البحر الرائق شرح كنز الرائق (في فروع الحنيفه) للشيخ الامام ابي البركات عبد الله بن احمد بن محمود المعروف بحافظ الدين النسفي المتوفى سنة 710 ه والشرح " البحر الرائق " للامام العلامة الشيخ زين الدين بن ابراهيم بن محمد المعروف بابن نجيم المصري الحنفي المتوفى سنة 970 ه ومعه الحواشي المسماة منحه الخالق على البحر الرائق للعلامة الشيخ محمد امين عابدين بن عمر عابدين بن عبد العزيز المعروف بابن عابدين الدمشقي الحنفي المتوفى سنة 1252 ه ضبطه وخرج اياته واحاديثه الشيخ زكريا عميرات تنبيه وصفنا متن كنز الدقائق في اعلى الصفحات، ووضفنا اسفل منه مباشره نص " البحر الرائق " ووصفنا في اسفل الصفحات حواشي الشيخ ابن عابدين الجزء السادس منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم باب خيار الشرط باب خيار الشرط من إضافة الشئ إلى سببه لان الشرط سبب للخيار. وفي المصباح: الخيار الاختيار. وفسره في فتح الباري بالتخيير بين الامضاء والفسخ وهو ثابت بالنص على غير القياس وحين ورد النص به جعلناه داخلا على الحكم مانعا له تقليلا لعمله بقدر الامكان، ولم نجعله داخلا على أصل البيع للنهي عن بيع بشرط والبيع الذي شرط فيه الخيار يقال فيه علة اسما ومعنى لا حكما، للخالي عنه علة اسما ومعنى وحكما. قال أهل الاصول: الموانع خمسة: مانع يمنع انعقاد العلة وهو حرية المبيع فلم ينعقد في الحر لعدم المحل، ومانع يمنع تمامها كبيع مال الغير، ومانع يمنع ابتداء الحكم وهو خيا الشرط، ومانع يمنع تمامه كخيار الرؤية للمشتري، ومانع يمنع لزومه كخيار العيب. وقد حققنا في شرحنا على المنار أن تقسيمهم الموانع مبني على قول ضعيف للاصوليين وهو جواز تخصيص العلل، وأما على الصحيح من أنه لا يجوز تخصيصها فلا مانع لها أصلا ففي كل موضع عدم الحكم فإنما هو لعدم الغلة فتخلف الملك مع شرط الخيار إنما هو لعدم العلة لانها البيع بلا خيار، وقولهم فيما فيه خيار علة اسما ومعنى لا حكما مجاز على الصحيح لان الموجود فيه شرط العلة لا كلها لاهلها لا تتم إلا بأوصاف ثلاثة: أن تكون موضوعة، وأن تكون مؤثرة، وأن يوجد الحكم عقبها بلا تراخ. فما دام الخيار باقيا لم تتم العلة فإذا سقط تمت وتمامه في تقرير الاكمل في بحث تقسيم العلل إلى سبعة. والخيارات في البيع لا تنحصر في الثلاثة كما قدمناه بل هي ثلاثة عشر خيارا. والرابع خيار الغبن وسنتكلم عليه في المرابحة حيث ذكروه هناك. والخامس خيار الكمية وقدمناه أول البيوع. والسادس خيار الاستحقا وسيأتي في باب خيار العيب.
والسابع خيار كشف الحال كما قدمناه. الثامن خيار تفرق الصفقة بهلاك البعض قبل القبض
[ 4 ]
وسيأتي أيضا. والتاسع خيار إجازة عقد الفضولي. والعاشر خيار فوات الوصف المشروط المستحق بالعقد كاشتراطه الكتابة. والحادي عشر خيار التعيين. الثاني عشر في المرابحة خيار الخيانة. الثالث عشر من الخيارات خيار نقد الثمن وعدمه كما يأتي في هذا الباب. قوله: (صح للمتبايعين أو لاحدهما ثلاثة أيام) أي جاز للبائع وللمشتري معا أو لاحدهما في المدة المذكورة. والظاهر أن الضمير يعود إلى الخيار. وفي الوقاية والنقاية صح خيار الشرط فابرزه والاولى ما في الاصلاح صح شرط الخيار لان الموصوف بالصحة شرط الخيار لا نفس الخيار، والاصل في ثبوته ما وراه ابن ماجه في سننه أن حبان بن منقذ بن عمر كان رجلا قد أصابته آمة في رأسه فكسرت أسنانه وكان لا يدع على ذلك التجارة فكان لا يزال يغبن فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال له: إذا أنت بايعت فقل لاخلابة، ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال فإذا رضيت فأمسك، وإن سخطت فأرددها على صاحبها. وحبان بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة، والخلابة الخداع. وفائدة قوله لا خلابة أي لا خديعة في الدين لان الدين النصيحة وللاعلام بأنه ليس من ذوي البصائر بالسلع فالواجب نصيحته فلا تخدعوه بشئ اعتمادا على معرفته بل انصحوه لانه ليس عالما بها، كذا في فتح الباري. والآمة شجة تصيب أم الرأس وكان حبان ألثغ باللام فكان يقول لا خذابه فقوله إذا بايعت شامل للبائع والمشتري وبه اندفع قول سفيان الثوري أنه لا يجوز إلا
[ 5 ]
للمشتري عملا بحديث الحاكم فجعل له الخيار فيما اشتراه ولانه إنما جاز للحاجة إلى دفع الغبن بالتروي وهما فيها سواء. وفي الخانية: إذا شرط الخيار لهما لا يثبت حكم العقد أصلا اه. وقيد بقوله للمتبايعين الدال على أن الشرط كان بعد العقد أو مقارنا له للاحتراز عما إذا كان قبله، فلو قال جعلتك بالخيار في البيع الذي نعقده ثم اشترى مطلقا لم يثبت كما في
التتارخانية. وأطلقه فشمل البيع الفاسد فهو كالصحيح يثبت فيه خيار الشرط ولما كان خلاف الاصل فإذا اختلفا في اشتراطه فالقول لمن أنكره عند الامام في ظاهر الرواية. وعند محمد: القول لمدعيه والبينة للآخر، كذا في الخانية. وشمل ما إذا شرطاه وقت العقد أو ألحقاه به فلو قال أحدهما بعد البيع ولو بأيام جعلتك بالخيار ثلاثة أيام صح إجماعا، فلو شرطاه بعده أزيد من الثلاثة فسد العقد عنده خلافا لهما كما لو ألحقا بالبيع شرطا فاسدا فإنه يلتحق ويفسد العقد عنده، وعندهما لا يفسد ويبطل الشرط. وفي جامع الفصولين: هو يصح في ثمانية أشياء: في بيع وإجارة وقسمة وصلح عن مال بعينه وبغير عينه وكتابه وخلع وعتق على مال لو شرط للمرأة والقن. ولو شرط الخيار للراهن جاز للمرتهن إذ له نقض الرهن متى شاء بخيار ولو كفل بنفس أو مال وشرط الخيار للمكفول له أو للكفيل جاز اه. ويصح شرط الخيار في الابراء بأن قال أبرأتك على أني بالخيار، ذكره فخر الاسلام من بحث الهزل. ويصح أيضا اشتراطه في تسليم الشفعة بعد طلب المواثبة ذكره فيه أيضويصح اشتراطه في الحوالة أيضا وفي الوقف على قول أبي يوسف، وينبغي صحته في المزارعة والمعاملة لانها إجارة فهي خمسة عشر موضعا. ولا يصح في النكاح والطلاق واليمين والنذر والاقرار بعقد والصرف والسلم والوكالة. علله قاضيخان بأنه إنما يدخل في لازم يحتمل الفسخ.
[ 6 ]
وفي الولوالجية: اشترى عبدا واشترط أن للمشتري خيار يومين بعد شهر رمضان والشراء في آخر رمضان فهو جائز ويكون له الخيار ثلاثة أيام واليوم الآخر من رمضان ويومين بعده لانه سكت عن الخيار يوم العقد وأمكن تصحيح هذا العقد، ولعل تصحيح هذا العقد باشتراط الخيار يوم العقد ويومين بعد رمضان. ولو قال البائع للمشتري لا خيار لك في رمضان فالبيع فاسد لانه تعذر تصحيح العقد اه. وفي فتح القدير: لو قال له أنت بالخيار فله خيار المجلس فقط، ولو قال إلى الظهر فعند أبي حنيفة يستمر إلى أن يخرج وقت الظهر، وعندهما لا تدخل الغاية اه. وكذا إلى الليل أو إلى ثلاثة أيام يدخل ما بعد إلى. وشمل ما إذا
شرطاه في كل المبيع أو بعضه لما في السراجية: اشترى مكيلا أو موزونا أو عبدا وشرط الخيار له في نصفه أو ثلثه أو ربعه جاز مذكورة في الزيادات اه. وسيأتي حكم ما إذا كان المبيع متعددا فجعل الخيار في البعض وهو خيار التعيين. وفي التتارخانية: وإذا اشترطه المشتري له في الثمن أو في المبيع كان له الخيار فيهما اه. ولو اشترى عبدا بألف درهم على أن المشتري بالخيار فأعطاه بها مائة دينار ثم فسخ البيع، فعن أبي يوسف الصرف جائز ويرد الدراهم والصرف باطل على قول أبي حنيفة، كذا في التتارخانية. فإن قلت: قد صرح فيه أنه لو أطلق الخيار فسد البيع ولا شك أن قوله أنت بالخيار أو لك الخيار إطلاق فما التوفيق قلت: قد صور في الولوالجية والخلاصة مسألة أنت بالخيار أنه باع بلا خيار ثم لقيه بعد مدة فقال له أنت بالخيار فه الخيار ما دام في المجلس بمنزلة قوله لك الاقالة بخلاف ما إذا أطلقاه وقت العقد. وفي الخانية: ابتداء التأجيل في البيع بثمن مؤجل بخيار من وقت سقوطه لا من وقت العقد، سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري، وللشفيع الطلب وقت العقد حيث علم لا وقت السقوط ويطلب في بيع الفضولي وقت الاجازة، في البيع الفاسد حين انقطاع الاسترداد، وفي الهبة بشرط العوض روايتان في رواية يطلب عنه القبض، وفي رواية عند العقد وهو الصحيح. ولو كان الخيار للبائع فصالحه المشتري على معين لامضاء البيع صح ويكون زيادة في الثمن، وكذا لو كان الخيار للمشتري فصالحه البائع على إسقاطه فحط عنه من الثمن كذا أو زاده عرضا جازاه، فلو صالحه البائع على إبطال البيع ويعطيه مائة ففعل انفسخ البيع ولا شئ له كذا في التتارخانية. وأطلق في المتبايعين فشمل الاصيل والنائب فصح للوكيل والوصي كما في الخانية. ولو أمره ببيع مطلق فعقد بخيار له أو للآمر أو لاجنبي صححاه، ولو أمره ببيع بخيار للآمر فشرط لنفسه لا يجوز وإن كان اشتراط الخيار لنفسه اشتراطا للآمر لان الآمر إذا أمره ببيع لا يكون للمأمور فيه رأي وتدبير ويكون للآمر كله وفيما فعله يكون له رأي ويكون للآمر بطريق التبعية فيكون مخالفا. ولو أمره بشراء بخيار
[ 7 ]
للآمر فاشتراه بدون الخيار نفذ الشراء عليه دون الآمر للمخالفة بخلاف ما إذا أمره ببيع خيار فباع باتا حيث يبطل البيع أصلا، كذا في الولوالجية. فإن قلت: هل يصح تعليق إبطاله وإضافته؟ قلت قال في الخانية: لو قال من له الخيار إن لم أفعل كذا اليوم فقد أبطلت خياري كان باطلا ولا يبطل خياره، وكذا لو قال في خيار العيب إن لم أرده اليوم فقد أبطلن خياري ولم يرده اليوم لا يبطل خياره، ولو لم يكن كذلك ولكن قال أبطلت غدا أو قال أبطلت خياري إذا جاء غد فجاء غد ذكر في المنتقى أنه يبطل خياره. قال: وليس هذا كالاول لان هذا وقت يجئ لا محالة بخلاف الاول اه. فقد سووا بين التعليق والاضافة في المحقق مع أنهم لم يسووا بينهما في الطلاق والعتاق. وفي التتارخانية: لو كان الخيار للمشتري فقال إن لم أفسخ اليوم فقد رضيت وإن لم أفعل كذا فقد رضيت لا يصح اه. قوله: (ولو أكثر لا) أي لا يصح اشتراط أكثر من ثلاثة أيام عند أبي حنيفة. وقالا: يجوز إذا سمى مدة معلومة لحديث ابن عمر أنه عليه السلام أجاز الخيار إلى شهرين. وله أنه مخالف لمقتضى العقد وهو اللزوم ثبت نصا على خلاف القياس في المدة المذكورة للتروي وهو يحصل فيها فلا حاجة إلى ما زاد عليها، ويدل عليه حديث عبد الرزاق أن رجلا اشترى من رجل بعيرا وشرط عليه الخيار أربعة أيام فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع. وأما حديث ابن عمر فلم يعرف ولانه جزء الدعوى لانها جوازه أكثر من ثلاثة أيام، طالت المدة عنده أو قصرت وهو يقيد بمدة خاصة ولانه يحتمل خيار الشرط وخيار الرؤية والعيب فلا يكون حجة واطلاق المدة عنده كاشتراط الاكثر في عدم الجواز وإفساد البيع. ولو قال المؤلف ولو أكثر أو مؤبدا أو مطلقا أو موقتا بوقت مجهول لكان أولى لان البيع فاسد في هذه كلها كما في التتارخانية. وهكذا إذا كان المبيع مما لا يتسارع إليه الفساد، فإن كان مما يتسارع فحكمه في الخانية قال: اشترى شيأ يتسارع إليه الفساد على أنه بالخيار ثلاثة أيام فالقياس لا يجبر المشتري على شئ. وفي الاستحسان يقال للمشتري إما أن تفسخ البيع وإما أن تأخذ المبيع ولا شئ عليك من الثمن حتى تجيز البيع أو يفسد المبيع عندك دفعا للضرر من الجانبين وهو نظير ما لو ادعى في
يد رجل شراء شئ يتسارع إليه الفساد كالسمكة الطرية وجحد المدعى عليه وأقام المدعي
[ 8 ]
البينة ويخا ف فسادها في مدة التزكية فإن القاضي يأمر مدعي الشراء أن ينقد الثمن ويأخذ السمكة، ثم القاضي يبيعها من آخر ويأخذ ثمنها ويضع الثمن الاول والثاني على يد عدل، فإن عدلت يقضي لمدعي الشراء بالثمن الثاني ويدفع الثمن الاول للبائع، ولو ضاع الثمنان عند العدل يضيع الثمن الثاني من مال مدعي الشراء لان بيع القاضي كبيعه، وإن لم تعدل البينة فإنه يضمن قيمة السمكة للمدعى عليه لان البيع لم يثبت وبقي أخذ مال الغير بجهة البيع فيكون مضمونا عليه بالقيمة اه. وفي الظهيرية: ولو اشترى بيضا أو كفريا على أن البائع بالخيار فخرج الفرخ أوصار الكفري ثمرا بطل البيع لانه لو بقي لبقى مع الخيار، ولو بقي معه لم يقدر البائع على إجازته، وإن أبى المشتري لكون المبيع صار شيأ آخر. ولو باع قصيلا فلم يقبضه حتى صار حبا يبطل البيع في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف لا يبطل اه. وفي الخانية: اشترى شيأ في رمضان على أنه بالخيار ثلاثة أيام بعد شهر رمضان فسد العقد في قول أبي حنيفة لان عنده ما قبل الشهر يكون داخلا في الخيار فيصير بمنزلة شرط الخيار أربعة أيام فيفسد العقد عنده. وقال محمد: له الخيار في رمضان وثلاثة أيام بعد رمضا ويجوز البيع، وكذا لو كان الخيار للبائع على هذا الوجه. ولو شرط المشتري على البائع فقال لا خيار لك في رمضان ولك الخيار ثلاثة أيام بعد مضي رمضان فسد البيع چ عند الكل لانه لا وجه إلى تصحيح هذا العقد اه. والاجارة كالبيع. قال في البزازية: استأجر على أنه بالخيار ثلاثة أيام يجوز وعلى أكثر على الخلاف اه. وفي آخر إجارات الذخيرة قبيل الشفعة: اشتراط الخيار في غير العقد لا يفسده وإن زاد على الثلاثة اجماعا اه. فهذا مما خالف فيه الاجارة البيع فإنهما إذا شرطاه بعد العقد أكثر من ثلاثة فسد البيع كما قدمناه. وأما اشتراطه في الخلع فقدمنا في بابه أنه يصح اشتراطه لها أكثر من ثلاثة أيام عنده، ويصح اشتراطه في الكفالة أكثر من ثلاثة ويصح اشتراطه للمحتال وهما في البزازية. وأما اشتراطه في الوقف
فجائز عند أبي يوسف بناء على أصله من اشتراط الغلة لنفسه ولما أفتوا بقوله هناك فينبغي أن يفتى به أيضا في جواز اشتراطه وقدمناه في الوقف. وفي المعراج: خذه وانظر إليه اليوم فإن رضيته أخذته بعشرة فهو خيار. ولو باع على أن له أن يغله ويستخدمه جاز وهو على خياره، وعلى أن يأكل من ثمره لا يجوز لان الثمر له حصة من الثمن اه. وفي الذخيرة: وكذلك لو قال هو بيع لك إن شئت اليوم كان بيعا بخيار. قوله: (فإذا أجاز في الثلاث صح) لزوال المفسد قبل تقرره فانقلب صحيحا، والضمير يعوإلى من له الخيار. وقد اختلفوا في صفة العقد فقيل انعقد فاسدا ثم يعود صحيحا بزوال المفسد وهو قول العراقيين، وعند الخراسانيين موقوف على إسقاط الشرط فبمضي جزء من
[ 9 ]
الرابع يفسد فلا ينقلب صحيحا، وهذا الطريق هي الاوجه واختارها الامام السرخسي وفخر الاسلام وغيرهما من مشايخ ما وراء النهر كما في الفوائد الظهيرية والذخيرة ولكن الاول ظاهر الرواية. وفي الخانية: فإن أسقط الخيار في الايام الثلاثة أو أعتق العبد أو مات العبد أو المشتري أو أحدث به ما يوجب لزوم البيع ينقلب البيع جائزا في قول أبي حينفة ويلزمه الثمن. وإن حدث عند المشتري في الايام الثلاثة عيب إن كان عيبا يحتمل زواله في مدة الخيار كالمرض لا يبطل خياره إلا أنه لا يملك الرد قبل زوال العيب، وإن حدث به ما لا يحتمل الزوال لزمه البيع اه. وفي المعراج: لو شرط الخيار أبدا أو مطلقا أو موقتا بوقت مجهول فسد بالاجماع، وأما في أربعة أيام ونحوها فكذلك عند أبي حنيفة. ولو كان الخيار إلى قدوم فلان أو إلى هبوب الريح فأسقطاه لم يجز البيع عند أبي يوسف. ولو شرط الخيار لنفسه بعد شهر جاز عند أبي يوسف في الشهر وله الخيار بعده يوما، كذا في المجتبي. ولم أرهم ذكروا للاختلاف السابق ثمرة وينبغي أنه لو كان عبدا فأعتقه قبل قبضه لم يصح على القول بانعقاده فاسدا، ويصح على القول بالوقف، وظاهر الخانية أنه ينقلب جائزا بالاعتاق فلم تظهر الثمرة. ويمكن أن يقال: تظهر في حل مباشرته وحرمتها كما لا يخفي. وفي
الاسبيجابي: الاصل عند أصحابنا الثلاثة أن الفساد على ضربين: فساد قوي دخل في صلب العقد وهو البدل أو المبدل، وفساد ضعيف لم يدخل في صلب العقد وإنما دخل في شرط مستعار زائد على العقد. فالاول لا ينقلب إلى الجواز. برفع المفسد كما إذا باع بألف درهم ورطل من خبر ثم حط عن المشتري الخمر لا ينقلب إلى الجواز وأما الفساد الضعيف فكمسألة الكتاب. وأما إذا باع إلى الحصاد أو الدياس ثم أبطل صاحب الاجل الاجل أو نقد الثمن انقلب إلى الجواز ولو مضت المدة المجهولة تأكد. ومن الثاني اشتراطه في عقد السلم فإن أبطله من له الخيار قبل التفرق صح إن كان رأس المال قائما اه. (فرع) لا يصح تعليق خيار الشرط بالشرط فلو باعه حمارا على أنه إن لم يجاوز هذا النهر فرده يقبله وإلا لم يصح، وكذا إذا قال ما لم يجاوز به إلى الغد، كذا في القنية. قوله: (ولو باع على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا يبع صح وإلى أربعة لا) أي لا يصح يعني عندهما. وقال محمد: يجوز إلى ما سمياه. والاصل فيه أن هذا في معنى اشتراط الخيار إذ الحاجة مست إلى الانفساخ عند عدم النقد تحرزا عن المماطلة في الفسخ فيكون ملحقا به فالامام رحمه الله تعالى مر على أصله في الملحق به ونفى الزيادة على الثلاثة، وكذا محمد في تجويز الزيادة، وأبو يوسف أخذ في الاصل بالاثر وفي هذا بالقياس، وفي
[ 10 ]
هذه المسألة قياس آخر وإليه مال زفروهو أنه بيع بشرط شرط فيه إقالة فاسدة لتعلقها بالشرط واشتراط الصحيح منها في مفسفاشتراط الفاسد أولى، وجه الاستحسان ما بينا، كذا في الهداية. وما ذكره من أأبا يوسف مع الامام قوله الاول وقد رجع عنه والذي رجع إليه أنه مع محمد، كذا في غاية البيان. وفي شرح المجمع: الاصح أنه مع أبي حنيفة وكثير من المشايخ حكموا على قوله بالاضطراب، وظاهر هذا الشرط أن المشتري إن لم ينقد الثمن في المدة فإن البيع ينفسخ لقوله فلا بيع بينهما ولذا قال في المحيط: وينفسخ البيع إن لم ينقل فإن كان المبيع عبدا قد أعتقه أو باعه ثم لم ينقد الثمن حتى مضت الثلاثة نفذ عتقه وبيعه لان
هذا بمعنى شرط الخيار لان الاحازة والفسخ تعلقا بفعل المشتري وهو النقد في الثلاثة وترك النقد فيها، ولو أعتقه أو باعه في خيار الشرط يلزم البيع فكذا هذا. ولو أعتقه بعد مضي الثلاثة ولم ينقد الثمن لم يذكره في ظاهر الرواية. وذكر في النوادر وقال: إن كان قبل القبض لا ينفذ عتقه وبعد القبض ينفذ ويجعل البيع فاسدا بمضي ثلاثة أيام متى ترك النقد، ولم يجعله مفسوخا لان قوله إن لم أنقد إلى ثلاثة أيام فلا بيع بيننا توقيت للبيع وليس بفسخ له نصا فمتى ترك النقد في الثلاثة صار كأنه قال بعتك هذا العبد إلى ثلاثة أيام فيكون توقيتا للبيع وهو لا يقبل التوقيت فصار بمنزلة شرط فاسد فيفسد البيع اه. وهذا ما قاله في الفوائد الظهيرية هنا مسألة لا بد من حفظها هي أنه إذا لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام يفسد البيع ولا ينفسخ حتى لو أعتقه المشتري وهو في يده نفذ لا إن كان في يد البائع اه. وقد علمت أنها رواية النوادر. وفي الخانية: ولو مضت الثلاثة ولم ينقده أشار في المأذون إلى أنه ينفسخ البيع، والصحيح أنه يفسد ولا ينفسخ حتى لو أعتقه بعد الايام الثلاثة نفذ إن كان في يده وعليه قيمته لا إن كان في يد البائع اه. والخلاف السابق فيما لو شرط الخيار أكثر من ثلاثة ثابت هنا فيفسد عنده، ويرتفع بالنقد قبل مضي اليوم الثالث على ما ذهب إليه العراقيون، وموقوف على ما ذهب إليه الخراسانيون، كذا في الذخيرة. وأشار المصنف إلى جواز هذا الشرط للبائع. وفي الذخيرة: وإذا باع عبدا ونقد الثمن على أن البائع إن رد الثمن إلى ثلاثة فلا بيع بينهما كان جائزا وهو بمعنى شرط الخيار للبائع اه. فإن أعتقه البائع صح إعتاقه وإن أعتقه المشتري لا يصح، كذا في الخانية. والعجب أن في مسألة الكتاب المنتفع بهذا الشرط هو البائع مع أنهم جعلوا الخيار للمشتري باعتبار أنه المتمكن من إمضاء البيع بالنقد ومن فسخه بعدمه، وفي عكسه المنتفع بهذا الشرط هو المشتري مع أنهم جعلوا الخيار للبائع باعتبار أن البائع متمكن من الفسخ إن رد الثمن في المدة ومن الامضاء إن لم يرده. وفي الذخيرة
[ 11 ]
والخانية: ولو اشترى عبدا وقبضه ثم وكل المشتري رجلا على أنه إن لم ينقد الثمن إلى خمسة عشر يوما فإن الوكيل يفسخ العقد بينهما جاز البيع لان الشرط لم يكن في البيع فيجوز البيع ويصح الشرط حتى لو لم ينقد الثمن إلى خمسة عشر يوما كان للوكيل أن يفسخ. وفي الخانية: اشترى جارية على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما وقبض المشتري فباع ولم ينقد الثمن حتى مضت الايام الثلاث جاز بيع المشتري وللبائع الاول على المشتري الاول الثمن كما لو باع بشرط الخيار للمشتري ثلاثة أيام، وكذا لو قتلها المشتري في الايام الثلاثة أو ماتت أو قتلها أجنبي خطأ وغرم القيمة لزم البيع، ولو كان المشتري وطئها وهي بكر أو ثيب أو جنى عليها أو حدث بها عيب لا بفعل أحد ثم مضت الايام الثلاثة قبل أن ينقد الثمن خير البائع إشاء أخذها مع النقصان ولا شئ له من الثمن، وإن شاء ترك وأخذ ثمنها اه. وفي الميحط: لو قطع المشتري يدها وقبضها بعد الثلاثة ولم ينقد الثمن خير البائع إن شاء سلمها له وإن شاء أخذها ونصف الثمن. وفي التتارخانية: لو قطعها أجنبي في الثلاثة فقد لزم البيع اه. ثم قال في المحيط: فإن كان افتضها ضمنه من الثمن ما نقصها، ولو ولدت بعد الثلاثة وماتت كان البائع بالخيار إن شاء أخذ الولد وضمنه حصتها من الثمن وإن شاء سلم الولد بالثمن مع أمه لان البيع لا ينفسخ لعدم النقد في الثلاثة ما دام الولد قائما في يد المشتري لان الزيادة المنفصلة مانعة من الانفساخ إلا أنه مات الاصل وبقي التبع فله أن يختار التبع بحصته من الثمن، ولو كان الثمن عرضا أو عبدا وحدث ذلك كله في الثلاث ثم مضت الثلاث فما يمنع الفسخ إذا كان الثمن دراهم يمنعه هنا وما لا فلا، وما أثبت الخيار هناك أثبته هنا. ولو مضت الثلاثة ثم حدث ذلك كله فهو مثل الاقالة لانه لما مضت الثلاثة انتقض البيع وعاد كل عرض إلى ملك صاحبه اه. ثم اعلم أن بالقاهرة بيعا يسمى بيع الامانة كما ذكره الزيلعي ويسمى أيضا الرهن المعاد كما في الملتقط، وسماه الفقهاء بيع الوفاء ويذكرونه في موضع من ثلاثة، فمنهم كالبزازي من ذكره في البيع الفاسد، ومنهم من ذكره هنا عند الكلام على خيار النقد كقاضيخان، ومنهم من ذكره في البيع الاكراه كالزيلعي،
وذكره هنا أنسب لانه من أفراد مسألة خيار النقد وصورته: أن يقول البائع للمشتري بعت منك هذا العين بدين لك علي على أني متى قضيت الدين فهو لي أو يقول البائع بعتك هذا بكذا على أني متى دفعت لك الثمن تدفع العين إلي فقد اختلفوا فيه على ثمانية أقوال مذكورة في البزازية: الاول ما اختاره صاحب المنظومة أنه رهن حقيقة فلا يملكه المشتري ولا ينتفع به إلا بإذن البائع، ويضمن ما أكل من نزله وما أتلف من الشجرة ويسقط الدين بهلاكه، ولا
[ 12 ]
يضمن ما زاد كالامانة ويسترد عند قضاء الدين. الثاني أنه بيع صحيح باتفاق مشايخ الزمان للعرف وما يفعله البائع من التعمير وأداء الخراج فهو بطريق الرضا لا الجبر كما لا يجبر على ترك الوفاء وجعله باتا، وللمشتري المطالبة بالثمن فإن انهدمت الدار لا يجبر البائع على رد الثمن، وكذا إذا كان المبيع عينا هلك فإنه يتم الامر ولا سبيل لاحدهما على الآخر. وذكر الزيلعي أن الفتوى على أنه بيع جائز مفيد لبعض أحكامه من حل الانتفاع به إلا أنه لا يملك بيعه للغير. الثالث ما اختاره قاضيخان وقال: الصحيح أنه إن وقع بلفظ البيع لا يكون رهنا، ثم إن شرطا فسخه في العقد أو تلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء أو تلفظا بالبيع وعندهما هذا البيع غير لازم فالبيع فاسد، وإن ذكر البيع بلا شرط ثم شرطاه على وجه المواعدة جاز البيع ولزم الوفاء، وقد يلزم الوعد لحاجة الناس فرارا من الربا فبلخ اعتادوا الدين والاجارة وهي لا تصح في الكروم، وبخاري الاجارة الطويلة ولا يكون ذلك في الاشجار فاضطروا إلى بيعها وفاء، وما ضاق على الناس أمر إلا إتسع حكمه. وقد نص في غريب الرواية عن الامام أن البيع لا يكون تلجئة حتى ينص عليها في العقد وهي والوفاء واحد. الرابع ما قاله في العدة واختاره ظهير الدين أنه بيع فاسد ولو ألحقاه بالبيع التحق وأفسده ولو بعد المجلس على الصحيح. ولو شرطاه ثم عقدا مطلقا إن لم يقرا بالبناء على الاول فالعقد جائز ولا عبرة بالسابق كما في التلجئة عند الامام. الخامس ما اختاره أئمة خوارزم أنه إذا أطلق البيع لكن وكل المشتري وكيلا يفسخ البيع إذا أحضر البائع الثمن أو
عهد أنه إذا أوفاه يفسخ البيع والثمن لا يعادل المبيع وفيه غبن فاحش أو وضع المشتري على أصل المال ربحا بأن وضع على مائة عشرين دينارا فرهن وإلا فبيع بات. القول السادس ما اختاره الامام الزاهد أن الشرط إذا لم يذكر في البيع كان بيعا صحيحا في حق المشتري حتى ملك الانزال ورهنا في حق البائع فلم يملك المشتري تحويل يده وملكه إلى غيره وأجبر على الرد إذ أحضر الدين لانه كالزرافة مركب من البيع والرهن ككثير من الاحكام له حكمان كالهبة حال المرض وبشرط العوض فجعلناه كذلك لحاجة الناس إليه فرارا عن الربا. فبلخ اعتادوا الدين والاجارة وهي لا تصح في الكروم، وأهل بخارى اعتادوا الاجارة الطويلة ولا تمكن في الاشجار فاضطروا إلى بيعها وفاء، وما ضاق على الناس أمر إلا اتسع حكمه وقد نص في غريب الرواية عن الامام أن البيع لا يكون تلجئة حتى ينص عليها في لعقد وهي والوفاء واحد. واختار الصدر الشهيد تاج الاسلام والامام المرغيناني والامام علاء الدين المعروف ببدر أن البيع بشرط الرد عند نقد الثمن أن المشتري يملكه. وقال الامام علاء الدين: يملكه انتفاعا فإن باعه المشتري من غيره أجابوا - سوى علاء الدين - بصحة البيع
[ 13 ]
الثاني لانه سلمه البائع الاول إلى المشتري برضاه. القول السابع أنه غير صحيح واختاره صاحب الهداية وأولاده ومشايخ زماننا وعليه الفتوى أعني لا يملك المشتري بيعه من الغير كما في بيع المكره لا كالبيع الفاسد بعد القبض. وسئل الصدر عنه بأنه يجعل فاسدا ويمنع من الاسترداد بعد البيع من غيره كالفاسد وإن قضى الدين قال: هذا كبيع المشتري من المكره. قيل له: فإن أكل المشتري غلة الكرم والارض والدار؟ قال: حكمه حكم الزوائد في البيع الفاسد يعني أنه يضمنه إذا استهلكه ولا يغرم إن هلك كزوائد المغصوب. القول الثامن الجامع لبعض المحققين أنه فاسد في حق بعض الاحكام حتى ملك كل منهما الفسخ، وصحيح في حق بعض الاحكام كحل الانزال ومنافع المبيع، ورهن في حق البعض حتى لم يملك المشتري بيعه من آخر ولا رهنه ولم يملك قطع الشجر ولا هدم البناء وسقط الدين
بهلاكه وانقسم الثمن إن دخله نقصان كما في الرهن. قلت: هذا العقد مركب من العقود الثلاثة كالزرافة فيها صفة البعير والبقر والنمر جوز لحاجة الناس إليه بشرط سلامة البدلين لصاحبهما اه. وفي المستظرف: الزرافة حيوان عجيب الخلقة ولما كان مألوفها الشجر خلق الله يديها أطول من رجليها وهي ألوان عجيبة، يقال إنها متولدة من ثلاثة حيوانات الناقة الوحشية والضبع والبقرة والوحشية، فينزو الضبع على الناقة فتأتي بذكر، فينزو ذلك الذكر على البقرة فتتولد منه الزرافة. والاصح أنه خلقة بذاته ذكر وأنثى كبقية الحيوانات. وقد فرع في البزازية فروعا كثيرة يحتاج إليها في بيع الوفاء تركناها خوفا من الاطالة، وينبغي أن لا يعدل في الافتاء عن القول الجامع قوله: (فإن نقد في الثلاث صح) يعني في قولهم جميعا وقدمنا صفة انعقاده في الابتداء أما فاسد أو موقوف كما في خيار الشرط، ولم أر ثمرة للاختلاف فإنه إذا أسقطه قبل دخول الرابع جاز اتفاقا، وإن دخل تقرر فساده اتفاقا. ولعل الثمرة تظهر في حل الاقدام عليه وعدمه، ويمكن أن يقال في ثبوت الملك بالقبض فمن قال بفساده أثبته و من قال بالوقف نفاه. قوله: (وخيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه) لان تمام هذا السبب بالمراضاة فلا يتم مع الخيار فينفذ عتق البائع ولا يملك المشتري التصرف فيه وإن قبضه بإذن البائع. ودل كلامه على أن خيار المشتري يمنع خروج الثمن عن ملكه للعلة المذكورة، وأن الخيار إذا كان لهما لم يخرج المبيع عن ملك البائع ولا الثمن عن ملك المشتري. وفي البدائع: إن حكم البيع بخيار موقوف على معنى أنه لا يعرف له حكم للحال والخيار مانع من انعقاد الحكم. وفي المعراج: إلا أن السبب المنعقد في الاصل يسري إلى الزوائد المتصلة والمنفصلة لكونه محلا له عند وجود
[ 14 ]
الشرط، فكما يثبت الحكم في الاصل يثبت في الزوائد اه. يعني فالاصل وإن بقي على ملك من له الخيار لا يملك الزوائد إذا أجيز البيع. وفي الخانية: إن الاولاد والاكساب فيما إذا كان الخيار للبائع تدور مع الاصل، فإن أجيز كانت للمشتري، وإن فسخ كانت للبائع وإن
كان الخيار للمشتري فحدثت عند البائع فكذا الجواب، وإن حدثت عند المشتري كانت له تم البيع أو انتقض. قيل: هذا قولهما، أما على قوله فهي دائرة مع الاصل. وفي جامع الفصولين: لو كان الخيار إلى البائع فسلم المبيع إلى المشتري، فلو سلمه على وجه التمليك بطل خياره لا لو سلمه على وجه الاختيار، ولو حط عنه من الثمن فعلى قياس مسألة الابراء ينبغي أن يبطل خياره اه. وقال قبله: باع بخيار فوهب ثمنه للمشتري في المدة أو أبرأه عن ثمنه أن شرى به شيأ من المشتري صح تصرفه وبطل خياره، ولو اشترى من غير المشتري شيأ بذلك الثمن بطل خياره ولم يجشراؤه اه. وكتبنا في الفوائد من الفائدة الرابعة أن خيار الشرط في البيع يمنع الحكم ولا يبطل البيع الا في مسألة ما إذا شرط الخيار في بيع الفضولي فإنه مبطل البيع ولا يتوقف، لان الخيار له بدون الشرط فيكون الشرط مبطلا، كذا في فروق الكرابيسي. وفيها أيضا من الحادية والخمسين بعد المائتين: لا يصح الابراء عن الدين قبل لزوم أدائه إلا في مسائل فلينظر ثمة. وإذا كان الخيار للبائع فإنه يملك مطالبة المشتري بالثمن بخلاف ما إذا كان للمشتري كما في جامع الفصولين. وإن هلك في يد البائع انفسخ البيع ولا شئ عليهما كما في المطلق عنه، وإن تعيب في يد البائع فهو على خياره لان ما انتقص بغير فعله لا يكون مضمونا عليه ولكن المشتري يتخير إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء فسخ كما في البيع المطلق. وإن كان العيب بفعل البائع ينتقص البيع فيه بقدره لان ما يحدث بفعله يكون مضمونا عليه وتسقط به حصته من الثمن، كذا ذكر الشارح. ثم اعلم أن الخيار إذا كان للبائع ثم أجازه فالملك للمشتري يقتصر على وقت الاجازة ولا يستند إلى وقت العقد لما في الخانية: رجل اشترى ابنه من رجل على أن البائع بالخيار ثم مات المشتري فأجاز البائع عتق الابن ولا يرث أباه اه. فعدم إرثه دليل على الاقتصار ولكن عتقه يدل على الاستناد وإلا لم يعتق كما لا يخفي. قوله: (وبقبض المشتري يهلك بالقيمة) لان البيع ينفسخ بالهلاك لانه كان موقوفا ولا نفاذ بدون المحل فبقى مقبوضا بيده على سوم الشراء وفيه القيمة، كذا في الهداية. والمراد
بالقيمة في المشبه والمشبه به البدل يشمل المثلي فإنه مضمون بالمثل والقيمي هو المضمون
[ 15 ]
بالقيمة، والكلام هنا في موضعين في حكم المشبه وهي مسألة الكتاب ولا فرق بين هلاكه في مدة الخيار مع بقائه أو بعدما فسخ البائع البيع كما في جامع الفصولين وأما إذا هلك في يده بعد المدة من غير فسخ فيها فإنه يهلك بالثمن لسقوط الخيار. وفي مسألة الكتاب إذا ادعى البائع هلاكه في يده ووجوب القيمة له وادعى المشتري أنه أبق من يده فالقول للمشتري مع يمينه لان الظاهر حياته، ويجوز البيع على البائع ويتم لان بمضي الثلاثة يسقط خياره. وكذا لو كان البائع هو الذي يدعي الاباق والمدعي يدعي الموت فالقول للبائع مع يمينه، كذا في السراج الوهاج. ولم يذكر المصنف حكم ما إذا دخله عيب في يد المشتري وفي السراج الوهاج: إن كان من ذوات القيم يجب عليه ضمان ما نقص يوم القبض، وإن كان مثليا فليس له أن يضمنه نقصانه لشبهة الربا اه. وفي جامع الفصولين: باع أرضا بخيار وتقابضا فنقض البائع في المدة فتبقى الارض مضمونة بالقيمة على المشتري وله حبسها لثمن دفعه إلى البائع، فلو أذن البائع بعده للمشتري في زراعتها فزرعها تصير الارض أمانة عند المشتري وللبائع أخذها منه متى شاء قبل أداء الثمن، وليس للمشتري حبسها بالثمن لانه لما زرعها صار كأنه سلمها إلى البائع اه. وأما الثاني أعني المشبه به وهو المقبوض على سوم الشراء فأطلقه في الهداية وقيده في أكثر الكتب بأن يسمى ثمنه. وعبارة الصدر الشهيد في الفتاوي الصغرى: المقبوض على سوم الشراء إنما يكون مضمونا إذا كان الثمن مسمى، نص عليه الفقيه أبو الليث في بيوع العيون فإنه ذكر إذا قال اذهب بهذا الثوب فإن رضيته اشتريته فذهب به فهلك لا يضمن، وإن قال إن رضيته اشتريته بعشرة فذهب به فهلك فإنه يضمن القيمة وعليه الفتوى اه. وفي الظهيرية أن هذا الشرط في ظاهر الرواية. وذكر الطرسوسي في أنفع الوسائل بعد ذكر منقولات فتحرر أنه مضمون أن ذكر الثمن حالة المساومة، والمراد بذكر الثمن فيه من جانب المشتري لا من جانب البائع وحده فإنه قال في القنية عن أبي حنيفة: قال
له هذا الثوب بعشرة فقال هاته حتى أنظر إليه فإن رضيته أخذته بعشرة فضاع فهو على ذلك الثمن، فجعل ذكر البائع وحده ليس بموجب للضمان. وكذا في المسألة التي ذكر بعد هذه: لو قال إن رضيته أخذته بعشرة فعليه قيمته، ولو قال صاحب الثوب هو بعشرة فقال المساوم حتى أنظر إليه وقبضه وضاع لا يلزمه شئ. فعلمنا أن المراد ذكر الثمن من جهة المساوم لا من جهة البائع وحده إلى أخر ما أطال فيه. وقال: فليعتن بهذا التحرير فإنه فائدة جليلة. قلت: هو خطأ وبيان الثمن من جهة البائع وحده إذا أخذه الشتري بعده على وجه السوم كاف لضمانه. قال في الخانية: رجل طلب من رجل ثوبا ليشتري فأعطاه البائع ثلاثة أثواب فقال هذا
[ 16 ]
بعشرة وهذا بعشرين وهذا بثلاثين فاحمل الثياب إلى منزلك فأي ثوب ترضى بعته منك، فحمل هلكت عند المشتري قال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل: إن فهلك جملة أو على التعاقب ولا يدري الذي هلك أولا ولا الذي بعده ضمن المشتر ثلث كل ثوب، وإن عرف الاول لزمه ذلك الثوب والثوبان أمانة عنده، وإن هلكت الثوبان وبقي الثالث فإنه يرد الثالث لانه أمانة، وأما الثوبان يلزمه نصف ثمن كل واحد منهما إذا كان لا يعلم أيها هلك أولا، وإن هلك واحد وبقي ثوبان يلزمه ثمن الهالك ويرد الثوبين، وإن احترق الثوبان ونقص الثالث ثلثه أو ربعه ويعلم أيهما احترق أولا يرد ما بقي من الثالث ولا يضمن نقصان الحرق بقدره ويلزمه نصف ثمن كل واحد من الثوبين اه. فهذا صريح في أن بيان الثمن من جهة البائع يكفي للضمان. في الخلاصة البزازية: اذهب به إن رضيته اشتريت فذهب به فضاع لا يضمن، ولو قال إن رضيته اشتريته بعشرة فذهب به وضاع ضمن اه. وهذا صريح فيما قلناه، وقد اشتبه عليه المقبوض على سوم الشراء بالمقبوض على وجه النظر فإن فيما نقله عن القنية إنما قال المساوم حتى أنظر إليه والمقبوض على وجه النظر أمانة، وما ذكرناه عن أصحاب الفتاوى إنما قال إن رضيته اشتريته والدليل على الفرق بينهما
[ 17 ]
ما في الخانية قال: ولو أخذ ثوبا على المساومة فدفعه إليه البائع وهو يساومه والبائع يقول هو بعشرة فهو على الثمن الذي قال البائع حتى يرد عليه المشتري، وإن ساومه فقال المشتري حتى أنظر إليه فدفعه فضاع منه فليس على المشتري شئ لانه إنما أخذه للنظر، وإن أخذه على غير النظر ثم قال حتى انظر إليه فقوله حتى أنظر إليه لا يخرجه عن الضمان اه. فهذا صريح في الفرق بينهما. وفي الذخيرة معزيا لابي يوسف: رجل ساوم رجلا بثوب فقال صاحب الثوب هو بعشرة فقال المساوم هاته حتى أنظر إليه فدفعه إليه على ذلك فضاع لا يلزمه شئ. علل فقال: لانه أخذه على النظر إشارة إلى أن هذا ليس بمقبوض على سوم الشراء اه. فهذا صريح في الفرق بينهما أيضا. وفي الفتاوي الظهيرية: رجل قال هذا الثوب لك بعشرة فقال هاته حتى أنظر إليه أو قال حتى أريه غيري فأخذه على ذلك فضاع في يده لم يضمن في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ولو قال هاته فإن رضيته أخذته فضاع كان عليه الثمن اه. وهذا صريح أيضا فثبت بهذه النقول من الكتب المعتمدة أنه لا فرق في المقبوض على سوم الشراء بين بيان الثمن من البائع أو من المشتري وحده، ولقد صدق ختام المحققين ابن الهمام في فتح القدير حيث قال في كتاب الوقف: إن الطرسوسي بعيد عن الفقه، ث رأيت الفرق بينهما أيضا صريحا في فروق الكرابيسي ومنها نقلت قال: لو قال هذا الثوب لك بعشرة فقال هاته حتى أنظر إليه أو حتى أريه غيري فأخذه فضاع قال أبو حنيفة: لا شئ عليه يعني يهلك أمانة. وإن قال هاته حتى أنظر إليه فإن رضيته أخذته فهلك فعليه الثمن. والفرق أن في الفصل الاول أمره لينظرءليه أو ليريه غيره وذلك ليس ببيع، فأما في الفصل الآخر أمره بالاتيان به ليرضاه ويأخذه وذلك بيع بدون الامر فمع الامر أولى اه. والظاهر من كلامهم أنه لا فرق بين الهلاك أو الاستهلاك، وما في الذخيرة عن أبي يوسف أن المقبوض على سوم الشراء مضمون بالثمن محمول على القيمة، وما ذكره
[ 18 ]
الطرسوسي من أنه إن هلك فمضمون بالقيمة وإن استهلكه فمضمون بالثمن ليس بصحيح لما في الخانية: إذا أخذ ثوبا على وجه المساومة بعد بيان الثمن فهلك في يده كان عليه قيمته، وكذا واستهلكه وارث المشتري بعد موت المشتري اه. والوارث كالمورث، وأما مقبوض الوكيل بالسوم فقال في الخانية: الوكيل بالشراء إذا أخذ الثوب على سوم الشراء فأراه الموكل ولم يرض به ورده عليه فهلك عند الوكيل. قال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل: ضمن الوكيل قيمته ولا يرجع بها على الموكل إلا أن يأمره الوكيل بالاخذ على سوم الشراء فحينئذ إذا ضمن الوكيل رجع على الموكل اه. وفي البزازية: غلط وسلم غير المبيع وهلك ضمن القيمة لانه قبضه على جهة البيع. بعث رسولا إلى البزاز وقال ابعث إلي ثوب كذا فبعث إليه البزاز معه أو من غيره فضاع الثوب قبل الوصول إلى الآمر وتصادقوا عليه لا ضمان على الرسول، ثم إن كان رسول الآمر فالضمان على الآمر، وإن كان رسول البزاز فلا ضمان على أحد لكن إذا وصل إلى الآمر ضمن الآمر، وكذا لو أرسل إلى آخر وقال أرسل إلي عشرة دراهم قرضا فأرسل معه فالآمر ضامن إذا أقر أنه رسوله، فإن بعثه مع غير رسوله لا ضمان على الآمر قبل أن يصل، وكذا الدائن إذا بعث رسولا لقبض دينه
[ 19 ]
فبعث معه وضاع يكون من مال الدائن، وإن مع الآخر لا حتى يصل إليه اه. ثم اعلم أن المقبوض على سوم الشراء إذا بين ثمنه مضمون وإن اشترط أن لا ضمان فيه لما في البزازية: استباع قوسا وتقرر الثمن فمده بإذن البائع أو قال له إن انكسر فلا ضمان عليك فمده وانكسر يضمن قيمته، وإن لم يتقرر الثمن فلا ضمان ولو بالاذن لان اشتراط عدم الضمان في المقبوض على السوم باطل. وعن الامام أراه الدرهم لينظر إليه فغمزه أو قوسا فمده فانكسر أو ثوبا فتخرق ضمن إن لم يأمره بالغمز والمد واللبس، وقيل إكان لا يرى إلا بالغمز لا يضمن إن لم يجاوز ويصدق في أنه لم يجاوز اه. وفي جامع الفصولين:
المقبوض على سوم الرهن مضمون بالاقل من قيمته ومن الدين، وما قبض على سوم القرض مضمون بما ساوم كمقبوض على حقيقته بمنزلة مقبوض على سوم البيع إلا أن في البيع يضمن القيمة وهنا يهلك الرهن بما ساومه من القرض، وما قبض على سوم النكاح مضمون يعني لو قبض أمة غيره ليتزوجها بإذن مولاها فهلكت في يده ضمن قيمتها والمهر قبل تسليمه مضمون، وكذا بدل الخلع في يد المرأة يعني لو تزوجها على عين أو خالعها فهلكت قبل قبضه يلزمه مثله في المثلي وقيمته في القيمي اه. ذكره في الثلاثين منه. قوله: (وخيار المشتري لا يمنع ولا يملك) أي لا يمنع خروج المبيع عن ملك البائع فيخرج عن ملكه للزومه من جهة من لا خيار له، فلو أعتقه البائع لم يصح إعتاقه، ولو
[ 20 ]
كان البائع حلف وقال إن بعته فهو حرفباعه بخيار للمشتري لم يعتق لخروجه عن ملكه، ولو باعه بخيار له عتق ولا يملكه المشتري عند الامام رحمه الله تعالى لكن يصح إعتاقه ويكون إمضاء كما في الخانية. وفيها: باع عبدا بجارية على أن بائع العبد بالخيار ثلاثة أيام فأعتق البائع العبد في الثلاثة أيام نفذ عتقه في قولهم ويبطل البيع لانه أعتق ملك نفسه، وإن أعتق الجارية جاز ويكون إسقاطا للخيار ويتم. ولو أعتقهما في كلام واحد نفذ عتقه لعدم الاولوية فيهما ويغرم قيمة الجارية ولا ينفذ إعتاق المشتري في العبد ولا في الجارية، ولو كان الخيار للمشتري انعكست الاحكام اه. وقالا: يملكه لانه لما خرج عن ملك البائع فلو لم يدخل في ملك المشتري يكون زائلا لا إلى مالك ولا عهد لنابه في الشرع. ولابي حنيفة أنه لما لم يخرج الثمن عن ملكه، فلو قلنا بأنه يدخل المبيع في ملكه لاجتمع البدلان في ملك رجل واحد حكما للمعاوضة ولا أصل له في الشرع لان المعاوضة تقتضي المساواة ولان الخيار شرع نظرا للمشتري ليتروى فيقف على المصلحة، فلو ثبت الملك ربما يعتق عليه من غير اختياره بأن كان قريبه فيفوت النظر وأورد على قوله لزوم السائبة ورد
بأنها هي التي لا ملك فيها لاحد ولا علقة ملك والعلقة موجودة هنا، وأورد أيضا استحقاق الشفعة بما بيع بخيار للمشتري وهو دليل على مكله. وأجيب بأن استحقاقها لم ينحصر في الملك بل هو أو ما في معنامن كونه أحق بها تصرفا بدليل صحة إعتاقه كاستحقاق العبد المأذون لها مع أنه لاملك له حقيقة وهو تكلف لا يحتاج إليه لما سيأتي أن البيع ينبرم في ضمن طلب الشفعة فيثبت مقتضى تصحيحا. ثم اعلم أن قولهما في دليلهما ولا عهد لنا به في الشرع معناه في باب التجارة والمعاوضات فاندفع عنهما ما
[ 21 ]
أورد من شراء متولي أمر الكعبة إذا اشترى عبدا لخدمتها وعبد الوقف إذا ضعف وبيع واشترى ببدله آخر لم يملكه المشتري لانه من باب الاوقاف، وكذا لا ترد التركة المستغرقة بالدين فإنها تخرج عن ملك الميت، ولا تدخل في ملك الورثة والغرماء للقيد المذكور. وأما حكم جناية العبد في مدة الخيار، فإن كان الخيار للبائع فأجاز البيع لم يكن مختارا للفداء وخير المشتري بين الدفع والفداء، وإن فسخ البيع خير البائع كذلك، وفي اللاول إنما يخير المشتري بين الدفع والفداء إذا اختار إمضاء البيع، فإن اختار المشتري فسخه فالخيار للبائع للعيب الحادث في يد البائع، فإن كانت في يد المشتري فالبائع على خياره، فإن أجاز ثبت الملك للمشتري من وقت العقد وخير بين الدفع والفداء فإن كان الخيار للمشتري فجنى في يده في مدته لم يكن له أن يرده على بائعه. ولو بيعت دار بخيار لاحدهما فوجد فيها قتيل فالدية على عاقلة ذي اليد عنده، وعندهما على من يصير الملك له ولا يكون وجود القتيل عيبا فلا خيار للمشتري بخلاف جناية العبد المبيع فإنها عيب، كذا في التتارخانية. وقول الامام ولا أصل له في الشرع معناه في المعاوضة فلا يرد عليه المدبر إذا غصب وضمن الغاصب قيمته فإنه يملكه فقد اجتمع العوضان في ملك السيد لانه ضمان جناية لا ضمان معاوضة، كذا في المعراج وفتح القدير. ولكن يرد عليه باب السلم فإن المسلم إليه ملك رأس مال السلم والمسلم فيه فقد اجتمعا في المعاوضة. وأجيب بأن
المسلم فيه دين لرب السلم في ذمة المسلم إليه فهو كالثمن يملكه البائع في ذمة المشتري وأورد المنافع والاجرة المعجلة ملكهما المؤجر. وأجيب بأنها معدومة فلا ملك لها وإذا حدثت ملكها المستأجر، كذا في البناية. قيد بالمبيع لان الثمن لا يخرج عن ملك المشتري اجماعا كما بيناه. وفي السراج الوهاج: والنفقة تجب على المشتري بالاجماع إذا كان الخيار له بخروج المبيع عن ملك البائع، ولو تصرف المشتري في المبيع في مدة الخيار والخيار له جاز تصرفه اجماعا ويكون إجازة منه اه. وفي الخلاصة أن زوائد المبيع موقوفة إن تم البيع كانت للمشتري وإن فسخ كانت للبائع اه. وفي جامع الفصولين: المشتري بالخيار لو رهن بالثمن رهنا جاز الرهن به اه. فإن قلت: ذكر في جامع الفصولين أيضا أن الخيار إذا كان للمشتري فأبرأه البائع عن الثمن لم يجز إبراؤه اه. وفي التتارخانية: وروي عن محمد جوازه فينبغي أن لا يصح الرهن أيضا. قلت: الابراء يعتمد الدين ولا دين له عليه لان الثمن باق على ملكه والرهن لا يشترط له وجود الدين حقيقة بدليل صحته على الدين الموعود به وقد بيناه فيما كتبناه من حواشي جامع الفصولين، ولكن نقل بعده أعدم صحة الابراء قول أبي يوسف. وفي المعراج أن عدم
[ 22 ]
صحته قياس والاستحسان صحته لان إبراء بعد وجود السبب وهو البيع، والدليل على أن الابراء يعتمد تعلق الحق لا حقيقة الدين لو أبرأ البائع الموكل عن ثمن ما اشتراه الوكيل فإنه يصح الابراء مع أن الثمن على الوكيل والدليل على التعلق بالموكل أن المشتري لو أتى بالثمن للموكل فإن يجبر على القبول. ولو كان للمشتري دين على الموكل صار قصاصا بالثمن ولولاه لم يجبير ولم يصر قصاصا كما في الصيرفيه. وفي السراجية: اشترى على أنه بالخيار لم يجبر البائع على تسليم المبيع وإن نقد المشتري الثمن. وفي التتارخانية: قوله: (وبقبضه يهلك بالثمن) أي إذا كان الخيار للمشتري وقبض المبيع وهلك في يده فإنه يهلك بثمنه بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع. والفرق أنه إذا دخله عيب يمتنع الرد والهلاك لا يعرى عن مقدمة عيب فيهلك والعقد قد انبرم فيلزمه الثمن بخلاف ما إذا كان
للبائع لان بدخول العيب لا يمتنع الرد حكما يخبار البائع فيهلك والعقد موقوف. وفي السراج الوهاج: والفرق بين الثمن والقيمة أن الثمن ما تراضى عليه المتعاقدان، سواء زاد على القيمة أو نقص. والقيمة ما قوم به الشئ بمنزلة المعيار من غير زيادة ولا نقصان والاستهلاك كالهلاك كما سيأتي. وأطلقه فشمل ما إذا كان الخيار للمشتري وحده أو لهما وأسقط البائع خياره بأن أجاز البيع ثم هلك في مدته فإن البيع يلزم بالثمن كما في التتارخانية قوله: (كتعيبه) يعني إذا تعيب في يد المشتري والخيار له فإنه يلزمه الثمن لانه صار بذلك ممسكا ببعضه، فلو رده لتفرقت الصفقة على البائع قبل الاتمام وهو لا يجوز فلزم البيع وسقط الخيار. أطلقه فشمل ما إذا عيبه المشتري أو أجنبي أو تعيب بآفة سماوية أو بفعل المبيع كما في النهاية ولكن ليس باقيا على إطلاقه، وإنما المراد به عيب يلزم ولا يرتفع كما إذا قطعت يده. وأما ما يجوز ارتفاعه كالمرض فهو على خياره إن زال المرض في الايام الثلاثة، وأما إذا مضت والعيب قائم لزم البيع لتعذر الرد كما في النهاية أيضا. وفي الصحاح: عاب المتاع أي صار ذا عيب، وعيبه نسبه إلى العيب، وعيبه أيضا إذا جعله ذا عيب وتعيب مثله اه. وقد ذكر المصنف حكم هلاكه في يد المشتري ونقصانه ولم يذكر حكم زيادته عنده. وحاصله أن الزيادة منفصلة كانت أو متصلة، سواء كانت متولدة من الاصل كالولد والسمن والجمال والبرء من المرض وذهاب البياض من العين أو لا كالصبغ والعقر والكسب والبناء ورش الارض، يمنع الفسخ إلا في المنفصلة الغير المتولدة فإنها لا تمنع كما في التتارخانية. وفي البناية أن التعيب إذا كان بفعل البائع في يد المشتري لم يسقط خيار المشتري، فإن أجاز البيع ضمن به البائع النقصان اه. فيستثنى من إطلاق المصنف مسألتان: ما إذا كان العيب يرتفع،
[ 23 ]
وما إذا كان بفعل البائع. ولكن ذكر في فتح القدير أن هذا قول محمد، وأما عندهما إذا تعيب بفعل البائع يلزم ابيع، وقد وعدنا بذكر مسائل المبيع إذا هلك في البيع الذي لا خيار فيه أو بخيار فإذا كان في يد البائع بآفة سماوية أو باستهلاك البائع أو كان حيوانا فقتل نفسه يبطل
البيع لانه مضمون بالثمن فيسقط الثمن فلا يكون مضمونا بالقيمة لانه لا يتولى على شئ واحد ضمانان، فإن أتلفه المشتري والبيع بات أو بخيار له لزم الثمن، وإن كان للبائع والبيع فاسد لزم المثل في المثلي والقمية في القيمي، إن بفعل أجنبي خير المشتري فإن فسخ وعاد إلى ملك البائع ضمن الجاني المثل أو القيمة والمضمون إن من جنس الثمن وفيه فضل لا يطيب وإن من خلافه طاب. وإن اختار المشتري أيضا البيع اتبع الجاني بالمثل أو بالقيمة وحكم الفضل ما ذكرناه في جانب البائع واختياره اتباع الجاني قبض عند الثاني خلافا لمحمد وأثره فيما إذا توى على الجاني وفيما إذا أخذ من الجاني مكانه شيأ آخر جاز عند الثاني. وإن هلك بعد القبض فعلى المشتري إلا إذا أتلفه البائع والقبض بلا إذنه والثمن حال غير منقود فالبائع يصير مستردا ويبطل البيع وسقط الثمن عن المشتري. وإهلك البعض قبل قبضه سقط من الثمن قدر النقص، سواء كان نقصان قدر أو وصف، وخير المشتري بين الفسخ والامضاء، وإن بفعل أجنبي فالجواب فيه كما إذا هلك كله وإن بآفة سماوية، إن نقصان قدر طرح عن المشتري حصة الفائت من الثمن وله الخيار في الباقي، وإن نقص وصف لا يسقط شئ من الثمن لكنه يخير بين الاخذ بكل الثمن أو الترك. والوصف ما يدخل تحت البيع بلا ذكر كالاشجار والبناء في الارض وأطراف الحيوان والجودة في الكيلي والوزني. وإن بفعل المعقود عليه فالجواب كذلك، وإن بفعل المشتري صار قابضا ما أتلف بالاتلاف والباقي بالتعيب، فإن هلك الباقي قبل حبسه فعلى المشتري، وإن بعد الحبس فعلى البائع وعلى المشتري حصة ما أتلفه لا غير، فإن حبس بعد سقوط حقه من الحبس فعلى المشتري كل الثمن إلا إذا كان بفعل البائع، فإن لم يكن له حق الاسترداد فهو كالاستهلاك من الاجنبي، وإن كان له حق الاسترداد انفسخ البيع في قدر ما أتلف وسقط حصته من الثمن. فلو هلك الباقي في يد المشتري لزمه قسطه من الثمن إلا إذا هلك الباقي من سراية جناية البائع فيكون مستردا له أيضا فيسقط الثمن، فإن زعم البائع أنه هلك بعد قبضه والمشتري بأنه قبل قبضه فالقول للمشتري وأيهما برهن قبل، وإن برهنا فللبائع. وكذا لو ادعى البائع أن المشتري، استهلكه وعكس
المشتري وإن أرخا فبينة الاسبق أولى في الهلاك والاستهلاك، وتمامه في الفتاوي البزازية.
[ 24 ]
قوله: (فلو اشترى زوجته بالخيار بقي النكاح) أي بالخيار له وهذا مفرع على أنه لا يدخل في ملك المشتري فلذا لم يبطل النكاح قبل نفاذ البيع، وإذا سقط الخيار بطل للتنافي. وعندهما أنفسخ لدخولها في ملك الزوج فإذا فسخ المشتري البيع رجعت إلى مولاها بلا نكاح عليها عندهما، وعنده تستمر زوجته، كذا في فتح القدير. وعلى هذا لو اشتر زوجته فاسدا وقبضها يفسد النكاح ثم فسخ البيع للفساد لا يرفع فساد النكاح قوله: (فإن وطأها له أن يردها) لان الوطئ بحكم ملك النكاح لبقائه لا يحكم ملك اليمين لعدمه، وعندهما ليس له أن يردها مطلقا لما قدمناه. أطلقه وهو مقيد بما إذا لم تكن بكرا لو كانت بكرا أو نقصها الوطئ امتنع الرد كما ذكره الاسبيجابي. وظاهره أنه لو نقصها وهي ثيب فالحكم كذلك، وقد صرح به في فتح القدير. وكذا يتفرع أنه لو ردها فعنده تعود إلى سيدها منكوحة، وعندهما بلا نكاح، وقيد بزوجته لانه لو اشترى غير زوجته بخيار له فوطئها امتنع الرد مطلقا أي وإن لم ينقصها وسقط الخيار، كذا في المعراج. ولم أر حكم حل وطئ الامة المبيعة بخيار، أما إذا كان الخيار للبائع فينبغي حله له لا للمشتري وإن كان للمشتري ينبغي أن لا يحل لهما. ونقله في المعراج عن الشافعي فقال: وللشافعي في حل وطئها وجهان، والثاني لا يجوز وهو نصه، وفي انفساخ نكاحها وجهان والثاني لا ينفسخ وهو ظاهر نصه. أما لو كان المبيع غير امرأته لم يحل للمشتري وطؤها على الاقوال كلها ويحل للبائع على الاقوال كلها، وقال أحمد: لا يحل للبائع اه. ثم اعلم أن دواعي الوطئ كالوطئ فإذا اشترى غير زوجته بالخيار فقبلها بشهوة أو
[ 25 ]
لمسها بشهوة أن نظر إلى فرجها بشهوة سقط خياره. وحدها انتشار آلته أو زيادتها، وقيل بالقلب وإن لم تنتشر، فإن كان بغير شهوة لم يسقط في الكل. وإن ادعى أنه بغير شهوة فإن كان في الفم لم يقبل قوله وإلا قبل. وإن فعلت الامة به ذلك وأقر أنه كان بشهوة كان رضا
كما في السراج الوهاج، ولم يذكر المؤلف مما يظهر فيه ثمرة الاختلاف إلا هذه المسألة. وذكر في الهداية أن لهذه المسألة أخوات كلها تبتنى على وقوع الملك للمشتري بشرط الخيار وعدمه منها: عتق المشترى على المشتري إذا كان قريبا له في مدة الخيار، ولو كان للبائع فمات المشتري فأجاز البائع عتق الابن ولا يرث أباه كما قدمناه عن الخانية. ومنها عتقه إذا كان المشتري حلف إن ملك عبدا فهو حر بخلاف ما إذا قال إن اشتريت لانه يصير كالمنشئ للعتق بعد الشراء فسقط الخيار. ومنها أن حيض المشتراة في المدة لا يجتزأ به من الاستبراء عنده، وعندهما يجتزأ، ولو ردت بحكم الخيار إلى البائع لا يجب الاستبراء عنده، وعندهما يجب إذا ردت بعد القبض. ومنها إذا ولدت المشتراة في المدة بالنكاح لا تصير أم ولد له عنده خلافا لهما، ومحله ما إذا كان قبل القبض، أما بعده فسقط الخيار اتفاقا وتصير أم ولد للمشتري لانها تعيبت عنده بالولادة، كذا في النهاية. وفي الخانية: إذا ولدت بطل خياره وإن كان الولد ميتا ولم ينتقصها الولادة لا يبطل خياره اه. ثم اعلم أنهم لم يقيدوا بدعوى الولد وقيده بها في إيضاح الاصلاح قال: لانه ولد والفراش ضعيف اه. وهو تقييد لقولهما. ومنها إذا قبض المشتري المبيع بإذن البائع ثم أودعه عند البائع فهلك في يده في تلك المدة هلك من مال البائع لارتفاع القبض بالرد لعدم الملك، وعندهما من مال المشتري لصحة الايداع باعتبار قيام الملك، ولو كان الخيار للبائع فسلم المبيع إلى المشتري فأودعه البائع فهلك عنده بطل البيع عند الكل، ولو كان البيع باتا فقبض المشتري المبيع بإذن البائع أو بغير إذنه ثم أودعه البائع فهلك كان على المشتري اتفاقا لصحة الايداع، كذا في التتارخانية. ومنها لو كان المشتري عبدا مأذونا فأبرأه البائع عن الثمن في المدة بقي خياره عنده لان الرد امتناع عن التملك والمأذون له يليه. وعندهما بطل خياره لانه لما ملكه كان الرد منه تمليكا بغير عوض وهو ليس من أهله وهذا يقتضصحة الابراء، وقدمنا أنه لا يصح عند أبي يوسف قياسا، ويصح عند محمد استحسانا ونبه عليه هنا في النهاية. ومنها إذا اشترى ذمي من ذمي خمرا على أنه بالخيار ثم أسلم بطل الخيار عندهما لانه ملكها فلا يملك ردها وهو مسلم،
[ 26 ]
وعنده يبطل لبيع لانلم يملكها فلا يتملكها بإسقاط الخيار بعده وهو مسلم اه. ولو كان الخيار للبائع فأسلم بطل البيع، ولو أسلم المشتري لا وخيار البائع على حاله، فإن أجاز صارت الخمر للمشتري حكما والمسلم أهل لان يتملكها حكما، كذا في النهاية. فقد ذكر فيها ثمان مسائل، وقد زاد الشارحون مسائل أيضا ففي فتح القدير: الاولى ما إذا تخمر العصير في بيع مسلمين في مدته فسد البيع عنده لعجزه عن تملكه، وعندهما يتم لعجزه عن رده. الثاني اشترى دارا على أنه بالخيار ثلاثة أيام وهو ساكنها بإجارأو إعارة فاستدام سكنها قال السرخسي: لا يكون اختيارا وهو في ابتداء السكني وقال خواهر زاده: استدامتها اختيار عندهما لملك العين، وعنده ليس باختيار. الثالثة حلال اشترى ظبيا بالخيار فقبضه ثم أحرم والظبي في يده فينقض البيع عنده ويرد إلى البائع، وعندهما يلزم المشتري، ولو كان الخيار للبائع ينتقض بالاجماع، ولو كان للمشتري فأحرم المشتري له أن يرده. الرابعة إذا كان الخيار للمشتري وفسخ العقد فالزوائد ترد على البائع عنده لانها لم تحدث على ملك المشتري، وعندهما للمشتري لانها حدثت على ملكه اه. وفي جامع الفصولين: لو اشترى بخيار فدام على السكنى لا يبطل خياره، ولو إبتدأها بطل يماثله خيار العيب وخيارالرط في القسمة لا يبطل بدوام السكنى اه. وفي التتارخانية أن محمدا ذكر في البيوع أن خيار الشرط يبطل بالسكنى وفي القسمة ذكر أنه لا يبطل فاختلف المشايخ، فمنهم من حمل ما في البيوع على الابتداء وما في القسمة على الدوام ومنهم من أبقى ما في البيوع على اطلاقه فيبطل بالابتداء والدوام وأبقى ما في القسمة على إطلاقه فلا يبطل خيار الشرط فيها بالابتداء والدوام. وفيها أيضا: لو كان الخيار للمشتري فصالحه البائع على مائة يدفعها له على أن يبطل البيع ففسخه انفسخ ولا شئ له اه.
[ 27 ]
قوله: (فلو أجاز من له الخيار بغيبة صاحبه صح ولو فسخ لا) أي لا يصح في غيبة
صاحب وهذا عندهما. وقال أبو يوسف: يجوز الفسخ أيضا لانه مسلط على الفسخ من جهة صاحبه فلا يتوقف على علمه كالاجازة ولهذا لا يشترط رضاه فصار كالوكيل. ولهما أنه تصرف في حق الغير وهو العقد بالرفع ولا يعرى عن المضرة لانه عساه يعتمد تمام البيع السابق فيتصرف فيه فيلزمه غرامة القيمة بالهلاك فيما إذا كان الخيار للبائع أو لا يطلب لسلعته مشتريا فيما إذا كان الخيار للمشتري، وهذا نوع ضرر فيتوقف على علمه وصار كعزل الوكيل بخلاف الاجازة لانه لا إلزام فيه. ولا يقال إنه مسلط وكيف يقال ذلك وصاحبه لا يملك الفسخ ولا تسليط في غير ما يملكه المسلط، كذا في الهداية. وفي المعراج: كذا الخلاف في خيار الرؤية ولا خلاف في خيار العيب أنه لا يملكه والخلاف إنما هو في الفسخ بالقول، أما إذا فسخ بالفعل فإنه ينفسخ حكما اتفاقا في الحضرة والغيبة لانه لا يشترط العلم في الحكمي كعزل الوكيل والمضارب والشريك وحجر المأذون له في التجارة بارتداد ولحوق وجنون. وبحث في فتح القدير بأنه ينبغي أن يكون الفعل الاختياري كالقول. والمراد بالغيبة عدم علمه، وبالحضرة علمه، فلو فسخ في غيبته فبلغه في المدة تم الفسخ لحصول العلم به، ولو بلغه بعد مضي المدة تم العقد بمضي المدة قبل الفسخ، كذا في الهداية. وكذا إذ أجاز البائع بعد فسخه قبل أن يعلم المشتري جاز وبطل فسخه، كذا ذكر الاسبيجابي. وفي الذخيرة: ولو اشترى على أن البائع لو غاب عنه ففسخه عليه جائز فالبيع فاسد في قول أبي حنيفة ومحمد لان هذا شرط فاسد عندهما. ورجح في فتح القدير قول أبي يوسف قال: فعلى هذا فالمسائل الموردة نقضا مسلمة لانها على وقف ما ترجح من قول أبي يوسف لكنا نوردها بناء على تسليم الدليل، فمنها أن المخيرة يتم اختيارها لنفسها بلا علم زوجها ويلزمه حكم ذلك، وأجيب بأن اللزوم بإيجابه على نفسه. ومنها الرجعة ينفرد بها الزوج بلا علمها حتى لو تزوجت بعدها بعد ثلاث حيض فسخ العقد إذا أثبتها، وأجيب بأن الطلاق الرجعي لا يرفع النكاح فعليها استكشاف الحال. ومنها الطلاق والعتاق والعفو عن القصاص يثبت حكمها بلا علم الآخر، وأجيب بأنها اسقاطات. ومنها خيار المعتقة يصح بلا علم زوجها، وأجيب بأنه
لا رواية فيه وعلى التقدير فقد أثبته الشرع مطلقا. ومنها خيار المالك في بيع الفضولي بدون علم المتعاقدين، وأجيب بكون عقدهما لا وجود له في حق المالك. ومنها العدة لازمة عليها وإن لم تعلم بالطلاق وأجيب بأنها واجبة في ضمن الطلاق لا بسببه اه. وفي جامع
[ 28 ]
الفصولين: ولو كان الخيار للمشتريين ففسخ أحدهما بغيبة الآخر لم يجز. باعه بخيار ففسخه في المدة انفسخ، فإن قال بعده أجزت وقبل المشتري جاز استحسانا، ولو كان الخيار للمشتري فأجاز ثم فسخ وقبل البائع جاز وينفسخ ومن له الخيار لو اختار الرد أو القبول بقلبه فهو باطل لتعلق الاحكام بالظاهر والباطن اه. قال فيه: شرى بخيار فأراد رده فاختفى بائعه قيل: للقاضي أن ينصب عن البائع خصما ليرده عليه وقيل لا اه. وهكذا ذكر الخلاف في المعراج وفتح القدير والله أعلم. قوله: (وتم العقد بموته ومضى المدة والاعتاق وتوابعه والاخذ بالسفعة) أي تحصل الاجازة بواحد مما ذكر وهو كلام موهم موقع في الغلط فإن في بعضها يكون إجازة، سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري، وفي بعضها إنما يكون إجازة إذا كان من المشتري، وأما من البائع ففسخ. أما الموت فإنه مبطل لخيا الميت سواء كان بائعا أو مشتريا، ولا يورث عندنا كخيار الرؤية لانه ليس إلا مشيئة وإرادة ولا يتصور انتقاله والارث فيما يقبل الانتقال لا فيما لا يقبله كملك المنكوحة والعقود التي عقدها المورث لا تنتقل. وإنما ملك الوارث الاقالة لانتقال الملك إليه ولذا ملكها الموكل وإن لم يكن عاقدا، كذا في المعراج. ولا يرد علينا خيار العيب فإنه موروث لكون المورث استحق المبيع سليما فكذا الوارث ففي التحقيق الموروث العين بصفة السلامة من العيوب فأما نفس الخيار فلا يورث. وفي المعراج أن خيار العيب يثبت للوارث ابتداء بدليل انه لو تعب بعموت المشتري في يد البائع كان للوارث رده وأما خيار التعيين فيثبت للوارث ابتداء لاختلاط ملكه بملك الغير لا أن يورث الخيار، هكذا ذكروا وزاد في العناية بأن الوارث لا يملك الفسخ ولا يتأقت خياره بخلاف المورث اه.
ووجهه ظاهر لان هذين حكما خيار الشرط ولم يتكلموا فيما رأيت على غير الاربعة من الخيارات هل تورث أو لا إلا خيار فوات الوصف المرغوب فيه فسيأتي أنه يورث. والضمير في قوله بموته عائد إلى من له الخيار احتارازا عن موت من لا خيار له لانه إذا مات فالخيار باق لمن شرط له فإن أمضى مضى وإن فسخ انفسخ، كذا في فتح القدير. وفي الظهيرية: الوكيل إذا باع بشرط الخيار فمات الوكيل أو الموكل في المدة بطل الخيار وتم البيع اه. وفي
[ 29 ]
جامع الفصولين: وكيل البيع أو الوصي باع بخيار أو المالك بنفسه باع بخيار لغيره فمات الوكيل أو الوصي أو الموكل أو الصبي أو من باع بنفسه أو من شرط له الخيار قال محمد: يتم البيع في كل ذلك لان لكل منهم حقا في الخيار والجنون كالموت اه. وفي المعراج: ولو كان الخيار لهما فمات أحدهما لزم البيع من جهته والآخر على خياره اه. وقد أفاد كلامه أن الخيار لا ينتقل عمن هو له إلى غيره فلذا قال أبو يوسف: إذا اشترى الاب أو الوصي شيأ لليتيم وشرط الخيار لنفسه فبلغ الصبي في المدة تم البيع. وقال محمد: توقف على إجازة الابن فكأنه باشره بعد بلوغه حتى قيل لا تتأقت بالثلاث. وعن محمد أن للوصي أن يفسخ بعد بلوغ الصغير وليس له أن يجيز إلا برضاه. وروي أن الاب أو الوصي إذا اشترى عبدا للصغير بدراهم أو دنانير بشرط الخيار ثم بلغ الصغير في المدة ثم أجاز أنفذ الشراء عليهما إلا أن تكون الاجازة برضا الصغير بعد البلوغ فينفذ عليه. ولو حجر السيد على عبده المأذون تم البيع، وقيل ينتقل الخيار إلى المولى. ولو اشترى المكاتب أو باع بشرط الخيار ثم عجز في الثلاث تم البيع عندهم، كذا في الظهيرية. فقد علم أن الخيار لا ينتقل على المعتمد لان قول أبي يوسف في الاولى هو المعتمد ولكن خرج عنه العبد المأذون إذا باع بشرط الخيار فإن للمولى الاجازة إن لم يكن مديونا ولا يجوز فسخه عليه إلا أن يجعله لنفسه ثم يفسخ بحضرة المشتري أو بما يكون فسخا من الافعال في غيبة المشتري، كذا في الظهيرية. وأما الوكيل إذا عزل وله الخيار فإنه لا يبطل اتفاقا، كذا في السراج الوهاج. وأما
مضي المدة فمبطل للخيار، سواء كان للبائع أو للمشتري إذا لم يثبت الخيار إلا فيها فلا بقاء له بعدها كالمخيرة في وقت مقدر. وأما الاعتاق وتوابعه وهي التدبير والكتابة فإنما يتم به إذا كان الخيار للمشتري وفعلها، أما إذا كان للبائع وفعلها كان فسخا. وذكر المصنف السقوط بطريق الضرورة وهو الموت ومضي المدة والسقوط بطريق الدلالة وهو الاعتاق، ولم يذكر ما يكون إجازة بالقول صريحا ولا ما يكون إجازة بالفعل. أما الاول ففي جامع الفصولين: المشتري بالخيار إذا قال أجزت شراءه أو شئت أخذه أو رضيت أخذه بطل خياره، ولو قال هويت أخذه أو أحببت أو أردت أو أعجبني أو وافقني لا يبطل اه. وفيه: لو طلب المشتري الاجر من الساكن بطل خياره، ولو دعا الجارية إلى فراشه لا يبطل سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري. وأما الثاني ففيه لو حجم العبد أو سقاه دواء أو حلق رأسه كان رضا لا لو أمر
[ 30 ]
امرأة بمشط أو دهن ألبس. ولو اشترى أرضا مع حرثه فسقى الحرث أو فعل منه شيأ أو حصده أو عرض المبيع للبيع بطل خياره لا لو عرضه ليقوم، ومشتري الدار لو أسكنه بأجر أو بلا أجرأو ورم منه شيأ أو بنى أو جصص أو طين أو هدم منه شيأ فهو رضا. ولو طحن في الرحا ليعرف قدر طحنه إن طحن أكثر من يوم وليلة بطل خياره لا فيما دونه. ولو قص حوافر الدابة أو أخذ من عرفها لم يكن رضا، ولو ودجها أو بزغها فهو رضا. والتوديج شق الاوداج جملة. ولو استخدم الخادم مرة أو لبس الثوب مرة أو ركب الدابة مرة لم يبطل خياره، ولو فعله مرتين بطل. ولو شرى قنا بخيار فرآه يحجم الناس بأجر فسكت كان رضا لا لو بلا أجر لانه كالاستخدام ألا ترى أنه لو قال له احجمني فحجمه لم يكن رضا. شرى أمة فأمرها بإرضاع ولده لم يكن رضا لانه استخدام. ولو ركب دابة ليسقيها أو ليردها على البائع بطل خياره قياسا لا استحسانا اه. ثم قال: شرى بقرة بخيار فحلبها قال أبو حنيفة: بطل خياره. وقال أبو يوسف: لا حتى يشرب اللبن أو يتلفه اه. وذكر الشارح أن كل تصرف لا يحل إلا في الملك فإنه أجازة كالوطئ والتقبيل لا ما
يحل في غيره كالاستخدام. وزاد في المعراج على ما ذكرناه إغماء من له الخيار، ولو أفاق في المدة فله الخيار. وذكر الاسبيجابي الاصح أنه على خياره. والتحقيق أن الاغماء والجنون لا يسقطان إنما المسقط له مضي المدة من غير اختيار، ولذا لو أفاق فيها وفسخ جاز، ولو سكر من الخمر لا يبطل بخلاف السكر من البنج، ولو ارتد فعلى خياره اجماعا فلو تصرف بحكم خياره توقف عنده خلافا لهما اه. وأطلق في الاعتاق فشمل ما إذا علقه بشرط فوجد في المدة كما في المعراج. وأشار بالاعتاق إلى كل تصرف لا يفعل إلا في الملك كما إذا باعه أو وهبه وسلمه أو رهن أو آجر وإن لم يسلم على الاصح كما في المعراج. وليس منه ما إذا قبض الثمن من البائع وكذا هبته وانفاقه إلا إذا استدانة لغيره كالدراهم والدنانير. ولو باع جارية بعبد على أنه بالخيار في الجارية فهبة العبد أو عرضه على البيع إجازة وعرضها على
[ 31 ]
البائع ليس بفسخ على الاصح، ولو أبرأه من الثمن أو اشترى منه به شيأ أو ساومه به فهو إجازة، كذا في المعراج. وقيد الاستخدام ثانية من المشتري بأن لا يكون في نوع آخر والركوب امتحانا ليس إجازة لا ثانيا كركوبها لحاجة أو شغل أو حمل عليها إلا علفها عند محمد، والركوب للرد والسقي والاعلاف إجازة، ولو نسخ من الكتاب لنفسه أو لغيره لا يبطل، وإن قلب الاوراق وبالدرس منه يبطل، وقيل على عكسه وبه أخذ الفقيه أبو الليث اه. وفي الظهيرية: لو سقى من نهرها أرضا له أخرى سقط وكرى النهر وكبس البئر يسقط خياره، ولو انهدمت البئر ثم بناها لم يعد خياره، ولووقعت فيها فأرة أو نجاسة سقط وروي أنه إذا نزح عشرين دلوا لم يسقط اه. وفي السراج الوهاج: إذا زوج العبد أو الامة سقط خياره. وفي المحيط: باع عبدا بخيار له فأذن له في التجارة لم يكن نقضا إلا أن يلحقه دين، لو أمضاه بعدما لحقه دين لم يجز لان الغريم أحق به من المشتري. ولم يذكر المصنف هنا حكم ما إذا زاد المبيع أو نقص في المدة وذكر فيما قبله حكم ما إذا تعيب. أما الثاني ففي المعراج: ولو حدث به عيب في خيار المشتري بطل خياره، سواء حدث بفعل البائع أو بغير
فعله، لكونه في ضمان المشتري حيث كان في يده عندهما. وقال محمد: لا يلزمه العقد بجناية البائع. وعلى قولهما يرجع المشتري بالارش على البائع، ولو كان الخيار للبائع فحدث به عيب فهو على خياره لكنه يتخير المشتري، ولو حدث بفعل البائع انتقض البيع لان ما انتقض مضمون عليه، كذا في المعراج وقدمناه. وأما الاول أعني الزيادة ففي جامع الفصولين شرى بخيار فزاد المبيع في يد المشتري زيادة متصلة متولدة كسمن وجمال وبرء وانجلاء بياض عن العين يمنع الرد ويلزم البيع إلا عند محمد، وإن كانت متصلة لم تتولد كصبغ وخياطة ولت سويق بسمن وثنى أرض وغرس شجر يمنع الفسخ وفاقا. ولو كانت منفصلة متولدة كعقر وولد وأرش ولبن وثمر وصوف تمنع وفاقا، وإن كانت منفصلة لم تتولد كغلة وكسب وهبة وصدقة لا يمنع وفاقا، فإن أجاز المشتري فهو له وإلا فكذلك عندهما، وعند أبي حنيفة ترد على البائع اه. وفي السراج: إذا باضت الدجاجة في المدة سقط الخيار
[ 32 ]
إلا أن تكون مذرة، وإذا ولدت الحيوان ولدا سقط إلا أن يكون الولد ميتا اه. والحاصل أنها مانعة مطلقا إلا منفصلة لم تتولد. وفي الظهيرية عن الثاني: اشترى عبدا بخيار ثلاثا وقبضه فوهب للعبد مال أو اكتسبه ثم استهلكه العبد بعلم المشتري بغير إذنه أو بغير علمه لم يبطل خيار المشتري في العبد. ولوهب للعبد أم ولد المشتري وقبضها العبد بطل خيار المشتري في العبد قال: ولا يشبه الولد أم الولد من قبل أن أم الولد تبقى على ملكه بعد الرد بحكم الخيار والولد لا يبقى اه. والاخير يحتاج إلى تحرير، وأما الاخذ بشفعة فصورته أن يشتري دارا بشرط الخيار ثم تباع دار أخرى بجنبها فيأخذها المشتري بشرط الخيار بالشفعة لانه لا يكون إلا بالملك فكان دليل الاجازة فتضمن سقوط الخيار، وقدمنا الاعتذار لابي حنيفة عنه عند قوله ولا يملك المشتري ولو قال المؤلف وطلب الشفعة بها بدل الاخذ لكان أولى لان طلبها مسقط وإن لم يأخذها كما في المعراج. وقيد بخيار الشرط لان طلبها لا يسقط خيار الرؤية والعيب كما في المعراج واقتصار الشارح على خيار الرؤية قصور.
قوله: (ولو شرط المشترى الخيار لغيره صح وأيهما أجاز أو نقض صح) لان شرط الخيار لغيره جائز استحسانا لا قياسا وهو قول زفر، لانه من مواجب العقد فلا يجوز اشتراطه لغيره كاشتراط الثمن على غير المشتري. ولنا أن الخيار لغير العاقد لا يثبت. إلا نيابة عن العاقد فيقدم الخيار له اقتضاء ثم يجعل هو نائبا عنه تصحيحا لتصرفه، وحينئذ يكون لكل منهما الخيار فأيهما أجاز جاز وأيهما نقض انتقض. ولو قال المصنف ولو شرط أحد المتعاقدين الخيار لاجنبي صح لكان أولى ليشمل ما إذا كان الشارط البائع أو المشتري، وليخرج اشتراط أحدهما للآخر فإن قوله لغيره صادق بالبائع وليس بمراد ولذا قال في المعراج: والمراد من الغير هنا غير العاقدين ليتأتى فيه خلاف زفر. قيد بخيار الشرط لان خيار العيب والرؤية لا يثبت لغير العاقدين كما في المعراج، وأفاد كلامه أن أحدهما لو أجاز فقال الآخر لا أرضى فالبيع لازم. ولو أمر وكيله بالبيع بشرط الخيار فباعه بشرط لم يجز، ولو باع واشترط كما أمره فليس له أن يجيز على الآمر وللآمر الاجازة، ولو وكله بشراء بشرط للآمر فاشترى ولم يشترطه نفذ عليه، كذا في السراج الوهاج قوله: (فإن أجاز أحدهما ونقض الآخر فالاسبق أحق) لوجوده في زمان لا يزاحمه فيه غيره.
[ 33 ]
قوله: (وإن كانا معا فالفسخ) أي لو فسخ أحدهما وأجاز الآخر وخرجا منهما معا ترجح الفسخ على الاجازة لان الفسخ أقوى لان المجاز يلحقه الفسخ والمفسوخ لا تلحقه الاجازة، ولما ملك كل منهما التصرف رجحنا بحال التصرف، كذا في الهداية. وأورد عليه لا نسلم أن المفسوخ لا تلحقه الاجازة فإنه ذكر في المبسوط أن الفسخ بحكم الخيار محتمل للفسخ في نفسه حتى لو تفاسخا ثم تراضيا على فسخ الفسخ وعلى إعادة العقد بينهما جاز، وفسخ الفسخ ليس هو إلا إجازة البيع في المفسوخ. وأجاب عنه في المعراج بأنه غير لازم لانا نقول: الاجازة لا ترد على المنتقض ولا إجازة فيما ذكرتم بل هو بيع ابتداء، كذا في الفوائد الظهيرية. وما ذكره المصنف من ترجيح الفسخ دون تصرف العاقد صححه قاضيخان
معزيا إلى المبسوط. وفي رواية الراجح تصرف العاقد لقوته لان النائب يستفيد الولاية منه. وقيل: هو قول محمد، وما في الكتاب قول أبي يوسف. واستخرج ذلك بما إذا باع الوكيل من رجل والموكل من غيره معا، فمحمد يعتبر فيه تصرف الموكل، وأبو يوسف يعتبرهما، كذا في الهداية. وقيد بالوكيل بالبيع لان الوكيل بطلاقها للسنة إذا طلقها الوكيل والموكل معا فالواقع طلاق أحدهما لا على التعيين. وأجاب عنه في فتح القدير بأن الوكيل فيه سفير كالوكيل بالنكاح فكان الصادر من كل واحد منهما صادرا عن أصالة بخلاف الوكيل بالبيع اه. وفي الظهيرية: وعن أبي يوسف في المنتقى: وصيان يشتريان بشرط الخيار فأجاز أحدهما ونقض الآخر فإن الاجازة أولى اه. وفي المحيط: وكيل اشترى بشرط الخيار لموكله بأمره أو بغير أمره إذا ادعى البائع رضا الآمر وأنكر الرجل فالقول للوكيل بلا يمين لان البائع يدعي سقوط الخيار ووجوب الثمن وهو ينكر ولا يمين لانه دعوى على الآمر دون العاقد، والآمر لو أنكر لا يستحلف وكيله لانه نائب عن العاقد في الحقوق وليس بأصيل، وإن ادعى الرضا على الوكيل يحلف لان الدعوى توجهت عليه، وإن أقام بينة على رضا الآمر قبلت لان الوكيل ينتصب خصما عن الآمر لانه ادعى حقا على الحاضر وهو سقوط الخيار بسبب ادعائه على الغائب اه. وأشار المؤلف بكون الاشتراط للغير اشتراطا لنفسه إلى أنه لو أمره ببيع ما له بشرط الخيار له فباع وشرطه للآمر لم يكن مخالفا، وعلى عكسه يكون مخالفا لانه أمره ببيع لا يزيل الملك بدون رضاه وأن لا يكون للمأمور فيه رأي وتدبير ويكون الرأي والتدبير فيه للآمر أصلا وله تبعا، وما فعله بعكسه فإن شرط الخيار للآمر ثم أجاز هو البيع جاز عليه دون الآمر وخيار الآمر باق حتى لو أجاز كان له، أنه فسخ يلزم الوكيل لان الخيار ثبت للآمر بالشرط فصار كخيار العيب إذا ثبت بالعقد والوكيل بالشراء إذا وجد عيبا بالمبيع ورضى به نفذ فيما بينه وبين البائع وخيار البائع على حاله، فإن رضى به لزمه، وإن رد لزم الوكيل
[ 34 ]
فكذا هذا، كذا في المحيط. ثم اعلم أن التصرفين إذا صدرا معا فقد علم الحكم في باب
الخيار، وأما تصرف الموكل مع تصرف الوكيل فظاهر ما قدمناه أنه إن كان الوكيل أصيلا في الحقوق نفذ كل منهما في النصف، وإن كان نائبا فيها نفذ واحد لا على التعيين. وأما إذا صدرا من فضوليين فلا كلام في التوقف على إجازة من له الاجازة وإنما الكلام فيما لو أجيزا قالوا: يثبت الاقوى فلو باع فضولي وزوج آخر ترجح البيع فتصير مملوكة لا زوجة، ولو استويا فإن كانا نكاحين بطلا، وإن كانا بيعين تنصف والبيع أقوى من الهبة والاجازة والرهن والنكاح إلا هبة لا تبطل بالشيوع فإنهما سواء، والهبة والرهن أقوى من الاجازة وسيأتي في بيع الفضولي يقية مسائله إن شاء الله تعالى. قوله: (ومن باع عبدين على أنه بالخيار في أحدهما أن فصل وعين صح وإلا فلا) شروع في بيان ما إذا كان المبيع متعددا. وحاصلها أنها رباعية فالصحة في واحدة وهو ما إذا فصل له ثمن كل منهما وعين من فيه الخيار منهما لان المبيع معلوم والثمن معلوم وقبول العقد في الذي فيه الخيار وإن كان شرطا لانعقاده في الآخر ولكن هذا غير مفسد للعقد لكونه محلا للبيع كما إذا جمع بين قن ومدبر. والفساد في ثلاثة: الاولى إذا لم يفصل الثمن ولم يعين محل الخيار لجهالتهما. الثانية فصل ولم يعين محله لجهالة المبيع. والثالثة عين محله ولم يفصل الثمن لجهالة الثمن. والاصل فيه أن الذي فيه الخيار كالخارج عن العقد إذ العقد مع الخيار لا ينعقد في حق الحكم فبقي الداخل فيه أحدهما وهو غير معلوم. وإنما جاز البيع في القن إذا ضم إلى مدبر أو مكاتب أو أم ولد وبيعا صفقة وإن لم يفصل الثمن على الاصح لان المانع من حكم العقد فيما نحن فيه مقارن للعقد لفظا ومعنى فأثر الفساد، وفيما ذكر المانع مقارن معنى لا لفظا لدخولهم في البيع حتى لو قضى به قاض يجوز لكن لم يثبت الحكم لحق محترم واجب الصيانة فأثر الفساد، كذا في المعراج. وفي ضم أم الولد والمكاتب إلى المدبر في جواز القضاء ببيعه نظر فإن الصحيح أنه ينفذ في المدبر فقط. وفي فتح القدير: وعلى ما ذكر هنا يتفرع ما في فتاوي قاضيخان: باع عبدين على أنه بالخيار فيهما وقبضهما المشتري ثم مات أحدهما لا يجوز البيع في الباقي. وإن تراضيا على إجازته لان الاجازة حينئذ بمنزلة ابتداء العقد في
الباقي بالحصة. ولو قال البائع في هذه المسألة نقضت البيع في هذا أو في أحدهما كان لغوا كأنه لم يتكلم وخياره فيهما باق كما كان كما لو باع عبدا واحدا وشرط الخيار لنفسه فنقض البيع في نصفه اه. وهكذا في الظهيرية. وتقييده بالبائع اتفاقي إذ لو شرط للمشتري كان كذلك صحة وفسادا. وأراد بالعبدين القيميين احترازا عن قيمي ومثليين إذ في القيمي الواحد
[ 35 ]
إذا شرط الخيار في نصفه يصح مطلقا، وفي المثليين كذلك لعدم التفاوت كما ذكره الشارح اه قوله: (وصح خيار التعيين فيما دون الاربعة) وهو أن يبيع أحد العبدين أو الثلاثة أو أحد الثوبين أو الثلاثة على أن يأخذ المشتري واحدا والقياس الفساد كالاربعة لجهالة المبيع وهو قول زفر. وجه الاستحسان أن شرع الخيار للحاجة إلى دفع الغبن ليختار ما هو الارفق والاوفق والحاجة إلى هذا النوع من البيع متحققة لانه يحتاج إلى اختيار من يثق به أو إختيار من يشتريه لاجله ولا يمكنه البائع من الحمل إليه إلا بالبيع فكان في معنى ما ورد به الشرع غير أن هذه تندفع بالثلاث لوجود الجيد والوسط والردئ فيها، والجهالة لا تفضي إلى المنازعة في الثلاثة لتعيين من له الخيار، وكذا في الاربعة إلا أن الحاجة إليها غير متحققة والرخصة ثبوتها بالحاجة، وكون الجهالة موجودة غير مفضية إلى المنازعة فلا يثبت بإحدهما. أطلقه فشمل ما إذا كان للبائع أو للمشتري وهو المذكور في المأذون وهو الاصح، ذكره في شرح التلخيص. وفي جامع الفصولين: يجوز خيار التعيين في جانب البائع كما يجوز في جانب المشتري اه. وفي الظهيرية: وللبائع أن يلزم أيهما شاء على المشتري، فإن هلك أحدهما في يد البائع فله أن يلزمه الباقي لا الهالك، ولو حدث في أحدهما عيب في يد البائع فله أن يلزمه السليم، وليس له أن يلزمه المعيب إلا برضة المشتري، فإن ألزمه المعيب ولم يرض به ليس له أن يلزمه الآخر بعد ذلك، ولو قبضهما المشتري وخيار التعيين للبائع فهلك فالبيان بحاله اه. وأما إذا كان الخيار للمشتري فالبيع لازم في أحدهما إلا أن يكون معه خيار شرط وما هو مبيع مضمون بالثمن وغير المبيع أمانة، فلو اشترى ثلاثة أثواب وعين لكل ثمنا على أن له
خيار التعيين فاحترق ثوبان ونصف الثالث رد النصف الباقي ولا شئ عليه من ضمان النصف المحترق وضمن نصف ثمن المحترقين ولو كان ثوبان فاحترق نصف كل معا رد أيهما شابغير ضمان وضمن ثمن الآخر، ولو احترق أحدهما ونصف الآخر لزمه ثمن المحترق لتعينه مبيعا ورد الآخر بغير ضمان ويسقط خيار التعيين بما يسقط به خيار الشرط. وإذا بيع أحدهما أو هلك تعين هو مبيعا والآخر أمانة، ولو هلكا معا ضمن نصف ثمن كل واحد منهما، ولو اختلفا 0 في الهالك أولا تحالفا على العلم على قول ام الاول ثم رجع إلى قوله
[ 36 ]
الثاني من أن القول للمشتري مع يمينه وبينة البائع أولى. ولو تعيبا معا فالخيار ربحا له وإن على التعاقب تعين الاول مبيعا، وإن اختلفا في الاول فعلى ما ذكرنا. ولو باعهما المشتري ثم اختار أحدهما صح بيعه فيه، ولو صبغ المشتري أحدهما تعين هو مبيعا ورد الآخر، ولو أعتقهما البائع عتق الدي يرد عليه وإن كان أعتق ما اختاره المشتري للبيع لم يصح إعتاقه. ولو استولدهما المشتري تعينت الاولى للبيع وضمن عقر الاخرى للبائع ولا يثبت نسب ولدها منه لعدم الملك ويؤمر المشتري بالبيان أيتهما استولدها أولا، فإن مات قبل البيان فخيار التعيين للورثة، فإن لم تعرف الورثة الاول منهما ضمن المشتري نصف ثمن كل واحدة منهما ونصف عقرهما للبائع ويسعيان في نصف قيمتهما للبائع، وروي أن الولدين يسعيان أيضا في نصف قيمتهما للبائع. ولو وطئهما البائع والمشتري فولدتا وادعى كل واحد منهما الولدين صدق المشتري في التي وطئها أولا وضمن عقر الاخرى ويثبت نسب الاخرى من البائع لانه استولد جارية نفسه ويضمن البائع عقر الاخرى للمشتري. وإن ماتا قبل البيان ولم تعلم ورثة المشتري الاول منهما لم يثبت نسب الولد من أحد لوقوع الشك وعتقوا وضمن المشتري نصف ثمن كل واحدة منهما ونصف عقرها للبائع، والبائع يضمن نصف عقر كل واحدة للمشتري ويتقاصان وولاؤهم بينهما. وقيل: لا ولاء على الولدين، كذا في الظهيرية. ثم قال بعده: ويجوز خيار التعيين في الفاسد أيضا إلا أن ههنا ما يتعين للبيع كان
مضمونا بالقيمة والباقي كما قلنا في الجائز. وإن ماتا معا ضمن نصف قيمة كل واحد منهما، ولو أعتقهما المشتري عتق أحدهما والتعيين إليه، ولو أعتق أحدهما المشتري بعينه أو باعه جاز وعليه قيمت، ولا يجوز إعتاق المبهم لا من البائع ولا من المشتري لان العتق المبهم بين المملوكين للمعتق ولم يوجد. ولو أعتق البائع أحدهما بعينه ثم أعتق المشترى ذلك أو عينه للبيع أو مات فعتق البائع باطل ولو رد ذلك على البائع صح عتقه، ولو كان أعتقهما وردا عليه عتق أحدهما والتعيين إليه اه. وقيدوا صورة خيار التعييبأن يقول على أن تأخذ أيهما شئت لانه لو لم يذكر هذه الزيادة وقال بعتك أحد هذين العبدين فقبل يكون فاسدا لجهالة المبيع، فإن قبضهما وماتا عنده ضمن نصف قيمة كل واحد منها، وإن مات أحدهما قبل صاحبه لزمه قيمة الآخر، كذا في المحيوتقدم تفاريعه. ولم يذكر المؤلف خيار الشرط مع خيار التعيين للاختلاف، فقييشترط أن يكون فيه خيار الشرط مع خيار التعيين وهو المذكور في الجامع الصغير. قال شمس الائمة: وهو الصحيح فإذا ذكرا فله ردهما في المدة وإذا مضت لزم في أحدهما وله التعيين. وقيل: لا وهو المذكور في الجامع الكبير وصححه فخر
[ 37 ]
الاسلام، فيكون ذكره في الجامع الصغير وفاقا لا شرطا. ورجحه في فتح القدير ولكن ذكر قاضيخان أن الاشتراط قول أكثر المشايخ، وإذا لم يذكر خيار الشرط على هذا القول فلا بد من تأقيت خيار التعيين بالثلاث عنده، وبأي مدة معلومة كانت عندهما، كذا في الهداية. وذكر في المحيط أنه لا يتأقت عنده بالثلاث فيجوز إلى أربعة عنده. وفيها: ثم ذكر في بعض النسخ: اشترى ثوبين وفي بعضها اشترى أحد الثوبين وهو الصحيح لان المبيع في الحقيقة أحدهما والآخر أمانة والاول تجوز واستعارة اه. وفي فتح القدير: وإذا أقت خيار التعيين وكان فيه خيار الشرط فمضت المدة حتى انبرم في أحدهما ولزم التعيين أن يتقيد التعيين بثلاثة أيام من ذلك الوقت، وحينئذ فإطلاق الطحاوي قوله خيار الشرط مؤقت بالثلاث في قوله غير مؤقت بها عندهما وخيار التعيين مؤقت فيه نظر اه. وذكر الشارح أنه إذا لم يذكر خيار
الشرط فلا معنى لتأقيت خيار التعيين بخلاف خيار الشرط فإن التأقيت فيه يفيد لزوم العقد عند مضي المدة، وفي خيار التعيين لا يمكن ذلك لانه لازم في أحدهما قبل مضي الوقت يمكن تعينه بمضي الوقت بدون تعيينه فلا فائدة لشرط ذلك، والذي يغلب على الظن أن التوقيت لا يشترط فيه اه. ويمكن أن يراد قسم آخر وهو ارتفاع العقد فيهما بمضي المدة من غير تعيين بخلاف مضيها في خيار الشرط فإنه إجازة ليكون لكل خيار ما يناسبه. وأطلق في محل الخيار وقيده في البدائع بالاشياء المتفاوتة. كالعبيد والثياب فعلى هذا لا يدخل خيار التعيين في المثليا من جنس واحد لانه لا فائدة له لعدم التفاوت وفيها: وأما ما يبطل هذا الخيار وهو نوعان: اختياري وضروري. والاختياري نوعان: صريح وما يجري مجراه، فالاختياري اخترت هذا أو شئته أو رضيت به أو أجزته وما يجري مجراه، وأما الاختياري دلالة فهو أن يوجد منه فعل في أحدهما يدل على تعيين الملك فيه كما قدمناه في خيار الشرط. وأما الضروري فهلاك أحدهما بعد القبض وتعيبه، وأما إذا تعيبا لم يتعين أحدهما للبيع وللمشتري أن يأخذ أيهما شاء بثمنه لكن ليس له ردهما للزوم البيع في أحدهما بتعيبهما في يده وبطخيار الشرط، وهذا يؤيد قول من يقول بأن فيه خيارين. قوله: (ولو اشتريا على أنهما بالخيار فرضي أحدهما لا يرده الآخر) عند أبي حنيفة. وقالا: له أن يرده وعلى هذا الخلاف خيار العيب والرؤية، كذا في الهداية. وخصه في البناية بما إذا كان بعد القبض، أما قبله فليس له الرد يعني اتفاقا. لهما أن إثبات الخيار لهما إثباته لكل واحد منهما فلا يسقط باسقاط صاحبه لما فيه من إبطال حقه. وله أن المبيع خرج عن
[ 38 ]
ملكه غير معيب بعيب الشركة فلو رده أحدهما لرده معيبا به وفيه الزام ضرر زائد، وليس من ضرورة إثبات الخيار لهما الرضا برد أحدهما لتصور اجتماعهما على الرد. وقوله رضا أحدهما لا يرده الآخر اتفاقي إذ لو رد أحدهما لا يجيزه الآخر ولم أره صريحا ولكن قولهم لو رده أحدهما لرده معيبا يدل عليه. وكذا قوله اشتريا إذ لو باعا ليس لاحدهما الانفراد إجازة أو
ردا لما في الخانية: رجل اشترى عبدا من رجلين صفقة واحدة على أن البائعين بالخيار فرضي أحدهما بالبيع ولم يرض الآخر لزمهما البيع في قول أبي حنيفة اه. وأشار إلى أن المبيع لو كان متعددا والخيار لاحدهما ليس له أن يجيز في البعض ويرد في البعض، وكذا لو كان واحدا فأجاز من له الخيار في النصف ورده في النصف كما قدمناه، وصرح به في الخانية لكن ذكروه فيما إذا كان الخيار للبائع ولا فرق بينهما قوله: (ولو اشترى عبدا على أنه خباز أو كاتب فكان بخلافه أخذه بكل الثمن أو تركه) لان هذا وصف مرغوب فيه فيستحق بالعقد بالشرط ثم فواته يوجب التخيير لانه ما رضي بدونه، وهذا يرجع إلى اختلاف النوع لقلة التفاوت في الاغراض ولا يفسد بعدمه العقد بمنزلة وصف الذكورة والانوثة في الحيوانات فصار كفوات وصف السلامة، وإذا أخذه أخذه بجميع الثمن لان الاوصاف لا يقابلها شئ من الثمن لكونها تابعة في العقد على ما عرف. وفي المعراج: قوله على أنه خباز أي عبد حرفته هكذا لانه لو فعل هذا الفعل أحيانا لا يسمى خبازا. وفي الذخيرة قال محمد في الزيادات: فإن قبضه المشتري فوجده كاتبا أو خبازا على أدنى ما ينطلق عليه الاسم لا يكون له حق الرد لا النهاية في الجودة. ومعنى أدنى ما ينطلق عليه الاسم أن يفعل من ذلك ما يسمى به الفاعل خبازا أو كاتبا لان كل واحد لا يعجز في العادة من أن يكتب على وجه تتبين حروفه، وأن يخبز مقدار ما يدفع الهلاك عن نفسه وبذلك لا يسمى خبازا ولا كاتبا اه. وفي فتح القدير: لو مات هذا المشتري انتقل الخيار إلى وارثه اجماعا لانه في ضمن ملك العين
[ 39 ]
اه. وفي الذخيرة: فلو امتنع الرد بسبب من الاسباب رجع المشتري على البائع بحصته من الثمن فيقوم العبد كاتبا أو غير كاتب وينظر إلى تفاوت ما بينهما، فإن كان بقدر العشر رجع بعشر الثمن، وفي رواية لا رجوع بشئ ولكن ما ذكر في ظاهر الرواية أصح. ولو وقع الاختلاف بين البائع والمشتري في هذا لصورة بعدما مضى حين من وقت البيع فقال المشتري لم أجده كاتبا وقال البائع إنسلمته إليك كذلك ولكنه نسي عندك وقد ينسى ذلك في تلك
المدة فالقول للمشتري لان الاختلاف وقع في وصف عارض إذا الاصل عدم الكتابة والخبز. والاصل أن القول قول من يدعي الاصل وأن العدم أصل في الصفات العارضة والوجود أصل في الصفات الاصلية فالقول للمشتري في عدم الخبز والكتابة لانهما من الصفات العارضة. والقول للبائع في أنها بكر لانها صفة أصلية وتمامه في فتح القدير. وكتبناه في القواعد في قاعدة أن اليقين لا يزول بالشك. وفي تلخيص الجامع من باب الاقرار بالعيب: لو باعه ثوبا على أنه هروي ثم اختلفا في كونه هرويا فالقول للبائع لان البائع لما قال بعتكه على أنه هروي فقبل المشتري صار كأنه أعاد ما في الايجاب فصار كأنه قال اشتريته على أنه هروي فكان مقرا بكونه هرويا، فدعواه بعد خلافه تناقض بخلاف ما إذا قال بعتكه على أنه كاتب فقبل فالقول للمشتري لان الاختلاف فيه في المقبوض وتمامه في شرحه للفارسي. وفي النوازل: اشترى جارية على أنها عذراء فعلم المشتري أنها ليست كذلك فإن علم بالوطئ، فإن زايلها عند علمه بلا لبث لم تلزمه وإلا لزمته. ولو اشترى بقرة على أنها حبلى فولدت عنده فشرب اللبن وأنفق عليها فإنه يردها والولد وما شرب من اللبن ولا شئ له مما أنفق لان البيع وقع فاسدا فكانت في ضمانه والنفقة عليه. ولو اشترى شاة على أنها نعجة فإذا هي معز يجوز البيع وله الخيار لان حكمهما واحد في الصدقات، وكذا لو اشترى بقرة فإذا هي جاموس. وفي المجتبى عن جمع البخاري: الاصل فيه أن الاشارة مع التسمية إذا اجتمعتا، فإن كان المشار إليه من خلاف جنس المسمى فالعقد فاسد، وإن كان من جنسه فالعقد جائز. ثم إن كان المشار إليه دون المسمى كان الخيار للمشتري وإلا فلا. والثياب أجناس والذكر مع الاثنى في بني آدم جنسان حكما وفي سائر الحيوانا ت جنس واحد. وإذا كان المشار إليه من خلاف جنس المسمى فإنما يتعلق العقد بالمسمى إذا لم يعلم المشتري به، أما إذا علم به فالعقد يتعلق بالمشار إليه كمن قال بعتك هذا الحمار وأشار إلى العبد فإنه يصح. ولو اشترى ثوبا على أنه هروي فإذا هو بلخي
[ 40 ]
فالبيع فاسد عندنا، وكذا على أنه أبيض فإذا هو مصبوغ أو على أنه مصبوغ بعصفر فإذا هو بزعفران أو دارا على أن بناءها آجر فإذا هو لبن أو على أن لابناء أو لا نخل فيها فإذا فيها بناء أو نخل أو أرضا على أن أشجارها كلها مثمرة فإذا فيها غير مثمر فسد البيع. ولو اشترى جارية على أنها مولودة الكوفة فإذا هي مولودة بغداد أو غلاما على أنه تاجر أو كاتب أو غيره فإذا هو لا يسحنه أو على أنفحل فإذا هو خصي أو على عكسه أو على أنها بغلة فإذا هو بغل أو على أنها ناقة فإذا هو جمل أو على أنها لحم معز فإذا هو لحم ضأن أو على أن هذا الحيوان حامل فوجدها غير حامل، جاز البيع وله الخيار وكذا في أمثالها. ولو اشترى على أنه بغل فإذا هي بغلة أو حمار ذكر فإذا هو أتان أو جارية على أنها رتقاء أو ثيب فوجدها خلاف ذلك إلى خير جاز البيع ولا خيار له فيه ولا في أمثاله إذا وجده على صفة خير من المشروطة. ولو باع دارا بما فيها من الجذوع والابواب والخشب والنخيل فإذا ليس فيها شئ من ذلك لا خيار للمشتري. وفي المحيط: اشترى شاة أو ناقة أو بقرة على أنها حامل فسد البيع إلا في رواية الحسن، والاصح في الامة جوازه أو على أنها حلوب أو لبون أو على أنها تحلب كذا أو تضع بعد شهر يفسد. إلى هنا كلام المعراج. وذكر بعضه في فتح لقدير ثم قال: وينبغي في مسألة البعير والناقة أن يكون في العرب والبوادي الذين يطلبون الدر والنسل، أما أهل المدن والمكارية فالبعير أفضل اه. وصحح قاضيخان أنه لو باع جارية على أنها حامل أن البيع جائز لانه بمنزلة شرط البراءة من العيب إلا أن يكون في بلد يرغبون في شراء الجواري لاجل الاولاد، واختلفوا فيما إذا باع جارية على أنها ذات لبن فقيل لا يجوز والاكثر على الجواز. ولو اشترى فرسا على أنها هملاج جاز لان الهملاج لا يصير غيرهملاج. وفي البدائع: اشترى جارية على أنها مغنية إن شرطه على وجه الرغبة فيه فسد البيع لكونه شرط ما هو محظور محرم، وإن شرط في البيع على وجه
[ 41 ]
التبري من العيب لا يفسد، فإذا لم يجدها مغنية لا خيار له لانه وجدها سالمة من العيب.
باع جارية على أنها ما ولدت فظهر أنها ولدت فله ردها، ولو اشترى ثوبا على انه مصبوغ العصفر فإذا هو أبيض جاز البيع ويخير بخلاف عكسه فإنه يفسد ولو اشترى كرباسا على أن سداه ألف فإذا هو ألف ومائة سلم الثوب إلى المشتري لانه زيادة وصف ولو اشترى ثوبا على أنه سداسي فإذا هو خماسي خير المشتري إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء ترك لانه اختلاف نوع لا جنس فلا يفسده. ولو باع ثوبا على أنه خز فإذا لحمته خز وسداه قطن جاز البيع لان السدي تبع للحمة. ولو اشترى سويقا على أن البائع لته بمن من سمن وتقابضا والمشتري ينظر إليه فظهر أنه لته بنصف من جاز البيع ولا خيار للمشتري لانه هذا مما يعرف بالعيان فإذا عاينه انتفى الغرور، وهو كما لو اشترى صابونا على أنه متخذ من كذا جرة من الدهن ثم ظهر أنه متخذ من أقل من ذلك والمشتري كان ينظر إلى الصابون وقت الشراء، وكذا لو اشترى قميصا على أنه اتخذ من عشرة أذرع وهو ينظر إليه فإذا هو من تسعة جاز البيع ولا خيار للمشتري. ولو باع أرضا على أنها غير خراجية فإذا هي خراجية فسد البيع، وينبغي أن يكون الجواب على التفصيل إن علم المشتري أنها أرض خراج فسد البيع، وإن لم يكن عالما بذلك جاز البيع ويخير المشتري. اشترى قلنسوة على أن حشوها قطن فلما فتقها المشتري وجدها صوفا اختلفوا والصحيح جواز البيع والرجوع بالنقصان لان الحشوتبع وتغير التبع لا يفسد اه. ما في الخانية. والهملاج قال في المصباح: هملج البرذون هملجة مشى مشية سهلة في سرعة. وقال في مختصر العين: الهملجة حسن سير الدابة وكلهم قالوا في اسم الفاعل هملاج بكسر الهاء للذكر والانثى بمقتضى أن اسم الفاعل لم يجئ على قياسه وهو مهملج اه. اعلم أن اشتراط
[ 42 ]
الوصف المرغوب فيه إما أن يكون صريحا أو دلالة لما في البدائع في خيار العيب: والجهل بالطبخ والخبز في الجارية ليس بعيب لكونه حرفة كالخياطة إلا أن يكون ذلك شرطا في العقد، وإن ليكن مشروطا في العقد وكانت تحسن الطبخ والخبز في يد البائع ثم نسيت في يده فاشتراها فوجدها لا تحسن ذلك ردها لان الظاهر أنه إنما اشتراها رغبة في تلك الصفة
فصارت مشروطة دلالة وهو كالمشروط نصا اه. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. باب خيار الرؤية قدمه على خيار العيب لانه يمنع تمام الحكم وذلك يمنع لزوم الحكم واللزوم بعد التمام. والاضافة من قبيل إضافة الشئ إلى شرطه لان الرؤية شرط ثبوت الخيار وعدم الرؤية هو السبب لثبوت الخيار عند الرؤية. ثم اعلم أن هذا الخيار يثبت للمشتري في شراء الاعيان ولا يثبت في الديون كالمسلم فبه والاثمان، وأما في رأس مال السلم إن كان عينا فإنه يثبت للبائع أي المسلم إليه الخيار فيه، ولا يثبت في كل عقد لا ينفسخ بالرد كالمهر وبدل الخلع وبدل الصلح عن القصاص والرد بخيار الرؤية فسخ قبل القبض وبعده، ولايحتاج إلى قضاء ولا رضا البائع. وينفسخ بقوله رددت إلا أنه لا يصلح الرد إلا بعلم البائع عندهما خلافا للثاني وهو يثبت حكما لا بالشرط. ولا يتوقت ولا يمنع وقوع الملك للمشتري حتى إنه لو تصرف فيه جاز تصرفه وبطل خياره ولزمه الثمن، وكذ لو هلك في يده أو صار إلى حال لا يملك فسخه بطل خياره، كذا في السراج الوهاج. وذكر في المعراج أن خيار الرؤية لا يثبت إلا في أربعة أشياء: في الشراء والاجارة والقسمة والصلح عن دعوى المال على شئ بعينه. وفي المعراج: لا يطالب البائع المشتري بالثمن قبل الرؤية قوله: (شراء ما لم يره جائز) أي
[ 43 ]
صحيح لما رواه ابن أبي شيبة والبيهقي مرسلا عن مكحول مرفوعا من اشترى شيأ لم يره فله الخيار إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء تركه وجهالته بعدم الرؤية لا تفضي إلى المنازعة لانه لو لم يوافقة يرده فصار كجهالة الوصف في المعاين المشار إليه. وإطلاق الكتاب يقتضي جواز البيع سواء سمى جنس المبيع أو لا، وسواء أشار إلى مكانه أو إليه وهو حاضر مستور أو لا مثل أن يقول بعت منك ما في كمي، وعامة المشايخ قالوا: إطلاق الجواب يدل على الجواز عنده. وطائفة قالوا: لا يجوز لجهالة المبيع من كل وجه. والظاهر أن المراد بالاطلاق ما ذكره شمس الائمة وصاحب الاسرار والذخيرة من أن الاشارة إليه أو إلى مكانه شرط الجواز حتى
لو لم يشر إليه ولا إلى مكانه لم يجز بالاجماع مثل أن يشتري ثوبا في جراب أو زيتا في زق أو حنطة في غرارة من غير أن يرى شيئا، ومنه أن يقول بعتك درة في كمي صفتها كذا أو لم يقل صفتها كذا أو هذه الجارية وهي حاضرة متنقبة لبعد القول بجواز ما لم يعلم جنسه أصلا كأن يقول بعتك شيأ بعشرة، كذا في فتح القدير. وأراد بما لم يره ما لم يره وقت العقد ولا قبله، والمراد بالرؤية العلم بالمقصود من باب عموم المجاز فصارت الرؤية من أفرا المعنى المجاز ليشمل ما إذا كان المبيع مما يعرف بالشم كالمسك وما اشتراه بعد رؤيته فوجده متغيرا وما اشتراه الاعمى. وفي القنية: اشتى ما يذاق فذاقه ليلا ولم يره سقط خياره. قوله: (وله أن يرده إذا رآه وإن رضي قبله) أي للمشتري رده وإن قال رضيت قبل العلم به. وأعاد الضمير مذكرا للمعنى لان الخيار معلق بالرؤية لما روينا فلا يثبت قبلها. وأورد طلب الفرق بين الفسخ والاجازة قبلها فإنها غير لازمة وهو لازم مع استوائهما في التعلق بالشرط. والجواب أن للفسخ سببا آخر وهو عدم لزوم هذا العقد، وما كان ليس بلازم فللمشتري فسخه ولم يثبت لها سبب آخر فبقيت على العدم. ومنعه في فتح القدير بأنا لا نسلم أنه قبلها غير لازم بل نقوإنه بات، وإنما يحصل له عدم للزوم عندها فقبلها يثبت حكم السبب وهو اللزوم اه. وهو مردود لان اللازم ما لا يقبل الفسخ من أحدهما بدون رضا الآخر وهذا يقبله إذا رآه. وفي المحيط: قيل لا يملك فسخه قبلها وقيل يملكه وهو الاصح لان الفسخ كما يملك بالخيار يملك بسبب عدم لزوم البيع كالعارية والوديعة والوكالة والشركة وعدم اللزوم ثابت بسبب جهالة المبيع. واختلفوا هل هو مطلق أو موقت؟ فقيل موقت بوقت إمكان الفسخ بعدها حتى لو تمكن منه ولم يفسخ سقط خياره وإن لم توجد الاجازة صريحا ولا دلالة. وقيل: يثبت الخيار له مطلقا نص عليه في نوادر ابن رستم. وذكر
[ 44 ]
محمد في الاصل وهو الصحيح لاطلاق النصف والعبرة لعين النص لا لمعناه اه. وحاصله أنه غير لازم قبل الرؤية بسبب جهالة المبيع وإذا رآه حدث له سبب آخر بعد لزومه وهو الرؤية
ولا مانع من اجتماع الاسباب على مسبب واحد. ثم اعلم أنه لا يملك فسخة إلا بعلم البائع، وقيد بخيار الرؤية لانه لو قال وله خيار العيب رضيت به قبل أن يراه ثم رآه فلا خيار له لان سبب الخيار فيه العيب وهموجود قبل العلم بخلافه هنا فافترقا، كذا في المعراج. وفي إيضاح الاصلاح: ولمشتريه الخيار عنده إلى أن يوجد مبطله، وإن قال رضيت قبلها لم يقل وإن رضي قبلها لما فيه من إبهام تحقق الرضا قبلها وفساده ظاهره اه. ويرد عليه البيع بشرط البراءة من العيوب فإنه صحيح وقالوا: إنه رضي بجميع عيوبه الظاهرة والباطنة مع أنه لم يطلع عليها حتى لو اطلع على عيب باطني لا يعلمه إلا الاطباء لا يملك رده فجاز تحقق الرضا قبل العلم والرؤية. وفي جامع الفصولين: خيار الرؤية وخيار العيب لا يثبتان في البيع الفاسد. وفي المحيط: اشترى راوية ماء فله الخيار إذا رآه لان بعض الماء أطيب من بعض اه. فعلى هذا له رد الماء بعد صبفي الحب حيث لم يره قبله أي الزير ولكن سيأتي أن البائع إذا حمله إلى منزل المشتري امتنع رده إلا إذا حمله إليه. وفي حيل الولوالجية: رجل باع ضيعة لم يرها المشتري فأراد أن يبيعها على وجه لا يكون له خيار الرؤية فالحيلة أن يقر بثوب لانسان ثم يبيع الثوب مع الضيعة، ثم المقر له يستحق الثوب المقربه فيبطل خيار المشتري لانه اشترى شيئين صفقة واحدة وقد استحق أحدهما فليس له أن يرد الباقي بخيار الرؤية لان فيه تفريق الصفقة على البائع اه. قوله: (ولا خيار لمباع ما لم يره) وهو قول الامام المرجوع
[ 45 ]
إليه لانه معلق بالشراء فلا يثبت دونه، وروي أن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه باع أرضا بالبصرة من طلحة بن عبيد الله فقيل لطلحة إنك قد غبنت فقال لي الخيار لاني اشتريت ما لم أره، وقيل لعثمان إنك قد غبنت فقال لي الخيار لاني بعت ما لم أره فحكما بينهما جبير بن مطعم فقضى بالخيار لطلحة وكان ذلك بمحضر من الصحابة، كذا في الهداية. وهذا الاثر رواه الطحاوي ثم البيهقي. فائدة: ذكر شيخ الاسلام ابن حجر في تقريب التهذيب جبير بن طعم بن عدي بن
نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي صحابي عارف بالانساب، مات سنة ثمان أو سبع وخمسين. ومراده البيع بثمن، أما إذا باع سلعة بسلعة ولم ير كل منهما ما يحصل له من العوض كان لكل واحد منهما الخيار لان كل واحد منها مشتر للعوض الذي يحصل له، كذا في السراج الوهاج. وفي جامع الفصولى: يثبت الخيار للبائع في الثمن لو عينا والكيلي والوزني إذا كانا عينا فهما كسائر الاعيان وكذا التبر من الذه بو الفضة والاواني ولا يثبت خيار الرؤية فيما ملك دينا في الذمة كالسلم والدراهم والدنانير عينا كان أو دينا، والكيلي والوزني لو لم يكونا عينا فهما كنقدين لا يثبت فيهما خيار الرؤية إذا قبضا اه. وفي الظهيرية: لو اشترى جارية بعبد وألف فتقابضا ثم رد بائع الجارية العبد بخيار الرؤية لم ينتقض البيع في الجارية بحصة الالف. وفي المحيط: باع عينا بعين لم يرها وبدين ثم رآها فردها ينتقض البيع في حصة العين ولا ينتقض في حصة الدين لانه لا خيار في حصته اه. قوله: (ويبطل بما يبطل به خيار الشرط) أي للمشتري يعني من صريح ودلالة وضرورة فما يفعل للامتحان لا يبطلهما إن لم يتكرر، فإن تكرر أبطلهما كالاستخدام مرة ثانية وما لا يفعل للامتحان ولا يحل في غير الملك، فإن كان ذلك التصرف لا يمكن رفعه كالاعتاق والتدبير أو تصرفا يوجب حقا للغير كالبيع المطلق أو بشرط خيار للمشتري والرهن والاجارة يبطله قبل الرؤية وبعدها لانه لما لزم تعذر الفسخ فبطل الخيار، وإن كان تصرفا لا يوجب حقا للغير كالبيع بشر الخيار للبائع والمساومة والهبة من غير تسليم لا يبطل قبل الرؤية لانه لا يربو علصريح الرضا ويبطله بعد الرؤية لوجود دلالة الرضا ويرد عليه طلب الشفعة فإنه مسقلخيار الشرط دون خيار الرؤية هو المختار كما في الولوالجية لانه دليل
[ 46 ]
الرضا وصريحه لا يبطله فدلالته أولى كالعرض على البيع وأخواته، وهذا هو العذر للمؤلف لانه قدم أن صريح الرضا لا يبطله قبلها، ولا يرد أن على صاحب الهداية لانه قال من تعيب وتصرف كما في العناية لكن يرد عليه الاسكان بغير أجر فإنه مبطل لخيار الشرط فقط مع أنه
تصرف ويرد عليه الزيادة فإنها تبطلهما. والحاصل أن كلا من العبارتين لم يسلم من الايراد فيرد على صاحب الكنز الاخذ بالشفعة والعرض على البيع والبيع بخيار والاجارة والاسكان بلا أجر فإنها تبطل خيار الشرط دون الرؤية، وهذه لا ترد على صاحب الهداية إلا الاسكان فإنه تصرف ولكن يرد عليه ما في جامع الفصولين: لو أسكن المشتري في الدار رجلا بلا أجر سقط خيار الشرط كما لو أسكن بأجر، وفي خيار الرؤية لا يسقط إلا إن أسكنه بأجر اه. ولم يقيد بكونه قبل الرؤية ويرد على الكلية أيضا الرضا به قبل الرؤية لا يبطله ويبطل خيار الشرط، وأما العرض على البيع فقدمنا أنه لا يبطله قبله ويبطله بعدها والقبض أو نقد الثمن بعد الرؤية مسقط له. شراه وحمله البائع إلى بيت المشتري فرآه ليس له الرد لانه لو رده يحتاج إلى الحمل فيصير هذا كعيب حدث عند المشتري ومؤنة رد المبيع بعيب أو بخيار شرط أو رؤية على المشتري. ولو شرى متاعا وحمله إلى موضع فله رده بعيب أو رؤية لو رده إلى موضع العقد وإلا فلا. ولو شرى أرضا لم يرها فزرعها أكاره بطل خياره، وكذا لو قال الاكار رضيت وتصرف اشترى في المبيع يسقط خياره إلا في الاعارة فإنه لو أعار الارض قبل أن يراها ليزرعها المستعير لا يسقط خياره قبل الزراعة، كذا في جامع الفصولين. وذكر قبله: شرى شاة لم يرها فقال للبائع أحلب لبنها فتصدق به أو صبه على الارض ففعل بطل خياره في الشاة لقبض اللبن، ولو تصرف المشتري وسقط خياره ثم عاد إلى ملكه بسبب كالرد بقضاء أو فك الرهن أو فسخت الاجارة لم يرد بخيار الرؤية لانه بطل فلا يعود، كذا في المعراج: وفي القنية: اشترى قوصرة سكر لم يره ثم أخرجه من القوصرة وغربله فلم يعجبه سقط خياره. ثم رقم أن خياره باق وقدمنا مسألة ما إذا حمله المشتري إلى بلد آخر وأنه لا يرده إلا إذا أعاده إلى مكان العقد. - زاد في القنية - سواء ازدادت قيمته بالحمل أو انتقص.
[ 47 ]
وفي القنية أيضا: المشتري مضمون على المشتري بعد الرد بالثمن كما لو كان له خيار الشرط، وكذا الرد بالعيب بقضاء، وفي إيضاح الاصلاح: ومعنى بطلانه قبل الرؤية خروجه عن
صلاحية أن يثبت له الخيار عندهما اه. وبه اندفع ما يقال كيف قالوا ببطلان الخيار قبلها مع أنه معلق بها كما قدمناه. وفي الظهيرية: لو اشترى عبدين فقتل أحد العبدين إنسان خطأ قبل القبض فأخذ المشتري قيمته من قاتله لا يبطل خياره في الآخر، والوطئ والولادة تبطل الخيار وإن مات الولد. عن عيسى بن أبان: إذا زوج المشتري الجارية قبل القبض ثم رآها قبل دخول الزوج فله الرد، والمهر يصلح بدلا عن عيب التزويج، وإن كان أرش العيب أكثر من المهر قيل يغرم الباقي وهو الصحيح. ولو عرض بعض المبيع على البيع أو قال رضيت ببعضه بعد ما رآه فالخيار بحاله في رواية المعلى عن أبي يوسف. وقال محمد: بطل خياره وهو قول أبي حنيفة. ولو اشترى شيئين ورأهما ثم قبض أحدهما فهو رضا. رواه ابن رستم عن أبي حنيفة. ورؤية أحدهما لا تكون كرؤيتهما إلا إذا قبض الذ رآه وأتلفه فحينئذ يلزمه وفيه خلاف أبي يوسف اه. وفي المحيط: اشترى عدل ثياب فلبس واحدا منهم بطل خياره في الكل. ثم اعلم أن من له الخيار يملك الفس إلا ثلاثة لا يملكونه: الوكيل والوصي والعبد المأذون إذا اشتروا شيأ ناقل من قيمته فإنهم لا يملكونه إذا كان خيار عيب ويملكونه إذا كان خيار رؤية أو شرط كما سيأتي في خيار العيب. ثم علم أن قوله يبطل بما يبطل به خيار الشرط غير منعكس فلا يقال ما لا يبطل خيار الشرط لا يبطل خيار الرؤية لانتفاضه بالقبض بعد الرؤية فإنه مبطل خيار الرؤية والعيب لا خيار الشرط، وهلاك بعض المبيع لا يبطل خيار الشر والعيب ويبطل خيار الرؤية، ذكرهما في التلقيح للمحبوبي. قوله: (وكفت رؤية وجه الصبرة والرقيق والدابة وكفلها وظاهر الثوب المطوى وداخل الدار) لان الاصل فيه أن رؤية جميع المبيع غيره شروط لتعذره فيكتفي برؤية ما يدل على العلم بالمقصود، فرؤية وجه الصبرة معرفة للبقية لكونه مكيلا يعرض بالنموذج وهو المكيلات والموزونات فيكتفي برؤية بعضه إلا إذا كان الباقي أردأ مما رأى فحينئذ يكون له الخيار أي خيار العيب لا خيار الرؤية كما في الينابيع وظاهر ما في الكافي أنه خيار رؤية، والتحقيق أنه في بعض الصور خيار عيب وهو ما إذا كان اختلاف الباقي يوصله إلى حد العيب، وخيار
[ 48 ]
رؤية إذا كان الاختلاف لا يوصله إلى اسم العيب بل الدون، وقد يجتمعان فيما إذا اشترى ما لم يره فلم يقبضه حتى ذكر البائع به عيبا ثم أراه المبيع في الحال - كذا في فتح القدير - بخلاف ما إذا كانت آحاده متفاوتة كالثياب والدواب فلا بد من رؤية كل واحد. والجوز والبيض مما يتفاوت آحاده فيما ذكر الكرخي، قال في الهداية: وينبغي أن يكون مثل الحنطة والشعير لكونها متقاربة. وصرح به في المحيط وفي المجرد وهو الاصح، ثم السقوط برؤية البعض في المكيل إذا كان في وعاء واحد، أما إذا كان في وعاءين أو أكثر اختلفوا فمشايخ العراق على أن رؤية أحدهما كرؤية الكل ومشايخ بلخ لا يكفي بلا بد من رؤية كل وعاء والصحيح أنه يبطل برؤية البعض لانه يعرف الباقي. هذا إذا ظهر له أن ما في الوعاء الآخر مثله أو أجود، أما إذا كان أردأ فهو على خياره وأما إذا كان متفاوت الآحاد كالبطاطيخ والرمان فلا تكفي رؤية البعض في سقوخياره ولو قال رضيت وأسقطت خياري. وفي شراء الرحا لا بد من رؤية الكل، وكذا السراج بأداته ولبده لا بد من رؤية الكل، كذا في فتح القدير. وإنما ذكر الرقيق ولم يذكر الجارية ليشمل العبد كما في المعراج من أن المعتبر فيهما النظر إلى الوجه ولا اعتبار برؤية ما عداه من الآعضاء، ولا يشترط رؤية الكفين واللسان والآسنان والشعر عندنا، وعن الشافعي اشتراطه، وفي المصباح: إلا نموذج بضم الهمزة ما يدل على صفة الشئ وهو معرب، وفي لغة نموذج بفتح النون والذال معجمه مفتوحة مطلقا. وقال الصغاني: النموذج مثال الشئ الذي يعمل عليه وهو تعريب نموذجه. وقال: الصواب النموذج لانه لا تغيير فيه بزيادة اه. وقوله والدابة بالجر عطف على الصرة أي وكفت رؤية وجه الدابة وكفلها لآنه هو المقصود، وظاهره انه لا يشترط رؤية القوائم وهو المروي عن أبي يوسف وهو الصحيح، كذا في المعراج. وقيل: يشترط وخص من إطلاق الدابة الشاه فلا بد من الجنس في شاة اللحم لكونه هو المقصود وفي شاة القنية لا بد من رؤية الضرع، وشاة القنية هي التي تحبس في البيوت لاجل النتائج. أقتنيتة
اتخذته لنفسي قنية أي أخذ المال للنسل لا للتجارة. وفي المجتبى معزيا إلى المحيط عن أبي حنيفة في البرذون والحمار والبغل يكفي أن يرى شيأ منه إلا الحافر والذنب والناصية، كذا في المعراج وفي الظهيرية، وفي شاة القنية لا بد من النظر إلى ضرعها وسائر جسدها اه. فليحفظ فإن في بعض العبارات ما يوهم الاقتصاد
[ 49 ]
على رؤية ضرعها. والكفل بفتحتين العجز، كذا في المصباح. وأما الثوب فاكتفى المصنف برؤية ظاهرة مطويا لان البادئ يعرف ما في الطي فلو شرط فتحه لتضرر البائع بتسكره ونقصان قيمته وبذلك ينقص ثمنه عليه إلا أن يكون له وجهان فلا بد من رؤية كليهما أو يكون في طيه ما يقصد بالرؤية كالعلم. ثم قيل هذا في عرفهم أما في عرفنا فما لم ير الباطن لا يسقط خياره لانها استقر اختلاف الباطن - والظاهر في الثياب وهو قول زفر: وفي المبسوط الجواب على ما قال زفر وفي الظهيرية رؤية الظهارة تكفي إلا أن تكون البطانة مقصودة بأن كانت بسمور أو نحوه فتعتبر رؤية اه. وأما الدار فظاهر الرواية أنه إذا رأى حارجها أو رأى أشجار البستان من خارج فإنه يكتفي به. وعند زفر لا بد من دخول داخل البيوت. والاصح أن جواب الكتاب على وفاق عادتهم في الابنية فإن دورهم لم تكن متفاوتة يومئذ، فأما اليوم فلا بد من الدخول داخل الدار للتفاوت، فالنظر إلى ظاهر لا يوقع العلم بالداخل، وفي جامع الفصولين وبه يفتى. فالحاصل أن المؤلف رحمه الله تعالى اختار قول زفر في الدار وكان ينبغي له اختياره في الثوب فإن المختار قوله فيهما. وشرط بعضهم رؤية العلو والمطبخ والمزبلة وهو الاظهر والاشبه كما قال الشافعي وهو المعتبر في ديار مصر والشام. ولم يذكر المصنف بقية أنواع المبيعات ولا بد من ذكرها قالوا: لا بد في البستان من رؤية ظاهره وباطنه، وفي الكرم لا بد من رؤية عنب الكرم من كل نوع شيئا، وفي الرمان لا بد من رؤية الحلو والحامض، ولو اشترى دهنا في زجاجة فرؤيتة من خارج الزجاجة لا تكفي حتى يصبه في كفه عند أبي حنيفة لانه لم ير الدهن حقيقة لوجود الحائل. وفي التحفة: لو نظر المرآة فرأى المبيع قالو: الا يسقط خياره لانه ما
رأى عينه بل رأى مثاله. ولو اشترى سمكا في ماء أخذه من غير اصطياد فرآه في الماء قال بعضهم: يسقط خياره لانه رأى عين المبيع. وقال بعضهم: لا يسقط. وهو الصحيح لان المبيع لا يرى في الماء على حاله بل يرى أكبر مما كان فهذه الرؤية لا تعرف المبيع وان كان المبيع مميطعم فلا بد من الذوق لانه المعرف المقصود، وإن كان مما يشم فلا بد من شمه كالمسك. وفي الولوالجية: اشترى نافجه مسك فأخرج المسك منها ليس له الرد بخيار الرؤية ولا بخيار العيب لان الاخراج يدخل عليه عيبا ظاهرا حتى لو لم يدخل كان أن يرد بخيار العيب والرؤية جميعا اه. وفي جامع الفصولين: اشترى دارا واستثنى منه بيتا معنيا لا بد من رؤية المستثنى فكما يشترط رؤية المبيع لسقوط الخيار يشترط رؤية المستثنى لان وصف المستثنى توجب جهاله في المستثنى منه اه. وقدمنا عن الخانية حكم ما إذا اشترى مغيبا في الارض. وفي الظهيرية وفي الثمار على رؤوس الاشجار يعتبر رؤية جميعها بخلاف الموضوعة على الارض، وفي تراب المعدن وتراب الصواغين يعتبر رؤية ما يخرج منه، ورؤية
[ 50 ]
أحد المصارعين أو أحد الخفين أو أحد النعلين لا يكفي ولا يكفي أن يرى ظاهرا لنفسه ما لم يروجهها وموضوالشئ منها وما كان له وجهان مختلفان تعتبر رؤيتهما اه. وفي المعراج: وفي البساط لا بد من رؤية جميعه، ولو نظر إلى ظهور المكاعب لا يبطل خياره، ولو نظر إلى وجهها دون الصرم يبطل. قلت: وينبغي أن يشترط رؤية الصرم في زماننا لتفاوته وكونه مقصودا. وفي الوسادة المحشوة لو رأى ظاهرها فإن كانت محشوة مما يحشى مثلها يبطل خياره، وإن كان مما لا يحشى مثلها فله الخيار اه. وفي المحيط: الاصل أن غير المرئي إن كان تبعا للمرئي فلا خيار له في غير المرئي، وإن كان غير المرئي أصلا فإن كان رؤية ما رأى لم تعرفه حال رؤيته بقي خياره وإن كانت تعرفه بطل اه. قوله: (ونظر وكيله بالقبض كنظره لا نظر رسوله) أي بأن قبض الوكيل وهو ينظر إليه، كذا في البدائع. وهذا عند أبي حنيفة. وقالا هما سواء وله الرد لانه توكل بالقبض دون
إسقاط الخيار فلا يملك ما لم يتوكل به وصار كخيار العيب والشرط والاسقاط قصدا. أو له أن القبض نوعان: نام وهو أن يقبضه وهو يراه وناقص وهو أن يقبضه مستورا، وهذا لان تمامه بتمام الصفقة، ولا يتم مع بقاء خيار الرؤية والموكل ملكه بنوعيه فكذا الوكيل لا طلاق توكيله. وإذا قبضه مستورا انتهى التوكيل بالناقص منه فلا يملك إسقاطه قصدا بعد ذلك بخلاف خيار العيب لانه لا يمنع تمام الصفقة فيتم القبض مع بقائه وخيار الشرط على الخلاف. ولو سلم فالموكل لا يملك التام منه فإنه لا يسقط بقبضه فإن الاختيار وهو المقصود بالخيار يكون بعده فكذا يملكه وكيله، وبخلاف الرسول لانه لا يملك شيئا وإنما إليه تبليغ الرسالة ولهذا الا يملك القبض إذا كان رسولا في البيع. قيد الوكيل بالقبض لانه لو كان وكيلا بالشراء فرؤيته مسقطه للخيار بالاجماع، كذا في الهداية ثم اعلم أنهم جعلوا الوكيل بالقبض كالرسول في مسائل منها لا يصح إبراؤه بخلاف الوكيل بالبيع، ومنها لا رجوع عليه بالثمن إذا رد المبيع بعيب بعد ما دفع إلى الموكل بخلاف الوكيل بالبيع، ومنها لو حلف لا يقبض فوكل به حنث بخلاف لا يبيع فوكل لا يحنث، ومنها تصح كفالة الوكيل بقبض الثمن المشتري بخلاف الوكيل بالبيع، ومنها قبول شهادة الوكيل بقبض الدين به، وستأتي المسائل في كتاب الوكالة تماما إن شاء الله تعالى. وبهذا يترجح قولهما هنا أنه بمنزله الرسول ورؤية الرسول بالشراء تسقط الخيار، كذا في المحيط. وفي المعراج: قيل الفرق بين الرسول والوكيل أن الوكيل لا يضيف العقد إلى الموكل والرسول لا يستغنى عن إضافته إلى المرسل وإليه الاشارة في قوله تعالى: * (يا أيها الرسول بلغ) * [ المائدة: 76 ] وقوله تعالى * (وما أنت عليهم بوكيل) * [ الانعام: 701 ] * (قل لست عليكم بوكيل) * [ الانعام: 66 ] نفي
[ 51 ]
الوكالة وأثبت الرسالة. وفي الفوائد: صورة التوكيل أن يقول المشتري لغيره كن وكيلا في قبض المبيع أو وكلتك بقبضة، وصورة الرسول أن يقول كن رسولا عني في قبضة أو أمرتك بقبضة أو أرسلتك لتقبضه، أو قال قل لفلان أن يدفع المبيع اليك. وقيل لا فرق بين الرسول
والوكيل في فصل الامر بأن قال اقبض المبيع فلا يسقط الخيار اه. ونقص قول الامام أن الوكيل كالموكل بمسألتين لم يقم الوكيل مقام الموكل فيهما: أحدهما أن الوكيل لو رأى قبل القبض لم يسقط برؤيته الخيار والموكل لو رأى ولم يقبض سقط خياره. والثانية لو قبضه الموكل مستورا ثم رآه ثم بعد القبض فأبطل الخيار بطل، والوكيل لو فعل ذلك لم يبطل. وأجيب بأن سقوط الخيار بقبض الوكيل إنما يثبت ضمنا لتمام قبضه بسبب ولايته بالولة وليس هذا ثابتا في مجرد رؤيتة قبل القبض ونقول: بل الحكم المذكور للموكل وهو سقوط خياره إذا رآه إنما يتأتي على القول بأن مجرد مضي ما يتمكن به من الفسخ بعد الرؤية يسقط الخيار وليس هو بالصحيح، وبعين الجواب الاول يقع الفرق في المسألة الثانية، كذا في فتح القدير. وفي الظهيرية: ولا يجوز التوكيل بإسقاط خيار الرؤية اه. وفي جامع الفصولين: والتوكيل بالرؤية مقصودا لا يصح ولا تصير رؤيته كرؤية موكله حتى لو شرى شيئا لم يره فوكل رجلا برؤيته وقال إن رضيته فخده لم يجز، والوكيل بالشراء لو شرى ما رآه موكله ولم يعلم به الوكيل فله خيار الرؤية ولو لم بره، وهذا فيما إذا وكله بشراء شئ لا بعينه، ففي المعين ليس للوكيل خيار الرؤية. وكله بشراء قن بلا عينه فشرى قنا رآه الوكيل فليس له ولا لموكله خيار
[ 52 ]
الرؤية وكذا خيار العيب اه. وإنما لم يصح التوكيل بالرؤية لانها من المباحات يملكها كل واحد فلا تتوقف على توكيله. وفي المحيط، ولو وكل رجبالنظر إلى ما اشتراه ولم يره إن رضي يلزم العقد، وإن لم يرض يفسخه يصح التوكيل فيقوم نظره مقام نظر الموكل لانه جعل الرأي والنظر إليه فيصح كما لو فوض الفسخ والاجازة إليه في البيع بشرط الخيار اه. وهو مخصص لا طلاق قولهم لا يصح التوكيل بالرؤية مقصودا فيقال إلا إذا فوض إليه الفسخ والاجازة. قوله: (وصح عقد الاعمى) أي بيعه وشراؤه وسائر عقوده لانه مكلف محتاج إليها فصار كالبصير، ولتعامل الناس له من غير نكير فصار بمنزله الاجماع وبه قال الائمة الثلاثة وقد كتبت في الفوائد أن الاعمى كالبصير إلا في مسائل: لا جهاد عليه ولا جمعه ولا جماعه
ولا حج وإن وجد قائدا في الكل، ولا يصلح كونه شاهدا ولو فيما تقبل فيه الشهادة بالتسامح على المذاهب. ولادية في عينيه وإنما الواجب حكومة عدل، وكره أذانه وحده وإمامته إلا أن يكون أعلم القوم، ولا يجوز إعتاقه عن الكفارات ولا كونه إماما أعظم ولا قاضيا، ويكره ذبحه ولم أر حكم صيده ورميه وإجتهاده في القبلة قوله: (وسقط خياره إذا اشترى بحبس المبيع وشمه وذوقه وفي العقار بوصفه) لان هذه الاشياء تفيد العلم لمن استعملها على ما بينا في البصير. والمراد بسقوطه سقوطه إذا وجدت هذه الاشياء قبل الشراء ثم اشترى، وأما إذا اشترى قبل هذه فهذه مثبته للخيار له لا لانها مسقطة ويمتد ألى أن يوجد منه ما يدل على الرضا من قول أو فعل في الصحيح. وعبارة الولوالجية أن هذه الاشياء منه بمنزله النظر من البصير. وقوله بحبس المبيع معناه أن كان مما يحبس وشمه إن كان مما يشم كالمسك والذوق فيما يذاق باللسان، وأما إذا اشترى عقارا فرؤيته بوصفه له في جامع الفتاوى هو أن يوقف في مكان لو كان بصير الرآه ثم يذكر صفته، ولا يخفى أن إيقافه في ذلك المكان ليس شرطا في صحة الوصف وسقوط الخيار به ولذا لم يذكره في المبسوط، واكتفى بذكر الوصف لانه أقيم مقام الرؤية في السلم. وممن أنكره الكرخي وقال: وقوفه في ذلك الموضع وغيره سواء في أنه لا يستفيد بذلك علما، كذا في فتح القدير. وظاهر ما في الكتاب أن الوصف إنما يكتفي به العقار وأن غيره لا يوصف له. وعن أبي يوسف اعتبار الوصف في غير العقار أيضا أنه لا شرط مع الوصف في العقار. وقال مشايخ بلخ: يمس الحيطان والاشجار. وظاهر أيضا أن الجس فيما عداما يشم ويذاق والعقار. واستثنى منه في فتح
[ 53 ]
القدير الثمر على رؤوس الاشجار أنه يعتبر فيه الوصف لانه لا يمكن جسه. ولا بد في الوصف للاعمى من كون الموصوف على ما وصف له ليكون في حقه بمنزله الرؤية في حق البصير، كذا في البدائع. والحاصل كما في المعراج أن الخيار ثابت للاعمى لجهله بصفات المبيع فإذا زال ذلك بأي وجه كان سقط خياره ولذا قال في الكامل عن محمد: يعتبر اللمس
في الثياب والحنطة، وحكي أن أعمى اشترى أيضا فقال قودوني إليها فقادوه فجعل عن محمد: يمس الارض حتى انتهى إلى موضع منها فقال أموضع كدس هذا. قالوا لا فقال: هذه الارض لا تصلح لانها لا تكسو نفسها فكيف تكسوني وكان كما قال فإذا كان هذا الاعمى بهذه الصفة فرضى بها بعدما مسها سقط خياره اه. وقال الحسن: يوكل الاعمى وكيلا بقبضه وهو يسقط خياره. وقال في الهداية، وهذا أشبه بقول أبي حنيفة حيث جعل رؤية الوكيل رؤية الموكل، ولو وصف للاعمى ثم أبصر فلا خيار له لانه قد سقط فلا يعود إلا بسبب جديد، ولو اشترى البصير ثم عمي انتقل الخيار إلى الوصف وفي المصباح: جسه بيده جسا من باب قتل واجتسه ليتعرفه اه. وظاهر كلام المصنف أن الجس يكتفي به في الرقيق والثياب والدواب وشاة القنية وكل شئ يمكن جسه. وفي الاصل وجس الاعمى في المتاع والمنقولات مثل نظر البصير لان التقليب والجس مما يعرف بعض أوصاف المبيع من اللين والخشونة وإن كان مما لا يعرف الجميع فيقام مقام النظر حالة العجز كما تقام الاشارة من الاخرس مقام النطق للعجز، كذا في المحيط. وهل يحبس الموضع الذي يراه البصير فيجس من الرقيق وجهه ومن الحيوان الوجه والكفل حتى لو مس غيرهما لا يكتفي به؟ لم أره والظاهر اشتراطه.
[ 54 ]
قوله: (ومن رأى أحد الثوبين فاشتراهما ثم رأى الآخر فله ردهما) لان رؤية أحدهما لا تكورؤية الآخر للتفاوت في الثياب فبقي الخيار فيما لم يره ثم لا يرده، وحده كي لا يكون تفريقا للصفقة قبل التمام وهذا لان الصفقة لا تتم مع خيار الرؤية قبل القبض وبعده ولهذا يتمكن من الرد من الرد بغير قضاء ولا رضا فيكون فسخا من الاصل. وفي النهاية: الصفقة العقد الذي تناهى في موجه ولذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: البيع إما صفقه أو خيار أي إما يتناهى في اللزوم أو غير لازم بأن كان فيه خيار، وورد النهي عن تفريق الصفقة. وإنما قدم على حديث خيار الرؤية لان حديث النهي محكم وحديث خيار الرؤية خص منه ما إذا تعيب
أو أعتقه أو باعه أو لانه محرم وذلك مبيح أو لكونه متأخر لئلا يلزم تكرار النسخ اه. وتعقب الاولى بأنه أيضا مخصوص بما قبل التمام وما أجاب به العناية من أنه إنما قيد به بالقياس على ابتداء الصفقة غير دافع كما لا يخفى. وفي المصباح: الصفقة العقد وكان العرب إذا وجب البيع ضرب بيده على يد صاحبه اه. والاولى ما في فتح القدير من أنا عملنا بالحديثين. غاية الامر أنا شرطنا أن يردهما جميعا عملا بحديث الصفقة جمعا بينهما. والحاصل أنه ليس له رد البعض وإمساك البعض في خيار الرؤية والشرط قبل القبض وبعده لكونه تفريقا قبل التمام لكونه مانعا من التمام في الرؤية ومن الابتداء في الشرط، وله ذلك في خيار العيب بعد القبض لتمامها، والخيار مانع من اللزوم فقط لا قبله لكون القبض من تمامها. وأما إذا استحق البعض، فإن كان المبيع واحدا فله الخيار مطلقا قبل القبض وبعده وإن كان متعددا فإن كان قيميا وقبض البعض ولم يقبض البعض فاستحق البعض له لتفرقها قبل التمام، ولو كان مثليا فاستحق بعضه فإن كان قبل القبض خير وإلا فلا. واستفيد من كلام المؤلف أنه لو رآهما فرضي بأحدهما أنه لا يرد الآخر لما ذكرنا. والحاصل أنه إذا استحق بعض المبيع، فإن كان قبل قبض الكل أو البعض تخير مطلقا متعددا أو واحدا مثليا أو قيميا، وإن كان بعد قبض جميعه فلا خيار في الكل، إلا في قيمي واحد استحق بعضه فإنه يتخير. وفي خيار العيب إذا اطلع على عيب بالبعض، فإن كان بعد القبض رد المعيب وحده إلا في قيمتي واحد فيرد الكل وإن كان قلبه يرد الكل وفي خيار الشرط والرؤية لا يرد إلا لكل قبل القبض وبعده (تنبيه) وقع في الهداية أن الصفقة لا تتم مع خيار الرؤية قبل
[ 55 ]
القبض وبعده فحمله بعض الشارحين على ما إذا قبضه مستورا، أما إذا قبضه مكشوفا فابطل خياره. ورده في المعراج بأن الخيار يبقى إلى أن يوجد ما يطلبه وأقره في البناية عليه. قوله: (ولا يورث كخياالشرط) لانه ثابت بالنص للعاقد وهو ليس بعاقد ولانه وصف فلا يجري فيه إلا رثكما قدمناه بخلاف خيار العيب والتعيين وقد أسلفناه قوله:
(ومن اشترى ما رآى خيران تغير وإلا لا) أي إن لم يتغير لا يخير لان العلم بالاوصاف حاصل له بالرؤية السابقة وبفواته يثبت الخيار وان وجده متغيرا فله الخيار لان تلك الرؤية لم تقع معملة بأوصافه فكأنه لم يره. وأطلق قوله وإلا لا وهو مقيد بشيئتين: الاولى أن يعلم أنه مرئية وقت الشراء فلو يعلم به له الخيار ولعدم الرضابة كما في الهداية. الثاني أن تكون الرؤية السابقة لقصد الشراء فلورآه لا لقصد الشراء ثم اشتراه فله الخيار كما في الظهيرية معبرا عنه بقيل ووجهه ظاهر لانه إذا رأى لا لقصد الشراء لا يتأمل كل التأمل فلم تقع معرفة. وفيها لو رأى ثوبين ثم اشتراهما بثمن متفاوت ملفوفين فله الخيار لانه ربما يكون إلاردأ بأكثر الثمنين وهو لا يعلم، ولو رأى ثيابا فرفع البائع بعضها ثم اشترى الباقي ولا يعرف الباقي فله الخيار اه. وفي المحيط: ولو سمي لكل واحد عشرة فلا خيار له لان الثمن لما لم يختلف استويا في الاوصاف. ولو قال المصنف ومن اشترى ما رأى فلا خيار له إلا إذا تغير لكان أولى لان الاصل فيما رآه عدم الخيار ولذا لو اختلفا فالقول للبائع. وفي الظهيرية: لو اشترى جارية لم يرها فجاء بها البائع متنقبة لا يعرفها المشتري فقبضها فهو قبض، وكذا لو اشترى خفافا فالبسه البائع إياه وهو نائم فقام ومشي وهو لا يعلم فهو قبض وله الخيار في المسألتين إذا لم ينقصه المشي اه. قوله: (وإن اختلفا في التغير فالقول قول البائع مع يمينه) لان التغير حادث وسبب اللزوم ظاهر. أطلقة وهو مقيد بما إذا اقتربت المدة لان الظاهر شاهد له، أما إذا بعدت المدة فالقول للمشتري لان الظاهر شاهد له. وفي المبسوط: فإن بعدت المدة بأن رآى جارية شابه ثم اشتراها بعد عشرين سنة وزعم البائع أنها لم تتغير فالقول للمشتري وبه يفني الصدر الشهيد والامام ظهير الدين المرغيناني، كذا في الذخيرة. ولم يرد التحديد في تغير كل مبيع ففي الظهيرية: ولو رآى شيئا ثم اشتراه فلا خيار له إلا أن تطول والشهر طويل وما دونه قليل، ولو تغير فله الخيار بكل حال ولا يصدق في دعوى التغير إلا بحجة إلا إذا طالت المدة اه. وفي فتح القدير: جعل الشهر قليلا قوله: (وللمشتري لو في الرؤية) أي القول للمشتري مع يمينه لو قال البائع له رأيت قبل الشراء
[ 56 ]
وقال المشتري ما رأيت أو قال له رأيت بعد الشراء ثم رضيت فقال رضيت قبل الرؤية، ولذا أطلق في الكتاب لان البائع يدعى أمرا عارضا هو العلم بالصفة والمشتري ينكره فالقول له. وما في فتح القدير من أنه ينبغي أن يكون القول للبائع لان الغالب في البايعات في الاسواق كون المشترين رأوا المبيع، فدعوى البائع رؤية المشتري تمسك بالظاهر لان الغالب هو الظاهر. والمذهب أن القول لمن تمسك بالظاهر لا بالاصل إلا أن يعارضه ظاهر آخر اه. مدفوع بما ذكرناه في قاعدة أن الاصل العدم فراجعها إن شئت. وفي المحيط: لو أراد المشتري أن يرده فأنكر البائع كون المردود مبيعا والقول للمشتري، وكذلك في خيار الشرط لانه انفسخ العقد برده وبقي ملك البائع في يده فيكون القول القابض في تعيين ملكه أمينا كان أو ضمينا كالمودع والغاصب. فلوا اختلفا في الرد بالعيب فالقول للبائع لان العقد لا ينفسخ بفسخ المشتري حتى يلزمه القاضي فبقي المشتري مدعيا حق الفسخ والبائع ينكر فيكون القول له اه. وهذا ما كتبناه في الفوائد أن القول للقابض، إلا في هذه المسألة. وفي الظهيرية في مسألة الاختلاف في التعيين في خيار الشرط للمشتري وكانت السلعة غير مقبوضة فأراد المشتري إجازة العقد في عين يد البائع فقال البائع ما بعتك هذا وقال المشتري بل بعتني هذا لم يذكر محمد هذه الصورة في شئ من الكتب وقالو: ينبغي أن يكون القول قول البائع كما لو ادعي بيع هذه العين وأنكر البائع البيع أصلا، وأما إذا كان الخيار للبائع والعين غير مقبوضة فإراد البائع الزام البيع في عين وقال المشتري ما اشتريت هذا ذكر أن القول للمشتري اه. والحاصل أن الخلاف إن كان في التعيين مع خيار الشرط والسلعة مقبوضة فالقول للمشتري سواء كان الخيار له أو للبائع، وإن لم تكن مقبوضة فإن كان الخيار للمشتري فالقول للبائع وعكسه فالقول للمشتري، وإذا اختلفا في اشتراط الخيار فالقول لمنكره عندهما، وعنده لمدعيه كما في المجمع لان منكره يدعى لزوم العقد ومدعيه ينكر
اللزوم فالقول له وتمامه في شرح المجمع. وفي القنية: اختلفا في شرط الخيار وأقاما البينة فبينة مدعي الخيار أولى وفي البزازية: أقر بقبض المشتري ثم قال لم أر كله لا يصدق اه. قوله: (ولو اشترى عدلا وباع منه ثوبا أو وهب رد بعيب لا بخيار رؤية أو شرط) لانه تعذر الرد فيما خرج عن ملكه وفي رد ما بقي تفريق الصفقة قبل التمام لان خيار الرؤية والشرط يمنعان تمامها بخلاف خيار العيب ولتمامها معه بعد القبض. وترك المصنف قيد
[ 57 ]
التسليم في الهبة ولا بد منه لانه لا يخرج عن ملكه بها إلا معه ولذا قيدها به في الهداية. والمفعول في كلاممقدر رأى رد ما بقي والمسألة موضوعه فيما إذا كان بعد القبض كما قيده به في الجامع الصغير وإلا لم يصح بيع الثوب قبل قبضة، كذا في العناية. أما قبله فالكل سواء لا تتم الصفقة معه. نعم يقع الفرق بين القبض وعدمه فيما إذا اشترى شيئتين ولم يقبضهما ثم اطلع على عيب بأحدهما فإنه لا يرد المعيب وحده بخلاف ما إذا كان بعد قبضهما، فلو عاد إليه بسبب هو فسخ فهو على خيار الرؤية، كذا ذكره شمس الائمة السرخسي. وعن أبي يوسف: لا يعود بعد سقوطه لخيار الشرط وعليه اعتمد القدوري، كذا في الهداية بخلاف ما إذا وهب عبده المدين ممن له الدين أو عبده الجاني من ولي الجناية ثم رجع في الهبة حيث يعودان عند أبي يوسف خلافا لمحمد. والعذر لابي يوسف أن حق خيار الرؤية أضعف منها، كذا في الشرح. والعدل المثل والمراد هنا الغرارة التي هي عدل غرارة أخرى على الجمل أو نحوه أو نحوه أي يعادلها وفيها أثواب. وفتح: ما اعتمده القدوري صححه قاضيخان وحقيقة الملحظ تختلف فشمس الائمة لحظ البيع والهبة مانعا زال فيعمل المقتضي وهو خيار الرؤية عمله ولحظ على هذه الرواية مسقطا، وإذا سقط لا يعود بلا سبب وهذا أوجه لان نفس هذا التصرف يدل على الرضا ويبطل الخيار قبل الرؤية وبعدها اه. والاوجه عندي ما ذكره شمس الائمة السرخسي. وقوله لان نفس هذا التصرف إلى أخره ممنوع وإنما يدل لو تصرف في جميع
المبيع. وإما الكلام هنا فيما إذا تصرف في البعض فحينئذ لو رد الباقي فقط لزم تفرق الصفقة فكان لزوم تفوقها مانعا من رد الباقي فإذا زال عمل المقتضى علمه وكأنه اختلط عليه بما إذا باع المبيع كله وسقط خياره ثم رد عليه بما هو فسخ فإنه لا يعود خياره كما قدمناه لكن لم يذكروا فيها خلافا والله تعالى أعلم
[ 58 ]
. باب خيار العيب تقدم وجه ترتيب الخيارات. والاضافة في خيار العيب إضافة الشئ إلى سببه، وأما العيب فهو في اللغة يقال عاب المتاع عيبا من باب سار فهو عائب وعابه صاحبه فهو معيب يتعدى ولا يتعدى. والفاعل من هذا عائب وعياب مبالغة، والاسم العاب والمعاب. وعيبه بالتشديد نسبه إلى العيب واستعمل العيب اسما وجمع على عيوب، كذا في المصباح. وفسره في فتح القدير بما تخلو عنه أصل الفطرة السليمة. وأما في الشريعة فما سيذكره المصنف من أنه ما أوجب نقصان الثمن عند التجار (تنبيه): كتمان عيب السلعة حرام. وفي البزازية وفي لفتاوى: إذا باع سل عة معيبة عليه البيان وإن لم يبين قال بعض مشايخنا: يفسق وترد شهادته. قال الصدر) ولا نأخذ به اه. وقيده في الخلاصة بأن يعلم به. وفي الظهيرية وفي الحديث:
[ 59 ]
اشترى عداء بن خالد بن هوذة - بالذال المعجمة وفتح الهاء وسكون الواو - من رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا لا داء فيه ولا غائلة ولا خبثة وهذه الرواية هي الصحيحة، كذا ذكره الطحاوي في شرح مشكل الآثار بإسناده إلى عبد المجيد. قال العداء بن خالد: ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى فأخرج إلي كتابا فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اشترى العداء من محمد رسول الله الخ. بهذا تبين أن المشتري كان العداء لا محمد رسول الله. وفي عامة كتب الفقه هذا ما اشترى محمد رسول الله من العداء لكن الصحيح ما قلنا اه. قوله: (من وجد بالمبيع عيبا أخذه بكل الثمن أو رده) لان مطلق العقد يقتضي وصف السلامة فعند
فواته يتخير كيلا يتضرر بلزوم ما لا يرضى به. دل كلامه أنه ليس له إمساكه وأخذ النقصان لان الاوصاف لا يقابلها شئ من الثمن في مجرد العقد ولانه لم يرض بزواله عن ملكه بأقل من المسمى فيتضرر به، ودفع الضرر عن المشتري ممكن بالرد بدون تضرره. أطلقه فشمل ما إذا كان به عند البيع أو حدث بعده في يد البائع وما إذا كان فاحشا أو يسيرا، كذا في السراج الوهاج. وفي جامع الفصولين: والمهر وبدل الخلع وبدل الصلح عن دم العمد يرد بفاحش العيب لا بيسيره وفي غيرها يرد بهما والفاحش في المهر ما يخرجه من الجيد إلى الوسط ومن الوسط إلى الردئ، وإنما لا يرد في المهر بيسيره إذا لم يكن كيليا أو وزنيا وأما هما فيرد بيسيره أيضا اه. ولم يتكلم الشارحون على ما إذا رد البعض هل له أن يعطي مثله سليما؟ قال في القنية وفي الذخيرة: اشترى منا من الفانيد فوجد واحدة أو اثنين منها أسود فأبد له البائع أبيض بغير وزن جاز، وفي الثلاث لا يجوز لانها تدخل تحت الوزن ولذا لو اشترى الخبز ووجد خبزا واحدا محترقا فأبدله الخباز لم يجز إلا بالوزن لانه مما يدخل تحت الوزن، فإن خمسة أساتير وعشرة وزن حجر فلا تجوز فيه المجازفة. قال رضي الله تعالى عنه: وعرف به كثير من المسائل وهو أن استبدال شئ بمثله في الرد بالعيب إنما يجوز مجازفة إذا لم يكن لذلك المقدار من ذلك الجنس حجر يوزن به، وإن كان له من جنس آخر حجر فلا ألا ترى أنه جعل الثلاثة من الفانيد موزونة وإن لم يكن ذلك القدر من الخبز موزونا اه. ولا بد للمسألة من قيود: الاول أن يكون العيب عند البائع. الثاني أن لا يعلم به المشتري عند
[ 60 ]
البيع. الثالث أن لا يعلم به عند القبض وهي في الهداية. الرابع أن لا يتمكن من إزالته بلا مشقة فإن تمكن فلا كإحرام الجارية فإنه بسبيل من تحليلها ونجاسة الثوب، وينبغي حمله على ثوب لا يفسد بالغسل ولا ينقص، كذا في فتح القدير. ولا حاجة إلى قوله ينبغي مع التصحيح. قال في الولوالجية: اشترى ثوبا فوجد فيه دما إن كان إذا غسله من الدم ينقض
الثوب كان عيبا لوجود حده وإلا لا يكون عيبا اه. ولو اشترى جبة فوجد فيها فأرة ميتة فهو عيب لوجود حده فإن لبسها حتى نقصها رجع بنقصان العيب لتعذر الرد اه. وقيدها في البزازية بأن يضرها الفتق فإن ضرها يردها وإن لم يضرها لم يردها اه. الخامس أن لا يشترط البراءة منه خصوصا أو من العيوب عموما وسيأتي آخر الباب. السادس أن لا يزول قبل الفسخ فإن زال ليس له الرد مثل بياض العين إذا انجلى والحمى إذا زالت، كذا في السراج الوهاج. ويستثنى من إطلاقهم مسائل ذكرناها في الفوائد: الاولى بيع صيد بين حلالين ثم أحرما أو أحدهما فوجد به عيبا امتنع رده، وإنما يرجع بالنقصان كما صرحوا به في جنايات الاحرام. الثانية قال في البغية والقنية: لو كان في الدار باب في الطريق الاعظم وبابه في سكة غير نافذة أقام أهلها بينة أنهم أعاروا البائع هذا الطريق فأمر القاضي بسده يخير المشتري إن شاء رده وإن شاء رجع بنقصان ذلك الطريق والتخيير هنا بخلاف سائر العيوب اه. الثالثة اشترى الذمي خمرا وقبضها وبه عيب ثم أسلم سقط خيار الرد، كذا في مهر فتح القدير. الرابعة اشترى كفنا للميت ووجد به عيبا لا يرد ولا يرجع بالنقصان إن تبرع به أجنبي ولو وارثا رجع بالنقص إن كان من التركة اه. الخامسة اشترى من عبده المأذون المديون المستغرق فوجد به عيبا لا يرده عليه ولا على بائعه إن كان الثمن منقودا وإن لم ينقده المولى وقبض المبيع أولا ووجد به عيبا يرده إن كان الثمن من النقود أو كيليا أو وزنيا بغير عينه لانه يدفع بالرد مطالبة المأذون من نفسه وإن كان عرضا لا يمكن الرد. وفي المحيط: لو اشترى المولى من مكاتبه فوجد به عيبا يرده ولا يرجع ولا يخاصم بائعه لكونه عبده اه. السادسة باع نفس العبد من العبد بجارية ثم وجد بها عيبا رد الجارية وأخذ من العبد قيمة نفسه عندهما، وعند محمد يرجع بقيمة الجارية. السابعة باع الوارث من مورثه فمات المشتري وورثه البائع ووجد به عيبا رد إلى الوارث الآخر إن كان وإن لم يكن له سواه لا يرد ولا يرجع بالنقصان، وكذا إذا اشترى لنفسه من ابنه الصغير شيئا وقبضه وأشهد ثم وجد به عيبا يرفع الامر إلى القاضي
[ 61 ]
حتى ينصب عن ابنه خصما يرده عليه ثم يرد الاب لابنه على بائعه، وكذا لو باع الاب من
ابنه، وكذا لو باع من وارثه فورثه المشتري ووجد به عيبا يرفع الامر إلى القاضي فينصب خصما فيرده المشتري إليه ويرده القيم إلى الوارث نقده الثمن أو لا في الصحيح. الثامنة اشترى العبد المأذون شيئا وأبرأه البائع عن الثمن لا يرده بالعيب وأن المشتري حرا لو بعد القبض فكذلك، وإن قبله فله الرد لانه امتناع عن القبول، وكذا خيار الشرط. التاسعة لو اصطلحا على أن يدفع البائع شيأ والمبيع للمشتري جاز بخلاف ما لو اصطلحا على أن يدفع المشتري شيأ والجارية للبائع لا لانه ربا. والمسائل المذكورة من الرابعة إلى الثامنة في البزازية. العاشرة اشترى إناء فضة مشارا إليها فوجده رديئا ليس له الرد إلا إذا كان به كسر أو غش، وكذا إذا اشترى جارية فوجدها سوداء تام الخلقة ليس له الرد لان القبح في الجواري ليس بعيب. الحادي عشر قال في المحيط: وصي أو وكيل أو عبد مأذون اشترى شيئا بألف وقيمته ثلاثة آلاف درهم فليس له أن يرده بالعيب لما فيه من الاضرار باليتيم والموكل والمولى، ولو كان في خيار الشرط والرؤية فله الرد لعدم تمام الصفقة اه.. قوله: (تنبيهات مهمة) الاولى وجد بالمبيع الذي له حمل ومؤنة عيبا ورده فمؤنة الرد على المشتري. الثاني اشترى عبدا وتقابضا وضمن رجل له عيوبه فاطلع على عيب ورده لا ضمان عليه على قياس قول الامام لانه باطل كضمان العهدة، ولو ضمن له ضمان السرقة أو الحرية فوجده مسروقا أو حرا أو الجنون أو والعمى فوجده كذلك رجع على الضامن بالثمن، ولو مات عنده وقضى بالنقص رجع به على ضامن الثمن، ولو ضمن له حصة ما يجده فيه من العيب جاز عند الامامين إن رد رجع بالثمن كله، وإن تعيب عنده رجع بحصة العيب على الضامكما يرجع على البائع، وإن ضمن ما لحقه من الثمن من عهده هذا البيع كان كذلك عند الامام إن استحق رجع بالثمن. الثالث ادعى عليه عيبا في المبيع فاصطلحا على أن يبذل البائع للمشتري مالا ثم بان أنه لا عيب أو كان لكنه برئ استرد بدل الصلح اه.
[ 62 ]
الرابع اطلع على عيب بالغلام أو الدابة فلم يجد المالك فأطعمه وأمسكه ولم يتصرف فيه بما
يدل على الرضا يرده لو حضر ويرجع بالنقصان إن هلك. وفي الحاوي القدسي: أنه إذا أمسكه بعد الاطلاع على العيب مع قدرته على الرد كان رضا وهو غريب، والمعتمد أنه على التراخي. الخامس اطلع على عيب فأعلم القاضي وبرهن على الشراء والعيب فوضعها القاضي عند عدل وماتت عنده ثم حضر البائع، إن كان لم يقض بالرد على الغائب لم يرجع عليه بالثمن، وإن قضى رجع لان للقضاء نفاذا في الاظهر عن أصحابنا. وفي السير: اشترى دابة في دار الاسلام وخرج عليها غازيا واطلع على عيب بغيبة البائع لا يركبها وإن في دار الحرب لانه رضا وإن أمره الامام لكن إذا قضى بأن الركوب ليس برضا نفذ وأمضاه القاضي الثاني. السادس خاصم البائع في العيب ثم ترك الخصومة زمانا وزعم أن الترك كان لينظر هل هو عيب أم لا؟ له الرد. السابع أقر المشتري بعدما اطلع على عيب أو قبله أن المبيع كان لفلان غير البائع وكذبه فلان له الرد على البائع، وتمام مسائل الاقرار للغير بالمبيع مذكورة في الولوالجية. الثامن عثر على عيب فقال للبائع إن لم أرد إليك اليوم رضيت به قال محمد: القول باطل وله الرد. التاسع قال البائع ركبتها بعد العثور على العيب في حاجتك وقال المشتري بل ركبتها لا ردها عليك فالقول قول المشتري. العاشر اطلع على عيب قبل القبض فقال المشتري للبائع رددته عليك بطل البيع قبل البائع أولا، والكل من البزازية. وفي السراج الوهاج: وإن قال ذلك بعد القبض لم يكن ذلك ردا ما لم يقل البائع قبلت أو رضيت ثم إذا رده برضا البائع كان فسخا في حقهما بيعا في حق غيرهما اه. وإن رده بحكم فهو فسخ عام. وكذا كل عقد ينفسخ، بالرد ويكون المردود مضمونا بما يقابله، كذا فجامع الفصولين. وفي القنية: اشترى حمارا ووجد به عيبا قديما فأراد الرد فصولح بينهما بدينار وأخذه ثم وجد به عيبا قديما آخر فله رده مع الدينار. ثم رقم لآخر أنه يرجع بنقصان العيب وعنه أنه يرده اه. الحادي عشر باع بعيرا فوجده المشتري معيبا فرده فقال له البائع اذهب فتعهده إلى عشرة أيام فإن برئ فلك البعير، وإن هلك فمن مالي لا يكون ردا، كذا في القنية. الثاني عشر المشتري إذا رد المبيع بالعيب فإنه
يرجع بالثمن على بائعه إلا في مسألة في القنية: باع عبدا وسلمه ثم وكل وكيلا بقبض الثمن
[ 63 ]
فأقر الوكيل بقبضه وهلاكه وجحد البائع الموكل برئ المشتري ولا ضمان على الوكيل، فإن وجد المشتري به عيبا رده ولا يرجع بالثمن على البائع لاقرار الوكيل ولا على الوكيل لكونه أمينا وليس بعاقد. والثانية في الفوائد. الثالث عشر قال البائع بعته لك معيبا بهذا العيب وقال المشتري اشتريته سليما فالقول للمشتري ثم رقم أنه ينبغي أن يحكم الثمن يعني إن كان الثمن يسيرا فالقول للبائع وإلا فللمشتري اه. الرابع عشر اشترى حمارا بثلاثة دنانير ذهب ثم أعطاها عوضها دراهم ثم رده بعد شهر بعيب وقد انتقص سعر الدراهم فله أن يطلب من البائع عين الذهب، وبمثله أجاب في الاقالة إلا إذا دفع مكان الذهب حنطة، وهي وما قبلها في القنية. الخامس عشر الموصى له لا يملك الرد بالعيب إلا إذا لم يكن وارث، كذا في الصغرى قوله: (وما أوجب نقصان الثمن عند التجار فهو عيب) لان المقصود نقصان المالية وذلك بانتقاص القيمة والمرجع في معرفته عرف أهله وهم التجار أو أرباب الصنائع إن كان المبيع من المصنوعات، كذا في فتح القدير. فلا يقتصر الحكم على التجار. أطلقه فشمل ما إذا كان ينقص العين أولا ينقصها ولا ينقص منافعها بل مجرد النظر إليها كالظفر الاسود الصحيح القوي على العمل، وكما في جارية تركية لا تعرف لسان الترك كما في فتح القدير. وقيد في المعراج الظفر الاسود لكونه عيبا بالاتراك أما في الحبش فلا. وقيد في البزازية عدم معرفة اللسان بأن يعده أهل الخبرة عيبا وقال القاضي في المولد لا يكون عيبا. والتجار بضم التاء مع التشديد جمع تاجر وبكسرها مع التخفيف ولا يكاد يوجد تاء بعدها جيم، كذا في
[ 64 ]
المصباح. والضابط عند الشافعية أنه يرد بكل ما في المعقود عليه من منقص القيمة أو نقصان يفوت به غرض صحيح بشرط أن يكون الغالب في أمثال المبيع عدمه. قالوا: وإنما شرطنا فوات غرض صحيح بشرط أن يكون الغالب في أمثال المبيع عدمه. قالوا: وإنما شرطنا فوات غرض صحيح لانه لو بان فوات قطعة يسيرة من فخذه أو ساقه لا رد، ولو قطع من
أذن الشاة ما يمنع التضحية ردها وإلا فلا. وشرطنا الغالب لانه لا ترد الامة إذا كانت ثيبا مع أن الثيابة معنى ينقص القيمة لكن ليس الغالب عدم الثيابة، كذا في شرح وجيزهم كما في المعراج وقواعدنا لا تأباه للمتأمل. وفي خزانة الفقه: العيب ما نقص العين أو المنفعة وإلا فإن أعده التجار عيبا كان عيبا وإلا فلا، وهو أحسن مما في الكتاب، وذكرها في التلخيص من باب الاقرار بالعيب من البيوع، وحاصلها أنه أربع لا يرده في مسألتين وتمامه في شرحه للفارسي قوله: (كالاباق) من أبق العبد أبقا من باب تعب وقتل في لغة، والاكثر من باب ضرب إذا هرب من سيده من غير خوف ولا كد. والاباق - بالكسر - اسم منه فهو آبق والجمع إباق مثل كافر وكفار، كذا في المصباح. وفي الجوهرة من بابه قال الثعالي: الآبق الهارب من غير ظلم السيد فإن هرب من الظلم لا يسمى آبقا بل يسمى هاربا فعلى هذا الاباق عيب والهروب ليس يعيب اه. وفي خزانة الفقة: الاباق الاستخفاء عن مولاه تمردا. وفي القاموس إنه من باب ضرب ومنع وسمع اه. فعلى هذا له أبواب أربعة: الثلاثة وقتل كما في المصبا فسره في القاموس بالذهاب من غير خوف ولا كد عمله أو استخفى ثم ذهب. أطلقه فشمل ما إذا أبق من المولى أو من غيره مستأجرا أو مستعيرا أو مودعا إلا من غاصب إلى المولى أو غيره إن لم يعرف منزله أو لم يقو على الرجوع إليه، ويرد على إطلاقهم ما إذا أبق من المشتري إلى البائع ولم يختف عنده فإنه ليس بعيب كما في القنية. وشمل ما إذا كان مسيرة سفر أو أقل وما إذا خرج من البلد أو لم يخرج لكن الاشبه أن البلدة إذا كانت
[ 65 ]
كبيرة كالقاهرة فهو عيب، وإن كانت صغيرة بحيث لا يخفى عليه أهلها وبيوتها لا يكون عيبا كما ذكره الشارح. وشمل الصغير والكبير لكن إذا كان غير مميز لا يكون عيبا والعذر له أنه يسمى ضالا لا آبقا كما في السراج الوهاج، فلذا لم يقيده وسيأتي أنه لا بد من المعاودة عند المشتري واتحاد السبب. وفي البزازية: قال لآخر اشتره لا عيب فيه فاشتراه ثم وجد به عيبا له أن يرده على بائعه، ولو قال اشتر هذا العبد فإنه غير آبق والمسألة بحالها لا يرد بعيب
الاباق. وفي الصغرى: قول المشتري ليس به عيب لا يكون إقرارا بانتفاء العيوب، ولو عين فقال ليس بآبق لا يكون إقرارا بانتفائه. شهدا أنه باعه بشرط البراءة من كل عيب أو من الاباق ثم اشتراه الشاهد ووجد به عيبا أو قال إنه آبق له الرد. عبدي هذا آبق فاشتراه وباع من آخر فوجده الثاني آبقا وأراد الرد بإقرار بائعه لا يقبل، وإن قال عند البيع بعته على أنه آبق أو على أنه برئ من إباقه يرده ولو قال إنه برئ من الاباق لا لعدم الاضافة اه. وفي جامع الفصولين: ولو شراه وأبق من عنده وكان أبق عند البائع لا يرجع بنقصان ما دام القن حيا آبقا عند أبي حنيفة، وكذا لو سرق المبيع فعلم بعيبه لا يرجع بنقصه ليس للمشتري أن يطلب البائع بثمنه قبل عود الآبق اه. وفي الصغرى قبل عوده أو موته. وشمل إطلاقه أيضا إباق الثور ولكن فيه ثلاثة أقوال في القنية قيل: إذا أبق الثور من قرية المشتري إلى قرية البائع لا يكون عيبا، وقيل في الغلام عيب، وقيل في الثور عيب كخلع الرسن عيب فهذا أولى، وقيل إن دام فعيب أما المرتان والثلاثة فلا. قال رحمه الله تعالى: والثاني أحسن. وفيها أيضا: اشترى عبدا فأبق ثم وجده ولم يأبق عند بائعه بل أبق عند بائع بائعه ثم فله الرد اه. قوله: (والبول في الفراش من العيوب) أطلقه فشمل الكبير والصغير ويستثنى منه غير المميز فإنه لا يكون عيبا ولا بد من معاودته عند المشتري في حالة واحدة، فإن بال في الصغر عند البائع ثم بعد البلوغ عند المشتري لا يرده لانه في الصغر لضعف المثانة، وبعد البلوغ لداء في باطنه فهو عيب حادث بخلاف ما إذا بال عندهما في الصغر أو في الكبر لاتحاد السبب. وفي الفوائد الظهرية هنا مسألة عجيبة هي أن من اشترى عبدا صغيرا فوجده يبول في الفراش كان له الرد، ولو تعيب بعيب آخر عند المشتري كان له أن يرجع بنقصان العيب، فإذا رجع به ثم كبر العبد هل للبائع أن يسترد النقصان لزوال ذلك العيب بالبلوغ؟ لا رواية فيها قال: وكان والدي يقول: ينبغي أن يسترد استدلال بمسئلتين: إحداهما إذا اشترى جارية فوجدها ذات
[ 66 ]
زوج كان له أن يردها ولو تعيبت بعيب آخر يرجع بالنقصان فإذا رجع ثم أبانها الزوج كان
للبائع أن يسترد النقصان. الثانية اشترى عبدا فوجده مريضا له الرد فإذا تعيب بعيب آخر رجع بنقص االعيب، فإذا رجع ثم برئ بالمداواة لا يسترد وإلا استرد، والبلوغ هنا لا بالمداواة فينبغي أن يسترد، كذا في المعراج والنهاية. وفي فتاوي قاضيخان: اشترى جارية وادعى أنها لا تحيض واسترد بعض الثمن ثم حاضت قالوا: إن كان البائع أعطاه على وجه الصلح عن العيب كان للبائع أن يسترد ذلك. وفيها أيضا: اشترى عبدا فقبضه وحم عنده وكان يحم عند البائع. قال الامام أبو بكر محمد بن الفضل: المسألة محفوظة عن أصحابنا أنه إن حم في الوقت الذي كام يحم عند البائع كان له أن يرده أو في غيره فلا قبل له، فلو اشترى أرضا فنزت عند المشتري وقد كانت تنز عند البائع كان له أن يرد لان سبب النز واحد وهو تسفل الارض وقرب الماء إلا أن يجئ ماء غالب أو كان المشتري رفع من ترابها فيكون النز غير ذلك أو يشتبه فلا يدرى أنه عينه أو غيره قال القاضي الامام يشكل ما في الزيادات اشترى جارية بيضاء احدى العينين ولا يعلم ذلك فانجلى البياض عنده ثم عاد ليس له أن يرد وجعل الثاني غير الاول. ولو اشترى جارية بيضاء إحدى العينين وهو يعلم بذلك فلم يقبضها حتى انجلى ثم عاد عند البائع ليس للمشتري الرد وجعل الثاني عين الاول الذي رضي به إذا كان الثاني عند البائع، ولم يجعله عينه إذا عاد البياض عند المشتري وقال لا يرده. ثم قال القاضي الامام: كنت أشاور شمس الائمة الحلواني وهو يشاورني فيما كان مشكلا إذا اجتمعنا فشاورته في هذا المسألة فما استفدت منه فرقا، كذا في فتح القدير. فالحاصل ليس له الرد في المسألتين لكن في الاولى لجعله غير الاول إذ لو كان عينه لملك الرد لعدم العلم به، وفي الثانية لجعله عين الاول إذ لو كان غيره لملك الرد لكونه لم يرض به. وفي جامع الفصولين: شراه فوجده يبول في الفراش يضعه القاضي عند عدل ينظر فيه. وفي الواقعات الحسامية: اشترى جارية فوجد في إحدى عينيها بياضا فانجلى البياض ثم عاد فقبض المشتري وهو لا يعلم بذلك ثم علم فله أن يرد، فرق بين هذا وبين ما إذا قبض وفي إحدى عينيها بياض وهو لا يعلم ثم انجلى
البياض ثم عاد ليس له أن يرد، والفرأن البياض الثاني غير الاول حقيقة إلا أن في الصورة الاولى الثاني حدث في يد البائع فيوجب الرد، وفي الثانية البياض الثاني حدث في يد المشتري
[ 67 ]
فلا يوجب الرد اه. وبهذا ظهر أن لا إشكال ولا يحتاج إلى المشاورة نعم على ما نقله في فتح القدير من امتناع الرد في المسألتين مشكل قوله: (والسرقة من العيوب في العبد والجارية) أطلقه فشمل الصغير والكبير إلا الذي لا يميز كما قدمناه في الاباق والبول في الفراش فالثلاثة من غير المميز ليست عيبا. وفسر في المعراج المميز هنا بأن يأكل وحده ويشرب وحده ويستنجي وحده، وقدره بعضهم بخمس سنين كما في المعراج أيضا. ولا بد من المعاودة عند المشتري في حالة واحدة فلا بد من السرقة عندهما في الصغر أو بعد البلوغ، فإن سرق عند البائع في صغره ثم عند المشتري بعد بلوغه لا برده لحدوث العيب لان في الصغر لقلة المبالاة وفي الكبر لخبث في الباطن ولا بد من أن لا تقطع يده عند المشتري ولذا قال في المحيط: اشترى عبدا فسرق عنده وقد كان سرق عند البائع فقطعت يده بالسرقتين يرجع بربع الثمن لان اليد قطعت بالسرقتين جميعا اه. وفي الظهيرية من المحاضر أن الطراز والنباش وقاطع الطريق كالسارق عيب في العبد. وفي البدائع أن العبد إذا زنى فحد فإنه يكون عيبا. أطلقه فشمل ما إذا سرق من المولى أو من غيره قليلا كان أو كثيرا ويرد عليه مسألتان: الاولى ما إذا سرق من المولى طعاما ليأكله فإنه لا يكون عيبا بخلاف ما إذا سرقه ليبيعه أو سرقه من غير المولى ليأكله فإذا عيب فيهما. وفي البزازية: إذا سرق طعاما لا للاكل بل ليبيعه ونحوه فعيب مطلقا، وظاهره أن الاهداء كالبيع. الثانية ما إذا سرق فلسا أو فلسين فإنه لا يكون عيبا وقد جزم به الشارح، وظاهر ما في المعراج أنها قويلة وأن المذهب الاطلاق وعلى هذا القول ما دون الدرهم كذلك كما ذكره فيه. وفي الظهيرية. وإذا نقب البيت ولم يختلس فهو عيب. وفجام الفصولين: لو سرق بصلا أو بطيخا من الغالين أو فلسا كما تسرق التلامذة لم يكن عيبا، ولو سرق بطيخا من فاليز الاجنبي فهو عيب هو المختار، وإن سرق للادخار فهو
عيب مطلقا اه. قوله: (والجنون) لما ذكرنا ولا بد فيه من وجوده عند البائع ثم عند المشتري كذلك كما لا يخفي، سواء اتحدت الحالة أو لا. فلو جن عند البائع فصغره ثم عند المشتري في صغره أو بعد بلوغه فهو عيب لكونه عين الاول لانه عن فساد في الباطن ولا يختلف سببه بالصغر الكبر كما في العيوب الثلاثة، وهذا معنى قوالامام محمد أنه عيب أبدا وليس معناه عدم اشتراط العود في يد المشتري لان الله تعالى قادر على إزالته وإن كان قل ما يزول، كذا في الهداية وهو الصحيح وهو قول الجمهور وهو المذكور في الاصل والجامع
[ 68 ]
الكبير وبه أخذ الطحاوي، ولكن ميل الحلواني وخواهر زاده إلى ظاهر كلام محمد من عدم اشتراط العود عند المشتري للحديث من جن ساعة لم يفق أبدا. وقال الاسبيجابي: ظاهر الجواب عدم اشتراط المعاودة في يد المشتري، وقيل تشترط وهو الصحيح، وقيل تشترط بلا خلاف بين المشايخ، كذا في عامة الروايات. فالحاصل أن المشايخ اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال، فمنهم من جعله كالاباق والبول في الفراش فلا بد من المعاودة واتحاد السبب وهو قول أبي بكر الاسكاف البلخي كما في غاية البيان معزيا إلى أبي المعين في شرح الجامع الكبير، ومنهم من لم يشترطه نظرا إلى قول محمد في الجامع الصغير أن الجنون عيب لازم أبدا فإذا جن في يد البائع كفى للرد، واختاره الفقيه أبو الليث كما في غاية البيان والحلواني وخواهر زاده كما قدمناه، وعامة المشايخ على اشتراط العود في يد المشتري وإن لم يتحد السبب. واختاره الصدر الشهيد وقاضيخان وصاحب الهداية وصححوه وحكموا بغلط ما عداه. وفي التلويح: الجنون اختلال القوة المميزة بين الاشياء الحسنة والقبيحة المدركة للعواقب اه. والاخضر اختلال القوة التي بها إدراك الكليات. وبه يعلم تعريف العقل من أنه القوة التي بها ذلك. ثم اعلم أن الاختلاف لا يخص الجنون فقد نقل في البدائع عن بعض المشايخ أن البول في الفراش والاباق والسرقة والجنون لا يشترط معاودة ذلك في يد المشتري، ووجودها عند البائع يكفي للرد والعامة على خلافه. وفي المحيط: تكلموا في
مقدار الجنون قيل ساعة عيب، وقيل أكثر من يوم وليلة، وقيل المطبق دون غيره، كذا في المعراج. والمطبق - بفتح الباء - والاصل إن المعاودة عند المشتري بعد الوجود عند البائع شرط للرد إلا في مسائل: الاولى زنا الجارية. والثانية التولد من الزنا. الثالثة ولادة الجارية عند البائع أو غيره فإنه عيب ترد به على رواية كتاب المضاربة وهو الصحيح وإن لم تلد ثانيا عند المشتري لان الولادة عيب لازم لان الضعف الذي حصل بها لا يزول أبدا وعليه الفتوى. وفي رواية كتاب البيوع لا ترد، كذا في فتح القدير. وفي الصحاح: جن الرجل جنونا وأجنه الله تعالى فهو مجنون ولايقال مجن، وقولهم في المجنون ما أجنه شاذ لا يقاس عليه لانه لا يقال في مضروب ما أضربه ولا في المسلول ما أسله اه. وفي فتح القدير: والحمق
[ 69 ]
عيب وفسره في المغرب بنقصان العقل قوله: (والبخر والدفر والزنا وولده في الجارية) أي عيبفيها لا في الغلام لان المقصود قد يكون الاستفراش وهذه تخل به. والمقصود من الغلام الاستخدام ولا يخل به إلا إذا كان البخر والدفر فاحشا بأن كان عن داء بحيث يمنعه عن قرب سيده لان الدعاء عيب وأن يكون الزنا عادة له لان اتباعهن يخل بالخدمة وهوأن يتكرر منه الزنا أكثر من مرتين. وأشار بكون الزنا ليس عيبا فيه الدال على القوة إلى أنه لو وجده عنينا فله الرد كما في البناية. والبخر - بالباء المفتوحة والخاء المعجمة المفتوحة الفوقية - من بخر الفم بخرا من باب تعب أنتنت ريحه فالذكر أبخر والانثى بخراء والجمع بخر مثل أحمر وحمراء وحمر، كذا في المصباح. والبخر الذي هو عيب هو الناشئ من تغير المعدة دون ما يكون بفلج بالاسنان فإنه ذلك يزول بتنظيفها، كذا في فتح القدير. وفي المستظرف: يقال إن البخر يحصل من طول انطباق الفم وكل رطب الفم سائل اللعاب سالم منه وفيه كان يقال لا ابتلاك الله ببخر عبد الملك بن مروان ولا بصمم ابن سيرين ولا بعمى حسان. وحكي أن عبد الملك أكل من تفاحة ثم رماها إلى زوجته فتناولت السكين فسألها فقالت: لازيل الاذى عنها فغضب وطلقها. وإنما قيدنا بالخاء الفوقية احترازا عن البجر بالجيم فإنه عيب فيهما
وهو انتفاخ ما تحت السرة وبه سمى بعض الناس أبجر، كذا في النهاية. ولا فرق بين الامرد وغيره في البخر من كونه ليس بعيب وهو الصحيح، وقيل الامرد كالجارية، وأما الدفر فهو نتن ريح الابط وهو بالدال المهلمة المفتوحة والفاء المفتوحة يقال دفر الشئ دفرا فهو دافر من باب تعب أنتنت ريحه، وأدفر بالالف لغة والدفر وزان فلس اسم منه يقال فيه دفر أي نتن، ويقال للجارية إذا شتمت يا دفار أي منتنة الريح كناية عن خبث الخبر والمخبر، كذا في المصباح. وأما الذفر بالذال المعجمة فهو من ذفر الشئ دفرا فهو ذفر من باب تعب، وامرأة ذفرة ظهرت رائحتها واشتدت طيبة كانت كالمسك أو كريهة كالصنان. قالوا: ولا يسكن المصدر إلا للمرة والواحدة إذا دخلها هاء التأنيث فيقال ذفرة وقالت أعرابية تهجو شيخا أدبر دفره وأقبل بخره، كذا في المصباح. وفي البزازية: نتن ريح الفم والانف والابط عيب اه. والمراد بقوله وولده التولد من الزنا ولو عبر به كما في الاصلاح لكان أولى لان نفس ولد الزنا ليس بعيب إنما العيب التولد منه، وأما الولد فمعيب ويمكن أن يقدر كون أي كونها ولد الزنا عيب. ولم يذكر المصنف اللواطة بالجارية والغلام قال في القنية. وجامع الفصولين: لو اشترى عبدا يعمل به عمل قوم لوط فإن كان مجانا فهو عيب لانه دليل الابنة، وإن كان
[ 70 ]
بأجر فلا بخلاف الجارية فإنه يكون عيبا كيفما كان لانه يفسد الفراش اه. وفي المصباح: الابنة العقدة في العود والعدواة اه. وكل ليس بمناسب وهي عيب حتى في البهائم لما في القنية: اشترى حمارا ذكرا يعلوه الحمر ويأتونه في دبره قال: وقعت هذه ببخارى فلم يستقر فيها جواب الائمة. وقال عبد الملك النسفي: ان طاوع فعيب والا فلا وقيل عيب اه. وفي اقرار تلخيص الجامع من باب الاقرار بالعيب ادعى العيب وأقام أن البائع كان قال لها يا زانية أو هذه الزانية فعلت كذا لم ترد لانه للاستحضار والسب دون تحقق المعنى ولهذا لو قال يا ابني أو يا كافرة لا يعتق ولا تبين لا يلزم بيا حريا مولاي لانا اعتبرنا الحقيقة فيما يكون ثبوته من جهته والعرف فيما يتعذر ولا الحد لان الحقيقة منافية فتعلق باللفظ ولا كذلك الرد،
ولو قال هذه الزانية أو نون ترد لانه جملة خبرية فتفيد المخبر، وتمامه في شرحه فهي رباعية ترد في اثنين ولا ترد في اثنين اه قوله: (والكفر أقبح العيوب) لان المسلم ينفر عن صحبته ولا يصلح للاعتاق في بعض الكفارات فتختل الرغبة. أطلقه فشمل كفر الغلام والجارية والنصراني واليهودي والمجوسي كما في النهاية. وما إذا شرط إسلامه فظهر كفره. أو أطلق وما إذا كان قريبا من بلادد الكفر أو من بلاد الاسلام. ولو شرط كفره فظهر اسلامه لا يرده لان الشرط للتبري من عيبه فصار كما إذا اشتراه على انه معيب فإذا هو سليم وحالفنا الشافعي وأحمد نظرا إلى أنه ربما اشترط كفره ليستخدمه في محقرات الامر ولم أرحكم ما إذا وجده خارجا عن مذهب أهل السنة كالمعتزلي والرافضي، وينبغي أن يكون كالكافر لان السني ينفر عن صحبته وربما قتله الرافضي لان الرافضة يستحلون قتلنا. وفي السراج الوهاج: الكفر عيب ولو اشتراها مسلم أو ذمي اه. وهو غريب الذمي قوله: (وعدم الحيض والاستحاضة) لان انقطاع الحيض أو استمرار الدم علامة الداء لان الحيض هو الاصل في بنات آدم وهو دم صحة فإذا لم تحض فالظاهر أنه عن داء بها ولهذا قالوا: لا تسمع دعواه بانقطاعه إلا إذا ذكر سببه من داء أو حبل. ويعتبر في الارتفاع أقصى غاية البلوغ سبع عشرة سنة عند الامام، وخسمة عشر عندهما، ويعرف ذلك بقول الامة لانه لا يعرفه غيرها ولكن لا ترد بقولها بل لا بد من استحلاف البائع فترد بنكوله إن كان بعد القبض، وإن كان قبله فكذلك في الصحيح. ولو ادعاه في مدة قصيرة لم تسمع وأقلها ثلاثة أشهر عند الثاني، وأربعة أشهر وعشر عند الثالث وابتداؤها من وقت الشراء. وحاصلها أنه إذا صحح دعواه سئل البائع فإن صدقه رد ت عليه وإلا لم يحلف عند الامام كما سيأتي، وإن أقر به وأنكر كونه
[ 71 ]
عنده حلف، فإنكل ردت عليه ولا تقبل البينة على أنه الانقطاع كان عند البائع للتيقن بكذبهم بخلاف الشهادة على الاستحاضة لانها درور الدم، والمرجع في الحبل إلى قول النساء، وفي الداء إلى الاطباء وهم عدلان، كذا ذكر الشارح تبعا للنهاية والدراية ولكن فيها أن
الرجوع فيها إلى قول الامة إنما هو قول محمد، أما في ظاهر الرواية فلا قول للامة في ذلك اه. وبما قررناه ظهر أن انقطاع الحيض لا يكون عيبا إلا إذا كان في أوانه، أما انقطاعه في سن الصغر أو الاياس فلا اتفاقا كما في المعراج. واعتبر قاضيخان في فتاواه مدة الانقطاع بشهر ورجحه في فتح القدير ولذا لم يشترط قاضيخان لصحة دعوى الانقطاع تعيين أن يكون عن داء أو حبل. ورجحه في فتح القدير لانه وإن لم يكن عن داء فهو طريق إليه، وطريق توجه الخصومة على ما صححه في فتح القدير أن يدعى انقطاعه للحال ووجوده عند البائع فإن أنكرو وجوده عنده واعترف بالانقطاع في الحال استخبرت الجارية، فإن ذكرت أنها منقطعة اتجهت الخصومة فيحلف ما وجد عنده، فإن نكل ردت عليه. وفي القنية: ولو وجد الجارية تحيض في كل ستة أشهر مرة فله الرد. طم: إن كانت مغنية فله الرد اه. ثم اعلم أنه قد وقع من ابن الهمام خبط عجيب فإنه رد على الشارحين في موضعين: الاول في اشتراطهم أن يكون الانقطاع عن داء أو حبل وزعم أن فقيه النفس قاضيخان لم يتعرض له وليس كما زعم بل قاضيخان في الفتاوي صرح به أولا فقال: لو اشترى جارية وقبضها ثم قال إنها لا تحيض قال الشيخ الامام أبو بكر محمد بن الفضل: لا تسمع دعوى المشتري إلا أن يدعي ارتفاع الحيض بالحبل أو بسبب الداء، فإن ادعى بسبب الحبل يريها القاضي النساء إن قلن هي حبلى يحلف البائع أن ذلك لم يكن عنده، وإن قلن ليست بحبلى فلا يمين. وفي معرفة داء في باطنها يرجع إلى الاطباء إلى آخره. فهذا كما ترى صريح فيما نقلوه فكيف يصح قوله إنه لم يتعرض له لكن وقع له عبارة أخرى في الفتاوى بعد هذه بصفحة قال: رجل اشترى جارية وقبضها ولم تحض عند المشتري شهرا واربعين يوما قال القاضي الامابو بكر محمد بن الفضل ارتفاع الحيض عيب وادناه شهر احد وإذا ارتفع هذا القدر عند المشتري كان له أن يرد إذا أثبت أنه كان عند البائع اه. فالعبارتان لواحد وهو الشيخ الامام أبو بكر لكن الاولى لسماع الدعوى عند القاضي. والثانية لتحقيق العيب في نفسه لا لبيان سببه فلا مخالفة
[ 72 ]
بينهما. الثاني في نقلهم أنه لا بد من مدة مديدة سنتان أو أربعة أشهر وعشر أو ثلاثة أشهر محتجا بالعبارة الثانية لقاضيخان، ولا اعتبار بها مع صريح النقل عن الائمة الثلاثة ويمكن حملها على رواية أخرى، فنسبته لهم إلى الغلط غلط فاحش منه فالمعتمد ما نقله الشارحون في النهاية والعناية والدراية والبناية والتبيين والكافي وغيرهم. وفي البزازية: ارتفاعه بدون أحد هذين لا يعد عيبا. ونقل عن أبي مطيع أنه قدر المدة بتسعة أشهر، وسفيان بحولين. وفي التحفة: قدره بشهرين كما في غاية البيان فهي سبعة أقوال. ثم اعلم أنه لا منافاة بين قولهم يعتبر قول الامة وبين قولهم والمرجع في الحبل إلى قول النساء وفي الداء إلى قول الاطباء لان اعتبار قول الامة إنما هو لاجل انقطاع الدم لتوجه الخصومة إلى البائع فإذا توجهت إليه بقولها وعين المشتري أنه عن حبل رجعنا إلى قول النساء العالمات بالحبل لتوجه اليمين على البائع وإن
[ 73 ]
عين أنه عن داء رجعنا إلى قول الاطباء كذلك كما لا يخفي قوله: (والسعال القديم) وهو ما كان عن داء أما المعتاد فلا كما في فتح القدير. وظاهر الكتاب أن الحادث منه ليس بعيب ولو كان موجودا عندهما، والظاهر أن ما كان داء فهو قديم وأن هذا هو مراده من كونه قديما فالمنظور إليه كونه عن داء لا القدم ولذا قال في جامع الفصولين: السعال عيب إن فحش وإلا فلا اه (حكاية) في المستظرف: خطب المأمون بمرور فسعل الناس فنادى بهم إلا من كان به سعال فليتداو بشرب خل الخمر ففعلوا فانقطع عنهم السعال. قوله: (والدين) لان ماليته تكون مشغولة به والغرماء مقدمون على المولى. أطلقه فشمل دين العبد والجارية وما إذا كان مطالبا به للحال أو متأخرا إلى ما بعد العتق. وفرق بينهما الشافعي وهو حسن إذ لا ضرر على المولى في الثاني وجوابه أنه يلحقه ضرر بنقصا ميراثه منه حيث كان وارثا له، كذا في فتح القدير. وهو بحث منه مخالف للنقل. قال مسكين: والدين أي الدين الذي يطالب به في الحال، أما الدين المؤجل فإنه ليس بعيب، كذا في الذخيرة. والمراد المؤجل إلى العتق. وفي القنية: الدين عيب إلا إذا كان يسيرا لا يعد مثله نقصانا. وفي السراج الوهاج: إذا كان
على العبد دين أو في رقبته جناية فهو عيب لانه يجب بيعه فيه ودفعه فيها فتستحق رقبته بذلك، ويتصور هذا فيما إذا حدثت به الجناية بعد العقد قبل القبض، أما إذا كانت قبل العقد فبالبيع يصير البائع مختارا للجناية، فإن قضى المولى الدين قبل الرد سقط الرد لان المعنى الموجب للرد قد زال اه. وكذا إذا أبرأ الغريم كما في البزازية قوله: (والشعر والماء في العين) لانهما يضعفان البصر ويورثان العمى، ولا خصوصية لهما بل كل مرض بالعين فهو عيب ومنه السبل كما في المعراج وكثرة الدمع. وقد ذكر المصنف أولا ضابط العيب ثم ذكر عددا من العيوب ولم يستوفها لكثرتها فلا بأس بتعداد ما اطلعنا عليه في كلامهم تكثيرا للفوائد ولكثرة الاحتياج إليها في المعاملات. ففي المعراج: الثؤلول عيب، وكذا الخال إن كان قبيحا منقصا، والصهوبة حمرة الشعر إذا فحش بحيث تضرب إلى البياض، والشمط وهو اختلاط البياض بالسواد في الشعر في غير أوانه دليل الداء وفي أوانه دليل الكبر، والعشي عيب وهو ضعف البصر بحيث لا يبصر في الليل، والسن الساقط ضرسا كان أو غيره، وكذا السوداء والظفر الاسود المنقص للثمن، والعسر وهو العمل باليسار دون اليمين عجزا لا أن يكون عسر يسر وهو الاضبط الذي يعمل بهما، وقد كان عمر رضي الله تعالى عنه بهذه
[ 74 ]
الصفة فهو زيادة. والقشف وهو يبوسة الجلد وتشنج في الاعضاء والكي إن كان من داء والا لا كما في الحبشة. والحرن على وجه لا يستفز ولا ينقاد للراكب عند العطف والسير. والجمع عيب وهو أن لا يلين عند اللجام، وخلل الرأس من العذار، وبل المخلاة إن نقص وهو أن يسيل لعاب الفرس على وجه يبل المخلاة إذا جعل على رأسه وفيه علفه، وقيل أن يرميها وهو نوع من الجمع. والغرب في العين وهو ورم في المآقي وربما يسيل منه شئ حتى قال محمد: إنه إذا كان سائلا فصاحبه من أصحاب الاعذار. والشتر عيب وهو انقلاب في الاجفان وبه سمي الاشتر وهو لضعف البصر والحول كذلك. والحوص وهو نوع من الحول، والقبل في أنسان العين، وإذا كان في جانب فهو الحوص. والظفر وهو بياض يبدو
في إنسان العين وكل ذلك لضعف البصر وربما منعه أصلا. والجرب في العين وغيرها لكونه عن داء، والعزل وهو أن يعزل ذنبه في أحد الجانبين، والمشش وهو ورم في الدابة له صلابة، والفحج وهو تباعد ما بين القدمين، والصكك وهو أن يصكك إحدى ركبتيه على الاخرى، والحبل في بنات آدم عيب لكونه منقصا بخلافه في البهائم لكونه زيادة، والقرن عظم في المأتي مانع من الوصول، والرتق وهو لحم في المأتي، والعفل وهو أن يكون المأتي منها شبه الكيس لا يلتذ الواطئ بوطئها والكل يخل بالمقصود. والبرص والجذام وهو قيح يوجد تحت الجلد يوجد نتنه من بعيد. والفتق وهو ريح في المثانة وربما يهيج بالمرء فيقتله ولا يكون إلا لداء في الباطن، والسلعة وهي القروح التي تكون على العين، وقيل داء في الرأس يتناثر منه شعر الرأس، وقيل غدة تحت الجلد تدور بين اللحم والجلد، والدحس وهو ورم يكون في أطراف حارف الفرس والحمار، والحنف وهو إقبال كل واحد من الابهامين إلى صاحبه وهو ينقص من قوة المشي، وقيل الاحنف الذي يمشي على ظهر قدميه. والصدف التواه في أصل العنق، وقيل إقبال إحدى الركبتين إلى الاخرى. والشدق وهو سعة مفرطة في الفم، والتخنث، والحمق، وكونها مغنية، وشرب الخمر، وترك الصلاة وغيرها من الذنوب. وكل عيب يتمكن المشتري من إزالته بلا مشقة لا يرده به كإحرام الجارية ونجاسة الثوب. وقلة الاكل في البقرة عيب. ولو اشترى زوجي الخف وأحدهما أضيف من الآخر فإنه خرج عن العادة فله الرد، وإن كان الخف لا يتسع في اللبس وقد اشتراه له فهو عيب. والتراب في الحنطة الخارج عن العادة عيب فله ردها، وليس له أن يميز التراب ويرجع بحصته، ولو خلطه بها بعد التمييز أو انتقص الكيل والوزن بالتنقية امتنع الرد وله النقصان، وإن وجد الجارية دميمة أو سوداء لا ترد، وإن كانت محترقة الوجه لا يعرف جمالها وقبحها فله الرد. ولو امتنع الرد رجع بفضل ما بينهما، ولو اشترى دارا ليس لهامسيل أو أرضا لا شرب لها
[ 75 ]
أو مرتفعة لا تسقى إلا بالسكر فله الرد. اه ما في المعراج. ونقل منه في فتح القدير ولكن
يحتاج إلى ضبط بعض ألفاظ ليزول الاشتباه عنها: الثؤلول بهمزة ساكنة وزان عصفور ويجوز التخفيف والجمع الثآليل وهو من ثئل ثألا من باب تعب فالذكر أثأل والانثى تألاء والجمع ثؤل مثل أحمر وحمراء وحمر وهو داء يشبه الحبوب. وقال ابن فارس: الثأل داء يصيب الشاة فتسترخي أعضاؤها، كذا في الصحاح. والعشي من عشى عشيا من باب تعب ضعف بصره فهو أعشى والمرأة عشاء منه أيضا. والقشف من قشف الرجل قشفا فهو قشف من باب تعب لم يعتد النظافة وأصله خشونة العيش منه أيضا. والجمح من جمح الفرس براكبه يجمع بفتحتين جماحا بالكسر وجموحا مصد استعصى حتى غلبه فهو جموح بالفتح وجامح يستوي فيه الذكر والانثى، كذا في المصباح. ولم يذكر أن مصدره الجمح ولكن في الصحاح: جمح الفرس جموحا وجماحا وجمحا إذا أعثر فارسه وغلبه اه. فعلى هذا الجمح في كلامهم بفتح الجيم وسكون الميم. والغرب بفتح الغين المعجمة والراء الساكنة وللعين غربان، كذا في الصحاح. والحوص بفتحتين ضيف في مؤخر العين والرجل أحوص منه أيضا. والقبل بفتحتين في العين إقبال السواد على الانف. والعزل بفتحتين والاعزل من الخيل الذي يقع ذنبه في جانب ولك عادة لا خلقة وهو عيب منه أيضا والمشش بفتحتين وهو شئ يشخص في وطيفها حتى يكون له حجم منه أيضا. والسكك بفتحتين. ولو ذكروا من العيوب أيضا الصأك بصاد ثم همزة مفتوحة وهو من صئك الرجل يصأك صأكا إذا عرق فهاجت منه ريح منتنة من ذفر أو غير ذلك - كما في الصحاح - لكان أفود، ويمكن تخصيصه بالجارية كالبخر والدفر. والسلعة بكسر السين اسم لزيادة تحدث في الجسد كالغدة تتحرك إذا حركت وتكون من حمصة إلى بطيخة، والسلعة بالفتح الشجة منه أيضا وما قدمناه من تفسيرها بعيد. والحنف بفتحتين إعوجاج في الرجل. والصدف بالصاد والدال المهملتين يقال فرى أصدف إذا كان متداني الفخذين متباعد الحافرين في التواء من الرسغين، وقيل الصدف ميل في الحافر إلى الشق الوحشي، وقيل أن يميل خف البعير من اليد أو الرجل إلى الجانب الوحشي، فإن مال إلى الانسي فهو لا يعد منه أيضا. والشدق بفتح الشين وكسر الدال سعة الشدق وهو جانب
الفم منه أيضا. وفي فتح القدير: ومن العيوب العثار في الدواب إن كان كثيرا فاحشا، وأكل العذار، وعدم الختان في الغلام والجارية المولدين البالغين بخلافهما في الصغيرين، وفي الجليب من دار الحرب لا يكون عيبا مطلقا. وفي فتاوي قاضيخان: وهذا عندهم يعني عدم الختان في الجارية المولدة أما عندنا عدم الخفض في الجوار لا يكون عيبا اه. وفي السراج الوهاج: الزكام ليس بعيب والجنون عيب، وكذا العمى والعور والشلل والصمم والخرس
[ 76 ]
والاصبع الزائدة والناقصة والقروح والشجاج والامراض كلها. والادر عيب وهو انتفاخ الانثيين والعشي عيب وهو الذي لا يبصر بالليل، وكذا العمش والعنين والخصى. ولو اشتراه على أنه خصي فوجده فحلا لا خيار له. والكذب والنميمة عيب فيهما وقله الاكل في الدواب لا في بني آدم. والنكاح في الجارية والغلام فإن طلقها زوجها رجعيا فله الرد وإن كان بائنا سقط، وإذا وجدها محرمة عليه برضاع أو صهرية كأخته أو أم امرأته فليس بعيب لانه يقدر على الانتفاع بتزويجها وأخذ العوض وإذا وجدها لا تحسن الطبخ والخبز فليس بعيب، وإذا وجد في المصحف سقطا أو خطأ فهو عيب، وإن كانت معتدة من طلاق بائن فليس بعيب لانه لا سبيل للزوج عليها والحرمة عارضة كتحريم الحائض اه. وفي الخانية: لو اشترى جارية وقبضها ثم ادعى أن لها زوجا وأراد أن يردها فقال البائع كان لها زوج أبانها أو مات عنها قبل البيع كان القول قول البائع ولا ترد عليه، ولو أقام المشتري البينة على قيام النكاح لا تقبل بينته. ولو أقام البينة على إقرار البائع بذلك قبلت بينته، ولو قال البائع كان زوجها عبدي فلان أبانها قبل البيع والمشتري ينكر الطلاق كان القول قول البائع، فإن حضر المقر له بالنكاح وأنكر الطلاق كان للمشتري أن يردها، ولو قال البائع كان لها زوج عبدي يوم البيع فأبانها أو مات عنها قبل القبض أو بعده والمشتري ينكر الطلاق كان للمشتري أن يرد الجارية، ولو كان لها زوج عند المشتري فقال البائع كان لها زوج عندي غير هذا الرجل أبانها أو مات عنها قبل البيع كان القول قول البائع اه. وفي البزازية: التخنث نوعان:
أحدهما بمعنى الردئ من الافعال وهو عيب. الثاني الرعونة واللين في الصوت والتكسر في المشي فإنه قل لا يرد وإن كثر رده. ولو اشترى غلاما أمرد فوجده محلوق اللحية يرده، وعدم استمساك البول عيب. ولو اشترى حبلى فولدت عند المشتري لا خصومة له مع البائع، فإن ماتت في نفسها رجل بنقصان الحبل إن لم يعلم به عند الشراء. اشتراها على أنها صغيرة فإذا هي بالغة لا يردها. والثقب في الاذنين إن واسعا فهوعيب في التركية إن عدوه عيبا لا في الهندية. وإن وجد الحنطة مسوسة يرد لا رديئا وجع الضرس مرة بعد مرة عيب، وإذا كانت إحدى العينين زرقاء والاخرى غير زرقاء أو إحداهما كحلاء والاخرى بيضاء فهو عيب. وإذا كانت البقرة لا تحلب إن كان مثلها يشتري للحلب ردها وإن للحم لا، وإن كانت تمص إحدى ثدييها له الرد. وإن كانت الدابة بطيئة السير لا ترد إلا إذا شرط أنها عجول، وكونها وكون العبد أكو فليس بعيب وفي الجارية عيب لانها تفسد الفراش. اشترى عبدا فأصابه حمى في يده وكان في يد البائع أيضا إن اتحد الوقتان يرد وإن اختلف لا. والنقب الكبير في الجدار عيب. وكذا في بيوت النمل في الكرم إن فاحشا عيب، وكذا لو كان فيه ممر الغير أو مسيل
[ 77 ]
الغير. ولو وجد في المسك رصاصا ميزه ورده بحصته قل أو كثر، ولو وجد في الشحم ملحا كثيرا أو وجد في الدهن ودكا كثيرا فكالحنطة. أقر البائع بعد بيع السمن الذائب بموت فأرة فيه رجع عليه المشتري بالنقصان عندهما وعليه الفتوى اه. وفي جامع الفصولين: وكونه مقامرا إن كان يعد عيبا كقمار نرد وشطرنج ونحوهما فهو عيب، وكذا السحر عيب فيهما لما فيه من الضرر. وشرب الخمر عيب على سبيل الاعلان والادمان لا على الكتمان أحيانا. اشترى فرسا فوجده كبير السن قيل ينبغي أن لا ترد إلا إذا شرط صغر السن كالجارية إذا وجدها كبيرة السن اه. وفي الظهيرية: والدفن عيب وهو أن يسيل الماء من المتخرين. والاجهر عيب وهو من لا يبصر في النهار. والدحس وهو ورم يكون في أطرة حافر الفرس والاطرة دور الحافر، والفدع عوج في الرسغ بينه وبين الساعد وفي القدم كذلك عوج بين
عظم الساق، وفي الفرس التواء الرسغ من الجانب الايمن. والجرذ عيب وهو بالذال المعجمة كل ما حدث في عرقوب الدابة من ترند أو انتفاخ عصب. والهقعة وهي دائرة في عرض زوريعد عيبا ويتشاءم به ومنه يقال اتقوا الخيل المهقوع. والزور أعلى الصدر وفسره في المنتقى فقال: المهقوع الذي إذا سار سمع ما بين حاصرتيه وفرجه صوت. والانتشار وهو انتفاخ العصب عند الاعياء وتحرك الشظى كانتشار العصب غير أن الفرس لانتشار العصب أشد احتمالا منه لتحرك الشظى والشظى عظم ملتزق بالذراع. والشامة إن كانت على الخد كانت زينة فإن كانت على الارنبة كانت قبحا اه. وفي القنية: اشترى حانوتا فوجد بعد القبض على بابه مكتوبا وقف على مسجد كذا لا يرده لانها علامة لا تبنى الاحكام عليه. اشترى أرضا فظهر أنها ميشومة فينبغي أن يتمكن من الرد لان الناس لا يرغبون فيها، ولو شترى حمارا لا ينهق فهو عيب. وترك الصلاة في العيد لا يوجب الرد اه. وقدمنا خلافه. وفي آخر الباب من فتح القدير: قطع الاصبع عيب والاصبعان عيبان والاصابع مع الكف عيب واحد، وحذف الحروف أو نقصها والنقط أو الاعراب في المصحف عيب. فائدة: في ميم المصحف الحركات الثلاثة ذكره الكرماني من شرح كتاب الامامة. والمصراة شاة ونحوها اشد ضرعها ليجتمع لبنها ليظن المشتري أنها كثيرة للبن فإذا حلبها ليس له ردها عندنا، ولا يرجع بالنقصان في رواية الكرخي، ويرجع في رواية الطحاوي لفوات وصف مرغوب بعد زيادة منفصلة، ولو اختيرت للفتوى كان حسنا لغرور المشتري بالتصرية اه. وفي الظهيرية: التصرية ليست بعيب عندنا وكذا لو سود أنامل عبده وأجلسه على المعرض حتى ظنه المشتري كاتبا أو ألبسه ثياب الخبازين حتى ظنه خبازا فليس له أن يرده لانه
[ 78 ]
مغتر وليس بمغرور اه. وفي الحاوي القدسي في المصراة: وعن أبي يوسف أنه يردها وقيمة صاع من تمرو يحبس لبنها لنفسه اه. وهو أقرب إلى حديث المصراة الثابت في الصحيحين إلا أن الحديث أوجب رد الصاع وهو أوجب قيمته قوله: (فلو حدث آخر عند المشتري رجع
بنقصانه أو رد برضا بائعه) أي حدث بعدما اطلع على العيب القديم امتنع رده جبرا على البائع لدفع الاضرار عنه لكونه خرج عن ملكه سالما ويعود معيبا فتعين الرجوع بالنقصان إلا أن يرضى البائع بما حدث لرضا بالضرر إلا في مسألة فإن البائع إذا رضي بالعيب الحادث فإنه المشتري لا يجبر على رده وإنما يرجع بالنقصان هي ما إذا اشترى عبدا فظهر أنه قتل إنسانا خطأ عند البائع ثم قتل آخر عند المشتري فإنه البائع إذا أراد قبوله بالجنايتين لا يجبر المشتري وإنما يرجع بنقصان الجناية الاولى دفعا للضرر عنه لانه لو رده على بائعه كان مختار للفداء فيهما وتمامه في الولوالجية. أطلق في الحدوث فشمل ما إذا كان بآفة سماوية أو بعيرها، كذا في المعراج. وشمل ما إذا اشتراه مريضا فازداد في يده فإنه ليس له الرد، وقيل ينبغي أن يرد كما في وجع السن إذا ازداد إلا إذا صاصاحب فراش، كذا في خزانة الفقه. وفي جامع الفصولين: إذا تعيب عند المشتري بفعله أو بفعل أجنبي أو بآفة سماوية وظاهره أنه إذا تعيب عنده بفعل البائع لا يمتنع الرد وظاهر اطلاق الكتاب امتناع الرد جبرا أيضا وفي القنية اشترى عبدا وبه أثر قرحة وبرأت منه ولم يعلم به ثم عادت قرحة فاخبر الجراحون أن عودها بالعيب القديم لم يرده ويرجع بنقصان العيب وهذا بخلاف مسألة كانت به قرحة فانفجرت أوحدرى فانفجر عند المشتري فله الرد لان انفجاره ليس بعيب حادث اه ومن العيب الحادث ما لو اشترى ماله حمل ومؤنة في بلد فأراد أن يرده بعيب قديم في بلد آخر ليس له الرد جبر إلا في بلد العقد كالثمر ومن العيب الحادث نتف ريش الطير المذبوح فيمتنع الرد كما في القنية ثم اعلم أن حدوث العيب عند المشتري شامل لما إذا نقص عنده وحاصل ما إذا نقص المبيع إنه لا يخلوا ما أن يكون في يد البائع أو يد المشتري فإن كان لاول فعلى خمسة أوجه بفعل البائع أو بفعل المشتري أو أجنبي أو المعقود عليه أو بآفة سماوية فإن بفعل البائع خير المشتري وجد به عيبا أو لا إن شاء تركه وإن شاء أخذه وطرح من الثمن حصة النقصان وإن كان بفعل المشتري لزمه جميع الثمن وليس له أن يمسكه ويطلب النقصان ولو منعه البائع بعد جناية المشتري لاجل الثمن فللمشتري رده بالعيب ويسقط عنه الثمن إلا ما نقصه بفعله وإن كان
النقصان بفعل الاجنبي فالمشتري بالخيار بعيب أو لا إن شاء رضي به بجميع الثمن واتبع الجاني بإرشه وإن شاء تركه وسقط عنه الثمن وإن كان النقصان بآفة سماوية أو بفعل المعقود
[ 79 ]
عليه يرده بجميع الثمن أو يأخذه وجد به عيبا أو لا ولو أخذه يطرح عنه حصة جناية المعقود عليه وأما النقصان بعد القبض فإن كان بفعله أو بفعل المقعود عليه أو بآفة سماوية لا يرده بالعيب لانه يرده بعيبين ويرجع بحصة العيب إلا إذا رضي به البائع ناقصا وإن كان بفعل البائع أو الاجنبي يجب الارش على الجاني وأنه يمنع الرد ويرجع بحصة العيب من الثمن اه وفي الواقعات اطلع على عيب بالكفن لا يرده ولا يرجع بنقصان العيب إلا إذا أحدث به عيبا فله الرجوع بالنقصان وصورة الرجوع بالنقصان أن يقوم المبيع وليس به عيب قديم ويقوم وبه ذلك فينظر إلى ما نقص من قيمته لاجل النقصان وينسب إلى القيمة السليمة فإن كانت النسبة العشر رجع بعشر الثمن وإن كانت النصف فبنصف الثمن بيانه إذا اشترى ثوبا بعشرة دراهم وقيمته مائة درهم واطلع على عيب ينقصه عشرة دراهم وقد حدث به عيب عنده فإنه يرجع بعشرة الثمن وهو درهم ولو اشتراه بمائتين وقيمته مائة ونقصه العيب عشرة فإنه يرجع بعشر الثمن وذلك عشرون وإن نقصه عشرين رجع بخمس الثمن وهو أربعون وإن اشتراه بمائة وهو يساوي مائة ونقصه عشرة رجع بعشر الثمن وهو عشرة كذا في السراج الوهاج معزيا إلى الينابيع وفي البزازية وفي المقايضة إن النقصان عشر القيمة رجل بعشر ما جلع ثمنا والمقوم لا بد أن يكون اثنين يخبران بلفظ الشهادة بحضرة البائع والمشتري والمقوم الاهل في كل حرفة اه ويحتاج إلى الفرق بين التقويم هنا وفي كل موضع فإنهم اكتفوا في تقويم المتلفات بتقويم واحد كما في شرح المنظومة وظاهر الكتاب ان البائع إذا رضي برده فالخيار للمشتري بين الرد والامساك والرجوع بالنقصان وليس كذلك بل إذا رضي البائع فإنه يخير إن شاء أمسكه ولا رجوع له بالنقصان وإن شاء رده كما في المعراج وغيره وإذرجع بالنقصان ثم زال العيب الجديد فله رد المعيب مع النقصان ونقل في القنية فيها أقوالا ثلاثة الاول ما ذكرناه وقواه
بكتاب آخر ثم رقم للثاني بأنه ليس له الرد ثم رقم لثالث بأنه مال إلى أنه يرده ان كان بدل النقصان قائما والا فلا اه والذي يظهر ترجيح الاول لان العيب الحادث كان مانعا من الرد بالقديم وقد زال فيعود الرد والقائل بعدمه يقول أن الرد سقط والساقط لا يعود ويشهد له قولهم في خيار الرؤية لو باه ثم رد عليه بقضاء فإنه لا خيار له لانه قد سقط فلا يعود ومن العيب الحادث المانع من الرد ما إذا اشترى حديدا ليتخذ منه آلات النجارين وجعله في الكور ليجربه بالنار فوجد به عيبا ولا يصلح لتلك الآلات فإنه يرجع بالنقصان ولا يرده كما في القنية ومنه أيضا بل الجلود عيب حادث يمنع الرد بقديم وكذا بل الابر يسم منه أيضا وفي جامع الفصولين بل إبر يسما فرأى عيبه يرجع بنقصه وكذا الاديم لو أنقع في الماء فرأى عيبه
[ 80 ]
لم يرده وإن رضى بائعه وهذا شكل ولو أدخل في النار قدوما فرأى عيبه لم يرده إذا الحديد ينقص بالنار بخلاف الذهب والفضة كحديد أقول الذهب ينتقص في النار إذا ذاب إيضا اللهم إلا أن يكون قبل الذوب لو حدد سكينا فرأى عيبه فإن حدده بحجر فله الرد لا لو حدده بمبرد لانه ينتقض منه اه. وذكر قبله شرى شجرة ليتخذ منها بابا أو نحوه فقطعها فوجدها لا تصلح لذلك فله الرجوع بنقص العيب لا الرد إلا برضا بائعه اه. وأشار المصنف باشتراط رضا البائع إلى فرع في القنية لو رد المبيع بعيب بقضاء أو بغير قضاء أو تقايلا ثم ظفر البائع بعيب حدث عند المشتري فله الرد اه. يعني لعدم رضاه به أولا وفي البزازية رده ليشتري بعيب وعلم البائع بحدوث عيب آخر عند المشتري رد على المشتري مع إرش العيب القديم أو رضى بالمردود ولا شئ به وإن حدث فيه عيب آخر عند البائع رجع البائع على المشتري بإرش العيب الثاني إلا أن يرضى أن يقبل بعيب الثالث أيضا اه. ثم اعلم أنا كتبنا في الفوائد الفقهية أنه يستثنى من قولهم لو حدث به عيب وبه عيب قديم رجع بنقصه أ ورد برضا بائعه مسألتان إحداهما بيع التولية لو باع شيأ تولية ثم حدث به عيب عند المشتري وبه عيب قديم لا رجوع ولا رد لانه لو رجع صار الثمن الثاني أنقص من الاول وقضية التولية
أن يكون مثل الاول ذكره الشارح في بابها الثانية في السلم لو قبض المسلم فيه فوجد به عيبا كان عند المسلم إليه وحدث به عيب عند رب السلم قال أبو حنيفة خير المسلم إليه إن شاء قبله معيبا بالعيب الحادث وإن شاء لم يقبل ولا شئ عليه لا من رأس المال ولا من نقصان العيب كذا في الخانية من باب السلم وذكره الولوالجي هنا وعلله بأنه لو غرم نقصان العيب من رأس المال كما قال محمد كان اعتياضا عن الجودة وهو ربا اه. قوله: (ومن اشترى ثوبا فقطعه فوجد به عيبا رجع بالعيب) أي بنقصان العيب القديم لان القطع عيب حادث قوله: (وإن قبله البائع كذلك فله ذلك) لان الامتناع لحقه وقد رضى به وهو تكرار لان
[ 81 ]
رجوعه وجواز رده برضا بائعه في الثوب من أفراد ما قدمه ولم تظهر فائدة لافراد الثوب إلا ليترتب عليه مسألة ما إذا خاطه فإنه يمتنع الرد ولو برضاه وكان يمكنه أن يقول أولا أو رد برضا بائعه إلا عند حدوث زيادة ووطئ الجارية كقطع الثوب. وفي الظهيرية: ووطؤها يمنع الرد بالعيب بكرا كانت أو ثيبا وكان له أن يرجع بالنقصان إلا أن يقول البائع أنا أقبلها كذلك ووطئ غير المشتري كذلك يمنع الرد بالعيب سواء كان عن شبهة أو لا عن شبهة غير أن الوطئ إذا كان عن شبهة كان للمشتري أن يرجع بالنقصان، وإن قال البائع أنا أقبلها كذلك لمكان العقر الواجب بالوطئ عن شبهة، وإن كانت الجارية ذات زوج عند البائع فوطئها زوجها عند المشتري إن كان الجارية بكرا فليس للمشتري أن يردها، وإن كانت ثيبا إن نقصها الوطئ فكذلك الجواب، وإن لم ينقصها كان للمشتري أن يردها. هذا إذا وطئها الزوج مرة في يد البائع ثم وطئها عند المشتري فأما إذا لم يطأها عند البائع مرة إنما وطئها عند المشتري لم يذكر محمد هذا لفصل في الاصل، واختلف المشايخ فيه والصحيح أنها ترد بالعيب. ولو اشترى برذونا فحصاه ثم اطلع على عيب به بعد الخصاء كان له الرد إذا لم ينقصه الخصي، كذا في فتاوى أهل سمرقند، وكان الشيخ الامام ظهير الدين المرغيناني يفتي بخلافه اه قوله: (وإن باعه المشتري لم يرجع بشئ) لكونه حابسا له بالبيع لامكان الرد برضا
بائعه فكان مفوتا للرد، أطلقه فشمل ما إذا كان باعه بعد رؤية العيب أو قبله كما في فتح القدير، وما إذا كان لضرورة أو لا لما في القنية: اشترى سمكة فوجدها معيبة وغاب البائع ولو انتظر حضوره تفسد فشواها أو باعها ليس له أن يرجع بنقصان العيب ولا سبيل له في دفع هذا الضرر سئل عن مثلها في المشمش فقال: لا يرجع على قول أبي حنيفة اه. وفي المحيط معزيا إلى الجامع: اشترى عصيرا وقبضه ثم تخمر ثم وجد به عيبا لا يرده وإن رضي به البائع لان في الرد تمليك الخمر وتملكه قصدا لان الرد بالتراضي بيع جديد في حق المالك وحرمة تمليك الخمر حق الشرع فاعتبر بيعا جديدا في حقه، وإن صار خلا لا يرد إلا إذا رضي به البائع لانه تعيب عنده بعيب آخر لانه قبضه حلوا ويرده حامضا ويرجع بنقصان العيب في الحالين. وكذا النصرانيان تبايعا خمرا وتقابضا ثم أسلما ثم وجد المشتري بالخمر
[ 82 ]
عيبا لا يرده ويرجع بالنقصان، الاصل أن القضاء بثمنين معا مقابلا بالمبيع الواحد جائز لان اجتماع ثمنين في ذمة واحدة بمقابلة مبيع واحد على الترادف جائز بأن اشترى أحدهما وباعه من آخر ثم اشتراه منه. رجلان ادعى كل واحد عبدا في يد إنسان أنه باعه من ذي اليد وهو ينكر وإقاما البينة فعليه الثمنان، وكذلك لو قام كل واحد البينة أنه عبده باعه منه وقد نتج عنده الدعوى وقعت في الثمن لا في المبيع لان المبيع متى كان مسلما لا تقبل البينة على البيع لاثبات الملك فيه لاستغنائه عنه لانه إنما يفتقر إليه فيما يقدر على تسليمه فيستوجب الثمن على المشتري وقد استغنى عن تسليمه وتمامه فيه، وفي تلخيص الجامع من الشهادات في البيوع: القضاء بثمنين معا في عين جائز ومبيعين لا إلى أن فرع على الاول لو اطلع على عيب رده على أيهما شاء، ولو حدث به عيب عنده رجع بالنقصان على أيهما شاءلا عليهما. ثم اعلم أن البيع مانع من الرجوع بالنقصان مطلقا سواء كان بعد حدوث نقص عند المشتري أو قبله إلا إذا كان بعد زيادة كما سيأتي ولذا قال في المحيط: ولو أحرج المبيع عن ملكه بحيث لا يبقى لملكه أثر، بأن باعه أو وهبه أو أقر به لغيره ثم علم بالعيب لا يرجع بالنقصان، وكذا
لو باع بعضه، وإن تصرف تصرفا لا يخرجه عن ملكه بأن أجره أو رهنه أو كان طعاما فطبخه أو سويقا فلته بسمن أو بناء في العرصة ونحوه ثم علم بالعيب فإنه يرجع بالنقصان إلا في الكتابة اه. وذكر هنا مسألتين في فروق الكرابيسي من أول كتاب الوكالة قال: رجل اشترى جارية فقبضها فباعها من غيره وقبضها الثاني ثم اشتراها المشتري الاول من المشتري الثاني وقبضها ثم اطلع على عيب كان عند البائع الاول فإن المشتري الاول لا يرد لا على البائع الاول ولا على المشتري الثاني لانه لا يفيد لان قرار الرجوع عليه والوكيل بالشراء إذا سلمه إلى الموكل ثم اشتراه منه فوجد به عيبا يرده على البائع لان قرار الرجوع ليس عليه بل على
[ 83 ]
البائع الاول اه. وفي الولوالجية: وإذا طعن المشتري بعيب فصالحه على شئ أخذه أو حط من ثمنه شيأ فإن كان يقدر على رد المبيع والمطالبة بأرش العيب فالصلح جائز، وإن لم يقدر فالصلح باطل نحو أن يكون المشتري باع المعيب لكونه أبطل حقه في الرد متى باعه اه قوله: (ولو قطعه وخاطه أو صبغه أولت السويق بسمن فاطلح على عيب رجع بنقصانه كما لو باعه بعد رؤية العيب) لامتناع الرد بسبب الزيادة لان لا وجه للفسخ في الاصل دونها لانها لا تنفك عنه ولا وجه إليه معها لان الزيادة ليست بمبيعة فامتنع أصلا، وليس للبائع أن يأخذه لان الامتناع لحق الشرع لا لحقه فإن باعه المشتري بعد ما رأى العيب رجع بالنقصان لان الرد ممتنع أصلا قبله فلا يكون بالمبيع حابسا للمبيع. وعلى هذا قلنا إن من اشترى ثوبا فقطعه لباسا لولده الصغير وخاطه ثم اطلع على عيب لا يرجع بالنقصان، ولو كان الولد كبيرا يرجع لان التمليك حصل في الاول قبل الخياطة، وفي الثاني بعدها بالتسليم إليه، وهذا معنى ما في الفوائد الظهيرية من أن الاصل أن كل موضع يكون المبيع قائما على ملك المشتري ويمكنه الرد برضا البائع فأخرجه عن ملكه لا يرجع بالنقصان، وكل موضع يكون المبيع قائما على ملكه ولا يمكنه الرد، وإن قبله البائع فأخرجه عن ملكه يرجع بالنقصان اه. لكن وقع
التقييد بالخياطة في الثوب الموهوب للولد في الهداية وهو احترازي في الكبير اتفاقي في الصغير فإنه بمجرد القطع له صار ملكا له فلا رجوع. وفي الكبير القطع والخياطة على ملك نفسه فلما دفعه إليه بعدها أخرجه عن ملكه بعد امتناع رده شرعا فرجع، كذا في المعراج وسيأتي إن شاء الله تعالى في الهبة أنه لو اتخذ لولده الصغير ثيابا يملكه وفي الكبير بالتسليم وليس كالطعام يأكله على ملك أبيه لان الامر إذا توجه إلى وجوه فأولادها بالحكم أغلبها تعارفا والاغلب البر والصلة إلا إذا علم بالدليل كونه إعارة كالاشهاد عند الاتخاذ لعدم الاعتبار بالدلالة عند التعارض، كذا في هبة البزازية وقبلها: اتخذ لولده ثيابا ليس له أن يدفعها إلى غيره إلا إذا بين وقت الاتخاذ أنها عارية اه. فعلى هذا لو صرح بأنها عارية لا يسقط حقه في الرجوع بنقصان العيب إذا خاطه لولده الصغير. أطلق الصبغ فشمل كل لون ولكن في السراج الوهاج أو صبغه يعني أحمر فإن صبغه أسود فكذلك عندهما لان السواد عندهما زيادة، وعند أبي حنيفة السواد نقصان فيكون للبائع أخذه اه. وفي المصباح: لت الرجل السويق لتا من باب قتل بله بشئ من الماء وهو أخف من البس اه. وقد أشار المصنف إلى أن الزيادة المتصلة بالمبيع التي لم تتولد من الاصل مانعة من الرد كالغرس والبناء وطحن الحنطة وشئ
[ 84 ]
اللحم وخبز الدقيق. وفي فتح القدير: وفي كون الطحن والشئ من الزيادة المتصلة تأمل اه. وقيد بها لان الزيادة المتصلة المتولدة كالسمن والجمال وانجلاء بياض العين لا تمنع الرد بالعيب في ظاهر الرواية لانها تمحضت تبعا للاصل لتولدها منه مع عدم انفصالها فكان الفسخ لم يرد على زيادة أصلا، ولم يتكلم على الزيادة المنفصلة بقسميها متولدة وغير متولدة فالمتولدة كالولد واللبن والثمر في بيع الشجر والارش والعقر وهي تمنع الرد كالمتصلة غير المتولدة لتعذر الفسخ عليها، ففي فتح القدير: فيكون المشتري بالخيار قبل القبض إن شاء ردهما جميعا وإن شاء رضي بهما بجميع الثمن، وأما بعد القبض فيرد المبيع خاصة لكن بحصة من الثمن بأن يقسم الثمن على قيمته وقت العقد وعلى قيمة الزيادة وقت القبض، فإذا كانت
قيمته ألفا وقيمة الزيادة مائة والثمن ألف سقط عشر الثمن إن رده وأخذ تسعمائة اه. وهو سهو لانه غير مناسب لقوله أولا وهي تمنع الرد فكيف يقول إذا كان قبل القبض له ردهما وإن كان بعده فله رد المبيع خاصة فعلى كحال لا يمتنع الرد، وإنما يناسب هذا التقرير لو قلنا إنها لا تمنع الرد. وفي البزازية: إذا حدثت الزيادة بعد القبض واطلع على عيب عند البائع، فإن كانت منفصلة متولدة من الاصل تمنع الرد ويرجع بحصة العيب إلا إذا تراضيا على الرف يكون كبيع جديد اه. وأما ما في فتح القدير من التقرير فإنما ذكره في البزازية فيما إذا حدثت الزيادة قبل القبض ثم اطلع على عيب، فإن كان الاطلاع عليه قبل القبض خير كما ذكره، ولو بعد القبض رد المبيع خاصة بحصته من الثمن. وفي الصغرى: والزيادة المنفصلة تمنع الرد بالاجماع. وهل تمنع الاسترداد؟ فعلى الاختلاف عند محمد يسترد، وعندهما لا. وفي الولوالجية: وتفسير العقر مهر مثلها عند بعضهم، وقال بعضهم عشر قيمتها إن كانت بكرا ونصف عشر قيمتها إن كانت ثيبا. وذكر قبله الزيادة المنفصلة تمنع الرد بالعيب بعد القبض وسائر أسباب الفسخ كالاقالة والرد بخيار رؤية وغيره اه. وفي القنية: الزيادة
[ 85 ]
في المبيع إما قبل القبض أو بعده، وكل منهما على أربعة أوجه: متصلة ومنفصلة وكل منهما إما متولدة أم لا؟ فأما قبل القبض فالمتصلة المتولدة لا تمنع، والمتصلة غير المتولدة تمنع، وأما المنفصلة المتولدة لا تمنع فإن شاء ردهما أو رضى بهما بجميع الثمن. ولو وجد بالزيادة عيبا لا يردها إلا إذا أوجب نقصانا في المبيع فله خيار الرد لنقصان المبيع، ولو قبض الزيادة والاصل ثم وجد بالمبيع عيبا برده بحصته من الثمن لانه صار حصة للزيادة بعد قبضها، ولو وجد بها عيبا خاصة يردها خاصة بحصتها من الثمن. وأما المنفصلة التي لم تتولد منه كالهبة والصدقة الكسب فلا تمنع الرد فإذا رده فالزيادة للمشتري بغير ثمن عند أبي حنيفة ولا تطيب له، وعندهما للبائع ولا تطيب له. ولو قبض المبيع مع هذه الزيادة ووجد بالمبيع عيبا فعند أبي حنيفة يرد المبيع خاصة بجميع الثمن، وعندهما يرد مع الزيادة لانها حدثت قبل القبض. ولو
وجد بالزيادة عيبا يردها لان لا حصة لها من الثمن فلو ردها لردها بغير شئ، ولو هلكت الزيادة والمبيع بعيب يرده خاصة بجميع الثمن بالاجماع، وأما الزيادة بعد القبض فإن كانت متصلة متولدة تمنع الرد عندهما بالعيب ويرجع بنقصان العيب عندهما، وعند محمد لا ينفع (ط) لا تمنع الرد بالعيب في ظاهر الرواية وللمشتري طلب نقصان العيب، فإن طلب فليس للبائع أن يقول أنا أقبله كذلك عندهما. وقال محمد: له دلك. ولو كانت متصلة غير متولدة تمنع الرد إجماعا، ولو كانت منفصلة متولدة منه تمنع الرد ويرجع بحصة العيب، ولو كانت منفصلة غير متولدة كالكسب لا تمنع الرد بالعيب وتطيب له الزيادة. هذا إذا كانت الزياد قائمة، فإن هلكت ففيه ثلاثة أوجه: إما أن تهلك بآفة سماوية أو بفعل المشتري أو بفعل الاجنبي. ففي الاول له رد الاصل، وفي الثاني خير البائع إن شاء قبله ورد الثمن وإن شاء رد حصة العيب، في الثالث لا رد لان ضمانه كبقاء عينه ويرجع بحصة العيب اه. ولذا قال في المحيط: اشترى شاة حاملا فولدت عند البائع ولم تنقصها الولادة لا خيار للمشتري، فإن
[ 86 ]
قبضهما فوجد بأحدهما عيبا يرده بحصته من الثمن لانه قبضهما متفرقا، ولو ولدت بعد القبض لا يرد لان الزيادة الحادثة بعد القبض تمنع الرد واللبن كالولد اه. وفي جامع الفصولين: اعلم أن الزيادة نوعان: منفصلة ومتصلة، وكل منهما متولدة أولا، فالمتصلة التي لم تتولد تمنع الرد وفاقا وإن قبله البائع وله الرجوع بنقصه، والمتصلة المتولدة لا تمنع الرد في ظاهر الرواية، فإن أراد المشتري الرجوع بنقصه لا رده فله ذلك عند محمد لا عندهما، و المنفصلة المتولدة تمنع الرد وكذا تمنع الفسخ بسائر أسباب الفسخ، والمنفصلة التي لم تتولد لا تمنع الرد والفسخ بسائر أسباب الفسخ ثم قال: الصحيح أن المتصلة لا تمنع الرد بالعيب، ولا فرق في كون الولد مانعا من الرد بين ما إذا اشتراها حاملا أحائلا فولدت عنده، فإذا ولدت الامة امتنع ردها بعيب سواء هلك الولد أو لا بخلاف غيرها حيث لا يمنع رد الام بعيب إذا هلك الولد إذ الولادة لا تنقص في غير بنات آدم، ولو شرى أمة حاملا فولدت
زال العيب ثم قال: خيار الرؤية والشرط يبطل بولادة الامة مات الولد أولا، والولد الميت والبيضة الفاسدة لا تبطل الخيار إلا إذا نقصت بالولادة اه. ثم اعلم أن خياطة الثوب كما تمنع رده بعيب تمنع الرجوع بثمنه عند استحقاقه، فلو اشترى قميصا فقطعه وخاطه ثم برهن مستحق أن القميص له وقضى له به لم يرجع المشتري بالثمن على بائعه لكونه استحق بسبب حادث كما لو برهن أن الكم له والآخر أن الدخريص له بخلاف ما إذا قطعه ولم يخطه فبرهن أن القميص له رجع بالثمن، وتمامه في تلخيص الجامع. قوله: (أو مات العبد أو أعتقه) يعني يرجع بالنقصان إذا اطلع على عيب به يعد موته أو إعتاقه، أما الموت فلان الملك انتهى به والامتناع حكمي لا بفعله، وأما الاعتاق فالقياس أن لا يرجع لان امتناع الرد بفعله فصار كالقتل، وفي الاستحسان يرجع لان العتق إنهاء الملك لان الآدمي ما خلق في الاصل محلا للملك وإنما يثبت فيه الملك موقتا إلى الاعتاق فكان إنهاء كالموت. وهذا لان الشئ يتقرر بانتهائه فيجعل كان الملك باق والرد متعذر، والدليل على ثبوت أصل الملك مع الاعتاق ثبوت الولاء للمعتق وهو أثر من آثار الملك. وفي الصغرى: المشتري إذا باع من غيره فمات في يد الثاني ثم إطلع على عيب رجع بنقصان العيب على المشتري الاول، وليس للمشتري الاول أن يرجع على بائعه الاول بنقصان العيب عند أبي حنيفة خلافا لهما حتى لو صالح
[ 87 ]
المشتري الاول مع بائعه عن ذلك على شئ لا يصح عند أبي حنيفة لانه لا حق له اه، كذا في الكافي. وقد يقال: ما المانع من جعله من آثار العتق؟ ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى توابع الاعتاق وفيها تفصيل، فالتدبير والاستيلاد كالعتق لتعذر النقل مع بقاء المحل بالامر الحكمي، وأما الكتابة فمانعة من الرجوع لجواز النقل لجواز بيعه برضاه وتعجيزه نفسه فصار بها حابسا كالاعتاق على مال. وقيد في السراج والوهاج بأداء بدل الكتابة ليعتق ليصير عتقا على مال اه. وفي المحيط: مكاتب اشترى أباه أو ابنه لا يرده بالعيب لانه صار مكاتبا والكتابة تمنع زوال الملك بسائر الاسباب فكذلك الفسخ، ولا يرجع بنقصانه لان الجروع
بالنقصان خلف عن الرد بدليل أنه لا يصار إليه مع القدرة على الرد وإنما يثبت الخلف إذا وقع اليأس عن الاصل ولم يقع لقبولها الفسخ بخلاف ما إذا دبره ثم وجد به عيبا، فإن عجز المكاتب بعدما علم بالعيب رده المولى ويتولاه المكاتب لزوال المانع، فإن باعه المولى أو مات المكاتب رده المولى بنفسه كالوكيل إذا مات فإن أبرأه المكاتب قبل العجز لا يرده المولى، وإن أبرأه المولى قبل عجز المكاتب جاز. ولو اشترى المكاتب أم ولده ومعها ولدها لا يردها بالعيب ويرجع بنقصانه، ولو أبرأه المكاتب جاز. ولو اشترى المولى من مكاتبه عبدا لا يرده بالعيب ولا يخاصم البائع اه. ولو قال المؤلف أو هلك المبيع ليتناول هلاك غير الآدمي لكان أولى. وفي القنية: اشترى جدارا مائلا فلم يعلم به حتى سقط فله الرجوع بالنقصان. وفي جامع الفصولين: ذهب به إلى بائعه ليردء بعيبه فهلك في الطريق هلك على المشتري ويرجع بنقصه، وقدمنا حكم ما إذا قضى برده على البائع بعيبه فهلك عند المشتري. والحاصل أن هلاك المبيع ليس كإعتاقه فإنه إذا هلك المبيع يرجع بنقصان العيب، سواء كان بعد العلم به أو قبله. وأما الاعتاق بعد العلم به فمانع من الرجوع بنقصانه بخلافه قبله، وليس الاعتاق كاستهلاكه فإنه استهلكه فلا رجوع مطلقا إلا في الاكل عندهما، وقيل غير مانع من الرجوع بنقصه أيضا لوجوب الضمان به فهو كبيعه، كذا في السراج الوهاج. وفي جامع الفصولين: ولو شرى بعيرا فلما أدخله في داره سقط فذبحه رجل بأمر المشتري فظهر عيبه يرجع بنقصه عندهما، وبه أخذ المشايخ كما لو أكل طعاما، ولو علم عيبه قبل الذبح فذبحه هو أو غيره بأمره لا يرجع اه. وفي الواقعات: الفتوى على قولهما في الاكل فكذا هنا وفيه: ولو اتشرى
[ 88 ]
برا على أنه ربيعي فزرعه فإذا هو خريفي اختار المشايخ أنه يرجع بنقص العيب وهو قولهما بناء على ما إذا اشترى طعاما فأكله فظهر عيبه والفتوى على قولهما. ولو اشترى بزرا على أنه بزر بطيخ كذا فزرعه فظهر على صفة أخرى جاز البيع لاتحاد الجنس من حيث إنه بطيخ، واختلاف الصفة لا يفسد العقد، ولا يرجع بنقص العيب عند أبي حنيفة. شرى على أنه بزر
بطيخ شتوي فزرعه فإذا هو صيفي بطل البيع فيأخذ المشتري ثمنه وعليه مثل ذلك البزر. ولو شرى بزر الدوين فزرعه في أرضه ولم ينبت رجع على بائعه بكل ثمنه إن كان لنقصان فيه، وكذا لو شرى بزر البطيخ فزرعه فنبت القثاء أو شرى بزر القثاء فوجده بزر القثاء البلخي بطل البيع جملة. شرى حب القطن فزرعه ولم ينبت قيل يرجع بنقص عيبه، وقيل لا يرجع لانه أهلك المبيع اه. وفي القنية: بامنه دخنا للبذر وقال ازرعه فإن لم ينبت فأنا ضامن لهذا البذر فزرع فلم ينبت فعليضمان النقصان اه. وأشار بالاعتاق إلى الوقف فإذا وقف المشتري الارض ثم علم بالعيب رجع بالنقص، وفي جعلها مسجد اختلاف والمختار الرجوع بالنقص، كذا فجامع الفصولين وعليه الفتوى كما في البزازية. وإذا رجع بالنقصان سلم له لان النقصان لم يدخل تحت الوقف، كذا في البزازية أيضا قوله: (وإن أعتقه على ما أو قتله أو كان طعاما فاكله أو بعضه لم يرجع بشئ) أما الاول فلانه حبس ما هو بدله وحبس البدل كحبس المبدل منه، وقدمنا أن الكتابة بمعناه فلا رجوع. وأما قتله وأكل الطعام فالمراد إتلاف المبيع من المشتري مانع من الرجوع بنقصان العيب وهو ظاهر الرواية لان القتل لا يوجد إلا مضمونا وإنما يسقط هنا باعتبار الملك إن لم يكن مديونا، فإن كان مديونا ضمنه السيد، كذا في الكافي. فصار كالمستفيد به عوضا بخلاف الاعتاق فإنه لا يوجب ضمانا وقتل غيره مانع من الرجوع بنقصه أيضا لوجوب الضمان به فهو كبيعه، كذا في السراج الوهاج. وأما الاكل فالمذكور قوله، وأما عندهما فيرجع استحسانا، وعلى هذا الخلاف إذا لبس الثوب حتى تخرق، لهما أنه صنع بالمبيع ما يقصد بشرائه ويعتاد فعله له فأشبه الاعتاق، وله أنه تعذر الرد بفعل مضمون منه في المبيع فأشبه البيع والقتل ولا يعتبر بكونه مقصودا ألا ترى أن المبيع إنما يقصد بالشراء، ثم هو يمنع الرجوع وأكل البعض كأكل البكل لكونا كشئ واحد فصار كبيع البعض، وعنهما يرجع بالنقصان في الكل، وعنهما يرد مبقي لانه لا يضره التبعيض ويرجع بنقصان ما أكل وعليه الفتوى، كذا في الاختيار. والحاصل ان
[ 89 ]
الفتوى على قولهما في الرجوع بالنقصان كما في الخلاصة ورد ما بقي قالوا: والاصل في جنس هذه المسائل أن الرد متى امتنع بفعل مضمون من المشتري كالقتل والتمليك من غيره امتنع الرجوع بالنقصان، ومتى امتنع لا من جهته أو من جهته بفعل مضمون كالهلاك بآفة سماوية أو انتقص أو ازداد زيادة مانعة للرد أو الاعتاق أو توابعه كالتدبير والاستيلاد لا يمتنع الرجوع بالنقصان، وعلى هذا قال البزازي: لو وطئ المشتري الجارية ثم باعها بعد العلم بالعيب لا يرجع، وإن وطئها غير البائع ثم باعها يرجع بالنقصان اه. وفي المجتبى: لو أطعمه ابنه الكبير أو الصغير أو امرأته أو مكاتبه أو ضيفه لا يرجع بشئ، ولو أطعمه عبده أو مدبره أو أم ولده يرجع لان ملكه باق. ولو اشترى سمنا ذائبا وأكله ثم أقر البائع أنه كانت وقعت فيه فأرة رجع بالنقصان عندهما وبه يفتى. وفي الكفاية: كل تصرف يسقط خيار الشرط يسقط خيار العيب إذا وجد في ملكه بعد العلم بالعيب ولا رد ولا أرش اه. وفي القنية: ولو كان غزلا فنسجه أو فيلقا فجعله إبريسما ثم ظهر أنه كان رطبا وانتقص وزنه رجع بنقصان العيب بخلاف ما إذا باع اه. قيد بالطعام لانه لو اشترى كرما بثمره وذكر الثمر وأكل منها ثم وجد بالكرم عيبا فله رد الكرم، كذا في القنية. وقيد بكونه فعل بالمبيع لانه لو أتلف كسب المبيع بعد العلم بالعيب لا يكون رضا ولا يسقط شئ من الثمن، وكذا لو كان كسب المبيع جارية فوطئها أو حررها بخلاف إعتاق ولد المبيعة فإنه يكون رضا بعد العلم بالعيب، كذا في البزازية قوله: (ولو اشترى بيضا أو قثاء أو جوزا فوجده فاسدا ينتفع به رجع بنقصان العيب وإلا بكل الثمن) أي إن لم يكن منتفعا به فإن يرجع بجميع الثمن لانه ليس بمال فكان البيباطلا، ولا يعتبر في الجواز صلاح قشره على ما قيل لان ماليته باعتبار اللب، وإكان ينتفع به مع فساده لم يرده لان الكسر عيب حادث ولكنه يرجع بنقصان
[ 90 ]
العيب دفعا للضرر بقدر الامكان إلا أن يقبلها البائع مكسورا ويرد الثمن كما في البزازية. ولا بد من تقييد المسألة بكسره لانه لو اطلع على عيبه قبل كسره كان له رده، فلو قال فكسره
فوجده فاسدا أيضا لكان أولى. ولا بد أيضا من أن لا يتناول منه شيئا بعد العلم بعيبه لانه لو كسره فذاقه ثم تناول منه شيئا لم يرجع بنقصانه لرضاه به، وينبغي جريان الخلاف فيها كما لو أكل الطعام. وأطلق في الانتفاع فشمل انتفاعه به وانتفاع غيره من الفقراء والدواب علفا لهم. وأطلق البيض واستثنوا منه بيض النعامة إذا وجده فاسدا بعد الكسر فإنه يرجع بنقصان العيب لان ماليته باعتيار القشر بخلاف غيره. وقيد بوجود المبيع أي جميعه لانه لو وجد البعض منه فاسدا فإن كان قليلا جاز البيع لعدم خلوه عنه عادة ولا خيار له، وإن كان كثيرا فالصحيح عنده البطلان. وعندهما يجوز في حصة الصحيح منه، والقليل الثلاثة وما دونها في المائة، والكثير ما زاد، والفاكهة من هذا القبيل، كذا في المعراج. وفي فتح القدير: ولو اشترى دقيقا فخبز بعضه وظهر أنه مر رد ما بقي ورجع بنقصان ما خبز اه. وفي الواقعات: هو المختار. ولو قال المصنف فوجه معيبا لكان أولى لان من عيب الجوز قلة لبه وسواده كما في البزازية. وصرح في الذخيرة بأنه عيب وليس من باب الفساد وفيها: اشترى عددا من البطيخ أو الرمان أو السفرجل فكسر واحدا واطلع على عيب رجع بحصته من الثمن لا غير ولا يرد الباقي إلا إن يبرهن أن الباقي فاسد اه. ولهذا قال فوجده أي المبيع احترازا عما إذا كسر البعض فوجده فاسدا فإنه يرده أو يرجع بنقصه فقط ولا يقيس الباقي عليه قوله: (ولو باع المبيع فرد عليه بعيب بقضاء يرد على بائعه ولو برضاه لا) أي لا يرده على بائعه الاول لانه بالقضاء فسخ من الاصل فجعل البيع كأن لم يكن. غاية الامر أنه أنكر قيام العيب لكنه صار مكذبا شرعا بالقضاء كما في الهداية، ومنهم من جعله قول أبي يوسف. وعند محمد ليس له أن يخاصم بائعه لتناقضه، وعامتهم على أنه إن سبق منه جحود نصا بأن قال بعته وما به هذا العيب وإنما حدث عندك ثم رد علي بقضاء ليس له أن يخاصم بائعه، منهم من حملها على ما إذا كان ساكنا والبينة تجوز على الساكت ويستحلف الساكت أيضا لتنزيله منكرا، كذا في المعراج. أطلقه فشمل القضاء بإقرار وبينة ونكول عن اليمين. ومعنى القضاء بالاقرار أنه أنكر الاقرار فأثبت بالبينة كما في الهداية، أو أقر وأبي القبول فقضى عليه
[ 91 ]
كما في الكافي. وصورة الاقرار أن يقول اشتريته وبه ذلك العيب ولم أعلم به وقضى به ثم ادعاه على بائعه وبرهن ببينة أو استحلف بائعه، كذا في الولوالجية. وليس المراد منه أنه بمجرد القضاء عليه بإقراره يرده فليتأمل. وإن قبله بغير قضاء ليس له رده على بائعه لانه بيع جديد في حق الثالث وإن كان فسخا في حقهما والاول ثالثهما. أطلقه فشمل ما يحدث مثله، وما لا يحدث مثله وهو قول العامة، وتقييده في الجامع الصغير بما يحدث ليعلم حكم ما لا يحدث بالاولى، وفي بعض روايات الاصل أن ما لا يحدث مثله فالرضا به كالقضاء. وترك المصنف قيدا آخر وهو أن يكون بعد قبض المبيع لانه لو كان قبل قبضه فهو فسخ في حق الكل، سواء كان بقضاء أو رضا، كذا في المعراج معزيا إلى المبسوط. وقيد آخر وهو أن يكون البيع قبل الاطلاع على العيب إذا لو كان بعده ليس له الرد على بائعه ولو رد عليه بما هو فسخ، كذا في الصغرى. وأورد على كونه فسخا مسائل: الاولى لو كان المبيع عقارا فرد بعيب لم يبطل حق الشفيع في الشفعة. الثانية لو باع أمته الحبلى وسلمها ثم ردت بعيب بقضاء ثم ولدت فادعاه أبو البائع لم تصح دعوته ولو كان فسخا لصحت كما لو لم يبعها. الثالثة لو أحالة البائع غريمه على المشتري بالثمن ثم رد المبيع بعيب بقضاء لم تبطل الحوالة ولو كانت فسخا لبطلت. وأجاب في المعراج بأنه فسخ فيما يستقبل لافي الاحكام الماضية ولهذا قال شيخ الاسلام: قول القائل الرد بالقضاء يجعل العقد كأن لم يكن تناقض لان العقد إذا جعل كأن لم يكن جعل الفسخ كأن لم يكن لان الفسخ بدون العقد لا يتصور، فإذا انعدم العقد من أصله انعدم الفسخ من الاصل، وإذا انعدم الفسخ من الاصل عاد العقد لانعدام ما ينافيه ولكن يقال يجعل العقد كأن لم يكن في المستقبل لا في الماضي اه. والدليل على أن الفسخ إنما هو في المستقبل أن زوائد المبيع للمشتري ولا يردها مع الاصل ولهذا لو وهب مالا قبل تمام الحول ثم رجع الواهب بعد الحول لا تجب الزكاة عليه فيما مضى، كذا في المعراج. ولو وهب دارا وسلمها فبيعت دار بجنبها فأخذها الموهوب له بالشفعة ثم رجع
الواهب فيها لم يكن له الاخذ بشفعة، كذا في فتح القدير. وقد كتبنا في الفوائد أن الرد بالعيب بقضاء فسخ إلا في مسألة وإذا لم يرده في صورة الرضا لا رجوع له بالنقصان أيضا كما في المعراج. وإذا كان له الرد فله الرجوع بالنقصان كما في التهذيب يعني لو حدث عيب ورده بقضاء فله الارش ولو برضا لا. وقيد بالمبيع وهو العين احترازا عن الصرف فإنه يجعل فسخا إذا رد بعيب لا فرق بين القضاء والرضا لانه لا يمكن أن يجعل بيعا جديدا لان الدينار هنا لا يتعين في العقود، فإذا اشترى دينارا بدرهم ثم باع الدينار من آخر ثم وجد
[ 92 ]
المشتري الثاني بالدينار عيبا ورده على المشتري بغير قضاء فإنه يرده على بائعه لما ذكرنا كما في المحيط والخانية. وفي الكافي: المبيعان هنا واحد لان المعيب ليس بمبيع بل المبيع السليم فيكون المبيع ملك البائع فإذا رده على المشتري يرده على بائعه، أما هنا المبيعان موجودان فإذا قيل بغير قضاء فقد رضي بالعيب فلا يرده على بائعه اه. وذكر في الظهيرية ثم قال بعده: وعلى هذا إذا قبض رجل دراهم له على رجل وقضاها من غريمه فوجدها الغريم زيوفا فردها عليه بغير قضاء فله أن يردها على الاول اه. وخرج عن قوله بقضاء مسألة ذكرها في المبسوط: لو أقام المشتري الثاني أن العيب كان عند المشتري الاول ولم يشهد أنه كان عند البائع الاول فليس للمشتري الاول المخاصمة مع بائعة إجماعا لان المشتري الاول لم يصر مكذبا فيما أقر به ولم يوجد هنا قضاء على خلاف ما أقر به فبقي إقراره بكونها سليمة فلا يثبت له ولاية الرد، ولكن لم يذكره محمد، كذا في فتح القدير. والمعراج. اعلم أن القن إذا حكم برده بعيب الاباق على بائعه فاشتراه آخر فأبق عنده فله الرد على بائعه بالاباق السابق المحكوم به كما في الظهيرية. وإقرار المشتري الاول بإباقه لا ينفذ على من لم يشتر منه من الباعة بخلاف إقرار البائع الاول بدين على العبد فإن للمشتري الآخر
[ 93 ]
أن يرده على بائعه بإقرار الاول كما فيها أيضا. وفي التهذيب للقلانسي: لو وهب وسلم ثم
رجفيه بقضاء أو رضا فله الرد اه. ثم معنى قوله يرد على بائعه أن له أن يخاصم الاو ويفعل ما يجب أن يفعل عند قصد الرد ولا يكون الرد عليه ردا على بائعه بخلاف الوكيل بالبيع فإنه إذا رد عليه ما باعه بعيب بقضاء ببينة أو نكول أو بإقرار من المأمور بالبيع حيث يكون ردا على موكله من غير حاجة إلى خصومة لان تعدادها عند تعدد البيع، وهنا البيع واحد فإذا ارتفع رجع إلى الموكل. وهذا الاطلاق قيده فخر الاسلام يعيب لا يحدث مثله، أما فيما حدث مثله لا يرده بإقرار المأمور وإنما تعدى النكول إلى الموكل مع أنه إما إقرار أو بذل وليس له البذل لكونه ليس إقرارا ولا بذلا حقيقة. وإنما جرى مجراه بدليل أنه لو عاد وحلف بعد نكوله صح، ولو كان إقرارا لم يصح وصح القضاء بنكول المأذون عنها، ولو كان بذلا حقيقة لم يصح فلا يلزم اجراؤه في كل الاحكام. وفي الايضاح: إن رد على الوكيل بعيب لا يحد ث مثله بإقراره لا يرد وهو أوجه. وفي البزازية: والوكيل بالعيب رد عليه بعيب قضاء اقتصر عله وأن لا يحدث مثله في المدة هو الصحيح، وإن بقضاء ولا يحدث مثل في المدة ينظر جوابه والرد على الوكيل رد على الموكل مطلقا، وإن يحدث مثله في المدة فإن بنكول أو ببينة فرد على الموكل، وإن بإقرار فعلى الوكيل وله أن يخاصم الموكل والوكيل بالشراء له أن يخاصم قبل الدفع إلى الموكل كالمضارب، فإن برهن البائع على رضا لآمر أو أقر به الوكيل سقط الرد ولا يحلف الآمر على الرضا ولا وكيله ويرده الموكل بعد موت الوكيل بعيب، وإذا رده المشتري على الوكيل استرد الثمن منه إن كان نقده إليه وإلا فمن الموكل اه. وفي الولوالجية: إذا رد على الوكيل بإقراره بالعيب بلا قضاء لزمه دون الموكل هو الصحيح مطلقا، وظاهر ما في البزازية من الوكالة وهنا أن له أن يخاصم الموكل فليراجع. وقيد بخيار العيب
[ 94 ]
لانه لو رد على المشتري بخيار رؤية أو شرط فإنه يرده على بائعه، سواء كان بقضاء أو رضا، لكونه فسخا في حق الكل كما في المعارج والبزازية معزيا إلى الجامع جدد البائع مع المشتري ثانيا بأقل من الثمن الاول أو أكثر ثم رد عليه بعيب لم يكن له أن يرد على بائعه الاول اه.
وفي الصغرى: الغاصب إذا باع المغصوب وسلم فضمن القيمة للمالك ثم رد عليه بعيب فله أن يرد على المالك ويسترد القيمة لان سبب الضمان البيع والتسليم وقد صار ذلك كأن لم يكن اه. وقيد بقوله فرد لانه لو باعه فاطلع مشتريه على عيب قديم به لا يحدث مثله وحدث عنده عيب ورجع بنقصان العيب القديم، فعند أبي حنيفة لا يرجع البائع على بائعه بنقصان العيب القديم، وعندهما له أن يرجع، كذا ذكره الاسبيجابي ومثله في الصغرى قوله: (ولو قبض المشتري المبيع وادعى عيبا لم يجبر على دفع الثمن ولكن يبرهن أو يحلف بائعه) أي لم يجبر المشتري على دفع الثمن بعد دعوى العيب لانه أنكر وجوب دفع الثمن حيث أنكر تعين حقه بدعوى العيب ودفع الثمن أولا ليتعين حقه بإزاء تعين المبيع، ولانه لو قضى بالدفع فلعله يظهر العيب فينقض القضاء فلا يقضي به صونا لقضائه. وتعبير المصنف بلكن أولى من تعبير الهداية بقوله لم يجبر حتى يحلف بائعه أو يقيم بينة لما يلزم على ظاهرها فساد من وجهين: أحدهما أن يقتضي أن المشتري إذا أقام بينة على ما ادعاه يجبر على دفع الثمن وليس كذلك. ثانيهما أنه يقتضي أن البائع إذا طلب منه الحلف يجبر المشتري وإن لم يحلف وليس كذلك، وإنما يجبر بعد الحلف. ولا يلزم شئ مما ذكرناه على عبارة الكتاب والمعنى ولكن الامر لا يخلو من أحد شيئين: إما بينة المشتري فيتبين براءته بالرد على البائع، أو يمين البائع عند عجزه فيلزمه الدفع، ولكن بإقامة البينة لا يتعين الثمن بل إما هو أورد المبيع كما في العناية لان العيب إذا ثبت خير المشتري فلم يتعين الفسخ وأحسن الوجوه في تأويل الهداية أن معنى عدم الجبر عدم الحكم بشئ حتى يتبين الحال إما ببينة المشتري أو بيمين البائع. وفي إيضاح الاصطلاح: إقامة المشتري بينة على دعواه غاية لتعين عدم الجبر كالتحليف لا لعدم الجبر حتى يلزم الجبر على دفع الثمن عند إقامة البينة على العيب. وإنما قلنا إنه لتعيين عدم الجبر لاحتمال عدم قبول البينة فيجبر المشتري على دفع الثمن، ويحتمل أن تقبل فيبقى عدم الجبر كما كان ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم لا تقض لاحد الخصمين حتى تسمع كلام الآخر فإن
[ 95 ]
سماع كلام الآخر غاية لتعين عدم القضاء لا لعدم القضاء حتى يتعين القضاء لاحدهما عند سماع كلام الآخر اه. وقيد بقبض المبيع لان المشتري يستبد بالفسخ قبل القبض كما ذكرنا ولا جبر ههنا، كذا في المعراج. وقد يقال إنه اتفاقي لان للبائع المطالبة بالثمن قبل تسليم المبيع فإذا طالبة به قبل قبضه فادعى عيبا لم يجبر فصدق عدم الجبر قبل القبض أيضا. وفي الصغرى: إذا قال المشتري وجدت المبيع معيبا لا يجبر على أداء الثمن حتى يقيم البينة أو يحلفه، وكذا المديون إذا ادعى إيفاء الدين اه قوله: (وإن قال شهودي بالشام دفع حلف بائعه) لان في الانتظار ضررا بالبائع وليس في الدفع كبير ضرر به لانه على حجته فإن نكل التزم العيب لانه حجة منه وتحليف البائع في المسألتين إنما هو فيما إذا أقر بقيام العيب به ولك أنكر قدمه لما سيأتي. والمراد بقوله شهودي بالشام أنه قال أن له بينة غائبة عن المصر سواء كانوا بالشام أو بغيرها، والشام بلاد من مسامة القبلة وسميت لذلك أو لان موما من بني كنعان تشاءموا إليها أي ساروا أو سمي باشم بن نوح فإنه بالشين بالسريانية أو لان أرضها شامات بيض وحمر وسود وعلى هذا لا يهمز وقد يذكر، وهو شامي وشآم وشآمي، وأشام أتاها، وتشأم انتسب إليها، وشامهم تشئيما سيرهم إليها، كذا في القاموس. وقيد بدعواه غيبتهم عن المصر لانه لو قال لي بينة حاضرة أمهله القاضي إلى المجلس الثاني إذ لا ضرر فيه على البائع، ولو طلب الامهال إلى ثلاثة أيام أمهله، وإذا حلف بائعه في مسألة الكتاب وقضى بالدفع عليه ثم وجد المشتري بينة فأقامها تقبل، وليس هذا مما ينفذ فيه القضاء ظاهرا وباطنا عند أبي حنيفة لان ذلك في العقود والفسوخ ولم ينتاكر العقد بل حقيقة الدعوى هنا دعوى مال على تقدير فالقضاء هنا بدفع الثمن إلى غاية حضور الشهود بالمسقط. ولا خلاف في مثله أعني ما إذا قال لي بينة غائبة أو قال ليس لي بينة حاضرة ثم أتى ببينة تقبل، وأماءذا قال لا بينة لي فحلف خصمه ثم أتى ببينة في أدب القاضي تقبل في قول أبو حنيفة، وعند محمد لا تقبل، كذا في فتح القدير. وستأتي بشعبها في كتاب الدعوى قوله: (فإن ادعى أباقا لم يحلف بائعه حتى يبرهن المشتري أنه أبق عنده فإن برهن حلف بالله ما أبق عندك قط) أي إذا
ادعى عيبا يطلع عليه الرجال ويمكن حدوثة فلا بد من إقامة البينة أولا على قيامه بالمبيع مع
[ 96 ]
قطع النظر عن ق دمه وحدوثه لينتصب البائع خصما فإن لم يبرهن لا يمين له على البائع عند الامام على الصحيح، وعندهما يحلف على نفي العلم لان الدعوى معتبر حتى تترتب عليها البينة فكذا يترتب التحليف. وله أن الحلف يترتب على دعوى صحيحة ولا تصح إلا من خصم ولا يصير خصما فيه إلا بعد قيام العيب. وأورد عليه لزوم ذلك في دعوى الدين مع أنه في دعوى الدين يأمر القاضي المدعى عليه بالجواب قبل ثبوت أصل الدين مع أن فراغ الذمة عن الدين أصل والشغل عارض كالعيب عارض. وأجيب: لو شرط إثباته لم يتوصل المدعي إلى إثبات حقه لانه ريما تعذرت عليه بخلاف العيب لانه مما يعرف بآثار تعاين أو بقول الاطباء أو القابلة، كذا في المعراج. والحاصل أنه لا يلزم من ترتب البينة ترتب اليمين فقد ذكر في القنية المواضع التي يكون الانسان فيها خصما بالبينة دون اليمين وكتبناها في الفوائد، ولان التحليف إنما شرع لقطع الخصومة لا لانشائها. ولو استحلف البائع فحلف نشأ ت خصومة أخرى في قدمه وحدوثه، وأورد الشارح على هذا التعليل مسألة الشفعة فإن المشتري إذا أنكر ملك الشفيع يحلف، فإذا حلف نشأت خصومة أخرى في الشراء وإلايراد على هذا التعليل لا يضر في صحة الدليل السابق مع كونه مردودا من جهة أخرى هي أنه لا يضر أن تنشأ خصومة أخرى من اليمين وكثيرا اليمين ما يقع ذلك في الخصومات، ولم يظهر للمحقق ابن الهمام ما نقلناه عن المعراج من الفرق بين دعوى العيب ودعوى الدين فقال: إنه يلزمه الجواب للدعوى فيهما وعلى المدعي البرهان فيهما فالوجه التسوية بينهما في اليمين أيضا فيحلف البائع كما هو قولهما. وقوله على قول البعض ولذا قالوا: إن القاضي يسأل البائع فإن أقر بقيامه توجهت الخصومة في القدم والحدوث وهو يدل على أنه يلزمه الجواب فالفرق بينهما غلط. ثم اعلم أن الامام يصح بيعه للغنائم ولو في دار الحرب كما في التلخيص وشرحه. وقولهم لا يصح ببعها قبل القسمة وفي دار الحرب محمول على غير الامام
وأمينه، فلو اطلع المشتري على عيب لا يرده على البائع لان تصرفه حكم ولكن ينصب الامام رجلا للخصومة معه ولا يقبل إقراره بالعيب ولا يمين عليه لو أنكر وإنما هو خصم لاثباته بالبينة كالاب ووصيه في مال الصغير بخلاف الوكيل فإن إقراره مقبول فيه. وإذا أقر منصوب الامام بالعيب انعزل كالوكيل بالخصومة إذا أقر على موكله في غير مجلس القضاء فإنه
[ 97 ]
وإن لم يصح لكنه ينعزل به، ثم إذا رد بالعيب فإنه يضم إلى الغنيمة إن كان قبل القسمة، وإن كان بعدها فإنه يباع بالثمن، فإن نقص الثمن أو زاد كان ذلك في بيت المال، كذا في التلخيص وشرحه. وبما ذكرناه من أن الامين خصم في البينة ولا يمين عليه بقوى قول الامام وليس مراده خصوص عيب الاباق بل كل عيب لا بد فيه من المعاودة عند المشتري لا بد من أسباب وجوده عند المشتري لتقع الخصومة في قدمه وحدوثه كالبول في الفراش والسرقة والجنون على المختار، وأما ما لا يشترط وجوده عند المشتري كولادة الجارية وزناها وتولد الرقيق من الزنا فإن البائع يحلف عليه ابتداء عند عدم البرهان. وتحليف البائع كما في الكتاب بالله ما أبق عندك قط عبارة بعضهم وعبارة الجامع الكبير بالله لقد باعه وقبضه وما أبق قط قالوا: وإن شاء حلفه بالله ما له عليك حق الرد من الوجه الذي يدعي به. وفي فتح القدير: وكل من هذه العبارات حسنة، بقيت عبارتان محتملتان بالله لقد باعه وما به هذا العيب، وبالله لقد بعته وسلمته وما به هذا العيب. ويرد على عبارة الكتاب أنه لا مخلص فيها للمشتري لان العيب لو وجد عند بائع البائع يرده المشتري به كما في القنية والبزازية وذكره الزيلعي أيضا. وظاهر ما في فتح القدير أنه لم يطلع هو وأصحابه على نقل فيها لانه قال إنها مما تطارحناه إلى آخره. ولو حلف البائع بهذه العبارة لكان صادقا لانه ما أبق عنده قط، وكذا لو كان أبق من المورث أو الواهب أو مودعه أن مستأجره أو من الغاصب لا إلى منزل مولاه ويعرفه ويقوى على الرجوع فإنه عيب ففيه ترك النظر للمشتري، فلو حذ ف الظرف وقال بالله ما أبق قط لكان أولى لكن يرد عليها أيضا ما لو كان أبق عند الغاصب إذا لم يعلم منزل مولاه
أو لم يقدر على الرجوع إليه، وقدمنا أنه ليس بعيب ففيه ترك النظر للبائع، فإن أتى بالظرف كان فيه ترك النظر للمشتري، وإن حذفه كان فيه ترك النظر للبائع، فمن اختار حذف الظرف فر من محذور فوقع في آخر، ومن ذكره فكذلك. وأما العبارتان المحتملتان فيرد على الاولى منهما أنه لو كان باعه سليما ثم حدث به عند البائع قبل التسليم فإنه يرده عليه مع أنه صادق في قوله باعه وما به هذا العيب، فإذا قال بائعه بالله لقد سلمته وما به هذا العيب اندفع الاحتمال المذكور. ويرد على الثانية أنها توهم تعلقه بالشرطين جميعا فيتأوله الحالف في يمينه عند قيامه في إحدى الحالتين. وجوابه أن تأويله غير صحيح لان البائع نفى العيب عند البيع
[ 98 ]
وعند التسليم فلا يكون بارا في يمينه إذا كان موجودا في إحدهما كما أشار إليه في المبسوط. والاسلم والاخلص عبارة الجامع وما يليها كما لا يخفي، وتعقب في المحيط عبارة الجامع بجواز رضا المشتري وابترائه. وفي البزازية: والاعتماد على المروي عن الثاني بائا ما لهذا المشتري قبلك حق الرد بالوجه الذي يدعيه تحليفا على الحاصل اه. وصحح في المبسوط عبارة الجامع. وفي الهداية: إذا كان الدعوى في إباق الكبير يحلف بالله ما أبق منذ بلغ مبلغ الرجال لان الاباق في الصغر لا يوجب رده بعد البلوغ اه. ولا خصوصية للاباق بل كل عيب اختلف فيه الحال بين الصغر والكبر فالحكم كذلك كما في فتح القدير. والتحليف هنا بقوله ما أبق قط تحليف على البتات مع أنه على فعل غيره فمنهم من قال لكونه مدعيا العلم به، ومن ادعى علما بفعل غيره فإنه يحلف على البتات لاعلى نفي العلم كالمودع إذا ادعى قبض المودع لها حلف على قبضه وهو فعل غيره، والوكيل إذا ادعى قبض الموكل ثمن ما باعه حلف الوكيل على قبض الموكل. ومنهم من قال: ليس حاصله فعل الغير بل فعل نفسه وهو تسليمه سليما وهو قول السرخسي. والاول أوجه فإن معنى تسليمه سليما ليس المراد منه السلامة في حال التسليم بل بمعنى سلمته والحال أنه لم يسرق عندي فيرجع إلى الحلف على فعل الغير، كذا في فتح القدير. وأورد الامام ظهير الدين على الاول فقال: إلا أن هذا
لا يقوى بمسئلتين: إحداهما باع رجلان عبدا من آخر صفقة واحدة ثم مات أحدهما وورثة البائع الآخر ثم ادعى المشتري عيبا فإنه يحلف في حصته بالجزم وفي نصيب مورثه بالعلم عند محمد، وإن كان يدعي العلم بانتفائه. والثانية باع المتفاوضان عبدا وغاب أحدهما فادعى المشتري عيبا يحلف الحاضر على الجزم في نصيب نفسه وعلى العلم في نصيب الغائب وإن ادعى أن له علما بذلك، كذا في المعراج. وفي فتح القدير: والوجه عند ي أن يستشكل ما نحن فيه على هاتين المسألتين لا عكسه لان تحليفه في نصفه على البتات وفي نصف الآخر على العلم وهو واحد هو المشكل، والمسألتان مشكلتان لاستواء علمه وجهله بالنسبة إلى النصفين إلا أن يكون معنى المسألة أن يكون العبد عند كل من الشريكين مدة فيحلف على البتات في مدته ما أبق عندي وعلى نفي العلم في مدة شريكه، فلو لم تكن إقامته إلا عند الشريك لا يحلف إلا على البتات ويكتفي به إلا أن هذا غير معلوم فيحلف كما ذكر واو لو لم تكن إقامته إلا عند غير الحالف لكون العقد اقتضى وصف السلامة اه. أقول: ما ذكره من الوجه أولا ليس بالوجه لان الكلام السابق في قوة قولهم كل من ادعى علما بفعل غيره ولزمته اليمين فإن يحلف على البتات فيرد على هذه القاعدة على طريق النقض مسألتان: ادعى علما بفعل
[ 99 ]
غيره والتحليف في العلم والدليل على أنها قاعدة اعتبارها في مسائل أخرى منها ما في الخلاصة: لو قال إن لم يدخل فلان الدار اليوم فكذا ثم ادعى دخوله حلف على البتات بالله أنه دخلها. ومنها أن الوكيل إذا باع وادعى المشتري عيبا فإن الوكيل يحلف على نفي العلم والوصي لو باع وادعى المشتري عيبا يحلف على البتات لانه في الاول لا يدعي علما لكونه ليس في يده وهو في يد الوصي فيعلم عيبكما في القنية. ثم اعلم أن مذهب أبي يوسف التحليف على البتات في المسألتين وهما من مسائل الجامع الكبير كما في المحيط من باب المخاصمة في الرد بالعيب. وفي فتح القح دير: وقد ظهر بما ذكرنا كيفية ترتيب الخصومة في عيب الاباق ونحوه وهو كل عيب لا يعرف إلا بالتجربة والاختبار كالسرقة والبول في
الفراش والجنون والزنا، وبقي أصناف أخرى ذكرها قاضيخان وهي مع ما ذكرنا تتمة أربعة أنواع: الاول أن يكون ظاهرا لا يحدث مثله أصلا من وقت البيع إلى وقت الخصومة كالاصبع الزائدة والعمى والناقصة والسن الشاغية أي الزائدة، فالقاضي يقضي فيها بالرد إذا طلب المشتري من غير تحليف للتيقن به في يد البائع أو المشتري إلا أن يدعي البائع رضاه به أو العلم به عند الشراء والابراء منه، فإن ادعاه سأل المشتري فإن اعترف امتنع الرد، وإن أنكر أقام البينة عليه، فإن عجز يستحلف ما علم به وقت المبيع أو ما رضي به ونحوه، فإن حلف رده، وإن نكل امتنع الرد، الثاني أن يدعي عيبا باطنا لا يعرفه إلا الاطباء كوجع الكبد والطحال، فإن اعترف به عندهما رده، وكذا إذا أنكره فأقام المشتري البينة أو حلف البائع فنكل الا ان ادعى الرضا فيعمل ما ذكرنا وان أنكره عند المشترى يريه طبيبين مسلمين عدلين والواحد يكفي والاثنان أحوط، فإذا قال به ذلك يخاصمه في أنه كان عنده. الثالث أن يكون عيبا لا يطلع عليه إلا النساء كدعوى الرتق والقرن والعقل والثيابة وقد اشترى بشرط البكارة فعلى هذا إلا أنه إذا أنكر قيامه للحال أريت النساء والمرأة العادلة كافية، فإذا قالت ثيبا أو قرناء ردت عليه بقولها عندهما كما تقدم أو إذا انضم إليه نكوله عند تحليفه غير أن القرن ونحوه إن كان مما لا يحدث مثله ترد عند قول المرأتين هي قرناء بلا خصومة في أن ذلك عند
[ 100 ]
البائع للتيقن بذلك كما في الاصبع الزائدة إلا أن يدعي رضا فعلى ما ذكرنا. وفي شرح قاضيخان: العيب إذا كان مشاهدا وهو مما لا يحدث يؤمر بالرد، وإن كان مما يحدث واختلف في حدوثه فالبينة للمشتري لانه يثبت الخيار والقول للبائع لانه ينكر الخيار وهذا يعرف مما قدمناه. ولو اشترى جارية وادعى أنها خنثى يحلف البائع لانه لا ينظر إليه الرجال ولا النساء إلى هنا ما في فتح القدير تبعا لما في المعراج وفيه: ولو أراد المشتري الرد ولم يدع البائع عليه شيئا بسقطه لم يحلف المشتري لان التحليف لقطع الخصومة وفيه إنشاؤها. وعند أبي يوسف يحلف صيانة لقضائه عن النقض لو ظهر ذلك في ثاني الحال بالله ما علم بالعيب حين اشتراه
ولا رضي به ولا عرضه على البيع، وأكثر القضاة يحلفون بالله ما سقط حقك في الرد بالعيب من الوجه الذي يدعيه نصا ولا دلالة وهو الصحيح، وأحب إلي أن يستحلفه وإن لم يدع، ولو ادعى سقوط حق الرد يحلف اتفاقا اه. وقدمنا أن خيار العيب على التراخي ولو خاصم ثم ترك ثم عاد وخاصم فله الرد كما في المعراج أيضا. وذكر في الخلاصة والبزازية أن القاضي لا يستحلف الخصم بدون طلب المدعي إلا في مسائل منها: خيار العيب وقد ذكرناه. الثانية النفقة في مال الغائب لا يقضي بها حتى يستحلف المرأة. الثالثة الشفعة لا يقضي بها حتى يستحلف الشفيع وكتبناها في الفوائد الفقهية مفصلة. ثم اعلم أن القاضي إنما يحتاج إلى قول الاطباء عند عدم علمه بالعيب، أما إذ كان من ذوي المعرفة نظر بنفسه كما في البزازية ونظر أمين القاضي كهو كما في البدائع. واشتراط العدلين منهم إنما هو للرد وإن أخبر واحد عدل توجهت الخصومة فيحلف البائع كما فيها أيضا ولكن في أدب القاضي
[ 101 ]
ما يخالفه وفيها: لو أخبرت امرأة بأنها حامل وامرأتان بالعدم صحت الخصومة ولا يقبل قول النافية، فإن قال البائع ليست لها بصارة اختار القاضي ذات بصارة اه. وقدمنا أن للبائع أن يمتنع من القبول مع علمه بالعيب حتى يقضي عليه ليتعدى إلى بائعه، وقد صرح به في البزازية أيضا. وفي تهذيب القلانسي: لو أقام البائع بينة أنه حدث عند المشتري وأقام المشتري البينة أنه كان معيبا في يد البائع تقبل بينة المشتري اه قوله: (والقول في قدر المقبوض للقابض) لانه هو المنكر لما يدعيه المدعي. أطلقه فشمل ما إذا كان أمينا أو ضمينا كالغاصب وإن كان المقام مخصصا لما يتعلق بالعيب، فلو اشترى جارية وتسلمها ثم وجد بها عيبا فقال البائع بعتكها وأخرى معها وقال المشتري وحدها فالقول للمشتري. ولو حذف المنصف قوله في مقدار المقبوض لكان أولى لان القول للقابض فيما قبضه مطلقا مقدارا أو صفة أو تعيينا، فلو جاء ليرد المبيع بخيار شرط أو رؤية فقال البائع ليس هو المبيع فالقول للمشتري في تعيينه بخلاف ما إذا جاء ليرده بخيار عيب فإن القول للبائع كما في العمادية، وفرق
بينهما في فتح القدير. وإذا اختلفا في تعيين الزق فالقول للمشتري كما في الظهيرية، وإذا اشترى عبدين أحدهما بألف حالة والآخر بألف إلى سنة صفقة أو صفقتين فوجد بأحدهما عيبا فرده ثم اختلفا فقال البائع رددت ما ثمنه آجل وقال المشتري ما كان ثمنه عاجلا فالقول للبائع، سواء هلك ما في يد المشتري أو لا ولا تحالف. ولو كان الثمنان مختلفين فرد أحدهما
[ 102 ]
بعيب فادعى البائع أن ثمن المردود كذا وعكس المشتري فالقول للمشتري، كذا في الظهيرية. ومن مسائل الجامع الكبير: لو اشترى عبدا بألف وقبضه ووهب البائع له عبدا آخر وسلمه فمات أحد العبدين ثم أراد المشتري رد الباقي بعيب فادعى البائع أن المبيع هو الهالك والباقي هو الهبة وعكس المشتري ولا بينة فالقول للبائع ولو لم يجد عيبا وإنما أراد الواهب الرجوع وقال الحي هو الموهوب وأنكر المشتري فالقول للبائع، فإذا رجع فيه رجع المشتري الثمن المدفوع، إذا رجع رجع البائع بقيمة العبد الميت بعد التحالف، وإذا اختلفا في طول المبيع وعرضه فالقول للبائع وتمامه في الظهيرية من فصل الاختلافات من البيوع. وفي تلخيص الجامع من باب الاختلاف في المرابحة: اشترى ثوبا قيمته عشرة بعشرة ودفع إليه آخر ثوبا اشتراه بعشرة وقيمته عشرون ليبيع له مع ثوبه فقال لرجل هما قاما بعشرين فأبيعك بربح عشرة فاشتراهما ثم وجد بثوب الآمر عيبا فقال شريتهما صفقة وانقسم الربح على القيمة أثلاثا فأرده بثلثي الثمن فقال البائع ثمن كل ثوب عشرة فانقسم الربح على الثمنين فرد بنصفه فالقول للمشتري مع اليمين بجحده مزيد حادث بخلاف ما لم يدع عيبا لفقد الجدوى إلى أن قال: ولا تحالف وإن برهنا فالبينة للمشتري لاثباته زيادة حقيقة مقصودة وتمامه فيه. قيد بكونه مقبوضا لان المشتري بالخيار إذا أراد الاجازة في سلعة في يد البائع فقال البائع ما بعتكها قالوا: القول للبائع كما لو ادعى بيع عين وأنكر وإن كان الخيار للبائع فأراد الزام البيع في معين وأنكره المشتري فالقول للمشتري، كذا في الظهيرية من خيار التعيين. وشمل ما إذا ادعى المشتري بعد قبض المبيع أنه وجده ناقصا فالقول له لان القابض. قال في الخلاصة من
كتاب الصل: رجل باع من آخر إبريسما ووزنه عليه وقت البيع وحمله المشتري ثم رجع إليه بعد مدة وقال وجدته ناقصا، فإن كان النقص يكون بين الوزنين فلا شئ له، وإن كان أكثر
[ 103 ]
ينظر إن لم يسبق من المشتري إقرار بقبض كذا منا فله أن يمنعه من الثمن بإزاء النقصان ولو نقده رجع بذلك القدر، وإن أقر بقبضه ليس عليه شئ اه. فإن قلت: هل تقبل بينة القابض على ما ادعاه مع قبول قوله؟ قلت: نعم تقبل لاسقاط اليمين عنه كالمودع إذا ادعى الرد أو لهلاك وأقام بينة تقبل مع أن القول قولوالبينة لاسقاط اليمين مقبولة، كذا في الذخيرة من باب الصرف وذكر لقبولها فائدة أخرى هي أن الوكيل بالصرف لو رد عليه الدينار بعيب فأقر به وقبله كان عليه لا على الموكل، فلو أقام مشتريه بينة على أنه هو الذي قبضه من الوكيل قبلت لاسقاط اليمين عنه ولرجوعه إلى الموكل فليحفظ قوله: (ولو اشترى عبدين صفق فقبض أحدهما ووجد بإحدهما عيبا أخذهما أو ردهما) لان الصفقة تتم بقبضهما فيكون تفريقا فيكون تفريقا قبل التمام وهذا لان القبض له شبه بالعقد فالتفريق فيه كالتفريق في العقد. أطلقه فشمل ما إذا كان المعيب المقبوض أو غيره، ويروي عن أبي يوسف أنه إذا وجد بالمقبوض عيبا برده خاصة كأنه جعل غير المعيب تبعا له والاصح أنه يأخذهما أو يردهما لان تمام الصفقة تتعلق بقبض المبيع وهو اسم للكل فصار كحبس المبيع لما تعلق زواله باستيفاء الثمن لا يزول دون قبض جميعه، والعبدان مثال والمراد عبدان أو ثوبان أو نحوهما قوله: (ولو قبضهما ثم وجد بإحدهما عيبا رد المعيب وحده) لكونه تفريقا بعد التمام لان بالقبض تتم الصفقة في خيار العيب وسيأتي أن مسألة زوجي الخف ومصراعي الباب مستثناة من كلامه هنا. وعلى هذا إذا اشترى ثورين فوجد بأحدهما عيبا بعد القبض، فإن كان ألف أحدهما الآخر بحيث لا يعمل بدونه لا يملك رد المعيب وحده. وقيد بخيار العيب لانه ليس له رد أحدهما بخيار شرط أو رؤية قبل القبض أو بعده لان الصفقة فيها لا تتم إبالقبض، قيد بتراخي ظهور العيب عن القبض لانه لو وجد بأحدهما عيبا قبل القبض فإن قبض المعيب
منهما لزماه، أما المعيب فلوجود الرضا به، وأما الآخفلانه لا عيب به. ولو قبض السليم منهما فلو كانا معيبين فقبض أحدهما له ردهما جميعا لانه لا يمكنه الزام البيع في المقبوض دون
[ 104 ]
الآخر لما فيه من تفريق الصفقة على البائع، ولا يمكن إسقاط حقه في غير المقبوض لانه لم يرض به. ولو أعتق السليم أو باعه بعد القبضه لزمه الآخر كيلا تتفرق الصفقة على البائع لان الصفقة لا تتم إلا بقبض المبيع، كذا في المحيط. وشمل إطلاقه ما إذا اشترى خاتم فضة فيه فص وقلع الفص لا يضرب واحد منهما فوجد بأحدهما عيبا بعد القبض فله أن يقلع الفص ويرد المعيب منها، ولووجد بأحدهما عيبا قبل القبض ردهما، وكذا السيف المحلى والمنطقة المحلاة. ولو اشترى نخلا فيه تمر فجز التمر ثم وجد بأحدهما عيبا لا يرد أحدهما بل يردهما لانهما بمنزلة شئ واحد لان التمر بعض النخل لانه خرج منه بخلاف القص لانه ليس من الفضة، كذا في المحيط قوله: (ولو وجد ببعض الكيلي أو الوزني عيبا رده كله أو أخذه) لكونه كالشئ الواحد. أطلقه فشمل ما إذا كان قبل القبض أو بعده، وما وقع في الهداية من أن المراد بعد القبض فإنما هو ليقع الفرق بين القيميات والمثليات. وشمل ما إذا كان في وعاء واحد أو وعاءين، وقيل إنه مخصوص بما إذا كان في وعاء واحد، أما إذا كان في وعاءين فهو بمنزلة العبدين حتى يرد الوعاء الذي وجد فيه العيب دون الآخر. ولم يذكر المصنف حكم ما إذا كان المبيع متعددا لا يمكن الانتفاع بأحدهما إلا بالآخر إذا وجد بأحدهما عيبا قالوا: إنه بمنزلة المكيل والموزون فيخير إن شاء أخذهما أو ردهما قبل القبض وبعده لانهما كشئ واحد كزوجي خف ومصراعي باب وزوجي ثور ألف أحدهما الآخر، فلو وجد أحدهما أضيق، فإن كان خارجا عما عليه خفاف الناس في العادة يرد وإلا لا، وإن كان لا يسع رجله فإن كان اشتراهما للبس رد وإلا فلا كما في المحيط. ثم اعلم أن ما لا ينتفع بأحدهما إلا بالآخر له أحكام منها حكم العيب، ومنها لو قبض أحدهما بغير إذن البائع وهلك الآخر عند البائع يخير المشتري فيما قبض بحصته وإذن البائع في قبض أحدهما أذن في قبضهما، ومنها لو أعار أحدهما وأمر المستعير بقبضه لا يكون إذنا بقبض الآخر، ومنها لو
استحق أحدهما بعد القبض رد المشتري الآخر إن شاء، ومنها لو عيب المشتري المأخوذ ثم هلك الآخر في يد البائع ولم يمنعه إياه هلك على المشتري وءن منع البائع هلك على البائع، ومنها لو أحدث البائع بأحدهما عيبا بأمر المشتري صار قابضا لهما، ومنها لو رأى المشتري أحدهما فرضيه لم يكن رضا بالآخر، ومنها لو تعيب أحدهما لم يرد الآخر بعيب وخيار رؤية
[ 105 ]
ويرجع بالنقصان، ومنها لو استهلك رجل أحدهما يدفع إليه الآخر ويضمنه قيمتهما إن شاء، والمسائل كلها من المحيط. والحاصل أن حكم أحدهما حكم الآخر إلا في مسائل الاذن بقبض أحدهما في العارية لا يكون إذنا بقبض الآخر، ورؤية أحدهما لا تكون رؤية للآخر قوله: (ولو استحق بعضه لم يخير في رد ما بقي ولو ثوبا خير) لان المثلي لا يضره التبعيض والاستحقاق لا يمنع تمام الصفقة لان تمامها برضا العاقد لا برضا المالك. أطلقه وهو مقيد بما إذا كان بعد القبض، أما قبله فله أن يرد ما بقي لتفريق الصفقة قبل التمام. وأراد بالثوب القيمي لان التشقيص فيه عيب وقد كان وقت البيع حيث ظهر الاستحقاق بخلاف المكيل والموزون فشمل العبد والدار كما في النهاية. وينبغي أن تكون الارض كالدار. وحاصله أن المبيع أن استحق بعضه، فإن كان قبل القبض خير في الكل، وإن كان بعد خير في القيمي لا في المثلى، فإن قبض أحدهما دون الآخر فحكمه حكم ما إذا لم يقبضهما كما في المحيط. وفي جامع الفصولين: لو اشترى قنين فأراد رد أحدهما بعيب لا يشترط حضرة القن الآخر سواء رد بقضاء أو رضا، ويصح الرد ولو لم يكن المعيب حاضرا أيضا. وكذا لو استحق أحدهما لا يشترط حضرة الآخر سواء رد بقضاء أو رضا اه. وذكر في فصل الاستحقاق: شرى فبنى فاستحق نصفه ورد المشتري ما بقي على البائع فله أن يرجع على بائعه بثمنه وبنصف قيمة البناء لانه مغرور في النصف، ولو استحق نصفه المعين فلو كان البناء في ذلك النصف خاصة رجع بقيمة البناء أيضا، ولو كان البناء في النصف الذي لم يستحق فله أن يرد البناء ولا يرجع بشئ من قيمة البناء. شرى دارا فاستحقت عرصتها نقض البناء فقال
المشتري أنا بنيتها فارجع على بائعي وقال بائعه بعتها مبنية فالقول للبائع. شرى نصفه مشاعا فاستحق نصفه قبل القسمة فالمبيع نصفه الباقي، ولو استحق بعد القسمة فالمبيع نصفه الباقي وهو الربع اه. ثم قال: شرى دارا مع بنائه فاستحق البناء قبل قبضه قالوا يخير المشتري ان شاء أخذ الارض بحصته من الثمن وان شاء ترك ولو استحق بعد قبضه يأخذ الارض
[ 106 ]
بحصته ولا خيرا له والشجر كالبناء، ولو احترقا أو قلعهما ظالم قبل القبض أخذهما بجميع الثمن أو ترك ولا يأخذ بالحصة بخلاف الاستحقاق اه قوله: (واللبس والركوب والمداواة رضا بالعيب) لانه دليل الاستبقاء في ملكه. أطلق الركوب وهمقيد بما إذا ركبها في حاجته لما سيصرح به، وكذا المداواة إنما تكون رضا بعيب داواه، أما إذا داوى المبيع من عيب قد برئ منه البائع ويه عيب آخر فإنه لا يمتنع رده كما في الولوالجية. وفي خزانة الفقه: اختلفا قال البائع ركبتها لحاجتك وقال المشتري لا ردها عليك فالقول للمشتري. وقيد بخيار العيب لان هذه الاشياء لا تسقط خيار الشرط لان الخيار هناك للاختبار وأنه بالاستعمال فلا يكون مسقطا. وقيد بهذه الاشياء لان الاستخدام بعد العلم بالعيب لا يكون رضا استحسانا لان الناس يتوسعون فيه وهو للاختبار، هكذا أطلقه في المبسوط. ونقل عن السرخسي في البزازية أن الصحيح أن الاستخدام رضا بالعيب في المرة الثانية إلا إذا كان في نوع آخر. وفي الصغرى: الاستخدام مرة واحدة لا يكون رضا إلا إذا كان على كره من العبد اه قوله: (لا الركوب للسقي أو للرد أو لشراء العلف) أي لا يكون الركوب لهذه الاشياء رضا بالعيب. أطلقه وهو كذلك في الرد، وأما في السقي وشراء العلف فلا بد أن يكون لا بد له منه لصعوبتها أولعجزه أو لكون العلف في عدل واحد، أما إذا كان له بد منه فهو رضا كما في الهداية. وفي جامع الفصولين: ادعى عيبا في حمار فركبه ليرده فعجز عن البينة فركبه جائيا فله الرد اه. وفي البزازية: لو ركب لينظر إلى سيرها أو لبس لينظر إلى قدها فهو رضا. وفي فتح القدير: وجد بها عيبا في السفر فحملها فهو عذر. وأشار المؤلف رحمه الله
تعالى باللبس وأخويه لغير حاجة إلى أن كل تصرف يدل على الرضا بالعيب بعد العلم به يمنع الرد والارش فمن ذلك البيع والعرض عليه، وكتبناه في الفوائد إلا في الدراهم إذا وجدها البائع زيوفا فعرضها على البيع فإنه لا يمنع الرد على المشتري لان ردها لكونها خلاف حقه لان حقه ف يالجياد فلم تدخل الزيوف في ملكه بخلاف المبيع العين فإنه ملكه فالعرض رضا
[ 107 ]
بعيبه، ولا فرق بين أن يكون البائع في المسألتين قال له اعرضها على البيع فإن لم تشتر منك ردها علي أو لا. وقيدنا بالبيع لانه لو اشترى ثوبا فعرضه على الخياط لينظره أيكفيه أم لا لم يبطل حقه في رده بعيب، وكذا لو عرضها على المقومين لتقوم كما في جامع الفصولين. وفي البزازية: لو قال له البائع بعدلاطلاع أتبيعها قال نعم لزم ولا يتمكن من الرد. قال الشيخ الامام: وينبغي أن يقوبدل قوله نعم لا لانه نعم عرض على البيع ولا تقرير لمكنته. وفيها: الاستقالة بعد الاطلاع لا تمنع الرد بخلاف العرض ومن ذلك الاجازة والعرض عليها والمطالبة بالغلوب الرهن والكتابة، وهذا إذا كان بعد العلم بالعيب، فإن أجره ثم علم به فله نقضها للعذر ويرده بخلاف الرهن لانه لا يرده إلا بعد الفكاك، كذا في جامع الفصولين. ومنه إرسال ولد البقرة عليها ليرتضع منها أو حلبه لبن الشاة أو شرب اللبن. وهل يرجع بالنقصان؟ قولان. وليس منه أكل ثمر الشجر وغلة القن والدار وإرضاع الامة ولد المشتري وإتلاف كسب المبيع بعد علمه وضرب العبد إن لم يؤثر الضرب فيه، فإن أثر فلا رد ولا رجوع. وليس منه جز صوف الغنم إن نقصه، فإن لم ينقصه فله الرد، وكذا قطف الثمار إن لم ينقص. واستشكله في جامع الفصولين بأنه ينبغي أن لا يرد لانها زيادة منفصلة متولدة وهي تمنع الرد ولم أر فيها خلافا، ولكن يظهر من هذا أن فيها روايتين. ومنه كما في البزازية الوطئ بكرا كانت أو ثيبا، نقصها أو لا، فلا رد ولا رجوع. وكذا لو قبلها بشهوة أو لمسها لكن يرجع بالنقص إلا أن يقبلها البائع، وإن وطئها الزوج إن ثيبا ردها، وإن بكرا لا. وسكنى الدار أي ابتداؤها لا الدوام، ومنه سقي الارض
وزراعتها وكسح الكرم والبيع كلا أو بعضا بعد الاطلاع مانع من الرد، والرجوع وكذا الهبة والاعتاق مطلقا، كذا في الزازية. وفيها: دفع باقي الثمن بعد العلم بالعيب رضا. وفي الواقعات: الهبة رضا وإن لم يسلم العين إلى الموهوب له لانه أقوى من العرض اه. وفيها: لو عرض نصف الطعام على البيع لزمه النصف ويرد النصف كالبيع وجمع غلات الصيغة رضا، وكذا تركها لانها تصييع. وفي فتح القدير: هنا أن خيار العيب على التراخي عندنا فلا
[ 108 ]
يبطل بعد العلم به بالتأخير قوله: (ولو قطع المقبوض بسبب عند البائع رده واسترد الثمن) يعني لو اشترى عبدا قد سرق عند البائع ولم يعلم به وقت الشراء ولا وقت القبض فقطعت يده عند المشتري له أن يرده ويأخذ ما دفعه عند الامام. وقالا: يرجع بما بين قيمته سارقا إلى غير سارق. وعلى هذا الخلاف إذا قتل بسبب كان عند البائع. والحاصل أنه بمنزلة الاستحقاق عنده وبمنزلة العيب عندهما، لهما أن الموجود في يد البائع سبب القطع والقتل وأنه لا ينافي المالية فنفذ العقد فيه لكنه متعيب فيرجع ينقصانه عند تعذر رده وصار كما إذا ا شترى حاملا فماتت في يده بالولادة فإنه يرجع بفضل ما بين قيمتها حاملا إلى غير حامل وله ان سبب الوجوب في يد البائع في والوجوب يفضي إلى الوجود فيكون الوجود مضافا إلى السبب السابق وصار كما إذا قتل المغصوب أو قطع بعد الرد بجناية وجدت في يد الغاصب ومسألة الحامل ممنوعة. قيد بكونه بسبب عند البائع فقط لانه لو سرق عندهما فقطع بهما فعندهما يرجع بالنقصان كما ذكرنا، وعنده لا يرده بدون رضا البائع للعيب الحادث ويرجع بربع الثمن، وإن قبله البائع فبثلاثة الارباع لان اليد من الآدمي نصفه وقد تلفت بالجنايتين وفي أحدهما الرجوع فيتنصف، فلو تداولته الايدي ثم قطع في يد الاخير رجع الباعة بعضهم على بعض عنده كما في الاستحقاق. وعندهما يرجع الاخير على بائعه ولا يرجع بائعه على بائعه لانه بمنزلة العيب. ولم يقيد المصنف بعدم علم المشتري لسرقته عند البائع، وقيده به في الجامع الصغير وهو مفيد على قولهما لان العلم بالعيب رضا به ولا يفيد على قوله في
الصحيح لان العلم بالاستحقاق لا يمنع الرجوع، كذا في الهداية. ثم اعلم أنه لا أثر في الاستحقاق بعلم المشتري أنه ملك المستحق إلا فيما لو كانت جارية فأولدها عالما بأنها ملك الغير، فإن الولد رقيق لعدم الغرور كما في فصله من جامع الفصولين. وظاهر كلام المصنف أنه ليس بمخير بين إمساكه والرجوع بنصف الثمن وليس كذلك، بل هو مخير فله إمساكه وأخذ نصف الثمن لانه بمنزلة الاستحقاق لا العيب - كما ذكره الشارح - حتى لو مات بعد القطع حتف أنفه رجع بنصف الثمن عنده كالاستحقاق. ولو أعتقه المشتري ثم قتل أو قطعت يده به فإنه لا يرجع عنده بشئ لفوات المالية به، وعندهما يرجع بالنقصان. وإلى هنا ظهر أن الاختلاف بين الامام وصاحبيه في ستة مسائل: الاولى له رده عنده لا عندهما. الثانية في
[ 109 ]
كيفية الرجوع فعنده بالكل إن رده وبالنصف إن أمسكه، وعندهما بالنقصان. الثالثة إذا مات بعد القطع حتف أنفه فعنده يرجع بالنصف ولا رجوع عندهما. الرابعة لو أعتقه فلا رجوع عنده خلافا لهما. الخامسة في رجوع الباعة. السادسة العلم به لا يمنع الخيار عنده خلافا لهما. وقيد بكونه قطع عند المشتري لانه لو قطع عند البائع ثباعه فمات عند المشتري به فإنه يرجع بالنقصان عنده أيضا وبالقطع لانه لو اشترى مريضا فمات منه عند المشتري أو عبدا زنى عند البائع فجلد عند المشتري فمات به رجع بالنقصان عنده أيضا لان المريض والمقطوع عند البائع إنما ماتا بزيادة الآلام وترادفها عند المشتري وهي لم توجد عند البائع، وزنا العبد يوجب الجلد والموت غيره فلا يؤاخذ البائع لما لم يكن عنده. وكذا لو زوج أمته البكر ثم باعها وقبضها المشتري ولم يعلم بالنكاح ثم وطئها الزوج لا يرجع بنقصان البكارة وإن كان زوالها بسبب كان عند البائع لان البكارة لا تستحق بالبيع، كذا في فتح القدير. وكتبنا في شرح المنار من بحث الاداء والقضاء أنه لو بيع عند المشتري بدين كان عند البائع فإنه يرجع بالثمن فالمسائل الموردة عليه خمس قوله: (ولو برئ من كل عيب به صح وإن لم يسم الكل ولا يرد بعيب) لان الجهالة في الاسقاط لا تفضي إلى المنازعة وإن كان في ضمنه
التمليك لعدم الحاجة إلى التسليم فلا تكون مفسدة، ويدخل تحت الابراء الموجود والحادث قبل القبض في قول الثاني وذكره مع الامام في المبسوط وشرح الطحاوي. وفي الخانية أنه ظاهر مذهبهما. وقال محمد: لا يدخل فيه الحادث. وهو قول زفر لان البراءة تتناول الثابت. ولابي يوسف أن الغرض إلزاالعقد بإسقاط حقه عن صفة السلامة وذلك بالبراءة من الموجود والحادث. وأجمعو أنه لو أبرأه من كل عيب به لا يدخل الحادث ولا يرد علينا عدم صحة أبرأت أحد كمالجهالة من له الحق كقوله لرجل علي كذا، ولو قال أبرأتك من كل عيب به وما يحدث لم يصح إجماعا فاستشكل قول أبي يوسف لانه مع التنصيص لا يصح فكيف يصححه ويدخله بلا تنصيص؟ ولكن هذا على رواية الاسبيجابي، وأما على رواية المبسوط فيصح الاشتراط باعتبار أنه يقيم السبب وهو العقد مكان العيب الموجب للرد. وفي
[ 110 ]
البدائع: لو باع على أنه برئ من كل عيب يحدث بعد البيع فالبيع بهذا الشرط فاسد عندنا لان الابراء لا يحتمل الاضافة، وإن كان اسقاطا ففيه معنى التمليك ولهذا لا يقبل الرد فلا يحتمل الاضافة نصا كالتعليق فكان شرطا فاسدا فأفسد البيع اه. ولو اختلفا في عيب أنه حادث بعد العقد أو كان عنده لا أثر لهذا عند أبي يوسف، وعند محمد القول للبائع مع مينه على العلم بأنه حادث، هذا إذا أطلق، أما إذا أبرأه مقيدا بعيب كان عند البائع ثم اختلفا على نحو ما ذكرنا فالقول للمشتري، كذا في البدائع. ولو شرطها من عيب واحد كشجة فحدث عند المشتري عيب أو موت فاطلع على آخر فأراد الرجوع بالنقصان جعل أبو يوسف الخيار للبائع في التعيين، وجعله محمد رحمه الله تعالى للمشتري، ومحله ما إذا لم يعينها عند البيع بل أبرأه من شجة به أو عيب، ولو أبرأه من كل غائلة فهي في السرقة والاباق والفجور، ولو أبرأه من كل داء فهو على ما في الباطن في العادة وما سواه يسمى مرضا. وقال أبو يوسف: يتناول الكل. ولو قبل الثوب بعيوبه يبرأ من الخروق وتدخل الرقع والرفو، ولو أبرأه من كل سن سوداء تدخل الحمراء والخضراء، ومن كل قرح تدخل القروح الدامية، كذا في المعراج.
والاثر الذي برئ منه ولا يدخل الكي كما في الخانية. وفي المحيط: أبرأتك من كل عيب بعينه فإذا هو أعور لا يبرأ لانه عدمها لا عيب، وكذا لو قال بيده فإذا هي مقطوعة لا يبرأ بخلاف قطع الاصبع، وبخلاف ما إذا برئ من كل عيب به، كذا في الواقعات. ولو قال أنا برئ من كل عيب إلا إباقة برئ من إباقه، ولو قال إلا الاباق فله الرد بالاباق لانه لم يضف الاباق إلى العبد ولا وصفه به فلم يكن اعترافا بوجود الاباق للحال لان هذا الكلام كما يحتمل التبرئ عن إباق موجود من العبد يحتمل التبري عن إباق سيحدث في المستقبل فلا يكون مقرا بكونه آبقا للحال بالشك فلا يثبت حق الرد بالشك اه. ولو قال أنت برئ من كل حق لي قبلك دخل العيب هو المختار دون الدرك. وفي الصغرى: المشتري الاول إذا أبرأ بائعه عن العيب بعدما اطلع الثاني عليه صح ولا يرده على بائعه إذا رد عليه. وفي الخانية: إذا باع جارية وقال أنا برئ من كل عيب بها فهو برئ من كل عيب بها، ولو قال أنا برئ منها لا يبرأ عن شئ من العيوب، ولو قال أبرأتك عن كل عيب ولم يقل بها فهذه براءة عن كل عيب اه. وفيها: باع شيأ على أنه برئ من كل عيب لا يكون إقرارا بالعيب، ولو شرط البراءة عن عيب واحد أو عيبين كان ذلك إقرارا بذلك العيب، بيانه إذا باع عبدين على أنه برئ من كل عيب بهذا العبد بعينه وسلمهما إلى المشتري فاستحق أحدهما ووجد المشتري
[ 111 ]
بالآخر عيبا لزمه المعيب بحصته من الثمن فيقسم الثمن على العبدين وهما صحيحان لا عيب بهما، فإذا عرفت حصة المستحق رجع المشتري على البائع بحصة المستحق من الثمن. ولو باع عبدين بثمن واحد على أنه برئ من عيب واحد بهذا ثم استحق أحدهما فوجد بالذي برئ عن عيب واحد عيبا فإنه يقسم الثمن عليهما على قيمة المستحق صحيحا وعلى قيمة الآخر وبه عيب واحد فإذا عرفت حصة المستحق رجع المشتري على البائع بذلك. اه ما في الخانية. ولم يذكر المصنف رحمه الله تعالى الصلح عن العيب كما لم يذكر الكفالة به وقدمنا طرفا منهما ولا بأس بذكرهما هنا تتميما للفائدة. أما الاول فقدمنا أنه إن كان الدافع البائع والمبيع للمشتري
كان جائزا حطا من الثمن وإن كان المشتري ليأخذه البائع لا. وفي فتح القدير: لو اصطلحا على أن يحط كل عشرة ويأخذ الاجنبي بما وراء المحطوط ورضي الاجنبي جاز، وجاز حط المشتري دون البائع. ولو قصر المشتري الثوب فإذا هو متخرق وقال المشتري لا أدري تخرق عند القصار أو عند البائع فاصطلحوا على أن يقبله المشتري ويرد عليه القصار درهما والبائع درهما جاز، وكذا لو اصطلحا على أن يقبله البائع ويدفع له القصار درهما ويترك المشتري درهما، قيل هذا غلط وتأوليه أن يضمن القصار أولا للمشتري ثم يدفع المشتري ذلك للبائع اه. وفي الصغرى: ادعى عيبا في حازية فأنكر فاصطلحا على مال على أن يبرئ المشتري البائع عن ذلك العيب ثم ظهر أنه لم يكن به هذا العيب أو كان بها لكن برئت وصحت كان للبائع أن يرجع على المشتري ويأخذ ما أدى من البدل، وفي القنية: باع المشتري بعد الصلح عن العيب ثم زال العيب في يد المشتري الثاني ليسللبائع أن يرجع على مشتريه ببدل الصلح إن زال بمعالجة المشتري الاول وإلا فلا اه وفيها: اشترى حمارا ووجد به عيبا قديما فأراد الرد فصولح بينهما بدينار وأخذه ثم وجد به عيبا آخر قديما فله أن يرد مع الدينار وقيل يرجع بنقصان العيب اه. وإلى هنا ظهر أن خيار العيب يسقط بالعلم به وقت البيع أو وقت القبض والرضا به بعدهما أو اشتراط البراءة من كل عيب أو الصلح على شئ. وفي جامع الفصولين: لو اشتراه على أن عيبه حادث فظهر أنه قديم لا يرده أو الاقرار بأن لا عيب به إذا عينه. قال في الصغرى: إذا قال المشتري ليس به عيب لا يكون إقرارا بانتفاء العيوب حتى لو وجد به عيبا كان له أن يرده. ولو عين فقال ليس بآبق كان إقرارا بانتفاء الاباق، وكذا لو شهدوا أنه باع بشرط البراءة من كل عيب لا يكون إقرارا من الشهود بالعيب حتى لو اشتراه الشاهد فوجد به عيبا كان له أن يرد، وكذا لو شهدوا على أنه باعه على أنه برئ من الاباق ثم اشتراه الشاهد فوجد به عيبا كان له أن يرد، كذا لو شهدوا على أنه باعه على أنه برئ من الاباق ثم اشتراه الشاهد فوجده آبقا فله الرد، ولو على أنه برئ من إباقه فليس للشاهد رده بإباقه
[ 112 ]
اه. وفي الولوالجية: البائعة إذا تزوجت المشتري على أرش العيب صح وكان إقرارا منها
بالعيب، وكذا البائع إذا اشترى منه أرش العيب كان إقرارا به بخلاف الصلح عنه لا يكون إقرارا به. وأما ضمانه ففي البزازية: اشترى عبدا وضمن له رجل عيوبه فاطلع على عيب فرده لا ضمان عليه عند الامام لانه ضمان العهدة، وعلى قول الثاني يضمن لانه ضمان العيوب. وإن ضمن السرقة أو الحرية أو الجنون أو العمى فوجده كذلك ضمن الثمن للمشتري، وإن مات عنده قبل الرد قضى على البائع بالنقص ورجع به على الضامن. ولو ضمن له بحصة ما يجده من العيوب من الثمن فهو جائز عند الامام، فإن رده المشتري رجع بكل الثمن على الضامن، وإن لم يرده وقضى بالنقص على البائع رجع على الضامن كما يرجع على البائع. وعن الثاني قال رجل للمشتري ضمنت لك عماه فكان أعمى فرده لم يرجع على الضامن بشئ، ولو قال إن كان أعمى فعلى صحة العمى من الثمن فرده ضمن حصة العمى، ولو وجد به عيبا فقال رجل للمشتري ضمنت لك هذا العيب فالضمان باطل اه والله أعلم. باب البيع الفاسد أخره لكونه عقدا مخالفا للدين كما في فتح القدير. وصرح الولوالجي رحمه الله تعالى من الفصل السابع بأنه معصية يجب رفعها، وسيأتي في باب الربا أن كل عقد فاسد فهو ربا. والفاسد له معنيان: لغوي واصطلاحي. فالاول فسد كنصر وعقد وكرم فسادا وفسودا ضد صلح فهو فاسد وفسيد من فسدي ولم يسمع انفسد، والفساد أخذ المال ظلما والجدب. والمفسدة ضد المصلحة، وفسده تفسيدا أفسده وتفاسدوا قطعوا أرحامهم، واستفسد ضد استصلح، كذا في القاموس. وفي المصباح: واعلم أن الفساد إلى الحيوان أسرع منه إلى النبات، وإلى النبات أسرع منه إلى الجماد لان الرطوبة في الحيوان أكثر من الرطوبة في النبات، وقد يعرض للطبيعة عارض فتعجز الحرارة بسببه عن جيرانها في المجاري الطبيعية الدافعة لعوارض العفونة فتكون العفونة بالحيوان أشد تثبتا منها بالنبات فيسرع إليه الفساد فهذه هي الحكمة في قول الفقهاء يقدم القاضي ما يتسارع إليه الفساد فيبدأ ببيع الحيوان.
[ 113 ]
ويتعدى بالهمزة والتضعيف والمفسدة خلاف المصلحة وجمعها المفاسد اه. وحاصله أنه ما تغير وصفه ويمكن الانتفاع به لما في البناية: يقال فسد اللحم إذا أنتن مع بقاء الانتفاع به. وأما الثاني قالوا: هو ما كان مشروعا بأصله لا بوصفه ولا يخفى مناسبته للمعنى اللغوي. ومرادهم من مشروعية أصله كونه مالا متقوما لا جوازه وصحته فإن كونه فاسدا يمنع صحته. ولقد تسمع في البناية حيث عرفه بأنه ما لا يصح وصفا فإنه يفيد أنه يصح أصلا ولا صحة للفاسد. وإنما أطلقوا المشروعية على الاصل نظرا إلى أنه لو خلى عن الوصف لكان مشروعا وإلا فمع اتصافه بالوصف المنهي عنه لا يبقى مشروعا أصلا. والمراد بالفاسد هنا ما يعم الباطل لانهم يذكرون في هذا الباب ما يعم الباطل أيضا فالمراد به ما لم يكن مشروعا بوصفه أعم من أن يكون مشروعا بأصله أو لا والبياعات المنهي عنها ثلاثة: فاسد وباطل ومكروه تحريما. فالفاسد بيناه، وأما الباطل فله معنيان: لغوي واصطلاحي. فالاول يقال بطل الشئ يبطل بطلا وبطولا وبطلانا بضم الاوائل فسد أو سقط حكمه فهو باطل والجمع بواطل أو أباطيل على غير قياس، كذا في المصباح. ويقال للحم إذا صار بحيث لا ينتفع به للدود أو للسوس بطل، وإذا أنتن فسد كما في فتح القدير. وأما الثاني فهو ما لا يكون مشروعا لا بأصله ولا بوصفه، وحكمه عدم إفادة الحكم وهو الملك قبضه أو لا، وفيه مناسبة للمعنى للغوي لانه بمعنى ما سقحكمه، وحكم الفاسد ما لا يفيده بمجرده بل بالقبض. وأما المكروه فهو لغة خلاف المحبوب واصطلاحا ما نهي عنه لمجاور كالبيع عند أذان الجمعة نهي عنه للصلاة وعرفه في البناية بما كان مشروعا بأصله ووصفه لكن نهى عنه لمجاور اه. ويمكن إدخاله تحت الفاسد أيضا على إرادة الاعم وهو ما نهي عنه فيشمل الثلاثة. والفساد بالمعنى الاعم يثبت بأسباب منها: الجهالة المفضية إلى المنازعة في المبيع أو الثمن، ومنه العجز عن التسليم إلا بضرر، ومنها الغرر، ومنها شرط خارج عن الشرع، ومنها عدم
المالية أو التقوم، ومنها عدم الوجود، ومنها عدم القدرة على التسليم. وأما البيع الجائز الذي لا نهي فيه فثلاثة: نافذ لازم ونافذ ليس بلازم وموقوف. فالاول ما كان مشروعا بأصله ووصفه ولم يتعلق به حق الغير ولا خيار فيه. والثاني ما لم يتعلق به حق الغير وفيه خيار والموقوف ما تعلق به حق الغير، وهو إما ملك الغير أو حق بالبيع لغير المالك. وحصره في الخلاصة في خمسة عشر: بين العبد والصبي المحجورين موقوف على إجازة المولى والاب أو الوصي وبيع غير الرشيد موقوف على إجازة القاضي وبيع المرهون والمستأجر. وما في مزارعة الغير موقوف على إجازة المرتهن، والمستأجر والمزارع وبيع البائع المبيع بعد القبض من غير المشتري موقوف على إجازة المشتري وقبل القبض في المنقول لا ينعقد أصلا، وبيع المرتد عند الامام والبيع برقمه وبما باع فلان والمشتري لا يعلم موقوف على العلم في المجلس، وبيع فيه
[ 114 ]
خيار المجلس بمثل ما بيع الناس وبمثل ما أخذ به فلان، وبيع المال المغصوب موقوف على إقرار الغاصب أو البرهان بعد إنكاره وبيع مال الغير اه. ويمكن أن يزاد البيع المشروط فيه الخيار أكثر من ثلاثة أيام فإن الصحيح أنه موقوف، فإن أسقطه قبل دخول الرابع جاز وإلا فسد كما تقدم في بابه، لا يقال إنما لم يذكره للاختلاف لانا نقول: لم يقتصر على المتفق عليه فإن في بيع المرهون والمستأجر خلافا، ويستثنى مما في مزارعة الغير ما إذا باعها مالكها والبذر من قبله قبل القائه فإنه نافذ كما في البزازية. السابع عشر من الموقوف الوكيل بشراء عبد إذا اشترى نصفه فإنه موقوف، فإن اشترى الباقي قبل الخصومة نفذ على الموكل كما في المجمع وغيره. الثامن عشر على قولهما الوكيل بيع العبد إذا باع نصفه هو موقوف على بيع الباقي قبل الخصومة، وعند الامام نافذ كما في المجمع. التاسع عشر بيع نصيبه من مشترك بالخلط والاخلاط موقوف على إجازة شريكه كما ذكروه في الشركة. العشرون بيع ما في تسليمه ضرر موقوف على تسليمه في المجلس كما في البزازية. الحادي والعشرون بيع المريض عينا من أعيان ماله لبعض ورثته موقوف على إجازة الباقي ولو كان بمثل القيمة عنده. الثاني والعشرون بيع السيد عبده المأذون المديون موقوف على إجازة الغرماء. الثالث والعشرون بيع
الوارث التركة المستغرقة بالدين موقوف على إجازة الغرماء، ذكره الزيلعي عند قوله وصح عتق مشتر من غاصبه بإجازة بيعه. الرابع والعشرون الوكيل إذا وكل بلا إذن وتعميم فعقد الثاني توقف على إجازة الاول كما في المجمع. الخامس والعشرون أحد الوكيلين إذا باع بحضرة صاحبه توقف على إجازته فإن أجازه جاز بخلاف ما إذا كان غائبا فإنه لا ينفذ بإجازته كما ذكره الزيلعي في الوكالة. السادس والعشرون بيع المولى إكساب عبده المديون بعد الحجر عليه موقوف على إجازة الغرماء كما في جامع الفصولين. السابع والعشرون أحد الوصيين إذا باع بحضرة الآخر. الثامن والعشرون أحد الناظرين إذا باع غلة الوقف بحضرة الآخر توقف فيها على إجازة الآخر أخذا من الوكيلين ولم أرهما الآن صريحا. التاسع والعشرون بيع المعتوه كبيع الصبي العاقل موقوف كما ذكره الزيلعي والصحيح يشمل الثلاثة لانه ما كان مشروعا بأصله ووصفه والموقوف كذلك والصحة في المعاملات ترتب الآثار وفي العبادات سقوط القضاء كما في الاصول. وللمشايخ طريقان، فمنهم من يدخل الموقوف تحت الصحيح فهو قسم منه وهو الحق لصدق التعريف وحكمه علي فإنه ما أفاد الملك من غير توقف على القبض ولا يضر توقفه على الاجازة كتوقف البيع الذي فيه الخيار على إسقاطه ولذا قال في المستصفى: البيع نوعان:
[ 115 ]
صحيح وفاسد. والصحيح نوعان: لازم وغير لازم اه. ولذا لم يذكر في الحاوي القدسي في التقسيم الصحيح وانما قال المبيع اربعة انواع نافذ وموقف وفاسد وباطل ولاغبار على هذه هذه العبارة. ومنهم من جعله قسيما للصحيح وعليه مشى الشارح الزيلعي فإنه قسمه إلى صحيح وباطل وفاسد وموقوف. وقسمه في فتح القدير إلى جائز وغير جائز وهو ثلاث باطل وفاسد وموقوف. فجعله من غير الجائز مريدا بالجائز النافذ. وفي السادس من جامع الفصولين أن بيع مال الغير بغير إذن بدون تسليمه ليس بمعصية ولم أر فيما عندي من الكتب من سماه فاسدا إلا في بيع المرهون والمستأجر فقال في البدائع: من شرائطه أن لا يكون في المبيع حق لغير البائع فإن كان لا ينفذ كالمرهون والمستأجر. واختلفت عبارات الكتب في هذه
المسألة في بعضها أن البيع فاسد، وفي بعضها أن البيع موقوف وهو الصحيح إلى آخره. وقال قبله في جواب الشافعي في بيع الفضولي إنه غير صحيح لانه لا يفيد حكمه وصحة التصرف عبارة عن اعتباره في حق الحكم فقال: قلنا نعم وعندنا هذا التصرف يفيد في الجملة وهو ثبوت الملك موقوفا على الاجازة إما من كل وجه أو من وجه لكن لا يظهر شئ من ذلك عند العقد، وإنما يظهر عند الاجازة وهو تفسير التوقف عندنا أن يتوقف في الجواب في الحال أنه صحيح في حق الحكم أم لا يقطع القول به للحال ولكن يقطع القول بصحته عند الاجازة وهذا جائز كالبيع بشرط الخيار للبائع أو للمشتري اه. وإنما أكثرنا من تحرير هذا المبحث لاني قررت في المدرسة الصرغتمشية حين إقراء الهداية أن بيع الفضولي صحيح عندنا فأنكره بعض الطلبة الذي لا تحصيل لهم وادعى فساده وهو فاسد لما علمته وسيأتي له مزيد في محله إن شاء الله تعالى قوله: (لم يجز بيع الميتة والدم) لانعدام المالية التي هي ركن البيع فإنهما لا يعدان مالا عند أحد وهو من قسم الباطل، والمؤلف رحمه الله تعالى لما استعمل الفاسد في الباب للاعم عبر بعدم الجواز الشامل للباطل والفاسد، وفي القاموس: الميتة ما لم تلحقه ذكاة وبالكسر للنوع اه. فإن أريد بعدم الجواز عدمه في حق المسلمين بقيت الميتة على إطلاقها، وإن أريد الاعم للمسلم والكافر فيراد بها ما مات حتف أنفه، أما المنخنقة الموقوذة فغير داخلة لما في التجنيس: أهل الكفر إذا باعوا الميتة فيما بينهم لا يجوز لانها ليست بمال عندهم ولو باعوا ذبيحتهم وذبحهم أن يخنقوا الشاة ويضربوها حتى تموت جاز لانها عندهم بمنزلة الذبيحة عندنا. وفي جامع الكرخي: يجوز البيع عند أبي يوسف خلافا لمحمد لابي يوسف أنهم يتمولونها كالخمر. ولمحمد أن أحكامهم كأحكامنا إلا في الخمر. وفي الذخيرة:
[ 116 ]
أراد بالميتة ما ما ت حتف أنفه أما التي ماتت بالسبب كالخنق والجرح في غير موضع الذبح فالمبيع فاسد لا باطل، وكذلك ذبائج المجوس مال متقدم عندهم بمنزلة الخمر، كذا في المعراج. وحاصله أن فيما لم يمت حتف أنفه بل بسبب غير الذكاة روايتين بالنسبة إلى الكافر،
وفي رواية الجواز، وفي رواية الفساد، وأما البطلان فلا، وأما في حقنا فالكل سواء. قال في البدائع: ولا ينعقد بيع الميتة والدم وذبيحة المجوسي والمرتد والمشرك ومتروك التسمية عمدا عندنا، وذبيحة المجنون والصبي الذي لا يعقل، وكذا ذبيحة صيد الحرم محرما كان الذابح أو حلالا، وذبيحة المحرم من الصيد في الحل أو الحرم لان الكل ميتة، ولا ينعقد بيع صيد المحرم سواء كان صيد الحرم أو الحل اه. وفي البزازية: بيع متروك التسمية عمدا من كافر لا يجوز اه. أطلقه فشمل ما إذا كانت الميتة مبيعا أو ثمنا. والدم قال في القاموس: أصله دمي تثنيته دميان ودمان وجمعه دماء ودمي وقطعته دمة وهي لغة في الدم وقد دمي كرضي دما، وأدميته ودميته وهو دامي اه. وأراد بالدم الدم المسفوح، أما بيع الكبد والطحال فإنه جائز. وأراد بالميتة ما سوى السمك والجراد، وأشار إلى منع ما ليس بمال كبيع العذرة الخالصة، ويجوز بيع السرقين والبعر والانتفاع به والوقود به، كذا في السراج الوهاج. قوله: (والخنزير والخمر) أي في حق المسلم للنهي عن بيعهما وقربانهما. وصرح في الهداية بالفساد فيهما لوجود حقيقة البيع وهو مبادلة المال بالمال فإنه مال عند البعض، ومراده ما إذا كانا مبيعين قوبلا بعرض بيع مقابضة، أما إذا قوبلا بالدراهم أو الدنانير فالبيع باطل حتى لو بيع أحدهما بعبد فقبضه البائع وأعتقه نفذ عتقه، ولو استحقه مستحق فالمشتري خصم له بخلاف بيعه بالميتة إذا أعتقه لم ينفذ، وإذا استحق فليس بخصم كما في البناية. والفرق أن الخمر مال في الجملة في شرع ثم أمر بإهانتها في شرع آخر بطريق لنسخ، وفي تمليكها بالعقد مقصودا اعزاز له بخلاف جعله ثمنا. واعتبر في بيع المقابضة الخمر ثمنا والعرض مبيعا والعكس وإن كان ممكنا لكن ترجح هذا الاعتبار لما فيه من الاحتياط للقرب من تصحيح تصرف العقلاء المكلفين بطريق الاعزاز للعرض فاعتبرنا ذكرها لاعزاز الثوب لا الثوب للخمر فوجبت فيمة العرض لا الخمر ولا فرق بين دخول البائع على الثوب أو الخمر في جعل الثوب هو المبيع، كذا في فتح القدير. والحاصل أن بيع نفس الخمر باطل مطلقا وإنما الكلام فيما قابله، فإن دينا كان باطلا أيضا، وإن عرضا كان فاسدا. وجلد الميتة كالخمر في رواية و
[ 117 ]
كالميتة في أخرى. وفي القاموس: الخمر ما أسكر من عصير العنب أو عام كالخمرة، وقد تذكر والعموم أصح لانها حرمت وما بالمدينة خمر عنب وما كان شرابهم إلا البسر والتم اه. قيد بالخمر لان بيع ما سواها من الاشربة المحرمة كالسكر ونقيع الزبيب والمنصف جائز عنده خلافا لهما، كذا في البدائع. وقيدنا بالمسلم لان أهل الذمة ما يمنعون من بيعها، ثم اختلفوا فقال بعضهم: يباح الانتفاع بهما لهم شرعا كالخل والشاة فكان مالا في حقهم. وقال بعضهم: هما حرامان عليهما لان الكفار مخاطبون بالحرمات وهو الصحيح من مذهب أصحابنا ولكن لا يمنعون من بيعهما لانهم يعتقدون الحل والتمول وقد أمرنا بتركهم وما يدينون، كذا في البدائع. وأشار المؤلف إلى أن الذميين إذا تبايعا خمرا أو خنزيرا ثم أسلما أو أسلم أحدهما قبل القبض فإن البيع يفسخ لان التسليم والقبض حرام كالبيع بخلاف ما إذا كان الاسلام بعد القبض لان الموجود الدوام وهو لا ينافي. ولو أقرض الذمي خمرا من ذمي ثم أسلم أحدهما، فأسلم المقرض سقطت الخمر لان إسلامه مانع من قبضها ولا شئ له من قيمتها على المستقرض لان العجز جاء من قبله، وإن أسلم المستقرض ففيه روايتان: في رواية كالاول وفي أخرى وهو قول محمد تجب قيمتها، كذا في البدائع. وقيد بالخمر والخنزير لان بيع آلات اللهو كالبربط والطبل والمزمار والدف صحيح مكروه عند الامام. وقالا: لا ينعقد بيعها والصحيح قوله للانتفاع بها شرعا من وجه آخر. وعلى هذا الاختلاف بيع النرد والشطرنج، وعلى هذا الاختلاف الضمان على من أتلفها فعنده يضمن وعندهما لا، كذا في البدائع. ولكن الفتوى في الضمان على وقولهما كما سيأتي في الغصب ومحله ما إذا كسرها غير القاضي والمحتسب أما هما فلا ضمان اتفاقا وقد ذكر في أول سير اليتيمة الفرق بين المتقوم والمعصوم اه. قوله: (والحر والمدبر وأم الولد والمكاتب) أي بيع هؤلاء غير جائز أي غير منعقد، أما في الحر فلعدم المالية، وأما المدبر وأم الولد فقد صرح في الهداية ببطلان بيعهما قال لان
استحقاق العتق قد ثبت ومن الولد لقوله عليه السلام أعتقها ولدها وسبب الحرية انعقد في حق المدبر في الحال لبطلان الاهلية بعد الملوت والمكاتب استحق العتق يدا على نفسه لازمة في حق المولى، ولو ثبت الملك بالبيع لبطل ذلك كله فلا يجوز، ولو رضي المكاتب بالبيع ففيه روايتان والاظهر الجواز. والمراد بالمدبر المطلق دون المقيد أي فإنه يجوز بيعه اه. ولو بيع المكاتب بغير رضاه فأجاز بيعه لا ينفذ في الصحيح من الرواية وعليه عامة المشايخ، كذا في
[ 118 ]
الخانية. وأورد عليه أن البيع فيهم لو كان باطلا لسرى البطلان إلى المضموم إلى واحد وسيأتي أنه لو جمع بين قن ومدبر أو أم ولد وباعهما صفقة فإنه يجوز في القن، لو كانوا كالحر لم يجز فيما ضم. أجيب أنه مخصوص فجاز أن يكون بعض أفراد الباطل لضعفه لا يسري حكمه إلى ما ضم إليه. وفي بعض عبارات المشايخ أن بيعهم فاسد بدليل صحة المضموم، وأورد عليه بأنه لو كان فاسدا لملكوا بالقبض ولم يملكوا به اتفاقا وأجيب بأنه مخصوص فهو من قبيل الفاسد الذي لا يملك به. والحاصل أنهم اتفقوا على أنهم لا يملكون به وعلى عدم البطلان في المضموم إليهم فبقي أن بيعهم باطل أو فاسد ولا بد من التخصيص لكل منهما وتخصيص كلام الهداية أولى. وفائدة القولين فيما قابلهم فباطل على ما في الهداية فلا يملك بالقبض وفاسد على قول القدوري والايضاح فيملك به. هذا ما أفاده كلام الشارحين في هذا المحل وفي إيضاح الاصلاح أن بيع الثلاثة باطل موقوف ينقلب جائزا بالرضا في المكاتب وبالقضاء في الاخيرين لقيام المالية اه. وهو ضعيف لانه لا بد في المكاتب من الرضا قبل البيع على الصحيح ونفاذ القضاء ببيع أم الولد ضعيف ففي قضاء البزازية: الاظهر عدم النفاذ. وصحح في فتح القدير النفاذ بقضاء القاضي وبيع معتق البعض كالحر وولد المدبر كهو وكذا ولد أم الولد والمكاتب كهمالدخول الولد في الكتابة، كذا في السراج الوهاج قوله: (فلو هلكوا عند المشتري لم يضمن) لبطلان البيع فكان أمانة كونه مقبوضا بإذن صاحبه وهو رواية عن الامام واختارها أحمد الطوسي، واختار شمس الائمة السرخسي وغيره الضمان بالمثل أو
بالقيمة، وقيل الاول قوله والثاني قولهما، كذا في فتح القدير. وفي القنية وفي السير: إنه يضمن لكونه قبضه لنفسه فشابه الغصب وهو الصحيح اه. وذكر في أول سير اليتيمة مسألة بيع الحربي بنيه أو أباه هل هو باطل أو فاسد، أطلقه فشمل جميع ما تقدم ولكن إذا مات المدبر وأم الولد عند المشتري فيه اختلاف فقال الامام: لا ضمان. وقالا: عليه قيمتهما وهو رواية عنه لانه مقبوض بجهة البيع فيكون مضمونا عليه كسائر الاموال، وهذا لان المدبر وأم الولد يدخلان في البيع حتى يملك ما يضم إليهما في البيع بخلاف المكاتب فانه في يد نفسه فلا يتحقق في حقه القبض وهو الضمان به وله ان جهة البيع إنما تلحق بحقيقته في محل يقبل الحقيقة، وهما لا يقبلان حقيقة البيع فصارا كالمكاتب وليس دخولهما في البيع في حق أنفسهما وإنما ذلك ليثبت حكم البيع فيما يضم إليهما فصار كمال المشتري لا يدخل في حكم عقده بانفراده وإنما يثبت حكم الدخول فيما ضمه إليه كذا هذا، كذا في الهداية.
[ 119 ]
وظاهره أنه لا ضمان إن هلك المكاتب في يد المشتري اتفاقا وإليه يشير كلام العناية. وفي المعراج: إن الرواية عنه كقولهما إنما هي في المدبر وأما أم الولد فغير مضمونة عنده باتفاق الروايات. وفي شرح الجامع الصغير لقاضيخان: ومشايخنا صححوا هذه الرواية. وقدمنا في العتاق أن قيمة المدبر نصف قيمته لو كان قنا وبه يفتى وأن قيمة أم الولد ثلث قسمتها قنة فإذا احتيج إلى تقويمهما باعتبار المضموم إليها فالامر على ما ذكرنا. وفي السراح الوهاج: هنا أن قيمة المدبر ثلثا قيمته قنا على الاصح وعليه الفتوى، وما ذكرناه من الافتاء بالنصف منقول في التفاوى الصغرى وصرح به في البناية وفتح القدير هنا. اعلم أن أم الولد تخالف المدبر في ثلاثة عشر حكما: لا تضمن بالغصب ولا بالاعتاق ولا بالبيع ولا تسعى لغريم وتعتق من جميع المال، وإذا استولد أم ولد مشتركة لم يتملك نصيب شريكه وقيمتها الثلث، ولا ينفذ القضاء بجواز بيعها وعليها العدة بموت السيد أو إعتاقه، ويثبت نسب ولدها بلا دعوة ولا يصح تدبيرها، ويصح استيلاد المدبرة ولا يملك الحربي بيع أم ولده ويملك بيع مدبره
وصح استيلاد جارية ولده ولا يصح تدبيرها كذا في التلقيح. قوله: (والسمك قبل الصيد) أي لم يجز بيعه لكونه باع ما لا يملكه فيكون باطلا. أطلقه فشمل ما إذا كان في حظيرة إذا كان لا يؤخذ إلا بصيد لكونه غير مقدور التسليم فيكون فاسدا، ومعناه إذا أخذه ثم ألقاه فيها ولو كان يؤخذ بغير حيلة جاز إلا إذا اجتمعت فيها بأنفسها ولم يسد عليها المدخل لعدم الملك، وروى الامام أحمد مرفوعا لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرور 2 (212) والحاصل أن عدم جوازه قبل أخذه لعدم ملكه له فإن أخذه ثم ألقا في حظيرة كبيرة فعدم جوازه لكونه غير مقدور التسليم، فإن سلمه بعد ذلك فكالروايتين في بيع الآبق إذا سلمه، وإن كانت صغيرة جاز وله خيار الرؤية بعد التسليم، ولا اعتبار برؤيته في الماء، وإذا دخل السمك الحظيرة باحتياله ملكه وكان له بيعه على التفصيل، وقيل لا مطلقا لعدم الاحراز، والخلاف فيما إذا لم يهيئها له فإن هيأها له ملكه إجماعا، فإن اجتمع بغير صنعه لم يملكه، سواء أمكنه أخذه من غير حيلة أو لا. وفي القاموس: الحظيرة جرين التمر والمحيط بالشئ خشبا وقصبا اه. وفسرها في البناية بالحوض والبركة. أطلقه فشمل ما إذا باعه في نهر أو بحر أو أجمة، وقد صرح الامام أبو يوسف في كتاب الخراج يمنعه إذا كان في
[ 120 ]
الآجام وأنه إذا كان يؤخذ باليد من غير أن يصاد فلا بأس ببيعه اه. والاجمة الشجر الملتف والجمع أجم مثل قصبة وقصب والآجام جمع الجمع، كذا في المصباح. وففتح القدير فرع من مسائل التهيئة: حفر حفيرة فوقع فيها صيد فإن كان اتخذها للصيد ملكه وليس لاحد أخذه، وإن لم يتخذها له فهو لمن أخذه. نصب الشبكة فتعلق بها صيد ملكه، فإن كان نصبها ليجففها من بلل فتعلق بها لا يملكه وهو لمن يأخذه إلا أن يأخذه فيجوز، ومثله إذا هيأ حجره لو وقع النثار فيه ملك ما يقع فيه ولو وقع في حجره ولم يكن هيأه لذلك فلو احد أن يسبق ويأخذه ما لم يكف حجره عليه، وكذا من هيأ مكانا للسرقين إلى آخره، وسيأتي في باب متفرقات البيوع إن شاء الله تعالى. وقد سئلت حين تأليف كتاب البيوع من هذا الشرح في
سنة ثمان وستين وتسعمائة عن البحرية بناحية كوم الشمس الجارية في وقف الحالي اليوسفي أيجو إجارتها من الناظر لمن يصطاد السمك منها؟ ففتشت ما عند من الكتب فلم أرها إلا في كتاب الخراج لابي يوسف قال: وحدثنا عبد الله بن علي عن اسحق بن عبد الله عن أبي الزناد قال كتبت إلى عمر بن بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في بحيرة يجتمع فيها السمك بارض العراق ان يؤجرها فكتب ان فعلوا قال: وحدثنا أو حنيفه عن حماد قال طلبت إلى عبپد الحميد بن عبد الرحمن فكتب إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن بيع صيد الآجام فكتب إليه عمر أنه لا بأس به وسماه الحبس اه. فعلى هذا لا يجوز بيع السمك في الآجام إإذا كان في أرض بيت المال، ويلحق به أرض الوقف لكن بعد مدة رأيت في الايضاح عدم جواز إجازته. قوله: (والطير في الهواء) أي لا يجوز لانه غير مملوك قبل الاخذ فيكون باطلا، وكذا لو باعه بعد ما أرسله من يده لانه غير مقدور التسليم فيكون فاسدا، ولو سلمه بعده لا يعود إلى الجواز عند مشايخ بلخ، وعلى قول الكرخي يعود، وكذا في الطحاوي. أطلقه فشمل ما إذا جعل الطير مبيعا أو ثمنا، وشمل ما إذا كان من عادته أنه يذهب ويجئ وهو الظاهر.
[ 121 ]
وفي فتاوى قاضيخان: وإن باع طيراله يطير إن كان داجنا يعود إلى بيته ويقدر على أخذه بلا تكلف جاز بيعه وإلا فلاوقول صاحب الهداية والحمام إذا علم عودها وأمكن تسليمها جاز بيعها لانها مقدورة التسليم يوافقه وصرح به في الذخيرة معزيا إلى المنتقى وفي المعراج باع فرسا في حظيرة فقال البائع سلمته اليك ففتح المشتري فذهب الفرس فإن أمكنه أخذه بيده من غير عون كان تسليما والا فلا لانه لو مد يده لا يمكنه الاخذ اه. وفي القاموس: الطير جمع طائر وقد يقع على الواحد، والجمع طيور وأطيار والطيران محركة حركة ذي الجناح في الهواء بجناحه اه. والاكثر فيها التأنيث وقد تذكر، كذا في المصباح والهواء ممدودا المسخر بين السماء والارض والجمع أهوية، والهواء أيضا الشئ الخالي، والهوا مقصورا ميل النفس وانحرافها الشئ ثم استعمل في ميل مذموم، يقال اتبع هواه وهو من أهل الاهواء،
كذا في المصباح. قوله: (والحمل والنتاج) أي لا يجوز بيعهما والحمل - بسكون الميم - الجنين والنتاج حمل الحبلة والبيع فيهما باطل لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحبل وحبل الحبلة ولما فيه من الغرر. وفي مصنف عبد الرازق نهى عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة. المضامين جمع مضمونة ما في أصلاب الابل، والملاقيح جمع ملقوح ما في بطونها وقيل بالعكس، وحبل الحبلة ولد ولد الناقة. وفي البناية: الحبل - بفتح الباء الموحدة - يطلق ويراد به المصد ويراد به الاسم كما يقال له الحمل أيضا، وأما دخول تاء التأنيث في الحبلة فإنما هي للاشعار بالانوثة، وقيل إنها للمبالغة كما في سخرة، ويحتمل أن يكون جمع حابلة ففي المحكم امرأة حابلة من نسوة حبلة، وروى بعض الفقهاء حملت بكسر الميم ولم يثبت اه. وفي تلخيص النهاية: بفتح الحاء والباء وقد تسكن نتاج النتاج وهو يعم الدواب الناس. وفي السراج الوهاج: لا يجوز بيع الحمل وحده دون الام ولا الام دونه فلو باع الحمل وولدت قبل
[ 122 ]
الافتراق وسلم لا يجوز، وكذا لا تجوز هبته وإن سلم إلى الموهوب له مع الام، ولا يجوز كتابته ولو قبلت الام عنه، ولا الكتابة عليه، ولو تزوج عليه فالتسمية باطلة ويجب مهر المثل، ولو صالح من قصاص عليه فالصلح صحيح ويسقط القصاص والتسمية فاسدة ويكون للمولى على القاتل الدية، وإن أعتق الحمل إن جاءت به بعد العتق لاقل من ستة أشهر عتق، وإن كانت لستة أشهر فصاعدا لا، وتجوز الوصية به إذا ولدته لاقل من ستة أشهر من وقت الوصية، ولو خالعها على ما في بطن جاريتها أو ما في بطن بهيمتها جاز وللزوج الولد إذا جاءت به لاقل من ستة أشهر، وإن جاءت به لستة أشهر لا سبيل له عليها ولكن ينظر، إن قالت اخلعني على ما في بطن جاريتي من ولد رجع عليها بالمهر، وإن لم تقل من ولد فلا شئ عليها. ولو باع شاة على أنها حاملة لم يجز لان الحمل مجهول، ولو اشترى جارية على أنها حاملة إن قصد به التبري من العيب جاز وإن قاله على وجه الشرط لم يجز، ومنهم من قال بعدم الجواز في الوجهين إذا شرأنها حامل بجارية أو بغلام أوز بجدي أو بعناق، وأما
إذا لم يفسر الحمل جاز اه. وقد كتبنا في الفوائد الفقهية ما لا يجوز إفراده للحمل وما يجوز دون أمه فليراجع. قوله: (وللبن في الضرع) أي لا يجوز بيعه للغرر فعساه انتفاخ ولانه ينازع في كيفية الحلب وربما يزداد فيختلط المبيع بغيره. وفي المصباح: الضرع لذات الظلف كالثدي للمرأة والجمع ضروع مثل فلس وفلوس قوله: (واللؤلؤ في الصدف) للغرر وهو مجهول لا يعلم وجوده ولا قدره ولا يمكن تسليمه إلا بضرر وهو كسر الصدف. وعن أبي يوسف الجواز لان الصدف لا ينتفع به إلا بالكسر فلا يعد ضررا. قيد به لانه لو باع تراب الذهب والحبوب في غلافها جاز لكونها معلومة وتعلم بالقبض. وفي السراج الوهاج: لو اشترى دجاجة فوجد في بطنها لؤلؤة فهي للبائع، ولو باع كرششاة مذبوحة لم تسلخ جاز وإخراجه على البائع والمشتري بالخيار إذا رآه واللؤلؤ الدر واحدة بهاء كذا في القاموس والصدف محركة غشاء الدر الواحد بهاء والجمع أصداف، منه أيضا قوله: (والصوف على ظهر الغنم) لانه من أوصاف الحيوان ولانه ينبت من أسفل فيختلط المبيع بغيره بخلاف القوائم لانها تزداد من أعلى، وبخلاف القصيل لانه يمكن قلعه والقطع في الصوف متعين فيقع التنازع في موضع القطع وقد صح أنه عليه السلام نهى عن بيع الصوف على ظهر الغنم وعن اللبن في الضرع وسمن في لبوهو حجة على أبي يوسف في تجويز بيع الصوف في رواية عنه، كذا في الهداية. وصحح الامام الفضلي عدم جواز بيع قوائم الخلاف لانه وإن كان ينمو من أعلاه
[ 123 ]
فموضع القطع مجهول فهو كمن اشترى شجرة على أن يقطعها المشتري لا يجوز لجهالة موضع القطع، وما ذكره من منع بيع الشجر ليس متفقا عليه بل هو خلافية منهم من منعها إذ لا بد في القطع من حفر الارض، ومنهم من أجازه للتعامل بخلاف القصيل لانه يقلع فلا تنازع فجاز بيعه قائما في الارض. وأشار المصنف إلى أن كل ما بيع في غلافه فلا يجوز كاللبن في الضرع واللحم في الشاة الحية أو شحمها أو أليتها أو أكارعها وجلودها أو دقيق في هذه
الحنطة أو سمن في هذا اللبن ونحوهما مما لا يمكن تسليمها إلا بإفساد الخلقة، والحبوب في قشرها مستثناة من ذلك لما أسلفناه، وكذا بيع الذهب والفضة في ترابهما بخلاف جنسهما، كذا في فتح القدير. وفي السراج الوهاج: لو سلم الصوف واللبن بعد العقد لم يجز أيضا ولا ينقلب صحيحا اه. وفي البناية معزيا إلى الصغرى: وبيع الكرات يجوز وإن كان ينمو من أسفله اه. والخلاف وزان كتاب شجر الصفصاف الواحدة خلافة ونصوا على تخفيف اللام، وزاد الصغاتي وتشديدها من لحن العوام. قال الدينوري: زعموا أنه سمي خلافا لان الماء أتى به سببا فنبت مخالفا لاصله. ويحكى أن بعض الملوك مر بحائط فرأى شجرة الخلاف فقال لوزيره: ما هذا الشجر؟ فكره الوزير أن يقول شجر الخلاف لنفور النفس عن لفظه فسماء باسم ضده فقال شجر الوفاق فأعظمه الملك لنباهته. ولا يكاد يوجد في البادية اه. قوله: (والجذع في السقف وذراع من ثوب) لانه لا يمكنه تسليمه إلا بضرر. أطلقه وهمحمول على ثوب يضره القطع كالعمامة والقميص أما ما لا يضره القطع كالكرباس فيجوز، وقول الطحاوي في آجر من حائط أو ذراع من كرباس أو ديباج لا يجوز ممنوع في الكرباس أو محمول على كرباس يتعيب به، أما ما لا يتعيب فيه فيجوز كما يجوز بيع قفيز من صبرة. وأشار المصنف إلى عدم جواز بيع حلية من سيف أو نصف زرع لم يدرك لانه لا يمكن تسليمه إلا بقطع جميعه، وكذا بيع فص خاتم مركب فيه، وكذا نصيبه من ثوب مشترك من غير شريكه وذراع من خشبة للضرر في تسليم ذلك، ولا اعتبار بما التزمه من الضرر لانه إنما التزم العقد ولا ضرر فيه، ويرد عليه بيع الحباب التي لا تخرج إلا بقلع الابواب على قول من أجاز والبعض قد منعه. وأجيب بأن المتعيب الجدران دون الحباب، وهذا يفيد ان االمنظور إليه في المنع تعيب المبيع والكلام السابق يفيد ان تعيب غير المبيع وهو الظاهر، كذا
[ 124 ]
في فتح القدير. فلو قطع البائع الذراع أو قلع الجذع قبل فسخ المشتري عاد صحيحا لزوال المفسد. وذكر في المجتبي فيه أقوالا فقيل لم يجبر على القبول إلا أن يقبل برضاه، وقيل لم يجز
إلا بتجديد البيع، وقيل ينعقد تعاطيا عند أخذه، وقيل ينعقد من الاصل بخلاف ما إذا باع النوى في التمر أو البزر في البطيخ حيث لا يصح وإن شقهما وأخرج المبيع لان في وجودهما احتمالا، أما الجذع فعين موجودة وبخلاف الصوف فإنه لا ينقلب صحيحا بالتسليم. وقيد بذراع من ثوب لانه لو باع عشرة دراهم من نقرة فضة جاز لانه لا ضرر في تبعيضه، ولو لم يكن معينا لا يجوز لما ذكرنا وللجهالة أيضا كما في الهداية وخرج أيضا ما لا ضرر في تسليمه كبيع نخل أو شجر على أن يقطعه المشتري أو زرعا على أن يحصده، كذا في المعراج. وأطلقه أيضا فشمل ما إذا باع ذراعا وعين الجانب فلا يجوز أيضا كما المعراج. وفي المجتبي: وفي جواز بيع التبن قبل أن يداس والارز الابيض قبل الدق والحنطة قبل الدرس وحب القطن في قطن بعينه ونوى تمر في تمبعينه فيه روايتان اه. قوله: (وضربة القانص) أي لم يجز ما يخرج من ضربة القانص وهو بالقاف والنون الصائد يقول بعتك ما يخرج من القاء هذه الشبكة مرة بكذا، وقيل بالغين والباء الغائص. قال في تهذيب إلا رهرى: نهى عن ضربة الغائص وهو الغواص تقول أغوص غوصة فما أخرجته من اللآلئ فهو لك بكذا وهو بيع باطل لعدم ملك البائع المبيع قبل العقد فكان غررا ولجهالة ما يخرج، كذا في فتح القدير. وصحح في البناية رواية الغائص بالغين وذكر أن القانص من قنص يقنص قنصا إذا صاد من باب ضرب يضرب يعني أن الغائص كما في الصحاح له استعمالان: بمعنى النازل تحت الماء، وبمعنى الهاجم على الشئ. وفي الصحاح أن القنص بالتحريك الصيد، وبالتسكين مصدر قنصه صاده. ولم يذكر في القاموس سوى اقتنصه اصطاده كتقنصه ذكره في الصاد مع القاف وذكر مع الغين الغوص والغاص والغياصة والغياص الدخول تحت الماء، والمغاص موضعه وأعلى الساق، وغاص على الامر علمه، والغواص من يغوص في البحر على اللؤلؤ اه. وفي المصباح: غاص من باب قافهو غائص والجمع غاصة مثل قائف وقافة وغواص مبالغة قوله: (والمزابنة) هو بالجر في الكل عطفا على الميتة أي لم يجز بيع المزابنة لنهيه صلى الله عليه وسل عن بيع المزابنة والمحاقلة. أما المزابنة فقال في
الفائق: بيع الثمر في رؤس النخل بالتمر لانها تؤدي إلى النزاع والمدافعة من الزين وهو الدفع. والمحاقلة من الحقل وهو القراح من الارض وهي الطيبة التربة الخالصة من شائبة السيخ الصالحة للزرع، ومنه حقل يحقل إذا زرع، والمحاقلة مفاعلة من ذلك وهي المزارعة
[ 125 ]
بالثلث أو الربع وغيرهما، وقيل هي اكتراء الارض بالبر، وقيل بيع الطعام في سنبله بالبر، وقيل بيع الزرع قبل إدراكه، وفي رواية ورخص في العرايا. قال: العرية النخلة التي يعريها الرجل محتاجا أي يجعل له ثمرتها فرخص للمعري أن يبتاع ثمرتها من المعري بتمر لموضع حاجته. سميت عرية لانه إذا وهب ثمرتها فكأنه جردها من الثمرة وعراها منها ثم اشتق منها الاعراء اه. واقتصر في الهداية في تفسير المحاقلة على القول الثالث، وجوز الشافعي بيع المزابنة فيما دون خمسة أسق لنهيه عن المزابنة ورخص في العرايا وهي أن يباع يخرصها تمرا فيما دون خمسة أو سق. وأجاب أصحابنا بأن العرية العطية لغة وتأويله أن يبيع المعرى له ما على النخيل من المعرى بتمر مجذوذ وهو بيع مجاز لانه لا يملكه فيكون برا مبتدأ، كذا في الهداية. وأصحابنا خرجوا عن الظاهر من ثلاثة أوجه: الاول إطلاق البيع على الهبة. الثاني قوله رخص بخالف ما قرروه وجوابه أنه رخصة في الوفاء بالوعد والعزيمة أن يفي بالموعود فأعطى غيره مع كونه ليس بإخلاف للوعد رخصة. الثالث التقييد بما دون خمسة أو سق فائدة، على مذهبنا لا فائدة له، وجوابه لان الواقعة في القليل ومن مشايخنا من ادعى أن الترخيص في بيع العرايا منسوخ بالنهي عن بيع العرايا. ومنهم من قال تعارض المحرم والمبيح فقدم المحرم وهو مردود بأن الرخصة متصلة بالنهي فلا يصح القول بنسخ لترخيص للاتصال، وقد ثبت في البخاري أنه نهى عن بيع المزابنة ثم رخص بعد ذلك في بيع العرايا، فبطل القول بالنسخ والله الموفق. والخرص الحزر. وكذا لا يجوز بيع العنب بالزبيب، ومعنى النهي أنه مال الربا فلا يجوز بيعه بجنسه مع الجهل كما لو كانا موضوعين على الارض. ثم اعلم أن تعريف المزاينة بأنها بيع الثمر بالتمر خلاف التحقيق، والاولى أن يقال بيع الرطب
يتم إلى آخره لانه الثمر بالمثلثة حمل الشجر رطبا أو غيره، وإذا لم يكن رطبا جاز لاختلاف الجنس، ولو كان الرطب على الارض كالتمر لم يجز بيعه متساويا عند العلماء إلا أبا حنيفة لما سيأتي في باب الربا. قوله: (والملامسة والقاء الحجر) ومثلها المنابذة وهذه بيوع كانت في الجاهلية فنهى عنها وهو أن يتراوض الرجلان على سلعة أي يتساوما فإذا لمسها المشتري أو نبذها إليه البائع أو وضع المشتري عليها حصاة لزم البيع رضي البائع أو لم يرض، والاول بيع الملامسة، والثاني بيع المنابذة، والثالث القاء الحجر ولان فيه تعليقا بالحظر ولا بد في هذه البيوع أن يسبق الكلام منهما على الثمن قوله: (وثوب من ثوبين) لجهالة المبيع، وتقدم في خيار الشرط أنه
[ 126 ]
إذا جعل للمشتري خيار التعيين جاز فيما دون لثلاثة فلذا أطلقه هنا. وفي المعراج: وكذا عبد من عبدين لا يجوز، ولا خلاف فيه لاحد حتى لو قبضهما وماتا معا يضمن نصف قيمة كل واحد منهما لان أحدهما مضمون بالقيمة لانه مقبوض بحكم البيع الفاسد والآخر أمانة وليس أحدهما بأولى من الآخر فشاعت الامانة والضمان، ولهذا لو كان البيع صحيحا بأن كان فيه خيار المشتري يضمن نصف ثمن كل واحد والفاسد معتبر بالصحيح والقيمة هنا كالثمن ثمة، ولو ماتا مر تبين ضمن قيمة الاول لانه تعين مضمونا لتعقدر الرد فيه، ولو حررهما معا عتق أحدهما لانه ملك أحدهما بالقبض، وإن حرر أحدهما لم يصح أي لو قال البائع أ المشتري أحدهما حرولو قالا متعاقبا عتقا لان كل واحد أعتق ملكه وملك غيره فيصح في ملكه والبيان إلى المشتري لان من نقذ فيه عتقه مضمون بالقيمة والقول في المضمون قول الضامن، ولو قبض أحدهما بإذن البائع فهلك غرم قيمته اه. وقيد بالقيمي إذ بيع المبهم من المثلى جائز. قال في التلخيص من باب بيع المبهم: لو اشترى أحد عبدين أو ثوبين فسد لجهل يورث نزاعا ضد المثلي، فلو قبضهما ملك أحدهما والآخر أمانة وفاء بالعهد إلى آخره. قوله: (والمراعي وإجارتها) أي لا يجوز بيع الكلاب وإجارته، أما البيع فلانه ورد على
ما لا يمكله لاشتراك الناس فيه بالحديث الناس شركاء في ثلاث في الماء والكلا والنار (1) وأما الاجارة فلانها عقدت على استهلاك عين مباح، ولو عقدت على استهلاك عين مملوكة بأن استأجر بقرة ليشرب لبنها لا يجوز فهذا أولى. وفي المصباح: والرعي بالكسر والمرعى بمعنى وهوما ترعاه الدواب والجمع المراعي اه. قيد بالمراعي بمعنى الكلا لان بيع رقبة الارض وإجارتها جائزان. ومعنى الشركة في النار الاصطلاء بها، وتجفيف الثياب يعني إذا أوقد رجل نارا فلكل أن يصطلي بها، أما إذا أراد أن يأخذ الجمر فليس له ذلك إلا بإذن صاحبه. ومعناه في الماء الشرب وسقي الدواب والاستقاء من الآبار والحياض والانهار المملوكة، وفي الكلا أن له احتشاشه وإن كان في أرض مملوكة غير أن لصاحب الارض أن يمنع من الدخول في
[ 127 ]
أرضه، وإذا منع فلغيره أن يقول أن لي في أرضك حقا فإما أن توصلني إليه أو تحشه أو تستقي وتدفعه لي وصار كثوب رجل وقع في دار رجل إما أن يأذن المالك في دخوله ليأخذه، وإما إن يخرجه إليه وإما إذا أحرز الماء بالاستقاء في آنية والكلا بقطعه جاز حينئذ بيعه لانه ملكه بذلك، وظاهر أن هذا إذا نبت بنفسه، فأما إذا كان سقى الارض وأعدها للانبات فنبت ففي الذخيرة والمحيط والنوازل يجوز بيعه لانه ملكه وهو مختار الصدر الشهيد، وكذا ذكر في اختلاف أبي حنيفة فيحمل كلام المصنف على ما إذا لم يعدها للانبات، ومنه لو حدق حول أرضه وهيأها للانبات حتى نبت القصب صار ملكا له. والقدوري منع بيعه. وإن ساق الماء إلى أرضه ولحقه مؤنة لبقاء الشركة وإنما تنقطع بالحيازة وسوق الماء إلى أرضه ليس بحيازة لكن الاكثر على الاول إلا أن على هذا القائل أن يقول ينبغي إن حاز البئر يملك بناءها ويكون بتكلفه الحفر والطي لتحصيل الماء يملك الماء كما يملك الكلا بتكلفه سوق الماء إلى الارض لينبت فله منع المستقى وإن لم يكن في أرض مملوكة له، كذا في فتح القدير، وسيأتي إن شاالله تعالى بقية الكلام عليه في كتاب الشرب والحيلة في جواز إجارته أن يستأجر أرضا لايقاف الدواب فيها أو لمنفعة أخرى بقدر ما يريد صاحبه من الثمن أو الاجرة فيحصل
به غرضهما. ويدخل في الكلا جميع أنواع ما ترعاه المواشي رطبا كان أو يابسا بخلاف الاشجار لان الكلا ما لا ساق له والشجر له ساق فلا تدخل فيه حتى يجوز بيعها إذا نبتت في أرضه لكونها ملكه، والكمأة كالكلا. وفي القاموس: الكم نبات وللواحد والكمأة والكمؤ للجمع أو هي تكون واحدة وجمعا اه. قوله: (والتحل) أي لم يجز بيعه وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يجوز
[ 128 ]
إذا كان محرزا وهو معنما في الذخيرة إذا كان مجموعا لانه حيوان منتفع به حقيقة وشرعا فيجوز بيعه وإن كان لا يؤكل كالبغل والحمار. ولهما أنه من الهوام فلا يجوز بيعه كالزنا بير والانتفاع بما يخرج منه لا بعينه فلا يكون منتفعا به قبل الخروج. أطلقه فشمل ما إذا كان بيع تبعا للكوارات وفيها عسل وهو قول الكرخي، وذكر القدوري أن بيعه تبعا للكوارة فيها عسل جائز وأنكره الكرخي وقال: إنما يدخل الشئ في البيع تبعا لغيره إذا كان من حقوقه كالشرب والطريق وهذا ليس من حقوقه، كذا في الفوائد الظهيرية. وأجيب عنه بأن التبعية لا تنحصر في الحقوق كالمفاتيح فالعسل تابع للنحل في الموجود، والنحل تابع له في المقصود بالبيع. والكوارة - بضم الكاف وتشدد الواو - معسل النحل إذا سوى من طين. وفي التهذيب: كوارة النحل مخففة. وفي المغرب بالكسر من غير تشديد. وقيد الزمخشري بفتح الكاف وفي الغريبين بالضم، كذا في فتح القدير. وفي المصباح: كوارة النحل بالضم والتخفيف والتثقيل لغة عسلها في الشمع، وقيل بيتها إذا كان فيه العسل، وقيل هو الخلية وكسر الكاف مع التخفيف لغة اه. وسيأتي أن الفتوى على قول محمد قوله: (ويباع دود القز وبيضه) أما الدود فلا يجوز بيعه عند أبي حنيفة لانه من الهوام، وعند أبي يوسف يجوز إذا ظهر فيه القز تبعا، وعند محمد يجوز كيفما كان لكونه منتفعا به. وأما بيضه فلا يجوز بيعه عند أبي حنيفة، وعندهما يجوز لمكان الضرورة، وقيل أبو يوسف مع أبي حنيفة كما في دوده وإنما اختار المؤلف قول محمد في الدود والبيض لكونه المفتى به ولكن يرد عليه أن الفتوى على قول
محمد أيضا في بيع النحل كما في الذخيرة والخلاصة فلم اختار قوله في الدود دون النحل بلا مرجح، ولعله لم يطلع على أن الفتوى على قوله فيهما. وفي المصباح: االقز معرب. قال
[ 129 ]
الليث: هو ما يعمل منه الابريسم ولهذا قال بعضهم: القز والابريسم مثل الحنطة والدقيق اه. وأما الخز فاسم دابة ثم أطلق على الثوب المتخذ من وبرها، والجمع خزان مثل صرد وصردان منه أيضا. قيد بالنحل والدود لان ما سواهما من الهوام كالحيات والعقارب والوزغ والقنافذ والضب لا يجوز بيعه اتفاقا، ولا يجوز بيع شئمن البحر إلا السمك كالضفدع والسرطان والسلحفاة وفرس البحر وغير ذلك ولكن في الذخيرة: إذا اشترى العلق الذي يقال له بالفارسية مرعل يجوز وبه أخذ الصدر الشهيد لحاجة الناس إليه لتمول الناس له. وفي المصباح: العلق شئ أسود شبيه الدود يكون في الماء يعلق بأفواه الابل عند الشرب اه. وقيد بالبيع لانه لو كان الدود وورق التوت من واحد والعمل من آخر على أن يكون القز بينهما نصفين أو أقل أو أكثر لا يجوز عند محمد، وكذا لو كان العمل منهما وهو بينهما نصفان. وفي فتاوى الولوالجي: امرأة أعطت امرأة بزر القز وهو بزر الفيلق بالنصف فقامت عليه حتى أدرك فالفيلق لصاحبة البزر لانه حدث من بزرها ولها على صاحبة الزر قيمة الاوراق وأجر مثلها، ومثله إذا دفع بقرة إلى آخر يعلفها ليكون الحادث بينهما بالنصف فالحادث كله لصاحب البقرة وله على صاحب البقرة ثمن العلف وأجر مثله، وعلى هذا إذا دفع الدجاج ليكون البيض بالنصف، كذا في فتح القدير ومحلها كتاب الاجارات. ولم يذكر المؤلف بيع الحمام وذكره في الهداية فقال: والحمام إذا علم عددها وأمكن تسليمها جاز بيعها لانه مال مقدور التسليم. وفي الذخيرة: إذا باع برج حمام مع الحمام فإن باع ليلا جاز لان في الليل يكون الحمام بجملته داخل البرج ويمكن أخذه منه من غير الاحتيال فيكون بائعا ما يقدر على تسليمه، وفي النهار يكون بعضه خارج البيت فلا يمكن أخذه إلا بالاحتيال فلا يجوز اه. قوله: (والآبق) أي لم يجز بيع الآبق لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه
[ 130 ]
لانلا يقدر على تسليمه، ولو باعه ثم عاد من الاباق لا يتم ذلك العقد لانه وقع باطلا لانعدام المحلية كبيع الطير في الهواء. وعن أبي حنيفة أنه يتم العقد إذا لم يفسخ لان العقد انعقد لقيام المالية والمانع قد ارتفع وهو العجز عن التسليم كما إذا أبق بعد البيع، وهكذا يروى عن محمد، كذا في الهداية. والاول ظاهر الرواية وبكان يفتي أبو عبد الله البلخي كما في الذخيرة، وأولوا تلك الرواية بأن المراد بها انعقاد البيع بالتعاطي الآن. أطلقه فشمل ما إذا باعه لابنه الصغير فإنه لا يجوز، وكذا اليتيم في حجره بخلاف ما إذا وهبه له فإنه يجوز. والفرق أن شرط البيع القدرة على التسليم عقب البيع وهو منتف وما بقي له من اليد يصلح لقبض الهبة لا لقبض البيع لانه قبض بإزاء مال مقبوض من مال الابن وهذا قبض ليس بإزائه مال يخرج من مال الولد فكفت تلك اليد له نظرا للصغير لانه لو عاد عاد إلى ملك الصغير، هكذا في فتح القدير والتبيين. وفي فتاوي قاضيخان من الهبة خلافه قال: ولو وهب عبداه الآبق لولده الصغير لا يجوز وإن باعه جاز اه. فقد عكس الحكم على ما نقله الشارحون ولم أر أحدا منهم نبه على هذا، والحق ما ذكره القاضي لما في المعراج: ولو باع الآبق من ابنه الصغير لا يجوز ولو وهبه له أو ليتيم في حجره يجوز لان ما بقي له من اليد في الآبق يصلح لقبض الهبة دون البيع اه. وأما صاحب الذخيرة فذكر في البيوع أن الاب لو باع العبد المرسل في حاجته لابنه الصغير جازولم يذكره في الآبق. وذكر في كتاب الهبة: لو وهب عبدا فله آبقا من ابنه الصغير فما دام مترددا في دار الاسلام تجوز الهبة ويصير الاب قابضا لابنه بنفس الهبة، ذكر هذه المسألة في الجامع، وفي المنتقي عن أبي يوسف: لو تصدق بعبد أبق له على ابنه الصغير لا يجوز، وروى المعلى عنه أنه يجوز فحصل عن أبي يوسف في المسألة روايتان اه. وشمل كلامه أيضا ما إذا باعه بعد ما أبق من يد الغاصب مع أنه جائز منه لما في الذخيرة: وإذا أبق العبد المغصوب من يد الغاصب ثم إن المالك باع العبد من الغاصب وهو آبق بعد فالبيع جائز، والاصل أن الاباق إنما يمنع جواز البيع إذا كان التسليم
محتاجا إليه بأن أبق من يد المالك ثم باعه المالك، فأما إذا لم يكن التسليم محتاجا إليه كما في مسألتنا يجوز البيع اه. وقيد بالآبق لان العبد المرسل في حاجة المولى يجوز بيعه، ولو باعه وليس بآبق ثم أبق قبل القبض فإن المشتري بالخيار في فسخ ذلك العقد ولا يكون للبائع أن يطالب المشتري بالثمن ما لم يحضر العبد اه. وجعل الراد على البائع كما في القنية وخرج أيضا بيع المغصوب فقد ذكر محمد في الاصل أنه موقوف إن أقربه الغاصب تم البيع ولزم،
[ 131 ]
وإن حجده وكان للمغصوب منه بينة عادلة فكذلك الجواب. وإن لم يكن له بينة ولم يسلمه حتى هلك انتقض البيع وبعض مشايخنا قالوا: قول محمد في الكتاب وإن لم يكن للمغصوب منه بينة ولم يسمله حتى هلك انتقض البيع بظاهره غير صحيح، وينبغي أن لا ينتقض البيع لان البيع وإن فات فقد أخلف بدلا والمبيع إذا فات وأخلف بدلا لا ينتقض البيع إلا أن يختار المشتري النقض فكان تأويل قول محمد انتقض البيع إذا اختار المشتري. وبعضهم قالوا: إنه بظاهره صحيح وينتقض البيع من غير اختيار المشتري إلى آخر ما في الذخيرة. وقيد ببيعه لان هبته جائزة كما قدمناه عن المعراج، وأما إعتاقه فجائز لكن إن أعتقه عن كفارة عليه فإنه لا يجوز حتى تعلم حياته كما في المعراج، وصح جعله بدل خلع كما قدمناه في بابه عند قوله ولو اختلعت على عبد أبق لها على أنها بريئة من ضمانه لم تبرأ وأما جعله بدل صلح 2 (212). قوله: (إلا أن يبيعه ممن يزعم أنه عنده) فيجوز البيع لان المنهي عنه بيع آبق مطلق وهو أن يكون آيتا في حقهما وهذا غير آبق في حق المشتري، ولانه إذا كان عند المشتري انتفى العجز عن التسليم وهو المانع. ولم يذكر المصنف أنه يكتفي بقبضه عن قبض المبيع للتفصيل قالوا: إن كان أشهد وقت أخذه أنه أخذه ليرده على مالكه كان أمانة في يده فلا ينوب عن قبض البيع، فلو هلك قبل أن يصل إلى سيده لم يضمنه فينفسخ البيع ويرجع على سيده بالثمن، ولو كان لم يشهد صار قابضا لانه قبض غصب، هكذا اقتصر الشارحون هنا. وذكر في الذخيرة: إذا اشترى ما هو أمانة في يده من وديعة أو عارية فإنه لا يكون قابضا إلا إذا
ذهب المودع أو المستعير إلى العين وانتهى إلى مكان يتمكن من قبضه الآن يصير المشتري قابضا بالتخلية، فإذا هلك بعد ذلك يهلك من مال المشتري، فإن فعل المشتري في فصل الوديعة والعارية ما يكون قبضا ثم أراد البائع أن يحبسها بالثمن لم يكن له ذلك لانه لما باعه منه مع علمه أن المبيع في يد المشتري وهو يتمكن من القبض يصير راضيا بقبض المشتري دلالة اه. وقيد ببيعه ممن يزعم أنه عنده لانه لو باعه من رجل يزعم أنه عند آخر فإنه لا يصح ولكنه فاسد إذا قبضه المشتري ملكه بخلاف بيع الآبق فإنه باطل فلذا كتبنا في الفوائد الفقهية أن بيع الآبق بيكون باطلا وفاسدا وصحيحا قوله: (ولبن امرأة) بالجر أي لم يجز بيع لبن المرأة لانه
[ 132 ]
جزء الآدمي وهو بجميع أجزائه مكرم مصون عن الابتذال بالبيع، أطلقه فشمل لبن الحرة والامة وهو ظاهر الرواية، وعن أبي ويسف يجوز بيع لبن الامة لجواز إيراد البيع على نفسها فكذا على جزئها. قلنا: الرق حل نفسها فأما اللبن فلا رق فيه لانه يختص بمحل يتحقق فيه القوة التي هضده وهي الحي ولا حياة في اللبن فلا يكون محلا للعتق ولا للرق فكذا البيع، فشمل ما إذا كان في إناء أو لا، والاولى أن يقيد مراده بما إذا كان في وعاء كما قيده في الهداية لان حكم اللبن في الضرع قد تقدم، وأشار المصنف إلى أنه لا يضمن متلفه لكونه ليس بمال وإلى أنه لا يحل به التداوي في العين الرمداء وفيه قولان: فقيل بالمنع، وقيل بالجواز إذا علم فيه الشفاء. هكذا في فتح القدير هنا. وقال في موضع آخر: وأهل الطب يثبتون نفعا للبن البنت للعين وهذه من أفراد مسألة الانتفاع بالمحرم للتداوي كالخمر. واختار في الخانية والنهاية الجواز إذا علم أن فيه الشفاء ولم يجد دواء غيره وسيأتي إن شاء الله تعالى تمامه في الحظر والاباحة. وقيد بلبن المرأة لانه يجوز بيع لبن الانعام. قال الامام الرباني محمد بن الحسن الشيباني: جواز إجارة الظئر دليل على فساد بيع لبنها وجواز بيع لبن الانعام دليل على فساد إجارتها. قوله: (وشعر الخنزير) أي لم يجز بيعه إهانة له لكونه نجس العين كأصله فالبيع هنا لو
جاز لكان إكراما وفي الخمر والخنزير كذلك لو جا لكان إعزازا وقد أمرنا بالاهانة، وفي لبن المرأة لو جاز لكان إهانة لها وقد أمرنا بإعزاز الآدمي فالفعل الواحد وهو البيع هنا يجوز أن يكون إعزازا بالنسبة إلى محل وإهانة بالنسبة إلى آخر مثلا إذا أمر السلطان بعض الغلمان بالوقوف عند الفرش بحضرته كان إعزازا له، ولو أمر القاضي بذلك لكان إهانة له. وحاصله أن جواز بيع المهان إعزاز له وجواز بيع المكرم إهانة له قوله: (وينتفع به) أي يجوز الانتفاع بشعر الخنزير دفعا لما يتوهم من منع بيعه ولكنه مقيد بالخرز للضرورة فإن ذلك العمل لا يتأتى بدونه ويوجد مباحا فلا حاجة إلى القول بجواز بيعه وشرائه حتى لو لم يوجد لم يكره
[ 133 ]
شراؤه للاساكفة للحاجة، وكره بيعه لعدمها كما أفتى به الفقيه أو الليث، وظاهر كلامهم منع انتفاع به عند عدم الضرورة بأن أمكن الخرز بغيره ولذا قيل: لا ضرورة إلى الخرز به لامكانه بغيره. وكان ابن سيرين يلبس خفا خرز بشعر الخنزير فعلى هذا لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به ولذا روي عن أبي يوسف كراهة الانتفاع به إلا أن يقال إن إمكان الخرز بغيره وإن وقع لفرد بسبب تحمله مشقة في خاصة نفسه لا يجوز أن يلزم العموم حرجا مثله، وحيث كان جواز الانتفاع به للضرورة والاصل أن ما ثبت للضرورة يتقدر بقدرها أفتى الامام أبو يوسف بنجاسته فيتنجس الماء القليل إذا وقع فيه، وطهره محمد لان جواز الانتفاع به دليلها، والصحيح قول أبي يوسف لما قدمناه، وما ذكر في بعض المواضع من جواز صلاة الخرازين مع شعر الخنزير وإن كان أكثر من قدر الدرهم فهو مخرج على قول محمد بطهارته، وأما على قول أبي يوسف فلا وهو الوجه لان الضرورة لم تدعهم إلى أن يعلق بهم بحيث لا يقدرون على الامتناع عنه ويجتمع على ثيابهم هذا المقدار قوله: (وشعر الانسان والانتفاع به) أي لم يجز بيعه والانتفاع به لان الآدمي مكرم غير مبتذل فلا يجوز أن يكون شئ من أجزائه مهانا مبتذلا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله الواصلة والمستوصلة وإنما يرخص فيما يتخذ من الوبر فيزيد في قرون النساء وذوائبهن، كذا في الهداية. وصرح في فتح القدير بأن الآدمي مكرم
وإن كان كافرا. والواصلة هي التي تصل الشعر بشعرء النساء، والمستوصلة المعمول بها بأذنها ورضاها. ولعن في الحديث النامصة والمتنمصة والنامصة هي التي تنقص الحاجب لتزينه والمتنمصة هي التي يفعل بها قوله: (وجلد الميتة قبل الدبغ) أي لم يجز بيعه لانه غير منتفع به قال ذلك عليه السلام لا تنتفعوا من الميتة بإهاب وهو اسلغير المدبوغ فيكون نجس العين بخلاف الثوب والدهن المتنجس فإنها عارضة. قيد بما قبل الدبغ لانه لو باعه بعده جاز لحل الانتفاع للطهارة ولذا قال: (وبعده يباع وينتفع به) وقيد بالميتة لان جلدالمذكاة يجوز بيعه قبل الدباغة ولحوم السباع وشجومها وجلودها بعد الذكاة كجلود الميتة بعد الدبغ فيجوز بيعها والانتفاع بها ما عدا الاكل لطهارتها بالذكاة إلا جلد الخنزير قوله: (كعظم الميتة وصوفها وعصبها وقرنها ووبرها) أي
[ 134 ]
يجوز بيعها والانتفاع بها لانها طاهرة لا يحلها المو ت لعدم الحياة وقد قررناه من قبل، والفيل كالخنزير نجس العين عند محمد، وعندهما بمنزلة السباع حتى يباع عظمه وينتفع به وجوز بيع القرد على المختار قوله: وعلو سقط) أي لم يجز بيع علو بعد انهدامه لان الباقي بعد سقوطه حق التعلي وهو ليس بمال لانه المال ما يمكن إحرازه والمال هو المحل المبيع بخلاف الشرب حيث يجوز بيعه بتبعا للارض باتفاق الروايات، ومفردا في رواية وهو اختيار مشايخ بلخ لانه حظ من الماء ولهذا يضمن بالاتلاف وله قسط من الثمن وسيأتي تمامه في الشرب إن شاء الله تعالى. وقيد بسقوطه لان بيعه قبل سقوطه جائز كما في فتح القدير لان المبيع البناء فعلى هذا يجوز بيع سقف البيت قبل نقضه كما يجوز بيع البناء قبل هدمه لكن في عمدة الفتاوي: لا يجوز بيع بناء الوقف قبل هدمه ولا الاشجار الموقوفة المثمرة قبل قلعها بخلاف غير المثمرة اه. وأشار المصنف إلى أن العلو لو سقط قبل القبض فإن البيع يبطل كهلاك المبيع قبل القبض كما في فتح القدير، والعلو خلاف السفل بضم العين وكسرها، كذا في المصباح. ولم يذكر المصنف بيع الطريق والمسيل. وفي الهداية: وبيع الطريق وهبته جائز، وبيع مسيل الماء وهبته باطل، والمسألة تحتمل وجهين: بيع رقبة الطريق والمسيل وبي حق المرور والتسييل، فإن كان
المراد الاول فهو الفرق بين المسألتين أن الطريق معلوم لان له طولا وعرضا معلوما، أم المسيل فمجهول لانه لا يدري قدر ما يشغله من الماء. وإن كان الثاني ففي بيع حق المرور روايتان، وجه الفرق على أحدهما بينه وبين حق التسييل أن حق المرور معلوم لتعلقه بمحل معلوم وهو الطريق، وأما المسيل على السطح فهو حق التعلي وعلى الارض مجهول لجهالة محله. ووجه الفرق بين حق المرور وحق التعلي على إحدى الروايتين أن حق التعلي يتعلق بعين لا تبقى وهو البناء فأشبه المنافع، أمحق المرور يتعلق بعين تبقى وهو لارض فأشبه الاعيان اه. قوله: (وأمة تبين أنه عبد وكذا عكسه) أي لم يجز بيع أمة ظهر أنه عبد وعكسه وهو بيع عبد تبين أنه جارية بخلاف ما إذا باع كبشا فإذا هو نعجة حيث ينعقد البيع ويتخير والفرق
[ 135 ]
يبتنى على الاصل الذي ذكرناه في النكاح لمحمد وهو أن الاشارة مع التسمية إذا اجتمعتا ففي مختلفي الجنس يتعلق العقد بالمسمى ويبطل لانعدامه، في متحدي الجنس يتعلق بالمشار إليه وينعقد لوجوده ويتخير لفوات الوصف كمن اشترى عبدا على أنه خباز فإذا هو كاتب وفي مسألتنا الذكر والانثى من بني آدم جنسان للتفاوت في الاغراض وفي الحيوانات جنس واحد للتقارب فيها وهو المعتبر دون الاصل كالخل والدبس جنسان والوذاري والزنديجي على ما قالوا جنسان مع اتحاد أصلهما، كذا في الهداية. والاصل المذكور لمحمد رحمه الله تعالى متفق عليه هنا ويجري في سائر العقود من النكاح والاجارة والصلح عن دم العمد والخلع والعتق على مال والبيع في مسألة الكتاب باطل لعدم المبيع، وبه ظهر أن الذكر والانثى من بني آدم جنسان فقها وإن اتحدا جنسا في المنطق لانه الذاتي المقول على كثيرين مختلفين بمميز داخل، والجنس في الفقة المقول على كثيرين لا يتفاوت الغرض منها فاحشا فالجنسان ما يتفاوت الغرض منهما فاحشا بلا نظر إلى الذاتي. والوذارى بفتح الواو وكسرها وإعجام الذال ثم راء مهملة نسبة إلى وذار قرية من قرى سمر قند. والزنديجي بزاي ثم نون ثم دال مهلمة ثم ياء ثم جيم نسبة إلى زندنه بفتح الزاي والنون الاخيرة والجيم زيدت على خلاف القياس مع اتحاد
أصلهما، هكذا ذكر صاحب الهداية عن المشايخ. قال في فتح القدير: ومن المختلفي الجنس ما إذا باع فصا على أنه ياقوت فإذا هو زجاج فالبيع باطل، ولو باعه ليلا على أنه ياقوت أحر فظهر أصفر صح ويخير كما إذا باع عبدا على أنه خباز فإذا هو كاتب، هكذا ذكر المصنف وإن كانت صناعة الكتابة أشرف عند الناس من الخبز وكان المصنف ممن لا يفرق من المشايخ بين كون الصفة التي ظهرت خيرا من الصفة التي عينت أولا في ثبوت الخيار كما أطلق في المحيط ثبوت الخيار. وذهب آخرون منهم صدر الاسلام وظهير الدين إلى أنه إنما يثبت إذا كان الموجود أنقص وصحح الاول فوات غرض المشتري وكان مستند المفصلين ما تقدم فيمن اشترى عبدا على أنه كافر فإذا هو مسلم لا خيار له لانه خير مما عين. وقد يفرق بأن الغرض وهو استخدام العبد بما لا يليق به لا يتفاوت بين مسلم وكافر من الزراعة وأمورها أو التجارة وأمورها بخلاف تعيين الخبز أو الكتابة فإنه يفيد أن حاجته التي لاجلها اشترى هي هذا الوصف اه. وقد ظهر من كلامهم أن من اشترى فصوصا ثم اختلفا فال المشتري شرطت لي ياقوطا وأنكره البائع أنه إن كان مظهر من خلاف جنس الياقوت تحالفا وفسخ البيع لان الاختلاف في جنس المبيع، وإن كان ما ظهر من جنسه وإنما الفائت الوصف، فإن
[ 136 ]
كان المبيع بمرأى من عين المشتري وقت البيع فلا خيار له ولو أقر البائع بالشرط لما قدمناه عن قاضيخان في شراشتراط الخبز والكتابة قبيل باب خيار الرؤية، وإلا فالقول للبائع لان الاختلاف في اشتراط وصف كالاختلاف في اشتراط الخبز ولذا صورها في الفتح بما إذا اشترياه ليلا لاخراج ما إذا كان نهارا بمرأة من عينه وقد صارت حادثة الفتوى وأجبت بما ذكرناه والله الموفق للصواب. قوله: (وشراء ما باع بالاقل قبل النقد) أي لم يجز شراء البائع ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن فهو مرفوع عطفا على بيع لا أنه مجرو عطفا على المجرور انت لانه لو كان كذلك لصار المعنى لم يجز بيع شراء وهو فاسد. وإنما منعنا جوازه استدلالا بقول عائشة رضي الله
تعالى عنها لتلك المرأة وقد باعت بستمائة بعدما اشترت بثمانمائة بئس ما شريت واشتريت ابلغني زيد بن أرقم أن الله تعالى أبطل حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب. ولان الثمن لم يدخل في ضمانه فإذا وصل إليه المبيع وقعت المقاصصة فبقي له فضل بلا عوض بخلاف ما إذا باع بالعرض لان الفضل إنما يظهر عند المجانسة. أطلق في الشراء فشمل شراءه من كل وجه والشراء من وجه كشراء من لا تجوز شهادته له فإنه لا يجوز أيضا كشرائه بنفسه خلافا لهما في غير العبد والمكاتب. وأطلق فيما باعه فشمل ما باعه بنفسه أو بوكيله وما باعه أصالة أو وكالة كما شمل الشراء لنفسه ولغيره إذا كان هو البائع، وشمل أيضا شراء الكل أو البعض كما في القنية. وخرج شراء وارث البائع ووكيله عند الامام لان العقد وقع له لكونه أصيلا في الحقوق خلافا لهما لكونه قائما مقامه ولكن لا تطيب له الزيادة عند الامام وإن ملكها، وأما شراء البائع ممن اشترى من مشتريه فجائز وفاقا. وشرط في السراج الوهاج لجواز شراء وارث البائع أن يكون ممن تجوز شهادته للمورث في حياته وإلا لا يجوز وهو قيد حسن أغفله كثير وإن كان معلوما من بيان حكم شراء من لا تجوز شهادته له وأراد
[ 137 ]
المولف رحمه الله تعالى الشراء من مشتريه حقيقة أو حكما كالشراء من وارث مشتريه. والفرق بين الوارثين أن وارث البائع إنما لم يقم مقامه لان هذا مما لا يورث وهو إنما يقوم مقامه فيما يورث بخلاف وارث المشتري فإنه قام مقامه في ملك العين وهذا من أحكامها. وقيد بما باع لان المبيع لو انتقص خرج أن يكون شراء ما باع فيكون النقصان من الثمن في مقابلة ما نقص من العين، سواء كان النقصان من الثمن بقدر ما نقص منها أو بأكثر منه، وعلى هذا تفرع ما قالوا لو ولدت الجارية عند المشتري ثم اشتراها البائع بأقل إن كانت الولادة نقصتها جاز كما لو دخلها عيب عند المشتري ثم اشتراها منه بالاقل، وإن لم تنقصها لا يجوز لانه يحصل به ربح لم يدخل في ضمانه، كذا في فتح القدير. ولا بد أن يكون النقصان فيها من حيث الذات لان العين لو نقصت قيمتها بتغير الاسعار لم يجز الشراء بالاقل لا تغيير السعر غير
معتبر في حق الاحكام لانه فتور في الرغبات لا فوات جزء كما في حق الغاصب وغيره فعاد إليه كما خرج عن ملكه فظهر الربح. وقيد بالاقل احترازا عن المثل أو الاكثر فإنه جائز، ولا بد من اتحاد جنس الثمنين لانه حينئذ يظهر النقصان، فإن اختلف الجنس جاز مطلقا والدراهم والدنانير هنا جنس واحد احتياطا وقدمنا أنهما جنسان إلا في ثمانية في أول البيوع فإذا كان النقد الثاني أقل من قيمة الاول لم يجز. وأطلق في الاقلية فشمل الاقل مقدرا والاقل وصفا، فلو باع بألف نسيئة إلى سنة ثم اشتراه بألف نسيئة إلى سنتين فسد عندنا. وقيد بقوله النقد إذ بعده لا فساد، وفي القنية: لو قبض نصف الثمن ثم اشترى النصف بأقل من نصف الثمن لم يجز وكذا لو أحال البائع على المشتري اه. وفي السراج الوهاج: لا يجوز أن يشتريه بأقل من الثمن وإن بقي من ثمنه درهم، ولا بد من نقد جميع الثمن، ولو خرج المبيع عن ملك المشتري ثم عاد إليه فإن عاد إليه بحكم ملك جديد كالاقالة قبل القبض أو بعده أو بالشراء أو الهية أو بالميراث فشراء البائع منه بالاقل جائز، وإن عاد إليه بما هو فسخ فخيار رؤية أو شرط قبل القبض أو بعده فالشراء منه بالاقل لا يجوز، كذا في السراج الوهاج. وذكر الشارح هنا فروعا فقال 2 (212). قوله: (وصح فيما ضم إليه) أي صح البيع في المضموم إلى شراء ما باعه بالاقل قبل النقد كأن اشترى جارية بخمسمائة ثم باعها وأخرى معها من البائع قبل أن ينقده الثمن بخمسمائة فالبيع جائز في التي لم يشترها من البائع ويفسد الاخرى لانه لا بد أن يجعل
[ 138 ]
بعض الثمن في مقابلة التي لم يشترها منه فيكون مشتريا للاخرى بأقل مما باع وهذا فاسد عندنا، ولم يوجد هذا المعنى في صاحبتها ولا يشيع الفساد لكونه ضعيفا للاجتهاد فيه أو لانه باعتبار شبهة الربا أو لانه طارئ لانه يظهر بانقسام الثمن والمقاصة فلا يسري إلى غيرها. وأورد على التعليل الاول ما لو أسلم قوهيا في قوهي ومروي فإنه باطل في الكل عنده، وعندهما يصح في المروي كما لو أسلم حنطة في شعير وزيت عنده يبطل في الكل، وعندهما
يصح في حصة الزيت مع أن فساد القد بسبب الجنسية مجتهد فيه. فإن أسلم هرويا في هروي جاز عند الشافعي ولا مخلص منه إلا بتغيير تعليل تعدي الفساد بقوة الفساد بالاجماع عليه إلا تعليله بأنيجعل الشرط الفاسد في أحدهما وهو قبول العقد في الهروي شرطا لقبوله في المروي فيفسد في المروي بالشرط الفاسد، وفي الهروي باتحاد الجنس، كذا اعترف به شمس الائمة بعد أن علل به هو في شرح الجامع. وأشار المصنف إلى أن البائع لو اشتراه مع رجل اخر فإنه يجوز من الاجنبي في نصفه قوله: (وزيت على أن يزنه بظرفه ويطرح عنه مكان كل ظرف خمسين رطلا وصح لو شرط أن يطرح عنه بوزن الظرف) أي لم يجز بيع شئ بهذا الشرط وصح البيع بالشرط الثاني لان الشرط الاول لا يقتضيه العقد والثاني يقتضيه قوله: (وإن اختلفا في الزق فالقول للمشتري) يعني لو رد المشتري الزق وهو عشرة أرطال فقال البائع الزق غيره وهو خمسة أرطال فالقول قول المشتري مع يمينه لانه إن اعتبر اختلافا في تعيين الزق المقبوض فالقول قول القابض ضمينا كان أو أمينا، وإن اعتبر اختلافا في الثمن فهو في الحقيقة اختلاف في الثمن فيكون القول للمشتري لانه ينكر الزيادة، وإذا برهن البائع قبلت بينته. وأورد على ما في الكتاب مسألتان: إحداهما ما إذا باع عبدين وقبضهما المشتري ومات أحدهما عنده وجاء بالآخر يرده بعيب واختلفا في قيمة الميت فالقول للبائع. والثانية أن الاختلاف في الثمن يوجب التحالف وهنا جعل القول للمشتري على تقدير اختلافهما في الثمن. وأجيب عن الاول بأنها مع هذه طرد فإن كون القول للمشتري لانكاره للزيادة وهناك إنما كان للبائع لانكاره الزيادة، وعن الثاني بأن التحالف على خلاف القياس فيها عند وجود الاختلاف في الثمن قصدا وهنا الاختلاف فيه تبع لاختلافهما في الزق المقبوض أهو هذا أم لا فلا يوجب التحالف، كذا في فتح القدير. والزق بالكسر الظرف وبعضهم يقول ظرف زيت أو قبر والجمع أزقاق وزقاق وزقان مثل كتاب ورغفان، كذا في المصباح. قوله: (ولو أمر ذميا بشراء خمر أو بيعها صح) أي التوكيل وبيع الوكيل وشراؤه عند أبي
[ 139 ]
حنيفة. وقالا: لا يجوز على المسلم. وعلى هذا الخلاف الخنزير وعلى هذا توكيل المحرم غيره ببيع صيده. لهما أن الموكل لا يليه فلا يوليه غيره ولان ما يثبت للوكيل ينتقل إلى الموكل فصار كأنه باشر بنفسه فلا يجزئه، ولابي حنيفة أن العاقد هو الوكيل بأهليته وولايته وانتقال الملك إلى الآمر أمر حكمي فلا يمنع بسبب الاسلام كما إذا ورثهما ثم إن كان خمرا يخللها ويدفع ثمنها إلى الوكيل، وإن كان خنزيرا يسيبه ولم يذكر المصنف حكم ثمن ما باعه له. قال الشارح: يتصدق بثمن الخمر إن باعها الوكيل له لتمكن الخبث فيه وقولهما إنه لا يليه فلا يوليه منقوض بمسائل الوكيل بشراء معين له أن يوكل بشرائه له وإن لم يله لنفسه. ومنها إذا مات ذمي وله خمر فللقاضي أن يأمر ذميا ببيعها مع أنه لا يليه بنفسه. ومنها المسلم الوصي لذمي يوكل ذميا ببيع خمره مع أنه لا يليه، وقد كتبنا في الفوائد غير هذه. وفي فتح القدير: بقي أن يقال إذا كان حكم هذه الوكالة في البيع أن لا ينتفع بالثمن وفي الشراء أو يسيب الخنزير ويريق الخمر أو يخللها بقي تصرفا غير معقب لفائدته، وكل ما هو كذلك ليس بمشروع وقد روي عن أبي حنيفة أن هذه الوكالة تنكره أشد ما يكون من الكراهة وهي ليس إلا كراهة التحريم فأي فائدة في الصحة؟ اه. وفي القنية من الزكاة: مسلم له خمر وكل ذميا ببيعها فللمسلم أن يصرف ثمنها إلى الفقراء من زكاة ماله وتصح اه. قوله: (وأمة على أن يعتق لمشتري أو يدبر أو يكاتب أو يستولد أو إلا حملها أو يستخدم البائع شهرا أو دارا على أن يسكن أو يقرض المشتري درهما أو يهدي له أو يسلم إلى كذا أو ثوب على أن يقطعه البائع أو يخيطه قميصا) أي لم يجز بيع أمة بشرط منها وهو فاسد لان بيع وشرط وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط كما رواه عمر وبن شعيب رضي الله عنه. وخصصه الشافعي بما عدا العتق وجوز البيع بشرط العتق وهو رواية عن أبي حنيفة كما ذكره الاقطع عملا بحديث بريرة فإن عائشة رضي الله تعالى عنها اشترتها بشرط العتق وأجازه عليه السلام وأبطل الشرط فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء إنما الولاء لمن أعتق. ولم يخصه به
[ 140 ]
أصحابنا بناء على أصلهم أن العام يعارض الخاص ويطلب منه أسباب الترجيح والمرجح هنا العام وهي النهي عن بيع وشرط لكونه مانعا، وحديث بريرة مبيح فيحمل على ما قبل النهي. وأما حديث جابر في مسلم من أنه باع جملا للنبي صلى الله عليه وسلم وشرط له ظهره إلى المدينة، فعلى مذهب الشافعي لم يقع الشرط في صلب العقد فلم يفسد، على أصلنا قدم العام الحاظر على الخاص المبيح كما قدمناه. وأشار المصنف بالعتق وما عطف عليه إلى كل شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه وفيه منفعة لاحد المتعاقدين أو للمعقود عليه وهو من أهل الاستحقاق ولم يجر العرف به ولم يرد الشرع بجوازه، فلابد في كون الشرط مفسدا للبيع من هذه الشرائط الخمسة، فإن كان الشرط يقتضيه العقد فإنه لا يفسد كشرط أن يحبس المبيع إلى قبض الثمن ونحوه، فإن كان لا يقتضيه لكن ثبت تصحيحه شرعا فلا مرد له كشرط الاجل في الثمن وفي المبيع السلم وشرط الخيار لا يفسده، وإن كان متعارفا كشراء النعل على أن يحذوها البائع أو يشركها فهو جائز، وإن كان ملائما للبيع لا يفسده كالبيع بشرط كفيل بالثمن إذا كان حاضرا وقبلها أو غائبا فحضر وقبل قبل التفرق، وكشرط رهن معلوم بالاشارة والتسمية فإن حاصلهما التوثق للثمن. قيدنا بحضرة الكفيل لانه لو كان غائبا فحضر وقبل بعد التفرق أو كان حاضرا فلم يقبل لم يجز. وقيدنا بكون الرهن مسمى لانه لو لم يكن مسمى ولا مشارا إليه لم يجز إلا إذا تراضيا على تعيينه في المجلس ودفعه إليه قبل أن يتفرقا أو يعجل الثمن ويبطلان الرهن، وإذا كان مسمى فامتنع عن تسليمه لم يجير وإنما يؤمر بدفع الثمن، فإن لم يدفعهما خير البائع في الفسخ واشتراط الحوالة كالكفالة. ومعنى كون الشرط يقتضيه العقد أن يجب بالعقد من غير شرط، ومعنى كونه ملائما أن يؤكد موجب العقد، كذا في الذخيرة. وفي السراج الوهاج أن يكون راجعا إلى صفة المبيع أو الثمن كاشتراط الخبز والطبخ والكتابة وفيها يقال للمشتري في مسألة الرهن ادفعه أو عجل الثمن، وفي القدوري: يقال للمشتري إما أن تدفع الرهن أو قيمته أو تفسخ العقد لان يد الاستيفاء للبائع إنما تثبت على المعنى وهو القيمة، ولا شك أن الرهن لو هلك فإن المشتري يدفع قيمته أو يعجل الثمن، ولو اشترى
عبدا على أن يعطي البائع المشتري كفيلا بما أدركه من درك، فإن كان الكفيل مجهولا فسد
[ 141 ]
البيع، وإن كان معينا حاضرا وقبل أو كان غائبا فحضر قبل التفرق وقبل جاز اه. ولم يذكر الرهن على الدرك لانه غير جائز وتفسير المنفعة لاحد المتعاقدين اشتراط أن يهبه المشتري شيأ أو يقرضه أو يسكن الدار شهرا أو يخدمه العبد شهرا، ولو شرط أن خراجها على البائع فسد، وإن شرط الزائد على خراجها عليه جاز لانه شرط أن لا يجب عليه تحمل الظلم، ولو شرط أن خراجها كذا فجاء أزيد أو انقص فسد البيع لانه باع بشرط أن يجب على المشتري خراج أرض أخرى. هذا إذا علم، فإن لم يعلم جاز ويخير المشتري. ولو اشترى خراجية الاصل بلا خراج أو غير الخراجية مع الخراج بأن كان للبائع خراجية وضع خراجها على هذه فسد، وإن لم تك في الاصل خراجية فوضع عليها جاز، وتمامه في البزازية. ومما فيه نفع للمشتري اشتراط خياطة الثوب على البائع أو طحن الحنطة أو الثمرة وتفسير منفعة المعقود عليه إذا كان من أهل الاستحقاق اشتراط أن لا يبيع العبد أو لا يهبه أو لا يخرجه عن ملكه بوجه من الوجوه فإن المملوك يسر أن لا تتداوله الايدي، وكذا بشرط أن لا يخرجه عن مكة. وفي الخلاصة: اشترى عبدا على أن يبيعه جاز، وعلى أن يبيعه من فلان لا يجوز لان له طالبا. وفي البزازية: اشترى عبدا على أن يطعمه لم يفسد وعلى أن يطعمه خبيصا فسد، وقيدنا بكونه من أهل الاستحقاق أي من أهل أن يستحق حقا على الغير وهو الآدمي لانه لو كان حيوانا غير آدمي أو ثوبا فالبيع بهذا الشرط جائز. وخرج أيضا ما إذا شرط منفعة لاجنبي كان يقرض البائع أجنبيا فالبيع صحيح كما في الذخيرة معزيا إلى الصدر الشهيد قال: وذكر القدوري أنه يفسد، وصورته أن يقول المشتري للبائع اشتريت منك هذا على أن تقرضني أو تقرض فلانا. وفي المنتقي قال محمد رحمه الله تعالى: كل شئ يشترط المشتري على البائع يفسد به البيع، فإذا شرطه على أجنبي فهو باطل كما إذا اشترى دابة على أن يهبه فلان الاجنبي كذا فهو باطل
كما إذا شرط على البائع أن يهبه، وكل شئ يشترطه على البائع لا يفسد به البيع فإذا شرطه على أجنبي فهو جائز وهو بالخيار، ومن ذلك ما إذا اشترى شيأ على أن يحط فلان الاجنبي عنه كذا جاز البيع وهو بالخيار إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء ترك. وروى ابن سماعة
[ 142 ]
عن أبي حنيفة إذا اشترى من آخر شيأ على أن يهب البائع لابن المشتري أو لاجنبي من الثمن كذا فسد البيع. وخرج أيضا شرط فيه مضر لاحدهما كما لو باع ثوبا بشرط أن لا يبيعه ولا يهبه جاز البيع وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وفي قول أبي يوسف فاسد وهو رواية. واختلف المشايخ فيما إذا باع على أن يعطي ثمنه من مال فلان ومن منفعة البائع المفسدة للبيع ما إذا شرط أن يدفع المشتري الثمن إلى غريم البائع لسقوط مؤنة القضاء عنه، ولان الناس يتفاوتون في الاستيفاء فمنهم من يسامح ومنهم من يماكس. ومنها أيضا ما لو باع بألف وشرط أن يضمن المشتري عنه ألفا لغريمه ومن منفعة المشتري ما إذا باع بستانا بشرط أن يبني البائع حوائطه، كذا في الذخيرة. وفي فتح القدير: ما لو باع ساحة على أن يبني بها مسجدا أو طعاما على أن يتصدق به فهو فاسد اه. وخرج أيضا ما لا مضرة فيه ولا منفعة كأن اشترى طعاما بشرط أكله أو ثوبا بشرط لبسه فإنه يجوز، وخرج عن الاقتضاء ما في المجتبي: اشتراه على أن يدفعه إليه قبل دفع الثمن أو قال على أن تدفع الثمن في بلد آخر فسد البيع. وفي شرح المجمع معزيا إلى النوازل: لو قال بعت منك هذا على أن أحط من ثمنه كذا جاز، ولو قال على أن أهب منك كذا لم يجز البيع لان الحط ملحق بما قبل العقد ويكون البيع بما وراء المحطوط اه. وقيد به على لان الشرط لو كان بان فإن البيع يفسد في جميع الوجوه إلا في مسألة ما إذا قال إن رضي أبي أو فلان في ثلاثة أيام كما سيأتي فيما يصح تعليقه وما لا يصح، والتفصيل السابق إنما هو إذا علق بكلمة على. وقيد بكون الشرط مقارنا للعقد لان الشرط الفاسد لو التحق بعد العقد قيل يلتحق عند أبي حنيفة، وقيل لا وهو الاصح كما في جامع الفصولين في الفصل التاسع والثلاثين، ولكن في الاصل إذا ألحقا بالبيع شرطا
فسادا يلتحق عند أبي حنيفة وإن كان الالحاق بعد الافتراق عن المجلس وصورته: لو باع فضة بفضة وتقابضا وتفرقا ثم زاد أحدهما صاحبه شيمأ أو حط عنه وقبله الآخر فالبيع فاسد عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: البيع صحيح وتبطل الزيادة والحط. وقال محمد: الزيادة باطلة والحط جائز ولو كان الشرط في العقد فأبطلاه إن كان المفسد في صلب العقد صح الحط في المجلس، ولا يصح فيما وراء المجلس اه. وقيد به على دون الواو لانه لو زاد الواو بأن ال بعتك هذا بكذا وعلى أن تقرضني كذا فالبيع جائز ولا يكون شرطا وهو نظير ما لو كان دفع لرجل أرضا بيضاء فيها نخيل فقال دفعت إليك النخيل معاملة على أن تزرع كان شرطا للمزارعة في المعاملة. ولو قال وعلى أن تزرع لم تفسد المزارعة، ويعرف من هاتين المسألتين كثير من المسائل، كذا في الذخيرة وتبعه في البزازية. وقيد بإخراج ما ذكر مخرج
[ 143 ]
الشرط لانه لو أخرجه مخرج الوعد لم يفسد كما إذا باع بستانا على أن يعمر حوائطه وأخرجه مخرج الوعد ولكن لو لم يبن البائع لم يجبر ويخير المشتري في الرد، كذا في الذخيرة لكن لم يبين بماذا يكون إخراجه مخرج الوعد وهو أحد الاجوبة عن حديث بريره فإن البيع لم يكن بشرط العتق وإنما كان بوعد عتقها. وبين الامام اسحق الولوالجي صورة إخراجه مخرج الوعد قال: اشتر حتى ابني الحوائط وخرج عن الملائم للعقد ما لو اشترى أمة بشرط أن يطأها المشتري أو لا يطأها فالبيع فاسد لان الملائم للعقد الاطلاق. وعند أبي يوسف يجوز في الاول لانه ملائم، وعند محمد يجوز فيهما في الاول لما قاله أبو يوسف، وفي الثاني إن لم يقتضه العقد لا يرجع نفعه إلى أحد فهو شرط لا طالب له. ولم يفصل المؤلف بين شرط وشرط في الفساد وهو كذلك إلا البيع بشرط العتق فإن المشتري إذا أعتقه صح البيع ووجب الثمن عليه عد أبي حنيفة. وقالا: يبقى فاسدا فتجب القيمة لان البيع قد وقع فاسدا فلا ينقلب جائزا كما إذا تلف بوجه آخر. ولابي حنيفة أن شرط العتق من حيث ذاته لا يلائم العقد على ما ذكرناه ولكن من حيث حكمه يلائمه لانه منتهي للملك والشئ بانتهائه يتقرر،
ولهذا لا يمنع العتق الرجوع بنقصان العيب فإذا أتلف بوجه آخر لا تتحقق الملائمة فتقرر الفساد، وإذا وجد العتق تحققت الملائمة فترجح جانب الجواز فكان الحال موقوفا بخلاف ما إذا دبرها أو استولدها فإنهما لا ينهيان الملك لجواز قضاء قاض ببيعهما، وأجمعوا أن المشتري لو أتلفه أو باعه أو وهبه تلزمه قيمته، كذا في السراج الوهاج. ومن الشروط المفسدة ما في القنية: اشترى بطيخة على أنها حلوة أو شاة على أنها تحلب كذا أو زيتونا أو سمسما على أن فيه كذا منا أو شاة أو ثورا على أن فيه كذا منا من اللحم فسد البيع في الكل لتعذر معرفته قبل العمل وعجز البائع عن الوفاء به اه. ولو اشتراه على أن يؤدي الثمن من بيعه فهو فاسد إن شرط، وإنما ذكر استثناء الحمل من الشروط لانه لما كان غير صحيح صار شرطا فاسدا، والاصل فيه أن ما لا يصح إفراده بالعقد لا يصح استثناؤه من العقد والحمل من هذا القبيل، وهذا لانه بمنزلة أطراف الحيوان لاتصاله به خلقة وبيع الاصل يتناوله فالاستثناء يكون على خلاف الموجب فلم يصح فيصير شرطا فاسدا والبيع يبطل به والكتابة والاجارة والرهن بمنزلة البيع لانها تبطل بالشروط الفاسدة غير أن المفسد في الكتابة ما يتمكن في صلب العقد منها والهبة والصدقة والنكاح والخلع والصلح عن دم العمد لا يبطل باستثناء الحمل بل يبطل الاستثناء لان هذه العقود لا تبطل بالشروط الفاسدة، وكذلك الوصية لا تبطل به لكن يصح الاستثناء حتى يكون الحمل
[ 144 ]
ميراثا والجارية وصية لان الوصية أخت الميراث والميراث يجري فيما في البطن بخلاف ما إذا استثنى خدمتها لان الميراث لا يجري فيها، كذا في الهداية. والغلة كالخدمة وأورد مسألة الخدمة على الاصل السابق. وأجيب بأنه إما مطرد غير منعكس والايراد على العكس، وإما بأن الكلام في العقد والوصية ليست بعقد فلا ترد، كذا في النهاية. ولا يخفى أنها عقد مشتمل على الايجاب والقبول فالاوجه الاول. وتفرع على القاعدة أنه يصح استثناء قفيز من الصبرة لجواز إفراده ولا يصح استثناء شاة من قطيع لعدم جواز إفرادها من قطيع إذا لم تكن
معينة، وأما إذا عينها بالاشارة فالاستثناء صحيح، وكذا الحال في كل عددي متفاوت. وصح استثناء: أرطال معلومة من بيع الثمرة لجواز إبراده على الارطال ابتداء وهو المعتمد ومن مسائل الاستثناء باع صبرة بمائة عشرها فله تسعة أعشارها بجميع الثمن، ولو قال على أن عشرها لي فله تسعة أعشارها بتسعة أعشار الثمن خلافا للمروي عن محدم أنه بالجميع. وعن أبي يوسف أنه لو قال أبيعك هذه المائة شاة بمائة على أن هذه لي أو ولي هذه فسد، ولو قال إلا هذه كان ما بقي بمائة، ولو قال ولي نفسها كان النصف بخمسين، ولو قال بعتك هذا العبد بألف إلا نصفه بخمسمائة عن محمد جاز في كله بألف وخمسمائة لان المعنى باع نصفه بألف لان الباقي بعد الاستثناء فالنصف المستثنى عين بيعه بخمسمائة. ولو قال على أن لي نصفه بثلاثمائة أو مائة دينار فسد لادخال صفقة في صفقة. ولو قال بعتك الدار الخارج على أن تجعل لي طريقا إلى داري هذه الداخلة فسد البيع، ولو قال إلا طريقا إلى داري الداخلة جاز وطريقه عرض باب الدار الخارجة. ولو باع بيتا على أن لا طريق للمشتري في الدار وعلى أن بابه في الدهليز يجوز، ولو زعم أن له طريقا فظهر أن لا طريق له يرد، ولو باع بألف دينار إلا درهما أو إلا ثوبا أو إلا كر حنطة أو هذه الشياه إلا واحدة لا يجوز، ولو كانت بعينها جاز، ولو باع دارا على أن لا بناء فيها فإذا فيها بناء فالبيع فاسد لانه يحتاج إلى نقض البناء، ولو باعها على أن بناءها من آجر فإذا هو لين فسد بناء على أنهما جنسان كما لو باعه ثوبا على أنه هروي فظهر بلخيا. ولو باع الارض على أن فيها بناء فإذا لا بناء فيها أو اشتراها بشجرها فليس فيها شجر جاز وله الخيار، وكذا لو باع بعلوها وسفلها فظهر أن لا علولها ومثله لو اشترى بأجذاعها، كذا في فتح القدير. قوله: (وصح بيع نعل على أن يحذوه ويشركه والقياس فساده) لما فيه من النفع للمشتري مع كون العقد لا يقتضيه، وما ذكره جواب الاستحسان للتعامل وفي الخروج عن العادة خرج بين بخلاف اشتراط خياطة الثوب لعدم العادة فبقي على أصل القياس. وتسمير
[ 145 ]
القبقاب كتشريك النعل كما في فتح القدير. وفي البزازية: اشترى ثوبا أو خفا خلقا على أن يرقعه البائع ويخرزه ويسلمه صح للعرف ومعنى يحذوه يقطعه قوله: (لا البيع إلى النيروز والمهرجان وصوم النصارى وفطر اليهود إن لم يدر العاقدان ذلك) أي لا يجوز البيع وهو فاسد لجهالة الاجل وهي مفضية إلى المنازعة في البيع لابتنائها على المماكسة إلا إذا كانا يعرفانه لكونه معلوما عندهما أو كان التأجيل إلى فطر النصارى بعدما شرعوا في صومهم بالايام لان صومهم بالايام معلوم فلا جهالة فيه. والنيروز أول يوم من الصيف وهو أول يوم تحل فيه الشمس الحمل. والمهرجان أول يوم من الشتاء وهو أول يوم تحل فيه الشمس الميزان، كذا في السراج الوهاج. ثم قال: وإنما خص الصوم بالنصارى والفطر باليهود لان صوم النصارى غير معلوم وفطرهم معلوم واليهود بعكسه مع أنه إذا باع إلى صوم اليهود فالحكم كذلك لا
[ 146 ]
يتفاوت فيكون المعنى إلى صوم النصارى وفطرهم وإلى فطر اليهود وصومهم فاكتفى بذكر أحدهما اه: (وإلى قدوم الحاج والحصاد والدياس والقطاف) أي لا يجوز البيع إلى هذه الآجال لانها تتقدم وتتأخر. والحصاد بكسر الحاء وفتحها، ومثله القطاف وهو للعنب، والدياس وهو دروس الحب بالقدم ليتكسر وأصله الدواس بالواو لانه من الدوس قلبت الواو ياء للكسرة قبلها، ولم يذكر الحذاذ وذكره في الهداية واختلف في معناه فقيل جز الصوف من ظهور الغنم، وقيل جداد النحل، قاله الحلواني. في نسخ الهداية وفتح القدير بالزاي المكررة أخت الراء. وذكر الزيلعي أنه بالذال المعجمة عام في قطع الثمار وبالمهملة خاص في قطع النخل اه. فعلى هذا لم يكن بالزاي. وذكره في المصباح في فصل الذال المعجمة وفصل الزاي وأن كلا منهما بمعنى قطع وهما من باب قتل. قيد بالبيع إلى هذه الآجال لانه لو باع مطلقا عنها ثم أجل الثمن إليها لم يفسد لكونه تأجيلا للدين فالمفسد ما كان في صلب العقد، كذا في الهداية. وفي فتاوي قاضيخان: تبايعن بيعا جائزا ثم أخر الثمن إلى الحصاد قال محمد بن الفضل: يفسد البيع. وعن محمد لا يفسد ويصح التأخير لان التأخير بعد البيع تبرع
فيقبل التأجيل إلى مجهول كالكفالة إليها، وقدمنا أنه لو باع بثمن مؤجل ولم يعينه ففيه خلاف، وفي القنية: باع بألف نصفه نقد ونصفه إلى رجوعه من دهشان فهو فاسد والفتوى على انصرافه إلى شهر. وبينا مسائل التأجيل عند قوله وصح بثمن حال ومؤجل والله أعلم قوله: (ولو كفل إلى هذه الاوقات جاز) لان الجهالة اليسيرة متحملة في الكفالة وهذه الجهالة
[ 147 ]
يسيرة مستدركة لاختلاف الصحابة فيها، ولانه معلوم الاصل ألا ترى أنها تحتمل الجهالة أصل الدين بأن تكفل بما ذاب على فلان ففي الوصف أولى بخلاف البيع فإنه لا يحتملها في أصل الثم فكذا في وصفه. قيد بهذه الاوقات لانه لو كفل إلى هبوب الريح فهي باطلة لانها متفاحشة وتأتي في بابها قوله: (ولو أسقط الاجل قبل حلوله صح) أي لو أسقط من له الاجل وهو المشتري الاجل المفسد للبيع قبل الحصاد والدياس والقطاف وقدوم الحاج انقلب البيع صحيحا لان الفساد كان للمنازعة وقد ارتفع قبل تقرره وهذه الجهالة في شرط زائد لا في صلب العقد فيمكن إسقاطه بخلاف بيع الدرهم بالدرهمين لا ينقلب صحيحا بإسقاط الدرهم الزائد لان الفساد في صلب العقد، وبخلاف إسقاط الاجل في النكاح الموقت لكونه متعة وهو غير عقد النكاح. وقال في مختصر القدوري: تراضيا على إسقاطه بالتثنية وخالفه المؤلف فوحد الضمير لقوله في الهداية: وقوله في الكتاب تراضيا خرج وفاقا لان من له الاجل يستبد بإسقاطه لانه خا حقه. وقيد بهذه الآجال لانهما لو تبايعا إلى هبوب الريح أو مطر السماء ثم تراضيا على إسقاطه لا ينقلب العقد جائزا لان هذا ليس بأجل بل الاجل
[ 148 ]
ما يكون منتظر الوجود وهبوب الريح قد يتصل بكلامه فعرفنا أنه ليس بأجل بل هو شرط فاسد، كذا في السراج الوهاج. وفي فتح القدير: والذي يحتاج بعد هذا الجواب ما إذا أسقط الرطل الخمر فيما إذا باع بألف ورطل من خمر نص محمد على جواز البيع وانقلابه صحيحا ذكره في آخر الصرف اللهم إلا أن يقال هو تبع للالف الثمن في بيع المسلم بخلاف ما إذا
باع بالخمر فإنه حينئذ يتعين كون الخمر هو الثمن إلا مستتبع هناك اه. وفي جامع الفصولين خلافه، أجمعوا أنه لو باع قنا بألف درهم ورطل خمرثم أبطلا الخمر لم يعد جائزا اه. قوله: (ومن جمع بين حر وعبد أو بين شاة ذكى وميتة بطل البيع فيهما وإن جمع بين عبد ومدبر أو بين عبده وعبد غيره أو بين ملك ووقف صح في القن وعبده والملك) أما الاول فهو وقول أبي حنيفة. وقالا: يصن سمى لكل واحد ثمنا، وأفسد البيعزفر في الكل فالاصل عنده أنه إذا جمع بين حل وحرام فإنه يفسد في الكل فصل أو لا، وقاس الثاني على الاول إذ محلية البيع منتفية بالاضافة إلى الكل. ولهما أن الفساد بقدر المفسد فلا يتعدى إلى القن كمن جمع بين أجنبية وأخته في النكاح بخلاف ما إذا لم يسم ثمن كل واحد منهما للجهالة. ولابي حنيفة وهو الفرق بين الفصلين أن الحر لا يدخل تحت العقد أصلا لانه ليس بمال والبيع صفقة واحدة فكان القبول في الحر شرطا للبيع في العبد، وهذا شرط فاسد بخلاف النكاح لانه لا يبطل بالشروط الفاسدة، أما البيع في هؤلاء فموقوف وقد دخلوا تحت العقد لقيام المالية ولذا ينعقد في عبد الغير بإجازته، وفي المكاتب برضاه في الاصح، وفي المدبر بقضاء القافي، وكذا في أم الولد عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا أن المالك باستحقاقه المبيع وهؤلاء باستحقاقهم أنفسهم ردوا البيع فكان هذا إشارة إلى البقاء كما إذا اشترى عبدين وهلك أحدهما قبل القبض وهذا لا يكون شرط القبول في غير المبيع ولا بيعا بالحصة ابتداء ولهذا لا يشترط بيان ثمن كل واحد فيه، ومتروك التسمية عمدا كالميتة، وأم الولد والمكاتب
[ 149 ]
كالمدبر، وفيما إذا جمع بين ملك ووقف روايتان، وما ذكره المؤلف هو الصحيح لان الوقف مال ولهذا ينتفع به انتفاع الاموال غير أنه لا يباع لاجل حق تعلق به وذلك لا يوجب فساد العقد فيما ضم إليه كالمدبر لكن أراد بالوقف ما ليس بمسجد فإن المسجد لو ضم إلى الملك فإنه يبطل فيهما لان المسجد كالحر، كذا ذكره الشارح. وقيده في التجنيس بالعامر لان المسجد الخراب لو
ضم إلى الملك لم يبطل في الملك لجواز بيع المسجد إذا خرب في أحد القولين فصار مجتهدا فيه كالمدبر، ولا يشكل ما في المحيط من أنه لو باع قرية ولم يستثن ما فيها من المساجد والمقابر فالاصح الصحة في الملك لان ما فيها من المساجد والمقابر مستثنى عادة. ثم اعلم أنه قد وقعت حادثة في القسطنطينية هي جمع بين وقف وملك وباعهما صفقة واحدة فأفتى مفتيها بعدم الصحة في الملك كالوقف فاعترض عليه بأنه مخالف للاصح، فأجاب بأنه محمول على وقف لم يحكم بصحته ولزومه ليكون كالمدبر مجتهدا فيه أما ما قضى القاضي به فهو كالحر للزومه إجماعا فيسرى الفساد إلى الملك، لكن يرد عليه ما صرح به قاضيخان في فتاواه أن الوقف بعد القضاء تسمع دعوى الملك فيه وليس هو كالحر بدليل أنه لو ضم إلى ملك لا يفسد البيع في الملك، وهكذا في الظهيرية. وهذا لا يمكن تأويله فوجب الرجوع إلى الحق وهو إطلاق الوقف لانه بعد القضاء وإن صار لازما بالاجماع لكنه يقبل البيع بعد لزوم الوقف، إما بشرط الاستبدال وهو صحيح على قولابي يوسف المفتى به أو بضعف غلته كما هو قولهما أو بورود غصب عليه ولا يمكن انتزاعه فللناظر بيعه كما في فتاوي قاضيخان أو بقضاء قاض حنبلي ببيعه فإن عنده بيع الوقف يجوز ويشتري ببدله ما هو خير منه كما في معراج الدراية فكيف يجعل الوقف كالحر مع وجود هذه الاسباب المجوزة لبيعه والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.
[ 150 ]
فصل في البيع الفاسد أي في بيان أحكام البيع الفاسد قدمنا أن فعله معصية فعليه التوبة منها يفسخه كما سيأتي قوله: (قبض المشتري في البيع الفاسد بأمر البائع وكل من عوضيه مال ملك المبيع بقيمته) وقال الشافعي: لا يملكه وإن قبضه لانه محظور فلا تنال به نعمة الملك ولان النهي نسخ للمشروعية للتضاد ولهذا لا يفيده قبل القبض، وصار كما إذا باع بالميتة أو باع الخمر بالدراهم. ولنا أن ركن البيع صدر من أهله مضافا إلى محله فوجب القول بانعقاده، ولا خفاء في الاهلية والمحلية وركنه مبادلة المال بالمال وفيه الكلام والنهي يقرر المشروعية عندنا
لاقتضائه التصور فنفس البيع مشروع وبه تنال نعمة الملك إنما المحظور ما يجاوره كما في البيع وقت النداء، وإنما لا يثبت الملك قبل القبض كيلا يؤدي إلى تقرير الفساد المجاور إذ هو واجب الرفع بالاسترداد فبالامتناع عن المطالبة أولى، ولان السبب قد ضعف لمكان اقترانه بالقبح فيشترط اعتضاده بالقبض في إفادة الحكم بمنزلة الهبة، والميتة ليست بمال فانعدم الركن، ولو كان الخمر مثمنا فقد ذكرناه أول الباب. وشئ آخران في الخمر الواجب هو القيمة وهي تصلح ثمنا لا مثمنا، أشار المصنف رحمه الله تعالى بذكر القبض إلى أنه ليس مقبوضا في يده فلو كان في يده وديعة ملكه بمجرد القبول كما في فتح القدير، وإلى أن التخلية فيه لا تكفي وصححه العمادي في الفصول. وصحح قاضيخان في فتاواه في باب قبض المبيع أنها قبض فيه واختاره في الخلاصة. وأطلقه فشمل قبض الوكيل قال في القنية: التوكيل بالشراء الفاسد صحيح كالتوكيل بالشراء إلى الحصاد والدياس وقبض الوكيل للموكل فيصير مضمونا بالقيمة اه. وخرج ما قبل القبض فلا ملك له. وأطلقه فشمل القبض الحكمي لما في الظهيرية: لو اشترى عبدا شراء فاسدا ولم يقبضه فأمر البائع بإعتاقه فأعتقه صح عتقه عن المشتري لانه بمنزلة قبض المشتري، ولو أعتقه المشتري بنفسه لا يصح لعدم الملك، وهذه عجيبة حيث ملك المأمور ما لم يملك الآمر. وقيد بقوله في البيع الفاسد
[ 151 ]
للاحتراز عن الباطل فإنه لا يفيده ولكن ليس كل فاسد يملك بالقبض فقد كتبنا في الفوائد الفقهية أن بيع الهازل لا يملك بالقبض كما ذكره البزدوي في الاصول، أن الاب إذا اشترى من ماله لابنه الصغير فاسدا أو باع كذلك فالقبض لا يكفي ولا يملكه إلا بقبضه واستعماله، كذا في المحيط ثم رأيت في القنية أن بيع التلجئة باطل فحينئذ لا يرد على المصنف لان كلامه في الفاسد، وفي آخر القنية من الوصايا: باع الوصي مال اليتيم بغبن فاحش فهو باطل لا يملك بالقبض ثم رقم آخر بل هو فاسد اه. أقول: ينبغي أن يجر القولان في بيع الوقف
المشروط استبداله أو الخراب الذي جاز استبداله إذا بيبغبن فاحش، وينبغي ترجيح الثاني فيهما لانه إذا ملك بالقبض وجبت قيمته فضرر على اليتيم والوقف. وقيد بأمر البائع أي بإذنه لانه بلا إذنه لا يفيد الملك وإنما ذكروا الاذن دون الرضا لانه لا يشترط في بعض أفراده
[ 152 ]
كبيع المكره كما لا يخفى. وأطلقه فشمل الاذن صريحا أو دلالة فسكوته عند قبض المشتري في المجلس إذن دلالة لكون البيع تسليطا منه على القبض إذ مراده أن يملكه المشتري بخلاف البيع الصحيح فإن الايجاب ليس بتسليط لان الملك حصل بدونه، وأما إذا تفرقا عن المجلس فلا بد من إذن صريح إلا إذا قبض البائع الثمن وهو مما يملك به فإنه يكون إذنا بالقبض دلالة. وفي السراج الوهاج: ولو أمر المشتري البائع أن يعمل في المبيع عملا ينقصه أو لا ينقصه كالقصارة والغسل بأجرة أو بغير أجرة فما كان ينقصه فهو قبض ومالا فلا، وللبائع الاجرة في الوجهين هلك المبيع أولا اه. وفي جامع الفصولين: ولو برأ فخلطه البائع بطعام المشتري بأمره قبل قبضه صار قابضا وعليه مثله اه. وقيد بقوله وكل من عوضيه مال ليخرج الببيع بالميتة وكل بيع باطل كالبيع مع نفي الثمن فإنه باطل، ومع السكوت عنه فاسد يملك المبيع بالقبض ولا شك أن الباطل خرج أولا بقوله في البيع الفاسد فلا حاجة إلى إخراجه ثانيا اللهم إلا أن يقال إن بعض البيوع الباطلة أطلقوا عليها اسم الفاسد فربما يتوهم أن المبيع فيها يملك بالقبض فصرح بما يخرجها، فإذا باع عرضا بخمر أو بمدبر أو أم ولد ملك العرض بالقبض لا ما قابله مع أن بعضهم أطلق على بيع الخمر والمدبر وأم الولد الفساد ولكن كان ينبغي أن يقول مال متقوم. وذكر في إيضاح الاصلاح أنه لا حاجة إلى هذا القيد لان فساد البيع لا يوجد بدون هذا الشرط لا يقال إنه يوجد بدونه فيما إذا باع وسكت عن ذكر الثمن لان أحد العوضين حينئذ القيمة وهي مذكورة حكما كما صرح به في الذخيرة على أن الشرط وجود المالية في العوضين اه. كما قيده به في الجوهرة. وفي قوله ملك البيع رد على من قال إنه إنما يملك التصرف دون العين وهم
العراقيون وما ذكره قول أهل بلخ وهو المنصوص عليه في كلام محمد وهو الصحيح المختار
[ 153 ]
فإنه قال: إن المشتري خصم لمن يدعيه لانه يملك رقبته، كذا في جامع الفصولين بدليل أن المشتري إذا أعتقه بعد قبضه صح وكان الولاء له، ولو باعه كان الثمن له، ولو بيعت دار إلى جنبها فالسفعة للمشتري، ولو أعتقه البائع لم يعتق ولو سرقه البائع من المشتري بعد قبضه قطع كما في الجوهرة فهذه كلها ثمرات الملك وبدليل وجوب الاستبراء على البائع إذا ردت الجارية عليه ولو لا خروجها عن ملكه لم تجب. وقولهم إنه يملك التصرف فقط بتسليط البائع منقوض بما إذا كان البائع وصي يتيم باع عبده فاسدا فأعتقه المشتري فإنه يصح. ولو كان على وجه التسليط لم يصح، كذا في جامع الفصولين. وأما ما استدل به العراقيون من عدم حل أكله لو كان طعاما وعدم حل لبسه لو كان قميصا وعدم حل وطئها لو كانت جارية وساتبرأها، ولو وطئها وجب العقر إذا فسخ وعدم وجوب الشفعة لشفيعها فلا دليل فيه لان عدم الحل لا يدل على عدم الملك بدليل إن ربح ما لم يضمن مملوك ولا يحل، والاخت رضاعا إذا ملكها لا يحل له وطؤها. وإنما لم تجب الشفعة لان حق البائع لم ينقطع عنها وهي إنما تجب بانقطاع حقه لا بملك المشتري بدليل أن من أقر ببيع داره وجحد المشتري وجبت الشفعة. هذا وقد ذكر العمادي في فصوله خلافا في حرمة وطئها فقيل يكره ولا يحرم، وقيل يحرم وفيه إشارة أيضا إلى أن البائع يملك الثمن بشرط قبضه لانه كالمبيع كما في القنية. وفي جامع الفصولين: حبلت منه صارت أم ولده وعليه قيمتها لا عقرها، وقيل عليه عقرها وقيمتها، وقيل بجوز للمشتري كل تصرف تجري فيه الاباحة وإلا فلا، ولم تحل المباشرة كعصير وقعت فيه فأرة يحل بيعه لا مباشرته نحو أكله اه. وفي القنية: إعتاق البائع المبيع بعد قبض المشتري بغير حضرته باطل وبحضرته صحيح ويكون فسخا اه. وهو تخصيص لقولهم إن إعتقاقه باطل. وفي الظهيرية من باب نكاح العبد والامة: باع جارية بيعا فاسدا وقبضها المشتري ثم تزوجها البائع لم يجز اه. ولو لم يقبضها المشتري فزوجها البائع للمشتري يصح،
كذا في القنية اه. أقول: يشكل حينئذ ما نقلناه عن الجوهرة من قطع يده بسرقة المبيع فإن القطع يقتضي أن لا ملك له فيه ولا شبهة، وقولهم بعدم صحة نكاحها للبائع يقتضي بقاء ملكه أو شبهته فينبغي أن لا يقطع البائع للشبهة، وقد ذكره في السراج الوهاج أيضا ولم أره لغير الحدادي. والظاهر أنه قاله تفقها من عنده لا على أنه نقل المذهب فإنه قال: ومن فوائد قوله ملكه أنه لو سرقه البائع بعد قبض المشتري قطع به والله أعلم بالصواب.
[ 154 ]
وقيد الملك في فتح القدير بأن لا يكون فيه خيار شرط لانه يمنع الملك في الصحيح فكذا في الفاسد. وفي جامع الفصولين: يثبت فيه خيار الشرط والرؤية. والمراد بالقيمة في كلام المصنف بدل المبيع ليشمل ما إذا كان مثليا فإنه يملكه بمثله، والقيمة إنما هي في القيمي والقول فيهما للمشتري مع يمينه لكونه منكرا للضمان والبينة للبائع، كذا في الجوهرة. ولما رتب القيمة على القبض دل على أن مراده ملكه بقيمته يوم قبضه، ولو ازدادت قيمته بيده فأتلفه لم يتغير كالغصب. وقال محمد رحمه الله تعالى: قيمته يوم أتلفه لانه بالاتلاف يتقرر، كذا في الكافي ولكن قال في الجامع الفصولين: لو قال البائع أبرأتك عن القن ثم مات عند المشتري برئ إذ القيمة تجب بهلاك المبيع فقبله لا يصح الابراء، أما لو أبرأه عن القن فقد أخرجه عن كونه مضمونا، وعلى هذا لو أبرأ الغاصب عن القيمة حال قيام المغصوب لم يصح، ولو أبرأه عن المغصوب صح اه. فعلى هذا لا تجب القيمة إلا إذا تعذر رده على البائع بموت أو غيره. وفي السراج الوهاج: وهذا ظاهر نصوص الاصحاب، وفي بعض الحواشي إنما تجب القيمة إذا هلك اه. وأما إيداع المشتري من البائع فغير صحيح. قال في القنية: قبض الكرباس في البيع الفاسد بأمره وقطعه ثم أودعه البائع وهلك في يده هلك منه وعلى المشتري نقصان القطع. وكل مبيع ببيع فاسد رد المشتري على البائع بهبة أو صدقة أو بيع أو بوجه من الوجوه كالوديعة والاجاره والاعارة والغصب والشراء ووقع في يد البائع فهو متاركة للبيع وبرئ المشتري من ضمانه اه. وكذا له اشتراه وكيل البائع برئ
المشتري إذا أسلمه إليه، وكذا لو رده إلى البائع برهن وكذا في بيع موقوف بأن غصب قنا فباعه من رجل ثم شراه غاصبه بأقل مما باع يكون فسخا للبيع الاول والزيادة للمشتري لا لغاصبه ولا لمالكه. وعن محمد شراه بدراهم فاسدا ثم باعه بدنانير من بائعه يكون فسخا إذا قبض لا قبله، كذا في جامع الفصولين. ثم قال: الاصل أن المستحق بجهة إذا وصل إلى المستحق بجهة أخرى إنما يعتبر واصلا بجهة مستحقة لو وصل إليه من المستحق عليه، أما إذا وصل من جهة غيره فلا حتى إن المشتري فاسدا إذا وهب المشتري من غير بائعه أو باعه فوهبه ذلك الرجل من البائع الاول وسلمه لا يبرأ المشتري عن قيمته، ولم تعتبر العين واصلا إلى البائع بالجهة المستحقة لما وصل من جهة أخرى، والمهر لو عينا فوهبته من غير زوجها وهو وهبه من زوجها ثم طلقها قبل الدخول فلزوجها نصف قيمة العين عليها، ولو وهبته من زوجها لا يرجع عليها بشئ اه.
[ 155 ]
قوله: (ولكل منهما فسخه) أي يجوز لكل من البائع والمشتري في البيع الفاسد فسخه رفعا للفساد. وذكر الزيلعي أن اللام بمعنى على لان رفع الفساد واجب عليهما ولا حاجة إليه لانه حكم آخر، إنما مراده بيان أن لكل منهما ولاية انفسخ دفعا لتوهم أنه إذا ملك بالقبض لزم، فإن كاقبل القبض فلكل ذلك بعلم صاحبه لا برضاه، وإن كان بعد القبض، فإن كان الفسافي صلب العقد بأن كان راجعا إلى البدلين المبيع والثمن كبيع درهم بدرهمين وكالبيع بالخمر أو الخنزير فكذلك. وإن كان بشرط زائد كالبيع إلى أجل مجهول أو بشرط فيه نفع لاحدهما فكذلك عندهما لعدم اللزوم وعند محمد لمن له منفعه الشرط. ولم يشترط أبو يوسف علم الآخر، واقتصر في الهداية على قول محمد ولم يذكر خلافا، واعلم أن قوله لمن له منفعه الشرط يقتضي أن للمعقود عليه الآدمي أن يفسخه إذا كان الشرط له كما قدمناه وهو بعيد لقولهم لكل منهما فسخه فليتأمل. وفي القنية: رده المشتري بفساد البيع فلم يقبله فأعاده المشتري إلى منزله فهلك عنده لا يلزمه الثمن ولا قيمة. وقيده ابن سلام بأن يكون فساد
[ 156 ]
البيع متفقا عليه فإن كان مختلفا فيه لا يبرأ إلا بقبوله أو قضاء القاضي. وقال أبو بكر الاسكاف: يبرأ في الوجهين. وما قاله ابن سلام أشبه كخيار البلوغ وفسخ الاجارة للعذر اه. وفيها: تبايعا فاسدا ثم مات أحدهما فلو رثته النقض اه. وفي البزازية: باع منه صحيحا ثم باعه فاسدا منه الفسخ الاول لان الثاني لو كان صحيحا ينفسخ الاول به فكذا لو كان فاسدا لانه ملحق بالصحيح في كثير من الاحكام، وكذا لو باع المؤخر المستأجر من المستأجر فاسدا تنفسخ الاجازة كما إذا باعه صحيحا اه. ثم قال ولو باع فاسدا وسلم ثم باع من غيره وادعى أن الثاني كان فسخ الاول وقبضه وزعم المشتري الثاني أنه كان بعد الفسخ والقبض في الاول فالقول له لا للبائع وينفسخ الاول بقبض الثاني ثم قا: لو مات البائع وعليه دين آخر فالمشتري أحق به من الغرماء كما في الصحيح بعد الفسخ، ولو مات المشتري فالبائع أحق من سائر الغرماء بماليته اه. ثم قال: ولا يشترط القضاء في فسخ البيع الفاسد اه. ولم يذكر المصنف أن للقاضي فسخ الفاسد جيرا عليهما. قال في البزازية: وإذا أصر البائع والمشتري على إمساك المشتري فاسدا وعلم به القاضي له فسخه حقا للشرع فبأي طريق رده المشتري إلى البائع صاركا للمبيع وبرئ عن ضمانه اه.. قوله: (إلا أن يبيع المشتري) أي فليس لكل منهما فسخه وإنما نفذ بيعه لانه ملكه بملك التصرف فيه وسقط حق الاسترداد لتعلق حق العبد بالثاني، ونقض الاول إنما كان لحق الشرع وحق العبد مقدم لحاجته، ولان الاول مشروع بأصله دون وصفه، والثاني مشروع بأصله ووصفه فلا يعارضه مجرد الوصف، ولانه حصل بتسليط من جهة البائع بخلاف تصرف المشتري في الدار المشفوعة لان كل واحد منهما حق العبد فيستويان في المشروعية ولم يحصل بتسليط من الشفيع. أراد بالبيع الصحيح لانه لو باعه فاسدا فإنه لا يمنع النقض، وأطلقه فشمل ما إذا قبضه المشتري الثاني أو لا ولكنه مقيد بما إذا لم يكن فيه خيار شرط لانه ليس بلازم وفي البزازية وجامع الفصولين: أقام المشتري بينه على بيعه من فلان الغائب لا
يقبل فللبائع الاخذ لا لو صدقه فله قيمته اه. ولو فسخ البيع بعد قبضه بقضاء فللبائع حق الفسخ لو لم يقض بقيمته لزوال المانع، ولو رد بعيب بغير قضاء لا يعود حق الفسخ كما لو
[ 157 ]
اشتراه ثانيا وسيأتي في الضابط. وقيد ببيع المشتري لان البائع لو باعبعد قبض المشتري وادعى أن الثاني كان قبل فسخ الاول وقبضه وزعم المشتري الثاني أنه كان بعد الفسخ والقبض من الاول فالقول له لا للبائع، وينفسخ الاول يقبض الثاني، كذا في بالزازية. يستثنى من لزومه بالبيع مسألتان: الاولى لو باعه لبائعه فقدمنا أنه يكون ردا وفسخا للبيع. والثانية لو كان فاسدا بالاكراه فإن تصرفات المشتري كلها تنقض بخلاف سائر البياعات الفاسدة، كذا في البزازية. قيد بالبيع الفاسد إحترازا عن الاجارة الفاسدة لما في جامع الفصولين: قيل ليس للمستأجر فاسدا أن يؤجره من غيره إجازة صحيحة إستدلالا بماذا كر إلى آخره. وقيل يملكها بعد قبضه كمشتر فاسدا له البيع جائزا وهو الصحيح إلا أن للمؤجر الاول نقض الثانية لانها تنفسخ بالاعذار قوله: (إو يهب) يعني إذا وهبه المشتري ارتفع الفساد ولا يفسخ لما قدمناه في البيع. وشرط في الهداية التسليم فيها لانها لا تفيد الملك إلا به بخلاف البيع. وفي جامع الفصولين: ثم الاصل أن المانع إذا زال كفك رهن ورجوع هبة وعجز مكاتب ورد مبيع على المشتري بعيب بعد قبضه بقضاء فللبائع حق الفسخ لو لم يقض بقيمة لان هذه العقود لم توجب الفسخ من كل الوجه في حق الكل. ولا فرق في الرجوع في الهبة بين القضاء وغيره كما في فتح القدير. ثم أعلم أالمشتري فاسدا لا يطيب للمشتري ويطيب لمن انتقل الملك منه إليه لكون الثاني ملكه بعقد صحيح بخلاف المشتري الاول فإنه يحل له التصرف فيه ولا يطيب له لانه ملكه بعقد فاسد، ولو دخل دار الحرب بأمان وأخذ مال الحربي بغير طيبة من نفسه وأخرجه إلى دار الاسلام ملكه ولا يطيب له ويفتي بالرد ويقضى له، صح بيعه ولا يطيب للمشتري كما يطيب للاول بخلاف البيع الفاسد، كذا ذكره الاسبيحاني.
[ 158 ]
قوله: (أو يحرر) أي يعتق المشتري العبد لما قدمناه، وتوابع الاعتاق كهومن التدبير والاستيلاد والكتابة صرح في جامع الفصولين بالاستيلاد فقال: إذا حبلت منه صارت أم ولده، وصرح الشارح وغيره بالكتابة ولم أر من صرح بالتدبير. وإذا عجز المكاتب زال المانع من الاسترداد. وأشار بالتحرير إلى الوقف ولكن قال في جامع الفصولين: فلو وقفه أو جعله مسجدا لا يبطل حقه ما لم يبن اه. فعلم أن الوقف ليس كالتحرير وينبغي أن يحمل على ما قبل القضاء به، أما إذا قضى به فإنه يرتفع الفساد للزومه الظاهر أن ما في جامع الفصولين تبعا للعمادى ليس بصحيح فقد قال الامام الخصاف في أحكام الاوقاف: لو اشترى أرضا بيعا فاسدا وقبضها ووقفها وقفا صحيحا وجعل آخرها للمساكين فقال: الوقف فيها جائز وعليه قيمتها للبائع من قبل أنه استهلكها حين وقفها وأخرجها عن ملكه اه. وهكذا في الاسعاف، ولم يذكر المؤلف من التصرفات القولية غير ذلك ففاته الرهن لانه من العقود اللازمة فيمنع حق الرد فإذا فك أو فسخ قبل القضاء بالقيمة عاد حق الاسترداد. وفاته أيضا الوصية فإذا وصى به المشتري ثم مات سقط الفسخ لان المبيع انتقل عن ملكه إلى ملك الموصي له وهو ملك مبتدأ فصار كما لو باعه بخلاف ما إذا مات المشتري فإن لوارثه الفسخ وللبائع أيضا لان الوارث قائم مقام المورث، كذا في السراج الوهاج. قالو: كل تصرف قولي فإنه يمنع الفسخ إلا الاجارة والنكاح فلا يمنعانه لان الاجارة تنفسخ بالاعذار ورفع الفساد من الاعذار والنكاح ليس فيه الاخراج عن الملك، ولكن إذا ردت الجارية إلى البائع وانفسخ البيع هل ينفسخ النكاح؟ قال في السراج الوهاج: إنه لا ينفسخ لانه لا يفسخ بالاعذار وقد عقده
[ 159 ]
المشتري وهي على ملكه اه. ويشكل عليه ما ذكره الولوالجي من الفصل الاول من كتاب النكاح: لو زوج الجارية المبيعة قبل قبضها وانتقض البيع فإن النكاح يبطل في قول أبي يوسف وهو المختار لان البيع متى انتقض قبل القبض انتقض من الاصل معنى فصار كأنه لم يكن فكان النكاح باطلا اه. إلا أن يحمل أن ما في السراج قول محمد أو يظهر بينهما فرق.
قوله: (أو يبني) أي إذا بنى المشتري فاسدا فعليه القيمة عند أبي حنيفة رواه عنه يعقوب في الجامع الصغير ثم شك بعد ذلك في الرواية. وقال أبو يوسف ومحمد: إنه ينقض البناء وترد الدار والغرس على هذا الاختلاف لهما. أن حق الشفيع أضعف من البائع حتى يحتاج فيه إلى القضاء ويبطل بالتأخير بخلاف حق البائع ثم أضعف الحقين لا يبطل بالبناء فأقواهما أولى. وله أن البناء والغرس مما يقصد به الدوام وقد حصل بتسليط حجة من البائع فينقطع حق الاسترداد كالبيع بخلاف حق الشفيع لانه لم يوجد منه التسليط، ولهذا لم تبطل بهبة المشتري وبيعه فكذا ببنائه. وشك يعقوب في حفظ الرواية عن أبي حنيفة، وقد نص محمد على الاختلاف. ولم يذكر المؤلف من الافعال الحسية إلا البناء قالوا: فعل المشتري بالمبيع فعلا ينقطع به حق المالك في الغضب ينقطع به حق البائع في الاسترداد كما إذا كان حنطه
[ 160 ]
فطحنها. ولم يذكر أيضا ما إذا زاد المبيع أو نقص إلا الزيادة بالبناء وهو جامع الفصولين: زوائد المبيع فاسدا إلا تمنع الفسخ الامتصلة لم تتولد كصبغ وخياطة ولتسويق ولو منفصله متولدة تضمن بالتعدي لا بدونه، ولو هلك المبيع لا المتولدة فللبائع أخذ الزوائد وقيمة المبيع ولو منفصلة غير متولدة فله أخذ المبيع مع هذه الزوائد ولا تطيب له، ولو هلكت في يد المشتري لم يضمن، ولو أهلكها ضمن عندهما لا عند أبي حنيفة. ويماثلها زوائد الغصب. ولو هلك المبيع لا الزوائد فهي للمشترى بخلاف المتولدة كما يفترقان في الغصب فيضمن قيمة المبيغ فقط وأما حكم نقصانه فلو نقص في يد المشتري بآفة سماوية فللبائع أخذه مع أرش نقصه، وكذا لو بفعل المشتري أالمبيع. ولو بفعل البائع صار مستردا حتى لو هلك عند المشتري ولم يوجد منه حبس عن البائع هلك على البائع ولو بفعل أجنبي يخير البائع إن شاء أخده من المشترى وهو يرجع على الجاني وإن شاء اتبع الجاني وهو لا يرجع على المشتري كالغصب اه. قوله: (وله أن يمنع المبيع عن البائع حتى يأخذ الثمن) أي للمشترى المنع بعد فسخ البيع لان المبيع مقابل به فيصير محبوسا به كالرهن. أشار المؤلف إلى أن البائع إذا مات كان
المشتري أحق به حتى يستوفي الثمن لانه يقدم عليه في حياته فكذا على ورثته وغرمائه بعد وفاته كالراهن وإلى أنه لو استأجر إجازة فاسدة ونقد الاجرة أو ارتهن رهنا فاسدا أو أقرض قرضا فاسدا وأخذ به رهنا كان له أن يحبس ما استأجر وما ارتهن حتى يقبض ما نقد اعتبارا للعقد الجائز إذا تفاسحنا، وكذا لو مات المؤجر أو الراهن أو المستقرض فهو أحق بما في يده من العين من سائر الغرماء، وإلى أن الثمن لو لم يكن منقودا للبائع وإنما كان دينا له على المشتري فليس له الحبس قالوا: لو اشترى من مدينة عبدا بدين سابق له عليه شراء فاسدا وقبض العبد بإذن البائع فأراد البائع استرداد العبد بحكم الفساد ليس للمشتري أن يحبس
[ 161 ]
العبد لاستيفاء ماله عليه من الدين بخلاف الصحيح، وله أن يسترد العبد قبل إيفاء الاجرة وليس للمستأجر الحبس بالاجرة بخلاف الصحيح، وكذا الرهن الفاسد لو كان بدين سابق. والفرق أن البيع إذا أضيف للدراهم لا يتعلق الملك في الثمن يمجرد العقد فإذا وجب للمديون على المشتري مثل الدين صار الثمن قصاصا لاستوائهما قدرا ووصفا فيصير البائع مستوفيا ثمنه بطريق المقاصة فاعتبر بما لو استوفاه حقيقة، وثم للمشتري حتى حبس المبيع إلى أن يستوفي الثمن فكذا هذا، وفي الفاسد لم يملك الثمن بل تجب قيمة المبيع عند القبض والقيمة قبل القبض غير مقررة لاحتمالها السقوط كل ساعة بالفسخ، لان القيمة قد تكون من جنس الدين وقد لا تكون ودين المشتري على البائع مقرر والمقاصصة إنما تكون عند استواء الواجبين وصفا ولذا لا تجب المقاصصة بين الحال والمؤجل والجيد والردئ، وإذا لم تقع المقاصصة لم يصر البائع مستوفيا الثمن أصلا فلا يكون للمشتري حق حبس المبيع بعد فسخ البيع. ولو كان الرهن باطلا بأن استقرض ألفا ورهن أم ولد أو مدبرا له أن يسترد قبل قضاء الدين لعدم الانعقاد. والكل من الكافي شرح الوافي وإلى أن الثمن لو كان دراهم وهي قائمة فإنه يأخذها بعينها لانها تتعين في البيع الفاسد وهو الاصح لانه بمنزلة الغصب، وإن كانت مستهلكة أخذ مثلها لما بينا، كذا في الهداية.
قوله: (وطاب للبائع ما ربح لا للمشتري) أي طاب للبائع ما ربحه في ثمن الفاسد ويطيب للمشتري ربح المبيع فلا يتصدق الاول ويتصدق المشتري. والفرق أن المبيع مما يتعين فتعلق العقد به فتمكن الخبث فيه والنقد لا يتعين في عقود المعاوضات فلم يتعلق العقد الثاني بعينه فلم يتمكن الخبث فلا يجب التصدق. قيد بالبيع الفاسد لان ما ربحه الغاصب
[ 162 ]
والمودع بعد أداء الضمان لا يطيب له مطلقا عندهما خلافا لابي يوسف لان الخبث في الاول لفساد الملك، وفي الثاني لعدمه لتعلق العقد فيما يتعين حقيقة وفيما لا يتعين شبهة من حيث إنه يتعلق به سلامة المبيع أو تقدير الثمن، وعند فساد الملك تنقلب الحقيقة شبهة والشبهة تنزل إلى شبهة الشبهة والشبهة هي المعتبرة دون النازل عنها. ثم اعلم أن قولهم تبعا لما في الجامع الصغير أن الربح يطيب للبائع في الثمن النقد دليل على أن النقد لا يتعين في البيع الفاسد على الاصح، وقولهم إنه يتعين على الاصح يخالفه فإن اعتبر تصحيح التعيين فحينئذ يجب التصدق على البائع والرواية بخلافه، ولم أر من أوضحه من الشارحين، وقد ظهر لي أنه لا منافاة بينهما فقالوا فيما مضى إنه يتعين على الاصح بالنسبة إلى وجوب رد غير ما أخذه وقالوا هنا لا يتعين أي بالنسبة إلى أنه يطيب له ما ربحه فهو متعين من جهة فساد الملك كالمغصوب، وغير متعين من جهة أن فاسد المعاوضات كصحيحها فاعتبروا الوجه الاول في لزوم رد عين المقبوض والثاني في حل ربحه، وإنما لم يعكس لدليل أبي يوسف الخراج بالضمان. ومعناه كما في الفائق والقاموس غلة العبد للمشتري إذا ر ده بعد الاطلاع على العيب بسبب أنه في
[ 163 ]
ضمانه ه قوله: (ولو ادعى على آخر دراهم فقضاها إياه ثم تصادقا أنه لا شئ له عليه طاب له ربحه) أي ما ربحه في الدراهم لان الخبث لفساد الملك ها هنا لان الدين وجب بالتسمية ثم استحق بالتصادق وبدل المستحق مملوك فلا يعمل فيما لا يتعين ألا ترى أنه لو باع عبدا بجارية فأعتقه المشتري ثم استحقت الجارية لا يبطل العتق في العبد، ولو لا أنه مملوك لبطل لانه لا عتق
فيما لا يمكله ابن آدم. وكذا لو حلف أن لا يفارق غريمه حتى يستوفي منه دينه فباعه عبد الغير بالدين فقبضه الحالف وفارقه ثم استحق العبد مولاه ولم يجز البيع لم يحنث الحالف لان المدين ملك ما في ذمته بالبيع وهو بدل المستحق ولا يحنث الحالف بالاستحقاق. وفي فتح القدير: واعلم أن ملكه باعتبار زعمه أنه قبض الدراهم بدلا عما يزعم أنه ملكه، أما لو كان في أصل دعواه الدين متعمدا الكذب فدفع إليه لا يملكه أصلا لانه متيقن لانه لا ملك له اه. وظاهر إطلاقهم خلافه لان المنظور إليه وجوبه بالتسمية لا زعم المدعي، ويدل عليه مسألة الحلف فإنه لو غصب دراهم وقضى بها دينه ثم تبين أنها مغصوبة فإنه لا حنث عليه، وكذا لو غصب عبدا وباعه بدينه قوله: (وكره النجش) شروع في مكروهات البيع. ولما كان المكروه دون الفاسد أخره، وليس المراد بكونه دونه في حكم المنع الشرعي بل في عدم فساد العقد وإلا فهذه كلها تحريمية لا نعلم خلافا في الاثم، كذا في فتح القدير. وقد بحث هنا بحثا لا طائل تحته تركته عمدا وقد تقرر في الاصول أن كل منهي عنه قبيح فإن كان لعينه أفاد بطلانه، وإن كان لغيره فإن كان لوصف كبيع الربا والبيع بشرط مفسد أفاد فساده، وإن كان لمجاوز كهذه البيوع المكروهة أفاد كراهة التحريم مع الصحة. والنجش بفتحتين ويروى بالسكون أن تسام السلعة بأزيد من ثمنها وأنت لا تريد شراءها ليراك الآخر فيقع فيه، وكذا في النكاح وغيره. ولا تناجشوا لا تفعلوا ذلك وأصله من نجش الصيد وهو إثارته، كذا في المغرب. وفي القاموس: النجش أن تواطئ رجلا إذا أراد بيعا أن تمدحه أو أن يريد الانسان أن يبيع بياعة فتساومه بها بثمن كثير لينظر إليك ناظر فيقع فيها، أو أن تنفر الناس عن الشئ إلى غيره. وإثارة الصيد والبحث عن الشئ وإثارته والجمع والاستخراج والانقاذ والاسراع كالنجاشة بالكسر اه. وحديث النهي لا تناجشوا في الصحيحين. وقيده أصحابنا كما في الجوهرة بما إذا كانت السلعة إذا بلغت قيمتها أما إذا لم تبلغ فلا منع منه لانه نفع للمسلم من غير اضرار بأحد.
[ 164 ]
قوله: (والسوم على سوم غيره) للحديث لا يسام الرجل على سوم أخيه، ولا يخطب
على خطبة أخيه ولان في ذلك إيحاشا واضرارا. وهذا إذا تراضى المتعاقدان على مبلغ ثمن في المساومة، فإذا لم يركن أحدهما على الآخر فهو بيع من يزيد ولا بأس به على ما نذكره، وما ذكرناه محمل النهي في النكاح أيضا. وفي القاموس: السوم في المبايعة كالسوام بالضم سمت بالسلعة وساومت بالسلعة واستمت بها وعليها غاليت واستمته إياها وعليها سألته سومها اه قوله: (وتلقى الجلب) لحديث الصحيحين عن ابن عباس نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتلقي الركبان وأن يبيع حاضر لباد. فقلت لابن عباس: ما قوله حاضر لباد قال: لا يكون له سمسار. وللمتلقي صورتان: إحداهما أن يتلقاهم المشترون للطعام منهم في سنة حاجة ليبيعوه من أهل البلد بزيادة. وثانيها أن يشتري منهم بأرخص من سعر البلد وهم لا يعلمون بالسعر. ومحمل النهي عندنا إذا كان يضر بأهل البلد أو لبس أما إذا انتفيا فلا بأس به. وفي المغرب: جلب الشئ جاء به من بلد إلى بلد للتجارة جلبا، والجلب المجلوب ومنه نهى عن تلقي الجلب اه. قوله: (وبيع الحاضر للبادي) لما تقدم من النهي وهو مقيد كما في الهداية بما إذا كان أهل البلد في قحط وعوز وهو يبيع من أهل البلد وطمعا في الثمن الغالي لما فيه من الاضرار بهم، أما إذا لم يكن كذلك فلا بأس به لانعدام الضرر. وفسره في الاختيار بأن يجلب البادي السلعة فيأخذها الحاضر ليبيعها له بعد وقت بأغلى من السعر الموجود وقت الجلب اه. فعلى الاول الحاضر مالك بائع والبادي مشتر، وعلى الثاني الحاضر سمسار والبادي صاحب السلعة، ويشهد للثاني آخر الحديث دعوا الناس برزق الله بعضهم بعضا. ولذا قال في المجتبي: هذا التفسير أصح ذكره في زاد الفقهاء لموافقة الحديث، وعلى هذا فتفسير ابن عباس بأن لا يكون له سمسار ليس هو تفسير بيع الحاضر للبادي وهو صورة النهي بل
[ 165 ]
تفسير لضدها وهي الجائزة فالمعنى أنه نهى عن بيع السمسار وتعرضه فكأنه لما سئل عن نكتة نهي بيع الحاضر للبادي قال المقصودذ أن لا يكون له سمسار فنهى عنه بالسمسار، كذا في فتح القدير قوله: (والبيع عند أذان الجمعة) لقوله تعالى * (وذروا البيع) * [ الجمعة: 9 ] ثم فيه إخلال
بواجب السعي على بعض الوجوه وقد ذكرنا الاذان المعتبر فيه في كتاب الصلاة، وفي الهداية: كل ذلك يكره ولا يفسد به البيع لان النهي لمعنى خارج زائد لا في صلب العقد ولا في شرائط الصحة. أطلقه فشمل ماءذا تبايعا وهما يمشيان إليها. وما في النهاية من عدم الكراهة مشكل لاطلاق الآية فمن جوزه في بعض الوجوه يكون تخصيصا وهو نسخ وهو لا يجوز بالرأي، كذا ذكره الشارح قوله: (لا بيع ميزيد) أي لا يكره لما قدمناه من عدم الاضرار وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم باع قدحا وحلسا بيع من يزيد ولانه بيع الفقراء والحاجة ماسة إليه قوله (ولا يفرق بين صغير وذي رحم محرم منه) لقوله عليه الصلاة والسلام من فرق بين والدة وولده فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ووهب النبي صلى الله عليه وسلم لعلي غلامين صغيرين أخوين ثم قال له: ما فعل الغلامان؟ فقال: بعت أحدهما. قال أدرك أدرك. ويروى أردد أردد ولان الصغير يستأنس بالصغير وبالكبير والكبير يتعاهده فكان في بيع أحدهما قطع الاستثناس والمنع من التعاهد، فيه ترك المرحمة على الصغار وقد أوعد النبي صلى الله عليه وسلم. ثم المنع معلول بالقرابة المحرمة للنكاح حتى لا يدخل فيه محرم غير قريب ولا قريب غير محرم ولذا قيد بذي الرحم المحرم أي المحرم من جهة الرحم وإلا يرد عليه ابن العم إذا كان أخا من الرضاع فإنه رحم محرم وليس له هذا الحكم. وأطلقه فشمل الصغير والكبير ولا بد من اجتماعهما في ملكه حتى لو كان أحدهما له والآخر لغيره فلا بأس ببيع أحدهما. ولو قال المصنف إلا إذا كان التفريق بحق مستحق لكان أولى لانه حينئذ يجوز التفريق كدفع أحدهما بالجناية وبيعه بالدين ورده بالعيب لان المنظور إليه دفع الضرر عن غيره لا الاضرار به، كذا في الهداية. ومن التفريق بحق ما في المبسوط ذمي له عبد له امرأة أمة ولدت منه فأسلم العبد وولده صغير فإنه يجبر الذمي على بيع العبد وابنه وإن كان تفريقا بينه وبين أمه اه. ولا يرد على المصنف التفريق بإعتاق أحدهما بمال أو بغيره أو تدبيره أو استيلاد الامة أو كتابة أحدهما فإنه جائز لان مراده منع التفريق بالبيع أو الهبة أو الوصية أو غير ذلك من أسباب
[ 166 ]
الملك كما في الجوهرة إذ لو منع عن الكل لصار المالك محجورا عليه بمنعه من التصرف في ماله رأسا، وكذا لا يرد عليه ما لو كان في ملكه ثلاثة أحدهم صغير فإن له بيع أحد الكبيرين لان العلة ما هو مظنة الضياع والاستيحاش وقد بقي له من يقوم مقام الثالث. وفي الكفاية: اجتمع له عدد من أقاربه لا يفرق بينه وبين واحد إن اختلفت جهة القرابة كالعم والخال أو اتحدت كخالين عند أبي يوسف لانه يتوحش بفراق الكل. والصحيح في المذهب أنه إذا كان مع الصغير أبواه لا يبيع واحدا منهم، ولو كان معه أم وأخ أو أم وعمة أو خالة أو أخ جاز بيع من سوى الام لان سفقة الا تغني عمن سواها ولذا كانت أحق بالحضانة من غيرها، فهذه الصورة مستثناة من اختلاف الجهة. والجدة كالام فلو كان معه جدة وعمة وخالة جاز بيع العمة والخالة، ولو كان معه عمة وخالة لا يباعوا إلا معا لاختلاف الجهة مع اتحاد الدرجة. ولو كان معه أخوان أو إخوة كبار فالصحيح أنه يجوز بيع ما سوى واحد منهم وهو الاستحسان لا الشفقة أمر باطن لا يوقف عليه فيعتبر السبب يجوز بيع ما سوى واحد منهم وهو الاستحسان لان الشفقة أمر باطن لا يوقف عليه فيعتبر السبب ولا يعتبر الابعد مع الاقرب وعند الاتحاد من الجهة والدرجة أحدهما يغني. وكذا لو ملك ستة إخوة ثلاثة كبارا وثلاثة صغارا فباع من كل صغير كبيرا جاز استحسانا، فلو كان معه أخت شقيقة وأخت لاب وأخت لام باع غير الشقيقة، ولو ادعاه رجلان فصار أبوين له ثم ملكوجملة القياس أن يباع أحدهما لاتحاد جهتهما. وفي الاستحسان لا يباع لان الاب في الحقيقة واحد فاحتمل كونه الذي بيع فيمتنع احتياطا فصار الاصل أنه إذا كان معه عدد أحدهم أبعد جاز بيعه. وإن كانوا في درجة فإن كانوا من جنسين مختلفين كالاب والام والخالة والعمة لا يفرق ولكن يباع الكل أو يمسك الكل، وإن كانوا من جنس واحد كالاخوين والعمين والخالين جاز أن يمسك مع الصغير أحدهما ويبيع ما سواه، ومثل الخالة والعمة أخ لاب وأخ لام، كذا في فتح القدير. وكذا لا يرد عليه ما إذا كان البائع حربيا مستأمنا لمسلم فإنه لا يمنع المسلم من
الشراء دفعا للمفسدة عند، وكذا لا يرد ما إذا باعه ممن حلف بعتقه إن اشتراه أو ملكه لما ذكرنا في الاعتا. فهذه عشرة مسائل يجوز فيها التفريق ولا بأس بسردها: دفع أحدهما بجناية وبيعه بدين، ورده بعيب، وإذا كان المالك كافرا وإعتاقه وتدبيره واستيلادها وكتابته وبيعه ممن حلف بعتقه وبيع واحد من ثلاثة بالشرط السابق. والحادية عشر إذا كان الصغير مراهقا ورضيت أمه ببيعه فإنه يجوز كما في فتح القدير. ولو كان مع امرأة مسبية صبي ادعت
[ 167 ]
أنه ابنها لم يثبت النسب ولا يفرق بينهما احتياطا، ولو باالام على أنه بالخيار ثم اشترى الولد فإنه يكره التنفيذ لانهما اجتمعا في ملكه، ولو كان في يده صبي واشترى أمه بشرط الخيار له ردها اتفاقا لعدم الملك عنده ولدفع الضرر عنه عندهما. قوله: (بخلاف الكبيرين والزوجين) لانه ليس في معنى ما ورد به النص وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم فرق بين ما رية وسيرين كانتا بيرتين لاختين، ولا يدخل الزوجان لان النص ورد على خلاف القياس فيقتصر على مورده، فإن فرق في موضع المنع كره وجاز العقد، وعن أبي يوسف أنه لا يجوز في قرابة الولاد ويجوز في غيرها. وعنه لا يجوز في الجميع لان الامر بالادراك والرد لا يكون إلا في البيع الفاسد. ولهما أن ركن البيع صدر من أهله في محله وإنما الكراهية لمعنى مجاوز فشابه كراهية الاستيام. وفي الجوهرة: وكل ما يكره من التفريق في البيع يكره في القسمة في الميراث والغنائم اه والله تعالى أعلم. باب الاقالة المناسبة ظاهرة وهي شاملة لكل عقد بيع صحيحا كان أو مكروها فيفسخ إقالة بالتراضي وإن كان واجبا في المكروه تحريما دافعا للمعصية أو فاسدا فيفسخ بدون التراضي إما من أحدهما أو من القاضي جبرا كما قدمناه، فاشترك المكروه والفاسد في وجوب الدفع. والكلام فيها يقع في عشرة مواضع: الاول في معناها لغة. والثاني في معناها شرعا. والثالث في ركنها. والرابع في شروطها. والخامس في صفتها. والسادس في حكمها.
والسابع فيمن يملكها ومن لا يمكلها. والثامن في بيان دليلها. والباسع في سببها. والعاشر في محاسنها. أما الاول فقال في القاموس: قلته البيع بالكسر وأقلته فسخته، واستقاله طلب إليه أن يقيله وتقايل البيعان وأقال الله عثرتك وأقالكها اه. ذكرها في القاف مع الياء. وفي المصباح: أقال الله عثرته إذا رفعه من سقوطه ومنه الاقالة في البيع لانها رفع العقد، وقاله قيلا من باب باع لغة واستقاله البيع فأقاله اه. وبهذا ظهر أنها لم تكن مشتقة من القول وأن الهمزة للسلب أي أزال القول الاول كما ذكره الشارح وإنما هي من القيل. وأما معناها شرعا فهي رفع العقد، كذا ذكره في الجوهرة وهو تعريف للاعم من إقالة البيع والاجارة ونحوهما. وإن أردت خصوصها فقل رفع عقد البيع، وأما الطلاق فهو رفع قيد النكاح لا
[ 168 ]
رفع النكاح. وأما ركنها فالايجاب والقبول الدالان عليها بلفظتين ماضيين أو أحدهما مستقبلا والآخر ماضيا كاقلني فقا أقلتك عند أبي حنيفة وأبي يوسف كالنكاح. وقال محمد: لا تنقعد إلا بماضيين كالبيع، كذا في البدائع. وقد يكون القبول بالفعل كما لو قطعه قميصا في فور قول المشتري أقلتك، وتنعقد بفاسختك وتركت وتاركتك ودفعت وتنعقد بالتعاطي كالبيع كما في الخانية والخلاصة. وفي البزازية: ينعقد به كالبيع من أحد الجانبين وهو الصحيح. وأما شرائط صحتها فمنها رضا المتعاقدين لان الكلام في رفع عقد لازم، وأما رفع ما ليس بلازم فلمن له الخيار بعلم صاحبه لا برضاه. ومنها بقاء المحل لما سيأتي أن المبيع إذا هلك لم تصح الاقالة، ومنها قبض بدلي الصرف في إقالة الصرف، أما على قول أبي يوسف فظاهر لانها بيع، وأما على أصلهما فلانها بيع في حق ثالث وهو حق الشرع. ومنها أن يكون المبيع قابلا للفسخ بخيار من الخيارات فلو ازداد زيادة تمنع الفسخ لم تصح الاقالة خلافا لهما. ولا يشترط لصحتها بقاء المتعاقدين فتصح إقالة الوارث والوصي، ولا تصح إقالة الموصى له كما في القنية. ومنها اتحاد المجلس وعليه يتفرع ما في القنية: جاء الدلال بالثمن إلى البائع بعدما باعه بالامر المطلق فقال البائع لا أدفعه بهذا الثمن فأخبر به المشتري فقال أنا لا أزيده أيضا لا
ينفسخ لانه ليس من ألفاظ الفسخ لان اتحاد المجلس في الايجاب والقبول شرط في الاقالة ولم يوجد اه. ومنها أن لا يهب البائع الثمن للمشتري قبل قبضه في شراء المأذون، فلو وهبه له لم تصح الاقالة بعدها كما في خزانة المفتين.، ومنها أن لا يكون البيع بالكثير من القيمة في بيع الوصي فإن كان لم تصح إقالته كما فيها أيضا. وأما صفتها فهي مندوب إلها للحديث من أقال نادما بيعته أقال الله عثرته يوم القيام وقدمنا أنها تكون واجبة إذا كان عقدا ومكروها، وينبغي أن تكون واجبة إذا كان
[ 169 ]
البائع غارا للمشتري وكان الغبن يسيرا. وإنما قيدنا باليسير لان الغبن الفاحش يوجب الرد إن غره البائن على الصحيح كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما حكمها فاختلف فيه على أقوال، فقال الامام الاعظم: إنها فسخ في حق المتعاقدين بيع جديد في حق ثالث. وقال أبو يوسف: إنها بيع في حق الكل. وقال محمد، فسخ في حق الكل. وقال زفر: هي فسخ في حق الكل ذكر قوله في البدائع والسراج الوهاج. وأما من يملكها ومن لا يملكها فقالوا: من ملك البيع ملك إقالته فصحت إقالة الموكل ما باعه وكيله وإقالة الوكيل بالبيع ويضمن. وكتبنا في الفوائد الفقهية إلا في مسائل: الاولى الوصي لو اشترى من مديون اليتيم دارا بعشرين وقيمتها خمسون فلما استوفى الدين أقاله لم تصح إقالته. الثانية العبد المأذون اشترى غلاما بألف وقيمته ثلاث آلاف لا تصح إقالته ولا يملكان الرد بالعيب بخلاف الرد بخيار الشرط والرؤية، كذا في بيوع القنية. الثالثة المتولي على الوقف إذا اشترى سيأ بأقل من قيمته لا تصح إقالته، وكذا إذا أجر ثم أقال ولا صلاح فيها للوقف لم يجز كما فيها أيضا، وفي بعض المواضع منها إن كان قبل القبض جازت وإلا لا. الرابعة الوكيل بالشراء تصح إقالته بخلاف الوكيل بالبيع تصح ويضمن. الخامسة الوكيل بالسلم على تفصيل فيه وإنما يضمن
[ 170 ]
الوكيل بالبيع إذا أقال إذا كان بعد قبض الثمن أما قبله فيملكها في قول محمد، كذا في
الظهيرية وفيها والوكيل بالاجارة إذا ناقض مع المستأجر قبل استيفاء المنفعة وقبل قبض الاجر صح سواء كان الاجر عينا أو دينا اه. وفي فتاوي الفضلي: إذا باع المتولي أو الوصي شيأ بأكثر من قيمته لا تجوز إقالته وإن كانت بمثل الثمن الاول اه. وفي القنية: باعت ضيعة مشتركة بينها وبين ابنها البالغ وأجاز الابن البيع ثم أقالت وأجاز الابن الاقالة ثم باعتها ثانيا بغير إجازته يجوز ولا يتوقف على إجازته لان بالاقالة يعود المبيع إلى ملك العاقد لا إلى ملك الموكل والمجيز، ودليلها السنة والاجماع وسببها الحاجة إليها، ومحاسنها إزالة الغم عن النادم وتفريج الكرب من المكروب فائدة: تصح إقالة الاقالة فلو تقايلا البيع ثم تقايلا الاقالة ارتفت الاقالة وعاد البيع. وكتبنا في الفوائد إلا في مسألة وهي إقالة السلم فإنها لا تقبل الاقالة كما ذكره الشارح من الدعوى من باب التحالف. وفي الجوهرة: لا تصح الاقالة في النكاح والطلاق والعتاق اه. قوله: (هي فسخ في حق المتعاقدين بيع في حق ثالث) وهذا عند أبي حنيفة إلا إن تعذر جعلها فسخا بأن ولدت المبيعة بعد القبض أو هلك المبيع فإنها تبطل ويبقى البيع على حاله. أطلقه فشمل ما إذا كان قبل القبض أو بعده، وروي عن أبي حنيفة أنها فسخ قبل القبض بيع بعده، كذا في البدائع. وظاهره ترجيح الاطلاق. وقال أبو يوسف: هي بيع إلا إن تعذر بأن كانت قبل القبض ففسخ إلا إن تعذرا فتبطل بأن كانت قبل القبض في المنقول بأكثر من الثمن الاول أو بأقل منه أو بجنس آخر أو بعد هلاك المبيع. وقال محمد: هي فسخ إلا إن تعذر بأن تقايلا بأكثر من الثمن الاول أو بخلاف جنسه أو ولدت المبيعة بعد القبض فبيع إلا أن تعذرا بأن كانت قبل القبض بأكثرمن الثمن الاول فتبطل. والخلاف المذكور إنما هو فيما إذا وقعت بلفظها، أما بلفظ الفسخ أو الرد أو الترك فإنها لا تكون بيعا. وفي بعض ا نسخ الزيلعي فإنهلا تكون فسخا وهو سبق قلم كما لا يخفى. وفي السراج الوهاج: أما إذا كانت بلفظ البيع كانت بيعا إجماعا كما إذا قال البائع له بعني ما اشتريت فقال بعت كابيعا. وفائدة كونها فسخا في حقهما عنده تظهر في خمس مسائل: الاولى وجوب رد الثمن الاول
[ 171 ]
وتسمية خلافه باطل. الثانية أنها لا تبطل بالشروط المفسدة ولكن لا يصح تعليقها بالشرط كأن باع ثورا من زيد فقال اشتريته رخيصا فقال زيد إن وجدت مشتريا بالزيادة فبعه منه فوجد فباع بأزيد لا ينعقد البيع الثاني لانه تعليق الاقالة لا الوكالة بالشرط، كذا في السراج والوهاج. الثالثة إذا تقايلا ولم يرد المبيع حتى باعه منه ثانيا جاز ولو كانت بيعا لفسد، وهذه حجة على أبي يوسف لان البيع جائز بلا خلارف بين أصحابنا إلا أن يثبت عنه الخلاف فيه، كذا في البدائع ولو باع من غير المشتري لم يجز لكونه بيعا جديدا في حق ثالث وإذا تبايعاه بعدها يحتاج المشتري إلى تجديد القبض لكونه بعدها في يده مضمونا بغيره وهو الثمن فلا ينوب عن قبض الشراء كقبض الرهن بخلاف قبض الغصب، كذا في الكافي هنا. وفيه من باب المتفرقات: تقايضا فتقايلا فاشترى أحدهما ما أقال صار قايضا بنفس العقد لقيامهما فكان كل واحد مصمونا بقيمة نفسه كالمغصوب، ولو هلك أحدهما فتقايلا ثم جدد العقد في القائم لا يصير قابضا بنفس العقد لانه يصير مضمونا بقيمة العرض الآخر فشابه المرهون اه. والرابعة إذا وهب المبيع من المشتري بعد الاقالة قبل القبض جازت الهبة، ولو كانت بيعا لانفسخ لان البيع ينفسخ بهبة المبيع للبائع قبل القبض. والخامسة لو كان تالمبيع مكيلا أو موزونا وقد باعه منه بالكيل أو الوزن ثم تقايلا واسترد المبيع من غير أن يعيد الكيل أو الوزن جاز قبضه، وهذا لا يطرد على أصل أبي يوسف لكونها بيعا عنده ولو كانت بيعا لما صح قبضه بلا كبل ووزن، كذا في البدائع. تظهر فائدة كونها بيعا في حق غيرهما في خمس
[ 172 ]
أيضا: الاولى لو كان المبيع عقارا فسلم الشفيع الشفعة ثم تقايلا يقضى له بالشفعة لكونه بيعا جديدا في حقه كأنه اشتراه منه. والثانية إذا باع المشتري المبيع من آخر ثم تقايلا ثم اطلع على عيب كأن كان في يد البائع فأراد أن يرده على البائع ليس له ذلك لانه بيع في حقه فكأنه اشتراه من المشتري. والثالثة إذا اشترى شيأ وقبضه ولم ينقد الثمن حتى باعه من آخر ثم
تقايلا وعاد إلى المشتري فاشتراه من قبل نقد ثمنه بأقل من الثمن الاول جاز وكان في حتى البائع كالمملوك بشراء جديد من المشتري الثاني. والرابعة إذا كان المبيع موهوبا فباعه الموهوب له ثم تقايلا ليس للواهب أن يرجع في هبته لان الموهوب له في حق الواهب بمنزلة المشتري من المشتري منه والخامسة إذا اشترى بعروض التجارة عبدا للخدمة بعدما حال عليها الحول فوجد به عيبا فرده بغير قضاء واسترد العروض فهلكت في يده فإنه لا تسقط عنه الزكاة لكونه بيعا جديدا في حق الثالث وهو الفقير لان الرد بالعيب بغير قضاء إقالة. وقوله بيع جديد في حق الثالث مجرى على إطلاقه. وقوله فسخ في حق المتعاقدين غير مجرى على إطلاقه لانه إنما يكون فسخا فيما هو من موجبات العقد وهو ما يثبت بنفس العقد من غير شرط، وأما إذا لم يكن من موجبات العقد ويجب في شرط زائد فالاقالة فيه تعتبر بيعا جديدا في حق المتعاقدين أيضا كما إذا اشترى بالدين المؤجل عينا قبل حلول الاجل ثم تقايلا يعود الدين حالا كأنه باعه منه. وفي الصغرى: ولو رده بعيب بقضاء كان فسخا من كل وجه فيعود الاجل كما كان، ولو كان بالدين كفيل لا تعود الكفالة في الوجهين اه. وكما إذا تقايلا ثم ادعى رجل أن المبيع ملكه وشهد المشتري بذلك لم تقبل شهادته لانه هو الذي باعه ثم شهد أنه لغيره ولو كان فسخا لقبلت ألا ترى أن المشتري لو رد المبيع بعيب بقضاء وادعى المبيع رجل وشهد المشتري بذلك تقبل شهادته لانه بالفسخ عاد ملكه القديم فلم يكن متلقيا من جهة المشتري لكونه فسخا من كل وجه. وكذا لو باع عبدا بطعام بغير عينه وقبض ثم تقايلا لا يتعين الطعام المقبوض للرد كأنه باعه من البائع بطعام غير معين، وكذا لو قبض أردا من الثمن الاول أو أجود منه يجب رد مثل المشروط في البيع الاول كأنه باعه من البائع
[ 173 ]
بمثل الثمن الاول. وقال الفقيه أبو جعفر: يجب عليه رد مثل المقبوض لانه لو وجب عليه مثل المشروط للزم زيادة ضرر بسبب تبرعه، ولو كان فسخا بخيار رؤية أو شرط أو عيب بقضاء رد المقبوض إجماعا لانه فسخ من كل وجه، كذا ذكر الشارح هنا.
قوله: (وتصح بمثل الثمن الاول وشرط الاكثر أو الاقل بلا تعيب وجنس آخر لغو ولزمه الثمن الاول) وهذا عند أبي حنيفة لان الفسخ يرد على عيب ما يرد عليه العقد فاشتراط خلافه باطل ولا تبطل الاقالة كما قدمنا. قيد بقوله بلا تعيب إذ لو تعيب بعده جاز اشتراط الاقل ويجعل الحظ بإزاء ما فات بالعيب ولا بد أن يكون النقصان بقدر حصة القائت، ولا يجوز أن ينقص من الثمن أكثر منه، كذا في فتح القدير. وفي البناية معزيا إلى تاج الشريعة: هذا إذا كانت حصة العيب مقدار المحطوط أو زائدا أو نقصا بقدر ما يتغابن الناس فيه اه. وقيد بقوله وجنس آخر لان الاقالة على جنس آخر غير الثمن الاول صحيح ويلغو المسمى ويلزمه رد الاول، فقوله وجنس بالجر عطف على الاكثر أي وشرط جنس لا على تعيب. وعند أبي يوسف ومحمد إذا شرط الاكثر كانت بيعا لكونه الاصل فيها عند أبي يوسف، ولتعذر الفسخ عند محمد. وكذا في شرط الاقل عند أبي يوسف تصح به بيعا، وعنهد محمد فسخ بالثمن الاول. ولو قال المصنف وتصح مع السكوت عن الثمن الاول لكان أولى فيعلم منه حكم التصريح به بالاولى ومع السكوت لا خلاف في وجوب الاول كما في البدائع. وأشار بقوله لزمه الثمن الاول إلى أن الاعتبار لما وقع العقد به لما تقدم ولذا قال في فتح القدير: لو كان الثمن عشرة دنانير ودفع إليه الدراهم عوضا عن الدنانير ثم تقايلا وقد رخصت الدراهم رجع بالدنانير التي وقع العقد عليها لا بما دفع، وكذا لو رد بالعيب، وكذا في الاجارة لو فسخت. ومن فروع الفسخ كالاقالة ما لو عقدا بدراهم ثم كسدت ثم تقايلا فإنه يرد تلك الدراهم الكاسدة، ولو عقدا بدراهم ثم جددا بدنانير وعلى القلب أنفسخ الاول، وكذا لو عقدا بثمن مؤجل ثم جددا بحال أو على القلب أما لو جدداه بدراهم أكثر أو أقل فلا وه حط من الثمن أو زيادة فيه وقالوا: لو باع باثني عشر وحط عنه درهمين ثم عقدا بعشرة لا ينفسخ الاول لانه مثله إذ الحط يلتحق بأصل العقد إلا في اليمين فيحنث لو كان حلف لا يشتريه باثنى عشر. ولو قال المشتري بعد العقد قبل القبض للبائع بعه لنفسك
[ 174 ]
فإن باعه جاز وانفسخ الاول، ولو قال بعه لي أو لم يزد على قوله بعه لي أو زاد قوله ممن شئت لا يصح في الوجوه لانه توكيل. ولو باع المبيع من البائع قبل القبض لا ينفسخ البيع ولو وهبه قبل القبض انفسخ إذا قبل، ولو قال البائع قبل القبض أعتقه فأعتقه جاز العتق عن البائع وانفسخ البيع عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف العتق باطل. وفي الفتاوي الصغرى: جحود ما عدا النكاح فسخ وعليه ما فرع في الخانية وغيرها: باع أمة فأنكر المشتري الشراء لا يحل للبائع وطؤها إلا إن عزم على ترك الخصومة فيحل حنيئذ له وطؤها، وكذا وأنكر البائع البيع والمشتري يدعي لا يحل للبائع وطؤها، فإن ترك المشتري الخصومة وسمع البائع بعد بذلك حل له وطؤها. ومثله لو اشترى جارية بشرط الخيار ثلاثة أيام وقبضها ثم رد على البائع جارية أخرى في أيام الخيار وقال هي التي اشتريتها وقبضتها كان القول له، فإن رضي البائع بها حل وطؤها. وكذا القصار والاسكاف، وكذا لو اشترى ما يتسارع إليه الفساد كاللحم والسمك والفاكهة وغاب والمشتري وخاف البائع فساده فله بيعه من غيره استحسانا، وللمشتري منه الانتفاع به وإن علم لرضا العاقدين بالفسخ ظاهرا ويتصدق البائع بما زاد على الثمن، وإن نقص فعلى البائع. ولو اختلفا فادعى البائع الاقالة والمشتري أنه باعه منه بأقل قبل النقد فالقول للمشتري في إنكارها ولو كان على العكس تحالفا، كذا في فتح القدير. وأشار أيضا بقوله لزمه الثمن الاول إلا أنه لو كان الثمن الاول حالا فأجله المشتري عند الاقالة فإن التأجيل يبطل وتصح الاقالة وإن تقايلا ثم أجله فينبغي أن لا يصح الاجل عند أبي حنيفة فإن الشرط اللاحق بعد العقد يلتحق بأصل العقد عنده، كذا في القنية. وإلى أنه لو أبرأ المشتري عن الثمن بعد فبض المبيع ثم تقايلا لم تصح منها أيضا وإلى أنه يلرم المشتري رد المبيع. وفي القنية: اشترى ماله حمل ومؤنة ونقله إلى موضع آخر ثم تقايلا فمؤنة الرد على البائع اه. قوله: (وهلاك المبيع يمنع) أي صحتها لما قدمنا أن من شرطها بقاء المبيع لانها رفع
[ 175 ]
العقد وهو محله. قيد بالمبيع لان هلا ك الثمن لا بمنعها لكونه ليس بمحل لكونه يثبت بالعقد فكان حكما وهو يعقبه فلا يكومحلا لان المحل شرط وهو سابق فتنافيا، ولذا بطل البيع بهلاك المبيع قبل القبض دون الثمن قوله: (وهلاك بعضه بقدره) أي هلاك بعض المبيع يمنعها بقدر الهالك لان الجزء معتبر بالكل. وفي بيع القايضة إذا هلك أحدهما صحت في الباقي منهما وعلى المشتري قيمة الهالك إن كان قيميا، ومثله إذا كان مثليا فيسلمه إلى صاحبه ويسترد العين إلا إذا هلكا بخلاف البدلين في الصرف إذا هلك لعدم التعيين ولذا لا يزلمهما إلا رد المثل بعدها. وفي السراج الوهاج: اشترى عبدا بنقرة فضة أو بمصوغ مما يتعين فتقابضا ثم هلك العبد في يد المشتري ثم تقايلا والفضة قائمة في يد البائع صحت وعلى البائع رد الفضة بعينها ويسترد من المشتري قيمة العبد، وفي البزازية: تقايلا فأبق العبد من يد المشتري وعجز عن تسليمه تبطل الاقالة اه. وأشار إلى أن البيع إذا هلك بعد الاقالة بطلت وعاد البيع. قيد بالهلاك لانه لو باع صابونار رطبا ثم تقايلا بعدما جف فنقص وزنه لا يجب على المشتري شئ لان كل المبيع باق، كذا في فتح القدير وأشار بعدم اشتراط بقاء جميع المبيع على حاله إلى أنه لو اشترى أرضا مع الزرع وحصده المشتري ثم تقايلا صحت في الارض بحصتها من الثمن بخلاف ما إذا أدرك الزرع في يده ثم تقايلا فإنها لا تجوز لان العقد إنما ورد على الفصيل دون الحنطة، كذا في القنية. وإلى أن الاعتبار لما دخل في البيع مقصودا فلو
[ 176 ]
اشترى أرضا فيها أشجار فقطعها ثم تقايلا صحت الاقالة بجميع الثمن ولا شئ للبائع من قيمة الاشجار وتسلم الاشجار للمشتري. هذا إذا علم البائع بقطعها، فإن لم يعلم به وقتها خير إن شاء أخذها بجميع الثمن وإن شاء ترك. وإن اشترى عبدا فقطعت يده وأخذ أرشها ثم تقايلا صحت الاقالة ولزمه بجميع الثمن ولا شئ للبائع من أرش اليد إذا علم وقت الاقالة أنه قطعت يده أخذ أرشها، وإن لم يعلم يخير بين الاخذ بجميع الثمن وبين الترك، كذا في القنية. ورقم برقم آخر أن
الاشجار لا تسلم للمشتري وللبائع أخذ قيمتها منه لانها موجودة وقت البيع بخلاف الارش فإنه لم يدخل في البيع أصلا لا قصدا ولا ضمنا اه. ثم اعلم أنه لا يرد على اشتراط قيام المبيع لصحة الاقالة إقالة السلم قبل قبض المسلم فيه لانها صحيحة، سواء كان رأس المال عينا أو دينا، وسواء كان قائما في يد المسلم إليه أو هالكالان المسلم إليه وإن كان دينا حقيقة فله حكم العين حتى لا يجوز الاستبدال به قبقبضه، وإذا صحت فإن كان رأس المال عينا قائمة ردت، وإن كانت هالكة رد المثل إن كان مثليا، والقيمة إن كان قيميا، وإن كان دينا رد مثله قائما أو هالكا لعدم التعيين، وكذا إقالته بعد قبض المسلم إليه وإن كان قائما ويرد رب السلم عين المقبوض لكونه متعينا، كذا في البدائع والله سبحانه أعلم.
[ 177 ]
باب المرابحة والتولية شروع فيما يتعلق بالثمن من المرابحة والتولية والربا والصرف والبيع بالنسيئة بعد بيان أحكام المبيع وقدم المبيع لاصالته. وكذا في البناية. وقدمنا أن أنواعه بالنسبة إلى الثمن أربعة هما والمساومة لا إلتفات فيها إلى الثمن الاول، والرابع الوضيعة بأنقص من الاول، ولم يذكرهما لظهورهما، وهما جائزان لاستجماع شرائط الجواز والحاجة ماسة إلى هذا النوع من البيع لان الغبي الذي لا يهتدي إلى التجارة يحتاج إلى أن يعتمد فعل الذكي المهتدي ويطيب نفسه بمثل ما اشترى وبزيادة ريح فوجب القول بجوازهما، ولذا كان مبناهما على الامانة والاحتراز عن شبهة الخيانة، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الهجرة ابتاع من أبي بكر رضي الله عنه بعيرين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ولني أحدهما. فقال: هو لك بغير شئ. فقال: أما بغير ثمن فلا. قال السهيلي: سئل بعض العلماء لم لم يقبلها إلا بالثمن وقد أنفق عليه أبو بكر أضعاف ذلك وقد دفع إليه حين بنى بعائشة ثنتي عشرة أوقية حين قال له أبو بكر ألا تبني بأهلك فقال: لو لا الصداق فدفع إليه ثنتي عشرة أوقية وشيأ وهو عشرون درهما. فقال: لتكون هجرته بنفسه وماله رغبة منه في استكمال فضلها إلى الله، وأن تكون على أتم
الاحوال. والمرابحة في اللغة كما في الصحاح يقال بعته المتاع واشتريته منه مرابحة إذا سميت لكل قدر من الثمن ربحا اه. وأما التولية في اللغة فقال الشارحون: إنها مصدر ولى غيره إذا جعله واليا. وفي القاموس: التولية في البيع نقل ما ملكه بالعقد الاول وبالثمن الاول من غير زيادة. وأما شرعا فقال. (هي) أي التولية (بيع بثمن سابق والمرابحة به وبزيادة) وأورد عليه الغصب وهو ما إذا ضاع المغصوب عند الغاصب وضمنه قيمته ثم وجده جاز له بيعه مرابحة وتولية على ما ضمن، وقد غفل الشارح الزيلعي فأورده على عبارة الهداية وهي نقل ما ملكه بالعقد الاول بالثمن الاول مع ربح أو لا، وادعى أن عبارة المؤلف أحسن وليس كما زعم لان مسألة الغصب كما ترد على الهداية باعتبار أنه لا عقد فيها كذلك ترد على الكنز باعتبار أنه لا ثمن
[ 178 ]
فيها. فإن أجيب بأن القيمة كالثمن فكذلك يقال إن الغصب ملحق بعقود المعاوضات، وقد أجاب الشارحون عن الهداية بهذا قالوا: ولذا صح إقرار المأذون به لما كان إقراره بالمعاوضات جائزا. وقد صرح في الفتاوي الكبرى بأنه يقال قام على بكذا ويرد على كلا التعريفين ما ملكه بهبة أو إر أو وصية إذا قومه فله المرابحة على القيمة إذا كان صادقا في التقويم مع أنه لا ثمن ولا عقد ولم أر كيف يقول، وينبغي أن يقول قيمته كذا ويرد عليهما أيضا من اشترى دراهم بدناينر لا يجوز بيع الدراهم مرابحة مع صدق التعريف عليها، ويرد أيضا عليهما ما فيه من الابهام لان الثمن السابق إما أن يراد عينه أو مثله لا سبيل إلى الاول لانه صار ملكا للبائع الاول فلا يراد في الثاني، ولا إلى الثاني لانه لا يخلوا إما أن يراد المثل جنسا أو مقدارا والاول ليس بشرط لما في الايضاح والمحيط أنه إذا باع مرابحة فإن كان ما اشتراه به له مثل جاز، سواء كان الربح من جنس رأس المال من الدراهم أو من الدنانير إذا كان معلوما يجوز الشراء به لان الكل ثمن، والثاني وهو المقدار يقتضي أن لا يضم أجرة القصار والصباغ ونحوهما لانها ليست بثمن في العقد الاول. وإذا أريد المثل قدرا وادعى أن الاجرة من الثمن
الاول عادة كما فعله الشارحون ورد عليه أنها جائزة بعينه إذا كان قد وصل إلى المشتري الثاني، وما أورده في فتح القدير من الشراء بثمن نسيئة فإن المرابحة لا تجوز على ذلك الثمن ليس بوارد لانها جائزة إذا بين أنه اشتراه نسيئة كما سيأتي آخر الباب. وقد وضعت لكل منها تعريفا لا يرد عليه شئ إن شاء الله تعالى فقلت: التولية نقل ما ملكه بغير عقد الصلح والهبة بشرط عوض بما يتعين بعين ما قام عليه أو بمثله أو برقمه أو بما قومه به في غير شراء القيمي أو بمثل ما اشترى به من لا تقبل شهادته له من أصوله وفروعه وأحد الزوجين أو مكاتبه أو عبده المأذون أو أحد المتفاوضين من الآخر أو بمثل ما اشترى به مضار به أو رب المال مع ضم حصة من الربح بزيادة ربح في المرابحة وبلا ربح في التولية. فخرج ما ملكه في الصلح لابتنائه على الحط والمساهلة بخلاف ما إذا اشتراه من مديونه بالدين وهو يشتري بذلك الدين فإنه يجوز كما في الظهيرية، وما ملكه بالهبة بشرط العوض أيضا كما في الظهيرية.
[ 179 ]
وخرج بما يتعين ما لا يتعين كما قدمناه. وقلنا بعين ما قام عليه ولم نذكر العقد الاول ولا الثمن السابق ليدخل الغصب وما تكلفه على العين، وليخرج ما إذا اشترى دجاجة فباضت عنده عشر بياضات ولم ينفق عليها قدر البيض فإنه ليس له المرابحة على الثمن الاول كما في النهاية. وقلنا بالعين أو بالمثل من غير اقتصار على أحدهما لجوازها على العين في صورة قدمناها وعلى المثل فيما عداها، ويدخل في المثل مثل الثمن السابق إن كان البيع صحيحا وقيمته إن كان فاسدا، كذا في المحيط. وأو في التعريف ليست للابهام وإنما هي للتنويع. وقلنا أو برقمه ليدخل ما إذا اشترى متاعا ثم رقمه بأكثر من الثمن الاول ثم باعه مرابحة على رقمه جاز، ولا يقول قام علي بكذا ولا قيمته ولا اشتريته بكذا تحرزا عن الكذب، وإنما يقول رقمه كذفأنا أرابح على كذا كما في النهاية. قلنا أو بما قومه به ليدخل ما ملكه بإرث ونحوه كما قدمناه، وقيدنا بغير شراء القيمي لانه إذا اشترى قيميا
وقومه لم تجز المرابحة، والفرق بين القيميين أن في شراء القيمي له أصل يرجع إليه وهو الثمن الاول واحتمل أن يكون ما قومه به أزيد في نفس الامر، والمرابحة مبنية على الاحتراز عن شبهة الخيانة بخلاف ما إذا ملكه بغير بدل لعذم الثمن الاول يكون ما قومه به مخالفا له واحتمال الزيادة في تقويمه لا يعد خيانة لانه من جهة المشتري. ولو كان بعض المبيع مشترى والبعض غير مشترى فقال في الظهيرية: رجل اشترى من آخر ثوبا وبطانة وجعلهما جبة وجعل حشوها قطنا ورثه أو وهب له ثم حسب الثمن وأجر الخياط ثم قال لغيره قام علي بكذا وباعه مرابحة على ذلك جاز، وكذا الرجل يرث الثوب فيبسطه بالقز الذي اشتراه
[ 180 ]
وحسب أجر الخياط ثمن القز ثم قال لغيره قام علي بكذا باعه مرابحة على ذلك جاز، كذا في الظهيرية. وقلنا أن بمثل ما شترى به من لا تقبل الشهادة له يعني لا بمثل ما اشتراه هو به فإذا اشترى شيأ ممن لاتقبل شهادته له فإنه إنما يرابح بما اشترى بائعه لا بما اشتراه كما ذكره الشارح، وكذا رب المال إذا اشترى من مضاربه لا يرابح بما اشتراه وإنما يرابح بمثل ما اشترى المضارب مع ضم حصة المضارب فقط لانها كما سيأتي مبنية على الامانة والاحتراز عن شبهة الخيانة ولذا قال في الظهيرية: إن من اشترى شيأ وعلم أن فيه غبنا لا يجوز له المرابحة والتولية حتى يبينه والله تعالى أعلم. وهذا التقرير إن شاء الله تعالى من خواص هذا الشرح بحول الله وقوته. قوله وشرطهما كون الثمن الاول مثليا) لانه إذا لم يكن له مثل لو ملكه ملكه بالقيمة وهي مجهولة، والمثلي الكيلي والوزني والمعدود المتقارب وعبارة المجمع أولى وهي: ولا يصح ذلك حتى يكون العوض مثليا أو مملوكا للمشتري والربح مثلي معلوم اه. ولكن لا بد من التقييد بالمعين للاحتراز عن الصرف فإنه لا يجوزان فيهما، وتقييد الربح بالمثلي اتفاقي لجواز أن يرابح على عيب قيمته مشار إليها ولذا قال في فتح القدير: أو بربح هذا الثوب. وقيد الربح بكونه معلوما للاحتراز عما إذا باعه بربح ده يازده لا يجوز له لانه باعه برأس المال
وببعض قيمته لانه ليس من ذوات الامثال، كذا في الهداية. ومعنى قوله ده يازده أي بربح مقدار درهم على عشرة دراهم، فإن كان الثمن الاول عشرين كان الربح بزيادة درهمين، وإن كان ثلاثين كان الربح ثلاثة دراهم، فهذا يقتضي أن يكون الربح من جنس رأس المال لانه جعل الربح مثل عشر الثمن وعشر الشيى يكون من جنسه كذا في النهاية يعتى فإذا كان رأس المال قيميا مملوكا للمشتري لا يجوز لجهالة الربح، وأما إذا كان الربح شيأ مشارا إليه مجهول المقدار فإنه يجوز. فقوله والربح مثلى معلوم شرط في القيمي المملوك للمشتري كما لا يخفي. وفي البناية: ولفظة ده بفتح الدال وسكون الهاء اسم للعشرة بالفارسية ويازد باليا آخر الحروف وسكون الزاي اسم أحد عشر بالفارسية اه. ومن مسائل ده يازده ما في المحيط: اشترى ثوبا بعشرة وباعه بوضيعة ده يازده على ثمنه فالثمن تسعة دراهم وجزء من
[ 181 ]
أحد عشر جزأ من درهم، والوضيعة عشرة أجزاء من أحد عشر جزأ من درهم واحد ومعرفته اجعل كل درهم على أحد عشر جزأ فيصير العشرة مائة وعشرة أجزاء من أحد عشر جزأ ثم اطرح من كل سهم جزأ فيكون فيكون المطروح عشرة بقي مائة جز وعشرة أجزاء من أحد عشرة أجزاء من أحد عشر جزأ من درهم، وإن باعه بوضيعة ده يازده فالثمن ثمانية دراهم وثلث درهم والوضيعة درهم وثلثا درهم وتخريجه على نحو ما مر. وإن باعه بوضيعة عشرة فاجعل كل درهم على عشرة أجزاء ثم اطرح جزأ من كل درهم فيكون المطروح عشرة أجزاء يبقى تسعون جأى فيكون تسعة دراهم، وعلى هذا القياس إن باعه بوضيعة تسع أو ثمان اه. وفي فتح القدير: اشترى عبدا بعشرة على خلاف نقد البلد وباعه بربح درهم فالعشرة مثل ما نقد والربح من نقد البلد إذا أطلقه لان الثمن الاول يتعين في العقد الثاني والربح مطلق فينصرف إلى نقد فإن نسب الربح إلى رأس المال فقال بعتك بربح العشرة أحد عشر أو بربح دهيازه فالربح من جنس الثمن لانه عرفه بنسبته إليه. وفي المحيط: اشترى بنقد نيسابور وقال ببلخ قام علي بكذا وباعه بربح مائة أو بربح ده يازده فالربح ورأس المال على نقد بلخ
إلا أن يصدقه المشتري أنه نقد نيسابور أو تقوم بينة، وإذا كان نقد نيسابور في الوزن والجودة دون نقد بلخ ولم يبين فرأس المال والربح على نقد نيسابور، وإن كان على عكسه واشتراه ببلخ بنقد نيسابور ولم يعلم أنه أوزن وأجود فهو بالخيار إن شاء أخذ وإن شاء ترك. واعلم أن المعتبر في المرابحة ما وقع العقد الاول عليه دون ما وقع عوضا عنه حتى لو اشترى بعشرة فدفع عنها دينارا أو ثوبا قيمته عشرة أو أقل أو أكثر فإن رأس المال هو العشرة لا الدينار والثوب لان وجوب هذا بعقد آخر وهو الاستبدال اه. ما في فتح القدير. ويرد عليه ما في الظهيرية: لو اشترى بالجيار ونقد الزيوف قال أبو حنيفة: يرابح بالزيوف. وقال أبو يوسف: يرابح بالجياد. فقوله والجياد إنما هو على قول أبي يوسف ولكن جزفي المحيط من غير خلاف بأنه يرابح بالجياد. وأشار بالثمن أي جميعه إلى بيع جمي المبيع فلو اشترى ثوبين وقبضهما ثم ولى رجلا أحدهما بعينه لم يجز، وكذا لو اشركه في أحدهما بعينه لم يجز، ولو كان المشتري قبض أحد الثوبين من البائع ثم اشرك رجلا فيهما جازت الشركة في نصف
[ 182 ]
المقبوض، وكذا لو ولاهما رجلا جازت التولية في المقبوض. ولو اشترى جاريتين بألف درهم وقبضهما وباق أحدهما ثم ولاهما رجلا فالمولى بالخيار إن شاء أخذ التي لم تبع بحصتها وإن شاء ترك إذا لم يعلم ببيع أحدهما، وكذلك لو أشرك فيهما جازت الشركة في نصف التي لم تيع وإن لم يبع أحدهما ولكنه أعتق أحدهما أو ماتت ثم ولا هما رجلا أو أشركه فيهما جاز في الامة والحية ومنهما، كذا في الظهيرية. وفي السراج الوهاج: لو كان مثليا فرابح على بعضه جاز كقفيز من قفيزين لعدم التفاوت بخلاف القيمي وتمام تفريعه في شرح المجمع. وفي المحيط: وإن كان ثوبا ونحوه لا يبيع جزأ منه معينا لان الثمن ينقسم عليه باعتبار القيمة وإن باع جزى شائعا جاز وقيل يفسد البيع. قوله: (وله أن يضم إلى رأس المال أجر القصار والصبغ والطراز والفتل وحمل الطعام وسوق الغنم) لان العرف جاز بالحاق هذه الاشياء برأس المال في عادة التجار ولان كل ما
يزيد في المبيع أو قيمته يلحق به. هذا هو الاصل وما عددناه بهذه الصفة لان الصبغ وأخواته يزيد في العين والحمل يزيد في القيمة إذ القيمة تختلف باختلاف المكان. والطراز بكسر الطاء وتخفيف الراء العلم في الثوب، كذا في المغرب. والفتل هو ما يصنع بأطراف الثياب بحرير أو كتان من فتلت الحبل أفتله. أطلق الصبغ فشمل الاسود وغيره كما أطلق حمل الطعام فشمل البر والبحر، وقيد بالاجرة لانه لو فعل شيأ مذلك بيده لا يضمه، وكذا لو تطوع متطوع بهذه أو بإعارة، ودل كلامه على أنه يضم أجرة الغسل والخياطة ونفقة تجصيص الدار وطي البئر وكراء الانهار والقناة والمسناة والكراب وكسج الكروم وسقيها والزرع وغرس الاشجار. وفي المحيط: وغيره يضم طعام المبيع إلا ما كان سرفا وزيادة فلا يضم وكسوته وكراءه وأجرة المخزن الذي يوضع فيه، وأما أجرة السمسار والدلال فقال الشارح: إن كانت مشروطة في العقد تضم وإلا فأكثرهم على عدم الضم في الاول ولا تضم أجرة الدلال بالاجماع اه. وهو تسامح فإن أجرة الاول تضم في ظاهر الرواية والتفصيل المذكور قويلة
[ 183 ]
وفي الدلال قيل لا تضم والمرجع العرف، كذا في فتح القدير. وإذا حدثت زيادة من المبيع كاللبن والسمن وقد أنفق عليه في العلف واستهلك الزيادة فإنه يحسب ما أنفقه بقدر ما استهلكه ويرابح وإلا فلا يرابح بلا بيان وإذا ولدت المبيعة رابح عليهما ويتبعها ولدها وكذا لو أثمر النخيل فإن استهلك الزائد لم يرابح بلا بيان كما في الظهيرية بخلاف ما إذا أجر الدابة أو العبد أو الدار فأخذ أجرته فإنه يرابح مع ضم ما أنفق عليه لان الغلة ليست متولدة من العين، كذا في فتح القدير قوله: (ويقول قام على بكذا) ولا يقول اشتريته لانه كذب وهو حرام ولذا قدمنا أنه إذا قوم الموروث ونحوه يقول ذلك وكذا إذا رقم على الثوب شيأ وباعه برقمه فإنه يقول رقمه كذا، وسواء كاما رقمه موافقا لما اشتراه به أو أزيد حيث كان صادقا في الرقم كما في فتح القدير قوله: (ولا يضم أجرة الراعي والتعليم وكراء بيت الحفظ) لعدم العرف بإلحاقه. أطلق في التعليم فشمل تعليم العبد صناعة أو قرآنا أو علما أو شعرا أو غناء
أو عربية قالوا: لان ثبوت الزيادة لمعنى في العبد وهو حذاقته فلم يكن ما أنفقه على المعلم موجبا للزيادة في المالية، ولا يخفي ما فيه إ لا شك في حصول الزيادة بالتعلم ولا شك أنه مسبب عن التعليم عادة، وكونه بمساعدة القابلية في المتعلم هو كقابلية الثوب للصبغ فلا يمنع نسبته إلى التعليم فهو شرط علة عادية والقابلية شرط، وفي المبسوط: أضاف نفي ضم المنفق في التعليم إلى أنه ليس فيه عرف ظاهر حتى لو كان فيه عرف ظاهر يلحق برأس المال، كذا في فتح القدير. وأشار المؤلف إلى أنه لا يضم أجرة الطبيب والرائض والبيطار والفداء في الجناية وجعل الآبق لندرته فلا يلحق بالسابق لانه لا عرف في النادر والحجامة والختان لعدم العرف، وكذا لا يضم نفقة نفسه وكراءه ولا مهر العبد ولا يحط مهر الامة لزوجها، والذي يؤخذ في الطريق من الظلم لا يضم إلا في موضع جرت العادة فيه بينهم بالضم. قوله: (فإن خان في مرابحة أخذ بكل ثمنه أو رده وحط في التولية) وهذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يحط فيهما. وقال محمد: يخير فيهما. لمحمد أن الاعتبار للتسمية لكونه معلوما والتولية والمرابحة تزويج وترغيب فتكون وصفا مرغوبا فيه كوصف السلامة فيتخير لفواته. ولابي يوسف أن الاصل فيه كونه تولية ومرابحة ولهذا ينعقد بقوله وليتك بالثمن الاول أو بعتك مرابحة على الثمن الاول إذا كان معلوما فلا بد من البناء على الاول وذلك بالحط غير أنه يحط في التولية قدر الخيانة من رأس المال، وفي المرابحة منه ومن الربح. ولابي حنيفة أنه لو لم يحط في التولية لا تبقى تولية لانه يزيد على الثمن الاول فتغير التصرف فتعين الحط، وفي المرابحة لو لم يحط تبقى مرابحة وإن كان يتفاوت الربح فلا يتغير
[ 184 ]
التصرف فأمكن القول بالتخيير. ولم يذكر لمصنف والشارح بما تظهر الخيانة قال في فتح القدير: هي إما بإقرار البائع أو بالبينة أو بنكوله عن اليمين وقد ادعاه المشتري هذا على المختار، وقيل لا تثبت إلا بإقراره لانه في دعوى الخيانة مناقض فلا يتصور ببينة ولا نكول والحق سماعها كدعوى العيب وكدعوى الحط فإنها تسمع اه. وقوله وحط أي أسقط قدر
الخيانة من المسمى. وفي السراج الوهاج: وصورة الخيانة في التولية إذا اشترى ثوبا بتسعة وقبضه ثم قال لآخر اشتريته بعشرة ووليتك بما اشتريته فاطلع على ذلك. وبيان الحط في المرابحة على قول أبي يوسف إذا اشتراه بعشرة وباعبربح خمسة ثم ظهر أنه اشتراه بثمانية فإنه يحط قدر الخيانة من الاصل وهو الخمسوهو درهمان وما قابله من الربح وهو درهم فيأخذ الثوب بإثني عشر درهما اه. وقدمنا أنه إذا اشترى متاعا ورقمه بأكثر من ثمنه وباعه مرابحة على الرقم فإنه يجوز. وقيده في المحيط بما إذا كان عند البائع أن المشتري يعلم أن الرقم غير الثمن فأما إذا كان المشتري يعلم أن الرقم والثمن سواء فإنه يكون خيانة وله الخيار، كذا في المحيط. وأشار بعدم الحط في التولية إلى أن المشتري إذا وجد بالمبيع عيبا ثم حدث به عيب عنده لا يرجع بنقصان العيب لانه لو رجع يصير الثمن الثاني أنقص من الاول، وقضية التولية أن يكون مثل الاول وهذا مستثنى من قولهم في خيار العيب، وبقوله رده إلى اشتراط قيام المبيع بحاله فلو هلك قبل رده أو حدث به ما ينمع الرد لزمه بجميع المسمى وسقط خياره عند أبي حنيفة، وهو المشهور من قول محمد لانه مجرد خيار فلار يقابله شئ من الثمن كخيار الرؤية والشرط بخلاف خيار العيب لان المستحق فيه المشتري الجزء الفائت وظاهر كلامهم أن خيار ظهور الخيانة لا يورث فإذا مات المشترى فأطلع الوارث على خيانة بالطريق السابق فلا خيار له. وأطلق الحط في التولية فشمل حالة هلاك المبيع وامتناع رده لانه لا خيار له وإنما يلزمه الثمن الاول. وفي المحيط: وإن ضم إلى الثمن ما لا يجوز ضمه ثم علم به المشتري فله الخيار اه. قوله: (ومن اشترى ثوبا فباعه بربح ثم اشتراه فإن باعه بربح طرح عنه كل ربح قبله وإن أحاط بثمنه لم يرابح) وهذا عند أبي حنيفة. وقالا: يبيعه مرابحة على الثمن الاخير وصورته إذا اشترى ثوبا بعشرة وباعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة فإنه يبيعه مرابحة بخمسة ويقول قام علي بخمسة، ولو اشتراه بعشرة وباعه بعشرين مرابحة ثم اشتراه بعشرة لا يبيعه مرابحة أصلا. وعندهما يرابح على عشرة في الفصلين. لهما أن العقد الثاني عقد متجدد
منقطع الاحكام عن الاول فيجوز بناء المرابحة عليه كما إذا تخلل ثالث. ولابي حنيفة أن شبهة
[ 185 ]
حصول الربح بالعقد الثاني ثابتة لانه يتأكد به ما كان على شرف السقوط بالظهور على عيب والشبهة كالحقيقة في بيع المرابحة احتياطا ولهذا لم تجز المرابحة فيما أخذ بالصلح لسبهة الحطيطة فيصير كأنه اشترى خمسة وثوبا بعشرة فيطرح خمسة بخلاف ما إذا تخلل ثالث. وفي المحيط: ما قاله أبو حنيفة أوثق وما قالاه أرفق اه. ومحل الاختلاف عند عدم البيان، أما إذا بين فقال كنت بعته فربحت فيه كذا ثم اشتريته بكذا وأنا أبيعه الآن بكذا بربح كذا جاز اتفاقا، كذا في فتح القدير. وقيل بالشراء لانه لو وهب له ثوب فباعه بعشرة ثم اشتراه بعشرة فإنه يرابح على العشرة وإن كان يتأكد به انقطاع حق الواهب في الرجوع لكنه ليس بمال، ولا تثبت هذه الوكادة إلا في عقد يجري فيه الربا، كذا في فتح القدير. وقيدنا بيعه بجنس الثمن الاول لانه لو باعه بوصيف أو دابة أو عرض آخر ثم اشتراه بعشرة فإنه يبيعه مرابحة على عشرة لانه عاد إليه بما ليس من جنس الثمن الاول ولا بمكن طرحه إلا باعتبار القيمة وتعيينها لا تخلو عن شبهة الغلط، كذا في فتح القدير. وقيد بقوله لم يرابح لانه يصح مساومة لان منع المرابحة إنما هي للشبهة في حق العباد لا في حق الشرع وتمامه في البناية. وقيد بالربح في البيع لانه لو اجر المبيع وأخذ أجرته من غير نقص دخل فيه فله البيع مرابحة من غير بيان لان الاجرة ليست من نفس المبيع ولا من أحزائه فلم يكن حابسا لي منه، وكذا لو وطئ الجارية الثيب، كذا في السراج الوهاج. وقوله ثوبا مثال ولو قال شيأ لكان أولى لان المثلي والقيمي سواء هنا. ثم اعلم أن ظاهر دليل الامام يقتضي أنه لا يجيز أن يشتري بالثمن الاخير سواء باعه مرابحة أو تولية، والمتون كلها مقيدة بالمرابحة وظاهرها جواز التولية على الاخير، والظاهر الاول كما لا يخفي. وقيدذ بالربح لان بائعه لو حط عنه شيأ فإن كان بعض الثمن طرحه كالربح، وإن كان كل الثمن باعه مرابحة على ما اشترى لالتحاق حط البعض بالعقد دون حط الكل لئلا يكون بيعا بلا ثمن فصار تمليكا مبتدأ كالهبة، كذا في
المحيط وسيأتي أن الزيادة تلتحق فيرابح على الاصل والزيادة. وفي المحيط: اشترى شيأ ثم خرج عن ملكه ثم عاد إن عاد قديم ملكه كالرجوع في الهبة أو بخيار رؤية أو شرط أو عيب أو إقالة أو في البيع الفاسد يبيع مرابحة بما اشترى لان بهذه الاسباب ينفسخ العقد من الاصل وصار كأنه لم يكن، وإن عاد بسبب آخر نحو الارث والهبة لا يبيع مرابحة لانه عاد إليه بسبب جديد، وهذا السبب لا يطلق له بى المرابحة بخلاف ما لو رد عليه بغير قضال فإنه
[ 186 ]
يعتبر بيعا جديدا في حق الثالث فكأنه اشترى ثانيا بعشرة بعد أن باعه بعشرة وهذا يطلق له المرابحة اه. قوله: (ولو اشترى مأذون مديون ثوبا بعشرة وباعه من سيده بخمسة عشر يبيعه مرابحة على عشرة وكذا العكس) وهو ما إذا كان المولى اشتراه فباعه من العبد لان في هذا ما العقد شبهة العدم لجوازه مع المنافي فاعتبر عدما في حكم المرابحة وبقي الاعتبار للاول فيصير كأن العبد اشتراه للمولى بعشرة في الفصل الاول وكأنه يبيعه للمولى في الفصل الثاني فيعتبر الثمن الاول، وتقييده بالمديون اتفاقي ليعلم حكم غيره بالاولى لوجود ملك المولى في أكسابه جميعا، والمكاتب كالمأذون لوجود التهمة بل كل من لا تقبل شهادته له كالاصول والفروع وأحد الزوجين وأحد المتفاوضين كذلك كما قدمناه، وخالفاه فيما عد العبد والمكاتب. وفي فتح القدير: لو اشترى من شريكه سلعة إن كانت ليست من شركتهما يرابح على ما اشترى ولا يبين، وإن كانت من شركتهما فإنما يبيع نصيب شريكه على ضمانه في الشراء الثاني، ونصيب نفسه على ضمانه في الشراء الاول لجواز أن تكون السلعة اشتريت بألف من شركتهما فاشتراها أحدهما من صاحبه بألف ومائتين فإنه يبيعها مرابحة على ألف ومائة لان نصيب شريكه من الثمن ستمائة ونصيب نفسه من الثمن الاول خمس مائة فيبيعها على ذلك اه. ولو قال المصنف إلا أن يبين لكان أولى لانه لو بين ورابح على الاول جاز كما في البناية قوله: (ولو كان مضاربا بالنصف يبيعه رب المال بإثنى عشر ونصف) لان هذا البيع وإن قضى
بجوازه عندنا عند عدم الربح خلافا لزفر مع أنه يشتري ماله بماله لما فيه من استفادة ولاية التصرف وهو مقصود والانعقاد يتبع الفائدة ففيه شبهة العدم ألا ترى أنه وكيل عنه في البيع الاول من وجه فاعتبر البيع الثاني عدما في حق نصف الربح. ولم يذكر المصنف والشارح ما إذا كان البائع رب المال والمشتري المضارب وقد سوى بينهما في السراج والوهاج فقال: ولو اشترى من مضاربه أو مضاربه منه فإنه يبيعه مرابحة على أقل الضمانين وحصة المضارب من الربح لكن لو قال وحصة الآخر لكان أولى ليشمل رب المال ولكن قال بعده لو اشترى من رب المال سلعة بألف تساوي ألفا وخمسمائة فباعها من المضارب بألف وخمسمائة فإن المضارب يبيعها مرابحة على ألف ومائتين وخمسين إلا أن يبين اه. وذكر المصنف في كتاب المضاربة تبعا
[ 187 ]
لما في الهداية وإن اشترى من المالك بألف عبدا اشتراه بنصفه رابح بنصفه. وعلله في الهداية من المضاربة بأن هذا البيع يقضي بجواز لتغاير المقاصد دفعا للحاجة وإن كان بيع ملكه بملكه إلا أن فيه شبهة العدم ومبنى المرابحة على الامانة والاحتراز عن شبهة الخيانة فاعتبر أقل الثمنين اه. وهذا لا يخالف مسألة الكتاب هنا لانها فيما إذا كان البائع المضارب من رب المال، وفي المضاربة فيما إذا كان رب المال هو البائع من المضارب ولكن يحتاج إلى الفرق وكأنه إنما لم يضم المضارب نصيب رب المال لما في البناية أن العقدين وقعا لرب المال ولم يقع للمضارب منه إلا قدر مائة فوجب اعتبار هذه المائة، وفيما يقع لرب المال لم يعتبر الربح لاحتمال بطلان العقد الثاني اه. ومن العجب قول الشارح الزيلعي في المضاربة في شرح قوله وإن اشترى من المالك إلى آخره ولو كان بالعكس بأن اشترى المضارب عبدا بخمسمائة فباعه من رب المال بألف يبيعه مرابحة على خمسمائة لان البيع الجاري بينهما كالمعدوم فتبنى المرابح على ما اشتراه به المضارب كأنه اشتراه له وناوله إياه من غير بيع اه. وهو سهو لمخالفته الرواية في باب المرابحة وكتاب المضاربة. وقد صرح في الهداية في الموضعين بضم حصة المضارب إلى رأس المال وهو تناقض منه أيضا لموافقته على ذلك وتصريحه بالضم في
بابها ولم أر له سلفا ولا من نبه على ذلك في الموضعين وقد كنت قديما في ابتداء اشتغالي حملت كلام الزيلعي في المضاربة على أنه اشترى ببعض رأس المال وكلامهم في باب المرابحة على أما إذا اشترى المضارب بالجميع لتصريحه في المبسوط بأن الربح لا يظهر إلا بعد تحصيل
[ 188 ]
رأس المال اه. فإذا كان رأس المال ألفا واشترى بنصفها عبدا وباعه بألف لم يظهر الربح لعدم الزيادة على رأس المال لاحتمال هلاك الخمسمائة الباقية فإذا لم يظهر الربح فلا شئ للمضار ب حتى يضم، وأما إذا اشترى بالالف وباعه بألف وخمسمائة فقط ظهر الربح فتضم حصة المضارب إلى المال، وهذا التقرير إن شاء الله تعالى من خواص هذا الشرح بحوله وقوته. قوله: (ويرابح بلا بيان بالتعيب ووطئ الثيب) لانه لم يحبس عنده شئبمقابلة الثمن لان الاوصاف تابعة لا يقابلها الثمن ولهذا لو فاتت قبل التسليم لا يسقط شئ من الثمن،
[ 189 ]
وكذا منافع البضع لا يقابلها الثمن. وأطلق في قوله بلا بيان ومراده بلا بيان أنه اشتراه سليما فتعيب عنده، أما بيان نفس العيب القائم به فلا بد منه لئلا يكون غاشا له للحديث الصحيح من غش فليس منا وفي الخلاصة قبيل الصرف: رجل أراد أن يبيع سلعة معيبة وهو يعلم يجب أن يبينها ولو لم يبين قال بعض مشايخنا: يصير فاسقا مردود الشهادة. قال الصدر الشهيد: ولا نأخذ به اه. وأطلق في وطئ الثيب ومراده ما إذا لم ينقصها الوطئ، أما إذا نقصها فهو كوطئ البكر. والتعيب مصدر تعيب أي صار معيبا بلا صنع أحد بآفة سماوية ويحلق به ما إذا كان بصنع المبيع. وشمل ما إذا كان نقصان العيب يسيرا أو كثيرا. وعن محمد إنه إن نقصه قدرا لا يتغابن الناس فيه لا يبيعه مرابحة بلا بيان. ودل كلامه أنه لو نقص بتغير السعر بأمر الله تعالى لا يجب عليه أن يبين بالاولى أنه اشتراه في حال غلائه، وكذا لو اصفر الثوب أو احمر لطول مكثه أو توسخ. وأورد على قولهم الفائت وصف لا يقابله بشئ
من الثمن ما إذا اشتراه بأجل فإن الاجل وصف ومع ذلك لا يجوز بيعه مرابحة بلا بيان. وأجيب بإعطاء الاجل جزاء من الثمن عادة فكان كالجزء. وأورد على قولهم منافع البضع لا يقابلها شئ من الثمن ما إذا اشترى جارية فوطئها ثم وجد بها عيبا امتنع ردها وإن كانت ثيبا وقت الشراء لاحتباسه جزأ من المبيع عنده. وأجيب إن عدم الرد إنما هو لمانع وهو أنه أذا رها فلا يخلژا ما مع العقر احترازا عن الوطأ مجابا أم من غير عقر لا وجه إلى الاول لعود الجارية مع زيادة والزيادة تمنع الفسخ، ولا إلى الثاني لسلامة الوطئ له بلا عوض وهو لا يجوز فأورد الواهب إذا رجع في هبته بعد وطئ الموهوب له حيث يصح ولا شئ على الواطئ لسلامتها كلها بلا عوض له فالوطئ أولى بخلاف البيع.
[ 190 ]
قوله: (وبيان بالتعيب ووطئ البكر) أي يرابح مع البيان إذا عيبه المشتري أو غيره لانها صارت مقصودة بالاتلاف فيقابلها شئ من الثمن، وكذا إذا وطئها وهي بكر لان لعذرة جزء من العين فيقابلها شئ من الثمن وقد حبسها. وشمل ما إذا تكسر الثوب بنشره وطيه، ودخل تحت الاول ما إذا أصاب الثوب قرض فأر أو حرق نار. والقرض بالقاف والفاء والتعيب مصدر عيبه إذا أحدث فيه عيبا. وأطلقنا في تعييب غير المشتري فشمل ما إذا أخذ المشتري الارض أو لا.، وما إذا كان بأمر المشتري أو بغير أمره، وما وقع في الهداية من التقييد بقوله وأخذ المشتري أرشه اتفاقي للوجوب كما في فتح القدير. ثم اعلم أن زفر قال: لا يرابح إلا بالبيان في المسألتين. واختار الفقيه أبو الليث فقال: وقولزفر أجود وبه نأخذ. ورجحه في فتح القدير. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى بالمسألة الاولى إلى أنه إذا وجد بالمبيع عيبا فرضي به كان له أن يبيعه مرابحة على الثمن الذي اشتراه به لان الثابت له خيار، فإسقاطه لا يمنع من البيع مرابحة كما لو كان فيه خيار شرط أو رؤية، وكذا لو اشتراه مرابحة فاطلع على خيانة فرضي به كان له أن يبيعه مرابحة على ما أخذه به لما ذكرنا أن الثابت له مجرد خيار، كذا في فتح القدير قوله: (ولو اشترى بألف نسيئة وباع بربح مائة ولم يبين
خير المشتري) لان للاجل شبها بالمبيع ألا ترى أنه يزاد في الثمن لاجل الاجل والشبهة في هذا ملحقة بالحقيقة فصار كأنه اشترى شيئين وباع أحدهما مرابحة بثمنهما والاقدام على المرابحة يوجب السلامة عن مثل هذه الخيانة، فإذا ظهرتيخير كما في العيب. والحاصل أن عدم بيان أصل الاجل خيانة، وكذا بيان بعضه وإخفاء البعض، ولو فرع على قول الثاني ينبغي أن يحط من الثمن ما يعرف أن مثله في هذا يزاد لاجل الاجل. قيد بكون الاجل مشروطا وقت العقد لانه لو لم يكن مشروط ولكنه معتاد التنجيم فقيل لا بد من بيانه لان المعروف كالمشروط، وقيل لا لان الثمن حال بالعقد كما لو باعه حالا ومطله إلى شهر فإنه
[ 191 ]
يرابح بالثمن، وينبغي ترجيح الاول لانها مبنية على الامانة والاحتراز عن شبهة الخيانة، وعلى كل من القولين لو لم يكن مشروطا ولا معروفا وإنما أجله بعد العقد لا يلزمه بيانه. وفي الخانية: رجل عليه ألف درهم من ثمن مبيع طالبه الطالب فقال ليس عندي شئ فقال له الطالب اذهب واعطني كل شهر عشرة لم يكن تأجيلا وكان له أن يأخذه بجميع المال حالا اه قوله: (فإن أتلف فعلم لزم بألف درهم ومائة) أي إن أتلفه المشتري حالا ثم علم بالاجل لزمه بكل الثمن حالا لان الاجل لا يقابله شئ من الثمن، كذا في الهداية. وأورد عليه أنه تناقض لانه قال عند قيام المبيع أن الثمن يزداد بالاجل وعند هلاكه قال إنه لا يقابله شئ. وجوابه أن الاجل في نفسه ليس بمال فلا يقابله شئ حقيقة إذا لم يشترط زيادة الثمن بمقابلته قصدا ويزاد في الثمن لاجله إذا ذكر الاجل بمقابلة زيادة الثمن قصدا فاعنبر مالا في المرابحة احترازا عن شبهة الخيانة وليعتبر مالا في حق الرجوع عملا بالحقيقة. والمراد بالاتلاف هلاك المبيع إما بآفة سماوية أو باستهلاك المشتري، ولو عبر بالتلف لكان أولى ليفهم الاتلاف بالاولى قوله: (وكذا التولية) أي هن مثل المرابحة فيما ذكرناه من الخيار عند قيام المبيع، وعدم الرجوع حال هلاكه لابتنائهما على الثمن الاول وينبغي أن يعود قوله وكذا التولية إلى جميع ما ذكره للمرابحة فلا بد من البيان في التولية أيضا في التعييب ووطئ البكر وبدونه
في التعيب ووطئ الثيب. وعن أبي يوسف أنه يرد القيمة ويسترد كل الثمن وهو نظير ما إذا استوفي الزيوف مكان الجياد وعلم بعد الانفاق. وقيل: يقوم بثمن حال ومؤجل فيرجع بفضل ما بينهما، كذا في الهداية. وقال الفقيه أبو جعفر: المختار للفتوى الرجوع بفضل ما بينهما قوله: (ولو ولى رجلا شيأ بما قام عليه ولم يعلم المشتري بكم قام عليه فسد) أي البيع لجهالة الثمن وكذا لو ولاه بما اشتراه والمرابحة فيهما كالتولية. قوله: (ولو علم في المجلس خير) أي بين أخذه وتركه لان الفساد لم يتقرر فإذا حصل العلم في المجلس جعل كابتداء العقد وصار كتأخير القبول إلى آخر المجلس. قيد بالمجلس لانه بعد الافتراق عنه يتقرر الفساد فلا يقبل الاصلاح، ونظيره بيع الشئ برقمه إذا علم في المجلس وإنما يتخير لان الرضا لم يتم قبله لعدم لعلم فيتخير كما في خيار الرؤية. وظاهر كلام المصنف وغيره أن هذا العقد ينعقد فاسدا بعرضية الصحة وهو الصحيح خلافا للمروي عن محمد أنه صحيح له عرضية الفساد، كذا في فتح القدير. وينبغي أن تظهر ثمرة الاختلاف في حرمة مباشرته فعل الصحيح يحرم وعلى الضعيف لا والله سبحانه وتعالى أعلم. وقد ذكر الشارح هنا خيار الغبن فنتتبعه فأقول: معنى الغبن في اللغة قال في الصحاح: غبنه
[ 192 ]
في البيع والشراء غبنا من باب ضرب مثل غبنه فانغبن وغبنه أي نقصه، وغبن بالبناء للمفعول فهو مغبون أي منقوص في الثمن أو غيرو الغبينة اسم منه اه. وفي القنية: من اشترى شيأ وغبن فيه غبنا فاحشا فله أن يرده على البائع بحكم الغبن وفيه روايتان، ويفتى بالرد رفقا بالناس. ثم رقم لآخر: وقع البيع بغبن فاحش ذكر الجصاص وهو أبو بكر الرازي في واقعاته أن للمشتري أن يرد وللبائع أن يسترد، وهو اختيار أبي بكر الزرنجري والقاضي الجلال، وأكثر روايات كتاب المضاربة الرد بالغبن الفاحش وبه يفتى. ثم رقم لآخر: ليس له الرد والاسترداد وهو جواب ظاهر الرواية وبه أفتى بعضهم. ثم رقم لآخر: إن عر المشتري البائع فله أن يسترد، وكذا إن غر البائع المشتري له أن يرد، ثم رقم لآخر: قال البائع
للمشتري قيمته كذا فاشتراه ثم ظهر أنها أقل فله الرد وإن لم يقل فلا، وبه أفتى صدر الاسلام. ثم رقم لآخر: ولو لم يغره البائع ولكن غره الدلال فله الرد، ولو اشترى فيلق إلا بريسم خارج البلد ممن لم يكن عالما بسعر البلد بغبن فاحش فللبائع أن يرجع على المشتري بالفيلق مثله في حق المشتري. قال لغزال لا معرفة لي بالغزل فأتني بغزل اشتريه فأتى رجل بغزل لهذا الغزال ولم يعلبه المشتري فجعل نفسه دلالا بينهما واشترى ذلك الغزل له بأزيد من ثمن المثل وصرف المشتري بعضه إلى حاجته، ثم علم بالغبن وبما صنع فله أن يرد الباقي بحصته من الثمن. قال رضي الله تعالى عنه: والصواب أن يرد الباقي ومثل ما صرف إلى حاجته وليسترد جميع الثمن كمن اشترى بيتا مملوأ من بر فإذا فيه دكان عظيم فله الرد وأخذ جميع الثمن قبل إنفاق شئ من عينه وبعده يرد الباقي ومثل ما أنفق ويسترد الثمن، كذا ذكره أبو يوسف ومحمد اه. فقد تحرر أن المذهب عدم الرد بغبن فاحش ولكن بعض مشايخنا أفتى بالرد به. وفي خزانة الفتاوي: خدع بغبن فاحش فالمذهب ليس له الرد، وقال أبو بكر الزرنجري: يفتى بالرد اه. وبعضهم أفتى به ان غره الآخر، وبعضهم أفتى بظاهر الرواية من
[ 193 ]
عدم الرد مطلقا. وفي الصيرفية: اختار عماد الدين الرد بالغبن الفاحش إذا لم يعلم به المشتري. وكذا في واقعات الجصاص وعليه أكثر روايات المضاربة وبه يفتى، واختاره النسفي وأبو اليسر البزدوي. وقال الامام جمال الدين جدي: إن غره فله الرد وإلا فلا. والصحيح أن ما يدخل تحت تقويم المقومين فيسير وما لا ففاحش اه. وكما يكون المشتري مغبونا مغرورا يكون البائع كذلك كما في فتاوي قارئ الهداية. فصل في بيان التصرف في المبيع والثمن قبل قبضه والزيادة والحط فيهما وتأجيل الديون قوله: (صح بيع العقار قبل قبضه) أي عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا يجوز لاطلاق الحديث وهو النهي عن بيع ما لم يقبض، وقياسا على المنقول وعلى الاجارة. ولهما
أن ركن البيع صدر من أهله في محله ولا غرر فيه لان الهلاك في العقار نادر بخلاف المنقول، والغرر المنهي غرر انفساخ العقد والحديث معلول به عملا بدلائل الجواز والاجارة، قيل على هذا الاختلاف. ولو سلم فالمعقود عليه في الاجارة المنافع وهلاكها غير نادر وهو الصحيح، كذا في الفوائد الظهيرية. وعليه الفتوى كذا في الكافي، وفي الخانية: لو اشترى أرضا فيها زرع بقل ودفعها إلى البائع معاملة بالنصف قبل القبض لا يجوز لانه آجر الارض، فإن دفع الارض معاملة يكون استئجار للعامل ولا يكون إجارة، وإنما لا يجوز لكونه باع نصف الزرع قبل القبض. أطلقه وهو مقيد بما إذا كان لا يخشى إهلاكه، أما في موضع لا يؤمن عليه ذلك فلا يجز بيعه كالمنقول، ذكره المحبوبي. وفي الاختيار: حتى لو كان على شط البحر أو كان المبيع علو ألا يجوز بيعه فبل القبض وفي البناية إذا كان في موضع لا يأمن أن يصير بحرا أو تغلب عليه الرمال لم يجز. وإنما عبر بالصحة دون النفاذ أو اللزوم
[ 194 ]
لان النفاذ واللزوم موقوفان على نقد الثمن أو رضا البائع وإلا فللبائع إبطاله، وكذا كل تصرف يقبل النقض إذا فعله المشتري قبل القبض أو بعده بغير إذن البائع فللبائع إبطاله بخلاف ما لا يقبل النقض كالعتق والتدبير والاستيلاد كما قدمناه. قيد بالبيع لانه لو اشترى عقارا فوهبه قبل القبض من غير البائع يجوز عند الكل، كذا في الخانية. قوله: (لا بيع المنقول) أي لا يصح لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض ولان فيه غرر انفساخ العقد على اعتبار الهلاك. قيد بالبيع لان هبته والتصدق به وإقراضه من غير البائع جائز عند محمد وهو الاصح خلافا لابي يوسف وإما كتابة العبد المبيع قبل القبض موقوفة وللبائع حبسه بالثمن وإن نقده نفذت، كذا ذكر الشارح ولا خصوصية لها بل كل عقد يقبل النقض فهو موقوف كما قدمناه. وأما تزويج الجارية المبيعة قبل قبضها فجائز لان الغرر لا يمنع جوازه بدليل صحة تزويج الآبقى. وأما الوصية به قبل القبض فصحيحة اتفاقا لانها أخت الميراث، ولو زوجها قبل القبض ثم فسخ البيع انفسخ النكاح على قولابي يوسف وهو
المختار كما في الولوالجية. وأطلق البيع فشمل الاجارة لانها بيع المنافع والصلح لانه بيع قالوا: ما لا يجوز بيعه قبل القبض لا تجوز إجارته، ولا يجوز بيع الاجرة العين قبل القبض لانها بمنزلة المبيع. وأراد بالمنقول المبيع المنقول فجاز بيع غيره كالمهر وبدل الخلغ والعتق على مال وبدل الصلح على دم العمد، والاصل كما في الايضاح أن كل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل قبضه فالتصرف فيه غير جائز وما لا فجائز. وأطلق في منع البيع فشمل ما إذا باعه من بائعه قبل القبض لم يصح ولا ينتقض البيع الاول بخلاف ما إذا وهبه منه وقبلها فإنه ينتقض لان الهبة مجاز عن الاقالة بخلاف البيع. وفي الخانية: اشترى عبدا وقبضه ثم تقايلا البيع ولم يتقابضا حتى اشتراه من البائع جاز شراؤه ولو باعه البائع بعد الاقالة من غير المشتري لا يجوز بيعه اه. وهذا كله في تصرف المشتري في المبيع قبل قبضه، فإن تصرف فيه البائع قبل قبضه فهو على وجهين: إما أن يكون بأمر المشتري أو بغير أمره. فإن كان الاول ذكر في الخانية: رجل اشترى عبدا ولم يقبضه فأمره أن يهبه من فلان ففعل البائع ذلك ودفعه إلى الموهوب له جازت الهبة وصار المشتري قابضا، وكذا لو أمر البائع أن يؤاجره فلانا معينا أو غير معين ففعل جاز وصار المستأجر قابضا للمشتري أولا ثم يصير قابضا لنفسه، والاجر الذي يأخذه البائع من المستأجر بحسبه من الثمن إن كانه من جنسه، وكذا لو أعار العبد البائع
[ 195 ]
من رجل قبل التسليم إلى المشتري أو وهب أو رهن فأجاز المشتري ذلك جاز ويصير قابضا اه. ثم قال: اشترى ثوبا ولم يقبضه ولم ينقد الثمن ثم قال للبائع لا أئتمنك عليه ادفعه إلى فلان يكون عنده حتى أدفع إليك الثمن فدفعه البائع إلى فلان فهلك من يده كان الهلاك على البائع لان المدفوع إليه يمسكه للثمن لاجل البائع فتكون يده كيد البائع، ولو أمر المشتري البائع بوطئ الجارية أو بأكل الطعا ففعل كان فسخا للبيع لان لار يصلح نائبا عن المشتري في ذلك فكان مجازا عن الفسخ ليكون واطئا وآكلا مال نفسه. وأما الآمر بالبيع فعلى ثلاثة
أوجه: إن قال البائع بعه لنفسك فباعه كان فسخا، وإن قال بعه لي لا يجوز البيع ولا يكون فسخا، ولو قال بعه أو بعه ممن شئت فباعه كان فسخا وجاز البيع الثاني للمأمور في قول محمد. وقال أبوحنية: لا يكون فسخا وهو كقوله بعه لي. ولو اشترى ثوبا أو حنطة فقال لبائع بعه قال الشيخ الامام أو بكر محمد بن الفضل: إن كان ذلك قبل قبض المشتري وقبل الرؤية يكون فسخا، وإن لم يقل البائع نعم لان المشتري ينفرد بالفسخ في خيار الرؤية. وإن قال بعه لي أي كن وكيلا في الفسخ فما لم يقبل البائع ولم يقل نعم لا يكون فسخا، وإن كان ذلك بعد القبض والرؤية لا يكون فسخا ويكون وكيلا بالبيع سواء قال بعه أو بعه لي اه. وأما إذا كان بغير أمره ولم يلحقه إجازة فذكر في الخانية: رجل اشترى عبدا بألف ولم يقبضه حتى رهنه البائع أو آجره أو أودعه فمات انفسخ البيع ولا يضمن المشتري أحدا من هؤلاء لانه إن ضمنهم رجعوا على البائع، ولو أعاده أو وهبه فمات عند المستعير أو الموهوب له أو أودعه فاستعمله المودع فمات من ذلك كان للمشتري الخيار إن شاء أمضى البيع وضمن المستعير والمودع والموهوب له وإن شاء فسخ البيع لانه لو ضمن هؤلاء ليس للضامن أن يرجع على البائع. ولو باعه البائع فمات عند المشتري الثاني من عمله أو من غير عمله المشتري الاول بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء ضمن المشتري الثاني ثم يرجع المشتري الثاني على البائع بالثمن إن كان نقده الثمن وإلا لم يرجع. ولو أمر البائع رجلا فقتله كان للمشتري أن يضمن القاتل قيمته لانه ءذا ضمن لم يرجع على البائع، وإن أمر البائع رجلا بذبح الشاة فذبحها إن كان الذابح يعلم بالبيع فللمشتري تضمينه ولا رجوع له اه. قوله: (ولو اشترى مكيلا كيلا حرم بيعه وأكله حتى يكيله) أي حتى يعيد كيله لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان صاع البائع وصاع المشتري، ولانه يحتمل أن
[ 196 ]
يزيد على المشروط وذلك للبائع والتصرف في مال الغير حرام فيجب التحرز عنه. قيد بقوله كيلا أي بشرط الكيل لانه لو اشتراه مجازفة لا يحرم البيع والاكل قبل الكيل لان الكل له.
ولم يذكر المؤلف فساد البيع ونص في الجامع الصغير على فساده لان سبب النهي أمر راجع إلى المبيع ولكن النص إنما هو في البيع فألحقوا به منع الاكل قبل الكيل وكل تصرف يبنى على الملك كالهبة والوصية، وألحقوا بالمكيل الموزون. وفي فتح القدير: وينبغي إلحاق المعدود الذي لا يتفاوت كالجوز والبيض إذا اشترى بالعدد وبه قال أبو حنيفة في أظهر الروايتين عنه فأفسد البيع قبل العد اه. ولا يلزم من حرمة أكله قبل الاعادة كون الطعام حراما فقد نص في الجامع الصغير أنه لو أكله وقدذ قبضه بلاكيل لا يقال إنه أكل حراما لانه أكل ملك نفسه إلا أنه يأثم لتركه ما أمر به من الكيل فكان هذا الكلام أصلا في سائر المبيعات بيعا فاسدا إذا قبضها فملكها فأكلها، وتقدم أنه لا يحل أكل ما اشتراه فاسدا وهذا يبين أن ليس كل ما لا يحل أكله إذا أكله أن يقال فيه أكل حراما، كذا في فتح القدير. وقد ليس يقال هذا كأكل المبيع بيعا فاسدا فلتعلق حق البائع بجميع المبيع ووجوب فسخه، وأما هنا فلا يملك البائع الفسخ ولم يتعلق حق البائع إلا بالزيادة الموهومة فيمكن أن يقال في المبيع فاسدا أكل حراما، ولكن رأيت في الخلاصة في الايمان من الثاني عشر في الاكل قال وفي فوائد شمس الائمة الحلواني: لو أكل من الكرم الذي دفع معاملة وهو قدحلف لا يأكل حراما لا يحنث، أما عندهما لا يشكل، وعند أبي حنيفة كذلك لان ذلك عقد فاسد عنده فقد أكل ملك نفسه اه. فالحق ما في فتح القدير وإنما ذكر المؤلف كيل المشتري وحده دون كيل البائع مع أن الحديث اشتراط الصاعين لان صاع البائع ليس بلازم لكل بيع لان البائع إذا ملكه بالارث أو المزارعة أو كان شراؤه مجازفة أو استقرض حنطة على أنها كر ثم باعها فالحاجة إلى كيل المشتري وإن كان الاستقراض تمليكا بعوض كالشراء لكنه شراء صورة عارية حكما لان ما يرده عين المقبوض حكما ولهذا لم يجب قبض بذله في مال الصرف فكان تمليكا بلا عوض حكما. ولو
[ 197 ]
اشترى مكايلة ثم باع مجازفة قبل الكيل وبعد القبض في ظاهر الرواية لا يجوز لاحتمال اختلاط ملك البائع بملك بائعه. وفي نوادر ابن سماعة: يجوز وإنما يحتاج إلى كيل البائع إذا
كان البائع اشتراه مكايلة. وظاهر كلام المصنف يدل على أن كيل البائع لا يكفي عن كيل المشتري وهو محمول على ماذا كاله البائع قبل البيع مطلقا أو بعده في غيبة المشتري، أما إذا كاله في حضرته فإنه يغني عن كيله وهو الصحيح لان المبيع صار معلوما بكيل واحد وتحقق معنى التسليم، ومجمل الحديث اجتماع الصفقتين على ما تبين في السلم إن شاء الله تعالى، كذا في الهداية. ومن هنا ينشأ فرع وهو ما لوكيل طعام بحضرة رجل ثم اشتراه في المجلس ثم باعه مكايلة قبل أن يكتاله بعد شرائه لا يجوز هذا البيع، سواء اكتاله للمشتري منه أو لا، لانه لما لم يكتل بعد شرائه هو لم يكن قابضا فبيعه بيع ما لم يقبض، كذا في فتح القدير قوله: (ومثله الموزون والمعدود) أي مثل المكيل شراء الموزون وزنا والمعدود عددا فلا يجوز البيع والاكل حتى يعيد الوزن والعد وهو مقيد بغير الدراهعم والدنانير أما هما فيجوز التصرف فيهما بعد القبض قبل الوزن، كذا في الايضاح. وقيد بالمبيع لما في المحيط: لو كان المكيل أو الموزون ثمنا يجوز التصرف فيه قبل الكيل والوزن لانه إذا جاز قبل القبض فقبل الكيل أولى. وهذا كله في غير بيع التعاطي، أما هو فقال في القنية: ولا يحتاج في بيع التعاطي في الموزونات إلى وزن المشتري ثانيا لانه صار بيعا بالقبض بعد الوزن اه. وفي الخلاصة: وعليه الفتوى. قوله: (لا المذروع) أي لا يحرم بيعه والتصرف فيه قبل إعادة الذرع بعد القبض وإن كان اشتراه بشرط الذرع لانه الزيادة له إذ الذرع وصف في الثوب واحتمال النقص إنما يوجب خياره وقد أسقطه ببيعه بخلاف القدر، وظاهر كلامهم أنه لو أفرد لكل ذراع ثمنا صار كالموزون وقد صرح به العيني في شرح الكنز قوله: (وصح التصرف في الثمن قبل قبضه) لقيام المطلق وهو الملك وليس فيه غرر الانفساخ بالهلاك لعدم تعينها بالتعيين بخلاف المبيع، كذا في الهداية. وظاهره أنه مخصوص بما لا يتعبن والحكم أعم منه ولذا قال في فتح القدير: سواء كان مما يتعين أو لا سوى بدل الصرف والسلم لان للمقبوض حكم عين المبيع
[ 198 ]
في السلم والاستبدال بالمبيع قبل القبض لا يجوز، وكذا في الصرف وأيده السمع إلى آخره. وأطلق التصرف قبل قبضه لقيام المطلق فشمل البيع والهبة والاجارة والوصية وتمليكه ممن عليه بعوض وغير عوض إلا تمليكه من غير من هو عليه فإنه لا يجوز. وأشار المؤلف بالثمن إلى كل دين فيجوز التصرف في الديون كلها قبل قبضها ما المهر والاجارة وضمان المتلفات سوى الصرف والسلم ما قدمناه، وأما التصرف في الموروث والموصى به قبل القبض فقدمنا جوازه قوله: (والزيادة فيه) أي صحت الزيداة في الثمن قوله: (والحط منه) أي من الثمن ويلتحقان بأصل العقد عندنا، وعند زفر يلتحقان وإنما يصحان على اعتبار ابتداء الصلة لانه لا يمكن تصحيح الزيادة ثمنا لانه يصير ملكه عوض ملكه فلا يلتحق بأصل العقد، وكذا الحط لان كل الثمن صار مقابلا بكل المبيع فلا يمكن اخراجه فصار برا مبتدأ. ولنا أنهما بالحط والزيادة يغيران العقد من وصف مشروع إلى وصف مشروع وهو كونه رابحا أو خاسرا أو عدلا. ولهما ولاية الرفع فأولى أن يكون لهما ولاية لتغيير فصار كما إذا اسقطا الخيار أو شرطاه بعد العقد، وإذا صح ليلتحق بالعقد لان وصف الشئ يقوم به لا بنفسه بخلاف حط الكل لانه تبديل لاصله لا تغيير لوصفه ولذا قيد بقوله منه لاخراج حط الكل، وفائدة الالتحاق تظهر في مسائل: الاولى التولية. الثانية المرابحة فيجوز على الكل في الزيادة وعلى الباقي بعد المحطوط. الثالثة الشفعة حتى يأخذ الشفيع بما بقي في الحط، وإنما كان له أن يأخذ بدون الزيادة لما فيها من إبطال حقه الثابت فلا يملكانه. الرابعة في الاستحقاق حتى يتعلق الاستحقاق بالجميع فيرجع المشتري على البائع بالكل ولو أجاز المستحق البيع أخذ الكل. الخامسة في حبس المبيع فله حبسه حتى يقبض الزيادة. السادسة
[ 199 ]
في فساد الصرف بالحط أو الزيادة للربا كأنهما عقداه متفاضلا ابتداء. ومنع أبو يوسف صحة الزيادة فيه والحط ولم يبطل البيع، ووافقه محمد في الزيادة وجوز الحط على أنه هبة مبتدأة، كذا في الخلاصة. ولم يذكر المصنف شرط صحة الزيادة في الثمن وشرط لها في الهداية بقاء
المبيع فلا يصح بعد هلاك المبيع في ظاهر الرواية لان المبيع لم يبق على حالة يصح الاعتياض عنه والشئ يثبت ثم يستند بخلاف الحط لانه بحال يمكن إخراج البدل عما يقابله فيلتحق بأصل العقد استنادا اه. بخلاف الزيادة في المبيع فإنها جائزة بعد هلاكه لانها تثبت بمقابلة الثمن وهو قائم، كذا في الخلاصة. وفي الخلاصة أيضا: وشرطها في الثمن من الشترين بقاء المبيع وكونه محلا للمقابلة في حق المشتري حقيقة، ولو كانت جارية فأعتقها أو دبرها أو استولدها أو كاتبها أو باعها من غيره بعد القبض ثم زاد في الثمن لا يجوز، والمذكور في الكتاب قولهما وهما رويا عنأبي حنيفة أنه يجوز. ولو أجرها أو رهنها أو اشترى شاة فذبحها ثم زاد في الثمن جاز بخلاف ما إذا ماتت الشاة ثم زاد في الثمن فإنه لا يجوز لانها لم تبق محلاف للبيع بخلاف الاول حيث قام الاسم والصورة وبعض المنافع، وجملة هذا في كتاب نظم الزندوستي قال: أحد عشر شيأ إذا فعل المشتري ثم زاد في الثمن لا يصح: أولها إذا كانت حنطة فطحتها أو دقيقا فخبزه أو لحما فجعله قلية أو سكباجة أو جعله إربا إربا أو كان عبدا فأعتقه أو كاتبه أو دبره أو استولد الجارية أو قطنا فغزله أو غزلا فنسجه. الحادي عشر أو كانت جارية فماتت ولو فعل اثنتي عشر ثم زاد يجوز أولها المبيع لو كانت شاة فذبحها. وإن كان قطنا محلوجا فندفه أو غير محلوج فحلجه أو كرباسا فخاطه خريطة من غير أن يقطعه أو حديدا فجعله سيفا أو كانت جارية فرهنها أو أجرها أو كانت خرابة بناها أو آجرها أو أجر الارض ثم زاد في الثمن. ومنها إذا باعها ثم إن المشتري الثاني لقي البائع الاول فزاد في الثمن جاز. ومنها المزارع إذا زاد رب الارض السدس في نصيبه والبذر منه قبل أن يستحصده جاز وبعده لا، الكل في النظم اه. وفي تلخيص الجامع من باب ما يمنع الزيادة في الثمن: تلحق العقد مغيرا وصفه لا أصله حذار اللغو كالخيار بعد ما زاد الاصل ولدا 2 (212) وار وكذا قوله وتمامه فيه، ولو عبر
[ 200 ]
باللزوم بدل الصحة لكان أولى لانها لازمة حتى لو ندم المشتري بعد ما زاد يجبر إذا امتنع كما
في الخلاصة. وأطلقها فشمل ما إذا كانت من جنس الثمن أو من غيره وما إذا كانت في مجلس العقد أو بعد مدة كما في الخلاصة. وترك قيدا لا بد منه وهو قبول البائع في المجلس حتى لو زاده فلم يقبل حتى تفرقا بطلت، كذا في الخلاصة. وأطلق فيمن زاد فشمل المشتري ووارثه فتصح الزيادة من الورثة كما تصح من العاقدين، كذا في الخلاصة. وهو شامل للزيادة في المبيع أيضا لكن يرد عليه الزيادة من الاجنبي وحاصلها كما في الخلاصة معزيا إلى الجامع الكبير: لوزاد الاجنبي فإن زاد بأمر المشتري يجب على المشتري لا على الاجنبي كالصلح، وإن زاد بغير أمره فإنه أجازه المشتري لزمته، وإن لم يجز بطلت الزيادة. ولو كان حين زاد ضمن عن المشتري أو أضافها إلى مال نفسه لزمته الزيادة، ثم إن كان بأمر امشتري رجع وإلا فلا، وأما الحط فأنه جائز في جميع المواضع في موضع تجوز الزيادة وفي موضع لا تجوز اه. وأما الزيادة في المهر فشرطها بقاء المرأة فلو زاد فيه بعد موتها لم تصح، وأما الزيادة بعد طلاقها أو عتقها لو كانت أمة فقدمنا أحكامها في المهر، وأما الزيادة في الاجرة بعد استيفاء بعض المعقود عليه فغير صحيحة وتجوز الزيادة في العين والمدة، كذا في القنية. وأما الزيادة في الرهن فسيأتي أنها صحيحة في الرهن لا في الدين. وفي الخيانة من كتاب المزارعة: لو زاد أحدهما في نصيب الآخر إن كان قبل إدراك الزرع جاز مطلقا، وإن كان بعده جاز من الذي لا بذر له لانه حط ولا يجوز من البذر منه لانه زيادة وشرطها قيام السلعة اه. قوله: (والزيادة في المبيع) أي وصحت ولزم البائع دفعها بشرط قبول المشتري وتلتحق أيضا فيصير لها حصة من الثمن حتى لو هلكت الزيادة قبل القبض تسقط حصتها من الثمن بخلاف الزيادة المتولدة من المبيع حيث لا يسقط شئ بهلاكها قبل القبض، وكذا إذا زاد في الثمن عرضا كما لو اشتراه بمائة وتقابضا ثم زاده المشتري عرضا قيمته خمسون وهلك العرض قبل التسليم ينفسخ العقد في ثلاثة، كذا في القنية. وقدمنا أنه لا يشترط فيها قيام المبيع فتصح بعد هلاكه بخلاف الزيادة في الثمن وقد ذكر الزيادة في المبيع ولم يذكر الحط وذكرهما
في الثمن فظاهره عدم صحة الحط من المبيع. وصر في المحيط بأن المبيع إن كان دينا يصح الحط منه، وإن كان عينا لم يصح الحط منه لانه إسقاط وإسقاط العين لا يصح ا ه. قيد
[ 201 ]
بالمبيع لان الزيادة في الزوجة كما إذا زوجه أمة فزاده أخرى لم يصح بخلاف الزيادة في المهر وأطلق في الحط من الثمن فشمل ما إذا كان قبل قبضه أو بعده فإذا حط عنه بعد ما أوفاه الثمن أو أبرأه فقال في الذخيرة: لو ذهب بعض الثمن من المشتري قبل القبض أو أبرأه عن القبض فهو حط، وإن كان بعد القبض ثم حط البعض أو وهبه صح ووجب على البائع مثل ذلك للمشتري، ولو أبرأه عن البعض بعد القبض لا يصح وكايجب أن لا تصح الهبة والحط بعد القبض أيضا كالابراء لان المشتري قد برئ من الثمن بالايفاء والهبة والحط لم يصادف دينا قائما في ذمة المشتري. والجواب أن الدين باق في ذمة المشتري بعد القضاء لانه لم يقض عين الواجب حتى لا يبقى في الذمة إنما قضى مثله فبقي ما في ذمته على حاله إلا أن المشتري لا يطالب به لان له مثل ذلك على البائع بالقضاء، فلو طالب البائع المشتري بالثمن كان للمشتري أن يطالب البائع أيضا فلا تفيد مطالبة كل واحد منهما صاحبه، فعلم أن الثمن باق في ذمة المشتري بعد القضاء والهبة والحط صادف دينا قائما في ذمة المشتري بعد القضاء. وإنما لم يصح الابراء لان الابراء على نوعين: براءة قبض واستيفاء وبراءة إسقاط. فإذا أطلق حمل على الاول لانه أقل كأنه نص عليه وقال أبرأتك براءة قبض واستيفاء وفيه لا يرجع. ولو قال أبرأتك براءة إسقاط صح ووجب على البائع رد ما قبض من المشتري بخلاف الهبة والحط لا يتنوع إلى نوعين وإنما هي اسقاط، وإذا وهب كل الدين أو حط أو أبرأه منه فهو على ما كرنا. هذا جملة ما أورده شيخ الاسلام في شرح كتاب الشفعة وفي شرح كتاب الرهن. وذكر شمس الائمة السرخسي في الباب الثاني في شرح كتاب الرهن أن الابراء المضاف إلى الثمن بعد الاستيفاء صحيح حتى يجب على البائع رد ما قبض من المشتري وسوى بين الابراء والهبة والحط فيتأمل عند الفتوى. واختلفوا فيما إذا أبرأه لم يعين أنها
إسقاط أو استيفاء. فإن قلت: هل لبقاء الدين بعد ايفائه فائدة أخرى؟ قلت: نعم لو كان بالدين رهن ثم قضاه الدين ثم هلك الرهن في يد المرتهن هلك بالدين ووجب عليه رد المقبوض بخلاف ما لو أبرأه ثم هلك. قال الزيلعي في بابه: والفرق أن الابراء يسقط به الدين أصلا وبالاستيفاء لا يسقط لقيام الموجب للدين وقد كتبنا في الفوائد الفقهية من كتاب
[ 202 ]
المدانيات له فائدتين أيضا قوله: (ويتعلق الاستحقاق بكله) أي بكل ما وقع العقد عليه وبالزيادة فلا يطالب المشتري بالمبيع حتى يدفع الزيادة وللبائع حبسه حتى يقبضها، وإذا استحق المبيع رجع المشتري على بائعه بالكل، وإذا أجار المستحق استحق الكل، وإذا رد المبيع بعيب أو خيار شرط أو رؤية رجع المشتري على بائعه بالكل. وفي فتاوي قاضيخان من الشفعة: الوكيل بالبيع إذا باع الدار بألف ثم إن الوكيل حط عن المشتري مائة من الثمن صح حطه ويضمن قدر المحطوط للآمر ويبرأ المشتري عن المائة ويأخذ الشفيع الدار بجميع الثمن لان حط الوكيل لا يلتحق بأصل العقد ا ه. قوله: (وتأجيل كل دين إلا القرض) أي صح لان الدين حقه فله أن يؤخره، سواء كان ثمن مبيع أو غيره تيسيرا على من عليه ألا ترى أنه يملك ابراءه مطلقا فكذا مؤقتا. ولا بد من قبوله ممن عليه الدين فلو لم يقبله بطلب التأخير فيكون حالا، كذا ذكره الاسبيجابي. ويصح تعليق التأجيل بالشرط فلو قال رب الدين لمن عليه ألف حالة إن دفعت إلي غدا خمسمائة فالخمسمائة الاخرى مؤخرة عنك إلى سنة فهو جائز، كذا في الذخيرة. وإنما لا يؤجل القرض لكونه إعارة وصله في الابتداء حتى يصح بلفظ الاعارة ولا يملكه من لا يملك التبرع كالصبي والوصي ومعاوضة في الانتهاء فعلى اعتبار الابتداء لا يلزم التأجيل فيه كما في الاعارة إذ لا جبر في التبرع، وعلى اعتبار الانتهاء لا يصح لانه يصير بيع الدراهم بالدراهم نسيئة وهو ربا، ومرادهم من الصحة اللزوم ومن عدم صحته في القرض عدم اللزوم. وأطلقه فشمل ما إذا أجله بعد الاستهلاك أو قبله هو الصحيح، وليس من تأجيل
القرض تأجيل بدل الدراهم أو الدنانير المستهلكة إذ باستهلاكها لا تصير قرضا، والحيلة في لزوم تأجيل القرض أن يحيل المستقرض المقرض على آخر بدينه فيؤجل المقرض ذلك الرجل
[ 203 ]
المحال عليه فيلزم حينئذ، كذا في فتح القدير. وإذا لزم فإن كان للمحيل على المحال عليه دين فلا إشكال وإلا أقر المحيل بقدر المحال به للمحال عليه مؤجلا إليه. أشار في المحيط وفي الظهيرية القبض المجحود يجوز تأجيله. وفي القنية من كتاب المداينات: قضى القاضي بلزوم الاجل في القرض بعد ما ثبت عنده تأجيل القرض معتمدا على قول مالك وابن أبي ليلى يصح ويلزم الاجل. وفي تلخيص الجامع من كتاب الحوالة: لو كفل بالحال مؤجلا تأخر عن الاصيل وإن كان قرضا لان الدين واحد وهي حيلة تأجيل القرض إذ يثبت ضمنا م يمتنع قصدا كبيع الشرب والطريق، ولا يلزم ما أجل بعد الكفلة إذ موضوعها أن يضيف إلى اللازم بالكفالة إلا الدين حتى لو عكس تأخر عن الاصيل أيضا حذ والابراء ا ه. ولم يستثن المصنف رحمه الله تعالى من عدم صحة تأجيل القرض شيأ واستثنى منه في الهداية ما إذا أوصى أن يقرض مما له ألف درهم فلانا إلى سنة حيث يلزم من ثلثه أن يقرضوه ولا يطالبوه قبل المدة لانه وصية بالتبرع بمنزلة الوصية بالخدمة والسكنى فيلزم حقا للموصي اه. ولا ينحصر في هذه الصورة بل كذلك إذا كان له قرض على إنسان فأوصى أن يؤجل سنة صح ولزم كما في القنية. وقد كتبنا في الفوائد الفقهية أن المستثنى لا ينحصر في القرض بل كذلك لا يصح تأجيل الدين في صور: الاولى لو مات المديون وحل المال أجل الدائن وأرثه لم يصح لان الدين في الذمة وفائدة التأجيل أن يتجر فيؤدي الثمن من نماء المال، فإذا مات من له الاجل تعين المتروك لقضاء الدين فلا يفيد التأجيل، كذا في الخلاصة، وظاهره أنه في كل دين. وذكره في القنية في القرض. الثانية أجل المشتري الشفيع في الثمن لم يصح كما سيأتي فيها وهو مذكور في القنية. وفي الخلاصة: بموت البائع لا يبطل الاجل ويبطل بموت المشتري. الثالثة تأجيل
ثمن المبيع عند الاقالة لا يصح كما قدمناه عن القنية. والحاصل أن تأجيل الدين على ثلاثة أوجه: باطل وهو تأجيل بدلي الصرف والسلم، وصحيح غير لازم وهو القرض والدين بعد الموت وتأجيل الشفيع وثمن المبيع بعد الاقالة، ولازم فيما عدا ذلك. قال قاضيخان في فتاواه: المديون قال برئت من الاجل أو لا حاجة لي في الاجل لهذا الدين لم يكن إبطالا للاجل، ولو قال أبطلت الاجل أو قال تركته صار حالا، والمديون إذا قضى الدين قبل حلول الاجل فاستحق المقبوض من القابض أؤو وجده زيوفا فرده كان الدين عليه إلى أجله، ولو اشترى من مديونه شيأ بالدين وقبضه ثم تقايلا البيع لا يعود الاجل، ولو
[ 204 ]
وجد بالمبيع عيبا فرده بقضاء عاد الاجل، ولو كان بهذا الدين المؤجل كفيل لا تعود الكفالة في الوجهين ا ه. وفي الخلاصة: ا ه. وإبطال الاجيبطل بالشرط الفاسد ولو قال كلما دخل نجم ولم يؤدي فالمال حال صح والمال يصير حالا تتمة في مسائل القرض. قال في المحيط: ويجوز القرض فيما هو من ذوات الامثال كالمكيل والموزون والعددي المتقارب كالبيض والجوز لان القرض مضمون بالمثل، ولا يجوز في غير المثلي لانه لاة يجب دينا في الذمة ويملكه المستقرض بالقبض كالصحيح، والمقبوض بقرض فاسد يتعين للرد، وفي القرض الجائز لا يتعين بل يرد المثل وإن كان قائما. وعن أبي يوسف ليس له إعطاء غيره إلا برضاه وعارية ما جاز قرضه قرض وما لا يجوز قرضه عارية، ولا يجوز قرض جر نفعا بأن أقرضه دراهم مكسرة بشرط رد صحيحة أو أقرضه طعاما في مكان بشرط رده في مكان آخر، فإن قضا أجود بلا شرط جاز ويجبر الدائن على قبول الاجود وقيل لا، كذا في المحيط. وفي الخلاصة: القرض بالشرط حرام والشرط ليس بلازم بأن يقرض على أن يكتب إلى بلد كذا حتى يوفي دينه ا ه. وفي المحيط: ولا بأس بهدية من عليه القرض والافضل أن يتورع إذا علم أنه إنما يعطيه لاجل القرض أو أشكل، فإن علم أنه يعطيه لا لاجل القرض بل لقرابة أو صداقة بينهما لا يتورع، وكذا لو كان المستقرض معروفا بالجود
والسخاء جاز. ولا يجوز قرض مملوك أو مكاتب درهما فصاعدا لان فيه معنى التبرع. ولو اشترى بقرض له عليه فلوسا جاز ويشترط قبضها في المجلس، ولو أمر المقرض المستقرض أن يصارف بماله عليه لم يجز عند أبي حنيفة خلافا لهما وهي مسألة أسلم مالي عليك. ولو دفع المستقرض إلى المقرض دراهم ليصرفها بدنانير ويأخد حقه منه فهو وكيل وأمين، فلو تلفت قبل أن يستوفي دينه لا يبطل دينه. وبيع الدين بالدين جائز إذا افترقا عن قبضهما
[ 205 ]
في الصرف أو عن قبض أحدهما في غير الصرف. ولو اشترى المستقرض الكر القرض من المقرض جاز ويشترط قبض ثمنه في المجلس، فإن أدى الثمن فوجد بالكر عيبا رده أو
[ 206 ]
رجع بنقصان العيب، ولو اشترى ما عليه بكر مثله جاز إن كان عينا ولا يجوز إن كان دينا، فلو وجد بالمقروض عيبا لم يرجع بنقصان العيب. ولو اشترى المستقرض كر المقرض بعينه لم يجز لانه ملكه إلا في رواية عن أبي يوسف. ولو باعه من المقرض جاز ولا ينفسخ القرض ا ه. وفي القنية من باب القروض: شراء الشئ اليسير بثمن غال إذا كان له حاجة إلى القرض يجوز ويكره. استقرض عشرة دراهم فأرسل عبده ليأخذها من المقرض فقال المقرض دفعته إليه وأقر العبد به وقال دفعتها إلى مولاي وأنكر المولى قبض العبد العشرة فالقول له ولا شئ عليه، ولا يرجع المقرض على العبد لانه أقر أنه قبضها بحق. استقراض الدقيق وزنا يجوز والاحتياط أن يبرئ كل صاحبه والجواز رواية عن أبي يوسف، ورواية الاصل بخلافه. استقراض الحنطة وزنا يجوز، وعنهما خلافه. بخاري استقرض من سمرقندي حنطة بسمرقند ليدفعها ببخاري ليس له المطالبة إلا بسمرقند، وفي استقراض السرقين اختلاف المشايخ بناء على أنه مثلي أو قيمي. واستقراض العجين في بلادنا وزنا يجوز لا جزافا، ولم يتعرض لاستقراض الخميرة وينبغي الجواز عن غير وزن، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن خميرة يتعاطاها الجيران
أيكون ربا؟ فقال: ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن عند الله وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح. أنفق من قصاب لحوما ولم يذكر أنه قرض أو شراء فذلك قرض فاسد يملكه
[ 207 ]
بالقبض ولا يحل أكله القرض الفاسد يفيد عند القبض الملك يعطيه مديونه حنطة ينفقها ويحسبانها فله إنفاقها وتكون قرضا. والدبس من ذوات القيم فينبغي أن لا يجوز استقراضه. عشرون رجلا جاؤا واستقرضوا من رجل وامروه أن يدفعها الدراهم إلى واحد منهم فدفع ليس له أن يطلب منه إلا حصته، وحصل بهذا رواية مسألة أخرى أن التوكيل بقبض القرض يصح وإن لم يصح التوكيل بالاستقراض ا ه. والله أعلم. باب الربا وجه مناسبته للمرابحة أن في كل منهما زيادة إلا أن تلك حلال وهذه حرام والحل هو الاصل في الاشياء فقدم ما يتعلم بتلك الزيادة على ما يتعلق بهذه. والربا بكسر الراء وفتحها خطأ. وفي المصباح: الربا بالفضل والزيادة وهو مقصور على الاشهر، ويثني ربوان بالواو على الاصل وقد يقال ربيان على التخفيف، وينسب إليه على لفظه فيقال ربوي، قاله أبو عبيد وغيره. وزاد المطرزي فقال: الفتح في النسبة خطأ ا ه. وليس المراد مطلق الفضل بالاجماع فإن فتح الاسواق في سائر بلاد المسلمين للاستفضال والاسترباح وإنما المراد فضل مخصوص فلذلك عرفه شرعا بقوله قوله: (فضل مال بلا عوض في معاوضة ما بمال) أي فضل أحد المتجانسين على الآخر بالعيار الشرعي أي الكيل والوزن ففضل قفيزي شعير على قفيزي بر لا يكون ربا، وكذا فضل عشرة أذرع من ثوب هروي على خمسة منه. وقيد بقوله بلا عوض أي خال عنه ليخرج بيع كربروكر شعير بكري بروكري شعير فإن للثاني فضلا على الاول لكنه غير خال عن العوض لصرف الجنس إلى خلاف جنسه. وقيد المعاوضة لان الفضل الخالي عن العوض الذي في الهبة ليس بربا. وترك المصنف قيدا لا بد منه وهو أن يكون الفضل
[ 208 ]
الخالي مشروطا في العقد لاحد المتعاقدين. وقيد قيده به في الوقاية وقال شارحها: إنما قيد به لانه لو شرط لغيرهما لا يكون ربا. وفي البناية قال علماؤنا: هو بيع فيه فضل مستحق لاحد المتعاقدين خال عما يقابله من عوض شرط في هذا العقد، وعلى بهذا سائر أنواع البيوع الفاسدة من قبيل الربا. وفي الذخيرة من كتاب المداينات من الفصل الثاني عشر في المتفرقات قال محمد: إذا اشترى الرجل من آخر عشرة دراهم فضة بعشرة دراهم فزاد عليها دانقا فوهبه دانقا ولم يدخله في البيع إن لم يكن مشروطا في الشراء لا يفسد الشراء لانه إذا وهب الدانق منه انعدم الربا قالوا: إنما تصح هبة الدانق إذا كانت الدراهم بحيث ضرها الكسر لانها حينئذ هبة مشاع فيما لا يحتمل القسمة ا ه. وفي جمع العلوم: الربا شرعا عبارة عن عقد فاسد وإن لم يكن فيه زيادة لان بيع الدرهم بالدرهم نسيئة ربا وإن لم يتحقق فيه زيادة ا ه. ولا يرد على المصنف ما في جمع العلوم من ربا النسيئة لان فيه فضلا حكميا والفضل في عبارته أعم منه ومن الحقيقي، وظاهر ما في جمع العلوم وغيره أن المشتري يملك الدرهم
[ 209 ]
الزائد إذا قبضه فيما إذا اشترى درهمين بدرهم فإنهم جعلوه من قبيل الفاسد، وهكذا صرح به الاصوليون في بحث النهي فقالوا: إن الربا وسائر البيوع الفاسدة من قبيل ما كان مشروعا بأصله دون وصفه. وفي كتاب المداينات من القنية قال أستاذنا: وقعت واقعة في زماننا أن رجلا كان يشتري الذهب الردئ زمانا الدينار بخمسة دوانق ثم تنبه فاستحل منهم فأبرؤه عما بقي لهم عليه حال كون ذلك مستهلكا فكتبت أنا وغيري أنه يبرأ. أو كتب ركن الدين الرانحاوي الابراء لا يعمل في الربا لان رده لحق الشرع وقال: أجاب به نجم الائمة الحكيمي معللا بهذا التعليل وقال: هكذا سمعته عن ظهير الدين المرغيناني. قال رضي الله عنه: فقرب من ظني أن الجواب كذلك مع تردد فكنت أطلب الفتوى لامحو جوابي عنه فعرضت هذه المسألة على علاء الدين الحناطي فأجاب أنه يبرأ إذا كان الابراء بعد الهلاك وغضب من جواب غيره
أنه لا يبرأ فازداد ظني بصحة جوابي ولم أمحه، ويدل على صحته ما ذكره البزدوي في غناء الفقهاء من جملة صور البيع الفاسد جملة العقود الربوية يملك العوض فيها بالقبض. قلت: فإذا كان فضل الربا مملوكا للقابض بالقبض فإذا استهلكه على ملكه ضمن مثله، فلو لم يصح الابراء ورد مثله يكون ذلك رد ضمان ما استهلكه لا رد عين ما استهلك، وبرد ضمان ما استهلك لا يرتفع العقد السابق بل يتقرر مفيدا للملك في فضل الربا فلم يكن في رده فائدة
[ 210 ]
نقض عقد الربا فيجب ذلك حقا لله تعالى، وإنما الذي يجب حقا للشر رد عين الربا إن كان قائما لا رد ضمانه، انتهى ما في القنية. وهو محرم بالكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فآيات منها * (وحرم الربا) * [ البقرة: 572 ] والمراد به فيها الفضل وهو الزيادة ليتعلق التحريم به لان الاحكام لا تتعلق إلا بفعل المكلفين. ومنها * (لا تأكلوا الربا) * [ آل عمران: 031 ] والمراد منه فيه نفس الزائد في بيع الاموال الربوية عند بيع بعضها بجنسه. وفي المعراج: ذكر الله لآكل الربا خمس عقوبات: أحدها التخبط قال تعالى * (لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) * [ البقرة: 572 ] قيل في معناه تنتفخ بطنه يوم القيامة فيصير لا تحمله قدماه فيصير كلما قام سقط بمنزلة من أصابه المس، ويؤيده الحديث يملا بطنه نارا بقدر ما أكل من الربا والمراد به الافتضاح على رؤوس الاشهاد كما في حديث آخر ينصب لواء يوم القيامة لآكلي الربا فيجمتعون تحته ثم يساقون إلى النار والثاني المحق قال الله تعالى * (يمحق الله الربا) * [ البقرة: 672 ] والمراد الهلاك والاستئصال، وقيل ذهاب البركة والاسستمتاع حتى لا ينتفع هو به ولا ولده من بعده. والثالث الحرب قال الله تعالى * (فآذنوا بحرب من الله ورسوله) * [ البقرة: 972 ] المعنى في القراءة بالمد اعلموا الناس يا أكلة الربا أنكم حرب الله ورسوله بمنزلة قطاع الطريق، وفي قراءة بفير المدأي اعلموا أن أكلة الربا حرب لله. الرابع الكفر قال الله تعالى * (وذروا ما بقي من الربا أن كنتم مؤمنين) * [ البقرة: 872 ] وقال * (والله يحب كل كفار أثيم) * أي كفار باستحلال الربا والخامس الخلود في النار
قال تعالى * (ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) * [ البقرة: 572 ] يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم كل درهم واحد من الربا أشد من ثلاث وثلاثين زنية يزنيها الرجل ومن نبت لحمه من الحرام فالنار أولى به والمقصود من كتاب البيوع بيان الحلال الذي هو بيع شرعا والحرام الذي هو ربا ولهذا قيل لمحمد: لا تصنف في الزهد شيأ؟ قال: صنفت كتاب البيوع وليس الزهد إلا اجتناب الحرام والرغبة في الحلال، كذا في المبسوط. وأما السنة فأكثر من أن تحصى ال الامام الاسبيجابي: اتفقوا على أنه إذا أنكر ربا النساء يكفر وفي ربا الفضل في القدر اختلاف فإن ابن عباس رضي الله تعالى عنه لا يرى الربا إلا في النسيئة للحديث إنما الربا في النسيئة وكلمة إنما للحصر إلا أن عامة الصحابة احتجوا بأحاديث. والجواب عن تعلق ابن عباس أنه منصرف إلى ما ليس بمكيل ولا موزون لقوله آخره إلا ما كيل أو وزن على أن ابن عباس رجع عن هذا القول، فإن لم يثبت رجوعه فاجماع التابعين به يرفعه ا ه. ما في المعراج. وفي الخلاصة: لو قضى بجواز بيع الدرهم بالدرهمين يدا بيد بأعيانهما أخذا
[ 211 ]
بقول ابن عباس لا ينفذ وإن كان مختلفا بين الصحابة لانه لا يعلم أن أحذا من الصحابة وافقه فكان مهجورا ا ه. وفي القنية من الكراهية: بأس بالبيوع التي يفعلها الناس للتحرز عن الربا. ثم رقم آخر هي مكروهة ذكر البقالي الكراهة عن محمد وعندهما لا بأس به. قال الزرنجري: خلاف محمد في العقد بعد القبض أما إذا باع ثم دفع الدراهم لا بأس بالاتفاق ا ه. وفي القنية من الكراهية: يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح ا ه. وفي الخلاصة معزيا إلى النوازل رجل له على آخر عشرة دراهم فأراد أن يؤجلها إلى سنة ويأخذ منه ثلاثة عشر فالحيلة أن يشتري منه بتلك العشرة متاعا ويقبض المتاع منه وقيمة المتاع عشرة ثم يبيع المتاع منه بثلاثة عشر إلى سنة ا ه. قوله: (وعلته القدر والجنس) أي علة الربا أي وجوب المساواة التي يلزم عند فوتها الربا، هكذا فسره السفناقي في شرح الاخسيكتي في الاصول وذكره في الكافي سؤالا
وجوابا. وفي فتح القدير: أي علة تحريم الزيادة ا ه. وفي المعراج: أي علة حرمة الربا ووجوب المساواة. والعلة في اللغة المرض الشاغل والجمع علل وأغله الله فهو معلول واعتل إذا مرض واعتل إذا تمسك بحجة وأعله بكلمة جعله ذا علة ومنه إعلالات الفقهاء واعتلالهم ا ه. وأما في الاصول فقالوا: إنها في اللغة هي المغير ومنه سمي المرض علة لانه بحلوله يتغير حال المحل عن وصف القوة إلى وصف الضعف، ولذا سمي الجرح علة لانه بحلوله بالمجروح يتغير حكم الحال. وفي الاصطلاح ما يضاف إليه ثبوت الحكم بلا واسطة. فخرج الشرط لانه لا يضاف إليه ثبوته والسبب والعلاقة وعلة العلة لانها بالواسطة، وهذا التعريف شامل للعلل الموضوعة كالبيع والنكاح ا ه. وللمستنبطة كالعلل المؤثرة في القياسات. والمراد بالقدر الكيل في المكيل والوزن في الموزون فانحصر المعرف للحكم فيهما، والتعبير بالقدر أصر لكنه يشمل ما ليس بصحيح إذ يشمل الذرع والعد وليسا من أموال الربا، كذا في فتح القدير. ولكن بعد ما وضعوا القدر بإزاء الكيل والوزن كيف يشمل غيرهما. والجنس في اللغة الضرب من كل شئ والجمع أجناس وهو أعم من النوع فالحيوان جنس والانسان نوع، وحكي عن الخليل هذا يجانس هذا أي يشاكله ونص عليه في التهذيب أيضا. وعن بعضهم فلان لا يجانس الناس إذا لم يكن له تمييز ولا عقل. والاصمعي ينكر هذين الاستعمالين ويقول: هو كلام المولدين وليس بعربي، كذا في المصباح. وفي فتح القدير: واختلاف الجنس يعرف باختلاف الاسم الخاص واختلاف المقصود فالحنطة والشعير جنسان عندنا لان أفراد كل منهما في الحديث يدل على ذلك، والثوب الهروي والمروي
[ 212 ]
- بسكون الراء - جنسان لاختلاف الصنعة وقيام الثوب بها، وكذا المروي المنسوج ببغداد وخراسان واللبد اللامتي والطالقاني والتمر كله جنس واحد، والحديد والرصاص والشبه أجناس، وكذا غزل الصوف والشعر واللحم الضاني والمعزي والبقري والالية واللحم وشحم البطن أجناس، ودهن البنفسج والخيري جنسان والادهان المختلفة أصولها أجناس، ولا يجوز
بيع رطل زيت غير مطبوخ برطل مطبوخ مطيب لان الطيب زيادة ا ه وفي المعراج: القدر عبارة عن العيار والجنس عبارة عن مشاكلة المعاني ا ه. والاصل في هذا الباب الحديث المشهور وهو قوله صلى الله عليه وسلم الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد وفيه روايتان بالرفع الحنطة أي بيع الحنطة مثل وينصب على الحال. وكذلك روي الرفع والنصب في يدا بيد فالرفع عطف على الخبر أي مثل ومقبوضة، والنصب على الحال بتأويله بالمشتق إي متناجزين. وهذا الحديث لشهرته ظن بعض العلماء أنه متواتر وليس كذلك لانه لا يصدق عليه حده. وقال الجصاص: إنه يقرب من المتواتر لكثرة رواته وهو مروي عن ستة عشرة صحابيا. عمر وعبادة بن الصامت وأبو سعيد الخدربي وسارية ابن أبي سفيان وبلال وأبو هريرة ومعمر بن عبد الله وأبو بكر وعثمان وهشام بن عامر والبراء وزيد بن أرقم وخالد بن عبيد وأبو بكرة وابن عمر وأبو الدرداء رضي الله تعالى عنهم. وقد أطال الكلام في بيانه في البناية ثم قال آخرا: وليس في الاحاديث المذكورة البداءة بالحنطة وإنما هي مذكورة في أثنائه، ولكنه ذكره في المبسوط عن محمد عن أبي حنيفة عن عطية العفوي عن أبي سعيد الخدري بادئا بالحنطة ا ه. والحكم معلول بإجماع القايسين لكن العلة عندنا ما ذكرناه. وعند الشافعي الطعم في المطعومات، والثمنية في الاثمان، والجنسية شرط والمساواة مخلص والاصل هو الحرمة عنده لانه نص على شرطين التقابض والمماثلة، وكل ذلك يشعر بالعزة والخطر كاشتراط الشهادة في النكاح فيعلل بعلة تناسب إظهار الخطر والعزة وهو الطعم لبقاء الانسان والثمنية لبقاء الاموال التي هي مناط المصالح بها ولا أثر للجنسية في ذلك فجعلناه شرطا، والحكم قد يدور مع الشرط. ولنا أنه أوجب المماثلة شرطا في البيع وهو المقصود بسوقه تحقيقا لمعنى البيع إذ هو ينبئ عن التقابل وذلك بالتماثل أو صيانة لاموال الناس عن التوي أو تتميما للفائدة باتصال التسليم به، ثم يلزم عند فوته حرمة الربا والمماثلة بين الشيئين باعتبار الصورة والمعنى والمعيار يسوي الذات والجنسية تسوي المعنى فيظهر الفضل على ذلك فيتحقق الربا لان الربا هو الفضل
المستحق كما قدمناه، ولا يعتبر الوصف لانه لا يعد تفاوتا عرفا أو لان في اعتباره سد باب
[ 213 ]
البياعات أو لقوله عليه الصلاة والسلام جيدها ورديئها سواء والطعم والثمنية من أعظم وجوه المنافع والسبيل في مثلها الاطلاق بأبلغ الوجوه لشدة الاحتياج إليها دون التضييق فلا يعتبر بما ذكره، كذا في الهداية قوله: (وحرم الفضل والنساء بهما) أي بالقدر والجنس لوجود العلة بتمامها والفضل الزيادة والنساء بالمد التأخير، ولم يذكره في المصباح وإنما ذكر النسئ فقال: والنسئ مهموز على فعيل ويجوز الادغام لانه زائد وهو التأخير. والنسيئة على فعيله مثله وهما اسمان من نسأ الله أجله من باب نفع وأنسأه الله بألف إذا أخره ا ه. وفي البناية: النساء بفتح النون والمد البيع إلى أجل وفي فتح القدير أنه بالمد لا غير. قوله: (والنساء فقط بأحدهما) أي وحرم التأخير لا الفضل بوجود القدر فقط والجنس فقد وله صورتان: إحداهما باع حنطة بشعير متفاضلا صح لا نسيئة. الثانية باع ثوبا مرويا بمرويين جاز حاضرا، ولو باع عبدا بعبد إلى أجل لا يجوز لوجود الجنس. وقالالشافعي: الجنس بانفراده لا يحرم النساء لانه لا يثبت بالتأخير إلا شبهة الفضل وحقيقة الفضل جائز فالشبهة أولى. ولنا أنه مال الربا من وجه نظرا إلى القدر أو إلى الجنس والنقدية أوجبت فضلا في المالية فيتحقق شبهة الربا وهي مانعة عن الجواز كالحقيقة، كذا في الهداية. قال مولانا الاكمل: فيه بحث من وجهين: أحدهما ما قيل إن كونه من مال الربا من وجه شبهة وكون الشبهة أوجبت فضلا شبهة فصارت شبهة الشبهة فالشبهة هي المعتبرة دون النازل عنها. والثاني أن كونها شبهة الربا كالحقيقة إما إن يكون مطلقا أو في محل الحقيقة، والاول ممنوع، والثاني مسلم لكنها كانت جائزة فيما نحن فيه فيجب أن تكون الشبهة كذلك. والجواب عن الاول أن الشبهة الاولى في المحل، والثانية في الحكم، وثمة شبهة أخرى وهي التي في العلة، ولشبهة العلة والمحل تثبت شبهة الحكم لا شبهة الشبهة. وعن الثاني أن القسمة غير حاصرة بل الشبهة مانعة في محل الشبهة إذا وجدت العلة بكمالها ا ه. واستدل بعضهم
لمذهبنا بنهيه عليه السلام عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة رواه أبو داود. وقال الترمذي: إنه حديث حسن صحيح. قال: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم وتمامه في البناية. وأورد أنه بعض العلة فلا يثبت به الحكم. وأجيب بأنه علة تامة لحرمة النساء وإن كان بعض علة الحرمة الفضل فلا يؤدي إلى توزيع أجزاء الحكم على أجزاء العلة، كذا في المعراج. وأورد أيضا أن ظاهر قول المصنف والنساء فقط بأحدهما يمنع جواز إسلام النقود في الزعفران أو القطن لوجود القدر وهو الوزن مع أنه جائز. فأ جاب عنه في الهداية بأنهما لا يتفقان في صفة الوزن، أما إذا اختلفا في المعنى فيجوز لان النقود توزن بالصنجات والزعفران بالامناء
[ 214 ]
فنقول: الدراهم مع الزعفران وإمن انفقا في الوزن صورة فقد اختلفا فيما يوزن به صورة ومعنى وحكما فيجوز التأخير، أما الاختلاف الصوري فما بيناه. وأما الاختلاف في المعنى فلان النقود لا تتعين بالتعيين والزعفران ونحوه يتعين، وأما الاختلاف في الاحكام فيجوز التصرف في النقود قبل قبضها بخلاف المثمن فلم يجمعهما القدر من كل وجه فنزلت الشبهة فيه إلى الشبهة فإن الموزونين إذا اتفقا كان المنع للشبهة، وإذا لم يتفقا كان ذلك شبهة الوزن والوزن وحده شبهة فكأن ذلك شبهة الشبهة وهي غير معتبرة. والصنجات بتحريك النون جمع صنجة. وعن ابن السكيت لا يقال بالسين وإنما يقال بالصاد. وفي المغرب: الصنجات بالتحريك جمع صنجة بالتسكين. وعن الفراء بالسين أفصح، وأنكر القتي السين أصلا. وفي فتح القدير: الوجه أن يضاف تحريم الجنس بانفراده إلى السمع كما ذكرناه، ويلحق به تأثير الكيل أو الوزن بانفراده ثم يستثنى إسلام النقود في الموزونات بالاجماع كي لا ينسد أكثر أبواب السلم، وسائر الموزونات خلاف النقد لا يجوز إسلامه في الموزونات وإن اختلفت أجناسها كإسلام الحديد في قطن أو زيت في جبن وغير ذلك إلا إذا خرج من أن يكون وزنيا بالصنعة إلا في الذهب والفضة، فلو أسلم سيفا فيما يوزن جاز إلا بالحديد لان السيف خرج من أن يكون موزونا، ومنعه في الحديد لاتحاد الجنس. وكذا يجوز بيع أناء من
غير النقدين بمثله من جنسه يدا بيد نحاسا كان أو حديدا وإن كان أحدهما أثقل من الآخر بخلافه من الذهب والفضة فإنه يجري فيها ربا الفضل وإن كان لاتباع وزنا لان صورة الوزن منصوص عليها فيهما فلا تتغير بالصنعة فلا تخرج عن الوزن بالعادة، وأورد أنه ينبغي أن يجوز حينئذ إسلام الحنطة والشعير في الدراهم والدنانير لاختلاف طريقة الوزن. أجيب بأن امتناعه لامتناع كون النقد مسلما فيه لان المسلم فيه مبيع وهما متعينان للثمينة. وهل يجوز بيعا؟ قيل: إن كان بلفظ البيع يجوز بيعا بثمن مؤجل، وإن كان بلفظ السلم فقد قيل لا يجوز. وقال الطحاوي: ينبغي أن ينعقد بيعا بثمن مؤجل ا ه. وأما إسلام الفلوس في الموزون ففي فتح القدير: مقتضى ما ذكروه أن لا يجوز في زماننا لانها وزنية ا ه. وذكر
[ 215 ]
الاسبيجابي جوازه قال: لانها عددية بخلاف ما إذا أسلم فلوسا في فلوس فإنه لا يجوز لان الجنس بانفراده يحرم النساء اه. والواقع في زماننا وزنها بدار الضرب فقط، وأما التعامل في الاسواق فبالعد قوله: (وحلا بعدمهما) أي حل الفضل والنساء عند انعدام القدر والجنس فيجوز بيع ثوب هروي بمروييين نسيئة، والجوز بالبيض نسيئة لعدم العلة المحرم وعدم العلة وإن كان لا يوجب عدم الحكم لكن إذا اتحدت العلة لزم من عدمها العدم لا بمعنى أنها تؤثر العدم بل لا تثبت الوجود لعدم علة الوجود فيبقى عدم الحكم وهو عدم الحرمة فيما نحن فيه على عدمه الاصلي، وإذا عدم سبب الحرمة والاصل في البيع مطلقا الاباحة كان الثابت الحل. قوله: (وصح بيع المكيل كالبر والشعير والتمر والملح والموزون كالنقدين وما ينسب إلى الرطل بجنسه متساويا لا متفاضلا) فالبر والشعير والتمر والملح مكيلة أبدا النص رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها فلا يتغير أبدا فيشترط التساوي بالكيل، ولا يلتفت إلى التساوي في الوزن دون الكيل حتى لو باع حنطة بحنطة وزنا لا كيلا لم يجز، والذهب والفضة موزونة أبدا للنص على وزنهما فلا بد من التساوي في الوزن حتى لو تساوى الذهب بالذهب كيلا لا وزنا لم يجز، وكذا الفضة بالفضة لان طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة علينا لان النص أقوى من
العرف فلا يترك الاقوى بالادنى، وما لم ينص عليه فهو محمول على عادات الناس لانها دلالة على جواز الحكم، وعن أبي يوسف اعتبارها على خلاف النص لان النص عليه في ذلك الوقت إنما كان للعادة فكانت هي المنظور إليها في ذلك الوقت وقد تبدلت. وأما الاسلام في الحنطة وزنا ففيه روايتان، والفتوى على الجواز لان الشرط كونه معلوما. وفي الكافي: الفتوى على عادة الناس. والرطل بكسر الراء وفتحها قال الجوهري: إنه نصف من وهو ما
[ 216 ]
يوزن به. وفي النهاية أنه اثنا عشر أوقية. وقال أبو عبيدة: الرطل مائة درهم وثمانية وعشرون درهما ووزن سبعة. وفي المغرب: الرطل ما يوزن به أو يكال به. وفي فتح القدير: ثم الرطل والاوقية مختلف فيهما عرف الامصار ويختلف في المصر الواحد أمر المبيعات فالرطل الآن بالاسكندرية ثلثمائة درهم واثنا عشر درهما كل عشرة وزن سبعة، وفي مصر مائة وأربعة وأربعون درهما، وفي الشام أكثر من ذلك فهو أربعة أمثاله، وفي حلب أكثر من ذلك. وتفسير أبي عبيده له تفسير للرطل العراقي الذي قدر به الفقهاء كيل صدقة الفطر وغيرها من الكفارات ا ه. وفسر في الهداية ما ينسب إلى الرطل بما يباع بالاواقي، وفسره قاضيخان أيضا فقال: وتفسيره أن ما يباع بالاواقي فهو وزني لانها قدرت بطريق الوزن وصارت وزنية، أما سائر المكاييل ما قدرت بالوزن فلا يكون وزنيا ا ه. حتى يحسب ما يباع وزنا، وهذا لانه يشق وزن الدهن بالامناء والصنجات لعدم الاستمساك إلا في وعاء وفي وزنت كل وعاء نوع حرج فاتخذ الرطل لذلك. والاواقي جمع أوقية بالتشديد وهي أربعون درهما، والمراد بها هنا مواعين معلومات الوزن. قال في الهداية: فإذا كان موزونا فلو بيع بمكيال لا يعرف وزنه بمكيال مثله لا يجوزه ولو كان سواء بسواء لتوهم الفضل في الوزن بمنزلة المجازفة. وفي التبيين: وهذا مشكل لان الشيئين إذا تساويا في كيل وجب أن يستويا في كيل آخر ولا تأثير لكون الكيل معلوما أو مجهولا في ذلك إذ لا يختلف ثقله فيهما، وفي النهاية قال الاسبيجابي: فائدة هذا أنه لو باع ما ينسب إلى الرطل بجنسه متفاضلا في الكيل متساويا في
الوزن يجوز وهذا أحسن وهو قياس الموزونات فإنه لا يعتبر فيه إلا الوزن غير أنه يؤدي إلى أنه لا يجوز بالاواقي أيضا إذ لا فرق بين كيل وكيل على ما بيناه، ولا يندفع هذا الاشكال إلا إذا منع الجواز في الكيل ا ه. قوله: (وجيده كرديئه) أي جيد ما جعل فيه الربا كرديئه حتى لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا لقوله عليه السلام جيدها ورديئها سواء. وفي النهاية أنه غريب ومعناه يؤخذ من إطلاق حديث أبي سعيد الخدرى أو لان الوصف لا يعد تفاوتا عرفا أو لان في اعتباره سد باب البياعات. قيد بمال الربا لان الجودة معتبرة في حقوق العباد فإذا أتلف جيدا لزمه مثله قدرا وجودة إن كان مثليا، وقيمته جيدا إن كان قيميا، ولكن لا تستحق بإطلاق
[ 217 ]
عقد البيع حتى لو اشترى حنطة أو شيأ فوجده رديئا بلا عيب لا يرده كما في المحيط من الصرف وقدمناه في خيار العيب. وتعتبر في الاموا الربوية في مال اليتيم فلا يجوز للوصي بيع قفيز حنطة جيدة بقفيز ردئ، وينبغي أن تعتبر في مال الوقف لانه كاليتيم وقد كتبنا في الفوائد أنها معتبرة في أربعة: هذان، وفي حق المريض حتى تنفذ من الثلث، وفي الرهن القلب إذا انكسر عند المرتهن ونقصت قيمته فإن المرتهن يضمن قيمته ذهبا ويكون رهنا عنده قوله: (ويعتبر التعيين دون التقابض في غير الصرف من الربويات) لانه مبيع متعين فلا يشترط فيه القبض كغير مال الربا لحصول المقصود وهو التمكن من التصرف بخلاف الصرف لعدم تعينه إلا بالقبض فاشترط فيه ليتعين. والمراد باليد في الحديث التعيين وهو في النقدين بالقبض، وفي غيرهما بالتعيين فلم يلزم الجمع بين معنيين مختلفين وإنما اشترط القبض في المصوغ من الذهب والفضة باعتبار أصل خلقته وبيانه كما ذكرها لاسبيجابي بقوله: وإذا تبايعا كيليا بكيلي أو وزنيا بوزني كلاهما من جنس واحد أو من جنسين مختلفين فإن البيع لا يجوز حتى يكون كلاهما عينا أضيف إليه العقد وهو حاضر أو غائب بعد أن يكون موجودا في ملكه، والتقابض قبل الافتراق بالابدان ليس بشرط لجوازه إلا في الذهب والفضة. ولو كان
أحدهما عينا أضيف إليه العقد والآخر دينا موصوفا في الذمة فإنه ينظر، إن جعل الدين منهما ثمنا والعين مبيعا جاز البيع بشرط أن يتعين الدين منهما قبل التفرق بالابدان، وإن جعل الدين منهما مبيعا لا يجوز وإن أحضره في المجلس. والذي ذكر فيه الباء ثمن وما لم يذكر فيه الباء مبيع وبيانه: إذا قال بعت هذه الحنطة على أنها قفيز بقفيز حنطة جيدة أو قال بعت منك هذه الحنطة على أنها قفيز بقفيز من شغير جيفالبيع جائز لانه جعل العين منها مبيعا والدين الموصوف ثمنا ولكن قبض الدين منهما قبل التفرق بالابدان شرط لان من شروط جواز هذا البيع أن يحصل الافتراق عن عين بعين، وما كان دينا لا يتعين إلا بالقبض، ولو قبض الدين منهما ثم تفرقا جاز البيع قبض العين منهما أو لم يقبض، ولو قال اشتريت منك قفيز حنطة جيدة بهذا القفيز من الحنطة أو قال اشتريت منك قفيزي شعير حيد بهذا القفيز من الحنطة فإنه لا يجوز وإن أحضر الدين في المجلس لانه جعل الدين مبيعا فصار بائعا ما ليس عنده وهو لا يجوز اه.
[ 218 ]
قوله: (وصح بيع الحفنة بالحفنتين والتفاحة وبالتفاحتين والبيضة بالبيضتين والجوزة بالجوزتين والتمرة بالتمرتين) لانها لم تكن مكيلا ولا موزونا فانعدمت إحدى العلتين وهي القدر فجاز التفاضل، سواء كان بضعف الآخر أو بأضعافه حيث لم يدخل تحت كيل أو وزن. أما التفاحة والبيضة والجوزة فظاهر، وأما الحفنة من الحنطة والشعير فالمراد بها ما دون نصف صاع لانه لا تقدير في الشرع بما دونه فلم يكن من ذوات الامثال، ولا بد أن لا يوجد نصف الصاع، فلو باع ما دون نصف صاع بنصف صاع لم يجز لوجود العيار من أحد الجانبين فتحققت الشبهة، وعلى هذا لو باع ما لا يدخل تحت الوزن كالذرة من ذهب وفضة بما لا يدخل تحتجائز لعدم التقدير شرعا إذ لا يدخل تحت الوزن. قيد بالتفاضل لانه لا يجوز النسالوجود الجنس. وفي فتح القدير: قولهم لا تقدير في الشرع بما دون نصف الصاع يعرف منه أنه لو وضعت مكاييل أصغر من نصف الصاع لا يعتبر التفاضل بها، وفي
جمع التفاريق لا رواية في الحنفة بالقفيز واللب بالجواز والصحيح ثبوت الربا ولا يسكن الخاطر إلى هذا بل يجب بعد التعليل بالقصد إلى صيانة أموال الناس تحريم التفاحة بالتفاحتين والحفنة بالحفنتين، أما إن كانت مكاييل أصغر منها كما في ديارنا من وضع ربع القدح وثمن القدح المصري فلا شك، وكون الشرع لم يقدر بعض المقدرات الشرعية في الواجبات المالية كالكفارات وصدقة الفطر بأقل منه لا يستلزم إهدار التفاوت المتيقن بل لا يحل بعد تيقن التفاضل مع تيقن تحريم إهداره، ولقد أعجب غاية العحب من كلامهم هذا وروى المعلى عن محمد أنه كره التمرة بالتمرتين وقال: كلا شئ حرم في الكثير فالقليل منه حرام اه. وأما ضمان الحفنة فبالقيمة عند الاتلاف لا بالمثل، وهذا في غير العددي المتقارب، أما فيه كالجواز فكلام فخر الاسلام أن الجوازة مثل الجوزة في ضمان العدوان، وكذا التمرة بالتمرة لا في حكم الربا. ومن فروع الضمان لو غصب حفنة فعفنت عنده ضمن قيمتها فإن أبى إلا أن يأخذ عينها أخذها ولا شئ له في مقابلة الفساد الذي حصل لها، كذا في فتح القدير. وفي الخانية: لا بأس بالسمك واحد باثنين لانه لا يوزن وإن كان جنس منه يوزن فلا خير فيما يوزن إلا مثلا بمثل اه. ثم قال فيها: باع إناء من حديد بحديد إن كان الاناء يباع وزنا تعتبر المساواة في الوزن وإلا فلا، وكذا لو كان الاناء من نحاس أو صفر باعه بصفر اه. قوله:
[ 219 ]
(والفلس بالفلسين بأعيانهما) أي وصح بيع الفلس المعين بفلسين معينين عندهما. وقال محمد: لا يجوز لان الفلوس الرائجة أثمان وهو لا يتعين ولذا لا تتعين الفلوس إذا قوبلت بخلاف حنسها كالنقدين، ولا يفسد البيع بهلاكها فإذا لم تتعين يؤدي إلى الربا أو يحتمله بأن يأخذ بائع الفلس الفلسين أو لا فيرد أحدهما قضاء لدينه ويأخذ الآخر بلا عوض فصار كما لو كان بغير أعيانهما. ولهما أنها ليست أثمانا خلقة وإنما كانت ثمنا بالاصطلاح وقد اصطلحا على إبطال الثمنية فتبطل وإن كانت ثمنا عند غيرهما لبقاء اصطلاحهم على ثمنيتها إذ لا ولاية للغير عليهما بخلاف النقدين لان الثمنية فيهما بأصل الخلقة فلا تبطل بالاصطلاح، فإذا بطلت
الثمنية تعينت فلا يؤدي إلى الربا بخلاف ما إذا كانت غير معينة فإنه يؤدي إلى الربا على ما بيناه. وأورد أن الثمنية إذا بطلت وجب أن لا يجوز التفاضل لان النحاس موزون إنما صار معدودا بالاصطلاح على الثمنية، فإذا بطلت عاد إلى أصله. وأجيب بأن اصطلاحهما على العد لم يبطل ولا يلازمه فكم من معدود لا يكون ثمنا، وأورد أيضا أن كونها ثمنا بعد الكساد لا يكون إلا باصطلاح الكل فكذا بطلان الثمنية. وأجيب بأن اصطلاحهما على بطلان ثمنيتها موافق للاصل لكونها عروضا بخلاف اصطلاحهما على كونها ثمنا بعد الكساد مخالف للاصل ولرأي الجميع فلم يصح، وقيد بالتعيين لان الفلس لو كان بغير عينه والفلسان كذلك لم يجز وصورها أربع ما إذا كان الكل غير معين وأن تقابضا في المجلس كذا في المحيط وما إذا كان الفلس معينا: وما إذا كانا غير معينين فقط ففي هذه الثلاثة لا يجوز اتفاقا لكن في لصورتين الاخيرتين لو قبض ما كان دينا في المجلس جاز، كذا في المحيط. ومحل الخلاف مسألة الكتاب وأصل الخلاف مبني على أن الفلس لا يتعين بالتعيين عند محمد، ويتعين عندهما فيبطل العقد بهلاكه، كذا في فتح القدير. وفي المحيط أنها لا تتعين ولا ينفسخ العقد بهلاكها. قيد بحل التفاضل لان النساء حرام اتفاقا لان الجنس بانفراده يحرمه كما قدمناه. وفي الذخيرة: ذكر محمد هذه المسألة في صرف الاصل ولم يشترط التقابض فهذا دليل على أنه ليس بشرط، وذكر في الجامع الصغير ما يدل على أنه شرط ومن مشايخنا من لم يصحح ما في الجامع الصغير لان التقابض مع العينية إنما يشترط في الصرف وليس به، ومنهم من صححه لان لها حكم العروض من وجه وحكم الثمن من وجه فجاز التفاضل للاول واشتراط التقابض للثاني عملا بالدليلين بقدر الامكان اه. وليس مرادهم خصوص بيع الفلس بالفلسين بل بيان حل التفاضل حتى لو باع فلسا بمائة على التعيين جاز عندهما. تتمة في أحكام الفلوس: في المحيط: لو باب الفلوس بالفلوس أو بالدراهم أو بالدنانير
[ 220 ]
فنقد أحدهما دون الآخر جاز، وإن افترقا لا عن قبض أحدهما جاز، ولو اشترى مائة فلس
بدرهم فقبض الدرهم ولم يقبض الفلوس حتى كسدت لم يبطل البيع قياسا ويتخير المشتري إن شاء قبضها كاسدة وإن شاء فسخ البيع، ويبطل البيع استحسانا لان كسادها يمنزلة الهلاك لان المقصود منها الرواج فهو لها كالحياة. ولو قبض منها خمسين ثم كسدت بطل البيع في النصف ورد نصف درهم اعتبارا للبعض بالكل، ولو رخصت لم يبطل ولا خيار للمشتري. ولو كسدت الفلوس الثمن قبل قبضها بطل البيع عند أبي حنيفة، وعندهما لا يفسد ويجب قيمتها. ولو كسدت أفلس القرض فعليه مثلها عنده، وعندهما قيمتها من الدراهم، وكذا لو غصب واستهلك. ثم عند أبي يوسف تعتبر القيمة يوم القبض، وعند محمد يوم الكساد، والاصح عند الامام أن عليه قيمتها يوم الانقطاع من الذهب والفضة. ولو اشترى فلوسا وتقابضا على أن كل واحد منهما بالخيار وتفرقا على ذلك فسد البيع لان الخيار يمنع صحة القبض، ولو كان أحدهما بالخيار فالبيع جائز عندهما لان الخاير لا يمنع ثبوت الملك له في المبيع فوجد القبض المستحق في أحدهما، وعلى قول أبي حنيفة لا يجوز لان الخيار يؤثر في الجانبين فيمنع صحة القبض. وإن باع فلسا بعينه بفلسين بأعيانهما بشرط الخيار يجوز اه. ما في المحيط من باب بيع الفلوس واستقراضها قوله: (وللحم بالحيوان) أي وصح بيع اللحم بالحيوان عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف. وقال محمد: لا يجوز إذا كان من جنسه إلا إذا كان اللحم المفرز أكثر من اللحم الذي في الحيوان ليكون اللحم بمقابلة ما فيه والباقي من اللحم بمقابله السقط - وهو بفتحتين - ما لا ينطلق عليه اسم اللحم كالجلد والكرش والامعاء والطحال وصار كالحل - وهو بالمهملة - دهن السمسم. ولهما أنه باع الموزون بما ليس بموزون فصار كبيع السيف بالحديد لان الحيوان لا يوزن عادة ولا يمكن معرفة ثقله بالوزن بخلاف تلك المسألة لان الوزن في الحل يعرف قدر الدهن إذا ميز. وذكر الشارح: وإنما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر نسيئة لان المتأخر منهما لا يمكن ضبطه لا لانها جنس وحد أر ترى أنه لا يجوز ذلك إذا بيع بغيره من خلاف الجنس أيضا اه. ولو باع شاة مذبوحة بشاة حية يجوز عند الكوعلى هذا شاتان مذبوحتان غير مسلوختين بشاة مذبوحة لم تسلخ يجوز. وفي
شرح الطحاوي: لو كانت الشاة مذبوحة غير مسلوخة فاشتراها بلحم الشاة فالجواب في قولهم جميعا كما قال محمد، وأراد بغير المسلوخة غير المفصولة عن السقط. وفي الحاوي: لو باع شاة في ضرعه لبن بجنس لبنها فهو على الاختلاف الذي في اللحم. قوله: (والكرباس بالقطن وكذا بالغزل كيفما كان) أي صح لاختلافهما جنسا لان الثوب لا ينقض ليعود غزلا
[ 221 ]
أو قطنا، والكرباس الثياب من الملحم والجمع كرابيس وإليها ينسب الامام المحبوبي باعتبار بيعها. وأشار المصنف إلى أنه لو باالقطن المحلوج بغزل فإنه يجوز كيفما كان لاختلاف الجنس وهو قول محمد. وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا متساويا. وقول محمد أظهر. وفي الحاوي: وهو الاصح. ولو باع المحلوج بغير المحلوج جاز إذا علم أن الخالص أكثر مما في الآخر، وإن كان لا يدري لا يجوز. وكذا لو باع القطن غير المحلوج بحب الطن فلا بد أن يكون الحب الخالص أكثر من الحب الذي في القطن حتى يكون قدره مقابلا به والزائد بالقطن وكذا لو باع شاة على ظهرها صوف أو في ضرعها لبن بصوف أو لبن يشترط أن يكون الصوف أو اللبن أكثر مما على الشاة لما ذكرنا من المعنى وهو نظير بيع الزيت بالزيتون قوله: (والرطب بالرطب أو بالتمر متماثلا والعنب بالزبيب) أي متماثلا أيضا. أما الاول فهو قول أبي حنيفة. وقال الباقون من العلماء ومنهم أبو يوسف ومحمد: لا يجوز. وأجمعوا على أن بيع الرطب بالتمر متفاضلا لا يجوز. ودليل الجماعة قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل عنه أينقص إذا جف؟ فقيل: لا إذن. رواه مالك في الموطأ والاربعة في السنن عن زيد بن عياش عن سعد بن أبي وقاص. وله أن الرطب تمر لوقله عليه الصلاة والسلام حين أهدي إليه رطب: أو كل تمر خيبرهكذا؟ سماه تمرا، وتعقبه في غاية البيان بأن الهدية كانت تمرا وتبعه في البناية بأن الثابت في البخاري أنها تمر، ولان الرطب لو كان تمرا جاز البيع بأول الحديث وهو التمر بالتمر وإن كان غير تمر فبآخره وهو إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم هكذا استدل الامام الاعظم حين اجتمع عليه علماء بغداد وكانوا أشداء عليه لمخالفته
الخبر. وأجاب عن حديثهم بأن مداره على زيد بن عياش وهو ممن لا يقبل حديثه. وفي الهداية: وهو ضعيف عند النقلة. وتعقبه في البناية بأنه ثقة عند النقلة. قالالخطابي: وقد تكلم بعض الناس في إسناد هذا الحديث. وقال: زيد بن عياش مجهول وليس كذلك فإن ابن عياش هذا مولى لبني زهرة وقد ذكره مالك في الموطأ وأخرج حديثه مع شدة تحريه في الرجال ونقده وتتبعه لاحوالهم. وقد أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ورواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح لاجماع
[ 222 ]
أئمة النقل على أمانة مالك بن أنس وأنه محمد لما يرويه اه. قال الحاكم قال الاكمل: سلمنا قوته في الحديث ولكنه خبر واحد لا يعارض به المشهور. وفي غاية البيان: قوله ومدار ما روياه على زيد بن عياش والمذكور في كتب الحديث زيد أبو عياش. ورده في البناية بأنه وهم فيه لانه ابن عياش وكنيته أبو عياش وكذلك وهم فيه الشيخ علاء الدين التركماني هكذا. وقال صاحب التنقيح: زيد بن عياش أبو عياش الزلاني ويقال المخزومي ويقال مولى بني زهرة والمدني ليس به بأس اه. وفي العناية: واعترض بأن الترديد المذكور يقتضي جواز بيع المقلية بغير المقلية لان المقلية إما أن تكون حنطة فيجوز بأول الحديث، أو لا فيجوز بآخره. فمنهم من قال ذلك كلام حسن في المناظرة لدفع شغب الخصم والحجة لا تتم به بل ببما بيناه من إطلاق اسم التمر عليه فقد ثبت أن التمر اسم لثمرة خارجة من النخلة من حيث تنعقد صورتها إلى أن تدرك والرطب اسم لنوع منه كالبرني وغيره اه. وفي يفتح القدير: وقد رد ترديده بين كونه تمرا أو لا بأن هنا قسما ثالثا وهو كونه من الجنس ولا يجوز بيعه بالآخر كالحنطة المقلية بغير المقلية لعدم تسوية الكيل بينهما فكذا الرطب بالتمر لا يسويهما الكيل وإنما يسوي في حال اعتدال البدلين وهو أن يخف الآخر، وأبو حنيفة يمنعه ويعتبر التساوي في حال العقد وعروض النقص بعد ذلك لا يمنع مع المساواة في الحال إذا كان موجبه أمرا خلقيا وهو زيادة الرطوبة بخلاف المقلية بغيرها فإنا في الحال نحكم بعدم التساوي لاكتناز
أحدهما في الكيل بخلاف الآخر لتخلل كثير. وأجيب عن حديث زيد بن عياش أيضا بأن المراد النهي عنه نسيئة فإنه ثبت في حديث أبي عياش هذا زيادة نسيئة كما رواه أبو داود: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب التمر نسيئة. وبهذا اللفظ رواه الحاكم وسكت عنه. ورواه الطحاوي. وهذه الزايدة بعد صحتها يجب قبولها لان المذهب المختار عند المحدثين قبولها وإن كان الاكثر لم يروها إلا في زيادة تفرد بها بعض الحاضرين في مجلس واحد، ومثلهم لا يغفل عن مثلها فإنها مردودة، لكن يبقى قوله في تلك الرواية الصحيحة أينقص الرطن إذا جف عريا عن الفائدة إذا كان النهي عنه نسيئة، وما ذكروا أن فائدته أن الرطب ينقص إلى أن يحل الاجل فلا يكون في هذا التصرف منفعة لليتيم باعتبار النقصان عند الجفاف فمنعه شفقة مبني على أن السائل كان ولي يتيم ولا دليل عليه اه. وفي شرح الطحاوي: ولو باع الثمار بعضهما ببعض مجازفة لم يجز إلا إذا كان كيلا وعرف تساويهما في الكيل قبل التفرق بالابدان عن
[ 223 ]
مجلس العقد فإنه يجوز البيع، وكذلك إذا كان ثمر بين اثنين اقتسماه مجازفة لا يجوز لان القسمة بمنزلة البيع إلا إذا علم تساويهما في الكيل قبل الفرق، ولو بيع بعضهما ببعض وزنا متساويا لا يجوز لان من شرط جواز التسوية الكيل ولا يدري ذلك وعن أبي يوسف إذا غلب استعمال الناس بالوزن يصير وزنيا ويجوز ويعتبر التساوي وزنا وإن كان أصله كيليا، وأما بيع الرطب بالرطب فلما روينا أن اسم الثمر يتناوله فيجوز بيعه مثلا، بمثل ولو باع البسر بالتمر لا يجوز التفاضل فيه لانه تمر بخلاف الكفري حيث يجوز بيعه بما شاء من التمر لانه ليس بتمر، ولذا لا يجوز السلم فيه، والكفري - بضم الكاف وفتح الفاء وتشديد الراي مقصورا - اسم لوعاء الطلع وهو كم النخل أول ما ينشق، وأما الثانية وهي بيع العنب بالزبيب فعلى الاختلاف السابق، وقيل لا يجوز اتفاقا كالمقلية بغيرها والمطبوخة بغير المطبوخة. ولو باع حنطة رطبة أو مبلولة أو يابسة جاز، وكذا لو باع تمرا منقعا أو زبيبا منقعا بتمر مثله أو زبيب مثله أو باليابس منهما جاز عندهما خلافا لمحمد.
قوله: (واللحوم المختلفة بعضها ببعض متفاضلا ولبن البقر والغنم وخل الدقل بخل العنب) لان أصولها أجناس مختلفة حتى لا يضم بعضها إلى بعض في الزكاة، وأسماؤها أيضا مختلفة باعتبار الاضافة كدقيق الشعير والبر والمقصود أيضا يختلف، والمعبر في الاتحاد المعنى الخاص دون العام، ولو اعتبر العام لما جاز بيع شئ بشئ أصلا. قيد بالمختلة لان غيرها لا يجوز متفاضلا كلحم البقر والجاموس أو لبنهما أو لحم المعز والضأن أو لبنها أو لحم العراب والبخاتي لاتحاد الجنيس بدليل الضم في الزكاة للتكميل فكذا أجزائهما ما لم يختلف المقصود كشعر المعز وصوف الضان أو ما يتبدل بالصنعة لاختلاف المقاصد، ولذا جاز بيع الخبز بالحنطة متفاضلا. وكذا بيع الزيت المطبوخ بغير المطبوخ أو الدهن المربى بالبنفسج بغير المربى
[ 224 ]
منه متفاضلا. وإنما جاز بيع لحم الطير بعضه ببعض متفاضلا وإن كان من جنس واحد لم يتبدل بالصنعة لكونه غير موزون عادة فلم يكن مقدرا فلم توجد العلة، فحاصله أن الاختلاف باختلاف الاصل أو المقصود أو تبدل الصنعة. وفي فتح القدير: وينبغي أن يستثنى من لحوم الطير الدجاج والاوز فإنه يوزن في عادة ديار أهل مصر بعظمه. والدقل ردئ التمر بخل العنب متفاضلا وكذا عصيرهما لاختلاف أصلهما جنسا، وتخصيص الدقل باعتبار العادة لان الدقل هو الذي كان يتخذ خلا في العادة اه. والحاصل أن ما يوجب اختلاف الامور ثلاثة: اختلاف الاصول واختلاف المقاصد وزيادة الصنعة ومنهم جواز بيع إناء صفر أو حديد أحدهما أثقل من الآخر، وكذا قمقمة بقمقمتين، وإبرة بإبرتين، وخوذة بخوذتين، وسيف بسيفين، وداوة بدواتين ما لم يكن شيى من ذلك من أحد النقدين فيمتنع التفاضل وإن اصطلحوا بعد الصباغة على ترك الوزن والاقتصار على العقد والصورة، كذا في فتح القدير قوله: (وشحم البطن بالالية أو باللحم) أي يصح بيعها متفاضلا وإن كانت كلها من الضان لانها أجناس مختلفة لاختلاف الاسماء والصور والمقاصد قوله: (والخبز بالبر أو بالدقيق متفاضلا) لان الخبز بالصنعة صار جنسا آخر حتى يخرج من أن يكون مكيلا
والبر والدقيق ميكلان فلم يجمعهما القدر ولا الجنس حتى جاز بيع أحدهما بالآخر نسيئة إذا كانت الحنطة هي المتأخرة لامكان ضبطها. وإن كان الخبز هو المتأخر فالسلم فيه لا يجوز عند أبي حنيفة لانه يتفاوت بالطحن والعجن والنضج. واختلف على قولهما فمنهم من جوزه على قياس السلم باللحم وبه يفتى للتعامل. وفي الحاوي: يجوز بيع اللبن بالجبن اه قوله: (لا بيع البر بالدقيق أو بالسويق) أي لا يجوز بيع الحنطة بأحدهما متفاضلا ولا متساويا لانه جنس من وجه، وإن خص باسم آخر فيحرم لسبهة الربا والمعيار فيهما الكيل وهو غير مسولهما بخلاف بيع دهن السمسم بالسمسم حيث يجوز لان المعيار فيه الوزن وهومسو، والسويق ما يجرش من الشغير والحنطة وغيرهما، ذكره الكرماني في باب من مضمض من السويق. وأشار المؤلف إلى جواز بيع الدقيق بالدقيق متساويا ولا يجوز متفاضلا لاتحاد الاسم والصورة والمعنى، ولا عبرة باحتما التفاضل كما في البر بالبر. وقيده ابن الفضل بما إذا كانا مكبوسين وإلا لا يجوز، وإن باعه بمثله موازنة ففيه روايتان. وبيع المتخول بغير المتخول لا
[ 225 ]
يجوز إلا متساويا كما في الخلاصة. وقيد بالبر لان بيع الدقيق بالسويق لا يجوز مطلقا عنده، وجاز عندهما مطلقا لاختلاف الجنس ولكن يدا بيد لان القدر يجمعهما. وله أنهما جنس واحد من وجه لانهما من أجزاء الحنطة، وبيع المقلية بالمقلية والسويق بالسويق متساويا جائز لاتحاد الاسم. قوله: (والزيتون بالزيت والسمسم بالشيرج حتى يكون الزيت والشيرج أكثر مما في الزيتون والسمسم) أي لا يجوز البيع في ثلاث صور: الاولى أن يعلم أن الزيت الذي في الزيتون أكثر لتحقق الفصل من الدهن والتفل. الثانية أن يعلم التساوي لخلو التفل عن العوض. الثالثة أن لا يعلم أنه مثل أو كثر أو أقل فلا يصح عندنا لان الفضل المتوهم كالمتحقق احتياطا، وعند زفر جاز لان الجواز هو الاصل والفساد لوجود الفضل الخالي فما لم يعلم لا يفسد، ويجوز البيع في صورة بالاجماع أن يعلم أن الزيت المنفصل أكثر ليكون الفضل
بالتفل، وكذا بيع الجوز بدهنه واللبن بسمنه والتمر بنواه. وكل شئ لتفله قيمة إذا بيع بالخالص منه لا يجوز حتى يكون الخالص أكثر وإن لم يكن لتفله قيمة كتراب الذهب إذا بيع بالذهب أو تراب الفضة إذا بيع بالفضة لا يشترط أن يكون الذهب أو الفضة أكثر مما في التراب لان التراب لاقيمة له فلا يجعل بإزائه شئ حتى لو جعل فسد لربا الفضل. وفي الحاوي: وإن باع حنطة بحنطة في سنبلها لم يجز وإن باع قصيب حنطة بحنطة كيلا وجزافا جاز وإن لم يشترط الترك اه قوله: (ويستقرض الخبز وزنا لا عددا) وهذا عند أبي يوسف، وعند محمد يستقرض بهما، وعند أبي حنيفة لا يستقرض بهما، وذكر الشارح أن الفتوى على قول أبي يوسف. وفي شرح المجمع: القتوى على قول محمد. وفي فتح القدير: وأنا أرى أن قول محمد أحسن. وفي الجوهرة قال محمد: ثلاث من الدتاءة: استقراض الخبز والجلوس على باب الحمام والنظر في مرآة الحجام اه. وفي المجتبي: باع رغيفا نقدا برغيفين نسيئة يجوز، ولو كان الرغيفان نقد والرغيف نسيئة لا يجوز، ولو باع كسيرات الخبز يجوز نقدا ونسيئة كيف كان قوله: (ولا ربا بين المولى وعبده) لانه وما في يده ملكه. أطلقه وهو مقيد بما إذا لم يكن عليه دين مستغرق لرقبته وكسبه، وأما إذا كان مستغرقا فيجري الربا بينهما اتفاقا لعدم الملك عنده للمولى في كسبه كالمكاتب، وعندهما لتعلق حق الغير، والتحقيق أنه
[ 226 ]
على إطلاقه ولا ربا بينهما وإن كان مديونا مستغرقا وإنما يرد الزائد لتعلق حق الغرماء به كما لو أخذ منه شيأ بغير عقد، كذا في المعراج. ولو كان عليه دين غير مستغرق فلا ربا. وفي مأذون المحيط إذا أخذ المولى من كسب المأذون شيأ ثم لحقه دين سلم للمولى ما إخذ، وإن كان عليه يوم الاخذ ولو قليلا لم يسلم، وفائدته لو لحقه آخر رد المولى جميع ما أخذه بخلاف ما إذا أخذ منه ضريبة وليس عليه دين فإنها تسلم له استحسانا، والمدبر وأم الولد كالعبد بخلاف المكاتب. وأشار المصنف إلى أنه لا ربا بين المتفاوضين وشريكي العنان إذا تبايعا من مال الشركة وإن كان من غيره جرى بينهما.
قوله: (ولا بين الحربي والمسلم ثمة) أي لا ربا بينهما في دار الحرب عندهما خلافا لابي يوسف. وفي البناية: وكذا إذا باع خمرا أو خنزيرا أو ميتة أو قامرهم وأخذ المال كل ذلك يحل له. ولهما الحديث لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب ولان مالهم مباح وبعقد الامان منهم لم يصر معصوما إلا أنه التزم أن لا يتعرض لهم بغدر ولا لما في أيديهم بدون رضاهم فإذا أخذ برضاهم أخذ مالا مباحا بلا غدر فيملكه بحكم الاباحة السابقة إلا أنه لا يخفي أنه إنما اقتضى حل مباشرة العقد إذا كان الزيادة ينالها المسلم والربا أعم من ذلك إذ يشمل ما إذا كان الدرهمان من جهة المسلم أو من جهة الكافر وجواب المسألة بالحل عام في الوجهين، كذا في فتح القدير. وحكم من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر كالحربي عند أبي حنيفة لان ماله غير معصوم عنده فيجوز للمسلم الربا معه، وأما إذا هاجر إلينا ثم عاد إليهم لم يجز الربا معه لكونه أحرز ماله بدارنا فكان من أهل دار الاسلام، كذا في الجوهرة. وفي المجتبي معزيا إلى الكفاية: مستأمن منا باشر مع رجل مسلما كان أو ذميا في دارهم أو من أسلم هناك شيأ من العقود التي لا تجوز فيما بيننا كالربويات وبيع الميتة جاز عندهما خلافا وأبي يوسف اه. والله تعالى أعلم.
[ 227 ]
باب الحقوق كان من حق مسائل هذا الباب أن تذكر في الفصل المتصل بأول البيوع إلا أن المصنف التزم ترتيب الجامع الصغير، ولان الحقوق توابع فيليق ذكرها بعدما مسائل البيوع، كذا في المعراج. والحقوق جمع حق. وفي المصباح الحق خلاف الباطل وهو مصدر حق الشئ من بابي ضرب وقتل إذا وجب وثبت ولهذا يقال لمرافق الدار حقوقها اه. وفي البناية: الحق ما يستحقه الرجل وله معان أخر منها الحق ضد الباطل اه. وفي شرح المنار للسيد نكركار: الحق هو الشئ الموجود من كل وجه ولا ريب في وجوده ومنه قوله عليه السلام السحر حق والعين حق اه. وفي شرح البخاري للكرماني: الحق حقيقة هو الله تعالى بجميع صفاته
لانه الموجود حقيقة بمعنى لم يسبق بعدم ولم يلحقه عدم وإطلاق الحق على غيره مجاز ولذا ورد في الحديث اللهم أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق بالتعريف في الثلاثة ثم قال ولقاؤك حوالجنة حق والنار حق والساعة حق بالتنكير اه وذكر الاصوليون أن الاحكام أربعة: حقوق الله تعالى خالصة، وما اجتمعا فيه وحق الله تعالى غالب كحد القذف، وما اجتمعا فيه وحق العباد غالب كالقصاص. قالوا: والمراد من حق الله تعالى ما تعلق نفعه بالعموم وإنما نسب إلى الله تعظيما لانه متعال عن أن ينتفع بشئ ولا يجوز أن يكون حقا له تعالى بجهة التخليق لان الكل سواء في ذلك قوله: (العلو لا يدخل بشراء بيت بكل حق) يعني إذا اشترى بيتا فوقه بيت لا يدخل فيه العلو ولو قال بكل حق هو له ما لم ينص عليه لان البيت اسم لمسقف واحد يصلح للبيتوتة والعول مثله والشئ لا يكون تبعا لمثله. وفي المصباح: علو الدار وغيرها خلاف السفل بضم العين وكسرها اه. وأورد المستعير له أن يعير ما لا يختلف والمكاتب له أن يكاتب عبده فأجيب بأن ذلك ليس بطريق الاستتباع بل لما ملك المستعير المنفعة بغير بدل كان له أن يملك ما ملك كذلك، والمكاتب بعقد الكتابة لما صار أحق بمكاسبه كان له ذلك لان كتابة عبده من أكسابه. قوله: (وبشراء منزل إلا بكل حق هو له أو بمرافقه أو بكل قليل وكثير هو فيه أو منه)
[ 228 ]
أي لا يدخل العلو بشراء منزل إلا أن يقول المشتري لفظا من الثلاثة لان المنزل له شبه بالدار وبالبيت لانه اسم لما يشتمل على بيوت وصحن مسقف ومطبخ يسكن فيه الرجل بأهله مع ضرب قصور فيه فإنه ليس فيه اصطبل، فلشبه الدار يدخل بذكر التوابع، ولشبه البيت لا يدخل من غير ذكر توفيرا عليهما حظهما. وفي الكافي: إن هذا التفصيل مبني على عرف الكوفة وفي عرفنا يدخل العلو في الكل، سواء باع باسم البيت أو المنزل أو الدار، والاحكام تبتني على العرف فيعتبر في كل إقليم وفي كل عصر عرف أهله. وفي الذخيرة: اعلم أن الحق في العادة يذكر فيما هو تبع للمبيع ولا بد للمبيع منه ولا يقصد إلا لاجل المبيع
كالطريق والشرب للارض والمرافق عبارة عما يرتفق به ويختص بما هو من التوابع كالشرب ومسيل الماء. وقوله كل قليل وكثير يذكر على وجه المبالغة في إسقاط حق البائع عن المبيع مما يتصل بالمبيع اه. وفي المصباح: المرافق جمع مرفق بكسر الميم وفتح الفاء لا غير كالمطبخ والكنيف ونحوه على التشبيه باسم الآلة بخلاف المرفق في الوضوء فإن فيه لغتين فتح الميم وكسر الفاء كمسجد وبالعكس، وكذا المرفق بمعنى ما ارتفقت به اه. فالحاصل أن المرفق مطلقا فيه لغتان إلا مرفق الدار. وفي جامع الفصولين من الفصل السابع: وما يذكر في دعوى العاقر من قوله بحقوقه ومرافقه فحقوقه عبارة عن مسيل الماء وطريق وغيره وفاقا ومرافقه عند أبي يوسف عبارة عن منافع الدار، وفي ظاهر الرواية المرافق هي الحقوق اه قوله: (ودخل بشراء دار) أي العلو بشراء دار وإن لم يذكر شيأ من ذلك لان الدار اسم لما أدير عليه الحدود من الحائط، ويشتمل على بيوت ومنازل وصحن غير مسقف والعلو من أجزائه فيدخل فيه من غير ذكر. وفي البناية: الدار لغة اسم لقطعة أرض ضربت لها الحدود وميزت عما يجاورها بإدارة خط عليها فبني في بعضها دون البعض ليجمع فيها مرافق الصحراء للاسترواح ومنافع الابنية للاسكان وغير ذلك، ولا فرق بين ما إذا كانت الابنية بالماء والتراب أو بالخيام والقباب اه قوله: (كالكنيف) أي كما يدخل بشراء الدار وإن لم يصرح به لان الكنيف منها، وكذا يدخل بئر الماء والاشجار التي في صحنها والبستان الداخل فأما الخارج فإن كان أكبر منها أو مثلها لا يدخل إلا بشرط، وإن كان أصغر منها يدخل لانه
[ 229 ]
يعد من الدار عرفا. والكنيف المستراح وفي المصباح: الكنيف الساتر ويسمى الترس كنيفا لانه يستر صاحبه. وقيل للمرحاض كنيف لانه يستر قاضي الحاجة والجمع كنف مثل نذير ونذر اه. أطلقه فشمل ما إذا كان الكنيف خارجا مبنيا على الظلة لانه يعد منها عادة. قوله: (لا الظلة إلا بكل حق) أي لا تدخل الظلة في بيع الدار إلا إذا قال بكل حق وهي السباط الذي يكون أحد طرفيه على الدار والآخر على دار الاخرى أو على أسطوانات في
السكة، كذا في فتح القدير. وفي الصحاح: والظلة بالضم كهيئة الصفة وقرئ * (في ظلل على الارائك متكئون) * [ يس: 65 ] والظلة أيضا أول سحابة تظل عن أبي زيد وعذاب يوم الظلة قالوا: غيم تحته سموم والمظلة بالكسر البيت الكبير من الشعر اه. وفي المغرب: قول الفقهاء ظلة الدار يريدون السدة التي تكون فوق الباب. وإنما لا تدخل عند أبي حنيفة لانها مبنية على الطريق فأخذت حكمه. وعندهما إن كان مفتحها في الدار تدخل مطلقا لانها من توابعها كالكنيف. وليس مراد المصنف بقوله إلا بكل حق القصر على هذا بل إنما المراد به أو بنحوه بأن يقال بمرافقها أو بكل قليل وكثير هو فيه، كذا في البناية. وفي الخانية: ويدخل الباب الاعظم فيما إذا باع بيتا أو دارا بمرافقة لان الباب الاعظم من مرافقها اه. قوله: (ولا يدخل الطريق والمسيل والشرب إلا بنحو كل حق بخلاف الاجازة) أي لا تدخل الثلاث في بيع الارض أو المسكن إلا بذكر كل حق ونحوه بخلاف الاجارة حيث تدخل مطلقا لان كلا منها خارج عن الحدود فكانت تابعة فتدخل بذكر التوتبع وأنا الاجارة وإنما المقصود منها الانتفاع ولا يتحقق إلا بها ولان البيع شرع لتمليك العين لا المنفعة بدليل صحة شراء جحش ومهر صغير وأرض سبخة ولا تصح إجارتها، وكذا لو استأجر علوا واستثنى الطريق فسدت بخلاف
[ 230 ]
البيع، وقد يتجر في العين فيبيعه من غيره فحصلت الفائدة المطلوبة. وفي المعراج: أراد الطريق الخاص في ملك إنسان أما الطريق إلى سكة غير نافذة أو إلى طريق عام يدخل اه. وفي المحيط: وكذا ما كان له من حق مسيل الماء أو القاء الثلح في ملك إنسان لحاجته. وفي الذخيرة بذكر الحقوق: إنما يدخل الطريق الذي يكون عند البيع لا الطريق الذي كان قبل البيع حتى إن من سد طريق منزله وجعل له طريقا آخر وباع المنزل بحقوقه يدخل تحت البيع الطريق الثاني لا الطريق الاول، كذا في البناية. فإن ذكر الحقوق وقال البائع ليس للدار المبيعة طريق في دار أخرى فإن المشتري لا يستحق الطريق من غير حجة لكن له أن يردها بالعيب، وكذا لو كانت جذوع دار أخرى على الدار المبيعة، فإن كانت المبيعة، فإن كانت الجذوع للبائع يؤمر البائن بالرفع، وإن كانت
لغيره كان عيبا، كذا لو ظهر في الدار المبيعة طريق أو مسيل ماء لدار أخرى، فإن كانت تلك الدار للبائع لم يكن للبائع أن يمر في الدار المبيعة لانه باعها من غير استثناء، وإن كانت تلك الدار لغير البائع كان عيبا، كذا في شرح الجامع الصغير لقاضيخان. وفي الخلاصة: يدخل الطريق في الرهن والصدقة الموقوفة كالاجارة. وفي الخانية: لو أقر بدار أو صالح على دار أو وصي بدار ولم يذكر حقوقها ومرافقها لم يدخل الطريق اه. وأما إذا اقتسما ولم يذكرا طريقا فإن أمكنه فتح باب صحت وإلا فسدت ولا يدخل إلا بذكر الحقوق وفي البيع يدخل بذكر الحقوق وإن أمكنه فتح باب، وبيان الفرق بين القسمة والاجارة بوبينهما وبين البيع في المعراج اه.
[ 231 ]
باب الاستحقاق وهو طلب الحق. وفي المصباح: استحق فلا الامر استوجبه، قاله الفارابي وجماعة. فالامر مستحق بالفتح اسم مفعول ومنه خرج البيع مستحقا ا ه. وذكره عقيب الحقوق
[ 232 ]
للمناسبة بينهما لفظا ومعنى قوله: (البينة حجة متعدية لا الاقرار) لان البينة لا تصير حجة إلا بقضاء القاضي وله ولاية عامة فينفذ قضاؤه في حق الكافة، والاقرار حجة بنفسه لا يتوقف على القضاء وللمقر ولاية على نفسه دون غيره فيقتصر عليه، كذا ذكر الشارح. وظاهره أن معنى التعدي أنه يكون القضاء به قضاء على كافة الناس في كل شئ قضى به بالبينة وليس كذلك، وإنما يكون القضاء على الكافة في العتق. قال في الخلاصة: القضاء بحرية العبد قضاء في حق الناس كافة ا ه. وفي الصغرى من دعوى النكاح من كتاب الدعوى: إذا قضى القاضي لانسان بنكاح امرأة أو بنسب أو بولاء عتاقة ثم ادعاه الآخر لا تسمع، ذكره في آخر الباب الرابع والمائه من أدب القاضي ا ه. وأما القضاء بالوقف ففي الخلاصة من القضاء والقضاء بوقفية موضع هل يكون قضاء على الناس كافة؟ اختلف المشايخ فيه. وفي كتاب الدعوى: أرض في يد رجل ادعى أن هذه الدار وقف من جهة فلان على جهة
معلومة وأنه متولي ذلك الوقف وذكر الشرائط وأثبت بالبينة وقضى القاضي بالوقفية ثم جاء رجل وادعى أن هذه الارض ملكه وحقه تسمع بخلاف العبد إذا ادعى العتق على إنسان وقضى القاضي بالعتق ثم ادعى رجل أن هذا العبد ملكه لا تسمع لان القضاء بالعتق قضاء على جميع الناس كافة بخلاف الوقف. قال الصدر الشهيد: لم نر لهذا رواية ولكن سمعت أنت فتوى السيد أبي شجاع على هذا. وفي فوائد شمس الائمة الحلواني وركن الاسلام علي السغدي أن الوقف كالعتق في عدم سماع الدعوى بعد قضاء القاضي بالوقفية لان الوقف بعد ما صح بشرائطه لا يبطل إلا في مواضع مخصوصة وكذا في النوازل ا ه. وصحح العمادي في الفصول أن القضاء به ليس قضاء على الكافة فتسمع فيه دعوى الملك فقد ظهر بهذا أن القضاء يكون على الكافة في الحرية والنكاح والنسب والولاء خاصة، وفي الوقف يقتصر على الاصح. وأما القضاء بالملك فقضاء على المدعي عليه وعلى من تلفى الملك منه،
[ 233 ]
كذا في الخلاصة. وفيها قبله: المشتري إذا صار مقضيا عليه هل يصير البائع مقتضيا عليه حتى لا تسمع إن قال المشتري في جواب دعوى المدعي ملكي لاني اشتريته من فلان يعني من البائع صار البائع مقضيا عليه حتى لا تسمع دعوى البائع هذا المحدود ويرجع المشتري عليه بالثمن، أما إذا قال في الجواب ملكي ولم يزد عليه لا يصير البائع مقضيا عليه حتى تسمع دعواه هذا المحدود. والارث كالشراء وهو منصوص في الجامع الكبير وصورتها: دار في يد رجل يدعي أنها له فجاء آخر وادعى أنها له ورثها من أبيه وأقام البينة وقضى القاضي له عليه بها ثم جاء أخو المقضي عليه وادعى أن هذه الدار كانت لابيه مات وتركها ميراثا له بين الاخ المقضي عليه وبينه يقضي للاخ المدعي بنصف الدار لان الاخ المقضي عليه لم يقل في الجواب ملكي لاني ورثتها من أبي فلم يصر الاخ الآخر حينئذ مقضيا عليه فتسمع دعواه، وكذا لو أقر ذو اليد وهو الاخ المقضي عليه أنه ورثها من أبيه بعد ما أنكر وبعد إقامة البينة، ولو أقر أنه ورثها من أبيه قبل إقامة البينة لا تسمع دعوى الاخ ا ه. وذكر قبله المورث إذا صار مقضيا
عليه في محدود فمات فادعى وارثه ذلك المحدود، إن ادعى الارث من هذا المورث لا تسمع، وإن ادعى مطلقا تسمع، وإن كان على القلب بأن كان المورث مدعيا والمقضي عليه أجنبيا فلما مات المورث ادعى المقضي عليه هذا المحدود مطلقا على وارثه لا تسمع. وذكر فيها معزيا إلى الصغرى في دعوى الدين على إحدى الورثة وقد أقر المدعي أن الميت لم يترك شيأ القضاء عليه قضاء على الميت ا ه. وحاصله أن القضاء على المشتري قضاء على البائع بالشرط السابق. وفي فتح القدير: إن القضاء باستحقاق المبيع من يد المشتري قضاء على الكل ولا تسمع دعوى أحدهما أنه ملكه، وعلى الوارث قضاء على المورث بشرطه، وعلى المورث قضاء على الوارث بشرطه، وعلى أحد الورثة قضاء على الباقي بشرطه. وذكر ملاخسر ومن باب الاستحقاق والحكم بالحرية الاصلية حكم على الكافة حتى لا تسمع دعوى الملك من أحد، وكذا العتق وفروعه. وأما الحكم في الملك المؤرخ فعلى الكافة من التاريخ لا قبله يعني إذا قال زيد لبكر إنك عبدي ملكتك منذ خمسة أعوام فقال بكر إني كنت عببشر ملكني منذ ستة أعوام فأعتقني فبرهن عليه اندفع دعوى زيد، ثم إذا قال عمر ولبكر إنك عبدي ملكتك منذ سبعة أعوام وأنت ملكي الآن فبرهن عليه تقبل ويفسخ الحكم بحريته ويجعل ملكا
[ 234 ]
لعمرو، ويدل عليه أن قاضيخان قال في أول البيوع في شرح الزيادات فصارت مسائل الباب على قسمين: أحدهما عتق في ملك مطلق وهو بمنزلة حرية الاصل والقضاء به قضاء على كافة الناس، والثاني القضاء بالعتق في الملك المؤرخ وهو قضاء على كافة الناس من وقت التاريخ ولا يكون قضاء قبله فليكن هذا على ذكر منك الكتب المشهورة خالية عن هذه الفائدة ا ه. ومن فروع التعدي إذا قض ء بها دون الاقرار مسألة في الاستحقاق إذا استحق المبيع ببينة رجع المشتري على بائعه بالثمن وبالاقرار لا. وفي مسائل الاستحقاق ما في جامع الفصولين: لو استحق بالبينة فطلب ثمنه من بائعه فقال المبيع لي وشهدا بزور فقال المشتري أنا
أشهد بذلك وأنهما شهدا بزور فللمشتري أن يرجع بثمنه على بائعه مع هذا الاقرار إذ المبيع لم يسلم له فلا يحل ثمنه للبائع، ثم قال المرجوع عليه عند الاستحقاق لو أقر بالاستحقاق ومع ذلك برهن الراجع على الاستحقاق كان له أن يرجع على بائعه إذ الحكم وقع ببينة لا بإقرار لانه محتاج إلى أن يثبت عليه الاستحقاق ليمكنه الرجوع على بائعه. وفيه: لو برهن المدعي ثم أقر المدعي عليه بالملك يقضي له بإقرار لا ببينة إذا البينة إنما تقبل على المنكر لا على المقر وفيه اختلاف المشايخ، فقيل يقضي بالاقرار، وقيل بالبينة والاول أظهر وأقرب إلى الصواب ا ه. وأورد على أن الاقرار قاصر على المقر مسألتان: الاولى إذا أراد الزوج أن يسافر بامرأته فأقرت بدين لانسان فإنه يمنعها من السفر. الثانية إذا أقر الآجر بدين يصح وتنفسخ الاجارة ولم يقتصر الاقرار على المقر، والجواب أن هذا الاقرار وإن كان على الغير لكنه من ضرورات الاقرار لانه صادف خالص حتى المقر وهو الذمة ثم لزمم منه إتلاف حق الغير بالضرورة ولان المرأة والآجر يقدران على الانشاء بالاستقراض وهذا قول أبي حنيفة. وعندهما لا يصدق المؤجر في حق المستأجر ولا تنتقض الاجار ولا تصدق المرأة في حق الزوج حتى لا يكون للمقر له حبسها وملازمتها، ولا يبطل حق الزوج في نقلها، كذا ذكره العتابي في شرح الزيادات، وذكر قبله أصلا لابي حنيفة فقال: أصل الباب أن إقرار الانسان على غيره لا يصح
[ 235 ]
وذلك بأن يتضمن إقراره بطلان حق الغير بحيث يضاف البطلان إلى إقراره، ففي مسألة الاجارة إنما يصح إقراره لانه تصرف في ذمة نفسه بالتزام الدين ثم تعدى إلى حق الغير وهو المستأجر وحقه إنما يبطل بعد الاقرار بالبيع والتنفيذ فلا يضاف البطلان إلى إقرار الآجر فلا يكون إقرارا على الغير وكذا في مسألة المرأة ا ه. ومن مسائل اقتصار الاقرار مسألة في الذخيرة من الفصل الثالث والعشرين من المتفرقات قبيل الصرف ذكر في الباب الاول من شهادات الجامع: شهدا على رجل بعتق عبد فردت لتهمة فوكل المولى أحدهما ببيعه فباعه من الشاهد الآخر صح البيع لان قولهما لم ينفذ في حق المالك والمتعاقدان وإن تصادقا على فساد
البيع لكن قولهما ليس بحجة على غيرهما، وعتق العبد لاقرار المشتري بحريته وولاؤه موقوف، وبرئ المشتري عن الثمن في قياس قولهما ولا يبرأ في قياس قول أبي يوسف بناء على ابراء الوكيل بالبيع عن الثمن وضمنه الوكيل عندهما، وليس للوكيل حق استيفاء الثمن عند أبي يوسف إنما يستوفيه الموكل بخلاف الوكيل بالبيع إذا أبرأ عن الثمن حتى لا يصح الابراء عنده فللوكيل استيفاؤه، وإن باع الوكيل العبد من غير صاحبه جاز ولا عتق ولا براءة وتمامها فيها. قوله: (والتناقض يمنع دعوى الملك) لان القاضي لا يمكنه أن يحكم بالكلام المتناقض إذ أحدهما ليس بأولى من الآخر فسقطا، وهذا أصل لفروع كثيرة مذكورة في الدعوة، بأس بايراد نبذة منها، فمن ذلك ما في الظهيرية: رجل ادعى على رجل مقدارا معلوما بأنه دين له عليه وأنكره المدعى عليه ثم ادعى أن ذلك المقدار عنده من جهة الشركة فإنه لا تسمع دعواه لانه متناقض في كلامه ولو كان الامر بالعكس تسمع لامكان التوفيق لان مال الشركة يجوز أن يكون دينا بالجحود والدين لا يصير مال الشركة. ومنها ما ذكره فيها أيضا: رجل ادعى على آخر أنه أخوه وادعى عليه النفقة فقال المدعى عليه ليس هو بأخي ثم مات المدعي وخلف أموالا كثيرة فجاء المدعي عليه يطلب ميراثه وقال هو أخي لا تقبل ولا يقضي له بالميراث لانه متناقض، ولو كان مكان دعوى الاخوة دعوى البنوة أو الابوة والمسألة بحالها يقبل ذلك منه ويقضي له بالميراث، ومنها ما ذكره فيها: ادعى عينا في يد إنسان أنها لفلان وكلني بالخصومة فيها ثم ادعى أنها له وأقام البينة على ذلك يصير متناقضا فلا تقبل بينته، ولو ادعى أنها له ثم ادعى بعد ذلك أنه لفلان وكله بالخصومة فيه وأقام البينة على ذلك قبلت بينته ولا يصير متناقضا ا ه. ومنها ما في البزازية: ادعى شراء دار ررمن أبيه فقبل أن يزكي شهوده
[ 236 ]
برهن على أنه ورثها من أبيه تقبل لوضوح التوفيق لانه يقول جحدني الشراء فملكت بالارث وعلى العكس لا. ومنها ما فيها أيضا: ادعى الصدقة منه منذ سنة ثم ادعى الشراء منه منذ
شهر وبرهن لا تقبل إلا إذا وفق كما مر. ومنها ما فيها: لو ادعى أولا الوقف ثم لنفسه لا تسمع كما لو ادعاها لغيره ثم لنفسه، ولو ادعى أنها له ثم ادعى أنها وقف عليه تسمع لصحة الاضافة بالاخصية انتفاعا كما لو ادعاها لنفسه ثم لغيره. ومنها ما فيها أيضا: ادعى أنه لفلان وكله بالخصومة ثم ادعى أنه لفلان آخر وكله بالخصومة لا تقبل إذ الوكيل بالخصومة في عين من جهة زيد مثلا لا يلي إضافته إلى غيره إلا إذا وفق وقال كان لفلان الاول وكان وكلني بالخصومة ثم باعه من الثاني ووكلني الثاني أيضا، والتدارك ممكن بأن غاب عن المجلس ثم جاء بعد مدة وبرهن على ذلك على ما نص عليه الحصيري في الجامع دلنا به أن الامكان لا يكفي. ومنها لو ادعى أنه وكيل عن فلان بالخصومة فيه ثم ادعاه لنفسه لا يقبل لان ما هو له لا يضيفه إلى غيره في الخصومة ولا يحكم له بالملك بعد ما أقر به لغيره، ولو برهن أولا لموكله لعدم الشهادة به له إلا إذا وفق وقال كان لفلان وكلني بالخصومة ثم اشتريته منه وبرهن على ذلك الامر الممكن بخلاف ما إذا ادعاه لنفسه ثم ادعى أنه وكيل لفلان بالخصومة لعدم المنافاة فإن الوكيل بالخصومة قد يضيف إلى نفسه يكون المطالبة له. ومنها ما في الاجناس الصغرى: ادعى محدودا بشراء أو إرث ثم ادعاه ملكا مطلقا لا تسمع إذا كانت الدعوى الاولى عند القاضي، فأما إذا لم تكن عند القاضي فهذا والاول سواء، هذا على الرواية التي ذكروا أن التناقض إنما يتحقق إذا كان كلا الدعوتين عند القاضي، فأما من اشترط أن يكون الثاني عند القاضي يكفي في تحقق التناقض كون الثاني عند الحاكم. وفيها أيضا: والتناقض كما يمنع الدعوى لنفسه يمنع الدعوى لغيره والتناقض يرتفع بتصديق الخصم وبتكذيب الحاكم أيضا وهو معنى قولهم المقر إذا صار مكذبا شرعا بطل إقراره. وفيها: الايداع والاستعارة والاستئجار والاستيهاب إقرار بأن العين لذي اليد فلا تسمع دعواه بأنها له، وطلب نكاح الامة مانع من دعوى تملكها وطلب نكاح الحرة مانع من دعوى نكاحها ا ه. وذكر الاختلاف في أن إمكان التوفيق يكفي لدفع التناقض أو التوفيق بالفعل، ذكرهما في الخلاصة. وفي البزازية معزيا إلى الخجندي أنه اختار أن التناقض إن كان من
المدعي لا بد من التوفيق بالفعل ولا يكفي الامكان، وإن كان من المدعي عليه يكفي الامكان
[ 237 ]
لان الظاهر عند الامكان وجوده ووقوعه والظاهر حجة في الدفع لا في الاستحقاق والمدعي مستحق والمدعى عليه دافع والظاهر يكفي في الدفع لا في الاستحقاق. ويقال أيضا: إن تعدد الوجوه لا يكفي الامكان وإن اتحد يكفي الامكان ا ه. وسيأتي لهذا مزيد إن شاء الله تعالى في مسائل شتى من كتاب القضاء عند قول المصنف ما كان لك علي قط ثم ادعى الايفاء أو الابراء وفي كتاب الدعوى إن شاء الله تعالى. والتناقض في اللغة كما في المصباح: التدافع يقال تناقض الكلامان تدافعا كان كل وحد نقض الآخر، وفي كلامه تناقض إذا كان بعضه يقتضي إبطال بعض ا ه. وفي الصحاح: والمناقضة في القول أن يتكلم بما يتناقض معناه ا ه. وأما في المنطق فقال في الشمسية من الفصل الثالث في أحكام القضايا: وحد والتناقض بأنه اختلاف قضيتين بالسلب والايجاب بحيث يقتضي لذاته أن تكون إحداهما صادقة والاخرى كاذبة فلا يتحقق في المخصوصتين إلا عند اتحاد الموضوع، ويندرج فيه وحدة الشرط والجزاء لكل وعند اتحاد المحمول، ويندرج فيه وحدة الزمان والمكان والاضافة والقوة والفعل والمحصورتين، ولا بد مع ذلك من الاختلاف بالكمية لصدق الجزئيين وكذب الكليتين في كل مادة يكون الموضوع فيها أعم، ولا بد من الاختلاف بالجهة في الكل لصدق الممكنتين وكذب الضروريتين في مادة الامكان ا ه. وتوضيحه في شرحها للقطب. والظاهر أن مراد الفقهاء به المعنى اللغوي لا المنطقي كما لا يخفى. قوله: (لا الحرية والنسب والطلاق) لان مبناها على الخفاء فبعذر في التناقض لان النسب يبتني على العلوق والطلاق والحرية ينفرد بها الزوج والمولى فتفرع على المسألة الاولى ما في المبسوط من باب الاقرار بالرق أن الامة إذا أقرت بالرق فباعها المقر له جاز، فإن ادعت عتقا بعد البيع وأقامت البينة على عتق من البائع أو على أنها حرة من الاصل قبلت بينتها استحسانا. ولو باع عبدا ودفعه إلى المشتري وقبض ثمنه وقبضه المشتري وذهب به إلى منزله
والعبد ساكت وهو ممن يعبر عن نفسه فهذا إقرار منه بالرق لانه انقاد للبيع والتسليم ولا يثبت ذلك شرعا إلا في الرقيق فيصدق في دعوى الحرية بعد ذلك لانه يسعى في نقض ما تم من جهته إلا أن تقوم له بينة على ذلك فحينئذ تقبل والتناقض لا يمنع من ذلك، وكذا لو رهنه أو دفعه بجناية كان إقرارار بالرق بخلاف ما لو أجره ثم قال أنا حر فالقول وله لان الاجارة تصرف في منافعه لا في عينه ومنافع الحر تملك بالاحارة كالعبد فلا يكون إقرارا له بالرق والاجارة ليست بإقرار من الخادم بالرق وهو إقرار من المستأجر بأن العبد ليس له حتى لو ادعاه بعد ما استأجره لنفسه لا يصدق ا ه. وأطلق الحرية فشمل الاصلية والعارضة لخفاء حال العلوق فإن الولد انجلب صغيرا من دار إلى دار وينفرد المولى بالاعتاق ولهذا قلنا:
[ 238 ]
المكاتب إذا أدى بدل الكتابة ثم ادعى تقدم إعتاقه على الكتابة تقبل ويؤدي بدل الكتابة، كذا في البزازية. وأما التناقض المعفو في النسب فصورته: لو باع عبدا ولو عنده وباعه المشتري من آخر ثم ادعاه البائع الاول أنه ابنه فتسمع دعواه ويبطل الشراء الاول والثاني لان النسب ينبني على العلوق فيخفي فيعذر في التناقض، هكذا فصوره العيني في شرح الكنز، وظاهره أن النسب في كلام المصنف خاص بالاصول والفروع، وأما تناقض ما عداهم فإنه يمنع لما قدمناه من أنه إذا أنكر أخوته عند طلب الانفاق عليه فمات فادعى بعده أنه أخوه طالبا ميراثه لم تسمع ورجوعه إلى التناقض في دعوى الملك لكونه لا يصح الدعوى بأنه أخوه إلا إذا ادعى حقا ولذا قال في البزازية من العاشر في النسب والارث من كتاب الدعوى: ادعى على آخر أنه أخوه لابويه إن ادعى إرثا أو نفقة وبرهن تقبل ويكون قضاء على الغائب أيضا حتى لو حضر الاب وأنكر لا تقبل ولا يحتاج إلى إعادة البينة لانه لا يتوصل إليه إلا بإثبات الحق على الغائب، وإن لم يدع مالا بل ادعى الاخوة المجردة لا تقبل لان هذا في الحقيقة إثبات البنوة على أبي المدعى عليه والخصم فيه هو الاب لا الاخ، وكذا لو ادعى أنه ابن ابنه أو أبو أبيه والابن والاب غائب أو ميت لا يصح ما لم يدع مالا فإن ادعى مالا فالحكم على الحاضر
والغائب جميعا كما مر بخلاف ما إدا ادعى على رجل أنه أبوه أو ابنه، أو على امرأة أنها زوجته، أو ادعت عليه أنه زوجها، أو ادعى العبد على عربي أنه مولاه عتاقة، أو ادعى عربي على آخر أنه معتقه، أو ادعت على رجل أنها أمته، أو كان الدعوى في ولاء الموالاة وأنكره المدعي عليه فبرهن المدعي على ما قاله تقبل ادعى به حقا أو لا، بخلاف دعوى الاخوة لانه دعوى الغير ألا ترى أنه لو أقر أبوه أو ابنه أو زوجه أو زوجته صح، أو بأنه أخوه لا لكونه حمل النسب على الغير وتمامه فيها. ولو قال هذا الولد ليس مني ثم تلاعنا ثم قال مني يصدق لخفاء العلوق فاندفع ما لو قال هذه الدار ليست لي ثم ادعاها كما مر، كذا فيها أيضا. وفي جامع الفصولين قال لست وارثا ثم ادعى أنه وارثه وبين الجهة تسمع لان التناقض في النسب معفو عنه ا ه. وعلى هذا أفتيت فيمن أقر أنه ليس ابن فلان ثم ادعى أنه ابنه أنها تسمع، أما الطلاق صوره العيني بما إذا اختلعت من زوجها ثم أقامت بينة أنه كان طلقها ثلاثا قبل الخلع فإنه تقبل بينتها، ولها أن تسترد بدل الخلع وإن كانت متناقضة لاستقلال الزوج بإيقاع الثلاث عليها من غير أن يكون لها علم بذلك. وفي البزازية: ادعت الطلاق فأنكر ثم مات لا تملك مطالبة الميراث ا ه. وليس المراد حصر ما يعفى فيه التناقض بل المراد أن ما كان مبنيا على الخفاء فإنه يعفى فيه التناقض فمن ذلك ما في الظهيرية: اشترى
[ 239 ]
دارا لابنه الصغير من نفسه وأشهد على ذلك شهودا فكبر الابن ولم يعلم بما صنع الاب، ثم إن الاب باع من رجل وسلمها إليه ثم إن الابن استأجر الدار من المشتري ثم علم بما صنع الاب فادعى الدار على المشتري وقال إن أبي اشترى هذه الدار لي من نفسه في صغري وهي ملكي وأقام على ذلك بينة فقال المدعى عليه في دفع دعوى المدعي إنك متناقض في هذه الدعوى لان استئجارك هذه الدار مني اعتراف منك أن الدار ليست لك فدعواك الدار بعد ذلك يكون منك تناقضا قال: الصحيح أن هذا لا يصلح دفعا لدعوى المدعي وإن كان هذا تناقضا لان هذا التناقض لا يمنع صحة الدعوى لما فيه من الخفاء فإن الاب يستقل بالشراء
للصغير ومن الصغير لنفسه والابن لا علم له بذلك ا ه. وفي البزازية معزيا إلى الصغرى: اشترى ثوبا في منديل ثم زعم أنه لم يعرفه قال تقبل. وفي الذخيرة: قيل لا يقبل في المسائل كلها. وفي العيون: قدم بلدة واشترى أو استأجر دارا ثم ادعاها قائلا بأنها دار أبيه مات وتركها ميراثا له وكان لم يعرفها وقت الاستيام لا تقبل قال: والقبول أصح. وفي المنية: اثنان اقتسما التركة ثم ادعى أحدهما أن أباه كان جعل له هذا الشئ المعين من الذي كان داخلا تحت القسمة إن قال إنه كان في صغري تقبل وإن مطلقا لا. ذكر الوتار: تولى ولاية وقف أو تولى وصاية تركة بعد تبين كونه تركة أو قسم تركة بين ورثة ثم ادعاه لنفسه لا تسمع. اشترى جارية في نقاب ثم ادعاها وزعم أنه لم يعلمها لا يقبل، ولو اشترى ثوبا في منديل ثم ادعى أنه له لا يقبل قال محمد: النظر إلى ذلك الشئ إن كان مما يمكن أن يعرف وقت المساومة كالجارية القائمة المتنقبة بين يديه لا تقبل الا إذا صدقه المدعى عليه في عدم معرفته إياها فتقبل، وإن كان مم لا يعرف كثوبفي منديل أو جارية قاعدة على رأسها غطاء لا يرى منها شيأ يقبل ولاجل هذا الاختلاف أقاويل العلماء في القبول وعدمه في المسائل ا ه. وفيها أيضا: استأجر دابة من آخر ثم ادعى أنها كانت له اشتراها له أبوه في صغره وبرهن تقبل لان التناقض يعف ء فيما يجري فيه الخفاء فإن الاب ينفرد بالشراء للابن ومن الابن ا ه. ومما يعفى فيه التناقض ما في البزازية: ادعى المالك على الغاصب قيمة العين لهلاكها ثم ادعى أنها باقية وبرهن تقبل لانه موضع الخفاء ا ه. ثم اعلم أن المتناقض الذي لا تسمع دعواه إذا قال تركت أحد الكلامين فإنه يقبل منه. قال في البزازية معزيا إلى الذخيرة: ادعاه مطلقا فدفعه المدعى عليه بأنك كنت ادعيته قبل هذا مقيدا وبرهن عليه فقال المدعي ادعيته الآن بذلك
[ 240 ]
السبب وتركت المطلق يقبل ويبطل الدفع ا ه. وفيها معزيا إلى المحيط، ادعى على آخر عند غير الحاكم بالشراء أو الارث ثم ادعاه عند الحاكم ملكا مطلقا إن ادعى الشراء من معروف لا تقبل، وإن كان ادعاه من رجل مجهول أو قال من رجل ثم المطلق عند الحاكم يقبل، دلت
المسألة أنه لا يشترط في التناقض كون المتدافعين في مجلس الحكم بل يكتفي بكون الثاني في مجلس الحكم ا ه. قوله: (مبيعة ولدت فاستحقت ببينة يتبعها ولدها وإن أقربهما لرجل لا) أي لا يتبعها ولدها تفريع على القاعدة الاولى وهي التعدي وعدمه، والمرد أنها ولدت من غير مولاها. وفي الكافي: ولدت لا باستيلاده ثم قيل يدخل الولد في القضاء بالام لانه تبع لها فيكتفي بها، وقيل يشترط القضاء بالولد وهو الاصح. وفي النهاية: إنهالا يتبعها الولد في الاقرار إذا لم يدعه المقر له، أما إذا ادعاه كان له لان الظاهر أنه له ولا خصوصية للولد بل زوائد المبيع كلها على التفصيل. ولم يذكر المصنف متى ينفسخ البيع إذا ظهر الاستحقاق وفيه أقوال، قيل بقبض المستحق، وقيل بنفس القضاء، والصحيح أنه لا ينفسخ ما لم يرجع المشتري على بائعه بالثمن حتى لو أجاز المستحق بعد ما قضى له أو بعد ما قبضه له قبل أن يرجع المشتري على بائعه يصح. وقال شمس الائمة الحلواني: في الصحيح من مذهب أصحابنا أن القضاء للمستحق لا يكون فسخا للبياعات ما لم يرجع كل على بائعه بالقضاء، وفي ظاهر الروايات لا ينفسخ ما لم يفسخ وهو الاصح ا ه. وتمامه في فتح القدير. وفي البزازية من فصل الاستحقاق: واستحقاق الجارية بعد موت الولد لا يوجب على المشتري شيأ كزوائد المغصوب ا ه. وفيها من التناقض: برهن على جارية أنها له فقضي له بها وولدها في يد المدعى عليه لم يعلم به الحاكم فبرهن المدعي أنه ولدها يقضي به له أيضا، فإن رجع شهود الام بعد ذلك يضمنون قيمة الام والولد لان القضاء بالولد له بواسطة شهود الام فإنهم لو رجعوا بعد القضاء بالام قبل الحكم بالولد أو ارتدوا عن الاسلام أو فسقوا لا يحكم بالولد له إلا أن
[ 241 ]
يشهدوا بأنه ملك المدعي ولدته على ملكه جاريته. شهدا على رجل في يده جارية أنها لهذا المدعي ثم غابوا أو ما توا ولها ولد في يد المدعى عليه يدعيه المدعي عليه أيضا أنه له وبرهن المدعى عليه على ذلك لا يلتفت الحاكم إلى كلام المدعي عليه وبرهانه ويقضي بالولد للمدعي،
فإن حضر الشهود وقالوا الولد كان للمدعي عليه يقضي بضمان قيمة الولد على الشهود كأنخم رجعوا، فإن كان الشهود حضورا سألهم عن الولد، فإن قالوا أنه للمدعي عليه أو لا ندري لمن الولد يقضي بالام للمدعي ولا يقضي بالولد فهذا يؤيد ما ذكرنا أولا ا ه. قوله: (وإن قال لمشتر اشترني فاني عبد فاشتراه فإذا هو حر فإن كان البائع حاضرا أو غائبا غيبة معروفة فلا شئ على العبد) تفريع على أن التناقض في دعوى الحرية معفو عنه فإن هذا الشخص أقر أولا بالعبودية ثم ظهر بعد ذلك أنه حر بدعواه فكان متناقضا لكنه معفو عنه في دعوى الحرية فتقبل الشهادة، وحينئذ فلا يدل وضعها على أنه لا يشترط الدعوى في الحرية العارضة بل العارضة والاصلية سواء في أنه لا بد من دعوى العبد عند أبي حنيفة وهو قول الجمهور وهو الصحيح لانها حق العبد ولا يمنعها التناقض كما ذكرنا، وإنما لم يلزم العبد في هاتين الصورتين شئ لامكان الرجوع على البائع القابض قوله: (والارجح المشتري على العبد والعبد على البائع) أي وإن كان البائع غائبا غيبة غير معروفة بأن لم يدر مكانه فإنه المشتري يرجع على من قال له اشترني فأنا عبد بما دفع إلى البائع من الثمن ثم يرجع على من باعه بما رجع المشتري به عليه إن قدر. وإنما يرجع به على من باعه مع أنه لم أمره بالضمان عنه لانه أدى دينه وهو مضطر في أدائه بخلاف من أدى عن آخر دينا أو حقا عليه بغير أمره وليس مضطرا فيه فإنه لا يرجع به. وإنما قيد بالقيدين لانه لو قال أنا عبد وقت المبيع ولم يأمره بشرائه أو قال اشترني وزلم يقل أنا عبد لا رجوع عليه بشئ، كذا في فتح القدير، وفي العتابية من فضل الاستحقاق ما يخالفه فلينظر ثمة قوله: (بخلاف الرهن) أي لو قال ارتهني فأنا عبد فظهر حرا لم يرجع عليه بشئ من الاحوال كلها وهو ظاهر الرواية عنهم. عن أبي يوسف أنه لا يرجع في البيع والرهن لان الرجوع بالمعاوضة وهي المبايعة أو بالكفالة ولم يوجدا والموجود هنا مجرد الاخبار كاذبا فصار كما لو قال ذلك أجنبي وكما لو قال ارتهني فأنا عبد. ولهما أن المشتري شرع في الشراء معتمدا على أمره وإقراره فكان مغرورا من جهته والتغرير في المعاوضات التي تقتضي سلامة العوض يجعل سببا للضمان دفعا للغرر بقدر
الامكان فكان بتغريره ضامنا لدرك الثمن له عند تعذر رجوعه على البائع كالمولى إذا قال لاهل السوق بايعوا عبدي إني قد أذنت له ففعلوا ثم ظهر أنه مستحق فإنهم يرجعون على المولى
[ 242 ]
بقيمة العبد ويجعل المولى بذلك ضامنا لدرك ما ذاب عليه دفعا للضرر عن الناس بخلاف الرهن فإنه ليس عقد معاوضة بل عقد وثيق للاستيفاء فلا يجعل الآمر به ضامنا لانه ليس تغريرا في عقد معاوضة كما لو قال لسائل عن أمن الطريق أسلك هذا الطريق فإنه آمن فسلكه فنهب ماله لم يضمن، وكذا لو قال كل هذا الطعام فإنه ليس بمسموم فأكله فمات غير أنه يستحق العقوبة عند الله تعالى، وبخلاف الاجنبي لانه لا بعبأ بقوله لعدم اعتماده على قوله فلا يتحقق له الغرور. وفي النهاية معزيا إلى شرح الجامع الصغيرة لقاضيخان: وهذه المسألة دليل على أن العبد إذا كفل بثمن نفسه عن البائع صحت الكفالة وفي الخانية: المغرور يرجع بأحد أمرين إما بعقد المعاوضة أو بقبض يكون للدافع كالوديعة والاجارة إذا هلكت الوديعة أو العين المستأجرة ثم جاء رجل واستحق العين وضمن المودع والمستأجر فإن المودع والمستأجر يرجع على الدافع بما ضمن، وكذا كل من كان بمعناها وفي الاجارة والهبة لا يرجع على الدافع بما ضمن ا ه. تتمة في الاستحقاق: أقر المشتري بأن المبيع ملك فلان وصدقه أو ادعاه فلان وصدقه هو أو أنكر فحلف فنكل ليس له رجوع على البائع بخلاف الوكيل بالبيع إذا رد عليه بعيب فخلف فنكل يلزم الموكل لان النكول من المضطر كالبينة وهو مضطر في النكول إذا لم يعلم عيبه ولا سلامته، ولو برهن المشتري على أنه ملك فلان لا تقبل لتناقضة بخلاف ما لو برهن على إقرار البائع لعدمه، وبخلاف ما لو برهن على أنها حرة الاصل وهي تدعي ذلك أو أنها ملك فلان هو أعتقها أو دبرها أو استولدها قبل شرائها حيث يقبل ويرجع بالثمن على البائع لان التناقض في دعوى الحرية وفروعها لا يمنع صحة الدعوى، ولو باع عقارا ثم برهن أنه وقف لا تقبل لان مجرد الوقف لا يزيل الملك بخلاف الاعتاق، ولو برهن أنه وقف محكوم
بلزومه قبل، ولو برهنت أمة في يد المشتري أنها معتقة لفلان أو مدبرته أو أم ولده يرجع الكل إلا من كان قبل فلان. ولو اشترى شيأ ولم يقبضه حتى ادعى آخر أنه له لا تسمع دعواه حتى يحضر البائع والمشتري لان الملك للمشتري واليد للبائع والمدعي يدعيهما فشرط القضاء عليهما حضورهما، ولو قضى له بحضرتهما ثم برهن البائع أو المشتري على أن المستحق باعها من البائع ثم هو باعها من المشتري قبل ولزم البيع لانه يقرر القضاء الاول ولا ينقضه، ولو فسخ القاضي البيع بطلب المشتري ثم برهن البائع أن المستحق باعها منه يأخذها وتبقى له ولا يعود البيع المنتقض. ولو قضى للمستحق بعد إثباته ثم برهن البائع على بيع المستحق منه بعد الفسخ تبقى الامة للبائع عند أبي حنيفة وليس له أن يلزمها المشتري لنفوذ القضاء بالفسخ ظاهرا وباطنا عنده. ولو استحقت من يد مشتر فبرهن الذي بله على بيع
[ 243 ]
المستحق من بائع بائعه قبل لانه خصم، ولو برهن البائع الاول أن المستحق أمره ببيعه وهلك الثمن ف يده تقبل، ولو استهلك أورده لا يقبل، ولو أقر عند الاستحقاق بالاستحقاق ومع ذلك أقام المستحق البينة وأثبت عليه الاستحقاق بالبينة كان له أن يرجع على بائعه لان القضاء وقع بالبينة لا بالاقرار لانه يحتاج إلى أن يثبت بها ليمكنه الرجوع على بائعه. وذكر رشيد الدين أن المدعي لو أقام بينة على دعواه ثم أقر المدعى عليه بالملك فالقاضي يقضي بالاقرار لا بالبينة لانها إنما تقبل على المنكر لا المقر. وذكر في موضع آخر اختلاف المشايخ قال: والاظهر والاقرب إلى الصواب أنه يقضي بالاقرار وهو يناقض مذكره في الاستحقاق إلا أن يخص تلك بعارض الحاجة إلى الرجوع وقصد القاضي إلى القضابإحدى الحجتين يعينها. ولو رد البائع الثمن بعد القضاء ثم ظهر فساد القضاء فليس للمشتري أن يسترد المستحق من البائع لثبوت التقايل، ولو لم يترادا ولكن القاضي قضى للمستحق وفسخ البيع ثم ظهر فساد القضاء يظهر فساد الفسخ، ولو أحب البائع أن يأمن غائلة الرد بالاستحقاق فابرأه المشتري من ضمان الاستحقاق بلا أرجع الثمن ان ظهر الاستحقاق فظهر كان له الرجوع ولا يعمل ما
قاله لان الابراء لا يصح تعليقه بالشرط قالوا: والحيلة فيه أن يقر المشتري أن بائعي قبل أن يبيعه مني اشتراه مني فإذا أقر على هذا الوجه لا يرجع بعد الاستحقاق لانه لو رجع على بائعه فهو أيضا يرجع عليه بإقراره أنه بائعه منه، كذا في فتح القدير بتمامه. وفيى جامع الفصولين: المشتري إذا زكى شهود المستحق قال أبو يوسف: اسأل عن الشاهدين فإن عدلا رجع المشتري بالثمن على بائعه وإلا يقتصر على المشهود عليه ولا يرجع بثمنه كالاقرار، ثم لو ادعى المشتري استحقاق المبيع على بائعه ليرجع بثمنه فلابد أيفسر الاستحقاق ويبين سببه، فلو بينه فأنكر بائعه البيع فبرهن عليه يقبل ورجع بثمنه، وقيل يشترط حضرة المبيع لسماع البينة، وقيل لا وبه أفتى (ظ) بل لو ذكر شبه العبد وصفته وقدر ثمنه كفى شراه عالما بأنه ليس لبائعه ثم استحق رجع بثمن للمستحق عليه تحليف المستحق بالله ما باعه ولا وهبه ولا تصدق به ولا خرج عن ملكبوجه من الوجوه. ولو شرى أرضا فبنى أو زرع أو غرس فاستحق يرجع المشتري بثمنه على بائعه ويسلم بناءه وزرعه وشجره إليه فيرجع بقيمتها مبنيا قائما يوم سلمها إليه، فلو بنى المشتري بناء قيمته عشرة آلاف مثلا وسكن فيه زمانا حتى خلق البناء وتغير وانهدم بعضه ثم استحق يرجع على بائعه بقيمة البناء يوم تسليمه ولا ينظر
[ 244 ]
إلى ما كان أنفق، وإنما يرجع بقيمة ما يمكن نقضه وتسليمه إلى البائع حتى لا يرجع بقيمة جص وطين. ولو كان البائع غائبا والمستحق أخذ المشتري بهدم بنائه فقال المشتري غرني بائعي وهو غائب قال أبو حنيفة: لا يلتفت إلى قول المشتري فيؤمر بهدمه وتدفع الدار إلى المستحق، فلو حضر البائع بعد هدمه لا يرجع المشتري على البائع بقيمة بنائه وإنما يرجع عليه لو كان البناء قائما فسلمه إليه فهدمه وأخذ النقض، وأما لو هدمه فلا شئ على البائع. وهذا بخلاف ما مر في شجر وجص على البائع قيمة الشجر نابتا في الاستحقاق وللمشتري الرجوع على وكيل البائع بقيمة البناء قائما وبقيمة الولد للغرور. وإن عرف المشتري إن الدار لغير البائع ولم يدع البائع وكالة فبنى فاستحق لم يكن مغرورا، ولو ادعى
المشتري أن البناء له وقال البائع لي فالقول للبائع، وإذا رجع المشتري على بائعه بالثمن وقيمة البناء قال أبو حنيفة: لا يرجع البائع على بائعه إلا بثمنه وعندهما يرجع بهما ا ه. وتمامه فيه. وفي البزازية من الاستحقاق: ظهرت المشتراة حرة ومات البائع لا عن وارث وتركه وبائع البائع قائم نصب الحاكم عن البائع الثاني وصيا فيرجع المشتري عليه وهو يخاصم البائع الاول ا ه. قوله: (ومن ادعى حقا في دار) أي مجهولا (فصولح على مائة فاستحق بعضها لا يرجع بشئ) لجواز أن يكون دعواه فيما بقي وإن قل فما دام في يده شئ لم يرجع. قيد باستحقاق بعضها لانها لو استحق كلها رجع بما دفع للتيقن بأنه أخذ عوضا عما لا يملكه فيرده. ودل وضع المسألة على شيئين: أحدهما أن الصلح عن المجهول جائز لانه لا يفضي إلى المنازعة. الثاني أن صحة الصلح لا تتوقف على صحة الدعوى لصحته هنا دونها حتى لو برهن لم يقبل إلا إذا ادعى إقرر المدعي عليه به. قيد بالمجهول لانه لو ادعى قدرا معلوما كربعها لم يرجع ما دام في يده ذلك المقدار، وإن بقي أقل منه رجع بحساب ما استحق وفي جامع الفصولين: شراه فبنى فاستحق نصفه ورد المشتري ما بقي على البائع له أن يرجع على بائعه بثمنه وبنصف قيمة البناء لانه مغرور في النصف، ولو استحق نصفه المعين فلو كان البناء في ذلك النصف حاصة رجع بقيمة البناء أيضا، ولو كان البناء في النصف الذي لم يستحق فله أن يرد البناء ولا يرجع بشئ من قيمة البناء. ولو اشترى نصفه مشاعا فاستحق نصفه قبل القسمة فالمبيع نصفه الباقي، ولو استحق بعد القسمة فالمبيع نصف الباقي وهو الربع. سئل بعضهم عمن اشترى أرضا فيها أشجار حتى دخلت بلا ذكر فاستحق الاشجار هل لها حصة من الثمن؟ قال: لا كما في ثوب قن وقنة وبرذعة حمار فإن ما يدخل تبعا لا حصة له من الثمن إلى آخره وثبت في بعض النسخ كما شرح عليه العيني.
[ 245 ]
فصل في بيع الفضولي
ولم تكن ثابتة عند الزيلعي فتركه وهو نسبة إلى الفضولي جمع الفضل أي الزيادة. وفي المغرب: وقد علمت جمعه على مالا خير فيه حتى قيل: فضول بلا فضل وسن بلا سناوطول بلا طول وعرض بلا عرض ثم قيل لمن يشتغل بما لا يعنيه فضولي. وهو في اصطلاح الفقهاء من ليس بوكيل وبفتح الفاء خطأ اه. وقيل: الفضولي من يتصرف في حق الغير بلا إذن شرعي كالاجنبي يزوج أو يبيع ولم يردفي النسبة إلى الواحد وإن كان هو القياس لانه صار بالغلبة كالعلم لهذا المعنى فصار كالانصاري والاعرابي، كذا في النهاية. وفي فتح القدير: غلب في الاشتغال بما لا يعنيه وما لا ولاية له فيه، فقول بعض الجهلة لمن يأمر بالمعروف فضولي يخشى عليه الكفر اه قوله: (ومن باع ملك غيره فللمالك أن يفسخه ويجيزه إن بقي العاقدان والمعقود عليه وله وبه لو عرضا) يعني أنه صحيح موقوف على الاجازة بالشرائط الاربعة. وعند الشافعي لا ينعقد لانه لم يصدر عن ولاية شرعية فيلغو لانها ثبتت بالملك أو بإذن المالك وقد فقد أولا انعقاد إلا بالقدرة الشرعية. ولنا أنه تصرف تمليك وقد صدر من أهله العاقل البالغ في محله وهو المال المتقوم فوجب القول بانعقاده إذ لا ضرر فيه مع تخيره بل فيه نفعه حيث يكفي مؤنة طلب المشتري وحقوق العقد فإنها لا ترجع إلى المالك، وفيه نفع العاقد بصون كلامه عن الالفاء، وفيه نفع المشتري لانه أقدم عليه طائعا ولو لا النفع لما أقدم فتثبت القدرة الشرعية تحصيلا لهذه الوجوه، كيف وأن الاذن ثابت دلالة لان العاقل يأذن في التصرف النافع. واستدل أصحابنا في كتبهم بحديث عروة البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا ليشتري به أضحية فاشترى شاتين فباع إحداهما بدينار وجاء بالشاة والدينار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك فقال عليه السلام: بارك الله لك في صفقتك. ورواه الترمذي عن عروة وحكيم بن حزام كما بينه في النهاية. وإنما شرط قيام المبيع والمتعاقدين لان الاجازة تصرف في العقد فلا بد من قيامه وذلك بقيامها كما في الانشاء، وإن كان الثمن عرضا أي مما يتعين بالتعيين فلا بد من قيامه أيضا لكونه مبيعا، وإنما اشترط قيام المعقود له وهو المالك لان العقد توقف على
[ 246 ]
إجازته فلا ينفذ بإجازة غيره، فلو مات المالك لم ينفذ بإجازة الوارث بخلاف القسمة الموقوفة فإنها تنفذ بإجازة الوارث عند الثاني، كذا في البزازية. ولو لم يعلم حال المبيع وقت الاجازة من بقاء وعدمه جاز البيع في قول أبي يوسف، أو لا وهو قول محمد لان الاصل بقاؤه ثم رجع وقال: لا يصح ما لم يعلم قيامه عندها لان الشك وقع في شرط الاجازة فلا يثبت مع الشك. وقيد بالبيع لان النكاح الموقوف لا يبطل بموت العاقد، ولو تزوجت أمة بغير إذن مولاها ثم مات المولى فإنه ينفذ بإجازة الوارث إذا لم يحل له وطؤها، وإذا أجاز المالك البيع وكان الثمن نقدا صار مملوكا له أمانة في يد الفضولي بمنزلة الوكيل لان الاجازة اللاحقة كالوكالة السابقة. ولو لم يجز المالك وهلك الثمن في يد الفضولي اختلف المشايخ في رجوع المشتري عليه بمثله والاصح أن المشتري إن علم أنفضولي وقت الاداء لا رجوع له وإلا رجع عليه، كذا في القنية. وصرح الشارح بأنه أمانة في يده فلا ضمان عليه إذا هلك سواء هلك قبل الاجازة أو بعدها، وإن كان الثمن عرضا كان مملوكا للفضولي. وإجازة المالك إجازة نقد لا إجازة عقد لانه لما كان العوض متعينا كان شراء من وجه والشراء لا يتوقف بل ينفذ على المباشر إن وجدنفاذا فيكون ملكا له وبإجازة المالك لا ينتقل إليه بل تأثير إجازته في النقد لافي العقد. ثم يجب على الفضولي مثل المبيع إن كان مثليا وإلا فقيمته إن كاقيميا لانه لما صار البدل له صار مشتريا لنفسه بمال الغير مستقرضا له في ضمن الشراء فيجب عليه رده كما لو قضى دينه بمال الغير واستقراض غير المثلي جائز ضمانا وإن لم يجز قصدا ألا ترى أن الرجل إذا تزوج امرأة على عبد الغير صح ويجب قيمته عليه، ولا يشترط قيام المبيع في مسألة من مسائل الفضولي مذكورة في الخلاصة من اللقطة قال: الملتقط إذا باع اللقطة بغير أمر القاضي ثم جاء صاحبها بعدما هلكت العين إن شاء ضمن البائع وعند ذلك ينفذ البيع من جهة البائع في ظاهر الرواية وبه أخذ عامة المشايخ اه. وهكذا قالوا في وقيد بالمالك الملتقط إذا تصدق فهلكت العين فأجاز المالك بعد الهلاك صحت
وقيد بالمالك في قوله فللمالك أن يفسخه أو يجيزه لان للفضولي فسخه فقط حتى لو أجازه المالك لا ينفذ لزوال العقد الموقوف وإنما كان له ذلك ليدفع الحقوق عن نفسه فإنه بعد
[ 247 ]
الاجازة يصير كالوكيل فترجع حقوق العقد إليه فيطالب بالتسليم ويخاصم بالعيب وفي ذلك ضرر به فله دفعه عن نفسه قبل ثبوته. وفي البزازية: وللمشتري فسخ البيع قبل الاجازة تحرزا عن لزوم العقد بخلاف الفضولي في النكاح ليس له أن يفسخ بالقول ولا بالفعل لانه معبر محض فبالاجازة تنتقل العبارة إلى المالك فتصير الحقوق منوطة به لا بالفضولي. وفي النهاية أن الفضولي في النكاح يملك فسخه بالفعل بأن زوج فضولي رجلا امرأة برضاها وقبل إجازته زوجه بأختها فإن ذلك يكون فسخا للنكاح الاول. وفي فتاوي قاضيخان: لا يكون فسخا ويتوقف الثاني أيضا. ثم الاجازة لبيع الفضولي يكون بالفعل وبالقول فمن الاول تسليم المبيع إجازة وكذا أخذه الثمن، ومن الثاني طلب الثمن وقوله أحسنت أو وفقت أو أصبت ليس بإجازة، وكذا كفيتني مؤنة البيع أو أحسنت فجزاك الله خيرا. وفي المنتقى: لو قال بئس ما صنعت كان إجازة كقبض الثمن، ولو وهب المالك الثمن أو تصدق به على المشتري كان إجازة إن كان المبيع قائما والسكوت بعد العلم لا يكون إجازة، ولو قال المالك أنا راض ما دمت حيا كان إجازة بالاول، ولو قال امسكها ما دمت حيا لا لان الامساك لا يدل على الرضا. وفي فروق الكرابيسي: أسأت إجازة. ولو قال لا أجيز يكون ردا للبيع بخلاف المستأجر إذا قال لاأجيز بيع الآجر ثم أجازه جاز وفي نوادر هشام ولو قال أجزت إن باع بمائة درهم يجوز إن باع بأكثر، وإن باع بأقل لا يجوز. ولو باع بألف دينار لا يجوز وإنما ينظر إلى النوع الذي وصفه، كذا في البزازية. وفيها: وإذا أجاز المالك بيع الفضولي صار الفضولي كالوكيل حتى صح حطه عن الثمن علم المالك بالثمن أو لم يعلم. وأجاب صاحب الهداية أنه إذا علم بالحط بعد الاجازة فله الخيار إن شاء رضي به وإن شاء فسخ اه. وأشار
[ 248 ]
المصنف باشتراط قيام البيع أي باسمه وحاله إلى أنه لو أجازه بعد صبغ الثوب المشتري فإنه لا يجوز ولو ولدت الامة ثم أجاز المالك البيع يكون الولد مع الامة للمشتري، ولو انهدم الدار ثم أجاز المالك البيع يصح لبقاء العرصة. ولم يذكر المؤلف حكم تسليم المبيع من الفضولي فلو سلمه فهلك فللمالك أن يضمن أيهما شاء فأيهما اختار ضمانه برئ الآخر لان في التضمين تمليكا منه فإذا مكله من أحدهما لا يمكن تمليكه من الآخر، فإن اختار تضمين المشتري بطل البيع لان أخذ القيمة كأخذ العين ويرجع المشتري على البائع بالثمن لا يما ضمن، وإن اختار تضمين البائع ينظر، إن كان قبض البائع مضمونا عليه نفذ بيعه بالضمان لان سبب ملكه قد تم عقده، وإن كان قبضه أمانة فإنما صار مضمونا عليه بالتسليم بعد البيع فلا ينفذ بيعه بالضمان لتأخر سبب ملكه عن العقد. وقد ذكر محمد في ظاهر الرواية أنه يجوز البيع يتضمين البائع، ووجهه أنه سلم أولا ثم صار مضمونا عليه ثم باعه فصار كالمغصوب، كذا في البزازية: وقيد بالبيع لانه إذا اشترى لغيره كان ما اشتراه لنفسه أجاز الذي اشتراه له أم لا. وإن لم يجد نقادا يتوقف على إجازة من المشتري له كالصبي المحجور يشتري شيأ لغيره فيتوقف هذا إذا أضاف العقد إلى نفسه، أما إذا أضافه إلى غيره بأن يقول بع هذا العبد لفلان فقال البائع بعته لفلان يتوقف على أجازته، وأما إذا قال اشتريت منك بكذا لاجل فلان فقال البائع بعت أو قال البائع بعت منك لفلان فإنه يقع الشراء للمخاطب لا لفلان، والصحيح أنه إذا أضيف العقد في أحد الكلامين إلى فلان يتوقف على إجازة فلان. ولو اشترى عبدا وأشهد أنه يشتريه لفلان وقال فلان رضيت فالعقد للمشتري لانه إذا لم يكن وكيلا بالشراء وقع الملك له فلا اعتبار بالاجازة بعد ذلك وهي تلحق العقد الموقوف لا النافذ، فإن دفع المشتري إليه العبد وأخذ الثمن كان بيعا بالتعاطي بينهما، ولو ظن المشتري والمشتري له أن الملك وقع للمشترى له فسلمه له بعد قبض ثمنه لا يسترد بلا رضا المشتري له ويجعل كأنه ولاه، إن علما أن الشراء وقع للمشتري بعده وإن زعم المشترى له أن الشراء كان بأمره ووقع الملك له والمشتري أنه كان بلا
أمره ووقع الشراء للمشترى فالقول للمشتري له لان الشراء بإقراره وقع له، كذا في البزازية.
[ 249 ]
وفي فروق الكرابيسي: شراء الفضولي على أربعة أوجه: الاول أن يقول البائع بعت هذا لفلان بكذا والفضولي يقول اشتريت لفلان بكذا أو قبلت ولم يقل لفلان فهذا يتوقف. الثاني أن يقول البائع بعت من فلان بكذا والمشتري يقول اشتريته لاجله أو قبلت يتوقف. الثالث أن يقول البائع بعت هذا منك بكذا فقال اشتريت أو قبلت ونوى أن يكون لفلان فإنه ينفذ على المشتري. الرابع لو قال اشتريت لفلان بكذا والبائع يقول بعت منك بطل العقد في أصح الروايتين. والفرق أنه خاطب المشتري والمشتري يسترد لغيره فلا يكون جوابا فكان شرط العقد بخلاف الفصلين الاولين إذا العقد أضيف إلى فلان في الكلامين، وبخلاف الفصل الثالث لانه وجد نفاذا على العاقد وقد أضيف العقد إليه اه. وأشار المؤلف بثبوت الفسخ والاجازة للمالك إلى أن الفضولي لو شرط الخيار للمالك فإن العقد يبطل ولا يتوقف لان الخيار له بدون الشرط فيكون الشرط له مبطلا، كذا في فروق الكرابيسي. وقيد ببيع ملك الغير لانه لو باع ملك نفسه مشغولا بحق الغير كالرهن إذا باعه الراهن والعين المؤجرة إذا باعها المؤجر يتوقف العقد على إجازة المرتهن والمستأجر فيملكانها دون الفسخ على الصحيح كما سيأتي، وفرق بينهما الكرابيسي فجعل للمرتهن الاجازة والفسخ دون المستأجر فلا يملكه فارقا بأن المستأجر حقه في المنفعة، ولذا لو هلكت العين لا يسقط دينه وفي الرهن يسقط وهو استيفاء حكمي. وتفرع على الفرق ما لو تعدد بيع المؤجر فأجاز المستأجر الثاني نفذ الاول، ولو تعدد بيع الرهن فأجاز المرتهن الثاني نفذ لا الاول اه. ولو قال المصنف رحمه الله تعالى باع ملك غيره لمالكه لكان أولى لانه لو باعه لنفسه لم ينعقد أصلا كما في البدائع. ولا بد أن يقول بغير إذنه ليكون فضوليولو تعدد تصرف الفضولي كأمة
[ 250 ]
باعها فضولي من رجل وزوجها منه آخر فأجيزا معا يثبت الاقوى فتصير مملوكة لا زوجة.
ولو زوجاها كل من رجل فأجيز بطلا، ولو باعها كل من رحل فأجيزا تتنصف بينهما ويخير كل منهما بين أخذ النصف أو الترك. ولو باعه فضولي وأجره آخر أو رهنه أو زوجه فأجيزا معا ثبت الاقوى فيجوز البيع ويبطل غيره لان البيع أقوى، وكذا تثبت الهبة إذا وهبه فضولي وآجره آخر. وكل من العتق والكتابة والتدبير أحق من غيرها لانها لازمة بخلاف غيرها، والاجارة أحق من الرهن لافادتها ملك المنفعة بخلاف الرهن، والبيع أحق من الهبة لان الهبة تبطل بالشيوع ففيما لا تبطل بالشيوع كهبة فضولي عبدا وبيع آخر إباه يستويان لان الهبة مع القبض تساوي البيع في إفادة الملك. وهبة المشاع فيما لا يقسم صحيحة فيأخذ كل النصف ولو تبايع غاصبا عرضي لرجل واحد فأجاز المالك لم يجز لان فائدة البيع بثبوت الملك في الرقبة والتصرف وهما حاصلان للمالك في البدلين بدون هذا العقد فلم ينعقد فلم يلحقه إجازة. ولو عصبا من رجلين وتبايعا وأجاز المالك جاز. ولو عصبا النقدين من واحد وعقد
[ 251 ]
الصرف وتقابضا ثم أجاز جاز لان النقود لا تتعين في المعاوضات، وعلى كل واحد من الغاصبين مثل ما غصب، كذا في فتح القدير من آخر الباب. وأما وصية الفضولي كما إذا أوصى بألف من مال غيره أو بعين من ماله فأجاز المالك فهو مخير إن شاء سلمها وإن شاء لم يسلم كالهبة، كذا في القنية من الوصايا. وبه علم حكم هبة الفضولي وسيأتي في الصلح بيان صلح الفضولي. والظاهر من فروعهم أن كل ما صح التوكيل به فإنه إذا باشره الفضولي يتوقف إلا الشراء بشرطه السابق. قوله: (وصح عتق مشتر من غاصب بإجازة بيعه لا بيعه) وهذا عندهما. وقال محمد: لا يجوز عتقه أيضا لانه لم يملكه. وفي الحديث لا عتق لابن آدم فيما لا يملك وهذا لان عقد الفضولي موقوف وهو لا يفيده لعدم النفاذ وثبوته عند الاجازة استنادا فهو ثابت من وجه زائل من وجه فلا يصلح شرطا للاعتاق وهو الملك الكامل لاطلاقه في الحديث وهو للكامل، ولذا لو أعتقه الغاصب ثم أدى الضمان لم يصح العتق مع أن الملك الثابت له
بالضمان أقوى من الملك الثابت للمشتري حتى ينفذ بيع الغاصب بأداء الضمان ولا ينفذ بيع المشتري بإجازة المالك الاول، وكذلو أعتقه المشتري والخيار للبائع ثم أجاز البيع لا ينفذ عتقه، وكذا إذا قبض المشتري من الغاصب ثم باعه ثم أجاز المالك البيع الاول لم ينفذ البيع الثاني مع أن البيع أسرع نفاذا من العتق حتى صح بيع المكاتب والمأذون دون عتقهما، ولذا لو باع الغاصب المغصوب ثم أدى الضمان نفذ بيعه، ولو أعتقه ثم أدى الضمان لم ينفذ، وكذا
[ 252 ]
لو باعه الغاصب فأعتقه المشتري منه ثم أدى الغاصب الضمان صح بيع الغاصب وبطل عتقه. ولهما أن الملك موقوف فيه فيتوقف الاعتاق مرتبا عليه وينفذ بنفاذه كإعتاق المشتري من الراهن يتوقف وينفذ بإجازة المرتهن وإعتاق المشتري من الوارث حال استغراق التركة بالدين فأجاز الغرماء البيع، وإعتاق الوارث عبدا من التركة وهي مستغرقة به فقضى الدين أو أبرى الغرماء فإنه ينفذ. وهذا لان العتق من حقوق الملك والشئ إذا توقف توقف بحقوق، وإذا نفذ نفذ بحقوقه بخلاف إعتاق الغاصب نفسه لانه لم يوضع للملك وإنما يملكه ضرورة أداء الضمان فلم يكن مثبتا له للحال ولا سببا له، ولذا لا يتعدى إلى الزوائد بخلاف الملك في بيع الفضولي فإنه يتعدى إلى الزوائد المتصلة والمنفصلة، وبخلاف ما إذا كان فيه خيار البائع لانه ليس بمطلق والكلام فيه وهو مانع من انعقاده في الحكم أصلا فلم يوجد الملك فيه. قيد بعتق المشتري لان عتق الغاصب لا ينفذ بأداء الضمان لما بيناه، وقيد بإجازة بيعه لانه لا ينفذ بأداء الضمان من الغاصب ولكن يرد عليه أن المشتري إذا أدى الضمان ينفذ على الصحيح لان ملك المشتري ثبت مطلقا بسبب مطلق وهو الشراء بخلاف الغاصب لانه سبب ضروري فكان الملك فيه ناقصا هكذا ذكر الشارح، فقد فرق بين أداء الغاصب الضمان وبين أداء المشتري منه وصرح في الهدية بأن عتق المشتري ينفذ بأداء الضمان من الغاصب وهو الاصح، فلا فرق بين أداء الضمان من الغاصب أو من المشتري منه، وجرى على ذلك في البناية. فلو قال المؤلف بإجازة بيعه أو أداء الضمان لكان أولى. وكذا لو قال وصح عتق مشتر من فضولي
لكان أولى، لانه لا يشترط أن يكون غاصبا لانه لو لم يسلم المبيع فالحكم كذلك، ولعله إنما ذكره لاجل البيع لان بيع العبد قبل قبضه فاسد، وفي فتح القدير: وهذه من المسائل التي جرت المحاورة بين أبي يوسف ومحمد حين عرض عليه هذا الكتاب فقال أبو يوسف: ما
[ 253 ]
رويت لك عن أبي حنيفة أن العتق جائز وإنما رويت أن العتق باطل. وقال محمد: بل رويت لي أن العتق جائز وإثبات مذهب أبي حنيففي صحة العتق بهذا لا يجوز لتكذيب الاصل الفرع صريحا، وأقل ما هنا أن يكون في المسألة روايتان عن أبي حنيفة. قال الحاكم الشهيد قال أبو سليمان: هذه رواية محمد عن أبي يوسف ونحن سمعنا من أبي يوسف أنه لا يجوز عتقه اه. وأما بيع المشتري مت الغاصب فإنما لا يصح لبطلان عقده بالاجازة فإن بها يثبت الملك للمشتري باتا والملك البات إذا ورد على الموقوف أبطله، وكذا لو وهبه مولاه للغاصب أو تصدق به عليه أو مات فورثه، فهذا كله يبطل الملك الموقوف لانه لا يتصور اجتماع البات والموقوف في محل واحد على وجه يطرأ فيه البات وإلا فقد كان فيه ملك بات وعرض معه الملك الموقوف، كذا في فتح القدير. وقيد بالعتق لافي التفويض من الفضولي للمرأة إذا جعل أمرها بيدها فطلقت نفسها ثم أجاز الزوج لم تطلق وإنما ثبت التفويض الآن، فإن طلقت نفسها الآن طلقت وإلا فلا. والاصل في تصرف الفضولي أن كل تصرف جعل شرعا سببا لحكم إذا وجد من غير ولاية شرعية لم يستعقب حكمه، ويتوقف إن كان مما يصح تعليقه جعل معلقا وإلا احتجنا أن نجعله سببا للحال متأخرا حكمه إن أمكن فالبيع ليس مما يتعلق فيجعل سببا في الحال فإذا زال المانع من ثبوت حكم الاجازة ظهر أثره من وقت وجوده ولذا ملك الزوائد. وأما التفويض فاحتمل التعليق فجعلنا الموجود من الفضولي متعلقا بالاجازة فعندها يثبت التفويض للحال لا مستندا فلا يثبت حكمه إلا من وقت الاجازة، وأما النكاح فلا يتعلق ولا يمكن أن يعتبر في حال التوقف سببا لمطلق الطلاق بل لملك المتعة
المستعقب له. ثم اعلم أن ظاهر وقلهم إذا طرأ ملك موقوف أبطله أن بيع
[ 254 ]
المشتري من الغاصب ينعقد موقوفا وإنما يبطل بطرو الملك البات بإجازة بيع الغاصب. وقد قال في النهاية أنه لم ينعقد أصلا لتجرده عرضلا للانفساخ وقد يقال فائدته لو أجاز المالك بيع المشتري من الغاصب لا بيع الغاصب ينبغي أن يصح بخلاف ما إذا أجاز بيع الغاصب وجوابه أن بيع المشتري لم ينعقد أصلا لما قدمناه عن البدائع أن الفضولي إذا باع ملك غيره لنفسه لم ينعقد، وإنما ينعقد إذا باعه لمالكه وهنا باعه المشتري لنفسه فالظاهر ما في النهاية ولذا قال في المعراج: إن المشتري من الغاصب إذا باع لا يتوقف ملكه لان فائدة التوقف النفاذ ففي كل صورة لا يتحقق النفاذ لا يتوقف كبيع الحر. وأورد على الاصل ما إذا باع الغاصب ثم أدى الضمان فإنه ينفذ بيعه مع أنه طرأ ملك بات وهو ملك الغاصب بأداء الضمان على ملك المشتري الموقوف. وأجيب بأن ملك الغاصب ضروري ضرورة أداء الضمان فلم يظهر في إبطال ملك المشتري. قوله: (ولو قطعت يده عند المشتري فأجيز فأرشه لمشتريه) لان الملك ثبت له من وقت الشراء لما قدمناه فتبين أن القطع ورد على ملكه، ولعى هذا كل ما يحدث في المبيع من كسب أو ولد أو عقر قبل الاجازة فهو للمشتري وهذه حجة على محمد، والعذر له أن الملك من وجه يكفي لاستحقاق الزوائد كالمكاتب إذا قطعت يده فأخذ الارش ثم رد في الرق يكون الارشض للمولى، وكذا إذا قطعت يد المبيع والخيار للبائع فأجاز البيع يكون الارش للمشتري بخلاف الاعتاق لافتقاره إلى كمال الملك. قيد بالمشتري لان يده لو قطعت عند الغاصب ثم