الشرح الكبير على متن المقنع تأليف الشيخ الامام العالم العامل شيخ الاسلام وقدوة الانام بقية السلف الكرام * (شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الشيخ الامام العالم العامل الزاهد أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي) * المتوفي سنة 682 كلاهما على مذهب امام الائمة ومحي السنة الامام * (أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رضي الله عنه وعنهم وجزاهم عن أنفسهم وعن المسلمين أفضل الجزاء الجزء الاول دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع
[ 2 ]
(بسم الله الرحمن الرحيم * وبه نستعين) (قال الشيخ الامام العالم العامل، شيخ الاسلام، قدوة الانام، بقية السلف الكرام، شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الشيخ الامام العالم العامل الزاهد أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي قدس الله روحه، ونور ضريحه آمين انه جواد كريم) الحمد لله العلي الاعظم، الجواد الاكرم، الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم، فرض طلب العلم على عباده المؤمنين، وأمرهم به في الكتاب المبين، فقال وهو أصدق القائلين (فلولا نفر من كل فرقة
[ 3 ]
منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) أحمده على نعم جللها، وقسم أجزلها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا يضل من شهد بها ولا يشقى، وكلمة أستمسك بها ومن يؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا. هذا كتاب جمعته في شرح [ كتاب المقنع ] تأليف شيخنا الشيخ الامام العالم العلامة موفق الدين
[ 4 ]
أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي رضي الله عنه اعتمدت في جمعه على كتابه المغني وذكرت فيه من غيره ما لم أجده فيه من الفروع والوجوه والروايات ولم أترك من كتاب المغني الا شيئا يسيرا من الادلة وعزوت من الاحاديث ما لم يعز مما أمكنني عزوه، والله المسئول أن يجعلنا ممن رسخت في العلم قدمه، وجبل على اتباع الكتاب والسنة لحمه ودمه، انه على كل شئ قدير، وهو بالاجابة جدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل
[ 5 ]
كتاب الطهارة الطهارة في اللغة الوضاءة والنزاهة عن الاقذار وهي في الشرع رفع ما يمنع من الصلاة من حدث أو نجاسة بالماء أو رفع حكمه بالتراب أو غيره فعند اطلاق لفظ الشارع أو في كلام الفقهاء انما ينصرف إلى الوضوء الشرعي دون اللغوي. وكذلك كل ماله موضوع شرعي ولغوي كالوضوء والصلاة والصوم والحج والزكاة ونحوه انما ينصرف المطلق منه إلى الموضوع الشرعي لان الظاهر من الشارع التكلم بموضوعاته وكلام الفقهاء مبني عليه باب المياه وهي ثلاثة أقسام ماء طهور وهو الطاهر في نفسه الذي يجوز رفع الاحداث والنجاسات به والطهور بضم الطاء المصدر قاله اليزيدي وبالفتح ما ذكرناه. هو من الاسماء المتعدية مثل الغسول وقال بعض الحنفية: هو لازم بمعنى الطاهر لان العرب لا تفرق بين الفاعل والمفعول في اللزوم والتعدي
[ 6 ]
بدليل قاعد وقعود وهذا ان أريد به ان الماء مختص بالطهور كما سيأتي في موضعه ان شاء الله والا فالنزاع في هذه المسألة لفظي والا شبه قول أصحابنا لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " متفق عليه ولو أراد به الطاهر لم يكن له مزية على غيره لانه طاهر في حق غيره ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء بماء البحر قال " هو
الطهور ماؤه الحل ميتته " ولو لم يكن الطهور متعديا بمعنى المطهر لم يكن ذلك جوابا للقوم حيث سألوه عن
[ 7 ]
التعدي إذ ليس كل طاهر مطهرا والعرب قد فرقت بين فاعل وفعول قالت فاعل لمن وجد منه مرة وفعول لمن تكرر منه فينبغي أن يفرق بينهما هاهنا وليس إلا من حيث التعدي واللزوم (مسألة) قال (وهو الباقي على أصل خلقته) وجملة ذلك ان كل صفة خلق الله عليها الماء من حرارة أو برودة أو عذوبة أو ملوحة أو غيرها سواء نزل من السماء أو نبع من الارض وبقي على أصل خلقته فهو طهور لقول الله تعالى (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد " رواه مسلم وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " رواه الامام أحمد (1) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " الماء طهور لا ينجسه شئ " (2) وهذا قول أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم إلا انه روي عن ابن عمرو انه قال في ماء البحر لا يجزي من الوضوء ولا من الجنابة والتيمم أعجب إلي منه، وروي ذلك عن عبد الله بن عمرو الاول أولى لقول الله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وهذا واجد للماء فلا يجوز له التيمم ولحديث جابر الذي ذكرناه في البحر، وروي عن عمرانه قال من لم يطهره ماء البحر فلا طهر له (3) ولانه ماء بقي على أصل خلقته أشبه العذب
1) وكذا ابن ماجه وابن حبان والدار قطني ورواه أحمد واصحاب السان وغيرهم من حديث أبي هريرة وحكى الترمذي تصحيحه عن البخاري وان لم يخرجه. وهذا أتم مما سيأتي في المغني 2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن أبى سعيد في شأن بئر بضاعة وروي عن غيره، واختلف فيه والتحقيق انه ضعيف وان المسلمين أجمعوا على ان الماء المتغير بالنجاسة نجس وتجد تفصيل الكلام عن علله في الاوطار 3) ترى في الصفحة 8 من المغنى: فلا طهره الله وهو أصح
[ 8 ]
(مسألة) قال (وما تغير بمكثه) الماء المتغير بطول المكث باق على اطلاقه قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الوضوء بالماء المتغير من غير نجاسة حلت فيه جائز سوى ابن سيرين فانه كره ذلك. ولنا انه تغير من غير مخالطة أشبه التغير عن مجاورة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه توضأ من بئر كأن ماءه نقاعة الحناء
(مسألة) قال (أو بطاهر لا يمكن صونه عنه كالطحلب وورق الشجر) وجملته ان الماء المتغير بالطحلب وورق الشجر والخز وسائر ما ينبت في الماء أو يجري عليه الماء أو تحمله الريح أو السيول من التبن والعيدان أو ما يمر عليه الماء من الكبريت والقار ونحوه أو كان في الارض التي يقف فيها الماء وكذلك ما يتغير في آنية الادم والنحاس ونحوه يعفى عن ذلك كله ولا يخرج به الماء عن اطلاقه لانه يشق التحرز منه فان أخذ شئ من ذلك وألقي في الماء كان حكمه حكم؟؟ أمكن التحرز منه على ما يأتي وكذلك ما تغير بالسمك ونحوه من دواب البحر لانه لا يمكن التحرز عنه فأشبه ما ذكرناه (مسألة) قال (أو لا يخالطه كالعود والكافور والدهن) على اختلاف أنواعه وكالعنبر إذا لم يستهلك في الماء ولم يتحلل فيه لا يخرج به الماء عن اطلاقه لانه تغير عن مجاورة أشبه مالو تروح بريح شئ إلى جانبه وفي معناه ما تغير بالقطران والزفت والشمع لان فيه دهنية يتغير بها الماء (مسألة) قال (أو ما أصله الماء كالملح البحري) لان أصله الماء فهو كالثلج والبرد فان كان
[ 9 ]
معدنيا فهو كالزعفران وكذلك الماء المتغير بالتراب لانه يرافق الماء في صفتيه أشبه الملح (مسألة) قال (أو ما تروح بريح ميتة إلى جانبه) لا نعلم في ذلك خلافا (أو سخن بالشمس) لانه سخن بطاهر فلم تكره الطهارة به كما لو سخن بالحطب، وقال الشافعي: تكره الطهارة بماء قصد تشمسه لما روي عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سخنت له ماء في الشمس فقال " لا تفعلي يا حميراء فانه يورث البرص " ولنا ما ذكرناه من القياس والحديث رواه الدار قطني وقال يرويه خالد بن اسماعيل وهو متروك الحديث وعمرو بن محمد الاعسم وهو منكر الحديث ولانه لو كره لاجل الضرر لما اختلف بقصد التشميس وعدمه (مسألة) قال (أو بطاهر) كالحطب ونحوه فلا تكره الطهارة به لا نعلم فيه خلافا إلا ما روي
[ 10 ]
عن مجاهد أنه كره الوضوء بالماء المسخن وقول الجمهور أولى لما روي عن الاسلع بن شريك رحال النبي صلى الله عليه وسلم قال أجنبت وأنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فجمعت حطبا فاحميت الماء فاغتسلت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره علي رواه الطبراني بمعناه ولانه صفة خلق عليها الماء أشبه
مطهر يرفع الاحداث ويزيل الانجاس غير مكروه الاستعمال) لما ذكرنا (مسألة) قال (وان سخن بنجاسة فهل يكره استعمالة؟ على روايتين) الماء المسخن بالنجاسة ينقسم ثلاثة أقسام (أحدها) أن يتحقق وصولها إليه فهذا نجس ان كان يسيرا لما يأتي (الثاني) إن غلب على الظن أنها لا تصل إليه فهو طاهر بالاصل ولا يكره استعماله في أحد الوجهين اختاره الشريف أبو جعفر وابن عقيل لان احتمال وصول النجاسة إليه يبعد أشبه غير المسخن والثاني يكره لاحتمال النجاسة اختاره القاضي (الثالث) ما عدا ذلك ففيه روايتان (احداهما) يكره وهو ظاهر المذهب لاجل النجاسة (والثانية) لا يكره كالتي قبلها وكالماء إذا شك في نجاسته وهذا مذهب الشافعي وذكر أبو الخطاب في الماء المسخن بالنجاسة روايتين على الاطلاق والله أعلم (فصل) ولا يكره الوضوء والغسل بماء زمزم لما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة وهو مردوف أسامة بن زيد فذكر الحديث وفيه ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا
[ 11 ]
بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ. رواه عبد الله بن أحمد في المسند عن غير أبيه وعنه يكره لقول العباس لا أحلها للمغتسل، ولانه أزال به مانعا من الصلاة أشبه مالو أزال به النجاسة والاول أولى لما ذكرنا وكونه مباركا لا يمنع الوضوء به كالماء الذي وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده فيه (فصل) إذا خالط الماء طاهر لم يغيره لم يمنع الطهارة. قال شيخنا لا نعلم فيه خلافا، وحكي عن أم هانئ والزهري في كسر بلت في ماء غيرت لونه أو لم تغيره لا يجوز الوضوء به والاول أولى لانه طاهر لم يغير صفة الماء فلم يمنع كبقية الطاهرات، وقد اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم هو وزوجته من قصعة فيها أثر العجين. رواه النسائي (فصل) إذا وقع في الماء ماء مستعمل عفى عن يسيره. رواة اسحاق بن منصور عن أحمد، وهذا ظاهر حال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لانهم كانوا يتوضأون من الاقداح ويغتسلون من الجفان، وقد اغتسل هو وعائشة من اناء واحد تختلف أيديهما فيه كل واحد منهما يقول لصاحبه " أبق لي: ومثل هذا لا يسلم من رشاش يقع في الماء، فان كثر الواقع فيه وتفاحش منع في أحدى
الروايتين. وقال أصحاب الشافعي: إن كان الاكثر المستعمل منع وإلا فلا، وقال ابن عقيل إن كان الواقع بحيث لو كان خلا غير الماء منع وإلا فلا. وما ذكرنا من الخبر وظاهر حال النبي صلى الله عليه وسلم يمنع من اعتباره بالخل لسرعة نفوذه وسرايته فيؤثر قليله في الماء والحديث دل عن العفو عن اليسير مطلقا فينبغي أن يرجع في ذلك إلى العرف فما عد كثيرا وإلا فلا، وإن شك في كثرته لم يمنع عملا بالاصل. (فصل) فان كان معه ماء لا يكفيه لطهارته فكمله بمائع آخر لم يغيره جاز الوضوء به في احدى الروايتين لانه طاهر لم يغير الماء فلم يمنع كما لو كان الماء قدرا يكفيه لطهارته (والثانية) لا يجوز لانا نتيقن حصول غسل بعض أعضائه بالمائع والاول أولى لان المائع استهلك في الماء فسقط حكمه أشبه مالو كان الماء يكفيه لطهارته فزاده مائعا آخر وتوضأ منه وبقي قدر المائع (فصل) قال الشيخ رحمه الله (القسم الثاني ماء طاهر غير مطهر وهو ما خالطه طاهر فغير اسمه أو غلب علي أجزائه أو طبخ فيه) وجملته أن كل ماء خالطه طاهر فغير اسمه حتى صار صبغا
[ 12 ]
أو خلا أو غلب على أجزائه فصيره حبرا أو طبخ فيه فصار مرقا وتغير بذلك - الانواع الثلاثة لا يجوز الغسل ولا الوضوء بها، لا نعلم فيه خلافا إلا أنه حكي عن أصحاب الشافعي وجه في ماء الباقلا المغلي أنه يجوز الوضوء به، وحكي عن ابن أبي ليلى والاصم أنه يجوز الوضوء والغسل بالمياه المعتصره وسائر أهل العلم على خلافهم لان الطهارة انما تجوز بالماء لقوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وهذا لا يقع عليه اسم الماء (مسألة) (فان غير أحد أوصافه - لونه أو طعمه أو ريحه ففيه روايتان) (احداهما) أنه غير مطهر وهو قول مالك والشافعي واسحاق واختيار القاضي، قال وهي المنصورة عند أصحابنا لانه ماء تغير بمخالطة ما ليس بطهور يمكن الاحتراز عن أشبه ماء الباقلا المغلي. إذا ثبت هذا فان أصحابنا لا يفرقون بين المذرور كالزعفران والاشنان وبين الحبوب من الباقلا والحمص والتمر كالتمر والزبيت
[ 13 ]
والورق ونحوه وقال الشافعية ما كان مذرورا منع إذا غير وما عداه لا يمنع الا أن ينحل في الماء
فان غير ولم ينحل لم يسلب الطهورية كما لو تغير بالكافور ووافقهم أصحابنا في الخشب والعيدان وخالفوا فيما ذكرنا لان تغير الماء به انما كان لاتصال أجزاء منه وانحلالها فيه فوجب أن يمنع كالمذرور وكما لو أغلي فيه (فصل) ولم يفرق أصحابنا في التغيير بين اللون والطعم والرائحة بل سووا بينهم قياسا لبعضها على بعض وشرط الخرقي الكثرة في الرائحة دون اللون والطعم لسرعه سرايتها ونفوذها ولكونها تحصل تارة عن مجاورة وتارة عن مخالطة فاعتبرت الكثرة ليلعم أنها عن مخالطة والرواية الثانية أنه باق على طهوريته نقله عن أحمد جماعة من أصحابنا أبو الحرث والميموني وإسحاق بن منصور وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه لان الله تعالى قال (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وهذا عام في كل ماء لانه نكرة في سياق النفي والنكرة في سياق النفي تفيد العموم فلا يجوز التيمم مع وجوده وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم " التراب كافيك ما لم تجد الماء " وهذا ماء ولانه ماء لم يسلبه اسمه ولا رقته ولا جريانه أشبه المتغير بالدهن فان تغير وصفان من أوصافه أو ثلاثة وبقيت رقته وجريانه فذكر القاضي أيضا فيه روايتين (إحداهما) يجوز الوضوء به لما ذكرنا فأشبه المتغير بالمجاورة
[ 14 ]
ولان الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسافرون وغالب أسقيتهم الادم وهي تغير أوصاف الماء عادة ولم يكونوا يتيممون معها (والثانية) لا يجوز لانه غلب على الماء أشبه مالو زال اسمه أو طبخ فيه وقال ابن أبي موسى في الذي تغيرت إحدى صفاته بطاهر يجوز التوضؤ به عند عدم الماء المطلق في إحدى الروايتين (و) لا يجوز مع وجوده (مسألة) قال (أو استعمل في رفع حدث أو طهارة مشروعة كالتجديد وغسل الجمعة) اختلف المذهب في المنفصل من المتوضئ عن الحدث والمغتسل من الجنابة فروي أنه طاهر غير مطهر وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة والشافعي وإحدى الروايتين عن مالك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة " رواه أبو داود ولولا أنه يفيد منعا لم ينه عنه ولانه أزال به مانعا من الصلاة أشبه ما لو غسل به النجاسة، والرواية الثانية أنه مطهر
وهو قول الحسن وعطاء والنخعي وأهل الظاهر والرواية الاخرى عن مالك، والقول الثاني للشافعي وهو قول ابن المنذر، ويروي عن علي وابن عمر فيمن نسي مسح رأسه إذا وجد بللا في لحيته أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " الماء لا يجنب " وأنه صلى الله عليه وسلم اغتسل من الجنابة فرأى لمعة لم يصبها الماء فعصر شعره عليها رواهما الامام أحمد ولانه ماء طاهر غسل به عضوا طاهرا أشبه مالو تبرد به أو غسل به الثوب - أو نقول أدى به فرضا فجاز أن يؤدي به غيره كالثوب يصلي فيه مرارا، وقال أبو يوسف هو نجس وهو رواية
[ 15 ]
عن أبي حنيفة وذكره ابن عقيل قولا لاحمد لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغسل في الماء الراكد كنهيه عن البول فيه فاقتضى ان الغسل فيه كالبول وكما لو غسل به نجاسة ولانه يسمى طهارة والطهارة لا تعقل إلا عن نجاسة لان تطهير الطاهر محال - ووجه طهارته ان النبي صلى الله عليه وسلم صب على جابر من وضوءه إذ كان مريضا وكان إذا توضأ يكادون يقتتلون على وضوئه رواهما البخاري ولو كان نجسا لم يجز فعل ذلك ولان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونساءه كانوا يغتسلون من الجفان ويتوضؤن من الاقداح ومثل هذا لا يسلم من رشاش يقع في الماء من المستعمل ولو كان نجسا لتنجس به الماء ولانه ماء طاهر لاقى عضوا طاهرا أشبه مالو تبرد به والدليل على طهارة أعضاء المحدث قول النبي صلى الله عليه وسلم " ان المؤمن لا ينجس " متفق عليه ولانه لو مس شيئا رطبا لم ينجسه ولو حمله مصل لم تبطل صلاته وقولهم انه نهى عن الغسل فيه كنهيه عن البول فيه قلنا يكفي اشتراكهما في أصل المنع من التطهر به ولا يلزم اشتراكهما في التنجس وانما سمي الوضوء والغسل طهارة لكونه يطهر عن الذنوب والآثام كما جاء في الاخبار لما ذكرنا من الادلة وجميع الاحداث سواء فيما ذكرنا الغسل والوضوء والحيض والنفاس وكذلك المنفصل من غسل الميت إذا قلنا بطهارته فأما المنفصل من غسل الذمية من الحيض فروي انه مطهر لانه لم يزل مانعا من الصلاة أشبه المتبرد وروي انه غير مطهر لانه زال به المانع من وطئ الزوج فأما ما اغتسلت به من الجنابة فهو مطهر وجها واحدا
[ 16 ]
لانه لم يؤثر شيئا ويحتمل أن يمنع استعماله كالمسلمة (فصل) فأما المستعمل في طهارة مشروعة كالتجديد وغسل الجمعة والاحرام وسائر الاغتسالات المستحبة والغسلة الثانية والثالثة والوضوء ففيه روايتان (أظهرهما) طهوريته لانه لم يرفع حدثا، ولم يزل نجسا أشبه التبرد، (والثانية) تسلب طهوريته لانه استعمل في طهارة مشروعة أشبه المستعمل في رفع الحدث، فان لم تكن الطهارة مشروعة لم يؤثر في الماء استعماله فيها شيئا كالتبرد ولا نعلم خلافا في المستعمل في التبرد والتنظيف لانه باق على اطلاقه (مسألة) قال (أو غمس فيه يده قائم من نوم الليل قبل غسلها ثلاثا فهل يسلب طهوريته؟ على روايتين) المراد باليد ههنا اليد إلى الكوع لما نذكره في التيمم فمتى غمس القائم من نوم الليل يده في الماء اليسير قبل غسلها ثلاثا ففيه روايتان (احداهما) لا يسلب الطهورية وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لان الماء قبل الغمس كان طهورا فيبقى على الاصل، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن غمس اليد كان لو هم النجاسة فالوهم لا يزيل الطهورية كما لم يزل الطهارة وإن كان تعبدا اقتصر على مورد النص وهو مشروعية الغسل (والرواية الثانية) أن يسلب الطهورية لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها الاناء ثلاثا، فان أحدكم لا يدري أين باتت يده " رواه مسلم ورواه البخاري ولم يذكر ثلاثا، فلولا أنه يفيد منعا لم ينه عنه ظاهرا وعلى
[ 17 ]
قال: أحب الي أن يريقه إذا غمس يده فيه وهو قول الحسن وذلك لما روى أبو حفص العكبري عن النبي صلى الله عليه وسلم " فان أدخلهما قبل الغسل أراق الماء " فيحتمل وجوب إراقته فلا يجوز استعماله لانه مأمور باراقته أشبه الخمر، ويحتمل أن لا تجب إراقته ويكون طاهرا غير مطهر كالمستعمل في رفع الحدث والاول اختيار ابن عقيل، وهل يكون غمس بعض اليد كغمس الجميع؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يكون وهو قول الحسن لان الحديث ورد في غمس جميع اليد وهو تعبد لا يلزم من كون الشئ مانعا كون بعضه مانعا كما لا يلزم من كون الشئ سببا كون بعضه سببا والله أعلم (والثاني) حكم البعض حكم الكل لان ما تعلق المنع بجميعه تعلق ببعضه كالحدث والنجاسة، وغمسها بعد غسلها دون
الثلاث كغمسها قبل غسلها سببا لبقاء النهي (فصل) ولا فرق بين كون يد النائم مطلقة أو مشدودة في جراب أو مكتوفا لعموم الاخبار ولان الحكم إذا علق على المظنة لم يعتبر حقيقة الحكمة كالعدة الواجبة لاستبراء الرحم في حق الصغيرة والآيسة وربما تكون يده نجسة قبل نومه فينسى نجاستها لطول نومه على أن الظاهر عند من أوجب الغسل انه تعبد لا لعلة التنجيس ولهذا لم تحكم بنجاسة اليد فيعم الوجوب كل من تناوله الخبر. وقال ابن عقيل لا يجب الغسل إذا كان مكتوفا أو كانت يده في جراب لزوال احتمال النجاسة الذي لاجله شرع الغسل والاول أولى لما ذكرنا. ولا يجب غسل اليد عند القيام من نوم النهار رواية واحدة وسوى الحسن
[ 18 ]
بين نوم الليل والنهار. ولنا ان في الخبر ما يدل على تخصيصه بنوم الليل وهو قوله " فان أحدكم لا يدري أين باتت يده " والمبيت يكون في الليل خاصة ولا يصح قياس نوم النهار على نوم الليل لوجهين (أحدهما) ان الغسل وجب تعبدا فلا يقاس عليه (الثاني) ان نوم الليل يطول فيكون احتمال اصابة يده للنجاسة فيه أكثر (فصل) واختلفوا في النوم الذي يتعلق به هذا الحكم فذكر القاضي أنه النوم الذي ينقض الوضوء وقال ابن عقيل هو ما زاد على نصف الليل لانه لا يكون بائتا إلا بذلك بدليل أن من دفع من مزدلفة قبل نصف الليل فعليه دم بخلاف من دفع بعده وما قاله يبطل بمن وافاها بعد نصف الليل فانه لا يجب عليه دم مع كونه أقل من نصف الليل - وتجب النية للغسل في أحد الوجهين عند من أوجبه طهارة تعبد
[ 19 ]
أشبه الوضوء والغسل (والثاني) لا يفتقر لانه علل بوهم النجاسة ولا تعتبر في حقيقتها النية فالوهم أولى ولانه أتى بما أمر به وهو الغسل وفعل المأمور به يقتصي الاجزاء، ولا يفتقر الغسل إلى تسمية وقال أبو الخطاب يفتقر قياسا على الوضوء وهو بعيد لان التسمية إن وجبت في الوضوء وجبت تعبدا فلا يقاس عليه لان من شرط صحة القياس كون المعنى معقولا ليمكن تعدية الحكم والله أعلم، قال ابن عقيل ويستحب تقديم اليمنى على اليسرى في غسل اليدين لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في طهوره وفي شأنه كله (فصل) فان كان القائم من نوم الليل صبيا أو مجنونا أو كافرا ففيه وجهان، أحدهما: هو كالمسلم
البالغ العاقل لانه لا يدري أين باتت يده. والثاني لا يؤثر لان الغسل وجب بالخطاب تعبدا ولا خطاب في حق هؤلاء ولا تعبد (1) (فصل) إذا وجد ماء قليلا ويداه نجستان وليس معه ما يغترف به فان أمكنه أن يأخذ بفيه ويصب على يديه أو يغمس خرقة أو غيرها ويصب على يديه فعل وإن لم يمكنه يتيمم كيلا ينجس الماء ويتنجس به فان كان لم يغسل يديه من نوم الليل فمن قال ان غمسهما لا يؤثر قال يتوضأ ومن جعله مؤثرا قال يتوضأ ويتيمم معه، ولو استيقظ المحبوس من نومه فلم يدر أهو من نوم النهار أو الليل لم يلزمه غسل يديه لان الاصل عدم الوجوب (فصل) فان توضأ القائم من نوم الليل من ماء كثير أو اغتسل منه بغمس أعضائه فيه ولم ينو غسل اليد من نوم الليل فعند من أوجب النية لا يرتفع حدثه ولا يجزئه من غسل اليد من النوم لانه
1) الحديث في غسل اليدين خارج الاناء لمن قام من النوم قد علل في بعض رواياته بقوله صلى الله عليه وسلم (فانه لا يدري أين باتت - أو - أين طاتف يده) ووضحه الشافعي وغيره بأنهم كانوا يستنجون بالحجارة فإذا ناموا عرقوا فربما تصيب يد أحدهم موضع النجاسة فالامر للاحتياط لا للتعبد وهو عند جمهور السلف والخلف للاستجاب ونظر له المجد بن تيمية بحديث (إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات فان الشيطان يبيت على خياشيمه) متفق عليه ولم يذهب إلى وجوب الاستنثار حد
[ 20 ]
لم ينوه لان غسلها إما أنه وجب تعبدا أو لوهم النجاسة وبقاء النجاسة على العضو لا تمنعه من ارتفاع الحدث بدليل أنه لو غسل يده أو أنفه في الوضوء وهو نجس لارتفع حدثه وكذلك بقاء حدث لا يمنع من ارتفاع حدث آخر بدليل مالو توضأ الجنب ينوي رفع الحدث الاصغر أو اغتسل ينوي الكبري وحدها فانه يرتفع أحد الحدثين دون الآخر وهذا لا يخرج عن شبهه بأحد الامرين والله أعلم (فصل) إذا انغمس الجنب أو المحدث في ماء دون القلتين ينوي رفع الحدث صار مستعملا ولم يرتفع حدثه وقال الشافعي يصير مستعملا ويرتفع حدثه لانه انما يصير مستعملا بارتفاع حدثه فيه ولنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب " والنهي يقتضي فساد
المنهي عنه ولانه بأول جزء انفصل عنه صار مستعملا فلم يرتفع الحدث عن سائر البدن كما لو اغتسل به شخص آخر فان كان الماء قلتين فصاعدا ارتفع الحدث والماء باق على اطلاقه لانه لا يحمل الخبث (فصل) إذا اجتمع ماء مستعمل إلى قلتين مطهرتين صار الكل طهورا لان المستعمل لو كان نجسا لم يؤثر في القلتين فالمستعمل أولى وإن انضم إلى ما دون القلتين ولم يبلغ الجميع قلتين فقد ذكرناه وإن بلغ قلتين باجتماعه فكذلك ويحتمل أن يزول المنع لحديث القلتين - وإن انضم مستعمل إلى مستعمل
[ 21 ]
ولم يبلغ القلتين فالجميع مستعمل، وإن بلغ قلتين ففيه احتمالان لما ذكرنا (مسألة) (وإن أزيلت به النجاسة فانفصل متنيرا أو قبل زوالها فهو نجس) أما إذا انفصل متنيرا بالنجاسة فلا خلاف في نجاسته، وأما إذا انفصل غير متغير مع بقاء النجاسة فهو مبني على تنجس الماء القليل لمجرد ملاقاة النجاسة من غير تغيير وسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى (مسألة) قال (وإن انفصل غير متغير بعد زوالها فهو طاهر) رواية واحدة إن كان المحل أرضا، وقال أبو بكر انما يحكم بطهارته إذا كانت قد نشفت أعيان البول، فان كانت أعيانها قائمة فجرى الماء عليها فطهرها وفي المنفصل روايتان كغير الارض. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " صبوا على بول الاعرابي ذنوبا من ماء " متفق عليه أمر بذلك لتطهير مكان البول فلو كان المنفصل نجسا لكان تكثيرا للنجاسة ولم يفرق بين نشافه وعدمه والظاهر أنه انما أمر عقيب البول (مسألة) (وإن كان غير الارض فهو طاهر في أصح الوجهين) وهو مذهب الشافعي لانه انفصل عن محل محكوم بطهارته أشبه المنفصل من الارض، ولان المنفصل بعض المتصل والمتصل طاهر بالاجماع كذلك المنفصل (والوجه الثاني) أنه نجس وهو قول أبي حنيفة واختيار ابن حامد لانه لاقى نجاسة أشبه مالو انفصل قبل زوالها أو وردت عليه وهل تكون طهورا؟ على وجهين بناء على المستعمل في رفع الحدث (مسألة) (وإن خلت بالطهارة منه امراة فهو طهور) بالاصل لانه يجوز لها أن تتوضأ به ولغيرها من النساء - أشبه الذي لم تخل به ولا يجوز للرجل الظهارة به في ظاهر المذهب لما روى الحكم بن عمرو
[ 22 ]
الغفاري قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة رواه الترمذي (1) وقال حديث حسن. قال أحمد جماعة كرهوه منهم عبد الله بن عمرو وعبد الله بن سرجس وخصصناه بالخلوة لقول عبد الله بن سرجس توضأ أنت ههنا وهي ههنا، فأما إذا خلت به فلا تقربنه ومعنى الخلوة أن لا يشاهدها انسان تخرج بحضوره عن الخلوة في النكاح، وذكر القاضي أنها لا تخرج عن الخلوة ما لم يشاهدها رجل مسلم، وذكر ابن عقيل في معنى الخلوة أن لا يشاركها أحد في الاستعمال وفيه رواية أخرى أنه يجوز للرجل أن يتطهر به لما روت ميمونة قالت أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليغتسل منه فقلت إني اغتسلت منه فقال " الماء ليس عليه جنابة " رواه أبو داود (2) والظاهر خلوها به لان العادة أن الانسان يقصد الخلوة في غسل الجنابة وهذا أقيس إن شاء الله تعالى فان خلت به في ازالة النجاسة فقال ابن حامد فيه وجهان (أظهرهما) جواز الوضوء به لان الاصل الجواز وإن خلت بالطهارة في بعض أعضائها أو في تجديد طهارة واستنجاء ففيه وجهان (أحدهما) المنع قياسا علي الوضوء (والثاني) لا يمنع لان الطهارة المطلقة تنصرف إلى طهارة الحدث الكاملة فان خلت به الذمية في غسل الحيض ففيه وجهان (أحدهما) المنع كالمسلمة لانها أدنى منها وأبعد من الطهارة وقد تعلق به اباحة وطئها (والثاني) الجواز لان طهارتها لا تصح، وكذلك النفاس والجنابة، ويحتمل التفرقة بين الحيض والنفاس وبين الجنابة لان الجنابة لم تفد اباحة ولم تصح فهي كالتبرد والله أعلم وانما تؤثر خلوتها في الماء اليسير لان النجاسة لا تؤثر في الماء الكثير فهذا أولى ويجوز غسل النجاسة به وذكر القاضي وجها أنه لا يجوز للرجل غسل النجاسة به لان مالا يجوز الوضوء به لا يجوز غسل النجاسة به كالخل ويمكن القول بموجبه فان هذا يجوز للمرأة الطهارة به (فصل) ويجوز للرجل والمرأة أن يغتسلا ويتوضأ من اناء واحد من غير كراهة لان النبي صلى الله عليه وسلم
1) بل رواه أحمد وأصحاب السنن الارعة وفي تصحيحه خلاف 2) وكذا أحمد والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح ولكن بابهام زوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهي المرادة به فقد رواه ابن عباس وهي حالته وقد روى عنه احمد ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة
[ 23 ]
كان يغتسل هو وزوجته من اناء واحد يغترفان منه جميعا رواه البخاري (فصل) ولا يجوز رفع الحدث إلا بالماء ولا يحصل بمائع سواه وبهذا قال مالك والشافعي وروي عن علي رضي الله عنه وليس بثابت أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ وبه قال الحسن وقال عكرمة النبيذ وضوء من لم يجد الماء وقال إسحاق النبيذ حلوا أعجب الي من التيمم وجمعهما أحب إلي وعن (أبي حنيفة) كقول عكرمة وقيل عنه يجوز الوضوء بنبيذ التمر إذا طبخ واشتد عند عدم الماء في السفر لما روى ابن مسعود أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فأراد أن يصلي صلاة الفجر فقال " أمعك وضوء؟ قال لا معي اداوة فيها نبيذ - فقال ثمرة طيبة وماء طهور " ولنا قوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) أوجب الانتقال إلى التيمم عند عدم الماء ولانه لا يجوز الوضوء به في الحضر ولا مع وجود الماء فاشبه الخل والمرق وحديثهم لا يثبت لان راوية أبو زيد وهو مجهول عند أهل الحديث لا يعرف له غير هذا الحديث ولا يعرف بصحبة عبد الله قاله الترمذي وابن المنذر وروى مسلم باسناده عن عبد الله بن مسعود قال لم أكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ووددت أني كنت معه. فاما غير النبيذ فلا نعلم بين أهل العلم خلافا أنه لا يجوز به وضوء ولا غسل غير ما ذكرناه في الماء المعتصر فيما مضى والله أعلم
[ 24 ]
(فصل) قال رضي الله عنه (القسم الثالث ماء نجس وهو ما تغير بمخالطة النجاسة) كل ماء تغير بمخالطة النجاسة فهو نجس بالاجماع حكاه ابن المنذر فان لم يتغير وهو يسير فهل ينجس على روايتين (إحداهما) ينجس وهو ظاهر المذهب روي ذلك عن ابن عمر وهو قول الشافعي وإسحاق لما روى ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسئل عن الماء يكون بالفلاة من الارض وما ينوبه من الدواب والسباع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " رواه الامام احمد وأبو داود والترمذي وتحديده القلتين يدل على تنجيس ما دونهما وإلا لم يكن التحديد مفيدا وصح نهي النبي صلى الله عليه وسلم القائم من نوم الليل عن غمس يده في الماء قبل غسلها فدل على أنه يفيد منعا وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الاناء من لوغ الكلب واراقة سؤره ولم يفرق بين ما تغير وبين ما لم يتغير مع أن الظاهر عدم التغيير (والرواية الثانية) أن الماء لا ينجس إلا بالتغير روي ذلك عن حذيفة وأبي هريرة وابن عباس والحسن
وهو مذهب مالك والثوري وابن المنذر وروي أيضا عن الشافعي لما روى أبو أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الماء لا ينجسه شئ الا ما غلب على ريحه وطعمه ولوغه " رواه ابن ماجه والدار قطني وروى أبو سعيد قال قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقي فيها الحيض ولحوم والكلاب النتن قال " ان ا لماء طهور لا ينجسه شيئ " رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن وصححه الامام أحمد (مسألة) قال (وان كان كثيرا فهو طاهر ما لم تكن النجاسة بولا أو عذرة)
[ 25 ]
بغير خلاف في المذهب روي ذلك عن عبد الله بن عمر وهو قول الشافعي وروي عن ابن عباس قال إذا كان الماء ذنوبين لم يحمل الخبث وقال عكرمة ذنوبا أو ذنوبين وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الماء الكثير يتنجس بالنجاسة من غير تغيير الا أن يبلغ حدا يغلب على الظن أن النجاسة لا تصل إليه واختلفوا في حده فقال بعضهم ما إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الآخر وقال بعضهم ما بلغ عشرة أذرع في مثلها وما دون ذلك قليل وان بلغ الف قلة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه " متفق عليه نهى عن الاغتسال من الماء الراكد بعد البول فيه ولم يفرق بين قليله وكثيره ولانه ماء حلت فيه نجاسة لا يؤمن انتشارها إليه أشبه اليسير ولنا خبر القلتين وبئر بضاعة اللذان ذكرناهما مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن بئر بضاعة يلقى فيه الحيض والنتن ولحوم الكلاب مع أن بئر بضاعة لا يبلغ الحد الذي ذكروه قال أبو داود قدرت بئر بضاعة فوجدته ستة أذرع وسألت الذي فتح لي باب البستان هل غير بناؤها؟ قال لا وسألت قيمها عن عمقها فقلت أكثر ما يكون فيها الماء؟ فقال إلى العانة. قلت فإذا نقص قال دون العورة ولانه ماء يبلغ القلتين فاشبه الزائد على عشرة أذرع وحديثهم عام وحديثنا خاص فيجب تخصيصه به وحديثهم لابد من تخصيصه بما زاد على الحد الذي ذكروه فيكون تخصيصه بقول النبي صلى الله عليه وسلم أولى من
[ 26 ]
تخصيصه بالرأي والتحكم من غير أصل وما ذكروه من الحد تقدير من غير توقيف ولا يصار إليه بغير نص ولا إجماع ثم ان حديثهم خاص في البول وهو قولنا في إحدى الروايتين جمعا بين الحديثين فنقصر
الحكم على ما تناوله النص وهو البول لان له من التأكيد والانتشار ما ليس لغيره (مسألة) قال (الا أن تكون النجاسة بولا أو عذرة مائعة ففيه روايتان إحداهما لا ينجس) وهو كسائر النجاسات وهو اختيار أبي الخطاب وابن عقيل ومذهب الشافعي وأكثر أهل العلم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شئ " رواه الامام أحمد ولان نجاسة بول الآدمي لا تزيد على نجاسة بول الكلب وهو لا ينجس القلتين فهذا أولى وحديث النهي عن البول في الماء الدائم لابد من تخصيصه بما لا يمكن نزحه اجماعا فيكون تخصيصه بخبر القلتين أولى من تخصيصه بالرأي والتحكم ولو تعارضا ترجح حديث القلتين لموافقته القياس (والرواية الاخرى ينجس) يروى نحو ذلك عن علي بن أبي طالب فروى الخلال باسناده ان عليا رضي الله عنه سئل عن صبي بال في بئر فأمرهم بنزحها، وهو قول الحسن لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه " متفق
[ 27 ]
عليه وهذا يتناول القليل والكثير وهو خاص في البول فيجمع بينه وبين حديث القلتين بحمل هذا على البول وحمل حديث القلتين على سائر النجاسات والعذرة المائعة في معنى البول لان أجزاءها تتفرق في الماء وتنتشر فهي في معنى البول وهي أفحش منه وقال ابن أبي موسى حكم الرطبة حكم المائعة قياسا عليها والاولى التفريق بينهما لما ذكرنا من المعنى (مسألة) قال (إلا أن يكون مما لا يمكن نزحه لكثرته فلا ينجس) لا نعلم خلافا أن الماء الذي لا يمكن نزحه إلا بمشقة عظيمة مثل المصانع التي جعلت موردا للحاج بطريق مكة يصدرون عنها ولا ينفد ما فيها أنها لا تنجس إلا بالتغيير قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الماء الكثير كالرجل من البحر ونحوه إذا وقعت فيه نجاسة فلم تغير له لونا ولا طعما ولا ريحا انه بحالة يتطهر منه (فصل) ولا فرق بين قليل البول وكثيره قال مهنا سألت احمد عن بئر غزيرة وقعت فيها خرقة أصابها بول قال: تنزح لان النجاسات لا فرق بين قليلها وكثيرها كذلك البول
(فصل) إذا كان بئر الماء ملاصقا لبئر فيها بول أو غيره من النجاسة وشك في وصوله إلى الماء فالماء طاهر بالاصل. وان أحب علم حقيقة ذلك فليطرح في البئر النجسة نفطا فان وجد رائحته في الماء علم وصوله إليه وإلا فلا وإن وجده متغيرا تغيرا يصلح أن يكون منها ولم يعلم له سببا آخر فهو نجس
[ 28 ]
لان الملاصقة سبب فيحال الحكم عليه والاصل عدم ما سواه ولو وجد ماء متغيرا في غير هذه الصورة ولم يعلم سبب تغيره فهو طاهر - وان غلب على ظنه نجاسته لان الاصل الطهارة. وان وقعت في الماء نجاسة فوجده متغيرا تغيرا يصلح أن يكون منها فهو نجس لان الظاهر كونه منها والاصل عدم ما سواه فيحال الحكم عليه وإن كان التغيير لا يصلح أن يكون منها لكثرة الماء وقلتها أو لمخالفته لونها أو طعمها فهو طاهر لان النجاسة لا تصلح أن تكون سببا هاهنا أشبه مالو لم يقع فيه شئ (فصل) فان توضأ من الماء القليل وصلى ثم وجد فيه نجاسة أو توضأ من ماء كثير ثم وجده متغيرا بنجاسة شك هل كان قبل وضوئه أو بعده فالاصل صحة طهارته وصلاته وإن علم ان ذلك قبل وضوئه بأمارة أعاد وإن علم ان النجاسة قبل وضوئه ولم يعلم أكان دون القلتين أو كان قلتين فنقص بالاستعمال أعاد لان الاصل نقص الماء (فصل) إذا وقعت في الماء نجاسة فغيرت بعضه فالمتغير نجس وما لم يتغير إن بلغ قلتين فهو طاهر وإلا فهو نجس لان الماء اليسير ينجس بمجرد الملاقاة لما ذكرنا وقال ابن عقيل وبعض الشافعية يكون نجسا وإن كثر كما لو كان يسيرا ولان المتغير نجس فينجس ما يلاقيه وما يلاقي ما يلاقيه حتى ينجس جميعه، فان اضطرب فزال تغيره طهر لزوال علة النجاسة وهي التغير ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شئ " وغير المتغير كثير فيدخل في عموم الحديث ولكنه ماء كثير لم يتغير بالنجاسة الواقعة فيه فلم ينجس كما لو لم يتغير منه شئ
[ 29 ]
ولا يصح القياس على اليسير لانه لا يدفع النجاسة عن نفسه، وقولهم ان الملاصق للمتغير ينجس ممنوع كالملاصق للنجاسة الجامدة وعلى قولهم ينبغي أن ينجس البحر. إذا تغير جانبه والماء الجاري ولا قائل به
(فصل) قال ابن عقيل من ضرب حيوانا مأكولا (3) فوقع في ماء ثم وجده ميتا ولم يعلم هل مات من الجراحة أو بالماء فالماء على أصله في الطهارة والحيوان على أصله في الحظر الا أن تكون الجراحة موجبة فيكون الحيوان أيضا مباحا لان الظاهر موته بالجرح والماء طاهر الا أن يقع فيه دم (فصل) إذا كان الماء قلتين وفيه نجاسة فغرف منه باناء فالذي في الاناء طاهر والباقي نجس ان قلنا القلتان تحديد لانه ماء يسير فيه نجاسة، وان قلنا بالتقريب لم ينجس إلا أن يكون الاناء كبيرا يخرجه عن التقريب، وان ارتفعت النجاسة في الدلو فالماء الذي في الاناء نجس والباقي طاهر، ذكرها ابن عقيل. (فصل) وإذا اجتمع ماء نجس إلى ماء نجس ولم يبلغ القلتين فالجميع نجس وان بلغ القلتين فكذلك لانه كان نجسا قبل الاتصال والاصل بقاء النجاسة، ولان اجتماع النجس إلى النجس لا يولد بينهما طاهرا كما في سائر المواضع ويتخرج ان يطهر إذا بلغ قلتين وزال تغيره وهو مذهب الشافعي لزوال علة التنجيس، والغدير ان إذا كانت بينهما ساقية فيها ماء متصل بهما فهما كالغدير الواحد قل الماء أو كثر فمتى تنجس أحدهما ولم يبلغا القلتين لم يتنجس واحد منهما الا أن يتغير بالنجاسة كما قلنا في الواحد
3) أي بمحدد بقصد الصيد أو التذكية ولو قال من جرح أو رمي لكان أولى. والضرب بالحجر غير المحدد قد يكشط الجلد وهو وقذوان جرح
[ 30 ]
(مسألة) قال (وإذا انضم إلى الماء النجس ماء طاهر كثير طهره ان لم يبق فيه تغير وإذا كان الماء النجس كثيرا فزال تغيره بنفسه أو بنزح بقي بعده كثير طهر) وجملة ذلك أن تطهير الماء النجس ينقسم ثلاثة أقسام (أحدها) أن يكون الماء النجس دون القلتين فتطهيره المكاثرة بقلتين طاهرتين اما أن ينبع فيه أو يصب فيه أو يجري إليها من ساقية أو نحو ذلك فيزول بهما تغيره ان كان متغيرا فيطهر وان لم يكن متغيرا طهر بمجرد المكاثرة لان القلتين تدفع النجاسة عن نفسها وعما اتصل بها ولا تنجس الا بالتغير إذا وردت عليها النجاسة فكذلك إذا كانت واردة - ومن ضرورة الحكم بطهارتهما طهارة ما اختلط بهما (القسم الثاني) أن يكون قلتين فان لم
يكن متغيرا بالنجاسة فتطهيره بالمكاثرة المذكورة وان كان متغيرا بها فتطهيره بالمكاثرة المذكورة إذا أزالت التغير وبزوال تغيره بنفسه لان علة التنجيس زالت وهي التغير أشبه الخمرة إذا انقلبت بنفسها خلا وقال ابن عقيل يحتمل أن لا يطهر إذا زال تغيره بنفسه بناء على أن النجاسة لا تطهر بالاستحالة (القسم الثالث) الزائد على القلتين فان كان غير متغير فتطهيره بالمكاثرة لا غير وان كان متغيرا فتطهيره بما ذكرنا من الامرين وبأمر ثالث وهو أن ينزح منه حتى يزول التغير ويبقى بعد النزح قلتان فان نقص عن القلتين قبل زوال تغيره ثم زال تغيره لم يطهر لان علة التنجيس في القليل مجرد ملاقاة النجاسة فلم تزل العلة بزوال
[ 31 ]
التغيير ولا يعتبر في المكاثرة صب الماء دفعة واحدة لانه لا يمكن ذلك لكن يوصله على حسب الامكان في المتابعة على ما ذكرنا (مسألة) (فان كوثر بماء يسير أو بغير الماء كالتراب ونحوه فازال التغير لم يطهر في أحد الوجهين) لان هذا لا يدفع النجاسة عن نفسه فعن غيره أولى (والثانى) يطهر لان علة النجاسة زالت وهو التغير أشبه مالو زال تغيره بنفسه ولان الماء اليسير إذا لم يؤثر فلا أقل من أن يكون وجوده كعدمه ويحتمل التفرقة بين المكاثرة بالماء اليسير وغيره فإذا كوثر بالماء اليسير طهر لما ذكرنا وإذا كوثر بالتراب أو غيره لم يطهر لان ذلك ربما ستر التغير الحادث من النجاسة فيظن انه قد زال ولم يزل (فصل) فاما الذي يقع فيه بول الآدمي إذا قلنا بنجاسته فلا يطهر بالمكاثرة بقلتين لان القلتين بالنسبة إلى البول كما دونهما بالنسبة إلى غيره لكن يطهر بأحد ثلاثة أشياء المكاثرة بما لا يمكن نزحه. الثاني: أن ينزح منه حتى يزول تغيره ويبقى مالا يمكن نزحه (الثالث) أن يزول تغيره بنفسه ان كان كذلك ذكره ابن عقيل (فصل) فاما غير الماء من المائعات إذا وقعت فيه نجاسة ففيه ثلاث روايات (إحداهن) انه يتنجس وان كثر وهو الصحيح إن شاء الله لان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تموت في السمن فقال " ان كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه " رواه الامام احمد - نهى عنه ولم يفرق بين قليله وكثيره ولانها لا تطهر غيرها فلا تدفع النجاسة عن نفسها كاليسير (والثانية) انها كالماء
[ 32 ]
لا ينجس منها ما بلغ قلتين إلا بالتغير قياسا على الماء قال حرب سألت احمد قلت كلب ولغ في سمن وزيت قال إذا كان في آنية كبيرة مثل حب أو نحوه رجوت أن لا يكون به بأس يؤكل وان كان في آنية صغيرة فلا يعجبني (والثالثة) ان ما أصله الماء كالخل التمري يدفع النجاسة لان الغالب فيه الماء وما لا فلا (فصل) وإذا قلنا: ان غير الماء من المائعات كالخل ونحوه يزيل النجاسة نبني على ذلك أن الكثير منه لا ينجس إلا بالتغيير لكون حكمه في دفع النجاسة حكم الماء والله أعلم (فصل) فاما الماء المستعمل في رفع الحدث وما كان طاهرا غير مطهر ففيه احتمالان (أحدهما) أنه يدفع النجاسة عن نفسه إذا كثر لحديث القلتين (والثاني) انه ينجس لانه لا يطهر أشبه الخل (فصل) ولا فرق بين يسير النجاسة وكثيرها ما أدركه الطرف وما لم يدركه الا أن ما يعفى عن يسيره كالدم - حكم الماء الذي يتنجس به حكمه في العفو عن يسيره وكذلك كل نجاسة نجست الماء حكمه حكمها لان نجاسة الماء ناشئة عن نجاسة الواقع وفرع عليها والفرع يثبت له حكم أصله، وروي عن الشافعي أن مالا يدركه الطرف من النجاسة معفو عنه للمشقة اللاحقة به ونص في موضع ان الذباب إذا وقع على خلاء رقيق أو بول ثم وقع على الثوب غسل موضعه ونجاسة الذباب مما لا يدركها الطرف
[ 33 ]
ولنا ان دليل التنجيس لا يفرق بين قليل النجاسة وكثيرها ولا بين ما يدركه الطرف وما لا يدركه فالتفريق تحكم وما ذكروه من المشقة ممنوع - لانا إنما نحكم بالنجاسة إذا علمنا وصولها ومع العلم لا يفترق القليل والكثير في المشقة ثم ان المشقة بمجردها حكمة لا يجوز تعلق الحكم بها بمجردها وجعل مالا يدركه الطرف ضابطا لها انما يصح بالتوقيف أو باعتبار الشرع له في موضع ولم يوجد واحد منهما
[ 34 ]
(مسألة) قال (والكثير ما بلغ قلتين واليسير ما دونهما) القلة الجرة سميت قلة لانها تقل بالايدي والمراد ههنا بالقلة قلال هجر لما يأتي وانما جعلنا
القلتين حدا للكثير لان حديث القلتين دل على نجاسة ما لم يبلغهما بطريق المفهوم وعلى دفعهما للنجاسة عن أنفسهما فلذلك جعلناهما حدا للكثير فمتى جاء لفظ الكثير هاهنا فالمراد به القلتان والله أعلم
[ 35 ]
(مسألة) قال وهما خمسمائة رطل بالعراقي) في ظاهر المذهب وهو قول الشافعي لانه روي عن ابن جرير أنه قال رأيت قلال هجر فرأيت القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا والقربة مائة رطل بالعراقي باتفاق القائلين بتحديد الماء بالقرب والاحتياط أن يجعل الشئ نصفا فكانت القلتان بما ذكرنا خمسمائة رطل، وروي عن أحمد أن القلتين أربعمائة رطل بالعراقي. رواه عنه الاثرم واسماعيل ابن سعيد، وحكاه ابن المنذر لما روى الجوزجاني باسناده عن يحيى بن عقيل قال رأيت قلال هجر
[ 36 ]
وأظن كل قلة تأخذ قربتين. وروي نحو ذلك عن ابن جريج وانما خصصنا القلة بقلال هجر لوجهين (أحدهما) ما روى الخطابي باسناده إلى ابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا " إذا كان الماء قلتين بقلال هجر " (والثاني) ان قلال هجر أكبر ما يكون من القلال وأشهرها في عصر النبي صلى الله
[ 37 ]
عليه وسلم ذكره الخطابي فقال: هي مشهورة الصنعة، معلومة المقدار، لا تختلف كما لا تختلف الصيعان والمكاييل فلذلك حملنا الحديث عليها وعملنا بالاحتياط فإذا قلنا هما خمسمائة رطل بالعراقي فذلك بالرطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم - مائة وسبعة أرطال وسبع رطل (مسألة) (وهل ذلك تقريب أو تحديد؟ على وجهين) أحدهما: انه تحديد وهو اختيار أبي
[ 38 ]
الحسن الآمدي وظاهر قول القاضي وأحد الوجهين لاصحاب الشافعي لان اعتبار ذلك احتياط وما اعتبر احتياطا كان واجبا كغسل جزء من الرأس مع الوجه ولانه قدر يدفع النجاسة فاعتبر تحقيقه كالعدد في الغسلات والثاني هو تقريب وهو الصحيح لان الذين نقلوا تقدير القلال لم يضبطوها بحد انما قال ابن جريج القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا ويحيى بن عقيل قال أظنها تسع قربتين وهذا
[ 39 ]
لا تحديد فيه وتقدير القربة بمائة رطل تقريب ولان الزائد على القلتين وهو الشيئ مشكوك والظاهر استعماله فيما دون النصف والقرب تختلف غالبا وكذلك لو اشترى شيئا أو أسلم في شئ وقدره بها لم يصح وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم ان الناس لا يكيلون الماء ولا يزنونه فالظاهر انه ردهم إلى التقريب فعلى هذا من وجد نجاسة في ماء فغلب على ظنه انه مقارب للقلتين توضأ منه وإلا فلا
[ 40 ]
وفائدة الخلاف أن من اعتبر التحديد قال: لو نقص الماء نقصا يسيرا لم يعف عنه والقائلون بالتقريب يعفون عن النقص اليسير وإن شك في بلوغ الماء قدرا يدفع النجاسة ففيه وجهان (أحدهما) يحكم بطهارته لان طهارته متيقنة قبل وقوع النجاسة فيه فلا يزول عن اليقين بالشك (والثاني) هو نجس لان الاصل قلة الماء فيبنى عليه ويلزم من ذلك النجاسة
[ 41 ]
(فصل في الماء الجاري) نقل عن أحمد ما يدل على التفرقة بينه وبين الواقف فانه قال في حوض الحمام قد قيل انه بمنزلة الماء الجاري وقال في البئر يكون لها مادة وهو واقف ليس هو بمنزلة الماء الجاري، فعلى هذا لا يتنجس الجاري إلا بالتغيير لان الاصل طهارته ولم نعلم في تنجيسه نصا ولا إجماعا فبقي على الاصل وقال عليه السلام " الماء طهور لا ينجسه شئ " وقال " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث " وهذا يدل على انه لا ينجس لانه بمجموعه يزيد على القلتين فان قيل فالجرية منه لا تبلغ
[ 42 ]
قلتين فتنجس لحديث القلتين قلنا تخصيص الجرية بهذا التقدير تحكم لانه لا يصح قياسه على الراكد لقوته بجريانه واتصاله بمادته وهذا اختيار شيخنا وهو الصحيح ان شاء الله تعالى. وقال القاضي واصحابه كل جرية من الماء الجاري معتبرة بنفسها فإذا كانت النجاسة جارية مع الماء فما أمامها طاهر لانها لم تصل إليه وما وراءها طاهر لانه لم يصل إليها والجرية إن بلغت قلتين ولم تتغير فهي طاهرة وإلا فهي نجسة وان كانت النجاسة واقفة في النهر فكل جرية تمر عليها ان بلغت قلتين فهي طاهرة والا فلا
[ 43 ]
قالوا والجرية هي الماء الذي فيه النجاسة وما قرب منها من خلفها وأمامها مما العادة انتشارها إليه إن كانت مما تنتشر مع ما يحاذي ذلك فيما بين طرفي النهر، فان كانت النجاسة ممتدة فينبغي أن يكون لك جزء منها مثل تلك الجرية المعتبرة للنجاسة القليلة لانا لو جعلنا جميع ما حاذى النجاسة الكثيرة جرية أفضى إلى تنجيس النهر الكبير بالنجاسة القليلة دون الكثيرة لان ما يحاذي القليلة قليل فينجس وما يحاذي الكثيرة كثير فلا ينجس وهذا ظاهر الفساد (فصل) فان كان في جانب النهر أو في وهدة منه ماء واقف مائل عن سنن الماء متصل
[ 44 ]
بالجاري وكان ذلك مع الجرية المقابلة له دون القلتين فالجميع نجس لانه ماء يسير متصل فينجس بالنجاسة كالراكد، فان كان أحدهما قلتين لم ينجس واحد منهما ماداما متلاقيين إلا بالتغيير، فان كانت النجاسة في الجاري وهو قلتان فهو طاهر بكل حال وكذلك الواقف، وإن كان الواقف قلتين والجاري دون القلتين والنجاسة فيه فهو نجس قبل ملاقاته للواقف وبعد مفارقته له وطاهر في حال اتصاله به، وإن كانت في الواقف وهو قلتان لم ينجس بحال هو ولا الجاري وإن كان دون القلتين
[ 45 ]
والجاري كذلك الا أنهما بمجموعهما قلتان فصاعدا وكانت النجاسة في الواقف لم ينجس واحد منهما لان الماء الذي فيه النجاسة مع ما يلاقيه لا يزال كثيرا وان كانت في الجاري فقياس قول أصحابنا أن الجميع نجس لان الجاري ينجس قبل ملاقاته للواقف ومر على الواقف وهو يسير فنسه لان الواقف لا يدفع عن نفسه فعن غيره أولى، ويحتمل أن يحكم بطهارة الجاري حال ملاقاته للواقف ولا يتنجس به الواقف لحديث القلتين وهو مذهب الشافعي - هذا كله إذا لم يتغير فان تغير فهو نجس فان كان الجاري متغيرا والواقف كثيرا فهو طاهر ان لم يتغير فان تغير تنجس وكذلك الحكم في الجاري ان كان الواقف متغيرا وان كان بعض الواقف متغيرا وبعضه غير متغير وكان غير المتغير مع الجرية الملاقية له قلتين لم ينجس وان كان المتغير من الواقف يلي الجاري وغير المتغير لا يليه ولا يتصل به أصلا وكان كل
[ 46 ]
واحد منهما يسيرا فينبغي أن يكون الكل نجسا لان كل ما يلاقي الماء النجس يسير وان اتصل به من ناحية فكل ما لم يتغير طاهر إذا كان كثيرا كالغديرين إذا كان بينهما ماء متصل بهما فان شك في في ذلك فالماء طاهر بالاصل ويحتمل أن يكون نجسا، وان كان في الماء قلتان طاهرتان متصلة سابقة أو لاحقة فالمجتمع كله طاهر ما لم يتغير بالنجاسة لان القلتين تدفع النجاسة عن نفسها وعما اجتمع إليها والا فالجميع نجس في ظاهر المذهب والله أعلم. (مسألة) (وإذا شك في نجاسة الماء أو كان نجسا فشك في طهارته بنى على اليقين) إذا شك في نجاسة الماء فهو طاهر لان الاصل الطهارة فلا تزول بالشك وان وجده متغيرا لان التغير يحتمل أن
[ 47 ]
يكون بمكثه أو بما لا يمنع فلا يزول بالشك. وان تيقن نجاسته وشك في طهارته فهو نجس لما ذكرنا وان أخبره بنجاسته صبي أو كافر أو فاسق لم يلزمه قبول خبره لانه ليس من أهل الشهادة ولا الرواية أشبه الطفل والمجنون وإن كان بالغا عاقلا مسلما مستور الحال وعين سبب النجاسة لزم قبول خبره رجلا كان
[ 48 ]
أو امرأة حرا أو عبدا بصيرا أو ضريرا لان للاعمى طريقا إلى العلم بالحس والخبر كما لو أخبر بدخول وقت الصلاة وان لم يعين سببها فقال القاضي: لا يلزم قبول خبره لاحتمال اعتقاد نجاسة الماء بسبب لا يعتقده المخبر كموت ذبابة عند الشافعي. والحنفي يرى نجاسة الماء الكثير وان لم يتغير والموسوس
[ 49 ]
يعتقد نجاسته بما لا ينجسه ويحتمل أن يلزم قبول خبره إذا انتفت هذه الاحتمالات في حقه (فصل) فان أخبره أن كلبا ولغ في هذا الاناء ولم يلغ في هذا وقال آخر انما ولغ في هذا حكم بنجاستهما لانه يمكن صدقهما لكونهما في وقتين أو كانا كلبين فخفي على كل واحد منهما ما ظهر للآخر وان عينا كلبا ووقتا يضيق الوقت فيه عن شربه منهما تعارض قولهما ولم ينجس واحد منهما وان قال أحدهما ولغ في هذا الاناء وقال الآخر نزل ولم يشرب قدم قول المثبت الا أن يكون المثبت لم يتحقق
شربه مثل الضرير الذي يخبر عن حس فيقدم قول البصير عليه (مسألة) (وان اشتبه الماء الطاهر بالنجس لم يتحر فيهما على الصحيح من المذهب ويتيمم) وجمنلته انه إذا اشتبهت الآنية الطاهرة بالنجسة لم يخل من حالين (أحدهما) أن يستوي عدد الطاهر والنجس فلا يجوز التحري بغير خلاف في المذهب فيما علمنا (الثاني) أن يكثر عدد الطاهر فقال أبو علي النجاد من أصحابنا يجوز التحري فيها وهو قول أبي حنيفة لان الظاهر اصابة الطاهر ولان جهة
[ 50 ]
الاباحة ترجحت أشبه مالو اشتبهت عليه أخته في نساء بلد وظاهر كلام أحمد انه لا يجوز التحري فيها بحال وهو قول أكثر الاصحاب وقول المزني وأبي ثور وقال الشافعي يتحرى في الحالين لانه شرط للصلاة فجاز التحري فيه كالو اشتبهت القبلة والثياب ولان الطهارة تؤدى باليقين تارة وبالظن أخرى كما قلنا بجواز الوضوء بالماء المتغير الذي لا يعلم سبب تغيره، وقال ابن الماجشون: يتوضأ من كل واحد منهما وضوءا ويصلي به وبه قال محمد بن مسلمة إلا أنه قال يغسل ما أصابه من الاول لانه أمكنه أداء فرضه بيقين أشبه من فاتته صلاة من يوم ولا يعلم عينها وكما لو اشتبهت الثياب ولنا انه اشتبه المباح بالمحظور فيما لا تبيحه الضرورة فلم يجز التحري كما لو اشتبهت أخته باجنبيات أو كما لو استوى العدد عند أبي حنيفة أو كان أحد الاناءين بولا عند الشافعي واعتذر أصحابه بأن البول لا أصل له في الطهارة قلنا وهذا الماء قد زال عنه أصل الطهارة وعلى أن البول قد كان
[ 51 ]
ماء فله أصل في الطهارة فهو كالماء النجس، وقولهم إذا كثر عدد الطاهر ترجحت الطهارة يبطل بما لو اشتبهت أخته بمائة أجنبية، وأما إذا اشتبهت أخته في نساء مصر فانه يشق اجتنابهن جميعا ولذلك يجوز له النكاح من غير تحر بخلاف هذا، وأما القبلة فيباح تركها للضرورة وفي صلاة النافلة بخلاف مسألتنا، وأما الثياب فلا يجوز التحري فيها عندنا على ما يأتي وأما المتغير فيجوز الوضوء به استنادا إلى أصل الطهارة ولا يحتاج إلى تحر وفي مسألتنا عارض يقين الطهارة يقين النجاسة فلم يبق له حكم ولهذا احتاج إلى التحري، وما قاله ابن الماجشون باطل لانه يتنجس يقينا وما قاله ابن مسلمة ففيه حرج
ويبطل بالقبلة حيث لم يوجبا الصلاة إلى أربع جهات والله أعلم (مسألة) قال (وهل يشترط اراقتهما أو خلطهما فيه روايتان) احداهما تشترط ذكره الخرقي لان معه ماء طاهرا بيقين فلم يجز له التيمم مع وجوده فإذا خلطهما أو أراقهما جاز له التيمم لانه لم يبق
[ 52 ]
معه ماء طاهر (والثانية) يجوز التيمم قبل ذلك اختاره أبو بكر وهو الصحيح لانه غير قادر على استعمال الطاهر أشبه مالو كان في بئر لا يمكنه الوصول إليه، فان احتاج اليهما للشرب لم تجب اراقتهما بغير خلاف لانه يجوز له التيمم لو كانا طاهرين فههنا أولى، فإذا أراد الشرب تحري وشرب من الذي يظن طهارته فان لم يغلب على ظنه شئ شرب من أحدهما لانه حال ضرورة فإذا شرب من أحدهما أو أكل من المشتبهة بالميتة فهل يلزمه غسل فيه؟ يحتمل وجهين (أحدهما) لا يلزمه لان الاصل الطهارة (والثاني) يلزمه لانه محل منع من استعماله لاجل النجاسة فلزمه غسل أثره كالمتيقن فان علم عين النجس استحب اراقته ليزيل الشك، فان احتاج إلى الشرب شرب من الطاهر وتيمم، وإن خاف العطش في ثاني الحال فقال القاضي يتوضأ بالطاهر ويحبس النجس لانه غير محتاج إلى شربه في الحال فلم يجز التيمم مع وجوده. قال شيخنا: والصحيح إن شاء الله أنه يحبس الطاهر ويتيمم لان وجود النجس كعدمه عند الحاجة إلى الشرب في الحال فكذلك في المآل وخوف العطش في اباحة التيمم كحقيقته (مسألة) وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ من كل واحد منهما وصلى صلاة واحدة. لا نعلم فيه خلافا
[ 53 ]
لانه أمكنه أداء فرضه بيقين من غير حرج فلزمه ذلك كما لو كانا طهورين فلم يكفه أحدهما، فان احتاج إلى أحد الاناءين للشرب تحرى وتوضأ بالطهور عنده وتيمم ليحصل له اليقين والله أعلم (مسألة) قال (وان اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس وزاد صلاة) ولم يجز التحري وهذا قول ابن الماجشون لانه أمكنه أداء فرضه بيقين من غير حرج فلزمه كما لو اشتبه الطاهر بالطهور وكما لو فاتته صلاة من يوم لا يعلم عينها وقال أبو ثور والمزني: لا يصلي في شئ منها وقال أبو حنيفة والشافعي يتحرى كقولهما في الاواني والقبلة والاول أولى والفرق بين
الثياب والاواني النجسة من وجهين (أحدهما) أن استعمال النجس في الاواني يتنجس به ويمنع صحة صلاته في الحال والمال بخلاف الثياب (الثاني) أن الثوب النجس يباح له الصلاة فيه إذا لم يجد غيره بخلاف الماء النجس والفرق بينه وبين القبلة من ثلاثة أوجه (أحدها) أن القبلة يكثر فيها الاشتباه (الثاني) أن الاشتباه ههنا حصل بتفريطه لانه كان يمكنه تعليم النجس بخلاف القبلة (الثالث) ان القبلة عليها أدلة من النجوم وغيرها فيغلب على الظن مع الاجتهاد فيها الاصابة بحيث يبقى احتمال الخطأ وهما ضعيفا بخلاف الثياب (فصل) فان لم يعلم عدد النجس صلى حتى يتيقن أنه صلى في ثوب طاهر فان كثر ذلك وشق
[ 54 ]
فقال ابن عقيل يتحرى في أصح الوجهين دفعا للمشقة (والثاني) لا يتحرى لان هذا يندر جدا فالحق للغالب (فصل) فان سقط على انسان من طريق ماء لم يلزمه السؤال عنه قال صالح سألت أبي عن الرجل يمر بموضع فيقطر عليه قطرة أو قطرتان فقال أن كان مخرجا يعنى خلاء فاغسله وان لم يكن مخرجا فلا تسأل عنه فان عمر رضي الله عنه مر هو وعمرو بن العاص على حوض فقال عمرو: يا صاحب الحوض أترد على حوضك السباع؟ فقال عمر يا صاحب الحوض لا تخبرنا فانا نرد عليها وترد علينا، رواه مالك في الموطأ، فان سأل فقال ابن عقيل: لا يلزم المسئول رد الجواب لخبر عمر قال شيخنا ويحتمل
[ 55 ]
أن يلزمه لانه سئل عن شرط الصلاة فلزمه الجواب كما لو سئل عن القبلة وخبر عمر يدل على أن سؤر السباع طاهر والله أعلم (باب الآنية) قال رحمه الله (كل إناء طاهر يباح اتخاذه واستعماله لو كان ثمينا كالجوهر ونحوه) وجملة ذلك أن جميع الآنية الطاهرة مباح اتخاذها واستعمالها سواء كان ثمينا كالبلور والياقوت والزمرد أو ليس بثمين كالعقيق والخشب والخزف والحجارة والصفر والحديد والادم ونحوه في قول عامة أهل العلم الا أنه روى عن ابن عمر أنه كره الوضوء في الصفر والنحاس والرصاص وما أشبهه واختار
ذلك أبو الفرج المقدسي لان الماء يتغير فيها وقال وروي أن الملائكة تكره ريح النحاس وقال الشافعي في أحد قوليه ما كان ثمينا لنفاسة جوهره فهو محرم لان فيه سرفا وخيلاء وكسر قلوب الفقراء أشبه الاثمان ولان تحريم آنية الذهب والفضة تنبيه على تحريم ما هو أنفس منها
[ 56 ]
ولنا ما روى عبد الله بن زيد قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ، رواه البخاري وعن عائشة قالت: كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في تور من شبه رواه أبو داود وأما آنية الجواهر فلا يصح قياسها على الاثمان لوجهين (أحدهما) أن هذا لا يعرفه الاخواص الناس فلا تنكسر قلوب الفقراء لكونهم لا يعرفونه (الثاني) أن هذه الجواهر لقلتها لا يحصل اتخاذ الآنية منها الا نادرا ولو اتخذت كانت مصونة لا تستعمل ولا تظهر غالبا فلا تفضي اباحتها إلى استعمالها بخلاف آنية الذهب والفضة فانها في مظنة الكثرة فكان التحريم متعلقا بالمظنة فلم يتجاوزه كما تغلق حكم التحريم في اللباس بالحرير وجاز استعمال القصب من الثياب وان زادت قيمته على قيمة الحرير ولو جعل فص خاتمه جوهرة ثمينة جاز ولو جعله ذهبا لم يجز (مسألة) قال (الا آنية الذهب والفضة والمضبب بهما فانه يحرم اتخاذها واستعمالها على الرجال والنساء) قال شيخنا رحمه الله لا يختلف المذهب فيما علمنا في تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة وحكي عن
[ 57 ]
الشافعي اباحته لتخصيص النهي بالاستعمال ولانه لا يلزم من تحريم الاستعمال تحريم الاتخاذ كما لو اتخذ الرجل ثياب الحرير وذكره بعض أصحابنا وجها في المذهب ولنا أن ما حرم استعماله مطلقا حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالملاهي، وأما ثياب الحرير فانها تباح للنساء وتباح التجارة فيها فحصل الفرق وأما تحريم استعمالها فهو قول أكثر أهل العلم منهم أبو حنيفة ومالك. وعن معاوية بن قرة أنه قال لا بأس بالشرب من قدح فضة، وعن الشافعي قول انه مكروه غير محرم لان النهي لما فيه من التشبه بالاعاجم فلا يقتضي التحريم ولنا ما روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فانها لهم
في الدنيا ولكم في الآخرة " وعن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الذي يشرب في آنية الذهب والفضه انما يجرجر في بطنه نار جهنم " متفق عليهما فتوعد عليه بالنار فدل على تحريمه ولان في ذلك سرفا وخيلاء وكسر قلوب الفقراء - دل الحديثان على تحريم الاكل والشرب فكذلك الطهارة وسائر الاستعمال ولانه إذا حرم في غير العبادة
[ 58 ]
ففيها أولى ولا فرق في ذلك بين الرجال والنساء لعموم النص والمعنى فيهما وانما أبيح التحلي في حق المرأة لحاجتها إلى التزين للزوج وهذا يختص الحلي فاختصت الاباحة به، وكذلك المضبب بهما فان كان كثيرا فهو محرم بكل حال ذهبا كان أو فضة لحاجة أو غيرها وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة هو مباح لانه تابع للمباح أشبه اليسير ولنا ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من شرب في اناء من ذهب أو فضة أو اناء فيه شئ من ذلك فانما يجرجر في بطنه نار جهنم " رواه الدار قطني ولان فيه سرفا وخيلاء أشبه الصفر الخالص وفارق اليسير فانه لا يوجد فيه المعنى المحرم (مسألة) قال (فان توضأ منها أو اغتسل فهل تصح طهارته؟ على وجهين) أحدهما: تصح طهارته اختاره الخرقي وهو قول أصحاب الرأي والشافعي واسحاق وابن المنذر لان فعل الطهارة وماءها لا يتعلق بشئ من ذلك أشبه الطهارة في الدار المغصوبة. والثاني: لا تصح، اختاره أبو بكر لانه
[ 59 ]
استعمل المحرم في العبادة فلم تصح كما لو صلى في دار مغصوبة والاول أصح، ويفارق هذا الصلاة في الدار المغصوبة لان القيام والقعود والركوع والسجود في الدار المغصوبة محرم وهي أفعال الصلاة وأفعال الوضوء من الغسل والمسح ليس بمحرم إذ ليس هو استعمال للاناء وانما يقع ذلك بعد رفع الماء من الاناء وفصله عنه فهو كما لو اغترف باناء فضة في إناء غيره وتوضأ منه ولان المكان شرط في الصلاة لا يمكن وجودها إلا به والاناء ليس بشرط فهو كما لو صلى وفي يده خاتم ذهب، فان جعل آنية الذهب مصبا لماء الوضوء والغسل يقع فيه الماء المنفصل عن العضو صح الوضوء لان المنفصل الذي يقع في الآنية قد رفع الحدث فلم يبطل بوقوعه في الاناء، ويحتمل أن تكون كالتي قبلها ذكره ابن عقيل لان الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء حاصل ههنا كحصوله في التي قبلها بل هو ههنا أبلغ وفعل الطهارة يحصل
هاهنا قبل وصول الماء إلى الاناء وفي التي قبلها بعد فصله عنه فهي مثلها في المعنى وإن افترقا في الصورة
[ 60 ]
(فصل) فان توضأ بماء مغصوب فهو كما لو صلى في ثوب مغصوب لا تصح في أصح الوجهين ووجهه ما يأتي في بابه (مسألة) قال (الا أن تكون الضبة يسيرة من الفضة كتشعيب القدح فلا بأس بها إذا لم يباشرها بالاستعمال) وممن رخص في ضبة الفضه سعيد بن جبير وميسرة وطاوس والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي واسحاق، وقال قد وضع عمر بن عبد العزيز فاه بين ضبتين، وكان ابن عمر لا يشرب من قدح فيه فضة ولا ضبة، وكره الشرب في الاناء المفضض علي بن الحسين وعطاء وسالم والمطلب بن حنظب ونهت عائشة أن يضبب الآنية أو يحلفها بالفضة ونحوه قول الحسن وابن سيرين، ولعلوم كرهوا ما قصد به الزينة أو كان كثيرا فيكون قولهم وقول الاولين واحدا ولا يكون في للسألة خلافا، فأما اليسير كتشعيب القدح ونحوه فلا بأس به لما روى أنس بن مالك ان قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة رواه البخاري، قال القاضي: يباح
[ 61 ]
يسير الفضة مع الحاجة وعدمها لما ذكرنا ولانه ليس فيه سرف ولا خيلاء أشبه الصفر الا أنه كره الحلقة لانها تستعمل، وقال أبو الخطاب لا نباح الا لحاجة لان الخبر انما ورد في تشعيب القدح وهو للحاجة ومعنى ذلك أن تدعو الحاجة إلى فعله وليس معناه أن لا يندفع بغيره ويكره مباشرة موضع الفضة بالاستعمال لئلا يكون مستعملا للفضة التي جاء الوعيد في استعمالها (مسألة) قال (وثياب الكفار وأوانيهم طاهرة مباحة الاستعمال ما لم تعلم نجاستها) والكفار على ضربين أهل الكتاب وغيرهم، فأما أهل الكتاب فيباح أكل طعامهم وشرابهم، واستعمال آنيتهم ما لم تعلم نجاستها، قال ابن عقيل لا تختلف الرواية في أنه لا يحرم استعمال أوانيهم لقول الله تعالى (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) وعن عبد الله بن مغفل قال: دلي جراب من شحم يوم
[ 62 ]
خيبر فالتزمته وقلت والله لا أعطي أحدا منه شيئا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم
رواه مسلم، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أضافه يهودي بخبز واهالة سنخة من المسند وتوضأ عمر من جرة نصرانية. وهل يكره استعمال أوانيهم على روايتين (احداهما) لا يكره لما ذكرنا (والثانية) يكره لما روى أبو ثعلبة الخشني قال: قلت يا رسول الله انا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها " متفق عليه، وأقل أحوال النهي الكراهة، ولانهم لا يتورعون عن النجاسة ولا تسلم آنيتهم منها وأدنى ما يؤثر ذلك الكراهة، وأما ثيابهم فما لم يتسعملوه أو علا منها كالعمامة والثوب الفوقاني فهو طاهر لا بأس بلبسه وما لاقى عوراتهم كالسراويل ونحوه فروي عن أحمد أنه قال أحب إلي أن يعيد إذا صلى فيه وهذا قول القاضي. وكره أبو حنيفة والشافعي لبس الازر والسراويلات وقال أبو الخطاب لا يعيد لان الاصل الطهارة فلا تزول بالشك
[ 63 ]
(الضرب الثاني) غير أهل الكتاب وهم المجوس وعبدة الاوثان ونحوهم ومن يأكل لحم الخنزير من أهل الكتاب في موضع يمكنهم أكله أو يأكل الميتة أو يذبح بالسن والظفر فحكم ثيابهم حكم ثياب أهل الذمة عملا بالاصل، وأما اوانيهم فقال أبو الخطاب حكمها حكم أواني أهل الكتاب يباح استعمالها ما لم يتحقق نجاستها وهذا مذهب الشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه توضأوا من مزادة مشركة. متفق عليه. ولان الاصل الطهارة فلا تزول بالشك، وقال القاضي هي نجسة لا يستعمل ما استعملوه منها الا بعد غسله لحديث أبي ثعلبة ولان أوانيهم لا تخلو من أطعمتهم وذبائحهم ميتة فتتنجس بها وهذا ظاهر كلام أحمد فانه قال في المجوس لا يؤكل من طعامهم الا الفاكهة لان الظاهر نجاسة آنيتهم المستعملة في اطعمتهم، ومتى شك في الاناء هل استعملوه أم لا فهو طاهر لان الاصل طهارته، ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في إباحة لبس الثوب الذي نسجه الكفار فان النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه انما كان لباسهم من نسج الكفار الا ان ابن أبي موسي ذكر في الارشاد في وجوب غسلها قبل لبسها روايتين (احداهما) لا يجب وهو الصحيح لما ذكرنا (والثانية) يجب ليتيقن الطهارة، فاما ثيابهم التى يلبسونها فاباح الصلاة فيها الثوري وأصحاب الرأي، وقال مالك في ثوب الكافر ان صلى
فيه يعيد ما دام في الوقت. ولنا ان الاصل الطهارة ولم يترجح التنجيس فيه أشبه ما نسجه الكفار (فصل) وتباح الصلاة في ثياب الصبيان والمربيات وفي ثوب المرأة الذي تحيض فيه إذا لم
[ 64 ]
تتحقق نجاسته وهو قول الثوري وأصحاب الرأى لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو حامل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع متفق عليه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فإذا سجد وثب الحسن على ظهره، قال أصحابنا والتوقي لذلك أولى لاحتمال النجاسة فيه وقد روى أبو داود عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي في شعرنا ولحفنا. ولعاب الصبيان طاهر وقد روى أبو هريرة قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم حامل الحسين بن علي على عاتقه ولعابه يسيل عليه (فصل) ولا يجب غسل الثوب المصبوغ في حب الصباغ مسلما كان أو كتابيا نص عليه أحمد عملا بالاصل فان علمت نجاسته طهر بالغسل وان بقي اللون لقوله عليه السلام في الدم " الماء يكفيك ولا يضرك أثره " رواه أبو داود (فصل) ويستحب تخمير الاواني وإيكاء الاسقية لما روى أبو هريرة قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطي الاناء، ونوكي السقاء (مسألة) قال (ولا يطهر جلد الميتة بالدباغ). هذا هو الصحيح من المذهب وهو إحدى الروايتين عن مالك روي ذلك عن عمر وابنه وعائشة وعمران بن حصين رضي الله عنهم لما روى عبد الله بن عكيم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى جهينة " اني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب " رواه أبو داود وليس في رواية أبي داود " كنت رخصت لكم " والامام احمد. وقال
[ 65 ]
اسناد جيد يرويه يحيى بن سعيد عن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه وفي لفظ أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهر أو شهرين وهو ناسخ لما قبله لانه في آخر عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفظه دال على سبق الرخصة وانه متأخر عنه لقوله " كنت رخصت لكم " وانما يؤخذ بالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (فان قيل) هذا مرسل لانه من كتاب لا يعرف حامله قلنا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم كلفظه ولذلك لزمت
الحجة من كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم وحصل له البلاغ لانه لو لم يكن حجة لم تلزمهم الاجابة ولكان لهم عذر في ترك الاجابة لجهلهم بحامل الكتاب والامر بخلاف ذلك، وروى أبو بكر الشافعي باسناده عن أبي الزبير عن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تنتفعوا من الميتة بشئ " واسناده حسن ولانه جزء من الميتة فحرم الانتفاع به كسائرها ولقوله تعالى (حرمت عليكم الميتة (1) (مسألة) وهل يجوز استعماله في اليابسات (على روايتين) (احداهما) لا يجوز لحديث عبد الله بن عكيم (والثانية) يجوز الانتفاع بجلد ما كان طاهرا حال الحياة إذا دبغ لان النبي صلى الله
1) الشبه بفتحين من المعادن ما يشبه الذهب في لونه وهو أرفع الصفر بضم الصاد (كقفل) وكسرها النحاس وتقدم ذكره
[ 66 ]
عليه وسلم وجد شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أخذوا اهابها فدبغوه فانتفعوا به " رواه مسلم ولان الصحابة رضي الله عنهم لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم وذبائحهم ميتة ونجاسته لا تمنع الانتفاع به كالاصطياد بالكلب وركوب البغل والحمار (مسألة) (وعنه يطهر منها جلد ما كان طاهرا حال الحياة) نص أحمد على ذلك قال بعض أصحابنا إنما يطهر جلد ما كان مأكول اللحم وهو مذهب الاوزاعي وأبي ثور واسحاق لانه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ذكاة الاديم دباغه " رواه الامام أحمد وأبو داود فشبه الدباغ بالذكاة والذكاة انما تعمل في مأكول اللحم ولانه أحد المطهرين للجلد فلم يؤثر في غير مأكول كالذبح والاول ظاهر كلام أحمد لعموم لفظه في ذلك ولان قوله صلى الله عليه وسلم " أيما أهاب دبغ فقد طهر " يتناول
[ 67 ]
المأكول وغيره وخرج منه ما كان نجسا في الحياة لكون الدبغ انما يؤثر في رفع نجاسة حادثة بالموت فتبقى فيما عداه على قضية العموم، وحديثهم يحتمل أنه أراد بالذكاة التطيبب من قولهم رائحة ذكية أي طيبة ويحتمل أنه أراد بالذكاة الطهارة فعلى هذين التأويلين يكون اللفظ عاما في كل جلد فيتناول ما اختلفنا فيه ويدل على التأويل الذي ذكرنا أنه لو أراد بالذكاة الذبح لاضافه إلى الحيوان كله لا إلى الجلد (فصل) فأما جلود السباع فقال القاضي: لا يجوز الانتفاع بها قبل الداغ ولا بعده، وبذلك
قال الاوزاعي وابن المبارك واسحاق وأبو ثور، وروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما كراهة الصلا في جلود الثعالب ورخص في جلود السباع جابر، وروي عن ابن سيرين وعروة أنهم رخصوا في الركوب على جلود النمور ومذهب الشافعي طهارة جلود الحيوانات كلها الا الكلب والخنزير لانه يرى طهارتها
[ 68 ]
في حال الحياة وله في جلد الآدمي وجهان، وقال أبو حنيفة يطهر كل جلد إلا جلد الخنزير، وحكي عن أبي يوسف طهارة كل جلد وهو رواية عن مالك ومذهب من حكم بطهارة الحيوانات كلها لعموم قوله صلى الله عليه وسلم " أيما إهاب دبغ فقد طهر " متفق عليه ولنا ما روى أبو ريحانة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ركوب النمور رواه الامام أحمد وأبو داود، وعن معاوية والمقدام بن معد يكرب أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع والركوب عليها. رواه أبو داود والنسائي مع ما ذكرناه، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الانتفاع بشئ من الميتة فجمعنا بين هذه الاحاديث وبين الاحاديث الدالة على طهارة جلود الميتة بحملها على ما كان طاهرا حال الحياة وحمل أحاديث النهي على ما لم يكن طاهرا لانه متى أمكن الجمع بين الاحاديث ولو من وجه كان أولى من التعارض بينها - يحقق ذلك أن الدبغ انما يزيل النجاسة
[ 69 ]
الحادثة بالموت ويرد الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة فإذا كان في الحياة نجسا لم يؤثر فيه الدباغ شيئا والله أعلم. (فصل) وإذا قلنا بطهارة الجلد بالدباغ لم يحل أكله في قول عامة أهل العلم، وحكي عن ابن حامد انه يحل وهو وجه لاصحاب الشافعي لقوله صلى الله عليه وسلم " ذكاة الاديم دباغه " ولانه معنى يفيد الطهارة في الجلد أشبه الذبح، وظاهر قول الشافعي انه ان كان من حيوان مأكول جاز أكله لان الدباغ بمنزلة الذكاة والا لم يجز لان الذكاة لا تبيحه فالدباغ أولى، والاول أصح لقوله عزوجل (حرمت عليكم الميتة) والجلد منها ولقوله صلى الله عليه وسلم " انما حرم من الميتة أكلها " متفق عليه ولا يلزم من الطهارة اباحة الاكل بدليل تحريم الخبائث مما لا ينجس بالموت وقياسهم لا يقبل مع معارضة
الكتاب والسنة (فصل) ويجوز بيعه واجارته والانتفاع به في كل ما يمكن سوى الاكل وهو قول الشافعي في الجديد ولا يجوز بيعه قبل الدبغ لا نعلم فيه خلافا لانه متفق على نجاسته أشبه الخنزير ويفتقر ما يدبغ
[ 70 ]
به إلى أن يكون منشفا للرطوبة منقيا للخبث كالشب والقرظ قال ابن عقيل يشترط أن يكون طاهرا لانها طهارة من نجاسة فلم تطهر بنجس كالاستجمار وهل يطهر الجلد بمجرد الدبغ قبل غسله بالماء؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يحصل لقول النبي صلى الله عليه والسلم " يطهرها الماء والقرظ " رواه أبو داود ولان ما يدبغ به نجس بملاقاة الجلد فإذا اندبغ الجلد بقيت الآلة نجسة فتبقى نجاسة الجلد لملاقاتها له فلا تزول إلا بالغسل (والثاني) يطهر لقوله صلى الله عليه وسلم " ايما اهاب دبغ فقد طهر " ولانه طهر بانقلابه فلم يفتقر إلى استعمال الماء كالخمرة إذا انقلبت وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " طهور كل أديم دباغه قال شيخنا والاول أولى فان المعنى والخبر انما يدلان على طهارة عينه وذلك لا يمنع من وجوب غسله من نجاسة تلاقيه كما لو أصابته نجاسة سوى آلة الدبغ أو أصابته آلة الدبغ بعد فصله عنها ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين
[ 71 ]
(فصل) ولا يفتقر الدبغ إلى فعل فلو وقع جلد في مدبغة فاندبغ طهر لانها ازالة نجاسة فهو كالمطر يطهر الارض النجسة (مسألة) قال ولا يطهر جلد غير المأكول بالذكاة وهذا قول الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك يطهر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ذكاة الاديم دباغه " شبه الدبغ بالذكاة والدبغ بطهر الجلد على ما مضى كذلك الذكاة ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن افتراش جلود السباع وركوب النمور وهو عام في المذكى وغيره ولانه ذبح لا يبيح اللحم فلم يطهر الجلد كذبح المجوسي والخبر قد أجبنا عنه فيما مضى. وأما قياس الذكاة على الدبغ فلا يصح فان الدبغ أقوى لانه يزيل الخبث والرطوبات كلها ويطيب الجلد على وجه يتهيأ به للبقاء على وجه لا يتغير والذكاة لا يحصل بها ذلك ولا يستغنى بها عن الدبغ فدل على انه أقوى
[ 72 ]
(مسألة) (ولبن الميتة نجس لانه مائع في وعاء نجس فتنجس به وكذلك انفحتها في ظاهر المذهب لما ذكرنا) وهو قول مالك والشافعي وروي انها طاهرة وهو قول أبي حنيفة وداود لان الصحابة رضي الله عنهم أكلوا الجبن لما دخلوا المدائن وهو يعمل بالانفحة وذبائحهم ميتة لانهم مجوس والاول أولى لانه مائع في إناء نجس أشبه مالو حلب في اناء نجس، وأما المجوس فقد قيل انهم ما كانوا يذبحون بأنفسهم وكان جزاروهم اليهود والنصارى ولو لم ينقل ذلك عنهم كان الاحتمال كافيا فانه قد كان فيهم اليهود والنصارى والاصل الحل فلا يزول بالشك وقد روي ان الصحابة رضي الله عنهم لما قدموا العراق كسروا جيشا من أهل فارس بعد أن وضعوا طعامهم ليأكلوه فلما فرغ المسلمون منهم جلسوا فأكلوا الطعام وهو لا يخلو من اللحم ظاهرا فلو حكم بنجاسة ما ذبح في بلدهم لما أكلوا من لحمهم، وإذا حكمنا بطهارة اللحكم فالجبن أولى، وعلى هذا لو دخل الانسان أرضا فيها مجوس وأهل كتاب كان له أكل جبنهم ولحمهم لما ذكرنا
[ 73 ]
(فصل) وإن ماتت الدجاجة وفيها بيضة قد صلب قشرها فهي طاهرة وهو قول أبي حنيفة وبعض الشافعية وابن المنذر، وكرهها علي بن أبي طالب وابن عمر ومالك والليث وبعض الشافعية لانها جزء من الميتة، ولنا أنها بيضة صلبة القشرة منفصلة عن الميتة أشبهت الولد إذا خرج حيا من الميتة وكراهية الصحابة محمولة على التنزيه استقذارا لها، وإن لم تكمل البيضة فقال بعض أصحابنا ما كان قشرها أبيض فهو طاهر وما لم يبيض فهو نجس لانه ليس عليه حائل حصين، واختار ابن عقيل انها لا تتنجس لان البيضة عليها غاشية رقيقة كالجلد وهو القشر قبل أن يقوى فلا يتنجس منها إلا مالاقى النجاسة كالسمن الجامد إذا ماتت فيه فأرة إلا أن هذه تطهر إذا غسلت لان لها من القوة ما يمنع دخول أجزاء النجاسة فيها بخلاف السمن والله أعلم
[ 74 ]
(مسألة) قال (وعظمها وقرنها وظفرها نجس) عظام الميتة النجسة نجسة مأكولة اللحم أو غيرها كالفيلة لا تطهر بحال وهذا قول مالك والشافعي
واسحاق، ورخص في الانتفاع بعظام الفيلة محمد بن سيرين وابن جريج لما روى أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج، وقال مالك ان الفيل ان ذكي فعظمه طاهر والا فهو نجس لان الفيل مأكول عنده، وقال الثوري وأبو حنيفة عظام الميتات طاهرة لان الموت لا يحلها (1) فلا تنجس به كالشعر ولنا قول الله تعالى (حرمت عليكم الميتة) والعظم من جملتها فيكون محرما والفيل لا يؤكل لحمه فيكون نجسا على كل حال، والدليل على تحريمه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع متفق عليه والفيل أعظمها نابا وحديث ثوبان قال الخطابي عن الاصمعي العاج الذبل ويقال
1) الحكم صحيح والتعليل باطل كما ثبت في الاخبار والآثار. والمحرم من الميتة أكلها كما صح مرفوعا والفيل ذو ناب وليس من السباع والنهي عن السباع للكراهة عند مالك وهو ما نختار لضرورة الجمع بينه وبين حصر القرآن المحرمات في أربع
[ 75 ]
هو عظم ظهر السلحفاة البحرية وقولهم ان العظام لا يحلها الموت ممنوع لان الحياة تحلها وكل ما تحله الحياة يحله الموت بدليل قوله تعالى (قال من يحيي العظام وهي رميم؟ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) ولان دليل الحياة الاحساس والالم وهو في العظم أشد منه في اللحم والضرس يألم ويلحقه الضرس ويحس ببرد الماء وحرارته وما يحله الموت ينجس، والقرن والظفر والحافر كالعظم إن أخذ من مذكى فهو طاهر وإن أخذ من حي فهو نجس لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما يقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة " رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب. وكذلك ما يتساقط من قرون الوعول في حياتها ويحتمل ان هذا طاهر لانه طاهر متصلا مع عدم الحياة فيه فلم ينجس بفصله من الحيوان كالشعر والخبر أريد به ما يقطع من البهيمة مما فيه حياة فيموت بفصله بدليل الشعر فاما ما لا ينجس بالموت كالسمك فلا بأس بعظامه فانه لا ينجس بالموت فهو كالمذكى (مسألة) قال (وصوفها وشعرها وريشها طاهر) يعني شعر ما كان طاهرا في حياته وصوفه
[ 76 ]
روي ذلك عن الحسن وابن سيرين، وبه قال مالك والليث بن سعد والاوزاعي وإسحاق وابن
المنذر وأصحاب الرأي، وروي عن أحمد ما يدل على أنه نجس وهو قول الشافعي لانه ينمي من الحيوان فنجس بموته كأعضائه، ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ وصوفها وشعرها إذا غسل " رواه الدار قطني وقال لم يأت به إلا يوسف بن السفر وهو ضعيف ولانه لا تفتقر طهارة منفصله إلى ذكاة أصله فلم ينجس بموته كأجزاء السمك والجراد ولانه لا حياة فيه وما لا تحله الحياة لا يموت، والدليل على أنه لا حياة فيه أنه لو كان فيه حياة لنجس بفصله من الحيوان في حال حياته لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما أبين من حي فهو ميت " رواه أبو داود بمعناه وما ذكروه ينتقض بالبيض ويفارق الاعضاء لان فيها حياة، ولذلك تنجس بفصلها من الحيوان حال حياته، والنمو لا يدل على الحياة بدليل نمو الشجر والريش كالشعر لانه في معناه فأما أصول الريش والشعر إذا نتف من
[ 77 ]
الميتة وهو رطب فهو نجس برطوبة الميتة وهل يطهر بالغسل على وجهين (أحدهما) يطهر كرءوس الشعر إذا تنجس (والثاني) لا يطهر لانه جزء من اللحم لم يكمل شعرا ولا ريشا (فصل) وشعر الآدمي طاهر منفصلا ومتصلا في الحياة والموت، وقال الشافعي في أحد قوليه ينجس بفصله (1) ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق شعره بين أصحابه قال أنس لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحر نسكه ناول الحالق شقه الايمن فحلقه ثم دعا أبا طلحة الانصاري فأعطاه اياه ثم ناوله الشق الايسر فقال: احلق فحلقه وأعطاه أبا طلحة فقال " اقسمه بين الناس " رواه مسلم، وروي أن معاوية أوصى أن يجعل نصيبه منه في فيه إذا مات. وكان في قلنسوه خالد شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان نجسا لما ساغ ذلك ولما فرقه النبي صلى الله عليه وسلم وقد علم أنهم يأخذونه يتبركون به وما كان طاهرا من النبي صلى الله عليه وسلم
1) ان كان الشافعي قال هذا فقد رجع هنا وقد زال الشارح هنا تبعا لاستاذه صاحب المغني فذكر شعر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام فخذفناه لبطلانه وتكريما لشعره عليه أفضل الصلاة والسلام
[ 78 ]
كان طاهرا ممن سواه كسائره ولانه شعر متصله طاهر فكذلك منفصله كشعر الحيوانات الطاهرة وكذلك نقول في أعضاء الآدمي وان سلمنا نجاستها فانها تنجس من الحيوانات بفصلها في الحياة بخلاف الشعر فحصل الفرق
(فصل) ولا يجوز استعمال شعر الآدمي وان كان طاهرا لحرمته لا لنجاسته ذكره ابن عقيل فاما الصلاة فيه فصحيحة. (فصل) وكل حيوان فحكم شعره حكم بقية أجزائه في النجاسة والطهارة لا فرق بين حالة الحياة والموت إلا أن الحيوانات التي حكمنا بطهارتها لمشقة التحرز كالهر وما دونها فيها بعد الموت وجهان (أحدهما) نجاستها لانها كانت طاهرة في الحياة مع وجود علة التنجيس لمعارض وهو عدم امكان التحرز عنها وقد زال ذلك بالموت فتنتفي الطهارة (والثاني) هي طاهرة وهو أصح لانها كانت طاهرة في الحياة والموت لا يقتضي تنجيسها فتبقى طاهرة وما ذكر للوجه الاول لا يصح ولا نسلم
[ 79 ]
وجود علة التنجيس وإن سلمناه غير أن الشرع ألغاه ولم يعتبره في موضع فليس لنا اعتباره بالتحكم (فصل) وهل يجوز الخرز بشعر الخنزير فيه روايتان (احداهما) كراهته حكي ذلك عن الحسن وابن سيرين واسحاق والشافعي لانه استعمال للعين النجسة ولا يسلم من التنجيس بها فحرم الانتفاع بها كجلده (والثانية) يجوز الخرز به قال وبالليف أحب الينا، ورخص فيه الحسن ومالك والاوزاعي وأبو حنيفة لان الحاجة تدعو إليه، فإذا خرز به شيئا رطبا أو كانت الشعرة رطبة نجس ويطهر بالغسل، قال ابن عقيل وقد روي عن أحمد أنه لا بأس به ولعله قال ذلك لانه لا يسلم الناس منه وفي تكليف غسله اتلاف أموال الناس قال شيخنا والظاهر أن أحمد انما عنى لا بأس بالخرز فأما الطهارة فلابد منها
[ 80 ]
(باب الاستنجاء) الاستنجاء استفعال من نجوت الشجرة أي قطعتها فكأنه قطع الاذى عنه، وقال ابن قتيبة هو مأخوذ من النجوة وهي ما ارتفع من الارض لان من أراد قضاء الحاجة استتر بها، فأما الاستجمار فهو استفعال من الجمار وهي الحجارة الصغار لانه يستعملها في استجماره (مسألة) قال رحمه الله (يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول بسم الله) لما روى علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن
يقول بسم الله " رواه ابن ماجه ويقول " اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم " لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال " اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " متفق عليه، وعن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم " رواه ابن ماجه، قال أبو عبيدة الخبث بسكون الباء الشر، والخبث بضم الخاء والباء جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة استعاذ من ذكران الشياطين وانائهم
[ 81 ]
(مسألة) قال رحمه الله (ولا يدخله بشئ فيه ذكر الله تعالى) لما روى أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه. رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب، وقيل انما كان النبي صلى الله عليه وسلم يضعه لان فيه محمد رسول الله فان احتفظ بما معه مما فيه ذكر الله واحترز عليه من السقوط وأدار فص الخاتم إلى كفه فلا بأس، قال أحمد الخاتم إذا كان فيه اسم الله يجعله في باطن كفه ويدخل الخلاء وبه قال إسحاق ورخص فيه ابن المسيب والحسن وابن سيرين، قال أحمد في الرجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم أرجو أن لا يكون به بأس (مسألة) قال (ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج) لان اليسرى للاذى واليمنى لما سواه (ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الارض لما روى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الارض ولان ذلك أسترله
[ 82 ]
(مسألة) (ويعتمد على رجله اليسرى) لما روى سراقة بن مالك قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتوكأ على اليسرى وأن ننصب اليمنى. رواه الطبراني في المعجم (مسألة) قال رحمه الله (ولا يتكلم) لما روى عبد الله بن عمر قال: مر بالنبي صلى الله عليه وسلم رجل فسلم عليه وهو يبول فلم يرد عليه. رواه مسلم ولا يذكر الله تعالى على حاجته بلسانه. روي كراهة ذلك عن ابن عباس وعطاء، وقال ابن
سيرين والنخعي لا بأس به. ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد السلام الذي يجب رده فذكر الله أولى فان عطس حمد الله بقلبه ولم يتكلم، وقال ابن عقيل فيه رواية أخرى أن يحمد الله بلسانه والاول أولى لما ذكرناه، وروى أبو سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فان الله يمقت على ذلك " رواه أبو داود وابن ماجه
[ 83 ]
(مسألة) قال (ولا يلبث فوق حاجته) لانه يقال ان ذلك يدمي الكبد ويأخذ منه الباسور (مسألة) قال (فإذا خرج قال غفرانك، الحمدالله الذي أذهب عنى الاذى وعافاني) لما روت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال " غفرانك " رواه الترمذي وقال حديث حسن وعن أنس بن مالك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: " الحمدلله الذي أذهب عني الاذى وعافاني " رواه ابن ماجه (فصل) ويستحب أن يغطى رأسه لما روت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء غطى رأسه وإذا أتى أهله غطى رأسه. رواه البيهقي من رواية محمد بن يونس الكديمي وكان يتهم بوضع الحديث، ولا بأس أن يبول في الاناء قالت أمية بنت رقية كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت السرير رواه أبو داود والنسائي
[ 84 ]
(مسألة) قال (وان كان في الفضاء) أبعد لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد رواه أبو داود (مسألة) قال (واستتر وارتاد مكانا رخوا) لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أتى الغائط فليستتر فان لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستدبره فان الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " رواه أبو داود. ويرتاد مكانا رخوا لما روى ابو داود قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأراد أن يبول فاتى دمثا في أصل جدار فبال ثم قال " إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله " رواه الامام احمد وأبو داود من رواية أبي التياح عن رجل كان
يصحب ابن عباس لم يسمه عن أبي موسى ولئلا يترشش عليه البول ويستحب أن يبول قاعدا لئلا يترشش عليه ولانه أستر وأحسن، قال ابن مسعود من الجفاء أن تبول وأنت قائم قالت عائشة من
[ 85 ]
حدثكم ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه ما كان يبول إلا قاعدا. قال الترمذي هذا أصح شئ في الباب وقد رويت الرخصة فيه عن عمر وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت لما روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائما رواه البخاري ومسلم والاول أولى لما روى عمر بن الخطاب قال رآني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبول قائما فقال " يا عمر لا تبل قائما " فما بلت قائما بعد. رواه ابن ماجه (1) وعن جابر قال نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول قائما رواه ابن ماجه، وأما حديث حذيفة فلعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ليبين الجواز أو كان في موضع لا يتمكن من الجلوس فيه وقيل فعل ذلك لعلة كانت بمأبضه ليستشفي به والمأبض ما تحت الركبة من كل حيوان (مسألة) قال (ولا يبول في شق ولا سرب ولا طريق ولاظل نافع ولا تحت شجرة مثمرة) البول في هذه المواضع كلها مكروه منهي عنه ومثلها موارد الماء لما روى عبد الله بن سرجس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجحر رواه أبو داود قالوا لقتادة ما يكره من البول في الجحر؟ قال كان يقال انها مساكن الجن رواه الامام أحمد، وقد حكي عن سعد بن عبادة أنه بال في جحر ثم استلقى ميتا فسمعت الجن تقول نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة * ورميناه بسهمين فلم نخط فؤاده ولانه لا يأمن أن يكون فيه حيوان يلسعه، وروى معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اتقوا الملاعن
1) لكنه ضعيف كما قاله الترمذي
[ 86 ]
الثلاثة البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل " رواه أبو داود وابن ماجه، والبول تحت الشجرة المثمرة ينجس الثمرة فيؤذي من يأكلها (فصل) ويكره البول في الماء الراكد لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الراكد متفق عليه، فأما الجاري فلا يجوز التغوط فيه لانه يؤذي من مر به، فأما البول فيه وهو كثير فلا بأس به لان تخصيص النهي بالماء الراكد دليل على أن الجاري بخلافه، ولا يبول في المغتسل
لما روى الامام أحمد وأبو داود عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله، وقد روي ان عامة الوسواس منه، رواه
[ 87 ]
أبو داود وابن ماجه وقال سمعت علي بن محمد يقول انما هذا في الحفيرة فأما اليوم فمغتسلاتهم الجص والصاروج والقير فإذا بال وأرسل عليه الماء فلا بأس به، وقال الامام أحمد إن صب عليه الماء وجرى في البالوعة فلا بأس وقد قيل ان البصاق على البول يورث الوسواس وان البول على النار يورث السقم، ويكره أن يتوضأ على موضع بوله أو يستنجى عليه لئلا يتنجس به وتوقي ذلك كله أولى (مسألة) قال (ولا يستقبل الشمس ولا القمر) لما فيهما من نور الله وقد روي أن معهما ملائكة فان استتر عنهما بشئ فلا بأس ولا يستقبل الريح لئلا يتنجس باالبول (مسألة) (ولا يجوز أن يستقبل القبلة في الفضاء) وهذا قول أكثر أهل العلم لما روى أبو أيوب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا " قال أبو أيوب فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو
[ 88 ]
الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله. متفق عليه ولم يقل البخاري ببول ولا غائط (1) وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " رواه مسلم، وقال عروة وداود وربيعة يجوز استقبالها واستدبارها لما روى جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها قال الترمذي هذا حديث حسن غريب، وهذا دليل على النسخ. ولنا أحاديث النهي وهي صحيحة وحديث جابر يحتمل أنه رآه في البنيان أو مستترا بشئ فلا يثبت النسخ بالاحتمال ويتعين حمله على ما ذكرنا ليكون موافقا لما ذكر من الاحاديث (مسألة) (وفي استدبارها فيه واستقبالها في البنيان روايتان) وجملة ذلك ان استدبار الكعبة بالبول والغائط فيه ثلاث روايات (إحداها) يجوز في الفضاء والبنيان جميعا لما روي ابن عمر
1) اي في الحديث المسند ولكن ذكره في ترجمة الباب معزوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم
[ 89 ]
قال رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم على حاجته مستقبل الشام مستدبرا للكعبة. متفق عليه (والثانية) لا يجوز ذلك فيهما لحديث أبي أيوب ولما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " رواه مسلم (والثالثة) يجوز ذلك في البنيان ولا يجوز في الفضاء وهو الصحيح روي جواز استقبال القبلة واستدبارها في البنيان عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر لحديث جابر، ولما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر له أن قوما يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أقد فعلوها؟ استقبلوا بمقعدتي القبلة " رواه أصحاب السنن، قال أبو عبد الله أحسن ما روي في الرخصة حديث عائشة فان كان مرسلا فان مخرجه حسن انما سماه أبو عبد الله مرسلا لان عراك بن مالك رواه عن عائشة، قال أحمد ولم يسمع عنها، وروى مروان الاصفر قال رأيت ابن عمر أناخ ناقته (راحلته) مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها فقلت أبا عبد الرحمن: أليس نهي عن هذا؟ قال بلى انما نهي عن هذا في الفضاء أما إذا كان بينك وبين القبلة شئ يسترك فلا بأس. رواه أبو داود وهذا تفسير لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم العام وفيه جمع بين الاحاديث بحمل أحاديث النهي على الفضاء وأحاديث الرخصة على البنيان فيتعين المصير إليه، وأما
[ 90 ]
استقبالها في البنيان ففيه روايتان (احداهما) يجوز لما ذكرنا وبه قال مالك والشافعي (والثانية) لا يجوز وهو قول الثوري وأبي حنيفة لعموم أحاديث النهي والاول أولى (مسألة) قال (فإذا فرغ مسح بيده اليسرى من أصل ذكره إلى رأسه ثم ينتره ثلاثا) فيجعل يده على أصل الذكر من تحت الانثيين ثم يسلته إلى رأسه فينتر ذكره ثلاثا برفق لما روى يزداد اليماني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات " رواه أحمد (مسألة) (ولا يمس ذكره بيمينه ولا يستجمر بها) لما روى أبو قتادة ان رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال " لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه " متفق عليه فان كان يستجمر من غائط أخذ الحجر بيساره فمسح به. وإن كان من البول أمسك ذكره بشماله ومسحه على الحجر فان كان الحجر، صغيرا وضعه بين عقبيه أو بين أصابعه ومسح عليه إن أمكنه وإلا أمسك الحجر بيمينه ومسح بيساره الذكر عليه، وقيل يمسك الذكر بيمينه ويمسحه بيساره والاول أولى لما ذكرنا من الحديث ولانه إذا أمسك الحجر بيمينه ومسح بيساره لم يكن ماسحا
[ 91 ]
بيمينه ولا ممسكا للذكر بها، فان كان أقطع اليسرى أو بها مرض استجمر بيمينه للحاجة. فأما الاستعانة بها في الماء فلا يكره لان الحاجة داعية إليه (فان استجمر بيمينه لغير حاجة أجزأه) في قول أكثر أهل العلم وحكي عن بعض أهل الظاهر أنه لا يجزئه لانه منهي عنه أشبه مالو استنجى بالروث والرمة والاول أولى لان الروث آلة الاستجمار المباشرة للمحل وشرطه فلم يجز استعمال الآلة المنهي عنها فيه واليد ليست المباشرة للمحل ولا شرطا فيه انما يتناول بها الحجر الملاقي للمحل فصار النهي عنها نهي تأديب لا يمنع الاجزاء (مسألة) (ثم يتحول عن موضعه لئلا يتنجس بالخارج منه ثم يستجمر ثم يستنجي بالماء) الجمع بين الحجر والماء أفضل لان الحجر يزيل ما غلظ من النجاسة فلا تباشرها يده. والماء يزيل ما بقي قال احمد: ان جمعهما فهو أحب إلي لما روي عن عائشة أنها قالت للنساء: مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء من أثر الغائط والبول فاني أستحبهما وان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله قال الترمذي هذا حديث صحيح (مسألة) قال (ويجزئه أحدهما) في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن سعد بن أبي وقاص وابن الزبير أنهما أنكرا الاستنجاء بالماء قال سعيد بن المسيب: وهل يفعل ذلك الا النساء؟ وقال عطاء غسل الدبر
[ 92 ]
محدث، والاول أولى لما روى أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء فاحمل أنا وغلام نحوي أداوة من ماء وعنزة فيستنجى بالماء متفق عليه ولما ذكرنا من حديث عائشة وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " نزلت هذه
الآية في أهل قباء (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيه هذه الآية " رواه أبو داود وروي عن ابن عمر انه كان لا يفعله ثم فعله وقال لنافع إنا جربناه فوجدناه صالحا ولانه يطهر النجاسة في غير محل الاستنجاء فجاز في محل الاستنجاء قياسا عليه، فأما الاقتصار على الاستجمار فهو جائز بغير خلاف بين أهل العلم لما يذكر من الاخبار وهو إجماع الصحابة رضي الله عنهم، ومتى أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل لما روينا من الاحاديث ولانه يزيل العين والاثر ويطهر المحل وأبلغ في التنظيف (مسألة) قال (الا أن يعدوا الخارج موضع الحاجة فلا يجزئ إلا الماء) مثل أن ينتشر إلى الصفحتين أو يمتد إلى الحشفة كثيرا وبهذا قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر لان الاستجمار في المحل المعتاد رخصة لاجل المشقة في غسله لتكرر النجاسة فيه فما لا يتكرر لا يجزئ فيه إلا الماء كساقيه ولذلك قال علي رضي الله عنه - إنكم كنتم تبعرون بعرا وأنتم اليوم تثلطون ثلطا فاتبعوا الماء الاحجار فأما قوله عليه السلام " يكفي أحدكم ثلاثة أحجار " يحمل على ما إذا لم يتجاوز موضع العادة لما ذكرنا (فصل) والمرأة البكر كالرجل لان عذرتها تمنع انتشار البول، فأما الثيب فان خرج البول بحدة ولم ينتشر فكذلك وان تعدى إلى مخرج الحيض فقال أصحابنا يجب غسله لان مخرج الحيض غير مخرج البول، قال شيخنا ويحتمل أن لا يجب لان هذا إعادة في حقها فكفى فيه الاستجمار كالمعتاد في غيرها ولان الغسل لو لزمها لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لازواجه لكونه مما يحتاج إلى معرفته، وان شك في انتشار الخارج لم يجب الغسل لان الاصل عدمه والاولى الغسل احتياطا
[ 93 ]
(فصل) والاقلف ان كانت بسرته لا تخرج من قلفته فهو كالمختتن وان كان يمكنه كشفها كشفها فإذا بال واستجمر أعادها، وان تنجست بالبول لزمه غسلها كما لو انتشر إلى معظم الحشفة (فصل) وان انسد المخرج المعتاد وانفتح آخر لم يجز فيه الاستجمار، وحكي عن بعض أصحابنا أنه يجزئه لانه صار معتادا - ولنا أن هذا نادر بالنسبة إلى سائر الناس فلم يثبت فيه أحكام الفرج ولان لمسه لا ينقض الوضوء ولا يتعلق بالايلاج فيه شئ من أحكام الوطئ أشبه سائر البدن (فصل) والاولى أن يبدأ الرجل بالاستنجاء في القبل لئلا تتلوث يده إذا شرع في الدبر لان قبله
بارز فأما المرأة فهي مخيرة في البداية بايهما شاءت لعدم ذلك فيها وإذا استنجى بالماء ثم فرغ استحب له دلك يده بالارض لما روت ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك رواه البخاري
[ 94 ]
ويستحب أن يمكث قليلا قبل الاستنجاء حتى ينقطع أثر البول فان استنجى عقيب انقطاعه جاز لان الظاهر انقطاعه، وقد قيل إن الماء يقطع البول ولذلك سمى الاستنجاء انتقاص الماء ويستحب أن ينضح على فرجه وسراويله بعد الاستنجاء ليزيل عنه الوسواس قال حنبل سألت أحمد قلت أتوضأ وأستبرئ وأجد في نفسي أني قد أحدثت بعد؟ قال: إذا توضأت فاستبرئ ثم خذ كفا من ماء فرشه في فرجك لا تلتفت إليه فانه يذهب إن شاء الله، وقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " جاءني جبريل فقال يا محمد إذا توضأت فانتضح " حديث غريب (فصل) وإذا استنجى بالماء لم يحتج إلى التراب لانه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعمل التراب مع الماء في الاستنجاء ولا أمر به (مسألة) قال (ويجوز الاستجمار بكل طاهر ينقي كالحجر ونحوه الخشب والخرق) أما الاستجمار بالاحجار فلا خلاف فيه فيما علمنا وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فانها تجزئ عنه " رواه أبو داود، فأما الاستجمار بما سواها كالخشب والخرق وما في معناها مما ينقي فهو جائز في الصحيح من المذهب وقول أكثر أهل العلم وعنه لا يجزئ الا الاحجار اختارها أبو بكر وهو مذهب داود لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاحجار وأمره يقتضي الوجوب ولانه موضع رخصة ورد الشرع فيها بآلة مخصوصة فوجب الاقتصار عليها كالتراب في التيمم وقياسا على رمي الجمار، ولنا ما روى طاوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا أتى أحدكم البراز فلينزه قبلة الله فلا يستقبلها ولا يستدبرها وليستطب بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من تراب " رواه الدار قطني قال وقد روي عن ابن عباس مرفوعا والصحيح انه مرسل وفي حديث سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم انه لينهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار وأن نستنجي برجيع أو عظم رواه مسلم. وتخصيص هذين بالنهي يدل على أنه أراد الحجارة
وما قام مقامها والا لم يكن لتخصيص هذين بالنهي معنى، ولانه متى ورد النص بشئ لمعني معقول
[ 95 ]
وجب تعديته إلى ما وجد فيه المعنى، والمعني ههنا ازالة عين النجاسة وهذا يحصل بغير الاحجار كحصوله بها فأما التيمم فانه غير معقول (فصل) ويشترط فيما يستجمر به أن يكون طاهرا كما ذكر، فان كان نجسا لم يجزئه الاستجمار به وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يجزئه لانه يجففه كالطاهر، ولنا أن ابن مسعود جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحجرين وروثة ليستجمر بها فأخذ الحجر وألقى الروثة وقال " هذا ركس " يعني نجسا، رواه الترمذي وهذا تعليل من النبي صلى الله عليه وسلم يجب المصير إليه، ولانه ازالة نجاسة فلا تحصل بالنجس كالغسل، فان استجمر بنجس احتمل أن لا يجزئه الاستجمار بعده لانها نجاسة من خارج فلم يجز فيها غير الماء كما لو تنجس المحل بها ابتداء، ويحتمل أن يجزئه لان هذه النجاسة تابعة لنجاسة المحل فزالت بزوالها، ويشترط أن يكون مما ينقي لان الانقاء شرط في الاستنجاء فان كان زلجا كالزجاج والفحم الرخو وشبههما أو نديا لا ينقي لم يجز في الاستجمار لانه لا يحصل به المقصود (مسألة) قال (الا الروث والعظام والطعام وما له حرمة وما يتصل بحيوان) وجملة ذلك انه لا يجوز الاستجمار بالروث ولا العظام ولا يجزئ في قول أكثر أهل العلم وبهذا قال الثوري والشافعي واسحاق، وقال أبو حنيفة يجوز الاستجمار بهما لانهما يجففان النجاسة وينقيان المحل فهما كالحجر، وأباح مالك الاستنجاء بالطاهر منهما، ولنا ما روى مسلم عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فانه زاد اخوانكم من الجن " وروى الدار قطني أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بروث أو عظم وقال " انهما لا يطهران " وقال اسناد صحيح، وروى أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لرويفع بن ثابت " اخبر الناس انه من استنجى برجيع أو عظم فهو برئ من محمد " وهذا عام في الطاهر منهما وغيره، والنهي يقتضي الفساد وعدم الاجزاء، وكذلك الطعام يحرم الاستنجاء
[ 96 ]
به بطريق التنبيه لان النبي صلى الله عليه وسلم علل النهي عن الروث والرمة بكونه زاد الجن فزادنا أولى لكونه أعظم
حرمة، فان قيل فقد نهى عن الاستجمار باليمين كنهيه عن الاستجمار بهذين ولم يمنع ذلك الاجزاء فعنه جوابان (أحدهما) انه قد بين في الحديث انهما لا يطهران (الثاني) الفرق بينهما وهو ان النهي ههنا لمعنى في شرط الفعل فمنع صحته كالنهي عن الوضوء بالماء النجس وثم لمعنى في آلة الشرط فلم يمنع كالوضوء من إناء محرم وكذلك ماله حرمة مثل كتب الفقه والحديث لما فيه من هتك الشريعة والاستخفاف بحرمتها فهو في الحرمة أعظم من الروث والرمة وكذلك ما يتصل بحيوان كعقبه ويده وذنب البهيمة وصوفها المتصل بها لان له حرمة فهو كالطعام (مسألة) (ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات اما بحجر ذي شعب أو بثلاثة) أما الاستجمار بثلاثة أحجار فيجزئ إذا حصل بها الانقاء بغير خلاف علمناه لما ذكرناه من النص والاجماع فأما الحجر الذي له ثلاث شعب فيجوز الاستجمار به في ظاهر المذهب وهو اختيار الخرقي ومذهب الشافعي واسحاق وأبي ثور، وعن أحمد رواية أخرى لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار وهو قول أبي بكر وابن المنذر لقوله صلى الله عليه وسلم " لا يستنج أحدكم بدون ثلاثة أحجار " رواه مسلم ولا يكفي أحدكم دون ثلاثة احجار ولانه إذا استجمر بالحجر تنجس فلم يجز الاستجمار به ثانيا كالصغير. ولنا انه استجمر ثلاثا منقية بما وجد فيه شروط الاستجمار فأجزأه كما لو فصله ثلاثة احجار واستجمر بها فانه لا فرق بينهما إلا فصله ولا أثر لذلك في التطهير والحديث يقتضي ثلاث مسحات بحجر كما يقال ضربته ثلاثة اسواط أي ثلاث ضربات بسوط وذلك لان معناه معقول ومراده معلوم والحاصل من ثلاثة احجار حاصل من ثلاث شعب، ومن مسحه ذكره في صخرة عظيمة بثلاثة مواضع منها فلا معنى للجمود على اللفظ مع وجود ما يساويه، وقولهم ان الحجر يتنجس قلنا انما يمسح بالموضع الطاهر أشبه مالو تنجس جانبه بغير الاستجمار ولانه لو استجمر به ثلاثة حصل لكل واحد منهم مسحة وقام مقام ثلاثة احجار فكذلك إذا استجمر به الواحد (فصل) ولو استجمر ثلاثة بثلاثة احجار لكل حجر ثلاث شعب استجمر كل واحد بشعبة
[ 97 ]
من حجر أو استجمر بحجر ثم غسله وكسر ما تنجس منه ثم استجمر به ثانيا ثم فعل ذلك
واستجمر به ثلاثا أجزأه لحصول المعنى والانقاء، ويحتمل على قول ابي بكر أن لا يجزئه جمودا على اللفظ وهو بعيد والله أعلم (فصل) ويشترط للاستجمار الانقاء وكمال العدد ومعى الانقاء في الاستجمار إزالة عين النجاسة وبللها بحيث يخرج نقيا ليس عليه أثر الا شيئا يسيرا، ومعنى الانقاء في الاستنجاء ذهاب لزوجة النجاسة وآثارها، فان وجد الانقاء ولم يكمل العدد لم يجزي وهذا مذهب الشافعي، وقال مالك يجزي وبه قال داود لحصول المقصود وهو الانقاء ولقوله صلى الله عليه وسلم " من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " ولنا قول سلمان لقد نهانا يعني النبي صلى الله عليه وسلم أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار. فأما قوله " فلا حرج " في حديثهم يعني في ترك الوتر لا في ترك العدد لان المأمور به في الخبر الوتر فيعود نفي الحرج إليه (مسألة) (فان لم ينق بها زاد حتى ينقي) لان المقصود إزالة آثار النجاسة فإذا لم ينق لم يحصل مقصود الاستجمار (مسألة) قال (ويقطع على وتر) لما روى أبو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من استجمر فليوتر " متفق عليه، وهو مستحب غير واجب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " رواه الامام احمد وأبو داود " فليستجمر ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو تسعا " فان أنقى بشفع أجزأ لما ذكرنا (فصل) وكيفما حصل الانقاء في الاستجمار أجزأ، وذكر القاضي ان المستحب أن يمر الحجر الاول من مقدم صفحته اليمنى إلى مؤخرها ثم يديره على اليسرى حتى يصل به إلى الموضع الذي بدأ منه ثم يمر الثاني من مقدم صفحته اليسرى كذلك ثم يمر الثالث على المسربة والصفحتين لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أو لا يجد أحدكم حجرين للصفحتين وحجرا للمسربة، " رواه الدار قطني وقال إسناد حسن،
[ 98 ]
وذكر الشريف أبو جعفر وابن عقيل أنه ينبغي أن يعم المحل بكل واحد من الاحجار لانه إذا لم يعم كان تلفيقا فيكون مسحة واحدة وقالا معنى الحديث البداية بهذه المواضع، قال شيخنا ويحتمل أن
يجزئه لكل جهة مسحة لظاهر الخبر والله أعلم (فصل) ويجزي الاستجمار في النادر كاجزائه في المعتاد، ولاصحاب الشافعي وجه انه لا يجزئ في النادر قال ابن عبد البر يحتمل أن يكون قول مالك لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الذكر من المذي وظاهر الامر الوجوب ولان النادر لا يتكرر فلا يشق اعتبار الماء فيه فوجب كغير هذا المحل - ولنا ان الخبر عام في الكل ولان الاستجمار في النادر انما وجب لما صحبه من بلة المعتاد، ثم إن لم يشق فهو في محل المشقة فيعتبر مظنة المشقة دون حقيقتها كما جاز الاستجمار على نهر جار. وأما المذي فمعتاد كثير وربما كان في بعض الناس أكثر من البول ولهذا أوجب مالك منه الوضوء وهو لا يوجبه من النادر فيجزئ فيه الاستجمار قياسا على سائر المعتاد والامر محمول على الاستحباب جمعا بينه وبين ما ذكرناه والله أعلم (مسألة) قال (ويجب الاستنجاء من كل خارج إلا الريح) سواء كان معتادا كالبول والغائط أو نادرا كالحصى والدود والشعر رطبا أو يابسا، فلو وطئ امرأته دون الفرج فدب ماؤه إلى فرجها ثم خرج منه وجب عليهما الاستنجاء هذا ظاهر كلام الخرقي وصرح به القاضي وغيره، ولو أدخل الميل في ذكره ثم أخرجه لزمه الاستنجاء لانه خارج من السبيل فأشبه الغائط المستحجر، والقياس أن لا يجب الاستنجاء من ناشف لا ينجس المحل وهو قول الشافعي، وهذا الحكم في الطاهر وهو المني إذا حكمنا بطهارته لان الاستنجاء انما شرع لازالة النجاسة ولا نجاسة ههنا، ولانه لم يرد به نص ولا هو في معنى المنصوص والقول بوجوب الاستنجاء في الجملة قول أكثر أهل العلم، وحكي عن
[ 99 ]
ابن سيرين فيمن صلى بقوم ولم يستنج لا أعلم به بأسا وهذا يحتمل أن يكون فيمن لم يلزمه الاستنجاء كمن توضأ من نوم أو خروج ريح، ويحتمل أنه لم ير وجوب الاستنجاء وهذا مذهب أبي حنيفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " رواه أبو داود ولانها نجاسة يجزئ المسح فيها فلم يجب إزالتها كيسير الدم - ووجه الاول قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فانها تجزئ عنه " رواه أبو داود، وقال صلى الله
عليه وسلم " لا يستنج أحدكم بدون ثلاثة أحجار " رواه مسلم أمر والامر يقتضي الوجوب وقال فانها تجزئ عنه والاجزاء انما يستعمل في الواجب، ونهى عن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار والنهي يقتضي التحريم وإذا حرم ترك بعض النجاسة فالجميع أولى فأما قوله " لا حرج " يعني في ترك الوتر وقد ذكرناه وأما الاجتزاء بالمسح فيه فلمشقة الغسل لتكرر النجاسة في محل الاستنجاء. فأما الريح فلا يجب لها استنجاء لا نعلم فيه خلافا، قال أبو عبد الله ليس في الريح استنجاء في كتاب الله ولا في سنة رسوله وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من استنجى من ريح فليس منا " رواه الطبراني في المعجم الصغير، وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) إذا اقمتم من النوم ولم يأمر بغيره فدل على أنه لا يجب، ولان الوجوب من الشرع ولم يرد فيه نص ولا هو في معنى المنصوص ولانها ليست نجسة ولا يصحبها نجاسة فلا يجب غسل المحل منها كسائر المحال الطاهرة (مسألة) (فان توضأ قبله فهل يصح وضوؤه على روايتين) يعني إن توضأ قبل الاستنجاء (احداهما) لا يصح لانها طهارة يبطلها الحدث فاشترط تقديم الاستنجاء عليها كالتيمم (والثانية) يصح وهي أصح وهي مذهب الشافعي لانها إزالة نجاسة فلم تشترط لصحة الطهارة كالتي على غير الفرج فعلى هذه الرواية ان قدم التيمم خرج على الروايتين (احداهما) يصح قياسا على الوضوء (الثانية) لا يصح لانه لا يرفع الحدث وانما تستباح به الصلاة ولا تباح مع قيام المانع كما لو تيمم قبل الوقت، وقيل في التيمم لا يصح وجها واحدا لما ذكرنا، وإن كانت النجاسة على غير الفرج فهو كما لو كانت على الفرج ذكرها ابن عقيل لما ذكرنا من العلة. قال شيخنا: والاشبه التفريق بينهما كما افترقا في طهارة الماء، ولان نجاسة الفرج سبب وجوب التيمم فجاز أن يكون بقاؤها مانعا منه بخلاف سائر النجاسات
[ 100 ]
(باب السواك وسنة الوضوء) (مسألة) قال (والسواك مسنون في جميع الاوقات) لا نعلم خلافا في استحبابه وتأكده وذلك لما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب " رواه الامام أحمد، وعن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته
بدأ بالسواك. رواه مسلم، وروى ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " انى لاستاك حتى لقد خشيت أن أحفي مقادم فمي " (مسألة) قال (الا الصائم بعد الزوال فلا يستحب) قال ابن عقيل لا يختلف المذهب أنه لا يستحب للصائم السواك بعد الزوال لما نذكره، وهل يكره؟ على روايتين (احداهما) يكره وهو قول الشافعي وإسحاق وأبي ثور لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يستاك ما بينه وبين الظهر ولا يستاك بعد ذلك. ولان السواك انما استحب لازالة رائحة الفم وقد قال صلى الله عليه وسلم " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " رواه الترمذي وقال حديث حسن وإزالة المستطاب عند الله مكروه كدم الشهداء وشعث الاحرام (والثانية) لا يكره وهو قول النخعي وابن سيرين وعروة ومالك وأصحاب الرأي وروي ذلك عن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم لعموم الاحاديث المروية في السواك ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من خير خصال الصائم السواك " رواه ابن ماجه وقال عامر بن ربيعة رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مالا أحصي يتسوك وهو صائم رواه الترمذي وقال حديث حسن
[ 101 ]
(فصل) أكثر أهل العلم يرون السواك سنة غير واجب. ولا نعلم أحدا قال بوجوبه إلا إسحاق وداود لانه مأمور به والامر يقتضي الوجوب. وروى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا وغير طاهر فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، ووجه الاول قول النبي صلى الله عليه وسلم " لو لا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة " متفق عليه وروى الامام احمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لو لا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك كما فرضت عليهم الوضوء " وهذان الحديثان يدلان على أنه غير واجب لان المشقة انما تلحق بالواجب ويدل على أن الامر في حديثهم أمر ندب واستحباب، ويحتمل أن يكون ذلك واجبا في حق النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص جمعا بين الخبرين (مسألة) قال (ويتأكد استحبابه في ثلاثة مواضع عند الصلاة للخبر) الاول ولما روى زيد بن خالد قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو لا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة "
قال فكان خالد يضع السواك موضع القلم من اذن الكاتب كلما قام إلى الصلاة استاك رواه الترمذي وقال حديث صحيح (وعند القيام من النوم) لما روى حذيفة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك، متفق عليه يعني يغسله يقال شاصه وماصه إذا غسله. وعن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ الا تسوك قبل أن يتوضأ رواه الامام أحمد ولانه إذا نام ينطبق فوه فتغير رائحته (وعند تغير رائحة الفم) بمأكول أو غيره لان
[ 102 ]
السواك مشروع لتطييب الفم وإزالة رائحته، وقال الشيخ أبو الفرج يتأكد استحبابه عند قراءة القرآن والانتباه من النوم وتغير رائحة الفم (فصل) (ويستاك على أسنانه ولسانه) قال أبو موسى أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فرأيته يستاك على لسانه متفق عليه (مسألة) (ويستاك بعود لين ينقي الفم ولا يجرحه ولا يضره ولا يتفتت فيه) كالاراك والعرجون لما روي عن ابن مسعود قال كنت أجتني لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواكا من أراك رواه أبو يعلى الموصلي وقد رواه الامام أحمد عن ابن مسعود أنه كان يجتني سواكا من الاراك ولا يستاك بعود الرمان ولا الآس ولا الاعواد الذكية لانه روي عن قبيصة بن ذؤيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تخللوا بعود الريحان ولا الرمان فانهما يحركان عرق الجذام " رواه محمد ابن الحسين الازدي الحافظ باسناده وقيل السواك يعود الريحان يضر بلحم الفم (مسألة) (فان استاك باصبعه أو خرقة فهل يصيب السنة على وجهين) (أحدهما) لا يصيب السنة لانه لا يحصل الانقاء به حصوله بالعود (والثاني) يصيب من السنة بقدر ما يحصل من الانقاء ولا يترك القليل من السنة للعجز عن كثيرها وهو الصحيح لما روى أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يجزئ من السواك الاصابع " رواه البيهقي قال الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسي هذا اسناد لا أرى به بأسا
[ 103 ]
(مسألة) (ويستاك عرضا ويدهن غبا ويكتحل وترا) لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " استاكوا عرضا وادهنوا غبا واكتحلوا وترا " ولان السواك طولا ربما أدمى اللثة وأفسد الاسنان وروي الطبراني باسناده عن بهز قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يستاك عرضا، فان استاك على لسانه أو حلقه فلا بأس أن يستاك طولا لما روى أبو موسى قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يستاك وهو واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق فوصف حماد كانه يرفع سواكه قال حماد ووصفه لنا غيلان قال كأنه يستاك طولا رواه الامام أحمد. وروى الخلال باسناده عن عبد الله بن مغفل قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الترجل الا غبا. قال احمد معناه يدهن يوما ويوما، وروى جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عليكم بالائمد فانه يجلو البصر وينبت الشعر " وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " والوتر ثلاث في كل عين وقيل ثلاث في اليمنى واثنان في اليسرى ليكون الوتر حاصلا في العينين معا (فصول في الفطرة) روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الاظفار ونتف الابط " متفق عليه. وروى عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عشر من الفطرة قص الشارب واعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الاظفار وغسل البراجم ونتف الابط وحلق العانة وانتقاص الماء " قال بعض الرواة ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء رواه مسلم، الاستحداد حلق العانة وهو مستحب لانه من الفطرة ويفحش بتركه وبأي شئ أزاله فلا بأس لان المقصود إزالته قيل لابي عبد الله ترى أن يأخذ الرجل سفلته بالمقراض وان لم يستقص؟ قال أرجو أن يجزئ إن شاء الله، قيل ما تقول في الرجل إذا نتف عانته؟ قال وهل يقوى على هذا أحد؟
[ 104 ]
وان اطلى بالنورة فلا بأس ولا يدع أحدا بلي عورته الا من يحل له الاطلاع عليها لما روى الخلال باسناده عن نافع قال كنت أطلي ابن عمر فإذا بلغ عانته نورها هو بيده وقد روي ذلك عن النبي
صلى الله عليه وسلم والحلق أفضل لموافقته الحديث الصحيح (فصل) ونتف الابط سنة لانه من الفطرة ويفحش بتركه وان أزال الشعر بالنورة أو الحلق جاز والنتف أفضل لموافقته الخبر (فصل) ويستحب تقليم الاظفار لما ذكرنا ولانها تتفاحش بتركها وربما مكث الوسخ فيجتمع تحتها من المواضع المنتنة فيصير رائحة ذلك في رءوس أصابعه وربما منع وصول الماء في الطهارة إلى ما تحته، ويستحب أن يقلمها يوم الخميس لما روى علي رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلم أظفاره يوم الخميس ثم قال " يا علي قص الظفر ونتف الابط وحلق العانة يوم الخميس، والغسل والطيب واللباس يوم الجمعة " وروي في حديث " من قص أظفاره مخالفا لم ير في عينيه رمدا " (1) وفسره أبو عبد الله بن بطة بأن يبدأ بخنصره اليمنى ثم الوسطى ثم الابهام ثم البنصر ثم السبابة ثم بابهام اليسرى ثم الوسطى ثم الخنصر ثم السبابة ثم البنصر، ويستحب غسل رءوس الاصابع بعد قص الاظفار لانه قيل ان الحك بالاظفار قبل غسلها يضر بالجسد، ويستحب دفن ما قلم من أظفاره أو أزال من شعره لما روى الخلال باسناده عن ثميل بنت مشرح الاشعرية قالت رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنها ويقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، وخرجه عنها البزار والطبراني والبيهقي في الشعر كذلك والحيكم الترمذي والبيهقي عن عبد الله بن بسر وأخرجه البيهقي وابن
1) هذا الحديث غير بل قال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة. لم يثبت في كيفية قص الاظافر ولا في تعيين يوم له شئ عن النبي صلى الله عليه وسلم وما يعزى من النظم فيها لعلى فباطل
[ 105 ]
عدي عن ابن عمر يعني مشروعية الدفن، وعن ابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان يعجبه دفن الدم قال مهنا سألت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أو يلقيه؟ قال يدفنه، قلت بلغك فيه شئ؟ قال كان ابن عمر يدفنه (فصل) ويستحب قص الشارب لانه من الفطرة ويفحش إذا طال ولما روى زيد بن أرقم
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لم يأخذ من شاربه فليس منا " رواه الترمذي وقال حديث صحيح، ويستحب اعفاء اللحية لما ذكرنا من الحديث، وهل يكره أخذ ما زاد على القبضة، فيه وجهان (أحدهما) يكره لما روى ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خالفوا المشركين احفوا الشوارب واعفوا اللحى " متفق عليه (والثاني) لا يكره يروى ذلك عن عبد الله بن عمر، وروى البخاري قال كان عبد الله بن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه، ولا ينبغي أن يتركها أكثر من أربعين يوما لما روى أنس بن مالك قال وقت لنا في قص الشارب وتقليم الاظفار ونتف الابط وحلق العانة أن لا تترك أكثر من أربعين رواه مسلم (فصل) واتخاذ الشعر أفضل من ازالته قال اسحاق سئل أبو عبد الله عن الرجل يتخذ الشعر قال سنة حسنة لو أمكننا اتخذناه، وقال كان للنبي صلى الله عليه وسلم جمة وقال في بعض الحديث ان شعر النبي صلى الله عليه وسلم كان إلى شحمة أذنه وفي بعض الحديث إلى منكبيه، وروى البراء بن عازب قال ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من النبي صلى الله عليه وسلم له شعر يضرب منكبيه متفق عليه، ويستحب أن يكون شعر الانسان على صفة شعر النبي صلى الله عليه وسلم إذا طال فالى المنكب وإذا قصر فالى شحمة الاذن وان طوله فلا بأس نص عليه أحمد، وقال أبو عبيدة: كان له عقيصتان وعثمان كان له عقيصتان، ويستحب ترجيل الشعر واكرامه لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من كان له شعر فليكرمه " رواه أبو داود، ويستحب فرقه لان النبي صلى الله عليه وسلم فرق شعره وذكره في الفطرة
[ 106 ]
(فصل) وهل يكره حلق الرأس في غير الحج والعمرة؟ فيه روايتان (احداهما) يكره لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال في الخوارج " سيماهم التحليق " وقال عمر لصبيغ: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " لا توضع النواصي الا في حج أو عمرة " أخرجه الدار قطني في الافراد (والثانية) لا يكره لكن تركه أفضل، قال حنبل كنت أنا وأبي نحلق رؤوسنا في حياة أبي عبد الله فيرانا ونحن نحلق فلا ينهانا وذلك لما روي عن عبد الله بن جعفر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء نعي جعفر أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ثم أتاهم
قال " لا تبكوا على أخي بعد اليوم - ثم قال - ادعوا بي أخي - فجئ بنا قال - ادعوا لي الحلاق " فأمر بنا فحلق رؤوسنا. رواه أبو داود الطيالسي، وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع وقال " احلقه كله أو دعه كله " رواه أبو داود، ولانه لا يكره استئصال الشعر بالمقراض وهذا في معناه، قال ابن عبد البر أجمع العلماء في جميع الامصار على اباحة الحلق وكفى بهذا حجة، فأما أخذه بالمقراض واستئصاله فغير مكروه رواية واحدة قال أحمد انما كرهوا الحلق بالموسى وأما بالمقراض فليس به بأس لان أدلة الكراهة تختص الحلق (فصل) وحلق المرأة رأسها مكروه رواية واحدة من غير ضرورة لما روى الخلال باسناده عن قتادة عن عكرمة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها فان كان لضرورة جاز، قال الاثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل عن المرأة تعجز عن شعرها وعن معالجته أتأخذه على
[ 107 ]
حديث ميمونة؟ فقال لاي شئ تأخذه؟ قيل له لا تقدر على الدهن وما يصلحه تقع فيه الدواب فقال إذا كان لضرورة فارجو أن لا يكون به بأس (فصل) ويكره نتف الشيب لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نتف الشيب وقال " إنه نور الاسلام " رواه الخلال في جامعه (فصل) ويكره حلق القفا لمن لم يحلق رأسه ولم يحتج إليه. قال المروذي سألت أبا عبد الله عن حلق القفا قال هو من فعل المجوس ومن تشبه بقوم فهو منهم وقال لا بأس أن يحلق قفاه في الحجامة فأما حف الوجه فقال أحمد: ليس به بأس للنساء واكرهه للرجال (فصل) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الواصلة والمستوصلة والنامصة والمنتمصة والواشرة والمستوشرة فهذه الخصال محرمة لان النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعلها، وفاعل المباح لا تجوز لعنته. والواصلة هي التي تصل شعرها أو شعر غيرها بغيره والمستوصلة الموصول شعرها بأمرها فوصله بالشعر محرم لما ذكرنا، فأما وصله بغير الشعر فان كان بقدر ما تشد به رأسها فلا بأس للحاجة وان كان أكثر من ذلك ففيه روايتان (إحداهما) أنه مكروه غير محرم لما روي عن معاوية
أنه أخرج كبة من شعر وقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا وقال " إنما هلك بنو اسرائيل حين اتخذ هذا نساؤهم " فخص التي تصله بالشعر فيمكن جعل ذلك تفسيرا للفظ العام في الحديث الذي ذكرناه ولان وصله بالشعر فيه تدليس بخلاف غيره (والثانية) أنه قال لا تصل المرأة برأسها الشعر ولا القرامل ولا الصوف وذلك لما روى الامام أحمد في مسنده عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئا قال شيخنا والظاهر أن المحرم إنما هو وصل الشعر بالشعر لما فيه من التدليس واستعمال الشعر المختلف في نجاسته. وغير ذلك لا يحرم لعدم ذلك فيه وحصول المصلحة من تحسين المرأة لزوجها من غير مضرة وتحمل أحاديث النهي على الكراهة والله أعلم، فأما النامصة فهي التي تنتف الشعر من الوجه والمنتمصة المنتوف شعرها بامرها فلا يجوز للخبر، وان حلق الشعر فلا بأس لان الخبر ورد في النتف نص عليه أحمد، وأما الواشرة فهي التي تبرد
[ 108 ]
الاسنان لتحددها وتفلجها وتحسنها والمستوشرة المفعول بها ذلك باذنها، وفي خبر آخر لعن الواشمة والمستوشمة - والواشمة التي تغرز جلدها أو جلد غيرها بابرة ثم تحشوه كحلا والمستوشمة التي يفعل بها ذلك باذنها (فصل) ويستحب الطيب لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الطيب ويتطيب كثيرا ويستحب النظر في المرآة قال حنبل: رأيت أبا عبد الله وكانت له صينية فيها مرآة ومكحلة ومشط فإذا فرغ من قراءة حزبه نظر في المرآة واكتحل وامتشط، وروى أبو أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أربع من سنن المرسلين الحياء والتعطر والسواك والنكاح " رواه الامام أحمد (فصل) ويستحب خضاب الشيب بغير السواد قال أحمد اني لارى الشيخ المخضوب فأفرح به وذلك لما روي أن أبا بكر الصديق جاء بأبيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " غيروهما وجنبوه السواد " ويستحب بالحناء والكتم لما روى الخلال وابن ماجه باسنادهما عن تميم بن عبد الله بن موهب قال دخلت على أم سلمة فأخرجت الينا شعرا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم مخضوبا بالحناء والكتم. وخضب أبو بكر رضي الله عنه بالحناء والكتم ولا بأس بالورس والزعفران لان أبا مالك الاشجعي قال: كان
خضابنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الورس والزعفران. ويكره الخضاب بالسواد، قيل لابي عبد الله تكره الخضاب بالسواد، قال إي والله لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وجنبوه السواد " في حديث أبي بكر ولما روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يربحون رائحة الجنة " ورخص فيه اسحاق بن راهويه للمرأة تتزين به لزوجها والله أعلم (مسألة) (ويكره القزع وهو حلق بعض الرأس) لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع وقال " احلقه كله أو دعه كله " رواه أبو داود. وفي شروط عمر رضي الله عنه على أهل الذمة أن يحلقوا مقادم رؤوسهم ليتميزوا عن المسلمين فمن فعل ذلك فقد تشبه بهم وقد نهي عن التشبه بهم
[ 109 ]
(مسألة) قال (ويجب الختان ما لم يخفه على نفسه) وجملة ذلك أن الختان واجب على الرجال ومكرمة للنساء وليس بواجب عليهن وهذا قول كثير من أهل العلم قال أحمد والرجل أشد وذلك أنه إذا لم يختتن فتلك الجلدة مدلاة على الكمرة فلا ينقى ماثم والمرأة أهون، وفيه رواية أخرى أنه يجب على المرأة كالرجل. قال أبو عبد الله وكان ابن عباس يشدد في أمره، وروي عنه لا حج له ولا صلاة يعني إذا لم يختتن. ورخص الحسن في تركه قال قد أسلم الناس الاسود والابيض لم يفتش أحد منهم ولم يختتنوا. والدليل على وجوبه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل أسلم " الق عنك شعر الكفر واختتن " رواه أبو داود وفي الحديث " اختتن ابراهيم خليل الرحمن بعد ما أتت عليه ثمانون سنة " متفق عليه واللفظ للبخاري وقال تعالى (وأوحينا اليك أن اتبع ملة ابراهيم) ولانه من شعائر المسلمين فكان واجبا كسائر شعائرهم، ولانه يجوز كشف العورة والنظر إليهم لاجله ولو لم يكن واجبا لما جاز النظر إلى العورة من أجله، وهذا ينتقض بالمرأة إذا قلنا لا يجب عليها فانه ليس واجبا عليها ويجوز كشف عورتها من أجله، فأما إن خاف على نفسه منه سقط لان الغسل والوضوء وما هو آكد منه يسقط بذلك فهذا أولى (فصل) ويشرع الختان في حق النساء لان قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا التقى الختانان وجب الغسل " فيه بيان أن النساء كن يختتن. وروى الخلال باسناده عن شداد بن أوس قال: قال
النبي صلى الله عليه وسلم " الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء (فصل) اختلف العلماء في وقت الختان فقال مالك: يختن يوم أسبوعه وهو قول الحسن، وقال أحمد
[ 110 ]
لم أسمع في ذلك شيئا، وقال الليث الختان للغلام مابين سبع سنين إلى العشرة وروى مكحول وغيره أن ابراهيم عليه السلام ختن اسحاق لسبعة أيام واسماعيل لثلاث عشرة سنة، وروي عن أبي جعفر أن فاطمة عليها السلام كانت تختن ولدها يوم السابع، قال ابن المنذر ليس في باب الختان خبر حتى يرجع إليه ولا سنة تتبع والاشياء على الاباحة. قلت ولا يثبت في ذلك توقيت فمتى ختن قبل البلوغ كان مصيبا والله أعلم (مسألة) (ويتيامن في سواكه وطهوره وانتعاله ودخوله المسجد) لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله. متفق عليه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ باليسرى " رواه الطبراني في المعجم الصغير ولان عثمان وعليا وصفا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ باليمنى قبل اليسرى. رواه أبو داود (مسألة) (وسنن الوضوء عشرة السواك) لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لولا أن أشق على أمتي لامرتهم مع كل وضوء بسواك " رواه الامام أحمد (والتسمية وعنه أنها واجبة مع الذكر) وجملته أن التسمية فيها روايتان (إحداهما) انها واجبة في طهارات الحدث كلها الغسل والوضوء والتيمم وهذا اختيار أبي بكر ومذهب الحسن وإسحاق لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه " رواه أبو داود والترمذي ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه منهم أبو سعيد. قال أحمد حديث أبي سعيد أحسن حديث في الباب وهذا نفي في نكرة يقتضي أن لا يصح وضوؤه بدون التسمية (والثانية) أنها سنة وهذا ظاهر المذهب، قال
[ 111 ]
الخلال: الذي استقرت الروايات عليه انه لا بأس به يعني إذا ترك التسمية وهذا قول الثوري ومالك والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي واختيار الخرقي لانها طهارة فلا تفتقر إلى التسمية كالطهارة من النجاسة أو عبادة فلا تجب فيها التسمية كسائر العبادات. والاحاديث قال أحمد ليس يثبت في
هذا حديث ولا أعلم فيها حديثا له اسناد جيد وإن صح ذلك فيحمل على تأكيد الاستحباب ونفي الكمال بدونها كقوله " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " (فصل) فإذا قلنا بوجوبها فتركها عمدا لم تصح طهارته قياسا على سائر الواجبات، وإن نسيها فقال بعض أصحابنا لا تسقط قياسا لها على سائر الواجبات والصحيح أنها تسقط بالسهو نص عليه أحمد في رواية أبي داود فانه قال سألت أحمد إذا نسي التسمية في الوضوء قال أرجو أن لا يكون عليه شئ وهذا قول إسحاق ووجه ذلك قوله صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان " ولان الوضوء عبادة تتغاير أفعالها فكان في واجباتها ما يسقط بالسهو كالصلاة ولا يصح قياسها على سائر واجبات الطهارة لتأكد وجوبها بخلاف التسمية فعلى هذا إذا ذكرها في اثناء طهارته سمى حيث ذكر لانه إذا عفي عنها مع السهو في جملة الوضوء ففي البعض أولى، وإن تركها عمدا حتى غسل عضوا لم يعتد بغسله لانه لم يذكر اسم الله عليه، وقال الشيخ أبو الفرج إذا سمى في أثناء الوضوء أجزأه يعني على كل حال لانه قد ذكر اسم الله على وضوئه والتسمية قول بسم الله لا يقوم غيرها مقامها كالتسمية المشروعة
[ 112 ]
على الذبيحة وعند الاكل والشرب وموضعها بعد النية لتكون شاملة لجميع أفعال الوضوء ولتكون النية شاملة لها كما يسمى على الذبيحة قبل ذبحها (مسألة) قال (وغسل الكفين إلا أن يكون قائما من نوم الليل ففي وجوبه روايتان) وجملة ذلك أن غسل اليدين إلى الكوعين سنة في الوضوء سواء قام من النوم أو لم يقم لان عثمان وعليا وعبد الله بن زيد وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا أنه غسل كفيه ثلاثا ولانهما آلة نقل الماء إلى الاعضاء ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء وليس بواجب إذا لم يقم من النوم بغير خلاف علمناه فأما عند القيام من نوم الليل فاختلفت الرواية عن أحمد في وجوبه فروي عنه وجوبه وهو الظاهر عنه واختيار أبي بكر وهو مذهب بن عمر وابي هريرة والحسن لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما الاناء ثلاثا فان أحدكم لا يدري اين باتت يده " متفق عليه. والامر يقتضي الوجوب، وروي عنه ان ذلك مستحب وهو اختيار
الخرقي وقول مالك والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر لان الله تعالى قال (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية وقال زيد بن أسلم في تفسيرها إذا قمتم من نوم. أمر بغسل الوجه عقيب القيام إلى الوضوء ولم يذكر غسل الكفين والامر بالشئ يقتضي حصول الاجزاء به ولانه قائم من نوم أشبه القائم من نوم النهار والحديث محمول على الاستحباب لانه علل وهم النجاسة وطريان
[ 113 ]
الشك على يقين الطهارة لا يؤثر فيها كما لو تيقن الطهارة وشك في الحدث وهذا هو الصحيح ان شاء الله تعالى والله أعلم (مسألة) قال (والبداية بالمضمضة والاستنشاق والمبالغة فيهما الا أن يكون صائما) البداية بالمضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه مستحب لان عثمان وعليا وعبد الله بن زيد ذكروا ذلك في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم والمبالغة فيهما سنة - والمبالغة في المضمضة ادارة الماء في أعماق الفم وأقاصيه ولا يجعله وجورا ثم يمجه وإن ابتلعه جاز لان الغسل قد حصل - ومعنى المبالغة في الاستنشاق اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الانف ولا يجعله سعوطا وذلك لما روى لقيط بن صبرة قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء قال " أسبغ الوضوء وخلل بين الاصابع وبالغ في الاستنشاق الا أن تكون صائما " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح. ثبت بذلك استحباب المبالغة في الاستنشاق وقسنا عليه المضمضة، ولانه من جملة اسباغ الوضوء المأمور به وقال أبو حفص العكبري هي واجبة في الاستنشاق على غير الصائم للحديث المذكور. فأما الصائم فلا يستحب له المبالغة فيهما لا تعلم فيه خلافا لما ذكرناه من الحديث (فصل) ويستحب المبالغة في غسل سائر الاعضاء بالتخليل ودلك المواضع التي ينبو عنها الماء ويستحب مجاوزة موضع الوجوب بالغسل لما روى نعيم المجمر أنه رأى أبا هريرة يتوضأ فغسل
[ 114 ]
وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع
منكم أن يطيل غرته فليفعل " متفق عليه، ولمسلم عنه سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " (مسألة) قال (وتخليل اللحية وهو سنة) وممن روي عنه انه كان يخلل لحيته ابن عمر وابن عباس، ووجهه ما روى عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يخلل لحيته رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن أنس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فجعله تحت حنكه وخلل به لحيته وقال " هكذا أمرني ربي " رواه أبو داود، وصفة التخليل أن يشبك لحيته بأصابعه ويعركها وكما روى ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ عرك عارضه بعض العرك ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها، رواه الدار قطني وقال الصواب انه موقوف على ابن عمر، قال يعقوب سألت احمد عن التخليل فأراني من تحت لحيته فخلل بالاصابع، وقال حنبل من تحت ذقنه من أسفل الذقن يخلل جانبي لحيته جميعا بالماء. ويستحب أن يتعهد بقية شعور وجهه ويمسح ماقيه لما روى أبو داود قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الماقين (1) (مسألة) (وتخليل الاصابع) تخليل أصابع اليدين والرجلين في الوضوء مسنون لقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة " وخلل بين الاصابع " وهو في الرجلين آكد قال المستورد بن شداد رأيت
1) المؤق بالهمز وهو الاصل والموق والماق والماقي طرف العين المؤخرة الذي يلي الصدغ وجمعه أمآق وآماق بالقلب ومآقي
[ 115 ]
النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ دلك أصابع رجله بخنصره رواه أبو داود ويبدأ في تخليل اليمنى من خنصرها إلى ابهامها وفي اليسرى من ابهامها إلى خنصرها ليحصل له التيامن في التخليل. وذكر ابن عقيل في استحباب تخليل أصابع اليدين روايتين (إحداهما) يستحب لما ذكرناه ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك " رواه الترمذي وقال حديث حسن (والثانية) لا يستحب لان تفريقها يغني عن التخليل والاولى أولى (مسألة) قال (والتيامن) لا خلاف بين أهل العلم فيما علمنا في استحباب البداية باليمنى وأجمعوا
على أنه لا اعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه ووجه استحبابه حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله. متفق عليه. وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم " رواه ابن ماجه (مسألة) (واخذ ماء جديد للاذنين) يعني انه مستحب قال احمد أنا أستحب أن يأخذ لاذنه ماء جديدا يروى ذلك عن ابن عمر وهو قول مالك والشافعي وقال ابن المنذر ليس بمسنون وحكاه أبو الخطاب رواية عن أحمد لان الذي قالوه غير موجود في الاخبار وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " الاذنان من الرأس " رواه ابن ماجه وروت الربيع بنت معوذ والمقدام بن معد يكرب أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة رواه أبو داود ووجه الاول ما روي عن ابن عمر، وقد ذهب الزهري إلى أنهما من الوجه وقال الشعبي ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس، وقال الشافعي وأبو ثور ليستا من الرأس ولا من الوجه ففي إفرادهما بماء جديد خروج من الخلاف فكان اولى فان مسحهما بماء الرأس أجزأه لما ذكرناه من الحديث (مسألة) قال (والغسلة الثانية والثالثة) وذلك لما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ
[ 116 ]
ثلاثا ثلاثا رواه الامام أحمد والترمذي وقال هذا أحسن شئ في الباب وأصح وليس ذلك بواجب لما روى ابن عباس قال توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة رواه البخاري وعن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بماء فتوضأ مرة مرة فقال " هذا وظيفة الوضوء - أو قال - وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة " ثم توضأ مرتين مرتين ثم قال " هذا وضوء من توضأه أعطاه الله كفلين من الاجر " ثم توضأ ثلاثا ثلاثا فقال " هذا وضوئي ووضوء المرسلين من قبلي " رواه ابن ماجه (باب فروض الوضوء وصفته) (وفروضه ستة - غسل الوجه) وهو فرض بالاجماع والاصل فيه قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية (مسألة) قال (والفم والانف منه) لدخولهما في حده على ما يأتي:
(مسألة) قال (وغسل اليدين) وهو الفرض الثاني لقوله تعالى (وأيديكم إلى المرافق) (مسألة) قال (ومسح الرأس) وهو الفرض الثالث (وغسل الرجلين) وهو الفرض الرابع لقوله تعالى (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) لا نعلم خلافا بين العلماء في وجوب غسل الوجه واليدين لما ذكرنا من النص، وكذلك مسح الرأس واجب بالاجماع في الجملة مع اختلاف الناس في قدر الواجب منه، فأما غسل الرجلين فهو فرض في قول أكثر أهل العلم، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غسل القدمين، وروي عن علي أنه مسح على نعليه وقدميه ثم دخل المسجد ثم خلع نعليه ثم صلى، وحكي عن ابن عباس أنه قال ما أجد في كتاب الله الا غسلتين ومسحتين وحكي عن الشعبي
[ 117 ]
أنه قال الوضوء ممسوحان ومغسولان فالممسوحان بسقطان في التيمم وعن أنس بن مالك أنه ذكر له قول الحجاج اغسلوا القدمين ظاهرهما وباطنهما وخللوا بين الاصابع فانه ليس شئ من ابن آدم أقرب إلى الخبث من قدميه فقال أنس صدق الله وكذب الحجاج وتلا هذه الآية (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) وحكي عن ابن جرير أنه قال هو مخير بين المسح والغسل ولم نعلم أحدا من أهل العلم قال بجواز مسح الرجلين غير من ذكرنا واحتجوا بظاهر الآية، وبما روى ابن عباس قال توضأ النبي صلى الله عليه وسلم فأدخل يده في الاناء فتمضمض واستنشق مرة واحدة ثم أدخل يده فصب على وجهه مرة واحدة وصب على يديه مرة مرة ومسح برأسه وأذنيه مرة ثم أخذ كفا من ماء فرش على قدميه وهو منتعل: رواه سعيد، وروى سعيد عن هشيم أنبأنا يعلى بن عطاء عن أبيه قال أخبرني أوس بن أوس الثقفي أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم أتى كظامة قوم بالطائف فتوضأ ومسح على قدميه قال هشيم كان هذا في أول الاسلام ولنا أن عبد الله بن زيد وعثمان وصفا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وقالا فغسل قدميه وفي حديث عثمان ثم غسل كلتا رجليه ثلاثا متفق عليه وحكى علي وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا ثلاثا وعن عمر رضي الله عنه أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر من قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال " ارجع فاحسن وضوءك " فرجع ثم صلى رواه مسلم وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قوما يتوضؤن وأعقابهم تلوح
فقال " ويل للاعقاب من النار " رواه مسلم. وقد ذكرنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتخليل وانه كان يعرك أصابعه
[ 118 ]
بخنصره بعض العرك وهذا كله يدل على وجوب الغسل لان الممسوح لا يحتاج إلى الاستيعاب والعرك، وأما الآية فقد روى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقرأ (وأرجلكم) قال عاد إلى الغسل وروي ذلك عن علي وابن مسعود والشعبي قراءتها كذلك وهي قراءة بن عامر فتكون معطوفة على اليدين ومن قرأ بالجر فللمجاورة كقوله تعالى (إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) جر أليما وهو صفا للعذاب على المجاورة. وقول الشاعر: فظل طهاة اللحم من بين منضج * صفيف شواء أو قدير معجل فجر قديرا مع العطف للمجاورة. وإذا احتمل الامرين وجب الرجوع إلى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه مبين يبين بفعله تارة وبقوله أخرى ويدل على صحة هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن عنبسة ثم غسل رجليه كما أمره الله فثبت بهذا ان الله تعالى انما أمره بالغسل لا بالمسح ويحتمل انه أراد بالمسح الغسل الخفيف، قال أبو علي الفارسي: العرب تسمي خفيف الغسل مسحا فيقولون تمسحت للصلاة أي توضأت، فان قيل فعطفه على الرأس يدل على انه أراد حقيقة المسح. قلنا قد افترقا من وجوه (أحدها) ان الممسوح في الرأس شعر يشق غسله والرجلان بخلاف ذلك فهما أشبه بالمغسولات (الثاني) انهما محدودان بحد ينتهى إليه أشبها اليدين (الثالث) انهما معرضتان للخبث لكونهما يوطأ بهما على الارض، وأما حديث أوس بن أوس فيحمل على انه أراد الغسل الخفيف وكذلك حديث ابن عباس وكذلك قال أخذ مل ء كف من ماء فرش على قدميه والمسح يكون بالبلل لا برش الماء والله أعلم
[ 119 ]
(مسألة) قال (والترتيب على ما ذكر الله تعالى) وهو الفرض الخامس وجملة ذلك ان الترتيب في الوضوء كما ذكر الله تعالى واجب في قول احمد، قال شيخنا لم أر عنه فيه اختلافا وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وابي عبيد وإسحاق وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى انه غير واجب وهو مذهب مالك والثوري واصحاب الرأي واختاره ابن المنذر لان الله تعالى أمر بغسل الاعضاء وعطف بعضها على بعض بواو الجمع وهي لا تقتضي الترتيب فكيفما غسل كان ممتثلا، وروي عن علي انه
قال: ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي اعضائي بدأت. وعن ابن مسعود لا بأس ان تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء، ووجه الاول ان في الآية قرينة تدل على الترتيب فانه ادخل ممسوحا بين مغسولين وقطع النظير عن نظيره والعرب لا تفعل ذلك إلا لفائدة والفائدة هي الترتيب. فان قيل فائدته استحباب الترتيب قلنا الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب ولهذا لم تذكر السنن فيها ولانه متى اقتضى اللفظ الترتيب كان مأمورا به ولان كل من حكى وضوء رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاه مرتبا وهو مفسر لما في كتاب الله تعالى وتوضأ مرتبا وقال " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " أي بمثله وقولهم إن الواو لا تقتضي الترتيب ممنوع فقد اقتضت الترتيب في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) وما روي عن علي قال احمد انما عنى به اليسرى قبل اليمنى لان مخرجهما في الكتاب واحد ويروي الامام احمد باسناده ان عليا سئل فقيل له أحدنا يستعجل فيغسل شيئا قبل شئ فقال لا حتى يكون كما امر الله تعالى وروايتهم عن ابن مسعود لا نعرف لها أصلا، فأما ترتيب اليمنى على اليسرى فلا يجب بالاجماع حكاه ابن المنذر لان الله تعالى ذكر مخرجه واحدا فقال (وأيديكم وأرجلكم) وكذلك الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والفقهاء يعدون اليدين عضوا والرجلين عضوا ولا يجب الترتيب بين العضو الواحد والله أعلم
[ 120 ]
(فصل) فان نكس وضوءه فبدأ بشئ من اعضائه قبل وجهه لم يحتسب بما غسله، قبله وإن بدأ برجليه وختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه، وإن توضأ منكسا اربع مرات صح وضوؤه إذا كان متقاربا يحصل له من كل مرة غسل عضو ومذهب الشافعي نحو هذا ولو غسل اعضاءه دفعة واحدة لم يصح إلا غسل وجهه وإن انغمس في ماء جار فلم يمر على اعضائه إلا جرية واحدة فكذلك وإن مر عليه أربع جريات وقلنا الغسل يجزئ عن المسح أجزأه كما لو توضأ أربع مرات، وإن كان الماء راكدا فقال بعض أصحابنا إذا أخرج وجهه ثم يديه ثم مسح رأسه ثم خرج من الماء أجزأه لان الحديث انما يرتفع بانفصال الماء عن العضو. ونص أحمد في رجل أراد الوضوء فاغتمس في الماء ثم خرج من الماء فعليه مسح رأسه وغسل رجليه وهذا يدل على أن الماء إذا كان جاريا فمرت عليه جرية واحدة أنه يجزئه مسح
رأسه ثم يغسل رجليه. وإن اجتمع الحدثان سقط الترتيب والموالاة على ما سنذكره إن شاة الله تعالى (مسألة) قال (والموالاة على إحدى الروايتين) الموالاة هي الشرط السادس وفيها روايتان (احداهما) هي واجبة نص عليها أحمد في مواضع وهو قول الاوزاعي وقتادة وأحد قولي الشافعي، قال القاضي وفيها رواية أخرى أنها غير واجبة وهو قول النخعي والحسن والثوري وأصحاب الرأي والقول الثاني للشافعي واختاره ابن المنذر لان المأمور به غسل الاعضاء فكيفما غسل فقد أتى بالمأمور به، وقد ثبت أن ابن عمر توضأ بالسوق فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ثم دعي لجنازة فمسح على خفيه ثم صلى عليها ولانها احدى الطهارتين فلم تجب فيها الموالاة كالكبرى. وقال مالك ان تعمد التفريق بطل والا فلا. ووجه الاولى ما روى عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة لم يصبها الماء فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة رواه أبو داود (1) ولو لم تجب الموالاة لاجزأه غسل اللمعة حسب ولانها عبادة يفسدها الحدث فاشترطت لها الموالاة كالصلاة والآية دلت على وجوب الغسل وبين النبي صلى الله عليه وسلم كيفيته بفعله فانه لم ينقل عنه أنه توضأ الا متواليا وغسل الجنابة بمنزلة العضو الواحد، وحكى بعض أصحابنا فيه منعا ذكره الشيخ أبو الفرج وفعل ابن عمر ليس فيه دليل على أنه أخل بالموالاة المشترطة
1) راجع حديث عمر عند مسلم في أول ص 123 من المغني
[ 121 ]
(مسألة) قال (وهو أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله) في الزمان المعتدل اعتبار الزمن الحار الذي يسرع فيه النشاف ولا بالزمن البارد الذي يبطئ فيه، ولا يعتبر ذلك بين طرفي الطهارة، وقال ابن عقيل التفريق المبطل في احدى الروايتين ما يفحش في العادة لانه يحد في الشرع فرجع فيه إلى العادة كلاحراز والتفرق في البيع (فصل) فان نشفت أعضاؤه لاشتغاله بفرض في الطهارة أو سنة لم يبطل كما لو طول أركان الصلاة، وإن كان لوسوسة تلحقه فكذلك ويحتمل أن يبطل الوضوء لانه غير مفروض ولا مسنون وإن كان ذلك لعبث أو شئ زائد على المسنون وأشباهه عد تفريقا (مسألة) قال (والنية شرط لطهارة الحدث كله) الغسل والوضوء والتيمم، والنية هي القصد
يقال نواك الله بخير أي قصدك ومحلها القلب لان محل القصد القلب فمتى اعتقد بقلبه أجزأ وإن لم يلفظ بلسانه، وإن لفظ بلسانه ولم يقصد بقلبه لم يجزه، ولو سبق لسانه إلى غير ما اعتقده لم يمنع صحة ما قصده بقلبه. ولا خلاف في المذهب في اشتراط النية لما ذكرنا، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وهو قول مالك وربيعة والليث والشافعي واسحاق وأبي عبيد وابن المنذر، وقال الثوري وأصحاب الرأي تشترط النية في التيمم دون طهارة الماء لان الله تعالى قال (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية ولم يذكر النية ولو كانت شرطا لذكرها، ولان مقتضى الامر حصول الاجزاء بفعل المأمور به فتقتضي الآية حصول الاجزاء بما تضمنته ولانها طهارة بالماء فلم تفتقر إلى النية كغسل النجاسة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " انما الاعمال بالنيات، وانما لكل امرئ ما نوى " متفق عليه فنفى أن يكون له عمل شرعي بدون النية، ولانها طهارة عن حدث فلم تصح بغير نية كالتيمم فأما الآية فهي حجة لنا فان قوله (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) أي للصلاة كما يقال إذا لقيت الامير فترجل أي له، وقولهم لو كانت النية شرطا لذكرها، قلنا انما ذكر الاركان ولم يذكر الشرائط كآية التيمم، وقولهم مقتضى الامر حصول الاجزاء به قلنا بل مقتضاه وجوب الفعل ولا يمنع أن
[ 122 ]
يشترط له شرط آخر كآية التيمم وقولهم إنها طهارة قلنا إلا أنها عبادة والعبادة لا تكون الا منوية كالصلاة لانها قربة إلى الله تعالى وطاعة وامتثال أمر ولا يحصل ذلك بغير نية (مسألة) قال (وهي أن يقصد رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها) متى قصد بطهارته رفع الحديث وهو إزالة المانع مما يفتقر إلى الطهارة أو قصد بطهارته الصلاة والطواف ومس المصحف أو قصد الجنب بالغسل اللبث في المسجد صحت طهارته عند القائلين باشتراط النية لا نعلم بينهم فيه اختلافا، فان نوى التبرد وما لا تشرع له الطهارة كالاكل والبيع ولم ينو الطهارة لم يرتفع حدثه لانه لم ينو الطهارة ولا ما يتضمن نيتها فأشبه من لم يقصد شيئا، وان نوى الطهارة مع ذلك صحت الطهارة لانه نوى الطهارة وضم إليها مالا ينافيه فلم يؤثر كما لو نوى بالصلاة الطاعة والخلاص من خصمه (مسألة) قال (فان نوى ما تسن له الطهارة أو التجديد فهل يرتفع حدثه؟ على روايتين
وجملته إذا نوى ما تشرع له الطهارة ولا تشترط كقراءة القرآن والاذان والنوم أو نوى التجديد ثم بان أنه كان محدثا ففيه روايتان (إحداهما) لا تصح طهارته لانه لم ينو رفع الحدث ولا ما يتضمنه أشبه ما لو نوى التبرد (والثانية) تصح طهارته وهي أصح لانه نوى طهارة شرعية فينبغي أن تحصل له للخبر ولانه يشرع له فعل هذا وهو غير محدث وقد نوى ذلك فينبغي أن يحصل ولانه نوى شيئا من ضرورته صحة الطهارة وهو الفضيلة الحاصلة لمن فعل ذلك على طهارة، فان قيل يبطل بما إذا نوى بطهارته ما لا تشرع له الطهارة قلنا ان نوى طهارة شرعية مثل من قصد الاكل وهو على طهارة شرعية أو قصد أن لا يزال على وضوء فهي كمسئلتنا تصح طهارته. وان قصد نظافة أعضائه من وسخ أو غيره لم تصح طهارته لانه لم يقصدها، وان نوى وضوءا مطلقا أو طهارة مطلقة ففيه وجهان (أحدهما) يصح لان الوضوء والطهارة عند الاطلاق ينصرفان إلى المشروع فيكون ناويا لطهارة شرعية (والوجه الثاني) لا يصح لانه قصد ما يباح بدون طهارة أشبه قصد الاكل ولان الطهارة تنقسم إلى مشروع
[ 123 ]
وغيره فلم تصح مع التردد والطهارة المطلقة منها مالا يرفع الحدث كالطهارة من النجاسة (مسألة) وان نوى غسلا مسنونا فهل يجزئ عن الواجب؟ على وجهين) مضى توجيههما (مسألة) (وان اجتمعت أحداث توجب الوضوء أو الغسل فنوى بطهارته أحدها فهل يرتفع سائرها؟ على وجهين) أحدهما لا يرتفع الا ما نواه قاله أبو بكر لانه لم ينوه أشبه إذا لم ينو شيئا، وقال القاضي يرتفع لان الاحداث تتداخل فإذا ارتفع بعضها ارتفع جميعها كما لو نوى رفع الحدث، وان نوى صلاة واحدة نفلا أو فرضا لا يصلي غيرها ارتفع حدثه ويصلي ما شاء لان الحدث إذا ارتفع لم يعد الا بسبب جديد ونية الصلاة تضمنت رفع الحدث (مسألة) (ويجب تقديم النية على أول واجبات الطهارة) لانها شرط لها فيعتبر وجودها في جميعها وأول واجباتها المضمضة أو التسمية على ما ذكرنا من الخلاف. فان وجد شئ من واجبات الطهارة قبل النية لم يعتد به فان غسل الكفين بغير نية فهو كمن لم يغسلهما (ويستحب تقديمها على مسنوناتها) فيقدمها على غسل الكفين لتشمل مفروض الوضوء ومسنونه فان غسل الكفين بغير نية فهو كمن لم يغسلهما
(مسألة) (واستصحاب ذكرها في جميعها وان استصحب حكمها أجزأه) وجملته أنه يستحب استصحاب ذكر النية إلى آخر طهارته لتكون أفعاله مقترنة بالنية فان استصحب حكمها أجزأه، ومعنى استصحاب حكمها أن لا ينوي قطعها فان عزبت عن خاطره لم يؤثر في قطعها كالصلاة والصيام، ويجوز تقديم النية على الطهارة بالزمن اليسير قياسا على الصلاة، فان قطع النية في أثناء طهارته وفسخها مثل أن ينوي أن لا يتم طهارته فقال ابن عقيل تبطل الطهارة من أصلها لانها تبطل بالمبطلات أشبهت الصلاة وقال شيخنا لا يبطل ما مضى من طهارته لانه وقع صحيحا أشبه ما لو نوى قطعها بعد الفراغ من الوضوء وما غسله من أعضائه بعد قطع النية لا يعتد به فان أعاد غسله بنية أخرى قبل طول الفصل صحت طهارته. وان طال الفصل انبني على وجوب الموالاة، فأما إن غسل بعض أعضائه بنية
[ 124 ]
الوضوء وبعضها بنية التبرد ثم أعاد غسل ما نوى به التبرد بنية الوضوء قبل طول الفصل أجزأه والا ابتنى على وجوب الموالاة وجها واحدا، فان فسخ النية بعد الفراغ منها لم تبطل كالصلاة ويحتمل أن تبطل لان الطهارة تبطل بالحدث بعد فراغها بخلاف الصلاة (فصل) إذا شك في النية أثناء الطهارة لزمه استئنافها كما لو شك في نية الصلاة وهو فيها لان النية هي القصد فمتى علم أنه جاء ليتوضأ أو أراد فعل الوضوء مقارنا له أو سابقا عليه قريبا منه فقد وجدت النية. فمتى شك في وجود ذلك في أثناء طهارته لم يصح ما مضى منها وهكذا إن شك في غسل عضو أو مسح رأسه حكمه حكم من لم يأت به لان الاصل عدمه إلا أن يكون وهما كالوسواس فلا يلتفت إليه. وان شك في شئ من ذلك بعد فراغه من الطهارة لم يلتفت إليه لانه شك في العبادة بعد فراغه منها أشبه الشك في شرط الصلاة، ويحتمل أن تبطل لان حكمها باق بدليل انها تبطل بمبطلاتها بخلاف الصلاة. والاول أصح لانها كانت محكوما بصحتها فلا يزول ذلك بالشك كما لو شك في وجود الحدث والله أعلم (فصل) فان وضأه غيره أو يممه اعتبرت النية من المتوضئ دون الموضئ لانه المخاطب بالوضوء والموضئ آلة له فهو كحامل الماء إليه، وإن توضأ وصلى صلاة ثم أحدث وتوضأ وصلى أخرى ثم علم انه ترك واجبا في أحد الوضوءين لزمه إعادة الوضوء والصلاتين
(فصل) (وصفة الوضوء أن ينوي ثم يسمي ثم يغسل يديه ثلاثا) هذه صفة الوضوء الكامل ووجهه ما ذكرنا (ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثا من غرفة وان شاء من ثلاث وان شاء من ست) المضمضة إدارة الماء في الفم والاستنشاق اجتذاب الماء بالنفس إلى باطن الانف. والاستنثار مستحب وهو اخراج الماء من الانف وقد يعبر بالاسستنثار عن الاستنشاق لكونه من لوازمه ولا تجب ادارة الماء في جميع الفم ولا ايصال الماء إلى جميع باطن الانف وانما ذلك مبالغة مستحبة وقد ذكرناها، فان جعل الماء في فيه ينوي رفع الحدث الاصغر ثم ذكر أنه جنب فنوى رفع الحدثين ارتفعا لان الماء انما يثبت
[ 125 ]
له حكم الاستعمال بعد الانفصال، ولو لبث الماء في فيه حتى تغير بما يتحلل من ريقه لم يمنع لان التغير في محل الازالة لا يمنع كما لو تغير الماء على عضوه بعجين عليه (فصل) ويستحب أن يتمضمض ويستنشق بيمينه ثم يستنثر بيساره لما روي عن عثمان انه توضأ فدعا بماء فغسل يديه ثم غرف بيمينه ثم رفعها إلى فيه فتمضمض واستنشق بكف واحدة واستنثر بيسار فعل ذلك ثلاثا ثم ذكر سائر الوضوء ثم قال ان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ لنا كما توضأت لكم. رواه سعيد، وهو مخير بين أن يتمضمض ويستنشق بغرفة أو بثلاث أو بست لما ذكرنا من حديث عثمان، وقال الاثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل أيما أحب اليك المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة أو كل واحدة منها على حدة؟ قال بغرفة واحدة، وفي حديث عبد الله بن أبي زيد تمضمض واستنثر ثلاثا من غرفة واحدة رواه البخاري وعن علي رضي الله عنه أنه توضأ فتمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا من كف واحدة وقال هذا وضوء نبيكم صلى الله عليه وسلم من المسند، وفي لفظ أنه مضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات متفق عليه وفي حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده أنه فصل بين المضمضة والاستنشاق رواه أبو داود ولان الكيفية في الغسل غير واجبة ولا يجب الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وبين الوجه لانهما من جملته لكن يستحب أن يبدأ بهما لان الذين وصفوا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا أنه بدأ بهما الا شيئا نادرا، وهل يجب الترتيب بينهما وبين سائر الاعضاء؟ على روايتين (احداهما) يجب لانهما من الوجه فوجب غسلهما قبل اليدين كسائره (والثانية) لا يجب بل لو تركهما وصلى تمضمض واستنشق وأعاد الصلاة ولم
[ 126 ]
يعد الوضوء لما روى المقدام بن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بوضوء فغسل كفيه ثلاثا ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثم تمضمض واستنشق رواه أبو داود، قال أصحابنا وهل يسميان فرضا إذا قلنا بوجوبهما على روايتين وهو مبنى على اختلاف الروايتين في الواجب هل يسمى فرضا أم لا والصحيح تسميته فرضا فيسميان فرضا والله أعلم (مسألة) قال (وهما واجبان في الطهارتين وعنه أن الاستنشاق وحده واجب وعنه أنهما واجبان في الكبرى دون الصغرى) وجملة ذلك أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الطهارتين الغسل والوضوء جميعا لان غسل الوجه فيهما واجب وهما من الوجه. هذا المشهور في المذهب وهو قول ابن المبارك وابن أبي ليلى وإسحاق، وروي عن أحمد أن الاستنشاق وحده واجب في الطهارتين ذكر القاضي ذلك في المجرد رواية واحدة وبه قال أبو عبيد وأبو ثور قال ابن المنذر لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه (1) ثم لينثر " متفق عليه ولمسلم " من توضأ فليستنشق " أمر والامر يقتضي الوجوب ولان الانف لا يزال مفتوحا وليس له غطاء يستره بخلاف الفم، وقال غير القاضي من أصحابنا عن احمد رواية أخرى أنهما واجبان في الكبرى دون الصغرى وهذا مذهب الثوري وأصحاب الرأي لان الكبرى يجب فيها غسل ما تحت الشعور الكثيفة ولا يمسح فيها على الخفين فوجبا فيها بخلاف الصغرى، وقال مالك والشافعي هما مسنونان في الطهارتين وروي ذلك عن الحسن والحكم وربيعة والليث والاوزاعي لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " عشر من الفطرة " وذكر منها المضمضة والاستنشاق. والفطرة السنة وذكره لهما من الفطرة يدل على مخالفتهما لسائر الوضوء ولانهما عضوان باطنان فلم يجب غسلهما كباطن اللحية وداخل العينين ولان الوجه ما تحصل به المواجهة ولا تحصل المواجهة بهما ولنا ما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " المضمضة والاستنشاق من الوضوء
1) أي فليجعل في انفه ماء - حذف المفعول في اكثر روايات البخاري وثبت في بعضها وفي رواية مسلم. وقوله فلينثر من الثلائي وفي رواية فلينثر
[ 127 ]
الذي لابد منه " رواه أبو بكر في الشافي. وعن أبي هريرة قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق
وفي حديث لقيط بن صبرة " إذا توضأت فتمضمض " رواه أبو داود وأخرجه الدار قطني. ولان كل من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقصى ذكر أنه تمضمض واستنشق ومداومته عليهما تدل على وجوبهما لان فعله يصلح أن يكون بيانا لامر الله تعالى ولانهما عضوان من الوجه في حكم الظاهر لا يشق غسلهما فوجب لقوله تعالى (فاغسلوا وجوهكم) والدليل على أنهما في حكم الظاهر ان الصائم لا يفطر بوضع الطعام فيهما ويفطر بوصول القئ اليهما ولا يجب الحد بترك الخمر فيها ويجب غسل النجاسة فيهما، فأما كونهما من الفطرة فلا ينفي وجوبهما لانه ذكر الختان في الفطرة وهو واجب. فأما غسل داخل العينين فلنا فيه منع وباطن اللحية يشق غسله فلذلك لم يجب في الوضوء ويجب في الطهارة الكبرى والله أعلم (مسألة) قال (ويغسل وجهه ثلاثا وحده من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا مع ما استرسل من اللحية ومن الاذن إلى الاذن عرضا) غسل الوجه ثلاثا مستحب لما ذكرنا من حديث علي وغيره وغسله مرة واجب بالنص والاجماع وقد ذكرناه، وقوله في حده من منابت شعر الرأس يعني في غالب الناس ولا اعتبار بالاصلع الذي ينحسر شعره عن مقدم رأسه ولا بالاقرع الذي ينزل شعره إلى وجهه بل بغالب الناس فالاصلع يغسل إلى حد منابت الشعر في غالب الناس والاقرع يغسل الشعر الذي ينزل عن الوجه في الغالب. وقال الزهري الاذن من الوجه لقوله صلى الله عليه وسلم " سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره " رواه مسلم أضاف السمع إلى الوجه كما أضاف البصر، وقال مالك: ما بين اللحية والاذن ليس من الوجه ولا يجب غسله لان الوجه
[ 128 ]
ما تحصل به المواجهة وهذا لا يواجه به. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من فقهاء الامصار قال بقول مالك هذا ولنا على الزهري قول النبي صلى الله عليه وسلم " الاذنان من الرأس " رواه ابن ماجه (1) ولم يحك أحد أنه غسلهما مع الوجه وانما أضافهما إلى الوجه للمجاورة، وعلى مالك أن هذا من الوجه في حق من لا لحية له فكذلك من له لحية كسائر الوجه وهذا تحصل به المواجهة من الغلام، ويستحب تعاهد المفصل بالغسل وهو ما بين اللحية والاذن نص عيه الامام أحمد، ويدخل في الوجه العذار وهو الشعر الذي على العظم الناتي. سمت صماخ الاذن والعارض الذي تحت العذار وهو الشعر النابت على الخد واللحيين
قال الاصمعي: ما جاور وتد الاذن عارض، والذقن الشعر الذي على مجمع اللحيين فهذه الشعور النلاثة من الوجه يجب غسلها معه، وكذلك الحاجبان وأهداب العينين والشارب والعنفقة. فأما الصدغ وهو الذي فوق العذار وهو يحاذي رأس الاذن وينزل عن رأسها قليلا ففيه وجهان (أحدهما) هو من الوجه اختاره ابن عقيل لحصول المواجهة به واتصاله بالعذار (والثاني) أنه من الرأس وهو الصحيح لان في حديث الربيع أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وصدغيه وأذنيه مرة واحدة. رواه أبو داود ولم ينقل أحد أنه غسله مع الوجه. ولانه شعر يتصل بشعر الرأس وينبت معه في حق الصغير بخلاف العذار فأما التحذيف وهو الشعر الداخل في الوجه ما بين انتهاء العذار والنزعة فقال ابن حامد هو من الوجه لانه شعر بين بياض الوجه أشبه العذار، وقال القاضي يحتمل أنه من الرأس لانه شعر متصل به لم يخرج عن حده أشبه الصدغ، قال شيخنا والاول أصح لان محله لو لم يكن عليه شعر كان من الوجه
[ 129 ]
فكذلك إذا كان عليه شعر كسائر الوجه. وأما النزعتان وهما ما انحسر عنه الشعر من الرأس متصاعدا في جانبي الرأس فقال ابن عقيل هما من الوجه لقول الشاعر: فلا تنكحي إن فرق الله بيننا * أغم القفا والوجه ليس بأنزعا وقال القاضي وشيخنا هما من الرأس وهو الصحيح لانه لا تحصل بهما المواجهة ولدخولهما في حد الرأس لانه ما ترأس وعلا، وذكر ابن عقيل في الشعر المسامت للنزعتين هل هو من الوجه ام لا؟ على وجهين ويجب غسل ما استرسل من اللحية في ظاهر المذهب وكذلك ما خرج عن حد الوجه عرضا وهذا ظاهر مذهب الشافعي لانها من الوجه بدليل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد غطى لحيته في الصلاة فقال " اكشف لحيتك فان اللحية من الوجه " ولانه نابت في محل الفرض أشبه اليد الزائدة ولانها تحصل بها المواجهة أشبهت سائر الوجه، وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه لا يجب غسل ما نزل منها عن حد الوجه طولا ولا ما خرج عرضا لانه شعر خارج عن محل الفرض أشبه ما نزل من شعر الرأس، وروي عن أبي حنيفة أنه لا يجب غسل اللحية الكثيفة وما تحتها من بشرة الوجه لان الوجه اسم للبشرة التي تحصل بها المواجهة ولم يوجد ذلك في واحدة منهما، وقال الخلال الذي ثبت
عن أبي عبد الله في اللحية أنه لا يغسلها وليست من الوجه، وظاهر هذا كمذهب أبي حنيفة فيما ذكر عنه آخرا، والمشهور عن أبي حنيفة وجوب غسل ربع اللحية كقوله في مسح الرأس والقول
[ 130 ]
الاول هو المشهور في المذهب. وما روي عن أحمد يحتمل أنه أراد ما خرج عن الوجه منها كما ذكرنا عن الشافعي وأبي حنيفة فعلى هذا يصير فيه روايتان. ويحتمل انه أراد غسل باطنها فيكون موافقا للقول الاول وهو الصحيح إن شاء الله. وقياسهم على النازل من شعر الرأس لا يصح لانه لا يدخل في اسم الرأس وهذا يدخل في اسم الوجه لما ذكرنا من الحديث (مسألة) (فان كان فيه شعر خفيف يصف البشرة وجب غسلها معه. وإن كان يسترها أجزأه غسل ظاهره ويستحب تخليله) أما إذا كانت الشعور في الوجه تصف البشرة وجب غسل البشرة والشعر لان البشرة ظاهرة تحصل بها المواجهة فوجب غسلها كالتي لا شعر عليها ويجب غسل الشعر لانه نابت في محل الفرض تبع له، وإن كان كثيفا يستر البشرة أجزأه غسل ظاهره لحصول المواجهة به ولم يجب غسل ما تحته لانه مستور أشبه باطن الانف. ويستحب تخليله وقد ذكرنا ذلك في سنة الوضوء، ولا يجب التخليل لا نعلم فيه خلافا في المذهب وهو مذهب أكثر أهل العلم لان الله تعالى أمر بالغسل ولم يذكر التخليل ولان أكثر من حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحكه ولو كان واجبا لما أخل به ولو فعله لنقله الذين نقلوا وضوءه أو أكثرهم. وتركه لذلك يدل على أن غسل ما تحت الشعر الكثيف ليس بواجب لان النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيف اللحية فلا يبلغ الماء إلى تحت شعرها إلا بالتخليل وفعله للتخليل في بعض أحيانه يدل على استحبابه، وقال
[ 131 ]
إسحاق إذا ترك تخليل لحيته عامدا أعاد الوضوء لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه وخلل به لحيته، وقال " هكذا أمرني ربي عزوجل " رواه أبو داود ولما ذكرنا من حديث ابن عمر، وقال عطاء وأبو ثور يجب غسل ما تحت الشعور الكثيفة في الوضوء قياسا على الجنابة ونحوه قول سعيد بن جبير. وقول الجمهور أولى، والفرق بين الوضوء والغسل أن
غسل باطن الشعر الكثيف يشق في الوضوء لتكرره بخلاف الغسل، فان كان بعض الشعر كثيفا وبعضه خفيفا وجب غسل بشرة الخفيف معه وظاهر الكثيف. وجميع شعور الوجه في ذلك سواء، وذكر بعض أصحابنا في الشارب والعنفقة والحاجبين وأهداب العينين ولحية المرأة إذا كانت كثيفة وجهين (أحدهما) يجب غسل باطنها لانها لا تستر عادة وإن وجد ذلك فهو نادر ينبغي أن لا يتعلق به حكم وهو مذهب الشافعي (والثاني) لا يجب قياسا على لحية الرجل ودعوى الندرة في غير الاهداب ممنوع والله أعلم (فصل) ولا يجب غسل داخل العينين ولا يستحب في وضوء ولا غسل لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ولا أمر به وفيه ضرر، وذكر القاضي في المجرد في وجوبه روايتين عن بعض الاصحاب قال ابن عقيل انما الروايتان في وجوبه في الغسل فأما في الوضوء فلا يجب رواية واحدة وذكر أن أحمد نص على استحبابه في الغسل لانه يعم جميع البدن ويجب فيه غسل ما تحت الشعور الكثيفة وذكره القاضي وأبو الخطاب من سنن الوضوء لانه روي عن ابن عمر أنه عمي من كثرة إدخال الماء
[ 132 ]
في عينيه ولانهما من جملة الوجه، والاول أولى وهو اختيار شيخنا وما ذكر عن ابن عمر فهو دليل على كراهته لكونه ذهب ببصره، وفعل ما يخاف منه ذهاب البصر إذ لم يرد به الشرع ولم يكن محرما فلا أقل من الكراهة والله أعلم (فصل) ويستحب التكثير في ماء الوجه لان فيه غضونا وشعورا ودواخل وخوارج ليصل الماء إلى جميعه وقد روى علي رضي الله عنه في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثم أدخل يديه في الاناء جميعا فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بهما على وجهه ثم الثانية ثم الثالثة مثل ذلك ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء فتركها تستن على وجهه رواه أبو داود يعني تسيل وتنصب. قال محمد بن الحكم كره أبو عبد الله أن يأخذ الماء ثم يصبه ثم يغسل وجهه وقال هذا مسح ولكنه يغسل غسلا والله أعلم (مسألة) (ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ويدخل المرفقين في الغسل) غسل اليدين واجب بالاجماع لقول الله تعالى (وأيديكم إلى المرافق) ويجب إدخال المرفقين في الغسل في قول أكثر أهل العلم منهم عطاء والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي، وقال ابن داود وبعض المالكية لا يجب، وحكي ذلك عن
زفر لان الله تعالى أمر بالغسل إلى المرافق وجعلها غاية بحرف إلى وهو لانتهاء الغاية فلا يدخل المذكور بعده فيه كقول الله تعالى (ثم أتموا الصيام إلى الليل)، ولنا ما روى جابر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه أخرجه الدار قطني وهذا بيان للغسل المأمور به في الآية. وقولهم إن إلى لانتهاء الغاية قلنا قد تستعمل بمعنى مع كقوله تعالى (من انصاري إلى الله * يزدكم قوة إلى قوتكم * ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) أي مع أموالكم (1) وقال المبرد إذا كان الحد من جنس المحدود دخل فيه كقولهم بعت الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف
1) الصواب ان هنا تضمينا لفعل الضم اي مضمونة إلى قوتكم والى اموالكم
[ 133 ]
(فصل) ويجب غسل أظفاره وان طالت والاصبع واليد الزائدة والسلعة لان ذلك من يده كالثؤلول وان كانت نابتة في غير محل الفرض كالعضد لم يجب غسلها طويلة كانت أو قصيرة لانها في غير محل الفرض فهي كالقصيرة وهذا قول ابن حامد وابن عقيل، وقال القاضي يجب غسل ما حاذى محل الفرض منها والصحيح الاول، واختلف أصحاب الشافعي في ذلك نحو ما ذكرنا، وان كانتا متساويتين ولم تعلم الاصلية منهما غسلهما جميعا ليخرج عن العهدة بيقين كما لو تنجست إحدى يديه غير معينة وان تعلقت جلدة من الذراع فتدلت من العضد لم يجب غسلها لانها صارت في غير محل الفرض، وان كان بالعكس وجب غسلها لانها صارت في محل الفرض أشبهت الاصبع الزائدة. وان تعلقت من أحد المحلين فالتحم رأسها في الآخر وبقي وسطها متجافيا وجب غسل ما حاذى محل الفرض من ظاهرها وباطنها وما تحتها (فصل) إذا كان تحت أظفاره وسخ يمنع وصول الماء إلى ما تحته فقال ابن عقيل: لا تصح طهارته حتى يزيله كما لو كان على يده شمع، قال شيخنا ويحتمل أن لا يجب ذلك لان هذا يستتر عادة فلو كان غسله واجبا لبينه صلى الله عليه وسلم لانه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم عليهم كونهم يدخلون عليه قلحا ورفغ أحدهم بين أنملته وظفره يعنى أن وسخ أرفاغهم تحت أظفارهم يصل إليه رائحة نتنها ولم يعب بطلان طهارتهم ولو كان مبطلا للطهارة لكان ذلك أهم من نتن الريح (فصل) ومن كان يتوضأ من ماء يسير يغترف منه فغرف منه بيديه عند غسل يديه لم يؤثر ذلك في
الماء، وقال بعض أصحاب الشافعي يصير الماء مستعملا بغرفه منه لانه موضع غسل اليد وهو ناو للوضوء ولغسلها أشبه مالو غمسها في الماء ينوي غسلها فيه، ولنا أن في حديث عثمان: ثم غرف بيده اليمنى على ذراعه اليمنى
[ 134 ]
فغسلها إلى المرفقين ثلاثا ثم غرف بيمينه فغسل يده اليسرى رواه سعد. وفي حديث عبد الله بن زيد: ثم أدخل يده في الاناء فغسل يديه إلى المرفقين مرتين متفق عليه. ولو كان هذا يفسد الوضوء لكان النبي صلى الله عليه وسلم أحق بمعرفته ولبينه لكون الحاجة ماسة إليه إذ كان لا يعرف بدون البيان ولا يتوقاه إلا متحذلق، وما ذكروه لا يصح فان المغترف لم يقصد بغرفه الا الاغتراف دون الغسل فأشبه من يغوص في البئر لترقية الدلو وهو جنب لا ينوي الغسل ونية الاغتراف صرفت نية الطهارة (1) والله أعلم (مسألة) (ثم يمسح رأسه) ومسح الرأس فرض بالاجماع لقول الله تعالى (وامسحوا برءوسكم) وهوما ينبت عليه الشعر في حق الصبي، وينبغي أن يعتبر غالب الناس فلا يعتبر الاقرع ولا الاجلح كما قلنا في حد الوجه، والنزعتان من الرأس وكذلك الصدغان وقد ذكرنا ذلك في الوجه (مسألة) (يبدأ بيديه من مقدمه ثم يمرهما إلى قفاه ثم يردهما إلى مقدمه) وجملته أن المستحب في مسح الرأس أن يبل يديه ثم يضع طرف احدى سبابتيه على طرف الاخرى ويضعهما على مقدم رأسه ويضع الابهامين على الصدغين ثم يمر يديه إلى قفاه ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه كما روى عبد الله بن زيد في وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال: فمسح رأسه بيديه فأقبل
1) هذا مذهب الشافعي الذي عليه العمل
[ 135 ]
بهما وأدبر، وفي لفظ بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، متفق عليه، فان كان ذا شعر يخاف أن ينتفش برد يديه لم يردهما نص عليه الامام أحمد لانه قد روي عن الربيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ عندها فمسح الرأس كله من فرق الشعر كل ناحية لمصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته، رواه أبو داود. وسئل أحمد كيف تمسح المرأة؟ فقال هكذا ووضع يده على وسط
رأسه ثم جرها إلى مقدمه ثم رفعها فوضعها حيث منه بدأ ثم جرها إلى مؤخره، وكيف مسح بعد استيعاب قدر الواجب اجزأه ولا يحتاج إلى ماء جديد في رد يديه على رأسه قال القاضي وقد روي عن احمد انه يأخذ للرد ماء جديد وليس بصحيح قاله القاضي (مسألة) (ويجب مسح جميعه مع الاذنين، وعنه يجزئ مسح اكثره) اختلفت الرواية عن احمد في قدر الواجب. فروي عنه مسح جميعه في حق كل احد وهو ظاهر قول الخرقي ومذهب مالك لقوله تعالى (فامسحو برءوسكم) الباء للالصاق فكأنه قال وامسحوا رءوسكم وصار كقوله سبحانه في التيمم (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) قال ابن برهان من زعم أن الباء للتبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه ولان الذين وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا انه مسح رأسه كله، وقد ذكرنا حديث عبد الله بن زيد وحديث الربيع وهذا يصلح أن يكون بيانا للمسح المأمور به، وروي عن احمد انه يجزئ مسح بعضه نقلها عنه أبو الحارث. ونقل عن سلمة بن الاكوع أنه كان يمسح مقدم رأسه وابن عمر مسح اليافوخ.
[ 136 ]
وممن قال بمسح البعض الحسن والثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر. قال شيخنا إلا أن الظاهر عن احمد رحمه الله في الرجل وجوب الاستيعاب وان المرأة يجزئها مسح مقدم رأسها، قال الخلال العمل في مذهب أبي عبد الله انها ان مسحت مقدم رأسها أجزأها لان عائشة رضي الله عنه كانت تمسح مقدم رأسها، واحتج من أجاز مسح البعض بما روى المغيرة بن شعبة قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين رواه مسلم. وعن أنس بن مالك قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة رواه أبو داود، واحتجوا بان من مسح بعض الرأس يقال مسح برأسه كما يقال مسح برأس اليتيم وإذا قلنا بجواز مسح البعض فأي موضع مسح أجزأه إلا أنه لا يجزئ مسح الاذنين عن الرأس لانهما تبع ولا يجزئ مسحهما عن الاصل. وقال ابن عقيل يحتمل أن لا يجزئ إلا مسح الناصية لانه صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته فوجب الاقتداء به واختلف العلماء في قدر البعض المجزئ فقال القاضي قدر الناصية لحديث المغيرة، وحكى أبو الخطاب
وبعض الشافعية أنه لا يجزئه الا مسح الاكثر لانه ينطلق عليه اسم الجميع. وقال أبو حنيفة يجزئه مسح ربعه، وروي عنه أنه لا يجزئه أقل من ثلثه وهو قول زفر، وقال الشافعي يجزئ ما يقع عليه الاسم حكي عنه ثلاث شعرات وحكي عنه لو مسح شعرة أجزأه لوقوع اسم البعض عليه (فصل) ويجب مسح الاذنين معه لانهما منه بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم " الاذنان من الرأس " وروي عن أحمد أنه لا يجب مسحهما وهو ظاهر المذهب، قال الخلال كلهم حكوا عن أبي عبد الله فيمن
[ 137 ]
ترك مسح أذنيه عامدا أو ساهيا أنه يجزئه وظاهر هذا أنه لا يجب سواء قلنا بوجوب الاستيعاب أو لا لانهما من الرأس على وجه التبع ولا يفهم من اطلاق اسم الرأس دخولهما فيه ولا يشبهان أجزاء الرأس، ولذلك لا يجزي مسحهما عنه عند من اجتزأ بمسح البعض وهو اختيار شيخنا والاولى مسحهما لان النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما رواه الامام احمد، وروت الربيع أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ عندها فرأيته مسح على رأسه محاذي الشعر ما أقبل منه وما أدبر ومسح صدغيه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما رواهما الترمذي وأبو داود ويستحب أن يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه ويمسح ظاهرهما بابهاميه لان في بعض الفاظ حديث الربيع فأدخل أصبعيه في حجري أذنيه رواه أبو داود، ولا يجب مسح ما استتر بالغضاريف لان الرأس الذي هو الاصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر فالاذن أولى والله أعلم (فصل) ولا يجب مسح ما نزل عن الرأس من الشعر ولا يجزئ مسحه عن الرأس سواء رده فعقده فوق رأسه أو لم يرده لان الرأس ما ترأس وعلا، فان نزل الشعر عن منبته ولم ينزل عن محل الفرض فمسح عليه أجزأه لانه شعر على محل الفرض أشبه القائم على محله ولان هذا لا يمكن الاحتراز منه، وان خضب رأسه بما يستره لم يجزه المسح عليه نص عليه أحمد في الخضاب لانه لم يمسح على محل الفرض أشبه مالو مسح على خرقة فوق رأسه، ولو أدخل يده تحت الشعر فمسح البشرة دون الظاهر لم يجزه لان
[ 138 ]
الحكم تعلق بالشعر فلم يجزه مسح غيره كما لو أوصل الماء إلى باطن اللحية ولم يغسل ظاهرها، فأما
ان مسح رأسه ثم حلقه أو غسل عضوا ثم قطع منه جزءا أو جلدة لم يؤثر في طهارته لانه ليس بدلا عما تحته، وان أحدث بعد ذلك غسل ما ظهر لانه صار ظاهرا فتعلق الحكم به ولو حصل في بعض أعضائه شق أو ثقب لزمه غسله لانه صار ظاهرا (فصل) ويمسح رأسه بماء جديد غير ما فضل عن ذراعية، وهو قول أبي حنيفة والشافعي والعمل عليه عند أكثر أهل العلم قاله الترمذي، وجوز الحسن وعروة والاوزاعي وابن المنذر مسحه بفضل ذراعيه لما روي عن عثمان أنه مسح مقدم رأسه بيده مرة واحدة ولم يستأنف له ماء جديدا حين حكى وضوء النبي صلى الله عليه وسلم رواه سعيد. ويتخرج لنا مثل ذلك إذا قلنا إن المستعمل طهور لا سيما الغسلة الثانية والثالثة، ووجه الاول ما روى عبد الله بن زيد قال ومسح رأسه بماء غير فضل يديه رواه مسلم. وفي حديثه المتفق عليه ثم أدخل يده في الاناء فمسح برأسه وكذلك حكى علي في رواية أبي داود ولان البلل الباقي في يده مستعمل فلا يجزئ به المسح كما لو فصله في إناء ثم استعمله (فصل) فان غسل رأسه بدل مسحه فعلى وجهين (أحدهما) لا يجزئه لان الله تعالى أمر بالمسح والنبى صلى الله عليه وسلم مسح ولانه أحد نوعي الطهارة فلم يجزئ عن الآخر كالمسح عن الغسل (والثاني) يجزئ لانه لو كان جنبا فانغمس في ماء ينوي الطهارتين أجزأه مع أنه لم يمسح فكذلك في الحدث الاصغر وحده
[ 139 ]
ولان في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل يديه ووجهه ثم أفرغ على رأسه ولم يذكر مسحا ولان الغسل أبلغ من المسح فإذا أتى به ينبغي أن يجزئه وهذا فيما إذا لم يمر يده عليه فأما ان أمر يده على رأسه مع الغسل أو بعده أجزأه لانه قد أتى بالمسح وذلك لما روي عن معاوية أنه توضأ للناس كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر ثم مسح من مقدمه إلى مؤخر ومن مؤخره إلى مقدمه رواه أبو داود ولو حصل على رأسه ماء المطر أوصب عليه انسان ثم مسح عليه يقصد بذلك الطهارة أو كان قد صمد للمطر أجزأه وان حصل الماء على رأسه من غير قصد أجزأه أيضا لان حصول الماء على رأسه بغير قصد لم يؤثر في الماء فمتى وضع يده على ذلك البلل ومسح به فقد مسح بماء غير مستعمل فصحت طهارته كما لو حصل بقصده. وقد نقل أبو داود عن احمد إذا اصاب
برأسه ماء السماء فمسحه بيده لم يجزه وذلك لانه لم يوجد منه نية لذلك. ذكره القاضي في المجرد وهذا يدل على أنه يشترط أن يقصد حصول الماء على رأسه، قال ابن عقيل في هذه المسألة: تحقيق المذهب أنه متى صمد للمطر ومسح أجزأه ومتى أصابه المطر من غير قصد ولا نية لم يجزه وكذلك ان كان يتوضأ فصب انسان على رأسه ماء وهو لا يصد فمسح رأسه فانه لا يجزئه فاما ان حصل الماء على رأسه بغير قصد ولم يمسح بيده لم يجزه سواء قلنا ان الغسل يقوم مقام المسح أولا وان قصد وجرى الماء على رأسه أجزأه إذا قلنا يجزئ الغسل وإلا فلا (فصل) فان مسح رأسه بخرقة مبلولة أو خشبة أجزأه في أحد الوجهين لانه مأمور بالمسح وقد مسح أشبه مالو مسح بيده ولان مسحه بيده غير مشترط بدليل مالو مسح بيد غيره (والثاني) لا يجزئه لان النبي صلى الله عليه وسلم مسح بيده وقال " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " وان وضع على رأسه خرقة مبلولة فابتل رأسه بها أو وضع خرقة ثم بلها حتى ابتل شعره لم يجزه لان ذلك ليس بمسح ولا غسل، ويحتمل أن يجزئه لانه بل شعره قاصدا للوضوء فأجزأه كما لو غسله، وان مسح باصبع أو أصبعين أجزأه إذا بهما مسح ما يجب مسحه كله وهو قول الثوري والشافعي، ونقل بكر بن محمد عن أحمد لا يجزئه المسح بأصبع، قال القاضي هذا محمول على الرواية التي توجب الاستيعاب لانه لا يحصل بأصبع واحدة. وإن حلق بعض رأسه وقلنا بوجوب الاستيعاب مسح المحلوق والشعر، وإن قلنا باجزاء مسح البعض أجزأه مسح أحدهما
[ 140 ]
(فصل) وهل يستحب مسح العنق؟ فيه روايتان (احداهما) يستحب لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق. رواه أحمد في المسند من رواية ليث بن أبي سليم وهو متكلم فيه، ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " امسحوا أعناقكم مخافة الغل " ذكره ابن عقيل في الفصول (والثانية) لا يستحب لان الله تعالى لم يأمر به، وان الذين حكوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان وعلي وعبد الله بن زيد وابن عباس لم يذكروه ولم يثبت فيه حديث (مسألة) (ولا يستحب تكراره وعنه يستحب) الصحيح من المذهب أنه لا يستحب التكرار في مسح الرأس وهو قول أبي حنيفة ومالك، ويروى عن ابن عمر وابنه سالم والحسن ومجاهد قال
الترمذي والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، وعن أحمد أنه يستحب. يروى ذلك عن أنس وعطاء وسعيد بن جبير وهو قول الشافعي لما روى أبو داود عن شقيق بن سلمة قال: رأيت عثمان غسل ذراعيه ثلاثا ومسح برأسه ثلاثا ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل هذا وروي مثل ذلك عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى علي وابن عمر وأبو هريرة وأبي بن كعب وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا وفي حديث أبي قال " هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي " ورواه ابن ماجه وقياسا على سائر الاعضاء، ووجه الرواية الاولى أن عبد الله بن زيد وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مسح برأسه مرة واحدة، متفق عليه وكذلك
[ 141 ]
روى علي وقال هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم من احب ان ينظر إلى طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هذا، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وكذلك وصف عبد الله بن أبي أوفى وابن عباس وسلمة بن الاكوع والربيع كلهم قالوا ومسح برأسه مرة واحدة وحكايتهم لوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم إخبار عن الدوام ولا يداوم إلا على الافضل، وحكاية ابن عباس وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل حال خلوته ولا يفعل في تلك الحال إلا الافضل، ولانه مسح في طهارة فلم يسن تكراره كالمسح على الجبيرة والخفين، وأحاديثهم لا يصح منها شئ صريح، قال أبو داود أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة فانهم ذكروا الوضوء ثلاثا ثلاثا وقالوا فيها ومسح رأسه ولم يذكروا عددا والحديث الذي ذكر فيه مسح رأسه ثلاثا رواه يحيى بن آدم وخالفه وكيع فقال توضأ ثلاثا فقط والصحيح المتفق عليه عن عثمان انه لم يذكر في مسح الرأس عددا. ومن روى عنه ذلك سوى عثمان لم يصح لانهم الذين رووا أحاديثنا وهي صحيحة فيلزم من ذلك ضعف ما خالفها والاحاديث التي ذكروا فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا أرادوا بها سوى المسح لانهم حين فصلوا قالوا ومسح برأسه مرة واحدة قالوا والتفصيل يحكم به على الاجمال ويكون تفسيرا ولا يعارضه كالخاص مع العام
[ 142 ]
وقياسهم منقوض بالتيمم وإن قيل يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مسح مرة ليبين الجواز ومسح
ثلاثا ليبين الافضل كما فعل في الغسل فنقل الامران من غير تعارض قلنا قول الراوي هذا طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أنه كان يفعله على الدوام لان الصحابة رضي الله عنهم إنما وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعرفوا من سألهم وحضرهم صفة وضوئه في دوامه فلو شاهدوا وضوءه على صفة أخرى لم يطلقوا هذا الاطلاق الذي يفهم منه أنهم لم يشاهدوا سواه لانه يكون تدليسا وإيهاما لغير الصواب فلا يظن ذلك بهم ويحمل حال الراوي لغير الصحيح على الغلط لاغير ولان الحفاظ إذا رووا حديثا واحدا عن شخص واحد على صفة وخالفهم فيها واحد حكموا عليه بالغلط وإن كان ثقة حافظا فكيف إذا لم يكن معروفا بذلك والله أعلم (مسألة) ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا ويدخلهما في الغسل) وقد ذكرنا اختلاف العلماء في غسل الرجلين ويستحب غسلهما ثلاثا لان في حديث عثمان: ثم غسل كلتا رجليه ثلاثا، متفق عليه وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا رواه الترمذي وقال هذا أحسن شئ في الباب وأصح. ويدخل الكعبين في الغسل قياسا على المرفقين والكعبان هما العظمان الناتئان اللذان في أسفل الساق من جانبي القدم وحكي عن محمد بن الحسن أنه قال: هما في مشط القدم وهو معقد الشرك من الرجل بدليل أنه قال إلى الكعبين فدل على أن في الرجل كعبين لاغير ولو أراد ما ذكرتم كانت كعاب الرجلين أربعة.
[ 143 ]
ولنا أن الكعاب المشهورة هي التي ذكرنا قال أبو عبيد: الكعب هذا الذي في أصل القدم منتهى الساق إليه بمنزلة كعاب القنا وروي عن النعمان بن بشير قال كان أحدنا يلزق كعبه بكعب صاحبه في الصلاة رواه الخلال. وقوله إلى الكعبين حجة لنا فانه أراد كل رجل تغسل إلى الكعبين ولو أراد كعاب جميع الا رجل لذكر بلفظ الجمع كما قال إلى المرافق ويخلل أصابعهما لما ذكرناه (مسألة) (فان كان أقطع غسل ما بقي من محل الفرض) وسواء في ذلك اليدين والرجلين لقوله صلى الله عليه وسلم " إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم " (مسألة) (فان لم يبق شئ سقط وجوب الغسل) لعدم محله ويستحب أن يمس محل القطع بالماء
لئلا يخلو العضو من طهارة، فان كان أقطع اليدين فوجد من يوضئه متبرعا لزمه ذلك لانه قادر عليه وان لم يجد من يوضئه إلا بأجر يقدر عليه لزمه كما يلزمه شراء الماء. وقال ابن عقيل يحتمل أن لا يلزمه كما لو عجز عن القيام في الصلاة لا يلزمه استئجار من يقيمه ويعتمد عليه، وان عجز عن الاجر أو لم يجد من يستأجره صلى على حسب حاله كعادم الماء والتراب. وان وجد من ييممه ولم يجد من يوضئه لزمه التيمم كعادم الماء إذا وجد التراب وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافا
[ 144 ]
(مسألة) ثم يرفع نظره إلى السماء ويقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله لما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو - فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء " رواه مسلم ورواه الترمذي وزاد فيه " اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " ورواه الامام احمد وابو داود وفي بعض رواياته " فاحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء " وعن أبي سعيد الخدري قال: من توضأ ففرغ من وضوئه وقال " سبحانك اللهم أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب اليك طبع عليها بطابع ثم رفعت تحت العرش فلم تكسر إلى يوم القيامة " رواه النسائي (فصل) (والوضوء مرة مرة يجزئ والثلاث أفضل) لما روى ابن عباس قال توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة رواه البخاري وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بماء فتوضأ مرة مرة ثم قال " هذا وظيفة الوضوء وضوء من لا يقبل الله له الصلاة إلا به " ثم تحدث ساعة ثم دعا بوضوء فتوضأ مرتين مرتين فقال " هذا وضوء من توضأه ضاعف الله له الاجر مرتين " ثم تحدث ساعة ثم دعا بماء فتوضأ ثلاثا ثلاثا فقال " هذا وضوئي ووضوء النبيين من قبلي " رواه سعيد وقد ذكر حديث أبي بن كعب بنحو هذا، وهذا قول أكثر أهل العلم إلا أن مالكا لم يوقت مرة ولا ثلاثا
[ 145 ]
قال انما قال الله تعالى (فاغسلوا وجوهكم) وقال الاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز الوضوء ثلاثا ثلاثا
إلا غسل الرجلين فانه ينقيهما. والاول أولى لما ذكرنا من الاحاديث وقد ذكرنا اختلافهم في تكرار مسح الرأس والله أعلم وإن غسل بعض أعضائه أكثر من بعض فحسن لان في حديث عبد الله بن زيد ان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين ومسح برأسه مرة متفق عليه (فصل) وتكره الزيادة على الثلاث، قال أحمد رحمه الله لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى وذلك لما روي ان أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء فأراه ثلاثا ثم قال " هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم " رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ويكره الاسراف في الماء لان النبي صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال " لا تسرف " فقال يا رسول الله في الماء اسراف؟ قال " نعم وإن كنت على نهر جار " رواه ابن ماجه (مسألة) (وتباح معونته) لما روى المغيرة بن شعبة انه افرغ على النبي صلى الله عليه وسلم في وضوئه رواه مسلم، وعن صفوان بن عسال قال صببت على النبي صلى الله عليه وسلم الماء في الحضر
[ 146 ]
والسفر رواه ابن ماجه، وروى أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم ينطلق لحاجته فأحمل أنا وغلام نحوي اداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء متفق عليه، ولا يستحب لما روى ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكل طهوره إلى أحد ولا صدقته التي يتصدق بها، يكون هو الذي يتولاها بنفسه. رواه ابن ماجه وروي عن أحمد انه قال: ما أحب أن يعينني على وضوئي أحد لان عمر قال ذلك (مسألة) قال ويباح تنشيف أعضائه ولا يستحب، قال الخلال المنقول عن احمد انه لا بأس بالتنشيف بعد الوضوء وممن روي عنه أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان والحسن بن علي وأنس وكثير من أهل العلم. وممن رخص فيه الحسن وابن سيرين ومالك والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وهو ظاهر قول أحمد لما روى سلمان ان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثم قلب جبة كانت عليه فمسح بها وجهه. رواه ابن ماجه والطبراني في المعجم الصغير، وذكر ابن حامد في كراهته روايتين (احداهما) لا يكره لما ذكرنا (والثانية) يكره روي ذلك عن جابر بن عبد الله وابن أبي ليلى وسعيد بن المسيب
والنخعي ومجاهد وذلك لما روت ميمونة ان النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل قالت فأتيته بالمنديل فلم يردها وجعل ينفض الماء بيديه متفق عليه. وروي عن ابن عباس انه كرهه في الوضوء ولم يكرهه في الجنابة، والاول أصح لان الاصل الاباحة فترك النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على الكراهة فانه قد يترك المباح، وهذه قضية في عين يحتمل انه ترك تلك المنديل لامر يختص بها ولانه
[ 147 ]
إزالة للماء عن بدنه أشبه نفضه بيديه ولا يكره نفض الماء عن بدنه بيديه لحديث ميمونة، ويكره نفض يديه ذكره أبو الخطاب وابن عقيل (فصل) ويستحب تجديد الوضوء نص عليه أحمد في رواية موسى بن عيسى وذلك لما روى أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة قلت وكيف كنتم تصنعون؟ قال يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث رواه البخاري، وقد نقل علي بن سعيد عن أحمد انه لا فضل فيه والاول أصح، ولا بأس أن يصلي بالوضوء الواحد ما لم يحدث لا نعلم فيه خلافا لحديث أنس ولما روى بريدة قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر إني رأيتك صنعت شيئا لم تكن تصنعه فقال " عمدا صنعته " رواه مسلم (فصل) ولا بأس بالوضوء في المسجد إذا لم يؤذ أحدا بوضوئه ولم يؤذ المسجد، قال ابن المنذر أباح ذلك كل من نحفظ عنه من علماء الامصار وذلك لما روى أبو العالية عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال حفظت لك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ في المسجد رواه الامام أحمد، وروي عن أحمد انه كرهه صيانة للمسجد عن البصاق وما يخرج من فضلات الوضوء والله أعلم (فصل) والمفروض من ذلك بغير خلاف في المذاهب خمسة: النية وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين، وخمسة فيها روايتان: المضمضة والاستنشاق، والتسمية والترتيب، والموالاة. وقد ذكرنا عدد المسنون فيما مضى والله أعلم
[ 148 ]
(باب المسح على الخفين)
المسح على الخفين جائز عند عامة أهل العلم، قال ابن المبارك ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز، وعن الحسن قال حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين، والاصل فيه ما روى المغيرة بن شعبة قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لا نزع خفيه فقال " دعهما فاني أدخلتهما طاهرتين " فمسح عليهما متفق عليه، وعن جرير بن عبد الله قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه متفق عليه، قال ابراهيم كان يعجبهم هذا الحديث لان اسلام جرير كان بعد نزول المائدة، قال الامام أحمد ليس في قلبي من المسح شئ فيه أربعون حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (فصل) روي عن أحمد أنه قال المسح أفضل من الغسل لان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه انما طلبوا الفضل وهذا مذهب الشعبي والحكم واسحاق لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ان الله يحب أن يؤخذ برخصه " ولان فيه مخالفة أهل البدع، وذكر ابن عقيل فيه روايتين (احداهما) المسح أفضل لما ذكرنا (الثانية) الغسل أفضل لانه المفروض في كتاب الله تعالى والمسح رخصة، وروى حنبل عن أحمد أنه قال كله جائز المسح والغسل ما في قلبي من المسح شئ ولا من الغسل
[ 149 ]
وهذا قول ابن المنذر، وروي عن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا على أخفافهم وخلع هو خفيه وتوضأ وقال حبب الي الوضوء وعن ابن عمر أنه قال إني لمولع بغسل قدمي فلا تقتدوا بي (مسألة) (يجوز المسح على الخفين لما ذكرنا ويجوز على الجرموقين) الجرموق مثال الخف إلا أنه يلبس فوق الخف في البلاد الباردة فيجوز المسح عليه قياسا على الخف، وممن قال بجواز المسح عليه إذا كان فوق الخف الحسن بن صالح وأصحاب الرأي، وقال الشافعي في الجديد لا يمسح عليه وسنذكر ذلك إن شاء الله فيما إذا لبس خفا فوق خف آخر (والجوربين) قال ابن المنذر يروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علي وعمار وابن مسعود وأنس وابن عمر والبراء وبلال وابن أبي أوفى وسهل بن سعد وهو قول عطاء والحسن وسعيد بن المسيب والثوري وابن المبارك واسحاق ويعقوب ومحمد، وقال أبو حنيفة ومالك
والاوزاعي والشافعي وغيرهم لا يجوز المسح عليهما إلا أن ينعلا لانه لا يمكن متابعة المشي فيهما فهما كالرقيقين ولنا ما روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين. رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح وهذا يدل على أنهما لم يكونا منعولين لانه لو كان كذلك لم يذكر النعلين فانه لا يقال مسحت على الخف ونعله ولان الصحابة رضي الله عنهم مسحوا على الجوارب ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم والجورب في معنى الخف لانه ملبوس ساتر لمحل الفرض يمكن متابعة المشي فيه أشبه الخف، وقولهم لا يمكن متابعة المشي فيهما قلنا انما يجوز المسح عليهما إذا ثبت بنفسه وأمكن متابعة المشي فيه وإلا فلا فأما الرقيق فليس بساتر
[ 150 ]
(فصل) وسئل أحمد عن جورب انخرق فكره المسح عليه ولعله انما كرهه لان الغالب فيه الخفة وأنه لا يثبت بنفسه فان كان مثل جورب الصوف في الصفاقة فلا فرق، فان كان لا يثبت الا بالنعل أبيح المسح عليه ما دام النعل عليه لحديث المغيرة، فان خلع النعل انتقضت الطهارة لان ثبوت الجورب أحد شرطي جواز المسح وانما حصل بالنعل فإذا خلعها زال الشرط المبيح للمسح فبطلت الطهارة كما لو ظهر القدم. قال القاضي يمسح على الجورب والنعل كما جاء في الحديث والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم انما مسح على سيور النعل التي على ظاهر القدم فأما أسفله وعقبه فلا يسن مسحه من الخف فكذلك من النعل (مسألة) قال (والعمامة والجبائر) وممن قال بجواز المسح على العمامة أبو بكر الصديق وبه قال عمر بن الخطاب وأنس وأبو امامة وروي عن سعد بن مالك وأبي الدرداء رضي الله عنهم وهو قول عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة وابن المنذر وغيرهم، وقال عروة والنخعي والشعبي والقاسم ومالك والشافعي وأصحاب الرأي لا يمسح عليها لقول الله تعالى (وامسحوا برءوسكم) ولانه لا تلحقه المشقة بنزعها (1) أشبهت الكمين ولنا ما روى المغيرة بن شعبة قال توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح على الخفين والعمامة قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار وعن عمرو بن أمية قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مسح على عمامته وخفيه رواه البخاري ولانه قول
من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم ولانه عضو يسقط فرضه في التيمم فجاز المسح على
1) هذا غير مسلم فالمشقة واقعة ولاسيما في العمائم المحنكة. وما قبله يرد عليه نص الآية في الرجلين
[ 151 ]
حائله كالقدمين والآية لا تنفي ما ذكرناه فان النبي صلى الله عليه وسلم مبين لكلام الله وقد مسح على العمامة وأمر بالمسح عليها وهذا يدل على أن المراد بالآية المسح على الرأس وحائله، ومما يبين ذلك أن المسح في الغالب انما يكون على الشعر ولا يصيب الرأس وهو حائل كذلك العمامة فانه يقال لمن مسح عمامة انسان أو قبلها قبل رأسه والله أعلم (فصل) والمسح على الجبائر لقول النبي صلى الله عليه وسلم في صاحب الشجة " انما كان يكفيه أن يتيمم وبعصب أو يعصر على جرحه خرقة ويمسح عليها ويغسل سائر جسده " رواه أبو داود ولما روى علي رضي الله عنه قال انكسرت إحدى زندي فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أمسح على الجبائر رواه ابن ماجه وهذا قول الحسن والنخعي ومالك واسحاق وأصحاب الرأي، وقال الشافعي في أحد قوليه يعيد كل صلاة صلاها لان الله تعالى امر بالغسل ولم يأت به، ووجه الاول ما ذكرنا ولانه مسح على حائل ابيح له المسح عليه فلم تجب معه الاعادة كالخف. (مسألة) (وفي المسح على القلانس وخمر النساء المدارة تحت حلوقهن روايتان) اراد القلانس المبطنات كدنيات القضاة والمنومنات فأما الكلتة فلا يجوز المسح عليها لا نعلم فيه خلافا لانها لا تستر جميع الرأس عادة ولا تدوم عليه فأما القلانس التي ذكرناها ففيها روايتان (إحداهما) لا يجوز المسح عليها رواه عنه اسحاق بن ابراهيم وهو قول الاوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ومالك والشافعي والنعمان واسحاق. قال ابن المنذر لا نعلم أحدا قال به الا أنه يروى عن أنس أنه مسح على قلنسيته لانها لا يشق
[ 152 ]
نزعها أشبهت الكلتة ولان العمامة التي ليست محنكة ولا ذؤابة لها لا يجوز المسح عليها وهو اختيار الخلال قال لانه قد روي عن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم باسانيد صحاح فروى الاثرم باسناده عن عمر أنه قال ان شاء حسر عن رأسه وان شاء مسح على قلنسيته وعمامته وروى باسناده عن أبي موسى
أنه خرج من الخلاء فمسح على القلنسوة ولانه ملبوس معتاد يستر الرأس أشبه العمامة المحنكة وفارق العمامة التي قاسوا عليها لانها منهى عنها والله أعلم، وفي مسح المرأة على خمارها روايتان (إحداهما) يجوز يروى ذلك عن أم سلمة حكاه ابن المنذر ولانه ملبوس للرأس يشق نزعه أشبه العمامة (والثانية) لا يجوز وهو قول نافع والنخعي وحماد والاوزاعي ومالك والشافعي لانه ملبوس يختص بالمرأة أشبه الوقاية ولا يجوز المسح على الوقاية رواية واحدة ولا نعلم فيه خلافا لانها لا يشق نزعها فهي كطاقية الرجل (مسألة) قال (ومن شرطه أن يلبس الجميع بعد كمال الطهارة) لا نعلم في اشتراط تقدم الطهارة لكل ما يجوز المسح عليه خلافا الا للجبيرة ووجهه ما روى المغيرة بن شعبة قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لا نزع خفيه فقال " دعهما فاني أدخلتهما طاهرتين " فمسح عليهما متفق عليه. وعنه قال قلت يا رسول الله أيمسح أحدنا على خفيه؟ فقال " نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان " رواه الدار قطني فأما ان غسل أحد رجليه ثم لبس الخف ثم غسل الاخرى وأدخلها الخف لم يجز المسح أيضا وهو
[ 153 ]
قول الشافعي واسحاق ونحوه عن مالك، وعنه أنه يجوز رواها أبو طالب عنه وهو قول أبي ثور وأصحاب الرأي لانه أحدث بعد كمال الطهارة واللبس فجاز كما لو نزع الخف الاول ثم لبسه وكذلك الحكم فيمن مسح رأسه ولبس العمامة ثم غسل رجليه قياسا على الخف، وقد قيل فيمن غسل رجليه ولبس خفيه ثم غسل بقية أعضائه إذا قلنا إن الترتيب ليس بشرط جاز له المسح ووجه الاولى، ما ذكرناه من الحديثين وهو يدل على وجود الطهارة فيهما جميعا وقت ادخالهما ولم يوجد ذلك وقت لبس الاولى ولان ما اعتبر له الطهارة اعتبر له جميعها كالصلاة. وفارق ما إذا نزع الخف الاول ثم لبسه لانه لبسه بعد كمال الطهارة (فصل) كره أحمد لبس الخف وهو يدافع أحد الاخبثين لان الصلاة مكروهة بهذه الطهارة وكذلك اللبس الذي يراد للصلاة والاولى أن لا يكره، وروي عن ابراهيم النخعي انه كان إذا اراد أن يبول لبس خفيه ولانها طهارة كاملة أشبه ما لو لبسهما عند غلبة النعاس. والصلاة انما كرهت للحاقن لان اشتغال قلبه بمدافعة الاخبثين يذهب بخشوع الصلاة ويمنع الاتيان بها على الكمال ويحمله على العجلة ولا يضر ذلك في اللبس. (فصل) فان تطهر ثم لبس الخف فاحدث قبل بلوغ الرجل قدم الخف لم يجز له المسح لان الرجل
حصلت في مقرها وهو محدث فصار كما لو بدأ اللبس وهو محدث (فصل) فان تيمم ثم لبس الخف لم يكن له المسح لانه لبسه على طهارة غير كاملة ولانها طهارة
[ 154 ]
ضرورة بطلت من أصلها فصار كاللابس له على غير طهارة ولان التيمم لا يرفع الحدث فقد لبسه وهو محدث، فأما ان تطهرت المستحاضة ومن به سلس البول وشبههما ولبسوا خفافا فلهم المسح عليها، نص عليه أحمد لان طهارتهم كاملة في حقهم، قال ابن عقيل لانها مضطرة إلى الترخص وأحق من يترخص المضطر فان انقطع الدم وزالت الضرورة بطلت الطهارة من أصلها ولم يكن لها المسح كالمتيمم إذا وجد الماء، وان لبس الخف بعد طهارة مسح فيها على العمامة أو العمامة بعد طهارة مسح فيها على الخف فقال بعض أصحابنا ظاهر كلام أحمد انه لا يجوز المسح لانه لبس على طهارة ممسوح فيها على بدل فلم يستبح المسح باللبس فيها كما لو لبس خفا على طهارة مسح فيها على خف، وقال القاضي يحتمل جواز المسح لانها طهارة كاملة وكل واحد منهما ليس ببدل عن الآخر بخلاف الخف الملبوس على خف ممسوح عليه (فصل) فان لبس الجبيرة على طهارة مسح فيها على خف أو عمامة وقلنا ليس من شرطها الطهارة جاز المسح عليها وان اشترطنا الطهارة احتمل أن يكون كالعمامة الملبوسة على طهارة مسح فيها على الخف واحتمل جواز المسح بكل حال لان مسحها عزيمة، وان لبس الخف على طهارة مسح فيها على الجبيرة جاز المسح عليه لانها عزيمة ولانها ان كانت نافعة فهو لنقص لم يزل فلم يمنع طهاره المستحاضة، وان لبس الجبيرة عل طهارة مسح فيها على الجبيرة جاز المسح لما ذكرنا (مسألة) قال (الا الجبيرة على احدى الروايتين) اختلفت الرواية عن أبي عبد الله رحمه الله في الجبيرة فروي أنه لا يشترط تقدم الطهارة لها
[ 155 ]
اختاره الخلال وذلك لما ذكرنا من حديث جابر في الذي أصابته الشجة فانه قال إنما كان يجزئه أن يعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها ولم يذكر الطهارة، وكذلك حديث علي لم يأمره بالطهارة ولان اشتراط الطهارة لها تغليظ على الناس ويشق عليهم ولان المسح عليها انما جاز لمشقة نزعها وهو موجود إذا لبسها على غير
طهارة. ويحتمل أن يشترط له التيمم عند العجز عن الطهارة فان في حديث جابر انما كان بكفيه أن يتيمم ويعصب أو يعصر على جرحه ثم يمسح عليها لانها عبادة اشترطت لها الطهارة فقام التيمم مقامها عند العجز كالصلاة، وروي عنه أنه يشترط تقدم الطهارة عليها وهو ظاهر قول الخرقي لانه حائل يمسح عليه فاشترط تقدم الطهارة على لبسه كسائر الممسوحات فعلى هذا إذا لبسها على غير طهارة ثم خاف من نزعها تيمم لها لانه موضع يخاف الضرر باستعمال الماء فيه أشبه الجرح (فصل) ولا يحتاج مع مسحها إلى تيمم، قال شيخنا ويحتمل أن يتيمم مع مسحها فيما إذا تجاوز بها موضع الحاجة لان ما على موضع الحاجة يقتضي المسح والزائد يقتضي التيمم وكذلك فيما إذا شدها على غير طهارة لانه مختلف في جواز المسح عليها فإذا جمع بينهما خرج من الخلاف، وللشافعي في الجمع بينهما قولان في الجملة لحديث صاحب الشجة: ولنا أنه محل واحد فلا يجمع فيه بين بدلين كالخف (فصل) ولا فرق بين كون الشد على كسر أو جرح لحديث صاحب الشجة فانها جرح الرأس وقياسا على الكسر وكذلك إن وضع على جرحه دواء وخاف من نزعه مسح عليه نص عليه في رواية الاثرم وذلك لما روى الاثرم باسناده عن ابن عمر أنه خرجت بابهامه قرحه فألقمها مرارة وكان يتوضأ
[ 156 ]
ويمسح عليها، ولو انقلع ظفر انسان أو كان بأصبعه جرح يخاف إن أصابه الماء أن يزرق الجرح جاز المسح عليه في المنصوص. وقال القاضي في اللصوق على الجروح إن لم يكن في نزعه ضرر نزعه وغسل الصحيح وتيمم للجريح ويمسح على موضع الجرح، وإن كان في نزعه ضرر مسح عليه كالجبيرة فان كان في رجله شق فجعل فيه قيرا فقال أحمد ينزعه ولا يمسح عليه هذا أهون هذا لا يخاف منه، فقيل له متى يسع صاحب الجرح أن يمسح عليه؟ قال إذا خشي أن يزداد وجعا أو شدة. وتعليل أحمد في القير بسهولته يقتضي أنه متى كان يخاف منه جاز المسح عليه كالاصبع المجروحة إذا ألقمها مرارة أو عصبها، قال مالك في الظفر يسقط يكسوه مصطكا ويمسح عليه وهو قول أصحاب الرأي (فصل) فان لم يكن على الجرح عصاب غسل الصحيح وتيمم للجريح. وقد روى حنبل عن أحمد في المجروح
والمجدور يخاف عليه يمسح موضع الجرح ويغسل ما حوله يعني يمسح إذا لم يكن عصاب والله أعلم (مسألة) قال (ويمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن) لا نعلم فيه خلافا في المذهب وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم وبه قال شريح وعطاء والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وهو ظاهر قول الشافعي. وقال الليث يمسح ما بدا له وهو قول أكثر أصحاب مالك وكذلك قول مالك في المسافر، وعنه في المقيم روايتان وذلك لما روى أبي بن عمارة قال قلت يا رسول الله نمسح على الخفين؟ قال " نعم " قلت يوما؟ قال " ويومين " قلت وثلاثة؟ قال " وما شئت " رواه أبو داود
[ 157 ]
ولانه مسح في طهارة فلم تتوقت كمسح الرأس والجبيرة. ولنا ما روى علي قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم رواه مسلم. وعن عوف بن مالك الاشجعي ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم رواه الامام احمد والدار قطني. قال الامام احمد: هذا أجود حديث في المسح لانه في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم وحديثهم ليس بالقوي. وقد اختلف في اسناده قاله أبو داود، ويحتمل انه قال وما شئت من اليوم واليومين والثلاثة، ويحتمل انه يمسح ما شاء إذا نزعها عند انتهاء مدته ثم لبسها. وقياسهم منقوض بالتيمم ومسح الجبيرة عندنا موقت بامكان نزعها والله أعلم (فصل) وسفر المعصية كالحضر في مدة المسح لان ما زاد على اليوم والليلة رخصة والرخص لا تستباح بالمعصية والله أعلم، وقال القاضي يحتمل أن لا يباح له المسح أصلا لكونه رخصة (1) والله أعلم (مسألة) قال (إلا الجبيرة فانه يمسح عليها إلى حلها) لان مسحها للضرورة فيقدر بقدرها والضرورة تدعو إلى مسحها إلى حلها بخلاف غيرها (فصل) ويفارق مسح الجبيرة الخف من خمسة أوجه (الاول والثاني) انه لا يشترط تقدم الطهارة لها ولا يتقدر مسحها بمدة وقد ذكرناهما (الثالث) انه يجب استيعابها بالمسح لانه لا ضرر في تعميمها
1) هذا التعليل وما قبله الرأى الذي لا يدل عليه كتاب ولا سنة ولا اجماع ولا اثر عن الصحابة ولا قياس صحيح ويمكن نقضه برأي اقوى منه بما يدل عليه من حكمة الشارع
وهو ان العصاة اولى بالرخص من الاتقياء لئلا يتركوا الفرائض، والعمدة في رد الجمهور له ان خطاب الشرع عان وهذا الرأى لا يصح مخصصاله
[ 158 ]
بخلاف الخف (الرابع) انه لا يجوز المسح عليها إلا عند خوف الضرر بنزعها (الخامس) انه يمسح عليها في الطهارة الكبرى لان الضرر يلحق بنزعها فيها بخلاف الخف (مسألة) (وابتداء المدة من الحدث بعد اللبس، وعنه من المسح بعده) يعني بعد الحدث، ظاهر المذهب ان ابتداء المدة من الحدث بعد اللبس وهذا قول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وفيه رواية أخرى ان ابتداءها من المسح بعد الحدث يروى ذلك عن عمر رضي الله عنه وهو اختيار ابن المنذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وقال الشعبي وإسحاق وأبو ثور يمسح المقيم خمس صلوات لا يزيد عليها، ووجه الرواية الاولى ما نقله القاسم بن زكريا المطرز في حديث صفوان عن الحدث إلى الحدث ولانها عبادة مؤقتة فاعتبر أول وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة. ويجوز أن يكون أراد بالخبر استباحة المسح دون فعله. وأما تقديره بخمس صلوات فلا يصح لكون النبي صلى الله عليه وسلم قدره بالوقت دون الفعل، فعلى هذا يمكن المقيم أن يصلي بالمسح ست صلوات يؤخر الصلاة ثم يمسح في اليوم الثاني في أول وقتها قبل انقضاء المدة وإن كان له عذر يبيح الجمع من مرض أو غيره أمكنه أن يصلي سبع صلوات، ويمكن المسافر أن يصلي ستة عشر صلاة إن لم يجمع وسبع عشرة صلاة إن جمع على ما فصلناه والله أعلم (مسألة) قال (ومن مسح مسافرا ثم أقام أتم مسح مقيم) وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي
[ 159 ]
ولا نعلم فيه خلافا لانه صار مقيما فلم يجز له أن يمسح مسح المسافر، ولانها عبادة تختلف بالحضر والسفر فإذا ابتدأها في السفر ثم حضر في اثنائها غلب حكم الحضر كالصلاة، فان كان قد مسح يوما وليلة ثم أقام أو قدم خلع، وإن كان مسح اقل من يوم وليلة ثم أقام أو قدم أتم يوما وليلة لما ذكرنا، ولو مسح في السفر أكثر من يوم وليلة ثم دخل في الصلاة فنوى الاقامة في اثنائها بطلت لان المسح بطل فبطلت الطهارة التي هي شرط لصحة الصلاة، ولو تلبس بالصلاة في سفينة فدخلت البلدة في اثنائها بطلت صلاته لذلك والله أعلم
(مسألة) (وإن مسح مقيما ثم سافر أو شك في ابتادئه أتم مسح مقيم، وعنه يتم مسح مسافر) اختلفت الرواية عن احمد في هذه المسألة فروي عنه انه يتم مسح مقيم اختاره الخرقي وهو قول الثوري والشافعي وإسحاق لانها عبادة تختلف بالحضر والسفر فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب حكمه كالصلاة، وروي عنه انه يتم مسح مسافر سواء مسح في الحضر لصلاة أو اكثر منها بعد أن لا تنقضي مدة المسح وهو حاضر وهذا مذهب ابى حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم " يمسح المسافر ثلاثة ايام ولياليهن " وهذا مسافر ولانه سافر قبل انقضاء مدة المسح اشبه من سافر بعد الحدث وقبل المسح وهذا اختيار الخلال وصاحبه، قال الخلال رجع احمد عن قوله الاول إلى هذا، وإن شك هل ابتدأ المسح في الحضر أو السفر بنى على مسح حاضر لانه لا يجوز المسح مع الشك في إباحته ولان الاصل الغسل والمسح رخصة فإذا شككنا في شرطها رجعنا إلى الاصل. فان ذكر بعد انه كان قد ابتدأ المسح في السفر جاز البناء على مسح مسافر، وان كان قد صلى بعد اليوم والليلة مع الشك ثم تيقن فعليه إعادة ما صلى مع الشك لانه صلى بطهارة لم يكن له أن يصلي بها فهو كما لو صلى يعتقد أنه محدث ثم ذكر انه
[ 160 ]
متطهر فان وضوءه صحيح ويلزمه إعادة الصلاة وهذا التفريع على الرواية الاولى. ومتى شك الماسح في الحدث بنى على الاحوط عنده لان الاصل غسل الرجل (فصل) فان لبث وأحدث وصلى الظهر ثم شك هل مسح قبل الظهر أو بعدها وقلنا ابتداء المدة من حين المسح بنى الامر في المسح على انه قبل الظهر وفي الصلاة على أنه مسح بعدها لان الاصل بقاء الصلاة في ذمته ووجوب غسل الرجل فرددنا كل واحد منهما إلى أصله والله أعلم (مسألة) (وان أحدث ثم سافر قبل المسح أتم مسح مسافر) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن؟ وهذا حال ابتداء المسح كان مسافرا (مسألة) قال (ولا يجوز المسح إلا على ما يستر محل الفرض ويثبت بنفسه) متى كان الخف ساترا لمحل الفرض لا يرى منه الكعبان لكونه ضيقا أو مشدودا جاز المسح عليه. فأما المقطوع من دون الكعبين فلا يجوز المسح عليه وهذا قول الشافعي وأبي ثور وهو الصحيح عن مالك، وحكي عن
الاوزاعي ومالك جواز المسح عليه لانه خف يمكن متابعة المشى فيه أشبه السائر ولنا أنه لا يستر محل الفرض أشبه اللالكة والنعلين ولان حكم ما ظهر الغسل وحكم ما استتر المسح ولا سبيل إلى الجمع من غير ضرورة فغلب الغسل كما لو ظهرت إحدى الرجلين ولو كان للخف قدم وله شرج إذا شده يستر محل الفرض جاز المسح عليه وقال أبو الحسن الآمدي لا يجوز المسح
[ 161 ]
عليه كاللفائف، ولنا أنه خف ساتر يمكن متابعة المشي فهى أشبه غير ذي الشرج (فصل) فان كان الخف محرما كالقصب الحرير لم يجز المسح عليه في الصحيح من المذهب لان المسح رخصة فلا تستباح بالمعصية كما لا يستبيح المسافر الرخص بسفر المعصية (فصل) ويجوز المسح على كل خف ساتر لمحل الفرض سواء كان من جلود أو لبود وما أشبهها فان كان خشبا أو حديدا وما أشبههما جاز المسح عليه وهذا قول أبي الخطاب قال القاضي وهو قياس المذهب لانه خف يمكن متابعة المشي فيه ساتر لمحل الفرض أشبه الجلود، وقال بعض أصحابنا لا يجوز المسح عليها لان الرخصة وردت في الخفاف المتعارفة للحاجة (1) ولا تدعو الحاجة إلى المسح على هذه في الغالب. (مسألة) قال (ويثبت بنفسه) فان كان لا يثبت بنفسه بحيث يسقط من القدم إذا مشى فيه لم يجز المسح عليه لان الذي تدعو الحاجة إلى لبسه هو الذي يمكن متابعة المشي فيه فأما ما يسقط إذا مشى فيه فلا يشق نزعه ولا يحتاج إلى المسح عليه (مسألة) (فان كان فيه خرق يبدو منه بعض القدم أو كان واسعا يرى منه الكعب أو الجورب خفيفا يصف القدم أو يسقط منه إذا مشى أو شد لفائف لم يجز المسح عليه) وجملة ذلك انه انما يجوز المسح على الخف ونحوه إذا كان ساتر المحل الفرض لما ذكرنا، فان كان فيه خرق يبدو منه بعض القدم أو كان واسعا يرى منه الكعب لم يجز المسح سواء كان الخرق كبيرا أو صغيرا من موضع الخرز أو من غيره. فاما ان
1) إذا كانت الرخصة للحاجة فلم تقيد بالمتعارف في صفة عارضة لادخل لها في مس الحاجة كمادة الخف وشكله وصنعته؟ الحق الاول وهذا تعليل ضعيف
[ 162 ]
كان الشق ينضم فلا يبدو منه القدم لم يمنع جواز المسح نص عليه وهو مذهب معمر وأحد قولي الشافعي،
وقال الثوري وإسحاق وابن المنذر يجوز المسح عل كل خف، وقال الاوزاعي يمسح الخف المخروق وعلى ما ظهر من رجله وقال أبو حنيفة ان كان أقل من ثلاث أصابع جاز المسح عليه وإلا لم يجز، وقال مالك ان كثر وتفاحش لم يجز وإلا جاز وتعلقوا بعموم الحديث وبأنه خف يمكن متابعة المشي فيه أشبه الصحيح ولان الغالب على خفاف العرب كونها مخرقة وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلبسها من غير تفصيل فينصرف إلى الخفاف الملبوسة عندهم غالبا ولنا أنه غير ساتر للقدم فلم يجز المسح عليه كما لو كثر وتفاحش ولان حكم ما ظهر الغسل وحكم ما استتر المسح فإذا اجتمعا غلب الغسل كما لو ظهرت إحدى الرجلين (فصل) وكذلك إن كان الجورب خفيفا يصف القدم لم يجز المسح عليه لانه غير ساتر (1) لمحل الفرض أشبه النعل. وكذلك ان كان يسقط من القدم ولا يثبت فيه لما ذكرنا، ولا يجوز المسح على اللفائف والخرق نص عليه أحمد لانها لا تثبت بنفسها انما تثبت بشدها ولا نعلم في هذا خلافا (مسألة) (وان لبس خفا فلم يحدث حتى لبس عليه آخر جاز المسح عليه) يعني على الفوقاني سواء كان التحتاني صحيحا أو مخرقا وهذا قول الثوري والاوزاعي وأصحاب الرأي، ومنع منه مالك والشافعي في أحد قوليهما لان الحاجة لا تدعو إلى لبسه في الغالب فلم تتعلق به رخصة عامة كالجبيرة
1) ان بدو القليل المعتاد في الخفاف ولا سيما في السفر وهذا اختيار شيخ الاسلام تقي الدين من الحنابلة
[ 163 ]
ولنا أنه خف ساتر يثبت بنفسه أشبه المنفرد وقوله الحاجة لا تدعو إليه ممنوع فان البلاد الباردة لا يكفى فيها خف واحد غالبا ولو سلمنا ذلك لكن الحاجة معتبرة بدليلها وهو الاقدام على اللبس لا بنفسها فهو كالخف الواحد. إذا ثبت ذلك فمتى نزع الفوقاني قبل مسحه لم يؤثر فيه، وان نزعه بعد مسحه بطلت الطهارة ووجب نزع الخفين وغسل الرجلين لزوال محل المسح ونزع أحد الخفين كنزعهما لان الرخصة تعلقت بهما فصار كانكشاف القدم، ولو أدخل يده من تحت الفوقاني ومسح الذي تحته جاز لان كل واحد منهما محل للمسح فجاز المسح عليه كما يجوز غسل قدميه في الخف مع جواز المسح
عليه، ولو لبس أحد الجرموقين في أحد الرجلين دون الاخرى جاز المسح عليه وعلى الخف الذي في الرجل الاخرى فهو كما لو لم يكن تحته شئ (فصل) وان لبس مخرقا فوق صحيح فالمنصوص عن احمد جواز المسح عليه رواها عنه حرب لان القدم مستور بخف صحيح فجاز المسح عليه كما لو كان مكشوفا، وقال القاضي وأصحابه لا يجوز المسح إلا على التحتاني لان الفوقاني لا يجوز المسح عليه مفردا أشبه مالو كان تحته لفافة، فاما ان لبس مخرقا فوق لفافة لم يجز المسح عليه لان القدم غير مستور بخف صحيح، وان لبس مخرقا فوق مخرق فاستتر القدم بهما احتمل أن لا يجوز المسح لذلك واحتمل جواز المسح لان القدم استتر بهما أشبه مالو كان أحدهما مخرقا والآخر صحيحا
[ 164 ]
(فصل) فاما إن لبس الفوقاني بعد أن أحدث لم يجز المسح لانه لبسه على غير طهارة وكذلك ان مسح على الاول ثم لبس الثاني، وقال بعض أصحاب الشافعي يجوز لان المسح قام مقام الغسل ولنا أن المسح على الخف لم يزل الحدث عن الرجل فلم تكمل الطهارة أشبه التيمم ولان الخف الممسوح عليه بدل والبدل لا يكون له بدل آخر والله أعلم (مسألة) (ويمسح أعلى الخف دون أسفله وعقبه فيضع يده على الاصابع ثم يمسح إلى ساقه) هذه السنة في مسح الخف، فان عكس فمسح في ساقه إلى أسفل جاز والمسنون الاول لما روى الخلال باسناده عن المغيرة فذكر وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم توضأ ومسح على الخفين فوضع يده اليمنى على خفه الايمن ووضع يده اليسرى على خفه الايسر ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنطر إلى أثر أصابعه على الخفين قال ابن عقيل: سنة المسح هكذا أن يمسح خفيه بيديه باليمنى اليمنى وباليسرى اليسرى وقال احمد كيفما فعلت فهو جائز باليد الواحدة أو باليدين، وان مسح باصبع أو أصبعين أجزأه إذا كرر المسح بها حتى يصير مثل المسح باصابعه ولا يسن مسح أسفله ولا عقبه وهذا قول عروة وعطاء والحسن والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر، وروي مسح ظاهر الخفين وباطنهما عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر وعمر ابن عبد العزيز وابن المبارك ومالك والشافعي لما روى المغيرة بن شعبة قال وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فمسح أعلى الخف وأسفله رواه أبو داود والترمذي ولانه يحاذي محل الفرض أشبه ظاهره
[ 165 ]
ولنا قول علي رضي الله عنه: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من ظاهره وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهر خفيه رواه الامام احمد وأبو داود، وعن عمر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالمسح على ظاهر الخفين إذا لبسهما وهما طاهرتان رواه الخلال ولان مسحه غير واجب ولا يكاد يسلم من مباشرة أذى فيه تتنجس به يده فكان تركه أولى، وحديثهم معلول قاله الترمذي وقال وسألت أبا زرعة ومحمدا عنه فقال ليس بصحيح وقال احمد هذا من وجه ضعيف وأسفل الخف ليس بمحل لفرض المسح بخلاف أعلاه (فصل) فان مسح أسفله أو عقبه دون أعلاه لم يجزه في قول أكثر العلماء، قال شيخنا لا نعلم أحدا قال يجزئه مسح أسفل الخف إلا أشهب من اصحاب مالك وبعض الشافعية لانه مسح بعض ما يحاذي محل الفرض فأجزأه كما لو مسح ظاهره، ومنصوص الشافعي كمذهب الجمهور لما ذكرنا ان النبي صلى الله عليه وسلم انما مسح ظاهر الخف ولا خلاف في انه يجزئ الاقتصار على مسح ظاهر الخف حكاه ابن المنذر (فصل) والقدر المجزئ في المسح أن يمسح أكثر مقدم ظاهره خطوطا بالاصابع قاله القاضي لما ذكرنا من حديث المغيرة، وقال الشافعي والثوري وأبو ثور يجزئ القليل منه لانه أطلق لفظ المسح ولم ينقل فيه تقدير فرجع إلى ما تناوله الاسم، وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن يجزئه قدر ثلاث أصابع وهو قول الاوزاعي، وقال إسحاق لا يجزئ حتى يمسح بكفيه
[ 166 ]
ولنا ان لفظ المسح ورد مطلقا وفسره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله كما ذكرنا في حديث المغيرة، ولا يستحب تكرار مسحه لان في حديث المغيرة مسحة واحدة. روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وقال عطاء يمسح ثلاثا (فصل) فان مسح بخرقة أو خشبة احتمل الاجزاء لحصول المسح، واحتمل المنع لان النبي صلى الله عليه وسلم مسح بيده، فان غسل الخف لم يجزه وهذا قول مالك واختيار القاضي، قال ابن المنذر وهو أقيس لانه أمر بالمسح فلم يفعله فلم يجزه كما لو طرح التراب على وجهه ويديه في التيمم لكن
إن أمر يديه على الخفين في حال الغسل أو بعده أجزأه لوجود المسح. وقال ابن حامد يجزئه وهو قول الثوري وأصحاب الرأي لانه أبلغ من المسح والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم أولى والمستحب أن يفرج أصابعه إذا مسح قال الحسن خطوطا بالاصابع ووضع الثوري أصابعه على مقدم خفيه وفرج بينهما ثم مسح على اصل الساق، وروي عن عمر أنه مسح حتى رئي آثار اصابعه على خفيه خطوطا (مسألة) (ويجوز المسح على العمامة المحنكة إذا كانت ساترة لجميع الرأس الا ما جرت العادة بكشفه) قد ذكرنا دليل جواز المسح على العمامة، ومن شروط جواز المسح عليها أن تكون ساترة لجميع الرأس الا ما جرت العادة بكشفه كمقدم الرأس والاذنين وجوانب الرأس فانه يعفى عنه بخلاف خرق الخف فانه يعفى عنه لان هذا جرت العادة به ويشق التحرز عنه وان ظهر بعض القلنسوة من تحت العمامة فالظاهر جواز المسح عليهما لانهما صارا كالعمامة الواحدة، ومتى كانت محنكة جاز المسح عليها رواية
[ 167 ]
واحدة سواء كان له ذؤابة أو لم يكن لان هذه عمائم العرب وهي أكثر سترا ويشق نزعها قاله القاضي وسواء كانت صغيرة أو كبيرة ولانها مأمور بها وتفارق عمائم أهل الكتاب (مسألة) قال (ولا يجوز على غير المحنكة الا ان تكون ذات ذؤابة فيجوز في احد الوجهين) اما إذا لم يكن لها حنك ولا ذؤابة فلا يجوز المسح عليها لانها على صفة عمائم اهل الذمة وقد نهي عن التشبه بهم ولانها لا يشق نزعها وان كان لها ذؤابة ولا حنك لها ففيه وجهان (احدهما) جوازه لانها لا تشبه عمائم اهل الذمة إذ ليس من عادتهم الذؤابة (والثاني) لا يجوز وهو الاظهر لان النبي صلى الله عليه وسلم امر بالتحلي ونهى عن الاقتعاط. رواه أبو عبيد قال: والاقتعاط ان لا يكون تحت الحنك منها شئ وروي ان عمر رضى الله عنه راى رجلا ليس بمحنك بعمامته فحنكه بكور منها وقال ما هذه الفاسقية ولانها لا يشق نزعها فلم يجز المسح كالتي لا ذؤابة لها ولا حنك (فصل) وما جرت العادة بكشفه من الرأس استحب ان يمسح عليه مع العمامة، نص عليه لان النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعمامته في حديث المغيرة وهو صحيح، وهل يجب الجمع بينهما إذا قلنا بوجوب استيعاب مسح الرأس؟ فيه وجهان (احدهما) يجب للخبر ولان العمامة ثابت عما استتر
فوجب مسح الباقي كما لو ظهر سائر رأسه (والثاني) لا يجب لان العمامة نابت عن الرأس فانتقل الفرض إليها وتعلق الحكم بها فلم يبق لما ظهر حكم ولان الجمع بينهما يفضي إلى الجمع بين البدل والمبدل في عضو واحد فلم يجز من غير ضرورة كالخف
[ 168 ]
ولا يجب مسح الاذنين مع العمامة لا نعلم فيه خلافا لانه لم ينقل وليستا من الرأس إلا على وجه التبع (فصل) وحكمها في التوقيت واشتراط تقدم الطهارة لها حكم الخف قياسا عليه، فان كانت العمامة محرمة اللبس كالحرير والمغصوبة لم يجز المسح عليها في الصحيح لما ذكرنا في الخف فان لبست المرأة عمامة لم يجز المسح عليها لانها منهية عن التشبة بالرجال فكانت محرمة في حقها وان كان لها عذر فهذا نادر لا يفرد يحكم (مسألة) (ويجزئ مسح أكثرها وقيل لا يجزئ الا مسح جميعها) اختلفت الرواية في وجوب استيعاب العمامة بالمسح فروي ما يدل على أنه يجزئ مسح أكثرها لانها احد الممسوحين على وجه البدل فأجزأ مسح بعضه كالحف، وروي عنه أنه يلزم استيعابها قياسا على مسح الرأس. والفرق بينهما أن البدل ههنا من جنس المبدل فيقدر بقدره كمن عجز عن قراءة الفاتحة وقدر على قراءة غيرها من القرآن يجب أن يكون بقدرها. ولو كان البدل تسبيحا لم يتقدر بقدرها لكونه ليس من جنسها. والخف بدل من غير الجنس لكونه بدلا عن الغسل فلم يتقدر بقدره كالتسبيح بدلا عن القرآن، والصحيح الاول قياسا عى الخف وما ذكر للرواية الثانية ينتقض بمسح الجبيرة فانه بدل عن الغسل وهو من غير جنس المبدل ويجب فيه الاستيعاب، وقال القاضي يجزئ مسح بعضها كالخف ويختص ذلك بأكوارها دون وسطها فان مسح وسطها وحده ففيه وجهان (أحدهما) يجزئه كما يجزئ مسح بعض دوائرها (والثاني) لا يجزئه كما لو مسح أسفل الخف
[ 169 ]
(مسألة) (ويمسح على جميع الجبيرة إذا لم تتجاوز قدر الحاجة) لانه لا يشق المسح عليها كلها بخلاف الخف فانه يشق تعيميم جميعه ويتلفه المسح ولانه مسح للضرورة أشبه التيمم، وان كان بعضها في محل الفرض وبعضها في غيره مسح ما حاذي محل الفرض نص عليه أحمد. وانما يجوز المسح عليها إذا لم يتعد بها موضع الكسر إلا بما لابد من وضع الجبيرة عليه فانها لابد أن توضع على طرفي الصحيح ليرجع
الكسر، فان شدها على مكان يستغني عن شدها عليه كان تاركا لغسل ما يمكنه غسله من غير ضرر فلم يجز كما لو شدها على مالا كسر فيه، وقد روي عن أحمد أنه سهل في ذلك في مسألة الميموني والمروذي لان هذا مما لا ينضبط وهو شديد جدا. فعلى هذا لا بأس بالمسح على العصائب كيف شدها والاول أولى لما ذكرنا. فعلى هذا إذا تجاوز بها موضع الحاجة لزمه نزعها ان لم يخف الضرر وان خاف من نزعها تيمم لها لانه موضع يخاف الضرر باستعمال الماء فيه فجاز التيمم له كالجرح. (مسألة) قال (ومتى ظهر قدم الماسح أو رأسه أو انقضت مدة المسح استأنف الطهارة) لان المسح بدل عن الغسل فمتى ظهر القدم وجب غسله لزوال حكم البدل كالمتيمم يجد الماء (وعنه يجزئه مسح رأسه وغسل قدميه) وجملة ذلك أنه متى ظهر قدم الماسح بعد الحدث والمسح وقبل انقضاء المدة فقد اختلف العلماء فيه فالمشهور عن أحمد رحمه الله أنه يعيد الوضوء وبه قال النخعي والزهري ومكحول والاوزاعي واسحاق وهو أحد قولي الشافعي، وعن أحمد رواية أنه يجزئه غسل قدميه وهو قول الثوري وأبي ثور
[ 170 ]
والمزني وأصحاب الرأي والقول الثاني للشافعي لان مسح الخفين ناب عن الرجلين خاصة فظهورهما يبطل ما ناب عنه كالتيمم إذا بطل برؤية الماء بطل ما ناب عنه. وهذا الاختلاف مبني على وجوب الموالاة فمن لم يوجبها في الوضوء جوز غسل القدمين لان سائر أعضائه سواهما مغسولة ومن أوجب الموالاة أبطل الوضوء لفوات الموالاة، فعلى هذا لو خلع الخفين قبل جفاف الماء عن بدنه أجزأه غسل قدميه وصار كانه خلعهما قبل مسحه عليهما، وقال الحسن وقتادة: لا يتوضأ ولا يغسل قدميه واختاره ابن المنذر لانه أزال الممسوح عليه بعد كمال الطهارة أشبه مالو حلق رأسه بعد مسحه ووجه الرواية الاولى أن الوضوء بطل في بعض الاعضاء فبطل في جميعها كما لو أحدث وما ذكروه يبطل بنزع أحد الخفين فانه يلزمه غسلهما وانما ناب مسحه عن إحداهما. وأما التيمم عن بعض الاعضاء فسيأتي الكلام عليه في بابه ان شاء الله. وقال مالك والليث بن سعد: ان غسل رجليه مكانه صحت طهارته فان تطاول أعاد الوضوء لان الطهارة كانت صحيحة إلى حين نزع الخفين أو انقضاء المدة وانما بطلت في القدمين خاصة فإذا غسلهما عقيب النزع حصلت الموالاة بخلاف ما إذا تطاول، ولا يصح ذلك لان
المسح بطل حكمه وصار الآن يضيف الغسل إلى الغسل فلم يبق للمسح حكم ولان الاعتبار في الموالاة انما هو بقرب الغسل من الغسل لا من حكمه فانه متى زال حكم الغسل بطلت الطهارة ولم ينفع قرب الغسل من الخلع شيئا لكون الحكم لا يعود بعد زواله إلا بسبب جديد والله أعلم
[ 171 ]
(فصل) وحكم خلع العمامة بعد المسح عليها عند القائلين بجواز المسح عليها حكم الخف لانها في معناه إلا أنه ههنا يلزمه مسح رأسه وغسل قدميه إذا قلنا بوجوب الترتيب. وكذلك الحكم لو نزع الجبيرة بعد المسح عليها قياسا على الخف والعمامة الا أنه ان كان مسح عليها في الجنابة لم يحتج إلى إعادة غسل ولا وضوء لان الترتيب والموالاة ساقطان فيه (فصل) وإذا انقضت مدة المسح بطلت طهارته أيضا ولزمه خلع الخفين والعمامة وإعادة الوضوء على الرواية الاولى وعلى الثانية يجزئه مسح رأسه وغسل قدميه وقد ذكرنا وجه الروايتين، ومتى أمكنه نزع الجبيرة من غير ضرر فهو كما لو انقضت مدة المسح قياسا عليه. وقال الحسن لا يبطل الوضوء ويصلي حتى يحدث ونحوه قول داود فانه قال ينزع خفيه ويصلي حتى يحدث لان الطهارة لا تبطل الا بالحدث والخلع ليس بحدث ولنا أن غسل الرجلين شرط للصلاة وإنما قام المسح مقامه في المدة فإذا انقضت لم يجز أن يقوم مقامه الا بدليل ولانها طهارة لا يجوز ابتداؤها فيمنع من استدامتها كالمتيمم عند رؤية الماء (فصل) ونزع أحد الخفين كنزعهما في قول أكثر أهل العلم منهم مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي ويلزمه نزع الآخر، وقال الزهري وأبو ثور يغسل القدم الذي نزع منه الخف ويمسح الآخر لانهما عضوان فأشبها الرأس والقدم ولنا أنهما في الحكم كعضو واحد ولهذا لا يجب ترتيب أحدهما على الآخر فيبطل مسح أحدهما بظهور الآخر كالرجل الواحدة وبهذا فارق الرأس والقدم (فصل) وانكشاف بعض القدم من خرق كنزع الخف. فان انكشطت الظهارة دون البطانة وكانت
[ 172 ]
البطانة ساترة لمحل الفرض تثبت بنفسها جاز المسح كما لو لم تنكشط، وان أخرج قدمه إلى ساق الخف
فهو كخلعه وهذا قول إسحاق وأصحاب الرأي، وقال الشافعي لا يتبين لي أن عليه الوضوء إلا أن يظهر بعضها لان القدم مستور بالخف، وحكى أبو الخطاب في رءوس المسائل عن أحمد نحو ذلك، ولنا أن استقرار الرجل في الخف شرط جواز المسح بدليل مالو أدخل رجله الخف فأحدث قبل استقرارها فيه لم يكن له المسح، فإذا تغير الاستقرار زال شرط جواز المسح فبطل كما لو ظهر، وإن كان إخراج القدم إلى ما دون ذلك لم يبطل المسح لانها لم تزل عن مستقرها، وقال مالك: إذا أخرج قدمه من موضع المسح خروجا بينا غسل قدميه (فصل) وان نزع العمامة بعد المسح عليها بطلت الطهارة نص عليه أحمد وكذلك إن انكشف رأسه الا أن يكون يسيرا مثل أن حك رأسه ورفعها لاجل الوضوء، قال أحمد: إذا زالت العمامة من هامته لا بأس ما لم ينقضها أو يفحش ذلك لان هذا مما جرت العادة به فيشق التحرز عنه، وان انتقضت بعد مسحها فهو كنزعها لانه في معناه، وان انتقض بعضها ففيه روايتان (إحداهما) لا تبطل طهارته لانه زال بعض الممسوح عليه مع بقاء العضو مستورا فهو ككشط الخف مع بقاء البطانة (والثانية) تبطل قال القاضي لو انتقض منها كور واحد بطلت لانه زال الممسوح عليه أشبه نزع الخف
[ 173 ]
(مسألة) قال (ولا مدخل لحائل في الطهارة الكبرى إلا الجبيرة) لا يجوز المسح على غير الجبيرة في الطهارة الكبرى لما روى صفوان بن عسال قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أو سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة. رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. فأما الجبيرة فيجوز المسح عليها في الطهارة الكبرى لحديث صاحب الشجة ولانه مسح أبيح للضرر أشبه التيمم والله أعلم (باب نواقض الوضوء) (وهي ثمانية الخارج من السبيلين قليلا كان أو كثيرا نادرا أو معتادا) وجملة ذلك أن الخارج من السبيلين على ضربين معتاد كالبول والغائظ والمذي والودي والريح فهذا ينقض الوضوء إجماعا حكاه ابن المنذر، ودم الاستحاضة ينقض الطهارة في قول عامة أهل العلم إلا في قول ربيعة
(الضرب الثاني) نادر كالدم والدود والحصى والشعر فينقض الوضوء أيضا، وهو قول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وقال قتادة ومالك ليس في الدود يخرج من الدبر الوضوء، وروي عن مالك أنه لم يوجب الوضوء من هذا الضرب لانه نادر أشبه الخارج من غير السبيل
[ 174 ]
ولنا أنه خارج من السبيل أشبه المذي ولانه لا يخلو من بلة تتعلق به وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة بالوضوء لكل صلاة ودمها غير معتاد (فصل) فان خرجت الريح من قبل المرأة وذكر الرجل فقال القاضي ينقض الوضوء ونقل صالح عن أبيه في المرأة يخرج من فرجها الريح: ما خرج من السبيلين ففيه الوضوء. وقال ابن عقيل يحتمل أن يكون الاشبه بمذهبنا في الريح الخارج من الذكر أن لا ينقض لان المثانة ليس لها منفذ إلى الجوف ولا جعلها أصحابنا جوفا ولم يبطلوا الصوم بالحقنة فيه، قال شيخنا ولا نعلم لها وجودا في حق أحد. وقد قيل انه يعلم بأن يحس الانسان في ذكره دبيبا وهذا لا يصح لكونه لا يحصل به اليقين والطهارة لا تبطل بالشك. فان وجد ذلك يقينا نقض الطهارة قياسا على سائر الخارج من السبيلين (فصل) فان قطر في إحليله دهنا ثم عاد فخرج نقض الوضوء لانه خارج من السبيلين لا يخلو من بلة نجسة تصحبه فينتقض بها الوضوء كما لو خرجت منفردة. وقال القاضي لا ينقض لانه ليس بين الاحليل والمثانة منفذ وانما يخرج البول رشحا فإذا كان كذلك لم يصل الدهن إلى موضع نجس فإذا خرج فهو طاهر فلم ينقض كسائر الطاهرات إذا خرجت من البدن والاول أولى. وقوله لا يصل الدهن إلى موضع نجس ممنوع فان باطن الذكر نجس من آثار البول والماء لا يصل إليه فيطهره فيتنجس به الدهن، ولو احتشى قطنا في ذكره ثم أخرجه وعليه بلل نقض الوضوء أيضا كما لو خرج البلل منفردا
[ 175 ]
وان خرج ناشفا ففيه وجهان (أحدهما) ينقض لانه خارج من السبيل أشبه سائر الخارج (والثاني) لا ينقض لانه ليس بين المثانة والجوف منفذ ولم تصحبه نجاسة فلم ينقض كسائر الطاهرات، ونقل القاضي في المجرد عن أحمد في رواية عبد الله إذا احتشى القطن في ذكره وصلى ثم أخرجه ووجد بللا فلا بأس ما لم يظهر
يعني جاريا وهذا يدل على أن نفس البلل لا ينقض، ولو احتقن في دبره فرجعت أجزاء خرجت من الفرج نقضت الوضوء، وهكذا لو وطئ امرأته دون الفرج فدب ماؤه فدخل الفرج ثم خرج نقض الوضوء وعليهما الاستنجاء لانه خارج من السبيل لا يخلو من بلة تصحبه من الفرج، فان لم يعلم خروج شئ منه احتمل وجهين (أحدهما) النقض فيهما لان الغالب انه لا ينفك عن الخروج فنقض كالنوم (والثاني) لا ينقض عملا بالاصل. لكن ان كان المحتقن قد أدخل رأس الزراقة ثم أخرجه نقض الوضوء وكذلك ان أدخل فيه ميلا أو غيره ثم خرج لانه خارج من السبيل فنقض كسائر الخارج (فصل) قال أبو الحرث سألت أحمد عن رجل به علة ربما ظهرت مقعدته قال ان علم انه يظهر معها ندى توضأ وان لم يعلم فلا شئ عليه. قال شيخنا رحمه الله يحتمل انه انما أراد ندى ينفصل عنها فأما الرطوبة اللازمة لها فلا تنقض لانها لا تنفك عن رطوبة فلو نقضت لنقض خروجها على كل حال وذلك لانه شئ لم ينفصل عنها فلم ينقض كسائر أجزائها وقد قالوا فيمن أخرج لسانه وهو صائم وعليه بلل ثم أدخله وابتلع ذلك البلل لم يفطر لانه لم يثبت له حكم الانفصال والله أعلم
[ 176 ]
(فصل) والمذي ما يخرج عقيب الشهوة زلجا متسبسبا فيكون على رأس الذكر ينقض الوضوء إجماعا وهل يجب غسل الذكر والانثيين منه؟ فيه روايتان (إحداهما) يوجب ذلك لما روي أن عليا رضي الله عنه قال كنت رجلا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الاسود فسأله فقال " يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ " رواه أبو داود. وفي لفظ " توضأ وانضح فرجك " رواه مسلم. والامر للوجوب ولانه خارج بسبب الشهوة فاوجب غسلا زائدا على موجب البول كالمني فعلى هذا يجزئه غسلة واحدة لان المأمور به غسل مطلق فيكفي ما يقع عليه الاسم وقد بينه قوله في اللفظ الآخر " وانضح فرجك " وسواء غسله قبل الوضوء أو بعده لانه غسل غير مرتبط بالوضوء أشبه غسل النجاسة (والثانية) لا يوجب إلا الاستنجاء والوضوء روي ذلك عن ابن عباس وهو قول أكثر أهل العلم لما روى سهل بن حنيف قال كنت ألقى من المذي شدة وعناء وكنت أكثر منه الاغتسال فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال " انما يجزيك من ذلك الوضوء " رواه الترمذي وقال حسن صحيح
ولانه خارج لا يوجب الغسل أشبه الودي والامر بالنضح والغسل في حديث علي محمول على الاستحباب وقوله " انما يجزيك من ذلك الوضوء " صريح في حصول الاجزاء به، والودي ماء أبيض يخرج عقيب البول ليس فيه وفي بقية الخارج الا الوضوء سوى المني يروى ذلك عن ابن عباس والله أعلم
[ 177 ]
(مسألة) (الثاني خروج النجاسات من سائر البدن فان كانت غائطا أو بولا نقض قليلها) لا يختلف المذهب في نقض الوضوء بخروج الغائط والبول سواء كان من مخرجهما أو من غيره ويستوي قليلهما وكثيرهما في ذلك سواء كان السبيلان منسدين أو مفتوحين من فوق المعدة أو من تحتها، وقال أصحاب الشافعي ان انسد المخرج وانفتح آخر دون المعدة لزم الوضوء بالخارج منه قولا واحدا. وان انفتح فوق المعدة ففيه قولان. وان كان المخرج مفتوحا فالمشهور أنه لا ينقض الوضوء بالخارج من غيره وبناه على أصله في أن الخارج من غير السبيلين لا ينقض ولنا عموم قوله تعالى (أو جاء أحد منكم من الغائط) وقول صفوان بن عسال أمرننا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين - أو سفرا - ان لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم. هذا حديث صحيح قاله الترمذي ولانه غائط وبول خارج من البدن فنقض كالخارج من السبيلين (مسألة) قال (وان كان غيرهما لم ينقض الا كثيرها وهو ما فحش في النفس وحكي عنه أن قليلها ينقض) وجملة ذلك أن الخارج النجس من غير السبيلين غير البول والغائط ينقض كثيره بغير خلاف في المذهب روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء وقتادة والثوري وأصحاب الرأي، وقال مالك والشافعي ويحيى الانصاري وأبو ثور وابن المنذر لا وضوء فيه لانه خارج من غير المخرج مع بقاء المخرج فلم ينقض كالبصاق ولانه لانص فيه ولا يصح قياسه على الخارج من السبيل لكون الحكم فيه غير معلل ولان الخارج من السبيل لا فرق بين قليله وكثيره. وطاهره ونجسه. وههنا بخلافه فامتنع القياس
[ 178 ]
ولنا ماروى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ قال ثوبان صدق أنا سكبت له وضوءه رواه الترمذي وقال هذا أصح شئ في الباب، قيل لاحمد حديث ثوبان ثبت عندك؟ قال نعم، ولان النبي
صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة " انه دم عرق فتوضئي لكل صلاة " رواه الترمذي علل بكونه دم عرق وهذا كذلك ولانه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم، ولانه خارج نجس فنقض كالخارج من السبيلين. وقياسهم منقوض بما إذا انفتح مخرج دون المعدة. والبصاق طاهر بخلاف هذا (فصل) فأما القليل فظاهر المذهب أنه لا ينقض الوضوء حكاه القاضي رواية واحدة، وقال بعض أصحابنا فيه رواية أخرى أن القليل ينقض قياسا على الخارج المعتاد. روي ذلك عن مجاهد وهذا قول أبي حنيفة وسعيد بن جبير فيما إذا سال الدم، قال إن وقف على رأس الجرح لم يجب لقوله صلى الله عليه وسلم " من قاء أو رعف في صلاته فليتوضأ " ووجه الرواية الاولى أنه قد روي ذلك عن جماعة من الصحابة قال أبو عبد الله: عدة من الصحابة تكلموا فيه: أبو هريرة كان يدخل أصابعه في أنفه وابن عمر عصر بثرة فخرج دم فصلى ولم يتوضأ وابن أبي أوفى عصر دملا، وابن عباس قال إذا كان فاحشا فعليه الاعادة، وجابر أدخل أصابعه في أنفه ولم نعرف لهم مخالفا في عصرهم فكان اجماعا وحديثهم لا نعرف صحته ولم يذكره أصحاب السنن وقد تركوا العمل به فقالوا: إذا كان دون مل ء الفم لم يجب منه الوضوء (فصل) وظاهر المذهب أن الكثير الذى. ينقض الوضوء لاحد له إلا أن يكون فاحشا قيل يا أبا عبد الله ما قدر الفاحش؟ قال ما فحش في قلبك، وروي نحو ذلك عن ابن عباس، قال الخلال الذي استقرت الرواية عن أبي عبد الله أن الفاحش ما يستفحشه كل انسان في نفسه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " دع ما يريبك إلى مالا يريبك " وقال ابن عقيل انما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس لا المتبذلين ولا الموسوسين كما رجعنا في يسير اللقطة إلى مالا تبيعه نفوس أوساط الناس، وقد روي عن أحمد أنه
[ 179 ]
سئل عن الكثير فقال شبر في شبر، وفي موضع قال قدر الكف فاحش، وقال في موضع إذا كان مقدار ما يرفعه الانسان بأصابعه الخمس من القيح والصديد والقئ فلا بأس به، قيل له فعشر أصابع فرآه كثيرا وقال قتادة في موضع: الدرهم فاحش وهو قول الاوزاعي وأصحاب الرأي لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم " والصحيح أن ذلك انما يرجع فيه
إلى العرف فانه لاحد له في الشرع وما رووه فلا يصح قال الحافظ المقدسي هو موضوع، وقال القاضي إذا كان الدم قطرة أو قطرتين لم ينقض، وإن كان قدره إذا انفرش شبرا في شبر نقض وما كان بينهما ففيه روايتان، وقال في القئ إن كان مل ء الفم نقض، وإن كان مثل الحمصة والنواة لم ينقض رواية واحدة فيهما وما بينهما على روايتين وما نقله الخلال عنه أولى لما ذكرنا، ولان اعتبار حال الانسان بما يستفحشه غيره حرج فيكون منفيا (فصل) والقيح والصديد كالدم فيما ذكرنا قال أحمد هما أخف حكما من الدم لوقوع الخلاف فيهما فانه روي عن ابن عمر والحسن أنهما لم يريا القيح والصديد كالدم، وقال اسحاق كل ما سوى الدم لا يوجب وضوءا. وقال مجاهد وعطاء وعروة والشعبي وقتادة والحكم هو بمنزلة الدم، واختيار أبي عبد الله مع ذلك إلحاقه بالدم واثبات مثل حكمه فيه قياسا عليه لانه خارج نجس أشبه الدم لكن الذي يفحش منه يكون أكثر من الذي يفحش من الدم، والقلس كالدم ينقض الوضوء منه ما فحش قال الخلال الذي أجمع عليه أصحاب أبي عبد الله أنه إذا كان فاحشا أعاد الوضوء، وقد حكي عنه إذا كان مل ء الفم
[ 180 ]
نقض، وإن كان أقل من نصف الفم لا يتوضأ، وممن كان يأمر بالوضوء من القئ علي وابن عمر وأبو هريرة والاوزاعي وأصحاب الرأي والمذهب إلحاقه بالدم لانه في معناه. وهذا قول حماد بن أبي سليمان وكذلك الحكم في الدود الخارج من الجروح لانه خارج نجس أشبه الدم، فأما الجشاء والبصاق فلا وضوء فيه لا نعلم فيه خلافا، وكذلك النخامة سواء خرجت من الرأس أو من الصدر لانه لا نص فيها ولا هي في معنى المنصوص ولانها طاهرة أشبهت البصاق والله أعلم (مسألة) قال (الثالث زوال العقل إلا النوم اليسير جالسا أو قائما وعنه أن نوم الراكع والساجد لا ينقض يسيره) زوال العقل على ضربين: نوم وغيره، فأما غير النوم وهو الجنون والاغماء والسكر ونحوه مما يزيل العقل فينقض الوضوء يسيره وكثيره إجماعا، ولان في إيجاب الوضوء على النائم تنبيها على وجوبه بما هو آكد منه (الضرب الثاني) النوم وهو ناقض للوضوء في الجملة في قول عامة أهل العلم إلا ما حكي عن أبي
موسى الاشعري وأبي مجاز انه لا ينقض وعن سعيد بن المسيب انه كان ينام مرارا مضطجعا ينتظر الصلاة ثم يصلي ولا يعيد الوضوء ولعلهم ذهبوا إلى أن النوم ليس بحدث في نفسه والحدث مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " العين؟؟ فمن نام فليتوضأ " رواه الامام أحمد وأبو داود وابن
[ 181 ]
ماجه وقول صفوان بن عسال لكن من غائط وبول ونوم حديث صحيح ولان النوم مظنة الحدث فاقيم مقامه كالتقاء الختانين في وجوب الغسل أقيم مقام الانزال إذا ثبت هذا فالنوم ينقسم ثلاثة أقسام (أحدها) نوم المضطجع فينقض يسيره وكثيره عند جميع القائلين بنقض الوضوء بالنوم (الثاني) نوم القاعد فان كان كثيرا نقض رواية واحدة وإن كان يسيرا لم ينقض وهذا قول مالك والثوري وأصحاب الرأي، وقال قوم متى خالط النوم القلب نقض بكل حال، وهذا قول الحسن واسحاق وابي عبيد، وروي معنى ذلك عن أبى هريرة وابن عباس وأنس وابن المنذر لعموم الاحاديث الدالة على أن النوم ينقض ولنا ما روى مسلم عن أنس قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤن وعنه قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤن رواه أبو داود ولان النوم يكثر من منتظرى الصلاة فعفي عنه لمشقة التحرز عنه، وقال الشافعي، لا ينقض وان كثر إذا كان القاعد متمكنا مفضيا بمحل الحدث إلى الارض لحديثي أنس وبهما يتخصص عموم الحديثين الاولين ولانه متحفظ عن خروج الحدث فلم ينقض كاليسير ولنا عموم الحديثين الاولين خصصناهما بحديث أنس وليس فيه بيان كثرة ولا قلة فحملناه على القليل لانه اليقين وما زاد عليه محتمل لا يترك له العموم المتيقن ولان نقض الوضوء بالنوم معلل بافضائه إلى الحدث ومع الكثرة والغلبة لا يحس بما يخرج منه بخلاف اليسير، وبهذا فارق اليسير الكثير فلا يصح قياسا عليه. (الثالث) ما عدا ذلك وهو نوم القائم والراكع والسجاد ففيه روايتان (إحداهما ينقض وهو قول
الشافعي لانه لم يرد فيه نص ولا هو في معنى المنصوص لكون القاعد متحفظا متعمدا بمحل الحدث على الارض فهو أبعد من خروج الخارج بخلاف غيره (والثانية) حكمه حكم الجالس قياسا عليه ولانه على
[ 182 ]
حالة من أحوال الصلاة أشبه الجالس، والظاهر عن أحمد رحمه الله التسوية بين نوم القائم والجالس وهذا قول الحكم وسفيان وأصحاب الرأي، لما روى ابن عباس قال بت ليلة عند خالتي ميمونة فقلت لها إذا اقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأيقظيني فقام صلى الله عليه وسلم فقمت إلى جنبه الايسر فأخذ بيدي فجعلني في شقه الايمن فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني. رواه مسلم ولانهما يشتبهان في الانخفاض واجتماع المخرج وربما كان القائم أبعد من الحدث لكونه لو استثقل في النوم سقط فاما الراكع والساجد فالظاهر إلحاقهما بالمضطجع لانه ينفرج محل الحدث فلا يتحفظ فهو كالمضطجع، ويحتمل التفرقة بين الراكع والساجد فيلحق الراكع بالقائم لكونه لا يستثقل في النوم إذ لو استثقل سقط، فالظاهر أنه يحس بما يخرج منه بخلاف الساجد فانه يعتمد باعضائه على الارض ويستثقل في النوم فيشبه المضطجع فلا يحس بما يخرج وذكر ابن عقيل رواية عن أحمد أنه لا ينقض الا نوم الساجد وحده (فصل) واختلفت الرواية عن أحمد في القاعد المستند والمحتبي فعنه لا ينقض يسيره كالقاعد الذي ليس بمستند، وعنه ينقض بكل حال وهو ظاهر المذهب قال القاضي متى نام مضطجعا أو متسندا أو متكئا إلى شئ متى أزيل عنه سقط نقض الوضوء قليله وكثيره لانه معتمد على شئ فهو كالمضطجع، وعنه ما يدل على التفرقة بين المحتبي والمستند فانه قال في رواية أبي داود المتساند كانه أشد - يعني من المحتبي (قال شيخنا) والاولى أنه متى كان معتمدا بمحل الحدث على الارض أن لا ينقض منه الا الكثير لان دليل انتفاء النقض في القاعد لا تفريق فيه فيسوى بين أحواله (فصل) واختلف أصحابنا في حد اليسير من النوم الذي لا ينقض فقال القاضي ليس للقليل حد يرجع إليه فعلى هذا يرجع إلى العرف وقيل حد الكثير ما يتغير به النائم عن هيئته مثل أن يسقط على الارض أو يرى حلما، قال شيخنا والصحيح انه لاحد له لان التحديد انما يعلم بالتوقيف ولا توقيف فمتى
[ 183 ]
وجد ما يدل على الكثرة مثل سقوط المتمكن انتقض وضوؤه وإلا فلا، وان شك في كثرته لم ينتقض لان الاصل الطهارة فلا تزول عن اليقين بالشك (فصل) والنوم الغلبة على العقل فمن لم يغلب على عقله فلا وضوء عليه، وقال بعض أهل اللغة في قوله تعالى (لا تأخذه سنة ولا نوم) السنة ابتداء النعاس في الرأس فإذا وصل إلى القلب صار نوما قال الشاعر: وسنان أقصده النعاس فرنقت * في عينه سنة وليس بنائم ولان الناقض زوال العقل فمتى كان العقل ثابتا وحسه غير زائل مثل من يسمع ما يقال عنده ويفهمه لم يوجد سبب النقض وإن شك في النوم أو خطر بباله شئ لا يدري أرؤيا أو حديث نفس فلا وضوء عليه (مسألة) (الرابع مس الذكر بيده ببطن كفه أو بظهره) اختلفت الرواية عن أحمد في مس الذكر على ثلاث روايات (إحداها) لا ينقض بحال روي ذلك عن علي وعمار وابن مسعود وحذيفة وعمران بن حصين وأبي الدرداء وهو قول ربيعة والثوري وابن المنذر وأصحاب الرأي لما روى قيس بن طلق عن أبيه قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال مسست ذكري - أو - الرجل يمس ذكره في الصلاة عليه وضوء؟ قال " لا إنما هو بضعة منك " رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي ولانه عضو فلم ينقض كسائر الاعضاء والرواية الثانية ينقض الوضوء بكل حال وهي ظاهر المذهب وهو مذهب ابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء وعروة وسليمان بن يسار والزهري والاوزاعي والشافعي وهو المشهور عن مالك لما روت بسرة بنت صفوان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من مس ذكره فليتوضأ " وعن جابر مثل ذلك رواهما ابن ماجه قال الترمذي حديث بسرة حسن صحيح وقال البخاري أصح شئ في هذا الباب حديث بسرة وصححه الامام أحمد، فأما حديث قيس فقال أبو زرعة وأبو حاتم قيس ممن لا تقوم بروايته حجة ووهناه ولم يثبتاه ثم إن حديثنا متأخر لان أبا هريرة قد رواه وهو متأخر الاسلام انما صحب النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين وكان قدوم طلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يؤسسون المسجد فيكون حديثنا ناسخا له وقياس الذكر
[ 184 ]
على سائر البدن لا يصح لانه يتعلق به أحكام ينفرد بها من وجوب الغسل بايلاجه والحد والمهر وغير ذلك والرواية الثالثة لا ينقض إلا أن يقصد مسه قال أحمد بن الحسين: قيل لاحمد الوضوء من مس
الذكر؟ فقال هكذا - وقبض على يده - يعني إذا قبض عليه وهو قول مكحول وقال طاوس وسعيد بن جبير وحميد الطويل: ان مسه يريد وضوءا وإلا فلا شئ عليه لانه لمس فلا ينقض الوضوء لغير قصد كلمس النسا وسواء مسه ببطن كفه أو بظهره وهذا قول عطاء والاوزاعي، وقال مالك والشافعي واسحاق لا ينقض مسه بظاهر الكف وحكاه أبو الخطاب رواية عن احمد لانه ليس بآلة للمس فأشبه مالو مسحه بفخذه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء " رواه الامام احمد والدار قطني وظاهر كفه من يده والافضاء اللمس من غير حائل ولانه جزء من يده أشبه باطن الكف. وانما ينتقض وضوؤه إذا لمسه من غير حائل لما ذكرنا، وذكر القاضي عن أحمد رواية أنه لا ينقض الا مس الثقب الذي في رأس الذكر ولا ينقض لمس غيره. قال والاول أصح لعموم الاحاديث الدالة على النقض، وذكر أبو الخطاب رواية أنه لا ينقض الا لمس الحشفة خاصة والاول أصح لعموم النص (مسألة) قال (ولا ينقض مسه بذراعه) وعنه ينقض لانه من يده وهو قول الاوزاعي والاول ظاهر المذهب لان الحكم المعلق على مطلق اليد في الشرع انما ينصرف إلى الكوع بدليل قطع السارق وغسل اليد من نوم الليل ولانه ليس بآلة للمس أشبه العضد وقياسهم يبطل بالعضد فانه لا خلاف بين العلماء فيه (فصل) ولا فرق بين ذكره وذكر غيره خلافا لداود قال لان النص انما ورد في ذكره ولنا أنه إذا نقض الوضوء مس ذكره مع كون الحاجة تدعو إلى مسه وهو جائز فلان ينقض بمس ذكر غيره مع كونه معصية أولى، ولان نصه على نقض الوضوء بمس ذكره مع أنه لم يهتك حرمة تنبيه على نقضه بمس ذكر غيره، ولان في بعض ألفاظ خبر بسرة " من مس الذكر فليتوضأ " وحكم ذكر الكبير والصغير واحد وهو قول الشافعي، وقال الزهري والاوزاعي لا ينقض مس ذكر الصغير لانه يجوز مسه والنظر إليه بخلاف الكبير ولما روي أنه صلى الله عليه وسلم مس زبيبة الحسن ولم يتوضأ وذكره الآمدي رواية عن احمد
[ 185 ]
ولنا عموم الاحاديث وخبرهم ليس بثابت ثم ليس فيه أنه صلى ولم يتوضأ فيحتمل أنه لم يتوضأ في مجلسه ذلك وجواز مسه والنظر إليه يبطل بذكر نفسه وذكر الميت كذكر الحي لبقاء الاسم والحرمة وهو قول الشافعي وقال اسحاق لا وضوء عليه وهو قول بعض أصحابنا كالمرأة الميتة
(مسألة) (وفي مس الذكر المقطوع وجهان) (أحدهما) ينقض لبقاء اسم الذكر (والثاني) لا ينقض لذهاب الحرمة فهو كيد المرأة المقطوعة، ولو مس القلفة التي تقطع في الختان قبل قطعها انتقض وضوؤه لانها من جملة الذكر وان مسها بعد القطع فلا وضوء عليه لزوال الاسم والحرمة، وان انسد المخرج وانفتح غيره لم ينقض مسه لانه ليس بفرج (مسألة) (وإذا لمس قبل الخنثى المشكل وذكره انتقض وضوءه وان مس أحدهما لم ينقض إلا أن يمس الرجل ذكره لشهوة) لمس الخنثى المشكل ينقسم أربعة أقسام (أحدها) أن يمس فرج نفسه فمتى لمس أحد فرجيه لم ينتقض وضوؤه لجواز أن يكون خلقة زائدة وإن لمسهما جميعا انتقض وضوءه إن قلنا ان مس المرأة فرجها ينقض الوضوء لان أحدهما فرج بيقين وإلا فلا (الثاني) أن يكون اللامس رجلا فان مسهما جميعا لغير شهوة فهي كالتي قبلها، وإن مسهما لشهوة انتقض وضوؤه في ظاهر المذهب لانه ان كان رجلا فقد مس ذكره، وإن كان أنثى فقد مسها لشهوة، وكذلك الحكم إذا لمس ذكره لشهوة لما ذكرنا. فأما إن مس القبل وحده أو مس الذكر لغير شهوة لم ينتقض لجواز أن يكون خلقة زائدة الا إذا قلنا ان الملامسة تنقض الوضوء بكل حال فانه ينتقض بلمس الذكر وحده لانه ان كان رجلا فقد مس ذكره وان كانت أنثى فقد مسها (الثالث) أن يكون امرأة فان مستهما جميعا انتقض وضوؤها ان قلنا ان مس فرج المرأة ينقض الوضوء والا فلا وان مست أحدهما لغير شهوة لم ينتقض وضوؤها وكذلك ان مست الذكر لشهوة لجواز أن يكون خلقة زائدة من امرأة. وان مست الفرج لشهوة انتقض وضوؤها في ظاهر المذهب لانه ان كان رجلا فقد مسته لشهوة وان كانت أنثى فقد مست فرجها (الرابع) أن يكون اللامس خنثى مشكلا فان مس أحدهما لم ينتقض سواء كان لشهوة أو لا. وان مسهما جميعا انتقض وضوؤه إذا قلنا ان مس الفرج ينقض الوضوء. وان مس أحد الخنثيين ذكر الآخر ومس الآخر فرجه وكان اللمس لشهوة انتقض وضوء أحدهما قطعا لانهما إن كانا ذكرين فقد وجد بينهما
[ 186 ]
لمس ذكر، وان كانا أنثيين فقد وجد بينهما مس فرج امرأة وان كانا ذكرا وأنثى فقد وجدت بينهما ملامسة لشهوة ولا يحكم بنقض وضوء واحد منهما لانه متيقن الطهارة شاك في الحدث. وان كان لغير
شهوة لم ينقض لجواز أن يكون الممسوس ذكره امرأة والممسوس فرجه رجلا، وان مس كل واحد منهما ذكر الآخر أو قبله لم ينتقض لاحتمال أن يكونا امرأتين في الاولى ورجلين في الثانية والله أعلم (مسألة) (وفي مس الدبر ومس المرأة فرجها روايتان) احداهما ينقض الوضوء لعموم قوله صلى الله عليه وسلم " من مس فرجه فليتوضأ " رواه ابن ماجه عن أم حبيبة. قال أحمد وأبو زرعة حديث أم حبيبة صحيح وبه قال الشافعي في مس الدبر ولانه أحد الفرجين أشبه الذكر (والثانية) لا ينقض قال الخلال العمل والاشيع في قوله انه لا يتوضأ من مس الدبر وكذلك روى المروذي انه قيل لاحمد في الجارية إذا مست فرجها عليها وضوء؟ قال لم أسمع في هذا بشئ لان الحديث المشهور انما هو في مس الذكر وهذا ليس في معناه لانه لا يقصد مسه ولا يفضي إلى خروج خارج فلم ينقض كلمس الانثيين (مسألة) قال (وعنه لا ينقض مس الفرج بحال) لحديث قيس بن طلق وقياسا على سائر الاعضاء (فصل) ولا ينقض الوضوء بمس غير الفرجين من البدن في قول الاكثرين الا أنه روي عن عروة الوضوء من مس الانثيين وقال عكرمة من مس ما بين الفرجين فليتوضأ، وقول الجمهور أولى لانه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص ولا ينتقض وضوء الملموس فرجه أيضا لان السنة انما وردت في اللامس، ولا ينتقض بمس فرج البهيمة. وقال الليث بن سعد عليه الوضوء، وما عليه الجمهور أولى لانه ليس بمنصوص ولا هو في معناه (مسألة) (الخامس أن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة، وعنه لا ينقض، وعنه ينقض لمسها بكل حال) اختلفت الرواية عن أحمد رضي الله عنه في الملامسة فروي عنه أنها تنقض الوضوء بكل حال وهو مذهب الشافعي. ويروى ايجاب الوضوء من القبلة مطلقا عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر والزهري وعطاء والشعبي والنخعي وسعيد بن عبد العزيز رواه الاثرم، وروي عن أحمد رواية ثانية أنه لا ينقض بحال يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول طاوس والحسن ومسروق، وبه قال أبو حنيفة
[ 187 ]
وصاحباه. وقال قوم من قبل حلالا فلا وضوء عليه ومن قبل حراما فعليه الوضوء وهو قول عطاء. فان باشر لشهوة وليس بنيهما ثوب وانتشر فعليه الوضوء في قول أبي حنيفة ويعقوب، وقال محمد لا وضوء
عليه إلا أن يخرج منه شئ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل عائشة وصلى ولم يتوضأ رواه أبو داود والنسائي من رواية التميمي وقالا لم يسمع من عائشة. وقال النسائي ليس في هذا الباب شئ أحسن من هذا الحديث وان كان مرسلا. وعن عائشة رضي الله عنها قالت فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدمه وهو في المسجد وهما منصوبتان. رواه مسلم وعنها قالت كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي متفق عليه. وللنسائي مسني برجله. والآية أريد بها الجماع قاله ابن عباس ولان المراد بالمس الجماع فكذلك اللمس ولانه ذكره بلفظ المفاعلة والمفاعلة لا تكون من أقل من اثنين، والرواية الثالثة وهي طاهر المذهب أنه ينقض إذا كان لشهوة ولا ينقض لغيرها جمعا بين الآية والاخبار ولان النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو حامل امامة بنت أبي العاص بن الربيع إذا سجد وضعها وإذا قام حملها. متفق عليه والظاهر أنه لا يسلم من مسها. ولان اللمس ليس بحدث في نفسه وانما هو داع إلى الحدث فاعتبرت الحالة التي يدعو فيها إلى الحدث وهي حالة الشهوة ولانه لمس لغير شهوة فلم ينقض كلمس ذوات المحارم وهذا مذهب الشعبي والنخعي والحكم وحماد ومالك والثوري واسحاق. إذا ثبت هذا فلا فرق بين الكبيرة والصغيرة وذوات المحارم وغيرهن، وقال الشافعي في أحد قوليه لا ينقض لمس ذات المحرم ولا الصغيرة لان لمسهما لا يفضي إلى خروج خارج أشبه لمس الرجل ولنا عموم النص واللمس الناقض معتبر بالشهوة فمتى وجدت فلا فرق بين الجميع، فاما لمس المرأة الميتة ففيه وجهان (أحدهما) ينقض اختاره القاضي لعموم الآية وكما يجب الغسل بوطئها (والثاني) لا ينقض اختاره الشريف أبو جعفر وابن عقيل لانها ليست محلا للشهوة فهي كالرجل (فصل) ولا يختص اللمس الناقض باليد بل أي شي ء منه لاقى شيئا من بشرتها مع الشهوة انتقض الوضوء به سواء كان عضوا أصليا أو زائدا. وحكي عن الاوزاعي لا ينقض اللمس إلا بأحد أعضاء الوضوء. والاول أولى لعموم النصوص والتخصيص بغير دليل تحكم فلا يصار إليه (فصل) فان لمسها من وراء حائل لم ينتقض وضوؤه هذا قول أكثر أهل العلم وقال مالك والليث ينقض
[ 188 ]
إذا كان ثوبا رقيقا وكذلك قال ربيعة إذا غمزها من وراء ثوب رقيق لشهوة وذلك لان الشهوة موجودة
ولنا انه لمس فلم ينقض من وراة حائل كلمس الذكر ولانه لم يلمس جسم المرأة أشبه مالو لمس ثيابها لشهوة والشهوة لا توجب الوضوء بمجردها كما لو وجدت الشهوة بغير لمس (فصل) فان لمست المرأة رجلا لشهوة انتقض وضوؤها في إحدى الروايتين وهو ظاهر قول الخرقي. وقد سئل أحمد عن المرأة إذا مست زوجها قال ما سمعت فيه شيئا ولكن هي شقيقة الرجل يعجبني أن تتوضأ لانها ملامسة تنقض الوضوء فاستوى فيها الرجل والمرأة كالجماع. والرواية الثانية لا ينتقض وضوؤها. وللشافعي قولان كالروايتين لان النص انما ورد في الرجال ولا يصح قياسها عليه لان اللمس من الرجل مع الشهوة مظنة لخروج المذي الناقض فأقيم مقامه ولا يوجد ذلك في حق المرأة وإذا لم يكن نص ولا قياس فلا يثبت الحكم (مسألة) (ولا ينقض لمس الشعر والسن والظفر) وهذا ظاهر مذهب الشافعي وكذلك لمسها بشعره وسنه وظفره لان ذلك مما لا يقع عليه الطلاق بايقاعه عليه ولا الظهار فأشبه الثوب، ويتخرج أن ينقض لمس السن والشعر والظفر والامرد إذا كان لشهوة ذكره أبو الخطاب لان لمس المرأة انما نقض لوجود الشهوة الداعية إلى خروج المذي، ولا ينقض لمس الامرد ولا لمس الرجل ولا لمس المرأة المرأة لانه ليس بداخل في الآية ولا في معناه لكونه ليس محلا لشهوة الآخر شرعا. وقال القاضي في المجرد إذا لمس الرجل الرجل أو المرأة المرأة بشهوة انتقض وضوؤه في قياس المذهب. والاول أولى لما ذكرنا ولا ينتقض الوضوء بلمس البهيمة لما ذكرنا. ولا بمس خنثى مشكل لانه لا يعلم كونه رجلا ولا امرأة ولا ينتقض وضوء الخنثى بمس امرأة ولا رجل لانه متيقن بالطهارة شاك في الحدث، قال شيخنا ولا أعلم في هذا كله خلافا. وإن مس عضو امرأة مقطوع لم ينتقض وضوؤه لانه لا يقع عليه اسم المرأة ولا هو محل للشهوة (مسألة) وفي نقض وضوء الملموس روايتان (احداهما) ينتقض لان ما ينتقض بالتقاء البشرتين يستوي فيه اللامس والملموس كالجماع (والثانية) لا ينتقض لان النص انما ورد بالنقض في اللامس فاختص
[ 189 ]
به كلمس الذكر ولان الشهوة من اللامس أشد منها في الملموس فامتنع القياس وللشافعي قولان كهذين (مسألة) (السادس غسل الميت) وهو ناقض للوضوء في قول أكثر الاصحاب سواء كان
المغسول صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى مسلما أو كافرا وهو قول النخعي واسحاق لان ابن عمرو ابن عباس كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء وعن أبي هريرة قال أقل ما فيه الوضوء ولا نعلم لهم مخالفا في الصحابة فكان اجماعا ولان الغاسل لا يسلم من مس عورة الميت غالبا فاقيم مقامه كالنوم مع الحدث وقال أبو الحسن التميمي لا ينقض وهو قول أكثر العلماء قال شيخنا وهو الصحيح إن شاء الله لانه لم يرد فيه نص صحيح ولا هو في معنى المنصوص عليه ولانه غسل آدمي أشبه غسل الحي. وكلام أحمد يدل على انه مستحب غير واجب فانه قال: أحب إلي أن يتوضأ وعلل نفي وجوب الغسل من غسل الميت بكون الخبر الوارد فيه موقوفا على أبي هريرة فإذا لم يوجب الغسل بقول أبي هريرة مع احتمال أن يكون مرفوعا فلان لا يوجب الوضوء بقوله مع عدم هذا الاحتمال أولى ولان الاصل عدم وجوبه فيبقى على الاصل (مسألة) (السابع أكل لحم الجزور) وجملة ذلك أن أكل لحم الابل ينقض الوضوء سواء أكله عالما أو جاهلا نيئا أو مطبوخا في ظاهر المذهب، وهو قول جابر بن سمرة ومحمد بن إسحاق وأبي خيثمة ويحيى بن يحيى وابن المنذر وأحد قولي الشافعي، قال الخطابي ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث. وروي عن أبي عبد الله انه قال إن كان لا يعلم فليس عليه وضوء وان كان قد علم وسمع فعليه الوضوء واجب ليس هو كمن لا يعلم. قال الخلال وعلى هذا استقر قول أبي عبد الله. وقال الثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي لا وضوء عليه بحال وحكاه ابن عقيل رواية عن احمد لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " الوضوء مما يخرج لا مما يدخل " وقال جابر كان آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، رواه أبوداد ولانه مأكول فلم ينقض كسائر المأكولات
[ 190 ]
ولنا ما روى البراء بن عازب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أنتوضأ من لحوم الابل؟ قال " نعم " قال أفنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال " لا " رواه الامام احمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي. وروى جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله أخرجه مسلم. قال أحمد فيه حديثان صحيحان حديث البراء وجابر بن سمرة. فأما حديث ابن عباس فانما هو من قوله موقوف عليه ولو صح لوجب تقديم
حديثنا عليه لكونه أصح وأخص والخاص يقدم على العام، وحديث جابر لا يعارض حديثنا أيضا لصحته وخصوصه فان قيل فحديث جابر متأخر فيكون ناسخا قلنا لا يصح أن يكون ناسخا لوجوه أربعة (أحدها) أن الامر بالوضوء من لحوم الابل متأخر عن نسخ الوضوء مما ممست النار أو مقارن له بدليل انه قرن الامر بالوضوء من لحوم الابل بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم وهي مما مست النار فاما أن يكون النسخ حصل بهذا النهي أو بشئ قبله فان كان حصل به كان الامر بالوضوء من لحوم الابل مقارنا لنسخ الوضوء مما مست النار فلا يكون ناسخا إذ من شروط النسخ تأخر الناسخ وكذلك إن كان بما قبله لان الشئ لا ينسخ بما قبله (الثاني) أن النقض بلحوم الابل يتناول ما مست النار وغيره ونسخ إحدى الجهات لا يثبت به نسخ الاخرى كما لو حرمت المرأة بالرضاع وبكونها ربيبة فنسح تحريم الرضاع لم يكن نسخا لتحريم الربيبة (الثالث) ان خبرهم عام وخبرنا خاص فالجمع بينهما ممكن يحمل خبرهم على ما سوى صورة التخصيص ومن شروط النسخ تعذر الجمع بين النصين (الرابع) ان خبرنا أصح من خبرهم وأخص والناسخ لابد وأن يكون مساويا للمنسوخ أو راجحا عليه، فان قيل الامر بالوضوء في خبركم يحتمل الاستحباب ويحتمل انه أراد بالوضوء غسل اليد لان اضافته إلى الطعام قرينة
[ 191 ]
تدل على ذلك كما كان صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء قبل الطعام وبعده وخص ذلك بلحم الابل لان فيه من الحرارة والزهومة ما ليس في غيره، قلنا أما الاول فمخالف للظاهر من وجوه (أحدها) ان مقتضى الامر الوجوب (الثاني) أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن حكم هذا اللحم فأجاب بالامر بالوضوء منه فلو حمل على غير الوجوب كان تلبيسا لا جوبا (الثالث) انه صلى الله عليه وسلم قرنه بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم والمراد بالنهي ههنا نفي الايجاب لا التحريم فتعين حمل الامر على الايجاب ليحصل الفرق وأما الثاني فلا يصح لوجوه أربعة (أحدها) انه يلزم منه حمل الامر على الاستحباب لكون غسل اليد بمفردها غير واجب وقد بينا فساده (الثاني) أن الوضوء في لسان الشارع إنما ينصرف إلى الموضوع الشرعي إذ الظاهر منه التكلم بموضوعاته (الثالث) أنه خرج جوابا للسؤال عن حكم الوضوء من لحومها، والصلاة في مباركها فلا يفهم من ذلك سوى الوضوء المراد للصلاة ظاهرا (الرابع) أنه لو أراد
غسل اليد لما فرق بينه وبين لحم الغنم فان غسل اليد منهما مستحب وما ذكروه من زيادة الزهومة ممنوع وان ثبت فهو أمر يسير لا يقتضي التفريق وصرف اللفظ عن ظاهره انما يكون بدليل قوي بقدر قوة الظواهر المتروكة وأقوى منها. فأما قياسهم فهو طردي لا معنى فيه وانتفاء الحكم في سائر المأكولات لانثفاء المقتضي لا لكونه مأكولا ومن العجب أن مخالفينا في هذه المسألة أوجبوا الوضوء بأحاديث ضعيفة تخالف الاصول، فأبو حنيفة أوجبه بالقهقهة في الصلاة دون خارجها بحديث مرسل من مراسيل أبي العالية، ومالك والشافعي أوجباه بمس الذكر بحديث مختلف فيه معارض بمثله دون مس سائر الاعضاء وتركوا هذا الحديث الصحيح الذي لا معارض له مع بعده عن التأويل وقوة دلالته لقياس طردي لا معنى فيه (مسألة) (فان شرب من لبنها فعلى روايتين) (احداهما) ينقض الوضوء لما روى أسيد بن حضير ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ألبان الابل فقل " توضؤا من ألبانها " وسئل عن ألبان الغنم فقال " لا تتوضؤا من ألبانها " رواه الامام أحمد وابن ماجه، وروي عن عبد الله بن عمر نحوه (والثانية) لا وضوء فيه لان الحديث الصحيح انما ورد في
[ 192 ]
اللحم، وحديث أسيد بن حضير في طريقه الحجاج بن ارطاة قال الامام أحمد والدار قطني لا يحتج به وحديث عبد الله بن عمر رواه ابن ماجه من رواية عطاء بن السائب وقد قيل عطاء اختلط في آخر عمره، قال أحمد: من سمع منه قديما فهو صحيح ومن سمع منه حديثا لم يكن بشئ، والحكم في اللحم غير معقول فيجب الاقتصار عليه (مسألة) (وإن أكل من كبدها أو طحالها فعلى وجهين) (إحدهما) لا ينقض لان النص لم يتناوله (والثاني) ينقض لانه من جملة الجزور، واللحم يعبر به عن جملة الحيوان فان تحريم لحم الخنزير يتناول جملته كذلك ههنا، وحكم سائر أجزائه غير اللحم كالسنام والكرش والدهن والمرق والمصران والجلد حكم الكبد والطحال لما ذكرنا (فصل) ولا ينتقض الوضوء بما سوى لحم الجزور من الاطعمة وهذا قول الخلفاء الراشدين رضي
الله عنهم ولا نعلم اليوم فيه خلافا. وحكى ابن عقيل عن أحمد رواية في نقض الوضوء بأكل لحم الخنزير والصحيح عنه الاول، لان الوجوب من الشرع ولم يرد وقد ذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى ايجاب الوضوء مما غيرت النار، منهم ابن عمر وزيد بن ثابت وأبو موسى وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز والحسن والزهري وغيرهم لما روى أبو هريرة وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " توضؤا مما مست النار " رواهما مسلم، ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تتوضأ من لحوم الغنم " وحديث جابر: كان آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، رواه أبو داود والنسائي وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل من كتف شاة وصلى ولم يتوضأ متفق عليه (مسألة) (الثامن الردة عن الاسلام) الردة عن الاسلام يبطل بها الوضوء والتيمم وهي الاتيان بما يخرج به عن الاسلام نطقا أو اعتقادا أو شكا فمتى عاود الاسلام لم يصل حتى يتوضأ وهذا قول الاوزاعي وأبي ثور، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا يبطل الوضوء بذلك وللشافعي في بطلان التيمم به قولان لقول الله تعالى (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) ولانها طهارة فلم تبطل بالردة كالطهارة الكبرى
[ 193 ]
ولنا قول الله تعالى (لئن أشركت ليحبطن عملك) والطهارة عمل وحكمها باق فيجب أن يحبط بالآية، ولانها عبادة يفسدها الحدث فبطلت بالشرك كالصلاة، ولان الردة حدث لما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الحدث حدثان حدث الفرج، وحدث اللسان أشد من حدث الفرج وفيهما الوضوء " رواه الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتاب التحقيق وتكلم فيه وقال بقية يدلس، وما ذكروه تمسك بالمفهوم والمنطوق راجح عليه، وأما غسل الجنابة فقد زال حكمه وعندنا يجب الغسل على من أسلم أيضا. (فصل) ولا ينقض الوضوء ما عدا الردة من الكذب والغيبة والرفث والقذف ونحوها نص عليه أحمد، قال ابن المنذر أجمع من نحفظ قوله من علماء الامصار على أن القذف وقول الزور والكذب والغيبة لا يوجب طهارة ولا ينقض وضوءا وقد روينا عن غير واحد من الاوائل أنهم أمروا بالوضوء
من الكلام الخبيث وذلك استحباب عندنا ممن أمر به، ولا نعلم حجة توجب وضوءا في شئ من الكلام وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من حلف باللات فليقل لا إله إلا الله " ولم يأمر في ذلك بوضوء رواه البخاري (فصل) والقهقهة لا تنقض الوضوء بحال روي ذلك عن عروة وعطاء والزهري ومالك والشافعي واسحاق وابن المنذر، وذهب الثوري والنخعي والحسن وأصحاب الرأي إلى أنها تبطل الوضوء داخل الصلاة دون خارجها لما روى أسامة عن أبيه قال: بينا نحن نصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل
[ 194 ]
رجل ضرير البصر فتردى في حفرة فضحكنا منه فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باعادة الوضوء كاملا واعادة الصلاة من أولها. رواه الدار قطني من طرق كثيرة وضعفها وقال انما روي هذا الحديث عن أبي العالية مرسلا، وقال نحو ذلك الامام أحمد وعبد الرحمن بن مهدي ولنا أنه معنى لا يبطل الوضوء خارج الصلاة فلم يبطله داخلها كالكلام، ولانه لا نص فيه ولا في شئ يقاس عليه وحديثهم قد ذكرنا الكلام عليه، قال ابن سيرين لا تأخذوا بمراسيل الحسن وأبي العالية فانهما لا يباليان عمن أخذا، والقهقهة أن يضحك حتى يتحصل من ضحكه حرفان ذكره ابن عقيل (مسألة) ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين أما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث يلغي الشك ويبني على اليقين لا نعلم في ذلك خلافا فان تيقن أنه توضأ وشك هل أحدث أو لا بنى على أنه متطهر، وبهذا قال عامة أهل العلم، وقال الحسن إن شك وهو في الصلاة مضى فيها وإن كان قبل الدخول فيها توضأ. وقال مالك إذا شك في الحدث إن كان يلحقه كثيرا فهو على وضوء وإن كان لا يلحقه كثيرا توضأ لا يدخل في الصلاة مع الشك ولنا ما روى عبد الله بن زيد قال: شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه في الصلاة أنه يجد الشي فقال " لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا " متفق عليه، وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أوجر أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شئ أم لم يخرج فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا " رواه مسلم ولانه إذا شك تعارض
عنده الامران فيجب سقوطهما كالبينتين إذا تعارضتا ويرجع إلى اليقين. ولا فرق بين ان يغلب على ظنه أحدهما أو يتساوى الامران لان غلبة الظن إذا لم تكن مضبوطة بضابط شرعي لم يلتفت إليها كما لا يلتفت الحاكم إلى قول أحد المتداعيين إذا غلب على ظنه صدقه بغير دليل (مسألة) (فان تيقنهما وشك في السابق منهما نظر في حاله قبلهما فان كان متطهرا فهو محدث وان كان محدثا فهو متطهر) مثاله أن يتيقن أنه كان في وقت الظهر متطهرا مرة ومحدثا أخرى ولا يعلم أيهما كان قبل الآخر فانه ينظر في حاله قبل الزوال، فان كان متطهرا فهو الآن محدث لانه تيقن زوال تلك الطهارة بحدث ولم يتيقن زوال ذلك الحدث بطهارة أخرى لاحتمال أن تكون الطهارة التي
[ 195 ]
يتيقنها بعد الزوال هي التي كانت قبله فلم يزل يقين الحدث بالشك. وان كان محدثا قبل الزوال فهو الآن متطهر لما ذكرنا في التي قبلها (فصل) فان تيقن أنه نقض طهارته وتوضأ عن حدث في وقت واحد وشك في السابق منهما نظر في حاله قبلهما فان كان متطهرا فهو الآن متطهر لانه تيقن أنه نقض تلك الطهارة ثم توضأ إذ لا يمكن أن يتوضأ عن حدث مع بقاء تلك الطهارة. ونقض هذه الطهارة الثانية مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك، وان كان محدثا فهو الآن محدث لانه تيقن أنه انتقل عنه إلى طهارة ثم أحدث منها ولم يتيقن بعد الحدث الثاني طهارة والله أعلم فهذه جميع نواقض الطهارة ولا ينتقض بغيرها في قول أكثر العلماء الا أنه قد حكي عن مجاهد والحكم وحماد في قص الشارب وتقليم الاظفار ونتف الابط الوضوء وقول جمهور العلماء بخلافهم وهو أولى ولا نعلم لهم فيما يقولون حجة والله أعلم (مسألة) قال (ومن أحدث حرم عليه الصلاة والطواف ومس المصحف) أما الصلاة فلقوله صلى الله عليه وسلم " لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ " متفق عليه والطواف لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الطواف بالبيت صلاة الا أن الله أباح فيه الكلام " رواه الشافعي في مسنده، ومس المصحف روي هذا عن ابن عمر والحسن وعطاء وطاوس وهو قول مالك وأصحاب الرأي، وقال داود يباح
مسه لان النبي صلى الله عليه وسلم كتب في كتابه إلى قيصر آية من القرآن. وأباح الحكم وحماد مسه بظاهر الكف لان آلة اللمس باطن اليد فينصرف إليه النهي دون غيره ولنا قوله تعالى (لا يمسه الا المطهرون) وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزام " أن لا تمس القرآن الا وأنت طاهر " رواه الاثرم، فأما الآية التي كتاب بها النبي صلى الله عليه وسلم فانما قصد بها المراسلة والآية في الرسالة أو في كتاب فقه أو نحوه لا تمنع مسه ولا يصير بها الكتاب مصحفا. إذا ثبت هذا فانه لا يجوز مسه بشئ من جسده قياسا على اليد، قولهم ان المس يخص باطن اليد ممنوع بل كل شئ لاقى شيئا فقد مسه (فصل) ويجوز حمله بعلاقته وهو قول أبي حنيفة وروي ذلك عن الحسن وعطاء والشعبي وحماد ومنع منه الاوزاعي ومالك والشافعي تعظيما للقرآن ولانه مكلف محدث قاصد لحمل المصحف فهو كما لو حمله مع مسه
[ 196 ]
ولنا أنه غير ماس فلم يمنع كما لو حمله في رحله ولان النهي انما تناول المس والحمل ليس بمس وقياسهم لا يصح لان العلة في الاصل مسه وهو غير موجود في الفرع والحمل لا أثر له فلا يصح التعليل به وعلى هذا لو حمله بحائل بينه وبينه مما لا يتبع في البيع جاز وعندهم لا يجوز. ويجوز تقليبه بعود ومسه به وكتب المصحف بيده من غير أن يمسه، وذكر ابن عقيل في ذلك كله وفي حمله بعلاقته روايتين وفي مسه بكمه روايتان ووجههما ما تقدم والصحيح في ذلك كله الجواز قاله شيخنا لان النهي انما تناول مسه وهذا ليس بمس (فصل) ويجوز مس كتب الفقه والتفسير والرسائل وإن كان فيها آيات من القرآن لان النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر كتابا فيه آية، ولانها لا يقع عليها اسم المصحف ولا يثبت لها حرمته، وكذلك إن مس ثوبا مطرزا بآية من القرآن، وفي مس الصبيان ألواحهم التي فيها القرآن وجهان (أحدهما) الجواز لانه موضع حاجة فلو اشترطنا الطهارة أدى إلى تنفيرهم عن حفظه (والثاني) المنع لعموم النص، وفي الدراهم المكتوب عليها القرآن وجهان (أحدهما) المنع وهو مذهب أبي حنيفة لان القرآن مكتوب عليها أشبهت الورق (والثاني) الجواز لانه لا يقع عليها اسم المصحف أشبهت كتب الفقه
ولان في الاحتراز منها مشقة أشبهت ألواح الصبيان، ومن كان متطهرا وبعض أعضائه نجس فمس المصحف بالعضو الطاهر جاز لان حكم النجاسة لا يتعدى محلها بخلاف الحدث، وإن احتاج المحدث إلى مس المصحف عند عدم الماء تيمم ومسه لانه يقوم مقام الماء، ولو غسل المحدث بعض أعضاء الوضوء لم يجز له مسه به قبل اتمام وضوئه لانه لا يكون متطهرا الا بغسل الجميع (فصل) ولا يجوز المسافرة بالمصحف إلى دار الحرب لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم "
[ 197 ]
باب الغسل (وموجباته سبعة) - غسل الجنابة بفتح الغين ذكره ابن بري والغسل بالضم الماء الذي يغتسل به قاله ابن السكيت والغسل ما غسل به الرأس (أحدها) خروج المني الدافق بلذة وهو موجب للغسل من الرجل والمرأة في اليقظة والنوم، وهذا قول عامة الفقهاء حكاه الترمذي ولا نعلم فيه خلافا وذلك لما روي أن أم سليم قالت يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نعم إذا رأت الماء " متفق عليه، وماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر لان في حديث أم سليم في بعض رواياته فقالت وهل يكون هذا؟ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم " نعم فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه " رواه مسلم (مسألة) (فان خرج لغير ذلك لم يوجب) يعني إذا خرج شبيه المني لمرض أو برد من غير شهوة وهذا قول أبي حنيفة ومالك، وقال الشافعي يجب ويحتمله كلام الخرقي، وذلك لقوله عليه السلام " نعم إذا رأت الماء " وقوله " الماء من الماء " ولانه مني خارج فأوجب الغسل كما لو خرج حال الاغماء. ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف المني الموجب بانه غليظ أبيض وقال لعلى " إذا فضخت المني
[ 198 ]
فاغتسل " رواه أبو داود - والفضخ خروجه على وجه الشدة، وقال ابراهيم الحربى بالعجلة وقوله عليه
السلام " إذا رأت الماء " يعني في الاحتلام وانما يخرج في الاحتلام لشهوة والحديث الآخر منسوخ ويمكن منع كون هذا منيا لان النبي صلى الله عليه وسلم وصف المني بصفة غير موجودة في هذا (فصل) (فان رأى أنه قد احتلم ولم ير بللا فلا غسل عليه) قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم لان قول النبي صلى الله عليه وسلم " نعم إذا رأت الماء " يدل على أنه لم يجب إذا لم تره، وروت عائشة قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما قال " يغتسل " وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولم يجد البلل قال " لا غسل عليه " قالت أم سليم المرأة ترى ذلك أعليها غسل؟ " نعم إنما النساء شقائق الرجال " رواه الامام أحمد وأبو داود وذكر ابن أبي موسى فيمن احتلم ووجد لذة الانزال ولم ير بللا رواية في وجوب الغسل عليه والاول أصح لما ذكرنا من النص والاجماع، لكن إن مشى فخرج منه المنى أو خرج بعد استيقاظه فعليه الغسل نص عليه أحمد لان الظاهر أنه كان انتقل وتخلف خروجه إلى ما بعد الاستيقاظ وان انتبه فرأى منيا ولم يذكر احتلاما فعليه الغسل. قال شيخنا: لا نعلم فيه خلافا، وروي ذلك عن عمر وعثمان وبه قال ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي والحسن ومالك والشافعي واسحاق لان الظاهر أن خروجه كان لاحتلام نسيه وذلك لما ذكرنا من حديث عائشة.
[ 199 ]
(فصل) فان انتبه من النوم فوجد بللا لا يعلم هل هو مني أو غيره فقال أحمد إذا وجد بلة غتسل إلا أن يكون به أبردة أو لاعب اهله فانه ربما خرج منه المذي فارجو أو لا يكون به بأس وكذلك إن كان انتشر من أول الليل بتذكر أو رؤية وهو قول الحسن لان الظاهر أنه مذي لوجود سببه فلا يجب الغسل بالاحتمال. وإن لم يكن وجد ذلك فعليه الغسل لحديث عائشة. وقد توقف أحمد في هذه المسألة، وقال مجاهد وقتادة لا غسل عليه حتى يوقن بالماء الدافق وهذا هو القياس والاولى الاغتسال لموافقة الخبر وعملا بالاحتياط. (فصل) فان رأى في ثوبه منيا وكان لا ينام فيه غيره وهو ممن يمكن أن يحتلم كابن اثنتي عشرة سنة فعليه الغسل وإلا فلا لان عمر وعثمان اغتسلا حين رأياه في ثوبهما ولان الظاهر أنه منه ويلزمه إعادة
الصلاة من أحدث نومة نامها فيه إلا أن يرى أمارة تدل على أنه قبلها فيعيد من أدنى نومة يحتمل أنه منها فاما إن كان ينام فيه هو وغيره ممن يحتلم فلا غسل على واحد منهما لان كل واحد منهما مفرد شاك فيما يوجب الغسل والاصل عدم وجوبه، وليس لاحدهما الائتمام بالآخر لان أحدهما جنب يقينا (فصل) فان وطئ امرأته دون الفرج فدب ماؤه إلى فرجها ثم خرج أو وطئها في الفرج فاغتسلت ثم خرج ماؤه من فرجها فلا غسل عليها وبه قال قتادة والاوزاعي واسحاق، وقال الحسن تغتسل لانه مني خارج فأشبه ماءها والاول أولى لانه ليس منيها أشبه غير المني ولانه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص (مسألة) فان أحس بانتقاله فأمسك ذكره فلم يخرج فعلى روايتين (إحداهما) يجب عليه الغسل
[ 200 ]
وهو المشهور عن أحمد، وأنكر أن يكون الماء يرجع اختاره ابن عقيل والقاضي ولم يذكر فيه خلافا قال لان الجنابة تباعد الماء عن محله وقد وجد فتكون الجنابة موجودة فيجب بها الغسل. ولان الغسل تراعى فيه الشهوة وقد حصلت بانتقاله أشبه مالو ظهر. والرواية (الثانية) لا غسل عليه وهو ظاهر قول الخرقي وقول أكثر الفقهاء وهو الصحيح ان شاء الله تعالى لان النبي صلى الله عليه وسلم علق الاغتسال على رؤية الماء بقوله " إذا رأت الماء " وقوله " إذا فضخت الماء فاغتسل " فلا يثبت الحكم بدونه وما ذكروه من الاشتقاق ممنوع لانه يجوز أن يسمى جنبا لمجانبته الماء ولا يحصل إلا بخروجه أو لمجانبته الصلاة أو المسجد وإذا سمي بذلك مع الخروج لم يلزم وجود التسمية من غير خروج فان الاشتقاق لا يلزم منه الاطراد ومراعاة الشهوة في الحكم لا يلزم منه استقلالها به فان أحد وصفي العلة وشرط الحكم مراعى له ولا يستقل بالحكم ثم يبطل ذلك بما لو وجدت الشهوة من غير انتقال فانها لا تستقل بالحكم وكلام احمد انما يدل على أن الماء إذا انتقل لزم منه الخروج وانما يتأخر. وكذلك يتأخر الغسل إلى حين خروجه (مسألة) فان خرج بعد الغسل وقلنا لا يجب الغسل بالانتقال لزمه الغسل لانه مني خرج بسبب الشهوة أوجب الغسل لقوله صلى الله عليه وسلم " إذا فضخت الماء فاغتسل " ولحديث أم سليم وكما لو خرج حال انتقاله وقد قال احمد في الرجل يجامع ولم ينزل فيغتسل ثم يخرج منه المني عليه الغسل
[ 201 ]
ولانه لو لم يجب الغسل على هذه الرواية أفضى إلى نفي الوجوب عنه بالكلية مع انتقال المني بشهوة وخروجه. وان قلنا يجب الغسل بالانتقال لم يجب بالخروج لانه تعلق بانتقاله وقد اغتسل له فلم يجب له غسل ثان كبقية المني إذا خرجت بعد الغسل. وهكذا الحكم في بقية المني إذا خرج بعد الغسل هذا هو المشهور عن احمد. قال الخلال تواترت الروايات عن أبي عبد الله أنه ليس عليه الا الوضوء بال أو لم يبل روي ذلك عن علي وابن عباس وعطاء والزهري ومالك والليث والثوري ولانه مني خرج على غير وجه الدفق واللذة أشبه الخارج في المرض ولانه جنابة واحدة فلم يجب به غسلان كما لو خرج دفعة واحدة، وفيه رواية (ثانية) انه يجب بكل حال وهو مذهب الشافعي لان الاعتبار بخروجه كسائر الاحداث. قال شيخنا وهذا هو الصحيح لان الخروج يصلح موجبا للغسل - قولهم إنه جنابة واحدة فلم يجب به غسلان يبطل بما إذا جامع فلم ينزل فاغتسل ثم أنزل فان احمد قد نص على وجوب الغسل عليه بالانزال مع وجوبه بالتقاء الختانين. واختار القاضي الرواية الاولى وحمل كلام احمد في هذه المسألة على أن تكون قارنته شهوة حال خروجه قال فان لم تقارنه شهوة فهو كبقية المني إذا خرجت، وفيه رواية ثالثة انه ان خرج قبل البول اغتسل وان خرج بعده لم يغتسل وهذا قول الاوزاعي وأبي حنيفة ونقل عن الحسن لانه قبل البول بقية ما خرج بالدفق والشهوة فأوجب الغسل كالاول وبعد
[ 202 ]
البول لا يعلم انه بقية الاول لانه لو كان بقية الاول لما تخلف بعد البول وقد خرج بغير دفق وشهوة وذكر القاضي في هاتين المسئلتين انه إن خرج بعد البول لم يجب الغسل رواية واحدة وان خرج قبله فعلى روايتين (مسألة) (الثاني: التقاء الختانين وهو تغييب الحشفة في الفرج قبلا كان أو دبرا من آدمي أو بهيمة حي أو ميت) معنى التقاء الختانين تغييب الحشفة في الفرج كما ذكر سواء كانا مختتنين أو لا. وسواء مس ختانه ختانها أو لا فهو موجب للغسل، ولو مس الختان الختان من غير ايلاج لم يجب الغسل اجماعا، واتفق العلماء على وجوب الغسل في هذه المسألة وقال داود لا يجب لقوله صلى الله عليه وسلم " الماء من الماء " روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة وروي في ذلك أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وكانت رخصة
أرخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمر بالغسل فروي عن أبي بن كعب قال ان الفتيا التي كانوا يقولون ان الماء من الماء رخصة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيها في أول الاسلام. ثم أمر بالاغتسال بعدها رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا جلس بين شعبها الاربع ثم جهدها فقد وجب الغسل متفق عليه زاد مسلم " وان لم ينزل " وحديثهم منسوخ بحديث أبي بن كعب (فصل) ويجب الغسل على كل واطئ وموطوء إذا كان من أهل الغسل سواء كان في الفرج قبلا أو دبرا من آدمي أو بهيمة حي أو ميت طائعا أو مكرها نائما أو يقظان، وقال أبو حنيفة لا يجب الغسل بوطئ الميتة ولا البهيمة لانه ليس بمقصود ولانه ليس بمنصوص ولا في معناه
[ 203 ]
ولنا انه ايلاج في فرج فوجب به الغسل كوطئ الآدمية في حياتها ووطئ الآدمية داخل في عموم الاحاديث وما ذكروه يبطل بالعجوز والشوهاء (فصل) فان أولج بعض الحشفة أو وطئ دون الفرج ولم ينزل فلا غسل عليه لانه لم يوجد التقاء الختانين ولا ما في معناه. وان انقطعت الحشفة فأولج الباقي من ذكره وكان بقدر الحشفة وجب الغسل وتعلقت به أحكام الوطئ من المهر وغيره وإن كان أقل من ذلك لم يجب شئ (فصل) فان أولج في قبل خنثى مشكل أو أولج الخنثى ذكره في فرج امرأة أو وطئ أحدهما أو كل واحد منهما الآخر لم يجب الغسل على واحد منهما لاحتمال أن يكون خلقة زائدة. فان أنزل الواطئ أو أنزل الموطوء من قبله فعلى من أنزل الغسل. ويثبت لمن أنزل من ذكره حكم الرجال ولمن انزل من فرجه حكم النساء لان الله تعالى أجرى العادة بذلك في حق الرجال والنساء، وذكر القاضي في موضع انه لا يحكم له بالذكورية بالانزال من ذكره ولا بالانوثية بالحيض من فرجه ولا بالبلوغ بهذا ولنا انه أمر خص الله تعالى به أحد الصنفين فكان دليلا عليه كالبول من ذكره أو من قبلة ولانه انزل الماء الدافق لشهوة فوجب الغسل لقوله عليه السلام " الماء من الماء " (فصل) فان كان الواطئ أو الموطوءة صغيرا فقال أحمد يجب عليهما الغسل. وقال إذا أتى على
الصبية تسع سنين ومثلها يوطأ وجب عليها الغسل. وسئل عن الغلام يجامع مثله ولم يبلغ فجامع المرأة يكون عليهما الغسل؟ قال نعم. قيل له أنزل أو لم ينزل؟ قال نعم. وقال ترى عائشة حيث كان يطؤها النبي
[ 204 ]
صلى الله عليه وسلم لم تكن تغتسل ويروى عنها " إذا التقى الختانان وجب الغسل " وحمل القاضي كلام أحمد على الاستحباب وهو قول أصحاب الرأي وأبي ثور لان الصغيرة لا يتعلق بها المأثم ولا هو من أهل التكليف ولا تجب عليها الصلاة التي تجب لها الطهارة فأشبهت الحائض (قال شيخنا) ولا يصح حمل كلام أحمد على الاستحباب لتصريحه بالوجوب وذمه قول أصحاب الرأي بقوله هو قول سوء واحتج بفعل عائشة وروايتها للحديث العام في حق الصغير والكبير ولانها أجابت بفعلها وفعل النبي صلى الله عليه وسلم بقولها فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا. فكيف تكون خارجة منه وليس معنى وجوب الغسل في حق الصغير التأثيم بتركه بل معناه انه شرط لصحة الصلاة والطواف وإباحة قراءة القرآن وانما يأثم البالغ بتأخيره في موضع يتأخر الواجب بتركه ولذلك لو أخره في غير وقت الصلاة لم يأثم والصبي لا صلاة عليه فلم يأثم بالتأخير وبقي في حقه شرطا كما في حق الكبير فإذا بلغ كان حكم الحدث في حقه باقيا كالحدث الاصغر ينقض الطهارة في حق الصغير والكبير (مسألة) (الثالث: إسلام الكافر أصليا كان أو مرتدا وقال أبو بكر لا غسل عليه) وجملته أن الكافر إذا أسلم وجب عليه الغسل أصليا كان أو مرتدا سواء اغتسل قبل اسلامه أو لا وجد منه في زمن الكفر ما يوجب الغسل أو لم يوجد وهو قول مالك وأبى ثور وابن المنذر، وقال أبو بكر يستحب ولا يجب إلا أن يكون قد وجدت منه جنابة زمن كفره فعليه الغسل إذا اسلم وإن اغتسل قبل الاسلام وهو مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يجب عليه الغسل بحال لان العدد الكثير والجم الغفير أسلموا
[ 205 ]
فلو أمر كل من أسلم بالغسل لنقل نقلا متواترا أو ظاهرا. ولان النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث معاذا إلى اليمن لم يذكر له الغسل ولو كان واجبا لامرهم به لانه أول واجبات الاسلام ولنا ما روى قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر. رواه الامام احمد
وأبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن، والامر للوجوب وما ذكروه من قلة النقل فلا يصح ممن أوجب الغسل على من أسلم بعد الجنابة في كفره لان الظاهر أن البالغ لا يسلم منها على أن الخبر إذا صح كان حجة من غير اعتبار شرط آخر، وقد روي أن أسيد بن حضير وسعد بن معاذ حين أرادا الاسلام سألا مصعب بن عمير كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الامر؟ قال نغتسل ونشهد شهادة الحق. وهذا يدل على انه كان مستفيضا ولان الكافر لا يسلم غالبا من جنابة تلحقه ونجاسة تصيبه وهو لا يصح غسله فأقيمت المظنة مقام حقيقة الحدث كما أقيم النوم مقام الحدث (فصل) فان أجنب الكافر ثم أسلم لم يلزمه غسل الجنابة سواء اغتسل في كفره أو لم يغتسل وهذا قول من أوجب غسل الاسلام وقول أبي حنيفة، وقال الشافعي عليه الغسل وهو قول أبي بكر لان عدم التكليف لا يمنع وجوب الغسل كالصبي والمجنون واغتساله في كفره لا يرفع حدثه قياسا على الحدث الاصغر، وحكي عن أبي حنيفة وأحد الوجهين لاصحاب الشافعي انه يرتفع حدثه لانه أصح
[ 206 ]
نية من الصبي ولا يصح لان الطهارة عبادة محضة فلم تصح من الكافر كالصلاة، ووجه الاول انه لم ينقل ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحدا ممن أسلم بغسل الجنابة مع كثرة من أسلم من الرجال والنساء البالغين المتزوجين ولان المظنة أقيمت مقام حقيقة الحدث فسقط حكم الحدث كالسفر مع المشقة. ويستحب أن يغتسل بماء وسدر كما في حديث قيس. ويستحب إزالة شعره لان النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل أسلم " ألق عنك شعر الكفر واختتن " رواه أبو داود (مسألة) (الرابع) الموت (الخامس) الحيض (السادس) النفاس. وسيذكر ذلك في مواضعه ان شاء الله تعالى. (مسألة) قال (وفي الولادة وجهان) يعني إذا عريت عن الدم (أحدهما) يجب الغسل لانها مظنة النفاس الموجب فأقيمت مقامه كالتقاء الختانين ولانه يحصل بها براءة الرحم أشبهت الحيض ولاصحاب الشافعي فيها وجهان، و (الثاني) لا يجب وهو ظاهر قول الخرقي لان الوجوب من الشرع ولم يرد بالغسل ولا هو في منصوص. قولهم ان ذلك مظنة (قلنا) انما يعلم جعلها مظنة بنص أو اجماع
ولم يوجد واحد منهما والقياس الآخر مجرد طرد لا معنى تحته ثم قد اختلفا في كثير من الاحكام فليس تشبيهه في هذا الحكم أولى من مخالفته في غيره وهذا الوجه أولى (فصل) فان كان على الحائض جنابة فليس عليها أن تغتسل حتى ينقطع حيضها في المنصوص وهو قول إسحاق لان الغسل لا يفيد شيئا من الاحكام وعنه عليها الغسل قبل الطهر ذكرها ابن أبي
[ 207 ]
موسى والصحيح الاول لما ذكرناه فان اغتسلت للجنابة في زمن حيضها صح غسلها وزال حكم الجنابة وبقي حكم الحيض لا يزول حتى ينقطع الدم نص عليه أحمد قال ولا أعلم أحدا قال لا تغتسل الاعطاء ثم رجع عنه وهذا لان بقاء أحد الحدثين لا يمنع ارتفاع الآخر كما لو اغتسل المحدث الحدث الاصغر (مسألة) قال (ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة آية فصاعدا وفي بعض آية روايتان) رويت الكراهة لذلك عن عمر وعلي والحسن والنخعي والزهري والشافعي وأصحاب الرأي وقال الاوزاعي لا يقرأ إلا آية الركوب والنزول (سبحان الذي سخر لنا هذا * وقل رب أنزلني منزلا مباركا) وقال ابن عباس يقرأ ورده وقال سعيد بن المسيب يقرأ القرآن أليس هو في جوفه؟ وحكي عن مالك جواز القراءة للحائض دون الجنب لان أيامها تطول فلو منعناها من القرآن نسيت ولنا ما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحجبه أوقال يحجزه عن قراءة القرآن شئ ليس الجنابة. رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي بمعناه وقال حسن صحيح. وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يقرأ الحيض ولا النفاس شيئا من القرآن " رواه الدار قطني (فصل) ويحرم عليه قراءة آية فصاعدا لما ذكرنا، فاما بعض الآية فان كان مما لا يتميز به القرآن عن غيره كالتسمية والحمد لله وسائر الذكر فان لم يقصد به القرآن فهو جائز فانه لا خلاف في أن لهم ذكر الله تعالى ولانهم يحتاجون إلى التسمية عند اغتسالهم وقد روت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه رواه مسلم. وان قصدوا به القراءة أو كان ما قرأه يتميز به القرآن عن غيره روايتان أظهرهما أنه لا يجوز لعموم النهي ولما روي أن عليا رضي الله عنه سئل
[ 208 ]
عن الجنب يقرأ القرآن؟ فقال لا ولا حرفا وهذا مذهب الشافعي ولانه قرآن فمنع منه كالآية و (والثانية) لا يمنع وهو قول أبي حنيفة لانه لا يحصل به الاعجاز ولا يجزئ في الخطبة أشبه الذكر ولانه يجوز إذا لم يقصد به القرآن فكذلك إذا قصد (مسألة) (ويجوز له العبور في المسجد ويحرم عليه اللبث فيه الا أن يتوضأ) يحرم عليه اللبث في المسجد لقول الله تعالى (ولا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " روه أبو داود فان خاف على نفسه أو ماله أو لم يمكنه الخروج أو الغسل والوضوء تيمم وأقام في المسجد لانه روي عن علي وابن عباس في قوله تعالى (ولا جنبا الا عابري سبيل) يعني مسافرين لا يجدون ماء فيتيممون، وقال بعض أصحابنا يلبث بغير تيمم لانه لا يرفع الحدث وهو غير صحيح لمخالفته قول الصحابة ولانه أمر تشترط له الطهارة فوجب له التيمم عند العجز عنه كسائر ما تشترط له الطهارة ويباح له العبور في المسجد للآية وانما يباح العبور للحاجة من أخذ شئ أو تركه في المسجد أو كون الطريق فيه فاما لغير ذلك فلا، وممن رويت عنه الرخصة في العبور ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن ومالك والشافعي، وقال الثوري واسحاق لا يمر في المسجد إلا أن لا يجد بدا فيتيمم وهو قول أصحاب الرأي لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " رواه أبو داود ولنا قول الله تعالى (الا عابري سبيل) والاستثناء من النهي اباحة. وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ناوليني الخمرة من المسجد - قالت اني حائض قال - ان حيضتك ليست في يدك " رواه مسلم
[ 209 ]
وعن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشون في المسجد وهم جنب. رواه ابن المنذر وهذا اشارة إلى جميعهم فيكون اجماعا، فان توضأ الجنب فله اللبث في المسجد عند أصحابنا وهو قول اسحاق، وقال الاكثرون لا يجوز للآية والخبر، ووجه الاول ما روى زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون في المسجد على غير وضوء وكان الرجل يكون جنبا فيتوضأ ثم يدخل فيتحدث وهذا اشارة إلى جميعهم فنخص عموم الحديث، وعن عطاء بن يسار
قال: رأيت رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضوء وضوء الصلاة. رواه سعيد بن منصور والاثرم، وحكم الحائض إذا انقطع حيضها حكم الجنب، فأما في حال حيضها فلا يباح لها اللبث لان وضوءها لا يصح (فصل) فأما المستحاضة ومن به سلس البول فلهم العبور في المسجد واللبث فيه إذا أمنوا تلويثه لما روت عائشة أن امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اعتكفت معه وهي متسحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة وربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي. رواه البخاري، فأما إن خاف تلويث المسجد أو خشيت الحائض ذلك بالعبور فيه حرم عليهما لان المسجد يصان عن هذا كما يصان عن البول فيه (فصل) والاغسال المستحبة ثلاثة عشر غسلا (احدها) غسل الجمعه وهو مستحب بغير خلاف وفيه آثار كثيرة صحيحة منها ماروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أتى منكم الجمعة فليغتسل "
[ 210 ]
متفق عليه وروى سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ويصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الامام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الاخرى " رواه البخاري وليس ذلك بواجب في قول أكثر أهل العلم وقد قيل إنه اجماع حكاه ابن عبد البر وسيذكر ذلك في موضعه بأبسط من هذا إن شاء الله تعالى (الثاني) غسل العيدين مستحب لما روى ابن عباس والفاكه بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الفطر والاضحى رواه ابن ماجه (الثالث) الاستسقاء لانها عبادة يجتمع لها الناس فاستحب لها الغسل كالجمعة (الرابع) الكسوف لانه كالاستسقاء (الخامس) الغسل من غسل الميت وهو مستحب لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ " قال الترمذي هذا حديث حسن وليس بواجب، يروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وعائشة والحسن والنخعي والشافعي واسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي، وروي عن علي وأبي هريرة أنهما قالا من غسل ميتا فليغتسل، وبه قال سعيد
ابن المسيب وابن سيرين والزهري لما ذكرنا من الحديث وذكر أصحابنا في وجوب الغسل من غسل الميت الكافر روايتين (احداهما) لا يجب كالمسلم (والثانية) يجب لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم
[ 211 ]
أمر عليا أن يغتسل حين غسل أباه ولنا قول صفوان بن عسال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن الا من جنابة حديث حسن ولانه غسل آدمي فلم يوجب الغسل كغسل الحي وحديثهم موقوف على أبي هريرة قاله أحمد، وقال ابن المنذر: ليس في هذا حديث يثبت ولذلك لم يعمل به في وجوب الوضوء على حامله لا نعلم به قائلا، وأما حديث علي فقال أبو إسحاق الجوزجاني ليس فيه أنه غسل أبا طالب إنما قال له النبي صلى الله عليه وسلم " اذهب فواره ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني " قال فأتيته فأخبرته فأمرني فاغتسلت، وذكر بعض أصحابنا رواية في وجوب الغسل من غسل الحي الكافر قياسا على الميت، والصحيح أنه لا يجب لان الوجوب من الشرع ولم يرد به وقياسه على الميت لا يصح لان المسلم الميت يجب من غسله الوضوء بخلاف الحي وهذا يدل على افتراق حال الميت والحي ولا نعلم أحدا قال به من العلماء (السادس) الغسل من الاغماء والجنون إذا أفاقا من غير احتلام مستحب لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اغتسل للاغماء متفق عليه ولانه لا يؤمن أن يكون قد احتلم ولم يشعر والجنون في معناه بل أولى لان مدته تطول فيكون وجود الاحتلام فيه أكثر ولا يجب الغسل لذلك حكاه ابن المنذر إجماعا وذكر أبو الخطاب فيه روايتين (إحداهما) يجب لان النبي صلى الله عليه وسلم فعله (والثانية) لا يجب وهي أصح لان زوال العقل بنفسه ليس موجبا للغسل والانزال مشكوك فيه فلا يزول عن
[ 212 ]
اليقين بالشك فان تيقن منهما الانزال فعليهما الغسل لانه من جملة الواجبات (السابع) غسل المستحاضة لكل صلاة مستحب. لما روى أبو داود أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة وقد ذهب بعض أهل
العلم إلى وجوبه لما ذكرنا من الحديث وسنذكره في موضعه إن شاء الله، وذكر ابن أبي موسى أن انقطاع دم الاستحاضة يوجب الغسل. (الثامن) الغسل للاحرام وهو مستحب لما روى زيد بن ثابت أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لاهلاله واغتسل، رواه الترمذي، وقال حديث حسن (التاسع) دخول مكة (العاشر) الوقوف بعرفة (الحادي عشر) المبيت بمزدلفة (الثاني عشر) رمى الجمار (الثالث عشر) الطواف وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى، وقد روى البخاري عن ابن عمر أنه كان يغتسل ثم يدخل مكة نهارا ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله وروي الغسل للوقوف بعرفة عن علي وعبد الله بن مسعود واستحبه الشافعي، وروي عن ابن عمر أنه كان يغتسل لاحرامه قبل أن يحرم ولدخوله مكة ولوقوفه عشية عرفة رواه مالك في الموطأ ولانها انساك تجتمع لها الناس فاستحب لها الغسل كالاحرام ودخول مكة والله أعلم. (فصل) ولا يستحب الغسل من الحجامة وذكر ابن عقيل في استحبابه روايتين (إحداهما) يستحب
[ 213 ]
لانه يروى عن علي وابن عباس ومجاهد انهم كانوا يفعلون ذلك (والثانية) لا يستحب لانه دم خارج أشبه الرعاف والله أعلم (فصل في صفة الغسل) وهو ضربان: كامل ومجزئ فالكامل يأتي فيه بعشرة أشياء: النية والتسمية وغسل يديه ثلاثا وغسل ما به من أذى وقد ذكرنا الدليل على ذلك والوضوء ويحثي على رأسه ثلاثا يروي بها أصول الشعر ويفيض الماء على سائر جسده ثلاثا ويبدأ بشقه الايمن ويدلك بدنه بيديه وينتقل من موضع غسله فيغسل قدميه. ويستحب أن يخلل أصول شعر رأسه ولحيته بماء قبل افاضته عليه، ووجه ذلك ما روت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثا وتوضأ وضوءه للصلاة ثم يخلل شعره بيده حتى إذا ظن انه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده، متفق عليه. وقالت ميمونة: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة فأفرغ على يديه
فغسلهما مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره ثم ضرب بيده الارض أو الحائط مرتين أو ثلاثا ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ثم أفاض على رأسه ثم غسل جسده فأتيته بالمنديل فلم يردها وجعل ينفض الماء بيديه متفق عليه، وفي رواية للبخاري: ثم تنحى فغسل قدميه، ففي هذين الحديثين كثير من الخصال المسماة. والبداية بشقه الايمن لانه قد روي في حديث عن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة دعا بشئ نحو الحلاب فأخذ بكفيه بدأ بشق رأسه الايمن ثم الايسر ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه، متفق عليه، وقد اختلف عن أحمد في غسل الرجلين فقال في رواية بعد الوضوء على حديث ميمونة وقال في رواية العمل على حديث
[ 214 ]
عائشة وفيه انه توضأ للصلاة قبل اغتساله وقال في موضع غسل رجليه في موضعه، وبعده وقبله سواء ولعله ذهب إلى أن اختلاف الاحاديث فيه يدل على أن موضع الغسل ليس بمقصود وانما المقصود أصل الغسل (مسألة) قال (مجزئ) وهو أن يغسل ما به من أذى وينوي ويعم بدنه بالغسل مثل أن ينغمس في ماء راكد أو جار غامر أو يقف تحت صوب المطر أو ميزاب حتى يعم الماء جميع جسده فيجزئه لقوله تعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا) وقوله (حتى تغتسلوا) وقد حصل الغسل فتباح له الصلاة لان الله تعالى جعل الغسل غاية للمنع من الصلاة فتقتضي أن لا يمنع منها بعد الاغتسال (فصل) ويستحب امرار يده على جسده في الغسل والوضوء ولا يجب إذا تيقن أو غلب على ظنه وصول الماء إلى جميع جسده وهذا قول الحسن والنخعي والشعبي والثوري والشافعي واسحاق
[ 215 ]
وأصحاب الرأي. وقال مالك امرار يده على بدنه إلى حيث تنال واجب. ونحوه قال أبو العالية قالوا لان الله تعالى قال (حتى تغتسلوا) ولا يقال اغتسل الا لمن دلك نفسه ولانها طهارة عن حدث فوجب فيها امرار اليد كالتيمم ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لام سلمة في غسل الجنابة " إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث
حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين " رواه مسلم ولانه غسل واجب فلم يجب فيه امرار اليد
[ 216 ]
كغسل النجاسة وما ذكروه ممنوع فانه يقال غسل الاناء وان لم يدلكه والتيمم أمرنا فيه بالمسح لانها طهارة بالتراب ويتعذر في الغالب إمرارا التراب إلا باليد (فصل) ولا يجب الترتيب في غسل الجنابة لان الله تعالى قال (وإن كنتم جنبا فاطهروا) وقال (حتى تغتسلوا) فكيفما اغتسل فقد حصل التطهير ولا نعلم في هذا خلافا ولا تجب فيه موالاة نص عليه احمد. قال حنبل سألت أحمد عمن اغتسل وعليه خاتم ضيق؟ قال يغسل موضع الخاتم قلت فان جف غسله؟ قال يغسله ليس هو بمنزلة الوضوء. قلت فان صلى ثم ذكر؟ قال يغسل موضعه ثم يعيد الصلاة وهذا قول أكثر أهل العلم. وقال ربيعة من تعمد ذلك أعاد الغسل وهو قول الليث واختلف فيه عن مالك، وفيه وجه لاصحاب الشافعي قياسا على الوضوء، وذكر الشيخ أبو الفرج في الايضاح انه شرط، والاولى قول الجمهور لانها طهارة لا ترتيب فيها فلم تجب فيها موالاة كغسل النجاسة فعلى هذا نكون
[ 217 ]
واجبات الغسل شيئين. النية وتعميم البدن بالغسل وقد ذكرنا الاختلاف في التسمية فيما مضى (فصل) وان اجتمع شيئان يوجبان الغسل كالحيض والجنابة والتقاء الختانين والانزال فنواهما بغسله أجزأه عنهما وهو قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن الحسن والنخعي في الحائض والجنب تغتسل غسلين ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يغتسل من الجماع إلا واحدا وهو يتضمن التقاء الختانين والانزال غالبا ولانهما سببان يوجبان الغسل فاجزأ الغسل الواحد عنهما كالحدث والنجاسة، وهكذا الحكم ان اجتمعت احداث توجب الطهارة الصغرى كالنوم واللمس وخروج النجاسة فنواها بطهارته وان نوى أحدها ففيه وجهان مضى ذكرهما (فصل) إذا بقيت لمعة من جسده لم يصبها الماء فمسحها بيده أو بشعره أو عصر شعره عليها فقد اختلفت الرواية فيه عن أحمد. فروي أنه سئل عن حديث العلاء بن زياد أن النبي صلى الله عليه وسلم
اغتسل فرأى لمعة لم يصبها الماء فدلكها بشعره قال نعم آخذ به، وروى علي قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني اغتسلت من الجنابة وصليت الفجر ثم أصبحت فرأيت قدر موضع الظفر لم يصبه ماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك " رواه ابن ماجه وروي عن أحمد أنه قال يأخذ لها ماءا جديدا فيه حديث لا يثبت يعصر شعره. وذكر له حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم عصر لمته على لمعة كانت في جسده فضعفه ولم يصححه. قال
[ 218 ]
شيخنا والصحيح أن ذلك يجزئه إذا كان من بلل الغسلة الثانية أو الثالثة وجرى ماؤها على اللمعة لانه كغسلها بماء جديد على ما فيه من الاحاديث، فان لم يجر الماء فالاولى غسلها بماء جديد. ويمكن حمل المسح على الغسل الخفيف في الحديث فان الغسل الخفيف يسمى مسحا وإن عصر شعره في الغسلة الاولى انبنى على المستعمل في رفع الحدث على ما مضى (فصل) ولا يجب على المرأة نقض شعرها لغسلها من الجنابة رواية واحدة إذا روت أصوله ولا نعلم في هذا خلافا إلا أنه روي عن ابن عمرو أنه كان يأمر النساء بذلك وهو قول النخعي ولا نعلم أحدا وافقهما على ذلك. ووجه الاول ما روت أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله اني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة؟ قال " لا انما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين " رواه مسلم، وعن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤسهن فقالت يا عجبي لابن عمرو هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤسهن أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤسهن لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من اناء واحد وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث افراغات. رواه مسلم إلا أن يكون في رأس المرأة حشو أو سدر يمنع وصول الماء إلى ما تحته فتجب إزالته، وإن كان خفيفا لا يمنع لم تجب (فصل) فأما غسل الحيض فنص أحمد على أنها تنقض شعرها فيه، قال مهنا سألت أحمد عن
[ 219 ]
المرأة تنقض شعرها من الحيض قال نعم فقلت له كيف تنقضه من الحيض ولا تنقضه من الجنابة؟ فقال
حديث أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " تنقضه " واختلف فيه أصحابنا فمنهم من أوجبه وهو قول الحسن وطاوس لما روي عن عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها إذ كانت حائضا " خذي ماءك وسدرك وامتشطي " ولا يكون المشط إلا في شعر غير مضفور. وللبخاري " انقضي رأسك وامتشطي " ولان الاصل وجوب نقض الشعر ليتيقن وصول الماء إلى ما تحته فعفي عنه في غسل الجنابة لانه يكثر فيشق ذلك بخلاف الحيض. وقال بعض أصحابنا هو مستحب غير واجب. روي ذلك عن عائشة وأم سلمة وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأكثر العلماء وهو الصحيح لان في بعض ألفاظ حديث أم سلمة أفأنقضه للحيضة والجنابة قال لا؟ رواه مسلم. وهذه زيادة يجب قبولها وهذا صريح في نفي الوجوب فأما حديث عائشة الذي رواه البخاري فليس فيه أمر بالغسل. ولو كان فيه أمر لم يكن فيه حجة لان ذلك ليس هو غسل الحيض انما أمرت بالغسل في حال الحيض للاحرام بالحج ولو ثبت الامر بالغسل حمل على الاستحباب جمعا بين الحديثين ولان ما فيه يدل على الاستحباب وهو المشط والسدر وليس بواجب فما هو من ضرورته أولى (فصل) ويجب غسل بشرة الرأس كثيفا كان الشعر أو خفيفا وكذلك كل ما تحت الشعر كجلد اللحية لما روت أسماء قالت سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل الجنابة فقال " تأخذ ماء فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور. ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى يبلغ شؤون رأسها ثم تفيض
[ 220 ]
عليه الماء رواه مسلم. وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل به من النار كذا وكذا " قال علي فمن ثم عاديت شعري قال وكان يجز شعره رواه أبو داود (فصل) فاما غسل ما استرسل من الشعر وبل ما على الجسد منه ففيه وجهان (أحدهما) يجب وهو ظاهر قول أصحابنا ومذهب الشافعي لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وانقوا البشرة " رواه أبو داود ولانه شعر نابت في محل الفرض فوجب غسله كشعر الحاجبين (والثاني) لا يجب وهو قول أبي حنيفة لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات " مع اخبارها إياه بشد ضفر رأسها ومثل هذا لا يبل الشعر المشدود ضفره في العادة
ولو وجب غسله لوجب نقضه ليعلم أن الماء قد وصل إليه ولان الشعر ليس من الحيوان بدليل أنه لا ينقض مسه من المرأة. ولا تطلق بايقاع الطلاق عليه فلم يجب غسله كثوبها. وأما حديث " بلوا الشعر " فيرويه الحارث بن وجيه وحده وهو ضعيف الحديث عن مالك بن دينار: والحاجبان انما وجب غسلهما من ضرورة غسل بشرتهما وكذلك كل شعر لا يمكن غسل بشرته الا بغسله لانه من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به. فان قلنا بوجوب غسله فترك غسل شئ منه لم يتم غسله فان قطع المتروك ثم غسله أجزأه لانه لم يبق في بدنه شئ غير مغسول ولو غسله ثم تقطع لم يجب غسل موضع القطع كما لو قص أظفاره بعد الوضوء
[ 221 ]
(فصل) وغسل الحيض كغسل الجنابة إلا أنه يستحب أن يغتسل بماء وسدر وتأخذ فرصة ممسكة فتتبع بها مجرى الدم والموضع الذي يصل إليه الماء من فرجها ليزول عنها زفورة الدم فان لم تجد مسكا فغيره من الطيب فان لم تجد فالماء كاف لان في حديث أسماء " تأخذ إحداكن سدرتها وماءها فتطهر فتحسن الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تصب عليه الماء ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها " قالت أسماء وكيف تطهر بها؟ فقال " سبحان الله تطهرين بها " فقالت عائشة تتبعين بها أثر الدم، رواه مسلم - الفرصة هي القطعة من كل شئ والمسك الاذفر الخالص (مسألة) قال (ويتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع فان سبغ بدونهما أجزأه) المد رطل وثلث بالعراقي والصاع أربعة أمداد وهو خمسة أرطال وثلث وهو برطل الدمشقي الذي هو ستمائة درهم رطل وسبع والمد ربعه وهو ثلاث أواق وثلاثة أسباع أوقية، ورطل العراقي مائة درهم وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم وذلك تسعون مثقالا والمثقال درهم وثلاثة أسباع ولا خلاف في حصول الاجزاء بالمد في الوضوء والصاع في الغسل فيما علمنا وذلك لما روى أنس قال: كان
[ 222 ]
رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، متفق عليه، وعن سفينة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسله الصاع من الماء من الجنابة ويوضئه المد، رواه مسلم، وفي حديث جابر أنه سئل عن غسل الجنابة فقال يكفيك صاع فقال رجل ما يكفيني فقال جابر كان يكفي من هو أوفى منك شعرا
وخيرا منك - يعني النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليه، والصاع والمد ما ذكرنا وهذا قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي يوسف، وقال أبو حنيفة الصاع ثمانية أرطال والمد رطلان لان أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد وهو رطلان ويغتسل بالصاع ولنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة " اطعم ستة مساكين فرقا من طعام " متفق عليه، قال أبو عبيد: لا اختلاف بين الناس أعلمه في أن الفرق ثلاثة آصع والفرق ستة عشر رطلا، فثبت أن الصاع خمسة أرطال وثلث، وروي أن أبا يوسف دخل المدينة فسألهم عن الصاع فقالوا خمسة أرطال وثلث فطالبهم بالحجة فقالوا غدافجاء من الغد سبعون شيخا كل منهم أخذ صاعا تحت ردائه فقال صاعي ورثته من أبي عن جدي حتى انتهوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرجع أبو يوسف عن قوله، وهذا تواتر يحصل به القطع، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " المكيال مكيال أهل المدينة " وحديثهم تفرد به موسى بن نصر وهو ضعيف الحديث قاله الدار قطني (فصل) فان أسبغ بدونهما أجزأه - معنى الاسباغ أن يعم جميع الاعضاء بالماء بحيث يجري عليها
[ 223 ]
لان هذا هو الغسل وقد أمرنا بالغسل نص عليه أحمد. وهذا مذهب الشافعي وأكثر أهل العلم وقد قيل لا يجزئ في الغسل دون الصاع ولا في الوضوء دون المد، وحكي ذلك عن أبي حنيفة لان جابرا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يجزئ من الوضوء مد ومن الجنابة صاع " والتقدير بهذا يدل على أنه لا يحصل الاجزاء بدونه ولنا أن الله تعالى أمر بالغسل وقد أتى به، وقد روي عن عائشة أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك رواه مسلم. وعن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بثلثي مد وحديثهم انما يدل بمفهومه وهم لا يقولون به وإن ذكروه على وجه الالزام فما ذكرناه منطوق وهو راجح عليه، وقد روي عن سعيد بن المسيب قال إن لى ركوة أو قدحا ما يسع إلا نصف المد أو نحوه ثم أبول ثم أتوضأ وأفضل منه فضلا. قال عبد الرحمن فذكرت هذا الحديث لسليمان بن يسار فقال سليمان وأنا يكفيني مثل ذلك فذكرت ذلك لابي عبيدة بن عمار بن ياسر فقال أبو عبيدة وهكذا سمعنا
[ 224 ]
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابراهيم النخعي انى لاتوضأ من كوز الحب مرتين (فصل) فإذا زاد على المد في الوضوء على الصاع في الغسل جاز فان عائشة قالت كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من اناء واحد من قدح يقال له الفرق - والفرق ثلاثة آصع وقال أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد متفق عليه. وعن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالماء يسع رطلين رواه أبو داود. ويكره الاسراف في الماء والزيادة الكثيرة فيه لما روينا من الآثار، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال " ما هذا السرف؟ " فقال أفي الوضوء اسراف؟ قال " نعم وإن كنت على نهر جار " رواه ابن ماجه. وعن أبي كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن للوضوء شيطانا يقال له ولهان فاتقوا وسواس الماء " رواه أحمد وابن ماجه (مسألة) (وإذا اغتسل ينوي الطهارتين أجزأ عنهما وعنه لا يجزئه حتى يتوضأ) ظاهر المذهب أنه يجزئه الغسل عن الطهارتين إذا نواهما نص عليه أحمد وعنه لا يجزئه حتى يتوضأ قبل الغسل أو بعده وهو أحد قولي الشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ولان الجنابة والحدث وجد منه فوجب لهما الطهارتان كما لو كانا منفردين
[ 225 ]
ووجه الاولى قوله تعالى (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى - إلى قوله - ولا جنبا الا عابري سبيل حتى تغتسلوا) جعل الغسل غاية للمنع من الصلاة فإذا اغتسل يجب أن لا يمنع منها ولانهما عبادتان من جنس فدخلت الصغرى في الكبرى في الافعال دون النية كالحج والعمرة قال ابن عبد البر المغتسل من الجنابة إذا لم يتوضأ وعم جميع بدنه فقد أدى ما عليه لان الله تعالى انما افترض على الجنب الغسل من الجنابة دون الوضوء بقوله (وان كنتم جنبا فاطهروا) وهو إجماع لا خلاف فيه بين العلماء إلا أنهم أجمعوا على استحباب الوضوء قبل الغسل تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتوضأ بعد الغسل من الجنابة رواه الامام أحمد والترمذي
(فصل) وان لم ينو الوضوء لم يجزه الا عن الغسل لقوله عليه السلام " وانما لامرئ ما نوى " فان نواهما أحدث في أثناء غسله أتم غسله ثم يتوضأ، وقال الحسن يستأنف الغسل ولا يصح لان الحدث الاصغر لا ينافي الغسل فل يؤثر وجوده فيه كغير الحدث
[ 226 ]
(فصل) ويسقط الترتيب والموالاة في أعضاء الوضوء إذا قلنا الغسل يجزئ عنهما لانهما عبادتان دخلت احداهما في الاخرى فسقط حكم الصغرى كالعمرة مع الحج نص عليه أحمد: فلو اغتسل إلا أعضاء الوضوء لم يجب الترتيب فيها لان حكم الجنابة باق وقال ابن عقيل والآمدي فيمن غسل جميع بدنه الا رجليه ثم أحدث يجب الترتيب في الاعضاء الثلاثة لانفرادها في الحدث الاصغر دون الرجلين لاجتماع الحدثين فيهما، ويعايابها فيقال طهارة يجب الترتيب في بعضها ولا يجب في البعض (مسألة) (ويستحب للجنب إذا أراد النوم أو الاكل أو الوطئ ثانيا أن يغسل فرجه ويتوضأ) وروي ذلك عن علي وعبد الله بن عمر وكان ابن عمر يتوضأ الا غسل قدميه وقال ابن المسيب إذا أراد أن يأكل يغسل كفيه ويتمضمض. وحكي نحوه عن امامنا واسحاق وأصحاب الرأي. وقال مجاهد يغسل كفيه لما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يديه رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وقال مالك يغسل يديه ان كان أصابهما أذى. وقال ابن المسيب وأصحاب الرأي ينام ولا يمس ماء لما روت عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام
[ 227 ]
وهو جنب ولا يمس ماء رواه أبو داود وابن ماجه ولنا أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال " نعم إذا توضأ فليرقد " متفق عليه، وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ " رواه مسلم. وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ يعني وهو جنب رواه أبو داود. فأما أحاديثهم فأحاديثنا أصح ويمكن الجمع بينها يحملها على الجواز وحمل أحاديثنا على الاستحباب (فصل) وإذا غمست الحائض أو الجنب أو الكافر أيديهم في الماء فهو طاهر ما لم يكن على
أيديهم نجاسة لان أبدانهم طاهرة وهذه الاحداث لا تقتضي تنجيس الماء قال ابن المنذر أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر يروي ذلك عن عائشة وابن عباس وابن عمر وهو قول مالك والشافعي ولا نعلم عن غيرهم خلافا، وقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة قال فانخنست منه فذهبت فاغتسلت ثم جئت فقال " أين كنت يا أبا هريرة " قال يا رسول الله كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة فقال " سبحان الله ان المؤمن لا ينجس " متفق عليه وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم قدمت إليه امرأة من نسائه قصعة ليتوضأ منها فقالت امرأة إني غمست يدي فيها وأنا جنب فقال " الماء لا يجنب " وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب من سؤر عائشة
[ 228 ]
وهي حائض وتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم من مزادة مشركة متفق عليه، وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم يهوديا أضافه يخبز واهالة سنخة. قال شيخنا ويتخرج التفريق بين الكتابي الذي لا يأكل الميتة والخنزير وبين غيره ممن يأكل ذلك ومن لا تحل ذبيحتهم كقولنا في آنيتهم وقد ذكرناه (فصل) فأما طهورية الماء فان الحائض والكافر لا يؤثر غمسهما أيديهما في الماء لان حدثهما لا يرتفع وأما الجنب فان لم ينو بغمس يده في الماء رفع الحدث عنها فكذلك بدليل حديث المرأة التي قالت غمست يدي في الماء وأنا جنب فقال النبي صلى الله عليه وسلم " الماء لا يجنب " ولان الحدث لا يرتفع من غير نية أشبه غمس الحائض، وإن نوت رفع حدثها فحكم الماء حكم مالو اغتسل الجنب فيه للجنابة كذا ذكره شيخنا وفي هذا نظر. فانهم قد قالوا ان الماء المستعمل إذا اختلط بالماء الطهور انما يؤثر فيه إذا كان بحيث لو كان مائعا آخر غيره. والمنفصل عن اليد ههنا يسير فينبغي إذا كان الماء كثيرا بحيث لا يؤثر فيه المنفصل عن غسل اليد لو غسلت منفردة بماء ثم صب فيه أن لا يؤثر ههنا لانه في معناه، وإن كان الماء يسيرا بحيث يغلب على الظن ان قدر المنفصل عن اليد يؤثر فيه لو غسلت منفردة ثم صب فيه أثر ههنا وقد روي عن أحمد ما يدل على هذا فانه سئل عن جنب وضع له ماء فأدخل يده ينظر حره من برده؟ قال إن كان أصبعا فأرجو أن لا يكون به بأس وإن كانت اليد أجمع فكأنه كرهه
[ 229 ]
(فصل) قال بعض أصحابنا إذا نوى رفع الحدث ثم غمس يده في الماء ليغرف بها صار الماء مستعملا. قال شيخنا والصحيح إن شاء الله أن ذلك لا يؤثر لان قصد الاغتراف منع قصد غسلها على ما بيناه في المتوضئ إذا اغترف من الاناء لغسل يديه بعد وجهه، وإن انقطع حيض المرأة فهي قبل الغسل كالجنب فيما ذكرنا من التفصيل. وقد اختلف عن أحمد في هذا فقال في موضع في الجنب والحائض يغمس يديه في الاناء إذا كانا نظيفين فلا بأس به، وقال في موضع كنت لا أرى به بأسا ثم حدثت عن شعبة عن محارب بن دثار عن ابن عمر وكأني تهيبته، وسئل عن جنب وضع له ماء فوضع يده فيه ينظر حرمه من برده فقال إن كان أصبعا فأرجو أن لا يكون به بأس وإن كانت اليد أجمع فكأنه كرهه وسئل عن الرجل يدخل الحمام وليس معه ما يصب به الماء على يده ترى له أن يأخذ بفيه؟ فقال لا يده وفمه واحد وقياس المذهب ما ذكرنا وكلام أحمد محمول على الكراهة لما فيه من الخلاف، وقال أبو يوسف إن أدخل الجنب يده في الماء لم يفسد وإن أدخل رجله فسد لان الجنب نجس فعفى عن يده لموضع الحاجة وكره النخعي الوضوء بسؤر الحائض، وأكثر أهل العلم لا يرون به بأسا منهم الحسن ومجاهد والزهري ومالك والاوزاعي والثوري والشافعي. وقد دللنا على طهارة الجنب والحائض، والتفريق بين اليد والرجل لا يصح لاستوائهما فيما إذا أصابتهما نجاسة كذلك في الجنابة قال شيخنا ويحتمل أن نقول به لان اليد يراد بها الاغتراف وقصده هو المانع من جعل الماء مستعملا وهذا لا يوجد في الرجل فيؤثر غمسها في الماء والله أعلم
[ 230 ]
(فصول في الحمام) بناء الحمام وكراؤه وبيعه وشراؤه مكروه عند أبي عبد الله فانه قال في الذي يبني حماما للنساء ليس بعدل وانما كرهه لما فيه من كشف العورة والنظر إليها ودخول النساء إليه (فصل) فأما دخول الحمام فان دخل رجل وكان يسلم من النظر إلى عورات الناس ونظرهم إلى عورته فلا بأس به فانه يروى أن ابن عباس دخل حماما بالجحفة، ويروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الحسن وابن سيرين يدخلان الحمام رواه الخلال. وان خشي أن لا يسلم من ذلك كره له لانه
لا يأمن وقوعه في المحظور وهو النظر إلى عورات الناس ونظرهم إلى عورته وهو محرم بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة " وقوله عليه السلام " لا تمشوا عراة " رواهما مسلم. قال أحمد: ان علمت أن كل من في الحمام عليه ازار فادخله والا فلا تدخل
[ 231 ]
(فصل) فأما النساء فليس لهن دخوله مع ما ذكرنا من الستر الا لعذر من حيض أو نفاس أو مرض أو حاجة إلى الغسل ولا يمكنها أن تغتسل في بيتها لتعذر ذلك عليها أو خوفها من مرض أو ضرر فيباح لها إذا سترت عورتها وغضت بصرها ولا يجوز من غير عذر لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ستفتح أرض العجم وستجدون فيها حمامات فامنعوا نسائكم الا حائضا أو نفساء " وروي أن عائشة دخل عليها نساء من أهل حمص فقالت لعلكن من النساء اللاتي يدخلن الحمامات سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ان المرأة إذا خلعت ثيابها في غير بيت زوجها هتكت سترها بينها وبين الله تعالى " رواهما ابن ماجه (فصل) ومن اغتسل عريانا بين الناس لم يجز لما ذكرنا وان كان وحده جاز لان موسى عليه السلام اغتسل عريانا وأيوب اغتسل عريانا رواهما البخاري، وان ستره الانسان بثوب فلا بأس فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستر بثوب ويغتسل متفق عليه، ويستحب التستر وان كان خاليا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " فالله أحق أن يستحيي منه من الناس " وقد قال أحمد لا يعجبني أن يدخل الماء إلا مستترا ان للماء سكانا لانه يروى عن الحسن والحسين أنهما دخلا الماء وعليهما بردان
[ 232 ]
فقيل لهما في ذلك فقالا: ان للماء سكانا ولان الماء لا يستر فتبدو عورة من دخله عريانا والله أعلم (فصل) ويجزئه الوضوء والغسل من ماء الحمام قال أحمد لا بأس بالوضوء من ماء الحمام وذلك لان الاصل الطهارة وروي عن أحمد أنه قال لا بأس أن يأخذ من الانبوبة وهذا على سبيل الاحتياط ولو لم يفعله جاز لان الاصل الطهارة، وقد قال أحمد ماء لاحمام عندي طاهر وهو بمنزلة الماء الجاري، وهل يكره استعماله؟ فيه وجهان (احدهما) يكره لانه يباشره من يتحرى ومن لا يتحرى وحكاه ابن عقيل رواية
عن أحمد وقد روى الاثرم عن أحمد. قال منهم من يشدد فيه ومنهم من يقول هو بمنزلة الماء الجاري (والثاني) لا يكره لكون الاصل طهارته فهو كالماء الذي شككنا في نجاسته والله أعلم (قال شيخنا) وقوله هو بمنزلة الماء الجاري فيه دليل على أن الماء الجاري لا ينجس الا بالتغيير لانه لو تنجس بمجرد لملاقاة لم يكن لكونه جاريا أثر وانما جعله بمنزلة الماء الجاري إذا كان الماء يفيض من الحوض ويخرج فان الذي يأتي أخيرا يدفع ما في الحوض ويثبت مكانه بدليل أنه لو كان ما في الحوض كدرا وتتابعت عليه دفع من الماء صافيا لزالت كدورته (فصل) ولا بأس بذكر الله في الحمام فان ذكره سبحانه حسن في كل مكان ما لم يرد المنع منه وقد روي أن أبا هريرة دخل الحمام فقال: لا إله إلا الله وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه رواه مسلم. فأما قراءة القرآن فيه فكرهها أبو وائل والشعبي والحسن ومكحول وحكاه ابن عقيل عن علي وابن عمر لانه كحل للتكشف ويفعل فيه ما لا يحسن في غيره فاستحب صيانة القرآن عنه ولم يكرهه النخعي ومالك لانا لا نعلم حجة توجب الكراهة، فاما رد السلام فقال أحمد ما سمعت فيه شيئا. وقال ابن عقيل يكره. والاولى جوازه من غير كراهة لعموم قوله عليه السلام " أفشوا السلام بينكم " ولانه لم يرد فيه نص والاشياء على الاباحة والله أعلم
[ 233 ]
باب التيمم التيمم في اللغة القصد قال الله تعالى (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) وقال امرؤ القيس تيممت العين التي عند ضارج * يفئ عليها الظل عرمضها طامي وقول الله تعالى (فتيمموا صعيدا طيبا) أي اقصدوه ثم نقل في عرف الفقهاء إلى مسح الوجه واليدين بشئ من الصعيد، والاصل فيه الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وأما السنة فحديث عمار وغيره، وأجمعت الامة على جواز التيمم في الجملة وله شروط وفرائض وسنن ومبطلات تأتي في أثناء الباب ان شاء الله تعالى (مسألة) قال (وهو بدل لا يجوز الا بشرطين (أحدهما) دخول الوقت فلا يجوز لفرض
قبل وقته ولا لنفل في وقت النهي عنه) وجملة ذلك أن التيمم بدل عن الماء انما يجوز عند تعذر الطهارة بالماء لعدمه أو مرض أو خوف أو نحوه لقوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " التراب كافيك ما لم تجد الماء "
[ 234 ]
ولحديث ضاحب الشجة وحديث عمرو بن العاص وغير ذلك، ويشترط له ثلاثة شروط (أحدها) دخول الوقت فلا يجوز لصلاة مفروضة قبل دخول وقتها ولا لنافلة في وقت النهي عنها لانه ليس بوقت لها ولانه مستغن عن التيمم فيه فأشبه مالو تيمم عند وجود الماء، وان كانت فائتة جاز التيمم لها في كل وقت لجواز فعلها فيه. وهذا قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يصح التيمم قبل وقت الصلاة لانها طهارة مشترطة للصلاة فأبيح تقديمها على الوقت كسائر الطهارات. وروي عن أحمد انه قال القياس أن التيمم بمنزلة الطهارة حتى يجد الماء أو يحدث، فعلى هذا يجوز قبل دخول الوقت. والصحيح الاول لانها طهارة ضرورة فلم تجز قبل الوقت كطهارة المستحاضة. وقياسهم ينتقض بطهارة المستحاضة ويفارق التيمم سائر الطهارات لكونها ليست لضرورة (الشرط الثاني) العجز عن استعمال الماء لعدمه لما ذكرنا وعدم الماء انما يشترط لمن تيمم لعذر عدم الماء دون من تيمم لغيره من الاعذار (الشرط الثالث) طلب الماء وفيه خلاف نذكره إن شاء الله (فصل) وعدم الماء يبيح التيمم في السفر الطويل والقصير، والطويل ما يبيح القصر، والقصير ما دونه مثل أن يكون بين قريتين متباعدتين أو متقاربتين. قال القاضي: لو خرج إلى ضيعة له تفارق البنيان والمنازل ولو بخمسين خطوة جاز له التيمم والصلاة على الراحلة وأكل الميتة للضرورة. وهذا قول مالك والشافعي. وقال قوم لا يباح إلا في الطويل قياسا على سائر رخص السفر ولنا قوله تعالى (وإن كنتم مرضى أو على سفر - إلى قوله - فتيمموا) فانه يدل بمطلقه على إباحة التيمم
[ 235 ]
في كل سفر ولان السفر القصير يكثر فيكثر عدم الماء فيه فيحتاج إلى التيمم فيه فينبغي أن يسقط به الفرض كالطويل. والقياس على رخص السفر لا يصح لان التيمم يباح في الحضر على ما يأتي ولان التيمم
عزيمة لا يجوز تركه بخلاف سائر الرخص. ولا فرق بين سفر الطاعة والمعصية لان التيمم عزيمة لا يجوز تركه بخلاف بقية الرخص فان تيمم وصلى فهل يعيد؟ ذكر القاضي فيه احتمالين أولاهما لا يعيد لانه عزيمة (فصل) فان عدم الماء في الحضر بأن انقطع عنهم الما أو حبس وعدم الماء تيمم وصلى وهذا قول مالك والثوري والاوزاعي والشافعي وقال أبو حنيفة في رواية عنه لا يصلي لان الله تعالى شرط السفر لجواز التيمم فلا يجوز في غيره وقد روي عن أحمد أنه سئل عن رجل حبس في دار أو أغلق عليه الباب بمنزل المضيف أيتيمم؟ قال لا ولنا ما روى أبو ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ان الصعيد الطيب طهور المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فان ذلك خير " قال الترمذي حديث حسن صحيح وهذا عام في السفر وغيره ولانه عادم للماء أشبه المسافر فأما الآية فلعل ذكر السفر فيها خرج مخرج الغالب لكون الغالب أن الماء انما يعدم فيه - كما ذكر السفر وعدم وجود الكاتب في الرهن وليسا شرطين فيه. ثم ان الآية انما تدل على ذلك بدليل الخطاب وأبو حنيفة لا يقول به ولو كان حجة
[ 236 ]
فالمنطوق راجح عليه فعلى هذا إذا تيمم في الحضر لعدم الماء وصلى فهل يعيد إذا قدر على الماء؟ على روايتين (إحداهما) يعيد وهو مذهب الشافعي لانه عذر نادر فلا يسقط به القضاء كالحيض في الصوم (والثانية) لا يعيد وهو مذهب مالك لانه أتى بما أمر به فخرج عن العهدة ولانه صلى بالتيمم المشروع على الوجه المشروع فأشبه المريض والمسافر مع أن عموم الخبر يدل عليه، وقال أبو الخطاب ان حبس في المصر صلى ولم يذكر اعادة وذكر الروايتين في غيره. قال شيخنا: ويحتمل أنه ان كان عدم الماء لعذر نادر أو يزول قريبا كرجل أغلق عليه الباب مثل الضيف وما أشبه هذا فعليه الاعادة لان هذا بمنزلة المتشاغل بطلب الماء وتحصيله، وان كان عذرا ممتدا ويوجد كثيرا كالمحبوس ومن انقطع الماء من قريته واحتاج إلى استقاء الماء من مسافة بعيدة فله التيمم ولا اعادة عليه لان هذا عادم للماء بعذر متطاول معتاد فهو كالمسافر ولان عدم هذا الماء أكثر من عدم المسافر له فالنص على التيمم للمسافر تنبيه على التيمم ههنا. وما قاله صحيح والله تعالى أعلم
(فصل) ومن خرج من المصر إلى أرض من أعماله كالحراث والحصاد والحطاب وأشباههم ممن لا يمكنه حمل الماء معه لوضوئه فحضرت الصلاة ولا ماء معه ولا يمكنه الرجوع ليتوضأ الا بتفويت حاجته فله أن يصلي بالتيمم ولا اعادة عليه لانه مسافر أشبه الخارج إلى قرية أخرى ويحتمل أن تلزمه الاعادة لكونه في أرض من عمل المصر أشبه المقيم فيه فان كانت الارض التي خرج إليها من غير
[ 237 ]
أرض قريبة فلا إعادة عليه وجها واحدا لانه مسافر (فصل) فان لم يجد إلا ماء ولغ فيه بغل أو حمار فروي عن احمد انه قال إذا لم يجد غير سؤرهما تيمم معه فيقدم الوضوء ثم يتيمم نص عليه احمد ليكون عادما للماء بيقين. قال ابن عقيل: ويحتمل في المذهب أن يصلي بكل واحد منهما ليحصل له تأدية فرضه بيقين، فعلى هذا يقدم التيمم ويصلي ثم يتوضأ لجواز أن يكون الماء نجسا ولا يضر ههنا تقديم التيمم مع كونه مسقطا للفرض كما إذا اشتبهت الثياب فان أراد أن يصلي صلاة أخرى في وقت واحد لم يحتج إلى اعادة الوضوء إذا لم يحدث لان الماء إن كان طاهرا فالوضوء بحاله وإن كان نجسا فلا حاجة إلى تكرار الوضوء بماء نجس ولا يحتاج في الصلاة الثانية إلى أن يفعلها مرتين لانه لا يحصل له تأدية فرضه بيقين لان أعضاءه قد تنجست بالماء على تقدير نجاسته هذا إذا كان مستديما للطهارة الاولى ذكره ابن عقيل قال ويمكن تأديته بيقين بأن يتيمم للحدث والنجاسة ويصلي لانه إن كان الماء طاهرا فقد صحت صلاته وإن كان نجسا فقد تيمم للنجاسة والحدث فتصح صلاته (مسألة) قال (أو لضرر في استعماله من جرح أو برد شديد أو مرض يخشى زيادته أو تطاوله) هذه تشتمل على مسائل أحدها التيمم لخوف البرد متى أمكنه تسخين الماء أو استعماله على وجه يأمن الضرر مثل أن يغسل عضوا عضوا كلما غسل شيئا ستره لزمه ذلك وإن لم يقدر تيمم وصلى في قول أكثر أهل العلم، وقال عطاء والحسن يغتسل وان مات. ومقتضى قول ابن مسعود نحو ذلك. ووجه الاول قوله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) ولما روى عمرو بن العاص قال احتلمت في ليلة باردة في عزوة ذات
[ 238 ]
السلاسل فأشفقت ان اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال " يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت اني سمعت الله عزوجل يقول (ولا تقتلوا أنفسكم ان الله كان بكم رحيما) فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا. رواه الخلال وأبو داود وسكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز لانه لا يقر على الخطأ ولانه خائف على نفسه أشبه المريض، وهل تلزمه الاعادة إذا قدر على استعمال الماء؟ فيه روايتان (احداهما) لا تلزمه وهو قول الثوري ومالك وأبي حنيفة وابن المنذر لحديث عمرو فان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره باعادة ولو وجبت لامره بها فانه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجه ولانه خائف على نفسه أشبه المريض (والثانية) تلزمه الاعادة في الحضر دون السفر وهو قول أبي يوسف ومحمد لانه عذر نادر غير متصل فلم يمنع الاعادة كنسيان الطهارة، قال الشيخ والاول أصح ويفارق نسيان الطهارة فانه لم يأت بما أمر به وانما ظن انه أتى به بخلاف مسئلتنا، وقال الشافعي يعيد الحاضر لما ذكرنا وفي المسافر قولان (فصل) الثاني الجريح والمريض إذا خاف على نفسه من استعمال الماء فله التيمم هذا قول أكثر أهل العلم منهم ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاوس والنخعي وقتادة ومالك والشافعي، وقال عطاء والحسن لا يجوز التيمم إلا عند عدم الماء
[ 239 ]
ولنا قول الله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) وحديث عمرو بن العاص حين تيمم من خوف البرد وحديث صاحب الشجة ولانه يباح له التيمم إذا خاف العطش أو خاف من سبع فكذلك ههنا لان الخوف لا يختلف وانما اختلفت جهاته، واختلفوا في الخوف المبيح للتيمم فروي عن أحمد لا يبيحه الا خوف التلف وهذا أحد قولي الشافعي، والصحيح من المذهب أنه يباح له التيمم إذا خاف زيادة المرض أو تباطؤ البرء أو خاف شيئا فاحشا أو ألما غير محتمل وهذا مذهب أبي حنيفة والقول الثاني للشافعي لعموم قوله تعالى (وان كنتم مرضى) ولانه يجوز له التيمم إذا خاف ذهاب شئ من ماله أو ضررا في نفسه من لص أو سبع أو لم يجد الماء الا بزيادة كثيرة على ثمن مثله فلان يجوز ههنا أولى. ولان ترك القيام في
الصلاة وتأخير الصوم في المرض لا ينحصر في خوف التلف فكذا ههنا. فأما المريض والجريح الذي لا يخاف الضرر باستعمال الماء مثل من به الصداع والحمى الحارة وأمكنه استعمال الماء الجاري ولا ضرر عليه فيه لزمه ذلك لان اباحة التيمم لنفي الضرر ولا ضرر عليه، وحكي عن مالك وداود اباحة التيمم للمريض مطلقا لظاهر الآية. ولنا أنه قادر على استعمال الماء من غير ضرر فأشبه الصحيح والآية اشترط فيها عدم الماء فلم يتناول محل النزاع على أنه لابد من اضمار الضرورة والضرورة انما تكون عند الضرر (مسألة) (أو عطش يخافه على نفسه أو رفيقه أو بهيمته) متى خاف العطش على نفسه جاز له التيمم ولا اعادة عليه اجماعا قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المسافر إذا كان
[ 240 ]
معه ماء وخشي العطش أنه يبقي الماء للشرب ويتيمم منهم علي وابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد والثوري ومالك والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم، وان خاف على رفيقه أو رقيقه أو بهائمه فهو كما لو خاف على نفسه لان حرمة رفيقه كحرمة نفسه والخائف على بهائمه خائف من ضياع ماله وعليه ضرر فيه فجاز له التيمم كالمريض، وان وجد عطشان يخاف تلفه لزمه سقيه ويتيمم. قيل لاحمد رجل معه إداوة من ماء للوضوء فيرى قوما عطاشا أحب اليك أن يسقيهم أو يتوضأ؟ قال لا بل يسقيهم ثم ذكر عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيممون ويحبسون الماء لشفاههم وقال أبو بكر والقاضي لا يلزمه بذله لانه محتاج إليه ولنا أن حرمة الآدمي تقدم على الصلاة بدليل مالو رأى حريقا أو غريقا عند ضيق وقت الصلاة لزمه ترك الصلاة والخروج لانقاذه فلان يقدمها على الطهارة بالماء أولى وقد روي في حديث البغي أن الله غفر لها بسقي الكلب عند العطش فإذا كان في سقي الكلب فالآدمي أولى (فصل) وإذا وجد الخائف من العطش ماء طاهراوماء نجسا يكفيه أحدهما لشربه فانه يحبس الطاهر لشربه ويريق النجس ان استغنى عنه، وقال القاضي: يتوضأ بالطاهر ويحبس النجس لشربه لانه وجد ماء طاهرا يستغني عن شربه أشبه ما لو كان الكل طاهرا
[ 241 ]
ولنا أنه لا يقدر على ما يجوز شربه والوضوء به إلا الطاهر فجاز له حبسه لشربه كما لو انفرد، وإن وجدهما وهو عطشان شرب الطاهر وأراق النجس إذا استغنى عنه سواء كان في الوقت أو قبله، وقال بعض الشافعية إن كان في الوقت شرب النجس لان الطاهر مستحق للطهارة فهو كالعدم، ولا يصح لان شرب النجس حرام وانما يصير الطاهر مستحقا للطهارة إذا استغنى عن شربه، وهذا غير مستغن عن شربه فوجود النجس كعدمه (مسألة) قال (أو خشية على ماله في طلبه) متى خاف على نفسه أو ماله في طلب الماء كمن بينه وبين الماء سبع أو عدو أو حريق أو لص فهو كالعادم لانه خائف للضرر باستعماله أو التلف فهو كالمريض ولو كان الماء بمجمع الفساق تخاف المرأة على نفسها منهم فهي كالعادمة وقد توقف أحمد عن هذه المسألة وقال ابن أبي موسى تتيمم ولا اعادة عليها في أصح الوجهين، قال شيخنا والصحيح جواز التيمم لها وجها واحدا ولا اعادة عليها بل لا يحل لها الخروج إلى الماء لما فيه من التعرض للزنا وهتك نفسها وعرضها وتنكيس رؤس أهلها وربما أفضى إلى قتلها. وقد أبيح لها التيمم حفظا للقليل من مالها المباح لها بذله وحفظ نفسها من زيادة مرض أو تباطؤ برء فههنا أولى وكذلك إن كان يخاف إذا ذهب إلى الماء شرود دابته أو سرقتها أو يخاف على أهله لصا أو سبعا فهو كالعادم لما دكرنا، فان كان خوفه جبنا لا عن سبب يخاف من مثله كالذي يخاف بالليل وليس شئ يخاف منه لم يجز له التيمم نص عليه أحمد قال شيخنا ويحتمل أن يباح له التيمم ويعيد إذا اشتد خوفه لانه بمنزلة الخائف لسبب، ومن كان خوفه لسبب ظنه مثل من رأى سوادا ظنه عدوا فتبين أنه ليس بعدو أو رأى كلبا فظنه نمرا فتيمم
[ 242 ]
وصلى فبان خلافه فهل تلزمه الاعادة؟ على وجهين (أحدهما) لا تلزمه الاعادة لانه أتى بما أمر به فخرج عن عهدته (والثاني) تلزمه لانه تيمم من غير سبب يبيح التيمم أشبه من نسي الماء بموضع يمكنه استعماله (فصل) ومن كان مريضا لا يقدر على الحركة ولا يجد من يناوله الماء فهو كالعادم قاله ابن أبي موسى وهو قول الحسن لانه لا سبيل له إلى الماء أشبه من وجده في بئر ليس له ما يستقي به منها، وإن
وجد من يناوله قبل خروج الوقت فهو كالواجد في الحال لانه بمنزلة من يجد ما يستقي به في الوقت، وإن خاف خروج الوقت قبل مجيئه فقال ابن أبي موسى والحسن له التيمم ولا اعادة عليه لانه عادم في الوقت أشبه العادم مطلقا ويحتمل أن ينتظر مجئ من يناوله لانه حاضر ينتظر حصول الماء أشبه المشتغل باستقاء الماء وتحصيله (فصل) وإذا وجد بئرا وقدر على النزول إلى مائها من غير ضرر أو الاغتراف بشئ أو ثوب يبله ثم يعصره لزمه ذلك وإن خاف فوت الوقت لان الاشتغال به كالاشتغال بالوضوء وحكم من في السفينة في الماء كحكم واجد البئر إن لم يمكنه الوصول إلى الماء إلا بمشقة أو تغرير بالنفس فهو كالعادم وهذا قول الثوري والشافعي، وإذا كان الماء موجودا إلا أنه إن اشتغل بتحصيله واستعماله فات الوقت لم يبح له التيمم سواء كان حاضرا أو مسافرا في قول أكثر أهل العلم منهم الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وعن الاوزاعي والثوري أنه يتيمم رواه عنهما الوليد بن مسلم وروي عن مالك
[ 243 ]
وابن أبي ذئب كقول الجمهور لقوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وهذا واجد ولقوله عليه السلام " التراب كافيك ما لم تجد الماء " ولانه قادر على الماء فلم يجز له التيمم كما لو لم يخف فوت الوقت (مسألة) قال (أو تعذره الا بزيادة كثيرة على ثمن مثله أو ثمن يعجز عن آدائه) وجملته أنه متى وجد ماء بثمن مثله في موضعه لزمه شراؤه إذا قدر على الثمن مع استغنائه عنه لقوته ومؤنة سفره لانه قادر على استعماله من غير ضرر وكذلك ان كانت الزيادة يسيرة لا تجحف بماله ذكره أبو الخطاب لما ذكرنا، وقال الشافعي لا يلزمه شراؤه مع الزيادة قليلة كانت أو كثيرة لان عليه ضررا في الزيادة أشبه مالو خاف لصا يأخذ من ماله ذلك المقدار ولنا قوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وهذا واجد فان القدرة على ثمن العين كالقدرة على العين في المنع من الانتقال إلى البدل كما لو بيعت بثمن مثلها لان ضرر المال دون ضرر النفس وقد قالوا في المريض يلزمه الغسل ما لم يخف التلف فتحمل الضرر اليسير في المال أحرى وما ذكروه من الدليل يبطل بما إذا كان بثمن المثل فان كان عاجزا عن الثمن فهو كالعادم لانه عاجز عن استعمال الماء. وان
بذل له ثمنه لم يلزمه قبوله لان فيه منة. فأما ان وهب له ماء لزمه قبوله لانه قادر على استعمال الماء ولا منة في ذلك في العادة. فأما ان كانت الزيادة كثيرة تجحف بماله لم يلزمه شراؤه لان عليه ضررا كثيرا وان كانت كثيرة لا تجحف بماله ففيه وجهان (أحدهما) يلزمه شراؤه لانه واجد للماء قادر عليه من غير اجحاف بماله فلزمه استعماله للآية وكما لو كانت الزيادة بسيرة (والثاني) لا يلزمه لان فيه ضررا ولما ذكرنا في الزيادة اليسيرة
[ 244 ]
(فصل) فان بذل له بثمن في الذمة يقدر على أدائه في بلده فقال القاضي يلزمه شراؤه لانه قادر على أخذه بما لا مضرة فيه. وقال الآمدي لا يلزمه لان عليه ضررا في بقاء الدين في ذمته وربما تلف ماله قبل أدائه وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، وإن لم يكن له في بلده ما يؤدي ثمنه لم يلزمه شراؤه لان عليه ضررا، وإن لم يبذله له وكان فاضلا عن حاجته لم يجز له أخذه منه قهرا (1) لان الضرورة لا تدعو إليه ولان هذا له بدل وهو التيمم بخلاف الطعام في المجاعة (مسألة) (فان كان بعض بدنه جريحا تيمم له وغسل الباقي) وجملة ذلك أن الجريح والمريض إذا أمكنه غسل بعض بدنه دون بعض لزمه غسل ما أمكنه غسله وتيمم للباقي وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك إن كان أكثر بدنه صحيحا غسله ولا يتيمم وإن كان أكثره جريحا تيمم ولا غسل عليه لان الجمع بين البدل والمبدل لا يجب كالصيام والاطعام ولنا ما روى جابر قال خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا شجة في وجهه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فاقل " قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فانما شفاء العي السؤال انما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه ثم يغسل سائر جسده " رواه أبو داود ولانها شرط من شرائط الصلاة فالعجز عن بعضها لا يسقط جميعها كالستارة وما ذكروه ينتقض بالمسح على الخفين مع غسل بقية الاعضاء، فأما الذي قاسوا عليه فانه جمع بين البدل والمبدل في محل واحد بخلاف مسئلتنا فان التيمم بدل عما لم يصبه، وكل مالا يمكن غسله من الصحيح إلا بانتشار الماء إلى الجريح حكمه حكم الجريح فان لم يمكنه ضبطه وقدر أن يستنيب من يضبطه لزمه ذلك فان عجز تيمم وصلى واجزأه
لانه عجز عن غسله فأجزأه التيمم عنه كالجريح
1) عبارة المغني لم يجز له مكارته الخ فهل سقط من كل مكان ما ثبت نظيره في الاخر؟ يتأمل
[ 245 ]
(فصل) ولا يلزمه أن يمسح على الجرح بالماء إذا أمكنه ذلك سواء كان معصوبا أو لا هذا اختيار الخرقي، وقال ابن عقيل نص أحمد في رواية صالح في المجروح إذا خاف مسح موضع الجرح وغسل ما حوله لقوله عليه السلام " إذا أمرتكم بامر فائتوا منه ما استطعتم " لانه عجز عن غسله وقدر على مسحه وهو بعض الغسل فوجب الاتيان بما قدر عليه كمن عجز عن الركوع والسجود وقدر على الايماء ووجه القول الاول أنه محل واحد فلا يجمع فيه بين المسح والتيمم كالجبيرة فإذا قلنا يجب المسح على موضع الجرح فهل يتيمم معه؟ على روايتين (إحداهما) لا يتيمم كالجرح المعصوب عليه والجبيرة على الكسر (والثانية) عليه التيمم لان المسح بعض الغسل فيجب أن يتيمم للباقى، ويفارق هذا الجبيرة لان الفرض فيها انتقل إلى الحائل فهي كالخفين (فصل) فان كانت جميع أعضاء الوضوء قريحة تيمم لها فان لم يمكنه التيمم صلى على حسب حاله وفي الاعادة روايتان كمن عدم الماء والتراب وسنذكر ذلك ان شاء الله
[ 246 ]
(فصل) إذا كان الجريح جنبا فهو مخير إن شاء قدم التيمم على الغسل وإن شاء أخره بخلاف ما إذا كان التيمم لعدم ما يكفيه لطهارته فانه يلزمه استعمال الماء أولا لان التيمم للعدم ولا يتحقق مع وجود الماء وههنا التيمم للعجز وهو متحقق على كل حال ولان الجريح يعلم أن التيمم بدل عن غسل الجرح والعادم لا يعلم القدر الذي يتيمم له إلا بعد استعمال الماء فلزمه تقديم استعماله وإن كان الجريح يتطهر للحدث الاصغر فذكر القاضي انه يلزمه الترتيب فيجعل التيمم في مكان الغسل الذي يتيمم بدلا عنه، فان كان الجرح في الوجه بحيث لا يمكنه غسل شئ منه تيمم أولا ثم أتم الوضوء، وإن كان في بعض وجهه خير بين غسل الصحيح منه ثم يتيمم وبين التيمم ثم يغسل صحيح وجهه
ويتم الوضوء، وإن كان الجرح في عضو آخر لزمه غسل ما قبله ثم كان فيه على ما ذكرنا في الوجه. وإن كان في وجهه ويديه ورجليه احتاج في كل عضو إلى تيمم في محل غسله ليحصل الترتيب ولو غسل صحيح وجهه ثم تيمم له وليديه تيمما واحدا لم يجزه لانه يؤدي إلى سقوط الفرض عن جزء من الوجه واليدين في حال واحدة، فان قيل هذا يبطل بالتيمم عن جملة الطهارة حيث يسقط الفرض عن جميع الاعضاء جملة واحدة قلنا. إذا كان عن جملة الطهارة فالحكم له دونها وإن كان عن بعضها ناب عن ذلك البعض فاعتبر فيه ما يعتبر فيما ينوب عنه من الترتيب (قال شيخنا) ويحتمل أن لا يجب هذا الترتيب لان التيمم طهارة مفردة فلا يجب الترتيب بينها وبين الطهارة الاخرى كما لو كان الجريح جنبا
[ 247 ]
ولانه تيمم عن الحدث الاصغر فلا يجب أن يتيمم عن كل عضو في موضع غسله كما لو تيمم عن جملة الوضوء ولان فيه حرجا فيندفع بقوله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وحكى الماوردي عن مذهب الشافعي مثل هذه وحكى ابن الصباغ عنه مثل القول الاول والله تعالى أعلم (فصل) وان تيمم الجريح لجرح في بعض أعضائه ثم خرج الوقت بطل تيممه ولم تبطل طهارته بالماء ان كان غسلا للجنابة أو نحوها لان الترتيب والموالاة غير واجبين فيها، وان كانت وضوءا وكان الجرح في وجهه. فان قلنا يجب الترتيب بين التيمم والوضوء بطل الوضوء ههنا لان طهارة العضو الذي ناب التيمم عنه بطلت فلو لم يبطل ما بعده لتقدمت طهارة ما بعده عليه فيفوت الترتيب. فان قلنا لا يجب الترتيب لم يبطل الوضوء وجوز له التيمم لاغير، وان كان الجرح في رجليه فعلى قولنا لا يجب الترتيب لا تجب الموالاة بينهما أيضا وعليه التيمم وحده. وان قلنا يجب الترتيب فينبغي أن يخرج وجوب الموالاة ههنا على وجوبها في الوضوء وفيها روايتان. فان قلنا تجب في الوضوء بطل الوضوء ههنا لفواتها. وان قلنا لا تجب كفاه التيمم وحده (قال شيخنا) ويحتمل أن لا تجب الموالاة بين الوضوء والتيمم وجها واحدا لانهما طهارتان فلم تجب الموالاة بينهما كسائر الطهارات ولان في إيجابها حرجا فينتفي بقوله تعالى (ما جل عليكم في الدين من حرج) (مسألة) قال (وان وجد ماء يكفي بعض بدنه لزمه استعماله وتيمم للباقي ان كان جنبا. وان كان
[ 248 ]
محدثا فهل يلزمه استعماله على وجهين) وجملة ذلك أنه إذا وجد الجنب ماء يكفي بعض بدنه لزمه استعماله وتيمم للباقي نص عليه أحمد فيمن وجد ماء يكفيه لوضوئه وهو جنب قال يتوضأ ويتيمم وهذا قول عطاء وهو أحد قولي الشافعي، وقال الحسن والزهري ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر والقول الثاني للشافعي يتيمم ويتركه لان هذا الماء لا يطهره فلم يلزمه استعماله كالمستعمل ولنا قوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) وخبر أبي ذر شرط في التيمم عدم الماء. وقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا امرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم " رواه البخاري. ولانه وجد ما يمكنه استعماله في بعض جسده أشبه مالو كان أكثر جسده صحيحا وباقيه جريحا. ولانه قدر على بعض الشرط فلزمه كالسترة وإزالة النجاسة والحكم الذي ذكروه في المستعمل ممنوع وان سلم فلانه لا يطهر شيئا منه بخلاف هذا ويجب عليه استعمال الماء قبل التيمم ليتحقق العدم وقد ذكرناه (فصل) فان وجده المحدث الحدث الاصغر فهل يلزمه استعماله؟ على وجهين (أحدهما) يلزمه استعماله اختاره القاضي لما ذكرنا في الجنب وكما لو كان بعض بدنه صحيحا وبعضه جريحا (والثاني) لا يلزمه لان الموالاة شرط فيه فإذا غسل بعض الاعضاء دون بعض لم يفد بخلاف الجنابة وكذلك لو وجد الماء في الجنابة أجزأه غسل ما لم يغسله فقط. وفي الحدث الاصغر يلزمه استئناف الطهارة وفارق ما إذا كان بعض أعضائه صحيحا وبعضه جريحا لان العجز ببعض البدن يخالف العجز ببعض الواجب لان من بعضه حر إذا ملك يجزئه الحر رقبة لزمه اعتاقها في كفارته. ولو ملك الحر بعض رقبة لم يلزمه
[ 249 ]
اعتاقه وللشافعي قولان كهذين. والصحيح انه يلزمه استعماله لما ذكرنا بمن الادلة فيما إذا كان جنبا قياسا عليه وكما لو كان بعض أعضائه صحيحا وما ذكروه من أن العجز ببعض الواجب يخالف العجز ببعض البدن يبطل بالجنب وقولهم انه إذا وجد الماء في الحدث الاصغر يلزمه استئناف الطهارة - قلنا هذا لا يمنع وجوب استعمال الماء كالجريح. وان منعوا ذلك ثم فهذا في معناه والله أعلم، وإن قلنا لا تجب الموالاة في الوضوء فهو كالجنب سواء
(مسألة) قال (ومن عدم الماء لزمه طلبه في رحله وما قرب منه. وان دل عليه قريبا لزمه قصده وعنه لا يجب الطلب) المشهور عن احمد رحمه الله اشتراط طلب الماء لصحة التيمم وهذا مذهب الشافعي وروي عنه لا يشترط الطلب وهو مذهب أبي حنيفة لقوله عليه السلام " التراب كافيك ما لم تجد الماء " ولانه غير واجد للماء قبل الطلب أشبه من طلب فلم يجد - ووجه الاولى قوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) ولا يقال لم يجد إلا لمن طلب لجواز أن يكون بقربه ماء لا يعلمه ولانه بدل فلم يجز العدول إليه قبل طلب المبدل كالصيام في الظهار ولانه سبب في الصلاة مختص بها فلزمه الاجتهاد في طلبه عند الاعواز كالقبلة. إذا ثبت هذا فصفة الطلب أن يطلب في رحله وما قرب منه وإن رأى خضرة أو شيئا يدل على الماء قصده فاستبراه وإن كان بقربه ربوة أو شئ قائم أتاه فطلب عنده وينظر وراءه وأمامه وعن يمينه وشماله. وإن كانت له رفقة يدل عليهم طلب منهم وإن وجد من له خبرة بالمكان سأله فان لم يجد تيمم. فان دل على ماء قريب لزمه قصده ما لم يخف على نفسه أو ماله أو يخشى فوات
[ 250 ]
رفقته ولم يفت الوقت وهذا مذهب الشافعي (فصل) وانما يكون الطلب بعد الوقت فان طلب قبله لزمه اعادة الطلب بعده ذكره ابن عقيل لانه طلب قبل المخاطبة بالتيمم فلم يسقط فرضه كالشفيع إذا طلب الشفعة قبل البيع. وإن طلب بعد الوقت ولم يتيمم عقيبه جاز التيمم بعد ذلك من غير تجديد طلب (فصل) إذا كان معه ماء فأراقه قبل الوقت أو مر بماء قبل الوقت فتاجوزه وعدم الماء في الوقت صلى بالتيمم من غير اعادة وهو قول الشافعي. وقال الاوزاعي ان ظن انه يدرك الماء في الوقت وإلا صلى بالتيمم من غير اعادة كقولنا والا صلى بالتيمم وعليه الاعادة لانه مفرط ولنا انه لم يجب عليه استعماله أشبه ما لو ظن انه يدرك الماء في الوقت. فأما ان أراق الماء في الوقت أو مر به في الوقت فلم يستعمله ثم عدم الماء تيمم وصلى، وفي الاعادة وجهان (أحدهما) لا يعيد لانه صلى بتيمم صحيح فهو كما لو أراقه قبل الوقت (والثاني) يعيد لانه وجبت عليه الصلاة بوضوء وهو فوت القدرة على نفسه فبقي في عهدة الواجب وان وهبه بعد دخول الوقت لم تصح الهبة ذكره
القاضي لانه تعلق به حق الله تعالى فلم تصح هبته كالاضحية. وقال ابن عقيل يحتمل أن تصح والاول أولى، فان تيمم مع بقاء الماء لم يصح تيممه لانه واجد للماء وان تصرف فيه الموهوب له فهو كما لو أراقه الا أن يهبه لمحتاج إلى شربه من العطش وقد ذكرناه (مسألة) (وان نسي الماء بموضع يمكنه استعماله وتيمم لم يجزه) نص عليه أحمد وقطع انه لا يجزئه وقال هذا واجد للماء وروي عنه التوقف في هذه المسألة والمذهب الاول وهو آخر قولي الشافعي
[ 251 ]
وقال أبو حنيفة وابن المنذر يجزئه وعن مالك كالمذهبين وعنه أنه يعيد ما دام في الوقت لانه مع النسيان غير قادر على استعمال الماء أشبه العادم ولنا أنها طهارة تجب مع الذكر فلم تسقط بالنسيان كما لو صلى ناسيا لحدثه ثم ذكر أو صلى الماسح ثم بان له انقضاء مدة المسح قبل الصلاة ويفارق ما قاسوا عليه فانه غير مفرط وههنا مفرط بترك الطلب (فصل) وان ضل عن رحله الذي فيه الماء أو كان يعرف بئرا فضاعت عنه ثم وجدها فقال ابن عقيل يحتمل أن يكون كالناسي، والصيح أنه لا اعادة عليه وهو قول الشافعي لانه ليس بواجد للماء فيدخل في عموم قوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا) ولانه غير مفرط بخلاف الناسي، وان كان الماء مع عبده فنسيه العبد حتى صلى سيده احتمل أن يكون كالناسي واحتمل أن لا يعيد لان التفريط من غيره فان صلى ثم بان أنه كان بقربه بئر أوماء فان كانت أعلامه ظاهرة فعليه الاعادة لانه مفرط وان كانت خفية وطلب فلم يجدها فلا اعادة عليه لعدم التفريط والله أعلم (مسألة) (ويجوز التيمم لجميع الاحداث وللنجاسة على جرح يضره إزالتها) يجوز التيمم للحدث الاصغر بغير خلاف علمناه إذا وجدت الشرائط لما ذكرنا من الادلة ويجوز للجنابة في قول أكثر أهل العلم منهم على وابن عباس وعمرو بن العاص وأبو موسى الاشعري وعمارا وهو قول الثوري ومالك والشافعي
[ 252 ]
واسحاق وأصحاب الرأي وكان ابن مسعود لا يرى التيمم للجنب وروي نحوه عن عمر رضي الله عنهما والدليل على اباحته ما روى عمران بن حصين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم
يصل مع القوم فقال " يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم؟ " فقال أصابتني جنابة ولا ماء فقال " عليك بالصعيد فانه يكفيك " متفق عليه وحديث أبي ذر وعمرو بن العاص وحديث صاحب الشجة ولانه حدث أشبه الحدث الاصغر وحكم الحائض إذا انقطع دمها حكم الجنب (فصل) ويجوز التيمم للنجاسة على بدنه إذا عجز عن غسلها لخوف الضرر أو عدم الماء قال احمد هو بمنزلة الجنب يتيمم روي نحو ذلك عن الحسن، وقال الاوزاعي والثوري وأبو ثور يمسحها بالتراب ويصلي لان طهارة النجاسة إنما تكون في محل النجاسة دون غيره. وقال أكثر الفقهاء لا يتيمم للنجاسة لان الشرع انما ورد بالتيمم للحدث وغسل النجاسة ليس في معناه لان الغسل انما يكون في محل النجاسة دون غيره ولان مقصود الغسل إزالة النجاسة ولا يحصل ذلك بالتيمم. (ووجه الاول) قوله عليه السلام " الصعيد الطيب طهور المسلم " وقوله " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا " ولانها طهارة في البدن تراد للصلاة فجاز لها التيمم قياسا على الحدث ويفارق الغسل التيمم فانه في طهارة الحدث يؤتى به في غير محله فيما إذا تيمم لجرح في رجله بخلاف الغسل - قولهم لم يرد به الشرع قلنا هو داخل في عموم الاخبار، إذا ثبت هذا فتيمم وصلى فهل تلزمه الاعادة؟ فيه
[ 253 ]
روايتان (احداهما) لا تجب عليه الاعادة لانه أتى بما أمر (والثانية) تجب عليه لانه صلى مع النجاسة أشبه إذا لم يتمم. واختار أبو الخطاب وجوب الاعادة فيما إذا تيمم لعدم الماء بخلاف ما إذا كانت النجاسة على جرح لانه خائف للضرر باستعمال الماء أشبه المريض. وقال أصحابنا لا تلزمه الاعادة فيهما لقوله عليه السلام " التراب كافيك ما لم تجد الماء " وقياسا على طهارة الحدث وكما لو تيمم للنجاسة على الجرح عند أبي الخطاب فأما إن كانت النجاسة على ثوب لم يتيمم لها لان التيمم طهارة في البدن فلا تنوب عن غير البدن كالغسل (فصل) إذا ثبت أنه تيمم للنجاسة فقال القاضي يحتمل أن لا يحتاج إلى نية لان غسلها لا يفتقر إلى نية كذلك التيمم لها وقياسا على الاستجمار، قال ابن عقيل ويحتمل أن يشترط لقوله عليه السلام " وانما لكل امرئ ما نوى " ولان التيمم طهارة حكمية، وغسل النجاسة بالماء طهارة عينية فجاز أن تشترط النية في الحكمية دون العينية لما بينهما من الاختلاف
(فصل) وإن اجتمع عليه نجاسة وحدث ومعه ماء يكفي أحدهما حسب قدم غسل النجاسة نص عليه أحمد وروي عن سفيان ولا نعلم فيه خلافا لان التيمم للحدث ثابت بالاجماع والتيمم للنجاسة مختلف فيه، وإن كانت النجاسة على ثوبه قدم غسلها وتيمم للحدث، وحكي عن أحمد أنه يدع الثوب ويتوضأ لانه واجد للماء والوضوء أشد من الثوب وحكاه أبو حنيفة عن حماد في الدم والاول أولى لما ذكرنا، ولانه إذا قدمت نجاسة البدن مع أن للتيمم فيها مدخلا فتقديم طهارة الثوب وليس له فيها مدخل أولى. وإ ن اجتمع نجاسة على الثوب ونجاسة على البدن غسل الثوب وتيمم لنجاسة البدن لان للتيمم فيها مدخلا (مسألة) وإن تيمم في الحضر خوفا من البرد وصلى ففي وجوب الاعادة روايتان (احداهما) تجب عليه الاعادة لان الحضر مظنة اسخان الماء ودخول الحمامات فهو عذر نادر بخلاف السفر (والثانية) لا إعادة عليه لانه خائف أشبه المريض والمسافر (مسألة) فان عدم الماء والتراب صلى على حسب حاله في الصحيح من المذهب وهو قول الشافعي وروي عن أحمد أنه لا يصلى حتى يقدر على أحدهما وهو قول الثوري والاوزاعي وأبي حنيفة لانها