الشرح الكبير على متن المقنع تأليف الشيخ الامام (شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد ابن قدامة المقدسي) المتوفى سنة 682 ه. على مذهب امام الائمة (أبي عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل الشيباني) مع بيان الخلاف سائر الائمة وأدلتهم رضي الله عنهم الجزء الثالث دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين (كتاب الصيام) الصيام في اللغة عبار عن الامساك يقال صام النهار إذا وقف سير الشمس، وقال سبحانه وتعالى حكاية عن مريم (إني نذرت للرحمن صوما) أي إمساكا عن الكلام وقال الشاعر خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما يعنى بالصائمة الممسكة عن الصهيل، وهو في الشرع عبارة عن الامساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص يأتي بيانه إن شاء الله. وصوم رمضان واجب والاصل في وجوبه الكتاب والسنة والاجماع، اما الكتاب فقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) إلى قوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم " بني الاسلام على خمس " وذكر منها صوم رمضان، وعن طلحة بن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال يارسول الله أخبرني ما ذا فرض الله علي من الصيام؟ فقال " شهر رمضان " فقال هل علي غيره؟ فقال " لا، إلا أن تتطوع شيئا "
[ 3 ]
قال فاخبرني ماذا فرض علي من الزكاة؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الاسلام فقال والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفلح ان صدق
أو دخل الجنة إن صدق " متفق عليهما، وأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان (فصل) روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة " متفق عليه وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " لا تقولوا جاء رمضان فان رمضان اسم من أسماء الله تعالى " فيتعين حمل هذا على انه لا يقال ذلك غير مقترن بما يدل على إرادة الشهر لئلا يخالف الاحاديث الصحيحة. والمستحب مع ذلك أن تقول شهر رمضان كما قال تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) واختلف في المعنى الذي سمي لاجله رمضان، فروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " انما سمي رمضان لانه يحرق الذنوب " فيحتمل إنه أراد انه شرع صومه دون غيره ليوافق اسمه معناه، وقيل هو اسم موضوع لغير معنى كسائر الشهور وقيل غير ذلك (فصل) والصوم المشروع هو الامساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس روي معنى ذلك عن عمر وابن عباس وبه قال عطاء وعوام أهل العلم، وروي عن علي رضي الله عنه انه لما صلى الفجر قال: الآن حين تبين الخيط الابيض من الخيط الاسود، وعن ابن مسعود نحوه وقال مسروق لم يكونوا يعدون الفجر فجركم انما كانوا يعدون الفجر الذي يملا البيوت والطرق وهذا قول الاعمش
[ 4 ]
ولنا قول الله تعالى (حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) يعنى بياض النهار من سواد الليل وهذا يحصل بطلوع الفجر. قال ابن عبد البر: قول النبي صلى الله عليه وسلم ان بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " دليل على ان الخيط الابيض هو الصباح وان السحور لا يكون إلا قبل الفجر وهذا إجماع لم يخالف فيه إلا الاعمش وحده فشذ ولم يعرج أحد على قوله، والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس قال هذا قول جماعة من علماء المسلمين (مسألة) قال (ويجب صوم رمضان برؤية الهلال فان لم ير مع الصحو أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ثم صاموا، فان حال دون منظره غيم أو قتر ليلة الثلاثين وجب صيامه بنية رمضان في ظاهر المذهب وعنه لا يجب وعنه الناس تبع الامام فان صام صاموا) وجملة من ذلك أن صوم رمضان يجب بأحد ثلاثة أشياء (أحدها) رؤية هلال رمضان يجب به
الصوم إجماعا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " متفق عليه (الثاني) كمال شعبان ثلاثين يوما يجب به الصوم لانه يتيقن به دخول شهر رمضان ولا نعلم فيه خلافا، ويستحب للناس
[ 5 ]
ترائى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ليحتاطوا لصيامهم ويسلموا من الاختلاف. وقد روى الترمذي عن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " أحصوا هلال شعبان لرمضان " (فصل) ويستحب لمن رأى الهلال أن يقول ماروى ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال " الله اكبر، اللهم أهله علينا بالامن والايمان والسلامة والاسلام والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله " رواه الاثرم (الثالث) أن يحول دون منظره ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر فيجب صيامه في ظاهر المذهب ويجزيه إن كان من شهر رمضان اختارها الخرقي وأكثر شيوخ اصحابنا وهو مذهب عمر وابنه وعمرو بن العاص وأبي هريرة وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء أبنتي أبي بكر وبه قال بكر بن عبد الله المزني وأبو عثمان النهدي وأبن أبي مريم ومطرف وميمون بن مهران وطاوس ومجاهد وعن أحمد رواية ثانية لا يجب صومه ولا يجزيه عن رمضان إن صامه وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وكثير من أهل العلم لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فان غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما " رواه البخاري وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فان غمي عليكم فاقدروا له ثلاثين " رواه مسلم، وقد صح ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الشك وهذا يوم شك ولان الاصل بقاء شعبان فلا ينتقل بالشك وعنه رواية ثالثة ان الناس تبع للامام فان صام صاموا وإن أفطر أفطروا وهو قول الحسن وابن سيرين لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والاضحى يوم تضحون " قيل معناه ان الصوم والفطر مع الجماعة ومعظم الناس قال الترمذي حديث حسن غريب ووجه الرواية الاولى ماروى نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " انما الشهر تسع وعشرون
[ 6 ]
فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فان غم عليكم فاقدروا له " قال نافع كان عبد الله
ابن عمر إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوما يبعث من ينظر له الهلال فان رؤي فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا، وان حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما ومعنى أقدروا له أي ضيقوا له من قوله تعالى (ومن قدر عليه رزقه) أي ضيق عليه وقوله (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) والتضييق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرون يوما، وقد فسره أبن عمر بفعله وهو رواية وأعلم بمعناه فيجب الرجوع إلى تفسيره كما رجع إليه في تفسير التفرق في خيار المتبايعين ولانه شك في أحد طرفي الشهر لم يظهر فيه انه من غير رمضان فوجب الصوم كالطرف الآخر، قال علي وأبو هريرة وعائشة: لان أصوم يوما من شعبان أحب الي من أن أفطر يوما من رمضان، ولان الصوم يحتاط له ولذلك وجب الصوم بخبر واحد ولم يفطروا إلا بشهادة اثنين. فأما خبر أبي هريرة الذي احتجوا به فانه يرويه محمد بن زياد وقد خالفه سعيد بن المسيب فرواه عن أبي هريرة " فان غم عليكم فصوموا ثلاثين " وروايته أولى لامامته واشتهار ثقته وعدالته وموافقته لرأي أبي هريرة ومذهبه ولخبر أبن عمر الذي رويناه ويمكن حمله على ما إذا غم في طرفي الشهر ورواية ابن عمر " فاقدروا له ثلاثين " مخالفة للرواية الصحيحة المتفق عليها ولمذهب ابن عمر، ورواية النهي عن صوم يوم الشك محمول على حال الصحو جمعا بينه وبين ما ذكرنا (مسألة) (وإذا رأى الهلال نهارا قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المقبلة) المشهور عن أحمد ان الهلال إذا رؤي نهارا قبل الزوال أو بعده وكان ذلك في آخر رمضان لم يفطروا برؤيته وهذا قول عمر وابن مسعود وابن عمر وأنس والاوزاعي ومالك والليث وأبي حنيفة والشافعي وإسحاق، وحكي عن أحمد انه إن رؤي قبل الزوال فهو للماضية وإن كان بعده فهو لليلة المقبلة، وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه رواه سعيد وبه قال الثوري وأبو يوسف لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " وقد رأوه فيجب الصوم والفطر ولان ما قبل الزوال أقرب إلى الماضية ولنا ما روى أبو وائل قال جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين ان الاهلة بعضها أقرب من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى تمسوا أو يشهد رجلان انهما رأياه بالامس عشية ولانه قول من سمينا من الصحابة، وخبرهم محمول على ما إذا رؤي عشية بدليل ما لو رؤي بعد الزوال، ثم ان
الخبر انما يقتضي الصوم والفطر من الغد بدليل ما لو رآه عشية، فأما ان كانت الرؤية في أول رمضان فالصحيح أيضا أنها لليلة المقبلة وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وعن أحمد رواية اخرى انه للماضية، فعلى هذا يلزم قضاء ذلك اليوم وامساك بقيته احتياطا للعبادة لان ما كان لليلة المقبلة في آخره فهو لها في أوله كما لو رؤي بعد العصر
[ 7 ]
(مسألة) (وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم) هذا قول الليث وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم ان كان بين البلدين مسافة قريبة لا تختلف المطالع لاجلها كبغداد والبصرة لزم أهلها الصوم برؤية الهلال في أحدهما، وان كان بينهما بعد كالحجاز والعراق والشام فلكل أهل بلد رؤيتهم، وروي عن عكرمة انه قال لكل أهل بلد رؤيتهم وهو مذهب القاسم وسالم وإسحاق لما روى كريب قال قدمت الشام واستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام فرأينا الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة، فقال أنت رأيته ليلة الجمعة؟ فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال لكن رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم ولنا قول الله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وقول النبي صلى الله عليه وسلم للاعرابي لما قال له: الله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال نعم. وأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان وقد ثبت ان هذا اليوم من شهر رمضان بشهادة الثقاة فوجب صومه على جميع المسلمين ولان شهر رمضان ما بين الهلالين وقد ثبت انه هذا اليوم منه في سائر الاحكام من حلول الدين ووقوع الطلاق والعتاق ووجوب
[ 8 ]
النذر وغير ذلك من الاحكام فيجب صيامه بالنص والاجماع ولان البينة العادلة شهدت برؤية الهلال فيجب الصوم كما لو تقاربت البلدان. فأما حديث كريب فانما دل على انهم لا يفطرون بقول كريب وحده ونحن نقول به وانما محل الخلاف وجوب قضاء اليوم الاول وليس في الحديث
فان قيل فقد قلتم إن الناس إذا صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوما أفطروا في أحد الوجهين قلنا الجواب عنه من وجهين: أحدهما أننا انما قلنا يفطرون إذا صاموا بشهادته فيكون فطرهم مبنيا على صومهم بشهادته وهاهنا لم يصوموا بقوله فلم يوجد ما يجوز بناء الفطر عليه. الثاني ان الحديث دل على صحة الوجه الآخر (مسألة) (ويقبل في هلال رمضان قول عدل واحد ولا يقبل في سائر الشهور إلا عدلان) المشهور عن أحمد انه يقبل في هلال رمضان قول عدل واحد ويلزم الناس الصوم بقوله وهو قول عمر وعلى وابن عمر وابن المبارك والشافعي في الصحيح عنه، وروي عن أحمد انه قال اثنين أعجب إلي، وقال أبو بكر إن رآه وحده ثم قدم المصر صام الناس بقوله على ما روي في الحديث، وان كان الواحد في جماعة الناس فذكر انه رآه دونهم لم يقبل ألا قول اثنين لانهم يعاينون ما عاين وروي عن عثمان رضي الله عنه لا يقبل إلا شهادة اثنين وهو قول مالك والليث والاوزاعي وإسحاق
[ 9 ]
لما روى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب انه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألتهم وانهم حدثوني ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته وانسكوا لها، فان غم عليكم فأتموا ثلاثين، وان شهد شاهدان ذوا عدل فصوموا وافطروا " رواه النسائي ولان هذه شهادة على رؤية الهلال أشبهت الشهادة على هلال شوال، وقال أبو حنيفة في الغيم كقولنا وفي الصحو لا يقبل الا الاستفاضة لانه لا يجوز ان ينظر الجماعة إلى مطلع الهلال وأبصارهم والموانع منتفية فيراه واحد دون الباقين ولنا ماروى ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رأيت الهلال قال " أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله " قال نعم. قال يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا " رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وروى ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم اني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه رواه أبو داود ولانه خبر عن وقت الفريضة فيما طريقه المشاهدة فقبل فيه قول واحد كالخبر بدخول وقت الصلاة ولانه خبر ديني يشترك فيه المخبر والمخبر فقبل من عدل واحد كالرواية وخبرهم انما يدل بمفهومه وخبرنا يدل بمنطوقه وهو أشهر منه فيجب
تقديمه، ويفارق الخبر عن هلال شوال فانه خروج من العبادة وهذا دخول فيها ويتهم في هلال شوال بخلاف مسئلتنا وما ذكره أبو بكر وأبو حنيفة لا يصح لانه يجوز انفراد الواحد به مع لطافة المرئي وبعده (1) ويجوز ان يختلف معرفتهم بالمطلع ومواضع قصدهم وحدة نظرهم ولهذا لو حكم حاكم بشهادة واحد جاز ولو شهد شاهدان وجب قبول شهادتهما عند أبي بكر ولو كان ممتنعا على ما قالوه لم يصح فيه حكم حاكم ولا ثبت بشهادة اثنين، ومن منع ثبوته بشهادة اثنين رد عليه الخبر الاول وقياسه على سائر الحقوق وسائر الشهور، ولو ان جماعة في محفل وشهد منهم اثنان على رجل انه طلق زوجته أو أعتق عبده قبلت شهادتهما، ولو ان اثنين من أهل الجمعة شهدا على الخطيب انه قال على المنبر في الخطبة شيئا لم يشهد به غيرهما لقبلت شهادتهما، وكذلك لو شهدا عليه بفعل وان غيرهما يشاركهما في سلامة السمع وصحة البصر كذا هاهنا (فصل) وان أخبره برؤية الهلال من يثق بقوله لزمه الصوم وان لم يثبت ذلك عند الحاكم لانه خبر بوقت العبادة يشترك فيه المخبر والمخبر أشبه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخبر عن دخول وقت الصلاة ذكره ابن عقيل، ومقتضى هذا انه يلزمه قبول خبره وإن رده الحاكم لان رد الحاكم يجوز أن يكون لعدم علمه بحال المخبر، ولا يتعين ذلك في عدم العدالة وقد يجهل الحاكم عدالة من يعلم غيره عدالته
[ 10 ]
(فصل) فان كان المخبر امرأة فقياس المذهب قبول قولها وهو قول أبي حنيفة وأحد الوجهين لاصحاب الشافعي لانه خبر ديني أشبه الرواية والخبر عن القبلة ودخول وقت الصلاة ويحتمل أن لا يقبل فيه قول امرأة كهلال شوال (فصل) فأما هلال شوال وغيره من الشهور فلا يقبل فيه الا شهادة عدلين في قول الجميع إلا أبا ثور فانه قال يقبل في هلال شوال قول واحد لانه أحد طرفي شهر رمضان أشبه الاول ولانه خبر يستوي فيه المخبر والمخبر أشبه الرواية وأخبار الديانات. ولنا خبر عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اجاز شهادة رجل
واحد على رؤية الهلال وكان لا يجيز على شهادة الافطار الا شهادة رجلين ولانها شهادة على هلال لا يدخل بها في العبادة أشبه سائر الشهور وهذا يفارق الخبر لان الخبر يقبل فيه قول المخبر مع وجود المخبر عنه وفلان عن فلان وهذا لا يقبل فيه ذلك فافترقا (فصل) ولا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين ولا شهادة النساء منفردات وان كثرن وكذلك سائر الشهور لانه مما يطلع عليه الرجال وليس بمال ولا يقصد به المال أشبه القصاص وكان القياس يقتضي مثل ذلك في رمضان لكن تركناه احتياطا للعبادة والله أعلم. (مسألة) (وإذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوما فلم يروا الهلال أفطروا) وجها واحدا لان الشهر لا يزيد على ثلاثين ولحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (مسألة) (وان صاموا بشهادة واحد فلم يروا الهلال فعلى وجهين) (أحدهما) لا يفطرون لقوله عليه السلام " وان شهد اثنان فصوموا وافطروا " ولانه فطر فلم يجز ان يستند إلى شهادة واحد كما لو شهد بهلال شوال (والثاني) يفطرون وهو منصوص الشافعي وحكى عن أبي حنفية لان الصوم إذا وجب وجب الفطر لاستكمال العدة لا بالشهادة وقد يثبت تبعا مالا يثبت أصلا بدليل أن النسب لا يثبت بشهادة النساء وتثبت بها الولاد ويثبت النسب تبعا لها كذا هاهنا (مسألة) (فان صاموا لاجل الغيم لم يفطروا) وجها واحدا لان الصوم انما كان على وجه الاحتياط فلا يجوز الخروج منه للاحتياط أيضا (مسألة) (ومن رأى هلال رمضان وحده وردت شهادته لزمه الصوم) هذا المشهور في المذهب وسواء كان عدلا أو فاسقا شهد عند الحاكم أو لم يشهد قبلت شهادته أو ردت، وهذا قول مالك والليث والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال اسحاق وعطاء لا يصوم وروي حنبل عن أحمد لا يصوم الا في جماعة الناس، وروي نحوه عن الحسن وابن سيرين
[ 11 ]
لانه يوم محكوم به من شعبان فاشبه التاسع والعشرين ولنا أنه تيقن أنه من رمضان فلزمه صومه كما لو حكم به الحاكم وكونه محكوما به من شعبان ظاهر
في حق غيره، وأما في الباطن فهو يعلم أنه من رمضان فلزمه صيامه كالعدل (مسألة) (وان رأى هلال شوال وحده لم يفطر) روي ذلك عن مالك والليث وقال الشافعي يحل له أن يأكل بحيث لا يراه أحد لانه تيقنه من شوال فجاز له الاكل كما لو قامت به بينة ولنا ما روى أبو رجاء عن أبى قلابة أن رجلين قدما المدينة وقد رأيا الهلال وقد أصبح الناس صياما فاتيا عمر فذكرا ذلك له فقال لاحدهما أصائم أنت؟ قال بل مفطر قال ما حملك على هذا؟ قال لم أكن لاصوم وقد رأيت الهلال وقال للآخر قال إني صائم قال ما حملك على هذا؟ قال لم أكن لافطر والناس صيام فقال للذي افطر لولا مكان هذا لاوجعت رأسك ثم نودي في الناس أن اخرجوا أخرجه سعيد عن ابن عيينة عن أيوب عن أبي رجاء وانما أراد ضربه لافطاره برؤيته وحده ودفع عنه الضرب لكمال الشهادة به وبصاحبه ولو جاز له الفطر لما أنكر عليه ولا توعده وقالت عائشة انما يفطر يوم الفطر الامام وجماعة المسلمين ولم يعرف لهما مخالف في عصرهما فكان اجماعا ولانه محكوم به من رمضان أشبه اليوم الذي قبله وفارق ما أذا ثبت ببينة لانه محكوم به من شوال بخلاف هذا. قولهم إنه يتيقن انه من شوال ممنوع فانه يحتمل أن يكون خيل إليه ذلك فرأى شيئا أو شعرة من حاجبه ظنها هلالا ولم تكن (فصل) فان رآه اثنان فلم يشهدا عند الحاكم جاز لمن سمع شهادتهما الفطر إذا عرف عدالتهما ولكل واحد منهما أن يفطر بقولهما إذا عرف عدالة الآخر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا شهد اثنان فصوموا وافطروا " وان شهدا عند الحاكم فرد شهادتهما لجهله بحالهما فلمن علم عدالتهما الفطر لان رد الحاكم هاهنا ليس بحكم منه وانما هو توقف لعدم علمه فهو كالوقوف عن الحكم انتظارا للبينة، ولهذا لو ثبتت عدالتهما بعد ذلك حكم بها وان لم يعرف أحدهما عدالة صاحبه لم يجز له الفطر الا أن يحكم بذلك الحاكم لانه يكون مفطرا برؤيته وحده (مسألة) (وان اشتبهت الاشهر على الاسير تحرى وصام فان وافق الشهر أو ما بعده أجزأه وان وافق قبله لم يجزه)
أذا كان الاسير محبوسا أو مطمورا أو في بعض النواحي النائية عن الامصار لا يمكنه تعرف الاشهر بالخبر فاشتبهت عليه الاشهر فانه يتحرى ويجتهد فإذا غلب على ظنه عن امارة تقوم في نفسه
[ 12 ]
دخول شهر رمضان صامه ولا يخلو من أربعة أحوال (أحدها) أن لا ينكشف له الحال فيصح صومه ويجزئه لانه أدى فرضه باجتهاده فاجزأه كما لو صلى في يوم الغيم بالاجتهاد (الثاني) أن ينكشف أنه وافق الشهر أو ما بعده فيجزيه في قول عامة العلماء وحكي عن الحسن ابن صالح أنه لا يجزئه في الحالتين لانه صامه على الشك فلم يجزئه كما لو صام يوم الشك فبان من رمضان والاول أولى لانه أدى فرضه بالاجتهاد في محله فإذا أصاب أو لم يعلم الحال أجزأه كالقبلة إذا اشتبهت أو الصلاة في يوم الغيم إذا اشتبه وقتها وفارق يوم الشك فانه ليس بمحل للاجتهاد فان الشرع أمر بصومه عند أمارة عينها فما لم توجد لم يجز الصوم (الحال الثالث) وافق قبل الشهر فلا يجزئه في قول عامة الفقهاء، وقال بعض الشافعية يجزئه في أحد القولين كما لو أشتبه يوم عرفة فوقفوا قبله، ولنا أنه أتى بالعبادة قبل وقتها فلم يجزئه كالصلاة في يوم الغيم، وأما الحج فلا نسلمه الا فيما أذ اخطأ الناس كلهم لعظم المشقة وان وقع ذلك لبعضهم لم يجزهم ولان ذلك لا يؤمن مثله في القضاء بخلاف الصوم. (الحال الرابع) أن يوافق بعضه رمضان دون بعض فما وافق رمضان أو بعده أجزأه وما وافق قبله لم يجزئه (فصل) وإذا وافق صومه بعد الشهر اعتبر أن يكون ما صامه بعدد أيام شهره الذي فاته سواء وافق ما بين الهلالين أو لم يوافق وسواء كان الشهران تامين أو ناقصين ولا يجزئه أقل من ذلك وقال القاضي ظاهر كلام الخرقي أنه إذا وافق شهرا بين هلالين أجزأه سواء كان الشهران تامين أو ناقصين أو أحدهما تاما والآخر ناقصا وليس بصحيح فان الله تعالى قال (فعدة من أيام أخر) ولانه فاته شهر رمضان فوجب أن يكون صيامه بعدد ما فاته كالمريض والمسافر وليس في كلام الخرقي تعرض لهذا التفصيل فلا يجوز حمل كلامه على ما يخالف الكتاب والصواب، فان قيل اليس إذا نذر صوم شهر
يجزئه مابين الهلالين؟ قلنا الاطلاق يحمل على ما تناوله الاسم والاسم يتناول ما بين الهلالين وهنا يجب قضاء ما ترك فيجب أن يراعي فيه عدة المتروك كما أن من نذر صلاة أجزأه ركعتان ولو ترك صلاة وجب قضاؤها بعدد ركعاتها كذلك هاهنا الواجب بعدد ما فاته من الايام سواء كان ما صامه بين هلالين أو بين شهرين فان دخل في صيامه يوم عيد لم يعتد به وان وافق أيام التشريق فهل يعتد بها؟ على روايتين بناء على صحة صومها عن الفرض (فصل) فان لم يغلب على ظن الاسير دخول رمضان فصام لم يجزه وان وافق الشهر لانه صامه
[ 13 ]
على الشك فلم يجزئه كما لو نوى ليلة الشك ان كان غدا من رمضان فهو فرضي وان غلب على ظنه من غير أمارة فقال القاضي عليه الصيام ويقضي إذا عرف الشهر كالذي خفيت عليه دلائل القبلة فصلى على حسب حاله فانه يعيد وذكر أبو بكر فيمن خفيت عليه دلائل القبلة هل يعيد على وجهين كذلك يخرج على قوله هاهنا وظاهر كلام الخرقي أنه يتحرى فمتى غلب على ظنه دخول الشهر صح صومه وان لم يبن على دليل لانه ليس في وسعه معرفة الدليل (ولا يكلف الله نفسا الا وسعها) (فصل) وإذا صام تطوعا فوافق شهر رمضان لم يجزئه نص عليه أحمد وبه قال الشافعي، وقال أصحاب الرأي يجزئه وهو مبني على وجوب تعيين النية لرمضان وسنذكره إن شاء الله تعالى (مسألة) (ولا يجب الصوم الا على المسلم البالغ العاقل القادر على الصوم ولا يجب على كافر ولا مجنون ولا صبي) يجب الصوم على من وجدت فيه هذه الشروط بغير خلاف لما ذكرنا من الادلة ولا يجب على كافر أصليا كان أو مرتدا في الصحيح من المذهب لانه عبادة لا تصح منه في حال كفره ولا يجب عليه قضاؤها إذا أسلم لقوله تعالى (قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) وفيه رواية أخرى ان القضاء يجب على المرتد إذا أسلم وهو مذهب الشافعي لانه قد اعتقد وجوبها عليه بخلاف الكافر الاصلي فعلى هذا يجب عليه في حال ردته لعموم الادلة وسنذكر ذلك في باب المرتد إن شاء الله تعالى ولا يجب على مجنون لقوله صلى الله عليه وسلم " رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق "
ولا يصح منه لانه غير عاقل أشبه بالطفل (فصل) فأما الصبي العاقل الذي يطيق الصوم فيصح منه ولا يجب عليه حتى يبلغ وكذلك الجارية نص عليه أحمد وهذا قول أكثر أهل العلم، وذهب بعض أصحابه إلى أنه يجب على الغلام الذي يطيقه إذا بلغ عشرا لما روى ابن جريج عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام شهر رمضان " ولانها عبادة بدنية أشبهت الصلاة، والمذهب الاول قال القاضي المذهب عندي رواية واحدة ان الصلاة والصوم لا تجب حتى يبلغ، وما قاله أحمد فيمن ترك الصلاة يقضيها نحمله على الاستحباب لما ذكرنا من الحديث ولانها عبادة فلم تجب على الصبي كالحج، وحديثهم مرسل ويمكن حمله على الاستحباب وسماه واجبا تأكيدا كقوله عليه السلام " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " وفي ذلك جمع بين الحديثين فكان أولى، وما قاسوا عليه ممنوع
[ 14 ]
(مسألة) (ويؤمر به إذا أطاقه ويضرب عليه ليعتاده) يجب على الولي أمر الصبي بالصيام إذا أطاقه ويضربه عليه ليتمرن عليه ويعتاده لما ذكرنا في الصلاة، وممن ذهب إلى أنه يؤمر بالصيام إذا أطاقه عطاء والحسن وابن سيرين والزهري وقتادة والشافعي وقال الاوزاعي إذا أطاق صيام ثلاثة أيام تباعا لا يحور فيهن ولا يضعف حمل صوم شهر رمضان، وقال الخرقي إذا كان للغلام عشر سنين وأطاق الصيام أخذ به، وقال إسحاق إذا بلغ اثنتي عشرة أحب أن يكلف الصوم للعادة، قال شيخنا رحمه الله واعتباره بالعشر أولى لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالضرب على الصلاة عندها، واعتبار الصوم بالصلاة أحسن لقرب احداهما من الاخرى في كونهما عبادتين بدنيتين من أركان الاسلام إلا أن الصوم أشق فاعتبرت له الطاقة لانه قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصيام (مسألة) (وإذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار لزمهم الامساك والقضاء) وهذا قول عامة أهل العلم، وروي عن عطاء انه لا يجب عليه الامساك. قال ابن عبد البر لا نعلم
أحدا قاله غير عطاء، وذكر أبو الخطاب ذلك رواية عن أحمد قياسا على المسافر إذا قدم. قال شيخنا رحمه الله ولم نعلم أحدا ذكرها غيره وأظن هذا غلطا فان أحمد نص على ايجاب الكفارة على من وطئ ثم كفر ثم عاد فوطئ في يومه لان حرمة الصوم لم تذهب، فإذا أوجب الكفارة على غير الصائم لحرمة اليوم فكيف يبيح الاكل، ولا يصح قياس هذا على المسافر إذا قدم وهو مفطر وأشباهه لانه كان له الفطر ظاهرا وباطنا وهذا لم يكن له الفطر في الباطن مباحا أشبه من أكل يظن ان الفجر لم يطلع وكان قد طلع (فصل) وكل من أفطر والصوم يجب عليه كالمفطر لغير عذر، ومن ظن ان الفجر لم يطلع وقد طلع، أو ان الشمس قد غابت ولم تغب، والناسي للنية ونحوهم يلزمهم الامساك بغير خلاف بينهم إلا انه يخرج على قول عطاء في المعذور في الفطر اباحة فطر بقية يومه كالمسألة قبلها، وهو قول شاذ لم يعرج عليه العلماء (مسألة) (وان بلغ صبي أو أسلم كافر أو أفاق مجنون فكذلك وعنه لا يلزمهم شئ) إذا بلغ الصبي في أثناء النهار وهو مفطر أو أفاق المجنون أو أسلم الكافر لزمهم الامساك في إحدى الروايتين. وهذا قول أبي حنيفة والثوري والاوزاعي والحسن بن صالح والعنبري لانه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام فإذا طرأ أوجب الامساك كقيام البينة بالرؤية. والثانية لا يلزمهم الامساك واليه ذهب مالك والشافعي، وروي عن ابن مسعود انه قال: من أكل أول النهار أكل آخره لانه
[ 15 ]
أبيح له الفطر أول النهار ظاهرا وباطنا فإذا أفطر كان له استدامة الفطر كما لو دام العذر، وهل يجب عليهم القضاء؟ فيه روايتان: احداهما يجب لانهم أدركوا بعض وقت العبادة فلزمهم القضاء كما لو أدركوا بعض وقت الصلاة وهذا قول اسحاق في الكافر أذا أسلم. والثانية لا يلزمهم وهو قول مالك وأبي ثور وابن المنذر في الكافر إذا أسلم والاول ظاهر المذهب لانهم لم يدركوا وقتا يكنهم التلبس بالعبادة فيه أشبه ما لو زال عذرهم بعد خروج الوقت (فصل) ويجب على الكافر (1) صوم ما يستقبل من الشهر بغير خلاف ولا يجب قضاء ما مضى
في قول عامة أهل العلم، وقال عطاء عليه القضاء وعن الحسن كالمذهبين. ولنا انها عبادة انقضت في حال كفره فلم يجب قضاءها كالرمضان الماضي (مسألة) (وان بلغ الصبي صائما أتم ولا قضاء عليه عند القاضي وعند أبي الخطاب عليه القضاء) إذا نوى الصبي الصوم من الليل فبلغ في أثناء النهار بالاحتلام أو السن أتم صومه ولا قضاء عليه قاله القاضي لانه نوى الصوم من الليل فاجزأته كالبالغ، ولا يمتنع أن يكون أول الصوم نفلا وباقيه فرضا كما لو شرع في صوم تطوعا ثم نذر اتمامه، واختار أبو الخطاب وجوب القضاء عليه لانها عبادة بدنية بلغ في أثنائها بعد مضي بعض أركانها فلزمته أعادتها كالصلاة والحج إذا بلغ بعد الوقوف يحقق ذلك انه ببلوغه يلزمه صومه جميعه والماضي قبل بلوغه نفل فلم يجز عن الفرض، ولهذا لو نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم والناذر صائم لزمه القضاء (فصل) فأما ما مضى من الشهر قبل بلوغه فلا يجب عليه قضاؤه سواء كان صامه أو لا في قول عامة أهل العلم، وقال الاوزاعي يقضيه إن كان أفطره وهو مطيق لصيامه، ولنا انه زمن مضى في حال صباه فلم يلزمه قضاء الصوم فيه كما لو بلغ بعد انسلاخ رمضان (مسألة) (وإن طهرت حائض أو نفساء أو قدم مسافر مفطرا فعليهم الفضاء وفي الامساك روايتان) أما وجوب القضاء عليهم فلا خلاف فيه لقوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) والتقدير فافطر ولقول عائشة كنا نحيض على عهد رسول الله (ص) فنؤمر بقضاء الصوم متفق عليه، وكذلك الحكم في المريض إذا صح في أثناء النهار وكان مفطرا وفي وجوب الامساك عليهم روايتان ذكرنا وجههما، والاختلاف في ذلك في مسألة الصبي والكافر أذا أسلم والمجنون أذا أفاق فكذلك الحكم في هؤلاء (مسألة) (ومن عجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا) الشيخ الكبير والعجوز إذا كان الصوم يجهدهما ويشق عليهما مشقة شديدة فلهما أن يفطرا ويطعما
[ 16 ]
لكل يوم مسكينا وهذا قول علي وابن عباس وأبي هريرة وأنس رضي الله عنهم وبه قال سعيد بن جبير
وطاوس وأبو حنيفة والثوري والاوزاعي، وقال مالك لا يجب عليه شئ لانه ترك الصوم لعجزه فلم يجب فدية كما لو تركه لمرض اتصل به الموت وللشافعي قولان كالمذهبين ولنا الآية، قال ابن عباس في تفسيرها نزلت رخصة للشيخ الكبير ولان الاداء صوم واجب فجاز أن يسقط إلى الكفارة كالقضاء، وأما المريض فان كان لا يرجى برؤه فهو كمسئلتنا، وان كان يرجى برؤه فانما لم يجب عليه الاطعام لان ذلك يؤدي إلى أن يجب على الميت ابتداءا بخلاف مسئلتنا فان وجوب الاطعام يستند إلى حال الحياة والشيخ الهم له ذمة صحيحة، فان كان عاجزا عن الاطعام فلا شئ عليه ولا يكلف الله نفسا الا وسعها، والمريض الذي لا يرجى برؤه حكمه حكم الشيخ فيما ذكرنا، وذكر السامري انها تبقى في ذمته ولا تسقط كسائر الديون، وكذلك قال فيما يجب على الحامل والمرضع إذا أفرطتا خوفا على ولديهما انه لا يسقط الاطعام عنهما بالعجز عنه لانه في معناه (فصل) قال أحمد رحمه الله فيمن به شهوة الجماع غالبة لا يملك نفسه ويخاف ان تنشق أنثياه " يطعم " أباح له الفطر لانه يخاف على نفسه فهو كالمريض، ومن يخاف على نفسه الهلاك لعطش أو نحوه أوجب الاطعام بدلا من الصيام، وهذا محمول من كلامه على من لا يرجو إمكان القضاء، فان رجى ذلك فلا فدية عليه، والواجب انتظار القضاء وفعله إذا قدر عليه لقوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وانما يصار إلى الفدية عند اليأس من القضاء، فان أطعم مع إياسه ثم قدر على القضاء احتمل أن لا يلزمه لان ذمته قد برئت بأداء الفدية الواجبة عليه فلم تعد إلى الشغل كالمعضوب إذا اقام من يحج عنه ثم عوفي، واحتمل أن يلزمه القضاء لان الاطعام بدل إياس، وقد بينا ذهاب الاياس فأشبه من اعتدت بالشهور عند اليأس من الحيض فيما إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه ثم حاضت (مسألة) (والمريض إذا خاف الضرر والمسافر استحب لهما الفطر، فان صاما أجزأهما) أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة، والاصل فيه قول الله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) والمريض المبيح للفطر هو الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه. قيل لاحمد متى يفطر المريض؟ قال إذا لم يستطع. قيل مثل الحمى؟ قال وأي مرض أشد
من الحمى. وحكي عن بعض السلف انه أباح بكل مرض حتى من وجع الاصبع والضرس لعموم الآية ولان المسافر يباح له الفطر من غير حاجة إليه فكذلك المريض ولنا انه شاهد للشهر لا يؤذيه الصوم فلزمه كالصحيح، والآية مخصوصة في المسافر والمريض
[ 17 ]
جميعا بدليل ان المسافر لا يباح له الفطر في السفر القصير، والفرق بين المسافر والمريض ان السفر اعتبرت فيه المظنة وهو السفر الطويل حيث لم يمكن اعتبار الحكمة بنفسها، فان قليل المشقة لا يبيح وكثيرها لا ضابط له في نفسه فاعتبرت بمظنتها وهو السفر الطويل فدار الحكم مع المظنة وجودا وعدما والمرض لا ضابط له فان الامراض تختلف منها ما يضر صاحبه الصوم ومنها ما لا أثر للصوم فيه كوجع الضرس وجرح في الاصبع والدمل والجرب وأشباه ذلك فلم يصلح المرض ضابطا وأمكن اعتبار الحكمة وهو ما يخاف منه الضرر فوجب اعتباره بذلك، إذا ثبت هذا فان تحمل المريض وصام مع هذا فقد فعل مكروها لما يتضمنه من الاضرار بنفسه وتركه تخفيف الله وقبول رخصته، ويصح صومه ويجزئه لانه عزيمة أبيح تركها رخصة، فإذا تحمله أجزأه كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة إذا حضرها (فصل) والصحيح الذي يخشى المرض بالصيام كالمريض الذي يخاف زيادة المرض في اباحة الفطر لان المريض انما أبيح له الفطر خوفا مما يتجدد بصيامه من زيادة المرض وتطاوله والخوف من تجدد المرض في معناه. قال أحمد فيمن به شهوة غالبة للجماع يخاف أن تنشق أنثياه فله الفطر، وقال في الجارية تصوم إذا حاضت فان جهدها الصوم فلتفطر ولتقض يعني إذا حاضت وهي صغيرة قال القاضي هذا إذا كانت تخاف المرض بالصيام يباح لها وإلا فلا (فصل) ومن أبيح له الفطر لشدة شبقه إن أمكنه استدفاع الشهوة بغير الجماع كالاستمناء بيده أو يد امرأته أو جاريته لم يجز له الجماع لانه أفطر للضرورة فلم يبح له الزيادة على ما تندفع به الضرورة كأكل الميتة عند الضرورة (1) فان جامع فعليه الكفارة، وكذلك إن أمكنه دفعها بما لا يفسد صوم غيره كوطئ زوجته، أو أمته الصغيرة أو الكتابية، أو المباشرة للكبيرة المسلمة دون الفرج أو الاستمناء بيدها أو بيده لم يبح له افساد صوم غيره لان الضرورة إذا اندفعت لم يبح ما وراءها كالشبع
من الميتة إذا اندفعت الضرورة بسد الرمق، وإن لم تندفع الضرورة إلا بافساد صوم غيره أبيح ذلك لانه مما تدعو الضرورة إليه فابيح كفطره وكالحامل والمرضع يفطران خوفا على ولديهما، فان كان له أمرأتان حائض وطاهر صائمة ودعته الضرورة إلى وطئ احداهما احتمل وجهين (أحدهما) وطئ الصائمة أولى لان الله تعالى نص على النهي عن وطئ الحائض في كتابه (والثاني) يتخير لان وطئ الصائمة يفسد صومها فتتعارض المفسدتان ويتساويان (فصل) وحكم المسافر حكم المريض في أباحة الفطر وكراهية الصوم واجزائه إذا فعل، وإباحة الفطر للمسافر ثابتة بالنص والاجماع وأكثر أهل العلم على أنه إن صام أجزأه، وروي عن أبي هريرة انه لا يصح صوم المسافر، قال أحمد: عمر وأبو هريرة يأمرانه بالاعادة وروي الزهري عن أبي سلمة عن أبيه عبد الرحمن بن عوف أنه قال: الصائم في السفر كالمفطر
[ 18 ]
في الحضر وهو قول بعض أهل الظاهر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ليس من البر الصوم في السفر " متفق عليه، ولانه عليه السلام أفطر في السفر فلما بلغه أن قوما صاموا قال " أولئك العصاة " وروى أبن ماجه باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " الصائم في رمضان في السفر كالمفطر في الحضر " وعامة أهل العلم على خلاف هذا القول. قال ابن عبد البر هذا قول يروى عن عبد الرحمن بن عوف هجره الفقهاء كلهم والسنة ترده، وحجتهم ما روى حمزة عن عمرو الاسلمي أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام قال " إن شئت فصم وإن شئت فأفطر " متفق عليه، وفي لفظ رواه النسائي أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم أجد قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ قال " هي رخصة فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه " وقال أنس كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، متفق عليه، وأحاديثهم محمولة على تفضيل الفطر على الصيام (فصل) والفطر في السفر أفضل وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والاوزاعي، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي الصوم أفضل لمن قوي عليه، يروي ذلك عن أنس
وعثمان بن أبي العاص لما روي سلمة بن المحبق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من كانت له حمولة تأوي إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه " رواه أبو داود، ولان من خير بين الصوم والفطر كان الصوم أفضل كالتطوع، وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة أفضل الامرين أيسرهما لقول الله تعالى " يريد الله بكم اليسر " ولما روى أبودواد عن حمزة بن عمرو قال: قلت يا رسول الله أني صاحب ظهر أعالجه وأسافر عليه وأكريه وإنه ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان وأنا أجد القوة وأنا شاب وأجدني أن أصوم يا رسول الله أهون علي من أن أوخر فيكون دينا علي أفأصوم يارسول الله أعظم لاجري أو أفطر؟ قال " أي ذلك شئت يا حمزة " ولنا ما تقدم من الاخبار في الفصل الذي قبله، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " خيركم الذي يفطر في السفر ويقصر " ولان فيه خروجا من الخلاف فكان أفضل كالقصر وقياسهم ينتفض بالمريض وبصوم الايام المكروه صومها (فصل) وانما يباح الفطر في السفر الطويل الذي يبيح القصر وقد ذكرنا ذلك فيما مضى في الصلاة ثم لا يخلو المسافر من ثلاث أحوال (أحدها) أن يدخل عليه شهر رمضان في السفر فلا خلاف في إباحة الفطر له فيما نعلم (الثاني) أن يسافر في أثناء الشهر ليلا فله الفطر في صبيحة الليلة التي يخرج فيها وما بعدها في قول عامة أهل العلم، وقال عبيدة السلماني وأبو مجاز وسويد بن غفلة: لا يفطر من سافر بعد دخول
[ 19 ]
الشهر لقوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وهذا شاهد ولنا قوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) وروى ابن عباس قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في شهر رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس متفق عليه، ولانه مسافر فابيح له الفطر كما لو سافر قبل الشهر والآية محمولة على من شهد الشهر كله وهذا لم يشهده كله (1) (الثالث) أن يسافر في اثناء يوم من رمضان وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله
(مسألة) (ولا يجوز أن يصوما في رمضان عن غيره) لا يجوز للمريض ولا المسافر سفرا طويلا أن يصوم في رمضان عن نذر ولا قضاء ولا غيرهما لان الفطر أبيح رخصة وتخفيفا، فإذا لم يرد التخفيف عن نفسه لزمه أن يأتي بالاصل، فان نوى صوما غير رمضان لم يصح صومه عن رمضان ولا عما نواه في الصحيح من المذهب وهو قول أكثر العلماء. وقال أبو حنيفة في المسافر: يقع ما نواه إذا كان واجبا لانه زمن أبيح له فطره فكان له صومه عن واجب عليه كغير شهر رمضان ولنا أنه أبيح له الفطر للعذر فلم يجز أن يصومه عن غير رمضان كالمريض وبهذا ينتقض ما ذكروه وينتقض أيضا بصوم التطوع، قال صالح قيل لابي من صام شهر رمضان وهو ينوي به تطوعا يجزئه؟ فقال أو يفعل هذا مسلم؟ (فصل) ومن نوى الصوم في سفره فله الفطر واختلف قول الشافعي فيه فقال مرة لا يجوز له الفطر وقال مرة إن صح حديث الكديد لم ار به بأسا، قال مالك إن أفطر فعليه القضاء والكفارة ولنا حديث ابن عباس وهو صحيح متفق عليه، وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس معه فقيل له إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعضهم وصام بعضهم فبلغه أن ناسا صاموا فقال " اولئك العصاة " (2) رواه مسلم وهذا نص صريح لا يعرج على ما خالفه (مسألة) (وإن نوى الحاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر وعنه لا يباح) إذا سافر في أثناء يوم من رمضان فهل له فطر ذلك اليوم فيه روايتان أصحهما جواز الفطر وهو قول عمرو بن شرحبيل والشعبي واسحاق وداود وابن المنذر (والثانية) لا يباح له فطر ذلك اليوم وهو قول مكحول والزهري ويحيى الانصاري ومالك والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي لان الصوم عبادة تختلف بالحضر والسفر فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة
[ 20 ]
ولنا ماروى عبيد بن جبير قال ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع ثم قرب غداه فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة ثم قال: اقترب، قلت ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ رواه أبو داود، ولانه أحد الامرين المنصوص عليهما في إباحة الفطر فإذا وجد في أثناء النهار أباحة كالمرض، وقياسهم على الصلاة لا يصح فان الصوم لا يفارق الصلاة لان الصلاة يلزم اتمامها بنيتها بخلاف الصوم. إذا ثبت هذا فانه لا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره ويخرج من بين بنيانها، وقال الحسن يفطر في بيته إن شاء يوم يريد الخروج، وروي نحوه عن عطاء قال ابن عبد البر قول الحسن شاذ، وقد روي عنه خلافه ووجهه ماروى محمد بن كعب قال: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا وقد رحلت له راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل فقلت له سنة؟ فقال سنة، ثم ركب. رواه الترمذي وقال حديث حسن ولنا قوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وهذا شاهد ولا يوصف بكونه مسافرا حتى يخرج من البلد ومهما كان في البلد فله أحكام الحاضرين ولذلك لا يقصر الصلاة، فأما أنس فيحتمل أنه كان برز من البلد خارجا منه فأتاه محمد بن كعب في ذلك المنزل (مسألة) (والحامل والمرضع إذا خافتا الضرر على أنفسهما أفطرتا وقضتا وان خافتا على ولديدهما افطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينا) وجملة ذلك أن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما إذا صامتا فلهما الفطر وعليهما القضاء لا غير لا نعلم فيه خلافا لانهما يمنزلة المريض الخائف على نفسه وان خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما القضاء واطعام مسكين لكل يوم، روي ذلك عن ابن عمر وهو المشهور من مذهب الشافعي وقال الليث الكفارة عن المرضع دون الحامل وهو إحدى الروايتين عن مالك لان المرضع يمكنها أن تسترضع لولدها بخلاف الحامل ولان الحمل متصل بالحامل والخوف عليه كالخوف عليه بعض اعضائها وقال الحسن وعطاء والزهري وسعيد بن جبير والنخعي وأبو حنيفة لا كفارة عليهما لما روى أنس بن مالك رجل من بني كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ان الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن
الحامل والمرضع الصوم أو الصيام " والله لقد قالهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما أو كليهما رواه النسائي والترمذي (1) وقال حديث حسن ولم يأمر بكفارة ولانه فطر أبيح لعذر فلم يجب به كفارة كالفطر للمرض ولنا قول الله تعالى (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) وهما داخلتان في عموم الآية قال ابن عباس كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا أو يطعما مكان كل يوم مسكينا، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا واطعمتا رواه أبو داود، وروي ذلك
[ 21 ]
عن ابن عمر ولا مخالف لهما في الصحابة ولانه فطر بسبب نفس عاجزة من طريق الخلقة فوجبت به الكفارة كالشيخ الهم وخبرهم لم يتعرض للكفارة فكانت موقوفة على الدليل كالقضاء فان الحديث لم يتعرض له والمريض أخف حالا من هاتين لانه يفطر بسبب نفسه، إذا ثبت هذا فان الواجب في طعام المسكين مد بر أو نصف صاع شعير والخلاف فيه كالخلاف في اطعام المساكين في كفارة الجماع على ما يذكر في موضعه (فصل) ويجب عليهما القضاء مع الاطعام وقال ابن عمر وابن عباس لا قضاء عليهما لان الآية تناولتهما وليس فيها الا الاطعام ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " ان الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم " ولنا أنهما يطيقان فلزمهما كالحائض والنفساء والآية أوجبت الاطعام ولم تتعرض للقضاء وأخذناه من دليل آخر والمراد بوضع الصوم وضعه في مدة عذرهما كما جاء في حديث عمرو أبن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم " ان الله وضع عن المسافر الصوم " ولا يشبهان الشيخ الهم لانه عاجز عن القضاء وهما يقدران عليه قال أحمد اذهب إلى حديث أبي هريرة يعني ولا أقول بقول ابن عمر وابن عباس في منع القضاء (فصل) فان عجزتا عن الاطعام سقط عنهما بالعجز ككفارة الوطئ بل السقوط ههنا أولى لوجود العذر ذكره شيخنا في الكافي وقيل لا يسقط وقد ذكرناه، وقال صاحب المحرر يسقط ههنا ولا يسقط عن الكبير العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه لانها بدل عن نفس الصوم وتلك جبران لنقص الصوم والله أعلم (مسألة) (ومن نوى قبل الفجر ثم جن أو أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه وان
أفاق جزءا منه صح صومه) متى نوى الصوم قبل الفجر ثم جن أو أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة يصح لان النية قد صحت وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم كالنوم ولنا أن الصوم هو الامساك مع النية قال النبي صلى الله عليه وسلم " يقول تعالى كل عمل ابن آدم له الا الصيام فانه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه من أجلي " فاضاف ترك الطعام والشراب إليه والمجنون والمغمى عليه لا يضاف الامساك إليه فلم يجزئه ولان النية احد ركني الصوم فلم تجزي وحدها كالامساك وحده أما النوم فانه عادة ولا يزيل الاحساس بالكلية ومتى نبه أنتبه (فصل) ومتى أفاق المغمى عليه في جزء من النهار صح صومه سواء كان في أوله أو في آخره وقال الشافعي في أحد قوليه تعتبر الافاقة في أول النهار ليحصل حكم النية في أوله ولنا أن الافاقة حصلت جزأ من النهار فأجزأ كما لو وجدت في أوله وما ذكروه لا يصح فان النية قد حصلت من الليل فيستغنى عن ذكرها في النهار كما لو نام أو غفل عن الصوم ولو كانت النية
[ 22 ]
انما تحصل بالافاقة في أول النهار لما صح منه صوم الفرض بالافاقة لانه لا يجزي بنية من النهار وحكم المجنون حكم المغمى عليه في ذلك وقال الشافعي إذا وجد الجنون في جزء من النهار أفسد الصوم لانه معنى يمنع وجوب الصوم فأفسده وجوده في بعضه كالحيض ولنا أنه زوال عقل في بعض النهار فلم يمنع صحة الصوم كالاغماء ويفارق الحيض فان الحيض لا يمنع الوجوب وانما يمنع الصحة ويحرم فعل الصوم ويتعلق به وجوب الغسل وتحريم الصلاة والقراءة واللبث في المسجد والوطئ فلا يصح القياس عليه (مسألة) (وإن نام جميع النهار صح صومه) لا نعلم فيه خلافا لانه عادة ولا يزيل الاحساس بالكلية (مسألة) (ويلزم المغمى عليه القضاء دون الجنون) لا نعلم خلافا في وجوب القضاء على المغمى عليه لان مدته لا تتطاول غالبا ولا تثبت الولاية على صاحبه فلم يلزم به التكليف كالنوم فأما الجنون فلا يلزمه قضاء ما مضى وبه قال أبو ثور والشافعي في
الجديد وقال مالك يقضي وان مضى عليه سنون وعن أحمد مثله وهو قول الشافعي في القديم لانه معنى يزيل العقل فلم يمنع وجوب الصوم كالاغماء، وقال أبو حنيفة ان جن جميع الشهر فلا قضاء عليه وان أفاق في أثنائه قضى ما مضى لان الجنون لا ينافي الصوم بدليل أنه لوجن في أثناء الصوم لم يفسد فإذا وجد في بعض الشهر وجب القضاء كالاغماء ولانه أدرك جزءا من رمضان وهو عاقل فلزمه صيامه كما لو أفاق في جزء من اليوم ولنا أنه معنى يزيل التكليف فلم يجب القضاء في زمانه كالصغر والكفر وتخص أبا حنيفة بانه معنى لو وجد في جميع الشهر أسقط القضاء فإذا وجد في بعضه أسقطه كالصبى والكفر فاما إذا أفاق في بعض اليوم فلنا فيه منع وإن سلمناه فلانه قد أدرك بعض وقت العبادة فلزمته كالصبي إذا بلغ والكافر إذا أسلم في بعض النهار وكما لو أردك بعض وقت الصلاة (فصل) قال ولا يصح صوم واجب ألا أن ينويه من الليل معينا وعنه لا يجب تعيين النية لرمضان لا يصح صوم الا بنية بالاجماع فرضا كان أو تطوعا لانه عبادة محضة فافتقر إلى النية كالصلاة فان كان فرضا كصيام رمضان في أدائه أو قضائه والنذر والكفارة أشترط أن ينويه من الليل وهذا مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يجزي صيام رمضان وكل صوم متعين بنيته من النهار لان النبي صلى الله عليه وسلم
[ 23 ]
أرسل غداة عاشوراء إلى قرى الانصار التي حول المدينة " من كان أصبح صائما فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم " متفق عليه وكان صوما واجبا متعينا ولانه غير ثابت في الذمة فهو كالتطوع ولنا ما روى ابن جريج وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له " وفي لفظ ابن حزم من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وروى الدارقطني باسناده عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له " وقال اسناده كلهم ثقات وقال حديث حفصة رفعه عبد الله بن أبي بكر عن الزهري
وهو من الثقات ولانه صوم فرض فافتقر إلى النية من الليل كالقضاء فاما صوم عاشوراء فلم يثبت وجوبه فان معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر " ممتفق عليه، وانما سمي الامساك صياما تجوزا كما روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلا أن أذن في الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه وامساك بقية اليوم بعد الاكل ليس بصيام شرعي فسماه صياما تجوزا ثم لو ثبت أنه صيام فالفرق
[ 24 ]
بين ذلك وبين رمضان أن وجوب الصيام تجدد في أثناء النهار فأجزأته النية حين تجدد الوجوب كمن كان صائما تطوعا فنذر في أثناء النهار صوم بقية يومه فانه تجزئه نيته عند نذره بخلاف ما إذا كان النذر متقدما والفرق بين التطوع والفرض من وجهين (أحدهما) أن التطوع يمكن الاتيان به في بعض النهار بشرط عدم المفطرات في أوله بدليل قوله عليه السلام في حديث عاشوراء " فليصم بقية يومه " فإذا نوى صوم التطوع من النهار كان صائما بقية النهار دون أوله والفرض يجب في جميع النهار ولا يكون صائما بغير نية (والثاني) أن التطوع سومح في نيته من الليل تكثيرا له فانه قد يبدو له الصوم في النهار فاشتراط النية في الليل يمنع ذلك فسامح الشرع فيها كمسامحته في ترك الصلاة في صلاة التطوع بخلاف الفرض إذا ثبت هذا ففي أي جزء من الليل نوى أجزأه وسواء فعل بعد النية ما ينافي الصوم من الاكل والشرب والجماع أو لم يفعل واشترط بعض أصحاب الشافعي أن لا يأتي بعد النية بما ينافي الصوم واشترط بعضهم وجود النية في النصف الاخير من الليل كاذان الصبح والدفع من مزدلفة ولنا مفهوم قوله عليه السلام " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " من غير تفصيل ولانه نوى من الليل فصح صومه كما نوى في النصف الاخير وكما لو لم يفعل ما ينافي الصوم ولان تخصيص النية بالنصف الاخير يفضي إلى تفويت الصوم لانه وقت النوم وكثير من الناس لا ينتبه فيه ولا يذكر الصوم والشارع انما رخص في تقديم النية على ابتدائه لحرج اعتبارها عنده فلا يخصها بمحل لا تندفع
[ 25 ]
المشقة بتخصيصها به ولان تخصيصها بالنصف الاخير تحكم من غير دليل واعتبار الصوم بالاذان والدفع من مزدلفة لا يصح لانهما يجوزان بعد الفجر فلا يفضي منعهما في النصف الاول إلى فواتهما بخلاف نية الصوم ولان اختصاصهما بالنصف الاخير بمعنى تجويزهما فيه واشتراط النية بمعنى الايجاب والتحتم وفوات الصوم بفواتها فيه وهذا فيه مشقة ومضرة بخلاف التجويز فاما إن فسخ النية مثل إن نوى الفطر بعد نية الصيام لم تجزئه تلك النية المفسوخة لانها زالت حكما وحقيقة (فصل) وإن نوى من النهار صوم الغد لم يجزئه ألا أن يستصحب النية إلى جزء من الليل وقد روي ابن منصور عن احمد من نوى الصوم عن قضاء رمضان بالنهار ولم ينو من الليل فلا بأس الا أن يكون فسخ النية بعد ذلك فظاهر هذا حصول الاجزاء بنية النهار إلا أن القاضي قال هذا محمول على أنه استصحب النية إلى الليل وهذا صحيح لظاهر قوله عليه السلام " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " ولانه لم ينو عند ابتداء العبادة ولا قريبا منها فلا يصح كما لو نوى من الليل صوم بعد الغد (فصل) وتعتبر النية لكل يوم وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وابن المنذر وعن أحمد أنه تجزئه نية واحدة لجميع الشهر إذا نوى صوم جميعه وهو مذهب مالك وإسحاق لانه نوى في زمن يصلح جنسه لنية الصوم فجاز كما لو نوى كل يوم في ليلته
[ 26 ]
ولنا أنه صوم واجب فوجب أن ينوي كل يوم من ليلته كالقضاء ولان هذه الايام عبادات لا يفسد بعضها بفساد بعض ويتخللها ما ينافيها أشبهت القضاء وبهذا فارقت اليوم الاول وعلى قياس رمضان إذا نذر صوم شهر بعينه خرج فيه مثل ما ذكرنا في رمضان (فصل) ومعنى النية القصد وهو اعتقاد القلب فعل شئ وعزمه عليه من غير تردد فمتى خطر بقلبه في الليل أن غدا من رمضان وانه صائم فيه فقد نوى وان شك في أنه من رمضان ولم يكن له أصل يبني عليه مثل ليلة الثلاثين من شعبان ولم يحل دون مطلع الهلال غيم ولا قتر فعزم أن يصوم غدا من رمضان لم تصح النية ولم يجزئه صيام ذلك اليوم لان النية قصد يتبع العلم وما لا يعلمه ولا دليل على وجوده لا يصح قصده وبهذا قال حماد وربيعة ومالك وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وابن المنذر
وقال الثوري والاوزاعي يصح إذا نواه من الليل كاليوم الثاني وعن الشافعي كالمذهبين ولنا انه لم يجزم النية بصومه من رمضان فلم يصح كما لو لم يعلم الا بعد خروجه وكذلك إن بنى على قول المنجمين وأهل الحساب فوافق الصواب لم يصح صومه وان كثرت اصابتهم لانه ليس بدليل شرعي يجوز البناء عليه ولا العمل به فكان وجوده كعدمه قال النبي صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " وفي رواية " لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه " فأما ليلة الثلاثين
[ 27 ]
من رمضان فتصح نيته وان احتمل أن يكون من شوال لان الاصل بقاء رمضان ولما ذكرنا من الحديث فان قال إن كان غدا من رمضان فأنا صائم، وان كان من شوال فأنا مفطر، فقال ابن عقيل لا يصح صومه لانه لم يجزم بنية الصوم والنية اعتقاد جازم، ويحتمل أن يصح لان هذا شرط واقع والاصل بقاء رمضان (فصل) ويجب تعيين النية في كل صوم واجب فيعتقد انه يصوم غدا من رمضان أو من قضائه أو من كفارته أو نذر نص عليه في رواية الاثرم فانه قال يا أبا عبد الله أسير صائم في أرض الروم شهر رمضان ولا يعلم انه رمضان فنوى التطوع قال لا يجزئه إلا بعزيمة انه من رمضان، وبهذا قال مالك والشافعي، وعن أحمد رواية أخرى انه لا يجب تعيين النية لرمضان، قال المروذي روي عن أحمد انه قال يكون يوم الشك يوم غيم إذا أجمعنا على اننا نصبح صياما يجزينا من رمضان، وان لم نعتقد انه من رمضان؟ قال: نعم. فقلت قول النبي صلى الله عليه وسلم " انما الاعمال بالنية " أليس يريد أن ينوي انه من رمضان؟ قال لا، إذا نوى من الليل انه صائم أجزأه وحكى أبو حفص العكبري عن بعض أصحابنا انه قال: ولو نوى أن يصوم تطوعا ليلة الثلاثين من رمضان فوافق رمضان أجزأه. قال القاضي وجدت هذا الكلام اختيارا لابي القاسم ذكره في
[ 28 ]
شرحه، وقال أبو حفص لا يجزئه إلا أن يعتقد من الليل بلا شك ولا تلوم، فعلى القول الثاني لو نوى في رمضان الصوم مطلقا أو نوى نفلا وقع عن رمضان وصح صومه، وهذا قول أبي حنيفة إذا كان
مقيما لانه فرض مستحق في زمن بعينه فلا يجب تعيين النية له كطواف الزيارة ولنا انه صوم واجب فوجب تعيين النية له كالقضاء، وطواف الزيارة عندنا كهذه المسألة في افتقاره إلى التعيين، فلو نوى طواف الوداع أو طوافا مطلقا لم يجزه عن طواف الزيارة، ثم الحج مخالف للصوم ولهذا ينعقد مطلقا وينصرف إلى الفرض، ولو حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه وقع عن نفسه ولو نوى الاحرام بمثل ما أحرم به فلان صح وينعقد فاسدا بخلاف الصوم (مسألة) (ولا يحتاج إلى نية الفرضية، وقال ابن حامد يجب ذلك) إذا عين النية عن صوم رمضان أو قضائه أو نذره أو كفارة لم يحتج أن ينوي انه فرض لان التعيين يجزئ عن نية الفرضية، وقال ابن حامد يجب ذلك، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصلاة (مسألة) (ولو نوى إن كان غدا من رمضان فهو فرضي وإلا فهو نفل لم يجزئه على الرواية المشهورة لانه لم يعين الصوم من رمضان جزما وعنه يجزيه لانه قد نوى الصوم ولو كان عليه صوم من سنة خمس فنوى انه يصوم عن سنة ست أو نوى الصوم عن يوم الاحد وكان غيره أو ظن ان غدا الاحد فنواه وكان الاثنين صح صومه لان نية الصوم لم تختل انما أخطأ في الوقت (مسألة) (ومن نوى الافطار أفطر)
[ 29 ]
إذا نوى الافطار في صوم الفرض أفطر وفسد صومه هذا ظاهر المذهب وقول الشافعي وأبي ثور وقال أصحاب الرأي إن عاد فنوى قبل أن ينتصف النهار أجزأه بناء على أصلهم ان الصوم المعين يجزئ بنية من النهار، وحكي عن ابن حامد ان الصوم لا يفسد بذلك لانها عبادة يلزم المضي في فاسدها فلم تفسد بنية الخروج منها كالحج ولنا انها عبادة من شرطها النية ففسدت بنية الخروج منها كالصلاة ولان اعتبار النية في جيمع أجزاء العبادة، لكن لما شق اعتبار حقيقتها اعتبر بقاء حكمها وهو أن لا ينوي قطعها، فإذا نواه زالت حقيقة وحكما ففسد الصوم لزوال شرطه، وما ذكره ابن حامد لا يطرد في غير رمضان ولا يصح القياس على الحج فانه يصح بنية مطلقة وسبهمة وبالنية عن غيره إذا لم يكن حج عن نفسه فافترقا
(فصل) فأما صوم النفل فان نوى الفطر ثم لم ينو الصوم بعد ذلك لم يصح صومه لان النية انقطعت ولم توجد نية غيرها أشبه من لم ينو أصلا، وان عاد فنوى الصوم صح كما لو أصبح غير ناو للصوم لان نية الفطر انما أبطلت الفرض لقطعها النية المشترطة في جميع النهار حكما وخلو بعض أجزاء النهار عنها، والنفل بخلاف ذلك فلم يمنع صحة الصوم نية الفطر في زمن لا يشترط وجود نية الصوم فيه لان نية الفطر لا تزيد على عدم النية في ذلك الوقت وعدمها لا يمنع صحة الصوم إذا نوى بعد ذلك فكذلك إذا نوى الفطر ثم نوى الصوم بعده، وقد روي عن أحمد أنه قال: إذا أصبح صائما ثم عزم على الفطر فلم يفطر حتى بدا له ثم قال لابل أتم صومي من الواجب لم يجزئه حتى يكون عازما على الصوم يومه كله، ولو كان تطوعا كان أسهل وظاهر هذا موافق لما ذكرناه. وقد دل على صحته ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل أهله هل من غداء؟ فان قالوا لا. قال: " إني إذا صائم " (فصل) فان نوى انه سيفطر ساعة أخرى فقال ابن عقيل هو كنية الفطر في وقته وإن تردد في الفطر فعلى وجهين كما ذكرنا في الصلاة، وان نوى انني ان وجدت طعاما أفطرت وإلا أتممت صومي خرج فيه وجهان (أحدهما) يفطر لانه لم يبق جازما بنية الصوم ولذلك لا يصح ابتداء النية بمثل هذا (الثاني) لا يفطر لانه لم ينو الفطر نية صحيحة، لان النية لا يصح تعليقها على شرط، ولذلك لا ينعقد الصوم بمثل هذه النية (فصل) ومن ارتد عن الاسلام أفطر بغير خلاف نعلمه إذا ارتد في أثناء الصوم فعليه قضاء ذلك اليوم إذا عاد إلى الاسلام سواء أسلم في أثناء اليوم أو بعد انقضائه، وسواء كانت ردته باعتقاد ما يكفر به أو شكه أو النطق بكلمة الكفر مستهزئا أو غير مستهزئ لانها عبادة من شرطها النية أشبهت الصلاة والحج (مسألة) (ويصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده، وقال القاضي لا يجزي بعد الزوال)
[ 30 ]
يصح صوم التطوع بنية من النهار وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وروي ذلك عن أبي الدرداء وأبي طلحة وابن مسعود وحذيفة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والنخعي، وقال مالك وداود
لا يجوز إلا بنية من الليل لقوله عليه السلام " لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل " ولان الصلاة يتفق نية نفلها وفرضها فكذلك الصوم ولنا ماروت عائشة رضي الله عنها قال: دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال " هل عندكم شي؟ " قلنا لا. قال " فاني إذا صائم " أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ويدل عليه أيضا حديث عاشوراء ولان الصلاة يخفف نفلها عن فرضها في سقوط القيام وجوازها في السفر على الراحلة إلى غير القبلة فكذلك الصيام، وحديثهم نخصه بحديثنا ولو تعارضا قدم حديثنا لانه أصح من حديثهم فانه من رواية ابن لهيعة ويحيى بن أيوب. قال الميموني سألت أحمد عنه فقال أخبرك ماله عندي ذاك الاسناد إلا انه عن ابن عمر وحفصة إسنادان جيدان، والصلاة يتفق وقتها وقت النية لنفلها وفرضها لان اشتراط النية في أول الصلاة لا يفضي إلى تقليلها بخلاف الصوم فانه يعين له الصوم من النهار فعفي عنه كما جوزنا التنفل قاعدا لهذه العلة إذا ثبت ذلك فأي وقت من النهار نوى أجزأه، هذا ظاهر كلام أحمد والخرقي وهو ظاهر قول ابن مسعود ويروى عن سعيد ابن المسيب، واختار القاضي في المجرد انه
[ 31 ]
لا تجزئه النية بعد الزوال وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من قولي الشافعي لان معظم النهار مضى بغير نية بخلاف الناوي قبل الزوال فانه قد أدرك معظم العبادة ولهذا تأثير في الاصول بدليل أن من أدرك الامام في الركوع أدرك الركعة لادراكه معظمها، ولو أدركه بعد الرفع لم يكن مدركا لها، وكذلك من أدرك ركعة من الجمعة يكون مدركا لها لانها لا تزيد بالتشهد شيئا ولا يدركها بدون الركعة لذلك ولنا انه نوى في جزء من النهار أشبه مالو نوى في أوله ولان جميع الليل وقت النية الفرض فكذلك جميع النهار وقت لنية النفل ولان صوم النفل انما جوزناه بنية من النهار طلبا لتكثيره وهذا أبلغ في التكثير (فصل) وانما يحكم له بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية في المنصوص عن أحمد فانه قال: من نوى في التطوع من النهار كتب له بقية يومه، وأذا أجمع من الليل كان له يومه، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، وقال أبو الخطاب في الهداية يحكم بذلك من أول النهار وهو قول بعض
الشافعية لان الصوم لا يتبعض في اليوم بدليل ما لو أكل في بعضه لم يجزه صيام باقيه، فإذا وجد في بعض اليوم دل على انه صائم من أوله، ولا يمتنع الحكم بالصوم من غير نية حقيقية كما لو نسي الصوم بعد نيته أو غفل عنه، ولانه لو أدرك بعض الركعة أو بعض الجماعة كان مدركا لجميعها ولنا ان ما قبل النية لم ينو صيامه فلا يحصل له صيامه لقوله عليه السلام " انما الاعمال بالنيات وانما لكل أمرئ ما نوى " ولان الصوم عبادة محضة فلا يوجد بغير نية كسائر العبادات المحضة، ودعوى
[ 32 ]
ان الصوم لا يتبعض دعوى محل النزاع وانما يشترط لصوم البعض أن لا توجد المفطرات في شئ من اليوم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عاشوراء " فليصم بقية يومه " وأما إذا نسي النية بعد وجودها فانه يكون مستصحبا لحكمها بخلاف ما قبلها فانها لم توجد حكما ولا حقيقة، ولهذا لو نوى الفرض من الليل ونسيه في النهار صح صومه، ولو لم ينو من الليل لم يصح صومه. وأما ادراك الركعة والجماعة فانما معناه انه لا يحتاج إلى قضاء ركعة وينوي انه مأموم وليس هذا مستحيلا، أما أن يكون ما صلى
[ 33 ]
الامام قبله من الركعات محسوبا له بحيث يجزئه عن فعله فكلا ولان مدرك الركوع مدرك لجميع أركان الركعة لان القيام وجد حين كبر وفعل سائر الاركان مع الامام، وأما الصوم فان النية شرط له
[ 34 ]
أو ركن فيه فلا يتصور وجوده بدون شرطه وركنه (فصل) وانما يصوم الصوم بنية من النهار بشرط أن يكون طعم قبل النية ولا فعل ما يفطره
[ 35 ]
فان فعل شيئا من ذلك لم يجزه الصيام بغير خلاف نعلمه والله عزوجل أعلم (باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة) ومن أكل أو شرب أو استعط أو احتقن أو داوى الجائفة بما يصل إلى جوفه أو كتحل بما يصل إلى حلقه أو داوى المأمومة أو قطر في أذنه ما يصل إلى دماغه أو أدخل في جوفه شيئا من
أي موضع كان أو استقاء أو استمنى أو قبل أو لمس فأمنى أو أمذى أو كرر النظر فانزل أو حجم أو احتجم عامدا ذاكرا لصومه فسد صومه وان كان مكرها أو ناسيا لم يفسد.
[ 36 ]
أجمع أهل العلم على الافطار بالاكل والشرب لما يتغذى به، وقد دل عليه قوله تعالى (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) مدة إباحة الاكل والشرب إلى تبين الفجر ثم أمر بالصيام عنهما، وفي الحديث " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي " فأما أكل ما لا يتغذى به فيحصل به الفطر في قول عامة أهل العلم، وقال الحسن بن صالح لا يفطر بما ليس بطعام ولا شراب وحكي عن أبي طلحة الانصاري أنه كان يأكل البرد في الصوم ويقول ليس بطعام ولا شراب ولعل من يذهب إلى ذلك يحتج بأن الكتاب والسنة انما حرما الاكل والشرب المعتاد فما عداهما يبقى على أصل الاباحة.
[ 37 ]
ولنا دلالة الكتاب والسنة على تحريم الاكل والشرب على العموم فيدخل فيه محل النزاع ولم يثبت عندنا ما نقل عن أبي طلحة فلا يعد خلافا (فصل) ويفطر بكل ما أدخله إلى جوفه أو مجوف في جسده كدماغه وحلقه ونحو ذلك مما ينفد إلى معدته إذا وصل باختياره وكان مما يمكن التحرز منه سواء وصل من الفم على العادة أو غيرها كالوجور واللدود أو من الانف كالسعوط أو ما يدخل من الاذان إلى الدماغ أو ما يدخل من العين إلى الحلق كالكحل أو ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة أو ما يصل من مداواة الجائفة أو من دواء المأمومة، وكذلك ان جرح نفسه أو جرحه غيره باذنة فوصل إلى جوفه سواء استقر في جوفه أو عاد فخرج منه لانه واصل إلى الجوف باختياره فاشبه الاكل وبهذا كله قال الشافعي الا في الكحل وقال مالك لا يفطر بالسعوط الا أن ينزل إلى حلقه ولا يفطر إذا داوى المأمومة والجائفة واختلف عنه
[ 38 ]
في الحقنة واحتج بانه لم يصل إلى الحلق منه شئ أشبه ما لم يصل إلى الدماغ ولا الجوف ولنا أنه واصل إلى جوف الصائم باختياره فيفطره كالواصل إلى الحلق ولان الدماغ جوف والواصل إليه يغذيه فيفطر كجوف البدن (فصل) فاما الكحل فان وجد طعمه في حلقه أو علم وصوله إليه فطره والا لم يفطره نص عليه أحمد وقال ابن أبي موسى ان اكتحل بما يجد طعمه كالذرور والصبر والقطور افطر وان اكتحل باليسير من الاثمد غير المطيب لم يفطر نص عليه أحمد وقال ابن عقيل ان كان الكحل حادا فطره والا فلا ونحو ما ذكرناه قال أصحاب مالك عن ابن أبي ليلى وابن شبرمه أن الكحل يفطر الصائم، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يفطر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اكتحل في رمضان وهو صائم ولان العين ليست منفذا فلم يفطر بالداخل منها كما لو دهن رأسه ولنا أنه أوصل إلى حلقه ما هو ممنوع من تناوله بفيه فأفطر به كما لو أوصله من أنفه وما رووه لم يصح، قال الترمذي لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في باب الكحل للصائم شئ ثم نحمله أنه اكتحل بما لا يصل، وقولهم ليست العين منفذا لا يصح فانه يوجد طعمه في الحلق ويكتحل بالاثمد فيتنخعه. قال أحمد: حدثني انسان أنه اكتحل بالليل فتنخعه بالنهار ثم لا يعتبر في الواصل أن يكون من منفذ بدليل ما لو جرح نفسه جائفة فانه يفطر (مسألة) (أو استقاء أو استمنى) معنى استقاء استدعى القئ ويفطر به في قول عامة أهل العلم، قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على
[ 39 ]
ابطال صوم من استقاء عامدا، وحكي عن ابن مسعود وابن عباس أن القئ لا يفطر، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ثلاث لا يفطرن الصائم الحجامة والقئ والاحتلام " ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من استقاء عمدا فليقض " قال الترمذي هذا حديث حسن، ورواه أبو داود وحديثهم غير محفوظ يرويه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف قال الترمذي (فصل) وقليل القئ وكثيره سواء في ظاهر المذهب وفيه رواية ثانية لا يفطر إلا بمل ء الفم لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ولكن دسعه تملا الفم ولان اليسير لا ينقض الوضوء فلا يفطر كالبلغم، وفيه رواية
ثالثة: أنه نصف الفم لانه ينقض الوضوء فأفطر به كالكثير، والاولى أولى لظاهر الحديث الذي رويناه، ولان سائر المفطرات لا فرق بين قليلها وكثيرها كذلك، هذا وحديث الرواية الثانية لا نعرف له أصلا ولا فرق بين كون القئ طعاما، أو مرارا، أو بلغما، أو دما، أو غيره لان لجميع داخل في الحديث (فصل) ولو استمنى بيده فقد فعل محرما ولا يفسد صومه بمجرده، فان أنزل فسد صومه لانه في معنى القبلة في اثارة الشهوة، وكذلك إن مذي به في قياس المذهب قياسا على القبلة، فأما إن أنزل لغير شهوة كالذي يخرج منه المني أو المذي لمرض فلا شئ عليه لانه خارج لغير شهوة أشبه البول، ولانه يخرج من غير اختيار منه ولا بسبب أشبه الاحتلام، ولو جامع بالليل فأنزل بعدما أصبح لم يفطر لانه لم يتسبب إليه في النهار فأشبه مالو أكل شيئا في الليل فذرعه القئ في النهار (مسألة) (قال أو قبل أو لمس فأمنى أو مذى) إذا قبل أو لمس لم يخل من ثلاثة أحوال (أحدها) أن لا ينزل ولا يمذي فلا يفسد صومه بذلك بغير خلاف علمناه لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم وكان أملككم لاربه، رواه البخاري وروي بتحريك الراء وسكونها، قال الخطابي معنى ذلك حاجة النفس ووطرها وقيل بالتسكين العضو وبالتحريك الحاجة، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: هششت فقبلت وأنا صائم فقلت يارسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما قبلت وأنا صائم، قال " أرأيت لو تمضمضت من أناء وأنت صائم " قلت لا بأس به، قال " فمه " رواه أبو داود، شبه القبلة بالمضمضة من حيث إنها من مقدمات الشهوة فان المضمضة إذا لم يكن معها نزول الماء لم تفطر وإن كان معها نزوله أفطر إلا أن أحمد ضعف هذا الحديث وقال: هذا ريح ليس من هذا شئ (الحال الثاني) أن يمني فيفطر بغير خلاف نعلمه لما ذكرناه من إيماء الخبرين ولانه انزل بمباشرة أشبه الانزال بجماع دون الفرج (الحال الثالث) أن يمذي فيفطر وهو قول مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يفطر وروي ذلك عن الحسن والشعبي والاوزاعي لانه خارج لا يوجب الغسل أشبه البول
[ 40 ]
ولنا أنه خارج تخلله الشهوة خرج بالمباشرة أشبه المني وبهذا فارق البول (مسألة) (أو كرر النظر فأنزل) لتكرار النظر ثلاثة أحوال أيضا (أحدها) أن لا يقترن به أنزال فلا يفسد الصوم بغير اختلاف (الثاني) أن ينزل المني به فيفسد الصوم، وبه قال عطاء والحسن ومالك وقال جابر بن زيد والثوري وأبو حنيفة والشافعي وابن المنذر لا يفسد لانه عن غير مباشرة أشبه الانزال بالفكر ولنا أنه انزال بفعل يتلذذ به يمكن التحرز منه أشبه الانزال باللمس. والفكر لا يمكن التحرز منه (1) بخلاف تكرار النظر (الثالث) مذى بذلك فظاهر كلام احمد أنه لا يفطر به لانه لا نص في الفطر به ولا يصح قياسه على انزال المني لمخالفته إباه في الاحكام فيبقى على الاصل وفيه قول آخر أنه يفطر لانه خارج بسبب الشهوة أشبه المني ولان السبب الضعيف إذا تكرر تنزل بمنزلة السبب القوي فان من أعاد الضرب بعصا صغيرة فقتل وجب عليه القصاص كالضرب بالعصا الكبيرة والاول ظاهر المذهب (فصل) فأما إن صرف نظره لم يفسد صومه أنزل أو لم ينزل، وقال مالك يفسد صومه إن أنزل كما لو كرره ولنا أن النظرة الاولى لا يمكن التحرز منها فلا يفسد الصوم ما أفضت إليه كالفكرة وعليه يخرج التكرار (مسألة) (قال أو حجم أو أحتجم) الحجامة يفطر بعها الحاجم والمحجوم وبه قال اسحاق وابن المنذر ومحمد بن اسحق وابن خريمة وعطاء وعبد الرحمن بن مهدي وكان مسروق والحسن وابن سيرين لا يرون للصائم أن يحتجم وكان جماعة من الصحابة يحتجمون ليلا في الصوم منهم ابن عمر وابن عباس وأبو موسى وأنس بن مالك ورخص فيها أبو سعيد الخدري وابن مسعود وأم سلمة والحسين بن علي وعروة وسعيد بن جبير وقال مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي يجوز للصائم أن يحتجم ولا يفطر لما روي البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم ولانه دم خارج من البدن أشبه الفصد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " أفطر الحاجم والمحجوم " رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد عشر نفسا قال أحمد
حديث شداد بن أوس من أصح حديث يروى في هذا الباب واسناد حديث رافع اسناد جيد وقال حديث ثوبان وشداد صحيحان وقال علي بن المديني أصح شئ في هذا الباب حديث شداد وثوبان. وحديثهم منسوخ بحديثنا بدليل ما روى ابن عباس أنه قال احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقاحة بقرن وناب وهو محرم صائم فوجد لذلك ضعفا شديدا فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتجم الصائم رواه أبو اسحاق الجوزجاني في المترجم وعن الحكم قال احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم فضعف ثم كرهت الحجامة
[ 41 ]
للصائم وكان ابن عباس وهو راوي حديثهم يعد الحجام والمحاجم فإذا غابت الشمس احتجم كذلك رواه الجوزجاني وهذا يدل على أنه علم نسخ الحديث الذي رواه (1) ويحتمل أنه احتجم فافطر كما روي عنه عليه السلام أنه قاء فافطر فان قيل فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي الحاجم والمحتجم يغتابان فقال ذلك قلنا لم تثبت صحة هذه الرواية مع أن اللفظ أعم من السبب فيجب الاخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب على اننا قد ذكرنا الحديث الذي فيه بيان علة النهي عن الحجامة وهي الخوف من الضعف فيبطل التعليل بما سواه أو تكون كل واحدة منهما علة مستقلة على أن الغيبة لا تفطر الصائم اجماعا فلا يصح حمل الحديث عليها قال أحمد لان يكون الحديث على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم " افطر الحاجم والمحجوم " أحب الينا من أن يكون من الغيبة لان من أراد أن يمتنع من الحجامة أمتنع وهذا أشد على الناس من يسلم من الغيبة؟ فان قيل إذا كانت علة النهي ضعف الصائم بها فلا يقتضي ذلك الفطر انما يقتضي الكراهة ومعنى قوله " افطر الحاجم والمحجوم " أي قربا من الفطر قلنا هذا تأويل يحتاج إلى دليل مع أنه لا يصح في حق الحاجم لانه لا يضعفه (فصل) وانما يفطر بما ذكرنا إذا فعله عامدا ذاكرا لصومه وان فعل شيئا من ذلك ناسيا لم يفسد صومه روي عن علي رضي الله عنه لا شئ على من أكل ناسيا وهو قول ابي هريرة وابن عمر وعطاء وطاوس وابن أبي ذئب والاوزاعي والثوري وأبي حنيفة واسحاق وقال ربيعة ومالك يفطر لان مالا يصح الصوم مع شئ من جنسه عمدا لا يجوز مع سهوه كالجماع وترك النية ولنا ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أكل أحدكم أو شرب ناسيا فليتم صومه
فانما أطعمه الله وسقاه " متفق عليه وفي لفظ " من أكل أو شرب ناسيا فانما هو رزق رزقه الله " ولانها عبادة ذات تحليل وتحريم فكان في محظوراتها ما يختلف عمده وسهوه كالصلاة والحج فأما النية فليس تركها فعلا ولانها شرط والشروط لا تسقط بالسهو بخلاف المبطلات والجماع حكمه أغلظ ويمكن التحرز عنه (مسألة) (فان فكر فأنزل لم يفسد صومه) وحكي عن أبي حفص البرمكي أنه يفسد واختاره ابن عقيل لان الفكرة تستحضر فتدخل تحت الاختيار لان الله تعالى مدح الذين يتفكرون في خلق السموات والارض ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفكر في ذات الله ولو كانت غير مقدور عليها لم يتعلق بها ذلك كالاحتلام فأما أن خطر بقلبه صورة ذلك الفعل فأنزل لم يفسد صومه كالاحتلام ولنا قوله عليه الصلاة والسلام " عفي لامتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به " ولانه لا نص في الفطر به ولا اجماع، ولا يمكن قياسه على تكرار النظر لانه دونه في استدعاء الشهوة وأفضائه
[ 42 ]
إلى الانزال ويخالفه في التحريم إذا تعلق، إذا ثبت ذلك في الاكل والشرب ثبت في سائر ما ذكرنا قياسا عليه، ولنا في الجماع منع (فصل) وإن فعل شيئا من ذلك وهو نائم لم يفسد صومه لانه لا قصد له ولا علم بالصوم فهو أعذر من الناسي فان فعله جاهلا بتحريمه فذكر أبو الخطاب أنه لا يفطره كالناسي (قال شيخنا) ولم أره عن غيره، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " أفطر الحاجم والمحجوم " في حق الرجلين اللذين رآهما يحجم أحدهما صاحبه من جهلهما بتحريمه يدل على أن الجهل لا يعذر به، ولانه نوع جهل فلم يمنع الفطر كالجهل بالوقت في حق من أكل يظن أن الفجر لم يطلع وتبين بخلافه (فصل) فان فعله مكرها بالوعيد فقال ابن عقيل قال أصحابنا لا يفطر به لقول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " قال ويحتمل عندي أن يفطر لانه فعل المفطر لدفع الضرر عن نفسه أشبه المريض ومن شرب لدفع العطش، فأما الملجأ فلا يفطر لانه خرج بذلك عن حيز الفعل ولذلك لا يضاف إليه، ولذلك افترقا فيما إذا أكره على قتل آدمي فقتله أو ألقي عليه
(مسألة) (وإن طار إلى حلقه ذباب، أو غبار، أو قطر في احليله، أو فكر فأنزل، أو احتلم، أو ذرعه القئ، أو أصبح وفي فيه طعام فلفظه، أو اغتسل، أو تمضمض، أو استنشق فدخل الماء حلقه لم يفسد صومه، وإن زاد على الثلاث أو بالغ فيهما فعلى وجهين) إذا دخل حلقه غبار من غير قصد كغبار الطريق ونخل الدقيق، أو الذبابة تدخل حلقه أو يرش عليه الماء فيدخل مسامعه أو حلقه، أو يلقى في ماء فيصل إلى جوفه، أو يدخل حلقه بغير اختياره، أو يداوي جائفته أو مأمومته بغير اختياره، أو يحجم كرها، أو تقبله امرأة بغير اختياره فينزل وما أشبه ذلك لا يفسد صومه، لا نعلم فيه خلافا لانه لا يمكن التحرز منه أشبه مالو دخل حلقه شئ وهو نائم، وكذلك الاحتلام لانه من غير اختيار منه فأشبه ما ذكرنا، وفي معنى ذلك إذا ذرعه القئ لانه بغير اختياره كالاحتلام بأجنبية أو الكراهة إن كان في زوجة فبقي على الاصل (فصل) فان قطر في احليله دهنا لم يفطر به سواء وصل إلى المثانة أم لا، وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي يفطر لانه أوصل الدهن إلى جوف في جسده فأفطر كما لو داوى الجائفة، ولان المني يخرج من الذكر فيفطره وما أفطر بالخارج منه جاز أن يفطر بالداخل منه كالفم ولنا أنه ليس بين باطن الذكر والجوف منفذ، وانما يخرج البول رشحا فالذي يتركه فيه لا يصل إلى الجوف فلا يفطره كالذي يتركه في فيه ولا يبلعه (مسألة) (قال أو أصبح وفي فيه طعام فلفظه) إذا أصبح في فيه الطعام لم يخل من حالين (أحدهما) أن يكون يسيرا لا يمكنه لفظه فيزدرده
[ 43 ]
فانه لا يفطر به لانه لا يمكن التحرز منه أشبه الريق، قال ابن المنذر أجمع على ذلك أهل العلم (الثاني) أن يكون كثيرا يمكنه لفظه فان لفظه فلا شئ عليه وكذلك ان دخل حلقه بغير اختياره لمشقة الاحتراز منه وان ابتلعه عامدا فسد صومه وهو قول الاكثرين وقال أبو حنيفة لا يفسد لانه لابد أن يبقى بين أسنانه شئ مما يأكله فلم يفطر بابتلاعه كالريق ولنا أنه بلع طعاما يمكنه لفظه باختياره ذاكرا لصومه فافطر به كما لو ابتلع ابتداء من خارج
ويخالف ما يجري به الريق فانه لا يمكنه لفظه فان قيل يمكنه أن يبصق قلنا لا يخرج جميع الريق ببصاقه وان منع من ابتلاع ريقه كله لم يمكنه
[ 44 ]
(مسألة) قال (أو اغتسل أو تمضمض أو استنشق فدخل الماء حلقه لم يفسد صومه) المضمضة والاستنشاق لا يفطر بغير خلاف سواء كان في طهارة أو غيرها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ان عمر سأله عن القبلة للصائم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أرأيت لو تمضمضت من اناء وأنت صائم " قلت لا بأس قال " فمه " ولان الفم في حكم الظاهر فلا يبطل الصوم بالواصل إليه كالانف والعين فان تمضمض أو أستنشق في الطهارة فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف فلا شئ عليه، وهذا قول الاوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه وروي ذلك عن ابن عباس وقال مالك وأبو حنيفة يفطر لانه أوصل الماء إلى حلقه ذاكرا لصومه فأفطر كما لو تعمد شربه ولنا أنه وصل إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف أشبه مالو طارت ذبابة إلى حلقه وبهذا فارق المتعمد (فصل) فأما إن زاد على الثلاث وبالغ في الاستنشاق والمضمضة فقد فعل مكروها لقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة " وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما " فان دخل الماء حلقه فقال أحمد يعجبني أن يعيد الصوم وفيه وجهان أحدهما يفطر لانه فعل مكروها تعرض به إلى إيصال الماء إلى حلقه أشبه من أنزل بالمباشرة ولان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المبالغة حفظا للصوم فدل على أنه يفطر به ولانه وصل بفعل منهي عنه أشبه العمد والثاني لا يفطره لانه وصل من غير قصد أشبه غبار الدقيق إذا دخل حلقه وقت نخله فأما المضمضة لغير طهارة فان كانت لحاجة كغسل فمه عند الحاجة إليه ونحوه فحكمه حكم المضمضة للطهارة
[ 45 ]
وان كان عبثا أو تمضمض من أجل العطش كره وسئل أحمد عن الصائم يعطش فيمضمض ثم يمجه قال يرش على صدره أحب إلي فان فعل فوصل الماء إلى حلقه أو ترك الماء في فيه عابثا أو للتبرد فالحكم فيه كالحكم في الزائد على الثلاث لانه مكروه
(فصل) ولا بأس أن يصب الماء على رأسه من الحر والعطش لما روي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال " لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر " رواه أبو داود (فصل) ولا بأس أن يغتسل الصائم فان عائشة وأم سلمة قالتا: نشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ان كان ليصبح جنبا من غير احتلام ثم يغتسل ثم يصوم متفق عليه وروى أبو بكر باسناده أن ابن عباس دخل الحمام وهو صائم هو واصحاب له في شهر رمضان فاما الغوص في الماء فقال أحمد في الصائم يغتمس في الماء إذا لم يخف أن يدخل في مسامعه وكره الحسن والشعبي أن ينغمس في الماء خوفا أن يدخل في مسامعه فان دخل إلى مسامعه في الغسل المشروع من غير قصد ولا اسراف لم يفطر كالمضمضة في الوضوء وان غاص في الماء أو اسرف أو كان عابثا فحكمه حكم الداخل إلى الحلق من المبالغة والزيادة على الثلاث على ما ذكرنا من الخلاف
[ 46 ]
(مسألة) (وان أكل شاكا في طلوع الفجر فلا قضاء عليه) إذا أكل وهو يشك في طلوع الفجر ولم يتبين له الحال فلا قضاء عليه وله الاكل حتى يتيقن طلوع الفجر نص عليه أحمد وهو قول ابن عباس وعطاء والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وروي معنى ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم وقال مالك يجب القضاء كما لو أكل شاكا في غروب الشمس ولنا قول الله تعالى (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر)
[ 47 ]
مد الاكل إلى غاية التبين وقد يكون شاكا قبل التبين فلو لزمه القضاء لحرم عليه الاكل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " وكان رجلا أعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت ولان الاصل بقاء الليل فيكون زمن الشك منه ما لم يعلم يقين زواله بخلاف غروب الشمس فان الاصل بقاء النهار فبني عليه (مسألة) (وان أكل شاكا في غروب الشمس فعليه القضاء)
[ 48 ]
إذا لم يتبين لان الاصل بقاء النهار فان كان حين الاكل ظانا أن الشمس قد غربت ثم شك بعد الاكل ولم يتبين فلا قضاء عليه لانه لم يوجد يقين أزال ذلك الظن الذي بنى عليه فأشبه مالو صلى بالاجتهاد ثم شك في الاصابة بعد صلاته (مسألة) (ومن أكل معتقدا أنه ليل فبان نهارا فعليه القضاء) وذلك أن يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب أو ان الفجر لم يطلع وقد طلع فيجب عليه القضاء
[ 49 ]
هذا قول أكثر أهل العلم وحكي عن عروة ومجاهد والحسن واسحاق لا قضاء عليهم لما روى زيد بن وهب قال كنت جالسا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في زمن عمر بن الخطاب فأتينا بعساس فيها شراب من بيت حفصة فشربنا ونحن نرى أنه من الليل ثم أنكشف السحاب فإذا الشمس طالعة قال فجعل الناس يقولون نقضي يوما مكانه فقال عمر والله لا نقضيه ما تجانفنا لاثم ولانه لم يقصد الاكل في الصوم فلم يلزمه القضاء كالناسي
[ 50 ]
ولنا أنه أكل مختارا ذاكرا للصوم فأفطر كما لو أكل يوم الشك ولانه جهل وقت الصيام فلم يعذر به كالجهل بأول رمضان ولانه يمكن التحرز منه فأشبه أكل العامد وفارق الناسي فانه لا يمكن التحرز منه. وأما الخبر فرواه الاثرم أن عمر قال من أكل فليقض يوما مكانه رواه مالك في الموطأ أن عمر قال الخطب يسير يعني خفة القضاء وروى هشام بن عروة عن فاطمة أمرأته عن أسماء قالت أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس قيل لهشام أمروا بالقضاء قال لا بد من قضاء رواه البخاري
[ 51 ]
(فصل) ويجوز للجنب في الليل أن يؤخر الغسل حتى يصبح ويتم صومه وهو قول علي وابن مسعود وزيد وأبي الدرداء وأبي ذر وابن عمر وابن عباس وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم وهو قول مالك والشافعي في أهل الحجاز والثوري وأبي حنيفة في أهل العراق والاوزاعي في أهل الشام
والليث في أهل مصر واسحاق وأبي عبيد وأهل الظاهر وكان أبو هريرة يقول لاصوم له ويروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع عنه قال سعيد بن المسيب رجع أبو هريرة عن فتياه وحكى عن الحسن
[ 52 ]
وسالم بن عبد الله يتم صومه ويقضي وعن النخعي يقضي في الفرض دون التطوع وعن عروة وطاوس ان علم بجنابته في رمضان فلم يغتسل حتى أصبح فهو مفطر وان لم يعلم فهو صائم وحجتهم حديث أبي هريرة ولنا ماروى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال ذهبت أنا وأبي حتى دخلنا على عائشة فقالت أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ان كان ليصبح جنبا من جماع من غير احتلام ثم يصومه ثم دخلنا على أم سلمة فقال مثل ذلك ثم أتينا أبا هريرة فأخبرناه بذلك فقال هما أعلم بذلك انما
[ 53 ]
حدثنيه الفضل بن العباس متفق عليه قال الخطابي أحسن ما سمعت في خبر أبي هريرة أنه منسوخ لان الجماع كان محرما على الصائم بعد النوم فلما أباح الله سبحانه الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب أذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم وروت عائشة أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام " فقال له الرجل يا رسول الله أنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " اني لارجو ا أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما اتقي " رواه مسلم ومالك في الموطأ (فصل) وحكم المرأة إذا انقطع حيضها من الليل وأخرت الغسل حتى أصبحت حكم الجنب يصح صومها إذا نوت من الليل بعد انقطاعه وقال الاوزاعي والحسن بن حي وعبد الملك بن الماجشون تقضي فرطت في الاغتسال أو لم تفرط لان حدث الحيض يمنع الصوم بخلاف الجنابة
[ 54 ]
ولنا أنه حدث يوجب الغسل فتأخير الغسل منه إلى أن يصبح لا يمنع صحة الصوم كالجنابة وما ذكروه لا يصح فان من طهرت من الحيض غير الحائض وانما عليها حدث موجب للغسل فهي كالجنب فان الجماع الموجب للغسل لو وجد في الصوم أفسده كالحيض وبقاء وجوب الغسل منه كبقاء وجوب
الغسل من الحيض والله أعلم (فصل) وإذا جامع في نهار رمضان في الفرج قبلا كان أو دبرا فعليه القضاء والكفارة عامدا كان أو ساهيا وعنه لا كفارة عليه مع الاكراه والنسيان هذا المسألة تشتمل على خمسة أمور (أحدها) أن من جامع في نهار رمضان في الفرج فأنزل أو لم ينزل أو دون الفرج فأنزل عامدا فسد صومه بغير خلاف علمناه وقد دلت الاخبار الصحيحة على ذلك (الثاني) أنه يجب عليه القضا في قول أكثر أهل العلم وقال الشافعي في أحد قوليه لا يجب القضاء على من لزمته الكفارة لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر الاعرابي بالقضاء وحكي عن الشافعي أنه قال ان كفر بالصيام فلا قضاء عليه لانه صام شهرين متتابعين ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمجامع " وصم يوما مكانه " رواه أبو داود باسناده وابن ماجة والاثرم ولانه
[ 55 ]
أفسد يوما من رمضان فلزمه قضاؤه كما لو أفسده بالاكل ولانه صوم واجب أفسده بالجماع فوجب عليه القضاء كغير رمضان (فصل) فان جامع في غير صوم عامدا افسده ويجب عليه القضاء ان كان واجبا بغير خلاف علمناه وان كان نفلا ففيه اختلاف نذكره إن شاء الله تعالى (الثالث) ان من جامع في الفرج في رمضان عامدا تجب عليه الكفارة أنزل أو لم ينزل في قول عامة أهل العلم وعن الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير أنه لا كفارة عليه لانها عبادة لا تجب الكفارة بافساد قضائها فلم تجب في افساد أدائها كالصلاة ولنا ما روى عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال بينا نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال يا رسول الله هلكت قال " مالك؟ " قال وقعت على امرأتي وأنا صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل تجد رقبة تعتقها " قال لا قال " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال لا قال " فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ " قال لا قال فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر والعرق المكتل فقال " أين السائل؟ " فقال أنا فقال " خذ هذا فتصدق به " فقال الرجل
على أفقر مني يارسول الله فوالله ما بين لابيتها أهل بيت أفقر من بيتي فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال " اطعمه أهلك " متفق عليه ولا يجوز اعتبار الاداء في ذلك بالقضاء لان الاداء يتعلق بزمن مخصوص يتعين به والقضاء محله الذمة والصلاة لا يدخل في جبرانها المال بخلاف مسئلتنا
[ 56 ]
(الرابع) أن من جامع ناسيا فحكمه حكم العامد في ظاهر المذهب نص عليه أحمد وهو قول عطاء وابن الماجشون وروى أبو داود عن احمد أنه توقف عن الجواب وقال أجبن أن أقول فيه شيئا وفيه رواية ثانية أنه يجب عليه القضاء دون الكفارة وهذا قول مالك والاوزاعي والليث لان الكفارة لرفع الاثم وهو محطوط عن الناسي وفيه رواية ثالثة نقلها عنه ابن القاسم أنه قال كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا غيره وهذا يدل على اسقاط القضاء والكفارة عن المكره والناسي وهو قول الحسن ومجاهد والثوري والشافعي وأصحاب الرأي لانه معنى حرمه الصوم فإذا وجد منه مكرها أو ناسيا لم يفسده كالاكل ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي قال وقعت على امرأتي بالكفارة ولم يستفصله ولو أفترق الحال لسأل واستفصل لانه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولانه يجب التعليل بما تناوله لفظ السائل وهو الوقوع على المرأة في الصوم ولان السؤال كالمعاد في الجواب فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من وقع على أهله في نهار رمضان فليعتق رقبة. فان قيل ففي الحديث ما يدل على العمد وهو قوله هلكت
[ 57 ]
وروى احترقت قلنا يجوز أن يخبر عن هلكته لما يعتقده في الجماع مع النسيان وخوفه من غير ذلك ولان الصوم عبادة تحرم الوطئ فاستوى فيها عمده وسهوه كالحج ولان افساد الصوم ووجود الكفارة حكمان يتعلقان بالجماع لا تسقطهما الشبهة فاستوى فيهما العمد والسهو كسائر أحكامه (الخامس) أنه لا فرق بين كون الفرج قبلا أو دبرا من ذكر أو أنثى وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة في أشهر الروايتين لا كفارة بالوطئ في الدبر لانه لا يحصل به الاحلال ولا الاحصان فلا يوجب الكفارة كالوطئ دون دون الفرج
ولنا أنه أفسد صوم رمضان بجماع في الفرج فأوجب الكفارة كالوطئ في القبل وأما الوطئ دون الفرج قلنا فيه منع وان سلمنا فلان الجماع دون الفرج لا يفسد الصوم بمجرده بخلاف الوطئ في الدبر (مسألة) (ولا يلزم المرأة كفارة مع العذر وهل يلزمها مع عدمه على روايتين) حكم الوطئ في رمضان في حق المرأة كحكمه في حق الرجل في أفساد الصوم ووجوب القضاء بغير خلاف نعلمه في المذهب لانه نوع من المفطرات فاستوى فيه الرجل والمرأة كالاكل ولا يجب على المرأة كفارة مع العذر لما نذكره وهل يجب عليها الكفارة مع عدم العذر فيه روايتان احداهما تجب عليها اختاره أبو بكر وهو قول مالك وأبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر لانها
[ 58 ]
هتك صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها الكفارة كالرجل (والثانية) لا كفارة عليها قال أبو داود سئل احمد عمن أتى أهله في رمضان أعليها كفارة قال ما سمعنا أن على المرأة كفارة وهذا قول الحسن وللشافعي قولان كالروايتين ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة ولم يأمر في المرأة بشئ مع علمه بوجود ذلك منها ولانه حق مال يتعلق بالوطئ من بين جنسه فكان على الرجل المهر (مسألة) (قال وكل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا كفارة) هذه الرواية نقلها عنه ابن القاسم وهي تدل على اسقاط القضاء والكفارة مع الاكراه والنسيان وكذلك قال أبو الخطاب وقد ذكرنا حكم الناسي فاما حكم الاكراه فان أكرهت المرأة على الجماع فلا كفارة عليها رواية واحدة وعليها القضاء في ظاهر المذهب قال مهنا سألت احمد عن امرأة غصبها رجل نفسها فجامعها أعليها القضاء؟ قال نعم قلت وعليها الكفارة؟ قال لا وهذا قول الحسن والثوري وأصحاب الرأي وعلى قياس ذلك النائمة وقال مالك في النائمة عليها القضاء بلا كفارة والمكرهة عليها القضاء والكفارة وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر إن كان الاكراه بوعيد حتى فعلت كقولنا وان كان الجاء أو كانت نائمة لم تفطر وهذا مقتضى قول احمد في هذه الرواية التي رواها أبن القاسم لانها لم يوجد منها فعل فلم تفطر كما لو صب في حلقها ماء بغير اختيارها ووجه الاول أنه جماع في الفرج
[ 59 ]
فأفسد كما لو اكرهت بالوعيد ولانه عبادة يفسدها الوطئ ففسدت به على كل حال كالصلاة والحج (فصل) فان جامعت المرأة ناسية فقال أبو الخطاب حكم النسيان حكم الاكراه يوجب القضاء دون الكفارة قياسا على الرجل في ان الجماع يفطره مع النسيان، ويحتمل أن لا يلزمها القضاء لانه مفسد لا يوجب الكفارة أشبه الاكل (فصل) فان أكره الرجل فجامع فسد صومه على الصحيح لانه إذا أفسد صوم المرأة فالرجل أولى، فأما الكفارة فقال القاضي تجب عليه لان الاكراه على الوطئ لا يمكن لانه لا يطأ حتى ينتشر ولا ينتشر إلا عن شهوة فهو كغير المكره، وقال أبو الخطاب فيه روايتان (احداهما) لا كفارة عليه وهو مذهب الشافعي لان الكفارة إما عقوبة أو ماحية للذنب، والمكره غير آثم ولا مذنب، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لامتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (والرواية الثانية) عليه الكفارة لما ذكرنا، فاما إن كان نائما فانتشر فاستدخلته امرأته أو غلبته على نفسه في حال يقظته، فقال ابن عقيل لا قضاء عليه ولا كفارة وهو ظاهر قول أحمد في رواية ابن القاسم ومذهب الشافعي لانه معنى حرمه الصوم حصل بغير اختياره فلم يفطر به كما لو طار إلى حلقه ذبابة، وظاهر كلام أحمد ان عليه القضاء وقد ذكرناه لان الصوم عبادة يفسدها الجماع فاستوى فيه حالة الاختيار والاكراه كالحج، ولا يصح قياس الجماع على غيره في عدم الافساد لتأكده بايجاب الكفارة وأفساد الحج من بين سائر محظوراته والله أعلم (فصل) فان تساحقت امرأتان فسد صومهما إن أنزلتا، فان أنزلت احداهما فسد صومها وحدها دون الاخرى، وهل يكون حكمهما حكم المجامع دون الفرج إذا أنزل أو لا يلزمهما كفارة بحال فيه وجهان مبنيان على ان الجماع من المرأة هل يوجب الكفارة على روايتين، والصحيح انه لا كفارة
[ 60 ]
عليهما لان ذلك ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص عليه فيبقى على الاصل، فان أنزل المجبوب بالمساحقة فحكمه حكم المجامع دون الفرج إذا أنزل والله أعلم
(مسألة) (وان جامع فيما دون الفرج فأنزل أو وطئ بهيمة في الفرج أفطر وفي الكفارة وجهان) إذا جامع فيما دون الفرج عامدا فأنزل فسد صومه بغير خلاف علمناه وهل تجب عليه الكفارة فيه عن أحمد روايتان (احداهما) تجب وبه قال مالك وعطاء والحسن وابن المبارك وإسحاق اختارها الخرقي والقاضي لانه أفطر بجماع فوجبت به الكفارة كالوطئ في الفرج (والثانية) لا كفارة عليه وهو قول أبي حنيفة والشافعي لانه فطر بغير جماع تام أشبه القبلة ولانه لا نص فيه ولا اجماع ولا هو في معنى المنصوص لان الجماع في الفرج أبلغ بدليل تعلق الكفارة به من غير انزال، ويجب به الحد ويتعلق به أثنى عشر حكما فلا يصح القياس عليه ولان العلة في الاصل الجماع بدون الانزال والجماع هنا بدون إنزال غير موجب بالاجماع فلا يصح الاعتبار به وهذه أصح ان شاء الله تعالى (فصل) فان قبل أو لمس فأنزل فسد صومه، وفي الكفارة روايتان أصحهما أنها لا تجب نقلها عنه الاثرم وأبو طالب وأختارها الخرقي وهو قول الشافعي وأبي حنيفة لانه أنزال بغير وطئ أشبه الانزال بتكرار النظر، ولا يصح قياسه على الوطئ دون الفرج لان الاستمتاع بالوطئ فيما دون الفرج أقوى وأبلغ من القبلة لكونه وطأ في الجملة (والثانية) عليه الكفارة نقلها حنبل لانه أنزال عن مباشرة أشبه الانزال بالوطئ دون الفرج، ولا فرق بين كون الموطوءة زوجة أو أجنبية صغيرة أو كبيرة لانه إذا وجب بوطئ الزوجة فبوطئ الاجنبية أولى (فصل) فأما الوطئ في فرج البهيمة فذكر القاضي انه موجب للكفارة، وذكر أبو بكر ذلك عن أحمد نقلها عنه ابن منصور لانه وطئ في فرج موجب للغسل مفسد للصوم أشبه وطئ الآدمية وفيه وجه آخر انه لا يوجب الكفارة ذكره أبو الخطاب لانه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص فانه مخالف لوطئ الآدمية في ايجاب الحد على إحدى الروايتين وفي كثير من أحكامه (مسألة) (وإن جامع في يوم رأى الهلال في ليلته وردت شهادته فعليه القضاء والكفارة وهو
[ 61 ]
قول الشافعي، وقال أبو حنيفة لا تجب لانها عقوبة فلم تجب بفعل مختلف فيه كالحد) ولنا أنه أفطر يوما من رمضان بجماع فوجبت عليه الكفارة كما لو قبلت شهادته، ولا نسلم ان
الكفارة عقوبة ثم قياسهم ينتقض بوجوب الكفارة بالجماع في السفر القصير مع وقوع الخلاف فيه (مسألة) (وإن جامع في يومين ولم يكفر فهل يلزمه كفارة أو كفارتان على وجهين) إذا جامع مرتين ولم يكفر عن الاول فان كان في يوم واحد أجزأته كفارة واحدة بغير خلاف وإن كان في يومين ففيه وجهان (أحدهما) تجرئه كفارة واحدة وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار أبي بكر، واليه ذهب الزهري والاوزاعي وأصحاب الرأي لانها جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها فيجب أن تتداخل كالحد (والثاني) يلزمه كفارتان اختاره القاضي وهو قول مالك والليث والشافعي وابن المنذر، وروي عن عطاء ومكحول لان كل يوم عبادة مفردة، فإذا وجبت الكفارة بافساده لم يتداخل كرمضانين وكالحجتين (مسألة) (وإن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه فعليه كفارة ثانية نص عليه، وكذلك كل من لزمه الامساك إذا جامع) إذا كفر ثم جامع ثانية فان كان في يومين فعليه كفارة ثانية بغير خلاف نعلمه، وإن كان في يوم واحد فكذلك نص عليه احمد، وهكذا يخرج في كل من لزمه الامساك وحرم عليه الجماع في نهار رمضان، وإن لم يكن صائما كمن لم يعلم برؤية الهلال إلا بعد طلوع الفجر أو نسي النية أو أكل عامدا ثم جامع، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا شئ عليه بذلك الجماع لانه لم يصادف الصوم ولم يمنع صحته فلم يوجب شيئا كالجماع في الليل ولنا أنها عبادة تجب الكفارة بالجماع فيها فتكررت بتكرر الوطئ إذا كان بعد التكفير كالحج ولانه وطئ محرم لحرمة رمضان فأوجب الكفارة كالاول وفارق الوطئ في الليل لانه مباح، فان قيل الوطئ الاول تضمن هتك الصوم وهو مؤثر في الايجاب فلا يصح قياس غيره عليه قلنا هو ملغى بمن
[ 62 ]
طلع عليه الفجر وهو مجامع فاستدام فانه يلزمه الكفارة مع أنه لم يهتك الصوم (فصل) وإذا بلغ الصبي أو أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو طهرت حائض، أو نفساء، أو قدم
المسافر مفطرا في نهار رمضان فقد ذكرنا في وجوب الامساك عليهم روايتين، فان قلنا بوجوب الامساك وجبت الكفارة على المجامع، وإن قلنا لا يجب فلا شئ عليهم لان الفطر مباح لهم أشبه المجامع بالليل، فأما أن نوى الصوم في مرضه، أو سفره، أو صغره ثم زال عذره في أثناء النهار لم يجز له الفطر رواية واحدة وعليه الكفارة إن وطئ، وقال بعض الشافعية في المسافر خاصة وجهان (أحدهما) له الفطر لانه أبيح له الفطر ظاهرا وباطنا في أول النهار فكانت له أستدامته كما لو قدم مفطرا ولا يصح ذلك لان سبب الرخصة زال قبل الترخص فلم يكن له ذلك كما لو قدمت به السفينة قبل قصر الصلاة وكالصبي يبلغ والمريض يبرأ وهذا ينقض ما ذكروه وما قاسوا عليه ممنوع، ولو علم الصبي أنه يبلغ في أثناء النهار بالسن، أو علم المسافر أنه يقدم لم يلزمهما الصيام قبل زوال عذرهما لان سبب الرخصة موجود فثبت حكمها كما لو لم يعلما ذلك (مسألة) (وإن جامع وهو صحيح ثم مرض، أو جن، أو سافر لم تسقط عنه) إذا جامع في أول النهار ثم مرض، أو جن، أو كانت أمرأة فحاضت أو نفست في أثناء النهار لم تسقط الكفارة، وبه قال مالك والليث وابن الماجشون واسحاق، وقال أصحاب الرأي لا كفارة عليهم، وللشافعي قولان كالمذهبين واحتجوا بأن صوم هذا اليوم خرج عن كونه مستحقا فلم يجب بالوطئ فيه كفارة كصوم المسافر أو كما لو تبين أنه من شوال ولنا أنه معنى طرأ بعد وجوب الكفارة فلم يسقطها كالسفر، ولانه افسد صوما واجبا من رمضان بجماع تام فاستقرت الكفارة عليه كما لو لم يطرأ العذر والوطئ في صوم المسافر ممنوع، وإن سلم فالوطئ
[ 63 ]
ثم مباح لانه في صوم أبيح الفطر فيه بخلاف مسئلتنا، وكذا إذا تبين أنه من شوال لانه تبين أن الوطئ لم يصادف رمضان، والموجب انما هو الوطئ المفسد لصوم رمضان، فأما إن جامع في نهار رمضان ثم سافر في أثناء النهار لم تسقط الكفارة لانه يفضي إلى أن كل من جامع أمكنه اسقاط الكفارة عنه بالسفر في النهار وهو غير جائز (فصل) إذا طلع الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع فعليه القضاء والكفارة، وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجب القضاء دون الكفارة لان وطأه لم يصادف صوما صحيحا فلم يوجب
الكفارة كما لو ترك النية وجامع ولنا أنه ترك صوم رمضان بجماع أثم به لحرمة الصوم فوجبت به الكفارة كما لو وطئ بعد طلوع الفجر وما قاسوا عليه ممنوع، فأما إن نزع في الحال مع أول طلوع الفجر فقال ابن حامد والقاضي عليه الكفارة لان النزع جماع يلتذ به أشبه الايلاج، وقال أبو حفص لا قضاء عليه ولا كفارة وهو قول أبي حنيفة والشافعي لانه ترك الجماع فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع كما لو حلف لا يدخل دارا وهو فيها فخرج منها وقال مالك يبطل صومه ولا كفارة عليه لانه لا يقدر على أكثر مما فعله من ترك الجماع أشبه المكره (قال شيخنا) وهذه المسألة تقرب من الاستحالة إذ لا يكاد يعلم أول طلوع الفجر على وجه يتعقبه النزع من غير أن يكون قبله شئ من الجماع فلا حاجة إلى فرضها والكلام فيها (فصل) ومن جامع يظن أن الفجر لم يطلع فتبين أنه كان طلع فعليه القضاء والكفارة، وقال
[ 64 ]
بعض الشافعية لا كفارة عليه، ولو علم في أثناء الوطئ فاستدام ذلك فلا كفارة عليه أيضا لانه إذا لم يعلم لم يأثم أشبه الناسي، وإن علم فاستدام فقد حصل الذي أثم به في غير صوم ولنا حديث المجامع حيث أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة ولم يستفصل، ولانه أفسد صوم رمضان بجماع تام فوجبت عليه الكفارة كما لو علم، ووطئ الناسي ممنوع ثم إنه لا يحصل به الفطر على الرواية الاخرى (مسألة) (وإن نوى الصوم في سفره ثم جامع فلا كفارة عليه وعنه عليه الكفارة) إذا نوى الصوم في سفره ثم أفطر بالجماع ففي الكفارة روايتان (احداهما) تجب اختارها القاضي لانه أفطر بجماع فلزمته الكفارة كالحاضر (والثانية) لا كفارة عليه اختارها شيخنا وهي الصحيحة وهو مذهب الشافعي لانه صوم لا يجب المضي فيه فلم تجب الكفارة بالجماع فيه كالتطوع وفارق الحاضر الصحيح فانه يجب عليه المضي في الصوم، وإن كان مريضا يباح له الفطر فهو كالمسافر قياسا عليه، ولانه يفطر بنية الفطر فيقع الجماع بعد حصول الفطر أشبه مالو أكل ثم جامع، ومتى أفطر المسافر فله فعل جميع ما ينافي الصوم من الاكل والشرب والجماع وغيره لان حرمتها بالصوم فيزول بزواله كمجئ الليل
(مسألة) (ولا تجب الكفارة بغير الجماع في نهار رمضان) إذا جامع من غير صوم رمضان لم تجب عليه الكفارة في قول جمهور العلماء وقال قتادة تجب على من وطئ في قضاء رمضان لانه عبادة تجب الكفارة في آدائها فوجبت في قضائها كالحج ولنا انه جامع في غير رمضان فلم يلزمه كفارة كما لو جامع في صيام الكفارة والقضاء يفارق الآداء لانه متعين بزمان محترم فالجماع فيه هتك له بخلاف القضاء (فصل) ولا تجب الكفارة بافساد الصوم بغير الجماع وعن أحمد في المحتجم ان كان عالما بالنهي فعليه الكفارة وقال عطاء في المحتجم عليه الكفارة وقال مالك تجب الكفارة بكل ما كان هتكا للصوم الا الردة قياسا على الافطار بالجماع وحكي عن عطاء والحسن والزهري والثوري والاوزاعي وإسحاق أن الفطر بالاكل والشرب يوجب ما يوجب الجماع وبه قال أبو حنيفة الا انه اعتبر ما يتغذى به أو يتداوى به فلو ابتلع حصاة أو نواة أو فستقة بقشرها فلا كفارة عليه واحتج بأنه أفطر بأعلى ما في الباب من جنسه فوجبت عليه الكفارة كالمجامع ولنا أنه أفطر بغير جماع فلم يوجب الكفارة كبلع الحصاة وكالردة عند مالك، ولانه لا نص في إيجاب الكفارة بهذا ولا اجماع، ولا يصح قياسه على الجماع لان الحاجة إلى الزجر عنه أمس والحكمة
[ 65 ]
في التعدي به آكد، ولهذا يجب به الحد إذا كان محرما، ويختص بافساد الحج دون سائر محظوراته ويفسد صوم اثنين في الغالب دون غيره (مسألة) (والكفارة عتق رقبة، فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا) ظاهر المذهب أن كفارة الوطئ في رمضان مرتبة ككفارة الظهار يلزمه العتق، فان عجز عنه أنتقل إلى الصيام، فان عجز انتقل إلى الاطعام المذكور وهذا قول أكثر العلماء منهم الثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية أخرى أنها على التخيير بين هذه الثلاثة فبأيها كفر أجزأه وهي رواية مالك لما روى مالك وابن جريج عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين
أو اطعام ستين مسكينا وأو حرف تخيير، ولانها تجب بالمخالفة فكانت على التخيير ككفارة اليمين وعن مالك رواية أخرى أنه قال: الذي نأخذ به في الذي يصيب أهله في شهر رمضان اطعام ستين مسكينا وصيام ذلك اليوم، وليس التحرير والصيام من كفارة رمضان في شئ، وهذا القول مخالف للحديث الصحيح مع أنه ليس له أصل يعتمد عليه ولا شئ يستند إليه، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع، ووجه الرواية الاولى الحديث الصحيح روه معمر ويونس والاوزاعي والليث وموسى بن عقبة
[ 66 ]
وعبيد الله بن عمر وعراك بن مالك وغيرهم عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للواقع على أهله " هل تجد رقبة تعتقها " قال لا، قال " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال لا، قال " فهل تجد اطعام ستين مسكينا؟ " قال لا وذكر سائر الحديث وهذا لفظ الترتيب والاخذ به أولى من رواية مالك لان أصحاب الزهري اتفقوا على روايته هكذا سوى مالك وابن جريج فيما علمنا، واحتمال الغلط فيهما أكثر من احتماله في سائر أصحابه ولان الترتيب زيادة والاخذ بالزيادة متعين، ولان حديثنا لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وحديثهم لفظ الراوي ويحتمل أنه رواه بأو لاعتقاده أن معنى اللفظين سواء ولانها كفارة فيها صوم شهرين متتابعين فكانت مرتبة كالظهار والقتل (فصل) فعلى هذه الرواية إذا عدم الرقبة انتقل إلى الصوم المذكور ولا نعلم خلافا في دخول الصوم في هذه الكفارة إلا قولا شاذا يخالف السنة الثابتة وقد ذكرناه، ولا خلاف بين من أوجبه أنه شهران متتابعان للخبر، فان لم يشرع في الصيام حتى وجد الرقبة لزمه العتق لان النبي صلى الله عليه وسلم سأل المواقع عما يقدر عليه حين أخبره بالتق ولم يسأله عما كان يقدر عليه حالة المواقعة وهي حالة الوجوب ولانه وجد المبدل قبل التلبس بالبدل فلزمه كما لو وجده حال الوجوب، وإن شرع في الصوم قبل القدرة على الاعتاق ثم قدر عليه لم يلزمه الخروج إليه إلا أن يشاء أن يعتق فيجرئه ويكون قد فعل
[ 67 ]
الاولى، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: يلزمه العتق لانه قدر على الاصل قبل أداء فرضه بالبدل فبطل حكم البدل كالمتيمم يرى الماء
ولنا أنه شرع في الكفارة الواجبة عليه فاجزأته كما لو استمر العجز وفارق العتق التيمم لوجهين (أحدهما) أن التيمم لا يرفع الحدث وانما يستره فإذا وجد الماء ظهر حكمه، بخلاف الصوم فانه يرفع حكم الجماع بالكلية (الثاني) أن الصيام تطول مدته فيشق الزامه الجمع بينه وبين العتق بخلاف الوضوء والتيمم (فصل) (فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا) قال شيخنا رحمه الله ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في دخول الاطعام في كفارة الوطئ في رمضان في الجملة وهو مذكور في الخبر، ولانه اطعام في كفارة فيه صوم شهرين متتابعين فكان ستين مسكينا ككفارة الظهار، وقدر المطعم خمسة عشر صاعا من البر لكل مسكين مد وهو ربع الصاع أو ثلاثين صاعا من التمر أو الشعير لكل مسكين نصف صاع، قال أبو حنيفة من البر لكل مسكين نصف صاع ومن غيره صاع لكل مسكين لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سلمة بن صخر " فاطعم وسقا من تمر " رواه أبو داود، وقال أبو هريرة يطعم مدا من أي الانواع شاء، وبهذا قال عطاء والاوزاعي
[ 68 ]
والشافعي لما روى أبو هريرة في حديث المجامع أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بمكتل من تمر قدره خمسة عشر صاعا فقال " خذ هذا فاطعمه عنك " رواه أبو داود ولنا ما روى أحمد: حدثنا اسماعيل ثنا أيوب عن أبي زيد المدني قال جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أطعم هذا فان مدي شعير مكان مد بر " ولان فدية الاذى
[ 69 ]
نصف صاع من التمر والشعير بلا خلاف فكذا هذا والمد من البر يقوم مقام نصف صاع من غيره بدليل هذا الحديث ولانه قول ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وزيد ولا مخالف لهم من الصحابة وأما حديث سلمة بن صخر فقد اختلف فيه وحديث أصحاب الشافعي يجوز أن يكون الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم قاصرا عن الواجب فاجتزئ به لعجز المكفر عن ما سواه (مسألة) (فان لم يجد سقطت عنه، وعنه لا نسقط وعنه أن الكفارة على التخيير فبأيها كفر أجزأه)
ظاهر المذهب أن المجامع في رمضان إذا عجز عن العتق والصيام والاطعام أن الكفارة تسقط عنه وهذا قول الاوزاعي وقال الزهري لابد من التكفير بدليل أن الاعرابي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم باعساره قبل أن يدفع إليه العرق ولم يسقطها عنه ولانها كفارة واجبة فلم تسقط بالفجر عنها كسائر الكفارات وهذه الرواية الثانية عن احمد وهو قياس أبي حنيفة والثوري وأبي ثور وعن الشافعي كالمذهبين ولنا أن الاعرابي لما دفع إليه النبي صلى الله عليه وسلم التمر فأخبره بحاجته قال " اطعمه أهلك " ولم يأمره بكفارة أخرى قولهم إنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعجزه فلم يسقطها، قلنا قد أسقطها عنه بعد ذلك وهذا آخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما القياس على سائر الكفارات فلا يصح لمخالفته النص والاعتبار بالعجز في حالة الوجوب وهو حالة الوطئ
[ 70 ]
باب ما يكره وما يستحب وحكم القضاء (مسألة) (ويكره للصائم أن يجمع ريقه فيبلعه وأن يبتلع النخامة وهل يفطر بهما على وجهين) لا يفطر ابتلاع الريق إذا لم يجمعه بغير خلاف نعلمه لانه لا يمكن التحرز منه أشبه غبار الطريق ويكره للصائم جمع ريقه وابتلاعه لامكان التحرز منه فان جمعه ثم أبتلعه قصدا لم يفطره لانه يصل إلى جوفه من معدته أشبه إذا لم يجمعه وفيه وجه آخر أنه يفطره لانه أمكنه التحرز منه أشبه ما لو قصد ابتلاع غبار الطريق والاول أصح فان الريق لا يفطر إذا لم يجمعه وان قصد ابتلاعه فكذلك إذا جمعه بخلاف غبار الطريق فان خرج ريقه إلى ثوبه أو بين أصابعه أو بين شفتيه ثم عاد فابتلعه أو بلع ريق غيره أفطر لانه ابتلعه من غير فمه أشبه غير الريق فان قيل فقد روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها رواه أبو داود قلنا قد روى عن أبي داود أنه قال هذا إسناد ليس بصحيح ويجوز أن يكون يقبل في الصوم ويمص لسانها في غيره ويجوز أن يمصه ثم لا يبتلعه ولانه لم يتحقق انفصال ما على لسانها من البلل إلى فمه فاشبه ما لو ترك حصاة مبلولة في فيه أو لو تمضمض بماء ثم مجه ولو ترك في فمه حصاة أو درهما فاخرجه وعليه بلة من الريق ثم أعاده في فيه نظرت فان كان ما عليه من الريق
[ 71 ]
كثيرا فابتلعه أفطر وان كان يسيرا لم يفطر بابتلاع ريقه وقال بعض أصحابنا يفطر لابتلاعه ذلك البلل الذي كان على الجسم ولنا أنه لا يتحقق انفصال ذلك البلل ودخوله إلى حلقه كالمضمضة والتسوك بالسواك الرطب والمبلول ويقوي ذلك حديث عائشة في مص لسانها ولو أخرج لسانه وعليه بلة ثم عاد فأدخله وابتلع ريقه لم يفطر (فصل) وان ابتلع النخامة فقد روى حنبل قال سمعت ابا عبد الله يقول إذا تنخم ثم أزدرده فقد أفطر لان النخامة تنزل من الرأس والريق من الفم ولو تنخع من جوفه ثم أزدرده أفطر وهذا مذهب الشافعي لانه امكن التحرز منها اشبه الدم ولانها من غير الفم اشبه القئ وفيه رواية اخرى لا يفطر فانه قال في رواية المروذي ليس عليك قضاء إذا ابتلعت النخاعة وانت صائم لانه معتاد في الفم اشبه الريق (فصل) فان سال فمه دما أو خرج إليه قلس أو قئ فازدرده افطر وان كان يسيرا لان الفم في حكم الظاهر والاصل حصول الفطر بكل واصل منه لكن عفى عن الريق لعدم امكان التحرز منه فيبقى فيما عداه على الاصل وان القاه من فيه وبقى فمه نجسا أو تنجس فمه بشئ من خارج فابتلع ريقه فان كان معه جزء من المنجس افطر بذلك الجزء والا فلا (مسألة) (ويكره ذوق الطعام وان وجد طعمه في حلقه افطر)
[ 72 ]
قال احمد احب إلي أن يجتنب ذوق الطعام فان فعل لم يضره، وقال ابن عقيل يكره من غير حاجة لانه ربما دخل حلقه فأفطر ولا بأس به مع الحاجة لقول ابن عباس لا بأس ان يذوق الطعام الخل والشئ يريد شراءه والحسن كان يمضغ الجوز لابن ابنه وهو صائم ورخص فيه ابراهيم فان فعل فوجد طعمه في حلقه افطر والا لم يفطر (فصل) ولا بأس بالسواك للصائم قبل الزوال قال احمد لا بأس به لما روى عامر بن ربيعة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مالا احصى يتسوك وهو صائم حديث حسن ولكنه يكون عودا ذاوي وهل يكره السواك للصائم بعد الزوال على روايتين ذكرناهما في باب الوضوء ويكره للصائم السواك
بالعود الرطب في إحدى الروايتين وهو قول قتادة والشعبي واسحاق ومالك في رواية لانه مغرر بصومه لكونه ربما يتحلل منه اجزاء تصل إلى حلقه فيفطره وعنه لا يكره، وهو قول الثوري وأبي حنيفة لانه يروى عن علي وابن عمر وعروة ومجاهد ولما روينا من الحديث والله اعلم (مسألة) (ويكره مضغ العلك الذي لا يتحلل منه اجزاء ولا يجوز مضغ ما يتحلل منه اجزاء الا ان لا يبلع ريقه وان وجد طعمه في حلقه افطر)
[ 73 ]
المنقول عن احمد رحمه الله كراهة مضغ العلك قال اسحاق بن منصور قلت لاحمد الصائم يمضغ العلك؟ قال لا وقال اصحابنا العلك ضربان (احدهما) ما يتحلل منه اجزاء وهو الردئ الذي يتحلل بالمضغ فلا يجوز مضغه الا ان لا يبلع ريقه فان فعل فنزل إلى حلقه منه شئ افطر به كما لو تعمد اكله (والثاني) القوي الذي يصلب بالمضغ فهذا يكره مضغه ولا يحرم، وممن كرهه الشبعي والنخعي ومحمد بن علي والشافعي وأصحاب الرأي، وذلك لانه يحلب الفم ويجمع الريق ويورث العطش، ورخصت عائشة في مضغه، وبه قال عطاء لانه لا يصل إلى الجوف منه شئ فهو كوضع الحصاة في فيه ومتى مضغه ولم يجد طعمه في حلقه لم يفطر، وإن وجد طعمه في حلقه ففيه وجهان (أحدهما) يفطره كالكحل إذا وجد طعمه في حلقه (والثاني) لا يفطره لانه لا يترك منه شئ، ومجرد الطعم لا يفطر بدليل أنه قد قيل إن من لطخ باطن قدمه بالحنظل وجد طعمه ولا يفطر بخلاف الكحل فان أجزاءه تصل إلى الحلق ويشاهد إذا تنخع. قال احمد: من وضع في فيه درهما أو دينارا وهو صائم فلا بأس به ما لم يجد طعمه في حلقه وما يجد طعمه فلا يعجبني، وقال عبد الله سألت أبي عن الصائم يفتل الخيوط قال يعجبني أن يبزق
[ 74 ]
(مسألة) (وتكره القبلة إلا أن يكون ممن لا تحرك شهوته في احدى الروايتين) وجملته أن المقبل لا يخلو من ثلاثة أقسام:
(أحدها) أن يكون ذا شهوة مفرطة يغلب على ظنه أنه إذا قبل أنزل أو مذى فهذا تحرم عليه القبلة لانها مفسدة لصومه (1) أشبهت الاكل (الثاني) أن يكون ذا شهوة لكنه لا يغلب على ظنه ذلك فيكره له التقبيل لانه يعرض صومه للفطر ولا يأمن عليه الفساد لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فأعرض عني فقلت له ما بالي؟ فقال " انك تقبل وأنت صائم " ولان العبادة إذا منعت الوطئ منعت دواعيه كالاحرام، ولا تحرم القبلة في هذه الحال لما روي أن رجلا قبل وهو صائم فأرسل امرأته فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبل وهو صائم، فقال الرجل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس مثلنا قد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " أني لاخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي " رواه مسلم بمعناه وروي عن عمر أنه قال: هششت فقبلت وأنا صائم فقلت يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما
[ 75 ]
قبلت وأنا صائم قال " أرأيت لو تمضمضت من اناء وأنت صائم " قلت لا بأس به، قال " فمه " رواه أبو داود، ولان افضاءه إلى افساد الصوم مشكوك فيه ولا يثبت التحريم بالشك (الثالث) أن يكون ممن لا تحرك القبلة شهوته كالشيخ الكبير ففيه روايتان (احداهما) لا تكره له وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم لما كان مالكا لاربه وغير ذي الشهوة في معناه، وقد روي أبو هريرة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له، فأتاه آخر فنهاه فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب، أخرجه أبو دواد، ولانها مباشرة لغير شهوة أشهت لمس اليد لحاجة (والثانية) يكره لانه لا يأمن حدوث الشهوة، ولان الصوم عبادة تمنع الوطئ فاستوى في القبلة فيها من تحرك شهوته ومن لا تحرك كالاحرام، فأما اللمس لغير شهوة كلمس اليد ليعرف مرضها ونحوه فليس بمكروه بحال لان ذلك لا يكره في الاحرام أشبه لمس ثوبها (مسألة) (ويجب عليه اجتناب الكذب والغيبة والشتم فان شتم استحب أن يقول اني صائم)
يجب على الصائم أن ينزه صومه عن هذه الاشياء، قال احمد ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من
[ 76 ]
لسانه، ولا يماري ويصرن صومه كانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد فقالوا نحفظ صومنا ولا نغتاب أحدا، ولا يعمل عملا يخرج به صومه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (1) " وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال الله تعالى كل عمل أبن آدم له إلا الصيام فانه لي وأنا أجزي به، الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فان سابه أحد أو قاتله فليقل اني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه " متفق عليهما (2) فصل (مسألة) (ويستحب تعجيل الافطار وتأخير السحور، وأن يفطر على التمر وإن لم يجد فعلى الماء، وأن يقول عند فطره اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك اللهم تقبل مني انك أنت السميع العليم)
[ 77 ]
يستحب تعجيل الافطار وهو قول أكثر أهل العلم لما روى سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر " متفق عليه، وعن أبي عطية قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة فقال مسروق رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما يعجل الافطار ويعجل المغرب والاخر يؤخر الافطار ويؤخر المغرب، قالت من الذي يعجل الافطار ويعجل المغرب، قال عبد الله قالت هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى " أحب عبادي إلي أسرعهم فطرا " قال الترمذي هذا حديث حسن ويستحب أن يفطر قبل الصلاة لما روى أنس قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى يفطر ولو على شربه من ماء. رواه أبن عبد البر
(مسألة) (ويستحب تأخير السحور) الكلام في السحور في امور ثلاثة (أحدها في استحبابه) ولا نعلم بين العلماء خلافا في استحبابه لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تسحروا فان في السحور بركة) متفق عليه وعن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فضل
[ 78 ]
مابين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر " رواه مسلم وعن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فان الله وملائكته يصلون على المتسحرين " رواه الامام احمد. (الثاني في وقته) وقال احمد يعجبني تأخير السحور لما روى زيد بن ثابت قال تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة قلت كم كان قدر ذلك؟ قال خمسين آية متفق عليه وروى العرباض بن سارية قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور فقال " هلم إلى الغداء المبارك " رواه أبو داود سماه غداء لقرب وقته منه ولان المقصود بالسحور التقوي على الصوم وما كان أقرب إلى الفجر كان أعون على الصوم قال أبو داود قال أبو عبد الله إذا شك في الفجر يأكل حتى يستيقن طلوعه وهذا قول ابن عباس وعطاء والاوزاعي قال احمد يقول الله تعالى (فكلوا واشربو حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) وقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يمنعكم من سحوركم اذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن المستطير في الافق " حديث حسن وروى أبو قلابة قال قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو يتسحر يا غلام اخف لا يفجأنا الصبح، وقال رجل لابن عباس اني أتسحر فإذا شككت امسكت فقال ابن عباس كل ما شككت حتى لا تشك
[ 79 ]
فأما الجماع فلا يستحب تأخيره لانه ليس مما يتقوى به وفيه خطر وجوب الكفارة والفطر به (الثالث فيما يتسحر به) كل ما يحصل من أكل، أو شرب حصل به فضيلة السحور لقوله عليه السلام " ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء " وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " نعم سحور المؤمن التمر " (فصل) فيما يستحب أن يفطر عليه، يستحب أن يفطر على رطبات فان لم يكن فعلى تمرات،
فان لم يكن فعلى الماء، لما روى أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فان لم يكن فعلى تمرات، فان لم يكن تمرات حسا حسوات من ماء، رواه أبو داود والترمذي وقال حسن غريب، وعن سليمان بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمرات فان لم يجد فليفطر على الماء فانه طهور " أخرجه أبو داود والترمذي (فصل) روى ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال " اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا أنك أنت السميع العليم " وعن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال " ذهب الظمأ وابتلت العروق، ووجب الاجر إن شاء الله " واسناده حسن ذكرهما الدارقطني (فصل) ويستحب تفطير الصائم لما روي زيد بن خالد الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من فطر صائما فله مثل اجره من غير أن ينقص من اجر الصائم شئ " قال الترمذي حديث حسن صحيح (مسألة) (يستحب التتابع في قضاء رمضان ولا يجب)
[ 80 ]
لا نعلم خلافا في استحاب التتابع في قضاء رمضان لانه أشبه بالاداء، وفيه خروج من الخلاف ولا يجب، هذا قول ابن عباس وأنس بن مالك وأبي هريرة وأبي قلابة ومجاهد وأهل المدينة ومالك وأبي حنيفة والثوري والاوزاعي والشافعي واسحاق وغيرهما وحكي وجوب التتابع عن علي وابن عمر والنخعي والشعي وقال داود يجب ولا يشترط لما روى ابن المنذر باسناده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه " ولقوله تعالى (فعدة من أيام أخر) غير مقيد بالتتابع فان قيل فقد روي عن عائشة أنها قالت نزلت (فعدة من أيام أخر متتابعات) فسقطت متتابعات قلنا هذا لم تثبت عندنا صحته ولو صح فقد سقطت اللفظة المحتج بها وأيضا قول الصحابة قال ابن عمر ان سافر ان شاء فرق وان شاء تابع وروي مرفوعا وقال أبو عبيدة في قضاء رمضان الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد ان يشق عليكم في قضائه وعن محمد بن المنكدر أنه قال بلغني ان رسول الله (ص) سئل عن تقطيع قضاء رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان على احدكم دين فقضاه من الدرهم أو الدرهمين حتى يقضي ما عليه من الدين هل كان ذلك قاضيا دينه؟ قالوا نعم يارسول الله
قال فالله أحق بالعفو والتجاوز منكم " رواه الاثرم ولانه صوم لا يتعلق بزمان بعينه فلم يجب فيه التتابع
[ 81 ]
كالنذر المطلق وخبرهم لم تثبت صحته ولم يذكره أصحاب السنن ولو صح حملناه على الاستحباب جمعا بينه وبين ما ذكرناه والله أعلم (فصل) قال رحمه الله (ولا يجوز تأخير قضاء رمضان إلى رمضان آخر من غير عذر) وجملته ان من عليه صوم من رمضان فله تأخيره ما لم يدخل رمضان آخر لما روت عائشة قالت كان يكون علي الصيام من شهر رمضان فلا أقضيه حتى يجئ شعبان متفق عليه ولا يجوز تأخيره إلى رمضان آخر من غير عذر لان عائشة رضي الله عنها لم تؤخره إلى ذلك ولو أمكنها لاخرته ولان الصوم عبادة متكررة فلم يجز تأخيره عن الثانية كالصلاة المفروضة (مسألة) (فان فعل فعليه القضاء واطعام مسكين لكل يوم) إذا أخر قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر لعذر فليس عليه إلا القضاء لعموم الآية، وإن كان لغير عذر فعليه مع القضاء اطعام مسكين لكل يوم، يروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة ومجاهد وسعيد بن جبير، وبه قال مالك والثوري والاوزاعي والشافعي واسحاق، وقال الحسن والنخعي وأبو حنيفة لافدية عليه لانه صوم واجب فلم يجب عليه في تأخيره كفارة كالاداء والنذر ولنا أنه قول من سمينا من الصحابة ولم يرو عن غيرهم خلافهم وروي مسندا من طريق ضعيف ولان تأخير صوم رمضان عن وقته إذا لم يوجب القضاء أوجب الفدية كالشيخ الكبير (فصل) فان أخره لعذر حتى أدركه رمضانان أو أكثر لم يكن عليه أكثر من فدية مع القضاء لان كثرة التأخير لا يزداد بها الواجب كما لو أخر الحج الواجب سنين لم يكن عليه أكثر من فعله (مسألة) (وإن أخره لعذر فلا شئ عليه وان مات) من مات وعليه صيام من رمضان قبل امكان الصيام إما لضيق الوقت أو لعذر من مرض أو سفر أو عجز عن الصوم فلا شي عليه في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن طاوس وقتادة أنهما قالا يجب الاطعام عنه لانه صوم واجب سقط بالعجز عنه فوجب الاطعام عنه كالشيخ الهم إذا
ترك الصيام لعجزه عنه
[ 82 ]
ولنا أنه حق لله تعالى وجب بالشرع مات من يجب عليه قبل امكان فعله فسقط إلى غير بدل كالحج ويفارق الشيخ الهم فانه يجوز ابتداء الوجوب عليه بخلاف الميت (مسألة) (وإن أخره لغير عذر فمات قبل أن أدركه رمضان آخر أطعم عنه لكل يوم مسكين ومن مات بعد أن أدركه رمضان آخر فهل يطعم عنه لكل يوم مسكين أو اثنان على وجهين) إذا أخر رمضان مع امكان القضاء فمات أطعم عنه لكل يوم مسكين وهذا قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن عائشة وابن عباس، وبه قال مالك والليث والاوزاعي والثوري والشافعي وابن علية وأبو عبيد في الصحيح عنهم، وقال أبو ثور يصيام عنه وهو قول الشافعي لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " متفق عليه، وروي ابن عباس نحوه ولنا ماروى ابن ماجة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا " رواه الترمذي وقال الصحيح عن ابن عمر موقوف، وعن عائشة أيضا قالت يطعم عنه في قضاء رمضان ولا يصام، وعن ابن عباس أنه سئل عن رجل مات وعليه نذر يصوم شهرا وعليه صوم رمضان؟ قال أما رمضان فيطعم عنه، وأما النذر فيصام عنه، رواه الاثرم في السنن، ولان الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة فكذلك بعد الوفاة كالصلاة، فأما حديثهم فهو في النذر لانه قد جاء مصرحا به في بعض الالفاظ كذلك رواه البخاري عن ابن عباس قال: قالت امرأة يارسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفاقضيه عنها؟ قال " أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان
[ 83 ]
يؤدي ذلك عنها " قالت نعم، قال " فصومي عن أمك " وقالت عائشة وابن عباس كقولنا وهما راويا حديثهم فدل على ما ذكرنا
[ 84 ]
(فصل) فان مات المفرط بعد أن أدركه رمضان آخر لم يجب عليه أكثر من اطعام مسكين
لكل يوم نص عليه احمد فيما رواه عنه أبو داود أن رجلا سأله عن امرأة افطرت رمضان ثم أدركها رمضان آخر ثم ماتت قال يطعم عنها قال له السائل كم أطعم؟ قال كم أفطرت؟ قال ثلاثين يوما، قال اجمع ثلاثين مسكينا واطعمهم مرة واحدة وأشبعهم، قال ما أطعمهم؟ قال خبزا ولحما إن قدرت من أوسط طعامكم، وذلك لانه باخراج كفارة واحدة زال تفريطه بالتأخير فصار كما لو مات من غير تفريط وقال أبو الخطاب يطعم عنه لكل يوم مسكينان لان الموت بعد التفريط بدون التأخير عن رمضان آخر يوجب كفارة، والتأخير بدون الموت يوجب كفارة، فإذا اجتمعا وجب كفارتان كما لو فرط في يومين (فصل) واختلفت الرواية عن احمد في جواز التطوع بالصوم ممن عليه صوم فرض فنقل عنه حنبل أنه لا يجوز بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه إن كان عليه نذر صامه يعني بعد الفرض، وروي حنبل باسناده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من صام تطوعا وعليه من رمضان شئ لم يقضه فانه لا يتقبل منه حتى يصومه " ولانه عبادة يدخل في جبرانها المال فلم يصح التطوع قبل اداء فرضها كالحج، وروي عنه أنه يجوز له التطوع لانها عبادة تتعلق بوقت موسع فجاز التطوع في وقتها قبل فعلها
[ 85 ]
كالصلاة يتطوع في وقتها قبل فعلها وعليه يخرج الحج، ولان التطوع بالحج يمنع فعل واجبه المتعين فأشبه صوم التطوع في رمضان على أن لنا في الحج منعا، والحديث يرويه ابن لهيعة وهو ضعيف وفي سياقه ما هو متروك فانه قال في آخره " ومن أدركه رمضان وعليه من رمضان شئ لم يتقبل منه " ويخرج في التطوع بالصلاة في حق من عليه القضاء مثل ما ذكرنا في الصوم، بل عدم الصحة في الصلاة أولى لانها تجب على الفور بخلاف الصوم (فصل) واختلفت الرواية في كراهية القضاء في عشر ذي الحجة فروي أنه لا يكره وهو قول سعيد بن المسيب والشافعي واسحاق لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يستحب قضاء رمضان في العشر ولانه ايام عبادة فلم يكره القضاء فيه كعشر المحرم (والثانية) يكره روي ذلك عن الحسن والزهري لانه يروى عن علي رضي الله عنه أنه كرهه ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما من
ايام العمل الصالح فيها أحب إلى الله سبحانه من هذه الايام " يعني أيام العشر قالوا يارسول الله ولا الجهاد في سبيل الله " قال " ولا الجهاد في سبيل الله الا رجلا خرج بنفسه وماله فلم يرجع بشئ " فاستحب اخلاؤها للتطوع لينال فضيلتها ويجعل القضاء في غيرها وقال بعض اصحابنا هاتان الروايتان مبنيتان على الروايتين في إباحة التطوع قبل صوم الفرض وتحريمه فمن اباحه كره القضاء فيها لتوفيرها على التطوع لينال فضله فيها مع فضل القضاء ومن حرمه لم يكرهه بل استحب فعله فيها لئلا تخلو من
[ 86 ]
العبادة بالكلية قال شيخنا ويقوى عندي ان هاتين الروايتين فرع على إباحة التطوع قبل القضاء أما على رواية التحريم فيكون صومها تطوعا قبل الفرض محرما وذلك أبلغ من الكراهة والله أعلم
[ 87 ]
(مسألة) (ومن مات وعليه صوم منذور أو حج أو اعتكاف فعله عنه وليه وان كانت صلاة منذورة فعلى روايتين) وجملة ذلك ان من مات وعليه صوم نذر ففعله عنه وليه اجزأ عنه وهذا قول ابن عباس والليث وأبي عبيد وأبي ثور وقال مالك والليث والاوزاعي والثوري وابن علية يطعم عنه لما ذكرنا في صوم رمضان
[ 88 ]
ولنا الاحاديث الصحيحة التي رويناها من قبل هذا وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم احق بالاتباع وفيها غنى عن كل قول والفرق بين النذر وغيره ان النيابة تدخل العبادة بحسب خفتها والنذر أخف حكما لكونه لم يجب بأصل الشرع وانما أوجبه الناذر على نفسه
[ 89 ]
(فصل) ولا يجب على الولي فعله لان النبي صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين ولا يجب على الولي قضاء دين الميت إذا لم يخلف تركة كذلك هذا لكن يستحب له أن يصوم عنه لتفريغ ذمته وكذلك يستحب له قضاء الدين عنه ولا يختص ذلك بالولي بل كل من قضاه عنه وصام عنه أجزأ لانه تبرع فأما الاعتكاف
[ 90 ]
فلا يجب الا بالنذر فمن مات وعليه اعتكاف واجب فقضاه وليه اجزأ قياسا على الصوم ولان الكفارة تجب بتركه في الجملة أشبه الصوم وأما الحج فتجوز النيابة فيه عند العجز عنه وان يفعله عنه غيره في
[ 91 ]
حال الحياة فبعد الموت أولى ولا فرق في الحج بين النذر وحجة الاسلام لحديث الخثعمية الذي يذكر في الحج ان شاء الله تعالى وغيره من الاحاديث (فصل) وفي الصلاة المنذورة روايتان (احداهما) حكمها حكم الصوم فيما ذكرنا قياسا عليه
[ 92 ]
(والثانية) لا يجزئ عنه فعل الولي لانها عبادة بدنية محضة لا يدخل المال في جبرانها بحال فلا يصح قياسها على الصوم فعلى هذا يكفر عنه كفارة يمين لتركه النذر والله تعالى أعلم وسوف نذكره في النذر بابسط من هذا ان شاء الله تعالى
[ 93 ]
(باب صوم التطوع) (مسألة) (وافضله صيام داود عليه السلام كان يصوم يوما ويفطر يوما) لما روى عبد الله بن عمرو ان النبي صلى الله عليه وسلم قال " له صم يوما وافطر يوما فذلك صيام داود وهو
[ 94 ]
افضل الصيام " فقلت اني اطيق افضل من ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا افضل من ذلك " متفق عليه (مسألة) (ويستحب صيام ايام البيض من كل شهر وصوم الاثنين والخميس) صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب لا نعلم فيه خلافا بدليل ما روى أبو هريرة قال وصاني
[ 95 ]
خليلي بثلاث صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وإن أوتر قبل ان أنام، وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له " صم ثلاثة أيام فان الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر " متفق عليهما
[ 96 ]
ويستحب أن يجعل هذه الثلاثة أيام والبيض هي ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس لما روى أبو ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاث عشرة واربع
[ 97 ]
عشرة وخمس عشرة " قال الترمذي هذا حديث حسن وروى النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعرابي كل قال اني صائم قال " صوم ماذا؟ " قال صوم ثلاثة أيام من الشهر قال " ان كنت صائما فعليك بالغر البيض
[ 98 ]
ثلاث عشرة واربع عشرة وخمس عشرة " وعن ملحان القيسي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة واربع عشرة وخمس عشرة، وقال هو كهيئة الدهر رواه أبو داود وسميت
[ 99 ]
أيام البيض لا بيضاض ليلها والتقدير ايام الليالي البيض وذكر أبو الحسن التميمي أن الله سبحانه تاب
[ 100 ]
على آدم فيها وبيض صحيفته وروى أسامة بن زيد أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين والخميس
[ 101 ]
فسئل عن ذلك فقال " ان اعمال الناس تعرض يوم الاثنين والخميس " رواه أبو داود وفي لفظ فاحب
[ 102 ]
أن يعرض عملي وانا صائم (مسألة) (ومن صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر) صوم ستة أيام من شوال مستحب عند كثير من أهل العلم، روي عن كعب الاحبار والشعبي وميمون بن مهران والشافعي وكرهه مالك وقال: ما رأيت أحدا من أهل الفقه صومها ولم يبلغني ذلك
[ 103 ]
عن أحد من السلف، وان أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وأن يلحق برمضان ما ليس منه ولنا ما روى أبو أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صام رمضان واتبعه ستا من شوال
فكأنما صام الدهر " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن، قال أحمد هو من ثلاثة أوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجري مجرى التقديم لرمضان لان يوم العيد فاصل وروى سعيد باسناده عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صام رمضان شهر بعشرة اشهر وصام ستة ايام بعد الفطر وذلك تمام سنة " يعني أن الحسنة بعشر أمثالها فالشهر بعشرة والستة بستين يوما فذلك سنة كاملة فان قيل فالحديث لا يدل على فضيلتها لانه شبه صيامها بصيام الدهر وهو مكروه قلنا: انما كره صوم الدهر لما فيه من الضعف والتشبه بالتبتل لولا ذلك لكان فضلا عظيما لاستغراقه الزمان بالعبادة والطاعة والمراد بالخبر التشبيه به في حصول العبادة به على وجه لا مشقة فيه كما قال عليه السلام " من صام ثلاثة أيام من كل شهر كان كمن صام الدهر " مع ان ذلك لا يكره بل يستحب بغير خلاف وكذلك نهى عبد الله بن عمرو عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث وقال " من قرأ (قل هو الله أحد) فكأنما قرأ ثلث القرآن " أراد التشبيه بثلث القرآن في الفضل لا في كراهة الزيادة عليه. إذا ثبت هذا فلا فرق بين كونها متتابعة أو متفرقة في اول الشهر أو في آخره لان الحديث ورد مطلقا من غير تقييد ولان فضيلتها لكونها تصير مع الشهر عشر السنة والحسنة بعشر أمثالها فيكون كانه صام السنة كلها فإذا وجد ذلك في كل سنة صار
[ 104 ]
كصيام الدهر كله وهذا المعنى يحصل مع التفريق والله أعلم (مسألة) وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة ويوم عرفة كفارة سنتين ولا يستحب لمن كان بعرفة صيام هذين اليومين مستحب لما روي أبو قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في صيام عرفة " أني احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده " وقال في صيام عاشوراء " أني احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله " أخرجه مسلم (فصل) يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم هذا قول سعيد بن المسيب والحسن لما روي ابن عباس قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح وروى عن ابن عباس أنه التاسع وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم التاسع أخرجه مسلم بمعناه وروي عنه عطاء أنه قال صوموا التاسع والعاشر ولا تشبهوا باليهود فعلى هذا يستحب صوم
التاسع والعاشر نص عليه احمد وهو قول اسحاق وقال احمد فان اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام وانما يفعل ذلك ليحصل له التاسع والعاشر يقينا (فصل) واختلف في صوم عاشوراء هل كان واجبا فذهب القاضي إلى أنه لم يكن واجبا وقال هذا قياس المذهب واستدل بأمرين (أحدهما) أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من لم يأكل بالصوم والنية في الليل شرط في الواجب
[ 105 ]
(والثاني) أنه لم يأمر من أكل بالقضاء ويشهد لهذا ما روى معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ان هذا يوم عاشوراء لم يكتب الله عليكم صيامه فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر " وهو حديث صحيح وروي عن أحمد أنه كان مفروضا لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صامه وأمر بصيامه فلما افترض رمضان كان هو الفريضة وترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه حديث صحيح وحديث معاوية محمول على أنه أراد ليس هو مكتوبا عليكم الآن، وأما تصحيحه بنية من النهار وترك الامر بقضائه فيحتمل أن يقول من لم يدرك اليوم بكماله لم يلزمه قضاؤه كما قلنا فيمن أسلم وبلغ في اثناء يوم من رمضان على أنه قد روى أبو داود ان أسلم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال " صمتم يومكم هذا؟ " قالوا لا قال " فأتموا يقية يومكم واقضوه " (فصل) فأما يوم عرفة فهو اليوم التاسع من ذي الحجة لا نعلم فيه خلافا سمي بذلك لان الوقوف بعرفة فيه وقيل سمي بذلك لان ابراهيم عليه السلام أري في المنام ليلة التروية أنه يؤمر بذبح ابنه فأصبح يومه يتروى هل هذا من الله أو حلم فسمي يرم التروية فلما كانت الليلة الثانية رآه أيضا فأصبح فعرف أنه من الله فسمي يوم عرفة وهو يوم شريف عظيم وفضله كبير
[ 106 ]
(فصل) ولا يستحب لمن كان بعرفة أن يصومه ليتقوى على الدعاء عند اكثر أهل العلم وكانت عائشة وابن الزبير يصومانه، وقال قتادة لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء، وقال عطاء أصوم في الشتاء ولا أصوم في الصيف لان كراهة صومه انما هي معللة بالضعف عن الدعاء فإذا قوي عليه أو كان
في الشتاء لم يضعف فتزول الكراهة ولنا ما روي عن أم الفضل بنت الحارث أن ناسا تماروا بين يديها يوم عرفة في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم صائم وقال بعضهم ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره، بعرفات فشربه النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليه، وقال ابن عمر حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصمه يعني يوم عرفة ومع أبي بكر فلم يصمه ومع عمر فلم يصمه ومع عثمان فلم يصمه وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه، قال الترمذي حديث حسن وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة رواه أبو داود لان الصوم يضعفه ويمنعه من الدعاء في هذا اليوم المعظم الذي يستجاب فيه الدعاء في ذلك الموقف الشريف الذي يقصد من كل فج عميق رجاء فضل الله فيه واجابه دعائه فكان تركه أفضل
[ 107 ]
(مسألة) (ويستحب صيام عشر ذي الحجة) أيام عشر ذي الحجة كلها شريفة مفضلة يضاعف العمل الصالح فيها ويستحب صومها والاجتهاد في العبادة فيها لما روى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الايام يعني أيام العشر قالوا يارسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال " ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشئ " حديث حسن صحيح، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما من أيام احب إلى الله بأن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر " اخرجه الترمذي وقال غريب، وروى أبو داود عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء (مسألة) (وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم) وذلك لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن (مسألة) (ويكره افراد رجب بالصوم) قال احمد ان صام رجل افطر فيه يوما أو اياما بقدر ما لا يصومه كله وذلك لما روى احمد
باسناده عن خرشة ابن الحر قال رأيت عمر يضرب اكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام ويقول كلوا فانما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية، وباسناده عن ابن عمر أنه كان إذا رأى الناس وما يعدونه لرجب كرهه وقال صوموا منه وافطروا وعن ابن عباس نحوه، وباسناده عن أبي بكرة انه دخل على أهله وعندهم سلال جدد وكيزان فقال ما هذا؟ فقالوا رجب نصومه فقال أجعلتم رجب رمضان فاكفأ السلال وكسر الكيزان قال احمد من كان يصوم السنة صامه والا فلا يصومه متواليا بل يفطر فيه لاو يشبهه برمضان (مسألة) (ويكره افراد يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الشك ويوم النيروز والمهرجان ألا أن يوافق عادة) وجملته انه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم الا أن يوافق عادة مثل من يصوم يوما ويفطر يوما فيوافق صومه يوم الجمعة أو من عادته صومه أول يوم الشهر أو آخره أو يوم لضعفه ونحو ذلك نص
[ 108 ]
عليه احمد في رواية الاثرم قال قيل لابي عبد الله صيام يوم الجمعة فذكر حديث النهي ان يفرد ثم قال الا ان يكون في صيام كان يصومه، أما ان يفرد بفلا قال قلت رجل كان يصوم يوما ويفطر يوما فوقع فطره يوم الخميس وصومه يوم الجمعة وفطره يوم السبت فصام الجمعة مفردا فقال هذا الآن لم يتعمد صومه خاصة انما كره ان يتعمد الجمعة، وقال أبو حنيفة ومالك لا يكره افراد الجمعة لانه يوم فأشبه سائر الايام. ولنا ما روى أبو هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يصومن احدكم يوم الجمعة الا ان يصوم يوما قبله أو يوما بعده " وقال محمد بن عباد سألت جابرا: انهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة؟ قال نعم متفق عليهما وعن جويرية بنت الحرث ان النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال " صمت امس؟ " قالت لا قال " اتريدين ان تصومي غدا؟ " قال لا قال " فافطري " رواه البخاري وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم احق ان تتبع وهذا الحديث يدل على ان المكروه افراده لانه نهيه معلل بكونها لم تصم أمس ولا غدا
(فصل) ويكره افراد يوم السبت بالصوم ذكره أصحابنا لما روى عبد الله بن بسر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم " قال الترذي هذا حديث حسن، وروي أيضا عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فان لم يجد أحدكم إلا لحاء من عنب أو عود شجرة فليمضغه " رواه أبو داود قال اسم أخت عبد الله بن بسر هجيمة أو جهيمة، قال الاثرم قال أبو عبد الله: أما صيام يوم السبت ينفرد به، فقد جاء فيه حديث الصماء والمكروه افراده فان صام معه غيره لم يكره لحديث أبي هريرة وجويرية، وإن وافق صوما لانسان لم يكره لما قدمناه (فصل) ويكره صيام يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مصحية ولم يروا الهلال الا أن يوافق صوما كان يصومه كمن عادته صوم يوم، وفطر يوم أو صوم يوم الخميس، أو صوم آخر يوم من الشهر وشبه ذلك، أو من صام قبل ذلك بأيام فلا بأس بصومه لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يتقدمن أحدكم رمضان بصيام يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صياما فليصمه " متفق عليه، ويحتمل أن يحرم لقول عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. حديث حسن صحيح
[ 109 ]
(فصل) ويكره أفراد يم النيروز والمهرجان بالصوم ذكره أصحابنا لانهما يومان يعظمها الكفار فيكون تخصيصهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما فكره كيوم السبت، وعلى قياس هذا كل عيد للكفار، أو يوم يفردونه بالتعظيم يكره افراده بالصوم لما ذكرنا إلا أن يوافق عادة فلا يكره لما ذكرنا في الفصول المتقدمة (فصل) في الوصال وهو ان لا يفطر بين اليومين أو الايام بأكل وشرب وهو مكروه في قول اكثر أهل العلم وروي عن ابن الزبير انه كان يواصل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولنا ما روى ابن عمر قال واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فواصل الناس فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال فقالوا انك تواصل فقال " إني لست مثلكم اني اطعم واسقي " متفق عليه وهذا يقتضي
اختصاصه بذلك ومنع الحاق غيره به وقوله (اني أطعم وأسقى) يحتمل أنه أراد أني اعان على الصيام ويغنيه الله تعالى عن الشراب والطعام بمنزلة من طعم وشرب ويحتمل أنه اراد إني أطعم حقيقة واسقي حقيقة حملا للفظ على حقيقته والاول اظهر لوجهين (أحدهما) أنه لو طعم وشرب حقيقة لم يكن مواصلا وقد أقرهم على قولهم انك تواصل (والثاني) أنه قد روي أنه قال " اني اظل يطعمني ربي ويسقيني " وهذا يقتضي أنه في النهار ولا يجوز الاكل في النهار له ولا لغيره. إذا ثبت هذا فان الوصال غير محرم وظاهر قول الشافعي أنه حرام لظاهر النهي ولنا (1) أنه ترك الاكل والشرب المباح فلم يكن محرما كما لو تركه في حال الفطر فان قيل فصوم يوم العيد محرم مع كونه تركا للاكل والشرب المباح قلنا ما حرم ترك الاكل والشرب بنفسه وانما حرم نية الصوم ولهذا لو تركه من غير نية الصوم لم يكن محرما وأما النهي فانما أتى به رحمة لهم ورفقا بهم لما فيه من المشقة عليهم كما نهى عبد الله بن عمرو عن صيام النهار وقيام الليل وعن قراءة القرآن في أقل من ثلاث وقالت عائشة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم وهذه قرينة صارفة عن التحريم ولهذا لم يفهم منه اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم التحريم بدليل أنهم واصلوا بعده ولو فهموا منه التحريم لما فعلوه قال أبو هريرة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال فلما أبوا أن ينتهوا واصل بهم يوما ويوما ثم رأوا الهلال فقال " لو تأخر لزدتكم " كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا متفق عليه فان واصل إلى السحر جاز لما روى أبو سعيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا تواصلوا فأيكم اراد أن يواصل فليواصل إلى السحر أخرجه البخاري وتجيل الفطر أفضل لما قدمناه
[ 110 ]
(فصل) في صوم الدهر روى أبو قتادة قال قيل يارسول الله فكيف بمن صام الدهر؟ قال " لا صام ولا افطر أو لم يصم ولم يفطر " قال الترمذي هذا حديث حسن وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من صام الدهر ضيقت عليه جهنم " قال الاثرم قيل لابي عبد الله وفسر مسدد حديث أبي موسى من صام الدهر ضيقت عليه جهنم فلا يدخلها فضحك وقال من قال هذا؟ وأين حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم كره ذلك وما فيه من الاحاديث؟ قال أبو الخطاب انما يكره
إذا أدخل فيه يومي العيدين وأيام التشريق لان احمد قال إذا افطر يومي العيدين وأيام التشريق رجوت ان لا يكون بذلك بأس. وروي نحو هذا عن مالك وهو قول الشافعي لان جماعة من الصحابة كانوا يسردون الصوم منهم أبو طلحة قيل إنه صام بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم اربعين سنة قال شيخنا ويقوى عندي أن صوم الدهر مكروه وان لم يصم هذه الايام فان صامها فقد فعل محرما وانما كره صوم الدهر لما فيه من المشقة والضعف وشبه التبتل المنهي عنه لان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدالله بن عمرو " انك لتصوم الدهر وتقوم الليل؟ " قال نعم قال " انك إذا فعلت ذلك هجمت له عينك (1) ونفهت له النفس، لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله " وذكر الحديث رواه البخاري. (فصل) ويكره استقبال رمضان باليوم واليومين لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم ولا يومين الا ان يكون رجل كان يصوم صياما فليصمه " متفق عليه وما وافق من هذا كله عادة فلا بأس لهذا الحديث، وقد دل هذا الحديث بمفهومه على جواز التقدم باكثر من يومين، وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا كان النصف من شعبان فامسكوا عن الصيام حتى يكون رمضان " وهذا حديث حسن فيحمل الاول على الجواز، وهذا على نفي الفضيلة جمعا بينهما (مسألة) (ولا يجوز صوم العيدين عن فرض ولا تطوع وان قصد صيامهما كان عاصيا ولم يجزه عن الفرض) اتفق اهل العلم على ان صوم يومي العيدين محرم في التطوع والنذر المطلق والقضاء والكفارة وذلك لما روى أبو عبيد مولى إبن أزهر قال شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فجاء فصلى ثم أنصرف فخطب الناس فقال ان هذين يومين نهى رسول الله (ص) عن صيامهما يوم فطركم من
[ 111 ]
صيامكم والآخر يوم تأكلون من نسككم وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين يوم فطر ويوم اضحى متفق عليهما والنهي يقتضي فساد المنهى عنه وتحريمه اما
صومهما عن النذر المعين ففيه خلاف نذكره في باب النذر ان شاء الله تعالى (مسألة) (ولا يجوز صيام أيام التشريق تطوعا وفي صيامها عن الفرض روايتان) وجملة ذلك أن أيام التشريق منهي عن صيامها لما روى نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عزوجل " رواه مسلم، وعن عمرو بن العاص أنه قال: هذه الايام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بافطارها وينهي عن صيامها، قال مالك وهي أيام التشريق رواه أبو داود، ولا يحل صيامها تطوعا في قول أكثر أهل العلم، وعن ابن الزبير أنه كان يصومها، وروي نحو ذلك عن ابن عمر والاسود بن يزيد وعن أبي طلحة أنه كان لا يفطر إلا يومي العيدين، والظاهر أن هؤلاء لم يبلغهم نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها، ولو بلغهم لم يعدوه إلى غيره، وأما صومها عن الفرض ففيه روايتان (احداهما) لا يجوز لانه منهي عن صيامها فأشبهت يومي العيدين (والثانية) يجوز لما روي عن ابن عمر وعائشة أنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق إلا لمن لم يجد الهدي أن يصوم وهو حديث صحيح ويقاس عليه سائر المفروض (مسألة) (ومن شرع في صوم أو صلاة تطوعا استحب له اتمامه ولا يلزمه، فان أفسده فلا قضاء عليه) لما روي عن ابن عمر وابن عباس أنهما أصبحا صائمين ثم أفطرا، وقال ابن عمر لا بأس به ما لم يكن نذرا أو قضاء رمضان، وقال ابن عباس إذا صام الرجل تطوعا ثم شاء أن يقطعه قطعه، وإذا دخل في صلاة تطوعا ثم شاء ان يقطعها قطعها، وقال ابن مسعود متى أصبحت تريد الصوم فأنت على خير النظرين، إن شئت صمت وإن شئت أفطرت، هذا قول أحمد والثوري والشافعي واسحاق، وفد روى حنبل عن أحمد إذا أجمع على الصيام فأوجبه على نفسه فأفطر من غير عذر أعاد ذلك اليوم وهذا محمول على أنه استحب ذلك أو نذره ليكون موافقا لسائر الروايات عنه، وقال النخعي وأبو حنيفة ومالك: يلزم بالشروع فيه ولا يخرج منه إلا بعذر فان خرج قضاه، وعن مالك لا قضاء عليه، واحتج من أوجب القضاء بما روي عن عائشة أنها قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين
[ 112 ]
فأهدي لنا حيس فأفطرنا ثم سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " اقضيا يوما مكانه " ولانها عبادة تلزم بالنذر فلزمت بالشروع فيها كالحج والعمرة ولنا ما روى مسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال " هل عندكم شئ " فقلت لا، قال " فاني صائم " ثم مر بي بعد ذلك اليوم وقد أهدي لنا حيس فخبأت له منه وكان يحب الحيس قلت يارسول الله: انه أهدي لنا حيس فخبأت لك منه قال " ادنيه أما اني قد أصبحت وانا صائم " فأكل منه ثم قال " انما مثل صوم التطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فان شاء أمضاها، وإن شاء حبسها " هذا لفظ رواية النسائي وهو أتم من غيره وروت أم هانئ قالت: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بشراب فناولنيه فشربت منه ثم قلت يا رسول الله لقد أفطرت وكنت صائمة، فقال لها " أكنت تقضين شيئا؟ " قالت لا، قال " فلا يضرك إن كان تطوعا " رواه سعيد وأبو داود والاثرم، وفي لفظ قالت قلت اني صائمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن المتطوع أمير نفسه، فان شئت فصومي، وإن شئت فافطري " ولان كل صوم لو أتمه كان تطوعا إذا خرج منه لم يجب قضاؤه كما لو اعتقد أنه من رمضان فبان من شعبان، فأما خبرهم فقال أبو داود لا يثبت، وقال الترمذي فيه مقال وضعفه الجوزجاني وغيره، ثم هو محمول على الاستحباب، إذا ثبت هذا فانه يستحب له اتمامه، وإن خرج منه استحب قضاؤه للخروج من الخلاف وعملا بالخبر الذي رووه (فصل) وسائر النوافل من الاعمال حكمها حكم الصيام في أنها لا تلزم بالشروع ولا يجب قضاؤها إذا أفسدها إلا الحج والعمرة فانهما يخالفان سائر العبادات في هذا لتأكد احرامهما ولا يخرج منهما بافسادهما ولو اعتقد أنهما واجبان ولم يكونا واجبين لم يكن له الخروج منهما، وقد روي عن أحمد في الصلاة ما يدل على أنها تلزم بالشروع، قال الاثرم قلت لابي عبد الله الرجل يصبح صائما متطوعا، أيكون بالخيار؟ والرجل يدخل في الصلاة له أن يقطعها، قال الصلاة أشد أما الصلاة فلا يقطعها، قيل له فان قطعها قضاها؟ قال إن قضاها فليس فيه اختلاف ومال أبو إسحاق الجوزجاني إلى هذا
القول وقال الصلاة ذات احرام واحلال فلزمت بالشروع فيها كالحج، وأكثر أصحابنا على أنها لا تلزم أيضا وهو قول ابن عباس لان ما جاز ترك جميعه جاز ترك بعضه كالصدقة، والحج والعمرة يخالفان غيرهما بما ذكرنا
[ 113 ]
(فصل) فان دخل في صوم واجب كقضاء رمضان أو نذر معين، أو مطلق، أو صيام كفارة لم يجز له الخروج منه لان المتعين وجب الدخول فيه وغير المتعين بدخوله فيه فصار بمنزلة المتعين وهذا لا خلاف فيه بحمد الله (مسألة) (وتطلب ليلة القدر في العشر الاواخر من رمضان وليالي الوتر آكدها) ليلة القدر ليلة شريفة مباركة معظمة مفضلة قال الله تعالى (ليلة القدر خير من ألف شهر) قيل معناه العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " متفق عليه، قيل انما سميت ليلة القدر لانه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من خير ومصيبة، ورزق وبركة، يروي ذلك عن ابن عباس قال الله تعالى (يفرق فيها كل أمر حكيم) وسماها مباركة فقال تعالى (أنا أنزلناه في ليلة مباركة) وهي ليلة القدر بدليل قوله تعالى (انا أنزلناه في ليلة القدر) وقال تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) يروى أن جبريل نزل به من بيت العزة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل به على النبي صلى الله عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة وهي باقية لم ترفع لما روى أبو ذر قال قلت يارسول الله ليلة القدر رفعت مع الانبياء أو هي باقية إلى يوم القيامة؟ فقال " باقية إلى يوم القيامة " قلت في رمضان أو في غيره؟ قال " في رمضان " فقلت في العشر الاول أو الثاني أو الآخر؟ فقال " في العشر الآخر " واكثر أهل العلم على أنها في رمضان وكان ابن مسعود يقول من يقم الحول يصيبها يشير إلى
[ 114 ]
أنها في السنة كلها، وفي كتاب الله تعالى ما يبين أنها في رمضان لان الله تعالى أخبر أنه انزل القرآن في ليلة القدر وأنه أنزله في رمضان فيجب ان يكون في رمضان لئلا يتناقض الخبران ولان النبي صلى الله عليه وسلم
ذكر أنها في رمضان في حديث ابي ذر وقال التمسوها في العشر الاواخر في كل وتر متفق عليه وقال أبي بن كعب والله لقد علم ابن مسعود انها في رمضان ولكنه كره أن يخبركم فتتكلوا، إذا ثبت هذا فانه يستحب طلبها في جميع ليالي رمضان وفي العشر الاواخر آكد وفي ليالي الوتر آكد قال احمد في العشر الاواخر في الوتر من الليالي لا تخطئ ان شاء الله كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اطلبوها في العشر الاواخر في ثلاث بقين أو سبع بقين أو تسع بقين " وروى سالم عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الاواخر فالتمسوها في العشر الاواخر في الوتر منها " متفق عليه وقالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الاواخر من رمضان، وفي لفظ البخاري تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الاواخر من رمضان والاحاديث في ذلك كثيرة صحيحة (مسألة) (وأرجاها ليلة سبع وعشرين) اختلف أهل العلم في أرجى هذا الليالي فقال أبي بن كعب وعبد الله بن عباس هي ليلة سبع
[ 115 ]
وعشرين قال زر بن بن حبيش قلت لابي بن كعب أما علمت أبا المنذر أنها ليلة سبع وعشرين، قال اخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها ليلة صبيحتها تطلع الشمس ليس لها شعاع فعددنا وحفظنا والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان وانها ليلة سبع وعشرين ولكنه كره أن يخبركم فتتكلوا، قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى أبو ذر في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم بهم في رمضان حتى بقي سبع فقام بهم حتى مضى نحو من ثلث الليل ثم قام بهم في ليلة خمس وعشرين حتى مضى نحو من شطر الليل حتى كانت ليلة سبع وعشرين فجمع نساءه وأهله واجتمع الناس قال فقام بهم حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح يعني السحور متفق عليه وحكي عن ابن عباس انه قال: سورة القدر ثلاثون كلمة السابعة والعشرين منها (هي) وروى أبو داود باسناده عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر قال " ليلة سبع وعشرين " وقيل آكدها ليلة ثلاث وعشرين لانه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ان عبد الله بن أنيس سأله فقال يارسول الله اني أكون
ببادية يقال لها الوطاة واني بحمد الله أصلي بهم فمرني بليلة من هذا الشهر أنزلها في المسجد فأصليها فيه فقال " انزل ليلة ثلاث وعشرين فصلها فيها وإن احببت أن تستتم آخر هذا الشهر فافعل وإن أحببت فكف " فكان إذا صلى العصر دخل المسجد فلم يخرج إلا في حاجة حتى يصلي الصبح فإذا صلى الصبح كانت دابته بباب المسجد. رواه أبو داود مختصرا، وقيل آكدها ليلة أربع وعشرين لانه روي عن النبي
[ 116 ]
صلى الله عليه وسلم انه قال ليلة القدر أول ليلة من السبع الاواخر، وروي عن بعض الصحابة انه قال: لم نكن نعد عددكم هذا وانما نعد من آخر الشهر يعني ان السابعة والعشرين هي أول ليلة من السبع الاواخر، وقيل آكدها ليلة احدى وعشرين لما روى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " أريت ليلة القدر ثم أنسيتها فالتمسوها في العشر الاواخر في الوتر واني رأيت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين " قال فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد وكان من جريد النخل فأقيمت الصلاة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الماء والطين في جبهته، وفي حديث " في صبيحة احدى وعشرين " متفق عليه قال الترمذي قد روي انها ليلة احدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين وليلة خمس وعشرين وليلة سبع وعشرين وليلة تسع وعشرين وآخر ليلة، وقال أبو قلابة انها تنتقل في ليالي العشر قال الشافعي كان هذا عندي والله أعلم ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب على نحو ما يسأل، فعلى هذا كانت في السنة التي رأى أبو سعيد ان النبي صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء والطين ليلة احدى وعشرين وفي السنة التي أمر عبد الله بن أنيس ليلة ثلاث وعشرين وفي السنة التي رأى أبي بن كعب علامتها ليلة سبع وعشرين
[ 117 ]
وقد ترى علامتها في غير هذه الليالي قال بعض أهل العلم أبهم الله هذه الليلة على الامة ليجتهدوا في طلبها ويجدوا في العبادة في الشهر كله طمعا في ادراكها كما أخفى ساعة الاجابة في يوم الجمعة ليكثروا من الدعاء في اليوم كله واخفى اسمه الاعظم في الاسماء ورضاه في الطاعات ليجتهدوا في جميعها واخفى الاجل وقيام الساعة ليجد الناس في العلم حذرا منها (فصل) والمشهور من علامتها ما ذكره أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشمس تطلع من صبيحتها
بيضاء لا شعاع لها وفي بعض الاحاديث بيضاء مثل الطست وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها " ليلة بلجة سمحة لا حارة ولا باردة تطلع الشمس من صبيحتها لا شعاع لها " (مسألة) (ويستحب أن يجتهد فيها في الدعاء ويدعو فيها بما روي عن عائشة أنها قالت يارسول الله ان وافقتها بم أدعوا قال " قولي اللهم انك عفو تحب العفو فاعف عني " (كتاب الاعتكاف) (وهو لزوم المسجد لطاعة الله) الاعتكاف في اللغة لزوم الشئ وحبس النفس عليه برا كان أو غيره ومنه قوله تعالى (يعكفون على أصنام لهم) قال الخليل عكف يعكف ويعكف وهو في الشرع الاقامة في المسجد لطاعة الله تعالى على صفة نذكرها، وهو قربة وطاعة قال الله تعالى (وطهر بيتي للطائفين والعاكفين) وقالت عائشة كان
[ 118 ]
النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الاواخر متفق عليه وروى ابن ماجة في سننه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المعتكف " هو يعكف الذنوب ويجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها " الا أن الحديث ضعيف فيه فرقد السنجي قال أبو داود لاحمد رحمه الله تعرف في فضل الاعتكاف شيئا؟ قال لا إلا شيئا ضعيفا (مسألة) (وهو سنة الا أن ينذره فيجب) لا نعلم خلافا في استحبابه وانه إذا نذره وجب عليه قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على ان الاعتكاف لا يجب على الناس فرضا الا ان يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذرا فيجب عليه ويدل على أنه سنة أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وداوم عليه تقربا إلى الله وطلبا لثوابه واعتكف أزواجه بعده ومعه ويدل على أنه غير واجب أن اصحابه لم يعتكفوا ولا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم به إلا من أراده وقال عليه السلام " من أراد ان يعتكف فليعتكف العشر الاواخر " ولو كان واجبا لم يعلقه بالارادة، وأما إذا نذره فيجب لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من نذر ان يطع الله فليطعه " وعن عمر أنه قال يارسول الله إني نذرت ان اعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أوف بنذرك " رواهما البخاري
(فصل) فان نوى الاعتكاف مدة لم يلزمه فان شرع فيها فله اتمامها والخروج منها متى شاء،
[ 119 ]
وبهذا قال الشافعي وقال مالك: يلزمه بالنية مع الدخول فيه، فان قطعه فعليه قضاؤه، قال ابن عبد البر لا يختلف في ذلك الفقهاء ويلزمه القضاء عند جميع العلماء، قال وإن لم يدخل فيه فالقضاء مستحب ومن العلماء من أوجبه وإن لم يدخل فيه، واحتج بما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الاواخر من رمضان فاستأذنته عائشة فأذن لها فأمرت ببنائها فضرب وسألت حفصة أن يستأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلت فأمرت ببنائها فضرب، فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببنائها فضرب قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح دخل معتكفه، فلما صلى الصبح انصرف فبصر بالابنية فقال " ما هذا؟ " فقالوا بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " البر أردتن ما أنا بمعتكف " فرجع فلما أفطر اعتكف عشرا من شوال، متفق على معناه، ولانها عبادة تتعلق بالمسجد فلزمت بالدخول فيها كالحج وما ذكره ابن عبد البر فليس بشئ، فان هذا ليس باجماع ولا يعرف هذا القول عن أحد سواه، وقال الشافعي: كل عمل لك أن لا تدخل فيه، فإذا دخلت فيه فخرجت منه فليس عليك أن تقضي إلا الحج والعمرة، ولم يقم الاجماع على لزوم نافلة بالشروع فيها سوى الحج والعمرة، وإذا كانت العبادات التي لها أصل في الوجوب لا تلزم بالشروع فما ليس له أصل في الوجوب أولى، وقد انعقد الاجماع على أن الانسان لو نوى الصدقة بمال قدر وشرع في الصدقة به فأخرج بعضه لم تلزمه الصدقة بباقية وهو نظير للاعتكاف لانه غير مقدر بالشرع
[ 120 ]
فأشبه الصدقة، وما ذكره من الحديث حجة عليه فان النبي صلى الله عليه وسلم ترك اعتكافه ولو كان واجبا ما تركه، وأزواجه تركن الاعتكاف بعد نيته وضرب الابنية له ولم يوجد عذر يمنع فعل الواجب ولا أمرن بالقضاء وقضاء النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لوجوبه عليه وانما فعله تطوعا لانه كان إذا عمل عملا أثبته فكان فعله لقضائه على سبيل التطوع كما قضى السنة التي فاتته بعد الظهر وقبل الفجر فتركه دليل على عدم وجوبه وقضاؤه لا يدل على الوجوب لان قضاء السنن مشروع، فان قيل انما جاز
تركه ولم يؤمر تاركه من النساء بقضائه لتركهن إياه قبل الشروع قلنا فقد سقط الاحتجاج لاتفاقنا على أنه لا يلزم قبل شروعه فيه فلم يكن القضاء دليلا على الوجوب مع الاتفاق على انتفائه ولا يصح قياسه على الحج والعمرة لان الوصول اليهما لا يحصل في الغالب إلا بعد كلفة عظيمة، ومشقة شديدة، وانفاق مال كثير، ففي ابطالهما تضييع لماله وابطال لاعماله الكثيرة، وقد نهينا عن اضاعة المال وابطال الاعمال، وليس في ترك الاعتكاف بعد الشروع فيه مال يضيع ولا عمل يبطل، فان ما مضى من اعتكافه لا يبطل بترك اعتكاف المستقبل، ولان النسك يتعلق بالمسجد الحرام على الخصوص والاعتكاف بخلافه (مسألة) (ويصح بغير صوم وعنه لا يصح فعلى هذا لا يصح في ليلة مفردة ولا بعض يوم) ظاهر المذهب أن الاعتكاف يصح بغير صوم يروى ذلك عن على وابن مسعود وسعيد بن المسيب
[ 121 ]
وعمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء وطاوس والشافعي واسحاق، وعن أحمد رواية أخرى أن الصوم شرط فيه، قال إذا اعتكف يجب عليه الصوم، يروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة، وبه قال الزهري وأبو حنيفة ومالك والثوري والليث والحسن بن حي لما روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا اعتكاف إلا بصوم " وعن ابن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال " اعتكف وصم " رواه أبو داود، ولانه لبث في مكان مخصوص فلم يكن بمجرده قربة كالوقوف ولنا ما روي عن عمر أنه قال يارسول الله إني نذرت في الجاهلية ان اعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أوف بنذرك " رواه البخاري ولو كان الصوم شرطا لما صح اعتكاف الليل لانه لا صيام فيه ولانه عبادة تصح في الليل فلم يشترط له الصيام كالصلاة وكسائر العبادات ولان إيجاب الصوم حكم لا يثبت الا بالشرع ولم يصح فيه نص ولا إجماع فان أحاديثهم لا تصح، أما حديث عمر فتفرد به ابن بديل وهو ضعيف قال أبو بكر النيسابوري هذا حديث منكر والصحيح ما رويناه
[ 122 ]
أخرجه البخاري والنسائي وغيرهما وحديث عائشة موقوف عليها ومن رفعه فقد وهم، ثم لو صح فالمراد به الاستحباب فان الصوم فيه أفضل وقياسهم ينقلب عليهم فانه لبث في مكان مخصوص فلم يشترط له الصوم كالوقوف ثم نقول بموجبه فانه لا يكون قربة بمجرده بل بالنية إذا ثبت هذا فانه يستحب أن يصوم لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف وهو صائم ولان المعتكف يستحب له التشاغل بالعبادات والقرب والصوم من أفضلها ويتفرغ به مما يشغله عن العبادات ويخرج به من الخلاف (فصل) وإذا قلنا باشتراط الصوم لم يصح اعتكاف ليلة مفردة ولا بعض يوم ولا ليلة وبعض يوم لان الصوم المشترط لا يصح في أقل من يوم ويحتمل أن يصح في بعض اليوم إذا صام اليوم كله لان الصوم المشروط وجد في زمان الاعتكاف ولا يعتبر وجود المشروط في زمن الشرط كله (مسألة) (وليس للمرأة الاعتكاف إلا باذن زوجها ولا للعبد الا باذن سيده) وذلك لان منافعهما مملوكة لغيرهما والاعتكاف يفوتها ويمنع استيفائها وليس بواجب عليهما بالشرع فكان لهما المنع منه وأم الولد والمدبر كالقن في هذا لان الملك باق فيهما لهما (مسألة) (فان شرعا فيه بغير اذن فلهما تحليلهما وان كان باذن فلهما تحليلهما إن كان تطوعا والا فلا) إذا اعتكفت الزوجة بغير اذن زوجها أو العبد بغير اذن السيد فلهما منعهما منه وان كان فرضا لانه يتضمن تفويت حق غيرهما بغير اذنه فكان لصاحب الحق المنع منه كالغصب وإذا أذن السيد أو الزوج في الاعتكاف ثم أرادا اخراجهما منه بعد شروعهما فيه فلهما ذلك في التطوع وبه قال الشافعي وأبو حنيفة في العبد وقال في الزوجة ليس لزوجها إخراجها لانها تملك بالتمليك فبالاذن اسقط حقه من منافعها واذن لها في استيفائها فلم يكن له الرجوع فيها كما لو أذن لها في الحج فأحرمت به بخلاف العبد فانه لا يملك بالتمليك وقال مالك ليس له تحليلهما لانهما عقدا على أنفسهما تمليك منافع كانا يملكانها بحق الله تعالى فلم يجز الرجوع فيها كما لو احرما بالحج باذنهما ولنا أن لهما المنع منه ابتداء فكان لهما المنع منه دواما كالعارية ويخالف الحج فانه يلزم بالشروع فيه ويجب المضي في فاسده بخلاف الاعتكاف على ما مضى من الاختلاف
[ 123 ]
(فصل) وان كان ما أذنا فيه منذورا لم يكن لهما تحليلهما منه لانه يتعين بالشروع فيه ويجب إتمامه فيصير كالحج إذا أحرما به فأما ان نذرا الاعتكاف فاراد السيد والزوج منعهما الدخول فيه فان كان النذر باذنهما وكان معينا لم يملكا منعهما منه لانه وجب باذنهما وان كان النذر المأذون فيه غير معين فشرعا فيه باذنهما لم يملكا منعهما منه لانه يتعين بالدخول فيه فهو كالمعين بالنذر، وان كان النذر باذن وكان غير معين والشروع بغير إذن لم يجز تحليلهما كما لو أذن في الشروع خاصة ويحتمل ان لهما تحليلهما (مسألة) (وللمكاتب أن يحج ويعتكف بغير إذن سيده) سواء كان فرضا أو تطوعا لان السيد لا يستحق منافعه ولا يملك اجباره على الكسب وانما له دين في ذمته فهو كالحر المدين (مسألة) (ومن بعضه حر إن كان بينهما مهايأة فله أن يعتكف في نوبته بغير اذن سيده) لان منافعه غير مملوكة لسيده في ذلك الزمن وحكمه في نوبة سيده حكم القن، فان لم يكن بينهما مهايأة فلسيده منعه لان له ملكا في منافعه في جميع الاوقات (فصل) ولا يصح بغير نية لانه عبادة محضة أشبه الصوم، وإن كان فرضا لزمه نية الفرضية ليتميز عن التطوع، فان نوى الخروج منه ففيه وجهان (أحدهما) يبطل كما لو قطع نية الصوم (والثاني) لا يبطل لانها قربة تتعلق بمكان فلا يخرج منها بنية الخروج كالحج (مسألة) (ولا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه إلا المرأة لها الاعتكاف في كل مسجد إلا مسجد بيتها) لا يجوز للرجل الاعتكاف في غير مسجد لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم لقول الله تعالى (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) فخصها بذلك، ولو صح الاعتكاف في غيرها لم يختص بتحريم
[ 124 ]
المباشرة فيها، فان المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقا، وفي حديث عائشة قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل إلي رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت الا لحاجة وإذا كان معتكفا
وقوله إلا في مسجد يجمع فيه أي تقام فيه الجماعة، وانما اشترط ذلك لان الجماعة واجبة فاعتكف الرجل في مسجد لا تقام فيه يفضي إلى أحد أمرين، إما ترك الجماعة الواجبة وإما خروجه إليها فيتكرر ذلك منه كثيرا مع أمكان التحرز منه وذلك مناف للاعتكاف إذ هو لزوم الاقامة في المسجد على طاعة الله فعلى هذا يجوز الاعتكاف في كل مسجد تقام فيه الجماعة، وروي عن حذيفة وعائشة والزهري ما يدل على هذا، واعتكف أبو قلابة وسعيد بن جبير في مسجد حيهما، وروي عن عائشة والزهري أنه لا يصح إلا في مساجد الجماعات وهو قول الشافعي إذا كانت الجمعة تتخلل اعتكافه لئلا يلتزم الخروج من معتكفه لما يمكنه التحرز من الخروج إليه، وروي عن حذيفة وسعيد بن المسيب لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد نبي، وحكي عن حذيفة أن الاعتكاف لا يصح إلا في أحد المساجد الثلاثة. قال سعيد ثنا مغيرة عن ابراهيم قال: دخل حذيفة مسجد الكوفة فإذا هو بأبنية مضروبة فسأل عنها فقيل قوم معتكفون فانطلق إلى ابن مسعود فقال ألا تعجب من قوم يزعمون أنهم معتكفون بين دارك ودار الاشعري؟ فقال عبد الله لعلهم أصابوا واخطأت، وحفظوا ونسيت، فقال حذيفة لقد علمت ما الاعتكاف إلا في ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال مالك يصح الاعتكاف في كل مسجد لعموم قوله (وأنتم عاكفون
[ 125 ]
في المساجد) وهو قول الشافعي إذا لم تتخلل اعتكافه جمعة ولنا ماروى الدارقطني باسناده عن الزهري عن عروة وسعيد بن المسيب عن عائشة أن السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الانسان ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة وهو ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى سعيد ثنا هشيم أنا جرير عن الضحاك عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل مسجد له امام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح " ولان قوله (وأنتم عاكفون في المساجد) يقتضي اباحة الاعتكاف في كل مسجد إلا أنه يقيد بما يقام فيه الجماعة بالاخبار، والمعنى الذي ذكرناه فيبقى على العموم فيما عداه، واشترط الشافعي أن يكون المسجد مما تقام فيه الجمعة وهذا مخالف للاخبار المذكورة والجمعة لا تتكرر فلا يصح قياسها على الجماعة، ولا يصر الخروج إليها كاعتكاف
المرأة مدة يتخللها أيام حيضها، ولو كان الجامع تقام فيه الجمعة وحدها لم يجز اعتكاف الرجل فيه عندنا، ويصح عند مالك والشافعي، ومبنى ذلك على أن الجماعة واجبة عندنا فيلزم الخروج إليها وليست واجبة عندهم (فصل) فان كان اعتكافه في مدة غير وقت الصلاة كليلة أو بعض يوم جاز في كل مسجد لعدم المانع، وإن كان تقام فيه في بعض الزمان جاز الاعتكاف فيه في ذلك الزمن دون غيره، وإن كان المعتكف ممن لا تلزمه الجماعة كالمريض والمعذور ومن هو في قرية لا يصلي فيها غيره جاز اعتكافه في
[ 126 ]
كل مسجد لان الجماعة ساقطة عنه أشبه المرأة، ويحتمل أن لا يجوز ذلك للمريض والمعذور لانه من أهل الجماعة فأشبه من تجب عليه، ولانه إذا التزم الاعتكاف وكلفه نفسه فينبغي أن يجعله في مكان تصلى فيه الجماعة، ولان من التزم مالا يلزمه لا يصح بدون شرطه كالمتطوع بالصلاة والاول أولى لان من لا تجب عليه الجماعة لا يجب عليه الخروج إليها فلا يفوت شرط الاعتكاف، ولو اعتكف اثنان أو أكثر في مسجد لا تقام فيه الجماعة فأقاما الجماعة صح اعتكافهم لانهما أقاما الجماعة أشبه ما لو أقامها غيرهما (فصل) فأما المرأة فيجوز اعتكافها في كل مسجد لان الجماعة لا تجب عليها، وبهذا قال الشافعي وليس لها الاعتكاف في بيتها، وقال أبو حنيفة والثوري لها الاعتكاف في مسجد بيتها وهو المكان الذي جعلته للصلاة منه واعتكافها فيها أفضل كصلاتها فيه، وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يصح اعتكافها في مسجد الجماعة لان النبي صلى الله عليه وسلم ترك الاعتكاف في المسجد لما رأى أبنية أزواجه فيه وقال " البر أردتن؟ " ولان مسجد بيتها موضع فضيلة صلاتها فكان موضع اعتكافها كالمسجد في حق الرجل ولنا قوله تعالى (وأنتم عاكفون في المساجد) والمراد بها المواضع التي بنيت للصلاة فيها وموضع صلاتها في بيتها ليس بمسجد لانه لم يبن للصلاة فيه وتسميته مسجدا مجاز فلا يثبت له أحكام المساجد الحقيقية بدليل جواز لبث الجنب فيه وصار كقوله عليه السلام " جعلت لي الارض مسجدا " ولان النبي صلى الله عليه وسلم حين أستاذنه أزواجه في الاعتكاف في المسجد أذن لهن ولو لم يكن موضعا لاعتكافهن لما أذن فيه ولو كان الاعتكاف في غيره أفضل لنبههن عليه ولان الاعتكاف قربة يشترط لها المسجد في
[ 127 ]
حق الرجل فيشترط في حق المرأة كالطواف وحديث عائشة قد بينا أنه حجة لنا وإنما كره اعتكافهن في تلك الحال حيث كثرت ابنيتهن لما رأى من منافستهن فكرهه لهن خشية عليهن من فساد نيتهن ولذلك قال " البر أردتن؟ " منكرا لذلك أي لم تفعلن ذلك تبررا ولو كان للمعنى الذي ذكروه لامرهن بالاعتكاف في بيوتهن ولم يأذن لهن في المسجد، وأما الصلاة فلا يصح اعتبار الاعتكاف بها فان صلاة النافلة للرجل في بيته أفضل ولا يصح اعتكافه فيه بالاتفاق (فصل) وإذا اعتكفت المرأة في المسجد استحب لها أن تستتر بشئ لان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لما أردن الاعتكاف أمرن بأبنيتهن فضربت في المسجد ولان المسجد يحضره الرجال وخير لهم وللنساء أن لا يرى بعضهم بعضا وإذا ضربت بناء جعلته في مكان لا يصلي فيه الرجال لئلا تقطع صفوفهم ويضيق عليهم ولا بأس أن يستتر الرجل أيضا فان النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببنائه فضرب ولانه أسترله وأخفى لعمله وروى ابن ماجه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف في قبة تركية على سدتها قطعة حصير قال فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة ثم أطلع رأسه فكلم الناس (مسألة) (والافضل الاعتكاف في الجامع إذا كانت الجمعة تتخلله) إذا كانت الجمعة تتخلل الاعتكاف فالافضل ان يكون في المسجد الذي تقام فيه الجمعة لئلا يحتاج إلى الخروج إليها فيترك الاعتكاف مع إمكان التحرز من ذلك ولان فيه خروجا من الخلاف على ما ذكرناه ولان ثواب الجماعة فيه أكثر (مسألة) (وإذا نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد فله فعله في غيره، ولا كفارة عليه إلا المساجد الثلاثة) وجملة ذلك أنه لا يتعين شئ من المساجد بنذره الاعتكاف أو الصلاة فيه إلا المساجد الثلاثة
[ 128 ]
وهي المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الاقصى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجدي هذا " متفق عليه ولو تعين غيرها
بتعيينه لزمه المضي إليه واحتاج لشد الرحل لقضاء نذره فيه ولان الله تعالى لم يعين لعبادته مكانا فلم يتعين بتعيين غيره وانما تعينت هذه المساجد للخبر الوارد فيها ولان العبادة فيها أفضل فإذا عين ما فيه فضيلة لزمته كانواع العبادة ولهذا قال الشافعي في صحيح قوليه وقال في الآخر لا يتعين المسجد الاقصى لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " صلاة في مسجدي هذا أفضل من الف صلاة فيما سواه الا المسجد الحرام " رواه مسلم، وهذا يدل على التسوية فيما عدا هذين المسجدين لان المسجد الاقصي لو فضلت الصلاة فيه على غيره يلزم احد امرين اما خروجه من عموم هذا الحديث واما كون فضيلته بألف مختصا بالمسجد الاقصى ولنا أنه من المساجد التي تشد الرحال إليها فتعين بالتعيين في النذر كالآخرين وما ذكره لا يلزم فانه إذا فضل الفاضل بألف فقد فضل المفضول بها أيضا (مسألة) (وافضلها المسجد الحرام ثم مسجد المدينة ثم المسجد الاقصى) وقال قوم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من المسجد الحرام لان النبي (ص) انما دفن في خير البقاع وقد نقله الله تعالى من مكة إلى المدينة فدل على أنها أفضل ولنا قوله عليه السلام (صلاة في مسجدي هذا أفضل من الف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " وروى ابن ماجة باسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة الف صلاة فيما سواه فيدخل في عمومه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم (مسألة) (فان نذره في الافضل لم يكن له فعله في غيره وان نذره في غيره فله فعله فيه) إذا نذر الاعتكاف في المسجد الحرام لزمه ولم يكن له الاعتكاف فيما سواه لان عمر نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال (أوف بنذرك) متفق عليه وان نذر أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جاز أن يعتكف في المسجد الحرام لانه أفضل ولم يجز له أن يعتكف في المسجد الاقصى لان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل منه فلم يجز له تفويت فضيلته وان نذر الاعتكاف في المسجد الاقصى جاز له أن يعتكف في المسجدين الاخرين لانهما أفضل منه وروى الامام احمد في مسنده عن رجال من الانصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا جاء إلى
النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح والنبي صلى الله عليه وسلم في مجلس قريبا من المقام فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال يا نبي الله: اني نذرت إن فتح الله للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين مكة لاصلين في بيت المقدس وإني وجدت رجلا من أهل الشام ههنا في قريش مقبلا معي ومدبرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ههنا فصل "
[ 129 ]
فقال الرجل قوله هذا ثلاث مرات كل ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم " ههنا فصل " ثم قال الرابعة مقالته هذه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اذهب فصل فيه، فو الذي بعث محمدا بالحق لو صليت ههنا لقضى عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس " (فصل) وإن نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد فدخل فيه ثم أنهدم معتكفه ولم يمكن المقام فيه لزم اتمام الاعتكاف في غيره ولم يبطل اعتكافه (مسألة) (وإن نذر اعتكاف شهر بعينه لزمه الشروع فيه قبل دخول ليلته إلى انقضائه) إذا عين بنذره زمنا تعين لان الله تعالى عين للعبادة زمنا فتعين بتعيين العبد ويلزمه الشروع فيه قبل دخول ليلته إلى انقضائه وهذا قول مالك والشافعي، وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى أنه يدخل في معتكفه قبل طلوع الفجر من أوله وهو قول الليث وزفر لان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه، متفق عليه، ولان الله تعالى قال (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ولا يلزم الصوم إلا من قبل طلوع الفجر، ولان الصوم شرط في الاعتكاف فلم يجب ابتداؤه قبل شرطه ولنا أنه نذر الشهر وأوله غروب الشمس بدليل حل الديون المعلقة به ووقوع الطلاق والعتاق المعلقين به فوجب أن يدخل قبل الغروب ليستوفي جميع الشهر فانه لا يمكن إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كامساك جزء من الليل في الصوم، وأما الصوم فمحله النهار فلا يدخل فيه شئ من الليل في أثنائه ولا ابتدائه إلا ما حصل ضرورة بخلاف الاعتكاف وأما الحديث فقال ابن عبد البر لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به على أن الخبر انما هو في التطوع فمتى شاء دخل، وفي مسألتنا نذر شهرا فيلزمه اعتكاف شهر كامل، ولا يحصل إلا أن يدخل فيه
قبل غروب الشمس من أوله ويخرج بعد غروبها من آخره فاشبه ما لو نذر اعتكاف يوم فانه يلزمه الدخول فيه قبل طلوع فجره ويخرج بعد غروب شمسه وقوله: إن الاعتكاف لا يصح بغير صوم قد أجبنا عنه فيما مضى (فصل) وان أحب اعتكاف العشر الاواخر تطوعا ففيه روايتان (إحداهما) يدخل قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين لما روي عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الاوسط من رمضان حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه قال " من كان معي فليعتكف العشر الاواخر " متفق عليه ولان العشر بغير هاء عدد الليالى فانها عدد المؤنث قال الله تعالى (وليال عشر) وأول الليالي العشر ليلة احدى وعشرين
[ 130 ]
(والرواية الثانية) يدخل بعد صلاة الصبح قال حنبل قال احمد أحب الي أن يدخل قبل الليل ولكن حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الفجر ثم يدخل معتكفه وبهذا قال الاوزاعي واسحاق ووجهه ماروت عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الصبح دخل معتكفه متفق عليه وان نذر اعتكاف العشر ففي وقت دخوله الروايتان (فصل) ومن اعتكف العشر الاواخر من رمضان استحب أن يبيت ليلة العيد في معتكفه نص عليه احمد وروي عن النخعي وأبي مجاز وأبي بكر بن عبد الرحمن والمطلب بن حنطب وأبي قلابة أنهم كانو يستحبون ذلك وروى الاثرم باسناده عن أيوب عن أبي قلابة أنه كان يبيت في المسجد ليلة الفطر ثم يغدو كما هو إلى العيد وكان يعني في اعتكافه لا يلقى له حصير ولا مصلى يجلس عليه كان يجلس كأنه بعض القوم قال فأتيته في يوم الفطر فإذا في حجره جويرية مزينة ما ظننتها الا بعض بناته فإذا هي أمة له فأعتقها وغدا كما هو إلى العيد وقال ابراهيم كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الاواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد ثم يغدو إلى المصلى من المسجد (مسألة) (وان نذر شهرا مطلقا لزمه شهر متتابع)
إذا نذر اعتكاف شهر مطلق فهل يلزمه التتابع فيه وجهان بناء على الروايتين في نذر الصوم (أحدهما) لا يلزمه وهو مذهب الشافعي لانه معنى يصح فيه التفريق فلا يجب فيه التتابع بمطلق النذر كالصيام (والثاني) يلزمه التتابع وهو قول أبي حنيفة ومالك وقال القاضي يلزمه التتابع وجها واحدا لانه معنى يحصل في الليل والنهار فإذا أطلقه اقتضى التتابع كما لو حلف لا يكلم زيدا شهرا وكمدة الايلاء والعدة وبهذا فارق الصيام فان أتى بشهر بين هلالين أجزأه ذلك وان كان ناقصا وان اعتكف ثلاثين يوما من شهرين جاز فتدخل فيه الليالي لان الشهر عبارة عنهما ولا يجزئه أقل من ذلك وان قال الله تعالى ان اعتكف أيام هذا الشهر أو ليالي هذا الشهر لزمه ما نذر ولم يدخل فيه غيره وكذلك ان قال شهرا في النهار أو في الليل (مسألة) (وان نذر أياما معدودة فله تفريقها الا عند القاضي) إذا قال لله على أن اعتكف ثلاثين يوما يلزمه التتابع كما لو نذر شهرا مطلقا وقال أبو الخطاب لا يلزمه لان اللفظ يقتضي تناوله والايام المطلقة توجد بدون التتابع فلا يلزمه كما لو نذر صوم ثلاثين يوما فعلى قول القاضي تدخل فيه الليالي الداخلة في الايام المنذورة كما لو نذر شهرا ومن لم يوجب التتابع لا يدخل في الليل فيه الا أن ينويه فان نوى التتابع أو شرطه وجب (مسألة) (وان نذر أياما أو ليالي متتابعة ما يتخللها من ليل أو نهار)
[ 131 ]
متى شرط التتابع في نذره أو نواه دخل الليالي فيه ويلزمه ما بين الايام من الليالي وان نذر الليالي لزمه ما بينها من الايام حسب وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يلزمه من الليالي بعدد الايام إذا كان على وجه الجمع أو التثنية يدخل فيه مثله من الليالي والليالي تدخل معها الايام بدليل قوله تعالى (آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) وقال في موضع آخر (ثلاثة أيام الا رمزا) ولنا ان اليوم اسم لبياض النهار والليلة اسم لسواد الليل والتثنية والجمع تكرار الواحد وانما تدخل الليالي تبعا لوجوب التتابع ضمنا وهذا يحصل مابين الايام خاصة فاكتفى به وأما الآية فان الله تعالى نص على الليل في موضع والنهار في موضع فصار منصوصا عليهما فعلى هذا إن نذر اعتكاف يومين
متتابعين لزمه يومان وليلة بينهما وان نذر اعتكاف يومين مطلقا فكذلك عند القاضي وكذلك لو نذر اعتكاف ليلتين لزمه اليوم الذي بينهما عند القاضي وعند أبي الخطاب لا يلزمه ما بينهما الا بلفظ أو بنية ويتخرج أنه إذا نذر اعتكاف يومين متتابعين أن لا تلزمه الليلة التي بينهما كالليلة التي قبلهما وكذلك إذا نذر اعتكاف ليلتين لا يلزمه اليوم الذي بينهما كاليوم الذي قبلهما اختاره الشيخ أبو حكيم (فصل) وإن نذر اعتكاف يوم لزمه أن يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر ويخرج منه بعد غروب الشمس، وقال مالك يدخل معتكفه قبل طلوع الفجر ويخرج منه بعد غروب الشمس من ليلة ذلك اليوم كقولنا في الشهر لان الليل يتبع النهار بدليل ما لو كان متتابعا ولنا أن الليلة ليست من اليوم وهي من الشهر قال الخليل اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس وانما دخل الليل في المتتابع ضمنا ولهذا خصصناه بما بين الايام وان نذر اعتكاف ليلة لزمه دخول معتكفه قبل غروب الشمس ويخرج منه بعد طلوع الفجر وليس له تفريق الاعتكاف وظاهر كلام الشافعي جواز التفريق قياسا على الشهر ولنا أن اطلاق اليوم يفهم منه التتابع فلزمه كما لو قال متتابعان وفارق الشهر فانه اسم لما بين هلالين واسم لثلاثين يوما واليوم لا يقع في الظاهر الا على ما ذكرنا وان قال في وسط النهار لله علي أن اعتكف يوما من وقتي هذا، لزمه الاعتكاف من ذلك الوقت إلى مثله ويدخل فيه الليل لانه في خلل نذره فصار كما لو نذر يومين متتابعين وانما لزمه بعض يومين لتعيينه ذلك بنذره فعلمنا أنه أراد ذلك ولم يرد يوما صحيحا (فصل) وان نذر اعتكافا مطلقا لزمه ما يسمى به معتكفا ولو ساعة من ليل أو نهار الا على قولنا بوجوب الصوم في الاعتكاف فيلزمه يوم كامل فأما اللحظة ومالا يسمى به معتكفا فلا يجزئه على الروايتين جميعا (فصل) إذا نذر اعتكاف يوم يقدم فلان صح نذره فان ذلك ممكن فان قدم في بعض النهار
[ 132 ]
لزمه اعتكاف الباقي منه ولم يلزمه قضاء ما فات لانه فات قبل شرط الوجوب فلم يجب كما لو نذر اعتكاف
زمن ماض لكن ان قلنا شرط صحة الاعتكاف الصوم لزمه قضاء يوم كامل لانه لا يمكنه أن يأتي بالاعتكاف في الصوم فيما بقي من النهار ولا قضاؤه مميزا مما قبله فلزمه يوم كامل ضرورة كما لو نذر صوم يوم يقدم فلان ويحتمل أن يجزئه اعتكاف ما بقي منه إذا كان صائما لانه قد وجد اعتكاف مع الصوم وان قدم ليلا لم يلزمه شئ لان ما التزمه بالنذر لم يوجد فان كان للناذر عذر يمنعه الاعتكاف عند قدوم فلان من حبس أو مرض قضى أو كفر لفوات النذر في وقته ويقضي بقية اليوم فقط لانه الذي كان يلزم في الاداء على الرواية المنصورة وفي الاخرى يقضي يوما كاملا بناء على اشتراط الصوم في الاعتكاف (فصل) قال الشيخ رحمه الله ولا يجوز للمعتكف الخروج الا لما لابد له منه كحاجة الانسان والطهارة والجمعة والنفير المتعين والشهادة الواجبة والخوف من فتنة أو مرض والحيض والنفاس وعدة الوفاة ونحوه. وجملته أنه ليس للمعتكف الخروج من معتكفه الا لما لابد منه قالت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها: السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لما لابد منه. رواه أبو داود وقالت أيضا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني الي رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت الا لحاجة الانسان. متفق عليه ولا خلاف في ان له الخروج لما لابد منه قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول ولان هذا لا يمكن فعله في المسجد ولو بطل الاعتكاف بالخروج إليه لم يصح لاحد اعتكاف ولان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف وقد علمنا أنه كان يخرج لقضاء حاجته والمراد بحاجة الانسان البول والغائط كني بذلك عنهما لان كل انسان يحتاج إلى فعلهما وفي معناه الحاجة إلى المأكول
[ 133 ]
والمشروب إذا لم يكن له من يأتيه به فله الخروج إليه عند الحاجة إليه وان بغته القئ فله أن يخرج ليتقيأ خارج المسجد وكل مالا بد له منه ولا يمكن فعله في المسجد فله الخروج إليه ولا يفسد اعتكافه وهو عليه ما لم يطل وكذلك له الخروج إلى ما أوجبه الله تعالى عليه مثل من يعتكف في مسجد لا جمعة فيه فيحتاج الي الخروج لصلاة الجمعة ولا يبطل اعتكافه به، وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي فيمن
نذر اعتكافا متتابعا فخرج منه لصلاة الجمعة بطل اعتكافه وعليه الاستئناف لانه امكنه فرضه بحيث لا يخرج منه فبطل بالخروج كالمكفر إذا ابتدأ صوم الشهرين المتتابعين في شعبان أو ذي الحجة ولنا أنه خرج لواجب فلم يبطل اعتكافه كالمعتدة تخرج لقضاء العدة، وكالخارج لانقاذ غريق واطفاء حريق واداء شهادة تعينت عليه، ولانه إذا نذر أياما فيها جمعة فكأنه استثنى الجمعة بلفظه ثم يبطل بما إذا نذرت المرأة أياما فيها عادة حيضها فانه يصح مع امكان فرضها في غيرها والاصل ممنوع. إذا ثبت هذا فانه إذا خرج لواجب فهو على اعتكافه ما لم يطل لانه خروج لابد منه أشبه الخروج لحاجة الانسان، فان كان خروجه لصلاة الجمعة فله أن يتعجل. قال الامام احمد: أرجو أن يكون له لانه خروج جائز فجاز تعجيله كالخروج لحاجة الانسان، فإذا صلى الجمعة فأحب أن يعتكف في الجامع فله ذلك لانه محل للاعتكاف والمكان لا يتعين للاعتكاف بتعيينه فمع عدم ذلك أولى. وإن
[ 134 ]
أحب الرجوع إلى معتكفه فله ذلك كما لو خرج إلى غير الجمعة. قال بعض أصحابنا: يستحب له الاسراع إلى معتكفه، وقال أبو داود قلت لاحمد يركع يعني المعتكف يوم الجمعة بعد الصلاة في المسجد؟ قال نعم بقدر ما كان يركع (قال شيخنا) رحمه الله ويحتمل أن تكون الخيرة إليه في تعجيل الرجوع وتأخيره لانه في مكان يصلح للاعتكاف فأشبه مالو نوى الاعتكاف فيه، فأما إن خرج ابتداء إلى مسجد آخر أو إلى الجامع من غير حاجة، أو كان المسجد أبعد من موضع حاجته فمضى إليه لم يجز له ذلك لانه خروج لغير حاجة أشبه مالو خرج لغير المسجد، فان كان المسجدان متصلاقين يخرج من أحدهما فيصير في الآخر فله الانتقال من أحدهما إلى الآخر لانهما كمسجد واحد ينتقل من احدى زاويتيه إلى الاخرى، وإن كان يمشي بينهما في غيرهما لم يجز له الخروج: وإن قرب لانه خروج من المسجد لغير حاجة (فصل) وإذا خرج لما لابد منه فليس عليه أن يتعجل في مشيه لكن يمشي على حسب عادته لان عليه مشقة في الزامه غير ذلك فليس له الاقامة بعد قضاء حاجته لاكل ولا لغيره، وقال ابن حامد يجوز أن يأكل اليسير في بيته كاللقمة والثنتين ولا يأكل جميع أكله، وقال القاضي: يتوجه أن له الاكل
في بيته والخروج إليه ابتداء لان الاكل في المسجد دناءة وقد يخفي جنس قوته عن الناس، وقد يكون في المسجد غيره فيستحي منه أن يأكل دونه وإن أطعمه لم يكفهما
[ 135 ]
ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لايدخل البيت إلا لحاجة الانسان وهذا كناية عن الحدث، ولانه خروج لما له منه بد، ولبث في غير معتكفه لما له منه بد فأبطل الاعتكاف كمحادثة أهله وما ذكره القاضي ليس بعذر يبيح الخروج ولا الاقامة، ولو ساغ ذلك لساغ الخروج للنوم وأشباهه (فصل) وإن خرج لحاجة الانسان وبقرب المسجد سقاية أقرب من منزله لا يحتشم من دخولها ويمكنه التنظف فيها لم يكن له المضي إلى منزله لان له من ذلك بدا، وإن كان يحتشم من دخولها أو فيه نقيصة عليه أو مخالفة لعادته أو لا يمكنه التنظف فيها فله المضي إلى منزله لما عليه من المشقة في ترك المروءة، وكذلك إن كان له منزلان أحدهما أقرب من الآخر يمكنه الوضوء في الاقرب بلا ضرر فليس له قصد الابعد، وإن بذل له صديقه أو غيره الوضوء في منزله القريب لم يلزمه لما عليه من المشقة بترك المروءة والاحتشام من صاحبه، قال المروذي سألت أبا عبد الله عن الاعتكاف في المسجد الكبير أعجب اليك أو مسجد الحي؟ قال: المسجد الكبير وأرخص لي أن أعتكف في غيره، قلت فأين ترى أن أعتكف في هذا الجانب، أو في ذلك الجانب؟ قال في ذاك الجانب هو أصلح من أجل السقاية، قلت فمن أعتكف في هذا الجانب ترى أن يخرج إلى الشط يتهيأ؟ قال إذا كان له حاجة لابد له من ذلك قلت يتوضأ الرجل في المسجد؟ قال لا يعجبني أن يتوضأ في المسجد (فصل) وإذا احتيج إليه في النفير إذا عم أو حضر عدو يخافون كلبه واحتيج إلى خروج
[ 136 ]
المعتكف لزمه الخروج لانه واجب متعين فكان عليه الخروج إليه كالخروج إلى الجمعة، وكذلك الشهادة الواجبة عليه لما ذكرنا، وإن وقعت فتنة خاف منها على نفسه إذا قام في المسجد أو على ماله، أو خاف نهبا أو حريقا فله ترك الاعتكاف والخروج لان هذا مما أباح الله تعالى لاجله ترك الواجب بأصل الشرع وهو الجمعة فأولى أن يباح لاجله ترك ما أوجبه على نفسه، وكذلك إن تعذر عليه المقام في المسجد
لمرض لا يمكنه المقام معه كالقيام المتدارك أو سلس البول، أو الاغماء، أو لا يمكنه المقام إلا بمشقة شديدة مثل أن يحتاج إلى خدمة وفراش فله الخروج، وإن كان المرض خفيفا كالصداع، ووجع الضرس ونحوه فليس له الخروج، فان خرج بطل اعتكافه لانه خروج لما له منه بد (فصل) وإن حاضت المعتكفة أو نفست وجب عليها الخروج من المسجد بغير خلاف لانه حدث يمنع اللبث في المسجد، وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " رواه أبو داود، والنفاس في معنى الحيض فثبت فيه حكمه، قال الخرقي تخرج من المسجد وتضرب خباء في الرحبة هذا إن كان للمسجد رحبة فان لم يكن رجعت إلى بيتها، فإذا طهرت عادت فأتمت اعتكافها وقضت ما فاتها ولا كفارة عليها لانه خروج معتاد أشبه الخروج للجمعة، وإن كان للمسجد رحبة خارجة من المسجد يمكن ضرب خبائها فيه ضربت خباءها فيه مدة حيضها وهو قول أبي قلابة، وقال النخعي تضرب فسطاطها في دارها، فإذا طهرت قضت تلك الايام، وإن دخلت بيتا أو سقفا استأنفت، وقال الزهري وعمرو بن دينار وربيعة ومالك ترجع إلى منزلها لانه وجب عليها الخروج من المسجد فلم تلزمها الاقامة في رحبته كالخارجة لعدة أو خوف فتنة ووجه قول الخرقي ماروى المقدام بن شريح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كن معتكفات إذا حضن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باخراجهن من المسجد وأن يشربن الاخبية في رحبة المسجد. رواه أبو حفص باسناده وفارق المعتدة فان خروجها لتعتد في بيتها وتقيم فيه ولا يحصل ذلك مع الكون في الرحبة، وكذلك الخائفة من الفتنة خروجها لتسلم منها فلا تقيم في موضع لا تحصل السلامة بالاقامة فيه، قال والظاهر أن أقامتها في الرحبة مستحبة وليس بواجب، وإن لم تقم في الرحبة رجعت إلى منزلها أو غيره ولا شئ عليها إلا القضاء لايام حيضها لا نعلم فيه خلافا إلا قول ابراهيم وهو تحكم لا دليل عليه (فصل) فأما الاستحاضة فلا تمنع الاعتكاف لكونها لا تمنع الصلاة، وقد قالت عائشة رضي
[ 137 ]
الله عنها اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة وربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي. أخرجه البخاري ويجب عليها أن تتحفظ وتتلجم لئلا
تلوث المسجد فان لم يكن صيانته منها خرجت من المسجد لانه عذر وخروج لحفظ المسجد من نجاستها أشبه الخروج لقضاء الحاجة (فصل) والمتوفى عنها يجب عليها أن تخرج لقضاء العدة، وبهذا قال الشافعي وقال ربيعة ومالك وابن المنذر تمضي في اعتكافها حتى تفرغ منه ثم ترجع إلى بيت زوجها فتعتد فيه لان الاعتكاف المنذور واجب والاعتداد في البيت واجب فقد تعارض واجبان فيقدم أسبقهما ولنا أن الاعتداد في بيت زوجها واجب فلزمها الخروج إليه كالجمعة في حق الرجل ودليلهم ينتقض بالخروج إلى الجمعة وسائر الواجبات (مسألة) (ولا يعود مريضا ولا يشهد جنازة إلا أن يشترطه فيجوز وعنه له ذلك من غير شرط) اختلفت الرواية عن الامام احمد في الخروج لعيادة المريض وشهود الجنازة مع عدم الشرط فروي عنه ليس له فعله ذكره الخرقي وهو قول عطاء وعروة ومجاهد والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وعنه أن له عيادة المريض وشهود الجنازة ثم يعود إلى معتكفه، نقلها عنه الاثرم ومحمد ابن الحكم وهو قول علي، وبه قال سعيد بن جبير والنخعي والحسن لما روى عاصم بن ضمرة عن علي قال: إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة، وليعد المريض، وليحضر الجنازة، وليأت أهله وليأمرهم بالحاجة وهو قائم، رواه الامام أحمد والاثرم، قال أحمد عاصم بن ضمرة عندي حجة ووجه الاولى ماروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة
[ 138 ]
الانسان. متفق عليه وعنها أنها قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا! ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه، عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه. رواهما أبو داود، ولان هذا ليس بواجب فلا يجوز ترك الاعتكاف الواجب له كالمشي في حاجة أخيه ليقضيها فان تعينت عليه صلاة الجنازة فأمكنه فعلها في المسجد لم يجز الخروج إليها، وإن لم يمكنه ذلك فله الخروج إليها، وإن تعين عليه دفن الميت أو تغسيله فله الخروج لان هذا واجب متعين فيقدم على الاعتكاف كصلاة الجمعة
(فصل) فاما ان كان تطوعا فاحب الخروج منه لعيادة مريض أو شهود جنازة جاز لان كل واحد منهما تطوع فلا يتحتم واحد منهما لكن الافضل المقام على اعتكافه لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرج على المريض ولم يكن الاعتكاف واجبا عليه (فصل) فان شرط فعل ذلك في الاعتكاف فله فعله اوجبا كان الاعتكاف أو تطوعا وكذلك ما كان قربة كزيارة أهله أو رجل صالح أو عالم وكذلك ماكان مباحا مما يحتاج إليه كالعشاء في منزله والمبيت فيه فله فعله قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن المعتكف يشترط ان يأكل في أهله قال فان اشترط فنعم قلت له فيبيت في اهله؟ قال إذا كان تطوعا جاز وممن أجاز أن يشترط العشاء في أهله الحسن والعلاء
[ 139 ]
ابن زياد والنخعي وقتادة ومنع منه أبو مجاز ومالك والاوزاعي قال مالك لا يكون في الاعتكاف شرط ولنا أنه يجب بعقده فكان الشرط إليه فيه كالوقف ولان الاعتكاف لا يختص بقدر وإذا شرط الخروج فكأنه نذر القدر الذي أقامه وان قال متى مرضت أو عرض لي عارض خرجت جاز شرطه (فصل) وان شرط الوطئ في اعتكافه أو الفرجة أو النزهة أو البيع للتجارة أو التكسب بالصناعة في المسجد لم يجز لان هذا ينافي الاعتكاف أشبه إذا شرط ترك الاقامة في المسجد ولان الله تعالى قال (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) فاشتراط ذلك كاشتراط المعصية والصناعة في المسجد منهي عنها في غير الاعتكاف ففي الاعتكاف أولى وسائر ما ذكرنا يشبه ذلك ولا حاجة إليه وإن احتاج إليه فلا يعتكف لان ترك الاعتكاف أولى من فعل المنهي عنه قال أبو طالب سألت أحمد عن المعتكف يعمل عمله من الخياط وغيره قال ما يعجبني أن يعمل قلت ان كان يحتاج قال إن كان يحتاج لا يعتكف (فصل) وللمعتكف صعود سطح المسجد لانه من جملته ولهذا يمنع الجنب من اللبث فيه وهذا قول
[ 140 ]
أبي حنيفة ومالك والشافعي لا نعلم فيه مخالفا ويجوز أن يبيت فيه
(فصل) ورحبة المسجد ليست منه في ظاهر كلام الخرقي هذا ليس للمعتكف الخروج إليها وعن أحمد ما يدل على هذا وروى المروذي أن المعتكف يخرج إلى رحبة المسجد هي من المسجد وجمع القاضي بين الروايتين فقال ان كان عليها حائط وباب فهي كالمسجد لانها معه وتابعه له وان لم تكن محوطة لم يثبت لها حكم المسجد فان خرج إلى منارة خارج المسجد فسد اعتكافه قال أبو الخطاب ويحتمل أن لا يبطل لان منارة المسجد كالمتصلة به (مسألة) (وله السؤال عن المريض في طريقه ما لم يعرج لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله) وروت عائشة رضي الله عنها قالت: ان كنت لادخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه الا وأنا مارة متفق عليه وليس له الوقوف لان فيه ترك الاعتكاف وله الدخول إلى مسجد يتم اعتكافه فيه لانه محل للاعتكاف والمكان لا يتعين للاعتكاف بنذره وتعيينه فمع عدم ذلك أولى وقد ذكرنا تفصيل ذلك (مسألة) (فان خرج لما لا بد منه خروجا معتادا لحاجة الانسان فلا شئ عليه لانه لابد له منه) فلو بطل اعتكافه بخروجه إليه لم يصح لاحد الاعتكاف وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج لحاجته وهو معتكف وكذلك خروج المرأة لحيضها لانها خرجت باذن الشرع ولا يجب عليها كفارة لانه خروج لعذر معتاد أشبه الخروج لقضاء الحاجة وحكم النفاس حكم الحيض لانه في معناه (مسألة) (وان خرج لغير المعتاد في المتتابع وتطاول خير بين استئنافه واتمامه مع كفارة يمين وان فعله في معين قضى وفي الكفارة وجهان) إذا خرج المعتكف لغير المعتاد كالخروج إلى النفير المتعين والشهادة الواجبة والخوف من الفتنة والمرض وعدة الوفاة ونحو ذلك ولم يتطاول فهو على اعتكافه لانه خروج يسير مباح أو واجب فلم يبطل به الاعتكاف كحاجة الانسان وان تطاول ثم زال عذره وكان الاعتكاف تطوعا فهو مخير ان شاء رجع إلى معتكفه وان شاء لم يرجع لانه لا يلزم بالشروع وان كان واجبا رجع إلى معتكفة فبنى على ما مضى من اعتكافه ثم لا يخلو من ثلاثة أحوال (أحدها) أن يكون نذر اعتكافا في أيام غير متتابعة ولا معينة فهذا يلزمه أن يتم ما بقي عليه لكن يبتدئ اليوم الذي خرج فيه من أوله ليكون متتابعا
[ 141 ]
ولا كفارة عليه لانه أتى بالمنذور على وجهه فلم تلزمه كفارة كما لو لم يخرج (الثاني) أن يكون معينا كشهر رمضان فعليه قضاء ما ترك وكفارة يمين لتركه النذر في وقته وفيه وجه آخر لا كفارة عليه وقد روي ذلك عن احمد (الثالث) نذر أياما متتابعة فهو مخير بين البناء والقضاء مع التكفير وبين الاستئناف ولا كفارة عليه لانه أتى بالمنذور على وجهه فلم تلزمه كفارة كما لو أتى به من غير أن يسبقه الاعتكاف الذي خرج منه وذكر الخرقي مثل هذا قال من نذر أن يصوم شهرا متتابعا فلم يسمه فمرض في بعضه فإذا عوفي بنى على ما مضى من صيامه وقضى ما تركه وكفر كفارة يمين وان أحب أتى بشهر متتابع ولا كفارة عليه. وقال أبو الخطاب فيمن ترك الصيام المنذور لعذر فعن احمد فيه رواية أخرى لا كفارة عليه وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد لان المنذور كالمشروع ابتداء ولو أفطر في رمضان لعذر لم يلزمه شئ فكذلك المنذور وقال القاضي ان خرج لواجب كجهاد تعين أو شهادة واجبة أو عدة الوفاة فلا كفارة عليه لانه خروج واجب لحق الله تعالى فلم يجب فيه شئ كالمرأة تخرج لحيضها ونفاسها فيقتضي قوله ان الخروج إذا لم يكن واجبا بل كان مباحا كخروج من خوف الفتنة ونحوه يوجب الكفارة لانه خرج لحاجة نفسه خروجا غير معتاد وظاهر كلام الخرقي وجوب الكفارة لان النذر كاليمين ومن حلف على فعل شئ فحنث لزمته الكفارة سواء كان لعذر أو لغيره وسواء كانت المخالفة واجبة أو لم يكن وفارق صوم رمضان من حيث إن الفطر لا يوجب كفارة سواء كان لعذر أو لغيره وفارق الحيض فانه يتكرر ويظن وجوده في زمن النذر فيصير كالخروج لحاجة الانسان (مسألة) (وان خرج لما له منه بد في المتتابع لزمه استئنافه وان فعله في معين فعليه الكفارة وفي الاستئناف وجهان) إذا خرج لما له منه بد عامدا بطل اعتكافه الا أن يشترطه على ما ذكرناه. وان خرج ناسيا فقال القاضي لا يفسد اعتكافه لانه فعل المنهي عنه ناسيا فلم تفسد العبادة كالاكل في الصوم وقال ابن عقيل يفسد لانه ترك الاعتكاف وهو لزوم المسجد والترك يستوي عمده وسهوه كترك النية في الصوم فان أخرج بعض جسده لم يفسد اعتكافه وان كان عمدا لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج
رأسه من المسجد وهو معتكف إلى عائشة فتغسله وهي حائض متفق عليه (فصل) ويبطل اعتكافه بالخروج وان قل وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وقال أبو يوسف ومحمد لا يبطل حتى يكون أكثر من نصف يوم لان اليسير معفوعنه لان صفية أتت النبي صلى الله عليه وسلم تزوره في معتكفه فلما خرجت لتنقلب خرج معها ليقلبها (1) ولان اليسير معفو عنه بدليل مالو تأنى في مشيه ولنا أنه خروج من معتكفه لغير حاجة فأبطله كما لو أقام أكثر من نصف يوم وأما خروج النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل أنه لم يكن له منه بد لانه كان ليلا فلم يأمن عليها ويحتمل أنه فعل ذلك لكو
[ 142 ]
اعتكافه تطوعا له ترك جميعه فكان له ترك بعضه ولذلك تركه لما أراد نساؤه الاعتكاف معه وأما المشي فيختلف فيه طباع الناس وعليه في تغيير مشيه مشقة ولا كذلك هاهنا فانه لا حاجة به إلى الخروج إذا ثبت ذلك فانه ان فعله في متتابع لزمه الاستئناف لانه امكنه الاتيان بالمنذور على صفته أشبه حالة الابتداء وان فعله في معين لزمه الكفارة لتركه النذر لغير عذر وفي الاستئناف وجهان (أحدهما) يلزمه كالمتتابع ولانه كان يلزمه التتابع مع التعين فان تعذر التعين لزمه التتابع لامكانه ومن ضرورته الاستئناف (والوجه الثاني) لا يلزمه الاستئناف لان ما مضى منه قد أدى العبادة فيه أداء صحيحا فلم تبطل بتركها في غيره كما لو أفطر في أثناء شهر رمضان ولان التتابع هاهنا حصل ضرورة التعيين مصرح به فإذا لم يكن بد من الاخلال باحدهما ففيما حصل ضرورة أولى ولان وجوب التتابع من حيث الوقت لامن حيث النذر فالخروج في بعضه لا يبطل ما مضى منه كصوم رمضان إذا أفطر لغير عذر فعلى هذا يقضي ما أفسد فيه حسب ويكفر على كلا الوجهين لاصل الوجهين فيمن نذر صوما معينا فأفطرفي بعضه فان فيه روايتين كالوجهين اللذين ذكرناهما وكذلك الحكم في كل من أفسد اعتكافه بجماع أو غيره فان كان الاعتكاف تطوعا فلا قضاء عليه لان التطوع لا يلزم بالشروع فيه في غير الحج والعمرة وقد ذكرنا ذلك (فصل) فان نذر اعتكاف أيام متتابعة بصوم فأفطر يوما فسد تتابعه ووجب الاستئناف لاخلاله
بالاتيان بما نذره على صفته والله أعلم (مسألة) (وان وطئ المعتكف في الفرج فسد اعتكافه ولا كفارة عليه الا لترك نذره وقال أبو بكر عليه كفارة يمين وقال القاضي عليه كفارة الظهار) الوطئ في الاعتكاف محرم بالاجماع والاصل فيه قول الله تعالى (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها) فان وطئ في الفرج متعمدا أفسد اعتكافه باجماع أهل العلم حكاه ابن المنذر ولان الوطئ إذا حرم في العبادة أفسدها كالحج والصوم وان كان ناسيا أفسده أيضا وهذا قول أبي حنيفة ومالك وقال الشافعي لا يفسد لانها مباشرة لا تفسد الصوم فلا تفسد الاعتكاف
[ 143 ]
كالمباشرة فيما دون الفرج ولنا أن ما حرم في الاعتكاف استوى عمده وسهوه في إفساده كالخروج من المسجد ولا نعلم أنها لا تفسد الصوم ولان المباشرة دون الفرج لا تفسد الاعتكاف الا إذا اقترن بها الانزال إذا ثبت هذا فلا تجب الكفارة بالوطئ في ظاهر المذهب وهو ظاهر كلام الخرقي وقول عطاء والنخعي وأهل المدينة ومالك وأهل العراق والثوري وأهل الشام والاوزاعي ونقل حنبل عن الامام أحمد أن عليه كفارة وهو قول الحسن والزهري واختيار القاضي لانها عبادة يفسدها الوطئ بعينه فوجبت الكفارة بالوطئ فيها كالحج وصوم رمضان ولنا أنها عبادة لا تجب بأصل الشرع فلم تجب بافسادها كفارة كالنوافل، ولانها عبادة لا يدخل المال في جبرانها فلم تجب الكفارة بافسادها كالصلاة، ولان وجوب الكفارة انما يثبت بالشرع ولم يرد الشرع بايجابها فيبقى على الاصل، وما ذكروه ينتقض بالصلاة وبالصوم في غير رمضان والقياس على الحج لا يصح لانه مباين لسائر العبادات، ولهذا يمضي في فاسده ويلزم بالشروع فيه، ويجب بالوطئ فيه بدنة بخلاف غيره، ولانه لو وجبت الكفارة ههنا بالقياس عليه لزم أن تكون بدنة لان الحكم في الفرع يثبت على صفة الحكم في الاصل إذ كان القياس انما هو توسعة مجرى الحكم فيصير النص الوارد في الاصل واردا في الفرع فيثبت فيه الحكم الثابت في الاصل بعينه، وأما القياس على الصوم فهو دال على
[ 144 ]
نفي الكفارة لان الصوم كله لا يجب بالوطئ فيه كفارة سوى رمضان، والاعتكاف أشبه بغير رمضان لانه نافلة لا يجب إلا بالنذر ثم لا يصح قياسه على رمضان أيضا لان الوطئ فيه انما أوجب الكفارة لحرمة رمضان، ولذلك تجب على كل من لزمه الامساك وإن لم يفسد به صوما واختلف موجبو الكفارة فيها، فقال القاضي تجب كفارة الظهار وهو قول الحسن والزهري، وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل قال أبو عبد الله إذا كان نهارا وجبت عليه الكفارة، قال الشيخ رحمه الله: ويحتمل أن أبا عبد الله انما أوجب عليه الكفارة إذا فعل ذلك في رمضان لانه اعتبر ذلك في النهار لاجل الصوم، ولو كان بمجرد الاعتكاف لما اختص الوجوب بالنهار كما لم يختص الفساد به وحكي عن أبي بكر أن عليه كفارة يمين (قال شيخنا) ولم أر هذا عن أبي بكر في كتاب الشافي ولعل أبا بكر انما أوجب عليه الكفارة في موضع تضمن لافساد الاخلال بالنذر فوجب لتركه نذره وهي كفارة يمين، وأما في غير ذلك فلا لان الكفارة انما تجب بنص أو اجماع أو قياس، وليس ههنا نص ولا اجماع ولا قياس فان نظير الاعتكاف الصوم، ولا تجب بافساده كفارة إذا كان تطوعا ولا منذورا ما لم يتضمن الاخلال بنذره فتجب به كفارة يمين كذلك ههنا، فأما إن كان منذورا فأفسده بالوطئ فالحكم فيه كالحكم فيما إذا أفسده بالخروج لما له منه بد لانه في معناه، وقد ذكرنا ما فيه التفصيل (مسألة) (وإن باشر فيما دون الفرج فأنزل فسد اعتكافه وإلا فلا) إذا كانت المباشرة دون الفرج لغير شهوة فلا بأس بها مثل أن تغسل رأسه أو تفليه لما ذكرنا
[ 145 ]
من حديث عائشة، وإن كانت لشهوة فهي محرمة لقوله تعالى (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) ولقول عائشة رضي الله عنها: السنة للمعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس أمرأة ولا يباشرها، رواه أبو داود، ولانه لا يأمن افضاءها إلى افساد الاعتكاف وما أفضى إلى الحرام حرام، فان فعل فأنزل فسد اعتكافه وإن لم ينزل لم يفسد، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر يفسد في الحالين وهو قول مالك لانها مباشرة محرمة فأفسدت
الاعتكاف كما لو أنزل ولنا أنها مباشرة لا يفسد صوما ولا حجا فلم تفسد الاعتكاف كالمباشرة لغير شهوة وفارق التي أنزل بها لانها تفسد الصوم ولا كفارة عليه إلا على رواية حنبل (فصل) وإن ارتد فسد اعتكافه لقول الله تعالى (لئن أشركت ليحبطن عملك) ولانه خرج
[ 146 ]
بالردة عن كونه من أهل الاعتكاف، وإن شرب ما أسكره فسد اعتكافه بخروجه عن كونه من أهل
[ 147 ]
المسجد، ومتى أفسد اعتكافه فلا كفارة عليه إلا أن يكون واجبا وقد ذكرناه (مسألة) (ويستحب للمعتكف التشاغل بفعل القربة واجتناب ما لا يعنيه) يستحب للمعتكف التشاغل بالصلاة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى ونحو ذلك من الطاعات المحضة ويجتنب مالا يعنيه من الاقوال والافعال لان من كثر كلامه كثر سقطه، وفي الحديث " من حسن اسلام المرء تركه مالا يعنيه " ويجتنب الجدال والمراء والسباب والفحش فان ذلك مكروه في غير الاعتكاف ففيه أولى ولا يبطل الاعتكاف بشئ من ذلك لانه لما لم يبطل بمباح الكلام لم يبطل بمحظوراته وعكسه الوطئ ولا بأس بالكلام بمحادثته ومحادثة غيره فان صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته لازوره ليلا فحدثته ثم قمت فانقلبت فقام معي ليقلبني (1) وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من الانصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال النبي صلى الله عليه وسلم " على رسلكهما انها صفية بنت حيي " فقالا سبحان الله يارسول الله قال " ان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم واني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا " أو قال " شيئا " متفق عليه وقال علي رضي الله عنه أيما رجل معتكف فلا يساب ولا يرفث في الحديث ويأمر أهله بالحاجة أي وهو يمشي ولا يجلس عندهم رواه الامام أحمد (فصل) ويجتنب المعتكف البيع والشراء الا مالا بد له منه قال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول المعتكف لا يبيع ولا يشتري الا مالا بد له منه طعام أو نحو ذلك فأما التجارة والاخذ والعطاء فلا يجوز
وقال الشافعي لا بأس أن يبيع ويشتري ويخيط ويتحدث ما لم يكن مأثما
[ 148 ]
ولنا ماروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البيع والشراء في المسجد رواه الترمذي وقال حديث حسن ورأى عمر ان القصير رجلا يبيع في المسجد فقال يا هذا ان هذا سوق الآخرة فان أردت البيع فاخرج إلى سوق الدنيا وإذا منع من البيع والشراء في غير حال الاعتكاف ففيه أولى فأما الصنعة فظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز منها ما يتكسب به ولانه بمنزلة البيع والشراء ويجوز ما يعمله لنفسه كخياطة قميصه ونحوه وقد روى المروذي قال سألت ابا عبد الله عن المعتكف ترى له أن يخيط قال لا ينبغي له أن يعتكف إذا كان يريد أن يفعل، وقال القاضي لا تجوز الخياطة في المسجد سواء كان محتاجا إليها أو لم يكن لان ذلك معيشة وتشغل عن الاعتكاف فأشبه البيع والشراء فيه قال شيخنا: والاولى أن يباح له ما يحتاج إليه من ذلك إذا كان يسيرا مثل ان ينشق قميصه فيخيطه أو ينحل شئ يحتاج إلى ربطه فيربطه لان هذا يسير تدعو الحاجة إليه فجرى مجرى لبس قميصه وعمامته
[ 149 ]
(فصل) وليس الصمت من شريعة الاسلام وظاهر الاخبار تحريمه، قال قيس بن مسلم دخل أبو بكر رضي الله عنه على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم فقال مالها لا تتكلم؟ قالوا حجب مصمتة، فقال لها تكلمي هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية فتكلمت. رواه البخاري، وروى أبو داود باسناده عن علي رضي الله عنه قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا صمات يوم إلى الليل " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صوم الصمت، فان نذر ذلك لم يلزمه الوفاء به، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر ولا نعلم فيه مخالفا لما روى ابن عباس قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ولا
[ 150 ]
يستظل، ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " مره فليتكلم، وليستظل وليقعد وليتم صيامه "
رواه البخاري، ولانه نذر فعل منهي عنه فلم يلزمه كنذر المباشرة في المسجد، وإن أراد فعله لم يكن له ذلك سواء نذره أو لم ينذره، وقال أبو ثور وابن المنذر له فعله إذا كان أسلم ولنا النهي عنه وظاهره التحريم والامر بالكلام ومقتضاه الوجوب، وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه إن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، وهذا صريح لم يخالفه أحد من الصحابة فيما علمناه واتباع ذلك أولى (فصل) ولا يجوز أن يجعل القرآن بدلا من الكلام لانه استعمال له في غير ما هو له أشبه استعمال المصحف في التوسد ونحوه وقد جاء " لا تناظروا بكتاب الله " قيل معناه لا تتكلم به عند الشئ تراه كأن ترى رجلا قد جاء في وقته فيقول (وجئت على قدر يا موسى) ونحوه ذكر أبو عبيد نحو هذا المعنى (مسألة) (ولا يستحب له اقراء القرآن والعلم والمناظرة فيه إلا عند الخطاب إذا قصد به الطاعة) أكثر أصحابنا لا يستحبون للمعتكف اقراء القرآن وتدريس العلم ومناظرة الفقهاء ومجالستهم وكتابة الحديث ونحو ذلك مما يتعدى نفعه وهو ظاهر كلام أحمد وقال أبو الحسن الآمدي في استحباب ذلك روايتان. واختار أبو الخطاب أنه مستحب إذا قصد به طاعة الله تعالى لا المباهاة وهذا مذهب الشافعي لان ذلك أفضل العبادات ونفعه يتعدى فكان أولى من تركه كالصلاة واحتج أصحابنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف فلم ينقل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصة به، ولان الاعتكاف عبادة من شرطها المسجد فلم يستحب فيها ذلك كالطواف وما ذكروه يبطل بعيادة المرضى وشهود الجنازة فعلى هذا القول فعله لهذه الافعال أفضل من الاعتكاف قال المروذي قلت لابي عبد الله ان رجلا يقرئ في المسجد وهو يريد أن يعتكف ولعله أن يختم في كل يوم فقال إذا فعل هذا كان لنفسه وإذا قعد في المسجد كان له ولغيره يقرئ أحب الي وسئل أيما أحب اليك الاعتكاف أو الخروج إلى عبادان فقال ليس يعدل الجهاد عندي شئ يعني أن الخروج إلى عبادان أفضل من الاعتكاف
[ 151 ]
(فصل) ولا بأس أن يتزوج المعتكف ويشهد النكاح في المسجد لانه عبادة لا تحرم الطيب فلا تحرم النكاح كالصوم ولان النكاح طاعة وحضوره قربة ومدته لا تتطاول فلم يكره كتشميت العاطس ورد السلام
(فصل) ولا بأس أن يتنظف بأنواع التنظف لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يرجل رأسه وهو معتكف وله أن يتطيب ويلبس الرفيع من الثياب وليس ذلك بمستحب قال الامام احمد لا يعجبني أن يتطيب وذلك لان الاعتكاف عبادة تختص مكانا فكان ترك الطيب فيها مشروعا كالحج وليس ذلك بمحرم لانه لا يحرم اللباس ولا النكاح أشبه الصوم (فصل) ولا بأس أن يأكل المعتكف في المسجد ويضع سفرة يسقط عليها ما يقع منه كيلا يتلوث المسجد ويغسل يده في الطست ليفرغ خارج المسجد ولا يجوز أن يخرج ليغسل يده لان من ذلك بدا وهل يكره تجديد الطهارة في المسجد؟ فيه روايتان (إحداهما) لا يكره لان أبا العالية قال حدثني من كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اما ما حفظت لكم منه أنه كان يتوضأ في المسجد وعن ابن عمر أنه كان يتوضأ في المسجد الحرام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء وعن ابن سيرين قال كان أبو بكر وعمر والخلفاء رضي الله عنهم يتوضئون في المسجد وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس وابن جريج (والثانية) يكره لانه لا يسلم من أن يبصق في المسجد أو يتمخط والبصاق في المسجد خطيئة ولانه
[ 152 ]
يبل من المسجد مكانا يمنع المصلين من الصلاة فيه وان خرج من المسجد للوضوء وكان تجديدا بطل لانه خروج لما له منه بد وان كان وضوأ عن حدث لم يبطل لان الحاجة داعية إليه سواء كان في وقت الصلاة أو قبلها لانه لا بد من الوضوء للحدث وانما يتقدم عن وقت الحاجة إليه لمصلحة وهو كونه على وضوء ربما يحتاج إلى صلاة النافلة (فصل) إذا أراد أن يبول في المسجد في طست لم يبح له ذلك لان المساجد لم تبن لهذا وهو
[ 153 ]
مما يقبح ويفحش ويستخف به فوجب صيانة المسجد عنه كما لو أراد أن يبول في أرضه لم يغسله، وإن
[ 154 ]
أراد الفصد والحجامة فيه فكذلك ذكره القاضي لانه اراقة نجاسة في المسجد فأشبه البول فيه، وإن
[ 155 ]
دعت إليه حاجة كبيرة خرج من المسجد ففعله، وإن استغنى له الخروج إليه كالمرض الذي يمكن احتماله وقال
[ 156 ]
ابن عقيل يحتمل أن يجوز الفصد في المسجد في طست بدليل أن المستحاضة يجوز لها الاعتكاف ويكون
[ 157 ]
تحتها شئ يقع فيه الدم، قالت عائشة رضي الله عنها: اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه
[ 158 ]
مستحاضة فكانت ترى الحمرة والصفرة وربما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي. رواه البخاري والاول أولى والفرق بينهما أن المستحاضة لا يمكنها التحرز من ذلك إلا بترك الاعتكاف بخلاف الفصد والله أعلم
[ 159 ]
(كتاب المناسك) (مسألة) (يجب الحج والعمرة في العمر مرة واحدة بخمسة شروط) الحج في اللغة القصد وعن الخليل قال: الحج كثرة القصد إلى من تعظمه. قال الشاعر: واشهد من عوف حئولا كثيرة * يحجون سب الزبرقان المزعفرا أي يقصدون، والسب العمامة، وفي الحج لغتان الحج والحج بفتح الحاء وكسرها، والحج في الشرع اسم لافعال مخصوصة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى وهو أحد أركان الاسلام الخمسة والدليل على وجوبه الكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقوله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا * ومن كفر فان الله غني عن العالمين) روي عن ابن عباس ومن كفر باعتقاده أنه غير واجب، وقال الله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم " بني الاسلام على خمس شهادة أن لا إله الا الله " وذكر فيها الحج (فصل) وانما يجب مرة واحدة في العمر لما روى مسلم باسناده عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا " فقال رجل أكل عام يارسول الله؟
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " ثم قال " ذروني ما تركتكم فانما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم وإذا أمرتكم
[ 160 ]
فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه " في أخبار سوى هذين كثيرة وأجمعت الامة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة (فصل) وتجب العمرة على من يجب عليه الحج في احدى الروايتين، يروى ذلك عن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي والثوري والشافعي في أحد قوليه، والرواية الثانية ليست واجبة روى ذلك عن ابن مسعود وبه قال مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال " لا وان تعتمروا فهو أفضل " أخرجه الترمذي قال حديث حسن صحيح وعن طلحة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " الحج جهاد والعمرة تطوع " رواه ابن ماجة ولانه نسك غير مؤقت فلم يكن واجبا كالطواف المجرد ووجه الاولى قول الله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) ومقتضى الامر الوجوب ثم إنه عطفها على الحج والاصل التساوى بين المعطوف والمعطوف عليه قال ابن عباس إنها لقرينة الحج في كتاب الله وعن الضبي بن معبد قال أتيت عمر فقلت يا أمير المؤمنين إني أسلمت وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما فقال عمر هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود والنسائي وعن ابن رزين أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله ان أبي شيخ كبير ولا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن فقال " حج عن أبيك واعتمر " رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح وذكره أحمد ثم قال وحديث يرويه سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أوصني قال " تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج وتعتمر " وروى الاثرم باسناده عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن وكان في الكتاب " أن العمرة هي الحج الاصغر " ولانه قول من سمينا من الصحابة لم نعلم لهم مخالفا الا ابن مسعود وقد اختلف عنه، وأما حديث جابر فقال الترمذي قال الشافعي هو
ضعيف لا تقوم به الحجة وليس في العمرة شئ ثابت بانها تطوع وقال ابن عبد البر روى ذلك باسانيد لا تصح ولا تقوم بمثلها الحجة ثم نحلمه على المعهود وهو العمرة التي قضوها حين احصروا في الحديبية أو على العمرة التي اعتمروها مع حجتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم فانها لم تكن واجبة على من اعتمر أو على ما زاد على العمرة الواحدة وتفارق العمرة الطواف لان من شرطها الاحرام بخلاف الطواف وليس على أهل مكة عمرة نص عليه أحمد وقال: كان أبن عباس يرى العمرة واجبة ويقول: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة وانما عمرتكم طوافكم بالبيت، وبهذا قال عطاء وطاوس، قال عطاء ليس أحد من خلق الله إلا عليه حج وعمرة واجبان لابد منهما لمن استطاع اليهما سبيلا إلا أهل مكة
[ 161 ]
فان عليهم حجة وليس عليهم عمرة من أجل طوافهم بالبيت ووجه ذلك أن ركن العمرة ومعظمها الطواف بالبيت وهم يفعلونه فاجزأ عنهم، وحمل القاضي كلام الامام أحمد على أنه لا عمرة عليهم مع الحجة لانه يتقدم منهم فعلها في غير وقت الحج، قال الشيخ رحمه الله والامر على ما قلناه (مسألة) (وانما يجب الحج والعمرة بخمس شروط: الاسلام والعقل والبلوغ والحرية والاستطاعة) لا نعلم في هذا كله خلافا، أما الصبي والمجنون فلانهما غير مكلفين لما روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل " رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن وأما العبد فلا تجب عليه لانها عبادة تطول مدتها وتتعلق بقطع مسافة ويشترط لها الاستطاعة بالزاد والراحلة وتضيع حقوق السيد المتعلقة به فلم تجب عليه كالجهاد، وغير المستطيع لا يجب عليه لان الله تعالى خص المستطيع بالايجاب عليه، وقال الله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وأما الكافر فلانه ليس من أهل العبادات (فصل) وهذه الشروط تنقسم ثلاثة أقسام (منها) ما هو شرط للوجوب والصحة وهما الاسلام والعقل فلا يجب على كافر ولا مجنون، ولا يصح منهما لكونهما ليسا من أهل العبادات، (ومنها) ما هو
شرط للوجوب والاجزاء وهو البلوغ والحرية وليس شرطا للصحة فلو حج الصبي والعبد صح حجهما
[ 162 ]
ولم يجزئهما عن حجة الاسلام إن بلغ الصبي أو عتق العبد، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم إلا من شذ عنهم ممن لا يعتد بخلافه على أن الصبي إذا حج في حال صغره والعبد إذا حج في حال رقه ثم بلغ الصبي وعتق العبد ان عليهما حجة الاسلام إذا وجدا إليها سبيلا، كذلك قال ابن عباس وعطاء والحسن والنخعي والثوري ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، قال الترمذي وقد أجمع أهل العلم عليه. وقال الامام أحمد رحمه الله عن محمد بن كعب القرظي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني أريد أن أجدد في صدور المؤمنين عهدا أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه، فان أدرك فعليه الحج " رواه سعيد في سننه والشافعي في مسنده عن ابن عباس من قوله، ولان الحج عبادة بدنية فعلها قبل وقت وجوبها فلم يمنع ذلك وجوبها عليه في وقتها كما لو صلى قبل الوقت، أو كما لو صلى ثم بلغ في الوقت (ومنها) ما هو شرط للوجوب وذلك الاستطاعة (مسألة) (إلا أن يبلغ ويعتق في الحج قبل الخروج من عرفة وفي طوافها فيجزئهما) إذا بلغ الصبي أو عتق العبد بعرفة أو قبلها غير محرمين فاحرما ووقفا بعرفة فاتما المناسك أجزأهما عن حجة الاسلام بغير خلاف علمناه لانهما لم يفتهما شئ من أركان الحج ولا فعلا منها شيئا قبل وجوبه، وإن كان البلوغ والعتق وهما محرمان أجزأهما أيضا عن حجة الاسلام، كذلك قال ابن عباس وهو مذهب الشافعي واسحاق وهو قول الحسن في العبد، وقال مالك لا يجزئهما اختاره ابن المنذر. وقال أصحاب الرأي لا يجزئ العبد، فأما الصبي فان جدد احراما بعد أن احتلم قبل الوقوف أجزأه وإلا فلا لان احرامهما لم ينعقد واجبا فلا يجزي عن الواجب كما لو بقيا على حالهما ولنا أنه أدرك الوقوف حرا بالغا فاجزأه كما لو أحرم تلك الساعة، قال أحمد وطاوس عن ابن عباس أذا أعتق العبد بعرفة اجزأت عنه حجته، فان أعتق بجمع لم تجز عنه، وهؤلاء يقولون لاتجزئ ومالك يقوله أيضا، وكيف لا يجزئه وهو لو أحرم تلك الساعة كان حجه تاما وما أعلم أحدا قال لا يجزئه إلا هؤلاء
(فصل) والحكم فيما إذا أعتق للعبد وبلغ الصبي بعد خروجهما من عرفة فعادا إليها قبل طلوع الفجر ليلة النحر كالحكم فيما إذا كانا فيها لانهما قد أدركا من الوقت ما يجزئ ولو كان لحظة، وإن لم يعودا أو كان ذلك بعد طلوع الفجر من يوم النحر لم يجزئهما عن حجة الاسلام ويتمان حجهما تطوعا لفوات الوقوف المفروض ولا دم عليهما لانهما حجا تطوعا باحرام صحيح من الميقات فأشبها البالغ الذي يحج تطوعا، فان قيل فلم لا قلتم إن الوقوف فعلاه يصير فرضا كما قلتم في الاحرام الذي أحرم به قبل
[ 163 ]
البلوغ إنه يصير بعد بلوغه فرضا؟ قلنا انما اعتددنا له باحرامه الموجود بعد بلوغه وما قبله تطوع لم ينقلب فرضا ولا اعتد له به الوقوف مثله، فنظير أن يبلغ وهو واقف بعرفة فانه يعتد له بما أدرك من الوقوف ويصير فرضا دون ما مضى (فصل) إذا بلغ الصبي أو عتق العبد قبل الوقوف أو في وقته وأمكنهما الاتيان بالحج لزمهما ذلك لان الحج واجب على الفور فلا يجوز تأخيره مع امكانه كالبالغ الحر وان فاتهما الحج لزمتهما العمرة عند من أوجبهما لانها واجبة أمكن فعلها فاشبهت الحج ومتى أمكنهما ذلك فلم يفعلا استقر الوجوب عليهما سواء كانا وسرين أو معشرين لان ذلك وجب عليهما بامكانه في موضعه فلم يسقط بفوات القدرة بعده (فصل) والحكم في الكافر يسلم والمجنون يفيق حكم الصبي يبلغ في جميع ما ذكرنا الا أن هذين لا يصح منهما احرام ولو أحرما لم ينعقد احرامهما لانهما من غير أهل العبادات وحكمهما حكم من لم يحرم (مسألة) (ويحرم الصبي المميز باذن وليه وغير المميز يحرم عنه وليه ويفعل ما يعجز عنه من عمله حج الصبي صحيح فان كان مميزا أحرم باذن وليه وان لم يكن مميزا أحرم عنه وليه فيصير محرم بذلك وبه قال مالك والشافعي وروي عن عطاء والنخعي وقال أبو حنيفة لا ينعقد احرام الصبي ولا يصير محرما باحرام وليه لان الاحرام سبب يلزم به حكم فلم يصح من الصبي كالنذر ولنا ماروى ابن عباس قال رفعت امرأة صبيا فقالت يارسول الله ألهذا حج؟ قال " نعم ولك أجر " رواه مسلم وغيره من الائمة وروى البخاري عن السائب بن يزيد قال حج بي مع النبي صلى الله عليه وسلم
وأنا ابن سبع سنين، ولان أبا حنيفة قال يجتنب ما يجتنبه المحرم ومن اجتنب ما يجتنبه المحرم كان إحرامه صحيحا والنذر لا يجب به شئ بخلاف مسئلتنا والكلام في حج الصبي في فصول أربعة في الاحرام عنه أو منه وفيما يفعله ينفسه أو بغيره وفي حكم جناياته على احرامه وفيما يلزمه من القضاء والكفارة (الفصل الاول في احرامه) فان كان مميزا أحرم باذن وليه ولا يصح بغير اذنه لانه عقد يؤدي إلى لزوم مال فلم ينعقد من الصبي بنفسه كالبيع، وان كان غير مميز فأحرم عنه من له ولاية على ماله كالاب والوصي وأمين الحاكم صح، ومعنى إحرامه عنه انه يعقد له الاحرام فيصح للصبي دون الولي كما يعقد له النكاح فعلى هذا يصح عقد الاحرام عنه سواء كان الولي محرما أو حلالا ممن عليه حجة الاسلام أو غيره، فان أحرمت عنه أمه صح لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ولك أجر " ولا يضاف الاجر إليها إلا لكونه تبعا لها في الاحرام، قال الامام أحمد في رواية حنبل: يحرم عنه أبوه أو وليه واختاره
[ 164 ]
ابن عقيل وقال المال الذي يلزم بالاحرام لا يلزم الصبي وانما يلزم من أدخله في الاحرام في أحد الوجهين، وقال القاضي ظاهر كلام أحمد انه لا يحرم عنه إلا وليه لانه لا ولاية للام على ماله والاحرام يتعلق به إلزام مال فلا يصح من غير ذي ولاية كشراء شئ له، فأما غير الام والولي من الاقارب كالاخ والعم وابنه فيخرج فيهم وجهان بناء على القول في الام، أما الاجانب فلا يصح إحرامهم عنه وجها واحدا (الفصل الثاني) ان كل ما أمكنه فعله بنفسه لزمه فعله ولا ينوب عنه غيره فيه كالوقوف والمبيت بمزدلفة ونحوهما وما عجز عنه عمله الولي عنه. قال جابر خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجا ومعنا النساء والصبيان فأحرمنا عن الصبيان، رواه سعيد في سننه ورواه ابن ماجة وفيه فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم، ورواه الترمذي قال فكنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان، قال ابن المنذر كل من نحفظ عنه من أهل العلم يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي كان ابن عمر يفعل ذلك، وبه قال عطاء والزهري ومالك والشافعي واسحاق، وعن ابن عمر أنه كان يحج سبيانه وهم صغار فمن استطاع منهم أن يرمي رمى ومن لم يستطع أن يرمي رمى عنه، وعن أبي اسحاق ان أبا بكر رضي الله عنه طاف بابنه في خرقة، رواهما الاثرم، قال الامام أحمد يرمى عن الصبي أبوه أو وليه، قال القاضي ان أمكنه
أن يناول النائب الحصى ناوله وان لم يمكنه استحب أن يوضع الحصى في يده ثم يؤخذ منه فيرمى عنه وان وضعها في يد الصغير ورمى بها فجعل يده كالآلة فحسن، ولا يجوز أن يرمي الا من قد رمى عن نفسه لانه لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسه كالحج، وأما الطواف فانه ان أمكنه المشي مشى والا طيف به محمولا أو راكبا لما ذكرنا من فعل أبي بكر، ولان الطواف بالكبير محمولا لعذر يجوز فالصغير أولى، ولا فرق بين أن يكون الحامل له حلالا أو حراما ممن أسقط الفرض عن نفسه أو لم يسقطه لان الطواف للمحمول لا للحامل ولذلك صح أن يطوف راكبا على بعير وان طيف به محمولا أو راكبا وهو يقدر على الطواف بنفسه ففيه روايتان نذكرهما فيما بعد ان شاء الله تعالى ومتى طاف بالصبي اعتبرت النية من الطائف فان لم ينو الطواف عن الصبي لم يجزئه لانه لما لم يعتبر النية من الصبي اعتبرت من غيره كما في الاحرام، فان نوى الطواف عنه وعن الصبي احتمل وقوعه عن نفسه كالحج إذا نوى عنه وعن غيره، واحتمل أن يقع عن الصبي كما لو طاف بكبير ونوى كل واحد عن نفسه لكون المحمول أولى، واحتمل أن يلغو لعدم التعيين لكون الطواف لا يقع عن غير معين وأما الاحرام فان الصبي يجرد كما يجرد الكبير، وقد روي عن عائشة رضي الله عنها انها كانت تجرد الصبيان إذا دنوا من الحرم قال عطاء يفعل بالصغير كما يفعل بالكبير ويشهد به المناسك كلها الا أنه لا يصلى عنه
[ 165 ]
(الفصل الثالث في محظورات الاحرام) وهي قسمان ما يختلف عمده وسهوه كاللباس والطيب ومالا يختلف كالصيد وحلق الشعر (فالاول) لا فدية على الصبي فيه لان عمده خطأ (والثاني) عليه فيه الفدية وان وطئ أفسد حجه ويمضي في فاسده وفي وجوب القضاء عليه وجهان (احدهما) لا يجب لئلا تجب عبادة بدنية على غير مكلف (والثاني) يجب لانه افساد موجب للبدنة فاوجب القضاء كوطئ البالغ فان قضى بعد البلوغ بدأ بحجة الاسلام فان أحرم بالقضاء قبلها انصرف إلى حجة الاسلام وهل تجرئه عن القضاء؟ ينظر فان كانت الفاسدة قد أدرك فيها شيئا من الوقوف بعد بلوغه أجزأ عنهما جميعا وإلا لم يجزئه وكذلك حكم العبد والله أعلم (مسألة) (ونفقة الحج وكفارته في مال وليه وعنه في مال الصبي)
أما نفقة الحج فقال القاضي ما زاد على نفقة الحضر فهو في مال الولي لانه كلفه ذلك عن غير حاجة بالصبي إليه اختاره أبو الخطاب وحكي عن القاضي أنه ذكر في الخلاف أن جميع النفقة على الصبي لان الحج له فنفقته عليه كالبالغ ولان له فيه مصلحة بتحصيل الثواب له ويتمرن عليه فصار كاجر المعلم والطبيب والصحيح الاول لان هذا لا يجب في العمر الا مرة فلا حاجة إلى التمرن عليه ولانه قد لا يجب فلا يجوز تكليفه بذل ماله من غير حاجة إليه (فصل) فان اغمى على البالغ فاحرم عنه رفيقه لم يصح وهذا قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة يصير محرما باحرام رفيقه عنه استحسانا ولنا أنه بالغ فلم يصر محرما باحرام رفيقه كالنائم ولانه لو أذن في ذلك وأجازه لم يصح فمع عدمه أولى (مسألة) (وليس للعبد الاحرام إلا باذن سيد ولا للمرأة الاحرام نفلا الا باذن زوجها فان شرعا فيه بغير اذن فلهما تحليلهما ويكونان كالمحصر وان كان باذن لم يجز تحليلهما) وجملته أنه ليس للعبد الاحرام بدون اذن سيده لانه تفوت به حقوق سيده الواجبة عليه بالتزام ما ليس بواجب فان فعل انعقد احرامه صحيحا لانها عبادة بدنية فاشبهت الصلاة والصوم ولسيده تحليله في أظهر الروايتين اختارها ابن حامد لان في بقائه عليه تفويتا لحقه بغير اذنه فلم يلزم ذلك لسيده كالصوم المضر ببدنه (والثانية) ليس له تحليله اختارها أبو بكر لانه لا يمكن التحلل من تطوع نفسه فلم يملك تحليل عبده والاول اصح وانما لم يملك تحليل نفسه لانه التزم التطوع باختياره فنظيره أن يحرم عبده باذنه، وفي مسئلتنا يفوت حقه الواجب بغير اختياره فاما ان احرم باذن سيده لم يكن له تحليله وهذا قول الشافعي وقال أبو حنيفة له ذلك لانه ملكه منافع نفسه فكان له
[ 166 ]
الرجوع فيها كالمعير يرجع في العارية ولنا أنه عقد لازم باذن سيده فلم يكن لسيده فسخه كالنكاح ولا يلزم عليه العارية لانها ليست لازمة ولو أعاره شيئا ليرهنه فرهنه لم يكن له الرجوع فيه فان باعه سيده بعد ما احرم فحكم مشتريه في تحليله حكم بائعه لانه اشتراه مسلوب المنفعة أشبه الامة المزوجة والمستأجرة فان علم المشتري بذلك
فلا خيار له كما لو اشترى معيبا يعلم عيبه وان لم يعلم فله الفسخ لانه يتضرر بمضي العبد في حجه لفوات منافعه إلا أن يكون احرامه بغير اذن سيده ونقول له تحليله فلا فسخ له لانه يمكنه دفع الضرر عنه ولو أذن له سيده في الاحرام وعلم العبد برجوعه قبل احرامه فهو كمن لم يؤذن له وان لم يعلم ففيه وجهان بناء على الوكيل هل ينعزل بالعزل قبل العلم على روايتين (فصل) إذا نذر العبد الحج صح نذره لانه مكلف فصح نذره كالحر ولسيده منعه من المضي فيه لانه يفوت حق سيده الواجب فمنع منه كما لو لم ينذر ذكره القاضي وابن حامد وروي عن أحمد أنه قال لا يعجبني منعه من الوفاء به وذلك لما فيه من اداء الواجب فيحتمل أن ذلك على الكراهة لا على التحريم لما ذكرنا، ويحتمل التحريم لانه واجب فلا يملك منعه منه كسائر الواجبات والاول أولى فان اعتق لزمه الوفاء به بعد حجة الاسلام فان أحرم به أولا انصرف إلى حجة الاسلام في الصحيح من المذهب كالحر إذا نذر حجا (فصل) في جناياته وما جنى على إحرامه لزمه حكمه وحكمه فيما يلزمه حكم الحر المعسر فرضه الصيام وإن تحلل بحصر عدو أو حلله سيده فعليه الصيام لا يتحلل قبل فعله كالحر وليس لسيده أن يحول بينه وبين الصوم نص عليه لانه صوم واجب أشبه صوم رمضان فان ملكه السيد هديا واذن له في اهدائه وقلنا انه يملكه فهو كالواجب للهدى لا يتحلل الا به وان قلنا لا يملكه ففرضه الصيام وان أذن له سيده في تمتع أو قران فعليه الصيام بدلا عن الهدي الواجب بهما وذكر القاضي ان على سيده تحمل ذلك عنه لانه باذنه فكان على من أذن فيه كما لو فعله النائب باذن المستنيب، قال شيخنا وليس بجيد لان الحج للعبد وهذا من موجباته فيكون عليه كالمرأة إذا حجت باذن زوجها ويفارق من يحج عن غيره فان الحج للمستنيب فموجبه عليه وان تمتع أو قارن بغير اذن سيده فالصيام عليه بغير خلاف وان أفسد حجه فعليه أن يصوم لذلك لانه لا مال هل فهو كالمعسر الحر (فصل) وان وطئ قبل التحلل الاول فسد نسكه ويلزمه المضي في فاسده كالحر لكن ان كان الاحرام مأذونا فيه فليس لسيده اخراجه منه لانه ليس له منعه من صحيحه فلم يملك منعه من
[ 167 ]
فاسده وان كان بغير اذنه فله تحليله منه لان له تحليله من صحيحه فالفاسد أولى وعليه القضاء سواء كان الاحرام مأذونا فيه أو غير مأذون ويصح القضاء في حال رقه لانه وجب فيه فصح كالصلاة والصيام ثم ان كان الاحرام الذي أفسده مأذونا فيه فليس له منعه من قضائه لان اذنه في الحج الاول اذن في موجبه ومقتضاه ومن موجبه القضاء لما أفسده فان كان الاول غير مأذون فيه احتمل أن لا يملك منعه من قضائه لانه واجب وليس للسيد منعه من الواجبات واحتمل ان له منعه منه لانه يملك منعه من الحج الذي شرع فيه بغير اذنه فكذلك هذا فان اعتق قبل القضاء فليس له فعله قبل حجة الاسلام لانها آكد فان أحرم بالقضاء انصرف إلى حجة الاسلام في الصحيح من المذهب وبقي القضاء في ذمته وان عتق في أثناء الحجة الفاسدة فأدرك من الوقوف ما يجزئه أجزأه القضاء عن حجة الاسلام لان المقضي لو كان صحيحا أجزأه فكذلك قضاؤه فان أعتق بعد ذلك لم يجزئه لان المقضي لم يجزئه فكذلك القضاء والمدبر والمعلق عتقه بصفة وام الولد والمعتق بعضه حكمه حكم القن فيما ذكرناه (فصل) وان أحرمت المرأة بحج أو عمرة تطوعا فلزوجها تحليلها ومنعها منه في ظاهر المذهب وهو ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي ليس له تحليلها لان الحج يلزم بالشروع فيه فلم يملك تحليلها منه كالمنذور قال وحكي عن أحمد في امرأة تحلف بالصوم أو بالحج لها أن تصوم بغير اذن زوجها قد ابتليت وابتلى زوجها ولنا أنه تطوع يفوت حق غيرها منه أحرمت بغير اذنه فملك تحليلها كالامة إذا أحرمت بغير اذن سيدها والمدينة تحرم بغير اذن غريمها على وجه يمنعه ايفاء دينه الحال عليها ولان العدة تمنع المضي في الاحرام لحق الله عزوجل فحق الآدمي أولى لان حقه أضيق لشحه وحاجته وكرم الله وغناه وكلام احمد لا يتناول محل النزاع بل قد خالفه من وجهين (أحدهما) أنه في الصوم وتأثير الصوم في منع حق الزوج يسير لكونه في النهار دون الليل (الثاني) أن الصوم إذا وجب صار كالمنذور والشروع ههنا على وجه غير مشروع فلم يكن له حرمة بالنسبة إلى صاحب الحق
(فصل) فان كانت حجة الاسلام لكن لم تكمل شروطها لعدم الاستطاعة فله منعها من الخروج إليها والتلبس بها لانها غير واجبة عليها فان احرمت بها بغير اذن لم يملك تحليلها لان ما أحرمت به يقع عن حجة الاسلام الواجبة بأصل الشرع كالمريض إذا تكلف حضور الجمعة ويحتمل
[ 168 ]
أن له تحليلها لفقدان شرطها فأشبهت الامة والصغيرة فانه لما فقدت الحرية والبلوغ ملك منعها ولانها ليست واجبة عليها اشبهت سائر التطوع فأما الخروج إلى حج التطوع والاحرام به فله منعها منه (مسألة) (وليس للرجل منع امرأته من حج الفرض ولا تحليلها ان أحرمت به بغير خلاف حكاه ابن المنذر فان أذن لها فله الرجوع ما لم تتلبس بالاحرام ومتى قلنا له تحليلها فحللها فحكمها حكم المحصر يلزمها الهدى أو الصوم ان لم تجده كسائر المحصرين) ليس للزوج منع أمرأته من المضي إلى الحج الواجب عليها إذا كملت شروطه وكان لها محرم يخرج معها لانه واجب وليس له منعها من الواجبات كالصوم والصلاة وهذا قول النخعي واسحاق واصحاب الرأي وهو الصحيح من قولي الشافعي وله قول آخر أن له منعها بناء على أن الحج على التراخي ووجه ذلك ما تقدم ويستحب لها استئذانه نص عليه فان اذن لها والا خرجت بغير إذنه (فصل) ولا تخرج إلى الحج في عدة الوفاة نص عليه ولها الخروج إذا كانت مبتوتة لان المبيت ولزوم منزلها واجب في عدة الوفاة دون لمبتوتة فانه لا يجب عليها ذلك وقدم على الحج لانه يفوت وأما الرجعية فحكمها حكم الزوجة فان خرجت للحج فتوفى زوجها في الطريق فسنذكر ذلك في العدد إن شاء الله تعالى والله أعلم وان تكمل شروطه فله منعها من المضي إليه والشروع فيه لانه يفوت حقه بما ليس بواجب عليها فملك منعها منه كصوم التطوع (فصل) فان أحرمت بالحج الواجب عليها لم يكن له منعها، وكذلك إن أحرمت بالعمرة الواجبة ولا تحليلها إذا أحرمت في قول أكثر أهل العلم منهم النخعي واسحاق وأصحاب الرأي، وبه قال الشافعي في أصح قوليه، وقال في الآخر له منعها لان الحج عنده على التراخي فلا يتعين في هذا العام والصحيح الاول لان الحج الواجب يتعين بالشروع فيه فصار كالصلاة إذا أحرمت بها في أول
وقتها وقضاء رمضان إذا شرعت فيه، ولان حق الزوج مستمر على الدوام فلو ملك منعها في هذا العام ملكه في كل عام فيفضي إلى اسقاط أحد أركان الاسلام (فصل) فان أحرمت بواجب فحلف عليها زوجها بالطلاق الثلاث أن لا تحج العام فليس لها ان تحل لان الطلاق مباح وليس لها ترك الفضيلة لاجله، ونقل مهنا عن أحمد أنه سئل عن هذه المسألة فقال قال عطاء الطلاق هلاك وهي بمنزلة المحصر فاحتج بقول عطاء فلعله ذهب إليه لان ضرر الطلاق عظيم لما فيه من خروجها من بيتها ومفارقة زوجها وولدها، وقد يكون ذلك أعظم من ذهاب مالها، ولذلك سماه عطاء هلاكا، ولانه لو منعها عدو من الحج إلا أن تدفع إليه مالها كان ذلك حصرا فهذا أولى
[ 169 ]
(فصل) وليس للوالد منع ولده من حج الفرض والنذر ولا تحليله من احرامه وليس للولد طاعته في تركه لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " لاطاعة لمخلوق في معصية الله تعالى " فأما التطوع فله منعه من الخروج لان له منعه من الغزو وهو من فروض الكفايات فالتطوع أولى، فان أحرم بغير اذنه لم يملك تحليله لانه وجب بالدخول فيه فصار كالواجب ابتداء أو كالنذر (فصل) فان أحرمت المرأة بحجة النذر بغير اذن فهل لزوجها منعها؟ على روايتين حكاهما القاضي وأبو الحسين (احداهما) ليس له منعها كحجة الاسلام (والثانية) له منعها لانه وجب عليها بايجابها أشبه حج التطوع إذا احرمت به (فصل) الشرط الخامس الاستطاعة وهي أن يملك زادا وراحلة صالحة لمثله بآلتها لصالحة لمثله، أو ما يقدر به على تحصيل ذلك فاضلا عما يحتاج إليه من مسكن وخادم وقضاء دينه ومؤنته ومؤنة عياله على الدوام الاستطاعة المشترطة لوجوب الحج والعمرة ملك الزاد والراحلة، وبه قال الحسن ومجاهد وسعيد ابن جبير والشافعي واسحاق، قال الترمذي والعلم عليه عند أهل العلم، وقال عكرمة هي الصحة، وقال الضحاك إن كان شابا فليؤاجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضي نسكه، وعن مالك ان كان يمكنه المشي وعادته سؤال الناس لزمه الحج لان هذه الاستطاعة في حقه فهو كواجد الزاد والراحلة
ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الاستطاعة بالراد والراحلة فوجب الرجوع إلى تفسيره فروي الدارقطني باسناده عن جابر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وأنس وعائشة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما السبيل؟ قال " الزاد والراحلة " وروي ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله ما يوجب الحج؟ قال: " الزاد والراحلة " رواه الترمذي وقال حديث حسن
[ 170 ]
وروى الامام أحمد قال: أنا هشيم عن يونس عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) قال رجل يارسول الله ما السبيل؟ قال " الزاد والراحلة " ولانها عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة فاشترط لوجوبها الزاد والراحلة كالجهاد وما ذكروه ليس باستطاعة فانه شاق وإن كان عادة، والاعتبار بعموم الاحوال دون خصوصها كما أن رخص السفر تعم من يشق عليه ومن لا يشق عليه، وكذلك من كان له ما يقدر به على تحصيل الزاد والراحلة بالشروط المذكورة لانه في معنى ملك الزاد والراحلة، ولان القدرة على ما تحصل به الرقبة في الكفارة كملك الرقبة فكذلك ههنا (فصل) ويختص اشتراط الراحلة بالبعيد الذي بينه وبين البيت مسافة القصر، فأما القريب الذي يمكنه المشي فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه لانها مسافة قريبة ويمكنه السعي إليها فلزمه كالسعي
[ 171 ]
إلى الجمعة، وإن كان ممن لا يمكنه المشي كالشيخ الكبير اعتبر وجود الحمولة في حقه لانه عاجز عن المشي أشبه البعيد، وأما الزاد فلابد منه فان لم يجد زادا ولا قدر على كسبه لم يلزمه الحج (فصل) والزاد الذي تشترط القدرة عليه هو ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه من مأكول ومشروب وكسوة فان كان يملكه أو وجده يباع بثمن المثل في الغلاء والرخص أو بزيادة يسيرة لا تجحف بماله لزمه شراؤه وإن كانت تجحف بماله لم يلزمه كما قلنا في شراء الماء للوضوء وإذا كان يجد الزاد في كل منزل لم يلزمه حمله وان لم يجده كذلك لزمه حمله وأما الماء وعلف البهائم فسنذكره ان شاء الله تعالى (فصل) ويشترط أن يجد راحلة تصلح لمثله اما بشراء أو كراء لذهابه ورجوعه ويجد ما يحتاج
إليه من آلتها التي تصلح لمثله فان كان ممن يكفيه الرحل والقتب ولا يخشى السقوط اكتفى بذلك وان كان ممن لم تجر عادته بذلك أو يخشى السقوط عنهما اعتبر وجود محمل وما أشبهه ممن لا يخشى سقوطه عنه ولا مشقة فيه لان اعتبار الراحلة في حق القادر على المشي انما كان لدفع المشقة فيجب أن يعتبر ههنا ما تندفع به المشقة وان كان ممن لا يقدر على خدمة نفسه والقيام بأمره اعتبرت القدرة على من يخدمه لانه من سبيله
[ 172 ]
(فصل) ويعتبر أن يكون هذا فاضلا عما يحتاج إليه لنفقة عياله الذين تلزمه مؤنتهم في مضيه ورجوعه لان النفقة تتعلق بها حقوق الآدميين وهم أحوج وحقهم أكد وقد روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " رواه أبودواد وأن يكون فاضلا عما يحتاج هو وأهله إليه من مسكن وخادم ومالا بد منه وأن يكون فاضلا عن قضاء دينه لان قضاء الدين من حوائجه الاصلية ويتعلق به حقوق الآدميين فهو آكد وكذلك منع الزكاة مع تعلق حقوق الفقراء بها وحاجتهم إليها فالحج الذي هو لخالص حق الله تعالى أولى وسواء كان الدين لآدمي معين أو من حقوق الله تعالى كزكاة في ذمته أو كفارات ونحوها وان احتاج إلى النكاح وخاف على نفسه العنت قدم التزويج لانه واجب عليه ولا غناء به عنه فهو كنفقته وان لم يخف قدم الحج لان النكاح تطوع فلا يقدم على الحج الواجب وان حج من تلزمه هذه الحقوق وضيعها صح حجه لانها متعلقة بذمته فلا تمنه صحة حجه (فصل) ومن له دار يسكنها أو يسكنها عياله أو يحتاج إلى أجرتها لنفقة نفسه أو عياله أو بضاعة متى نقصها اختل ربحها فلم تكفهم أو سائمة يحتاجون إليها لم يلزمه الحج لما ذكرنا وان كان له من ذلك شئ فاضل عن حاجته لزمه بيعه في الحج فان كان له مسكن واسع يفضل عن حاجته وأمكنه بيعه وشراء ما يكفيه ويفضل قدر ما يحتاج به لزمه وان كانت له كتب يحتاج إليها لم يلزمه بيعها في الحج
[ 173 ]
والا لزمه وان كان له بكتاب نسختان يستغنى باحدهما باع الاخرى وان كان له دين على ملئ
باذل له يكفيه في الحج لزمه لانه قادر وان كان على معسر أو تعذر استيفاؤه لم يلزمه (فصل) فان تكلف الحج من لا يلزمه وأمكنه ذلك من غير ضرر يلحق بغيره مثل من يكتسب بصناعة كالخرز أو معاونة من ينفق عليه أو يكتري لزاده ولا يسأل الناس استحب له الحج لقول الله تعالى (يأتوك رجالا وعلى كل ضامر) فقدم ذكر الرجال ولان فيه مبالغة في طاعة الله وخروجا من الخلاف وان كان يسأل الناس كره الحج له لانه يضيق على الناس ويحصل كلا عليهم في التزام مالا يلزمه وسئل الامام احمد عمن يدخل البادية بلا زاد ولا راحلة فقال لا أحب له ذلك هذا يتوكل على ازواد الناس. (مسألة) (ولا يصير مستطيعا ببذل غيره بحال) لا يلزمه الحج ببذل غيره له ولا يصير مستطيعا بذلك سواء كان الباذل قريبا أو أجنبيا، وسواء
[ 174 ]
بذل له الركوب والزاد أو بذل له مالا وهو قول الاكثرين، وعن الشافعي انه إذا بذل له ولده ما يتمكن به من الحج لزمه لانه أمكنه الحج من غير منة تلزمه ولا ضرر يلحقه فلزمه الحج كما لو ملك الزاد والراحلة ولنا ان قول النبي صلى الله عليه وسلم " يوجب الحج الزاد والراحلة " يتعين فيه تقدير ملك ذلك أو ملك ما يحصل به بدليل مالو كان الباذل أجنبيا، ولانه ليس بمالك للزاد والراحلة ولا ثمنهما فلم يلزمه الحج كما لو بذل له والده، ولا نسلم انه لا يلزمه منة، ولو سلمناه فيبطل ببذل الوالد وبذل من للمبذول عليه أياد كثيرة ونعم (مسألة) (فمن كملت له هذه الشروط وجب عليه الحج على الفور) من كملت فيه هذه الشروط وجب عليه الحج لما ذكرنا من الادلة ويجب عليه على الفور إذا أمكنه فعله ولم يجز له تأخيره وبه قال مالك، وقال الشافعي يجب الحج وجوبا موسعا وله تأخيره، وحكى ابن أبي موسى وجها مثله قوله، وحكاه ابن حامد عن الامام أحمد لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر
[ 175 ]
رضي الله عنه على الحج وتخلف بالمدينة غير محارب ولا مشغول بشئ وتخلف أكثر المسلمين قادرين على الحج، ولانه إذا أخره ثم فعله في السنة الاخرى لم يكن قاضيا دل على ان وجوبه على التراخي
ولنا قول الله تعالى (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وقوله (وأتموا الحج والعمرة لله) والامر على الفور، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " من أراد الحج فليعجل " رواه الامام أحمد وأبو داود وابن ماجة وفي رواية أحمد وابن ماجة " فانه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة " قال أحمد ورواه الثوري ووكيع عن أبي إسرائيل عن فضيل بن عمرو عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس عن أخيه الفضل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا " قال الترمذي لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفي إسناده مقال، وروى سعيد بن منصور باسناده عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من مات ولم يحج حجة الاسلام لم يمنعه مرض
[ 176 ]
حابس أو سلطان جائر أو حاجة ظاهرة فليمت على أي حال شاء يهوديا أو نصرانيا " وعن عمر نحوه من قوله، وكذلك عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، ولانه أحد أركان الاسلام فكان واجبا على الفور كالصيام، ولان وجوبه بصفة التوسع بخروجه عن رتبة الواجبات لانه يؤخر إلى غير غاية ولا يأثم بالموت قبل فعله لكونه فعل ما يجوز له فعله وليس على الموت أمارة يقدر بعدها على فعله، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فانما فتح مكة سنة ثمان وإنما أخره سنة تسع فيحتمل انه كان له عذر من عدم الاستطاعة أو كره رؤية المشركين عراة حول البيت فأخر الحج حتى بعث أبا بكر ينادي أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ويحتمل أنه اخره بامر الله تعالى لتكون حجته حجة الوداع في السنة التي استدار فيها الزمان كهيئته يوم خلق الله السموات والارض ويصادف وقفة الجمعة ويكمل الله دينه ويقال انه اجتمع يومئذ اعياد أهل كل دين ولم يجتمع قبله ولا بعده فاما تسمية فعل الحج قضاء فانه يسمى بذلك قال الله تعالى (ثم ليقضوا تفثهم) وعلى أنه لا يلزم من الوجوب على الفور
[ 177 ]
تسمية الفعل إذا أخره قضاء بدليل الزكاة فانها تجب على الفور ولو أخرها لا تسمى قضاء والقضاء الواجب على الفور إذا أخره لا يقال قضاء القضاء ولو غلب على ظنه في الحج أنه لا يعيش إلى سنة
أخرى لم يجز له تأخيره وإذا أخره لا يسمى قضاء (مسألة) (فان عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من بلده وقد أجزأ عنه وان عوفي) وجملة ذلك أن من وجدت فيه شرائط وجوب الحج وكان عاجزا عنه لمانع مأيوس من زواله كزمانة أو مرض لا يرجى زواله أو كان نضو الخلق لا يقدر على الثبوت على الراحلة إلا بمشقة غير محتملة والشيخ الفاني ونحوهم متى وجد من ينوب عنه في الحج وما يستنيبه به لزمه ذلك وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا حج عليه الا أن يستطيع بنفسه ولا أرى له ذلك لان الله تعالى قال (من استطاع إليه سبيلا) وهو غير مستطيع ولانها عبادة لا تدخلها النيابة مع القدرة فلا تدخلها مع العجز كالصوم والصلاة ولنا حديث أبي رزين حيث أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج عن أبيه ويعتمر وروي ابن عباس أن امرأة من خثعم قالت: يارسول الله ان فريضة الله على عباده في الحج ادركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال " نعم " وذلك في حجة الوداع متفق عليه وفي لفظ لمسلم قالت: يارسول الله أن أبي شيخ عليه فريضة الله في الحج وهو لا يستطيع ان يستوي على ظهر
[ 178 ]
بعيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم " فحجي عنه " وسئل علي رضي الله عنه عن شيخ يجد الاستطاعة قال يجهز عنه ولان هذه عبادة تجب بافسادها الكفارة فجاز أن يقوم غير فعله فيها مقام فعله كالصوم إذا عجز عنه افتدى بخلاف الصلاة ويلزمه أن يستنيب على الفور إذا امكنه كما يلزمه ذلك بنفسه (فصل) ويستناب عنه من يحج عنه من حيث وجب عليه اما من بلده أو من الموضع الذي يسر فيه كالاستنابة عن الميت وسنذكر ذلك ان شاء الله تعالى (فصل) فان لم يجد مالا يستنيب به فلا حج عليه بغير خلاف لان الصحيح العادم ما يحج به لا يلزمه الحج فالمريض أولى وان وجد مالا ولم يجد نائبا فقياس المذهب ان ينبني على الروايتين في امكان السير هل هو من شرائط الوجوب أو من شرائط وجوب السعي فان قلنا من شرائط لزوم
السعي ثبت الحج في ذمته يحج عنه بعد موته وان قلنا من شرائط الوجوب لم يجب شئ (فصل) وإذا استناب من حج عنه ثم عوفي لم يجب عليه حج آخر وهذا قول اسحاق وقال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر يلزمه لان هذا بدل اياس فإذا برأ تبينا أنه لم يكن مأيوسا منه فلزمه الاصل كالآيسة تعتد بالشهور ثم تحيض يلزمها العدة بالحيض ولنا أنه أتى بما أمر به فخرج عن العهدة كما لو يبرأ أو نقول أدى حجة الاسلام بامر الشرع فلم يلزمه حج ثان كما لو حج عن نفسه ولان هذا يفضي إلى أيجاب حجتين عليه ولم يوجب الله عليه الا حجة واحدة وقولهم لم يكن مأيوسا من برئه قلنا لو لم يكن مأيوسا من برئه لما أبيح له أن
[ 179 ]
يستنيب فانه شرط لجواز الاستنابة فاما الآيسة إذا اعتدت بالشهور فلا يتصور عود حيضها فان رأت دما فليس بحيض ولا يبطل به اعتدادها لكن من ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه إذا اعتدت سنة ثم عاد حيضها لم يبطل اعتدادها (فصل) فان عوفي قبل فراغ النائب من الحج فينبغي أن لا يجزئه الحج لانه قدر على الاصل قبل تمام البدل فلزمه كالصغيرة ومن ارتفع حيضها قبل اتمام عدتها بالشهور وكالمتيمم إذا رأى الماء في صلاته ويحتمل أن يجزئه كالمتمتع إذا شرع في الصوم ثم قدر على الهدي والمكفر إذا قدر على الاصل بعد الشروع في البدل وان برأ قبل احرام النائب لم يجزئه بحال (فصل) فاما من يرجى زوال مرضه والمحبوس ونحوه فليس له ان يستنيب فان فعل لم يجزئه وان لم يبرأ وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة له الاستنابة ويكون ذلك مراعي فان قدر على الحج بنفسه لزمه والا اجزأه ذلك كالمأيوس من برئه ولنا أنه يرجو القدرة على الحج بنفسه فلم يكن له الاستنابة ولا تجزئه ان فعل كالفقير وفارق المأيوس من برئه لانه عاجز على الاطلاق آيس من القدرة على الاصل فأشبه الميت ولان النص انما ورد في الحج عن الشيخ الكبير وهو ممن لا يرجى منه الحج بنفسه فلا يصح قياس غيره عليه إلا إذا كان مثله
[ 180 ]
(فصل) فاما القادر على الحج بنفسه فلا يجوز أن يستنيب في الحج الواجب اجماعا قال ابن المنذر اجمع أهل العلم على أن من عليه حجة الاسلام وهو قادر على الحج لا يجزئ عنه أن يحج غيره عنه والحج المنذور كحجة الاسلام في اباحة الاستنابة عند العجز والمنع منها مع القدرة لانها حجة واجبة فهي كحجة الاسلام (فصل) وهل يصح الاستئجار على الحج فيه روايتان (اشهرهما) لا يجوز وهو مذهب أبي حنيفة واسحاق (والثانية) يجوز وهو مذهب مالك والشافعي وابن المنذر لانه يجوز أخذ النفقة عليه
[ 181 ]
فجاز الاستئجار عليه كبناء المساجد والقناطر ولما انها عبادة يختص فاعلها أن يكون مسلما فلم يجز أخذ الاجرة عليها كالصلاة، فاما بناء المساجد فيجوز أن يقع قربة وغير قربة فإذا وقع باجرة لم يكن عبادة ولا قربة وهذا لا يصح أن يقع الا عبادة ولا يجوز الاشتراك في العبادة فمتى فعله من أجل الاجرة خرج عن كونه عبادة فلم يصح ولا يلزم من جواز أخذ النفقة جواز أخذ الاجرة بدليل الامامة والقضاء يجوز أخذ الرزق عليهما من بيت المال وهو نفقة في المعنى بخلاف الاجرة وفائدة الخلاف أنه متى لم يجز أخذ الاجرة عليها فلا يكون الا نائبا محضا وما يدفع إليه من المال يكون نفقة لطريقه فلو مات واحصر أو مرض أو ضل الطريق لم يلزمه الضمان لما أنفق نص عليه أحمد لانه انفاق باذن صاحب المال فاشبه ما لو أذن له في سد بثق فانبثق ولم ينسد فإذا ناب عنه آخر فانه يحج عنه من حيث بلغ النائب الاول من الطريق لحصول قطع هذه المسافة بمال المنوب عنه فلم يحتج إلى الانفاق دفعة اخرى كما لو حج بنفسه فمات في الطريق فانه يحج عنه من حيث انتهى وما فضل معه من المال رده إلا أن يؤذن له في أخذه وينفق عليه بقدر الحاجة من غير إسراف ولا تقتير وليس له التبرع بشئ منه الا أن
[ 182 ]
يؤذن له في ذلك قال احمد في الذي يأخذ دراهم للحج لا يمشي ولا يقتر في النفقة ولا يسرف وقال في
رجل أخذ حجة عن ميت ففضلت معه فضلة يردها ولا يناهد أحدا إلا بقدر مالا يكون سرفا ولا يدعو إلى طعامه ولا يتفضل ثم قال أما إذا اعطي الف درهم أو كذا وكذا فقيل له حج بهذه فله أن يتوسع فيها وان فضل شئ فهو له وإذا قال الميت حجوا عني حجة بالف فدفعوها إلى رجل فله أن يتوسع فيها وما فضل فهو له وان قلنا بجواز الاستئجار على الحج جاز أن يستنيب من غير استئجار فيكون الحكم على ما ذكرنا وان يستأجر فان استأجر من يحج عنه أو عن ميت اعتبر فيه شروط الاجارة وما يأخذه اجرة يملكه ويباح له التصرف فيه والتوسع في النفقة وغيرها وما فضل فهو له وان أحصر أو ضل عن الطريق أو ضاعت النفقة منه فهو من ضمانه وعليه الحج وان مات انفسخت الاجارة لتلف المعقود عليه كما لو ماتت البهيمة المستأجرة ويكون للحج أيضا من الموضع الذي بلغ إليه وما لزمه من الدماء فعليه لان الحج عليه (فصل) والنائب غير المستأجر فما لزمه من الدماء بفعل محظور فعليه في ماله لانه لم يؤذن له في الجناية فكان موجبها عليه كما لو لم يكن نائبا ودم المتعة والقران إن لم يؤذن له فيهما عليه لانه كجنايته وإن أذن له فيهما فالدم على المستنيب لانه أذن في سببهما ودم الاحصار على المستنيب لانه للتخلص من مشقة السفر فهو كنفقة الرجوع فان أفسد حجه فالقضاء عليه ويرد ما أخذ لان الحجة لم تجز عن
[ 183 ]
المستنيب لتفريطه وجنايته، وكذلك إن فاته الحج بتفريطه وإن فات بغير تفريط احتسب له بالنفقة لانه لم يفت فلم يكن مخالفا كما لو مات، وإن قلنا بوجوب القضاء فهو عليه في ماله كما لو دخل في حج ظن أنه عليه فلم يكن عليه وفاته (فصل) وإذا سلك النائب طريقا يمكنه سلوك أقرب منه بغير ضرر ففاضل النفقة في ماله، وإن تعجل عجلة يمكنه تركها فكذلك، وإن أقام بمكة أكثر من مدة القصر بعد امكان السفر للرجوع أنفق من ماله لانه غير مأذون له فيه فان لم يمكنه الخروج قبل ذلك فله النفقة لانه مأذون فيه وله نفقة الرجوع وإن طالت إقامته بمكة ما لم يتخذها دارا فان اتخذها دارا ولو ساعة لم يكن له نفقة لرجوعه لانه صار بنية الاقامة مكيا فسقطت نفقته فلم تعد، وإن مرض في الطريق فعاد فله نفقة رجوعه لانه لابد له منه وقد حصل بغير تفريطه فأشبه مالو قطع عليه الطريق أو أحصر، وإن قال خفت المرض
فرجعت فعليه الضمان لانه متوهم، وعن الامام أحمد رحمه الله فيمن مرض في الكوفة فرجع: يرد جميع ما أخذ، وفي جميع ذلك إذا أذن له في النفقة فله ذلك لان المال للمستنيب فجاز ما أذن فيه، وإن شرط أحدهما أن الدماء الواجبة عليه على غيره لم يصح الشرط لان ذلك من موجبات فعله أو الحج الواجب عليه فلم يصح شرطه على غيره كما لو شرط على أجنبي (فصل) يجوز أن ينوب الرجل عن الرجل والمرأة، والمرأة عن المرأة والرجل في الحج في قول عوام
[ 184 ]
أهل العلم لا نعلم فيه مخالفا إلا الحسن بن صالح فانه كره حج المرأة عن الرجل. قال ابن المنذر: هذه غفلة عن ظاهر السنة فان النبي صلى الله عليه وسلم أمر المرأة الخثعمية أن تحج عن أبيها، وعليه يعتمد من أجاز حج المرء عن غيره وفي الباب حديث أبي رزين وأحاديث سواه (فصل) ولا يجوز الحج والعمرة عن حي إلا باذنه فرضا كان أو تطوعا لانها عبادة تدخلها النيابة فلم تجز عن البالغ العاقل بغير اذنه كالزكاة، فأما الميت فيجوز عنه بغير اذن واجبا كان أو تطوعا لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالحج عن الميت وقد علم أنه لااذن له، وما جاز فرضه جاز نفله كالصدقة فعلى هذا كلما يفعله النائب عن المستنيب مما لم يؤمر به مثل أن يؤمر بحج فيعتمر، أو بعمرة فيحج يقع عن الميت لانه يصح عنه من غير اذنه، ولا يقع عن الحي لعدم اذنه فيه، ويقع عمن فعله لانه لما تعذر وقوعه عن المنوي عنه وقع عن نفسه كما لو استنابه رجلان فأحرم عنهما جميعا وعليه رد النفقة لانه لم يفعل ما أمر به فأشبه ما لو لم يفعل شيئا (فصول في مخالفة النائب) إذا أمره بحج فتمتع أو اعتمر لنفسه من الميقات ثم حج نظرت فان خرج إلى الميقات فاحرم منه بالحج جاز ولا شئ عليه نص عليه احمد وهو مذهب الشافعي وان أحرم من مكة فعليه دم لترك
[ 185 ]
ميقاته ويرد من النفقة بقدر ما ترك من احرام الحج فيما بين الميقات ومكة وقال القاضي لا يقع فعله عن الآمر ويرد جميع النفقة لانه أتى بغير ما أمر به وهو مذهب أبي حنيفة
ولنا أنه احرم بالحج من الميقات فقد أتى بالحج صحيحا من ميقاته اشبه مالو لم يحرم بالعمرة وان أحرم به من مكة فما أخل الا بما يجبره الدم فلم تسقط نفقته كما لو تجاوز الميقات غير محرم فاحرم دونه فان أمره بالافراد فقرن لم يضمن شيئا وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة يضمن لانه مخالف ولنا أنه أتى بما أمر به وزيادة فصح كما لو امره بشراء شاة بدينار فاشترى به شاتين تساوي إحداهما دينارا ثم ان كان أمره بالعمرة بعد الحج ففعلها فلا شئ عليه وان لم يفعل رد من النفقة بقدرها (فصل) فان أمره بالتمتع فقرن وقع عن الآمر لانه أمر بهما وانما خالف في أنه امره بالاحرام بالحج من مكة فأحرم به من الميقات وظاهر كلام احمد أنه لايرد شيئا من النفقة وهو مذهب الشافعي وقال القاضي يرد نصف النفقة لان غرضه في عمرة مفردة وتحصيل فضيلة التمتع وقد خالفه في ذلك وفوته عليه وقع عن المستنيب أيضا ويرد نصف النفقة لانه أخل بالاحرام بالعمرة من الميقات وقد أمر به واحرامه بالحج من الميقات زيادة لا يستحق به شيئا (فصل) فان أمره بالقران فأفرد أو تمتع صح ووقع النسكان عن الآمر ويرد من النفقة بقدر ما
[ 186 ]
ترك من احرام النسك الذي تركه من الميقات وفي جميع ذلك إذا أمره بالنسكين ففعل أحدهما دون الآخر رد من النفقة بقدر ما ترك ووقع المفعول عن الآمر وللنائب من النفقة بقدره (فصل) وان استنابه رجل في الحج وآخر في العمرة واذنا له في القران ففعل جاز لانه نسك مشروع وان قرن من غير اذنهما صح ووقع عنهما ويرد من نفقة كل واحد منهما نصفهما لانه جعل السفر عنهما بغير اذنهما وان أذن احدهما دون الآخر رد على غير الآمر نصف نفقته وحده، وقال القاضي إذا لم يأذنا له ضمن الجميع لانه أمر بنسك مفرد ولم يأت به فكان مخالفا كما لو أمر بحج فاعتمر ولنا أنه أتى بما أمر به وانما خالف في صفته لافي أصله أشبه من أمر بالتمتع ولو أمر بأحد النسكين فقرن بينه وبين النسك الآخر لنفسه فالحكم فيه كذلك ودم القران على النائب إذا لم يؤذن له فيه لعدم الاذن في سببه وان أذن أحدهما دون الآخر فعلى الآذن نصف الدم ونصفه على النائب
(فصل) وان أمر بالحج فحج ثم اعتمر لنفسه أو أمر بالعمرة فاعتمر ثم حج عن نفسه صح ولم يرد شيئا من النفقة لانه أتى بما أمر به على وجهه وان امره بالاحرام من ميقات فأحرم من غيره جاز لانها سواء في الاجزاء وان أمره بالاحرام من الميقات جاز لانه الافضل وان أمره بالاحرام من بلده فأحرم من الميقات جاز لانه الافضل، وان أمره بالاحرام من الميقات فأحرم من بلده جاز لانه زيادة لا تضر، وان أمره بالحج في السنة أو الاعتمار في شهر ففعله في غيره جاز لانه مأذون فيه في الجملة
[ 187 ]
(مسألة) (ومن قدر على السعي لزمه ذلك إذا كان في وقت المسير ووجد طريقا آمنا لا خفارة فيه يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد، وعنه أن امكان المسير وتخلية الطريق من شرائط الوجوب. وقال ابن حامد إن كانت الخفارة لا تجحف بماله لزمه بذلها) متى كملت الشروط المذكورة وجب على الحج على الفور لما ذكرناه ولزمه السعي إليه لان مالا يتم الواجب إلا به واجب، ولانه سعي إلى فريضة فكان واجبا كالسعي إلى الجمعة، وانما يجب عليه السعي إذا كان في وقت المسير وهو كون الوقت متسعا يمكنه الخروج فيه إليه وأمكنه المسير إليه بما جرت به العادة فلو أمكنه بأن يسير سيرا يجاوز العادة لم يلزمه السعي، ويشترط أن يجد طريقا مسلوكة لامانع فيها بعيدة كانت أو قريبة، برا كان أو بحرا إذا كان الغالب فيها السلامة، فان لم يكن الغالب منه السلامة لم يلزمه سلوكه، فان كان في الطريق عدو يطلب خفارة لم يلزمه سلوكه ويسقط عنه السعي بسيره كانت أو كثيرة، ذكره القاضى لانها رشوة فلم يلزمه بذلها في العبادة كالكثيرة وقال ابن حامد: إن كان ذلك مما لا يجحف بماله لزمه الحج لانها غرامة يقف امكان الحج على بذلها فلم يمنع الوجوب مع امكان بذلها كثمن الماء وعلف البهائم، ويشترط أن يكون الطريق آمنا، فان كان مخوفا لم يلزمه سلوكه لان فيه تغريرا بنفسه وماله، ويشترط أن يوجد فيه الماء والعلف كما جرت به العادة بحيث يوجد الماء وعلف البهائم في المنازل التى ينزلها على حسب العادة ولا يلزمه حمله من بلده ولا من أقرب البلدان إلى مكة كاطراف الشام ونحوها لان هذا يشق ولم تجر العادة به، ولا يتمكن من حمل الماء والعلف لبهائمه في جميع الطريق بخلاف زاد نفسه فانه يمكنه حمله
(فصل) واختلفت الرواية في امكان المسير وتخلية الطريق فروي أنهما من شرائط الوجوب لا يجب الحج بدونهما لان الله سبحانه وتعالى انما فرض الحج على المستطيع وهذا غير مستطيع، ولان هذا يتعذر معه فعل الحج فكان شرطا كالزاد والراحلة وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، وروي أنهما من شرائط لزوم الاداء فلو كملت الشروط الخمسة ثم مات قبل وجود هذين الشرطين حج عنه بعد موته، وإن اعسر بعد وجودهما بقي في ذمته وهو ظاهر كلام الخرقي، وذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل ما يوجب الحج؟ قال " الزاد والراحلة " حديث حسن، ولانه عذر يمنع نفس الاداء فلم يمنع الوجوب كالعضب، ولان امكان الاداء ليس بشرط في وجوب العبادات بدليل مالو طهرت الحائض أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون ولم يبق من وقت الصلاة ما يمكن اداؤها فيه، والاستطاعة مفسرة بالزاد والراحلة في الحديث فيجب المصير إليه، والفرق بين هذين وبين الزاد والراحلة أنه يتعذر مع فقدهما الاداء دون القضاء وفقد الزاد والراحلة يتعذر مع الجميع
[ 188 ]
(مسألة) (ومن وجب عليه الحج فتوفى قبله أخرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة) وجملة ذلك أن من وجب عليه الحج ولم يحج وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر سواء فاته بتفريطه أو بغير تفريطه وبهذا قال الحسن وطاوس والشافعي وقال أبو حنيفة ومالك يسقط بالموت فان وصى بها فهي من الثلث لانه عبادة بدنية فسقط بالموت كالصلاة ولنا ماروى ابن عباس ان امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيها مات ولم يحج قال " حجي عن ابيك " وعنه أن امرأة نذرت أن تحج فماتت فأتى أخوها النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك فقال " أرأيت لو كان على اختك دين أكنت قاضيه؟ " قال نعم قال " فاقضوا الله فهو أحق بالقضاء " رواهما النسائي ولانه حق استقر عليه تدخله النيابة فلم يسقط بالموت كالدين وبهذا فارق الصلاة فانها لا تدخلها النيابة والعمرة كالحج فميا ذكرنا إذا قلنا بوجوبها ويكون ما يحج به ويعتمر من جميع ماله لانه دين مستقر فكان من جميع المال كالدين الآدمي (فصل) ويستناب من يحج عنه من حيث وجب عليه اما من بلده أو من الموضع الذي أيسر فيه
وبهذا قال الحسن ومالك واسحاق في النذر وقال عطاء في الناذر ان لم يكن نوى مكانا فمن ميقاته واختاره ابن المنذر وقال الشافعي فيمن عليه حجة الاسلام يستأجر من يحج عنه من الميقات لان الاحرام لا يجب من دونه ولنا أن الحج وجب عليه من بلده فوجب أن ينوب عنه منه لان القضاء يكون على صفة الاداء كقضاء الصلاة والصوم كذلك الحكم في حج النذر والقضاء فياسا عليه فان كان له وطنان استنيب من أقربهما فان وجب عليه الحج بخراسان فمات ببغداد وبالعكس فقال احمد يحج عنه من حيث وجب عليه لا من حيث موته ويحتمل أن يحج عنه من أقرب المكانين لانه لو كان حيا في أقرب المكانين لم يجب عليه الحج من أبعد منه فكذلك نائبه فان حج عنه من دون ذلك فقال القاضي ان كان دون مسافة القصر اجزأه لانه في حكم القريب والا لم يجزئه لانه لم يؤد الواجب بكماله ويحتمل أن يحزئه ويكون مسيئا كمن وجب عليه الاحرام من الميقات فاحرم من دونه والله أعلم (فصل) فان خرج للحج فمات في الطريق حج عنه من حيث مات لانه اسقط بعض ما وجب عليه فلم يجب ثانيا وكذلك ان مات نائبه فاستنيب من حيث مات كذلك ولو أحرم بالحج ثم مات صحت النيابة عنه فما بقي من النسك سواء كان احرامه لنفسه أو غيره نص عليه لانها عبادة تدخلها النيابة فإذا مات بعد فعل بعضها قضى عنه باقيها كالزكاة (مسألة) (فان ضاق ماله عن ذلك أو كان عليه دين أخذ للحج بحصته وحج به من حيث يبلغ)
[ 189 ]
إذا لم يخلف الميت ما يكفى للحج من بلده حج عنه من حيث يبلغ، وإن كان عليه دين لآدمي تحاصا ويؤخذ للحج بحصته فيحج بها من حيث يبلغ) قال الامام أحمد في رجل أوصى أن يحج عنه ولا يبلغ النفقة قال يحج عنه من حيث تبلغ النفقة للراكب من غير مدينته وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا أمرتكم بأمر فأتموا منه ما استطعتم " ولانه قدر على اداء بعض الواجب فلزمه كالزكاة، وعن أحمد ما يدل على أن الحج يسقط لانه قال في رجل أوصى بحجة واجبة ولم يخلف ما يتم به حجة هل يحج عنه من المدينة أو من حيث تتم الحجة فقال: ما يكون
الحج عندي إلا من حيث وجب عليه وهذا تنبيه على سقوطه عمن عليه دين لا تفي تركته به وبالحج فانه إذا أسقطه مع عدم المعارض فمع المعارضة بحق الآدمي المؤكد أولى، ويحتمل أن يسقط عمن عليه دين وجها واحدا لان حق الآدمي المعين أولى بالتقديم لتأكده وخفة حق الله تعالى مع عدم امكانه على الوجه الواجب (مسألة) (فان وصى بحج تطوع ولم يف ثلثه بالحج من بلده حج به من حيث يبلغ، أو يعان به في الحج نص عليه) وقال التطوع ما يبالي من حيث كان ويستناب عن الميت ثقة بأقل ما يوجد إلا أن يرضى الورثة بزيادة أو يكون قد أوصى بشئ فيجوز ما أوصى به ما لم يزد على الثلث (فصل) ويستحب أن يحج الانسان عن أبويه إذا كانا ميتين أو عاجزين لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا رزين فقال " حج عن أبيك واعتمر " وسألت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيها مات ولم يحج قال " حجي عن أبيك " ويستحب البداءة بالحج عن الام إن كان تطوعا أو واجبا عليهما. نص عليه أحمد في التطوع لان الام مقدمة في البر لما روى أبو هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال " أمك " قال ثم من؟ قال " أمك " قال ثم من؟ قال " أمك " قال ثم من؟ قال " أبوك " متفق عليه وإن كان الحج واجبا على الاب دونها بدأ به لانه واجب فكان أولى من التطوع، وقد روى زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا حج الرجل عن والديه تقبل منه ومنهما، واستبشرت أرواحهما في السماء، وكتب عند الله برا " وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حج عن أبويه أو قضى عنهما مغرما بعث يوم القيامة مع الابرار " وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حج عن أبيه أو أمه فقد قضى عنه حجته وكان له فضل عشر حجج " رواهن الدارقطني
[ 190 ]
(فصل) قال الشيخ رحمه الله: ويشترط لوجوب الحج على المرأة وجود محرمها وهو زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح إذا كان بالغا عاقلا، وعن أن المحرم من شرائط لزوم الاداء
اختلفت الرواية عن احمد رحمه الله في وجود المحرم في حق المرأة فروي عنه أن الحج لا يجب على المرأة إذا لم تجد محرما وهذا ظاهر كلام الخرقي وقال أبو داود قلت لاحمد امرأة موسرة لم يكن لها محرم هل وجب عليها الحج؟ قال لا وقال المحرم من السبيل. وهذا قول الحسن والنخعي واسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر وروي عنه أنه من شرائط لزوم السعي دون الوجوب فعلى هذه الرواية متى كملت لها الشرائط الخمس وفاتها الحج بموت أو مرض لا يرجى برؤه أخرج عنها حجة لان شروط الحج المختصة بها قد كملت وانما المحرم لحفظها فهو كتخلية الطريق وامكان المسير وعنه رواية ثالثة ان المحرم ليس بشرط في الحج الواجب قال الاثرم سمعت احمد يسئل هل يكون الرجل محرما لام أمرأته يخرجها إلى الحج فقال أما في حجة الفريضة فارجو لانها تخرج إليها مع نساء ومع كل من أمنته وأما في غيرها فلا، والمذهب الاول وقال ابن سيرين ومالك والاوزاعي والشافعي ليس المحرم شرطا في حجها بحال قال ابن سيرين تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به، وقال مالك تخرج مع جماعة النساء، وقال الشافعي تخرج مع حرة مسلمة ثقة، وقال الاوزاعي تخرج مع قوم عدول تتخذ سلما تصعد عليه وتنزل ولا يقربها رجل الا أن يأخذ برأس البعير وتضع رجله على ذراعه قال ابن
[ 191 ]
المنذر تركوا القول بظاهر الحديث واشترط كل واحد منهم شرطا لا حجة معه عليه واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وقال لعدي بن حاتم يوشك أن تخرج الظعينة تؤم البيت لاجوار معها لا تخاف الا الله ولانه سفر واجب فلم يشترط له المحرم كالمسلمة إذا تخلصت من أيدي الكفار. ولنا ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم الا ومعها ذو محرم " وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يخلون رجل بامرأة الا ومعها ذو محرم " فقام رجل فقال يارسول الله إني كنت في غزوة كذا وانطلقت امرأتي حاجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " انطلق فاحجج مع امرأتك " متفق عليهما وروى ابن عمر وأبو سعيد رضي الله عنه نحوا من حديث أبي هريرة قال أبو عبد الله أما أبو هريرة فيقول يوم وليلة ويروى عن أبي هريرة
لا تسافر سفرا أيضا، وأما حديث أبي سعيد فيقول ثلاثة أيام قلت ما تقول أنت؟ قال لا تسافر سفرا قليلا ولا كثيرا الا مع ذي محرم. وروى الدارقطني باسناده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لاتحجن امرأة الا ومعها ذو محرم " وهذا نص صريح في الحكم ولانها أنشأت سفرا في دار الاسلام فلم يجز بغير محرم كحج التطوع وحديثهم محمول على الرجل بدليل أنهم شرطوا خروج غيرها معها فجعل ذلك الغير المحرم الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثنا أولى مما اشترطوه بالتحكم من غير دليل ويحتمل
[ 192 ]
انه أراد ان الزاد والراحلة توجب الحج مع كمال بقية الشروط ولذلك اشترطوا تخلية الطريق وامكان المسير وقضاء الدين ونفقة العيال واشترط مالك امكان الثبوت على الراحلة وهي غير مذكورة في الحديث واشترط كل واحد منهم شرطا في محل النزاع من عند نفسه لامن كتاب ولا سنة فما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالاشتراط ولو قدر التعارض فحديثنا أصح وأخص واولى بالتقديم وحديث عدي يدل على وجود السفر لا على جوازه ولذلك لم يجزه في غير الحج المفروض ولم يذكر فيه خروج غيرها معها، وأما الاسيرة إذا تخلصت من أيدي الكفار فان سفرها سفر ضرورة لا يقاس عليه حالة الاختيار ولذلك تخرج فيه وحدها ولانها تدفع ضررا متيقنا بتحمل الضرر المتوهم فلا يلزم تحمل ذلك من غير ضرر أصلا. (فصل) والمحرم زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح كابنها وأبيها وأخيها من نسب أو رضاع وربيبها ورابها لما روى أبو سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ان تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا الا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو ذو محرم منها " رواه مسلم وكذلك من تحرم عليه بالمصاهرة بسبب مباح لانها محرمة عليه على التأبيد أشبه التحريم بالنسب قال احمد ويكون زوج أم المرأة محرما لها يحج بها ويسافر الرجل مع أم ولد جده وإذا كان أخوها من الرضاعة خرجت معه وقال في أم امرأته يكون محرما لها في الفرض دون غيره. قال الاثرم كأنه ذهب إلى أنها لم تذكر في قوله تعالى (ولا يبدين زينتهم) الآية فأما من تحل
[ 193 ]
له في حال كزوج أختها فليس بمحرم لها نص عليه لانه ليس بحرام عليها على التأبيد ولا يباح له النظر إليها وليس العبد محرما لسيدته نص عليه احمد، وقال الشافعي هو محرم لها وحكاه بعض أصحابنا عن أحمد لانه يباح له النظر إليها فكان محرما لها كذي رحمها ولنا ما روى سعيد في سننه باسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " سفر المرأة مع عبدها ضيعة " ولانه غير مأمون عليها ولا تحرم عليه على التأبيد أشبه الاجنبي وقياسه على ذي الرحم لا يصح لانه مأمون عليها بخلاف العبد ولا يلزم من اباحة النظر إليها أن يكون محرما فانه يجوز النظر إلى القواعد من النساء ويجوز لغير أولى الاربة النظر إلى الاجنبية وليس محرما لها. (فصل) وأما الموطوءة بشبهة والمزني بها وابنتها فليس بمحرم لهما وعنه أنه محرم والاول أولى لان تحريمها بسبب غير مباح فلم يثبت به حكم المحرمية كالتحريم الثابت باللعان وليس له الخلوة بهما والنظر اليهما لذلك، والكافر ليس بمحرم للمسلمة وإن كانت ابنته. قال الامام أحمد في يهودي أو نصراني أسلمت أبنته لا يزوجها ولا يسافر بها ليس هو لها بمحرم، وقال أبو حنيفة والشافعي هو محرم لها لانها محرمة عليه على التأبيد ولنا أن أثبات المحرمية يقتضي الخلوة بها فوجب أن لا يثبت لكافر على مسلمة كالحضانة للطفل ولانه لا يؤمن عليها أن يفتنها عن دينها كالطفل وما ذكروه يبطل بالمحرمة باللعان وبالمجوسي مع ابنته، ولا ينبغي أن يكون في المجوسي خلاف لانه لا يؤمن عليها ويعتقد حلها، نص عليه أحمد في المحرم،
[ 194 ]
ويشترط في المحرم أن يكون بالغا عاقلا قيل لاحمد فيكون الصبي محرما؟ قال لا حتى يحتلم لانه لا يقوم بنفسه فكيف تخرج معه امرأة وذلك لان المقصود بالمحرم حفظ المرأة ولا يحصل ذلك من غير البالغ لانه يحتاج إلى حفظ فلا يقدر على حفظ غيره (فصل) ونفقة المحرم في الحج عليها نص عليه أحمد لانه من سبيلها فكان عليها نفقته كالراحلة فعلى هذا يعتبر في استطاعتها أن تملك زادا وراحلة لها ولمحرمها، فان امتنع محرمها من الحج معها
مع بذلها له نفقته فهي كمن لا محرم لها، وهل يلزمه اجابتها إلى ذلك على روايتين، والصحيح أنه لا يلزمه لان في الحج مشقة شديدة وكلفة عظيمة فلا يلزم أحدا لاجل غيره كما لم يلزمه أن يحج عنها إذا كانت مريضة (مسألة) (فان مات المحرم في الطريق مضت في حجها ولم تصر محصرة)
[ 195 ]
إذا مات محرم المرأة في الطريق فقال الامام أحمد رحمه الله إذا تباعدت مضت فقضت الحج
[ 196 ]
خاصة فهو آكد ثم قال بدلها من أن ترجع وهذا لابد لها من السفر بغير محرم فمضيها إلى قضاء حجتها
[ 197 ]
أولى، لكن إن كان حجها تطوعا وأمكنها الاقامة ببلد فهو أولى من السفر بغير محرم، وإن مات وهي قريبة رجعت لتقضي العدة في منزلها لانها في حكم المقيم
[ 198 ]
(مسألة) (ولا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره ولا نذره ولا نافلة فان فعل انصرف إلى حجة الاسلام، وعنه يقع ما نواه) وجملة ذلك أنه ليس لمن لم يحج حجة الاسلام أن يحج عن غيره، فان فعل وقع احرامه عن حجة الاسلام، وبهذا قال الاوزاعي والشافعي واسحاق، وقال أبو بكر عبد العزيز يقع الحج باطلا ولا يصح عنه ولا عن غيره وروي ذلك عن ابن عباس، لانه لما كان من شرط طواف الزيارة تعيين النية فمتى نواه لغيره لم يقع عن نفسه، ولهذا لو طاف حاملا لغيره ولم ينوه لنفسه لم يقع عن نفسه، وقال الحسن وابراهيم وأيوب السختياني وجعفر بن محمد ومالك وأبو حنيفة يجوز أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه، وعن أحمد مثل ذلك، وقال الثوري إن كان يقدر على الحج عن نفسه حج عن نفسه، وإن لم يقدر حج عن غيره، واحتجوا بأن الحج مما تدخله النيابة فجاز أن يؤديه عن غيره من لم يؤد فرضه عن نفسه كالزكاة
ولنا ماروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من شبرمة؟ " قال قريب لي، قال " هل حججت قط؟ " قال لا، قال " فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة " وراه الامام أحمد وأبو داود وابن ماجة وهذا لفظه، ولانه حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه فلم يقع عن الغير كما لو كان صبيا، ويفارق الزكاة فانه يجوز أن ينوب عن الغير وقد بقى عليه بعضها وههنا لا يجوز أن ينوب عن الغير من شرع في الحج قبل اتمامه ولا يطوف عن نفسه
[ 199 ]
(فصل) فان أحرم بالمنذورة من عليه حجة الاسلام وقع عن حجة الاسلام لانها آكد وعنه يقع عن المنذورة لقوله صلى الله عليه وسلم " وانما لكل امرئ ما نوى " فإذا قلنا يقع عن حجة الاسلام بقيت المنذورة في ذمته ولم تسقط عنه نص عليه أحمد وهذا قول ابن عمر وأنس وعطاء لانها حجة واحدة فلم تجزئ عن حجتين كما لو نذر حجتين فحج واحدة، وقد نقل أبو الخطاب عن أحمد فيمن نذر أن يحج وعليه حجة مفروضة فأحرم عن النذر وقعت عن المفروضة ولا يجب عليه شئ آخر وصار كمن نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم في يوم من رمضان فنواه عن فرضه ونذره فانه يجزئه في رواية ذكره الخرقي
[ 200 ]
وهذا قول ابن عباس وعكرمة رواه سعيد بن منصور عنهما، وروي أن عكرمة سئل عن ذلك فقال: تقضي حجته عن نذره وعن حجة الاسلام أرأيتم لو أن رجلا نذر أن يصلي أربع ركعات فصلى العصر أليس ذلك يجزئه منهما؟ قال وذكرت ذلك لابن عباس فقال أصبت أو أحسنت (فصل) فان أحرم يتطوع، أو نذر من عليه حجة الاسلام وقع عن حجة الاسلام، وبه قال ابن عمر وأنس والشافعي، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة واسحاق وابن المنذر يقع مانواه وهي رواية عن أحمد وقول أبي بكر لما تقدم
[ 201 ]
ولنا أنه أحرم بالحج وعليه فريضة فوقع عن فرضه كالمطلق، ولو أحرم بتطوع وعليه منذورة وقعت عن المنذورة لانها واجبة أشبهت حجة الاسلام والعمرة كالحج فيما ذكرنا لانها أحد النسكين
أشبهت الآخر والنائب كالمنوب عنه في هذا، فمتى أحرم النائب بتطوع أو نذر عمن لم يحج حجة الاسلام وقع عن حجة الاسلام سواء حج عن ميت أو حي لان النائب يجري مجرى المنوب عنه، وإن استناب رجلين في حجة الاسلام ومنذور أو تطوع فأيهما سبق بالاحرام وقعت حجته عن حجة الاسلام ممن هي فكذلك من نائبه
[ 202 ]
(فصل) وإذا كان الرجل قد أسقط فرض أحد النسكين عنه جاز أن ينوب عن غيره فيه دون الآخر، وليس للصبي والعبد أن ينوبا في الحج عن غيرهما لانهما لم يسقطا عن أنفسهما فهما كالحر البالغ في ذلك، ويحتمل أن لهما النيابة في حج التطوع دون الفرض لانهما من أهل التطوع دون الفرض ولا يمكن أن تقع الحجة التي نابا فيها عن فرضهما لكونهما ليسا من أهله فبقيت لمن فعلت عنه (مسألة) (وهل يجوز لمن يقدر على الحج بنفسه أن يستنيب في حج التطوع على روايتين الاستنابة في حج التطوع تنقسم إلى ثلاثة أقسام
[ 203 ]
(أحدها) أن يكون ممن لم يؤد حجة الاسلام فلا يصح أن يستنيب في حج التطوع لانه لا يصح ان يفعله بنفسه فبنائبه أولى (الثاني) أن يكون ممن قد أدى حجة الاسلام وهو عاجز عن الحج بنفسه فيجوز أن يستنيب في التطوع، فان ما جازت الاستنابة في فرضه جازت في نفله كالصدقة
[ 204 ]
(الثالث) أن يكون قادرا على الحج وقد أسقط فرضه ففيه روايتان (احداهما) يجوز وهو قول أبي حنيفة لانها حجة لا تلزمه بنفسه فجاز أن يستنيب فيها كالمعضوب (والثانية) لا يجوز وهو مذهب الشافعي لانه قادر على الحج بنفسه فلم يجز أن يستنيب فيه كالفرض
[ 205 ]
(فصل) فان عجز عنه عجزا مرجو الزوال كالمريض الذي يرجى برؤه والمحبوس جاز أن
يستنيب فيه لانه حج لا يلزمه عجز عن فعله بنفسه فجاز أن يستنيب فيه كالشيخ الكبير والفرق بينه وبين
[ 206 ]
الفرض أن الفرض عبادة العمر فلا يفوت بتأخيره عن هذا العام والتطوع مشروع في كل عام فيفوت حج هذا العام بتأخيره، ولان حج الفرض إذا مات قبل فعله فعل عنه بعد موته بخلاف التطوع (باب المواقيت) (مسألة) (ميقات أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفة وأهل اليمن يلملم وأهل نجد قرن وأهل المشرق ذات عرق)
[ 207 ]
للحج ميقاتان ميقات زمان وميقات مكان فأما مواقيت المكان فهي الخمسة المذكورة، وقد أجمع أهل العلم على أربعة منها وهي ذوالحليفة والجحفة وقرن ويلملم واتفق أئمة النقل على صحة الحديث عن النبي (ص) فيها، فروى ابن عباس رضي الله عنه قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لاهل المدينة ذا الحليفة، ولاهل الشام الحجفة، ولاهل نجد قرن، ولاهل اليمن يلملم قال " فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة " فمن كان دونهن مهله من أهله وكذلك أهل مكة يهلون منها، وعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن " قال ابن عمر وذكر لي ولم أسمعه أنه قال وأهل اليمن من يلملم، متفق عليهما، وذات عرق ميقات أهل المشرق في قول أكثر أهل العلم منهم مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي، قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن احرام العراقي من ذات عرق احرام من الميقات، وقد روي عن أنس رض الله عنه أنه كان يحرم من العقيق واستحسنه الشافعي وابن المنذر وابن عبد البر، وكان الحسن بن صالح يحرم من الربذة، وروي ذلك عن حصين والقاسم بن عبد الرحمن وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لاهل المشرق العقيق. قال الترمذي هو حديث حسن. قال ابن عبد البر: هو أولى وأحوط من ذات عرق وذات عرق ميقاتهم باجماع، واختلف أهل العلم فيمن وقت ذات عرق، فروى أبو داود والنسائي وغيرهما باسنادهم عن عائشة
[ 208 ]
رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لاهل العراق ذات عرق وعن أبي الزبير أنه سمع جابرا سئل عن المهل فقال سمعته احسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول " مهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الاخرى من الجحفة ومهل أهل العراق من ذات عرق ومهل أهل نجد من قرن " رواه مسلم وقال قوم آخرون انما وقتها عمر رضي الله عنه فروى البخاري باسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال لما فتح هذان المصران أتو عمر رضي الله عنه فقالوا يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لاهل نجد قرنا وهو جور عن طريقنا وانا ان أردنا قرنا شق علينا قال انظروا حذوها من طريقكم، فحدلهم ذات عرق، ويجوز أن يكون عمر ومن سأله لم يعلموا توقيت النبي صلى الله عليه وسلم ذات عرق فقال ذلك برأيه فاصاب ماوقته النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان موفقا للصواب رضي الله عنه وإذا ثبت توقيتها عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عمر فالاحرام منه أولى (فصل) وإذا كان الميقات قرية فانتقلت إلى مكان آخر فموضع الاحرام من الاولى وان انتقل الاسم إلى الثانية لان الحكم تعلق بذلك الموضع فلا يزول بخرابه، وقد رأى سعيد بن جبير رجلا يريد أن يحرم من ذات عرق فاخذه حتى خرج من البيوت وقطع الوادي فأتى به المقابر فقال هذه ذات عرق الاولى فهذه المواقيت لاهلها ولمن مر عليها من غيرهم وجملة ذلك أن من سلك طريقا فيها ميقات فهو ميقاته ان أراد الحج أو العمرة فإذا حج الشامي من المدينة فمر بذي الحليفة فهي ميقاته وان حج من اليمن فميقاته يلملم وان حج من العراق فميقاته ذات عرق، وهكذا كل من مر على ميقات غير ميقات بلده صار ميقاتا له، سئل الامام أحمد رحمه الله تعالى عن الشامي يمر بالمدينة يريد الحج من أين يهل قال من ذي الحليفة قيل فان بعض الناس يقولون يهل
[ 209 ]
من ميقاته من الجحفة فقال سبحان الله اليس يروي ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن " وهذا قول الشافعي واسحاق وقال أبو ثور في الشامي يحرم بالمدينة له أن يحرم من الجحفة وهو قول اصحاب الرأي وكانت عائشة رضي الله عنها إذا أرادت الحج
أحرمت من ذي الحليفة وإذا أرادت العمرة أحرمت من الجحفة ولعلهم يحتجون بان النبي صلى الله عليه وسلم وقت لاهل الشام الجحفة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن " ولانه ميقات فلم يجز تجاوزه بغير احرام لمن يريد النسك كسائر المواقيت وخبرهم أريد به من لم يمر على ميقات آخر بدليل مالو مر بميقات غير ذي الحليفة لم يجز تجاوزه بغير احرام بغير خلاف، وقد روى سعيد بن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لمن ساحل من أهل الشام الجحفة والحج والعمرة سواء في هذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد حجا أو عمرة " (فصل) فان مر من غير طريق ذي الحليفة فميقاته الجحفة سواء كان شاميا أو مدنيا لما روى أبو الزبير أنه سمع جابرا يسأل عن المهل فقال سمعته أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول " مهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر من الجحفة " رواه مسلم، ولانه مر على أحد المواقيت دون غيره فلم يلزمه الاحرام قبله كسائر المواقيت ولعل أبا قتادة حين أحرم أصحابه دونه في قصة صيد الحمار الوحشي انما ترك الاحرام لانه لم يمر على ذي الحليفة فأخر احرامه إلى الجحفة ويمكن حمل حديث عائشة في تأخيرها احرام العمرة إلى الجحفة على هذا، وأنها لا تمر في طريقها على ذي الحليفة لئلا يكون فعلها مخالفا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (مسألة) (ومن منزله دون الميقات فميقاته من موضعه يعني إذا كان مسكنه أقرب إلى مكة من الميقات كان ميقاته سكنه) هذا قول أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وعن مجاهد قال يهل من مكة والصحيح الاول، فان النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن عباس " فمن كان دونهن مهله من أهله " وهذا صريح فالعمل به أولى (فصل) إذا كان مسكنه قرية فالافضل أن يحرم من أبعد جانبيها، وإن أحرم من أقرب جانبيها جاز، وهكذا القول في المواقيت التى وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت قريبة والحلة كالقرية فيما ذكرنا وإن كان مسكنه منفردا فميقاته مسكنه أو حذوه وكل ميقات فحذوه بمنزلته، ثم إن كان مسكنه في الحل فاحرامه منه للحج والعمرة معا، وإن كان في الحرم فاحرامه للعمرة من الحل ليجع في النسك
بين الحل والحرم كالمكي، وأما الحج فينبغي أن يجوز له الاحرام من أي الحرم شاء كالمكي
[ 210 ]
(مسألة) (وأهل مكة إذا ارادوا العمرة فمن الحل، وإن أرادوا الحج فمن مكة) أهل مكة من كان بها سواء كان مقيما بها أو غير مقيم لان كل من أتى على ميقات كان ميقاتا له لما ذكرنا فكذلك كل من كان بمكة فهي ميقاته للحج، وإن أراد العمرة فمن الحل لا نعلم في هذا خلافا ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما أن يعمر عائشة رضي الله عنها من التنعيم وكانت بمكة يومئذ وهذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم " حتى أهل مكة يهلون منها " يعني للحج، وقال أيضا " ومن كان أهله دون الميقات فمن حيث ينشئ حتى يأتي ذلك على أهل مكة " وهذا في الحج فأما في العمرة فميقتاتها في حقهم الحل من أي جوانب الحرم شاء لحديث عائشة رضي الله عنها حين أعمرها من التنعيم وهو أدنى الحل. قال ابن سيرين: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لاهل مكة التنعيم، وقال ابن عباس: يا أهل مكة من أتى منكم العمرة فليجعل بينه وبينها بطن محسر، يعني إذا أحرم بها من ناحية المزدلفة، وانما لزم الاحرام من الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرم فانه لو أحرم من الحرم لما جمع بينهما فيه لان أفعال العمرة كلها في الحرم بخلاف الحج فانه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة ليجمع له الحل والحرم ومن أي الحل أحرم جاز، وانما أعمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها من التنعيم لانه أقرب الحل إلى مكة وقد روي عن الامام أحمد رحمه الله تعالى في المكي كلما تباعد في العمرة فهو أعظم للاجر على قدر تعبها، وأما إذا أراد المكي الاحرام بالحج فمن مكة للخبر المذكور،
[ 211 ]
ولان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فسخوا الحج أمرهم فأحرموا من مكة، قال جابر رضي الله عنه أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نحرم إذا توجهنا من الابطح، رواه مسلم، وهذا يدل على أنه لا فرق بين قاطني مكة وغيرهم ممن هو بها كالمتمتع إذا حل ومن فسخ حجه بها ونقل عن الامام أحمد رحمه الله تعالى فيمن اعتمر في أشهر الحج من أهل مكة أنه يهل بالحج من الميقات، فان لم يفعل فعليه دم والصحيح ما ذكرنا أولا، وقد دلت عليه الاحاديث الصحيحة،
ويحتمل أن أحمد أنما أراد أن الدم يسقط عنه إذا خرج إلى الميقات فأحرم ولا يسقط إذا أحرم من مكة وهذا في غير المكي، أما المكي فلا يجب عليه دم متعة بحال لقوله تعالى (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) وذكر القاضي فيمن دخل مكة يحج عن غيره ثم أراد أن يعتمر بعده لنفسه أو بالعكس، أو دخل بعمرة لنفسه ثم أراد أن يحج أو يعتمر لغيره، أو دخل بعمرة لغيره ثم أراد أن يحج أو يعتمر لنفسه، أنه في جميع ذلك يخرج إلى الميقات فيحرم منه، فان لم يفعل فعليه دم قال: وقد قال الامام أحمد في رواية عبد الله: إذا اعتمر عن غيره ثم أراد الحج لنفسه يخرج إلى الميقات أو اعتمر عن نفسه يخرج إلى الميقات، فان دخل مكة بغير احرام ثم أراد الحج يخرج إلى الميقات، واحتج له القاضي بأنه جاوز الميقات مريدا للنسك غير محرم لنفسه فلزمه دم إذا أحرم دونه كمن جاوز
[ 212 ]
الميقات غير محرم، وعلى هذا لو حج عن شخص واعتمر عن آخر أو اعتمر عن انسان ثم حج أو اعتمر عن آخر فكذلك والذي ذكره شيخنا رحمه الله تعالى أنه لا يلزمه الخروج إلى الميقات في هذا كله وهو ظاهر كلام الخرقي رحمه الله تعالى لما ذكرنا لان كل من كان بمكة كالقاطن بها وهذا قد حصل بمكة حلالا على وجه مباح فأشبه المكي وما ذكره القاضي تحكم بغير دليل، والمعنى الذي ذكره لا يصح لوجوه (أحدها) انه لا يلزم أن يكون مريدا للنسك لنفسه حال مجاوزته الميقات لانه قد يبدو له بعد ذلك (الثاني) أن هذا لا يتناول من أحرم عن غيره (الثالث) لو وجب بهذا الخروج إلى الميقات لزم المتمتع والمفرد لانهما جاوزا الميقات غير مريدين للنسك الذي أحرما به (الرابع) ان المعنى في الذي تجاوز الميقات غير محرم أنه فعل مالا يحل له فعله وترك الاحرام الواجب عليه في موضعه فأحرم من دونه (فصل) ومن أي الحرم أحرم بالحج جاز لان المقصود من الاحرام به الجمع في النسك بين الحل والحرم وهو حاصل بالاحرام من أي موضع كان من الحرم فجاز كما يجوز الاحرام بالعمرة من
أي موضع كان من الحل، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لاصحابه في حجة الوداع " إذا أردتم ان تنطلقوا إلى منى فأهلوا من البطحاء، ولان ما اعتبر فيه الحرم استوت البلدة وغيرها فيه كالنحر
[ 213 ]
(فصل) وان أحرم بالحج من الحل الذي يلي الموقف فعليه دم لانه أحرم من دون الميقات وان أحرم من الجانب الآخر ثم سلك الحرم فلا شئ عليه نص عليه احمد فيمن أحرم بالحج من التنعيم فقال ليس عليه شئ لانه أحرم قبل ميقاته فكان كالمحرم قبل بقية المواقيت وان لم يسلك الحرم فعليه دم لكونه لم يجمع في النسك بين الحل والحرم
[ 214 ]
(مسألة) (ومن لم يكن طريقه على ميقات فإذا حاذى أقرب المواقيت إليه أحرم) ومن سلك طريقا بين ميقاتين اجتهد حتى يكون احرامه بحذو الميقات الذي هو أقرب إلى طريقه لان أهل العراق قالوا لعمر رضي الله عنه إن قرنا جور على طريقنا قال انظروا حذوها من طريقكم، فوقت لهم ذات عرق ولان هذا مما يعرف بالاجتهاد والتقدير فان اشتبه دخله الاجتهاد كالقبلة وإن لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقه احتاط فاحرم من بعد بحيث يتيقن انه لم يجاوز الميقات الا محرما لان الاحرام قبل الميقات جائز وتأخيره عنه غير جائز فالاحتياط فعل ما ذكرنا ولا يلزمه
[ 215 ]
الاحرام حتى يعلم أنه قد حاذاه لان الاصل عدم وجوبه فلا يجب بالنسك فان أحرم ثم علم بعد أنه
[ 216 ]
قد جاوز ما يحاذي الميقات غير محرم فعليه دم وان شك في أقرب الميقاتين إليه فالحكم فيه كالحكم
[ 217 ]
في المسألة قبلها فان كانا متساويين في القرب إليه أحرم من حذو أبعدهما (مسألة) (ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات بغير احرام الا لقتال مباح أو حاجة متكررة كالحطاب ونحوه ثم إن بدا له النسك أحرم من موضعه)
من تجاوز الميقات ممن لا يريد النسك ينقسم قسمين (أحدهما) من لا يريد دخول الحرم فهذا لا يلزمه الاحرام بغير خلاف ولا شئ عليه في تركه فان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أتوا بدرا مرتين وكانوا يسافرون للجهاد وغيره فيمرون بذي الحليفة غير محرمين ولا يرون بذلك بأسا فان بدا لهذا الاحرام أحرم من موضعه ولا شئ عليه، وهذا ظاهر
[ 218 ]
كلام الخرقي وبه يقول مالك والثوري والشافعي وصاحبا أبي حنيفة وحكى ابن المنذر عن الامام أحمد رحمه الله تعالى في الرجل يخرج لحاجة وهو لا يريد الحج فجاوز ذا الحليفة ثم أراد الحج يرجع إلى ذي الحليفة فيحرم وبه قال اسحاق لانه احرم من دون الميقات فلزمه الدم كالذي يريد دخول الحرم والاول أصح وكلام احمد يحمل على من يجاوز الميقات ممن يجب عليه الاحرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم " فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج أو العمرة " ولانه حصل دون الميقات على وجه مباح فكان له الاحرام منه كاهل ذلك المكان ولان هذا القول يفضي إلى من كان منزله دون الميقات إذا خرج إلى الميقات ثم عاد إلى منزله وأراد الاحرام لزمه الخروج إلى الميقات ولا قائل به ولانه مخالف لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ومن كان منزله دون الميقات فمهله من أهله " (القسم الثاني) من يريد دخول الحرم إلى مكة أو غيرها وهم على ثلاثة اضرب (أحدها) من يدخلها لقتال مباح أو من خوف أو لحاجة كالحطاب والحشاش وناقل الميرة والفيح ومن كانت له ضيعة يتكرر دخوله وخروجه إليها فلا احرام عليهم لان النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة حلالا وعلى رأسه المغفر وكذلك أصحابه ولم يعلم أن احدا منهم أحرم ولانا لو اوجبنا الاحرام على من يتكرر دخوله أفضى إلى ان يكون في جميع زمنه محرما فسقط للحرج، وهذا مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز لاحد دخول الحرم بغير احرام الا من كان دون الميقات لانه يجاوز الميقات مريدا للحرم فلم يجز بغير احرام
[ 219 ]
ولنا ما ذكرنا من النص والمعنى، وقد روى الترمذي باسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة وعلى رأسه عمامة سوداء، وقال حديث حسن صحيح ومتى أراد هذا النسك بعد مجاوزة الميقات
أحرم من موضعه كالقسم الذي قبله وفيه من الخلاف ما فيه (الضرب الثاني) من لا يجب عليه الحج كالعبد والصبي والكافر إذا أسلم بعد تجاوز الميقات أو عتق العبد أو بلغ الصبي وأرادوا الاحرام فانهم يحرمون من موضعهم ولا دم عليهم وبه قال عطاء ومالك والثوري والاوزاعي واسحاق وبه قال أصحاب الرأي في الكافر يسلم والصبي يبلغ وقالوا في العبد عليه دم وقال الشافعي في جميعهم على كل واحد منهم دم وعن احمد في الكافر يسلم كقوله واختارها ابو بكر، وقال القاضي وهي أصح ويتخرج في الصبي والعبد كذلك قياسا على الكافر يسلم لانهم تجاوزوا الميقات بغير احرام واحرموا دونه فوجب الدم كالمسلم البالغ العاقل ولنا أنهم احرموا من الموضع الذي وجب عليهم الاحرام منه فاشبهوا المكي ومن قريته دون الميقات إذا أحرم منها وفارق من يجب عليه الاحرام إذا تركه لانه ترك الواجب عليه (الضرب الثالث) المكلف الذي يدخل لغير قتال ولا حاجة متكررة فلا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم، وبه قال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم لا يجب الاحرام عليه، وعن أحمد ما يدل على ذلك لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أنه دخلها بغير احرام، ولانه أحد الحرمين
[ 220 ]
شبه حرم المدينة، ولان الوجوب من الشارع ولم يرد به إيجاب ذلك على كل داخل فيبقى على الاصل ولنا أنه لو نذر دخولها لزمه الاحرام، ولم لم يكن واجبا لم يجب بنذر الدخول كسائر البلدان إذا ثبت ذلك فمتى أراد الاحرام بعد تجاوز الميقات فالحكم فيه كمن تجاوزه مريد النسك (فصل) ومن دخل الحرم بغير احرام ممن يريد الاحرام فلا قضاء عليه وهذا قول الشافعي، وقال أبو حنيفة يجب عليه أن يأتي بحج أو عمرة، فان أتى بحجة الاسلام في سنته أو منذورة أو عمرة أجزأه عن عمرة الدخول استحسانا لان مروره على الميقات مريدا للحرم يوجب الاحرام، فإذا لم يأت به وجب قضاؤه كالنذر ولنا انه مشروع لتحية المبقعة فإذا لم يأت به سقط كتحية المسجد فان قيل تحية المسجد غير واجبة قلنا الا ان النوافل المرتبات تقضي وانما سقط القضاء لما ذكرنا فاما أن تجاوز الميقات ورجع قبل دخول الحرم فلا قضاء عليه بغير خلاف سواء أراد النسك أولا
(فصل) ومن كان منزله دون الميقات خارجا من الحرم فحكمه في مجاوزة قريته إلى ما يلي الحرم حكم المجاوز للميقات في الاحوال الثلاث لان موضعه ميقاته فهو في حقه كالمواقيت لاهل الآفاق (مسألة) (ومن جاوزه مريدا النسك غير محرم رجع من الميقات فأحرم منه، فان أحرم من موضعه فعليه دم وإن رجع إلى الميقات) وجملته أن من جاوز الميقات مريدا للنسك غير محرم يجب عليه أن يرجع إلى الميقات ليحرم منه إذا أمكنه لانه واجب أمكنه فعله فلزمه كسائر الواجبات، وسواء تجاوزه عالما به أو جاهلا علم تحريم
[ 221 ]
ذلك أو جهله، فان رجع إليه فأحرم منه فلا شئ عليه لا نعلم في ذلك خلافا، وبه قال جابر بن زيد والحسن وسعيد بن جبير والثوري والشافعي لانه أحرم من الميقات الذي أمر بالاحرام منه فلم يلزمه شئ كما لو لم يتجاوزه، وإن أحرم من دون الميقات فعليه دم سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع، وبه قال مالك وابن المبارك وظاهر مذهب الشافعي أنه إن رجع إلى الميقات فلا دم عليه إلا أن يكون قد تلبس بشئ من أفعال الحج كالوقوف وطواف القدوم فيستقر الدم عليه، قالوا لانه حصل محرما في الميقات قبل التلبس بأفعال الحج فلم يلزمه دم كما لو أحرم عنه، وعن أبي حنيفة إن رجع إلى الميقات فلبي سقط عنه الدم، وإن لم يلب لم يسقد عنه، وعن عطاء والحسن والنخعي لا شئ على من ترك الميقات ولنا ماروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من ترك نسكا فعليه دم " روي موقوفا ومرفوعا، ولانه أحرم دون ميقاته واستقر عليه الدم كما لو لم يرجع أو كما لو طاف عند الشافعي، وكما لو لم يلب عند ابي حنيفة، ولان الدم وجب بتركه الاحرام من الميقات ولا يزول هذا برجوعه ولا بتلبيته لان الاصل بقاء ما وجب وفارق ما إذا رجع قبل احرامه فأحرم منه، فانه لم يترك الاحرام منه ولم يهتكه (فصل) ولو أفسد المحرم من دون الميقات حجه لم يسقط عنه الدم، وبه قال الشافعي واسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وقال الثوري وأصحاب الرأي يسقط لان القضاء واجب
ولنا أنه وجب عليه بموجب هذا الاحرام فلم يسقط بوجوب القضاء كبقية المناسك وكجزاء الصيد (فصل) وإن جاوز الميقات غير محرم وخشي إن رجع إلى الميقات فوات الحج جاز أن يحرم من موضعه بغير خلاف نعلمه ويجزئه الحج إلا أنه روي عن سعيد بن جبير، من ترك الميقات فلا حج له: والاول مذهب الجمهور لانه لو كان من أركان الحج لم يختلف باختلاف الناس والاماكن كالوقوف والطواف، وإذا أحرم من دون الميقات عند خوف الفوات فعليه دم لا نعلم فيه خلافا عند من أوجب الاحرام من الميقات لحديث ابن عباس، وانما أبحنا له الاحرام من موضعه مراعاة لادراك الحج فان مراعاة ذلك أولى من مراعاة واجب فيه مع فواته، ومن لم يمكنه الرجوع لعدم الرفقة أو الخوف من عدو، أو لص، أو مرض، أو لا يعرف الطريق ونحو هذا مما يمنع الرجوع فهو كالخائف الفوات في أنه يحرم من موضعه وعليه دم (مسألة) والاختيار أن لا يحرم قبل ميقاته ولا يحرم بالحج قبل أشهره فان فعل فهو محرم)
[ 222 ]
الافضل الاحرام من الميقات ويكره قبله روي نحو ذلك عن عمر وعثمان رضي الله عنهما، وبه قال الحسن وعطاء ومالك واسحاق، وقال أبو حنيفة: الافضل الاحرام من بلده، وعن الشافعي كالمذهبين، وكان علقمة والاسود وعبد الرحمن يحرمون من بيوتهم، واحتجوا بما روى عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الاقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة " شك عبد الله أيتهما قال رواه أبو داود، وأحرم ابن عمر من ايلياء، وروى النسائي وأبو داود باسنادهما عن الضبي بن معبد قال: أهللت بالحج والعمرة فلما أتيت العذيب لقيني سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأنا أهل بهما فقال أحدهما: ما هذا بأفقه من بعيره فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال لي: هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم وهذا احرام به قبل الميقات، وروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما في قوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) انما هو أن تحرم بهما من دويرة أهلك ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا من الميقات ولا يفعلون إلا الافضل (1) فان قيل انما فعل
ليبين الجواز قلنا قد حصل بيان الجواز بقوله كما في سائر المواقيت، ثم لو كان كذلك لكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يحرمون من بيوتهم ولما تواطؤا على ترك الافضل واختيار الادنى وهم أفضل الخلق ولهم من الحرص على الفضائل والدرجات مالهم، وروى أبو يعلى الموصلي باسناده عن ابي أيوب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يستمتع أحدكم بحله ما استطاع فانه لا يدري ما يعرض له في احرامه " وروى الحسن أن عمران بن حصين أحرم من مصره فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فغضب وقال: يتسامع الناس أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من مصره، وقال إن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان فلما قدم على عثمان رضي الله عنه لامه فيما صنع وكرهه له، رواهما سعيد والاثرم، وقال البخاري كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان، ولانه أحرم قبل الميقات فكره كالاحرام بالحج قبل أشهره، ولانه تغرير بالاحرام وتعريض لفعل محظوراته وفيه مشقة على النفس فكره كالوصال في الصوم، قال عطاء انظروا هذه المواقيت التي وقت لكم فخذوا برخص الله فيها، فانه عسى أن يصيب أحدكم ذنبا في احرامه فيكون أعظم لوزره فان الذنب في الاحرام أعظم من ذلك فأما حديث الاحرام من بيت المقدس ففيه ضعف يرويه ابن أبي فديك ومحمد بن اسحاق وفيهما مقال ويحتمل اختصاص هذا ببيت المقدس دون غيره ليجمع بين الصلاة في المسجدين في احرام واحد، ولذلك أحرم ابن عمر منه ولم يكن يحرم من غيره إلا من الميقات، وقول عمر رضي الله عنه للضبي:
[ 223 ]
هديت لسنة نبيك يعني في الجمع بين الحج والعمرة لا في الاحرام من قبل الميقات، فان سنة النبي صلى الله عليه وسلم الاحرام من الميقات بين ذلك بفعله وقوله، وقد تبين أنه لم يرد ذلك بانكاره على عمران بن حصين حين أحرم من مصره، وأما قول عمر وعلي رضي الله عنهما فانما قالا اتمام العمرة أن تنشئها من بلدك، يعني أن تنشي، لها سفرا من بلدك تقصد له ليس أن تحرم بها من أهلك، قال احمد كان سفيان يفسره بهذا، وكذلك فسره به أحمد ولا يصح أن يفسر بنفس الاحرام لان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما أحرموا بها من بيوتهم، وقد أمرهم سبحانه باتمام العمرة، فلو حمل قولهم على ذلك لكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تاركين الامر، ثم إن عمر وعليا ما كانا يحرمان إلا من الميقات افتراهما يريان أن ذلك ليس
بأتمام لها ويفعلانه؟ هذا لا ينبغي أن يتوهمه أحد، ولذلك أنكر عمر على عمران احرامه من مصره واشتد عليه وكره أن يتسامع الناس مخافة أن يؤخذ به افتراه كره اتمام العمرة واشتد عليه أن يأخذ الناس بالافضل؟ هذا لا يجوز فتعين حمل قولهما على ما حمله عليه الائمة (فصل) ويكره الاحرام بالحج قبل أشهره بغير خلاف علمناه لكونه احراما به قبل وقته فأشبه الاحرام به قبل ميقاته بل الكراهة هنا أشد لان في صحته اختلافا فان أحرم بالحج قبل ميقات المكان صح احرامه بغير خلاف علمناه الا أنه يكره ذلك وقد ذكرناه وان أحرم به قبل أشهره صح أيضا إذا بقي على احرامه إلى وقت الحج نص عليه احمد في رواية جماعة، وهو قول النخعي والثوري وأبي حنيفة ومالك واسحاق، وقال عطاء وطاوس ومجاهد والشافعي يجعله عمرة وذكر القاضي في الشرح رواية مثل ذلك واختارها ابن حامد لقول الله تعالى (الحج أشهر معلومات) تقديره وقت الحج أو اشهر الحج من قبيل حذف المضاف واقامة المضاف إليه مقامه وإذا ثبت أنه وقته لم يصح تقديمه عليه كأوقات الصلوات ولنا قوله تعالى (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) يدل على أن جميع الاشهر ميقات (1) ولانه أحد النسكين فجاز الاحرام به في جميع السنة كالعمرة وأحد الميقاتين فصح الاحرام قبله كميقات المكان والآية محمولة على أن الاحرام به انما يستحب فيها (مسألة) (وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وهو ميقات الزمان للحج) هذا قول ابن مسعود وابن عمر وابن الزبير وعطاء ومجاهد والحسن والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وأصحاب الرأي وروى عن عمر وابنه وابن عباس أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، وقول مالك لان أقل الجمع ثلاثة، وقال الشافعي آخر أشهر الحج ليلة النحر وليس
[ 224 ]
يوم النحر منها لقوله تعالى (فمن فرض فيهن الحج) ولا يمكن فرضه بعد ليلة النحر ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " يوم الحج الاكبر يوم النحر " رواه أبو داود فكيف يجوز أن يكون يوم الحج الاكبر ليس من أشهره؟ ولانه قول من سمينا من الصحابة ولان يوم النحر فيه ركن الحج وهو طواف
الزيارة وفيه رمي جمرة العقبة والحلق والنحر والسعي والرجوع إلى منى وما بعده ليس من أشهره لانه ليس بوقت لاحرامه ولا لاركانه (1) فهو كالمحرم ولا يمنع التعبير بلفظ الجمع عن شيئين وبعض الثالث فقد قال الله تعالى (يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء) والقروء الطهر عند مالك ولو طلقها في طهر احتسبت بنفسه وبقول العرب ثلاث خلون من ذي الحجة وهم في الثالثة وقوله تعالى (فرض فيهن الحج) أي في أكثرهن والله تعالى أعلم (فصل) فأما العمرة فكل الزمان ميقات لها ولا يكره الاحرام بها في يوم النحر وعرفة وأيام التشريق في أشهر الروايتين وعنه يكره وبه قال أبو حنيفة ولنا أنه زمان لاحرام الحج فلم يكره فيه إحرام العمرة كغيره (باب الاحرام) (مسألة) (يستحب لمن أراد الاحرام أن يغتسل ويتنظف ويتطيب ويلبس ثوبين أبيضين نظيفين ازارا أو رداء ويتجرد عن المخيط)
[ 225 ]
يستحب لمن أراد الاحرام أن يغتسل قبله وهو قول طاوس والنخعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لاهلاله واغتسل، رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل عند الاحرام، ولان هذه العبادة يجتمع لها الناس فسن لها الاغتسال كالجمعة، وليس ذلك واجبا في قول عامة أهل العلم، قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الاحرام جائز بغير اغتسال وأنه غير واجب وحكي عن الحسن أنه قال: إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذكر، قال الاثرم سمعت أبا عبد الله قيل له عن بعض أهل المدينة من ترك الاغتسال عند الاحرام فعليه دم لقول النبي صلى الله عليه وسلم لاسماء " اغتسلي فكيف الطاهر؟ فأظهر التعجب من هذا القول، وكان ابن عمر يغتسل أحيانا ويتوضأ أحيانا وأي ذلك فعل اجزأه ولا أوجب (1) الاغتسال ولا أمر به إلا لحائض أو نفساء، ولو كان واجبا لامر به غيرهما، ولانه لامر مستقبل فأشبه غسل الجمعة، فان لم يجد ماء، فقال القاضي يتيمم لانه غسل
مشروع فناب التيمم عنه كالواجب، والصحيح أنه غير مسنون لانه غسل غير واجب فلم يستحب التيمم عند عدمه كغسل الجمعة وما ذكره منتقض بغسل الجمعة، والفرق بين الواجب والمسنون أن
[ 226 ]
الواجب شرع لاباحة الصلاة والتيمم يقوم مقامه في ذلك، والمسنون يراد للتنظيف وقطع الرائحة والتيمم لا يحصل هذا بل يحصل شعثا وتغبيرا، ولذلك افترقا في الطهارة الصفرى فلم يشرع تجديد التيمم ولا تكرار المسح (فصل) ويستحب للمرأة الغسل كالرجل وإن كانت حائضا أو نفساء لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل رواه مسلم، وأمر عائشة أن تغتسل لاهلال الحج وهي حائض. فان رجت الحائض أو النفساء الطهر قبل الخروج من الميقات استحب لهما تأخير الاغتسال حتى يطهرا ليكون أكمل لهما وإلا اغتسلتا لما ذكرناه (فصل) ويستحب التنظيف بازالة الشعر وقطع الرائحة ونتف الابط وقص الشارب وتقليم الاظفار وحلق العانة لانه أمر يسن له الاغتسال والطيب فسن له هذا كالجمعة، ولان الاحرام يمنع قطع الشعر وتقليم الاظفار فاستحب له فعله قبله لئلا يحتاج إليه في احرامه فلا يتمكن منه (فصل) ويستحب لمن أراد الاحرام أن يتطيب في بدنه خاصة ولا فرق بين ما تبقى عينه كالمسك
[ 227 ]
أو أثره كالعود والبخور وماء الورد هذا قول ابن عباس وابن الزبير وسعد بن أبي وقاص وعائشة وأم حبيبة ومعاوية رضي الله عنهم وروي عن ابن الحنفية وأبي سعيد وعروة والقاسم والشعبي وابن جريج. وكان عطاء يكره ذلك، وهو قول مالك وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر رضي الله عنهم واحتج مالك بما روى يعلى بن أمية ان رجلا اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم يعنى ساعة ثم قال " اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات وانزع عنك الجبة واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك " متفق عليه ولانه يمنع من ابتدائه فمنع من استدامته كاللبس
ولنا قول عائشة رضي الله عنها كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت. وقالت كاني انظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم. متفق عليه وفي لفظ لمسلم طيبته بأطيب الطيب وقالت بطيب فيه مسك وحديثهم في بعض الفاظه عليه جبة بها أثر الخلوق رواه مسلم وفي بعضها وهو متضمخ بالخلوق وفي بعضها عليه ردع من زعفران وهذا يدل على أن طيب الرجل كان من الزعفران وهو منهي عنه للرجال في غير الاحرام ففيه أولى وقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتزعفر الرجل ولان حديثهم في سنة ثمان وحديثنا في سنة عشر قال ابن
[ 228 ]
جريج كان شأن صاحب الجبة قبل حجة الوداع قال ابن عبد البر لا خلاف بين جماعة أهل العلم بالسير والاثار أن قصة صاحب الجبة كانت عام خيبر بالجعرانة سنة ثمان وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر فعند ذلك إن قدر التعارض فحديثنا ناسخ لحديثهم فان قيل فقد روى محمد بن المنتشر قال سألت ابن عمر عن الطيب عند الاحرام فقال لان أطلي بالقطران أحب الي من ذلك قلنا تمام الحديث قال فذكرت ذلك لعائشة فقالت يرحم الله أبا عبد الرحمن قد كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف في نسائه ثم يصبح ينضح طيبا فإذا صار الخبر حجة على من أحتج به فان فعل النبي صلى الله عليه وسلم حجة على ابن عمر وغيره وقياسهم يبطل بالنكاح فان الاحرام يمنع ابتداءه دون استدامته (فصل) فان طيب ثوبه فله استدامة لبسه ما لم ينزعه فان نزعه فليس له لبسه فان لبسه افتدى لان الاحرام يمنع ابتداء الطيب ولبس المطيب دون الاستدامة وكذا إن نقل الطيب من موضع من بدنه إلى موضع يفتدي لانه ابتدأ الطيب وكذا إن تعمد مسه بيده أو نحاه عن موضعه ثم رده إليه فاما ان عرق الطيب أو ذاب بالشمس فسأل إلى موضع اخر فلا شئ عليه لانه ليس من فعله قالت عائشة رضي الله عنها كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك عند الاحرام فإذا عرقت احدانا سال على وجهها فيرانا النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا رواه أبو داود
[ 229 ]
(فصل) ويستحب أن يلبس ثوبين أبيضين نظيفين ازارا ورداء لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " وليحرم
أحدكم في ازار ورداء ونعلين " ويستحب أن يكونا نظيفين إما جديدين أو مفسولين لانا أحببنا له التنظيف في بدنه فكذلك في ثيابه كشاهد الجمعة، والاولى أن يكونا أبيضين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير ثيابكم البياض فالبسوها أحياكم وكفنوا فيها موتاكم " رواه النسائي بمعناه (فصل) ويتجرد عن المخيط إن كان رجلا، فأما المرأة فلها ليس لبس المخيط في الاحرام لان المحرم ممنوع من لبسه في شئ من بدنه وهو كل ما يخاط على قدر الملبوس عليه كالقميص والسراويل والبرنس، ولو لبس ازارا موصلا، أو أتشح بثوب مخيط كان جائزا وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى (مسألة) (ويصلي ركعتين ويحرم عقيبهما) المستحب أن يحرم عقيب الصلاة فان حضرت صلاة مكتوبة أحرم عقيبها وإلا صلى ركعتين تطوعا واحرم عقيبهما وهذا قول عطاء وطاوس ومالك والشافعي والثوري وأبي حنيفة واسحاق وأبي ثور وابن المنذر، وروي عن ابن عمر وابن عباس، وقد روي عن أحمد أن الاحرام عقيب الصلاة وإذا استوت به راحلته وإذا بدأ السير سواء لان الجميع مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق صحيحة. قال الاثرم سألت أبا عبد الله أيما أحب اليك الاحرام في دبر الصلاة أو إذا استوت به راحته؟ قال كل ذلك قد جا، في دبر الصلاة وإذا علا البيداء وإذا استوت به راحلته فوسع في ذلك كله. قال ابن عمر رضي الله عنهما: أهل النبي صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة وروي ابن عباس وأنس رضي الله عنهما نحوه. رواهن البخاري والاولى الاحرام عقيب الصلاة
[ 230 ]
لما روى سعيد بن جبير قال: ذكرت لابن عباس اهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الاحرام حين فرغ من صلاته، ثم خرج فلما ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته واسوت به قائمة أهل فأدرك ذلك منه قوم فقالوا: أهل حين استوت به راحلته وذلك أنهم لم يدركوا إلا ذلك ثم سار حتى علا البيداء فأهل فأدرك ذلك منه ناس فقالوا: أهل حين علا البيداء. رواه أبو داود
والاثرم وهذا لفظه، وهذا فيه بيان وزيادة فتعين حمل الامر عليه، ولو لم يقله ابن عباس لتعين حمل الامر عليه جمعا بين الاخبار المختلفة وعلى سبيل الاستحباب، وكيفما أحرم جاز. لا نعلم أحدا خالف في ذلك (مسألة) (وينوي الاحرام بنسك معين ولا ينعقد الا بالنية) يستحب أن يعين ما يحرم به من الانساك، وبه قال مالك وقال الشافعي في أحد قوليه الاطلاق أولى لما روى طاوس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لا يسمي حجا ينتظر القضاء فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة فأمر أصحابه من كان منهم أهل ولم يكن معه هدي أن يجعلوها عمرة ولان ذلك أحوط لانه لا يأمن الاحصار أو تعذر فعل الحج فيجعلها عمرة ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالاحرام بنسك معين فقال " من شاء منكم أن يهل بالحج أو عمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل " والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه انما أحرموا بمعين لما نذكره إن شاء الله تعالى في الاحاديث الصحيحة، ولان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه في صحبته يطلعون على أحواله ويقتدون به أعلم به من طاوس، ثم إن حديثه مرسل والشافعي لا يحتج بالمراسيل فكيف صار إليه مع مخالفة الروايات الصحيحة المسندة والاحتياط ممكن بأن يجعلها عمرة، فان شاء كان متمتعا، وإن شاء أدخل عليها الحج فصار قارنا (فصل) وينوي الاحرام بقلبه ولا ينعقد الا بالنية لقول البني صلى الله عليه وسلم (انما الاعمال بالنيات) ولانها عبادة محضة فافتقرت إلى النية كالصلاة فان لبى من غير نية لم يصر محرما لما ذكرنا وان اقتصر على النية كفاه ذلك وهو قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة لا ينعقد بمجرد النية حتى يضاف إليها التلبية أو سوق الهدي لما روى خلاد بن السائب الانصاري عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال جاءني جبريل فقال يا محمد مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية قال الترمذي هذا حديث حسن ولانها
[ 231 ]
عبادة ذات تحريم وتحليل فكان لها نطق واجب كالصلاة ولان الهدي والاضحية لا يجبان بمجرد النية كذلك النسك.
ولنا أنها عبادة ليس في آخرها نطق واجب فلم يكن في أولها كالصيام والخبر المراد به الاستحباب فان منطوقه رفع الصوت ولا خلاف في عدم وجوبه فما هو من ضرورته أولى ولو وجب النطق لم يلزم كونه شرطا فان كثيرا من واجبات الحج غير مشترطة فيه والصلاة في آخرها نطق واجب بخلاف الحج والعمرة وأما الهدي والاضحية فايجاب مال فهو يشبه النذر بخلاف الحج لانه عبادة بدنية فعلى هذا لو نطق بغير ما نواه نحو أن ينوي العمرة فيسبق لسانه إلى الحج أو بالعكس انعقد ما نواه دون ما لفظه به. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على هذا وذلك لان الواجب النية وعليها الاعتماد واللفظ لا عبرة به فلم يؤثر كما لا يؤثر اختلاف النية فيما يعتبر له اللفظ دون النية فان لبى أو ساق الهدي من غير نية لم ينعقد احرامه لان ما اعتبرت له النية لا ينعقد بدونها كالصوم والصلاة (مسألة) (ويشترط فيقول اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني وان حبسني حابس فمحلي حيث حبستي) فان أراد التمتع قال اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي وتقبلها منى وان حبسني حابس فمحلي حيث حبستي وان أراد الافراد قال اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني وبشترط. وان أراد القران قال اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني وبشترط. وهذا الاشتراط مستحب ويفيد هذا الشرط شيئين. (أحدهما) أنه إذا عاقه عدو أو مرض أو ذهاب نفقة ونحوه أن له التحلل (والثاني) أنه متى حل بذلك فلا شئ عليه وممن رأى الاشتراط في الاحرام عمر وعلى وابن مسعود وعمار رضي الله عنهم وبه قال عبيدة السلماني وعلقمة والاسود وشريح وسعيد بن المسيب وعطاء وعكرمة والشافعي بالعراق وأنكره ابن عمر وطاوس وسعيد بن جبير والزهري ومالك وأبو حنيفة وعن أبي حنيفة أن الاشتراط يفيد سقوط الدم فاما التحلل فهو ثابت عنده بكل احصار واحتجوا بان ابن عمر كان ينكر الاشتراط ويقول حسبكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ولانها عبادة تجب باصل الشرع فلم يفد الاشتراط فيها كالصوم والصلاة.
ولنا ماروت عائشة رضي الله عنها قالت دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير فقالت يارسول الله إني اريد الحج وأنا شاكية فقال النبي صلى الله عليه وسلم " حجي واشترطي ان محلي حيث حبستني " متفق عليه
[ 232 ]
وعن ابن عباس رضي الله عنهما ان ضباعة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يارسول الله إني أريد الحج فكيف أقول؟ قال قولي (لبيك اللهم لبيك ومحلي من الارض حيث تحبسني. فان لك على ربك ما استثنيت) رواه مسلم ولا قول لاحد مع قول النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يعارض بقول ابن عمر ولو لم يكن فيه حديث لكان قول الخليفتين الراشدين مع من قد ذكرنا قوله من فقهاء الصحابة أولى من قول ابن عمر إذا ثبت هذا فان غير هذا اللفظ مما يؤدي معناه يقوم مقامه لان المقصود المعنى واللفظ انما أريد لتأدية المعنى قال ابراهيم خرجنا مع علقمة وهو يريد العمرة فقال اللهم إني أريد العمرة ان تيسرت والا فلا حرج علي. وكان شريح يقول اللهم قد عرفت نيتي وما أريد فان كان أمرا تتمه فهو أحب الي والا فلا حرج علي. وقالت عائشة رضي الله عنها لعروة قل اللهم أني اريد الحج وإياه نويت فان تيسر والا فعمرة. فان نوى الاشتراط ولم يتلفظ به احتمل أن يصح لانه تابع لعقد الاحرام والاحرام ينعقد بالنية فكذلك تابعه واحتمل أنه لابد من القول لانه اشتراط فاعتبر فيه القول كالاشتراط في النذر والاعتكاف والوقوف ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس " قولي محلي من الارض حيث تحبسني " (مسألة) (وهو مخير بين التمتع والافراد والقران) لا خلاف بين أهل العلم في جواز الاحرام بأي الانساك الثلاثة شاء، وقد دل على ذلك قول عائشة رضي الله عنها خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومن من أهل بحج متفق عليه فذكرت التمتع والقران والافراد (مسألة) (وأفضلها التمتع ثم الافراد ثم القران، وعنه إن ساق الهدي فالقران أفضل ثم التمتع) أفضل الانساك التمتع ثم الافراد ثم القران، وممن روي عنه اختيار التمتع ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعائشة والحسن وعطاء وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد وسالم والقاسم وعكرمه وأحد قولي الشافعي، وروى المروذي عن أحمدان ساق الهدي فالقران أفضل وإن لم يسقه فالتمتع أفضل
[ 233 ]
لان النبي صلى الله عليه وسلم قرن حين ساق الهدي ومنع كل من ساق الهدي من الحل حتى ينحر هديه وذهب الثوري وأصحاب الرأي إلى اختيار القران لما روى أنس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بهما جميعا " لبيك عمرة وحجا " متفق عليه، وحديث الضبي بن معبد حين أحرم بهما فأنى عمر فسأله فقال هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم وروي عن مروان بن الحكم قال كنت جالسا عند عثمان ابن عفان فسمع عليا يلبي بعمرة وحج فأرسل إليه فقال ألم نكن نهينا عن هذا؟ فقال بلى. ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بهما جميعا فلم أكن أدع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولك رواه سعيد ولان القران مبادرة إلى فعل العبادة وأحرام بالنسكين من الميقات وفيه زيادة نسك هو الدم فكان أولى، وذهب مالك وأبو ثور إلى اختيار الافراد وهو ظاهر مذهب الشافعي وروي ذلك عن عمر وعثمان وابن عمر وجابر وعائشة رضي الله عنهم لما روت عائشة وجابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج متفق عليهما وعن ابن عمر وابن عباس مثل ذلك متفق عليه ولانه يأتي بالحج تاما من غير احتياج إلى جبر فكان أولى قال عثمان: ألا إن الحج التام من أهليكم والعمرة التامة من أهليكم وقال ابراهيم إن أبا بكر وعمر وابن مسعود وعائشة كانوا يجردون الحج ولنا ما روى ابن عباس وجابر وأبو موسى وعائشة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه
[ 234 ]
لما طافوا بالبيت أن يحلو ويجعلوها عمرة فنقلهم من الافراد والقران إلى المتعة متفق عليهما ولا ينقلهم إلا إلى الافضل ولم يختلف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قدم مكة أمر أصحابه أن يحلوا الا من ساق هديا وثبت على احرامه وقال " لو استقبلت من أمري ما أستدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة " قال جابر حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ساق البدن معه وقد أهلوا بالحج مفردا فقال لهم " حلوا من إحرامكم واجعلوا التي قدمتم بها متعة " فقالوا كيف نجعلها عمرة وقد سمينا الحج؟ فقال " افعلوا ما أمرتكم به فلولا اني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به " وفي لفظ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ولولا هديي لحللت كما تحلون ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اهديت " فحللنا
وسمعنا وأطعنا متفق عليهما فنقلهم إلى التمتع وتأسف إذ لم يمكنه ذلك فدل على فضله، ولان التمتع منصوص عليه في كتاب الله تعالى بقوله (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) دون سائر الانساك ولان التمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالهما وكمال أفعالهما على وجه اليسر والسهولة مع زيادة نسك فكان أولى فاما القران فانما يؤتى فيه بافعال الحج وتدخل افعال العمرة فيه والمفرد انما يأتي بالحج وجده وان اعتمر بعده من أدنى الحل فقد اختلف في إجزائها عن عمرة الاسلام وكذلك اختلف في إجزاء عمرة القارن ولا خلاف في إجزاء عمرة المتمتع فكان أولى فاما حجتهم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ففيها أجوبة (أحدها) منع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم محرما بغير التمتع لامور أولها أن رواة أحاديثهم قد رووا
[ 235 ]
أن النبي صلى الله عليه وسلم تمتع بالعمرة إلى الحج رواه ابن عمر وعائشة وجابر رضي الله عنهم من طرق صحاح فسقط الاحتجاج بها (وثانيها) أن روايتهم اختلفت فرووا مرة أنه أفرد ومرة أنه تمتع ومرة أنه قرن والقضية واحدة ولا يمكن الجمع بينها فوجب اطراح الكل وأحاديثهم في القران أصحها حديث أنس وقد أنكره ابن عمر فقال رحم الله انسا ذهل أنس متفق عليه وفي رواية: كان أنس يتولج على النساء اي كان صغيرا وحديث علي رواه حفص بن ابي داود وهو ضعيف عن ابن أبي ليلى وهو كثير الوهم قاله الدارقطني (وثالثها) أن اكثر الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعا روى ذلك عمر وعلي وعثمان وسعد ابن ابي وقاص وابن عباس وابن عمر ومعاوية وأبو موسى وجابر وعائشة وحفصة باحاديث صحاح وانما منعه من الحل الهدي الذي كان معه ففي حديث عمر أنه قال إني لا أنهاكم عن المتعة وانها لفي كتاب الله ولقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني العمرة في الحج وفي حديث علي أنه اختلف هو وعثمان في المتعة بعسفان فقال علي ما تريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه متفق عليه وللنسائي قال علي لعثمان ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تمتع؟ قال بلى وعن ابن عمر قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وعنه أن حفصة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ما شأن الناس حلوا من عمرتهم ولم تحلل انت من عمرتك؟ قال " إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا
[ 236 ]
أحل حتى أنحر متفق عليهما وقال سعد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه وهذه الاحاديث راجحة لان رواتها أكثر وأعلم ولان النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بالمتعة عن نفسه في حديث حفصة فلا يعارض خبره غيره ولانه يمكن الجمع بين الاحاديث بان يكون النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بالمتعة ثم لم يحل منها لاجل هديه حتى أحرم بالحج فصار قارنا وسماه من سماه مفردا لانه اشتغل بافعال الحج وحدها بعد فراغه من أفعال العمرة فان الجمع بين الاحاديث مهما أمكن أولى من حملها على التعارض (الوجه الثاني) من الجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه بالانتقال إلى المتعة عن الافراد والقران ولا يأمرهم الا بالانتقال إلى الافضل فانه من المحال أن ينقلهم من الافضل إلى الادنى وهو الداعي إلى الخير الهادي إلى الفضل ثم أكد ذلك بتأسفه على فوات ذلك في حقه ولانه لا يقدر على انتقاله وحله لسوقه وهذا ظاهر الدلالة (الثالث) أن ما ذكرناه قول النبي صلى الله عليه وسلم وهم يحتجون بفعله وعند التعارض يجب تقديم القول لاحتمال اختصاصه بفعله دون غيره كنهيه عن الوصال مع فعله له ونكاحه بغير ولي مع قوله " لا نكاح إلا بولي " فان قيل فقد قال أبو ذر كانت متعة الحج لاصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة رواه مسلم قلنا هذا قول صحابي يخالف الكتاب والسنة والاجماع وقول من هو خير وأعلم اما الكتاب
[ 237 ]
فقوله سبحانه (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) وهذا عام واجمع المسلمون على اباحة التمتع، واما السنة فروي سعيد باسناده ان سراقة بن مالك سأل النبي صلى الله عليه وسلم المتعة لنا خاصة أم هي للابد؟ قال " بل هي للابد " وفي لفظ قال هي لعامنا أو للابد؟ قال " بل لابد الابد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " وفي حديث جابر الذي رواه مسلم في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا ومعناه والله أعلم أن الجاهلية كانوا لا يحيزون التمتع ويرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قد شرع العمرة في أشهر الحج وجوز المتعة إلى يوم القيامة وقد خالف أبا ذر علي وسعد وابن عباس وابن عمر وعمران بن حصين وسائر المسلمين قال عمران تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
ونزل فيه القرآن ولم ينهنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينسخها شئ فقال فيها رجل برأيه ما شاء متفق عليه وقال سعد بن أبي وقاص فعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني المتعة وهذا يومئذ كافر بالعرش يعني الناهي عنها والعرش بيوت مكة قال احمد حين ذكر له حديث أبي ذر أفيقول بهذا أحد؟ المتعة في كتاب الله تعالى وقد أجمع المسلمون على جوازها، فان قيل فقد روى ابو داود أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر فشهد عنده أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 238 ]
ينهى عن العمرة قبل الحج قلنا هذا حاله في مخالفة الكتاب والسنة والاجماع كحال حديث أبي ذر بل هو أدنى حالا فان في اسناده مقالا فان قيل فقد نهى عنها عمر وعثمان ومعاوية قلنا فقد أنكر عليهم علماء الصحابة نهيهم عنها وخالفوهم في فعلها وقد ذكرنا إنكار علي على عثمان واعتراف عثمان له وقول عمران بن حصين منكرا لنهي من نهى وقول سعد عائبا على معاوية نهيه عنها وردهم عليهم بحجج لم يكن لهم عنها جواب بل ذكر بعض من نهى في كلامه الحجة عليه فقال عمر رضي الله عنه والله إني لانهاكم عن المتعة وإنها لفي كتاب الله وقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلاف في أن من خالف كتاب الله وسنة رسوله له حقيق بان لا يقبل نهيه ولا يحتج به مع أنه قد سئل سالم بن عبد الله بن عمر أنهى عمر عن المتعة؟ قال لا والله ما نهى عنها عمر ولكن قد نهى عنها عثمان ولما نهى معاوية عن المتعة أمرت عائشة حشمها ومواليها أن يهلوا بها فقال معاوية من هؤلاء فقيل حشم أو موالي عائشة فارسل إليها ما حملك على ذلك؟ فقالت أحببت أن يعلم أن الذي قلت ليس كما قلت وقيل لابن عباس ان فلانا نهى عن المتعة قال انظروا في كتاب الله فان وجدتموها فيه فقد كذب على الله وعلى رسوله وإن لم تجدوها فقد صدق فأي الفريقين أحق بالاتباع وأولى بالصواب؟ الذين معهم كتاب الله وسنة رسوله أم الذين يخالفونهما؟ ثم قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي قوله حجة على الخلق أجمعين فكيف
[ 239 ]
يعارض بقول غيره قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " عروة نهى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما عن المتعة فقال ابن عباس أراهم سيهلكون أقول قال النبي صلى الله عليه وسلم
ويقولون نهى عنها أبو بكر وعمر وسئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقال انك تخالف أباك فقال: عمر لم يقل الذي تقولون فإذا أكثروا عليه قال فكتاب الله أحق ان تتبعوا أم عمر؟ روى الاثرم هذا كله (مسألة) (وصفة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ويحرم بالحج من مكة أو من قريب منها في عامه، والافراد أن يحرم بالحج مفردا والقران أن يحرم بهما جميعا أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يصح إحرامه بها) إذا أدخل الحج على العمرة قبل طوافها من غير خوف الفوات جاز وكان قارنا بغير خلاف وقد فعل ذلك ابن عمر ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم فاما بعد الطواف فليس له ذلك ولا يصير قارنا وبهذا قال الشافعي وابو ثور وروي عن عطاء، وقال مالك يصير قارنا وحكي ذلك عن أبي حنيفة لانه أدخل الحج على إحرام العمرة فصح كما قبل الطواف ولنا أنه قد شرع في التحلل من العمرة فلم يجز ادخال الحج عليها كما بعد السعي (فصل) إلا ان يكون معه هدي فله ذلك لانه لا يجوز له التحلل حتى ينحر هديه لقوله سبحانه (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) فلا يتحلل بطوافه ويتعين عليه ادخال الحج على العمرة لئلا يفوته الحج ويصير قارنا بخلاف غيره (فصل) فاما ادخال العمرة على الحج فلا يجوز وان فعل لم يصح ولم يصر قارنا روي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال مالك وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة يصح ويصير قارنا لانه أحد النسكين فجاز ادخاله على الآخر كالآخر ولنا أنه قول علي رضي الله عنه رواه عنه الاثرم ولان ادخال العمرة على الحج لا يفيد الا ما أفاده العقد الاول فلم يصح كما لو استأجره على عمل ثم استأجره عليه ثانيا وعكسه إذا أدخل الحج على العمرة (مسألة) (ويجب على المتمتع والقارن دم نسك إذا لم يكونا من حاضري المسجد الحرام وهم أهل مكة ومن كان منها دون مسافة القصر)
[ 240 ]
يجب الدم على المتمتع في الجملة بالاجماع قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن من أهل بعمرة
في أشهر الحج من أهل الآفاق من الميقات وقدم مكة ففرغ منها وأقام بها فحج من عامه أنه متمتع وعليه الهدي ان وجد والا فالصيام وقد نص الله سبحانه عليه بقوله (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) الآية وقال ابن عمر تمتع الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس " من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر ثم ليهل بالحج ويهدي فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " متفق عليه وعن أبي حمزة قال سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها وسألته عن الهدي فقال فيها جزور أو بقرة أو شرك في دم متفق عليه (مسألة) (والدم الواجب شاة أو سبع بدنة أو بدنة فان نحر بدنة أو ذبح بقرة فقد زاد خيرا) وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك لا يجزئ الا بدنة لان النبي صلى الله عليه وسلم لما تمتع ساق بدنة والذي ذكره ترك لظاهر القرآن لانه سبحانه قال (فما استيسر من الهدي) واطراح الآثار الثابتة وما احتجوا به فلا حجة فيه فان اهداء النبي صلى الله عليه وسلم للبدنة لا يمنع اجزاء ما دونها فان النبي صلى الله عليه وسلم قد ساق مائة بدنة ولا خلاف في أن ذلك ليس بواجب فلا يجب أن تكون البدنة التي ذبحها على صفة بدن النبي صلى الله عليه وسلم ثم انهم يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفردا في حجته ولذلك ذهبوا إلى تفضيل الافراد فكيف يكون سوقه للبدنة دليلا لهم في التمتع ولم يكن متمتعا (فصل) وانما يجب الدم بشروط خمسة (أولها) أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فان أحرم بها في غير أشهره لم يكن متمتعا ولا يلزمه دم سواء وقعت أفعالها في أشهر الحج أو في غيره، نص عليه قال الاثرم سمعت أبا عبد الله سئل من أهل بعمرة في غير أشهر الحج ثم قدم في شوال ايحل في عمرته من شوال أو يكون متمتعا؟ قال لا يكون متمتعا واحتج بحديث جابر وذكر اسناده عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن امرأة تجعل على نفسها عمرة في شهر مسمى ثم يخلو إلا ليلة واحدة ثم تحيض، قال لتخرج ثم لتهل بعمرة، ثم لتنتظر حتى تطهر، ثم لتطف بالبيت، قال أبو عبد الله فجعل عمرتها في الشهر الذي حلت فيه ولا نعلم بين أهل العلم خلافا أن من اعتمر في غير أشهر الحج وفرغ من عمرته قبل أشهر الحج انه لا يكون متمتعا إلا قولين شاذين
[ 241 ]
(أحدهما) عن طاوس أنه قال: إذا اعتمرت في غير أشهر الحج ثم أقمت حتى الحج فأنت متمتع (والآخر) عن الحسن أنه قال: من اعتمر بعد النحر فهي متعة، قال ابن المنذر لا نعلم أحدا قال بواحد من هذين القولين، فأما إن أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج ثم حل منها في اشهر الحج فانه لا يكون متمتعا على ما ذكرناه عن أحمد، ونقل معنى ذلك عن جابر وأبي عياض وهو قول اسحاق وأحد قولي الشافعي، وقال طاوس عمرته في الشهر الذي يدخل فيه الحرم، وقال الحسن والحكم وابن شبرمة والثوري والشافي في أحد قوليه عمرته في الشهر الذي يطوف فيه، وقال عطاء عمرته في الشهر الذي يحل فيه وهو قول مالك، وقال أبو حنيفة إن طاف للعمرة أربعة أشواط في غير أشهر الحج فليس بمتمتع، وإن طاف الاربعة في أشهر الحج فهو متمتع لان العمرة صحت في أشهر الحج بدليل انه لو وطئ أفسدها أشبه إذا أحرم بها في أشهر الحج ولنا ما ذكرناه عن جابر ولانه أتى بالنسك لا تتم العمرة إلا به في غير أشهر الحج فلم يكن متمتعا كما لو طاف ويخرج عليه ما قاسوا عليه (الثاني) أن يحج من عامه فان اعتمر في أشهر الحج فلم يحج ذلك العام بل حج في العام القابل فليس بمتمتع لا نعلم فيه خلافا إلا قولا شاذا عن الحسن فيمن اعتمر في أشهر الحج فهو متمتع حج أو لم يحج، والجمهور على خلاف هذا لان الله تعالى قال (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) وهذا يقتضي الموالاة بينهما، ولانهم إذا أجمعوا على أن من اعتمر في غير أشهر الحج ثم حج من عامه فليس بمتمتع فهذا أولى لان التباعد بينهما أكثر (الثالث) أن لا يسافر بين العمرة والحج سفرا بعيدا تقصر في مثله الصلاة، نص عليه، وروي ذلك عن عطاء والمغيرة والمديني واسحق، وقال الشافعي إن رجع إلى الميقات فلا دم عليه، وقال أصحاب الرأي إن رجع من مصره بطلت متعته وإلا فلا، وقال مالك إن رجع إلى مصره أو إلى غيره أبعد من مصره بطلت متعته وإلا فلا، وقال الحسن هو متمتع وإن رجع إلى بلده، واختاره ابن المنذر لعموم قوله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) الآية
ولنا ماروي عمر رضي الله عنه أنه قال إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع فان خرج
[ 242 ]
ورجع فليس بمتمتع وعن ابن عمر نحو ذلك ولانه إذا رجع إلى الميقات أو ما دونه لزمه الاحرام منه فان كان بعيدا فقد أنشأ سفرا بعيدا لحجه فلم يترفه بترك أحد السفرين فلم يلزمه دم كموضع الوفاق والآية تناولت المتمتع وهذا ليس بمتمتع بدليل قول عمر رضي الله عنه (الرابع) أن يحل من احرام العمرة قبل إحرامه بالحج فان أدخل الحج على العمرة قبل حله منها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فانه يصير قارنا ولا يلزمه دم المتعة قالت عائشة رضي الله عنها خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال " انقضي رأسك وأمتشطي وأهلي بالحج وعدي العمرة " قالت ففعلت فلما قضينا الحج ارسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت معه فقال هذه عمرة مكان عمرتك، قال عروة فقضى الله حجتها وعمرتها ولم يكن في شئ من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة متفق عليه ولكن عليه دم للقران لانه صار قارنا وترفه بسقوط أحد السفرين، فأما قول عروة لم يكن في ذلك هدي يحتمل أنه أراد لم يكن فيه هدي للمتعة إذ قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه بقرة بينهن (الخامس) أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام ولا خلاف بين أهل العلم في أن دم المتعة لا يجب على حاضري المسجد الحرام لقوله تعالى (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) والمعنى في ذلك ان حاضر المسجد الحرام ميقاته مكة ولا يحصل له الترفه بترك أحد السفرين ولانه احرم من ميقاته اشبه المفرد. (فصل) وحاضرو المسجد الحرام أهل الحرم ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر نص عليه احمد وروي ذلك عن عطاء وبه قال الشافعي وقال مالك: هم أهل مكة وقال مجاهد: هم أهل الحرم وروي ذلك عن طاوس وروي عن مكحول وأصحاب الرأي من دون المواقيت لانه موضع شرع فيه النسك فاشبه الحرم
لونا أن حاضر الشئ من دنا منه ومن دون مسافة القصر قريب من حكم الحاضر بدليل انه إذا قصده لا يترخص رخص المسافر من الفطر والقصر فيكون من حاضريه، وتحديده بالميقات
[ 243 ]
لا يصح لانه قد يكون بعيدا يثبت له حكم السفر البعيد إذا قصده ولان ذلك يفضي إلى جعل البعيد من حاضريه، والقريب من غير حاضريه لتفاوت المواقيت في القرب والبعد واعتباره بما ذكرنا أولى لان الشارع حد الحاضر دون مسافة القصر بنفي أحكام المسافرين عنه فكان الاعتبار به أولى من الاعتبار بالنسك لوجود لفظ الحضور في الآية (فصل) إذا كان للمتمتع قريتان قريبة وبعيدة فهو من حاضري المسجد الحرام لانه إذا كان بعض أهله قريبا لم يوجد فيه الشرط وهو أن لا يكون أهله من حاضري المسجد الحرام، ولان له ان يحرم من القريبة فلم يكن بالتمتع مترفها بترك أحد السفرين، وقال القاضي: له حكم القرية التي يقيم بها اكثر فان استويا فمن التي ماله بها أكثر؟ فان استويا فمن التي ينوي الاقامة بها أكثر؟ فان استويا فله حكم القرية التي أحرم منها وقد ذكرنا دليل ما قلناه (فصل) فان دخل الآفاقي مكة متمتعا ناويا الاقامة بها بعد تمتعه فعليه دم المتعة قال ابن المنذر اجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم ولو كان الرجل منشأه بمكة فخرج عنها منتقلا مقيما بغيرها ثم عاد إليها متمتعا ناويا للاقامة بها أو ناو فعليه دم متعة لانه خرج بالانتقال عنها عن أن يكون من أهلها وبه قال مالك والشافعي واسحاق وذلك لان حضور المسجد الحرام انما حصل بنية الاقامة وفعلها وهذا انما نوى الاقامة إذا فرغ من أفعال الحج لانه إذا فرغ من عمرته فهو ناو للخروج إلى الحج فكأنه انما نوى أن يقيم بعد وجوب الدم عليه فاما ان سافر المكي غير منتقل ثم عاد فاعتمر من الميقات وحج من عامه فلا دم عليه لانه لم يخرج بذلك عن كون أهله من حاضري المسجد الحرام (فصل) وهذا الشرط الخامس شرط لوجوب الدم عليه وليس بشرط لكونه متمتعا فان متعة المكي صحيحة لان التمتع أحد الانساك الثلاثة فصح من المكي كالنسكين الآخرين ولان حقيقة التمتع أن يعتمر في أشهر الحج ثم يحج من عامه وهذا موجود في المكي وقد نقل عن احمد ليس على
أهل مكة متعة ومعناه ليس عليهم دم متعة لان المتعة له لا عليه فتعين حمله على ما ذكرناه (فصل) إذا ترك الافآقي الاحرام من الميقات وأحرم من دونه بعمرة ثم حل منها وأحرم بالحج من مكة من عامه فهو متمتع وعليه دمان دم المتعة ودم لاحرامه من دون الميقات. قال ابن المنذر
[ 244 ]
وابن عبد البر أجمع العلماء على أن من أحرم في اشهر الحج بعمرة وحل منها ولم يكن من حاضري المسجد ثم أقام بمكة حلالا ثم حج من عامه انه متمتع عليه دم. وقال القاضي إذا تجاوز الميقات حتى صار بينه وبين مكة أقل من مسافة القصر فاحرم منه فلا دم عليه للمتعة لانه من حاضري المسجد الحرام وليس بجيد فان حضور المسجد الحرام إنما يحصل بالاقامة به ونية ذلك، وهذا لم تحصل منه الاقامة ولا نيتها ولان الله تعالى قال (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) وهذا يقتضي أن يكون المانع من الدم السكنى به وهذا ليس بساكن، وإن أحرم الآفاقي بعمرة في غير أشهر الحج ثم أقام بمكة واعتمر من التنعيم في اشهر الحج وحج من عامه فهو متمتع نص عليه أحمد وعليه دم وفي تنصيصه على هذه الصورة تنبيه على إيجاب الدم في الصورة الاولى بطريق الاولى، وذكر القاضي شرطا سادسا لوجوب الدم وهو أن ينوي في ابتداء العمرة وفي أثنائها أنه متمتع وظاهر النص يدل على أن هذا غير مشترط فانه لم يذكره، وكذلك الاجماع الذي ذكرناه مخالف لهذا القول لانه قد حصل له الترفه بترك أحد السفرين فلزمه الدم كمن نوى (فصل في وقت وجوب الهدي وذبحه) أما وقت وجوبه فعن أحمد انه يجب إذا أحرم بالحج وهو قول أبي حنيفة والشافعي لان الله تعالى قال (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) وهذا قد فعل ذلك ولان ما جعل غاية فوجود أوله كاف كقوله تعالى (ثم أتموا الصيام إلى الليل) وعنه أنه يجب الدم إذا وقف بعرفة اختاره القاضي، وهو قول مالك لان التمتع بالعمرة إلى الحج إنما يحصل بعد وجود الحج منه ولا يحصل ذلك إلا بالوقوف لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الحج عرفة " ولانه قبل ذلك بعرض الفوات فلا يحصل التمتع ولانه لو أحرم بالحج ثم أحصر أو فاته الحج لم يلزمه دم المتعة ولا كان متمتعا ولو وجب الدم لما سقط وقال عطاء: يجب إذا رمي الجمرة. ونحوه قال أبي الخطاب
قال: يجب إذا طلع الفجر يوم النحر لانه وقت ذبحه فكان وقت وجوبه، وأما وقت ذبحه فيوم النحر، وبه قال مالك وأبو حنيفة لان ما قبل يوم النحر لا يجوز ذبح الاضحية فيه فلا يجوز ذبح الهدي الذي للمتمتع كما قبل التحلل من العمرة، وقال أبو الخطاب: سمعت أحمد قال في الرجل يدخل مكة في شوال ومعه هدي قال ينحر بمكة وان قدم قبل العشر نحره لا يضيع أو يموت أو
[ 245 ]
يسرق، وكذا قال عطاء: وان قدم في العشر لم ينحره حتى ينحره بنى لان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا في العشر فلم ينحروا حتى نحروا بمنى. ومن جاء قبل ذلك نحره عن عمرته وأقام على احرامه وكان قارنا، وقال الشافعي: يجوز نحره بعد الاحرام بالحج قولا واحدا وفيما قبل ذلك بعد حله من العمرة احتمالان ووجه جوازه أنه دم يتعلق بالاحرام وينوب عنه الصيام فجاز قبل يوم النحر كدم الطيب ولانه يجوز إذا بدله قبل يوم النحر فجاز اداؤه قبله كسائر الفديات (فصل) ويجب الدم على القارن في قول عامة أهل العلم ولا نعلم فيه خلافا الا عن داود لانه قال لا دم عليه وروي عن طاوس وحكى ابن المنذر أن ابن داود لما دخل مكة سئل عن القارن هل يجب عليه دم؟ فقال لا فجروا برحله وهذا يدل على شهرة الامر بينهم ولنا قوله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) وهذا متمتع بالعمرة إلى الحج بدليل أن عليا لما سمع عثمان ينهى عن المتعة أهل بالعمرة والحج ليعلم الناس أنه ليس بمنهي عنه وقال ابن عمر رضي الله عنهما انما القران لاهل الآفاق وتلا قوله (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من قرن بين حجته فليهريق دما " ولانه ترفه بسقوط أحد السفرين فأشبه المتمتع فان عدم الدم فعليه صيام كصيام المتمتع سواء ومن شرط وجوب الدم عليه أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام في قول جمهور العلماء. وقال ابن الماجشون: عليه دم لان الله تعالى انما أسقط الدم عن المتمتع وليس هذا متمتعا والصحيح الاول فاننا قد ذكرنا أنه متمتع وان لم يكن متمتعا فهو فرع عليه ووجوب الدم على القارن انما كان معنى النص على المتمتع ولا يجوز أن يخالف الفرع عليه
(مسألة) (ومن كان مفردا أو قارنا أحببنا له أن يفسخ إذا طاف وسعى ويجعلها عمرة لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك ألا أن يكون معه هدي فيكون على احرامه) إذا كان مع المفرد والقارن هدي فليس له أن يحل من إحرامه ويجعله عمرة بغير خلاف علمناه لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة قال للناس " من كان منكم أهدى فانه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة
[ 246 ]
وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد ومن لم يحل هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " متفق عليه. فاما من لا هدي معه فيستحب له إذا طاف وسعى أن يفسخ نيته بالحج وينوي عمرة مفردة فيقصر ويحل من إحرامه ليصير متمتعا إن لم يكن وقف بعرفة. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يرى أن من طاف بالبيت وسعى فقد حل وإن لم ينو ذلك وبهذا الذي ذكرناه قال مجاهد والحسن وداود وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يجوز له ذلك لان الحج أحد النسكين فلم يجز فسخه كالعمرة. وروي ابن ماجة عن بلال بن الحارث المزني عن أبيه أنه قال يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن يأتي قال " لنا خاصة " وروي ايضا عن المرقع الاسدي عن أبي ذر رضي الله عنه قال كان ما أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا مكة أن نجعلها عمرة ونحل من كل شئ إن تلك كانت لنا خاصة رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم دون جميع الناس ولنا أنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر اصحابه في حجة الوداع الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة الا من كان معه الهدي في أحاديث كثيرة متفق عليها بحيث يقرب من المتواتر ولم يختلف في صحة ذلك وثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد من أهل العلم علمناه. وذكر أبو حفص في شرحه باسناده عن ابراهيم الخرقي وقد سئل عن فسخ إلى العمرة فقال قال سلمة بن شبيب لاحمد ابن حنبل يا ابا عبد الله: كل شئ منك حسن جميل الا خلة واحدة فقال وما هي؟ قال تقول نفسخ الحج قال احمد ما كنت أرى ان لك عقلا، عندي ثمانية عشر حديثا صحاحا جيادا كلها في فسخ الحج أتركها لقولك، وقد روى فسخ الحج إلى العمرة ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة رضي الله
عنهم واحاديثهم متفق عليها ورواه غيرهم من وجوه صحاح. قال جابر: أهللنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج خالصا وحده وليس معه غيره فقدم النبي صلى الله عليه وسلم صبح رابعة مضت من ذي الحجة فلما قدمنا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نحل قال أحلوا وأصيبوا من النساء قال فبلغه عنا انا نقول لم يكن بيننا وبين عرفة لا خمس ليال أمرنا أن نحل إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا بالمني قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي تحللت كما تحلون فحلوا، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اهديت " قال فحللنا وسمعنا وأطعنا، قال فقال سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي
[ 247 ]
متعتنا هذه يارسول الله لعامنا هذا أم للابد؟ فظنه محمد بن أبي بكر أنه قال: للابد متفق عليه، فأما حديثهم فقال أحمد روى هذا الحديث الحرث بن بلال، فمن الحارث بن بلال؟ يعني أنه مجهول ولم يروه إلا الداروردي، وحديث ابي ذر رواه مرقع الاسدي، فمن مرقع الاسدي؟ شاعر من أهل الكوفة لم يلق أبا ذر، فقيل له أفليس قد روى الاعمش عن ابراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال كانت لنا متعة الحج خاصة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أفيقول هذا أحد؟ المتعة في كتاب الله؟ وقد أجمع الناس على أنها جائزة، قال الجوزجاني مرقع الاسدي ليس بالمشهور، ومثل هذه الاحاديث في ضعفها وجهالة رواتها لا تقبل إذا انفردت فكيف تقبل في رد حكم ثابت بالتواتر مع أن قول أبي ذر من رأيه، وقد خالفه من هو أعلم منه، وقد شذ به عن الصحابة رضي الله عنهم فلا يكون حجة، وأما قياسهم فلا يقبل في مقابلة النص الصحيح على أن قياس الحج على العمرة في هذا لا يصح فانه يجوز قلب الحج إلى العمرة في حق من فاته الحج ومن حصر عن عرفة والعمرة لا تصير حجا بحال، ولان فسخ الحج إلى العمرة يصير به متمتعا فحصل الفضيلة وفسخ العمرة إلى الحج يفوت الفضيلة، ولا يلزم من مشروعية ما يحصل الفضيلة مشروعية ما يفوتها (فصل) وإذا فسخ الحج إلى العمرة صار متمتعا حكمه حكم المتمتعين في وجوب الدم وغيره، وقال القاضي لا يجب الدم لان من شرط وجوبه أن ينوي في ابتداء العمرة أو في انتهائها أنه متمتع، وهذه دعوى لا دليل عليها تخالف عموم الكتاب وصريح السنة الثابتة فان الله تعالى قال (فمن تمتع
بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) وفي حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهدي، ومن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " متفق عليه، ولان وجوب دم المتعة للترفه بسقوط أحد السفرين، وهذا المعنى لا يختلف بالنية وعدمها فوجب أن لا يختلف في الوجوب على أنه لو ثبت أن النية شرط فقد وجدت فانه ماحل حتى نوى أنه يحل ثم يحرم بالحج (مسألة) ولو ساق المتمتع الهدي لم يكن له أن يحل لقول الله تعالى (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى
[ 248 ]
يبلغ الهدي محله) ولما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس من كان معه هدي فانه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضي حجته متفق عليه وهذا مذهب أبي حنيفة وقال مالك والشافعي في قول: له التحلل وينحر هديه عند المروة ويحتمله كلام الخرقي ولنا ما ذكرنا من الآية وحديث ابن عمر وروت حفصة رضي الله عنها أنها قالت يارسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أغت من عمرتك؟ قال " اني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر " متفق عليه والاحاديث في ذلك كثيرة وعن احمد فيمن قدم متمتعا في أشهر الحج وساق الهدي قال: ان دخلها في العشر لم ينحر الهدي حتى ينحره يوم النحر وإن قدم قبل العشر نحر الهدي، وهذا يدل على أن المتمتع إذا قدم قبل العشر حل وان كان معه هدي وهذا قول عطاء رواه حنبل في المناسك وقال من لبد أو ضفر فهو بمنزلة من ساق الهدي لحديث حفصة والرواية الاولى أولى لما ذكرنا من الحديث الصحيح وهو أولى بالاتباع (فصل) فاما المعتمر غير المتمتع فانه يحل بكل حال في أشهر الحج وغيرها كان معه هدي أو لم يكن لان النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر سوى عمرته التي مع حجته بعضهن في ذي القعدة فكان يحل فان كان معه هدي نحره عند المروة وحيث نحره من الحرم جاز لان النبي صلى الله عليه وسلم قال " كل فجاج مكة طريق ومنحر " رواه أبو داود وابن ماجة
(مسألة) (والمرأة إذا دخلت متمعة فحاضت فخشيت فوات الحج أحرمت بالحج وصارت قارنة) إذا حاضت المتمتعة قبل طواف العمرة لم يكن لها أن تطوف بالبيت لانه صلاة ولانها ممنوعة من دخول المسجد ولا يمكنها ان تحل من عمرتها قبل الطواف فإذا خشيت فوات الحج أحرمت بالحج من عمرتها وصارت قارنة، هذا قول مالك والاوزاعي والشافعي وكثير من أهل العلم، وقال أبو حنيفة قد رفضت العمرة وصار حجا وما قال هذا أحد غير أبي حنيفة وحجته ما روى عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت أهللت بعمرة فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي
[ 249 ]
العمرة قالت ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت معه فقال هذه عمرة مكان عمرتك متفق عليه دليل على أنها رفضت عمرتها واحرمت بحج من وجوه. (أحدها) قوله (دعي عمرتك) و (الثاني) قوله (وامتشطي) و (الثالث) قوله (هذه عمرة مكان عمرتك) ولنا ما روى جابر قال: أقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بسرف عركت ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة فوجدها تبكي فقال " ما شأنك؟ " قالت شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن فقال " إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج " ففعلت ووقفت المواقف حتى أذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة ثم قال " قد حللت من حجتك وعمرتك " قالت يارسول الله أني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال " فاذهب بها يا عبد الرحمن فاعمرها من التنعيم " وروى طاوس عن عائشة أنها قالت أهللت بعمرة فقدمت ولم أطف حتى حضت فنسكت المناسك كلها، وقد أهللت بالحج فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك " فأبت فبعث معها عبد الرحمن بن أبي بكر فأعمرها من التنعيم. رواهما مسلم وهما يدلان على جميع ما ذكرنا، ولان ادخال الحج على العمرة جائز بالاجماع من غير خشية الفوات فمع خشيته أولى، وقال
ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لمن أهل بالعمرة أن يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي في حجة الوداع أن يهل بالحج مع العمرة ومع امكان الحج مع بقاء العمرة لا يجوز رفضها كغير الحائض، فأما حديث عروة فان قوله " انقضي رأسك وامتشطي ودعي العمرة " انفرد به عروة وخالف به كل من روى عن عائشة حين حاضت وقد روي ذلك طاوس والقاسم والاسود وغيره عن عائشة فلم يذكروا ذلك، وحديث جابر وطاوس مخالفان لهذه الزيادة
[ 250 ]
وقد روى حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة حديث حيضها فقال فيه حدثني غير واحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها " دعي عمرتك، وانقضي رأسك وامتشطي " وذكر تمام الحديث، وهذا يدل على أنه لم يسمع من عائشة هذه الزيادة وهو مع ما ذكرنا من مخالفة بقية الرواة يدل على الوهم مع مخالفتها للكتاب والاصول إذ ليس لنا موضع آخر يجوز فيه رفض العمرة مع امكان اتمامها، ويحتمل أن قوله " دعي العمرة " أي دعيها بحالها وأهلي بالحج معها أو دعي أفعال العمرة فانها تدخل في أفعال الحج، فأما العمرة من التنعيم فلم يأمرها بها النبي صلى الله عليه وسلم، وانما قالت للنبي صلى الله عليه وسلم اني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال " فاذهب بها يا عبد الرحمن فاعمرها من التنعيم " وروى الاثرم باسناده عن الاسود عن عائشة رضي الله عنها قال: قلت اعتمرت بعد الحج؟ قالت والله ما كانت عمرة ما كانت الا زيارة ورب البيت انما هي مثل نفقتها. قال احمد: انما أعمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة حين ألحت عليه فقالت يرجع الناس بنسكين وأرجع بنسك فقال " يا عبد الرحمن أعمرها " فنظر إلى أدنى الحل فأعمرها منه (مسألة) (ومن أحرم مطلقا صح وله صرفه إلى ما شاء) يصح الاحرام بالنسك المطلق وهو أن لا يعين حجا ولا عمرة لانه إذا صح الاحرام مع الابهام صح مع الاطلاق قياسا عليه، فإذا أحرم مطلقا فله صرفه إلى ما شاء من الانساك لان له أن يبتدئ
الاحرام بأيها شاء فكان له صرف المطلق إلى ذلك. والاولى صرفه إلى العمرة لانه إن كان في غير أشهر الحج فالاحرام بالحج مكروه أو ممتنع، وإن كان في أشهر الحج فالعمرة أولى لان التمتع أفضل وقد قال احمد يجعله عمرة لان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا موسى حين أحرم بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعلها عمرة كذا هذا
[ 251 ]
(مسألة) (وان أحرم بمثل ما أحرم به فلان انعقد احرامه بمثله) يصح ابهام الاحرام وهو أن يحرم بما أحرم به فلان لما روى أبو موسى رضي الله عنه قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء فقال لي بما أهللت؟ فقلت لبيك باهلال كاهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أحسنت " فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم قال " حل " متفق عليه وروى جابر وأنس أن عليا قدم من اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بما أهللت؟ فقال أهللت بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جابر في حديثه قال " فاهد وأمكث احراما " وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لولا أن معي هديا لحللت " متفق عليهما ولا يخلو من أبهم احرامه من أربعة أحوال (أحدها) أن يعلم ما أحرم به فلان فينعقد حرامه بمثله فان عليا رضي الله عنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " قال قلت اللهم اني أهل بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " فان معي الهدي فلا تحل " (الثاني) أن لا يعلم ما أحرم به فلان فيكون حكمه حكم الناسي على ما سنذكره ان شاء الله تعالى (الثالث) أن يكون فلان قد أحرم مطلقا فيكون حكمه حكم الفصل الذي قبله (الرابع) أن لا يعلم هل أحرم فلان أو لا فحكمه حكم من لم يحرم لان الاصل عدم احرامه فيكون احرامه ههنا مطلقا يصرفه إلى ما شاء فان صرفه قبل الطواف وقع طوافه عما صرف إليه، وان طاف قبل صرفه لم يعتد بطوافه لانه طاف لا في حج ولا عمرة
[ 252 ]
(مسألة) (وان أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد احرامه باحداهما)
إذ احرم بحجتين أو عمرتين انعقد باحداهما ولغت الاخرى، وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة ينعقد بهما وعليه قضاء احداهما لانه احرم بها ولم يتمها ولنا أنهما عبادتان لا يلزمه المضي فيهما فلم يصح الاحرام بهما كالصلاتين، وعلى هذا لو أفسد حجه وعمرته لم يلزمه إلا قضاؤها وعند أبي حنيفة يلزمه قضاؤهما معا بناء على صحة احرامه بهما (مسألة) (وان احرم بنسك ونسيه جعله عمرة وقال القاضي يصرفه إلى ما شاء) أما إذا احرم بنسك ونسيه قبل الطواف فله صرفه إلى اي الانساك شاء فانه ان صرفه إلى عمرة وكان المنسي عمرة فقد اصاب وان كان حجا مفردا أو قارنا فله فسخهما إلى العمرة على ما ذكرناه وان صرفه إلى القران وكان المنسي قرانا فقد اصاب وان كان عمرة فادخال الحج على العمرة جائز قبل الطواف فيصير قارنا، وان كان مفردا لغا احرامه بالعمرة، وصح حجه، وسقط فرضه وان صرفه إلى الافراد وكان مفردا فقد اصاب وان كان متمتعا فقد ادخل الحج على العمرة وصار قارنا في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى وهو يظن انه مفرد وان كان قارنا فكذلك والمنصوص عن احمد انه يجعله عمرة قال القاضي هذا على سبيل الاستحباب لانه إذا استحب ذلك مع العلم فمع عدمه اولى وقال أبو حنيفة يصرفه إلى القران، وهو قول الشافعي الجديد، وقال في القديم يتحري فيبني على غالب ظنه لانه من شرائط العبادة فيدخله التحري كالقبلة ومبنى الخلاف على فسخ الحج إلى العمرة فانه جائز عندنا ولا يجوز عندهم فعلى هذا ان صرفه إلى المتعة فهو متمتع عليه دم المتعة ويجزئه عن الحج والعمرة جميعا وان صرفه إلى افراد أو قران لم يجزه عن العمرة إذ من المحتمل ان يكون المنسي حجا مفردا
[ 253 ]
وليس له ادخال العمرة على الحج فتكون صحة العمرة مشكوكا فيها فلا تسقط بالشك ولا دم عليه لذلك فانه لم يثبت حكم القران يقينا فلا يجب الدم مع الشك في سببه، ويحتمل ان يجب وأما إن شك بعد الطواف لم يجز صرفه إلا إلى العمرة لان ادخال الحج على العمرة بعد الطواف غير جائز إلا ان يكون معه هدي فان صرفه إلى حج أو قران فانه يتحلل بفعل الحج ولا يجزئه واحد من النسكين لانه يحتمل أن يكون حجا وادخال العمرة عليه غير جائز فلم يجزه عن واحد منهما مع
الشك ولا دم عليه للشك فيما يوجب الدم ولا قضاء عليه للنسك فيما يوجبه، وإن شك وهو في الوقوف بعد الطواف والسعي جعله عمرة فقصر، ثم أحرم بالحج فانه إن كان المنسي عمرة فقد أصاب وكان متمتعا، وإن كان أفرادا أو قرانا لم ينفسخ بتقصيره وعليه دم بكل حال لانه لا يخلو إما أن يكون متمتعا عليه دم المتعة أو غير متمتع فلزمه دم لتقصيره، وإن شك ولم يكن طاف وسعى جعله قرانا لانه إن كان قرانا فقد أصاب، وإن كان معتمرا فقد أدخل الحج على العمرة وصار قارنا، وإن كان مفردا لغا احرامه بالعمرة وصح احرامه بالحج، وإن صرفه إلى الحج جاز ايضا، ولا يجزئه عن العمرة في هذه المواضع لاحتمال أن يكون مفردا وادخال العمرة على الحج غير جائز ولا دم عليه للشك في وجود سببه (مسألة) (وان أحرم عن رجلين وقع عن نفسه) إذا استنابه اثنان في النسك فاحرم عنهما به وقع عن نفسه دونهما لانه لا يمكن وقوعه عنهما،