الشرح الكبير على متن المقنع، تأليف الشيخ الامام شمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد ابن قدامه المقدسي المتوفى سنة 682 ه كلاهما. على مذهب امام الائمة (أبي عبد الله احمد بن محمد بن حنبل الشيباني) مع بيان خلاف سائر الائمة وأدلتهم رضي الله عنهم الجزء الخامس دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين (باب الصلح) الصلح معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين المختلفين ويتنوع أنواعا: صلح بين المسلمين وأهل الحرب وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما. قال الله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) وقال تعالى (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) وروى أبو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (الصلح بين المسلمين جائز إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حرما) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وروي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى بمثل ذلك وأجمع العلماء على جواز الصلح في هذه الانواع التي ذكرنا ولكل واحد منها باب يفرد له وتذكر فيه أحكامه وهذا الباب للصلح بين المختلفين في الاموال (مسألة) (والصلح في الاموال قسمان أحدهما صلح على الاقرار وهو نوعان (أحدهما) صلح على جنس الحق مثل أن يقر له بدين فيضع عنه بعضه أو بعين فيهب له بعضها ويأخذ الباقي فيصح إن لم يكن بشرط مثل أن يقول على أن تعطيني الباقي أو يمنعه حقه بدونه)
وجملة ذلك أن من اعترف بدين أو عين في يده فأبرأه الغريم من بعض الدين أو وهبه بعض العين وطلب منه الباقي صح إذا كانت البراءة مطلقة من غير شرط. قال أحمد إذا كان للرجل على الرجل الدين ليس عنده وفاء فوضع عنه بعض حقه وأخذ منه الباقي كان ذلك جائزا لهما ولو فعل ذلك قاض
[ 3 ]
شافعي لم يكن عليه في ذلك إثم لان النبي صلى الله عليه وسلم قد كلم غرماء جابر ليضعوا عنه وفي الذي أصيب في حديقته فمر به النبي صلى الله وسلم وهو ملزوم فأشار إلى غرمائه بالنصف فأخذوه منه، فان فعل ذلك قاض اليوم جاز إذا كان على وجه الصلح والنظر لهما، وقد روى عبد الله بن كعب عن أبيه انه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج اليهما ثم نادى (يا كعب) قال لبيك يارسول الله. فأشار إليه أن ضع الشطر من دينك. قال قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قم فاعطه) متفق عليه فأما إن منعه المقر حقه حتى يضع عنه بعضه فالصلح باطل لانه صالح عن بعض ماله ببعضه وسواء كان بلفظ الصلح أو بلفظ الابراء أو الهبة المقرون بشرط مثل أن يقول أبرأتك من خمسمائة أو وهبتك بشرط أن تعطيني ما بقي، قال ابن أبي موسى الصلح على الاقرار هضم للحق فمتى ألزم المقر له ترك بعض حقه فتركه من غير طيب نفسه لم يطب لاحد، وإن تطوع المقر له باسقاط بعض حقه جاز غير أن ذلك ليس بصلح ولا من باب الصلح بسبيل فلم يجعله صلحا، ولم يسم الخرقي الصلح إلا في حال الانكار، فأما مع الاعتراف فان قضاه من جنس حقه فهو وفاء وإن قضاء من غير جنسه فهو معاوضة وإن أبرأه من بعضه فهو إبراء وإن وهبه بعض العين فهو هبة فلا يسمى صلحا وسماه القاضي وأصحابه صلحا وهو قول الشافعي. والخلاف في التسمية أما المعنى فمتفق عليه، وهو ينقسم إلى إبراء وهبة ومعاوضة وقد ذكرنا الابراء، فأما الهبة فهو أن يكون له في يده عين فيقول قد وهبتك نصفها واعطني بقيتها فيصح ويعتبر له شروط الهبة، وإن أخرجه مخرج الشرط لم يصح وهذا مذهب الشافعي، لانه إذا شرط في الهبة الوفاء جعل الهبة عوضا عن الوفاء فكأنه عاوض بعض حقه ببعض، فان أبرأه من بعض الدين أو وهب له بعض العين بلفظ الصلح مثل أن يقول صالحني بنصف دينك علي أو بنصف دارك هذه،
فيقول صالحتك بذلك لم يصح: ذكره القاضي وابن عقيل وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وقال أكثرهم يجوز الصلح لانه إذا لم يجر بلفظه خرج عن أن يكون صلحا ولا يبقى له تعلق به اما إذا كان بلفظه سمي صلحا لوجود اللفظ وان تخلف المعنى كالهبة بشرط الثواب، وانما يقتضي لفظ الصلح المعاوضة إذا كان ثم عوض أما مع عدمه فلا، وانما معنى الصلح الاتفاق والرضى وقد يحصل هذا من غير عوض كالتمليك إذا كان بعوض سمي بيعا وان خلا عن العوض سمي هبة ولنا أن لفظ الصلح يقتضي المعاوضة لانه إذا قال صالحني بهبة كذا أو على هبة كذا أو على نصف هذه العين ونحو هذا فقد أضاف إليه بالمقابلة فصار كقوله بعني بألف وان أضاف إليه على جرى مجرى الشرط كقوله (على أن تأجرني ثماني حجج) وقوله (فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا) وكلاهما لا يجوز بدليل مالو صرح بلفظ الشرط أو بلفظ المعاوضة، وقولهم انه يسمى صلحا
[ 4 ]
ممنوع وان سمي صلحا فمجاز لتضمنه قطع التنازع وازالة الخصومة وقولهم ان الصلح لا يقتضي المعاوضة ممنوع وان سلمنا لكن المعاوضة حصلت من اقتران حرف الباء أو على أو نحوهما به فان لفظ الصلح يحتاج إلى حرف يتعدى به وذلك يقتضي المعاوضة على ما بينا (مسألة) (ولا يصح ذلك ممن لا يملك التبرع كالمكاتب والمأذون له وولي اليتيم إلا في حال الانكار وعدم البينة) لانه تبرع وليس لهم التبرع فاما إذا لم يكن بالدين أو كان على الانكار صح لان استيفاء هم البعض عند العجز عن استيفاء الكل أولى من تركه (مسألة) (وان صالح عن المؤجل ببعضه حالا لم يصح) كره ذلك زيد بن ثابت وابن عمر وقال نهى عمر أن تباع العين بالدين وكره ذلك سعيد بن المسيب والقاسم وسالم والحسن ومالك والشافعي والثوري وابن عيينه وابو حنيفة واسحاق وروي عن ابن عباس وابن سيرين والنخعي أنه لا بأس به، وعن الحسن وابن سيرين انهما كانا لا يريان بأسا بالعروض ان يأخذها من حقه قبل محله لانهما تبايعا العروض بما في الذمة فصح كما لو اشتراها بثمن مثلها ولعل ابن سيرين يحتج بان التعجيل جائز والاسقاط وحده جائز فجاز الجمع بينهما كما لو فعلا
ذلك من غير مواطأة عليه ولنا أنه يبذل القدر الذي يحطه عوضا من تعجيل ما في ذمته وبيع الحلول والتأجيل لا يجوز كما لا بجوز أن يعطيه عشرة حالة بعشرين موجلة ولانه يبيعه عشرة بعشرين فلم يجز كما لو كانت معينة وفارق ما إذا كان من غير مواطأة ولا عقد لان كل واحد منهما متبرع ببذل حقه من غير عوض ولا يلزم من جواز ذلك جوازه في العقد أو مع الشرط كبيع درهم بدرهمين ويقارق ما إذا اشترى العروض بثمن مثلها لانه لم يأخذ عن الحلول عوضا (مسألة) (وان وضع بعض الحال واجل باقيه صح الاسقاط دون التأجيل) إذا صالحه عن الف حال بنصها مؤجلا اختيارا منه وتبرعا صح الاسقاط ولم يلزم التأجيل لان الحال لا يتأجل بالتأجيل على ما ذكرنا والاسقاط صحيح وان فعله لمنعه من حقه بدونه أو شرط ذلك في الوفاء لم يسقط على ما ذكرنا في اول الباب وذكر أبو الخطاب في هذا روايتين اصحهما لا يصح وما ذكرنا من التفصيل اولى (مسألة) (وان صالح عن الحق بأكثر منه من جنسه مثل ان يصالح عن دية الخطأ أو قيمة متلف بأكثرمنها من جنسها لم يصح) وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يجوز لانه يأخذ عوضا عن المتلف فجاز ان بأخذ اكثر من قيمته كما لو باعه بذلك
[ 5 ]
ولنا ان الدية والقيمة تثبت في الذمة مقدرة فلم يجزان يصالح عنها باكثر منها من جنسها كالثابتة عن قرض أو ثمن مبيع ولانه إذا اخذ اكثر منها فقد اخذ حقه وزيادة لا مقابل لها فيكون أكل مال بالباطل (مسألة) (وان صالحه بعرض قيمته اكثر منها جاز) لانه بيع (فصل) ولو صالح عن المائة الثابتة بالاتلاف بمائة مؤجلة لم تصر مؤجلة وهذا قول الشافعي وعن احمد انها تصير مؤجلة وهو قول ابي حنيفة لانه عاوض عن المتلف بمائة مؤجلة فجاز كما لو باعه إياه ولنا انه انما استحق عليه قيمة المتلف وهو مائة حالة والحال لا يتأجل بالتأجيل وان جعلناه بيعا فهو بيع دين بدين وهو غير جائز (مسألة) (وان صالحه عن بيت على ان يسكنه سنة أو يبني له فوقه غرفة لم يصح)
إذا ادعى على رجل بيتا فصالحه على بعضه أو على ان يبني له ثم على ان يسكنه سنة لم يصح لانه يصالحه عن ملكه على ملكه أو منفعته وان اسكنه كان تبرعا منه متى شاء اخرجه منها وان اعطاه بعض داره بناء على هذا فمتى شاء انتزعه منه لانه اعطاه إياه عوضا عما لا يصلح عوضا عنه وان فعل ذلك على سبيل المصالحة معتقدا ان ذلك وجب عليه بالصلح رجع عليه باجر ما سكن واجر ما كان في يده من الدار لانه اخذه بعقد فاسد فأشبه المبيع الموجود بعقد فاسد وسكنى الدار باجارة فاسدة، وان بنى وفوق البيت غرفة اجبر على نقضها وإذا اجر السطح مدة مقامه في يده وله اخذ آلته، وان انفقا على ان يصالحه صاحب البيت عن بنائه بعوض جاز وان بنى الغرفة بتراب من ارض صاحب البيت وآلاته فليس له اخذ بنائه لانه ملك صاحب البيت وان اراد نقض البناء لم يكن له ذلك إذا ابرأه المالك من ضمان ما يتلف به ويتخرج ان يملك نقضه كقولنا في الغاصب (مسألة) (ولو قال أقر لي بديني وأعطيك منه مائة ففعل صع الاقرار ولم يصح الصلح) لانه يجب عليه الاقرار بما عليه من الحق فلم يحل له أخذ العوض عما يجب عليه. فعلى هذا يردما أخذ لانه تبين كذبه باقراره وان عليه الدين فلزمه اداؤه بغير عوض (مسألة) (وان صالح انسانا ليقرله بالعبودية أو امرأة لتقرله بالزوجية لم يصح) لا يجوز الصلح على ما لا يجوز أخذ العوض عنه مثل ان يدعي على رجل أنه عبده فينكره فيصالحه على مال ليقرله بالعبودية فلا يجوز ذلك لانه يحل حراما فان ارقاق الحر نفسه لا يحل بعوض ولا غيره وكذلك ان صالح امرأة لتقرله بالزوجية لانه صلح يحل حراما ولانها لو أرادت بذل نفسها بعوض لم يجز فان دفعت إليه عوضا عن هذه الدعوى ليكف نفسه عنها ففيه وجهان (احدهما) لا يجوز لان الصلح في الانكار انما يكون في حق المنكر لافتداء اليمين وهذه لا يمين عليها وفي حق المدعي يأخذ العوض في مقابلة حقه الذي يدعيه وخروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له وانما
[ 6 ]
أجيز الخلع للحاجة إلى افتداء نفسها (والثاني) يصح ذكره أبو الخطاب وابن عقيل لان المدعي يأخذ عوضا عن حقه من النكاح فجاز كعوض الخلع والمرأة تبذله لقطع خصومته وازالة شره وربما توجهت
اليمين عليها لكون الحاكم يرى ذلك ولانها مشروعة في حقها في احدى الروايتين، ومتى صالحته عن ذلك ثم يثبت الزوجية باقرارها أو ببينة فان قلنا الصلح باطل فانكاح باق بحاله لانه لم يوجد من الزوج طلاق ولا خلع وان قلنا هو صحيح احتمل ذلك أيضا لما ذكرنا، واحتمل أن تبين منه بأحد العوضين لانه أخذ العوض عما يستحقه من نكاحها فكان خلعا كما لو أقرت له بالزوجية فخالعها ولو ادعت أن زوجها طلقها ثلاثا فصالحها على مال لتنزل عن دعواها لم يجز لانه لا يجوز لها بذل نفسها لمطلقها بعوض ولا بغيره، وان دفعت إليه مالا ليقر بطلاقها لم يجز في أحد الوجهين وفي الآخر يجوز كما لو بذلت له عوضا ليطلقها ثلاثا (مسألة) وان دفع المدعى عليه العبودية إلى المدعي مالا صلحا عن دعواه صح) لانه يجوز أن يعتق عبده بمال وليشرع للدافع لدفع اليمين الواجبة عليه والخصومة المتوجهة إليه. (النوع الثاني) أن يصالحه عن الحق بغير جنسه فهو معاوضة وذلك مثل أن يعترف له بعين في يده أو دين في ذمته ثم يعوضه عن ذلك بما يجوز تعويضه به وهو ثلاثة أقسام (أحدها) أن يقر له بنقد فيصالحه على نقد آخر مثل أن يقر له بمائة درهم فيصالحه عنها بعشرة دنانير أو بالعكس فهذا صرف يشترط له شروط الصرف من التقابض في المجلس ونحوه (القسم الثاني) أن يعترف له بعروض فيصالحه على أثمان أو بالعكس فهذا بيع تثبت فيه أحكام البيع (الثالث) أن يصالحه على سكنى دار أو خذمة عبده أو على أن يعمل له عملا معلوما فتكون اجارة لها حكم سائر الاجارات فان تلفت الدار أو العبد قبل استيفاء شئ من المنفعة انفسخت الاجارة ورجع بما صالح عنه، وان تلفت بعد استيفاء بعض المنفعة انفسخت فيما بقي من المدة ورجع بقسط ما بقي، ولو صالحه على أن يزوجه أمته وكان ممن يجوز له نكاح الاماء صح وكان المصالح عنه صداقها فان انفسخ النكاح قبل الدخول بامر يسقط الصداق رجع الزوج بما صالح عنه وان طلقها قبل الدخول رجع بنصفه (مسألة) (وان صالحت المرأة بتزويج نفسها صح فان كان الصلح عن عيب في مبيعها فتبين أنه ليس بعيب رجعت بارشه لا بمهر مثلها)
إذا اعترفت امرأة لرجل بدين أو عين فصالحته على ان تزوجه نفسها صح ويكون صداقا لها فان كان المعترف به عيبا في مبيعها فبان أنه ليس بعيب كبياض في عين العبد ظنته عمى رجعت بارشه لان ذلك صداقها فرجعت به لا يمهر مثلها فان لم يزل العيب ولكن انفسخ نكاحها بما يسقط صداقها رجع عليها بارشه
[ 7 ]
(مسألة) (وان صالح عما في الذمة بشئ في الذمة لم يجز التفرق قبل القبض لانه بيع دين بدين) وقد نهى الشارع عنه (فصل) وان صالحه بخدمة عبده سنة صح وكانت اجارة على ما ذكرنا فان باع العبد في السنة صح البيع ويكون المشتري مسلوب المنفعة بقية السنة وللمصالح استياء منفعته إلى انقضاء السنة كما لو زوج أمته ثم باعها وان يعلم المشتري بذلك فله الفسخ لانه عيب وان أعتق العبد في اثناء المدة صح عتقه لانه مملوك يصح بيعه فصح عتقه كغيره، وللمصالح أن يستوفي نفعه في المدة لانه اعتقه بعد ان ملك نفعه لغيره فأشبه مالو اعتق الامة المزوجة لحر ولا يرجع العبد على سيده بشئ لانه ما ازال ملكه بالعتق الا عن الرقبة والمنافع حينئذ مملوكة لغيره فلم تتلف منافعه بالعتق فلا يرجع بشئ ولانه اعتقه مسلوب المنفعة فلم يرجع بشئ كما لو اعتق زمنا أو مقطوع اليدين أو امة مزوجة وذكر القاضى وابن عقيل وجها انه يرجع على سيده بأجر مثله وهو قول الشافعي لان العتق اقتضى ازالة ملكه عن الرقبة والمنفعة جميعا فلما لم تحصل المنفعة للعبد ههنا فكأنه حال بينه وبين منفعته ولنا ان اعتاقه لم يصادف للمعتق سوى ملك الرقبة فلم يؤثر الافيه كما لو وصى لرجل برقبة عبد ولآخر بمنفعته فأعتق صاحب الرقبة وكما لو اعتق أمة مزوجة قولهم إنه اقتضى زوال الملك عن المنفعة قلنا انما يقتضي ذلك إذا كانت مملوكة له أما إذا كانت مملوكة لغيره فلا يقتضي اعتاقه ازالة ما ليس بموجود وان تبين أن العبد مستحق تبين بطلان الصلح لفساد العوض ورجع المدعي فيما أقر له به وان وجد العبد معيبا عيبا تنقص به المنفعة فله رده وفسخ الصلح وان صالح على العبد عينه صح والحكم فيما إذا خرج مستحقا أو معيبا كما ذكرنا (فصل) وإذا ادعى زرعا في يد رجل فأقر له به ثم صالحه على دراهم جاز على الوجه الذي يجوز
بيع الزرع وقد ذكرناه في البيع، فان كان الزرع في يد رجلين فأقر له أحدهما بنفصه ثم صالحه عليه قبل اشتداد حبه لم يجز لانه ان كان الصلح مطلقا أو بشرط التبقية لم يجز لانه لا يجوز بيعه وان شرط القطع لم يجز أيضا لكونه لا يمكنه قطعه الا بقطع زرع الآخر، ولو كان الزرع لواحد فأقر للمدعي بنصفه ثم صالحه عنه بنصف الارض ليصير الزرع كله للمقر والارض بينهما نصفين فان شرط القطع جاز لان الزرع كله للمقر فجاز شرط قطعه ويحتمل أن لا يجوز لان في الزرع ما ليس بمبيع وهو النصف الذي لم يقر به وهو في النصف الباقي له فلا يصح شرط قطعه كما لو شرط قطع زرع آخر في أرض أخرى، وان صالحه منه بجميع الارض بشرط القطع ليسلم الارض إليه فارغة صح لان قطع جميع الزرع مستحق نصفه بحكم الصلح والباقي لتفريغ الارض فأمكن القطع وان كان اقراره بجميع الزرع فصالحه من نصفه على نصف الارض لتكون الارض والزرع بينهما نصفين وشرطا القطع في
[ 8 ]
الجميع احتمل الجواز لانهما قد شرطا قطع كل الزرع وتسليم الارض فارغة واحتمل المنع لان باقي الزرع ليس بمبيع فلا يصح بشرط قطعه في العقد (مسألة) (ويصح الصلح عن المجهول بمعلوم إذا كان مما لا يمكن معرفته للحاجة) يصح الصلح عن المجهول سواء كان عينا أو دينا إذا كان مما لا سبيل إلى معرفته قال أحمد في الرجل يصالح عن الشئ فان علم أنه أكثر منه لم يجز الا أن يوقفه عليه الا أن يكون مجهولا لا يدري ما هو، ونقل عنه عبد الله إذا اختلط قفيز حنطة بقفيز شعير وطحنا فان عرف قيمة دقيق الحنطة ودقيق الشعير بيع هذا وأعطي كل واحد منهما قيمة ماله الا أن يصطلحا على شئ ويتحالا وقال ابن أبي موسى الصلح الجائز وصلح الزوجة من صداقها الذي لا بينة لها به ولا علم لها ولا للورثة بمبلغه وكذلك الرجلان تكون بينهما المعاملة والحساب الذي قد مضى عليه الزمن الطويل لاعلم لكل واحد منهما بما عليه لصاحبه فيجوز الصلح بينهما، وكذلك من عليه حق لا علم له بقدره جاز ان يصالح عليه وسواء كان الحق يعلم حقه ولا بينة له ويقول القابض ان كان لي عليك حق فأنت منه في حل ويقول الدافع ان كنت أخذت أكثر من حقك فأنت منه في حل وقال الشافعي
لا يصح الصلح على مجهول لانه فرع البيع والبيع لا يصح على مجهول ولنا ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجلين اختصما في مواريث درست (استهما وتوخيا وليحلل احدكما صاحبه) رواه احمد بمعناه وهذا صلح على المجهول ولانه اسقاط حق فصح في المجهول كالعتاق ولانه إذا صح الصلح مع العلم وامكان أداء الحق بعينه فلان يصح مع الجهل اولى وذلك لانه إذا كان معلوما فلهما طريق إلى التخلص وبراءة أحدهما من صاحبه بدونه ومع الجهل لا يمكن ذلك فلو لم يجز الصلح افضى إلى ضياع المال على تقدير ان يكون بينهما مال لا يعرف كل واحد منهما قدر حقه منه ولا نسلم كونه فرع بيع وانما هو إبراء وان سلمنا كونه فرع بيع فان البيع يصح في المجهول عند الحاجة كبيع أساسات الحيطان وطي الآبار وما مأ كوله في جوفه ولو أتلف رجل صبرة طعام لا يعلم قدرها فقال صاحب الطعام المتلفه بعتك الطعام الذي في ذمتك بهذا الدرهم أو بهذا الثوب صح. إذا ثبت هذا فمتى كان العوض في الصلح مما لا يحتاج إلى تسليمه ولا سبيل إلى معرفته كالمختصمين في مواريث دارسة وحقوق سالفة أو في أرض أو عين من المال لا يعلم كل واحد قدر حقه صح الصلح مع الجهالة من الجانبين لما ذكرنا من الخبر والمعنى، وان كان يحتاج إلى تسليمه لم يجز مع الجهالة ولا بد من العلم به لان تسليمه واجب والجهالة تمنعه وتفضي إلى التنازع فلا يحصل مقصود الصلح (فصل) فاما ما يمكنهما معرفته كتركة موجودة أو يعمله الذي هو عليه ويجهله صاحبه فلا يصح
[ 9 ]
الصلح عليه مع الجهل أحمد ان صولحت امرأة من ثمنها لم يصح، واحتج بقول شريح ايما امرأة صولحت من ثمنها فلم يبين لها ما ترك زوجها فهي الريبه كلها، قال وان ورث قوم مالا أودورأ وغير ذلك فقالوا لبعضهم نخرجك من الميراث بالف درهم اكره ذلك، ولا يشترى منها شيئا وهي لا نعلم لعلها تظن انه قليل وهو يعلم أنه كثير ولا يشترى حتى نعرفه وتعلم ما هو، انما يصالح الرجل الرجل على الشئ لا يعرفه ولا يدري ما هو؟ حساب بينهما فيصالحه، أو يكون رجل يعلم ماله عند رجل والآخر لا يعلمه فيصالحه فاما إذا علم فلم يصالحه انما يريد أن يهضم حقه ويذهب به وذلك لان الصلح انما جاز مع الجهالة للحاجة إليه لابراء الذمم وإزالة الخصام فمع امكان العلم لا حاجة إلى الصلح مع الجهالة فلم يصح كالبيع
(فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (القسم الثاني) أن يدعي عليه عينا أو دينا فينكره ثم يصالحه على مال فيصح ويكون بيعا في حق المدعي حتى ان وجد بما أخذه عيبا فله رده وفسخ الصلح) الصلح على الانكار صحيح وبه قال مالك وأبو حنيفة وقال الشافعي لا يصح لانه عاوض عما لم ثبت له فلم تصح المعاوضة كما لو باع مال غيره ولانه عقد معاوضة خلاعن العوض في أحد جانبيه فبطل كالصلح على حد القذف ولنا عموم قول عليه السلام (الصلح بين المسلمين جائز) فيدخل هذا في عمومه فان قالوا فقد قال (الا صلحا احل حراما) وهذا داخل فيه لانه لم يكن له ان يأخذ من مال المد عى عليه فحل بالصلح قلنا
[ 10 ]
قلنا لا نسلم دخوله فيه ولا يصح حمل الحديث على ما ذكروه لوجهين (أحدهما) ان هذا يؤخذ في الصلح بمعنى البيع فانه يحل لكل واحد منهما ما كان محرما عليه قبله وكذلك الصلح بمعنى الهبة فانه يحل للموهوب له ما كان حراما عليه الثاني انه لو حل به المحرم لكان الصلح صحيحا فان الصلح الفاسد يحل الحرام وانما منعناه ما يتوصل به إلى تناول المحرم مع بقائه على تحريمه كما لو صالحه على استرقاق حر أو احلال بضع محرم أو صالحه بخمر أو خنزير وليس ما نحن فيه كذلك وعلى أنهم لا يقولون بهذا فانهم يبيحون لمن له حق يجحده غريمه أن يأخذ من ماله بقفره أو دونه فإذا حل له ذلك من غير اختياره ولا علمه فلان يحل برضاه وبذله أو لى وكذلك إذا حل مع اعتراف الغريم فلان يحل مع جحده وعجزه عن الوصول إلى حقه الا بذلك أول ولان المدعي ههنا يأخذ عوض حقه الثابت له والمدعى عليه يدفعه لدفع الشرعنه ويقطع الخصومة ولم يرد الشرع بتحريم ذلك في موضع ولانه صلح يصح مع الاجنبي فصح مع الخصم كالصلح مع الاقرار، يحققه انه إذا صح مع الاجنبي مع غناه عنه فلان يصح مع الخصم مع حاجته إليه أولى، وقولهم انه معاوضة قلنا في حقهما أو في حق أحدهما؟ الاول ممنوع والثانى مسلم وهذا لان المدعي يأخذ عوض حقه من المنكر لعلمه بثبوت حقه عنده فهو معاوضة في حقه
[ 11 ]
والمنكر يعتقد أنه يدفع المال لدفع الخصومة واليمين عنه وتخلصه من شر المدعى فهوأبرأفى حقه
وغير ممتنع ثبوت المعاوضة في حق أحد المعاقدين دون الآخر كما لو اشترى عبدا شهد بحريته فانه يصح ويكون معاوضة في حق البائع واستقاذا له من الرق في حق المشتري كذاههنا. إذا ثبت هذا فلا يصح هذا الصلح الا أن يكون المدعي شيئا معقتدا ان ما ادعاه حق والمدعى عليه يعتقد أنه لا حق عليه فيدفع إلى المدعي شيئا افتداء ليمينه وقطعا للخصومة وصيانة لنفسه عن التذل وحضور مجلس الحاكم فان ذوي الانفس الشريفة يصعب عليهم ذلك ويرون دفع ضررها عنهم من أعظم المصالح والشرع لا يمنعهم من وقاية أنفسهم وصيانتها ودفع الشر عنم ببذل اموالهم، والمدعي يأخذ ذلك عوضا عن حقه الذي يعتقد ثبوته فلا يمنعه الشرع من ذلك، سواء كان المأخوذ من جنس حقه بقدر حقه أو دونه فان أخذ من جنس حقه بقدره فقد استوفى حقه وان أخذ دونه فقد استوفى بعضه وترك بعضه وان اخذ من غير جنس حقه فقد أخذ عوضه ولا يجوز ان يأخذ من جنس حقه اكثر منه لان الزائد لا مقابل له فيكون ظالما بأخذه وان اخذ من غير جنسه جاز ويكون بيعا في حق المدعي لا عتقاده أخذه عوضا فيلزمه حكم اقراره فان وجد بما أخذه عيبا فله رده وفسخ الصلح كما لو اشترى شيئا فوجده معيبا (مسألة) (وان كان شقصا مشفوعا ثبتت فيه الشفعة ويكون إبراء في حق الآخر فلا يرد ما صولح عنه بعيب ولا يؤخذ بشفعة) إذا كان الذي أخذه المدعي شقصا في دار أو عقار وجبت فيه الشفعة لانه يقر ان الذي أخذه عوضا فهو كما لو اشتراه ويكون أبرأ في حق المنكر لانه دفع المال التداء ليمينه ودفعا للضرر عنه لا عوضا عن حق يعتقده فيلزمه ايضا حكم ا قراره، فان وجدبا لمصالح عنه عيبا لم يرجع به على المدعي لا عتقاده انه ما أخذه عوضا وان كان شقصا لم تثبت فيه الشفعة لانه يعتقده على ملكه لم يزل وما
[ 12 ]
ملكه بالصلح ولو دفع المدعى عليه إلى المدعي ما ادعاه أو بعضه لم يثبت فيه حكم البيع ولا تثبت فيه الشفعة لان المدعي يعتقد أنه استوفى بعض حقه واخذ عين ماله مسترجعا لها ممن هي عنده فلم يمن بيعا كاسترجاع العين المغصوبة (مسألة) (فان كان أحدهما عالما بكذك نفسه فالصلح باطل في حقه وما أخذه حرام عليه)
متى علم أحدهما كذب نفسه كمن ادعى شيئا يعلم أنه ليس له أو أنكر حقا يعلم أنه عليه فالصلح باطل في الباطن لان المدعي إذا كان كاذبا فما يأخذه أكل للمال بالباطل أخذه بشره وظللمه لا عوضا من حق فيكون حراما عليه كمن خوف رجلا بالقتل حتى أخذ ماله، وان كان المدعى عليه يعلم صدق المدعي وجحده لينتقص حقه أو يرضيه عنه شئ فهو هضم للحق وأكل مال بالباطل فيكون ذلك حراما والصلح باطل لا يحل له مال المدعي بذلك هذا حكم الباطن وأما الظاهر لنا فهو الصحة لانا لا نعلم باطن الحال انما نبني الامر على الظاهر والظاهر من حال المسلمين الصحة، ولو ادعى على رجل وديعة أو قرضا أو تفريطا في وديعة أو مضاربة فانكر واصطلحا صح لما ذكرناه (مسألة) (فان صالح عن النمكر أجنبي بغير اذنه صح ولم يرجع عليه في أصح الوجهين) إذا صالح عن النمكر أجنبي صح سواء اعترف للمدعي بصحة دعواه أولم يعترف وسواء كان باذنه أو بغير اذنه وقال أصحاب الشافعي انما يصح إذا اعترف المدعي بصدقه وهذا مبني على صلح المنكر وقد ذكرناه. ثم لا يخلوا الصلح ان يكون عن دين أو عين فان كان عن دين صح سواء كان باذن المنكر أو بغير اذنه فان عليا وأبا قتادة قضيا عن الميت فاجازه النبي صلى الله عليه وسلم وان كان الصلح عن
[ 13 ]
عين باذن النمكر فهو كالصلح منه لان الوكيل يقوم مقام الموكل وان كان بغير اذنه فهو افتداء للمنكر من الخصومة وابراء له من الدعوى وذلك جائز وفي الموضعين إذا صالح عنه بغير اذنه لم يرجع عليه بشئ لانه أدى عنه مالا يلزمه اداؤه، وخرجه القاضي وأبو الخطاب على الروايتين فيما إذا قضى دينه الثابت بغير اذنه وهذا التخريج لا يصح لان هذا لم يثبت وجوبه على المنكر ولا يلزمه أداؤه إلى المدعي فكيف يلزمه أداؤه إلى غيره؟ ولانه ادى عنه مالا يجب عليه فكان متبرعا كما لو تصدق عنه ومن قال برجوعه فانه يجعله كالمدعي في الدعوى على المنكر اما انه يجب له الرجوع بما ادعاه حتما فلاوجه له أصلا لان أكثر ما يجب لمن قضى دين غيره أن يقوم مقام صاحب الدين وصاحب الدين ههنا لم يجب له حق ولالزم الاداء إليه ولم يثبت له اكثر من جواز الدعوى فكذلك هذا ويشترط في جواز الدعوى أن يعلم صدق المدعي فأما ان لم يعلم لم يحل له دعوى شئ لا يعلم ثبوته
(مسألة) (وان صالح الاجنبي لنفسه لتكون المطالبة له غير معترف بصحة الدعوى أو معترفا بها عالما بعجزه عن استنقاذها لم يصح وإن ظن القدرة عليه صح فان عجز عنه فهو مخير بين فسخ الصلح وامضائه) إذا صالح الاجنبي المدعي لنفسه لتكون المطالبة له فلا يخلو إما أن يعترف للمدعي بصحة دعواه
[ 14 ]
أولا فان لم يعترف له فالصح باطل لانه يشتري منه ما لم يثت له ولم يتوجه إليه خصومة يفتدي منها اشبه مالو اشترى منه ملك غيره، وإن اعترف له بصحة دعواه: كان المدعى دينا لم يصح لانه اشترى مالا يقدر البائع على تسليمه ولانه بيع للدين من غير من هو في ذمته، وقال بعض أصحابنا يصح وليس بجيد لان بيع الدين المقر به من غير من هو في ذمته لا يصح فيع دين في ذمة منكر معجوز عن قبضه أولى، وإن كان المدعى عينا فقال الاجنبي للمدعي أنا أعلم أنك صادق فصالحني عنها فاني قادر على استنقاذها من المنكر فقال أصحابنا يصح الصلح وهو مذهب الشافعي لانه اشترى منه ملكه الذي يقدر على قبضه ثم إن قدر على أخذه استقر الصلح وإن عجز كان له الفسخ لانه لم يسلم له المعقود عليه فكان له الرجوع إلى بدله يحتمل انه إن تبين أنه لا يقدر على تسليمه تبين أن الصلح كان قاسدا لان الشرط الذي هو القدرة على قبضه معدوم حال العقد كان فاسدا كما لو اشترى عبده فتبين أنه آبق أو ميت ولو اعترف له بصحة دعواه ولا يمكنه استنقاذه لم يصح الصلح لانه اشترى مالا يمكنه قبضه فاشبه شراء العبد الآبق فان اشتراه وهو يظن انه عاجز عن قبضه فتبين ان قبضه ممكن صح البيع لان البيع تناول ما يمكن قبضه فصح كما لو علما ذلك ويحتمل أن لا يصح لانه ظن عدم الشرط فأشبه ما لو باع عبدا يظن أنه حر أو عبد غيره فتبين أنه ومحتمل أن يفرق بين من يعلم أن البيع يفسد بالعجز عن تسليم المبيع وبين من لا يعلم ذلك لان من يعلم ذلك معتقد فساد البيع والشراء فكان بيعه فاسدا
[ 15 ]
لكونه متلاعبا بقوله معتقدا فساده ومن لا يعلم يعتقده صحيحا وشروطه فصح كما لو علمه مقدورا على تسلميه. (فصل) فان قال الاجنبي للمدعي أنا وكيل المدعى عليه في مصالحتك عن هذه العين وهو مقر لك
بها وانما جحدها في الظاهر فظاهر كلام الخرقي أن الصلح لا يصح لانه يجحدها في الظاهر لينتقص الدمعي بعض حقه أو يشتريه بأقل من ثمنه فهو هاضم للحق متوصل إلى أخذ المصالح عنه بالظلم والعدوان فهو بمنزلة مالو شافهه بذلك فقال أنا أعلم صحة دعواك وأن هذا لك لكن لا أسلمه اليك ولا أقر لك به عند الحاكم حتى تصالحني منه على بعضه أو عوض عنه، وقال القاضي يصح وهو مذهب الشافعي قالوا ثم ينظر إلى المدعى عليه فان صدقه على ذلك ملك العين ورجع الاجنبي عليه بما أدى عنه، وإن كان أذن في الدفع، وإن أنكر الاذن في الدفع فالقول قوله مع يمينه ويكون حكمه حكم من قضى دينه بغير اذنه وإن أنكر الوكالة فالقول قوله مع يمينه وليس للاجنبي الرجوع عليه ولا يحكم له بملكها في الظاهر، فأما حكم ملكها في الباطن فان كان وكل الاجنبي في الشراء فقد ملكها لانه اشترها باذنه
[ 16 ]
فلا يقدح إنكاره في ملكها لان ملكه ثبت قبل انكاره، وانما هو ظالم بالانكار للاجنبي وان كان لم يوكله لم يملكها لانه اشترى له عينا بغير إذنه ويحتمل أن يقف على إجازته كما قلنا فيمن اشترى لغيره شيئا بغير إذنه بثمن في ذمته فان أجازه ملكه وإلا لزم من اشتراه، وإن قال الاجنبي للمدعي قد عرف المدعى عليه صحة دعواك وهو يسألك أن تصالحه عنه وقد وكلنى في المصالحة عنه صح وكان الحكم كما ذكروه لانه ههنا لم يمتنع من أدائه بل اعترف به وصالح عليه مع بدله فأشبه مالو لم يجحده (فصل) قال الشيخ رحمه الله (يصح عن القصاص بديات وبكل ما يثبت مهرا) وجملة ذلك أن الصلح يجوز عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه سواء كان مما يجوز بيعه أو لا يجوز فيصح عن دم العمد وسكنى الدار وعيب المبيع ومتى صالح عما يوجب القصاص بأكثر من ديته أو أقل جاز وقد روي أن الحسن والحسين وسعيد بن العاص بذلوا للذي وجب له القصاص على هدبة اين خشرم سبع ديات فأبى أن يقبلها ولان المال غير متعين فلا يقع العوض في مقابلته وان صالح عن
[ 17 ]
القصاص بعبد فخرج مستحقا رجع بقيته في قول الجميع وان خرج حرا فكذلك وبه قال أبو يوسف ومحمد وقا أبو حنيفة يرجع بالدية لان الصلح فاسد فيرجع ببدل ما صالح عنه وهو الدية
ولنا أنه تعذر تسليم ما جعله عوضا فرجع في قيمته كما لو خرج مستحقا، فان صالحه عن القصاص يحر يعلمان حريته أو عبد يعلمان انه مستحق أو تصالحا بذلك عن غير القصاص رجع بالدية وبما صالح عنه لان الصلح باطل يعلمان بطلانه فكان وجوده كعدمه (فصل) وان صالح عن دار أو عبد بعوض فخرج العوض مستحقا أو حرا رجع في الدار وما صالح عنه أو بقيمته ان كا بالغا لان الصل ههنا مع في الحقيقة فإذا تبين أن العوض كان متسحقا أو حرا كان البيع فاسدا فرجع فيما كان له بخلاف الصلح عن القصاص فانه ليس ببيع وإنما يأخذ عوضا عن اسقاط القصاص ولو اشترى شيئا فوجده معيبا فصالحه عن عبيه بعبد فبان مستحقا أو حرا رجع بارش العيب. (مسألة) (ولو صالح سارقا ليطلعه أو شاهدا ليكتم شهادته أو شفيعا عن شفعته أو مقذوفا عن حده لم يصح الصلح وتسقط الشفعة وفي الحد وجهان)
[ 18 ]
إذا صالح السارق والزاني والشارب على أن لا يرقفعه إلى السلطان لم يصح ولا يجوز أخذا العوض عنه لان ذلك ليس بحق فلا يجوز أخذ العوض عنه كسائر ما لا حق فيه، وإن صالح شاهدا ليكتم شهادته لم يصح لانه لا يخلو من ثلاثة أحوال (أحدها) أن يصالحه على ان لا يشهد عليه بحق تلزمه الشهادة به كدين الآدمي أو حق لله تعالى لا يسقط بالشبهة كالزكاة ونحوها غفلا يجوز كما نه ولا يجوز أخذ العوض عن ذلك كما لا يجوز أخذ العوضن عن شرب الخمر. (الثاني) ان يصالحه على ان لا يشهد عليه بالزور فهذا يجب عليه ترك ذلك ويحرم عليه فعله لم يجز أخذ العوض عنه كما لا يجوزان يصالحه على ان لا يقتله ولا يغصب ماله (الثالث) أن يصالحه على ان لا يشهد عليه بما يوجب حد الزنا والسرقة فلا يجوز أخذ العوض عنه لانه ليس بحق له وان صالح عن حق الشفعة لم يصح لانه حق شرع على خلاف الاصل لدفع ضرر الشركة فإذا رضي بالتزام الضرر سقط الحق من غير بدل ولم يجز العوضع نه لانه ليس بمال فهو كحد القذف وان صالحه عن حد الفذ ف لم يصح الصلح لانه ان كان حد الله تعالى لم يكن له أن
[ 19 ]
يأخذ عوضه لكونه ليس بحق له فأشبه حد الزنا والسرقة ان كان حقا له لم يجز الاعتياض عنه لكونه حقا ليس بمال ولهذا لا يسقط إلى بدل بخلاف القصاص ولانه شرع لتنزيه العرض فلا يجوز أن يعتاض عن عرضه بمال، وهل يسقط بالصلح فيه؟ بنبني على الخلاف في كون حدالقذف حقالله تعالى أو لآدمي فان كان حقا لله تعالى لم يسقط بصلح الآدمي بالاإسقاطه كحد الزنا وان كان حقا لآدمي سقط بصلحه واسقاطه كالقصاص. (مسألة) (وان اصالحه أن يجري على ارضه أو سطحه ماء معلوما صح) إذا صالح رجل على موضع قناة من ارضه يجري فبها ماه وبينا موضعها وعرضها وطولها جاز لان ذلك بيع لموضع من ارضه فلا حاجة إلى بيان عمقه لانه إذا ملك الموضع كان له إلى تخومه فله أن بترك فيه ما شاء، وان صالحه على إجراء الماء في ساقية من أرض رب الارض مع بقاء ملكه عليها فهو اجارة للارض يشترط له تفدير المدة فان كانت الارض في يد رجل باجارة جاز له ان يصالح رجلا على اجراء
[ 20 ]
الماء فيها في ساقية محفورة مدة لا تجاوز مدة الاجارة وان لم تكن الساقية محفورة لم يجز أن يصالحه على ذلك لانه لا يجوز احداث ساقية في أرض في يده باجارة، فان كانت الارض في يده وقفا عليه فقال القاضي هو كالمستأجر يجوز له ان يصالح على إجراء الماء في ساقية لانه لا يملكها انما يستوفي منفعتها كالارض المستأجرة وهذا كله مذهب الشافعي قال شيخنا والاولى أنه يجوز له حفر الساقية لان الارض له وله التصرف فيها كيفما شاء ما لم ينقل الملك فيها الى غيره بخلاف المستأجر فانه انما يتصرف فيها بما أذن له فيه فكان الموقوف عليه بمنزلة المستأجر إذا اذن له في الحفر، فان مات الموقوف عليه في أثناء المدة فهل لمن انتقل إليه فسخ الصلح فيما بقي من المدة؟ على وجهين بناء على ما إذا أجره مدة فمات في أثناء المدة فان قلنا له فسخ الصلح ففسخه رجع المصالح على ورثة الذي صالحه بقسط ما بقي من المدة وان قلنا ليس له الفسخ رجع من انتقل إليه الوقف على الورثة (فصل) وان صالح رجلا على اجراء ماء سطحه من المطر على سطحه أو في ارضه عن أرضه جاز
إذا كمان ما يجري ماؤه معلوما إما بالمشاهدة وإما بمعرفة المساحة لان الماء يختلف بصغر السطح وكبره
[ 21 ]
ولا يمكن ضبطه بغير. ويشترط معرفة الموضع الذي يخرج منه لماء إلى السطح لان ذلك يختلف ولا يفتقر إلى ذكر مدة لان الحاجة تدعوإلى ذلك، ويجوز العقد على المنفعة في موضع الحاجة غير مقدر بمدة كما في النكاح، ولا يملك صاحب الماء مجراه لان هذا لا يستوفى به منافع المجرى دائما ولا في أكثر المدة بخلاف الساقية، ويختلفان ايضا في أن الماء الذي في الساقية لا يحتاج إلى ما يقدر به لان تقدير ذلك حصل بتقدير الساقية فانه لا يملك أن يجري فيها أكثر من مثلها والماء الذي على السطح يفتقر الى معرفة قدر السطح لانه يجري منه القليل والكثير، فان كان السطح الذي يجري عليه الماء مستأجرا أو عارية لم يجز أن يصالح على اجراء الماء عليه لانه يتضرر بذلك ولم يوذن له فيه فلم يكن له أن يتصرف به بخلاف الماء في الساقية المحفورة فان الارض لا قتضرر به، وان كان ماء السطح يجري على الارض احتمل ان لا يجوز له الصلح على ذلك لانه ان احتاج إلى حفر لم يجز له ان يحفر في أرض غيره ولانه يجعل لغير صاحب الارض رسما فربما ادعى استحقاق ذلك على صاحبها، واحتمل الجواز إذا لم يحتج إلى حفر ولم يكن فيه مضرة لانه بمنزلة اجراء الماء في ساقية محفورة ولا يجوز الا مدة لا تزيد على مدة الاجارة كما قلنا في أجراء الماء في الساقية
[ 22 ]
(فصل) وإذا أراد ان يجري ماء في أرض غيره لغير ضرورة لم يجز الا باذنه وان كان لضرورة مثل أن يكون له أرض للزراعة لها ماء لا طريق له الاارض جاره فهل له ذلك؟ على روايتين (احداهما) لا يجوز لانه تصرف في ارض غيره بغير اذنه فلم يجز كما لو لم تدع إليه ضرورة ولان مثل هذه الحاجة لا تبيح مال غيره بدليل أنه لا يباح له الزرع في أرض غيره ولا البناء فبها ولا الانتفاع بشئ من منافعها المحرمة عليه بمثل الحاجة (والاخرى) يجوز لما روي ان الضحاك بن خليفة ساق خليجا من العريض فأراد أن يمر به في ارض محمد بن مسلمة فأبى فقال له الضحاك لم يمعني وهو منفعة لك تشربه أو لا وآخر أو لا يضرك فأبى محمد فكلم فيه الضحاك عمر فدعا عمر محمد بن مسلمة وأمره ان يخلي سبيله فقال محمد لا والله فقال عمر لم تمنع أخاك
ما بنفعه وهو لك افع؟ تشربه أو لا وآخرا فقال محمد لا والله فقال عمر والله لميرن به ولو على بطلنك فأمره عمر أن يمر به ففعل. رواه مالك في الموطأ وسعيد في سننه والاول أقيس وقول عمر بخالفه قول محمد بن مسلمة وهو موافق للاصول فكان أولى (فصل) وان صالح رجلا على أن يسقي أرضه من نهر الرجل يوما أو يومين أو من عينه وقدرة بشئ يعلم به لم يجز ذكره القاضي لان الماء ليس بمملوك ولا يجوز بيعه فلا يجوز الصلح عليه ولانه
[ 23 ]
مجهول قال وان صالحه على سهم من العين أو النهر كالثلث والربع جاز وكان بيعا للقرار والماء تابع له ويحتمال ان يجوز الصلح على السقي من نهره وقناته لان الحاجة تدعو إلى ذلك والماء مما يجوز أخذ العوض عنه في الجملة بدليل مالو أخذه في قربته والصلح يجوز على مالا يجوز بيعه بدليل الصلح عن دم العمد والصلح على المجهول (مسألة) (ويجوز ان يشتري ممرأفي دار وموضعا في حائطه يفتحه بابا، وبقعة بحفرها بئرا) لان، هذه الاما كن يجوز بيعها وإجارتها فجازا لاعتياض عنها كالدور (مسألة) (وان يشتري علو بيت بيني عليه بنيانا موصوفا) إذا كان البيت مبينا لما ذكرناه (فان كان البيت غير مبنيي لم يجز في أحد الوجهين) ذكر الفااضي واصحاب الشافعي لانه مبيع للهواء دون القرار والثاني بجوز لانه ملك للمصالح فجاز له أخذ عوضه كالقرار وانما يجوز بشرط أن يصف العلوو السفل بما يعلم به لان من شرط صحة البيع العلم بالمبيع (مسألة) (وان حصل في هوائه أغصان شجرة غيره فطالبه بالزالتها فله ذلك فان ابى فله فطعها) وجملة ذلك انه إذا حصلت اغصان شجرته في هواء ملك غيره أو هوا جدار له فيه شركة لزم
[ 24 ]
مالك الشجرة ازالة تلك الاغصان اما بردها الى ناحية اخرى واما بالقطع لان الهواء ملك لصا حب القرار فوجب ازالة ما يشغله من ملك غيره كالقرار فان امتنع المالك من إزالته لم يجبر لانه من غير فعله فلم يجبر على إزالته كما لو لم يكن ملكه وان تلف بها شئ لم يضمنه لذلك ويحتمل ان يجبر على
إزالته ويضمن ما تلف به إذا امر بالزالته فلم يفعل بناء على ما إذا مال حائطه إلى ملك غيره عليما نذكره ان شاء الله تعالى، وعلى كلى الوجهين إذا امتنع من ازالته كان لصاحب الهواء إزالته باحد الامرين لانه بمنزلة البهيمة التي تدخل داره له اخراجها كذا ههنا وهذا مذهب الشافعي، فان امكنه إرالته بلا اتلاف ولا يقطع من غير مشقة تلزمه ولا غرامة لم يجز له اتلافها كما أنه إذا امكنه اخراج الهبيمة من غير اتلاف لم يجز له اتلافها فان اتلفها في هذه الحال غرمها، وان لم يمكله إزالتها الا بالاتلاف فله ذلك ولا شئ عليه فانه لا يلزمه اقرار مال غيره في ملكه (مسألة) (فان صالحه عن ذلك بعوض لم يجز) اختلف اصحابنا في ذلك فقال أبو الخطاب لا تصح المصالحة عن ذلك بحال رطبا كان الغصن أو يابسا لان الرطب يزيد ويتغير واليابس ينقص وربما ذهب كله، وقال ابن حامد وابن عقيل يجوز ذلك رطبا كان اغصن أو يابسا لان الجهالة في المصالح عنه
[ 25 ]
لا تمنع الصحة لكونها لا تمنع التسليم بخلاف العوض فانه يفتقر إلى العلم لوجوب تسليمه ولان الحاجة داعية إلى ذلك لكون ذلك يكثر في الاملاك المتجاورة وفي القطع اتلاف وضرر والزيادة المتجددة يعفى عنها كالسمن الحادث في المستأجر للركوب والمستأجر للغرفة يتجدد له أولاد والغراس المستأجر له الارض يعظم ويجفو وقال القاضي ان كان يابسا معتمدا على نفس الجدار صحت المصالحة عنه ولان الزيادة مأمونة فيه ولا يصح الصلح على غير ذلك لان الرطب يزيد في كل وقت وما لا يعتمد على الجدار لا يصح الصلح عليه لانه تبع الهواء وهذا مذهب الشافعي قال شيخنا واللائق بمذهب أحمد صحته لان الجهالة في المصالح عنه لا تمنع الصحة إذا لم يكن إلى العلم به سبيل وذلك لدعاء الحاجة إليه وكونه لا يحتاج إلى تسليم وهذا كذلك والهواء كالقرار في كونه ملكا لصاحبه فجاز الصلح على ما فيه كالذي في القرار (مسألة) (وان اتفقا على ان الثمرة له أو بينهما جاز ولم يلزم) وجملة ذلك انه إذا صالحه عن ذلك بجزء من الثمرة أو بالثمرة كلها فقد نقل المروذي واسحاق بن ابراهيم عن أحمد انه سئل عن ذلك فقال لا أدري فيحتمل ان يصح، ونحوه قال مكحول فانه نقل عنه
[ 26 ]
أنه قال أيما شجرة ظللت على قوم فهم بالخيار بين قطع ما ظلل أو أكل ثمرها، ويحتمل ان لا يصح وهو قول الاكثر وبه قال الشافعي لان العوض مجهول فان الثمرة مجهولة وجزؤها مجهول ومن شرط الصلح العلم بالعوص ولان المصالح عليه أيضا مجهول لانه يزيد ويتغير على ما اسلفناه، ووجه الاول ان هذا مم يكثر في الاملاك وتدعوا الحاجة إليه وفي القطع اتلاف فجاز مع الجهالة كالصلح على مجرى مياه الامطار وعلى المواريث الدارسة والحقوق المجهولة التي لا سبيل إلى علمها قال شيخنا ويقوى عندي ان الصلح هنا يصح بمعنى ان كل واحد منهما ييح صاحبه ما بذل له فصاحب الهواء يبيح صاحب الشجرة ابقاءها ويمتنع من قطعها وإزالتها وصاحب الشجرة يبيحه ما بذل له من ثمرتها ولا يكون هذا بمعنى البيع لان البيع لا يصح بمعدوم ولا مجهول والثمرة في حال الصلح معدومة مجهولة ولا هو لازم بل لكل واحد منهما الرجوع عا بذله والعود فيما قاله لانه مجرد اباحة من كل واحد منهما لصحابه فجرى مجرى قول كل واحد منهما لصاحبه اسكن داري وأسكن دارك من غير تقدير مدة ولا ذكر شروط الاجارة أو قوله أيحتك الاكل من ثمرة بستاني فابخمي الاكل من ثمرة بستانك وكذك قوله دعني
[ 27 ]
أجري في أرضك ماء ولك أن تسقى به ما شئت وتشرب منه ونحو ذلك فهذا مثله بل أولى فان هذا مما تدعو الحاجة إليه كثيرا وفي إلزام القطع ضرر كثيرو إتلاف أموال كثيرة وفي الترك من غير نفع يصل صاحب الهواء ضرر عليه، وفيما ذكرناه جمع بين الامرين ونظر للفريقين وهو على وفق الاصول فكان أولى. (فصل) وكذلك الحكم فيما امتد من عروق شجر انسان إلى ارض جاره سواء أثرت ضررا مثل تأثيرها في المصانع وطي الآبار وأساس الحيطان أو منعها من نبات شجر لصاحب الارض أو زرع أو لم توثر فان الحكم في قطعه والصلح عنه كالحكم في الفروع إلا أن العروق لا ثمرلها فان اتفقا على أن ما ينبت من عروقها لصاحب الارض أو جزء معلوم منه فهو كالصلح على الثمرة فيما ذكرنا، فعلى قولنا إذا اصطلحا على ذلك فمضت مدة ثم أبى صاحب الشجرة دفع نباتها إلى صاحب الارض فعليه
أجر المثل لانه انما تركه في أرضه لهذا فلما لم يسلم له رجع باجر المثل كما لو بذلها بعوض لم يسلم له وكذلك فيمن مال حائطه إلى هواء ملك غيره أوزلف من أخشابه إلى ملك غيره فالحكم فيه علي ما ذكرنا
[ 28 ]
(مسألة) (ولا يجوز أن يشرع إلى طريق نافذ جناحا ولا ساباطا ولا دكانا) الجناح والروشن يكون على أطراف خشبة مدفونة في الحائط وأطرافها خارجة إلى الطريق الاولى وهو المستوفي لهواء الطريق كله عليه جدارين سواء كان الجداران ملكه أولم يكونا اذان الامام في ذلك أولم يأذن، وقال ابن عقيل ان لم يكن فيه ضرر جاز باذن الامام فجرى اذنه مجرى اذن المشتركين في الدوب الذي ليس بنافذ، وقال أبو حنيفة يجوز من ذلك مالا ضرر فيه وان عارضه رجل من المسلمين وجب ققعله، وقال مالك والاوزاعي والشافعي واسحاق وأبو يوسف ومحمد يجوز إذا لم يضر بالمارة ولا يملك أحد منعه لانه ارتفق بما لم يعتعين ملك أحد فيه من غير مضرة فأشبه المشي في الطريق والجلوس فيها واختلفوا في الذي لا يضر ما هو فقال بعضهم إن كان في شارع تمر فيه الجبوش فيكون يحيث إذا سار فيه الفارص ورمحه منصوب لا يبلغه وقال أكثرهم لا يقدر بذلك بل يكون بحيث لا يضر بالعماريات والمحامل. ولنا أنه بنى في ملك غيره بغير اذنه فلم يجز كبناء الدكة أو بناء ذلك في درب غير نافذ بغير اذن أهله، ويفارق المرور في الطريق فاناها جعلت لذلك ولا مضرة فيه والجلوس لا يدوم ولا يمكن التحرز
[ 29 ]
منه ولا نسلم أنه لا مضرة فيه فانه يظلم الطريق وربما سقط على المارة أو سقط منه شئ وقد تعلوا الارض يمرور الزمان فيصدم رءوس الناس ويمنع مرور الدواب بالاحمال ويقطع الطريق الاعلى الماشي وقد رأينا مثل هذا كثيرا، وما يفضي إلى الضرر في ثاني الحال يجب المنع منه في ابتدائه كما لو أراد بناء حائط مائل إلى الطريق يخشى وقوعه على من يمر فيها ولنا على أبي حنيفة أنه بنى في حق مشترك لو منع منه بعض أهله لم يجز فلم يجز فلم يجز بغير إذنهم كما لو أخرجه إلى هواء دار مشتركة وذلك لان حق الآدمي لا يجوز لغيره التصرف فيه بغير إذنه وإن كان ساكنا كما لا يجوز إذا منع فاما الدكان فلا يجوز بناؤه في الطريق بغير خلاف علمناه سواء كان الطريق
وواسعا أو لا وسواء أذن فيه الامام أولم يأذن لانه بناء في ملك غيره بغير إذنه ولانه يؤذي المارة يضيق عليهم ويعثر به العائر أشبه مالو كان الطريق ضيقا. (فصل) ولا يجوز إخراج الميازيب إلى الطريق الاعظم ولا إلى درب غير نافذ إلا باذن أهله وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي يجوز اخراجه إلى الطريق الاعظم لان عمر اجتاز على دار العباس
[ 30 ]
وقد نصب ميزابا إلى الطريق فقلعه فقال العباس تقلعه وقد نصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فقال والله لا نصبته إلا على ظهري وانحنى حتى صعد على ظهره فنصبه وما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلغيره فعله ما لم يقم دليل على اختصاصه به ولان الحاجة تدعو إلى ذلك ولا يمكنه رد مائه إلى الدار ولان الناس يعملون ذلك في جميع بلاد الاسلام من غير نكير ولنا ان هذا تصرف في هواء مشترك بينه وبين غيره بغير إذنه فلم يجز كما لو كان الطريق غير نافذ ولانه يضر بالطريق وأهلها فلم يجز كبناء دكة فيها أو جناح يضر بأهلها ولا يخفى ما فيه من الضرر فان ماءه يقع على المارة وربما جرى فيه البول أو ماء نجس فبنجسهم ويزلق الطريق ويجعل فيها الطين والحديث قضية في عين فيحتمل أنه كان في درب غير نافذ أو تجددت الطريق بعد نصبه ويحتمل أن يجوز ذلك لان الحاجة داعية إليه والعادة جارية به مع ما فيه من الخبر المذكور (مسألة) (ولا يجوز أن يفعل ذلك في ملك إنسان أو درب غير نافذ إلا باذن أهله) أما في ملك الانسان فلا يجوز بغير اذنه لانه تصرف في ملك الغير فلم يجز بغير إذنه فلا يجوز ذلك في الدرب وبه قال الشافعي في الجناح والساباط إذا لم يكن له في الدرب باب، وان كان له في الدرب باب فقد اختلف اصحابه فمنهم من منعه أيضا ومنهم من اجاز له اخراج الجناح والساباط لان له في الدرب استطراقا فملك ذلك كما يملكه في الدرب النافذ
[ 31 ]
ولنا أنه بناء في هواء ملك قوم معينين اشبه إذا لم يكن له فيه باب ولا نسلم الاصل اذي قاسوا عليه فان أذن أهل الدرب فيه جاز لان الحق لهم فجاز باذنهم كما لو كان لمالك واحد
(مسألة) (وان صالح عن ذلك بعوض جاز في أحد الوجهين) وقال القاضي وأصحاب الشافعي لا يجوز في الجناح والساباط لانه بيع للهواء. دون القرار ولنا أنه يبني فيه باذنهم فجاز كما لو أذنوا له بغير عوض ولانه ملك لهم فجاز لهم أخذ عوض كالقرار إذا ثبت هذا فانما يجوز بشرط كون ما يخرجه معلوم المقدر في الخروج والعلو وهكذا الحكم فيما إذا أخرجه إلى ملك انسان معين يجوز باذنه بعوض وبغيره إذا كان معلوم المقدار (فصل) ولا يجوز أن يحفر في الطريق النافذة بئرا لنفسه سواء جعلها لماء المطر أو ليستخرج منها ماء ينتفع به ولا غير ذلك لما ذكرنا من قبل، وان اراد حفرها للمسليمن ونفعهم أو لنفع الطريق مثل أن يحفرها ليسقي الناس من مائها ويشرب منه المارة أو لينزل فيها ماء المطر عن الطريق نظرنا
[ 32 ]
فان كان الطريق ضيقا أو كانت في ممر الناس بحيث يخاف سقوط إنسان فيها أو دابة أو يضيق عليهم ممرهم لم يجز لان ضررها أكثر من نفعها، وان حفرها في زاوية من طريق واسع وجعل عليها ما يمنع الوقوع فيها جاز لان ذلك يقع بلا ضرر فجاز كتمهيدها وبناء رصيف فيها فاما ما فعله في درب غير فافذ فلا يجوز بغير إذن أهله لان هذا ملك لقوم معينين فلم يجز فعل ذلك بغير اذنهم كما لو فعله في بستان انسان، ولو صالح أهل الدرب عن ذلك بعوض جاز سواء حفرها لنفسه ليزل فيها ماء المطر عن داره أو ليستقي منها ماء لنفسه أو حفرها للسبيل ونفع الطريق وكذلك ان فعل ذلك في ملك انسان معين (مسألة) (وإذا كان ظهر داره في درب غير نافذ ففتح فيه بابا لغير الاستطراق جاز) لان له رفع جميع حائطه فبعضه أولى. قال ابن عقيل ويحتمل ان لا يجوز لان شكل الباب مع تقادم العهد ربما استدل به على حق الاستطراقن فيضرباهل الدرب بخلاف رفع الحائط فانه لا يدل على شئ (مسألة) (وان فتحه للاستطراق لم يجز بغير اذنهم) لانه ليس لهم حق في الدرب الذي هو ملك غيره وفيه وجه آخر أنه يجوز لان له رفع جميع والاول أولى لان الدرب لاحق له فيه فلم يجز ان يجعل له فيه حق استطراق فان صالحهم جاز لان الحق لهم فأشبه دورهم إذا صالحهم على شئ منها
[ 33 ]
(فصل) وان كان ظهر داره إلى زقاق نافذ ففتح في حائطه باب إليه جاز لانه يرتفق بما لم يتعين ملك أحد عليه فان قيل هذا فيه اضرار باهل الدرب لانه يحعله نافذا يستطرق إليه من الشارع قلنا لا يصير الدرب نافذا وانما تصير داره نافذة وليس لاحد استطراق داره (مسألة) (ولو كان بابه في آخر الدرب ملك نقله إلى أوله ولم يملك نقله إلى داخل منه في احد الوجهين) كان له لان حقه لم يسقط، فاما ان أراد نقل بابه إلى تلقاء صدر الزقاق لم يكن له ذلك نص عليه أحمد لانه يقدم بابه إلى موضع لا استطراق له فيه، وفيه وجه آخر انه يجوز لانه كان له ان يجعل بابه في أول البناء في أي موضع شاء فتركه في موضع لا يسقط حقه كما ان تحويله بعد فتحه لا يسقطه ولان له ان يرفع حائطه كله فلم يمنع من رفع بعضه والاول أولى لانه لا يلزم من جواز رفع الحائط جواز الاستطراق كالمسألة التي قبلها (فصل) وان كان في الدرب بابان لرجلين أحدهما قريب من باب الزقاق والآخر في داخله فأراد صاحب الداخل ان يحول بابه فله تحويله حيث شاء لانه لا منازع له فيما يجاوز الباب الاول إذا قلنا
[ 34 ]
ان صاحب القريب ليس له ان يقذمه إلى داخل الدرب وان قلنا له تقديمه جاز لكل واحد منهما فان كان في داخل الدرب باب لثالث فحكم الاوسط حكم الاول فيما ذكرناه (فصل) إذا كان لرجل داران متلاصقتان ظهر كل واحدة منهما الى ظهر الاخرى وباب كل واحدة منهما إلى درب غير نافذ فرفع الحاجز بينهما وجعلهما دار واحدة جاز لانه تصرف في ملكه المختص وان فتح من كل واحدة منهما بابا إلى الاخرى ليتمكن إلى التطرق من كل واحدة منهما إلى كلي الدربين فقال القاضي لا يجوز لان ذلك يثبت الاستطراق في الدرب الذي لا ينفذ من دار لم يكن لها فيه طريق ولانه ربما ادى إلى إثبات الشفعة في قول من يثبتها بالطريق لكل واحدة من الدارين في زقاق الاخرى، ويحتمل جواز ذلك لان له رفع الحاجز جميعه فبعضه أولى قال شيخنا وهذا أشبه وما ذكرناه للمنع ينتقض بما إذا رفع الحائط جميعه، وفي كل موضع قلنا ليس له فعله إذا صالحه أهل الدرب
جاز وكذلك ان أذنوا له بغير عوض
[ 35 ]
(فصل) إذا تنازع صاحبا البابين في الدرب ولم يكن فيه باب لغيرهما ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) أنه يحكم بالدرب من أوله إلى الباب الذي يليه بينهما لان لهما الاستطراق فيه جميعا وما بعده إلى صدر الدرب للآخر لان الاستطراق في ذلك له وحده فله اليد والتصرف (والثاني) ان من أوله إلى أقصى حائط الاول بينهما لان ما يقابل ذلك فلهما التصرف فيه بناء على أن للاول أن يفتح بابه فيما شاء من حائطه والباقي للثاني لانه ليس بفناء للاول ولا له فيه استطراق والثالث يكون بينهما لان لهم يدا وتصرفا، وهكذا الحكم فيما إذا كان لرجل علو خان ولآخر سفله ولصاحب العلو درجة في أثناء صحن الخان فاختلفا في الصحن فالذي من الدرجة إلى باب الخان بينهما وما زاد على ذلك إلى صدر الخان على الوجهين، فان كانت الدرجة في صدر الصحن فالصحن بينهما لوجود اليد والتصرف منهما جميعا فعلى الوجه الذي يقول ان صدر الدرب مختص بصاحب الباب الصدراني له ان يستبد له ان يستبد بما يختص به منه بان
[ 36 ]
يجعله دهليز ا لنفسه أو يدخله في داره على وجه لا يضر بجاره ولا يضع على حائطه شيئا لان ذلك ملك له ينفرد به (مسألة) (وليس له ان يفتح في حائط جاره ولا الحائط المشترك روزنة ولا طاقا بغير اذن صاحبه) لان ذلك انتفاع بملك غيره وتصرف فيه بما يضره وكذلك لا يجوز ان يغرز فيه وتدا ولا يحدث عليه حائطا ولا سترة ولا يتصرف فيه بنوع تصرف لانه يضر بحائط غيره فهو كنقصه وان صالحه على ذلك بعوض جاز فأما الاستناد إليه واسناد شئ لا يضره فلا بأس به لكونه لا مضرة فيه ولا يمكن التحرز منه أشبه الاستظلال به (مسألة) (وليس له وضع خشبه عليه الاعند الضرورة بان لا يمكنه التسقيف الا به) أما وضع خشبه عليه فلا يجوز إذا كان يضر بالحائط لا نعمل فيه خلافا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) وان كان لا يضر به الا أن به عنه غنى لامكان وضعه على غيره فقال أكثر أصحابنا لا يجوز أيضا وهو قول الشافعي وأني ثور لانه انتفاع بملك غيره بغير اذنه من غير ضرورة فلم يجز كبناء
[ 37 ]
حائط عليه واختار ابن عقيل جوازه لما روى أبو هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا يمنع أحدكم جاره ان يضع خشبه على جداره) متفق عليه ولان ما أبيح للحاجة العامة لم يعتبر فيه حقيقة الحاجة كالشفعة والفسخ بالخيار أو بالعيب واتخاذ الكلب للصيد وإباحة السلم ورخص السفر وغير ذلك، فاما ان دعت الحاجة إلى وضعه على جدار جاره أو الحائط المشترك بحيث لا يمكنه التسقيف إلا به فانه يجوز وضعه بغير اذن الشريك وهو قومل الشافعي في القديم وقال في الجديد ليس له وضعه وهو قول أبي حنيفة ومالك لانه انتفاع بملك غيره من غير ضرورة فلم يجز كزراعته ولنا الخبر وأنه انتفاع بحائط جاره على وجه لا يضر به أشبه الاستناد إليه والاستظلال به ويفارق الزرع فانه يضر ولم تدع إليه حاجة. إذا ثبت هذا فاشترط القاضي وأبو الخطاب للجواز أن يكون له حائط واحد ولجاره ثلاثة حوائط، وليس هذا في كلام أحمد انما قال في رواية أبي داود لا يمنعه إذا لم
[ 38 ]
يكن فيه ضرور كان الحائط يبقى ولانه قد يمتنع التسقيف على حائطين إذا كانا غير متقابلين أو كان البيت واسعا يحتاج إلى ان يجعل إليه جسرا ثم يضع الخشب على ذلك الجسر، قال شيخنا والاولى اعتباره بما ذكرنا من امتناع التسقيف بدونه، ولا فرق فيما ذكرنا بين البالغ واليتيم والعاقل والمجنون لما ذكرنا (مسألة) (وعنه ليس له وضع خشبه على جدار المسجد وهذا تنبيه على أنه لا يضعه على جدار جاره) اختلفت الرواية عن أحمد في وضع خشبه على جدار المسجد مع وجود الشرطين فعنه الجواز لانه ادا جار وضعه في ملك الجار مع ان حق مبني على الشح والضيق ففي حقوق الله تعالى المبنية على المسامحة أولى وعنه لا يجوز نقلها عنه أبو طالب لان القياس يقتضي المنع في حق الكل ترك في حق الجار للخبر الوارد فيه فوجب البقاء في غيره على مقتضى القياس اختاره أبو بكر، وخرج أبو الخطاب من هذه الرواية وجها للمنع من وضع الخشب في ملك الجار لانه إذا منع من وضع الخشب في الجدار المشترك بين المسلمين وللواضع فيه حق فلان يمنع من الملك المختص بغيره أولى ولانه إذا منع في حق
[ 39 ]
الله تعالى مع أنه مبني على المسامحة لغنى الله تعالى وكرمه فلان يمنع في حق الآدمي مع شحه وضيقه أولى والمذهب الاول، فان قيل فلم لا تجيزون فتح الطاق والباب في الحائط قياسا على وضع الخشب؟ قلنا الخشب يمسك الحائط وينفعه بخلاف الطاق والباب فانه يضعف الحائط لانه يبقى مفتوحا والذي يفتحه للخشبة يسده بها ولان وضع الخشب تدعو إليه الحاجة دون غيره (فصل) ومن ملك وضع خشبه على حائط فزال لسقوطه أو فعله أو سقوط الحائط ثم أعيد فله إعادة خشبه لان السبب المجوز لوضعه مستمر فاستمر الاستحقاق وان زال السبب مثل أن خشي على الحائط من وضعه عليه أو استغنى عن وضعه لم تجز اعادته لزوال السبب المبيح فان خيف سقوط الحائط بعد وضعه عليه لزم ازالته لانه يضر بالمالك وان لم يخف عليه لكن استغنى عن ابقائه عليه لم تلزم إزالته لان في إزالته ضررا بصاحبه ولا ضرر على صاحب الحائط في ابقائه بخلاف مالو خشي سقوطه (فصل) وإذا كان له وضع خشبه على جدار غيره لم يملك إجارته ولا إعارته لانه إنما ملك ذلك لحاجته الماسة إلى وضع خشبه ولا حاجة إلى وضع خشب غيره فلم يملكه وكذلك لا يملك بيع حقه من وضع خشبه ولا المصالحة عنه للمالك ولا لغيره لانه أبيح له من حق غيره لحاجته فلم يجز له ذلك فيه كطعام غيره
[ 40 ]
إذا أبيح له في حال الضرورة، ولو أراد صاحب الحائط إعارة الحائط أو اجارته على وجه يمنع هذا المستحق من وضع خشبه لم يملك ذلك لانه وسيلة إلى منع ذي الحق من حقه فلم يملكه كمنعه، ولو أراد هدم الحائط لغير حاجة لم يملك ذلك لما فيه من تفويت الحق وان احتاج إلى ذلك للخوف من انهدامه أو لتحويله مكان آخر أو لغرض صحيح ملك ذلك لان صاحب الخشب انما يثبت حقه للارفاق به مشروطا بعدم الضرر بصاحب الحائط فمتى أفضى إلى الضرر زال الاستحقاق لزوال شرطه (فصل) فان أذن صاحب الحائط لجاره في البناء على حائطه أو وضع سترة عليه أو وضع خشبه عليه في الوضع الذي لا يستحق وضعه جاز لان الحق له فجاز باذنه فإذا فعل ما أذن فيه صارت العارية لازمة تذكر في باب العارية (فصل) وان أذن له في وضع خشبه أو البناء على جدار ه بعوض جداره بعوض جاز سواء كان إجارة في مدة
[ 41 ]
معلومة أو صلحا على وضعه على التأبيد ومتى زال فله إعادته سواء زال لسقوطه أو سقوط الحائط أو غير ذلك لانه استحق ابقاءه بعوض ويحتاج أن يكون البناء معلوم العرض والطول والسمك والآلات من الطين واللبن والآجر وما أشبه ذلك لان هذا يختلف فيحتاج إلى معرفته، وإذا سقط الحائط الذي عليه البناء أو الخشب في أثناء مدة الاجارة سقوطا لا يعود انفسخت الاجارة فيما بقي من المدة ورجع من الاجرة بقسط ما بقي من المدة، وان أعيد رجع من الاجرة بقدر المدة التي سقط البناء والخشب عنه، وان صالحه مالك الحائط على رفع خشبه أو بنائه بشئ معلوم جاز كما يجوز الصلح على وضعه سواء كان ما صالحه به مثل العوض الذي صولح به على وضعه أو أقل أو أكثر لان هذا عوض عن المنفعة المستحقة له وكذلك لو كان له مسيل في أرض غيره أو ميزاب أو غيره فصالح صاحب الارض مستحق ذلك بعوض لبزيله عنه جاز، وان كان الخشب أو الحائط قد سقط فصالحه بشئ على أن لا يعيده جاز لانه لما جاز ان يبيع ذلك منه جاز أن يصالح عنه لان الصلح بيع
[ 42 ]
(فصل) وإذا وجد بناءه أو خشبه على حائط مشترك أو حائط جاره ولم يعلم سببه فمتى زال فله اعادته لان الظاهر ان هذا الوضع بحق من صلح أو غيره فلا يزول هذا الظاهر حتى يعلم خلافه وكذلك لو وجد مسيل مائه في أرض غيره وما أشبه هذا فهو له لان الظاهر أنه له بحق فجرى مجرى اليد الثابتة، ومتى اختلفا في ذلك هل هو بحق أو بعد وان فاقول قول صاحب الخشب والبناء والمسيل مع يمينه لان الظاهر معه (فصل) إذا ادعى رجل دارا في يد أخوين فأنكره أحدهما وأقر له له الآخر ثم صالحه على ما أقر له بعوض صح الصلح ولاخيه الاخذ بالشفعة ويحتمل أن يفرق بين ما إذا كان الانكار مطلقا وبين ما إذا قال هذه لنا ورثناها جميعا عن أبينا أو أخينا فيقال إذا كان الانكار مطلقا كان له الاخذ بالشفعة وان قال ورثناها فلا شفعة له لان المنكر يزعم ان الملك لا خيه المقر لم يزل وان الصلح باطل
[ 43 ]
فيؤاخذ بذلك فلا يستحق به شفعة، ووجه الاول ان الملك ثبت للمدعي حكما وقد رجع إلى المقر بالبيع وهو معترف بانه بيع صحيح فتثبت فيه الشفعة كما لو كان الانكار مطلقا ويجوز أن يكون نصيب المقر انتقل إلى المدعي ببيع أو هبة أو سبب من الاسباب فلا ينافي انكار النمكر واقرار المقر كجالة اطلاق الانكار وهذا أصح (مسألة) (وان كان بينهما حائط فانهدم فطالب أحدهما صاحبه ببنائه أجبر عليه وعنه لا يجبر) إذا كان بين الشريكين حائط فانهدم فطلب أحدهما اعادته وأبى الآخر فذكر القاضي فيه روايتين (احداهما) يجبر نقلها ابن القاسم وحرب وسندي قال القاضي هي أصح قال ابن عقيل وعلى ذلك اصحابنا وهو احدى الروايتين عن مالك وقول الشافعي القديم واختاره بعض أصحابه لان في ترك بنائه اضرارا فيجبر عليه كما يجبر على القسمة إذا طلبها أحدهما وعلى نقض الحائط عند خوف سقوطه
[ 44 ]
عليهما ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا اضرار) وهذا وشريكه يتضرران في ترك بنائه (والرواية الثانية) لا يجبر نقل عن أحمد ما يدل على ذلك وهو أقوى في النظر ومذهب أبي حنيفة لانه ملك لاحرمة له في نفسه فلم يجبر مالكه على الانفاق عليه كما لو انفرد به ولانه بناء حائط فلم يجبر عليه كالابتداء ولانه لا يخلو إما أن يجبر على بنائه لحق نفسه أو لحق جاره أو لهما جميعا لا يجوز أن يجبر لحق نفسه بدليل مالو انفرد به ولا لحق غيره كما لو انفرد به جاره وإذا لم يكن واحد منهما موجبا فعليه فكذلك إذا اجتمعا وفارق القسمة فانها دفع للضرر عنهما بما لا ضرر فيه والبناء فيه ضرر لما فيه من الغرامة وانفلق ماله ولا يلزم من اجباره على إزالة الضرر بما لا ضرر فيه اجباره على إزالته بما فيه ضرر بدليل قسمة ما في قمسته ضرر ويفارق هدم الحائط إذا خيف سقوطه لانه يخاف سقوطه على ما يتلفه فيجبر على ما يزيل ذلك ولذلك يجبر عليه وان انفرد الحائط بخلاف مسئلتنا ولا نسلم أن في تركه اضرارا فان الضرر انما حصل بانهدامه وانما ترك النباء ترك لما يحصل النفع
[ 45 ]
به وهذا لا يمنع الانسان منه بدليل حالة الابتداء وإن سلمنا انه اضرار لكن في الاجبار اضرار ولا
يزال الضرر بالضرر ولانه قد يكون الممتنع لانفع له في الحائط أو يكون الضرر عليه أكثر من النفع أو يكون معسرا ليس معه شي فيكلف الغرامة مع عجزه عنها (مسألة) (وليس له منعه من بنائه) على الرواية التى تقول لا يجبر الممتنع إذا أراد شريكه البناء فليس له منعه لان له حقا في الحمل ورسما فلا يجوز منعه منه (مسألة) (فان بناه بآلته فهو بينهما وان بناه بآلة من عنده فهو له وليس للآخر الانتفاع به وان طلب الانتفاع به خير الثاني بين أخذ نصف قيمته وبين أخذ آلته) وجملة ذلك أن للشريك بناء الحائط بانقاضه وله بناؤ بآلة من عنده، فان بناء بآلته وانقاضه فهو على الشركة كما كان لان المنفق انما أنفق على التالف وذلك أثر لاعين يملكها، وان بناه بآلة من عنده فالحائط ملكه خاصة، وله مع شريكه من الانتفاع ومن وضع خشبه ورسومه عليه لان الحائط له فان أراد نقضه وكان بناه بآلته فليس له نقضه لانه ملكهما فلم يكن له التصرف فيه بما فيه مضرة
[ 46 ]
عليهما وان كان بناه بآلة من عنده فله نقضه لانه يختص بملكه فان قال شريكه أنا أدفع اليك نصف قيمة البناء ولا تتقضه لم يجبر لانه لما لم يجبر على البناء لم يجبر على الابقاء وان أراد غير الباني نقضه واجبار بانيه على نقضه لم يكن له ذلك على كلتا الروايتين لانه إذا لم يملك منعه من بنائه فلان لا يملك إجباره على نقضه أولى، فان كان له على الحائط رسم انتفاع أو وضع خشب قال له إما أن تأخذ مني نصف قيمته وتمكنني من انتفاعي واما ان تقلع حائطك لنعيد البناء من بيننا فيلزم الآخر إجابته لانه لا يملك ابطال رسومه وانتفاعه ببنائه، وان لم يرد الانتفاع به فطالبه الثاني بالغرامة أو القيمة لم يلزمه ذلك لانه إذا لم يجبر على البناء فاولى ان لا يجبر على الغرامة الا أن يكون قد أذن في البناء والانفاق فيلزمه ما أذن فيه فأما على الرواية الاولى فمتى امتنع اجبره الحاكم على ذلك فان لم يفعل أخذ الحكام من ماله وأنفق عليه وان لم يكن له مال فأنفق عليه الشريك باذن الحاكم أو أذن الشريك رجع عليه متى قدر، وإذا أراد بناء لم يملك الشريك منعه، وما أنفق ان تبرع به لم يكن له الرجوع به وإن نوى الرجوع به فهل له الرجوع بذلك؟ يحتمل وجهين بناء على ما إذا قضى دينه بغير اذنه، وان بناه لنفسه بآلته فهو بينهما وان بناه بآلة من عنده فهو له خاصة فان أراد نقضه فله ذلك الا أن يدفع إليه شريكه نصف
قيمته فلا يكون له نقضه لانه إذا أجبر على بنائه فأولى ان يجبر على ابقائه
[ 47 ]
(فصل) فان لم يكن بين ملكيهما حائط فطلب أحد هما من الآخر أن بينيا حائطا يحجز بين ملكيهما لم يجبرا الآخر عليه رواية واحدة فان أراد البناء وحده فليس له الا في ملكه لانه لا يملك التصرف في ملك جاره المختص به ولا في الملك المشترك بغير ماله فيه رسم وهذا لا رسم له فيه (فصل) فان كان السفل لرجل والعلو لآخر فانهدم السقف الذي بينهما فطلب أحد هما المباناة من الاخر فامتنع فهل يجبر؟ على روايتين كالحائط بين البيتين وللشافعي فيه قولان، فان انهدمت حيطان السفل فطالبه صاحب العلو باعادتها ففيه روايتان (احداهما) يجبر وهو قول مالك وأبي ثور وأحد قولي الشافعي فعلى هذه الرواية يجبر على البناء وحده لانه ملكه خاصة (والثانية) لا يجبر وهو قول أبي حنيفة فان أراد صاحب العلو بناءه لم يمنع من ذلك على الروايتين جميعا، فان بناه بآلته فهو على ما كان وان بناه بآلة من عنده فقد روي عن أحمد لا ينتفع به صاحب السفل يعني حتى يؤدي القيمة فيحتمل أنه لا يسكن وهو قول أبي حنيفة لان البيت انما يبنى للسكنى فلم يملكه كغيره ويحتمل أنه أراد الانتفاع بالحيطان خاصة من طرح الخشب وسمر الوتد وفتح الطاق وتكون له السكنى من غير تصرف في ملك غيره وهو مذهب الشافعي لان السكنى انما هي اقامته في فناء الحيطان من غير تصرف فيها أشبه الاستظلال
[ 48 ]
بها من خارج فاما ان طالب صاحب السفل بالبناء وأبى صاحب العلوففيه روايتان: (إحداهما) لا يجبر على بنائه ولا مساعدته وهو قول الشافعي لان الحائط ملك صاحب السفل فلم يجبر غيره على بنائه ولا المساعدة فيه كما لو لم يكن عليه علو (والثانية) يجبر على مساعدته والبناء معه، وهو قول أبي الدرداء لانه حائط بشتركان في الانتفاع به أشبه الحائط بين الدارين. (فصل) فان كان بين البيتين حائط لاحدهما فانهدم فطلب أحدهما من الآخر بناءه أو المساعدة في بنائه لم يجبر لانه ان كان الممتنع مالكه لم يجبر على بناء ملكه المختص به كحائط الآخر وان كان
الممتنع الآخر لم يجبر على بناء ملك غيره ولا المساعدة فيه ولا يلزم على هذا حائط السفل حيث يجبر صاحبه على بنائه مع اختصاصه بملكه لان الظاهر ان صاحب العلو ملكه مستحقا لا بقائه على حيطان السفل دائما فلزم صاحب السفل تمكينه مما يتسحقه وطريقه البناء فلذلك وجب بخلاف مسئلتنا وان أراد
[ 49 ]
صاحب الحائط بناءه أو نقضه بعد بنائه لم يكن لجاره منعه لانه ملكه خاصة وان أراد جاره بناءه أو نقضه أو التصرف فيه لم يملك ذلك لانه لاحق له فيه (فصل) ومتي هدم أحد الشريكين الحائط المشترك أو السقف الذي بينهما نظرت فان خيف سقوطه ووجب هدمه فلا شي ء على هادمه ويكون كما لو النهدم بنفسه لانه فعل الواجب وأزال الضرر الحاصل بسقوطه، وان هدمه لغير ذلك فعليه اعادته سواء كان هدمه لحاجة أو غيرها وسواء التزم اعادته أو لم يلتزم لان الضرر حصل بفعله فلزمته إزالته (فصل) فان اتفقا على بناء الحائط المشترك بينهما نصفين وملكه بينهما الثلث والثلثان لم يصح لانه يصالح عن بعض ملكه ببعض فلم يصح كما لو أقر له بدار فصالحه على سكناها ولو اتفقا على أن يحمله كل واحد منهما ما شاء لم يجز لجهالة الحمل فانه يحمله من الاثقال ما لا طاقة له بحمله وان اتفقا على أن يكون بينهما نصفين جاز. (مسألة) (وان كان بينهما نهر أو بئر أو دولاب أو ناعورة أو قناة فاحتاج إلى عمارة ففي اجبار الممتنع وجهان) بناء على الحائط المشترك إذا انهدم وحكي عن أبي حنيفة أنه يجبر ههنا على الانفاق لانه لا يتمكن شريكه من مقاسمته فيتضرر بخلاف الحائط فانه يمكنهما قسمة العرصة قال شيخنا: والاولى التسوية لان في قسمة العرصة اضرارا بهما والانفاق أرفق بهما فكانا سواء
[ 50 ]
(مسألة) (وليس لاحدهما منع صاحبه من عمارته) فان عمره فالماء بينهما على الشركة أما الدولاب والناعورة فالحكم فيه كالحكم في الحائط على
ما ذكرناه وأما النهر والبئر فلكل واحد منهما الانفاق عليه وإذا أنفق عليه لم يكن له منع الآخر من نصيبه من الماء لانه ينبع من ملكهما وانما أثر أحدهما في نقل الطين منه وليس له فيه عين مال فأشبه الحائط إذا بناه بآلته والحكم في الرجوع بالنفقة حكم الرجوع في النفقة على الحائط على ما مضى (فصل) وليس للرجل التصرف في ملكه بما يضر بجاره نحو أن يبني حما ما بين الدور أو يفتح
[ 51 ]
خبازا بين العطارين أو يجعله دكان قصارة بهز الحيطان ويخربها أو يحفر بئرا إلى جانب بئر جاره يجتذب ماءها وبهذا قال بعض الحنفية وعن أحمد رواية أخرى لايمنع وبه قال الشافعي وبعض الحنفية لانه تصرف في ملكه المختص به ولم يتعلق به حق غيره فلم يمنع منه كما لو طبخ في داره أو خبز فيها وسلموا أنه يمنع من الدق الذي يهدم الحيطان وينزها ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا إضرار) ولان هذا إضرار بجير انه فمنع منه كالذي سلموء وكسقى
[ 52 ]
الارض الذي يتعدى إلى هدم حائط جاره أو اشعال نار يتعدى إلى إحراقها، قالوا ههنا تعدت النار التي أضرمها والماء الذي أرسله فكان مرسلا لذلك في ملك غيره أشبه مالو أرسله إليها قصدا، قلنا والدخان الذي هو اجزا الحريق الذي أحرقه فكان مرسلا له في ملك جاره فهو كالنار والماء وأما دخان الخبز والطبيخ فان ضرره يسير ولا يمكن التحرز منه وتدخله المسامحة (فصل) فان كان سطح احدهما أعلى من سطح الاخر فليس لصاحب الاعلى الصعود على سطحه
[ 53 ]
على وجه يشرف على سطح جاره الا أن يبني سترة تستره وقال الشافعي لا يلزمه ستره لان هذا حاجز بين ملكيهما فلم يجبر أحدهما عليه كالاسفل ولنا أنه أضر بجاره فمنع منه كدق يهز الحيطان وذلك أنه يكشف جاره ويطلع على حرمه فاشبه ما لو اطلع عليه من صئر بابه أو خصاصه وقد دل على المنع من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (لو أن رجلا اطلع اليك فحذمته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح) ويفارق الاسفل فان تصرفه لا يضر
بالاعلى ولا يكشف داره.
[ 54 ]
باب الحوالة الحوالة ثابتة بالسنة والاجماع أما السنة فما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع) متفق عليه وفي لفظ من (أحيل بحقه على ملئ فليحتل) واجمع أهل العلم على جواز الحوالة في الجملة، واشتقاقها من تحويل الحق من ذمة إلى ذمة، وقد قيل إنها بيع فان المحيل يشتري ما في ذمته بماله في ذمة المحال عليه وجاز تأخير القبض رخصة لانه موضوع على الرفق فيدخلها خيار المجلس لذلك والصحيح انها عقد ارفاق منفد بنفسه ليس بمحمول على غيره لانها لو كانت بيعا لما جازت لانه بيع دين بدين ولما جاز التفرق قبل القبض لانه بيع مال الربا بجنسه ولجازت بلفظ البيع ولجازت بين جنسين كالبيع ولان لفظها يشعر بالتحول لا بالبيع فعلى هذا لا يدخلها خيار وتلزم بمجرد العقد وهذا أشبه بكلام أحمد وأصوله، ولابدء فيها من محيل ومحتال ومحال عليه (مسألة) (والحوالة تنقل احق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فلا يملك المحتال الرجوع عليه بحال
[ 55 ]
إذا صحت الحوالة برئت ذمة المحيل وانتقل الحق إلى ذمة المحال عليه في قول عامة اهل العلم وروي عن الحسن انه كان لا يرى الحوالة براءة إلا أن يبرئه وعن زفر أنه قال لا تنقل الحق وأجراها مجرى الضمان ولنا ان الحوالة مشتقة من تحويل الحق بخلاف الضمان فانه مشتق من ضم ذمة إلى ذمة فعلق على كل واحد مقتضاه وما دل عليه لفظه. إذا ثبت ذلك فمتى رضي بها المحتال ولم يشترط اليسار لم يعد الحق إلى المحيل أبدا سواء أمكن استيفاء الحق أو تعذر لمطل أو فلس أو موت أو غيره وبه قال الليث والشافعي وأبو عبيد وابن المنذر وهو ظاهر كلام الخرقي، وقال شريح والشعبي والنخعي متى أفلس أو مات رجع على صاحبه وقال أبو حنيفة يرجع عليه في حالين إذا مات المحال عليه مفلسا وإذا جحده وحلف عليه عند الحاكم وقال أبو يوسف ومحمد يرجع عليه في هاتين الحالتين وإذا
حجر عليه لفلس لانه روي عن عثمان انه سئل عن رجل أحيل بحقه فمات المحال عليه مفلسا فقال يرجع بحقه لانه لا توى على مال امرئ مسلم ولانه عقد معاوضة لم يسلم العوض فيه لاحد المتعاوضين فكان له الفسخ كما لو اعتاض بثوب فلم يسلم إليه ولنا أن حزنا حد سعيد بن المسيب كان له على علي رضي الله عنه دين فاحاله به فمات المحال
[ 56 ]
عليه فأخبره فقال اخترت علينا أبعدك الله فأبعده بمجرد احتياله ولم يخبره ان له الرجوع ولانها براءة من دين ليس فيها قبض ممن هي عليه ولا ممن يدفع عنه فلم يكن فيها رجوع كما لو أبرأه من الدين وحديث عثمان لم يصح يرويه خلد بن جعفر عن معاوية بن قرة عن عثمان ولم يصح سماعه وقد روي انه قال في حوالة أو كفالة وهذا يوجب التوقف ولو صح كان قول علي مخالفا له، وقولهم هو معاوضة لا يصح لانه يفضي إلى بيع الدين بالدين وهو منهي عنه ويقارق المعاوضة بالثوب لان في ذلك قبضا يقف استقرار العقد عليه وههنا الحوالة بمنزلة القبض والاكان بيع دين بدين (مسألة) (ولا تصح الا بشروط ثلاثة (أحدها) ان يحيل على دين مستقر فان احال على مال الكتابة أو السلم قبل قبضه أو الصداق قبل الدخول لم يصح وان احال المكاتب سيده أو الزوج امرأته صح) لا تصح الحوالة على دين غير مستقر لان مقتضاها الزام المحال عليه الدين مطلقا ولا يثبت ذلك فيما هو بعرض السقوط ولا يعتبر أن يحيل بدين مستقر الا ان السلم لا تصح الحوالة به ولا عليه لان دين السلم ليس بمستقر لكونه متعرضا للفسخ بانقطاع المسلم فيه ولا تصح الحوالة به لانها لا تصح الا فيما يجوز أخذ العوض عنه ولا يجوز ذلك في السلم لقوله عليه الصلاة والسلام (من أسلف في شئ فلا يصرفه إلى
[ 57 ]
غيره فلا تصح الحوالة على المكاتب بمال الكتابة لانه غير مستقر لان له ان يمتنع من أدائه ويسقط بعجزه وتصح الحوالة عليه بدين غير دين الكتابة لان حكمه حكم الاحرار في المداينات، وان احال المكاتب سيده بنجم قد حل عليه صح وبرئت ذمة المكاتب بالحوالة ويكون ذلك بمنزلة القبض وان احالت المرأة على زوجها بصداقها قبل الدخول لم يصح لانه غير مستقر يحتمل ان يسقط بانفساخ
النكاح بسبب من جهتها، وان أحالها الزوج به صح لان له تسليمه إليها وحوالته به تقوم مقام تسليمه وان أحالت به بعد الدخول صح لانه مستقر، وان أحال البائع بالثمن على المشتري في مدة الخيار لم يصح في قياس ما ذكرنا وان أحاله المشتري به صح لانه بمنزلة الوفاء قبل الاستقرار، وان احال البائع بالثمن على المشتري ثم ظهر على عيب لم يتبين ان الحوالة كانت باطلة لان الثمن كان ثابتا مستقرا والبيع كان لازما وانما ثبت الجاز بعد العلم بالعيب بالنسبة إلى المشتري، ويحتمل ان تبطل الحوالة لان سبب الجواز عيب المبيع وقد كان موجودا وقت الحوالة. وكل موضع أحال من عليه دين غير مستقر به ثم سقط الدين كالزوجة ينفسخ نكاحها بسبب من جهتها أو المشتري يفسخ البيع ويرد المبيع فان كان ذلك قبل القبض من المحال عليه ففيه وجهان (أحدهما) تبطل الحوالة لعدم الفائدة في بقائها ويرجع
[ 58 ]
المحيل بدينه على المحال عليه والثاني لا تبطل لان الحق انتقل عن المحيل فلم يعد إليه وثبت للمحتال فلم يزل عنه ولان الحوالة بمنزلة القبض فكأن المحيل أقبض المحتال فيرجع عليه به ويأخذ المحتال من المحال عليه وسواء تعذر القبض من المحال عليه أو لم يتعذر وان كان بعد القبض لم تبطل وجها واحدا ويرجع المحيل على المحتال به (فصل) وان أحال من لادين عليه على من له عليه دين فهي وكالة يثبت فيها احكامها وليست بحوالة لان الحوالة مأخوذة من تحويل الحق وانتقاله ولا حق ههنا ينتقل ويتحول وانما جازت الوكالة بلفظ الحوالة لاشتراكهما في استحقاق الوكيل مطالبة من عليه الدين كاستحقاق المحتال مطالبة المحال عليه و تحول ذلك إلى الوكيل كتحوله إلى المحتال، وان أحال من عليه دين على من لا دين عليه فليست حوالة نص عليه أحمد فلا يلزم المحال عليه الاداء ولا المحتال القبول لان الحوالة معاوضة ولا معاوضة ههنا وانما هو اقتراض فان قبض المحتال منه الدين رجع على المحيل لانه قرض وان ابرأه لم تصح البراءة لانها براءة لمن لادين عليه وان وهبه إياه بعد أن قبضه منه رجع المحال عليه على على المحيل به لانه قد غرم عنه وانما عاد إليه المال بعقد مستأنف ويحتمل أن لا يرجع إليه لكونه ما
[ 59 ]
غرم عنه شيئا، وان أحال من لادين عليه على من لادين عليه فهي وكالة في اقتراض و ليست حوالة لان الحوالة انما تكون بدين على دين (الشرط الثاني) اتفاقن الدينين في الجنس والصفة والحلول والتأجيل لانها تحويل للحق ونقل له فينتقل على صفته ويعتبر تماثلهما في الامور المذكورة (احدها) الجنس فيحيل من عليه ذهب بذهب ومن عليه فضة بفضة ولو أحال من عليه ذهب بفضة أو بالعكس لم يصح (الثاني) الصفة فلو احال من عليه صحاح بمكسرة أو من عليه مصرية بأميرية لم يصح (الثالث) الحلول والتأجيل ويعتبر اتفاق أجل المؤجلين فان كان أحدهما حالا والآخر مؤجلا أو كان أحدهما إلى شهر والآخر إلى شهرين لم تصح الحوالة، ولو كان الحقان حالين فشرط على المحتال أن يؤخر حقه أو بعضه إلى أجل لم تصح الحوالة لان الحال لا يتأجل ولانه شرط ما لو كان ثابتا في نفس الامر لم تصح الحوالة فكذلك إذا اشترطه. فإذا اجتمعت هذه الامور وصحت الحوالة فتراضيا بأن يدفع المحال عليه إلى المحتال خيرا من حقه أو رضي المحتال بدون الصفة أو رضي من عليه المؤجل بتعجيله أو من له الحال بالظاره جاز لان ذلك يجوز في القرض ففي الحوالة أولى فان مات المحيل أو المحتال فالاجل بحال وان مات المحال عليه انبنى على حول الدين بالموت وفيه روايتان (الشرط الثالث) أن يحيل برضاه لان الحق
[ 60 ]
عليه فلا يلزمه اداؤه من جهة الدين الذى على المحال عليه ولا خلاف في هذا (فصل) ويعتبر لصحة الحوالة ان تكون بمال معلوم لانها ان كانت بيعا فلا يصح في مجهول وان كانت تحول الحق فيعتبر فيها التسليم، والجهالة تمنع منه، فتصح بكل ما يثبت في الذمة بالاتلاف من الاثمان والحبوب والادهان، ولا تصح فيما لا يصح السلم فيه لانه لا يثبت في الذمة، ومن شرط الحوالة تساوي الدينين فاما ما يثبت في الذمة سلما غير المثليات كالمعدود والمذروع ففي صحة الحوالة به وجهان (أحدهما) لا يصح لان المثل فيه لا يتحرر ولهذا لا يضمن بمثله في الاتلاف وهذا ظاهر مذهب الشافعي (والثاني) يصح ذكره القاضي لانه حق ثابت في الذمة فاشبه ماله مثل ويحتمل ان يخرج هذان الوجهان على الخلاف فيما يقضي به قرض هذه الاموال فان كان عليه ابل من الدية وله على آخر مثلها في السن فقال القاضي يصح لانها تختص باقل ما يقع عليه الاسم في السن والقيمة وسائر القصات، وقال أبو الخطاب
لا تصح في أحد الوجهين لانها مجهولة ولان الابل ليست من المثليات التي تضمن بمثلها في الاتلاف فلا تثبت في الذمة سلما في رواية، وإن كان عليه ابل في دية وله على آخر مثلها قرضا فأحاله عليه فان قلنا يرد القرض قيمتها لم تصح الحوالة لاختلاف الجنس وإن قلنا يرد مثلها اقتضى قول القاضي صحة الحوالة
[ 61 ]
لانه أمكن استيفاء الحق على صفته من المحال عليه ولان الخيرة في التسليم إلى من عليه الدية وقد رضي بتسليم ماله في ذمة المقترض فان كانت بالعكس فاحتال المقرض بابل الدية لم يصح لاننا ان قلنا تجب القيمة في القرض فقد اختلف الجنس وإن قلنا يجب المثل فللمقرض مثل ما أقرض في صفاته وقيمته والذي عليه الدية لا يلزمه ذلك (مسألة) (ولا يعتبر رضى المحال عليه ولارضى المحتال ان كان المحال عليه مليئا) أما المحال عليه فلا يعتبر رضاه لان للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله وقد افام المحتال مقام نفسه في القبض فلزم المحال عليه الدفع إليه كالوكيل وانما تعتبر الملاءة في رضى المحتال بقرض الملئ غير المعدوم قال الشاعر: تطيلين لياني وأنت مليئة واحسن يا ذات الوشاح التقاضيا يعني قادرة على وفائي قال احمد في تفسير الملئ ان يكون مليئا بماله وقوله وبدنه فمتى احيل على من هذه صفته لزم المحتال والمحال عليه القبول ولم يعتبر رضاهما، وقال أبو حنيفة يعتبر رضاهما لانه معاوضة فيعتبر الرضا من المتعاقدين، وقال مالك والشافعي يعتبر رضى المحتال لان حقه في ذمة المحيل فلا يجوز نقله إلى غيرها بغير رضاه كما لا يجوز ان يجبره على ان يأخذ بالدين عوضا، فأما المحال عليه فقال مالك لا يعتبر رضاؤه الا ان يكون المحتال عدوه وللشافعي في اعتبار رضاه قولان:
[ 62 ]
(احدهما) يعتبر وهو يحكى عن الزهري لانه احد من تتم به الحوالة فأشبه المحيل (والثاني) لا يعتبر لانه اقامه في القبض مقام نفسه فلم يفتقر إلى رضى من عليه الحق كالتوكيل ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا اتبع احدكم على ملئ فليتبع، ولان للمحيل ان يوفي الحق
الذي عليه بنفسه وبوكيله وقد اقام المحال عليه مقام نفسه في التقبيض قلزم المحتال القبول كما لو وكل رجلا في إيفائه، وفارق ما إذا أراد ان يعطيه عما في ذمته عرضا لانه يعطيه غير ما وجب له فلم يلزمه قبوله وان لم يكن المحال عليه مليئا لم يلزمه ان يحتال لمفهوم الحديث ولان عليه ضررا في ذلك فلم يلزمه كما لو بذل له دون حقه في الصفة (ففصل) فان شرط المحتال ملاءة المحال عليه فبان معسرا رجع على المحيل وبه قال بعض الشافعية وقال بعضهم لا يرجع لان الحوالة لا ترد بالاعسار إذا لم يشترط الملاءة فلا ترد به وإن شرط كما لو شرط كونه مسلما ويفارق البيع فان الفسخ يثبت بالاعسار فيه من غير شرط بخلاف الحوالة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (المسلمون على شروطهم) ولانه شرط ما فيه مصلحة العقد في عقد معاوضة فيثبت الفسخ بفواته كما لو شرط صفة في المبيع وقد يثبت بالشرط مالا يثبت باطلاق العقد بدليل اشتراط صفة في المبيع. (مسألة) (وان ظنه مليئا فبان مفلسا ولم يكن رضي بالحوالة رجع عليه وإلا فلا ويحتمل ان يرجع)
[ 63 ]
أما إذا لم يرض المحتال بالحوالة ثم بان المحال عليه مفلسا أو ميتا رجع على المحيل بغير خلاف، ولا يلزمه الاحتيال على غير الملئ لما عليه فيه من الضرر وانما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبول الحوالة على الملئ، وان كان رضي بالحوالة لم يرجع لانه رضي بدون حقه ويحتمل أن يرجع لان الفلس عيب في الذمة فاشبه مالو اشترى شيئا يظنه سليما فبان معيبا. (مسألة) (وإذا أحال المشتري البائع بالثمن أو أحال البائع عليه به فبان البيع باطلا فالحوالة باطلة) مثل أن يشتري عبدا فيحيل المشتري البائع بالثمن ثم يظهر العبد حرا وأو مستحقا فالبيع باطل والحوالة باطلة لانا تبينا أن لاثمن على المشتري وكذلك ان أحال البائع على المشتري أجنبيا بالثمن متى بطل البيع بطلت الحوالة لذلك والحرية انما ثبتت ببينة أو اتفاقهم فان اتفق المحيل والمحال عليه على حريته وكذبهما المحتال ولابينة بذلك لم يقبل قولهما عليه لانهما يبطلان حقه فاشبه ما لو باع المشتري العبد ثم اعترف هو وبائعه أنه كان حرا لم يقبل قولهما على المشتري الثاني وان أقاما بينه لم تسمع لانهما
كذباها بدخولهما في التبايع، وان أقام العبد بينة بحريته قبلت وبطلت الحوالة وإن صدقهما المحتال وادعى أن الحوالة بغير ثمن العبد فالقول قوله مع يمينه لان الاصل صحة الحوالة وهما يدعيان بطلانها فكان جنبته أقوى فان أقام البينة أن الحوالة كانت بالثمن قبلت لانهما لم يكذباها، وإن اتفق المحيل والمحتال على حرية العبد وكذبهما المحال عليه لم يقبل قولهما عليه في حرية العبد لانه إقرار على غيرهما وتبطل
[ 64 ]
الحوالة لاتفاق المرجوع عليه بالدين والراجع به على استحقاق الرجوع والمحال عليه يعترف للمحتال بدين لا يصدقه فيه فلا يأخذ منه شيئا، وان اعترف المحتال والمحال عليه بحرية العبد عتق لاقرار من هو في يده بحريته وبطلت الحوالة بالنسبة اليهما ولم يكن للمحتال الرجوع على المحيل لان دخوله معه في الحوالة اعتراف ببراءته فلم يكن له الرجوع عليه (مسألة) (فان العقد بعيب أو إقالة لم تبطل الحوالة) يعني إذا فسخ العقد بعيب أو إقالة بعدا لقبض فيما إذا أحال المشتري البائع بالثمن فقد برئ المحال عليه لانه قبض منه باذنه ويرجع المشتري على البائع فان كان ذلك قبل القبض فقال القاضي تبطل الحوالة ويعود المشتري إلى ذمة المحال عليه ويبرأ البائع فلا يبقى له دين ولا عليه لان الحوالة بالثمن وقد سقط بالفسخ، ويجب أن تبطل الحوالة لذهاب حقه من المال المحال به، وقال أبو الخطاب لا تبطل في أحد الوجهين لان المشتري عوض البائع عما في ذمته ماله في ذمة المحال عليه ونقل حقه إليه نقلا صحيحا وبرئ من الثمن ويرئ المحال عليه من دين المشتري فلم يبطل ذلك بفسخ العقد الاول كما لو أعطاه بالثمن ثوبا وسلمه إليه ثم فسخ العقد لم يرجع بالثوب كذا ههنا، فان قلنا ببطلان الحوالة رجع المحيل على المحال عليه بدينه ولم يبق بينهما وبين البائع معاملة وان قلنا لا تبطل رجع المشتري على البائع بالثمن ويأخذه البائع من المحال عليه وان كانت المسألة بحالها لكن أحال البائع أجنبيا بالثمن على المشتري ثم رد البعد المبيع ففي الحوالة وجهان:
[ 65 ]
(أحدهما) لا تبطل لان ذمة المشتري برئت بالحوالة من حق البائع وصار الحق عليه للمحتال
فأشبه مالو دفعه المشتري إلى المحيل فعلى هذا يرجع المشتري على البائع بالثمن ويسلم للمحتال ما أحاله به (والثاني) تبطل الحوالة ان كان الرد قبل القبض لسقوط الثمن الذي كانت الحوالة به ولا فائدة في بقاء الحوالة فيعود البائع بدينه ويبرأ المشتري منهما كالمسألة قبلها (مسألة) (وللبائع أن يحيل المشتري على من أحاله المشتري عليه في الصورة الاولى وللمشتري أن يحيل المتحال عليه على البائع في الثانية) إذا قلنا إن الحوالة لا تبطل وبحتمل أن تبطل إذا لم يكن قبضها وقد ذكرناه (فصل) إذا أحال رجلا على زيد بألف فاحاله زيد بها على عمرو فالحوالة صحيحة لان حق الثاني ثابت مستقر في الذمة فصح أن يحيل به كالا ول وهكذا لو أحال الرجل عمرا على زيد بما يثبت له في ذمته صح أيضا لما ذكرنا وتكرر المحتال والمحيل لا يضر (مسألة) (وإذا قال احلتك قال بل وكلتني أو قال وكلتك قال بل أحلتني فالقول قول مدعي الوكالة) إذا كان لرجل دين على آخر فاذن لرجل في قبضه ثم اختلفا فقال احلتك بدينك قال بل وكلتني وديني باق في ذمتك أو قال وكلتك في قبض دينى بلفظ التوكيل قال بل أحلتني
[ 66 ]
بلفظ الحوالة فالقول قول مدعي الوكالة مع يمينه لانه يدعي بقاء الحق على ما كان وينكر انتقاله والاصل معه فان كان لاحدهما بينة حكم بها لان اختلافهما في اللفظ وهو مما يمكن اقامة البينة عليه (مسألة) (وإذا اتفقا على أنه قال أحلتك بالمال الذي قبل زيد ثم اختلفا فقال المحيل انما وكلتك في القبض لي وقال الآخر بل احلتني بديني عليك فالقول قول مدعي الحوالة في أحد الوجهين) لان الظاهر معه فان اللفظ حقيقة في الحوالة دون الوكالة فيجب حمل اللفظ على ظاهره كما لو اختلفا في دار في يد أحدهما (والثاني) القول قول المحيل لان الاصل بقاء حق المحيل على المحال عليه والمحتال يدعي نقله والمحيل ينكره والقول قول المنكر. فعلى الوجه الاول يحلف المحتال ويثبت حقه في ذمة المحال عليه ويستحق مطالبته ويسقط عن المحيل، وعلى الوجه الثاني يحلف المحيل
ويبقى حقه في ذمة المحال عليه، وعلى كلا الوجهين ان كان المحتال قد قبض من المحال عليه وتلف في يده فقد برئ كل واحد منهما من صاحبه ولا ضمان عليه سواء تلف بتفريط أو غيره لانه ان تلف بتفريط وكان المحتال محقا فقد أتلف ماله وان كان مبطلا ثبت لكل واحد منهما في ذمة الآخر ما في ذمته له فيتقاصان ويسقطان وان تلف بغير تفريط فالمحتال يقول قد قبضت حقي وتلف في يدي وبرئ منه المحيل بالحوالة والمحال عليه بتسليمه والمحيل يقول قد تلف المال في يد وكيلي بغير تفريط فلا ضمان عليه وان لم يتلف احتمل ان لا يملك المحيل طلبه لانه معترف ان له عليه من الدين مثل ماله في يده وهو مستحق لقبضه فلا فائدة في أن يقبضه منه ثم يسلمه إليه ويحتمل أن يملك أخذه منه ويملك المحتال مطلبته بدينه وقيل يملك المحيل اخذه منه ولا يملك المحتال
[ 67 ]
المطالبة بدينه لا عترافه ببراءة المحيل منه بالحوالة وليس بصحيح لان المحتل ان اعترف بذلك فهو يدعي أنه قبض هذا المال منه بغير حق وانه لا يستحق المطالبة به فعلى كلا الحالين هو مستحق للمطالبة بمثل هذا المال المقبوض منه في قولهما جميعا فلا وجه لا سقاطه ولا موضع للبينة في هذه المسألة لانهما لا يختلفان في لفظ يسمع ولا فعل يرى وانما يدعي المحيل نيته وهذا لا تشهد به البينة نفيا ولا اثباتا. (فصل) فان قال احلتك بدينك قال بل وكلتني ففيهما وجهان ايضا لما قدمنا فان قلنا القول قول المحيل فحلف برئ من حق المحتال وللمحتال قبض المال من المحال عليه لنفسه لانه يجوز ذلك بقولهما معا فإذا قفبضه كان له بحقه، وان قلنا القول قول المححتال فحلف كان له مطالبة المحيل بحقه ومطالبة المحتال عليه لانه اما وكيل أو محتال، فان قبض منه قبل أخذه من المحيل فله اخذ ما قبض لنفسه لانه يجوز ذلك لان المحيل يقول هو لك والمحتال يقول هو امانة في يدي ولي مثله على صاحبه وقد أذن له في أخذه ضمنا فإذا أخذه لنفسه حصل غرضه ولم يأخذ من المحيل شيئا، وان استوفى من المحيل، دون المحال عليه رجع المحيل على المحال عليه في أحد الوجهين لان الوكالة قد ثبتت بيمين المحتال وبقي في ذمة المحال عليه للمحيل (والثاني) لا يرجع عليه لانه يعترف انه قد برئ من حقه وانما
المحيل ظلمه باخذ ما كان عليه، قال القاضي والاول أصح وان كان قد أخذ الحوالة فتلفت في يده بتفريط أو اتلفها سقط حقه وجها واحدا لانه ان كان محقا فقد أتلف حقه وان كان مبطلا فقد أبطل مثل دينه فيثبت في ذمته فيتقاصان وان تلف بغير تقريطه فعلى الوجه الاول يسقط حقه أيضا لان ماله تلف تحت يده وعلى الثاني له ان يرجع على المحيل بحقه وليس للمحيل الرجوع على المحال عليه لانه يقر ببراته
[ 68 ]
(مسألة) (وان قال احتلك بدينك فالقول قول مدعي الحوالة وجها واحدا) إذا اتفقا على انه قال احتلك بدينك ثم اختلفا فالقول قول مدعي الحوالة وجها واحدا لان الحوالة بدينه لا تحتمل الوكالة فلم يقبل قول مدعيها وسواء اعترف المحيل بدين المحتال أو قال لادين لك علي لان قوله أحتلك بدينك اعتراف بدينه فلا يقبل جحده بعد ذلك فاما ان لم يقل بدينك بل قال احلتك ثم قال ليس لك علي دين وانما أردت التوكيل بلفظ الحوالة أو قال أردت أن أقول وكلتك فسبق لساني فقلت أحلتك وادعى المحتال انه حوالة بدينه وان دينه كان ثابتا على المحيل فهل هو اعتراف بالدين أولاء فيه وجهان سبق توجيهما (فصل) وان كان لرجل دين على آخر فطالبه به فقال قد أحلت به علي فلانا الغائب وانكر صاحب الدين فالقول قوله مع يمينه فان كان لمن عليه الدين بينة بدعواه سمعت بينته لاسقاط حق المحيل عليه، وان ادعى رجل ان فلانا الغائب أحالني عليك فأنكر المدعى عليه فالقول قوله فان اقام المدعي بينة ثبتت في حقه وحق الغائب لان البينة يقضى بها على الغائب ولزم الدفع إلى المحتال، وان لم يكن له بينة فأنكر الندعى عليه فهل يلزمه اليمين؟ فيه وجهان بناء على مالو اعترف له هل يلزمه الدفع على وجهين (أحدهما) يلزمه الدفع إليه لانه لا يأمن انكار المحيل ورجوعه عليه فكان له الاحتياط لنفسه كما لو ادعى أني وكيل فلان في قبض دينه منك فصدقه وقال لا أدفعه اليك فإذا قلنا يلزمه الدفع مع الاقرار لزمته اليمين مع الانكار فإذا حلف برئ ولم يكن للمحتال الرجوع على المحيل لاعترافه ببراءته وكذلك ان قلنا لا يلزمه اليمين فليس للمحتال الرجوع على المخيل، ثم ينظر في المحيل فان
صدق المدعي في انه أحاله ثبتت الحوالة لان رضا المحال عليه لا يعتبر وان أنكر الحوالة حلف وسقط حكم الحوالة فان نكل المحال عليه عن اليمين فقضي عليك بالنكول واستوفى الحق منه ثم ان المحيل صدق المدعي فلا كلام وان أنكر الحوالة فالقول قوله وله أن يستوفي من المحال عليه لانه معترف له بالحق ويدعي ان المحتال ظلمه وببقى دين المحتال على المحيل فان أنكر المحيل ان له عليه دينا فالعقول قوله بغير يمين لان المحتال يقر ببراءته منه لا يستيفائه من المحال عليه وان كان المحيل
[ 69 ]
يعترف به لم يكن للمحتال المطالبة به لانه يقر أنه قد برئ منه بالحوالة والمحيل يصدق المحال عليه في كون المحتال قد ظلمه واستوفى منه بغير حق والمحتال يزعم ان المحيل قذ أخذ منه أيضا بغير حق وانه يجب عليه ان يرد ما أخذ منه إليه فينبغي ان يقبضها المحتال ويسلمها إلى المحال عليه أو يأذن للمحيل في ذفعها إلى المحال عليه وإن صدق المحال عليه المحتال في الحوالة ودفع إليه فأنكر المحيل الحوالة حلف ورجع على المحال عليه، والحكم في الرجوع بما على المحيل من الدين على ما ذكرنا في التي قبلها (فصل) فان كان عليه الف ضمنه رجل فأحال الضامن صاحب الدين به برئت ذمته وذمة المضمون عنه لان الحوالة كالتسليم ويكون الحكم ههنا كالحكم فيما لو قضى عنه الدين على ما ذكرنا فان كان الالف على رجلين على كل واحد منهما خمسمائة وكل واحد كفيل عن الآخر بذلك فأحاله أحدهما بالالف برئت ذمتهما معا كما لو قضاها وان أحال ضاحب الالف رجلا على أحدهما بعينه صحت الحوالة لان الدين على كل واحد منهما مستقر، وان احال عليهما جميعا ليستوفي منهما أو من أيهما شاء صحت الحوالة ايضا عند القاضي لانه لا فضل ههنا في نوع ولا أجل ولا عدد وانما هو زيادة استيثاق فلم فلم يمنع ذلك صحة الحوالة كحوالة المعسر على الملئ، وقال بعض الشافعية لا تصح الحوالة لان الفضل قد دخلها فان المحتال ارتفق بالتخيير الاستيفاء من أيهما شاء فأشبه مالو أحاله على رجلين له على كل واحد منهما الف ليستوفي من أيهما شاء والاول أصح، والفرق وبين هذه المسألة وبين ما إذا
[ 70 ]
أحاله بألفين انه لا فضل بينهما في العدد ههنا وثم تفاضلا ولان الحوالة ههنا بألف معين وثم الحوالة بأحدهما من غير تعيين وانه إذا قضاه أحدهما الالف فقد قضاه جميع الدين وثم إذا قضى احدهما بقي ما على الآخر ولو لم يكن كل واحد من الرجلين ضامنا عن صاحبه فأحال عليهما حصت الحوالة بغير إشكال لانه لما كان له ان يستوفي الالف من واحد كان له أن يستوفي من اثنين كالوكلين باب الضمان وهو ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق فيثبت في ذمتهما جميعا ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما، واستقاقه من الضم وقيل من التضمين لان ذمة الضامن تتضمن الحق، والاصل في جوازه الكتاب والسنة والاجماع. اما اكتاب فقوله تعالى (ولمن جاء به حمل بعير وانا به زعيم والزعيم الكفيل قاله بان عباس. واما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (الزعيم غارم) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن، واجمع المسلمون على الضمان في الجملة واختلفوا في فروع تذكر ان شاء الله تعالى، يقال ضمين وكفيل وقبيل وحميل وزعيم وصبير بمعنى واحد ولا بد في الضمان من ضامن ومضمون عنه ومضمون له. (مسألة) (ولصاحب لحق مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت) وجملة ذلك أن المضمون عنه لا يبرأ بنفس الضمان كما يبرأ المحيل بنفس الحوالة قبل القبض بل يثبت
[ 71 ]
الحق في ذمة الضامن مع بقائه في ذمة المضمون عنه فعلى هذا لصاحب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة وبعد الموت، وبهذا قال الئوري والشافعي وأصحاب الرأي وأبو عبيد وحكي عن مالك في احدى الروايتين عنه أنه لا يطالب الضامن الا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه ولانه وثيقة فلا يستوفى الحق منها الا مع تعذر استيفائه من الاصل كالرهن ولنا قوله عليه السلام (الزعيم غارم) ولان الحق ثابت في ذمة الضامن فملك مطالبتة كالاصل ولان الحق ثابت في ذمتهما فملك مطالبة من شاء منهما كالضامنين إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه ولا يشبه الرهن لانه مال من عليه الحق وليس بدين ذمة يطالب إنما يطالب من عليه الدين ليقضي منه
أو من غيره، وقال أبو ثور الكفالة والحوالة سواء وكلاهما ينقل الحق عن ذمة المضمون عنه والمحيل وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود، وعن أحمد رواية أن الميت يبرأ بمجرد الضمان نص عليه في رواية يوسف بن موسى واحتجوا بما روى أبو سعيد الخدري قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فلما وضعت قال (هل على صاحبكما من دين؟) قالوا نعم درهمان فقال (صلوا على صاحبكم) فقال علي هما علي يا رسول الله وأنا لهما ضامن فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى عليه ثم أقبل على علي فقال (جزاك الله عن الاسلام خيرا أو فك رها نك كما فككت رهان أخيك) فقيل يا رسول
[ 72 ]
الله هذا لعلي خاصة أم للناس عامة؟ فقال (بل الناس عامة) رواه الدارقطني فدل على أن المضمون عنه برئ بالضامن ولذلك صلى الله عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى الامام أحمد في المسند عن جابر قال توفي صاحب لنا فاتينا به النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فخطا خطوة ثم قال (أعليه دين؟) قلنا ديناران فانصرف، فتحملهما أبو قتادة فقال الديناران علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وجب حق الغريم وبرئ الميت منهما؟) قال نعم فصلى عليه ثم قال بعد ذلك (ما فعل الديناران؟) قال انما مات أمس قال فعاد إليه من الفد فقال قد قضيتهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الآن بردت جلدته) وهذا صريح في براءة المضمون عنه لقوله (وبرئ الميت منهما؟) ولانه دين واحد فإذا صار في ذمة نائبة برئت الاولى منه كالمحال به لان الدين الواحد لا يحل في محلين ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) وقوله في خبر أبي قتادة (الآن بردت جلدته) حين أخره أنه قضى دينه ولانها وثيقة فلا تنقل الحق كالشهادة، فأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على المضمون عنه فلانه بالضمان صار له وفاء وانما كان عليه الصلاة والسلام يمتنع من الصلاة على مدين لم يخلف وفاء، وأما قوله لعلى (فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك) فانه كان بحال لا يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم فلما ضمنه فكه من ذلك أو ما في معناه، وقوله (برئ الميت منهما؟) أي صرت أنت المطالب بهما وهذا على وجه التأكيد لثبوت الحق في ذمته ووجوب الاداء عنه بدليل قوله حين أخبره بالقضاء (الآن بردت عليه جلده) وفارق الضمان الحوالة
[ 73 ]
فان الضمان مشتق من الضم بين الذمتين في تعلق الحق بهما وثبوته فيهما والحوالة من التحول فيقتضي تحول الحق عن محله إلى ذمة المحال عليه وقولهم إن الدين الواحد لا يحل محلين قلنا يجوز تعلقه بمحلين على سبيل الاستيثاق كتعلق دين الرهن به وبذمة الراهن كذلك هذا (مسألة) (فان برئت ذمة المضمون عنه برئ الضامن) متى برئت ذمة المضمون بقضاء أو إبراء برئت ذمة الضامن لا نعلم فيه خلافا لانه بيع ولانه وثيقة فإذا برئ الاصل زالت الوثيقة كالرهن (مسأله) (وان برى الضامن أو أقر ببراءته لم يبرأ المضمون عنه لانه أصل فلا يبرأ بابراء التبع ولانه وثيقة انحلت من غير استيفاء الدين منها فلم تبرأ ذمة الاصل كالرهن إذا انفسخ من غير استيفاء وأيهما قضى الحق برئا جميعا من المضمون له لانه حق واحد فإذا استوفي مرة زال تعلقه بهما كما لو استوفي الحق الذي به رهن، وان أحال أحدهما الغريم برئا جميعا لان الحوالة كالقضاء (فصل) ويجوز ان يضمن الحق عن الرجل الواحد اثنان أو اكثر سواء ضمن كل واحد جميعه أو جزأ منه فان ضمن كل واحد منهم جميعه برئ كل واحد منهم بأداء أحدهم وان أبرأ المضمون عنه برئ الجميع لانهم فروع له وان أبرأ أحد الضامنين برئ واحده لانهم غير فروع له فلم يبرؤا ببراءته كالمضمون عنه وان ضمن أحد هم صاحب لم يجز لان الحق ثبت في ذمته بضمانه الاصلى فلا يجوز أن يثبت ثانيا ولانه أصل فيه بالضمان فلا يجوز ان يصير فيه فرعا، ولو تكفل بالرجل الواحد اثنان جازو يجوز أن يكفل كل واحد
[ 74 ]
من الكفيلين صاحبه صاحبه لان الكفالة ببدنه لا بما في ذمته وأي الكفيلين أخضر المكفول به برئ وبرئ صاحبه من الكفالة لانه فرعه ولم يبرأ من احضار المكفول به لانه أصل في ذك وان كفل المكفول به الكفيل لم يجز لانه أصل له في الكفالة فلم يجز أن يصير فرعا فيما كفل به وان كفل به في غيره جاز. (مسألة) (ولو ضمن ذمي لذمي عن ذمي خمرا فأسلم المضمون له أو المضمون عنه برئ هو والضامن معا)
لانه برئ من الخمر الذي ضمن عنه إذ لا يجوز وجوب خمر على مسلم وإذا برئ المضمون عنه برئ الضامن لانه فرعه، وان أسلم المضمون له برئ أيضا لانه ليس للمسلم المطالبة بثمن الخمر لكونه لاقيمة له في الاسلام فان أسلم وحده برئ ولم يبرأ المضمون عنه لانه أصل فلم يبرأ ببراءة فرعه كما لو ابرأه المضمون له (مسألة) (ولا يصح الامن جائز التصرف) لا يصح لا لضمان الاممن يصح تصرفه في ماله رجلا كان أو امرأة لانه عقد يقصد به المال فصح من المرأة كالبيع. (مسألة) (ولا يصح من صبي ولا مجنون ولاسفيه ولامن عبد بغير إذن سيده وعنه يصح ويتبع به بعد العتق وان ضمن باذن سيده صح وهل يتعلق برقبته أو ذمة سيده؟ على روايتين)
[ 75 ]
لا يصح الضمان من مجنون ولا مبرسم ولا صبي غير مميز بغير خلاف لانه ايجاب مال فلم يصح منهم كالنذر والاقرار، ولا يصح من السفيه المحجور عليه وهو قول الشافعي وقال القاضي يصح ويتبع به بعد فك الحجر عنه لان من أصلنا ان اقراره صحيح يتبع به بعد فلك الحجر عنه كذلك ضمانه والاول أولى لانه إيجاب مال بعقد فلم يصح منه كالبيع والشراء وأما الاقرار فلنا فيه منع وان سلم فالفرق بينهما أن الاقرار اخبار بحق سابق وأما الصبي المميز فلا يصح ضمانه وهو قول الشافعي وخرج أصحابنا صحته على الروايتين في صحة اقراره وتصرفه باذن وليه، ولا يصح هذا الجمع لان هذا التزام مال لا فائدة له فيه فلم يصح كالتبرع والنذر بخلاف البيع، وان اختلفا في وقت الضمان بعد بلوغه فقال الصبي قبل بلوغي وقال المضمون له بعد البلوغ فقال القاضي قياس قول أحمد ان القول قول المضمون له لان معه سلامة العقد فأشبه ما لو اختلفا في شرط فاسد ويحتمل أن القول قول الضامن لان الاصل عدم البلوغ وعدم وجوب الحق عليه، وهذا قول الشافعي ولا يشبه هذا ما إذا اختلفا في شرط فاسد لان المختلفين ثم متفقان على أهلية التصرف والظاهر انهما لا يتصرفان الا تصرفا صحيحا فكان قول مدعي الصحة وههنا في اهلية التصرف وليس مع من يدعي اهلية ظاهر يستند
إليه فلم ترجح دعواه، والحكم فيمن عرف له حال جنون كالحكم في الصبي وان لم يعرف له حال
[ 76 ]
جنون فالقول قول المضمون له لان الاصل عدمه، وأما المحجور عليه لفلس فيصح ضمانه ويتبع به بعد فك الحجر عنه لانه من أهل التصرف والحجر عليه في ماله لا في ذمته فهو كتصرف الراهن فيما عدا الرهن، فأما العبد فلا يصح ضمانه بغير اذن سيده سواء كان مأذونا له في التجارة أولا، وبهذا قال ابن أبي ليلى والثوري وابو حنيفة، ويحتمل أن يصح ويتبع به بعد العتق وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لانه من أهل التصرف فصح تصرفه بما لا ضرر فيه على السيد كالاقرار بالاتلاف ولنا انه عقد تضمن إيجاب فلم يصح بغير اذن السيد كالنكاح وقال أبو ثور ان كان من جهه التجارة جاز وإلا لم يجز فان ضمن باذن سيده صح لان سيده لو أذن في التصرف صح قال القاضى وقياس المذهب تعلق المال برقبته لانه دين لزمه بفعله فتعلق برقبته كارش جنايته وقال ابن عقيل ظاهر المذهب وقياسه أنه يتعلق بذمة السيد. وقد ذكر شيخنا هنا روايتين وكذلك ذكره أبو الخطاب كاستدانته باذن سيده ونسذكر ذلك ان شاء الله تعالى، فان أذن له سيده في الضمان ليكون القضاء من
[ 77 ]
المال الذي في يده صح ويكون ما في ذمته متعلقا بالمال الذي ى في يد العبد كتعلق حق الجناية برقبة الجاني كما لو قال الحر لك هذا الدين على أن تأخذ من مالي هذا صح (فصل) ولا يصح ضمان المكاتب بغير اذن سيده كالقن لانه تبرع بالتزام مال أشبه نذر الصدقة بمال معين ويحتمل أن يصح ويتبع به بعد عتقه كقولنا في العبد وإن ضمن باذنه ففيه وجهان (أحدهما لا يصح أيضا لانه ربما أدى إلى تفويت الحرية (والثاني) يصح لان الحق لهما لا يخرج عنهما فأما المريض فان كان مرضه غير مخوف أو لم يتصل به الموت فهو كالصحيح وان كان مرض الموت المخوف فحكم ضمانه حكم تبرعه يحسب من ثلثه لانه تبرع بالتزام مال لا يلزمه ولم يأخذ عنه عوضا أشبه الهبة، وإذا فهمت اشارة الاخرس صح ضمانه لا نه يصح بيعه واقراره وتبرعه أشبه الباطن، ولا يثبت الضمان بكتابته
[ 78 ]
منفردة عن اشارة يفهم بها أنه قصد الضمان لانه قد يكتب عبثا أو تجربة قلم فلم يثبت الضمان به مع الاحتمال ومن لاتفهم اشارته لا يصح مانه لانه لا يدري بضمانه وكذلك سائر تصرفاته (مسألة) (ولا يصح إلا برضى الضامن ولا يعتبر رضى المضمون له ولا المضمون عنه ولا معرفة الضامن لها) لا يصح الضمان الا برضى الضامن فان أكره عليه لم يصح لانه التزام مال فلم يصح بغير رضا الملتزم كالنذر ولا يعتبر رضا المضمون له وقال أبو حنيفة ومحمد يعتبر لانه اثبات مال لآدمي فلم يثبت الا برضاه أو رضا من ينو ب عنه كالبيع والشراء وعن أصحاب الشافعي كالمذهبين ولنا ان أبا قتادة ضمن من غير رضا المضمون له ولا المضمون عنه فأجاره النبئ صلى الله عليه وسلم
[ 79 ]
ولانها وثيقة لا يعتبر فيها قبض فأشبهت الشهادة ولانه ضمان دين فأشبه ضمان بعض الورثة دين الميت للغائب وقد سلموه، ولا يعبر رضى المضمون حديث أبي قتادة، ولا يعتبر أن يعرفهما الضامن وقال القاضي يعتبر معرفتهما لعيلم هل المضمون عنه أهل لا صطناع المعروف إليه أولا وليعرف المضمون له فيؤدي إليه وذكر وجها آخر أنه يعتبر معرفة المضمون له لذلك ولا تعتبر معرفة المضمون عنه لانه لا معاملة بينه وبينه ولا صحاب الشافعي ثلاثة أوجه نحو هذا ولنا حديث علي وأبي قتادة فانهما ضمنا لمن لم يعرفا وعن لم يعرفا ولانه تبرع بالتزام مال فلم تعتبر معرفة من يتبرع له به كالنذر
[ 80 ]
(مسألة) (ولا يعتبر كون الحق معلوما ولا واجبا إذا كان مآله إلى الوجوب فلو قال ضمنت لك ما على فلان أو ما تداينه به صح) يصح ضمان المجهول فمتى قال أنا ضامن لك ما على فلان أو ما تقوم به البينة أو ما يقر به لك أو ما يخرج في روز ما نجك صح الضمان، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وقال الثوري والليث وابن أبى ليلى والشافعي وابن المنذر لا يصح لانه التزام مال فلم يصح مجهولا كالثمن.
ولنا قول الله تعالى (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) وحمل البعير غير معلوم لان حمل البعير مختلف باختلافه وعموم قوله عليه السلام (الزعيم غارم) ولانه التزام حق في الذمه من غير معاوضة فصح في المجهول كالنذر والاقرار ولانه يصح تعليقه بغرر وخطر وهو ضمان العهدة، وإذا قال الق متاعك
[ 81 ]
في البحر وعلي ضمانه أو قال ادفع ثيابك إلى هذا الرقاء وعلي ضمانها فصح في المجهول كالعتق والطلاق (فصل) ويصح ضمان ما لم يجبفلو قال ما أعطيت فلانا فهو علي صح، والخلاف في هذه المسألة كالتي قبلها ودليل القولين ما ذكرنا، قد قال في هذه المسألة الضمان ضم ذمة إلى ذمة في التزام الدين فإذا لم يكن على المضمون عنه شئ لم يوجد ضم ولا يكون ضامنا قلنا: قد ضم ذمته إلى ذمة المضمون عنه في أنه يلزمه ما يلزمه وان ما يثبت مضمونه يثبت في ذمته وهذا كاف وقد سلموا ضمان ما يلقيه في البحر قبل وجوبه بقوله الق مناعك في البحر وعلي ضمانه وسلم أصحاب الشافعي في أحد الوجهين ضمان الجعل في الجعالة قبل العمل وما وجب شئ بعد (مسألة) (ويصح ضمان دين الضامن) نحو أن يضمن الضامن ضامن آخر لانه دين لازم في ذمته فصح ضمانه كسائر الديون ويثبت
[ 82 ]
الحق في ذمم الثلاثة أيهم برئت ذممهم كلها لانه حق واحد فإذا قضي مرة سقط فلم يجب مرة أخرى، وان أبرأ الغريم المضمون عنه الضامنان لانهما فرغ وان أبرئ الضامن الاول برئ الضامنان لذلك ولم يبرأ المضمون عنه لما تقدم وان ابرئ الضامن الثاني برئ وحده، ومتى حصلت براءة الذمة بالابراء فلا رجوع فيها لان الرجوع مع الغرء وليس في الابراء غرم والكفالة كالضمان في هذا المعنى. (فصل) وان ضمن المضمون عنه الضامن أو تكلفل المكفول عنه الكفيل لم يصح لان الضامن يقتضي الزامه الحق في ذمته والحق لازم له فلا يتصور الزامه ثابيا ولانه اصل في الدين فلا يجوز أن يصير فرعا فيه فان ضمن عنه دينا آخر أو تكفل به في حق آخر جاز لعدم ما ذكرنا
(مسألة) (ويصح ضمان دين الميت المفلس وغيره ولا تبرأ ذمته قبل القضاء في أصح الروايتين)
[ 83 ]
يصح الضمان عن كل غريم وجب عليه حق حيا كان أو ميتا مليئا أو مفلسا وبه قال أكثر العلماء وقال أبو حنيفة لا يصح ضمان دين الميت الا ان يخلف وفاء فان خلف بعض الوفاء صح ضمانه بقدر ما خلف لانه دين صاقط فلم يصح ضمانه كما لو سقط بالابراء ولان ذمته قد خربت خرابا لا يعمر بعده فلم يبق فيه دين والضمان ضم ذمة إلى ذمة. ولنا حديث ابي قتادة فانهما ضمنا دين ميت لم يخلف وفاء وقد حضهم النبي صلى الله عليه وسلم على ضمانه في حديث أبى قتادة بقوله (الاقام أحدكم فضمنه) وهذا صريح في المسألة ولانه دين ثابت فصح ضمانه كما لو خلف وفاء. ودليل ثبوته أنه لو تبرع رجل بقضاء دينه جاز لصاحب الحق اقتضاؤه ولو ضمنه حياثم مات لم يبرأ منه الضامن ولو برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمة الضامن وفي هذا انفصال عما ذكروه. وإذا ثبت صحة ضمان دين الميت فان ذمته لا تبرأ من الدين قبل القضاء في احدى
[ 84 ]
الروايتين لقول النبي صلى الله عليه وسلم (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) ولان النبي صلى الله عليه وسلم سأل أبا قتادة عن الدينارين الذين ضمنهما فقال قد قضيتهما فقال (الآن بردت جلدته) رواه الامام أحمد ولانه وثيقة بدين فلم يسقط قبل القضاء كالرهن وكالشهادة والثانية يبرأ بمرجد الضمان نص عليه أحمد في رواية يوسف بن موسى لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة (وبرئ الميت منهما) قال نعم وقد ذكر نا ذلك (فصل) ويصح الضمان في جميع الحقوق المالية الواجبة والتي تؤول إلى الوجوب كثمن المبيع في مدة الخيار وبعده والاجرة والمهر قبل الدخول وبعده ولان هذه الحقوق لازمة وجواز سقوطها لا يمنع صحة ضمانها كالثمن في المبيع بعد انقضاء الخيار يجوز أن يسقط بالرد بالعيب وبالمقايلة وهذا مذهب الشافعي (مسألة) (ويصح ضمان عهدة المبيع عن البائع للمشتري وعن المشتري للبائع) فضمانه على المشتري هوان يضمن الثمن الواجب بالبيع قبل تسليمه، وان ظهر فيه عيب أو استحق رجع بذلك على الضامن
وضمانه عن البائع للمشتري هو أن يضمن عن البائع الثمن متى خرج المبيع متسحقا أو رد بعيب أو أرش العيب، فضمان العهدة في الموضعين هو ضمان الثمن أو جزء منه عن أحدهما للآخر، والعهدة الكتاب الذي تكتب فيه وثيقة البيع ويذكر فيه الثمن فعبر به عن الثمن الذي يضمنه، وممن أجاز ضمان العهدة في الجملة أبو حنيفة ومالك والشافعي ومنع منه بعض أصحابه لكونه ضمان ما لم يجب وضمان مجهول وضمان عين وقد ثبت جواز الضمان في ذلك كله ولان الحاجة تدعوا إلى الوثيقة على البائع، والوثائق ثلاثة الشهادة والرهن والضمان، فأما الشهادة فلا يستوفى منها الحق وأما الرهن فلا يجوز في ذلك بالاجماع لانه يؤدي إلى أن يبقى أبدا مرهونا فلم يبق الا الضمان ولانه لا يضمن الا ما كان واجبا حال العقد ومتى كان كذلك فقد ضمن ما وجب حين العقد والجهالة منتفية لانه ضمن الجملة فإذا خرج بعضه مستحقا لزمه بعض ما ضمنه، إذا ثبت هذا فانه يصح ضمان العهدة عن البائع للمشتري قبل قبض الثمن
[ 85 ]
وبعده. وقال الشافعي انما يصح بعد القبض لانه قبل القبض لو خرج مستحقا لم يجب على البائع شئ وهذا ينبني على ضمان ما لم يجب إذا كان مفضيا إلى الوجوب كالجعالة وسنذكرها، وألفاظ ضمان عهدة المبيع قوله ضمنت عهدته أو تمثه أو دركه أو يقول للمشتري ضمنت خلاصك منه أو متى خرج المبيع مستحقا فقد ضمنت لك الثمن وحكي عن أبي يوسف أنه إذا قال ضمنت عهدته أو ضمنت لك العهدة لم يصح لان العهدة الصك بالابتياع كذا فسره أهل اللغة فلا يصح ضمانه للمشتري لانه ملكه وليس بصحيح لان العهدة في العرف عبارة عن الدرك وضمان الثمن والمطلق يحمل على الاسماء العرفية كالرواية تحمل عند اطلاقها على المزادة لاعلى المحل وان كان الموضوع لغة. فأما ان ضمن له خلاص المبيع فقال أبو بكر هو باطل لانه إذا خرج حرا أو مستحقا لم يستطع تخليصه ولا يحل وقد قال أحمد في رجل باع عبدا أو أمة ومضن له الخلاص فقال كيف يستطيع الخلاص إذا خرج حرا فان ضمن عهدة المبيع وخلاصه بطل في الخلاص، وتنبني صحته في العهدة على تفريق الصفقة. إذا ثبت صحة ضمان العهدة فالكلام فيما يلزم الضامن فنقول استحقاق رجوع المشترى بالثمن إما أن يكون بسبب حادث بعد العقد أو مقارن له فأما الحادث فمثل تلف المكيل والموزون في يد البائع أو بغصب من يده أو يتقايلان
فان المشتري يرجع على البائع دون الضامن لان هذا لم يكن موجودا حال العقد وانما ضمن الاستحقاق الموجود حال العقد ويحتمل أن يرجع به على الضامن لان ضمان ما لم يجب جائز وهذا منه، وأما إن كان بسبب مقارن نظر نا فان كان بسبب لا تفريط من البائع فيه كأخذه بالشفعة فان المشتري يأخذ الثمن من الشفيع ولا يرجع على البائع ولا الضامن ومتى لم يجب على المضمون عنه لم يجب على الضامن بطريق الاولى. فأما ان كان زوال ملكه عن المبيع بسبب مقارن لتفريط من البائع باستحقاق أو حرية أورد بعيب قديم فله الرجوع لعى الضامن وهذا ضمان العهدة، وان أراد اخذ أرش العيب رجع على الضامن أيضا لانه إذا لزمه كل الثمن لزمه بعضه إذا استحق ذلك على المضمون عنه وسواء ظهر
[ 86 ]
كل المبيع متسحقا أو بعضه لانه إذا ظهر بعضه مستحقا بطل العقد في الجميع في احدى الروايتين فقد خرجت العين كلها من يده بسبب الاستحقاق، وعلى الرواية الاخرى يبطل في البعض المستحق وله رد الجميع فان ردها فهو كما لو استحقت كلها وان أمسك بعضها فله المطالبة بالارش كما لو وجدها الكفالة لانه لا يلزم البائع فلا يلزم الكفيل مالا يلزم الاصل، وان ضمن للمشتري قيمة ما يحدث في المبيع من بناء أو غراس صح سواء ضمنه البائع أو أجنبيي فإذا بنى أو غرس فاستحق المبيع رجع المشتري على الضامن بقيمة ما تلف أو نقص وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي لا يصح لانه ضمان مجهول وضمان ما لم يجب وقد بيناه جوازه (مسألة) (ولا يصح ضمان دين الكتابة في أصح الروايتين) وهو قول الشافعي وأكثر أهل العلم والاخرى يصح لانه دين على المكاتب فصح ضمانه كسائر ديونه والاولى أصح لانه ليس بلازم ولا مآله إلى اللزوم لان للمكاتب تعجيز نفسه والامتناع من الاداء فإذا لم يلزم الاصل فالضامن أولى (مسألة) (ولا يصح ضمان الامانات كالوديعة ونحوها الا أن يضمن التعدي فيها) أما الامانات كالوديعة والعين المؤجرة والشركة والمضاربة والعين المدفوعة إلى الخياط والقصار فان ضمنها من غير تعد فيها لم يصح لانها غير مضمونة على صاحب اليد فكذلك على ضامنه وان ضمن
التعدي فيها فظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى صحة ضمانها فانه قال في رواية الاثرم في رجل يتقبل من الناس الثياب فقال له رجل ادفع إليه ثيابك وأنا ضامن فقال هو ضامن لما دفعه إليه يعني إذا تعدى أو تلف بفعله، فعلى هذا ان تلف بغير فعله ولا تفريط منه فلا شئ على الضامن وان تلف بفعله أو تفريط لزمه ضامنه أيضا لانها مضمونة على من هي في يده فهي كالغصوب والعواري وهذا في الحقيقة ضمان ما لم يجب وقد ذكرناه
[ 87 ]
(مسألة) (فأما الاعيان المضمونة كالغصوب والعواري والمقبوض على وجه السوم فيصح ضمانها) وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر لا يصح لان الاعيان غير ثابتة في الذمة فانما يضمن ما يثبت في الذمة ووصفنا لما بالضمان انما معناه أنه يلزم قيمتها عند التلف والقيمة مجهولة ولنا أنها مضمونة على من هي في يده فصح ضمانها كالحقوق الثابتة في الذمة، وقولهم ان الاعيان لا تثبت في الذمة قلنا الضمان في الحقيقة إنما هو ضمان استنقاذها وردها والتزام تحصيلها أو قيمتها عند تلفها وهذا مما يصح ضمانه كعهدة المبيع فانه يصح وهي في الحقيقة التزام رد الثمن أو عوضه إن ظهر بالمبيع عيب أو استحق. (فصل) ويصح ضمان الجعل في الجعالة وفي المسابقة والمناضلة وقال أصحاب الشافعي لا يصح ضمانه في أحد الوجهين لانه لا يؤول إلى اللزوم أشبه مال الكتابة ولنا قول الله تعالى (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) ولانه يؤول إلى اللزوم إذا عمل العمل وانما الذي لا يلزم العمل والمال يللزم بوجوده والضمان للمال دون العمل، ويصح ضمان أرش الجناية سواء كان نقودا كقيم المتلفات أو حيوانا كاليات وقال اصحاب الشافعي لا يصح ضمان الحيوان الواجب فيها لانه مجهول وقد مضى الدليل على صحة ضمان المجهول ولان الابل الواجبة في الدية معلومة الاسنان والعدد وجهالة اللون وغيره من الصفات الباقية لا تضر لانه انما يلزمه أدنى لون وصفة فيحصل معلومه وكذلك غيرها من الحيوان ولان جهل ذلك لا يمنع وجوبه باتلاف فلم يمنع وجوبه بالالتزام ويصح ضمان نفقة الزوجة سواء كانت نفقة يومها أو مستقبلة لان نفقة اليوم واجبة والمستقبلة مآلها
إلى اللزوم ويلزمه ما يلزم الزوج في قياس المذهب، وقال القاضي: إذا ضمن نفقة المستقبل لميلزمه إلا نفقة المعسر لان الزيادة على ذلك تسقط بالاعسار، وهذا مذهب الشافعي على القول الذي قال فيه يصح ضمانها. ولنا أنه يصح ضمان الجعالة والصداق قبل الدخول والمبيع في مدة الخيار. فأما النفقة في الماضي
[ 88 ]
فان كانت واجبة بحكم حاكم أو قلنا بوجوبها بدون حكمه صح ضمانها والا فلا وفي صحة ضمان السلم اختلاف نذكره في بابه. (مسألة) (وان قضى الضامن الدين متبرعا لم يرجع بشئ لانه تطوع بذلك أشبه الصدقة وسواء ضمن باذنه أو بغير إذنه (مسألة) (وان نوى الرجوع وكان الضمان والقضاء بغير اذن المضمون عنه فهل يرجع؟ على روايتين وإن أذن له في أحدهما فله الرجوع بأقل الامرين مما قضى أو قدر الدين) وجملة ذلك أن الضامن متى أدى الدين بينة الرجوع لم يخل من أربعة أقسام (أحدها) أن يضمن باذن المضمون عنه ويؤدي بأمره فانه يرجع عليه سواء قال اضمن عني واد عني أو أطلق، وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد ان قال اضمن عني وانقد عني رجع عليه وان قال انقد هذا لم يرجع عليه الا ان يكون مخالطا له يستقرض منه ويودع عنده لان قوله اضمن عنى وانقد عنى اقراره منه بالحق وإذا أطلق صار كانه قال هب لهذا أو تطوع وإذا كان مخالطاله رجع استحسانا لانه قدر يأمر مخالطه بالنقد عنه ولنا انه ضمن ودفع بامره فأشبه مالو كان مخالطا له أو قال اضمن عني وما ذكراه ليس بصحيح لانه إذا أمره بالضمان لا يكون الا لما هو عليه وأمره بالنقد بعد ذلك ينصرف إلى ما ضمنه بدليل المخالطة له فيجب عليه أداء ما ادى عنه كما لو صحربه (الثاني) ضمن بامره وقضى بغير أمره فله الرجوع أيضا وبه قال مالك والشافعي في أحد الوحوه عنه، والوجه الثاني لا يرجع لانه دفع بغير أمره أشبه مالو تبرع، الوجه الثالث أنه ان تعذر الرجوع
على المضمون عنه فدفع ما عليه رجع وإلا فلا لانه تبرع بالدفع
[ 89 ]
ولنا أنه إذا أذن في الضمان تضمن ذلك اذنه في الاداء لان الضمان يوجب عليه الاداء فرجع عليه كما لو أذن في الاداء صريحا (الثالث) ضمن بغير امره وقضى بامره فله الرجوع أيضا وظاهر مذهب الشافعي أنه لا يرجع لان أمره بالقضاء انصرف إلى ما وجب بضمانه ولنا أنه أدى دينه بامرمه فرجع عليه كما لو لم يكن ضامنا أو كما لو ضمن بامره، قولهم ان إذنه في القضاء انصرف إلى ما وجب بضمانه قلنا والواجب بضمانه انما هو اداء دينه وليس هو شيئا آخر فمتى أداه عنه باذنه لزمه إعطاؤه بدله (الرابع) ضمن بغير أمره وقضى بغير أمره ففيه روايتان (احداهما) يرجع وهو قول مالك وعبيد الله بن الحسن واسحاق (والثانية) لا يرجع بشئ وهو قول أبي حنيفة والشافعي وابن المنذر بدليل حديث علي وأبي قتادة فانهما لو كان يستحقان الرجوع على الميت صار الدين لهما فكانت ذمة الميت مشغولة بدينهما كاشتغالها بدين المضمون له ولم يصل عليه النبي صلى الله عليه وسلم لانه تبرع بذلك أشبه مالو علف دوابه وأطعم عبيده بغير أمره. ووجه الاولى أنه قضاء مبرئ من دين واجب فكان من ضمان من هو عليه كالحاكم إذا قضى عنه عند امتناعه، فاما علي وأبو قتادة فانهما تبرعا بالقضاء والضمان فانهما قضيا دينه قصدا لتبرئة ذمته ليصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع علمهما انه لم يترك وفاءه والمتبرع لا يرجع بشئ وانما الخلاف في المحتسب بالرجوع (فصل) ويرع الضامن على المضمون عنه باقل الامرين مما قضى أو قدر الدين لانه ان كان الاقل الدين فالزائد لم يكن واجبا فهو متبرع به وان كان المقضي أقل فانما يرجع بما غرم ولهذا لو أبرأه غريمه لم يرجع بشئ فان دفع عن الدين عرضا رجع باقل الامرين من قمته أو قدر الدين لما ذكرنا (فصل) ولو كان على رجلين مائة على كل واحد منهما نصفها وكل واحد ضامن عن صاحب ما عليه فضمن آخر عن احدهما المائة بأمره وقضاها سقط الحق عن الجميع وله الرجوع على الذي ضمن عنه ولم ين له أن يرجع على الآخر بشئ في احدى الروايتين لانه لم يفضي عنه ولا اذن له في القضاء
[ 90 ]
فإذا رجع على الذي ضمن رجع على الآخر بنضفها ان كان ضمن عنه باذنه لانه ضمنها عنه باذنه وقضاها ضامنه، والرواية الثانية له الرجوع على الآخر بالمائة لانها وجبت له على من أداها عنه فملك الرجوع بها كالاصل (فصل) وإذا ضمن عن رجل بامره فطولب الضامن فله مطالبة المضمون عنه بتخليصه لانه لزمه الآداء عنه بامره فكانت له المطالبة بتبرئة ذمته وان لم يطالب الضامن لم يملك مطالبه المضمون عنه لانه لما لم يكن له الرجوع بالدين قبل غرامته لم تكن له المطالبة قبل طلبه منه وفيه وجه آخر أن له المطالبة لانه شغل ذمته باذنه فكانت له المطالبة بتفريغها كما لو استعار عبدا فرهنه كان لسيده مطالبته بفكاكه وتفريغه من الرهن والاولى أولى. ويفارق الضمان العارية لان السيد يتضرر بتعويق منافع عبده المستعار فملك المطالبة بما يزيل الضرر عنه والضامن لا يبطل بالضمان شئ من منافعه فاما ان ضمن عنه بغير اذنه لم يملك مطالبة المضمون عنه قبل الآداء بحال لانه لاحق له يطالب به ولا شغل ذمته بأمره فأشبه الاجنبي، وقيل ان ينبني على الروايتين في رجوعه على المضمون عنه بما أدى عنه فان قلنا لا يرجع فلا مطالبة له بحال وان قلنا يرجع فحكمه حكم من ضمن عنه بامره على ما مضى تفصيله (فصل) وان ضمن الضامن آخر فقضى أحدهما الدين برئ الجميع فان قضاه المضمون عنه لم يرجع على أحد وان قضاه الضامن الاول رجع على المضمون عنه دون الضامن الثاني وان قضاه الثاني رجع على الاول ثم رجع الاول على المضمون عنه إذا كان كل واحد منهما قد أذن لصاحبه فان لم يكن اذن له ففي الرجوع روايتان، وان أذن الاول للثاني ولم يأذن المضمون عنه أو أذن المضمون عنه لضامنه ولم يأذن الضامن لضامنه رجع المأذون له على من أذن له ولم يرجع على الآخر على احدي الروايتين فان أذن المضمون عنه للضامن الثاني في الضمان ولم يأذن له الضامن الاول رجع على المضمون عنه ولم يرجع على الضامن لانه انما يرجع على من أذن له دون غيره
[ 91 ]
(فصل) إذا كان له. الف على رجلين على كل واحد مهما نصفه وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه فابرأ الغريم أحدهما من الالف برئ منه ويرئ صاحبه من ضمانه وبقي عليه خمسمائة وان قضاه أحدهما
خمسمائة أو أبرأه الغريم منها وعين القضاء بلفظه أو ببينة عن الاصل أو الضمان انصرف إليه وان أطلق احتمل ان له صرفها إلى ما شاء منهما كمن أخرج زكاة نصاب وله نصابان غائب وحاضر كان له صرفها إلى ما شاء منهما واحتمال أن يكون نصفها عن الاصل ونصفها عن الضمان لان اطلاق القضاء والابراء ينصرف إلى جملة ما في ذمته فيكون بينهما، والمعتبر في القضاء لفظ القاضي ونيته وفي الابراء لفظ المبرئ ونيته ومتى اختلفوا في ذلك فالقول قول من اعتبر لفظه ونيته (فصل) ولو ادعى الفا على حاضر وغائب وان كل واحد منهما ضامن عن صاحبه فاعترف الحاضر بذلك فله أخذ الالف منه فان قدم الغائب فاعترف رجع عليه صاحبه بنصفه وان أنكر فالقول قوله مع يمينه وان كان الحاضر أنكر فالقول قوله مع يمينه، فان قامت عليه بينة فاستوفى الالف منه لم يرجع على الغائب بشئ لانه بانكاره معترف انه لا حق له عليه وانما المدعي ظلمه وان اعترف الغائب وعاد الحاضر عن انكاره فله الاستيفاء منه لانه يدعي عليه حقا يعترف له به فجاز له أخذه، وان لم يقم على الحاضر بينة حلف وبرئ فإذا قدم الغائب فان أنكر وحلف برئ فان اعترف لزمه دفع الالف وقال بعض أصحاب الشافعي لا يلزمه الا خمس المائة الاصيلة دون المضمونة لانها سقطت عن المضمون عنه بيمينه فتسقط عن ضامنه ولنا أنه مقربها وغريمه يدعيها واليمين انما اسقطت المطالبة عنه في الظاهر ولم تسقط عنه الحق الذي في ذمته بدليل أنه لو قامت عليه بينة بعد يمينه لزمه ولزم الضامن (مسألة) (وان أنكر المضمون له القضاء وحلف لم يرجع الضامن على المضمون عنه سواء صدقه أو كذبه)
[ 92 ]
إذا ادعى الضامن انه قضى الدين فأنكر المضمون له ولابينة له فالقول قول المضمون له لانه ادعى تسليم المال إلى من لم يأمنه فكان القول قول المنكر، وله مطالبة الضامن والاصيل فان رجع على المضمون عنه فهل يرجع الضامن بما قضاه عنه؟ ينظر فان لم يعترف له بالقضاء لم يرجع عليه وان اعترف له بالقضاء وكان قد قضى بغير بينة في غيبة المضمون عنه لم يرجع بشئ سواء صدقه المضمون عنه أو كذبه لانه أذن في قضاء مبرئ ولم يوجد، وان قضاه ببينة ثبت بها الحق لكن ان
كانت غائبة أو ميتة فللضامن الرجوع على المضمون عنه لانه معترف أنه ما قصر وما فرط وان قضاه ببينة مردودة بأمر ظاهر كالكفر والفسق الظاهر لم يرجع الضامن لتفريطه لان هذه البينة كعدمها، وان ردت بأمر خفي كالسفق بالباطن أو كانت الشهادة مختلفا فيها مثل أن اشهد عبدين أو شاهدا واحدا فردت لذلك أو كان ميتا أو غائبا احتمل أن يرجع لانه قضى بينة شرعية والجرح والتعديل ليس له واحتمل ان لا يرجع لانه أشهد من لا يثبت الحق بشهادته، وان قضى بغير بينة بحضرة المضمون عنه ففيه وجهان أحدهما يرجع وهو مذهب الشافعي لانه إذا كان حاضرا كان الاحتياط إليه فإذا ترك التحفظ كان التفريط منه دون الضامن والثاني لا يرجع لانه قضى قضاء غير مبرئ فأشبه مالو قضى في غيبته (فصل) فان رجع المضمون له على الضامن فاستوفى منه مرة ثابنة رجع على المضمون عنه بما قضاه ثانيا لانه أبرأ به ذمته ظاهرا قال القاضي ويحتمل أن له الرجوع بالقضاء الاول دون الثاني لان البراءة
[ 93 ]
حصلت به في الباطن، ولا صاحب الشافعي وجهان كهذين ووجه ثالث أنه لا يرجع بشئ بحال لان الاول ما أبرأه ظاهرا والثاني ما أبرأه باطنا ولنا ان الضامن أدى عن المضمون عنه باذنه إذا أبرأه ظاهرا وباطنا فرجع به كما لو قامت به بينة والوجه الاول أرحج لان القضاء المبرئ في الباطن ما أوجب الرجوع فيجب أن يجب بالباقي المبرئ في الظاهر. (مسألة) (وان اعترف المضمون له بالقضاء وأنكر المضمون عنه لم يسمع إنكاره) لان ما في ذمته حق للمضمون له فإذا اعترف بالقبض من الضامن فقد اعترف بأن الحق الذي له صار للضامن فيجب أن يقبل اقراره لكونه اقرارا في حق نفسه وفيه وجه آخر أنه لا يقبل لان الضامن مدع لما يستحق به الرجوع على المضمون عنه وقول المضمون له شهادة على فعل نفسه فلا تقبل والاول أصح وشهادة الانسان على فعل نفسه صحيحه كشهادة المرضعة بالرضاع، وقد ثبت ذلك بخبر عقبة بن الحارث. (مسألة) (وان قضى المؤجل قبل أجله لم يرجع حتى يحل)
لانه لا يجب له أكثر مما كان للغريم ولانه تبرع بالتعجيل، وان أحاله كانت الحوالة بمنزلة تقبيضه ورجع بالاقل مما أحال به أو قدر الدين سواء قبض الغريم من المحال عليه أو ابرأه أو تعذر عليه الاستيفاء لفلس أو مطل لان الحوالة كالاقباض
[ 94 ]
(مسألة) (وان مات الضامن أو المضمون عنه فهل يحل الدين؟ على روايتين وأيهما حل عليه لم يحل على الآخر) وجملة ذلك أنه إذا ضمن دينا مؤجلا فمات أحدهما. إما الضامن أو المضمون عنه فهل يحل الدين على الميت منهما؟ على روايتين يأتي ذكرهما. فان قلنا يحل على الميت لم يحل على الآخر لان الدين لا يحل على شخص بموت غيره. فان كان الميت المضمون عنه لم يستحق مطالبة الضامن قبل الاجل فان قضاه قبل الاجل كان متبرعا بتعجيل القضاء وهل له مطالبة المضمون عنه قبل الاجل؟ يخرج على الروايتين فيمن قضى الدين بغير اذن من هو عليه. وان كان الميت الضامن فاستوفى الغريم من تركته لم يكن لورثته مطالبه المضمون عنه حتى يحل الحق لانه مؤجل عليه فلا يستحق مطالبته قبل أجله وهذا مذهب الشافعي وحكى زفران لهم مطالبته لانه أدخله في ذلك مع علمه أنه يحل بموته ولنا أنه دين مؤجل فلا يجوز مطالبته به قبل الاجل كما لو لم يمت، وقولهم ادخله فيه قلنا انما ادخله في المؤجل وحلوله بسبب من جهته فهو كما لو قضى قبل الاجل (مسألة) (ويصح ضمان الحال مؤجلا وان ضمن المؤجل حالا لم يلزمه قبل أجله في أصح الوجهين)
[ 95 ]
إذا ضمن الدين الحال مؤجلا صح ويكون حالا على المضمون عنه مؤجلا على الضامن يملك مطالبة المضمون عنه دون الضامن، وبه قال الشافعي قال أحمد في رجل ضمن ما على فلان أنه يؤديه في ثلاث سنين فهو عليه ويؤديه كما ضمن، ووجه ذلك ماروى ابن عباس أن رجلا لزم غريما له بعشره دنانير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما عندي شئ أعطيكه فقال والله لا أفارقك حتى تعطيني أو تأتيني بحميل فجره إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (كم تستنظره؟) فقال شهرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(فأنا أحمل؟ فجاءه به في الوقت الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (من ابن أصبت هذا؟) قال من معدن قال (لا خير فيها) وقضاها عنه رواه ابن ماجه ولانه ضمن مالا بعقد مؤجل فكان مؤجلا كالبيع، فان قيل فعندكم الدين الحال لا يتأجل فكبف تأجل على الضامن؟ أم كيف يثبت في ذمة الضامن على غير الوصف الذي يتصف به في ذمة المضمون عنه؟ قلنا الحق يتأجل في ابتداء ثبوته بعقد وهذا ابتداء ثبوته في حق الضامن فانه لم يكن ثابتا عليه حالا ويجوز ان يخالف ما في ذمة الضامن الذي في ذمة المضمون عنه بدليل ما لو مات المضمون عنه والدين مؤجل. إذا ثبت هذا فكان الدين حالا فضمنه إلى شهرين لم يكن له مطالبة الضامن إلى شهر فان قضاه قبل الاجل فله الرجوع به في الحال على الرواية
[ 96 ]
التي تقول إنه إذا قضى دينه بغير إذنه رجع به لان ما فيه ههنا انه قضى بغير اذن وعلى الرواية الاخرى لا يرجع به قبل الاجل لانه لم يأذن له في القضاء قبل ذلك (فصل) فان كان الدين مؤجلا فضمنه حالا لم يصر حالا ولم يلزمه أداؤه قبل أجله لان الضامن فرع للمضمون عنه فلا يلزمه مالا يلزمه ولان المضمون عنه لو ألزم نفسه تعجيل هذا الدين لم يلزمه تعجيله فبأن لا يلزم الضامن أولى ولان الضمان التزام دين في الذمه فلا يجوز أن يلتزم ما يلزم المضمون عنه، فعلى هذا ان قضاه حالا لم يرجع به قبل أجله لان ضمانه لم يغيره عن تأجيله، والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها ان الدين الحال ثابت في الذمة مستحق القضاء في جميع الزمان فإذا ضمنه مؤجلا فقد التزم بعض ما يجب على المضمون عنه فصح كما لو كان الدين عشره فضمن خمسة، وأما الدين المؤجل فلا يستحق قضاءه الاعند أجله فإذا ضمنه حالا التزم ما لم يجب على المضمون عنه أشبه مالو كان الدين عشرة فضمن عشرين، وفيه وجه آخر انه يصح ضمان المؤجل حالا كما يضح ضمان الحال مؤجلا قياسا عليه وقد ذكرنا الفرق بينهما بما يمنع القياس ان شاء الله تعالى (فصل) ولا يدخل الضمان والكفالة خيار لان الخيار جعل ليعرف ما فيه الحظ والضمين والكفيل
[ 97 ]
دخلا على انه لا حظ لهمما ولانه عقد لا يفتقر إلى القبول فلم يدخله خيار كالنذر وبهذا قال أبو حنيفة
والشافعي ولا نعلم فيه خلافا، فان شرط الخيار فيها فقال القاضي عندي أن الكفالة تبطل وهو مذهب الشافعي لانه شرط ينافي مقتضاها ففسدت كمما لو شرط أن لا يؤدى عن الكفول به وذلك لان مقتضى الضمان والكفالة لزوم ما ضمنه أو كفل به والخيار ينافي ذلك ويحتمل أن يبطل الشرط وحده كما قلنا في الشروط الفاسدة في البيع وولو أقرانه كفل بشرط الخيار لزمته الكفالة وبطل الشرط لانه وصل باقراره ما يبطله فأشبه استثناء الكل (فصل) وإذا ضمن رجلان عن رجل الفاضمان اشتراك فقالا ضمنا لك الالف الذي على زيد فكل واحد منهما ضامن لنصفه وان كانوا ثلاثة فكل واحد ضامن ثلثه، فان قال واحد منهم انا وهذان ضامنون لكل الالف فسكت الآخران فعليه ثلث الالف ولا شئ عليهما وان قال كل واحد منهم كل واحد منا ضامن لك الالف فهذا ضمان اشتراك وانفراد وله مطالبة كل وحد منهم بالالف ان شاء وان أدى أحدهم الالف كله أو حصته منه لم يرجع الاعلى المضمون عنه لان كل واحد منهم ضامن أصلي وليس بضامن عن الضامن الآخر
[ 98 ]
(فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (الكفالة التزام احضار المكفول به) وجملة ذلك أن الكفالة بالنفس صحيحة في قول أكثر اهل العلم منهم شريح ومالك والثوري والليث وأبو حنيفة، وقال الشافعي في بعض أقواله الكفالة بالبدن ضعيفة، واختلف أصحابه فمنهم من قال هي صحيحة قولا واحدا وإنما أراد أنها ضعيفة في القياس وإن كانت ثابتة بالاجماع والاثر ومنهم من قال فيها قولان (أحدهما) أنها غير صحيحة لانها كفالة بعين فلم تصح كالكفالة بالوجه وبدن الشاهدين ولنا قوله تعالى (قال لن أرسله معكم حتى تؤنون موثقا من الله لتأتنني به الا ان يحاط بحكم) ولان ما وجب تسليمه بعقد وجب تسليمه بعقد الكفالة كالمال (مسألة) (وتصح ببدن من عليه دين وبالاعيان المضمونة) تصح الكفالة ببدن كل من يلزه الضحور في مجلس الحكم بدين لازم سواء كان معلوما أو كان مجهولا، وقال بعض الشافعية لا يصح ممن عليه دين مجهول لانه قد يتعذر احضار المكفول فيلزمه
الدين ولا يمكنه طلبه منه لجهله ولنا ان الكفالة بالبدن لا بالدين والبدن معلوم فلا تبطل الكفالة لا حتمال عارض ولانا قد
[ 99 ]
ببنا ان الضمان المجهول يصح وهو التزام المال ابتداء فالكفالة التي لا تتعلق بالمال ابتداء اولى، وتصح الكفالة بالصبي والمجنون لانه قد يجب احضارهما مجلس الحاكم للشهاده عليهما بالاتلاف واذن وليعما يقوم مقام اذنهما ويصح ببدن المحبوس والغائب وقال أبو حنيفة لا يصح ولنا ان كل وثيقة صحت مع الحضور صحت مع الغيبة والحبس كالرهن والضمان ولان الحبس لا يمنع من التسليم لكون المحبوس يمكن تسليمه بأمر الحاكم وامر من حبسه ثم يعيده إلى الحبس بالحقين جميعا والغائب يمضي إليه فيحضره ان كانت الغيبة غير منقطعة وهو أن يعلم خبره وان لم يعلم خبره لزمه عليه قاله القاضي وقال في موضع آخر لا يلزمه عليه حتى تمضي مدة يمكنه الرد فيها ولا يفعل وتصح بالاعيان المضمونة كالغصوب والعواري لانه يصح ضمانها وقد ذكرنا صحة ضمانها (مسألة) (ولا يصح ببدن من عليه حد ولا قصاص سواء كان حقا لله تعالى كحد الزنا والسرقة أو لآدمي كحد القذف والقصاص) وهو قول العلماء منهم شريح والحسن واسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي والشافعي في حدود الله تعالى واختلف قوله في حدود الآدمي فقال في موضع لا كفالة في حد ولا لعان وقال
[ 100 ]
في موضع تجوز الكفالة بمن عليه حق أوحد لانه حق لآدمي فصحت الكفالة به كسائر حقوق الآدميين ولنا ما روى عمر وبن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا كفالة في حد) ولانه حد فلم تصح الكفالة فيه كحدود الله تعالى، ولان الكفالة استيثاق والحدود مبناها على الاسقاط والدرء بالشبهات فلا يدخل فيها الاستيثاق ولانه حق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه احضار المكفول به فلا تصح الكفالة بمن هو عليه كحد الزنا (فصل) ولا تجوز الكفالة بالمكاتب من اجل دين الكتابة لان الحضور لا يلزمه فلا تجوز
الكفالة به كدين الكتابة. (مسألة) (ولا يصح بغير معين كأحد هذين) لانه غير معلوم في الحال ولا في المآل فلا يمكن تسليمه (مسألة) (وان كفل بجزء شائع من انسان أو عضو أو كفل بانسان على أنه ان جاء به وإلا فهو كفيل بآخر أو ضامن ما عليه صح في أحد الوجهين) أما إذا قال أنا كفيل بفلان أو بنفسه أو ببدنه أو بوجهه كان كفيلا به فان كفل برأسه أو كبده أو جزء لا تبقى الحياة بدونه أو بجزء شائع منه كثلثه أو ربعه صحت الكفالة لانه لا يمكنه احضار ذلك الا باحضاره كله، وقال القاضي تصح الكفالة ببعض البدن لان مالا يسري إذا حضر به عضو لم يصح كالبيع والاجارة، وان تكفل بعضو تبقى الحياة بعد زواله كاليد والرجل ففيه وجهان: (أحدهما) تصح الكفالة اختاره أبو الخطاب وهو أحد الوحهين لا صحاب الشافعي لانه لا يمكنه احضار هذه الاعضاء على صفتها الا باحضار البدن كله أشبه الكفالة بوجهه ورأسه ولانه حكم يتعلق بالجملة
[ 101 ]
فيثبت حكمه إذا أضيف إلى البعض كالطلاق والعتاق (والثاني) لا يصح لان تسليمه بدون تسليم الجملة ممكن مع بقائها. (فصل) إذا تكفل بانسان على أنه ان جاء به والا فهو كفيل بآخر أو ضامن ما عليه لم يصح عند القاضي فيهما لان الاول مؤقت والثاني معلق على شرط، وقال أبو الخطاب: يصح فيهما لانه ضمان أو كفالة فيصح تعليقه على شرط كضمان العهدة، فان قال ان جئت به في وقت كذا والا فأنا كفيل ببدن فلان أو فأنا ضامن لك المال الذي على فلان أو قال إذا جاء زيد فانا ضامن لك ما عليه أو إذا قدم الحاج فأنا كفيل بفلان أو قال أنا كفيل بفلان شهرا فقال القاضي لا تصح الكفالة، وهو مذهب الشافعي ومحمد ابن الحسن لان ذلك خطر فلم يجز تعليق الضمان والكفالة به كمجئ المطر ولانه اثبات حق لآدمي معين فلم يجز تعليقه على شرط ولا توقيته كالهبة. وقال الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب يصح، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف لانه أضاف الضمان إلى سبب الوجوب فيحب أن يصح كضمان الدرك والاول أقيس.
(فصل) وان قال كفلت ببدن فلا على أن يبرأ فلان الكفيل أو على أن تبرئه من الكفالة لم يصح لانه شرط شرطا لا يلزم الوفاء به فيكون فاسدا وتفسد به الكفالة ويحتمل أن يصح لانه شرط تحويل الوثيقة التي على الكفيل إليه. فعلى هذا لا تلزمه الكفالة الا ان يبرئ المكفول له الكفيل الاول لانه انما كفل بهذا الشرط فلا تثبت كفالته بدون شرطه، وان قال كفلت لك بهذا الغريم على أن تبرئني من الكفالة بفلان أو ضمنت لك هذا الدين بشرط ان تبرئني من ضمان الدين الآخر أو على أن تبرئني من الكفالة بفلان خرج فيه الوجهان أصحهما البطلان لانه شرط فسخ عقد في عقد فلم يصح كالبيع بشرط فسخ سيع آخر وكذلك لو شرط في الكفالة
[ 102 ]
أو الضمان ان يتكفل المكفول به بآخر أو يضمن دينا عليه أو يبيعه شيئا عينه أو يؤجره داره صح لما ذكرنا. (مسألة) (الا برضا الكفيل وفي رضا المكفول به وجهان) يعتبر رضى الكفيل في صحة الكفالة لانه لا يلزمه الحق ابتداء الا برضاه، ولا يعتبر رضا المكفول له لانها وثيقة له لا قبض فيها فصحت من غير رضاه كالشهادة ولانها التزام حق له من غير عوض فلم يعتبر رضاه فيها كالنذر فأما رضا المكفول به ففيه وجهان (أحدهما) لا يعتبر كالضمان (الثاني) يعتبر وهو مذهب الشافعي لان مقصود ها احضاره فإذا تكفل بغير ادنه لم يلزمه الحضور معه ولانه يجعل لنفسه حقا عليه وهو الحضور معه من غير رضاه فلم يجزكما لو ألزمه الدين وفارق الضمان فان الضامن يقضي الحق ولايحتاج إلى المضمون عنه (مسألة) ومتى أحصره وسلمه برئ الا ان يحضره قبل الاجل وفى قبضه ضرر) وجملة ذالك ان الكفالة تصح حالة وموجلة كالضمان فان أطلق انصرف إلى الحلول لان كل عقد يدخله الحلول إذا أطلق اقتضى تكفل حالا كان له مطالبته باحضاره فان احضره وهناك يد حائلة ظالمة لم يبرأ منه ولم يلزم المكفول له تسلمه لانه لا يحصل له غرضه، وان لم تكن يد حائلة لزمه قبوله فان قبله برئ من الكفالة، وقال ابن أبي موسى لا يبرأ حتى يقول قد برئت اليك منه أو قد سلمته اليك أو قد أخرجت نفسي من كفالته، والصحيح الاول لانه عقد على عمل فبرئ منه بالعمل المعقود عليه كالاجارة
فان امتنع من تسلمه برئ لانه أحضره ما يجب تسليمه عند غريمه وطلب منه تسلمه على وجه لا ضرر في قبضه فبرئ منه كالمسلم فيه وقال بعض أصحابنا إذا امتنع من تسلمه أشهد على امتناعه رجلين وبرئ لانه
[ 103 ]
فعل ما وقع العقد على فعله فبرئ منه، وقال القاضي يرفعه إلى الحاكم فيسلمه إليه فان لم يجد حاكما أشهد شاهدين على احضاره، وامتناع المكفول له من قبوله والاول أصح فان مع وجود صاحب الحق لا يلزمه دفعه إلى نائبه كحاكم أو غيره، وان كانت الكفالة مؤجلة لم يلزم احضاره قبل الاجل كالدين المؤجل فإذا حل الاجل فأحضره وسلمه برئ فان أحضر قبل الاجل ولا ضرر في تسلمه لزمه، وان كان فيه ضرر مثل أن تكون حجة الغريم غائبة أو لم يكن يوم مجلس الحاكم والدين مؤجل عليه لا يمكن اتقضاؤه منه أو قد وعده بالانظار في تلك المدة لم يلزمه قبوله كمن سلم المسلم فيه قبل محله أو في غير مكانه. (فصل) وإذا عين في الكفالة تسليمه في مكان فأحضره في غيره لم يبرأ من الكفالة، وبه قال ابو يوسف ومحمد وقال القاضي ان أحضره بمكان آخر من البلد وسلمه برئ من الكفالة وقال بعض أصحابنا متى أحضره في أي مكان كان وفي ذلك الموضع سلطان برئ من الكفالة لكونه لا يمكنه الامتناع من مجلس الحاكم ويمكن اثبات الحجة فيه وقيل ان كان عليه ضرر في إحضاره بمكان آخر لم يبرأ الكفيل إذا أحضره فيه والا برئ كقولنا فيما إذا أحضره قبل الاجل ولاصحاب الشافعي اختلاف على نحو ما ذكرنا ولنا أنه سلم ما شرط تسليمه في مكان في غيره فلم يبرأ كما لو أحضر المسلم فيه في غير الموضع الذي شرطه ولانه قد يسلم في موضع لا يقدر على اثبات الحجة فيه لغيبة شهوده أو غير ذلك وقد يهرب منه ولا يقدر على امساكه ويفارق ما إذا سلمه قبل الاجل فانه عجل الحق قبل أجله فزاده خيرا فمتى لم
[ 104 ]
يكن ضرر وجب قبوله فان وقعت الكفالة مطلقة وجب تسليمه في مكان العقد كالسلم فان سلمه في غيره فهو كتسليمه في غير المكان الذي عينه وان كان المكفول به محبوسا لان ذلك الحبس يمنعه استيفاء
حقه وان كان محبوسا عندا الحاكم فسلمه إليه محبوسا لزمه تسليمه لان حبس الحاكم لا يمنعه استيفاء حقه وإذا طالب الحاكم باحضاره احضره وحكم بينهما ثم يرده إلى الحبس فان توجه عليه حق للمكفول له حبسه بالحق الاول وحق المكفول له (مسألة) (وان مات المكفول به أو تلفت العين بفعل الله تعالى أو سلم نفسه برئ الكفيل) إذا مات المكفول به برئ الكفيل وسقطت الكفالة، وبه قال شريح والشعبي وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة والشافعي ويحتمل أن لا يسقط ويطالب بما عليه وهو قول الحكم ومالك والليث وحكي عن ابن شريح لان الكفيل وثيقة بحق فإذا تعذرت من جهة من عليه الدين استوفي من الوثيقة كالرهن ولانه تعذر احضاره فلزم كفيله ما عليه كما لو غاب ولنا ان الحضور سقط عن المكفول به فبرئ الكفيل كما لو برئ من الدين ولان ما التزمه من أجله سقط عن الاصل فبرئ الفرع كالضامن إذا قضى المضمون عنه الدين أو أبرئ ممن، وفارق ما إذا غاب فان الحضور لم يسقط عنه وفارق الرهن فانه غلق به المال فاستوفى منه وكذلك الحكم ان تلفت المكفول بها بفعل الله تعالى وان سلم المكفول به نفسه برئ الكفيل لانه أتى بما يلزم الكفيل لاجله وهو احضار نفسه فبرئت ذمته كما لو قضى الدين (فصل) وإذا قال الكفيل قد برئ المكفول به من الدين وسقطت الكفالة أو قال لم يكن
[ 105 ]
عليه دين حين كفلته فانكر المكفول له فالقول قوله لان الاصل صحة الكفالة وبقاء الدين وعليه اليمين فان نكل قضي عليه، ويحتمل أن لا يستحلف فيما إذا ادعى الكفيل أنه تكفل بمن لا دين عليه لان الكفيل مكذب لنفسه فيما ادعاه فان من كفل بشخص معترف بدينه في الظاهر والاول أولى لان ما ادعاه محتمل (فصل) وإذا قال المكفول له للكفيل أبرأتك من الكفالة برئ لانه حقه فسقط باسقاطه كالدين، وان قال قد برئت إلي منه أو قد رددته الي برئ أيضا لانه معترف بوفاء الحق فهو كما لو اعترف بذلك في الضمان وكذلك إذا قال له برئت من الدين الذي كفلت به، ويبرأ الكفيل في هذه المواضع دون المكفول به ولا يكون افرارا بقبض الحق فيما إذا قال برئت من الدين الذي كفلت به والاول أصح لانه
يمكن براءته بدون قبض الحق بابراء المستحق أو موت المكفول به فاما ان قال للمكفول به أبر أتك عمالي قبلك من الحق أو برئت من الدين الذي قبلك فانه يبرأ من الحق وتزول الكفالة لانه لفظ يقتضي العموم في كل ما قبله وان قال برئت من الدين الذي كفل به فلان برئ وبرئ كفيله (مسألة) (وان تعذر احضاره مع بقائه لزم الكفيل الدين أو عوض العين) متى تعذر إحضار المكفرل به مع حياته أو امتنع من احضاره لزمه ما عليه وقال أكثرهم لا غرم عليه ولنا عموم قوله عليه الصلاة والسلام (الزعيم غارم) ولانه أحد نوعي الكفالة فوجب بهما الغرم كالكفالة بالمال (مسألة) (وان غاب أمهل الكفيل بقدر ما يمضي فيحضره فان تعذر احضاره ضمن ما عليه) إذا غاب المكفول به أو ارتد ولحق بدار الحرب لم يؤخذ الكفيل بالحق حتى يمضي زمن يمكن المضي فيه واعادته وقال ابن شبرمة يحبس في الحال لان الحق قد توجه عليه. ولنا ان الحق يعتبر في وجوب
[ 106 ]
ادائه امكان التسليم وان كان حالا كالدين فإذا مضت مدة يمكن إحضاره فيها ولم يحضره أو كانت الغيبة منقطعة لا يعلم خبره أو امتنع من احضاره مع امكانه أخذ بما عليه وقال أصحاب الشافعي ان كانت الغيبة منقطعة لا يعلم مكانه لم يطالب الكفيل باحضاره ولم يلزمه شئ وان امتنع من احضاره مع امكانه حبس وقد دللنا على وجوب الغرم في المسألة التي قبلها (فصل) وان (. كفل إلى أجل مجهول لم تصح الكفالة وهذا قول الشافعي لانه ليس له وقت يستحق مطالبته فيه وهكذا الضمان وان جعله إلى الحصاد والجذاذ والعطاء خرج على الوجهين كالاجل في البيع والاولى صحته ههنا لانه تبرع من غير عوض جعل له أجلا لا يمنع من حصول المقصود منه فصح كالنذر وهكذا كل مجهول لا يمنع مقصود الكفالة، وقد روى منها عن أحمد في رجل كفل رجلا وقال ان جئت به في وقت كذا والا فما عليه علي فقال لا ادري ولكن ان قال ساعة كذا لزمه، فنص على تعيين الساعة وتوقف عن تعيين الوقت ولعله أراد وقتا متسعا أو وقت شئ يحدث مثل وقت الحصاد ونحوه، فأما ان قال وقت طلوع الشمس أو نحو ذلك صح وان قال إلى الغد أو إلى شهر
كذا تعلق باوله على ما ذكرنا في السلم. فان تكفل برجل إلى أجل ان جاء به فيه والا لزمه ما عليه صح وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف، وقال محمد بن الحسن والشافعي لا تصح الكفالة ولا يلزمه ما عليه لان هذا تعليق الضمان بخطر فلم يصح كما لو علقه بقدوم زيد ولنا ان هذا موجب الكفالة ومقتضاها فصح اشتراطه كما لو قال ان جئت به في وقت كذا والا فلك حبسي، وميبنى هذا الخلاف ههنا على اخلاف في ان هذا مقتضى الكفالة وقد دللنا عليه (مسألة) (وإذا طالب الكفيل المكفول به بالحضور معه لزمه ذلك ان كانت الكفالة باذنه أو طالبة صاحب الحق باحضاره والا فلا إذا كفل رجلا باذنه احضاره ليسلمه إلى المكفول له لزمه الحضور معه لانه شغل ذمته من
[ 107 ]
أجله اذنه فلزمه تخليصها كما لو استعار عبده فرهنه باذنه فان عليه تخليصه إذا طلبه سيده، وان كانت بغير اذنه فان طلبه المكفول له لزمه الحضور لان حضوره حق للمكفول له وقد استناب الكفيل في ذلك وان لم يطلبه المكفول له لم يلزمه الحضور لانه لم يشغل ذمته وانما الكفيل شغلها باختيار نفسه فلم يجز أن يثبت له بذلك حق على غيره، وان قال له المكفول له احضر كفيلك كان توكيلا في احضاره ولزمه ان يحضر معه كما لو وكل غيره وان قال اخرج من كفالتك احتمل أن يكون توكيلا في إحضاره كاللفظ الاول واحتمل ان يكون مطالبة بالدين الذي عليه فلا يكون توكيلا ولا يلزمه الحضور معه (فصل) وإذا قال رجل لآخر اضمن عن فلان أو اكفل بفلان ففعل كان الضمان والكفالة لازمين للمباشر دون الآمر لانه كفل باختيار نفسه وانما الامر ارشاد وحث على فعل خير فلا يلزمه به شئ (فصل) ولو قال أعط فلانا الفا ففعل لم يرجع على الآمر ولم يكن ذلك كفالة ولا ضمانا الا أن يقول أعط عني وقال أبو حنيفة يرجع عليه إذا كان خليطا له ولنا انه لم يقل أعطه عني فلم يلزمه الضمان كما لو لم يكن خليطا ولا يلزم إذا كان له عليه مال فقال اعط فلانا حيث يلزمه لانه لم يلزمه لا جل هذا القول بل لان عليه حقا يلزمه أداؤه (فصل) ولو تكفل اثنان بواحد صح وأيهم قضى الدين برئ الآخر لما ذكرنا في الضمان وان
سلم المكفول به نفسه برئ كفيلاه وان أحضره أحد الكفيلين لم يبرأ الآخر لان احدى الوثيقتين انحلت من غير استيفاء فلم ننحل الاخرى كما لو أبرأ أحدهما أو انفك أحد الرهنين من غير قضاء الحق بخلاف ما إذا سلم المكفول به نفسه لانه أصل لهما فإذا برئ الاصل مما تكفل به عنه برئ كفيلاه لانهما فرعاه وكل واحد من الكفيلين ليس بفرع للآخر فلم يبرأ يبراءته وكذلك لو أبرأ المكفول به برئ كفيلاه ولو أبرئ أحد الكفيلين وحده لم يبرأ الآخر
[ 108 ]
(مسألة) (ولو تكفل واحد غريمالا ثنين فأبرأه أحدهما أو أحضره عند أحدهما لم يبرأ من الآخر) لان عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة عقدين فقد التزم احضاره عن كل واحد منهما فإذا أحضره عند أحدهما برئ منه كما لو كان في عقدين وكما لو ضمن دينا لرجلين فوفا أحدهما حقه (فصل) وإذا كانت السفينة في البحر وفيها متاع فخيف غرقها فألقى بعض من فيها متاعه في البحر لتخف لم يرجع به على أحد سواء ألقاه محتسبا بالرجوع أو متبرعا لانه اتلف مال نفسه باختياره من غير ضمان، وان قال له بعضهم الق متاعك فألقاه فكذلك لانه لم يكرهه ولا ضمن له فان قال القه وعلي ضمانه فألقاه فعلى القائل الضمان ذكره أبو بكر لان ضمان ما لم يجب صحيح، وان قال القه وأنا وركبان السفينة ضمناء له ففعل فقال أبو بكر يضمنه القائل وحده إلا أن يتطوع بقيتهم، وقال القاضي ان كان ضمان اشتراك فليس عليه الا ضمان حصته ولانه لم يضمن الجميع انما ضمن حصته وأخير عن سائر ركبان السفينة بضمان سائره فلزمه حصته ولم يقبل قوله في حق الباقين وان كان ضمان اشتراك انفرادبان يقول كل واحد منا ضامن لك متاعك أو قيمته لزم القائل ضمان الجميع وسواء قال هذا والباقون يسمعون فسكتوا أو قالوا لا نفعل أولم يسمعوا لان سكوتهم لا يلزمهم به حق (فصل) قال منها سألت أحمد عن رجل له على رجل الف درهم فأقام بها كفيلين كل واحد منهما كفيل ضامن فأيهما شاء أخذه بحقه فأحال رب المال عليه رجلا بحقه فقال يبرأ الكفيلان قال فان مات الذي أحاله عليه بالحق ولم يترك شيئا؟ قال لا شئ له ويذهب الالف
[ 109 ]
باب الشركة الشركة هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف وهي ثابتة بالكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقوله (سبحانه وتعالى فهم شركاء في الثلث) وقال تعالى (وان كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض) الآية والخلطاء هم الشركاء، ومن السنة ما روي ان البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما أن ما كان بنقد فأجيزوه وما كان نسيئة فردوه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (يقول الله عزوجل انا ثالثا الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما) رواه أبو داود وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا) واجمع المسلمون على جواز الشركة في الجملة وانما اختلفوا في أنوع منها نبينهما ان شاء الله تعالى، والشركة نوعان شركة أملاك وشركة عقود وهذا الباب لشركة العقود (مسألة) (وهي على خمسة أضرب أحدها شركة العنان والثاني شركة المضاربة وشركة الوجوه وشركة الابدان وشركة المفاوضة، ولا يصح شئ منها الا من جائز التصرف لانه عقد على التصرف فم يصح من غير جائز التصرف في المال كالبيع (فصل) قال أحمد يشارك اليهودي والنصراني ولكن لا يخلو اليهودي والنصراني بالمال دونه ويكون
[ 110 ]
هو الذي يليه لانه يعمل بالربا وبهذا قال الحسن والثوري، وكره الشافعي مشاركتهم مطلقا لانه روي عن عبد الله بن عباس أنه قال أكره أن يشارك المسلم اليهودي ولا يعرف له مخالف في الصحابة ولان مال اليهودي والنصراني ليس بطيب فانهم يبيعون الخمر ويتعاملون بالربا فكرهت معاملتهم ولنا ما روى الخلال باسناده عن عطاء قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مشاركة اليهودي والنصراني إلا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم ولان العلة في كراهة ما خلوا به معاملتهم بالربا وبيع الخمر والخنزير وهذا منتف فيما حضره المسلم أو وليه وقول ابن عباس محمول على هذا فانه علل بكونهم يربون كذلك رواه الاثرم عن أبي حمزة عن ابن عباس أنه قال لا تشاركن يهوديا ولا نصرانيا ولا
مجوسيا لانهم يربون وان الربا لا يحل وهو قول واحد من الصحابة لم ينتشر بينهم وهم لا يحتجون به وقولهم ان أموالهم غير طيبة لا يصح فان النبي صلى الله عليه وسلم قد عامهم ورهن درعه عند يهودي على شعير أخذه لاهله وأرسل إلى آخر يطلب منه ثوبين إلى الميسرة وأضافه يهودي بخبز وإهالة سنخة ولا يأكل النبي صلى الله عليه وسلم الا الطيب وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم فثمنه حلال لا عتقادهم حله ولهذا قال عمر رضي الله عنه ولو هم بيعها وخذوا أثمانها فاما ما يشتربه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو المضاربة فانه يقع فاسدا وعليه الضمان لان عقد الوكيل يقع للموكل والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير فاشبه شراء الميتة والمعاملة بالربا واما خفي أمره ولم يعلم فهو مباح
[ 111 ]
الاصل فأما المجوسي فان أحمد كره مشاركته ومعاملته لانه يستحل مالا يستحل هذا قال حنبل قال عمي لا يشاركه ولا يضاربه وهذا والله أعلم على سبيل الا ستحباب لترك معاملته والكراهة لمشاركته فان فعل صح لان تصرفه صحيح (فصل) وشركة العنان ان يشترك اثنان بماليهما ليعملا فيه بدنيهما وربحه لهما فينفذ تصرف كل واحد منهما فيهما بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه، وهي جائزة بالاجماع ذكره ابن المنذر وانما اختلف في بعض شروطها واختلف في علة تسميتها بهذا الاسم فقيل سمتيت بذلك لانهما يتساويان في المال واتصرف كالفارسين إذا سويا بين فريسهما وتساويا في السير فانعنا نيهما يكونان سواء وقال الفراء هي مشتقة من عن الشئ إذا عرض يقال عنت الي حاجبها إذا عرضت فسميت الشركة بذلك لان كل واحد منهما عن له أن يشارك صاحبه وقيل هي مشتقة من المعاننة وهي المعارضة يقال عاننت فلانا إذا عارضته بمثل ماله وأفعاله فكل واحد من الشريكين معارض لصاحبه بماله وأفعال وهذا يرجع إلى قول الفراء (مسألة) (ولا تصح الا بشرطين أحدهما ان يكون رأس المال دراهم أو دنانير) ولا خلاف في أنه يجوز أن يجعل رأس المال دراهم أو دنانير إذا كانت غير مغشوشة لانهما قيم الاموال واثمان البياعات والناس يشتركون فيها من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمننا هذا من غير نكير (فصل) ولا تصح بالعروض في ظاهر المذهب نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وحرب
[ 112 ]
وحكاه عنه ابن المنذر وكره ذلك يحيى بن أبي كثير وابن سيرين والثوري والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي لان الشركة إما أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو أثمانها: لا يجوز وقوعها على أعيانها لان الشركة تقتضي الرجوع عند المفاضلة برأس المال أو بمثله وهذه لامثل لها فيرجع عليه وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الاخر فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال وقد تنقص قيمتها فيؤدي إلى أن يشاركه في ثمن ملكه الذي ليس بربح، ولا على قيمتها لان القيمة غير متحققة القدر فيفضي إلى النتازع وقد يقوم الشئ بأكثر من قيمته ولان القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الآخر في العين المملوكة له، ولا يجز وقوعها على أثمانها لانها معدومة حال العقد ولا يملكانها لانه ان أراد ثمنها الذي اشتراها به فقد خرج عن ملكه وصار للبائع وان أراد ثمنها الذي يبيعها به فانها تصير شركة معلقة على شرط وهو بيع الاعيان وهذا لا يجوز، وفيه رواية أخرى ان الشركة والمضاربة تجوز بالعروض ويجعل رأس المال قيمتها وقت العقد قال أحمد إذا اشتركا في العروض يقسم الربح على ما اشترطا وقال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن المضاربة بالمتاع فقال جائز فظاهر هذا صحة الشركة بها اختاره أبو بكر وأبو الخطاب وهو قول مالك وابن ابي ليلى وبه قال في المضاربة طاوس والا وزاعي وحماد بن ابى سليمان لان مقصود الشركة جواز تصرفهما في المالين جميعا وكون ريح المالين بينهما وهو حاصل في العروض كحصوله في الاثمان فيجب ان تصح الشركة والمضاربة بها كالاثمان ويرجع
[ 113 ]
كل واحد منهما عند المفاضلة بقيمة ماله عند العقد كما اننا جعلنا نصاب زكاتها قيمتها، وقال الشافعي ان كانت العروض من ذوات الامثال اشبهت النقود ويرجع عند المفاضلة بمثلها وان لم تكن من ذوات الامثال لم يجز وجها واحدا لانه لا يمكن الرجوع بمثلها، ووجه الاول انه نوع شركة فاستوى فيها ماله مثل من العروض ومالا مثل له كالمضاربة فانه سلم ان المضاربة لا تجوز بشئ من العروض ولانها ليست بنقد فلم تصح الشركة بها كالذي لا مثل له (مسألة) (وهل تصح بالمغشوش والفلوس؟ على وجهين)
اختلف اصحابنا في الشركة بالمغشوش من الاثمان هل تصح؟ على وجهين (احدهما) لا تصح سواء قل الغش أو كثر وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ان كان الغش اقل من النصف جازو ان كثر لم يجز لان الاعتبار بالغالب في كثير من الاصول ولنا انها مشغوشة اشبه مالو كان الغش اكثر ولان قيمتها تزيد وتنقص اشبهت العروض وقولهم الاعتبار بالغالب لا يصح فان الفضة إذا كانت اقل لم يسقط حكمها في الزكاة وكذلك الذهب اللهم إلا ان يكون الغش قليلا لمصلحه النقد كيسير الفضة في الدينار كالحبة ونحوها فلا اعتبار به لانه لا يمكن التحرز منه ولا يؤثر في ربا ولا غيره (والثاني) أن الشركة تصح بناء على صحة الشركة في العروض وقد ذكرنا ذلك، وحكم النقرة في الشركة بها كالحكم في العروض لان قيمتها تزيد وتنقص اشبهت
[ 114 ]
العروض، ولا تصح الشركة بالفولس وبه قال أبو حنيفة والشافعي وابن القاسم صاحب مالك، ويتخرج الجواز إذا كانت نافقة فان احمد قال لاارى السلم في الفلوس لانه يشبه الصرف وهذا قول محمد بن الحسن وابي ثور لانها ثمن فأشبهت الدراهم والدنانير، وفيه وجه آخر ان الشركة تجوز بها على كل حال وان لم تكن نافقة بناء على جواز الشركة بالعروض، ووجه الاول انها تنفق مرة وتكسد اخرى فأشبهت العروض فإذا قلنا بصحة الشركة بها فانها ان كانت نافقة كان رأس المال مثلها وان كانت كاسدة كانت قيمتها كالعروض (فصل) ولا يجوز أن يكون راس مال الشركة مجهولا ولا جزافا لانه لا بد من الرجوع به عند المفاضلة ولا يمكن مع الجهل به ولا يجوز بمال غائب ولا دين لانه لا يمكن التصرف فيه في الحال وهو مقصود الشركة. (مسألة) (الشرط الثاني أن يشرطا لكل واحد منهما جزاء من الربح مشاعا معلوما كالنصف والثلث والربع) لانها أحد أنواع الشركة فاشترط علم نصيب كل واحد منهما من الربح كالمضاربة ويكون الربح بينهما على ما شرطاه سواء شرطا لكل واحد منهما على قدر ماله من الربح أو أقل أو أكثر لان
العمل يستحق به الربح بدليل المضاربة وقد يتفاضلان فيه لقوة أحدهما وحذقه فجاز ان يجعل له حظا
[ 115 ]
من الربح كالمضارب وبهذا قال أبو حنيفة وقال مالك والشافعي من شرط صحتها كون الربح والخسران على قدر المالين لان الربح في هذه الشركة بيع للمال فلا يجوز تغييره بالشرط كالوضيعة ولنا أن العمل مما يستحق به الربح فجاز أن يتفاضلا في الربح مع وجود العمل منهما كالمضاربين لرجل واحد، وذلك أن أحدهما قد يكون أبصر بالتجارة من الآخر وأقوى على العمل فجاز أن يشرط له زيادة في الربح في مقابلة عمل المضارب، وفارق الوضيعة فانها لا تتعلق الا بالمال بدليل المضاربة (مسألة) (وان قالا الربح بيننا فهو بينهما نصفين) لان إضافته اليهما اضافة واحدة من غير ترجيح فاقتضى التسوية كقوله هذه الدار بيني وبينك وكذلك في المضاربة إذا قالا الربح بيننا (مسألة) (فان يذكر الربح لم يصح كالمضاربة) لانه المقصود من الشركة فلا يجوز الاخلال به فعلى هذا يكون الربح بينهما على قدر المالين (مسألة) (وان شرطا لاحدهما جزءا مجهولا لم يصح) لان الجهالة تمنع تسليم الواجب ولا الربح هو المقصود في الشركة فلم يصح مع الجهالة كالثمن والاجرة في الاجارة، وإن قال لك مثل ما شرط لفلان وهما يعلمانه صح وان جهلاه أو أحدهما لم يصح كالثمن في البيع
[ 116 ]
(مسألة) وان شرطا لاحدهما في الشركة والمضاربة دراهم معلومة أو ربح أحد الثوبين لم يصح وجملته أنه متى جعل نصيب أحد الشركاء دراهم معلومة أو جعل مع نصيبه دراهم مثل أن يجعل لنفسه جزءا وعشرة دراهم بطلت الشركة. قال ابن المنذر أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم على ابطال القراض إذا جعل أحدهما لنفسه دراهم معلومة، وبه قال مالك وأبو ثور والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأى، والجواب فيما إذا قال لك نصف الربح الا عشرة دراهم أو نصف الربح وعشرة دراهم كالجواب فيما إذا شرط دراهم مفردة، وانما لم يصح لامرين (أحدهما) انه إذا شرط دراهم
معلومة احتمل أن لا يربح غيرها فيحصل غيرها على جميع الربح واحتمل ان لا يربحها فيأخذ من رأس المال وقد يربح كثيرا فيستضر من شرطت له الدراهم (الثاني) ان حصة العامل ينبغي أن تكون معلومة بالاجزاء لما تعذر كونها معلومة بالقدر فإذا جهلت الاجزاء فسدت كما لو جهل القدر فيما أن يكون معلوما به ولان العامل في المضاربة متى شرط لنفسه دراهم معلومة ربما في طلب الربح لعدم فائدته منه وحصول نفعه لغيره بخلاف ما إذا شرط له جزء من الربح. (فصل) وكذلك الحكم إذا شرط لاحدهما ربح أحد الثوبين أو ربح احدي السفرتين أو ربح تجارته في شهر أوعام بعينه لانه قد يربح في ذلك المعين دون غيره فيختص أحدحما بالربح وهو مخالف لموضوع الشركة ولا نعلم في هذا خلافا وان دفع إليه ألفا مضاربة وقال لك ربح نصفه لم يجز وبهذا قال الشافعي
[ 117 ]
وقال أبو حنيفة وأبو ثور يجوز كما لو قال لك نصف ربحه ولان ربح هو نصف ربحه، ووجه الاول أنه شرط لاحدهما ربح بعض المال دون بعض فلم يجز كما لو قال لك ربح هذه الخمسمائة ولانه يمكن أن يفرد نصف المال فيربح فيه دون النصف الآخر بخلاف نصف الربح فانه لا يؤدي إلى انفراده بربح شئ من المال (مسألة) (وكذلك في المساقاة والمزارعة) قياسا على الشركة (مسألة) (ولا يشترط أن يخطا المالين ولا أن يكونا من جنس واحد) لا يشترط اختلاط المالين في شركة العنان إذا عيناهما أو احضراهما وبه قال أبو حنيفة ومالك الا أن مالكا شرط أن تكون أيدهما عليه بان يجعلاه في حانوت لهما أفي يدو كيلهما وقال الشافعي لا يصح حتى يخلطا المالين لانهما إذا لم يخلطا هما فمال كل واحد منهما يتلف منه دون صاحبه ويزيد له دون صاحبه فلم تنعقد الشركة كما لو كان من المكيل ولنا أنه عقد يقصد به الربح فلم يشترط فيه خلط المال كالمضاربة ولانه عقد على التصرف فلم يشترط فيه خلط المال كالوكالة ولنا على مالك فلم يكن من شزطه ان تكون أيديهما عليه كالوكالة وقولهم إنه يتلف من مال صاحبه أو يزيد على ملك صاحبه بل يتلف من مال لهما وزيادته لهما لان الشركة
اقتضت ثبوت الملك لكل واحد منهكا في نصف مال صاحبه فيكون تلفه منهما وزيادته لهما، وقال أبو حنيفة متى تلف أحد المالين فهو من ضمان صاحبه
[ 118 ]
ولنا أن الوضيعة والضمان احد موجببي الشركة فتعلق بالشريكين كالربح وكما لو اختلطا (فصل) ولا يشترط لصحتها اتفاق المالين في الجنس بل يجوز أن يخرج أحدهما دراهم والآخر دنانير نص عليه أحمد وبه قال الحسن وابن سيرين، وقال الشافعي لا تصح الشركة الا ان يتفقا في مال واحد بناء على أن خلط المالين شرط ولا يمكن الا في المل الواحد ونحن لا تشترط ذلك ولنا انهما من جنس الاثمان فصحت الشركة فيهما كالجنس الواحد، فعلى هذا متى تفاضلا رجع هذا بدنانيره وهذا بدراهمه ثم اقتسما الفضل نص عليه احمد وقال كذا يقول محمد والحسن، وقال القاضي متى أراد المفاضلة قوما المبتاع بنقد البلد وقوما مال الآخر به ويكون التقويم حين صرفا الثمن فيه ولنا ان هذه شركة صحيحة رأس المال فيما الاثمان فيكون الرجوع بجنس رأس المال كما لو كان الجنس واحدا. (فصل) ولا يشترط تساوي المالين في القدر وهو قول الحسن والشعبي والنخعي والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وقال بعض أصحاب الشافعي يشترط ذلك لان صاحب المال القليل ان أخذ نصف الربح أخذ مالا يملكه وان أخذ بقدر ماله أخذ شريكه بعض الربح الحاصل بعمله لاستوائهما في العمل ولنا أنهما مالان من جنس الاثمان فجاز عقد الشركة عليهما كمما لو تساويا (مسألة) (وما يشتريه كل واحد منهما بعد عقد الشركة فهو بينهما)
[ 119 ]
شركة العنان مبنية علنى الوكالة والامانة لان كل واحد منهما بدفع المال إلى صاحبه أمنه وبأذنه له في التصرف وكله ومن شرط صحتها ان يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف فعلى هذا ما يشتريه كل واحد منهما بعد عقد الشركة فهو بينهما لان العقد وقع على ذلك فاما ما يشتريه لنفسه فهو له والقول قوله في ذلك لانه أعلم بنيته
(مسألة) (وان تلف أحد المالين فهو من ضمانهما إذا خلطا المال وان لم يخلط فكذلك) لان العقد اقتضى ان يكون المالان كالمال الواحد فكذك في الضمان كحال الخلطة وقال أبو حنيفة متى تلف احد المالين فهو من ضمان صاحبه وقد ذكرنا ما يدل على خلافه (مسألة) (والوضيعة على قدر المال) الوضعية هي الخسران في الشركة على كل واحد منهما بقدر ماله فان كان متساويا في القدر فالخسران بينهما نصفين وان كان اثلاثا، فالوضيعة اثلاثا قال شيخنا لا نعلم في ذلك خلافا وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وغيرهما، وفي شركة الوجوه تكون الوضيعة على قدر ملكيهما في الشمترى سواء كان الربح بينهما كذلك أو لم يكن وسواء كانت الوضيعة لتلف أو نقصان في الثمن عما اشتريا به أو غير ذلك، والوضيعة في المضاربة على المال خاصة لا شئ على العامل منها لان الوضيعة عبارة عن نقصان رأس المال وهو
[ 120 ]
مختص بملك ربه لا شئ فيه للعامل فيكون نقصه من ماله دون غيره وانما يشتركان فيما يحصل من النماء فأشبه المساقاة والمزارعة فان رب الارض والشجر يشارك العامل فيما يحدث من الزرع والثمر وان تلف الشجر أو هلك شئ من الارض بغرق أو غيره لم يكن على العامل شئ (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (يجوز لكل واحد منما أن يبيع ويشتري ويقبض ويقبض ويطالب بالدين ويخاصم فيه ويحيل ويحتال ويرد بالعيب ويقر به ويفعل كل ما هو من مصلحة تجارتهما) يجوز لكل واحد من الشريكين ان يبيع ويشتري مساومة ومرابحة وتولية ومواضعة كيف رأى المصلحة لان هذه عادة التجار، وله ان يقبض المبيع والثمن ويقبضهما ويخاصم في الدين ويطالب به ويحيل ويحتال ويرد بالعيب فيما وليه أو وليه صاحبه، وله أن يقر به كما يقبل اقرار الوكيل بالعيب على موكله نص عليه احمد وكذلك ان بالثمن أو بعضه أو اجرة المنادي أو الحمال لان هذا من توابع التجارة فهو كتسليم المبيع واداء ثمنه، ويفعل كل ما هو من صملحة التجارة بمطلق الشركة لان مبناها على الوكالة والامانة على ما ذكرنا، فيتصرف كل واحد منهما في المالين بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه، في الاقالة وجهان أصحهما انه لا يملكها لانها ان كانت بيعا فقد أذن له فيه وان كانت فسخا
ففسخ البيع المضر من مصلحة التجارة فملكه كالرد بالعيب والآخر لا يملكها لانها فسخ فلا يدخل في الاذن في التجارة وله ان يستأجر من مال الشركة ويؤجر لان المنافع أجريت مجرى الاعيان فصار كالشراء والبيع وله المطالبة بالاجر لهما وعليهما لان حقوق العقد لا تختص العاقد
[ 121 ]
(فصل) فان ردت السلعة عليه بعيب فله ان يقبلها وان يعطي أرش العيب أو يحط من ثمنه أو يؤخر ثمنه لا جل العيب لان ذلك قد يكون أحظ من الرد (مسألة) (وليس له أن يكانب الرقيق ولا يزوجه ولا يعتقه على مال ولا غيره لان الشركة انعقدت على التجاره وليست هذه الاشياء تجارة سيما تزويج العبد فانه محض ضرر ولا يهب ولا يقرض ولا يحابي لان ذلك ليس بتجارة (مسألة) (ولا يضارب بالمال ولا يأخذ به سفتجة ولا يعطيها الا باذن شريكه) ليس له أن يشارك بمال الشركة ولا يدفعه مضاربة لان ذلك يثبت في المال حقوقا ويستحق ربحه لغيره وليس له ان يخلط مال الشركة بماله ولا مال غيره لانه يتضمن إيجاب حقوق في المال وليس هو من التجارة المأذون فيها، وليس له ان يأخذ بالمال سفتجة ولا يعطيها لان فيه خطرا فان أذن شريكه في ذلك جاز لانه يصير من التجارة المأذون فيها، ومعنى قوله يأخذ به سفتجة أنه يدفع إلى انسان شيئا من مال الشركة ويأخذ منه كتابا إلى بلد آخر ليستوفي منه ذلك المال، ومعنى قوله يعطيها أنه يأخذ من إنسان بضاعة ويعطيه بثمن ذلك كتابا إلى بلد آخر ليستوفي ذلك منه فلا يجوز لان فيه خطرا على المال (مسألة) (وهل له أن يودع أو يبيع نساء أو يبضع أو يوكل فيما يتولى مثله بنفسه أو يرهن أو يرتهن؟ على وجهين)
[ 122 ]
اختلفت الرواية في الايداع والابضاع على روايتين (احداهما) له ذلك لانه عادة التجارو قد تدعوا الحاجة إلى الايداع (والثانية) لا يجوز لانه ليس من الشركة وفيه غرر، والصحيح ان الايداع يجوز عند الحاجة إليه لانه من ضرورة الشركة أشبه دفع المتاع إلى الحمال، وهل له ان يبيع نساء؟ يخرج
على الروايتين في الوكيل والمضارب (احداهما) له ذلك لانه عادة النجار والربح فيه أكثر (والاخرى) لا يجوز لان فيه تغريرا بالمال، فان اشترى شيئا بنقد عنده مثله أو نقدمن غير جنسه أو اشترى شيئا من ذوات الامثال وعنده مثله جاز لانه إذا اشترى بجنس ما اشترى به أو كان عنده عرض فاستدان عرض فالشراء له خاصة وربحه له وضمانه عليه لانه استدانه على مال الشركة وليس له ذلك لما نذكره، قال شييخنا والاولى أنه متى كان عنده من مال الشركة ما يمكنه أداء الثمن منه ببيعه أنه يجوز لانه أمكنه اداء الثمن من مال الشركة أشبه ما لو كان عنده نقد ولان هذا عادة التجار ولا يكمن التحرز عنه وهل له أن يوكل فيما يتولى مثله بنفسه؟ على وجهين بناء على الوكيل وقيل يجوز للشريك التوكيل بخلاف الوكيل لانه لو جاز للوكيل التوكيل لاستفاد بحكم العقد مثل العقد والشريك يستفيد بعقد الشركة ما هو أخص منه ودونه لا التوكيل أخص من عقد الشركة فان وكل أحدهما ملك الاخر عزله لان لكل واحد منهما التصرف في حق صاحبه التوكيل فكذلك بالعزل، وهل لاحدهما ان يرهن أو يرتهن بالدين الذي لهم؟ على وجهين أصحهما ان له ذلك عند الحاجة لان الرهن يراد للايفاء والارتهان يراد
[ 123 ]
للاستيفاء وهو يملك الايفاء والاستيفاء فملك ما يراد لهما، والثاني ليس له ذلك لان فيه خطرا ولا فرق بين ان يكون ممن ولي العقد أو من غيره لكون القبض من حقوق العقد وحقوق العقد لا تختص العاقد فكذلك ما يراد له وهل له السفر؟ فيه وجهان نذكرهما في المضاربة (فصل) فان قال له اعمل برأيك جاز له أن يعمل كل ما نفع في التجارة من الابضاع والمضاربة بالمال والمشاركة به وخلطه بماله والسفر به والايداع والبيع نساء والرهن والارتهان والاقالة ونحو ذلك لانه فوض إليه الرأي في التصرف الذي تقتضيه الشركة فجاز له كل ما هو من التجارة، فاما التمليك بغير عوض كالبهة والحطيطة لغير فائدة والقر والعتق ومكاتبة الرقيق وتزويجهم ونحوه فليس له فعله لانه انما فوض إليه العمل برأيه في التجارة وليس هذا منها (مسألة) (وليس له ان يستدين على مال الشركة فان فعل فهو عليه وربحه له، الا أن بأذن شريكه) إذا استدان على مال الشركة لم يجز له ذلك فان فعل فهو له له ربحه وعليه وضيعته، قال أحمد
في رواية صالح من استدان في المال بوجهه الفا فهو له ربحه له والوضيعة عليه، وقال القاضي إذا استقرض شيئا لزمهما وربحه لهما لانه تمليك مال بمال اشبه الصرف ومنصوص أحمد يخالف هذا لانه أدخل في الشركة أكثر مما رضي الشريك بالمشاركة فيه فلم يجز كما لو ضم إليها الفا من ماله، ويفارق الصرف فانه بيع وإبدال عين بعين فهو كبيع الثياب بالدراهم فان أذن شريكه في ذلك جاز كيقية افعال التجارة المأذون فيها
[ 124 ]
(مسألة) (وان اخر حقه من الدين جاز) إذا كان لهما دين حال فأخر احدهما حصته من الدين جاز وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يجوز ولنا انه اسقط حقه من المطالبة فصح ان ينفرد احدهما به كالابراء (مسألة) (وان تقاسما الدين في الذمة لم يصح) نص عليه في رواية حنبل لان الذمة لا تتكافأ ولا تتعاد ل والقسمة تقتضي التعد يل فاما القسمة بغير تعديل فهي بمنزلة البيع ولايجوز بيع الدين بالدين، فعلى بالدين، فعلى هذا لو تقاسما ثم توى بعض المال رجع الذي توى ماله على الذي لم يتوو به قال ابن سيرين والنخعي ونقل حرب جواز ذلك لان الاختلاف لا يمنع القسمة كاختلاف الاعيان وبه قال الحسن واسحاق، فعلى هذا لا يرجع من توى ماله على من لم يتو إذا أبرأ كل واحد منهما صاحبه وهذا إذا كان في ذمم فاما في ذمة واحدة فلا تمكن القسمة لان القسمة افراز حق ولا يتصور ذلك في ذمة وحدة (مسألة) (وان أبرأ من الدين لزم في حقه دون صاحبه) لانه تبرع فلزم في حقه دون صاحبه كالصدقة (مسألة) (وكذلك ان أقر بمال سواء أقر بعين أو دين) لان شريكه انما أذن في التجارة وليس الاقرار داخلا فيها، وقال القاضي يقبل اقراره على مال الشركة لان للشريك أن يشتري من غير أن يسلم الثمن في المجلس فلو لم يقبل اقراره بالثمن لضاعت أموال الناس وامتنعوا من معاملته ولان ذلك مما يحتاج إليه في البيع أشبه الاقرار بالعيب
[ 125 ]
(مسألة) (وعلى كل واحد منهما ان يتولى ما جرت العادة أن يتولاه من نشر الثوب وطيه وختم الكيس واحرازه) لان اطلاق الاذن يحمل على العرف، والعرف ان هذه الامور يتولاها بنفسه
(فن استأجر من يفعل ذلك فالاجرة عليه) في ماله لانه بذلها عوضا عما يلزمه (وما جرت العادة ان يستنيب فيه) كحمل المتاع ووزن ما ينقل والنداء (فله ان يستأجر من يفعله) من مال القراض لانه العرف (مسألة) (فان فعله ليأخذ أحرته فهل له ذلك؟ على وجهين) أحدهما لا يستحقها نص عليه لانه تبرع بما لم يلزمه فلم يكن له أجر كالمرأة التى تستحق على زوجها خادما إذا خدمت نفسها وفيه وجه آخر ان له الاجرة لانه فعل ما يستحق الاجرة فيه فاستحقها كالاجنبي (فصل) قال المصنف رضي الله عنه (والشروط في الشركة ضربان صحيح مثل أن يشترط أن لا يتجر الافي نوع من المتاع أو بلد بعينه أو لا يبيع الا بنقد معلوم أو لا يسافر بامال أو لا يبيع إلا من فلان أو لا يشتري إلا من فلان) فهذا كله صحيح سواء كان النوع مما يعم وجوده أو لا يعم أو الرجل مما يكثر عنده المتاع أو يقل وبهذا قال أبو حنيفة، وقال مالك والشافعي إذا شرط أن لا يشتري الا من رجل بعينه أو سلعة بعينها أو مالا يعم وجوده كالياقوت الاحمر والخيل البلق لم يصح لانه يفوت مقصود الشركة والمضاربة و هو التقلب وطلب الربح فلم يصح كما لو شرط أن لا يبيع ويشتري الا من فلان أو ان لا يبيع الا بمثل ما اشترى به
[ 126 ]
ولنا أنها شركة خاصة لا تمنع الربح بالكلية نصحت كما لو شرط أن لا يتجر الافي نوع يعم وجوده ولانه عقد ثصح تخصيصه بنوع فصح تخصيصه في رجل بعينه وسلعة بعينها كالوكالة، قولهم إنه يمنع المقصود ممنوع وانما يقلله وتقليله لا يمنع الصحة كتخصيصه بالنوع، ويفارق ما إذا شرط أن لا يبيع الا برأس المال فانه يمنع الربح بالكلية وكذلك إذا قال لا تبع إلا من فلان ولا تشتر إلا منه فانه يمنع الربح أيضا فانه لا يشتري ما باعه الا بدون ثمنه الذي باعه به ولهذا لو قال لا تبع إلا من اشتريت منه لم يصح لذلك (مسألة) (وفساد مثل ان يشترط ما يعود بجهالة الربح أو ضمان المال أو ان عليه من الوضيعة اكثر من قدر ماله أو ان يوليه ما يختار من السلع ويرتفق بها أو ان لا يفسخ الشركة مدة بعبنها، فما يعود بجهالة الربح يفسد به العقد وبخرج في سائرها روايتان)
الشروط الفاسدة في الشركة والمضاربة تنقسم ثلاثة أقسام: (أحدها ما ينافي مقتضى العقد مثل ان يشترط لزوم المضاربة أو ان لا يعز له مدة بيعنها أو ان لا يبيع الا برأس المال أو اقل أو لا يبيع الا ممن اشترى منه أو شرط أن لا يتشري أو لا يبيع أو ان يوليه
[ 127 ]
ما يختار من السلع أو نحو ذلك فهذه شروط فاسدة لانها تفوت المقصود من المضاربة وهو الربح أو تمنع الفسخ الجائز بحكم الاصل. (القسم الثاني) ما يعود بجهالة الربح مثل ان شرط للمضارب جزءا من الربح مجهولا أو ربح أخد الكيسين أو احد الالفين أو احد العبدين أو احد السفرتين أو ما يريج في هذا الشهر أو ان حق أحدهما في عبد يشتريه أو يشرط لاحدهما دراهم معلومة بجميع حقه أو ببعضه فهذه شروط فاسدة لانها تفضي إلى جهل حق كل واحد منهما من الربح أو إلى فواته بالكلية ومن شرط المضاربة والشركة كون الربح معلوما. (القسم الثالث) اشتراط ما ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه مثل ان يشترط على المضارب المضاربة له في مال آخر أو يأخذه بضاعة أو قرضنا أو أن يخدمه في شئ بعينه أو يرتفق ببعض السلع مثل ان يلبس الثوب أو يستخدم العبد أو يشرط على المضارب ضمان المال أو سهما من الوضيعة أو انه متى باع السلعة فهو أحق بها بالثمن أو شرط المضارب على رب المال شيئا من ذلك، فهذه كلها شروط فاسدة وقد ذكرنا بعضها في غير هذا الموضع معللا، ومتى اشترط شرطا فاسدا يعود بجهالة الربح فسدت المضاربة والشركة لان الفساد لمعنى في العوض المعقود عليه فأسد العقد كما لو جعل رأس المال خمرا أو خنزيرا ولان لجهالة تمنع من التسليم فيفضي إلى التنازع والاختلاف ولا يعلم ما يدفعه إلى المضارب، وما عدا هذا من الشروط الفاسدة فالمنصوص عن احمد في اظهر الروايتين عته ان العقد صحيح ذكره عنه الاثرم وغيره ولانه
[ 128 ]
عقد يصح على مجهول فل تبطله الشروط الفاسدة كالنكاح والعتاق، وفيه رواية أخرى أن العقد يبطل ذكرها القاضي وأبو الخطاب لانه شرط فاسد فأبطل العقد كالمزارعة إذا شرط البذر من العامل وكالشروط
الفاسدة في البيع، ودليل فساد هذه الشروط انها ليست من مصلحة العقد ولا يقتضيها العقد فان مقصوده الربح فكيف يقتضي الضمان ولا يقتضي مدة معينة؟ لانه جائز (مسألة) (وإذا فسد العقد قسم الربح على قدر المالين) لان التصرف صحيح لكونه باذن رب المال والوضيعة عليه لان كل عقد لا ضمان في صحيحه لا ضمان في فاسده ويقسم الربح على قدر المالين لانه نماء المال ويرجع كل واحد منهما على الآخر بأجرة عمله يسقط منها أجرة عمله في ماله ويرجع على الآخر بقدر ما بقي له فان تساويا مالاهما وعملهما فقاص الدينان واقتسما الربح نصفين وان فضل أحدهما صاحبه يقاص دين القليل بمثله ويرجع على الآخر بالفضل والوجه الثاني ذكر الشريف أبو جعفر انهما يقتسان الربح على ما شرطاه لانه عقد يجوز ان يكون عوضه مجهولا فوجب المسمى في فاسده كالنكاح (فصل) والشركة من العقود الجائزة تبطل بموت أحد الشريكين وجنونه والحجر عليه للسفه بالفسخ من أحدهما لانه عقد جائز فبطل بذلك كالوكالة وان عزل أحدهما صاحبه انعزل المعزول فلم يكن له أن يتصرف الا في قدر نصيبه، وللعازل التصرف في الجميع لان المعزول لم يرجع عن اذنه
[ 129 ]
هذا إذا نض المال وان كان عرضا فذكر القاضي ان ظاهر كلام أحمد أنه لا ينعزل بالعزل وله التصردف حتى ينض المال كالمضارب إذا عزله رب المال، وينبغي ان يكون له التصرف بالبيع دون المعاوضة بسلعة أخرى أو التصرف بغير ما ينض به المال، وذكر أبو الخطاب انه ينعزل مطلقا وهو مذهب الشافعي قياسا على الوكالة، فعلى هذا ان اتفقا على البيع أو القسمة فعلا وإن طلب أحدهما القسمة والآخر البيع قسم ولم يبع، فان قيل أليس إذا فسخ رب المال المضاربة فطلب العامل البيع أجيب إليه؟ فالجواب أن حق العامل في الربح ولا يظهر الا بالبيع فاستحقه العامل لو قوف حصول حقه عليه، وفي مسئلتنا ما يحصل من الربح يستدركه كل واحد منهما في نصيبه من المتاع فلم يجبر عى البيع، قال شيخنا وهذا انما يصح إذا كان الربح على قدر المالين أما إذا زاد ربح أحدهما عن ماله فانه لا يستدرك ربحه بالقسمة فيتعين البيع كالمضاربة.
(فصل) إذا مات أحد الشريكين وله وارث رشيد فله ان يقيم على الشركة ويأذن له الشريك في التصرف لان هذا إتمام للشركة وليس بابتدائها فلا يتعتبر شروطها، وله المطالبة بالقسمة فان كان موليا عليه قام وليه مقامه في ذلك الا انه لا يفعل الا ما فيه المصلحة للمولي عليه، فان كان الميت قد وصى بمال الشركة أو ببعضه لمعين فالموصى له كالوارث فيما ذكرنا وان وصى به لغير معين كالفقراء لم يجز للوصي الاذن في التصرف لانه قد وجب دفعه إليهم فيعزل نصيبه ويفرقه عليهم فان كان على الميت دين تعلق بتركته فليس للوارث امضاء الشركة حتى يقضي دينه فان قضاه من غير مال الشركة فله الاتمام وان قضاه منه بطلت الشركة في قدر ما قضى.
[ 130 ]
(فصل) قال رضي الله عنه (الثاني المضاربة وهي أن يدفع ماله إلى آخر يتجر فيه والربح بينهما) فاهل العراق يسمونه مضاربة مأخوذة من الضرب في الارض وهو السفر فيها للتجارة قال الله تعالى (وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله) ويحتمل ان يكون من ضرب كل واحد منهما بسهم في الربح ويسميه اهل الحجاز القراض، قيل هو مشتق من الفطع يفال قرض الفأر الثوب إذا قطعه فكأن صاحب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها إلى العامل واقتطع له قطعة من الربح، وقيل اشتقاقه من الساواة والموازنة يقال تقارض الشاعران إذا وازن كل واحد منهما الآخر بشعره وههنا من العامل العمل ومن الآخر المال فتوازنا، وينعقد بلفظ المضاربة والقراض وبكل ما يؤدي معناهما لان القصد المعنى فجاز بكل ما دل عليه كالوكالة وهي مجمع على جوازها في الجملة. وذكره ابن المنذر روي وعن حميد بن عبد الله عن ابيه عن جده ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه اعطاه مال يتيم مضاربة يعمل به في العراق، وروي مالك عن زيد بن أسلم عن أببه ان عبد الله وعبيد الله ابي عمر بن الخطاب خرجا في حيش إلى العراق فتسلفا من أبي موسى مالا وابتاعا به متاعا وقد ما به إلى المدينة فباعاه وربحا فيه فأراد عمر اخذ رأس المال والربح كله فقالا لو تلف كان ضامنه علينا فلم يكون ربحه لنا؟ فقال رجل يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا؟ قال قد جعلته وأخذ منهما نصف الربح، وهذا يدل على جواز القراض وعن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أن عثمان قارضه وعن قتادة
[ 131 ]
عن الحسن أن عليا قال إذا خالف المضارب فلا ضمان هما على ما شرطا وعن ابن مسعود وحكيم بن حزام انهما قارضا ولم يعرف لهم في الصحابة مخالف فكان اجماعا ولان بالناس حاجة إلى المضاربة فان الدراهم الدنانير لا تنمي الا بالتقليب والتجارة وليس كل من يملكها يحسن التجارة ولا كل من يحسن التجاره له مال فاحتيج إليها من الجانبين فشرعت لدفع الحاجتين (فصل) ومن شرط صحتها تقدير نصيب العامل لانه يستحقه بالشرط فلم يقدر الا به، فلو قال خذ هذا المال مضاربه ولم يذكر سهم العامل فالربح كله لرب المال والوضيعة عليه وللعامل أجر مثله نص عليه احمد وهو قول الثوري والشافعي واسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي، وقال الحسن وابن سيرين والاوزاعي الربح بينهما نصفين كما لو قال والربح بيننا فانه يكون بينهما نصفين كذا هذا، ولنا أن المضارب انما يستحق بالشرط ولم يوجد وقوله مضاربة اقتضى ان له جزءا من الرب مجهولا فلم تصح المضاربة كما لو قال ولك جزء من الربح، فاما إذا قال الربح بيننا فان المضاربة تصح وتكون بينهما نصفين لانه أضافه اليهما اضافة واحدة فلم يترجح أحدهما على الآخر فاقتضى التسوية كما لو قال هذه الدار بيني وبينك (مسألة) (فان قال خذه فاتجر به والربح كله لي فهو ابضاع) لانه قرن به حكم الابضاع فانصرف إليه (مسألة) (وان قال والربح كله لك فهو قرض) لاقراض لان قوله خذه فاتجر به يصلح لهما
[ 132 ]
وقد قرن به حكم القرض فانصرف إليه وان قال مع ذلك فلا ضمان عليك فهو قرض شرط فيه نفي الضمان فلا ينتفي شرطه كما لو صرح به فقال خذ هذا قرضا ولا ضمان عليك (مسألة) (وان قال خذه مضاربة والربح كله لك أولي لم يصح) وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا قال والربح كله لي كان إبضاعا صحيحا لانه أثبت له حكم الابضاع فانصرف إليه كما لو قال اتجر به الربح كله لي، وقال مالك يكون مضاربة صحيحة في الصورتين لانهما دخلا في القراض فإذا شرطه لا حدهما فكأنه وهب الآخر نصيبه فلم يمنع صحة العقد ولنا ان المضاربة تقتضي كون الربح بينهما فإذا شرط اختصاص أحدهما الربح فقد شرط ما ينافي
مقتضى العقد ففسد كما لو شرط الربح كله في شركة العنان لاحدهما، ويفارق ما إذا لم يقل مضاربة لان اللفظ يصلح لما أثبت حكمه من الابضاع والقرض بخلاف ما إذا صرح بالمضاربة وما ذكره مالك لا يصح لان الهبة لا تصح قبل وجود الموهوب (مسألة) (ولو قال لك ثلث الربح صح والباقي لرب المال) إذا قدر نصيب العامل فقال لك ثلث الربح أو ربعه أو جزء معلوم صح والباقي لرب المال لانه يستحق الربح بماله لكونه نماؤه وفرعه والعامل يأخذ بالشرط فما له استحقه وما بقي فلرب المال بحكم الاصل (مسألة) (وان قال ولي ثلث الربح ولم يذكر نصيب العامل ففيه وجهان)
[ 133 ]
أحدهما لا يصح لان العامل انما يستحق بالشرط ولم يشرط له شئ فتكون المضاربة (فاسدة) والثاني يصح ويكون الباقي للعامل وهو قول أبي ثور وأصحاب الراي لان الربح لا يستحقه غيرهما فإذا قدر نصيب أحدهما منه فالباقي للآخر بمفهوم اللفظ كما علم ذلك من قوله تعالى (وورثه أبواه فلامه الثلث) ولم يذكر نصيب الاب فعلم ان الباقي له لانه لو قال أوصيت بهذه المائة لزيد وعمرو ونصيب زيد منها ثلاثون كان الباقي لعمر وكذا ههنا وهي أصح (فصل) فان قال لي النصف ولك الثلث وسكت عن الباقي صح وكان لرب المال لانه لو سكت عن جميع الباقي بعد جزء العامل كان لرب المال فكذا إذا ذكر البعض وترك البعض، وان قال خذه مضاربة عليالثلث أو قال بالثلث صح وكان تقدير النصيب للعامل لان الشرط يراد لاجله لان رب المال يستحق بماله لا بالشرط والعامل يستحق بالعمل وهو يقل ويكثر وإنما تتقدر حصته بالشرط فكان الشرط له وهو مذهب الشافعي (مسألة) (وان اختلفا في الجزء المشروط فهو للعامل قليلا كان أو كثيرا) لما ذكرنا واليمين على مدعيه لانه يحتمل خلاف ما قاله فيجب اليمين لنفي الاحتمال كما يجب على النمكر لنفي ما يدعيه المدعي (فصل) وان قال خذه مضاربة ولك ثلث الربح وثلث ما بقي صح وله خمسة اسباع الربح لان
[ 134 ]
هذا معناه وان قال لك ثلث الربح وربع وما بقي فله النصف وان قال لك ربع الربح وربع ما بقي فله ثلاثة أثمان ونصف ثمن، وسواء عرفا الحساب أو جهلاه لان ذلك أجزاء معلومة مقدرة أشبه مالو شرط الخمسين ومذهب الشافعي في هذا الفعل كمذهبنا (فصل) ويجوز أن يدفع مالا إلى اثنين مضاربة في عقد واحد فان شرط لهما جزءا من الربح بينهما نصفين صح وان قال لك كذا وكذا من الربح ولم يبين كيف هو بينهما فهو بينهما نصفان لان اطلاق قوله لكما يقتضي التسوية كما لو قال لعامله الربح بيننا، وان شرط لاحدهما ثلث الربح وللآخر ربعه والباقي له جاز وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا يجوز لانهما في العمل بابدانهما فلم يجز تفاضلهما في الربح كشريكي الابدان ولنا ان عقد الواحد مع الاثنين عقدان فجاز ان يشترط في أحدهما أكثر من الآخر كما لو انفردا ولانهما يستحقان بالعمل وهما يتفاضلان فجاز تفاضلهما في العوض كالاجيرين، وشركة الا بدان كمسئلتنا لا يجب التساوى فيها ثم الفرق بينهما ان ذاك عقد واحد وهذا عقدان (فصل) وان قارض اثنان واحدا بالف لهما جاز فان شرطا له ربحا متساويا منها جازوكذلك ان بشرط أحدهما له النصف والآخر الثلث ويكون باقي ربح مال كل واحد منهما له، وان شرطا كون الباقي من الربح بينهما نصفين لم يجز وهذا مذهب الشافعي وكلام القاضي يقتضي جوازه وحكي عن أبي حنيفة وأبى ثور
[ 135 ]
ولنا أن احدهما يحصل له من ربح ماله النصف والآخر الثلثان فإذا شرط التساوي فقد شرط أحدهما للآخر جزءا من ربح ماله بغير عمل فلم يجز كما لو شرط ربح ماله المنفرد (فصل) إذا شرطا جزءا من الربح لغير العامل نظرت فان شرطاه لعبد أحدهما أو لعبد يهما صح وكان مشروطا لسيده فإذا جعالا الربح بينهما وبين عبد أحدهما اثلاثا كان لصاحب العبد الثالثان وللآخر الثلث وان شرطاه لاجبني أو لولد أحدهما أو امرأنه أو قريبه وشرطا عليه عملا مع العامل صح وكانا عاملين وان لم يشرطا عليه عملا لم تصح المضاربة وبه قال الشافعي، وحكي عن
أصحاب الرأي انه يصح، والجزء المشروط له لرب المال سواء شرط لقريب العامل أو قريب رب المال أو لاجنبي لان العامل لا يستحق الا ما يشترط له ورب المال يستحق الربح بحكم الاصل والاجنبي لا يستحق شيئا لان الربح انما يستحق بمال أو عمل وليس له واحد منهما وما شرط لا يستحقه فرجع إلى رب المال كما لو ترك ذكره ولنا أنه شرط فاسد يعود إلى الربح فسد به العقد كما لو شرط دارهم معلومة وان قال لك الثلثان على أن تعطي امرأتك نصفه فكذلك لانه شرط في الربح شرطا لا يلزم فكان فاسدا والحكم في الشركة كالحكم في المضاربة فيما ذكرنا
[ 136 ]
(فصل) وحكم المضاربة حكم الشركة فيما للعامل أن يفعله أو لا يعله وفيما يلزمه فعله وفي الشروط كلما جاز للشريك عمله جاز للمضارب وما منع منه المضارب وما اختلف فيه ثم فههنا مثله، وما جاز أن يكون رأس مال الشركة جاز أن يكون رأس مال المضاربة مالا يجوز ثم لا يجوز ههنا على ما فصلناه لانها في معناها (مسألة) (وإذا فسدت فالربح لرب المال وللعامل الاجرة وعنه له الاقل من الاجرة أو ما شرط له من الربح) الكلام في المضاربة الفاسدة في فصول ثلاثة (أحدها) أنه إذا تصرف العامل نفذ تصرفه لانه إذ فيه رب المال فإذا بطل عقد المضاربة بقي الاذن فملك به التصرف كالوكيل، فان قيل فلو اشترى الرجل شراء فاسدا ثم تصرف فيه لم ينفذ مع ان البائع قد اذن له في التصرف؟ قلنا لان المشتري يتصرف من جهة الملك لا بالاذن فان اذن البائع كان على انه ملك المأذون له فإذا لم يملك لم يصح وههنا اذن له رب المال في التصرف في ملك نفسه وما شرط من الشرط الفاسد فليس بمشروط في مقابلة الاذن لانه اذن له في تصرف ما يقع له (الفصل الثاني) ان الربح جميعه لرب المال لانه نماء ماله وانما يستحق العامل بالشرط فإذا فسدت المضاربة فسد الشرط فلم يستحق به شيئا ولكن له أجر مثله نص عليه وهو مذهب الشافعي واختار الشريف أبو جعفر ان الربح بينهما على ما شرط له واحتج بما روي عن احمد انه قال إذا اشتركا قي العروض قسم الربح على ما شرطا قال وهذه شركة فاسدة واحتج بانه عقد يصح مع الجهالة
[ 137 ]
فيثبت المسمى في فاسده كالنكاح قال والاجرله وجعل احكامها كاحكام الصحيحة وقد ذكرنا ذلك قال القاضي أبو يعلى والمذهب ما حكينا وكلام احمد محمول على انه صحح الشركة بالعروض، وحكي عن مالك انه يرجع إلى قراض المثل وحكي عنه إن لم يربح فلا اجر له، ومقتضى هذا أنه ان ربح فله الاقل مما شرط له أو اجر مثله وعن احمد مثل ذلك لان الاجرة ان كانت اكثر فقد رضي باسقاط الزائد منها عن المسمى لرضائه به وان كانت اقل لم يستحق اكثر منها لفساد التسمية بفساد العقد لانه لو استحق اجر المثل لتوسل إلى فساد العقد وادى إلى الخسران والمشهور الاول لان تسمية الربح من توابع المضاربة أو ركن من اركانها فإذا فسدت فسدت اركانها وتوابعها كالصلاه، ونمنع وجوب المسمى في النكاح الفاسد وإذا لم يجب له المسمى وجب اجر المثل لانه إنما عمل ليأخذ المسمى فإذا لم يحصل له وجب رد عمله إليه وهو متعذر فتجب قبمته وهي اجر مثله كمما لو تبايعا فاسدا و تقابضا وتلف احد العوضين في يد قابضه وجب رد بدله، فعلى هذا له أجر المثل سواء ظهر في المال ربح أو لم يظر فان رضي المضارب بالعمل بغير عوض مثل ان يقول قارضتك والربح كله لي فالصحيح أنه لا شئ للمضارب ههنا لانه تبعر بعمله أشبه مالو أعانه في شئ أو توكل له بغير جعل أو اخذ له بضاعة (الفصل الثالث) ان لا يضمن ما تلف بغير تعديه وتفريطه لان ما كان المقبوض في صحيحه
[ 138 ]
مضمونا كان مضمونا في فاسده وما لم يضمن في صحيحه لم يضمن في فاسده، وبهذا قال الشافعي وقال أبو يوسف ومحمد يضمن ولنا أنه عقد لا يضمن ما قبضه في صحيحه فلا يضمن في فاسده كالو كالة ولانها إذا فسدت صارت اجارة ولا يضمن الاجير ما تلف بغير فعله ولا تعديه كذلك ههنا (مسألة) (وإن شرطا تأقيت المضاربة فهل تفسد ء على روايتين) وتأقيتها ان يقول ضاربتك على هذه الدراهم سنة فإذا مضت السنة فلا تبع ولا تشتر (احداهما) يصح قال منها سألت أحمد عن رجل أعطى رجلا الفا مضاربة شهرا فإذا مضى شهر تكون قرضا قال لا بأس به قلت فإذا جاء الشهر وهي متاع قال إذا باع المتاع يكون قرضا وهذا قول أبي حنيفة (والثانية)
لا يصح وهو قول الشافعي ومالك واختيار أبي حفص العكبري لامور ثلاثة (أحدها) أنه عقد يقع مطلقا فإذا شرط قطعه لم يصح كالنكاح (الثاني) أنه ليس من مقتضى العقد ولا فيه له مصلحه أشبه إذا شرط ان لا يبيع، وبيان أنه ليس من مقتضى العقد أنه يقتضي ان يكون رأس المال ناضا فإذا منعه البيع لم ينض (الثالث) أن هذا يؤدي إلى ضرر بالعامل لانه قد يكون الربح والخط في تبقية المتاع وبيعه بعد السنة فيمنتع ذلك بمضيها ولنا أنه تصرف يتوقت بنوع والمتاع فجاز توقيته في الزمان كالوكالة والمعني الاول الذي ذكره
[ 139 ]
يبطل بالوكالة والوديعة والناني والثالث يبطل. بتخصيصه بنوع من المتاع ولان لرب المال منعه من التصرف في كل وقت إذا رضي ان يأخذ بماله عرضا فإذا شرط ذلك فقد شرط ما هو من مقتضى العقد فصح كما لو قال إذا انقضت النسة فلا تشتر شيئا وقد سلموا صحة ذلك (مسألة) (وان قال بع هذا العرض وضارب بثمنه أو اقبض وديعتي وضارب بها أو إذا قدم الحاج فضارب بهذا صح في قولهم جميعا ويكون وكيلا في بيع العرض وقبض الوديعة مأذونا له في التصرف مؤتمنا عليه فجاز جعله مضاربة كمما لو قال اقبض المال من غلامي فضارب به، وأما إذا قال إذا قدم الحاج فضارب بهذا صح) لانه اذن في التصرف فجاز تعليقه على شرط مستقبل كالوكالة (فصل) فان كان في يد انسان وديعة فقاله له رب الوديعة ضارب بها صح وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وقال الحسن لا يجوز حتى يقبضها منه ققياسا على الدين ولنا أن الوديعة ملك رب المال فجاز أن يضاربه عليها كما لو كانت حاضرة فقال قارضتك على هذه الالف فارق الدين فانه لا يصير ملكا للغريم الا بقبضه، فأما ان كانت الوديعة قد تلفت بتفر بطله وصارت في الذمة لم يجز ان يضارب عليها لما نذكره
[ 140 ]
(فصل) ولو كان له في يد غيره مال مغصوب فضارب الغاصب به صح لانه مال لرب المال يصح بيعه لغاصبه ولمن يقدر على أخذه منه فأشبه الوديعة فإذا ضارب به سقط ضمان الغصب لعقد المضاربة
وهو قول ابي حنيفة وقال القاضي لا يزول ضمان الغصب الا بدفعه ثمنا وهو مذهب الشافعي لان القراض لاينا في الضمان بدليل مالو تعدى فيه ولنا انه ممسك للمال باذن مالك لا يختص بنفعه ولم يتعد فيه فاشبه مالو قبضه وقبضه اياه (مسألة) (وان قال ضارب بالدين الذي عليك لم يصح) نص عليه احمد وهو قول اكثر اهل العلم قال ابن المنذر اجمع كل من نحفظ عنه من اهل العلم انه لا يجوز ان يجعل الرجل دينا له على رجل مضاربة وممن حفظنا ذلك عنه عطاء والحكم وحماد ومالك والثوري واسحاق وابو ثور واصحاب الراي پوبه قال الشافعي، وقال بعض اصحابنا يحتمل ان يصح لانه إذا اشترى شيئا للمضاربة فقد اشتراه باذن رب المال ودفع الثمن إلى من اذن له في دفع ثمنه إليه فتبرأ ذمته منه ويصير كما لو دفع إليه عرضا وقال به وضارب بثمنه وجعل اصحاب الشافعي مكان هذا الاحتمال ان الشراء لرب المال وللمضارب اجر مثله
[ 141 ]
لانه علقه على شرط، ولا يصح عندهم تعليق القراض بشرط والمذهب الاول لان المال الذي في يدي من عليه الذين له وانما يصير لغريمه بقبضه ولم يوجد القبض ههنا، فان قال له اعزل المال الذي لي عليك وقد قارضتك عليه ففعل واشترى بعين ذلك المال شيئا للمضاربة وقع الشراء له لانه اشترى لغيره بمال نفسه فحصل الشراء له وان اشترى في ذمته فكذلك لانه عقد القراض على مالا يملكه وعلقه على شرط لا يملك به المال (فصل) ومن شرط صحة المضاربة كون راس المال معلوم المقدار فان كان مجهولا أو جزافا لم تصح وان شاهدا وبهدا قال الشافعي وقال أبو ثور واصحاب الراي تصح إذا شاهداه والقول قول العامل مع يمينه في قدره لانه امين رب المال والقول قوله فيما في يده فقام ذلك مقام المعرفة به ولنا أنه مجهول فلم تصح المضاربة به كما لو لم يشاهداه ولانه لا يدري بكم يرجع عند المفاضلة ويقضي إلى المنازعة والاختلاف في مقداره فلم تصح كما لو كان في الكيس وما ذكروه بيطل بالسلم وبما إذا لم يشاهده (فصل) ولو احضر كيسين في كل واحد منهما مال معلوم المقدار وقال قارضتك على احدهما
لم يصح سواء تساوى ما فيهما أو اختلف لانه عقد تمنع صحته الجهالة فلم يجز على غير معين كالبيع (مسألة) (وان أخرج مالا ليعمل فيه هو وآخر والربح بينهما صح) ذكره الخرقي ونص عليه احمد في رواية ابي الحارث وتكون مضاربة لان غير صاحب المال يستحق المشروط له من الربح
[ 142 ]
بعمله في مال غيره وهذا حقيقة المضاربة، وقال أبو عبد الله بن حامد والقاضي وأبو الخطاب إذا شرط أن يعمل معه رب المال لم يصح وهذا مذهب مالك والشافعي والاوزاعي وأصحاب الرأي وأبي ثور وابن المنذر قال: ولا تصح المضاربة حتى يسلم المال إلى العامل ويخلي بينه وبينه لان المضاربة تقتضي تسليم المال إلى المضارب فإذا شرط عليه العمل فيه فلم يسلمه فيخالف موضوعها وتاول القاضي كلام احمد والخرقي على أن رب المال عمل فيه من غير اشتراط والاول أظهر لان العمل أحد ركني المضاربة فجاز أن ينفرد به أحدهما مع وجود الامرين من الآخر كالمال وقولهم ان المضاربة تقتضي تسليم المال إلى العامل ممنوع انما تقتضي اطلاق التصرف في مال غيره بجزء مشاع من ربحه وهذا حاصل مع اشتراكهما في العمل ولهذا لو دفع ماله إلى اثنين مضاربة صح ولم يصحل تسليمه إلى أحدهما (فصل) وان شرط أن يعمل معه غلام رب المال صح وهذا ظاهر كلام الشافعي وقول أكثر أصحابه ومنعه وبعضهم وهو قول القاضي لان يد الغلام كيد سيده وقال أبو الخطاب فيه وجهان احدهما الجواز لان عمل الغلام مال ليسده فصح ضمه إليه كما يصح ان يضم إليه بهيمته يحمل عليها والثاني لا يجوز لان يد العبد كيد سيده (فصل) وان اشترك مالان ببدن صاحب احدهما فهذا يجمع شركة ومضاربة وهو صحيح، فلو كان بين رجلين ثلاثة ألاف درهم لاحدهما الف وللآخر الفان فاذن صاحب الالفين لصاحب الالف
[ 143 ]
أن يتصرف فيه على أن يكون الربح يبنهما نصفين صح ويكون لصاحب الالف ثلث الربح بحق ماله والقاي وهو ثلثا الربح بينهما لصاحب الالفين ثلاثة أربعاعها وللعامل ربعه وذلك لانه جعل له نصف الربح فجعلناه ستة أسهم منها ثلاثة للعامل حصة ماله سهمان وسهم يستحقه بعمله في مال
شريكه، وحصة مال شريكه أربعة أسهم للعامل سهم وهو الربع، فان قيل فكيف تجوز المضاربة وراس المال مشاع قلنا إنما تنمنع الاشاعة الجواز إذا كانت مع غير العامل لانها تنمعه من التصرف بخلاف ما إذا كانت مع العامل فانها لا تمنعه من التصرف فلا تمنع صحة المضاربة وان شرط للعامل ثلث الربح فقط فمال صاحبه بضاعة في يده وليست مضاربة لان المضاربة انما تحصل إذا كان الربح بينهما فاما إذا قال ربح مالك لك وربح مالي لي فقبل الآخر كان إبضاعا لا غير وبهذا كله قال الشافعي وقال مالك لا يجوز ان يضم إلى القراض شركة كما لا يجوز ان يضم إليه عقد إجاوة. ولنا انهما لم يجعلا أحد العقد ين شرطا للآخر فلم يمنع من جمعهما كما لو كان المال متميزا (فصل) إذا دفع إليه الفا مضاربة وقال أضف إليه الفامن عندك واتجر بهما والربح بيننا لك ثلثاه ولي ثلثه جاز وكان شركة وقراضا وقال أصحاب الشافعي لا يجوز لان الشركة إذا وقعت على المال كان الربح تابعا له دون العمل ولنا أنهما تساويا في المال وانفرد احدهما بالعمل فجاز أن ينفرد بزيادة الربح كما لو لم يكن له
[ 144 ]
مال قولهم ان الربح تابع للمال وحده ممنوع بل تابع لهما كما أنه حاصل بهما فان شرط غير العامل لنفسه ثلثي الربح لم يجز، وقال القاضي يجوز بناء على جواز تفاضلهما في شركة العنان ولنا أنه شرط لنفسه جزء من الربح لا مقابل له فلم يصح كما لو شرط ربح مال العامل المنفرد، وفارق شركة العنان لان فيها عملا منهما فجاز أن يتفاضلا في الربح لتفاضلهما في العمل بخلاف مسئلتنا وان جعلا الربح بينهما نصفين ولم يقولا مضاربة جاز وكان ابضاعا كما تقدم وان قالا مضاربة فسد العقد لما ذكرنا (فصل) وقد ذكرنا ان حكم المضاربة حكم الشركة فيما للعامل ان يفعله أو لا يفعله والذي اختلف فيه في حق الشريك فكذلك في حق عامل المضاربة وهل له أن يبيع نساء إذا لم ينه عنه؟ فيه روايتان احداهما) ليس له ذلك وبه قال مالك وابن ابي ليلى والشافعي لانه نائب في البيع فلم يجز له ذلك بغير إذن كالوكيل، يحقق ذلك ان النائب لا يجوز له التصرف الا على وجه الحظ والاحتياط وفي النسيئة تغرير
بالمال والثانية يجوز له ذلك وهو قول أبي حنيفة واختيار ابن عقيل لان اذنه في التجارة والمضاربة ينصرف إلى التجاره والمتعادة وهذا عادة التجار ولانه يقصد به الربح والربح في النساء أكثر والحكم في الوكالة ممنوع، ثم الفرق بين الوكالة المطلقة والمضاربة ان الوكالة المقصود منها تصحيل الثمن فحسب ولا تختص بقصد الربح فإذا أمكن تحصيله من غير خطر كان أولى ولان الوكالة المطلقة في البيع
[ 145 ]
تدل على ان حاجة الموكل إلى الثمن ناجزة فلم يجز تأخيره بخلاف المضاربة، فان قال له اعمل برأيك أو تصرف كيف شئت فله البيع نساء وقال الشافعي ليس له ذلك لان فيه تغريرا أشبه مالو لم يقل له ذلك ولنا أنه داخل في عموم لفظه وقرينة حاله تدل على رضاه برأيه في صفات البيع وفي أنواع التجارة وهذا منها فإذا قلنا له البيع نساء فالبيع صحيح ومنهما فات من الثمن لا يضمنه الا أن يفرط ببيع من لا يوثق به أو من لا يعرفه فيضمن الثمن المنكسر على المشتري وان قلنا ليس له البيع نساء فالبيع باطل لانه فعل ما لم يؤذن له فيه فهو كالبيع من الاجنبي إلا على الرواية التى تقول يقف بيع الاجنبي على الاجارة فههنا مثله، ويحتمل كلام الخرقي صحة البيع فانه قال إذا باع المضارب نساء بغير إذن ضمن ولم يذكر فساد البيع وعلى كل حال يلزم العامل الضمان لان ذهاب الثمن حصل بتفريطه وان قلنا بفساد البيع ضمن المبيع بقيمته إذا تعذر عليه استرجاعه بتلف المبيع أو امتناع المشتري من رده إليه وان قلنا بصحته احتمل أن يضمنه بقيمته أيضا لانه لم يفت بالبيع أكثر منها ولا ينحفظ بتركه سواها وزيادة الثمن حصلت بتفريطه فلا يضمنها واحتمل ان يضمن الثمن لانه وجب البيع وفات بتفريط البائع، فعلى هذا ان نقص عن القيمة فقد انتقل الوجوب إليه بدليل أنه لو حصل الثمن لم يضمن شيئا
[ 146 ]
(فصل) وهل له السفر بالمال؟ فيه وجهان (أحدهما) ليس له ذلك وهو مذهب الشافعي لان في السفر تغريرا بالمال وخطرا ولهذا يروى: ان المسافر وما معه على قلت الا ما وقى الله. أي هلاك ولا يجوز له التعزير بالمال بغير إذن مالكه (والثاني) له السفر إذا لم يكن مخوفا قال القاضي قياس المذهب
جوازه بناء على السفر بالوديعة وهو قول مالك وحكي عن أبي حنيفة لان الاذن المطلق ينصرف إلى ما جرت به العادة والعادة جارية بالتجارة سفرا أو حضرا ولان المضاربة مشتقة من الضرب في الارض فملك ذلك بمطلقها وهذان الوجهان في المطلق، فاما ان أذن فيه أو نهى عنه أو وجدت قرينة دالة على أحد الامرين تعين ذلك وجاز مع الاذن وحرم مع النبي، وليس له السفر في موضع مخوف على كلا الوجهين وكذلك لو أذن له في السفر مطلقا لم يكن له السفر في طريق مخوف ولا إلى بلد مخوف فان فعل فهو ضامن لما يتلف لانه تعدى بفعل ما ليس له فعله (فصل) وليس للمضارب البيع بدون ثمن المثل ولا ان يشتري بأكثر منه مما لا يتغابن الناس بمثله فان فعل فقد روي عن أحمد أن البيع يصح ويضمن النقص كالو كيل ولان الضرر ينجبر بضمان النقص، قال شيخنا والقياس بطلان البيع وهو مذهب الشافعي لانه بيع لم يؤذن فيه اشبه بيع الاجنبي، فعلى هذا ان تعذر رد المبيع ضمن النقص أيضا وان أمكن رده وجب ان كان باقيا أو
[ 147 ]
قيمته ان تلف ولرب المال مطالبة من شاء من العامل والمشتري فان أخذ من المشتري قيمته رجع المشتري على العامل بالثمن وان رجع على العامل بقيمته رجع العامل على المشتري بها ورد عليه الثمن لان التف حصل في يده اما ما يتغابن الناس بمثله فلا يمنع منه لانه لا يمكن التحر ز منه واما إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل بعين المال فهو كالبيع وان اشترى في الذمة لزم العامل دون رب المال الا أن يجبزه فيكون له هذا ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي ان أطلق اشراء ولم يذكر رب المال فكذلك وإن صرح للبائع اني اشتريه لفلان فالبيع باطل أيضا (فصل) وهل له ان يبيع ويشتري بغير نفد البلد؟ على روايتين اصحهما جوازه اذار أي المصلحة فيه والربح حاصل به كما يجوز ان يبيع عرضا بعرض ويشتريه به فان قلنا لا يملك ذلك ففعل فحكمه حكم ما لو اشترى أو باع بغير ثمن المثل، وان قال اعمل برأيك فله ذلك وهل له المزارعة يحتمل ان لا يملكها لان المضاربة لا يفهم من الاقها المزارعة وقد روي عن احمد رحمه الله فيمن دفع إلى رجل الفاو قال اتجر فيها بما شئت فزرع زرعا فربح فيه فالمضاربة جائزة والربح بينهما قال
القاضي ظاهر هذا ان قوله اتجر بما شئت دخلت فيه المزارعة لانها من الوجوه التي بيتغى بها النماء فعلى هذا لو توى المال في المزارعة لم يلزمه ضمانه
[ 148 ]
(فصل) وله ان يشتري المعيب إذا رأى المصلحة فيه لان المقصود الربح وقد يكون الربح في المعيب فان اشتراه يظنه سليمان فبان معيبا فله فعل ما يرى فيه المصلحة من رده أو إمساكه وأخذ الارش فان اختف العامل ورب المال في الرد فطلبه أحدهما وأباه الآخر فعل ما فيه النظر والخط لان المقصود تحصيله فيحمل الامر على ما فيه الحظ، وأما الشريكان إذا اختلفا في رد المعيب فلطالب الرد رد نصيبه وللآخر إمساك نصيبه الا أن لا يعلم البائع ان التسراء لهما فلا يلزمه قبول رد بعضه لان ظاهر الحال ان العقد لمن وليه فلم يجز إدخال الضرر على البائع بتبعيض الصفقة عليه، ولو أراد الذي ولي العقد رد بعض المبيع وإمساك البعض فان حمه حكم مالو أراد شريكه ذلك على ما فصلناه (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (وليس للعامل شراء من يعتق على رب المال) لان فيه ضررا ولانه لا حظ للتجارة فيه فان اشتراه باذن رب المال صح لانه صح شراؤه بنفسه فإذا أذن لغيره فيه جازو يعتق عليه وتنفسخ المضاربة في قدر ثمنه، وان كان في المال ربح رجع العامل بحصته منه فان كان بغير إذن رب المال احتمل أن لا يصح الشراء إذا كان الثمن عينا لان العامل اشترى ما ليس له ان يشتريه فهو كما لو اشترى شيئا بأكثر من ثمنه ولان الاذن في المضاربة إنما ينصرف إلى ما يمكن بيعه والربح فيه وليس هذا كذلك، وان كان اشتراه في الذمة وقع الشراء للعاقد وليس له دفع الثمن مال المضاربة فان فعل ضمن وهذا قول الشافعي وأكثر الفقهاء، وقال القاضي ظاهر كلام أحمد صحة الشراء
[ 149 ]
لانه مال متقوم قابل للعقود فصح شراؤه كما لو شاترى من نذرب المال عتقه ويعتق على رب المال ونتفسخ المضاربة فيه ويلزم العامل الضمان على ظاهر كلام أحمد علم بذلك أو جهل لان مال المضاربة تلف بسببه، ولا فرق في الاتلاف الموجب للضمان بين العلم والجهل ويضمن قيمته في أحد الوجهين لان الملك ثبت فيه ثم تلف اشبه مالو أتلفه بفعله والثاني يضمن الثمن الذي اشتراه به لان التفر يط منه حصل
بالشراء وبذل الثمن فيما يتلف بالشراء فكان عليه ضمان ما فرط فيه ومتى ظهر في المال ربح فللعامل حصته منه وقال أبو بكر ان لم يعلم العامل أنه يعتق على رب المال لم يضمن لان التلف حصل لمعنى في المبيع لم يعلم به فلم يضمن كما لو اشترى معيبا لم يعلم عبيه فتلف به قال ويتوجه أن لا يضمن وإن علم (مسألة) (وإن اشترى امرأته صح وانفسخ نكاحهما) لانه ملكها فان كان قبل الدخول فهل يلزم الزوج نصف الصداق؟ فيه وجهان يذكران فيما بعد إن شاء الله تعالى، فان قلنا يلزمه رجع به على العامل لانه سبب تقريره عليه فرجع عليه كما لو أفسدت امرأه نكاحه بالرضاع، وإن اشترى زوج ربة المال صح وانفسخ النكاح لانها ملكت زوجها. وهذا قول أبي حنيفة وقال الشافعي لا يصح الشراء إلا أن يكون باذنها لان الاذن إنما يتناول شراء مالها فيه حظ وهذا الشراء يضربها لانه يفسخ نكاحها وتسقط حصتها من النفقة والكسوة فلم يصح كشراء أبيها ولنا انه اشترى ما يمكن طلب الربح فيه فجاز كما لو اشترى أجنبيا ولا ضمان على العامل فيما
[ 150 ]
يفوت من المهر ويسقط من النفقة لان ذلك لا يعود إلى المضاربة وانما هو بسبب آخر ولا فرق بين شرائه في الذمة أو بعين المال. (فصل) وان اشترى المأذون له من يعتق على رب المال باذنه صح وعتق فان كان على المأذون له دين يستغرق قيمته وما في يديه وقلنا يتعلق الدين برقبته فعليه دفع قيمة العبد الذي عتق إلى الغرماء لانه الذي أتلف عليهم بالعتق وان نهاه عن الشراء فالشراء باطل لانه يملكه بالاذن وقد زال بالنهي وان أطلق الاذن فقال أبو الخطاب يصح شراؤه لان من يصح أن يشتريه السيد صح شراء المأذون له كالأجنبي وهذا قول أبي حنيفة إذا أذن له في التجارة ولم يدفع إليه مالا وقال القاضي لا يصح لان فيه اتلافا على السيد فان إذنه يتناول ما فيه حظ فلا يدخل فيه الاتلاف، وفارق عامل المضاربة لانه يضمن القيمة فيزول الضرر وللشافعي قولان كالوجهين، وان اشترى امرأة رب المال أو زوج ربة المال فهل يصح؟ على وجهين أيضا كشراء من يعتق بالشراء (مسألة) (وان اشترى المضارب من يعتق عليه صح الشراء)
فان لم يظهر في المال ربح لم يعتق منه شئ وان ظهر فيه ربح ففيه وجهان مبنيان على العامل متى يملك الربح؟ فان قلنا يملكه بالقسيمة لم يعتق منه شئ لانه مالكه وان قلنا يملكه بالظهور ففيه وجهان: (أحدهما) لا يعتق وهو قول أبى بكر لانه لم يتم ملكه عليه لكون الربح وقاية لرأس المال فلم يعتق
[ 151 ]
لذلك (والثاني) يعتق بقدر حصته من الربح ان كان معسرا ويقوم عليه باقيه ان كان موسرا لانه ملكه بفعله فعتق عليه كما لو اشتراه بماله وهذا قول الفاضي ومذهب أصحاب أبي حنيفة لكن عندهم يستسعى في بقيته ان كان معسرا ولنا رواية كقولهم وان اشتراه ولم يظهر ربح ثم ظهر بعد ذلك والعبد باق في التجارة فهو كما لو كان الربح ظاهرا وقت الشراء وقال الشافعي إن اشتراه بعد ظهور الربح لم يصح في أحد الوجهين لانه يودي إلى أن ينجر العامل حقه قبل رب المال ولنا انهما شريكان فصح شراء كل واحد منهما من يعتق عليه كشريكي العنان (فصل) وليس للمضارب أن يشتري بأكثر من رأس المال لان الاذن ما تناول أكثر منه فإذا كان رأس المال ألفا فاشتري عبدا بألف ثم اشترى عبدا آخر بعين الالف فالشراء فاسد لانه اشترى بمال يستحق تسليمه في البيع الاول، وإن اشتراه في ذمته صح الشراء والعبد له لانه اشترى في ذمته لغيره بغير إذنه في شرائه فوقع له وهل يقف على إجازة رب المال؟ على روايتين ومذهب الشافعي كنحو ما ذكرنا (فصل) وليس للمضارب وطئ أمة المضاربة سواء ظهر ربح أو لا فان فعل فعليه المهر والتعزير وان علقت منه ولم يظهر في المال ربح فولده رقيق لانها علقت منه في غير ملك ولا شبهة ملك ولا تصير أم ولد له لذلك وان ظهر في المال ربح فالولد حر وتصير أم ولد له وعليه قيمتها ونحو ذلك قال سفيان واسحاق وقال القاضي إن لم يظهر ريح فعليه الحد لانه وطئ في غير ملك ولا شبهة ملك والمنصوص
[ 152 ]
عن احمد أن عليه التعزير فقط لان ظهور الربح ينبني على التقويم وهو غير متحقق لاحتمال أن السلع تساوي أكثر مما قزمت به فيكون ذلك شبهة في درء الحد فانه يدرأ بالشبهات (فصل) وليس لرب المال وطئ الامة أيضا لانه ينقصها إن كانت بكرا ويعرضها للخروج من
المضاربة والتلف فان فعل فلا حد عليه لانها ملكه فان أحبلها صارت أم ولد له وولده حر لذلك وتخرج من المضاربة وتحسب قيمتها ويضاف إليها بقية المال فان كان فيه ربح فللعامل حصته منه وليس لواحد منهما تزويج الامة لانه ينقصها ولا مكاتبة العبد لذلك وان اتفقا عليه جاز لان الحق لهما (فصل) وليس للمضارب دفع المال مضاربة بغير اذن نص عليه احمد في رواية الاثرم وحرب وعبد الله، وخرج القاضي وجهين في جواز ذلك بناء على توكيل الوكيل ولا يصح هذا التخريج والقياس لانه انما دفع إليه المال ههنا ليضارب به ودفعه إلى غيره مضاربة يخرجه عن كونه مضاربا له بخلاف الوكيل ولان هذا يوجب في المال حقا لغيره ولا يجوز ايجاب حق في مال انسان بغير اذنه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا يعلم عن غير هم خلافهم فان فعل فلم يتلف المال ولا ظهر فيه ربح رده إلى مالكه ولا شئ له ولا عليه وإن تلف أو ربح فيه فقال الشريف أبو جعفر هو في الضمان والتصرف كالغاصب ولرب المال مطالبة ومن شاء منهما برد المال إن كان باقيا وبزد بدله إن تلف أو تعذر رده فان طالب الاول وضمنه قيمة التلف ولم يكن الثاني علم الحال لم يرجع عليه بشئ لانه دفعه إليه على
[ 153 ]
وجه الامانة وإن علم رجع عليه لانه قبض مال غيره على سبيل العدوان وقد تلف تحت يده فاستقر عليه ضمانه وإن ضمن الثاني مع علمه بالحال لم يرجع على الاول وإن لم يعلم فكذلك في أحد الوجهين لان التلف حصل بيده فاستقر الضمان عليه، والثاني يرجع عليه لانه غره أشبه المغرور بحرية أمة وان ربح فالربح للمالك ولا شئ للمضارب الاول لانه لم يوجد منه مال ولا عمل وهل للثاني اجرة مثله؟ على روايتين (احداهما) له ذلك لانه عمل في مال غيره بعوض لم يسلم له فكان له أجر مثله كالمضاربة الفاسدة (والثانية) لا شئ له لانه عمل في مال غيره بغير إذن أشبه الغاصب، وفارق المضاربة لانه عمل في ماله باذنه وسواء اشترى بعين المال أو في الذمة ويحتمل أنه إن اشترى في الذمة يكون الربح له لانه ربح فيما اشتراه في ذمته مما لم يقع الشراء فيه لغيره فأشبه مالو ينقد الثمن من مال المضاربة، قال الشريف أبو جعفر هذا قول أكثرهم يعني قول مالك وأبي حنيفة والشافعي ويحثمل أنه إن كان عالما بالحال فلا شئ للعامل كالغاصب وإن جهل الحال فله أجر مثله يرجع به على العاصب الاول لانه غره واستعمله بعوض لم يسلم له فكان
أجره عليه كما لو استعمله في مال نفسه وقال القاضي إن اشترى بعين المال فالشراء باطل وإن اشترى في الذمة ثم نقد المال وكان قد شرط رب المال للمضارب النصف فدفعه المضارب إلى آخر على أن لرب المال النصف والنصف الاخر بينهما فهو على ما اتفقوا عليه لان رب المال رضي بنصف الربح فلا يدفع
[ 154 ]
إليه أكثر منه والعاملان على ما اتفقا عليه وهذا قول الشافعي القديم وليس هذا موافقا لا صول المذاهب ولا لنص احمد فان احمد قال لا يطيب الربح لمضارب ولان المضارب الاول ليس له عمل ولا مال ولا يستحق الربح في المضاربة إلا بواحد منهما والثاني عمل في مال غيره بغير اذنه ولا شرطه فلم يستحق ما شرطه له غيره كما لو دفع إليه الغاصب مضاربة ولانه لم يستحق ما شرطه له رب المال في المضاربة الفاسدة فما شرطه له غيره بغير إذنه أولى. (فصل) فان أذن رب المال في ذلك جاز نص عليه احمد ولا نعلم فيه خلافا ويكون المضارب الاول وكيل رب المال في ذلك فان دفعه إلى آخر ولم يشرط لنفسه شيئا من الربح كان صحيحا وإن شرط لنفسه شيئا منه لم يصح لانه ليس من جهته مال ولا عمل والربح انما يستحق لواحد منهما فان قال اعمل برأيك أو بما أراك الله جاز له دفعه مضاربة نص عليه لانه قد يرى أن يدفعه إلى أبصر منه ويحتمل أن لا يجوز له ذلك لان قوله اعمل برأيك يعني في كيفية المضاربة والبيع والشراء وأنواع التجارة ولهذا يخرج به عن المضاربة فلا يتناوله إذنه (فصل) وليس له أن يخلط مال المضاربة بماله فان فعل ولم يتميز ضمنه لانه أمانة فهو كالوديعة فان قال له اعمل برأيك جاز ذلك وهو قول مالك والثوري واصحاب الرأي وقال الشافعي ليس له ذلك وعليه الضمان ان فعله لان ذلك ليس من التجارة ولنا انه قد يرى الخلط أصلح له فيدخل في قوله أعمل برأيك وهكذا القول في المشاركة به ليس له فعلها إلا ان يقول له اعمل برأيك فيملكها
[ 155 ]
(فصل) وليس له شراء خمر ولا خنزير سواء كانا مسلمين أو كان أحدهما مسلما فان فعل فعليه الضمان وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إن كان العامل ذميا صح شراؤه للخمر وبيعه إياها لان الملك عنده
ينتقل إلى الوكيل وحقوق العقد تتعلق به وقال أبو يوسف ومحمد يصح شراؤه إياها ولا يصح بيعه لانه يبيع ما ليس بملك له ولا لموكله ولنا أنه ان كان العامل مسلما فقد اشترى خمرا ولا يصح ان يشتري خمرا ولا يبيعه وان كان ذميا فقد اشترى للمسلم مالا يصح أن يملكه ابتداء فلا يصح كما لو اشترى الخنزير ولان الخمر محرمة فلم بصح شراؤها له كالخنزير والميتة ولان مالا يجوز بيعه لا يجوز شراؤه كالميتة والدم وكلما جاز في الشركة جاز في المضاربة وما جاز في المضاربة جاز في الشركة وما منع في إحداهما منع منه في الاخرى لان المضاربة شركة ومبنى كل واحد منهما على الوكالة والامانة (مسألة) (وليس للمضارب أن يضارب لآخر إذا كان فيه ضرر على الاول فان فعل رد نصيبه من الربح في شركة الاول) وجملة ذلك أنه إذا أخذ من إنسان مضاربة ثم أراد أخذ مضاربة من آخر باذن الاول جاز وكذلك ان لم يأذن ولم يكن عليه ضرر بغير خلاف علمناه فان كان فيه ضرر على الاول ولم بأذن مثل أن يكون المال الثاني كثيرا يستوعب زمانه فيشغله عن التجارة في الاول أو يكون المال الاول كثيرا
[ 156 ]
متى اشتغل عنه بغيره انقطع عن بعض تصرفاته لم يجز ذلك وقال أكثر الفقهاء يجوز لانه عقد لا يملك به منافعه كلها فلم يمنع من المضاربة كما لو لم يكن فيه ضرر وكالاجير المشترك ولنا أن المضاربة على الحظ والنماء فإذا فعل ما يمنعه لم يجز له كما لو أراد التصرف بالغبن وفارق مالا ضرر فيه فعلى هذا ان فعل وربح رد الربح في شركة الاول وليقسمانه فينظر ما ربح في المضاربة الثانية فيدفع إلى رب المال منه نصيبه ويأخذ المضارب نصيبه من الربح فيضمه إلى ربح المضاربة الاولى ويقاسمه لرب المضاربة الاولى لانه استجق حصته من الربح بالمنفعة التي استحقت بالعقد الاول فكان بينهما كربح المال الاول فأما حصة رب المال الثاني من الربح فيدفع إليه لان العدوان عن المضارب لا يسقط حق رب المال الثاني ولانا لو رددنا ربح الثاني كله في الشركة الاولى لاختص الضرر برب المال الثاني ولم يلحق المضارب شئ من الضرر والعدوان منه بل ربما انتفع إذا كان قد
شرط الاول النصف أو الثاني الثلث ولانه لا يخلو إما أن يحكم بفساد المضاربة الثانية أو بصحتها فان كانت فاسدة فالربح كله لرب المال وللمضارب أجر مثله وان حكمنا بصحتها وجب صرف حصة رب المال إليه بمتقضى العقد وموجب الشرط قال شيخنا: والنظر يقتضي أن لا يستحق رب المضاربة الاولى من ريح الثانية شيئا لانه انما يستحق بمال أو عمل ولم يوجد واحد منهما وتعدي المضارب انما هو بترك العمل واشتغاله عن المال الاول وذلك لا يوجب عوضا كما لو اشتغل بالعمل في مال نفسه أو أجر نفسه أو ترك
[ 157 ]
التجارة للعب أو اشتغال بعلم أو غير ذلك ولانه لو أوجب عوضا لاوجب شيئا مقدرا لا يختلف ولا يتقدر بربحه في الثاني والله أعلم (فصل) فان دفع إليه مضاربة واشترط النفقة لم يجز أن يأخذ لغيره بضاعة ولا مضاربة وان لم يكن على الاول ضرر لقول أحمد إذا اشترط النفقة صار أجبراله فلا يأخذ من أحد بضاعة فانها تشغله عن المال الذي يضارب به، قيل له وان كانت لا تشغله قال ما يعجبني أن يكون إلا باذن صاحب المضاربة فانه لا بد من شغل قال شيخنا هذا والله العم على سبيل الا ستحباب وان فعل فلا شئ عليه لانه لا ضرر على رب المضاربة فيه، وان أخذ من رجل مضاربة ثم أخذ من آخر بضاعة أو عمل في مال نفسه واتجر فيه فربحه في مال البضاعة لصاحبها وفي مال نفسه له (فصل) إذا أخذ من رجل مائة قراضا ثم أخذ من آخر مثلها فاشترى بكل مائه عبدا فاختلط العبدان ولم يتميزا اصطلحا عليهما كما لو كانت لرجل حنطة فالثالت عليها أخرى، وذكر القاضي في ذلك وجهين أحدهما يكونا شريكين فيهما كما لو اشتركا في عقد البيع فيا عان ويقسم بينهما فان كان فيهما ربح دفع إلى العامل حصته والباقي بينهما نصفين والثاني يكونان للعامل وعليه آداء رأس المال والربح له والخسران عليه وللشافعي قولان كالوجهين والاول أولى لان ملك كل واحد منهما ثابت في أحد العبدين فلا يزول بالاشتباه عن جميعه ولا عن بعضه بغير رضاه كما لو لم يكونا في يد المضارب
[ 158 ]
ولا تنالوا جعلناهما للمضارب أدى إلى أن يكون تفريطه سببا لا نفراده بالربح وحرمان المعدى
عليه وعكس ذلك أولى وان جعلنا هما شريكين أدى إلى ان يأخذ أحدهما ربح مال الآخر بغير رضاه وليس له مال ولا عمل (فصل) إذا تعدى المضارب بفعل ما ليس له فعله فهو ضامن للمال في قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن أبي هريرة وحكم بن حزام وأبي قلابة ونافع واياس والشعبي والنخعي وحماد ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وعن علي رضي الله عنه لا ضمان على من شورك في الربح وروي معنى ذلك عن الحسن والزهري ولنا أنه متصرف في مال غيره بغير إذنه فلزمه الضمان كالغاصب ولا نقول بمشاركته في الربح فلا يتناوله قول علي رضي الله عنه، ومتى اشترى ما لم يؤذن فيه فربح فيه فالربح لرب المال نص عليه أحمد وبه قال أبو قلابة ونافع، وعن أحمد أنهما يتصدقان بالربح وبه قال الشعبي والنخعي والحكم وحماد قال القاضي قول أحمد يتصدقان بالربح على سبيل الورع وهو لرب المال في القضاء وهذا قول الاوزاعي، وقال إياس بن معاوية ومالك الربح على ما شرطاه كما لو ليس الثوب وركب دابة ليس له ركوبها وقال القاضي ان اشترى في الذمة ثم نقد المال فالربح لرب المال وان اشترى بعين المال فالشراء باطل في احدى الروايتين والاخرى هو موقوف على اجازة المالك فان أجازه صح والا بطل والمذهب الاول نص عليه أحمد في رواية الاثرم وقال أبو بكر لم بروانه يتصدق بالربح الا حنبل
[ 159 ]
واحتج أحمد بحديث عروة البارقي وهو ما روى أبو الوليد عن عروة بن الجعد قال عرض النبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني دينارا فقال (عروة ائت الجلب فاشتر لنا شاة) فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت شاتين بدينار فجئت أسو قهما أو أقودهما فلقيني رجل بالطريق فساومتي فبعت منه شاة بدينار فجئت بالدينار وبالشاة فقلت يا رسول الله هذا ديناركم وهذه شاتكم قال (وكيف صنعت؟) فحدثته الحديث فقال (اللهم بارك له في صفقة يمينه) رواه الاثرم ولانه نماء مال غيره بغير إذن مالكه فكان لمالكه كما لو غصب حنطة فزرعها، فاما المضارب ففيه روايتان (احداهما) لا شئ له لانه عقد عقدا لم يؤذن له فيه فلم يكن له شئ كالغاصب وهذا اختيار أبي بكر (والثانية) له أجر لان رب المال رضي بالبيع وأخذ الربح فاستحق العامل عوضا كما لو عقده باذنه، وفي قدر الاجر روايتان (احداهما) أجر مثله ما لم يحط
بالربح لانه عمل ما يستحق به العوض ولم يسلم له المسمى فكان له أجر مثله كالمضاربة الفاسدة (والثانية) له الاقل من المسمى أو أجر المثل لانه ان كان المسمى أقل فقد رضي به فلم يستحق أكثر منه وان كان أجر المثل أقل فلم يستحق أكثر مه لانه لم يعمل ما أمر به، فان قصد الشراء لنفسه فلا أجر له رواية واحدة وقال القاضي وأبو الخطاب ان اشترى في ذمته ونقد المال فلا أجر له رواية واحدة وان اشترى بعين المال فعلى روايتين (فصل) وعلى العامل أن يتولى بنفسه كل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب من نشر الثوب وطيه
[ 160 ]
وعرضه على المشتري ومساومته وعقد البيع وأخذ الثمن وانتقاه وشد الكيس وخمه واحرازه ونحو ذلك ولا أجر له عليه لانه استحق الربح في مقابلته وان استأجر من يفعل ذلك فالاجر عليه خاصة لان العمل عليه فاما مالا يليه في العادة كالنداء على المتاع ونقله إلى الخان فليس على العامل علمه وله ان يكتري من يعمله نص عليه أحمد لان العمل في المضاربة غير مشروط لمشقة اشتراطه فرجع فيه إلى العرف فان فعل العامل مالا يلزمه متبرعا فلا أجر له وان فعله ليأخذ عليه اجرا فنص احمد على أنه لا شئ له، وخرج أصحابنا وجها أن له الاجر بناء على الشريك إذا انفرد بعمل لا يلزمه هل له أجر لذلك؟ على روايتين وهذا مثله، قال شيخنا والصحيح أنه لا أجر له في الموضعين لانه عمل في مال غيره عملا لم يجعل له في مقابلته شئ فلم يستحق شيئا كالاجنبي (فصل) وإذا غصب مال المضاربة أو سرق فهل للمضارب المطالبة به؟ على وجهين (احدهما) ليس له ذلك لان الضماربه عقد على التجارة فلا يدخل فيه الحصومة (والثاني) له ذلك لانه يقتضي حفظ المال ولا يتم ذلك الا بالخصومة والمطالبة سيما إذا كان غائبا عن رب المال فانه حينئذ لا يكون مطالبا به الا المضارب فان تركه ضاع، عفلى هذا ان ترك الخصومة وانطلب به في هذه الحال ضمن لانه ضيعه وفرط فيه فأما ان كان رب المال حاضرا وعلم الحال فانه لا يلزم العامل طلبه ولا يضمنه إذا تركه لان رب المال أولى بذلك من وكيله
[ 161 ]
(فصل) وإذا اشترى المضارب عبدا فقتله عبد لغيره ولم يكن ظهر في المال ربح فالامر لرب المال ان شاء اقتص وان شاء عفا على غير مال وتبطل المضاربة فيه لذ هاب رأس المال وان شاء عفا على مال فان عفا على مثل رأس المال أو أقل أو اكثر فالمضاربة بحالها والربح بينهما على ما شرطاه لانه وجد بدل عن رأس المال فهو كما لو وجد بدله بالبيع وان كان في العبد ربح فالقصاص اليهما والمصالحة كذلك لكونهما شريكين فيه والحكم في انفساخ المضاربة وبقائها على ما تقدم (مسألة) (وليس لرب المال ان يشتري من مال المضاربة شيئا لنفسه وعنه يجوز) إذا اشترى رب المال من مال المضاربة شيئا لنفسه لم يصح في إحدى الروايتين وهو قول الشافعي ويصح في الاخرى وبه قال مالك والاوزاعي وأبو حنيفة لانه قد تعلق به حق المضارب فجاز شراؤء كما لو اشترى من مكاتبه. ولنا أنه ملكه فلم يصح شراؤه له كشرائه من وكيله، وفارق المكاتب فان السيد لا يملك ما في يده ولا تجب زكاته عليه وله أخذ ما فيه شفعة منه (مسألة) وكذلك شراء السيد من عبده المأذون) لما ذكر ناويحتمل ان يصح اذن استغر قته الديون لان الغرماء يأخذون ما في يده ولان الدين إذا تعلق برقبته
[ 162 ]
صار مستحقا للغرماء فصح شراء السيد منه كبقية الغرماء والاول اولى لان ملك السيد لم يزل عنه وان تعلق حق الغرماء به كالعبد الجاني (فصل) فان اشترى المضارب من مال المضاربة لنفسه ولم يظهر ربح صح نص عليه احمد وبه قال مالك والثوري والاوزاعي واسحاق وحكي ذلك عن أبي حنيقة وقال أبو ثور البيع باطل لانه شريك ولنا أنه ملك لغيره فصح شراؤء له كشراء الوكيل من موكله وانما يكون شريكا إذا ظهر الربح لانه انما شارك في الربح دون أصل المال فان ظهر ربح فشراؤه كشراء أحد الشريكين من شريكه (مسألة) (وان اشترى أحد الشريكين نصيب شريكه صح) لانه يشتري ملك غيره وقال أحمد في الشريكين في الطعام يريد أحدهما بيع حصته من صاحبه ان لم
يكونا يعلمان كيله فلا بأس وان علما كيله فلا بد من كيله يعني ان من علم مبلغ شئ لم يبعه صبرة وان باعه إياه بالكيل والوزن جاز (مسألة) (وان اشترى الجميع بطل في نصيبه لانه ملكه)
[ 163 ]
وهل يصح في حصة شريكه؟ على وجهين بناء على تفريق الصفقة ويتخرج أن يصح في الجميع بناء على صحة شراء رب المال من مال المضاربة (فصل) ولو استأجر أحد الشريكين من صاحبه دارا ليحرز فيها مال الشركة أو غرائر جاز نص عليه أحمد في رواية صالح وان استأجره لنقل الطعام أو غلامه أو دابته جاز لان ما جاز أن يستأجر له غير الحيوان جاز ان يستأجر له الحيوان كمال الاجنبي، وفيه رواية أخرى لا يجوز لان هذا لا تجب الاجرة فيه الا بالعمل ولا يمكن ايفاء العمل في المشترك لان نصيب المستأجر غير متميز من نصيب المؤجر فإذا لا تجب الاجرة، والدار والغرائر لا يعتبر فيها ايقاع العمل إنما يجب بوضع العين في الدار فيمكن تسليم المعقود عليه (مسألة) (وليس للمضارب نفقة إلا بشرط سواء كانت تجارته في الحضر أو السفر)
[ 164 ]
وبهذا قال ابن سيرين وحماد بن أبي سليمان وهو ظاهر مذهب الشافعي وقال الحسن والنخعي والاوزاعي ومالك واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ينفق من المال المعروف إذا شخص به عن البلد لان سفره لا جل المال فكانت نفقته فيه كأجر الحمال ولنا أن نفقته تخصه فكانت عليه كنفقة الحضر وأجر الطبيب وثمن الطيب لانه دخل على أنه لا يستحق من الربح الا الجزء المسمى فلا يكون له غيره ولانه لو استحق النفقة أفضى إلى أن يختص بالربح إذا لم يربح سوى النفقة، فأما ان شرط له النفقة صح وله ذلك لقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم (المؤمنون على شروطهم) فان قدر له ذلك فحسن لان فيه قطع المنازعة وزوال الاختلاف قال أحمد في رواية الاثرم أحب إلي ان يشترط نفقة محدودة وله ما قدر له من مأكول وملبوس ومركوب وغيره وان أطلق صح
نص عليه، وله نفقته من المأكول خاصة ولا كسوة له قال احمد إذا قال له نفقته فانه ينفق قيل له فيكتسي؟ قال لا انما له النفقة، فان كان سفره طويلا يحتاج إلى تجديد كسوة فظاهر كلام أحمد جوازها لا نه قيل
[ 165 ]
له فلم يشترط الكسوة الا أنه في بلد بعيد وله مقام طويل يحتاج فيه إلى الكسوة؟ فقال إذا أذن له في النفقة فعل ما لم يحمل على مال الرجل ولم يكن ذلك قصده هذا معناه. وقال القاضي وأبو الخطاب إذا شرط له النفقة فله جميع نفقته من مأكول وملبوس بالمعروف وقال أحمد ينفق على معنى ما كان ينفق على نفسه غير متعد بالنفقة ولا مضر بالمال ولم يذهب أحمد إلى تقدير النفقة لان الاسعار تختلف وقد تقل وقد تكثر (مسألة) (فان اختلفا في قدر النفقة فقال أبو الخطاب يرجع في القوت إلى الاطعام في الكفارة وفي الكسوة إلى أقل ملبوس مثله لانه العادة فينصرف الاطلاق إليه كما انصرف إليه في الاطعام في الكفارة، فان كان معه مال لنفسه أو مضاربة أخرى أو بضاعة لآخر فالنفقة على قدر المالين لانها لاجل السفر والسفر للمالين فيجب أن تكون النفقة مقسومة على قدرهما الا أن يكون رب المال قد شرط له النفقة من ماله مع علمه بذلك، ولو أذن له في السفر إلى موضع معين أو غير معين ثم لقيه رب المال في السفر في ذلك الموضع أو في غيره وقد نص المال فاخذ ماله فطالبه العامل بنفقة الرجوع إلى بلده لم يكن له ذلك لانه إنما استحق النفقة ماداما في القراض وقد زال فزالت النفقة ولذلك لو مات لم يجب تكفينه وقيل له ذلك لانه كان شرط له نفقة ذهابه ورجوعه وغره بتسفيره إلى الموضع الذي أذن له فيه معتقدا أنه مستحق للنفقة ذاهبا وراجعا فإذا قطع عنه النفقة تضرر بذلك (مسألة) (فأذن له في التسري فاشترى جارية ملكها وصار ثمنها قرضا نص عليه أحمد لان البضع لا يباح الا بملك أو نكاح لقوله سبحانه (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين)
[ 166 ]
ولم يوجد النكاح فتعين الملك ويخرج ثمنها من المضاربة ويكون قرضا في ذمته لما ذكرنا (مسألة) (وليس للمضارب ربح حتى يستوفى رأس المال يعني أنه لا يستحق أخذ شئ من الربح
حتى يسلم رأس المال إلى ربه، ومتى كان في المال خسارن وربح جبرت الوضيعة من الربح سواء كان الربح والخسران في مرة واحدة أو الخسران في صفقة والربح في الاخرى أو أحد هما في سفرة والآخر في أخرى لان الربح هو الفاضل عن رأس المال وما لم يفضل فليس بربح ولام نعلم في هذا خلافا (فصل) وفي ملك العامل نصيبه من الربح قبل القسمة روايتان (إحداهما) يملكه ذكره القاضي وهو قول أبي حنيفة (والاخرى) لا يملكه ذكرها أبو الخطاب وهو قول مالك وللشافعي قولان كالروايتين واحتج من لم يملكه انه لو ملكه لاختص بربحه ولو جب أن يكون شريكا لرب المال كشريكي العنان، ووجه الاول ان الشرط صحيح فيثبت مقتضاه وهو ان يكون له جزء من الربح فإذا وجد وجب أن يملكه بحكم الشرط كما يملك المساقي حصته من الثمرة بظهورها وقياسا على كل شرط صحيح في عقد ولانه مملوك ولا بد له من مالك ورب المال لا يملكه اتفاقا ولا تثبت أحكام الملك في حقه فلزم أن يكون للمضارب ولانه يملك المطالبة بالقسمة فكان مالكا كأحد شريكي العنان ولا يمتنع أن يملكه ويكون وقاية لرأس المال كنصيب رب المال من الربح وبهذا امتنع اختصاصه بربحه ولانه لو اختص بربحه لا ستحق من الربح أكثر مما شرط له ولا يثبت بالشرط ما يخالف مقتضاه، قال أحمد في المضارب يطأ جارية من المضاربة فان لم يكن ظهر في المال ربح لم تكن أم ولده وإن ظهر فيه ربح فهي أم ولده وفيه دليل على انه يملك الربح بالظهور وهذا ظاهر المذهب (فصل) إذا دفع إلى رجل مائة مضاربة فخسر عشرة ثم أخذ رب المال منها عشرة لم ينقص رأس
[ 167 ]
المال بالخسران لانه قد يربح فيجبر الخسران لكنه ينتقص بما أخذه رب المال وهي العشرة وقسطها من الخسران وهو درهم وتسع ويبقى رأس المال ثمانية وثمانين وثمانية اتساع درهم فان كان أخذ نصف التسعين الباقية بقي رأس المال خمسين لانه أخذ نصف المال فسقط نصف الخسران وإن كان أخذ خمسين بقي أربعة وأربعون وأربعة أتساع ولذلك إذا ربح المال ثم أخذ رب المال بعضه كان ما أخذه من الربح ورأس المال فلو كان رأس المال مائة فربح عشرين فأخذها رب المال بعضه كان المال ثلاثة وثمانين وثلثا لانه أخذ سدس المال فنقص رأس المال سدسه وهو ستة عشروثلثان وحقها
من الربح ثلاثة وثلث، ولو كان أخذ ستين بقي رأس المال خمسين لانه أخذ نصف المال فبقي نصفه وان كان أخذ خمسين بقي ثمانية وخسمون وثلث لانه أخذ ربح المال وسدسه بقي ثلثه وربعه وهو ما ذكرنا فان أخذ ستين ثم خسر في الباقي فصار أربعين فردها كان له على رب المال خمسة لان ما أخذه منه الرب المال انفسخت فيه المضاربة فلا يجبر بربحه خسران ما بقي في يده لمفارقته اياه وقد أخذ منه الربح عشرة لان سدس ما أخذه ربح فكانت العشرة بينهما وإن لم يرد الاربعين كلها بل رد منها الى رب المال عشرين بقي رأس المال خمسة وعشرين (مسألة) (فان اشترى سلعتين فربح في احداهما وخسر في الاخرى أو تلفت جبرت الوضعية من الربح) إذا دفع إلى المضارب الفين فاشترى بكل ألف عبدا فربح في أحدهما وخسر في الآخر أو تلف وجب جبر الخسران من الربح ولا يستحق المضارب شيئا الا بعد كمال الالفين وبه قال الشافعي الافيما
[ 168 ]
إذا تلف أحد العبدين فان أصحابه ذكر وافيه وجها ثانيا ان التالف من رأس المال لانه بدل أحد الالفين ولو تلف أحد الالفين كان من رأس المال فكذلك بدله ولنا ان تلفه بعد ان دار في القراض وتصرف في المال بالتجارة فكان تلفه من الربح كما لو كان رأس المال دينارا فاشترى به سلعتين ولانهما سلعتان تجبر خسارة احداهما بربح الاخرى فجبر تلفها به كما لو كان رأس المال دينارا واحدا ولانه رأس مال واحد فلا يستحق المضارب فيه ربحا حتى يكمل رأس المال كالذي ذكرنا (مسألة) (ان تلف بعض رأس المال قبل التصرف فيه انفسخت فيه المضاربة) وكان رأس المال الباقي خاصة وقال بعض أصحاب الشافعي مذهب الشافعي ان التالف من الربح لان المال انما يصير قراضا بالقبض فلا فرق بين هلاكه قبل التصرف أو بعده ولنا انه مال هلك على جهته قبل التصرف فيه فكان رأس المال الباقي كما لو تلف قبل القبض وفارق ما بعد التصرف لانهه دار في التجارة وشرع فيما قصد بالعقد من التصرفات المؤدية إلى الربح
(فصل) إذا دفع إليه ألفا مضاربة ثم دفع إليه ألفا آخرو اذن له في ضم أحدهما إلى الآخر قبل التصرف في الاول جاز وصار مضاربة واحدة كما لو دفعهما إليه جميعا، وان كان بعد التصرف في الاول في شراء المتاع لم يجزلان حكم الاول استقر وكان ربحه وخسرانه مختصا فضم الثاني إليه يوجب جبر خسران أحدهما بربح الآخر فإذا شرط ذلك في الثاني فسد فان نض الاول جاز ضم الثاني إليه لزوال هذا المعنى وان لم يأذن في ضم الثاني إلى الاول لم يجز نص عليه أحمد وقال اسحاق له ذلك قبل ان يتصرف في الاول ولنا انه أفرد كل واحد بعقد فكان عقدين لكل عقد حكم نفسه فلا يجبر وضيعة أحدهما ربح الآخر كما لو نهاه عن ذلك
[ 169 ]
(مسألة) (وان تلف المال ثم اشترى سلعة للمضاربة به فهي له وثمنها عليه سواء علم بتلف المال قبل نقد الثمن أو جهل ذلك إلا أن يجبزه رب المال) وذلك لانه اشتراها في ذمته وليست من مال المضاربة فاختصت به لانه لو صح شراؤه للمضاربة لكان مستدينا على غيره والاستدانة على الانسان بغير إذنه لا تجوز، فان أجازة رب المال جاز في إحدى الروايتين والثمن عليه لان من اشترى شيئا لغيره بغير اذنه وقف على إجازته فان أجازه فهو له والا فهو للمشتري وهذا كذلك، والثانية هو للعامل على كل حال لان هذا زيادة في مال المضاربة فلا تجوز (مسألة) (فان تلف بعد الشراء فالمضاربة بحالها والثمن على رب المال) لانه دار في التجارة ويصير رأس المال هذا الثمن دون التالف لان الاول تلف قبل التصرف فيه وهذا قول بعض الشافعية ومنهم من قال رأس المال هو التالف حكي عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن ولنا ان التالف تلف قبل التصرف فيه فلم يكن من رأس المال كما لو تلف قبل الشراء فلو اشترى عبدين بمائة فتلف أحدهما وباع الآخر بخمسين فأخذ منها رب المال خمسة وعشرين بقي رأس المال خمسين لان رب المال أخذ نصف المال الموجود فسقط نصف الجبران، ولو لم يتلف العبد وباعهما بمائة وعشرين فأخذ رب المال ستين ثم خسر العامل فيما معه عشرين فله من الربح خمسة لان سدس ما أخذه رب المال ربح للعامل نصفه وقد انفسخت المضاربة فيه فلا يجبر به خسران الباقي ويبقى رأس المال
خمسين فان اقتسما الربح خاصة ثم خسر عشرين فعلى العامل رد ما أخذه وبقي رأس المال تسعين لان العشرة الباقية مع رب المال تحسب من رأس المال
[ 170 ]
(فصل) ومهما بقي العقد على رأس المال وجب جبر خسرانه من ربحه وان اقتسما الربح قال الاثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن المضارب يربح ويضع مرارا فقال يرد الوديعة على الربح الا أن يقبض المال صاحبه ثم يرده إليه فيقول اعمل به ثانية فما ربح بعد ذلك لا يجبر به وضيعة الاول فهذا ليس في نفسي منه شئ وأمامالم يدفع فحتى يحتسبا حسابا كالقبض كما قال ابن سيربن، قيل وكيف يكون حسابا كالقبض؟ قال يظهر المال يعني ينض ويجئ فيحتسبان عليه فان شاء صاحب المال قبضه، قيل له فيحتسبان على المتاع؟ فقال لا يحتسبان الا على الناض لان المتاع قد ينحط سعره ويرتفع. قال أبو طالب قيل لاحمد رجل دفع إلى رجل عشرة ألاف درهم مضاربة فوضع فبقيت ألف فحاسبه صاحبها ثم قال له اذهب فاعمل بها فربح؟ قال يقاسمه ما فوق الالف يعني إذا كانت الالف ناضة حاضرة ان شاء صاحبها قبضها فهذا الحساب الذي كالقبض فيكون أمره بالمضاربة بها في هذه الحال ابتداء مضاربة ثانية كما لو قبضها منه ثم ردها إليه فأما قبل ذلك فلا شئ للمضارب حتى يكمل عشرة آلاف ولو أن رب المال والمضارب اقتسما الربح وأخذ أحدهما شيئا باذن الآخر والمضاربة بحالها ثم خسر المضارب رد ما أخذ من الربح لا ننا تبينا انه ليس بربح ما لم تنجبر الخسارة والله أعلم (مسألة) (وإذا ظهر الربح لم يكن للعامل أخذ شئ الا بأذن رب المال) لا نعلم في هذا بين اهل العلم خلافا لثلاثة امور، احدها ان الربح وقاية لرأس المال فلا يؤمن الخسران الذي يكون هذا الربح جابراله فيخرج بذلك عن كونه ربحا، الثاني ان رب المال شريكه فلم يكن له مقاسمة نفسه الثالث، ان ملكه غير مستقر عليه لانه بعرض ان يخرج عن يديه لجبران خسارة المال فان اذن رب المال في ذلك جاز لان الحق لا يخرج عنهما (مسألة) (وإذا طلب العامل البيع فابى رب المال أجبر ان كان فيه ربح وإلا فلا)
[ 171 ]
وجملة ذلك ان المضاربة من العقود الجائزة تنفسخ بفسخ احدهما ايهما كان وبموته والحجر عليه لسفه كالوكالة، ويستوي في ذلك ما قبل التصرف وبعده فان انفسخت والمال ناض لا ربح فيه أخذه وبه فان كان فيه ربح قسماه على ما شرطا فان انفسخت والمال عرض فاتفقا على بيعه أو قسمه جاز لان الحق لهما فجاز ما اتفقا عليه وان طلب العامل البيع فابى رب المال وقد ظهر في المال ربح اجبر رب المال على البيع وهذا قول الثوري واسحاق لان حق العامل في الربح ولا يظهر الا بالبيع وان لم يظهر ربع لم يجبر لانه لاحق له فيه وقد رضيه مالكه كذلك فلم يبجر على بيعه وهذا ظاهر مذهب الشافعي، وقال بعضهم فيه وجه آخر أنه يجبر لانه ربما زاد فيه راغب فزاد على ثمن الثمل فيكون للعامل في البيع حظ ولنا أن المضارب انما استحق الربح إلى حين الفسخ وذلك لا يعلم إلا بالتقويم ألا ترى أن المستعير إذا غرس أو بنى أو المشتري كان للمعير والشفيع أن يدفعا قيمة ذلك إلى مستحق الارض؟ فههنا أولى وما ذكروه من احتمال الزيادة بزيادة راغب على القيمة فانما حدث ذلك بعد فسخ العقد فلا يستحقها العامل (مسألة) (وإن انفسخ القراض والمال عرض فرضي رب المال أن يأخذ بماله عرضا أو طلب البيع فله ذلك) أما إذا رضي رب المال أن يأخذ بماله عرضا فله ذلك لانه أسقط البيع عن المضارب وأخذ العروض بثمنها الذي يحصل من غيره، وأما إذا طلب البيع وأبى العامل ففيه وجهان (أحدهما) يجبر العامل عليه وهو قول الشافعي لان عليه رد المال ناضا كما أخذه (والثاني) لا يجبر إذا لم يكن في المال ربح وأسقط العامل حقه من الربح لانه بالفسخ زال تصرفه وصار أجنبيا من المال فأشبه الوكيل إذا اشترى ما يستحق رده فزالت وكالته قبل رده، ولو كان رأس المال دنانير فصار دراهم أو بالعكس فهو كما لو كان عرضا على ما شرح وإذا نض رأس المال جميعه لم يلزم العامل أن ينض له الباقي لانه شركة بينهما ولا يلزم الشريك أن ينض مال شريكه ولانه إنما لزمه أن ينض رأس المال ليرد إليه المال على صفته ولا يوجد هذا المعنى في الربح.
[ 172 ]
(مسألة) (وإن كان دينا لزم العامل تقاضيه) سواء ظهر في المال ربح أولم يظهر وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يلزمه إلا أن يظهر ربح لانه لا غرض له في العمل فهو كالوكيل ولنا أن المضاربة تقتضي رد المال على صفته والديون لا تجري مجرى الناض فلزمه أن ينضه كما لو ظهر
ربح وكما لو كان رأس المال عرضا، ويفارق الوكيل فانه لا يلزمه رد المال كما قبضه ولهذا لا يلزمه بيع العروض ولا فرق بين كون الفسخ من العامل أو رب المال فان اقتضى منه قدر رأس المال أو كان الدين قدر الربح أو دونه لزم العامل تقاضيه أيضا لانه إنما يستحق نصيبه من الربح عند وصوله اليهما على وجه يمكن قسمته ووصول كل واحد منهما إلى حقه لا يحصل ذلك إلا بعد تقاضيه (فصل) إذا مات أحد المتقارضين أو جن انفسخ القراض وقد ذكرناه فان كان برب المال فأراد الوارث أو وليه اتمامه والمال ناض جازو يكون رأس المال وحصته من الربح رأس المال وحصة العامل من الربح شركة له مشاع وهذه الاشاعة لا تمنع لان الشريك هو العامل وذلك لا يمنع التصرف: وإن كان المال عرضا وأرادوا إتمامه فظاهر كلام احمد جوازه لانه قال في رواية علي بن سعيد إذا مات رب المال لم يجز للعامل أن يبيع ويشتري إلا باذن الورثة، فظاهر هذا إبقاء العامل على قراضه وهو منصوص الشافعي لان هذا إنمام للقراض لا ابتداء له ولان القراض إنما منع منه في العروض لانه يحتاج عند المفاصلة إلى رد مثلها أو قيمتها ويختلف ذلك باخلاف الاوقات وهذا غير موجود ههنا لان رأس المال غير العروض وحكمه باق ألا ترى أن للعامل أن يبيعه ليسلم رأس المال ويقسم الباقي؟ وذكر القاضي وجها آخر أنه لا يجوز لان القراض قد بطل بالموت وهذا اتبداء قراض على عروض، قال شيخنا وهذا الوجه أقيس لان المال لو كان ناضا كان ابتداء قرض وكانت حصة العامل من الربح شركة يختص بها دون رب المال
[ 173 ]
وإن كان المال ناقصا بخسارة أو تلف كان رأس المال الموجود منه حال ابتداء القراض فلو جوزنا ابتداء القراض ههنا وبناء هما على القراض لصارت حصة المضاربة من الربح غير مختصة به وحصتها من الربح مشتركة بينهما وحسبت عليه العروض بأكثر من قيمتها فيما إذا كان المال ناقصا، وهذا لا يجوز في القراض بلا خلاف وكلام أحمد محمول على أنه يبيع ويشتري باذن الورثة كبيعه وشرائه بعد انفساخ القراض، فاما إن مات العامل أو جن وأراد رب المال ابتداء القراض مع وارثه أو وليه والمال ناض جاز كما قلنا فيما إذا مات رب المال، وإن كان عرضا لم يجز ابتداء القراض على العروض بأن تقوم العروض ويجعل رأس المال قيمتها يوم العقد لان الذي كان منه العمل قد جن أو مات وذهب عمله ولم يخلف أصلايني عليه
وارثه بخلاف ما إذا مات رب المال فان مال القراض موجود ومنافعه موجودة فأمكن استدامة العقد وبناء الوارث عليه، وإن كان المال ناضا جاز ابتداء القراض فيه فان لم يبتدئاه لم يكن للوارث شراء ولا يبع لان رب المال إنما رضي باجتهاد وارثه فإذا لم يرض ببيعه رفعه إلى الحاكم ليبيعه فان كان الميت رب المال فليس للعامل الشراء لان القراض انفسخ واما البيع فالحكم فيه وفي التقويم واقتضاء الدين على ما ذكرناه إذا انفسخت المضاربة ورب االمال حي (مسألة) (وان قارض في المرض فالربح من رأس المال وإن زاد على أجر المثل) إذا قارض في مرضه صح لانه عقد يبتغى فيه الفضل أشبه البيع والشراء وللعامل ما شرط له وإن زاد على أجر مثله ولا يحتسب به من ثلثه لان ذلك غير مستحق من رب المال وإنما حصل بعمل المضارب فما يوجد من الربح المشروط يحدث على ملك العامل ولا يزاحم به أصحاب الوصايا لانه لو أقرض المال كان الربح كله للمقترض فبعضه أولى وهذا بخلاف ما لو حابى الاجير في الاجرة فانه يحتسب بما حاباه من ثلثه لان الاجر يؤخذ من ماله، ولو شرط في المساقاة والمزارعة أكثر من أجر المثل احتمل أن لا
[ 174 ]
يحتسب به من ثلثه لان الثمرة تخرج على ملكيهما كالربح في المضاربة واحتمل أن يكون من ثلثه لان الثمرة زيادة في ملكه خارجة من عينه والربح لا يخرج من عين المال إنما يحتل بالتقليب (مسألة) (ويقدم به على سائر الغرماء إذا مات رب المال) لانه يملك الربح بالظهور فكان شريكا فيه ولان حقه متعلق بعين المال دون الذمة فكان متقدما على المتعلق بالذمة كحق الجناية أو كالمرتهن (مسألة) (وان مات المضارب ولم يعرف مال المضاربة فهو دين في تركته) وكذلك الوديعة ولصاحبه أسوة الغرماء وقال الشافعي ليس على المضارب شئ لانه لم يكن في ذمته وهو حي ولم يعلم حدوث ذلك بالموت فانه يحتمل أن يكون المال قد هلك ولنا أن الاصل بقاء المال في يده واختلاطه بجملة التركة ولا سبيل إلى معرفة عينه فكان دينا كالوديعة إذا لم يعرف عينها وكما إذا خلطها بماله على وجه لا يتميز منه ولانه لا سبيل إلى اسقاط حق رب المال لان الاصل بقاؤه ولم يوجد ما يعارض ذلك ويخالفه ولا سبيل إلى اعطائه عينا من التركة لانه
يحتمل أن تكون غير مال المضاربة فلم يبق إلا تعلقه بالذمة (فصل) قال رضي الله عنه (والعامل أمين والقول قوله فيما يدعيه من هلاك وخسران) لانه متصرف في مال غيره باذنه لا يختص بنفعه أشبه الوكيل بخلاف المستعير فان قبضه المنفته خاصة والقول قوله فيما يدعيه من تلف المال أو بعضه أو خسارة فيه ولا ضمان عليه في ذلك كالوكيل والقول قوله فيما يدعى عليه من خيانة أو تفريط وفيما يدعي أنه اشتراه لنفسه أو للقراض لان الاختلاف ههنا في نيته وهو أعلم بها لا يطلع عليها غيره فكان القول قوله فيما نواه كما لو اختلف الزوجان في نية الزوج بكناية الطلاق ولانه امين في الشراء فكان القول قوله كالوكيل، ولو اشترى عبدا فقال رب المال كنت نهيتك عن شرائه فأنكر العامل فالقول قوله لان الاصل عدم النهي ولا نعلم في هذا كله خلافا وكذلك القول قوله في
[ 175 ]
قدر رأس المال كذلك قال الثوري واسحاق واصحاب الراي حكاه عنهم ابن المنذر وقال اجمع على هذا كل من نحفظ عنه من اهل العلم وبه نقول لانه يدعى عليه قبض شئ وهو ينكره والقول قول المنكر (مسألة) (والقول قول رب المال في رده إليه مع يمينه) نص عليه احمد ولا صحاب الشافعي وجهان احدهما كقولنا والآخر يقبل قول العامل لانه امين ولان معظم النفع لرب المال فالعامل كالمودع وينبغى ان يخرج لنا مثل ذلك بناء على دعوى الوكيل الرد إذا كان بجعل، ووحه الاول انه قبض المال لنفع نفسه فلم يقبل قوله في الرد كالمستعير ولان رب المال منكر والقول قول المنكر والمودع لا نفع له في الوديعة وقولهم ان معظم النفع لرب المال ممنوع وان سلم الا ان المضارب لم يقبضه الا لنفع نفسه لم يأخذه لنفع رب المال. (مسألة) (وفي الجزء المشروط للعامل) إذا اختلفا فيما شرط للعامل ففيه روايتان (إحداهما) القول قول رب المال نص عليه في رواية ابن منصور وسندي وبه قال الثوري واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر لان رب المال منكر للزيادة التي ادعاها العامل والقول قول المنكر (والثانية) ان العامل ان ادعى أجر المثل أو ما يتغابن الناس به فالقول قوله لان الظاهر صدقه وان أدعى أكثر فالقول قول رب المال فيما زاد على أجر الثمل كالزوجين إذا اختلفا في الصداق وقال الشافعي يتحالفان لانهما
اختلفا في عوض عقد فيتحالفان كالمتبايعين
[ 176 ]
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (ولكن اليمين على المدعى عليه) ولانه اختلاف في المضاربة فلم يتحالفا كسائر ما قدمنا اختلافهما فيه والمتبايعان يرجعان على رءوس امولهما بخلاف ما نحن فيه (مسألة) (وان قال أذنت لي في البيع نساء وفي الشراء بخسمة فأنكره رب المال وقال انما أذنت لك في البيع نقدا وفي الشراء باربعة فالقول قول العامل) نص عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة وقيل القول قول رب المال وهو قول الشافعي لان الاصل عدم الاذن ولان القول قول رب المال في أصل الاذن فكذلك في صته. ولنا أنهما اتفقا على الاذن واختلفا في صفته فكان القول قول العامل كمما لو قال نهيتك عن شراء عبد فأنكر النهي. (مسألة) (وان قال ربحت الفاثم خسرتها أو تلفت قبل قوله) لانه أمين يقبل قوله فقبل في الخسارة كالو كيل: (مسألة) (وان قال غلطت أو نسيت لم يقبل قوله) لانه مقر بحق لآدمي فلم يقبل قوله في الرجوع عنه كما لو أقربان رأس المال الف ثم رجع ولو ان العامل خسر فقال لرجل أقرضني ما اتمم به رأس المال لاعرضه على ربه فاني أخشى ان ينزعه مني ان علم بالخسارة فاقرضه فعرضه على رب المال فقال هذا رأس مالك فأخذه فله ذلك، وذلك ولا يقبل رجوع العامل عن اقراره ان رجع ولا شهادة المقرض له لانه يجر إلى نفسه نفعا وليس له مطالبة رب المال لان العامل ملكه بالقرض ثم سلمه إلى رب المال وأقر أنه له ولكن يرجع المقرض على العامل لا غير
[ 177 ]
(فصل) وإذا دفع رجل إلى رجلين مالا قراضا على النصف فنض المال وهو ثلاثة آلاف فقال رب المال رأس المال الفان فصدقه احدهما وقال الآخر بل هو الف فالقول قول المنكر مع يمينه فإذا حلف أنه الف فالربح الفان ونصيبه منهما خمسمائة يبقى الفان وخمسمائة يأخذ رب المال الفين لان الآخر يصدقه يبقى خمسمائة ربحا بين رب المال والعامل الآخر يقتسمانه اثلاثا لرب المال ثلثا ها
وللعامل ثلثها وذلك لان نصيب رب المال نصف الربح ونصيب العامل ربعه فيقسم بينهما باقي الربح على ثلاثة وما أخذه الحالف فيما زاد على قدر نصيبه كالتالف منهما والتالف يحسب في المضاربة من الربح وهذا قول الشافعي (فصل) إذا دفع إلى رجل الفا يتجر فيه فربح فقال العامل كان قرضا لي ربحه كله وقال رب المال كان قراضا ربحه بيننا فالقول قول رب المال لانه ملكه فكان القول قوله في صفة خروجه عن يده فإذا حلف قسم الربح بينهما، ويحتمل ان يتحالفا ويكون للعامل أكثر الامرين مما شرط له من الربح أو أجر مثله لانه ان كان الاكثر نصيبه من الربح فرب المال معترف له وبه وهو يدعي الربح كله وان كان أجر مثله أكثر فالقول قوله في عمله كما أن القول قول رب المال في ما له فإذا حلف قبل قوله في أنه ما عمل بهذا الشرط إنما عمل لغرض لم يسلم له فيكون له أجر المثل، فان أقام كل واحد منهما بينه
[ 178 ]
بدعواه فنص أحمد في رواية منها أنهما يتعارضان ويقسم المال بينهما نصفين، وان قال رب المال كان بضاعة وقال العامل كان قراضا احتمل أن يكون القول قول العامل لان عمله له فيكون القول قوله فيه ويحتمل ان يتحالفا ويكون للعامل أقل الامرين من نصيبه من الربح أو أجر مثله لانه يدعي أكثر من نصيبه من الربح فلم يستحق زيادة وان كان الاقل أجر مثله فلم يثبت كونه قراضا فيكون له أجر عمله، وان قال رب المال كان بضاعة وقال العامل كان قرضا حلف كل واحد منهما على إنكار ما ادعاه خصمه وكان للعامل أجر عمله لا غير وان خسر المال أو تلف فقال رب المال كان قرضا وقال العامل كان قراضا أو بضاعة فالقول قول رب المال (فصل) وإذا شرط المضارب النفقة ثم ادعى انه انفق من ماله واراد الرجوع فله ذلك سواء كان المال باقيا في يديه أو قد رجع إلى مالكه وبه قال أبو حنيفة إذا كان المال في يديه وليس له ذلك بعد رده. ولنا انه امين فكان القول قوله في ذلك كما لو كان باقيا في يديه وكالوصي إذا ادعى النفقة على اليتيم (فصل) إذا كان عبد بين رجلين فباعه احدهما بامر الآخر بالف وقال له اقبض ثمنه وادعى
المشتري أنه قضه وصدقه الذي لم يبع برئ المشتري من نصف ثمنه لاعتراف شريك البائع بقبض وكيله حقه فبرئ المشتري منه كما لو أقر بقبضه بنفسه وتبقى الخصومة بين البائع وشريكه والمشتري
[ 179 ]
فان خاصمه شريكه وادعى عليه أنك قبضته نصيبي من الثمن فأنكر فالقول قوله مع يمينه فان كان للمدعي بينة حكم بها ولا تقبل شهادة المشتري له لانه يجبر بها إلى نفسه نفعا وان خاصم البائع المشتري فالقول قول البائع مع يمينه في عدم القبض لانه منكر فإذا حلف أخذ من المشتري نصف الثمن ولا يشاركه فيه شريكه لانه يقر انه يأخذه ظلما فلا يستحق مشاركته فيه وان كانت للمشتري بينة حكم بها ولا تقبل شهادة شريكه عليه شريكه عليه لانه يجربها إلى نفسه نفعا ومن شهد شهادة يجر بها إلى نفسه نفعا بطلت شهادته في الكل، ولا فرق بين مخاصمة الشريك قبل مخاصمة المشتري أو بعدها وان ادعى المشتري ان شريك البائع قبض الثمن منه فصدقه البائع نظرت فان كان البائع أذن لشريكه في القبض فهي كالتي قبلها وان لم يأذن له فيه لم تبرأ ذمة المشتري من شئ من الثمن لان البائع لم يوكله في القبض فقبضه لا يلزمه ولا يبرأ المشتري منه كما لو دفعه إلى أجنبي، ولا يقبل قول المشتري على شريك البائع لانه ينكره وللبائع بقدر نصيبه لا غير لانه مقر ان شريكه قبض حقه ويلزم المشتري دفع نصيبه إليه من غير يمين لان المشتري مقر ببقاء حقه وان دفعه إلى شريكه لم تبرأ ذمته فإذا قبض حقه فلشريكه مشاركته فيما قبض لان الدين لهما ثابت بسبب واحد فما قبض منه يكون بينهما كما لو كان ميراثا وله ان لا يشاركه ويطالب المشتري بحقه كله ويحتمل أن لا يملك الشريك مشاركته فيما قبض لان كل واحد منهما يستحق ثمن نصيبه الذي ينفرد به فلم يكن لشريكه مشاركته فيما قبض من ثمنه كما لو باع كل واحد نصيبه في
[ 180 ]
صففة، ويخالف الميراث لان سبب استحقاق الورثة لا يتبعض فلم يكن للورثة تبعيضه وههنا يتبعض لانه إذا كان البائع اثنين كان بمنزلة عقدين ولان الوارث نائب عن الموروث فكان ما يقضه هو للموروث يشترك فيه جميع الورثة بخلاف مسئلتنا فان ما يقبضه لنفسه، فان قلنا له مشاركته فيما قبض فعليه اليمين أنه لم يستوف حقه من المشتري ويأخذ من القابض نصف ما قبضه ويطالب المشتري ببقية حقه إذا
حلف له أيضا أنه ما قبض منه شيئا وليس للمقبوض منه ان يرجع على المشتري بعوض ما أخذ منه لانه مقر ان المشتري قد برئت ذمته من حق شريكه وإنما أخذ منه ظلما فلا يرجع بما ظلمه هذا على غيره، وإن خاصم المشتري شريك البائع وادعى عليه انه قبض الثمن منه وكانت له بينة حكم بها وتقبل شهادة البائع له إذا كان عدلا لانه لا يجر إلى نفسه نفعا ولا يدفع عنه ضررا لانه إذا ثبت ان شريكه قبض الثمن لم يملك مطالبته بشئ لانه ليس بوكيل له في القبض فلا يقع قبضه له هكذا ذكر بعض أصحابنا، قال شيخنا وعندي لاتقبل شهادته له لانه يدفع عن نفسه ضرر مشاركة شريكه له فيما يقضه من المشتري فإذا لم يكن بينة فحلف اخذ من المشتري نصف الثمن وان نكل أخذ المشتري منه نصفه (فصل) وإذا كان العبد بين اثنين فغصب رجل نصيب أحدهما بان يستولي على العبد ويمنع أحدهما
[ 181 ]
الانتفاع دون الآخر ثم ان مالك نصفه والغاصب باعا العبد صفقة واحدة صح في نصيب المالك وبطل في نصيب الغاصب، وان وكل الشريك الغاصب أو وكل الغاصب الشريك في البيع فباع العبد كله صفقة واحدة بطل في نصيب الغاصب في الصحيح وهل يصح في نصيب الشريك؟ على روايتين بناء على تفريق الصفقة وقد بطل البيع في بعضها فييطل في سائرها بخلاف ما إذا باع المالك والغاصب فانهما عقدان لان عقد الواحد مع الاثنين عقدان ولو أن الغاصب ذكر للمشتري انه وكيل في نصفه لصح في نصيب الآذن لكونه كالعقد المنفرد. (فصل) إذا كان لرجلين دين بسبب واحد اما عقد أو ميراث أو استهلاك أو غير ذلك فقبض أحدهما منه شيئا فللآخر مشاركته فيه في ظاهر المذهب وعن احمد ما يدل على أن لاحدهما أخذ حقه دون صاحبه ولا يشاركه الآخر فيما أخذ وهو قول أبي العالية وأبي قلابة وابن سيرين وأبي عبيد، قيل لاحمد بعت أنا وصاحبي متاعا بيني وبينه فأعطاني حقي وقال هذا حقك خامة وأنا أعطي شريكك بعد؟ قال لا يجوز قيل له فان أخره أو أبرأه من حقه دون صاحبه؟ قال يجوز، قيل فقد قال أبو عبيد يجوز أن يأخذ دون صاحبه إذا كان له أن يؤخر ويبرئه دون صاحبه ففكر فيها ثم قال هذا يشبه الميراث إذا أخذ منه
بعض الورثة دون بعض وقد قال ابن سيرين وابو قلابة وأبو العالية من أخذ شيئا فهو نصيبه قال فرأيته قد احتج له وأجازه قال أبو بكر العمل عندي على ما رواه حنبل وحرب انه لا يجوز أن يكون نصيب
[ 182 ]
القابض له فيما أخذه لما في ذلك من قسمة الدين في الذمة من غير رضا الشريك فيكون المأخوذ ولا باقي جميعا مشتركا، ولغير القابض الرجوع على القابض بحصته من الدين سواء كان المال باقيا في يده أو أخرجه عنها برهن أو قضاء دين أو غيره، وله ان يرجع على الغريم لان الحق يثبت في ذمته لهما على وجه سواء فليس له تسليم حق احدهما إلى الاخر فان أخذ من الغريم لم يرجع على الشريك بشئ لان حقه ثبت في أحد المحلين فإذا اختار أحدما سقط حقه من الآخر، وليس للقابض منعه من الرجوع على الغريم بأن يقول أنا أعطيك نصف ما قبضت بل الخيرة إليه من أيهما شاء قبض فان قبض من شريكه شيئا رجع الشريك على الغريم بمثله فان هلك المقبوض في يد القابض تعين حقه فيه ولم يضمنه للشريك لانه قدر حقه فما تعدى بالقبض وإنما كان لشريكه مشاركته لثبوته في الاصل مشتركا وإن أبرأ أحد الشريكين من حقه برئ منه لانه بمنزلة تلفه ولا يرجع على غريمه بشئ وان أبرأ أحدهما من عشر الدين ثم قبضا من الدين شيئا اقتسماه على قدر حقهما في الباقي للمبرئ أربعة أتساعه ولشريكه خمسة أتساعه فان قبضا نصف الدين ثم أبرأ أحدهما من عشر الدين كله نفذت في خمس الباقي وما بقي بينهما على ثمانية لمبرئ ثلاثة أثمانه وللآخر خمسة أثمانه فما قبضاه بعد ذلك اقتسماه على هذا، وإن اشترى احدهما بنصيبه ثوبا أو غيره فللا خر إبطال الشراء فان بذل له المشتري نصف الثوب ولا يبطل لم يلزمه ذلك وإن
[ 183 ]
أجاز البيع ليملك نصف الثوب انبنى على بيع الفضولي هل يقف على الاجازة أو لا؟ وإن أخر أحدهما حقه من الدين جاز لانه لو أسقط حقه جاز فتأخيره أولى فان قبض الشريك بعد ذلك شيئا لم يكن لشريكه الرجوع عليه بشئ ذكره القاضي، والاولى أن له الرجوع لان الدين الحال لا يتأجل بالتأجيل فوجود التأجيل كعدمه، واما إذا قلنا بالرواية الاخرى وأن ما يقبضه احدهما له دون صاحبه فوجهها ان ما في الذمة لا ينتقل إلى العين إلا تسليمه إلى غريمه أو وكيله وما قبضه أحدهما فليس لشريكه فيه قبض
ولا لو كيله فلا يثبت له فيه حق ويكون لقابضه لثبوت يده عليه بحق فأشبه ما لو كان الدين بسببين وليس هذا قسمة الدين في الذمه وإنما تعين حقه بقبضه فأشبه تعينه بالابراء ولانه لو كان لغير لقابض حق في المقبوض لم يسقط بتلفه كسائر الحقوق ولان هذا القبض ان كان بحق لم يشاركه غيره فيه كما لو كان الدين بسببين وإن كان بغير حق لم يكن له مطالبته لان حقه في الذمة لا في العين فأشبه مالوا خذ غاصب منه مالا، فعلى هذا ما قبضه القابض يختص به وليس لشريكه الرجوع عليه، وإن اشترى بنصيبه شيئا صح ولم يكن لشريكه إبطال الشراء، وإن قبض اكثر من حقه بغير إذن شريكه لم يبرأ الغريم مما زاد على حقه (فصل) الثالث شركة الوجوه وقد اختلف في تفسيرها قال الخرقي وهو ان يشترك اثنان بمال غيرهما وقال القاضي معناها ان يدفع واحد ماله إلى اثنين مضاربة فكيون المضاربان شريكين في
[ 184 ]
الربح بمال غير هما لانهما إذا اخذا المال بجاههما لم يونا مشتركين بملك غيرهما وهذا محتمل، وقال غيره معناها انعما اشتركا فيما يأخذان من مال غيرهما وحملوا كلام الخرقي على ذلك ليكون كلامه جامعا لانواع الشركة، وعلى تفسير القاضي تكون الشركة بين ثلاثة ويكون الخرقي قد أخل بذكر نوع من انواع الشركة، وهي شركة الوجوه على تفسير القاضي فأما شركة الوجوه على ما ذكره شيخنا في الكتاب المشروح فهي ان يشترك اثنان فيما يشتريان بجاههما وثقة التجاربهما من غيران يكون لهما رأس مال على ان ما يشتريانه فهو بينهما نصفين أو أثلاثا أو نحو ذلك ويبيعان ذلك فما قسم الله من الربح فهو بينهما فهي جائزة سواء عين احدهما لصاحبه ما يشتريه أو قدره أو ذكر صنف المال أو لم يعين شيئا من ذلك بل قال ما اشتريت من شئ فهو بيننا، قال احمد في رواية ابن منصور في رجلين اشتركا بغير رءوس اموالهما على ان ما يشتريه كل واحد منهما بينهما فهو جائز وبهذا قال الثوري ومحمد بن الحسن وابن المنذر وقال أبو حنيفة لا يصح حتى يذكر الوقت أو المال أو صنفا من الثياب، وقال مالك والشافعي يشترط ذكر شرائط الوكالة لان شرائط الوكالة معتبرة في ذلك من تعيين الجنس وغيره من شروط الوكالة لان كل واحد منهما وكيل صاحبه ولنا انهما اشتركا في الابتياع وأذن كل واحد منهما للآخر فيه فصح وكان يتبايعانه بينهما كما لو ذكرا شرائط الوكالة وقولهم ان الوكالة لا تصح حتى يقدر الثمن والنوع ممنوع وان سلم فانما يعتبر في الوكالة المفردة أما الوكالة
الداخلة في ضمن الشركة فلا يعتبر فيها ذلك بدليل المضاربة وشركة العنان فان في ضمنها توكيلا ولا يعتبر فيها شئ من هذا كذا ههنا، فعلى هذا ان قال لرجل ما اشتريت اليوم من شئ فهو بيني وبينك نصفان أو اطلق الوقت فقال نعم أو قال ما اشتريت انا من شئ فهو بينى وبينك نصفان جازو كانت شركة صحيحة لانه اذن له في التجارة على ان يكون المبيع بينهما وهذا معنى الشركة ويكون توكيلا له في شراء نصف المتاع بنصف الثمن فيستحق الربح في مقابلة ملكه الحاصل في المبيع سواء خص ذلك بنوع من المتاع أو اطلق وكذلك لو قالا ما اشتريناه
[ 185 ]
أو ما اشتراه أحدنا من تجارة فهو بيننا فكل واحد وكيل صاحبه كفيل عنه بالثمن لان مبناها على الوكالة والكفالة لان كل واحد منهما وكيل الآخر فيما يشتريه ويبيعه كفيل عنه بذلك (مسألة) (والملك بينهما على ما شرطاه) لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنون على شروطهم، والوضيعة على قدر ملكيهما قياسا على شريكي العنان لانها في معناها، والربح بينهما على ما شرطاه لذلك، ويحتمل أن يكون على قدر ملكيهما قاله القاضى لان الربح يستحق بالضمان إذ الشركة وقعت عليه خاصة إذ لا مال لهما فيشتركان على العمل فيه والضمان لا تفاضل فيه فلا يجوز التفاضل في الربح ولانها شريكان في العمل والمال فجاز تفاضلهما في الربح مع تساو يهما في المال كشريكي العنان (مسألة) (وهما في التصرفات كشريكي العنان) يعني فيما يجب لهما وعليهما وفي إقراهما وخصومتهما وغير ذلك على ما ذكرناه وأيهما عزل صاحبه عن التصرف انعزل لانه وكيله، وسميت شركة الوجوه لانهما اشتركا فيما يشتريان بجاهما والجاه والوجه واحد يقال فلان وجيه إذا كان ذا جاه قال الله تعالى في موسى عليه السلام (وكان عند الله وجيها) (فصل) الرابع شركة الابدان وهي أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما فهي شركة صحيحة فهي أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه من المباح كالحطب والحشيش والثمار المأخوذة من الحبال والاصطياد والمعادن والتلصص على دار الحرب فهذا جائز نص عليه احمد في رواية أبي طالب فقال
[ 186 ]
لا بأس أن يشترك القوم بابدانهم وليس لهم مال مثل الصيادين والحمالين والنخالين قد اشرك انبي
صلى الله عليه وسلم بين عمار وسعد وابن معسود فجاء سعد بأسيرين ولم يجيئا بشئ، وفسر احمد صفة الشركة في الغنيمة فقال يشتركان فيما يصيبان من سلب المقتول لان القاتل يختص به دون الفانمين وبه قال مالك وقال أبو حنيفة يصح في الصناعة ولا يصح في اكتساب المباح كالاحتشاش والاغتنام لان الشركة مقتضاها الوكالة ولا تصح الوكالة في هذه الاشياء لان من أخذها ملكها، وقال الشافعي شركة الابدان كلها فاسدة لانها شركة على غير مال فلم تصح كما لو اختلفت الصناعات ولنا ما ورى أبو داود والاثرم باسنادهما عن عبد الله قال اشتركنا أنا وسعد وعمار يوم بدر فلم أجئ انا عمار بشئ وجاء سعد بأسيرين. ومثل هذا لا يخفى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقرهم وقد قال أحمد أشرك بينهم النبي صلى الله عليه وسلم فان قيل فالمغانم مشتركة بين الغانمين بحكم الله تعالى فكيف يصح اختصاص هؤلاء بالشركة فيها؟ وقال بعض الشافعية غنائم بدر كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان له ان يدفعها إلى من يشاء فيحتمل أن يكون فعل ذلك لهذا قلنا أما الاول فالجواب عنه ان غنائم بدر كانت لمن أخذها قبل أن يشرك الله تعالى بينهم ولهذا نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أخذ شيئا فهو له) فكان ذلك من قبل المباحات من سبق إلى شيئ فهو له ويجوز أن يكون شرك بينهم فيما يصيبون من الاسلاب والنقل الا ان الاول اصح لقوله جاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعما بشئ
[ 187 ]
وأما الثاني فان الله تعالى انما جعل الغنيمة لنبيه عليه السلام بعد أن غنموا واختلفوا في الغنائم فأنزل الله تعالى (يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول) والشركة كانت قبل ذلك ويدل على صحة هذا أنها لو كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاما ان يكون قد أباحهم أخذها فصارت كالمباحات أولم يبحها لهم فكيف يشتركون في شئ لغيرهم؟ وفي هذا الخبر حجة على أبي حنيفة أيضا لانهم اشتركوا في مباح وفيما ليس بضاعة وهو يمنع ذلك ولان العمل أحد جهتي المضاربة فصحت الشركة عليه كالمال وعلى أبي حنيفة أيضا أنهما اشتركا في مكسب مباح فصح كما لو اشتركا في الخياطة والقصارة ولا نسلم ان الوكالة لا تصح في المباحات فانه يصح أن يستنيب في تحصيلها باجرة فكذلك يصح بغير عوض إذا تبرع آخذها بذلك كالتوكيل في بيع ماله ومبناهما على الوكالة لان كل واحد منهما وكيل صاحبه وما
يتقبله كل واحد منهما من الاعمال فهو من ضمانهما يطالب به كل واحد منهما (مسألة) (وتصح مع اتفاق الصنائع رواية واحدة فأما مع اختلافهما ففيه وجهان (أحدهما) لا تصح اختاره أبو الخطاب وهو قول مالك لان مقتضاها أن ما يتقبله كل واحد منهما من العمل يلزمها ويطالب به كل واحد منهما فإذا تقبل احدهما شيئا مع اختلاف صنائعهما لم يمكن الآخر ان يقوم به فكيف يلزمه عمله؟ ام كيف يطالب بما لا قدرة له عليه؟ (والثاني) تصح اختاره القاضي لانهما اشتركا في مكسب مباح فصح كما لو اتفقت الصنائع ولان الصنائع المتفقة قد يكون احد الرجلين احذق فيها من الآخر فربما يتقبل احدهما مالا يمكن الآخر عمله ولم يمنع ذلك صحتها فكذلك إذا اختلفت الصنائع
[ 188 ]
وقولهم يلزم كل واحد منهما ما يتقبله صاحبه قال القاضي يحتمل ان لا يلزمه ذلك كالوكيلين بدليل صحتها في المباح ولا ضمان فيها وإن قلنا يلزمه امكنه تحصيل ذلك بالاجرة أو بمن يتبرع له بعمله ويدل على صحة هذا انه لو قال احدهما انا اتقبل وانت تعمل صحت الشركة وعمل كل واحد منهما غير عمل صاحبه. وقال زفر لا تصح الشركة إذا قال احدهما انا اتقبل وانت تعمل ولا يستحق العامل المسمى وإنما له اجر المثل. ولنا ان الضمان يستحق به الربح بدليل شركة الابدان و تقبل العمل يوجب الضمان على المتقبل ويستحق به الربح فصار كتقبله المال في المضاربة والعمل يستحق به العامل الربح كعمل المضارب فينزل منزلة المضاربة (فصل) والربح في شركة الابدان على ما اتفقوا عليه من مساواة أو تفاضل لان العمل يستحق به الربح وقد يتفاضلان في المعل فجاز تفاضلهما في الربح الحاصل به ولكل واحد منهما المطالبة بالاجرة وللمستأجر دفعها إلى كل واحد منهما وايهما دفعها إليه برئ منها، وان تلفت في يد احدهما من غير تفريط فهي من ضمانهما لانهما كالوكيلين في المطالبة، وما يتفبله كل واحد منهما من الاعمال فهو من ضمانهما يطالب به كل واحد منهما ويلزمه عمله لان هذه الشركة لا تنعقد إلا على المضان ولا شئ فيها تنعقد عليه الشركة حال الضمان فكأن الشركة تضمنت ضمان كل واحد منهما عن الآخر ما يلزمه
[ 189 ]
وقال القاضي يحتمل ان لا يلزم احدهما ما لزم الآخر كما ذكرنا من قبل وما يتلف بتعدي أحدهما أو تفريطه أو تحت يده على وجه يوجب الضمان عليه فهو عليه وحده وإن أقر أحدهما بما في يده قبل عليه وعلى شريكه لان اليد له فيقبل اقراره بما فيها ولا يقبل اقراره بما في يد شريكه ولا بدين عليه لان لا يدله على ذلك (مسألة) (وإن مرض أحدهما فالكسب بينهما فان طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لزمه ذلك) وجملة ذلك أنه إذا عمل أحدهما دون الآخر فالكسب بينهما قال ابن عقيل نص عليه أحمد في رواية اسحاق بن هانئ وقد سئل عن الرجلين يشتركان في عمل الابدان فيأتي أحدهما بشئ ولا يأتي الآخر بشئ؟ فقال نعم هذا بمنزلة حديث سعد وعمار وابن مسعود يعني حيث اشتركوا فجاء سعد بأسيرين وأخفق الآخران ولا ن العمل مضمون عليهما معا وبضمانهما له وجبت الاجرة فتكون لهما كما كان الضمان عليهما ويكون العامل عونا لصاحبه في حصته ولا يمنع ذلك استحقاقه كم استأجر رجلا ليقصر له ثوبا فاستعان القاصر بانسان فقصر معه كانت الاجرة للقصار المستأجر كذاههنا وسواء ترك العمل لمرض أو غيره فان طالب أحدهما الآخران يعمل معه أو يقيم مقامه من يعمل فله ذلك فان امتنع فللآخر الفسخ ويحتمل أنه إذا ترك العمل لغير عذر ان لا يشارك صاحبه في أجرة ما عمله
[ 190 ]
دونه لانه إنما شاركه ليعملا جميعا فإذا ترك احدهما العمل فما وفي بما شرط على نفسه فلم يستحق ما جعل له في مقابلته وانما احتمل ذلك فيما إذا تركه لعذر لانه لا يمكن التحرز منه (مسألة) (وان اشتركا ليحملا على دابتيهما والاجرة بينهما صح) لانه نوع من الاكتساب والدابتان آلتان فاشبها الاداة (مسألة) (فإذا تقبلا حمل شئ فحملاه عليهما أو على غير الدابتين صحت الشركة) والاجرة بينهما على ما شرطاه لان تقبلهما الحمل أثبت الضمان في ذمتهما ولهما ان يحملا باي ظهر كان والشركة تنعقد على الضمان كشركة الوجوه فأشبه مالو تقب قصاره فقصراها بغير أداتهما (مسألة) (وان اجراهما بأعيانهما فلكل واحد منهما أجرة دابته)
أما إذا أجرا الدابتين بأعيانهما على حمل شئ باجرة معلومة واشتركا على ذلك لم تصح الشركة ولكل واحد منهما أجرة دابته لانه لم يجب ضمان الحمل في ذممهما وإنما استحق المكتري منفعة البهيمة التي استأجرها ولهذا تنفسخ الاجارة بموت الدابة المستأجرة ولان الشركة إما أن تنعقد على الضمان في ذممهما أو على عملهما وليس هذا بواحد منهما فانه لم يثبت في ذممهما ضمان ولا عملا بابدانهما ما تجب الاجرة في مقابلته ولان الشركة تنضمن الوكالة والوكالة على هذا الوجه لا تصح ولهذا قال أجر
[ 191 ]
عبدك وتكون أجرته بينى وبينك لم يصح كما لو قال بع عبدك وثمنه بيننا لم يصح قال شيخنا ويحتمل ان تصح الشركة كما لو اشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما من المباح فان أعان أحدهما صاحبه في التحميل والنقل كان له أجر مثله لانها منافع وفاها بشبهة عقد (فصل) فان كان لاحدهما أداة قصارة ولآخر بيت فاشتركا على ان يعملا بأداة هذا في بيت هذا والكسب بينهما جاز والاجرة على ما شرطاه لان الشركة وقعت على عملهما والعمل يستحق به الربح في الشركة والآلة والبيت لا يستحق بهما شئ لانهما يستعملان في العمل المشترك فصارا كالدابتين اللتين أجرهما لحمل الشئ الذي تقبلا حمله، وان فسدت الشركة قسم الحاصل لهما على قدر أجر عملهما وأجر الدار والاداة، وان كانت لاحدهما آلة وليس للآخر شئ أو لاحدهما بيت وليس للآخر شئ فاتفقا على ان يعملا بالآلة أو في البيت والاجرة بينهما جاز لما ذكرنا (فصل) وان دفع رجل دابته إلى آخر ليعملا عليها وما رزق الله بنيهما نصفين أو أثلاثا أو ما شرطاه صح نص عليه أحمد في رواية الاثرم ومحمد بن أبي حرب وامد بن سعيد ونقل عن الاوزاعي ما يدل عليه هذا وكره ذلك الحسن والنخعي، وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر واصحاب الرأي لا يصح والربح كله لرب الدابة لان الحمل الذي يستحق به العوض منها وللعامل أجر مثله لان هذا ليس من اقسام الشركة إلا أن تكون المضاربة ولا تصح المضاربة بالعروض ولان المضاربة تكون
[ 192 ]
بالتجارة في الاعيان وهذه لا يجوز بيعها ولا اخراجها عن ملك مالكها وقال القفاضي يتخرج أن لا
يصح بناء على ان المضاربة بالعروض لا تصح فعلى، هذا ان كان أجر الدابة بعينها فالاجرة لما لكها وان تقبل حمل شئ فحمله عليها أو حمل عليها شيئا مباحا فباعه فالاجرة والثمن له وعليه أجر مثلها لما لكها ولنا أنها عين تنمي بالعمل عليها فصح العقد ببعض نمائها كالدارهم والدنانير وكالشجر في المساقاة والارض في المزارعة قولهم ليس من أقسام الشركة ولا هو مضاربة قلنا نعم لكنه يشبه المساقاة المزارعة فانه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها وبهذا يتبين أن تخرجها على المضاربة بالعروض فاسد فان المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال وهذا بخلافه وذكر القاضي في موضع آخر ان من استأجر دابة بنصف ما يرزق الله تعالى أو ثلثه جاز قال شيخنا ولا أرى لهذا وجها فان الاجارة يشترط لصحاها العلم بالعوض وتقدير المدة أو العمل ولم يوجد ولان هذا عقد غير منصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص فهو كسائر العقود الفاسدة إلا أن يريد بالاجارة المعاملة على الوجه الذي تقدم وقد اشاره أحمد إلى ما يدل على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة فقال لا بأس
[ 193 ]
بالثوب يدفع بالثلث والربع لحديث جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر على الشطر وهذا يدل على انه صار في هذا ومثله إلى الجواز لشبهه بالمساقاة والمزارعة لا إلى المضاربة والاجارة (فصل) نقل أبو داود عن احمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة أرجوان لا يكون به بأس قال اسحاق بن ابراهيم قال أبو عبد الله إذا كان على النصف والربح فهو جائز وبه قال الاوزاعي ونقل أحمد بن سعيد عن احمد فيمن دع عبده إلى رجل ليكتسب عليه ويكون له ثلث ذلك أو ربعه فجائز والوجه فيه ما ذكرناه في مسألة الدابة وإن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله فمصا ويبيعها وله نصف ربحها بحق عمله جاز نص عليه في رواية حرب وكذلك ان دفع غزلا إلى رجل يسنجه بثلث ثمنه أو ربعه جاز نص عليه، وقال مالك وابو حنيفة والشافعي لا يجوز شئ من ذلك لانه عوض مجهول وعمل مجهول وقد ذكرنا وجه جوازه فان جعل له مع ذلك دراهم لم يجز نص عليه وعنه يجوز والصحيح الاول قال ابو بكر هذا قول قذيم وما روي غير هذا فعليه المتمد قال الاثرم سمت ابا عبد الله يقول لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع وسئل عن الرجل يعطي الثوب بلا ثلث ودراهم أو
درهمين قال اكرهه لان هذا شئ لا يعرف والثلث إذا لم يكن معه شئ نراه جازا لحديث جابران
[ 194 ]
النبي صلى الله عليه وسلم اعطى خيبر على الشطر ققيل لابي عبد الله فان كان النساج لا يرضى حتى يزاد على الثلث درهما؟ قال فليجعل له ثلثا وعشرا ثلثا ونصف عشر وما اشبهه وروى الاثرم عن ابن سيرين والنخعي والزهري وايوب ويعلى بن حكيم انهم اجازوا ذلك وقال ابن المنذ ركره هذا كله الحسن وقال أبو ثور واصحاب الراي: هذا كله فاسد واختاره ابن المنذر وابن عقيل وقالوا لو دفع شبكته إلى الصياد ليصيدبها السمك بينهما نصفان فالصيد كله للصائد ولصاحب الشبكة اجر مثلها وقياس ما نقل عن احمد صحة الشركة وما رزق الله بينهما على ما شرطاه لانها عين تنمي بالعمل فيها فصح دفعها ببعض نمائها كالارض (فصل) وقد ذكر ابن عقيل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قفيز الطحان وهو ان يعطي الطان اقفزة معلومة يطحنها يقفيز دقيق منها وعلة المنع انه جعل له بعض معموله اجرا لعمله فيصير الطحن مستحقا له وعليه وهذا الحديث لا نعرفه ولم تثبت صحته ولا ذكره اصحاب السنن وقياس قول احمد جوازه لما ذكرنا عنه من المسائل (فصل) فان كان لرجل دابة ولآخر إكاف وجو القات فاشتركا على ان يؤجراهما والاجرة
[ 195 ]
بينهما نصفان فهو فاسد لان هذه اعيان لا يصح الاشتراك فيها كذلك في منافعها إذا تقديره اجر دابتك لتكون اجرتها بيننا وأؤجر جوالقاتي لتكون اجرتها بيننا وتكون كلها لصاحب البهيمة لانه مالك الاصل وللآخر اجر مثله على صاحب البهيمة لانه استوفى منافع ملكه بعقد فاسد، هذا إذا اجر الدابة بما عليها من الاكاف والجوالقات في عقد واحد فأما ان اجر كل واحد منهما ملكه مفردا فلكل واحد اجر ملكه وهكذا لو قال رجل لصاحبه اجر عبدي والاجر بيننا كان الاجر لصاحبه وللآخر اجر مثله وكذلك في جميع الاعيان (فصل) فان اشترك ثلاثة من احدهم دابة ومن آخر رواية ومن آخر العمل على ان ما رزق الله تعالى فهو بينهم صح في قياس قول احمد فانه نص في الدابة يدفعها إلى آخر يعمل عليها على ان لهما
الاجرة على الصحة وهذا لانه دفع دابته إلى آخر يعمل عليها والرواية عين تنمي بالعمل عليها فهي كالبهيمة فعلى هذا يكون ما رزق الله بينهم على ما اتفقوا عليه وهذا قول الشافعي ولانهما وكلا العامل في كسب مباح بآلة دفعا ها إليه فاشبه مالو دفع إليه أرضه ليزرعها، وهكذا لو اشترك أربعة من أحدهم دكان ومن
[ 196 ]
اخر رحى ومن اخر بغل ومن اخر العمل على أن يطحنوا بذلك فما رزق الله تعالى فهو بينهم صح وكان بينهم على ما شرطوه وقال القاضي العقد فاسد في السمئلتين جميعا وهو ظاهر قول الشافعي، لان هذا لا يجوز أن يكون مشاركة ولا مضاربة لكونه لا يجوز أن يكون راس مالهما العروض ولان من شرطهما عود رأس المال سليما بمعني أنه لا يستحق شئ من الربح حتى يستوفى رأس المال بكماله والرواية هنا تخلق وتنقص، ولا اجارة لانها تفتقر إلى مدة معلومة وأجر معلوم فتكون فاسدة، فعلى هذا يكون الاجر كله في المسألة الاولى للسقاء لانه لما غرف الماء في الاناء ملكه فإذا باعه فثمنه له لانه عوض ملكه وعليه لصاحبه أجر المثل لانه استعمل ملكهما بعوض يسلم لهما فكان لهما أجر المثل كسائر الاجارات الفاسدة وأما في المسألة الثانية فانهم إذا طحنوا الرجل طعاما باجرة نظرت في عقد الاجارة فان كان من واحد منهم ولم يذكر أصحابه ولا نواهم فالاجر كله له وعليه لاصحابه أجر المثل، وان نوى أصحابه أو ذكرهم كان كما لو عقد مع كل واحد منهم منفردا أو استأجر من جميعهم فقال استأجر تكم لتطحنو الي هذا الطعام
[ 197 ]
بكذا فالاجر بينهم أرباعا لان كل واحد منهم قد لزمه طحن ربعه ويرجع كل واحد منهم على أصحابه بريع أجر مثله وان قال استأجرت هذا الدكان والبغل والرجا وهذا الرجل بكذا وكذا من الطعام صح والاجر بينهم على قدر أجر مثلهم لكل واحد من المسمى بقدر حصته في أحد الوجهين وفي الاخر يكون بينهم ارباعا بناء على ما إذا تزوج اربعا بمهر واحد أو كاتب أربعة أعبد بعوض واحد هل يكون العوض أرباعا أو على قدر قيمتهم؟ على وجهين
[ 198 ]
(مسألة) (وان جمعا بين شركة العنان والابدان والوجوه والمضاربة صح) لان كل واحد منهما
يصح منفردا فصح مع غيره كحالة الانفراد (فصل) الخامس شركة المفاوضة وهو أن يدخلا في الشركة الاكساب النادرة كوجدان لقطة أو ركاز أو ما يحصل لهما من ميراث وما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو ارش جناية أو نحو ذلك
[ 199 ]
فهذه شركة فاسدة، وبهذا قال الشافعي واجازه الثوري والاوزاعي وأبو حنيفة وحكي عن مالك وشرط أبو حنيفة لها شروطا وهي ان يكونا حرين مسلمين وان يكون مالهما في الشركة سواء وان يخرجا جميعا ما يملكانه من جنس الشركة وهو الدراهم والدنانير، واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا تفاوضتم فاحسنوا المفاوضة ولانها نوع شركة تختص باسم فكان منها صحيح كشركة العنان ولنا أنه عقد لا يصح بين كافرين ولابين كافر ومسلم فلم يصح بين المسلمين كسائر العقود الفاسدة ولانه
[ 200 ]
عقد لم يرد الشرع بمثله فلا يصح كما ذكرنا ولان فيه غررا فلم يصح كبيع الغرر، بيان غرر انه يلزم كل واحد ما لزم الآخر وقد يلزمه شئ لا يقدر على القيام به وقد أدخلا فيه الاكساب النادرة فاما الخبز فلا نعرفه ولا رواه أصحاب المنن وليس فيه ما يدل على انه أراد هذا العقد فيحتمل انه أراد المفاوضة في الحديث ولهذا روي فيه (ولا تجادلوا فان المجادلة من الشيطان) وأما القياس فلا يصح فان اختصاصها باسم لا يقتضي الصحة كبيع المنابذة والملامسة وسائر البيوع الفاسدة وشركة العنان تصح بين الكفارين والكافر والمسلم بخلاف هذا
[ 201 ]
باب الوكالة وهي جائزة بالكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها) فجوز العمل عليها وذلك بحكم النيابة عن المستحقين وأيضا قوله تعالى (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه) وهذه وكالة، وأما السنة فروى أبو داود والاثرم وابن ماجه بانسادهم عن عروة بن الجعد قال عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني دينارا
فقال (يا عروة ائت الجلب فاشتر لنا شاة) قال فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت شاتين بدينار فجئت أسوقهما وأقودهما فلقبني رجل بالطريق فساومني فبعت منه شاة بدينار فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالدينار وبالشاة فقلت يا رسو الله هذا دينار كم وهذه شاتكم قال (وصنعت كيف؟) قال فحدثته الحديث فقال (اللهم بارك له في صفقة يمينه) هذا لفظ رواية الاثرم وروى أبو داود باسناده عن جابر بن عبد الله قال أردت الخروج إلى خيبر فاتيت النبي صلى الله عليه وقلت أني أردت الخروج إلى خيير فقال (ائت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا فان ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته) وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه وكل عمر وبن أمية الضمري في قبول نكاح أم حبيبة وأبا رافع في قبول نكاح ميمونة
[ 202 ]
وأجمعت الامة على جواز الوكالة في الجملة، ولان الحاجة داعية إلى ذلك فانه لا يمكن كل أحد فعل ما يحتاج إليه بنفسه. (مسألة) (تصح الوكالة بكل قول بدل الاذن وكل قول أو فعل بدل القبول) لا تصح الوكالة الا بالايجاب والقبول لانه عقد تعلق به حق كل واحد منهما فافتقر إلى الايجاب والقبول كالبيع، والايجاب هو كل لفظ دل على الاذن نحو قوله افعل كذا أو اذنت لك في فعله فان النبي صلى الله عليه وسلم وكل عروة بن الجعد في شراء شاة بلفظ الشراء وكذلك قوله تعالى حكاية عن أهل الكهف (فابعثوا احدكم بورقكم هذه إلى المدينة إلى قوله فليأتكم برزق منه) ولانه لفظ دل على الاذن فهو كقوله وكلتك ويكفي في القبول قوله قبلت وكل لفظ دل عليه ويجوز بكل فعل دل عليه أيضا نحو ان يفعل لان ما أمره بفعله لان الذين وكلهم النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنهم سوى امتثال امره ولانه اذن في التصرف فجاز القبول فيه بالفصل كأكل الطعام (مسألة) (يجوز القبول على الفور والتراخي نحوان يوكله في بيع شئ فيبيعه بعد سنة أوبيلغه أنه وكله منذ شهر فيقول قبلت) لان قبول وكلاء النبي صلى الله عليه كان بفعلهم وكان متراخيا عن توكيله إياهم ولانه اذن في التصرف والاذن قائم ما لم يرجع عنه أشبه الاباحة وهذا كله مذهب الشافعي
(فصل) ويجوز تعليقها على شرط نحو قوله إذا قدم الحاج فافعل كذا أو إذا جاء الشتاء فاشتر لنا
[ 203 ]
كذا أو إذا جاء الاضحى فاشتر لنا أضحية أو إذا طلب منك أهلي شيئا فادفعه إليهم أو إذا دخل رمضان فقد وكلتك في كذا أو فأنت وكيلي وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي لا تصح لكن إن تصرف صح تصرفه لوجود الاذن وان كان وكيلا بجعل فسد المسمى وله اجر المثل لانه عقد يملك التصرف به في الحياة أشبه البيع ولنا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (أمير كم زيد فان قتل فجعفر فان قتل فعبد الله بن رواحة) وهذا في معناه ولا نه عقد اعتبر في حق الوكيل حكمة وهو إباحة التصرف وصحته فكان صحيحا كما لو قال انت وكيلي في بيع عبدي إذا قدم الحاج ولانه لو قال وكلتك في شراء كذا في وقت كذا صح بلا خلاف ومحل النزاع في معناه ولانه اذن في التصرف أشبه الوصية والتأمير ولانه عقد يصح بغير جعل ولا يختص فاعله أن يكون من اهل القربة فصح بالجعل كالتوكيل الناجز (مسألة) (ولا يصح التوكيل والتوكل في شئ الاممن يصح تصرفه فيه) لان من يصح تصرفه بنفسه فبنائبه أولى وكل من صح تصرفه في شئ بنفسه وكان مما تدخله النيابة صح أن يوكل فيه رجلا كان أو امرأة حرا أو عبدا مسلما أو كافرا فأما من يتصرف بالاذن كالعبد المأذون له والوكيل والمضارب فلا يدخلون في هذا، لكن يصح من العبد التوكيل فيما يملكه دون سيده كالطلاق والخلع، وكذلك الحكم في المحجور عليه لسفه لا يوكل الافيما له فعله كالطلاق
[ 204 ]
والخلع وطلب القصاص، وكل ما صح ان يستوفيه بنفسه وتدخله النيابة صح أن يتوكل لغيره فيه إلا الفاسق فانه يصح أن يقبل النكاح لنفسه، وذكر القاضي أنه لا يجوز ان يقبله لغيره وظاهر كلام شيخنا في الكتاب المشروح أنه يصح وهو قول ابى الخطاب وهو القياس ولا صحاب الشافعي وجهان كهذين فأما توكيله في الايجاب فلا يجوز إلا على الرواية التى تثبت الولاية له وذكر اصحاب الشافعي في في ذلك الوجهين (أحدهما) يجوز لانه ليس بولي (والثانى) لا يجوز لا نه موجب للنكاح أشبه الولي
ولانه لا يجوز ان يتولى ذلك بنفسه فلم يجز ان يتوكل فيه كالمرأة ويصح توكيل المرأة في طلاق نفسها وغيرها ويصح توكيل العبد في قبول النكاح لانه ممن يجوز ان يقبله لنفسه وانما يقف ذلك على اذن سيده ليرضى بتعلق الحقوق به، ومن لا يملك التصرف في شئ لنفسه لا يصح ان يتوكل فيه كالمرأة في عقد انكاح وقبوله والكافر في تزويج مسلمة والطفل والمجنون في الحقوق كلها، وللمكاتب ان يوكل فيما يتصرف فيه بنفسه وله ان يتوكل بجعل لانه من اكتساب المال ولا يمنع من الاكتساب، وليس له ان يتوكل بغير جعل الا باذن سيده لان منافعه كاعيان ماله وليس له بذلك عين ماله بغير عوض وتصح وكالة الصبي المميز باذن الولي بناء على صحة تصرفه باذنه (مسألة) (ويجوز التوكيل في كل حق آدمي من العقود والفسوخ والعتق والطلاق والرجعة وتملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه الا الظاهر واللعان والايمان)
[ 205 ]
وجملة ذلك أن التوكيل يجوز في الشراء والبيع ومطالبة الحقوق والعتق والطلاق حاضرا كان الموكل أو غائبا وقد ذكرنا الدليل على ذلك من الآية والخبر والحاجة تدعو إليه لانه قد يكون ممن لا يحسن البيع والشراء أو لا يمكنه الخروج إلى السوق وقد يكون له مال ولا يحسن التجارة فيه وقد يحسن ولا يتفرغ وقد لا تليق به التجارة لكونه امرأة أو ممن يتعير بها ويحط ذلك من منزلته فاباحها الشرع دفعا للحاجة وتحصيلا لمصلحة الآدمي المخلوق لعبادة الله سبحانه، وكذلك يجوز التوكيل في الحوالة والرهن والضمان والكفالة والشركة والوديعة والمضاربة والجعالة والمساقاة والاجارة والقرض والصلح والهبة والصدقة والوصية والفسخ والابراء لانها في معنى البيع في الحاجة إلى التوكيل فيها فيثبت فيها حكمه ولا نعلم فيه خلافا، ويجوز التوكيل في الخلع والرجعة لان الحاجة تدعو إليه كدعائها إلى التوكيل في البيع ويجوز التوكيل في تحصيل المباحات كاحياء الموات واستقاء الماء و الاصطياد والاحتشاش لانها تملك مال بسبب لا يتعين عليه فجاز التوكيل فيه كالا بتياع والايهاب (فصل) ولا تصح في الايمان والنذور لانها تتعلق بعين الحالف والناذر فأشبهت العبادات البدنية والحدود ولا تصح في الايلاء والقسامة واللعان لانها أيمان ولا في الظهار لانه قول منكر وزور فلا
يجوز فعله ولا الاستنابة فيه ولا تجوز في القسم بين الزوجات لانها تتعلق ببدن الزوج لامر يختص به
[ 206 ]
ولا في الرضاع لانه يختص بالمرضعة والمرتضع لامر يختص بانبات لحم المرتضع وإنشاز عظمه من لبنها، ولا تصح في الغصب ولا في الجنايات لان ذلك محرم وكذلك كل محرم لانه لا يحل له فعله بنفسه قلم تجز النيابة فيه (مسألة) (ويجوز أن يوكل من يقبل له النكاح ومن يزوج موليته إذا كان الوكيل ممن يصح له ذلك لنفسه وموليته لان النبي صلى الله عليه وسلم وكل عمرو بن أمية الضمري وأبا رافع في قبول النكاح له ولان الحاجة تدعو إليه فانه ربما احتاج إلى التزويج من مكان بعيد لا يمكنه السفر إليه كما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة وهي بأرض الحبشة ويجوز أن يوكل من يزوج موليته لان الحاجة تدعو إليه فأشبه البيع إذا كان الوكيل ممن يصح منه ذلك لموليته، وهل يجز ان يكون فاسقا؟ ينبني على اشتراط ذلك في ولاية النكاح وسيذكر في بابه ان شاء الله (فصل) ولا يصح التوكيل في الشهادة لانها تتعلق بعين الشاهد لكونها خبرا عما رآه أو سمعه ولا يتحقق هذا المعنى في نائبه فان استناب فيها كان النائب شاهدا على شهادة لكونه يؤدي ما سمعه من شاهد الاصل وليس بوكيل، ولا يصح في الاغتنام لانه متى حضر النائب تعين عليه الجهاد فكان السهم له ولا في الالتقاط لانه بأخذه يصير لملتقطه (فصل) ويجوز التوكيل في المطالبة بالحقوق وإثباتها والمحاكمة فيها حاضرا كان الموكل أو غائبا صحيحا أو مريضا وبه قال مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد والشافعي وقال أبو حنيفة للخصم
[ 207 ]
أن يمتنع من محاكمة الوكيل إذا كان الموكل حاضرا لان حضوره مجلس الحاكم ومخاصمته حق لخصمه عليه فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضاء خصمه كالدين عليه ولنا أنه حق تجوز النيابة فيه فكان لصاحبه الاستنابة بغير رضاء خصمه كحالة غيبته ومرضه وكدفع المال الذي عليه ولانه اجماع الصحابة رضي الله عنهم فان عليا وكل عقيلا عند أبي بكر رضي الله عنه وقال ما قضي له فلي وما قضي عليه فعلي ووكل عبد الله بن جعفر عند عثمان وقال ان للخصومة قحما
وان الشيطان يحضرها واني لاكره أن أحضرها قال أبو زياد القحم المهالك وهذه قصص اشتهرت لانها في مظنة الشهرة فلم ينقل انكارها ولان الحاجة تدعو إلى ذلك فانه قد يكون له حق أو يدعى عليه ولا يحسن الخصومة أو لا يحب أن يتولاها بنفسه ويجوز التوكيل في الاقرار ولاصحاب الشافعي وجهان (احدهما) لا يجوز التوكيل فيه لانه إخبار بحق فلم يجز التوكيل فيه كالشهادة ولنا أنه إثبات حق في الذمة بالقول فجاز التوكيل فيه كالبيع وفارق الشهادة فانها لا تثبت الحق وإنما هو اخبار بثبوته على غيره، ويجوز التوكيل في إثبات القصاص وحد القذف واستيفائهما لانهما من من حقوق الآدميين وتدعو الحاجة إلى التوكيل فيهما لان من له الحق قد لا يحسن الاستيفاء أو لا يحب أن يتولاهما (مسألة) (ويجوز في كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات والحدود في اثباتها واستيفائها كحد الزنا والسرقة) لان النبي صلى الله عليه وسلم قال (اغديا أنيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) فغدا عليها أنيس فاعترفت فأمر بها فرجت متفق عليه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجم ما عز فرجموه ووكل عثمان عليا في إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة رواه مسلم ولان الحاجة تدعو إليه لان الامام لا يمكنه
[ 208 ]
تولي ذلك بنفسه، ويجوز التوكيل في اثباتها وقال أبو الخطاب لا يجوز وهو قول الشافعي لانها تسقط بالشبهات وقد أمرنا بدرئها بها والتوكيل توصل إلى الايجاب ولنا حديث أنيس الذي ذكرناه فان النبي صلى الله عليه وسلم وكله في إثباته واستيفائه جميعا يقوله (فان اعترفت فارجمها) وهذا يدل على أنه لم يكن ثبت وقد وكله في اثباته ولان الحاكم إذا استناب دخل في ذلك الحدود فإذا دخلت في التوكيل بطريق العموم فبالتخصيص يكون دخولها أولى والوكيل يقوم مقام الموكل في درئها بالشبهات (فصل) فأما العبادات فما تعلق منها بالمال كالصدقات والزكاة والمنذورات والكفارات جاز التوكيل في قبضها وتفريقها ويجوز للمخرج التوكيل في إخراجها ودفعها إلى مستحقها ويجوز أن يقول
لغيره اخرج زكاة مالى من مالك لان النبي صلى الله عليه وسلم بعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمين أعلمهم ان عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) متفق عليه ويجوز التوكيل في الحج إذا أيس المحجوج عنه من الحج بنفسه وكذلك العمرة ويجوز ان يستناب من يحج عنه بعد الموت، وفاما العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصيام والطهارة من الحدت فلا يجوز التوكيل فيها فانها تتعلق ببدن من هي عليه فلا يقوم غيره مقامه الا أن الصيام المنذور يفعل عن الميت وليس ذلك بتوكيل لانه لم يوكل في ذلك ولا وكل فيه غيره، ولا يجوز في الصلاة إلا في ركعتي الطواف تبعا للحج ولا تجوز الاستنابة في الطهارة الا في صب الماء وإيصاله إلى الاعضاء وفي تطهير النجاسة عن البدن والثوب وغيرهما (مسألة) (ويجوز الاستيفاء في حضرة الموكل وغيبته نص عليه احمد وهو قول مالك الا القصاص، وحد القذف عند بعض أصحابنا لا يجوز في غيبته)
[ 209 ]
وقد أومأ إليه احمد وهو قول أبي حنيفة وبعض الشافعية لانه يحتمل ان يعفو الموكل في حال غيبته فيسقط وهذا الاحتمال شبهة تمنع الاستيفاء ولان العفو مندوب إليه فإذا حضر احتمل ان يرحمه فيعفو والاول ظاهر المذهب لان ما جاز استيفاؤه في حضرة الموكل جاز في غيبته كالحدود وسائر الحقوق واحتمال العفو بعيد والظاهر أنه لو عفا لبعث وأعلم وكيله وبعفوه والاصل عدمه فلا يؤثر الا ترى ان قضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يحكمون في البلاد ويقيمون الحدود التي تدرأ بالشبهات مع احتمال النسخ وكذلك لا يختلط في استيفاء الحدود باحضار الشهود مع احتمال رجوعهم عن الشهادة أو بغير اجتهاد الحاكم. (مسألة) (ولايجوز للوكيل ان يوكل فيما يتولى مثله بنفسه إلا باذن الموكل وعنه يجوز وكذلك الوصي والحاكم وله التوكيل فيما لا يتولى مثله بنفسه أو يعجز عنه لكثرته) وجملة ذلك ان التوكيل لا يخلو من ثلاثة أحوال (أحدها) ان ينهى الموكل وكيله عن التوكيل فلا يجوز له ذلك بغير خلاف لان مانهاه عنه غير داخل في اذنه فلم يجزله كما لو لم يوكله (الثاني) ان يأذن له في التوكيل فيجوز له لانه عقد أذن فيه فكان له فعله كالتصرف المأذون فيه ولا نعلم في هذا خلافا
فان قال وكلتك فاصنع ما شئت فله ان يوكل، وقال اصحاب الشافعي ليس له التوكيل في أحد الوجهين لان التوكيل يقتضي تصرفا يتولاه بنفسه فقوله اصنع ما شئت يرجع إلى ما يقتضيه التوكيل من تصرفه بنفسه ولنا ان لفظه عام فيما شاء فيدخل في عمومه التوكيل (الثالث) اطلق له الوكالة فلا يخلو من اقسام ثلاثة (أحدها) أن يكون العمل مما يترفع الوكيل عن مثله كالاعمال الدنية في حق أشراف الناس المرتفعين عن فعلها في العادة أو يعجز عن عمله لكونه لا يحسنه فانه لا يجوز له التوكيل فيه لانه إذا كان مما لا يعمله الوكيل عادة انصرف الاذن إلى ما جرت به العادة من الاستنابة فيه (القسم الثاني) ان يكون مما يعمله بنفسه الا أنه يعجز عن عمله لكثرته وانتشاره فيجوز له التوكيل في عمله أيضا لان الوكالة اقتضت جواز التوكيل في فعل جميعه كما لو أذن فيه بلفظه، وقال القاضي عندي
[ 210 ]
أنه إنما له التوكيل فيما زاد على ما يتمكن من عمله بنفسه لان التوكيل إنما جاز للحاجة فاختص ما دعت إليه الحاجة بخلاف وجود إذنه فانه مطلق ولاصحاب الشافعي وجهان كهذين (القسم الثالث) ما عدا هذين القسمين وهو ما يمكنه عمله بنفسه ولا يترفع عنه فهل يجوز له التوكيل فيه؟ على روايتين (احداهما) لا يجوز نقلها ابن منصور وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي لانه لم يأذن له بالتوكيل ولا تضمنه اذنه فلم يجز كما لو نهاه ولانه استئمان فيما يمكنه النهوض فيه فلم يكن له ان يوليه من لم يأمنه عليه كالوديعة (والثانية) يجوز نقلها أحمد وبه قال ابن أبي ليلى إذا مرض أو غاب لان الوكيل له أن يتصرف بنفسه فملكه بنائبه كالمالك والاولى أولى ولا يشبه الوكيل المالك فان المالك يتصرف في ملكه كيف شاء بخلاف الوكيل (فصل) وكل وكيل جاز له التوكيل فليس له ان يوكل الا أمينا لانه لا نظر للموكل في توكيل من ليس بأمين فيفيد جواز التوكيل بما فيه الحظ والنظر كما ان الاذن في البيع يتقيد بالبيع بثمن المثل الا ان يعين له الموكل من يوكله فيجوز توكيله وان لم يكن أمينا لانه قطع نظره بتعيينه فان وكل أمينا فصار خائنا فعليه عزله لان تركه يتصرف مع الخياتة تضييع وتفريط والوكالة تقتضي استئمان أمين وهذا ليس بأمين فوجب عزله
(فصل) والحكم في الوصي يوكل فيما أوصى به إليه وفي الحاكم يولى القضاء في ناحية يستنيب غيره حكم الوكيل فيما ذكرنا من التفصيل إلا أن المنصوص عن أحمد في رواية منها جواز ذلك وهو قول الشافعي في الوصي لان الوصي يتصرف بولائه بدليل انه لم يتصرف فيما لم ينص له على التصرف فيه والوكيل لا يتصرف الا فيما نص له عليه قال شيخنا والجمع بينهما أولى لانه متصرف في مال غيره بالاذن فأشبه الوكيل وانما يتصرف فيما اقتضته الوصية كالوكيل انما يتصرف فيما اقتضته الوكالة
[ 211 ]
(فصل) فأما الولي في النكاح فله التوكيل في تزويج موليته بغير إذنها أبا كان أو غيره وقال القاضي فيمن لا يجوز له الاجبار هل هو كالوكيل؟ يخرج على الروايتين المنصوص عليهما في الوكيل ولا صحاب الشافعي فيه وجهان (أحدهما) لا يملك التوكيل الا باذنها لانه لا يملك التزويج الا باذنها أشبه الوكيل ولنا ان ولايته من غير جهتها فلم يعتبر اذنها في توكيله فيها كالاب بخلاف الوكيل فان الولي متصرف بحكم الولاية الشرعية أشبه الحاكم ولان الحاكم يملك تفويض عقود الانكحة إلى غيره بعير إذن النساء فكذلك الولي وما ذكروه يبطل بالحاكم والذي يعتبر اذنها فيه هو غير ما يوكل فيه بدليل ان الوكيل لا يستغني عن إذنها في التزويج فهو كالموكل في ذلك (فصل) إذا أذن الموكل في التوكيل فوكل كان الوكيل الثاني وكيلا للموكل لا ينعزل بموت الوكيل الاول ولا عزله ولا يملك الاول عزل الثاني لانه ليس بوكيله وان أذن له ان يوكل لنفسه جاز وكان وكيلا للوكيل ينعزل بموته وعزله، وان مات الموكل أو عزل الاول انعزلا جميعا لانهما فرعان له لكن أحدهما فرع الآخر فذهب حكمهما بذهاب أصلهما وان وكل من غير أن يؤذن له في التوكيل نطلقا بل وجد عرفا أو على الرواية التي أجزنا له التوكيل من غير إذن فالثاني وكيل الوكيل الاول حكمه حكم ما لو أذن له ان يوكل لنفسه (مسألة) (ويجوز توكيل عبد غيره باذن سيده) لان المنع لحق السيد فجاز باذنه ولا يجوز بغير اذنه لانه لا يجوز له التصرف بغير اذن سيده لكونه محجورا عليه فإذا أذن في ذلك صح كما تصح تصرفاته باذنه
(مسألة) (فان وكله باذنه في شراء نفسه من سيده فعلى روايتين) (إحداهما) يصح وبه قال أبو حنيفة وبعض الشافعية (والثانية) لا يجوز وهو قول بعض
[ 212 ]
الشافعية لان يد العبد كيد سيده فأشبه مالو وكله في الشراء من نفسه ولهذا يحكم للانسان بما في يد عبده، ولنا انه يجوز ان يشتري عبدامن غير مولاه فجازان يشتريه من مولاه كالاجنبي وإذا جاز ان يشتري غيره جاز ان يشتري نفسه كما ان المرأة لما جاز توكيلها في طلاق غيرها جاز في طلاق نفسها، والوجه الذي ذكروه لا يصح لان أكثر ما يقدر ههنا جعل توكيل العبد كتوكيل سيده وسنذكر صحة توكيل السيد في البيع والشراء من نفسه فههنا أولى، فعلى هذا إذا قال العبد اشتريت نفسي لزيد وصدقاه صح ولزم زيدا الثمن، وان قال السيد ما اشتريت نفسك الا لنفسك عتق العبد لاقرار السيد على نفسه بما يعتق به ويلزم العبد الثمن في ذمته لسيده لان زيدا لا يلزمه الثمن لعدم حصول العبد له وكون سيده لا يدعيه عليه فلزم العبد لان الظاهر ممن باشر العقد انه له، وان صدقه السيد وكذبه زيد نظرت في تكذيبه فان كذبه في الوكالة خلف وبرئ وللسيد فسخ البيع واسترجاع عبده لتعذر ثمنه وان صدقه في الوكالة وقال ما اشتريت نفسك لي فالقول قول العبد لان الوكيل يقبل قوله في التصرف المأذون فيه (فصل) وإذا وكل عبده في اعتاق نفسه أو امرأته في طلاق نفسها صح، وان وكل العبد في اعتاق عبيده أو المرأة في طلاق نسائه لم يملك اعتاق نفسه ولا المرأة طلاق نفسها لانه ينصرف باطلاقه إلى التصرف في غيره ويحتمل ان لهما ذلك لشمولهما عموم اللفظ كما يجوز للوكيل في البيع ان يبيع من نفسه في احدى الروايتين، وان وكل غريمه في إبراء نفسه صح لانه وكله في اسقاط حق من نفسه فهو كتوكيل البعد في اعتاق نفسه، وإن وكله في ابراء غرمائه لم يكن له أن يبرئ نفسه كما لو وكله في حبس غرمائه لم يملك حبس نفسه، وان وكله في خصومتهم لم يكن وكيلا في خصومة نفسه ويحتمل ان يملك ابراء نفسه لما ذكرنا من قبل، وان وكل المضمون في ابراء الضامن فابرأ صح ولم يبرأ المضمون عنه وإن وكل الضمان في ابراء المضمون عنه أو الكفيل في ابراء المكفول عنه صح وبرئ الوكيل ببراءته لانه فرع عليه فإذا برئ الاصل برئ الفرع
[ 213 ]
(مسألة) (والوكالة عقد جائز من الطرفين) لكل واحد منهما فسخها متى شاء لانه إذن في التصرف فكان لكل واحد منهما إبطاله كالاذن في أكل طعامه فان وكل المرتهن في بيع الرهن ففيه اختلاف ذكرناه (مسألة) (وتبطل بالموت والجنون والحجر للسفه وكذلك كل عقد جائز كالشركة والمضارية) تبطل الوكالة بموت الموكل والوكيل وجنون المطلق بغير خلاف علمناه إذا علم الحال وكذلك يبطل بخروجه عن أهلية التصرف كالحجر عليه لسفه لانه لا يملك التصرف فلا يملكه غيره من جهته كالجنون والموت وكذلك كل عقد جائز كالشركة والمضاربة قياسا على الوكالة قال أحمد في الشركة إذا وسوس أحدهما فهو مثل العزل (فصل) فان حجر على الوكيل لفلس فالوكالة بحالها لانه لم يخرج عن اهلية التصرف وان حجر على الموكل وكانت الوكالة في أعيان ماله بطلت لانقطاع تصرفه وان كانت في الخصومة أو الشراء في الذمة أو الطلاق أو الخلع أو القصاص لم تبطل لان الموكل أهل لذلك، وان فسق الوكيل لم ينعزل لانه من أهل التصرف الا ان تكون الوكالة فيما ينافية الفسق كالايجاب في عقد الكاح فانه ينعزل بفسق أحدهما لخروجه عن أهلية التصرف وان كان وكيلا في القبول لم ينعزل بفسق موكله لانه لا ينافي جواز قبوله، وهل يننعزل بفسق نفسه؟ على وجهين أولاهما انه لا ينعزل لانه يجوز ان يقبل النكاح لنفسه فجاز ان يقبله لغيره كالعدل، وان كان وكيلا فيما يشترط فيه الا مانة كوكيل ولي اليتيم وولي الوقف على المساكين ونحو هذا انعزل بفسقه وفسق موكله لخروجهما بذلك عن أهلية التصرف وان كان وكيلا لوكيل ومن يتصرف في مال نفسه انعزل بفسقه لان الوكيل ليس له توكيل فاسق ولا ينعزل بفسق موكله لان موكيله وكيل لرب المال ولا ينافيه الفسق (فصل) ولا تبطل الوكالة بالثوم والسكر والاغماء لان ذلك لا يخرجه عن أهلية التصرف ولا تثبت عليه الولاية الا أن يحصل الفسق بالسكر فقد ذكرناه مفصلا
[ 214 ]
ولا تبطل بالتعدي فيما وكل فيه مثل لبس الثوب وركوب الدابة وهذا أحد الوجهين لاصحاب الشافعي والثاني تبطل بذلك لانها عقد أمانة فبطلت بالتعدي كالوديعة ولنا أنه تصرف باذن موكمله فصح كما لو لم يتعد ويفارق الوديعة من حيث انها أمانة مجردة فنافاها التعدي والخيانة، والوكالة إذن في التصرف تضمنت الامانة فإذا انتفت الامانة بالتعدي بقي الاذن بحاله، فعلى هذا لو وكله في بيع ثوب فلبسه صار ضامنا فإذا باعه صح بيعه وبرئ من ضمانه لدخوله في ملك المشتري وضمانه فإذا قبض الثمن كان أمانة في يده غير مضمون عليه لانه قبضه باذن الموكل ولم يتعد فيه ولو دفع إليه مالا ووكله ان يشتري به شيئا فتعدى في الثمن صار ضامنا وإذا اشترى به وسلمه زال الضمان وقبضه للمبيع قبض امانة، وان ظهر بالمبيع عيب فرد عليه أو وجد هو بما اشتراه عيبا فرده وقبض الثمن كان مضمونا عليه لان العقد المزيل للضمان زال فعاد ما زال به (مسألة) (وهل تبطل بالردة وحرية عبده؟ على وجهين) يصح توكيل المسلم كافرا فيما يصح تصرفه فيه سواء كان ذميا أو مستأمنا أو حربيا أو مرتدا لان العدالة لا تشترط في صحة الوكالة فكذلك الدين كالبيع، فان وكل مسلما فارتد لم تبطل وكالته
[ 215 ]
في أحد الوجهين سواء لحق بدار الحرب أو أقام، وقال أبو حنيفة تبطل إذا لحق بدار الحرب لانه صار منهم ولنا أنه يصح تصرفه لنفسه فلم تبطل وكالته كما لو لم يلحق بدار الحرب ولان الردة لا تمنع ابتداء الوكالة فلا تمنع استدامتها كسائر الكفر، وفيه وجه آخر أنها تبطل بالردة إذا قلنا إن المرتد تزول أملاكه وتبطل تصرفاته والوكالة تصرف وان ارتد الموكل لم تبطل الوكالة فيما له التصرف فيه فأما الوكيل في ماله فينبني على تصرفه نفسه فان قلنا يصح تصرفه لم يبطل توكيله وان قلنا هو موقوف فوكالته موقوفة وان قلنا يبطل تصرفه بطل توكيله وان وكل في حال ردته ففيه الوجوه الثلاثة: (فصل) وإن وكل عبده ثم أعتقه أو باعه لم ينعزل لان زوال ملكه لا يمنع ابتداء الوكالة فلا يقطع استدامتها وفيه وجه آخر أنها تبطل لان توكيل عبده ليس بتوكيل في الحقيقة إنما هو استخدام بحق الملك فيبطل بزوال الملك وهكذا الوجهان فيما إذا وكل عبد غيره ثم باعه السيد، والصحيح الاول
لان سيد العبد اذن له في بيع ماله والعتق لا يبطل الاذن فكذلك البيع الا ان المشتري ان رضى ببقائه على الوكالة والا بطلت وإن وكل عبد غيره فاعتقه فقال شيخنا لا تبطل الوكالة وجها واحدا لان هذا توكيل حقيقة والعتق غير مناف له وان اشتراه الموكل منه لم يبطل لان ملكه إياه لا ينافي اذنه له في البيع والشراء وان وكل امرأته ثم طلقها لم تبطل الوكالة لان زوال النكاح لا يمنع ابتداء الوكالة فلم يمنع استدامتها
[ 216 ]
(فصل) وان تلفت العين التي وكل في التصرف فيها بطلت الوكالة لان محلها ذهب فذهبت الوكالة كما لو وكله في بيع عبد فمات، وكذا لو دفع إليه دينارا ووكله في الشراء بعينه أو مطلقا لانه ان وكله في الشراء بعينه فقد استحال الشراء به بعد تلفه فبطلت الوكالة وان وكله في الشراء مطلقا ونقد الدينار بطلت أيضا لانه انما وكله في الشراء به، ومعناه ان ينقده ثمن ذلك المبيع إما قبل الشراء أو بعده وقد تعذر ذلك بتلفه ولانه لو صح شراؤه للزم الموكل ثمن لم يلتزمه ولا رضي بلزومه، وان استقرضه الوكيل وعزل دينارا عوضه واشترى به فهو كالشراء له من غير اذن لان الوكالة بطلت والدينار الذي عزله عوضا لا يصير للموكل حتى يقبضه فإذا اشترى للموكل به شيئا وقف على اجازة الموكل فان اجازه صح ولزمه الثمن والالزم الوكيل وعنه يلزم الوكيل بكل حال. وقال القاضي متى اشترى بعين ماله شيئا لغيره بغير اذنه فالشراء باطل لانه لا يصح أن يشتري بعين ماله ما يملكه غيره، وقال أصحاب الشافعي متى اشترى بعين ماله شيئا لغيره صح الشراء للوكيل لانه اشترى ما لم يؤذن له فيه أشبه مالو اشتراه في الذمة. (فصل) نقل الاثرم عن أحمد في رجل كان له على آخر دراهم فقال له إذا أمكنك قضاؤها فادفعها إلى فلان وغاب صاحب الحق ولم يوص إلى هذا الذي اذن له في القبض لكن جعله وكيلا وتمكن من عليه الدين من القضاء فخاف إن دفعها إلى الوكيل أن يكون الموكل قد مات ويخاف التبعة من
[ 217 ]
الورثة فقال لا يعجبني أن يدفع إليه لعله قد مات لكن يجمع بين الوكيل والورثة ويبرأ اليهما من
ذلك هذا ذكره أحمد على طريق النظر للغريم خوفا من التبعة من الورثة ان كان موروثهم قد مات فانعزل وكيله وصار الحق لهم فيرجعون على الدافع إلى الوكيل فاما من طريق الحكم فللوكيل المطالبة وللآخر الدفع إليه فان أحمد قد نص في رواية حرب إذا وكله وغاب استوفاه الوكيل وهو أبلغ من هذا لكونه يدرأ بالشبهات لكن هذا احتياط حسن وتبرئه للغريم ظاهرا وباطنا وإزالة التبعة عنه، وفي هذه الرواية دليل على أن الوكيل انعزل بموت الموكل وان لم يعلم بموته لانه اختار أن لا يدفع إلى الوكيل خوفا من أن يكون الموكل قد مات فانتقل إلى الورثة ويجوز ان يكون اختار هذا لئلا يكون القاضي ممن يرى أن الوكيل ينعزل بالموت فيحكم عليه بالغرامة، وفيها دليل على جواز تراخي القبول عن الايجاب لانه وكله في قبض الحق ولم يعلمه ولم يكن حاضرا فيقبل، وفيها دليل على صحة التوكيل بغير لفظ التوكيل، وقد نقل جعفر بن محمد في رجل قال لرجل بع ثوبي ليس بشئ حتى يقول قد وكلتك وهذا سهو من الناقل، وقد تقدم ذكر الدليل على جواز التوكيل بغير لفظه وهو الذي نقله الجماعة. (مسألة) (وهل ينعزل الوكيل بالموت والعزل قبل علمه؟ على روايتين) وجملة ذلك ان الوكالة عقد جائز من الطرفين وقد ذكرنا ذلك فللموكل عزل وكيله متى شاء وللوكيل
[ 218 ]
عزل نفسه وتبطل بموت أحدهما أو جنونه فلمطبق ولا خلاف نعلمه في ذلك مع العلم بالحال فمتى تصرف بعد فسخ الموكل أو موته فهو باطل إذا علم ذلك، وان لم يعلم بالعزل ولا يموت الموكل ففيه روايتان وللشافعي فيه قولان (أحدهما) ينعزل وهو ظاهر كلام الخرقي، فعلى هذا متى تصرف فبان ان تصرفه بعد عزله أو موت موكله فتصرفه باطل لانه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه فصح بغير عمله كالطلاق والعتاق (والثانية) لا ينعزل قبل علمه نص عليه أحمد في رواية جعفر بن محمد لما في ذلك من الضرر لانه قد يتصرف تصرفات فتقع باطلة وربما باع الجارية فيطؤها المشتري أو الطعام فيأكله أو غير ذلك فيتصرف فيه المشتري ويجب ضمانه فيتضرر المشتري والوكيل لانه يتصرف بأمر الموكل فلا يثبت حكم الرجوع في حق المأمور قبل علمه كالفسخ، فعلى هذه الرواية متى تصرف قبل العلم صح
تصرفه وهذا قول أبى حنيفة، وروي عن أبى حنيفة ان الوكيل ان عزل نفسه لم ينعزل الا بحضرة الموكل لانه متصرف بأمر الموكل فلا يصح رد أمره بغيره حضرته كالمودع في رد الوديعة، ووجه الاول ما ذكرناه فأما الفسخ ففيه وجهان كالروايتين، ويمكن الفرق بينهما بأن أمر الشارع يتضمن المعصبة بتركه ولا يكون عاصبا مع عدم العلم وهذا يتضمن العزل عنه إبطال التصرف فلا يمنع منه عدم العلم (فصل) وإذا وقعت الوكالة مطلقة ملك التصرف ابدا ما لم يفسخ الوكالة وتحصل بقوله فسخت الوكالة
[ 219 ]
أو أبطلتها أو نقضتها أو أزلتك أو صرفتك أو عزلتك عنها أو ينهاه عن فعل ما أمره به وما أشبه ذلك من الالفاظ المقتضية عزله والمؤدية معناه أو يعزل الوكيل نفسه أو يوجد ما يقتضي فسخها حكما على ما ذكرنا أو يوجد ما يدل على الرجوع عن الوكالة فإذا وكله في طلاق امرأته ثم وطئها انفسخت الوكالة لان ذلك يدل على رغبته فيها واختيار امساكها وكذلك لو وطئ الرجعية كان ارتجاعا لها فإذا اقتضى رجعتها بعد طلاقها فلان يقتضي استيقاءها على نكاحها ومنع طلاقها وان باشرها دون الفرج أو فعل ما يحرم على غير الزوج فهل تنفسخ الوكالة في الطلاق؟ يحتمل وجهين بناء على الخلاف في حصول الرجعة به، وان وكله في بيع عبد ثم كاتبه أو دبرها نفسخت الوكالة لانه على احدى الروايتين لا يبقى محلا للبيع وعلى الرواية الاخرى تصرفه فيه بذلك يدل على أنه قصد الرجوع عن بيعه وان باعه بيعا فاسدا لم تبطل الوكالة لان ملكه في العبد لم يزل ذكره ابن المنذر (مسألة) (وإذا وكل اثنين لم يكن لاحدهما الانفراد بالتصرف إلا أن يجعل ذلك إليه) وجملة ذلك أنه إذا وكل وكيلين وجعل لكل واحد الانفراد بالتصرف فله ذلك لانه مأذون فيه وان
[ 220 ]
لم يجعل له ذلك فليس لاحدهما الانفراد به لانه لم يأذن في ذلك وإنما يجوز له فعل ما أذن فيه موكله وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي فان وكلهما في حفظ ماله حفظاه معا في حرز لهما لان فوله افعلا كذا يقتضي اجتماعهما على فعله وهو مما يمكن تعلق بهما، وفارق هذا قوله بعتكما حيث كان منقسما ببنهما لانه لا يمكن أن يكون الملك على الاجتماع فانقسم بينهما فان غاب أحد الوكيلين لم يكن للآخر ان
يتصرف ولا للحاكم ضم أمين إليه ليتصرفا لان الموكل رشيد جائز التصرف لا ولاية للحاكم عليه فلا يقيم الحاكم له بغير إذنه، وفارق مالو مات أحد الوصيين حيث يضيف الحاكم إلى الوصي أمينا ليتصرفا لكون الحاكم له النظر في حق الميت واليتيم ولهذا لو لم يوص إلى أحد اقام الحاكم أمينا في النظر لليتيم، وان حضر الحاكم أحد الوكيلين والآخر غائب فادعى الوكالة لهما وأقام بينة سمعها الحاكم وحكم بثبوت الوكالة لهما ولم يملك الحاضر التصرف وحده فإذا حضر الآخر تصرفا معا ولا يحتاج إلى إعادة البينة لان الحاكم سمعها لهما مرة، فان قيل هذا حكم الغائب قلنا يجوز تبعا لحق الحاضر كما يجوز ان بحكم بالوقف الذي يثبت لمن لم يحلف لاجل من يستحقه في الحال كذا ههنا وان جحد الغائب الوكالة أو عزل نفسه لم يكن للآخران يتصرف وبما ذكرناه قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه مخالفا
[ 221 ]
وجميع التصرفات في هذا سواء وقال أبو حنيفة إذا وكلهما في خصومة فلكل واحد منهما الانفراد بها ولنا أنه لم يرض بتصرف أحدهما أشبه البيع والشراء (مسألة) (ولا يجوز للوكيل في البيع أن يبيع لنفسه، وعنه يجوز إذا زاد على مبلغ ثمنه في النداء أو وكل من يبيع وكان هو أحد المشترين، ولا في الشراء ان يتشري من نفسه) وجملة ذلك ان من وكل في بيع شئ لم يجز أن يبيعه لنفسه ولا للوكيل في الشراء أن يشتري من نفسه في أحدى الروايتين نقلها منها وهو مذهب الشافعي وأصحاب الرأي، وكذلك الوصي لا يجوز ان يشتري من مال اليتيم شيئا لنفسه في احدى الروايتين وهو مذهب الشافعي وحكي عن مالك والاوزاعي جواز ذلك فيهما (والرواية الثانية) عن أحمد يجوز لهما أن يشتريا بشرطين احدهما أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء والثاني أن يتولى النداء غيره قال القاضي يحتمل أن يكون اشتراط تولي غيره للنداء واجبا ويحتمل أن يكون مستحبا والاول أشبه بطاهر كلامه وقال أبو الخطاب الشرط الثاني أن يولي من يبيع ويكون هو أحد المشترين، فان قيل فكيف يجوز له دفعها إلى غيره ليبيعها وهذا توكيل وليس للوكيل التوكيل؟ قلنا يجوز التوكيل فيما لا يتولى مثله بنفسه والنداء مما لم تجربه العادة ان يتولاه أكثر
[ 222 ]
الناس بنفوسهم فان وكل إنسانا يشتري له وباع جاز على هذه الرواية لانه امتثل أمر موكله في البيع وحصل غرضه من الثمن فجاز كما لو اشتراها أجنيي وقال أبو حنيفة يجوز للوصي الشراء دون الوكيل لان الله تعالى قال (ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن) وإذا اشترى مال اليتيم باكثر من ثمنه فقد قربه بالتي هي أحسن، ولانه نائب عن الاب وذلك جائز للاب فكذلك نائبه، ووجه الرواية الاولى ان العرف في البيع بيع الرجل من غيره فحملت الوكالة عليه كما لو صرح به ولانه تلحقه التهمة ويتنافى الغرضان في بيعه لنفسه فلم يجز كما لونهاه والوصي كالوكيل لانه يلي بيع مال غيره بتوليه فأشبه الوكيل أو متهم فأشبه الوكيل بل التهمة في الوصي آكد لان الوكيل متهم في ترك الاستقصاء في الثمن لا غير والوصي يتهم في ذلك وفي أنه يشتري من مال اليتيم مالا حظ لليتيم في بيعه فكان أولى بالمنع وعند ذلك لا يكون أخذه لماله قربانا بالتي هي احسن وقد روى ابن مسعود انه قال في رجل أوصى إلى رجل بتركته وقد ترك قريبا فقال الوصي اشتريه قال لا (فصل) وحكم الحاكم أمينه كحكم الوكيل والحكم في بيع احد هؤلاء لوكيله أو لولده الصغير أو طفل يلي عليه أو لوكيله أو عبد المأذون له كالحكم في بيعه لنفسه كل ذلك يخرج على روايتين بناء على
[ 223 ]
بيعه لنفسه، فاما ببعه لولده الكبير أو والده أو مكاتبه فذكر هم اصحابنا ايضا في جملة ما يخرج على روايتين ولا صحاب الشافعي فيهم وجهان وقال أبو حنيفة يجوز بيعه لولده الكبير لانه امتثل امر موكله ووافق العرف في بيع غيره كما لو باعه لاخيه، وفارق البيع لوكيله لان الشراء انما يقع لنفسه وكذلك بيع عبد المأذون وبيع طفل يلي عليه بيع لنفسه لان الشراء يقع لنفسه، ووجه الجمع بينهم انه يتهم في حقهم وبميل إلى ترك الاستقصاء عليهم في الثمن كتهمته في حق نفسه وكذلك لا تقبل شهادته لهم، والحكم فيما إذا اراد ان يشتري لموكله كالحاكم في بيعه لماله لانهما سواء في المعنى (فصل) وان وكل رجلا يتزوج له امرأة فهل له ان يزوجه ابنته؟ يخرج على ما ذكرنا في الوكيل في البيع هل يبيع لولده الكبير وقال أبو يوسف ومحمد يجوز ووجه القولين ما تقدم فيما قبلهما وان اذنت له موليته في تزويجها خرج في تزويجها لنفسه أو ولده أو والده وجهان بناء عنى
ما ذكر في البيع وكذلك لو وكله رجل في تزويج ابنته خرج فيه مثل ذلك (مسألة) (وهل يجوز ان يبيع لولده أو والده أو مكاتبه؟ على وجهين) وقد ذكر افي المسألة قبلها (فصل) فان وكله في بيع عبده ووكله آخر في شراء عبد فقياس المذهب جواز شرائه من
[ 224 ]
نفسه لانه اذن له في طرفي العقد فجاز ان يليهما إذا انتفت التهمة كالاب يشتري من مال ولده لنفسه، ولو وكله المنداعيان في الدعوى عنهما فالقياس جوازه لانه يمكنه الدعوى عن احدهما والجواب عن الآخر واقامة حجة كل واحد منهما ولاصحاب الشافعي في المسئلتين وجهان (فصل) فان اذن للوكيل ان يشتري من نفسه جاز ذلك وقال اصحاب الشافعي لا يجوز في احد الوجهين لانه يجتمع له في عقد غرضان الاسترخاص لنفسه والاستقصاء للموكل وهما متضادان فتما نعا ولنا انه وكله في التصرف لنفسه فجاز كما لو وكل المرأة في طلاق نفسها ولان علة المنع من المشتري لنفسه في محل الاتفاق التهمة لدلالتها على عدم رضا الموكل بهذا التصرف وإخراج هذا التصرف عن عموم لفظه وإرادته وقد صرح ههنا بالاذن فيها فلا ينفي دلالة الحال مع نصه بلفظه على خلافها، وقولهم إنه يتضاد مقصوده في البيع والشراء قلنا ان عين الموكل له الثمن فاشترى به فقد زال مقصود الاستقصاء فانه لا يراد أكثر مما حصل وان لم يعين له الثمن يعيد البيع بثمن المثل كما لو باع الاجنبي وقد ذكر اصحابنا فيما إذا وكل عبدا يشتري له نفسه من سيده وجها أنه لا يجوز ويخرج ههنا مثله والصحيح ما قلناه ان شاء الله تعالى
[ 225 ]
(مسألة) (ولايجوز أن يبيع نساء ولا بغير نقد البلد ويحتمل أن يجوز كالمضارب) وجملة ذلك ان الموكل إذا عين للوكيل الشراء أو البيع بنقد معين أو حالا لم تجز مخالفته لانه إنما يتصرف باذنه ولم يأذن في غير ذلك وان أذن له في الشراء أو البيع بنسيئة جاز وان اطلق لم بيع إلا حالا بنقد البلد لان الاصل في البيع الحلول واطلاق النقد ينصرف إلى نقد البلد كما لو باع ماله فان كان في البلد نقدان باع بأغلبهما فان تساويا باع بما شاء منهما وبهذا قال الشافعي وقال أبو
حنيفة وصاحباه له البيع نساء لانه معتاد فأشبه الحال ويتخرج لنا مثل ذلك بناء على الرواية في المضارب والاول أولى لانه لو اطلق البيع حمل على الحلول فكذلك إذا أطلق الوكالة ولا نسلم تساوي العادة فيهما فان بيع الحال أكثر، ويفارق المضارية لوجهين (أحدهما) ان المقصود من المضاربة الربح لادفع الحاجة بالثمن في الحال وقد يكون المقصود في الوكالة دفع حاجة بأجرة تفوت بتأخير الثمن (الثاني) ان استيفاء الثمن في المضاربة على المضارب فيعود ضرر التأخير في التقاضي عليه وههنا بخلافه وفلا يرضى به الموكل ولان الضرر في توى الثمن على المضارب لانه يحسب من الربح لكون الربح وقاية لرأس المال وههنا يعود على الموكل فانقطع الالحاق
[ 226 ]
(مسألة) (وان باع بدون ثمن مما قدره له صح وضمن النقص) وجملة ذلك ان الوكيل ليس له ان يبيع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد قال أبو حنيفة إذا اطلق الوكالة في البيع فله البيع بأي ثمن كان لان لفظه في الاذن مطلق فيجب حمله على اطلاقه ولنا أنه وكيل مطلق في عقد معاوضة فاقتضى ثمن المثل كالشراء فانه قد وافق عليه وبه ينتقض دليله فان باع بأقل من ثمن المثل مما لا يتغابن الناس بمثله أو بدون ما قدره له فحكمه حكم من لم يأذن له في البيع وعن أحمد البيع صحيح ويضمن الوكيل النقص لان من صح بيعه بثمن المثل صح بدونه كالمريض، فعلى هذه الرواية يكون على الوكيل ضمان النقص وفي قدره وجهان (أحدهما) ما بين ثمن المال وما باع به (والثاني) ما بين ما يتغابن الناس بمثله وما لا يتغابنون لان ما يتغابن الناس به يصح بيعه به ولا ضمان عليه والاول أقيس لانه بيع غير مأذون فيه أشبه بيع الاجنبي وكل تصرف كان الوكيل فيه مخالفا لموكله فحكمه فيه حكم تصرف الأجنبي على ما ذكرنا في موضعه فأما ما يتغابن الناس به عادة وهو درهم في عشرة فمعفو عنه إذا لم يكن الموكل قدر الثمن لان ما يتغابن الناس به بعد ثمن المثل ولا يمكن التحرز منه. (فصل) ولو حضر من يزيد على ثمن المثل لم يجز ان يبيع بثمن المثل لان عليه الاحتياط وطلب
الخط لمولكه فان باع بثمن المثل فحضر من يزيد في مدة الخيار لم يلزمه فسخ العقد لان الزيادة منهي
[ 227 ]
عنها فلا يلزم الرجوع إليها ولان الزايد قد لا يثبت على الزيادة فلا يلزم الفسخ بالشك ويحتمل ان يلزمه ذلك لانها زيادة أمكن تحصيلها أشبه ما قبل البيع والنهي يتوجه إلى الذي زاد لا إلى الوكيل فأشبه ما إذا زاد قبل البيع بعد الاتفاق عليه (مسألة) (وان باع بأكثر من ثمن المثل صح سواء كانت الزيادة من جنس الثمن الذي أمر به أولم تكن هي) إذا وكله في بيع شئ معين فباعه باكثر منه صح قلت الزيادة أو كثرت وكذلك ان أطلق فباعه باكثر من ثمن المثل لانه باع بالمأذون فيه وزاد زيادة تنفعه ولا تضره وسواء كانت لزيادة من جنس الثمن المأمور به أو من غير جنسه كمن أذن في البيع بمائة درهم فباعه بمائة درهم ودينار أو ثوب وقال أصحاب الشافعي لا يصح بيعه بمائة وثوب في أحد الوجهين لانه من غير جنس الاثمان ولنا أنها زيادة تنفعه ولا تضره أشبه مالو باعه بمائة ودينار ولان الاذن في بيعه بمائة اذن في بيعه بزيادة عليها عرفا لان من رضي بمائة لا يكره أن يزاد عليها ما ينفعه ولا يضره ويصير كما لو وكله في الشراء فاشترى بدون ثمن المثل أو بدون ما قدر له (مسألة) (وان قال بعه بدرهم فباعه بدينار صح في أحد الوجهين) لانه مأذون فيه عرفا فان من رضي بدرهم رضي مكانه دينارا فجرى مجرى بيعه بمائة درهم ودينار على ما ذكرنا في المسألة قبلها وقال القاضي لا يصح وهو مذهب الشافعي لانه خالف موكله في الجنس
[ 228 ]
أشبه مالو باعه بثوب يساوي دينارا فاما ان قال بعه بمائة درهم فباعه بمائة ثوب قيمتها اكثر من الدراهم أو بثمانين درهما وعشرين ثوبا لم يصح وهو مذهب الشافعي لانها من غير الاثمان ولانه لم يؤذن فيه لفظا ولا عرفا بخلاف بيعه بدينار. (فصل) فان وكله في بيع عبد بمائة فباع بعضه بها أو وكله مطلقا فباع بعضه بثمن الكل جاز لانه مأذون فيه عرفا فان من رضي بمائة ثمنا للكل رضي بها ثمنا للبعض ولانه حصل له المائة وأبقى له
زيادة تنفصه ولا تضره وله بيع النصف الآخر لانه مأذون فيه فأشبه مالو باع العبد كله بزيادة على ثمنه، ويحتمل ان لا يجوز لانه قد حصل للموكل غرضه من الثمن ببيع البعض فربما لا يختار بيع باقيه للغني عن بيعه يما حصل له من ثمن البعض وهكذا لو وكله في بيع عبدين بمائة فباع أحدهما بها يصح لما ذكرنا وهل له بيع الآخر على وجهين فأما ان وكله في بيع عبده بمائة فباع بعضه باقل منها أو وكله مطلقا فباع بعضه بدون ثمن الكل لم يصح وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة يجوز فيما إذا أطلق الوكالة بناء على أصله في ان للوكيل المطلق البيع بما شاء ولنا أن على الموكل ضررا في تبعضه ولم يوجد الاذن فيه نطقا ولا عرفا فلم يجوز كما لو وكله في في شراء عبد فاشترى بعضه (مسألة) (فان قال بعه بالف نساء فباعه بألف حالة صح ان كان لا يستضر بحفظ الثمن في الحال)
[ 229 ]
إذا وكله في بيع سلعة نسيئة فباعها نقدا بدون ثمنها نسسيئة أو بدون ما عينه له لم ينفذ بيعه لانه خالف موكله لكونه انما رضي بثمن النسيئة دون النقد وان باعها نقدا بمثل ثمنها نسيئة أو بما عينه من الثمن فقال القاضي يصح لانه زاده خيرا فهو كما لو وكله في بيعها بعشرة فباعها باكثر من ثمنها والاولى أن ينظر له فيه فان لم يكن له غرض في النسيئة صح لما ذكرنا وان كان له فيها غرض مثل ان يستضر بحفظ الثمن في الحال أو يخاف عليه من التلف أو المتغلبين أو يتغير عن حاله إلى وقت الحلول أو نحو ذلك فهو كمن لم يؤذن له لان حكم الاذن لا يتناول المسكوت عنه الا إذا علم أنه في المصلحة كالمنطوق أو أكثر فيكون الحكم فيه ثابتا بطريق التنبيه أو المماثلة ومتى كان في المنطوق به غرض صحيح لم يجز تفويته ولا ثبوت الحكم في غيره (مسألة) (وان وكله في الشراء فاشترى بأكثر من ثمن المثل أو بأكثر مما قدره له (1) أما إذا وكله في الشراء فاشترى بأكثر من ثمن المثل مما لا يتغابن الناس بمثله (فصل) فان وكله في بيع عبيد أو شرائهم ملك العقد عليهم جملة واحدة وواحدا واحدا لان الاذن يتناول العقد عليهم جملة والعرف في بيعهم وشرائهم العقد على واحد واحد ولاضرر في جمعهم
ولا افرادهم بخلاف مالو وكله في شراء عبد فاشترى بعضه فانه لا يصح لانه يفضي إلى التشقيص وفيه اضرار بالموكل، فان قال اشتر لي عبيدا صفقة واحدة أو واحد واحدا أو بعهم لي لم يجز مخالفته لان (1)
هذه المسألة ذكرت في الاصل بهذا الوضع وهي كما ترى جملها ناقصة فلتراجع في مظنتها في المغني
[ 230 ]
تنصيصه على ذلك يدل على عغرضه فيه فلم يتناول اذنه سواه، وان قال اشتر لي عبدين صفقة فاشترى عبدين لا ثنين شركة بينهما من وكيليهما أو من أحدهما باذن الآخر جاز وان كان لكل واحد عبد منفرد فاشترى من الماليكن بأن أوجبا له البيع فيهما وقبل ذلك منهما بلفظ واحد فقال القاضي لا يلزم الموكل وهو مذهب الشافعي لان عقد الواحد مع الاثنين عقدان ويحتمل أن يلزمه لان القبول هو الشراء وهو متحد والغرض لا يختلف، وان اشتراهما من وكيليهما وعين ثمن كل واحد منهما مثل ان يقول بعتك هذين العبدين هذا بمائة وهذا بثمانين فقال قبلت احتمل أيضا وجهين وان لم يعين الثمن لكل واحد لم يصح البيع لجهالة الثمن وفيه وجه أنه يصح ويقسط الثمن على قدر قيمتهما، وقد ذكر ذلك في تفريق الصفقة. (مسألة) (وان وكل في شراء شئ نقدا بثمن معين فاشتراه به مؤجلا صح) ذكره القاضي لانه زاده خيرا فأشبه مالو وكله في الشراء بمائة فاشترى بدونها، ويحتمل أن ينظر في ذلك فان كان فيه ضرر نحو أن يستضر ببقاء الثمن معه ونحو ذلك لم يجز ولاصحاب الشافعي في صحة الشراء وجهان: (مسألة) (وإن قال اشتر لي شاة بدينار فاشترى له شاتين تساوي احداهما دينارا أو اشترى له شاة تساوي دينارا بأقل منه صح والالم يصح)
[ 231 ]
وجملة ذلك أنه إذا وكله في شراء شاة بدينار فاشترى شاتين تساوي كل واحدة منهما أقل من دينار لم يقع للموكل وان كانت كل واحدة منهما تساوي دينارا أو احداهما تساوي دينارا والاخرى أقل منه صح ولزم الوكل وهذا المشهور من مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة يقع للموكل إحدى الشاتين
بنصف دينار واخرى للوكيل لانه لم يرض بالزامه عهدة شاة واحدة ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عروة بن الجعد البارقي دينارا فقال (اشتر لنا به شاة) قال فأتيت الجلب فاشتريت شاتين بدينار فجئت أسوقهما أو أقودهما فلقيني رجل في الطريق فساومني فبعت منه شاة بدينار فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالد ينار وبالشاة فقلت يا رسول الله هذا دينار كم وهذه شاتكم فقال (وضعت كيف؟) فحدثته الحديث فقال (اللهم بارك له في صفقة يمينه) ولانه حصل المأذون فيه وزيادة من جنسه تنفع ولا تضر فوقع ذلك له كما لو قال بعه بدينار فباعه بدينارين وما ذكروه يبطل بالبيع فان باع الوكيل احدى الشاتين بغير امر الموكل ففيه وجهان (احدهما) لا يصح لانه باع مال موكله بغير إذنه فلم يجز كبيع الشاتين (والثاني) ان كانت الباقية تساوي دينارا جاز لحديث عروة ولانه حصل له المأذون وزيادة من جنسه تنفع ولا تضر فوقع ذلك له كما لو قال له بعه بدينار فباعه بدينار وما ذكره يبطل بالبيع، فان باع الوكيل إحدى الشاتين بغير أمر الموكل ففيه وجهان (أحدهما) البيع باطل لانه باع مال موكله بغير أمره فلم يجز كبيع الشاتين (والثاني) ان كانت الباقية تساوي دينارا جاز لحديث عروة البارقي ولانه حصل له المقصود والزيادة لو كانت غير الشاة جاز
[ 232 ]
فجاز له ابدالها بغيرها وهذا ظاهر كلام احمد لانه اخذ بحديث عروة وذهب إليه، وإذا قلنا لا يجوز له بيع الشاة فباعها فهل يبطل البيع أو يصح ويقف على اجازة الموكل؟ على روايتين وهذا اصل لكل تصرف في ملك الغير بغير اذنه ووكيل خالف موكله فيه الروايتان وللشافعي في صحة البيع ههنا وجهان (فصل) وإذا وكله في شراء عبد معين بمائة فاشتراه بما دونها صح ولزم الموكل لانه مأذون فيه عرفا وان قال لا تشتره بدون المائة فخالفه لم يجز لانه خالف نصه وصريح قوله مقدم على دلالة العرف وان قال اتشره بمائة ولا تشتره بخمسين جاز له شراؤه بما فوق الخمسين لان اذنه في الشراء بمائة يدل عرفا على الشراء بما دونها خرج منه الخمسون بصريح النهي بقي فيما فوقها على مقتضى الاذن فان اشتراه بما دون الخمسين جاز في احدى الوجهين لذلك ولانه لم يخالف صريح نهيه أشبه ما زاد عليها (والثاني) لا يجوز لانه نهاه عن الخمسين استقلالا لها فكان تنبيها على النهي عما دونها كما ان الاذن في الشراء بمائة أذن فيما دونها فجرى مجرى صريح نهيه فان تنبيه الكلام كنصه، فان قال اشتره بمائة
دينار فاشتراه بمائة درهم فالحكم فيه كما لو قال بعه بدرهم فباعه بدينار على ما مضى وان قال اشتر لي نصفه بمائة فاشتراه كله أو أكثر من نصفه بمائة جاز لانه مأذون فيه عرفاوان قال اشتر لي نصفه بمائة ولا تشتره جميعه فاشترى أكثر من النصف وأقل من الكل بمائة صح في قياس المسألة التي قبلها لكون دلالة العرف قاضية بالاذن في شراء كل ما زاد على النصف خرج الجميع بصربح نهيه ففيما عداه يبقى على مقتضى الاذن (فصل) وان كله في شراء عبد موصوف بمائة فاشتراه على الصفة بدونها جاز لانه مأذون فيه عرفا وان خالف في الصفة أو اشتراه باكثر منها لم يلزم الموكل وان قال اشتر لي عبدا بمائة فاشترى
[ 233 ]
عبدا يساوي مائة بدونها جاز لانه لو اشتراه بمائة جاز فإذا اشتراه بدونها فقد زاده خيرا فيجوز وان كان لا يساوي مائة لم يجز وان ساوى أكثر مما اشتراء به لانه خالف أمره ولم يحصل غرضه (مسألة) (وليس له شراء معيب فان وجد بما اشتراه عيبا فله رده) إذا وكله في شراء سلعة موصوفة لم يجز أن يشتري بها إلا سليمة العيوب لان اطلاق البيع يقتضي السلامة ولذلك جاز له الرد بالعيب فان اشترى معيبا يعلم عيبه لم يلزم الموكل لانه اشترى له ما لم يأذن فيه وان لم يعلم صح البيع لانه إنما يلزمه شراء صحيح في الظاهر لعجزه عن التحرز عن شراء معيب لا يعلم عيبه فإذا علم عيبه ملك رده لانه قائم مقام الموكل وللموكل رده أيضا لانه ملكه، فان حضر قبل رد الوكيل ورضي بالعيب لم يكن للوكيل رده لان الحق له بخلاف المضارب فان له الرد وان رضي رب المال فان له حقا فلا يسقط برضاء غيره وان لم يحضر فأراد الوكيل الرد فقال له البائع توقف حتى يحضر الموكل فربما رضي بالعيب لم يلزمه ذلك لانة لا يأمن فوات الرد بهرب البائع وفوات الثمن بتلفه فان اخره بناء على هذا القول فلم يرض به الموكل فله الرد وان قلنا الرد على الفور لانه أخره باذن البائع فيه وان رضي الموكل سقط الرد (مسألة) (وان قال البائع موكلك قد رضي بالعيب فالقول قول الوكيل بيمينه أنه لا يعلم ذلك)
[ 234 ]
لان الاصل عدم الرضى فلا يقبل قوله إلا ببينة فان لم يقم بينة لم يستحلف الوكيل الا أن يدعي
علمه فيحلف على نفي العلم وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة في رواية لا يستحلف لانه لو حلف كان نائبا في اليمين وليس بصحيح فانه لا نيابة ههنا فانه إنما يحلف على نفي علمه وهذا لا ينوب فيه عن أحد ولو اشترى المضارب معيبا صح لان المقصود منها الربح وهو يحصل مع العيب بخلاف الوكيل فانه قد يكون غرض الموكل القنية والانتفاع والعيب يمنع بعض ذلك (مسألة) (فان رده فصدق الموكل البائع في الرضى بالعيب فهل يصح الرد؟ على وجهين) (احدهما) لا يصح وللموكل استرجاعه وللبائع رده عليه لان رضاءه به عزل للوكيل عن الرد بدليل انه لو علمه لم يكن له الرد (الثاني) يصح الرد بناء على ان الوكيل لا ينعزل قبل العلم بالعزل فان رضي الوكيل المعيب أو أمسكه امساكا ينقطع به الرد فحضر الموكل فأراد الرد فله ذلك على الوجه الاول ان صدق البائع الموكل أن الشراء له أو قامت به بينة وان كذبه ولم يكن بينة فحلف البائع أنه لا يعلم أن الشراء له فليس له رده لان الظاهر ان منن اشترى شيئا فهو له ويلزم الوكيل وعليه غرامة الثمن وهذا كله مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة للوكيل شراء المعيب لان التوكيل في البيع مطلقا يدخل الميعب في اطلاقه ولانه أمين في الشراء فجاز له ذلك كالمضارب ولنا ان البيع باطلاقه يقتضي الصحيح دون المعيب فكذلك الوكالة فيه ويفارق المضاربة من حيث
[ 235 ]
ان المقصود فيها الربح وهو يحصل من المعيب كحصوله من الصحيح بخلاف الوكالة فانه قد يكون المقصود بها القنية أو يدفع بها حاجة يكون المعيب مانعا منها فلا يحصل المقصود وقد ناقض أبو حنيفة قوله فانه قال في قوله تعالى (فتحرير رقبة) لا يجوز العمياء ولا معيبة عيبا يضر بالعمل وقال ههنا يجوز للوكيل شراء الاعمى والمقعد ومقطوع اليدين والرجلين (مسألة) (وان وكله في شراء معين فاشتراه ووجده معيبا فهل له رده قبل اعلام الموكل؟ على وجهين) (احدهما) له الرد لان الامر يقتضي السلامة اشبه مالو وكله في شراء موصوفة (والثاني) لا يملكه لان الموكل قطع نظره بالتعيين فربما رضيه على جميع صفاته فان قلنا له الرد فحكمه حكم غير المعين وان علم عيبه قبل شرائه فهل له شراؤه؟ يحتمل وجهين مبنيين على رده إذا علم عيبه بعد شراؤه
ان قلنا له رده فليس له شراؤه لان العيب إذا جاز الرد به بعد العقد فلان يمنع من الشراء أولى وان قلنا لا يملك الرد ثم فله الشراء ههنا لان تعيين الموكل قطع نظره واجتهاده في جواز الرد فكذلك في الشراء (مسألة) (فان قال اشتر لي بعين هذا الثمن فاشترى له في ذمته لم يلزم الموكل) وجملة ذلك أنه إذا دفع إليه دراهم وقال اشتر لي بهذه عبدا كا له ان يشتري بعينها وفي الذمة لان الشراء يقع على هذين الوجهين فإذا أطلق كان له فعل ما شاء منهما فان قال اشتر بعينها فاشتراه في ذمته ثم نقدها لم يلزم الموكل لانه إذا تعين الثمن انفسخ العقد بتلفه أو كونه مغصوبا ولم يلزمه
[ 236 ]
ثمن في ذمته وهذا غرض صحيح للموكل فلم يجز مخالفته ويقع الشراء للوكيل وهل يقف على اجازة الموكل؟ على روايتين (مسألة) (فان قال اشتر لي في ذمتك وانقد الثمن فاشترى بعينه صح) ولزم الموكل ذكره اصحابنا لانه أذن له في عقد يلزمه به الثمن مع بقاء الدراهم وتلفها فكان اذنا في عقد لا يلزمه الثمن إلا مع بقائها، ويحتمل أن لا يصح لانه قد يكون له غرض في الشراء بغير عينها لشبهة فيها لا يجب أن تشترى بها أو يختار وقوع عقد لا ينفسخ بتلفها ولا يبطل بتحريهما وهذا غرض صحيح فلا يجوز تفويته عليه كما لم يجز تفويت غرضه في الصورة الاولى ومذهب الشافعي في هذا كله على نحو ما ذكرنا (مسألة) (وان أمره ببيعه في سوق بثمن فباعه في آخر صح وان قال بعه من زيد فباعه من غيره لم يصح) وجملة ذلك أن الوكيل لا يملك من التصرف الاما يقتضيه اذن موكله من جهة النطق أو العرف لان تصرفه بالاذن فاختص بما أذن فيه والاذن يعرف بالنطق تارة وبالعرف أخرى، ولو وكل رجلا في التصرف في زمن مقيد لم يملك التصرف قبله ولا بعده لانه لم يتناوله إذنه نطقا ولاعرفا فانه قد يختار التصرف في زمن الحاجة إليه دون غيره ولهذا لما عين الله تعالى لعبادته وقتا لم يجز تقديمها عليه ولا تأخيرها عنه فلو قال له بع ثوبي غدا لم يجز قبله ولا بعده، فان عين له المكان وكان يتعلق به غرض مثل أن يأمره
ببيع ثوبه في سوق وكان السوق معروفا بجودة النقد أو كثرة الثمن أوحله أو بصلاح أهله أو بمودة بين الوكيل وبينهم تقيد الاذن به لانه نص على أمر له فيه غرض فلم يجز تفويته وان كان هو وغيره
[ 237 ]
سواء في الغرض لم يتقيد الاذن به وجاز له البيع في غيره لمساواته المنصوص عليه في الغرض فكان تنصيصه على أحدهما اذنا في الآخر كما لو استأجر أو استعار أرضا لزراعة شئ كان اذنا في زراعة مثله وما دونه ولو اكترى عقارا كان له أن يسكنه مثله ولو نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد جاز له ذلك في غيره وسواء قدر له الثمن أو لم يقدره، فأما ان عين له المشتري فقال بعه فلانا لم يملك بيعه لغيره بغير خلاف علمناه سواء قدر له الثمن أو لا لانه قد يكون له غرض في تمليكه اياه دون غيره إلا أن يعلم بقرينة أو صريح أنه لا غرض له في عين المشتري (فصل) إذا اشترى الوكيل لموكله شيئا انتقل الملك من البائع إلى الموكل ولم يدخل في ملك الوكيل وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يدخل في ملك الوكيل ثم ينتقل إلى الموكل لان حقوق العقد تتعلق بالوكيل بدليل أنه لو اشتراه بأكثر من ثمنه دخل في ملكه ولم ينتقل إلى الموكل ولنا أنه قبل عقدا لغيره صح له فوجب ان ينتقل الملك إليه كالاب والوصي وكما لو تزوج له وقولهم ان حقوق العقد تتعلق به غير مسلم، ويتفرع من هذا ان المسلم لو وكل ذميا في شراء دم أو حنزير فاشتراه له لم يصح الشراء وقال أبو حنيفة يصح ويقع للذمي لان الخمر مال لهم لانهم يتمولونها ويتبايعونها فصح توكيلهم فيها كسائر أموالهم ولنا ان كل مالا يجوز للمسلم العقد عليه لا يجوز ان يوكل فيه كتزويج المجوسية وبهذا خالف سائر
[ 238 ]
اموالهم وإذا باع الوكيل بثمن معين ثبت الملك للموكل في الثمن لانه بمنزلة المبيع وان كان الثمن في الذمة فللوكيل والموكل المطالبة به وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ليس للموكل المطالبة لان حقوق العقد تتعلق بالوكيل دونه ولهذا يتعلق مجلس الصرف والخيار به دون موكله وكذلك القبض ولنا ان هذا دين للموكل يصح قبضه له فملك المطالبة به كسائر ديونه التي وكل فيها وفارق مجلس
العقد لان ذلك من شرط العقد تعلق بالعاقد كالايجاب والقبول واما الثمن فهو حق للموكل ومال من ماله فكانت له المطالبة به ولانسلم ان حقوق العقد تتعلق به وإنما تتعلق بالموكل وهي تسليم الثمن وقبض المبيع والرد بالعيب وضمان الدرك فأما ثمن ما اشتراه إذا كان في الذمة فانه يثبت في ذمة الموكل اصلا وفي ذمة الوكيل تبعا كالضامن وللبائع مطالبة من شاء منهما فان أبرأ الوكيل لم يبرأ الموكل وان أبرأ الموكل برئ الوكيل كالضامن والمضمون عنه سواء وان دفع الثمن إلى البائع فوجد به عيبا فرده على الوكيل كان امانة في يده ان تلف فهو من ضمان الموكل، ولو وكل رجلا يستسلف له العامي كر حنطة ففعل ملك ثمنها والوكيل ضامن عن موكله كما تقدم قال أحمد في رواية منها إذا دفع إلى رجل ثوبا ليببعه ففعل فوهب له المشتري مند يلا فالمنديل لصاحب الثوب إنما قال ذلك لان هبة المنديل سببها المبيع فكان المنديل زيادة في الثمن وزيادة في مجلس العقد تلحق به
[ 239 ]
(مسألة) (وان وكله في بيع شئ ملك تسليمه ولم يملك قبض ثمنه الا بقرينة فان تعذر قبضه لم يلزم الوكيل) لان اطلاق التوكيل في البيع يقتضي التسليم لكونه من تمامه ولم يملك الابراء من الثمن وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يمكله ولنا أن الابراء ليس من المبيع ولا من ثمنه فلا يكون التوكيل في البيع توكيلا فيه كالابراء من غير ثمنه فاما قبض الثمن فقال القاضي وأبو الخطاب لا يملكه وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لانه قد يوكل في البيع من لا يأتمنه على قبض الثمن، فعلى هذا ان تعذر قبض الثمن من المشتري لم يلزم الوكيل شئ ويحتمل أن يملك قبض الثمن لانه من موجب البيع فملكه كتسليم المبيع فعلى هذا ليس له تسليم المبيع الا بقبض الثمن أو حضوره فان سلمه قبل قبض ثمنه ضمنه، قال شيخنا والاولى أن ينظر فيه فان دلت قرينة الحال على قبض الثمن مثل توكيله في بيع ثوب في سوق غائب عن الموكل أو موضع يضيع الثمن بترك قبض الوكيل كان اذنا في قبضه فمتى ترك قبضه ضمنه لان ظاهر حال الموكل أنه انما أمره بالبيع لتصحيل ثمنه فلا يرضى بتضييعه ولهذا يعد من فعل ذلك مفرطا وان لم تدل القرينة على ذلك لم يكن له قبضه
(فصل) وان وكله في شراء شئ ملك تسليم ثمنه لانه من ثمنه وحقوقه فهو كتسليم المبيع في
[ 240 ]
البيع والحكم في قبض المبيع كالحكم في قبض الثمن في البيع على ما ذكرنا، فان اتشرى عبدا فنقد ثمنه فخرج العبد مستحقا فهل يملك أن يخاصم البائع في الثمن؟ على وجهين، فان اشترى شيئا وقبضه وأخر تسليم الثمن لغير عذر فهلك في يده ضمنه وان كان له عذر مثل ان ذهب ينقده أو نحو ذلك فلا ضمان عليه نص أحمد على هذا لانه مفرط في امساكه في الصورة الاولى فلزمه الضمان بخلاف مااذا لم يفرط (مسألة) (وان وكله في بيع فاسد لم يصح ولم يملكه) لان الله تعالى لم يأذن فيه ولان الموكل لا يملكه فالوكيل أولى ولا يملك الصحيح لان الموكل لم يأذن فيه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يملك الصحيح لانه إذا أذن في الفاسد فالصحيح أولى ولنا أنه أذن له في محرم فلم يملك الحلال بالاذن في الفاسد كما لو اذن في شراء خمر وخنزير لم يملك شراء الخيل والغنم (مسألة) (وان وكله في كل قليل وكثير لم يصح) لانه يدخل فيه كل شئ فيعظم الغرر ولانه لا يصح التوكيل الا في تصرف معلوم، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقال ابن أبي ليلى يصح ويملك به كل ما تناوله لفظه لان لفظه عام فصح فيما تناوله كما لو قال بع مالي كله
[ 241 ]
ولنا أن في هذا غررا عظيما وخطرا كبيرا لانه يدخل فيه هبة ماله وطلاق نسائه واعتاق رقيقه وتزوج نساء كثير وتلزمه المهور الكثيرة والايمان العظيمة فيعظم الضرر (مسألة) (وان وكله في بيع ماله كله صح) لانه يعرف ماله فيعرف أقصى ما يبيع فيقل الغرر وكذلك لو وكله في بيع ما شاء من ماله أو قبض ديونه أو الابراء منها أو ما شاء منها صح لانه يعرف دينه فيعرف ما يقبض فيقل الغرر (مسألة) (وان قال اشتر لي ما شئت أو عبدا بما شئت لم يصح حتى يذكر النوع وقدر الثمن وعنه ما يدل على أنه يصح)
إذا قال اشتر لي ما شئت بما شئت لم يصح ذكره أبو الخطاب لان ما يمكن شراؤه يكثر فيكثر فيه الغرر وان قدر له اكثر الثمن وأقله صح لانه يقبل الغرر وقال القاضي إذا ذكر النوع لم يحتج إلى ذكر الثمن لانه أذن في أعلاه وعنه ما يدل على أنه يصح فانه قد روي عن فيمن قال ما اشتريت من شئ فهو بيننا أن هذا جائز وأعجبه وهذا توكيل في شراء كل شئ ولانه اذن في التصرف فجاز من غير تعيين كالاذن في التجارة
[ 242 ]
(فصل) وقد ذكرنا أنه إذا قال بع ما شئت من مالي أنه يصح وقال أصحاب الشافعي إذا قال بع ما شئت من مالي لم يجز وان قال بع ما شئت من عبيدي جاز لانه محصور بالجنس ولنا أن ما جاز التوكيل في جميعه جاز التوكيل في بعضه وان قال اشتر لي عبدا تركيا أو ثوبا صرويا صح وكذلك ان قال اشتر لي عبدا أو ثوبا ولم يذكر جنسه صح أيضا وقال أبو الخطاب لا يصح وهو مذهب الشافعي لانه مجهول ولنا أنه ذكر نوعا فقد أذن في أعلاه ثمنا فيقل الغرر ولان تقدير الثمن يضربه فانه قد لا يجد بقدر الثمن ومن اعتبر ذكر الثمن جوز أن يذكر له أكثر الثمن وأقله وقد ذكرناه (مسألة) (وإن وكله في الخصومة لم يكن وكيلا في القبض) وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة يملك قبضه لان المقصود من التثبت قبضه أو تحصيله
[ 243 ]
ولنا أن القبض لم يتناوله الاذن نطقا ولا عرفا لانه قد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض (فصل) إذا وكله في الخصومة لم يقبل إقراره على الموكل بقبض الحق ولا غيره وبه قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى وقال أبو حنيفة ومحمد يقبل اقراره في مجلس الحكم فيما عدا الحدود والقصاص وقال أبو يوسف يقبل اقراره في مجلس الحكم وغيره لان الاقرار أحد جوابي المدعي فملكه كالانكار ولنا ان الاقرار يقطع الخصومة وينافيها فلم يملك الوكيل الاقرار فيها كالابراء وفارق الانكار فانه لا يقطع الخصومة ويملكه في الحدود والقصاص وفي غير مجلس الحاكم ولان الوكيل لا يملك
الانكار على وجه يمنع الموكل من الاقرار فلو ملك الاقرار لا متنع على الموكل الانكار فافترقا ولا يملك المصالحة على الحق ولا الابراء منه بغير خلاف نعلمه الا ان الاذن في الخصومة لا يقتضي شيئا من ذلك (مسألة) (وان وكله في القبض كان وكيلا في الخصومة في أحد الوجهين) وقال أبو حنيفة والآخر ليس له ذلك وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لانهما معنيان مختلفان فالوكيل في أحدهما لا يكون وكيلا في الآخر لانه لم يتناوله اللفظ
[ 244 ]
ووجه الاول أنه لا يتوصل إلى القبض إلا بالتثبيت فكان أذنا فيه عرفا ولان القبض لا يتم إلا به فملكه كما لو وكل في شراء شئ ملك تسليم ثمنه أو في بيع شئ ملك تسليمه ويحتمل أنه ان كان الموكل عالما بجحد من عليه الحق أو مطله كان توكيلا في تثبيته والخصومة فيه لعلمه بوقوف القبض عليه ولا فرق بين كون الحق عينا أو دينا وقال بعض أصحاب أبي حنيفة ان وكل في بيع عين لم يملك تثبيتها لانه وكيل في نقلها أشبه الوكيل في نقل الزوجة. ولنا انه وكيل في قبض حق أشبه الوكيل في قبض الدين وبه يبطل ما ذكروه فانه توكيل في قبضه ونقله إليه (مسألة) (وان وكل في قبض الحق من انسان لم يكن له القبض من وارثه وان قال اقبض حقي الذي قبله فله القبض من وارثه) إذا وكله في قبض دين من رجل فمات نظرت في لفظه فان قال اقبض حقى من فلان لم يكن له قبضه من وارثه لانه لم يؤمر بذلك ولا يقتضيه العرف لانه قد يرى بقاء الحق عندهم دونه وان قال اقبض حقى الذي قبله أو عليه فله مطالبة وارثه والقبض منه لان قبضه من الوارث قبض الحق الذي
[ 245 ]
على مورثه، فان قيل فلو قال اقبض حقي من زيد فوكل زيد انسانا في الدفع إليه كان له القبض والوارث نائب الموروث فهو كالوكيل، قلنا الوكيل إذا دفع عنه باذنه جرى مجرى تسليمه لانه أقامه مقام نفسه وليس كذلك ههنا فان الحق انتقل إلى الورثة واستحقت المطالبة عليه لا بطريق النيابة عن المورث ولهذا لو حلف
لا يفعل شيئا حنث بفعل وكيله دون وارثه (مسألة) (وإن وكله في قبضه اليوم لم يكن له قبضه غدا لانه قد يختص غرضه به في زمن حاجته إليه (مسألة) وإن وكله في الايداع فأودع ولم يشهد لم يضمن إذا أنكر المودع) كذلك ذكره أصحابنا وعموم كلام الخرقي يقتضي أن لا يقبل قوله على الآخر وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي لان الوديعة لا تثبت إلا ببينة فهو كما لو وكله في قضاء الدين وقال أصحابنا لا يصح القياس لان قول المودع يقبل في الرد والهلاك فلا فائدة في استيثاق بخلاف قضاء الدين، فان قال الوكيل دفعت المال إلى المودع فقال لم تدفعه فالقول قول الوكيل لانهما اختلفا في تصرفه فيما وكل فيه فكان القول قوله فيه
[ 246 ]
(مسألة) (وإن وكله في قضاء الدين فقضاه ولم يشهد وأنكر الغريم ضمن إلا أن يقضيه بحضرة الموكل) إذا وكل رجلا في قبضاء دينه ودفع إليه مالا ليدفعه إليه فادعى الوكيل قضاء الدين ودفع المال إلى الغريم لم يقبل قوله على الغريم إلا ببينة لانه ليس بأمينه فلم يقبل قوله عليه في ذلك كما لو ادعاه الموكل فإذا حلف الغريم فله مطالبة الموكل لان ذمته لا تبرأ بدفع المال إلى وكيله وهل للموكل الرجوع على وكيله؟ ينظر فان كان قضاه بغير بينة فللموكل الرجوع عليه إذا قضاه في غيبته قال القاضى سواء صدقه أو كذبه وهذا قولا الشافعي لانه إذن في القضاء يبرأ به ولم يوجد وعن أحمد لا يرجع عليه بشئ إلا أن يكون أمره بالاشهاد فلم يفعل، فعلى هذه الرواية ان صدقه الموكل في الدفع لم يرجع عليه بشئ وإن كذبه فالقول قول الوكيل مع يمينه وهذا قول أبي حنيفة ووجه لاصحاب الشافعي لانه ادعى فعل ما أمره به موكله فكان القول قوله كما لو أمره ببيع ثوبه فادعى بيعه ووجه الاول أنه مفرط بترك الاشهاد فضمن كمما لو فرط في البيع بدون ثمن المثل، فان قيل فلم يأمره بالاشهاد؟ قلنا إطلاق الامر بالقضاء يقتضى ذلك لانه لا يثبت إلا به فيصير كامره بالبيع والشراء يقتضى ذلك العرف لا العموم كذاههنا وقياس القول الآخر يمكن القول بموجبه وأن قوله مقبول في القضاء وإنما لزمه الضمان لتفريطه لالرد قوله وعلى هذا لو كان القضاء بحضرة الموكل
[ 247 ]
لم يضمن الوكيل لان تركه الاحتياط والاشهاد رضا منه بما فعل وكيله وكذلك لو أذن له في القضاء بغير
اشهاد فلا ضمان عليه لان صريح قوله يقدم على ما تقتضيه دلالة الحال وكذلك إن أشهد على القصاء عد ولا فماتوا أو غابوا فلا ضمان عليه لعدم تفريطه، وإن أشهد من يختلف في ثبوت الحق بشهادته كشاهد واحد أو رجلا وامرأتين فهل يبرأ من الضمان يخرج على روايتين فان اختلف الوكيل والموكل فقال قضيت الدين بحضرتك فأنكر الموكل ذلك أو قال أذنت لي في قضائه بغير بينة فأنكر الموكل أو قال أشهدت على القضاء شهودا فما توا فأنكر الموكل فالقول قوله لان الاصل معه (فصل) قال المصنف رحمه الله (والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما تلف في يده بغير تفريط) سواء كان بجعل أولا لانه أمين أشبه المودع ومتى اختلفا في تعدي الوكيل أو تفريطه في الحفظ أو مخالفته أمر موكله مثل أن يدعي أنك حملت على الدابة فوق طاقتها أو حملت عليها شيئا لنفسك أو فرطت في حفظها أو لبست الثوب أو أمرتك برد المال فلم تفعل ونحو ذلك فالقول قول الوكيل مع يمنيه لانه أمين وهذا مما يتعذر إقامة البينة عليه فلا يكلف ذلك كالمودع ولانه منكر لما يدعى عليه والقول قول المنكر، وكذلك إن ادعى الوكيل التلف فأنكر الموكل فالقول قول الوكيل مع يمينه لما ذكرنا وهكذا حكم من كان في يده شئ لغيره على سبيل الامانة كالاب والوصي وأمين الحاكم والشريك والضمارب والمرتهن والمستأجر لانه لو كلف ذلك مع تعذره لا متنع الناس من الدخول في الامانات مع دعوى الحاجة إليها وذلك ضرر وقال
[ 248 ]
القاضي إلا أن يدعي تلفها بامر ظاهر كالحريق والنهب فعليه إقامة البينة على وجود هذا الامر في تلك الناحية ثم يكون القول قوله في تلفها به وهذا قول الشافعي لان وجود الامر الظاهر مما لا يخفى فلا يتعذر إقامة البينة عليه ومتى ثبت التلف في يده من غير تعديه إما لقبول قوله أو باقرار موكله أو تبينه فلاضمان عليه سواء تلف المتاع الذي أمر ببيعه أو باعه وقبض ثمنه فتلف الثمن سواء كان بجعل أو غيره لانه نائب المالك في اليد والتصرف فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك وجرى مجرى المودع والمضارب وشبههما فان تعدى أو فرط ضمن وكذلك سائر الامناء ولو باع الوكيل سلعة وقبض ثمنها فتلف في يده من غير تعد واستحق المبيع رجع المشترى بالثمن على الموكل دون الوكيل لان المبيع له فالرجوع بالعهدة عليه كما لو باع بنفسه
(مسألة) (وإن قال بعت الثوب وقبضت الثمن فتلف فالقول قوله) إذا اختلف الوكيل والموكل في التصرف فيقول الوكيل بعت الثوب وقبضت الثمن فينكر الموكل ذلك أو يقول بعت ولم تقبض شيئا فالقول قول الوكيل ذكره ابن حامد وهو قول أصحاب الرأي لانه يملك البيع والقبض فقبل قوله فيهما كما يقبل قول ولي المرأة المجبرة على النكاح في تزويجها ويحتمل أن لا يقبل قوله وهذا أحد القولين لاصحاب الشافعي لانه يقر بحق لغيره على موكله فلم يقبل كما لو أقر بدين عليه فان وكله في شراء عبد فاشتراه واختلفا في قدر ما اشتراه به فقال اشتريته بألف قال بل بخمسمائة فالقول قول الوكيل لما ذكرناه
[ 249 ]
وقال القاضى القول قول الموكل الا أن يكون عين له الشراء بما ادعاه فقال اشتر لي عبدا بالف فادعى الوكيل أنه اشتراه بها فالقول قول الوكيل إذا وإلا فالقول قول الموكل لان من كان القول قوله في أصل شئ كان القول قوله في صفته وللشافعي قولان كهذين الوجهين، وقال أبو حنيفة إن كان الشراء في الذمة فالقول قول الموكل لانه غارم لكونه مطالبا بالثمن وان اشترى بعين المال فالقول قول الوكيل لكونه الغارم فانه مطالبه برد ما زاد على خمسمائة. ولنا أنهما اختلفا في تصرف الوكيل فكان القول قوله كما لو اختلفا في البيع ولانه وكيل في الشراء فكان القول قوله في قدر ثمن المشترى كالمضارب وكما لو قال له اشتر بألف عند القاضي (مسألة) (وان اختلفا في رده إلى الموكل فالقول قوله ان كان متطوعا وإن كان بجعل فعلى وجهين) إذا اختلفا في الرد فادعاه الوكيل و أنكره الموكل فان كان بغير جعل فالقول قول الوكيل لانه قبض المال لنفع مالكه فكان القول قوله كالمودع وان كان بجعل ففيه وجهان (أحدهما) أن القول قوله كالاول (والثاني) لا يقبل قوله لانه قبض المال لنفع نفسه فلم يقبل قوله في الرد كالمستعير وسواء اختلفا في رد العين أو رد ثمنها.
[ 250 ]
(مسألة) (وكذلك يخرج في الاجير والمرتهن) وجملة ذلك ان الامناء على ضربين (أحدهما) من قبض المال لنفع مالكه لا غير كالمودع والوكيل
بغير جعل فيقبل قولهم في الرد لانه لو لم يقبل قولهم لامتنع الناس من قبول هذه الامانة فيلحق الناس الضرر (الثاني) ينتفع بقبض الامانة كالوكيل بجعل والمضارب والاجير المشترك والمستأحر والمرتهن ففيهم وجهان ذكرهما أبو الخطاب (أحدهما) لا يقبل قول المرتهن والمضارب في الرد لان احمد نص عليه في المضارب في رواية ابن منصور ولان من قبض المال لنفع نفسه لا يقبل قوله في الرد كالمستعير ولو أنكر الوكيل قبض المال ثم ثبت ذلك ببينة أو اعتراف فادعى الرد أو التلف لم يقبل قوله لان جنايته قد ثبتت بجحده، فان أقام بينة بما ادعاه من الرد أو التلف لم تقبل بينته في أحد الوجهين لانه كذبها بجحده فان قوله قبضت يتضمن أنه لم يرد شيئا (والثاني) يقبل لانه يدعي الرد والتلف قبل وجود خيانته فان كان جحوده انك لا تستحق علي شيئا أو مالك عندي شئ سمع قوله مع يمينه لان جوابه لا يكذب ذلك فانه إذا كان قد تلف أو رد فليس له عنده شئ فلا تنافي بين القولين الا أن يدعي انه رده أو تلف بعد قوله مالك عندي شئ فلا يسمع قوله لثبوت كذبه وخيانته (مسألة) (فان قال أذنت لي في البيع نسيئة وفي الشراء بخمسه فأنكره فعلى وجهين) وجملة ذلك أنهما متى اختلفا في صفة الوكالة فقال وكلتك في بيع هذا العبد قال بل في بيع هذه الجارية أو قال
[ 251 ]
في بيعه نقداقال بل نسيئة أو قال وكلتك في شراء عبد قال بل في شراء أمة أو قال بل وكلتك في الشراء بعشرة قال بل بخمسة فقال القاضي في المجرد القول قول الموكل وهو قول أصحاب الرأي والشافعي وابن المنذر، وقال أبو الحطاب إذا قال أذنت لك في البيع نقدا وفي الشراء بخمسة قال بل أذنت لي في البيع نساء وفي الشراء بعشرة فالقول قول الوكيل نص عليه أحمد واختاره القاضي والتعليق الكبير في المضاربة لانه أمين في التصرف فكان القول قوله في صفته كالخياط إذا قال أذنت لي في تفصيله قباء قال بل قميصا وحكي عن مالك ان أدركت السلعة فالقول قول الموكل وان فاتت فالقول قول الوكيل لانها إذا فاتت لزم الوكيل الضمان والاصل عدمه بخلاف ما إذا كانت موجودة، والقول الاول أصح لوجهين (أحدهما) أنهما اختلفا في التوكيل الذي يدعيه الموكل فكان القول قول من ينفيه كما لو لم يقر الموكل بتوكيله في غيره (والثاني) انهما اختلفا في صفة قول الموكل فكان القول قوله في صفة كلامه كما لو اختلف الزوجان
في صفة الطلاق، فعلى هذا إذا قال اشتريت لك هذه الجارية باذنك فقال ما اذنت الا في شراء غيرها أو قال اشتريتها لك بألفين فقال ما أذنت لك في شرائها الا بألف فالقول قول الموكل وعليه اليمين فإذا خلف برئ من الشراء، ثم لا يخلو إمان يكون الشراء بعين المال أو في الذمة فان كان بعين المال فالبيع باطل ويرد الجارية على البائع ان اعترف بذلك وان كذبه في ان الشراء لغيره أو بمال غيره بغير اذنه فالقول قول البائع لان الظاهر ان ما في يد الانسان له فان ادعى الوكيل علمه بذلك حلف أنه
[ 252 ]
لا يعلم أنه اشتراه بمال موكله لانه يحلف على نفي فعل غيره فإذا حلف مضى البيع وعلى الوكيل غرامة الثمن لموكله ودفع الثمن إلى البائع وتبقى الجارية في يده لا تحل له لانه إن كان صادقا فهي للموكل وان كان كاذبا فهي للبائع، فان أراد استحلالها اشتراها ممن هي له في الباطن امتنع من بيعه إياها رفع الامر إلى الحاكم ليرفق به ليبيعه اياها ليثبت الملك له ظاهرا وباطنا ويصير ما ثبت له في ذمته ثمنا قصاصا بالثمن الذي أخذ منه الآخر ظلما فان امتنع الآخر من البيع لم يجبر عليه لانه عقد مراضاة، فان قال له ان كانت الجارية لي فقد بعتكها أو قال الموكل ان كنت أذنت لك في شرائها بألفين فقد بعتكها ففيه وجهان (أحدهما) لا يصح وهو قول القاضي وبعض الشافعية لانه بيع معلق على شرط (والثاني) يصح لان هذا أمر واقع يعلمان وجوده فلا يصح جعله شرطا كما لو قال ان كانت هذه الجارية جارية فقد بعتكها وكذلك كل شرط علما وجوده فانه لا يوجب وقوف البيع ولا شكافيه، وان كان الوكيل اشترى في الذمة ثم نقد الثمن صح الشراء ولزم الوكيل في الظاهر فأما في الباطن فان كان كاذبا في دعواه فالجارية لموكله فإذا أراد احلالها توصل إلى شرائها منه كما ذكرنا وكل موضع كانت للموكل في الباطن وامتنع من بيعها للوكيل فقد حصلت في يد الوكيل وهي للموكل وفي ذمته ثمنها في الوكيل فأقرب الوجوه ان يأذن للحاكم في بيعها وتوفية حقه من ثمنها فان كانت للوكيل فقد بيعت باذنه وإن كانت للموكل فقد باعها الحاكم في إيفاء دين امتنع المدين من وفائه وقد قيل غير ما ذكرنا وهذا أقرب إن شاء الله تعالى
[ 253 ]
وان اشتراها الوكيل من الحاكم بماله على الموكل جاز لانه قائم مقام الموكل في ذلك أشبه ما لو اشترى منه
(فصل) ولو وكله في بيع عبد فباعه نسيئة فقال الموكل ما أذنت في بيعه الا نقدا فصدقه الوكيل والمشتري فسد البيع وله مطالبة من شاء منهما بالعبد إن كان باقيا وبقيمته ان تلف فان أخذ القيمة من الوكيل رجع على المشتري بها لان التلف في يده فاستقر الضمان عليه وان أخذها من المشتري لم يرجع بالضمان على أحد، وان كذباه وادعيا أنه أذن في البيع نسيئة فعلى قول القاضي يحلف الموكل ويرجع في العين إن كانت قائمة وان كانت تالفة رجع المشتري على الوكيل بالثمن الذي أخذه منه لانه لم يسلم له المنع وان ضمن الوكيل لم يرجع على المشتري في الحال لانه يقر بصحة البيع وتأجيل الثمن وان البائع ظلمه بالرجوع عليه وأنه انما يستحق المطالبة بالثمن بعد الاجل فإذا حل الاجل رجع الوكيل على المشتري بأقل الامرين من القيمة أو الثمن المسمى لان القيمة ان كانت أقل فما غرم اكثر منها فلم يرجع بأكثر مما غرم وإن كان الثمن أقل فالوكيل معترف للمشتري أنه لا يستحق عليه أكثر منه وان الموكل ظلمه بأخذ الزائد على الثمن فلا يرجع على المشتري بما ظلم به الموكل وان كذبه أحدهما دون الآخر فله الرجوع على المصدق بغير يمين ويحلف على المكذب ويرجع على حسب ما ذكرناه هذا ان اعترف المشتري بالوكالة وإن أنكر ذلك وقال انما بعتني ملكك فالقول قوله مع يمينه أنه لا يعلم كونه وكيلا ولا يرجع عليه بشئ.