إلا في عادة الجاهلية لكن الذي روي أنه عليه السلام قال لها: حرمت أو ما أراك إلا قد حرمت عليه كالدلالة على أنه كان شرعا، فأما ما روي أنه توقف في الحكم فلا بدل على ذلك اه‍. وأشار المصنف إلى أن هذه الحرمة لا ترتفع إلا بالكفارة فلا يبطل الظهار بزوال ملك النكاح ولا ببطلان حل المحلية حتى لو ظاهر منها ثم طلقها بائنا ثم تزوجها لا يحل له وطؤها حتى يكفر، وكذا إذا كانت زوجته أمة وظاهر منها ثم اشتراها، وكذا إذا كانت حرة فارتدت - والعياذ بالله تعالى عن الاسلام - ولحقت بدار الحرب فسبيت ثم اشتراها. وفي المحيط: أسلم زوج المجوسية فظاهر منها قبل عرض الاسلام عليها صح لكونه من أهل الكفارة اه‍. قالوا: وللمرأة أن تطالبه بالوطئ وعليها أن تمنعه من الاستمتاع بها حتى يكفر وعلى القاضي أن يجبره على التكفير دفعا

[ 163 ]

للضرر عنها بحبس، فإن أبى ضربه ولا يضرب في الدين، ولو قال كفرت صدق ما لم يعرف بالكذب. وفي التتارخانية: إذا أبى عن التكفير عزره بالضرب والحبس إلى أن يكفر أو يطلق. ثم اعلم أن تعليقه بمشيئة الله تعالى تبطله ولو قال إن شاء فلان فالمشيئة إليه. قوله: (فلو وطئ قبله استغفر ربه فقط) أي لو وطئ قبل التكفير لا يجب عليه كفارة لاجل الوطئ والواجب الكفارة الاولى لما رواه الترمذي في المظاهر يواقع قبل أن يكفر قال: كفارة واحدة. وأما الاستغفار فمنقول في الموطأ من قول مالك، والمراد منه التوبة من هذه المعصية وهي حرمة الوطئ قبل الكفارة قوله: (وعوده عزمه على وطئها) أي عود المظاهر المذكور في الآية عزمه على وطئ المظاهر منها وهو بيان لسبب وجوب الكفارة. وقد اختلف فيه أصحابنا على أقوال محكية في البدائع، فالعامة على أن السبب مجموع الظهار والعود لانه المذكور قبل فاء السببية ولان الكفارة دائرة بين العقوبة والعبادة فلا بد أن يكون سببها دائرا بين الحظر والاباحة حتى تتعلق العقوبة بالمحظور وهو الظهار والعبادة بالمباح وهو العزم على وطئها لانه نقض للمنكر، وقيل الظهار سبب للاضافة والعود شرط، وقيل عكسه، وقيل هما شرطان والسبب أمر ثالث وهو كون الكفارة طريقا متعينا لايفاء حقها وكونه قادرا على إيفائه، وقيل كل منهما شرط وسبب ومن جعل السبب العزم أراد به العزم المؤكد حتى لو عزم ثم بدا له أن لا يطأها لا كفارة عليه لعدم العزم المؤكد لا أنها وجبت بنفس العزم ثم

[ 164 ]

سقطت كما قال بعضهم لان الكفارة بعد سقوطها لا تعود إلا بسبب جديد، كذا في البدائع. لكن أورد على من جعل العود وحده سببا أن الحكم بتكرر بتكرر سببه لا شرطه والكفارة تتكرر يتكرر الظهار لا العزم، وأنه لو قدمها على العزم صح ولو كان سببا لم يصح، ولكن دفع الثاني بأنها إنما وجبت لرفع الحرمة الثابتة في الذات فتجوز بعد ثبوتها كما قلنا في الطهارة إنها جائزة قبل إرادة الصلاة مع أنها سببها لانها شرعت لرفع الحدث فتجوز بعد وجوده، وأورد على من جعله الظهار فقط أن السبب ما دار بين محظور ومباح وهو محظور فقط فلا يصلح للسببية، وسنجيب عنه في الكفارة، ولم يظهر لي ثمرة الاختلاف بين الاقوال لاتفاقهم على جواز التكفير بعد الظهار قبل العزم، وعلى عدمه قبل الظهار، وعلى تكررها بتكرر الظهار وإن لم يتكرر العزم، وعلى أنه لو عزم ثم ترك فلا إثم، وعلى عدم الكفارة لو أبانها بعده وبعد العزم، ومراد المشايخ من قولهم العزم على وطئها العزم على استباحة وطئها لا العزم على نفس الوطئ لانهم قالوا: المراد في الآية ثم يعودون بنقض ما قالوا رفعه وهو إنما يكون باستباحتها بعد تحريمها لكونه ضدا للحرمة لا نفس وطئها ولقد أبعد من قال إن المراد تكرار الظهار لانه لو كان كذلك لقال تعالى ثم يعيدون ما قالوا من الاعادة لا من العود وتمام تحقيقه في التفسير الكبير للامام فخر الدين. قوله: (وبطنها وفخذها وفرجها كظهرها) أي الام وهي المشبه به وقدمنا أن المعتبر فيه عضو لا يحل النظر إليه من محرمة تأبيدا وهذه الاعضاء كذلك، فخرج عضو يحل النظر إليه كاليد والرجل والجنب فلا يكون ظهارا. وفي الخانية: أنت علي كركبة أمي في القياس يكون مظاهرا، ولو قال فخذك كفخذ أمي لا يكون مظاهرا اه‍. لفقد الشرط في الثانية من جهة المشبه قوله: (وأخته وعمته وأمه رضاعا كأمه) أي نسبا لما قدمنا أن المعتبر في المشبه به كونها محرمة تأبيدا نسبا أو صهرا أو رضاعا، فخرج من لا تحرم تأبيدا كأخت امرأته وعمتها وخالتها

[ 165 ]

والمرتدة والمجوسية والملاعنة والمقبلة حراما والمطلقة ثلاثا والاخت رضاعا من لبن الفحل خاصة كإن رضع على امرأة لها لبن من زوج له بنت من غير المرضعة فإن الرضيع بعد بلوغه إذا شبه امرأته بهذه البنت لا يكون مظاهرا وقد أوضحنا ذلك فيما تقدم. وما في الدراية معزيا إلى شرح القدوري لو شبهها بأم امرأة زنى بها أبوه أو ابنه كان مظاهرا غلط لان غايته أن تكون كأم زوجة أبيه أو ابنه وهي حلال، والتعبير بالغلط أولى من قوله في فتح القدير مشكل لانه لا يقال إلا فيما يمكن تأويله وهذا ليس كذلك. وفي البزازية من فصل الخلوة: خلا بامرأة ثم قال لزوجته أنت علي كظهر أم تلك المرأة لا يكون مظاهرا. والمراد خلا بامرأة أجنبية لا بزوجته لان أمها حرام بالعقد تأبيدا قوله: (ورأسك ووجهك وفرجك ورقبتك ونصفك وثلثك كانت) يعني أن المعتبر في المشبه أن يذكر ذاتها أو جزأ شائعا منها أو عضوا يعبر به عن كلها. وضابطه ما صح إضافة الطلاق إليه كان مظاهرا به فخرج اليد والرجل، فلو قال بطنك علي كظهر أمي لا يكون مظاهرا لانتفاء الشرط من جهة المشبه. وفي الخانية: رأسك كرأس أمي لا يكون مظاهرا اه‍. للانتفاء من جهة المشبه به قوله: (وإن نوى بأنت علي مثل أمي برا أو ظهارا أو طلاقا فكما نوى وإلا، لغا) بيان للكنايات فمنها: أنت علي مثل أمي أو كأمي فإن نوى الكرامة قبل منه لانه مستعمل فيه فالتقدير أنت عندي في الكرامة كأمي، وإن نوى الظهار كان ظهارا بكونه كناية فيه. وأشار إلى أن صريحه لا بد فيه من ذكر العضو فحينئذ لا يحتاج إلى النية ولا تصح فيه نية الطلاق والايلاء لانها تغيير للمشروع. وإذا نوى الطلاق في مسألة الكتاب كان بائنا كلفظ الحرام وإن لم ينو شيئا كان باطلا، ولم يتعرض لنية الايلاء به للاختلاف فأبو يوسف جعله إيلاء لانه أدنى من الظهار، ومحمد جعله ظهارا نظرا إلى أداة التشبيه، وصحح أنه ظهار عند الكل لانه تحريم مؤكد بالتشبيه وذكر علي ليس بشرط في مسألة الكتاب إذ أنت مثل أمي كذلك كما في الخانية. وقيد بالتشبيه لانه لو خلا عنه بأن قال أنت أمي لا يكون مظاهرا لكنه مكروه لقربه من التشبيه وقياسا على قوله يا أخية

[ 166 ]

المنهي عنه في حديث أبي داود المصرح بالكراهة، ولولا التصريح بها لامكن القول بالظهار فعلم أنه لا بد في كونه ظهارا من التصريح بأداة التشبيه شرعا ومثله قوله يا بنتي يا أختي ونحوه. قوله: (وبانت على حرام كأمي ظهارا أو طلاقا فكما نوى) لانه لما زاد على المثال الاول لفظة التحريم امتنع إرادة الكرامة وصحت نية الظهار والطلاق ولم يبين ما إذا لم ينو شيأ للاختلاف، فمحمد جعله ظهارا، وأبو يوسف إيلاء والاول أوجه قوله: (وبانت علي حرام كظهر أمي طلاقا أو إيلاء فظهار) لانه لما زاد على المثال الثاني لفظة الظهار كان صريحا فيه فكان مظاهرا سواء نواه أو نوى الطلاق أو الايلاء أو لم تكن له نية قوله: (ولا ظهار إلا من زوجته) أي ابتداء. أطلقها فشملت الحرة والامة المدبرة وأم الولد أو بنتها أو مكاتبة أو مستسعاة، فلا يصح من أمته موطوءة كانت أو غير موطوءة، قنة أو مدبرة أو أم ولد أو ابنتها أو مكاتبة أو مستسعاة، لان النص لم يتناولها لان حقيقة إضافة النساء إلى رجل أو رجال إنما تتحقق مع الزوجات لانه المتبادر حتى صح أن يقال هؤلاء جواريه لا نساؤه ولهذا لم تدخل في نص الايلاء أيضا ولا في قوله وأمهات نسائكم حتى لا تحرم عليه أم أمته قبل وطئ أمته. واستدل الامام الرازي في تفسيره على عدم دخول الاماء تحت نسائنا بقوله تعالى * (أو نسائهن) * [ النور: 13 ] والمراد منه الحرائر ولولا ذلك لما صح عطف قوله تعالى * (أو ما ملكت أيمانهن) * [ النور: 13 ] لان الشئ لا يعطف على نفسه اه‍. قيدنا بالابتداء لانه في البقاء لا يحتاج إلى كونها زوجة كما قدمنا أنه لو ظاهر من زوجته الامة ثم ملكها بقي الظهار، وكما خرجت الامة خرجت الاجنبية والمبانة حتى لو علق الظهار بشرط ثم أبانها ثم وجد الشرط في العدة لا يصير مظاهرا بخلاف الابانة المعلقة والفرق في البدائع. وحاصله أن وقت وجود

[ 167 ]

الشرط صادق في التشبيه فلا ظهار، وأما في الطلاق ففائدة وقوع المعلق بعد تقدم الابانة تنقيص العدد وتصح إضافته إلى الملك أو سببه كالطلاق بأن قال إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي فإن نكحها كان مظاهرا. وفي التتارخانية: لو قال إذا زوجتك فأنت طالق ثم قال إذا تزوجتك فأنت علي كظهر أمي فتزوجها يكون مظاهرا ومطلقا جميعا، ولو قال إذا تزوجتك فأنت طالق وأنت علي كظهر أمي فتزوجها يقع الطلاق ولا يلزم الظهار في قول أبي حنيفة. وقال صاحباه: لزماه جميعا. ولو قال لاجنبية إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي مائة مرة فعليه لكل مرة كفارة اه‍ قوله: (فلو نكح امرأة بغير أمرها فظاهر منها فأجازته بطل) لانه صادق في التشبيه في ذلك الوقت ولا يتوقف على الاجازة كالنكاح لان الظهار ليس بحق من حقوقه حتى يتوقف بتوقفه بخلاف إعتاق المشتري من الغاصب فإنه يتوقف لتوقف الملك وينفذ بنفاذه كما أفاده المصنف في البيوع بقوله وصح عتق مشتر من غاصب بإجازة بيعه لان الاعتاق حق من حقوق الملك بمعنى أنه إذا ملك العبد ثبت له حق أن يعتقه كما في فتح القدير. ويرد عليه الطلاق فإنه على هذا التفسير من حقوق النكاح بمعنى أنه إذا نكحها ثبت له حق أن يطلقها فيقتضي أنه لو طلقها في النكاح الموقوف توقف بتوقفه ونفذ بنفاذه مع أن المصرح به في جامع الفصولين أنه لو طلقها ثلاثا في النكاح الموقوف لم تحرم عليه ولا تقبل الاجازة وصار مردودا، ولهذا فسر كون الاعتاق من حقوق الملك بكونه منهيا له في العناية وهذا لا يرد عليه الطلاق قوله: (أنتن علي كظهر أمي ظهار منهن) لانه أضاف الظهار إليهن فكان كإضافة الطلاق إليهن قوله: (وكفر لكل) أي لزمه الكفارة لكل واحدة إذا عزم على وطئها لان الكفارة لرفع الحرمة وهي تتعدد بتعددهن. وإنما قال وكفر لكل ولم يكتف بقوله كان مظاهرا منهن لان مالكا وأحمد قالا: يكون مظاهرا من الكل. ولكن اكتفيا بكفارة واحدة. قيد بالظهار لانه لو آلى منهن كان موليا منهن وعليه كفارة واحدة لانها في الايلاء تجب لهتك حرمة اسم الله تعالى وهو ليس بمتعدد. وأشار إلى أنه لو ظاهر من امرأته مرارا في مجلس أو مجالس فعليه لكل ظهار كفارة إلا أن ينوي به الاول كما ذكره الاسبيجابي وغيره. وفي بعض الكتب فرق بين المجلس والمجالس والمعتمد الاول، وقدمنا في باب

[ 168 ]

التعليق عن البزازية أن الظهار كالطلاق والعتاق متى علق بشرط متكرر فإنه يتكرر كما لو قال كلما دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي يتكرر الظهار بتكرر الدخول بخلاف اليمين والله أعلم. فصل في الكفارة من كفر الله عنه الذنب محاه ومنه الكفارة لانها تكفر الذنوب. وكفر عن يمينه إذا فعل الكفارة، كذا في المصباح. وفي القاموس: الكفارة ما كفر به من صدقة وصوم ونحوهما اه‍. وفي المحيط، إنها منبئة عن الستر لغة لانها مأخوذة من الكفر وهو التغطية والستر قال الشاعر: في ليلة كفر النجوم غمامها أي سترها اه‍. والكلام فيها يقع في مواضع في معناها، وقد قدمناه. وفي سببها وهو قسمان: سبب مشروعيتها وسبب وجوبها، فالاول ما هو سبب لوجوب التوبة وهو إسلامه وعهده مع الله أن لا يعصيه وإذا عصاه تاب لانها من تمام التوبة لانها شرعت للتكفير. والثاني قال في التنقيح: سببها ما نسبت إليه من أمر دائر بين الحظر والاباحة يعني بأن يكون مباحا من وجه محظورا من وجه آخر. والحاصل أن السبب يكون على وفق الحكم فالقتل خطأ مباح باعتبار عدم التعمد محظور باعتبار عدم التثبت، والافطار عمدا مباح نظرا إلى أنه يلاقي فعل نفسه الذي هو مملوك له ومحظور لكونه جناية على العبادة، وأما كفارة اليمين فسببها إما اليمين

[ 169 ]

المعقودة للاضافة إليها وهي دائرة بين الحظر والاباحة أو الحنث وهو دائر أيضا. وأما كفارة الظهار فعلى القول بأن المضاف إليها سبب وهو الظهار وهو قول الاصوليين فإنما كان دائرا بين الحظر والاباحة مع أنه منكر من القول وزورا باعتبار أن التشبيه يحتمل أن يكون للكرامة فلم يتمحض كونه جناية، وأما على قول من جعل السبب مركبا من الظهار والعود فظاهر لكونه الظاهر محظورا والعود مباحا لكونه إمساكا بالمعروف ونقضا للقول الزور. والذي يظهر أنه لا ثمرة للاختلاف في سببها لانهم اتفقوا على أنه لو عجلها بعد الظهار قبل العود جاز ولو كرر الظهار تكررت الكفارة وإن لم يتكرر العزم، ولو عزم ثم ترك فلا وجوب، ولو عزم ثم أبانها سقطت، ولو عجلها قبل الظهار لم يصح. وفي الطريق المعينة لا استحالة في جعل المعصية سببا للعبادة التي حكمها أن تكفر المعصية وتذهب السيئة خصوصا إذا صار معنى الزجر فيها مقصودا، وإنما المحال أن تجعل سببا للعبادة الموصلة إلى الجنة. وأما ركنها فالفعل المخصوص من إعتاق وصيام وإطعام على ما سيأتي. وأما شروطها فكل ما هو شرط انعقاد سبب وجوبها من اليمين والظهار والافطار والقتل، وأما شرائط وجوبها القدرة عليها، وأما شرائط الصحة فنوعان: عامة وخاصة. فما يعمها النية وشرطها المقارنة لفعل التكفير فإن تأخرت عنه لم يجز وسيأتي بيان ما إذا أعتق رقبة عن كفارتين، وسيأتي بيان شرط صحة كل نوع من أنواعها. ومصرفها مصرف الزكاة فلا يجوز إطعام الغني ولا مملوكه ولا الهاشمي إلا الذمي فإنه مصرف لها دون الحربي. وأما صفتها فهي عقوبة وجوبا لكونها شرعت أجزية لافعال فيما معنى الحظر عبادة، أداء لكونها تتأدى بالصوم والاعتاق والصدقة وهي قرب والغالب فيها معنى العبادة إلا كفارة الفطر في رمضان فإن جهة العقوبة فيها غالبة بدليل أنها تسقط بالشبهات كالحدود، ولا تجب مع الخطأ بخلاف كفارة اليمين لوجوبها مع الخطأ وكذا كفارة القتل الخطأ، وأما كفارة الظهار فقالوا: إن معنى العبادة فيها غالب وخالفهم صدر الشريعة في الاصول فجعلها ككفارة الفطر معنى العقوبة فيها غالب لكونه منكرا من القول وزورا. ورده في التلويح بأنه فاسد نقلا وحكما واستدلالا. أما الاول فلتصريحهم بخلافه، وأما الثاني فلان من حكم ما تكون العقوبة فيه غالبة أن تسقط بالشبهة وتتداخل ككفارة الصوم حتى لو أفطر مرارا لم تلزمه إلا كفارة واحدة ولا تداخل في كفارة الظهار حتى لو ظاهر من امرأته مرارا لزمه لكل ظهار كفارة. وأما الثالث فلانه لم يتحقق كونه جناية لاحتمال أن يكون التشبيه للكرامة وتمامه فيه. وأما حكمها فسقوط الواجب عن ذمته وحصول الثواب المقتضي لتكفير الخطايا، وهي واجبة على التراخي على الصحيح لكون الامر مطلقا حتى لا يأثم بالتأخير عن أول أوقات الامكان ويكون مؤديا لا

[ 170 ]

قاضيا ويتضيق في آخر عمره ويأثم بموته قبل الاداء ولا تؤخذ من تركته إن لم يوص ولو تبرع الورثة جاز إلا في الاعتاق والصوم، كذا في البدائع. فإن أوصى كان من الثلث اه‍. وأما أنواعها فخمس كفارة الظهارة وكفارة القتل وكفارة الفطر وهي مرتبة: الاعتاق ثم الصوم ثم الاطعام إلا كفارة القتل فإنه لا إطعام بعد الصوم وكفارة اليمين وهي مخبر فيها كما سيأتي، وكفارة جزاء الصيد وقد تقدم في جنايات الاحرام. وزاد في البدائع كفارة الحلق ولكن المذكور في الآية الفدية * (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) * [ البقرة: 196 ]. قوله: (وهو تحرير رقبة) أي التكفير المستفاد من قوله حتى يكفر والتحرير من حرر المملوك عتق حرارا من باب لبس وحرره صاحبه ومنه * (فتحرير رقبة) * [ النساء: 29 ] وتحرر بمعنى حر قياس، كذا في المغرب. فالتحرير بمعنى الاعتاق وهو أولى من قول الهداية عتق رقبة فإنه لو ورث من يعتق عليه فنوى به الكفارة مقارنا لموت المورث لا يجزيه عنها لعدم الصنع منه بخلاف ما إذا نوى عند العلة الموضوعة للملك كالشراء والهبة كما سيأتي. والرقبة من الحيوان معروفة وهي في معنى المملوك من تسمية الكل باسم البعض، كذا في المغرب. وفي الهداية: هي عبارة عن الذات أي الشئ المرقوق المملوك من كل وجه فشمل الذكر والانثى الصغير والكبير ولو رضيعا. وفي البدائع: فإن قيل الصغير لا منافع لاعضائه فينبغي أن لا يجوز إعتاقه عن الكفارة كالزمن ولذا لا يجوز إطعامه عن الكفارة فكذا إعتاقه، فالجواب عن الاول أن أعضاء الصغير سليمة لكنها ضعيفة وهي بعرض أن تصير قوية فأشبه المريض، وأما إطعامه عن الكفارة فجائز بطريق التمليك لا الاباحة، والمسلم والكافر ولو مجوسيا أو مرتدا أو مرتدة أو مستأمنا. وفي التتارخانية: والمرتد يجوز عند بعض المشايخ، وعند بعضهم لا يجوز والمرتدة تجوز بلا خلاف اه‍. وأما إعتاق العبد الحربي في دار الحرب فغير جائز عنها، كذا في فتح القدير. وفي التتارخانية: لو أعتق عبدا حربيا في دار الحرب إن لم يخل سبيله لا يجوز، وإن خلى سبيله ففيه اختلاف المشايخ، بعضهم قالوا لا يجوز اه‍. وشمل الصحيح والمريض واستثنى في الخانية مريضا لا يرجى برؤه فإنه لا يجوز لانه ميت حكما اه‍. وفي التتارخانية: وأما إعتاق حلال الدم فعن محمد إذا قضى بدمه عن ظهاره ثم عفى عنه لم يجز. البقالي: إذا أعتق عبدا حلال الدم قد قضى بدمه ثم عفى عنه أو كان أبيض العينين فزال البياض أو كان مرتدا فأسلم فإنه لا يجوز. وفي جامع الجوامع: جاز المديون والمرهون ومباح الدم ويجوز إعتاق الآبق إذا علم أنه حي اه‍. ثم اعلم أنه لا بد أن تكون الرقبة غير المرأة المظاهر منها لما في الظهيرية والتتارخانية: أمة تحت رجل ظاهر منها ثم

[ 171 ]

اشتراها وأعتقها عن ظهارها قيل لم تجز في قول أبي حنيفة ومحمد خلافا لابي يوسف اه‍. ولا بد أن يكون المعتق صحيحا لانه لو كان مريضا أعتق عبده عن كفارته وهو لا يخرج من ثلث ماله فمات من ذلك المرض لا يجوز عن كفارته وإن أجازت الورثة، ولو أنه برئ من مرضه جاز، كذا في التتارخانية. وخرج بقوله من كل وجه الجنين إذا أعتقه عنها وولدته لاقل من ستة أشهر فإنه لا يجوز لانه رقبة من وجه جزء من أجزاء الام من وجه حتى يعتق بإعتاق الام، كذا في المحيط. وقوله من كل وجه متعلق بالمرقوق لا بالمملوك، كذا في العناية. وفي المحيط: ولو أعتق عبدا قد غصبه أحد جاز عن الكفارة إذا وصل إليه، ولو ادعى الغاصب أنه وهبه منه فأقام بينة زور حكم له الحاكم بالعبد لم يجز عتقه عن الكفارة لانه بمعنى الهالك، ولو أعتق عبدا مديونا عن الكفارة واختار الغرماء استسعاء العبد جاز لان استغراق الدين برقبته واستسعاءه لا يخل بالرق والملك فإن السعاية لم توجب الاخراج عن الحرية فوقع تحريرا من كل وجه بغير بدل عليه اه‍. وفي البدائع: وكذا لو أعتق عبدا رهنا فسعى العبد في الدين فإنه يجوز عن الكفارة ويرجع على المولى لان السعاية ليست ببدل عن الرق. قوله: (ولم يجز الاعمى ومقطوع اليدين أو إبهاميهما أو الرجلين والمجنون) لان الاصل أن فوات جنس المنفعة يمنع الجواز والاختلال والعيب لا يمنع لان بفوات جنس المنفعة تصير القربة فائتة من وجه بخلاف نقصانها فيدخل تحت عدم الجواز ساقط الاسنان لانه لا يقدر على المضغ كما في الولوالجية، ودخل أشل اليدين والرجلين والمفلوج اليابس الشق والمقعد والاصم الذي لا يسمع شيئا على المختار لانه بمنزلة العمى كما في الولوالجية، وشمل مقطوع اليد والرجل من جانب واحد لان منفعة المشي فائتة، وكذا من كل يد ثلاثة أصابع مقطوعة لفوات منفعة البطش كمقطوع الابهامين، وجاز العنين والخصي والمجبوب خلافا لزفر، ومقطوع الاذنين والمذاكير والرتقاء والقرناء والعوراء والعمشاء والبرصاء والرمداء والخنثى وذاهب الحاجبين وشعر الليحة والرأس ومقطوع الانف والشفتين إذا كان يقدر على الاكل والاصم الذي يسمع إذا صيح عليه لانه بمنزلة العور. وأراد بالجنون المطبق، وكذا المعتوه المغلوب كما في الكافي لان منفعة العقل أصلية، وأما الذي يجن ويفيق فإنه يجزئ عتقه، كذا في الكفاية. وأطلقه ومراده إذا أعتقه في حال إفاقته. واعلم أنهم اعتبروا هنا فوات

[ 172 ]

جنس المنفعة ولم يعتبروا كمال الزينة واعتبروه في الديات فألزموا بقطع الاذنين الشاخصتين تمام الدية وجوزوا هنا عتق مقطوعهما إذا كان السمع باقيا، ومثله فيمن حلقت لحيته فلم تنبت لفساد المنبت. والفرق بين البابين أن كمال الزاينة مقصود في الحر فباعتبار فواته يصير الحر هالكا من وجه وزائد على ما يطلب من المماليك فباعتبار فواته لا يصير المرقوق هالكا من وجه، كذا في فتح القدير. فإن قلت: إن جنس المنفعة فات في الخصي والمجبوب لانه لا مني فلا نسل لهما قلت قال في المحيط: إنه لم يفت خروج البول ولان منفعة النسل عائدة إلى العبد لا منفعة للمولى في كون عبده فحلا بل ازدادت قيمته في حق المولى بالخصي والجب فلم تصر الرقبة هالكة من وجه. وفي الولوالجية: إن منفعة النسل زائدة على ما يطلب من المماليك. وها هنا فرع حسن من الخانية من كتاب الوكالة: رجل وكل رجلا وقال اشتر لي جارية بكذا أعتقها عن ظهاري فاشترى عمياء أو مقطوعة اليدين أو الرجلين ولم يعلم بذلك لزم الآمر وكان له أن يرد ولو علم الوكيل بذلك لا يلزم الآمر اه‍. قوله: (والمدبر وأم الولد) أي لا يجوز تحريرهما عن الكفارة لاستحقاقهما الحرية بجهة فكان الرق فيهما ناقصا والاعتاق عن الكفارة يعتمد كمال الرق كالبيع فلذا لا يجوز بيعهما، والمكاتب لما كان الرق فيه كاملا جاز إعتاقه عن الكفارة حيث لم يؤد شيئا، ولا عبرة هنا بكمال الملك ونقصانه وإنما لم يستلزم نقصان الملك نقصان الرق لان محل الملك أعم من محل الرق لان الملك يثبت في الامتعة وغير الآدمي دون الرق وبالبيع يزول الملك دون الرق والاعتاق يزيلهما. وإنما عتق المدبر وأم الولد بقوله كل مملوك أملكه فهو حر دون المكاتب لان هذه اليمين تقتضي ملكا كاملا لا رقا كاملا والملك فيهما كامل حتى ملك إكسابهما واستخدامها، ووطئ المدبرة وأم الولد والملك في المكاتب ناقص لانه ملك نفسه يدا ولذا لا يملك المولى كسبه ويحرم عليه وطئ مكاتبته. والحاصل أن جواز البيع والاعتاق عن الكفارة يعتمد كمال الرق فجاز بيع المكاتب برضاه وإعتاقه عنها وانعكس فيهما، وحل الوطئ يعتمد كمال الملك فحرم في المكاتب وانعكس فيهما. قوله: (والمكاتب الذي أدى شيئا) أي لا يجوز تحريره عنها لانه تحرير بعوض، وذكر في الاختيار أن السيد لو أبرأه عن بدل الكتابة أو وهبه عتق فلو قال لا أقبل صح عتقه ولم يبرأ من بدل الكتابة فينبغي أن لا يجزئ عن الكفارة لانه عتق ببدل كما لا يخفى. وروى الحسن

[ 173 ]

عن أبي حنيفة أنه إذا أعتق المكاتب عنها بعد أداء البعض صح لان عتقه معلق بأداء كل البدل فلا يثبت شئ من العتق بأداء البعض، كذا في المحيط. وما في الكتاب ظاهر الرواية. وفي التتارخانية: لو عجز عن أداء بدل الكتابة ثم أعتقه يجوز، سواء كان أدى شيئا أو لم يؤد، وهي الحيلة لمن أراد أن يعتق مكاتبه بعد أداء البعض كما في الينابيع. في كافي الحاكم: ولو أعتق عنها على جعل لم يجزه عنها فإن وهب له الجعل بعد ذلك لم يجز أيضا ا ه‍ قوله: (فإن لم يؤد شيئا أو اشترى قريبه ناويا بالشراء الكفارة أو حرر نصف عبده عن كفارته ثم حرر باقيه عنها صح) أما الاول فلما قدمنا أن الرق فيه كامل وإن كان الملك فيه ناقصا وجواز الاعتاق عنها يعتمد كمال الرق لا كمال الملك. أشار إلى أن عتق المرهون والمستأجر والموصي بخدمته عنها جائز بالاولى لوجود ملك الرقبة وإن فاتت اليد، ودل كلامه على أن الكتابة تنفسخ بإعتاقه لرضاه بذلك لكن قالوا: إن الانفساخ ضروري فيتقدر بقدر الضرورة وهو جواز التكفير فتنفسخ الكتابة بالنظر إلى جوازه لا مطلقا بدليل أن الاولاد والاكساب سالمة له. ثم اعلم أن السيد لو مات وله مكاتب فأعتقه وارثه عن كفارته لم يجز إجماعا كما نقله الفخر الرازي في التفسير الكبير. قال: فدل على أن الملك كان فيه ضعيفا ا ه‍. والفرق على مذهبنا أن المكاتب لا ينتقل إلى ملك الوارث بعد موت سيده لبقاء الكتابة بعد موته فلا ملك للوارث فيه بخلاف سيده حال الكتابة، وإنما جاز إعتاق الوارث له لتضمنه الابراء من بدل الكتابة المقتضي للاعتاق. وأما الثاني أعني ما إذا اشترى قريبه أي محرمه ناويا بالشراء الكفارة ومراده ما إذا دخل محرمه في ملكه بصنع منه فنوى وقت الملك عتقه عن كفارته أجزأه، شراء كان أو هبة أو قبول صدقة أو وصية فخرج الارث، فلو نوى وقت موت مورثه إعتاقه عنها لم يجز عنها لعدم الصنع. وقيد بكون النية عند الشراء لانها لو تأخرت عن الصنع لم يجز عنها. وما في الخانية من باب عتق القريب لو وكل رجلا بأن يشتري أباه فيعتقه بعد شهر عن ظهاره فاشتراه الوكيل يعتق كما اشتراه ويجزيه عن ظهار الآمر ا ه‍. فمبني على إلغاء قوله بعد شهر لمخالفته المشروع وهو عتق المحرم عند الشراء، وأشار باشتراط النية عند الشراء إلى اشتراط قرانها بعلة العتق لكون الشراء علة العتق القريب فأفاد أنه لو قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر ناويا كونه عن الظهار وقت التعليق أجزأه، وإن تأخرت النية عنه لم يجزه، ولا فرق بين

[ 174 ]

أن يصرح بقوله عن ظهاري أو ينوي، فلو نوى وقت التعليق أن يكون حرا عن ظهاره ثم نوى أن يكون عن كفارة قتله كان عن الظهار، وكذا لو نوى وقته أن يكون تطوعا ثم نوى عنها لم يصح، كذا في البدائع معللا بأن اليمين لا يحتمل الفسخ بناء على أن المنوي كالملفوظ به. وفي التتارخانية: وعلى هذا لو قال إن اشتريت هذا العبد فهو حر عن ظهاري ثم قال إن اشتريته فهو حر عن ظهار فلانة ثم قال لامرأة أخرى كذلك ثم اشتراه فهو حر عن ظهار الاولى ا ه‍. ثم اعلم أنه لو وكل في إعتاقه عبده عن كفارته ثم نوى قبل إعتاق المأمور أن يكون عن جهة أخرى فإنه يجوز فهما من كلام المحيط من باب الاحصار لو بعث المحصر بهدي الاحصار ثم زال وحدث آخر فإن علم أن يدرك الهدى ونوى أن يكون لاحصاره الثاني جاز، وكذا لو دفع خمسة أصوع طعام لرجل وأمره بالتصدق على عشرة مساكين عن كفارة يمينه فلم يتصدق حتى كفر الآمر وحنث في آخرى ثم تصدق المأمور جاز عن الثانية إذا نواها الآمر، وكذا لو بعث هديا لجزاء صيد ثم أحصر فنوى أن يكون للاحصار، ولو قلد بدنة وأوجبها تطوعا ثم أحصر فنوى أن تكون لاحصاره جاز ا ه‍. ثم اعلم أنهم جعلوا المعلق هنا علة للعتق مع قولهم إن المعلق لا ينعقد سببا للحال وإنما ينعقد سببا عند وجود الشرط فينبغي على هذا الاصل أن لا تصح النية وقت التعليق وإنما تصح وقت وجود الشرط والحكم فيها بالعكس وجوابه في فتح القدير من كتاب الايمان من باب اليمين في الطلاق والعتاق، وقد ذكروا فيه أنه لو اشترى أم ولده أي من استولدها بنكاح ناويا عن كفارته فإنه لا يجوز لان العلة الاستيلاد ولم تقارنه النية. وأما الثالث أعني ما إذا حرر نصف عبده ثم حرر باقيه قبل المسيس فلكونه أعتق رقبة كاملة بكلامين والنقصان متمكن على ملكه بسبب التحرير عنها ومثله غير مانع كمن أضجع شاة للاضحية فأصابت السكين عينها. قيد بقوله حرر باقية لانه لو حرر نصفا آخر من رقبة أخرى لا يجوز تكميل العتق بالعتق من شخص آخر عند أبي حنيفة، وأما تكميله بالاطعام كما لو حرر عنها نصف عبد وأطعم عن الباقي لم يجز أيضا عند أبي حنيفة لانها إنما تتأدى بإعتاق رقبة أو بإطعام مساكين مقدرة ولم يوجد واحد منهما، وتكميل العتق بالعتق من شخص آخر لا يجوز فلان لا يجوز تكميله

[ 175 ]

بالتمليك من جنس آخر أولى. وعندهما يجوز لان العتق عندهما لا يتجزى فصار معتقا للكل وكان متبرعا بالاطعام، كذا في المحيط. ولو حرر عبدين بينه وبين غيره لم يجز عن الكفارة لان الواجب تحرير رقبة واحدة وتخليصها عن الرق وهو ما حرر رقبة واحدة ولم يصرف العتق إلى شخص بل حرر نصفا من كل رقبة كما لو فرق طعام مسكين على اثنين، ولو كان شاتان بين رجلين فذبحاهما عن نسكهما أجزأهما لان الاشتراك في النسك جائز، ألا ترى أنه تجزئ البدنة عن سبعة فكان المعتبر في باب النسك مقدار الشاة وقد وجد، كذا في المحيط أيضا. وخرج بقوله حرر باقيه ما إذا لم يحرر باقيه أصلا فإعتاق النصف لا يكفي عنها عنده، وعندهما لما أعتق النصف عتق الكل بلا سعاية فأجزأ عن الكفارة، كذا في الكافي. قوله: (وإن حرر نصف عبد مشترك وضمن باقيه أو حرر نصف عبده ثم وطئ التي ظاهر منها ثم حرر باقيه لا) أي لا يجزيه عن الكفارة، أما الاول فلان نصيب صاحبه قد انتقص على ملكه لتعذر باقيه لاستدامة الرق فيه ثم يتحول إليه بالضمان ومثله يمنع الكفارة كالتدبير. والمراد بضمان القيمة إعتاق النصف الآخر بعد التضمين وإلا فمجرد الضمان لا يكفي لوضع المسألة، ودل كلامه على أنه لو كان معسرا وسعى العبد في بقية قيمته حتى عتق كله لا يجزيه عنها بالاولى، وهذا عند الامام، وأما عندهما إن كان المعتق موسرا ضمن قيمة نصيب شريكه أجزأه عنها لانه عتق كله بإعتاق البعض، وإن كان معسرا لا يجزئه والخلاف مبنى على تجزء الاعتاق وعدمه. وبما قررناه علم أن المعتق إذا كان معسكرا لم يجز اتفاقا لانه عتق بعوض وإن لم يكن البدل حاصلا للمعتق بل لشريكه لان المانع أن يلزم العبد بدل في مقابلة تحرير رقبته. وفي الكافي: فإن قيل المضمونات تملك عند أداء الضمان مستندا إلى وقت وجود السبب فصار نصيب الساكت ملكا للمعتق زمان الاعتاق فكان النقصان في ملكه لا في ملك شريكه. قلنا: الملك في المضمون يثبت بصفة الاستناد في حق الضامن والمضمون له لا في حق غيرهما فتمكن النقصان في نصيب الساكت في حق غيرهما والكفارة غيرهما فلم تجز ا ه‍. والحاصل أن النقصان إن كان على ملك المعتق أجزأه، وإن كان على ملك غيره لا يجزئه. وفي فتح القدير: إن التعييب ضرورة إقامة المأمور به ليس كالتعييب بصنعه مختارا حتى إنه لو فقأ عين الشاة مختارا عند الذبح نقول لا يجزئه فكان المشترك أولى بالاجزاء من العبد المختص لان مالك النصف لا يقدر على عتقه إلا بطريق عتق نصفه فحاله أشبه بذابح الشاة من مالكه على الكمال. وجوابه أن المعنى أنه حصل بسبب إقامة الواجب وهذا القدر كاف

[ 176 ]

في عدم ما نعيته لا يتوقف على كونه بحيث لا يمكن إقامة الواجب إلا كذلك فإن الشارع لما أطلق له العتق بمرة ومرة كان لازمه أنه إذا حصل النقص بسببه مطلقا لا يمنع وتمامه فيه. وأما الثاني فعدم الاجزاء قول الامام لكونه متجزئا عنه وشرط الاعتاق أن يكون قبل المسيس بالنص وإعتاق النصف حصل بعده، وعندهما إعتاق النصف إعتاق للكل فحصل الكل قبل المسيس، وأورد عليه أن هذا يقتضي أن لا يجوز إعتاق رقبة كاملة بعد المسيس مع أنه جائز. وأجيب بأنه قبل المسيس الثاني وبطل إعتاق ذلك النصف عنها كما في النهاية. قوله: (فإن لم يجد ما يعتق صام شهرين متتابعين ليس فيهما رمضان وأيام منهية) أي إن لم يملك رقبة ولا ثمنها فاضلا عن قدر كفايته لان قدرها مستحق الصرف فصار كالعدم، فمن له خادم يحتاج إلى خدمته لا يجزئه الصوم بخلاف من له مسكن لانه كلباسه ولباس أهله، صرح به في الخزانة. وفي الجوهرة: لو كان له عبد للخدمة لا يجوز له الصوم إلا أن يكون زمنا فيجوز ا ه‍. والضمير في يكون يعود ظاهرا إلى المولى. وفي التتارخانية: ومن ملك رقبة لزمه العتق وإن كان محتاجا إليها ا ه‍. وظاهره أنه يعتقها ولو كان السيد زمنا فحينئذ يرجع الضمير في كلام الجوهرة للعبد، والمعنى إلا أن يكون العبد بحال لا يجزئ عنها، ومن الكفاية قدر كفايته للقوت، فإن كان محترفا فقوت يومه والذي لا يعمل قوت شهر. وفي المحيط: معسر له دين على الناس أو عبد غائب يجزئه الصوم يريد بالغائب أنه لم يكن مملوكا له، فأما إذا كان في ملكه لا يجزه الصوم لانه قادر على إعتاقه، فأما الدين إذا لم يقدر على أخذه من مديونه فقد عجز عن التكفير بالمال فيجزئه الصوم، أما إذا قدر على أخذه منه لم يجزه الصوم. وكذلك امرأة تزوجت على عبد وزوجها قادر على أدائه إذا طالبته بذلك ووجب عليها كفارة لم يجزها الصوم، وإن كان له مال ووجب عليه دين مثله يجزئه الصوم بعدما قضى دينه لانه غير واجد للمال، فأما قبل قضاء الدين فقيل يجزئه لان محمدا علل وقال بأنه تحل له الصدقة وهذا إشارة إلى أن ماله ملحق بالعدم حكما لكونه مستحق الصرف إلى الدين كالماء المستحق للعطش. وقيل: لا يجزئه لان محمدا ذكر ما يدل عليه لانه خص الصوم بما بعد قضاء الدين وذلك لان ملك المديون في ماله كامل بدليل إنه يملك جميع التصرف فيه ا ه‍. وفي البدائع: لو كان في ملكه رقبة صالحة للتكفير يجب عليه تحريرها، سواء كان عليه دين أو لم يكن، لانه واجد حقيقة ا ه‍. وحاصله أن الدين لا يمنع تحرير الرقبة الموجودة ويمنع وجوب شرائها بمال على أحد القولين. فإن قلت: إذا كان عليه كفارتا

[ 177 ]

ظهار لامرأتين وفي ملكه رقبة فقط فصام عن إحداهما ثم أعتق عن ظهار الاخرى هل يجزئه الصوم عن الاولى. قلت: لم أره صريحا ولكن في المحيط في نظيره ما يقتضي عدم الاجزاء قال: عليه كفارتا يمين وعنده طعام يكفي لاحداهما فصام عن إحداهما ثم أطعم عن الاخرى لا يجوز صومه لانه صام وهو قادر على التكفير بالمال فلا يجزئه ا ه‍. وبما نقلناه عن المحيط من أن من له عبد غائب في ملكه لا يجزئه الصوم ظهر أن ما ذكره الامام فخر الدين الرازي عن أصحاب الشافعي استنباطا من تعبيره تعالى بعدم الوجود عند الانتقال إلى الصوم وبعدم الاستطاعة عند الانتقال إلى الاطعام من أنه لو كان له مال غائب فإنه ينتظره ولا يصوم، ومن كان مريضا مرضا يرجى برؤه فإنه يطعم ولا ينتظر الصحة ليصوم، موافق لمذهبنا أيضا في الصوم لا في الاطعام لما سيأتي وإن كان المال أعم من العبد لانه لا فرق بين العبد وبين قدر ما يشتري به. وأراد بالايام المنهية الخمسة المعروفة وهي يوما العيد وأيام التشريق لان الصوم بسبب النهي فيها ناقص فلا يتأدى به الكامل، وشهر رمضان في حق الصحيح المقيم لا يسع غير فرض الوقت قيدنا بالمقيم الصحيح لان المسافر له أن يصوم عن واجب آخر وفي المريض روايتان كما علم في الاصول في بحث الامر. وفي اقتصاره على نفي الايام المنهية وشهر رمضان دلالة على أنه لا يشترط أن لا يكون فيهما وقت نذر صومه لان المنذور المعين إذا نوى فيه واجبا آخر وقع عما نوى بخلاف رمضان كما علم في الصوم. وفي كلامه إشارة إلى أن هذه الايام لو دخلت على الصوم انقطع التتابع صامها أولا لامكان وجود شهرين يصومها خاليين عنها فلذا قطع النفاس والمرض التتابع وكان حيضها غير قاطع لصوم كفارتها لعدم الامكان وينبغي أن يكون مخصوصا بكفارة قتلها أو فطرها في الحيض لانها لا تجد شهرين خاليين عن حيضها بخلاف كفارة اليمين فإنها تجد ثلاثة أيام خالية عنه. ثم رأيت الفرق مصرحا به في المحيط. وفي البدائع: عليها أن تصل أيام القضاء بعد الحيض بما قبله حتى لو لم تصل وأفطرت يوما بعد الحيض استقبلت لتركها التتابع بلا ضرورة بخلاف نفاسها، وهذا مما خالف فيه النفاس الحيض فإن النفاس قاطع للتتابع في صوم كل كفارة لها بخلاف الحيض فإنه غير قاطع في كفارة الفطر والقتل. وعن محمد في المنتفى: لو صامت شهرا ثم حاضت ثم أيست استقبلت لانها قدرت على مراعاة التتابع فلزمها التتابع. وعن أبي يوسف: إنها إذا حبلت في الشهر الثاني بنت، كذا في المحيط. فعلى الاول قولهم حيضها غير قاطع في كفارة الشهرين إلا إذا أيست بعده فحينئذ يقطع، وأما صوم المضللة عن الكفارة فقد استوفاه في

[ 178 ]

المحيط من الحيض، وقد أفاد كلامه أن كل صوم شرط فيه التتابع نصا فحكمه كالكفارة فإذا أفطر فيه يوما بطل ما قبله ولزمه الاستقبال كالمنذور المشروط فيه التتابع معينا أو مطلقا بخلاف المعين الخالي عن اشتراطه فإن التتابع فيه وإن لزم لكن لا يستقبل إذا أفطر فيه يوما كرجب مثلا لانه لا يزيد على رمضان وحكمه ما ذكرنا كما في فتح القدير من الايمان. وأراد بعدم الوجود عدما مستمرا إلى فراغ صوم الشهرين حتى لو قدر على الاعتاق في اليوم الاخير قبل غروب الشمس وجب عليه الاعتاق وكان صومه تطوعا والافضل إتمامه، وإن أفطر لا قضاء عليه لانه شرع فيه مسقطا لا ملتزما خلافا لزفر. وقيد الصوم بعدم الوجود لانه غير جائز من القادر على التحرير لترك الواجب في قوله تعالى * (فتحرير رقبة) * [ النساء: 29 ] إذ المعنى فالواجب عليه تحرير رقبة لا عملا بمفهوم الشرط كما لا يخفى. واليسار والاعسار معتبران وقت التكفير أي الاداء لا وقت الوجوب كمذهب أحمد، ولا أغلظ الحالين كمذهب الشافعي، لان القدرة إنما يحتاج إليها للاداء فيشترط وجودها وعدمها عند الاداء، وفي المحيط: لو صام بالاهلة فاتفق تسعة وخمسين يوما جاز، ولو صام بغير الاهلة تسعة وخمسين يوما يصوم ثانيا لان الاصل اعتبار الشهر بالاهلة، فإن غم الهلال اعتبر كل شهر ثلاثين يوما ا ه‍. وينبغي أن يقال: فاتفق ثمانية وخمسين جاز لجواز كون كل منهما تسعة وعشرين يوما وقد أفاده في التتارخانية. قوله: (فإن وطئ فيهما ليلا أو يوما ناسيا أو أفطر استأنف الصوم) أي وطئ المظاهر منها عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: الشرط عدم فساد الصوم فلو جامعها ليلا أو نهارا ناسيا لا يستأنف. والصحيح قولهما لان المأمور به صيام شهرين متتابعين لا مسيس فيهما فإذا جامعها في خلالهما لم يأت بالمأمور به وإذا أفطر في خلالهما انقطع التتابع. أطلق في الليل فشمل العمد والنسيان كما صرح به في البدائع، والتقييد بالعمد في أكثر الكتب اتفاقي لا للاحتراز عنه كما في بعض شروح المجمع فاحترز منه فإنه غلط، وقد صرح في غاية البيان والعناية بأنه قيد اتفاقي. وقيد بالنسيان في اليوم لانه لو جامعها نهارا عمدا استأنف اتفاقا لوجود المسيس عندهما ولفساد الصوم عنده. وإنما لم يعف عن النسيان في وطئ المظاهر منها كما عفى عنه في الصوم لانه في الصوم على خلاف القياس للحديث فلا يلحق به غيره. ولو قال المصنف ولو جامعها فيهما مطلقا أو أفطر استأنف لكان أولى ومن التطويل أعرى. قيدنا بوطئ المظاهر منها لانه لو وطئ غيرها فيهما فإن بطل صومه كأن كان نهارا عامدا دخل تحت قوله أو أفطر فيستأنف وإلا لا وهذا بالاتفاق. وقيد بكفارة الظهار لانه لو وطئ وطئا لا يفسد الصوم في كفارة القتل لم يستأنف كما في الجوهرة. وأطلق في

[ 179 ]

الافطار فشمل ما إذا كان لعذر كسفر أو مرض أو لا كما في العناية قوله: (ولم يجز للعبد إلا الصوم) أي إلا صوم الشهرين المتتابعين لان العبد لا يملك وإن ملك والاعتاق والاطعام شرطهما الملك فإن أعتق المولى عنه أو أطعم لم يجز وإن كان بأمره لانه ليس بأهل للملك فلا يصير مالكا بتمليكه للحديث لا يملك العبد شيأ ولا يملكه مولاه ولا يثبت عتقه في ضمنه لانه إنما يصح أن لو كان تبعا والاعتاق أصل الاهلية فلا يثبت اقتضاء، كذا في الكافي. وإذا تعين الصوم للكفارة وقد تعلق بها حق المرأة لم يكن للسيد أن يمنعه بخلاف صوم بقية الكفارات له أن يمنعه عن صومها لعدم تعلق حق عبد بها. وفي فتح القدير من باب جنايات الاحرام: ولا يجوز إطعام المولى عنه إلا في الاحصار فإن المولى يبعث عنه ليحل هو فإذا عتق فعليه حجة وعمرة ا ه‍. ولم يعلل لاستثناء هذه المسألة. فإن قلت: لم لم يكن الرق منصفا لصوم الكفارات مع أنه منصف نعمة وعقوبة؟ قلت: لما فيه من معنى العبادة وهي لم تتنصف بالرق كالصلاة وصوم رمضان وإن كان الغالب في بعضها معنى العقوبة احتياطا. ثم رأيت تعليل مسألة دم الاحصار فقال في البدائع: لو أحصر العبد بعد ما أحرم بإذن المولى ذكر القدوري في شرح مختصر الكرخي أنه لا يلزم المولى إنفاذ هدي لانه لو لزمه يلزمه لحق العبد ولا يجب للعبد على مولاه حق فإذا أعتقه وجب عليه. وذكر القاضي في شرح مختصر الطحاوي أن على المولى أن يذبح عنه هديا في الحرم فيحل لان هذا الدم وجب لبلية ابتلي بها العبد بإذن المولى فصار بمنزلة النفقة والنفقة على المولى فكذا دم الاحصار ا ه‍. وأما كفارة الميت إذا مات وعليه كفارة وأوصى بإخراجها من ثلث ماله فإن كانت كفارة يمين خبر الوصي بين الاطعام وبين الكسوة وبين التحرير وفي كفارة القتل والظهار والافطار يتعين التحرير إن بلغت قيمته الثلث وإلا تعين الاطعام ولا دخل للصوم في الكل، كذا في

[ 180 ]

البدائع. فإن قلت: هل لنا حر ليس له كفارة إلا بالصوم؟ قلت: المحجور عليه بالسفه على قولهما المفتى به لا يكفر إلا بالصوم حتى لو أعتق عنها صح العتق ولا يجزئ عنها ويلزمه الصوم كما في شرح المنظومة من الحجر. قوله: (فإن لم يستطع الصوم أطعم ستين فقيرا كالفطرة أو قيمته) أي إن لم يقدر على الصوم لمرض لا يرجى برؤه أو كبر. أراد بالاطعام الاعطاء تمليكا لانه سيصرح بالاباحة ولذا قال في البدائع: إذا أراد التمليك أطعم كالفطرة وأراد الاباحة أطعمهم غداء وعشاء. وقيد بالفقير لان الغني لا يجوز إطعامه في الكفارات تمليكا وإباحة ومن له مال وعليه دين لعبد فقير في هذا كما في البدائع. وأشار بذكر الفقير إلى أنه المراد في الآية فالمسكين والفقير سواء فيها. وأفاد بقوله كالفطرة أي كصدقة الفطر أنه لا يجوز إطعام أصله وفرعه واحد الزوجين ومملوكه والهاشمي، وأنه يجوز إطعام الذمي لان مصرفها مصرفها وهو مصرف الزكاة إلا الذمي فإنه مصرف فيما عدا الزكاة بخلاف الحربي فإنه ليس بمصرف لشئ ولو كان مستأمنا. ولو دفع بتحر فبان أنه ليس بمصرف أجزأه عندهما خلافا لابي يوسف كما عرف في الزكاة كما في البدائع، وأنه يملك نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير أو دقيق كل كأصله وكذا السويق. واختلفوا هل يعتبر الكيل أو القيمة فيهما كما في صدقة الفطر وأنه لو دفع البعض من الحنطة والبعض من الشعير فإنه جائز إذا كان قدر الواجب كأن يدفع ربع صاع من بر ونصفا من شعير. وإنما جاز التكميل بالآخر لاتحاد المقصود وهو الاطعام ولا يجوز

[ 181 ]

التكميل بالقيمة كما لو ادى نصفا من تمر جيد يساوي صاعا من الوسط. وأفاد بعطف القيمة أنه لا بد أن تكون من غير المنصوص عليه فلو دفع منصوص عليه عن منصوص آخر بطريق القيمة لم يجز إلا أن يباع المدفوع الكمية المقدرة شرعا، فلو دفع نصف صاع تمر يبلغ قيمة نصف صاع بر لا يجوز فالواجب عليه أن يتم للذين أعطاهم القدر المقدر من ذلك الجنس الذي دفعه لهم، فإن لم يجدهم بأعيانهم استأنف في غيرهم ولا يقال لو أطعم خمسة وكسا خمسة في كفارة اليمين حيث تجوز لكسوة عن الاطعام مع أن كلا منهما منصوص عليه لانا نقول قال في البدائع: لو أطعم خمسة على وجه الاباحة وكسا خمسة فإن كان على وجه المنصوص عليه لا يجوز، وإن أخرجه على وجه القيمة، فإن كان الطعام أرخص من الكسوة أجزأه، وإن كانت الكسوة أرخص من الطعام لم يجزه لان الكسوة تمليك فجاز أن تكون بدلا عن الاطعام. ثم إن كانت قيمة الكسوة مثل قيمة الطعام فقد أخرج قيمة الطعام، وإن كانت أغلا فقد أخرج قيمة الطعام وزيادة، وإن كانت قيمة الكسوة أرخص لا يكون الطعام بدلا عنه لان طعام الاباحة ليس بتمليك فلا يقوم مقام التمليك وهو الكسوة لان الشئ لا يقوم مقام ما هو فوقه. ولو أطعم خمسة وكسا خمسة جاز وجعل أغلاهما ثمنا بدلا عن أرخصهما ثمنا أيهما كان لان كل واحد منهما تمليك فجاز أن يكون أحدهما بدلا عن الآخر ا ه‍. وأشار بقوله كالفطرة إلى أنه لو أعطى مسكينا أقل من نصف صاع لا يجزيه كما قدمه الشارح في صدقة الفطر ونقل أن الجواز قول الكرخي، فما نقله هنا من الجواز إما غفلة عما قدمه وإما على قول الكرخي. ثم اعلم أن الكفارات كلها لا يجوز إعطاء فقير فيها أقل من نصف صاع حتى فدية الصلاة حتى لو أعطى عن صلاة أقل من المسكين لم يجز كما في المحيط. وقد فرق في العناية بين الكفارة وصدقة الفطر وقد علمت أنه مفرع على الضعيف. وفي التتارخانية:

[ 182 ]

لو أعطى ستين مسكينا كل مسكين مدا من الحنطة لم يجز وعليه أن يعيد مدا آخر على كل مسكين، فإن لم يجد الاولين فأعطى ستين آخرين كل مسكين مدا لم يجز ا ه‍. وفي المحيط: لو أعطى عشرة مساكين كل مسكين مدا مدا ثم استغنى المساكين ثم افتقروا فأعاد عليهم مدا مدا لا يجوز، وكذا لو أدى إلى المكاتبين مدا مدا ثم ردوا إلى الرق ومواليهم أغنياء ثم كوتبوا ثانيا ثم أعاد عليهم لم يجز لانهم صاروا بحال لا يجوز الاداء إليهم فصاروا كجنس آخر ا ه‍. قوله: (فلو أمر غيره أن يطعم عنه عن ظهاره ففعل أجزأه) لانه طلب منه التمليك معنى والفقير قابض له أولا ثم لنفسه فيتحقق تملكه ثم تمليكه كهبة الدين من غير من عليه الدين إذا سلطه على القبض، ولما كان طلب التمليك متنوعا إلى هبة وقرض والاصل البراءة لا رجوع على الآمر في ظاهر الرواية. وفي التتارخانية: إن قال الآمر على أن لا رجوع للمأمور فلا رجوع، وإن قال على أن ترجع علي رجع عليه، وإن سكت الآمر ففي الدين يرجع اتفاقا، وفي الكفارة والزكاة لا يرجع عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف يرجع ا ه‍. والحاصل أنهم فرقوا بين الامر بقضاء الدين وبين الامر بأداء الزكاة والتكفير مع أن الكل واجب على الآمر، وقد رأيت الفرق في السراج الوهاج من كتاب الوكالة معزيا إلى الامام الكرخي بأنه لو رجع بلا شرط رجع بأكثر مما أسقط عن ذمة الآمر، ألا ترى أن الوجوب كان من أحكام الآخرة دون الدنيا، ولو ثبت الرجوع بمطلق الامر لرجع بحق مضمون في الدنيا والآخرة ولا يجوز أن يرجع بأكثر مما أسقط عن ذمته ا ه‍. وفي البزازية من كتاب الوكالة ذكر ضابطا حسنا لما يرجع بلا شرط وما يرجع بشرط الرجوع فانظره ثمة. قيد بالاطعام لانه لو أمر أجنبيا أن يعتق عنه فأعتق لا يجزئه عندهما خلافا لابي يوسف. والفرق على قولهما أن التمليك بغير بدل هبة ولا جواز لها بدون القبض ولم يوجد القبض في الاعتاق ووجد في الاطعام والكسوة في كفارة اليمين كالاطعام، كذا في البدائع. وإن كان بجعل سماه أجزأه اتفاقا، وإن أعتق عنه بغير أمره لم يجز اتفاقا لوقوعه عن المعتق، كذا في الولوالجية. وخرج الصوم أيضا فلو أمره أن يصوم عنه فصام لا يجزئه، كذا في غاية البيان. وقيد الاطعام بالامر لانه لو

[ 183 ]

أطعم عنه بلا أمره لا يجزئه لعدم ملكه ولعدم النية، وأما تكفير الوارث عن الميت ففي كفارة اليمين يجوز الاطعام أو الكسوة وفي كفارة الظهار بالاطعام ولا يجوز التبرع عنه في كفارة القتل لان التبرع بالاعتاق غير جائز، كذا في المحيط قوله: (وتصح الاباحة في الكفارات) أي في إطعام الكفارات قوله: (والفدية دون الصدقات والعشر) لو رود الاطعام في الكفارات والفدية هو حقيقة في التمكين من الطعم. وإنما جاز التمليك باعتبار أنه تمكين، أما الواجب في الزكاة الايتاء وفي صدقة الفطر الاداء وهما للتمليك حقيقة. فإن قلت: هل يجوز الجمع بين الاباحة والتمليك لرجل واحد أو لبعض المساكين دون البعض أو أن يعطي نوعا للبعض ونوعا للبعض؟ قلت: أما الاول ففي التتارخانية: إذا غداه وأعطاه مدا ففيه روايتان. واقتصر في البدائع على الجواز لانه جمع بين شيئين حائزين على الانفراد. وإن غداهم وأعطاهم قيمة العشاء أو عشاهم وأعطاهم قيمة الغداء يجوز. وأما الثانية كما إذا ملك ثلاثين وأطعم ثلاثين غداء وعشاء فهو جائز. وأما الثالثة فقال في الكافي: ويجوز تكميل أحدهما بالآخر. فإن قلت: هل المباح له الطعام يستهلكه على ملك المبيح أو على ملك نفسه؟ قلت: إذا صار مأكولا زال ملك المبيح عنه ولم يدخل في ملك أحد، ذكره في البدائع. قيدنا بالاطعام لان الاباحة في الكسوة في كفارة اليمين لا تجوز كما لو أعار عشرة مساكين كل مسكين ثوبا، كذا في المحيط. وجعل الفدية كالكفارة ظاهر الرواية، وروى الحسن عن الامام أنه لا بد من التمليك لانها تنبئ عنه كفدية العبد الجاني لا بد فيها من تمليك الارش. قوله: (والشرط غدآن أو عشاآن مشبعان أو غداء وعشاء) أي الشرط في طعام الاباحة أكلتان مشبعتان لكل مسكين والسحور كالغداء، فلو غداهم يومين أو عشاهم كذلك أو غداهم وسحرهم أو سحرهم يومين أجزأه. ولو غدى ستين مسكينا وعشى ستين غيرهم لم يجزه إلا أن يعيد على أحد النوعين منهم غداء أو عشاء، ولو غدى واحدا وعشى آخر لم يجز.

[ 184 ]

وقيد بالشبع لانه لو كان فيهم من هو شبعان قبل الاكل أو صبي ليس بمراهق لا يجزئه، واختلف المشايخ فيه ومال الحلواني إلى عدم الجواز. وفي المصباح: الاكل معروف والاكل بضمتين وإسكان الثاني للتخفيف، المأكول والاكلة بالفتح المرة، وبالضم اللقمة. والغداء بالمد طعام الغداة والعشاء بالفتح، وبالمد طعام العشاء بالكسر. والسحور بفتح السين ما يؤكل في السحر ما قبل الصبح، وبالضم الاكل وقته. وأشار به إلى أنه لا معتبر بعد الشبع إلى مقدار الطعام حتى روي عن أبي حنيفة في كفارة اليمين لو قدم أربعة أرغفة إلى عشرة مساكين وشبعوا أجزأه وإن لم يبلغ ذلك صاعا أو نصف صاع، كذا في التتارخانية. وإلى أنه لا بد من الادام في خبز الشعير والذرة ليمكنهم الاستيفاء إلى الشبع بخلاف خبز البر. وقد اختلف المشايخ في جواز إطعام خبز الشعير بالادام بناء على أن محمدا نص على خبز البر في الزيادات فقال البعض لا يجوز بخبز الشعير، وبعضهم جوزه مع الادام وإليه مال الكرخي كما في التتارخانية. وفي الينابيع: لو أطعم مائة وعشرين مسكينا في يوم واحد أكلة واحدة مشبعة لم يجز إلا عن نصف الاطعام فإن أعاده على ستين مسكينا أجزأه ا ه‍. وفي البدائع: أوصى بأن يكفر عنه فأطعم الوصي الغداء للعدد المنصوص عليه ثم ماتوا قبل العشاء يستأنف فيغدي ويعشي غيرهم لانه لا سبيل إلى التفريق ولا يضمن الوصي شيئا لانه غير متعد إذ لا صنع له في الموت ا ه‍. وينبغي أن المكفر إذا غدى العدد ثم غابوا أن ينتظر حضورهم أو يعيد الغداء مع العشاء على عدد غيرهم، وينبغي في الوصي أن ينتظر لرجاء حضورهم قوله: (وإن أعطى فقيرا شهرين صح) لان المقصود سد خلة المحتاج والحاجة تتجدد بتجدد الايام فتكرر المسكين بتكرر الحاجة حكما فكان تعدادا حكما. قيد بالتمليك لانه لو أطعم مسكينا غداه وعشاه ستين يوما لا يجزئه في قول أبي يوسف الاخير كما في التتارخانية فيحتاج إلى الفرق بين الاباحة والتمليك في حق الواحد. والحق أن لا فرق على المذهب لما في البدائع: لو أعطى طعام عشرة مساكين في كفارة اليمين في عشرة أيام لمسكين واحد غداه وعشاه عشرة أيام أجزأه عندنا. وفي المصباح: الخلة بالفتح الفقر والحاجة قوله: (ولو في يوم لا إلا عن يومه)

[ 185 ]

أي لو أعطى فقيرا ثلاثين صاعا في يوم لا يجزئه إلا عن واحد لفقد التعدد حقيقة وحكما لعدم تجدد الحاجة. أطلقه فشمل ما إذا أعطاه بدفعة واحدة أو متفرقا على الصحيح كما في المحيط. وفي طعام الاباحة لا يجوز في يوم واحد وإن فرق بلا خلاف كما في التتارخانية. والكسوة في كفارة اليمين كالاطعام حتى لو أعطى مسكينا واحدا عشرة أثواب في عشرة أيام يجوز في كفارة اليمين لتجدد الحاجة حكما باعتبار تجدد الزمان. وفي البدائع في كفارة اليمين: لو غدى رجلا واحدا عشرين يوما أو عشى واحدا عشرين يوما أجزأه عندنا. وفي المحيط: لو أعطى مسكينا عن فدية صوم يومين عليه فعن أبي يوسف روايتان، وفي رواية يجزئه عنهما، وفي رواية لا يجزئه. قيل: وهذا قول أبي حنيفة كما في كفارة اليمين. قوله: (ولا يستأنف بوطئها في خلال الاطعام) لان الله تعالى إنما شرط في التحرير والصوم أن يكون قبل التماس ولم يشترطه في الاطعام ولا يحمل المطلق على المقيد وإن وردا في حادثة واحدة بعد أن يكونا حكمين - كذا في الكافي - إلا أنه منع من الوطئ قبله لجواز أن يقدر على الصوم والاعتاق فتنتقل الكفارة إليهما فيتبين أن الوطئ كان حراما قوله: (ولو أطعم عن ظهارين ستين فقيرا كل فقير صاعا صح عن واحد وعن إفطار وظهار صح عنهما) لانه في الاول زاد في قدر الواجب ونقص عن المحل فلا يجوز إلا بقدر المحل لان النية في الجنس الواحد لغو وفي الجنسين معتبرة، وكذلك لو أطعم عشرة مساكين عن يمينين لكل مسكين صاعا فهو على هذا الخلاف، كذا في البدائع. أطلقه فشمل ما إذا كان الظهاران لامرأتين أو لواحدة. والحاصل أن النقصان عن العدد لا يجوز فالواجب في الظهارين إطعام مائة وعشرين فلا يجوز صرف الواجب إلى الاقل كما لو أطعم ثلاثين مسكينا لكل واحد صاعا فإنه لا يكفي عن ظهار واحد، والمراد بالمدفوع البر إذ لو كان تمرا أو شعيرا فموضوع المسألة أعطى لكل فقير صاعين ولا بد من تقييد المسألة بأن يكون دفعها دفعة واحدة، أما لو كان بدفعات جاز اتفاقا كما في الكافي معللا بأنه في المرة الثانية كمسكين آخر. ورجح في فتح القدير قول محمد بأنه كما يحتاج إلى نية التعيين عند اختلاف الجنس يحتاج إليها لتمييز بعض أشخاص ذلك الجنس وقد اعتبروا ذلك في العتق فإنه لو كان عليه كفارتا ظهار

[ 186 ]

لامرأتين فاعتق عبدا ناويا عن إحداهما صح تعيينه ولم يلغ وحل له وطؤها مع اتحاد الجنس فليصح في الاطعام لثبت غرضه وهو حلهما معا قوله: (ولو حرر عبدين عن ظهارين ولم يعين صح عنهما ومثله الصيام والاطعام) حتى لو صام عنهما أربعة أشهر أو أطعم عنهما مائة وعشرين مسكينا صح عنهما من غير تعيين لان الجنس متحد فلا حاجة إلى نية التعيين. قيد بقوله عن ظهارين لانه لو كان عليه كفارة يمين وكفارة ظهار وكفارة قتل فأعتق عبيدا عن الكفارات لا يجزئه عن الكفارة، ولو أعتق كل رقبة ناويا عن واحدة منها لا بعينها جاز بالاجماع ولا يضر جهالة المكفر عنه، كذا في المحيط قوله: (وإن حرر عنهما رقبة أو صام شهرين صح عن واحد وعن ظهار وقتل لا) لان نية التعيين في الجنس الواحد لغو وفي المختلف مفيد فإذا لغا له أن يعين أيهما شاء ويجامع تلك المرأة التي عينها. وأراد بالرقبة المؤمنة، أما لو أعتق كافرة عن ظهار وقتل كان عن الظهار وإن اختلف الجنس لان الكافرة لا تصلح لكفارة القتل، وجعل له في البدائع نظيرا حسنا هو ما إذا جمع بين المرأة وبنتها أو أختها ونكحهما معا، فإن كانتا فارغتين لم يصح العقد على كل منهما، وإن كانت إحداهما متزوجة صح في الفارغة. والاصل أن ما اختلف سببه فهو المختلف وما اتحد سببه فهو المتحد، فالصلوات كلها من قبيل المختلف حتى الظهرين من يومين وصوم أيام رمضان من قبيل المتحد إن كان في سنة واحدة، وإن كان من سنتين فهو من قبيل المختلف. ولو نوى ظهرا أو عصرا أو صلاة جنازة لم يكن شارعا في واحدة منهما للتنافي وعدم الرجحان، ولو نوى ظهرا ونفلا لم يكن شارعا أصلا عند محمد للتنافي، وعند أبي يوسف يقع عن الفرض لانه أقوى. ولو نوى صوم القضاء والنفل أو الزكاة والتطوع أو الحج المنذور والتطوع يكون تطوعا عند محمد لبطلانهما بالتعارض فانصرف إلى النفل، وعن أبي يوسف يقع عن الاقوى ترجيحا له عند التعارض. ولو نوى حجة الاسلام والتطوع فهو عن الحجة اتفاقا للقوة عند الثاني ولبطلان الجهة بالتعارض وهي تتأدى بالمطلق. ثم اعلم أن من عليه كفارات أيمان أعتق

[ 187 ]

عن إحداهن وأطعم عن أخرى وكسا عن أخرى أو أعتق عنها عبدا ولا ينوي كل واحدة بعينها جاز استحسانا حلافا لزفر نظرا إلى أنهما مختلفان ونحن نقول: الجنس متحد فهو كالصوم بخلاف صلاة الظهر لان نية التعيين ثمة لم تشترط باعتبار أن الواجب مختلف متعدد بل باعتبار أن مراعاة الترتيب واجبة عليه ولا يمكنه مراعاة الترتيب إلا بنية التعيين حتى لو سقط الترتيب بكثرة الفوائت تكفيه نية الظهر لا غير، كذا في المحيط. وهو تفصيل حسن في الصلوات ينبغي حفظه. والحاصل أنه إذا نوى شيئين فإن كانا فرضين لم يصح اتفاقا، وإن كان أحدهما فرضا والآخر نفلا فعند أبي يوسف يقع عن الاقوى، سواء كان الاقوى يتأدى بمطلق النية كالصوم والحج أو لا كالصلاة. وعند محمد في الاول يقع عن الفرض لانه لما بطلت النيتان للتعارض بقي مطلق النية، وفي الثاني لم يصح. وفي فتح القدير: ومما يعكر على الاصل الممهد ما عن أبي يوسف في المنتقى: لو تصدق عن يمين وظهار فله أن يجعله عن أحدهما استحسانا وقدمنا في باب شروط الصلاة مسائل من هذا النوع فارجع إليه. وقولهم هنا لو نوى ظهرا وعصرا وصلاة جنازة بواو العطف في صلاة الجنازة لانها لو كانت بأو لم يصح لانهم قالوا: لو نوى ظهرا أو صلاة جنازة كان عن الظهر كما قدمناه. ثم اعلم أن قولهم إن نية التعيين في الجنس الواحد لغو يرد عليه ما لو كان عليه كفارتا ظهار لامرأتين فأعتق عبدا عن إحداهما صح التعيين وله أن يطأ التي كفر عنها دون الاخرى ولم يجب عنه في فتح القدير وهو بناء على ما فهمه من ظاهر العبارة أن المراد أن نية تعيين بعض الافراد في الجنس المتحد لغو، وقد قرر المراد في النهاية بما يدفع الابراء فقال: أراد به تعميم الجنس بالنية ألا ترى أنه إذا عين ظهار إحداهما للتكفير صح وحل له قربانها، كذا في الفوائد الظهيرية. والله أعلم.

[ 188 ]

باب اللعان مصدر لاعن ملاعنة ولعانا. يقال لاعن امرأته ملاعنة ولعانا وتلاعنا. والتعنا لعن بعض بعضا، ولاعن الحاكم بينهما لعانا حكم، والتلعين التعذيب، ولعنه كجعله طرده وأبعده فهو لعين وملعون، والجمع ملاعين والاسم اللعان واللعانية. واللعن بالضم من يلعنه الناس، واللعنة كهمزة الكثير اللعن لهم، واللعين من يلعنه كل واحد كالملعن والشيطان والممسوخ والمشؤم والمسيب وما يتخذ في المزارع كهيئة الرجل والمنخرى المهلك، كذا في القاموس. والاصل فيه الآيات التي في سورة النور وهو قوله تعالى * (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب إن تشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ولولا فضل الله عليكم ورحمته وإن الله تواب حكيم) * [ النور: 6 ] وقد اختلف في سبب نزولها فروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك ابن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: البينة وإلا حد في ظهرك. فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: البينة وإلا حد في ظهرك. فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله تعالى ما يبرئ ظهري من الحد. فنزل جبريل فأنزل الله * (والذين يرمون أزواجهم) * حتى بلغ * (إن كان من الصادقين) * فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب. ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وعظها وقال إنها موجبة فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين شائع الاليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من كتاب الله تعالى لكان لي ولها شأن. في المصباح: خدلج أي ضخم. وأخرج البخاري أيضا عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله أيقتل به أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيه عويمر

[ 189 ]

فقال: ما صنعت إنك لم تأتني بخير سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب السائل فقال عويمر: والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاسألنه فأتاه فوجده قد أنزل عليه فدعا بها فلاعن بينهما فقال عويمر: إن انطلقت بها يا رسول الله فقد كذبت عليها ففارقها قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم فصارت سنة للتملاعنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبصروها فإن جاءت به أسحم العينين عظيم الاليتين فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كاذبا، فجاءت به مثل النعت المكروه. وذكر البقاعي أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدة أسباب معا أو منفرقا ا ه‍. وتمام الروايات باختلاف طرقها في الدر المنثور للجلال الاسيوطي رحمه الله تعالى. قوله: (هي شهادات مؤكدات بالايمان مقرونة باللعن قائمة مقام حد القذف في حقه ومقام حد الزنا في حقها) وهذا بيان للركن فدل على اشتراط أهليتهما للشهادة في حق كل منهما كما سيصرح به لا أهلية اليمين كما ذهب إليه الشافعي، ودل على أنهما لو التعنا عند قاض فلم يفرق بينهما حتى مات أو عزل فإن الثاني يعيد اللعان كما لو شهدا عنده فمات أو عزل قبل القضاء، كذا في البدائع. والمراد بكونه قائما مقام حد القذف في حقه أن يكون بالنسبة إليها لا مطلقا، إذا لو كان مطلقا لم تقبل شهادته أبدا مع أنها مقبولة كما ذكره الشارح في حد القذف، وفي الاختيار لا تقبل شهادته بعد اللعان أبدا، ولو قذف بكلمة أو بكلمات أربع زوجات له بالزنا لا يكفيه لعان واحد لهن بل لا بد من أن يلاعن كلا منهن على حدة بخلاف ما إذا قذفها مرارا حيث يجب لعان واحد كما لو قذف أجنبية مرارا أو أجنبيات بكلمة أو كلمات يجب حد واحد لحصول المقصود وهو دفع العار عنهن ولا يحصل ذلك في اللعان إلا بالنسبة إلى كل واحدة، ولو قذفهن ولم يكن من أهل اللعان اكتفى بحد واحد للكل للتداخل، كذا في البدائع. والمراد بكونه قائما مقام حد الزنا في حقها أن يكون بالنسبة إلى الزوج حتى لا يثبت اللعان بالشهادة على الشهادة ولا بكتاب القاضي إلى القاضي ولا بشهادة النساء، وإذا قذفها إنسان بعد اللعان إن رماها زوجها بالزنا ثم قذفها هو أو غيره حد لان لعانه كحده مؤكد لعفتها، وإن قذفها بنفي الولد ثم قذفها هو أو غيره لا يحد لوجود أمارة الزنا، وإن أكذب نفسه بعد اللعان ثم قذفها هو أو غيره حد القاذف، سواء كان اللعان بالزنا أو بنفي الولد. وسببه قذفه لزوجته قذفا يوجب الحد في الاجنبية، وأهله أهل الاداء للشهادة، وحكمه حرمة الوطئ بعد التلاعن ولو قبل التفريق بينهما ووجوب التفريق بينهما ووقوع البائن بالتفريق. واستفيد من كونه قائما مقام الحد سواء كان بالنسبة إليه أو إليها أنه لا يحتمل العفو والابراء والصلح على مال حتى لو صالحها على الترك بمال ردت المال ولها المطالبة بعد العفو، وأنه لا يحتمل التوكيل إلا في إثباته على قول الامام كالحدود، كذا في البدائع. واعلم أنه ليس المراد أن اللعان قائم مقام الحدين في حالة واحدة وإنما المراد أنه قائم

[ 190 ]

مقام حد القذف في حقه إن كان كاذبا وهي صادقة، وقائم مقام حد الزنا في حقها إن كانت كاذبة وهو صادق فافهم. وفي البدائع: وأما شرائط وجوب اللعان فبعضها يرجع إلى القاذف خاصة، وبعضها إلى المقذوف خاصة، وبعضها إليهما جميعا، وبعضها إلى المقذوف به، وبعضها إلى المقذوف فيه، وبعضها إلى نفس القذف. أما الاول فواحدة وهو عدم إقامة البينة على صدقه، وأما الثاني فإنكارها وجود الزنا منها وعفتها عنه، وأما الثالث فالزوجية بينهما والحرية والعقل والاسلام والبلوغ والنطق وعدم الحد في قذف، فلا لعان في قذف المنكوحة فاسدا، ولا بقذف المبانة ولو واحدة بخلاف قذف المطلقة رجعيا، ولو قذف زوجته بزنا كان قبل الزوجية وجب اللعان ولا لعان بقذف زوجته الميتة. وقال الشافعي: يلاعن على قبرها. وأما ما يرجع إلى المقذوف به فهو الزنا، وأما المقذوف فيه فدار الاسلام، وأما نفس القذف فالرمي بصريح الزنا وسيأتي في الحدود. قوله: (ولو قذف زوجته بالزنا وصلحا شاهدين وهي ممن يحد قاذفها أو نفى نسب الولد وطالبته بموجب القذف وجب اللعان) أي بصريح الزنا الموجب للحد في الاجنبية، فلو قدفها بعمل قوم لوط فلا لعان عنده، وعندهما يجب اللعان بناء على الحد كما في البدائع. وفي التتارخانية: رجل قذف امرأة رجل فقال الزوج صدقت هي كما قلت كان قاذفا حتى يلاعن، ولو قال صدقت مطلقا من غير زيادة لم يكن قاذفا ا ه‍. وضمير صلحا للزوجين. وأطلقها فشمل غير المدخولة والمراد صلاحيتهما لادائها على المسلم لا للتحمل فلا لعان بين كافرين وإن قبلت شهادة بعضهم على بعض عندنا لان اللعان شهادات مؤكدات بالايمان فلا يكتفي بأهلية الشهادة بل لا بد معها من أهلية اليمين والكافر ليس من أهل الكفارة، كذا في البدائع. ولا بين كافرة ومسلم ولا بين مملوكين ولا إذا كان أحدهما مملوكا أو صبيا أو مجنونا أو محدودا في قذف، ولا يرد عليه لعان الاعمى والفاسق فإنه يجري بين الاعميين والفاسقين مع أنهما لا تقبل شهادتهما لانهما من أهل الاداء إلا أنه لا تقبل للفسق في الفاسق ولعدم التمييز في الاعمى حتى لو قضى قاض بشهادة الفاسق والاعمى صح قضاؤه بخلاف ما إذا قضى بشهادة المملوك أو الصبي فإنه لا يصح، ولم يحتج إلى التمييز لان المشهود عليه الزوجية وهو قادر على أن يفصل بين نفسه وامرأته. وروى ابن المبارك عن الامام الاعمى لا يلاعن. وقيد بكونها ممن يحد يقاذفها احترازا عما لو كانت وطئت بنكاح فاسد وكان لها ولد وليس له أب معروف أو زنت في عمرها ولو مرة أو وطئت وطئا حراما ولو مرة بشبهة لا يجري

[ 191 ]

اللعان. وتفرع على هذا الشرط لو قذفها فتزوجت غيره فادعى الاول الولد لزمه وحد للقذف وإن ولدت من الثاني لا شئ عليه إن كان قبل إكذاب الاول، وإن كان بعد الاكذاب لا عن كما في التتارخانية. ولما كانت المرأة هي المقذوفة دونه اختصت باشتراط كونها ممن يحد قاذفها بعد اشتراط أهلية الشهادة، ولما كان الزوج ليس مقذوفا وإنما هو شاهد اشترط في حقه كما اشترط في حقها أهلية الشهادة، ولم تشترط عفته لانه لو كان فاسقا بالزنا جرى اللعان بينه وبينها وإن كان لا يحد قاذفه لما قدمنا من جريانه بين الفاسقين، فهذا وجه تخصيصها بهذا الشرط كما حققه الشارح ردا على صاحب النهاية. وأراد بكونها ممن يحد قاذفها أن تكون عفيفة عن الزنا فقط لان كونها من أهل الشهادة يدل على اشتراط الحرية والتكليف والاسلام فلم يبق من شرائط الاحصان إلا العفة كما أفاده في شرح الوقاية. وأراد بنفي نسب الولد نفي نسب ولدها، وأطلقه فشمل ولدها منه أو من غيره بأن يقول هذا الولد من الزنا أو هذا الولد ليس مني وما إذا صرح معه بالزنا أو لم يصرح على مختار صاحب الهداية والشارح خلافا لما في المحيط والمبتغي. والحق الاطلاق لان قطع النسب من كل وجه يستلزم الزنا فلا عبرة باحتمال كون الولد من غيره بوطئ بشبهة ولهذا قال في البدائع: هذا الاحتمال ساقط بالاجماع للاجماع على أنه إن نفاه عن الاب المشهور بأن قال له لست لابيك يكون قاذفا لامه حتى يلزمه حد القذف مع وجود هذا الاحتمال وقد ظهر لي أن قول من قال لا يجب حد ولا لعان بنفي الولد عن أبيه إذا لم يصرح بالزنا محمول على حالة الرضا، وقول من أوجبه وإن لم يصرح به محمول على حالة الغضب وبه يندفع إلزام التناقض على صاحب النهاية والدراية. وإنما حملناه على ذلك لتصريحهم بالتفصيل في باب حد القذف - والله الموفق - بخلاف قوله وجدت معها رجلا يجامعها فإنه ليس بقذف لان الجماع لا يستلزم الزنا. وقيد بطلبها لانها لو لم تطالبه فلا لعان لانه حقها لدفع العار عنها فيشترط طلبها، ولا بد من كونه في مجلس القاضي، كذا في البدائع. ومراده طلبها إذا كان القذف بصريح الزنا أما بنفي الولد فالطلب حقه أيضا لاحتياجه إلى نفي من ليس ولده عنه. وأشار بعدم اشتراط الفور في الطلب إلى أن سكوتها لا يبطل حقها وإن طالت المدة لان تقادم الزمان لا يوجب بطلان الحق في القذف والقصاص كما ذكره الاسبيجابي. وزاد في الجوهرة وحقوق العباد، وفي خزانة الفقه، ولو سكتت ولم ترفع إلى الحاكم كان أفضل وينبغي للحاكم أن يقول لها اتركي وأعرضي عن هذا لانه دعاء إلى الستر فإن تركت مدة ثم خاصمت فلها ذلك كما في

[ 192 ]

البدائع. ولا يخفى أن وجوب اللعان مقيد بعجزه عن إقامه البينة على زناها وعدم إكذاب نفسه بعده وعدم تصديقها له، فإن أقام بينة على زناها فإن كانوا أربعة رجال رجمت لو محصنة، وجلدت لو غير محصنة، وإن كانا رجلين فقط على إقرارها بالزنا يندرئ اللعان ولا تحد المرأة، وكذا لو كانا رجلا وامرأتين شهدوا على تصديقها فلا حد عليهما ولا لعان. وهذا كله إذا أقر بالقذف، فإن أنكره فأقامت رجلين وجب اللعان لا رجلا وامرأتين وإن لم يكن لها بينة لا يستحلف الزوج، ذكره الامام الاسبيجابي رحمه الله. وتقبل شهادة الزوج على زناها مع ثلاثة إن لم يكن قذفها وإلا فلا تقبل، وتحد الثلاثة حد القذف ويلاعن الزوج ولو لم يقذفها وشهد مع ثلاثة غير عدول فلا حد عليه ولا على الثلاثة ولا لعان، كذا في المحيط. وفيه أيضا: ولو شهدا على أبيهما أنه قذف ضرة أمهما لا تقبل لانهما بشهادتهما يشهدان لامهما بخلوص الفراش لها لان اللعان سبب الفرقة حتى لو كان أبوهما محدودا في قذف تقبل لان هذا القذف موجب للحد دون اللعان قال: ولا بد في وجوب اللعان من أن لا يقذف أمها فلو قال لها يا زانية بنت الزانية وجب الحد لقذف أمها واللعان لقذفها فإن اجتمعا على المطالبة بدأ بحده ليسقط اللعان بخروجه عن أهلية الشهادة، وإن لم تطالب الام وطالبته المرأة وجب اللعان ويحد للام بطلبها بعده في ظاهر الرواية. وذكر الطحاوي أنه لا يحد بعد اللعان وهذا غير سديد لعدم المانع من إقامته، وإن كانت أمها ميتة فلها المطالبة بهما، فإن خاصمته فيهما بدأ بالحد ليسقط اللعان، وإن بدأت بالخصومة لنفسها وجب اللعان ثم لها المطالبة بقذف أمها فيحد له. وعلى هذا التفصيل لو قدف أجنبيه بالزنا ثم نكحها ثم قذفها فلها المطالبة باللعان والحد، كذا في البدائع. والحاصل أنه إذا اجتمع قذفان وفي تقديم موجب أحدهما إسقاط الآخر بدأ بالمسقط كما إذا قذفها وقذفته فإنه يبدأ بحدها ليسقط اللعان كما سيأتي في باب حد القذف. وفي المحيط: لو قال لها أنت طالق ثلاثا يا زانية وجب الحد ولا لعان، ولو قال يا زانية أنت طالق ثلاثا فلا حد ولا لعان ا ه‍. ولو قال قذفتك قبل أن أتزوجك أو قد زنيت قبل أن أتزوجك فهو قذف في الحال فيلاعن. وما في خزانة الاكمل من أنه يلاعن في قوله زنيت ويحد في قوله قذفتك قبل أن أتزوجك أوجه، كذا في فتح القدير. قوله: (فإن أبى حبس حتى يلاعن أو يكذب نفسه فيحد) لانه حق مستحق عليه وهو قادر على إيفائه فيحبس حتى يأتي بما هو عليه أو يكذب نفسه ليرتفع السبب في اللعان وهو التكاذب هكذا قالوا. والتحقيق أن القذف هو السبب فإن التكاذب شرط. قيد وجوب الحد

[ 193 ]

بالاكذاب لعدم وجوبه بمجرد الامتناع من اللعان وهذا هو المذكور في ظاهر الرواية كما نص عليه الحاكم في الكافي. وبه علم أن ما ذكره الولوالجي من وجوب الحد عليه بمجرد امتناعه سهو ليس مذهبا لاصحابنا، وحمله في غاية البيان على أنه قول بعض المشايخ بعيد لتوقفه على النقل ولان الولوالجي ذكر أنها لو امتنعت بعد لعانه تحد حد الزنا ولم يقل به أحد من أصحابنا كما سنوضحه قوله: (فإن لاعن وجب عليها اللعان) لما قدمناه. أفاد أن لعانها مؤخر عن لعانه لانه في حكم الشاهد عليها بقذفه وهي مسقطة بشهادتها ما حققه عليها من الزنا فلا يصح أن تبتدئ المرأة كما لا يصح أن يبتدئ المدعي عليه بما يسقط الدعوى عن نفسه، كذا في شرح الاقطع. وفي الاختيار: فإن التعنت المرأة أولا ثم الزوج أعادت ليكون على الترتيب المشروع، فإن فرق بينهما قبل الاعادة جاز لان المقصود تلا عنهما وقد وجد قوله: (فإن أبت حبست حتى تلاعن أو تصدقه) لما قدمناه. ولم يقل أو تصدقه فتحد للزنا كما وقع في بعض نسخ القدوري لكونه غلطا لان الحد لا يجب بالاقرار مرة فكيف يجب بالتصديق مرة وهو لا يجب بالتصديق أربع مرات لان التصديق ليس بإقرار قصدا فلا يعتبر في حق وجوب الحد ويعتبر في درئه ليندفع به اللعان ولا يجب به الحد، ولو صدقته في نفي الولد فلا حد ولا لعان وهو ولدهما لانهما لا يملكان إبطال حقه قصدا، والنسب إنما ينتفي باللعان ولم يوجد. وبهذا ظهر أن ما قاله في شرح الوقاية وتبعه شارح النقاية من أنها إذا صدقته ينتفي نسب ولدها منه غير صحيح كما نبه عليه في شرح الدرر والغرر، ولم يذكر المؤلف حكم ما إذا امتنعا من اللعان بعد ما ترافعا، صرح الاسبيجابي في شرح الطحاوي أنهما يحبسان إذا امتنعا من اللعان بعد الثبوت وينبغي حمله على ما إذا لم تعف المرأة، أما إذا عفت فإنه لا يحبسهما كما لو عفا المقذوف فإنا وإن قلنا لا يصح العفو في حد القذف واللعان إلا أنهما لا يقامان إلا بطلب كما سنوضحه في باب حد القذف. فإن قلت: ظاهر الآية يشهد للشافعي القائل بأنها إذا امتنعت من اللعان تحد حد الزنا وهي قوله تعالى * (ويدرأ عنها العذاب إن تشهد) * [ النور: 6 ] أي الحد لان اللام للعهد الذكري أي العذاب المذكور السابق وهو الحد. قلنا: المراد منه الحبس كقوله تعالى في آية الهدهد * (لاعذبنه) * [ النمل: 12 ] ورد في التفسير لاحبسنه. والاختلاف مبني على أن الاصل في قذف الزوجات عند الشافعي الحد عملا بالآية الاولى وهي قوله تعالى * (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم) * [ النور: 4 ] الآية. وبين بآية اللعان أن القاذف إذا كان زوجا له أن يدفع الحد عنه باللعان، وإذا كان المقذوف زوجة القاذف لها أن تدفع حد الزنا عنها بلعانها فأيهما امتنع عن اللعان

[ 194 ]

وجب الاصل وهو الحد. وعندنا آية اللعان ناسخة للاولى في حق الزوجات لان الخاص المتأخر عن العام ينسخ العام بقدره فلم تبق الآية الاولى متناولة للزوجات فصار الواجب بقذف الزوجة اللعان فأيهما امتنع عنه حبس حتى يأتي به كالمديون إذا امتنع عن إيفاء حق عليه، ولذا لما قذف هلال زوجته قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: البينة وإلا حد في ظهرك، فدل على أنه كان في الابتداء يوجب الحد كقذف الاجنبيات ثم لما نزلت آية اللعان انتسخ في حق الزوجات كما في البدائع والعناية. قوله: (فإن لم يصلح شاهدا حد) لانه لما تعذر اللعان لمعنى من جهته لا من جهتها صير إلى الموجب الاصلي وهو حد القذف. وعدم صلاحيته للشهادة بكونه عبدا أو محدودا في قذف أو كافرا بأن أسلمت ثم قذفها قبل عرض الاسلام عليه. قيدنا به لان الزوج لو كان صبيا أو مجنونا فلا حد ولا لعان والاصل أن اللعان إذا سقط لمعنى من جهته، فإن كان القذف صحيحا وجب الحد عليه، وإن لم يكن القذف صحيحا فلا حد ولا لعان، كذا في البدائع. فلو قال فإن لم يصلح شاهدا وكان أهلا للقذف حد لكان أولى. وفي الينابيع: زوجان كافران أسلمت المرأة ولم يسلم الزوج ولم يعرض القاضي الاسلام عليه حتى قذفها بالزنا وجب عليه الحد فإن أقيم بعض الحد ثم أسلم فقذفها ثانيا قال أبو يوسف: أقيم عليه بقية الحد ثم يلاعنا. وقال زفر: لا لعان بينهما. وفي النافع. وإن كانا ذميين فأسلمت المرأة وقذفها قبل أن يعرض الاسلام عليه فلا لعان ويجد الزوج، كذا في التتارخانية قوله: (وإن صلح وهي ممن لا يحد قاذفها فلا حد ولا لعان) لانها إن لم تكن عفيفة فهو صادق في قوله وإن كانت صغيرة أو مجنونة أو محدودة في قذف فلفقد أهليتها للشهادة، أما في الصغيرة والمجنونة فظاهر، وأما في المحدودة العفيفة فلان قذفه مع أهلية اللعان إنما يوجب اللعان فإذا امتنع لعدم أهليتها له امتنع الحد أيضا، وإن كانت ممن يحد قاذفها فلو قال وإن صلح وهي ليست أهلا للشهادة لكان أولى ليدخل المحدودة في قذف ولم تدخل في عبارته لانها ممن يحد قاذفها كما لا يخفى. ولم يتعرض صريحا لما إذا لم يصلحا لاداء الشهادة وقد فهم من اشتراطه أولا أنه لا لعان. وأما الحد فإن كانا صغيرين أو مجنونين أو كافرين أو مملوكين فلا يجب، وأما إذا كانا محدودين في قذف فإنه يجب الحد عليه لان امتناع اللعان لمعنى من جهته، وكذا

[ 195 ]

إذا كان هو عبد أو هي محدودة في قذف يحد لان قذف العفيفة ولو كانت محدودة موجب للحد مطلقا. قيد بنفي الحد واللعان لان التعزير واجب لانه إذا أذاها وألحق الشين بها فيجب حسما لهذا الباب، كذا في الاختيار. وفي الكافي: وإن كانا محدودين في قذف فعليه الحد لان قذفه باعتبار حاله غير موجب للعان فيكون موجبا للحد، ولا يجوز أن يقال امتناع جريان اللعان لكونها محدودة لان أصل القذف من الرجل فإنما يظهر حكم المانع في حقها بعد قيام الاهلية في جانبه فأما بدون الاهلية في جانبيه معتبر بحالها ا ه‍. وتحقيقه كما في العناية أن المانع من الشئ إنما يعتبر مانعا إذا وجد المقتضي لانه عبارة عما ينفي به الحكم مع وجود المقتضي، وإذا لم يكن الزوج أهلا للشهادة لم ينعقد قذفه مقتضيا للعان فلا يعتبر المانع والقذف في نفسه موجب للحد فيحد بخلاف ما إذا وجدت الاهلية من جانبه فإنه ينعقد قذفه مقتضيا له، فإذا ظهر عدم أهليتها بطل المقتضي فلا يجب الحد لانه إنما انعقد اللعان وقد أبطله المانع ا ه‍. ثم الاحصان يعتبر عند القذف حتى لو قذفها وهي أمة أو كافرة ثم أسلمت أو أعتقت لا حد ولا لعان، كذا ذكره الشارح. ثم اعلم أن اللعان بعد وجوبه يسقط بالطلاق ولا يجب الحد ولا يعود اللعان يتزوجها بعده لان الساقط لا يعود ويسقط بزناها ووطئها بشبهة وبردتها، وإن أسلمت بعده لا يعود بإكذابه نفسه ولا يحد بخلاف ما إذا أكذب نفسه بعد اللعان وبموت شاهد القذف وغيبته بخلاف ما لو عميا أو فسقا أو ارتدا كما في فتح القدير. ولو أسند الزنا بأن قال زنيت وأنت صبية أو مجنونة وهو معهود وهي الآن أهل فلا لعان بخلاف وأنت ذمية أو أمة أو منذر أربعين سنة وعمرها أقل تلاعنا لاقتصاره كما في فتح القدير أيضا. قوله: (وصفته ما نطق به النص) أي صفة اللعان ما دلت عليه آلة اللعان من الابتداء بالزوج ثم بالزوجة بالالفاظ المخصوصة، وظاهره أنه متعين وقدمنا أن المرأة لو بدأت ثم الزوج أعادت، ولو فرق القاضي قبل إعادتها صح، وفي الغاية تجب الاعادة وقد أخطأ السنة ورجحه في فتح القدير بأنه الوجه وهو قول مالك لان النص أعقب الرمي بشهادة أحدهم وشهادتها الدارئة للحد عنها بقوله ويدرأ عنها العذاب ولان الفاء دخلت على شهادته على وزان ما قلنا في سقوط الترتيب في الوضوء من أنه أعقب جملة الافعال للقيام إلى الصلاة وإن كان دخول الفاء على غسل الوجه فانظره ثمة ا ه‍. والظاهر أنه أراد بالصفة الركن كقولهم باب صفة الصلاة أي ماهيتها فيكون بيانا للشهادات الاربع، وإنما أولناه بذلك لان صفته على

[ 196 ]

وجه السنة لم ينطق به النص وإنما ورد في السنة فالذي نقله المشايخ أن القاضي يقيمهما متقابلين ويقول له التعن فيقول الزوج أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا ويقول في الخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا يشير إليها في كل مرة ثم تقول المرأة أربع مرات اشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا وتقول في الخامسة غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا. وإنما ذكر الغضب في جانبها في الخامسة لانهن يستعملن اللعن كثيرا كما في الحديث يكثرن اللعن فكان الغضب أردع لها، هكذا ذكر المشايخ. وذكر البقاعي في المناسبات أن الغضب أبلغ من اللعن الذي هو الطرد لانه قد يكون بسبب غير الغضب وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يعضد الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو صادق ولانها مادة الفساد وهاتكة الحجاب وخالطة الانساب ا ه‍. وفي رواية الحسن أنه لا بد أن يقول إني لمن الصادقين فيما رميتك به من الزنا وهي تقول إنك لمن الكاذبين فيما رميتني به من الزنا بالخطاب لان في الغيبة شبهة واحتمالا وفي ظاهر الرواية لم يعتبر هذا لان كل واحد منهما يشير إلى صاحبه والاشارة أبلغ أسباب التعريف، كذا في الكافي. هذا كله إذا كان القذف بالزنا، وإن كان بنفي الولد ذكراه وإن كان بهما ذكراهما، وزاد بعضهم بعد القسم الذي لا إله إلا هو. والقيام ليس بشرط لانه إما شهادة وإما يمين والقيام ليس بشرط فيهما إلا أنه مندوب إليه لقوله صلى الله عليه وسلم: يا عاصم قم فاشهد وللمرأة قومي فاشهدي ولان الحدود مبناها على الشهر. فإن قلت: هل يشرع الدعاء باللعن على الكاذب المعين؟ قلت: قال في غاية البيان من العدة وعن ابن مسعود رضي الله عنه إنه قال: من شاء بأهلته أن صورة النساء القصرى نزلت بعد التي في سورة البقرة أي من شاء المباهلة أي الملاعنة باهلته. وكانوا يقولون إذا اختلفوا في شئ بهلة الله على الكاذب منا قالوا هي مشروعة في زماننا أيضا ا ه‍. وقد سئلت في درس الصرغتمشية حين قرأت باب اللعان من الهداية أنهما لو تلاعنا ثم وجد الزوج بينة على صدقه هل

[ 197 ]

تقبل؟ فأجبت بأني لم أر فيها نقلا وينبغي أن لا تقبل لان القذف أخذ موجبه من اللعان وكأنها حدت للزنا فلا تحد ثانيا إلا أن يوجد نقل فيجب اتباعه. قوله: (فإن التعنا بانت بتفريق الحاكم ولا تبين قبله) أي الحاكم الذي وقع اللعان عنده حتى لو لم يفرق الحاكم حتى عزل أو مات فالحاكم الثاني يستقبل اللعان عندهما خلافا لمحمد، كذا في الاختيار. وأفاد أنه لو مات أحدهما قبل التفريق ورثه الآخر وأنه لو زالت أهلية اللعان في الحال بما لا يرجى زواله بأن أكذب نفسه أو قذف أحدهما انسانا فحد للقذف أو وطئت وطأ حراما أو خرس أحدهما لم يفرق بينهما بخلاف ما إذا جن قبل التفريق حيث يفرق بينهما لانه يرجى عود الاحصان، وأنه لو ظاهر منها في هذه الحالة أو طلقها أو آلى منها صح لبقاء النكاح، وأشار إلى أن القاضي يفرق بينهما ولو لم يرضيا بالفرقة كما في شرح النقاية. وفي التتارخانية: ولو تلاعنا فجن أحدهما يفرق ولو تلاعنا فوكل أحدهما بالتفريق وغاب يفرق، ولو زنت لا يفرق لزوال الاحصان، وإنما توقفت البينونة على التفريق لانه لما حرم الاستمتاع بينهما باللعان فات الامساك بالمعروف فوجب عليه التسريح، وإذا لم يسرح ناب القاضي منابه لانه نصب لدفع الظلم ويدل عليه أنه عليه الصلاة والسلام لاعن بين عويمر وبين امرأته فقال عويمرا كذبت عليها إن أمسكتها هي طالق ثلاثا فأوقع الثلاث بعد التلاعن ولم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم، وكذا في واقعة هلال قال الراوي: فلما فرغ فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما. فدل على قيام النكاح قبل التفريق وهي تطليقة بائنة وهو خاطب إذا أكذب نفسه عندهما، وعند أبي يوسف هي حرمة مؤبدة كما سيأتي. وفي شرح النقاية: وأما قول البيهقي في المعرفة أن عويمر حين طلقها ثلاثا كان جاهلا بأن اللعان فرقة فصار كمن شرط الضمان

[ 198 ]

في السلف وهو يلزمه شرط أو لم يشرط بخلاف المظاهر ا ه‍. والجواب أن الاستدلال إنما هو بعدم إنكاره عليه السلام عليه لا بمجرد فعله كما لا يخفى، ويقع في بعض الشروح زيادة الفاء في قوله هي طالق ثلاثا وهي من النساخ لان الواقع أن عويمر أنجز طلاقها لا أنه علقه بالامساك. وفي التتارخانية: وإن أخطأ القاضي ففرق بينهما بعد وجود أكثر اللعان من كل واحد منهما وقعت الفرقة، ولو التعن كل واحد مرتين ففرق القاضي بينهما لم تقع الفرقة، ولو فرق بينهما بعد لعان الزوج قبل لعان المرأة نفذ حكمه لكونه مجتهدا فيه ا ه‍. وينبغي أن يقيد بغير القاضي الحنفي أما هو فلا ينفذ. وفي فتح القدير: وطؤها حرام بعده قبل التفريق وإن كان النكاح قائما لقوله عليه السلام المتلاعنان لا يجتمعان أبدا وفي التتارخانية: ولها النفقة والسكنى ما دامت في العدة. قوله: (وإن قذف بولد نفى نسبه وألحقه بأمه) لان المقصود من هذا اللعان نفي الولد فيوفر عليه مقصوده ويتضمنه القضاء بالتفريق. وفي البدائع: ولوجوب قطع النسب شرائط: الاول التفريق. الثاني أن يكون بحضرة الولادة أو بعدها بيوم أو يومين. الثالث أن لا يتقدم منه إقرار به صريحا أو دلالة كسكوته عند التهنئة مع عدم رده. الرابع أن يكون الولد حيا وقت قطع النسب وهو وقت التفريق فلو نفاه بعد موته لاعن ولم ينقطع نسبه، وكذا لو جاءت بولدين أحدهما ميت فنفاهما يلاعن ولزماه. وكذا لو نفاهما ثم مات أحدهما أو قتل قبل اللعان لزماه، وأما اللعان فذكر الكرخي أنه يلاعن ولم تذكر الخلاف. وذكر ابن سماعة الخلاف فقال: عند أبي يوسف يبطل، وعند محمد لا يبطل. الخامس أن لا تلد بعد التفريق ولدا آخر من بطن واحد فلو ولدت فنفاه ولا عن الحاكم بينهما وفرق بينهما وألزم الولد أمه ثم ولدت آخر من الغد لزماه وبطل قطع نسب الاول، ولا يصح نفيه الآن لانها أجنبية واللعان ماض لانه لما ثبت الثاني ثبت الاول ضرورة وإن قال الزوج هما ابناي لا حد عليه ولا يكون مكذبا نفسه لاحتمال الاخبار ربما لزمه شرعا. السادس أن لا يكون محكوما بثبوته

[ 199 ]

شرعا، فإن كان لا يقطع نسبه. وقد ذكر الامام محمد في الجامع الكبير خمس مسائل مسألتان في كتاب الشهادات من التلخيص: إحداهما في كتاب المعاقل امرأة ولدت ولدا فانقلب هذا الولد على رضيع فمات الرضيع وقضى بديته على عاقلة الاب ثم نفى الا ب نسبه يلاعن القاضي بينهما ولا يقطع نسب الولد منه لان القضاء بالدية على عاقلة الاب قضاء بكون الولد منه فلا ينقطع النسب بعده. الثانية في الزيادات إذا قال لامرأتيه وقد دخل بهما إحداكما طالق ثلاثا ولم يبين حتى ولدت إحداهما لاكثر من سنتين من وقت الطلاق كانت الولادة بيانا لوقوعه على الاخرى لان الولد حصل من علوق حادث بعد الطلاق وتعينت التي ولدت للنكاح، فإن نفي الولد لاعن القاضي بينهما ولا يقطع النسب لان حكم الشرع بكون الولد بيانا حكم بكونه منه وبعد الحكم به لا ينقطع باللعان. وثلاث مسائل في كتاب الدعوى: الاولى امرأة ولدت وزوجها غائب ففطمت ولدها وطلبت من القاضي أن يفرض لها النفقة وللولد برهنت ثم حضر الزوج ونفي الولد لاعن وقطع النسب مع أنه محكوم به حيث فرض القاضي نفقته. الثانية لو أنكر الدخول بعدما ولدت ثبت النسب ووجب لها كمال المهر فلو نفاه يلاعن ويقطع النسب مع أنه محكوم به حين قضى لها بكمال المهر. الثالثة المطلقة طلاقا رجعيا إذا ولدت لاكثر من سنتين تكون رجعة ولو نفاه لاعن وقطع نسبه مع أنه محكوم به. وقد حكي أن عيسى بن أبان كتب إلى محمد بن الحسن حين كان بالرقة يستفرقه بين المسألتين الاوليين وبين الثلاث فكتب محمد رحمه الله أنه متى حصل القضاء بالنسب ضرورة القضاء بأمر ليس من حقوق النكاح فإنه يمنع قطع النسب باللعان، وتمامه في شرح تلخيص الجامع من باب شهادة الملاعنة بالولد. ومن المواضع المانعة من قطع النسب أن يقذفها أجنبي بنفي الولد ويحده القاضي لها فإنه حكم منه بثبوت نسبه فإذا نفاه بعده أبوه لا ينتفى كما في فتح القدير وسيأتي عن الذخيرة. ثم إذا قطع النسب عن الاب وألحق الولد بالام يبقى النسب في حق سائر الاحكام من الشهادة والزكاة وعدم القصاص على الاب بقتله ونحو ذلك من

[ 200 ]

الاحكام إلا أنه لا يجري التوارث بينهما، ولا نفقة على الاب لان النفي باللعان ثبت شرعا بخلاف الاصل بناء على زعمه وظنه مع كونه مولودا على فراشه وقد قال صلى الله عليه وسلم الولد للفراش فلا يظهر في حق سائر الاحكام ا ه‍. ويزاد السابع أن يكون النكاح صحيحا فلا لعان بالقذف بنفي الولد في النكاح الفاسد والوطئ بشبهة ولا ينتفى النسب. وقيد بالزوجية لانه لو نفي نسب ولد أم الولد فإنه ينتفى بمجرد قوله بلا لعان. ويزاد الثامن أن يكون العلوق في حال يجري ف يه اللعان حتى لو علق وهي كافرة لا ينتفى. وفي شهادات الجامع: ولدت توأمين فنفاهما ومات أحدهما عن أمه وأخيه وأخ منها فالسدس لها والثلث لهما والباقي يرد كأولاد العاهرة لانقطاع النسب وفيها اختلاف يعرف في موضعه ا ه‍. وفي تتمة الفتاوى من الفرائض: ولد الملاعنة وولد الزنا في حكم الميراث بمنزلة ولد رشيدة ليس له أب ولا قرابة أب فلا يرث هذا الولد من الاب وقرابته ولا يرث الاب ولا قرابته من هذا الولد لان قوم الاب تبع له في قطع النسب وهو ولد الام فيرث منها ومن قرابتها وترث الام وقرابتها، وأما ابن ابن الملاعنة فله أب وقوم الاب وهم الاخوة وليس له جد صحيح ولا قومه وهم الاعمام والعمات لاب وأم أو لاب فإذا ثبت حرمة المصاهرة بين الزوجين ثم حدث بينهما ولد ثم مات الاب اختلفوا في ميراث هذا الولد منه للاختلاف في هذه الحرمة فلم يكن كولد الزنا كما لو جاءت بولد بعد النكاح المعلق طلاقها الثلاث به فإن النسب فيه ثابت للاختلاف. ا ه‍ باختصار. وفي تلخيص الجامع: لو ملك النافي الام لا يجوز بيعها. وفي شرحه وصورته: رجل نفى نسب ولد امرأته الحرة ولاعن القاضي بينهما وقطع نسب الولد ثم ارتدت والعياذ بالله تعالى عن الاسلام ثم سبيت وملكها الزوج النافي فإنه لا يجوز له بيعها لان نسب الولد ثابت حكما لقيام فراشها ولا تصح دعوة غير النافي لهذا الولد وإن صدقه الثاني، وتصح دعوة النافي مطلقا ولو كان المنفي كبيرا جاحدا للنسب من النافي. وفي التتارخانية: ولا ينتفى من أحكام النسب من جهة الزوج

[ 201 ]

سوى التوارث وإيجاب النفقة وما عداهما من أحكام النسب من جهة الزوج قائمة. وفي الذخيرة: وكل نسب ثبت بإقراره أو بطريق الحكم لم ينتف بعد ذلك وبيانه فيما روي عن أبي يوسف في رجل جاءت امرأته بولد فنفاه فلم يلاعنها حتى قذفها أجنبي بالولد فحد فقد ثبت نسب الولد ولا ينتفى بعد ذلك، ولو نفى ولد زوجته اللعان ومهما مما لا لعان بينهما لا ينتفى، سواء وجب الحد أو لم يجب، وكذا إذا كانا من أهل اللعان ولم يتلاعنا فإنه لا ينتفى، وكذا إذا كان العلوق في حال لا لعان بينهما ثم صارا بحال يتلاعنان نحو إن كانت المرأة أمة أو كتابية حالة العلوق فأعتقت أو أسلمت فإنهما لا يتلاعنان ولا ينتفي نسب الولد. وفي السغناقي: ولو قال لامرأته يا زانية ولها ولد منه ثبت اللعان ولا يلزم نفي الولد فإن أكذب نفسه حده القاضي ا ه‍ ولذا قيد النفي بقذف الولد احترازا عما إذا قذفها بالزنا ولها منه ولد فإنه لا ينتفي نسبه. ثم اعلم أن هذا الولد وإن قطع القاضي نسبه عن أبيه لم تصح دعوى أحد لنسبه وإن صدقة الولد كما في التتارخانية وهو مستفاد من قولهم إن قطع النسب لا يظهر إلا في مسألتين. وفي قوله نفي نسبه أي القاضي وألحقه بأمه إشارة إلى أن التفريق بينهما لا يكفي لنفي نسب الولد فلذا روي عن أبي يوسف أنه لا بد أن يقول قطعت نسب هذا الولد عنه بعدما قال فرقت بينكما. وفي المبسوط: هذا هو الصحيح لانه ليس من ضرورة التفريق نفي النسب كما بعد الموت يفرق بينهما باللعان ولا ينتفى نسبه عنه، كذا في النهاية. وفي المجمع: ولو ماتت بنته المنفية عن ولد فادعاه فنسبه غير ثابت منه أي عند الامام. وقالا: يثبت. قيد بموتها لانها لو كانت حية ثبت نسبها بدعوة ولدها اتفاقا. وقيد بالبنت لان الولد المنفي لو كان ذكرا فمات وترك ولدا ثبت نسبه من المدعي وورث الاب منه اتفاقا لحاجة الولد الثاني إلى ثبوت النسب فبقاؤه كبقاء الاول. وقيد بدعوة الولد لانه لو ادعى البنت المنفية حية ثبت نسبها اتفاقا وتمامه في شرحه. وفي الذخيرة: لا يشرع اللعان بنفي الولد في المجبوب والخصي ومن لا يولد له ولد. قوله: (فإن أكذب نفسه حد) لاقراره بوجوب الحد عليه. أطلقه فشمل ما إذا اعترف به وما إذا أقيمت عليه بينة أنه أكذب نفسه لانه الثابت بالبينة عليه كالثابت بإقراره كما في

[ 202 ]

الولوالجية. وشمل الاكذاب صريحا وضمنا ولهذا لو مات الولد المنفي عن مال فادعى الملاعن لا يثبت نسبه ويحد، فإن كان قد ترك ولدا ثبت نسبه من الاب وورثه الاب لاحتياج الحي إلى النسب، ولو ترك بنتا ولها ابن فأكذب الملاعن نفسه يثبت نسب الولد منه عند الامام خلافا لهما، كذا في فتح القدير. وظاهر ما في الكتاب أن الاكذاب بعد اللعان ووجوب الحد عليه ليس باعتبار قذفه الاول لانه أخذ بموجبه وهو اللعان بل باعتبار القذف الثاني الذي تضمنه كلمات اللعان كشهود الزنا إذا رجعوا فإنهم يحدون باعتبار ما تضمنته شهادتهم من القذف، أما إذا أكذب نفسه قبل اللعان ينظر، فإن لم يطلقها قبل الاكذاب حد أيضا، وإن أبانها ثم أكذب نفسه فلا حد ولا لعان لان اللعان أثره التفريق بينهما وهو لا يتأتى بعد البينونة لحصوله بالابانة وهو لا يصح بدون حكمه ولا يجب الحد لان قذفه وقع موجبا للعان فلا ينقلب موجبا للحد. وعلى هذا لو قال يا زانية أنت طالق ثلاثا لا حد ولا لعان، ولو قال أنت طالق ثلاثا يا زانية حد أطلق في الاكذاب فشمل ما إذا أنكر الولد بعدما ادعاه ولذا قال أيضا في فتح القدير: لو أقامت البينة على الزوج أنه ادعاه وهو ينكر يثبت النسب منه ويحد ا ه‍. وفي جامع الصدر الشهيد: قذفها بنفي الولد ولاعن فتزوجت غيره فادعاه صح ويحد، فإن ولدت من الثاني فنفاه لاعن وينتفى إن علق بعد إكذابه وقبله لا، وينبغي أن لا يلاعن لاستناده نظيره زنيت وأنت صبية بخلاف وأنت ذمية أو رقيق أو منذ أربعين سنة وعمرها عشرون سنة وإن تردد يقطع استحسانا وقياسا لا نظيره أسلمت زوجته أو أعتقت ثم ولدت فنفاه ا ه‍. ثم اعلم أن ولد أم الولد إذا نفاه المولى وقلنا بصحته فإن حكمه حكم ولد المنكوحة إذا نفي في سائر الاحكام فلا تقبل شهادة أحد للآخر بعد إعتاق الولد، ولا يضع أحدهما زكاته فيه، وتحرم المناكحة بينهما، ولا يرث أحذهما صاحبه بالقرابة لكن المولى يرث منه بالولاء إذا لم يكن عصبة أقرب منه، وتجب نفقته على المولى بعد إعتاقه بحكم الملك، كذا في شرح التلخيص من الشهادات قوله: (وله أن ينكحها) أي للملاعن بعد التفريق أن يتزوجها إذا أكذب نفسه. أطلقه فشمل ما إذا حد أو لم يحد فتقييد الشارح الحل بالحد اتفاقي، وكذا إذا أكذبت نفسها فصدقته. فالحاصل أن الفرقة باللعان يزول بها ملك النكاح وتوجب حرمة الاجتماع والتزوج ما داما على حال اللعان، فإن أكذب أحدهما نفسه جاز التناكح والاجتماع عند الامام والثالث. وقال الثاني: إنها توجب حرمة مؤبدة كحرمة الرضاع

[ 203 ]

والمصاهرة لقوله عليه السلام والمتلاعنان لا يجتمعان أبدا ويقتضي قوله أن الفرقة لا تتوقف على القضاء كما أشار إليه في فتح القدير. ولهما أن عويمرا طلق الملاعنة ثلاثا فصار سنة المتلاعنين لانه يجب عليه أن يطلقها فإن لم يفعل ناب القاضي منابه كما في العنين فكانت الفرقة طلاقا، وأما الحديث فلا يمكن العمل بحقيقته لان حقيقة المتفاعل المتشاغل بالفعل ولما فرغا منه زالت الحقيقة فانصرف المراد إلى الحكم وهو أن يكون حكمه باقيا وبعد الاكذاب لم يبق حكمه لبطلانه فلم يبق حقيقة ولا حكما فجاز اجتماعهما ونظيره قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف * (إنهم أن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا) * [ الكهف: 02 ] أي ما داموا في ملتهم، ألا ترى أنهم إذا لم يفعلوا أفلحوا كذا هذا، كذا في البدائع. وقد بحث المحقق ابن الهمام في فتح القدير بأنه لما لم تمكن الحقيقة وصير إلى المجاز كان له مجازان: أحدهما ما ذكرتم من إرادة من بينهما تلاعن قائم حكما. والثاني من وجد بينهما تلاعن في الخارج. وعلى هذا التقدير لا يجتمعان بعد الاكذاب بينهما إذ ارتفاع حكمه لا يوجب ارتفاع كونه قد تحقق له وجود في الخارج ولكن بقي النظر في أي الاحتمالين أرجح وأظن أن الثاني أسرع إلى الفهم ا ه‍. قوله: (وكذا إذا قذف غيرها فحد أو زنت فحدت) يعني له أن ينكحها أيضا إذا خرجا أو أحدهما عن أهلية اللعان. أطلقه فشمل ما إذا خرسا أو أحدهما، وأراد بالزنا الوطئ الحرام وإن لم يكن زنا شرعيا - كما ذكره الاسبيجابي - لزوال عفتها. ولو قال وكذا إن قذف أحدهما فحد لكان أولى لشموله المتلاعنين ولو أسقط قوله فحد لكان أولى لان بمجرد زناها حلت له سواء حدت بأن وقع اللعان قبل الدخول ثم زنت فجلدت أو لم تحد لزوال العفة. وإنما قيدنا بهذه الصورة لانه لو كان بعد الدخول كان حدها الرجم وهو إهلاك فلا يتصور القول بحلها بعده واستغنى بها عن تغيير الرواية بأنها زنت بالتشديد أي نسبت غيرها للزنا لمخالفته للرواية لانها بتخفيف النون. وفي فتح القدير: واستشكل بأن زوال أهلية الشهادة بطرق الفسق مثلا لا يوجب بطلان ما حكم به القاضي عنها في حال قيام العدالة فلا يوجب بطلان ذلك اللعان السابق الواقع في حال الاهلية ليبطل أثره من الحرمة اه‍. قوله: (ولا لعان بقذف الاخرس) لفقد الركن منه وهو التلفظ بالشهادات ولهذا لو قال أحلف مكان أشهد لا يجوز. ولو قال ولا لعان إذا كانا أخرسين أو أحدهما لكان أولى للعلة المذكورة إذا كانت خرساء ولاحتمال تصديقها لو كانت ناطقة. وأشار إلى أنه لا يثبت بالكتابة كما لا

[ 204 ]

يثبت بإشارة الاخرس للشبهة، وإلى أنه لو خرس أحدهما بعد اللعان وقبل التفريق فلا تفريق ولا حد كما لو ارتد أو أكذب نفسه قوله: (ولا ينفى الحمل) لانه لا يتيقن بقيامه عند القذف لاحتمال أنه انتفاخ ولو تيقنا بقيامه وقته بأن ولدت لاقل من ستة أشهر صار كأنه قال إن كنت حاملا فحملك ليس مني والقذف لا يصح تعليقه بالشرط وهذا قول الامام، وعندهما يجري اللعان إذا جاءت به لاقل من ستة أشهر للتيقن بقيامه وجوابه ما مر. وأما الارث والوصية فيتوقفان على الولادة فيثبتان للولد لا للحمل، وأما عتقه فكذلك لقبوله التعليق بالشرط، وأما رد المبيعة بعيب الحمل فلان الحمل ظاهر واحتمال الريح شبهة والرد بالعيب لا يمتنع بالشبهة، وكذا النسب يثبت مع الشبهة، وأما وجوب النفقة للمطلقة إذا ادعت حملا فلقبول قولها في أمر عدتها، والحق أن قول صاحب الهداية إن الاحكام لا تترتب عليه قبلها لا يراد به كل الاحكام وإنما يراد به بعضها كما في العناية وقد كتبنا في القواعد الفقهية مسائل أخرى تترتب عليه قبلها قوله: (وتلاعنا بزنيت وهذا الحمل منه ولم ينف الحمل) لوجود القذف بصريح الزنا ونفي الحمل غير صحيح لان قطع النسب حكم عليه ولا تترتب الاحكام عليه ولا له قبل الانفصال قوله: (ولو نفي الولد عند التهنئة وابتياع آلة الولادة صح وبعده لا ولاعن فيهما) أي فيما إذا صح نفيه أو لم يصح لوجود القذف فيهما. والتهنئة بالهمز من هنأته بالولد بالتثقيل والهمز، كذا في المصباح. فالتفصيل المذكور بين أن تقوم دلالة على إقراره بالولد أولا إنما هو في صحة النفي وعدمه لا في اللعان كما في المتون والشروح، وبه علم أن ما ذكره الولوالجي من أن اللعان إنما يجري إذا نفى بعد الولادة في مدة قصيرة أما بعد مدة طويلة فلا يصح سهو، ودل كلامه على أنه لو أقر صريحا بالولد ثم نفاه لا يصح بالاولى كما قدمناه ولم يقدر مدة الولادة بوقت وهو ظاهر الرواية وقد قالوا: إن الاقرار بالولد الذي ليس منه حرام كالسكوت لاستلحاق نسب من ليس منه، وقد ذكر المصنف تبعا للهداية شيئين قبول التهنئة وشراء آلة الولادة وزاد في الاختيار ثالثا أن يقبل هدية الاهل فهي ثلاث لا يصح نفيه بعد واحدة منها، والحق أنها أربع والرابع سكوته حتى مضى وقت التهنئة وشراء الآلة وهي ثلاثة أيام في رواية وسبعة في أخرى كما في الكافي. وقبول التهنئة ذكر ما يدل على القبول مثل أحسن الله، بارك الله، جزاك الله، رزقك الله مثله أو أمن على دعاء المهنى، كذا في فتح القدير. ولو كان غائبا لم يعلم بالولادة تعتبر المدة بعد قدومه.

[ 205 ]

قوله: (وإن نفى أول التوأمين وأقر بالثاني حد) لانه أكذب نفسه بدعوى الثاني. التوأم والانثى توأمة والاثنان توأمان والجمع توائم وتوأم كدخان، كذا في المصباح قوله: (وإن عكس لاعن) بأن أقر بالاول ونفى الثاني لانه قاذف بنفي الثاني ولم يرجع عنه قوله: (وثبت نسبهما فيهما) أي في المسألتين لانهما خلقا من ماء واحد، والتوأمان ولدان بين ولادتهما أقل من ستة أشهر، وفيه إشارة إلى أنه لو نفاهما ثم مات أحدهما قبل اللعان لزماه وقدمنا تفاريعه. ولو جاءت بثلاثة في بطن واحد فنفى الثاني وأقر بالاول والثالث يلاعن وهم بنوه، ولو نفى الاول والثالث وأقر بالثاني يحدوهم بنوه، كذا في شرح النقاية. اعلم أنه في صورة ما إذا أقر بالاول ونفى الثاني إذا قال بعده هما ابناي أو ليسا بابني فلا حد فيهما، كذا في فتح القدير. وفي شهادات الجامع للصدر الشهيد من باب شهادة ولد الملاعنة: باع أحد التوأمين وقد ولدا في ملكه وأعتقه المشتري فشهد لبائعه تقبل، فإن ادعى الباقي ثبت نسبهما وانتقض البيع والعتق والقضاء ويرد ما قبض أو مثله إن هلك للاستناد كتحويل العقد، وإن كان القضاء قصاصا في طرف أو نفس فأرشه عليه دون العاقلة لانه بدعواه. ثم اعلم أنه إذا نفي نسب التوأمين ثم مات أخدهما عن توأمه وأمه وأخ لامه فالارث أثلاث فرضا وردا، للام السدس وللاخوين الثلث والنصف يرد عليهم. وهذا يبين أن قطع النسب يجري في التوأم لانه لو لم يقطع نسبه عن أخيه التوأم لكان عصبة يأخذ الثلثين وقطع النسب عن الاخ التوأم بالتبعية لابيهما وقد قدمناه عن الجامع وتمامه في شرح التلخيص من باب شهادة ولد الملاعنة والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. باب العنين وغيره يقال رجل عنين لا يقدر على إتيان النساء أو لا يشتهي النساء، وامرأة عنينة لا تشتهي الرجال، والفقهاء يقولون به عنة. وفي كلام الجوهري ما يشبهه ولم أجده لغيره ولفظه: عن امرأته تعنينا بالبناء للمفعول إذا حكم عليه القاضي بذلك أو منع عنها بالسحر، والاسم

[ 206 ]

منه العنة. وصرح بعضهم بأنه لا يقال عنين به عنة كما يقوله الفقهاء فإنه كلام ساقط قال: والمشهور في هذا المعنى كما قال ثعلب وغيره رجل عنين بين التعنين والعنية. وقال في البارع بين العنانة بالفتح. قال الازهري: وسمي عنينا لان ذكره يعن بقبل المرأة عن يمين وشمال يعترض إذا أراد إيلاجه، كذا في المصباح. وجمعه عنن. وأما عند الفقهاء فهو من لا يصل إلى النساء مع قيام الآلة لمرض به وإن كان يصل إلى الثيب دون البكر أو إلى بعض النساء دون بعض سواء كانت آلته تقوم أو لا كما في العناية ولذا قال في شرح المنظومة: الشكاز بفتح المعجمة وكاف مشددة وبعد الالف زاي هو الذي إذا جذب المرأة أنزل قبل أن يخالطها ثم لا تنتشر آلته بعد ذلك لجماعها وهو من قبيل العنين لها المطالبة بالتفريق، وإن كان يصل إلى الثيب دون البكر أو إلى بعض النساء دون بعض لضعف طبيعته أو لكبر سنه أو سحر فهو عنين في حق من لا يصل إليها لفوات المقصود في حقها فإن السحر عندنا حق وجوده وتصوره ويكون أثره كما في المحيط. ولا يخرج عن العنة بإدخاله في دبرها خلافا لابن عقيل فإنه يقول: الدبر أشد من القبل، كذا في المعراج. وفيه: إذا أولج الحشفة فقط فليس بعنين وإن كان مقطوعها فلا بد من إيلاج بقية الذكر، وينبغي أن يقال يكفي الايلاج بقدر الحشفة من مقطوعها، ولم أر حكم ما إذا قطعت ذكره وإطلاق المحبوب يشمله وهو في تحرير الشافعية لكن قولهم لو رضيت به فلا خيار لها ينافيه وله نظيران: أحدهما لو خرب المستأجر الدار، الثاني لو أتلف البائع المبيع قبل القبض. قوله: (وجدت زوجها مجبوبا فرق في الحال) وهو من استؤصل ذكره وخصيتاه يقال جببته جبا من باب قتل قطعته وهو مجبوب بين الجباب بالفتح والكسر، كذا في المصباح. وإنما لم يؤجل لعدم الفائدة ولما كان التفريق لفوات حقها توقف على طلبها ولم يذكره هنا اكتفاء بما ذكره في العنين. وأشار إلى أنه لوجب بعد الوصول إليها مرة لا خيار لها كما إذا صار عنينا بعده. ويلحق بالمجبوب من كان ذكره صغيرا جدا كالزر لا من كانت آلته قصيرة لا يمكن إدخالها داخل الفرج فإنها لاحق لها في المطالبة بالتفريق، كذا في المحيط. وظاهره أنه إذا كان لا يمكن إدخالها أصلا فإنه كالمجبوب لتقييده بالداخل. وأطلق الزوج المجبوب فشمل الصغير والمريض بخلاف العنين حيث ينتظر بلوغه أو برؤه لاحتمال الزوال. وأراد

[ 207 ]

بالمرأة من لها حق المطالبة بالجماع لانها لو كانت صغيرة انتظر بلوغها في المجبوب والعنين لاحتمال رضاها بخلاف ما لو كان أحدهما مجنونا فإنه لا يؤخر إلى عقله في الجب والعنة لعدم الفائدة ويفرق بينهما للحال في الجب، وبعد التأجيل في العنين لان الجنون لا يعدم الشهوة بخصومة ولي إن كان وإلا فمن ينصبه القاضي. ولو جاء الولي ببينة في المسألتين على رضاها بعنته أو جبه أو على علمها بحاله عند العقد لم يفرق، ولو طلب يمينها على ذلك تحلف، فإن نكلت لم يفرق وإن حلفت فرق، كذا في فتح القدير. وقالوا: لو جاءت امرأة المجبوب بولد بعد التفريق إلى سنتين يثبت نسبه ولا يبطل التفريق بخلاف العنين حيث يبطل التفريق لانه لما ثبت نسبه لم يبق عنينا. ونظر فيه الشارح بأن الطلاق وقع بتفريقه. وهو بائن فكيف يبطل ألا ترى أنها لو أقرت بعد التفريق أنه كان قد وصل إليها لا يبطل التفريق. وجوابه أن ثبوت النسب من المجبوب باعتبار الانزال بالسحق والتفريق بينهما باعتبار الجب وهو موجود بخلاف ثبوته من العنين فإنه يظهر به أنه ليس بعنين والتفريق باعتباره بخلاف ما استشهد به من إقرارها فإنها متهمة في إبطال القضاء لاحتمال كذبها فظهر أن البحث بعيد كما في فتح القدير. وفي الخانية من فصل العنين: إذ اشهد شاهدان بعد تفريق القاضي على إقرار المرأة قبل التفريق أنه وصل إليها يبطل تفريق القاضي، ولو أقرت بعد التفريق أنه قد وصل إليها لم تصدق على إبطال تفريق القاضي اه‍. والحاصل أن تفريق القاضي في العنين يبطل بمجئ الولد وإقامة البينة على إقرارها بالوصول. وفي التتارخانية: كان الزوج مجبوبا ولم تعلم بحاله فجاءت بولد فادعاه وأثبت القاضي نسبه ثم علمت بحاله وطلبت الفرقة فلها ذلك اه‍. وأطلق في المرأة ولا بد من تقييدها بأن لا تكون رتقاء فإن الرتقاء إذا وجدته مجبوبا لا خيار لها كما في الخانية، وأن تكون حرة لان زوج الامة إذا كان مجبوبا أو عنينا فالخيار إلى

[ 208 ]

المولى في قول أبي حنيفة، فإن رضي المولى لا حق للامة، وإن لم يرض كانت الخصومة له كما في العزل. وقال أبو يوسف: الخيار إلى الامة كقوله في العزل. واختلفوا في قول محمد فقيل مع أبي يوسف كما في العزل، وقيل مع الامام هنا، كذا في الخانية. ولم يقيد التفريق بالطلب للحال لانها لو وجدته مجبونا فأقامت معه زمانا وهو يضاجعها كانت على خيارها، ولم يذكر حكم ما إذا اختلفا في كونه مجبوبا. وحكمه أنه إذا كان يعرف حقيقة حاله بالمس من غير نظر يمس من وراء الثياب ولا تكشف عورته، وإن كان لا يعرف إلا بالنظر أمر القاضي أمينا لينظر إلى عورته فيخبر بحاله لان النظر إلى العورة يباح عند الضرورة، كذا في الخانية. ولم يذكر المصنف صفة الفرقة هنا اكتفاء بما ذكره في العنين وهو طلاق بائن كفرقة العنين كما في الخانية. والحاصل أن المجبوب كالعنين إلا في خصلة واحدة وهي أن العنين يؤجل والمجبوب لا، كذا في التتارخانية. ويزاد مسألة بطلان التفريق بمجئ الولد كما قد عملت. والثالثة لا ينتظر بلوغه. والرابعة لا تشترط صحته. وفي فتح القدير: وما نقل عن الهند وإني أنه يؤتى بطست فيه ماء بارد فيجلس فيه العنين فإن تلقص ذكره وانزوى علم أنه لا عنة به وإلا علم أنه عنين، لو اعتبر هذا لزم أن لا يؤجل سنة لان التأجيل ليس إلا ليعرف أنه عنين على ما قالوا إذ لا فائدة فيه إن أجل مع ذلك لكن التأجيل لا بد منه لانه حكمه اه‍. والحاصل أن طلبها التفريق في العنين له شرائط مختصة بهما فالمختص به أن يكون الزوج بالغا صحيحا لم يصل إليها مرة فالصبي لا يؤجل إلا بعد بلوغه والمريض بعد صحته والمختص بها أن تكون حرة بالغة غير رتقاء وقرناء غير عالمة بحاله قبل النكاح وغير راضية به بعده. قوله: (وأجل سنة لو عنينا أو خصيا) وهو من نزع خصيتاه وبقي ذكره وهو بفتح الخاء فعيل بمعنى مفعول مثل جريح وقتيل والجمع خصيان. والخصيتان بالتاء البيضتان الواحدة خصية وبدون التاء الخصيان الجلدتان، وجمع الخصية خصي كمدية ومدى. وخصيت العبد أخصيه خصاء بالكسر والمدسللت خصيته، وخصيت الفرس قطعت ذكره فهو مخصي، ويجوز استعمال فعيل ومفعول فيهما، كذا في المصباح. ولا فرق هنا بين سلهما وقطعهما إذا كان ذكره لا ينتشر. قيدنا به لان آلته لو كانت تنتشر لا خيار لها كما في المحيط، وعلى هذا لا حاجة إلى عطفه على العنين لانه إن لم يكن عنينا فلا تأجيل وإلا فهو داخل فيه ولذا لم يصرح بالخنثى الذي يبول من مبال الرجال والصبي الذي بلغ أربع عشرة سنة والشيخ الكبير وحكم الثلاث التأجيل كالعنين كما في الخانية لدخول الكل تحت اسم العنين. قال في الخانية: يؤجل الشيخ الكبير إن كان لا يصل إليها اه‍. والمراد من المؤجل الحاكم ولا عبرة

[ 209 ]

بتأجيل غيره. قال في الخانية أيضا: وتأجيل العنين لا يكون إلا عند قاضي مصر أو مدينة فلا يعتبر تأجيل المرأة ولا تأجيل غيرها اه‍. وأما رضاها به عند غير الحاكم فمسقط لحقها كما في الخلاصة. ولو عزل القاضي بعدما أجله بنى المتولي على تأجيل الاول وابتدأ السنة من وقت الخصومة واستفيد من وضع المسألة أن نكاح العنين صحيح فإن علمت بعنته وقت النكاح فلا خيار لها كما لو علم المشتري بعيب المبيع، وإن لم تعلم به وقته وعلمت بعده كان لها الخصومة وإن طال الزمان كما في الخانية. وفي المحيط: والامام المتبع في أحكام العنين عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم ولم ينقل عن أقرانهم خلافه فحل محل الاجماع، ولان عدم الوصول قد يكون لعلة معترضة وقد يكون لآفة أصلية فلا بد من ضرب مدة لاستبانة العلة من العنة فقدر بسنة لاشتمالها على الفصول الاربع اه‍. وقد كتبنا في القواعد الفقهية في مذهب الحنفية أن قاضيا لو قضى بعدم تأجيل العنين لم ينفذ قضاؤه ولم يقيد المرأة بشئ. ولا بد من كونها حرة وغير رتقاء كما قدمناه في زوجة المجبوب، وعلله في الاختيار بأن الرتقاء لا حق لها في الوطئ فلا تملك الطلب، ولو اختلفا في كونها رتقاء يريها النساء كما في التتارخانية. وأطلق الزوج فشمل المعتوه لما في الخانية: والمعتوه إذا زوجه وليه امرأة فلم يصل إليها أجله القاضي سنة بحضرة الخصم عنه. ولا بد من تقييد الزوج بكونه صحيحا كما سيأتي أن المريض لا يؤجل حتى يصح ولم يذكره محمد. واختلفوا في تلك السنة فقيل شمسية وهي تزيد على القمرية بأحد عشر يوما. قال في الخلاصة: وعليه الفتوى. وقيل قمرية وهي ثلثمائة وأربعة وخمسون يوما وصححه في الواقعات والولوالجية وهو ظاهر الرواية كما في الهداية فكان هو المعتمد لانه الثابت عن صاحب المذهب. وفي الخانية: إذا ثبت عدم الوصول أجله القاضي طلب أو لم يطلب ويكتب التأجيل ويشهد على التاريخ. وفي المجتبي: إذا كان التأجيل في أثناء الشهر يعتبر بالايام إجماعا كما ذكره في العدة. قوله: (فإن وطئ وإلا بانت بالتفريق إن طلبت) أي طلبا ثانيا فالاول للتأجيل والثاني للتفريق. وذكر خجامسكين أن قوله إن طلبت متعلق بالجميع وهو حسن وطلب وكيلها بالتفريق عند غيبتها كطلبها على خلاف فيه ولم يذكره محمد. وأطلقه فشمل ما إذا طلبت على

[ 210 ]

التراخي أولا وثانيا ولذا لو خاصمته ثم تركت مدة فلها المطالبة ولو طاوعته في المضاجعة تلك الايام كما في الخانية. ولما كانت هذه فرقة قبل الدخول حقيقة كانت بائنة ولها كمال المهر وعليها العدة لوجود الخلوة الصحيحة. وأشار إلى أنه لو وطئها مرة لا حق لها في المطالبة لسقوط حقها بالمرة قضاء وما زاد عليها فهو مستحق ديانة لا قضاء كما في جامع قاضيخان. وفي فتاواه: لو كان يأتيها فيما دون الفرج حتى ينزل وتنزل ولا يصل إليها في فرجها وقامت معه على ذلك زمانا وهي بكر أو ثيب ثم خاصمته إلى القاضي سنة، ولو وطئها بعد التأجيل سقط حقها ولو حائضا أو نفساء أو صائمة أو محرمة، كذا في المعراج وإلى أن الزوج لو طلب أن يؤجل بعد السنة ولو يوما لا يجيبه القاضي إلا برضاها ولها الرجوع واختيار الفرقة، كذا في الاختيار. وقدمنا أن المراد بالزوجة الحرة، أما الامة فالخيار لمولاها لا لها كالاذن في العزل، وفي المحيط: فرق بينهما ثم تزوجها ثانيا لا خيار لها لرضاها بالمقام معه، ولو تزوج أخرى عالمة بحاله لا خيار لها وعليه الفتوى، ولو كان له امرأة يصل إليها وولدت منه أولا ثم أبانها ثم تزوجها ولم يصل في النكاح الثاني فهو عنين لانها باعتبار كل عقد يتجدد لها حق المطالبة اه‍. وفي المعراج: ويؤهل الصبي هنا للطلاق في مسألة الجب لانه مستحق عليه كما يؤهل بعتق القريب ومنم من جعله فرقة بغير طلاق والاول أصح اه‍. قوله: (فلو قال وطئت وأنكرت وقلن بكر خيرت وإن كانت ثيبا صدق بحلفه) أطلقه فشمل ما إذا وقع الاختلاف في الابتداء بأن ادعى الوصول إليها وأنكرت أو، في الانتهاء فإن قوله خيرت شامل لتخيير تأجيله سنة في الابتداء أو لاختيار الفرقة بعد التأجيل. وحاصله أنها إن كانت ثيبا فالقول قوله في الوطئ ابتداء وانتهاء مع يمينه فإن نكل في الابتداء يؤجل سنة ولا يؤجله إلا إذا ثبت عدم الوصول إليها، وإن نكل في الانتهاء تخير للفرقة، وإن كانت بكرا ثبت عدم الوصول إليها بقولهن فيؤجل في الابتداء ويفرق في الانتهاء وبهذا ظهر أن ما ذكره الشارح من أن المصنف لم يذكر كيفية ثبوت العنة في الابتداء وذكره في الانتهاء غفلة عما فهمته من كرمه لما قررنا أن التخيير شامل لهما. والتقييد بقوله وقلن

[ 211 ]

المفيد للجماع اتفاقي أو لبيان الاولى للاكتفاء بقول الواحدة والاثنتان أحوط، وفي البدائع أوثق، وفي الاسبيجابي أفضل. وشرط الحاكم الشهيد في الكافي عدالتها. وطريق معرفة أنها بكر أن تبول على جدار فإن وصل إليه فبكر وإلا فلا، أو يرسل في فرجها ما في بيضة فإن دخل فثيب وإلا فبكر، أو يرسل في فرجها أصغر بيضة للدجاجة فإن دخلت من غير عنف فهي ثيب وإلا فبكر. وفي الخانية: وإن شهد البعض بالبكارة والبعض بالثيابة يريها غيرهن اه‍. وفي المعراج: لو وجدت ثيبا وزعمت أن عذرتها زالت بسبب أخر من غير وطئه كأصبعه وغيرها فالقول قوله لانه الظاهر والاصل عدم أسباب أخر. وفي المحيط: عنين أجله القاضي سنة وامرأته ثيب فوطئها وادعت بعد الحول أنه لم يطأها وقالت حلفه فأبى أن يحلف ففرق القاضي بينهما لم يسعها أن تتزوج بآخر ولم يسعه أن يتزوج بأختها اه‍ قوله: (وإن اختارته بطل حقها) أطلقه فشمل الاختيار حقيقة وحكما كما إذا قامت من مجلسها أو أقامها أعوان القاضي قبل أن تختار شيئا أو قام القاضي قبل أن تختار لامكان أن تختار مع القيام وعليه الفتوى، كذا في المحيط والواقعات وفي البدائع: ظاهر الرواية أنه لا يتوقف على المجلس. وقيد بقوله بانت بالتفريق لان الفرقة لا تقع باختيارها نفسها بل لا بد من تطليق الزوج بائنة أو تفريق القاضي إن امتنع. وقيل تقع باختيارها، وجعله في الخلاصة ظاهر الرواية والاول رواية الحسن. وأشار ببطلانه باختيارها إلى أنه لو فرق بينهما ثم تزوجها ثانيا لم يكن لها خيار لرضاها بحاله كما لو تزوجته عالمة بحاله على المفتي به كما في المحيط. وفي

[ 212 ]

الخانية: فرق بين العنين وبين امرأته ثم تزوج أخرى تعلم بحاله اختلفت الروايات والصحيح أن للثانية حق الخصومة لان الانسان قد يعجز عن امرأة ولا يعجز عن غيرها. ويحتسب من السنة أيام حيضها ورمضان وحجه وغيبته لا بمرض أحدهما على المفتى به مطلقا كما في الولوالجية. وصحح في الخانية أن الشهر لا يحتسب وما دونه يحتسب. وفي المحيط أصح الروايات عن أبي يوسف أن نصف الشهر وما دونه يحتسب وما زاد على النصف لا يحتسب ولا بحجها وغيبتها وحبسها وامتناعها من المجئ إلى السجن بعد حبسه بعد أن يكون فيه موضع خلوة ولو على مهرها. وفي الخلاصة: لو كان محرما وقت الخصومة أجله بعد الاحرام. وفي الخانية: لو وجدت زوجها مريضا لا يقدر على الجماع لا يؤجل ما لم يصح وإن طال المرض اه‍. وفيها: وإن كان الزوج مظاهرا منها إن كان قادرا على الاعتاق أجله القاضي، وإن كان عاجزا عنه أمهله القاضي شهرين للكفارة ثم يؤجل، وإن ظاهر بعد التأجيل لا يلتفت إليه ويحتسب ذلك عليه اه‍. وفي المحيط الجامع: أصله أن كل موضع تجري الوكالة فيه ينتصب الولي فيه خصما فالتفريق بسبب الجب وخيار البلوغ وعدم الكفاءة تجري الوكالة فيه فانتصب الولي فيه خصما، وكل موضع لا تجري الوكالة فيه لا ينتصب الولي خصما فيه كالفرقة بالاباء عن الاسلام واللعان اه‍. قوله: (ولم يخير أحدهما بعيب) أي لا خيار لاحد الزوجين بعيب في الآخر لان المستحق بالعقد هو الوطئ والعيب لا يفوته بل يوجب فيه خللا ففواته بالموت قبل التسليم لا يوجب الخيار فاختلاله أولى. وفي الهداية: إن اختلاله بالموت لا يوجب الفسخ فبالعيب أولى. واعترض عليه جميع الشارحين بأن النكاح مؤقت بحياتهما ولم يجيبوا وأجبت عنه بجوابين: الاول أن النكاح ينتهي بالموت لا أنه ينفسخ قالوا والشئ بانتهائه يتقرر ولا

[ 213 ]

ينفسخ. والثاني وهو الاحسن أنه على حذف مضاف تقديره لا يوجب خيار الفسخ حتى لا يسقط بالموت شئ من مهرها. أطلق العيب فشمل الجذام والبرص والجنون والرتق والقرن، وخالف الشافعي ومالك وأحمد في هذه الخمسة، وخالف محمد في الثلاثة الاول إذا كانت بالزوج فتخير المرأة بخلاف ما إذا كانت بها فلا يخير لقدرته على دفع الضرر عن نفسه بالطلاق دونها، ويرد عليه تخيير الغلام إذا بلغ عند محمد فإنه قادر بالطلاق. ويمكن أن يجاب بأن خيار البلوغ لدفع ضرر فعل الغير بخلافه هنا لان الزوج فعله كما لا يخفى. الجذام من الجذم بفتح الجيم القطع وهو مصدر من باب ضرب ومنه يقال جذم بالبناء للمفعول إذا أصابه الجذام لانه يقطع اللحم ويسقطه وهو مجذوم. قالوا: ولا يقال فيه من هذا المعنى أجذم وزان أحمر، كذا في المصباح. وفي القاموس: والجذام كالغراب علة تحدث من انتشار السوداء في الجسد كله فيفسد مزاج الاعضاء وهيآتها وربما انتهى إلى تأكل الاعضاء وسقوطها عن تقرح جذم فهو مجذوم ومجذم وأجذم، وهم الجوهري في منعه اه‍. والبرص محركة بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد مزاج. برص كفرح فهو أبرص وأبرصه الله ثم قال في موضع آخر: وجن بالصم جنا وجنونا واستجن مبنيا للمفعول، وتجنن وتجان وأجنه الله فهو مجنون. وأما الرتق ضد الفتق ومحركة جمع رتقة، ومصدر قولك امرأة رتقاء بينة الرتق لا يستطاع جماعها أو لا خرق لها الا المبال خاصة. وفي المصباح: رتقت المرأة رتقا من باب تعب فهي رتقاء إذا استد مدخل الذكر من فرجها فلا يستطاع جماعها. والقرن مثل فلس العفلة وهو لحم ينبت في الفرج في مدخل الذكر كالغدة الغليظة وقد يكون عظما. ويحكى أنه اختصم إلى القاضي شريح في جارية بها قرن فقال أقعدوها فإن أصاب الارض فهو عيب وإلا فلا. وقال القلعي: القرن بفتح الراء بمنزلة العفلة فأوقع المصدر موقع الاسم وهو سائغ، كذا في المصباح. والرتق بفتح التاء كما في العناية. وقد كتبنا في القواعد الفقهية في مذهب الحنفية أن القاضي لو قضى برد أحد الزوجين بعيب نقذ قضاؤه. وفي

[ 214 ]

القنية من الكراهية: جراح اشترى جارية رتقاء فله شق الرتق وإن تألمت اه‍. ولم أر حكم شق الرتقاء المنكوحة وقالوا في تعليل عدم ردها لامكان شقه ولكن ما رأيت هل يشق جبرا أم لا. وفي المعراج: لو تراضى العنين وزوجته على النكاح بعد التفريق فله أن يتزوجها إلا رواية عن أحمد حيث قال لا يجتمعان أبدا كفرقة اللعان وهذا باطل لا أصل له والله أعلم بالصواب. باب العدة لما ترتبت في الوجود على الفرقة بجميع أنواعها أوردها عقيب الكل. وهي لغة الاحصاء عددت الشئ أحصيته إحصاء. وفي شرح المجمع للمصنف العدة مصدر عد الشئ يعده. وسئل عليه السلام متى تكون القيامة قال: إذا تكاملت العدتان أي عدة أهل الجنة وعدة أهل لنار، أي عددهم. وسمي زمان التربص عدة لانها تعده. ويقال على المعدود. وفي الدر النثير أي إذا تكاملت عند الله برجوعهم إليه. وفي المصباح: وعدة المرأة قيل أيام أقرائها مأخوذ من العد والحساب، وقيل تربصها المدة الواجبة عليها والجمع عدد مثل سدرة وسدر. وقوله تعالى * (فطلقوهن لعدتهن) * [ الطلاق: 1 ] قال النحاة: للام بمعنى في أي في عدتهن اه‍. وفي الشريعة ما ذكره بقوله: (هي تربص يلزم المرأة عند زوال النكاح أو شبهته) أي لزوم انتظار انقضاء مدة والتربص التثبت والانتظار قال الله تعالى * (فتربصوا حتى حين) * [ المؤمنون: 52 ] وقال تعالى * (يتربص بكم الدوائر) * [ التوبة: 89 ] وقال تعالى * (فتربصوا إنا معكم متربصون) * [ التوبة: 25 ] كذا في البدائع. وإنما قدرنا اللزوم لان التربص فعلها وقد قالوا إن ركنها حرمات أي لزومات كحرمة تزوجها على الغير. ونقلوا عن الشافعي أن ركنها التربص عنده وفرعوا على الاختلاف تداخل العدتين، فعندنا يتداخلان خلافا له وانقضاؤه بدون علمها عندنا خلافا له وهذا أولى مما في البدائع من جعلها في الشرع عندنا اسما لاجل ضرب لانقضاء ما بقي من آثار النكاح، وعند الشافعي اسما لفعل التربص

[ 215 ]

لانه على هذا التقدير يكون ركنها نفس الاجل وقد صرحوا بخلافه إلا أنه لو صح اندفع الاشكال الوارد على عدة الصغيرة إذ ليس في العدة وجوب شئ بل هي مجرد انقضاء الاجل، والثابت في هذه المدة عدم صحة التزوج لا خطاب أحد بل وضع الشارع عدم الصحة لو فعل. ويرد على ما في الكتاب عدة الصغيرة إذ لا لزوم في حقها ولا تربص واجب، وأجيب بأنها اليست هي الخاطبة بل الولي هو المخاطب بأن لا يزوجها حتى تنقضي مدة العدة ولهذا لم يطلق أكثر المشايخ لفظ الوجوب على عدة الصغيرة لعدم خطابها وإنما يقولون تعتد. وقيد بقوله يلزم المرأة لان ما يلزم الرجل من التربص عن التزوج إلى مضي عدة امرأته في نكاح أختها ونحوه لا يسمى عدة اصطلاحا لاختصاصه بتربصها وإن وجد معنى العدة فيه، ويجوز إطلاق العدة عليه شرعا كما أفهمه ما في فتح القدير. فعلى هذا ما في الكتاب معناها الاصطلاحي. وأما في الشريعة فهي تربص يلزم المرأة والرجل عند وجود سببه. وقد ضبط الفقيه أبو الليث رحمه الله في خزانة الفقه المواضع التي يمتنع الانسان من الوطئ فيها حتى تمضي مدة في عشرين موضعا: نكاح أخت امرأته وعمتها وخالتها وبنت أختها وبنت أخيها والخامسة وإدخال الامة على الحرة ونكاح أخت الموطوءة في نكاح فاسدا أو في شبهة عقد، ونكاح الرابعة كذلك، ونكاح المعتدة للاجنبي، ونكاح المطلقة ثلاثا، ووطئ الامة المشتراة، والحامل من الزنا إذا تزوجها، والحربية إذا أسلمت في دار الحرب وهاجرت إلينا وكانت حاملا فتزوجها رجل، والمسبية لا توطأ حتى تحيض أو يمضي شهر إن كانت لا تحيض لصغر أو كبر، ونكاح المكاتبة ووطؤها لمولاها حتى تعتق أو تعجز نفسها، ونكاح الوثنية والمرتدة والمجوسية لا يجوز حتى تسلم ودخل تحت شبهة النكاح الفاسد، ومن زفت إليه غير امرأته فوطئها. ولكن خرج عن التعريف عدة أم الولد إذا مات مولاها أو أعتقها فإنها واجبة عندنا مع أنها لم تكن عند زوال النكاح أو شبهته. هذا ما أوردته قبل الاطلاع على الاصطلاح ثم رأيته عرفها فيه بما يدخل عدة أم الولد فقال: هي اسم لاجل ضرب لانقضاء ما بقي من آثار النكاح أو الفراش. وقال في إيضاح الاصلاح: لا بد منه لتنظيم عدة أم الولد اه‍. وفي بعض النسخ أو شبهه بإضافة الشبه إلى ضمير النكاح، وعلى النسخة الاولى بإضافة الشبهة إليه، فعلى النسخة الثانية تدخل عدة أم الولد لانها تربص يلزمها عند زوال شبه النكاح لما أن لها فراشا كالحرة وإن كان أضعف

[ 216 ]

من فراشها وقد زال بالعتق ولكن لا يدخل من زفت إليه غير امرأته وقلن امرأتك إلا على النسخة الاولى. وعليها فينبغي أن يقال: قوله أو شبهته معطوف على الزوال لا على النكاح لانه لو عطف عليه لاقتضى أنها لا تجب إلا عند زوال الشبهة وليس كذلك. وأما سبب وجوبها فلكل نوع منها سبب، فعدة الاقراء لوجوبها أسباب منها: الفرقة في النكاح الصحيح سواء كانت بطلاق أو بغير طلاق بعد وطئ أو خلوة، ومنها عدة النكاح الفاسد سببها تفريق القاضي أو المشاركة وشرطها أن تكون بعد الوطئ حقيقة، ومنها عدة الوطئ عن شبهة فسببها الوطئ، ومنها عدة أم الولد وسببها عتق المولى باعتاقه أو موته وأما عدة من لم تحض لصغر أو كبر سببها الطلاق. وشرط وجوبها إما الصغر أو الكبر أو عدم الحيض رأسا. والثاني الدخول حقيقة أو حكما، وأما عدة الحمل فسببها الفرقة أو الوفاة، كذا في البدائع مختصرا وهو مخالف لما في فتح القدير من أن سبب وجوبها عقد النكاح المتأكد بالتسليم أو ما يجري مجراه من الخلوة والموت ولو فاسدا، وأما الفرقة فشرطها فالاضافة في قولهم عدة الطلاق إلى الشرط اه‍. والظاهر ما في فتح القدير لعدم صلاحية الطلاق والموت للسببية لما في المصفي كان القياس أن لا تجب العدة بالطلاق والموت لانهما مزيلان للنكاح والشئ إذا زال يزول جميع آثاره وإنما وجبت بالنص على خلاف القياس اه‍. وحكمها حرمة نكاحها على غيره وحرمة نكاح أختها وأربع سواها كذا قالوا، وينبغي الاقتصار على الثاني لان حرمة نكاحها على غيره من المحرمات التي قدمنا أنها الركن. ومحظوراتها حرمة التزين والتطيب - خصوصا في المبانة - والخروج من المنزل عموما كما سيأتي في الحداد. وأنواعها حيض وأشهر ووضع حمل لتعرف براءة رحم وللتعبد ولاظهار حزن على زوج. وإلى هنا ظهر أن الكلام فيها في عشرة مواضع: معناها لغة وشرعا واصطلاحا وركنها وشرطها وسببها وحكمها ومخطوراتها وأنواعها ودليلها.

[ 217 ]

قوله: (عدة الحرة للطلاق أو الفسخ ثلاثة أقراء) أي حيض ظاهر في أن العدة اسم للاجل المضروب كما في البدائع على إرادة مدة ثلاثة أقراء لانه أوقع ثلاثة خبرا للعدة على تقدير الرفع فهو مخالف لما قدمناه من التحقيق، وأما على تقدير نصب ثلاثة فالمراد كون عدتها في مدة ثلاثة أقراء لان الحرمات تتعلق في مدة الاقراء فكان ظرف زمان معربا واقعا خبرا عن اسم معنى نحو السفر غدا لكنه على تقدير الرفع اعتبر فيه الاطلاق المجازي أعني إطلاق العدة على نفس المدة. أطلق الطلاق فشمل البائن والرجعي ولم يقيد بالدخول بناء على أن الاصل في النكاح الدخول ولا بد منه حقيقة أو حكما حتى تجب على مطلقة بعد الخلوة ولو فاسدة كما بيناه فيها، ولم أر حكم ما إذا وطئها في دبرها أو أدخلت منيه في فرجها ثم طلقها من غير إيلاج في قبلها. وفي تحرير الشافعية وجوبها فيهما ولا بعد أن بحكم على المذهب بالثاني لان إدخال المني محتاج إلى تعرف البراءة أكثر من مجرد الايلاج والاصل في هذا النوع قوله تعالى * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * [ البقرة: 822 ] والمراد بهن المدخولات اللاتي يحضن وهو خبر بمعنى الامر وأصل الكلام ليتربصن ولام الامر محذوفة فاستغنى عن ذكره، وإخراج الامر في صورة الخبر تأكيد له وللاشعار بأنه مما يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله نحو قولهم في الدعاء رحمك الله أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة كأن الرحمة وجدت فهو يخبر عنها. وبناؤه على المبتدأ يدل على زيادة التأكيد، ولو قيل يتربص المطلقات لم يكن بتلك الوكادة لان الجملة الاسمية تدل على الدوام والثبات بخلاف الفعلية. وفي ذكر الانفس تهييج لهن على التربص وزيادة تعب إذ نفوسهن طوامح إلى الرجال فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص. وانتصب ثلاثة على الظرف أي مدة ثلاثة قروء وجاء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الاقراء لجواز استعمال أحد الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في الجميعة، ولعل القروء أكثر في جمع القرء من الاقراء فأوثر عليه تنزيلا لقليل الاستعمال منزلة المهمل، كذا في المعراج. والقرء مشترك بين الحيض والطهر، وأوله أصحابنا في الآية بالحيض، والشافعي بالطهر وموضعه الاصول.

[ 218 ]

وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا طلقها في الطهر فإنه تنقضي العدة برؤية قطرة من الدم من الحيضة الثالثة عنده، وعندنا لا تنقضي العدة ما لم تطهر منها، كذا في غاية البيان. وفي المبسوط: الحيضة الاولى لتعرف براءة الرحم، والثانية لحرمة النكاح، والثالثة لفضيلة الحرية وشمل جميع أسبابه من الفسخ بخيار البلوغ والعتق وملك أحد الزوجين صاحبه وردة أحدهما، وقدمنا في نكاح الاولياء جملة الفرق والايراد على قولهم أنه لا يحتمل الفسخ بعد التمام، ثم رأيت في إيضاح الاصلاح هنا أنه لا فرق بين الطلاق أو الفسخ أو الرفع ثم قال: اعلم أن النكاح بعد التمام لا يحتمل الفسخ فكل فرقة بغير طلاق قبل تمام النكاح كالفرقة بخيار البلوغ والفرقة بخيار العتق والفرق بعدم الكفاءة فسخ، وكل فرقة بغير طلاق بعد تمام النكاح كالفرقة بملك أحد الزوجين الآخر والفرقة بتقبيل ابن الزوج ونحوه رفع وهذا واضح عند من له خبرة في هذا الفن اه‍. وعدم الكفاءة ومن هذا النوع ما إذا تزوج المكاتب بنت مولاه بإذنه ثم مات المكاتب بعد موت المولى لا عن وفاء فإن النكاح يفسد وتعتد بثلاث حيض إن كانت مدخولا بها وسقط مهرها بقدر ما ملكت منه وإلا فلا عدة، وإن مات عن وفاء تعتد عدة الوفاة دخل بها أو لم يدخل، ولها الصداق والارث لانا حكمنا بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته، وقدمنا في فصل التحليل أن العدة لا تظهر في حق المطلق حيث كان دون الثلاث وهكذا في الفسخ، فلو اشترى زوجته بعد الدخول لا عدة عليها له وتعتد لغيره حتى لا يزوجها من الغير ما لم تحض حيضتين، ولهذا لو طلقها السيد في هذه العدة لم يقع طلاقه لانها معتدة بالنسبة إلى غيره ولهذا تحل له بملك اليمين بخلاف ما إذا اشترت الحرة زوجها بعد الدخول وقد كان قال لها أنت طالق للسنة وهي حائض ثم طهرت من حيضها وقع الطلاق لعدم ارتفاع عدة الطلاق بدليل حرمة وطئها. ولا بد في انقضاء عدتها من الاقرار بالطلاق لانه لو طلقها وأقام معها زمانا منكرا طلاقها لم تنقض عدتها، هكذا اختاره المشايخ كذا في المحيط وسيأتي زيادة بيان له. ولو اشترى المكاتب زوجته ثم مات فإن ترك وفاء فهو حر في آخر حياته وفسد نكاحه، فإن لم يكن دخل بها فلا عدة لوقوع الفرقة قبل الدخول وهي أمة، فإن

[ 219 ]

كانت ولدت منه تعتد بثلاث حيض حيضتان بالفرقة وثلاث بالوفاة إلا أنها تتداخل وتحد في الاوليين دون الثالثة، كذا في المحيط. وأطلق الحرة فشمل المسلمة والكتابية تحت مسلم فالكتابية تحت المسلم كالمسلمة حرتها كحرتها وأمتها كأمتها، وأما إذا كانت تحت ذمي فلا عدة عليها إذا كانوا لا يدينون ذلك إلاءذا كانت حاملا عند الامام خلافا لهما وقد مرت، وذكرها في البدائع هنا. وفي الولوالجية قال: إلا أن تكون حاملا فتمنع من التزوج إن كان ذلك في دينهم اه‍. فقيد الحامل بأن تكون في دينهم العدة لها. وفي البزازية: شهدا أن زوجها طلقها ثلاثا إن كان غائبا ساغ لها أن تتزوج بآخر، وإن كان حاضرا لا لان الزوج إذا أنكر احتيج إلى القضاء بالفرقة ولا يجوز القضاء بها إلا بحضرة الزوج. وفيها: لو شهد عندها رجلان أنه طلقها ليس لها أن تمكن من نفسها وإن أخبرها واحد ليس لها الامتناع اه‍. فقد قبل خبر الواحد العدل بموته عندها ولم يقبل بطلاقه، وذكر في الاستحسان لو أخبر الابن رجلان أن فلانا قتل أباه ليس له أن يقتله حتى يحكم القاضي بشهادتهما بخلاف المرأة إذا أخبرها عدلان بالطلاق فإنه يحرم عليها التمكين من غير حكم بشهادتهما. ولو برهن القاتل عند ابن المقتول أنه قتله للردة أو للقصاص إن كان الشاهدان ممن لو شهدا عند الحاكم تقبل شهادتهما ليس للابن قتله وإلا فله اه‍. قوله: (وثلاثة أشهر إن لم تحض) أي عدة الحرة إن لم تكن من ذوات الحيض لصغر أو كبر مدة ثلاثة أشهر لقوله تعالى * (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر) * [ الطلاق: 4 ] في حق الآيسة وقوله تعالى * (واللائي لم يحضن) * [ الطلاق: 4 ] في حق الصغيرة ومن بلغت بالسن ولم تحض. وشمل قوله إن لم تحض أيضا البالغة إذا لم تر دما أو رأت وانقطع قبل التمام، ومن بلغت مستحاضة، والمستحاضة التي نسيت عادتها وهو مما يلغز به فيقال: شابة ترى ما يصلح حيضا في كل شهر وعدتها بالاشهر لكن في التحقيق لما نسيت عادتها جاز كونها أول كل شهر وآخره فإذا قدرت بثلاثة أشهر علم أنها حاضت ثلاث حيض بيقين بخلاف ما لم تنس فإنها ترد إلى أيام عادتها فجاز كون عدتها أول الشهر فتخرج من العدة بخمسة أو ستة من الثالث. وفي فتح القدير أخذا من الزيلعي في الحيض:

[ 220 ]

واعلم أن إطلاقهم الانقضاء بثلاثة أشهر في المستحاضة الناسية لعادتها لا يصح إلا فيما إذا طلقها أول الشهر، أما إذا طلقها بعد ما مضى من الشهر قدر ما يصلح حيضة فينبغي أن يعتبر ثلاثة أشهر غير باقي هذا الشهر ا ه‍. اعلم أن ما ذكره في فتح القدير أن تقدير عدتها بثلاثة أشهر قول المرغيناني وذكر هو في الحيض اختلافا قال: والفتوى على قول الحاكم من أن طهرها مقدر بشهرين فعلى هذا لا بد من ستة أشهر للاطهار وثلاث حيض بشهر احتياطا. والمراد بالصغيرة من لم تبلغ سن الحيض والمختار المصحح أنه تسع، وعن الامام الفضلي أنها إذا كانت مراهقة لا تنقضي عدتها بالاشهر بل يوقف حالها حتى يظهر هل حبلت من ذلك الوطئ أم لا، فإن ظهر حبلها اعتدت بالوضع وإن لم يظهر فبالاشهر ا ه‍. وفي فتح القدير: ويعتد بزمن التوقف من عدتها لانه كان ليظهر حبلها فإذا لم يظهر كان من عدتها ا ه‍. وفي التتارخانية: امرأة رأت الدم وهي بنت ثلاثين سنة مثلا رأت يوما دما لا غير ثم طلقها زوجها قال: ليست هي آيسة. وقال أبو جعفر: تعتد بالشهور لانها من اللائي لم يحضن وبه تأخذ ا ه‍. وفي الصغرى واعتبار الشهور في العدة بالايام دون الاهلة بالاجماع إنما الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في الاجارة ا ه‍. وفي المجتبى جعله على الخلاف كالاجارة والدين وإنما تعتبر بالايام اجماعا مدة العنين. وفي التتارخانية: امرأة بلغت فرأت يوما دما ثم انقطع عنها الدم حتى مضت سنة ثم طلقها زوجها فعدتها بالاشهر ا ه‍. وخرج بقوله إن لم تحض الشابة الممتد طهرها فلا تعتد بالاشهر وصورتها: إذا رأت ثلاثة أيام وانقطع ومضى سنة أو أكثر ثم طلقت فعدتها بالحيض إلى أن تبلغ إلى حد الاياس وهو خمس وخمسون سنة في المختار، كذا في البزازية. ومن الغريب ما في البزازية قال العلامة والفتوى في زماننا على قول مالك في عدة الآيسة ا ه‍. ولو قضى قاض بانقضاء عدة الممتد طهرها بعد مضي تسعة

[ 221 ]

أشهر نفذ كما في جامع الفصولين. ونقل في المجمع أن مالكا يقول: إن عدتها تنقضي بمضي حول. وفي شرح المنظومة أن عدة الممتد طهرها تنقضي بتسعة أشهر كما في الذخيرة معزيا إلى حيض منهاج الشريعة ونقل مثله عن ابن عمر قال: وهذه المسألة يجب حفظها لانها كثيرة الوقوع. وذكر الزاهدي وقد كان بعض أصحابنا يفتون بقول مالك في هذه المسألة للضرورة خصوصا الامام والدي ا ه‍. قلت: لكنه مخالف لجميع الروايات لا يفتى به نعم لو قضى مالكي به نفذ. وفي فتح القدير: ثم أكثر المشايخ لا يطلقون لفظ الوجوب على هذه الصغيرة لانها غير مخاطبة بل يقولون تعتد. وفي المبسوط قال بعض علمائنا: هي لا تخاطب بالاعتداد لكن الولي يخاطب بأن لا يزوجها حتى تنقضي مدة العدة مع أن العدة مجرد مضي المدة فثبوتها في حقها لا يؤدي إلى توجيه خطاب الشرع عليها، ولا يخفى أن القائل الاول قوله مبني على أنه يراها الحرمات أو التربص الواجب، فإن قلت على تقدير كونها مضي المدة أليس أن فيها يجب أن لا تتزوج فلا بد أن يتعلق خطاب نهي التزوج بالولي فجعلها المدة كما قال شمس الائمة لا يستلزم انتفاء قول الاول ويخاطب الولي بأن لا يزوجها، فالجواب لا يلزم فإنا إذا قلنا إنها المدة فالثابت فيها عدم صحة التزوج لا خطاب أحد بل وضع الشارع عدم الصحة لو فعل ا ه‍. والحاصل أن الصغيرة أهل لخطاب الوضع وهذا منه كما خوطب الصغيرة والصغيرة بضمان المتلفات، ولو حاضت الصغيرة في الاشهر الثلاثة تستأنف العدة بالحيض، ولو حاضت الكبيرة حيضة ثم أيست استأنفت بالشهور تحرزا عن الجمع بين الاصل والخلف، وقد فسر القاضي قوله تعالى إن ارتبتم شككتم وجهلتم ا ه‍. وإذا كان هذا مع الارتياب ففي غيره بالاولى، كذا في غاية البيان. وفي الفخر الرازي: إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ الاياس أهو دم حيض أو استحاضة. وروي أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: يا رسول الله قد عرفنا عدة التي تحيض فما عدة التي لم تحض؟ فنزلت * (واللائي يئسن) * [ الطلاق: 4 ] فقام رجل فقال: ما عدة الصغيرة فنزل * (واللائي لم يحضن) * [ الطلاق: 4 ] أي هي بمنزلة الكبيرة

[ 222 ]

فقام آخر فقال: ما عدة الحوامل فنزل * (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * [ الطلاق: 4 ] ا ه‍ وذكر في الدر المنثور للاسيوطي أن السائل عن المسائل الثلاث أعني عن الكبرى والصغرى والحامل أبي بن كعب رضي الله عنه. وأخرج عن مجاهد في قوله تعالى * (إن ارتبتم) * إن لم تعلموا الحيض أم لا. فإن قلت: لم لم يكتف بقوله * (واللائي لم يحضن) * عما قبلها؟ قلت الآيسة يصدق عليها أنها حاضت فلم تدخل تحت قوله * (واللائي لم يحضن) * لان المعنى لا حيض لهن أصلا إما للصغر أو بلغت ولم تحض فلذا أفردها. قوله: (وللموت أربعة أشهر وعشر) أي عدة المتوفى عنها زوجها بعد نكاح صحيح إذا كانت حرة أربعة أشهر وعشرة أيام لقوله تعالى * (والذي يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) * [ البقرة: 432 ] أي عشرة أيام بناء على أنه إذا ذكر عدد الايام أو الليالي فإنه يدخل ما بإزائه من الآخر، وبه اندفع قول الاوزاعي إن العدة أربعة أشهر وعشر ليال أخذا من تذكير العدد أعني العشر في الكتاب كما سمعت، وفي السنة في حديث لا حداد إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا. والحاصل أن الاوزاعي يقول بتسعة أيام وعشر ليال حتى لو تزوجت في اليوم العاشر جاز، هكذا فرعه في معراج الدراية على قول الاوزاعي وتبعه في فتح القدير لكن في فتاوى قاضيخان حكي عن الفضلي كقول الاوزاعي فقال: وحكي عن الشيخ الامام أبي بكر محمد بن الفضل أنه قال: تعتد أربعة أشهر وعشر ليال لان الله تعالى ذكر العشر مذكرا وجمع الليالي بذكر لفظ التذكير وجمع الايام بلفظ التأنيث فعلى قوله تزيد العدة بليلة واحدة وهذا أقرب إلى الاحتياط ا ه‍. فظاهره أن من اعتبر الليالي إنما زاد لا أنه نقص فإذا تزوجت في اليوم العاشر لم يجز اتفاقا، وإنما يظهر الاختلاف

[ 223 ]

فيما إذا مات قبل طلوع الفجر وتربصت الاهلة الاربعة فإن عدتها لا تنقضي بمضي اليوم العاشر من الخامس بل لا بد من مضي الليلة التي بعد العاشر على قول الفضلي والاوزاعي، وعلى قول العامة تنقضي بغروب الشمس، ولا يخفى أن الاول أحوط. وفي المجتبى أن العشر عشرة أيام وعشر ليال من الشهر الخامس عندنا. وقال ابن عمر: عشر ليال وتسعة أيام ا ه‍. وأكثر أهل العربية أن العدد إنما يكون عكس المعدود تذكيرا وتأنيثا حيث كان المعدود مذكورا، وأما إذا كان محذوفا فإنه يجوز ترك التاء في العدد الذي معدوده مذكر كقوله عليه السلام من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال كذا في بعض شروح الالفية وذكره الكرماني في شرح حديث بني الاسلام على خمس. والنكتة في عدم الاتيان بالتاء ما ذكره الرازي أن هذه أيام الحزن والمكروه ومثل هذه الايام تسمى بالليالي استعارة كقولهم خرجنا ليالي الفتنة وتمامه فيه. وفي المحيط: إذا اتفق عدة الطلاق والموت في غرة الشهر اعتبرت الشهور بالاهلة، وإن انقصت عن العدد، وإن اتفق في وسط الشهر فعند الامام تعتبر بالايام فتعتد في الطلاق بتسعين يوما، وفي الوفاة بمائة وثلاثين يوما. وعندهما يكمل الاول من الاخير وما بينهما بالاهلة ومدة الايلاء. واليمين أن لا يكلم فلانا أربعة أشهر والاجارة سنة في وسط الشهر وسن الرجل متى ولد في أثنائه، وصوم الكفارة إذا شرع فيه من وسط الشهر على هذا الاختلاف ا ه‍. وقدمنا عن المجتبى تأجيل العنين إذا كان في أثناء الشهر فإنه يعتبر بالايام إجماعا، ويستثنى أيضا من الخلاف لو طلق الحامل في وسط الشهر فإنه يفصل بين كل طلاقين بثلاثين يوما فإذا طلقها الثالثة فقد بانت منه بثلاث وبقي من عدتها ثلاثون يوما وهو

[ 224 ]

قول الكل وهو الصحيح لان عندهما تعذر اعتبار الاهلة في جميع العدة لانا لو اعتبرنا الشهر الثاني والثالث بالهلال في حق انقضاء العدة فربما ينقصان يومين، فمتى اعتبرنا الفاصل بين الطلاقين ثلاثين يوما يبقى بعد الطلقة الثالثة ثمانية وعشرون يوما وذلك أقل من شهر ولا يجوز انقضاء العدة به، كذا في المحيط وفي الصغرى واعتبار العدة بالايام اجماعا إنما الخلاف في الاجازة ا ه‍. ونقله عنها في التتارخانية. وفي التتارخانية: امرأة الغائب إذا أخبرها رجل بموت زوجها وأخبرها رجلان بحياته فإن كان الذي أخبر بموته شهد أنه عاين موته أو جنازته وكان عدلا وسعها أن تعتد وتتزوج، هذا إذا لم يؤرخا، فإن أرخا وتاريخ شهود الحياة متأخر فشهادتهما أولى. وفي النسفية: سئل عن امرأة لها زوج غائب أخبرها رجل بموته فاعتدت وتزوجت ودخل بها فجاء آخر وأخبرها أنه حي في بلد كذا وأنا رأيته فهل يحل لها المقام مع الثاني؟ فقال: إن كانت صدقت المخبر الاول لا يمكنها أن تصدق المخبر الثاني ولا يبطل النكاح الثاني ولهما أن يقرا على ذلك النكاح. وفي شهادات البزازية: قال رجل لامرأة سمعت أن زوجك مات لها أن تتزوج إن كان المخبر عدلا، فإن تزوجت بآخر وأخبرها جماعة بأنه حي إن صدقت الاول صح النكاح، كذا في فتاوى النسفي. وفي المنتقى: شرط عدالة المخبر ولا يشترط تصديقها. وفي النوازل: لو عدلا لكن أعمى أو محدودا في قذف جاز، ولو شهد عندها عدل أن زوجها ارتد هل لها أن تتزوج؟ فيه روايتان: في رواية لسبر لا يجوز وفي الاستحسان يجوز. وأطلق في عدة الحرة للموت فشمل المسلمة والكتابية تحت المسلم صغيرة كانت أو كبيرة أو آيسة، سواء كان زوجها حرا أو عبدا، قبل الدخول أو بعده، ولم يخرج عنها إلا الحامل فإنها تعتد بالوضع في الوفاة أيضا ولذا أخر عدة الحامل عن المتوفى عنها زوجها للاشارة إلى أنها باقية على عمومها كما سترى. وفي البدائع أن سببها الموت وشرط وجوبها النكاح الصحيح فلا تجب في النكاح الفاسد ا ه‍. وسيأتي أن مبدأها من وقت الوفاة لا من وقت العلم بها ولا بد من بقاء النكاح صحيحا إلى الموت فلو فسد قبله لم تجب عدة الوفاة ولهذا قدمنا أن المكاتب لو اشترى زوجته ثم مات عن وفاء لم تجب عدة الوفاء فإن لم يدخل بها فلا عدة أصلا، وإن دخل بها فولدت منه صارت أم ولد له فعدتها ثلاث حيض، وإن لم تكن ولدت منه فعليها أن تعتد بحيضتين لفساد النكاح قبل الموت، وإن لم يترك وفاء تعتد بشهرين وخمسة أيام عدة الوفاء لانهما مملوكان للمولى كما في الخانية، ولكن ذكر في المحيط أنها إذا ولدت منه وقلنا عدتها ثلاث حيض تحد في الاولين دون الثالثة، ولو تزوج المكاتب بنت مولاه فإن مات عند وفاء فعدتها عدة الحرة

[ 225 ]

عن وفاة دخل بها أم لا وإلا لم تعتد للوفاة، فإن لم يدخل فلا عدة، وإن دخل بها تعتد بثلاث حيض. قوله: (وللامة قرآن ونصف المقدر) أي وعدة الامة حيضتان في الطلاق بعد الدخول إن كانت ممن تحيض وإلا فشهر ونصف في الطلاق وشهران وخمسة أيام في الوفاة. أطلقها فشمل القنة وأم الولد والمدبرة والمكاتبة والمستسعاة على قول الامام، سواء كانت معتقة البعض أو لا كالمعتقة في مرض الموت إذا كانت لا تخرج من الثلث، والمدبرة بعد موت مولاها في زمن السعاية فإن المستسعى كالمكاتب عنده وحر مديون عندهما، ولا بد من قيد الدخول في الامة إلا في المتوفى عنها زوجها. والحاصل أن الرق منصف نعمة وعقوبة لكن في الصلاة والصوم والطهارة هما سواء، وفي صوم الكفارات هما سواء، وفي أجل العنين هما سواء بخلاف إيلاء الامة فإنها على النصف كما قدمناه، وفي الحدود على النصف، وفي النكاح على النصف، وفي الطلاق على النصف واعتباره بالمرأة، وفي القصاص هما سواء بخلاف الاطراف فهو منصف إلا في العبادات وما فيه معنى العبادة والايلاء والقصاص. ودليل التنصيف في عدة الامة الحديث وعدتها حيضتان. وأورد عليه في الكافي أنه معارض بعموم القطعي وتخصيص العام ابتداء لا يجوز بخبر الواحد والقياس ولهذا قال أبو بكر الاصم بأن عدتها ثلاثة أقراء، وأجاب عنه بأنه من المشاهير تلقته الامة بالقبول أو لان الآية إنما هي في الحرائر بدليل السياق * (مما آتيتموهن) * [ البقرة: 922 ] * (حتى تنكح) * [ البقرة: 032 ] * (فيما افتدت به) * [ البقرة: 922 ]. وفي كافي الحاكم: توفي عن امرأة وهي مملوكة واعتدت بشهرين وخمسة أيام وأقرت بانقضاء عدتها ثم ولدت لاكثر من ستة أشهر من يوم الاقرار لم يلزم الزوج، وإن لم تقر لزمه الولد إلى سنتين، وفي الخانية: امرأة قالت في عدة الوفاة لست بحامل ثم قالت من الغد أنا حامل كان القول قولها، وإن قالت بعد أربعة أشهر وعشرة أيام لست بحامل ثم قالت أنا حامل لا يقبل قولها وسيأتي في آخر الباب.

[ 226 ]

قوله: (وللحامل وضعه) أي وعدة الحامل وضع الحمل لقوله تعالى * (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * [ الطلاق: 4 ] أطلقها فشمل الحرة والامة المسلمة والكتابية مطلقة أو متاركة في النكاح الفاسد أو وطئ بشبهة والمتوفى عنها زوجها لاطلاق الآية. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: من شاء بأهلته إن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة يريد بالقصرى * (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) * [ الطلاق: 1 ] وبالطولي * (والذين يتوفون منكم) * [ البقرة: 432 ] الآية. والمباهلة الملاعنة. وفي رواية من شاء لاعنته وفي رواية حالفته وكانوا إذا اختلفوا في أمر يقولون لعنة الله على الكاذب منا. قالوا: وهي مشروعة في زماننا كما في غاية البيان وفتح القدير. وقال عمر رضي الله عنه: لو وضعت وزوجها على سريره لانقضت عدتها ويحل لها أن تتزوج. وعن علي وابن عباس رضي الله عنهم تعتد الحامل المتوفي عنها زوجها بأبعد الاجلين يعني لا بد من وضع الحمل ومضي أربعة أشهر وعشر، هذا معنى أبعد الاجلين: وفي التفسير الكبير للامام الرازي أن الشافعي لم يقل إن آية القصرى مخصصة لآية الطولى لوجهين: الاول أن كل واحدة من هاتين الآيتين أعم من الاخرى من وجه وأخص منها من وجه، فإن الحامل قد يتوفى عنها زوجها وقد لا يتوفى، والمتوفي عنها زوجها قد تكون حاملا وقد لا تكون فامتنع أن تكون إحداهما مخصصة للاخرى. الثاني أن قوله تعالى * (وأولات الاحمال أجلهن) * إنما ورد بعد ذكر المطلقات فربما كانت في المطلقة فلهذين السببين لم يعول الشافعي رحمه الله على القرآن وإنما عول على السنة وهو حديث سبيعة الاسلمية ا ه‍. وحاصل ما في التلويح إنهما متعارضان في حق الحامل والمتوفى عنها زوجها فعلى رأي على من عدم معرفة التاريخ يثبت حكم التعارض بقدر ما تعارضا فيه فرجعنا إلى السنة، وعلى رأي ابن مسعود القائل بتأخر القصرى كانت القصرى ناسخة للطولي فيما تعارضا فيه وهي الحامل المتوفى عنها زوجها فقط ا ه‍. ما في التلويح هنا. وليس معناه كما قلناه في زوجة الفار، وقد سها صاحب المعراج ففسر أبعد الاجلين المروي عن علي رضي الله عنه بأربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض، ونقله عن فتاوى قاضيخان وإنما هذا في عدة امرأة الفار وأنه لا دخل للحيض في عدة الحامل أصلا ولهذا قال في المحيط: عن علي تعتد بأبعد الاجلين وهما الاشهر ووضع الحمل. وهكذا في فتح

[ 227 ]

القدير. وإنما قالا بذلك لعدم علمهما بالتاريخ فكان ذلك أحوط، وعامة الصحابة رضي الله عنهم لما علموا التاريخ قالوا بوضع الحمل لتأخر آيته. قال القاضي في تفسيره: وهو حكم يعم المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن والمحافظة على عمومه أولى من المحافظة على عموم قوله تعالى * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا) * [ البقرة: 432 ] لان عموم أولات الاحمال بالذات وعموم أزواجا بالعرض والحكم يتعلل ها هنا بخلافه. ثم ولانه صح أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بليال فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد حللت فتزوجي. ولانه متأخر النزول فتقديمه تخصيص وتقديم الآخر بناء العام على الخاص والاول أرجح للوفاق عليه ا ه‍. وفي الدر المنثور عن ابن مسعود رضي عنه مرفوعا: نسخت سورة النساء القصرى كل عدة وأولات الاحمال أجل كل حامل مطلقة أو متوفى عنها زوجها أن تضع حملها. وأخرج عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنها نزلت بعد سبع سنين. ونقل عن أبي بن كعب وأبي سعيد الخدري رضي الله عنه وعمر وابنه وأبي هريرة وعائشة والمسور بن محزمة رضي الله

[ 228 ]

عنهم كقول ابن مسعود. ومعنى قول القاضي إن عموم أولات بالذات أن الموصول من صيغ العموم، ومعنى قوله إن عموم أزواجا بالعرض أن عمومه بدلي لا يصلح لتناول جميع الازواج في حال واحد، ومعنى قوله إن الحكم يتعلل هنا أن الحكم هنا معلل بوصف الحملية بخلاف ذلك، وقوله والاول أرجح أي التخصيص أولى من النسخ لانا إذا أخرنا آية الحمل عن آية الوفاة كانت مخصصة لآية الوفاة، وإذا قدمنا آية الحمل على آية الوفاة كانت رافعة لما في الخاص من الحكم وهو نسخ. وفي المعراج: حمل أهل العلم آية البقرة على الحوامل تخصيصا بآية القصرى والتخصيص أولى من دعوى النسخ ا ه‍. وفي البدائع: إن كان بين نزول الآيتين زمان يصلح للنسخ فينسخ الخاص المتقدم بالعام المتأخر كما هو مذهب مشايخنا بالعراق ولا يبنى العام على الخاص أو يعمل بالنص العام على عمومه ويتوقف في حق الاعتقاد كما هو مذهب مشايخ سمرقند ولا يبنى العام على الخاص ا ه‍. وذكر البقاعي في المناسبات: لما كان توحيد الحمل لا ينشأ عنه لبس وكان الجمع ربما أوهم أنها لا تحل واحدة منهما حتى تضع جمعا قال حملهن ا ه‍. وذكر الفخر الرازي أنه قرئ أحمالهن ثم قال أن يضعن حملهن ولم يقل أن يلدن لانه لو قاله لانقضت بولادة أحد الولدين ا ه‍. يعني وهو بعض الحمل فلا تنقضي حتى تضع جميع ما في البطن لان الحمل اسم لجميع ما في البطن ولهذا قال الاصوليون: لو قال إن كان حملك ذكرا فانت حرة فولت ذكرا وأنثى لا تعتق لانه اسم لجميع ما في البطن كقوله إن كان ما في بطنك ذكر. وفي البدائع: وشرط

[ 229 ]

وجوبها أن يكون الحمل من نكاح، صحيحا كان أو فاسدا، ولا تجب على الحامل من الزنا لان الزنا لا يوجب العدة إلا أنه إذا تزوج امرأة وهي حامل من الزنا جاز النكاح. وفي فتح القدير: لو تزوجت بعد الاشهر ثم جاءت بولد لاقل من ستة أشهر من المدة ظهر فساد النكاح وألحق بالميت ا ه‍. فعند أبي حنيفة ومحمد لا يجوز له أن يطأها ما لم تضع كيلا يكون ساقيا ماء زرع غيره فظهر أن الحامل من الزنا لا عدة عليها أصلا، وأما الموطوءة بشبهة فعدتها بالاقراء كما سيأتي إلا إذا كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل كما في تزوج الحامل التي من الزنا ثم طلقها فولدت انقضت عدتها عندهما بالوضع. وفي البدائع: وقد تنقضي العدة بوضع الحمل من الزنا بأن تزوجت الحامل من الزنا ثم طلقها فولدت انقضت عدتها عندهما بالوضع. ولدت وفي بطنها آخر تنقضي العدة بوضع الآخر لان الحمل اسم لجميع ما في البطن، وإذا أسقطت سقطا استبان بعض خلقه انقضت به العدة لانه ولد، وإن لم يستبن بعض خلقه لم تنقض لان الحمل اسم لنطفة متغيرة بدليل أن الساقط إذا كان علقة أو مضغة لم تنقض به العدة لانها لم تتغير فلا يعرف كونها متغيرة بيقين إلا باستبانة بعض الخلق، كذا في المحيط. وفي التتارخانية قال: إذا ولدت ولدا فأنت طالق فولدت ولدا ثم ولدت لستة أشهر ثبت نسب الثاني أيضا وانقضت به العدة ولا يجب به العقر. وفي الكافي للحاكم: قال لها كلما ولدت ولدا فأنت طالق فولدت ولدين في بطن واحد طلقت بالاول وانقضت العدة بالآخر ولا يقع به طلاق، ولو ولدت ثلاثة في بطن وقعت طلقتان وانقضت العدة بالثالث، ولو كان بين الولدين ستة أشهر ولم تقر بانقضاء العدة طلقت ثلاثا وتعتد بالاقراء بعد الثالث ا ه‍. وفي الخانية: طلقها رجعيا فتزوجت في العدة ثم طلقها الثاني فجاءت بولد لاكثر من سنتين من طلاق الاول ولستة أشهر من طلاق الثاني فإن الولد للثاني، ولو تزوجت المنعي إليها زوجها ثم ولدت أولادا ثم جاء الزوج الاول حيا كان الامام أبو حنيفة يقول: الاولاد للاول ثم رجع عنه وقال للثاني وعليه الفتوى. ا ه‍ منتفي. قال محمد في نوادر ابن رستم: لو خرج من قبل الرأس نصف البدن غير الرأس أو خرج من قبل الرجلين نصف البدن غير الرجلين انقضت به العدة وفسر فقال: النصف من البدن هو من أليتيه إلى منكبيه ولا يعتد بالرأس ولا بالرجلين. وقال في الهارونيات: لو خرج أكثر الولد لم تصح الرجعة وحلت للازواج. وقال مشايخنا: لا تحل للازواج أيضا لانه قام مقام الكل في حق انقطاع الرجعة

[ 230 ]

احتياطا ولا يقوم مقامه في حق حلها للازواج احتياطا. وفي نوادر ابن سماعة: لو جاءت المبانة المدخولة بولد فخرج رأسه لاقل من سنتين وخرج الباقي لاكثر من سنتين لم يلزمه حتى يخرج الرأس ونصف البدن لاقل من سنتين ويخرج الباقي لاكثر من سنتين أو يخرج من قبل الرجلين الاكثر من البدن لاقل من سنتين ويخرج ما بقي لاكثره، ولو خرج الرأس فقتله إنسان وجبت الدية ولا يجب القصاص، وكذلك في أذنيه، ولو قطع الرجلين قبل الرأس وجبت الدية. وفي نوادر ابن هشام: قال لجاريته أنت حرة وقد خرج رأس الولد مع نصف البدن لا تعتق حتى يخرج النصف سوى الرأس. ا ه‍. ما في المحيط. والحاصل أن خروج الاكثر كالكل في جميع الاحكام إلا في حلها للازواج على قول المشايخ، وخروج الرأس فقط أو مع الاقل لا اعتبار به فلا تنقضي به العدة ولا يثبت نسب من المبانة إذا كان لاقل من سنتين والباقي للاكثر، ولا قصاص بقطعهما ودليل مسألة العتق في المحيط محرفة من الكاتب. وحاصلها أن الحمل يتبع الام في العتق فإذا أعتقت بعد خروج بعضه، فإن خرج الاكثر أو النصف لا يتبعها، وإن خرج الاقل يتبعها. وفي المحيط أيضا: تزوج بامرأة فجاء بسقط بعد أربعة أشهر إلا يوما لم يجز النكاح إن كان قد استبان خلقه لانه لا يستبين خلقه إلا في مائة وعشرين يوما أربعين يوما نطفة وأربعين علقة وأربعين مضغة ثم ينفخ فيه الروح، وإن سقط لاربعة أشهر تامة فهو من الزوج والعمل على مائة وعشرين يوما، وإن تزوجها في عشر من الشهر فخمسة أشهر بالاهلة وعشرين يوما من السادس في لزوم الولد ا ه‍. وفي الخانية: المتوفي عنها زوجها إذا ولدت لاكثر من سنتين من وقت الموت يحكم بانقضاء عدتها قبل الولادة بستة أشهر وزيادة فتجعل كأنها تزوجت بزوج آخر بعد انقضاء عدتها وحبلت من الثاني ا ه‍. والحاصل أن السقط الذي استبان بعض خلقه يعتبر فيه أربعة أشهر وتام الخلق ستة أشهر، كذا في المجتبى. وفي التتارخانية: المعتدة عن وطئ بشبهة إذا حبلت في العدة ثم وضعت انقضت عدتها. وفي البزازية: لو قالت المعتدة ولدت لا يقبل قولها بلا بينة فإن طلب يمينها بالله لقد أسقطت سقطا مستبين الخلق حلفت اتفاقا ا ه‍. قوله: (وزوجة الفار أبعد الاجلين) أي وعدة المطلقة بائنا في مرض موته بغير رضاها عدة الوفاة وعدة الطلاق فالمراد بأبعد الاجلين مضي أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض حتى لو مضت هذه المدة ولم تحض ثلاثا كانت في العدة حتى تحيض ثلاثا، ولو حاضت ثلاثا قبل تمام هذه المدة لم تنقض حتى تتم كما ذكره في الخانية والعناية. واعترضه في فتح القدير بأنه مقصر لانه لا يصدق إلا إذا كانت الاربعة الاشهر وعشرا بعد من الثلاث حيض وحقيقة

[ 231 ]

الحال أنها لا بد أن تتربص الاجلين ا ه‍. وجوابه أنه لا بأس بعد التصريح بالمراد فلا تقصير. وفي المجتبى يعني بأبعد الاجلين عدة الوفاة إن كانت أطول وعدة الطلاق إن كانت أطول. قلت: ويعتبر الحيض من وقت الطلاق لا الوفاة ا ه‍. فعلى هذا قول من فسره بالاربعة الاشهر والعشر فيها ثلاث حيض مشكل لانه يقتضي أنه لا بد أن تكون الحيض كلها في عدة الوفاة، وعلى ما في المجتبى لو حاضت حيضتين قبل وفاته ولم تحض بعد وفاته إلا واحدة ومضت عدة الوفاة كفي بخلاف ما في الخانية. قيدنا بكونه بائنا لانه لو طلقها رجعيا فعدتها عدة الوفاة، سواء طلقها في الصحة أو في المرض بطريق انتقال عدة الطلاق إلى عدة الوفاة وترث منه. وقيدنا بكونه في مرض موته لانه لو طلقها بائنا في صحته لم تنتقل ولا ترث، وما ذكره المصنف قولهما. وقال أبو يوسف: عدتها ثلاث حيض لان النكاح قد انقطع قبل الموت بالطلاق ولزمها ثلاث حيض، وإنما تجب عدة الوفاة إذا زال النكاح بالوفاة إلا أنه بقي في حق الارث لا في حق تغيير العدة بخلاف الرجعي لان النكاح باق من كل وجه. ولهما أنه لما بقي في حق الارث يجعل باقيا في حق العدة احتياطا فيجمع بينهما، كذا في الهداية. وأورد على قولهما لو ارتد زوج المسلمة فمات أو قتل على ردته ترثه زوجته المسلمة وعدتها بالحيض فقد بقي في حق الارث ولم يبق في حق العدة فكذا في زوجة الفار. والجواب منع حكم المسلمة بل يلزمها عدة الوفاة على ما أشار إليه الكرخي فهو على الاختلاف، وقيل عدتها بالحيض إجماعا لان النكاح ما اعتبر باقيا إلى وقت الموت في حق الارث لان المسلمة لا ترث الكافر فيستند استحقاقه إلى وقت الردة. وقد استفيد بما ذكرناه أن وضع المسألة فيما إذا لم تحض ثلاثا قبل موته، أما إذا حاضت ثلاثا قبل موته فقد انقضت عدتها ولم تدخل تحت

[ 232 ]

المسألة لانه لا ميراث لها إلا إذا مات قبل انقضاء العدة، وقد أشكل ذلك على بعض حنفية العصر لعدم التأمل. وفي فتح القدير: وهذا الحكم ثابت في صور: إحداها هذه. والثانية إذا قال لزوجتيه أو زوجاته إحداكن طالق بائن ومات قبل البيان فعلى كل واحدة الاعتداد بأبعد الاجلين، ولو بين في إحداهما كان ابتداء العدة من وقت البيان. والثالثة إذا مات زوجها وسيدها ولم يدر أيهما مات أولا وعلم أن بينهما شهرين وخمسة أيام فصاعدا ا ه‍. ولا بد من تقييد المسألة الاولى بأن يكون قد دخل بهما فلو لم يدخل بهما اعتدتا بعدة الوفاة فقط، ولو دخل بإحداهما دون الاخرى ينبغي أن تعتد المدخولة بأبعد الاجلين وغيرها بعدة الوفاة، ولا بد من كونهما من ذوات الاقراء لانهما لو كانتا لا تحيض فعدة الوفاة، وإن كانت إحداهما تحيض والاخرى لا فعلى التي تحيض أبعد الاجلين والاخرى عدة الوفاة، هذا ما فهمته ولم أره صريحا. والحاصل أن المرأة لا تعتد بأبعد الاجلين إلا في ثلاث مسائل، وينبغي أن يزاد رابعة على قول محمد ذمي أسلم وتحته أختان أو أكثر من أربع أو أم وبنتها ومات بلا بيان فإن محمدا يخيره، وهما أبطلا نكاح الكل حيث لم يعلم الآخر كما في المجمع ولم أر من نبه عليه. قوله: (ومن عتقت في عدة الرجعي لا البائن والموت كالحرة) أي وعدة الامة إذا أعتقت وهي معتدة عن طلاق رجعي كعدة الحرة في الابتداء فتتغير عدتها إلى عدة الوفاة، فإن كانت من ذوات الاقراء صارت عدتها ثلاثة حيض وإلا فثلاثة أشهر بخلاف ما إذا كانت معتدة عن بائن أو وفاة فإن عدتها لا تتغير لبقاء النكاح في الرجعي من كل وجه وزواله في البائن والموت. قيد بالعدة لان الامة لو آلى منها ثم أعتقت انتقل مدة إيلائها إلى مدة الحرائر لان البينونة ليست من أحكام الايلاء في الابتداء لانها لا تثبت إلا بعد المدة فكانت الزوجية قائمة للحال فأشبه الطلاق الرجعي. وفي فتح القدير: وقد صور الانتقال إلى جميع كميات العدة البيسطة وهي أربعة: صورتها أمة صغيرة منكوحة طلقت رجعيا فعدتها شهر ونصف

[ 233 ]

فلو حاضت في أثنائها انتقلت إلى حيضتين، فلو أعتقت قبل مضيهما صارت ثلاث حيض، فلو مات زوجها انتقلت إلى أربعة أشهر وعشر ا ه‍ وفيه نظر، لان هذه الصورة لم يجتمع فيها جميع كميات العدة أي عددها البسيطة لان عدة الآيسة من جملة كميات العدة البسيطة ولم يذكرها ولذا قال في الخانية: وقد يجب على المرأة أربع عدد ولو ذكر كذلك لسلم. وحاصل مسائل انتقال العدة مسائل: الاولى صغيرة اعتدت فبلغت في خلالها تستقبل بالحيض، مبتوتة كانت أو رجعية. الثانية آيسة حاضت في أثناء الشهور أو حبلت تستقبل بالحيض أو بالوضع. الثالثة اعتدت بحيضة أو حيضتين ثم ارتفع حيضها لا تخرج من العدة ما لم تيأس فإذا أيست استقبلتها بالاشهر. الرابعة آيسة اعتدت بالاشهر ثم حاضت وستأتي. الخامسة أعتقت الامة بعد الطلاق أو الموت وقد قدمناها. السادسة مات زوج الحرة المطلقة في عدتها وقد قدمناها في زوجة الفار. قوله: (ومن عاد دمها بعد الاشهر الحيض) أي وعدة من اعتدت بالاشهر لاياسها ثم رأت دم الحيض فينتقض ما مضى من عدتها وعليها أن تستأنف العدة بالحيض، ومعناه إذا رأت الدم على العادة لان عوده يبطل إياسها وهو الصحيح فظهر أنه لم يكن خلفا، وهذا لان شرط الخلفية تحقق اليأس وذلك باستدامة العجز إلى الممات كالفدية في حق الشيخ الفاني، كذا في الهداية. وظاهره فساد الانكحة المباشرة قبل رؤية الدم وعبده وهو لازم الانتقاض كما في فتح القدير. واختلفوا في معنى قوله إذا رأت الدم على العادة فقيل معناه إذا كان سائلا كثيرا احترازا عما إذا رأت بلة يسيرة، وقيل معناه ما ذكر وأن يكون أحمر أو أسود، فلو كان أصفر أو أخضر أو تربية لا يكون حيضا، وقيل معناه أن يكون على العادة الجارية حتى لو كان عادتها قبل الاياس أصفر فرأته كذلك انتقض. هكذا حكى الاقوال في فتح القدير من غير ترجيح، وصرح في المعراج بأن الفتوى على القول الاول. وشمل إطلاق المصنف كالهداية ما إذا رأت قبل الحكم بإياسها أو بعده وهذا الاطلاق بجملته مختار صاحب الهداية وهو أحد الاقوال. وحاصله ينتقض مطلقا، وسواء كان بعد الشهور أو في أثنائها، ولكن عبارة المصنف فيما إذا كان بعد الاشهر. الثاني لا ينتقض مطلقا واختاره الاسبيجابي. الثالث ينتقض إن رأته قبل تمام الاشهر وإن كان بعدها فلا وبه أفتى الصدر الشهيد، وفي المجتبي وهو الصحيح المختار للفتوى. الرابع تنتقض على رواية عدم التقدير للاياس التي هي ظاهر الرواية فإنما ثبت الامر على ظنها فلم حاضت تبين خطؤها، ولا ينتقض على رواية

[ 234 ]

التقدير له واختاره في الايضاح، واقتصر عليه في الخانية، وجزم به القدوري والجصاص ونصره في البدائع. الخامس تنتقض إن لم يكن حكم بإياسها وإن حكم به فلان كان يدعي أحدهما فساد النكاح فيقضي بصحته وهو قول محمد بن مقاتل وصححه في الاختيار. السادس تنتقض في المستقبل فلا تعتد إلا بالحيض للطلاق بعده لا للماضي فلا تفسد الانكحة المباشرة بعد الاعتداد بالاشهر. وصححه في النوازل فقد تحرر أن فيها ستة أقوال مصححة فيجب النظر فيما ثبت عن صاحب المذهب الامام الاعظم رضي الله عنه. وقد صرح الاقطع وتبعه في غاية البيان بأن ظاهر الرواية القول بالانتقاض مطلقا وهو مختار صاحب الهداية فتعين المصير إليه ولكنه مبني على اشتراط تحقق اليأس في خلفية الاشهر بالنص وإن تحقق اليأس لا يكون إلا باستدامة الانقطاع إلى الممات. وضعفه في فتح القدير بمنع قوله وذلك باستدامة العجز إلى الممات إلى آخره بناء على أن اليأس حقيقة اعتقاد عدم الوقوع أبدا لا العلم بعدم وجوده. وفي القاموس: اليأس القنوط وهو ضد الرجاء وقطع الامل ا ه‍. ويمكن أن يقال إن في المسألة ثمانية أقوال: الخمسة الاخيرة والثلاثة المذكورة في تفسير قول صاحب الهداية إن رأت الدم على العادة. ثم اعلم أنه لا تقدير لسن الاياس في ظاهر الرواية. وإياسها على هذا أن تبلغ من السن ما لا يحيض فيه مثلها وذلك يعرف بالاجتهاد والمماثلة في تركيب البدن والسمن والهزال، وفي رواية فيه تقدير. قال الصدر الشهيد: المختار خمس وخمسون سنة وعليه أكثر المشايخ، وفي المنافع وعليه الفتوى، كذا في المعراج. ثم قال بعده قال ابن مقاتل: حده خمسون سنة وهو مروي عن عائشة رضي الله عنها وعليه الفتوى. وقيل ستون، وقيل لا تلد لستين إلا قرشية. وقال الصفار: سبعون سنة. وقدر محمد في الروميات خمسا وخمسين سنة، وفي غيرهن ستين وعنه سبعين وفي الخانية: لا فرق بين الرومية وغيرها وهو خمس وخمسون سنة وعليه الفتوى. وفي الاختيار: المرأة إذا لم تحض أبدا حتى بلغت مبلغا لا يحيض فيه أمثالها غالبا حكم بإياسها. وذكر في الجامع الصغير إذا بلغت ثلاثين سنة ولم تحض حكم بإياسها. وفي القنية: طلق المدخول بها وعمرها خمس وخمسون سنة ثم مضى عليها أربعة أشهر لا تحيض ليس له أن يتزوج بنت أخيها حتى تنقضي مدة الحبل ثم ثلاثة أشهر للاحتياط ا ه‍.

[ 235 ]

قوله: (والمنكوحة نكاحا فاسدا والموطوءة بشبهة وأم الولد الحيض للموت وغيره) أي عدة هؤلاء ثلاث حيض في الحرة التي تحيض، وحيضتان في الامة، ووضع الحمل إن كانت حاملا، والاشهر إن كانت آيسة، وتركه لظهوره وفهمه مما قدمه، ولو صرح به لكان أولى. وإنما كان كذلك لانها وجبت لتعرف براءة الرحم لا لقضاء حق النكاح إذ لا نكاح صحيح. والحيض هو المعرف وإنما لم يكتف بحيضة كالاستبراء لان الفاسد ملحق بالصحيح، وعدة الوفاة إنما وجبت لاظهار الحزن على فوات زوج عاشرها إلى الموت ولا زوجية. وشمل قوله وغيره الفرقة في النكاح الفاسد وهي إما بتفريق القاضي أو بالمتاركة، وابتداؤها من وقت الفرقة، وفي الموت من وقت الموت. ودخل تحت النكاح الفاسد النكاح بغير شهود ونكاح المحارم مع العلم بعدم الحل عند الامام خلافا لهما وقد مرت المسألة في كتاب النكاح. ومثال الموطوءة بشبهة أن تزف إليه غر امرأته والموجودة ليلا على فراشه إذا دعاها فأجابته. وفي كتب الشافعية إذا أدخلت منيا فرجها ظنته مني زوج أو سد وجبت العدة عليها كالموطوءة بشبهة ولم أره لاصحابنا والقواعد لا تأباه لان وجوبها لتعرف براءة الرحم كما سيأتي في الحدود، ووجوبها بسبب أن الشبهة تقام مقام الحقيقة في موضع الاحتياط وإيجاب العدة من باب الاحتياط ولا حداد عليها في هذه العدة لما سيأتي. وللموطوءة بشبهة أن تقيم مع زوجها الاول ونفقتها وسكناها على زوجها الاول لان النكاح بينهما قائم إنما حرم الوطئ، وليس لها أن تخرج إلا بإذن زوجها الاول فإن أذن لها فلها أن تخرج وإن لم تنقض عدتها ذكره القاضي الاسبيجابي. ومراده إذا لم تكن راضية بالوطئ، أما إذا كانت راضية عالمة فلا نفقة لها ولهذا قال في الخانية: المنكوحة إذا تزوجت رجلا ودخل بها الثاني ثم فرق بينهما لا يجب على الزوج الاول نفقتها ما دامت في العدة لانها لما وجبت العدة عليها صارت ناشزة اه‍. وقيد الوطئ بشبهة لانه لو تزوج امرأة الغير عالما بذلك ودخل بها لا تجب العدة عليها حتى لا يحرم على الزوج وطؤها وبه يفتى لانه زنا والمزني بها لا تحرم على زوجها. وفي شرح المنظومة: إذا زنت المرأة لا يقربها زوجها حتى تحيض لاحتمال علوقها من الزنا فلا يسقي ماء زرع غيره اه‍. ويجب حفظه لغرابته بخلاف ما إذا لم يعلم كما في الذخيرة والخانية. وفي فتح القدير أول الباب فرع: تنقضي عدة الطلاق البائن والثلاث بالوطئ المحرم بأن وطئها وهي معتدة عالما بجرمتها بخلاف ما لو ادعى الشبهة أو كان منكرا طلاقها فإنها تستقبل العدة اه‍. والباء في قوله بالوطئ المحرم بمعنى مع أي مع الوطئ المحرم كقولك اشتريت

[ 236 ]

الفرس بسرجه. هذا هو المراد وليس الوطئ المحرم سببا لانقضاء ولا آلة له. وقيد بالنكاح الفاسد لان المنكوحة نكاحا موقوفا كنكاح الفضولي لا تجب فيه العدة قبل الاجازة لان النسب لا يثبت فيه لانه موقوف فلم ينعقد في حق حكمه فلا يؤثر شبهة الملك والحل والعدة وجبت صيانة للماء المحترم عن الخلط واحترازا عن اشتباه الانساب، كذا في الاختيار والمحيط وهو مشكل مخالف للرواية فقد نقل الزيلعي في النكاح الفاسد ما نصه: وذكر في كتاب الدعوى من الاصل إذا تزوجت الامة بغير إذن مولاها ودخل بها الزوج وولدت لستة أشهر منذ تزوجها فادعاه المولى والزوج فهو ابن الزوج. فقد اعتبره من وقت النكاح لا من وقت الدخول ولم يحك خلافا. قال الحلواني: هذه المسألة دليل على أن الفراش ينعقد بنفس العقد في النكاح الفاسد خلافا لما يقوله البعض إنه لا ينعقد إلا بالدخول اه‍. فهو صريح في ثبوت النسب فيه ويتبعه وجوب العدة فكان ما في المحيط والاختيار سهوا. وفي الخانية: أم ولد تزوجت بغير إذن المولى فولدت لستة أشهر فصاعدا من وقت النكاح فادعاه المولى والزوج فإن الولد يكون للزوج في قولهم جميعا اه‍. وأما عدة أم الولد فلانها وجبت بزوال الفراش فأشبه عدة النكاح، وفراش أم الولد وإن كان أضعف من فراش المنكوحة إلا أنهما يشتركان في أصل الفراش والمحل محل الاحتياط فالحق القاصر بالكامل احتياطا. وفي كافي الحاكم: لو أعتق أم ولده لا نفقة لها في عدته وإمامنا فيه عمر رضي الله عنه فإنه قال: عدة أم الولد ثلاث حيض. ودخل تحت قوله وغيره عتقها وهو مقيد بأن تكون من ذوات الحيض، فإن كانت من ذوات الاشهر ومات مولاها أو أعتقها فعدتها ثلاثة أشهر كما ذكرناه، وإن كانت حاملا فوضع الحمل كما في الخانية، وبأن لا تكون منكوحة ولا معتدة لزوج، فإن كانت لا عدة عليها من المولى إجماعا لانه لا فراش لها من المولى ووجوب العدة بزواله. والتحقيق أن يقال: الشرط في وجوب عدة المولى أن لا تحرم عليه بسبب من الاسباب وأسباب الحرمة عليه ثلاثة: نكاح الغير وعدته والثالث تقبيل ابن المولى. فلا عدة عليها بموت المولى أو إعتاقه بعد تقبيل ابنه كما في الخانية قال: ولذا لو أتت بولد بعد حرمتها لستة أشهر لا يثبت نسبه ما لم يدعه اه‍. فلو طلقها بعد الاعتاق عليها عدة الحرائر وبانقضاء عدة النكاح تعود عدة المولى ثلاث حيض، ولو مات المولى والزوج ولا يدري الاول فهي على ثلاثة أوجه: الاول أن يعلم أن بين موتهما أقل من شهرين وخمسة أيام فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر لان المولى إن كان مات أولا ثم مات الزوج وهي حرة فلا يجب بموت المولى شئ وتعتد للوفاة عدة الحرة، وإن كان الزوج مات أولا وهي أمة لزمها شهران وخمسة أيام ولا يلزمها بموت المولى شئ لانها معتدة الزوج، ففي حال يلزمها أربعة أشهر وعشر، وفي حال نصفها فلزمها الاكثر احتياطا، ولا تنتقل عدتها على الاحتمال. الثاني لما قدمنا أنها لا تنتقل في الموت الثاني أن يعلم أن بين موتيهما شهرين

[ 237 ]

وخمسة أيام فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض احتياطا لان المولى إن كان مات أولا لم تلزمها عدته لانها منكوحة وبعد موت الزوج يلزمها أربعة أشهر وعشر لانها حرة، وإن مات الزوج أولا لزمها شهران وخمسة أيام وقد انقضت عدتها منه لانها مصورة أن بينهما هذه أو أكثر، فموت المولى بعده يوجب عليها ثلاث حيض فتجمع بينهما احتياطا. الثالث أن لا يعلم كم بين موتيهما ولا الاول منهما فكالاول عنده، وكالثاني عندهما، كذا في المعراج وغيره. وقيد بأم الولد لان المديرة والامة إذا أعتقت أو مات سيدها لا عدة عليهما بالاجماع كما ذكره الاسبيجابي. وفي فروق الكرابيسي: المعتدة في عدة الزوج تغسل زوجها ولا تغسل مولاها في عدته إذا كانت أم ولد لانها ليست عدة النكاح بل هي استبراء اه‍. ومما يتعلق بأم الولد حكاية لطيفة ذكرها في المعراج لما أخرج شمس الائمة من السجن زوج السلطان أمهات الاولاد من خدامه الاحرار فسأل العلماء عن هذه فقالوا: نعم ما فعلت فقال شمس الائمة له: أخطأت لان تحت كل خادم حرة وهذا تزوج الامة على الحرة فقال السلطان: اعتقهن وأجدد العقد. فسأل العلماء فقالوا: نعم ما فعلت. فقال شمس الائمة له: أخطأت لان العدة تجب عليهن بعد الاعتاق فكان تزويج المعتدة من الغير، فأنسى الله تعالى العلماء الجواب في هاتين المسألتين ليظهر فضل شمس الائمة اه‍. ولكن حكاها محب الدين بن الشحنة فيما كتبه على الهداية على غير هذا لوجه وهو أنه لما خطأه في الثانية أغراه عليه القاضي فحبسه وأن هذا كان سبب حبسه. وأن القاضي حينئذ كان فخر الاسلام البزدوي، وأن طلبته وعلماء عصره لا ينقطعون عنه ولا يتركون الاشتغال عليه فمنعوا عنه كتبه فأملى المبسوط من حفظه. وقيل: كان سبب حبسه أن السلطان أراد أن يأخذ من الرعية مظلمة كبيرة ثم ترك بعضها فمدحه القاضي فأنكر عليه شمس الائمة فقال: لا يمدح إذا ترك جميعه فكيف بترك بعضه؟ فحبسه. وحكى شمس الائمة في المبسوط واقعة مناسبة للموطوءة بشبهة دالة على أفضلية الامام رضي الله تعالى عنه على علماء زمانه هي: رجل زوج ابنيه بنتين وعمل الوليمة وجمع العلماء وفيهم أبو حنيفة رضي الله عنه لكنه لم يكن حينئذ من المشهورين، ففي أثناء الليل سمعوا ولولة النساء فأخبروا انهن غلطن فأدخلت زوجة كل أخ على أخيه فسألوا العلماء فأجابوا بأن كل واحد يجتنبها حتى تنقضي عدتها فتعود إلى زوجها فعسر ذلك الجواب فقال الامام رضي الله عنه: يطلق كل زوجته ويعقد على موطوءته ويدخل عليها للحال لانه صاحب العدة بعد ما سأل كل واحد من الاخوين عن مراده فقال كل مرادي موطوءتي لا المعقود عليها فرجع العلماء إلى جوابه. ثم رأيت بعد ذلك أن أعود إلى شرح المسألة الخلافية في أم الولد إذا لم تعلم كم بين موتهما توضيحا للطلاب فقال في شرح المجمع وقالا: يجمع بين العدتين احتياطا لجواز أن يكون المولى مات أولا فعتقت ثم مات الزوج فوجب عليها عدة

[ 238 ]

الوفاة، وجواز أن يكون الزوج مات أولا وانقضت شهران وخمسة أيام ثم مات المولى فيجب ثلاث حيض. وهذا لان موت المولى سبب للاعتداد بثلاث حيض وقيام حق الزوج مانع وقد وقع الشك في بقاء المانع فوجب حكم السبب احتياطا لها كما لو تزوج بنتين في عقدة وثلاثا في عقدة وأربعا في عقدة ومات مجهلا فإن العدة تجب على الجميع لوجود السبب ووقوع الشك في المانع في حق التفريق وهو تقديم نكاح فريق آخر بخلاف ما إذا وقع الشك في السبب فإنه لا يحتاط لاثبات الحكم لتعذر ثبوت الحكم بدون السبب كما إذا قال إن لم أفعل كذا فأنت طالق ثم مات ولا يعلم وجد الشرط أم لا فإنها لا تعتد عدة الطلاق لوقوع الشك في السبب لانه ينعقد عند وجود الشرط ووجوده مشكوك فيه، وله أن الواقع ليس إلا للاحتمال إلا أن أحد الاحتمالين ثابت والاحتمال الآخر محتمل. بيان هذا أن موت الزوج بعد المولى يوجب الاعتداد بعدة الوفاة قطعا وهذا الاحتمال ثابت، واحتمال موت الزوج قبل موت المولى ليس بموجب الاعتداد بثلاث حيض قطعا لجواز أن يكون موت المولى بعد الزوج قبل انقضاء شهرين وخمسة أيام فلا يجب، وجواز أن يكون بعد انقضاء هذه المدة فتجب فيها فالاحتمال ثابت على أحد التقديرين دون الآخر فكان الاحتمال الثابت قطعا قائما مقام الحقيقة عملا بالاحتياط، ولا يقام احتمال وجوب العدة عن المولى لان شبهة الشبهة ساقطة الاعتبار بالاجماع بخلاف وجوب العدة على أولئك النساء لثبوت احتمال وجوب العدة عليهن لان نكاح كل فريق إما أن يكون متقدما أو لم يكن، فإن تقدم وجبت العدة قطعا وإلا لا تجب قطعا فيكون الاحتمال ثابتا فيلحق بالحقيقة اه‍. وقال في فتح القدير بعد الدليلين: ولا يخفى أنه مشترك الالزام. وفي الكافي للحاكم الشهيد: إن قولهما احتياط. وفي فتح القدير: إن الاحتياط إنما يكون بعد ظهور السبب لانه العمل بأقوى الدليلين. ثم قال في الكافي: ولا ميراث لها من زوجها لاني لم أعلم أنها كانت حرة يوم موته اه‍. وفيه: ولا فرق بين كون طلاقها رجعيا أو بائنا في الوجوه كلها. وفيه أيضا: لو مات عن أم ولده أو أعتقها فجاءت بولد ما بينها وبين سنتين لزمه، وإن جاءت به لاكثر من سنتين لم يلزمه إلا أن يدعيه فإن ادعاه لزمه اه‍. وفي الخانية: أم ولد أعتقها مولاها أو مات ولزمتها العدة ثم تزوجت في العدة فجاءت بولد لسنتين من حين مات المولى أو أعتق ولستة أشهر منذ تزوجت وادعياه معا كان للمولى في قولهم لمكان العدة التي كانت. قوله: (وزوجة الصغير الحامل عند موته وضعه والحامل بعده الشهور) أي عدتها وضع الحمل إذا أنت به لاقل من ستة أشهر من وقت موته، وعدتها الشهور إذا أنت به لستة أشهر فأكثر أي عدة الوفاة أربعة أشهر وعشر، والحامل صفة زوجة وهو نعت مخصوص بالاناث كحائض ولهذا لم يؤنث. وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وأوجب أبو يوسف عدة الوفاة في الحالين لان الحمل ليس ثابت النسب منه فاستوى الموجود عند الموت والحادث بعده. ولهما

[ 239 ]

إطلاق قوله تعالى * (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * [ الطلاق: 4 ] ولانها مقدرة بمدة وضع الحمل في أولات الاحمال، قصرت المدة أو طالت، لا للتعرف عن فراغ الرحم لشرعها بالاشهر مع وجود الاقراء لكن لقضاء حق النكاح، وهذا المعنى يتحقق في حق الصبي وإن لم يكن الحمل منه بخلاف الحمل الحادث لانه وجبت العدة بالشهور فلا يتغير بحدوث الحمل الحادث بعده وفيما نحن فيه كما وجبت وجبت مقدرة بمدة الحمل فافترقا، كذا في الهداية. واختلفوا في الموجود والحادث فالصحيح في تفسيرهما ما قدمناه من أن الحادث أن تأتي به بعد موته لستة أشهر من يوم الموت وهو قول عامة المشايخ. وقال بعضهم: أن تضعه لاكثر من سنتين والاول أصح، كذا في العناية معزيا إلى النهاية. وأما تفسير قيامه عند الموت أن تلده لاقل من ستة أشهر من وقت الموت، كذا في الفوائد الظهيرية. ولم أر صريحا حكم دخول الصبي في النكاح الصحيح والفاسد في وجوب العدة وقد صرحوا بفساد خلوته وبوجوب العدة بالخلوة الفاسدة الشاملة لخلوة الصبي، وإنما الكلام فيما إذا أولج فيها في مكان ليس بخلوة هل تجب به العدة لو بلغ وطلقها. ثم رأيت في شرح النكاح الفاسد من هذا الكتاب أني نقلت وجوب العدة عليها إذا وطئها الصبي بنكاح فاسد وفي وجوب المهر عليه بالوطئ تفصيل فليرجع إليه. فعلم به أن دخوله في الصحيح موجب للعدة عليها بالاولى وخلوته كدخوله فيها، فحاصله أن الزوج الصبي كالبالغ في الصحيح والفاسد وفي الوطئ بشبهة في الوفاة والطلاق والتفريق ووضع الحمل كما لا يخفى فليحفظ. ثم رأيت في القنية ما نصه: تجب العدة بدخول زوجها الصبي المراهق وفي آحاد الجرجاني في قول أبي حنيفة وأبي يوسف أن المهر والعدة واجبان بوطئ الصبي، وفي قول محمد تجب العدة دون المهر ثم قال: ولا خلاف بينهم لانهما أجابا في مراهق يتصور منه الاعلاق، ومحمد أجاب فيمن لا يتصور منه الاعلاق لان ذكره في حكم أصبعه. وفي نظم الزندوستي: زنت العاقلة البالغة بصبي أو مجنون لا حد عليهما وعليها العدة ولا مهر لها اه‍. ولهذا صور المسألة الحاكم الشهيد في الكافي فيما إذا كان رضيعا. قال في الهداية: ولا يلزم امرأة الكبير إذا حدث لها الحمل بعد الموت لان النسب يثبت منه فكان كالقائم عند الموت حكما اه‍. ومراده بقوله إذا حدث ظهوره بعد الموت فهو كالظاهر عنده تبعا لثبوت النسب منه ولذا قيدناه بأن تلده لاقل من سنتين، أما إذا ولدته لسنتين فأكثر من موته كانت عدتها بالشهور للتيقن بحدوثه عند الموت حقيقة وحكما لانه غير ثابت النسب وعند التأمل لا معنى للايراد المجاب عنه بما ذكر أصلا، كذا في فتح القدير. وفي المجتبى: حبلت المطلقة فعدتها بالوضع، وكذا لو تزوجت في عدة الوفاة وحبلت وعنه خلافه بخلاف عدة الطلاق. وفي الايضاح: حبلت في عدة الوفاة فعدتها بالشهور وإن حبلت معتدة عن ثلاث فعدتها بالوضع اه‍. وفي كافي الحاكم: إن مات المجنون عن امرأته

[ 240 ]

كان حكمه في العدة والولد حكم الرجل الصحيح. وفي الخانية قبيل المهر: زوج أمته من رضيع ثم جاءت بولد فادعاه المولى ثبت نسبه لانه أقر بنسب من يملكه وليس له نسب معروف، ولو كان الزوج مجبوبا لم يثبت النسب من المولى لانه ثابت النسب من الزوج وعلى الزوج كل المهر لمكان الدخول حكما اه‍. والحق أن قول أبي يوسف موافق لقولهما وإنما هي رواية شاذة عنه موافقة للشافعي وهو رواية عن الامام أيضا كما حققه في فتح القدير وفيه: وعلى هذا الخلاف إذا طلق الكبير امرأته فأتت بولد غير سقط لاقل من ستة أشهر من وقت العقد بأن تزوجها حاملا من الزنا ولا يعلم الحال وإنما وضعت كذلك بعد الطلاق تعتد بالوضع عندهما خلافا له. وإنما قلنا ولا يعلم ليصح كونه على هذا الخلاف لانه لو علم لا يصح العقد عند أبي يوسف لانه يمنع العقد على الحبلى من الزنا بخلاف ما إذا لم يعلم فإنه وإن لم يصححه لكن يوجب من الوطئ فيه العدة لانه شبهة فيقع الخلاف في أنها بالوضع أو بالاشهر اه‍. وفي البدائع: وقال أبو يوسف ومحمد في زوجة الكبير تأتي بولد بعد موته لاكثر من سنتين وقد تزوجت بعد مضي أربعة أشهر وعشر إن النكاح جائز لان إقدامها على النكاح إقرار منها بالانقضاء ولم يرد ما يبطل ذلك. قوله: (والنسب منتف فيهما) أي في الموجود وقت الموت والحادث بعده لان الصبي لا ماء له فلا يتصور منه العلوق، ولا يرد ثبوت نسب ولد امرأة المشرقي من المغربية لان النكاح إنما أقمناه مقام العلوق لتصوره حقيقة وهو غير متصور هنا حقيقة فافترقا. وظاهر إطلاقهم دخول المراهق وينبغي أن يثبت النسب احتياطا إلا أن لا يمكن بأن جاءت به لاقل من ستة أشهر من وقت العقد كما في فتح القدير، ولهذا صور المسألة الحاكم الشهيد في الكافي بما إذا كان رضيعا ودل كلامهم في زوجة الصغير أن الحامل من الزنا إذا تزوجت ثم مات عنها زوجها فعدتها بوضع الحمل كما صرح به في المعراج معزيا إلى قاضيخان وقدمنا أن الحامل من الزنا لا عدة عليها عندهما ولذا صححا نكاحها لغير الزاني وإن حرما الوطئ. وإنما الكلام فيما إذا تزوجت على قول أبي حنيفة ومحمد وهي حامل من الزنا ثم طلقها أو مات عنها فإنها تعتد بوضع الحمل. وفي كافي الحاكم الشهيد في عدة امرأة الصغير إذا مات وهي حامل فإن عدتها بوضع الحمل قال لانه مات وهي حامل وإن كان من فجور، والخصي كالصحيح في الولد والعدة وكذلك المجبوب إذا كان ينزل وإن لم ينزل لم يلزمه الولد فكان بمنزلة الصبي في الولد والعدة قوله: (ولم تعتد بحيض طلقت فيه) للزوم النقص عن المقدر شرعا لو اعتد بها وهذا بالاجماع بخلاف الطهر الذي وقع فيه الطلاق فإنه محسوب عند مالك والشافعي، وقد أورد عليهما لزوم النقصان عن

[ 241 ]

الثلاثة فأورد علينا لزوم الزيادة عليها والخاص، كما لا يحتمل النقصان لا يحتمل الزيادة. وأجيب عنه بأنا لم نعتبر ذلك الزائد أصلا فلا زيادة على الخاص والحاصل لا اعتبار بالناقص لا ابتداء ولا انتهاء. قوله: (وتجب عدة أخرى بوطئ المعتدة بشبهة وتداخلتا والمرئي منهما وتتم الثانية إن تمت الاولى) لان المقصود التعرف عن فراغ الرحم وقد حصل بالواحدة فيتداخلان ومعنى العبادة فيها تابع، ألا ترى أنها تنقضي بدون علمها ومن غير تركها الكف. أطلق الوطئ بشبهة فشمل المطلق وغيره حتى لو حاضت المطلقة حيضة ثم تزوجت بآخر ووطئها، وفرق بينهما ثم حاضت حيضتين بعد التفريق انقضت عدة الاول وحل للثاني أن يتزوجها وليس لغيره أن يتزوجها حتى تحيض ثلاثا من وقت التفريق، وإن كان طلاق الاول رجعيا كان له أن يراجعها قبل أن تحيض حيضتين لبقاء عدتها ولا يطؤها حتى تنقضي عدة الثاني، فإن حاضت ثلاثا من وقت التفريق فقد انقضت العدتان، كذا في الخانية. والوطئ بشبهة يتحقق في صور منها من زفت إلى غير زوجها، ومنها الموطوءة للزوج بعد الثلاث في العدة بنكاح قبل زوج آخر، وفي العدة إذا قال ظننت أنها تحل لي. ومنها المبانة في الكناية إذا وطئها في العدة، ومنها المعتدة إذا وطئها آخر في العدة بشبهة أو في عصمة فوطئها آخر بشبهة ثم طلقها الزوج ففي هذه تجب عدتان فيتداخلان، كذا في فتح القدير أخذا من المعراج أخذا من الينابيع ولكنه نظر في مسألة المعراج وهي الموطوءة للزوج بعد الثلاث إذا ادعى ظن الحل بأنه من قبيل شبهة الفعل والنسب لا يثبت فيها بالوطئ وإن قال ظننت أنها تحل لي، وإذا لم يثبت النسب لم تجب العدة لكن الاخيرة لم تدخل تحت كلام المصنف لان كلامه في وطئ المعتدة وتلك وطئ المنكوحة وإن اشتركنا في وجوب عدتين. قوله والمرئي منهما بيان لمعنى التداخل ولكنه قاصر على من تحيض بعد أن كان قوله وتداخلتا شاملا لما إذا كانتا من جنس واحد كوطئ المعتدة عن طلاق أو جنسين كوطئ المعتدة عن وفاة. وأما من لم تحض إذا وجبت عليها عدتان فالاشهر لهما يتأديان بمدة واحدة حياة ووفاة، وكذا المعتدة عن وفاة إذا وطئت بشبهة تعتد بالشهور وتحتسب بما تراه من الحيض، فلو لم تر فيها دما يجب أن تعتد بعد الاشهر بثلاث حيض كما في فتح القدير. بقي صورتان لو كانت حائلا في عدة الطلاق أو الموت فوطئت بشبهة فحبلت فظاهر ما في المعراج التداخل فتنقضي بوضع الحمل لان الحامل لا تحيض عندنا فينبغي أن يكتفي بوضع الحمل وقد قدمنا في بيان عدة امرأة الصغير معزيا إلى المجتبى فارجع إليه. وفي كافي الحاكم: لو تزوجت المعتدة برجل ودخل بها وفرق بينهما، فإن كانت حاملا فوضعت انتقضت العدتان منهما جميعا. وفيه أيضا: لو تزوجت في عدتها من طلاق بائن

[ 242 ]

ودخل بها فولدت لاقل من سنتين منذ طلق الاول ولاقل من ستة أشهر منذ دخل الثاني لزم الاول، وإن كان لاكثر من سنتين منذ طلقها الاول ولاقل من ستة أشهر منذ دخل الثاني لم يلزم الاول ولا الثاني اه‍. بقي ما لو جاءت به لاقل من سنتين من طلاق الاول ولستة أشهر من دخول الثاني وينبغي إلحاقه بالاول، وبقي ما لو جاءت به لاكثر من سنتين من طلاق الاول ولستة أشهر من دخول الثاني، ولا شك بإلحاقه بالثاني فهي رباعية. وفي نسختي الكافي للحاكم الشهيد سقط وتغيير في هذا المحل. وفي الجوهرة: ثم إذا تداخلتا عندنا وكانت العدة من طلاق رجعي فلا نفقة على واحد منهما لها، وإن كانت من بائن فنفقتها على الاول والزوجة إذا تزوجت بآخر وفرق بينهما بعد الدخول ووجبت عليها العدة فلا نفقة لها في هذه العدة على زوجها لانها منعت نفسها في العدة اه‍. فعلى هذا فالمنع الشرعي أقوى من المنع الحسي لانها لو منعته عن جماعها لها النفقة. وفي المجتبى: كل نكاح اختلف العلماء في جوازه كالنكاح بلا شهود فالدخول فيه يوجب العدة، أما نكاح منكوحة الغير ومعتدته فالدخول فيه لا يوجب العدة إن علم أنها للغير لانه لم يقل أحد بجوازه فلم ينعقد أصلا فعلى هذا يفرق بين فاسده وباطله في العدة ولهذا يجب الحد مع العلم بالحرمة لكونه زنا كما في القنية وغيرها، ولو كان الواطئ في العدة والمطلق هو فلا نفقة لها بعد عدة الطلاق، كذا في المجتبى. ثم اعلم أن المرئي إنما يكون منهما إذا كان بعد التفريق بينها وبين الواطئ الثاني، أما إذا حاضت حيضة بعد وطئ الثاني قبل التفريق فإنها من عدة الاول خاصة وبقي عليها من تمام عدة الاول حيضتان وللثاني ثلاث حيض، فإذا حاضت حيضتين كانت منهما جيمعا وبقيت من عدة الثاني حيضة، كذا في الجوهرة. فإن قيل: إذا كان الواطئ المطلق فهل يشترط أن يكون بعد التفريق أيضا قلت: لم أره صريحا. وفي الولوالجية: رجل طلق امرأته ثلاثا فلما اعتدت بحيضتين أكرهها على الجماع فإن جامعها منكرا طلاقها تستقبل العدة، وإن كان مقرا بطلاقها لكن جامعها على وجه الزنا لا تستقبل، وكذلك من طلق امرأته ثم أقام معها زمانا فعلى التفصيل اه‍. وشمل قوله المعتدة عن وطئ بشبهة لو وطئت

[ 243 ]

بشبهة ثانيا والمعتدة عن فاسد لو وطئت بشبهة للاول لكن ذكر في القنية خلافا في الثانية. قوله: (مبدأ العدة بعد الطلاق والموت) يعني ابتداء عدة الطلاق من وقته وابتداء عدة الوفاة من وقتها، سواء علمت بالطلاق والموت أو لم تعلم حتى لو لم تعلم ومضت مدة العدة فقد انقضت لان سبب وجوبها الطلاق أو الوفاة فيعتبر ابتداؤها من وقت وجود السبب، كذا في الهداية. وشرح عليه في العناية وغاية البيان والمعراج من غير تعقيب وهذا صريح فيما نقلناه عن البدائع من بيان سببها مخالف لما في فتح القدير من أن الفرقة شرطها والنكاح سببها. وقوله هنا إن في عبارة الهداية تساهلا فقد قدموا أن سببها النكاح والطلاق شرط وأن الاضافة في قولنا عدة الطلاق إلى الشرط فالاولى أن يقال لان عند الطلاق والموت يتم السبب فيستعقبهما من غير فصل فيكون مبدأ العدة من غير فصل بالضرورة. وذكر الشارح الزيلعي كما في فتح القدير فقال: وجعل صاحب الهداية السبب إنما هو الطلاق أو الموت وهو تجوز لكونه معملا للعلة اه‍. وفي الكافي شرح الوافي وقال صاحب الهداية: سبب وجوبها الطلاق أو الموت وقد نص في الاسرار أن سبب وجوبها نكاح متأكد بالدخول أو ما يقوم مقامه مما يكمل المهر عند ثبوت ما يوجب الفرقة لا الفرقة فإنها شرط اه‍. وقدمنا أن ابتداء العدة في الطلاق المبهم من وقت البيان يعني لكونه إنشاء من وجه. وفي الكافي للحاكم وغاية البيان: إذا أتاها خبر موت زوجها وشكت في وقت الموت تعتد من الوقت الذي تستيقن فيه بموته لان العدة يؤخذ فيها بالاحتياط وذلك في العمل بيقين اه‍. وظاهر كلام محمد في المبسوط كالمختصر أن العدة تعتبر من وقت الطلاق في إقراره بالطلاق من زمان مضى إلا أن المتأخرين اختاروا وجوب العدة من وقت الاقرار حتى لا يحل له التزوج بأختها وأربع سواها زجرا له حيث كتم طلاقها ولكن لا نفقة لها ولا كسوة إن صدقته في الاسناد لان قولها مقبول على نفسها. وفي الهداية: ومشايخنا يفتون في الطلاق أن ابتداءها من وقت الاقرار نفيا لتهمة المواضعة اه‍. وهو المختار كما في الفتاوى الصغرى. وفي غاية البيان: أراد بالمشايخ علماء بخارى وسمرقند لا جماعة التصوف الذين هم أهل البدعة اه‍. وهو عجيب منه. والحاصل أنها إن كذبته في الاسناد أو قالت لا أدري فمن وقت الاقرار، وإن صدقته

[ 244 ]

ففي حقها من وقت الطلاق وفي حق الله من وقت الاقرار، وأما حكم وطئها في هذه المدة فقال في الاختيار: لها أن تأخذ منه مهرا ثانيا لانه أقربه وقد صدقته اه‍. وفي الخانية: رجل تزوج امرأة ودخل بها ثم قال كنت حلفت إن تزوجت ثيبا قط فهي طالق ثلاثا ولم أعلم أنها ثيب يقع الطلاق بإقراره، ثم إن صدقته المرأة كان لها نصف المهر بالطلاق قبل الدخول ومهر المثل بالدخول وعليها العدة لهذا الوطئ ولا نفقة لها لانها صدقته في وقوع الطلاق قبل الدخول، وإن كذبته المرأة في اليمين فلها مهر واحد ولها النفقة والسكنى لانها تزعم أن الطلاق وقع عليها بإقراره بعد الدخول اه‍. ثم اعلم أن يوم الموت لا يدخل تحت القضاء ويوم القتل يدخل وقد وقعت حادثة في عدة الوفاة استخرجنا حكمها من هذه القاعدة وأوضحناها في القواعد الفقهية. وفي القنية: طلقها ثلاثا ثم قال بعده كان قلبها طلقة وانقضت عدتها فلم تقع الثلاث وصدقته في ذلك فقد ذكر في الجامع أنهما يصدقان، وذكر علي البزدوي أنهما لا يصدقان وعليه الفتوى وإن لم تصدقه هي لا يصدق اه‍. وفيها: طلقها ثلاثا ويقول كنت طلقتها قبل ذلك واحدة وانقضت عدتها، فإن كان انقضاء العدة معلوما عند الناس لا يقع، الثلاث وإلا يقع ولو حكم عليه بوقوع الثلاث بالبينة بعد إنكاره فلو أقام بينة أني كنت طلقتها قبل ذلك طلقة بمدة مديدة لا يلتفت إليه اه‍. وفي فتح القدير: وعرف أن تقييده بالاقرار يفيد أن الطلاق المتقدم إذا ثبت بالبينة ينبغي أن تعتبر العدة من وقت قامت لعدم التهمة لان ثبوته بالبينة لا بالاقرار اه‍. وهو مقيد بما إذا كان تأخير الشهادة لعذر، أما إذا كان لغير عذر لم تقبل الشهادة كما في القنية. وفي الخانية الفتوى على أن العدة من وقت الاقرار صدقته أو كذبته ولا يظهر أثر تصديقها إلا في إسقاط النفقة. ووفق السغدي فحمل كلام محمد على ما إذا كانا متفرقين، وكلام المشايخ على ما إذا كانا مجتمعين لان الكذب في كلامهما ظاهر وهذا هو التوفيق إن شاء الله تعالى. وفي فتح القدير: إن فتوى المتأخرين مخالفة للائمة الاربعة وجمهور الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فينبغي أن يقيد بمحل التهمة ولذا قيده السغدي بأن يكونا مجتمعين. وفي الجوهرة: ولو أن امرأة أخبرها ثقة أن زوجها الغائب مات أو طلقها ثلاثا أو أتاها كتاب من زوجها على يد ثقة بالطلاق ولا تدري أنه كتابه أم لا إلا أن أكبر رأيها أنه حق فلا بأس أن تعتد وتتزوج، وكذا لو قالت امرأة لرجل طلقني زوجي وانقضت عدتي لا بأس أن يتزوجها اه‍. وفي الذخيرة:

[ 245 ]

وإن شهد شاهدان على رجل أنه طلق امرأته ثلاثا بعد ما دخل بها فلم يعد لا حتى مضى أيام ثم عدلا وقضى القاضي بالفرقة بينهما تعتبر العدة من يوم الشهادة لا من يوم القضاء اه‍. وهل يحال بينه وبينها بعد الشهادة قبل التزكية؟ كتبناها في القواعد الفقهية في السابع عشر بعد الثلثمائة وكتبنا فيها ما تسمع فيها الشهادة بدون الدعوى وهي اثنتا عشرة مسألة. وفي فتح القدير: ولو جعل أمر امرأته بيدها إن ضربها فضربها فطلقت نفسها فأنكر الزوج الضرب فأقامت البينة عليه وقضى القاضي بالفرقة فالعدة من وقت القضاء أو من وقت الضرب ينبغي أن يكون من وقت الضرب، ولو طلقها فأنكر فأقيمت البينة فقضى بالطلاق فالعدة من وقت الطلاق لا القضاء اه‍. وفي المجتبى: قال إن فعلت كذا فأنت طالق ثلاثا ثم فعلت ذلك ولم يعلم الزوج به ومضى عليه ثلاثة أقراء وتزوجت بآخر ودخل بها ثم طلقها واعتدت ثم أخبرت زوجها بما صنعت وصدقها لم تحل له لان عدة المطلقة ثلاثا من وقت الفراق عندنا لا من وقت الطلاق، وعند زفر تحل لانها من وقت الطلاق عنده، ولا محل لقول المحقق ابن الهمام ينبغي أن تكون العدة من وقت الضرب بل يتعين الجزم بكونها من وقت طلاقها نفسها لا من وقت القضاء ولا من وقت الضرب كما جزم به في البزازية، كما لو ادعت الطلاق في شوال وقضى بالفرقة في المحرم فالعدة من وقت الطلاق لا من وقت القضاء اه‍. وفي الخانية: طلقها بائنا أو ثلاثا ثم أقام معها زمانا، إن أقام وهو ينكر طلاقها لا تنقضي عدتها، وإن أقام وهو يقر بالطلاق تنقضي عدتها اه‍. فعلى هذا مبدأ العدة من وقت ثبوت الطلاق في هذه المسألة. وفيها أيضا: قال لامرأته المدخولة كلما حضت وطهرت فأنت طالق فحاضت ثلاثا كانت العدة عليها من وقت الطلاق الاول اه‍. فعلى هذا إذا حاضت ثلاثا بانت بثلاث وبقي عليها حيضة من عدتها لكن الثالثة لا تقع إلا بالطهر. وفي القنية: تزوجها نكاحا فاسدا وأنكر الدخول وهي تزعم أنها غير بالغة وأنه دخل بها لزمتها العدة حتى يحرم نكاحها على غيره اه‍. فعلى هذا القول قوله في الدخول وعدمه في حق المهر وقولها في وجوب العدة.

[ 246 ]

قوله: (وفي النكاح الفاسد بعد التفريق أو العزم على ترك وطئها) أي مبدأ العدة. وقال زفر: من آخر الوطآت لان الوطئ هو السبب الموجب. ولنا أن كل وطئ وجد في العقد الفاسد يجري مجرى الوطأة الوادحة لاستناد الكل إلى حكم عقد واحد ولهذا يكتفي في الكل بمهر واحد، فقبل المتاركة أو العزم لا تثبت العدة مع جواز وجود غيره، ولان التمكن على وجه الشبهة أقيم مقام حقيقة الوطئ لخفائه ومساس الحاجة إلى معرفة الحكم في حق غيره. وفي الخلاصة: المتاركة في النكاح الفاسد بعد الدخول لا تكون إلا بالقول كقوله تركتك أو ما يقوم مقامه كتركتها أو خليت سبيلها، أما عدم المجئ فلا لان الغيبة لا تكون متاركة لانه لو عاد تعود ولو أنكر نكاحها لا تكون متاركة اه‍. وقدمنا في النكاح الفاسد أنهما لو اختلفا في الدخول فالقول له في المهر فلا يجب المهر وأن المراد بهذه العدة عدة المتاركة فلا عدة عليها بموته إلا الحيض بعد الدخول، وأنه لا حداد ولا نفقة فيها، وإن تزوج أخت امرأته فاسدا تحرم عليه إلى انقضاء عدتها وأن وجوبها فيه إنما هو في القضاء، أما في الديانة لو علمت أنها حاضت بعد آخر وطئ ثلاثا حل لها التزوج من غير تفريق ونحوه وأن الطلاق فيه متاركة وأن إنكار النكاح إن كان بحضرتها فمتاركة وإلا فلا، وإن علم غير المتاركة بالمتاركة شرط على قول وصحح، وقيل لا وصحح ورجحنا الثاني، وأن المتاركة لا تختص بالزوج بل تكون من المرأة أيضا ولذا ذكر مسكين في شرحه من صورها أن تقول له تركتك وقدمنا كثيرا من أحكامه هناك فارجع إليه. وبما قررناه علم أن مجرد العزم لا يكفي بل لا بد من الاخبار بما يدل عليه ولذا قال في العناية: العزم أمر باطن لا يطلع عليه وله دليل ظاهر وهو الاخبار به فلو قال كما في الاصلاح أو إظهار عزمه لكان أولى. والمراد بالتفريق أن يحكم القاضي بالتفريق بينهما كما في العناية. وفي الجوهرة وغاية البيان: لو فرق بينهما ثم وطئها وجب الحد عليه اه‍. وينبغي أن يقيده بما إذا وطئها بعد دانقضاء العدة وإلا فوطئ المعتدة لا يوجب الحد. وجعل في التتمة قول زفر قول أبي القاسم الصفار البلخي وأن الامام أبا بكر البلخي يقول من وقت الفرقة. وفي البزازية في النكاح الفاسد: لا تعتد في بيت الزوج اه‍. وفي

[ 247 ]

القنية: تزوجها فاسدا فأحبلها فولدت لا تنقضي به العدة إن كان قبل المتاركة وإن كان بعدها انقضت اه‍. قوله: (ولو قالت مضت عدتي وكذبها الزوج فالقول لها مع الحلف) لانها أمينة في ذلك وقد اتهمت بالكذب فتحلف كالمودع إذا ادعى الرد والهلاك وقد ذكرنا في القواعد الفقهية عشر مسائل لا يحلف فيها الامين. وقد ذكرنا فيها مسألة لا يقبل فيها قول الامين في الدفع، وترك المصنف قيدا لا بد منه وهو كون المدة تحتمل الانقضاء على الخلاف الذي قدمناه وهو شهران عنده وتسعة وثلاثون يوما عندهما، لانه إذا لم تحتمله المدة لا يقبل قولها أصلا لان الامين إنما يصدق فيما لا يخالفه الظاهر، أما إذا خالفه فلا كالوصي إذا قال أنفقت على اليتيم في يوم واحد ألف دينار، كذا في البدائع. والخلاف المذكور في الحرة، أما الامة فأقل مدة تصدق فيها أربعون يوما على رواية محمد، وثلاثون يوما على رواية الحسن مع اتفاقهما في الحرة على الستين عن الامام. ومحل الخلاف أيضا فيما إذا لم يكن طلاقها معلقا بولادتها، أما إذا طلقها عقيب الولادة فلا تصدق الحرة في رواية محمد في أقل من خمسة وثمانين يوما ويجعل النفاس خمسة وعشرين يوما، وعلى رواية الحسن أقلها مائة يوم بزيادة أكثر النفاس. وقال أبو يوسف: لا تصدق في أقل من خمسة وستين يوما. وقال محمد: لا تصدق في أقل من أربعة وخمسين يوما وساعة. وإن كانت أمة فعلى رواية محمد عن الامام لا تصدق في أقل من خمسة وستين يوما بزيادة خمسة وعشرين على الاربعين، وعلى رواية الحسن لا تصدق في أقل من خمسة وسبعين يوما بزيادة أربعين على خمسة وثلاثين. وقال أبو يوسف: لا تصدق في

[ 248 ]

أقل من سبعة وأربعين. وقال محمد: لا تصدق في أقل من ستة وثلاثين وساعة. وتوجيه الروايات المذكورة في البدائع. وأطلق في قولها مضت عدتي فشمل ذات الاقراء والشهور والخلاف المذكور في ذات الاقراء، وأما المعتدة بالشهور فلا بد من مضي المقدر شرعا. وفي الخلاصة: المطلقة بالثلاث إذا جاءت بعد أربعة أشهر وقالت طلقني الثاني وانقضت عدتي أفتى النسفي أنه لا بد من مدة أخرى للنكاح والوطئ وأفتى الاسبيجابي وأبو نصر أنها تصدق اه‍. ثم اعلم أنه إذا كذبها الظاهر بالنسبة إلى المدة لا يقبل قولها عند عدم التفسير، أما لو فسرت بأن قالت أسقطت سقطا مستبين الخلق أو بعضه قبل قولها لان الظاهر لا يكذبها، كذا في البدائع. فعلم أن انقضاءها لا ينحصر في إخبارها بل يكون به وبالفعل بأن تزوجت بزوج آخر بعدما مضت مدة تنقضي في مثلها العدة حتى لو قالت بعده لم تنقض لم تصدق لا في حق الزوج الاول ولا في حق الثاني لان الاقدام عليه دليل الاقرار كذا في البدائع وفي فتح القدير وعكس هذه المسألة إذا قال الزوج أخبرتني بأن عدتها قد انقضت، فإن كانت في مدة لا تنقضي في مثلها لا يقبل قوله ولا قولها إلا أن تبين ما هو محتمل من إسقاط سقط مستبين الخلق فحينئذ يقبل قولها، ولو كان في مدة تحتمله فكذبته لم تسقط نفقتها وله أن يتزوج بأختها لانه أمر ديني يقبل قوله فيه اه‍. فالحاصل أنه يعمل بخبريهما بقدر الامكان بخبره فيما هو حقه وحق الشرع وبخبرها في حقها من وجوب النفقة والسكنى، ولو جاءت بولد لاكثر من ستة أشهر يثبت نسبه منه لانه في النسب حقها أصلي كحق الولد لانها تعير بولد ليس له أب معروف فلم يقبل قوله ولا ينفذ نكاح أختها لانه لا يتصور استحقاق النسب إلا ببقاء الفراش فصار الزوج مكذبا في خبره شرعا بخلاف القضاء بالنفقة لانه يتصور استحقاق النفقة لغير العدة فكأنه وجبت في حقها بسبب العدة وفي حقه بسبب آخر، فإن تزوج أختها ومات فالميراث للاخرى، هكذا ذكر محمد في النكاح. وقيل، إن قال هذا في الصحة ثم مات فالميراث للاخرى لا للمعتدة، وإن قال في المرض فالميراث للمعتدة فإذا قضى بالميراث للمعتدة قيل يفسد نكاح أختها والاصح أنه لا يفسد لانه يتصور استحقاق الميراث بغير الزوجية فنزل منزلة استحقاق النفقة، كذا في المحيط. وفي الخانية: امرأة قالت في عدة الوفاة لست بحامل ثم قالت من الغد أنا حامل كان القول قولها، وإن قالت بعد أربعة أشهر وعشرة أيام لست بحامل ثم قالت أنا حامل لا يقبل قولها إلا أن تأتي بولد لاقل من ستة أشهر من موت زوجها فيقبل قولها ويبطل إقرارها بانقضاء العدة. رجل خلع امرأته فأقرت وقته وقالت أنا حائض غير حامل من زوجي

[ 249 ]

ثم أقرت في الشهرين قبل أن تقر بانقضاء العدة وقالت أنا حامل من زوجي فأنكر الزوج الحمل لا تصح دعواها اه‍. وفي القنية: إذا قالت المعتدة انقضت عدتي في يوم أو أقل تصدق أيضا، وإن لم تقر بسقط لاحتماله، ثم نقل خلافه عن بعض الكتب اه‍. فعلى الاول معنى قولهم لا تصدق في أقل من ستين يوما فيما إذا قالت انقضت بالحيض لا مطلقا. وفيها أيضا: ولدت ثم طلقها زوجها ومضى سبعة أشهر وتزوجت آخر لا تصح إذا لم تحض فيها ثلاث حيض، قيل له: فإن لم تكن حاضت قبل الولادة؟ قال: الجواب كذلك لان ولادتها كالحيض لان من لا تحيض لا تحبل اه‍. فرع في الخلاصة قال: جاءت امرأة إلى رجل وقالت طلقني زوجي وانقضت عدتي ووقع في قلبه أنها صادقة وهي عدلة أو لا حل له أن يتزوجها وإن قالت وقع نكاح الاول فاسدا لم تحل له وإن كانت عدلة. وفي البزازية: قالت ولدت لم تقبل إلا ببينة ولو قالت أسقطت سقطا وقع مستبين الخلق قبل قولها وله أن يحلفها اه‍. وفي المسألة الاولى نظر فقد صرحوا في باب ثبوت النسب أن عدتها تنقضي بإقرارها بوضع الحمل وإن توقف الولادة على البينة إنما هو لاجل ثبوت النسب. قوله: (ولو نكح معتدته وطلقها قبل الوطئ وجب مهر تام وعدة مبتدأة) وهذا عندهما. وقال محمد: عليه نصف المهر وعليها إتمام العدة الاولى لانه طلاق قبل المسيس فلا يوجب كمال المهر ولا استئناف العدة، وإكمال العدة الاولى إنما وجبت بالطلاق الثاني فظهر حكمه كما لو اشترى أم ولده ثم أعتقها. ولهما أنها مقبوضة في يده حقيقة بالوطأة الاولى وبقي أثره وهو العدة فإذا جدد النكاح وهي مقبوضة ناب ذلك عن القبض المستحق في هذا النكاح كالغاصب يشتري المغصوب الذي في يده يصير قابضا بمجرد العقد، فوضح بهذا أنه طلاق بعد الدخول. وقال زفر: لا عدة عليها أصلا لان الاولى قد سقطت بالتزوج فلا تعود والثانية لم تجب وجوابه ما قلناه. وما قاله زفر فاسد لانه يستلزم إبطال المقصود من شرعها وهو عدم اشتباه الانساب، كذا في فتح القدير. ومع ذلك هو مجتهد فيه صرح به في جامع الفصولين لو قضى به قاض نفذ قضاؤه لان للاجتهاد فيه مساغا وهو موافق لصريح القرآن * (ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) * [ الاحزاب: 94 ] ا ه‍

[ 250 ]

وهذه أجدى المسائل المبنية على هذا الاصل وهو أن الدخول في النكاح الاول دخول في الثاني أولا، ويتفرع عليه لو قال كلما تزوجتك فأنت طالق فتزوجها في يوم ثلاثا ودخل بها في كل مرة ألزمه أربعة مهور ونصف وأبانها بثلاث وحكما بتطليقتين ومهرين ونصف أو بائنا ألزمه بتلك المهور وهما بخمسة ونصف نصف مهر بالطلاق الاول قبل الدخول ومهران بالتطليقتين لكونهما بعد الدخول حكما وثلاث مهور بالدخول ثلاثا وتمامه في شرح المجمع من التعليق. ثم اعلم أن الدخول في الاول دخول في الثاني في حق المهر ووجوب العدة، وأما في حق الرجعة لو كان الطلاق رجعيا لا يملكها كما في فتح القدير. ثانيها لو تزوجها نكاحا فاسدا ودخل بها ففرق بينهما ثم تزوجها صحيحا وهي في العدة عن ذلك الفاسد ثم طلقها قبل الدخول يجب عليه مهر كامل وعليها عدة مستقبلة عندهما. ولو كان على القلب بأن تزوجها أولا صحيحا ثم طلقها بعد الدخول ثم تزوجها في العدة فاسدا لا يجب عليه مهر ولا عليها عدة مستقبلة ويجب عليها اتمام العدة الاولى بالاتفاق. والفرق لهما أنه لا يتمكن من الوطئ الفاسد فلا يجعل واطئا حكما لعدم الامكان حقيقة ولهذا لا يجعل واطئا بالخلوة في الفاسد حتى لا تجب العدة بها ولا عليه المهر. وثالثها أنه لو دخل بها في الصحة

[ 251 ]

وطلقها بائنا ثم تزوجها في المرض في عدتها وطلقها بائنا قبل الدخول هل يكون فارا أم لا. ورابعها لو تزوجت بغير كف ء ودخل بها ففرق القاضي بينهما بطلب الولي ثم تزوجها هذا الرجل في العدة بمهر وفرق القاضي بينهما قبل أن يدخل بها كان عليه المهر الثاني كاملا وعدة مستقبلة عندهما استحسانا، وعند محمد نصف المهر الثاني وعليها تمام العدة الاولى. وخامسها تزوجها صغيرة ودخل بها ثم طلقها بائنا ثم تزوجها في العدة ثم ارتدت والعياذ بالله تعالى ثم أسلمت فتزوجها في العدة ثم طلقها قبل الدخول، هكذا ذكر في فتح القدير بتكرار التزوج ثلاثا ولا حاجة إليه في التصوير ويكفي فيه أنه تزوجها مرتين وأن الردة حصلت مرة واحدة فليتأمل. وسابعها تزوجها ودخل بها ثم طلقها بائنا ثم تزوجها في العدة ثم ارتدت ثم أسلمت فتزوجها في العدة ثم طلقها قبل الدخول. وثامنها تزوجها ودخل بها ثم طلقها بائنا ثم تزوجها في العدة ثم ارتدت قبل الدخول. وتاسعها تزوج أمة ودخل بها ثم أعتقت فاختارت نفسها ثم تزوجها في العدة ثم طلقها قبل الدخول. وعاشرها تزوج أمة ودخل بها ثم طلقها بائنا ثم تزوجها في العدة فأعتقت فاختارت نفسها قبل الدخول، كذا في فتح القدير والمعراج. قوله: (ولو طلق ذمي ذمية لم تعتد) عند الامام. وقالا: عليها العدة. والخلاف فيما إذا كانوا لا يعتقدونها، أما إذا اعتقدوها فعليها العدة اتفاقا وفيما إذا كانت حائلا، أما الحامل فعليها العدة اتفاقا. وقيده الولوالجي وغيره بما إذا كانوا يدينونها. وأطلقه في الهداية معللا بأن في بطنها ولدا ثابت النسب. وعن الامام يصح العقد عليها ولا يطؤها كالحامل من الزنا والاول أصح ا ه‍. وفي المعراج: وقع في بعض النسخ التقييد وفي بعضها يمنع من التزوج ولم يذكر الزيادة ا ه‍. ولا فرق بين الطلاق والموت فلو تزوجها مسلم أو ذمي في فور

[ 252 ]

طلاقها جاز كما في فتح القدير. وقيد بالذمي لان المسلم إذا طلق الذمية أو مات عنها فعليها العدة اتفاقا لانها حقه ومعتقده، كذا في فتح القدير. على هذا الخلاف المهاجرة إذا خرجت إلينا مسلمة أو ذمية أو مستأمنة ثم أسلمت أو صارت ذمية فعنده إن تزوجت جاز إلا أن تكون حاملا، وعنه لا يطؤها الزوج حتى يستبرئها بحيضة، وعنه لا يتزوجها إلا بعد الاستبراء، وقالا عليها العدة، وأما إذا هاجر الزوج مسلما أو ذميا أو مستأمنا ثم صار مسلما أو ذميا فإنه لا عدة عليها حتى جاز له التزوج بأختها وأربع سواها كما دخل دارنا لعدم تبليغ أحكامنا إليها لا لانها غير مخاطبة بالعدة، كذا في فتح القدير والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. فصل في الاحداد فيه لغتان: أحدت إحدادا فهي محد ومحدة إذا تركت الزينة لموته، وحدت المرأة على زوجها تحد وتحد حدادا بالكسر فهي حاد بغيرها. وأنكر الاصمعي الثلاثي واقتصر على الرباعي، كذا في المصباح. وفي القاموس: والحاد والمحد تاركة الزينة للعدة حدت تحد وتحد حدادا وأحدت ا ه‍. وفي الشريعة ترك الزينة ونحوها من معتدة بطلاق بائن أو موت قوله: (تحد معتدة البت والموت بترك الزينة والطيب والكحل والدهن إلا بعذر والحناء ولبس المزعفر والمعصفر إن كانت مسلمة بالغة) أي تحد المبانة والمتوفى عنها زوجها بترك ما ذكر. أطلقه فشمل الطلاق واحدة أو أكثر والفرقة كما في الخانية. وعبر بالاخبار عن فعلها لافادة أنه واجب عليها للحديث الصحيح لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث إلا على زوج أربعة

[ 253 ]

أشهر وعشرا وتعقب بأنه لا دليل فيه على الايجاب لان حاصله استثناء من نفي الحل فيفيد ثبوت الحل ولا كلام فيه فالاولى الاستدلال بالرواية الاخرى إلا على زوجها فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل ولا تمس طيبا فصرح بالنهي في تفصيل معنى ترك الاحداد، ولا خلاف في عدم وجوبه على المرأة بسبب غير الزوج من الاقارب. وهل يباح؟ قال محمد في النوادر: لا يحل الاحداد لمن مات أبوها أو ابنها أو أخوها أو أمها وإنما هو في الزوج خاصة. قيل: أراد بذلك فيما زاد على الثلاث لما في الحديث من إباحته للمسلمات على غير أزواجهن ثلاثة أيام، كذا في فتح القدير. وفي التتارخانية سئل أبو الفضل عن المرأة يموت زوجها أو أبوها أو غيرهما من الاقارب فتصبغ ثوبها أسود فتلبسه شهرين أو ثلاثة أو أربعة تأسفا على الميت أتعذر في ذلك؟ فقال: لا. وسئل عنها علي بن أحمد فقال: لا تعذر وهي آثمة إلا الزوجة في حق زوجها فإنها تعذر إلى ثلاثة أيام ا ه‍. وظاهره منعها من لبس السواد تأسفا على موت زوجها أكثر من الثلاث. وقيد بالبت لان المطلقة رجعيا لا حداد عليها وينبغي أنها لو أرادت أن تحد على قرابة ثلاثة أيام ولها زوج له أن يمنعها لان الزينة حقه حتى كان له أن يضربها على تركها إذا امتنعت وهو يريدها، وهذا الاحداد مباح لها لا واجب وبه يفوت حقه، كذا في فتح القدير. وفي التتارخانية: ويستحب لها تركه ولما وجب في الموت إظهارا للتأسف على فوات نعمة النكاح فوجب على المبتوتة إلحاقا لها بالمتوفى عنها زوجها بالاولى لان الموت أقطع من الابانة ولهذا تغسله ميتا قبل الابانة لا بعدها. وأطلق في ترك الطيب فلا تحضر عمله ولا تتجر فيه وإن لم يكن لها كسب إلا فيه. ودخل في الزينة الامتشاط بمشط أسنانه ضيقة لا الواسعة كما في المبسوط، وشمل لبس الحرير بجميع أنواعه وألوانه ولو أسود، وجميع أنواع الحلي من ذهب وفضة وجواهر، زاد في التتارخانية القصب. وقوله إلا بعذر متعلق بالجميع لا بالدهن وحده فلها لبس الحرير للحكة والقمل، ولها الاكتحال للضرورة، ولو أخر الاستثناء عن الجميع لكان أولى لجواز

[ 254 ]

لبس المعصفر والمزعفر إذا لم تجد غيره لوجوب ستر العورة. وذكر الدهن بعد الطيب ليفيد حرمته وإن لم يكن مطيبا كالزيت الخالص منه والشيرج والسمن. وفي المجتبى: ولو اعتادت الدهن فخافت وجعا فإن كان أمرا ظاهرا يباح لها ا ه‍. ويستثنى من المعصفر والمزعفر الخلق الذي لا رائحة له فإنه جائز كما في الهداية. وقيد بإسلامها مع بلوغها لانه لا حداد على كافرة ولا صغيرة وقدمنا معنى وجوب العدة عليهما. ولم يقيد بالعقل مع أنه لا حداد على مجنونة للاكتفاء بما يخرج الصغيرة لان عدمه عليها ليس إلا لعدم تكليفها والمجنونة مثلها في ذلك ولهذا قال الاسبيجابي رحمه الله تعالى: الاصل أن كل معتدة مخاطبة فارقت فراش زوج حلال يجب عليها الاحداد وإلا فلا ا ه‍. ولم يقيد بالحرية لوجوبه على الامة المنكوحة لكونها مكلفة بحقوق الشرع ما لم يفت به حق العبد ولهذا لا يحرم عليها الخروج إلا إذا كانت في بيت الزوج وقت الطلاق ولم يخرجها المولى ويحل إن أخرجها. والمدبرة والمكاتبة والمستسعاة كالقنة، ولو أسلمت الكافرة في العدة لزمها الاحداد فيما بقي من العدة، كذا في الجوهرة. وينبغي كذلك لو بلغت الصغيرة أو أفاقت المجنونة إذ لا فرق، واقتصاره على ترك ما ذكر يفيد جواز دخول الحمام لها. ونقل في المعراج أن عندهم لها أن تدخل الحمام وتغتسل رأسها بالخطمي والسدر، وفيه أن الحداد حق الشرع حتى لو أمرها الزوج بتركه لم يحل لها. قوله: (لا معتدة العتق والنكاح الفاسد) أي لا حداد على أم الولد إذا أعتقت بإعتاق سيدها أو موته، ولا على المعتدة من نكاح فاسد وهو مفهوم من اقتصاره على البت والموت. وفي الخانية: لو تزوج أمة وملكها بعد الدخول وقد ولدت منه فسد النكاح بينهما ولا حداد عليها، ولا يجوز لغيره أن يتزوجها حتى تحيض حيضتين، فإن أعتقها كان عليها عدتان: عدة فساد النكاح وفيها الحداد وعدة العتق ولا حداد فيها فتحد في حيضتين دون الثالثة، ولو أعتقها بعد حيضتين كان عليها أن تعتد بثلاث ا ه‍. وبهذا ظهر أن النكاح إذا فسد بعد صحته يوجب الحداد بخلاف ما إذا كان فاسدا من أصله لانه إنما وجب اظهارا للتأسف على فوات نعمة النكاح وسببه النكاح الصحيح فلا يتأسف على الفاسد، واستفيد عدم وجوبه على المعتدة من وطئ بشبهة بالاولى كما في المعراج. فالحاصل لا إحداد على كافرة ولا صغيرة ولا مجنونة ولا معتدة عن عتق ولا معتدة عن نكاح فاسد ولا على معتدة عن وطئ بشبهة ولا معتدة عن طلاق رجعي، فهن سبع لا حداد عليهن. فإن قلت: إن العلة لوجوبه أعني إظهار التأسف

[ 255 ]

على فوات نعمة النكاح وإن فاتت في مسألتي الكتاب بقيت أخرى أعني عدم اظهار الرغبة فيما هو ممنوع فيها وهذه الاشياء للرغبة. أجيب بأن هذه حكمة فلا تطرد وتلك علة يزول الحكم بزوالها كما في المعراج قوله: (ولا تخطب معتدة) أي تحرم خطبتها وهي بكسر الخاء مصدر بمنزلة الخطب مثل قولك إنه لحسن القعدة والجلسة تريد القعود والجلوس. وفي اشتقاقه وجهان: الاول أن الخطب هو الامر والشأن يقال ما خطبك أي ما شأنك فقولهم خطب فلان فلانة أي سألها أمرا وشأنا في نفسها. والثاني أن أصل الخطبة من الخطاب الذي هو الكلام، يقال خطب المرأة خطبة لانه خاطب في عقد النكاح، وخطب خطبة أي خاطب بالزجر والوعظ، والخطب الامر العظيم لانه يحتاج فيه إلى خطاب كثير، كذا ذكر الامام الرازي. أطلقها فشمل المعتدة عن طلاق بنوعية وعن وفاة وعن عتق وعن غير ذلك ولم أره صريحا، وعلم منه حرمة خطبة المنكوحة بالاولى وتحرم تصريحا وتعريضا كما في البدائع. وقيد بالمعتدة لان الخالية عن نكاح وعدة تحل خطبتها تصريحا وتعريضا لجواز نكاحها لكن بشرط أن لا يخطبها غيره قبله فإن خطبها فعلى ثلاثة أوجه: إما أن تصرح بالرضا فتحرم، أو بالرد فتحل، أو تسكت فقولان للعلماء ولم أر هذا التفصيل لاصحابنا وأصله الحديث الصحيح لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه (1) وقيدوه بأن لا يأذن له. واستفيد من حرمة خطبة المعتدة حرمة نكاحها على غير المطلق بالاولى وهو ظاهر ولكن جعلوا دليله قوله تعالى * (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) * [ البقرة: 235 ] ووجهه أن المراد لا تعقدوا، وعبر عنه بالعزم لانه سببه مبالغة في المنع عنه، وقيل هو باق على حقيقته والمراد به الايجاب، يقال عزمت عليك أي أوجبت عليك والايجاب سبب للوجود ظاهرا فكان مجازا

[ 256 ]

عنه أي لا توجدوا عقد النكاح وهذا القول هو اختيار أكثر المحققين. وفي الكتاب وجهان: أحدهما المكتوب والمعنى حتى تبلغ العدة المفروضة آخرها. الثاني أن الكتاب بمعنى الفرض أي حتى يبلغ هذا الكتاب آخره ونهايته وتمامه في التفسير الكبير قوله: (وصح التعريض) وهو لغة خلاف التصريح والفرق بينه وبين الكناية أن التعريض تضمين الكلام دلالة ليس فيها ذكر كقولك ما أقبح البخل تعريض بأنه بخيل، والكناية ذكر الرديف وإرادة المردوف كقولك فلان طويل النجاد وكثير رماد القدير يعني أنه طويل القامة ومضياف، كذا في المغرب. والمراد به هنا أن يذكر شيئا يدل على شئ لم يذكره نحو أن يقول إني أريد أن أتزوج امرأة من أمرها كذا أو من أمرها كذا كما فسره ابن عباس رضي الله عنهما، وما قيل إن منه أن يقول لها إنك لجميلة وإني فيك لراغب وإنك لتعجبيني أو إني لارجو ا أن أجتمع أنا وإياك وإنك لدينة فهو غير سديد ولا يحل لاحدان يشافه امرأة أجنبية لا يحل له نكاحها للحال بمثل هذه الكلمات لان بعضها صريح في الخطبة وبعضها صريح في إظهار الرغبة فلا يجوز شئ من ذلك، كذا في البدائع. وظاهره أن التعريض جائز لكل معتدة وليس كذلك بل لا يجوز إلا للمتوفي عنها زوجها بالاجماع، كذا في المعراج. وأما المطلقة فغير جائز لما فيه من إيراث العداوة بين المطلق والخاطب بخلاف الميت فإن النكاح قد انقطع فلا عداوة من الميت ولا ورثته والاصل في ذلك قوله تعالى * (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكنتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا ان تقولوا قولا معروفا) * [ البقرة: 235 ] قال الرازي في تفسيره: أراد به المتوفى عنها زوجها بدليل سياق الآية والمعنى لا إثم عليكم فيما ذكرتم لهن من الالفاظ الموهمة لارادة نكاحهن أو أضمرتم في أنفسكم فلم تنطقوا به تعريضا ولا تصريحا، علم الله أنكم ستذكرونهن فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن نكاحا، والاستثناء من لا تواعدوهن وهو منقطع لان القول المعروف ليس داخلا في السر والاستدراك مما قدرناه وتمامه في التفسير الكبير. قوله: (ولا تخرج معتدة الطلاق) لقوله تعالى * (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) * [ الطلاق: 1 ] أي لا تخرجوا المعتدات من المساكن التي كنتم تسكنون فيها قبل الطلاق فإن كانت المساكن عارية فارتجعت من الساكن كان على الازواج أن يعينوا مساكن أخرى بطريق الشراء أو الكراء، وعلى الزوجات أيضا أن لا يخرجن حقا لله تعالى إلا لضرورة ظاهرة فإن خرجن ليلا أو نهارا كان حراما. وقال ابن عباس رضي الله عنهما:

[ 257 ]

الفاحشة الزنا فيخرجن لاقامة الحد وبه قال الاكثرون. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: خروجها قبل انقضاء العدة. وقال بعضهم: العصيان الظاهر وهو النشوز عن المجاورة وجمع بين النهي عن الاخراج والخروج لان الاخراج إخراج الزوج لها غصبا وكراهة أو حاجة إلى المسكن وأن لا يأذن لها في الخروج إذا طلبت، والخروج خروجهن بأنفسهن إذا أردن ذلك، وقرئ مبينة بالكسر والفتح وتمامه في التفسير الكبير. وأخذ أبو حنيفة بتفسير ابن عمر رضي الله عنهما، كذا ذكره الاسبيحابي. وذكر في الجوهرة أن أصحابنا قالوا: الصحيح تفسيرها بالزنا كما فسره ابن مسعود رضي الله عنه. أطلقه فشمل الرجعي والبائن بنوعيه. والمراد معتدة الفرقة سواء كانت بطلاق أو بغيره ولو كانت بمعصية كتقبيلها ابن الزوج كما في البدائع، وما إذا خرجت بإذن المطلق وبغير إذنه حتى إن المطلقة رجعيا وإن كانت منكوحة حكما لا تخرج من بيت العدة، ولو أذن الزوج بخلاف ما قبل الطلاق لان الحرمة بعده للعدة وهي حق الله تعالى فلا يملكان إبطاله بخلاف ما قبله لان الحرمة لحق الزوج فيملك إبطاله بالاذن، وسيأتي أنها تخرج حالة الضرورة كما إذا أخرجت أو انهدم البيت فهو مقيد بحالة الاختيار. ولا بد من تقييدها بالحرية والتكليف لان الامة والمدبرة وأم الولد والمكاتبة والمستسعاة يجوز لها الخروج في عدة الطلاق والوفاة لان حالة العدة مبنية على حال النكاح، ولا يلزمها المقام في منزل زوجها حال النكاح فكذا بعده، ولان الخدمة حق المولى فلا يجوز إبطاله إلا إذا بوأها منزلا فحينئذ لا تخرج وله الرجوع، ولو بوأها في النكاح ثم طلقت فللزوج منعها من الخروج حتى يطلبها المولى. وأما الصغيرة والمجنونة فلا يتعلق بهما شئ من أحكام التكليف كما قدمناه في الحداد ولكن للزوج أن يمنع المجنونة تحصينا لمائه من الخروج، ويمنع الصغيرة إذا كانت مطلقة رجعيا كما في البدائع. وفي المعراج وشرح النقاية: والمراهقة كالبالغة في المنع من الخروج وكالكتابية في عدم وجوب الاحداد، وأما الكتابية فلا يحرم عليها الخروج لانها غير مخاطبة بحق الشرع إلا أن منعها الزوج صيانة لمائه، وكذا إذا أسلم زوج المجنونة وأبت الاسلام، كذا في البدائع. وفي الظهيرية: الكتابية لا تخرج إلا بإذن الزوج بخلاف المسلمة فإنها لا تخرج لا بإذن الزوج ولا بعدم الاذن ا ه‍. وبين العبارتين فرق

[ 258 ]

للمتأمل. وقيد بمعتدة الطلاق لان معتدة الوطئ لا يحرم عليها الخروج كالمعتدة عن عتق كأم الولد إذا أعتقها سيدها أو مات عنها والمعتدة عن نكاح فاسد أو وطئ بشبهة لانه لا يفيد المنع عن الخروج قبل التفريق فكذا في عدته إلا أن منعها الزوج لتحصين مائه فله ذلك، كذا في البدائع. وينبغي أن يلحق به أم الولد إذا أعتقها سيدها فله منعها لتحصين مائة، فإن أعتقت الامه في العدة أو أسلمت الكتابية حرم الخروج كما في البدائع. وينبغي أن يكون كذلك في الصغيرة إذا بلغت والمجنونة إذا أفاقت. وفي الظهيرية: وسائر وجوه الفرق التي توجب العدة من النكاح الصحيح والفاسد سواء يعني في حق حرمة الخروج من بيتها في العدة، فهذا تنصيص على أن المنكوحة نكاحا فاسدا تعتد في بيت الزوج. وحكى فتوى شمس الاسلام الاوزجندي أنها لا تعتد في منزل الزوج لانه لا ملك له عليها ا ه‍. وفي المجتبى: لا تمنع المعتدة عن نكاح فاسد من الخروج. وفي التتارخانية: إذا قبلت ابن زوجها فلا نفقة لها ولها السكنى، والنصراني إذا طلق النصرانية فلها النفقة لا السكنى. وشمل أيضا المنزل المملوك للزوج وغيره حتى لو كان غائبا وهي في دار بأجرة قادرة على دفعها فليس لها أن تخرج بل تدفع وترجع إن كان بإذن الحاكم، وشمل خروجها إلى صحن دار فيها منازل لغيره بخلاف ما إذا كانت المنازل له، وشمل أيضا المختلعة على نفقة عدتها فالصحيح المختار أنه لا يباح لها الخروج وبه أفتى الصدر الشهيد كما لو اختلعت على أن لا سكنى لها ويلزمها أن تكتري بيت الزوج كما في المعراج، ولو زارت أهلها والزوج معها أو لا فطلقها كان عليها أن تعود إلى منزلها ذلك فتعتد كما في فتح القدير. وفي المجتبى: لو طلقت في غير مسكنها تعود إلى مسكنها بغير تأخير. قوله: (ومعتدة الموت تخرج يوما وبعض الليل) لتكتسب لاجل قيام المعيشة لانه لا نفقة

[ 259 ]

لها حتى لو كان عندها كفايتها صارت كالمطلقة فلا يحل لها أن تخرج لزيارة ولا لغيرها ليلا ولا نهارا. والحاصل أن مدار الحل كون خروجها بسبب قيام شغل المعيشة فيتقدر بقدره فمتى انقضت حاجتها لا يحل لها بعد ذلك صرف الزمان خارج بيتها، كذا في فتح القدير. وأقول: لو صح هذا عمم أصحابنا الحكم فقالوا لا تخرج المعتدة عن طلاق أو موت إلا لضرورة لان المطلقة تخرج للضرورة بحسبها ليلا كان أو نهارا، والمعتدة عن موت كذلك فأين الفرق؟ فالظاهر من كلامهم جواز خروج المعتدة عن وفاة نهارا ولو كانت قادرة على النفقة ولهذا استدل أصحابنا بحديث قريعة بنت أبي سعيد الخدري رحمه الله تعالى أن زوجها لما قتل أتت النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنته في الانتقال إلى بني خدرة فقال لها: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله. فدل على حكمين إباحة الخروج بالنهار وحرمة الانتقال حيث لم ينكر خروجها ومنعها من الانتقال. وروى علقمة أن نسوة من همدان نعي إليهن أزواجهن فسألن ابن مسعود رضي الله عنه فقلن إنا نستوحش فأمرهن أن يجتمعن بالنهار فإذا كان بالليل فلترجع كل امرأة إلى بيتها، كذا في البدائع. وفي المحيط عزاء الثاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الجوهرة: يعني ببعض الليل مقدار ما تستكمل به حوائجها. وفي الظهيرية: والمتوفى عنها زوجها لا بأس بأن تتغيب عن بيتها أقل من نصف الليل. قال شمس الائمة الحلواني: وهذه الرواية صحيحة ا ه‍. ولكن في الخانية: والمتوفى عنها زوجها تخرج بالنهار لحاجتها إلى نفقتها ولا تبيت إلا في بيت زوجها ا ه‍. فظاهره أنها لو لم تكن محتاتجة إلى النفقة لا يباح لها الخروج نهارا كما فهمه المحقق. قوله: (وتعتدان في بيت وجبت فيه إلا أن تخرج أو ينهدم) أي معتدة الطلاق والموت يعتدان في المنزل المضاف إليهما بالسكنى وقت الطلاق والموت ولا يخرجان منه إلا لضرورة لما تلوناه من الآية. والبيت المضاف إليها في الآية ما تسكنه كما قدمناه، سواء كان الزوج ساكنا معها أو لم يكن، كذا في البدائع. ولهذا قدمنا أنها لو زارت أهلها فطلقها زوجها كان عليها أن تعود إلى منزلها فتعتد فيه. واستفيد من كلامه أن أجر المنزل بعد وفاة الزوج من مالها إن كان لها مال، وبعد الطلاق على الزوج، فإن كان الزوج غائبا فطولبت بالكراء فعليها إعطاؤه من مالها حيث كانت قادرة وترجع به عليه إن دفعت بإذن القاضي، هكذا في البدائع

[ 260 ]

وغيرها، هكذا أطلقه الشيخان خواهر زاده وشمس الائمة السرخسي، وظاهره أنها لا تخرج منها قبل العدة وإن لم تكن مستأجرة ولا زوجها مستأجرا. وذكر شمس الائمة الحلواني أن المنزل إذا كان بأجارة ينظر، إن كانت مشاهرة فلها التحول وإن كانت إجارة إلى مدة طويلة فليس لها التحول، كذا في الظهيرية. واستفيد أيضا أن المطلق لو طلب من القاضي أن يسكنها بجواره لا يجيبه إلى ذلك وإنما تعتد في مسكن كانت تسكنه قبل المفارقة، كذا في الظهيرية. وأطلق في الاخراج فشمل ما إذا أخرجها المطلق ظلما وتعديا وما إذا أخرجها صاحب الدار لعدم قدرتهما على الكراء ووجدت منزلا بغير كراء وما إذا أخرجها الوارث وكان نصيبها من البيت لا يكفيها. وفي المجتبى: كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها اشترت من الاجانب وأولاده الكبار وكذا في الطلاق البائن ا ه‍. وظاهره وجوب الشراء عليها إن كانت قادرة ويقال يجب الكراء والشراء إن أمكن وحكم ما انتقلت إليه حكم المسكن الاصلي فلا تخرج منه على ما أسلفناه وتعيين المنزل الثاني للزوج في معتدة الطلاق ولها في الوفاة كما في فتح القدير، وكذا إذا كان زوجها غائبا وطلقها فالتعيين لها، كذا في المعراج. وفي المعراج أيضا: عين انتقالها إلى أقرب المواضع مما انهدم في الوفاة وإلى حيث شاءت في الطلاق. والمراد بالانهدام خوفه - كما في الظهيرية - فلها الخروج إذا حافت الانهدام عليها والمراد إذا خافت على نفسها أو متاعها من اللصوص فلها التحول للضرورة وليس المراد حصر الاعذار فيما ذكره. فمنها ما في الظهيرية لو لم يكن معها أحد في البيت وهي تخاف بالليل بالقلب من أمر الميت والموت إن كان الخوف شديدا كان لها التحول، وإن لم يكن شديدا فليس لها التحول، كذا في الظهيرة. وفي القنية: خرجت المعتدة لاصلاح ما لا بد لها كالزراعة وطلب النفقة وإخراج الكرم ولا وكيل لها فلها ذلك ا ه‍. ومنها: طلقها بالبادية وهي معه في محفة أو خيمة والزوج ينتقل من موضع إلى آخر للكلا والماء فإن كان يدخل عليها ضرر بين في نفسها ومالها بتركها في ذلك الموضع فله أن يتحول بها وإلا فلا، كذا في الظهيرية أيضا. وليس منها سفرها للحج أو للعمرة فلا تخرج المعتدة لسفر حج أو عمرة، كذا في المعراج. وليس للزوج المسافرة بالمعتدة ولو عن رجعي وقدمناه في بابها، ولم يبين المصنف حكم إقامته معها في منزل الطلاق.

[ 261 ]

قال في المجتبى: وإذا وجب الاعتداد في منزل الزوج فلا بأس بأن يسكنا في بيت واحد إذا كان عدلا، سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا أو ثلاثا والافضل أن يحال بينهما في البينونة بستر إلا أن يكون الزوج فاسقا فيحال بامرأة ثقة تقدر على الحيلولة بينهما، وإن تعذر فلتخرج هي وتعتد في منزل آخر، وكذا لو ضاق البيت وإن خرج هو كان أولى ولهما أن يسكنا بعد الثلاث في بيت إذا لم يلتقيا التقاء الازواج ولم يكن فيه خوف فتنة ا ه‍. وهكذا صرح في الهداية بأن خروجه أولى من خروجها عند العذر، ولعل المراد أنه أرجح فيجب الحكم به كما يقال إذا تعارض محرم ومبيح ترجح المحرم أو فالمحرم أولى، ويراد ما قلنا في هذا لانهم عللوا أولوية خروجه بأن مكثها واجب لا مكثه، كذا في فتح القدير. وقد استفيد من كلامهم أن الحائل يمنع الخلوة المحرمة. قال في الظهيرية: يجعل بينهما حجاب حتى لا يكون بينه وبين امرأة أجنبية خلوة، وإنما اكتفي بالحائل لان الزوج معترف بالحرمة ا ه‍. فيمكن أن يقال في الاجنبية كذلك وإن لم تكن معتدته إلا أن يوجد نقل بخلافه، وكذا حكم السترة إذا مات زوجها وله أولاد كبار أجانب كما في المعراج. وأما نفقة هذه المرأة الحائلة بينهما فقال في تلخيص الجامع الكبير للصدر الشهيد من باب ما يوضع عند العدل: شهدا أو واحد عدل أنه طلقها ثلاثا وقد دخل يمنع من الخلوة بها مدة المسألة بأمينة نفقتها في بيت المال لانه يعتقد الحل والعدل كغيره وبخلاف المعتدة، فإن طلبت النفقة تفرض نفقة العدة مدتها لانها زوجة أو معتدة بخلاف ما قبل الدخول ا ه‍. وتمام مسائل الحيلولة في كتاب القضاء من البزازية وغيرها. قوله: (بانت أو مات عنها في سفر وبينها وبين مصرها أقل من ثلاثة أيام رجعت إليه) أي إلى مصرها مطلقا سواء كانت في المصر أو غيره، هذا إذا كان المقصد ثلاثة أيام، أما إذا كان المقصد أقل فهي مخيرة قوله: (ولو ثلاثة أيام رجعت أو مضت) أي لو كان بينها وبين مصرها ثلاثة أيام خيرت إذا كان المقصد كذلك وهي في المفازة ولكن

[ 262 ]

الرجوع أولى، أما إذا كان المقصد أقل من ثلاثة أيام تختار الادنى قوله: (معها ولي أو لا) متعلق بالصورتين قوله: (ولو كانت في مصر تعتد ثمة فتخرج بمحرم) فلا تخرج قبل انقضائها مطلقا، سواء كان لها محرم أو لا. قيد بالبائن لان المطلقة رجعيا تابعة للزوج ولا تفارقه. وحاصل الوجوه كما في فتح القدير إما أن يكون بينهما وبين مصرها ومقصدها أقل من السفر فتتخير والاولى الرجوع على ما في الكافي، وعلى ما في النهاية وغيرها يتعين الرجوع. وإن كان أحدهما سفرا والآخر دونه فتختار ما دونه، فإن كان كل منهما سفرا فلا يخلو إما أن يكون في مفازة أو مصر، فإن كانت في مفازة تخيرت والاولى الرجوع، وإن كانت في مصر لم تخرج بغير محرم. وفي البدائع: لو كانت الجهتان مدة سفر فمضت أو رجعت وبلغت أدنى المواضع التي تصلح للاقامة أقامت فيه واعتدت إن لم تجد محرما بلا خلاف، وكذا إن وجدت عند أبي حنيفة، ومثله في المحيط والله أعلم بالصواب. باب ثبوت النسب لما كان من آثار الحمل ذكره عقيب العدة قوله: (ومن قال إن نكحتها فهي طالق فولدت لستة أشهر منذ نكحها لزمه نسبه ومهرها) أما النسب فلانها فراشه لانها لما جاءت بالولد لستة أشهر من وقت النكاح فقد جاءت به لاقل منها من وقت الطلاق فكان العلوق قبله في حالة النكاح والتصور ثابت بأن تزوجها وهو مخالطها فوافق الانزال النكاح، والنسب مما يحتاط في إثباته. والتزوج في هذه الحالة إما بتكلمهما وسماع الشهود أو بأنهما وكلا في التزويج فزوجهما الوكيل وهما في هذه الحالة والثاني أحسن كما لا يخفى. ولقائل أن يقول: إن الحمل على ما إذا تزوجها وهو مخالط لها حمل المسلم على الحرام وهو لا يجوز ولذا فر بعض المشايخ عن إثبات هذا التصور وقال لا حاجة إلى هذا التكلف بل قيام الفراش كاف، ولا يعتبر إمكان الدخول لان النكاح قائم مقامه كما في تزوج المشرقي بمغربية بينهما مسيرة سنة

[ 263 ]

فجاءت بولد لستة أشهر من يوم تزوجها لكن في فتح القدير: والحق أن التصور شرط، ولذا لو جاءت امرأة الصبي بولد لا يثبت نسبه والتصوير ثابت في المغربية لثبوت كرامات الاولياء والاستخدامات فيكون صاحب خطوة أو جني ا ه‍. ولم يجب عما ذكرناه. قيد بأن تلده لستة أشهر من غير زيادة ولا نقصان لانها لو ولدته لاقل منها لم يثبت نسبه لان العلوق حينئذ من زوج قبل النكاح، ولو ولدته لاكثر منها لم يثبت أيضا لاحتمال حدوثه بعد الطلاق وقد حكمنا به حيث حكمنا بعدم وجوب العدة لكونه قبل الدخول والخلوة ولم يتبين بطلان هذا الحكم. وتعقبه في فتح القدير بأن نفيهم النسب هنا في مدة يتصور أن يكون منه وهو سنتان ينافي الاحتياط في إثباته، والاحتمال المذكور في غاية البعد فإن العادة المستمرة كون الحمل أكثر من ستة أشهر وربما يمضي دهور لم تسمع فيها الولادة لستة أشهر فكان لظاهر عدم حدوثه وحدوثه احتمال فأي احتياط في إثبات النسب إذا نفيناه لاحتمال ضعيف يقتضي نفيه وتركنا ظاهرا يقتضي ثبوته وليت شعري أي الاحتمالين أبعد، الاحتمال الذي فرضوه لتصور العلوق منه ليثبتوا النسب وهو كونه تزوجها وهو يطؤها وسمع كلامهما الناس وهما على تلك الحالة ثم وافق الانزال العقد، أو احتمال كون الحمل إذا زاد على ستة أشهر بيوم يكون من غيره ا ه‍. وأما المهر فلانه لما ثبت النسب منه جعل واطئا حكما فتأكد المهر به. وقال أبو يوسف في الاملاء: القياس أنه يجب مهر ونصف بالوطئ بعد وقوع الطلاق وقبله. والجواب أنا إذا قدرنا أنه تزوجها حالة المواقعة لم تكن المواقعة بعد الطلاق فلا يلزمه إلا مهر واحد، ذكر ابن بندار في شرح الجامع الصغير. وبه اندفع ما قيل لا يلزم من ثبوت النسب منه وطؤه لانه الحمل قد يكون بإدخال الماء الفرج بدون جماع مع أنه نادر والوجه الظاهر هو المعتاد. وفي فتح القدير: واعلم أنه إذا كان الاصح في ثبوت هذا النسب إمكان الدخول وتصوره ليس إلا بما ذكر من تزويجها حال وطئها المبتدأ به قبل التزوج وقد حكم فيه بمهر واحد في

[ 264 ]

صريح الرواية يلزم كون ما ذكره مطلقا ومنسوبا، وقدمناه في باب المهر من أنه لو تزوجها في حال ما يطؤها كان عليه مهران مهر بالزنا لسقوط الحد بالتزوج قبل تمامه، ومهر بالنكاح لان هذا أكثر من الخلوة مشكلا لمخالفته لصريح المذهب. وأيضا الفعل واحد وقد اتصف بشبهة الحل فيجب مهر واحد بخلاف ما لو قال إن تزوجتها فهي طالق ونسي فتزوجها ووطئها حيث يجب مهر ونصف لان الطلاق قبل الوطئ، أما هنا الطلاق مع الوطئ الحلال في فعل متحد فصار الفعل كله له شبهة الحل وقد وجب المهر فلا يجب مهر آخر ا ه‍. وقد دل كلام المصنف على مسألتين: إحداهما أن من طلق امرأته قبل الدخول بها فجاءت بولد لاقل من ستة أشهر منذ طلقها أنه يلزمه لتيقننا بالعلوق حال قيام النكاح، وإن جاءت به لستة أشهر أو أكثر لا يلزمه لعدم التيقن بذلك، ويستوي في هذا الحكم ذواب الاقرار وذوات الاشهر. ثانيهما أن من تزوج امرأة فولدت لاقل من ستة أشهر من وقت النكاح لا يثبت نسبه وستأتي صريحة. وذكر في النهاية أنه لا يكون محصنا بالوطئ في مسألة الكتاب قوله: (ويثبت نسب ولد معتدة الرجعي وإن ولدته لاكثر من سنتين ما لم تقر بمضي العدة وكانت رجعة في الاكثر منهما لا في الاقل منهما) أي من السنتين لاحتمال العلوق في حالة العدة لجواز أنها تكون ممتدة الطهر، فإن جاءت به لاقل من سنتين بانت من زوجها لانقضاء العدة وثبت نسبه لوجود العلوق في النكاح أو في العدة ولا يصير مراجعا لانه يحتمل العلوق قبل الطلاق، ويحتمل بعده فلا يصير مراجعا بالشك، وإن جاءت به لاكثر من سنتين كانت رجعة لان العلوق بعد الطلاق والظاهر أنه منه لانتفاء الزنا منها فيصير بالوطئ مراجعا والاصل أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وأكثرها سنتان، ففي كل موضع يباح الوطئ فيه فهي مقدرة بالاقل وهو أقرب الاوقات إلا أن يلزم إثبات رجعة بالشك أو إيقاع طلاق بالشك أو استحقاق مال

[ 265 ]

بالشك فحينئذ يستند العلوق إلى أبعد الاوقات وهو ما قبل الطلاق لان هذه الاشياء لا تثبت بالشك، وفي كل موضع لا يباح الوطئ فيه فمدة الحمل سنتان ويكون العلوق مستندا إلى أبعد الاوقات للحاجة إلى إثبات النسب وأمره مبني على الاحتياط، كذا في غاية البيان. أطلق في الاكثر منهما فشمل عشرين سنة أو أكثر، وقيد بعدم إقرارها لانها لو أقرت بانقضائها والمدة محتملة بأن يكون ستين يوما على قول أبي حنيفة، وتسعة وثلاثين يوما على قولهما، ثم جاءت بولد لا يثبت نسبه إلا إذا جاءت به لاقل من ستة أشهر من وقت الاقرار فإنه يثبت نسبه للتيقين بقيام الحمل وقت الاقرار فيظهر كذبها. وإنما نفى الاقل بقوله لا في الاقل منهما مع فهمه من التقييد بالاكثر لبيان أن حكم السنتين حكم الاكثر ولذا قال في الاختيار: وإذا جاءت به لسنتين أو أكثر كان رجعة ا ه‍. وأطلق في المعتدة فشمل المعتدة بالحيض أو بالاشهر ليأسها، ولا فرق بينهما كما في البدائع إلا إذا أقرت بانقضائها بالاشهر لاياسها مفسرا بثلاثة أشهر فإنه يثبت نسب ولدها إذا جاءت به لاقل من سنتين من وقت الطلاق بائنا كان أو رجعيا لانها لما ولدت تبين أنها لم تكن آيسة فتبين أن عدتها لم تكن بالاشهر فلم يصح إقرارها بانقضاء عدتها بالاشهر فصار كأنها لم تقر أصلا قوله: (والبت لاقل منهما) أي ويثبت نسب ولد معتدة الطلاق البائن إذا ولدته لاقل من سنتين من وقت الطلاق لانه يحتمل أن يكون الولد قائما وقت الطلاق فلا يتيقين بزوال الفراش فيثبت النسب احتياطا قوله: (وإلا لا) صادق بصورتين بما إذا أتت به لسنتين فقط، وبما إذا أتت به لاكثر منهما، واقتصر الشارح على الثاني. وصرح في المجتبي والنقاية بأن حكم السنتين كالاكثر وهو ظاهر المختصر، أما إذا أتت به لاكثر منهما فظاهر لان الحمل حادث بعد الطلاق فلا يكون منه لحرمة وطئها في العدة بخلاف الرجعي، وأما إذا أتت به لتمام السنتين فمشكل فإنهم اتفقوا

[ 266 ]

على أن أكثر مدة الحمل سنتان وألحقوا السنتين بالاقل منهما حتى أنهم أثبتوا النسب إذا جاءت به لتمام سنتين، وجوابه بالفرق فإن في مسألة البيتوتة إذا جاءت به لسنتين من وقت الطلاق لو أثبتنا النسب منه للزم أن يكون العلوق سابقا على الطلاق حتى يحل الوطئ فحينئذ يلزم كون الولد في بطن أمه أكثر من سنتين وفي الحديث لا يمكث الولد أكثر من سنتين في بطن أمه بخلاف غير المبتوتة لحل الوطئ بعد الطلاق، ولم يذكر المصنف في مسألة المبتوتة القيد الذي ذكره في الرجعية وهو عدم الاقرار بانقضاء عدتها مع أنه قيد فيهما كما صرح به في البدائع. وقوله وإلا لا مقيد بما إذا لم تلد ولدا قبله لاقل من سنتين وبينهما أقل من ستة أشهر حتى لو ولدت توأمين أحدهما لاقل من سنتين والآخر لاكثر منهما ثبت نسبهما منه عند أبي حنيفة وأبي يوسف كالجارية إذا ولدت ولدين بعد بيعها ثم ادعى البائع الاول ثبت نسبهما منه لانهما خلقا من ماء واحد. وقال محمد: لا يثبت نسبهما لان الثاني من علوق حادث فمن ضرورته أن يكون الاول كذلك بخلاف مسألة الجارية لانه يحتمل أن يكون الاول علق به وهو في ملكه لعدم الاستحالة حتى لو ولدت أحدهما لاقل من سنتين والآخر لاكثر ينبغي أن يكون الحكم كذلك. أو نقول: يمكن أن يفرق بينهما بأن البائع التزمه قصدا بالدعوة والزوج لم يدع حتى لو أدعى الزوج الاول كان مثله، ولو خرج بعضه لاقل من سنتين وباقية لاكثر من سنتين لا يلزمه حتى يكون الخارج لاقل من سنتين نصف بدنة أو يخرج من قبل الرجلين أكثر البدن لاقل والباقي لاكثر، ذكره محمد. ولم يذكر المصنف رحمه الله أن عدتها انقضت بوضع الحمل أو قبله. قالوا: فيما إذا ولدته لاكثر يحكم بانقضاء عدتها قبل ولادتها بستة أشهر عند أبي حنيفة ومحمد فيجب أن ترد نفقة ستة أشهر حملا على أنه من غيره بنكاح صحيح وأقل مدة الحمل ستة أشهر فقد أخذت مالا لا تستحقه في هذه الستة أشهر فترده. وقال أبو يوسف: لا تنقضي إلا بوضع الحمل بدليل جواز عدم تزوجها بالغير قبل وضعه فيحمل على الوطئ

[ 267 ]

بشبهة. وذكر القاضي الاسبيجابي: وكذلك إذا طلق الرجل امرأته في حال المرض فامتد مرضه إلى سنتين وامتدت عدتها إلى سنتين ثم مات ثم ولدت المرأة بعد الموت بشهر وقد كان أعطاها النفقة إلى وقت الوفاة فإنها لا ترثه ويسترد منها نفقة خمسة أشهر عند أبي حنيفة ومحمد قاله. وقال أبو يوسف: ترث ولا يسترد منها شيئا اه‍. وأطلق في البت فشمل الواحدة والثلاث كما في البدائع، وشمل الحرة والامة لكن بشرط أن لا يملكها بعد الطلاق، فلو تزوج أمة ثم دخل بها ثم طلقها واحدة ثم ملكها يلزمه ولدها إن جاءت به لاقل من ستة أشهر من يوم الملك، ولا يلزمه إذا جاءت به لستة أشهر فصاعدا كما سيأتي في آخر الباب مفصلا. واعلم أن ثبوت النسب فيما ذكر من ولد المطلقة الرجعية والبائنة مقيد بما سيأتي من الشهادة بالولادة أو اعتراف من الزوج بالحبل أو حبل ظاهر. وفي الخانية: المعتدة عن طلاق بائن إذا تزوجت بزوج آخر في العدة وولدت بعد ذلك إن ولدت لاقل من سنتين من وقت طلاق الاول ولاقل من ستة أشهر من وقت نكاح الثاني كان الولد للاول، وإن ولدت لاكثر من سنتين من وقت طلاق الاول لا يلزم الاول، ثم ينظر، إن ولدت لستة أشهر من وقت نكاح الثاني فالولد للثاني وإلا فلا اه‍. وبه علم أن ما في المختصر شامل لما إذا تزوجت المبتوتة في العدة أو لم تتزوج، ولم يبين في الخانية فيما إذا أتت به لاقل من وقت طلاق الاول ولستة أشهر من وقت نكاح الثاني. وفي البدائع: إنه للثاني والنكاح جائز لان إقدامها على التزوج دليل انقضاء عدتها من الاول، وكذلك إذا أتت به للاكثر من وقت الطلاق ولاقل من ستة أشهر من وقت النكاح ولم يثبت من الاول ولا من الثاني فإن النكاح صحيح عندهما خلافا لابي يوسف بناء على تزوج الحامل من الزنا. هذا إذا لم يعلم أنها كانت معتدة وقت النكاح، فإن علم وقع الثاني فاسدا فإن جاءت بولد فإن النسب يثبت من الاول إن أمكن إثبات منه بأن جاءت به لاقل من سنتين منذ طلقها الاول أو مات ولستة أشهر فأكثر منذ تزوجها الثاني، فإن جاءت به لاكثر من سنتين من وقت الطلاق ولستة أشهر من وقت التزوج فهو للثاني، كذا في البدائع قوله: (إلا أن يدعيه) استثناء من النفي يعني إذا جاءت به المبتوتة لاكثر وادعاء الزوج يثبت نسبه منه لانه التزمه وله وجه بأن وطئها بشبهة في العدة، كذا في الهداية وغيرها. وتعقبه في التبيين بأن المبتوتة بالثلاث إذا وطئها الزوج بشبهة كانت شبهة في الفعل وفيها لا يثبت النسب وإن ادعاه نص عليه في كتاب الحدود فكيف أثبت به النسب هنا اه‍. وجوابه تسليم أن شبهة الفعل لا يثبت النسب فيها وإن ادعاه إذا كانت متمحضة وإلا فلا كما في المطلقة ثلاثا أو على مال فإنه لا يثبت النسب فيهما بالدعوة لان الشبهة فيهما لم

[ 268 ]

تتمحض للفعل بل هي شبهة عقد أيضا فلا يكون بين النصين تناقض، وهذا أولى من حمل بعضهم المذكور هنا على المبانة بالكنايات فإن الشبهة فيها شبهة المحل، وأما المطلقة ثلاثا أو على مال فلا يثبت فيها النسب بالدعوة لان المنصوص عليه هنا أعم من المبتوتة بالكنايات أو بالثلاث أو على مال، وقد صرح ابن الملك في شرح المجمع أن من وطئ امرأة أجنبية زفت إليه وقيل له إنها امرأتك فهي شبهة في الفعل وأن النسب يثبت إذا ادعاه، فعلم أنه ليس كل شبهة في الفعل تمنع دعوى النسب. وأطلق في المختصر فأفاد أنه لا يشترط تصديق المرأة وفيه روايتان كما في البدائع، والاوجه أنه لا يشترط لانه ممكن منه وقد ادعاه ولا معارض ولذا لم يشترطه السرخسي والبيهقي فدل على ضعف رواية الاشتراط، وغرابتها كغرابة ما نقله في المجتبى أن توقف ثبوت النسب فيما إذا جاءت به للاكثر على الدعوى إنما هو قول أبي يوسف، وأما عندهما فيثبت النسب بلا دعوة لاحتمال الوطئ بشبهة في العدة اه‍. وفي البدائع: وكل جواب عرفته في المعتدة عن طلاق فهو الجواب في المعتدة من غير طلاق من أساب الفرقة اه‍. قوله: (والمراهقة لاقل من تسعة أشهر وإلا لا) أي ويثبت نسب ولد المطلقة المراهقة إذا أتت به لاقل من تسعة أشهر وقد كان دخل بها ولم تقر بانقضاء عدتها ولم تدع حبلا، وإن جاءت به لتسعة أشهر فأكثر لا يثبت. وهذا عند أبي حنيفة ومحمد سواء، كان الطلاق رجعيا أو بائنا كما أطلقه المصنف. وقال أبو يوسف: يثبت النسب إلى سنتين في الطلاق البائن كالكبيرة وإلى سبعة وعشرين شهرا في الطلاق الرجعي لانه يجعل واطئا في آخر العدة وهي الثلاثة الاشهر ثم تأتي به لاكثر مدة الحمل وهي سنتان. ولهما أن لانقضاء عدة الصغيرة جهة متعينة وهي الاشهر فبمضيها يحكم الشرع بالانقضاء وهو في الدلالة فوق إقرارها لانه لا يحتمل الخلاف والاقرار يحتمله، فإذا ولدت قبل مضي تسعة أشهر من وقت الطلاق تبين أن الحمل كان قبل انقضاء العدة، وإن ولدته لتسعة أشهر فأكثر فهو حمل حادث بعد انقضاء عدتها بالاشهر، وقد وقع في البدائع هذا غلط فاجتنبه فإنه قال: إذا لم تقر

[ 269 ]

بانقضاء عدتها فإن جاءت به لاقل من ستة أشهر من وقت الطلاق يثبت النسب وإن جاءت به لستة أشهر أو لاكثر لا يثبت. وصوابه ابدال الستة بالتسعة كما في المختصر أو إبدال قوله من وقت الطلاق بقوله من وقت انقضاء العدة بالاشهر الثلاثة والعبارتان سواء. قيد المصنف بكونها مطلقة لانها لو مات عنها زوجها ولم تقر بالحبل ولا بانقضاء العدة فعندهما إن ولدت لاقل من عشرة أشهر وعشرة أيام يثبت النسب لانه تبين أنه كان موجودا قبل مضي عدة الوفاة وإلا لم يثبت لانه حادث بعد مضيها. وعند أبي يوسف يثبت إلى سنتين كالكبيرة. وإن أقرت بانقضاء العدة بعد أربعة أشهر وعشر ثم ولدت لستة أشهر فصاعدا لم يثبت النسب منه. وقيدنا بكونه دخل بها لانه لو لم يدخل بها وجاءت بولد فإن كان لاقل من ستة أشهر من وقت الطلاق يثبت نسبه، وإن جاءت به لاكثر منها لا يثبت لحصول العلوق وهي أجنبية كما في غاية البيان. وقيدنا بكونها لم تقر بانقضائها لانها لو أقرت به بعد ثلاثة أشهر ولم تدع حبلا ثم جاءت بولد، فإن كان لاقل من ستة أشهر من ستة أشهر من وقت الاقرار يثبت النسب، وإن جاءت به لستة أشهر أو أكثر يثبت النسب لانقضاء العدة ومجئ الولد لمدة جبل تام بعده. وقيدنا بكونها لم تدع حبلا لانها لو أقرت بالحبل فهو إقرار منها بالبلوغ فيقبل قولها فصارت كالكبيرة في حق ثبوت نسبه من حيث إنها لا يقتصر انقضاء عدتها على أقل من تسعة، فإن كان الطلاق بائنا يثبت نسب ولدها لاقل من سنتين، وإن كان رجعيا يثبت نسبه إذا أتت به لاقل من سبعة وعشرين شهرا كما في غاية البيان لا مطلقا فإن الكبيرة يثبت نسب ولدها في الطلاق الرجعي لاكثر من سنتين وإن طال إلى سن الاياس لجواز امتداد طهرها ووطئه إياها في آخر الطهر، وتعبير المصنف بالمراهقة أولى من تعبير كثير بالصغيرة لان المراهقة هي التي تلد لا ما دونها ومن تعبير الهداية بالصغيرة التي يجامع مثلها كما لا يخفى قوله: (والموت لاقل منهما) معطوف على الرجعي أي ويثبت نسب ولد معتدة الموت إذا جاءت به لاقل من سنتين من وقت الموت. وقال زفر: إذا جاءت به بعد انقضاء عدة الوفاة لستة أشهر لا يثبت النسب لان الشرع حكم بانقضاء عدتها بالشهور لتعين الجهة فصار كما إذا أقرت بالانقضاء كما بينا في الصغيرة إلا أنا نقول: لانقضاء عدتها جهة أخرى وهو وضع الحمل بخلاف الصغيرة لان الاصل فيها عدم الحمل لانها ليست بمحل له قبل البلوغ وفيه شك. أطلق في معتدة الموت وهو مقيد بالكبيرة، وأما الصغيرة فقدمنا حكمها ومقيد بما إذا لم تقر بانقضاء عدتها، وأما إذا أقرت فهي داخلة في عموم المسألة الآتية عقيب هذه. وشمل كلامه المدخول

[ 270 ]

بها وغيرها كما في البدائع، وشمل ما إذا كانت من ذوات الاقراء أو من ذوات الاشهر لكن قيده في البدائع بأن تكون من ذوات الاقراء قال: وأما إذا كانت من ذوات الاشهر فإن كانت آيسة أو صغيرة فحكمها في الوفاة ما هو حكمها في الطلاق وقد ذكرناه اه‍. وقيد بالاقل لانها لو جاءت بولد لاكثر من سنتين من وقت الموت لا يثبت نسبه، كذا في البدائع. ولم أر من صرح بالسنتين وينبغي أن يكون كالاكثر كما تقدم في نظيره قوله: (والمقرة بمضيها لاقل من ستة أشهر من وقت الاقرار وإلا لا) أي ويثبت نسب ولد المعتدة المقرة بمضيها إذا جاءت بالولد لاقل من ستة أشهر من وقت الاقرار لانه ظهر كذبها بيقين فيبطل الاقرار، ولو جاءت به لستة أشهر أو أكثر من وقت الاقرار لم يثبت لانا لم نعلم بطلان الاقرار لاحتمال الحدوث بعده وهو المراد بقوله وإلا لا. وذكر في التبيين أن هذا إذا جاءت به لاقل من سنتين من وقت الفراق بالموت أو بالطلاق، وإن جاءت به لاكثر منهما لا يثبت وإن كان لاقل من ستة أشهر من وقت الاقرار كما إذا أقرت بعدما مضى من عدتها سنتان إلا شهرين فجاءت بولد بعد ثلاثة أشهر من وقت الاقرار لم يثبت نسبه منه لان شرط ثبوته أن يكون لاقل من سنتين من وقت الفراق بالموت أو بالطلاق وبعده لا يثبت، وإن لم تقر بالانقضاء فمع الاقرار أولى إلا إذا كان الطلاق رجعيا فحينئذ يثبت ويكون مراجعا على ما بينا من قبل. بقي فيه إشكال وهو ما إذا أقرت بانقضاء عدتها ثم جاءت بولد لاقل من ستة أشهر من وقت الاقرار ولاقل من سنتين من وقت الفراق ينبغي أن لا يثبت نسبه إذا كانت المدة تحتمل ذلك بأن أقرت بعدما مضى سنة مثلا ثم جاءت بولد لاقل من ستة أشهر من وقت الاقرار لانه يحتمل أن عدتها انقضت في شهرين أو ثلاثة

[ 271 ]

أشهر ثم أقرت بعد ذلك بزمان طويل، ولا يلزم من إقرارها بانقضاء العدة أن تنقضي في ذلك الوقت فلم يظهر كذبها بيقين إلا إذا قالت انقضت عدتي الساعة ثم جاءت بولد لاقل من ستة أشهر من ذلك الوقت اه‍. وهذا الاشكال ظاهر ويجب أن يكون كلامهم محمولا على ما إذا أقرت بالانقضاء الساعة كما يفهم من غاية البيان. أطلق المعتدة فشمل المعتدة عن طلاق بنوعيه وعن وفاة كما في الهداية لكن في الخانية والآيسة تعتد بالاشهر، فإذا ولدت ثبت نسب ولدها في الطلاق إلى سنتين أقرت بانقضاء العدة أو لم تقر اه‍. وقدمناه عن البدائع فارجع إليه قوله: (والمعتدة أن جحدت ولادتها بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو حبل ظاهر أو اقرار به أو تصديق الورثة) أي ويثبت نسب ولد المعتدة إن جحدت ولادتها بأحد أمور أربعة فلا يثبت بشهادة امرأة واحدة عند أبي حنيفة خلافا لهما لان الفراش قائم بقيام العدة وهو ملزم للنسب والحاجة إلى تعيين الولد فيه فيتعين بشهادتها، وله أن العدة تنقضي بإقرارها بوضع الحمل والمنقضي ليس بحجة فمست الحاجة إلى إثبات النسب ابتداء فيشترط كمال الحجة. وإنما اكتفى بظهور الحبل أو الاعتراف به لان النسب ثابت قبل الولادة والتعيين يثبت بشهادتها، وإنما اكتفى بتصديق الورثة إذا كانت معتدة عن وفاة فصدقها الورثة في الولادة ولم يشهد أحد عليها في قولهم جميعا لان الارث خالص حقهم فيقبل فيه تصديقهم، وأما في النسب فظاهر المختصر أنه يثبت في حق غيرهم أيضا لان الثبوت في حق غيرهم تبع للثبوت في حقهم ولذا كان الاصح أنه لا يشترط في تصديقهم لفظ الشهادة في مجلس الحكم، ولذا عبر في المختصر بلفظ التصديق دون الشهادة لان ما ثبت تبعا لا تراعى فيه الشرائط، وقيل يشترط ليتعدى إلى غير المصدق. وقيد بأن يكون المصدق جمعا من الورثة لان المصدق لو كان رجلا أو امرأة لم يشارك جميع الورثة. ولو صدقها رجل وامرأتان منهم شارك المصدقين والمكذبين فكان ذلك كشهادة غيرهم إلا أنهم لم يعتبروا لفظ الشهادة والخصومة بين يدي القاضي لانه يشبه الاقرار لانه يشاركهم بإقرارهم، فمن حيث إنه يشبه الشهادة اعتبر العدد، ومن حيث إنه يشبه الاقرار ما اعتبرنا الخصومة وإتيان لفظ الشهادة توفيرا على الشبهين حظهما، كذا في شرح الجامع الصغير لابن بندار. وحاصله أنه يشترط أحد شرطي الشهادة في تصديقهم وهو العدد نظرا إلى أنه شهادة ولم يشترط لفظ الشهادة، وينبغي أن لا تشترط العدالة أيضا وعلى هذا لو قال المصنف وتصديق ورثة بالتنكير لكان أولى لان الالف واللام أبطلت معنى الجمعية

[ 272 ]

كما في قوله لا أشتري العبيد ولا أتزوج النساء لكن ذكر في البدائع أن العدد إنما اشترطه من جعلها شهادة كما اشترط لفظها، ومن جعل التصديق اقرارا فلم يشترط لفظها ولم يشترط العدد أيضا. وعبارة فتاوى قاضيخان: امرأة ولدت بعد موت زوجها ما بينها وبين سنتين إن صدقها الورثة في الولادة يثبت نسب الولد من الميت في حق من صدقها. وهل يثبت النسب في حق غيرهم؟ إن كان يتم نصاب الشهادة بهم يثبت، واختلفوا في اشتراط لفظ الشهادة اه‍. وظاهره أن العدد لا بد منه ليتعدى في حق الكل عند الكل. وأطلق في المعتدة فشمل المعتدة عن طلاق رجعي أو بائن والمعتدة عن وفاة كما صرح به في غاية البيان معزيا إلى فخر الاسلام. وقيدها الامام السرخسي بالطلاق البائن، والحق التفصيل في المعتدة عن طلاق رجعي، إن أتت به لاقل من سنتين فكالمعتدة عن طلاق بائن لانقضاء فراشها بالولادة، وإن أتت به لاكثر من سنتين يثبت نسب ولدها بشهادة القابلة من غير زيادة شئ اتفاقا كما في المنكوحة لان الفراش ليس بمنتقض في حقها لانها تكون رجعة كما قدمناه. وصرح في البدائع بأنه لا فرق بين الرجعي والبائن إلا أنه علل بما يخص الاول بقوله لانها بعد انقضاء العدة أجنبية في الفصلين جميعا. وقيد المصنف بقوله إن جحدت ولادتها لانه لو اعترف بولادتها وأنكر تعيين الولد فإنه يثبت تعيينه بشهادة القابلة إجماعا ولا يثبت نسب الولد إلا بشهادتها إجماعا لاحتمال أن يكون هو غير هذا المعين، وظاهر كلام المصنف أنه لا يحتاج إلى شهادة القابلة مع ظهور الحبل أو اعتراف الزوج بالحبل وقد صرح به في البدائع فقال: وإن كان الزوج قد أقر بالحبل أو كان الحبل ظاهرا فالقول قولها في الولادة وإن لم تشهد لها قابلة في قول أبي حنيفة، وعندهما لا تثبت الولادة بدون شهادة القابلة، وهكذا صرح في الغاية وأنكر على صاحب ملتقى البحار في اشتراطه شهادة القابلة لتعيين الولد عند أبي حنيفة، ورده في التبيين بأنه سهو فإن شهادة القابلة لا بد منها لتعيين الولد إجماعا في جميع هذه الصور، وإنما الخلاف في ثبوت نفس الولادة، وأما نسب الولد فلا يثبت بالاجماع إلا بشهادة القابلة لاحتمال أن يكون هو غير هذا المعين. وثمرة الاختلاف لا تظهر إلا في حق حكم آخر كالطلاق والعتاق بأن علقهما بولادتها حتى يقع عند أبي حنيفة بوقلها ولدت لانها أمينة لاعترافه بالحبل أو لظهوره فيقبل قولها، وعندهما لا يقع حتى تشهد قابلة اه‍. وذكر ابن

[ 273 ]

بندار أنه بعد الثبوت بقيت مؤتمنة فكان القول قولها إلا أن القابلة جعلت شرطا للعادة لانها لا تلد إلا بالقابلة وإني أقول: إن القابلة شرط زوال التهمة كاليمين في رد الوديعة واليمين في دعوى انقضاء العدة، فإذا لم تشهد قابلة بقيت متهمة فلا يقبل قولها فيه اه‍ كلامه. وهو يصلح توفيقا لكلامهم فمن نفى اشتراط شهادة القابلة أفاد أنها ليست شرطا حقيقة لثبوت النسب، ومن أثبته أراد به أنها شرط لزوال التهمة عن نفسها وهو كلام حسن يجب قبوله. وأفاد بقوله شهادة رجلين قبول شهادة الرجال على الولادة من الاجنبية وأنهم لا يفسقون بالنظر إلى عورتها إما لكونه قد يتفق ذلك من غير قصد نظر ولا تعمد أو لضرورة كما في شهود الزنا، ولا يخفى أنها إذا ولدت وجحد الزوج ولادتها وادعت أن حبلها كان ظاهرا وأنكر ظهوره فلا بد من إقامة البينة عليه إما رجلين أو رجل وامرأتين، فظهور الحبل عند الانكار إنما يكون بإقامة البينة لان الحبل وقت المنازعة لم يكن موجودا حتى يكفي ظهوره لانها بعد الولادة ولم أر من صرح به قوله: (والمنكوحة لستة أشهر فصاعدا إن سكت وإن جحد بشهادة امرأة على الولادة) أي يثبت نسب ولد المنكوحة حقيقة إذا جاءت به لستة أشهر أو أكثر من وقت التزوج بأحد الشيئين: إما بالسكوت من غير اعتراف ولا نفي له، وإما بشهادة القابلة عند إنكار الولادة لان الفراش قائم والمدة تامة فوجب القول بثبوته، اعترف به

[ 274 ]

أو سكت أو أنكر، حتى لو نفاه لا ينتفي إلا باللعان. وفي التحقيق شهادة القابلة لم يثبت بها النسب لانه ثابت بقيام الفراش وإنما يثبت بها تعيين الولد. قيد بستة أشهر لانها لو ولدته لاقل منها لم يثبت نسبه لان العلوق سابق على النكاح فلا يكون منه، ويفسد النكاح لاحتمال أنه من زوج آخر بنكاح صحيح أو بشبهة، وأفاد أنها لو جاءت به لتمام ستة أشهر بلا زيادة أنها كالاكثر. قالوا: لاحتمال أنه تزوجها واطئا لها فوافق الانزال النكاح والنسب يحتاط في إثباته. ويرد عليه ما تقدم في المبتوتة حيث نفى نسب ما أتت به لتمام سنتين مع تصحيحه بأنه طلقها حال جماعها وصادف الانزال الطلاق. وأجيب عنه بأن ثبوت النسب هنا لحمل أمرها على الصلاح إذ لو لم يثبت هنا لزم كونه من زنا أو من زوج فتزوجت به وهي في العدة، وأما عدم الثبوت هناك للشك فلا يستلزم نسبه فساد إليها لجواز كون عدتها قد انقضت وتزوجت بزوج آخر فعلقت منه. أطلق المصنف في المرأة هنا وقيدها في الشهادات بالعدالة، وقيدها في المبسوط بالحرية والاسلام ولم يشترط العدالة والظاهر الاول. وفي الولوالجية: رجل تزوج بامرأة فجاءت بسقط قد استبان خلفه، فإن جاءت به لاربعة أشهر جاز النكاح ويثبت النسب من الزوج الثاني، وإن جاءت به لاربعة أشهر إلا يوما لم يجز النكاح لان في الوجه الاول الولد للزوج الثاني، وفي الوجه الثاني من الزوج الاول لان خلقه لا يستبين إلا في مائة وعشرين يوما فيكون أربعين يوما نطفة وأربعين علقة وأربعين مضغة اه‍. قوله: (فإن ولدت ثم اختلفا فقالت نكحتني منذ ستة أشهر وادعى الاقل فالقول لها وهو ابنه) لان الظاهر شاهد لها فإنها تدل ظاهرا من نكاح لا من سفاح ولا من زوج تزوجت بهذا الزوج في عدته وهو مقدم على الظاهر الذي يشهد له وهو إضافة الحادث وهو النكاح إلى أقرب الاوقات لانه إذا تعارض ظاهران في ثبوت نسب قدم المثبت له لوجوب الاحتياط فيه حتى إنه يثبت بالايماء مع القدرة على النطق بخلاف سائر التصرفات مع أن ظاهرها متأيد

[ 275 ]

بظاهره وهو عدم مباشرته النكاح الفاسد إن كان الولد من زوج أو حبل من الزنا على الخلاف فيه، ولم يذكر المصنف حرمتها عليه بهذا النفي لانه لا يلزم من تزوجها حاملا إثبات النسب فيكون إقرارا بالفساد كما إذا تزوجها بلا شهود لجوازه وهي حامل من زنا فإنه صحيح على الصحيح، ولان الشرع كذبه حيث أثبت النسب والشرع إذا كذب الاقرار يبطل، كذا في فتح القدير. وذكر في الخلاصة في كتاب القضاء من الفصل الثالث فيمن يكون خصما ومن لا يكون أن الاقرار إنما يبطل بتكذيب الشرع إذا كان التكذيب بالبينة، وأما إذا قضى باستصحاب الحال فلا يبطل كما لو اشترى عبدا وأقر أن البائع أعتقه قبل البيع وكذبه البائع فقضى القاضي بالثمن على المشتري لم يبطل إقرار المشتري بالعتق حتى يعتق عليه إلى آخر ما فيها. ولم يذكر المصنف يمينها لانه لا تحليف عند الامام لانه راجع إلى الاختلاف في النسب والنكاح، وعندهما يستحلف وسيأتي أن الفتوى على قولهما في الاشياء الستة قوله: (ولو علق طلاقها بولادتها وشهدت امرأة على الولادة لم تطلق) يعني لم يقع إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين عند أبي حنيفة. وقالا: تطلق لان شهادتها حجة في ذلك قال عليه السلام شهادة النساء جائزة فيما لا يطلع عليه الرجل ولانها لما قبلت على الولادة تقبل فيما يبتني عليها وهو الطلاق. ولابي حنيفة أنها ادعت الحنث فلا يثبت إلا بحجة تامة وهذا لان شهادتهن ضرورية في الولادة فلا تظهر في حق الطلاق لانه ينفك عنها. وشرط في البدائع على قولهما أن تكون المرأة عدلة. قيد بالطلاق لان النسب يثبت بشهادتها وكذا ما هو من لوازمه من أمومية الولد لو كانت لو كانت أمه، وثبوت اللعان فيما إذا نفاه ووجوب الحد بنفيه إن لم يكن أهلا للعان وليس مراده خصوص الطلاق بل كل ما لم يكن من لوازم الولادة فالعتاق كذلك قوله: (وإن كان أقر بالحبل طلقت بلا شهادة) أي بلا شهادة أحد أصلا عند أبي حنيفة، وعندهما تشترط شهادة القابلة لانه لا بد من حجة لدعواها الحنث وشهادتها حجة فيه ما بيننا، وله أن الاقرار بالحبل إقرار بما يفضي إليه وهو الولادة ولانه أقر بكونها مؤتمنة فيقبل قولها في رد الامانة، وعلى هذا الخلاف لو كان الحبل ظاهرا، أما عندهما فظاهر لانها مدعية فلا بد من إقامة البينة، وأما عنده فإن الطلاق تعلق بأمر كائن لا محالة فيقبل قولها فيه. والحاصل أن التعليق إن كان بما هو معلوم الوقوع بعده وعلمه من جهتها كما بحيضها وولادتها بعد الاقرار بحبلها أو ظهور حملها كان التزاما لتصديقها عند إخبارها به واعترافا بأنها

[ 276 ]

مؤتمنة فيه وإن لم يكن كذلك وهو التعليق بولادتها قبل الاعتراف بحبل سابق ولا ظهور حبل حال التعليق لم يلتزم ذلك فيحتاج عند إنكاره إلى الحجة، ولا خلاف أن النسب لا يثبت بدون شهادة القابلة، كذا في البدائع قوله: (وأكثر مدة الحمل سنتان) لقول عائشة رضي الله عنها: الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين ولو بظل مغزل. رواه الدارقطني والبيهقي. وهو لا يعرف إلا سماعا. وظل المغزل مثل لقلته لان ظله حالة الدوران أسرع زوالا من سائر الظلال وهو على حذف المضاف تقديره ولو بقدر ظل مغزل. ويروى ولو بفلكة مغزل أي ولو بقدر دوران فلكة مغزل قوله: (وأقلها ستة أشهر) لقوله تعالى * (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) * [ الاحقاف: 51 ] ثم قال * (وفصاله في عامين) * [ لقمان: 41 ] فيبقى للحمل ستة أشهر، كذا في الهداية. وقد نقل في فتح القدير أنه لا خلاف للعلماء فيه وأورد على ما في الهداية أنه مخالف لما قرره لابي حنيفة في الرضاع من أن هذه المدة مضروبة بتمامها لكل من الحمل والفصال غير أن المنقص قام في أحدهما وهو الحمل وهو حديث عائشة رضي الله عنها. قلنا: قدمنا هناك أنه غير صحيح لما يلزم من أنه يراد بلفظ الثلاثين في إطلاق واحد حقيقة ثلاثين وأربعة وعشرين باعتبار إضافتين فلعله رجع إلى الصحيح قوله: (فلو نكح أمة فطلقها فاشتراها فولدت لاقل من ستة أشهر منه) أي من وقت الشراء قوله: (لزمه وإلا لا) أي وإن ولدت لتمام ستة أشهر أو لاكثر منها لا يلزمه لان في الوجه الاول ولد المعتدة فإن العلوق سابق على الشراء، وفي الوجه الثاني ولد المملوكة لانه يضاف الحادث إلى أقرب وقته حيث لم يتضمن إبطال ما كان ثابتا بالدليل أو تر ك العمل بالمقتضى، وبه اندفع ما أورد عليه كما علم في فتح القدير فلا بد من دعوته واقتصار الشارح على الاكثر في قوله وإلا لا ينبغي وقد صرح في فتح القدير بما ذكرناه. وأطلق في الامة فشمل المدخول بها وغيرها كما أطلق في الطلاق فشمل الرجعي والبائن الواحدة والثنتين، وكل من الاطلاقين غير صحيح فإن كان بعد الدخول فلا فرق بين الرجعي والبائن إذا كان واحدة، وإن كان قبل الدخول

[ 277 ]

فإنه لا يلزمه الولد إلا أن تجئ بالولد لاقل من ستة أشهر من وقت الطلاق إذا ولدت لتمام ستة أشهر أو أكثر من وقت التزوج. وفي غاية البيان: ولنا فيه نظر لان الطلاق قبل الدخول بائن والحكم في المبانة أن نسب ولدها يثبت إلى سنتين من وقت الطلاق، نعم إن محمدا وضع المسألة في الجامع الصغير في المدخول بها اه‍. وجوابه أن هذا حكم المبانة إ ذا كانت معتدة وغير المدخول بها لا عدة عليها، وأما إذا كان الطلاق ثنتين فإنه يمتد نسب الولد إلى سنتين من وقت الطلاق، وإن لم يدع فإن ولدت لاكثر من ذلك لا يثبت إلا إذا ادعاه لحرمتها حرمة غليظة فيضاف العلوق إلى أبعد الاوقات وهو ما قبل الطلاق حملا لامرهما على الصلاح. وذكر في غاية البيان أن في التقييد بالثنتين لهذا الحكم إيهاما لانه ربما يظن ظان أن الطلاق إذا كان واحدا بائنا لا يثبت النسب فيه إلى سنتين وليس كذلك لان النسب في البائن يثبت إلى سنتين من وقت الطلاق وإن لم يدع اه‍. وجوابه بالفرق بين اليينونة الخفيفة وبين الغليظة فإن في الخفيفة يعتبر وقت الشراء أيضا وهو أن تلده لاقل من ستة أشهر من وقت الشراء وإذا كان لسنتين من وقت الطلاق، وفي الغليظة لا يعتبر ذلك حتى لو ولدت لاكثر من ستة أشهر من وقت الشراء ولسنتين من وقت الطلاق ثبت نسبه بلا دعوة فظهر الفرق والايهام في فهمه لا في كلام المشايخ. فالحاصل أنه يستثنى من حكم المسألة المذكورة في المختصر المطلقة قبل الدخول والمبانة بالثنتين فإن فيهما لا اعتبار لوقت الشراء وإنما يعتبر وقت الطلاق، ففي الاولى يشترط لثبوت نسبه ولادته لاقل من ستة أشهر، وفي الثاني لسنتين فأقل، وقد علم مما قدمه المصنف أن هذه الامة لو كان طلاقها رجعيا فإنه يثبت نسب ولدها وإن جاءت به لعشر سنين بعد الطلاق أو أكثر، وإن كان بائنا فلا بد أن تأتي به لتمام سنتين أو أقل بعد أن يكون لاقل من ستة أشهر من وقت الشراء في المسألتين فلا يرد عليه ما إذا أتت به المبتوتة لاكثر من سنتين من وقت الطلاق ولاقل من ستة أشهر من وقت الشراء وإن كان داخلا في عبارته هنا لما قدمه سابقا، والتقييد بالطلاق اتفاقي لان الحكم فيما إذا لم يطلقها واشتراها كذلك أي

[ 278 ]

كحكم المطلقة فإن ولدته لستة أشهر أو أكثر من وقت الشراء لا يلزمه وإلا لزمه، وتقييده في فتح القدير بالرجعي لا يفيد لان البائن هنا كالرجعي إلا إذا كان غليظا. والمراد من الشراء الملك أعم من أن يكون بشراء أو هبة أو إرث أو نحو ذلك لان المفسد للنكاح الملك لا خصوص سبب له. وأشار باقتصاره على الشراء إلى أنه لا فرق في هذا الحكم بين أن يعتقها بعد الشراء أو لا. وعند محمد يثبت النسب إلى سنتين بلا دعوة من يوم الشراء لانه بالشراء بطل النكاح ووجبت العدة لكنها لا تظهر في حقه للملك وبالعتق ظهرت وحكم معتدة لم تقر بانقضاء عدتها كذلك، ولو لم يعتقها ولكن باعها فولدت لاكثر من ستة أشهر منذ باعها فعند أبي يوسف لا يثبت النسب وإن ادعاه إلا بتصديق المشتري لما مر أن النكاح بطل. وعند محمد يثبت بلا تصديق كما قال في العتق إلا أنه لا يثبت بلا دعوة لان العدة ظهرت ثم ولم تظهر هنا. وقيد في فتح القدير حكم المسألة المذكورة في المختصر بما إذا اشتراها قبل أن تقر بانقضاء عدتها ولم يبين مفهومه قوله: (ومن قال لامته إن كان في بطنك ولد فهو مني فشهدت امرأة بالولادة فهي أم ولده) لان الحاجة إلى تعيين الولد ويثبت ذلك بشهادة القابلة بالاجماع، وقد ذكر في المختصر المرأة دون القابلة وكثيرا ما يذكرون القابلة، والظاهر أن كونها القابلة ليس بشرط. أطلقه وقيدوه بأن تلده لاقل من ستة أشهر من وقت الاقرار وأن ولدته لستة أشهر أو أكثر لا يلزمه لاحتمال أنها حبلت بعد مقالة المولى فلم يكن المولى مدعيا هذا الولد بخلاف الاول لتيقننا بقيامه في البطن وقت القول فتيقناه بالدعوى، وما في غاية البيان من أن هذا إذا ولدته لاقل من ستة أشهر من وقت الطلاق سبق قلم إذ لا طلاق هنا لان الكلام في الامة المملوكة له، وإنما الاعتبار لوقت الاقرار. ومثله لو قال إن كان في بطنك ولد فهو حر فولدت بعد ذلك لستة أشهر لم يعتق وإن ولدته لاقل منها عتق، ولا فرق بين أن يقول في مسألة المختصر إن كان في بطنك ولد أو إن كان بها حبل فهو مني. وقيد بالتعليق لانه لو قال هذه حامل مني يلزمه الولد وإن جاءت به لاكثر من ستة أشهر إلى سنتين حتى ينفيه كما في الغاية. قوله: (ومن قال لغلام هو ابني ومات فقالت أمه أنا امرأته وهو ابنه يرثانه)

[ 279 ]

والقياس أن لا ميراث لها لان النسب كما يثبت بالنكاح الصحيح يثبت بالنكاح الفاسد وبالوطئ عن شبهته وبملك اليمين فلم يكن قوله إقرارا بالنكاح. وجه الاستحسان أن المسألة فيما إذا كانت معروفة بالحرية وبكونها أم الغلام، والنكاح الصحيح هو لمتعين لذلك وضعا وعادة لانه الموضوع لحصول الاولاد دون غيره فهما احتمالان لا يعتبران في مقابلة الظاهر القوي، وكذا احتمال كونه طلقها في صحته وانقضت عدتها لانه لما ثبت النكاح وجب الحكم بقيامه ما لم يتحقق زواله. فإن قيل: إن النكاح يثبت بمقتضى ثبوت النسب وهو لا عموم له فيتقدر بقدر الحاجة قلنا: النكاح غير متنوع إلى نكاح موجب للارث والنسب وإلى غير موجب لهما، فإذا تعين النكاح الصحيح لزم بلوازمه. وفي غاية البيان: إنه ليس من الاقتضاء في شئ لان المقتضي وهو النسب يصح بلا ثبوت المقتضي وهو النكاح بأن يكون الوطئ عن شبهة أو تكون أم ولده فلم يفتقر ثبوت النسب إلى النكاح لا محالة قوله: (وإن جهلت حريتها فقال وارثة أنت أم ولد أبي فلا ميراث لها) لان ظهور الحرية باعتبار الدار حجة في دفع الرق لا في استحقاق الارث، وتقييده بقول الوارث اتفاقي لان الجهل بحريتها كاف لعدم ميراثها، قال الوارث أنت أم ولد أبي أو لم يقل كما أطلقه في غاية البيان معللا بأن للوارث أن يقول ذلك، ولعل فائدته أن الوارث لو كان صغيرا فإنه لا ميراث لها أيضا وإن لم يقل شيئا. ولم يذكر المصنف رحمه الله أن لها مهرا تعند إقرار الوارث أنها أم ولد أبيه. وذكر التمرتاشي أن لها مهر مثها لانهم أقروا بالدخول ولم يثبت كونها أم ولد بقولهم، ورده في غاية البيان بأن الدخول إنما يوجب مهر المثل في غير صورة النكاح إذا كان الوطئ عن شبهة ولم يثبت النكاح هنا والاصل عدم الشبهة فبأي دليل يحمل على ذلك فلا يجب مهر المثل. وأيضا إنما لم نوجب الارث لان الاستصحاب لا يصلح للاثبات فلو وجب مهر المثل لكان صالحا للاثبات فلا يجوز اه‍. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. باب الحضانة بيان لمن يحضن الولد الذي ثبت نسبه، وهي بكسر الحاء وفتحها تربية الولد، والحاضنة

[ 280 ]

المرأة توكل بالصبي فترضعه وتربية وقد حضنت ولدها حضانة من باب طلب، وحضن الطائر بيضه حضنا إذا جثم عليه بكنفه يحضنه، كذا في المغرب، وفي ضياء الحلوم: حضنت عن حاجته ولدها حضانة وحضنت الحمامة بيضها حضونا أي جعلته في حضنها، وحضنه عن حاجته أي حبسه، وحضنه عن الامر إذا انحاه عنه، والحضن ما دون الابط. ثم اعلم أن الحضانة حق الصغير لاحتياجه إلى من يمسكه فتارة يحتاج إلى من يقوم بمنفعة بدنه في حضانته وتارة