الشرح الكبير على متن المقنع، تأليف الشيخ الامام (شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد ابن قدامة المقدسي) المتوفى سنة 682 ه كلاهما على مذهب امام الائمة (ابي عبد الله احمد بن محمد بن حنبل الشيباني) مع بيان خلاف سائر الائمة وأدلتهم رضي الله عنهم (الجزء الثاني) (تنبيه) وضعنا كتاب المغني في اعلى الصحائف والشرح الكبير في ادناها مفصولا بينهما بخط عرضي دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين * (باب صلاة الجماعة) * * (مسألة) * (وهي واجبة للصلوات الخمس على الرجال لا شرطا) الجماعة واجبة على الرجال المكلفين لكل صلاة مكتوبة، روي نحو ذلك عن ابن مسعود وأبي موسى وبه قال عطاء والاوزاعي وأبو ثور، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي لا تجب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة " متفق عليه ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على اللذين قالا قد صلينا في رحالنا ولو كانت واجبة لانكر عليهما، ولانها لو كانت واجبة لكانت شرطا لها كالجمعة ولنا قوله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) الآية ولو لم تكن واجبة لرخص فيها حالة الخوف ولم يجز الاخلال بواجبات الصلاة من أجلها وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ليحطب (1) ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم " متفق عليه، وفيه ما يدل على انه أراد الجماعة لانه لو أراد الجمعة لما هم بالتخلف عنها، وعن أبي هريرة قال أتى النبي صلى الله
(1) بدون تاء وفي المغني بالتاء وهما روايتان من عدة روايات للبخاري
[ 3 ]
عليه وسلم رجل أعمى فقال يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأله أن يرخص له أن يصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال " أتسمع النداء بالصلاة؟ " قال نعم قال " فأجب " رواه مسلم. وإذا لم يرخص للاعمى الذي لا قائد له فغيره أولى قال ابن المنذر وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن أم مكتوم " لا أجد لك رخصة " يعني في التخلف عن الجماعة. وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما من ثلاثة في قرية أو بلد لا تقام فيه الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فان الذئب يأكل القاصية " وفي حديث مالك ابن الحويرث " إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما " ولمسلم " إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم " أمر وظاهر الامر الوجوب * (فصل) * وليست شرطا لصحة الصلاة نص عليه أحمد وقال ابن عقيل تشترط في أحد الوجهين قال وهو الصحيح عندي لما ذكرنا من الادله. قال شيخنا وهذا ليس بصحيح للحديثين اللذين ذكرناهما في حجة الخصم ولا نعلم أحدا قال بوجوب الاعادة على من صلى وحده إلا أنه قد روي عن جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود انهم قالوا: من سمع الندا من غير عذر فلا صلاة له * (فصل) * وتنعقد باثنين فصاعدا بغير خلاف علمناه لما روى أبو موسى ان النبي صلى الله عليه
[ 4 ]
وسلم قال " الاثنان فما فوقهما جماعة " رواه ابن ماجه ولحديث مالك بن الحويرث، وقد أم النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس مرة وحذيفة مرة ولو أم الرجل عبده أو زوجته أدرك فضيلة الجماعة وإن أم صبيا جاز في التطوع لان النبي صلى الله عليه وسلم أم ابن عباس وهو صبي وإن أمه في الفرض فقال أحمد لا تنعقد به الجماعة لانه لا يصلح أن يكون إماما فيها وعنه يصح ذكرها الآمدي كما لو أم بالغا متنفلا * (مسألة) * (وله فعلها في بيته في أصح الروايتين). ويجوز فعل الجماعة في البيت والصحراء في الصحيح من المذهب وعنه أن حضور المسجد واجب على القريب منه لانه روي عن النبي صلى الله
عليه وسلم انه قال " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " جعلت لي الارض مسجدا وطهورا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل " متفق عليه والحديث الذي ذكروه لا نعرفه إلا من قول علي نفسه كذلك رواه سعيد والظاهر انه انما أراد الجماعة فعبر بالمسجد عنها لانه محلها ويجوز أن يكون أراد الكمال والفضيلة فان الاخبار الصحيحة دالة على صحة الصلاة في غير المسجد والله أعلم * (فصل) * ويستجب لاهل الثغر الاجتماع في مسجد واحد لانه أعلى للكلمة وأوقع للهيبة فإذا جاءهم خبر عن عدوهم سمع جميعهم، وكذلك إذا أرادوا التشاور في أمر، وإن جإ عين للكفار أخبر بكثرتهم. قال الاوزاعي لو كان الامر الي لسمرت أبواب المساجد التي للثغور ليجتمع الناس في مسجد واحد. * (مسألة) * (والافضل لغيرهم الصلاة في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره) لانه يعمره
[ 5 ]
باقامة الجماعة فيه ويحصلها لمن يصلي فيه فيحصل له ثواب عمارة المسجد ويحضلها لمن لا يصلي فيه وذلك معدوم في غيره، وكذلك إن كانت تقام فيه مع غيبته إلا ان في قصد غيره كسر قلب إمامه وجماعته فجبر قلوبهم أولى * (مسألة) * (ثم ما كان أكثر جماعة ثم في المسجد العتيق) فان عدم ما ذكرنا في المسألة التي قبلها ففعلها فيما كان أكثر جماعة أفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم " صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى " رواه الامام أحمد في المسند فان تساويا في الجماعة فالمسجد العتيق أفضل لان الطاعة فيه أسبق والعبادة فيه أكثر. وذكر أبو الخطاب أن فعلها في المسجد العتيق أفضل وان قل الجمع فيه لذلك والاول أولى لما ذكرنا من الحديث * (مسألة) * (وهل الاولى قصد الابعد أو الاقرب) على روايتين. إحداهما قصد الابعد أفضل لتكثر خطاه في طلب الثواب فتكثر حسناته ولما روى أبو موسى قال قال النبي صلى الله عليه
وسلم " أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى " رواه البخاري والثانية قصد الاقرب لان له جوارا فكان أحق بصلاته كما أن الجار أحق بهدية جاره ومعروفه لقوله عليه السلام " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " * (مسألة) * (ولا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا باذنه) لان الامام الراتب بمنزلة صاحب البيت وهو أحق لقوله عليه السلام " لا يؤمن الرجل الرجل في بيته إلا باذنه " وقد روي عن ابن عمر انه أتى أرضا وعندها مسجد يصلي فيه مولى لابن عمر فصلى معهم فسألوه أن يصلي بهم فأبى وقال صاحب المسجد أحق، إلا أن يتأخر لعذر فيصلي غيره لان أبا بكر صلى حين غاب النبي صلى الله عليه وسلم وفعل ذلك عبد الرحمن بن عوف فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أحسنتم " * (مسألة) * (فان لم يعلم عذره انتظر وروسل) إلا أن يخشى خروج الوقت فيقدم غيره لئلا يفوت الوقت
[ 6 ]
* (مسألة) * (فان صلى ثم أقيمت الصلاة وهو في المسجد استحب له اعادتها إلا المغرب فانه يعيدها ويشفعها برابعة) من صلى فريضة ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة استحب له اعادتها أي صلاة كانت إذا كان في المسجد أو دخل المسجد وهم يصلون وهذا قول الحسن والشافعي سواء كان صلاها منفردا أو في جماعة، وسواء كان مع امام الحي أو لا. هذا ظاهر كلام أحمد فيما حكاه عنه الاثرم والخرقي قال القاضي وإن كان مع امام الحي استحب له وإن كان مع غير إمام الحي استحب له اعادة ما سوى الفجر والعصر. وقال أبو الخطاب يستحب له الاعادة مع امام الحي. وقال مالك إن كان صلى وحده أعاد المغرب وإلا فلا لان الحديث الدال على الاعادة قال فيه صلينا في رحالنا. وقال أبو حنيفة لا تعاد الفجر ولا العصر ولا المغرب لعموم أحاديث النهي ولان التطوع لا يكون بوتر. وعن ابن عمر والنخعي تعاد الصلوات كلها إلا الصبح والمغرب. وقال أبو موسى والثوري والاوزاعي تعاد كلها إلا المغرب لما ذكرنا وقال الحكم إلا الصبح وحدها. ولنا حديث يزيد بن الاسود الذي ذكرناه وحديث أبي ذر وهي تدل على محل النزاع وحديث يزيد بن الاسود صريح في صلاة
الفجر والعصر في معناها ويدل أيضا على الاعادة سواء كان مع امام الحي أو غيره وعلى جميع الصلوات وقد روى أنس قال صلى بنا أبو موسى الغداة في المربد فانتهينا إلى المسجد الجامع فأقيمت الصلاة فصلينا مع المغيرة بن شعبة. وعن حذيفة انه أعاد الظهر والعصر والمغرب وكان قد صلاهن في جماعة رواهما الاثرم * (فصل) * فأما المغرب ففي استحباب اعادتها روايتان. احداهما يستحب قياسا على سائر الصلوات لما ذكرنا من عموم الاحاديث. والثانية لا يستحب حكاها أبو الخطاب لان التطوع لا يكون بوتر فان قلنا تستحب اعادتها شفعها برابعة نص عليه أحمد وبه قال الاسود بن يزيد والزهري والشافعي واسحق لما ذكرنا، وروى صلة (1) عن حذيفة انه قال لما أعاد المغرب قال ذهبت أقوم في الثانية فأجلسني وهذا يحتمل أن يكون أمره بالاقتصار على ركعتين ويحتمل ان أمره بالصلاة مثل صلاة الامام ووجه الاول ان النافلة لا تشرع بوتر والزيادة أولى من النقصان
(1) هو بكسر ففتح ابن زفر تابعي ثقة
[ 7 ]
* (فصل) * فان أقيمت الصلاة وهو خارج المسجد فان كان في وقت نهي لم يستحب له الدخول لما روى مجاهد قال خرجت مع ابن عمر من دار عبد الله بن خالد بن اسيد حتى إذا نظر إلى باب المسجد إذا الناس في الصلاة فلم يزل واقفا حتى صلى الناس وقال اني قد صليت في البيت فان دخل وصلى فلا بأس لما ذكرنا من خبر أبي موسى وان كان في غير وقت النهى استحب له الدخول والصلاة معهم لعموم الاحاديث الدالة على اعادة الجماعة * (فصل) * فإذا أعاد الصلاة فالاولى فرضه روي ذلك عن علي رضي الله عنه وهو قول الثوري وأبي حنيفة واسحق والشافعي في الجديد وعن سعيد بن المسيب وعطاء والشعبي التي صلى معهم المكتوبة لانه روي في حديث يزيد بن الاسود " إذا جئت إلى الصلاة فوجدت الناس فصل معهم وإن كنت قد صليت تكن لك نافلة وهذه مكتوبة " ولنا أن في الحديث الصحيح " تكن لكما نافلة " وقوله في حديث أبي ذر " فانها لك نافلة "
ولانها قد وقعت فريضة وأسقطت الفرض بدليل انها لا تجب ثانيا وإذا برئت الذمة بالاولى استحال كون الثانية فريضة. قال ابراهيم إذا نوى الرجل صلاة وكتبتها الملائكة فمن يستطيع أن يحولها فما صلى بعده فهو تطوع، وحديثهم لا تصريح فيه فينبغي أن يحمل معناه على ما في الاحاديث الباقية، فعلى هذا لا ينوي الثانية فرضا بل ينويها ظهرا معادة وان نواها نفلا صح * (فصل) * ولا تجب الاعادة رواية واحدة قاله القاضي قال وقد ذكر بعض أصحابنا فيه رواية انها تجب مع إمام الحي لظاهر الامر، ولنا انها نافلة. والثانية لا تجب وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تصلى صلاة في يوم مرتين " رواه أبو داود ومعناه والله أعلم واجبتان. ويحمل الامر على الاستحباب فعلى هذا إذا قصد الاعادة فلم يدرك إلا ركعتين فقال الآمدي يجوز أن يسلم معهم وأن يتمها أربعا لانها نافلة والمنصوص انه يتمها أربعا لقوله عليه السلام " وما فاتكم فأتموا " * (مسألة) * (ولا تكره اعادة الجماعة في غير المساجد الثلاثة) معنى اعادة الجماعة انه إذا صلى امام الحي وحضر جماعة أخرى استحب لهم أن يصلوا جماعة وهذا قول ابن مسعود وعطاء والحسن والنخعي واسحق. وقال مالك والثوري والليث وابو حنيفة والشافعي لا تعاد الجماعة في مسجد له
[ 8 ]
امام راتب في غير ممر الناس ومن فاتته الجماعة صلى منفردا لئلا يفضي إلى اختلاف القلوب والعداوة والتهاون في الصلاة مع الامام، ولانه مسجد له امام راتب فكره فيه اعادة الجماعة كالمسجد الحرام ولنا عموم عليه السلام " صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة " وروى أبو سعيد قال جاء رجل - وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال " أيكم يتجر على هذا؟ " فقام رجل فصلى معه قال الترمذي هذا حديث حسن ورواه الاثرم وفيه فقال " ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ " وروى باسناده عن أبي امامة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وزاد فلما صليا قال " وهذان جماعة " ولانه قادر على الجماعة فاستحب له كالمسجد الذي في ممر الناس وما قاسوا عليه ممنوع * (فصل) * فأما اعادتها في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الاقصى فقد روي عن أحمد كراهته وذكره أصحابنا لئلا يتوانى الناس في حضور الجماعة مع الامام الراتب فيها
إذا أمكنتهم الصلاة مع الجماعة مع غيره، وظاهر خبر أبي سعيد وأبي امامة انه لا يكره لان الظاهر أن ذلك كان في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولان المعنى يقتضيه لان حصول فضيلة الجماعة فيها كحصولها في غيرها والله أعلم * (مسألة) * (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) متى أقيمت الصلاة المكتوبة لم يشتغل عنها بغيرها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " منفق عليه. وروي ذلك عن أبي هريرة وكان عمر يضرب على صلاة بعد الاقامة وكرهه سعيد بن جبير وابن سيرين وعروة والشافعي واسحق وأباح قوم ركعتي الفجر والامام يصلي، روي ذلك عن ابن مسعود وروي عن ابن عمر انه دخل المسجد والناس في الصلاة فدخل بيت حفصة فصلي ركعتين ثم خرج إلى
[ 9 ]
المسجد فصلى وهذا قول مسروق والحسن، وقال مالك إن لم يخف أن تفوته الركعة فليركع. وقال الاوزاعي اركعهما ما تيقنت انك تدرك الركعة الاخيرة ونحوه قول أبي حنيفة والاول أولى لما ذكرنا * (مسألة) * (وإن أقيمت وهو في نافلة أتمها خفيفة) لقول الله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم) إلا أن يخاف فوات الجماعة فيقطعها لان الفريضة أهم من النافلة وعنه يتمها للآية التي ذكرها * (فصل) * ومن كبر قبل سلام الامام فقد أدرك الجماعة. يعني انه يبني عليها ولا يجدد احراما لانه أدرك جزءا من صلاة الامام أشبه ما لو أدرك ركعة ولانه إذا أدرك جزءا من صلاة الامام فأحرم معه لزمه أن ينوي الصفة التي هو عليها وهو كونه مأموما فينبغي أن يدرك فضل الجماعة * (مسألة) * قال (ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة) لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة " رواه أبو داود (1) ولانه لم يفته من الاركان إلا القيام وهو يأتي به مع تكبيرة الاحرام ثم يدرك مع الامام بقية الركعة وانما تحصل له الركعة إذا اجتمع مع الامام في الركوع بحيث ينتهي إلى قدر الاجزاء من الركوع قبل أن يزول الامام عن قدر الاجزاء منه فان أدرك الركوع ولم يدرك الظمأنينة فعلى وجهين ذكرهما ابن عقيل وعليه أن يأتي بالتكبير في حال قيامه فأما إن أتى به أو ببعضه بعد أن انتهى في الانحناء إلى قدر الركوع لم يجزئه لانه أتى بها في غير محلها
ولانه يفوته القيام وهو من أركان الصلاة إلا في النافلة لانه لا يشترط لها القيام * (مسألة) * (وأجزأته تكبيرة واحدة والافضل اثنتان) وجملة ذلك ان من أدرك الامام في الركوع أجزائه تكبيرة واحدة وهي تكبيرة الاحرام التي ذكرناها وهي ركن لا تسقط بحال وتسقط تكبيرة الركوع ها هنا نص عليه احمد في رواية أبي داود وصالح، روي ذلك (عن) زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وعطاء والحسن والثوري والشافعي ومالك وأصحاب الرأي، وعن عمر بن عبد العزيز عليه تكبيرتان وهو قول حماد بن أبي سليمان قال شيخنا، والظاهر انهما أرادا الاولى له تكبيرتان فيكون موافقا لقول الجماعة فان عمر ابن عبد العزيز قد نقل عنه انه كان ممن لا يتم التكبير ووجه القول الاول ان هذا قد روي عن زيد ابن ثابت وابن عمر ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة فيكون إجماعا ولانه اجتمع واجبان من جنس واحد في محل واحد أحدهما ركن فسقط به الآخر كما لو طاف (في) الحج طواف الزيارة عند خروجه من مكة فانه يجزيه عن طواف الوداع وقال القاضي إن نوى بها تكبيرة الاحرام وحدها أجزاه وإن نواهما لم يجزه في الظاهر من قول أحمد لانه شرك بين الواجب وغيره في النية أشبه ما لو عطس عند رفع رأسه من الركوع فقال ربنا ولك الحمد ينويهما فان أحمد قد نص في هذا انه لا يجزيه وهذا القول يخالف منصوص احمد فانه قد قال في رواية ابنه صالح فيمن جاء والامام راكع كبر تكبيرة
(1) في هامش الاصل ينظر في هذا الحديث فما أظن أبا داود رواه أقول بل روي من حديث لابي هريرة " ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة " وقد فسروا الركعة بالركوع وهو ضعيف في اسناده يحيي المديني قال البخاري منكر الحديث... وفي الصحيحين عن أبي هريرة " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " وفي رواية لمسلم زيادة " مع الامام "
[ 10 ]
واحدة قيل له ينوي بها الافتتاح قال نوى أو لم ينو أليس قد جاء وهو يريد الصلاة ولان نية الركوع لا تنافي نية الافتتاح ولهذا حكمنا بدخوله في الصلاة بهذه النية ولم تؤثر نية الركوع في فسادها، ولا
يجوز ترك نص الامام لقياس نصه في موضع آخر كما لا يترك نص الله تعالى وسنة رسوله بالقياس وهذا لا يشبه ما قاس عليه القاضي فان التكبيرتين من جملة العبادة بخلاف حمد الله في العطاس فانه ليس من جملة الصلاة فقياسه على الطوافين أولى لكونهما من أجزاء العبادة والافضل تكبيرتان نص عليه. قال أبو داود قلت لاحمد يكبر مرتين أحب اليك قال ان كبر تكبيرتين ليس فيه اختلاف وإن نوى تكبيرة الركوع خاصة لم يجزه لان تكبيرة الاحرام ركن ولم يأت بها * (فصل) * فان أدرك الامام في ركن غير الركوع لم يكبر إلا تكبيرة الافتتاح وينحط بغير تكبير لانه لا يعتد له به وقد فاته محل التكبير وإن أدركه في السجود أو في التشهد الاول كبر في حال قيامه مع الامام إلى الثالثة لانه مأموم له فيتابعه في التكبير من أدرك الركعة معه من أولها. وان سلم الامام قام المأموم إلى القضاء بتكبير وبه قال مالك والثوري واسحق وقال الشافعي يقوم بغير تكبير لانه قد كبر في ابتداء الركعة ولا امام له يتابعه. ولنا انه قام في الصلاة إلى ركن معتد به فيكبر كالقائم من التشهد الاول وكما لو قام مع الامام ولا نسلم انه كبر في ابتداء الركعة فان ما كبر فيه لم يكن من الركعة إذ ليس في أول الركعة سجود ولا تشهد وانما ابتداء الركعة قيامه فينبغي أن يكبر فيه * (فصل) * ويستحب لمن أدرك الامام في حال متابعته فيه وإن لم يعتد له به لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة " رواه أبو داود وروى الترمذي عن معاذ قال قال النبي صلى الله عليه وسلم " إذا جاء أحدكم والامام على حال فليصنع كما يصنع الامام " (1) قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم قالوا إذا جاء الرجل والامام ساجد فليسجد ولا تجزيه تلك الركعة قال بعضهم لعله أن لا يرفع رأسه من السجدة حتى يغفر له * (مسألة) * (وما أدرك مع الامام فهو آخر صلاته وما يقضيه فهو أولها يستفتح له ويتعوذ ويقرأ السورة) هذا هو المشهور من المذهب، ويروى ذلك عن ابن عمر ومجاهد وابن سيرين ومالك والثوري وحكي عن الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وما فاتكم فاقضوا " متفق
عليه والمقضي هو الفائت فينبغي أن يكون على صفته. فعلى هذا يستفتح له ويستعيذ ويقرأ السورة وعنه أن الذي يدرك أول صلاته والمقضي آخرها وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز واسحق وهو قول الشافعي ورواية عن مالك واختاره ابن المنذر لقوله عليه السلام " وما فاتكم فأتموا "
(1) قال الحافظ في التلخيص فيه ضعف وانقطاع
[ 11 ]
فعلى هذه الرواية لا يستفتح. وأما الاستعاذة فان قلنا تسن في كل ركعة استعاذ وإلا فلا. وأما السورة بعد الفاتحة فيقرأها على كل حال قال شيحنا لا أعلم خلافا بين الائمة الاربعة في قراءة الفاتحة وسورة وهذا مما يقوي الرواية الاولى فان لم يدرك إلا ركعة من المغرب أو الرباعية ففي موضع تشهده روايتان إحداهما يستفتح ويأتي بركعتين متواليتين ثم يتشهد فعل ذلك جندب لان المقضي أول صلاته وهذه صفة أولها ولانهما ركعتان يقرأ فيهما السورة فكانا متواليتين كغير المسبوق. والثانية يأتي بركعة يقرأ فيها بالحمد وسورة ثم يجلس ثم يقوم فيأتي بأخرى يقرأ فيها بالحمد وحدها نقلها صالح وأبو داود والاثرم فعل ذلك مسروق وبه قال عبد الله بن مسعود وهو قول سعيد بن المسيب وأيما فعل من ذلك جاز ان شاء الله لانه يروى أن مسروقا وجندبا ذكرا عند عبد الله بن مسعود فصوب فعل مسروق ولم ينكر فعل جندب ولا أمره باعادة الصلاة والله أعلم * (مسألة) * (ولا تجب القراءة على المأموم) هذا قول أكثر أهل العلم وممن كان لا يرى القراءة خلف الامام علي وابن عباس وابن مسعود وأبو سعيد وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر وجابر وابن عمر وحذيفة بن اليمان وبه يقول الثوري وابن عيينة وأصحاب الرأي ومالك والزهري والاسود وابراهيم وسعيد بن جبير. قال ابن سيرين لا أعلم من السنة القراءة خلف الامام وقال الشافعي وداود تجب القراءة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " متفق عليه وعن عبادة قال كنا خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ فثقلت عليه القراءة فلما فرغ قال " لعلكم تقرأون خلف امامكم؟ " قلنا نعم يا رسول الله قال " لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فانه لا صلاة لمن لم يقرأ بها "
رواه أبو داود، وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهى خداج غير تمام " قال الراوي فقلت يا أبا هريرة اني أكون أحيانا وراء الامام قال فغمزني في ذراعي وقال اقرأ بها في نفسك يا فارسي رواه مسلم، ولانها ركن من أركان الصلاة فلم تسقط عن المأموم كسائر الاركان، ولان من لزمه القيام لزمته القراءة إذا قدر عليها كالمنفرد. ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " من كان له إمام فقراءة الامام له قراءة " رواه الحسن ابن صالح عن ليث بن سليم فان قيل: ليث بن سليم ضعيف قلنا قد رواه الامام أحمد: ثنا اسود بن عامر ثنا الحسن بن صالح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا اسناد صحيح متصل رجاله كلهم ثقات، الاسود بن عامر روى له البخاري والحسن بن صالح أدرك أبا الزبير ولد قبل وفاته بنيف وعشرين سنة وروى من طرق خمسة سوى هذا. وروي أيضا عن ابن عباس وعمران ابن حصين وأبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجهن الدارقطني ورواه عبد الله بن شداد
[ 12 ]
عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه الامام أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما، وروي عن علي عليه السلام انه قال ليس على الفطرة من قرأ خلف الامام، وقال ابن مسعود وددت ان من قرأ خلف الامام ملئ فوه ترابا ولان القراءة لو وجبت على المأموم لما سقطت عن المسبوق كسائر الاركان. وأما أحاديثهم فالحديث الاول الصحيح محمول على غير المأموم وكذلك حديث أبي هريرة وقد جاء مصرحا به فروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج إلا وراء الامام " رواه الخلال، وقول أبي هريرة اقرأ بها في نفسك من كلامه ورأيه قد خالفه غيره من الصحابة وحديث عبادة لم يروه غير ابن اسحق ونافع بن محمود بن الربيع وهو أدنى حالا من ابن اسحق وقياسهم على المنفرد لا يصح لان المنفرد ليس له من يتحمل عنه القراءة بخلاف المأموم * (مسألة) * (ويستحب أن يقرأ في سكتات الامام وما لا يجهر فيه أو لا يسمعه لبعده فان لم يسمعه لطرش فعلى وجهين) وهو قول جماعة من أهل العلم روي نحوه عن عبد الله بن عمر وهو قول مجاهد والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب وعروة وغيرهم قال أبو سلمة بن عبد الرحمن للامام سكتتان
فاغتنم فيهما القراءة بفاتحة الكتاب إذا دخل في الصلاة وإذا قال ولا الضالين، وقال عروة أما أنا فأغتنم من الامام اثنتين إذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فأقرأ عندها وحين يختم السورة فأقرءوا قبل أن يركع، وهذا قول الشافعي، وقالت طائفة لا يقرأ خلف الامام في سر ولا جهر يروى ذلك عن تسعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرناهم في المسألة قبلها رواه سعيد في سننه. وقال ابراهيم النخعي انما أحدث الناس القراءة وراء الامام زمان المختار لانه كان يصلى بهم صلاة النهار دون الليل فاتهموه فقرأوا خلفه، وكره ابراهيم القراءة خلف الامام وقال يكفيك قراءة الامام وهذا قول ابن عيينة والثوري وأصحاب الرأي لما روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كان له إمام فقراءة الامام له قراءة " ولانه مأموم فلم يقرأ كحالة الجهر ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أسررت بقراءتي فاقرأوا " رواه الدارقطني ولقول الراوي في الحديث الصحيح فانتهى الناس أن يقرأوا فيما جهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم كذلك رواه الامام احمد وسعيد بن منصور والقياس في حالة الجهر لا يصح لانه أمر فيها بالانصات لاستماع قراءة الامام بخلاف هذا. إذا ثبت هذا فانه يقرأ في حالة الجهر في سكتات الامام بالفاتحة وفي حال الاسرار يقرأ بالفاتحة وسورة كالامام والمنفرد * (فصل) * فان لم يسمع الامام في حال الجهر لبعده قرأ نص عليه قيل له أليس قد قال الله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) قال هذا إلى أي شئ يستمع قيل له فالاطروش قال لا أدري قال شيخنا وهذا ينظر فيه فان كان بعيدا قرأ أيضا وإن كان قريبا قرأ في نفسه بحيث لا يشتغل من
[ 13 ]
إلى جانبه عن الاستماع لانه في معنى البعيد ولا يقرأ (إذا) كان يخلط على من يقرب إليه ويشغله عن الاستماع وفيه وجه آخر لا يقرأ إذا كان قريبا لئلا يخلط على الامام ولانه لو كان في موضعه من يسمع لم يقرأ أشبه السميع، وإن سمع همهمة الامام ولم يفهم فقال في رواية الجماعة لا يقرأ وقال في رواية عبد الله يقرأ إذا سمع الحرف بعد الحرف * (فصل) * ولا يستحب للمأموم القراءة وهو يسمع قراءة الامام بالحمد ولا بغيرها وبه قال سعيد
ابن المسيب وعروة وأبو سلمة بن عبد الرحمن والزهري وكثير من السلف والثوري وابن عيينة وابن المبارك وأصحاب الرأي وهو أحد قولي الشافعي والقول الآخر قال يقرأ ونحوه عن الليث وابن عون ومكحول لما ذكرنا من الاحاديث. والمعنى على وجوب القراءة على المأموم. ولنا قوله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) قال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب والزهري وابراهيم والحسن انها نزلت في شأن الصلاة، قال أحمد في رواية أبي داود أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " انما جعل الامام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فانصتوا " رواه سعيد بن منصور، وروى أبو موسى قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال " إذا صليتم فأقيموا صفوفكم وليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا " رواه مسلم، وروى أبو هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " مالي أنازع القرآن " فانتهى الناس أن يقرأوا فيما جهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم. رواه مالك بمعناه وقال الترمذي حديث حسن ولانه إجماع، قال أحمد ما سمعت أحدا من أهل الاسلام يقول إن الامام إذا جهر بالقراءة لا تجزي صلاة من خلفه إذا لم يقرأ، وقال: هذا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون وهذا مالك في أهل الحجاز وهذا الثوري في أهل العراق وهذا الاوزاعي في أهل الشام، وأما الاحاديث فقد أجبنا عنها فيما مضى ولانها قراءة لا تجب على المسبوق فلا تجب على غيره كقراءة السورة * (فصل) * قال أبو داود قيل لاحمد إذا قرأ المأموم بفاتحة الكتاب ثم سمع قراءة الامام قال يقطع إذا سمع قراءة الامام وينصت للقراءة وذلك لما ذكرنا من الاية والاخبار * (مسألة) * (وهل يستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه الامام؟ على روايتين) أما في حال قراءة إمامه فلا يستفتح ولا يستعيذ لانه إذا سقطت القراءة عنه كيلا يشتغل عن استماع قراءة الامام فالاستفتاح أولى ولان قوله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) يتناول كل ما يشتغل عن الانصات من الاستفتاح وغيره ولان الاستعاذة انما شرعت من أجل القراءة فإذا سقطت القراءة سقط التبع، وإن سكت الامام قدرا يتسع لذلك ففيه روايتان إحداهما يستفتح ولا يستعيذ
اختاره القاضي لانه أمكن للاستفتاح من غير اشتغال عن الانصات وفيه رواية انه يستفتح ويستعيذ
[ 14 ]
لما ذكرنا. والثانية لا يستفتح لانه يشغله عن القراءة وهي أهم منه، وأما المأموم في صلاة الاسرار فانه يستفتح ويستعيذ نص عليه أحمد فقال إذا كان ممن يقرأ خلف الامام تعوذ قال الله تعالى (فإذا قرأت فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) * (مسألة) * (ومن ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع ليأتي به بعده فان لم يفعل عمدا بطلت صلاته عند أصحابنا إلا القاضي) وجملة ذلك انه لا يجوز أن يسبق امامه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام " رواه مسلم، وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الامام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار " متفق عليه. فان فعل ذلك عامدا أثم وتبطل صلاته في ظاهر كلام أحمد فانه قال ليس لمن سبق الامام صلاة لو كان له صلاة لرجي له الثواب ولم يخش عليه العقاب. وذلك لما ذكرنا من الحديثين، وروي عن ابن مسعود انه نظر إلى من سبق الامام فقال: لا وحدك صليت ولا بامامك اقتديت. ولانه لم يأتم بامامه في الركن أشبه ما إذا سبقه بتكبيرة الاحرام، وإن كان جاهلا أو ناسيا لم تبطل صلاته لانه سبق يسير، ولقوله عليه السلام " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان " وقال ابن حامد في ذلك وجهان وقال عندي انه يصح لانه اجتمع معه في الركن أشبه ما لو ركع معه ابتداء صح وهذا اختيار ابن عقيل وعليه أن يرفع ليأتي به بعده ليكون مؤتما بامامه فان لم يفعل عمدا بطلت صلاته عند أصحابنا لانه ترك الواجب عمدا. وقال القاضي لا تبطل لانه سبق يسير * (مسألة) * (فان ركع ورفع قبل ركوع امامه عالما عمدا فهل تبطل صلاته؟ على وجهين) وكذلك ذكره أبو الخطاب أحدهما تبطل للنهى. والثاني لا تبطل لانه سبقه بركن واحد فهي كالتي قبلها. قال ابن عقيل اختلف أصحابنا فقال بعضهم تبطل الصلاة بالسبق بأي ركن من الاركان ركوعا كان أو سجودا أو قياما أو قعودا، وقال بعضهم السبق المبطل مختص بالركوع لانه الذي يحصل به
ادراك الركعة وتفوت بفواته فجاز أن يختص بطلان الصلاة بالسبق به، وإن كان جاهلا أو ناسيا لم تبطل صلاته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان " وهل تبطل الركعة، فيه روايتان: إحداهما تبطل لانه لا يقتدي بامامه في الركوع أشبه ما لو لم يدركه والاخرى لا تبطل للخبر. فأما إن ركع قبل ركوع امامه فلما ركع الامام سجد قبل رفعه بطلت صلاته إن كان عمدا لانه لم يقتد بامامه في أكثر الركعة وإن فعله جاهلا أو ناسيا لم تبطل للحديث ولم يعتد بتلك الركعة لعدم اقتدائه بامامه فيها * (فصل) * فان سبق الامام المأموم بركن كامل مثل أن يركع ويرفع قبل ركوع المأموم لعذر من نعاس أو غفله أو زحام أو عجلة الامام فانه يفعل ما سبق به ويدرك إمامه ولا شئ عليه نص عليه
[ 15 ]
احمد في رواية المروذي. قال شيخنا وهذا لا اعلم فيه خلافا. وحكى في المستوعب رواية انه لا يعتد بتلك الركعة وان سبقه بركعة كاملة أو اكثر فانه يتبع إمامه ويقضي ما سبقه به كالمسبوق. قال احمد في رجل نعس خلف الامام حتى صلى ركعتين قال كأنه ادرك ركعتين، فإذا سلم الامام صلى ركعتين وعنه يعيد الصلاة، وإن سبقه بأكثر من ركن وأقل من ركعة ثم زال عذره فالمنصوص عن احمد انه يتبع امامه ولا يعتد بتلك الركعة. وظاهر هذا انه إن سبقه بركنين بطلت تلك الركعة وإن سبق بأقل من ذلك فعله وأدرك امامه، وقد قال بعض أصحابنا فيمن زحم عن السجود يوم الجمعة ينتظر زوال الزحام ثم يسجد ويتبع الامام ما لم يخف فوات الركوع في الثانية مع الامام. فعلى هذا يفعل ما فاته وإن كان اكثر من ركن وهو قول الشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم فعله بأصحابه حين صلى بهم بعسفان صلاة الخوف فأقامهم خلفه صفين فسجد معه الصف الاول والصف الثاني قيام حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى الثانية فسجد معه الصف الثاني ثم تبعه وجاز ذلك للعذر فهذا مثله. وقال مالك إن أدركهم المسبوق في أول سجودهم سجد معهم واعتد بها، وإن علم انه لا يقدر على الركوع وأدركهم في السجود حتى يستووا قياما اتبعهم فيما بقى من صلاتهم ثم يقضي ركعة ثم يسجد للسهو. وهذا قول الاوزاعي إلا انه لم يجعل عليه سجود سهو. قال شيخنا والاولى في هذا والله أعلم
انه ما كان على قياس فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف فان غير المنصوص عليه يرد إلى الاقرب من المنصوص عليه وإن فعل ذلك لغير عذر بطلت صلاته لانه ترك الائتمام بامامه عمدا والله أعلم (فصل) فان سبق المأموم الامام بالقراءة لم تبطل صلاته رواية واحدة * (مسألة) * (ويستحب للامام تخفيف الصلاة مع اتمامها) لقول عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف الناس صلاة في تمام، وروي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم صلى بالناس فليجوز فان فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة " متفق عليه وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ " أفتان أنت؟ ثلاث مرار فلولا صليت بسبح اسم ربك الاعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى. فانه يصلي وراءك الضعيف والكبير وذو الحاجة " رواه البخاري وهذا لفظه، ورواه مسلم * (مسألة) * (ويستحب تطويل الركعة الاولى أطول من الثانية). يستحب تطويل الركعة الاولى من كل صلاة ليلحقه القاصد للصلاة. وقال الشافعي تكون الاوليان سواء. وقال أبو حنيفة يطول الاولى من صلاة الصبح خاصة ووافق قول الشافعي في غيرها وذلك لحديث أبي سعيد حزرنا قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعتين الاوليين من الظهر قدر ثلثين آية، ولان الآخرتين متساويتان فكذلك الاوليان ولنا ما روي أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الاوليين من صلاة
[ 16 ]
الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول في الاولى ويقصر في الثانية ويسمع الآية أحيانا وكان يقرأ في العصر في الركعتين الاوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ويطول في الاولى ويقصر في الثانية وكان يطول في الاولى من صلاة الصبح متفق عليه وروى عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الركعة الاولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم. فاما حديث أبي سعيد فرواه ابن ماجه وفيه وفي الركعة الاخرى قدر النصف من ذلك وهو أولى لموافقته للاحاديث الصحيحة ثم لو قدر التعارض وجب تقديم حديث ابي
قتادة لصحته ولتضمنه الزيادة وهو التفريق بين الركعتين. وروى أبو سعيد أن الصلاة كانت تقام ثم يخرج أحدنا يقضي حاجته ويتوضأ ثم يدرك الركعة الاولى مع النبي صلى الله عليه وسلم قال أحمد في الامام يطول في الثانية يعني اكثر من الاولى يقال له في هذا يعلم * (مسألة) * (ولا يستحب انتظار داخل وهو في الركوع في إحدى الروايتين). متى أحس بداخل في حال القيام أو الركوع يريد الصلاة معه وكانت الجماعة كثيرة في انتظاره لانه يبعد أن لا يكون فيهم من يشق عليهم وكذلك ان كانت الجماعة يسيرة والانتظار يشق عليهم لان الذين معه أعظم حرمة من الداخل فلا يشق عليهم لنفعه وإن لم يكن كذلك استحب انتظاره وهذا مذهب أبي مخلد والشعبي والنخعي واسحاق. وقال الاوزاعي وأبو حنيفة والشافعي لا ينتظره وهو رواية أخرى لان انتظاره تشريك في العبادة فلا يشرع كالرياء ولنا أنه انتظار ينفع ولا يشق فشرع كتطويل الركعة الاولى وتخفيف الصلاة. وقد قال عليه السلام " من أم الناس فليخفف فان فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة " وقد شرع الانتظار في صلاة الخوف لتدرك الطائفة الثانية وكان صلى الله عليه وسلم ينتظر الجماعة فقال جابر كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء أحيانا وأحيانا، إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم بطؤا أخر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل الركعة الاولى حتى لا يسمع وقع قدم وأطال السجود حين ركب الحسن على ظهره وقال " إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن اعجله " وبهذا كله يبطل ما ذكروه وقال القاضي الانتظار جائز غير مستحب فانما ينتظر من كان ذا حرمة كاهل العلم ونظرائهم من أهل الفضل * (مسألة) * (وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كره منعها وبيتها خير لها) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تمنعوا ماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات " يعني غير متطيبات. رواه أبو داود ويخرجن غير متطيبات لهذا الحديث ويباح لهن حضور الجماعة مع الرجال لقول عائشة كان النساء يصلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينصرفن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس متفق عليه وصلاتهن في بيوتهن أفضل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " صلاة المرأة في بيتها افضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها افضل من صلاتها في بيتها " رواه أبو داود
[ 17 ]
(فصل في الامامة) (السنة ان يؤم القيامة اقرؤهم) يعني ان القارئ مقدم على الفقيه وغيره ولا خلاف في التقديم بالقراءة والفقه واختلف في ايهما يقدم فذهب احمد رحمه الله إلى تقديم القارئ وهو قول ابن سيرين والثوري وابن المنذر واسحق واصحاب الراي. وقال عطاء ومالك والاوزاعي والشافعي يقدم الافقه إذا كان يقرا ما يكفي في الصلاة لانه قد ينوبه في الصلاه مالا يدري ما يفعل فيه إلا بالفقه فيكون اولى كالامامة الكبرى والحكم ولنا ما روى أبو مسعود البدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى فان كانوا في القراءة سواء فاعلمهم بالسنة فان كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فان كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا - أو قال - سلما " وعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا اجتمع ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالامامة أقرؤهم " رواهما مسلم ولما قدم المهاجرون الاولون كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وفيهم عمر بن الخطاب وفي حديث عمرو بن سلمة قال " ليؤمكم أكثركم قرآنا " فان قيل انما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم القارئ لان الصحابة كان أقرأهم أفقههم وانهم كانوا إذا قرأوا القران تعلموا معه أحكامه قال ابن مسعود كنا لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها وأحكامها قلنا اللفظ عام فيجب الاخذ بعمومه على أن في الحديث ما يبطل هذا التأويل وهو قوله
[ 18 ]
وان استووا فأعلمهم بالسنة ففاضل بينهم في العلم بالسنة مع تساويهم في القراءة ولو كان كما قالوا للزم من التساوي في القراءة التساوي في الفقه وقد نقلهم مع التساوي في القراءة إلى الاعلم بالسنة وقال صلى الله عليه وسلم " اقرؤكم أبي وأقضاكم علي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل " ففضل بالفقه من هو مفضول بالقراءة قيل لابي عبد الله حديث النبي صلى الله عليه وسلم مروا أبا بكر يصلي بالناس أهو خلاف أبي مسعود؟ قال لا إنما قوله لابي بكر عندي يصلي بالناس للخلافة يعني أن الخليفة أحق بالامامة (فصل) ويرجح أحد القارئين على الآخر بكثرة القرآن لحديث عمر بن سلمة، وان تساويا في قدر ما يحفظ كل واحد منهما وكان أحدهما أجود قراءة واعرابا فهو أولى لانه اقرأ وان كان
أحدهما اكثر حفظا والآخر اقل لحنا واجود قراءة قدم لانه اعظم أجرا في قراءته لقوله عليه السلام " من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات ومن قرأ ولحن فيه فله بكل حرف حسنة " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما اعراب القرآن أحب الي من حفظ بعض حروفه. وان اجتمع قارئ لا يعرف أحكام الصلاة فكذلك للخبر وقال ابن عقيل يقدم الافقه لانه يمتاز بما لا يستغنى عنه في الصلاة
[ 19 ]
* (مسألة) * ثم أفقههم ثم أسنهم ثم أقدمهم هجرة ثم أشرفهم ثم أتقاهم ثم من تقع له القرعة متى استووا في القراءة وكان أحدهما أفقه قدم لما ذكرنا من الحديث ولان الفقه يحتاج إليه في الصلاة للاتيان بواجباتها وأركانها وشرطوها وسننها وجبرها ان احتاج إليه فان اجتمع فقيهان قارئان أحدهما اقرأ والآخر أفقه قدم الاقرأ للحديث نص عليه وقال ابن عقيل يقدم الافقه لتميزه بما لا يستغنى عنه في الصلاة وهذا يخالف الحديث المذكور فلا يعول عليه فان اجتمع فقيهان احدهما اعلم باحكام الصلاة والآخر اعلم بما سواها قدم الاعلم باحكام الصلاة لان علمه يؤثر في تكميل الصلاة بخلاف الآخر (فصل) فان استووا في القراءة والفقه فقال شيخنا ها هنا يقدم أسنهم يعني أكبرهم سنا وهو اختيار الخرقي لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث " إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما " متفق عليه ولان الاسن أحق بالتوقير والتقديم وظاهر كلام أحمد أنه يقدم أقدمهما هجرة ثم أسنهما لحديث أبي مسعود فانه مرتب هكذا قال الخطابي وعلى هذا الترتيب أكثر أقاويل العلماء ومعنى تقديم الهجرة ان يكون أحدهما أسبق هجرة من دار الحرب إلى دار الاسلام وانما يقدم بها لانها قربة وطاعة فان عدم ذلك اما لاستوائهما فيها أو عدمها قدم أسنهما لما ذكرنا وقال ابن حامد أحقهم بعد القراءة والفقه أشرفهم ثم أقدمهم هجرة ثم أسنهم والصحيح ما دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم من تقديم السابق بالهجرة ثم الاسن ويرجح بتقديم الاسلام كتقديم الهجرة
[ 20 ]
لان في بعض الفاظ حديث أبي مسعود " فان كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما " ولان الاسلام أقدم
من الهجرة فإذا قدم بالهجرة فأولى أن يتقدم بالاسلام فإذا استووا في جميع ذلك قدم أشرفهم والشرف يكون بعلو النسب وبكونه أفضل في نفسه وأعلاهم قدرا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " قدموا قريشا ولا تقدموها " فان استووا في هذه الخصال قدم اتقاهم لانه أشرف في الدين وأفضل وأقرب إلى الاجابة وقد جاء " إذا أم الرجل القوم وفيهم من هو خير منه لم يزالوا في سفال " ذكره الامام أحمد في رسالته ويحتمل تقديم الاتقى على الاشرف لان شرف الدين خير من شرف الدنيا وقد قال الله تعالى (إن اكرمكم عند الله أتقاكم) فان استووا في هذا كله اقرع بينهم نص عليه لان سعدا أقرع بين الناس في الآذان يوم القادسية فالامامة أولى ولانهم تساووا في الاستحقاق وتعذر الجمع فأقرع بينهم كسائر الحقوق وان كان أحدهما يقوم بعمارة المسجد وتعاهده فهو أحق به وكذلك ان رضي الجيران أحدهما دون الآخر قدم به ولا يقدم بحسن الوجه لانه لا مدخل له في الامامة ولا أثر له فيها وهذا كله تقديم استحباب لا تقديم اشتراط ولا ايجاب بغير خلاف علمناه
[ 21 ]
* (مسألة) * وصاحب البيت وامام المسجد أحق بالامامة الا أن يكون بعضهم ذا سلطان) متى أقيمت الجماعة في بيت فصاحبه أولى بالامامة من غيره إذا كان ممن تصح امامته لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته الا باذنه " رواه مسلم وعن مالك بن الحويرث عن النبي صلى الله عليه وسلم " من زار قوما فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم " رواه أبو داود وهذا قول عطاء والشافعي ولا نعلم فيه خلافا فان كان في البيت ذو سلطان قدم على صاحب البيت لان ولايته على البيت وصاحبه وقدم النبي صلى الله عليه وسلم عتبان بن مالك وأنسا في بيوتهما اختاره الخرقي وقال ابن حامد صاحب البيت أحق بالامامة لعموم الحديث والاول أصح وكذلك امام المسجد الراتب أولى من غيره لانه في معنى صاحب البيت الا أن يكون بعضهم ذا سلطان ففيه وجهان وقد روي عن ابن عمر انه أتى أرضا له وعندها مسجد يصلي فيه مولى له فصلى ابن عمر معهم فسألوه ان يؤمهم فأبى وقال صاحب المسجد أحق (فصل) وإذا قدم المستحق من هؤلاء لرجل في الامامة جاز وصار بمنزلة من أذن له في
استحقاق التقدم لقول النبي صلى الله عليه وسلم الا باذنه ولانه حق له فجاز نقله إلى من شاء قال أحمد قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يؤم الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته في بيته الا باذنه " أرجو أن يكون الاذن في الكل (فصل) وإذا دخل السلطان بلدا له فيه خليفة فهو أحق من خليفته لان ولايته على خليفته وغيره وكذلك لو اجتمع العبد وسيده في بيت العبد فالسيد أولى لانه يملك البيت والعبد على الحقيقة وولايته
[ 22 ]
على العبد فان لم يكن سيده معهم فالعبد أولى لما ذكرنا من الحديث وقد روي أنه اجتمع ابن مسعود وحذيفة وبو ذر في بيت أبي سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد فتقدم أبو ذر ليصلي بهم فقالوا له وراءك فالتفت إلى أصحابه فقال أكذلك فقالوا نعم فتأخر وقدموا أبا سعيد فصلى رواه صالح بن أحمد باسناده وان اجتمع المؤجر والمستأجر فالمستأجر أولى ولانه أحق بالسكنى والمنفعة * (مسألة) * والحر أولى من العبد والحاضر أولى من المسافر والبصير اولى من الاعمى في أحد الوجهين) امامة العبد صحيحة لما روي عن عائشة ان غلاما لها كان يؤمها وصلى ابن مسعود وحذيفة وأبو ذر وراء أبي سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد وهذا قول اكثر أهل العلم منهم الحسن والنخعي والشعبي والحكم والثوري والشافعي واسحق وأصحاب الرأي وكره ذلك أبو مجلز وقال مالك لا يؤمهم الا أن يكون قارئا وهم أميون ولنا عموم قوله عليه السلام " يؤم القوم اقرأهم لكتاب الله تعالى " ولانه قول من سمينا من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف فكان اجماعا ولانه من أهل الاذان للرجال يأتي بالصلاة على الكمال فجاز له امامتهم كالحر إذا ثبت ذلك فالحر أولى منه لانه أكمل منه وأشرف ويصلي الجمعة والعيد اماما بخلاف العبد ولان في تقديم الحر خروجا من الخلاف والمقيم أولى من المسافر لانه إذا كان اماما حصلت له الصلاة كلها جماعة فان أمه المسافر أتم الصلاة منفردا وقال القاضي ان كان فيهم اماما فهو أحق بالامامة وان كان مسافرا لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بهم عام الفتح ويقول لاهل البلد " صلوا اربعا فانا سفر " رواه أبو داود وان تقدم المسافر جاز ويتم المقيم الصلاة بعد سلام إمامه
[ 23 ]
كالمسبوق وان أنم المسافر الصلاة جازت صلاتهم وحكي عنه رواية في صلاة المقيم انها لا تجوز لان الزيادة نفل أم بها مفترضين والصحيح الاول لان المسافر إذا نوى الاتمام لزمه فيصير الجميع فرضا (فصل) وامامة الاعمى جائزة لا نعلم فيها خلافا الا ما حكى عن أنس أنه قال ما حاجتهم إليه وعن ابن عباس أنه قال كيف أؤمهم وهم يعدلونني إلى القبلة والصحيح عن ابن عباس أنه كان يؤمهم وهو أعمى وعتبان بن مالك وقتادة وجابر وقال أنس ان النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم أم الناس وهو أعمى (1) رواه أبو داود ولان الاعمى فقد حاسة لا تخل بشئ من أفعال الصلاة ولا شروطها أشبه فقد الشم والبصير أولى منه اختاره أبو الخطاب ولانه يستقبل القبلة بعلمه ويتوقى النجاسات ببصره ولان في امامته اختلافا وقال القاضي هما سواء لان الاعمى أخشع لا يشتغل في الصلاة بالنظر إلى ما يلهيه فيكون ذلك مقابلا لما ذكرتم فتساويا قال الشيخ والاول أولى لان البصير لو أغمض عينيه كره ذلك ولو كان فضيلة لكان مستحبا لانه يحصل بتغميضه ما يحصله الاعمى ولان البصير إذا أغمض بصره مع امكان النظر كان له الاجر فيه لانه يترك المكروه مع امكانه اختيارا والاعمى يتركه اضطرار افكان أدنى حالا وأقل فضلا * (مسألة) * (وهل تصح امامة الفاسق والاقلف؟ على روايتين) والفاسق ينقسم على قسمين فاسق من جهة الاعتقاد وفاسق من جهة الافعال فاما الفاسق من جهة الاعتقاد
" 1 " لفظه في المنتفى ان النبي " ص " استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم وهو أعمى. رواه أحمد وأبو داود
[ 24 ]
فمتى كان يعلن بدعته ويتكلم بها ويدعو إليها ويناظر لم تصح امامته وعلى من صلى وراءه الاعادة قال أحمد لا يصلى خلف أحد من أهل الاهواء إذا كان داعية إلى هواه وقال لا تصلى خلف المرجئ إذا كان داعية وقال القاضي وكذلك ان كان مجتهدا يعتقدها بالدليل كالمعتزلة والقدرية وغيرة الرافضة لانهم يكفرون ببدعتهم، وان لم يكن يظهر بدعته ففي وجوب الاعادة خلفه روايتان احداهما تجب الاعادة كالمعلن
بدعته ولان الكافر لا تصح الصلاة خلفه سواء أظهر كفره أو أخفاه كذلك المبتدع قال أحمد في رواية ابى الحارث لا تصلي خلف مرجي ولا رافضي ولا فاسق الا أن يخافهم فيصلي ثم يعيد وقال أبو داود متى صليت خلف من يقول لقرآن مخلوق فأعد وعن مالك لا نصلي خلف أهل البدع والثانية تصح الصلاة خلفه قال الاثرم قلت لابي عبد الله الرافضة الذين يتكلمون بما تعرف؟ قال نعم آمره ان يعيد قيل له وهكذا أهل البدع قال لا لان منهم من يسكت ومنهم من يتكلم وقال لا نصلي خلف المرجئ إذا كان داعية فدل على أنه لا يعيد إذا لم يكن كذلك وقال الحسن والشافعي الصلاة خلف أهل البدع جائزة بكل حال لقول النبي صلى الله عليه وسلم " صلوا خلف من قال لا اله الا الله " ولانه رجل صلاته صحيحة فصح الائتمام به كغيره وقال نافع كان ابن عمر يصلي خلف الحسنية (1) والخوارج زمن ابن الزبير وهم يقتتلون فقيل له أتصلي مع هؤلاء وبعضهم يقتل بعضا؟ فقال من قال حي على الصلاة أجبته ومن قال حي على الفلاح أجبته ومن قال حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت لا رواه سعيد. ووجه القول الاول ما روى جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على منبره يقول " لا تؤمن امرأة رجلا ولا فاجر مؤمنا الا أن يقهره بسلطانه أو يخاف سوطه أو سيفه " رواه ابن ماجه وهذا أخص من حديثهم فيتعين تقديمه وحديثهم نقول به في الجمع والاعياد ونعيد وقياسهم منقوض بالامي ويروى عن حبيب بن عمر الانصاري عن أبيه قال سألت واثلة بن الاسقع قلت أصلي خلف القدري؟ قال لا تصل خلفه ثم قال أما أنا لو صليت خلفه لاعدت صلاتي رواه الاثرم
(1) كذا وفي المغني: الخشبية
[ 25 ]
(فصل) وأما الفاسق من جهة الاعمال كالزاني والذي يشرب ما يسكره فروي عنه أنه لا يصلى خلفه فانه قال لا تصل خلف فاجر ولا فاسق وقال أبو داود سمعت أحمد يسئل عن امام قال أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهما، قال اسأل الله العافية، من يصلي خلف هذا؟ وروي لا يصلى خلف من لا يؤدي الزكاة ولا يصلى خلف من يشارط ولا بأس أن يدفع إليه من غير شرط وهذا اختيار ابن عقيل وعنه أن الصلاة خلفه جائزة وهو مذهب الشافعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم صلوا خلف
من قال لا إله الا الله وكان ابن عمر يصلي مع الحجاج، والحسن والحسين وغيرهما من الصحابة كانوا يصلون مع مروان والذين كانوا في ولاية زياد وابنه كانوا يصلون معهما وصلوا وراء الوليد بن عقبة وقد شرب الخمر فصار هذا اجماعا وعن أبي ذر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " كيف أنت إذا كان عليك امراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال قلت فما تأمرني قال " صل الصلاة لوقتها فان أدركتها معهم فصل فانها لك نافلة " رواه مسلم وهذا فعل يقتضي فسقهم ولانه رجل تصح صلاته لنفسه فصح الائتمام به كالعدل ووجه الاولى ما ذكرنا من الحديث ولان الامامة تتضمن حمل القراءة ولا يؤمن تركه لها ولا يؤمن ترك بعض شرائطها كالطهارة وليس ثم امارة ولا عليه ظن يؤمننا ذلك والحديث أجبنا عنه وفعل الصحابة محمول على أنهم خافوا الضرر بترك الصلاة معهم وروينا عن قسامة بن زهير أنه قال لما كان من شأن فلان ما كان قال له أبو بكر تنح عن مصلانا فانا لا نصلى خلفك وحديث أبى ذر يدل على صحتها نافلة والنزاع إنما هو في الفرض (فصل) وأما الجمع والاعياد فتصلي خلف كل بر وفاجر وقد كان أحمد يشهدها مع المعتزلة وكذلك
[ 26 ]
من كان من العلماء في عصره وقد روي ان رجلا جاء محمد بن النضر فقال له ان لي جيرانا من أهل الاهواء لا يشهدون الجمعة قال حسبك، ما تقول فيمن رد على أبي بكر وعمر؟ قال ذلك رجل سوء قال فان رد على النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال يكفر. قال فان رد على العلي الاعلى؟ ثم غشي عليه ثم أفاق فقال ردوا عليه والذي لا إله إلا هو فانه قال (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) وهو يعلم ان بني العباس سيلونها ولان هذه الصلاة من شعائر الاسلام الظاهرة ويليها الائمة دون غيرهم فتركها خلفهم يفضي إلى تركها بالكلية. إذا ثبت ذلك فانها تعاد خلف من يعاد خلفه غيرها قياسا عليها هذا ظاهر المذهب وعنه أنه قال من أعادها فهو مبتدع وهذا بدل على أنها لا تعاد خلف فاسق ولا مبتدع لانها صلاة مأمور بها فلم تجب اعادتها كسائر الصلوات (فصل) فان كان المباشر عدلا والذي ولاه غير مرضي الحال لبدعته أو لفسقه لم يعدها في المنصوص عنه لان صلاته انما ترتبط بصلاة امامه ولا يضر وجود معنى في غيره كالحدث وذكر القاضي
في وجوب الاعادة روايتين والصحيح الاول * (فصل) * فان لم يعلم فسق امامه بدعته فقال ابن عقيل لا اعادة عليه لان ذلك مما يخفى فأشبه الحدث والنجس. قال شيخنا والصحيح أن هذا ينظر فيه، فان كان ممن يخفى بدعته وفسوقه
[ 27 ]
صحت صلاته لان من يصلي خلفه معذور، وان كان ممن يظهر ذلك وجبت الاعادة على الرواية التي تقول بوجوب اعادتها خلف المبتدع لانه معنى يمنع الائتمام فاستوى فيه العلم وعدمه كما لو كان أميا، والحدث والنجاسة يشترط خفاؤهما على الامام والمأموم معا والفاسق لا يخفى عليه فسق نفسه فأما إن لم يعلم حاله ولم يظهر منه ما يمنع الائتمام به فصلاته صحيحة نص عليه لان الاصل في المسلمين السلامة * (فصل) * فأما المخالفون في الفروع كالمذاهب الاربع فالصلاة خلفهم جائزة صحيحة غير مكروهة نص عليه لان الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم يزل بعضهم يصلي خلف بعض مع اختلافهم في الفروع فكان ذلك إجماعا، وإن علم انه يترك ركنا يعتقده المأموم دون الامام فظاهر كلام أحمد صحة الائتمام به. قال الاثرم سمعت أحمد يسأل عن رجل صلى بقوم وعليه جلود الثعالب. فقال إن كان يلبسه وهو يتأول قوله عليه السلام " أيما إهاب دبغ فقد طهر " فصل خلفه فقيل له أتراه أنت جائزا؟ قال لا. ولكنه إذا كان يتأول فلا بأس أن يصلي خلفه، ثم قال أبو عبد الله لو أن رجلا لم ير الوضوء من الدم لم يصل خلفه فلا نصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك إي بلى ولان كل مجتهد مصيب أو كالمصيب في حط المآثم عنه وحصول الثواب له ولان صلاته تصح
[ 28 ]
لنفسه فجازت الصلاة خلفه، كما لو لم يترك شيئا. وقال ابن عقيل في الفصول لا تصح الصلاة خلفه وذكر القاضي فيه روايتين احداهما لا تصح لانه يفعل ما يعتقده المأموم مفسدا للصلاة فلم يصح ائتمامه به كما لو خالفه في القبلة حالة الاجتهاد ولان أكثر ما فيه انه ترك ركنا لا يأثم بتركه فبطلت الصلاة خلفه كما لو تركه ناسيا، والثانية تصح لما ذكرنا * (فصل) * فان فعل شيئا من المختلف فيه يعتقد تحريمه، فان كان يترك ما يعتقد شرطا للصلاة
أو واجبا فيها فصلاته وصلاة من يأتم به فاسدة. وإن كان المأموم يخالف في اعتقاد ذلك لانه ترك واجبا في الصلاة فبطلت صلاته وصلاة من خلفه كالمجمع عليه وإن كان لا يتعلق ذلك بالصلاة كشرب يسير النبيذ والنكاح بغير ولي ممن يعتقد تحريمه، فهذا إن دام على ذلك فهو فاسق، حكمه حكم سائر الفساق. وإن لم يدم عليه لم يؤثر لانه من الصغائر، فان كان الفاعل لذلك عاميا قلد من يعتقد جوازه فلا شئ عليه فيه لان فرض العامي سؤال العالم وتقليده قال الله تعالى (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وإن اعتقد حله وفعله صحت الصلاة خلفه في الصحيح من المذهب. وذكر ابن أبي موسى في صحة الصلاة خلفه روايتين
[ 29 ]
* (فصل) * وإذا أقيمت الصلاة والانسان في المسجد والامام لا يصلح للامامة فان شاء صلى خلفه وأعاد وإن نوى الانفراد ووافقه في أفعال الصلاة صحت صلاته لانه أتى بالصلاة على الكمال أشبه ما لو لم يقصد موافقة الامام. وروي عن أحمد انه يعيد، رواها عنه الاثرم. والصحيح الاول لما ذكرنا، وكذلك لو كان الذين لا يرضون الصلاة خلفه جماعة فأمهم أحدهم ووافقوا الامام في الافعال كان ذلك جائزا
[ 30 ]
* (فصل) * وأما الاقلف ففيه روايتان. إحدهما لا تصح إمامته لان النجاسة في ذلك المحل لا يعفى عنها عندنا، والثانية تصح لانه إن أمكنه كشف القلفة وغسل النجاسة غسلها، وان كان مرتقا لا يقدر على كشفها عفي عن ازالتها لعدم الامكان وكل نجاسة معفو عنها لا تؤثر في بطلان الصلاة والله أعلم * (مسألة) * (وفي امامة اقطع اليدين وجهان). روي عن أحمد انه قال لم أسمع فيها شيئا، وذكر الآمدي فيه روايتين. احداهما تكره وتصح
[ 31 ]
اختارها القاضي لانه عجز لا يخل بركن في الصلاة فلم يمنع صحة الامامة كقطع إحدى الرجلين والانف، والثانية لا تصح اختارها أبو بكر لانه يخل بالسجود على بعض أعضاء السجود أشبه العاجز عن السجود على جبهته، وحكم قطع اليد الواحدة كقطعهما. فأما أقطع الرجلين فلا تصح امامته لانه عاجز عن القيام أشبه الزمن، فان قطعت
[ 32 ]
احداهما وأمكنه القيام صحت امامته، ويتخرج أن لا تصح على قول أبي بكر لاخلاله بالسجود على عضو والاول أصح لانه يسجد على الباقي من رجله أو حاملها
[ 33 ]
* (مسألة) * (لا تصح الصلاة خلف كافر بحال) ولا تصح الصلاة خلف كافر ولا أخرس سواء علم بكفره قبل فراغه من الصلاة أو بعد ذلك، وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي كمحدث وهو لا يعلم
[ 34 ]
ولنا انه ائتم بمن ليس من أهل الصلاة أشبه ما لو ائتم بمجنون. والمحدث يشترط أن لا يعلم حدث نفسه والكافر يعلم حال نفسه * (فصل) * إذا صلى خلف من يشك في اسلامه فصلاته صحيحة ما لم يبن كفره، ولان الظاهر من المصلين الاسلام ولا سيما إذا كان إماما، فان كان ممن يسلم تارة ويرتد أخرى لم يصل خلفه حتى يعلم عن أي دين هو، فان صلى خلفه ولم يعلم ما هو عليه نظرنا، فان كان قد علم اسلامه قبل الصلاة ثم. شك في ردته فهو مسلم، وإن علم ردته وشك في اسلامه لم تصح الصلاة خلفه، وان كان
[ 35 ]
علم اسلامه فصلى خلفه فقال بعد الصلاة أسلمت أو ارتددت قبل الصلاه لم تبطل الصلاة لانها كانت محكوما بصحتها فلم يقبل قوله في ابطالها لانه ممن لا يقبل قوله * (فصل) * قال أصحابنا يحكم باسلامه سواء كان في دار الحرب أو دار الاسلام وسواء صلى في جماعة أو منفردا، فان رجع عن الاسلام بعد ذلك فهو مرتد، وان مات قبل ظهور ما ينافي الاسلام فهو مسلم يرثه ورثته المسلمون دون الكفار. وقال أبو حنيفة: إن صلى في المسجد حكم باسلامه وإن
[ 36 ]
صلى في غير المسجد فرادى لم يحكم باسلامه، وقال بعض الشافعية لا يحكم باسلامه بحال لان الصلاة من فروع الاسلام فلا يصير بفعلها مسلما كالحج والصوم ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " أمرت
أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " وقال بعضهم إن صلى في دار الاسلام فليس بمسلم لانه يقصد الاستتار بالصلاة واخفاء دينه، وإن صلى في دار الحرب فهو مسلم لعدم التهمة في حقه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " نهيت عن قتل المصلين " وقال " بيننا وبينهم الصلاة " فجعل الصلاة حدا بين الاسلام والكفر، فمن صلى فقد دخل في حد الاسلام. وقال " المملوك إذا صلى
[ 37 ]
فهو أخوك " رواه الامام أحمد ولانها عبادة تختص المسلمين، فإذا صلى حكم باسلامه كالشهادتين، فأما الحج فان الكفار كانوا يفعلونه والصيام ترك المفطرات فقد يفعله من ليس بصائم، فأما صلاته في نفسه فأمر بينه وبين الله سبحانه وتعالى فان علم انه كان قد أسلم ثم توضأ وصلى بنية صحيحة فهي صحيحة وإلا فعليه الاعادة، لان الوضوء لا يصح من الكفار. وإذا لم يسلم قبل الصلاة كان حال شروعه فيها غير مسلم ولا متطهر فتصح منه والله أعلم
[ 38 ]
* (فصل) * ولا تصح إمامة الاخرس بغير أخرس لانه يترك ركنا وهو القراءة تركا مأيوسا من زواله فلم تصح امامته بقادر عليه كالعاجز عن الركوع والسجود. فأما امامته بمثله فقياس المذهب صحتها قياسا على الامي والعاجز عن القيام يؤم مثله وهذا في معناهما والله أعلم. وقال القاضي وابن عقيل لا تصح لان الامي غير مأيوس من نطقة والاول أولى * (فصل) * فأما الاصم فتصح إمامته لانه لا يخل بشئ من أفعال الصلاة ولا شروطها أشبه
[ 39 ]
الاعمى، فان كان الاصم أعمى صحت إمامته كذلك. وقال بعض أصحابنا لا تصح امامته لانه إذا سها لا يمكن تنبيهه بتسبيح ولا اشارة. قال شيخنا والاولى صحتها لانه لا يمنع من صحة الصلاة احتمال عارض لا يتيقن وجوده كالمجنون حال افاقته * (مسألة) * (ولا تصح امامة من به سلس البول ولا عاجز عن الركوع والسجود والقعود)
وجملة ذلك انه لا تصح امامة من به سلس البول ومن في معناه ولا المستحاضة بصحيح لانهم يصلون مع خروج النجاسة التي يحصل بها الحدث من غير طهارة. فأما من عليه النجاسة فان كانت على بدنه
[ 40 ]
فتيمم لها لعدم الماء جاز للطاهر الائتمام به كما يجوز للمتوضئ الائتمام بالمتيمم للحدث، هذا اختيار القاضي وعلى قياس قول أبي الخطاب لا يجوز الائتمام به لانه أوجب عليه الاعادة، وان كانت على ثوبه لم يجز الائتمام به لتركه الشرط ولا يجوز إئتمام المتوضئ ولا المتيمم بعادم الماء والتراب ولا اللابس بالعاري ولا القادر على الاستقبال بالعاجز عنه لانه ما ترك لشرط يقدر عليه المأموم أشبه ائتمام المعافى بمن به سلس البول ويصح ائتمام كل واحد من هؤلاء بمثله لان العراة يصلون جماعة وكذلك الامي يجوز أن يؤم مثله كذلك هذا
[ 41 ]
* (فصل) * ويصح ائتمام المتوضئ بالمتيمم بغير خلاف نعلمه لان عمرو بن العاص صلى بأصحابه متيمما وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره، وأم ابن عباس أصحابه متيمما وفيهم عمار بن ياسر في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكروه ولان طهارته صحيحة أشبه المتوضئ * (فصل) * ولا تصح امامة العاجز عن شئ من أركان الافعال كالعاجز عن الركوع والسجود بالقادر عليه سواء كان امام الحي أو لم يكن، وبه قال أبو حنيفة ومالك وقال الشافعي يجوز لانه
[ 42 ]
فعل اجازه المرض أشبه القاعد يؤم بالقيام، ولنا انه أخل بركن لا يسقط في النافلة فلم يجز الائتمام به للقادر عليه كالقارئ بالامي. وأما القيام فهو أخف بدليل سقوطه في النافلة ولان النبي صلى الله عليه وسلم أمر المصلين خلف الجالس بالجلوس، ولا خلاف ان المصلي خلف الضطجع لا يضطجع فأما إن أم مثله فقياس المذهب صحته لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في المطر بالايماء والعراة يصلون جماعة بالايماء، وكذلك حال المسايفة ولان الامي تصح امامته بمثله كذلك هذا
[ 43 ]
* (مسألة) * (ولا تصح خلف عاجز عن القيام إلا امام الحي المرجو زوال علته) ولا تصح امامة العاجز عن القيام بالقادر عليه إذا لم يكن امام الحي رواية واحدة لانه يخل بركن من أركان الصلاة أشبه العاجز عن الركوع، وتجوز إمامته بمثله كما يؤم الامي مثله * (فصل) * فأما امام الحي إذا عجز عن القيام فيجوز أن يؤم القادر عليه بشرط أن يكون ذلك لمرض يرجى زواله، لان اتخاذ الزمن ومن لا ترجى قدرته على القيام إماما راتبا يفضي إلى تركهم القيام على الدوام وإلى مخالفة قوله عليه السلام " فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون " ولا حاجة إليه ولان
[ 44 ]
الاصل في هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وكان يرجى برؤه، فإذا وجد فيه هذان الشرطان فالمستحب له أن يستخلف لان الناس مختلفون في صحة إمامته ففي استخلافه خروج من الخلاف ولان صلاة القائم أكمل وكمال صلاة الامام مطلوب، فان قيل فقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ولم يستخلف قلنا فعل ذلك لتبيين الجواز واستخلف مرة أخرى ولان صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا أفضل من صلاة غيره قائما فان صلى بهم قاعدا جاز وصلوا وراءه جلوسا يروى ذلك عن أربعة من أصحاب
[ 45 ]
النبي صلى الله عليه وسلم أسيد بن حضير، وجابر، وقيس بن فهد، وأبو هريرة، وهو قول الاوزاعي وحماد ابن زيد واسحق وابن المنذر، وقال مالك في إحدى الروايتين: لا تصح صلاة القادر على القيام خلف القاعد وهو قول محمد بن الحسن، قال الشعبي روي عن النبي صلى الله عليه انه قال " لا يؤمن أحد بعد جالسا " أخرجه الدارقطني. ولان القيام ركن لا يصح ائتمام القادر عليه بالعاجز عنه كسائر الاركان، وقال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي يصلون خلفه قياما، لما روي عن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر ثم وجد في نفسه خفة فخرج بين رجلين فأجلساه إلى جنب أبي بكر
[ 46 ]
فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد. متفق عليه وهذا أخير الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولانه
ركن قدر عليه فلم يجز له تركه كسائر الاركان ولنا ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " انما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون " متفق عليه، وعن عائشة قالت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 47 ]
في بيته وهو شاك فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال " انما جعل الامام ليؤتم به فادا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا صلى جالسا فصلو جلوسا أجمعون " أخرجه البخاري قال ابن عبد البر روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق متواترة من حديث أنس وجابر وأبي هريرة وابن عمر وعائشة كلها باسانيد صحيحة فاما حديث الشعبي فمرسل ويرويه جابر الجعفي وهو متروك وقد فعله أربعة من
[ 48 ]
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعده، وأما حديث الآخرين فليس فيه حجة قاله أحمد لان أبا بكر كان ابتدأ الصلاة فلما أتمها قائما فأشار أحمد إلى امكان الجمع بين الحديثين بحمل حديثهم على من ابتدأ الصلاة قائما والثاني على من ابتدأ الصلاة جالسا ومتى أمكن الجمع بين الحديثين كان أولى من النسخ ثم
[ 49 ]
يحتمل أن أبا بكر كان الامام قاله ابن المنذر في بعض الروايات وقالت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه وقال أنس صلى النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه خلف أبى بكر قاعدا في ثوب متوشحا به، قال الترمذي كلا الحديثين حسن صحيح ولا يعرف للنبي صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر صلاة إلا في هذا الحديث. وروى مالك الحديث عن ربيعة وقال كان أبو بكر الامام قال مالك العمل عندنا على حديث ربيعة هذا، فان قيل لو كان أبو بكر الامام لكان عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم. قلنا يحتمل انه فعل ذلك لان وراءه صفا والله أعلم * (مسألة) * قال (فان صلوا قياما صحت صلاتهم في أحد الوجهين) (احدهما) لا تصح أومأ إليه أحمد لان النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالجلوس ونهاهم عن القيام فقال في
حديث جابر " إذا صلى الامام قاعدا فصلوا قعودا وإذا صلى قائما فصلوا قياما، ولا تقوموا والامام جالس كما يفعل أهل فارس بعظمائها " فقعدنا، ولانه ترك الاقتداء بامامه مع القدرة عليه أشبه تارك القيام في حال
[ 50 ]
قيام امامه (والثاني) يصح لان النبي صلى الله عليه وسلم صلى وراءه قوم قياما فلم يأمرهم بالاعادة، فعلى هذا يحمل الامر على الاستحباب ولانه تكلف القيام في موضع يجوز له الجلوس أشبه المريض إذا تكلف القيام، ويحتمل أن تصح صلاة الجاهل بوجوب القعود دون العالم كما قالوا في الذي ركع دون الصف * (مسألة) * (فان ابتدأ بهم الصلاة قائما ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قياما لان أبا بكر حين ابتدأ بهم الصلاة قائما ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأتم الصلاة بهم جالسا أتموا قياما ولم يجلسوا ولان القيام هو الاصل فمن بدأ به في الصلاة لزمه في جميعها إذا قدر عليه كالذي أحرم في الحضر ثم سافر (فصل) فان استخلف بعض الائمة في وقتنا هذا فزال عذره فحضر فهل يجوز أن يفعل كفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر؟ فيه ثلاث روايات (إحداها) ليس له ذلك قال أحمد في رواية أبي
[ 51 ]
داود وذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لان هذا أمر يخالف القياس فان انتقال الامام مأموما وانتقال المأمومين من امام إلى آخر لا يجوز الا لعذر يحوج إليه وليس في تقدم الامام الراتب ما يحوج إلى هذا أما النبي صلى الله عليه وسلم فانه من الفضيلة وعظم المنزلة ما ليس لاحد ولذلك قال أبو بكر ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم (والثانية) يجوز نص عليه في رواية أبي الحارث فعلى هذا يكبر ويقعد إلى جنب الامام ويبتدئ القراءة من حيث بلغ الامام لان الاصل ان ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم يكون جائزا لامته ما لم يقم على اختصاصه به دليل (والرواية الثالثة) ان ذلك يجوز للخليفة دون بقية الائمة فانه قال في رواية المروزي ليس هذا لاحد الا الخليفة وذلك لان رتبة الخلافة تفضل رتبة سائر الائمة فلا يلحق بها غيرها وكان ذلك للخليفة وخليفة النبي صلى الله عليه وسلم يقوم مقامه
[ 52 ]
* (مسألة) * ولا تصح أمامة المرأة والخنثى للرجال ولا للخناثى. لا يصح أن يأتم رجل بامرأة في فرض ولا نافلة في قول عامة الفقهاء وقال أبو ثور لا اعادة على المصلي خلفها وقال بعض أصحابنا يجوز أن تؤم الرجال في التراويح وتكون وراءهم لما روي عن أم ورقة بنت الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل لها مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها رواه أبو داود وهذا عام ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تؤمن امرأة رجلا رواه ابن ماجه ولانها لا تؤذن رجال فلم يجز أن تؤمهم كالمجنون وحديث أم ورقة انما أذن لها أن تؤم بنساء اهل الدار كذلك رواه الدارقطني وهذه زيادة يجب قبولها ولو لم يذكر ذلك لتعين حمل الحديث عليه وذلك لانه أذن لها أن تؤم في الفرائض بدليل أنه جعل لها مؤذنا والاذان إنما يشرع في الفرائض ولا خلاف في المذهب أنها
[ 53 ]
لا تؤمهم في الفرائض فالتخصيص بالتروايح تحكم بغير دليل، ولو ثبت ذلك لام ورقة لكان خاصا بها بدليل أنه لا يشرع لغيرها من النساء أذان ولا اقامة فتختص بالامامة كما اختص بالاذان والاقامة (فصل) وأما الخنثى فلا يجوز ان يؤم رجلا لاحتمال ان يكون امرأة ولا يؤم خنثى لجواز أن يكون الامام امرأة والمأموم رجلا ولا أن تؤمه امرأة لجواز أن يكون رجلا ويجوز له أنه يؤم المرأة لان أدنى أحواله أن يكون امرأة وقال القاضي رأيت لابي حفص البرمكي أن الخنثى لا تصح صلاته في جماعة لانه ان قام مع الرجال احتمل ان يكون امرأة وان قام مع النساء أو وحده أو ائتم بامرأة احتمل أن يكون رجل وان أم الرجال احتمل ان يكون امرأة وان أم النساء فقام وسطهن احتمل أن يكون رجل وان قام امامهن احتمل أنه امرأة، قال الشيخ ويحتمل أن تصح صلاته في هذه الصورة
[ 54 ]
وفي صورة أخرى وهو أن يقوم في صف الرجال مأموما فان المرأة إذا قامت في صف الرجال لم تبطل صلاتها ولا صلاة من يليها * (مسألة) * (ولا امامة الصبي لبالغ إلا في نفل على إحدي الروايتين) ولا يصح ائتمام البالغ بالصبي في الفرض نص عليه أحمد وهو قول ابن مسعود وابن عباس وبه قال عطاء والشعبي ومالك والثوري
والاوزاعي وأبو حنيفة وأجازه الحسن والشافعي واسحق وابن المنذر وذكر أبو الخطاب رواية في صحة امامته في الفرض بناء على امامة المفترض بالمتنفل وقال ابن عقيل يخرج في صحة امامة ابن عشر سنين وجها بناء على القول بوجوب الصلاة عليه ووجه ذلك قوله صلى الله عليه وسلم " يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله تعالى " فيدخل في عموم ذلك وروي عن عمر بن سلمة الجرمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقومه " يؤمكم اقرؤكم " قال فكنت أؤمهم وانا ابن سبع سنين أو ثمان سنين رواه البخاري وأبو داود وغيرهم ولنا قول ابن مسعود وابن عباس ولان الامامة حال كمال والصبي ليس من أهل الكمال فلا يؤم الرجال كالمرأة ولانه لا يؤمن من الصبي الاخلال بشرط من شرائط الصلاة أو القراءة حال الاسرار فاما حديث عمرو بن سلمة فقال الخطابي كان أحمد يضعف أمر عمرو بن سلمة وقال مرة دعه ليس بشئ قال أبو داود قيل لاحمد حديث عمرو بن سلمة قال لا أدري أي شئ هذا ولعله انما توقف
[ 55 ]
عنه لانه لم يتحقق بلوغ الامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فانه كان بالبادية في حي من العرب بعيد من المدينة وقوى هذا الاحتمال قوله في الحديث وكنت إذا سجدت خرجت استى وهذا غير سائغ (فصل) فاما امامته في النفل ففيها روايتان (احداهما) لا تصح لذلك (والثانية) تصح لانه متنفل يؤم متنفلين ولان النافلة يدخلها التخفيف ولذلك تنعقد الجماعة به فيها إذا كان مأموما * (مسألة) * ولا تصح امامة محدث ولا نجس يعلم ذلك فان جهل هو والمأموم حتى قضوا الصلاة صحت صلاة المأموم وحده ومتى أخل بشرط الصلاة مع القدرة عليه لم تصح صلاته لاخلاله بالشرط فان صلى محدثا وجهل الحدث هو والمأموم حتى قضوا الصلاة فصلاة المأمومين صحيحة وصلاة الامام باطلة وروي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر رضي الله عنهم وبه قال الحسن وسعيد بن جبير ومالك والاوزاعي والشافعي وعن علي أنهم يعيدون جميعا وبه قال ابن نصر والشعبي وأبو حنيفة وأصحابه لانه صلى بهم محدثا أشبه ما لو علم ولنا اجماع الصحابة رضي الله عنهم فروي أن عمر صلى بالناس الصبح ثم خرج إلى الجرف فأهراق
الماء فوجد في ثوبه احتلاما فأعاد ولم يعد الناس، وعن عثمان أنه صلى بالناس صلاة الفجر فلما أصبح وارتفع النهار إذا هو بأثر الجنابة فقال كبرت والله كبرت والله. وأعاد الصلاة ولم يأمرهم أن يعيدوا، وعن ابن عمر نحو ذلك. رواه كله الاثرم وعن البراء بن عازب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إذا صلى الجنب بقوم أعاد صلاته وتمت للقوم صلاتهم " رواه أبو سليمان محمد بن الحسين الحراني ولان الحدث مما يخفى ولا سبيل إلى معرفته من الامام للمأموم فكان معذورا في الاقتداء به ويفارق ما إذا علم الامام حدث نفسه لانه يكون مستهزئا بالصلاة فاعلا ما لا يحل وإذا علمه المأموم لم يعذر في الاقتداء به وما نقل عن علي لا يثبت بل قد نقل عنه كما ذكرنا عن غيره من الصحابة والحكم في النجاسة كالحكم في الحدث لانها في معناها في خفائها على الامام والمأموم، على أن في النجاسة رواية أخرى أن الامام أيضا لا تلزمه الاعادة وقد ذكرناه * (فصل) * فان علم حدث نفسه في الصلاة أو علم المأمومون لزمهم استئناف الصلاة. قال الاثرم سألت أبا عبد الله: رجل صلى بقوم على غير طهارة بعض الصلاة فذكر؟ قال يعجبني أن يبتدئوا الصلاة قلت يقول لهم استأنفوا الصلاة؟ قال لا، ولكن ينصرف ويتكلم ويبتدئون الصلاة. وذكر ابن عقيل
[ 56 ]
رواية إذا علم المأمومون انهم يبنون على صلاتهم، وقال الشافعي يبنون على صلاتهم سواء علم بذلك أو علم المأمومون لان ما مضى عى صلاتهم صحيح فكان لهم البناء عليه كما لو أقام إلى خامسة فسبحوا به فلم يرجع. ولنا انه ائتم بمن صلاته فاسدة مع العلم منهما أو من أحدهما أشبه ما لو ائتم بامرأة، وانما خولف هذا إذا استمر الجهل منهما للاجماع ولان وجوب الاعادة على المأمومين في حالة استمرار الجهل يشق لتفرقهم بخلاف ما إذا علموا في الصلاة، وإن علم بعض المأمومين دون بعض فالمنصوص أن صلاة الجميع تفسد والاولى يختص البطلان بمن علم دون من جهل لانه معنى مبطل اختص به فاختص بالبطلان كحدث نفسه * (فصل) * قال أحمد في رجلين أم أحدهما الآخر فشم كل واحد منهما ريحا أو سمع صوتا يعتقده من صاحبه يتوضان ويعيدان الصلاة لان كل واحد منهما يعتقد فساد صلاة صاحبه، وهذا
إذا قلنا تفسد صلاة كل واحد من الامام والمأموم بفساد صلاة الآخر بكونه صار فذا، وعلى الرواية المنصورة ينوي كل واحد منهما الانفراد ويتم صلاته، ويحتمل انه انما قضى بفساد صلاتهما إذا أئتما الصلاة على ما كانا عليه من غير فسخ النية، فان المأموم يعتقد انه مؤتم بمحدث والامام يعتقد انه يؤم محدثا. وأما قوله يتوضآن فلعله أراد لتصح صلاتهما جماعة إذ ليس لاحدهما أن يأتم بالآخر مع اعتقاده حدثه واحتياطا: أما إذا صليا منفردين فلا يجب الوضوء على واحد منهما لانه متيقن للطهارة شاك في الحدث * (فصل) * فان اختل غير ذلك من الشروط في حق الامام كالستارة واستقبال القبلة لم يعف عنه في حق المأموم لان ذلك لا يخفى غالبا بخلاف الحدث والنجاسة، وكذا إن فسدت صلاته لترك ركن فسدت صلاتهم نص عليه أحمد فيمن ترك القراءة يعيد ويعيدون وكذلك لو ترك تكبيرة الاحرام * (مسألة) * (ولا تصح امامة الامي وهو من لا يحسن الفاتحة أو يدغم حرفا أو يلحن لحنا يحيل المعنى إلا بمثله) والكلام في هذه المسألة في فصلين (أحدهما) ان الامي لا تصح امامته بمن يحسن قراءة الفاتحة، وهذا قول مالك والشافعي في الجديد وقيل عنه يصح أن يأتم القارئ بالامي في صلاة الاسرار دون الجهر وعنه يصح أن يأتم به في الحالين ولنا انه ائتم بعاجز عن ركن وهو قادر عليه فلا تصح كالعاجز عن الركوع والسجود وقياسهم يبطل بالاخرس والعاجز عن الركوع والسجود وأما القيام فهو ركن أخف من غيره بدليل انه يسقط في النافلة مع القدرة عليه بخلاف القراءة فان صلى بأمي وقارئ صحت صلاة الامي والامام. وقال أبو حنيفة تفسد صلاة الامام أيضا لانه يتحمل القراءة عن المأموم وهو عاجز عنها ففسدت صلاته ولنا انه أم من لا يصح ائتمامه به فصحت صلاة الامام كما لو أمت امرأة رجلا ونساء، وقولهم ان المأموم يتحمل عنه الامام القراءة قلنا انما يتحملها مع القدرة، فأما من يعجز عن القراءة عن نفسه فعن غيره أولى
[ 57 ]
* (الفصل الثاني) * انه تصح إمامته بمثله لانه يساويه فصحت امامته به كالعاجز عن القيام * (فصل) * قوله أو يبدل حرفا هو كالالثغ الذي يبدل الراء غينا والذي يلحن لحنا يحيل المعنى
كالذي يكسر كاف إياك أو تاء أنعمت أو يضمها إذا كان لا يقدر على اصلاح ذلك يصح ائتمامه بمثله كاللذين لا يحسنان شيئا وان كان يقدر على اصلاح ذلك لم تصح صلاته ولا صلاة من يأتم به لانه ترك ركنا من أركان الصلاة مع القدرة عليه أشبه تارك الركوع * (فصل) * فان صلى القارئ خلف من لا يعلم حاله في صلاة الاسرار صحت صلاته لان الظاهر انه إنما يتقدم من يحسن القراءة، وان كان يسر في صلاة الجهر ففيه وجهان أحدهما لا تصح صلاة القارئ، ذكره القاضي وابن عقيل لان الظاهر انه لو أحسن القراءة لجهر، والثاني تصح لان الظاهر انه لا يؤم الناس إلا من يحسن القراءة، والاسرار يحتمل أن يكون لجهل أو نسيان، فان قال قد قرأت صحت الصلاة على الوجهين لان الظاهر صدقه، وتستحب الاعادة احتياطا، ولو أسر في صلاة الاسرار ثم قال ما كنت قرأت الفاتحة لزمه ومن وراءه الاعادة، لانه روي عن عمر انه صلى بهم المغرب فلما سلم قال ما سمعتموني قرأت. قالوا لا قال فما قرأت في نفسي فأعاد بهم الصلاة * (فصل) * وإذا كان رجلان لا يحسنان الفاتحة أو أحدهما يحسن سبع آيات من غيرها والآخر لا يحسن شيئا فلكل واحد منهما الائتمام بالآخر لانهما أميان والمستحب تقديم من يحسن السبع آيات لانه اقرأ، وعلى هذا كل من لا يحسن الفاتحة يجوز أن يؤم من لا يحسنها سواء استويا في الجهل أو تفاوتا فيه * (مسألة) * (وتكره إمامة اللحان والفأفاء الذي يكرر الفاء والتمتام الذي يكرر القاف ومن لا يفصح ببعض الحروف) أما الذي يلحن لحنا يحيل المعنى فقد ذكرناه، وتكره إمامة اللحان الذي لا يحيل المعنى نص عليه وتصح صلاته بمن لا يلحن لانه أتى بفرض القراءة فان أحال المعنى في غير الفاتحة لم يمنع صحة إمامته إلا أن يتعمده فيبطل صلاتهما، ومن لا يفصح ببعض الحروف كالقاف والضاد فقال القاضي تكره امامته وتصح أعجميا كان أو عربيا. وقيل فمن قرأ ولا الضالين بالظاء لا تصح صلاته لانه يحيل المعنى يقال ظل يفعل كذل إذا فعله نهارا فهو كالالثغ وتكره إمامة الفأفاء والتمتام، وتصلح لانهما يأتيان بالحروف على وجهها ويزيدان زيادة هما مغلوبان عليها فعفي عنها ويكره تقديمهما لهذه الزيادة * (مسألة) * (ويكره أن يؤم نساء أجانب لا رجل معهن)
لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخلو الرجل بالمرأة الاجنبية ولا بأس أن يؤم ذوات محارمه، وأن يؤم النساء مع الرجل فقد كن النساء يشهدن مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد أم انسا واليتيم وأمه * (مسألة) * (ويكره أن يؤم قوما أكثرهم له كارهون)
[ 58 ]
لما روى أبو أمامة قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون " حديث حسن غريب. وعن عبد الله ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ثلاثة لا يقبل منهم صلاة من تقدم قوما وهم له كارهون، ورجل يأتي الصلاة دبارا - والدبار أن يأتي بعد أن يفوت الوقت - ورجل اعتبد محررا " رواه أبو داود. وقال علي لرجل أم قوما وهم له كارهون انك لخروط قال أحمد إذا كرهه اثنان أو ثلاثة فلا بأس حتى يكرهه أكثرهم، فان كان ذا دين وسنة فكرهه القوم لذلك لم تكره إمامته. قال منصور أما إنا سألنا عن ذلك فقيل لنال انما عنى بهذا الظلمة، فأما من أقام السنة فانما الاثم على من كرهه، قال القاضي والمستحب أن لا يؤمهم صيانة لنفسه وان استوى الفريقان فالاولى أن لا يؤمهم أراد بذلك الاختلاف والله أعلم * (مسألة) * (ولا بأس بامامة ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما) لا بأس بامامة ولد الزنا وهو قول عطاء وسليمان بن موسى والحسن والنخعي والزهري وعمرو ابن دينار واسحاق وقال اصحاب الرأي ولا تجزي الصلاة خلفه، وكره مالك أن يتخذ إماما راتبا وقال الشافعي يكره مطلقا لان الامامة منصب فضيلة فكره تقديمه فيها كالعبد ولنا عموم قوله عليه السلام " يؤم القوم أقرؤهم " وقالت عائشة ليس عليه من وزر أبوية شئ قال الله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وقال سبحانه (وإن أكرمكم عند الله أتقاكم " والعبد لا نكرة إمامته لكن الحر أولى منه ولو سلم ذلك فالعبد ناقص في أحكامه لا يلي النكاح ولا المال بخلاف هذا ولا بأس بامامة الجندي والخصي إذا كانا مرضيين لانه عدل يصلح للامامة أشبه غيره * (فصل) * ولا بأس بامامة الاعرابي إذا كان يصلح نص عليه وهو قول عطاء والثوري والشافعي
واسحق واصحاب الرأي، وقد روي عن أحمد انه قال لا نعجبني إمامة الاعرابي إلا أن يكون قد سمع وفقه لان الغالب عليهم الجهل، وكره ذلك أبو مجاز وقال مالك لا يؤمهم لقول الله تعالى
[ 59 ]
(الاعراب أشد كفرا) الآية. ولنا عموم قوله عليه السلام " يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله " ولانه مكلف عدل تصح صلاته لنفسه أشبه المهاجر * (فصل) * والمهاجر أولى منه لا يقدم على المسبوق بالهجرة فمن لا هجرة له أولى. قال أبو الخطاب والحضري أولى من البدوي لانه مختلف في إمامته ولان الغالب عليهم الجفاء وقلة المعرفة بحدود الله تعالى * (مسألة) * (ويصح ائتمام مؤدي الصلاة بمن يقضيها) مثل أن يكون عليه ظهر أمس فأراد قضاءها فائتم به رجل عليه ظهر اليوم ففيه روايتان. أصحهما انه يصح نص عليه، وفي رواية ابن منصور وهذا اختيار الخلال وقال المذهب عندي في هذا رواية واحدة وغلط من نقل غيرها لان القضاء يصح بنية الاداء فيما إذا صلى فبان بعد خروج الوقت، وكذلك من يقضي الصلاة يصلي خلف من يؤديها لانه في معناه، والرواية الثانية لا يصح، نقلها صالح لان نيتهما مختلفة هذا ينوي قضاء وهذا أداء * (فصل) * ويصح ائتمام المفترض بالمتنفل ومن يصلي الظهر بمن يصلي العصر في احدى الروايتين وفي الاخرى لا تصح فيهما. اختلف عنه في صحة ائتمام المفترض بالمتنفل فنقل عنه حنبل وأبو الحارث لا يصح، اختاره أكثر الاصحاب وهو قول الزهري ومالك وأصحاب الرأي لقول النبي صلى الله عليه وسلم " انما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه " متفق عليه، ولان صلاة المأموم لا تتأدى
[ 60 ]
بنية الامام أشبه صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر. والثانية تصح نقلها عنه اسماعيل بن سعيد وأبو داود وهذا قول عطاء والاوزاعي والشافعي وابي ثور وابن المنذر. قال شيخنا وهي أصح لان معاذا كان يصلي مع النبي صلى الله وسلم ثم يرجع فيصلي بقومه تلك الصلاة متفق عليه وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بطائفة من أصحابه في صلاة الخوف ركعتين ثم سلم ثم صلى بالطائفة الاخرى ركعتين ثم سلم رواه أبو داود والاثرم وهو في الثانية متنفل مفترضين ولانهما صلاتان اتفقتا في الافعال
فجاز ائتمام المصلي في إحداهما بالمصلي في الاخرى كالمتنفل خلف المفترض. فأما حديثهم فالمراد به لا تختلفوا عليه في الافعال لانه انما ذكر في الحديث الافعال فقال فإذا سجد فاسجدوا ولهذا صح ائتمام المتنفل بالمفترض وقياسهم ينتقض بالمسبوق في الجمعة إذا أدرك أقل من ركعة فنوى الظهر خلف من يصلي الجمعة * (فصل) * فأما صلاة المتنفل خلف المفترض فلا نعلم في صحتها خلافا وقد دل عليه قوله عليه السلام " ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه " * (فصل) * فأما صلاة الظهر خلف من يصلي العصر ففيه روايتان وكذلك صلاة العشاء خلف من يصلي التراويح أحدهما يجوز نقلها عنه اسماعيل بن سعيد فانه قال له ما ترى إن صلى في رمضان خلف إمام يصلي بهم التراويح قال يجزيه ذلك من المكتوبة. والثانية لا يجوز نقلها عنه المروذي لان أحدهما لا يتأدى بنية الاخرى كصلاة الجمعة والكسوف خلف من يصلى غيرهما أو صلاة غيرهما
[ 61 ]
خلف من يصليهما لم تصح رواية واحدة لانه يفضي إلى المخالفة في الافعال فيدخل في عموم قوله عليه السلام " فلا تختلفوا عليه " * (فصل) * ومن صلى الفجر ثم شك هل طلع الفجر أو لا لزمته الاعادة وله أن يؤم فيها من لم يصل، وقال بعض أصحابنا تخرج على الروايتين في إمامة المتنفل بالمفترض والصحيح الاول لان الاصل بقاء الصلاة في ذمته ووجوب أفعالها فأشبه ما لو شك هل صلى أو لا، ولو فاتت المأموم ركعة فصلى الامام خمسا ساهيا فقال ابن عقيل لا يعتد للمأموم بالخامسة لانها سهو وغلط، وقال القاضي هذه الركعة نافلة للامام وفرض للمأموم فيخرج فيها الروايتان. وقد سئل أحمد عن هذه المسائل فتوقف فيها. قال شيخنا والاولى انه يحتسب له بها لانه لو لم يحتسب له بها لزمه أن يصلي خمسا مع علمه بذلك ولان الخامسة واجبة على الامام عند من يوجب عليه البناء على اليقين، ثم إن كانت نفلا فقد ذكرنا ان الصحيح صحة الائتمام فيه، وإن صلى بقوم الظهر يظنها العصر فقال أحمد يعيد ويعيدون وهذا على الرواية التي منع فيها ائتمام المفترض بالمتنفل، فان ذكر الامام وهو في الصلاة فأتمها عصرا كانت له نفلا وان قلب بنية إلى الظهر بطلت صلاته لما ذكرنا متقدما، وقال ابن حامد يتمها والفرض باق في ذمته
* (فصل في الموقف) * السنة أن يقف المأمومون خلف الامام إذا كان المأمومون جماعة، فالسنة أن يقفوا خلف الامام رجالا كانوا أو نساء لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بأصحابه فيقومون
[ 62 ]
خلفه ولان جابرا وجبارا لما وقفا عن يمينه وشماله ردهما إلى خلفه وإن كانا اثنين، فكذلك لما روى جابر قال سرت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة فقام يصلي فتوضأت ثم جئته حتى قمت عن يساره فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه فجاء جبار بن صخر حتى قام عن يساره فأخذنا جميعا بيديه فأقامنا خلفه رواه أبو داود وهذا قول عمر وعلي وجابر بن زيد والحسن ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وكان ابن مسعود يرى أن يقفا من جانبي الامام لانه يروى عنه انه صلى بين علقمة والاسود وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل، رواه أبو داود ولنا الحديث الذي ذكرناه فانه أخرهما إلى خلفه ولا ينقلهما إلا إلى الاكمل وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأنس واليتيم فجعلهما خلفه. وحديث ابن مسعود يدل على الجواز فان كان أحدهما صبيا فذلك في اصح الروايتين إن كانت الصلاة تطوعا لان النبي صلى الله عليه وسلم جعل أنسا واليتيم وراءه، وإن كان فرضا جعل الرجل عن يمينه والغلام عن يساره كما في حديث ابن مسعود أو جعلهما عن يمينه، وان جعلهما خلفه فقال بعض أصحابنا لا يصح لانه لا يصح أن يؤمه فيه كالمرأة ويحتمل أن يصح لانه بمنزلة المتنفل والمتنفل يصاف المفترض * (مسألة) * (فان وقفوا قدامه لم يصح)
[ 63 ]
وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وقال مالك واسحاق يصح لان ذلك لا يمنع الاقتداء به فأشبه من خلفه، ولنا قوله عليه السلام " انما جعل الامام ليؤتم به " ولانه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات إلى ورائه ولان ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا هو في معنى المنقول فلم يصح كما لو صلى في بيته بصلاة الامام، ويفارق من خلف الامام فانه لا يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات بخلاف هذا، وقد قال بعض أصحابنا يجوز للمرأة أن تؤم الرجال في صلاة التراويح ويكونون بين يديها.
وقد ذكرنا فساد ذلك فيما مضى، وإن وقفوا عن يمينه أو عن جانبيه صح لما ذكرنا من حديث ابن مسعود ولان وسط الصف موقف لامام العراة وللمرأة إذا أمت النساء، ويصح أن يقفوا عن يمينه لانه موقف للواحد على ما نذكره ان شاء الله * (مسألة) * (وان كان واحد وقف عن يمينه رجلا كان أو غلاما) لما روينا من حديث جابر وروى ابن عباس قال قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل فقمت ووقفت عن يساره فأخذ بذؤابتي فأدارني عن يمينه متفق عليه * (مسألة) * (وإن وقف خلفه أو عن يساره لم تصح) وجملة ذلك انه من صلى وحده خلف الامام ركعة كاملة لم تصح صلاته وهذا قول النخعي
[ 64 ]
واسحق وابن المنذر وغيرهم، وأجازه الحسن ومالك والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي لان أبا بكرة ركع دون الصف فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالاعادة ولانه موقف للمرأة فكان موقفا للرجال كما لو كان مع جماعة ولنا ما روى وابصة بن معبد ان النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد، رواه أبو داود وغيره وقال ابن المنذر ثبت الحديث وفي لفظ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل صلى وراء الصف وحده فقال يعيد رواه تمام في الفوائد، وعن علي بن شيبان أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسلم فانصرف ورجل فرد خلف الصف فوقف نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى انصرف الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم " استقبل صلاتك فلا صلاة لفرد خلف الصف " رواه الاثرم وقال قلت لابي عبد الله حديث ملازم ابن عمرو يعني هذا الحديث أيضا حسن؟ قال نعم. ولانه خالف الموقف فلم تصح صلاته كما لو وقف قدام الامام. فأما حديث أبي بكرة فان النبي صلى الله عليه وسلم نهاه فقال " لا تعد " والنهي يقتضي الفساد وعذره فيما فعله لجهله وللجهل تأثير في العفو ولا يلزم من كونه موقفا للمرأة أن يكون موقفا للرجل بدليل اختلافهما في كراهة الوقوف واستحبابه * (فصل) * وإن وقف عن يسار الامام وكان عن يمين الامام أحد صحت صلاته لما ذكرنا من حديث
ابن مسعود ولان وسط الصف موقف لامام العراة وان لم يكن عن يمينه أحد فصلاته فاسدة، وكذلك
[ 65 ]
إن كانوا جماعة وأكثر أهل العلم يرون ان الاولى للواحد أن يقف عن يمين الامام. روي عن سعيد ابن المسيب انه كان إذا لم يكن معه إلا واحد جعله عن يساره، وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي تصح صلاة من وقف عن يسار الامام لان ابن عباس لما أحرم عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم أداره عن يمينه ولم تبطل تحريمته ولو لم يكن موقفا لزمه استئنافها كقدام الامام ولانه أحد الجانبين أشبه اليمين وكما لو كان عن يمينه أحد ولنا حديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم أداره عن يمينه، وكذلك حديث جابر وقولهم لم يأمره بابتداء التحريمة لان ما فعله قبل الركوع لا يؤثر فان الامام يحرم قبل المأمومين وكذلك المأمومون يحرم بعضهم قبل بعض الباقين، ولا يضر انفراده ولا يلزم من العفو عن ذلك العفو عن ركعة كاملة. قولهم هو موقف إذا كان أحد عن يمينه قلنا لا يلزم من كونه موقفا في صورة أن يكون موقفا في غيرها بدليل ما وراء الامام فانه موقف للاثنين وليس موقفا للواحد، وان منعوه فقد دل عليه الحديث المذكور والقياس انه يصح كما لو كان عن يمينه وكون النبي صلى الله عليه وسلم أدار ابن عباس وجابرا يدل على الفضيلة لا على عدم الصحة بدليل رد جابر وجبار إلى وراءه مع صحة صلاتهما عن جانبه * (فصل) * فان كان خلف الامام صف فهل تصح صلاة من وقف عن يساره؟ فيه احتمالان. أحدهما يصح لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه صلى وأبو بكر عن يمينه، وكان أبو بكر
[ 66 ]
الامام وكان مع الامام ولان مع الامام من تنعقد صلاته به فصح كما لو كان عن يمينه أحد، والثاني لا تصح لانه ليس بموقف إذا لم يكن صف فلم يكن موقفا مع الصف كامام الامام وفارق إذا كان معه آخر لانه معه في الصف فكان صفا واحدا فهو كما لو وقف معه خلف الصف * (مسألة) * (وإن أم امرأة وقفت خلفه) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أخروهن من حيث أخرهن الله " وروى أنس ان رسول الله
صلى الله عليه وسلم صلى بأمه أو خالته فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا رواه مسلم، وان أم رجلا وامرأة وقف الرجل عن يمينه ووقفت المرأة خلفهما لما ذكرنا، وإن كانا رجلين وقفا خلفه والمرأة خلفهما كما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم فصففت أنا واليتيم وراءه والمرة خلفنا فصلى لنا رسول الله ركعتين متفق عليه، وكان الحسن يقول في ثلاثة أحدهم امرأة يقوم بعضهم وراء بعضهم وهذا قول لا نعلم أحدا وافقه فيه، واتباع السنة أولى * (فصل) * فان وقفت المرأة في صف الرجال كره لها ذلك ولم تبطل صلاتها ولا صلاة من يليها وهذا مذهب الشافعي، وقال أبو بكر تبطل صلاة من يليها ومن خلفها دونها وهو قول أبي حنيفة لانه منهي عن الوقوف إلى جانبها أشبه الوقوف أمام الامام. ولنا انها لو وقفت في غير صلاة لم تبطل صلاته كذلك في الصلاة، وقد ثبت أن عائشة كانت تعترض بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي
[ 67 ]
قولهم: وهو منهى عنه، قلنا هي منهية عن الوقوف مع الرجال فإذا لم تبطل صلاتها فصلاتهم أولى وقال ابن عقيل الاشبه بالمذهب عندي بطلان صلاتها لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " أخروهن " وهو موقف منهي عنه أشبه موقف الفذ خلف الامام والصف * (مسألة) * (وإن اجتمع رجال وصبيان وخناثى ونساء تقدم الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء) لما روى أبو داود ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى فصف الرجال ثم صف خلفهم الغلمان. وتقدم الخناثى على النساء لجواز أن يكون رجلا (وكذلك يفعل في تقديمهم إلى الامام إذا اجتمعت جنائزهم) وسنذكر ذلك في موضعه ان شاء الله تعالى * (مسألة) * (ومن لم يقف معه إلا كافر أو امرأة أو محدث يعلم حدثه فهو فذ، وكذلك الصبي إلا في النافلة) أما إذا وقف معه كافر ومحدث يعلم حدثه لم تصح صلاته لان وجوده وعدمه واحد وكذلك إذا وقف معه سائر من لا تصح صلاته لما ذكرنا. وقد روي عن أحمد انه قال إذا أم رجلين أحدهما غير طاهر أتم الطاهر معه، وهذا يحتمل انه أراد إذا علم المحدث حدث نفسه أتم الآخر إن كان عن يمين الامام وإن لم يكن عن يمينه تقدم فصار عن يمينه. فأما إن كانا خلفه وأتم الصلاة
مع علم المحدث بحدثه لم تصح وإن لم يعلمه صح لانه لو كان إماما صح الائتمام به فصحة مصافته أولى * (فصل) * فان لم يقم معه إلا امرأة فقال ابن حامد لا تصح صلاته لانها لا تؤمه فلا تكون معه
[ 68 ]
صفا ولانها من غير أهل الوقوف معه فوجودها كعدمها، وقال ابن عقيل تصح على أصح الوجهين لانه وقف معه مفترض صلاته صحيحة أشبه ما لو وقف معه رجل، وليس من شرط المصافة أن يكون ممن تصح إمامته بدليل القارئ مع الامي والفاسق والمفترض مع المتنفل، وإن وقف معه خنثى مشكل لم يكن معه صفا على قول ابن حامد لانه يحتمل أن يكون امرأة * (فصل) * وإن وقف معه فاسق أو متنفل صار صفا لان صلاتهم صحيحة، وكذلك لو وقف قارئ مع أمي أو من به سلس البول مع صحيح أو قائم مع قاعد كانا صفا لما ذكرنا * (فصل) * إذا وقف مع البالغ وخلفه صبي فان كان في النافلة صح لما ذكرنا من حديث أنس وذكر أبو الخطاب رواية انه لا يصح بناء على إمامته في النفل، وإن كان في الفرض فقد روى الاثرم عن أحمد انه توقف في هذه المسألة وقال ما أدري فذكر له حديث أنس فقال ذلك في التطوع واختلف فيه أصحابنا فقال بعضهم لا يصح لانه لا يصلح إماما للرجال في الفرض كالمتنفل، ولا يشترط لصحة مصالته صلاحيته للامامة بدليل الفاسق والعبد والمسافر في الجمعة والاصل المقيس عليه ممنوع * (فصل) * إذا أم الرجل خنثى مشكلا وحده فالصحيح انه يقف عن يمينه لانه إن كان رجلا فهذا موقفه وان كان امرأة لم تبطل صلاتها بوقوفها مع الامام كما لو وقفت مع الرجال، ولا يقف وحده لجواز أن يكون رجلا فان كان معهما رجل وقف الرجل عن يمين الامام والخنثى عن يساره
[ 69 ]
أو عن يمين الرجل ولا يقفان خلفه لجواز أن يكون امرأة إلا عند من أجاز للرجل مصافة المرأة، فان كان معهم رجل آخر وقف الثلاثة خلفه صفا لما ذكرنا، وإن كانا خنثيين مع الرجلين فقال أصحابنا يقف الخنثيان صفا خلف الرجلين لاحتمال أن يكونا امرأتين، ويحتمل أن يقفا مع الرجلين لانه يحتمل أن يكون أحدهما رجلا فلا تصح صلاته، وان كان معهم نساء وقفن خلف الخناثى على ما ذكرنا
* (فصل) * وإذا كان المأموم واحدا فكبر عن يسار الامام أداره الامام عن يمينه ولم تبطل تحريمته كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بابن عباس، وإن كبر وحده خلف الامام ثم تقدم عن يمينه أو جاء آخر فوقف معه أو تقدم إلى الصف بين يديه أو كانا اثنين فكبر أحدهما وتوسوس الآخر ثم كبر قبل رفع الامام رأسه من الركوع أو كبر واحد عن يمين الامام فأحس بآخر فتأخر معه قبل أن يحرم الثاني ثم أحرم أو أحرم عن يسار الامام فجاء آخر فوقف عن يمينه قبل رفع الامام رأسه من الركوع صحت صلاتهم وقد نص عليه أحمد في رواية الاثرم في الرجلين يقومان خلف الامام ليس خلفه غيرهما خاف أن يدخل في الصلاه خلف الصف فقال ليس هذا من ذاك، ذاك في الصلاة بكمالها أو صلى ركعة كاملة وما أشبه هذا، فأما هذا فأرجو أن لا يكون به بأس، ولو أحرم رجل خلف الصف ثم خرج من الصف رجل فوقف معه صح لما ذكرنا * (فصل) * وإن كبر رجل عن يمين الامام وجاء آخر فكبر عن يساره أخرجهما الامام إلى
[ 70 ]
ورائه كفعل النبي صلى الله عليه وسلم بجابر وجبار، ولا يتقدم الامام إلا أن يكون وراءه ضيق وإن تقدم جاز وإن كبر الثاني مع الاول عن اليمين وخرجا جاز، وان دخل الثاني وهما في التشهد كبر وجلس عن يسار الامام أو عن يمين الآخر ولا يتأخران في التشهد لان فيه مشقة * (فصل) * وإن أحرم اثنان وراء الامام فخرج أحدهما لعذر أو لغيره دخل الآخر في الصف أو نبه رجلا فخرج معه أو دخل فوقف عن يمين الامام فان لم يمكنه شئ من ذلك نوى الانفراد وأتم منفردا لانه عذر حدث له أشبه ما لو سبق إمامه الحدث. * (مسألة) * ومن جاء فوجد فرجة وقف فيها فان لم يجد وقف عن يمين الامام ولم يجذب رجلا ليقوم معه فان لم يمكنه ذلك نبه رجلا ليقوم معه (1) فخرج فوقف معه وهذا قول عطاء والنخعي وكره ذلك مالك والاوزاعي واستقبحه أحمد وإسحق، قال ابن عقيل جوز أصحابنا جذب رجل يقوم معه صفا قال وعندي انه لا يفعل لما فيه من التصرف بغير اذنه. قال شيخنا والصحيح جواز ذلك لان الحاجة داعية إليه فجاز كالسجود على ظهر انسان أو قدمه حال الزحام وليس هذا تصرفا فيه بل هو تنبيه له فجرى مجرى
مسألته أن يصلي معه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " لينوا في أيدي إخوانكم " يريد ذلك فان امتنع من الخروج وحده معه صلى وحده
(1) في المتن المطبوع فان لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه اه ويتأمل قوله بعده: فخرج فوقف معه. على ان هذه المسألة كانت في الاصل مدغمة في الشرح
[ 71 ]
* (مسألة) * (فان صلى فذا ركعة لم تصح) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا صلاة لفرد " رواه الاثرم * (مسألة) * (وإن ركع فذا ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل رفع الامام صحت صلاته وإن رفع ولم يسجد صحت، وقيل إن علم النهي لم تصح وإن فعله لغير عذر لم تصح) من ركع دون الصف ثم دخل في الصف لم يخل من ثلاثة أحوال (أحدها) أن يصلي ركعة ثم يدخل فلا تصح صلاته لما ذكرنا (الثاني) أن يمشي وهو راكع ثم يدخل في الصف قبل رفع الامام رأسه من الركوع أو يأتي آخر فيقف معه قبل رفع الامام رأسه فتصح صلاته لانه أدرك مع الامام في الصف ما يدرك به الركعة، وممن رخض في ذلك زيد بن ثابت وفعله ابن مسعود وزيد بن وهب وعروة وسعيد بن جبير وجوزه الزهري والاوزاعي ومالك والشافعي إذا كان قريبا من الصف (والحال الثالث) أن لا يدخل في الصف الا بعد رفع الامام رأسه من الركوع أو يقف معه آخر في هذه الحال ففيه ثلاث روايات إحداهن تصح صلاته وهذا مذهب مالك والشافعي لان أبا بكرة فعل ذلك وفعله من ذكرنا من الصحابة ولانه لم يصل ركعة كاملة أشبه ما لو أدرك الركوع، والثانية تبطل صلاته بكل حال لانه لم يدرك في الصف ما يدرك به الركعة
[ 72 ]
أشبه ما لو صلى ركعة كاملة، والثالثة انه إن كان جاهلا بتحريم ذلك صحت صلاته وإلا لزمته الاعادة اختارها الخرقي لما روي ان أبا بكرة انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنبي الله صلى عليه وسلم فقال " زادك الله حرصا ولا تعد " رواه البخاري فلم يأمره باعادة الصلاة ونهاه عن العود، والنهى يقتضي الفساد، ولم يفرق القاضي والخرقي في هذه
المسألة بين من دخل قبل رفع رأسه من الركوع أو بعد الرفع، وذلك منصوص أحمد والدليل يقتضي التفريق فيحصل كلامهم عليه وقد ذكره أبو الخطاب على نحو ما ذكرنا * (فصل) * فان فعل ذلك لغير عذر ولا خشي الفوات لم تصح صلاته في أحد الوجهين لانه فاته ما تفوته الركعة بفواته وانما أبيح للمعذور لحديث أبي بكرة فيبقى فيما عداه على قضية الدليل، والثاني تصح لان الموقف لا يختلف بخيفة الفوات وعدمه كما لو فاتته الركعة كلها * (فصل) * السنة أن يتقدم في الصف الاول أولو الفضل والاسن وأن يلي الامام أكملهم وأفضلهم قال أحمد يلي الامام الشيوخ وأهل القرآن ويؤخر الصبيان لما روى أبو سعيد الانصاري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ليلني منكم أولو الاحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين
[ 73 ]
يلونهم " (2) وقال أبو سعيد ان النبي صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخرا فقال " تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عزوجل " رواهما أبو داود. وعن قيس بن عبادة قال أتيت المدينة للقاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت في الصف الاول فجاء رجل فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيري فنحاني وقام في مكاني فما عقلت صلاتي، فلما صلى قال يا بني لا يسؤك الله فاني لم آت الذي أتيت بجهالة ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا " كونوا في الصف الذي يليني " واني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك. وكان الرجل أبي بن كعب رواه أحمد والنسائي * (فصل) * والصف الاول أفضل للرجال، وللنساء بالعكس لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها " رواه أبو داود وعن أنس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أتموا الصف الاول فما كان من نقص فليكن في الصف الآخر " رواه أبو داود، وعن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الصف الاول على مثل صف الملائكة، ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه " رواه الامام أحمد، وميامن الصفوف أفضل لقول عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان الله وملائكته يصلون على ميامن
(2) رواه بهذا اللفظ أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن مسعود بزيادة " واياكم وهيشات الاسواق أي جلبتها وخصوماتها " ورواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه من حديث أبي مسعود الانصاري بزيادة في أوله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول " استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم وليلني منكم " الخ فعز والمصنف له إلى ابي سعيد غلط. وحديث أبي سعيد " هو الخدري " الذي بعده رواه أيضا مسلم والنسائي وابن ماجه فالمؤلف فقيه لا محدث
[ 74 ]
الصفوف " رواه أبو داود، ويستحب أن يقف الامام في مقابلة وسط الصف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " وسطوا الامام وسدوا الخلل " (1) * (مسألة) * وإذا كان المأموم يرى من وراء الامام صحت صلاته إذا اتصلت الصفوف، وان لم ير من وراءه لم تصح وعنه تصح إذا كان في المسجد) وجملة ذلك انه إذا كان الامام والمأموم في المسجد يعتبر اتصال الصفوف. قال الآمدي لا خلاف في المذهب انه إذا كان في اقصى المسجد وليس بينه وبين الامام ما يمنع الاستطراق والمشاهدة انه يصح اقتداؤه به وان لم تتصل الصفوف وهذا مذهب الشافعي، وذلك لان المسجد بني للجماعة فكل من حصل فيه فقد حصل في محل الجماعة، فان كان المأموم خارج المسجد أو كانا جميعا في غير المسجد صح أن يأتم به بشرط امكان المشاهدة واتصال الصفوف وسواء كان المأموم في درجة المسجد أو في دار أو على سطح والامام على سطح آخر، أو كان في صحراء أو في سفينتين وهذا مذهب الشافعي إلا أنه يشترط أن لا يكون بينهما ما يمنع الاستطراق في أحد القولين. ولنا ان هذا لا تأثير له في المنع مع الاقتداء بالامام ولم يرد فيه نهي ولا هو في معنى ذلك فلم يمنع صحة الائتمام به كالفعل اليسير إذا ثبت هذا فان معنى اتصال الصفوف أن لا يكون بينهما بعد لم تجر العادة به بحيث يمنع امكان
" 1 " رواه أبو داود عن أبي هريرة وفيه علتان، وان سكت عنه هو والمنذري
[ 75 ]
الاقتداء، وحكي عن الشافعي انه حد الاتصال بما دون ثلاثمائة ذراع والتحديدات بابها التوقيف ولا نعلم في هذا نصا ولا اجماعا يعتمد عليه فوجب الرجوع فيه إلى العرف كالتفريق والاحراز * (فصل) * فان كان بين المأموم والامام حائل يمنع رؤية الامام ومن وراءه فقال ابن حامد فيه روايتان إحداهما لا يصح الائتمام به اختاره القاضي لان عائشة قالت لنساء كن يصلين في حجرتها لا تصلين بصلاة الامام فانكن دونه في حجاب ولانه لا يمكنه الاقتداء به في الغالب، والثانية تصح قال أحمد في رجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبواب المسجد مغلقة أرجو أن لا يكون به بأس، وذلك لانه يمكنه الاقتداء بالامام فصح من غير مشاهدة كالاعمى ولان المشاهدة تراد للعلم بحال الامام والعلم استماع التكبير فجرى مجرى الرؤية، وعنه انه يصح إذا كان في المسجد دون غيره لان المسجد محل الجماعة وفي مظنة القرب ولانه لا يشترط فيه اتصال الصفوف، لذلك فجاز أن لا يشترط الرؤية واختار شيخنا التساوي فيهما لاستوائهما في المعنى المجوز أو المانع فوجب استواؤهما في الحكم وانما صح مع عدم المشاهدة لانه يشترط أن يسمع التكبير فان لم يسمعه لم يصح ائتمامه بحال لانه لا يمكنه الاقتداء * (فصل) * وكل موضع اعتبرنا المشاهدة فانه يكفي مشاهدة من وراء الامام من باب إمامه أو عن يمينه أو عن يساره ومشاهدة طرف الصف الذي وراءه لانه يمكنه الاقتداء بذلك، وإن حصلت
[ 76 ]
المشاهدة في بعض أحوال الصلاة كفاه في الظاهر لما روت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أناس يصلون بصلاته والحديث رواه البخاري، والظاهر انهم كانوا يرونه في حال قيامه * (فصل) * فان كان بينهما طريق أو نهر تجري فيه السفن أو كانا في سفينتين مفترقتين ففيه وجهان أحدهما لا تصح اختاره أصحابنا وهو قول أبي حنيفة لان الطريق ليست محلا للصلاة أشبه ما يمنع لاتصال والثاني تصح اختاره شيخنا وهو مذهب مالك والشافعي لانه لا نص في منع ذلك ولا إجماع ولا هو في المعنى المنصوص لانه لا يمنع الاقتداء والمؤثر في المنع ما يمنع الرؤية أو سماع الصوت وليس هذا بواحد منهما قولهم إن بينهما ما ليس محلا للصلاة ممنوع وأن سلم في الطريق فلا يصح في النهر بدليل
صحة الصلاة عليه في السفينة وحال جموده ثم كونه ليس محلا للصلاة انما يؤثر في منع الصلاة فيه، أما في صحة الاقتداء بالامام فتحكم محض لا يلزم المصير إليه، فأما إن كانت صلاته جمعة أو عيدا أو جنازة لم يؤثر ذلك فيها لانها تصح في الطريق، وقد صلى أنس في موت حميد بن عبد الرحمن بصلاة الامام وبينهما طريق والله أعلم * (مسألة) * (ولا يكون الامام أعلى من المأموم، فان فعل وكان كثيرا فهل تصح صلاته؟ وجهين):
[ 77 ]
ويكره أن يكون الامام أعلى من المأموم في ظاهر المذهب سواء أراد تعليمهم أو لم يرد وهذا قول مالك والاوزاعي وأصحاب الرأي، وروي عن أحمد ما يدل على انه لا يكره واختاره الشافعي للامام الذي يعلم من خلفه أن يصلي على الشئ المرتفع ليراه من خلفه ليقتدوا به، لما روى سهل بن سعد قال لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عليه يعني المنبر فكبر وكبر الناس وراءه ثم ركع وهو على المنبر ثم رفع ونزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته ثم أقبل على الناس فقال " أيها الناس انما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي " متفق عليه ولنا ما روى عمار بن ياسر أنه صلى بالمدائن فتقدم فقام على دكان والناس أسفل منه فتقدم حذيفة فأخذ بيده فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة فلما فرغ من صلاته قال له حذيفة ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم " قال عمار فلذلك اتبعتك حين أخذت على يدي، رواه أبو داود ولانه يحتاج أن يقتدي بامامه فينظر ركوعه وسجوده، فإذا كان أعلى منه احتاج إلى رفع بصره إليه وذلك منهي عنه في الصلاة. فأما حديث سهل فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على الدرجة السفلى لئلا يحتاج إلى عمل كثير في الصعود والنزول فيكون ارتفاعا يسيرا لا بأس به جمعا بين الاخبار، ويحتمل أن يختص ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم لانه فعل شيئا ونهى عنه فيكون فعله لنفسه ونهيه لغيره، وكذلك لا يستحب لغيره عليه السلام ولان النبي
[ 78 ]
صلى الله عليه وسلم لم يتم الصلاة على المنبر فان سجوده وجلوسه انما كان على الارض بخلاف ما اختلفنا فيه
* (فصل) * ولا بأس بالعلو اليسير كدرجة المنبر ونحوها لما ذكرنا من حديث سهل ولان النهي معلل بما يفضي إليه من رفع البصر في الصلاة وهذا يختص الكثير * (فصل) * فان كان العلو كثيرا أبطل الصلاه في قول ابن حامد وهو قول الاوزاعي لان النهي يقتضي فساد المنهي عنه، وقال القاضي لا تبطل وهو قول أصحاب الرأي لان عمارا أتم صلاته ولو كانت فاسدة لاستأنفها ولان النهي معلل بما يفضي إليه من رفع البصر وهو لا يبطل الصلاة فسببه أولى * (فصل) * فان كان مع الامام من هو مساو له ومن هو أسفل منه اختصت الكراهة بمن هو أسفل منه لوجود المعنى فيهم خاصة، ويحتمل أن يتناول النهي الامام لكونه منهيا عن القيام في مكان أعلى من مقامهم، فعلى هذا الاحتمال تبطل صلاة الجميع عند من أبطل الصلاة بارتكاب النهي * (فصل) * فان كان المأموم أعلى من الامام كالذى على سطح المسجد أو رف أو دكة عالية فلا بأس لانه روي عن أبي هريرة انه صلى بصلاة الامام على سطح المسجد وفعله سالم وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، وقال مالك يعيد إذا صلى الجمعة فوق سطح المسجد بصلاة الامام. ولنا ما ذكرنا من فعل أبي هريرة ولانه يمكنه الاقتداء بامامه أشبه المتساويين، ولان علو الامام انما كره لحاجة المأمومين إلى رفع البصر المنهي عنه وهذا بخلافه
[ 79 ]
* (مسألة) * (ويكره للامام أن يصلي في طاق القبلة) يكره للامام أن يدخل في طاق القبلة، كره ذلك ابن مسعود وعلقمة والاسود لانه يستتر عن بعض المأمومين فكره كما لو كان بينه وبينهم حجاب، وفعله سعيد بن جبير وأبو عبد الرحمن السلمي فأما إن كان لحاجة ككون المسجد ضيقا لم يكره للحاجة إليه * (مسألة) * (ويكره للامام أن يتطوع في موضع المكتوبة) نص عليه أحمد وقال: كذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: فأما المأموم فلا بأس أن يتطوع مكانه فعل ذلك ابن عمر وقال اسحق وروي عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يتطوع الامام في مكانه الذي يصلي فيه بالناس " رواه أبو داود إلا أن أحمد
قال لا أعرف ذلك عن غير علي * (مسألة) * (ويكره للمأمومين الوقوف بين السواري إذا قطعت صفوفهم) وكره ذلك ابن مسعود والنخعي ورخص فيه ابن سيرين ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر ولنا ما روى معاوية بن قرة عن أبيه قال كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونطرد عنها طردا رواه ابن ماجه، فان كان الصف صغيرا لا ينقطع بها لم يكره لعدم ما يوجب الكراهة ولا يكره ذلك للامام
[ 80 ]
* (مسألة) * (ويكره للامام اطالة القعود بعد الصلاة مستقبل القبلة) لما روت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول: " اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام " رواه ابن ماجه (1) ولانه لا يستحب للمأمومين الانصراف قبل الامام، فإذا أطال الجلوس شق عليهم، فان لم يقم استحب أن ينحرف عن قبلته لما روي عن سمرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه أخرجه البخاري، وعن علي رضي الله عنه انه صلى بقوم العصر ثم أسند ظهره إلى القبلة فاستقبل القوم رواه الاثرم، قال الاثرم رأيت أبا عبد الله إذا سلم يلتفت ويتربع، قال أبو داود رأيته إذا كان إماما فسلم انحرف عن يمينه، وروى جابر بن سمرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس حسنا، وفي لفظ كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس رواه مسلم * (مسألة) * (فان كان معه نساء لبث قليلا لنصرف النساء) لما روت أم سلمة قالت إن النساء كن إذا سلمن من المكتوبة قمن وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صلى من الرجال ما شاء الله فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال قال الزهري فنرى ذلك والله أعلم ان ذلك لكي ينفذ من ينصرف من النساء رواه البخاري، ويستحب للنساء أن لا يجلسن بعد الصلاة لذلك ولان
(1) بل رواه احمد ومسلم والترمذي أيضا
[ 81 ]
الاخلال به من أحد الفريقين يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء، ويستحب للمأمومين أن لا يقوموا قبل الامام لئلا يذكر سهوا فيسجد وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " عليكم إني امامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف " رواه مسلم إلا أن يخالف الامام السنة في اطالة الجلوس أو ينحرف فلا بأس بذلك * (فصل) * وينصرف الامام حيث شاء عن يمين وشمال لقول ابن مسعود: لا يجعل أحدكم للشيطان حظا من صلاته، يرى أن حقا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما ينصرف عن شماله رواه مسلم (1) وعن لهب (2) انه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان ينصرف عن شقيه رواه أبو داود * (مسألة) * (فان أمت امرأة بنساء قامت وسطهن في الصف) اختلفت الرواية هل يستحب للمرأة أن تصلي بالنساء جماعة فعنه انه مستحب يروى ذلك عن عائشة وأم سلمة وعطاء والثوري والاوزاعي والشافعي وأبي ثور، وعن احمد أنه غير مستحب وكرهه أصحاب الرأي. وقال الشعبي والنخعي وقتادة: لهن ذلك في التطوع خاصة. وقال الحسن واسحاق وسليمان بن يسار: لا تؤم مطلقا ونحوه قول مالك: لانه يكره لها الاذان وهو دعاء إلى الجماعة فكره ما يراد له الاذان ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لام ورقة أن تؤم أهل دارها. رواه أبو داود، ولانهن
(1) بل رواه الجماعة كلهم إلا الترمذي (2) الصواب: قبيصة بن هلب ورواه الترمذي وابن ماجه أيضا باختلاف في اللفظ
[ 82 ]
من أهل الفرائض أشبهن الرجال، وانما كره لهن الاذان لما فيه من رفع الصوت ولسن من أهله. إذا ثبت ذلك فانها تقوم وسطهن في الصف لا نعلم في ذلك خلافا بين من رأى أن تؤمهن لان ذلك يروى عن عائشة وأم سلمة رواه سعيد بن منصور عن أم سلمة، ولان المرأة يستحب لها التستر ولذلك
لا يستحب لها التجافي وكونها في وسط الصف أستر لها فاستحب لها كالعريان، فان صلت بين أيديهن احتمل أن يصح لكونه موقفا في الجملة للرجل، واحتمل أن لا يصح لانها خالفت موقفها أشبه ما لو خالف الرجل موقفه، فان أمت امرأة واحدة قامت عن يمينها كالمأموم من الرجال وإن وقفت خلفها جاز لان المرأة يجوز وقوفها وحدها بدليل حديث أنس (فصل) وتجهر في صلاة الجهر قياسا على الرجل، فان كان ثم رجل لم تجهر إلا أن يكونوا من محارمها فلا بأس به والله اعلم (فصل) ويعذر في الجمعة والجماعة المريض. قال ابن المنذر: لا أعلم خلافا بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض، وقد روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر - قالوا: وما العذر يا رسول الله؟ قال: خوف المرض - لم تقبل منه الصلاة التي صلى " رواه أبو داود وقد كان بلال يؤذن بالصلاة ثم يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وهو مريض فيقول " مروا أبا بكر فليصل بالناس " * (مسألة) * (ومن يدافع أحد الاخبثين أو بحضرة طعام وهو محتاج إليه)
[ 83 ]
لما روت عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الاخبثين " رواه مسلم. وسواء خاف فوات الجماعة أو لم يخف لقوله صلى الله عليه وسلم " إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء " رواه مسلم * (مسألة) * (والخائف من ضياع ماله، أو فواته، أو ضرر فيه على نفسه من ضرر أو سلطان أو ملازمة غريم ولا شئ معه) الخوف يتنوع ثلاثة أنواع (أحدهما) الخوف على نفسه بأن يخاف سلطانا يأخذه أو لصا أو سبعا أو سيلا أو نحو ذلك مما يؤذيه في نفسه، أو يخاف غريما يحبسه ولا شئ معه يعطيه، فان حبس المعسر ظلم، وكذلك إن كان عليه دين مؤجل خشي أن يطالب به قبل محله، وإن كان الدين حالا وهو قادر على أدائه فلا عذر له في التخلف لان مطل الغني ظلم، وإن توجه عليه حد لله تعالى أو حد قذف فخاف أن يؤخذ به لم يكن ذلك عذرا لانه يجب عليه وفاؤه، وكذلك أن توجه عليه
فصاص. وقال القاضي: إن رجا الصلح عنه بمال فهو عذر حتى يصالح بخلاف الحدود لانها لا تدخلها المصالحة، وحد القذف إن رجا العفو عنه فليس بعذر لانه يرجو اسقاطه بغير بدل (الثاني) الخوف على ماله من لص، أو سلطان، أو نحوه، أو يخاف على بهيمة من سبع: أو شر ودإن ذهب وتركها، أو على منزله، أو متاعه، أو زرعه، أو يخاف إباق عبده، أو يكون له خبز في التنور، أو
[ 84 ]
طبيخ على نار يخاف تلفها بذهابه، أو يكون له مال ضائع، أو عبد آبق يرجو وجدانه في تلك الحال أو يخاف ضياعه ان اشتغل عنه، أو يكون له غريم ان ترك ملازمته ذهب، أو يكون ناطور بستان أو نحوه يخاف إن ذهب سرق، أو مستأجرا لا يمكنه ترك ما استؤجر على حفظه، فهذا واشباهه عذر في التخلف عن الجمعة والجماعة لعموم قوله عليه السلام أو خوف، ولان في أمره عليه السلام بالصلاة في الرحال لاجل الطين والمطر مع أن ضررهما أيسر من ذلك تنبيها على جوازه (الثالث) الخوف على ولده وأهله أن يضيعوا، أو يخاف موت قريبه ولا يشهده، فهذا كله عذر في ترك الجمعة والجماعة وبهذا قال عطاء والحسن والشافعي: ولا نعلم فيه خلافا، وقد استصرخ ابن عمر على سعيد بن زيد بعد ارتفاع الضحى وهو يتجمر للجمعة فأتاه بالعقبق وترك الجمعة والله أعلم * (مسألة) * (أو فوات رفقة، أو غلبة النعاس، أو خشية التأذي بالمطر، والوحل، والريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة) ويعذر في تركها من يريد سفرا يخاف فوات رفقته لان عليه في ذلك ضررا، ومن يخاف غلبة النعاس حتى يفوتاه الجواز له أن يصلي وحده وينصرف لان الرجل الذي صلى مع معاذ انفرد عند تطويل معاذ، وخوف النعاس والمشقة فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبره بذلك. ويعذر في ترك الجماعة من يخاف تطويل الامام كثيرا لذلك، فانه إذا جاز ترك الجماعة بعد دخوله فيها لاجل التطويل فترك الخروج إليها أولى، ويعذر في المطر الذي يبل الثياب، والوحل الذي يتأذى
[ 85 ]
به في بدنه أو ثيابه لما روى عبد الله بن الحارث قال: قال عبد الله بن العباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا
قلت أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل حي على الصلاة وقل: صلوا في بيوتكم، قال: فكأن الناس استنكروا ذلك. فقال ابن عباس: اتعجبون من ذلك وقد فعل ذلك من هو خير مني، إن الجمعة عزيمة واني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض. متفق عليه، وقد روى أبو المليح أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم زمن الفتح وأصابهم مطر لم تبتل أسفل نعالهم فأمرهم أن يصلوا في رحالم. رواه أبو داود، ويعذر في ترك الجماعة بالريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة لما روى ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر " صلوا في رحالكم " متفق عليه، ورواه ابن ماجه باسناد صحيح ولم يقل في السفر * (باب صلاة أهل الاعذار) * * (مسألة) * (ويصلي المريض كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين " صل قائما، فان لم تستطع فقاعدا، فان لم تستطع فعلى جنب " رواه البخاري أجمع أهل العلم على أن من لا يطبق القيام له أن يصلي جالسا لهذا الحديث، ولما روى أنس قال:
[ 86 ]
سقط رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرس فجحش أو خدش شقه الايمن فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى قاعدا وصلينا قعودا. متفق عليه (فصل) فان أمكنه القيام الا أنه يخشى تباطؤ برئه أو زيادة مرضه، أو يشق عليه مشقة شديدة فله أن يصلي قاعدا ونحوه قال مالك واسحاق، وقال ميمون بن مهران: إذا لم يستطع أن يقوم لدنياه فليصل جالسا وحكي بجواز ذلك عن احمد ولنا قول الله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وهذا حرج، ولان النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالسا لما جحش شقه، والظاهر أن من جحش شقه لا يعجز عن القيام بالكلية ومتى صلى قاعدا فانه يكون على صفة صلاة المتطوع جالسا على ما ذكرنا (فصل) فان قدر على القيام بأن يتكئ على عصى، أو يستند على حائط،، أو يعتمد على أحد جانبيه لزمه لانه قادر على القيام من غير ضرر فلزمه كما لو قدر بغير هذه الاشياء، وإن قدر على
القيام الا أنه يكون على هيئة الراكع كالاحدب والكبير لزمه ذلك لانه قيام مثله، وان كان لقصر سقف لا يمكنه الخروج، أو سفينة، أو خائف لا يعلم به الا إذا رفع رأسه ففيه احتمالان: أحدهما يلزمه القيام كالاحدب، والثاني لا يلزمه. فان احمد قال: الذي في السفينة لا يقدر أن يستتم قائما لقصر سماء السفينة يصلي قاعدا الا أن يكون شيئا يسيرا فيقاس عليه ما في معناه لحديث عمران المذكور (فصل) فان قدر المريض على الصلاة وحده قائما ولا يقدر مع الامام لتطويله احتمل أن يلزمه القياس ويصلي وحده لان القيام ركن لا تتم صلاته الا به، والجماعة تصح الصلاة بدونها واحتمل أنه مخير بين الامرين لانا أبحنا له ترك القيام المقدور عليه مع امام الحي العاجز عنه مراعاة للجماعة فهاهنا أولى، ولان الاجر يتضاعف بالجماعة أكثر من تضاعفه بالقيام لان صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، فصلاة الجماعة تفضل على صلاته وحده سبعا وعشرين درجة وهذا أحسن، وهو مذهب الشافعي * (فصل) * فان عجز عن القعود صلى على جنب لما ذكرنا من الحديث، ويستقبل القبلة بوجهه وهذا قول مالك والشافعي وابن المنذر، وقال سعيد بن المسيب وأبو ثور وأصحاب الرأي يصلي مستلقيا ورجلاه إلى القبلة ليكون إيماؤه إليها فانه إذا صلى على جنبه كان وجهه في الايماء إلى غير القبلة ولنا قوله عليه السلام فان لم يستطع فعلى جنب ولانه يستقبل القبلة إذا كان على جنبه. وإذا كان على ظهره انما يستقبل السماء ولذلك يوضع الميت على جنبه ليكون مستقبلا للقبلة، قولهم إن وجهه في الايماء إلى القبلة قلنا استقبال القبلة انما يكون في غير حال الركوع والسجود فان
[ 87 ]
وجهه فيهما انما يكون إلى الارض، فكذلك المريض ينبغي أن لا يعتبر استقباله فيهما، والمستحب أن يصلي على جنبه الايمن لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في شأنه كله، وإن صلى على الايسر جاز لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يعين في الحديث جنبا ولان المقصود استقبال القبلة، وهو حاصل على كلا الجنبين * (مسألة) * (فان صلى على ظهره ورجلاه إلى القبلة صحت صلاته)
في أحد الوجهين متى صلى على ظهره مستلقيا مع القدره على الصلاة على جنبه ففيه وجهان: أحدهما يصح وهو ظاهر كلام أحمد لانه نوع استقبال، ولهذا يوجه الميت كذلك عند الموت، والثاني لا يصح وهو أظهر لانه مخالف للحديث المذكور فانه قال عليه السلام " فان لم يستطع فعلى جنب " ولان في حديث عمران؟ ن رواية إلا وسعها، وهذا صريح فان نقله إلى الاستلقاء عند العجز عن الصلاة على جنب فدل على انه لا يجوز مع القدرة عليه، فان عجز عن الصلاة على جنبه صلى مستلقيا وجها واحدا للحديث المذكور * (مسألة) * (ويومئ بالركوع والسجود ويجعل سجوده أخفض من ركوعه) متى عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه اعتبارا بالاصل كما قلنا في حالة الخوف، فان عجز عن السجود وحده ركع وأومأ بالسجود، وان لم يمكنه أن يحني ظهره فصار كالراكع زاد في الانحناء قليلا إذا ركع ويقرب وجهه إلى الارض في السجود حسب الامكان، فان قدر على السجود على صدغه لم يفعل لانه ليس من اعضاء السجود، وان وضع بين يديه وسادة أو شيئا عاليا أو سجد على ربوة أو حجر جاز إذا لم يكن يمكنه تنكيس وجهه أكثر من ذلك. وحكي عن أحمد انه قال اختار السجود على المرفقة وقال هو أحب الي من الايماء واختاره إسحق وجوزه الشافعي واصحاب الرأي ورخص فيه ابن عباس وسجدت أم سلمة على مرفقة، وكره ابن مسعود السجود على عود وقال الايماء أحب الي، ووجه الجواز انه أتى بما يمكنه من الانحطاط أشبه الايماء. فاما إن رفع إلى وجهه شيئا فسجد عليه فقال بعض أصحابنا لا يجزيه، وروي نحو ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وجابر وأنس وهو قول مالك والثوري لانه سجد على ما هو حامل له أشبه ما لو سجد على يديه، وروى الاثرم عن أحمد انه قال أي ذلك فعل فلا بأس يومئ أو يرفع المرفقة فيسجد عليها، قيل له فالمروحة؟ قال أما المروحة فلا. وروي عنه انه قال الايماء أحب الي وان رفع إلى وجهه شيئا اجزأه، ولا بد أن يكون بحيث لا يمكنه الانحطاط أكثر منه ووجه ذلك انه أتى بما يمكنه من الانحطاط أشبه ما لو أومأ
[ 88 ]
* (مسألة) * (فان عجز عنه أومأ بطرفه ولا تسقط الصلاة) متى عجز عن الايماء برأسه أومأ بطرفه ونوى بقلبه ولا تسقط عنه الصلاة متى دام عقله ثابتا. وحكي عن أبي حنيفة ان الصلاة تسقط عنه، وذكر القاضى انه ظاهر كلام أحمد رواه محمد بن يزيد لما روي عن أبي سعيد انه قيل له في مرضه الصلاة قال قد كفاني انما العمل في الصحة ولانه عجز عن أفعال الصلاة بالكلية فسقطت عنه. ولنا انه مسلم بالغ عاقل فلزمته الصلاة كالقادر على الايماء برأسه * (مسألة) * (فان قدر على القيام أو القعود في أثنائها انتقل إليه وأتمها) ومتى قدر المريض في اثناء الصلاة على ما كان عاجزا عنه من قيام أو قعود أو ركوع أو سجود أو ايماء انتقل إليه وبنى على ما مضى من صلاته، وهكذا لو ابتدأها قادرا ثم عجز في أثناء الصلاة لحديث عمران ولان ما مضي من صلاته كان صحيحا فبنى عليه كما لو لم تتغير حاله * (مسألة) * (وان قدر على القيام وعجز عن الركوع والسجود أومأ بالركوع قائما وبالسجود قاعدا) وهذا قول الشافعي، وقال أبو حنيفة يسقط القيام لانها صلاة لا ركوع فيها ولا سجود فسقط فيها القيام كالنافلة على الراحلة ولنا قوله تعالى (وقوموا لله قانتين) وحديث عمران الذي ذكرناه ولان القيام ركن قدر عليه فلم يسقط بالعجز عن غيره كالقراءة وقياسهم فاسد لوجوه: أحدها ان الصلاة على الراحلة لا يسقط فيها الركوع (الثاني) ان النافلة لا يجب القيام فيها فما سقط فيها تبعا لسقوط الركوع والسجود (الثالث) منقوض بصلاة الجنازة * (مسألة) * (وإذا قال ثقات من العلماء بالطب للمريض إن صليت مستلقيا أمكن مداواتك فله ذلك) وهذا قول جابر بن زيد والثوري وأبي حنيفة، قال القاضي وهو قياس المذهب، وكرهه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبو وائل. وقال مالك والاوزاعي لا يجوز لما روي عن ابن عباس انه لما كف بصره أتاه رجل فقال لو صبرت على سبعة أيام لم تصل إلا مستلقيا داويت عينك ورجوت أن تبرأ فأرسل في ذلك إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلهم قال له إن مت في هذه الايام ما الذي تصنع بالصلاة فنرك معالجة عينه
ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالسا لما جحش شقه، والظاهر انه لم يكن يعجز عن القيام لكن كان عليه فيه مشقة أو خوف ضرر وأيهما قدر فهو حجة على الجواز ها هنا ولانا أبحنا له ترك الوضوء إذا لم يجد الماء إلا بزيادة على ثمن المثل صونا لجز من ماله، وترك الصوم لاجل المرض والرمد ودلت الاخبار على جواز ترك القيام في صلاة الفرض على الراحلة خوفا من ضرر الطين في ثيابه وبدنه
[ 89 ]
وجاز ترك القيام اتباعا لامام الحي والصلاة على جنبه ومستلقيا في حالة الخوف من العدو، ولا ينقص الضرر بفوات البصر عن الضرر في هذه الاحوال. وحديث ابن عباس إن صح فيحتمل ان المخبر لم يخبر عن يقين وانما قال أرجو أو لانه لم يقبل خبره لكونه واحدا أو مجهول الحال بخلاف مسئلتنا * (مسألة) * (ولا تصح الصلاة في السفينة قاعدا لقادر على القيام) اختلف قوله في الصلاة في السفينة مع القدرة عل الخروج، على روايتين. احداهما لا يجوز لانها ليست حال استقرار أشبه الصلاة على الراحلة، والثانية يصح لانه يتمكن من القيام والقعود والركوع والسجود أشبه الصلاة على الارض وسواء في ذلك الجارية والواقفة والمسافر والحاضر وهي أصح، ومتى قدر فيها على القيام لم يجز له تركه لحديث عمران بن حصين فان عجز عنه صحت للحديث * (فصل) * وتجوز صلاة الفرض على الراحلة خشية التأذي بالوحل إذا كان يسيرا متى تضرر بالسجود على الارض لاجل الوحل وخاف من تلويث بدنه وثيابه بالطين والبلل جاز له الايماء بالسجود ان كان راجلا والصلاة على دابته، وقد روي عن أنس انه صلى على دابته في ماء وطين وفعله جابر بن زيد. قال الترمذي والعمل على هذا عند أهل العلم وبه يقول إسحق وقال أصحاب الشافعي لا يجوز أن يصلي الفرض عل الراحلة لاجل المطر. وحكى ابن أبي موسى رواية مثل ذلك لما روى أبو سعيد قال فأبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين متفق عليه ولان السجود والقيام من أركان الصلاة فلم تسقط بالمطر كبقية أركانها. ولنا ما روى يعلى بن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم انه انتهى إلى مضيق ومعه أصحابه والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم، فصل النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وأصحابه على ظهور دوابهم
يومؤن إيما يجعلون السجود أخفض من الركوع رواه الاثرم والترمذي وفعله أنس ذكره الامام أحمد ولم ينقل عن غيره خلافه ولان المطر عذر يبيح الجمع فاثر في أفعال الصلاة كالسفر والمرض. وحديث أبي سعيد بالمدينة والنبي صلى الله عليه وسلم في مسجده، والظاهر ان الطين كان يسيرا لم يؤثر في غير الجبهة والانف وانما يبيح ما كان كثيرا يلوث الثياب والبدن ويلحق المضرة بالسجود فيه * (فصل) * ومتى أمكن النزول والصلاة قائما من غير مضرة لزمه ولم يصل على دابته لانه قدر على القيام من غير ضرر فلزمه كغير حالة المطر ولا يسقط عنه الركوع لقدرته عليه، ويومئ بالسجود لما فيه من الضرر، وان تضرر بالنزول عن دابته وتلوث صلى عليها للخبر المذكور. ولا يجوز له ترك الاستقبال في المطر لانه قادر عليه * (مسألة) * (وهل يجوز ذلك لاجل المرض على روايتين)
[ 90 ]
وجملة ذلك ان الصلاة على الراحلة لاجل المرض لا تخلو من ثلاثة أحوال: أحدها أن يخاف الانقطاع عن الرفقة أو العجز عن الركوب أو زيادة المرض ونحوه فيجوز له ذلك كما ذكرنا في صلاة الخوف، الثاني أن لا يتضرر بالنزول ولا يشق عليه فيلزمه النزول كالصحيح، الثالث أن يشق عليه النزول مشقة يمكن تحملها من غير خوف ولا زيادة مرض ففيه الروايتان احداهما لا تجوز له الصلاة على الراحلة لان ابن عمر كان ينزل مرضاه احتج به أحمد ولانه قادر على أفعال الصلاة من غير ضرر كثير فلزمه كغير الراكب، والثانية يجوز اختارها أبو بكر لان المشقة في النزول أكثر من المشقة عليه في المطر فكان إباحتها ها هنا أولى، ومن نظر الرواية الاولى قال إن نزول المريض يؤثر في حصوله على الارض وهو أسكن له وأمكن للصلاة، والممطور يتلوث بنزوله ويتضرر بحصوله على الارض فالمريض يتضرر بنفس النزول لا في الحصول على الارض والممطور يتضرر بحصوله على الارض دون نفس النزول فقد اختلفت جهة الضرر فلا يصح الالحاق * (فصل) * في قصر الصلاة، قصر الصلاة في السفر جائز والاصل فيه الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناج أن تقصروا من الصلاة
إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) وقال يعلي بن أمية الضمري قلت لعمر بن الخطاب (ليس عليكم جناج أن تقصروا من الصلاة ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) وقد أمن الناس. فقال عجبت مما عجبت منه. فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " أخرجه مسلم. وتواترت الاخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في أسفاره حاجا ومعتمرا وغازيا، قال أنس خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فصلى ركعتين حتى رجع وأقمنا بمكة عشرا نقصر الصلاة، وقال ابن عمر صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض - يعني في السفر - فكان لا يزيد على ركعتين، وأبا بكر حتى قبض فكان لا يزيد على ركعتين،، وعمر وعثمان كذلك متفق عليه. وأجمعت الامة على أن من سافر سفرا تقصر في مثله الصلاة في حج أو عمرة أو جهاد ان له قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين * (مسألة) * (ومن سافر سفرا مباحا يبلغ ستة عشر فرسخا فله قصر الصلاة الرباعية خاصة إلى ركعتين)
[ 91 ]
يشترط لجواز القصر للمسافر شروط أحدها أن يكون سفره مباحا لا حرج عليه فيه كسفر التجارة وهذا حكم سائر الرخص المختصة بالسفر كالجمع والمسح ثلثا والفطر والنافلة على الراحلة وهذا قول أكثر أهل العلم. روي نحوه عن علي وابن عباس وابن عمر وبه قال الاوزاعي والشافعي واسحق وأهل المدينة واصحاب الرأي، وعن ابن مسعود لا تقصر إلا في حج أو جهاد لان الواجب لا يترك الا لواجب، وعن عطاء لا تقصر الا في سبيل من سبل الخير لان النبي صلى الله عليه وسلم انما قصر في سفر واجب أو مندوب ولنا قوله تعالى (فليس عليكم جناج أن تقصروا من الصلاة) وقالت عائشة ان الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر متفق عليه. وعن ابن عباس قال فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة رواه مسلم. وفي حديث صفوان بن عسال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين سفرا أن لا ننزع خفا قبل ثلاثة ايام ولياليهن رواه الترمذي، وهذه نصوص تدل على اباحة الترخص في كل سفر، وقد
كان النبي صلى الله عليه وسلم يترخص في العود من السفر وهو مباح * (فصل) * فأما سفر المعصية فلا تباح فيه هذه الرخص كالاباق وقطع الطريق والتجارة في الخمر ونحوه نص عليه أحمد وهذا قول الشافعي، وقال الثوري والاوزاعي له ذلك لما ذكرنا من النصوص ولانه مسافر أشبه المطيع ولنا قوله تعالى (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه) خص إباحة الاكل بغير الباغي والعادي فدل على أنه لا يباح للباغي والعادي وهذا في معناه ولان الترخص شرع للاعانة على المقصود المباح توصلا إلى المصلحة فلو شرع ها هنا لشرع اعانته على المحرم تحصيلا للمفسدة والشرع منزه عن هذا والنصوص وردت في حق الصحابة وكانت أسفارهم مباحة فلا يثبت الحكم فيما خالفهما ويتعين حمله على ذلك جمعا بين النصوص وقياس سفر المعصية على الطاعة لا يصح
[ 92 ]
* (فصل) * إذا غرب في الحد إلى مسافة القصر جاز له القصر وسائر الرخص، وكذلك إذا نفي قاطع الطريق لانه سفر لزمه بالشرع أشبه سفر الغزو، وقال ابن عقيل ويحتمل أن لا يقصر لانه سفر سببه المعصية أشبه سفر المعصية ولانه ليس بأحسن حالا من سفر النزهة وفيه روايتان فيخرج ها هنا مثله والاولى أولى ويمكن التفريق بين هذا وبين سفر المعصية لان ذلك تصح التوبة منه بخلاف هذا، وان هرب المدين من غرمائه وهو معسر قصر وان لم يكن معسرا والدين حال أو مؤجل يحل قبل مدة السفر احتمل وجهان ذكر هذا ابن عقيل أحدهما لا يقصر لانه سفر يمنع حقا واجبا عليه والثاني يقصر لانه نوع حبس فلا يتوجه عليه قبل المطالبة * (فصل) * فان عدم الماء في سفر المعصية لزمه التيمم لانه عزيمة وهل تلزمه الاعادة على وجهين (أحدهما) لا تلزمه لان التيمم عزيمة بدليل وجوبه والرخصة لا تجب (والثاني) عليه الاعادة لانه حكم يتعلق بالسفر أشبه بقية الرخص والاولى أولى لانه أتى بما أمر به فلم تلزمه الاعادة وفارق بقية الرخص لانه ممنوع منهما وهذا مأمور به فلا يمكنه تعدية حكمها إلى التيمم وقولهم إن ذلك مختص بالسفر ممنوع ويباح له المسح يوما وليلة لان ذلك يختص بالسفر أشبه الاستجمار وقيل لا يجوز لانه رخصة
فلم يبح كرخص السفر والاول أولى لما بينا * (فصل) * وإذا كان السفر مباحا فغير نيته إلى المعصية انقطع الترخص لزوال سببه ولو كان لمعصية فغير نيته إلى المباح في السفر، وتعتبر مسافة القصر من حين غير النية لان وجود ما مضى من سفره لا يؤثر في الاباحة فهو كعدمه فأما ان كان السفر مباحا لكنه يعصي فيه أبيح له الترخص لان السبب السفر وهو مباح وقد وجد فيثبت حكمه ولم تمنعه المعصية كما ان لمعصية في الحضر لا تمنع الترخص فيه * (فصل) * وفي سفر التنزه والتفرج روايتان (احداهما) يبيح الترخص وهو ظاهر كلام الخرقي لانه مباح فيدخل في عموم النصوص وقياس على سفر التجارة (والثانية) لا يترخص فيه لانه انما شرع إعانته على تحصيل المصلحة ولا مصلحة في هذا والاولى أولى
[ 93 ]
* (فصل) * فان سافر لزيارة القبور والمشاهد فقال ابن عقيل لا يباح له الترخص لانه منهي عن السفر إليها لقوله عليه السلام " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " متفق عليه قال شيحنا والصحيح اباحته وجوز الترخص فيه لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء راكبا وماشيا، وكان يزور القبور وقال " زورها تذكركم الآخرة " والحديث المذكور محمول على نفي الفضيلة لا على التحريم، وليست الفضيلة شرطا في إباحة القصر فلا يضر انتفاؤها * (فصل) * الشرط الثاني: أن تكون مسافة سفره ستة عشر فرسخا فما زاد، قال الاثرم قيل لابي عبد الله في حكم القصر للصلاة؟ قال في أربعة برد. قيل له مسيرة يوم تام؟ قال لا أربعة برد ستة عشر فرسخا مسيرة يومين والفرسخ ثلاثة أميال، قال القاضي والميل اثنا عشر الف قدم وذلك مسيرة يومين قاصدين، وقد قدره ابن عباس من عسفان إلى مكة ومن الطائف إلى مكة ومن جده إلى مكة وذكر صاحب المسالك ان من دمشق إلى القطيفة أربعة وعشرين ميلا ومن دمشق إلى الكسوة اثنا عشر ميلا ومن الكسوة إلى جاسم أربعة وعشرون ميلا فعلى هذا تكون مسافة القصر يومين قاصدين، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وهو مذهب مالك والليث والشافعي وإسحق. وروي عن ابن عمر انه يقصر في مسيرة عشرة فراسخ حكاه ابن المنذر، وروي نحوه عن ابن عباس انه
قال يقصر في يوم ولا يقصر فيما دونه واليه ذهب الاوزاعي، قال ابن المنذر عامة العلماء يقولون مسيرة يوم تام وبه نأخذ. وروي عن ابن مسعود انه يقصر في مسيرة ثلاثة أيام وبه قال الثوري وأبو حنيفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن " وهذا يقتضي أن كل مسافر له ذلك ولان الثلاثة متفق عليها وليس في ما دونها توقيف ولا اتفاق. وروي عن جماعة من السلف ما يدل على جواز القصر في أقل من يوم. فقال الاوزاعي كان أنس يقصر فيما بينه وبين خمسة فراسخ وكان قبيصة بن ذؤيب وهانئ بن كلثوم وابن محيريز يقصرون فيما بين الرملة وبيت المقدس، وروي عن علي رضي الله عنه انه خرج من قصره بالكوفة حتى أتى النخيلة فصلى بها الظهر والعصر ركعتين ثم رجع من يومه فقال أردت أن أعلمكم سننكم. وروي أن دحية الكلبي خرج
[ 94 ]
من قرية من دمشق مرة إلى قدر ثلاثة أميال في رمضان ثم انه أفطر وأفطر معه أناس كثير، وكره آخرون أن يفطروا فلما رجع إلى قريته قال والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن اني أراه، إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك للذين صاموا، رواه أبو داود. وعن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فرسخا قصر الصلاة رواه سعيد واحتج اصحابنا بقول ابن عباس وابن عمر يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد ما بين عسفان إلى مكة قال الخطابي وهو أصح الروايتين عن ابن عمر ولانها مسافة تجمع مشقة السفر من الحل والعقد فجاز القصر فيها كالثلاث ولم يجز فيما دونها لانه لم يثبت دليل بوجوب القصر فيه، وحديث أبي سعيد يحمل على انه عليه السلام كان إذا سافر سفرا طويلا قصر وإذا بلغ فرسخا قال شيخنا ولا أدري لما صار إليه الائمة حجة لان أقوال الصحابة مختلفة متعارضة ولا حجة فيها مع الاختلاف، ثم لو لم يوجد ذلك لم يكن قولهم حجة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه لوجهين: أحدهما انه مخالف للسنة التي رويناها ولظاهر القرآن، فان ظاهر القرآن إباحة القصر لمن ضرب في الارض. فأما قول النبي صلى الله عليه وسلم " يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن " فانما جاء لبيان أكثر مدة المسح فلا يصح الاحتجاج به
[ 95 ]
ها هنا، على انه يمكنه قطع المسافة القصيرة في ثلاثة أيام وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم سفرا فقال " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم " والثاني أن التقدير بابه التوقيف فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد لاسيما وليس له أصل يرد إليه ولا نظير يقاس عليه والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الاجماع على خلافه * (فصل) * وحكم سفر البر حكم سفر البحر إن بلغت مسافة القصر، وان شك في كون السفر مبيحا أو لا لم يبح لان الاصل عدمه ووجوب الاتمام، فان قصر لم تصح صلاته وان تبين له بعدها انه طويل لانه صلى مع الشك فلم تصح صلاته كما لو صلى شاكا في دخول الوقت * (فصل) * والاعتبار بالنية لا بالفعل فيعتبر أن ينوي مسافة القصر فلو خرج يقصد سفرا بعيدا فقصر الصلاة ثم بدا له فرجع كان ما صلاه صحيحا ولا يقصر في رجوعه إلا أن تكون مسافة الرجوع مبيحة بنفسها نص عليه أحمد، على هذا ولو خرج طالبا عبدا آبقا لا يعلم أين هو أو منتجعا غيثا أو كلا متى وجده أقام أو سائحا في الارض لا يقصد مكانا لم يبح له القصر وان سار أياما، وقال ابن عقيل يباح له القصر إذا بلغ مسافة القصر لانه سافر سفرا طويلا
[ 96 ]
ولنا انه لم يقصد مسافة القصر فلم يبح له كابتداء سفره ولانه سفر لم يبح القصر في ابتدائه فلم يبح في أثنائه إذا لم يغير نيته كالسفر القصير وسفر المعصية ومتى رجع هذا يقصد بلاد أو نوى مسافة القصر فله القصر لوجود النية المبيحة، ولو قصد بلدا بعيدا وفي عزمه انه متى وجد طلبته دونه رجع أو أقام لم يبح له القصر لانه لم يجزم بسفر طويل، وان كان لا يرجع ولا يقيم بوجوده فله القصر * (فصل) * ومن خرج إلى سفر مكرها كالاسير فله القصر إذا كان سفره بعيدا نص عليه أحمد وقال الشافعي لا يقصر لانه غيرنا وللسفر ولا جازم به، فان نيته متى أقلت رجع ولنا انه مسافر سفرا بعيدا غير محرم فأبيح له القصر كالمرأة مع زوجها والعبد مع سيده إذا كان عزمهما انه لو مات أو زال ملكهما رجعا، قياسهم منتقض بهذا إذا ثبت هذا فانه يتم إذا صار
في حصونهم نص عليه أيضا لانه قد انتقضى سفره، ويحتمل أن لا يلزمه الاتمام لان في عزمه انه متى أفلت رجع فهو كالمحبوس ظلما (الشرط الثالث) ان القصر يختص ابرباعية، فأما المغرب والصبح فلا قصر فيهما. قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن لا يقصر في صلاة المغرب والصبح وان القصر انما هو في الرباعية ولان الصبح ركعتان فلو قصرت صارت ركعة وليس في الصلاة ركعة إلا الوتر والمغرب وتر النهار فان قصر منها ركعة لم يبق وترا، وإن قصر ركعتان كان اجحافا بها واسقاطا لاكثرها * (مسألة) * (إذا جاوز بيوت قريته أو خيام قومه) وجملة ذلك انه ليس لمن نوى السفر القصر حتى يشرع في السفر بخروجه من بيوت قريته وهذا
[ 97 ]
قول الشافعي والاوزاعي واسحق. وحكي ذلك عن جماعة من التابعين، وحكي عن عطاء وسليمان بن موسى انهما أباحا القصر في البلد لمن نوى السفر، وعن الحرث بن أبي ربيعة انه أراد سفرا فصلى بهم في منزله ركعتين وفيهم الاسود بن يزيد وغيره من أصحاب عبد الله، وروى عبيد بن جبير قال ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع ثم قرب غداه فلم تجاوز البيوت حتى دعاه بالسفرة ثم قال اقترب، قلت ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل، رواه أبو داود ولنا قوله تعالى (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) ولا يكون ضاربا حتى يخرج. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه انما كان يبتدئ القصر إذا خرج من المدينة، فروى أنس قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين متفق عليه. فأما أبو بصرة فانه لم يأكل حتى دفع بدليل قول عبيد له ألست ترى البيوت وقوله لم يجاوز البيوت معناه لم يتعد منها إذا ثبت هذا فانه يجوز القصر، وإن كان قريبا قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن للذي يريد السفر أن يقصر الصلاة إذا خرج من بيوت القرية التي يخرج منها. وروي عن مجاهد انه قال إذا خرجت مسافرا فلا تقصر الصلاة يومك
[ 98 ]
ذلك الي الليل وإذا رجعت فلا تقصر ليلتك حتى تصبح، والآية تدل على خلاف قوله. وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من المدينة لا يزيد على ركعتين حتى يرجع إليها وقد ذكرنا حديث أبي بصرة، وقال البخاري خرج علي فقصر الصلاة وهو يرى البيوت فلما رجع قيل له هذه الكوفة. قال لا حتى ندخلها * (فصل) * فإذا خرج من البلد وصار بين حيطان بساتينه فله القصر لانه قد ترك البيوت وراء ظهره، وان كان حول البلد خراب قد تهدم وصار فضاء أبيح القصر فيه كذلك وان كان حيطانه قائمة فكذلك قاله الآمدي، وقال القاضي لا يباح وهو مذهب الشافعي لان السكنى فيه ممكنة أشبه العامر ولنا انها غير معدة للسكنى أشبهت حيطان البساتين، وان كان في وسط البلد نهر فاجتازه فليس له القصر لانه لم يخرج من البلد ولم يفارق البنيان فأشبه الرحبة والميدان في وسط البلد، وإن كان للبلد محال كل محلة منفردة عن الاخرى كبغداد فمتى خرج من محلة أبيح له القصر إذا فارق محلته، وان كان بعضها متصلا ببعض لم يقصر حتى يفارق جميعا، ولو كانت قريتان متدانيتين واتصل بناء إحداهما بالاخرى فهما كالواحدة، وان لم يتصل فلكل قرية حكم نفسها * (فصل) * وحكم السفر من الخيام والحلل حكم السفر من القرى فيما ذكرنا متى فارق حلته قصر وان كانت حللا فلكل حلة حكم نفسها كالقرى، وإن كان بيته منفردا فحتى يفارق منزله ورحله
[ 99 ]
ويجعله وراء ظهره كالحضري. وقال القاضي ان كان نازلا في واد وسافر في طوله فكذلك، وان سافر في عرضه فكذلك إن كن واسعا، وان كان ضيقا لم يقصر حتى يقطع عرض الوادي ويفارقه وقال ابن عقيل متى كانت حلته في واد لم يقصر حتى يفارقه، والاولى جواز القصر إذا فارق البنيان مطلقا لما ذكرنا من الادلة كما لو كان نازلا في الصحراء ولان المعنى المجوز للترخص وجود المشقة وذلك موجود في الوادي كوجوده في غيره * (مسألة) * (وهو أفضل من الاتمام وإن أتم جاز)
القصر أفضل من الاتمام في قول جمهور العلماء ولا نعلم أحدا خالف فيه إلا الشافعي في أحد قوليه قال الاتمام أفضل لانه أكثر عملا وعددا وهو الاصل فكان أفضل كغسل الرجلين. ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يداوم على القصر، قال ابن عمر صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله متفق عليه. ولما بلغ ابن مسعود أن عثمان صلى أربعا استرجع وقال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين ثم تفرقت بكم الطرق ولوددت أن حظي من أربع ركعتان متقبلتان. وقد كره طائفة من الصحابة الاتمام فقال ابن عباس للذي قال له كنت أنم الصلاة وصاحبي يقصر: أنت الذي كنت تقصر وصاحبك يتم. وروي أن رجلا سأل ابن عمر عن صلاة السفر فقال ركعتان فمن خالف السنة كفر ولانه إذا قصر أدى الفرض بالاجماع بخلاف الاتمام، وأما الغسل فلا نسلم انه أفضل من المسح * (فصل) * والاتمام جائز في المشهور عن أحمد وقد روي عنه انه توقف وقال أنا أحب العافية من هذا المسألة وقال مرة أخرى ما يعجبني، وممن روي عنه الاتمام في السفر عمر وابن مسعود وابن عمر وعائشة وبه قال الاوزاعي والشافعي وهو المشهور عن مالك، وقال حماد بن أبي سليمان ليس له
[ 100 ]
الاتمام في السفر وهو قول الثوري وأبي حنيفة، وأوجب حماد على من أتم الاعادة، وقال أصحاب الرأي إن كان جلس بعد الركعتين قدر التشهد فصلاته صحيحة وإلا فلا، وقال عمر بن عبد العزيز الصلاة في السفر ركعتان حتى لا يصلح غيرهما، واحتجوا بأن صلاة السفر ركعتان بدليل قول عائشة إن الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر متفق عليه. وقال عمر رضي الله عنه صلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة العيد ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى رواه ابن ماجه، وسئل ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال ركعتان فمن خالف السنة كفر ولان الركعتين الآخرتين يجوز تركهما إلى غير بدل فلم يجز زيادتهما على الركعتين المفروضتين كالزيادة على صلاة الفجر
ولنا قوله تعالى (فليس عليكم جناج أن تقصروا من الصلاة) وهذا يدل على أن القصر رخصة يتخير بين فعله وتركه كسائر الرخص وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث يعلى بن أمية " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " يدل على انه رخصة وليس بعزيمة، وقالت عائشة خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة في رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتمت قال " أحبسنت " رواه أبو داود الطيالسي ولانه لو ائتم بمقيم صلى أربعا والصلاة لا تزيد بالائتمام، وعن أنس قال - كنا أصحاب رسول الله - نسافر فيتم بعضنا ويقصر بعضنا ويصوم بعضنا ويفطر بعضنا فلا يعيب أحد على أحد وهذا إجماع منهم على جواز الامرين، فأما قول عائشة فرضت الصلاة ركعتين فانما أرادت أن ابتداء فرضها كان ركعتين ثم أتمت بعد الهجرة فصارت أربعا وكذلك كانت تتم الصلاة ولو اعتقدت ما أراده هؤلاء لم تتم. وقول عمر تمام غير قصر أراد تمام فضلها ولم يرد انها غير مقصورة الركعتان لانه خلاف ما دلت عليه الآية والاجماع إذ الخلاف انما هو في القصر والاتمام، وقد ثبت برواية عن النبي صلى الله عليه
[ 101 ]
وسلم في حديث يعلى بن أمية انها مقصورة، ثم لو ثبت أن أصل الفرض ركعتان لم تمتنع الزيادة عليها كما لو ائتم بمقيم ويخالف زيادة ركعتين على صلاة الفجر فانه لا تجوز زيادتهما بحال * (مسألة) * (وإن أحرم في الحضر ثم سافر أو في السفر ثم أقام أو ذكر صلاة حضر في سفر أو صلاة سفر في حضر أو ائتم بمقيم أو بمن يشك فيه أو أحرم بصلاة يلزمه اتمامها ففسدت وأعادها أو لم القصر لزمه أن يتم، وقال أبو بكر لا يحتاج الجمع والقصر إلى نية) إذا أحرم بالصلاة في سفينة في الحضر فخرجت به في أثناء الصلاة أو أحرم في السفر فدخلت في أثناء الصلاة البلد لم يقصر لانها عبادة تختلف بالسفر والحضر فإذا أوجد أحد طرفها في الحضر غلب حكمه كالمسح * (فصل) * فأما إن سافر بعد دخول الوقت فقال أصحابنا يتم، وذكر ابن عقيل فيه روايتين احداهما يتم لانها وجبت في الحضر فلزمه اتمامها كما لو سافر بعد خروج وقتها، والثانية له قصرها وهو قول
مالك والشافعي وأصحاب الرأي وحكاه ابن المنذر اجماعا لانه سافر قبل خروج وقتها أشبها ما لو سافر قبل وجوبها وكلابس الخف إذا أحدث ثم سافر قبل المسح * (فصل) * وإن نسي صلاة حضر فذكرها في السفر وجبت عليه أربعا بالاجماع حكاه الامام أحمد وابن المنذر قال لانه قد اختلف فيه عن الحسن فروي عنه انه قال يصليها ركعتين وروي عنه كقول الجماعة لان الصلاة يتعين فعلها فلم يجز له النقصان من عددها كما لو لم يسافر، وأما إذا نسي صلاة سفر فذكرها في الحضر فقال أحمد في رواية الاثرم عليه الاتمام احتياطا وبه قال الاوزاعي وداود والشافعي في أحد قوليه وقال مالك والثوري وأصحاب الرأي يصليها صلاة سفر لانه انما يقضي ما فاته وهو ركعتان. ولنا أن القصر رخصة من رخص السفر فبطلت بزواله كالمسح ثلاثا ولانها وجبت عليه في الحضر بدليل قوله عليه السلام " فليصلها إذا ذكرها " ولانها عبادة تختلف بالحضر والسفر
[ 102 ]
فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب حكمه كالسفينة إذا دخلت به البلد في أثناء الصلاة، وقياسهم ينتقض بالجمعة إذا فاتت وبالمتيمم إذا فاتته الصلاة فقضاها عند وجود الماء * (فصل) * وإذا ائتم المسافر بمقيم لزمه الائتمام سواء أدرك جميع الصلاة أو بعضها، وقال ابن أبي موسى فيه رواية انه إذا أحرم في آخر صلاته لا يلزمه أن يتم، قال الاثرم سألت أبا عبد الله عن المسافر يدخل في تشهد المقيمين قال يصلي أربعا، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وجماعة من التابعين وبه قال الثوري والاوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال إسحق للمسافر القصر لانها صلاة يجوز فعلها ركعتين فلم تزد بالائتمام كالفجر، وقال طاوس والشعبي في المسافر يدرك من صلاة المقيمين ركعتين تجزيان، وقال الحسن والنخعي والزهري وقتادة ومالك إن أدرك أتم وإن أدرك دونها قصر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة " ولان من أدرك من الجمعة ركعة أتمها جمعة ومن أدرك أقل من ذلك لا يلزمه فرضها ولنا ما روي انه قيل لابن عباس ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد وأربعا إذا ائتم بمقيم؟ فقال تلك السنة رواه الامام أحمد وهذا ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولانه فعل
من سمينا من الصحابة ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان اجماعا ولانها صلاة مردودة من أربع إلى ركعتين فلا يصليها خلف من يصلي الاربع كالجمعة وما ذكروه لا يصح عندنا فانه لا تصح له صلاة الفجر خلف من يصلي رباعية، وإدراك الجمعة يخالف ما نحن فيه فانه لو أدرك ركعة من الجمعة رجع إلى الركعتين وهذا بخلافه ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " انما جعل الامام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه " ومفارقة إمامه مع امكان متابعته اختلاف عليه * (فصل) * وإذا أحرم المسافرون خلف مسافر وأحدث واستخلف مسافرا فلهم القصر وإن استخلف مقيما لزمهم الاتمام لانهم ائتموا بمقيم، وللامام المحدث القصر لانه لم يأتم بمقيم ولو صلى
[ 103 ]
المسافرون خلف مقيم فأحدث واستخلف مسافرا أو مقيما لزمهم الاتمام لانهم ائتموا بمقيم فان استخلف مسافرا لم يكن معهم في الصلاة فله أن يصلي صلاة السفر لانه لم يأتم بمقيم * (فصل) * وإذا أحرم المسافر خلف من يشك فيه أو من يغلب على ظنه انه مقيم لزمه الاتمام وإن قصر امامه لان الاصل وجوب الائتمام فليس له نية قصرها مع الشك في وجوب اتمامها فلزمه الاتمام اعتبارا بالنية وهذا مذهب الشافعي، وان غلب على ظنه ان الامام مسافر بامارة آثار السفر فله أن ينوي القصر فان قصر امامه قصر معه وان أتم تابعه فيه وان نوى الاتمام لزمه الاتمام سواء قصر امامه أو أتم اعتبارا بالنية، وان نوى القصر فأحدث امامه قبل علمه بحاله فله القصر لان الظاهر ان امامه مسافر لوجود دليله وقد أتيحت له نية القصر بناء على هذا الظاهر ويحتمل أن يلزمه الاتمام احتياطا (فصل) وإذا صلى المسافر صلاة الخوف بمسافرين ففرقهم فرقتين فاحدث قبل مفارقة الطائفة الاولى واستخلف مقيما لزم الطائفتين الاتمام لانهم ائتموا بمقيم وإن كان ذلك بعد مفارقة الاولى اتمت الثانية وحدها لانها اختصت بموجبه، وإن كان الامام مقيما فاستخلف مسافرا ممن كان معه في الصلاة فعلى الجميع الاتمام لان المستخلف قد لزمه الاتمام باقتدائه بالمقيم فصار كالمقيم، وإن لم يكن دخل معه في الصلاة وكان استخلافه قبل مفارقة الاولى فعليها الاتمام لائتمامها بمقيم وكقصر الامام والطائفة الثانية وإن استخلف بعد دخول الثانية فعلى الجميع الاتمام وللمستخلف
القصر وحده لانه لم يأتم بمقيم (فصل) وإذا صلى مقيم ومسافر خلف مسافر اتم المقيم إذا سلم امامه وذلك اجماع، وقد روى عمران بن حصين قال: شهدت الفتح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام ثماني عشرة ليلة لا يصلي
[ 104 ]
الا ركعتين ثم يقول لاهل البلد " صلوا أربعا فانا سفر " رواه أبو داود، ولان الصلاة واجبة عليه أربعا فلم يسقط شئ منها كما لو لم يأتم بالمسافر ويستحب أن يقول الامام للمقيمين اتموا فانا سفر كما في الحديث، ولئلا يلتبس على الجاهل عدد ركعات الصلاة، وقد روى الاثرم عن الزهري أن عثمان انما أتم لان الاعراب حجوا فأراد ان يعرفهم أن الصلاة أربع (فصل) وإذا أم المسافر المقيمين فأتم بهم الصلاة فصلاتهم تامة، وبهذا قال الشافعي واسحاق وقال الثوري وأبو حنيفة: تفسد صلاة المقيمين وتصح صلاة الامام والمسافرين معه، وعن احمد نحوه قال القاضي: لان الركعتين الآخرتين نفل من الامام ولا يؤم بها مفترضين ولنا أن المسافر يلزمه الاتمام بنيته فيكون الجميع واجبا، ثم لو كانت نفلا فائتمام المفترض بالمتنفل صحيح على ما مضى (فصل) وإن أم مسافر مسافرين فنسي فصلاها تامة صحت صلاة الجميع ولا يلزمه سجود سهو لانها زيادة لا يبطل عمدها الصلاة فلا يجب السجود لسهوها كزيادات الاقوال، وهل يشرع السجود يخرج على روايتين فيما إذا قرأ في الركوع والسجود، وقال ابن عقيل لا يحتاج إلى سجود لانه أتى بالاصل ولنا أن هذا زيادة نقضت الفضيلة وأخلت بالكمال أشبهت القراءة في غير محلها كقراءة السورة في الاخيرتين، فإذا ذكر الامام بعد قيامه إلى الثالثة لم يلزمه الاتمام وله أن يجلس، فان الموجب للاتمام نيته أو الائتمام بمقيم ولم يوجد واحد منهما، وإن علم المأموم أن قيامه لسهو لم يلزمه متابعته
[ 105 ]
ويسبحون له لانه سهو فلا يجب اتباعه فيه ولهم مفارقته إن لم يرجع كما لو قام إلى ثالثة في الفجر وإن
تابعوه لم تبطل صلاتهم لانها زيادة لا تبطل صلاة الامام فلا تبطل صلاة المأموم بمتابعته فيها كزيادات الاقوال. وقال القاضي: تفسد صلاتهم لانهم زادوا ركعتين عمدا، وإن لم يعلموا هل قاموا سهوا أو عمدا لزمهم متابعته لان وجوب المتابعة ثابتة فلا تزول بالشك (فصل) وإذا أحرم بصلاة يلزمه اتمامها مثل ان نوى الاتمام أو ائتم بمقيم فسدت الصلاة وأراد اعادتها لزمه الاتمام لانها وجبت عليه تامة بتلبسه بها خلف المقيم ونية الاتمام وهذا قول الشافعي، وقال الثوري وأبو حنيفة إذا فسدت صلاة الامام عاد المسافر إلى القصر ولنا أنها وجبت بالشروع فيها تامة فلم يجز له قصرها كما لو لم تفسد (فصل) ومن لم ينو القصر لزمه الاتمام لان نية القصر شرط في جوازه ويعتبر وجودها عند أول الصلاة كنيتها كذلك ذكره الخرقي والقاضي، وقال أبو بكر لا يحتاج الجمع والقصر إلى نية لان من خير في العبادة قبل الدخول فيها خير بعد الدخول فيها كالصوم، ولان القصر هو الاصل بدليل خبر عائشة وعمر وابن عباس فلا يحتاج إلى نية كالاتمام في الحضر، ووجه الاول أن الاتمام هو الاصل على ما ذكرنا، وقد أجبنا عن الاخبار المذكورة واطلاق النية ينصرف إلى الاصل ولا ينصرف
[ 106 ]
عنه إلا بتعيين ما يصرف إليه كما لو نوى الصلاة مطلقا ولم ينو اماما ولا مأموما فانه ينصرف إلى الانفراد إذ هو الاصل والتفريع على هذا القول، فلو شك في أثناء صلاته هل نوى القصر في ابتدائها أو لا ألزمه الاتمام؟ احتياطا لان الاصل عدم النية، فان ذكر بعد ذلك أنه قد نوى القصر لم يجز له القصر لانه قد لزمه الاتمام فلم يزل (فصل) ومن نوى القصر ثم نوى الاتمام أو نوى ما يلزمه به الاتمام من الاقامة وسفر المعصية أو نوى الرجوع ومسافة رجوعه لا يباح فيها القصر ونحو هذا لزمه الاتمام ولزم من خلفه متابعته وبهذا قال الشافعي وقال مالك: لا يجوز له الاتمام لانه نوى عددا وإذا زاد عليه حصلت الزيادة بغير نية ولنا أن نية صلاة الوقت قد وجدت وهي أربع، وانما أبيح ترك ركعتين رخصة، فإذا أسقط نية الترخص صحت الصلاة بنيتها ولزمه الاتمام ولان الاتمام الاصل، وانما أبيح تركه يشرط
فإذا زال الشرط عاد الاصل إلى حاله (فصل) وإذا قصر المسافر معتقدا تحريم القصر لم تصح صلاته لانه فعل ما يعتقد تحريمه فلم يقع مجزئا كمن صلى ويعتقد انه محدث ولان نية التقرب بالصلاة شرط وهذا يعتقد أنه عاص فلم تصح نية التقرب * (مسألة) * (ومن له طريقان بعيد وقريب فسلك البعيد أو ذكر صلاة سفر في آخر فله القصر) إذا كان لسفره طريقان يباح القصر في أحدهما لبعده دون الآخر فسلك البعيد ليقصر الصلاة
[ 107 ]
فيه أو لغير ذلك أبيح له القصر لانه مسافر سفرا بعيدا مباحا فأبيح له القصر كما لو لم يجد سواه وكما لو كان الآخر مخوفا أو شاقا. وقال ابن عقيل إن سلك الابعد لرفع أذية واختلاف نفع قصر قولا واحدا وإن كان لا لغرض صحيح خرج على الروايتين في سفر التنزه وقد ذكرنا توجيههما (فصل) وإن نسي الصلاة في سفر وذكرها فيه قضاها مقصورة لانها وجبت في السفر وفعلت فيه أشبه ما لو صلاها في وقتها، وإن ذكرها في سفر آخر فكذلك لما ذكرنا وسواء ذكرها في الحضر أو لم يذكرها ويحتمل أنه إذا ذكرها في الحضر لزمته تامة لانه وجب عليه فعلها تامة بذكره إياها فبقيت في ذمته ويحتمل أن يلزمه اتمامها إذا ذكرها في سفر آخر سواء ذكرها في الحضر أو لا لان الوجوب كان ثابتا في ذمته في الحضر، والاولى أولى لان وجوبها وفعلها في السفر فكانت صلاة سفر كما لو لم يذكرها في الحضر. وذكر بعض أصحابنا أن من شرط القصر كون الصلاة مؤداة لانها صلاة مقصورة فاشترط لها الوقت كالجمعة وهذا فاسد لانه اشترط بالرأي والتحكم ولم يرد الشرع به والقياس على الجمعة لا يصح فان الجمعة لا تقضي ويشترط لها الخطبتان والعدد والاستيطان فجاز أن يشرط لها الوقت بخلاف هذه * (مسألة) * (وإذا نوى الاقامة ببلد أكثر من احدى وعشرين صلاة اتم وإلا قصر) المشهور عن احمد رحمه الله أن المدة التي يلزم المسافر الاتمام إذا نوى الاقامة فيها ما كان أكثر
[ 108 ]
من احدى وعشرين صلاة رواه الاثرم وغيره وهو الذي ذكره الخرقي، وعنه إن نوي الاقامة أكثر
من أربعة أيام اتم حكى هذه الرواية أبو الخطاب وابن عقيل. وعنه إذا نوى اقامة أربعة أيام اتم وإلا قصر، وهذا قولل مالك والشافعي وأبي ثور وروي عن عثمان رضي الله عنه وعن سعيد ابن المسيب أنه قال: إذا أقمت أربعا فصل أربعا لان الثلاث حد القلة لقوله عليه السلام " يقيم المسافر بعد قضاء نسكه ثلاثا " فدل أن الثلاث في حكم السفر وما زاد في حكم الاقامة. وقال الثوري وأصحاب الرأي ان أقام خمسة عشر يوما مع اليوم الذي يخرج فيه اتم، فان نوى دونه قصر، ويروى ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير والليث بن سعد لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: إذا قدمت وفي نفسك أن تقيم بها خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة ولا يعرف لهما مخالف، وروي عن علي رضي الله عنه قال يتم الصلاة الذي يقيم عشرا ويقصر الذي يقول أخرج اليوم أخرج غدا شهرا، وعن ابن عباس انه قال يقصر إذا أقام تسعة عشر يوما ويتم إذا زاد لان النبي صلى الله عليه وسلم أقام في بعض أسفاره تسعة عشر يصلى ركعتين، قال ابن عباس فنحن إذا أقمنا تسعة عشر نصلي ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا رواه البخاري، وقال الحسن صل ركعتين ركعتين إلا أن تقدم مصرا فأتم الصلاة وصم، وقالت عائشة إذا وضعت الزاد والمزاد فأتم الصلاة وكان طاوس إذا قدم مكة صلى أربعا ولنا ما روى أنس قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فصلى ركعتين حتى
[ 109 ]
رجع وأقام بمكة عشرا يقصر الصلاة متفق عليه. وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة لصبح رابعة فأقام النبي صلى الله عليه وسلم اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الفجر بالابطح يوم الثامن فكان يقصر الصلاة في هذه الايام وقد أجمع على اقامتها قال فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي صلى الله عليه وسلم قصر وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم، قال الاثرم وسمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الاجماع على الاقامة للمسافر فقال هو كلام ليس يفقهه كل أحد، فقوله أقام النبي صلى الله عليه وسلم عشرا يقصر الصلاة وقال قدم النبي صلى الله عليه وسلم لصبح رابعة وخامسة وسابعة ثم قال ثامنة يوم التروية وتاسعة وعاشرة فانما وجه حديث أنس انه حسب مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ومنى وإلا فلا وجه له عندي غير هذا، فهذه
أربعة أيام وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاة يقصر وهي تزيد على أربعة أيام وهو صريح في خلاف قول من حده بأربعة أيام، وقول أصحاب الرأي: لا يعرف لهما مخالف في الصحابة لا يصح، لانا قد ذكرنا الخلاف فيه عنهم، وحديث ابن عباس في إقامة النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر، وجهه أن النبي صلى الله عليه لم يجمع الاقامة. قال أحمد قام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة زمن الفتح ثماني عشرة لانه أراد حنينا ولم يكن تم اجماع المقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس وهو دليل على خلاف قول عائشة والحسن والله أعلم
[ 110 ]
* (فصل) * ومن قصد بلدا بعينه فوصله غير عازم على إقامة به مدة تقطع حكم سفره فله القصر فيه لان النبي صلى الله عليه وسلم كان في أسفاره يقصر حتى يرجع وحين قدم مكة كان يقصر فيها، ولا فرق بين أن يقصد الرجوع إلى بلده كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على ما في حديث أنس وبين أن يريد بلدا آخر كما فعل عليه السلام في غزوة الفتح كما في حديث ابن عباس * (فصل) * وإذا مر في طريقه على بلدا له فيه أهل أو مال فقال أحمد في موضع يتم وقال في موضع لا يتم إلا أن يكون مارا وهذا قول ابن عباس، وقال مالك يتم إذا أراد أن يقيم بها يوما وليلة، وقال الشافعي وابن المنذر يقصر ما لم يجمع على اقامة اربع لانه مسافر ولنا ما روي عن عثمان انه صلى بمنى أربع ركعات فأنكر الناس عليه، فقال يا أيها الناس إني تأهلت بمكة منذ قدمت وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقول من تأهل ببلد فليصل صلاة المقيم " رواه أحمد في المسند، وقال ابن عباس إذا قدمت على أهل لك أو مال فصل صلاة المقيم، ولانه مقيم ببلد له فيه أهل ومال أشبه البلد الذي سافر منه * (فصل) * قال أحمد من كان مقيما بمكة ثم خرج إلى الحج وهو يريد أن يرجع إلى مكة فلا يقيم بها فهذا يصلي ركعتين بعرفة لانه حين خرج من مكة أنشأ السفر إلى بلده ليس على أن عرفة سفره فهو في سفر من حين خرج من مكة، ولو ان رجلا كان مقيما ببغداد فأراد الخروج إلى الكوفة
[ 111 ]
فعرضت له حاجة بالنهروان ثم رجع فمر ببغداد ذاهبا إلى الكوفة صلى ركعتين إذا كان يمر ببغداد مجتازا لا يريد الاقامة بها، وإن كان الذي خرج إلى عرفة في نيته الاقامة بمكة إذا رجع لم يقصر بعرفة وكذلك أهل مكة لا يقصرون، وإن صلى خلف رجل مكي يقصر الصلاة بعرفة ثم قام بعد صلاة الامام فأضاف إليها ركعتين آخرتين صحت صلاته لانه المكي يقصر بتأويل فصحت صلاة من يأتم به * (فصل) * وإذا خرج المسافر فذكر حاجة فرجع إليها فله القصر في رجوعه إلا أن يكون نوى أن يقيم إذا رجع مدة يقطع القصر ويكون في البلد أهله وماله لما ذكرنا وقول أحمد في الرواية الاخرى أتم إلا أن يكون مارا يقتضي انه إذا قصد أخذ حاجته والرجوع من غير اقامة انه يقصر، وقال الشافعي يقصر ما لم ينو الاقامة أربعا، وقال الثوري ومالك يتم حتى يخرج فاصلا الثانية. ولنا انه ثبت له حكم السفر بخروجه ولم يوجد اقامة نقطع حكمه فأشبه ما لو أنى قرية غير التي خرج منها * (مسألة) * (وإن أقام لقضاء حاجة أو حبس ولم ينو لاقامة قصر أبدا) وجملة ذلك أن من لم يجمع على اقامة تقطع حكم السفر على ما ذكرنا من الخلاف فله القصر ولو أقام سنين كمن يقيم لقضاء الحاجة يرجو انجاحها أو جهاد عدو أو حبسه سلطان أو مرض وسواء غلب على ظنه انقضاء حاجته في مدة يسيرة أو كثيرة وبعد أن يحتمل انقضاؤها في مدة لا ينقطع حكم
[ 112 ]
السفر بها. قال ابن المنذر أجمع أهل العلم ان للمسافر أن يقصر ما لم يجمع على اقامة ولو أتى عليه سنون والاصل فيه ما روى ابن عباس قال أقام النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره تسعة عشر يصلي ركعتين رواه البخاري، وقال جابر أقام النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك عشرين يوما يقصر الصلاة رواه الامام أحمد في المسند، وروى سعيد باسناده عن المسور بن مخرمة قال أقمنا سعد ببعض قرى الشام اربعين ليلة يقصرها سعد ونتمها، وقال نافع أقام ابن عمر باذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين حبسه الثلج. وقال أنس أقام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم برامهز سبعة أشهر يقصرون الصلاة، وعن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال أقمت معه بكابل سنتين نقصر الصلاة ولا نجمغ * (فصل) * وإن عزم على اقامة طويلة في رستاق ينتقل فيه من قرية إلى قرية لا يجمع على اقامة
بواحدة منها مدة تبطل حكم السفر قصر لان النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة ومنى وعرفة عشرا فكان يقصر الايام كلها. وروى الاثرم باسناده عن مورق قال سألت ابن عمر قلت إني رجل آتي الاهواز فأنتقل في قراها قرية قرية فأقيم الشهر أو أكثر. قال تنوي الاقامة؟ قلت لا. قال ما أراك إلا مسافرا صلى صلاة المسافرين، ولانه لم ينوي الاقامة في مكان بعينه أشبه المتنقل في سفره من منزل إلى منزل، وإذا دخل بلدا فنال إن لقيت فلانا أقمت وإلا لم أقم لم يبطل حكم سفره لانه لم يجزم بالاقامة، ولان المبطل للسفر هو العزم على الاقامة ولم يوجد، وانما علقه على شرط لم يوجد وذلك ليس بجزم * (فصل) * ولا بأس بالتطوع في السفر نازلا وسائرا على الراحلة لما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه، وروى نحو ذلك جابر
[ 113 ]
وأنس متفق عليه. وعن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتطوع في السفر رواه سعيد. وفي حديث أم هانئ ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر على بعيره ولما فاتت النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح صلى ركعتي الفجر قبلها متفق عليه. فأما سائر التطوعات والسنن قبل الفرائض وبعدها فقال أحمد أرجو أن لا يكون بالتطوع بالسفر بأس روي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وجابر وابن عباس وأبي ذر وجماعة من التابعين وهو قول مالك والشافعي وإسحق وابن المنذر، وكان ابن عمر لا يتطوع مع الفريضة قبلها ولا بعدها إلا من جوف الليل. وروي ذلك عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين لما روي ان ابن عمر رأى قوما يسبحون بعد الصلاة فقال لو كنت مسبحا لاتممت فرضي يا ابن أخي، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر وعثمان وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة متفق عليه ولنا ما روي عن ابن عباس قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الحضر فكنا نصلي قبلها وبعدها وكنا نصلي في السفر قبلها وبعدها رواه ابن ماجه، وقال الحسن كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها، وعن البراء بن عازب قال صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سفرا فما رأيته ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر
رواه أبو داود فهذا يدل على انه لا بأس بفعلها، وحديث ابن عمر يدل على انه لا بأس بتركه فيجمع بين الاحاديث والله أعلم * (مسألة) * (والملاح الذي معه أهله وليس له نية الاقامة ببلد ليس له الترخص)
[ 114 ]
قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن الملاح أيقصر أو يفطر في السفينة، قال أما إذا كانت السفينة ببته فانه يتم ويصوم، قيل له وكيف تكون بيته. قال لا يكون له بيت غيرها معه فيها أهله وهو فيها مقيم وهذا قول عطاء. وقال الشافعي يقصر ويفطر لعموم النصوص ولان كون أهله معه لا يمنع الترخص كالجمال. ولنا انه غير ظاعن عن منزله فلم يبح له الترخص كالمقيم في المدن، فأما في عام النصوص فالمراد بها الظاعن عن منزله وليس هذا كذلك. وأما الجمال والمكاري فلهم الترخص وإن سافروا بأهلهم قال أبو داود سمعت أحمد يقول في المكاري الذي هو دهره في السفر لابد أن يقيم إذا قدم اليومين والثلاثة قال هذا يقصر، وذكر القاضي وأبو الخطاب انه بمنزلة الملاح وليس بصحيح لانه مسافر مشقوش عليه فكان له القصر كغيره، ولا يصح قياسهم على الملاح فان الملاح في منزله سفرا وحضرا معه مصالحه وتنوره وأهله لا يتكلف لحمله وهذا لا يوجد في غيره، وان سافر هذا بأهله كان أشق عليه وأبلغ في استحقاق الترخص فأبيح له لعموم النصوص وليس هو في معنى المخصوص فوجب القول بثبوت حكم النص فيه * (فصل في الجمع) * * (مسألة) * يجوز الجمع بين الظهر والعصر والعشائين في وقت احداهما لثلاثة أمور: السفر الطويل الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت احداهما جائز في قول أكثر اهل العلم روي ذلك عن سعد وسعيد بن زيد واسامة ومعاذ بن جبل وأبي موسى وابن عباس وابن عمر وبه قال عكرمة والثوري
[ 115 ]
ومالك والشافعي وإسحق وابن المنذر وجماعة غيرهم، وقال الحسن وابن سيرين وأصحاب الرأي
لا يجوز الجمع إلا في يوم عرفة وليلة مزدلفة بها وهو رواية عن ابن القاسم عن مالك واختياره واحتجوا بأن المواقيت ثبتت بالتواتر فلا يجوز تركها بخبر الواحد ولنا ما روي عن ابن عمر انه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ويقول ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جد به السير جمع بينهما، وعن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، وان زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب متفق عليهما. ولمسلم كان إذا عجل عليه السير يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق، وروى الجمع معاذ وابن عباس وقولهم لا تترك الاخبار المتواترة لاخبار الآحاد. قلنا لا يتركها وانما يخصها وتخصيص المتواتر بالخبر الصحيح جائز بالاجماع وهذا ظاهر جدا، فان قيل معنى الجمع في الاخبار أن يصلي الاولى في آخر وقتها والاخرى في أول وقتها. قلنا هذا فاسد لوجهين أحدهما النه قد جاء الخبر صريحا في انه كان يجمعها في وقت الثانية على ما ذكرنا في خبر أنس، الثاني إن الجمع رخصة فلو كان على ما ذكروه لكان أشد ضيقا وأعظم حرجا من الاتيان بكل صلاة في وقتها لان ذلك أوسع من مراعاة طرفي الوقتين بحيث لا يبقى من وقت الاولى إلا قدر فعلها، ومن تدبر هذا وجده كما وصفنا ولو جاز الجمع هذا لجاز الجمع من العصر والمغرب والعشاء والصبح وهو محرم بالاجماع، فإذا
[ 116 ]
حمل خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الامر السابق إلى الفهم منه كان أولى من هذا التكلف الذي يصان عنه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم (فصل) وانما يجوز الجمع في السفر الذي يبيح القصر. وقال مالك والشافعي في أحد قوليه يجوز في السفر القصير لان أهل مكة يجمعون بعرفه ومزدلفة وهو سفر قصير ولنا أنه رخصة ثبتت لدفع المشقة في السفر فاختصت بالطويل كالقصر والمسح ثلاثا ولان دليل الجمع فعل النبي صلى الله عليه وسلم والفعل لا صيغة له وانما هو قضية في عين فلا يثبت حكمها الا في مثلها ولم ينقل أنه جمع إلا في سفر طويل
* (مسألة) * (والمرض الذي يلحقه بترك الجمع فيه مشقة وضعف) نص احمد على جواز الجمع للمريض وروي عنه التوقف فيه وقال: أهاب ذلك والصحيح الاول وهذا قول عطاء ومالك. وقال أصحاب الرأي والشافعي: لا يجوز لان اخبار التوقيف ثابتة فلا يترك بأمر محتمل ولنا ما روى ابن عباس قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، وفي رواية من غير خوف ولا سفر رواهما مسلم. وقد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز لغير عذر ثبت أنه كان لمرض، وقد روي عن ابي عبد الله أنه قال في هذا الحديث هذا عندي رخصة للمريض والمرضع، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سهلة بنت سهيل وحمنة بنت جحش لما كانتا مستحاضتين بتأخير الظهر وتعجيل العصر والجمع بينهما فأباح الجمع لاجل الاستحاضة واخبار المواقيت مخصوصة بالصور المجمع على جواز الجمع فيها فتخص محل النزاع بما ذكرنا (فصل) والمرض المبيح للجمع هو ما يلحقه بتركه مشقة وضعف. قال الاثرم: قيل لابي عبد الله المريض يجمع بين الصلاتين، قال اني لا ارجو ذلك إذا ضعف وكذلك الجمع للمستحاضة ولمن به سلس البول ومن في معناها لما ذكرنا من الحديث
[ 117 ]
* (مسألة) * (والمطر الذي يبل الثياب) إلا أن جمع المطر يختص بالعشائين في أصح الوجهين لجواز الجمع في المطر بين العشائين يروى عن ابن عمر وفعله أبان بن عثمان في أهل المدينة وهو قول الفقهاء السبعة ومالك والاوزاعي والشافعي واسحاق، ويروى عن مروان وعمر بن العزيز ولم يجوزه أصحاب الرأي والدليل على جوازه أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: ان من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء رواه الاثرم وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال نافع: إن عبد الله بن عمر كان يجمع إذا جمع الامراء بين المغرب والعشاء وفعله أبان بن عثمان في أهل المدينة وفيهم عروة بن الزبير وأبو سلمة وابو بكر بن عبد الرحمن ولا يعرف لهم مخالف فكان اجماعا رواه الاثرم
(فصل) فأما الجمع لاجل المطر بين الظهر والعصر فالصحيح أنه لا يجوز. قال الاثرم: قيل لابي عبد الله الجمع بين الظهر والعصر في المطر قال: لا ما سمعته وهذا اختيار أبي بكر وابن حامد وقول مالك. وقال أبو الحسن التميمي فيه قولان: أحدهما يجوز اختاره القاضي وأبو الخطاب وهو مذهب الشافعي لما روى يحيي بن واضح عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة بين الظهر والعصر في المطر ولانه معنى أباح الجمع فأباحه بين الظهر والعصر كالسفر ولنا أن مستند الجمع ما ذكرنا من قول أبي سلمة والاجماع ولم يرد إلا في المغرب والعشاء وحديثهم لا يصح فانه غير مذكور في الصحاح والسنن وقول احمد ما سمعت يدل على أنه ليس بشئ ولا يصح القياس على المغرب والعشاء لما بينهما من المشقة لاجل الظلمة، ولا القياس على السفر لان مشقته لاجل
[ 118 ]
السير وفوات الرفقة وهو غير موجود ها هنا كذا (فصل) والمطر المبيح للجمع هو ما يبل الثياب وتلحق المشقة بالخروج فيه فأما الطل والمطر الخفيف فلا يبيح لعدم المشقة والثلج والبرد في ذلك كالمطر لانه في معناه * (مسألة) * (وهل يجوز ذلك لاجل الوحل والريح الشديدة الباردة أو لمن يصلي في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط على وجهين) اختلف أصحابنا في الوحل بمجرده، فقال القاضي: قال أصحابنا هو عذر يبيح الجمع لان المشقة تلحق بذلك في الثياب والنعال كما تلحق بالمطر وهو قول مالك، وذكر أبو الخطاب فيه وجها ثانيا أنه لا يبيح وهو قول الشافعي لان المشقة دون مشقة المطر فلا يصح قياسه عليه. قال شيخنا: الاولى أصح لان الوحل يلوث الثياب والنعال ويعرض الانسان للزلق فيتأذى نفسه وثيابه وذلك أعظم ضررا من البلل، وقد ساوى المطر في العذر في ترك الجمعة والجماعة فدل على تساويهما في المشقة المرعية في الحكم (فصل) فأما الريح الشديدة في الليلة الباردة ففيها وجهان: أحدهما يبيح الجمع قال الآمدي: وهو أصح يروى عن عمر بن عبد العزيز لان ذلك عذر في ترك الجمعة والجماعة بدليل ما روى محمد بن الصباح
حدثنا سفيان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي مناديه
[ 119 ]
في الليلة المطيرة والليلة الباردة ذات الريح صلوا في رحالكم رواه ابن ماجه. والثاني لا يبيحه لان مشقته دون مشقة المطر فلا يصح القياس ولان مشقتها من غير جنس مشقة المطر ولا ضابط لذلك يجتمعان فيه فلم يصح الالحاق (فصل) وهل بجوز الجمع لمنفرد أو لمن طريقه تحت ساباط يمنع وصول المطر إليه، أو من كان مقامه في المسجد، أو لمن يصلي في بيته على وجهين: أحدهما الجواز. قال القاضي: وهو ظاهر كلام احمد لان الرخصة العامة يستوي فيها حال وجود المشقة وعدمها كالسفر وكاباحة السلم في حق من ليس له إليه حاجة كاقتناء الكلب للصيد والماشية لمن لا يحتاج إليها، وقد روي أنه عليه السلام جمع في مطر وليس بين حجرته ومسجده شئ، والثاني المنع. اختاره ابن عقيل لان الجمع لاجل المشقة فاختص بمن تلحقه المشقة كالرخصة في التخلف عن الجمعة، والجماعة تختص بمن تلحقه المشقة دون من لا تلحقه كمن في الجامع والقريب منه * (مسألة) * (ويفعل الارفق به من تأخير الاولى إلى وقت الثانية أو تقديم الثانية إليها) هذا هو الصحيح من المذهب وعليه أكثر الاصحاب وهو أن المسافر مخير في الجمع بين التقديم والتأخير وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز الجمع إلا إذا كان سائرا في وقت الاولى فيؤخرها إلى وقت الثانية وهي رواية عن احمد، ويروى ذلك عن سعد وابن عمر وعكرمة آخذا بحديث ابن عمر وأنس الصحيحين. وقال القاضي. هذه الرواية هي الفضيلة والاستحباب وإن جمع بينهما في وقت الاولى جاز نازلا كان أو سائرا أو مقيما في بلد اقامة لا يمنع القصر وهذا قول عطاء وأكثر علماء المدينة والشافعي واسحاق وابن المنذر لما روى معاذ قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في
[ 120 ]
غزوة تبوك فكان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وإذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب
حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب، واه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث حسن. وروى مالك في الموطأ عن أبي الزبير عن أبي الطفيل أن معاذا أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء قال: فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جمعا ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جمعا. قال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح ثابت الاسناد، وفى هذا الدليل أوضح الدليل في الرد على من قال: لا يجمع بين الصلاتين إلا إذا جدبه السير لانه كان يجمع وهو نازل غير سائر ماكث في خبائه يخرج فيصلي الصلاتين جمعا فتعين الاخذ بهذا الحديث لثبوته وكونه صريحا في الحكم من غير معارض له، ولان الجمع رخصة من رخص السفر فلم يختص بحالة السير كالقصر والمسح ثلاثا لكن الافضل التأخير لانه أحوط وفيه خروج من الخلاف عند القائلين بالجمع وعملا بالاحاديث كلها * (فصل) * والمريض مخير في التقديم والتأخير كالمسافر فان استوى عنده الامران فالتأخير أفضل لما ذكرنا في المسافر، فأما الجمع للمطر فانما يفعل في وقت الاولى لان السلف انما كانوا يجمعون في وقت الاولى ولان تأخير الاولى إلى وقت الثانية يفضي إلى المشقة بالانتظار والخروج في الظلمة
[ 121 ]
ولان العادة اجتماع الناس للمغرب، فإذا حبسهم في المسجد ليجمع بين الصلاتين في وقت الثانية كان أشق من أن يصلي كل صلاة في وقتها، وان اختار تأخير الجمع جاز والمستحب أن يؤخر الاولى عن أول وقتها شيئا، قال أحمد يجمع بينهما إذا اختلط الظلام قبل أن يغيب الشفق الذي فعل ابن عمر قيل لابي عبد الله فكان سنة الجمع بين الصلاتين في المطر عندك أن تجمع قبل أن يغيب الشفق، وفى الشفق تؤخر حتى يغيب الشفق قال نعم * (فصل) * ولا يجوز الجمع لغير من ذكرنا، وقال ابن شبرمة يجوز إذا كانت حاجة أو شئ ما لم يتخذه عادة لحديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، فقيل لابن عباس لم فعل ذلك؟ قال أراد أن لا يحرج أمته
ولنا عموم أخبار المواقيت، وحديث ابن عباس محمول على حالة المرض ويجوز أن يكون صلى
[ 122 ]
الاولى في آخر وقتها والثانية في أول وقتها فان عمرو بن دينار روى هذا الحديث عن جابر بن زيد عن ابن عباس، قال عمرو قلت يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء، قال وأنا أظن ذلك * (مسألة) * (وللجمع في وقت الاولى ثلاثة شروط: نية الجمع عند إحرامها ويحتمل أن تجزئه النية قبل سلامها، وأن لا يفرق بينهما إلا بقدر الاقامة والوضوء فان صلى السنة بينهما بطل الجمع في إحدى الروايتين، وأن يكون العذر موجودا عند افتتاح الصلاتين وسلام الاولى) نية الجمع شرط لجوازه في المشهور من المذهب، وقال أبو بكر لا يشترط نية الجمع كقوله في القصر وقد ذكرناه. والتفريع على الاول وموضع النية إذا جمع في وقت الاولى عند الاحرام بها لانها نية تفتقر إليها الصلاة فاعتبرت عند الاحرام كنية القصر، وفيه وجه ثان أن موضعها أول الصلاة من الاولى إلى سلامها فمتى نوى قبل سلام الاولى أجزاه لان موضع الجمع عند الفراغ من الاولى إلى الشروع في الثانية، فإذا لم تتأخر النية عنه أجزاه ذلك ويعتبر أن لا يفرق بينهما إلا تفريقا يسيرا، والمرجع في اليسير إلى العرف والعادة وقدره بعض أصحابنا بقدر الوضوء والاقامة، والصحيح انه لا حد له لان التقدير بابه التوقيف فما لم يرد فيه توقيف فيرجع فيه إلى العادة كالقبض والاحراز،
[ 123 ]
فان فرق بينهما تفريقا كثيرا بطل الجمع سواء فعله عمدا أو لنوم أو شغل أو سهو أو غير ذلك لان الشرط لا يثبت المشروط بدونه والمرجع في الكثير إلى العرف والعادة كما قلنا في اليسير، ومتى احتاج إلى الوضوء والتيمم فعله إذا لم يطل وان تكلم بكلام يسير لم يبطل الجمع وإن صلى بينهما السنة بطل الجمع في الظاهر لانه فرق بينهما بصلاة فبطل الجمع كما لو صلى بينهما غيرها وعنه لا تبطل لانه تفريق يسير أشبه الوضوء * (فصل) * ويعتبر للجمع في وقت الاولى وجود العذر حال افتتاح الصلاتين والفراغ من الاولى
لان افتتاح الاولى موضع النية وبافتتاح الثانية يحصل الجمع فاعتبر العذر في هذين الوقتين فمتى زال العذر في أحد هذه الثلاثة لم يبح الجمع، وإن زال المطر في أثنا الاولى ثم عاد قبل تمامها أو انقطع بعد الاحرام بالثانية جاز الجمع ولم يؤثر انقطاعه لان العذر وجد في وقت اشتراطه فلم يضر عدمه في غيره. فأما المسافر إذا نوى الاقامة في أثناء الصلاة الاولى انقطع الجمع والقصر ولزمه الاتمام، فلو عاد فنوى السفر لم يبح له الترخص حتى يفارق البلد الذي هو فيه، وإن نوى الاقامة بعد الاحرام بالثانية أو دخلت به السفينة البلد في أثنائها احتمل أن يتمها ويصح قياسا على انقطاع المطر، قال بعض أصحاب الشافعي هذا الذي يقتضيه مذهب الشافعي واحتمل أن تنقلب نفلا، ويبطل الجمع
[ 124 ]
لانه أحد رخص السفر فبطل بذلك كالقصر والمسح ولانه زال شرطها في أثنائها أشبه سائر شروطها ويفارق انقطاع المطر من وجهين أحدهما انه لا يتحقق انقطاعه لاحتمال عوده في أثناء الصلاة، والثاني انه يخلفه عذر مبيح وهو الوحل بخلاف مسالتنا وهكذا الحكم في المريض يزول عذره في أثناء الصلاة الثانية. فأما إن لم يزل العذر إلا بعد الفراغ من الثانية قبل دخول وقتها صح الجمع ولم يلزمه اعادة الثانية في وقتها لان الصلاة وقعت صحيحة مجزئة مبرئة للذمة فلم تشتغل الذمة بها بعد ذلك كالمتيمم إذا وجد الماء في الوقت بعد فراغه من الصلاة * (فصل) * وإذا جمع في وقت الاولى فله أن يصلي سنة الثانية منهما ويوتر قبل دخول الثانية لان سنتها تابعة لها فتتبعها في فعلها ووقتها ولان الوتر وقته ما بين صلاة العشاء والصبح وقد صلى العشاء فدخل وقته * (مسألة) * (وإن جمع في وقت الثانية كفاه نية الجمع في وقت الاولى ما لم يضق عن فعلها واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية منهما) ولا يشترط غير ذلك متى جمع في وقت الثانية فلا بد من نية الجمع في وقت الاولى، فموضع النية في وقت الاولى من أوله إلى أن يبقى منه قدر ما يصليها هكذا ذكره أصحابنا لانه متى أخرها عن ذلك بغير نية صارت قضاء لا جمعا ولان تأخيرها عن القدر الذي يضيق عن فعلها حرام. قال شيخنا ويحتمل أن يكون وقت النية أن يبقى منه قدر ما يدركها به وهو ركعة أو تكبيرة على
ما ذكرنا متقدما، ويعتبر بقاء العذر إلى حين دخول وقت الثانية فان زال في وقت الاولى كالمريض يبرأ والمسافر يقدم والمطر ينقطع لم يبح الجمع لزوال سببه، وان استمر إلى وقت الثانية جمع وإن زال العذر لانهما صارتا واجبتين في ذمته فلا بد له من فعلها * (فصل) * ولا يشترط المواصلة بينهما إذا جمع في وقت الثانية لانه متى صلى الاولى فالثانية في وقتها لا يخرج بتأخيرها عن كونها مؤداة. وفيه وجه إن المواصلة مشترطة لان حقيقة الجمع ضم الشئ إلى الشئ ولا يحصل مع التفريق، والصحيح الاول لان الاولى بعد وقوعها صحيحة لا تبطل بشئ يوجد بعدها، والثانية لا تقع إلا في وقتها
[ 125 ]
* (فصل) * إذا صلى إحدى صلاتي الجمع مع الامام والثانية مع امام آخر أو صلى معه مأموم في احدى الصلاتين وصلى معه في الثانية مأموم آخر صح، وقال ابن عقيل لا يصح لان كل واحد من الامام والمأموم أحد من يتم به الجمع فاشترط وجود دوامه كالعذر ولنا أن لكل صلاة حكم نفسها وهي منفردة بنيتها فلم يشترط اتحاد الامام والمأموم كغير المجموعتين وقوله ان الامام والمأموم أحد من يتم به الجمع لا يصح في المسافر والمريض لجواز الجمع لكل واحد منهما منفردا. وفي المطر في أحد الوجهين، وان قلنا ان الجمع في المطر لا يجوز للمنفرد فالذي يتم به الجمع الجماعة لا عين الامام والمأموم ولم تختل الجماعة، وعلى ما قلنا لو ائتم المأموم بالامام لا ينوي الجمع ونواه الامام فلما سلم الامام صلى المأموم الثانية جاز لانا أبحنا له مفارقة الامام في الصلاة الواحدة للعذر ففي الصلاتين أولى وانما نوى أن يفعل في غيرها فلم يؤثر كما لو نوى المسافر في الاولى اتمام الثانية فلم تختلف نيتهما في الصلاة الاولى، وهكذا لو صلى المسافر بمقيمين ونوى الجمع فلما صلى بهم الاولى قام فصلى الثانية جاز، وهكذا لو صلى احدى صلاتي الجمع منفردا ثم حضرت جماعة يصلون الثانية فأمهم فيها أو فصلى معهم مأموما جاز، وقول ابن عقيل يقتضي أن لا يجوز شئ من ذلك والله أعلم * (قال المصنف رحمه الله) * * (فصل في صلاة الخوف) * وهي جائزة بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى (وإذا كنت
[ 126 ]
فيهم فأقمت لهم الصلاة) الآية. وأما السنة فثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي صلاة الخوف وحكمها باق في قول جمهور أهل العلم، وقال أبو يوسف انما كانت مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله سبحانه (وإذا كنت فيهم) وما قاله غير صحيح لان ما ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم ثبت في حقنا ما لم يقم على اختصاصه به دليل لان الله تعالى أمرنا باتباعه، ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصائم؟ أجاب بأني أفعل ذلك. فقال السائل لست مثلنا، فغضب وقال اني لارجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما اتقى، ولو اختص بفعله لما حصل جواب السائل بالاخبار بفعله ولا غضب من قول السائل مثلنا لان قوله إذا كان صوابا، وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحتجون بأفعاله ويرونها معارضة لقوله وناسخة له، وذلك لما أخبرت عائشة وأم سلمة بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من غير احتلام ثم يغتسل ويصوم ذلك اليوم تركوا به خبر أبي هريرة من أصبح جنبا فلا صوم له لما ذكروا ذلك لابي هريرة قال هن أعلم، انما حدثني به الفضل ابن عباس ورجع عن قوله. وأيضا فان الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على صلاة الخوف فصلاها على ليلة الهرير بصفين وصلاها أبو موسى الاشعري بأصحابه، وروي ان سعد بن العاص كان أميرا على الحيش بطبرستان فقال أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ فقال حذيفة أنا. فقدمه فصل بهم، فأما نخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب فلا يوجب تخصيصه بالحكم لما ذكرنا ولان الصحابة أنكروا على مانع الزكاة وقولهم ان الله تعالى خص نبيه بأخذ الزكاة بقوله
[ 127 ]
(خذ من أموالهم صدقة (فان قيل فالنبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة يوم الخندق ولم يصل. قلنا الاعتراض باطل في نفسه إذ لا خلاف في إن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يصلي صلاة الخوف وقد أمره الله بها في كتابه فلا يجوز الاحتجاج بما يخالف الكتاب والاجماع وانما كان ذلك قبل نزول صلاة الخوف، وانما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحتمل ان النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة نسيانا فانه روي ان النبي صلى الله عليه وسلم سألهم عن صلاتهم. قالوا
ما صلينا. وروي ان عمر قال ما صليت العصر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " والله ما صليتها " أو كما جاء، ومما يدل على ذلك انه لم يكن ثم قتال يمنعه من الصلاة إذا ثبت ذلك فانما تجوز صلاة الخوف إذا كان العدو مباح القتال، ويشترط أن لا يؤمن هجومه على المسلمين وتجوز على كل صفة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم * (مسألة) * (قال الامام أبو عبد الله: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف من خمسة أوجه أو ستة، وقال ستة أو سبعة كل ذلك جائز لمن فعله) قال الاثرم: قلت لابي عبد الله تقول بالاحاديث كلها أو تختار واحدا منها، قال: انا أقول من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا اختاره فنذكر الوجوه التي بلغتنا فأولها إذا كان العدو في جهة القبلة بحيث لا يخفى بعضهم على المسلمين ولم يخافوا كمينا فيصلي بهم كما روى جابر قال:
[ 128 ]
شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصففنا خلفه صفين والعدو بيننا وبين القبلة فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه وانحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعا، ورفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحذر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الاولى وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعا أخرجه مسلم. وروى أبو عياش الزرقي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بعسفان نحو هذه الصلاة وصلاها يوم بني سليم رواه أبو داود قلت وأخرجه مسلم عن جابر. قال البيهقي وهو صحيح وإن حرس الصف الاول في الاولى والثاني في الثانية أو لم يتقدم الثاني إلى مقام الاول، أو حرس بعض الصف وسجد الباقون جاز لان المقصود يحصل لكن الاولى أن تفعل مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم
* (والوجه الثاني) * إذا كان العدو في غير جهة القبلة فيصلي بهم كما روى صالح بن خوات عن من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه
[ 129 ]
العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما وائتموا لانفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الاخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسا وأتموا لانفسهم ثم سلم بهم رواه مسلم. وروى سهل بن أبي حثمة نحو ذلك، واشترط القاضي لهذه الصلاة كون العدو في غير جهة القبلة، ونص احمد على خلاف ذلك في رواية الاثرم فانه قال: قلت له حديث سهل تستعمله مستقبلين القبلة كانوا ومستدبرين؟ قال نعم هو أنكى ولان العدو قد يكون في جهة القبلة على وجه لا يمكن أن يصلي بهم صلاة عسفان لانتشارهم أو لخوف من كمين، فالمنع من هذه الصلاة يفضي إلى تفويتها قال أبو الخطاب: ومن شرطها أن يكون المصلون يمكن تفريقهم طائفتين كل طائفة ثلاثة فأكثر. وقال القاضي: إن كانت كل فرقة أقل من ثلاثة كرهناه، ووجه قولهما أن الله سبحانه ذكر الطائفة بلفظ الجمع بقوله (فإذا سجدوا) وأقل الجمع ثلاثة، ولان احمد ذهب إلى ظاهر فعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال شيخنا: والاولى أن لا يشترط هذا لان ما دون الثلاثة تصح به الجماعة فجاز أن يكونوا طائفة كالثلاثة، فأما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فانه لا يشترط في صلاة الخوف أن يكون المصلون مثل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في العدد وجها واحدا ويستحب أن يخفف بهم الصلاة لان موضوع صلاة الخوف على التخفيف وكذلك الطائفة التي تفارقه تخفف الصلاة ولا تفارقه حتى يستقل قائما لان النهوض يشتركون فيه جميعا فلا حاجة إلى
[ 130 ]
مفارقتهم اياه قبله لان المفارقة انما جازت للعذر ويقرأ في حال الانتظار ويطيل التشهد حتى يدركوه وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يقرأ في الانتظار، بل يؤخر القراءة ليقرأ بالطائفة الثانية فتحصل التسوية بين الطائفتين ولنا أن الصلاة ليس فيها حال سكوت والقيام محل للقراءة فينبغي أن يأتي بها فيه كما في التشهد
إذا انتظرهم فانه لا يسكت والتسوية بينهم تحصل بانتظاره اياهم في موضعين والاولى في موضع واحد إذا ثبت هذا فقال القاضي: ان قرأ في انتظارهم فقرأ بعد مجيئهم بقدر فاتحة الكتاب وسورة خفيفة وإن لم يقرأ في انتظارهم قرأ إذا جاءوا بفاتحة الكتاب وسورة وهذا على سبيل الاستحباب، فلو قرأ قبل مجيئهم ثم ركع عند مجيئهم أو قبله فأدركوه راكعا ركعوا معه وصحت لهم الركعة مع تركه للسنة، وإذا جلس للتشهد قاموا فصلوا ركعة أخرى وأطال التشهد والدعاء حتى يدركوه ويتشهدوا ثم يسلم بهم. وقال مالك: يتشهدون معه فإذا سلم الامام قاموا فقضوا ما فاتهم كالمسبوق والاولى ما ذكرناه لموافقته الحديث ولان قوله تعالى (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) يدل على أن صلاتهم كلها معه ولان الاولى أدركت معه فضيلة الاحرام فينبغي أن يسلم بالثانية ليسوي بينهم، بهذا قال مالك والشافعي على ما ذكرنا من الاختلاف، واختار أبو حنيفة أن يصلي على ما في حديث ابن عمر وسوف نذكره إن شاء الله تعالى في الوجه الثالث، والاولى والمختار عند احمد رحمه الله هذا الوجه
[ 131 ]
الثاني لانه أشبه بكتاب الله تعالى وأحوط للصلاة والحرب، أما موافقة الكتاب فان قوله تعالى (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) يقتضي أن جميع صلاتها معه، وعلى ما اختاره أبو حنيفة لا تصلي معه إلا ركعة على ما يأتي وعلى ما اخترنا تصلي جميع صلاتها معه في احدى الركعتين موافقة في أفعاله، والثانية تأتي بها قبل سلامه ثم تسلم معه. وأما الاحتياط للصلاة فان كل طائفة تأتي بصلاتها متوالية بغضها موافق للامام فيها فعلا وبعضها يفارقه وتأتي به وحدها كالمسبوق، وعلى ما اختاره ينصرف إلى جهة العدو وهي في الصلاة ماشية أو راكبة ويستدبر القبلة وهذا ينافي الصلاة وأما الاحتياط للحرب فانه يتمكن من الضرب والطعن والتحريض وإعلام غيره بما يراه مما خفي عليه وتحذيره وإعلام الذين مع الامام بما يحدث ولا يمكن هذا على اختياره (فصل) ولا تجب التسوية بين الطائفتين لانه لم يرد بذلك نص ولا قياس، ويجب أن تكون الطائفة التي بازاء العدو ممن يحصل الثقة بكفايتها وحراستها ومتى خشي اختلال حالهم واحتيج إلى معونتهم بالطائفة الاخرى فللامام أن ينهد إليهم من معه ويبينوا على ما مضى من صلاتهم
(فصل) وإن صلوا الجمعة صلاة الخوف جاز إذا كانت كل طائفة أربعين، فان قيل فالعدد شرط في الجمعة كلها ومتى ذهبت الطائفة الاولى بقي الامام منفردا فبطلت الجمعة كما لو نقص العدد فالجواب أن هذا جاز لاجل العذر ولانه يترقب مجئ الطائفة الاخرى بخلاف الانفضاض
[ 132 ]
ولنا أيضا في الاصل منع ولا يجوز أن يخطب باحدى الطائفتين ويصلي بالاخرى حتى يصلي معه من حضر الخطبة وبهذا قال الشافعي (فصل) والطائفة الاولى في حكم الائتمام قبل مفارقة الامام فان سها لحقهم حكم سهوه فيما قبل مفارقته، وان سهوا لم يلزمهم حكم سهوهم لانهم مأمومون، وأما بعد مفارقته فلا يلحقهم حكم سهوه ويلحقهم حكم سهوهم لانهم منفردون، وأما الطائفة الثانية فيلحقها حكم سهو امامها في جميع صلاته ما أدركت منها وما فاتها كالمسبوق يلحقه حكم سهو امامه فيما لم يدركه ولا يلحقها حكم سهوها في شئ من صلاتها لانها ان فارقتها فعلا لقضاء ما فاتها فهي في حكم المؤتم لانهم يسلمون بسلامه، فإذا فرغت من قضاء ما فاتها سجد وسجدت معه، فان سجد قبل اتمامها تابعته لانها مؤتمة به ولا يقيد السجود بعد فراغها من التشهد لانها لم تنفرد عن الامام بخلاف المسبوق. وقال القاضي ينبني هذا على الروايتين في المسبوق إذا سجد مع امامه هل يسجد بعد القضاء أم لا وقد ذكر الفرق بينهما * (مسألة) * (وان كانت الصلاة مغربا صلى بالطائفة الاولى ركعتين وبالثانية ركعة) وبهذا قال مالك والاوزاعي وسفيان والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر يصلى بالاولى ركعة وبالثانية ركعتين لانه روي عن علي رضي الله عنه أنه صلى ذلك ليلة الهرير، ولان الاولى أدركت معه فضيلة الاحرام والتقدم فينبغي أن يزيد الثانية في الركعات ليجبر نقصهم به
[ 133 ]
ولنا أنه إذا لم يكن بد من التفضيل فالاولى أحق به وما فات الثانية يتخير بادراكها السلام مع الامام ولانها تصلي جميع صلاتها في حكم الائتمام، والاولى تفضل بعض صلاتها في حكم الانفراد وأيا ما فعل فهو جائز، وإذا صلى بالثانية الركعة الثانية وجلس للتشهد فان الطائفة تقوم ولا تتشهد
معه ذكره القاضي لانه ليس بموضع لتشهدها بخلاف الرباعية ويحتمل أن تتشهد معه إذا قلنا إنها تقضي ركعتين متواليين لئلا يفضي إلى أن يصلي ثلاث ركعات بتشهد واحد ولا نظير لهذا في الصلوات هذا حكم صلاة المغرب على حديث سهل * (مسألة) * (وان كانت رباعية غير مقصورة صلى بكل طائفة ركعتين وأتمت الاولى بالحمد لله في كل ركعة والاخرى تتم بالحمد لله وسورة) تجوز صلاة الخوف في الحضر عند الحاجة إليها وبه قال الاوزاعي والشافعي، وحكي عن مالك لا يجوز في الحضر لان الآية انما دلت على صلاة ركعتين وصلاة الحضر أربع، ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلها في الحضر ولنا قوله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) وهذا عام وترك النبي صلى الله عليه وسلم لها في الحضر انما كان لغناه عنها فيه، وقولهم انما دلت الآية على ركعتين ممنوع، وان سلم فقد تكون صلاة الحضر ركعتين الصبح والجمعة والمغرب ثلاث ويجوز فعلها في الخوف في السفر فعلى هذا إذا
[ 134 ]
صلى بهم الرباعية فرقهم فرقتين وصلى بكل طائفة ركعتين وتقرأ الاولى بعد مفارقة امامها بالحمد لله وحدها في كل ركعة لانها آخر صلاتها، وأما الطائفة الثانية فإذا جلس الامام للتشهد الاخير تشهدت معه التشهد الاول كالمسبوق ثم قامت وهو جالس فأتمت صلاتها وتقرأ في كل ركعة الحمد لله وسورة في ظاهر المذهب لانه أول صلاتها على ما ذكرنا في المسبوق وتستفتح إذا قامت للقضاء كالمسبوق ولانها لم تحصل لها مع الامام قراءة السورة ويطول الامام التشهد والدعاء حتى تصلي الركعتين، ثم يتشهد ويسلم بهم، وإذا قلنا أن الذي يقضيه المسبوق آخر صلانه فيقتضي أن لا يستفتح ولا يقرأ السورة ها هنا قياسا عليه * (مسألة) * (وهل تفارقة الاولى في التشهد الاول وفي الثالثة؟ على وجهين) أحدهما حين قيامه إلى الثالثة وهو قول مالك والاوزاعي لانه يحتاج إلى التطويل من أجل الانتظار والتشهد يستحب تخفيفه، ولهذا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس للتشهد
كأنه على الرضف حتى يقوم لان ثواب القائم أكثر ولانه إذا انتطرهم جالسا وجاءت الطائفة فانه يقوم قبل احرامهم فلا يحصل اتباعهم اياه في القيام، والثاني في التشهد ليدرك الطائفة الثانية جميع الركعة الثالثة ولان الجلوس أخف على الامام ولانه متى انتظرهم فانما احتاج إلى قراءة السورة في الركعة الثالة وهو خلاف السنة وكلا الامرين جائز
[ 135 ]
* (مسألة) * (وإن فرقهم أربعا فصلى بكل طائفة ركعة صحت صلاة الاوليين وبطلت صلاة الامام والاخريين ان علمنا بطلان صلاته) وجملة ذلك أنه متى فرقهم الامام في صلاة الخوف أكثر من فرقتين مثل أن فرقهم أربع فرق فصلى بكل طائفة ركعة أو ثلاث فرق فصلى بالاولى ركعتين وبالباقيتين ركعة صحت صلاة الاوليين لانهما انما ائتما بمن صلاته صحيحة ولم يوجد منهما ما يبطل صلاتهما وتبطل صلاة الامام بانتظار الثالث لانه لم يرد الشرع به فأبطل الصلاة كما لو فعله من غير خوف، وسواء فعل ذلك لحاجة أو غيرها لان الترخص انما يصار إليه فيما ورد به الشرع وتبطل صلاة الثالثة والرابعة لائتمامها بمن صلاته باطلة فأشبه ما لو كانت باطلة في أولها، فان لم يعلما بطلان صلاة الامام فقال ابن حامد: لا تبطل صلاتهما لان ذلك مما يخفى فلم تبطل صلاة المأموم كما لو ائتم بمحدث لا يعلم حدثه وينبغي على هذا أن يخفى على الامام والمأموم كما اعتبرنا ذلك في المحدث. قال شيخنا: ويحتمل أن لا تصح صلاتهما لان الامام والمأموم يعلمان وجود المبطل، وانما خفي عليهم حكمه فلم يمنع ذلك البطلان كما لو علم حدث الامام ولم يعلم كونه مبطلا، وقال بعض الشافعية كقول ابن حامد. وقال بعضهم: تصح صلاة الجميع لان الحاجة تدعو إليه أشبه الفرقتين ولنا أن الرخص انما تتلقى من الشرع وهذا لم يرد به الشرع فلم يجزئه كغير الخوف والله أعلم (الوجه الثالث) يصلي كما روى ابن عمر قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف باحدى الطائفتين ركعة وسجدتين والطائفة الاخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو وجاء أولئك ثم صلى لهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم، ثم قضى
هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة متفق عليه
[ 136 ]
(الوجه الرابع) أن يصلي بكل طائفة صلاة ويسلم بها كما روى أبو بكرة قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بازاء العدو فصلى ركعتين ثم سلم فانطلق الذين صلوا فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ولاصحابه ركعتان رواه أبو داود والاثرم. وهذه صفة حسنة قليلة الكلفة لا يحتاج فيها إلى مفارقة امامه ولا إلى تفريق كيفية الصلاة وهو مذهب الحسن وليس فيها أكثر من أن الامام في الثانية متنفل يؤم مفترضين (الوجه الخامس) أن يصلي كما روى جابر قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع قال فنودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الاخرى ركعتين قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتين ركعتين متفق عليه وتأول القاضي هذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم كصلاة الحضر، وأن كل طائفة قضت ركعتين، وأن التأويل فاسد لمخالفة صفة الرواية وقول احمد: أما مخالفة الرواية فانه ذكر أنه صلى بكل طائفة ركعتين ولم يذكر قضاء، ثم قال في آخره للقوم ركعتين ركعتين. وأما مخالفة قول احمد فانه قال ستة أوجه أو سبعة يروى فيها كأنها جائز، وعلى هذا لا تكون ستة ولا خمسة، ثم انه حمل الحديث على محمل بعيد لان الخوف يقتضي قصر الصلاة وتخفيفها، وعلى هذا التأويل تجعل مكان الركعتين أربعا ويتم الصلاة المقصورة ولم ينقل عنه عليه السلام اتمام صلاة السفر في غير الخوف فكيف يتمها في موضع يقتضي التخفيف (فصل) وقد ذكر شيخنا رحمه الله (الوجه السادس) أن يصلي بكل طائفة ركعة ركعة ولا تقضي شيئا لما روى ابن عباس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد صلاة الخوف والمشركون بينه وبين القبلة فصف صفا
[ 137 ]
خلفه وصفا موازي العدو فصلى بهم ركعة ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ورجع هؤلاء إلى مصاف هؤلاء فصلى بهم ركعة ثم سلم عليهم فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان وكانت لهم ركعة ركعة رواه الاثرم، وعن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بهؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة ولم يقضوا شيئا رواه أبو داود وهذا قول ابن عباس وجابر. قال جابر: انما القصر ركعة عند القتال. وقال طاوس ومجاهد والحسن وقتادة والحكم يقولون ركعة في شدة الخوف يومئ ايماء، وبه قال اسحاق يجزئك عند الشدة ركعة تومئ ايماء، فان لم تقدر فسجدة واحدة، فان لم تقدر فتكبيرة، فهذه الصلاة يقتضي عموم كلام احمد جوازها لانه ذكر ستة أوجه ولا نعلم وجها سادسا سواها. وقال القاضي: لا تأثير للخوف في عدد الركعات وهذا قول أصحابنا وأكثر أهل العلم منهم ابن عمر والنخعي والثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم من علماء الامصار لا يجيزون ركعة والذي قال منهم وكعة انما جعلها عند شدة القتال، والذين روينا عنهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرهم لم ينقصوا من ركعتين وابن عباس لم يكن ممن يحضر النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته ولم يعلم ذلك إلا بالرواية فالاخذ برواية من حضر الصلاة وصلاها مع النبي صلى الله عليه وسلم أولى (فصل) ومتى صلى بهم صلاة الخوف من غير خوف فصلاة الجميع فاسدة لانها لا تخلو من مفارقة امامه لغير عذر أو تارك متابعة امامه في ثلاثة أركان، أو قاصر الصلاة مع اتمام امام وكل ذلك يفسد الصلاة إلا مفارقة الامام في قول: وإذا فسدت صلاة الامام لانه صلى اماما بمن صلاته فاسدة إلا أن يصلي بهم صلاتين كاملتين فتصح صلاته وصلاة الطائفة الاولى وصلاة الثانية تنبني على امامة المتنفل بالمفترض وقد ذكرناه
[ 138 ]
* (مسألة) * (ويستحب أن يحمل معه في الصلاة من السلاح ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله كالسيف والسكين ويحتمل أن يجب ذلك) حمل السلاح في صلاة الخوف مستحب لقوله تعالى (وليأخذوا أسلحتهم) ولانهم لا يأمنون
أن يفجأهم العدو كما قال الله تعالى (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة) والمستحب من ذلك ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله كالسيف والسكين، ولا يستحب حمل ما يثقله كالجوشرة، ولا ما يمنع اكمال السجود كالمغفر ولا ما يؤذي غيره كالرمح إذا كان متوسطا، ولا يجوز حمل نجس ولا ما يخل ببعض أركان الصلاة الا عند الضرورة كمن يخاف وقوع الحجارة والسهام، وليس ذلك بواجب ذكره أصحابنا وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وأكثر أهل العلم لانه لو وجب لكان شرطا كالسترة ولان الامر به للرفق بهم والصيانة لهم فلم يكن للايجاب كما أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال لما كان للرفق لم يكن للتحريم، ويحتمل أن يجب ذلك وهو قول داود وأحد قولي الشافعي وهذا أظهر لان ظاهر الامر الوجوب، وقد اقترن به ما يدل على الوجوب وهو قوله سبحانه (ولا جناح عليكم ان كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم) ونفي الحرج مشروطا بالاذى دليل على لزومه عند عدمه، فأما ان كان بهم أذى من مطر أو مرض فلا يجب بغير خلاف لصريح النص بنفي الحرج * (فصل) * فإذا اشتد الخوف صلوا رجالا وركبانا إلى القبلة وغيرها يومئون ايماء على قدر الطاقة. وجملة ذلك انه متى اشتد الخوف والتحم القتال فلهم الصلاة كيف ما أمكنهم رجالا أو ركبانا إن أمكنهم إلى القبلة أو إلى غيرها ان لم يمكنهم يومئون بالركوع والسجود ويجعلون سجودهم أخفض من ركوعهم على قدر الطاقة، ولهم التقدم والتأخر والطعن والضرب والكر والفر ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها
[ 139 ]
في قول أكثر أهل العلم. وحكى ابن أبي موسى انه يجوز تأخير الصلاة حال التحام القتال في رواية، وقال أبو حنيفة وابن أبي ليل لا يصلي مع المسايفة ولا مع المشي لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل يوم الخندق وأخر الصلاة، ولان ما يمنع الصلاة في غير شدة الخوف يمنعها معه كالحدث والصياح، وقال الشافعي يصلي لكن إن تابع الطعن والضرب أو المشي أو فعل ما يطول بطلت صلاته لان ذلك من مبطلات الصلاة أشبه الحدث
ولنا قوله عزوجل (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) وقال ابن عمر فان كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها متفق عليه. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولان النبي صلى الله عليه وسلم صلى باصحابه في غير شدة الخوف فأمرهم بالمشي إلى وجاه العدو وهم في الصلاة ثم يعودن لقضاء ما بقى من صلاتهم، وهذا مشى كثير وعمل طويل واستدبار للقبلة فإذا جاز ذلك مع ان الخوف ليس بشديد فمع شدته أولى، ومن العجب اختيار أبي حنيفة هذا الوجه دون سائر الوجوه التي لا تشتمل على العمل في أثناء الصلاة وتسويغه إياه مع الغناء عنه ثم منعه في حال الحاجة إليه بحيث لا يقدر على غيره فكان العكس أولى ولانه مكلف تصح طهارته فلم يجز له اخلاء وقت الصلاة عن فعلها كالمريض، ويخص الشافعي بأنه عمل أبيح للخوف فلم يبطل الصلاة كاستدبار القبلة والركوب والايماء وبهذا ينتقض ما ذكره. فأما تأخير الصلاة يوم الخندق فروى أبو سعيد انه كان قبل نزول صلاة الخوف ويحتمل انه شغله المشركون فنسي الصلاة، فقد نقل ما يدل على ذلك ويؤكد ما ذكرنا ان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يكونوا في مسايفة توجب قطع الصلاة، وأما الصياح الحدث فلا حاجة بهم إليه ولا يلزم من كون الشئ مبطلا مع عدم العذر أن تبطل معه كخروج النجاسة من المستحاضة ومن في معناها
[ 140 ]
* (فصل) * فان أمكنهم افتتاح الصلاة إلى القبلة فهل يلزمهم ذلك، على روايتين: احداهما لا تجب اختاره أبو بكر لانه جزء من الصلاة فلم يجب الاستقبال فيه كبقية أجزائها، والثانية يجب لانه أمكنه ابتداء الصلاة مستقبلا فلم يجز بدونه كما لو أمكنه ذلك في ركعة كاملة * (مسألة) * (ومن هرب من عدو هربا مباحا أو سيل أو سبع أو نحوه فله الصلاة كذلك سواء خاف على نفسه أو ماله أو أهله) وكذلك الاسير إذا خافهم على نفسه إن صلى والمختفي في موضع يصليان كيف ما أمكنهما نص عليه أحمد في الاسير، فلو كان المختفي قاعدا لا يمكنه القيام أو مضطجعا لا يمكنه القعود صلى على حسب حاله وهذا قول ابن الحسن وقال الشافعي يصلي ويعيد. ولنا انه خائف صلى على حسب ما أمكنه
فلم يلزمه الاعادة كالهارب، ولا فرق في هذا بين الحضر والسفر لان المبيح خوف الهلاك وقد تساويا فيه فان أمكن التخلص بدون ذلك كالهارب من السيل يصعد إلى ربوة والخائف من العدو يمكنه دخول حصن يأمن فيه صولة العدو فيصلي فيه ثم يخرج لم يكن له أن يصلي صلاة الخوف لانه لا حاجة إليها ولا ضرورة * (فصل) * فأما العاصي بهربه كالذي يهرب مما يجب عليه وقاطع الطريق واللص والسارق فليس لهم أن يصلوا الخوف لانها رخصة ثبتت للدفع عن نفسه في محل مباح فلا يثبت بالمعصية كرخص السفر * (فصل) * قال أصحابنا يجوز أن يصلوا في حال شدة الخوف جماعة. قال شيخنا ويحتمل أن لا يجوز وهو قول أبي حنيفة لانهم يحتاجون إلى التقدم والتأخر وربما تقدموا على الامام وتعذر عليهم الائتمام، وحجة الاصحاب انها حالة تجوز فيها الصلاة على الانفراد فجاز فيها صلاة الجماعة كالركوب في السفينة ويعفى عن تقدم الامام للحاجة إليه كالعفو عن العمل الكئير ولمن نصر القول الاول أن
[ 141 ]
يفرق بينهما بأن العفو عن العمل الكثير لا يختص الامامة بل هو في حال الانفراد أيضا فلم يؤثر الانفراد في نفسه بخلاف تقدم الامام * (مسألة) * (وهل لطالب العدو الخائف فواته الصلاة كذلك) على روايتين: احداهما له ذلك كالمطلوب سواء، روي ذلك عن شر حبيل بن حسنة وهو قول الاوزاعي لما روى عبد الله بن أنيس قال بعثني رسول الله صلى الله عليه إلى خالد بن سفين الهذلي فقال اذهب فاقتله. فرأيته وحضرت صلاة العصر، فقلت اني لاخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومأ ايماء نحوه. وذكر الحديث رواه أبو داود وظاهر حاله أنه أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم أو كان قد علم جواز ذلك فانه لا يظن به أن يفعل ذلك مخطئا وهو رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يخبره بذلك ولا يسأل عن حكمه. وقال شر حبيل بن حسنة لا تصلوا الصبح إلا على ظهر، فنزل الاشتر فصلى على الارض فمر به شر حبيل فقال مخالف خالف الله به. قال فخرج الاشتر في الفتنة ولانها احدى حالتي الحرب أشبهت حالة الهرب ولان فوات الكفار
ضرر عظيم فأبيحت صلاة الخوف عند فواته كالحالة الاخرى والثانية ليس له أن يصلي الا صلاة آمن وهذا قول أكثر أهل العلم لان الله تعالى قال: (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) فشرط الخوف وهذا غير خائف ولانه آمن فلزمته صلاة الآمن كما لو لم يخش فواتهم، وهذا الخلاف فيمن يأمن رجوعهم عليه ان تشاغل بالصلاة ويأمن على أصحابه. فأما الخائف من ذلك فحكمه حكم المطلوب على ما بينا * (مسألة) * (ومن أمن في الصلاة أتم صلاة آمن، وان ابتدأها آمنا ثم خاف أتم صلاة خائف) متى صلى بعض الصلاة في حال شدة الخوف مع الاخلال بشئ من واجباتها كالاستقبال وغيره فأمن في أثنائها أتمها آتيا بواجباتها، فإذا كان راكبا إلى غير القبلة نزل مستقبل القبلة، وان كان ماشيا وقف واستقبل القبلة وبنى على ما مضى لان ما مضى من صلاته كان صحيحا قبل الامن فجاز
[ 142 ]
البناء عليه كما لو لم يخل بشئ من الواجبات، وكان المريض يبتدئ الصلاة قاعدا إذا قدر على القيام في أثنائها فان ترك الاستقبال حال نزوله أو أخل بشئ من واجباتها بعد أمنه فسدت صلاته، وإن ابتدأ الصلاة آمنا بشروطها وواجباتها ثم حدث له شدة خوف اتمها على حسب ما يحتاج إليه مثل من يكون قائما على الارض مستقبلا فيحتاج أن يركب ويستدبر القبلة ويطعن ويضرب نحو ذلك، فانه يصير إليه ويبني على الماضي من صلاته. وحكي عن الشافعي انه إذا أمن نزل فبنى وإذا خاف فركب ابتدأ، ولا يصح لان الركوب قد يكون يسيرا لا يبطل مثله في حق الآمن ففى حق الخائف أولى كالنزول ولانه عمل أبيح للحاجة فلم يمنع صحة الصلاة كالهرب، ومن صلى صلاة الخوف لسواد ظنه عدوا فبان انه ليس بعدو وبينه وبينه ما يمنعه منه فعليه الاعادة سواء صلى صلاة شدة الخوف أو غيرها، وسواء كان ظنهم مستندا إلى خبر ثقة أو غيره، أو رؤية سواد أو نحوه لانه ترك بعض واجبات الصلاة ظنا منه انه قد سقط فلزمته الاعادة كما لو ترك غسل رجليه ومسح على خفيه ظنا منه إن ذلك بجزي فبانا مخرقين، وكما لو ظن المحدث انه متطهرا فصلى، ويحتمل أن لا يلزم الاعادة إذا كان بينه وبين العدو ما يمنع العبور لان سبب الخوف متحقق وانما خفي المانع والله أعلم
* (باب صلاة الجمعة) * والاصل في فرض الجمعة الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) فأمر بالسعي ومقتضى الامر الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى واجب. والمراد بالسعي هنا الذهاب إليها لا الاسراع، فان
[ 143 ]
السعي في كتاب الله لا يراد به العدو قال الله تعالى (وأما من جاءك يسعى) وقال (وسعى لها سعيها) وقال (ويسعون في الارض فسادا) وقال (سعى في الارض ليفسد فيها) وأشباه هذا لم يرد بشئ منه العدو، وقد روي عن عمر انه كان يقرأ (فامضوا إلى ذكر الله) وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين " متفق عليه، وعن أبي الجعد الضميري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه " وقال عليه السلام " الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض " رواهما أبو داود. وعن جابر قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " واعلموا ان الله تعالى قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا في شهري هذا من عامي هذا فمن تركها في حياتي أو بعد موتي وله امام عادل أو جائر استخفافا
[ 144 ]
بها أو جحودا بها فلا جمع الله له شمله ولا بارك الله أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ولا بر له حتى يتوب، فان تاب تاب الله عليه " رواه ابن ماجة، وأجمع المسلمون على وجوب الجمعة * (مسألة) * (وهي واجبة على كل مسلم مكلف ذكر حر مستوطن ببناء ليس بينه وبين موضع الجمعة. أكثر من فرسخ إذا لم يكن له عذر) يشترط لوجوب الجمعة ثمانية شروط: الاسلام والعقل والذكورية فهذه الثلاثة لا خلاف في اشتراطها لوجوب الجمعة وانعقادها لان الاسلام والعقل شرطان للتكليف وصحة العبادة المحضة،
والذكورية شرط لوجوب الجمعة وانعقادها لما ذكرنا من الحديث ولان الجمعة يجتمع لها الرجال والمرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال ولكن الجمعة تصح منها فان النبي صلى الله عليه وسلم كان النساء يصلين معه في الجماعة
[ 145 ]
الرابع البلوغ وهو شرط لوجوب الجمعة وانعقادها في الصحيح من المذهب للحديث المذكور وهذا قول أكثر أهل العلم ولان البلوغ من شرائط التكليف لقوله صلى الله عليه وسلم " رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ " وذكر بعض أصحابنا في الصبي المميز رواية في وجوبها عليه بناء على تكليفه ولا معول عليه (والخامس) الحرية (السادس) الاستيطان بقرية وسنذكر ذلك في موضعه ان شاء الله تعالى (السابع) أن لا يكون بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ، وهذا الشرط في حق غير أهل المصر، أما أهل المصر فيلزمهم كلهم الجمعة بعدوا أو قربوا، نص عليه أحمد، فقال أما أهل المصر فلابد لهم من شهودها سمعوا النداء أو لم يسمعوا، وذلك لان البلد الواحد يبنى للجمعة فلا فرق فيه
[ 146 ]
بين القريب والبعيد، ولان المصر لا يكاد يكون أكثر من فرسخ فهو في مظنة القرب فاعتبر ذلك وهو قول أصحاب الرأي ونحوه قول الشافعي. فأما غير أهل المصر فمن كان بينه وبين الجامع فرسخ فما دون فعليه الجمعة وإلا فلا جمعة عليه. وروي نحو هذا عن سعيد بن المسيب وهو قول مالك والليث، وروى عبد الله بن عمرو ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " الجمعة على من سمع النداء " رواه أبو داود والاشبه انه من كلام بن عمرو ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال للاعمى الذي قال ليس لي قائد يقودني " أتسمع النداء؟ " قال نعم. " قال فأجب " ولانه داخل في قوله تعالى (فاسعوا إلى ذكر الله) وروي عن ابن عمر وأبي هريرة وأنس والحسن ونافع وعكرمة وعطاء والاوزاعي انهم قالوا الجمعة على من أواه الليل إلى أهله لما روى أبو هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الجمعة على من أواه الليل إلى أهله " وقال أصحاب الرأي لا جمعة على من كان خارج المصر لان
عثمان رضي الله عنه صلى العيد في يوم جمعة ثم قال لاهل العوالي من أراد منكم أن ينصرف فلينصرف ومن أراد أن يقيم حتى يصلي الجمعة ولانهم خارج المصر فأشبهوا أهل الحلل
[ 147 ]
ولنا قول الله تعالى (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) وهذا يتناول أهل المصر إذا سمعوا النداء، وحديث عبد الله بن عمرو، ولانهم من أهل الجمعة يسمعون النداء فأشبهوا أهل المصر، وترخيص عثمان لاهل العوالي انما كان لانه إذا اجتمع عيدان اجتزئ بالعيد وسقطت الجمعة عمن حضر العيد غير الامام، وقياس أهل القرى على أهل الحلل لا يصح لان الحلل لا تعد للاستيطان ولا هم ساكنين بقرية ولا في موضع جعل لاستيطان. وقد ذكر القاضي أن الجمعة تجب عليهم إذا كانوا بموضع يسمعون النداء كأهل القرية، وأما ما احتج به الآخرون من حديث أبي هريرة فهو غير صحيح يرويه عبد الله بن سعيد المقبري وهو ضعيف، قال أحمد بن الحسن ذكرت هذا الحديث لاحمد بن حنبل فغضب وقال استغفر ربك استغفر ربك، وانما فعل هذا لانه لم ير الحديث شيئا بحال اسناده قاله الترمذي. وأما اعتبار حقيقة النداء فغير ممكن لانه قد يكون في الناس الاصم
[ 148 ]
وثقيل السمع، وقد يكون النداء بين يدي المنبر فلا يسمعه إلا أهل المسجد، وقد يكون المؤذن خفي الصوت، أو في يوم ريح، أو يكون المستمع نائما أو مشغولا بما يمنع السماع ويسمع من هو أبعد منه فيفضي إلى وجوبها على البعيد دون القريب، وما هذا سبيله ينبغي أن يقدر بمقدار لا يختلف والموضع الذي يسمع منه النداء في الغالب إذا كانت الاصوات هادئة والموانع منتفية والريح ساكنة والمؤذن صيت على موضع عال والمستمع غير ساه فرسخ أو ما قاربه فحد به والله أعلم * (فصل) * وأهل القرية لا يخلون من حالين: إما أن يكون بينهم وبين المصر أكثر من فرسخ لم يجب عليهم السعي إلى الجمعة وحالهم معتبر بأنفسهم، فان كانوا أربعين واجتمعت فيهم الشرائط فعليهم إقامة الجمعة ولهم السعي إلى المصر، والافضل إقامتها في قريتهم لانه متى سعى بعضهم اختل على الباقين اقامة الجمعة، وإذا أقاموا حضروها جميعهم ولان في اقامتها في موضعهم تكثير جماعات
[ 149 ]
المسلمين، وإن كانوا ممن لا تجب عليهم الجمعة بأنفسهم فهم مخيرون بين السعي إلى المصر وبين الاقامة ويصلون ظهرا، والسعي أفضل ليحصل لهم فضل الساعي إلى الجمعة ويخرجوا من الخلاف (الحال الثاني) أن يكون بينهم وبين المصر فرسخ فما دون، فان كانوا أقل من أربعين فعليهم السعي الي الجمعة لما بينا، وإن كانوا ممن تجب عليهم الجمعة بأنفسهم وكان موضع الجمعة القريب قرية أخرى لم يلزمهم السعي إليها وصلوا في مكانهم إذ ليس إحدى القريتين أولى من الاخرى، ولهم السعي إليها واقامتها في مكانهم أفضل كما ذكرنا، فان سى بعضهم فنقص عدد الباقين لزمهم السعي لئلا يؤدي إلى ترك الجمعة الواجبة وإن كان موضع الجمعة القريب مصرا فهم مخيرون أيضا بين السعي إليه واقامتها في مكانهم كالتي قبلها ذكره ابن عقيل، وعن أحمد ان السعي يلزمهم إلا أن يكون لهم عذر فيصلون جمعة والاول أصح، لان أهل القرية لا ينعقد بهم جمعة أهل المصر فكان لهم اقامة الجمعة في مكانهم
[ 150 ]
كالتي قبلها ولان أهل القرى يقيمون الجمع في بلاد الاسلام في مثل ذلك من غير نكير فكان اجماعا (الشرط الثامن) من انتفاء الاعذار وقد ذكرناها في آخر صلاة الجماعة بما يغني عن اعادتها، والمطر الذي يبل الثياب والوحل الذي يشق المشى فيه من جملة الاعذار. وحكى عن مالك انه كان لا يجعل المطر عذرا في التخلف عنها. ولنا أن ابن عباس أمر مؤذنه في يوم جمعة في يوم مطر فقال إذا قلت أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل حي على الصلاة قل صلوا في بيوتكم. قال فكان الناس استنكروا ذلك، فقال أتعجبون من ذا فعل هذا من هو خير منى. إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أخرجكم إليها فتمشون في الطين والدحض أخرجه مسلم ولانه عذر في ترك الجماعة، وقال أبو حنيفة لا تجب فكان عذرا في ترك الجمعة كالمرض * (فصل) * والعمى ليس بعذر في ترك الجمعة، وقال أبو حنيفة لا تجب على الاعمى. ولنا عموم الآية والاخبار وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للاعمى الذي استأذنه في ترك الخروج إلى الصلاة " أتسمع النداء؟ قال نعم. قال أجب " والله أعلم
[ 151 ]
* (مسألة) * (ولا تجب على مسافر ولا عبد ولا امرأة ولا خنثى) أما المرأة فلا خلاف في انها لا تجب عليها الجمعة حكاه ابن المنذر اجماعا، وحكم الخنثى حكم المرأة لانه لا يعلم كونه رجلا، وأما المسافر فلا جمعة عليه في قول أكثر أهل العلم منهم مالك في أهل المدينة والثوري في أهل العراق والشافعي وإسحق وأبو ثور. وحكى عن الزهري والنخعي انها تجب عليه لان الجماعة تجب عليه فالجمعة أولى ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر فلا يصلي الجمعة في سفره، وكان في حجة الوداع يوم عرفة يوم جمعة فصل الظهر والعصر جمعا بينهما ولم يصل جمعة، والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم كانوا يسافرون في الحج وغيره فلم يصل أحد منهم الجمعة في سفره، وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم. قال ابراهيم كانوا يقيمون بالقرى السنة وأكثر من ذلك
[ 152 ]
وبسجستان السنتين لا يجمعون ولا يشرقون رواه سعيد، وهذا اجماع مع السنة الثابته لا يسوغ مخالفته * (فصل) * وإذا أجمع المسافر اقامة تمنع القصر ولم ينو الاستيطان كطالب العلم أو الرباط أو التاجر ونحوه ففيه وجهان: احدهما تلزمه الجمعة لعموم الآية والاخبار، والثاني لا تجب عليه لانه غير مستوطن والاستيطان من شرائط الوجوب ولانه لم ينو الاقامة في هذا البلد على الدوام أشبه أهل القرية الذين يسكنونها صيفا ويظعنون عنها شتاء، ولانهم كانوا يقيمون السنة والسنتين لا يجمعون ولا يشرقون أي يصلون جمعة ولا عيدا، فان قلنا تجب عليهم الجمعة فالظاهر انها لا تنعقد به لعدم الاستيطان الذي هو من شروط الانعقاد * (فصل) * فأما العبد فالمشهور في المذهب انها لا تجب عليه وهو من سمينا في حق المسافر وفيه رواية أخرى انها تجب عليه نقلها عنه المروذي وهي اختيار أبي بكر إلا انه لا يذهب من غير اذن
[ 153 ]
سيده وهو قول طائفة من أهل العلم واحتجوا بعموم الآية ولان الجماعة تجب عليه والجمعة آكد
منها. وحكى عن الحسن وقتادة انها تجب على العبد الذي يؤدي الضريبة لان حق السيد عليه فلا تحول إلى المال أشبه المدين ولنا ما روى طارق بن شهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض " رواه أبو داود، وقال طارق رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه وهو من أصحابه، وعن جابر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريضا أو مسافرا أو أمرأة أو صبيا أو مملوكا " رواه الدارقطني، ولان الجمعة يجب السعي إليها من مكان بعيد فلم تجب عليه الجمع كالحج والجهاد ولانه محبوس على السيد أشبه المحبوس بالدين، ولانها لو وجبت عليه لجاز له السعي إليها من غير إذن السيد كسائر الفرائض، والآية مخصوصة بذوي الاعذار وهذا منهم
[ 154 ]
* (فصل) * وحكم المكاتب والمدبر في ذلك حكم القن لبقاء الرق فيهما، وكذلك من بعضه حر فان حق السيد متعلق به، وكذلك لا يجب عليه شئ مما ذكرنا عن العبيد * (مسألة) * (ومن حضرها منهم أجزأته ولم تنعقد به ولم يجز له أن يؤم فيها وعنه في العبد انها تجب عليه) من حضر الجمعة من هؤلاء أجزأته عن الظهر لا نعلم فيه خلافا لان اسقاط الجمعة عنهم تخفيفا عنهم فإذا حضروها أجزأتهم كالمريض، والافضل للمسافر حضور الجمعة لانها أكمل وفيه خروج من الخلاف. فأما العبد فان أذن سيده في حضورها فهو أفضل لينال فضل الجمعة ويخرج من الخلاف، وإن منعه سيده فليس له حضورها إلا أن نقول بوجوبها عليه. وأما المرأة فان كانت مسنة فلا بأس بحضورها، وإن كانت شابة جاز لها ذلك وصلاتها في بيتها أفضل. قال أبو عمرو الشيباني رأيت ابن مسعود يخرج النساء من الجامع يوم الجمعة ويقول أخرجن إلى بيوتكن خير لكن
[ 155 ]
* (فصل) * ولا تنعقد الجمعة بأحد من هؤلاء ولا يصح أن يكون إماما فيها، وقال أبو حنيفة والشافعي يجوز أن يكون العبد والمسافر إماما فيها ووافقهم مالك في المسافر. وحكى عن أبي حنيفة
ان الجمعة تصح بالعبيد والمسافرين لانهم رجال تصح منهم الجمعة ولنا انهم من غير أهل فرض الجمعة فلم تنعقد بهم ولم يؤموا فيها كالنساء والصبيان ولان الجمعة انما تصح منهم تبعا لمن انعقدت به، فلو انعقدت بهم أو كانوا أئمة صار التبع متبوعا، وعليه يخرج الحر المقيم ولان الجمعة لو انعقدت بهم لانعقدت بهم منفردين كالاحرار المقيمين وقياسهم ينقض بالنساء والصبيان، وفي العبد رواية انها تجب عليه لعموم الآية وقد ذكرناه * (فصل) * وكلما كان شرطا لوجوب الجمعة فهو شرط لانعقادها فمتى صلوا جمعة مع اختلال بعض شروطها لم تصح ولزمهم أن يصلوا ظهرا ولا يعد في الاربعين الذين تنعقد بهم من لا تجب
[ 156 ]
عليه ولا يعتبر اجتماع الشروط للصحة بل تصح ممن لا تجب عليه تبعا لمن وجبت عليه، ولا يعتبر للوجوب كونه ممن تنعقد به فانها تجب على من يسمع النداء من غير أهل المصر ولا تنعقد به * (مسألة) * (ومن سقطت عنه لعذر إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به) ويصح أن يكون إماما فيها كالمريض ومن حبسه العذر والخوف لان سقوطها عنه انما كان لمشقة السعي، فإذا تكلفوا وحصلوا في الجامع زالت المشقة فصار حكمهم حكم أهل الاعذار * (مسألة) * (ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الامام لم تصح صلاته والافضل لمن لا تجب عليه أن لا يصلي الظهر حتى يصلي الامام) يعني إذا صلى الظهر يوم الجمعة ممن تجب عليه الجمعة قبل صلاة الامام لم يصح صلاته ويلزمه السعي إلى الجمعة ان ظن أنه يدركها لانها المفروضة عليه، فان أدركها صلاها مع الامام وان فاتته فعليه صلاة الظهر، وإن ظن أنه لا يدركها انتظر حتى يتيقن أن الامام قد صلى ثم يصلى الظهر وهذا قول مالك
[ 157 ]
والثوري والشافعي في الجديد. وقال أبو حنيفة والشافعي في القديم: يصح ظهره قبل صلاة الامام لان الظهر فرض الوقت بدليل سائر الايام، وانما الجمعة بدل عنها وقائمة مقامها، وكذلك إذا تعذرت صلى ظهرا، فمن صلى الظهر فقد أتى بالاصل فأجزاة كسائر الايام. قال أبو حنيفة: ويلزمه
السعي إلى الجمعة، فان سعى بطلت ظهره وإن لم يسع اجزأته ولنا أنه صلى ما لم يخاطب به وترك ما خوطب به فلم يصح كما لو صلى العصر مكان الظهر ولا نزاع أنه مخاطب بالجمعة وقد دل عليه النص والاجماع، ولا خلاف في أنه يأثم بتركها وترك السعي إليها ويلزم من ذلك أن لا يخاطب بالسعي بالظهر لانه لا يخاطب بصلاتين في الوقت، ولانه يأثم بترك الجمعة وإن صلى الظهر، ولا يأثم بترك الظهر وفعل الجمعة بالاجماع، والواجب ما يأثم بتركه دون ما لم يأثم به، وقولهم أن الظهر فرض الوقت لا يصح لانها لو كانت الاصل لوجب عليه فعلها وأثم
[ 158 ]
بتركها ولم يجزئه صلاة الجمعة مكانها لان البدل انما يصار إليه عند تعذر المبدل بدليل سائر الابدال ولان الظهر لو صحت لم تبطل بالسعي إلى غيرها كسائر الصلوات الصحيحة ولان الصلاة إذا فرغ منها لم تبطل بمبطلاتها فكيف تبطل بما ليس من مبطلاتها ولا ورد به الشرع. وأما إذا فاتته الجمعة فانه يصير إلى الظهر لتعذر قضاء الجمعة لكونها لا تصح إلا بشروطها، ولا يوجد ذلك في قضائها فتعين المصير إلى الظهر عند عدمها وهذا حال البدل (فصل) فان صلى الظهر ثم شك هل صلى قبل صلاة الامام أو بعدها لزمته الاعادة لان الاصل بقاء الصلاة في ذمته ولانه صلاها مع الشك في شرطها فلم تصح كما لو صلاها مع الشك في طهارتها، وإن صلاها مع صلاة الامام لم تصح لانه صلاها قبل فراغ الامام أشبه ما لو صلاها قبله في وقت لا يعلم أنه لا يدركها
[ 159 ]
(فصل) فان اتفق أهل بلد أو قرية ممن تجب عليهم الجمعة على تركها وصلوا ظهرا لم تصح صلاتهم لما ذكرنا، فإذا خرج وقت الجمعة لزمه اعادة الظهر لتعذر فعل الجمعة بعد الوقت (فصل) فأما من لا تجب عليه الجمعة كالعبد والمرأة والمسافر والمريض وسائر المعذورين فله أن يصلي الظهر قبل صلاة الامام في قول عامة أهل العلم. وقال أبو بكر عبد العزيز: لا تصح صلاته قبل الامام لانه لا يتيقن بقاء العذر فلم تصح صلاته كغير المعذور
ولنا أنه لم يخاطب بالجمعة فصحت منه الظهر كالبعيد من موضع الجمعة، وقوله لا يتيقن بقاء العذر، قلنا أما المرأة فيتيقن بقاء عذرها، وأما غيرها فالظاهر بقاء عذره والاصل استمراره فأشبه المتيمم إذا صلى في أول الوقت، والمريض إذا صلى جالسا إذا ثبت هذا فانه إذا سعى إلى الجمعة بعد أن صلاها لم تبطل ظهره وكانت الجمعة نفلا في حقه وسواء زال عذره أو لم يزل. وقال أبو حنيفة: يبطل ظهره بالسعي إليها كالتي قبلها
[ 160 ]
ولنا ما روى أبو العالية قال: سألت عبد الله بن الصامت فقلت نصلي يوم الجمعة خلف أمراء فيؤخرون الصلاة فقال: سألت أبا ذر عن ذلك فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة " وفي لفظ " فان أدركتها معهم فصل فانها لك نافلة " ولانها صلاة صحيحة أسقطت فرضه وأبرأت ذمته أشبه ما لو صلى الظهر منفردا، ثم سعى إلى الجماعة والافضل لهم أن لا يصلوا حتى يصلي الامام لان فيه خروجا من الخلاف ولان غير المرأة يحتمل زوال أعذارهم فيدركون الجمعة (فصل) ولا يكره لمن فاتته الجمعة أو لم يكن من أهل فرضها أن يصلي الظهر في جماعة إذا أمن أن ينسب إلى مخالفة الامام والرغبة عن الصلاة معه أو أن يرى الاعادة إذا صلى معه فعل ذلك ابن مسعود وأبو ذر والحسن بن عبيد الله وأياس بن معاوية وهو قول الاعمش والشافعي وأسحق وكره
[ 161 ]
الحسن وأبو قلابة ومالك وأبو حنيفة لان زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخل من معذورين فلم ينقل أنهم صلوا جماعة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة " وروي عن ابن مسعود أنه فاتته الجمعة فصلى بعلقمة والاسود احتج به احمد وفعله من ذكرنا من قبل ومطرف وابراهيم. قال أبو عبد الله: ما أعجب الناس ينكرون هذا، فأما زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينقل الينا أنه اجتمع جماعة معذورون يحتاجون إلى اقامة الجماعة، إذا ثبت هذا فانه لا يستحب
اعادتها جماعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في مسجد تكره اعادة الجماعة فيه ولا في المسجد الذي أقيمت فيه الجمعة لانه يفضي إلى أن ينسب إلى الرغبة عن الجمعة، وأنه لا يرى الصلاة خلف الامام أو يرى الاعادة معه وفيه افتيات على الامام وربما أفضى إلى فتنة أو لحوق ضرر به، وانما يصليها في منزله أو في موضع لا يحصل هذه المفسدة بالصلاة فيه
[ 162 ]
* (مسألة) * (ولا يجوز لمن تلزمه الجمعة السفر في يومها بعد الزوال) وبه قال الشافعي واسحق وابن المنذر، وقال أبو حنيفة يجوز. وسئل الاوزاعي عن مسافر سمع أذان الجمعة وقد أسرج دابته فقال ليمض في سفره ولان عمر رضي الله عنه قال: الجمعة لا تحبس عن سفر ولنا ما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من سافر من دار اقامة الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره ولا يعان على حاجته " روه الدارقطني في الافراد ولان الجمعة قد وجبت عليه فلم يجز له الاشتغال بما يمنع منها كما لو تركها لتجارة وما روي عن عمر فقد روي عن ابنه وعائشة ما يدل على كراهية السفر يوم الجمعة فتعارض قوله ويمكن حمله على السفر قبل الوقت * (مسألة) * (ويجوز قبله وعنه لا يجوز، وعنه يجوز للجهاد خاصة السفر بعد الزوال فيجوز للجهاد خاصة وكذلك ذكره القاضي لما روى ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة فقدم أصحابه وقال: لعلي أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ألحقهم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه فقال " ما منعك أن تغدوا مع أصحابك " فقال: أردت
[ 163 ]
أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو أنفقت ما في الارض ما أدركت فضل غدوتهم " رواه الامام احمد وفيه رواية ثانية أن ذلك لا يجوز لما ذكرنا من حديث ابن عمر وفيه رواية ثالثة أنه يجوز مطلقا اختاره شيخنا لحديث عمر وكما لو سافر من الليل، فأما ان خاف المسافر فوات رفقته جاز له ترك الجمعة لانه من الاعذار المسقطة للجمعة والجماعة، وسواء كان في بلده وأراد انشاء السفر أو في غيره
(فصل) ويشترط لصحة الجمعة أربعة شروط أحدها الوقت وأول وقتها أول وقت صلاة العيد. وقال الخرقي: يجوز فعلها في الساعة السادسة، وفي بعض النسخ في الخامسة، والصحيح في السادسة وآخره آخر وقت صلاة الظهر لا تصح الجمعة قبل وقتها ولا بعده اجماعا، ولا خلاف فيما علمنا أن آخر وقتها آخر وقت صلاة
[ 164 ]
الظهر. فأما أوله فقد ذكرنا قول الخرقي انه لا يجوز قبل الساعة السادسة أو الخامسة على ما نقل عنه وقال القاضي وأصحابه أوله أول وقت صلاة العيد، ورواه عبد الله بن أحمد عن أبيه قال نذهب إلى انها كصلاة العيد. قال مجاهد ما كان للناس عيد إلا في أول النهار، وقال عطاء كل عيد حين يمتد الضحى الجمعة والاضحى والفطر لما روي ان ابن مسعود قال ما كان عيد إلا في أول النهار، وروي عنه وعن معاوية انهما صليا الجمعة ضحى وقالا انما عجلنا خشية الحر عليكم. وعن ابن مسعود قال لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا الجمعة في ظل الخيم رواه ابن البحتري في أماليه باسناده، والدليل على انها عيد قول النبي صلى الله عليه وسلم حين اجتمع العيد والجمعة " قد اجتمع
[ 165 ]
لكم في يومكم هذا عيدان " وقال أكثر أهل العلم وقتها وقت الظهر إلا أنه يستحب تعجيلها في أول وقتها لقول سلمة بن الاكوع كنا نجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتبع الفئ متفق عليه. قال أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة حين تميل الشمس رواه البخاري ولانهما صلاتا وقت فكان وقتهما واحدا كالمقصورة والتامة ولان آخر وقتها واحد فكان أوله واحدا كصلاة الحضر والسفر ولنا على جوازها في السادسة السنة والاجماع، أما السنة فما روى جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي يعني الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس أخرجه مسلم. وعن سهل بن سعد قال ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه، قال ابن قتيبة لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال. وعن سلمة قال كنا نصلي مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان فئ، رواه أبو داود: وأما الاجماع فروى
[ 166 ]
الامام أحمد عن وكيع عن جعفر بن برقان عن ثابت بن عبد الله بن سيدان قال شهدت الخطبة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، وشهدتها مع عمر بن الخطاب فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول قد انتصف النهار، ثم صليتها مع عثمان بن عفان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول زال النهار فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره. وروي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية انهم صلوا قبل الزوال وأحاديثهم تدل ان النبي صلى الله عليه وسلم فعلها بعد الزوال في كثير من أوقاته، ولا خلاف في جوازه وانه الاولى، وأحاديثنا تدل على جواز فعلها قبل الزوال فلا تعارض بينهما. قال شيخنا وأما فعلها في أول النهار فالصحيح انه لا يجوز لما ذكره أكثر العلماء ولان التوقيت لا يثبت إلا بدليل من نص أو ما يقوم مقامه، وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفائه انهم صلوها في أول النهار ولان مقتضى الدليل كون وقتها وقت الظهر وانما جاز تقديمها
[ 167 ]
عليه بما ذكرنا من الدليل وهو مختص بالساعة السادسة فلم يجز تقديمها عليها ولانها لو صليت في وقت الضحى لفاتت أكثر المصلين إذا ثبت ذلك، فالاولى فعلها بعد الزوال لان فيه خروجا من الخلاف ولانه الوقت الذي كان يفعلها فيه رسول الله صلى الله عليه في اكثر أوقاته. وتعجيلها في أول وقتها في الشتاء والصيف لانه صلى الله عليه وسلم كان يعجلها لما روينا من الاخبار، ولان الناس يجتمعون إليها في أول وقتها ويبكرون إليها قبل وقتها فلو ابرد لشق على الحاضرين، وانما جعل الابراد بالظهر في شدة الحر دفعا للمشقة والمشقة في الابراد بها في الجمعة أكثر * (مسألة) * (فان خرج وقتها قبل فعلها صلوا ظهرا لفوات الشرط لا نعلم في ذلك خلافا) * (مسألة) * (وإن خرج وقد صلوا ركعة أتموها جمعة، وإن خرج قبل ركعة فهل يتمونها ظهرا أو يستأنفونها على وجهين)
[ 168 ]
متى خرج وقت الجمعة قبل تمامها فان كان بعد أن صلوا ركعة أتموها جمعة وهذا اختيار شيخنا وظاهر قول الخرقي، وقال القاضى متى أحرموا بها في الوقت قبل خروجه أتموها جمعة ونحوه، قال أبو الخطاب لانه أحرم بها في وقتها ما لو أتمها فيه. والمنصوص عن أحمد انه إن دخل وقت العصر بعد تشهده وقبل سلامه سلم وأجزأته وهذا قول أبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة متى خرج الوقت قبل الفراغ منها بطلت ولا ينى عليها ظهرا لانهما صلاتان مختلفتان فلا تنبني إحداهما على الاخرى كالظهر والعصر. والظاهر أن مذهب أبي حنيفة في هذا كمذهب صاحبيه لان السلام عنده ليس بواجب في الصلاة، وقال الشافعي لا يتمها جمعة ويبنى عليها ظهرا لانهما صلاتا وقت فجاز بناء احداهما على الاخرى كصلاة السفر والحضر، واحتجوا على انه لا يتمها جمعة بأن ما كان شرطا في بعضها كان شرطا في جميعها كالطهارة ولنا قوله عليه السلام " من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة " ولانه أدرك ركعة من
[ 169 ]
الجمعة فكان مدركا لها كالمسبوق ولان الوقت شرط يختص الجمعة فاكتفى به في ركعة كالجماعة، وما ذكروه ينتقض بالجماعة * (فصل) * فان دخل وقت العصر قبل ركعة لم تحصل لهم جمعة لان قوله عليه السلام " من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة " يدل بمفهومه على انه إذا أدرك أقل من ذلك لا يكون مدركا ويلزمه الظهر، وهل يبنى أو يستأنف، فعلى قياس قول الخرقي تفسد صلاته ويستأنفها ظهرا كمذهب أبي حنيفة، وعلى قياس قول أبي إسحق بن شاقلا يتمها ظهرا لقول الشافعي وقد ذكرنا وجه القولين * (فصل) * إذا أدرك من الوقت ما يمكنه أن يخطب ثم يصلي ركعة فله التلبس بها على قياس قول الخرقي لانه أدرك من الوقت ما يدركها فيه، فان شك هل أدرك من الوقت ما يدركها أو لا صحت لان الاصل بقاء الوقت وصحتها
[ 170 ]
* (مسألة) * (الثاني أن تكون بقرية يستوطنها أربعون من أهل وجوبها فلا تجوز اقامتها في غير ذلك)
الاستيطان شرط لصحة الجمعة في قول أكثر أهل العلم وهو الاقامة في قرية مبنية بما جرت به العادة بالبناء به من حجر أو طين أو لبن أو قصب أو شجر أو نحوه فلا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء لان ذلك هو الاستيطان غالبا. فأما أهل الخيام والحركات وبيوت الشعر فلا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم لان ذلك لا ينصب للاستيطان غالبا، وكذلك كانت قبائل العرب حول المدينة فلا يقيموا جمعة ولا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، فانه لو كان ذلك لم يخف ولم يترك نقله مع كثرته وعموم البلوى به، لكن إن كانوا مقيمين بموضع يسمعون النداء لزمهم السعي إليها كأهل القرية الصغيرة إلى جانب المصر ذكره القاضي، فان كان أهل القرية يظعنون عنها في بعض السنة لم تجب
[ 171 ]
عليهم الجمعة، فان خرجت القرية أو بعضها وأهلها مقيمون بها عازمون على اصلاحها فحكمها باق في اقامة الجمعة بها، وإن عزموا على النقلة عنها لم تجب عليهم لعدم الاستيطان، ومتى كانت القرية لا يجب على أهلها بأنفسهم وكانوا بحيث يسمعون النداء من المصر أو من قرية تقام فيها الجمعة لزمهم السعي إليها لعموم الآية، وكذلك إن كان بناؤها متفرقا تفرقا لم تجر العادة به
[ 172 ]
* (مسألة) * (ويجوز اقامتها في الابنية المتفرقة إذا شملها اسم واحد) وفيما قارب البنيان من الصحراء تجوز اقامة الجمعة المتفرقة البنيان إذا كان تفرقا جرت العادة به في القرية الواحدة، فان كانت متفرقة في قرية تفرقا لم تجر به العادة لم تجب عليهم الجمعة إلا أن يجتمع منها ما يسكنه اربعون فتجب بهم الجمعة ويتبعهم الباقون، ولا يشترط اتصال البنيان بعضه ببعض. وحكى عن الشافعي اشتراطه ولنا أن القرية المتقاربة البنيان قرية مبنية بما جرت به عادة القرى أشبهت المتصلة
[ 173 ]
* (فصل) * ولا يشترط لصحة الجمعة البنيان بل يجوز اقامتها فيما قاربه من الصحراء وبهذا قال الامام أبو حنيفة، وقال الامام الشافعي لا يجوز لانه موضع يجوز لاهل المصر قصر الصلاة فيه أشبه البعيد
ولنا ما روى كعب بن مالك انه قال أسعد بن ذرارة أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخضمات رواه أبو داود. وقال ابن جريج قلت لعطاء يعني أكان
[ 174 ]
بأمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم. والبقيع بطن من الارض يستنقع فيه المأمدة، فإذا نضب الماء نبت الكلا. قال الخطابي حرة بني بياضة قرية على ميل من المدينة ولانه موضع لصلاة العيد فجازت فيه الجمعة كالجامع ولان الاصل اشتراط ذلك ولا نص في اشتراطه ولا معنى نص * (فصل) * ولا يشترط لصحة الجمعة المصر. روي نحو ذلك عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز والاوزاعي والليث ومكحول وعكرمة والشافعي، وروي عن علي رضي الله عنه انه لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وبه قال الحسن وابن سيرين وابراهيم وأبو حنيفة. ولنا ما ذكرنا من حديث أسعد بن ذرارة رواه البخاري باسناده عن ابن عباس إن أول جمعة بعد جمعة بالمدينة لجمعة جمعت بجوارنا من البحرين من قرى عبد القيس، وروى أبو هريرة انه كتب إلى عمر يسأله عن الجمعة بالبحرين وكان عاملا عليها، فكتب إليه عمر جمعوا حيث كنتم رواه الاثرم
[ 175 ]
قال الامام أحمد رحمه الله تعالى اسناده جيد فأما خبرهم فلم يصح، قال الامام أحمد ليس هذا بحديث انما هو عن علي وقد خالفه عمر * (فصل) * وإذا كان أهل المصر دون الاربعين فجاءهم أهل قرية فأقاموا الجمعة في المصر لم تصح لان أهل القرية غير مستوطنين في المصر وأهل المصر لا تنعقد بهم الجمعة لقلتهم، وإن كان أهل القرية ممن تجب عليهم الجمعة بأنفسهم لزم أهل المصر السعي إليهم إذا كان بينهما أقل من فرسخ فلزمهم السعي إليها كما يلزم أهل القرية السعي إلى المصر إذا أقيمت به وكان أهل القرية دون الاربعين وإن كان في كل واحد دون الاربعين لم تجز اقامة الجمعة في واحد منهما * (مسألة) * الثالث (حضور أربعين من أهل القرية في ظاهر المذهب وعنه تنعقد بثلاثة)
حضور أربعين شرط لوجوب الجمعة وصحتها في ظاهر المذهب، روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وعبيد الله بن عبد الله وهو قول مالك والشافعي، وروي عن الامام أحمد انها لا تنعقد إلا بخمسين لما روى أبو بكر النجاد عن عبد الملك الرقاشي ثنا رجا بن سلمة ثنا عباد بن عباد المهبي عن جعفر ابن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تجب الجمعة على خمسين رجلا ولا تجب على من دون ذلك " وباسناده عن الزهري عن أبي سلمة قال قلت لابي هريرة على كم
[ 176 ]
تجب الجمعة من رجل؟ قال لما بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين جمع بهم رسول الله صلى الله عليه، وعنه رواية ثالثة انها تنعقد بثلاثة وهو قول الاوزاعي لان اسم الجمع يتناوله فانعقدت به الجمعة كالاربعين ولان الله تعالى قال (فاسعوا إلى ذكر الله) بصيغة الجمع فيدخل فيه الثلاثة. وحكى أبو الحرث عن الامام احمد إذا كانوا ثلاثة من أهل القرى جمعوا فيحتمل أن يختص ذلك أهل القرى لقلتهم، وقال أبو حنيفة تنعقد بأربعة لانه عدد زيد على أقل الجمع المطلق أشبه الاربعين وقال ربيعة تنعقد باثنى عشر لما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم كتب الي مصعب بن عمير بالمدينة فأمره أن يصلي عند الزوال ركعتين وأن يخطب فيهما، فجمع مصعب بن عمير في بيت سعد بن خيثمة باثنى عشر رجلا، وعن جابر قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقدمت سويقة فخرج الناس إليها فلم يبق إلا اثنى عشر رجلا أنا فيهم فأنزل الله (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) الآية. رواه مسلم، وما يشترط للابتداء يشترط للاستدامة ولنا حديث كعب الذي رويناه وفى الحديث قلت له كم كنتم يومئذ؟ قال أربعون. رواه الدارقطني، وقول الصحابي مضت السنة تنصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فأما حديث مصعب بن عمير انهم كانوا اثنا عشر فلا يصح فان حديث كعب أصح منه، رواه أصحاب السنن والخبر الآخر يحتمل انهم عادوا فحضروا القدر الواجب، ويحتمل انهم عادوا قبل طول الفصل. وأما الثلاثة والاربعة فتحكم بالرأي فيما لا مدخل للرأي فيه لان التقدير بابه التوقيف ولا معنى لاشتراط كونه جمعا ولا للزيادة على الجمع إذ لا نص فيه ولا معنى نص، ولو كان الجمع كافيا لاكتفى باثنين
لان الجماعة تنعقد بهما.
[ 177 ]
* (مسألة) * (فان نقصوا قبل اتمامها استأنفوا ظهرا ويحتمل أنهم ان نقصوا بعد ركعة أتموها جمعة وإن نقصوا قبل ركعة أتموها ظهرا) المشهور في المذهب أنه يشترط كمال العدد في جميع الصلاة وقال أبو بكر: لا أعلم خلافا عن الامام احمد ان لم يتم العدد في الصلاة والخطبة أنهم يعيدون الصلاة وهذا أحد قولي الامام الشافعي لانه شرط للصلاة فاعتبر في جميعها كالطهارة ويحتمل أنهم ان نقصوا بعد ركعة أتموها جمعة وهذا قياس قول الخرقي، وبه قال الامام مالك وقال المزني: هو أشبه عندي لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من أدرك من الجمعة ركعة أضاف إليها أخرى " ولانهم أدركوا ركعة فصحت لهم الجمعة كالمسبوق بركعة وهذا اختيار شيخنا. وقال أبو حنيفة: ان نقصوا بعدما صلوا ركعة بسجدة واحدة أتموها جمعة لانهم أدركوا معظم الركعة فأشبه ما لو أدركوها بسجدتيها. وقال اسحاق: ان بقي معه اثنا عشر أتمها جمعة لان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم انفضوا عنه فلم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا فأتمها جمعة. وقال الامام الشافعي في أحد أقواله: ان بقي معه اثنان أتمها جمعة وهو قول الثوري لانه أقل الجمع وحكي عنه أبو ثور ان بقي معه واحد أتمها جمعة لان الاثنين جماعة ولنا أنهم لم يدركوا ركعة كاملة بشروط الجمعة فأشبه ما لو نقص الجمع قبل ركوع الاولى. وقولهم أدرك معظم الركعة يبطل بمن لم يفته من الركعة الاولى إلا السجدتان فانه قد أدرك معظمها وقول الامام الشافعي: بقى معه من تنعقد به الجماعة لا يصح لان هذا لا يكتفي في الابتدا فلا يكتفي في الدوام إذا ثبت هذا فكل موضع قلنا لا يتمها جمعة فقياس قول الخرقي أنها تبطل ويستأنفها ظهرا إلا أن يمكنهم فعل الجمعة مرة أخرى فيعيدونها وحكاه أبو بكر عن الامام احمد، وقياس قول أبي اسحاق بن شاقلا أنهم يتمونها ظهرا وهذا قول القاضي وقال: قد نص الامام احمد في الذي زحم عن أفعال الجمعة حتى سلم الامام يتمها ظهرا ووجه القولين قد تقدم * (مسألة) * (ومن أدرك مع الامام منها ركعة أتمها جمعة)
وهذا قول أكثر أهل العلم منهم ابن مسعود وابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب والحسن وعلقمة والاسود والزهري ومالك، والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وقال عطاء وطاوس ومجاهد من لم يدرك الخطبة صلى أربعا لان الخطبة شرط للجمعة فلا تكون جمعة في حق من لم يوجد في حقه شرطها ولنا ما روى أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أدرك من
[ 178 ]
الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة " رواه الاثرم ورواه ابن ماجه " فليصل إليها أخرى " وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " متفق عليه، ولانه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم * (مسألة) * (ومن أدرك أقل من ركعة أتمها ظهرا إذا كان قد نوى الظهر في قول الخرقي. وقال أبو إسحق بن شاقلا: ينوي جمعة ويتمها ظهرا) أما من أدرك أقل من ركعة فلا يكون مدركا للجمعة ويصلي الظهر أربعا وهذا قول جميع من ذكرنا في المسألة المتقدمة إلا أن الامام أبا حنيفة فانه قال: يكون مدركا للجمعة بأي قدر أدرك من الصلاة مع الامام وهو قول الحكم وحماد لان من لزمه أن يبني على صلاة الامام بادراك ركعة لزمه بادراك أقل منها كالمسافر يدرك المقيم ولانه أدرك جزأ من الصلاة فكان مدركا لها كالظهر ولنا قوله عليه السلام " من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة " فمفهومه أنه إذا أدرك أقل من ركعة لم يدركها، ولانه قول من سمينا من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ولا مخالف لهم في عصرهم فيكون اجماعا، وقد روى بشر بن معاذ الزيات عن الزهري عن أبي سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من أدرك يوم الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى " ومن أدرك دونها صلى أربعا ومن لم يدرك ركعة فلا تصح له جمعة كالامام إذا نقصوا قبل السجود وأما المسافر فادراكه ادراك الزام، وهذا ادراكه ادراك اسقاط للعدد فافترقا وكذلك يتم المسافر خلف المقيم، ولا يقصر المقيم خلف المسافر، وأما الظهر فليس من شرطها الجماعة بخلاف مسئلتنا
(فصل) وكل من أدرك مع الامام ما لا يتم له به جمعة، فانه في قول الخرقي ينوي ظهرا، فان نوى جمعة لم تصح في ظاهر كلامه وكلام احمد في رواية صالح وابن منصور يحتمل هذا القول فيمن أحرم ثم زحم عن الركوع والسجود حتى سلم امامه، قال يستقبل ظهرا أربعا وذلك لان الظهر لا يتأدى بنية الجمعة ابتداء فكذلك استدامته كالظهر مع العصر. وقال أبو إسحق بن شاقلا ينوي جمعة لئلا يخالف نية امامة ثم يبني عليها ظهرا وهذا ظاهر قول قتادة وأيوب ويونس والشافعي لانه لا يجوز أن يأتم بمن يصلي جمعة فجاز أن يبني صلاته على نيتها كصلاة المقيم مع المسافر، وكما ينوي أنه مأموم ويتم صلاته بعد مفارقة امامة منفردا ولانه يصح أن ينوي الظهر خلف من يصلي الجمعة في ابتدائها فكذلك في انتهائها (فصل) إذا صلى الامام الجمعة قبل الزوال فأدرك المأموم معه دون الركعة لم يكن له الدخول معه لانها في حقه ظهر فلا تجوز قبل الزوال كغير يوم الجمعة فان دخل معه كانت نفلا في حقه ولم
[ 179 ]
تجزه عن الظهر، ولو أدرك معه ركعة ثم زحم عن سجودها وقلنا تصير ظهرا، فانها تنقلب نفلا لئلا تكون ظهرا قبل وقتها (فصل) ومن أحرم مع الامام ثم زحم عن السجود سجد على ظهر انسان ورجله اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله فيمن أحرم مع الامام ثم زحم فلم يقدر على الركوع حتى سلم الامام فروي أنه يكون مدركا للجمعة اختارها الخلال وهو قول الحسن وأصحاب الرأي لانه أحرم بالصلاة مع امامه في أولها فأشبه ما لو ركع وسجد معه ونقل عنه أنه يستقبل الصلاة أربعا اختاره أبو بكر وابن أبي موسى وهو قول الشافعي وابن المنذر لانه لم يدرك ركعة كاملة فلم يكن مدركا للجمعة كالمسبوق وهذا ظاهر كلام الخرقي، وجملة ذلك أن من زحم عن السجود في الجمعة سجد على ظهر انسان أو رجله إذا أمكنه ذلك وأجزأه. قال احمد في رواية احمد بن هشام: يسجد على ظهر الرجل والقدم ويمكن الجبهة والانف في العيدين والجمعة وبهذا قال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر. وقال عطاء والزهري ومالك: لا يفعل، فان فعل، فقال مالك: تبطل الصلاة لقول
رسول الله صلى الله عليه وسلم " ومكن جبهتك الارض " ولنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إذا اشتد الزحام فليسجد على ظهر أخيه. رواه سعيد في سننه، وهذا قاله بمحضر من الصحابة وغيرهم في يوم جمعة ولم يظهر له مخالف فكان اجماعا ولانه أتى بما يمكنه حال العجز فصح كالمريض يسجد على المرفقة والخبر لم يتناول العاجز لان الله تعالى قال (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (مسألة) * (فان لم يمكنه سجد إذا زال الزحام إلا أن يخاف فوات الثانية فيتابع الامام فيها وتصير أولاه ويتمها جمعة) وجملة ذلك أن من زحم في احدى الركعتين فأما أن يزحم في الاولى أو الثانية، فان كان في الاولى ولم يتمكن من السجود على ظهر ولا قدم انتظر حتى يزول الزحام ثم يسجد ويتبع امامه لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بذلك في صلاة الخوف بعسفان للعذر والعذر موجود، فإذا قضى ما عليه وأدرك امامه قبل رفع رأسه من الركوع اتبعه وصحت له الركعة، وهكذا لو تعذر عليه السجود مع امامه لمرض أو نوم أو نسيان لان ذلك عذر أشبه المزحوم، فان خاف أنه ان تشاغل بالسجود فاته الركوع مع الامام في الثانية لزمه متابعته وتصير الثانية أولاه وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة يشتغل بالسجود لانه قد ركع مع الامام فيجب عليه السجود بعده كما لو زال الزحام والامام قائم وللشافعي كالمذهبين
[ 180 ]
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " انما جعل الامام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا " فان قيل فقد قال " فأذا سجد فاسجدوا " قلنا قد سقط الامر بالمتابعة في السجود عن هذا للعذر وبقي الامر بالمتابعة في الركوع لامكانه ولانه خائف فوات الركوع فلزمته متابعة امامه كالمسبوق، أما إذا كان الامام قائما فليس هذا اختلافا كثيرا إذا ثبت أنه يتابع الامام في الركوع، فان أدركه راكعا صحت له الثانية وتصير الثانية أولاه وتبطل الاولى في قياس المذهب لكونه ترك منها ركنا وشرع في الثانية فبطلت الاولى على ما ذكرنا في سجود السهو ويتمها جمعة لانه أدرك منها ركعة مع الامام فان لم يقم
ولكن يسجد السجدتين من غير قيام تمت ركعته، وإن فاته الركوع وسجد معه فان سجد السجدتين معه فقال القاضي يتم بها الركعة الاولى وهذا مذهب الامام الشافعي رحمه الله تعالى. وقال أبو الخطاب إذا سجد معتقدا جواز ذلك اعتد له به وتصح له الركعة كما لو سجد وامامه قائم، ثم إن أدرك الامام في ركوع الثانية صحت له الركعتان وإن أدركه بعد رفع رأسه من ركوعها فينبغي أن يركع ويتبعه لان هذا سبق يسير ويحتمل أن تفوته الثانية بفوات الركوع كالمسبوق * (مسألة) * (فان لم يتابع الامام عالما بتحريم ذلك بطلت صلاته، وإن جهل تحريمه فسجد ثم أدرك الامام في التشهد أتى بركعة أخرى بعد سلام الامام وصحت جمعته وعنه يتمها ظهرا) وجملته أن من زحم عن السجود في الركعة الاولى وخاف فوات الركعة الثانية مع الامام ان اشتغل بالسجود لزمه متابعته في ركوع الثانية لما ذكرنا، فان ترك متابعة امامه عالما بتحريم ذلك بطلت صلاته لانه ترك الواجب فيها عمدا وفعل ما لا يجوز فعله، وإن اعتقد جواز ذلك فسجد لم يعتد بسجوده لانه سجد في موضع الركوع جهلا أشبه الساهي. وقال أبو الخطاب يعتد له به فان أدرك الامام في التشهد تابعه وقضى ركعة بعد سلامه كالمسبوق ويسجد للسهو. قال شيخنا ولا وجه للسجود هنا لان الامام ليس عليه سجود سهو، وإن زحم عن سجدة واحدة أو عن الاعتدال بين السجدتين أو بين الركوع والسجود فالحكم فيه كالحكم في ازدحام عن السجود * (فصل) * فأما إن زحم عن السجود في الثانية فزال الزحام قبل سلام الامام سجد وتبعه وصحت له الركعة، وإن لم يزل حتى سلم فان كان أدرك الركعة الاولى فقد أدرك الجمعة ويسجد للثانية بعد سلام الامام ويتشهد ويسلم فقد تمت جمعته، وإن لم يكن أدرك الاولى فانه يسجد بعد سلام امامه وتصح له ركعة وهل يكون مدركا للجمعة بذلك على روايتين * (فصل) * وإذا أدرك مع الامام ركعة فلما قام ليقضي الاخرى ذكر انه لم يسجد مع أمامه إلا سجدة واحدة وشك في ذلك فان لم يكن شرع في قراءة الثانية رجع فسجد للاولى فأتمها وقضى
[ 181 ]
الثانية وأتم الجمعة نص عليه الامام أحمد في رواية الاثرم، وإن كان شرع في قراءة الثانية بطلت الاولى
وصارت الثانية أولاه ويتمها جمعة على ما نقله الاثرم. وقياس الرواية الاخرى في المزحوم انه يتمها ها هنا ظهرا لانه لم يدرك ركعة كاملة، ولو قضى الركعة الثانية ثم علم انه ترك سجدة من احداهما لا يدري من أيهما تركها فالحكم واحد ويجعلها من الاولى ويأتي بركعة مكانها وفي كونه مدركا للجمعة وجهان: فأما إن شك في ادراك الركوع مع الامام مثل أن كبر والامام راكع فرفع امامه رأسه فشك هل أدرك المجزئ من الركوع مع الامام أو لا لم يعتد بتلك الركعة ويصلي ظهرا قولا واحدا لان الاصل أنه ما أتى بها معه وفي كل موضع لا يكون مدركا للجمعة فعلى قول الخرقي ينوي ظهرا، فان نوى جمعة لزمه استئناف الظهر، ويحتمله كلام الامام أحمد في رواية صالح وابن منصور وعلى قول إسحق بن شاقلا ينوي جمعة لئلا يخالف امامه ويتمها ظهرا وقد ذكرنا وجه القولين * (فصل) * ولو صلى مع الامام ركعة ثم زحم في الثانية فأخرج من الصف فصار فذا فنوى الانفراد عن الامام قياس المذهب انه يتمها جمعة لانه أدرك منها ركعة مع الامام أشبه ما لو أدرك الثانية، وإن لم ينو الانفراد وأتمها مع الامام ففيه روايتان: احداهما لا يصح لانه قد فذ في ركعة كاملة أشبه ما لو فعل ذلك عمدا، والثانية يصح لانه قد يعفى في البناء عن تكميل الشروط كما لو خرج الوقت وقد صلوا ركعة وكالمسبوق * (مسألة) * الرابع (أن يتقدمها خطبتان من شرط صحتهما حمد الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم وقراءة آية والوصية بتقوى الله تعالى) وحضور العدد المشترط للخطبة، وبه قال عطاء والنخعي وقتادة والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وقال الحسن تجزيهم الجمعة من غير خطبة لانها صلاة عيد فلم يشترط لها الخطبة كصلاة الاضحى ولنا قول الله سبحانه وتعالى (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) والذكر هو الخطبة ولان النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الخطبة وقد قال " صلوا كما رأيتموني أصلي " وعن عمر رضي الله عنه انه قصر في الصلاة لاجل الخطبة، وعن عائشة رضي الله عنها نحو هذا * (فصل) * ويشترط لها خطبتان وهذا مذهب الامام الشافعي. وقال مالك والاوزاعي وإسحق وابن المنذر وأصحاب الرأي تجزيه خطبة واحدة، وعن الامام احمد ما يدل عليه فانه قال لا تكون
الخطبة الا كما خطب النبي صلى الله عليه وسلم أو خطبة تامة ووجه الاول ما روى ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس متفق عليه وقد قال " صلوا كما
[ 182 ]
رأيتموني أصلي " ولان الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين فكل خطبة مكان ركعة، فالاخلال باحداهما اخلال باحدى الركعتين * (فصل) * ويشترط لكل واحدة منهما حمد الله تعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " كل كلام ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر " وقال جابر رضي الله عنه كان رسول الله عليه وسلم يخطب الناس يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول " من بهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له " وإذا وجب ذكر الله وجب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كالاذان ولانه قد روي في تفسير قوله تعالى (ورفعنا لك ذكرك) قال لا أنكر إلا ذكرت معي، ويحتمل أن لا تجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر ذلك في خطبته * (فصل) * والقراءة في كل واحدة من الخطبتين شرط وهو ظاهر كلام الخرقي لان الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين فكانت القراءة فيهما شرطا كالركعتين، ولان ما وجب في احداهما وجب في الاخرى كسائر الفروض، ويحتمل أن يشترط القراءة في احداهما لما روى الشعبي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس وقال " السلام عليكم " ويحمد الله ويثني عليه ويقرأ سورة ثم يجلس ثم يقوم فيخطب ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه رواه الاثرم. والظاهر انه انما قرأ في الخطبة الاولى * (فصل) * وتجب الموعظة لانها المقصودة من الخطبة فلم يجز الاخلال بها ولان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ، وفي حديث جابر بن سمرة انه كان يذكر الناس وتجب في الخطبتين جميعا لان ما وجب في احداهما وجب في الاخرى كسائر الشروط وهذا قول القاضي. وظاهر كلام الخرقي أن الموعظة انما تكون في الخطبة الثانية لما ذكرنا من حديث الشعبي، وقال أبو حنيفة لو أتى بتسبيحة
أجزأ لان الله تعالى قال (فاسعوا إلى ذكر الله) فأجزأ ما يقع عليه الذكر، ولان اسم الخطبة يقع على دون ما ذكرتم بدليل أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال علمني عملا أدخل به الجنة؟ فقال " أقصرت من الخطبة لقد أعرضت في المسألة " وعن مالك كالمذهبين ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الذكر بفعله. قال جابر بن سمرة كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصدا وخطبته قصدا يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس رواه أبو داود والترمذي وقد ذكرنا حديث جابر بن سمرة. وأما التسبيح فلا يسمى خطبة، والمراد بالذكر الخطبة، وما
[ 183 ]
روره مجاز فان السؤال لا يسمى خطبة بدليل انه لو ألقى مسألة على الحاضرين لم يكف ذلك اتفاقا * (فصل) * ولا يكفى في القراءة أقل من آية هكذا ذكره الاصحاب لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على أقل من ذلك ولان الحكم لا يتعين بدونها بدليل منع الجنب من قراءتها. فظاهر كلام أحمد انه لا يشترط ذلك فانه قال في القراءة في الخطبة ليس فيه شئ موقت ما شاء قرأ وهذا ظاهر كلام الخرقي. قال شيخنا ويحتمل أن لا يجب سوى حمد الله والموعظة لان ذلك يسمى خطبة ويحصل به المقصود وما عداهما ليس على اشتراطه دليل لانه لا يجب أن يخطب على صفة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بالاتفاق لانه روي انه كان يقرأ آيات ولا يجب قراءة آيات بالاتفاق، لكن يستحب ذلك لما ذكرنا من حديث الشعبي. وقالت أم هشام بنت حارثة بن النعمان ما أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب بها كل جمعة رواه مسلم * (فصل) * ويشترط للخطبة حضور العدد المشترط في القدر الواجب من الخطبتين، وقال أبو حنيفة في رواية عنه لا يشترط لانه ذكر يتقدم الصلاة فلم يشترط له العدد كالاذان ولنا انه ذكر من شرائط الجمعة فكان من شرطه العدد وكتكبيرة الاحرام، وتفارق الاذان فانه ليس بشرط وانما مقصوده الاعلام والاعلا للغائبين والخطبة مقصودها الموعظة فهي للحاضرين. فعلى هذا إن انفضوا في أثناء الخطبة ثم عادوا فحضروا القدر الواجب أجزاهم وإلا لم يجزهم إلا أن يحضرووا القدر الواجب ثم ينفضوا ويعودوا قبل شروعه في الصلاة من غير طول الفصل فان طال
الفصل لزمه اعادة الخطبة إن كان الوقت متسعا، وان ضاق الوقت صلوا ظهرا، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة * (فصل) * ويشترط لها الوقت فلو خطب قبل الوقت لم تصح خطبته قياسا على الصلاة. ويشترط لها الموالاة فان فرق بين الخطبتين أو بين آخر الخطبة الواحدة بكلام طويل أو سكوت طويل مما يقطع الموالاة استأنفها، وكذلك يشترط الموالاة بين الخطبة والصلاة أيضا فان فرق بينهما تفريقا كثيرا بطلت ولا تبطل باليسير لان الخطبتين مع الصلاة كالمجموعتين، ويحتمل أن الموالاة لا تشترط لانه ذكر يتقدم الصلاة فلم تشترط الموالاة بينهما كالآذان والاقامة، والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العرف وإن احتاج إلى الطهارة تطهر ويبنى على خطبته، وكذلك تعتبر سائر شروط الجمعة للقدر الواجب من الخطبتين * (مسألة) * (وهل يشترط لهما الطهارة وأن يتولاهما من يتولى الصلاة على روايتين)
[ 184 ]
اختلفت الرواية في اشتراط الطهارة للخطبة وللشافعي قولان كالروايتين، وقد قال أحمد فيمن خطب وهو جنب ثم اغتسل وصلى بهم تجزيه. قال شيخنا والاشبه بأصول المذهب اشتراط الطهارة الكبرى لكون قراءة آية شرطا للخطبة، ولا يجوز ذلك للجنب. فأما الطهارة الصغرى فالصحيح انها لا تشترط لانه ذكر يتقدم الصلاة فلم تكن الطهارة فيه شرط كالاذان ولانه لو اشترطت لهما الطهارة لاشترط الاستقبال كالصلاة، وعنه انها تشترط لهما كتكبيرة الاحرام ولكن يستحب أن يكون متطهرا من الحدث والنجس لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي عقيب الخطبة لا يفصل بينهما بطهارة فيدل على انه كان متطهرا والاقتداء به إن لم يكن واجبا فهو سنة * (فصل) * ويشترط أن يتولاهما من يتولى الصلاة في إحدى الروايتين لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله وقد قال " صلوا كما رأيتموني أصلي " ولان الخطبة أقيمت مقام ركعتين لكن يجوز الاستخلاف للعذر ففي الخطبة والصلاة أولى، وعنه يجوز الاستخلاف لغير عذر فانه قال في الامام يخطب يوم الجمعة ويصلي الامير بالناس، لا بأس إذا حضر الامير الخطبة لان الخطبة منفصلة عن
الصلاة فأشبها الصلاتين، وهل يشترط أن يكون المصلي ممن حضر الخطبة فيه روايتان: احداهما يشترط وهو قول الثوري وأصحاب الرأي لانه امام في الجمعة فاشترط حضور الخطبة كما لو لم يستخلف والثانية لا يشترط وهو قول الاوزاعي والشافعي لانه ممن تنعقد به الجمعة فجاز أن يؤم فيها كما لو حضر الخطبة. وقد روى الامام أحمد رحمه الله انه لا يجوز الاستخلاف مع العذر أيضا فانه قال في الامام إذا أحدث بعدما خطب يقدم رجلا يصلي بهم لم يصل إلا أربعا إلا أن يعيد الخطبة ثم يصلي بهم ركعتين، وذلك لان هذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه والمذهب الاول وهل يجوز أن يتولى الخطبتين اثنان يخطب كل واحد خطبة. فيه احتمالان احداهما يجوز كالاذان والاقامة، والثاني لا يجوز لما ذكرنا فيما تقدم * (مسألة) * (ومن سننهما أن يخطب على منبر أو موضع عال لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس على منبر) قال سهل بن سعد: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة أن مري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس. متفق عليه، ولانه أبلغ في الاعلام وليس ذلك واجبا، فلو خطب على الارض أو ربوة أو راحلة أو غير ذلك جاز، فان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم على الارض قبل أن يصنع له المنبر ويستحب أن يكون المنبر عن يمين القبلة لان النبي صلى الله عليه وسلم هكذا صنع
[ 185 ]
* (مسألة) * (ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم) ويستحب للامام إذا خرج أن يسلم على الناس، ثم إذا صعد المنبر فاستقبل الحاضرين سلم عليهم يروى ذلك عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز، وبه قال الاوزاعي والشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة لا يسن السلام عقيب الاستقبال لانه سلم حال خروجه ولنا ما روى جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سلم عليهم. رواه ابن ماجه وعن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد يوم الجمعة سلم على من عند المنبر
جالسا، فإذا صعد المنبر سلم عليهم. رواه أبو بكر باسناده، ومتى سلم رد عليه الناس لان رد السلام آكد من ابتدائه * (مسألة) * (ثم يجلس إلى فراغ الاذان ويجلس بين الخطبتين) لما روى ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إذا صعد حتى يفرغ الاذان ثم يقوم فيخطب. رواه أبو داود، وتكون الجلسة بين الخطبتين خفيفة وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم. وقال الشافعي: واجبة ولنا أنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع فلم تكن واجبة كالاولى، وقد سرد الخطبة جماعة منهم المغيرة بن شعبة وأبي بن كعب قاله الامام احمد، وروي عن أبي اسحق قال: رأيت عليا يخطب على المنبر فلم يجلس حتى فرغ، فان خطب جالسا لعذر استحب أن يفصل بين الخطبتين بسكتة وكذلك إن خطب قائما فلم يجلس * (مسألة) * (ويخطب قائما) روي عن الامام احمد ما يدل على أن القيام في الخطبة واجب وهو مذهب الامام الشافعي. فروى الاثرم قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الخطبة قاعدا أو يقعد في احدى الخطبتين فلم يعجبه وقال. قال الله تعالى (وتركوك قائما) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما، فقال له الهيثم ابن خارجة كان عمر بن عبد العزيز يجلس في خطبته فظهر منه انكار، ووجه ذلك ما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبته وهو قائم يفصل بينهما بجلوس. متفق عليه، وروى جابر ابن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب، فو الله صليت معه أكثر من ألفي صلاة، رواه مسلم. وقال القاضي: تجزئه الخطبة قاعدا وقد نص عليه الامام احمد وهو مذهب أبي حنيفة لانه ذكر ليس من
[ 186 ]
شرطه الاستقبال فلم يجب له القيام كالاذان ولان المقصود يحصل بدونه وهذا اختيار أكثر أصحابنا * (مسألة) * (ويعتمد على سيف، أو قوس، أو عصا)
لما روى الحكم بن حزن قال. وفدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهدنا معه الجمعة فقام متوكئا على عصا أو قوس فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات. رواه أبو داود، فان لم يفعل استحب أن يسكن أطرافه، إما أن يضع يمينه على شماله أو يرسلهما ساكنتين إلى جنبيه * (مسألة) * (ويقصد تلقاء وجهه) لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ولان المقصود في التفاته إلى أحد جانبيه الاعراض عن الجانب الآخر، فان خالف فاستدبر الناس واستقبل القبلة صحت الخطبة لحصول المقصود به كما لو أذن غير مستقبل القبلة. قال ابن عقيل: ويحتمل أن لا يصح لانه ترك الجهة المشروعة أشبه ما لو استدبر القبلة في الصلاة، ولان مقصود الخطبة الموعظة وذلك لا يتم باستدبار الناس (فصل) ويستحب للناس أن يستقبلوا الخطيب إذا خطب. قال الاثرم: قلت لابي عبد الله يكون الامام عن يميني متباعدا، فإذا أردت أن أنحرف إليه حولت وجهي عن القبلة، فقال نعم تنحرف إليه، وممن كان يستقبل الامام ابن عمر وأنس وهو قول أكثر العلماء منهم مالك والثوري والشافعي واسحق وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر: هذا كالاجماع. وروي عن الحسن أنه استقبل القبلة ولم ينحرف إلى الامام، وعن سعيد بن المسيب أنه كان لا يستقبل هشام بن اسماعيل إذا خطب فوكل به هشام شرطيا يعطفه إليه، والاول أولى لما روى عدي بن ثابت عن أبيه عن جده قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم. رواه ابن ماجه، ولان ذلك أبلغ في اسماعهم فاستحب كاستقباله اياهم (فصل) ويستحب أن يرفع صوته ليسمع الناس. قال جابر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول " صبحكم مساكم " ويقول " أما بعد فان خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الامور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة " رواه مسلم ويستحب ترتيب الخطبة وهو أن يبدأ بالحمد قبل الموعظة لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ثم يثني على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يعظ، فان عكس ذلك صح لحصول المقصود
قال ابن عقيل: ويحتمل أن لا يجزئه لانهما فصلان من الذكر يتقدمان الصلاة فلم يصحا منكسين كالاذان والاقامة
[ 187 ]
ويستحب أن يكون في خطبته مترسلا مبينا معربا لا يعجل فيها ولا يقطعها، وأن يكون متخشعا متعظا بما يعظ الناس به لانه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " عرض علي قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقيل لي هؤلاء خطباء من أمتك يقولون ما لا يفعلون * (مسألة) * (ويستحب تقصير الخطبة) لما روى عمار قال: اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ان طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة " رواه مسلم، وعن جابر بن سمره قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة انما هي كلمات يسيرات. رواه أبو داود * (مسألة) * ويستحب أن يدعو لنفسه والمسلمين والمسلمات والحاضرين، وإن دعا لسلطان المسلمين بالصلاح فحسن وقد روى ضبة بن محصن أن أبا موسى كان إذا خطب فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لمعر. وقال القاضي لا يستحب ذلك لان عطاء قال: هو محدث وفعل الصحابة أولى من قول عطاء لان سلطان المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم، ففي الدعاء له دعاء لهم وذلك مستحب غير مكروه * (فصل) * وسئل الامام أحمد رحمه الله عمن قرأ سورة الحج على المنبر أيجزيه؟ قال لا لم يزل الناس يخطبون بالثناء على الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم. فقال لا تكون الخطبة إلا كما خطب النبي صلى الله عليه وسلم أو خطبة تامة، ولان هذا لا يسمى خطبة ولا يجمع الشروط، فان قرأ آيات فيها حمد الله تعالى والموعظة وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم صح لاجتماع الشروط * (فصل) * وإن قرأ سجدة في أثناء الخطبة فان شاء نزل فسجد وإن أمكنه السجود على المنبر سجد عليه وان ترك السجود فلا حرج فعله عمر وترك، بهذا قال الامام الشافعي ونزل عثمان وأبو موسى
وعمار والنعمان وعقبة بن عامر وبه قال أصحاب الرأي، وقال الامام مالك لا ينزل لانه تطوع بصلاة فلم يشتغل به في أثناء الخطبة كصلاة ركعتين ولنا فعل عمر وفعل من سمينا من الصحابة رضي الله عنهم ولانه؟؟؟ وجد سببها في أثناء الخطبة لا يطول الفعل بها فاستحب فعلها كحمد الله إذا عطس، ولا يجب ذلك لما قدمنا من ان سجود التلاوة غير واجب ويفارق صلاة ركعتين لان سببها لم يوخد في الخطبة ويطول بها الفصل * (فصل) * ويستحب الاذان إذا صعد الامام على المنبر بغير خلاف لانه قد كان يؤذن للنبي
[ 188 ]
صلى الله عليه وسلم. قال السائب بن يزيد كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الامام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان زمن عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء رواه البخاري، فهذا النداء الاوسط هو الذي يتعلق به وجوب السعي وتحريم البيع لقوله سبحانه (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) وهذا النداء الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزول الآية فتعلقت الاحكام به، والنداء الاول مستحب في أول الوقت، سنه عثمان رضي الله عنه وعملت به الامة بعده وهو للاعلام بالوقت، والثاني للاعلام بالخطبة، والثالث للاعلام بقيام الصلاة. وذكر ابن عقيل ان الآذان الذي يوجب السعي ويحرم البيع هو الآذان الاول على المنارة والصحيح الاول * (فصل) * فأما من يكون منزله بعيدا لا يدرك الجمعة بالسعي وقت النداء فعليه السعي في الوقت الذي يكون مدركا للجمعة لكونه من ضرورة ادراكها وما لا يتم الواجب إلا به واجب كاستسقاء الماء من البئر للوضوء إذا احتاج إليه * (مسألة) * (ولا يشترط اذن الامام وعنه يشترط) الصحيح أن اذن الامام الاعظم ليس بشرط في صحة الجمعة وبه قال الامام مالك رحمه الله تعالى والامام الشافعي، والثانية هو شرط روي ذلك عن الحسن والاوزاعي وحبيب بن أبي ثابت والامام أبي حنيفة لانه لا يقيمها إلا الائمة في كل عصر فكان في ذلك إجماعا
ولنا أن عليا رضي الله عنه صلى الجمعة بالناس وعثمان محصور فلم ينكره أحد، وصوب ذلك عثمان رضي الله عنه، فروى حميد بن عبد الرحمن عن عبيد الله بن عدي بن الخيار انه دخل على عثمان وهو محصور فقال انه قد نزل بك ما ترى وأنت إمام العامة. فقال الصلاة من أحسن ما يعمل الناس فإذا أحسنوا فاحسن معهم وإذا أساؤا فاجتنب اساءتهم أخرجه البخاري والاثرم وهذا لفظه. وقال الامام أحمد رحمه الله تعالى وقعت الفتنة بالشام تسع سنين فكانوا يجمعون ولانها من فرائض الاعيان فلم يشترط لها اذن الامام، وما ذكروه إجماعا لا يصح فان الناس يقيمون الجماعات في القرى من غير استئذان أحد، ثم لو صح انه لم يقع إلا ذلك لكان اجماعا على جواز ما وقع لا على تحريم غيره كالحج يتولاه الائمة وليس شرطا فيه، فان قلنا هو شرط فلم يأذن الامام لم تجز اقامتها وصلوا ظهرا، وإن أذن في اقامتها ثم عادت بطل اذنه، فان صلوا ثم بان انه مات قبل صلاتهم فهل تجزيهم صلاتهم على روايتين: أصحهما انها تجزيهم لان المسلمين في الامصار النائية عن بلد الامام لا يعيدون ما صلوا من الجمعات بعد؟ وته، ولا نعلم أحدا أنكر ذلك عليهم فكان اجماعا، ولان وجوب الاعادة يشق لعمومه في
[ 189 ]
أكثر البلدان، وإن تعذر اذن الامام لفتنة فقال القاضي ظاهر كلامه صحتها بغير اذن على كلتا الروايتين. فعلى هذا انما يكون الاذن معتبرا عند امكانه ويسقط بتعذره * (فصل) * قال (وصلاة الجمعة ركعتان يجهر فيهما بالقراءة بغير خلاف). قال ابن المنذر أجمع المسلمون على ان صلاة الجمعة ركعتان، وجاء الحديث عن عمر انه قال صلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى رواه الامام أحمد وابن ماجه * (مسألة) * (ويستحب أن يقرأ في الاولى بسورة الجمعة وفي الثانية بالمنافقين) يستحب أن يقرأ في الجمعة الفاتحة بهاتين السورتين وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور لما روي عن عبد الله بن رافع قال صلى بنا أبو هريرة الجمعة فقرأ سورة الجمعة في الركعة الاولى وفي الركعة الاخرى إذا جاءك المنافقون. فلما قضى أبو هريرة الصلاة أدركته فقلت يا أبا هريرة قرأت سورتين كان علي يقرأ بهما في الكوفة. فقال اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما في الجمعة رواه مسلم.
وإن قرأ في الثانية بالغاشية فحسن، فان الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة؟ قال كان يقرأ (هل أتاك حديث الغاشية) أخرجه مسلم. وإن قرأ في الاولى بسبح وفي الثانية بالغاشية فحسن، فأن النعمان بن بشير قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة (بسبح اسم ربك الاعلى. وهل أتاك حديث الغاشية) فإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد قرأ بهما في الصلاتين أخرجه مسلم. وقال مالك أما الذي جاء به الحديث هل أتاك حديث الغاشية مع سورة الجمعة والذي أدركت عليه الناس سبح اسم ربك الاعلى وحكي عن أبي بكر عبد العزيز انه يستحب أن يقرأ في الثانية سبح ولعله صار إلى ما حكاه مالك انه أدرك عليه الناس! واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى، ومهما قرأ به فجائز حسن إلا أن الاقتداء به عليه الصلاة والسلام أحسن، ولان سورة الجمعة تليق بالجمعة لما فيها من ذكرها والامر بها والحث عليها * (فصل) * ويستحب أن يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة (آلم السجدة. وهل أتى على الانسان) نص عليه لما روى ابن عباس وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة (آلم تنزيل وهل أتى على الانسان حين من الدهر) رواه مسلم. قال أحمد لا أحب المداومة عليها لئلا يظن الناس انها مفضلة بسجدة، ويحتمل أن يستحب لان لفظ الخبر يدل عليه ولان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عمل عملا أثبته
[ 190 ]
* (مسألة) * (وتجوز اقامة الجمعة في موضعين من البلد للحاجة ولا يجوز مع عدمها) وجملة ذلك أن البلد إذا كان كبيرا يشق على أهله الاجتماع في مسجد واحد ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره أو ضيق مسجده على أهله كبغداد ونحوها جازت اقامة الجمعة في أكثر من موضع على قدر ما يحتاجون إليه وهذا قول عطاء وأجازه أبو يوسف في بغداد دون غيرها، قال لان الحدود تقام فيها في موضعين والجمعة حيث تقام الحدود، ومقتضى قوله انه لو وجد بلد آخر تقام فيه الحدود في موضعين كان مثل بغداد لان الجمعة حيث تقام الحدود وهذا قول ابن المبارك. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي
لا تجوز الجمعة في بلد واحد في أكثر من موضع واحد، وروي أيضا عن أحمد مثل ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجمع إلا في مسجد واحد وكذلك الخلفاء بعده، ولو جاز لم يعطلوا الساجد حتى قال ابن عمر لا تقام الجمعة إلا في المسجد الاكبر الذي يصلي فيه الامام ولنا انها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع كصلاة العيد. وقد ثبت أن عليا رضي الله عنه كان يخرج يوم العيد إلى المصلى ويستخلف على ضعفة الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم. فأما ترك النبي صلى الله عليه وسلم اقامة جمعتين فلغناهم عن احداهما ولان الصحابة كانوا يؤثرون سماع خطبته وشهود جمعته وإن بعدت منازلهم لانه المبلغ عن الله تعالى وشارع الاحكام ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الامصار صليت في أماكن ولم ينكر فصار اجماعا وقول ابن عمر معناه انها لا تترك في المساجد الكبار وتقام في الصغار، وأما اعتبار ذلك باقامة الحدود فلا وجه له، قال أبو داود سمعت أحمد يقول أي حد كان يقام بالمدينة قدمها مصعب بن عمير وهم يختبئون في دار فجمع بهم وهم أربعون * (فصل) * فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز أكثر من واحدة، وان حصل الغنى باثنتين لم تجز الثالثة، وكذلك ما زاد لا نعلم في هذا مخالفا إلا أن عطاء قيل له إن أهل البصرة يسعهم المسجد الاكبر قال لكل قوم مسجد يجمعون فيه ويجزى ذلك من التجميع في المسجد الاكبر وما عليه الجمهور أولى إذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه انهم جمعوا أكثر من جمعة إذ لم تدع الحاجة إلى ذلك، ولا يجوز اثبات الاحكام بالتحكم بغير دليل
[ 191 ]
* (مسألة) * (فان فعلوا فجمعة الامام هي الصحيحة) متى صلوا جمعتين في بلد لغير حاجة واحداهما جمعة الامام فهى الصحيحة تقدمت أو تأخرت لان في الحكم ببطلان جمعة الامام افتئاتا عليه وتفويتا له الجمعة ولمن يصلي معه ويفضي إلى انه متى شاء أربعون أن يفسدوا صلاة أهل البلد أمكنهم ذلك بأن يسبقوا أهل البلد بصلاة الجمعة، وقيل السابقة هي الصحيحة لانها لم يتقدمها ما يفسدها ولا تفسد بعد صحتها بما بعدها والاول أصح، وكذلك إن كانت احداهما في المسجد الجامع والاخرى في مكان صغير لا يسع المصلين أو لا يمكنهم
الصلاة فيه لاختصاص السلطان وجنده به أو غير ذلك أو كانت إحداهما في قصبة والاخرى أقصى المدينة فما وجدت فيه هذه المعاني الصلاة فيه صحيحة دون الاخرى وهذا قول مالك فانه قال لا أرى الجمعة إلا لاهل القصبة وذلك لان لهذه المعاني مزية تقتضي التقديم فيقدم بها كجمعة الامام، ويحتمل أن تصح السابقة لان إذن الامام شرط في احدى الروايتين فكانت آكد من غيرها * (مسألة) * (فان استويا فالثانية باطلة وإن لم يكن لاحداهما مزية على الاخرى لكونهما جميعا مأذونا فيهما أو غير مأذون) ولو تساوى المكانان فالسابقة هي الصحيحة لانها وقعت بشروطها ولم يزاحمها ما يبطلها ولا سبقها ما يغني عنها، والثانية باطلة لكونها واقعة في مصر أقيمت فيه جمعة صحيحة تغني عمن سواها، ويعتبر السبق بالاحرام لانه متى أحرم باحداهما حرم الاحرام بالاخرى للغنى عنها
[ 192 ]
* (مسألة) * (فان وقعتا معا أو جهلت الاولى بطلتا معا) متى وقع الاحرام بهما معا مع تساويهما فهما باطلتان لانه لم يمكن صحتهما معا وليست احداهما أولى بالفساد من الاخرى كالمتزوج أختين، وإن لم تعلم الاولى منهما أو لم يعلم كيفية وقوعهما بطلت أيضا لان احداهما باطلة ولم يعلم عينها، وليست احداهما بالابطال أولى من الاخرى فهى كالتي قبلها ثم ننظر فان علمنا فساد الجمعتين لوقوعهما معا وجبت اعادة الجمعة إن أمكن ذلك لانه مصر ما أقيمت فيه جمعة صحيحة والوقت متسع لاقامتها أشبه ما لو لم يصلوا شيئا، وان علمنا صحة احداهما لا بعينها فليس لهم ان يصلوا إلا ظهرا لان هذا مصر تيقنا سقوط الجمعة فيه بالاولى فلم تجز اقامة الجمعة فيه كما لو علمت، وقال القاضي يحتمل أن لهم اقامة الجمعة لانا حكمنا بفسادهما معا فكأن المصر ما صليت فيه جمعة صحيحة، والصحيح الاول لان الاولى لم تفسد وانما لم يمكن اثبات حكم الصحة لها بعينها للجهل فيصير هذا كما لو زوج الوليان وجهل السابق منهما فانه لا يثبت حكم الصحة بالنسبة إلى واحد بعينه، ويثبت حكم النكاح في حق المرأة بحيث لا يحل لها أن تنكح زوجا آخر، فان جهلنا كيفية وقوعهما فالاولى أن لا يجوز اقامة الجمعة أيضا لان وقوعهما معا بحيث لا تسبق احداهما
الاخرى بعيد جدا وما كان في غاية الندور فحكمه حكم المعدوم، ويحتمل ان لهم اقامتها لاننا لم نتيقن المانع من صحتها والاول أولى
[ 193 ]
* (فصل) * فان أحرم بالجمعة فتبين في أثناء الصلاة ان الجمعة قد أقيمت في المصر بطلت الجمعة ولزمهم استئناف الظهر لاننا تبينا انه أحرم بها في وقت لا يجوز الاحرام بها ولا يصح أشبه ما لو أحرم بها وفي وقت العصر. وقال القاضي يستحب أن يستأنف ظهرا وهذا من قوله يدل على أن له اتمامها ظهرا كالمسبوق بأكثر من ركعة وكما لو أحرم بالجمعة فنقص العدد قبل الركعة والفرق ظاهر فان هذا أحرم بها في وقت لا تصح فيه الجمعة ولا يجوز الاحرام بها بخلاف الاصل المقيس عليه * (فصل) * وإذا كانت قرية إلى جانب مصر يسمعون النداء منه أو كان مصران متقاربان يسمع كل منهم نداء المصر الآخر لم تبطل جمعة احدهما بجمعة الآخر، وكذلك القريتان المتقاربتان لان لكل قوم منهم حكم أنفسهم بدليل ان جمعة أحد القريتين لا يتم عددها بالفريق الآخر ولا تلزمهم الجمعة بكمال العدد بهم وانما يلزمهم السعي إذا لم يكن لهم جمعة فهم كأهل المحلة القريبة من المصر * (مسألة) * (وإذا وقع العيد يوم الجمعة فاجتزئ بالعيد عن الجمعة وصلوا ظهرا جاز إلا للامام)
[ 194 ]
وقد قيل في وجوبها على الامام روايتان وممن قال بسقوطها الشعبي والنخعي والاوزاعي وقد قيل انه مذهب عمر وعثمان وعلي وسعيد وابن عمر وابن عباس وابن الزبير، وقال أكثر الفقهاء لا تسقط الجمعة لعموم الآية والاخبار الدالة على وجوبها ولانهما صلاتان واجبتان فلم تسقط احداهما بالاخرى كالظهر مع العيد ولنا ما روي أن معاوية سأل زيد بن أرقم هل شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم؟ قال نعم. قال فكيف صنع؟ قال صلى العيد ثم رخص في الجمعة فقال " من شاء أن يصلي فليصل " رواه أبو داود، وفي لفظ للامام أحمد من شاء أن يجمع فليجمع. وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة
وإنا مجمعون " رواه ابن ماجه ولان الجمعة انما زادت على الظهر بالخطبة وقد حصل سماعها في العيد
[ 195 ]
فأجزأ عن سماعها ثانيا ونصوصهم مخصوصة بما رويناه وقياسهم منقوض بالظهر مع الجمعة. فأما الامام فلا تسقط عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وإنا مجمعون " ولانه لو تركها لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه ومن يريدها ممن سقطت عنه ولا كذلك غير الامام * (فصل) * فان قدم الجمعة فصلاها في وقت العيد فقد روي عن أحمد قال تجزي الاولى منهما فعلى هذا تجزيه عن العيد والظهر ولا يلزمه شئ الا العصر عند من يجوز فعل الجمعة في وقت العيد لما روى أبو داود باسناده عن عطاء قال اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير فقال: عيدان قد اجتمعا في يوم واحد فجمعهما وصلاهما ركعتين بكرة. ولم يزد عليهما حتى صلى العصر. فيروى أن فعله بلغ ابن عباس فقال أصاب السنة. قال الخطابي وهذا لا يجوز أن يحمل إلا على قول من يذهب إلى تقديم الجمعة قبل الزوال، فعلى هذا يكون ابن الزبير قد صلى الجمعة فسقط
[ 196 ]
العيد والظهر ولان الجمعة إذا سقطت بالعيد مع تأكدها فالعيد أولى أن يسقط بها، أما إذا قدم العيد فلابد من صلاة الظهر في وقتها إذا لم يصل الجمعة والله أعلم * (مسألة) * (وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان وأكثرها ست ركعات) روي عن أحمد انه قال ان شاء صلى ركعتين وان شاء صلى أربعا، وفي رواية فان شاء صلى ستا فأيما فعل من ذلك فهو حسن وكان ابن مسعود والنخعي وأصحاب الرأي يرون أن يصلي بعدها أربعا لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل بعدها أربعا " رواه مسلم، وعن علي رضي الله عنه وأبي موسى وعطاء والثوري انه يصلي ستا لما روي عن ابن عمر انه كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعا
[ 197 ]
ووجه قولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك كله بما روينا من الاخبار، وروي عن
ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين متفق عليه، وفي لفظ وكان لا يصلي في المسجد حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته، وهذا يدل على انه مهما فعل من ذلك كان حسنا. وقد قال أحمد في رواية عبد الله ولو صلى مع الامام ثم لم يصل شيئا حتى صلى العصر كان جائزا فقد فعله عمران بن حصين * (فصل) * فأما الصلاة قبل الجمعة فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يركع قبل الجمعة أربعا أخرجه ابن ماجه (1) وروي عن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه قال كنت أبقي. (2) أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا زالت الشمس قاموا فصلوا أربعا، وعن عبد الله بن مسعود انه كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات رواه سعيد
" 1 " لكن قال في الزوائد ان حديثه هذا مسلسل بالضعفاء، وذكر منهم بشر ابن عبيد وقال انه كذاب والآثار الواردة في ذلك صريحة في أنها قبل الزوال فلا تعد سنة قبلية للجمعة " 2 " أي أنتظر يقال فيه أبقي مثل أرمي، وأبقى مثل أعطى، لان ماضيه يستعمل ثلاثيا ورباعيا، ذكره الجوهري اه. من هامش المغنى المخطوط
[ 198 ]
* (فصل) * ويستحب لمن أراد الركوع بعد الجمعة أن يفعل بينها وبينه بكلام أو انتقال من مكانه أو خروج لما روى السائب عن يزيد قال صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة فلما سلم الامام قمت في مقامي فصليت فلما دخل أرسل الي فقال لا تعد لما فعلت إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج فان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة حتى نتكلم أو نخرج. أخرجه مسلم * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (ويستحب أن يغتسل للجمعة في يومها والافضل فعله عند مضيه إليها) لا خلاف في استحباب غسل الجمعة وفيه أحاديث صحيحة منها ما روى سلمان الفارسي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم
[ 199 ]
الامام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الاخرى " رواه البخاري. ومنها قوله عليه السلام " غسل يوم
الجمعة واجب على كل محتلم " وقوله " من أتى منكم الجمعة فليغتسل " متفق عليهما، وليس الغسل واجبا في قول أكثر أهل العلم. قال الترمذي العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم منهم مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر وحكاه ابن عبد البر اجماعا، وعن أحمد انه واجب روي ذلك عن أبي هريرة وعمرو بن سليم. وقاول عمار بن ياسر رحلا فقال: أنا إذا أشر ممن لا يغتسل يوم الجمعة، ووجهه ما ذكرنا من النصوص ولنا ما روى سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل " رواه النسائي والترمذي وقال حديث حسن، وعن أبي هريرة قال
[ 200 ]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا " متفق عليه وحديثهم محمول على تأكيد الندب، وكذلك ذكر في سياقه " وسواك وأن يمس طيبا " كذلك رواه مسلم، والسواك ومس الطيب لا يجب، وقالت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها: كان الناس مهنة أنفسهم وكانوا يروحون إلى الجمعة بهيئتهم فتظهر لهم رائحة فقيل لهم " لو اغتسلتم " رواه مسلم بنحو هذا المعنى، والافضل أن يفعله عند مضيه إليها لانه أبلغ في المقصود وفيه خروج من الخلاف * (فصل) * ومتى اغتسل بعد طلوع الفجر أجزأ وإن اغتسل قبله لم يجزئه وهذا قول مجاهد
[ 201 ]
والحسن والنخعي والثوري والشافعي وإسحق. وحكي عن الاوزاعي انه يجزيه الغسل قبل الفجر، وعن مالك لا يجزيه الغسل إلا أن يتعقبه الرواح ولنا قوله صلى الله عليه وسلم " من اغتسل يوم الجمعة " واليوم من طلوع الفجر وإن اغتسل ثم أحدث أجزأه الغسل وكفاه الوضوء وهذا قول الحسن ومالك والشافعي، واستحب طاوس والزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثير اعادة الغسل. ولنا انه اغتسل في يوم الجمعة أشبه من لم يحدث والحدث انما يؤثر في الطهارة الصغرى ولان المقصود من الغسل التنظف وإزالة الرائحة وذلك لا يؤثر
فيه الحدث ولانه غسل فلم يؤثر فيه الحدث الاصغر كغسل الجنابة * (فصل) * ويفتقر الغسل إلى النية لانه عبادة فافتقر إلى النية كتجديد الوضوء، وإن اغتسل للجمعة والجنابة غسلا واحدا ونواهما أجزأه بغير خلاف علمناه لانهما غسلان اجتمعا فأشبها غسل الحيض والجنابة، وإن اغتسل للجنابة ولم ينو غسل الجمعة ففيه وجهان أحدهما لا يحزيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وانما لامرئ ما نوى " وروي عن ابن لابي قتادة انه دخل عليه يوم الجمعة مغتسلا فقال للجمعة اغتسلت؟ قال لا ولكن للجنابة. قال فأعد غسل الجمعة. والثاني يجزيه لانه مغتسل
[ 202 ]
فيدخل في عموم الحديث ولان المقصود التنظيف وقد حصل ولانه قد روي في الحديث " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة " * (فصل) * ومن لا يأتي الجمعة لا غسل عليه، قال أحمد ليس على النساء غسل يوم الجمعة وعلى قياسهن الصبيان والمسافرون، وكان ابن عمر لا يغتسل في السفر وكان طلحة يغتسل. وروي عن مجاهد وطاوس استدلالا بعموم الاحاديث المذكورة ولنا قوله عليه السلام " من أتى الجمعة فليغتسل " ولان المقصود التنظيف وقطع الرائحة لئلا يتأذى غيره به وذلك مختص بحضور الجمعة والاخبار العامة تحمل على هذا، ولذلك يسمى غسل الجمعة، ومن لا يأتيها فليس غسله غسل الجمعة، فان أتاها من لا تجب عليه استحب له الغسل لعموم الخبر ووجود المعنى فيه * (مسألة) * (ويتنظف ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه)
[ 203 ]
التنظف والتطيب والسواك مندوب إليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وسواك وأن يمس طيبا " ويستحب أن يدهن ويتنظف ما استطاع بأخذ الشعر وقطع الرائحة لحديث سلمان الذي ذكرناه، ويستحب أن يلبس ثوبين نظيفين لما روى عبد الله بن سلام انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة يقول " ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعته
سوى ثوبي مهنته " رواه مسلم. وعن أبي أيوب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى أتى المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج امامه حتى يصلي كانت كفارة ما بينها وبين الجمعة الاخرى " رواه الامام أحمد. وأفضلها البياض لقوله عليه الصلاة والسلام " خير ثيابكم البياض ألبسوها أحياءكم، وكفنوا فيها موتاكم " والامام في هذا ونحوه آكد لانه المنظور إليه من بين الناس * (مسألة) * (ويبكر إليها ماشيا ويدنوا من الامام) للسعي إلى الجمعة وقتان: وقت وجوب ووقت فضيلة وقد ذكرنا وقت الوجوب. وأما وقت الفضيلة فمن أول النهار فكلما كان أبكر كان أولى وأفضل. وهذا مذهب الاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال مالك لا يستحب التبكير قبل الزوال لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من راح إلى الجمعة " والرواح بعد الزوال والغد قبله، قال النبي صلى الله عليه وسلم " غدوة في سبيل الله، أو روحة خير من الدنيا وما فيها " قال امرؤ القيس (تروح من الحي أم تبتكر) ولنا ما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الاولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن
[ 204 ]
راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الامام حضرت الملائكة يسمعون الذكر " متفق عليه. وقال علقمة خرجت مع عبد الله إلى الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الناس يجلسون من الله عزوجل يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعة " رواه ابن ماجه. وروى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها " أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ورواه ابن ماجه والنسائي وفيه " ومشى ولم يركب، ودنا من الامام واستمع ولم يلغ " وقوله " بكر " أي خرج في بكرة النهار وهو أوله. وقوله " وابتكر "
أي بالغ في التبكير أي جاء في أول البكرة على ما قال امرؤ القيس (تروح من الحي أم تبتكر) وقيل معناه ابتكر العبادة مع بكوره وقيل " ابتكر الخطبة " أي حضر الخطبة مأخوذ من باكورة الثمرة وهي أولها وغير هذا أجود لان من جاء في بكرة النهار لزم أن يحضر أول الخطبة وقوله " غسل " أي جامع ثم اغتسل يدل على هذا قوله في الحديث الآخر " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة " قال الامام أحمد قوله " غسل واغتسل " مشددة يريد يغسل أهله. وغير واحد من التابعين عبد الرحمن بن الاسود وهلال بن يساف يستحبون أن يغسل الرجل أهله يوم الجمعة يريدون أن يطأ لان ذلك أمكن لنفسه وأغض لطرفه في طريقه. وقال الخطابي المراد به غسل رأسه واغتسل في بدنه. وحكي ذلك عن ابن المبارك فعلى هذا يكون معنى قوله " غسل الجنابة " أي كغسل الجنابة. فأما قول مالك فمخالف
[ 205 ]
للآثار لان الجمعة مستحب فعلها عند الزوال وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبكر بها، ومتى خرج الامام طويت الصحف فلم يكتب من أتى الجمعة بعد ذلك، فأي فضيلة لهذا؟ فان أخر بعد ذلك شيئا دخل في النهي والذم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي جاء يتخطى رقاب الناس " أرأيتك؟ أنيت وآذيت " أي أخرت المجئ، وقال عمر لعثمان حين جاء والامام يخطب أية ساعة هذه؟ على وجه الانكار فكيف يكون لهذا بدنة أو بقرة أو فضل؟ فعلى هذا معنى قوله راح إلى الجمعة أي ذهب إليها لا يحتمل غير هذا * (فصل) * ويستحب أن يمشي ولا يركب في طريقها لقوله عليه الصلاة والسلام " ومشى ولم يركب " لان الثواب على الخطوات بدليل ما ذكرناه من الحديث ويكون عليه السكينة والوقار في مشيه، ولا يسرع لان الماشي إلى الصلاة في صلاة ولا يشبك بين أصابعه، ويقارب بين خطاه لتكثر حسناته. وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم انه خرج مع زيد بن ثابت إلى الصلاة فقارب بين خطاه ثم قال " انما فعلت ذلك لكثرة خطانا في طلب الصلاة " وروي عن عبد الرحمن بن رواحة انه كان يمشي إلى الجمعة حافيا ويبكر ويقصر في مشيه رواهما الاثرم، ويكثر ذكر الله ويغض طرفه ويقول ما ذكرنا في أدب المشي إلى الصلاة ويقول اللهم اجعلني من أوجه من توجه اليك، وأقرب من
توسل اليك وأفضل من سألك ورغب اليك، وروينا عن بعض الصحابة انه مشى إلى الجمعة حافيا
[ 206 ]
فسئل عن ذلك. فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار " * (فصل) * ويجب السعي إلى الجمعة سواء كان من يقيمها عدلا أو فاسقا سنيا أو مبتدعا نص عليه الامام أحمد في رواية عباس بن عبد العظيم، وقد سئل عن الصلاة خلف المعتزلة فقال أما الجمعة فينبغي شهودها قال شيخنا ولا أعلم في هذا خلافا وذلك لعموم قوله تعالى (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي وله امام جائر أو عادل استخفافا بها فلا جمع الله له شمله " ولانه اجماع الصحابة رضى الله عنهم. فان عبد الله بن عمر وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يشهدونها مع الحجاج ونظرائه ولم يسمع عن أحد منهم التخلف عنها ولان الجمعة من أعلام الدين الظاهرة ويتولاها الائمة أو من ولوه، فتركها خلف من هذه صفته يفضي إلى سقوطها. إذا ثبت هذا فانها تعاد خلف من تعاد خلفه بقية الصلوات نص عليه الامام أحمد في رواية عباس بن عبد العظيم، وعنه رواية أخرى انها لا تعاد لان الظاهر من حال الصحابة رضي الله عنهم انهم لم يكونوا يعيدونها لانهم لم ينقل ذلك عنهم، وقد ذكرنا ذلك في باب الامامة
[ 207 ]
* (فصل) * ويستحب الدنو من الامام لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ودنا من الامام فاستمع ولم يلغ " وعن سمرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " احضروا الذكر وادنوا من الامام فان الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة " رواه أبو داود ولانه أمكن له من السماع * (مسألة) * (ويشتغل بالصلاة والذكر ويقرأ سورة الكهف في يومها ويكثر الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) إذا حضر قبل الخطبة اشتغل بالصلاة وذكر الله تعالى لقول النبي صلى الله عليه وسلم " واعلموا
ان من خير أعمالكم الصلاة " ويقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة لما روي عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة وإن خرج الدجال عصم منه " رواه زيد بن علي في كتابه باسناده، وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه
[ 208 ]
إلى عنان السماء يضئ به إلى يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين " ويستحب أن يكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لما روي عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فانه مشهود تشهده الملائكة " رواه ابن ماجه، وعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فاكثروا علي من الصلاة فيه فان صلاتكم معروضة علي " قالوا يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ (أي بليت) قال " ان الله عزوجل حرم على الارض أجساد الانبياء عليهم السلام " رواه أبو داود * (فصل) * ويستحب الاكثار من الدعاء يوم الجمعة لعله يوافق ساعة الاجابة لان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال " فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه " وأشار بيده يقللها وفي لفظ " وهو قائم يصلي " متفق عليه. واختلف في تلك الساعة فقال عبد الله ابن سلام وطاوس هي آخر ساعة في يوم الجمعة وفسر عبد الله بن سلام الصلاة بانتظارها بقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة " رواه ابن ماجه، وروي هذا القول مرفوعا، فعلى هذا يكون القيام بمعنى الملازمة والاقامة كقوله تعالى
[ 209 ]
إلا مادمت عليه قائما) وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس " أخرجه الترمذي، وقيل هي ما بين أن يجلس الامام إلى أن تنقضي الصلاة لما روى أبو موسى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " هي ما بين
أن يجلس الامام إلى أن يقضي الامام الصلاة " رواه مسلم، وعن عمرو بن عوف المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " إن في الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا آتاه الله إياه " قالوا يا رسول الله أية ساعة هي؟ قال " حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها " رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن غريب. فعلى هذا تكون الصلاة مختلفة فتكون في حق كل قوم في وقت صلاتهم وقيل هي ما بين الفجر إلى طلوع الشمس، ومن العصر إلى غروبها وقيل هي الساعة الثالثة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لاي شئ سمي يوم الجمعة؟ قال " لان فيها طبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها من دعا الله
[ 210 ]
فيها استجيب له " رواه الامام أحمد. وقال كعب لو قسم الانسان جمعه في جمع أتى على تلك الساعة وقيل هي متنقلة في اليوم، وقال ابن عمر إن طلب حاجة في يوم ليسير، وقيل أخفى الله تعالى هذه الساعة ليجتهد العباد في طلبها وفي الدعاء في جميع اليوم، كما أخفى ليلة القدر في رمضان وأولياءه في الناس ليحسن الظن بجميع الصالحين * (مسألة) * (ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماما أو يرى فرجة فيتخطى إليها وعنه يكره) يكره تخطي رقاب الناس لغير الامام لقول النبي صلى الله عليه وسلم " فلا يفرق بين اثنين " وقوله صلى الله عليه وسلم " ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا " وقوله صلى الله عليه وسلم للذي جاء يتخطى رقاب الناس " اجلس فقد أنيت وآذيت " رواه ابن ماجه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرا إلى جهنم " رواه أبو داود والترمذي وقال لا نعرفه الا من حديث رشدين بن سعد وقد ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه. فأما الامام فأذا لم يجد طريقا فلا يكره له التخطي لانه موضع حاجة * (فصل) * إذا رأى فرجة لا يصل إليها الا بالتخطي ففيه روايتان: احداهما له التخطي قال أحمد يدخل الرجل ما استطاع ولا يدع بين يديه موضعا فارغا، وذلك لان الذي جلس دون الفرجة ضيع حقه بتأخره عنها وأسقط حرمته فلا بأس بتخطيه وبه قال الاوزاعي، وقال قتادة يتخطاهم الي مصلاه
[ 211 ]
وقال الحسن يخطو رقاب الذين يجلسون عى أبواب المسجد فانه لا حرمة لهم وعنه يكره لما ذكرنا من الاحاديث، وعنه ان كان يتخطى الواحد والاثنين فلا بأس فان كثر كرهناه وكذلك قال الشافعي الا أن لا يجد سبيلا إلى مصلاه الا بالتخطي فيسعه التخطي ان شاء الله. قال شيخنا ولعل قول أحمد ومن وافقه في الرواية الاولى فيما إذا تركوا مكانا واسعا مثل الذين يصفون في آخر المسجد ويتركون بين أيديهم صفوفا خالية فهؤلاء لا حرمة لهم كما قال الحسن لانهم خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ورغبوا عن الفضيلة وخير الصفوف وجلسوا في شرها فتخطيهم مما لابد منه. وقوله الثاني في حق من لم يفرط وانما جلسوا في مكانهم لامتلاء ما بين أيديهم، فأما ان لم تمكن الصلاة الا بالتخطي جاز لانه موضع حاجة * (مسألة) * (ولا يقيم غيره فيجلس في مكانه الا من قدم صاحبا له فجلس في موضع يحفظه له) ليس له أن يقيم انسانا ويجلس في موضعه سواء كان المكان لشخص يجلس فيه أو موضع حلقة لمن يحدث فيها أو حلقة يتذاكر فيها الفقهاء أو لم يكن لما روى ابن عمر قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم الرجل (يعني أخاه) من مقعده ويجلس فيه متفق عليه ولان المسجد بيت الله تعالى والناس فيه سواء العاكف فيه والبادي فمن سبق إلى مكان منه فهو أحق به لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به " فان قدم صاحبا له فجلس حتى إذا جاء قام صاحبه
[ 212 ]
وأجلسه فلا بأس لان النائب يقوم باختياره. وقد روي عن محمد بن سيرين انه كان يرسل غلاما له يوم الجمعة فيجلس في مكان فإذا جاء قام الغلام وجلس فيه محمد فان لم يكن نائبا فقام باختياره ليجلس آخر مكانه فلا بأس لانه قوم باختيار نفسه أشبه النائب. وأما القائم فان انتقل إلى مثل مكانه الذي آثر به في القرب وسماع الخطبة فلا بأس وإلا كره له ذلك لانه يؤثر على نفسه في الدين، ويحتمل أن لا يكره إذا كان الذي آثره من أهل الفضل لان تقديمهم مشروع لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ليلني منكم أولو الاحلام والنهى " ولو آثر شخصا بمكانه فليس لغيره أن يسبقه إليه لانه قام مقام
الجالس في استحقاق مكانه أشبه ما لو تحجر مواتا ثم آثر به غيره، وقال ابن عقيل يجوز لان القائم أسقط حقه بالقيام فبقى على الاصل فكان السابق إليه أحق به كمن وسع لرجل في طريق فمر غيره والصحيح الاول، ويفارق التوسعة في الطريق لانها جعلت للمرور فيها فمن انتقل من مكان فيها لم يبق له حق يؤثر به، والمسجد جعل للاقامة فيه وكذلك لا يسقط حق المنتقل منه إذا انتقل منه لحاجة، وهذا إنما انتقل مؤثرا لغيره فأشبه النائب الذي يعينه إنسان ليجلس في موضع يحفظه له، ولو كان الجالس مملوكا لم يكن لسيده أن يقيمه لعموم الخبر ولان هذا ليس بمال وانما هو حق ديني فاستوي فيه العبد وسيده كالحقوق الدينية
[ 213 ]
* (مسألة) * (وان وجد مصلى مفروشة فهل له رفعها؟ على روايتين) احداهما ليس له ذلك لان فيه افتئاتا على صاحبها وربما أفضى إلى الخصومة ولانه سبق إليه أشبه السابق إلى رحبة المسجد ومقاعد الاسواق. والثاني يجوز رفعه والجلوس موضعه لانه لا حرمة له ولان السبق بالابدان هو الذي يحصل به الفضل لا بالاوطئة، ولان تركها يفضي إلى أن يتأخر صاحبها ثم يتخطى رقاب الناس ورفعها ينفي ذلك * (مسألة) * (ومن قام من موضعه لعارض لحقه ثم عاد إليه فهو أحق به) إذا جلس في مكان ثم بدت له حاجة أو احتاج إلى الوضوء فله الخروج لما روى عقبة قال صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر فسلم ثم قام مسرعا فتخطى رقاب الناس إلى حجر بعض نسائه فقال " ذكرت شيئا من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته " رواه البخاري. وإذا قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به رواه مسلم، وحكمه في التخطي إلى موضعه حكم من رأى بين يديه فرجة * (فصل) * ويستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول من موضعه لما روى ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا نعس أحدكم يوم الجمعة في مجلسه فليتحول إلى غيره " رواه الامام أحمد ولان ذلك يصرف عنه النوم * (فصل) * وتكره الصلاة في المقصورة التي تحمى نص عليه أحمد، وروي عن ابن عمر انه كان
إذا حضرت الصلاة في المقصورة خرج وكرهه الاحنف وابن محير؟ والشعبي وإسحق ورخص فيه
[ 214 ]
أنس والحسن والحسين رضي الله عنهم والقاسم وسالم لانه من الجامع كسائر المسجد، ووجه الاول انه يمنع الناس من الصلاة فيه فصار كالمغصوب فكره لذلك، فان كانت لا تحمى احتمل أن لا تكره الصلاة فيها لعدم شبه الغصب واحتمل أن تكره لانها تقطع الصفوف فأشبه الصلاة بين السواري، فعلى هذا انما تكره الصلاة فيها إذا قطعت الصفوف * (فصل) * واختلفت الرواية عن أحمد في الصف الاول فقال في موضع هو الذي يلي المقصورة لانها تحمى. وقال ما أدري هل الصف الاول الذي يقطعه المنبر أو الذي يليه؟ قال شيخنا والصحيح انه الذي يقطعه المنبر لانه الصف الاول حقيقة، ولو كان الاول ما دونه أفضى إلى خلو ما يلي الامام ولان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يليه فضلاؤهم، ولو كان الصف الاول وراء المنبر لوقفوا فيه * (مسألة) * (ومن دخل والامام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما) وبه قال الحسن وابن عيبنة والشافعي وإسحق وأبو ثور وابن المنذر، وقال شريح وابن سيرين والنخعي وقتادة والثوري ومالك والليث وأبو حنيفة يكره له أن يركع لان النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي جاء يتخطي رقاب الناس " اجلس فقد أنيت وآذيت " رواه ابن ماجه، ولان الركوع يشغله عن استماع الخطبة فكره كغير الداخل ولنا ما روى جابر قال جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب قال صليت يا فلان؟ قال لا.
[ 215 ]
قال قم فصل ركعتين " متفق عليه. وفي لفظ لمسلم " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والامام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما " فان جلس قبل أن يركع استحب له أن يقوم فيركع لما روى جابر أن سليكا الغطفاني جاء يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " اركعت ركعتين؟ قال لا. قال قم فاركعهما " رواه مسلم، وفي لفظ جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس فقال " يا سليك قم فاركع ركعتين
وتجوز فيهما " وحديثهم قضية في عين يحتمل انه أمره بالجلوس لضيق المكان أو لكونه في آخر الخطبة بحيث لو تشاغل بالصلاة فاتته تكبيرة الاحرام. والظاهر انه صلى الله عليه وسلم انما أمره بالجلوس ليكف أذاه عن الناس فان خشي أن يفوته أول الصلاة إذا تشاغل بهما لم يستحب له التشاغل بهما لذلك * (فصل) * وينقطع التطوع بجلوس الامام على المنبر فلا يصلي أحد غير الداخل يصلي تحية المسجد روي عن ابن عباس وابن عمر لما روى ثعلبة بن مالك انهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر ولانه يشتغل عن سماع الخطبة المندوب إليه * (فصل) * ويكره التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة رواه الامام أحمد وأبو داود والنسائي * (مسألة) * (ولا يجوز الكلام والامام يخطب إلا له أو لمن كلمه) يجب الانصات من حين يأخذ الامام في الخطبة فلا يجوز الكلام لمن حضرها، نهى عن ذلك
[ 216 ]
عثمان وابن عمر وقال أبو مسعود: إذا رأيته يتكلم والامام يخطب فاقرع رأسه بالعصا، وكره ذلك عامة أهل العلم منهم مالك وأبو حنيفة والاوزاعي. وعن أحمد لا يحرم الكلام، وكان سعيد بن جبير والنخعي والشعبي وأبو بردة يتكلمون والحجاج يخطب، وقال بعضهم إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا، وللشافعي قولان كالروايتين. واحتج من أجازه بما روى أنس قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال يا رسول الله هلك الكراع هلك الشاء فادع الله أن يسقينا. وذكر الحديث متفق عليه. وروي ان رجلا قام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال يا رسول الله متى الساعة؟ فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم وأومأ الناس إليه بالسكوت فلم يقبل وأعاد الكلام. فلما كان الثالثة قال له النبي صلى الله عليه وسلم " ويحك ماذا أعددت لها؟ قال حب الله ورسوله. قال انك مع من أحببت " فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم كلامه ولو حرم لا نكره ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والامام يخطب فقد لغوت " متفق عليه، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من
تكلم يوم الجمعة والامام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا، والذي يقول له أنصت ليس له جمعة " رواه الامام أحمد. وعن أبي بن كعب ان النبي صلى الله عليه وسلم قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم فذكرنا بأيام الله - وأبو الدرداء وأبو ذر يغمزني - فقال متى أنزلت هذه السورة اني لم أسمعها إلا الآن
[ 217 ]
فأشار إليه (1) أن اسكت فلما انصرفوا قال سألتك متى أنزلت هذه السورة فلم تخبرني فقال أبي ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت. فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك وأخبره بالذي قال أبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صدق أبي " رواه عبد الله بن أحمد وابن ماجه (2) وما احتجوا به فالظاهر انه مختص بمن كلم الامام أو كلمه الامام لانه لا يشتغل بذلك عن سماع خطبته وكذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم الذي دخل " هل صليت " فأجابه. وسأل عمر عثمان فأجابه فتعين حمله على ذلك جمعا بين الاخبار، ولا يصح قياس غيره عليه لان كلام الامام لا يكون في حال خطبته بخلاف غيره، ولو قدر التعارض ترجحت أحاديثنا لانها قول النبي صلى الله عليه وسلم ونصه وذلك سكوته والنص أقوى * (فصل) * ولا فرق بين القريب والبعيد لعموم ما ذكرناه، وقد روي عن عثمان رضي الله عنه انه قال من كان قريبا يسمع وينصت ومن كان بعيدا ينصت فان للمنصت الذي لا يسمع من الحظ ما للسامع، وقد روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يحضر الجمعة ثلاثة نفر
" 1 " أي أبي " 2 " وهو صحيح السند
[ 218 ]
رجل حضرها بلغو فهو حظه منها، وجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله عزوجل إن شاء أعطاه وان شاء منعه، ورجل حضرها بانصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهو كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام وذلك بأن الله عزوجل يقول (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) رواه الامام أحمد وأبو داود. وقال القاضي يجب الانصات على السامع ويستحب لمن لا يسمع لان الانصات انما وجب لاجل الاستماع والاول أولى لعموم النصوص، وللبعيد أن يذكر الله تعالى
ويقرأ القرآن ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ولا يرفع صوته. قال أحمد لا بأس أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فيما بينه وبين نفسه ورخص له في القراءة والذكر عطاء وسعيد بن جبير والشافعي وليس له رفع صوته ولا المذاكرة في الفقه ولا الصلاة ولا أن يجلس في حلقة، قال ابن عقيل له صلاة النافلة والمذاكرة في الفقه ولنا عموم الاحاديث المذكورة وانه صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة ولانه إذا رفع صوته منع من هو أقرب منه من السماع وآذاه بذلك فيكون عليه اثم من يؤذي المسلمين وصد عن ذكر الله تعالى، وهل ذكر الله سرا أفضل أو الانصاف؟ فيه وجهان: أحدهما الانصات أفضل لحديث عبد الله بن عمرو وقول عثمان. والثاني الذكر أفضل لانه لا يحصل ثواب الذكر من غير ضرر فكان أفضل كقبل الخطبة
[ 219 ]
* (فصل) * فأما الكلام على الخطيب أو من كلمه فلا يحرم لان النبي صلى الله عليه وسلم سأل سليكا الداخل وهو يخطب أصليت؟ قال لا، وسأل عمر عثمان حين دخل وهو يخطب فأجابه عثمان ولان تحريم الكلام عليه لاشتغاله بالانصات الواجب وسماع الخطبة ولا يحصل ها هنا، وسواء سأله الخطيب فأجابه أو كلم بعض الناس الخطيب لحاجة ابتداء لما ذكرنا من الحديثين قبل * (فصل) * وإذا سمع متكلما لم ينهه بالكلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا قلت لصاحبك انصت والامام يخطب فقد لغوت " ولكن يشير إليه ويضع أصبعه على فيه كما روينا عن أبي. وهذا قول زيد بن صوخان وعبد الرحمن بن أبي ليلي والثوري والاوزاعي وكره الاشارة طاوس. ولنا ان الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة أومأ إليه الناس بالسكوت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليهم ولان الاشارة تجوز في الصلاة للحاجة التي يبطلها الكلام فجوازها في الخطبة أولى * (فصل) * فأما الكلام الواجب كتحذير الضرير من البئر ومن يخاف عليه نارا أو حية ونحو ذلك فلا يحرم لان هذا يجوز في نفس الصلاة مع فسادها به فهنا أولى. فأما تشميت العاطس ورد السلام ففيه روايتان: احداهما يجوز. قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسأل يرد الرجل السلام يوم
الجمعة ويشمت العاطس؟ فقال نعم والامام يخطب. وقال أبو عبد الله قد فعله غير واحد، قال ذلك غير مرة. وممن يرخص فيه الحسن والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وإسحق لان هذا واجب فوجب الاتيان به في الخطبة لحق الآدمي فهو كتحذير الضرير. والرواية الثانية إن كان لا يسمع در
[ 220 ]
السلام وشمت العاطس، وإن كان يسمع فليس له ذلك نص عليه أحمد في رواية أبي داود. قلت لاحمد يرد السلام والامام يخطب ويشمت العاطس؟ قال إذا كان لا يسمع الخطبة فيرد وإذا كان يسمع فلا. قال الله تعالى (فاستمعوا له وأنصتوا) قيل له الرجل يسمع نغمة الامام بالخطبة ولا يدري ما يقول أيرد السلام؟ قال لا. وروي نحو ذلك عن عطاء وذلك لان الانصات واجب فلم يجز الكلام المانع منه من غير ضرورة كالامر بالانصات بخلاف من لا يسمع، وقال القاضي لا يرد ولا يشمت، وروي نحو ذلك عن ابن عمر وهو قول مالك والاوزاعي وأصحاب الرأي واختلف فيه عن الشافعي فيحتمل قول القاضي أن يكون مختصا بمن يسمع فيكون مثل الرواية الثانية، ويحتمل أن يكون عاما في الجميع لان وجوب الانصات شامل لهم فأشبهوا السامعين، ويجوز أن يرد على المسلم بالاشارة ذكره القاضي في المجرد لانه يجوز في الصلاة فها هنا أولى * (مسألة) * (ويجوز الكلام قبل الخطبة وبعدها وعنه يجوز فيها) يجوز الكلام قبل الخطبة وبعد فراغه منها من غير كراهة وبهذا قال عطاء وطاوس والزهرى النخعي ومالك والشافعي وإسحق ويعقوب ومحمد وروي عن ابن عمر وكرهه الحكم، وقال أبو حنيفة إذا خرج الامام حرم الكلام، قال ابن عبد البر: ابن عمر وابن عباس كانا يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الامام ولا مخالف لهم في الصحابة ولنا ما روى ثعلبة بن مالك انهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر فإذا سكت المؤذن وقام عمر لم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبة فإذا قامت الصلاة ونزل عمر تكلموا. وهذا يدل
[ 221 ]
على شهرة الامر بينهم ولان قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا قلت لصاحبك انصت والامام
يخطب فقد لغوت " يدل على تخصيصه بوقت الخطبة ولان الكلام؟ انما حرم لاجل الانصات للخطبة ولا وجه لتحريمه مع عدمها، وقولهم لا مخالف لهما في الصحابة قد ذكرنا عن عمومهم خلاف ذلك * (فصل) * فأما الكلام في الجلسة بين الخطبتين فيحتمل جوازه لما ذكرنا وهذا قول الحسن ويحتمل المنع وهو قول مالك والشافعي والاوزاعي وإسحق لانه سكوت يسير في أثناء الخطبتين أشبه السكوت للتنفس. وإذا بلغ الخطيب إلى الدعاء فهل يجوز الكلام؟ فيه وجهان: أحدهما الجواز لانه فرغ من الخطبة أشبه ما لو نزل. والثاني لا يجوز لانه تابع للخطبة فيثبت له ما ثبت لها كالتطويل في الموعظة ويحتمل انه ان كان دعاء مشروعا كالدعاء للمؤمنين والمؤمنات، والامام العادل أنصت وإن كان لغيره لم يلزم الانصات لانه لا حرمة له * (فصل) * ويكره العبث والامام يخطب لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ومن مس الحصى فقد لغا " قال الترمذي هذا حديث صحيح. واللغو الاثم قال الله تعالى (والذين هم عن اللغو معرضون) ولان العبث يمنع الخشوع ويكست الاثم ويكره أن يشرب والامام يخطب إذا كان يسمع وبه قال مالك والاوزاعي ورخص فيه مجاهد وطاوس والشافعي لانه لا يشتغل عن السماع، ووجه الاول انه فعل يشتغل به أشبه مس الحصى فان كان لا يسمع لم يكره نص عليه لانه لم يسمع فلا يشتغل به * (فصل) * قال الامام أحمد لا يتصدق على السؤال والامام يحطب لانهم فعلوا مالا يجوز فلا يعينهم عليه، قال الامام أحمد وإن حصبه كان أعجب الي لان ابن عمر رأى سائلا يسأل والامام يحطب يوم الجمعة فحصبه قيل للامام أحمد فان تصدق عليه انسان فناولته والامام يحطب؟ قال لا. قيل فان سأل
[ 222 ]
قبل خطبة الامام ثم جلس فأعطاني رجل صدقة أناوله إياها قال نعم. هذا لم يسأل والامام يخطب * (فصل) * ولا بأس بالاحتباء يوم الجمعة والامام يخطب روي ذلك عن ابن عمر وجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واليه ذهب عامة أهل العلم منهم مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وقال أبو داود لم يبلغني ان أحدا كرهه إلا عبادة بن سنى لان سهل بن معاذ روى ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحبوة يوم الجمعة والامام يخطب رواه أبو داود
ولنا ما روى يعلي بن شداد بن أوس قال شهدت مع معاوية ببيت المقدس فجمع بنا فنطرت فإذا جل من في المسجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيتهم محتبين والامام يحطب، وفعله ابن عمر وأنس ولا نعرف لهما مخالفا فكان اجماعا والحديث في اسناده مقال قاله ابن المنذر والاولى تركه لاجل الحديث وان كان ضعيفا لانه يصير به متهيئا للنوم والسقوط واسقاط الوضوء، ويحمل النهى في الخبر على الكراهة وأحوال الصحابة الذين فعلوه على انه لم يبلغهم الخبر * (فصل) * قال الامام أحمد إذا كان يقرؤن الكتاب يوم الجمعة على الناس بعد الصلاة اعجب الي أن يسمع إذا كان فتحا من فتوح المسلمين أو كان فيه شئ من أمور المسلمين، وان كان شئ انما فيه ذكرهم فلا يستمع، وقال في الذين يصلون في الطرقات إذا لم يكن بينهم باب مغلق فلا بأس وسئل عمن صلى خارج المسجد يوم الجمعة والابواب مغلقة قال أرجو أن لا يكون به بأس، وسئل عن الرجل يصلي يوم الجمعة وبينه وبين الامام سترة قال إذا لم يقدر على غير ذلك يعني يجزيه
[ 223 ]
* (باب صلاة العيدين) * وهي مشروعة والاصل في ذلك الكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله عزوجل (فصل لربك وانحر) المشهور في التفسير أن المراد بها صلاة العيد. وأما السنة فثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتواتر انه كان يصلي العيدين. قال ابن عباس شهدت صلاة الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فكلهم يصليها قبل الخطبة متفق عليه. وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بغير أذان ولا اقامة، وأجمع المسلمون على صلاة العيدين * (مسألة) * (وهي فرض على الكفاية إن اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الامام) صلاة العيد فرض على الكفاية في ظاهر المذهب إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وقال أبو حنيفة هي واجبة على الاعيان وليست فرضا، وقال ابن أبي موسى وقد قيل انها سنة مؤكدة وهو قول مالك وأكثر أصحاب الشافعي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للاعرابي حين ذكر خمس صلوات قال هل علي غيرهن قال " لا إلا أن تطوع " ولانها
صلاة ذات ركوع وسجود لا يشرع لها أذان فلم تكن واجبة كصلاة الاستسقاء، ثم اختلفوا فقال بعضهم إذا امتنع جميع الناس من فعلها قاتلهم الامام عليها. وقال بعضهم لا يقاتلهم ولنا على انها لا تجب على الاعيان انها صلاة لا يشرع لها الاذان فلم تجب على الاعيان كصلاة الجنازة ولان الخبر الذي ذكره مالك ومن وافقه يقتضي نفي وجوب صلاة سوى الخمس، وانما خولف بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن صلى معه فيختص بمن كان مثلهم ولانها لو وجبت على الاعيان لوجبت خطبتها والاستماع لها كالجمعة
[ 224 ]
ولنا على وجوبها في الجملة قوله تعالى (فصل لربك وانحر) والامر يقتضي الوجوب ولانها من أعلام الدين الظاهرة فكانت واجبة كالجمعة والجهاد ولانها لو لم تجب لم يجب قتال تاركيها لان القتال عقوبة فلا يتوجه إلى تارك مندوب كالقتل والضرب وقياسا على سائر السنن. فأما حديث الاعرابي الاعرابي فليس لهم فيه حجة لان الاعراب لا تلزمهم الجمعة فالعيد أولى على انه مخصوص بالصلاة على الجنازة المنذورة فكذلك صلاة العيد، وقياسهم لا يصح لان كونها ذات ركوع وسجود أثر له فيجب حذفه فينتقض بصلاة الجنازة وينتقض على كل حال بالصلاة المنذورة (فصل) وإذا اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الامام لانها من شعائر الاسلام الظاهرة فقوتلوا على تركها كالاذان ولانها من فروض الكفايات فقوتلوا على تركها كغسل الميت والصلاة عليه إذا اتفقوا على تركه * (مسألة) * (وأول وقتها إذا ارتفعت الشمس وآخره إذا زالت) أول وقت صلاة العيد إذا خرج وقت النهى وارتفعت الشمس قيد رمح من طلوع الشمس وذلك ما بين وقتي النهى عن صلاة النافلة. وقال أصحاب الشافعي أول وقتها إذا طلعت الشمس لما روى يزيد بن حمير قال خرج عبد الله بن بشر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر ابطاء الامام وقال إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه وذلك حين صلاة التسبيح. رواه أبو داود وابن ماجه ولنا ما روى عقبة بن عامر قال ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي
فيهن وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ولانه وقت نهي عن الصلاة فيه فلم
[ 225 ]
يكن وقتا للعيد كقبل طلوع الشمس ولان النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده لم يصلوا حتى ارتفعت الشمس بدليل الاجماع أن فعلها في ذلك الوقت أفضل ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليفعل إلا الافضل، ولو كان لها وقت قبل ذلك لكان تقييده بطلوع الشمس تحكما بغير نص ولا معنى نص، ولا يجوز التوقيت بالتحكم. وأما حديث عبد الله بن بشر فيحتمل على انه أنكر ابطاء الامام عن وقتها المجمع عليه لانه لو حمل على غير هذا لم يكن ابطاء، ولا يجوز أن يحمل ذلك على ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل الصلاة في وقت النهى لانه مكروه بالاتفاق والافضل خلافه، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يداوم على المفضول ولا المكروه فتعين حمله على ما ذكرنا * (مسألة) * (فان لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال خرج من الغد فصلى بهم) وهذا قول الاوزاعي والثوري وإسحق وابن المنذر. وحكى عن أبي حنيفة انها لا تقضى. وقال الشافعي إن علم بعد غروب الشمس كقولنا وإن علم بعد الزوال لم يصل لانها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فلا تقضى بعد فوات وقتها كالجمعة وانما يصليها إذا علم بعد غروب الشمس لان العيد هو الغد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " فطركم يوم تفطرون واضحاكم يوم تضحون وعرفتكم يوم تعرفون " (1) ولنا ما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ركبا جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا انهم رأوا الهلال بالامس فأمرهم أن يفطروا فإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم رواه أبو داود. وقال الخطابي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن تتبع، وحديث ابن عمير صحيح والمصير إليه واجب ولانها صلاة مؤقتة فلا تسقط بفوات الوقت كسائر الفروض: فأما الجمعة فانها معدول بها عن الظهر بشرائط منها الوقت فإذا فات واحد منهما رجع إلى الاصل
" 1 " رواه الشافعي والبيهقي عن عطاء مرسلا بسند ضعيف وروى أبو داود والبيهقي الجملتين في العيدين بسند صحيح عن أبي هريرة وله تتمة أخرى
[ 226 ]
(فصل) فأما الواحد إذا فاتته حتى تزول الشمس وأحب قضاءها قضاها متى أحب. وقال ابن عقيل لا يقضيها إلا من الغد كالمسألة قبلها وهذا لا يصح لان ما يفعله تطوع فمتى أحب أتى به وفارق إذا لم يعلم الناس لانهم تفرقوا على ان العيد في الغد فلا يجتمعون إلا إلى الغد، ولا كذلك ها هنا لانه يحتاج إلى اجتماع الجماعة ولان صلاة الامام هي الواجبة التي يعتبر لها شروط العيد ومكانه، فاعتبر لها العيد بخلاف هذا * (مسألة) * (ويسن تقديم الاضحى وتأخير الفطر والاكل في الفطر قبل الصلاة والامساك في الاضحى حتى يصلي) يستحب تقديم الاضحى ليتسع وقت التضحية لان التضحية لا تجوز إلا بعد الصلاة وتأخير الفطر ليتسع وقت اخراج صدقة الفطر لان السنة اخراجها يوم العيد قبل الصلاة وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافا. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم " أن أخر صلاة الفطر وعجل الاضحى وذكر الناس " الحديث مرسل رواه الشافعي (فصل) ويستحب الاكل في الفطر قبل الصلاة وأن لا يأكل في الاضحى حتى يصلي، روي ذلك عن علي وابن عباس وهو قول مالك والشافعي ولا نعلم فيه خلافا لما روى أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات وقال مرجأ بن رجاء حدثنى عبيد الله قال حدثني أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ويأكلهن وترار رواه البخاري، وعن بريدة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الاضحى حتى يصلي رواه الامام أحمد والترمذي وهذا لفظه ورواه الاثرم ولفظ روايته حتى يضحي. ويستحب أن يفطر على تمرات ويأكلهن وترا لما ذكرنا من الحديث، وأما في الاضحى فان كان له أضحية استحب أن يفطر على شئ منها. قال أحمد والاضحى لا يأكل فيه حتى يرجع إذا كان له ذبح لان النبي صلى الله عليه وسلم
[ 227 ]
أكل من ذبيحته، وروى الدار قطني حديث بريدة وفيه وكان لا يأكل يوم النحر حتى يرجع فيأكل
من أضحتيه وإذا لم يكن له ذبح لم يبال أن يأكل * (مسألة) * (ويستحب الغسل والتبكير إليها بعد الصبح ماشيا على أحسن هيئة إلا المعكتف يخرج في ثياب اعتكافه أو إماما يتأخر إلى وقت الصلاة) يستحب الغسل للعيد وكان ابن عمر يغتسل يوم الفطر رواه مالك في الموطأ، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال علقمة وعروة وعطاء والنخعي والشعبي ومالك والشافعي وابن المنذر لما روى ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الفطر ويوم الاضحى رواه ابن ماجه إلا أنه من رواية جنادة بن مغلس وهو ضعيف، وروى أيضا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع " إن هذا يوم جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك " علل بكونه عيدا ولانه يوم يشرع فيه الاجتماع للصلاة فاستحب الغسل فيه كيوم الجمعة، وان توضأ أجزأه لانه إذا أجزأ في الجمعة مع الامر بالغسل لها فها هنا أولى، ووقت الغسل بعد طلوع الفجر في ظاهر كلام الخرقي. قال الآمدي ان اغتسل قبل الفجر لم يصب سنة لاغتسال، وقال ابن عقيل المنصوص عن أحمد انه قبل الفجر وبعده ولان زمن العيد أضيق من وقت الجمعة فلو وقف على طلوع الفجر ربما فات ولان المقصود منه التنظيف وذلك يحصل بالغسل في الليل القربة من الصلاة، والاولى أن يكون بعد الفجر ليخرج من الخلاف ولانه أبلغ في النظافة لقربه من الصلاة والغسل لها غير واجب. قال ابن عقيل ويتخرج وجوبه بناء على غسل الجمعة لانها في معناها (فصل) ويستحب التبكير إلى العيد بعد صلاة الصبح والدنو من الامام ليحصل له أجر التبكير وانتظار الصلاة ويحصل له فضل الدنو من الامام من غير تخطي رقاب الناس ولا أذى أحد. قال عطاء بن السائب كان عبد الرحمن بن أبي ليلي وعبد الله بن مغفل يصليان الفجر يوم العيد وعليهما
[ 228 ]
ثيابهما ثم يتدافعان إلى الجبانة أحدهما يكبر والآخر يهلل، فأما الامام فانه يتأخر إلى وقت الصلاة لما روى أبو سعيد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والاضحى إلى المصلى فأول شئ يبدأ به الصلاة رواه مسلم، قال مالك مضت السنة أن يخرج الامام من منزله قدر ما يبلغ
المصلى وقد حلت الصلاة، وروي عن ابن عمر انه كان لا يخرج حتى تطلع الشمس، ويستحب أن يخرج ماشيا وعليه السكينة والوقار كما ذكرنا في الجمعة وهذا قول عمر بن عبد العزيز والنخعي والثوري والشافعي وغيرهم لما روي ان النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يركب في عيد ولا جنازة، وروى ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرج إلى العيد ماشيا ويرجع ماشيا رواه ابن ماجة، وإن كان بعيدا فلا بأس أن يركب نص عليه أحمد لما روي ان عمر بن عبد العزيز قال على المنبر يوم الجمعة ان الفطر غدا فامشوا إلى مصلاكم فان ذلك كان يفعل، ومن كان من أهل القرى فليركب فإذا جاء إلى المدينة فليمش إلى الصلاة. رواه سعيد (فصل) ويستحب أن يتطيب ويتسوك ويلبس أحسن ثيابه كما ذكرنا في الجمعة لما ذكرنا من الحديث، وروى ابن عبد البر باسناده عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتم ويلبس
[ 229 ]
برده الاحمر في العيدين والجمعة. وعن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس في العيدين برد حبرة وباسناده عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعته وعيده " والامام بذلك أحق لانه المنظور إليه من بينهم إلا
[ 230 ]
أن المعتكف يستحب له الخروج في ثياب اعتكافه ليبقى عليه أثر العبادة والنسك. قال أحمد في رواية المروذي: طاوس كان يأمر بزينة الثياب. وعطاء قال هو يوم تخشع واستحسنهما جميعا
[ 231 ]
(فصل) ويستحب أن يكون في خروجه مظهرا للتكبير يرفع به صوته. قال أحمد يكبر جهرا إذا خرج من بيته حتى يأتي المصلى، وروى ذلك عن علي وابن عمر وأبي أمامة وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول عمر بن عبد العزيز وفعله ابن أبي ليلي والنخعي وسعيد بن جبير وهو قول الحكم وحماد ومالك وإسحق وابن المنذر. وقال أبو حنيفة يكبر يوم الاضحى ولا يكبر يوم الفطر لان ابن عباس سمع التكبير يوم الفطر فقال ما شأن الناس؟ فقيل يكبرون. فقال أمجانين الناس؟
ولنا انه فعل من سمينا من الصحابة وقولهم، فأما ابن عباس فكان يقول يكبرون مع الامام ولا يكبرون وحدهم وهذا خلاف مذهبهم، إذا ثبت هذا فانه يكبر حتى يأتي المصلى لقول أبي جميلة رأيت عليا رضي الله عنه خرج يوم العيد فلم يزل يكبر حتى انتهى إلى الجبانة. قال الاثرم قيل
[ 232 ]
لابي عبد الله في الجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى أو حتى يخرج الامام؟ قال حتى يأتي المصلى. وقال القاضي فيه رواية أخرى حتى يخرج الامام (فصل) ولا بأس بخروج النساء يوم العيد إلى المصلى. وقال ابن حامد يستحب ذلك، وروي عن أبي بكر وعلي رضي الله عنهما انهما قالا حق على كل ذات نطاق أن تخرج إلى العيدين، وكان ابن عمر يخرج من استطاع من أهله إلى العيدين، وروت أم عطية قالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والاضحى والعواتق ذوات الخدور فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. قلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال " لتلبسها أختها من جلبابها " متفق عليه وهذا لفظ رواية مسلم. وقال القاضي ظاهر كلام أحمد أن ذلك جائز غير مستحب، وكرهه النخعي ويحيى الانصاري وقالا لا يعرف خروج المرأة في العيدين عندنا، وكرهه سفيان وابن المبارك، ورخص أهل الرأي للمرأة الكبيرة وكرهوه للشابة لما في خروجهن من الفتنة.
[ 233 ]
وقول عائشة رضي الله عنها لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني اسرائيل ولنا ما ذكرنا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهي أحق أن تتبع، وقول عائشة مختص بمن أحدثت دون غيرها، ولا شك في ان تلك يكره لها الخروج وانما يستحب لهن الخروج غير متطيبات ولا يلبسن ثوب شهرة ولا زينة ويخرجن في ثياب البذلة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " وليخرجن تفلات " ولا يخالطن الرجال بل يكن ناحية منهم * (مسألة) * (وإذا غدا من طريق رجع في أخرى)
الرجوع في غير الطريق التي غدا منها سنة وبه قال مالك والشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله. قال أبو هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره. قال الترمذي هذا حديث حسن، قال بعض أهل العلم انما فعل هذا قصدا لسلوك الابعد في الذهاب ليكثر ثوابه وخطواته إلى الصلاة ويعود في الاقصر لانه أسهل، وقيل كان يحب أن يشهد له الطريقان، وقيل كان يحب المساواة بين أهل الطريقين في التبرك بمروره بهم وسرورهم برؤيته وينتفعون بمسئلته، وقيل لتحصل الصدقة ممن صحبه على أهل الطريقين من الفقراء، وقيل ليشترك الطريقان بوطئه عليهما. وفي الجملة الاقتداء به سنة لاحتمال بقاء المعنى الذي فعله لاجله ولانه قد يفعل الشئ لمعنى ويبقى في حق غيره سنة مع زوال المعنى كالرمل والاضطباع في طواف القدوم فعله هو وأصحابه لاظهار الجلد للكفار وهي سنة. قال عمر رضي الله عنه فيم الرملان الآن ولمن نبدي مناكبنا وقد نفى الله المشركين؟ ثم قال مع ذلك لا ندع شيئا فعلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 234 ]
* (مسألة) * (وهل من شرطها الاستيطان وإذن الامام والعدد المشروط للجمعة؟ على روايتين) يشترط لوجوب صلاة العيد ما يشترط لوجوب صلاة الجمعة من الاستيطان لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها في سفره ولا خلفاؤه، وكذلك العدد المشترط لصلاة الجمعة لانها صلاة عيد فأشبهت الجمعة، وفي اشتراط اذن الامام روايتان أصحهما انه لا يشترط كما قلنا في الجمعة، ولا يشترط شئ من ذلك لصحتها لان انسا كان إذا لم يشهد العيد مع الامام جمع أهله ومواليه ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فصلى بهم ركعتين يكبر فيهما ولانها في حق من انتفت فيه شروط الوجوب تطوع فلم يشترط لها ذلك كسائر التطوع. وقد ذكر شيخنا ها هنا روايتين وكذلك ذكره أبو الخطاب. وقال القاضي كلام أحمد يقتضي أن في اشتراط ذلك روايتين: إحداهما لا يقام العيد إلا حيث تقام الجمعة وهذا مذهب أبي حنيفة إلا انه لا يرى ذلك إلا في المصر لقوله لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع. والثانية يصليها المنفرد والمسافر والعبد والنساء وهذا قول الحسن والشافعي لما ذكرنا إلا ان الامام إذا خطب مرة ثم أرادوا أن يصلوا لم يخطبوا ثانيا وصلوا بلا خطبة كيلا يؤدي إلى تفريق الكلمة.
وهذا التفصيل الذي ذكرناه أولى ما قيل به ان شاء الله تعالى (فصل) قال ابن عقيل إذا قلنا من شرطها العدد وكانت قرية إلى جانب قرية أو مصر يصلى فيه العيد لزمهم السعي إلى العيد سواء كانوا بحيث يسمعون النداء أم لا لان الجمعة انما لم يلزم اتيانها مع عدم السماع لتكررها بخلاف العيد فانه لا يتكرر فلا يشق اتيانه * (مسألة) * (وتسن في الصحراء وتكره في الجامع إلا من عذر) السنة أن يصلى العيد في المصلى أمر بذلك علي رضي الله عنه واستحسنه الاوزاعي وأصحاب
[ 235 ]
الرأي وهو قول ابن المنذر، وحكي عن الشافعي ان كان مسجد البلد واسعا فالصلاة فيه أولى لانه خير البقاع وأطهرها ولذلك يصلي أهل مكة في المسجد الحرام ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى المصلى ويدع مسجده وكذلك الخلفاء الراشدون بعده ولا يترك النبي صلى الله عليه وسلم الافضل مع قربه، ويتكلف فعل المفضول مع بعده، ولا يشرع لامته ترك الفضائل ولانا قد أمرنا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به، ولا يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص ولان هذا اجماع فان الناس في كل عصر يخرجون إلى المصلى فيصلون فيه العيدين مع سعة المسجد وضيقه ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم انه صلى العيد بمسجده إلا من عذر مع شرف مسجده، وروينا عن علي رضي الله عنه انه قيل له قد اجتمع في المسجد ضعفاء الناس وعميانهم فلو صليت بهم في المسجد؟ فقال أخالف السنة إذا، ولكن أخرج إلى المصلى وأستخلف من يصلي بهم في المسجد أربعا، وصلاة النفل في البيت أفضل منها مع شرفه، ويستحب للامام إذا خرج أن يستخلف في المسجد من يصلي بضعفة الناس في الجامع لان عليا رضي الله عنه استخلف أبا مسعود البدري يصلي بضعفة الناس في المسجد رواه سعيد، وهل يصلي المستخلف ركعتين أم أربعا على روايتين: إحداهما يصلي أربعا لما ذكرنا من قول علي، والثانية يصلى ركعتين وروي انه صلى أربعا فان كان عذر من مطر أو نحوه صلى في المسجد لما روى أبو هريرة قال أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد. رواه أبو داود
(فصل) ولا يشرع لها أذان ولا اقامة ولا نعلم في هذا خلافا إلا انه روي عن ابن الزبير انه
[ 236 ]
أذن وأقام، وقيل أول من أذن في العيدين ابن زياد، وهذا يدل على انعقاد الاجماع قبله انه لا يسن ذلك وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقد روى ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيدين بغير أذان ولا اقامة وعن جابر مثله متفق عليهما، وعن عطاء قال أخبرني جابر ان لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الامام ولا بعد ما يخرج الامام ولا اقامة ولا نداء ولا شئ، لا نداء يومئذ ولا اقامة رواه مسلم، وقال بعض أصحابنا ينادى لها الصلاة جامعة وهو قول الشافعي والسنة أحق أن تتبع * (مسألة) * (ويبدأ بالصلاة فيصلي ركعتين) وجملة ذلك انه يبدأ في العيد بالصلاة قبل الخطبة لا نعلم في ذلك خلافا إلا ما روي عن بني أمية وقيل انه يروى عن عثمان وابن الزبير انهما فعلا ذلك ولا يصح عنهما، وخلاف بني أمية مسبوق بالاجماع فلا يعتد به ولانه مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة ولخلفائه الراشدين فان ابن عمر قال ان النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كانوا يصلون العيدين
[ 237 ]
قبل الخطبة. متفق عليه، وقد أنكر على بني أمية فعلهم وعد منكرا وبدعة فروي طارق بن شهاب قال قدم مروان الخطبة قبل الصلاة فقام رجل فقال خالفت السنة كانت الخطبة بعد الصلاة، فقال ترك ذلك يا أبا فلان: فقام أبو سعيد فقال أما هذا المتكلم فقد قضى ما عليه قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فلينكره بلسانه فمن لم يستطع فلينكره بقلبه وذلك أضعف الايمان " رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق، ورواه مسلم بمعناه. فعلى هذا من خطب قبل الصلاة فهو كمن لم يخطب لانه خطب في غير محل الخطبة أشبه ما لو خطب في الجمعة بعد الصلاة (فصل) ولا خلاف بين أهل العلم أن صلاة العيد ركعتان وذلك المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه فعل ذلك وفعله الائمة بعده وقد قال عمر رضي الله عنه: صلاة العيد ركعتان تمام غير قصر
على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد خاب من افترى
[ 238 ]
* (مسألة) * (يكبر في الاولى بعد الاستفتاح وقبل التعوذ ستا وفي الثانية بعد القيام من السجود خمسا) السنة أن يستفتح بعد تكبيرة الاحرام ثم يكبر تكبيرات العيد ثم يتعوذ ثم يقرأ. هذا المشهور في المذهب ومذهب الشافعي، وعن الامام أحمد ان الاستفتاح بعد التكبيرات اختارها الخلال وصاحبه وهو قول الاوزاعي لان الاستفتاح يلي الاستعاذة. قال أبو يوسف يتعوذ قبل التكبير لئلا يفصل بين الاستفتاح والاستعاذة ولنا ان الاستفتاح يشرع لافتتاح الصلاة فكان في أولها كسائر الصلوات والاستعاذة شرعت للقراءة فهي تابعة لها فتكون عند الابتداء بها لقول الله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) وانما جمع بينهما في سائر الصلوات لان القراءة تلي الاستفتاح من غير فاصل فلزم أن يليه ما يكون في أولها بخلاف مسئلتنا وأيما فعل كان جائزا (فصل) وعدد التكبيرات في الركعة الاولى ست تكبيرات غير تكبيرة الاحرام، وفي الثانية خمس سوى تكبيرة القيام نص عليه أحمد فقال يكبر في الاولى سبعا مع تكبيرة الاحرام ولا يعتد بتكبيرة الركوع لان بينهما قراءة ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات ولا يعتد بتكبيرة النهوض ثم يقرأ في الثانية ثم يكبر ويركع وروي ذلك عن فقهاء المدينة السبعة وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والمزني، وروي عن أبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس وابن عمر ويحيى الانصاري قالوا يكبر في الاولى سبعا وفي الثانية خمسا وبه قال الشافعي وأسحق إلا انهم قالوا يكبر سبعا في الاولى سوى تكبيرة الاحرام لقول عائشة رضي الله عنها وعن أبيها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في العيدين اثنتى عشرة تكبيرة سوى تكبيرة الافتتاح رواه الدارقطني، وروي عن ابن عباس وأنس والمغيرة بن شعبة وسعيد بن المسيب والنخعي يكبر سبعا. وقال أبو حنيفة والثوري في الاولى
[ 239 ]
والثانية ثلاث ثلاث لما روى أبو موسى قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر تكبيره على الجنازة
ويوالى بين القراءتين رواه أبو داود، وروى أن سعيد بن العاص سأل أبا موسى وحذيفة كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الاضحى والفطر؟ فقال أبو موسى كان يكبر أربعا تكبيره على الجنازة. فقال حذيفة صدق ولنا ما روى كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين في الاولى سبعا قبل القراءة وفي الثانية خمسا قبل القراءة رواه الاثرم وابن ماجه والترمذي وقال هو حديث حسن وهو أحسن حديث في الباب، وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر والاضحى في الاولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمسا سوى تكبيرتي الركوع رواه أبو داود. قال ابن عبد البر قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة حسان انه كبر في العيد سبعا في الاولى وخمسا في الثانية من حديث عبد الله بن عمرو وابن عمر وجابر وعائشة وأبي واقد وعمرو بن عوف ولم يرو عنه من وجه قوي ولا ضعيف خلاف هذا وهو أولى ما عمل به وحديث عائشة المعروف عنها كما رويناه وحديثهم انما رواه الدارقطني من رواية ابن لهيعة، وحديث أبي موسى ضعيف يرويه أبو عائشة جليس لابي هريرة وهو غير معروف والله أعلم * (مسألة) * (ويرفع يديه مع كل تكبيرة) يستحب أن يرفع يديه في حال تكبيره كرفعهما مع تكبيرة الاحرام وبه قال عطاء والاوزاعي وأبو حنيفة والشافعي. وقال مالك والثوري لا يرفعهما فيما عدا تكبيرة الاحرام لانها تكبيرات في أثناء الصلاة أشبهت تكبيرات الركوع
[ 240 ]
ولنا ما روي ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه مع التكبير. قال أحمد أما أنا فأرى أن هذا الحديث يدخل فيه هذا كله. وروي عن ابن عمر انه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في الجنازة وفي العيد رواه الاثرم ولم يعرف له مخالف في الصحابة. فأما تكبيرات الركوع قلنا فيها منع، وإن سلم فلان هذه يقع طرفاها في حال القيام فهي بمنزلة تكبيرة الافتتاح والله أعلم * (مسألة) * (ويقول الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله
على محمد النبي وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، وإن أحب قال غير ذلك) وجملة ذلك انه متى فرغ من الاستفتاح في صلاة العيد حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم فعل ذلك بين كل تكبيرتين وإن قال ما ذكرها هنا فحسن لكونه يجمع ذلك كله، وإن قال غيره نحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أو ما شاء من الذكر فجائز وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك والاوزاعي يكبر متواليا لا ذكر بينه لانه لو كان بينه ذكر مشروع
[ 241 ]
لنقل كما نقل التكبير ولانه ذكر من جنس مسنون فكان متواليا كالتسبيح في الركوع والسجود ولنا ما روى علقمة ان عبد الله بن مسعود وحذيفة وأبا موسى خرج عليهم الوليد بن عقبة قبل العيد يوما فقال لهم إن هذا العيد قد دنا فكيف التكبير فيه؟ فقال عبد الله تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تقرأ ثم تكبر وتركع ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك ثم تكبر وتفعل مثل ذلك ثم تركع. فقال حذيفة وأبو موسى صدق أبو عبد الرحمن رواه الاثرم، ولانها تكبيرات حال القيام فاستحب أن يتخللها ذكر كتكبيرات الجنازة وتفارق التسبيح فانه ذكر يخفى ولا يظهر بخلاف التكبير، وقياسهم ينتقض بتكبيرات الجنازة. قال القاضي يقف بين كل تكبيرتين بقدر آية متوسطة وهذا قول الشافعي * (مسألة) * (ثم يقرأ بعد الفاتحة في الاولى بسبح وفي الثانية بالغاشية ويجهر بالقراءة) لا خلاف بين أهل العلم في انه يشرع أن يقرأ في كل ركعة من صلاة العيد بفاتحة الكتاب وسورة وانه يسن الجهر في القراءة فيما نعلم إلا انه روي عن علي انه كان إذا قرأ في العيدين أسمع من يليه ولم يجهر ذلك الجهر. وقال ابن المنذر أكثر أهل العلم يرون الجهر بالقراءة، وفي أخبار من أخبر بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم فيها دليل على انه كان يجهر ولانها صلاة عيد أشبهت الجمعة. ويستحب أن يقرأ في الاولى بسبح اسم ربك الاعلى وفي الثانية بالغاشية نص عليه أحمد لان
النعمان بن بشير قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الاعلى
[ 242 ]
وهل أتاك حديث الغاشية وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأ بهما رواه مسلم. وقال الشافعي يقرأ بقاف واقتربت وحكاه ابن أبي موسى عن أحمد لما روي أن عمر سأل أبا واقد الليثي ماذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ به في الفطر والاضحى؟ فقال كان يقرأ بقاف والقرآن المجيد واقتربت الساعة وانشق القمر رواه مسلم. قال أبو حنيفة ليس فيه شئ مؤقت وحكاه ابن عقيل رواية عن أحمد، وكان ابن مسعود يقرأ بالفاتحة وسورة من المفصل ومهما قرأ به كان حسنا إلا أن ما ذكرناه أحسن لانه كان مذهبا لعمر رضي الله عنه وعمل به ولانه قد رواه مع النعمان ابن عباس وسمرة ولان في (سبح) الحث عل الصلاة وزكاة الفطر على ما قاله سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز في تفسير قوله تعالى (قد أفلح من تزكى) فاختصت الفضيلة به كاختصاص الجمعة بسورتها * (مسألة) * (وتكون بعد التكبير في الركعتين وعنه يوالي بين القراءتين) المشهور عن أحمد رحمه الله أن القراءة تكون بعد التكبير في الركعتين روي ذلك عن أبي هريرة والفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والشافعي والليث، وروى عن أحمد انه يوالي بين القراءتين ومعناه انه يكبر في الاولى قبل القراءة وفي الثانية بعدها اختارها أبو بكر وروي ذلك عن ابن مسعود وحذيفة وأبي موسى وأبي مسعود البدري والحسن وابن سيرين والثوري وهو قول أصحاب الرأي لما ذكرنا من حديث ابن مسعود، وعن أبي موسى قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر تكبيره على الجنازة ويوالي بين القراءتين رواه أبو داود ولنا ما روت عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في العيدين سبعا وخمسا قبل القراءة رواه أحمد في المسند. وعن عبد الله بن عمر قال قال نبي الله صلى الله عليه وسلم " التكبير في الفطر
[ 243 ]
سبع في الاولى وخمس في الآخرة والقراءة بعدهما كلتيهما رواه أبو داود والاثرم ورواه ابن ماجه عن سعد مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، وحديث أبي موسى ضعيف قاله الخطابي وليس
في رواية أبي داود انه والى بين القراءتين * (مسألة) * (فإذا سلم خطب خطبتين يجلس بينهما يفتتح الاولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع يحثهم في خطبة الفطر على الصدقة ويبين لهم ما يخرجون، ويرغبهم في الاضحية في الاضحى ويبين لهم حكم الاضحية) الخطبتان مشروعتان بعد صلاة العيد ويستحب الجلوس بينهما لما روى جابر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى فخطب قائما ثم قعد قعدة ثم قام رواه ابن ماجه ويكونان بعد الصلاة وقد ذكرنا ذلك وصفتها كصفة خطبتي الجمعة قياسا عليهما إلا أنه يستفتح الاولى بتسع تكبيرات متواليات، والثانية بسبع متواليات. قال القاضي وإن جعل بينهما تهليلا أو ذكرا فحسن
[ 244 ]
لما روى سعيد حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله قال يكبر الامام يوم العيد على المنبر قبل أن يخطب بتسع تكبيرات ثم يخطب وفي الثانية بسبع تكبيرات، وروى عنه انه قال هو من السنة ذكره البغوي. ويستحب أن يكثر التكبير في اضعاف خطبته لما روى سعد مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم انه صلى الله عليه وسلم كان يكثر التكبير في خطبة العيدين بين اضعاف الخطبة رواه ابن ماجه (1) وإذا كبر في أثناء الخطبة كبر الناس بتكبيره. وقد روي عن أبي موسى انه كان يكبر يوم العيد على المنبر ثلاثين أو أربعين تكبيرة، ويستحب أن يجلس إذا صعد المنبر قبل الخطبة ليستريح كالجمعة وقيل لا يجلس لان الجلوس في الجمعة للاذان ولا أذان ها هنا (فصل) فان كان فطرا يحثهم على الصدقة ويبين لهم وجوب صدقة الفطر وثوابها وقدر المخرج وجنسه وعلى من تجب ووقتها، وإن كان أضحى ذكر لهم الاضحية وفضلها وتأكد استحبابها وما يجزي منها وما لا يجزي ووقت الذبح وصفة تفريقها وما يقول عند ذبحها ليعملوا بذلك. وقد روى أبو سعيد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الاضحى ويوم الفطر فيبدأ بالصلاة فإذا صلى صلاته وسلم قام فأقبل على الناس وهم جلوس في مصلاهم فان كان له حاجة ببعث ذكره للناس أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها كان يقول " تصدقوا تصدقوا " وكان أكثر من يتصدق النساء
متفق عليه واللفظ لمسلم. وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وقد أصاب سنة المسلمين "
" 1 " هو ضعيف ولفظه محرف وصوابه كما في المغني أعلاه
[ 245 ]
* (مسألة) * (والتكبيرات الزوائد والذكر بينهما والخطبتان سنة) لا تبطل بتركه الصلاة عمدا ولا سهوا بغير خلاف علمناه، فان نسي التكبير حتى شرع في القراءة لم يعد إليه، ذكره ابن عقيل وهو أحد قولي الشافعي لانه سنة فلم يعد إليه بعد الشروع في القراءة كالاستفتاح. وقال القاضي فيه وجه آخر أنه يعود إليه وهو قول مالك وأبي ثور والقول الثاني للشافعي لانه ذكره في محله فيأتي به كما قبل الشروع في القراءة لان محله القيام وقد ذكره فيه. فعلى هذا يقطع القراءة ويكبر ثم يستأنفها لانه قطعها متعمدا بذكر طويل، وإن كان المنسي يسيرا احتمل أن يبنى لانه يسير أشبه ما لو قطعها بقول أمين، واحتمل أن يبتدئ لان محل التكبير قبل القراءة ومحل القراءة بعد التكبير، فان ذكر التكبير بعد القراءة فأتى به لم يعد القراءة لانها وقعت موقعها، وإن لم يذكره حتى ركع سقط وجها واحدا لفوات محله، وكذلك المسبوق إذا أدرك الركوع لم يكبر فيه. وقال أبو حنيفة يكبر فيه لانه بمنزلة القيام بدليل ادراك الركعة به ولنا انه ذكر مسنون حال القيام فلم يأت به في الركوع كالاستفتاح وقراءة السورة والقنوت عنده وانما أدرك الركعة بادراكه لانه أدرك معظمها ولم يفته إلا القيام وقد حصل منه ما يجزي في تكبيرة الاحرام. وأما المسبوق إذا أدرك الامام بعد تكبيره فقال ابن عقيل يكبر لانه أدرك محله، ويحتمل ألا يكبر لانه مأمور بالانصات لقراءة الامام. فعلى هذا ان كان يسمع أنصت وإن كان بعيدا كبر (فصل) وإذا شك في عدد الركعات بنى على اليقين فان كبر ثم شك هل نوى تكبيرة الاحرام
[ 246 ]
أو لا ابتدأ الصلاة هو والمأمومون لان الاصل عدم النية إلا أن يكون وسواسا فلا يلتفت إليه (فصل) والخطبتان سنة لا يجب حضورها ولا استماعها لما روى عبد الله بن السائب قال شهدت
مع رسول الله عليه وسلم العيد فلما قضى الصلاة قال " إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب " رواه أبو داود وقال هو مرسل ورواه ابن ماجه والنسائي. قال شيخنا وانما أخرت الخطبة عن الصلاة والله أعلم لانها لما لم تكن واجبة جعلت في وقت يتمكن من أراد تركها من تركها بخلاف خطبة الجمعة. وذكر ابن عقيل في وجوب الانصات لها روايتين: احداهما يجب كالجمعة والثاني لا يجب لان الخطبة غير واجبة فلم يجب الانصات لها كسائر السنن والاذكار والاستماع لها أفضل وقد روي عن الحسن وابن سيرين انهما كرها الكلام يوم العيد والامام يخطب. وقال ابراهيم يخطب الامام يوم العيد قدر ما يرجع النساء إلى بيوتهن، وهذا يدل على أنه لا يستحب لهن الجلوس لاستماع الخطبة لئلا يختلطن بالرجال، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في موعظته النساء بعد فراغه من خطبته دليل على انهن لم ينصرفن، وسنته صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع (فصل) ويستحب أن يخطب قائما لما روى جابر قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى فخطب قائما ثم قعد ثم قام رواه ابن ماجه، وإن خطب قاعدا فلا بأس لانها غير واجبة أشبهت صلاة النافلة، وإن خطب على راحلته فحسن لما روى سلمة بن نبيط عن أبيه انه حج فقال
[ 247 ]
رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على بعيره رواه ابن ماجه. وعن أبي جميلة قال رأيت عليا عليه السلام صلى يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم خطب على دابته، ورأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه يخطب على راحلته رواه سعيد * (مسألة) * (ولا يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها في موضع الصلاة) يكره التنفل قبل صلاة العيد وبعدها في موضع الصلاة للامام والمأموم سواء كان في المصلى أو المسجد وهو مذهب ابن عباس وابن عمر، وروي عن علي وابن مسعود وحذيفة وبريدة وسلمة بن الاكوع وجابر وابن أبي أوفى وبه قال شريح وعبد الله بن مغفل ومسروق والضحاك والقاسم والشعبي قال الزهري لم أسمع أحدا من علمائنا يذكر ان أحدا من سلف هذه الامة كان يصلي قبل تلك ولا بعدها يعني صلاة العيد. وقال ما صلى قبل العيد بدري ونهى عنه أبو مسعود البدري. وروي أن
عليا رضي الله عنه رأى قوما يصلون قبل العيد فقال ما كان هذا يفعل على عهد رسول الله عليه وسلم. قال أحمد: أهل المدينة لا يتطوعون قبلها ويتطوعون بعدها وهذا قول علقمة والاسود ومجاهد والنخعي والثوري وأصحاب الرأي، وقال مالك كقولنا في المصلى وله في المسجد روايتان: احداهما يتطوع لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين " وقال
[ 248 ]
الشافعي يكره ذلك للامام لانه يستحب له التشاغل عن الصلاة ولا يكره للمأموم لانه وقت لم ينه عن الصلاة فيه أشبه ما بعد الزوال ولنا ما روى ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما متفق عليه ولانه اجماع كما حكاه الزهري وغيره ولانه وقت نهى الامام عن التنفل فيه فكره للمأموم كسائر أوقات النهى وكما قبل الصلاة عند أبي حنيفة وكما لو كان في المصلى عند مالك والحديث الذي ذكره مالك مخصوص بما ذكرنا من المعنى. وقال الاثرم قلت لاحمد قال سليمان بن حرب انما ترك النبي صلى الله عليه وسلم التطوع لانه كان إماما، قال أحمد فالذين رووا هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتطوعوا، ثم قال: ابن عمر وابن عباس هما روياه وأخذا به يشير والله أعلم إلى أن عمل راوي الحديث به تفسير له وتفسيره يقدم على تفسير غيره ولو كانت الكراهة للامام كيلا يشتغل عن الصلاة لاختصت بما قبل الصلاة إذ لم يبق بعدها ما يشتغل به، وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في صلاة العيد سبعا وخمسا ويقول: " لا صلاة قبلها ولا بعدها " رواه ابن بطة باسناده (فصل) قيل لاحمد فان كان لرجل صلاة في ذلك الوقت قال أخاف أن يقتدى به. قال ابن
[ 249 ]
عقيل كره أحمد أن يتعمد لقضاء صلاة وقال أخاف أن يقتدوا به (فصل) وانما يكره التنفل في موضع الصلاة فأما في غيره فلا بأس به، وكذلك لو خرج منه ثم عاد إليه بعد الصلاة. قال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول روي عن ابن عمر وابن عباس أن النبي
صلى الله عليه وسلم لم يصل قبلها ولا بعدها ورأيته يصلي بعدها ركعات في البيت وربما صلاها في الطريق يدخل بعض المساجد. وروي عن أبي سعيد قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئا فإذا دخل إلى منزله صلى ركعتين رواه ابن ماجه * (مسألة) * (ومن كبر قبل سلام الامام صلى ما فاته على صفته) لانه أدرك بعض الصلاة التي ليست مبدلة من أربع فقضاها على صفتها كسائر الصلوات، وإن أدرك معه ركعة وقلنا ما يقضيه المسبوق أول صلاته كبر في الذي يقضيه سبعا، وان قلنا أخر صلاته كبر خمسا على ما ذكرنا من الاختلاف من قبل (فصل) فان أدركه في الخطبة فان كان في المسجد فقال شيخنا يصلي تحية المسجد لانها إذا صليت في خطبة الجمعة مع وجوب الانصات لها ففي خطبة العيد أولى، ولا يكون حكمه في ترك التحية
[ 250 ]
حكم من أدرك العيد. وقال القاضى يجلس ويستمع الخطبة ولا يصلي لما ذكرنا من الادلة قبل ولان صلاة العيد تفارق صلاة الجمعة لان التطوع قبلها وبعدها مكروه بخلاف صلاة الجمعة، وان لم يكن في المسجد جلس فاستمع ولم يصل لئلا يشتغل عن استماع الخطبة ثم ان أحب قضاء صلاة العيد قضاها على ما نذكره * (مسألة) * (وإن فاتته الصلاة استحب أن يقضيها على صفتها وعنه يقضيها أربعا وعنه انه مخير بين ركعتين وأربع) وجملة ذلك انه لا يجب قضاء صلاة العيد على من فاتته لانها فرض كفاية وقد قام بها من حصلت به الكفاية وان أحب قضاءها استحب له أن يقضيها على صفتها نقل ذلك عن أحمد اسماعيل بن سعيد واختاره الجوزجاني وهو قول النخعي ومالك والشافعي وأبي ثور لما روي عن أنس انه كان إذا لم يشهد العيد مع الامام بالبصرة جمع أهله ومواليه ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فيصلي بهم ركعتين يكبر فيهما ولانها قضاء صلاة فكانت على صفتها كسائر الصلوات وهو مخير إن شاء صلاها في جماعة كما ذكرنا عن أنس وان شاء صلاها وحده وعنه انه يقضيها أربعا اما بسلام واحد أو بسلامين وهو قول الثوري لما روي عن عبد الله بن مسعود انه قال من فاته العيد فليصل أربعا. وروي عن علي انه
قال ان أمرت رجلا أن يصلي بضعفة الناس أمرته أن يصلي أربعا رواهما سعيد ولانه قضاء صلاة عيد فكانت أربعا كقضاء الجمعة، وعنه انه مخير بين ركعتين وأربع وهذا قول الاوزاعي لانها صلاة تطوع أشبهت صلاة الضحى * (مسألة) * (ويستحب التكبير في ليلتي العيدين)
[ 251 ]
يستحب اظهار التكبير في ليلتى العيدين في المساجد والطرق والاسواق والمسافر والمقيم فيه سوءا لقوله تعالى (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) قال بعض أهل العلم لتكملوا عدة رمضان ولتكبروا الله عند كماله على ما هداكم، ويستحب رفع الصوت به وانما استحب ذلك لما فيه من اظهار شعائر الاسلام وتذكير الغير، وكان ابن عمر يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الاسواق حتى ترتج منى تكبيرا. قال أحمد كان ابن عمر يكبر في العيدين جميعا. والتكبير في الفطر آكد لورود النص فيه وليس التكبير واجبا. وقال داود هو واجب في الفطر لظاهر الآية ولنا انه يكبر في عيد فلم يكن واجبا كتكبير الاضحى، والآية ليس فيها أمر انما أخبر الله تعالى عن ارادته فقال (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) إلى قوله (ولتكبروا الله على ما هداكم) ويستحب أن يكبر في طريق العيد ويجهر بالتكبير. قال ابن أبي موسى يكبر الناس في خروجهم من منازلهم لصلاتي العيدين جهرا حتي يأتي الامام المصلى فيكبر الناس بتكبير الامام في خطبته وينصتون فيما سوى ذلك. وقد روى سعيد باسناده عن ابن عمر انه كان إذا خرج من بيته إلى العيد كبر حتى يأتي المصلى، وروي عن سعيد بن جبير وابن أبى ليلى. قال القاضي التكبير في الفطر مطلق غير مقيد على ظاهر كلامه يعني لا يختص بادبار الصلوات وهو ظاهر كلام الخرقي لان قوله تعالى (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) غير مختص بوقت. وقال أبو الخطاب يكبر من غروب الشمس من ليلة الفطر إلى خروج الامام إلى الصلاة في احدى الروايتين وهو قول الشافعي، وفي الاخرى إلى فراغ الامام من الصلاة * (مسألة) * (وفي الاضحى يكبر عقيب كل فريضة في جماعة وعنه يكبر، وإن كان وحده من
[ 252 ]
صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق) وجملة ذلك ان التكبير في الاضحى مطلق ومقيد فالمطلق التكبير في جميع الاوقات من أول العشر إلى آخر أيام التشريق لقوله تعالى (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) وقال (واذكروا الله في أيام معددودات) فالايام المعلومات أيام العشر والمعدودات أيام التشريق قاله ابن عباس. قال البخاري كان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما وروي أن ابن عمر كان يكبر بمنى في تلك الايام خلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الايام جميعا ويكبر في قبته حتى ترتج منى تكبيرا (فصل) وأما المقيد فهو التكبير في ادبار الصلوات ولا خلاف بين العلماء في مشروعية التكبير في عيد النحر وانما اختلفوا في مدتة فذهب أحمد رحمه الله إلى انه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق وهو قول عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم واليه ذهب الثوري وابن عيينة وأبو يوسف ومحمد وهو قول للشافعي. وعن ابن مسعود انه كان يكبر من غداة عرفة إلى العصر من يوم النحر واليه ذهب النخعي وعلقمة وأبو حنيفة لقوله تعالى (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) وهي أيام العشر، وأجمعنا على انه لا يكبر قبل عرفة فلم يبق إلا يوم عرفة ويوم النحر. وعن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز ان التكبير من صلاة الظهر يوم النحر إلى الفجر من
[ 253 ]
آخر أيام التشريق وبه قال مالك والشافعي في المشهور عنه لان الناس تبع للحاج يقطعون التلبية مع أول حصاة ويكبرون مع الرمي وانما يرمون يوم النحر، وأول صلاة بعد ذلك الظهر وآخر صلاة بمنى الفجر من اليوم الثالث من أيام التشريق ولنا ما روى جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح من غداة عرفة أقبل على أصحابه فيقول " على مكانكم " ويقول الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد " فيكبر من غداة عرفة إلى العصر من آخر ايام التشريق. وعن علي وعمار ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم عرفة صلاة الغداة ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق رواهما الدارقطني
إلا انهما من رواية عمر بن شمر عن جابر الجعفي وقد ضعفا ولانه قول عمر وعلي وابن عباس رواه سعيد عنهم. قيل لاحمد بأي حديث تذهب إلى التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ قال لاجماع عمر وعلي وابن عباس ولان الله تعالى قال (واذكروا الله في أيام معدودات) وهي أيام التشريق فيتعين الذكر في جميعها، وأما قوله تعالى (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) فمحول على ذكر الله على الهدايا والاضاحي عند رؤيتها فانه مستحب في جميع العشر وهو أولى من تفسيرهم لانهم لم يعملوا به في كل العشر ولا في أكثره، ولو صح تفسيرهم فقد أمر الله بالذكر في أيام معدودات وهى أيام التشريق فيعمل به أيضا، وأما المحرم فانما لم يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة