المحلى تصنيف الامام الجليل، المحدث، الفقيه، الاصولي، قوي العارضة شديد المعارضة، بليغ العبارة، بالغ الحجة، صاحب التصانيف الممتعة في المعقول والمنقول، والسنة، والفقه، والاصول والخلان، مجدد القرن الخامس، فخر الاندلس ابي محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم المتوفى سنة 456 ه طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة كما قوبلت على النسخة التي حققها الاستاذ الشيخ احمد محمد شاكر الجزء السابع دار الفكر
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم 775 - مسألة - ومن مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان، أو نذر، أو كفارة واجبة ففرض على أوليائه ان يصوموه (1) عنه هم أو بعضهم، ولا اطعام في ذلك اصلا أوصى به أو لم يوص به، فان لم يكن له ولى استؤجر عنه من رأس ماله من أيصومه عنه ولابد أوصى بكل ذلك أو لم يوص، وهو مقدم على ديون الناس، وهو قول ابى ثور، وأبى سليمان، وغيرهما * وقال أبو حنيفة، ومالك: ان أوصى ان يطعم عنه اطعم عنه (2) مكان كل يوم مسكين وان لم يوص بذلك فلا شئ عليه (3)، والاطعام عند مالك في ذلك مدمد،
وعند ابى حنيفة صاع من غير البر لكل مسكين، ونصف صاع من البر أو دقيقه * وقال الليث كما قلنا، وهو قول احمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه في النذر خاصة * قال أبو محمد: قال الله تعالى: (من بعد وصية يوصى بها أو دين) * نا عبد الله بن يوسف، وعبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال عبد الله: نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب ابن عيسى نا أحمد بن محمدنا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج حدثنى هارون بن سعيد الايلى، وأحمد بن عيسى نا ابن وهب وقال عبد الرحمن: نا إبراهيم بن احمد ناالفربرى نا البخاري نا محمد بن موسى بن أعين (4) نا أبى، ثم اتفق موسى وابن وهب كلاهما عن عمرو بن الحارث عن عبيد الله بن ابى جعفر حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة أم المؤمنين (5) ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) * وبه إلى مسلم *
(1) في النسخة رقم (16) (ان يصوموا عنه) (2) لفظ (عنه) زيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (فيه) (4) في النسخة رقم (16) (ابن أيمن) وهو غلط (5) لفظ أم المؤمنين) ليس موجودا في البخاري (ج 3 ص 79) وصحيح مسلم (ج 1 ص 315)
[ 3 ]
نا أبو سعيد الاشج نا أبو خالد الاحمر نا الاعمش عن سلمة بن كهيل، والحكم ابن عتيبة، ومسلم البطين عن سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد عن ابن عباس ان سائلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن (1) أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ (2) قال: نعم قال: فدين الله أحق ان يقضى) * قال أبو محمد: سمعه الاعمش من مسلم البطين، ومن الحكم، ومن سلمة، وسمعه الحكم، وسلمة من مجاهد * وبه إلى مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة، وعبدبن حميد، وعلى بن حجر السعدى قال أبو بكر: نا عبد الله بن نمير، وقال عبد: نا عبد الرزاق انا سفيان الثوري،
وقال على بن حجر: نا على بن مسهر، ثم اتفق ابن نمير، وسفيان، وعلى بن مسهر كلهم عن عبد الله بن عطاء المكى عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: بينما (3) انا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتته امرأة فقالت: انى تصدقت على أمي بجارية وانها ماتت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وجب أجرك وردها عليك الميراث قالت: يا رسول الله انه كان عليها صوم شهر أفا صوم عنها؟ قال: صومي عنها قالت: انها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: حجى عنها) قال ابن نمير في روايته: شهرين، واتفقوا على (4) كل ما عدا ذلك * قال أبو محمد: فهذا القرآن، والسنن المتواترة المتظاهرة التى لا تحل خلافها، وكلهم يقول: يحج عن الميت ان أوصى بذلك ثم لا يرون ان يصام عنه وان أوصى بذلك، وكلاهما عمل بدن، وللمال في اصلاح ما فسد منهما مدخل بالهدى، وبالاطعام، وبالعتق، فلا القرآن اتبعوا، ولا بالسنن (5) أخذوا، ولا القياس عرفوا، وشغبوا في ذلك باشياء، منها انهم ذكروا قول الله تعالى: (وأن ليس للانسان الا ما سعى) وذكروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الميت انقطع عمله الا من ثلاث علم علمه، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له)، وباثر رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابراهيم بن أبى يحى عن الحجاج بن أرطاة عن عبادة بن نسى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مرض في رمضان فلم يزل مريضا حتى مات لم يطعم عنه وان صح فلم يقضه حتى مات أطعم عنه) وقال بعضهم: قد روى عن عائشة وابن عباس وهما رويا الحديث المذكور انهما لم يريا الصيام عن الميت كما رويتم من طريق ابن أبى شيبة عن جرير بن عبد الحميد عن
(1) لفظ (ان) سقط من النسخة رقم (14) وهو موجود في صحيح مسلم ج 1 ص (315) (2) لفظ (عنها) زيادة من صحيح مسلم (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 316 (بينا) بدل (بينما) زيدت ما للاشباع (4) في النسخة رقم (16) (في) بدل (على) (5) في النسخة رقم (16) (السنن) باسقاط حرف الجر
[ 4 ]
عبد العزيز بن رفيع عن امرأة منهم اسمها عمرة ان أمها ماتت وعليها من رمضان فقالت
لعائشة: أقضيه عنها؟ قالت: لابل تصدقي عنها مكان كل يوم نصف صاع على كل مسكين، وإذا ترك الصاحب الخبر (1) الذى روى فهو دليل على على نسخه لا يجوز أن يظن به غير ذلك، إذا لو تعمد ترك ما رواه (2) لكانت جرحة فيه، وقد أعاذهم الله تعالى من ذلك، وقالوا: لا يصام عنه كما لا يصلى عنه * قال أبو محمد: هذا كل ماموهوا به، وهو كله لاحجة لهم في شئ منه، أما قول الله تعالى: (وأن ليس للانسان الا ما سعى) فحق (3) الا ان الذى انزل هذا هو الذى أنزل (من بعد وصية يوصى بها أو دين) وهو الذى قال لرسوله: صلى الله عليه وسلم (لتبين للناس ما نزل إليهم) وهو الذى قال: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) فصح انه ليس للانسان الا ما سعى، وما حكم الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم ان له من سعى غيره عنه، والصوم عنه من جملة ذلك، والعجب أنهم نسوا انفسهم في الاحتجاج بهذه الاية فقالوا: ان حج عن الميت أو أعتق عنه أو تصدق عنه فأجر كل ذلك له ولا حق به فظهر تناقضهم * فان قال منهم قائل: انما يحج عنه إذا أوصى بذلك لانه داخل فيما سعى * قلنا له: فقولوا: بان يصام عنه كما إذا أوصى بذلك لانه داخل فيما سعى، فان قالوا: للمال في الحج مدخل في جبر ما نقص منه قلنا: وللمال في الصوم مدخل في جبر ما نقص منه بالعتق والاطعام، وكل هذا منهم تخليط، وتناقض، وشرع في الدين لم (4) يأذن به الله تعالى، وهم يجيزون العتق عنه، والصدقة عنه وان لم يوص بذلك فبطل تمويههم بهذه الآية * وأما اخباره عليه السلام بان عمل الميت ينقطع الا من ثلاث فصحيح، والعجب انهم لم (5) يخافوا الفضيحة في احتجاجهم به (6)، وليت شعرى من قال لهم: ان صوم الولى عن الميت هو عمل الميت حتى يأتوا بهذا الخبر الذى ليس فيه الا انقطاع عمل الميت فقط، وليس فيه انقطاع عمل غيره عنه أصلا، ولا المنع من ذلك، فظهر قبح تمويههم في الاحتجاج بهذا الخبر جملة * وأما حديث عبد الرزاق فلا تحل رواية الا على سبيل بيان فسادها لعلل ثلاث
فيه، إحداها انه مرسل، والثانية ان فيه الحجاج به أرطاة وهو ساقط، والثالثة ان فيه ابراهيم بن أبى يحيى وهو كذاب، ثم لو صح لكان عليهم لالهم لان فيه ايجاب
(1) في النسخة رقم (14) (الحديث) بدل (الخبر) (2) في النسخة رقم (14) (ترك ماروى) (3) في النسخة رقم (14) (فهو حق) (4) في النسخة رقم (14) (ما لم يأذن) ولا معنى لزيادة (ما) (5) في النسخة رقم (16) (والعجب إذ) (6) لفظ (به) زيادة من النسخة رقم (14) *
[ 5 ]
الاطعام عنه ان صح بعد ان مرض، والحنيفيون، والمالكيون لا يقولون: بذلك الا ان يوصى بذلك وإلا فلا * فان قالوا: معنى ذلك ان أوصى به قلنا: كذبتم وزدتم في الخبر خلاف ما فيه لان فيه (إن مات ولم يصح لم يطعم عنه) فلو اراد الا ان يوصى بذلك لما كان لتفريقه بين تمادى مرضه حتى يموت فلا يطعم عنه وبين صحته بين مرضه وموته فيطعم عنه، لانه ان أوصى بالاطعام عنه وان لم يصح أطعم عنه عندهم فبطل تمويههم بهذا الخبر الهالك وعاد حجة عليهم * وأما تمويههم بان عائشة، وابن عباس رويا الخبر وتركاه فقول فاسد لوجوه * أحدها انه لا يجوز ما قالوا لان الله تعالى انما افترض علينا اتباع رواية الصاحب عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يفترض علينا قط اتباع رأى أحدهم (1) * والثانى أنه قد يترك الصاحب اتباع (2) ماروى لوجوه غير تعمد المعصية، وهى ان يتأول فيما (3) روى تأويلا ما اجتهد فيه فأخطأ فأجر مرة، أو ان يكون نسى ماروى فافتى بخلافه، أو ان تكون الرواية عنه بخلافه وهما ممن روى ذلك عن الصاحب، فإذ كل ذلك ممكن فلا يحل ترك ما افترض علينا اتباعه من سنن رسول الله (4) صلى الله عليه وسلم لما لم يأمرنا باتباعه لو لم يكن فيه هذه العلل فكيف وكلها (5) ممكن فيه؟، ولا معنى لقول من قال: هذا دليل على نسخ الخبر لانه يعارض بان يقال: كون ذلك الخبر عند ذلك
الصاحب دليل على ضعف الرواية عنه بخلافه، أو لعله قد رجع عن ذلك * والثالث انهم انما يحتجون بهذه الجملة إذا وافقت تقليد أبى حنيفة، ومالك، والشافعي وأما إذا خالف قول الصاحب رأى أحد ممن ذكرنا فأهون شئ عندهم اطراح رأى الصاحب والتعلق بروايته، وهذا فعل يدل على رقة الدين وقلة الورع * فمن ذلك أن عائشة رضى الله تعالى عنها (6) روت (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد في صلاة الحضر واقرت صلاة السفر على الحالة الاولى)، ثم روى عنها من أصح طريق (7) الاتمام في السفر، فتعلق الحنيفيون والمالكيون بروايتها وتركوا رأيها إذا خالفت فيه ماروت، وهى التى روت (ايما أمرأة نكحت بغير اذن وليها
(1) في النسخة رقم (16) (اتباع رأى احد) (2) لفظ (اتباع) سقط من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (يتأول ماروى) (4) في النسخة رقم (14) (من سنة رسوله) (5) في النسخة رقم (14) (وكل هذا) (6) زيادة (رضى الله تعالى عنها) من النسخة رقم (16) (7) في النسخة رقم (16) (من أصح الطرق
[ 6 ]
فنكاحها باطل)، ثم أنكحت بنت أخيها عبد الرحمن من المنذر بن الزبير وأبوها غائب بالشام بغير اذنه، وانكر ذلك إذا بلغه اشد الانكار فخالفوا رأيها واتبعوا روايتها، وهى التى روت التحريم بلبن الفحل ثم كانت لا تدخل عليها من أرضعه نساء اخوتها وتدخل عليها من أرضعه بنات أخواتها فتركوا رأيها واتبعوا روايتها * وروى أبو هريرة من طريق لا تصح عنه ايجاب القضاء على من تعمد الفطر في نهار رمضان، وصح عنه انه لا يجزئه صيام الدهر (1) وإن صامه (2) وانه لا يقضيه، فتركوا الثابت من رأيه للهالك من روايته * وروى أبو هريرة في البحر (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، ثم روينا عنه من طريق سعيد بن منصور عن اسماعيل بن ابراهيم - هو ابن علية - عن هشام الدستوائى عن رجل من الانصار عن أبى هريرة ماء ان لا يجزئان من غسل الجنابة ماء البحر وماء الحمام * وروى عن ابن عباس في صدقة الفطر (مدان من قمح)
من طريق لا تصح، وصح عنه من رأيه (3) صاع من بر في صدقة الفطر فترك الحنيفيون رأيه لروايته، وهذا كثير منهم جدا (4)، وفيما ذكرنا كفاية تحقق تلاعب القوم بدينهم * والرابع ان نقول: (5) لعل الذى روى عن عائشة فيه الاطعام كان لم يصح (6) حتى ماتت فلا صوم عليها * والخامس انه قد روى عن ابن عباس الفتيا بما روى من الصوم عن الميت كما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى، فصح انه قد (7) نسى، أو غير ذلك مما الله تعالى أعلم به ممن (8) لم نكلفه، وقد جاء عن السلف في هذا اقوال * روينا عن حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى عن أبى يزيد المدنى ان رجلا قال لاخيه عند موته: ان على رمضانين لم أصمهما فسأل اخوه ابن عمر فقال: بدنتان مقلدتان، ثم سأل ابن عباس؟ فقال ابن عباس: يرحم الله ابا عبد الرحمن ما شأن البدن وشأن الصوم!، أطعم عن أخيك ستين مسكينا * قال أبو محمد: ان لم يكن قول ابن عمر في البدنتين حجة فليس قول ابن عباس في الاطعام حجة ولافرق، ولعل هذا لم يكن مطيقا للصوم، أو لعل ذينك الرمضانين كانا عن تعمد فلا قضاء في ذلك * وروينا من طريق سليمان التيمى أن عمر بن الخطاب قال:
(1) في النسخة رقم (14) (صوم الدهر) (2) في النسخة رقم (16) (ولو صامه) (3) في النسخة رقم (16) (من روايته) وهو غلط (4) في النسخة رقم (16) (وهذا منهم كبير جدا) (5) في النسخة رقم (16) (يقول) بحذف (ان) وهو غلط (6) كذا في الاصول والمعنى ظاهر والتركيب غير حسن (2) لفظ (قد) زيادة من النسخة رقم (14) (8) في النسخة رقم (16) (مما) وهو خطأ *
[ 7 ]
إذا مات الرجل وعليه صيام رمضان اطعم عنه مكان كل يوم نصف صاع من بر * ومن طريق صحيحة عن ابن عباس ان مات الذى عليه صوم ولم يصح قبل موته ليس عليه شئ فان صح أطعم عنه عن كل يوم نصف صاع حنطة * وعن الحسن ان لم يصبح
حتى مات فلا شئ عليه فان صح فلم يقض صومه حتى مات أطعم عنه عن كل يوم مكوك (1) من بر، ومكوك من تمر * وروى أيضا عن طائفة مد عن كل يوم، وقد جاء عن الحسن لا إطعام في ذلك ولا صيام، وأيضا فان احتجاج المالكيين، والشافعيين بترك عائشة، وابن عباس للخبر المذكور هو حجة عليهم لانهم خالفوا عائشة (2) في هذا الخبر نفسه في قولها (3) ان يطعم عن كل يوم نصف صاع لمسكين وهم لا يقولون: بهذا، فان كان ترك عائشة للخبر حجة فقولها في نصف صاع حجة، وان لم يكن قولها في نصف صاع حجة فليس تركها للخبر حجة، فظهر انهم إنما (4) يحتجون من قول الصاحب بما وافق تقليدهم فقط، فإذا خالف من قلدوه هان عليهم خلاف الصاحب، وهذا دليل سوء نعوذ بالله منه * وأما قول أحمد فروينا من طريق أبى ثور نا عبد الوهاب - هو ابن عطاء - عن سعيد ابن ابى عروبة، وروح بن القاسم عن على بن الحكم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس انه قال فيمن مات وعليه رمضان ونذر شهر: يطعم عنه مكان كل يوم مسكين (5) ويصوم عنه وليه نذره * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن علية عن على بن الحكم البنانى عن ميمون بن مهران عن ابن عباس سئل عن رجل مات وعليه رمضان وصوم شهر فقال: يطعم عنه لرمضان ويصام عنه النذر، وهذا اسناد صحيح، فان كان ترك ابن عباس لما ترك من الخبر حجة فاخذه بما اخذ منه حجة، وان لم يكن اخذه بما اخذ به حجة فتركه ما ترك ليس بحجة (6)، وما عدا هذا فتلاعب بالدين * وأما قولنا فروينا من طريق ابى ثورنا عبد الوهاب عن سعيد بن أبى عروبة قال: حدثوني عن قتادة عن سعيد بن المسيب: أنه قال فيمن مات وعليه رمضان: ان لم يجدوا ما يطعم عنه (7) صامه عنه وليه وهو قول الاوزاعي * ومن طريق عبد الرزاق عن
(1) هو بفتح الميم وضم الكاف اسم للمكيال ويختلف مقدار مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد
اهنهاية (2) في النسخة رقم (16) (لانهم خالفوهما) وما هنا اصح بدليل قوله بعد (فان كان ترك عائشة للخبر حجة) الخ (3) في النسخة رقم (16) (في قولهما) وما هنا اصح بدليل ما ذكرنا (4) في النسخة رقم (16) سقط لفظ (انما) (5) في النسخة رقم (14) (مسكينا) (6) في النسخة رقم (16) (حجة) (2) في النسخة رقم (14) (ما يطعموا) *
[ 8 ]
معمر عن ابن طاوس عن أبيه إذا مات الرجل وعليه صيام رمضان (1) قضى عنه بعض أوليائه، قال معمر: وقاله حماد بن ابى سليمان * وبه إلى معمر عن الزهري من مات وعليه نذر صيام فانه يصوم عنه بعض أوليائه * قال أبو محمد: ليس قول بعض (2) الصاحبة رضى الله عنهم أولى من بعض، وكل ما ذكرنا فهو مخالف لقول أبى حنيفة، والشافعي لان كل من ذكرنا فقد أوجب ما أوجب من غير اشتراط ان يوصى الميت بذلك، وقال أبو حنيفة، ومالك: لا شئ في ذلك الا ان يوصى بالاطعام فيطعم عنه وما نعلم أحدا قبلهم قال: بهذا الا رواية عن الحسن قد صح عنه خلافها * وأما قولهم: لا يصام عنه كما لا يصلى عنه فباطل وقياس للخطأ على الخطأ بل يصلى عنه النذر، وصلاة فرض ان نسيها أو نام عنها ولم يصلها (3) حتى مات، فهذا داخل تحت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (فدين الله أحق ان يقضى) والعجب انهم كلهم أجمعوا على ان تصلى الركعتان إثر الطواف عن الميت الذى يحج عنه، وهذا تناقض منهم (4) لاخفاء به، وهذا قول اسحاق بن راهويه في قضاء الصلاة عن الميت، وقال الشافعي: ان صح الخبر قلنا به (5) والا فيطعم عنه مد عن كل يوم، وإنما قلنا: ان الاستئجار لذلك ان لم يكن له ولى من رأس المال مقدم على ديون الناس لقول النبي صلى الله عليه وسلم (فدين الله أحق ان يقضى) * قال أبو محمد: من الكبائر ان يقول قائل: بل دين الناس أحق ان يقضى من دين الله تعالى عزوجل (6) وقد سمع هذا القول * (
776 - مسألة - فان صامه بعض أوليائه اجزأ لعموم الخبر في ذلك وان كانوا جماعة فاقتسموه جاز كذلك أيضا الا أنه لا يجزئ ان يصموا كلهم يوما واحدا لقول الله تعالى (فعدة من أيام أخر) فلا بد من أيام متغايرة فلو لم يصح حتى مات فلا شئ على أوليائه ولا عليه لان الاثر انما جاء فيمن مات وعليه صوم، وهذا مات وليس عليه صوم لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) فإذا لم يكن في وسعه الصوم فلم يكلف وإذا لم يكلفه فقد مات ولاصوم عليه *
(1) في النسخة رقم (16) (صيام شهر) (2) في النسخة رقم (16) (ليس بعض قول الصحابة) (2) في النسخة رقم (16) (أو لم يصلها) وهو خطأ (4) في النسخة رقم (16) (منه) وهو غلط (5) بهامش النسخة رقم (14) مانعه (وقد قال به المتأخرون من أصحابه عملا يوما ياء فهو مذهب الشافعي أيضا) (6) زيادة (عزوجل) من النسخة رقم (14) *
[ 9 ]
والاولياء هم ذوو المحارم بلا شك (1) ولو صامه الابعد من بنى عمه اجز أعنه لانه وليه فان أبوا من الصوم فهم عصاة الله تعالى ولا شئ على الميت من ذلك الصوم لانه قد نقله الله تعالى عنه إليهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) وبأمره عليه السلام الولى ان يصوم عنه * 777 - مسألة - فان تعمد النذور ليوقعها على وليه بعد موته فليس نذرا ولا يلزمه هو ولا وليه بعده، وهو عاص لله تعالى بذلك، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمدنا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج حدثنى على بن حجر نا اسماعيل بن ابراهيم نا أيوب - هو السختيانى - عن أبى قلابة عن ابى المهلب عن عمران بن الحصين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا وفاء لنذر في معصية الله (2)) * قال على: وهذا النذر انما يكون نذرا إذا قصد به الله تعالى فيلزم حينئذ فإذا قصد به
غير الله تعالى فهو معصية لا يحل الوفاء به ولا يلزم صاحبه ولا غيره عنه وبالله تعالى التوفيق * 778 - مسألة - ومن نذر صوم يوم (3) فاكثر شكرا لله عزوجل، أو تقربا إليه تعالى، أو ان افاق، أو ان أراه الله تعاليا املا يؤمله لا معصية لله عزوجل في ذلك الشئ المأمول ففرض عليه اداؤه، قال عزوجل. (أو فوا بالعقود) * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا القعنبى عن مالك عن طلحة بن عبد الملك الايلى عن القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نذران يطيع الله فليطعه ومن نذران يعصى الله فلا يعصه (4)) فهذا عموم لكل نذر طاعة، ولكل نذر معصية كمن نذرت صوم يوم حيضتها (5) أو صوم يوم العيد، ونحو ذلك من كل معصية * 779 - مسألة - فان نذر ما ليس طاععة ولا معصية كالقعود في دار فلان أوان لا يأكل خبزا مأدوما أو ما اشبه هذا لم يلزمه، ولا حكم لهذا (6) الا استغفار الله تعالى
(1) في النسخة رقم (16) (والاولياء هم دون المحارم) (2) الحديث رواه مسلم مطولا ج 2 ص 13 (3) في النسخة رقم (14) (صيام يوم) (4) في سنن ابى داود ج 3 ص 228 قال الحافظ المنذرى: واخراجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه (5) في النسخة رقم (16) (يوم حيضها) (6) في النسخة رقم (16) (ولاحكم لذلك) *
[ 10 ]
منه لان ايجاب النذر شريعة والشرائع لا تلزم الا بنص، ولا نص الا في نذر الطاعة فقط * 780 - مسألة - وينهى عن النذر جملة فان وقع لزم كما قدمنا، روينا بالسند المذكور إلى أبى داود نا عثمان بن أبى شيبة نا جرير بن عبد الحميد عن منصور - هو ابن المعتبر - عن عبد الله بن مرة الهمداني عن عبد الله بن عمر قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النذر (1) ويقول: (لا يرد شيئا وانما يستخرج به من البخيل) ففى
قوله عليه السلام (وانما (2) يستخرج به من البخيل) ايجاب للوفاء به إذا وقع في طاعة الله تعالى (3) * 781 - مسألة - ومن قال: على لله تعالى صوم يوم أفيق: أو قال: يوم يقدم فلان. أو قال يوم أنطلق من سجنى أو ما أشبه هذا فكان ما رغب فيه ليلا أو نهارا لم يلزمه صيام ذلك اليوم ولا قضاؤه ولا صوم غيره لانه ان كان ما رغب فيه ليلا (4) فلم يكن في يوم فإذا لم يكن في يوم فلا يلزمه ما لم يلتزمه، وان كان نهارا فلا يمكنه احداث صوم لم يبيته من الليل ولاتقدم (5) الزام الله تعالى له اياه، ولا يلزمه صيام يوم آخر لانه لم يلتزمه، وهذا قول أبى حنيفة، والشافعي، وقال الاوزاعي: ان قدم نهار اصام بقية ذلك اليوم ولا قضاء عليه، وقال مالك: ان قدم ليلا صام الناذر (6) غد تلك الليلة * 782 - مسألة - فلو قال في كل ذلك: على صوم ذلك اليوم ابدا فان كان ليلا لم يلزمه كما قدمنا لانه لم يلتزمه ولا يلزم صيام الليل لانه معصية، فان كان نهارا لزمه في المستأنف صوم ذلك اليوم إذا تكرر كما (7) نذره ولا قضاء عليه في يومه ذلك لانه غير ما نذر * 783 - مسألة - ومن أفطر في صوم نذر عامدا أو لعذر فلا قضاء عليه إلا ان يكون نذر ان يقضيه فيلزمه لانه إذا (8) لم ينذر القضاء فلا يجوز ان يلزم ما لم ينذره إذ لم يوجب ذلك نص *
(1) قال في شرح سنن ابى داود المسمى بعون المعبود ج 3 ص 227 نقلا عن الخطابى مانصه: معنى نهيه عليه السلام عن النذر انما هو تأكيد لامره وتحذير من التهاون به بعد ايجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك ابطال حكمه واسقاط لزوم الوفاء به إذا كان بالنهي عنه قد صار معصية فلا يلزم الوفاء به، وانما وجه الحديث انه قد اعلمهم ان ذلك امر مما لا يجلب لهم في العاجل نفعا ولا يدفع عنهم ضررا فلا يرد شيئا قضاء الله تعالى يقول: لا تنذروا على انكم تدركون بالنذر شيئا لم يقدره الله لكم، وتصرفون عن انفسكم شيئا جرى القضاء به عليكم فإذا فعلتم ذلك فاخرجوا عنه بالوفاء فان للذى نذرتموه لازم لكم هذا معنى الحديث ووجه (2) في النسخة رقم (14) (انه) وهو خطأ * (3) في النسخة رقم (14) (في طاعة الله عزوجل) (4) سقط من النسخة رقم (16) لفظ (ليلا) خطأ (5) في النسخة رقم (14) (ولا يقدم) (6) في النسخة رقم (16) (صام النهار) وهو خطأ
(7) في النسخة رقم (14) حذف كما (8) سقط من النسخة رقم (14) لفظ (إذا) خطأ *
[ 11 ]
784 - مسألة - ومن نذر صوم يومين فصاعدا اجزأه ان يصوم ذلك متفرقا لانه غير مخالف لما نذر * 785 - مسألة - فلو نذر صوم جمعة أو قال: شهر لم يجز ان يصوم ذلك الامتتابعا ولابد، فان تعمد في خلال ذلك فطرا لعذر أو لغير عذر ابتدأه من أوله لان اسم الجمعة والشهر لا يقع الا على أيام متتابعة لا متفرقة، فانما يلزمه ما نذر لامالم ينذر فان لم يتابع ذلك فلم يأت بما نذر فعليه أن يأتي به * 786 - مسألة - ومن نذر صوم جمعتين أو قال: شهرين ولم ينذر التتابع في ذلك لزمه ان يصوم كل جمعة متتابعة ولا بد، وكل شهر متتابعا ولا بد، وله ان يفرق بين الجمعة والجمعة، وبين الشهر والشهر لما ذكرنا آنفا الا ان ينذر هما متتابعين فيلزمه ذلك لانه طاعة زائدة * 787 - مسألة - فان صام الشهر ما بين الهلالين لزمه اتمامه فان ابتد أصيامه بعد دخول الشهر لم يلزمه الا تسعة وعشرون يوما متصلة ولا بد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشهر تسعة وعشرون) وان الشهر يكون تسعا وعشرين فلا يلزمه زيادة يوم الا بنص وارد ولا نص في ذلك وانما يلزمه ما يقع عليه اسم ما نذر من شهر أو أكثر فقط، فان نذر نصف شهر لم يلزمه الا أربعة عشر يوما لان كسر يوم لا يلزم صيامه لمن نذره، ولا يجوز ان يلزم يوما زائدا لم ينذره * 788 - مسألة - ومن نذر صوم سنة فقد قال قوم: يصوم اثنى عشر شهرا لا يعد فيها رمضان ولا يوم الفطر والاضحى، ولا أيام التشريق، وفى هذا عندنا نظر (1) والواجب عندنا (2) ان لا يلزمه شئ لان هذه الفتيا الزام له ما لم ينذره لان اسم سنة لا يقع الا على اثنى عشر شهرا متصلة لا مبددة، وهو لا يقدر على الوفاء بنذره كما نذره
فلا يجوز ان يلزم ما لم يلتزمه ولا نذره، ولا أن يلزم ما لم يمكن، وما ليس في وسعه قال الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) ومن ادعى ههنا اجماعا فقد كذب لانه لا يقدر على ان يأتي في ذلك برواية عن صاحب أصلا، ولا نعلم في ذلك قولا عن تابع، وقد قال فيها أبو حنيفة: يفطر فيها يومى الفطر والاضحى، وأيام التشريق، ثم سيقضيها * وقال زفر: يفطر الايام المذكورة ولا يقضيها * وقال مالك: يصوم ويفطر الايام المذكورة ولا يقضى رمضان ولا الايام المذكورة الا أن ينوى قضاءها * وقال الليث: يصوم
(1) سقط من النسخة رقم (16) لفظ (نظر) خطأ (2) لفظ (عندنا) * سقط من النسخة رقم (14)
[ 12 ]
ويقضى رمضان ويومين مكان الفطر والاضحى، ويصوم أيام التشريق * قال أبو محمد: فهذه الاقوال إما موجبة عليه ما لم ينذره ولا التزمه وإما مسقطة عنه ما نذر (1) * قال أبو محمد: ان كان نذر صوم هذه الايام وصوم رمضان عن نذره فقد نذر الضلال، والباطل وأمرا مخالفا لدين الاسلام فلا يلزمه نذره ذلك لانه معصية، ولا يلزم صوم سائر الايام لانه غير ما نذر، وكل طاعة ما زجتها معصية فهى كلها معصية لانه لم يأت بالطاعة كما أمر، قال تعالى: (ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) فان نذر أن يصوم سنة حاشا رمضان والايام المنهى عن صيامها (2) لزمه ذلك لانه نذر طاعة، وكذلك لو نذر صوم شوال، أو صوم ذى الحجة، أو صوم شعبان فلا يلزمه شئ لما ذكرنا الا ان ينوى استثناء ما لا يجوز صومه من الايام فيلزمه ذلك * 789 - مسألة - ومن كان عليه صوم يوم بعينه نذرا فإذا جاء رمضان لزمه فرضا أن يصوم ذلك اليوم لرمضان لا للنذر أصلا، فان صامه لنذره أو لرمضان ولنذره فالاثم عليه ولا يجزئه لا لنذره ولا لرمضان لان امر الله تعالى متقدم لنذره فليس له أن يصوم رمضان ولا شيئا منه لغير ما أمره الله تعالى بصيامه مخلصا له ذلك
وبالله تعالى التوفيق، ولا قضاء عليه فيه لما ذكرناه * 790 - مسألة - وأفضل الصوم (3) بعد الصيام المفروض صوم يوم وافطار يوم، ولا يحل لا حد أن يصوم أكثر من ذلك أصلا، والزيادة عليه معصية ممن قامت عليه بها (4) الحجة، ولا يحل صوم الدهر أصلا * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا ابراهيم بن أحمد نا الفربرى نا البخاري نا محمد بن مقاتل نا عبد الله بن المبارك انا الاوزاعي نا يحيى بن أبى كثير حدثني أبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثنى عبد الله بن عمرو بن العاصى (5) قال: قال لى (6) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عبد الله بن عمرو ألم أخبر انك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: فلا تفعل صم وأفطر وقم ونم، فان لجسدك عليك حقا وان لعينك (7) عليك حقا وان لزوجك عليك حقا وان لزورك (8) عليك حقا وان
(1) من قوله: قال أبو محمد: فهذه إلى قوله ما نذر سقط من النسخة رقم (16) خطأ (2) في النسخة رقم (16) (عن صومها) (3) في النسخة رقم (16) (وافضل الصيام) (4) في النسخة رقم (16) (به) (5) لفظ (بن العاصى) زيادة من النسخة رقم (14) (6) لفظ (لى) زيادة من النسخة رقم (16) وهى موافقة لما في صحيح البخاري ج 3 ص 87 (7) في النسخة رقم (14) (وان لعينيك) وما هنا موافق لما في صحيح البخاري وهى رواية الكشميهى (8) قال في الصحاح الزور الزائرون يقال: رجل زائر وقوم زور وزوار مثل سافر وسفر وسفار، ونسوة زور ايضا وزور مثل نوم ونوح اه *
[ 13 ]
بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام فان لك بكل حسنة عشر أمثالها فإذا (1) ذلك صيام الدهر (كله فشددت فشدد على) (2) قلت: يا رسول الله انى أجد قوة قال: فصم صيام نبى الله داود ولا تزد عليه قلت: وما كان صيام نبى الله داود؟ قال: نصف الدهر) * ومن طريق البخاري عن أبى اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبى حمزة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الحديث، وفيه ان عبد الله بن عمر وقال له عليه السلام: (انى اطيق أفضل من ذلك قال: فصم يوما وأفطر يوما قلت: انى أطيق أفضل من ذلك قال: لا أفضل من ذلك) *
قال أبو محمد: فصح نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الزيادة على صيام يوم وافطار يوم ونعوذ بالله من مواقعة نهيه، وإذا أخبر عليه السلام انه لا أفضل من ذلك فقد صح ان من صام أكثر من ذلك فقد انحط فضله وإذا انحط فضله فقد حبطت تلك الزيادة بلا شك وصار عملا لا أجر له فيه بل هو ناقص من أجره، فصح أنه لا يحل أصلا * قال على: ومن طوائف المصائب قول بعض من يتكلم في العلم بما هو عليه لاله: قال: قد جاء هذا الحديث وفيه انه عليه السلام قال: (فصم صوم داود كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لا قى) فقال: انما هذا الحكم لمن لا يفر إذا لاقى * قال أبو محمد: فجمع هذا الكلام الملعون وجهين من الضلال، أحدهما الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لم يخبر به بل قد أمر عليه السلام بذلك عبد الله بن عمرو وقطع بانه لا صوم أفصل من صوم داود * والثانى انه تأويل سخيف لا يعقل لانه لا شك في ان من لا يفر في سبيل الله إذا لا قى أفضل ممن يفر، فإذا كان حكم الافضل ان لا يتزيد من الفضل في الصيام ويمنع من ذلك فهذه شريعة ابليس لا شريعة محمد صلى الله عليه وسلم * نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمدنا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا عبيد الله بن معاذ - هو ابن معاذ - العنبري - نا أبى نا شعبة عن حبيب بن أبى ثابت سمع أبا العباس - هو السائب بن فروخ المكى - سمع عبد الله بن عمرو ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا صام من صام الابد (3)) * ورويناه من طريق البخاري نا آدم نا شعبة فذكره باسناده المذكور، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا صام من صام الدهر) * ومن طريق أبى قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه (4) قال: - وقد ذكر له من يصوم الدهر - فقال عليه السلام: (لا صام
(1) في البخاري (فان ذلك) (2) قوله ((كله فشددت فشدد على) زيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 87 (3) الحديث اختصره المؤلف انظر ج 1 ص. 32 متن صحيح مسلم (4) لفظ (أنه) زيادة من النسخة رقم (14)
[ 14 ]
ولا أفطر أو ما صام ولا أفطر) * وكذلك نصا من طريق مطرف عن عبد الله ابن الشخير عن أبيه، وعمران بن الحصين كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال فيمن صام الدهر (لا صام ولا أفطر) فقد صح انه حبط صومه ولم يفطر * وهذه أخبار متظاهرة متواترة لا يحل الخروج عنها * ومن عجائبهم انهم قالوا: انما لا يجوز إذا صام الدهر كله ولم يفطر الايام المنهى عنها فقلنا: كذب من قال هذا (1)، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم منع ونهى عن الزيادة على نصف الدهر وأبطل أجرمن زاد * قال أبو محمد: وشغب من خالفنا (2) بان ذكر حديث حمزة بن عمر والاسلمي أنه قال: يا رسول الله انى أسرد الصوم أفاصوم في السفر؟ قال: (ان شئت فصم وان شئت فأفطر) * وبخبر رويناه من طريق زيد بن الحباب أخبرني ثابت بن قيس الغفاري حدثنى أبو سعيد المقبرى حدثنى أبو هريرة عن أسامة بن زيد قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد الصوم فيقال: لا يفطر) * قال أبو محمد: لا حجة لهم في هذين الخبرين لان السرد انما هو المتابعة لاصوم أكثر من نصف الدهر يبين (3) ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاصى الذى أوردناه، وحديث عائشة الذى رويناه من طريق مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبى شيبة نا سفيان ابن عيينة عن ابن أبى لبيد عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أم المؤمنين عن صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان يصوم حتى نقول: قد صام (4) ويفطر حتى نقول: قد أفطر ولم أره صائما من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان كان يصوم شعبان كله كان يصوم شعبان الا قليلا * فهذه أم المؤمنين بينت السرد الذى ذكره أسامة والذى ذكره حمزة بن عمرو في حديثه فبطل ان يكون لهم متعلق بشئ من الآثار *
وموهوا أيضا بما رويناه من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن شعبة عن عبد الرحمن ابن القاسم بن محمد عن أبيه ان عائشة كانت تصوم الدهر قلت: الدهر؟ قال: كانت تسرد * ومن طريق حماد بن سلمة عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: كان عمر يسرد الصوم * وعنه ايضا انه سرد الصوم قبل موته بسنتين * ومن طريق عبد الرزاق
(1) انظر صفحة 16 من هذا الجزء (2) في النسخة رقم (16) (خالفها) وهو غلط (3) في النسخة رقم (14) (بين) (4) في النسخة رقم (16) (لا يفطر) وما هنا موافق لصحيح مسلم ج 1 ص 318 *
[ 15 ]
عن جعفر بن سليمان - هو الضبعى - عن ثابت البنانى عن أنس قال: كان أبو طلحة قل ما يصوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل العدو فلما توفى النبي صلى الله عليه وسلم ما رأيته مفطرا (1) إلا يوم أضحى أو يوم فطر * ومن طريق ابن ابى شيبة ناحماد بن خالد عن الزبير ابن عبد الله بن أميمة (2) عن جدته قالت: كان عثمان يصوم الدهر ويقوم الليل الا هجعة من أوله (3) * وعن الاسود، وعروة، وعبيد المكتب انهم كانوا يصومون الدهر * قال أبو محمد: هذا كله لا حجة لهم فيه أما عائشة رضى الله عنها فقد فرق عبد الرحمن ابن القاسم بن محمد بين صيام الدهر وبين سرد الصوم كما ذكرنا، ولم يثبت عليها (4). الا السرد وهو المتابعة لا صوم الدهر، ولو صح عنها ذلك ولا يصح (5) * فقد روينا من طريق وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه ان عائشة ام المؤمنين كانت تصوم أيام التشريق * وكذلك صح عنها رضى الله عنها انها كانت تختار صوم يوم الشك من آخر شعبان، فان كان ما لا يصح عنها من صوم الدهر حجة فالذي صح عنها من صوم أيام التشريق ويوم الشك حجة، وان لم يكن هذا حجة فليس ذلك حجة (6) (فان قالوا:) قد صح نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق، قيل لهم: وقد صح نهيه عليه السلام عن صوم اكثر من نصف الدهر، وصح نهيه عن صوم الدهر * وأما خبر عمر فليس فيه الا السرد فقط وهو المتابعة لا صيام الدهر بل قد صح عنه
تحريم صيام الدهر كما روينا من طريق وكيع عن اسماعيل بن أبى خالد عن ابن عمر والشيبانى قال: بلغ عمر بن الخطاب ابن رجلا يصوم الدهر فاتاه فعلاه بالدرة وجعل يقول: كل يادهر كل يادهر، وهذا في غاية الصحة عنه، فصح ان تحريم صوم الدهر كان من مذهبه، ولو كان عنده مباحا لما ضرب فيه ولا امر بالفطر * وأما عثمان فان الزبير بن عبد الله ابن أميمة وجدته مجهولان فسقط هذا الخبر * وأما أبو طلحة فقد روينا من طريق شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة يأكل البرد وهو صائم * قال أبو محمد: وفى الخبر الذى شغبوا به ان انسا قال: ما رأيته مفطرا الا يوم فطر أو يوم أضحى، ففى هذا الخبر انه كان يصوم أيام التشريق فان لم يكن فعل أبى طلحة في أكله البرد وهو صائم حجة فصومه الدهر ليس حجة، ولئن كان صومه الدهر حجة فان أكله البرد في الصيام حجة فسقط كل ماموهوا به عن الصحابة رضى الله عنهم *
(1) في النسخة رقم (14) (يفطر) (2) في الاصلين بالهمزة بعدها ميم، وفى كتب رجال الحديث رجال الحديث كالميزان وتهذيب التهذيب (رهيمة) بالراء بعدها هاء (3) أي نومة خفيفة من اول الليل (4) أي يستقر (5) ما بعده متعلق به وليس بمنقطع معنى، تفطن (6) في النسخة رقم (16) (فذلك ليس حجة) *
[ 16 ]
وأما الاسود فروينا عن وكيع عن شعبة عن الحكم بن عتيبة ان الاسود كان يصوم الدهر وأيام التشريق * وعن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه انه صام اربعين سنة أو ثلاثين سنة قال هشام: لم أره مفطرا الا يوم فطر أو يوم نحر، فليقتدوا بهما في صوم أيام التشريق والا فالقوم متلاعبون * قال على: صح عن عمر ما ذكرناه من النهى عن صوم الدهر، وأمره بالفطر فيه، وضربه على صيامه * ومن طريق شعبة عن قتادة عن أبى تميمة الهجيمى عن ابى موسى الاشعري قال: من صام الدهر ضيق الله عليه هكذا وقبض كفه * ومن طريق سفيان الثوري عن أبى تميمة الهجيمى عن أبى موسى الاشعري قال: من صام الدهر ضيقت
عليه جهنم، وقد روى أيضا مسندا (1) * قال على: من نوادرهم قولهم: معناه ضيقت عليه جهنم حتى لا يدخلها * قال على: وهذه لكنة، وكذب، أما اللكنة فانه لو اراد هذا لقال: ضيقت عنه ولم يقل: عليه، وأما الكذب فانما اورده رواته كلهم على التشديد والنهى عن صومه فكيف ورواية شعبة المذكورة انما هي ضيق الله عليه فقط؟ * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن ابى اسحاق أن ابن أبى انعم (2) كان يصوم الدهر فقال عمر وبن ميمون: لو رأى هذا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لرجموه * قال على: هم يدعون الاجماع باقل من هذا وقد يكون الرجم حصبا كما كان يفعل ابن عمر بمن رآه يتكلم والامام يخطب * ومن طريق شعبة عن يحيى بن عمر والهمداني عن أبيه أنه سمع عبد الله بن مسعود - وسئل عن صوم الدهر - فكرهه * ومن طريق أبى بكرة وعائذ بن عمر وأنهما كرها صوم رجب، وهذا يقتضى ولا بد أنهما لا يجيزان صيام (3) الدهر * قال على: لو كان مباحا عند ابن مسعود ما كرهه لان فعل الخير لا يكره ولا يكره الا ما لا خير فيه ولا أجر * وعن الشعبى أنه كره صوم الدهر * وعن سعيد بن جبير أنه كره صوم شهر تام غير رمضان *
(1) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: (تنبيه) روى ابن حبان وغيره من حديث ابى موسى الاشعري (من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا وعقد تسعين) قال ابن حبان: هو محمول على من صام الدهر الذى فيه ايام العبد والتشريق، وقال البيهقى وقبله ابن خزيمة: معنى ضيقت عليه أي عنه فلم يدخلها، وفى الطبراني عن أبى الوليد ما يومئ إلى ذلك، واورد أبو بكر بن ابى شيبة في مصنفه هذا الحديث في باب من كره صوم الدهر اه (2) الذى في التهذيب - هو عبد الرحمن بن زياد بن انعم لا ابن ابى انعم ولعل لفظ ابى زائد (2) في النسخة رقم (14) (صوم) بدل (صيام).
[ 17 ]
791 - مسألة - قال أبو محمد: ونستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر،
ونستحب صيام الاثنين والخميس، وكل هذا فبأن لا يتجاوز اكثر من نصف الدهر، فاما الثلاثة الايام فلما ذكرنا آنفا في حديث عبد الله بن عمرو بن العاصى، وأما الاثنين والخميس فلما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا القاسم بن زكريا نا حسين - هو الجعفي - عن زائدة عن عاصم عن المسيب - هو ابن رافع - عن خفصة أم المؤمنين قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الاثنين والخميس) (1)، ويكره صوم شهر تام غير رمضان لما ذكرنا من فعله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا مثل قولنا آنفا عن سعيد بن جبير * 792 - مسألة - ومن اقتصر على الفرض فقط فحسن لما قد ذكرناه قبل من قول رسول الله صلى الله عليه وآله للذى سأله عن الدين فأخبره عليه السلام بوجوب رمضان قال: (هل على غيره؟ قال: لا الا ان تطوع) * وذكر مثل ذلك في الصلاة والزكاة والحج فقال السائل: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفلح إن صدق دخل الجنة ان صدق) * 793 - مسألة - ونستحب صوم يوم عاشوراء وهو التاسع من المحرم، وان صام العاشر بعده فحسن، ونستحب أيضا صيام يوم عرفة للحاج وغيره * نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمدنا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر نا شعبة عن غيلان ابن جرير سمع عبد الله بن معبد الزمانى (2) عن أبى قتادة الانصاري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: (يكفر السنة الماضية والباقية، وسئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: يكفر السنة الماضية) * وبه إلى مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة نا وكيع بن الجراح عن حاجب بن عمر عن الحكم بن الاعرج قال: سألت ابن عباس عن صوم عاشوراء؟ فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما فقلت: هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصومه؟
قال: نعم (3) * نا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق نا ابن جريح أخبرني
(1) الحديث مختصر. انظر النسائي جزء 4 ص 3. 2، وقوله بعد ويكره صوم شهر تام الخ من كلام المصنف وليس من كلام عائشة تنبه (2) هو بكسر الزاى وتشديد الميم وبعده نون نسبة إلى زمان بن مالك بن صعب جد جاهلي (3) هو في مسلم ج 1 ص 313 بزيادة في اوله حذفها المصنف، ورواه ايضا أبو داود جزء 2 ص 303 *
[ 18 ]
عطاء انه سمع ابن عباس يقول في يوم عاشوراء: خالفوا اليهود صوموا التاسع والعاشر، (فان قيل) من أين احببتم صوم يوم عرفة في الحج؟ وقد صح من طريق ميمونة أم المؤمنين انها قالت ان الناس شكوافى صوم رسول الله صلى الله عليه وآله يوم عرفة فارسلت إليه بحلاب (1) وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون * ومن طريق حامد بن يحيى البلخى عن سفيان بن عيينة عن أيوب السختيانى عن سعيد بن جبير قال: أتيت ابن عباس بعرفة وهو يأكل رمانا فقال: ادن فكل لعلك صائم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم هذا اليوم * ومن طريق مؤمل بن اسماعيل بن سفيان الثوري عن اسماعيل بن أمية عن نافع قال: سئل ابن عمر عن صوم يوم عرفة؟ فقال: لم يصمه النبي صلى الله وعليه وسلم، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى نا حوشب بن عقيل عن مهدى الهجرى العبدى عن عكرمة قال قال لى أبو هريرة: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات * ومن طريق شعبة أخبرني عمرو بن دينار قال: سمعت عطاء عن عبيد بن عمير قال: نهى عمر بن الخطاب عن صوم يوم عرفة، وقد تكلم في سماع عبد الله بن معبد الزمانى من أبى قتادة (2) قلنا وبالله تعالى التوفيق * أما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصمه فلاحجة لكم في ذلك لانه عليه السلام قد حض
على صيامه أعظم حض، واخبر انه يكفر ذنوب سنتين، وما علينا أن ننتظر بعد هذا أيصومه عليه السلام أم لا؟ * وقد حدثنا يوسف بن عبد الله النمري قال: نا أحمد بن محمد بن الجسور قال: نا قاسم ابن أصبغ نا مطرف بن قيس نا يحيى بن بكير نا مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين انها قالت: ان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليترك العمل وهو يحب أن يعمل به خشية ان يعمل به الناس فيفرض عليهم * وأما حديث أبى هريرة في النهى عن صوم يوم عرفة بعرفات فان روايه حوشب ابن عقيل وليس بالقوى (3) عن مهدى الهجرى (4) وهو مجهول، ومثل هذا لا يحتج به *
(1) قال النووي في شرح مسلم: الحلاب بكسر الحاء المهملة هو الاناء الذى يحلب فيه ويقال المحلب فيه ويقال المحلب بكسر الميم اه (2) قال الذهبي في ميزان الاعتدال: عبد الله بن معبد الزمانى من جملة التابعين، وثفة النسائي يحدث عن ابى قتادة قال البخاري: لايعرف له سماع منه اه وسيأتى قول المصنف بعد ص 19: فعبد الله ثقة، والثقات مقبولون لانحل رد رواياتهم بالظنون، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ج 6 ص 40 (3) هو كما قال المصنف انظر ترجمته في تهذيب التهذيب جزء 3 ص 65 (4) سئل ابن معين عنه؟ فقال: لااعرفه انظر تهذيب التهذيب ج 10 ص 324 *
[ 19 ]
وأما ترك أبى بكر، وعمر، وابن عمر، وابن عباس صيامه فقد صامه غيرهم كما روينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سهل بن أبى الصلت عن الحسن البصري انه سئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: صامه عثمان بن عفان في يوم حار يظلل عليه * ومن طريق حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد الانصاري عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق ان عائشة أم المؤمنين كانت تصوم يوم عرفة في الحج * وبه إلى حماد بن سلمة نا عطاء الخراساني ان عبد الرحمن بن أبى بكر دخل على عائشة أم المؤمنين يوم عرفة وهى تصب عليها الماء فقال لها: أفطرى فقالت: افطر؟ وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (صوم يوم عرفة يكفر العام الذى قبله) * ومن طريق هشام بن عروة ان عبد الله بن الزبير
كان يدعو عشية عرفة إذا أفاض الناس بماء ثم يفيض * قال على: فإذا اختلفوا فالمرجوع إليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روينا من طريق البخاري عن مسدد عن يحيى بن سعيد القطان عن شعبة عن توبة عن مورق العجلى قال: قلت لابن عمر: (رضى الله عنهما (1)) أتصلى الضحى؟ قال: لا قلت: فعمر قال: لا (قلت: فأبو بكر قال: لا قلت: فرسول الله (2) صلى الله عليه وسلم قال: لا إخاله) * فمن كره صوم يوم عرفة لقول ابن عمر: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصمه، ولا أبو بكر، ولا عمر فليكره صلاة الضحى لقوله فيها مثل ذلك، والطريقان صحيحان والا فهو متلاعب بالدين، وقد صح ان أبا بكر، وعمر لم يكونا يضحيان فليكرهوا الاضحية أيضا لذلك * قال على: ومن العجب أن يكون نهى النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء باغلظ الوعيد عن صيام الدهر ولم يصمه عليه السلام فيستحبونه ويبيحونه ثم يأتي حض النبي صلى الله عليه وسلم باشد الحض على صوم عرفة فيكرهونه لانه عليه السلام لم يصمه ولم يحض النبي صلى الله عليه وسلم بتركه الحاج دون غيره ولا بالحض عليه من ليس حاجا من حاج * وأما سماع عبد الله بن معبد من أبى قتادة فعبدالله ثقة - والثقات مقبولون - لا يحل رد رواياتهم بالظنون وبالله تعالى التوفيق * 794 - مسألة - ونستحب صيام أيام العشر من ذى الحجة قبل النحر لما حدثنا حمام نا ابن مفرج نا ابن الاعرابي نا الدبرى نا عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الاعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما من أيام أحب إلى الله فيهن العمل أو أفضل فيهن العمل من أيام العشر قيل: يارسول الله ولا الجهاد قال: ولا الجهاد الا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشئ) * قال أبو محمد: هو عشر ذى الحجة، والصوم عمل بر فصوم عرفة يدخل في هذا أيضا *
(1) الزياة من البخاري جزء 2 ص 131 (2) في البخاري ج 2 ص 131 (فالنبى) بدل (رسول الله) *
[ 20 ]
795 - مسألة - ولا يحل صوم يوم الجمعة الا لمن صام يوما قبله أو يوما بعده فلو نذره انسان كان نذره باطلا فلو كان انسان يصوم يوما ويفطر يوما فجاءه صومه في الجمعة فليصمه * نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا أبو كريب نا حسين - هو الجعفي - عن زائدة عن هشام - هو ابن حسان - عن ابن سيرين عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالى ولا تخصوا (1) يوم الجمعة بصيام من بين الايام الا ان يكون في صوم يصومه احداكم) * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا اسماعيل بن مسعود - هو الجحدرى - نا بشر - هو ابن المفضل - نا سعيد - هو ابن أبى عروبة - عن قتادة عن سعيد ابن المسيب عن عبد الله بن عمرو قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جويرية بنت الحارث يوم الجمعة وهى صائمة فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا قال: أتريدين أن تصومي غدا؟ قالت: لا قال: فأفطرى * ورويناه أيضا من طريق جابر * ومن طريق جويرية أم المؤمنين * ومن طريق جنادة الازدي - وله صحبة - كلهم عن النبي، صلى الله عليه وسلم وبه قال طائفة من الصاحبة رضى الله عنهم * روينا من طريق حماد بن سلمة عن سعيد الجريرى عن أبى العلاء - هو ابن الشخير - ان سلمان الفارسى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لزيد (2) بن صومان انضر ليلة الجمعة فلا تصلها * قال على: لا نعلم له مخالفا من الصحابة رضى الله عنهم * ومن طريق يحي بن سعيد القطان عن شعبة عن عبد العزيز بن رفيع عن قيس ابن السكن قال: مر ناس من اصحاب ابن مسعود بابى ذر يوم جمعة وهم صيام فقال: عزمت عليكم لما أفطر تم فانه يوم عيد * قيس بن السكن ادرك أبا ذر وجالسه *
وعن على بن أبى طالب انه نهى عن تعمد صيام يوم الجمعة * ومن طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن منصور عن مجاهد عن أبى هريرة قال: لا تصم يوم الجمعة الا ان تصوم قبله أو بعده، وهو قول ابراهيم النخعي، ومجاهد، والشعبى، وابن سيرين وغيرهم، وذكره ابراهيم عمق لقى، وانما لقى اصحاب ابن مسعود *
(1) قال النووي في شرح مسلم: هكذا وقع في الاصول (لا تختصوا ليلة الجمعة)، (ولا تخصوا يوم الجمعة) باثبات تاء في الاول بين الخاء والصاد، ويحذفها في الثاني وهما صحيحان اه، والحديث في مسلم ج 1 ص 314 (2) في النسخة رقم (14) (يزيد) وهو غلط لانه أخو صعصعة وسحان لبنى صوحان أسلم في عهد رسول الله صل الله عليه وسلم وشهد وقعة الجمل مع على رضى الله عنه،
[ 21 ]
(فان قيل:) فقد رويتم من طريق شيبان عن عاصم عن زر عن ابن مسعود قال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر وقل ماكان يفطر يوم الجمعة * ومن طريق ليث بن أبى سليم عن عمر بن أبى عمير عن ابن عمر قل ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مفطرا يوم جمعة * ومن طريق ليث بن أبى سليم عن طاوس عن ابن عباس قل ما رأيته مفطرا يوم جمعة قط * (1) قال أبو محمد: ليث ليس بالقوى (2)، وأما خبر ابن مسعود فصحيح، والقول فيها كلها سواء، وهو أنه ليس في شئ منها لا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن ابن مسعود، ولا عن ابن عمر، ولا عن ابن عباس اباحة تخصيص يوم الجمعة بصيام دون يوم قبله أو يوم بعده، ونحن لا ننكر صيامه إذا صام يوما قبله أو يوما بعده، ولا يحل ان نكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبر عنه بما لم يخبر به عنه صاحبه، ولا أ نحمل فعله على مخالفة أمره البتة إلا ببيان نص صحيح فيكون حينئذ نسخا أو تخصيصا، قال تعالى آمرا له ان يقول: (وما أريد: أن أخالفكم إلى ما انهاكم عنه) فكيف وقد ورد عن ابن عباس، وطاوس بيان قولنا بأصح من هذه الطرق؟ كما روينا من طريق ابن ابى شيبة * نا محمد بن بكر عن ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس ينهى عن افتراد اليوم كلما
مر بالانسان - يعنى عن صيامه -، فصح نهى ابن عباس عن افتراد يوم بعينه في الصوم، فدخل في ذلك يوم الجمعة وغيره * ومن طريق عبد الله بن طاوس عن أبيه انه كان يكره ان يتحرى يوما يصومه، وما نعلم لمن ذكرنا من الصاحبة رضى الله عنهم مخالفا اصلا في النهى عن تخصيص يوم الجمعة بالصيام وبالله تعالى التوفيق * 796 - مسألة - فلو نذر المرء صوم يوم يفيق أو نحو ذلك فوافق يوم جمعة لم يلزم لانه لا يصوم يوما قبله، ولا يوما بعده ولا وافق صوما كان يصومه ولا يجوز صيامه إلا بأحد هذين الوجهين كما ذكرنا قبل، وبالله تعالى التوفيق * 797 - مسألة - ولا يحل صوم الليل أصلا، ولا أن يصل المرء صوم يوم بصوم يوم آخر لا يفطر بينهما. وفرض على كل احدان يأكل أو يشرب في كل يوم وليلة ولا بد * نا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا إبراهيم بن أحمد نا الفربرى نا البخاري نا ابرهيم بن حمزة نا ابن ابى حازم عن يزيد - هو ابن الهادى - عن عبد الله بن خباب عن أبى سعيد الخدرى
(1) في النسخة (16) يوم الجمعة (2) هو كما قال المؤلف انظر تهذيب جزء 8 ص 465 *
[ 22 ]
(انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (1): لا تواصلوا فايكم اراد أن يواصل فليواصل حتى السحر قالوا: فانك تواصل يارسول الله قال: لست كهيئتكم إنى أبيت لى مطعم يطعمنى وساق يسقينى) * ورويناه أيضا مسندا صحيحا من طريق أم المؤمنين عائشة، وأنس، وابى هريرة، وابن عمر كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الاثار تنتظم كل (2) ما قلنا * قال أبو محمد: وقد روينا النهى عن الوصال عن أبى سعيد الخدرى، وعائشة ام المؤمنين، وعلى، وأبى هريرة، وروينا عن بعض السلف إباحة الوصال كما روينا من طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب حدثنى أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف (3) ان ابا هريرة
قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال فقال رجل من المسلمين: فانك تواصل يارسول الله فقال: وأيكم مثلى إنى أبيت يطعمنى ربى ويسقيني فلما أبوا ان ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال عليه السلام: لو تأخر (4) الهلال لزدتكم كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا) * وعن أخت أبى سعيد الخدرى أنها كانت تواصل وكان اخوها ينهاها * قال على: هي صاحبة بلا شك * ومن طريق حماد بن سلمة نا عمار بن ابى عمار قال: كان عبد الله بن الزبير يواصل سبعة أيام فإذا كان الليلة السابعة دعا باناء من سمن فشربه ثم يؤتى بثريدة (5) فيها عرقان (6) ويؤتى الناس بالجفان (7) فيقول: هذا من خالص مالى وهذا من بيت مالكم، وكان ابن وضاح يواصل اربعة أيام * قال أبو محمد: هذا يوضح ان لاحجة في أحد غير (8) رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحاب ولا غيره فقد واصل قوم من الصحابة رضى الله عنهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وتأولوا في ذلك التأويلات البعيدة فكيف بعده عليه السلام؟ فكيف من دونهم؟ ولا فرق بين من خالف حضه عليه السلام على صوم يوم عرفة ونهيه عليه السلام عن تخصيص صوم يوم الجمعة، وتأولوا في ذلك أنه عليه السلام لم يصم يوم عرفة، وقول ابن مسعود قل ما رأيته عليه السلام مفطرا يوم جمعة وبين من خالف نهيه عن الوصال وتأول أنه عليه السلام كان يواصل *
(1) في النسخة رقم (16) سقط لفظ يقول غلطا، وهو في البخاري جزء 3 ص 84 (2) في النسخة رقم (16) (كما) (3) لفظ (بن عوف) زيادة من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (16) (ولو تأخر) (5) فال صاحب اللسان: الثريد معروف، والثرد الهشم ومنه قيل لما يهشم من الخبز ويبل بماء القدور غيره ثريدة.. ويقال: اكلنا ثريدة دسمة بالهاء على معنى الاسم أو القطعة من الثريد اه (6) هو تثنية عرق بفتح العين المهملة وسكون الراء. العطم إذا أخذ عنه معظم اللحم وجمعه عراق؟؟؟ جمع حفنه كالقصعة وعاء الاطعمة (8) في النسخة رقم (14) (دون) *
[ 23 ]
798 - مسألة - ولا يجوز صوم يوم الشك الذى من آخر شعبان، ولا صيام اليوم الذى قبل يوم الشك المذكور الا من صادف يوما (1) كان يصومه فيصومهما حينئذ للوجه الذى كان يصومهما له لا لانه يوم شك ولا خوفا من ان يكون من رمضان * نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبى شيبة، وابو كريب كلاهما عن وكيع عن على بن المبارك عن يحي بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا رجل (2) كان يصوم صوما فليصم)، وقد ذكرنا أمره عليه السلام بان لا يصام حتى يرى الهلال من طريق ابن عمرو * نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالدنا على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا حماد بن سلمة عن عمر وبن دينار عن ابن عباس (ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فان أغمى (3) عليكم فعدوا ثلاثين قالوا: يا رسول الله الا نقدم بين يديه يوما أو يومين فغضب وقال: لا) * قال أبو محمد: نعوذ بالله من غضب رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا الخبر يوضح انه لا حجة في رأى صاحب ولا غيره أصلا، وبهذا يقول طائفة من السلف * روينا عن ابن مسعود انه قال: لان أفطر يوما من رمضان ثم اقضيه أحب إلى من أن (4) أزيد فيه يوما ليس فيه * وعن حذيفة أنه كان ينهى عن صوم اليوم الذى يشك فيه * وعن أبى اسحاق السبيعى عن صلة بن اشيم انه سمع عمار بن ياسر في يوم الشك من آخر شعبان يقول: من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم * وعن حذيفة، وابن عباس وأبى هريرة، وعمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وأنس بن مالك النهى عن صيامه * وعن ابن عمر، والضحاك بن قيس انهما قالا: لو صمت السنة كلها لافطرت اليوم الذى يشك فيه *
قال أبو محمد: وروى خلاف هذا عن بعض السلف كما روينا عن عائشة أم المؤمنين انها قالت: لان أصوم يوما من شعبان أحب إلى من أن فأفطر يوما من رمضان * وعن اسماء بنت أبى بكر انها كانت تصوم يوم الشك *
(1) في النسخة رقم (14) (صوما) (2) في النسخة رقم (16) (رجل) بالرفع وهو الصحيح لكونه في كلام تام غير موجب وهو موافق لمسلم ج 1 ص 299، وفى النسخة رقم (14) (رجلا) بالنصب (3) يقال: اغمى علينا الهلال وغمى - بتشديد الميم - فهو مغمى - بسكون الغين المعجمة - ومغمى بفتحها - إذا حال دون رؤيته غيم أو قترة كما يقال غم علينا اه نهاية (4) لفظ (ان) سقط من النسخة رقم (16) *
[ 24 ]
وحدثنا يونس بن عبد الله نا أحمد بن عبد الله (1) بن عبد الرحيم نا أحمد بن خالد نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى نا عبيد الله بن عمر عن نافع قال: كان ابن عمر إذا خلت تسع وعشرون ليلة من شعبان بعث من ينظر الهلال فان حال من دون منظره سحاب أو قترة أصبح صائما وان لم ير ولم يحل دون منظره أصبح مفطرا * وعن أبى عثمان النهدي انه كان يصوم يوم الشك * وعن القاسم بن محمد انه كان لا يكره صيام يوم الشك إلا ان أغمى دون رؤية الهلال * وعن الحسن البصري انه كان يصبح يوم الشك صائما فان قدم خبر برؤية الهلال ما (2) بينه وبين نصف النهار أتم صومه وإلا أفطر، وبالنهى عن صومه جملة يقول ابراهيم النخعي، والشعبى، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، وغيرهم * قال أبو محمد: هذا ابن عمر هو روى أن لا يصام حتى يرى الهلال ثم كان يفعل ما ذكرنا، واحتج من رأى صيام يوم الشك بما روينا من طريق مسلم عن ابن أبى شيبة نا يزيد بن هرون عن (3) الجريرى عن أبى العلاء عن مطرف (4) عن عمران بن الحصين (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: هل صمت من سرر هذا الشهر (شيئا؟ يعنى شعبان (5) قال: لا قال: فإذا أفطرت من صيام رمضان فصم يومين مكانه *
وبما رويناه من طريق أبى داود نا أحمد بن حنبل نا محمد بن جعفر نا شعبة عن توبة العنبري عن محمد بن ابراهيم عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن أم سلمة أم المؤمنين (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم من السنة شهرا تاما الا شعبان يصله برمضان) (6) * ومن طريق عبد الله بن أبى العلاء عن أبى الازهر المغيرة بن فروة قال: قام معاوية ابن أبى سفيان في الناس في دير مسحل (7) الذى على باب حمص فقال: يا ايها الناس انا قد رأينا الهلال يوم كذا وكذا وأنا متقدم بالصيام فمن أحب أن يفعله فليفعله، فقام إليه مالك بن هبيرة السبائى فقال: يا معاوية أشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أم شئ من رأيك؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (صوموا الشهر وسره) * قال أبو محمد: المغيرة بن فروة غير مشهور (8) ثم لو صح لما كانت فيه حجة أصلا لان
(1) جملة نا أحمد بن عبد الله سقطت من النسخة رقم (16) خطأ (2) لفظ (ما) سقط من النسخة رقم (16) خطأ * (2) لفظ (عن) سقط من النسخة رقم (16) خطأ (4) سقط لفظ (عن مطرف) من النسختين، وزدناه من صحيح مسلم ج 1 ص 322 وكذلك في سنن ابى داود ج 2 ص 370 (5) الزيادة من صحيح مسلم (6) قال الحافظ في الفتح: قال المنذرى: والحديث اخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حديث حسن (7) قال في القاموس: الديرخان النصارى والخان الحانوت أو صاحبه اه، قال في تاج العروس: ومسحل اسم رجل وهو أبو الدهناء امرأة العجاج اه ولعله كان بانى هذا الدير أو مالكه، وهو بكسر الميم وسكون السين المهملة (8) انظر ترجته في تهذيب التهذيب ج 10 ص 367 *
[ 25 ]
نصه (صوموا الشهر وسره) وهو بلا شك شهر رمضان لا ما سواه، وسره مضاف إليه، ولا يخلو سره من أن يكون أوله أو آخره أو وسطه (1) وأى ذلك كان؟ فهو من رمضان لا من شعبان، وليس فيه صوموا سر شعبان فبطل التعلق به * وأما خبر أم سلمة فلا حجة لهم فيه لان كل من كان له صوم معهود فوافق يوم الشك فليصمه كما جاء في الخبر الذى صدرنا به، ولا يجوز أن يحمل صوم النبي صلى الله عليه وسلم له في وصله شعبان برمضان الا على انه صوم معهود كان له *
وأما خبر عمران فصحيح الا أنه لا حجة لهم فيه لاننا لا ندري ماذا كان يقول له النبي صلى الله عليه وسلم؟ لو قال له الرجل: أنه صام سرر شعبان أينهاه أم يقره على ذلك؟ والشرائع الثابتة لا يجوز خلافها بالظنون ولا بما لا بيان فيه، ثم لو كان في هذه الاخبار بيان جلى باباحة صوم يوم الشك من شعبان لما كان لهم فيه حجة، لان صوم يوم الشك وغيره كان مباحا بلا شك في صدر الاسلام، لان الصوم جملة عمل بر وخير، فلما صح نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يومين قبل رمضان الا لمن كان له صوم يصومه صح يقينا لامرية فيه ان الاباحة المتقدمة قد نسخت وبطلت لان الصوم قد كان متقدما لهذا النهى بنصه كما هو لاستثنائه عليه السلام من كان له صوم فليصمه، ولا يحل العمل بشئ قد صح أنه منسوخ بلا شك ولا يحل خلاف الناسخ، ومن ادعى ان الحالة المنسوخة قد عادت وان الناسخ قد بطل فقد كذب وقفا مالا علم له به وقال: مالا دليل له به أبدا، والظن أكذب الحديث * 799 - مسألة - ولا معنى للتلوم في يوم الشك لانه ان كان تلومه بنية الصوم فقد خالف امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بترك صومه وواقع النهى، وان كان تلومه بغير نية الصوم فهو عناء لا معنى له، وترك المفطر الاكل (2) عمل فارغ، وقد روينا عن أنس وجماعة معه تعجيل الفطر في أوله * 800 - مسألة - ولا يجوز صوم اليوم السادس عشر من شعبان تطوعا أصلا ولا لمن صادف يوما (3) كان يصومه * نا عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك نا محمد بن بكر نا أبو داود نا قتيبة بن سعيد نا عبد العزيز بن محمد الدراوردى قال: قدم عباد بن كثير المدينة فمال إلى مجلس العلاء
(1) قال في فتح الودود شرح سنن ابى داود (صوموا الشهر وسره): بكسر فتشديد يقال سر الشهر وسراره وسرره لآخره لاستتار القمر فيه، ويحتمل ان يكون المراد بالشهر شهر رمضان وسره آخره لتأكد الاستيعاب أو المراد بآخره آخر شعبان، واضافته إلى رمضان للاتصال، اه اقول والاحتمال الثاني خلاف الظاهر (2) في النسخة رقم (14) (وللاكل) (3) في النسخة رقم (16) صوما
[ 26 ]
ابن عبد الرحمن فاخذ بيده فأقامه ثم قال (1): اللهم ان هذا يحدث عن أبيه (عن أبى هريرة) (2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) فقال العلاء: اللهم ان أبى حدثنى عن أبى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك (3) * قال أبو محمد: هكذا رواه سفيان عن العلاء، والعلاء ثقة روى عنه شعبة وسفيان الثوري، ومالك، وسفيان بن عيينة، ومسعر بن كدام، وابو العميس وكلهم يحتج بحديثه فلا يضره غمز ابن معين له، ولا يجوز ان يظن بابى هريرة مخالفة ماروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، والظن أكذب الحديث، فمن (4) ادعى ههنا اجماعا فقد كذب * وقد كره قوم الصوم بعد النصف من شعبان جملة الا ان الصحيح المتيقن من مقتضى لفظ هذا الخبر النهى عن الصيام (5) بعد النصف من شعبان، ولا يكون الصيام في أقل من يوم، ولا يجوز ان يحمل على النهى عن صوم باقى الشهر إذا ليس ذلك بينا، ولا يخلو شعبان من ان يكون ثلاثين أو تسعا وعشرين، فان كان ذلك فانتصافه بخمسة عشر يوما وان كان تسعا وعشرين فانتصافه في نصف اليوم الخامس عشر، ولم ينه عن الصيام بعد النصف، فحصل من ذلك النهى عن صيام اليوم السادس عشر بلا شك (فان قيل): فقد رويتم من طريق وكيع عن أبى العميس عن العلاء بن عبد الرحمن بن أبيه عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم حتى يكون رمضان) قلنا: نعم وهذا يحتمل النهى عن كل ما بعد النصف من شعبان، ويحتمل ان يكون النهى عن بعض ما بعد النصف وليس أحدا لاحتمالين أولى بظاهر اللفظ من الآخر، وقد روينا ما ذكرنا قبل من قول أم سلمة أم المؤمنين (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان يصله برمضان) وقول عائشة أم المؤمنين انه عليه الصلاة والسلام: (كان يصوم شعبان كله إلا قليلا) وقولهما هذا يقتضى انه عليه السلام كان يداوم ذلك فوجب استعمال هذه الاخبار كلها والا يرد منها شئ لشئ أصلا، فصح صيام أكثر شعبان مرغوبا فيه، وصح جواز صوم آخره فلم يبق يقين النهى الا على مالاشك فيه وهو اليوم السادس عشر كما قلنا وبالله تعالى التوفيق *
(1) في النسخة رقم (14) (فقال) بحذف ثم وما هنا موافق لسنن ابى داود ج 2 ص 273 (2) الزيادة من سنن أبى داود ج 2 ص 273 وهى موجدة في النسخة رقم (14) الا ان مصححها اشار إلى انها زائدة في النسخة فضرب عليها بالقلم ولعل الصواب كما يظهر لم اسقاطها بدليل آخر الحديث تنبه (3) كذا في النسختين والذى في سنن ابى داود (قال: بذلك) قال الخطابى: هذا الحديث كان ينكره عبد الرحمن بن مهدى من حديث العلاء اه قال المذرى: والحديث اخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي: حسن صحيح، حكى أبو داود عن الامام احمد انه قال: هذا حديث منكر قال: وكان عبد الرحمن - يعنى ابن مهدى - لا يحدث به، ويحتمل ان يكون الامام احمد انما انكره من جهة العلاء بن عبد الرحمن فان فيه مقالا لائمة هذا الشأن، انظر ترجمته في ميزان الاعتدال (4) في النسخة رقم (16) (ومن) * (5) في النسخة رقم (16) (عن الصوم) *
[ 27 ]
ومن ادعى نسخا في خبر العلاء فقد كذب وقفا مالاعلم له به وبالله تعالى نتأيد * وقد بينا فيما خلا ماقاله أبو حنيفة، ومالك، والشافعي مما لا يعرف ان احدا قاله قبل كل واحد منهم، أكثر ذلك مما قالوه برأى لا بنص * من ذلك قول أبى حنيفة يجزئ من مسح الرأس في الوضوء مقدار ثلاثة أصابع ولا يجزئ أقل منه، ومرة قال: ربع الرأ ولا يجزئ أقل، ويجزئ مسحه بثلاث اصابع ولا يجزئ باصبعين ولا بأصبع، وأجازوا الاستنجاء بالروث، وقوله: المرة والماء الخارجان من الجوف ينقضان الوضوء إذا كان كل واحد منهما مل ء الفم فان كان أقل لم ينقض الوضوء، وكذلك تعمد القئ والدم الخارج من الجوف ينقض الوضوء ان غلب على البصاق وان لم يملا الفم، والبلغم الخارج من الجوف لا ينقض الوضوء وان ملا الفم، وقوله في صدقة الخيل: ان شاء أعطى عن كل رأس من الاناث أو الذكور أو الاناث مخلوطين عن كل رأس عشرة دراهم، وان شاء قومها قيمة وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة، ولا يعطى من الذكور المفردة شيئا، وقوله الزكاة في كل ما أخرجت الارض قل أو كثر الا الحطب، والقصب، والحشيش، وقصب الذريرة، فان كان الخارج في الدار فلا زكاة فيه، وكل هذا لا يعلم احد قاله قبلهم *
وكقول مالك من ترك من الصلاة ثلاث تكبيرات، أو ثلاث تسميعات بطلت صلاته، فان ترك تكبيرتين فأقل لم تبطل ولا تسميعتين فاقل، وقوله في الزكاة فيما تخرجه الارض ومما لا زكاة فيه من ذلك من أنواع الحبوب، وقوله: ان الزكاة تسقط بموت المرء الا زكاة عامه ذلك، وقوله فيما تخرج منه زكاة الفطر من الحبوب، ووقول الشافعي: فيما يخرج منه الزكاة من الحبوب وما لا يخرج منه، وقوله: فيما يخرج منه زكاة الفطر من الحبوب وما لا يجزئ فيها منها، وقوله في ان الماء ان كان خمسمائة رطل بالبغدادي لم يقبل نجاسة الا ان تغيره. فان كان أقل ولو بوزن درهم فانه ينجس وان لم يتغير، وكل هذا لايعرف له قائل قبل من ذكرنا، ولو تتبعنا مالكل واحد منهم من مثل هذا لبلغ لابي حنيفة، ومالك ألوفا من المسائل، ولبلغ للشافعي مئين وبالله تعالى نتأيد * 81 - مسألة - ولا يحل صوم يوم الفطر ولا يوم الاضحى لافى فرض ولافى تطوع وهو قول جمهور الناس، وقد روينا من طريق وكيع عن عبد الله بن عون عن زياد بن جبير قال: سأل رجل ابن عمر عمن نذر صوم يوم فوافق يوم أضحى أو يوم فطر؟ فقال ابن عمر: أمر الله تعالى بوفاء النذر، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم هذا اليوم * وروينا عن عطاء فيمن نذر صوم شوال انه يفطر يوم الفطر ثم يصوم يوما من ذى القعدة مكانه ويطعم مع ذلك عشرة مساكين *
[ 28 ]
قال على: انما أمر عزوجل بالوفاء بالنذر إذا كان طاعة لا إذا كان معصية، واد صح نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الفطر والاضحى أو أي يوم نهى عنه فصوم ذلك اليوم معصية، ولم يأمر الله تعالى قط بالوفاء بنذر مصية، وقد صح في ذلك آثار * منها مارويناه من طريق البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن ابن شهاب عن أبى عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) (1) فقال: هذان يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم واليوم
الآخر يوم تأكلون فيه من نسككم، وصح أيضا من طريق أبى هريرة، وأبى سعيد مسندا * وقال محمد بن الحسن في رواية هشام بن عبد الله عنه: (من نذر أن يصوم الدهر وأراد بذلك اليمين فعليه ان يصومه ويفطر يوم الفطر والاضحى، وأيام التشريق ولا يطعم شيئا لكن يوصى عند موته أن يطعم عنه لكل يوم نصف صاع)، وهذا تخليط لا نظير له * 802 - مسألة - ولا يجوز صيام أيام التشريق وهى ثلاثة أيام بعد يوم الاضحى لافى قضاء رمضان ولافى نذر، ولا في كفارة، ولا لمتمتع بالحج لا يقدر على الهدى وهو قول أبى حنيفة، والشافعي * وقال مالك: يصومها المتمتع المذكور كلها ولا يصوم الناذر منها الا اليوم الثالث فقط، ولا يجوز ان يصام شئ منها تطوعا ولا في كفارة * حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا عبد الله ابن مسلمة (القعنبى) (2) نا مالك عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد (3) عن أبى مرة مولى أم هانئ أنه دخل مع عبد الله بن عمرو بن العاصى على (أبيه) (4) عمرو بن العاصى فقرب اليهما (5) طعاما فقال: انى طائم فقال له: كل فهذه (6) الايام التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بافطارها وينهانا عن صيامها قال مالك: هي أيام التشريق * نا حمام بن أحمد نا عباس بن أصبغ نا محمد بن عبد الملك بن أيمن نابكر - هو ابن حماد - نا مسدد نا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن نافع بن جبير بن مطعم عن بشر بن سحيم (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن ينادى أيام التشريق انه لا يدخل الجنة الا مؤمن وانها أيام أكل وشرب) *
(1) الزيادة في صحيح البخاري جزء 3 ص 93: ادارة الطباعة المنيرية (2) الزيادة من سنن ابى داود ج 2 ص 295 (3) في النسختين (عن يزيد بن عبد الله بن الهادى) باسقاط (اسامة بن) وزدناه من تهذيب التهذيب جزء 11 ص 339، وفى سنن ابى داود ج 2 ص 295 (عن يزيد بن الهاد) (4) الزيادة من سنن ابى داود ج 2 ص 295 (5) في النسخة رقم (14) (فقرب إليه) وما هنا موافق لسنن ابى داود (6) في سنن ابى داود (فقال: (كل قال: انى صائم فقال عمر: كل فهذه) الخ *
[ 29 ]
قال أبو محمد: تفريق مالك بين اليومين وبين اليوم الثالث لا وجه له أصلا، فان ذكر ذا كرما رويناه من طريق شعبة قال: سمعت عبد الله بن عيسى - هو ابن أبى ليلى - عن الزهري عن عروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله بن عمر قال: عروة عن عائشة، وقال سالم: عن ابيه ثم اتفقا قالا: لم يرخص في أيام التشريق ان يصمن الا لمن لم يجد الهدى، وقد أسنده عن شعبة يحيى بن سلام، وس هو ممن يحتج بحديثه، فان هذا موقوف على أم المؤمنين، وابن عمر رضى الله عنهم، ولا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز ان يسند هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث) * وروينا من طريق وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين انها كانت تصوم أيام التشريق * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبد الملك بن أبى نعامة عن أبيه عن ابن عباس انه كان يصوم أيام التشريق * وعن أبى طلحة انه كان لا يفطر إلا يوم فطر أو أضحى * وعن الاسود أنه كان يصوم أيام التشريق ولو كان مسندا لكان حجة على المالكيين لانه أباح اليوم الثالث ان يصومه الناذر وهو خلاف هذا الخبر * قال أبو محمد: عهدنا بالحنيفيين والمالكيين يقولون فيما وافق اهواءهم من اقوال الصحابة: هذا لا يقال بالرأى قالوا ذلك في تيمم جابر إلى المرفقين، وفى قول عائشة رضى الله عنها لام ولد زيد بن أرقم إذا باعت منه عبدا إلى العطاء بثماني مائة ثم اشترته منه بستمائة أبلغ زيدا انه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ان لم يتب، وهو خبر لا يصح، وخالفوا بذلك القرآن والسنة الثابتة، وفى التيمم إلى الكوعين فهلا قالوا هنا في قول عائشة، وابن عمر: مثل هذا لا يقال: بالرأى؟ وعهدنا بهم يقولون فيما خالف أهواءهم من السنن ما تعظم به البلوى: لا يقبل فيه خبر الواحد، وردوا بذلك الوضوء من مس الذكر فهلا قالوا ههنا: هذا مما تعظم به البلوى؟ فلا يقبل فيه خبر الواحد، إذا لو كان النهى عن صيام أيام التشريق
صحيحا ما خفى على عائشة، وأبى طلحة، وابن عباس، والاسود، وعهدنا بهم يقولن: ان الخبر المضطرب فيه مردود، وادعوا ذلك في حديث (لا تحرم المصة ولا المصتان) فهذا الخبر أشد اضطرابا لانه روى عن بشر بن سحيم، ومرة عنه عن على، وعهدنا بهم يقولون فيما وافقهم: هذا ندب فهلا قالوه ههنا؟ وعهدنا بهم يقولون: إذا روى الصاحب خبرا وتركه فهو دليل على نسخه، وعائشة قد روت كما ذكرنا النهى عن صيام أيام التشريق وتركت ذلك فكانت تصومها تطوعا فهلا تركوا ههنا روايتها لرأيها؟ ولا يقدر أحد على ان يقول: انها وابن عباس صاماها في تمتع الحج لان يسارهما ويسار الاسود وسعة أموالهم لالف هدى أشهر من ان يجهله الا من لاعلم له أصلا *
[ 30 ]
803 - مسألة - ولا يحل صوم أخرج مخرج اليمين كأن (1) يقول القائل: أنا لا أدخل دارك فان دخلتها فعلى صوم شهر أو ما جرى هذا المجرى * نا يونس بن عبد الله بن مغيث نا أبو بكر محمد بن أحمد بن خالد قال: نا أبى ناعلى ابن عبد العزيز نا أبو عبيد القاسم بن سلام نا اسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفا فلا يحلف الا بالله) * قال أبو محمد: فصار الحلف بغير الله تعالى معصية، وخلافا لنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذ هو كذلك فقد ذكرنا قبل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا وفاء لنذر في معصية الله) والنذر اللازم هو الذى يتقرب به إلى الله تعالى فقط، وهو قول الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبى سليمان وغيرهم * 804 - مسألة - ولا يحل لذات (2) الزوج أو السيد ان تصوم تطوعا بغير اذنه، وأما الفروض كلها فتصومها أحب أم كره، فان كان غائبا لا تقدر على استئذانه أو تقدر فلتصم التطوع ان شاءت * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا الحسن بن
على - هو الحلواني - نا عبد الرزاق انا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصوم المرأة وبعلها شاهد الا باذنه غير رمضان ولا تأذن في بيته وهو شاهد الا باذنه) (3) * قال على: البعل اسم للسيد وللزوج (4) في اللغة، وصيام قضاء رمضان والكفارات وكل نذر تقدم لها قبل نكاحها اياه مضموم إلى رمضان لان الله تعالى افترض كل ذلك كما افترض رمضان، وقال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم). فأسقط الله عزوجل الاختيار فيما قضى به وانما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الاذن والاستئذان فيما فيه الخيار، وأما مالاخيار فيه ولا اذن لاحد فيه ولافى تركه ولافى تغييره فلا مدخل للاستئذان فيه. هذا معلوم بالحس، وهو الذى يقتضى تخصيصه على السلام اذن البعل فيه، وبالله تعالى التوفيق * 805 - مسألة ونستحب تدريب الصبيان على الصوم في رمضان إذا أطاقوه وليس ذلك واجبا عليهم لما قد ذكرنا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاث) فذكر فيهم الصبى حتى يحتلم، وقد ذكرنا في أول كتاب الطهارة وجوب الاحكام بالانبات،
(1) في النسخة رقم (14) (مثل ان) (أي لصاحبة الزوج) (3) في سنن ابى داود ج 2 ص 306، قال المنذرى وأخرحه مسلم (4) وقد جاء لسان الشرع ايضا ومنه قوله في حديث الامام (وان تلد الامة بعلها: المراد بالبعل؟؟ المالك اه نهاية *
[ 31 ]
والحيض والله تعالى يقول: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير)، وتدريبهم على الصوم خير، وقد ذكرنا (قبل) (1) قول عمر رضى الله عنه للشيخ الذى وجده سكران في رمضان: ولداننا صيام، وقد روينا من طريق ابن جريح عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا صام الغلام ثلاثة أيام متتابعة فقد وجب عليه صيام شهر رمضان) * قال أبو محمد: محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة (2) لا شئ الا أن الحنيفيين، والمالكيين،
والشافعيين بروايته اخذوا في (اباحة) (3) كراء الارض وأبطلوا بها الروايات الثابتة في تحريم كراء الارض، فهو حجة إذا اشتهوا وليس هو حجة إذا اشتهوا * وروينا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه إذا بلغ الغلام خمسة أشبار وجبت عليه الحدود، وروينا عن ابن سيرين، وقتادة، والزهرى يؤمر الغلام بالصلاة إذا عرف يمينه من شماله، وبالصوم إذا أطاقه * وعن عروة بن الزبير يؤمرون بالصلاة إذا عقلوها، وبالصوم إذا أطاقوه * قال على: لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم * وعن سعيد بن المسيب تكتب الصلاة على الجارية إذا حاضت وعلى الغلام إذا احتلم * 806 - مسألة - ويجب على من وجد التمر أن يفطر عليه فان لم يجد فعلى الماء وإلا فهو عاص لله تعالى ان قامت عليه الحجة فعند (4) ولا يبطل صومه بذلك لان صومه قد تم وصار في غير صيام، وكذلك لو أفطر على خمر أو لحم خنزير أو زنى فصومه تام وهو عاص لله تعالى * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا قتيبة بن سعيد نا سفيان بن عيينة عن عاصم الاحول عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن عمها سلمان ابن عامر يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أفطر احدكم فليفطر على تمر فانه بركة فان لم يجد تمرا فالماء فانه طهور) * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا أحمد بن حنبل نا عبد الرزاق نا جعفر بن سليمان الضبعى نا ثابت البنانى انه سمع أنس بن مالك يقول كان النبي (5) صلى الله عليه وسلم: (يفطر على رطبات قبل أن يصلى فان لم تكن (رطبات) (6) فعلى
(1) الزيادة في النسخة رقم (14) (2) قال الحافظ في تقريب التهذيب: بفتح اللام وكسر الموحدة وسكون التحية وفتح الموحدة الاخرى، ويقال: ابن لبينه: كثير الارسال من السادسة (2) الزيادة في النسخة رقم (14) (4) بفتحات: أي خالف (5) في سنن ابى داود جزء 2 ص 278 (كان رسول الله) (6) الزيادة من سنن ابى داود *
[ 32 ]
تمرات فان لم يكن حساحسوات (1) من ماء)، وقد قال قوم: ليس هذا فرضا لانه عليه السلام قد أفطر في طريق خيبر على السويق فقلنا: وما دليلكم على أنه لم يكن أفطر بعد على تمر أو انه كان معه تمر؟ والسويق المجدوح بالماء فالماء فيه ظاهر فهو فطر على الماء، وأيضا فالفطر على كل مباح موافق للحالة المعهودة، والامر بالفطر على التمر - فان لم يكن فعلى الماء - امر وارد يجب فرضا، وهو رافع للحالة الاولى بلا شك، وادعى قوم الاجماع على غير هذا وقد كذب ما ادعى الاجماع وهو لا يقدر على ان يحصى في هذا أقوال (2) عشرة من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم، وذكروا افطار عمر رضى الله عنه بحضرة الصحابة على اللبن * قال أبو محمد: ان كان هذا اجماعا أو حجة فقد خالفوه وأوجبوا القضاء بخلاف قول عمر في ذلك فقد اعترفوا على أنفسهم خلاف الاجماع، وأما نحن فليس هذا عندنا اجماعا ولا يكون اجماعا الا مالا شك في ان كل مسلم يقول به، فان لم يقله فهو كافر كالصلوات الخمس، والحج إلى مكة، وصوم رمضان ونحو ذلك، وبالله تعالى التوفيق * 807 - مسألة - ويستحب فعل الخير في رمضان حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد ابن معاوية نا أحمد بن شعيب انا سليمان بن داود - هو المهرى - عن ابن وهب أخبرني يونس - هو ابن يزيد - عن ابن شهاب عن عبيدالله بن عبد الله بن عتيبة ان (عبد الله) (3) ابن عباس كان يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان)، وذكر باقى الحديث (4) قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * 808 - مسألة - ومن دعى إلى طعام - وهو صائم - فليجب فإذا أتاهم فليدع لهم وليقل: انى صائم حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا عبد الله بن سعيدنا أبو خالد - هو الاحمر - عن هشام - هو ابن حسان - عن ابن سيرين عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دعى أحدكم فليجب فان كان مفطرا فليطعم
وان كان صائما فليصل) قال هشام: والصلاة الدعاء (5) *
(1) قال في النهاية: الحسوة بالضم الجرعة من الشراب بقدر ما يحسى مرة واحدة، والحسوة بالفتح المرة اه (2) في النسخة رقم (14) (في هذا القول) (3) الزيادة من النسائي ج 4 ص 125 (4) ولفظه (حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من شهر رمضان فيدارسه القرآن، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل عليه السلام أجود بالخير من الريح المرسلة) (5) الصلاة ان تعدت بالام فهى الصلاة المعروفة ذات الاقوال والافعال لقوله تعالى (فصلى لربك وانحر) وان تعدت بعلى فهى الدعاء كقوله تعالى: (وصلى عليهم) ولم تتعد في هذا الحديث بشئ فيحتمل الامرين فحين إذ ان صلى فقط أو دعا فقط أو جمع بينهما فقد امتثل أمره عليه السلام (فليصلي) قال الطيبى في تفسير قوله (فليصلي) أي ركعتين في ناحية البيت كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أم سليم أخرجه البخاري اهو يؤيد الثاني فعل ابن عمر الذى ذكره المصنف بعد وعمل ابى بن كعب والله اعلم بذلك *
[ 33 ]
وبه إلى أبى داود نا مسدد نا سفيان عن أبى الزناد عن الاعرج عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دعى أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: انى صائم (1)) * قال أبو محمد: فعليه أن يجمع بن الامرين جميعا * وروينا ان ابن عمر كان إذا دعى إلى طعام وهو صائم أتاهم فدعا لهم ثم انصرف * ومن طريق حماد بن سلمة عن ثابت البنانى قال: دعاني أنس إلى طعام فقلت: انى لا أطعم فقال: قل: انى صائم * ومن طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختيانى عن ابن سيرين ان أباه أو لم بالمدينة سبعة أيام يدعو الناس فدعا أبى بن كعب وهو صائم فاجابه ودعا لهم ورجع * (ليلة القدر (2) 809 - مسألة - ليلة (3) القدر واحدة في العام في كل عام، في شهر رمضان خاصة، في العشر الاواخر خاصة، في ليلة واحدة بعينها لا تنتقل أبدا إلا انه لا يدرى أحد من الناس أي ليلة هي من العشر المذكور؟ إلا انها في وتر منه ولا بد، فان كان الشهر تسعا وعشرين فأول العشر الاواخر بلا شك؟ ليلة عشرين منه، فهى إما ليلة عشرين، وإما ليلة اثنين وعشرين، وإما ليلة أربع وعشرين، واما ليلة ست وعشرين، واما ليلة ثمان
وعشرين، لان هذه هي الاوتار من العشر (الاواخر (4)، وان كان الشهر ثلاثين فأول الشعر الاواخر بلا شك ليلة احدى وعشرين، فهى إما ليلة احدى وعشرين، واما ليلة ثلاث وعشرين، واما ليلة خمس وعشرين، واما ليلة سبع وعشرين، واما ليلة تسع وعشرين، لان هذه هي أوتار العشر بلاشك * وقال بعض السلف: من يقم العام يدر كها * وبرهان قولنا: انها في رمضان خاصة دون سائر العام قول الله تعالى: (انا انزلناه في ليلة القدر)، وقال عزوجل: (شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن)، فصح انه أنزل في ليلة القدر في شهر رمضان، فصح ضرورة أنها في رمضان لافى غيره، إذا لو كانت في غيره لكان كلامه تعالى ينقض بعضه بعضا بالمحال، وهذا مالا يظنه مسلم، وروى عن ابن مسعود انها في ليلة (5) سبع عشرة من رمضان ليلة يوم بدر * وبرهان صحة قولنا: انها في العشر الاواخر منه ولا بد ما حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج
(1) جز 2 ص 307 من سنن ابى داود (2) لم يطل الكلام في هذا المبحث المصنف رحمه الله تعالى وقد طبعنا رسالة شرح الصدر بذكر ليلة القدر للحافظ ولى الدين ابن الحافظ الزين العراقى، وقد استوعب البحث فيها تماما فارجع إليها ان شئت (3) في النسخة رقم (14) (وليلة) بزيادة الواو (4) زيادة لفظ (الاواخر) من النسخة رقم (14) (5) في النسخة رقم (14) (ليلة) بحذف لفظ (في) *
[ 34 ]
نا محمد بن المثنى نا عبد الاعلى نا سعيد بن أبى نضرة عن أبى سعيد (الخدرى (1) قال: (اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الاوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له (قال فلما انقضين أمر بالبناء فقوض (2)) ثم أبينت له أنها في العشر الاواخر فامر بالبناء فاعيد ثم (خرج على الناس (3)) فقال: يا ايها الناس انها كانت أبينت لى ليلة القدر وانى خرجت لاخبركم بها فجاء رجلان يحتقان (4) معهما الشيطان فنسيتها فالتمسوها في العشر الاواخر من رمضان التمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة، ثم فسرها (5) أبو سعيد فقال: إذا مضت واحدة وعشرون فالتى تليها اثنتين وعشرين (6)
فهى التاسعة فإذا مضى ثلاث وعشرون فالتى تليها السابعة فإذا مضى خمس وعشرون فالتى تليها الخامسة) * قال أبو محمد: هذا على ما قلنا من كون رمضان تسعا وعشر ين * وبه إلى مسلم نا زهير بن حرب نا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رجالا رأوا (7) انها ليلة سبع وعشرين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرى رؤيا كم في العشر الاواخر فاطلبوها في الوتر منها) * قال أبو محمد: هذه الاخبار تصحح ما قلنا إذا لو كانت تنتقل لما كان لاعلام النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة لانها كانت لا تثبت، ولوجب إذا خرج ليخبرهم بها ان يخبرهم بها عاما عاما إلى يوم القيامة، وهذا محال، وإذا نسيها عليه السلام فمن المحال الباطل ان يعلمها أحد بعده وإذا لم يقطع عليه السلام برؤيا من رأى من أصحابه فرؤيا من بعدهم ابعد من القطع بها، وقد روى عن أبى بن كعب انها ليلة سبع وعشرين وليس قوله بأولى من قول ابن مسعود * (فان قيل) قد جاء ان علامتها ان الشمس تطلع حينئذ لا شعاع لها، قلنا: نعم ولم يقل عليه السلام: ان ذلك يظهر الينا فنعلم من ذلك ما لم يعلمه هو عليه السلام، فيكون ذلك أول طلوعها بحيث لا يتبين ذلك فيها أحد (فان قيل): قد قال عليه السلام: (انه أرى انه
(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 324 (2) الزيادة من صحيح مسلم، وقوله (فقوض) هو بقاف مضمومة وواو مكسورة مشددة وضاد معجمة، ومعناه ازيل (3) الزيادة من صحيح مسلم (4) هو بالقاف، ومعناه يطلب كل واحد منهما حقه ويدعى انه المحق (5) أي بعدما سئل عن ذلك ونص عبارة مسلم: قال قلت: يا ابا سعيد انكم اعلم بالعدد منا قال: اجل نحن احق بذلك منكم قال قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة قال: إذا مضت إلى الخ (6) الذى في النسخة رقم (14) (فإذا صمت واحدة وعشرين في التى تليها فالتى تليها اثنتان وعشرون) قال النوري في شرح مسلم هكذا هو في اكثر النسخ (ثنتين وعشرين) بالياء، وفى بعضها (اثنتان وعشرون) بالالف والواو والاول أصوب وهو منصوب بفعل محذوف تقديره اعني ثنتين وعشرين اه وقوله: (فإذا صمت) بالصاد المهملة في النسخة رقم (14) غلط (7) في النسخة رقم (16) (ان رجلا رأى) وفى صحيح مسلم ج 1 ص 323 (عن ابيه قال: رأى رجل ان ليلة القدر ليلة سيع وعشرين) *
[ 35 ]
يسجد في صبيحتها في ماء وطين) فكان ذلك صباح ليلة احدى وعشرين قلنا: نعم وقد وكف المسجد (1) أيضا في صبيحة ليلة ثلاث وعشرين فسجد عليه السلام في ماء وطين * روينا هذا من طريق مسلم بن الحجاج عن سعيد بن عمرو بن سهل بن اسحاق بن محمد ابن الاشعث الكندى (2) انا أبو ضمرة أنس بن عياض حدثنى الضحاك بن عثمان (3) عن أبى النضر مولى عمر بن عبيدالله عن بسر (4) بن سعيد عن عبد الله بن أنيس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أريت ليلة القدر ثم أنسيتها وأرانى صبيحتها أسجد في ماء وطين قال: فمطر ناليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف وان أثر الماء والطين على جبهته وأنفه)، (قال) (5) وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرون (6)، وقد يمكن ان تكف السماء في العشر الاواخر كلها فبقى الامر بحسبه * ومن طرائف الوسواس احتجاج ابن بكير المالكى في أنها ليلة سبع وعشرين بقول الله تعالى: (سلام هي) قال: فلفظة هي. هي السابعة وعشرون من السورة، قال أبو محمد: حق من قام هذا في دماغه ان يعانى بما يعانى به (7) سكان المارستان نعوذ بالله من البلاء، ولو لم يكن له من هذا أكثر من دعواه (8) انه وقف على ما غاب من ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينس من علم الغيب ما أنساه الله عزوجل نبيه عليه السلام، ومن بلغ إلى هذا الحد (9) فجزاؤه ان يخذله الله تعالى مثل هذا الخذلان العاجل ثم في الآخرة أشد تنكيلا * 810 - مسألة - ويستحب الاجتهاد في العشر الاواخر من رمضان لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التمسوها في العشر الاواخر) وانما تلتمس بالعمل الصالح لا بأن لها صورة وهيئة يمكن الوقوف عليها بخلاف سائر الليالى كما يظن أهل الجهل انما قال تعالى: (في ليلة مباركة فيها يفرق كل أمر حكيم) وقال تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها باذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر)، فبهذا بانت عن سائر الليالى فقط والملائكة لا يراهم أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، نسأل الله تعالى التوفيق والهدى والعصمة آمين *
(تم كتاب الصيام والحمد الله رب العالمين كثيرا، وصلى الله على محمد عبده ورسوله وسلم تسليما كثيرا)
(1) أي قطر ماء المطر من سقفه (2) في صحيح مسلم ج 1 ص 325 (وعلى بن خشرم قالا) (3) في صحيح مسلم زيادة (وقال ابن خشرم: عن الضحاك بن عثمان) (4) في النسخة رقم (14) (عن بشر) بالشين المعجمة وهو غلط (5) الزيادة من صحيح مسلم (6) كذا في النسختين وفى صحيح مسلم (ثلاث وعشرين) قال النووي هكذا هو في معظم النسخ، وفى بعضها ثلاث وعشرون، وهذا ظاهر والاول جار على لغة شاذة انه يجوز حذف المضاف ويبقى المضاف إليه مجرورا أي ليلة ثلاث وعشرين اه (7) في النسخة رقم (16) (بما يعاناه) (8) في النسخة رقم (16) (من دعوى) (9) في النسخة رقم (16) سقط لفظ (الحد) خطط *
[ 36 ]
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الحج 811 - مسألة - قال أبو محمد (1): الحج إلى مكة والعمرة إليها (2) فرضان على كل مؤمن عاقل بالغ ذكر أو انثى، بكر أو ذات زوج، الحر والعبد، والحرة والامة، في كل ذلك سواء مرة في العمر إذا وجد من ذكرنا إليها سبيلا، وهما أيضا على أهل الكفر الا أنه لا يقبل منهم الا بعد الاسلام، ولا يتركون ودخول الحرم حتى يؤمنوا * أما قولنا بوجوب الحج - على المؤمن العاقل البالغ الحر، والحرة التى لها زوج أو ذو محرم يحج معها مرة في العمر - فاجماع متيقن، واختلفوا في المرأة لازوج لها ولاذا محرم، وفى الامة والعبد، وفى العمرة * برهان صحته قولنا: قول الله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) فعم تعالى ولم يخص، وقال عزوجل: (وأتموا الحج والعمرة لله)، * وقال قوم: العمرة ليست فرضا واحتجوا بما رويناه من طريق الحجاج بن أرطاة عن ابن المنكدر عن جابر (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة أفريضة هي؟ قال: لا وان تعتمر خير لك * وبما رويناه عن معاوية بن اسحاق عن أبى صالح ماهان الحنفي عن النبي
صلى الله عليه وسلم (الحج جهاد والعمرة تطوع) (4) * ومن طريق يحيى بن أيوب عن عبد الله بن عمر عن أبى الزبير عن جابر (قلت: يارسول الله العمرة فريضة كالحج قال: لاوان تعتمر خير لك) * ومن طريق حفص بن غيلان عن مكحول عن أبى أمامة الباهلى عن النبي صلى الله عليه وسلم (من مشى إلى صلاة مكتوبة فهى كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فهى كعمرة تامة) * ومن طريق يحيى بن الحارث عن القاسم أبى عبد الرحمن عن أبى أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم (من مشى إلى مكتوبة فأجره كأجر الحاج، ومن مشى إلى تسبيح الضحى فأجره كأجر المعتمر) (5) * ومن طريق محاضر بن المورع عن الاحوص
(1) زيادة (قال أبو محمد) من النسخة رقم (16) (2) لفظ (إليها) زيادة من النسخة رقم (14) ومرجع الضمير مكة * (2) رواء احمد بن حنبل في المسند ج 3 ص 317، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص ص 204 والترمذي والبيهقي من روارة الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عنه، والحجاج ضعيف، قال البيهقى: المحفوظ عن جابر موقوف اه ورواه الدارقطني ص 283 (4) قال الحافظ في التلخيص: وفى الباب عن ابى هريرة وابن حزم والبيهقي واسناده ضعيف، وأبو صالح ليس هو ذكوان السمان بل هو أبو صالح ماهان الحنفي، كذلك رواه الشافعي عن سعيد بن سالم عن الثوري عن معاوية ابن اسحق عن ابى صالح الحنفي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الحج جهاد والعمرة تطوع)، ورواه ابن ماجه من حديث طلحة ج 2 ص 120 واسناده ضعيف، والبيهقي من حديث ابن عباس، ولا يصح من ذلك شئ اه اقول: ولم اجده في سنن الدارقطني عن ابى صالح والله أعلم (5) رواه ابن ماجه ج 2 ص 130 وفيه عمر بن قيس وهو ضعيف كما يقول المصنف بعد *
[ 37 ]
ابن حكيم عن عبد الله بن عابر الالهانى عن عتبة بن عبدالسلمى، وعن أبى أمامة الباهلى كلاهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (من صلى في مسجد جماعة ثم ثبت فيه سبحة الضحى كان له كأجر حاج ومعتمر) * ومن طريق عبد الباقي بن قانع حديثا فيه عمر بن قيس عن طلحة بن موسى عن عمه اسحاق بن طلحة عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الحج جهاد والعمرة تطوع) (1) * ومن طريق ابن قانع عن أحمد بن محمد بن بحير العطار عن محمد بن بكار عن محمد بن الفضل بن علية عن سالم الافطس عن سعيد بن جبير عن
ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (الحج جهاد والعمرة تطوع) * ومن طريق عبد الباقي بن قانع نا بشر بن موسى نا ابن الاصبهاني نا جرير وأبو الاحوص عن معاوية بن اسحاق عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (الحج جهاد والعمرة تطوع) * وقالوا: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) * وروى أبو داود نا زهير بن حرب وعثمان بن أبى شيبة قالا: نا زيد بن هرون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن ابن سنان عن أبى عباس ان الاقرع بن حابس (2) قال: (يارسول الله الحج في كل عام (3) أم مرة واحدة؟ قال: بل مرة واحدة فما زاد فتطوع) قالوا: فقد صح انه لا يلزم الا حجة واحدة فالعمرة تطوع لدخولها في الحج وقالوا: قول الله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) لا يوجب كونها فرضا وانما يوجب اتمامها على من دخل فيها لاابتداءها لكن كما تقول: أتم الصلاة التطوع، والصوم التطوع، وقالوا: لما كانت العمرة غير مرتبطة بوقت وجب أن لا تكون فرضا، - وروينا (4) عن ابراهيم النخعي. والشعبى انها تطوع * قال أبو محمد: هذا كل ماموهوا به وكله باطل، أما الاحاديث التى ذكروا فكذوبة كلها، أما حديث جابر فالحجاج بن أرطاة ساقط لا يحتج به، والطريق الاخرى أسقط وأوهن لانها من طريق يحيى بن أيوب وهو ضعيف عن العمرى الصغير وهو ضعيف * وأما حديث أبى صالح ماهان الحنفي فهو مرسل، وماهان هذا ضعيف كوفى * وأما حديث أبى أمامة فاحد طرقه عن حفص بن غيلان وهو مجهول عن مكحول عن أبى أمامة ولم يسمع مكحول من ابى امامة شيئا، والاخرى من طريق القاسم - أبى عبد الرحمن - وهو ضعيف * والثالثة (5) - من طريق محاضر بن المورع (6) وهو ضعيف عن الاحوص بن حكيم وهو ساقط عن عبد الله بن عابر وهو مجهول وهو حديث
(1) رواه الطبراني (2) في سنن ابى داود ج 2 ص 71 زيادة (سأل النبي صلى الله عليه وسلم) الخ (3) في سنن ابى داود (في كل سنة) (4) النسخة في رقم (16) سقط الواو هنا (5) في النسخة رقم (14) (الثالث) وما هنا اولى تناسبا (6) في النسخة
رقم (14) (الموزع) هنا وفيما سبق قريبا بالزاى وصوابه بالراء المهملة *
[ 38 ]
منكر ظاهر الكذب لانه لو كان أجر العمرة كأجر من مشى إلى صلاة تطوع لما كان - لما تكلفه النبي صلى الله وعليه وسلم من القصد إلى العمرة إلى مكة من المدينة - معنى، ولكان فارغا ونعوذ بالله من هذا * وأما حديث طلحة فمن طريق عبد الباقي بن قانع وقد أصفق اصحاب (1) الحديث على تركه، وهو راوي كل بلية وكذبة، ثم فيه عمر بن قيس مندل وهو ضعيف * وأما حديث ابن عباس فمن طريق عبد الباقي بن قانع ويكفى، ثم هو عن ثلاثة مجهولين في نسق لا يدرى من هم، وأما حديث أبى هريرة فكذب بحت من بلايا عبد الباقي بن قانع التى انفرد بها والناس رووه مرسلا من طريق أبى صالح ماهان كما أوردنا قبل فراد فيه أبا هريرة وأوهم انه أبو صالح السمان فسقطت كلها ولله الحمد * ولو شئنا لعارضناهم بما روينا من طريق ابن لهيعة عن عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: (الحج والعمرة فريضتان واجبتان) ولكن يعيذنا الله عزوجل ومعاذ الله والشهر الحرام من أن تحتج بما ليس حجة، ولكن ابن لهيعة إذا روى ما يوافقهم صار ثقة وإذا روى ما يخالفهم صار ضعيفا، والله ما هذا فعل من يوقن انه محاسب كلامه في دين الله تعالى * قال أبو محمد: وعهدنا بهم يقولون: ان الصاحب إذا روى خبرا وتركه كان ذلك دليلا على ضعف ذلك الخبر، وقد حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكى نا ابن مفرج نا ابراهيم ابن أحمد بن فراس نا محمد بن على بن زيد الصائغ نا سعيد بن منصور نا سفيان - هو ابن عيينة - عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس انه قال: الحج والعمرة واجبتان * وبه نصا إلى سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس انه قال في الحج والعمرة: انها لقرينتها في كتاب الله (2)، وهذا عن ابن عباس من طرق في غاية الصحة انها واجبة كوجوب الحج *
ونا أحمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا ابراهيم بن محمد الدينورى نا محمد بن أحمد بن الجهم نا أبو قلابة نا الانصاري - هو محمد بن عبد الله القاضى - انا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: ليس مسلم الا عليه حجة وعمرة من استطاع إليه سبيلا * قال أبو محمد: فلو صح مارووا من الكذب الملفق لوجب على اصولهم الخبيثة المفتراة اسقاط كل ذلك إذا كان ابن عباس وجابر رويا تلك الاخبار بزعمهم قد صح عنهما
(1) في النسخة رقم (14) (أهل) بدل (أصحاب) وأنظر الكلام على عبد الباقي بن قانع في الجزء السادس من هذا الكتاب ص 168 (2) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: رواه الشافعي وسعيد بن منصور، والحاكم والبيهقي، وعلقه البخاري ج 3 ص 15 *
[ 39 ]
خلافها، ولكن القوم متلاعبون كما ترون، ونعوذ بالله من الخذلان (1) * قال أبو محمد: ثم لو صحت كلها - ومعاذ الله من ان يصح الباطل والكذب - لما كانت لهم في شئ منها حجة لما حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا محمد بن عبد الاعلى الصنعانى نا خالد - هو ابن الحارث - نا شعبة قال: سمعت النعمان بن سالم قال: سمعت عمرو بن أوس يحدث عن أبى رزين العقيلى (انه قال: يا رسول الله إن أبى شيخ كبير لايستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن (2) قال: فحج عن أبيك واعتمر) * فهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأداء فرض الحج والعمرة عمن لا يطيقهما، فهذا حكم زائد وشرع وارد، وكانت تكون تلك الاحاديث موافقة لمعهود الاصل فان الحج والعمرة قد كانا بلا شك تطوعا لا فرصنا فإذا أمر بها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد بطل ونهما تطوعا بلا شك وصارا فرضين، فمن ادعى بطلان هذا الحكم وعودة المنسوخ فقد كذب وأفك وافترى، وقفا ما ليس له به علم، فبطل كل خبر مكذوب موهوا به لو صح فكيف وكلها باطل؟ * وأما قول من قال: إن اخبار النبي صلى الله عليه وسلم بدخول العمرة في الحج وبأنه ليس على
المرء الا حجة واحدة دليل على أنها ليست فرضا فهذيان لا يعقل بل هذا برهان واضح في كون العمرة فرضا لانه عليه السلام أخبر بانها دخلت في الحج، ولا يشك ذو عقل في أنها لم تصر حجة، فوجب أن دخولها في الحج انما هو من وجهين فقط، احداهما أنه يجزئ لهما عمل واحد في القران، والثانى دخولها في أنها فرض كالحج، (فان قالوا): قد جاء أنها الحج الاصغر قلنا: لو صح هذا لكان حجة لنا لان القرآن قد (3) جاء بايجاب الحج فكانت حينئذ تكون فرضا بنص قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) لكنا لا نستحل التمويه لا يصح مع ان الخبر الذى ذكروا عن ابن عباس لا حجة لهم فيه لان راويه أبو سنان الدؤلى وقد قال فيه عقيل سنان (4): هو مجهول غير معروف، وأيضا فانهم كذبوا فيه وحرفوه وأوهموا ان فيه من لفظ
(1) في النسخة رقم (14) (من ذلك) بدل (من الخذلان) (2) في سنن النسائي جزء 5 ص 117 (والظعن) بحذف (لا) * (3) لفظ (قد) زيادة من النسخة رقم (14) (4) تقدم الحديث في ص 37 ورواه المصنف بسنده عن ابى داود صاحب السنن، وقد قال أبو داود بعد ماروى الحديث: هو أبو سنان الدؤلى كذا قال عبد الجليل بن حميد، وسليمان بن كثير جميعا عن الزهري، وقال عقيل: عن سنان اه فقول المصنف بعد: ((هو مجهول غير معروف) من كلامه وليس من كلام عقيل، وابو سنان اسمه يزيد ين امية، وابو سنان كنيته وهو مشهور بها، وذكره ابن عبد البر في اسماء الصحابة انظر تهذيب التهذيب جزء 11 ص 314، قال ابن حجر في التلخيص: ورواه احمد بن حنبل والنسائي وابن ماجه والبيهقي، وروى الحاكم والترمذي له شاهدا من حديث على وسنده منقطع، واصله في صحيح مسلم من حديث أبى هريرة اه *
[ 40 ]
النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس على المرء الا حجة واحدة وليس هذا في ذلك الخبر أصلا وانما فيه ان الحج مرة واحدة وهذا لايمنع من وجوب العمرة. اما مع الحج مقرونة. واما معه في عام واحد فصار حجة لنا عليهم * وأما قولهم: ان الله تعالى انما أمر باتمامها من دخل فيها لابتدائها، وان بعض الناس قرأ (والعمرة لله) بالرفع فقول كله باطل لانها دعوى بلا برهان، وقول تعالى: (وأتموا
الحج والعمرة لله) لا يقتضى ما قالوا وانما يقتضى وجوب المجئ بهما تامين وحتى لو صح ما قالوه (1) لكان حجة عليهم لانه إذا كان الداخل فيها مأمورا باتمامها فقد صارت فرضا مأمورا به، وهذا قولنا لاقولهم الفاسد المتخاذل، وابن عباس حجة في اللغة * وقد روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس قال: سمعت ابن عباس يقول: والله انها لقرينتها في كتاب الله عزوجل (وأتموا الحج والعمرة لله) (2) فابن عباس يرى هذا النص موجبا لكونها فرضا كالحج بخلاف كيس هؤلاء الحذاق باللغة بالضد، وبهذا احتج مسروق، وسعيد بن المسيب، وعلى ابن الحسين، ونافع في ايجابها، ومسروق وسعيد حجة في اللغة (فان قالوا): أنتم تقولون: بهذا في الحج التطوع، والعمرة التطوع قلنا: لابل هما تطوع غير لازم جملة ان تمادى فيهما أجر وإلا فلا حرج، ولو كان غير هذا لكان الحج يتكرر فرضه مرات، وهذا خلاف حكم الله تعالى في أنه لا يلزم الامرة واحدة (3) في الدهر (فان قالوا): فانكم تقولون: باتمام النذر واتمام قضاء صوم التطوع على من أفطر فيه قلنا: نعم لان كل ذلك صار فرضا زائدا بامر الله تعالى بذلك وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فانما الحج فرض مرة واحدة على من لم ينذره لاعلى من نذره بل هو على من نذره فرض آخر لا نضرب (4) أوامر الله تعالى بعضها ببعض بل نضم بعضها إلى بعض ونأخذ بجميعها * وأما القراءة (والعمرة لله) بالرفع فقراءة منكرة لا يحل لاحد أن يقر أبها، وسبحان من جعلهم يلجأون إلى تبديل القرآن فيحتجون به! * وأما قولهم: لو كانت فرضا لكانت مرتبطة بوقت فكلام سخيف لم يأت به قط قرآن ولاسنة صحيحة ولا رواية سقيمة ولاقول صاحب ولا إجماع ولاقياس يعقل، وهم موافقون لنا على ان الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض ولو مرة في الدهر وليست مرتبطة بوقت، وان النذر وليس مرتبطا بوقت، وان قضاء رمضان فرض وليس
(1) في النسخة رقم (16) (ما قالوا) (2) سقط لفظ (واحدة) من النسخة رقم (14) *
(4) في النسخة رقم (14) (تضرب) بالتاء في اوله، وكذلك ما بعده (تضم) وما هنا اوضح بدليل اتفاق النسخ بعد في لفظ (ونأخذ) فانه بالنون فيها *
[ 41 ]
مرتبطا بوقت، والاحرام للحج عندهم فرض وليس عندهم مرتبطا بوقت، فظهر هوس ما يأتون به * قال أبو محمد: روينا من طريق ابن ابى شيبة نا عبد الوهاب - هو ابن عبد المجيد - الثقفى عن أيوب السختيانى عن ابن سيرين عن زيد بن ثابت قال فيمن يعتمر قبل ان يحج: نسكان لله عليك لا يضرك بأيهما بدأت * ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج اخبرني نافع مولى ابن عمر أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة (1) وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا ومن زاد بعدهما شيئا فهو خير وتطوع * ومن طريق أبى اسحاق عن مسروق عن ابن مسعود قال: أمرتم باقامة الصلاة والعمرة إلى البيت، وقد ذكرناه آنفا عن جابر، وابن عباس * ومن طريق قتادة قال عمر بن الخطاب: يا ايها الناس كتبت عليكم العمرة * وعن أشعث عن ابن سيرين قال: كانوا لا يختلفون ان العمرة فريضة، وابن سيرين أدرك الصحابة وأكابر التابعين * وعن معمر عن قتادة قال: العمرة واجبة * ومن طريق سفيان الثوري، ومعمر عن داود ابن أبى هند قلت لعطاء: العمرة علينا فريضة كالحج؟ قال: نعم * وعن يونس بن عبيد عن الحسن، وابن سيرين جميعا العمرة واجبة * وعن طاوس العمرة واجبة * وعن سعيد بن جبير العمرة واجبة فقيل له: ان فلانا يقول: ليست واجبة فقال: كذب ان الله تعالى يقول: (وأتموا الحج والعمرة لله) (2) * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى قال: سمعت مسروقا يقول (3): أمرتم في القرإن باقامة أربع. الصلاة. والزكاة. والحج. والعمرة، قال أبو إسحاق: وسمعت عبد الله بن شداد يقول: العمرة الحج الاصغر * وعن سعيد بن المسيب انما كتبت على عمرة وحجة *
وعن مجاهد الحج والعمرة فريضتان * وعن منصور عن مجاهد العمرة الحجة الصغرى * وعن على بن الحسين انه سئل عن العمرة؟ فقال: ما نعلمها إلا واجبة (وأتموا الحج والعمرة لله) * وعن حماد بن زيد عن عبد الرحمن بن السراج (4) قال: سألت هشام بن عروة ونافعا مولى ابن عمر عن العمرة أواجبة هي -؟ فقرءا جميعا (وأتموا الحج
(1) كذا في النسخة رقم (16) (الاعليه حجة) باسقاط الواو، وفى نسخة رقم (14) (الا وعليه حج) وما هنا موافق لما سيأتي قريبا (2) ذكر هذا الاثر ابن جرير الطبري في تفسيره ج 2 ص 121، وفيه اقوال كثيرة للسلف انظره هناك تجد ما يسرك * (3) سقط لفظ (بقول) من النسخة رقم (16) خطأ، وذكر هذا الاثر ابن جرير الطبري في تفسيره ج 2 ص 121 بلفظ قريب من هذا (4) في النسخة رقم (14) (عبد الرحمن السراح) بالحاء المهملة في آخره وهو غلط، وهو عبد الرحمن بن عبد الله السراج - بالجيم - البصري، انظر تهذيب التهذيب جزء 6 ص 218 *
[ 42 ]
والعمرة لله) * ومن طريق سعيد بن منصور ناهشيم انا مغيرة - هو ابن مقسم - عن الشعبى أنه قال في العمرة: هي واجبة * وعن شعبة عن الحكم قال: العمرة واجبة * قال أبو محمد: وهو قول سفيان الثوري، والاوزاعي، والشافعي، وأحمد، واسحاق، وأبى سليمان وجميع أصحابهم * وقال أبو حنيفة ومالك: ليست فرضا، والقوم يعظمون خلاف الصاحب الذى لا يعرف له مخالف وهم قد خالفوا ههنا عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وزيد بن ثابت ولا يصح عن أحد من الصحابة خلاف لهم في هذا الا رواية ساقطة من طريق أبى معشر عن ابراهيم ان عبد الله قال: العمرة تطوع، والصحيح عنه خلاف هذا كما ذكرنا، وعهدنا بهم يعظمون خلاف الجمهور وقد خالفوا (ههنا) (1) عطاء، وطاوسا، ومجاهدا، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، ومسروقا، وعلى بن الحسين، ونافعا مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، والحكم بن عتيبة، وسعيد بن المسيب، والشعبى، وقتادة وما نعلم لمن قال: ليست واجبة سلفا من التابعين الا ابراهيم النخعي وحده، ورواية عن الشعبى قد صح عنه
خلافها كما ذكرنا، وتوقف في ذلك حماد بن ابى سليمان * قال أبو محمد: وموه بعضهم بحديثين هما من أعظم الحجة عليهم، أحدهما الخبر الثابت في الذى سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الاسلام؟ فأخبره بالصلاة. والزكاة. والصيام. والحج فقال: هل على غيرها يا رسول الله؟ قال: لا إلا ان تطوع، والثانى خبر ابن عمر (بنى الاسلام على خمس) فذكر شهادة التوحيد. والصلاة. والزكاة. والصيام. والحج (2) * قال أبو محمد: وهما - من أقوى حججنا (3) عليهم لصحة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) فصح أنها واجبة بوجوب الحج، وان فرضها دخل في فرض الحج، وأيضا فحتى لو لم يأت هذا الخبر لكان أمر النبي صلى الله عليه وسلم وورود القرآن بها شرعا زائدا وفرضا واردا مضافا إلى سائر الشرائع المذكورة، وكلهم يرى النذر فرضا، والجهاد إذا نزل بالمسلمين (3) فرضا، وغسل الجنابة فرضا، والوضوء فرضا، وليس ذلك مذكورا في الحديثين المذكورين، ولم يروا الحديثين المذكورين حجة في سقوط فرض كل ما ذكرنا، فوضع تناقضهم وفساد مذهبهم في ذلك والحمد لله رب العالمين * 812 - مسألة - وأما حج العبد والامة فان أبا حنيفة، ومالكا، والشافعي قالوا: لا حج عليه فان حج لم يجزه ذلك من حجة الاسلام * وقال أحمد بن حنبل: إذا عتق
(1) الزيادة من النسخة رقم (14) * (2) في النسخة رقم (14) (وصوم رمضان وحج البيت) وما هنا اولى نظما (3) في النسخة رقم (14) (وهما من اقوى حجتنا وما هنا احسن (4) حذف الفاعل من النسخ للعلم به: تقديره العدو *
[ 43 ]
بعرفة اجزأته تلك الحجة * وقال بعض أصحابنا: عليه الحج كالحر، وقد ذكرنا آنفا عن جابر، وابن عمر (1) قال أحدهما: مامن مسلم، وقال الاخر: مامن أحد من خلق الله الا عليه عمرة وححة فقطعا وعما ولم يخصا انسيا من جنى، ولاحرا من عبد، ولا حرة من أمة، ومن ادعى عليهما تخصيص الحر والحرة فقد كذب عليهما، ولا أقل حياء
ممن يجعل قول ابن عمر (بنى الاسلام على خمس) حجة في اسقاط فرض العمرة. وهو حجة في وجوب فرضها كما ذكرنا ولا يجعل قوله ما أحد من خلق الله الاعليه حجة وعمرة حجة في وجوب الحج على العبد (فان قيل) لعلهما ارادا الا العبد قيل هذا هو الكذب بعينه ان يريدا الا العبد ثم لا يبينانه، وأيضا فلعلهما ارادا الا المقعد، والا الاعمى، والا الاعور، وإلا بنى تميم، والا أهل افريقية، وهذا حمق لاخفاء به، ولا يصح مع هذه الدعوى قولة لاحد أبدا، ولعل كل ما أخذوا به من قول أبى حنيفة. ومالك. والشافعي ليس على عمومه ولكنهم ارادوا تخصيصا لم يبينوه (2) وهذه طريق السوفسطائية نفسها، ولا يجوز ان يقول أحدما لم يقل الا ببيان وارد متيقن ينبئ بانه أراد غير مقتضى قوله، وقد ذكروا ههنا قول الله تعالى: (تدمر كل شئ بامر ربها) * (وأوتيت من كل شئ) * (وما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم)، وكل هذا لا حجة لهم فيه لانها انما دمرت بنص الآية كل شئ بامر ربها فدمرت ما أمرها ربها بتدميره لا ما لم يأمرها، وما تذر من شئ أتت عليه فانما جعلت كالرميم ما اتت عليه لا ما لم تأت عليه بنص الآية، وأوتيت من كل شئ لا يقتضى إلا بعض الاشياء لان من للتبعيض، فمن آتاه الله شيئا ما قل أو كثر فقد آتاه من كل شئ لان كل شئ هو العالم كله، فمن أوتى شيئا فقد اوتى من العالم كله، وهذا بين وبالله تعالى التوفيق * وكتب إلى أبو المرجى الحسين بن عبد الله بن زروار المصرى قال: نا أبو الحسن الرحبى - نا أبو مسلم الكاتب نا أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن المفلس نا عبد الله ابن أحمد بن حنبل نا أبى نا زيد بن الحباب العكلى نا ابن لهيعة عن بكير بن عبد الله بن الاشج قال: سألت القاسم بن محمد، وسليمان بن يسار عن العبد إذا حج باذن سيده؟ فقالا جميعا: تجزئ عنه من حجة الاسلام فإذا حج بغير اذن سيده لم تجره * وبه إلى زيد بن الحباب انا ابراهيم بن نافع عن ابن أبى نجيح عن مجاهد قال: إذا حج العبد وهو مخلى فقد اجرأت عنه حجة الاسلام *
(1) انظره في ص 41 (2) في النسخة رقم (16) (لم ينسوه) وهو غلط ولعله لم ينسوه *
[ 44 ]
قال أبو محمد: واحتج من لم ير للعبد حجا بما رويناه من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن يونس بن أبى اسحاق قال: سمعت شيخا يحدث أبا اسحاق عن محمد بن كعب القرظى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أيما صبى حج به أهله ثم مات أجزأ عنه وان ادرك فعليه الحج، وأيما مملوك حج به (1) أهله ثم مات اجزأ عنه وان عتق فعليه الحج) * قال أبو محمد: هذا مرسل، وعن شيخ لا يدرى اسمه ولا من هو * واحتجوا أيضا بخبر رويناه من طريق عثمان بن خر زاذ الانطاكي (2) نا محمد بن المنهال الضرير نا يزيد ابن زريع نا شعبة عن الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ايما صبى حج لم يبلغ الحنث فعليه حجة أخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه ان يحج حجة أخرى) * قال على: وهذا خبر رواه من هو أوثق من عثمان بن خر زاذ عن محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع عن شعبة، ومن هو ان لم يكن فوق بن زريع لم يكن دونه عن شعبة فأوقفه احدهما على ابن عباس واسنده الآخر بزيادة نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن اصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا محمد بن أبى عدى ومحمد بن المنهال قال ابن المنهال: نا يزيد بن زريع نا شعبة، وقال ابن أبى عدى: نا شعبة ثم اتفقا عن شعبة عن الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس قال يزيد بن زريع: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حج الصبى فهى له حجة صبى حتى يعقل فإذا عقل فعليه حجة أخرى وإذا حج الاعرابي فهى له حجة أعرابي فإذا هاجر فعليه حجة أخرى)، وأوقفه ابن أبى عدى على ابن عباس من قوله، وأوقفه أيضا سفيان الثوري عن الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس من قوله، وأوقفه أيضا أبو السفر، وعبيد صاحب الحلى، وقتادة على ابن عباس *
قال أبو محمد: ان كان هذا الخبر حجة في ان لا يجزئ العبد حجه فهو حجة (3) في ان لا يجزئ الاعرابي حجه ولافرق، وهو قول ابن عباس الثابت عنه كما أوردنا، وكذلك ايضا رويناه من طريق أبى معاوية. وسفيان الثوري عن الاعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس من قوله في اعادة الحج على الصبى إذا احتلم، وعلى العبد إذا عتق. وعلى الاعرابي إذا هاجر وهو قول الحسن كما روينا عن ابن أبى (4) شيبة عن على بن هاشم عن اسماعيل عن الحسن البصري قال: الصبى ان حج، والمملوك ان حج، والاعرابي
(1) في النسخة رقم (16) (حج عنه) (2) هو عثمان بن عبد الله بن محمد بن خرزاد - بضم الخاء المعجمة وتشديد الراء بعدها زاى - البصري أبو عمر ونزيل انطاكية (3) سقطت جملة (فهو حجة) من النسخة رقم (16) خطأ (4) لفظ (ابى) سقط من النسخة رقم (16) خطأ *
[ 45 ]
ان حج ثم هاجر الاعرابي، واحتلم الصبى، وعتق العبد فعليهم الحج، وقال عطاء: أما الاعرابي فيجزئه حجه وأما الصبى والمملوك (1) فعليهما الحج * وقال ابراهيم النخعي: لا يجزى العبد حجه إذا أعتق وعليه حجة أخرى، وأما الاعرابي فيجزئه حجه * وقد روينا أيضا مثل هذا عن الحسن، وعن الزهري، وطاوس، وما نعلم أحدا من التابعين روى عنه في هذا الباب شئ غير ما ذكرنا، ولا عن الصحابة غير ما أوردنا * قال أبو محمد: فمن أعجب شأنا ممن يدعى الاجماع في هذا وليس معه فيه الا خمسة من التابعين، أحدهم مختلف عنه في ذلك، وقد روينا (2) مثل قولنا عن ثلاثة من التابعين، وعن اثنين من الصحابة رضى الله عنهم وهم قد خالفوا في هذه المسألة كل قول جاء في ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم، وهم يعظمون مثل هذا إذا وافق تقليدهم فلم يجعلوا ما روى عن ستة من الصحابة وأربعة عشر من التابعين في ان العمرة فرض ولا يصح عن أحد من الصحابة في ذلك خلاف ولا عن أحد من التابعين الا عن واحد باختلاف فلم يجعلوه (3) اجماعا * قال أبو محمد: لا تخلو رواية عثمان بن خر زاذ، ومحمد بن بشار عن محمد بن المنهال
عن يزيد بن زريع من أن تكون صحيحة أو غير صحيحة فان كانت غير صحيحة فقد كفينا المؤنة فيها وان كانت صحيحة وهو الاظهر فيما - لان رواتها ثقات - فانه خبر منسوخ بلا شك * برهان ذلك ان هذا الخبر بلا شك كان قبل فتح مكة لان فيه اعادة الحج على من حج من الاعراب قبل هجرته، وقد حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب ابن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا محمد بن عبد الله بن نمير نا أبى نا عبد الله بن حبيب بن أبى ثابت عن عبد الله بن عبد الرحمن بن ابى حسين عن عطاء عن عائشة أم المؤمنين (4) قالت: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الهجرة؟ فقال: لاهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية فإذا (5) استنفرتم فانفروا) * وبه إلى مسلم نا يحيى ابن يحيى واسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - قالا جميعا (6): انا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يوم فتح مكة لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا) * ورويناه أيضا من طريق ثابتة عن مجاشع
(1) في النسخة رقم (14) (والعبد) بدل (والمملوك) (2) في النسخة رقم (14) (وقد ذكرنا) (3) كذا في الاصلين، والذى يظهر لى ان لفظ (فلم يجعلوه) زائدة مكرر، ويكون (اجماعا) مفعولا ثانيا لقوله (فلم يجعلوا ما روى) المتقدم والله اعلم (4) في صحيح مسلم ج 2 ص 93 قم يوجد لفظ (ام المؤمنين) (5) في صحيح مسلم (وإذا) بالواو (6) لفظ (جميعا) ليس في صحيح مسلم
[ 46 ]
ومجالد ابني مسعود السلميين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذ قد صح بلا شك ان هذا الخبر كان قبل الفتح فقد نسخه ماروينا (1) بالسند المذكور إلى مسلم * نا زهير بن حرب نا يزيد بن هرون نا الربيع بن مسلم القرشى عن محمد بن زياد عن أبى هريرة قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس ان الله قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل: أكل عام يارسول الله؟ فكست حتى قالها ثلاثا فقال عليه السلام:
لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم ذروني ما تركتم فانما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا امرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه) * قال أبو محمد: كان هذا في حجة الوداع فصار عموما لكل حر وعبد وأعرابى وعجمي (وبلا شك ولامرية (2) ان العبد قد كان غير مخاطب بالحج في صدر الاسلام ولا الحر أيضا، فكان خبر يزيد بن زريع في ان عليه وعلى الاعرابي حجة الاسلام إذا عتق العبد وهاجر الاعرابي موافقا للحالة الاولى وبقيا على انهما غير مخاطبين كما كانا، وجاء هذا الخبر فدخل في نصه في الخطاب بالحج العبد والاعرابي لانهما من الناس فكان بلا شك ناسخا للحالة الاولى ومدخلا لهما في الخطاب بالحج ضرورة ولابد * ورأيت بعضهم قد احتج فقال: حج النبي صلى الله عليه آله وسلم بازواجه ولم يحج بام ولده * قال على: وهذه كذبة شنيعة لا نجدها في شئ من الآثار ابدا وان التسهل في مثل هذا العظيم جدا * قال أبو محمد: عهدنا بهم يقولون في النفى في الزنا، وفى كثير من السنن مثل لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، وفى خبر اليمين مع الشاهد: هذا زيادة على ما في القرآن، وهذا تخصيص للقرآن، وهذا خلاف مافى القرآن وكذبوا في كل ذلك، ثم لم يقولوا في هذا الخبر: هذا تخصيص للقرآن، وهذا زياد على مافى القرآن، وهذا خلاف لما في القرآن * وعهدنا بهم (3) يردون السنن الثابتة بدعوى الاضطراب كخبر القطع في ربع دينار، وخبر ابن عمر في الزكاة وغير ذلك وكذبوا في ذلك، ثم احتجوا (في ذلك (4)) بهذا الخبر الذى لا نعلم خبرا أشد اضطرابا منه، وهم يتركون السنن للقياس كخبر المصراة، وخبر القرعة في الستة الاعبدوهم ههنا قد تركوا القياس لانهم لا يختلفون ان العبد مخاطب بالاسلام وبالصلاة والصيام فما الذى منع (من) (5) أن يخاطب بالحج والعمرة ثم يقولون:
(1) في النسخة رقم (16) (مارويناه) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (14) (وعهدناهم) (4) الزيادة من النسخة رقم (16) (5) الزيادة من النسخة رقم (14) *
[ 47 ]
العبد ليس هو من أهل الجمعة فإذا حضرها صار من أهلها واجزأته فهلا قالوا ههنا: ان العبد وان لم يكن من أهل الحج فانه إذا حضره صار من أهله واجزأه؟ وأكثرهم يقول: من نوى تطوعا بحجة اجزأه عن الفرض، وأقل حال حج العبد أن يكون تطوعا فهلا أجزأه عندهم؟ (فان قالوا): هو غير مخاطب قلنا: قد جمعتم في هذا القول الكذب وخلاف القرآن إذ لم يخص الله تعالى عبدا من حر، والتناقض لانه ان لم يكن مخاطبابه فلا يحل له ان يتكلف ولا يلزمه احرام ولا شئ من جزاء صيد ولا فدية أذى ولاغير ذلك كما لا يلزم الحائض شئ من أحكام الصلاه والصيام إذا ليس مخاطبة به، وكالصبى الذى لا يلزمه شئ من أمور الحج فان فعلهما أو فعل به كان له أجر وكان له حج للاثر في ذلك لا لغيره * فهذا مما خالفوا فيه القرآن والسنن الثابتة وقول طائفة من الصاحبة لا يعرف لهم منهم مخالف والقياس. نعم والخبر الذى به احتجوا لانهم خالفوا ما فيه من حكم الاعرابي في الحج (1) وبالله تعالى التوفيق * 813 - مسألة - وأما المرأة التى لازوج لها ولا ذا محرم يحج معها فانها تحج ولا شئ عليها، فان كان لها زوج ففرض عليه ان يحج معها فان لم يفعل فهو عاص لله تعالى وتحج هي دونه وليس له منعها من حج الفرض وله منعها من حج التطوع * وروينا عن ابراهيم. وطاوس. والشعبى. والحسن لا تحج المرأة الا مع زوج أو محرم، وهو قول الحسن بن حى * وروينا عن أبى حنيفة، وسفيان ان كانت من مكة على أقل من ليال ثلاث فلها ان تحج مع غير زوج وغير ذى محرم، وان كانت على ثلاث ليال فصاعدا فليس لها ان تحج الا مع زوج أو ذى محرم من رجالها * وروينا من طريق ابن عمر لا تسافر امرأة فوق ثلاث ليال إذ مع ذى محرم * وروينا من طريق أبى بكر بن أبى شيبة عن حميد عن الحسن
ابن حى عن على بن عبد الاعلى ان عكرمة سئل عن المرأة تحج مع غير ذى محرم أو زوج؟ فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان تسافر المرأة فوق ثلاث الا مع ذى محرم * وقالت طائفة: تحج في رفقة مأمونة وان لم يكن لها زوج ولا كان معها ذو محرم كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن يونس - هو ابن يزيد - عن الزهري قال: ذكر عند عائشة أم المؤمنين المرأة لا تسافر الا مع ذى محرم قالت عائشة: ليس كل النساء تجد محرما *
(1) في النسخة رقم (16) (بالحج) *
[ 48 ]
ومن طريق سعيد بن منصور نا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الاشج عن نافع مولى ابن عمر قال: كان يسافر مع عبد الله بن عمر موليات (له) (1) ليس معهن محرم، وهو قول ابن سيرين وعطاء، وهو ظاهر قول الزهري، وقتادة، والحكم ابن عتيبة * - وهو قول الاوزاعي، ومالك، والشافعي، وأبى سليمان وجميع أصحابهم * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة في التحديد الذى ذكر فلا نعلم له سلفا فيه من الصحابة ولا من التابعين رضى الله عنهم بل ما نعلم احدا قاله قبلهم، وهم يعظمون خلاف الصاحب إذا وافق تقليدهم، ويقولون: ان المرسل كالمسند، وقد صح عن ابن عمر ما ذكرنا، وروى عن أم المؤمنين بأحسن مرسل يمكن وجود مثله، ولا يعرف لهما في ذلك مخالف من الصحابة رضى الله عنهم، وقد خالفهما أصحاب أبى حنيفة، وهذا تناقض فاحش * قال أبو محمد: ثم نظرنا فيما احتجت به كل طائفة لقولها فوجدنا أصحاب أبى حنيفة يحتجون لقولهم بالخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تسافر امرأة ثلاثا إلا مع زوج أو ذى محرم) وقالوا: قد روى أيضا (ليلتين) وروى (يوما وليلة) وروى (يوما) وروى (بريدا) قالوا: ونحن على يقين من تحريم سفرها ثلاثا وعلى شك من تحريم سفرها أقل من ذلك لانه قد يكون ذكر الثلاث متقدما ويكون متأخرا فالثلاث على كل حال
محرم (2) عليها سفرها إلا مع زوج أوذى محرم فنأخذ مالا شك فيه وندع ما فيه الشك لاحجة لهم غير هذا أصلا * قال على: وهذا عليهم لالهم لوجهين، أحدهما أنه ليس صواب العمل ما ذكروا لانه ان كان خبر الثلاث متقدما أو متأخرا فليس فيه ان تقدم ابطال لحكم النهى عن سفرها أقل من ثلاث لكنه بعض مافى سائر الروايات، وسائر الروايات زائدة عليه، وليس هذا مكان نسخ اصلا بل كل (تلك) (3) الاخبار حق وكلها يجب استعمالها (4) وليس بعضها مخالفا لبعض أصلا، ويقال لهم: خبر ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تسافر امرأة الا مع ذى محرم جامع لكل سفر فنحن على يقين من تحريم كل سفر عليها الا مع زوج أو ذى محرم، ثم لا ندرى أبطل هذا الحكم أم لا؟ فنأخذ باليقين ونلغي الشك فهذا معارض لاحتجاجهم مع ما قدمنا، ويقال لهم: عهدنا بكم تذمون الاخبار بالاضطراب، وهذا خبر رواه أبو سعيد، وأبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس فلم يضطرب
(1) الزيادة من النسخة رقم (16) (2) في النسخة رقم (16) (يحرم) (3) الزيادة من النسخة رقم (16) (4) في النسخة رقم (14) (وكلها يجب استعماله)
[ 49 ]
عن ابن عباس أصلا واضطرب عن سائرهم، فروى عن ابن عمر لا تسافر ثلاثا، وروى عنه لا تسافر فوق ثلاث، وروى عن أبى سعيد لا تسافر فوق ثلاث، وروى عنه لا تسافر يومين، وروى عن أبى هريرة لا تسافر ثلاثا، وروى عنه لا تسافر فوق ثلاث، وروى عنه لا تسافر يوما وليلة، وروى عنه لا تسافر يوما، وروى عنه لا تسافر بريدا، فعلى أصلكم دعوا رواية من اختلف عليه واضطرب عنه إذا ليس بعض ماروى عن كل واحد أولى من سائر ماروى عنه وخذوا برواية (1) من لم يختلف عليه ولا اضطرب عنه وهو ابن عباس فهذا أشبه من استدلالكم * والوجه الثاني أنه قد روى عن ابن عمر، وأبى سعيد، وأبى هريرة كما ذكرنا
لا تسافر (المرأة) (2) فوق ثلاث فان صححتم استدلالكم (الفاسد) (3) بأخذ أكثر مما ذكر في تلك الاخبار فامنعوها مما زاد على مسيرة ثلاث لانه اليقين وابيحوا لها سفر الثلاث لانه مشكوك فيه كما سفر اليومين. واليوم. والبريد مشكوك فيه عندكم، وهذا مالا مخلص لهم منه، فان ادعوا اجماعا ههنا - فما هذا ينكر من اقدامهم - أكذبهم ما روينا من طريق الحذاقى - عن عبد الرزاق - نا عبد الله بن عمر بن حفص عن نافع عن ابن عمر قال: لا تسافر امرأة فوق ثلاث الا مع ذى محرم، لا سيما وابن عمر هو راوي الحديث الذى تعلقوا به، وأكذبهم أيضا ماروينا عن عكرمة آنفا من منعه إياها ما زاد على الثلاث لا ما دون ذلك، والعجب أنهم يقولون في امرأة لا تجد معاشا أصلا إلا على ثلاث فصاعدا: انها تخرج بلا زوج ولا ذى محرم، ويقولون فيمن حفزتها (4) فتنة - وخشيت على نفسها غلبة الكفار. والمحاربين. أو الفاسق (5) ولم تجد أمنا الا على ثلاث فصاعداأ - نها تخرج مع غير زوج ومع غير ذى محرم، وطاعة الله تعالى في الحج واجبة عليها كوجوب خلاص روحها (6) (فان قالوا): الزوج والمحرم من السبيل قلنا: عليكم الدليل والا فهي دعوى فاسدة لم يعجز عن مثلها أحد، فسقط هذا القول الفاسد جملة، وبالله تعالى التوفيق * ثم نظرنا في قول عكرمة واحتجاجه بالخبر الذى فيه ما زاد على الثلاث فوجدناه لا حجة له فيه لما ذكرنا من أن سائر الاخبار وردت بالمنع مما دون الثلاث فليس الخبر الذى فيه نهيها عن ان تسافر ثلاثا أو اكثر من ثلاث بأولى من سائر الاخبار التى فيها منعها من سفر أقل من ثلاث *
(1) في النسخة رقم (14) (رواية) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) الزيادة من النسخة رقم (14) أي دفعتها (5) في النسخة رقم (14) (والفساق) (6) في النسخة رقم (16) (زوجها) وهو غلط *
[ 50 ]
قال أبو محمد: فبطل هذا القول أيضا ولم يبق الا قولنا أو قول النخعي. والشعبى وطاوس. والحسن (1) في منعها جملة أو اطلاقها جملة فوجدنا المانعين يحتجون بالاخبار
التى ذكرنا وهى اخبار صحاح لا يحل خلافها الالنص آخر يبين حكمها ان وجد، فنظرنا فوجدنا ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا ابن نمير نا أبى. وابن ادريس قالا: نا عبيدالله - هو ابن عمر - عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (2) (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) * وبه إلى ابن نميرنا أبى نا حنظلة - هو ابن أبى سفيان الجمحى - قال: سمعت سالما - هو ابن عبد الله - بن عمر يقول: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا استأذنكم نساؤكم إلى المساجد فأذنوا لهن) فأمر عليه السلام الازواج وغيرهم ان لا يمنعوا النساء من المساجد، والمسجد الحرام أجل المساجد قدرا * ووجدنا الله تعالى يقول: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)، ثم وجدنا الاسفار تنقسم قسمين سفرا واجبا، وسفرا غير واجب فكان السفر الواجب بعض الاسفار بلا شك، وكان الحج من السفر الواجب فلم يجز أخذ بعض هذه الآثار دون بعض ووجبت الطاعة لجميعها ولزم استعمالها كلها ولابد، فهذا هو الفرض، وكان من رفض بعضها وأخذ بعضها عاصيا لله تعالى، ولا سبيل إلى استعمال جميعها الا بأن يستثنى الاخص منها من الاعم ولا بد، فكان نهى المرأة عن السفر الا مع زوج أو ذى محرم عاما لكل سفر فوجب استثناء ما جاء به النص من ايجاب بعض الاسفار عليها من جملة النهى، والحج سفر واجب فوجب استثناؤه من جملة النهى، (فان قالوا): بل ايجاب الحج على النساء (3) عموم فيخص ذلك بحديث النهى عن السفر إلا مع زوج أو ذى محرم قلنا: هذا خطأ لان تلك الاخبار انما جاءت بالنهي عن كل سفر جملة لاعن الحج خاصة وانما كان يمكن ان يعارضوا بهذا (أن) (4) لو جاءت في النهى عن ان تحج المرأة الا مع زوج أو ذى محرم فكان يكون حينئذ اعتراضا صحيحا وتخصيصا لاقل الحكمين من أعمهما وهذا بين جدا * وبرهان آخر وهو ان تلك الاخبار كلها انما خوطب بها ذواب الازواج واللاتي
لهن المحارم لان فيها إباحة الحج أو إيجابه مع الزوج أو ذى المحرم بلا شك، ومن
(1) في النسخة رقم (16) (أو الحسن)) وهو غلط لان قول الحسن هو قول النخعي والشعبي وطاوس انظر صفحة 47 (2) في صحيح مسلم جزء 1 ص 129 (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال) الخ (3) في النسخة رقم (14) (على الناس) والصحيح ما هنا وهو موافق لنسخة ايضا غير هذه (4) الزيادة من النسخة رقم (14) *
[ 51 ]
المحال الممتنع الذى لا يمكن أصلا ان يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بالحج مع زوج أو ذى محرم من لازوج لها ولاذا محرم فبقى من لازوج لها ولا محرم على وجوب الحج عليها وعلى خروجها عن ذلك النهى * وبرهان آخر وهو ما حدثناه حمام قال: نا عبد الله بن محمد بن على الباجى نا أحمد ابن خالد خبرنا عبيد بن محمد الكشورى نا محمد بن يوسف الحذافى نا عبد الرزاق نا ابن جريج. وسفيان بن عيينة كلاهما عن عمرو بن دينار عن أبى معبد عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: (لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافر امرأة الا مع ذى محرم فقال رجل فقال: يا رسول الله ان امرأتي خرجت حاجة وانى اكتتبت في غزوة كذا وكذا قال: (1) (انطلق فاحجج مع امرأتك) فكان هذا الحديث رافعا للاشكال ومبينا لما اختلفنا فيه من هذه المسألة لان نهيه عليه السلام عن أن تسافر امرأة الا مع ذى محرم وقع ثم سأله الرجل عن امرأته التى خرجت حاجة لا مع ذى محرم ولامع زوج فأمره عليه السلام بان ينطلق فيحج معها ولم يأمر بردها ولاعاب سفرها إلى الحج دونه ودون ذى محرم، وفى أمره عليه السلام بان ينطلق فيحج معها بيان صحيح ونص صريح على انها كانت ممكنا ادراكها بلا شك فأقر عليه السلام سفرها كما خرجت فيه وأثبته ولم ينكره فصار الفرض على الزوج، فان حج معها فقد أدى ما عليه من صحبتها وان لم يفعل فهو عاص لله تعالى وعليها التمادي في حجها والخروج إليه دونه أو معه أو دون ذى محرم أو معه كما أقرها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكره عليها، فارتفع الشغب جملة
ولله الحمد كثيرا * (فان قال قائل): فأين أنتم عمار ويتموه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو ابن دينار؟ قال: أخبرني عكرمة أو أبو معبد عن ابن عباس قال: " جاء رجل (إلى) (2) المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين نزلت؟ قال: على فلانة، قال أغلقت عليها بابك مرتين لاتحجن امرأة الا ومعها ذو محرم " قال عبد الرزاق: وأما ابن عيينة فاخبرناه عن عمرو عن عكرمة ليس فيه شك، قلنا: هذا خبر لم يحفظه ابن جريج لانه شك فيه أحدثه به عمرو عن عكرمة مرسلا؟ أم حدثه به عمرو عن أبى معبد مسندا؟ فلم يثته أصلا، فبطل التعلق به، وانما صوابه كما رواه عبد الرزاق عن سفيان. وابن جريج عن عمرو عن أبى معبد عن ابن عباس كما أوردناه آنفا ليس فيه هذه اللفظة *
(1) في النسخة رقم (16) (فقال) (2) للزيادة من النسخة رقم (14) *
[ 52 ]
وهكذا رويناه أيضا من طريق حماد بن زيد كما حدثنا (به) (1) أحمد بن محمد الطلمنكى نا ابن مفرج نا ابراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد بن على بن زيد الصائغ نا سعيذ بن منصور ناحماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن أبى معبد عن ابن عباس انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب - يقول: (لاتسافرن امرأة الا مع ذى محرم ولا يدخلن (2) عليها رجل الا ومعها محرم فقال رجل: يا رسول الله انى نذرت ان أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتى تريد الحج قال: فاخرج معها) فلم يقل عليه السلام: لا تخرج إلى الحج الا معك ولانهاها عن الحج أصلا بل ألزم الزوج ترك نذره في الجهاد وألزمه الحج معها، فالفرض في ذلك على الزوج لا عليها * وأما حديث عكرمة فمرسل كما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات نا اسماعيل بن اسحاق البصري نا عيسى بن خبيب قاضى أشونة (3) قال: نا عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرى نا جدى محمد بن عبد الله بن يزيد نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال:
(قدم رتجل من سفر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد نزلت على فلانة فاغلقت عليها بابك مرتين) فهذا هو حديث عمرو بن دينار عن عكرمة اختلط على ابن جريج فلم يدر أحدثه به عمرو بن دينار عن عكرمة؟ أم حدثه به عمرو عن أبى معبد عن ابن عباس وأدخل فيه ذكر الحج بالشك، ولا تثبت الحجة بخبر مشكوك في اسناده أو في ارساله، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: ان له منعها من حج التطوع فلان طاعته فرض عليها فيما لا معصية لله تعالى فيه، وليس في ترك الحج التطوع معصية * 814 - مسألة - فان أحرمت من الميقات أو من مكان يجوز الاحرام منه بغير اذن زوجها أو أحرم العبد بغير اذن سيده، فان كان حج تطوع - كل ذلك - فله منعهما واحلالهما لما ذكرنا، وان كان حج الفرض نظر فان كان لاغنى به عنها أو عنه - لمرض أو لضيعته دونه أو دونها أو ضيعة ماله - فله احلالهما لما ذكرنا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) وان كان لا حاجة به اليهما لم يكن له منعهما أصلا فان منعهما فهو عاص لله عزوجل وهما في حكم المحصر، وكذلك القول في الابن والابنة مع الاب والام ولا فرق، وطاعة الله تعالى في الحج متقدمة لطاعة الابوين والزوج، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (انما الطاعة في الطاعة)، وقال عليه السلام (فإذا أمرت بمعصية فلا سمع
(1) لفظ به زيادة من النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (14) (ولا يدخل) (2) بضم اوله وثانيه حصن بالاندلس من نواحى استجة، وعن السلفي (اشونة حصن من نظر قرطبة) اه معجم البلدان *
[ 53 ]
ولا طاعة)، وترك الحج معصية، ولا فرق بين طاعة الابوين والزوج في ترك الحج وبين طاعتهم في ترك الصلاة أو في ترك الزكاة أو في ترك صيام شهر رمضان، (فان قيل): الحج في تأخيره فسحة قلنا إلى متى؟ أفرأيت ان لم يبيحوا الحج للاولاد أو الزوجة ابدا؟ فان حدوا في ذلك سنة أو سنتين أو أكثر كانوا متحكمين في الدين بالباطل وشارعين ما لم
يأذن به الله تعالى ولا يقول أحد بطاعتهم في ترك الحج ابدا جملة، وبالله تعالى التوفيق * وروينا عن قتادة والحكم بن عتيبة في امرأة أحرمت بغير اذن زوجها انها محرمة قال الحكم: حتى تطوف بالبيت * 815 - مسألة - واستطاعة السبيل الذى يجب به الحج (1) اما صحة الجسم والطاقة على المشى والتكسب من عمل أو تجارة ما يبلغ به إلى الحج ويرجع (2) إلى موضع عيشه أو أهله، وإما مال يمكنه منه ركوب البحر أو البر - والعيش منه حتى يبلغ مكة ويرده - إلى موضع عيشه أو أهله وان لم يكن صحيح الجسم الا أنه لا مشقة عليه في السفر برا أو بحرا، وإما ان يكون له من يطيعه فيحج عنه ويعتمر باجرة أو بغير اجرة ان كان هو لا يقدر على النهوض لا راكبا ولا راجلا، فاى هذه الوجوه أمكنت الانسان المسلم العاقل البالغ؟ فالحج والعمرة فرض عليه، ومن عجز عن جميعها فلا حج عليه ولا عمرة * وقال قوم: الاستطاعة زاد وراحلة * وقال مالك: الاستطاعة قوة الجسم أو القوة بالمال على الحج بنفسه، ولم ير وجود من يطيعه استطاعة ولا أوجب بذلك حجا * وروى عن أبى حنيفة ان المقعد من رجليه وان كان له مال واسع وهو قادر على الثبات على الراحلة فلا حج عليه وكذلك الاعمى، وقد روى عنه ان عليه الحج وعلى الاعمى * ورأى الشافعي ان الاستطاعة انما هي بمال - يحج به أو من يطيعه فيحج عنه فقط، ولم يرقوة الجسم والقدرة على الراحلة (3) استطاعة * وحجة من قال: الاستطاعة زاد وراحلة بآثار رويناها، منها عن وكيع عن ابراهيم ابن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومى عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الاستطاعة (4)؟ فقال: الزاد والراحلة فقيل: يا رسول الله فما الحاج؟ قال: الاشعث الثفل (5) ومن طريق حماد بن سلمة انا قتادة. وحميد عن الحسن (ان رجلا قال: يارسول الله ما السبيل إليه؟ قال: زاد وراحلة (6)) * ومن طريق اسماعيل بن اسحاق
(1) في النسخة رقم (14) (الذى يجب الحج به) (2) في النسخة رقم (16) (فيرجع) (3) في النسخة رقم (16) (على
الرجلة) (4) في النسخة رقم (4) (ما الاستطاعة) (5) رواه الدارقطني ص 255 (6) رواه الدارقطني ص 254 *
[ 54 ]
عن مسلم بن ابراهيم نا هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلى نا أبو إسحاق الهمداني عن الحارث عن على عن النبي صلى الله عليه وسلم (من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله عزوجل فلم يحج فلا عليه ان يموت يهوديا أو نصرانيا لان الله تعالى يقول: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غنى عن العالمين) (1)) وقالوا: لما قال الله تعالى: (من استطاع إليه سبيلا) علمنا انها استطاعة غير القوة بالجسم، إذا لو كان تعالى اراد قوة الجسم لما احتاج إلى ذكرها لاننا قد علمنا ان الله تعالى لا يكف نفسا الا وسعها، وقالوا: قال الله تعالى: (إلى بلد لم تكونوا بالغيه الا بشق الانفس) فصح ان الرحلة (2) شق الانفس بالضرورة ولا يكلفنا الله تعالى ذلك لقوله تعالى (ما جعل عليكم في الدين من حرج)، وذكروا ماروينا من طريق عطاء الخراساني عن عمر بن الخطاب انه قال في استطاعة السبيل إلى الحج زاد وراحلة * ومن طريق الضحاك عن ابن عباس في ذلك أيضا زاد وبعير * ومن طريق اسرائيل عن الحسن عن أنس من استطاع إليه سبيلا قال زاد وراحلة * ومن طريق اسرائيل عن مجاهد عن ابن عمر قال: من استطاع إليه سبيلا قال: مل ء بطنه وراحلة يركبها، وهو قول الضحاك بن مزاحم والحسن البصري، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن على بن الحسين، وأيوب السختيانى، واحد قولى عطاء * قال أبو محمد: فادعوا في هذا انه قول طائفة من الصحابة لا يعرف لهم منهم مخالف وليس كما قالوا أصلا: لاننا قد روينا عن وكيع وغيره عن عمران بن حدير عن النزال ابن عمار عن ابن عباس قال: (من ملك ثلاث مائة درهم وجب عليه الحج وحرم عليه نكاح الاماء) * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس قال، في الحج: سبيله من وجد له سعة ولم يحل بينه وبينه، وهذا هو قولنا * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن خالد بن أبى كريمة عن ابن الزبير قال:
من استطاع إليه سبيلا قال: على قدر القوة وهو أحد قولى عطاء * قال على: أما احتجاجهم بأن الاستطاعة لو كانت على العموم لما كان لذكرها معنى فكلام فاسد، واعتراض على الله تعالى، واخراج للقرآن عن ظاهره بلا برهان ثم لو صح هذا لكان حجة عليهم. لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب الحج على من لا يستطيعه بجسمه ولا بماله إذا وجد من يحج عنه كما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى، فكان ذلك داخلا في الاستطاعة ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما قولهم: ان الرحلة من شق الانفس والحرج والله تعالى لا يكلف ذلك عباده فصحيح ولم نقل نحن: ان من كانت الرحلة تشق
(1) رواه الترمذي (2) في النسخة رقم (16) (ان الرجلة) *
[ 55 ]
عليه وعليه فيها حرج ان الحج يلزمه بل الحج عمن هذه صفته ساقط كما قالوا، وانما قلنا: ان من يسهل عليه المشى - وهو لو كانت له في دنياه حاجة لاستسهل المشى إليها - فالحج يلزمه لانه مستطيع * وأما الاخبار التى ذكروا فان في أحدها ابراهيم بن يزيد وهو ساقط مطرح، وفى الثاني الحارث الاعور وهو مذكر بالكذب، وحديث الحسن مرسل ولا حجة في مرسل (1)، والعجب من مالك. والشافعي في هذه المسألة فان المالكيين يقولون: المرسل. والمسند سواء لاسيما مرسل الحسن فانهم ادعوا انه كان لا يرسل الحديث الا إذا حدثه به أربعة من الصحابة فصاعدا، ثم خالفوا ههنا أحسن مراسيل الحسن * والشافعيون لا يقولون: الا بالمسند الصحيح وأخذوا ههنا بالساقط، والمرسل * وأما الروايات في ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم فواهية كلها لانها إما من طريق عطاء الخراساني مرسلة، وإما من طريق اسرائيل، واما من طريق رجل لم يسم، وأحسنها الرواية عن ابن عباس الموافقة لقولنا، والرواية الاخرى (2) عنه في الثلثمائة درهم، إلا أن هذا مما خالف فيه المالكيون جمهور العلماء وهم يعظمون ذلك، والحنيفيون
يبطلون السنن الصحاح كنفى الزانى، وحديث لا تحرم المصة ولا المصتان، وحديث رضاع سالم وغيرها لزعمهم انها زائدة على مافى القرآن أو مخالفة له، وأخذوا ههنا باخبار ساقطة لا يحل الاخذ بها مخصصة للقرآن مخالفة له، ثم خالفوها مع ذلك تخصيصهم المقعد * وأطراف شئ احتجاجهم في تخصيص المقعد بقول الله تعالى: (ليس على الاعمى
(1) قال الحافظ ابن حجر في التلخيص ص 202: حديث انه صلى الله عليه وسلم سئل عن تفسير السبيل؟ فقال (زاد وراحلة) (رواه) الدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق سعيد بن ابى عروبة عن فتادة عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) قال: قيل: يارسول الله ما السبيل؟ قال (الزاد والراحلة)، قال البيهقى الصواب عن قتادة عن الحسن مرسلا يعنى الذى خرجه الدارقطني وسنده صحيح إلى الحسن ولا ارى الموصول الا وهما، وقد رواه الحاكم من حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن انس ايطا الا ان الراوى عن حماد هو أبو قتادة عبد الله بن واقد الحرانى وقد قال أبو حاتم هو منكر الحديث، ورواه الشافعي والترمذي وابن ماجه والدار قطني من حديث ابن عمر، وقال الترمذي: حسن وهو من رواية ابراهيم ين يزيد الخوزى، وقد قال فيه احمد، والنسائي: متروك الحديث، ورواه ابن ماجه والدار قطني من حديث ابن عباس وسنده ضعيف ايضا، ورواه ابن المنذر من قول ابن عباس، ورواه الدارقطني من حديث جابر، ومن حديث على بن ابى طالب، ومن حديث ابن مسعود، ومن حديث عائشة، ومن حديث عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده وطرقها كلها ضعيفة، وقد قال عبد الحق: ان طرقه كلها ضعيفة، وقال أبو بكر بن المنذر: لا يثبت الحديث في ذلك مسندا، والصحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة اه وبهذا تعلم ان ماقاله المصنف صحيح حق نسأل الله اتباع سنن الصواب * (1) في النسخة رقم (14) (واما الرواية الاخرى) بزيادة (اما) وارى زيادتها زيادة لا حاجة إليها، والمعنى على ماهنا ان احسن الروايات - التى ذكرت قبل - الرواية عن ابن عباس الموافقة لقولنا وهى قول ابن عباس: في الحج سبيله من وجد له سعة ولم يحل بينه وبينه، وللرواية للثانية عن ابن عباس ايضا وهى في الثلاثمائة، والله أعلم *
[ 56 ]
حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج). وهم يقولون: ان الاعرج يلزمه الحج إذا وجد زادا وراحلة وقدر على الركوب، وكذلك الاعمى فخالفوا مافى الآية وحكموا بها فيما ليس فيها منه شئ *
قال على: فلما بطل كل ما شغبوا به وجب طلب البرهان من القرآن والسنة الصحيحة فوجدنا الله تعالى قال: (من استطاع إليه سبيلا)، فكان هذا عموما لكل استطاعة بمال أو جسم (1) هذا الذى يوجبه لفظ الآية ضرورة ولم يجز أن يخص من ذلك مقعد (2) ولا أعمى ولا أعرج إذا كانوا مستطيعين الركوب ومعهم سعة، وليس هذا من الحرج الذى أسقطه الله تعالى عنهم لانه لا حرج فيه عليهم، وأيضا فان هذه الآية بنص القرآن انما نزلت في الجهاد وهو الذى يحتاج فيه إلى الشد والتحفظ والجرى، وكل ذلك حرج ظاهر على الاعرج والاعمى، وأما الحج فليس فيه شئ من ذلك أصلا وبقى من لامال له ولا قوة جسم الا انه يجد من يحج عنه بلا أجرة أو بأجرة يقدر عليها فوجدنا اللغة التى بها نزل القرآن وبها خاطبنا الله تعالى في كل ما ألزمنا إياه لا خلاف بين أحد من أهلها في انه يقال: الخليفة مستطيع لفتح بلد كذا ولنصف المنجنيق عليه وان كان مريضا مثبتا لانه مستطيع لذلك بأمره وطاعة الناس له، وكان ذلك داخلا في نص الآية * ووجدنا من السنن ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب ابن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا على بن خشرم عن عيسى ابن يونس عن ابن جريج عن ابن شهاب نا سليمان بن يسار عن ابن عباس عن الفضل ابن عباس (أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبى شيخ كبير عليه فريضة الله تعالى في الحج وهو لايستطيع ان يستوى على ظهر بعيره فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم وسلم: حجى (3) عنه) * ورويناه (أيضا) (4) من طريق البخاري عن عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن (عبد الله) (5) بن عباس ان الخثعمية قالت لرسول (6) الله صلى الله عليه وسلم: (ان فريضة الله أدركت أبى شيخنا كبيرا لا يثبت عل الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم وذلك في حجة الوداع) * ونا عبد الله (بن ربيع) (7) نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد نا على
(1) في النسخة رقم (14) (بمال وجسم) بالواو، وما هنا احسن (2) في النسخة رقم (14) (لا مقعد) بزيادة (لا)
(3) في صحيح مسلم ج 1 ص 379 (فحجى عنه) بزيادة الفاء (4) الزيادة من النسخة رقم (14) (5) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 45، والحديث اختصره المصنف (6) في النسخة رقم (14) (يارسول) وكلاهما غير موافق للفظ البخاري لان المصنف اختصر فأوجد خلافا (7) الزيادة من النسخة رقم (14) *
[ 57 ]
ابن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا يزيد بن ابراهيم عن ابن سيرين عن عبيدالله ابن العباس قال: (كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فقال: يا رسول الله إن أمي عجوز كبيرة ان حزمها خشى ان يقتلها وان لم يحزمها لم تستمسك فأمره عليه السلام ان يحج عنها) * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب نا اسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - نا وكيع بن الجراح نا شعبة عن النعمان - هو ابن سالم - عن عمرو ابن أوس عن أبى رزين العقيلى (انه قال: يا رسول الله إن أبى شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة (1) والظعن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حج عن أبيك واعتمر) * ورويناه أيضا من طريق ابن الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) * وهذه أخبار متظاهرة متواترة من طرق صحاح عن خمسة من الصحابة رضى الله عنهم. الفضل، وعبد الله، وعبيدالله - بنو العباس بن عبد المطلب -، وابن الزبير، وأبو رزين العقيلى، * ويزيد بن ابراهيم المذكور - هو أبو سعيد التسترى - بصرى كان ينزل بأهله عند مقبرة بنى سهم مات سنة احدى وستين ومائة، وقيل: بل في المحرم سنة اثنتين وستين ومائة (3) ثقة ثبت، وثقه أبو الوليد الطيالسي، وعبد الله بن نمير، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وعمرو بن على، وأحمد ابن صالح والنسائي والناس، وليس هو يزيد بن ابراهيم الذى يروى عن قتادة ذلك ليس بالقوى * فبين في هذه الاخبار ان من لم يكن قط صحيحا فان فريضة الحج لازمة له إذا (4) وجد من يحج عنه لانه عليه السلام سمع قول المرأة عن أبيها ان فريضة الله تعالى أدركته
وهو شيخ كبير لا يستطيع الثبات على الراحلة فلم ينكر ذلك عليها ولا على أبى رزين مثل ذلك في ابيه، فصح ان الفرض باق على هذين إذا وجدا من يحج عنهما * وقال الشافعي: انما يلزمه ذلك إذا كان له زاد وراحلة وهذا خطأ لانه ليس في حديث أبى رزين أنه كانت له راحلة، ولا في حديث عبيدالله بن العباس أيضا فهذه زيادة فاسدة (فان قيل): انما جاءت هذه الاحاديث في شيخ كبير، وعجوز كبيرة فمن أين تعديتم ما فيها إلى كل من لايستطيع الحركة بزمانة أو مرض ولم يكن شيخا كبيرا؟ قلنا: ليس كل شيخ كبير تكون هذه صفته
(1) في النسائي ج 5 ص 117 (ولا العمرة) بزيادة (لا) (2) رواه النسائي ج 5 ص 117 (3) قال في تهذيب التهذيب ج 11 ص 312: وقال ابن ابنه محمد ابن سعيد بن ابراهيم: مات سنة ثلاث وستين ومائة. وفرق أبو محمد بن حزم في كتاب الحج من المحلى بين يزيد بن ابراهيم التسترى، وبين يزيد بن ابراهيم الزاوى عن قتادة فقال: ان التسترى ثقة ثبت والراوي عن قتادة ضعيف، ولا ادرى من هو سلفه في جعله اه (4) في النسخة رقم (16) (ان) *
[ 58 ]
وانما يكون بهذه الصفة من غلبه الضعف فانما أمر عليه السلام بذلك فيمن لا يستطيع ثباتا على الدابة وليس للشيخ هنالك معنى أصلا، وأيضا فانه ليس للشيخ حد محدود إذا بلغه المرء سمى شيخا ولم يسم شيخا حتى يبلغه، ودين الله تعالى لا يتسامح (1) فيه ولا يؤخذ بالظنون الكاذبة المفتراة المشروع بها ما لم يأذن به الله تعالى، ولو كان للشيخ في ذلك حكم لبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حده الذى به ينتقل حكمه إلى ان يحج عنه كما أثبت ذلك فيمن (2) لايستطيع الثابت على الراحلة ولا المشى إلى الحج، فصح انه ليس للشيخ في ذلك حكم أصلا وانما الحكم للعجز عن الركوب والمشى فقط وبالله تعالى التوفيق، فكان هذا استطاعة للسبيل مضافة إلى القوة بالجسم وبالمال * قال أبو محمد: فتعلل قوم في هذه الآثار بخبر رويناه من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى اسحاق الشيباني عن يزيد بن الاصم عن ابن عباس (أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أأحج عن أبى؟ قال: نعم ان لم تزده خيرا لم تزده شرا) (3) قالوا:
فهذا دليل على أنه ندب لافرض * قال على: وهذا لاحجة لهم فيه لانه ليس فيه ان أباه كان ميتا ولا أنه كان عاجزا عن الركوب والمشى ولا أنه كان حج الفريضة بل انما هو سؤال مطلق عن الحج عن غيره ممن هو ممكن ان يكون قد حج عن نفسه أو أنه قادر على الحج فاجابه عليه السلام باباحة ذلك وانما في (4) هذا الخبر جواز الحج عن كل أحد ولا مزيد وهو قولنا، وأما تلك الاحاديث ففيها بيان انها في الحج الفرض، وأيضا فليس قوله عليه السلام: (ان لم تزده خيرا لم تزده شرا) بمخرج لذلك عن الفرض إلى التطوع لان هذه صفة كل عمل مفترض أو تطوع ان لم يتقبل من المرء فانه على كل حال لا يكتب له به سيئة، فبطل اعتراضهم بهذا الخبر * وقالوا: قال الله تعالى: (وأن ليس للانسان الا ما سعى) قال على: هذه سورة مكية بلا خلاف، وهذه الاحاديث كانت في حجة الوداع فصح ان الله تعالى بعد ان لم يجعل للانسان الا ما سعى تفضل على عباده وجعل لهم ما سعى فيه غيرهم عنهم بهذه النصوص الثابتة * وقال بعضهم: قال الله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) قال على: إذا أمر الله تعالى ان تزر وازرة وزر أخرى لزم ذلك وكان مخصوصا من هذه الآية، وقد أجمعوا معنا على ان العاقلة لم تقتل وانها تعزم عن القاتل ولم يعترضوا على ذلك بهذه الآية وليس
(1) في النسخة رقم (16) (لا يسامح) (2) في النسخة رقم (14) (فيما) وهو غلط لان مالما لا يعقل (3) قال المحب الطبري في كتاب القرى القاصد أم القرى: اخرجه البزار (4) في النسخة رقم (16) (فانما) وما هنا احسن *
[ 59 ]
هو (1) اجماعا فان عثمان البتى لا يرى حكم العاقلة، وأيضا فان الذى اتانا بهذا هو الذى افترض ان يحج عن العاجز والميت، وقد قال تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) وهم يجيزون الحج عن الميت إذا أوصى بذلك والصدقة عن الحى والميت والعتق عنهما أوصيا بذلك أو لم يوصيا، ولا يعترضون في ذلك بهذه الآية (فان قالوا): لما أوصى بالحج
كان مما سعى قلنا لهم: فاوجبوا بذلك ان يصام عنه إذا أوصى بذلك لانه مما سعى * (فان قالوا): عمل الابدان لا يعمله أحد عن أحد فقلنا: هذا باطل ودعوى كاذبة، ومن أين قلتم هذا؟ بل كل عمل إذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم به ان يعمله المرء عن غيره وجب ذلك على رغم أنف المعاند * (فان قالوا): قياسا على الصلاة قلنا: القياس كله باطل ثم لو صح لكان هذا عليكم لالكم لانكم لا تختلفون في جواز ان يصلى المرء الذى يحج عن غيره ركعتين عند المقام عن المحجوج عنه فقد جوزتم ان يصلى الناس بعضهم عن بعض فقيسوا عن ذلك سائر أعمال الابدان * وقالوا: لما كان الحج فيه مدخل للمال في جبره بالهدى والاطعام جاز أن يعمله (2) بعض الناس عن بعض قلنا: ومن أين لكم هذا الحكم الذى هو كذب مفترى وشرع موضوع بلاشك؟ ثم قدتنا قضتم فيه لان الصيام فيه مدخل للمال في جبره بالعتق والاطعام ولا فرق، وفى وجوب زكاة الفطر من صومه فأجيزوا لذلك ان يعمله بعض الناس عن بعض * قال أبو محمد: والعجب كله ان المالكيين يجيزون ان يجاهد الرجل عن غيره بجعل ويجيزون الكفارة عن المرأة المكرهة على الوطئ (3) في نهار رمضان على غيرها عنها وهو الذى أكرهها فأجازوا كل ذلك حيث لم يجزه الله تعالى ولارسوله عليه السلام ومنعوا من جوازه حيث افترضه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم * قال على: فان موهوا بما رويناه من طريق ابن أبى أويس نا محمد بن عبد الله بن كريم الانصاري عن ابراهيم بن محمد بن يحيى العدوى النجارى (أن امرأة قالت: يارسول الله ان أبى شيخ كبير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتحجى عنه وليس لاحد بعده) * ومما رويناه من طريق عبد الملك بن حبيب حدثنى مطرف عن محمد بن الكرير (4) عن محمد بن حبان الانصاري (ان امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ان أبى شيخ كبير لا يقوى عن الحج فقال عليه السلام: فلتحجى عنه وليس ذلك لاحد بعده) * ومن طريق عبد الملك بن حبيب حدثنى هارون بن صالح الطلحى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم
(1) في النسخة رقم (16) (وليس هذا) (2) في النسخة رقم (16) (ان يفعله) (3) في النسخة رقم (14) (على الواطئ) وهو غلط ظاهر (4) في النسخة رقم (16) (الكدير) بالدال المهملة *
[ 60 ]
عن ربيعة عن محمد بن ابراهيم بن الحارث (1) التيمى (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحج أحد عن أحد الا ولد عن والد) * قال على: فهذه تكاذيب، أول ذلك أنها مرسلة ولا حجة في مرسل، والاول فيه مجهولان لا يدرى من هما؟ وهما محمد بن عبد الله بن كريم، وابراهيم بن محمد العدوى؟ والآخران من طريق عبد الملك بن حبيب وكفى، فكيف وفيه الطلحى ومحمد بن الكرير، ومحمد بن حبان ولا يدرى من هم، وعبد الرحمن بن زيد وهو ضعيف، وهذا خبر حرفه عبد الملك لاننا رويناه من طريق سعيد بن منصور قال: نا عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم حدثنى ربيعة بن عثمان التيمى عن محمد بن ابراهيم التيمى (ان رجلا قال للنبى صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ابى مات ولم يحج أفأحج عنه؟ قال: نعم ولك مثل أجره) * ومن طريق سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه (ان رجلا قال: يارسول الله ان أبى مات ولم يحج حجة الاسلام أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على ابيك دين فدعوت غرماءه لتقضيهم؟ أكانوا يقبلون ذلك منك؟ قال: نعم قال: فحج عنه فان الله قابل من أبيك) * قال أبو محمد: فاعجبوا لهذه الفضائح ونعوذ بالله من الخذلان، ثم لو صحت لكانوا مخالفين لها لانهم يجيزون الحج عن الميت إذا أوصى به وان يحج عنه غير ولده وهو خلاف لما في هذه الآثار فهى عليهم (لالهم) (2)، وتخصيصهم جواز الحج إذا أوصى به لا يوجد في شئ من النصوص ولا يحفظ عن أحمد من الصحابة ولا يوجبها قياس لان الوصية لا تجوز الا فيما يجوز للانسان ان يأمر به في حياته بلا خلاف * قال أبو محمد: فان قالوا: قد صح من طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن
نافع عن ابن عمر قال: لا يصومن أحد عن أحد ولا يحجن أحد عن أحد * ومن طريق وكيع عن أفلح عن القاسم بن محمد قال: لا يحج أحد عن أحد قلنا: نعم هذا صحيح عنهما وأنتم مخالفون لهما في ذلك لانكم تجيزون الحج عن الميت إذا أوصى بذلك وهو خلاف قول ابن عمر. والقاسم وما وجدنا قولهم عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم، وصح قولنا عن طائفة من السلف * كما روينا من طريق الحجاج بن المنهال عن شعبة عن مسلم القرى (3) قال: قلت لابن عباس: إن أمي حجت ولم تعتمر أفأعتمر عنها؟ قال: نعم *
(1) في النسخة رقم (16) (عن محمد بن الحارث) وفى النسخة رقم (14) (عن محمد بن ابراهيم) وصححناه من تهذيب التهذيب جزء ص 5 (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) قال في هامش النسخة رقم (14) مانصه: مسلم بن مخراق العبدى القرى =
[ 61 ]
قال أبو محمد فهذا لا تخصيص فيه لميت دون حى * ومن طريق يزيد بن زريع عن داود انه قال: قلت لسعيد بن المسيب: يا محمد لايهما الاجر أللحاج أم للمحجوج عنه؟ فقال سعيد: ان الله تعالى واسع لهما جميعا * قال أبو محمد: صدق سعيد رحمه الله * ومن طريق معمر عن أبى اسحاق عن أم محبة انها نذرت ان تمشى إلى الكعبة فمشت حتى إذا بلغت عقبة البطن عجزت فر كبت ثم أتت (1) ابن عباس فسألته فقال: أتستطيعين ان تحجى قابلا؟ فإذا انتهيت إلى المكان الذى ركبت فيه فتمشى ما ركبت قالت: لا قال لها: فهل لك ابنة تمشى عنك؟ قالت: لى ابنتان ولكنهما أعظم في انفسهما من ذلك قال: فاستغفري الله * وروينا أيضا مثله من طريق وكيع عن يونس بن أبى اسحاق عن أمه العالية عن ابن عباس * قال أبو محمد: هذه هي التى عولوا على روايتها عن عائشة رضى الله عنها في أمر العبد المبيع من زيد بن أرقم إلى العطاء بثمانمائة درهم ثم ابتاعته منه بستمائة، وتركوا فيه فعل زيد بن أرقم فكانت حجة هناك إذا لم توافق النصوص ولم تكن حجة عن ابن عباس
إذا وافقت النصوص * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا حفص - هو ابن غياث - عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على بن أبى طالب أنه قال في الشيخ الكبير: انه يجهز رجلا بنفقته فيحج عنه * ومن طريق ابراهيم بن ميسرة قال: رمى عبد الله بن طاوس عن أبيه الجمار وطاف عنه طواف يوم النحر وكان أبوه مريضا * وعن سفيان عن ابن طاوس في رمى الجمار عن أبيه بأمر أبيه * وعن مجاهد من حج عن رجل فله مثل أجره * وعن عطاء فيمن نذر ان يمشى فجعز قال: يمشى عنه بعض أهل بيته وأنه رأى الرمى عن المريض للجمار * فهؤلاء ابن عباس. وعلى. وعطاء وطاوس. ومجاهد. وسعيد بن المسيب. وعبد الله بن طاوس، وروى أيضا عن ابراهيم النخعي، وما نعلم لمن خالفنا ههنا - فلم يوجب الحج على من وجد من يحج عنه وهو عاجز ولاعن الميت الا ان يوصى - سلفا أصلا من الصحابة رضى الله عنهم، وهذا مما خالفوا فيه الجمهور من العلماء، وبمثل قولنا يقول سفيان الثوري. والاوزاعي. وابن أبى ليلى. واحمد. واسحاق *
= بو الاسود البصري القطان والد سوادة بن ابى الاسود مولى بنى قرة حى بن عبد القيس، ويقال: مولى بنى ضبة بن قرة، ويقال: مولى بنى فزارة من عبد القيس قاله المزى اه وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب: مسلم بن مخراق العبدى القرى مولى بنى قرة، ويقال المازنى الفريابى أبو الاسود البصري العطار، ويقال: انهما اثنان اه والقرى ضبطه ابن حجر في تقريب التهذيب بضم القاف وتشديد الراء، ولا ادرى قوله البصري العطار هل هو مصحف عن القطان ام لا؟ والله أعلم * 1) في النسخة رقم (14) فأتت بدل " ثم اتت "
[ 62 ]
816 - مسألة - قال أبو محمد: فان حج عمن لم يطق الركوب والمشى لمرض أو زمانة حجة الاسلام ثم أفاق فان أبا حنيفة: والشافعي قالا: عليه ان يحج ولابد، وقال اصحابنا: ليس عليه ان يحج بعد * قال أبو محمد: إذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالحج عمن لا يستطيع الحج راكبا ولا ماشيا
واخبر أنه دين الله يقضى عنه فقد تأدى الدين بلا شك واجزأ عنه، وبلا شك ان (1) ما سقط وتأدى فلا يجوز ان يعود فرضه بذلك إلا بنص ولا نص ههنا أصلا بعودته ولو كان ذلك عائدا لبين عليه السلام ذلك إذا قد يقوى الشيخ فيطيق الركوب فإذ لم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فلا يجوز عودة الفرض عليه بعد صحة تأديه عنه، وبالله تعالى التوفيق * 817 - مسألة - (قال على) (2) وسواء من بلغ وهو عاجز عن المشى والركوب أو من بلغ مطيقا ثم عجز في كل ما ذكرنا، وقال أبو سليمان: لا يلزم ذلك الاعمن قدر بنفسه على الحج ولو عاما واحدا ثم عجز * قال على: وهذا خطأ لان الخبر الذى قدمنا فيه فريضة الله تعالى في الحج أدركته لا يقدر على الثبات على الدابة فصح انه قد لزمه فرض الحج ولم يكن قط بعد لزومه له قادرا عليه بجسمه فصح قولنا وبالله تعالى التوفيق * 818 - مسألة - ومن مات وهو مستطيع بأحد الوجوه التى قدمنا حج عنه من رأس ماله واعتمر ولابد مقدما على ديون الناس ان لم يوجد من يحج عنه تطوعا سواء أوصى بذلك أو لم يوص بذلك * وقال أبو حنيفة. ومالك: لا يحج عنه الا أن يوصى بذلك فيكون من الثلث * برهان صحة قولنا قول الله تعالى في المواريث: (من بعد وصية يوصى بها أو دين) فعم عزوجل الديون كلها * حدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا عمران بن موسى المصرى نا عبد الوارث - هو ابن سعيد التنورى - نا أبوالتياح يزيد بن حميد البصري نا موسى بن سلمة الهذلى (ان ابن عباس قال: أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهنى ان تسأل النبي (3) صلى الله عليه وسلم؟ أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزئ عن أمها ان تحج عنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يكن يجزئ عنها؟ فلتحج عن أمها) (4) *
(1) في النسخة رقم (14) وبلا شك فان) الخ (2) الزيادة من النسخة رقم (16) (3) في سنن النسائي ج 5 ص 116 (ان تسأل
رسول الله) (4) قال المحب الطبري في كتابه القرى لقاصدام القرى: هو حجة لاثبات القياس والحاق ما اختلف فيه إذا اشكل مما اتفق عليه اه فأرجوا الله تبارك وتعالى ان يوفقني إلى طبعه فانه انفس كتاب في احكام الحج مطولا *
[ 63 ]
ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس (ان امرأة سألت رسول الله (1) صلى الله عليه وسلم عن أبيها مات ولم يحج؟ قال: حجى عن أبيك) * ورويناه أيضا من طريق عكرمة عن ابن عباس مسندا نا محمد ابن سعيد بن نبات نا أحمد بن عون الله نا قاسم بن اصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن بشار نا محمد بن جعفر نا شعبة عن أبى بشر - هو جعفر بن أبى وحشية - قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس (ان امرأة نذرت ان تحج فماتت فاتى أخوها النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت لو كان على امك دين أكنت قاضية؟ قال: نعم قال: فاقضوا الله فهو أحق بالوفاء) * ورويناه أيضا من طريق البخاري عن موسى بن اسماعيل عن أبى عوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي) صلى الله عليه وسلم (بنصه) (2) في امرأة من جهينة نذرت امها ان تحج فماتت قبل أن تحج (3)) * ورويناه أيضا من طريق الحجاج بن المنهال نا أبو عوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم و سلم مثل رواية البخاري، وفيه قوله عليه السلام (فحجى عن أمك اقضوا الله الذى له عليكم فالله تبارك وتعالى أحق بالوفاء) * فهذه آثار في غاية الصحة لا يسع أحد الخروج عنها * قال أبو محمد: ومن عجائب الدنيا احتجاجهم بهذا الحديث في القول بالقياس في تحريم التين بالتين متفاضلا ثم يخالفونه فيما جاء فيه اقبح خلاف فيقولون: لا يحج عن ميت، ودين الله لا يقضى، وديون الناس أحق منه، فاى قول أقبح من قول من قال: من اهرق خمر اليهودي أو النصراني ومات قضى دين الخمر من رأس ماله أوصى به أو لم يوص، ولا يقضى دين الله تعالى في الحج الا أن يوصى به فيكون من الثلث؟ *
قال أبو محمد: قولنا هو قول جمهور السلف روينا عن أبى هريرة من مات وعليه نذر أو حج فليقض عنه وليه * ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس (أن امرأة أتته فقالت: إن امى ماتت وعليها حجة أفأحج عنها؟ فقال ابن عباس: هل كان على أمك دين؟ قالت: نعم قال: فما صنعت؟ قالت: قضيته عنها قال ابن عباس: فالله خير غرمائك حجى عن أمك) * ومن طريق شعبة عن مسلم القرى قلت لابن عباس: ان أمي حجت وماتت ولم تعتمر أفأعتمر عنها؟ قال: نعم * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا أبو الأحوص عن طارق بن عبد الرحمن قال: كنت
(1) في سنن النسائي ج 5 ص 117 (سألت النبي) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) الحديث اختصره المؤلف انظر ج 3 ص 45 من صحيح البخاري الذى طبع في ادارتنا *
[ 64 ]
جالسا عند سعيد بن المسيب فأتاه رجل فقال: ان أبى لم يحج قط أفأحج عنه؟ فقال له سعيد: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان رخص لرجل حج عن أبيه وهل هو إلا دين؟ * ومن طريق ابن أبى شيبة نا مروان بن معاوية - هو الفزارى - عن قدامة بن عبد الله الرؤاسى قال: سألت سعيد بن جبير عن أخى؟ فقلت: مات ولم يحج قط أفاحج عنه؟ فقال: هل ترك من ولد؟ قلت: ترك صبيا (1) صغيرا فقال: حج عنه فانه لو (2) وجد رسولا لارسل اليك أن عجل بها فقلت: أحج عنه من مالى أو من ماله؟ قال: بل من ماله قال: وسألت ابراهيم النخعي؟ فقال: حج عنه قال: وسألت الضحاك فقال: حج عنه من ماله؟ فان ذلك مجزئ عنه * ومن طريق حماد بن سلمة عن الحجاج عن فضيل بن عمروقال؟ نذرت امرأة أن تطوف بالبيت مقترنة (3) مع ابنتها فماتت الام قبل أن تطوف فسأل ابنها ابراهيم النخعي عن ذلك؟ فقال: طف أنت واختك عن أمك ولا تقترنا (4) * ومن طريق وكيع عن سفيان عن أسلم المنقرى عن عطاء قال: يحج عن الميت وان لم يوص * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن أبى نهيك قال: سألت طاوسا
عن امرأة ماتت وقد بقى عليها من نسكها فقال: يقضى عنها وليها، أبو نهيك - هو القاسم - ابن محمد الاسدي روى عنه سفيان. ومنصور. وجرير بن عبد الحميد * ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء * ومن طريق حماد بن سلمة عن زياد الاعلم عن الحسن قال: عطاء. والحسن فيمن لم يحج الفريضة: انه يحج عنه من جميع المال والزكاة مثل ذلك أوصى أو لم يوص، وروى أيضا عن عبد الرحمن بن أبى ليلى * قال أبو محمد: وهو قول الاوزاعي. والثوري. ومحمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى. والشافعي. وأبى ثور. وأحمد. واسحاق. وأبى سليمان وأصحابهم * قال أبو محمد: قد ذكرنا قبل قول ابن عمر. والقاسم بن محمد. وخلافهم لهما، وروينا من طريق حماد بن زيد قال: سئل أيوب عن الوصايا في الحج؟ فقال: لا أعرف الوصايا في الحج انما الوصية في الاقربين قلنا: إذا فرط في الحج أيوصى به؟ قال: لا * وقد روينا عن ابراهيم النخعي من طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة عن ابراهيم لا يقضى حج عن ميت * ومن طريق سعيد بن منصور عن هشيم عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم فيمن مات ولم يحج قال: كانوا يحبون ان يوصى ان ينحر عنه بدنة * ومن طريق سفيان عن منصور عنه لا يحج أحد عن أحد * ومن طريق شعبة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم
(1) في النسخة رقم (14) (ولدا) (2) في النسخة رقم (14) (ان) وهو غلط (3) في النسخة رقم (16) (مقرنة) (4) في النسخة رقم (16) (ولا تفترقا) *
[ 65 ]
ان أوصى بالحج حج عنه من ثلثه وإلا فلا * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن هشام بن حساب عن ابن سيرين إذا أوصى بالحج فمن الثلث، وبهذا يقول حماد ابن أبى سليمان، وحميد الطويل. وداود بن أبى هند. وعثمان البتى * قال أبو محمد: ما نعلم لمن قال: بهذا حجة الا ما قد ذكرناه في الباب الذى قبل هذا وبينا انه حجة عليهم وانه لا حجة لهم فيه، وبالله التوفيق *
قال أبو محمد: وإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فالله أحق بالوفاء. ودين الله أحق ان يقضى) فلا يحل ان يقضى دين آدمى حتى تتم ديون الله عزوجل، وهو قول من ذكرنا، وأحد قولى الشافعي، وقول جميع أصحابنا، وللمالكيين. والحنيفيين فيما يبد أبيه في الوصايا أقوال لا يعرف لها وجه أصلا * 819 - مسألة - والحج لا يجوز شئ من عمله إلا في أوقاته المنصوصة ولا يحل الاحرام به إلا في أشهر الحج قبل وقت الوقوف بعرفة، وأما العمرة فهى جائزة في كل وقت من أوقات السنة، وفى كل يوم من أيام السنة، وفى كل ليلة من ليالها لاتحاش شيئا * برهان صحة قولنا قول الله عزوجل: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولافسوق ولا جدال في الحج) الآية، فنص عزوجل على أنه أشهر معلومات، وقال تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) * وروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري. وابن جريج كليهما عن أبى الزبير سمعت جابر بن عبد الله يسأل أيهل أحد بالحج قبل أشهر الحج؟ قال: لا * ومن طريق عكرمة عن ابن عباس قال: لا ينبغى لاحد ان يهل بالحج الا في اشهر الحج لقول الله تعالى: (فمن فرض فيهن الحج) * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن أبى اسحاق السبيعى قال: رأى عمرو بن ميمون بن أبى نعم (1) يحرم بالحج في غير أشهر الحج فقال: لو أن أصحاب محمد أدركوه رجموه * ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى ان (2) عكرمة قال لابي الحكم: أنت رجل سوء لانك خالفت كتاب الله عزوجل وتركت سنة نبيه
(1) هو عبد الرحمن بن أبى نعم يضم النون وسكون العين المهملة - البجلى أبو الحكم الكوفى العابد، كان يحرم من السنة إلى السنة، وكان يقول: لبيك لو كان رياء لاضمحل، وكان من عباد أهل الكوفة ممن يصبر على الجوع الدائم أخذها الحجاج ليقتله وادخله بيتا مظلما وسد الباب خمسة عشر يوما ثم أمر بالباب ففتح ليخرج فيدفن فدخلوا عليه فأذا هو قائم يصلى، فقال له الحجاج: سر حيص شئت، وفى النسخة رقم (14) (نعيم) وهو غلط، وقد سبق في صفحة 16 من هذا الجزء في التحقيقات نقلا عن تهذيب التهذيب ان اسمه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم لاابن ابى انعم، وقلنا: لعل لفظ ابى زائد وهو سهو منانشأ من اتفاق النسختين على لفظ ابن
ابى انعم) وهو غلط فيهما وصوابه كما هنا (ان ابى نعم) بحذف الهمزة، والله أعلم (2) في النسخة رقم (16) (عن) *
[ 66 ]
صلى الله عليه وسلم قال الله تبارك وتعالى: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج)، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالبيداء وجعل القرية خلف ظهره أهل وانك تهل في غير أشهر الحج * وعن عطاء. وطاوس. ومجاهد قالوا: لا ينبغى لاحد أن يحرم بالحج في غير أشهر الحج * وعن عطاء والشعبى مثل ذلك قالا: فان أهل بالحج في غير أشهر الحج فانه يحل * وعن عطاء انه يحل ويجعلها غمرة وانه ليس حجا يقول الله تعالى: (الحج أشهر معلومات) * وعن سعيد بن منصور عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة عن ابراهيم انه قال: لا ينبغى لاحد ان يحرم بالحج الا في أشهر الحج فان فعل فلا يحل حتى يقضى حجه، وقال الاوزاعي. والشافعي: تصير عمرة ولا بد، وقال أبو حنيفة. ومالك: يكره ذلك ويلزمه ان أحرم به قبل أشهر الحج * قال أبو محمد: ما نعلم في هذا القول سلفا من الصحابة رضى الله عنهم وهو خلاف القرآن وخلاف القياس، واحتج الشافعي بانه كمن أحرم بصلاة فرض قبل وقتها انها تكون تطوعا * قال أبو محمد: وهذا تشبيه الخطأ بالخطأ بل هو لا شئ لانه لم يأت بالصلاة كما أمر، وقال الله تعالى: (وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) فصح أن عمل المحرم بالحج في غير أشهر الحج عمل ليس عليه أمر الله تعالى، ولاأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فصح أنه رد، ولا يصير عمرة ولا هو حج * والعجب من قول من يحتج من الحنيفيين (1) بانهم قد أجمعوا على انه يلزمه احرام مافاذ لا يجوز أن يكون عمرة فهو الحج، وان كان انما يناظر من يساعده على هذا الخطأ فهو لعمري لازم له وان كان قصد الايهام بأنه إجماع (تام) (2) فقد استسهل الكذب على الامة كلها نعوذ بالله من ذلك *
قال على: وقد ذكرنا آنفا عن الشعبى. وعطاء ان يحل، وعن الصحابة رضى الله عنهم المنع من ذلك (جملة) (3) ونقول للحنيفيين والمالكيين: أنت تكرهون الاحرام بالحج قبل أشهر الحج وتجيزونه فأخبرونا عنكم أهو عمل بر وفيه أجر زائد؟ فلم تكرهون البر وعملا فيه أجر؟ هذا عظيم جدا وما في الدين كراهية البر وعمل الخير، أم هو عمل ليس فيه اجر زائد ولا هو من البر؟ فكيف أجز تموه في الدين ومعاذ الله من هذا؟ * قال أبو محمد: إذا هو عمل زائد لا أجر زائد فيه فهو باطل بلا شك، وقد قال تعالى: (ليحق الحق ويبطل الباطل)، ويقال للشافعي: كيف تبطل عمله الذى دخل فيه
(1) في النسخة رقم (14) (من قول محتج الحنيفيين) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) الزيادة من النسخة رقم (14)
[ 67 ]
لانه خالف الحق ثم تلزمه بذلك العمل عمرة لم يردها قط ولاقصدها ولانواها؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (انما الاعمال عمرة بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى) وهذا بين لاخفاء به، فبطل كلا القولين والحمد لله رب العالمين * ولا يختلف المذكورون في أن من أحرم بصلاة قبل وقتها فانها تبطل (1)، ومن نوى صياما قبل وقته فهو باطل، ومن قدم الوقوف بعرفة قبل وقته فهو باطل، فهلا قاسوا الحج على ذلك؟ وهلا قاسوا بعض عمل الحج على بعض؟ فهذا أصح قياس لو كان القياس حقا (2)، وهذا (3) مما خالفوا فيه القرآن. وعمل النبي صلى الله عليه وسلم. وأصحابه لايعرف لهم منهم مخالف والقياس، والعجب ان الحنيفيين قالوا: في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: وسلم " في الغنم في سائمتها في كل أربعين شاة شاة ": حاشا الله ان يأتي رسول الله صلى الله عليه آله وسلم بكلام لا فائدة فيه (4) فهلا قالوا: ههنا في قول الله تعالى: (الحج أشهر معلومات). حاشا لله من أن يقول في القرآن قولا لا فائدة فيه (5)، هذا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الزكاة في الغنم جملة دون ذكر سائمة، ولم يأت قط في قرآن ولا سنة جواز فرض الحج في غير أشهره المعلومات * (فان قالوا): أنتم لا تقولون بدليل الخطاب فلم جعلتم قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات)
حجة في ان لا يتعدى باعمال الحج إلى غيرها؟ قلنا: انما نمنع من دعوا كم في دليل الخطاب إذا أردتم أن تبطلوا به سنة أخرى عامة وأما إذا ورد نص بحكم ولم يرد نص آخر بزيادة عليه فلا يحل لاحد أن يتعدى بذلك الحكم النص الذى ورد فيه * وأما العمرة فان الخلاف قد جاء في ذلك - روينا من طريق ابن أبى شيبة نا أبو معاوية عن الاعمش عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب سئل ابن مسعود عن العمرة في أشهر الحج؟ فقال: الحج أشهر معلومات ليس فيهن عمرة * وعن وكيع عن ابن أبى رواد (6) عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر: اجعلوا العمرة في غير اشهر الحج أتم لحجكم ولعمرتكم * وروينا من طريق الدراوردى عن الجعيد بن عبد الرحمن أن السائب بن يزيد استأذن عثمان بن عفان في العمرة في أشهر الحج فلم يأذن له * وروينا من طريق عائشة أم المؤمنين حلت العمرة الدهر الا ثلاثة أيام. يوم النحر، ويومين من أيام التشريق * ومن طريق قتادة عن معاذة عنها * وروينا أيضا عنها تمت العمرة السنة كلها الا أربعة أيام يوم عرفة. ويوم النحر. ويومين من أيام التشريق * وروى أيضا عنها إلا خمسة أيام يوم
(1) في النسخة رقم (14) (باطل) (2) في النسخة رقم (16) (صحيحا) (3) في النسخة رقم (16) (فهذا) (4) في النسخة رقم (14) (له) (5) في النسخة رقم (14) (له) (6) بفتح الراء وتشديد الواو، اسمه عبد العزيز، وفى النسخة رقم (16) (ابن ابى داود) وهو غلط *
[ 68 ]
عرفة، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق * وقال أبو حنيفة: العمرة كلها جائزة إلا خمسة أيام يوم عرفة ويوم النحر وثلاثة أيام التشريق * وقال مالك: العمرة جائزة في كل وقت من السنة الا للحاج خاصة في أيام النحر خاصة * وقال سفيان الثوري. والشافعي. وأبو سليمان كما قلنا * قال على: روينا من طريق مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب ان عمر ابن أبى سلمة استأذن عمر بن الخطاب في أن يعتمر في شوال فأذن له فاعتمر * ومن طريق
ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الاشج عن بسر بن سعيد قال: استأذنت أختى عبد الله بن عمر بعد ما قضت حجها أتعتمر في ذى الحجة؟ قال: نعم * وعن طاوس أن رجلا سأله فقال: تعجلت في يومين أفأعتمر؟ قال: نعم * قال أبو محمد: ليس قول بعضهم أولى من بعض، ولا بعض الروايات عن عائشة أولى من غيرها وقد حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكى نا ابن مفرج نا ابراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد بن على بن زيد الصائغ نا سعيد بن منصور نا سفيان - هو ابن عيينة - نا سمى - هو مولى أبى بكر - عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة والعمرة إلى العمرة تكفير لما بينهما) (1) قال أبو محمد: فحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على العمرة ولم يحد لها وقتا من وقت فهى مستحبة في كل وقت، وأما اختيار أبى حنيفة ففاسد جدا لانه لا حجة له على صحته دون سائر ماروى في ذلك وبالله تعالى التوفيق * 820 - مسألة - والحج لا يجوز الامرة في السنة، واما العمرة فنحب الاكثار منها لما ذكرنا من فضلها، فاما الحج فلا خلاف فيه، وأما العمرة فاننا روينا من طريق مجاهد قال على بن أبى طالب: في كل شهر عمرة * وعن القاسم بن محمد انه كره عمرتين في شهر واحد * وعن عائشة أم المؤمنين انها اعتمرت ثلاث مرات في عام واحد * وعن سعيد بن جبير. والحسن البصري. ومحمد بن سيرين. وابراهيم النخعي كراهة العمرة اكثر من مرة في السنة، وهو قول مالك، وروينا عن طاوس إذا مضت أيام التشريق فاعتمر متى شئت * وعن عكرمة اعتمر متى (2) أمكنك الموسى * وعن عطاء اجازة العمرة
(1) هو في البخاري بتقديم وتاخير واللفظ واحد إلا ان قوله (تكفير لما بينهما) ففى البخاري (كفارة لما بينهما، وكذلك رواه مسلم كلفظ البخاري ج 1 ص 382، والحج المبرور هو الذى لا يخالطه إثم، وقيل المتقبل، وقيل الذى لارياء فيه ولا سمعة ولارفث ولافسوق، وعلامته ان يزداد بعده خير أو لا يعاود المعاصي بعد رجوعه، يقال بر حجه وبر الله حجه برا - بالكسر - وايرارا، وقوله (ليس له جزاء إلا الحنة) أي لا يقتصر فيه على تكفير بعض الذنوب بل لابدان يبلغ به الجنة، ذكر ذلك المحب الطبري في كتابه القرى لقاصدام القرى والله اعلم (2) في النسخة رقم (16) (ما) والذى يظهر لى ان المعنى هنا اعتمر متى طال شعرك
وامكنك حلقه بالموسى - وهى آلة الحلق والله اعلم *
[ 69 ]
مرتين في الشهر * وعن ابن عمر أنه اعتمر مرتين في عام واحد مرة في رجب، ومرة في شوال * وعن أنس بن مالك أنه أقام مدة بمكة فكلما جم رأسه (1) خرج فاعتمر وهو قول الشافعي. وأبى حنيفة. وأبى سليمان وبه نأخذ لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعمر عائشة مرتين في الشهر الواحد (2) ولم يكره عليه السلام ذلك بل حض عليها واخبرانها تكفر ما بينها وبين العمرة الثانية فالاكثار منها أفضل، وبالله تعالى التوفيق * واحتج من كره ذلك بان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في عام الامرة واحدة قلنا: لا حجة في هذا لانه انما يكره ماحض على تركه وهو عليه السلام لم يحج مذ هاجر الا حجة واحدة ولا اعتمر مذ هاجر إلا ثلاث عمر فيلزمكم ان تكرهوا الحج إلا مرة في العمر وان تكرهوا العمرة الا ثلاث مرات في الدهر، وهذا خلاف قولهم، وقد صح انه كان عليه السلام يترك العمل وهو يحب ان يعمل به مخافة ان يشق على أمته أو أن يفرض عليهم * والعجب أنهم يستحبون ان يصوم المرء أكثر من نصف الدهر، وان يقوم أكثر من ثلث الليل، وقد صح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم قط شهرا كاملا ولا أكثر من نصف الدهر ولا قام بأكثر من ثلاث عشرة ركعة ولا أكثر من ثلث الليل فلم يروا فعله عليه السلام ههنا حجة في كراهة ما زاد على صحة نهيه عن الزيادة في الصوم ومقدار ما يقام من الليل على أكثر من ذلك، وجعلوا فعله عليه السلام في انه لم يعتمر في العام الامرة مع حضه على العمرة والاثار منها حجة في كراهة زيادة على عمرة من العام وهذا عجب جدا * 821 - مسألة - وأشهر الحج شوال. وذو القعدة. وذو الحجة. (3) وقال قوم: شوال. وذو القعدة. وعشر من ذى الحجة * روينا قولنا عن ابن عباس (4)، وصح عن ابن عمر من طريق محمد بن اسحاق عن نافع عنه وهو قول طاوس. وعطاء * وروينا القول الآخر عن ابن عباس أيضا، وعن ابن مسعود. وابراهيم النخعي، وروينا
عن الحسن شوال. وذو العقدة. وصدر ذى الحجة * قال أبو محمد: قال تعالى: (الحج أشهر معلومات) ولا يطلق على شهرين وبعض آخر اشهر، وأيضا فان رمى الجمار - وهو من اعمال الحج - يعمل اليوم الثالث عشر من ذى الحجة وطواف الافاضة - وهو من فرائض الحج - يعمل في ذى الحجة كله بلا خلاف منهم فصح أنها ثلاثة أشهر وبالله تعالى التوفيق * 822 - مسألة - وللحج. والعمرة مواضع تسمى المواقيت (5) واحدها ميقات
(1) أي طال شعر رأسه وتجمع (2) في النسخة رقم (14) (في شهر واحد) (3) وهذه تسمى مواقيت زمانية (4) انظر البخاري جزء 2 ص 277 (5) هذه تسمى المواقيت المكانية وهى اربعة، ذو الحليفة - بضم الحاء المهملة وفتح الام واسكان
[ 70 ]
لا يحل لاحد أن يحرم بالحج ولا بالعمرة قبلها * وهى لمن جاء من جميع البلاد على طريق المدينة أو كان من أهل المدينة، ذوالحليفة - وهو من المدينة على أربعة أميال - وهو من مكة على مائتي ميل - غير ميلين (1) * ولمن جاء من جميع البلاد. أو من الشام. أو من مصر على طريق مصر. أو على طريق الشام الجحفة، - وهى فيما (2) بين المغرب والشمال - من مكة ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلا * ولمن جاء من طريق العراق منها ومن جميع البلاد ذات عرق - وهو بين المشرق والشمال - من مكة، ومنها إلى مكة اثنان وأربعون ميلا * ولمن جاء على طريق نجد من جميع البلاد كلها قرن - وهو شرقي من مكة - ومنه إلى مكة اثنان وأربعون ميلا * ولمن جاء على طريق اليمن منها أو من جميع البلاد يلملم - وهو جنوب من مكة - ومنه إلى مكة ثلاثون ميلا، فكل من خطر على أحد هذه المواضع وهو يريد الحج. أو العمرة فلا يحل له ان يتجاوزه الا محرما فان لم يحرم منه. فلا احرام له. ولا حج له. ولا عمرة له الا أن يرجع إلى الميقات الذى مر عليه فينوي الاحرام منه فيصح حينئذا احرامه. وحجه. وعمرته، فان أجرم قبل شئ من هذه المواقيت وهو يمد عليها. فلا احرام له. ولا حج له. ولا عمرة له إلا أن ينوى إذا صار في الميقات تجديد احرام فذلك جائز، واحرامه حينئذ تام وحجه
تام. وعمرته تامة * ومن كان من أهل الشام. أو مصر فما خلفهما فأخذ على طريق المدينة - وهو يريد حجا. أو عمرة - فلا يحل له تأخير الاحرام من ذى الحليفة ليحرم من الجحفة فان فعل فلا حج له. ولا احرام له. ولاعمرة له الا أن يرجع إلى ذى الحليفة فيجدد منها إحراما فيصح حينئذ إحرامه. وحجه وعمرته * فمن مر على أحد هذه المواقيت وهو لا يريد حجا. ولاعمرة فليس عليه ان يحرم فان تجاوزه بقليل. أو بكثير ثم بدا له في الحج. أو في العمرة فليحرم من حيث بدا له في الحج. أو العمرة، وليس عليه ان يرجع إلى الميقات، ولايجوز له الرجوع إليه، وميقاته حينئذ الموضع الذى بدا له في الحج أو العمرة فلا يحل له أن يتجاوزه إلا محرما. فان فعل ذلك فلا احرام له. ولا حج له. ولاعمرة له الا أن يرجع
الياء المثناة من تحت - اسم مالبنى جشم * والجحفة - بضم الجيم واسكان الحاء المهملة - وهى قرية كبيرة كانت عامرة ذات منبر سميت بذلك لان السيول أجحفتها وحملت اهلها * وذات عرق - بكسر العين المهملة واسكان الراء بعدها قاف - * وقرن - بفتح القاف واسكان الراء - ويقال له قرن المازل - بفتح الميم - وقرن الثعالب، واصل القرن انه كان جبلا صغيرا انقطع من جبل كبير، وقال الجوهرى: هو بفتح الراء وغلطوه فيه وفى قوله ان اويسا القرنى منسوب إليه * ويلملم - بفتح الياء واللامين واسكان الميم بينهما، ويقال فيه: يألملم بهمزة بعد الياء هو جبل تهامة والله اعلم * وقد نظمها بعض الشعراء في بيتين فقال: * عرق العراق يلملم اليمن * وبذي الحليفة يحرم المدنى والشام جحفة ان مررت بها * ولاهل نجد قرن نجد قرن فاستين (1) وهو أبعد المواقيت من مكة (2) في النسخة رقم (14) (وهى ما) *
[ 71 ]
إلى ذلك الموضع فيجدد منه احراما، فمن كان منزله بين الميقات ومكة فميقاته من منزله كما ذكرنا سواء سواء، أو من الموضع الذى بدا له أن يحج منه أو يعتمر كما قدمنا * ومن كان من أهل مكة فأراد الحج فميقاته منازل مكة، وان أراد العمرة فليخرج إلى الحل فيحرم منه وأدنى ذلك التنعيم * ومن كان طريقه لا تمر بشئ من هذه المواقيت فليحرم من حيث شاء برا أو بحرا، فان أخرجه قدر بعد احرامه إلى شئ من هذه المواقيت
ففرض عليه ان يجدد منها نية (1) احرام ولا بد * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا عمرو ابن منصور نا هشام بن بهرام نا (2) المعافى - هو ابن عمران الموصلي - نا أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق عن عائشة أم المؤمنين (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت (3) لاهل المدينة ذا الحليفة، ولاهل الشام. ومصر الجحفة، ولاهل العراق ذات عرق، ولاهل اليمين يلملم * قال أبو محمد: هشام بن بهرام (4) ثقة، والمعافى ثقة كان سفيان يسميه الياقوتة الحمراء، وباقيهم أشهر من ذلك * نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبى شيبة نا يحيى بن آدم نا وهيب - هو ابن خالد - نا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لاهل المدينة ذا الحليفة ولاهل الشام الجحفة ولاهل نجد قرن المنازل ولاهل اليمين يلملم وقال: هن لهم (5) ولكل آت أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فيمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة (6)) * نا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا ابراهيم بن أحمد البلخى نا الفربرى نا البخاري نا مسدد نا حماد - هو ابن زيد - عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس (رضى الله عنهما) (7) قال: (وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لاهل المدينة ذا الحليفة. ولاهل
(1) في النسخة رقم (16) (ان يجدد منه) وما هنا اظهر (2) في النسائي ج 5 ص 123 (قال: حدثنا) (3) قال السيوطي في تعليقة على النسائي: حكى الاثرم عن احمد - يعنى ابن حنبل - انه سئل في أي سنة وقت النبي صلى الله عليه وسلم المواقيت؟ فقال: عام حجه * (4) بفتح الموحدة وكسرها (5) قال المحب الطبى في كتابه القرى لقاصدام القرى: هكذا جاء في بعض طرق الصحيحين، واكثر الزوايات فيهما (هن لهن) والاول اصح لانه ضمير أهل هذه المواضع المذكورة، وتخرج الروايات الاخر على المواضع نفسها أي هذه المواقيت لهذه الاقطار، والمراد أهلها، وأما جمعه مالا يعقل الهاء والنون في قوله
(هن لم) فمستعملة عند العرب واكثر ما يستعمله فيما دون العشرة فيما زاد بالهاء لاغير، ومنه قوله تعالى: (منها اربعة حرم فلا تظلموا فيهن انفسكم) وقيل في الجميع، والله اعلم (6) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 328 (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 2 ص 266 *
[ 72 ]
الشام الجحفة. ولاهل نجد قرن المنازل. ولاهل اليمين يلملم فهن لاهلهن ولم أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة فمن كان دونهن فمهله من أهله وكذاك (1) حتى أهل مكة يهلون منها) * قال أبو محمد: فهذه الاخبار أتم من كل خبر روى في ذلك وأصح وهى منتظمة كل ما ذكرنا فصلا فصلا * قال أبو محمد: وفى بعض ما ذكرنا خلاف * فمنه ان قوما ادعوا أن ميقات أهل العراق العقيق (2) واحتجوا بخبر لا يصح لان راويه يزيد (3) بن زياد - وهو ضعيف - عن محمد بن على بن عبد الله بن العباس عن ابن عباس * ومنه أن المالكيين قالوا: من مر على المدينة من أهل الشام خاصة فلهم أن يدعوا الاحرام إلى الجحفة لانه ميقاتهم وليس ذلك لغيرهم، ومنع من ذلك أبو حنيفة. والشافعي. وأبو سليمان وغيرهم وهو الحق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (هن لاهلهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة) فقد صار ذوالحليفة ميقاتا للشامي. والمصري إذا أتى عليه وكان ان تجاوزه غير محرم عاصيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وانما الميقات لمن مر عليه بنص كلامه عليه السلام لا لمن لم يمر عليه فقط * ولو أن مدنيا يمر على الجحفة يريد الحج وعرضت له مع ذلك حاجة إلى المدينة لم يجز له أن يؤخر الاحرام إلى ذى الحليفة * روينا من طريق سعيد بن منصور نا عبد العزيز - هو ابن محمد الدراوردى - أخبرني هشام بن عروة عن ابيه، وسعيد بن المسيب قالا جميعا: من مر من أهل الآفاق بالمدينة أهل من مهل النبي صلى الله عليه وسلم من ذى الحليفة * وروينا عن عطاء مثل قول مالك * وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن جريج أخبرني نافع عن ابن عمر قال:
أهل مصر، ومن مر من أهل الجزيرة على المدينة في الميقات من أهل الشام * قال أبو محمد: قول ابن عمر هذا يوجب عليهم تأخير الاحرام إلى الجحفه * ومنه من كانت طريقه على غير المواقيت فان قوما قالوا: إذا حاذى الميقات لزمه أن يحرم - وهو قول عطاء -، واحتجوا بما روينا من طريق ابن عمر قال: إن أهل العراق شكوا إلى عمر في حجهم أن قرن المنازل جور (4) عن طريقهم فقال لهم: انظروا حذوها من طريقكم فحد لهم ذات عرق *
(1) في النسخة رقم (14) (وكذلك) وما هنا موافق للبخاري (2) في النسخة رقم (14) (ذات عرق): (3) في النسخة رقم (16) (زيد) وهو غلط راجع ج 11 ص 329 من تهذيب التهذيب (4) أي مائل عن طريقهم ليس على جادته *
[ 73 ]
قال على: وهذا لا حجة لهم في لان الخبر المسند في توقيت النبي صلى الله عليه وسلم ذات عرق لاهل العراق وقد ذكرناه آنفا فانما حد لهم عمر ماحد لهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لو لم يصح في ذلك خبر لما كان في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة ويكفى من ذلك قوله عليه السلام الذى ذكرنا آنفا (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ) وقد صح عن ابن عمر أنه لم يسمع توقيت النبي صلى الله عليه وسلم يلملم، فرواية من سمع. وعلم أتم من رواية من سمع بعضا ولم يسمع بعضا * وبرهان آخر وهو أن جميع الامة مجمعون اجماعا متيقنا على أن من كان طريقه لا يمر بشئ من المواقيت فانه لا يلزمه الاحرام قبل محاذاة موضع الميقات ثم اختلفوا إذا حاذى موضع الميقات فقالت طائفة: يلزمه أن يحرم، وقال آخرون: لا يلزمه فلا يجوز أن يجب فرض بغير نص ولا اجماع * ومنه من تجاوز الميقات وهو يريد حجا أو عمرة فلم يحرم منه وأحره بعده فان أبا حنيفة قال: هو مسئ ويرجع إلى ميقاته فيلبى منه ولادم عليه ولا شئ فان رجع إلى الميقات ولم يلب منه فعليه دم شاة، وكذلك عليه دم ان لم يرجع إلى الميقات وحجه
وعمرته تامان (1) في كل ذلك * قال أبو محمد: ما نعلم أحدا قبله قسم هذا التقسيم (الطريف) (2) من اسقاطه الدم برجوعه إلى الميقات وتلبيته منه واثباته الدم ان لم يرجع أو ان رجع إلى الميقات ولم يلب (3) وهذا أمر لا يوجبه قرآن. ولاسنة صحيحة. ولا رواية سقيمة. ولاقول صاحب. ولا تابع. ولاقياس. ولانظر يعقل * وقال مالك. وسفيان. والاوزاعي والحسن بن حى. والليث. والشافعي. وأبو يوسف: ان رجع إلى الميقات فأحرم منه. فلا شئ عليه. لادم ولاغيره لبى أو لم يلب وان لم يرجع فعليه دم وحجه وعمرته صحيحان، وقال زفر: عليه دم شاة رجع إلى الميقات أو لم يرجع * قال أبو محمد: روينا من طريق ابن أبى شيبة قال: نا وكيع وابن علية قال وكيع: عن سفيان الثوري عن حبيب بن أبى ثابت، قال ابن علية: عن أيوب السختيانى عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد ثم اتفق حبيب. وجابر كلاهما عن ابن عباس انه كان يرد إلى الميقات الذين يدخلون مكة بغير احرام، قال جابر: رأيته يفعل ذلك * ومن
(1) في النسخة رقم (14) (وحجته وعمرته تامتان) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (14) (ان لم يطب) *
[ 74 ]
طريق عبد الرزاق عن ابن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس قال: إذا زل الرجل عن الوقت - وهو غير محرم - فانه يرجع إلى الميقات فان خشى ان يفوته الحج تقدم وأهراق دما، * وعن ليث عن عطاء عن ابن عباس إذا لم يهل من ميقاته اجزأه وأراق دما * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن اسماعيل عن وبرة ان رجلا دخل مكة - وعليه ثياب وقد حضر الحج وخاف ان رجع فوته - فأمره ابن الزبير ان يهل من مكانه فإذا قضى الحج خرج إلى الوقت فأهل بعمرة * وروينا من طريق سعيد بن منصور نا ابن عيينة عن أبان بن تغلب (1) عن عبد الرحمن بن الاسود عن أبيه أو عمه ان ابن مسعود
رآهم بذات الشقوق فقال: ما هؤلاء؟ أتجار؟ قالوا: لا قال: فما يحبسهم عما خرجوا له؟ فمالوا إلى ادنى ماء فاغتسلوا وأحرموا * قال أبو محمد: ما نعلم عن الصحابة في هذا إلا ما اوردنا، وروى عن يحيى بن سعيد الانصاري انه كان لا يرى بأسا بتجاوز الميقات لمن أراد الحج والعمرة * وعن الزهري نحو هذا لمن توقع شيئا * وعن وكيع عن سفيان عن حبيب عن ابراهيم النخعي فيمن دخل مكة لاحاجا ولا معتمرا وخشى فوات الحج ان خرج إلى الميقات قال: يهل من مكانه قال حبيب: ولم يذكر دما * وعن الحسن. وسعيد بن جبير أنه يرجع إلى الميقات * وعن عطاء قال: مرة عليه دم ومرة قال: لا شئ عليه، روينا ذلك من طريق سعيد ابن منصور نا سفيان - هو ابن عيينة - عن ابن أبى نجيح عن عطاء قال: ليس على من تجاوز الميقات غير محرم شئ، قال سفيان: لا يعجبنا * ومن طريق سعيد بن منصور نا عتاب ابن بشير انا خصيف عن سعيد بن جبير قال: من جاوز الوقت الذى وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحرم منه (2) فلن يغنى عنه ان أحرم شيئا حتى يرجع إلى الوقت الذى وقت النبي صلى الله عليه وسلم فيحرم منه الا انسان أهله من وراء (3) الوقت فيحرم من أهله * قال أبو محمد: فأصح الروايات عن ابن عباس، وهذه الرواية عن سعيد بن جبير موافقة لقولنا، واضعف الروايات عن ابن عباس موافقة لقول الحاضرين من مخالفينا وليس بعض أقوالهم رضى الله عنهم بأولى من بعض، والواجب عند التنازع ما أوجبه الله تعالى إذا يقول (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)، ففعلنا ولله الحمد. فوجدنا الله تعالى قد وقت على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم مواقيت وحد حدودا فلا يحل تعديها ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، وقال رسول الله
(1) هو بفتح المثناة وسكون الغين المعجمة كسر الام، وفى النسخة رقم (16) (تعلب) بعين مهملة وهو غلط (2) في النسخة رقم (14) (فليس) (3) في النسخة رقم (14) (من ورا الميقات) *
[ 75 ]
صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وقال عليه السلام: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فلم يجز أن يصحح عملا عمل على خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أن يشرع وجوب دم لم يوجبه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم (وما كان ربك نسيا) فيبيح من ماله المحرم ما لم يأت قرآن ولاسنة باباحته، وما نعلم لمن أوجب الدم واجاز الاحرام حجة أصلا (فان قالوا): ان أشياء جاء النص فيها بوجوب دم قلنا: نعم فلا يجوز تعديها وليس منكم أحد الا وقد أوجب الدم حيث لم يوجبه صاحبه، وهذا تحكم لا يجوز القول به، وبالله تعالى التوفيق * ومنه من أحرم قبل الوقت فان قوما استحبوه وقوما كرهوه وألزموه إذا وقع * روينا من طريق عبد الرحمن بن أذينة بن مسلمة العبدى عن أبيه قال: قلت لعمر بن الخطاب: انى ركبت السفن. والخيل. والابل فيمن أين أحرم؟ فقال: أئت عليها فاسأله؟ فسأل عليها؟ فقال له: من حيث ابدأت ان تنشئها من بلادك فرجع إلى عمر فاخبره فقال له عمر: هو كما (1) قال لك على * ومن طريق شعبة عن عمرو بن مرة (2) عن عبد الله بن سلمة ان رجلا سأل على بن أبى طالب عن قول الله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) فقال: أن تحرم من دويرة أهلك * وبه إلى عبد الله بن سلمة عن عائشة مثله * ومن طريق عبد الرحمن ابن مهدى عن هشيم عن أبى بشر عن سلام بن عمرو عن عثمان بن عفان العمرة تامة من أهلك * ومن طريق الحمانى عن هشيم عن بعض أصحابه عن ابراهيم عن ابن مسعود من تمام الحج ان يحرم من دويرة أهله * ومن طريق ابن أبى شيبة عن وكيع عن عيينة ابن عبد الرحمن عن أبيه انه رأى عثمان بن أبى العاص أحرم من المنجشانية بقرب البصرة * وعن الحسن أن عمران بن الحصين أحرم من البصرة * وصح عن ابن عمر انه أحرم من بيت المقدس * وعن رجل لم يسم أن أبا مسعود أحرم من السيلحين (3) * وعن رجل ان ابن عباس أحرم من الشام في برد شديد * ومن طريق سعيد بن منصور نا حمادين زيد عن هشام بن حسان عن حفصة بنت سيرين عن محمد بن سيرين أنه خرج مع أنس إلى
مكة فأحرم من العقيق * وعن معاذ انه أحرم من الشام * ورويناه من طريق الحذافى عن عبد الرزاق نا ابن جريج انا يوسف بن ماهك أنه سمع عبد الله بن أبى عمار أنه كان مع معاذ بن جبل، وكعب الخير فاحرما من بيت المقدس بعمرة وأحرم معهما * وبه إلى عبد الرزاق نا معمر عن الزهري عن سالم أن ابن عمر أحرم بعمرة من بيت
(1) في النسخة رقم (16) (هوما) (2) في النسخة رقم (16) (عن عبد الله بن مرة) وهو غلط راجع ج 8 ص 102 تهذيب التهذيب (3) اسم مكان بين الكوفة والقادسية *
[ 76 ]
المقدس * وعن ابراهيم كانوا يستحبون أول ما يحج الرجل أو يعتمر أن يحرم من أرضه التى يخرج منها * وعن سعيد بن جبير أنه أحرم من الكوفة * وعن مسلم بن يسار أنه أحرم من ضرية (1) * عن الاسود وأصحاب ابن مسعود انهم أحرموا من الكوفة * وعن طاوس. وعطاء نحو هذا * واحتج من رأى هذا بما روينا من طريق ابى داود نا أحمد بن صالح نا ابن أبى فديك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس (2) عن يحيى بن أبى سفيان الاخنسى (3) عن جدته حكيمة عن أم سلمة أم المؤمنين (4) انها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم (يقول: من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الاقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة) شك عبد الله أيهما قال؟ * ومن طريق أبى بكر بن أبى شيبة نا عبد الاعلى ابن عبد الاعلى عن ابن اسحاق عن سليمان بن سحيم عن أم حكيم بنت أمية عن أم سلمة (أن رسول (5) الله صلى الله عليه وسلم قال: من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له) * قال على: اما هذان الاثران فلا يشتغل بهما من له أدنى علم بالحديث لان يحيى بن أبى سفيان الاخنسى، وجدته حكيمة، وأم حكيم بنت أمية لا يدرى من هم من الناس؟ ولا يجوز مخالفة ماصح بيقين بمثل هذه المجهولات التى لم تصح قط، واحتج بعضهم (6) بأن عليا وأبا موسى أحرما من اليمن فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليهما قال: وكذلك كعب بن عجزة *
قال أبو محمد: ولا ندرى أين وجد هذا عن كعب بن عجزة؟ وأما على. وأبو موسى فانهما قدما من اليمن مهلين باهلال كاهلال النبي صلى الله عليه وسلم فعلمهما عليه السلام كيف يعملان؟ وليس في هذا الخبر البتة ذكر للمكان الذى أحرما منه. ولا فيه دليل ولا نص بان ذلك كان بعد توقيته عليه السلام المواقيت فإذ ليس ذلك فيه فلا حجة لهم به أصلا، ولا نخالفهم في أن قبل توقيته عليه السلام المواقيت كان الاحرام جائزا من كل مكان * وأما من قدمنا ذكره من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم (7) فأما خبر ابن أذينة فاننا رويناه من طريق وكيع قال: نا شعبة عن الحكم - هو ابن عتيبة - عن يحيى بن الجزار عن ابن أذينة قال: أتيت عمر بن الخطاب بمكة فقلت له: إنى ركبت الابل والخيل
(1) بفتح اوله وكسر ثانيه وياء مشددة اسم مكان في طريق مكة من البصرة من نجد، وقيل: غير ذلك راجع معجم البلدان لياقوت الحموى (2) بضم الياء وفتح الحاء المهملة ونون ثقيلة مكسورة، وذكر تهذيب التهذيب جزء 5 ص 297. وقال في تلخيص الحبير: قال البخاري في تاريخه لا يثبت ذكره في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن يخس، وقال حديثه في الاحرام من بيت المقدس لا يثبت، والذى وقع في رواية ابى داود وغيره عبد الله بن عبد الرحمن لا محمد بن عبد الرحمن وكان الذى في رواية البخاري اصح اه (3) هو بخاء معجمة ونون انظر تهذيب التهذيب ج 11 ص 224 (4) في سنن ابى داود ج 2 ص 77 (عن ام سلمة زوج النبي) (5) في النسخة رقم (14) (ان النبي عليه السلام) (6) في النسخة رقم (16) (واحتج الخصم) (7) في الكلام حذف ظاهر مغتفر *
[ 77 ]
حتى أتيتك فمن اين أعتمر؟ قال: ائت على بن أبى طالب فسله فأتيته فسألته فقال لى على: من حيث ابدأت - يعنى من ميقات أرضه - قال: فأتيت عمر فذكرت له ذلك، فقال: ما أجد لك الا ما قال ابن أبى طالب (قال أبو محمد): هكذا في الحديث نفسه يعنى من ميقات أرضه، فعاد حجة لنا عليهم لو صح من أصله * وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان حدثنى ابن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن البصري قال: أحرم عمران بن الحصين من البصرة فعاب ذلك عليه عمر بن الخطاب وقال: أردت أن يقول الناس: أحرم رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مصر من الامصار *
قال على: عمر لا يعيب مستحبا فيه أجر وقربة إلى الله تعالى نعم ولا مباحا وانما يعيب مالا يجوز عنده، هذا ممالا يجوز أن يظن به غير هذا أصلا (1) * ورويناه من طريق سعيد بن منصور نا يزيد بن هارون عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن ان عمران بن الحصين أحرم من البصرة فبلغ ذلك عمر فغضب وقال: يتسامع الناس أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من مصره * قال أبو محمد: عمر لا يمكن البتة أن يغضب من عمل مباح عنده * وروينا من طريق عبد الرزاق نا معمر عن أيوب السختيانى عن محمد بن سيرين قال: احرم عبد الله ابن عامر من حيرب (2) فقدم على عثمان بن عفان فلامه فقال له: غررت وهان عليك نسكك * قال أبو محمد: وعثمان لا يعيب عملا صالحا عنده ولا مباحا وانما يعيب مالا يجوز عنده لا سيما وقد بين أنه هو ان بالنسك، والهوان بالنسك لا يحل، وقد أمر تعالى بتعظيم شعائر الحج * وروينا من طريق وكيع نا عمارة بن زاذان قال: قلت لابن عمر: الرجل يحرم من سمرقند، أو من الوقت الذى وقت له، أو من البصرة، أو من الكوفة فقال ابن عمر: قد شقينا إذا * قال أبو محمد: لا يحتمل قول ابن عمر الا أنه لو كان الاحرام من غير الوقت مباحا لشقي المحرمون من الوقت * وروينا من طريق وكيع نا شعبة عن مسلم القرى قال: سألت ابن عباس بمكة من أين أعتمر؟ قال: من وجهك الذى حئت منه يعنى ميقات أرضه * قال أبو محمد: هكذا في الحديث نصا يعنى ميقات أرضه * قال على: فبطل تعلقهم بعمر. وعثمان. وعلى. وابن عباس. وابن عمر، وأما سائر الروايات التى ذكرنا عن
(1) واجاب عن ذلك بعضهم فقال: ويشبه ان يكون عمر رضى الله عنه انما انكر ذلك شفقة ان يعرض للمحرم إذا بعدت المسافة آفقة تفسد احرامه ورأى ان في قصر المسافة السلامة من ذلك: (2) في النسخة رقم (14) (من جيرب) بالجيم، ولم اجدهما في المعجم *
[ 78 ]
الصحابة والتابعين فليس في شئ منها انهم مروا على الميقات، وإذا ليس هذا فيها (1)
فكذلك نقول: ان من لم يمر على الميقات فليحرم من حيث شاء، وبهذا تنفق الاخبار عنهم مع ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يترك ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عائشة. وابن عباس. وابن عمر رضى الله عنهم لظنون كاذبة لا دليل على صحة تأويلهم فيها، وهي خارجة أحسن خروج على موافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التى لا يحل أن يظن بهم غيرها * قال أبو محمد: وما أتى إلى ماروى عن ابن مسعود من قوله: ان القبلة تفطر الصائم فقال: لعله اراد إذا كان معها منى، والى خبر عائشة رضى الله عنها انها كانت لا تدخل عليها من أرضعه نساء اخواتها فقال: لا ندرى لما ذا ولعله لامر ما وليس لانها كانت لا ترى ذلك الرضاع محرما، فليس له أن ينكر علينا حمل ما روى عنهم على حقيقته وظاهره بل الملامة كلها على ما أقحم في هذه الآثار ما ليس فيها من انهم جازوا على المواقيت بل قد كذب من قال: هذا بلا شك، وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: أما أبو حنيفة. وسفيان. والحسن بن حى فاستحبوا تعجيل الاحرام قبل الميقات، وأما مالك فكرهه وألزمه إذا وقع، وأما الشافعي فكرهه، وأما أبو سليمان فلم يجزه وهو قول أصحابنا، فأما أبو حنيفة فانه ترك القياس إذا أجاز الاحرام قبل الميقات ولم يجز صلاة من صلى وبينه وبين الامام نهر ولا فرق بين الاحرام بالحج في غير موضع الاحرام وبين الاحرام بالصلاة في غير موضع الصلاة، وأما المالكيون فان حملوا هذه الآثار على ما حملوها عليه الحنيفيون فقد أعظموا القول على أصولهم إذكر هو ما استحبه الصابة، وان حملوها على ما حملناها نحن عليه فكيف يجيزون خلاف ما حده رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهذا ما لا مخلص منه، وبالله تعالى التوفيق * 823 - مسألة - فإذا جاء من يريد الحج أو العمرة إلى أحد هذه المواقيت فان كان يريد العمرة فليتجرد من ثيابه ان كان رجلا، فلا (2) يلبس القميص. ولا سراويل. ولا عمامة. ولا قلنسوة. ولا جبة. ولا برنسا. ولا خفين. ولا قفازين البتة لكن يلتحف فيما شاء من كساء. أو ملحفة. أو رداء، ويتزر ويكشف رأسه ويلبس نعليه، ولا يحل
له أن يتزر ولا أن يلتحف في ثوب صبغ كله أو بعضه بورس. أو زعفران. أو عصفر، فان كان امرأة فلتلبس ما شاءت من كل ما ذكرنا أنه لا يلبسه الرجل وتغطى رأسها الا أنها لاتنتقب أصلا لكن اما ان تكشف وجهها وإما ان تسدل عليه ثوبا من فوق رأسها فذلك لها ان شاءت، ولا يحل لها أن تلبس شيئا صبغ كله أو بعضه بورس أو زعفران،
(1) في النسخة رقم (16) (واذ ليس في؟؟) الخ وما هنا أتم وأوضح (2) في النسخة رقم (14) (ولا) *
[ 79 ]
ولا أن تلبس قفازين في يديها ولها أن تلبس الخفاف والمعصفر، فان لم يجد الرجل ازارا فليلبس السراويل كما هي وان لم يجد نعلين فليقطع خفيه تحت الكعبين ولا بد ويلبسهما كذلك (1) * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر (قال) ((2) سأل رجل رسول (3) الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا احد - ولا يجد النعلين - فليلس خفين (4) وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس) * وبه إلى مسلم نا محمد بن رافع نا وهب بن جرير بن حازم نا أبى (قال) (5): سمعت قيسا - هو ابن سعد - يحدث عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه (أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم (وهو) (6) بالجعرانة قد أهل بالعمرة وهو مصفر رأسه ولحيته وعليه جبة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (7) انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة وما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك) * قال أبو محمد: كل ماجب فيه موضع لاخراج الرأس منه فهو جبة في لغة العرب، وكل ما خيط أو نسج في طرفيه ليمتسك على الرأس فهو برنس كالغفارة (8) ونحوها *
نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن اسحاق بن السليم نا ابن الاعرابي نا أبو داود نا أحمد ابن محمد بن حنبل نا يعقوب - هو ابن ابراهيم بن سعد - نا أبى عن محمد بن اسحاق قال: إن نافعا مولى (عبد الله) (9) بن عمر حدثنى عن (عبد الله) بن عمر (أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن على القفازين. والنقاب. (10) وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من الوان الثياب - من معصفر أو خز أو حلى أو سراويل أو قميص أو خف -) *
(1) في النسخة رقم (14) (حينئذ) (2) الزيادة في النسخة رقم (14) (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 326 (ان رجلا سأل رسول الله) (4) في صحيح مسلم (الخفين) (5) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 328 (6) الزيادة من صحيح مسلم (7) في صحيح مسلم زيادة هنا ونصها (فقال: يارسول الله انى احرمت بعمرة وانا كما ترى فقال: انزع) الخ * (8) قال الجوهرى في صحاحه: (الغفارة الرقعة التى تكون على الحز الذى يجرى عليه الوتر) اه (9) الزيادة من ابى داود ج 2 ص 103 في الموضعين (10) القفازين تثنية القفار بوزن رمان قال في القاموس: شئ يعمل لليدين يحشى بقطن تلبسهما المرأة للبرد أو ضرب من الحلى لليدين والرجلين اه والنقاب الخمار الذى يشد على الانف أو تحت المحاجر والله اعلم *
[ 80 ]
قال على: وحدثناه عبد الله بن ربيع قال: نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب نا نوح ابن حبيب القومسى نا يحيى بن سعيد - هو القطان - نا ابن جريج نا عطاء عن صفوان ابن يعلى ابن أمية عن أبيه (أن رجلا اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أحرم في جبة متضمخ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما الجبة فاخلعها وأما الطيب فاغسله ثم أحدث احراما) (1) * قال أبو محمد: نوح ثقة مشهور فالاخذ بهذه الزيادة واجب، ويجب احداث الاحرام لمن أحرم في جبة متضمخا بصفرة معا وان كان جاهلا لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك الامن جمعهما، وقد ذكرنا في كتاب الصلاة نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال عن المعصفر جملة * قال أبو محمد: وفى بعض ما ذكرنا خلاف، وهو الثوب المصبوغ بالورس أو الزعفران إذا غسل حتى لا يبقى منه أثر فقال قوم: لباسه جائز *
قال على: قد روى بعض الناس في هذا أثرا فان صح وجب الوقوف عنده ولا نعلمه صحيحا وإلا فلا يجوز لباسه أصلا لانه قد مسه الورس. أو الزعفران * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا عبد الصمد بن عبد الوارث التنورى عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة أن عبد الله بن عروة سأل عروة بن الزبير عن الثوب المصبوغ إذا غسل حتى ذهب لونه يعنى بالزعفران للمحرم فنهاه عنه * ومن طريق ابن أبى شيبة نا هشيم عن أبى بشر قال: كنت عند سعيد بن المسيب فقال له رجل: إنى أريد أن احرم ومعى ثوب مصبوغ بالزعفران فغسلته حتى ذهب لونه فقال له سعيد: أمعك ثوب غيره؟ قال: لا قال: فاحرم فيه * وروينا من طريق ابراهيم عن عائشة أم المؤمنين اباحة الاحرام فيه إذا غسل * ولا يصح سماع ابراهيم من عائشة * وروينا عن سعيد بن جبير وابراهيم. وعطاء. والحسن. وطاوس اباحة الاحرام فيه إذا غسل، وفى اسانيدهم مغمز * ومنه من وجد خفين ولم يجد نعلين فقد قال قوم: يلبسهما كما هما ولا يقطعهما، وقال قوم: يشق السراويل فيتزر بها * واحتج من أجاز له (3) لباس السراويل والخفين بما حدثنا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد نا على ابن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا شعبة بن الحجاج أخبرني (4) عمرو بن دينار
(1) الحديث اختصره المصنف انظر ج 5 ص 130 من سنن النسائي، وقال النسائي بعد ما ذكر الحديث (ثم احدث إحراما) ما اعلم احدا قاله غير نوح بن حبيب فلم يذكروها ولم يقبلها اهل العلم بالحديث من نوح (2) في النسخة رقم (14) (وقال بعضهم) (3) لفظ (له) زيادة من النسخة رقم (16) (4) (ارنى) *
[ 81 ]
سمعت جابر بن زيد قال: سمعت ابن عباس قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات فقال: من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد ازار افليلبس سراويل)، وقال بعضهم: قطع الخفين إفساد للمال وقد نهى عنه *
قال أبو محمد: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل خلافه. فليلبس السراويل كما هي ولا شئ في ذلك، وأما الخفان فحديث ابن عمر فيه زيادة القطع حتى يكونا أسفل من الكعبين على حديث ابن عباس فلا يحل خلافه، ولا ترك الزيادة * وروينا عن على بن أبى طالب (إذا لم يجد النعلين لبس الخفين وان لم يجد ازار فليلبس السراويل) وصح أيضا عن ابن عباس من قوله * وروينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا عبيدالله بن عمر نا نافع عن ابن عمر قال: إذا لم يجد المحرم النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين * ومن طريق هشام بن عروة أن أباه قال: إذا لم يجد المحرم النعلين لبس الخفين أسفل من الكعبين * وعن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي أنه قال في المحرم لا يجد نعلين: قال: يلبس الخفين ويقطعهما حتى يكونا مثل النعلين، وهو قول ابراهيم النخعي. وسفيان. وقول الشافعي. وأبى سليمان وبه نأخذ * وروينا عن عائشة أم المؤمنين. والمسور بن مخرمة اباحة لباس الخفين بلا ضرورة للمحرم من الرجال * وقال أبو حنيفة: ان لم يجد ازار البس سراويل فان لبسها يوما إلى الليل فعليه دم ولابد، وان لبسه أقل من ذلك فعليه صدقة، وان لبس خفين لعدم النعلين يوما إلى الليل فعليه دم. وان لبسهما أقل فصدقة * وقال مالك: من لم يجد ازارا لبس سراويل وافتدى وان لم يجد نعلين قطع الخفين أسفل من الكعبين ولبسهما ولا شئ عليه * وقال محمد بن الحسن: يشق السراويل ويتزر بها ولا شئ عليه * قال أبو محمد: أما تقسيم أبى حنيفة بين لباس السراويل والخفين يوما إلى الليل، وبين لباسهما أقل من ذلك فقول لا يحفظ عن أحد قبله، وليت شعرى ماذا يقولون: ان لبسهما يوما غير طرفة عين أو غير نصف ساعة وهكذا نزيد هم دقيقة دقيقة حتى يلوح (1) هذيانهم، وقولهم بالاضاليل في الدين، وكذلك ايجابه الدم في ذلك أو الصدقة لا نعلمه عن أحد قبله (فان قالوا) قسنا ذلك على الفدية الواجبة في حلق الرأس قلنا: القياس كله باطل، ثم لو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الباطل لان فدية الاذى جاءت
بتخيير بين صيام. أو صدقة. أو نسك، وأنتم تجعلون ههنا الدم ولا بد أو صدقة غير محدودة
(1) في النسخة رقم (16) (حتى يليح) وهو صحيح من ألاح رباعى *
[ 82 ]
ولا بد: ولا سيما وأنتم تقولون: ان الكفارات لا يجوز أخذها بالقياس، فكم هذا التلاعب بالدين؟ * وأما قول مالك فتقسيمه بين حكم السراويل وبين حكم لبس الخفين خطأ لا برهان على صحته، ومالك معذور لانه لم يبلغه حديث ابن عباس وانما الملامة على من بلغه وخالفه لتقليد راى مالك * وأما قول محمد بن الحسن فخطأ لانه استدرك بعقله على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يأمر به عليه السلام وأوجب فدية حديث لم يوجبها النبي عليه السلام * قال أبو محمد: وهم يعظمون خلاف الصاحب الذى لا يعرف له مخالف وقد ذكرنا في هذه المسألة ما روى عن ابن عباس. وابن عمر. وعائشة. وعلى. والمسور، ولا نعلم لاحد من الصحابة رضى الله عنهم قولا غير الاقوال التى ذكرنا في هذه المسألة فخالفها الحنيفيون. والمالكيون كلها إلى آراء فاسدة لا دليل على صحتها أصلا، وبالله تعالى التوفيق * وروينا عن عائشة أم المؤمنين نهى المرأة عن القفازين * وعن على. وابن عمر أيضا وهو قول ابراهيم. والحسن. وعطاء وغيرهم * وروينا عن عائشة أم المؤمنين. وعن ابن عباس اباحة القفازين للمرأة، وهو قول الحكم. وحماد. وعطاء. ومكحول. وعلقمة. وغيرهم، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى ذكرنا هو الحاكم على ما سواه * وأما المعصفر فقد روينا عن عمر بن الخطاب المنع منه جملة وللمحرم خاصة أيضا عن عائشة أم المؤمنين وهو قول الحسن. وعطاء * وروينا عن جابر بن عبد الله. وابن عمر. ونافع بن جبير اباحته للمحرم ولم يبحه أبو حنيفة. ومالك للمحرم، وأباحه الشافعي * وروينا عن ابن عمر. وابن عباس. وعلى. وعقيل ابني ابى طالب. والقاسم بن محمد وغيرهم اباحة المورد للرجل المحرم وهو مباح
إذا لم يكن بزعفران أو ورس أو عصفر لانه لم يأت عنه نهى في قرآن ولا سنة * 824 - مسألة - ونستحب الغسل عند الاحرام للرجال والنساء وليس فرضا الاعلى النفساء وحدها لما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا محمد بن سلمة عن ابن القاسم حدثنى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن أسماء بنت عميس أنها ولدت محمد بن أبى بكر (الصديق) (1) بالبيداء فذكر أبو بكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (مرها فلتغتسل ثم تهل) * 825 - مسألة - ونستحب للمرأة والرجل أن يتطيبا عند الاحرام بأطيب
(1) الزيادة من النسائي ج 5 ص 127، وقوله بعد (بالبيداء) هو اسم موضع بقرب المدينة *
[ 83 ]
ما يجد انه (1) من الغالية (2) والبخور بالعنبر وغيره، ثم لا يزيلانه عن أنفسهما ما بقى عليهما * وكره الطيب للمحرم قوم * روينا من طريق الزهري عن سالم بن عبد الله عن ابيه قال: وجد عمر بن الخطاب ريح طيب بالشجرة فقال: ممن هذه؟ فقال معاوية: منى طيبتنى أم حبيبة فتغيظ عليه عمر، وقال: منك لعمري أقسمت عليك لترجعن إلى أم حبيبة فلتغسله عنك كما طيبتك، وأنه قال: انما الحاج الاشعث الادفر الاشعر (3) * ومن طريق شعبة عن سعد بن ابراهيم ابن عبد الرحمن عن أبيه ان عثمان رأى رجلا قد تطيب عند الاحرام فأمره ان يغسل رأسه بطين * ومن طريق سفيان الثوري عن ابراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه، قال: سمعت ابن عمر يقول: لان أصبح مطليا بقطران أحب إلى من أن أصبح محرما أنضح طيبا (4) وهو قول عطاء. والزهرى. وسعيد بن جبير. ومحمد بن سيرين. ومالك. ومحمد بن الحسن إلا ان مالكا قال: ان تطيب قبل احرامه وقبل افاضته فلا شئ عليه * وأباحه جمهور الناس كما روينا آنفا عن أم حبيبة أم المؤمنين. ومعاوية * ورويناه أيضا عن كثير بن الصلت * ومن طريق وكيع عن محمد بن قيس عن بشير بن يسار الانصاري ان عمر وجد ريح طيب
فقال: ممن هذه الريح؟ فقال البراء بن عازب: منى يا أمير المؤمنين قال: قد علمنا أن امرأتك عطرة انما الحاج الادفر الاغبر * وبه إلى محمد بن قيس عن الشعبى انه قال: كان عبد الله ابن جعفر يتطيب بالمسك عند احرامه * ومن طريق ابن أبى شيبة عن مروان بن معاوية الفزارى عن صالح بن حيان (5) قال: رأيت أنس بن مالك أصاب ثوبه من خلوق الكعبة وهو محرم فلم يغسله * ومن طريق سفيان عن أيوب السختيانى عن عائشة بنت سعد ابن أبى وقاص قالت: طيبت أبى بالسك والذريرة (6) لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يزور أو يطوف * ومن طريق معمر عن أيوب عنها وغيره انها سئلت؟ ما كان ذلك الطيب؟ قال: البان الجيد والذريرة الممسكة * ومن طريق ابن أبى شيبة عن حماد ابن أسامة (7) عن عمر بن سويد الثقفى عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: كنا نضمخ جباهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم ثم نحرم ونحن مع رسول الله
(1) في النسخة رقم (16) (ما يجدونه) (2) هي نوع من الطيب مركب من مسك وعنبر وعود ودهن.. والتغلف بها التلطخ اه نهاية (3) الاشعث مغبر الرأس، والادفر المنتن، والاشعر الذى لم يحلق شعره، لان الحاج ذاهب إلى عرفة لاظهار ذله وتواضعه ومسكنته إلى خالقه ليعطف عليه ويؤدى ما أمره مولاه به وأوجه عليه فليس محل اظهار الترفه، والله اعلم. قال المحب الطبري: حرجه احمد سعيد (4) هو في مسلم ج 1 ص 332 مطولا، والنسائي ج 5 ص 141 اطول من هذا وقوله (اتضح طيبا) أي افوح (5) في النسخة رقم (16) (حبان) بالباء الموحدة وهو غلط (6) السك بضم السين المهملة طيب معروف يضاف إلى غير من الطيب ويستعمل: والذريرة باذال المعجمة نوع من الطيب مجموع من اخلاط (7) في النسخة رقم (14) (عن حماد بن سلمة) والصحيح ما هنا:
[ 84 ]
صلى الله عليه وسلم فنعرق فيسيل على وجوهنا فلا ينهانا عنه النبي صلى الله عليه وسلم * ومن طريق حماد بن سلمة قال حدثتني ذرة (1) انها كانت تغلف رأس عائشة أم المؤمنين بالمسك والعنبر عند الاحرام * ومن طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أمه وهى بنت عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق رايت عائشة تنكث (2) في مفارقها الطيب ثم تحرم * وعن أبى سعيد الخدرى انه كان يدهن بالبان عند الاحرام * ومن طريق وكيع عن سفيان عن عمار الدهنى عن مسلم
البطين أن الحسين بن على امر لاصحابه بالطيب عند الاحرام * ومن طريق شعبة عن الاشعث ابن سليم عن مرة بن خالد الشيباني قال: سألنا أبا ذر بالربذة باى شئ يدهن المحرم؟ قال: بادهن * وعن أبى معاوية عن الاعمش عن أبى الضحى قال: رأيت عبد الله بن الزبير وفى رأسه ولحيته وهو محرم ما لو كان لرجل لا تخذ منه رأس مال * وعن وكيع عن هشام بن عورة عن أبيه عن ابن الزبير أنه كان يتطيب بالغالية الجيدة عند احرامه * ومن طريق وكيع عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال، سألت ابن عباس عن الطيب للمحرم؟ فقال: انى لاسغسغه (3) في رأسي قبل أن احرم ثم أحب بقاءه * وعن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسا بالطيب عند الاحرام ويوم النحر قبل ان يزور * فهؤلاء جمهور الصحابة رضى الله عنهم سعد بن أبى وقاص، وأما (4) المؤمنين. عائشة وأم حبيبة. وعبد الله بن جعفر. والحسين بن على. وأبو ذر. وأبو سعيد. والبراء ابن عازب. وأنس. ومعاوية. وكثير بن الصلت. وابن الزبير. وابن عباس * وعن ابن الحنيفة أنه كان يغلف رأسه بالغالية الجيدة قبل أن يحرم، وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يدهن بالسليخة - عند الاحرام - * وعن عثمان بن عروة بن الزبير ان أباه كان يحمر ثيابه. ويحرم فيمها، قال: وكان يرى لحانا تقطر من الغالية ونحن محرمون فلا ينكر ذلك علينا * وعن الاسود بن يزيد أنه كان يحرم ووبيص (5) الطيب يرى في رأسه ولحيته * وعن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة قال: كان أبى يقول لنا: تطيبوا قبل أن تحرموا وقبل أن تفيضوا يوم النحر * ومن طريق أحمد بن شعيب انا أيوب بن محمد الوزان (6) انا عمرو بن أيوب نا أفلح بن حميد عن أبى بكر - هو ابن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام - أن سليمان بن عبد الملك عام حج جمع أناسا من أهل العلم فيهم عمر بن عبد العزيز.
(1) بالذال المعجمة صحابية رضى الله عنها (2) أي تضع الطيب في اصول الشعر وفى النسخة رقم (16) (تنكت) بالتاء المثناة * (3) بسينين مهملتين وغينين معجمتين أي اروى رأسي به، ويروى بالصاد بدل السين في الموضعين * (4) في النسخة رقم (14) (وامى المؤمنين) وهو غلط واضح، وفى النسخة رقم (16) (وام المؤمنين ام حبيبة) وما هنا خيرتهما، والله اعلم *
(5) أي بريقه ولمعانه (6) في النسخة رقم (16) (الوراق) وهو غلط ايوب بن محمد بن زياد بن فروخ الوزان، قال في مامش الخلاصة كان يزن القطن اه *
[ 85 ]
وخارجة بن زيد بن ثابت. والقاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق. وسالم. وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر. وابن شهاب. وأبو بكر بن عبد الرحمن فسألهم عن الطيب قبل الافاضة فكلهم أمره بالطيب - فلم يختلف (1) عليه أحد منهم الا أن عبد الله بن عبد الله ابن عمر قال له: كان عبد الله جادا مجدا وكان (2) يرمى الجمرة ثم يذبح ثم يحلق ثم يركب فيفيض قبل أن يأتي منزله فقال سالم: صدق * ومن طريق سفيان بن عيينة عن عمرو ابن دينار قال: قال سالم بن عبد الله بن عمر: قالت عائشة: أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع، وهكذا نص كلام سالم في الحديث ولم يتبع ما جاء عن أبيه وجده في ذلك * ورويناه أيضا عن ابراهيم النخعي. وابن جريج. واستحبه سفيان الثوري أي طيب كان عند الاحرام قبل الغسل وبعده؟ * قال أبو محمد: فهؤلاء جمهور التابعين. وفقهاء المدينة، وهو قول أبى حنيفة. وأبى يوسف. وزفر. ومحمد بن الحسن في أشهر قوليه، وقال الشافعي. وأحمد بن حنبل. واسحاق. وأبى سليمان وجميع أصحابهم * قال أبو محمد: أما عمر فقد ذكرنا آنفا إذا شم الطيب من البراء بن عازب ولم ينهه عنه أنه قد توقف - في كراهيته وانكاره - * وأما عبد الله ابنه فاننا رويناه عنه من طريق وكيع عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سألت ابن عمر عن الطيب عند الاحرام؟ فقال: لا آمر به ولا أنهى عنه * وروينا من طريق سعيد بن منصورنا يعقوب بن عبد الرحمن حدثنى موسى بن عقبة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال: دعوت رجلا وأنا جالس بجنب أبى فأرسلته إلى عائشة أسألها عن الطيب عند الاحرام؟، وقد علمت قولها ولكن أحببت أن يسمعه أبى فجاءني رسولي فقال: إن عائشة تقول: لا بأس بالطيب عند الاحرام
فأصب ما بدالك فصمت عبد الله بن عمر * قال على: هذا بأصح اسناد بيان في انه قد رجع عن كراهته جملة ولم ينكر استحسانه فسقط تعلقهم بعمر. وبعبد الله بن عمر، ولم يبق لهم الاعثمان وحده، وقد صح عنه رضى الله عنهم ما سنذكره بعد هذا ان شاء الله تعالى من اجازة تغطية المحرم وجهه فخالفوه فسبحان من جعل قوله حيث لم تبلغه السنة حجة ولم يجعل فعله حيث لا خلاف فيه للسنن حجة! ان هذا لعجب * قال أبو محمد: فلما اختلفوا وجب الرجوع إلى ما افترض الله تعالى الرجوع إليه من بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدنا ما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا ابراهيم
(1) في النسخة رقم (16) (ولم يختلف) (2) في النسخة رقم (14) (كان) باسقاط الواو *
[ 86 ]
ابن أحمد نا الفربرى نا البخاري نا محمد بن يوسف نا سفيان عن منصور عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر (رضى الله عنهما) (1) يدهن بالزيت فذكرته لابراهيم - هو النخعي - فقال: (2) ما تصنع بقوله: حدثنى الاسود عن عائشة أم المؤمنين (رضى الله عنها) (3) قالت: كأنى أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم؟ * نا أحمد بن قاسم نا أبى قاسم بن محمد بن قاسم نا جدى قاسم بن أصبغ نا أبو اسماعيل - هو حمد ابن اسماعيل الترمذي - نا الحميدى نا سفيان بن عيينة نا عطاء بن السائب عن إبراهيم النخعي عن الاسود عن عائشة قالت: رأيت الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثالثة وهو محرم * ورويناه أيضا من طريق علقمة ومسروق عن عائشة نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمدنا أحمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا أحد بن منيع. ويعقوب الدورقى قالا جميعا: نا هشيم انا منصور - هو ابن المعتمر - عن عبد الرحمن بن القاسم ابن محمد عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين قالت: كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) قبل أن يحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن
معاوية نا أحمد بن شعيب انا محمد بن منصور نا سفيان نا عثمان بن عروة بن الزبير عن أبيه قال: قلت لعائشة: بأى شئ طيبت النبي صلى الله عليه وسلم؟ (6) قالت: بأطيب الطيب عند حله وحرمه (7) * ورويناه أيضا من طريق عمرة بنت عبد الرحمن عنها * فهذه آثار متواترة متظاهرة لا يحل لاحد أن يخرج عنها، رواه عن أم المؤمنين عروة. والقاسم. وسالم بن عبد الله بن عمر. وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وعمرة. ومسروق. وعلقمة. والاسود، ورواه عن هؤلاء الناس الاعلام * قال أبو محمد: فاعترض من قلد مالكا. ومحمد بن الحسن في هذا بأن قالوا: قد رويتم من طريق أبى عمير بن النحاس عن ضمرة بن ربيعة عن الاوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحلاله ولا حرامه طيبا لا يشبه طيبكم هذا - تعنى ليس له بقاء - * قال على: هذه لفظة ليست من كلامها بلا شك بنص الحديث وانما هو ظن ممن دونها، والظن اكذب الحديث، وقد صح عنها من طريق مسروق. وعلقمة. والاسود -
(1) الزيادة من البخاري ج 2 ص 270 (2) في البخاري (قال) (3) الزيادة من صحيح البخاري (4) جمع مفرق وهو وسط الراس (5) في النسخة رقم (14) (اطيب النبي عليه السلام) وما هنا موافق لصحيح مسلم ج 1 ص 332 (6) في سنن النسائي ج 5 ص 138 (رسول الله) (2) في النسائي عند (حرمه وحله) والحرام بضم الحاء المهملة وسكون الراء - الاحرام بالحج *
[ 87 ]
وهم النجوم الثواقب - انها قالت: انها رأت الطيب في مفرقه عليه السلام بعد ثلاثة أيام (1) ولا ضعف أضعف ممن يكذب رواية هؤلاء عنها أنها رأت بعينها برواية أبى عمير ابن النحاس بظن ظنه من شاء الله تعالى أن يظنه، اللهم فلا اكثر فهذا عجب عجيب، وقال بعضهم: هذا خصوص له عليه السلام * قال أبو محمد: كذب قائل هذا (2) لان سالم بن عبد الله بن عمر روى عنها باصح اسناد أنها طيبته عليه السلام قالت: بيدى * رويناه من طريق حماد بن زيد عن عمرو
ابن دينار عن سالم بن عبد الله عن عائشة * وروينا قبل أنهن كن يضمخن جباههن بالمسك ثم يحرمن ثم يعرقن فيسيل على وجوههن فيرى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره، ثم لو صح لهم كل هذه الظنون لكان هذا الخبر حجة عليهم لالهم على كل حال لان فيه أنه عليه السلام تطيب عند الاحرام بطيب، فيقال لهم (3): ليكن أي طيب شاء هو طيب على كل حال وأنهم يكرهون الطيب بكل حال فكم هذا التمويه بما هو عليكم؟ وتوهمون أنه لكم فسبحان من جعلهم يعارضون الحق البين بالظنون والتكاذيب! والذى يجب ان يحمل عليه قولها لا يشبه طيبكم هذا ان صح عنها على أنه أطيب من طيبنا لا يجوز غير هذا لقولها الذى أوردناه عنها آنفا: أنها طيبته على السلام باطيب الطيب * واعترض في ذلك من دقق منهم بما رويناه من طريق ابراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه أنه سمع عائشة أم المؤمنين تقول: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف في نسائه ثم أصبح محرما قال: فصح عنه أنه اغتسل فزال ذلك الطيب عنه (4) * قال أبو محمد: نعوذ بالله من الهوى وما يحمل عليه من المكابرة للحق بالظن الكاذب، ويكذب ظن هذا الظان ما رواه كل من ذكرنا قبل عن عائشة ممن لا يعدل محمد بن المنتشر باحدمنهم لو انفرد فكيف إذا اجتمعوا؟ من أنها طيبته عليه السلام عند احرامه ولاحلاله قبل أن يطوف بالبيت * وما رواه من رواه منهم من أنها رأت الطيب في مفارقة عليه السلام بعد ثالثة من احرامه * وأيضا فقد صح بيقين لا خلاف فيه أنه عليه السلام انما أحرم في تلك (5) الحجة إثر صلاة الظهر، فصح أن الطيب الذى روى ابن المنتشر هو طيب آخر كان قبل ذلك بليلة طاف فيها عليه السلام على نسائه ثم أصبح كما في حديث ابن المنتشر، فبطل ان يكون لهم في حديث ابن المنتشر متعلق، وابن المنتشر كوفى فيا عجبا للمالكيين لا يزالون
(1) في النسخة رقم (14) (بعد ايام ثلاثة) (2) في النسخة رقم (14) (كذب هذا القائل) (3) في النسخة رقم (14) (قيل لهم) (4) في النسخة رقم (14) (فيزال عنه ذلك الطيب) (5) في النسخة رقم (16) (احرام تلك) *
[ 88 ]
يضعفون رواية أهل الكوفة فإذا وافقتهم تركوا لها المشهور من روايات أهل المدينة فكيف وليست رواية ابن المنتشر مخالفة لرواية غيره في ذلك؟ * واحتجوا بالخبر الذى فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم (انه قيل: من الحاج يا رسول الله؟ قال: الاشعث التفل) * قال على: وهذا رواه ابراهيم بن يزيد وهو ساقط لا يحتج بحديثه، ثم لو صح لما كانت لهم فيه حجة لانه لا يمكن أشعث تفلا من أول يوم ولا بعد يومين وثلاثة وانما أبحنا له الطيب عند الاحرام، وعند الاحلال كغسل الرأس بالخطمى حينئذ * وشغب بعضهم بالخبر الثابت الذى رويناه من طريق مسلم عن على بن خشرم انا عيسى - هو ابن يونس - عن ابن جريج أخبرني عطاء ان صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن (أباه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ثوب قد أظل به عليه (معه ناس من أصحابه فيهم عمر) (2) إذا جاءه رجل (عليه جبة صوف متضمخ بطيب) (3) فقال: يارسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بطيب؟ فجاءه الوحى) فذكر الخبر، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (أما الطيب الذى بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك)، وهكذا رويناه من طريق يحيى القطان عن ابن جريج نصا * قال على: في احتجاجهم بهذا الخبر عبرة ولا حجة لهم فيه، أما العجب فانه كان في الجعرانة كما ذكر في الحديث، وعمرة الجعرانة كانت إثر فتح مكة متصلة به في ذى القعدة لان فتح مكة كان في شهر رمضان وكانت حنين متصلة به، ثم عمرة الجعرانة منصرفه عليه السلام من حنين، ثم حج تلك السنة عتاب بن أسيد، ثم كان عام قابل فحج بالناس أبو بكر، ثم كانت حجة الوداع في العام الثالث، وكان تطيب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه معه في حجة الوداع بعد حديث هذا الرجل بأزيد من عامين، فمن أعجب ممن يعارض آخر فعله عليه السلام بأول فعله هذا؟ لو صح أن حديث يعلى بن أمية فيه نهى عن الطيب
للمحرم، وهذا لا يصح لهم لما نذكره ان شاء الله تعالى، وأما كونه لا حجة لهم فيه فان هذا الخبر رواه من هو أحفظ من ابن جريح وأجل منه فبينه كما حدثنا حمام عبد الله بن محمد ابن على الباجى نا أحمد بن خالد نا عبيد بن محمد الكشورى نا محمد بن يوسف الحذافى نا عبد الرزاق نا ابن عيينة - هو سفيان - عن عمرو بن دينار عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان بالجعرانة أتاه رجل متضمخ بخلوق وعليه مقطعات
(1) في صحيح مسلم ج 1 ص 328 (وعلى النبي صلى الله عليه وسلم) (2) الزيادة من صحيح مسلم (3) الزيادة من صحيح مسلم *
[ 89 ]
فقال: يارسول الله إنى أهللت بعمرة فكيف تأمرني؟ وانزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم فدعاني عمر فنظرت إليه فلما سرى عنه قال: أين السائل؟ قال: ها أنا ذا يا رسول الله قال: ما كنت تصنع في حجتك؟ قال: أنزع ثيابي هذه وأغسل هذا عنى قال: فاصنع في عمرتك مثل ما تصنع في حجتك) (1) * قال على: عمرو بن دينار من التابعين صحب جابر بن عبد الله. وابن عباس. وابن عمر فقد بين أن ذلك الطيب انما كان خلوقا * وهكذا رويناه من طريق مسلم نا محمد بن رافع نا وهب بن جرير بن حازم نا أبى قال: سمعت قيسا - هو ابن سعد - يحدث عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة قد أهل بالعمرة وهو مصفر رأسه ولحيته (2) وعليه جبة فقال: يارسول الله إنى أحرمت بعمرة وأنا كما ترى فقال: انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة وما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك * ومن طريق مسلم نا شيبان بن فروخ نا همام - هو ابن يحيى - نا عطاء - هو ابن أبى رباح - عن صفوان بن يعلى بن أمية (3) عن أبيه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم - وهو بالجعرانة - عليه جبة وعليه خلوق أو قال: أثر الصفرة فذكرا لخبر - وفيه - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغسل عنك أثر الصفرة أوقال: أثر الخلوق، واخلع عنك جبتك
واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) * فاتفق عمرو بن دينار. وهمام بن يحيى. وقيس بن سعد كلهم عن عطاء في هذه القصة نفسها عن صفوان بن يعلى بن أمية عن ابيه أنه كان متضمخا بخلوق - وهو الصفرة نفسها وهو الزعفران - بلا خلاف (4) وهو محرم على الرجال عامة في كل حال. وعلى المحرم أيضا بخلاف سائر الطيب كما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا ابراهيم
(1) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 327 بلفظ قريب من هذا (2) في صحيح مسلم ج 1 ص 328 وهو مصفر لحيته ورأسه) (3) في صحيح مسلم (بن منية) وفى بعض النسخ (ابن امية) كماهنا، قال النووي: وهما صحيحان فأمية أبو يعلى، ومنية امه، وقيل: جدته والمشهور الاول، فنسب تارة إلى ابيه وتارة إلى امه وهى منية بضم الميم وبعدها نون ساكنة والله اعلم * (4) قال في اللسان الخلوق - بفتح الخاء المعجمة - والخلاق بكسرها - ضرب من الطيب، وقيل الزعفران اه فأفادان الخلاق ليس هو الزعفران بلا خلاف، وقال العلامة ابن الاثير في النهاية: ذكر الخلوق قد تكرر في غير موضع وهو طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من انواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة، وقد ورد تارة باباحته وتارة بالنهي عنه، والنهى أكثر واثبت، وانما نهى عنه لانه من طيب النساء وكن اكثر استعمالا له منهم، والظاهر ان أحاديث النهى نانسخة والله أعلم *
[ 90 ]
ابن أحمد نا الفربرى نا البخاري نا مسدد نا عبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) أن يتزعفر الرجل) * نا عبد الله بن ربيع نا عبد الله بن محمد بن عثمان نا أحمد بن خالد نا على بن عبد العزيز نا الحجاج بن المنهال نا شعبة نا عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الورس والزعفران قال: فقلت: للمحرم قال: نعم * فبطل تشغيبهم بهذا الخبر جملة لانه انما فيه نهى عن الصفرة لا عن سائر الطيب، ولانه لو كان فيه نهى عن الطيب وليس ذلك فيه لكان منسوخا بآخر فعله عليه السلام في حجة الوداع * وقال بعضهم: وجدنا المحرم منهيا عن ابتداء التطيب، وعن ابتداء الصيد،
ثم وجدناه لو أحرم وفى يده صيد لوجب عليه ارساله فكذلك الطيب * قال أبو محمد: وهذا قياس والقياس فاسد، ثم لو صح لكان من القياس باطلا لانه لا يلزم من أحرم وفى يده صيد قد تصيده في احلاله أن يطلقه فهو تشبيه للخطأ بالخطأ، والعجب كله من قول هذا القائل: إن من أحرم وفى يده صيد وفى قفصه في منزله صيد أنه يلزمه اطلاق الذى في يده ولا يلزمه الطلاق الذى في القفص، وهذا عجب جدا وبالله تعالى التوفيق، وقاسه أيضا على من أحرم وعليه قميص. وسراويل. وعمامة * قال أبو محمد: ويعارض قياسهم هذا بانه لا يحل للمحرم أن يتزوج، فان تزوج ثم أحرم لم يبطل نكاحه (فان قالوا): لا نوافق على هذا قلتا: انما خاطبنا بهذا من يقول به من المالكيين، وأما أنتم فانكم تقولون: (ان) (2) المحرم ممنوع من ابتداء ذبح الصيد وأكله ولا تختلفون في أن من ذبح صيدا ثم أحرم فان ملكه وأكله له حلال * 826 - مسألة - ثم يقولون: لبيك بعمرة أو ينويان ذلك في انفسهما لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انما الاعمال بالنيات) ونستحب أن يكون ذلك إثر صلاة فرض أو نافلة * 827 - مسألة - ثم يجتنبان تجديد قصد إلى الطيب فان مسهما من طيب الكعبة شئ لم يضر، أما اجتناب القصد إلى الطيب فلا نعلم فيه خلافا، وأما ان مسه شئ من طيب الكعبة أو غيرها عن غير قصد فلانه لم يأت فيه (3) نهى، وقد روينا عن أنس كما ذكرنا أنه أصابه فلم يغسله، وبه قال عطاء، وسئل عن ذلك؟ فقال: ليس عليه أن يغسله (4) *
(1) في صحيح البخاري ج 1 ص 280 (نهى النبي صلى الله عليه وسلم) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (لم يأت عنه) (4) في النسخة رقم (16) (وليس عليك ان تغسله) *
[ 91 ]
828 - مسألة - ولا بأس أن يغطى الرجل وجهه بما هو ملتحف به أو بغير
ذلك ولا كراهة في ذلك، ولا بأس أن تسدل المرأة الثوب من على رأسها على وجهها * أما أمر المرأة فلان رسول الله صلى الله عليه وسلم انما نهاها عن النقاب، ولا يسمى السدل نقابا فان كان البرقع يسمى نقابا لم يحل لها لباسه * وأما اللثام فانه نقاب بلا شك فلا يحل لها وقد قال الله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا نهيتكم عن شئ فدعوه)، وقال تعالى: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) فصح أن ما لم يفصل لنا تحريمه فمباح، وما لم ينه عنه فحلال وبالله تعالى التوفيق * وقد صح في ذلك خلاف. روينا من طريق الحجاج بن المنهال نا عبد العزيز بن عبد الله ابن أبى سلمة الماجشون عن محمد بن المنكدر قال: رأى ابن عمر امرأة قد سدلت ثوبها على وجهها - وهى محرمة - فقال لها: اكشفي وجهك فانما حرمة المرأة في وجهها * وصح خلاف هذا عن غيره كما روينا عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر أن أسماء بنت أبى بكر الصديق كانت تغطى وجهها وهى محرمة * وعن وكيع عن شعبة عن يزيد الرشك عن معاذة العدوية قالت: سئلت عائشة أم المؤمنين ما تلبس المحرمة؟ فقالت: لاتنتقب ولا تلثم وتسدل الثوب على وجهها * وعن عثمان أيضا كذلك، فكان المرجوع في ذلك إلى ما منع منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط * وأما الرجل فاننا روينا من طريق ابن أبى شيبة عن أبى معاوية عن ابن جريج عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن الفرافصة بن عمير قال: كان عثمان بن عفان. وزيد بن ثابت. وابن الزبير يخمرون وجوههم وهم محرمون * ومن طريق معمر. وسفيان بن عيينة كليهما عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: رايت عثمان بن عفان مخمرا وجهه بقطيفة أرجوان بالعرج (1) في يوم صائف وهو محرم * نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم بن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن أبى الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: المحرم يغطى
من الغبار ويغطى وجهه إذا نام ويغتسل ويغسل ثيابه. ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله. وابن الزبير انهما كانا يخمران وجوههما وهما محرمان * ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء عن ابن عباس انه قال: المحرم يغطى ما دون الحاجب والمرأة تسدل ثوبها من قبل قفاها على هامتها *
(1) بفتح العين المهملة وسكون الراء قرية جامعة من عمل الفرع على ايام من المدينة *
[ 92 ]
وعن عبد الرحمن بن عوف أيضا إباحة تغطية المحرم وجهه وهو قول عطاء. وطاوس. ومجاهد. وعلقمة. وابراهيم النخعي. والقاسم بن محمد كلهم أفتى المحرم بتغطية وجهه وبين بعضهم من الشمس. والغبار. والذباب وغير ذلك، وهو قول سفيان الثوري. والشافعي. وأبى سليمان وأصحابهم، وروى عن ابن عمر لا يغطى المحرم وجهه * وقال به مالك. ولم ير على المحرم ان غطى وجهه شيئا لافدية. ولا صدقة. ولاغير ذلك الا أنه كرهه فقط بل قد روى عنه ما يدل على جواز ذلك * روينا من طريق سعيد بن منصور نا سفيان - هو ابن عيينة - عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: الذقن من الرأس فلا تغطه، وقال: احرام المرأة في وجهها، واحرام الرجل في رأسه * وقال أبو حنيفة واصحابه: لا يغطى المحرم وجهه فان فعل فعليه الفدية * قال أبو محمد: ما نعلم أحدا قال هذا قبل أبى حنيفة، وهم يعظمون خلاف الجمهور، وقد خالفوا ههنا عبد الرحمن بن عوف. وعثمان بن عفان. وزيد بن ثابت. وجابر بن عبد الله. وابن عباس. وابن الزبير، وجمهور التابعين، فان تعلقوا بابن عمر فقد ذكرنا في هذا الباب عن ابن عمر نهى المرأة عن ان تسدل على وجهها وقد خالفوه وروينا عنه ما يدل على جواز تغطية المحرم وجهه كما ذكرنا آنفا، فمرة هو حجة ومرة ليس هو حجة أف لهذا عملا *
قال أبو محمد: والعجب كل العجب انهم قالوا: لما كانت المرأة احرامها في وجهها كان الرجل بذلك أحق لانه أغلظ حالا منها في الاحرام * قال أبو محمد: والسنة قد فرقت بين الرجل والمرأة في الاحرام فوجب على الرجل في الاحرام كشف رأسه ولم يجب على المرأة، واتفقا في أن لا يلبسا قفازين واختلفا في الثياب فمن أين وجب أن يقاس عليها في تغطية وجهه؟ ان هذا القياس سخيف جدا، وأيضا فقد كذبوا وما نهيت المرأة عن تغطية وجهها بل هو مباح لها في الاحرام وان نهيت عن النقاب فقط فظهر فساد قياسهم * والعجب أنهم احتجوا في ذلك بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره في الذى مات محرما ان لا يخمر رأسه ولا وجهه رويناه من طرق جمة، منها من طريق مسلم نا أبو كريب نا وكيع عن سفيان عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (أن رجلا أو قصته راحلته (1) وهو محرم فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغسلوه بماء
(1) يقال أو قصته ووقصته كسرت عنقه فمات في الحال *
[ 93 ]
وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا وجهه ولا رأسه (1) فانه يبعث يوم القيامة ملبيا) * قال أبو محمد: ان الحياء لفضيلة وكما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم انه من الايمان، وهم أول مخالف لهذا الحديث، وأول عاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فلا يرون فيمن مات محرما أن يكشف رأسه ووجهه بل يغطون كل ذلك. ثم يحتجون به في أن لا يغطى الحى المحرم وجهه ونعوذ بالله من الخذلان، ويقولون: ان الصاحب إذا روى خبرا وخالفه فهو دليل على نسخ ذلك الخبر عندهم هو، وابن عباس روى هذا الخبر (2)، وهو رأى للمحرم الحى أن يخمر وجهه فأين ذلك الاصل الخبيث الذى تعلقوا به في رد السنن (الثابتة؟) (3) * قال على: ونحن نقول: ان الحى المحرم لا يلزمه كشف وجهه. وانما يلزمه كشف رأسه فقط، فإذا مات أحدث الله تعالى له حكما زائدا وهو أن لا يخمر وجهه ولا رأسه لا يسأل
عما يفعل تعالى، والقياس ضلال وزيادة في الدين شرعا لم يأذن به الله تعالى * قال على: لو كان تغطية المحرم وجهه مكروها أو محرما لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذ لم ينه عن ذلك فهو مباح وبالله تعالى التوفيق * 829 - مسألة - ونستحب أن يكثر من التلبية من حين الاحرام فما بعده دائما في حال الركوب، والمشى، والنزول، وعلى كل حال، ويرفع الرجل والمرأة صوتهما بها ولابد، وهو فرض ولو مرة، وهى لبيك اللهم لبيك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك * نا أحمد بن محمد بن الجسور نا أحمد بن الفضل الدينورى نا محمد بن جرير الطبري حدثنى محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي نا يعقوب بن محمد نا محمد بن موسى نا اسحاق ابن سعيد بن جبير عن جعفر بن حمزة بن أبى داود المازنى عن أبيه عن جده أبى داود - وهو بدرى - قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج. فلما كان بذى الحليفة صلى في المسجد أربع ركعات: ثم لبى دبر الصلاة ثم خرج إلى باب المسجد فإذا راحلته قائمة فلما انبعثت به أهل ثم مضى فلما علا البيداء أهل) (4) * قال على ومن حيث أهل اجزأه لانه فعل لا أمر * نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج حدثنى حرملة ابن يحيى انا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: إن سالم بن عبد الله (بن عمر) (5) أخبرني عن أبيه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبدا يقول: لبيك اللهم لبيك
(1) في صحيح مسلم جزء 1 ص 328 (ولا تخمروا رأسه ولاوجهه) (2) في النسخة رقم (14) (فابن عباس روى هذا الخبر) (3) الزيادة من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (14) (فلما مر على البيداء اهل) (5) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 329
[ 94 ]
لبيك (لا شريك لك لبيك) (1) ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لا يزيد على هؤلاء الكلمات " (2) *
قال أبو محمد: وقد روى غيره الزيادة، ومن زاد ذكر الله تعالى فحسن ومن اختصر على هذه فحسن، كل ذلك ذكر حسن * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب نا قتيبة بن سعيد نا حميد بن عبد الرحمن عن عبد العزيز بن أبى سلمة - هو ابن الماجشون - عن عبد الله بن الفضل (3) عن الاعرج عن أبى هريرة قال: كان من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) لبيك إله الحق، قال أحمد بن شعيب (5): ما نعلم أحدا أسنده الا عبد الله بن الفضل (6) وهو ثقة * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا اسحاق بن راهويه نا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك بن أبى بكر ابن عبد الرحمن عن خلاد بن السائب عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " جاءني حبريل فقال لى يا محمد مر أصحابك فليرفوا (7) أصواتهم بالتلبية " * قال أبو محمد: هذا أمر، وقال بعض الناس: يكره رفع الصوت * قال على: وهذا خلاف للسنة، وقال بعضهم: لاترفع المرأة * قال أبو محمد: هذا خطأ وتخصيص بلا دليل، وقد كان الناس يسمعون كلام أمهات المؤمنين ولاحرج في ذلك، وقد روى عنهن وهن في حدود العشرين سنة وفويق ذلك ولم يختلف أحد في جواز ذلك واستجابه * روينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم أنا حميد - هو ابن عبد الرحمن - عن بكر ابن عبد الله المزني قال: سمعت ابن عمر يرفع صوته بالتلبية حتى انى لاسمع دوى صوته بين الجبال * وبه إلى هشيم انا الفضل بن عطية نا أبو حازم قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أحرموا لم يبلغوا الروحاء حتى تبح أصواتهم * ومن طريق وكيع نا ابراهيم بن نافع قال: قدمت امرأة أعجمية فخرجت مع الناس ولم تهل بشئ الا أنعا كانت تذكر الله تعالى فقال عطاء: لا يجزئها * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن
(1) الزيادة من صحيح مسلم (2) في النسخة رقم (14) (على هذه الكلمات) وما هنا موافق لصحيح مسلم ج 1 ص 329 (3) في النسخة رقم (16) (عبد الله بن الفضيل) وهو غلط (4) في النسائي جزء 5 ص 161 (النبي صلى اله عليه وسلم) * (5) في النسائي (قال أبو عبد الرحمن) وهى كنيته، وما هنا اسمه (6) في النسائي ج 5 ص 161 (لا اعلم احد اسند هذا عن عبد الله بن الفضل الا عبد العزيز رواه اسماعيل بن امية عنه مرسلا) (7) في النسائي ج 3 ص 162 (ان يرفعوا) *
[ 95 ]
ابن القاسم بن محمد عن أبيه قال: خرج معاوية ليلة النفر فسمع صوت تلبة فقال (1): من هذا؟ قيل: عائشة أم المؤمنين اعتمرت من التنعيم فذكر ذلك لعائشة فقالت عائشة: لو سألني لاخبرته. فهذه أم المؤمنين ترفع صوتها حتى يسمعها معاوية في حاله التى كان فيها * (فان قيل): قد روى عن ابن عباس. لاترفع المرأة صوتها بالتلبية. وعن ابن عمر ليس على النساء ان يرفعن الصواتهن بالتلبية * قلنا: رواية ابن عمر هي من طريق عيسى ابن أبى عيسى (2) الخياط وهو ضعيف، ورواية ابن عباس هي من طريق ابراهيم بن أبى حبيبة وهو ضعيف. ولو صحا لكانت رواية عائشة موافقة للنص * 830 - مسألة - فإذا قدم المعتمر أو المعتمرة مكة فليدخلا المسجد ولا يبدءا بشئ لا ركعتين ولا غير ذلك قبل القصد إلى الحجر الاسود فيقبلانه، ثم يلقيان البيت على اليسار ولا بد، ثم يطوفان بالبيت من الحجر الاسود إلى أن يرجعا إليه سبع مرات منها ثلاث مرات خببا وهو مشى فيه سرعة، والاربع طوافات البواقى مشيا، ومن شاء ان يخب في الثلاث الطوافات وهى الاشواط من الركن الاسود مارا على الحجر إلى الركن اليماني، ثم يمشى رفقا من اليماني إلى الاسود في كل شوط من الثلاثة فذلك له، وكلما مرا على الحجر الاسود قبلاه وكذلك الركن اليماني أيضا فقط، فإذا تم الطواف المذكور أتيا إلى مقام ابراهيم عليه السلام فصليا هنالك ركعتين وليستا فرضا، ثم خرجا ولا بد إلى الصفا فصعدا عليه. ثم هبطا فإذا صارا في بطن الوادي أسرع الرجل المشى حتى يخرج عنه ثم يمشى حتى يأتي المروة فيصعد عليها ثم ينحدر كذلك حتى يرجع إلى الصفا ثم يرجع كذلك
إلى المروة هكذا حتى يتم سبع مرات منها ثلاث خببا وأربع مشيا، وليس الخبب بينهما فرضا (3)، ثم يحلق الرجل رأسه أو يقصر من شعره ولا تحلق المرأة لكن تقصر من شعرها، وقد تمت العمرة وحل لهما كل ما كان حرم عليهما بالاحرام من لباس وغيره * قال أبو محمد: لا خلاف فيما ذكرنا الا في أشياء نبينها ان شاء الله عزوجل، وهى وجوب الخبب في الطواف، وجواز تنكيس الطواف بان يلقى البيت على اليمين، ووجوب السعي بين الصفا والمروة * برهان صحة قولنا (4) ما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا احمد بن شعيب أخبرني محمد بن سليمان لوين عن حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن سعيد بن جبير عن
(1) في النسخة رقم (16) (فقيل) وما هنا اولى (2) في بعض النسخ (الحناط) بالنون بدل الياء التحيتة آخر الحروف وكلاهما صحيح يقال له: الحناط والخياط والخياط لانه كان يعالج الصنائع الثلاثة راجع تهذيب التهذيب جزء 8 ص 224 * (3) سقط من النسخة رقم (16) من قوله: (منه ثلاث خببا) إلى هنا خطأ (4) في النسخة رقم (14) (برهان صحة ما قلناه) *
[ 96 ]
ابن عباس قال: (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) قال المشركون: (انهم يقدم عليكم قوم) (2) وهنتهم حمى يثرب ولقوا منها شرا فأطلع الله عزوجل نبيه عليه السلام على ذلك فأمر أصحابه ان يرملوا وان يمشوا مابين الركنين) (3) فهذا أمر واجب * وبه إلى أحمد بن شعيب انا عبيدالله بن سعيد بن قدامة نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن عبيدالله - هو ابن عمر - عن نافع ان عبد الله بن عمر كان يرمل الثلاث ويمشى الاربع ويزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) كان يفعل ذلك * فهذا بيان الرمل انما هو في الثلاثة الاشواط الاول، وان الرمل في جميع تلك الاشواط جائز (فان قيل) ان ابن عباس قال في الرمل: ليس سنة وهو راوي الحديث * قلنا: لا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نسألكم ما قولكم. وقول أهل الاسلام فيهم لو أنهم إذا أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بان يرملوا؟ يقولون له: لانفعل، - قد أعاذهم الله تعالى من ذلك - أعصاة كانوا يكنون
أم مطيعين؟ * وأما وجوبه فقد روينا من طريق ابن عمر. وعطاء. وسليمان بن يسار. ومكحول ليس على النساء رمل من طرق لو شئنا لتكلمنا في أكثرها لضعفها * وروينا عن ابن عباس. وعطاء ليس على من ترك الرمل شئ * وعن ابراهيم عليه فدية * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا الثقفى - هو عبد الوهاب بن عبد المجيد - عن حبيب - هو ابن أبى ثابت - عن عطاء انه سئل عن المجاور إذا أهل من مكة هل يسعى الاشواط (الثلاثة)؟ (5) قال: انهم يسعون قال: فاما ابن عباس فانه قال: انما ذلك على أهل الآفاق * ومن طريق عبد الرزاق عن زكريا بن اسحاق عن ابراهيم بن ميسرة عن مجاهد قال: خرج ابن الزبير. وابن عمر فاعتمرا من الجعرانة لما فرغ ابن الزبير من بناء الكعبة قال مجاهد: وكنت جالسا عند زمزم فلما دخل ابن الزبير ناداه ابن عمر ارمل الثلاث الاول فرمل ابن الزبير السبع كله * ومن طريق ابن أبى شيبة عن أبى أسامة عن هشام عن الحسن. وعطاء قالا: ليس على أهل مكة رمل ولا على من أهل منها الا ان يجئ أحد من أهل مكة من خارج * فهذه رواية عن ابن عباس بايجاب الرمل على أهل الآفاق * وعن الحسن وعطاء مثل ذلك * وعن ابن عمر بايجابه ذلك عن ابن الزبير وهو * (هامش) (1) في النسائي ج 5 ص 230 (النبي صلى الله عليه وسلم) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) ولم توجد في سنن النسائي في هذا الحديث (3) في النسائي زيادة اسقطها المصنف وهى (وكان المشركون من ناحية الحجر فقالوا: لهؤلاء اجلد من كذا) * (4) في النسخة رقم (14) (ان النبي عليه السلام) وما هنا موافق للنسائي ج 5 ص 229 (5) الزيادة من النسخة رقم (14) *
[ 97 ]
ساكن بمكة، وأقل هذا أن يكون اختلافا من قولى ابن عباس. وعطاء. وقد ذكرنا ما تركوا فيه الجمهور وما انفردوا به بغير سنة لكن برأى، وهم يعظمون ذلك، ونحن لا ننكره إذا اتبعت السنة في خلافه * وأما تقبيل الركنين فسنة وليس فرضا لانه لم يأت بذلك أمر، وانما هو عمل من
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، وقد طاف عليه السلام راكبا يشير بمحجن في يده إلى الركن * وأما تنكيس الطواف فان أبا حنيفة أجاز تنكيس الوضوء، وتنكيس الاذان، وتنكيس الاقامة، وتنكيس الطواف * قال أبو محمد: إذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبب في الاشواط المذكورة فقد علمهم من اين يبتدئون؟ وكيف يمشون؟ فصار ذلك امرا، وأمره عليه السلام فرض، ولا أعجب ممن لا يرى العمرة. أو الحج يبطلان بمخالفة ما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم ثم يراهما يبطلان بما لم يأت فيه أمر بذلك من الله تعالى، ولامن رسوله صلى الله عليه وسلم كتعمد الامناء في مباشرة امرأة بغير جماع ونحو ذلك * وأما الطواف بين الصفا والمروة في العمرة فان أنسا وغيره قالوا: ليس فرضا * روينا من طريق عبد الرزاق نا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس يقرأ. (فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان لا يطوف بهما) * قال أبو محمد: هذا قول من ابن عباس لا ادخال منه في القرآن * وعن ابن عباس أيضا: العمرة الطواف بالبيت * ومن طريق شعبة عن عاصم الاحول قال: سمعت أنس ابن مالك يقرأ (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) * ومن طريق عبد بن حميد عن الضحاك بن مخلد (1) عن ابن جريج عن عطاء عن ابن مسعود مثل ذلك * ومن طريق عبد بن حميد عن عبد الله بن يزيد المقرى عن أبى حنيفة عن ميمون بن مهران عن أبى بن كعب مثل ذلك، وهو قول عطاء، ومجاهد، وميمون بن مهران * ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء عن ابن الزبير قال في الطواف بين الصاف والمروة: هما تطوع، واحتج من رأى هذا القول بقول الله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) * وروينا عن عائشة رضى الله عنها إيجاب فرض السعي بينهما، وقالت في هذه الآية: انما نزلت في ناس كانوا لا يطوفون بينهما، فلما كان الاسلام طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم *
قال أبو محمد: لو لم تكن إلا هذه الآية لكانت غير فرض لكن الحجة في فرض ذلك
(1) في النسخة رقم (16) (عن مخلد) وهو خطأ *
[ 98 ]
ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر نا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبى موسى الاشعري قال: (قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء فقال لى: أحججت؟ فقل: نعم فقال: بم أهللت؟ (قال) (1) قلت: لبيت (2) باهلال كاهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقد أحسنت طف بالبيت، وبين الصفا والمروة وأحل (3)) * قال على: بهذا صار السعي بين الصفا والمروة في العمرة فرضا * وأما الرمل بينهما فحدثنا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا محمود بن غيلان المروزى نا بشرين السرى نا سفيان - هو الثوري - عن عطاء بن السائب عن كثير بن جمهان قال: رأيت ابن عمر يمشى بين الصفا والمروة فقال: ان امش فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى وان اسع فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى (4) * قال على: والخبر الذى فيه (اسعوا فان الله كتب عليكم السعي) (5) فانما روته صفية بنت شيبة عن امرأة لم تسم، وقد قيل: هي بنت أبى تجراة وهى مجهولة، ولو صح لقلنا: بوجوبه، ومن عجز عن الخبب المذكور مشى ولا شئ عليه لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) * 831 - مسألة - ولا يحل للمحرم بالعمرة أو بالحج تصيد شئ ممما يصاد ليؤكل ولا وطئ كان له حلالا قبل إحرامه ولا لباس شئ مما ذكرنا قبل (6) ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لباسه المحرم، قال الله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم). وقال تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)، وهذا أيضا (7) لا خلاف فيه *
832 - مسألة - ومن أراد العمرة - وهو بمكة - إمامن أهلها، أو من غير أهلها ففرض عليه أن يخرج للاحرام بها إلى الحل ولابد فيخرج إلى أي الحل شاء ويهل بها فلان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبى بكر بالخروج من مكة إلى التنعيم ليعتمر منه، واعتمر عليه السلام من الجعرانة فوجب ذلك في العمرة خاصة، وبالله تعالى التوفيق * حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا ابراهيم بن أحمد نا الفربرى نا البخاري نا عمرو بن على نا أبو عاصم نا عثمان بن الاسود نا ابن أبى ملكية عن عائشة أم المؤمنين
(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 348 (2) في صحيح مسلم (لبيك) (3) الحديث ذكره المصنف مختصرا (4) هو في النسائي ج 5 ص 241 (5) هو في سنن الدارقطني ص 270 وانظر الكلام على بنت ابى تجراة (6) هو ظرف مبنى على الضم لحذف المضاف إليه مع نية معناه، وقوله (ان النبي) معمول لذكرنا (7) في النسخة رقم (14) (وهذا الصيد) *
[ 99 ]
(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن أخاها أن يعمرها من التنعيم وانتظرها عليه السلام بأعلى مكة حتى جاءت) * 833 - مسألة - وأما من أراد الحج فانه إذا جاء إلى الميقات (1) كما ذكرنا غلا يخلو من أن يكون معه هدى، أو ليس معه هدى، والهدى إما من الابل. أو البقر. أو الغنم، فان كان لاهدى معه - وهذا هو الافضل - ففرض عليه أن يحرم بعمرة مفردة ولابد لا يجوز له غير ذلك، فان احرم بحج، أو بقران حج وعمرة ففرض عليه أن يفسخ إهلاله ذلك بعمرة يحل إذا أتمها لا يجزئه غير ذلك، ثم إذا أحل منها ابتدأ الاهلال بالحج مفردا من مكة وهذا يسمى متمتعا، وان كان معه هدى ساقه مع نفسه فنستحب له أن يشعر هديه ان كان من الابل، وهو أن يضربه بحديدة في الجانب الايمن من جسده حتى يدميه ثم يقلده، وهو أن يربط نعلا في حبل ويعلقها في عنق الهدى وان جلله بحل (2) فحسن، فان كان الهدى من الغنم فلا اشعار فيه لكن يقلده رقعة جلد في عنقه، فان كان من البقر فلا اشعار فيه ولا تقليد كانت له اسنمة أو لم تكن، ثم يقول: لبيك بعمرة
وحج معا لا يجزئه الا ذلك ولابد، وان قال: لبيك بحج وعمرة، أو لبيك عمرة وحجا أو حجة وعمرة، أو نوى كل ذلك في نفسه، ولم ينطق به فكل ذلك جائز، وهذا يسمى القران * ومن ساق من المعتمرين الهدى فعل فيه من الاشعار. والتقليد ما ذكرنا، ونحب له في كل ما ذكرنا أن يشترط فيقول عند اهلاله: اللهم ان محلى حيث تحبسني، فان قال ذلك فأصابه أمر ما يعوقه عن تمام ما خرج له من حج أو عمرة أحل ولا شئ عليه لاهدى ولاقضاء الا ان كان لم يحج قط ولا اعتمر فعليه أن يحج حجة الاسلام وعمرته * برهان ما ذكرنا. ما رويناه من طريق مسلم نا ابن أبى عمر نا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من أراد منكم أن يهل بحج، أو عمرة فليفعل، ومن اراد أن يهل بحج فليهل، ومن اراد أن يهل بعمرة فليهل، قالت عائشة: فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج، وأهل به ناس معه (3) وأهل ناس بالحج والعمرة، وأهل ناس بعمرة (وكنت فيمن أهل بالعمرة) (4) * قال أبو محمد: فهذا أول أمره عليه السلام بذى الحليفة عند ابتداء احرامهم وارادتهم الاهلال بلا شك إذ هو نص الحديث * نا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا
(1) في النسخة رقم (14) (جاء الميقات) (2) الجل بضم اوله هو الدابة كالثوب للانسان يلبسه يقيه البرد والجمع جلال وأجلال (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 340 سقط جملة (واهل به ناس معه)، وهى موجودة في نسخ الشرح (4) الزيادة من صحيح مسلم *
[ 100 ]
أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا ابن نميرنا أبو نعيم - هو الفضل بن دكين - نا موسى ابن نافع قال: (قدمت مكة متمتعا بعمرة قبل التروية باربعة أيام فقال الناس: تصير حجتك الآن مكية) (1) فدخلت على عطاء بن أبى رباح فقال: حدثنى جابر بن عبد الله أنه حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ساق الهدى معه، وقد أهلوا بالحج مفردا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أحلوا من احرامكم فطوفوا بالبيت. وبين الصفا والمروة. وقصروا واقيموا
حلالا حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا الذى قدمتم بها متعة) (2) * وبه إلى مسلم نا اسحاق - هو ابن راهويه عن حاتم بن اسماعيل عن جعفر ابن محمد بن على بن الحسين عن أبيه عن جابر بن عبد الله انه أخبره عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حتى إذا كان آخر طواف على المروة، قال عليه السلام (لو انى استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة فقام سراقة بن مالك بن جعشم (3) فقال: يارسول الله ألعامنا هذا أم للابد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم اصابعه واحدة في الاخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين لابل لابد أبد) (4) * نا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد نا ابراهيم بن أحمد نا الفربرى نا البخاري نا موسى ابن اسماعيل نا وهيب - هو ابن خالد نا أيوب هو السختيانى عن أبى قلابة عن أنس بن مالك قال: (صلى الله عليه وسلم وسلم - ونحن معه بالمدينة - الظهر أربعا والعصر بذى الحليفة ركعتين ثم بات بها حتى أصبح. ثم ركب حتى اتوت به راحلته على البيداء حمدالله وسبح (وكبر) (5)، ثم أهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما فلما قدمنا امر الناس فحلوا حتى إذا كان يوم التروية أهلو بالحج) (6) * نا حمام بن أحمد نا عبد الله بن محمد بن على الباجى نا أحمد بن خالد نا عبيد بن محمد الكشورى نا محمد بن يوسف الحذافى نا عبد الرزاق نا مالك. ومعمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فاهللنا بعمرة ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدى فليهل بالحج مع العمرة ولا يحل حتى يحل منهما جميعا) * قال أبو محمد: ففى هذه الاحاديث الثابتة برهان كل ما قلنا ولله تعالى الحمد، وهى أربعة أحاديث * ففى الاول الذى من طريق جابر أمر النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بحج مفرد
(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 345 (2) اختصر المصنف الحديث وله بقية راجع صحيح مسلم ج 1 ص 345 (3) هو ضم الجيم والشين المعجمتين وقيل بضم الجيم وفتح الشين بينهما عين مهملة ساكنة (4) الحديث في صحيح مسلم ج 1 ص 346
فلولا جدا اقتصر المصنف على محل الشاهد منه وقوله (لا بد أبد) باضافة الاول للثاني وتنوين الثاني ومعناه لآخر الدهر، والله اعلم (5) الزيادة من صحيح البخاري ج 2 ص 274 (6) الحديث له بقية انظر ج 2 ص 346 من صحيح البخاري طبع ادارتنا *
[ 101 ]
ولا هدى معه يحل بان يحل بعمرة ولابد، ثم يهل بالحج يوم التروية قيصير متمتعا * وفى الحديث الثالث من طريق أنس أمره صلى الله عليه وسلم من أهل بحج وعمرة قارنا ولاهدى معه أن يهل بعمرة ولابد ثم يهل بالحج يوم التروية فيصير أيضا متمتعا * وفى الحديث الثاني الذى من طريق جابر أمره صلى الله عليه وسلم كل من لا هدى معه عموما بان يحل بعمرة، وان هذا هو آخر أمره على الصفا بمكة، وأنه عليه السلام اخبر بان التمتع أفضل من سوق الهدى معه، وتأسف إذا لم يفعل ذلك هو، وأن هذا الحكم (هو) (1) باق إلى يوم القيامة وما كان هكذا فقد أمنا أن ينسخ أبدا، ومن أجاز نسخ ما هذه صفته فقد أجاز الكذب على خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا من تعمده كفر مجرد، وفيه أن العمرة قد دخلت في الحج وهذا هو قولنا لان الحج لا يجوز الا بعمرة متقدمة له يكون بها متمتعا أو بعمرة مقرونة معه ولا مزيد * وفى الحديث الرابع الذى من طريق عائشة أم المؤمنين أمره صلى الله عليه وسلم من معه هدى أن يقرن بين الحج، والعمرة وبه يقول ابن عباس، ومجاهد، وعطاء واسحاق بن راهويه، وغيره * نا احمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا ابراهيم بن محمد الدينورى نا محمد بن أحمد بن الجهم نا أبو إسماعيل محمد بن اسماعيل نا أحمد بن صالح نا عنبسة حدثنى يونس - هو ابن يزيد - عن ابن شهاب عن كريب أنه حدثه عن ابن عباس أنه كان يقول: ما طاف رجل بالبيت ان كان حاجا الا حل بعمرة إذا لم يكن معه هدى، ولا طاف ومعه هدى الا اجتمعت له حجة وعمرة * ومن طريق مسلم بن الحجاج نا اسحاق - هو ابن راهويه - انا محمد بن بكر انا ابن جريج اخبرني عطاء قال: كان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاج ولاغير حاچ إلا حل
فقلت لعطاء: من أين تقول ذلك؟ قال: من قول الله تعالى (ثم محلها إلى البيت العتيق). قلت: فان ذلك بعد المعرف قال: كان ابن عباس يقول: هو بعد المعرف وقبله، وكان يأخذ ذلك من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم أن يحلو في حجة الوداع * ومن طريق عطاء. ومجاهد ان ابن عباس كان يأمر القارن ان يجعلها عمرة إذا لم يكن ساق الهدى * ومن طريق طاوس عن ابن عباس والله ما تمت حجة رجل قط الا رجل اعتمر في وسط السنة * نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب نا محمد بن المثنى نا عبد الرحمن ابن مهدى نا سفيان - هو الثوري - عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبى موسى
(1) الزيادة من النسخة رقم (16) *
[ 102 ]
الاشعري قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالبطحاء فقال: بم أهللت؟ قلت (: أهللت) (1) باهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال: هل سقت من هدى؟ قلت: لا قال: طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل، فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي فكنت أفتى الناس بذلك في إمارة أبى بكر وامارة عمر فانى (2) لقائم بالمؤسم إذ جاءني رجل فقال: انك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك قلت: يا أيها الناس من كنا أفتيناه بشئ فليتئد فان أمير المؤمنين قادم عليكم فأتموا به فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين ما (هذا) (3) الذى أحدثت في شأن النسك قال: ان نأخذ بكتاب الله تعالى فان الله تعالى قال: (وأتموا الحج والعمرة لله). وان نأخذ بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم فانه (4) لم يحل حتى نحر الهدى * قال أبو محمد: هذا أبو موسى قد أفتى بما قلنا مدة إمارة أبى بكر وصدرا من إمارة عمر رضى الله عنهما، وليس توقفه لما شاء الله تعالى ان يتوقف له حجة على ماروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحسبنا قوله لعمر ما الذى احدثت في شأن النسك؟ فلم ينكر ذلك عمر، وأما قول
عمر رضى الله عنه في قول الله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله). فلا اتمام لهما إلا علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وهو الذى أنزلت عليه هذه الاية، وأمر ببيان ما أنزل عليه من ذلك * وأما كونه عليه السلام لم يحل حتى نحر الهدى فان أم المؤمنين ابنته حفصة رضى الله عنها روت عن النبي صلى الله عليه وسلم بيان فعله كما روينا من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر عن حفصة أم المؤمنين انها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأن الناس حلوا ولم تحل انت من عمرتك؟ قال: إنى لبدت رأسي وقلدت هديى فلا أحل حتى أنحر * ورواه أيضا على كما روينا من طريق أحمد بن شعيب أخبرني معاوية بن صالح الاشعري نا يحيى بن معين نا حجاج - يعنى ابن محمد الاعور - نا يونس - يعنى ابا اسحاق السبيعى - عن أبيه عن البراء - هو ابن عازب - عن على بن أبى طالب ((ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: انى سقت الهدى وقرنت لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لفعلت كما فعلتم ولكني سقت الهدى وقرنت) (5) * فهذا أولى ان يتبع من رأى رآه عمر قد صح عنه رجوعه عنه، وقد خالفوه فيه أيضا كما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن عن جعفر بن محمد عن أبيه قال في
(1) الزيادة من النسائي ج 5 ص 154 (2) في النسائي (وانى) (3) الزيادة من النسائي (4) في النسائي ج 5 ص 155 (فان نبينا صلى الله عليه وسلم) (5) هو في النسائي ج 5 ص 149 اختصره المصنف *
[ 103 ]
كتاب على بن ابى طالب: من شاء ان يجمع بين الحج والعمرة فليسق هديه معه * نا أحمد بن محمد الطلمنكى نا ابن مفرج نا ابراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد ابن على بن زيد الصائغ نا سعيد بن منصور نا هشيم نا منصور - هو ابن المعتمر - قال: حج الحسن البصري وحججت معه في ذلك العام فلما قدمنا مكة جاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد انى رجل بعيد الشقة من أهل خراسان وانى قدمت مهلا بالحج فقال له الحسن:
اجعلها عمرة وأحل فانكر ذلك الناس على الحسن وشاع قوله بمكة فاتى عطاء بن ابى رباح فذكر ذلك له فقال: صدق الشيخ، ولكنا نفرق (1) ان نتكلم بذلك * قال أبو محمد: ليس انكار اهل الجهل حجة على سنن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق عبد الرازق عن ابن جريج عن عطاء قال: من اهل من خلق الله تعالى ممن له متعة بالحج خالصا أو بحجة وعمرة فهى متعة سنة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم * وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن ابيه انه سئل عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلت العمرة في الحج؟ فقال: هو الرجل يفرد الحج ويذبح فقد دخلت له عمرة في الحچ فوجبتا له جميعا * ومن طريق عبد الرزاق نا عمر بن ذر أنه سمع مجاهدا يقول: من جاء حاجا فاهدى هديا فله عمرة مع حجة * ومن طريق سعيد بن منصور نا عتاب بن بسير نا خصيف عن عطاء. ومجاهد ان ابن عباس كان يأمر القارن أن يجعلها عمرة إذا لم يكن ساق الهدى، قال خصيف: وكنت مع مجاهد فأتاه الضحاك بن سليم وقد خرج حاجا فسأل مجاهدا فقال له مجاهد: اجعلها عمرة فقال: هذا أول ما حججت فلا تشايعني نفسي فاى ذلك ترى أتم؟ ان أمكث كما انا أو أجعلها عمرة؟ قال خصيف: فقلت له: أظن هذا أتم لحجك ان اتمكث كما أنت، فرفع مجاهد تبنة من الارض وقال: ما هو بأتم من هذا، وهو قول اسحاق بن راهويه * وقال عبيدالله بن الحسن القاضى. وأحمد بن حنبل باباحة فسخ الحج لا بايجابه، ومنع منه أبو حنيفة، ومالك، والشافعي * قال على: روى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لاهدى له ان يفسخ حجه بعمرة ويحل بأوكد امر جابر (2) بن عبد الله. وعائشة ام المؤمنين. وحفصة أم المؤمنين (كذلك) (3). وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى. واسماء بنت أبى بكر الصديق. وأبو موسى الاشعري وأبو سعيد الخدرى. وأنس. وابن عباس. وابن عمر. وسبرة بن معبد. والبراء بن عازب. وسراقة بن مالك. ومعقل بن يسار خمسة عشر من الصحابة رضى الله عنهم * ورواه عن هؤلاء نيف وعشرون من التابعين * ورواه عن هؤلاء من لا يحصيه
الا الله عزوجل، فلم يسمع احدا الخروج عن هذا * * (هامش) (1) أي تخاف (2) هو فاعل روى (3) الزيادة من النسخة رقم (14) *
[ 104 ]
واحتج من خالف كل هذا باعتراضات لاحجة لهم في شئ منها * منها انهم ذكروا خبرا رويناه من طريق مالك عن أبى الاسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة عن عائشة (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج وأهل بالحج وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، فأما من أهل بعمرة فحل، وأما من أهل بحج أو جمع بين الحج والعمر ة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر) * وبخبر رويناه من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبى الاسود محمد بن عبد الرحمن ابن نوفل عن عروة، وقد ذكر له عن رجل ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم (انه طاف بالبيت وحل)) فقال عروة عن عائشة في حديث: قالت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (انه اول شئ بدأ به حين قدم مكة انه توضأ ثم طاف بالبيت، ثم حج أبو بكر فكان أول شئ بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره، ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان فرأيته أول شئ بدأ به الطواف (بالبيت) (1)، ثم لم يكن غيره، ثم معاوية، وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع الزبير أبى (2) فكان أول شئ بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره، ثم رأيت المهاجرين والانصار يفعلون ذلك، ثم لم يكن غيره ولا أحد ممن مضى (ما) (3) كانوا يبدؤن بشئ حين يضعون أقدامهم أول (4) من الطواف بالبيت ثم لا يحلون، وقد رأيت أمي. وخالتي تقدمان لا تبدأن بشئ أول من البيت تطوفان به ثم لا تحلان، وقد أخبرتني أمي انها أقبلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة قط فلما مسحوا الركن حلو، وقد كذب فيما ذكر من ذلك) * وبخبر رويناه من طريق ابن أبى شيبة عن محمد بن بشير العبدى عن محمد بن عمرو ابن علقمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم سلم للحج ثم ذكرت أن من كان منهم أهل بحج مفرد. أو بعمرة وحج فلم يحلل حتى قضى مناسك الحج، ومن أهل بعمرة مفردة طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل حتى يستقبل حجا) * قال أبو محمد: حديث أبى الاسود عن عروة عن عائشة، وحديث يحيى بن عبد الرحمن ابن حاطب عنها منكران، وخطأ عند أهل العلم بالحديث * نا أحمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا عبيدالله بن محمد السقطى نا أحمد بن جعفر نا محمد بن مسلم الختلى نا عمر بن محمد بن عيسى الجوهرى السدانى نا
(1) الزيادة من النسخة رقم (16) وهى موافقة لصحيح مسلم ج 1 ص 354 (2) في صحيح مسلم ج 1 ص 354 (مع ابى الزبير بن العوام) والمغنى واحد (3) الزيادة من صحيح مسلم (4) في النسخة رقم (14) (اولى) وما هنا موافق لما في صحيح مسلم ج 1 ص 354 هو الصحيح *
[ 105 ]
أحمد بن محمد الاثرم نا أحمد بن حنبل فذكر حديث مالك عن أبى الاسود الذى ذكرنا آنفا فقال أحمد: ايش في هذا الحديث من العجب؟ هذا خطأ، قال الاثرم: فقلت له: الزهري عن عروة عن عائشة بخلافه قال أحمد: نعم، وهشام بن عروة * قال أبو محمد: ولابي الاسود المذكور حديث آخر في هذا الباب لاخفاء بفساده وهو خبر رويناه من طريق البخاري نا أحمد بن صالح (1) نا ابن وهب انا عمرو بن الحارث عن أبى الاسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ان عبد الله مولى اسماء (بنت أبى بكر قال): (2) حدثه انه كان يسمع أسماء بنت أبى بكر تقول كلما مرت بالحجون (3): صلى الله على رسوله لقد نزلنا معه ههنا. ونحن يومئذ خفاف قليل ظهرنا (4) قليلة أزوادنا فاعتمرت انا وأختى عائشة. والزبير. وفلان. وفلان فلما مسحنا البيت أحللنا ثم أهللنا من العشى بالحج * قال على: وهذا باطل بلا خلاف من أحر لان عائشة رضى الله عنها لم تعتمر في عام حجة الوداع قبل الحج أصلا لانها دخلت وهى حائض - حاضت بسرف ولم تطف بالبيت
الا بعد ان طهرت يوم النحر هذا أمر في شهرة الشمس، ولذالك رغبت من النبي صلى الله عليه وسلم ان يعمرها بعد الحج فأعمرها من التنعيم بعد انتقضاء أيام التشريق كلها رواه جابر ابن عبد الله، ورواه عن عائشة عروة. والقاسم بن محمد. وطاوس. ومجاهد. والاسود ابن زيد. وابن أبى مليكة * وبلية أخرى في هذا الخبرو هي قوله فيه: ثم أهللنا من العشئ بالحج وهذا باطل بلا خلاف لان عائشة أم المؤمنين. وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن عباس كلهم رووا ان الاحلال كان يوم دخولهم مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في حجة الوداع صبح رابعة من ذى الحجة، والاحاديث في ذلك مشهورة قد ذكرناها في كتبنا وذكرها الناس وكل من جمع في المسند فظهر عوار رواية أبى الاسود، وقد روى الزهري عن عروة عن عائشة أمر النبي صلى الله عليه وسلم من لا هدى له بفسخ الحج وانهم فسخوه، ولا يعدل أبو الأسود بالزهرى * روينا من طريق البخاري نا يحيى بن بكير نا الليث - هو ابن سعد - عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر قال قال عبد الله بن عمر في عمر في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم: فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فانه لا يحل من شئ حرم
(1) وقع في البخاري (احمد) غير منسوب وهى رواية الاكثر، وفى رواية كريمة (احمد بن عيسى) وعليها جرينا في نسختنا المطبوعة، وفى رواية ابى ذر حدثنا احمد بن صالح وهى موافقة لماهنا (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 3 ص 24 (3) هو بفتح الحاء المهملة اسم الحاء المهملة اسم موضع بمكة عند المحصب، وقيل جبل معروف بمكة (4) أي مراكبنا *
[ 106 ]
منه حتى يقضى حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ويقصر (1) وليحلل ثم ليهل بالحج فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة وإذا رجع إلى أهله، قال الزهري عن عروة: أن عائشة أخبرته (عن النبي صلى الله عليه وسلم) (2) في تمتعه بالعمرة إلى الحج فتمتع الناس معه بمثل ما اخبر به سالم عن أبيه (3)، ورواه أيضا عن عائشة من لا يذكر معه يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، وهم القاسم بن محمد ابن أبى بكر، والاسود بن يزيد، وذكوان مولاها وكان يؤمها، وعمرة بنت عبد الرحمن *
وكل واحد من هؤلاء أخص بعائشة وأعلم وأضبط وأوثق من يحيى بن عبد الرحمن * روينا من طريق مسلم حدثنى سليمان بن عبيدالله الغيلانى (4) نا أبو عامر (عبد الملك ابن عمرو) (5) العقدى نا عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون عن عبد الرحمن بن القاسم ابن محمد عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث، وفيه (فلما قذمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: اجعلوها عمرة فأحل الناس إلا من كان معه الهدى فكان الهدى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأبى بكر. وعمر. وذوى اليسارة ثم أهلوا حين راحوا) * ويكفى من كل هذا أن أن هذه الاخبار الثلاثة من طريق أبى الاسود، ويحيى بن عبد الرحمن انما هي موقوفة لا مسندة ولا حجة في موقوف فكيف إذا روى بضعة وعشرون من التابعين عن خمسة عشر من الصحابة خلاف ذلك؟ * وأسلم الوجوه لحديثي ابى الاسود. وحديث يحيى بن عبد الرحمن أن يخرج على أن المراد بقولها: ان الذين أهلوا بحج أو حج وعمرة (6) لم يحلوا (7) إلى يوم النحر (8) انما كانوا من كان معه هدى فاهل بهما جمعيا أو أضاف العمرة إلى الحج كما روى مالك عن الزهري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فتخرج جينئذ هذه الاخبار سالمة لان ماروته الجماعة عنها فيه زيادة لم يذكرها أبو الأسود، ولا يحيى بن عبد الرحمن لو كان ما رويا مسندا فكيف وليس مسندا؟ ونحمل حديث أبى الاسود عن عروة في حج أبى بكر. وعمر. وسائر من ذكرنا على أنهم كانوا يسرقون الهدى فتتفق الاخبار * واحتجوا أيضا بنهي عمر. وعثمان عن ذلك *
(1) في صحيح البخاري ج 2 ص 324 (وليقصر) وهى رواية الاكثر وما هنا موافق لما في فتح الباري ج 3 ص 431 وهى رواية ابى ذر (2) الزيادة من صحيح البخاري (3) في صحيح البخاري بمثل الذى اخبرني سالم عن ابن عمر) (4) في النسختين (سليمان ابن عبد الله الغيلانى) وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب ج 4 ص 209، ومن صحيح مسلم جرء 1 ص 341 وفيه زيادة (أبو ايوب) (5) الزيادة من صحيح مسلم (6) في النسخة رقم (16) (اهلوابا لحج والعمرة) وهو غلط انظر صفحة 104 (7) في
النسخة رقم (16) (لم يهلوا) وهو غلط انظر ص 104 (8) تقدم في ص 104 (حتى كان يوم النحر) وهو اوضح في التعبير من هنا *
[ 107 ]
قال أبو محمد: هذا عليهم لالهم لانه ان كان نهيهما رضى الله عنهما حجة فقد صح عنهما النهى عن متعة الحج. وهم يخالفونهما في ذلك * نا أحمد بن محمد الطلمنكى نا ابن مفرج نا ابراهيم بن أحمد بن فراس نا محمد بن على ابن زيد الصائغ نا سعيد بن منصور نا هشيم. وحماد بن زيد قال هشيم: انا خالد - هو الحذاء - وقال حماد: عن أيوب السختيانى ثم اتفق أيوب وخالد كلاهما عن أبى قلابة قال: قال عمر بن الخطاب: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنهما وأضرب عليهما هذا لفظ أيوب، وفى رواية خالد أنا أنهى عنهما واعاقب عليهما. متعة النساء. ومتعة الحج * وبه إلى سعيد بن منصور ناهشيم انا عبد الله بن عون عن القاسم بن محمد ان عثمان فهى عن المتعة يعنى متعة الحج * وبه إلى سعيد بن منصور نا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن عبد العزيز بن عن أبيه ان عثمان بن عفان سمع رجلا يهل بعمرة وحج فقال: على بالمهل فضربه وحلقه * قال أبو محمد: وهم يخالفونهما ويجيزون المتعة حتى انها عند أبى حنيفة، والشافعي أفضل من الافراد فسبحان من جعل نهى عمر. وعثمان رضى الله عنهما عن فسخ الحج حجة! ولم يجعل نهيهما عن متعة الحج وضربهما عليها حجة! ان هذا لعجب! * (فان قالوا): قد أباحها بن أبى وقاص وغيره قلنا: وقد أوجب فسخ الحج ابن عباس وغيره ولافرق * واحتجوا بما رويناه أيضا من طريق البزارنا عمر بن الخطاب السجستاني نا الفريابى (1) نا ابان بن أبى حازم (2) حدثنى أبو بكر بن حفص عن ابن عمر عن عمر قال: يا أيها الناس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحل لنا المتعة ثم حرمها علينا * ومن طرق أبى ذر كانت المتعة في الحج رخصة لنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم * وعن عثمان كانت متعة الحج لنا ليست لكم *
قال أبو محمد: هذا كله خالفه الحنيفيون والمالكيون والشافعيون لانهم متفقون على اباحة متعة الحج، وأما حديث عمر فانما هو في متعتة النساء بلا شك لانه قد صح عنه الرجوع إلى اللفول بها في الحج، وهؤلاء مخالفون اهذا الخبران كان محمولا عند هم على متعة الحج * روينا من طريق شعبة عن سلمة بن كهيل عن طاوس عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: لو اعتمرت في سنة مرتين ثم حججت لجعلت مع حجتى عمرة * ورويناه
(1) في النسختين (الفاريانى) وهو غلط لان شيخ عمر بن الخطاب السجستاني محمد بن يوسف الفريابى فتصحف في النسختين إلى الفاريانى، وهو نسبة إلى فرياب أو فارياب أو فيرياب بلدة من نواحى بلخ (2) في النسخة رقم (16) (ابان بن ابى حاتم) وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب وغيره *
[ 108 ]
أيضا من طريق سفيان عن سلمة بن كهيل عن طاوس عن ابن عباس عن عمر بمثله * ورويناه أيضا من طرق * واحتجوا بما رويناه أيضا من طريق المرقع عن أبى ذر انه قال: كان فسخ الحج من رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا خاصة * ومن طريق عبد الرحمن بن الاسود عن سليمان أو سليم ابن الاسود أن أبا ذر قال فيمن حج ثم فسخها عمرة: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق موسى بن عبيدة عن يعقوب بن زيد عن أبى ذر قال: لم يكن لاحد بعدنا ان يجعل حجته عمرة انما كانت لنار خصة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم * قال أبو محمد: ان لم يكن قول أبى ذر ان متعة الحج خاصة لهم حجة فليس قوله ان فسخ الحج خاص لهم حجة لا سيما وذلك الاسناد عنه صحيح لانه من رواية ابراهيم التيمى عن أبيه، وهذه الاسانيد عنه واهية لانها عن المرقع وسليمان أو سليم وهما مجهولان، وعن موسى بن عبيدة الربذى وهو ضعيف فكيف وقد خالفه ابن عباس. وأبو موسى؟ فلم يريا ذلك خاصة، ولايجوز ان يقال في سنة ثابتة أنها خاصة لقوم دون قوم إلا بنص قرآن أو سنة صحيحة لان أوامر النبي صلى الله عليه وسلم على لزوم الانس والجن الطاعة لها والعمل بها *
(فان قيل): هذا لا يقال بالرأى قلنا: فيجب على هذا متى وجد أحد من الصحابة يقول في آية أنها مخصوصة أو منسوخة أن يقال بقوله (1)، وأقرب ذلك قولهم في المتعة انها خاصة وقد خالفوا ذلك * واحتجوا بما رويناه من طريق ربيعة الرأى عن الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه قلت: يا رسول الله (أفسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: لكم خاصة) * قال أبو محمد: الحارث بن بلال مجهول ولم يخرج احد هذا الخبر في صحيح الحديث، وقد صح خلافه بيقين كما اوردنا من طريق جابر بن عبد الله ان سراقة بن مالك قال لرسول صلى الله عليه وسلم: إذا أمرهم بفسخ الحج في عمرة: يارسول الله (لعامنا هذا أم لابد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل لابد الابد) * ومن طريق البخاري نا أبو النعمان - هو محمد بن الفضل عارم - ناحماد بن زيد عن عبد الملك بن جريج عن عطاء عن جابر بن عبد الله، وعن طاوس عن ابن عباس قالا جميعا: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم صبح رابعة من ذى الحجة يهلون بالحج لا يخلطة شئ فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة وان نحل إلى نسائنا ففشت في دلك القالة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بلغني أن قوما يقولون: كذا وكذا والله لانا ابر وأتقى لله منهم. ولو أنى استقبلت
(1) في النسخة رقم (14) (ان يقول بقوله) وما هنا اولى *
[ 109 ]
من أمرى ما استدبرت ما أهديت، ولولا ان معى الهدى لاحللت فقام بن جعشم فقال: يارسول الله هي لنا أو للابد قال لابل الابد) * قال أبو محمد: وهكذا رواه مجاهد عن ابن عباس. ومحمد بن الحسين عن جابر * قال أبو محمد: فبطل التخصيص والنسخ وأمن (من) (1) ذلك أبدا، ووالله ان من سمع هذا الخبر ثم عارض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام أحد ولو انه كلام أمي المؤمنين حفصة. وعائشة. وأبويهما رضى الله عنهم لهالك، فكيف با كذوبات كنسج العنكبوت الذى هو أوهن البيوت؟ عن الحارث بن بلال. والمرقع. وسليمان أو سليم الذين لا يدرى
من هم في الخلق. وموسى الربذى، وكفاك، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وليس لاحدأن يقتصر بقوله عليه السلام (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) على انه أراد جوازها في أشهر الحج دون ما بينه جابر. وابن عباس من انكاره عليه السلام ان يكون الفسخ لهم خاصة أو لعامهم دون ذلك، ومن فعل ذلك فقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا * قال أبو محمد: وأتى بعضهم بطامة وهى انه ذكر الخبر الثابت عن ابن عباس انهم كانوا يرون العمرة عى أشهر الحج من أفجر الفجور في الارض فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة من ذى الحجة فأمرهم ان يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: الحل كله) (2) فقال قائلهم: أمر هم عليه السلام بذلك ليوقفهم على جواز العمرة في أشهر الحج قولا وعملا * قال أبو محمد: وهذه عظيمة، أول ذلك انه كذب على النبي صلى الله عليه وسلم في دعواهم انه انما أمرهم بفسخ الحج في عمرة ليعلمهم جواز العمرة في أشهر الحج ثم يقال لهم: هبك لو كان ذلك ومعاذ الله من ان يكون أبحق أمر أم بباطل؟ فان قالوا: بباطل كفروا وان قالوا: بحق قلنا، فليكن امره عليه السلام بذلك لاى وجه كان قد صار حقا واجبا، ثم لو كان هذا الهوس الذى قالوه فلاى معنى كان يخص بذلك من لم يسق الهدى دون من ساق؟، وأطم من هذا كله ان هذا الجاهل القائل بذلك قد علم ان النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر بهم في ذى القعد عاما بعد عام قبل الفتح. ثم اعتمر في ذى القعدة عام الفتح ثم قال لهم في حجة الوداع في ذى الحليفة: من شاء منكم ان يهل بعمرة فليفعل ومن شاء أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن شاء أن يهل بحج فليفعل ففعلوا (3) كل ذلك، فيالله ويا للمسلمين أبلغ الصحابة رضى الله عنهم من البلادة. والبله. والجهل أن لايعرفو مع هذا كله ان العمرة جائزة في أشهر الحج؟ وقد عملوها معه عليه السلام عاما بعد عام (في أشهر الحج) (4)
(1) الزيادة من النسخة رقم (16) (2) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 355 وفى صحيح البخاري ج 2 ص 280 (3) في النسخة رقم (14) (وفعلوا) (4) الزيادة من النسخة رقم (16) *
[ 110 ]
حتى يحتاج إلى أن يفسخ حجهم في عمرة ليعلموا جواز ذلك، تالله ان الحمير لتميز الطريق من أقل من هذا، فكم هذا الاقدام والجرأة على مدافعة السنن الثابتة في نصر التقليد؟ مرة بالكذب المفضوح، ومرة بالحماقة المشهورة، ومرة بالغثاثة والبرد، حسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله على السلامة * واحتج بعضهم في جواز الافراد بالحج بالخبر الثابت من طريق أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (والذى نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما) (1) * قال أبو محمد: كل مسلم فلا يشك في ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم هذا إلا بوحى من الله عزوجل إليه لا يمكن غير هذا أصلا، ولاشك في أن وحى الله عزوجل لا يترك بشك لانه عزوجل لا يشك، فصح ان هذا الشك من قبل أبى هريرة أو ممن دونه لامن قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لو صح انه من قبله عليه السلام لكان ذلك إذ كان الافراد مباحا ثم نسخ بأمره عليه السلام من لاهدى معه بالمتعة ولابد، ومن معه الهدى بالقران ولابد * قال على: فظهر الحق واضحا والحمد لله رب العالمين، وقال مالك: الافراد أفضل ووافقنا هو والشافعي في صفة التمتع والقران لمن أراد ان يكون قارنا أو متمتعا، وكل ذلك جائز عندهما لمن ساق الهدى ولمن لم يسقه، وقال الشافعي مرة: الافراد أفضل ومرة قال: التمتع أفضل، ومرة قال: القران أفضل، وكل ذلك عند جائز كما ذكرنا، وأما أبو حنيفة فانه قال: القران أفضل ثم التمتع ثم الافراد، وكل ذلك جائز عنده لمن ساق الهدى ولمن لم يسقه الا أنه خالف في صفة التمتع القران على مانذ كر بعد هذا ان شاء الله تعالى * وأما الاشعار فان عبد الله بن ربيع نا قال: نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا عمرو بن على على الفلاس نا يحيى بن سعيد القطان نا شعبة عن قتادة عن أبى حسان الاعرج عن ابن عباس (ان النبي صلى الله عليه وسلم لما كان بذى الحليفة أمر ببدنته فأشعر في سنامها من الشق
الايمن ثم سلت الدم عنها وقلدها نعلين) (2) وذكر باقى الخبر * وبه إلى عمرو بن على نا وكيع حدثنى أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد بن أبى بكر عن عائشة أم المؤمنين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم أشعر بدنه (3) * ورويناه أيضا من طريق المسور بن مخرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم نا عبد الرحمن بن عبد الله ابن خالد نا ابراهيم بن أحمد نا الفربرى نا البخاري نا أبو النعمان - هو محمد بن الفضل عارم -
(1) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 357، وقوله (ليثنينهما) بفتح الياء في اوله - معناه ليقرن بينهما، و (فج الروحاء) - بفتح الفاء وتشديد الجيم - موضع بين مكة والمدينة وكان طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر والى مكة عام الفتح وعام حجة الوداع (2) هو في النسائي ج 5 ص 170، وباقيه (فلما استوت به على البيداء اهل) (3) هو في النسائي ج 5 ص 170 *
[ 111 ]
نا عبد الواحد - هو ابن زياد - نا الاعمش نا ابراهيم النخعي عن الاسود بن يزيد عن عائشة ام المؤمنين قالت: كنت أفتل القلائد النبي صلى الله عليه وسلم فيقلد الغنم ويقيم في أهله حلالا (1) * ورويناه أيضا من طريق أبى معاوية عن الاعمش. والحكم بن عتيبة. ومنصور كلهم عن ابراهيم عن الاسود عن عائشة أم المؤمنين * قال أبو محمد: ولم يأت في البقر شئ من هذا، وروينا كما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليا بأن يقسم لحوم البدن وجلالها فصح التجليل فيها * وروينا من طريق ابن أبى شيبة عن على بن مسهر عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: لاهدى الاماقلد وأشعر ووقف بعرفة * ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس ابن سعد عن عطاء عن ابن عباس ان شئت فأشعر، وان شئت فلا تشعر، وان شئت فقلد. وان شئت فلا تقلد * ومن طريق ابن أبى شيبة عن أبى عن أبى معاوية عن الاعمش عن ابراهيم عن الاسود أنه ارسل إلى عائشة ام المؤمنين في اشعار البدنة فقالت: ان شئت انما تشعر ليعلم انها بدنة * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أنه كان يشعر في الشق الايمن حين يريد ان يحرم * ومن طريق حماد بن سلمة
عن هشام بن عروة عن أبيه قال: تشعرها من الايمن * ومن طريق وكيع نا أفلح - هو ابن حميد - قال: رأيت القاسم بن محمد أشعرها في الجانب الايمن وهو قول الشافعي، وابى سليمان * ومن طريق عبد الرزاق عن عمر بن ذر عن عطاء بن أبى رباح قال: رأيت عائشة ام المؤمنين تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن أبى عدى عن محمد ابن عمر وعن محمد بن ابراهيم عن ابن عباس قال: لقد رأيت الغنم يؤتى بها مقلدة * ومن طريق ابن ابى شيبة نا حاتم بن وردان عن برد عن عطاء قال: رأيت ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوقون الغنم مقلدة * وعن حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء قال رأيت الكباش تقلد * وعن وكيع عن بسام عن أبى جعفر بن محمد ابن على بن الحسين قال: رأيت الكباش تقلد * ومن طريق ابن طاوس عن أبيه قال: رأيت الغنم تقلد * ومن طريق سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري عن عبيدالله بن أبى يزيد قال: رأيت الغنم تقدم مكة مقلدة * قال أبو محمد: واختلف الناس في هذا فقال أبو حنيفة: اكره الاشعار وهو مثلة * قال على: هذه طامة من طوام العالم ان يكون مثلة شئ فعله النبي صلى الله عليه وسلم أف لكل عقل يتعقب حكم (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلزمه أن تكون الحجامة وفتح العرق مثلة
(1) هو في البخاري ج 2 ص 327 (2) في النسخة رقم (16) (يتعقب عمل) *
[ 112 ]
فيمنع من ذلك، وان يكون القصاص من قطع الانف، وقلع الاسنان، وجذع الاذنين مثلة، وان يكون قطع السارق والمحارب مثلة، والرجم للزاني المحصن مثلة، والصلب للمحارب مثلة، انما المثلة فعل من بلغ نفسه مبلغ انتقاد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا هو الذى مثل بنفسه، والاشعار كان في حجة الوداع والنهى عن المثلة كان قبل ذلك بأعوام فصح أنه ليس مثلة، وهذه قولة: لا يعلم لابي حنيفة فيها متقدم من السلف، ولا موافق من فقهاء أهل عصره الامن ابتلاه الله بتقليده ونعوذ بالله من البلاء * وقال أبو يوسف. ومحمد بن الحسن: ومالك: يشعر في الجانب الايسر *
قال أبو محمد: وهذا خلاف السنة كما ذكرنا (فان قالوا): قد رويتم عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا كانت بدنة واحدة أشعرها في الجانب الايسر وإذا كانت بدنتين قلد إحداهما في الجانب الايمن والاخرى في الايسر * وعن مجاهد كانوا يستحبون الاشعار في الجانب الايسر قلنا: هذا مما اختلف فيه عن ابن عمر، وعلى كل حال فليس هو قولكم، وسالم ابنه أوثق وأجل وأعلم به من نافع روى عنه الاشعار في الجانب الايمن كما أوردنا، ولا حجة في قول احد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم * والعجب من احتجاجهم بابن عمر في فعل قد اختلف عنه فيه فمرة عليهم ومرة ليس لهم، وهم قد خالفوا قوله الذى لم يختلف عنه فيه من انه لاهدى إلا ما قلدو أشعر، وهذا مما خالف فيه المالكيون عمل أهل المدينة كما ذكرنا * (فان قيل): فلم لم تقولوا أنتم: بانه لا يكون هديا الا ما أشعر؟ للحديث الذى رويتم آنفا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم انه أمر ببدنته فاشعر في سنامها قلنا: ليس في هذا الخبر أمر بالاشعار ولو كان فيه لقلنا بايجابه مسارعين وانما فيه انه أمر ببدنته فأشعر في سنامها فمقتضاه انه أمر بها فأدنيت إليه فأشعر في سنامها، لانه هو عليه السلام تولى بيده اشعارها بذلك صح الاثر عنه عليه السلام كما ذكرنا * وروينا عن ابى بن كعب. وابن عمر اشعار البقر في أسنمتها * وعن ابن عمر الشاة لا تقلد، ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خالفوا ابن عمر كما أوردنا آنفا في قوله في الهدى فمن الباطل احتجاجهم بمن لامؤنة عليهم في مخالفته * وروينا عن سعيد بن جبير الابل تقلد وتشعر، والغنم لا تقلد ولا تشعر، والبقر تقلد ولا تشعر، وقال أبو حنيفة، ومالك: لا تقلد الغنم، ورأى مالك اشعار البقر ان كانت لها أسنمة * قال على وهذا خطأ ومقلوب بل الابل تقلد وتشعر، والبقر لا تقلد ولا تشعر، والغنم تقلد ولا تشعر، وقال أبو حنيفة: لا يقلد الا هدى المتعة والقران والتطوع من الابل والبقر فقط، ولا يقلد هدى الاحصار. ولا الجماع. ولاجزاء الصيد * وقال مالك،
[ 113 ]
والشافعي: يقلد كل هدى ويشعر، وهذا هو الصواب لعموم فعل النبي صلى الله عليه وسلم * قال على: وقال بعض من أعماه الهوى وأصمه: انما معنى ماروى عن عائشة من هدى الغنم مقلدة. انما هو انها فتلت قلائد الهدى من الغنم - أي من صوف الغنم - * قال أبو محمد: وهذا استسهال للكذب البحت (1) وخلاف لما رواه الناس عنها من اهدائه عليه السلام الغنم مقلدة، ونعوذ بالله العظيم من الخذلان * وأما الاشتراط فلما حدثنا عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا أبو كريب محمد بن العلاء (الهمداني) (2) نا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير هو ابن عبد المطلب - فقال لها: أردت الحج؟ قالت: والله ما أجدني الا وجعة فقال لها: حجى واشترطي وقولى: اللهم محلى حيث حسبتني، وكانت تحت المقداد) * ورويناه أيضا من طريق اسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لضباعة: (حجى واشترطي ان محلى حيث تحبسني) * ورويناه أيضامن طريق طاوس. وعكرمة. وسعيد بن جبير كلهم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال لضباعة: (أهلى بالحج واشترطي ان محلى حيث تحبسني) * ورويناه ايضا من طريق عروة بن الزبير عن ضباعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق أبى الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه آثار متظاهرة متواترة لا يسمع أحدا الخروج عنها * وروينا من طريق سويد بن غفلة قال لى عمر بن الخطاب: لان حججت ولست صرورة فاشترط إن أصابني مرض أو كسراو حبس فانا حل * وروينا أيضا الامر بالاشتراط في الحج من طريق وكيع. وعبد الرحمن بن مهدى. ويحيى بن سعيد القطان كلهم عن سفيان الثوري عن ابراهيم بن عبد الاعلى عن سويد بن غفلة عن عمر أنه، وفى رواية ابن مهدى. ويحيى لانه قال له: أفرد الحج واشترط فان لك ما اشترطت ولله عليك ما شرطت * ومن طريق ابن أبى شيبة نا الفضل بن دكين عن سعيد بن عبد الرحمن عن ابن سيرين
عن عبد الله بن عتبة عن عثمان بن عفان مثل ما رواه ابن المبارك عن هشام بن حسان عن ابن سيرين ان عثمان رأى رجلا واقفا بعرفة فقال له: أشارطت؟ قال: نعم * ومن طرق جمة عن محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن مسيرة ان على بن أبى طالب كان إذا أراد الحج قال: اللهم حجة ان تيسرت أو عمرة ان أن أراد العمرة والا فلا حرج *
(1) في النسخة رقم (14) (وهذا استسهال الكذب البحث (2) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 339 *
[ 114 ]
ومن طريق سفيان الثوري عن ابى اسحاق عن عميرة بن زياد قال: قال لى ابن مسعود: حج واشترط وقل: اللهم الحج اردت وله عمدت فان تيسر وإلا فعمرة * ومن طريق هشام (1) بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين انها كانت تقول: اللهم للحج خرجت وله عمدت قال قضيت فهو الحج تو ان حال دونه شئ فهى عمرة، وانها كانت تأمر عروة بأن يشترط كذلك * ومن طريق أبى اسحاق عن المنهال عن عمار - هو ابن ياسر - أنه قال: إذا اردت الحج فاشترط * ومن طريق كريب عن ابن عباس انه كان يأمر بالاشتراط في الحج * فهؤلاء عمر. وعثمان. وعلى. وعائشة ام المؤمنين. وعمار بن ياسر. وابن مسعود. وابن عباس، ومن التابعين عميرة بن زياد * ومن طريق الحجاج بن المنهال عن أبى عوانة عن منصور عن ابراهيم النخعي قال: كانوا يشترطون في الحج والعمرة يقول: الهم انى أريد الحج تان تيسر والا فعمرة ان تيسرت، اللهم انى أريد العمرة إن تيسرت وإلا فلا حرج على * ومن طريق وكيع نا الربيع عن الحسن البصري. وعطاء ابن أبى رباح قالا جميعا في المحرم يشترط: قالا جميعا: له شرطه * ومن طريق الاعمش عن عمارة بن عميرة قال: كان علقمة. والاسود يشترطان في الحج * ومن طريق سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم عن المسيب بن رافع اردت الحج فأرسل إلى عبيدة - هو السلمانى - ان اشترط * ومن طريق ابن أبى شيبة عن أبى معاوية عن الاعمش عن عمارة بن عمير قال: كان شريح القاضى يشترط في الحج فيقول: اللهم انك قد عرفت
نيتى وما أريد فان كان امرا تتمه فهو أحب إلى وإن كان غير ذلك فلا حرج * وعن أبى بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام انه كان يشترط في العمرة، وجاء أيضا (نصا) (2) عن سعيد بن المسيب. وعطاء بن يسار. وعكرمة، وقال الشافعي: ان صح الخبر قلت به * قال أبو محمد: قد صح الخبر وبالغ في الصحة فهو قوله وهو قول أحمد. واسحاق. وأبى ثور. وأبى سليمان وروى عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن الاستثناء في الحج؟ قال: لا أعرفه * وروينا عن ابراهيم اضطرابا فروينا عنه من طريق المغيرة انه قال: كانوا يستحبون ان يشترطوا عند الاحرام وكانوا لا يرون الشرط شيئا لو أن الرجل ابتلى * وروينا عنه من طريق الاعمش أنه (قال) (3) كانوا يكرهون ان يشترطوا في الحج * قال أبو محمد: هذا تناقض فاحش، مرة كانوا يستحبون الشرط، ومرة كانوا يكرهونه، فأقل مافى هذا ترك رواية ابراهيم جملة لاضطرابها * وروينا من طريق سعيد بن جبير. وابراهيم النخعي انهما قالا: المشترط وغير المشترط سواء إذا أحصر فليجعلها عغمرة *
(1) في النسخة رقم (16) (ومن طرق عن هشام) (2) الزيادة من النسخة رقم (16) (3) الزيادة من النسخة رقم (14) *
[ 115 ]
ومن طريق الحجاج بن أرطاة - وهو ساقط - عن عطاء مثل قول سعيد بن جبير هذا، والصحيح عن عطاء خلاف هذا * ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه أنه كان لا يرى الاشتراط في الحج شئيا * وعن طاوس الاشتراط في الحج ليس شيئا * وعن ابراهيم * ابن مهاجر - وهو ضعيف - عن ابراهيم النخعي عن علقمة أنه كان لا يرى الاشتراط في الحج شيئا * وعن الحكم بن عتيبة، وحماد مثل هذا، وهو قول مالك. والحنيفيين * قال أبو محمد: وشغبوا في مخالفة السنن الواردة في هذا الباب بأن قالوا: هذا الخبر خلاف للقرآن لان الله تعالى يقول: (وأتموا الحج والعمرة لله) * قال على: هذه الآية حجة عليهم لاعلينا لانهم يفتون من عرض له عارض من مرض أو نحوه ان يحل بعمرة ان فاته الحج، فقد خالفوا الآية في إتمام الحج، وأما نحن فانا
نقول: ان الذى أنزلت عليه هذه الآية وأمر ببيان ما أنزل عليه لنا قد أمر بالاشتراط في الحج وان محله حيث حبسه ربه تعالى بالقدر النافذ، فنحن لم نخالف الآية إذا أخذنا ببيان النبي صلى الله عليه وسلم وأنتم خالفتموها بآرائكم الفاسدة إلى مخالفتكم السنة الواردة في ذلك * وقالوا: هذا الخبر خلاف لقول الله تعالى: (فان أحصرتم فما استيسر من الهدى). قلنا: كذب من ادعى ان هذا الخبر خلاف لههذه الآية بل أنتم خالفتموها إذ قلتم: من أحصر بمرض لم يحل الا بعمرة برأى لانص فيه، وأما نحن فقلنا بهذه الآية: ان لم يشترط (1) كما أمر الذى أنزلت عليه هذه الآية وأمر ببيانها لنا * قال أبو محمد: ومن جعل هذه السنة معارضة للقرآن فالواجب عليه ان يجعل الرواية في القطع في ربع دينار وعشرة دراهم مخالفة للقرآن إذ يقول تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما). لان حديث الاشتراط لم يضطرب فيه عن عائشة وهو في غاية الصحة، وقد اضطرب في حديث القطع في ربع دينار عليها ولم يصح قط خبر في تحديد القطع في عشرة دراهم بل قولهم هو المخالف للقرآن حقا لان الله تعالى يقول: (ما جعل عليكم في الدين من حرج). وقال تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها). وقال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). ولا حرج. وعسر. ولا تكليف ما ليس في الوسع أكثر من إيجاب البقاء على حال الاحرام ومنع الثياب،. والطيب، والنساء لمن قد منعه الله تعالى من الحج والعمرة، فلو لم يكن الا هذه الآيات لكفت في وجوب احلال ن عاقه عائق عن اتمام الحج والعمرة فكيف والسنة قد جاءت بذلك نصا؟ *
(1) أي نقيد الآية ببقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيانه *
[ 116 ]
وشغب بعضهم بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط، ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من
اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق): * قال أبو محمد: هذا من أعجب شئ لانهم احتجوا بما هو أعظم حجة عليهم، والا شتراط في الحج هو في كتاب الله تعالى منصوص ما ذكرنا من قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * و (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). وبقوله تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم)، وقوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). وإنما الشروط التى ليست في كتاب الله تعالى فهى الشروط التى أباحوا من أن كل امرأة يتزوجها على فلانة امرأته فهى طالق، وكل أمة اشتراها عليها فهى حرة، وأن يكون بعض الصداق لا يلزم الا إلى كذا وكذا عاما والله تعالى يقول: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة)، وكبيع السنبل وعلى البائع درسه، وكنزول أهل الحرب وبأيديهم الاسرى من المسلمين بشرط ان لا يمنعوا من الوطئ لهن ولامن ردهم إلى بلاد (1) الكفر وسائر الشروط الفاسدة التى أباحوا، واحتجوا بأن هذا الخبر رواه عروة. وعطاء. وسعيد بن جبير. وطاوس وروى عنهم خلافه *. قال أبو محمد: فقلنا: سمعناكم تقبلون هذا في الصاحب إذا روى الخبر وخالفه فانكرناه حتى أتيتم بالابدة (2) إذ جعلتم ترك التابع لما روى حجة في ترك (3) السنن، وهذا إن أدرجتموه (4) بلغ الينا والى من بعدنا فصار كل من بلغة حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فتركه كائنا من كان من الناس حجة في رد السنن، وهذا حكم ابليس اللعين، وما أمرنا الله تعالى باتباع رأى من ذكرتم وانما أمرنا باتباع روايتهم بانهم ثقات عدول وليسوا معصومين من الخطأ في الرأى، ولا أعجب ممن يعترض في رد السنن بأن طاوسا، وعطاء وعروة، وسعيد بن جبير خالفوا مارووا من ذلك، ثم لو أنه (5) عزم على صبغ قميصة أخضر فقالوا له: بل اصبغه أحمر لم ير رأيهم في ذلك حجة ولا ألزم نفيسه الاخذ به. ثم يرى رأيهم حجة في مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولئن كان خالف هؤلاء مارووا فقد رواه غيرهم ولم يخالفه كعكرمة، وعطاء، ولا يصح عن عطاء الا القول به، وقد رواه
عائشة: وابن عباس وأخذا به * وقالوا: لم يعرفه ابن عمر فقلنا: فكان. ماذا؟ فقد عرفه عمر، وعثان، وعلى،
(1) في النسخة رقم (16) (ولامن ردهم لبلاد) (2) قال في المجمل الابدة الفعلة بقى ذكرها على الابد (3) في النسخة رقم (14) (في رد) (4) في النسخة رقم (14) (درجتموه) (4) في النسخة رقم (14) (ثم انه لو)
[ 117 ]
وعائشة، وابن مسعود، وعمار، وابن عباس واخذوا به، وهذا مما خالفوا فيه جمهور الصحابة بل ليس ابن عمر ههنا خلافا لانه لم يقل: بابطاله وانما قال: لا أعرفه، والعجب، كله ان عمر رأى الاشتراط في الحج ومعه القرآن السنة فخالفوه وتعلقوا في ذلك بأن ابنه عبد الله لم يعرفه، وصح عن عبد الله بن عمر الاهلال يوم التروية ومعه السنة فخالفوه وتعلقوا برواية جاءت في ذلك عن عمر، وقال عمر. وعثمان: بالاشتراط في الحج فحالفوهما ومعهما السنة وتعلقوا بهما في المنع من فسخ الحج في عمرة إذ جاء (1) عنهما خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم فكأنهم مغرمون بمخالفة السنن ومخالفة الصحابة فيما جاء عنهم من موافقة السنن، والقوم غرقى في بحار هواهم * وبكل ما يردى الغريق تعلقوا وذكروا قول ابراهيم: كانوا يشترطون في الحج ولا يرونه شيئا * قال أبو محمد: وهذا كلام في غاية الفساد وليس فيه أكثر من أنه يصفهم بفساد الرأى والتلاعب. إذ يشترطون مالا فائدة فيه. ولا يصح. ولايجوز، وهذه صفة من لاعقل له، ويكفى من هذا كله أن السنة إذا صحت لم يحل لاحد خلافها، ولم يكن قول أحد حجة في معارضتها وبالله تعالى التوفيق * وهذا مما خالفوا فيه القرآن. والسنة الثابتة. وجمهور الصحابة. والقياس لانهم يقولون: من دخل في صلاة فعجز عن اتمامها قائما، وعن الركوع وعن السجود سقط عنه مالا يقدر عليه من ذلك، ومن دخل في صوم فرض فعجز عن اتمامه سقط عنه ولم يكلفه، وكذلك التطوع * وقالوا ههنا: من دخل في حج فرض. أو تطوع. أو عمرة
كذلك فعجز عنهما لم يسقطا عنه بل هو مكلف مالا يقدر عليه من الوصول إلى البيت * 834 - مسألة - وأما جواز تقديم لفظة العمرة على الحج أو لفظة الحج على العمرة فلانه قال تعالى (2): (وأتموا الحج والعمرة لله) فبدأ بلفظة الحج، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: (لبيك عمرة وحجة)، وصح انه عليه السلام قال: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) فلا نبالي أي ذلك قدم في اللفظ، وبالله تعالى التوفيق * 835 - مسأله - فإذا جاء القارن إلى مكة عمل في الطواف والسعى بين الصفا والمروة كما قلنا في العمرة الا أنه يستحب له ان يرمل في الثلاث وليس ذلك فرضا في الحج ثم إذا أتم ذلك أقام محرما (كما هو) (3) إلى يوم منى - وهو الثامن من ذى الحجة -، فذا كان اليوم المذكور أحرم بالحج من كان متمتعا ثم نهض القارن والتمتع إلى منى فيبقيان بها نهارهما ولياتهما، فإذا كان من الغد - وهو اليوم التاسع من ذى الحجة نهضوا كلهم (4) إلى
(1) في النسخة رقم (14) (من فسخ الحج في العمرة إذا جاء) (2) أي فلان الله تعالى قال: الخ (3) الزيادة من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (14) (ذهبوا كلهم) والمعنى واحد *
[ 118 ]
عرفة فيصلى هنالك الامام والناس الظهر بعد ان يخطب الناس ثم يؤذن المؤذن ويقيم ويصلى الظهر بالناس، فإذا سلم من الظهر أقيمت الصلاة أقامة بلا أذان وصلى بهم العصر اثر سلامه من الظهر بعد زوال الشمس لا ينتظر وقت العصر كما في سائر الايام، ثم يقف الناس للدعاء فإذا غابت الشمس نهضوا كلهم إلى مزدلفة، ولو نهض انسان إلى مزدلفة قبل غروب الشمس فلا حرج في ذلك ولا شئ عليه لادم ولاغيره وحجه تام، فإذا أتوا مزدلفة أذن المؤذن لصلاة المغرب. ثم أقام وصلى الامام بالناس صلاة المغرب ولا بجزئ أحدا أن يصليها (1) تلك الليلة قبل مزدلفة ولا قبل مغيب الشفق، فذا سلم أقيم لصلاة العتمة اقامة بلا أذان فيصليها بالناس وهى ليلة عيد الاضحى ويبيت الناس هنالك، فإذا انصدع الفجر أذن المؤذن وأقيمت الصلاة فصلى بهم الصبح، ومن لم يقف بعرفة
من بعد زوال الشمس من يوم عرفة إلى مقدار ما يدفع منها ويدرك بمزدلفة صلاة الصبح مع الامام فقد بطل حجه إن كان رجلا ومن لم يدرك مع الامام بمزدلفة صلاة الصبح فقد بطل حجه ان كان رجلا، وأما النساء فان وقفن بعرفة إلى قبل طلوع الفجر من يوم النحر أو دفعن من عرفة بعد ذكرهن الله تعالى فيها اجزأهن الحج، ومن لم يقف منهن بعرفة لايوم عرفة ولا ليلة يوم النحر حتى طلع الفجر فقد بطل حجها، ومن لم تقف منهن بمزدلفة بعد وقوفها بعرفة وتذكر الله تعالى فيها حتى طلعت الشمس من يوم النحر فقد بطل حجها، فإذا صلى الامام كما ذكرنا بمزدلفة صلاة الصبح بالناس وقفوا للدعاء، فذا أسفر قبل طلوع الشمس دفعوا كلهم إلى منى، فإذا أتوا منى أحببنا لهم التطيب بعد أن يرموا جمرة العقبة بسبع حصيات يكبرون مع كل حصاة ولا يقطعون التلبية مذ يهلون بالحج من المسجد أو بالقران من الميقات الا مع تمام رمى السبع حصيات، فإذا رموها كما ذكرنا فقدتم احرامهم ويحلقون. أو يقصرون، والحلق أفضل للرجال، وينحرون الهدى ان كان معهم، ثم قد حل لهم كل ماكان من اللباس حراما على المحرم، وحل لهم التصيد في الحل والتطيب حاشا الوطئ فقط، نهضوا ممن يومهم إلى مكة فطافوا بالبيت سبعا لاخبب في شئ منها، ثم سعى بين الصفا والمروة سبعا ان كان متمتعا أو ان كان لم يسع بينهما أول دخوله ان كان قارنا فقد تم الحج كله أو القران كله وحل لهم الوطئ ويرجعون إلى منى فيقيمون بها ثلاثة أيام بعد يوم النحر يرمون كل يوم بعد زوال الشمس الجمرات الثلاث بسبع حصيات سبع حصيات سبع حصيات يبدأ بالقصوى، ثم بالتى تليها، ثم جمرة العقبة التى رمى يوم النحر يقف عند الاولتين للدعاء ولا يقف عند تجمرة
(1) في النسخة رقم (14) (ان يصليهما) وهو غلط *
[ 119 ]
العقبة، فإذا ذلك فقد تم جميع (عمل) (1) الحاج، ويأكل القارن ولابد من الهدى الذى ساق مع نفسه ويتصدق منه ولابد، فأما المتمتع فان كان من غير أهل
مكة والحرم ولم يكن أهله معه قاطنين هنا لك ففرض عليه ان يهدى هديا ولابد إما رأس من الابل. أو من البقر، وإما شاة. وإما نصيب مشترك في رأس من الابل. أو في رأس من البقر بين عشرة أنفس فأقل لا نبالي متمتعين كانوا أو غير متمتعين، وسواء أراد بعضهم حصته للاكل. أو للبيع. أو للهدى، ولا يجزئه أن يهديه الا بعد ان يحرم بالحج ويذبحه بمكة أو بمنى ولابد. أو متى شاء بعد ذلك، فان لم يقدر على هدى ففرضه ان يصوم ثلاثة أيام مابين ان يحرم بالحج إلى أول يوم من النحر فان فاته ذلك فليؤخر طواف الافاضة - وهو الطواف الذى ذكرنا يوم النحر - إلى ان تنقضي أيام التشريق، ثم يصوم الثلاثة الايام، ثم يطوف بعد تمام صيامهن طواف الافاضة، ثم يصوم سبعة أيام إذا رجع من عمل الحج كله ولم يبق منه شئ، فان كان أهله بمكة لم يلزمه ان كان متمتعا هدى. ولا صيام وهو محسن في كل ذلك، والمتمتع هو من اعتمر ممن ليس أهله من سكان الحرم ثم حج من عامه سواء رجع إلى بلده. أو إلى الميقات أو لم يرجع، ولا يضر الهدى ان لا يوقف بعرفة، ولاهدى على القارن مكيا كان أو غير مكى حاشا الهدى الذى كان معه عند إحرامه، فمن أراد ممن ذكرنا ان يخرج عن مكة فليجعل آخر عمل يعمله ان يطوف بالبيت سبعا، ثم يخرج إثر تمامه موصولا به ولابد، فان تردد لامر ما أعاد الطواف إذا اراد الخروج عن مكة، فان خرج ولم يطف ففرض عليه الخروج ولابد ولو من أقصى الدنيا حتى يجعل آخر عمله بمكة الطواف بالبيت، ومن ترك من طواف الافاضة ولو بعض شوط حتى خرج ففرض عليه الرجوع حتى يتمه، فان خرج ذو الحجة قبل ان يتمه فقد بطل حجه، ومن لم يرم جمرة العقبة يوم النحر أو باقى ذى الحجة فقد بطل حجه، ويجزئ القارن طواف واحد لعمرته ولحجه كالمفرد بالحج ولافرق * برهان ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف نا أحمد بن فتح نا عبد الوهاب بن عيسى نا أحمد بن محمد بن محمد نا أحمد بن على نا مسلم بن الحجاج نا أبو بكر بن أبى شيبة، واسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - جميعا عن حاتم بن اسماعيل عن جعفر بن محمد بن على بن الحسين عن أبيه.
قال: قلت لجابر بن عبد الله: أخبرني عن حجة الوداع؟ (2) فقال جابر - فذكر حديثا - وفيه (فجرجنا (معه) (3) حتى أتينا ذا الحليفة - فذكر كلاما -، ثم قال فصلى
(1) الزيادة من النسخة رقم (16) * (2) في صحيح مسلم ج 1 ص 346 (عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم) *
[ 120 ]
رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ثم ركب القصواء (1) - فذكر كلاما - ثم قال: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا. ثم نفذ إلى مقام ابراهيم فقرأ (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) فجعل المقام بينه وبين البيت.. ثم رجع إلى الركن فاستمله ثم خرج (2) من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ (ان الصفا والمروة من شعائر الله) ابدأ (3) بما بدأ الله به. فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره (4) وقال: لا إله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا إله الا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه (5) في بطن الوادي حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة قال: لو انى استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة فقام سراقة (بن مالك) (6) بن جعشم فقال: يارسول الله ألعامنا هذا أم للابد؟ - فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم اصابعه واحدة في الاخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين - لا بل لابد أبد، وقدم على من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثيابا صبيغا فانكر ذلك عليها فقالت: إنى أمرت بهذا (7).. فاخبر على بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت (صدقت) (8) ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللهم إنى أهل بما أهل به رسولك صلى الله عليه وسلم قال: فان معى الهدى فلا تحل.. فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدى، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر. والعصر. والمغرب، والعشاء.
والفجر، ثم مكث (قليلا) (9) حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم.. (10) حتى أتى عرفة.. فنزل في القبة بنمرة حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فاتى بطن الوادي فحطب الناس فقال: ان دماء كم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، - ثم ذكرنا كلاما كثيرا -
(1) هو لقب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقصواء - بفتح القاف وبالمد، وفى بعض النسخ بالقصر وهو خطأ - الناقة التى قطع طرف اذنها، ولم تكن ناقة النبي صلى الله عليه وسلم قصواء وانما كان هذا لقبالها وقيل كانت مقطوعة الاذن اه من النهاية (2) في النسخة رقم (16) (ثم رجع) وما هنا موافق لما في صحيح مسلم ج 1 ص 346 (3) في النسخة رقم (16) (ابدأوا) وما هنا موافق لما في صحيح مسلم وتلك النسخة موافقة لما في النسائي (4) في النسخة رقم (14) (وكير) وما هنا موافق لما في صحيح مسلم (5) قال النوى في شرح مسلم نقلا عن القاضى عياض: فيه اسقاط لفظة لابد منها وهى حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي) (6) الزيادة من صحيح مسلم (7) في صحيح مسلم ج 1 ص 347 (فقالت إن أبى أمرنى بهذا، (8) الزيادة من صحيح مسلم (9) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 347 (10) هذه العلامة اشارة إلى أن في محلها سقطا اختصره المصنف *
[ 121 ]
ثم أذن. ثم أقام فصلى الظهر. ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب عليه السلام حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة (1) بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا.. وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام (2). وقال: أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذن واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع عليه السلام (3) حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله تعالى وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل ابن العباس... حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على
الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف (4)، رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة (5) ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه. ثم أمر من كل بدنة ببضعة (6) فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر.. ثم أتى زمزم فتناول دلوا فشرب منه (7)) * قال أبو محمد: كل مافى هذا الخير من دعاء. وصفة مشى وغير ذلك لاتحاش شيئا فهو كله سنة مستحبة، (وأما قولنا): من دفع من عرفة قبل غروب الشمس فحجه تام ولا شئ عليه، ووجوب فرض الوقوف بعرفة كما ذكرنا فلما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد ابن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا اسحاق بن ابراهيم أنا وكيع نا سفيان - هو الثوري - عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلى (قال): (8) (شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة - وسئل عن الحج - (9)؟ فقال: الحج عرفة فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع
(1) روى (حبل) بحاء مهملة وباء موحدة ساكنة، وروى (جبل) بجيم معجمة فباء موحدة مفتوحتين، والاول اشبه بالحديث، وحبل المشاة مجتمعهم، وحبل الرمل ما طال منه وضخم، وأما جبل بالجيم فمعناه طريقهم وحيث تسلك الرجالة والله أعلم (2) (شنق) بتخفيف النون معناه ضم وضيق (3) في صحيح مسلم (ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم) (4) هو بالخاء المعجمة والذال المعجمة الساكنة وفى آخره فاء وهى حصى صغار قد رحبة الباقلاء (5) في صحيح مسلم ج 1 ص 348 (بيده) قال النووي هكذا هو في النسخ ثلاثا وستين بيده وكذا نقله القاضى عن جميع الرواة سوى ابن ماهان فانه رواه (بدنة) قال: كلاهما صواب والاول أصوب قلت: وكلاهما حرى فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده (6) البضعة بفتح الباء الموحدة القطعة من اللحم (7) الزيادة من صحيح مسلم (8) الزيادة من سنن النسائي ج 5 ص 256 (9) في النسائي ج 5 ص 256 (شهدت رسول الله
[ 122 ]
الفجر (من ليلة جمع) (1) فقد أدرك) (2) * وبه إلى أحمد بن شعيب أنا اسماعيل بن مسعود الجحدرى نا خالد - هو ابن الحارث - عن شعبة عن شعبة عن عبد الله بن ابى السفر قال: سعت الشعبى يقول: حدثنى عروة بن مضرس
ابن أوس بن حارثة بن لام الطائى قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) بجمع فقلت له: هل لى من حج؟ فقال: من صلى هذه الصلاة معنا ووقف هذا الموقف حتى يفيض وأفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه) (4) * وقال أبو حنيفة، والشافعي: ان أفاض منها نهارا فحجه تام وعليه دم * وقال مالك: ان لم يقف بها ليلا فلا حج له، واحتج له من قلده بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بها في أول الليل، فقلنا: ووقف نهارا فأبطلوا حج من لم يقف بها نهارا فقالوا: قد قال عليه السلام: (من أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفحر فقد ادرك) فقلنا: وقد قال عليه السلام: (وأفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد أدرك) فبلحوا (5) فأتوا بنادرة وهى انهم قالوا: معنى قوله: (ليلا أو نهارا) انما هو ليلا ونهارا كما قال تعالى: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) فقلنا: هذا الكذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم صراحا، ولو كان كما تأولتموه لما كان عليه السلام منهيا عن أن يطيع منهم آثما إلا حتى يكون كفورا، وهذا لا يقوله مسلم بل هو عليه السلام منهى عن أن يطيع منهم الآثم والكفور (6) وان لم يكن الآثم كفورا، ثم لو صح لكم في الخبر تأويلكم الفاسد لكان لا يصح لاحد حج حتى يقف بها نهارا وليلا معا، وهذا خلاف قولكم مع ان النبي صلى الله عليه وآله لم يقف بها الانهارا ودفع منها إثر تمام غروب القرص في أول الليل، والدفع لا يسمى وقوفا بل هو زوال عنها * وذكروا خبرا فاسدا رويناه من طريق ابراهيم بن حماد عن أبى عون محمد بن عمرو ابن عون (7) عن داود بن جبير (8) عن أبى هاشم رحمة بن مصعب الفراء الواسطي عن
صلى الله عليه وسلم فأتاه ناس فسألوه عن الحج؟ الخ * (1) الزيادة من النسائي، وجمع - بفتح الجيم المعجمة وسكون الميم - علم للمزدلفة سميت له لان آدم عليه السلام وحواء لما أهبطا اجتمعا بها (2) في النسائي ((فقدتم حجه) (3) في النسائي ج 5 ص 264 (اتيت النبي صلى الله عليه وسلم) (4) أي أتم مدة ابقاء التفث - انى الوسخ وغيره مما يناسب المحرم - فحل له ان يزيل عنه التفث بحلق الرأس وقص الشارب والاظفار وحلق العانة وازالة الشعث والدرن والوسخ، (5) قال الجوهرى في الصحاح: (بلح الرجل
بلوحا أي أعيا) اه (6) في النسخة رقم (14) (الكفور والآثم) وما هنا انسب بنظم الآية (7) في الاصول كلها (عن ابن عون بن عمرو بن عون) صححناه من سنن الدارقطني ص 264 ولم أهتد لترجمته (8) في الاصول كلها (داودين حنين) وهى موافقة لما في معين ان الاعتدال، قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان: والصواب ان اسم ابيه جبير بالجيم والراء كذا هو في الاصول الصحيحة من سنن الدارقطني اه اقول وما قاله الحافظ موافق للنسخة الهنهدية ص 264 والله اعلم *
[ 123 ]
ابن أبى ليلى عن عطاء عن نافع عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج (1)) * قال أبو محمد: هذا عورة لان أبا عون (3) بن عمرو، ورحمة بن مصعب، وداود ابن جبير مجهولون لا يدرى من هم (3)، وابن أبى ليلى سئ الحفظ، وعلى هذا الخبر يبطل حج النبي صلى الله عليه وسلم لانه لم يقف بعرفة بليل انما دفع منها في أول أوقات الليل * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا ابن أبى ليلى نا عطاء يرفع الحديث قال: (من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج) وهذا مرسلي، ومع ذلك فليس فيه بيان جلى بانه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن أبى ليلى سئ الحفظ، وهذا مما ترك فيه الحنيفيون المرسل * وخبر من طريق عبد الملك بن حبيب الاندلسي نا ابن أبى نافع عن المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تدفعوا من عرفة ومزدلفة حتى يدفع الامام) * وهذا لا شئ لوجوه، أحدها انه مرسل، والثانى أن فيه ثلاثة ضعفاء في نسق (4)، وثالثها انه ليس فيه ايجاب الوقوف بعرفة ليلا أصلا، والرابع انه مخالف لقولهم لانهم لا يبطلون حج من دفع قبل الامام من عرفة ولا من مزدلفة * ومنها خبر من طريق عبد الملك بن حبيب أبى معاوية المدنى عن يزيد بن عياض - هو ابن جعدبة - عن عمرو بن شعيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أجاز بطن غرنة قبل أن تغيب الشمس فلا حج له)، وهذه بلية لان عبد الملك ساقط (5)، وأبا معاوية
مجهول، ويزيد كذاب (6)، ثم هو مرسل، ثم انه مخالف لقولهم لان بطن غرنة من الحرم - وهو غير عرفة - فليس فيه وجوب الوقوف ليلا بعرفة أصلا * وخبر رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انا لا ندفع حتى تغرب الشمس - يعنى من عرفات - وان أهل الجاهلية كانوا لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، وانا ندفع قبل ذلك، هدينا مخالف لهديهم) * قال أبو محمد: وهذا لا شئ لانه مرسل. ثم هو عن رجل لم يسم. ثم هم مخالفون له لانهم لا يبطلون حج من دفع من جمع بعد طلوع الشمس أو من لم يقف بها أصلا *
(1) في سنن الدارقطني ص 264 زيادة بعد قوله (فقد فاته الحج) ونصها (فليحل بعمرة وعليه الحج من قابل) (2) في الاصول (لان ابن عون) صححناه من سنن الدارقطني (3) هم مجهولون كما قال المؤلف رحمه الله (4) هو كما قال المصنف رحمه الله (5) انظر برجمته في تهذيب التهذيب ج 6 ص 390 (6) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ج 11 ص 352 *
[ 124 ]
قال أبو محمد: وما ندرى من أين وقع ايجاب الوقوف بعرفة ليلا وإبطال الحج بتركه؟ وهم لا يبطلون الحج بمخالفة عمل النبي صلى الله عليه وسلم كله في عرفة، وفى الدفع منها، وفى مزدلفة * فان ذكروا ا رويناه من طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا ابن أبى ليلى عن نافع عن ابن عمر قال: من أدرك عرفات بليل فقد أدرك الحج ومن لم يدرك عرفات بليل فقد فاته الحج * قلنا: قد صح عن ابن عمر أنه لا يكون هديا الا ما قلدو أشعر فخالفتموه، وصح عن عمر من قدم ثقله من منى بطل حجه فخالفتموه، فمن أين صار (1) ابن عمر ههنا حجة ولم يصر حجة هو ولا أبوه فيما ذكرنا غنهما مما استسهلتم خلافهما فيه، وما نعلم (2) للمالك في هذا القول حجة أصلا * وأما إيجاب الدم في ذلك فحطأ لانه لا يخلو ان يكون من دفع من عرفة قبل غروب
الشمس فعل ما أبيح له أو ما لم يبح له، فان كان فعل ما أبيح له فلا شئ عليه، وان كان فعل ما لم يبح له فحجه باطل ولا مزيد * قال أبو محمد: روينا من طريق عطاء عن ابن عباس أنه قال: ملاك الحج الذى يصير إليه ليلة عرفة من أدركها قبل الفجر ليلا أو نهارا فقد أدرك الحج * وأما استحبابنا للتمتع ان يهل بالحج يوم التروية في أخذه في النهوض إلى منى فلما ذكرنا من فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بحضرته، واختار مالك ان يهل المتمتع وأهل مكة إذا أهل هلال ذى الحجة، واحتجوا برواية عن عمر أنه قال: يا أهل مكة يقدم الناس شعثا وانتم مدهنون فذا رأيتم الهلال فأهلوا، فان هذه رواية لا نعلمها تتصل إلى عمر انما نذكرها من طريق القاسم بن محمد وابراهيم النخعي عن عمر، وكلاهما لم يولد الابعد موت عمر بأعوام، ثم لو صح عنه لكان الثابت المتصل من فعل الصحابة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم أولى من رأى رآه عمر * وقد روينا عن سعيد بن منصور نا هشيم نا ابن أبى ليلى. عن عطاء ابن أبى رباح قال: رأيت ابن عمر في المسجد الحرام وقد أهل بالحج إذ رأى هلال ذى الحجة عاما ثم عاما آخر، فلما كان في العام الثالث قيل له: قد رؤى هلال ذى الحجة فقال: ما أنا الا كرجل من أصحابي وما أرانى أفعل الا كما فعلوا فأمسك إلى يوم التروية ثم أحرم من البطحاء حين استوت به راحلته بالحج * ومن طريق سعيد بن منصور عن عتاب بن أبى بشر عن خصيف عن مجاهد عن ابن عمر أنه
(1) في النسخة رقم (14) (فمن اين كان) وما هنا أنسب (2) في النسخة رقم (14) (ولا نعلم) *
[ 125 ]
أحرم عاما من المسجد حين أهل هلال ذى الحجة ثم عاما آخر كذلك فلما كان العام الثالث لم يحرم حتى كان يوم التروية قال مجاهد: فسألته عن ذلك؟ فقال: إنى كنت امرءا من أهل المدينة فأحببت ان أهل باهلالهم ثم ذهبت أنظر فإذا أنا أدخل على أهلى وأنا
محرم وأخرج وأنا محرم فإذا ذلك لا يصلح لان المحرم إذا احرم خرج لوجهه، قال مجاهد: فقلت لابن عمر: فاى ذلك ترى؟ قال: يوم الترية، فهذا ابن عمر قد أخبر ان فعل الصحابة ان يهل المتمتع وأهل مكة يوم التروية ورغب عن رأى أبيه لو ثبت أيضا عنه * (فان قالوا): انما اخترنا له ذلك ليكون اشعث قلنا: ما علمنا الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم اختار الشعث للمحرم فان اخترتموه فأمروهم بالاهلال من أول شوال فهو أتم للشعث * وأما قولنا: ان يؤذن المؤذن إذا أتم الامام الخطبة بعرفة. ثم يقيم لصلاة الظهر. ثم يقيم للعصر ولا يؤذن لها. فلما ذكرناه في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم آنفا وهو قول أبى سليمان، واحد قولى مالك، وقال مالك مرة أخرى: ان شاء أذن والامام في الخطبة وان شاء إذا أتم * وقال أبو حنيفة. وأبو ثور: يؤذن إذا قعد الامام على المنبر قبل ان يأخذ في الخطبة * وقال أبو يوسف: يؤذن قبل خروج الامام ثم رجع فقال: يؤذن بعد صدر من الخطبة، وذكر ذلك عن مؤذن من أهل مكة * وقال الشافعي: يأخذ في الاذان إذا أتم الامام الخطبة الاولى * قال أبو محمد: هذه اقوال لاحجة لصحة شئ منها (فان قالوا): قسنا ذلك على الجمعة قلنا: القياس باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل لانه ليس قياس الاذان بعرفة على الاذان بالجعة بأولى من القياس للجمعة على ماروى في عرفة لا سيما وأنتم تقولون: لا جمعة بعرفة (فان قيل): فانتم تقولون: ان الجمعة بعرفة كما هي في غيرها من البلاد قلنا: نعم وليس ذلك بمبيح مخالفة ماصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الاذان فيها بخلافه في سائر البلاد كما كان بعرفة حكم الصلاة في الجمع بين الظهر. والعصر بخلاف ذلك في سائر البلاد، ولو قلنا: ان هذه الاقوال خلاف لاجماع الصحابة رضى الله عنهم كلهم في القول بذلك لصدقنا * وأما قولنا: بالجمع بين صلاتي الظهر. والعصر بعرفة بأذان واحد وإقامتين وبمزدلفة
بين المغرب والعتمة كذلك أيضا فلما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر المذكور، وقد اختلف الناس في هذا فقال أبو حنيفة. والشافعي في الصلاة بعرفة: كما قلنا، وقال مالك: بأذانين وإقامتين لكل صلاة أذان وأقامة. وما نعلم لهذا القول حجة أصلا لامن سنة صحيحة،
[ 126 ]
ولامن رواية سقيمة، ولامن عمل صاحب. ولاتابع (فان قالوا): قسنا ذلك على الجمع بمزدلفة قلنا: هذا قياس للخطأ على الخطأ، وقولكم هذا في مزدلفة خطأ على ما نبينه ان شاء الله تعالى (فان قالوا): قسنا ذلك على الصلوات الفائتات قلنا: القياس كله باطل. ثم لو كان حقا لكان (هذا) (1) منه عين الباطل لان صلاة الظهر والعصر بعرفة ليستا فائتتين، ومن الباطل قياس صلاة تصلى في وقتها على صلاة تصلى في وقتها على صلاة فائتة لاسيما وأنتم لا تقولون بهذا العمل في الفائتات، وقال سفيان. واسحاق: يجمع بين الظهر. والعصر بعرفة باقامتين فقط بلا أذان * واحتج أهل هذا القول بخبر رويناه من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بمكة وبمنى كل صلاة بأذان وإقامة، وصلى بعرفة وبجمع كل صلاة باقامة * قال أبو محمد: هذا لا تقوم به حجة ثم لو صح لما كانت فيه حجة لان خبر جابر ورد بزيادة ذكر الاذان، وزيادة العدل واجب قبولها ولابد، وأما الجمع بمزدلفة كما ذكرنا فللخبر المذكور أيضا، وفى هذا خلاف من السلف. روينا من طريق حماد بن زيد. وحماد بن سلمة قال ابن زيد: عن نافع قال: لم أحفظ عن ابن عمر أذانا ولا إقامة بجمع - يعنى مزدلفة - * وقال ابن سلمة عن أنس عن ابن سيرين قال: صليت مع ابن عمر بجمع المغرب بلا أذان ولا إقامة ثم العشاء بلا أذان ولا إقامة * وقول ثان وهو اننا روينا عنه أيضا أنه جمع بينهما باقامة واحدة بلا أذان، وروينا ذلك عن شعبة عن الحكم ابن عتيبة. وسلمة بن كهيل كلاهما عن سعيد بن جبير أنه صلى المغرب والعشاء بجمع
باقامة واحدة وذكر أن ابن عمر فعل مثل ذلك وأن ابن عمر ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ورويناه أيضا من طريق مجاهد. وغيره عن ابن عمر أنه فعل ذلك وهو قول سفيان. وأحمد بن حنبل في أحد قوليهما وبه أخذا أبو بكر بن داود * واحتج أهل هذه المقالة بما رويناه من طريق سفيان الثوري. ويحيى بن سعيد القطان قال سفيان: عن مسلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال القطان: عن ابن أبى ذئب عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، ثم اتفق ابن عباس. وابن عمر على ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بمزدلفة بين المغرب والعشاء باقامة واحدة، وهذا خبر صحيح * وقول ثالث وهو الجمع بينهما باقامتين لكل صلاة إقامة دون أذان روينا عن حمادبن سلمة عن الحجاج بن أرطاة عن أبى اسحاق السبيعى عن عبد الرحمن بن يزيد أن عمر بن الخطاب
(1) الزيادة من النسخة رقم (16) سقطت من النسخة رقم (14) خطاه
[ 127 ]
جمع بينهما باقامتين - يعنى بمزدلفة - * ومن طريق عبد الرزاق عن بعض أصحابه عن شريك عن أبى اسحاق عن أبى جعفر أن على بن ابى طالب جمع بين المغرب والعشاء كل واحدة منهما باقامة - يعنى بمزدلفة - * ومن طريق حماد بن سلمة انا عبد الكريم انه كان مع سالم ابن عبد الله بن عمر بمزدلفة فجمع بين المغرب والعشاء باقامتين - وهو قول سفيان، والشافعي وأحمد - في أحد اقوالهم * واحتجوا بما رويناه من طريق مالك عن موسى بن عقبة عن كريب (مولى ابن عباس) (1) عن أسامة بن زيد (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى مزدلفة فتوضأ ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره (في منزله) (2) ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يصل بينهما (شيئا) (3) * ومن طريق البخاري نا عاصم عن ابن ابى ذئب عن الزهري عن سالم (بن عبد الله) (4) عن ابن عمر (رضى الله عنهما) قال (5): (جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما باقامة ولم يسبح بينهما. ولا على إثر (كل) (6) واحدة منهما) وهذان خبران صحيحان *
وقول رابع: وهو أن الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة * روينا من طريق سفيان الثوري عن سماك بن حرب عن النعمان بن حميد أن عمر جمع بين الصلاتين بمزدلفة بأذان وإقامة * ومن طريق ابى داود السجستاني نا مسدد نا أبو الاحوص نا أشعث بن سليم عن أبيه (أنه كان مع ابن عمر بمزدلفة فأذن وأقام أو أمر بذلك. ثم صلى المغرب ثلاث ركعات. ثم التفت الينا فقال: الصلاة فصلى العشاء ركعتين قال أشعث: وأخبرني علاج بن عمر وعن ابن عمر بهذا (7) قال: فقيل لابن عمر في ذلك فقال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا) وبه يأخذ أبو حنيفة إلا أنه قال: فان تطوع بينهما أقام للعشاء إقامة أخرى * وقول خامس: وهو الجمع بينهما بأذانين وإقامتين صح ذلك عن عمر بن الخطاب من طريق هشيم عن المغيرة عن ابراهيم عن الاسود كنت مع عمر فأتى المزدلفة فصلى المغرب والعشاء كل صلاة بأذان وإقامة * نا حمام نا الباجى نا عبد الله بن يونس نا بقى نا أبو بكر بن أبى شيبة نا أبو الاحوص عن ابى إسحاق السبيعى عن عبد الرحمن بن يزيد قال: صليت مع ابن مسعود المغرب بجمع بأذان وإقامة، ثم أتينا بعشائنا (8) فتعشينا، ثم صلى بنا العشاء بأذان وإقامة * وبه نصا إلى أبى إسحاق السبيعى عن أي جعفر محمد بن على بن الحسين ان على بن أبى طالب كان يجمع
(1) الزيادة من الموطأ ج 1 ص 355 (2) الزيادة من الموطأ (3) الزيادة من الموطأ والحديث اختصره المصنف انظر ج 1 ص 355 من متن الموطأ ورواه البخاري ج 2 ص 317 بتغيير بعض الالفاظ، وابو داود ج 2 ص 135 (4) الزيادة من صحيح البخاري ج 2 ص 318 (5) الزيادة من صحيح البخاري (6) الزيادة من صحيح البخاري (7) في سنن ابى داود ج 2 ص 123 (بمثل حديث ابى عن ابن عمر) والحديث اختصره المصنف (8) في النسخة رقم (14) (بعشاء) وهو بفتح العين فيهما *
[ 128 ]
بين الصلاتين بمزدلفة كل صلاة بأذان وإقامة، وهو قول محمد بن على بن الحسين وذكره عن أهل بيته، وبه يقول مالك * ولا حجة في هذا القول ممن خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا حجة في قول عمر. وابن مسعود.
وعلى في ذلك لانه قد خالفهم غيرهم من الصحابة، واختلف عن عمر أيضا كا اوردنا فالمرجوع إليه عند النازع هو القرآن والسنة، ولا حجة لابي حنيفة في دعواه أن إعادة الاذان للعشاء هو من أجل ان عمر وابن مسعود تعشيا بين الصلاتين لانها لم يدكرا ذلك ولا أخبرا أن اعادتهما الاذان انما هو من أجل العشاء فهى دعوى فاسدة * (فان قيل): قسنا ذلك على الجمع بين سائر الصلوات إذا صليت الاولى في آخر وقتها والاخرى في أول وقتها فلابد من أذان وإقامة لكل صلاة قلنا: القياس باطل ولايجوز أن يعارض ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بقياس فاسد * قال أبو محمد: وقد روى مثل قولنا عن ابن عمر. وسالم ابنه. وعطاء كما روينا من طريق ابن ابى شيبة عن الفضل بن دكين عن مسعر بن كدام عن عبد الكريم قال: صليت خلف سالم المغرب والعشاء بحمع بأذان وإقامتين فلقيت نافعا فقلت له: هكذا كان يصنع عبد الله؟ قال: نعم فقليت عطاء فقلت له فقال قد كنت أقول لهم لاصلاة الا باقامة، وهو قول الشافعي من رواية أبى ثور عنه، فهى ستة أقوال أحدها الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة وصح عن ابن عمر *، والثانى الجمع بينهما باقامة واحدة فقط. وصح أيضا عن ابن عمر وقول سفيان. وأحمد. وأبى بكر بن داود. وصح به خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثالث الجمع بينهما باقامتين فقط. روى عن عمر. وعلى. وصح عن سالم بن عبد الله وهو أحد قولى سفيان. وأحمد. والشافعي، وصح به خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * والرابع الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة. روى عن عمر وصح عن ابنه عبد الله وهو قول أبى حنيفة وصح به خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * والخامس الجمع بينها بأذان واحد وإقامتين صح عن ابن عمر. وسالم ابنه. وعطاء وهو أحد قولى الشافعي وبه نأخذ، وصح بذلك خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم * والسادس الجمع بينهما بأذانين وإقامتين صح عن عمر. وابن مسعود وروى عن على، وعن محمد بن على بن الحسين وأهل بيته وهو قول مالك * فأما الاخبار في ذلك فبعضها باقامة واحدة من طريق ابن عمر. وابن عباس، وبعضها باقامتين من طريق ابن عمر. وأسامة بن زيد، وبعضها بأذان واحد واقامة واحدة من
طريق ابن عمر، وبعضها بأذان واحد وإقامتين من طريق جابر، فاضطربت الرواية عن ابن عمر الا ان احدى الروايات عنه وعن أسامة بن زيد، وعن جابر بن عبد الله زادت
[ 129 ]
على الاخرى، وعلى رواية ابن عباس إقامة فوجب الاخذ بالزيادة، وإحدى الروايات عنه، وعن جابر تزيد على الاخرى، وعلى رواية أسامة أذانا فوجب الاخذ بالزيادة لانها رواية قائمة بنفسها صحية فلا يجوز خلافها، فإذا جعت رواية سالم. وعلاج عن ابن عمر صح منهما أذان وإقامتان كما جاء بينا في حديث جابر، وهذا هو الذى لا يجوز خلافه، ولا حجة لمن خالف ذلك، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: لاتجزئ صلاة المغرب تلك الليلة الا بمزدلفة ولابد وبعد غروب الشفق ولابد. فلما رويناه من طريق البخاري نا ابن سلام نا يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد الانصاري عن موسى بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد قال: (لما أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات عدل إلى الشعب فقضى حاجته فجعلت أصب عليه ويتوضأ فقلت: يارسول الله أتصلى؟ قال المصلى أمامك) وذكر باقى الحديث (1) * ومن طريق مسلم نا يحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، وابن حجر قالوا: نا اسماعيل نا يحيى بن يحيى واللفظ له - نا اسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبى حرملة عن كريب مولى اين عباس عن أسامة بن زيد (أنه كان ردف (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات، فلما بلغ (رسول الله صلى الله عليه وسلم) (3) الشعب الايسر الذى دون المزدلفة أناخ فبال، ثم جاء فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءا خفيفا، ثم قلت: الصلاة يارسول الله فقال: الصلاة أمامك) وذكر الحديث * قال أبو محمد: فإذ قد قصد عليه السلام ترك صلاة المغرب وأخبر بأن المصلى من أمام وان الصلاة من امام فالمصلى هو موضع الصلاة فقد أخبر بان موضع الصلاة ووقت الصلاة من امام فصح يقينا ان ما قبل ذلك الوقت المكان ليس مصلى
ولا الصلاة فيه صلاة * روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: لاصلاة الا بجمع * وروينا من طريق حجاج بن النهال نا يزيد بن ابراهيم - هو التسترى - نا عبد الله بن أبى مليكة قال: كان ابن الزبير يخطبنا فيقول: ألا لاصلاة إلا بجمع يرددها ثلاثا * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن ليث عن مجاهد قال: لاصلاة الا بجمع ولو إلى نصف الليل * وروى عن ابن عمر وابن عباس صلاة المغرب دون جمع، ولا حجة الا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم *
(1) هو في البخاري ج 2 ص 316 (2) في صحيح مسلم ج 1 ص 362 (قال ردفت) (3) الزيادة من صحيح مسلم *
[ 130 ]
وأما بطلان حج من لم يدرك مع الامام صلاة الصبح بمزدلفة من الرجال. فلما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أخبرني محمد بن قدامة المصيصى نا جرير ابن جازم عن مطرف بن طريف عن الشعبى عن عروة بن مضرس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من أدرك جمعا مع الامام والناس حتى يفيضوا (منها) (1) فقد أدرك الحج ومن لم يدرك مع الامام والناس (2) فلم يدرك)، وبه إلى أحمد بن شعيب أنا عمرو بن على نا يحيى بن سعيد القطان نا إسماعيل بن أبى خالد أخبرني عامر الشعبى أخبرني عروة ابن مضرس الطائى قال قلت (3): يارسول الله أتيتك من جبلى طئ أكللت مطيتي (4) وأتعبت نفسي، والله (5) ما بقى من حبل (6) الا وقفت عليه فهل لى من حج؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى الغداة ههنا. ثم أقام معنا، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقدتم حجه) (7)، وقال تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) فوجب الوقوف بمزدلفة - وهى المشعر الحرام - وذكر الله تعالى عندها فرض يعصى من خالفه ولا حج له لانه لم يأت بما أمر إلا أن إدراك صلاة الفجر فيها مع الامام هو الذكر المفترض ببيان رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكور، ومن أدرك شيئا من صلاة الامام فقد أدرك
الصلاة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) * قال أبو محمد: والعجب ممن يقول: ان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في سائمة الابل (في كل خمس شاة) دليل على ان غير السائمة بخلاف السائمة، وممن يقول: ان قوله عليه السلام: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) دليل على ان الامام لا يقول: ربنا ولك الحمد، وان المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده. ثم لا يرى قوله عليه السلام (من صلى الغداة ههنا معنا وقد أتى عرفة قبل ذلك فقد تم حجه) دليلا عى ان من لم يصل الغداة هنالك مع الامام لم يتم حجه، فكيف وقد غنينا (عن ذلك كله) (8) بنصه عليه السلام؟ على أنه إن لم يدرك ذلك فلم يدرك الحج * واحتج بعضهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) قال على: وهم أول مبطل لهذا الاحتجاج لان عندهم فرائض يبطل الحج بتركها سوى عرفة كترك الاحرام. وترك طواف الافاضة. وترك الصفا والمروة. فكم هذا التناقض؟ وليس قوله عليه السلام (الحج
(1) الزيادة من النسائي ج 1 ص 262، وفيه (حتى يفيض منها) بدل (حتى يفيضوا) (2) في النسائي (مع الناس والامام) (3) في النسائي ج 5 ص 264 (0 قال: اتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت:) الخ (4) في النسخة رقم (14) (أضللت مطيتي) وما هنا موافق لما في النسائي (5) لفظ (والله) سقط من النسائي (6). هو بالحاء المهملة المفتوحة. وسكون الباء الموحدة. ما استطال من الرمل، وقيل الحبل ما دون الجبل في الارتفاع وسبق قريبا تفسيره * (7) في النسائي فيه مخالفة لبعض الالفاظ التى ذكرها المصنف انظر ج 5 ص 264 (8) الزيادة من النسخة رقم (14) *
[ 131 ]
عرفة) ممانع من ان يكون غير عرفة الحج أيضا إذا جاء بذلك نص، وقد قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا). والبيت غير عرفة بلا شك، وسوى تعالى بين الامر بعرفة الامر بمزدلفة في القرآن، وقد قال تعالى: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر). وأخبر رسول الله صلى الله عليه سلم ان يوم الحج الاكبر - هو يوم النحر - ولايكون يوم الحج الاكبر الا وغيره يوم الحج الاصغر،
ومحال ممتنع أن يكون - هو يوم الحج الاكبر - ولا يكن فيه من فرائض الحج شئ، ويكون فرض الحج في غيره، فصح ان جملة فرائض الحج في يوم الحج الاكبر، وهى الوقوف بمزدلفة الذى لا يكون في غيره، ورمى الجمرة، والافاضة، وقد يكونان فيما بعده كما عرفة فيما قبلة * روينا من طريق عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن الحسن العرنى عن ابن عباس قال: (من أفاض من عرفة فلا حج له) وقد ذكرنا عن ابن الزبير أنه كان يقول في خطبته: ألا لاصلاة الا بجمع، فإذا ابطل الصلاة الا بمزدلفة فقد جعلها من فرائض الحج * ومن طريق شعبة عن داود بن يزيد الازدي عن أبى الضحى قال: سألت علقمة عمن لم يدرك عرفات أو جمعا أو وقع باهله يوم النحر قبل أن يزور؟ فقال: عليه الحج * ومن طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي قال: كان يقال: من فاته جمع أو عرفة فقد فاته الحج * ومن طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي قال: من فاته عرفة أو جمع، أو جامع قبل ان يزور فقد فسد حجه * ومن طريق سفيان الثوري أيضا عن عبد الله أبن أبى السفر عن الشعبى انه قال: من فاته جمع جعلها عمرة * وعن الحسن البصري من لم يقف بجمع فلا حج له * وعن حماد بن أبى سليمان قال: من فاته الافاضة من جمع فقد فاته الحج فليحل بعمرة ثم ليحج من قابل * ومن طريق شعبة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير قال: يوم الحج الاكبر - هو يوم النحر - ألا ترى انه إذا فاته عرفة لم يفته الحج وإذا فاته يوم النحر فاته الحج * قال أبو محمد: صدق سعيد لان من فاتته عرفة يوم عرفة لم يفته الحج لانه يقف بعرفة ليلة يوم النحر، وأما يوم النحر فانما سماه الله تعالى يوم الحج الاكبر لان فيه فرائض ثلاثا من فرائض الحج، وهو الوقوف بمزدلفة لا يكون جازئا الاغداة يوم النحر، وجمرة
العقبة، وطواف الافاضة ويجوز تأخيره، فصح أن مزدلفة أشد فروض الحج تأكيدا وأضيقها وقتا، وقد روى عن ابن عمر خلاف هذا *
[ 132 ]
وأما قولنا: ان النساء. والصبيان. والضعفاء بخلاف هذا. فلما روينا من طريق مسلم نا محمد ابن أبى بكر المقدمى نا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن ابن جريج حدثنى عبد الله مولى أسماء بنت أبى بكر الصديق ان أسماء قالت له بمزدلفة: هل غاب القمر؟ قلت: لافصلت ساعة ثم قالت (يا بنى) (1) هل غاب القمر؟ قلت: نعم قالت: ارحل (بى) (2) فارتحلنا حتى رمت الجمرة ثم صلت في منزلها فقلت لها: (أي هنتاه) (3) لقد غسلنا قالت: كلا أي بنى إن رسول الله (4) صلى الله عليه وسلم، اذن للظعن (5) * ومن طريق ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب ان سالم بن عبد الله بن عمر أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل فيذكرون الله تعالى ثم يدفعون قبل أن يقف الامام، ويقول (ابن عمر) (6) أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق مسلم حدثنى على بن خشرم أنا عيسى بن يونس عن ابن جريج أخبرني عطاء ان ابن شوال أخبره أنه دخل على أم حبيبة أم المؤمنين (7) فأخبرته أن رسول الله (8) صلى الله عليه وسلم بعث بها من جمع بليل * ومن طريق مسلم نا يحيى بن يحيى عن حماد بن زيد عن عبيدالله بن أبى يزيد قال: سمعت ابن عباس يقول: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثقل (9) وفى الضعفة (10) من جمع بليل * قال أبو محمد: كان ابن عباس حينئذ قد ناهز الاحتلام ولم يحتلم بعد، هكذا ذكر عن نفسه في الخبر الذى فيه انه أتى منى على أتان. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى بالناس قال: وأنا غلام قد ناهزت الاحتلام (11) * فخرج هؤلاء عن وجوب حضور صلاة
الصبح بمزدلفة مع الامام عليهم وبقى عليهم فرض الوقوف بمزدلفة، وذكر الله تعالى هنالك ليلة النحر ولابد لعموم قوله تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) * وأما وجوب رمى جمرة العقبة. فلما رويناه من طريق أبى داود نا نصر بن على الجهضمى نا يزيد بن زريع انا - هو الحذاء - عن عكرمة عن ابن عباس (أن رجلا
(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 366 (2) الزيادة من صحيح مسلم (3) الزيادة من صحيح مسلم، ومعناه يا هذه، وقوله بعد (لقد غسلنا) أي لقد تقدمنا على الوقت المشروع (4) في صحيح مسلم (أن النبي) (5) هو بضم الظاء والغين وباسكان العين ايضا وهن النساء الواحدة ظعينة كسفينة وسفن واصل الظعينة الهودج الذى تكون فيه المرأة على البعير، والله أعلم (6) الزيادة من النسخة رقم (16) (7) لفظ (أم المؤمنين) سقط من صحيح مسلم ج 1 ص 366 (8) في صحيح مسلم (ان النبي) (9) هو بفتح الثاء المثلثة والقاف المتاع ونحوه المتاع ونحوه (10) في صحيح مسلم ج 1 ص 366 (أو قال في الضعفة) (11) هو في صحيح البخاري ج 1 ص 49 *
[ 133 ]
قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انى أمسيت ولم ارم قال: ارم ولا حرج (1)) * ومن طريق البخاري عن عبد الله بن يوسف نا مالك عن ابن شهاب عن عيسى ابن طلحة عن عبيدالله عن عبد الله بن عمرو بن العاصى (2) (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع (فجعلوا يسألونه)؟ (3) فقال له رجل: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمى قال: ارم ولا حرج) فأمر عليه السلام برميها فوجب فرضا * (فان قيل): ان في هذا الخبر انه عليه السلام قال: (اذبح ولاحرج) فأوجبوا الذبح فرضا. قلنا: ان كان كان ذلك الذبح منذورا أو هديا واجبا فنعم هو فرض، وان كان تطوعا فيكفى من البرهان على انه ليس ذبحه فرضا تيقن العلم بأنه تطوع لافرض * روينا من طريق الحذافى عن عبد الرزاق عن معمر قال: الزهري فيمن لم يرم الجمرة: ان ذكر وهو بمنى رمى وإن فاته ذلك حتى نفر فانه يحج من قابل ويحافظ على المناسك وبه يقول داود. وأصحابنا، ولا يجزئ الرمى الا بحصى كحصى الخذف لاأصغر.
ولا أكبر. لما روينا من طريق مسلم * نا محمد بن رمح عن الليث - هو ابن سعد - عن أبى الزبير عن أبى معبد مولى ابن عباس عن الفضل بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عليكم بحصى الخذف الذى ترمى به الجمرة (4)) * ومن طريق أحمد بن شعيب انا يعقوب بن ابراهيم - هو الدورقي - نا اسماعيل بن ابراهيم - هو ابن علية - نا عوف - هو ابن أبى (5) جميلة - نا زياد بن حصين عن أبى العالية قال: قال ابن عباس: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته: (هات القط لى فلقطت له حصيات هي حصى الخذف فلما وضعتهن في يده قال: بأمثال هؤلاء بأمثال هؤلاء (6) وإياكم والغلو في الدين فانما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) * وقال مالك: أحب أكبر من حصى الخذف، وهذا قول في غاية الفساد لتعرية من البرهان ومخالفة الاثر الثابت * روينا من طريق ابن أبى شبية نا أبو خالد الاحمر عن ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله. وابن الزبير قالا جميعا: مثل حصى الخذف، ولا مخالف لهما لامن صاحب. ولا من تابع، وهذان الاثران يبطلان قول من قال: يجزئ الرمى بغير الحصى *
(1) الحديث ذكره المصنف مختصرا انظر ج 2 ص 149 من سنن ابى داود (2) لفظ (ابن العاص) غير موجود في صحيح البخاري ج 3 ص 2 (3) الزيادة من صحيح البخاري والمصنف ذكر الحديث مختصرا (4) الحديث ذكره المصنف مختصرا اقتصر فيه على محل الشاهد وهو في مسلم ج 1 ص 363 (5) سقط من النسخة رقم (14) لفظ (ابى) خطأ (6) في سنن النسائي چ 5 ص 268 بدون تكرار لفظ (بامثال هؤلاء) *
[ 134 ]
وأما العدد فان الناس اختلفوا. روينا من طريق ابن عيينة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد أن سعد بن أبى وقاص قال: جلسنا فقال بعضنا: رميت بست، وقال بعضنا: رميت بسبع فلم يعب بعضنا على بعض (1) *
ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني محمد بن يوسف ان عبد الله بن عمرو بن عثمان أخبره أنه سمع أبا حبة الانصاري يفتى بأنه لا بأس بما رمى به الانسان من عدد الحصى فجاء عبد الله بن عمرو إلى ابن عمر فأخبره فقال: صدق أبو حبة * قال أبو محمد: أبو حبة بدرى * وروينا عن طاوس من ترك حصاة فانه يطعم تمرة أو لقيمة * وعن عطاء من فاتته الجمار يوما تصدق بدرهم ومن فاتته حتى تنقضي أيام منى فعليه دم * قال على: روينا من طريق عبد الرزاق نا معمر عن سليمان التيمى عن أبى مجلز قلت لابن عمر: نسيت أن ارمى بحصاة من حصى الجمرة فقال لى ابن عمر: اذهب إلى ذلك الشيخ فسله ثم ارجع فأخبرني بمما يقول قال: فسألته؟ فقال لى: لو نسيت شيئا من صلاتي لاعدت فقال ابن عمر: أصاب * فقال أبو محمد: هذا الشيخ - هو محمد بن الحنفية - هكذا رويناه من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه، وروينا عن ابن عمر قال: من نسى الجمرة رماها بالليل حين يذكر * وعن طاوس. وعروة بن الزبير. والنخعي. والحسن قالوا كلهم: يرمى بالليل،، وهو قول سفيان، ولم يوجبوا في ذلك شيئا * قال أبو محمد: إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن رميها ما لم تطلع الشمس من يوم النحر وأباح رميها بعد ذلك وان أمسى، هذا يقع على الليل والعشي معا كما ذكرنا قبل، قال أبو حنيفة: عليه في كل حصاة نسيها طعام مسكين نصف صاع حنطة إلا أن يبلغ ذلك دما * وقال مالك: عليه في الحصاة الواحدة فأكثر إن نسيها دم فان ترك سبع حصيات فعلية بدنة فان لم يجد فبقرة. فان لم يجد فشاة. فان لم يجد فصيام * وأما الشافعي فمرة قال: عليه في حصاة واحدة مد طعام، وفى الحصاتين ثلثا دم. وفى الثلاث. فصاعدا دم، وقد روى عنه في حصاة ثلث دم. وفى الحصاتين ثلثا دم. وفى الثلاث فصاعدا دم، وروى عنه للحصاة الواحدة فصاعدا دم *
قال أبو محمد: وهذه الاقوال المذكورة كلها ليس شئ منها جاء به نص، ولا رواية فاسدة، ولاقول صاحب، ولاتابع، ولاقياس، ولا قال بشئ منها أحد نعلمه قبل القائل بكل قول ذكرناه عمن ذكرناه عنه *
(1) في النسائي ج 5 ص 275 بزيادة *
[ 135 ]
وأما الرمى قبل طلوع الشمس فلا يجزئ أحدا. لا امرأة. ولارجلا، روينا من طريق أحمد بن شعيب انا محمود بن غيلان المروزى نا بشر بن السرى نا سفيان الثوري عن حبيب - هو ابن أبى ثابت - عن عطاء عن ابن عباس (ان النبي صلى الله عليه وسلم قدم أهله وأمرهم أن لا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس) (1) * وروينا عن طائفة من التابعين إباحة الرمى قبل طلوع الشمس، ولا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم * وقال سفيان: من رمى قبل طلوع الشمس أعاد الرمى بعد طلوعها، وهو قول أصحابها * وأما قولنا: لا يقطع التلبية الا مع آخر حصاة من جمرة العقبة. فان مالكا قال: يقطع التلبية إذا نهض إلى عرفة، وذكروا في ذلك رواية عن عائشة أم المؤمنين. وابن عمر. وعن على، واحتجوا بأن قالوا: التلبية استجابة فذا وصل فلا معنى للتلبية * قال أبو محمد: اما الرواية عن على فلا تصح لانها منقطعة إليه. والصحيح عنه خلاف ذلك، وأما عن أم المؤمنين، وابن عمر فقد خالفهما غيرهما من الصحابة رضى الله عنهم، وإذا وقع التنازع فالمرجوع فيه إلى ما افترض الله تعالى الرجوع إليه ومن القرآن والسنة، وأما قولهم: ان التلبية استجابة فدعوى لا برهان على صحتها، ولو كان ما قالوا: لو جبت التلبية عند سماع الاذان. ووجوب النهوض إلى الجمعة وغيرها، وما التلبية إلا شريعة أمر الله بها لاعلة لها الا ما قال تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، وثم لو كانت استجابة كما قالوا: لكان لم يصل بعد إلى ما دعى إليه لانه قد بقيت عليه فروض من فروض الحج لا يكون واصلا إلى ما دعى إليه الا بتمامها كعرفة وطواف الافاضة *
روينا من طريق أبى داود نا أحمد بن حنبل نا وكيع عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن الفضل بن عباس (ان النبي صلى الله عليه وسلم لبى حتى رمى جمرة العقبة) (2)، وصح أيضا من طريق أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم * ومن طريق مسلم نا شريح بن يونس نا هشيم انا حصين - هو ابن عبد الرحمن - عن كثير بن مدرك الاشجعى عن عبد الرحمن ابن يزيد أن عبد الله بن مسعود لبى حين أفاض من جمع فقيل له: عن أي هذا (3)؟ فقال: أنسى الناس أم ضلوا؟ سمعت الذى أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان: (لبيك اللهم لبيك) * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن ابراهيم بن عقبة عن كريب
(1) هو في النسائي ج 5 ص 272 (2) هو في سنن ابى داود ج 2 ص 99، قال المنذرى: واخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 363 (فقيل أعرابي هذا) وهو اوضح مما هنا *
[ 136 ]
مولى ابن عباس أن ميمونة أم المؤمنين لبت حين رمت الجمرة، * وبه إلى سفيان عن عامر بن شقيق سمعت أبا وائل يقول: قال ابن مسعود: لا يمسك الحاج عن التلبية حتى يرمى جمرة العقبة * ومن طريق حماد بن زيد نا أيوب السختيانى أنه سمع عبد الرحمن ابن الاسود بن يزيد يقول: حدثنى أبى أنه سمع عمر بن الخطاب يلبى بعرفة * ومن طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس قال: سمعت عمر يلبى غداة المزدلفة * وعن ابن أبى شيبة نا عبد الاعلى عن محمد بن اسحاق سمعت عكرمة يقول: أهل رسول الله صلى الله عليه وآله حتى رمى الجمرة. وأبو بكر، وعمر * وعن على بن أبى طالب أنه لبى حتى رمى جمرد العقبة * وعن القاسم بن محمد عن أم المؤمنين عائشقة كانت تلبي بعد عرفة * وعن سفيان بن عيينة سمع سعد بن ابراهيم (1) يحدث الزهري عن عبد الرحمن ابن الاسود أن أباه صعد إلى ابن الزبير المنبر يوم عرفة فقال له: ما يمنعك ان تهل؟ فقد رأيت عمر في مكانك هذا يهل فأهل ابن الزبير * وعن ابن عيينة عن عبيدالله بن أبى يزيد
يقول: تلبي حتى ينقضى حرمك إذا رميت الجمرة * وعن سفيان الثوري عن عبد الله ابن الحسن عن عكرمة قال: كنت مع الحسين بن على فلبى حتى رمى جمرة العقبة * قال أبو محمد: وكان معاوية ينهى عن ذلك * ومن طريق مالك عن يحيى بن سعيد قال: غدا عمر بن عبد العزيز من منى إلى عرفة فسمع التكبير عاما فبعث الحرس يصيحون. أيها الناس انها التلبية * ومن طريق سعيد بن منصور نا جرير عن المغيرة قال: ذكر عند ابراهيم النخعي إذا قدم الحاج أمسك عن التلبية مادام يطوف بالبيت فقال ابراهيم: لابل يلبى قبل الطواف وفى الطواف وبعد الطواف. ولا يقطعها حتى يرمى الجمرة وهو قول أبى حنيفة، والشافعي، وأحمد، واسحاق. وأبى سليمان * قال أبو محمد: إلا أن أبا حنيفة. والشافعي قالا: يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها في الجرة وليس كذلك بل مع آخر حصاة من الجمرة لانه نص فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حكى ابن عباس. وأسامة أنه عليه السلامم لبى حتى رمى جمرة العقبة ولو كان ما قاله أبو حنيفة، والشافعي لقالا: حتى بدا رمى جمرة العقبة * روينا من طريق الحذافى عن عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن ابراهيم بن حنين عن ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب يهل وهو يرمى جمرة العقبة فقلت له: فيما الاهلال يا أمير المؤمنين؟ فقال: وهل قضينا نسكنا بعد؟ وهو المفهوم الظاهر من فعل كل من ذكرنا من الصحابة رضى الله عنهم * وقال قوم
(1) في النسخة رقم (16) (سعيد بن ابراهيم) وهو غلط *
[ 137 ]
منهم مالك: ان الحاج يقطع التلبية إذا طاف بالبيت. وبالصفا. والمروة. فذا أتم ذلك علودها (1) * قال أبو محمد: وقال أبو حنيفة. والشافعي: لا يقطعها وهذا هو الحق لما ذكرنا من ان النبي صلى الله عليه وسلم لبى حتى رمى جمرة العقبة * روينا من طريق أبى داود نا عبد الله ابن محمد النفيلى. وعثمان بن أبى شيبة قالا: نا حاتم بن اسماعيل نا جعفر بن محمد عن أبيه
أن جابر بن عبد الله أخبره فذكر حديث حجة النبي صلى الله عليه وسلم (وقال: فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعة لك والملك لا شريك لك فأهل الناس بهذا الذى يهلون به (فلم يرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا منه) (2) ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته) فصح أنه عليه السلام لم يقطعها * ومن طريق سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن أبى وائل عن مسروق أنه رأى عبد الله بن مسعود طاف بالبيت سبعا ثم خرج إلى الصفا قال: فقلت له: يا أبا عبد الرحمن ان ناساينهون عن الاهلال في هذا المكان فقال: لكنى آمرك به، وذكر باقى الخبر * (فان ذكروا) ما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا صفوان بن عيسسى عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبى ذباب (3) عن مجاهد عن عبد الله بن سخبرة عن عبد الله ابن مسعود قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ترك التلبية حتى أتى جمرة العقبة الا أن يخلطها بتكبير أو بتهليل * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الاعلى عن محمد بن اسحاق عن عكرمة قال: سمعت الحسن بن على يلبى حتى انتهى إلى الجمرة وقال لى (4): سمعت أبى على بن ابى طالب يهل حتى انتهى إلى الجمرة وحدثني ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل حتى انتهى إليها * قلنا الحارث ضعيف. وأبان بن صالح ليس بالقوى، ثم لو صحا لكان خبر الفضل ابن عباس. واسامة بن زيد زائدين على هذين الخبرين زياده لا يحل تركها رغبة عنها واختيار الغيرها عليها، وليس في هذين الخبرين نهى عما في خبر ابن عباس. واسامة * وقال قوم: يقطع المعتمر التلبية إذا دخل الحرم، وقالت طائفة: لا يقطعها إلا حتى يرى بيوت مكة، وقالت طائفة: حتى يدخل بيوت مكة، وقال أبو حنيفة: لا يقطعها حتى يستلم الحجر فإذا استلمه قطعها، وقال الليث: إذا بلغ الكعبة قطع التلبية * وقال الشافعي:
(1) في النسخة رقم (14) (اعادها) والضمير يرجع إلى التلبية (2) الزيادة من سنن أبى داود ج 2 ص 124 وهو هناك مطول
اختصره المصنف هنا (3) هو بذال معجمة مضمومة وبموحدتين (4) في النسخة رقم (16) (وقال: انى) *
[ 138 ]
لا يقطعها حتى يفتتح الطواف، وقال مالك: من أحرم من الميقات قطع التلبية إذا دخل أول الحرم فان أحرم من الجعرانة أو من التنعيم قطعها إذا دخل بيوت مكة أو إذا دخل المسجد * روينا عن وكيع عن عمر بن ذر عن مجاهد قال: قال ابن عباس: لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الركن، وكان ابن عمر يقطعها إذا رأى بيوت مكة * قال وكيع: وحدثنا سفيان - هو الثوري - عن عبد الله بن دينار قال: قال ابن عمر: يقطع التلبية إذا دخل الحرام * قال أبو محمد: والذى نقول به فهو (1) قول ابن مسعود الذى ذكرنا آنفاانه لا يقطعها حتى يتم جميع عمل العمرة (فان ذكروا) ما روينا عن سعيد بن منصور ناهشيم نا ابن أبى ليلى عن عطاء عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لبى في عمرته حتى استلم الحجر * ومن طريق حفص بن غياث عن الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر كل ذلك لا يقطع التلبية حتى يستلم الحجر، فهذا أثران ضعيفان في أحد هما ابن أبى ليلى - وهو سئ الحفظ - وفى الاخر الحجاج وناهيك به، وهو أيضا صحيفة (فان قالوا): فهل عندكم اعتراض؟ فيما رويتم من طريق أحمد بن شعيب عن يعقوب بن ابراهيم عن ابن علية عن ايوب عن نافع قال: كان ابن عمر إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذى طوى ثم يصلى به الصبح. ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك (1) * قلنا: لا معترض فيه وهو صحيح الا أنه لا حجة لكم فيه، أول ذلك انه ليس في هذا الخبر ما تذكرون من ان ذلك كان في العمرة فهو مخالف لما اختاره أبو حنيفة، والشافعي في الحج ولما اختاره أبو حنيفة في العمرة أيضا، ثم نقول لمن ذهب إلى قول مالك في هذا: ان هذا خبر لا حجة لكم فيه لانه قد يمكن أن ابن عمر انما أشار بقوله: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك) إلى المبيت بذى طوى وصلاة الصبح بها فقط، وهكذا نقول: أو يكون
أشار بذلك إلى قطع التلبية كما تقولون، فان كان هذا فخبر جابر بن عبد الله. وأسامة. وابن عباس (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لزم التلبية ولم يقطعها حتى رمى جمرة العقبة) زائد على ما في خبر ابن عمر، وزيادة العدل لا يجوز تركها لانه ذكر علما كان عنده لم يكن عند ابن عمر (3) الذى لم يذكره وبالله تعالى التوفيق * وأما اختيارنا الطيب بمنى قبل رمى الجمرة. فلما قد ذكرنا قبل في اختيار التطيب للاحرام من النص، وممن قال بذلك من الصحابة، وغيرهم رضى الله عنهم فأغنى عن اعادته *
(1) وانما قرن الخبر بالفاء لسبه الموصول بالشرط في العموم (2) لم اجد (في سنن النسائي المطبوع ولعله في السنن الكبرى) وهو موجود بهذا السند بلفظه ومتنه في البخاري ج 2 ص 283 (3) لفظ (ابن عمر) سقط من النسخة رقم (14) خطأ *
[ 139 ]
وأما قولنا أن يرمى الجمرة. وبدخول وقتها يحل للمحرم بالحج أو القران كل ما كان عليه حراما من اللباس، والطيب. والتصيد في الحل. وعقد النكاح لنفسه، ولغيره حاشا الجماع فقط فانه حرام عليه بعد حتى يطوف بالبيت فهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأبى سليمان. وأصحابهم: * وقال مالك. وسفيان: إذا رمى الجمرة حل له كل شئ الا النساء. والتصيد. والطيب، قال: فان تطيب فلا شئ عليه لما جاء في ذلك، وان تصيد فعليه الجزاء، وذكروا في ذلك رواية عن عمر. وابنه عبد الله أنه حل له كل شئ الا النساء والطيب، وعن سالم. وعروة مثل هذا * قال أبو محمد: أما ابن عمر فقد روى عنه الرجوع وقد خالف في ذلك عمر عائشة وغيرها كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا سفيان عن عمرو بن دينار عن سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال عمر: إذا رميتم الجمرة بسبع حصيات وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شئ إلا الطيب. والنساء. فقالت عائشة: انا طيب ت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق ان تتبع * قال أبو محمد: هذا قول ابن عمر الذى لو اتبعوه لوفقوا * ومن طريق وكيع عن سفيان عن
سلمة بن كهيل عن الحسن العرنى عن ابن عباس قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شئ الا النساء فقال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما انا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك أطيب ذلك أم لا؟ * ومن طريق وكيع عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها قالت: إذا رميت الجمرة فقد حل لك كل شئ الا النساء * وعن سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر سمعت ابن الزبير يقول: إذا رميت الجمرة فقد حل لك كل شئ ما وراء النساء، وهو قول عطاء. وطاوس. وعلقمة. وخارجة بن زيد بن ثابت * قال أبو محمد: قال الله تعالى: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) وقال تعالى: (فإذا حللتم فاصطادوا) وجاء النص واجماع المخالفين معنا على أن المحرم حرام عليه لباس القمص. والعمائم. والبرانس. والخفين. والسراويل. ووافقو نامع مجئ النص على جواز لباس كل ذلك إذا رمى ونحر، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما نذكر بعد هذا ان شاء الله تعالى جواز تقديم الطواف. والذبح. والحلق بعضها على بعض، فصح أن الاحرام قد بطل بدخول وقت الرمى. والحلق. والنحر. رمى أولم يرم، حلق أو لم يحلق، نحر أو لم ينحر، طاف أو لم يطف، وإذا حل له الحلق الذى كان حراما في الاحرام فبلا شك أنه قد بطل الاحرام وبطل حكمه، وإذا كان ذلك فقد حل فحل له
[ 140 ]
الصيد الذى لم يحرم عليه الا بالاحرام وحل له بالاحلال، وكذلك الزواج. والتزويج لان النص انما جاء بأن لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب، فصح أن هذا حرام على المحرم ومن حل له لباس القمص. والبرانس. وحلق الرأس لغير ضرورة فهو حلال لا محرم فالنكاح. والانكاح. والخطبة حلال له إذ ليس محرما، وأما الجماع فبخلاف هذا لان الله تعالى قال (فلا رفث ولافسوق ولا جدال في الحج). فحرم الرفث وهو الجماع في الحج جملة لا على المحرم خاصة (1) وما دام يبقى من فرائض الحج شئ فهو بعد في الحج
وان لم يكن محرما، والوطئ حرام عليه مادام في الحج * قال أبو محمد: ومالك يرى في الطيب المحرم على المحرم الفدية كما يرى الجزاء على المحرم في الصيد. ثم رأى ههنا الجزاء في الصيد ولم ير الفدية في التطيب وهذا عجب! (فان احتجوا له) بالاثر الوارد في طيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل ان يطوف بالبيت قلنا لهم: لا يخلو هذا الاثر من أن يكون صحيحا ففرض عليكم أن لا تخالفوه وأنتم قد خالفتموه أو يكون غير صحيح فلا تراعوه وأوجبوا الفدية على من تطيب كما أوجبتموها على من تصيد. ولا فرق، ثم نقول لهم: أخبرونا عن ايجابكم الجزاء على من تصيد في الحل بعد رمى جمرة العقبة أحرم هو أم غير حرم؟ ولا سبيل إلى ثالث (فان قلتم): هو حرم قلنا لكم، فحرموا عليه اللباس الذى يحرم على المحرمين وحرموا عليه حلق رأسه، وان قالوا: ليس حراما قلنا: فلا جزاء عليه في التصيد، (فان قالوا): قد جاء النص والاجماع بأمره بحلق رأسه، وبلباس ما يحرم على المحرمين قلنا: فهذا برهان كاف في أنه ليس محرما، وهذا ما لا مخلص (لهم) (2) منه، وأيضا فانهم أو هموا أنهم تعلقوا بعمر. وابن عمر. وانما عنهما المنع من التطيب لا من الصيد، وهذا عجب جدا!، وأيضا فالقوم أصحاب قياس وهم قد أباحوا لباس القمص. والسراويل وغير ذلك بعد رمى جمرة العقبة. وحلق الرأس، ومنعوا من الصيد. والطيب * (فان قالوا): قسناه على الجماع قلنا: هذا قياس فاسد لان اللباس. والحلق والطيب. والصيد عندكم خبر واحد. وحكم واحد في أنه لا يبطل به الحج في الاحرام، وكان للجماع خبر آخر لانه لا يبطل به الحج في الاحرام، فلو كان القياس حقا لكان قياس الطيب. والصيد على اللباس. والحلق (3) أولى من قياسه على الجماع، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: - ان نهض إلى مكة فطاف بالبيت سبعا لا رمل فيها وسعى بين الصفا والمروة ان كان متمتعا أو لم يسع ان كان قارنا وكان قد سعى بينهما في أول دخوله فقدتم
(1) في النسخة رقم (14) (في الحج جملة على المحرم خاصة) وما هنا اتم لان المعنى والله اعلم إن هذه الاشياء المذكروة في الآية الشريفة حرمت في الحج على الحاج ما بقى عليه شئ من اعمال الحج لاعلى المحرم فقط: *
(2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (14) (وحلق الرأس) *
[ 141 ]
حجه وقرانه. وحل له النساء - فاجماع (1) لا خلاف فيه مع النص في قوله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) * وأما قولنا -: انهم يرجعون إلى منى فيقيمون بها ثلاث ليال بأيامها يرمون في كل يوم من الايام الثلاثة الجمرات الثلاث بعد زوال الشمس بسبع حصيات سبع حصيات كل جمرة يبدأ بالقصوى، ثم التى تليها، ثم جمرة العقبة التى رمى يوم النحر وقد تم حجه وعمله كله - فاجماع (1) لا خلاف فيه من أحد * وأما قولنا: يقف للدعاء عند الجمرتين الاولتين ولا يقف عند الثالثة فلما رويناه من طريق البخاري نا عثمان بن أبى شيبة نا طلحة بن يحيى الانصاري نا يونس عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه (رضى الله عنهما) (2) (أنه كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم حتى يسهل (3) مستقبل القبلة فيقوم طويلا. ويدعو. ويرفع يديه. ثم يرمى الجمرة الوسطى. ثم يأخذ بذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة (فيقوم طويلا) (4) ثم يدعو. ويرفع يديه. ثم يقوم طويلا. ثم يرمى جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها. ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) يفعله) * ومن طريق أبى داودنا على بن بحر. وعبد الله بن سعيد المعنى قالا (جميعا) (6) نا أبو خالد الاحمر عن محمد بن اسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين قالت: (أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر. ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالى أيام التشريق يرمى الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة) (7) * وأما قولنا: ويأكل القارن من هديه ولا بد ويتصدق، وكذلك من هدى التطوع فلقول الله تعالى (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها
صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رضوان الله عليه (8) قارنين، وأكلا من هديهما وتصدقا *
(1) في النسخة رقم (14) (باجماع) والصحيح ماهنا لانه جواب الشرط. عن قوله. (واما قولنا) الخ، وقوله قبل فقد تم حجه جواب الشرط. اعني قوله (ان نهض) وهومن مقول القول تنبه لذلك (2) الزيادة من البخاري ج 3 ص 8، وفيه (عن أبن عمر) بدل (عن ابيه) (3) في البخاري (حتى يسهل فيقوم) ومعنى سهل. بضم اوله وسكون ثانيه. يقصد السهل من الارض وهو المكان اللين الذى لاارتفاع فيه (4) الزيادة من البخاري (5) في البخاري (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم) (6) الزيادة من النسخة رقم (14) وهى غير موجوده في سنن ابى داود ج 2 ص 147 (7) في سنن ابى داود زيادة اسقطها المصنف، قال الحافظ المنذرى: في اسناده محمد بن اسحاق بن يسار (8) في النسخة رقم (14) (رضى الله عنه) *
[ 142 ]
قال أبو محمد: وروى أثر (أن من لم يطف بالبيت يوم النحر فانه يعود محرما كما كان حتى يطوف به) رواه أبو عبيدة بن عبد الله بن وهب بن زمعة عن أبيه وأمه زينب بنت أم سلمة عن أمها عن أم سلمة أم المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح لان أبا عبيدة وإن كان مشهور الشرف والجلالة في الرياسة فليس معروفا بنقل الحديث. ولا معروفا بالحفظ، ولو صح لقلنا به مسارعين إلى ذلك، وقد قال به عروة بن الزبير * وأما قولنا: - (1) فأما المتمتع فان كان من غير أهل الحرام أو لم يكن أهله معه قاطنين هنالك ففرض عليه أن يهدى هديا ولا بد ولا يجزئه ان يهديه الا بعد أن يحرم بالحج، فان لم يجد هديا ولا ما يبتاعه به ء فليصم ثلاثة أيام من يوم يحرم بالحج إلى انقضاء يوم عرفة وسبعة أيام إذا انقضت أيام التشريق، فان لم يصم الثلاثة الايام كما ذكرنا فليؤخر طواف الافاضة حتى تنقضي أيام التشريق، ثم يصوم الثلاثة الايام فإذا أتمها كلها طاف طواف الافاضة في اليوم الرابع، ثم ابتدأ بصيام السبعة الايام فان لم يفعل حتى خرج عن عمل الحج صام السبعة الايام فقط واستغفر الله (2) ان كان تعمد ترك صيام الثلاثة الايام، ولو وجد هديا بعد إحرامه بالحج لم يجزه وفرضه الصوم ولا بد، فان وجده
قبل ان يحرم بالحج ففرضه الهدى - فلقول (3) الله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام). وهذا نص ما قلناه ولله الحمد كثيرا * وقد أجاز قوم ان يصوم الثلاثة الايام قبل ان يحرم بالحج وهذا خطأ لانه خلاف أمر الله تعالى بأن يصومها في الحج، وما لم يحرم المرء فليس هو في الحج فليس هو في وقت بعد ممن تمتع بالعمرة إلى الحج، ولا يجزئ (أداء) (4) فرض إلا في وقته الذى أوجبه الله تعالى فيه (5)، وأجاز قوم ان يصوم الثلاثة الايام في أيام التشريق وهذا خطأ، وقد ذكرنا البرهان على بطلان (هذا القول) (6) في كتاب الصيام من هذا الديوان، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام التشريق جملة وبه يقول الشافعي. وأبو حنيفة. وأبو سليمان وغيرهم * وروينا من طريق ابن أبى شيبة عن يحيى بن سعيد القطان عن ابن جريج عن نافع
(1) اعلم ان أغلب ما يذكره المصنف ويورده بلفظ (واما قولنا) الخ هو مختصر وفيه تغيير وتبديل لا باللفظ الذى سبق ذكره في اول مسالة 835 ص 117 (2) في النسخة رقم (16) (وليستغفر الله) (3) في النسخة رقم (14) (لقول الله تعالى) وهو غلط لانه جواب قوله (واما قولنا) الح فيجب ان يقرن بالفاء (4) الزيادة من النسخة رقم (14) ص 117 (5) في النسخة رقم 14 (فيه وبه) بزيادة (وبه) وما هنا اتم (6) الزيادة من النسخة رقم (14) وسقطت من النسخة رقم (16) خطأ *
[ 143 ]
عن ابن عمر قال: لا يصوم المتمتع إلا وهو محرم لا يقضى عنه الا ذلك * وروينا عن عائشة وابن عمر أيضا جواز صيام أيام التشريق للمتمتع ولا حجة مع التنازع الا فيما صح عن الله تعالى، أو عن رسوله عليه السلام، وروينا عن على من طريق منقطعة عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا قال في المتمتع يفوته الصوم في العشر: أنه يتسحر ليلة الحصبة فيصوم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع * قال أبو محمد: ليلة الحصبة هي الليلة الرابعة عشر من ذى الحجة التالية لآخر أيام
التشريق، وروينا عن عمر. وابن عباس ان من لم يصم الثلاثة الايام في عشر ذى الحجة لم يكن له ان يصومها بعد * قال على: قول الله تعالى - هو الحاكم على كل شئ - ولم يوجب تعالى صيام الثلاثة الايام إلا في الحج فليس له ان يصومها لاقبل الحج لانه يكون مخالفا لامر الله تعالى في ذلك، ولم يوجب عزوجل صيامها (1) في الاحرام لكن في الحج، وهو ما لم يطف طواف الافاضة فهو في الحج بعد * وقال أبو حنيفة: إن صام الثلاثة الايام بعد ان أحرم بالعمرة وقبل ان يطوف لها أو بعد تمامها وقبل ان يحرم بالحج اجزأه ذلك ولا يجزئه ان يصوم السبعة الايام في عشر ذى الحجة، فكان هذا تناقضا لاخفاء به وخلافا للقرآن كما ذكرنا بلا دليل، وقال بعضهم: معنى قوله تعالى: (في الحج) أي في أشهر الحج فقلنا: هذا كذب على القرآن، فان كان كما تزعمون فأجيزوا له صيامها في أشهر الحج قبل ان يعتمر، والا فقد تناقضتم، وصح عن أم الؤمنين عائشة، وعن ابن عمر أنه لا يصوم الثلاثة الايام الابعد إحرامه بالحج، وهو قول مالك. والشافعي. وأحمد. وأبى سليمان ولا يعرف لهم (2) مخالف من الصحابة في ذلك، وقال الشافعي: يصومهن بعد أيام التشريق ويفرق بين الثلاثة والسبعة ولو بيوم * قال على: وهذا خطأ وخلاف للقرآن كما ذكرنا، ولا فرق بين تقديم الفرض قبل وقته. وبين تأخيره بعد وقته بغير نص * وقال عطاء: لا يجزئ هدى المتعة الا بعد الوقوف بعرفة، وقال عمرو بن دينار: يجزئ مذ يحرم بالحج وبه نأخذ لما ذكرنا آنفا * واختلفوا في معنى قوله تعالى (وسبعة إذا رجعتم) فقال قوم: إذا ارجعتم إلى بلادكم، وقال آخرون: إذا رجعتم من عمل الحج وهو قول سفيان. وابى حنيفة. وهو الصحيح لانه لا يجوز تخصيص القرآن بلا نص ولا ضرورة موجبة لتخصيصه، وقد ذكر تعالى صيام الثلاثة الايام في الحج، ثم قال عزوجل: (وسبعة إذا رجعتم) فصح أنه على ظاهره
(1) في النسخة رقم (16) (صيامهن) (2) في النسخة رقم (16) (لهما) وهو خطأ *
[ 144 ]
وعمومه بعد رجوعه من الحج الموجب عليه ذلك الصيام وبالله تعالى التوفيق (فان قيل) فقد رويتم من طريق البخاري عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري (1) عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبين الصفا. والمروة ويقصر ويحل ثم ليهلل بالحج (2) فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) قلنا: نعم والرجوع إلى أهله يقع على وجهين، أحدهما المشى إلى بلده، والآخر الرجوع إلى أهله وان حل له فيها ما كان له حراما بالعمل للحج، ولايجوز تخصيص اللفظ إلا بنص أو اجماع فحمله على كل ما يقع عليه اسم رجوع هو الواجب، فان صام السبعة إذا رجع إلى أهله من تحريمها عليه فذلك جائز وان صامها إذا رجع بالمشى فذلك جائز * قال أبو محمد: فان لم يصم الثلاثة الايام حتى أتم الحج فقد روينا عن عمر بن الخطاب انه يعود عليه الهدى وصح ذلك (3) عن ابن عباس وهو قول عطاء، وطاوس، ومجاهد، والنخعي، والحكم * وروى عنه أيضا ان عليه هديين، هدى المتعة، وهدى لتأخيره، ولم يصح عنه، وبه يأخذ أبو حنيفة وأصحابه * وقال مالك والشافعي: يصومهن بعد الحج وهذا قول روى عن على ولم يصح عنه، وقال سعيد بن جبير: يطعم عن الثلاثة الايام ويصوم السبعة * قال على: ولا حجة في أحد مع الله تعالى. ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقد نص عزوجل على أن من لم يجد الهدى صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، فصح يقينا ان من لم يجد هديا. ولا ثمنه ان فرضه الصوم المذكور وانه لاهدى عليه فإذ هو كذلك بيقين وبلا خلاف من أحد فلا يجوز سقوط فرضه الواجب عليه، وايجاب هدى قد جاء القرآن بسقوطه عنه بقول مختلف فيه لا يصححه قرآن. ولاسنة، ولا يجزئه أيضا أن يصوم الثلاثة الايام في غير الوقت الذى افترض الله تعالى عليه صيامها فيه بقول مختلف فيه لا يصححه قرآن، ولا سنة، وعمر، وابن عباس يقولان: لا يصوم بعد، وعلى يقول: لا يهدى بعد،
وسعيد بن جبير يقول: لا يهدى ولا يصومهن لكن يطعم، وغيره لا يرى الاطعام، فلم يصح ايجاب صومم أو هدى. أو اطعام بغير إجماع ولانص بل النص مانع (4) منهما وغير موجب للاطعام، وقد وجدنا الله تعالى يقول: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) وهو ليس في وسعه أن يصوم الثلاثة الايام في وقت قد فات، فصح انه ليس مكلفا بعد ما ليس في وسعه من ذلك، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)
(1) في البخاري ج 2 ص 324 (عن ابن شهاب) وهو هو (2) في صحيح البخاري ج 2 ص 324 (وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج) والحديث اختصره المصنف (3) في النسخة رقم (16) (وكذلك عن ابن عباس) وما هنا اتم واوضح (4) في النسخة رقم (16) (بل النص قد منع) وما هنا أنسب *
[ 145 ]
فسقط عنه صوم الثلاثة الايام لعجزه عن أدائها كما أمر وبقى عليه صيام السبعة الايام لانه مستطيع عليها فعليه أن يأتي بها أبدا وتجزئ عنه، فان مات ولم يصمها صامها عنه وليه على ما ذكرنا في كتاب الصيام، ولا تصام عنه الثلاثة الايام لانها ليست عليه بعد الا أنه عاص لله تعالى ان كان تعمد ترك صيامها حتى فات وقتها فليستغفر الله عزوجل وليتب وليكثر من فعل الخير، ولا حرج عليه ان كان تركها العذر لقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) * قال أبو محمد: وقال أبو حنيفة: ان وجد هديا أن يتم صيام الثلاثة الايام أو بعد أن أتمهن وقبل أن يحل في أيام النحر فقد بطل صومه وعاد حكمه إلى الهدى، وان وجد الهدى بعد انقضاء أيام النحر وقد حل أو لم يحل فصوه تام ولا هدى عليه، وقال مالك. والشافعي: ان وجد الهدى بعد أن دخل في الصوم ففرضه الصوم (ولا هدى عليه) (1) وان وجد الهدى قبل أن يأخذ في الصوم عاد حكمه إلى الهدى * قال على: كلا القولين لا دليل عليه ولا حجة في أحد مع كلام الله تعالى وانما أوجب تعالى ما أوجب من الهدى. أو ن الصوم ان لم يجد الهدى بأن يكون متمتعا بالعمرة إلى
الحج فهو ما لم يحرم بالحج فليس متمتعا بالعمرة إلى الحج فلم يجب عليه حتى الآن هدى. ولا صوم، ولا خلاف بين أحد من أهل الاسلام في أن المسلم ان اعتمروهو يريد التمتع ثم لم يحج من عامه ذلك فانه لاهدى عليه وصوم، فصح يقينا انه لا يجب عليه ذلك الا بدخوله في الحج فانه حينئذ يصير متمتعا بالعمرة إلى الحج فإذ لا شك في هذا فانما حكمه حين وجب عليه ذلك الحكم بالتمتع لا قبل ذلك ولا بعد ذلك، فان كان في اثر حين إحرامه بالحج قادرا على هدى ففرضه الهدى بنص القرآن سواء أعسر بعد ذلك أو كان معسرا قبل ذلك، ولا يسقط عنه ما أوجبه الله تعالى عليه من الهدى بدعوى لا برهان على صحتها من قرآن ولا سنة وعليه أن يهدى متى وجد، فان كان في اثر حين إحرامه بالحج لا يقدر على هدى ففرضه الصوم بنص القرآن سواء كان قبل ذلك قادرا على هدى أو قدر عليه بعد ذلك لا يسقط عنه ما أوجب الله تعالى عليه بالقرآن بدعوى لا برهان على صحتها قرآن ولاسنة * وقاسه الحنيفيون على المطلقة التى لم تحض تعتد بالشهور فتحيض قبل إتمام عدتها فانها تنتقل إلى العدة بالاقراء، أو بالمطلقة يموت زوجها قبل تمام عدتها فتنتقل إلى عدة الوقاة *
(1) الزيادة من النسخة رقم (14) *
[ 146 ]
قال أبو محمد: وهذا قياس والقياس كله باطل، ثم لو صح لكان هذا منه عين الباطل لانه لانسبة بين الحج وبين الطلاق، وانما انتقلت التى لم تحض إلى العدة بالاقراء لان القرآن جاة بذلك نصا، وبأن عدة المطلقة الاقراء إلا أن التى لم تحض أو يئست من الحيض عدتها الشهور فإذا حاضت فبيقين ندرى أنها ليست من اللواتى لم يحضن ولامن اللائى يئسن من الحيض فوجب ان تعتد لما أمرها الله تعالى ان تعتد به من الاقراء، وإنما انتقلت المتوفى عنها زوجها إلى عدة الوفاة لانها مادامت في العدة فهى زوجة له وجميع احكام الزوجية باق عليها وترثه ويرثها، فإذا مات زوجها لزها ان تعتد اربعة أشهر
وعشرا كما أمرها الله تعالى، فظهر تخليط هؤلاء القوم. وجهلهم بالقياس. وخلافهم القرآن بآرائهم * وأما قولنا: ان هذا حكم من كان أهله قاطنين في الحرم بكمة فلان الله تعالى قال (ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام)، ووجدنا الناس اختلفوا * فقال أبو حنيفة: حاضرو المسجد الحرام هو من كان ساكنا في أحد المواقيت قما بين ذلك إلى مكة، وهو قول روى عن عطاء ولم يصح عنه، وصح عن مكحول * وقال الشافعي: هم من كان من مكة على أربعة برد بحيث لا يقصر الصلاة إلى مكة، وصح هذا عن عطاء * وقال مالك: هم أهل مكة وذى طوى، وقال سفيان. وداود: هم أهل دور مكة فقط، وصح عن نافع مولى ابن عمر، وعن الاعرج، وروينا عن عطاء. وطاوس أنهم أهل مكة إلا أن طاوسا قال: إذا اعتمر المكى من أحد المواقيث ثم حج من عامه فعليه ما على المتمتع. روينا ذلك من طريق وكيع عن سفيان عن عبد الله بن طاوس عن أبيه * وروينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في حاضرى المسجد الحرا قال: من كان أهله من مكة على يوم أو نحوه * وقال آخرون: هم أهل الحرم كما روينا من طريق سعيد بن منصور عن اسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: المسجد الحرام الحرم كله * ومن طريق الحذافى عن عبد الرزاق نامعمر، وسفيان بن عيينة قال معمر: عن رجل عن ابن عباس، وعن عبد الله بن طاوس عن أبيه، وقال سفيان: عن ابن أبى نجيح عن مجاهد، ثم اتفق ابن عباس. وطاوس. ومجاهد في قول الله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام) قالوا كلهم: هي لمن يكن أهله في الحرم * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة وأصحابه ففى غاية الفساد وما نعلم لهم حجة الا أنهم قالوا: وجدنا من كان أهل ما دون المواقيت لا يجوز لهم إذا أرادو الحج أو المعرة ان يتجاوزوا المواقيت إلا محرمين، وليس لهم ان يحرموا قبلها فصح ان للمواقيت حكما غير حكم ما قبلها *
[ 147 ]
قال على: وهذا الاحتجاج في غاية الغثانة ويقال لهم: (نعم) (1) فكان ماذا؟ ومن أين وجب من هذا ان يكون أهل المواقيت فما وراءها إلى مكة هم حاضرو المسجد الحرام؟ وهل هذا التخليط إلا كمن قال: وجدنا كل من كان في أرض الاسلام ليس له ان يطلق سيفه - فيمن لقى - وغارته؟، ووجدنا من كان في دار الحرب له ان يطلق سيفه وغارته، فصح ان لاهل (دار) (2) الاسلام حكما غير حكم غيرها فوجب من ذلك ان يكون جميع أهل دار الاسلام حاضرو المسجد الحرام، ثم يقال له: ان الحاضر عندكم يتم الصلاة والمسافر يقصرها فإذا كان أهل ذى الحليفة. والجحفة حاضرى المسجد الحرام - وهم عندكم يقصرون إلى مكة ويفطرون - فكيف يكون الحاضر يقصر ويفطر؟ * والعجب كله ان جعل من كان في ذى الحليفة ساكنا من حاضرى المسجد الحرام وبينهم وبين مكة نحو مائتي يل، وجعل من كان ساكنا خلف يلملم ليس من حاضرى المسجد الحرام وليس بينه وبينها إلا ثلاثة وثلاثون ميلا فهل في التخليط أكثر من هذا؟ وانا لله وانا إليه راجعون إذ صارت الشرائع في دين الله تعالى تشرع بمثل هذا الرأى * وأما قول مالك: فتخصيصه ذا طوى قول لادليل عليه ولا نعلم هذا القول عن أحد قبل مالك، وأما قول الشافعي: فانه بنى قوله ههنا على قوله فيما تقصر فيه الصلاة، وقوله هنالك خطأ فبنى الخطأ على الخطأ، ويقال لهم: أنتم تقولون: لا يجوز التيمم للحاضر المقيم أصلا ويجوز لمن كان على ميل ونحوه من منزله، فهلا جعلتم حاضرى المسجد الحرام قياسا على من يجوز له التيمم؟، وهذا مالا انفكاك منه، وهذا مما خالف فيه الحنيفيون. والمالكيون. والشافعيون صاحبا لايعرف له مخالف من الصحابة وهم يشنعون بهذا * وأما قول سفيان. وداود: فوهم منهما لان الله تعالى لم يقل. حاضرى مكة وانما قال تعالى: (حاضرى المسجد الحرام) فسقطت مراعاة مكة ههنا وصح ان المراعى ههنا انما هو المسجد الحرام فقط، فإذ ذلك كذلك فواجب ان نطلب مراد الله تعالى بقوله
(حاضرى المسجد الحرام) لنعرف من ألزمه اله تعالى الهدى أو الصوم ان تمتع ممن لم يلزمه الله تعالى ذلك فنظرنا فوجدنا لفظة المسجد الحرام لا تخلو من أحد ثلاثة وجوه (3) لا رابع لها: اما ان يكون الله تعالى أراد الكعبة فقط، أوما أحاطت به جدران المسجد فقط، أم أراد الحرم كله لانه لا يقع اسم مسجد حرام الا على هذه الوجوه فقط، فبطل ان يكون الله تعالى أراد الكعبة فقط لانه لو كان ذلك لكان لا يسقط الهدى الا عمن أهله في
(1) الزيادة من النسخة رقم (14) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (من احد ثلاثة اوجه) *
[ 148 ]
الكعبة وهذا معدوم وغير موجود، وبطل أن يكون غزوجل أراد ما أحاطت به جدران المسجد الحرام فقط لان المسجد الحرام قد زيد فيه مرة بعد مرة فكان يكون هذا الحكم ينتقل ولا يثبت، وأيضا فكان لا يكون هذا الحكم إلا لمن أهله في المسجد الحرام، وهذا معدوم غير موجود، فإذ قد بطل هذان الوجهان فقد صح الثالث إذ لم يبق غيره، وأيضا فانه إذا كان اسم المسجد الحرام يقع على الحرم كله فغير جائز ان يخص بهذا الحكم بعض ما يقع عليه هذا الاسم دون سائر ما يقع عليه بلا برهان، وأيضا فان الله تعالى قد بين علينا فقال: (يريد الله ليبين لكم) فلو أراد الله تعالى بعض ما يقع عليه اسم المسجد الحرام دون بعض لما أهمل ذلك ولبينه، أو لكان الله تعالى معنتا لنا غير مبين علينا ما ألزمنا (1)، ومعاذ الله من أن يظن هذا مسلم، فصح إذ لم يبين الله تعالى انه اراد بعض ما يقع عليه اسم المسجد الحرام دون بعض فلا شك في انه تعالى أراد كل ما يقع عليه اسم المسجد الحرام، وأيضا فان الله تعالى يقول: (انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) فلم يختلفوا في أنه تعالى أراد الحرم كله، فلا يجوز تخصيص ذلك بالدعوى، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق أبى هريرة. وجابر. وحذيفة (جعلت لى الارض مسجدا وطهورا) (2)، فصح أن الحرم مسجد لانه من الارض فهو كله مسجد حرام فهو المسجد الحرام بلا شك، والحاضرون هم القاطنون غير الخارجين،
فصح أن من كان أهله حاضرى المسجد الحرام هم من كان أهله قاطنين في الحرم * (فان قيل): فان من سكن خارجا منه بقربه هم حاضروه قلنا: هذا خطأ، وبرهان فساد هذا القول اننا نسألكم عن تحديد ذلك القرب الذى يكون من هو فيه حاضرا مما يكون من هو فيه غير حاضر، وهذا لا سبيل إلى تفصيله الا بدعوى كاذبة لان الارض كلها خط بعد خط إلى منقطعها * وروينا من طريق مسلم نا على بن حجر نا على بن حجر نا على بن مسهر عن الاعمش عن ابراهيم ان يزيد التيمى ان أباه قال له: سمعت أبا ذر يقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ عن أول مسجد وضع في الارض فقال: ((المسجد الحرام) (3) * قال أبو محمد: فصح انه الحرم كله بيقين لاشك فيه لان الكعبة لم تبن في ذلك الوقت وانما بناها ابراهيم. واسماعيل عليهما السلام، قال عزوجل ت: (واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل) ولم يبن المسجد حول الكعبة الا بعد ذلك بدهر طويل، ولا خلاف
(1) في النسخة رقم (14) (ما لزمنا) (2) هذا قطعة من حديث رواه البخاري ومسلم حذف المصنف اوله وآخره واتى بمحل الشاهد منه (3) الحديث اختصره المصنف انظر صحيح مسلم ج 1 ص 146 *
[ 149 ]
بين أحد من الامة في أنه لو زيد في المسجد أبدا حتى يعم به جميع الحرم يسمى مسجدا حراما، وانه لو زيد فيه من الحل لم يسم مازيد فيه مسجدا حراما فارتفع كل اشكال ولله الحمد كثيرا (1) * مسائل من هذا الباب 836 - مسألة - من كان له أهل حاضرو المسجد الحرام وأهل غير حاضرين فلا هدى عليه ولا صوم لان أهله حاضرو المسجد الحرام فمن حج بأهله فتمتع. فان أقام أكثر من أربعة ايام باهله بمكة فأهله حاضرو المسجد الحرام وان لم يقم بها الا أربعة أيام فأقل (2) فليس أهله حاضرى المسجد الحرام فعليه الهدى أو الصوم، وقد حج مع رسول اله صلى الله عليه وسلم أهله وجماعة من أصحابه رضى الله عنهم بأهلهم فوجب على من
تمتع منهم الهدى أو الصوم، فصح ان من هذه صفته فليس أهله حاضرى المسجد الحرام، وانما أقام (رسول الله) (3) عليه السلام بمكة أربعا في حجة الوداع، ثم رجعنا عن هذا القول (4) إلى انه ان أقام بأهله بمكة عشرين يوما فأقل فليس ممن أهله حاضرو المسجد الحرام، فان بقى أكثر من عشرين يوما مذ يدخل مكة إلى ان يهل بالحج فهو ممن أهله حاضرو المسجد الحرام لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة، وان كان مكى لا أهل له أصلا أوله أهل في غير الحرم فتمتع فعليه الهدى أو الصوم لانه ليس ممن أهله حاضرو المسجد الحرام، والاهل هم العيال خاصة هنا لان كل من حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش فان أهلهم كانوا بمكة - يعنى أقاربهم - فلم يسقط هذا عنهم حكم الهدى أو الصوم الذى على المتمتع، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: ان الهدى الواجب على التمتع رأس من الغنم أو من الابل. أو من البقر، أو شرك في بقرة أو ناقة بين عشرة فأقل سواء كانوا متمتعين أو بعضهم، أو كان فيهم من يريد نصيبه لحما للاكل أو البيع أو لنذر أو لتطوع فلقول الله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى) واسم الهدى يقع على الشاة. والبقرة. والبدنة * وروينا عن ابن مسعود انه كان يجيز في ذلك الشاة * وعن ابن عباس مثل ذلك، واختلف فيه عن أم المؤمنين (عائشة) (5) فروى عنها مثل قول ابن عباس، وروى عنها أيضا. وعن ابن عمر انه لا يجزئ في ذلك شاد وانه انما في ذلك الناقة أو البقرة كما روينا عن أبى بكر بن أبى شيبة عن أبى الاحوص عن أبى اسحاق - هو السبيعي - عن وبرة (1) إلى هنا تم الجز الثاني من كتاب المحلى للامام العلامة أبى محمد المشهور بابن حزم من النسخة الموجودة في دار الكتب المصرية (14) من تجزئة ست مجلدات، نسأل الله الاكمال (2) في النسخة رقم (14) (وان لم يقم بها الا اربعة أيام فصاعدا) والصحيح ماهنا (3) الزيادة من النسخة رقم (14) (4) سقط لفظ (القول) من النسخة رقم (14) (5) الزيادة من النسخة رقم (14) *
[ 150 ]
ابن عبد الرحمن قال: قال لى ابن عمر: صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إلى
أهلك أحب إلى من شاة * ومن طريق حماد بن زيد عن غيلان بن جرير قال: سمعت ابن عمر يسأل عن هدى المتعة - وهم يذكرون الشاة - فقال ابن عمر: شاة شاة ورفع بها صوته لابل بقرة، أو ناقة * وعن عروة بن الزبير مثل قول ابن عر، وروينا عن طاوس الترتيب. روينا من طريق اسماعيل بن اسحاق القاضى نا على بن عبد الله - هو ابن المدينى - نا هشام بن يوسف أنا ابن جريج قال: سمعت ابن طاوس يزعم عن أبيه انه كان يقول: بقدر يسار الرجل ان استيسر جزور فجزور، وان استيسر بقرة فبقرة وان لم يستيسر الا شاة فشاة قال: وكان أبى يفرق بين ما استيسر وتيسر قال: فان استيسر على قدر يساره وتيسر ما شاء قال أبو محمد: وروينا من طريق البخاري نا اسحاق بن منصور انا النضر بن شميل انا شعبة نا أبو جمرة (1) - هو نصربن عمر ان الضنبعى - قال: سألت ابن عباس (رضى الله عنهما) (2) عن المتعة؟ فأمرني بها وسألته عن الهدى؟ فقال: فيها جزور. أو بقرة. أو شاة أو شرك في دم، وهكذا رويناه في تفسير هدى المتعة أيضا من طريق الحجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة عن أبى جمرة عن ابن عباس، وبهذا نأخذ * فأما اجازة الشاة في ذلك فهو قول أبى حنيفة. ومالك. والشافعي:، وأما الشرك في الدم فبه يقول أبو حنيفة. والشافعي. والاوزاعي. وسفيان الثوري. وأحمد بن حنبل واسحاق. وأبو ثور. وأبو سليمان الا ان أبا حنيفة قال: لا يجوز الشرك في الدم الا بأن يكونوا كلهم يريدونه للهدى وان اختلفت أسبابهم، وقال صاحبه زفر بن الهذيل: لا يجوز الا بأن تكون (3) أسبابهم واحدة مثل أن يكونوا كلهم متمتعين، أو كلهم مفتدين ونحو هذا * وقال الشافعي. وأبو سليمان: كما قلنا إلا أنهم (كلهم) (4) قالوا: لا يجوز ان يشرك فيه أكثر من سبعة * فأما قول مالك: فانهم احتجوا برواية رويناها من طريق أبى العالية. وسعيد بن جبير وابن سيرين كلهم عن ابن عمر قال أبو العالية: سمعت ابن عمر يقول: يقولون البدنة عن
سبعة. والبقرة عن سبعة ما أعلم النفس تجزئ إلا عن النفس * وقال سعيد بن جبير عنه أنه قال: ماكنت أشعر (5) ان النفس تجزئ إلا عن النفس * وقال ابن سيرين عنه
(1) في النسخ كلها (أبو حمزة بالحاء المهملة وبالزاى وهو غلط صححناه من فتح الباري ج 3 ص 426، وتهذيب التهذيب ج 10 ص 431 (2) الزيادة من صحيح البخاري ج 2 ص 322، والحديث اختصره المؤلف (3) في النسخة رقم (14) (الا ان تكون) (4) الزيادة في النسخة رقم (14) (5) في النسخة رقم (16) ((ماكنت اشك) وما هنا موافق لقوله بعد (لااعلم *
[ 151 ]
انه قال: لاأعلم (1) وما يراق عن أكثر من انسان واحد وهو رأى ابن سيرين، وكره ذلك الحكم. وحماد بن أبى سلمان، وما نعلم لهم شبهة غير هذا، وهذا لا حجة فيه لان ابن عمر قد رجع عن هذا إلى إجازة الاشتراك، واما اخبر ههنا بأنه لم يعلم بذلك ولا شعر به، وليس من لم يعلم حجة على من علم * حدثنا يوسف بن عبد الله النمري نا عبد الله النمري نا عبد الله بن محمد يوسف الازدي القاضى نا اسحاق بن أحمد نا أحمد بن عمرو بن موسى العقيلى نا محمد بن عيسى الهاشمي نا عمرو بن على نا وكيع بن الجراح نا عريف بن درهم عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر قال: الجزور والبقرة عن سبعة * قال أبو محمد: اجازته عن ذلك (2) دليل بين على أنه علم بالسنة في ذلك بعد ان لم يكن علمها، وقد جاء هذا نصا عنه كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا ابن نمير نا مجالد عن الشعبى قال: قلت لابن عمر: البقرة. والبعير تجزئ عن سبعة فقال: وكيف؟ ألها سبعة أنفس؟ فقلت له (3): ان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين بالكوفة أفتوني فقال: القوم نعم: قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأبو بكر. وعمر فقال ابن عمر: ما شعرت، فبطل تعلقهم بان عمر، ولم يمنع من ذلك حماد. والحكم لكن مكرهاه فقط، فصح أنهما مجيز ان لذلك، وانما هو عن ابن سيرين رأى لاعن أثر فبطل ان يكون لهذا القول متعلق أصلا، وقد ذكرنا عن ابن عمر آنفا أنه رأى الصوم في التمتع ولم يجز الشاة في ذلك، وروينا من
طريق عبد الرحمن بن مهدى عن سفيان الثوري عن زيد بن جبير قال: سمعت ابن عمر سئل عمن يهدى جملا؟ فقال: ما رأيت أحذا فعل ذلك * قال على: من الباطل الفاحش ان يكون ابن عمر، أو غيره حجة في مكان غير حجة في (مكان) (4) آخر، وروينا ن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة * وعن قتادة عن أنس كمان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يشركون السبعة في البدنة من الابل * وعن سفيان الثوري عن مسلم القرى عن حبة العرنى عن على بن أبى طالب قال: البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة * وعن سفيان الثوري عن زهير بن أبى ثابت عن سليمان بن زافر العبسى (5) قال: أنا وأمى اخذنا مع حذيفة بن اليمان من بقرة عن سبعة في الاضحى * وعن سفيان الثوري عن أبى حصين عن خالد بن سعد عن أبى مسعود البدرى قال: تنحر البدنة عن سبعة. والبقرة عن سبعة * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن علية عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سليمان بن يسار
(1) في النسخة رقم (16) (ما اعلم) (2) في النسخة رقم (16) (اجازته لذلك) (3) في النسخة رقم (14) سقط لفظ (له) منها * (4) الزيادة من النسخة رقم (14) (5) وفى نسخة (القيسي) لم اجدهما *
[ 152 ]
عن عائشة أم المؤمنين قالت: البقرة. والجزور عن سبعة، وبه إلى ابن أبى شيبة عن ابن فضيل عن مسلم عن ابراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود قال: البقرة والجزور عن سبعة * وعن يحيى بن سعيد القطان عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس قال: الجزور. والبقرة عن سبعة * وصح القول بذلك أيضا عن عطاء. وطاوس. وسليمان التيمى. وأبى عثمان النهدي. والحسن البصري. وقتادة. وسالم بن عبد الله بن عمر. وعمرو بن دينار وغيرهم * والحجة لهذا القول ما رويناه من طريق مالك عن أبى الزبير (المكى) (1) عن جابر ابن عبد الله (انه) (2) قال: نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية البدنة عن سبعة
والبقرة عن سبعة * ومن طريق يحيى بن سعيد القطان نا جعفر بن محمد نا أبى - هو محمد ابن على بن الحسين - نا جابر بن عبد الله فذكر حجة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها (فنحر عليه السلام ثلاثا وستين فأعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه) * ومن طريق أحمد بن شعيب انا أبو داود - هو الطيالسي - نا عفان بن مسلم نا حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد الله (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر البدنة عن سبعة. والبقرة عن سبعة) * قال أبو محمد: فصح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو اجماع من الصحابة كما أوردنا * وأما قول من لم يجز ذلك إلا عن سبعة فانه تعلق بما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم وعن الصحابة رضى الله عنهم، فأما الصحابة رضى الله عنهم ومن بعدهم فقد اختلفوا * روينا من طريق أحمد بن شعيب أنا اسحاق (بن ابراهيم) - هو ابن راهويه (3) انا الفضل بن موسى نا الحسين بن واقدعن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضر النحر فنحرنا البعير عن عشرة (4)) * ومن طريق الحذافى عن عبد الرزاق نا معمر نا قتادة قال: قال سعيد بن المسيب: البدنة عن عشرة * فهذا اختلاف من الصحابة والتابعين على اننا إذا تأملنا فعل الصحابة رضى الله عنهم وقولهم في ذلك فانما (5) هو أن البقرة عن سبعة. والبرنة عن سبعة، وهذا قول صحيح وليس فيه منع من جوازهما عن أكثر من سبعة، وكذلك الاثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا انما فيه أنه عليه السلام (نحر البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة) وهذا حق ودين وليس فيه منع من نحرهما عن أكثر من سبعة، أو عن أقل من سبعة، وكذلك مارويناه من
(1) الزيادة من الموطأ ج 2 ص 37 (2) الزيادة من الموطأ (3) في سنن النسائي (اخبرنا محمد بن عبد العزيز قال: حدثنا الفضل) الخ بدل (انا اسحاق بن ابراهيم) والزيادة من النسخة رقم (14) (4) في النسائي ج 7 ص 222 (فحضر النحر فاشتركنا في البعير عن عشرة والبقرة عن سبعة) (5) في النسخة رقم (16) (انما) *
[ 153 ]
طريق أبى داود نا موسى بن اسماعيل نا حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (البقرة عن سبعة والجزور عن سبعة) (1) فنعم قال: الحق وقوله الحق: وليس في هذا منع من جوازهما عن أكثر من سبعة ان جاء برهان بذلك وإلا فلا تجوز الزيادة على ذلك بالدعوى * فنظرنا (في ذلك) (2) فوجدنا مارويناه من طريق أبى داود السجستاني نا عمرو بن عثمان. ومحمد بن مهران الرازي قالا (جمعيا) (3): نا الوليد بن مسلم عن الاوزاعي عن يحيى ابن أبى كثير عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عمن اعتمر من أزواجه (4) بقرة بينهن) * ومن طريق البخاري نا عثمان - هو ابن أبى شيبة - نا جرير - هو ابن عبد الحميد - عن منصور بن المعتمر عن ابراهيم النخعي عن الاسود عن عائشة ام المؤمنين (رضى الله عنها) (5) (قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا أنه الحج فلما قدمنا تطوفنا بالبيت. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من لم يكن ساق الهدى ان يحل فحل من لم يكن ساق الهدى ونساؤه لم يسقن فأحللن) * قال أبو محمد: كن رضوان الله عليهن تسعا خرجت منهن عائشة لانها لم تحل لكنها أردفت حجا على عمرتها كما جاء في أثر آخر فبقى ثمان لم يسقن الهدى فأحللن كما تسمع ونحر عليه السلام عنهن كلهن بقرة واحدة فهذا عن أكثر من سبعة، فان قيل: قد روى أنه عليه السلام أهدى عن نسائه البقر قلنا: هذا لفظ رويناه من طريق عبد العزيز ابن أبى سلمة الماجشون عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين فذكرت حديثا، وفيه فأتينا بلحم فقلت: ماهذا؟ قالوا: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر * وقد روينا هذا الخبر نفسه عمن هو أحفظ وأضبط من ابن الماجشون عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين فبين ما أجمله ابن الماجشون * ورويناه من طريق البخاري عن مسدد عن سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن
عائشة أم المؤمنين فذكرت الحديث (وفيه قالت: فلما كنا بمنى أتيت بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ قالوا: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه بالبقر) (5) فبين سفيان في هذا
(1) هو في سنن ابى داود ج 3 ص 56. والجزور - بفتح الجيم - البعير ذكرا كان أو أنثى (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) الزيادة ليست موجدة في سنن ابى داود ج 3 ص 79 (4) في سنن ابى داود (من نسائه) قال الحافظ المنذرى: واخرجه النسائي وابن ماجه (5) الزيادة من البخاري ج 2 ص 279 والمصنف اختصر الحديث واقتصر على محل الشاهد منه * (6) هو في البخاري ج 7 ص 181 *
[ 154 ]
الخبر - وهو الذى رواه عبد العزيز بن الماجشون نفسه - ان تلك البقر كانت أضاحى، والاضاحي غير الهدى في التمتع بالعمرة إلى الحج بلا شك * ومن طريق مسلم بن الحجاج حدثنى محمد بن حاتم نا محمد بن بكر انا ابن جريج انا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم (فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أحللنا ان نهدى ونجمع النفر منا في الفدية (1) وذلك حين أمرهم ان يحلوا في هديهم من حجهم) (2) * قال أبو محمد: هذا سندلا نظير له، وبيان لا إشكال فيه، والبقر يقع على العشرة وأقل وأكثر فنظرنا في الآية فوجدنا الله تعالى أيضا يقول: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى). ومن للتبعيض فجاز الاشتراك في الهدى بظاهر الآية * (فان قيل): فمن أين اقتصرتم على العشرة فقط؟ قلنا: لو جهين، أحدهما أنه لم يقل أحد: بأنه يجوز أن يشرك في هدى فرض أكثر من عشرة؟ والثانى مارويناه عن طريق البخاري نا مسدود نا أبو الأحوص نا سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن أبيه عن جده رافع بن خديج فذكر حديث حنين (وفيه أنه عليه السلام قسم بينهم وعدل بعيرا بعشر شياه) (3) * قال على: قد صح إجماع المخالفين لنا مع ظاهر الآية بان شاة تجزئ في الهدى
الواجب في التمتع. والاحصار. والتطوع. وقد عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم عشر شياه ببعير فصح ان الشاة بازاء عشر البعير جملة، وان البقرة كالبعير في جواز الاشتراك فيهما في الهدى الواجب فيما ذكرنا، فصح ان البعير والبقرة يجزئان عما يجزئ عنه عشر شياه، وعشر شياه تجزئ عن عشرة، فالبعير. والبقرة يجزئ كل واحد منهما عن عشرة، وهو قول ابن عباس. وسعيد بن المسيب. واسحاق بن راهويه وبه نقول لما ذكرنا. وبالله تعالى التوفيق * وأما من منع من اختلاف اغراض المشتركين في الهدى فانهم احتجوا بأن قالوا: إذا كان فيهم من يريد نصيبه للبيع، أو للاكل لا للهدى فلم تحصل البدنة ولا البقرة مذكاة للهدى القصود به إلى الله عزوجل * وحجة زفر أنه لم يحصل الهدى المذكور إذا اشترك (4) فيه المحصر. والمتمتع. والمتطوع. والقارن فلم يحصل الهدى مذكى لما قصده به كل واحد منهم، والذكاة لاتتبعض *
(1) في النسخة رقم (16) (في الهدية) وهما بمعنى (2) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 344 اختصره المصنف وذكره بمعناه (3) (وفى صحيح البخاري ج 7 ص 178 مطولا اختصر) المصنف واقتصر على محل الشاهد منه (4) في النسخة رقم (16) (المذكور المشترك) *
[ 155 ]
قال أبو محمد: وهذا لا يحل (1) الاحتجاج به لانه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أوردنا أنه أمر أن يجتمع النفر منهم في الهدى (2) وانه قال عليه السلام: (البقرة عن سبعة والجزور عن سبعة) فعم عليه السلام ولم يخص من اتفقت اغراضه ممن اختلفت، وانما أمرنا في الهدى بالتذكية وبالنية عما يقصده المرء، وقد قال عليه السلام (ولكل امرئ ما نوى) فحصلت البدنة. والبقرة مذكاة إذ ذكيت كما أمر الله تعالى بأمر مالكها وسمى الله تعالى عليها، ثم لكل واحد منهم في حصته منها نية. قال عزوجل: (ولا تكسب كل نفس الا عليها) فأحكام جملتها أنها مذكاة، وحكم كل جزء منها مانواه فيه مالكه، ولا فرق حينئذ بين اجزاء سبعة من البقرة أو البعير وبين سبع شياة (3)، ولا يختلفون
في أنهم وان كانت أغراضهم متفقة وكان سببهم كلهم واحد فان لكل واحد حكمه وانه قد يمكن أن يقبل الله تعالى من بعضهم ولا يقبل من بعضهم، ولا يقدح ذلك في حصة المتقبل منه، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: لا يجزئه أن يهديه ألا بعد أن يحرم بالحج وان له أن يذبحه أو ينحره متى شاء بعد ذلك ولا يجزئه ان يهديه وينحره الا بمنى أو بمكة فلان الله تعالى قال: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى) فانما أوجبه تعالى على من تمتع بالعمرة إلى الحج لاعلى من لم يتمتع بالعمرة إلى الحج (بلا شك) (4)، فهو ما لم يحرم بالحج فلم يتمتع بعد بالعمرة إلى الحج واذ لم يتمتع بعد بالعمرة إلى الحج فالهدى غير واجب عليه، ولا يجزئ غير واجب عن واجب الا بنص وارد في ذلك، ولا خلاف بين أحد في أنه ان بدا له فلم يحج من عامه ذلك فانه لاهدى عليه فصح أنه ليس (عليه) (5) هدى بعد، وإذا لم يكن عليه فلا يجزئه ما ليس عليه عما يكون عليه بعد ذلك، وهو قول الشافعي. وأبى سليمان * وأما ذبحه ونحره بعد ذلك فلان هذا الهدى قد بين الله تعالى لنا أول وقت وجوبه ولم يحد آخر وقت وجوبه بحد، وما كان هكذا فهو دين باق أبدا حتى يؤدى، والامر به ثابت حتى يؤدى، ومن خصه بوقت محدود فقد قال على الله تعالى: ما لم يقله عزوجل، وهذا عظيم جدا * وقال أبو حنيفة. ومالك: لا يجزئ هديه قبل النحر وهذا قول لادليل على صحته بل هو دعوى بلا برهان، وما كان هكذا فهو ساقط. والعجب ن تجويز أبى حنيفة تقديم الزكاة واجازة أصحابه لمن نذر صيام يوم الخميس فصام يوم الاربعاء قبله اجزأه ثم لا يجيزون هدى المتعة قبل يوم النحر *
(1) في النسخة رقم (16) (وهذا لا يصح) (2) في النسخة رقم (16) (ان يجمع النفر منهم في الهدى) (3) في النسخة رقم (16) (أو سبع شياه) بحذف بين وبلفظ أو (4) الزيادة من النسخة رقم (14) (5) الزيادة من النسخة رقم (14) *
[ 156 ]
وأما قولنا: انه لا يجزئ الا بمكة أو منى فان قوما قالوا: (1) يجزئ في كل بلد لان
الله تعالى يحد موضع أدائه فهو جائز في كل موضع، ولو أراد الله تعالى قصره على مكان دون مكان لبينه كما بين ذلك في جزاء الصيد بقوله تعالى: (هديا بالغ الكعبة) ولم يقل: في هدى المتعة ولا في هدى المحصر (وما ان ربك نسيا)، (فان قيل): نقيس الهدى على الهدى في ذلك قلنا: القياس كله باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل لانه ان صححتم قياسكم هدى المتعة على هدى جزاء الصيد لزمكم أن تقيسوه عليه في تعويض الاطعام من الهدى والصيام في هدى المتعة وأنتم لا تقولون: هذا، فظهر فساد قياسكم وتناقضه * قال أبو محمد لكن الحجة في ذلك ان الله تعالى قال: (ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى * ثم محلها إلى البيت العتيق) وقال تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير) فجاء النص بان شعائر الله تعالى محلها إلى البيت العتيق، وان البدن من شعائر الله تعالى، فصح يقينا ان محلها إلى البيت العتيق، ولا خلاف بين أحد في أن حكم الهدى كله كحكم البدن * روينا من طريق أبى داود نا أحمد بن حنبل نا يحيى بن سعيد القطان نا جعفر بن محمد ابن على عن أبيه ان جابر بن عبد الله حدثه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال: قد نحرت هنا ومنى كلها منحر) (2) * نا أحمد بن عمر بن أنس نا عبيدالله بن الحسين بن عقال نا ابراهيم بن محمد الدينورى نا محمد بن أحمد بن الجهم نا معاذ بن المثنى نا مسدد نا حفص ابن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عند المنحر (3): هذا المنحر وفجاج مكة كلها منحر) (4)، وقال عليه السلام في منى (هذا المنحر وفجاج منى كلها منحر) فصح أنه حيثما نحرت البدن والاهداء من فجاج مكة ومنى - وهو الحرم كله - فقد أصاب الناحر، وأنه لا يجوز نحر البدن والهدى في غير الحرم الا ما خصه النص من هدى المحصر. وهدى التطوع إذا عطب قبل بلوغه مكة (5) * وروينا عن طاوس، وعطاء قالا: كل ماكان من هدى فهو بمكة والصيام والاطعام حيث شئت * وعن مجاهد انحر حيث شئت *
وأما قولنا: ومن كان أهله ساكنين في الحرم فلا يلزمه في تمتعه هدى ولاصوم وهو محسن في تمتعه * وقال قوم: هو مسئ في تمتعه * قال أبو محمد: (6) قال الله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم
(1) في النسخة رقم (14) (فقد قال قول) (2) هو في سنن أبى داود ج 2 ص 138 (3) في النسخة رقم (16) (عند المسجد) (4) هو في سنن أبى داود ج 2 ص 138 (5) في النسخة رقم (16) (قبل دخوله مكة) (6) جواب قوله (وأما قولنا) الخ قوله قال أبو محمد الخ *
[ 157 ]
يجد فصيام ثلاثه أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام) * قال على: فقال المخالفون: لو ان الله تعالى أراد ما قلتم لقال: ذلك على من لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام، فصح أن المتعة إنما هي لغير أهل مكة * قال أبو محمد: ليس كما قالوا: لان الهدى أو الصوم الذى أوجبه الله تعالى في التمتع انما هو نسك زائد وفضيلة وليس جبرا لنقص كما ظن من لا يحقق، فهو لهم لا عليهم (1) * برهان صحة ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى ولجعلتها عمرة ولاحللت) (2) أو كما قال عليه السلام، فأخبر عليه السلام بفضل المتعة وأنها أفضل أعمال الحج، وأسقط الله عزوجل الهدى عن أهل مكة والصوم فيها لما هو أعلم به، وظاهره الرفق بهم لانه لاشك في أن الله تعالى لو كلفهم ذلك لكان حرجا عليهم لسهولة العمرة عليهم ولا مكانها لهم كل يوم بخلاف أهل الآفاق، وقال الله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ويبطل قول المخالف ان الآية لو كانت كما ظن لحرمت في أشهر الحج على أهل مكة والحرم، وهذا خلاف ما جاءت به السنة من الحض على العمرة وأنها كفارة لما بينهما، فدخل في ذلك أهل مكة وغيرهم * روينا عن سعيد بن منصور ناهشيم نا حجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس
قال: ليس على أهل مكة هدى (في) (3) المتعة * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم. ووكيع، قال هشيم: نا المغيرة بن مقسم. ويونس بن عبيد قال المغيرة: عن النخعي، وقال يونس: عن الحسن، وقال وكيع: عن الحسن بن حى عن ليث عن عطاء. وطاوس. ومجاهد، ثم اتفق عطاء. وطاوس. ومجاهد. والحسن. والنخعي. قالوا كلهم: ليس على المكى هدى في المتعة * ومن طريق الحذافى عن عبد الرزاق عن ابن جريج. ومعمر قال ابن جريج: عن عطاء وقال معمر. عن الزهري، ثم اتفق الزهري، وعطاء قالا جمعيا في المكى يمر بالميقات فيعتمر منه: إنه ليس بمتمتع وبهذا نقول * وروينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن سفيان عن ابن طاوس عن أبيه قال: إذا خرج المكى إلى الميقات فتمتع منه فعليه الهدى * قال أبو محمد: لا شئ عليه لان أهله حاضرو المسجد الحرام، وزعم المالكيون ان الهدى انما جعل على المتع لاسقاطه سفر الحج إلى مكة *
(1) يعنى هدى المتمتعين لهم لا عليهم (2) تقدم الحديث غير مرة (3) الزيادة من النسخة رقم (14) *
[ 158 ]
قال على: وهذا باطل بحت، والعجب من تسهيلهم على أنفسهم مثل هذا القول الفاسد الذى يفتضحون به (1) من قرب، ويقال لهم: هذه العلة نفسها موجودة فيمن اعتمر في آخر يوم (2) من رمضان، ثم أقام بمكة حتى حج فقد أسقط أحد السفرين وأنتم لاترون عليه هديا ولا صوما، ثم تقولون فيمن اعتمر في أشهر الحج ثم خرج إلى ما رواء أبعد المواقيت فأهل بالحج منه، وهو من أهل مصر أو الشام أو العراق: أنه لاهدى عليه ولاصوم ولم يسقط أحد السفرين، ويقولون فيمن كان من أهل هذه البلاد فخرج لحاجته لا يريد حجا وكانت حاجته بعسفان أو ببطن فلما صار بها بدا له في الحج والعمرة فحج بعد ان اعتمر في غير أشهر الحج. فلا هدى عليه وهو قد أسقط السفرين إلى الحج وإلى العمرة أيضا، ولعمري ما ينبغى لمن له دين أو عقل ان يطلق عن الله تعالى مالا علم له
به، وبالله تعالى نتأيد * وأما قولنا: - والمتمتع الذى يجب عليه الصوم أو الهدى هو من ابتدأ عمرته بأن يحرم لها في أحد أشهر الحج لاقبل ذلك أصلا ويتم عمرته ثم يحج من عامه سواء رجع فيما بين ذلك إلى الميقات أو إلى منزله أو إلى أفق أبعد من منزله أو مثله أو أقرب منه أو اقام بمكة، اعتمر فيما بين ذلك عمرا كثيرة أو لم يعتمر، فان أحرم بالعمرة قبل هلال شوال فليس بمتمتع ولا هدى عليه ولا صوم ان حج من عامه، أقام بمكة أو لم يقم عمل بعض عمرته أكثرها أو أقلها في أشهر الحج. أو لم يعمل منها شيئا في أشهر الحج إلا أن يعتمر بعد ذلك في أشهر الحج فيكون متمتعا - فان (3) الناس اختلفوا في هذا * فقالت طائفة: كما روينا ن طريق حماد بن سلمة نا اسحاق بن سويد قال: سمعت ابن الزبير يقول: أيها الناس ان المتمتع ليس بالذى تصنعون يتمتع أحدكم بالعمرة قبل الحج ولكن الحاج إذا فاته الحج أو ضلت راحلته أو كسر حتى يفوته الحج فانه يجعلها عمرة وعليه الحج من قابل وما استيسر من الهدى * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبى نجيح عن عطاء قال: كان ابن الزبير يقول: المتعة لمن أحصر * وقالت طائفة: المتمتع هو من اعتمر في أي أشهر السنة كانت عمرته قبل أشهر الحج أو في أشهر الحج، ثم أقام حتى حج من عامه فهذا عليه الهدى أو الصوم، وكذلك من اعتمر في أشهر الحج ثم أقام حتى حج من عامه أو لم يحج فعليه الهدى أو الصوم * روينا من طريق وكيع نا سفيان الثوري عن ليث بن أبى سليم عن طاوس قال. إذا أهل
(1) في النسخة رقم (16) (فيه) بدل (به) (2) في النسخة رقم (14) (آخر يوم) باسقاط لفظ (فيه) (3) هذا جواب قوله قبل (واما قولنا: والمتمتع) الخ *
[ 159 ]
بالعمرة في أشهر الحج فعليه الهدى وان لم يحج * ومن طريق عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن ليث عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال: ان اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام إلى
الحج فهو متمتع * ومن طريق وكيع عن سفيان عن ابن طاوس عن أبيه قال. إذا خرج المكى إلى الميقات فاعتمر منه فعليه الهدى * وقالت طائفة: ليس المتمتع الا من أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى حج من عامه فان رجع إلى أهله بين العمرة والحج فليس متمتعا * روينا من طريق وكيع نا العمرى عن نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب قال: إذا أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم أقام حتى يحج فهو متمتع وإذا رجع إلى أهله ثم حج فليس متمتعا * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع. وحفص بن غياث قال حفص: عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر، وقال وكيع: عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قالا جميعا: من اعتمر في أشهر الحج ثم رجع فليس بمتمتع ذاك من أقام ولم يرجع * وبه إلى وكيع نا سفيان الثوري عن المغيرة. ويحيى بن سعيد الانصاري قال المغيرة: عن ابراهيم النخعي، وقال يحيى: عن سعيد بن المسيب قالا جيعا: مثل قول عمر * وقالت طائفة: المتمتع من أهل بالعمرة في أشهر الحج لا قبلها. ثم أقام بمكه حتى حج من عامه، فان خرج بين العمرة والحج إلى ما تقصر فيه الصلاة من مكة فليس متمتعا * روينا من طريق عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن ليث عن عطاء قال: ليس بمتمتع حتى يعتمر في أشهر الحج * ومن طريق وكيع نا سفيان الثوري عن ابن جريج قال قال (عطاء) (1): عمرته في الشهر الذى يهل فيه فإذا سافر سفرا تقصر فيه الصلاة فليس بمتمتع * ومن طريق وكيع نا سفيان عن ليث عن عطاء فيمن أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم لم يحج من عامه قال. لا شئ عليه * وقالت طائفة: ان المتمتع من طاف في أشهر الحج: ثم حج من عامه. روى ذلك من طريق سفيان عن بعض أصحابه عن ابراهيم النخعي قال: عمرته في الشهر الذى يطوف فيه * ومن طريق عبد الرزاق عن هشام عن حفصة بنت سيرين قالت: أحرمنا بالعمرة في رمضان فقد منا مكة في شوال فسألنا الفقهاء - والناس متوافرون - فكلهم قال: هي متعة *
ومن طريق عبد الرزاق عن عثمان بن مطر عن مطر الوراق عن الحسن. والحكم ابن عتيبة فيمن أهل في رمضان وطاف في شوال قالا جميعا: عمرته في الشهر الذى طاف فيه * وعن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن المغيرة عن ابراهيم قال: إذا رجع إلى
(1) الزيادة من النسخة رقم (14) *
[ 160 ]
أهله قبل ان يحج وبعد ان اعتمر في أشهر الحج فليس متمتعا، فان أقام حتى يحج فهو متمتع، وهو كله قول سفيان * وقالت طائفة: ان أحرم بالعمرة في رمضان فدخل الحرم قبل هلال شوال فليس متمتعاو إن دخل الحرم بعد هلال شوال فهو متمتع إذا حج من عامه كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر. وابن جريج قال معمر: عن ابن أبى نجيح عن عطاء، وقال ابن جريج: عن عطاء قال: إذا دخل المحرم الحرم قبل ان يرى هلال شوال فليس متمتعا وان دخل الحرم بعد أن يرى هلال شوال فهو متمتع إذا مكث إلى الحج، وهو قول الاوزاعي * وقالت طائفة: مثل قولنا كما روينا من طريق مالك عن عبد الله بن دينار قال سمعت ابن عمر يقول: من اعتمر في أشهر الحج في شوال أو ذى القعدة (أو في ذى الحجه قبل الحج) (1) فقد استمتع ووجب عليه الهدى أو الصيام إذا لم يجد هديا * ومن طريق عبد الرزاق عن سيف عن يزيد الفقير أن قوما اعتمروا في أشهر الحج ثم خرجوا إلى المدينة فأهلوا بالحج فقال ابن عباس: عليهم الهدى * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء فيمن قدم في غير أشهر (2) الحج معتمرا ثم بدا له ان يعتمر في أشهر الحج قال: لا يكون متمتعا حتى يأتي من ميقاته في أشهر الحج قلت له: أرأى أم علم؟ قال. بل علم * قال أبو محمد: انما وافقنا عطاء في أنه لا يكون المتمتع إلا من أحرم في أشهر الحج لافى قوله: ان من قدم في غير أشهر الحج محرما ثم اعتمر ثم حل ثم اعتمر في أشهر الحج
أنه ليس متمتعا بل هو متمتع ان حج من عامه * ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: عمرته في الشهر الذى أهل فيه * ومن طريق سعيد بن منصور ناهشيم وأبو عوانة قال أبو عوانة: عن قتادة عن سعيد بن المسيب، وقال هشيم: انا يونس عن الحسن ثم اتفق الحسن وسعيد قالا. في المتمتع عليه الهدى وان رجع إلى بلاده * وقالت طائفة (أخرى) (3): ان أحرم في غير أشهر الحج فطاف من عمرته أربعة أشواط (4) ثم أهل هلال شوال فأتم عمرته ثم أقام بمكة أو لم يقم إلا أنه لم يرجع إلى بلده أو أهل بعمرته كذلك في أشهر الحج ولم يكن من أهل المواقيت فما دونها فهو متمتع عليه الهدى أو الصوم، فان أهل بعمرته في غير أشهر الحج وطاف من عمرته ثلاثة (5) أشواط، ثم أهل هلال شوال فليس متمتعا * وهو قول أبى حنيفة، ووافقه أبو يوسف على ذلك
(1) الزيادة من الموطأ ج 1 ص 317 والحديث اختصره المصنف (2) في النسخة رقم (16) (في غير شهور) (3) الزيادة من النسخة رقم (16) (4) في النسخة رقم (14) (أقل من أربعة اشواط) وما هنا موافق لما يأتي بعد (5) في النسخة رقم (14) (اربعة وما هنا موافق لما يأتي بعد (قوله قال أبو محمد: اما قول أبى حنيفة في تقسيمه بين الاربعة الاشواط والاقل) *
[ 161 ]
إلا أنه قال: إذا رجع (1) إلى ما وراء ميقات من المواقيت فليس متمتعا، وقالوا: من كان متمتعا ولاهدى معه فانه يحل إذا أتم عمرته فان كان أتى بهديه (2) فانه لا يحل حتى يحل من الحج يوم النحر فان حل فعليه هدى آخر لاحلاله * وقالت طائفة: من اعتمر في أشهر الحج أو أهل بعمرة في رمضان ثم بقى عليه من الطواف بين الصفا والمروة شئ وإن قل فأهل هلال شوال ثم أقام بمكة أو رجع إلى أفق دون أفقه في البعد ثم حج من عامه فهو متمتع، فان أتم عمرته في رمضان فليس متمتعا، وكذلك الذى يعتمر في شهر من شهور الحج ثم يرجع إلى أفقه أو أفق مثل أفقه في البعد فليس متمتعا، وان حج من عامه، وهو قول مالك * وقالت طائفة: من اعتمر أكثر عمرته في أشهر الحج، ثم أقام أو خرج إلى ما دون
ميقات من المواقيت فهو متمتع إذا حج من عامه، فان خرج إلى ميقات من المواقيت أو اعتمر في غير أشهر الحج فليس متمتعا، وهو قول الشافعي * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة في تقسيمه بين الاربعة الاشواط والاقل فيما يكون به متمتعا فقول لايعرف عن أحد قبله، ولا حجة له فيه لان قرآن، ولان سنة صحيحة، ولا رواية سقيمة، ولا قول صاحب، ولا تابع، ولا قياس * واحتج له بعض مقلديه بانه عول على قول عطاء في المرأة تحيض بعد ان طافت أربعة أشواط * قال أبو محمد: وهذه مسألة غير المتعة، وقول عطاء أيضا فيها خطأ لانه خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وآله (الحائض ان لا تطوف بالبيت)، ولانه (3) تقسيم بلا دليل أصلا * وأما قول أبى حنيفة: ان المعتمر الذى معه الهدى المريد الحج فانه لا يحل حتى يحل من حجه فانه نبى على الآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأمره من معه الهدى بالبقاء على إحرامه ومن لاهدى معه بالاحلال، والاحتجاج بهده الآثار لقول أبى حنيفة جهل مظلم وقول بغير علم، أو تعمد - ممن يعلم الكذب - على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلاها بلية لان جميع تلك الآثار انما وردت بأنه عليه السلام أمر من لاهدى معه من المفردين للحج والقارنين بالاحلال، وأمر من معه الهدى بأن يقرن بين حج وعمرة، وليس في شئ منها انه عليه السلام أمر معتمرا لم يقرن بالبقاء على إحرامه، وقد ذكرناها في ذكرنا عمل الحج من ديواننا هذا * وأما قول مالك في تفريقه بين بقاء شئ من السعي لعمرته حتى يهل هلال شوال فلا يحفظ عن أحد قبله ولاله أيضا تعلق في ذلك لا بقرآن. ولا بسنة. ولا برواية صحيحة. ولا سقيمة، ولا بقول صاحب، ولاتابع، ولاقياس *
(1) في النسخة رقم (16) (ان رجع) (2) في النسخة رقم (16) ((بهدى) (3) في النسخة رقم (14) (وانه) *
[ 162 ]
وقول الشافعي أيضا: لاحجة له فيه أصلا، وانما هي آراء محضة فوجب النظر في سائر الاقوال في أربعة مواضع من هذا الحكم، أحدها من أهل بعمرة في غير أشهر الحج،
والثانى من أقام بكة حتى حج أو رجع إلى بلده أو أبعد من بلده ثم حج من عامه، والثالث من اعتر في غير أشهر الحج وأقام بمكة ثم اعتمر في أشهر الحج ثم حج من عامه، والرابع هل المتمتع من فاته الحج كما قال ابن الزبير أم ليس هذا متمتعا؟ * فنظرنا في قول ابن الزبير هذا فوجدنا غيره من الصحابة (رضى الله عنهم) (1) قد خالفوه، ووجدناه قولا بلا دليل بل الدليل قائم على خطائه لان الله تعالى سمى من حال بينه وبين ادراك الحج حتى فات وقته محصرا ولم يسمه متمتعا، وفرق بين حكمه وبين حكم المتمتع، قال تعالى: (فان أحصرتم فما استيسر من الهدى). وقال تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام) ففرق تعالى بين اسميهما وبين حكميهما، فلم يجز أن يقال: هما شئ واحد، وبالله توفيق * ثم نظرنا في قول طاوس: ان من اعتمر في أشهر الحج فهو متمتع وا ن لم يحج من عامه ذلك فوجدناه خطأ لان الله تعالى يقول: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) فصح بنص القرآن أنه ليس متمتعا الا من حج بعد عمرته لوجوب الصيام عليه في الحج ان لم يجد هديا * ثم نظرنا فيمن اعتمر في غير أشهر الحج أو في أشهر الحج أو اعمر بعض عمرته في غير أشهر الحج أقلها أو أكثرها، وبعضها في أشهر الحج أقلها أو أكثرها، وفيمن أقام من هؤلاء بمكة حتى حج من عامه أو لم يقم لكن خرج إلى مسافة تقصر فيها الصلاة أولاتقصر، أو إلى ميقات أو وارء ميقات إلى بلده أو مثل بلده أو أبعد من بلده ثم حج من عامه فكان كل هؤلاء ممكنا في اللغة أن يقع عليه اسم متمتع بالعمرة إلى الحج وممكنا ان لا يقع عليه أيضا اسم متمتع فلم يجز أن يوقع على أحد إيجاب غرامة هدى أو إيجاب صوم بالظن الا ببيان جلى ان الله تعالى ألزمه ذلك، فوجب الرجوع إلى بيان سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك *
فوجدنا مارويناه من طريق البخاري نا يحيى بن بكير نا الليث - هو ابن سعد - عن عقيل ابن خالد عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: قال عبد الله بن عمر: (تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة (2) إلى الحج، وأهدى (3)، وساق معه الهدى
(1) الزيادة من النسخة رقم (16) (2) في النسخ كلها (في العمرة) صححناه من صحيح البخاري ج 2 ص 324 (3) في النسخة رقم (16) (فاهدى) وما هنا موافق لما في صحيح البخاري *
[ 163 ]
من ذى الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدى ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله (1) صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فانه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضى حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ويقصر ويحل (2) ثم ليهل بالحج فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) وذكر باقى الحديث، فكان في هذا الخبر بيان من هو المتمتع الذى يجب عليه الهدى أو الصوم المذكور، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم انما أمر بهذا أصحابه المتمتعين بالعمرة إلى الحج، وهم قوم ابتدؤا الاحرام لعمرتهم في أشهر الحج ثم حجوا في تلك الاشهر، فخرج بهذا الخبر الثابت عن أن يكون متمتعا بالعمرة إلى الحج كل من عمل شيئا من عمرته في غير أشهر الحج كلها أو أكثرها أو أقلها لانه عليه السلام لم يخاطب بهذا الحكم أحدا من أهل هذه الصفات بلا شك وارتفع الاشكال في أمر هؤلاء بيقين، وأيضا فيقال لمن قال: ان عمل الاكثر من عمرته في أشهر الحج فهو متمتع: من أين لك هذا؟ دون أن يقول: ان من عمل منها شيئا في أشهر الحج فهو متمتع، ولا سبيل إلى دليل على ذلك ويقال له أيضا: من أين لك ان أربعة أشواط من طواف العمرة هو الاكثر؟ بل هو من جملة الاقل لان العمرة عندك وعندنا إحرام مدة. ثم سبعة أشواط. ثم سعبة اطواف بين الصفا والمروة، فالباقي بعد الاربعة الاشواط قد يكون أكثر مما مضى له من عمل
العمرة، ويقال لمن قال: ان عمل من عمرته شيئا في أشهر الحج فهو متمتع: من أين قلت هذا؟ دون أن تقول: ان عمل الاكثر منها في أشهر الحج فهو متمتع، ولا سبيل إلى دليل أصلا، وكلتا الدعوتين تعارض الاخرى وكلتاهما لا شئ، وبالله تعالى التوفيق * وبقى أمر من خرج بعد اعتماره في أشهر الحج إلى بلده أو إلى بلد في البعد مثل بلده، أو إلى وراء ميقات من المواقيت، أو إلى ميقات من المواقيت، أو إلى ما تقصر فيه الصلاة فوجدنا هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المبين عن الله تعالى مراده لم يشترط فيه على من خاطبه بذلك الحكم إقامة بمكة وترك خروج منها أصلا (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى)، (وما كان ربك نسيا)، ولو كان هذا من شرط التمتع لما أغفل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانه حتى نحتاج في ذلك إلى بيان برأى فاسد. وظن كاذب. وتدافع من الاقوال بلا برهان، وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر الثابت (ويحل ثم ليهل بالحج) بيان باباحة المهلة بين الاحلال والاهلال، ولا مانع لمن عرضت له منهم رضى
(1) في صحيح البخاري (فلما قدم النبي) (2) في صحيح البخاري (وليقصر وليحلل) *
[ 164 ]
الله عنهم حاجة من الخروج عن مكة لها فبطل ان تكون الاقامة بمكة حتى يحج من شروط التمتع، وبالله تعالى التوفيق * وصح ان المتمتع بنص الخبر المذكور هو من أهل بالعمرة في أشهر الحج ثم حج في تلك الاشهر فقط وبالله تعالى التوفيق، ثم يقال لمن قال: ان خرج إلى بلده سقط عنه الهدى والصوم اللذان افترض الله تعالى أحدهما على المتمتع: من أين لك هذا؟ وما الفرق بين من قال: ان خرج إلى بلد مثل بلده في البعد فليس بمتمتع؟ وهكذا يقال: أيضا لمن قال: ان خرج إلى بلد في البعد مثل بلده فليس بمتمتع من أين قلت هذا؟ وهلا خصصت بسقوط التمتع من خرج إلى بلده فقط، ويقال لهما جميعا: هلا قلتما من خرج إلى وراء ميقات فليس بمتمتع؟ *
قال أبو محمد: لا مخلص لهم من هذا السؤال أصلا إلا أن يقول قائلهم: كان عليه ان يأتي بالحج من بلده. أو من ميقات من المواقيت فنقول لمن قال هذا: قلت الباطل، وما أوجب الله تعالى قط على أحد من أهل الاسلام أن يأتي بالحج من بلده ولا من مثل بلده في البعد ولا من ميقات ولابد، بل أنتم مجمعون معنا على ان المسلم في أول أوقات الاستطاعة للحج لو خرج تاجرا أو مسافرا لبعض الامر قبل مقدار ما إن أراد الحج كانت له مهلة بينه وبين الوقت الذى إذا أهل (فيه) (1) أدرك الحج على سعة ومهل فانه لا يلزمه الخروج إلى مكة حينئذ أصلا وأنه ان قرب من مكة لحاجته فقرب وقت الحج وهو مستطيع له فحج من ذلك المكان أنه قد أدى ما عليه بأتم ما يلزمه وأنه لا شئ عليه إذ لم يأت للحج من بلده أصلا، وكذلك لا خلاف فيمن جاز على ميقات لا يريد حجا، ولاعمرة ولادخول مكة لكن لحاجة له في رهاط (2) أو في بستان ابن عامر (3) أنه لا يلزمه الاهلال من هنالك وأنه إن بدا له في الحج والعمرة وقد تجاوز الميقات فانه يهل من مكانه ذلك وحجه تام وعمرته تامة وأنه غير مقصر في شئ مما يلزمه، فصح ان القصد للحج أو العمرة من بلد الانسان، أو من مثل بلده في البعد، أو من الميقات لمن لم يمر به وهو يريد حجا، أو عمرة ليس شئ من ذلك من شروط الحج ولا العمرة فبطلت هذه الاقوال الفاسدة جدا وكان تعارضها وتوافقها برهانافى فساد جميعها، (فان قال من قال): إنه ان خرج إلى الميقات فليس بمتمتع لان أهل المواقيت ليس لهم التمتع قلنا له: قد قلت: الباطل. واحتججت للخطأ بالخطأ. ولدعوى كاذبة وكفى هذا مقتا، فان قال: ان أهل
(1) الزيادة من النسخة رقم (14)، وكذلك في اليمينية (2) هو بضم اوله وآخره طاء مهملة موضع على ثلاث مراحل من مكة وفى النسخة رقم (16) (رباط) وهو غلط (3) هو اسم موضع قريب من الجحفة وابن عامر هذا هو عبد الله بن عامر بن كريز استعمله عثمان رضى الله عنه على البصرة قاله البطليوسى في شرح ادب الكاتب *
[ 165 ]
المواقيت فما دونها إلى مكة لاهدى عليهم ولا صوم في التمتع قلنا: قلت: الباطل وادعيت
مالا يصح ثم لو صح لك لكان حجة عليك لان أهل مكة لاهدى عليهم ولا صوم في التمتع ولم يكن المقيم بها حتى يحج كذلك بل الهدى عليه. أو الصوم فهلا إذ كان عندك من خرج إلى ميقات فما دونه إلى مكة يصير في حكم من هو من اهل ذلك الموضع في سقوط الهدى والصوم عليه جعلت أيضا المقيم بمكة حتى يحج في حكم أهل مكة في سقوط الهدى والصوم عنهما فظهر تناقض هذا القول الفاسد أيضا، ثم يقال لمن قال: ان خرج إلى مكان تقصر فيه الصلاة، سقط عنه الهدى والصوم: من أين قلت: هذا؟ ولا دليل على صحة هذا القول أصلا، فان قال: لانه قد سافر إلى الحج قلنا: نعم فكان ماذا؟ وما الذى جعل سفره مسقطا للهدى والصوم اللذين أوجب الله تعالى عليه؟ هاتوا شيئا غير هذه الدعوى ولا سبيل إلى ذلك، وبالله تعالى التوفيق * قال أبو محمد: ومن هذا الخبر الذى ذكرنا غلط أبو حنيفة. وأصحابه في إيجابهم على المتمتع الذى ساق الهدى أن يبقى على إحرامه حتى يقضى حجه * قال أبو محمد: ولا حجة لهم فيه لان ابن عمر راوي الخبر رضى الله عنه وان كان قال في أوله: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في العمرة إلى الحج فانه بين إثر هذا الكلام صفة في عمل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه عليه السلام (بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج) فذكر صفة القران، وهكذا صح في سائر الاخبار من رواية البراء. وعائشة. وحفصة أمي المؤمنين. وانس وغيرهم أنه عليه السلام كان قارنا، فصح ان الذين أمرهم عليه السلام إذا أهدوا بأن لا يحلوا إنما كانوا قارنين، وهكذا روت عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها (أنه عليه السلام أمر من معه الهدى بأن يهل بجج مع عمرته) فعاد احتجاجهم عليه وبالله تعالى التوفيق، (فان قيل قائل): قد صح الاجماع على ان من تمتع بالعمرة إلى الحج فابتدأ عمرته في أشهر الحج، ثم أقام بمكة إلى أن حج لم يخرج عنها أنه متمتع عليه الهدى. أو الصوم، واختلفوا فيه إذا أهل بعمرة قبل أشهر الحج وإذا خرج بين عمرته. وحجه من مكة أمتمتع (هو) (1) أم لا؟ فوجب ان لا يلزم الهدى أو الصوم
الا من أجمع على أنه يلزمه (2) حكم المتمتع قلنا: هذا خطأ وما أجمع الناس قط على ما قلتم، وقد روينا عن ابن الزبير ان المتمتع هو المحصر لامن حج بعد أن اعتمر، ولا معنى لمراعاة الاجماع مع (3) ورود بيان صلى الله عليه وسلم لان في القول بهذا إيجاب مخالفة أو امره عليه السلام ما لم يجمع الناس عليها، وهذا عين الباطل بل إذا تنازع الناس
(1) الزيادة من النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (16) (على انه لا يلزمه) (3) في النسخة رقم (16) (بعد) بدل (مع) *
[ 166 ]
رددنا ذلك إلى ما افترض الله تعالى علينا الرد إليه من القرآن. والسنة، ولا نراعى ما أجمعوا عليه مع وجود بيان السنة في أحد أقوال المتنازعين وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: لا يجب الوقوف بالهدى بعرفة فان وقف بها فحسن وإلا فحسن، فان مالكا ومن قلده قال: لا يجزئ من الهدى الذى يبتاع في الحرم إلا أن يوقف بعرفة ولابد والا فلا يجزئ إن كان واجبا، فان كان تطوعا فلم يوقف بعرفة فانه ينحر بمكة ولابد، ولايجوز ان ينحر بمنى، فان ابتيع الهدى في الحل ثم أدخل الحرم اجزا وان لم يوقف بعرفة، والابل. والبقر. والغنم عندهم سواء في كل ذلك، وقال الليث: لا يكون هديا إلا ما قلدو أشعر ووقف بعرفة، وقال أبو حنيفة. والشافعي. وسفيان. وأبو سليمان: لا معنى للتعريف بالهدى سواء ابتيع في الحرم أو في الحل ان عرف فجائز وان لم يعرف فجائز * قال أبو محمد: أما قول مالك فما نعلمه عن أحد من العلماء لاقبله ولا معه ولا نعرف له وجها أصلا لامن سنة صحيحة، ولامن رواية سقيمة، ولا من قول سلف، ولامن قياس، ولامن رأى له معنى، وأما قول الليث فانه يحتج له بما رويناه من طريق حجاج ابن أرطاة. واسرائيل. ويونس بن يونس قال حجاج: عن عطاء، وقال اسرائيل: عن ثوير بن أبى فاختة عن طاوس (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم عرف بالبدن) * قال على: وهذان مرسلان ولا حجة في مرسل، ثم ان الحجاج. واسرائيل. وثويرا
كلهم ضعفاء، ثم لو صح لم يكن فيه حجة لان هذا فعل لاأمر، ولا حجة فيه للمالك لانه شرط شروطا ليس في هذا الخبر شئ منها، وهذى النبي صلى الله عليه وسلم انما سيق من المدينة بلا خلاف، ومالك لا يوجب التوقيف بعرفة فيما أدخل (1) من الحل * ويحتج لقول الليث أيضا بما رويناه من طريق سعيد بن منصور نا عيسى بن يونس نا عبيد الله - هو ابن عمر - عن نافع عن ابن عمر قال: لاهدى إلا ما قلد. وسيق. ووقف بعرفة * ومن طريق سفيان بن عيينة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: كل هدى لم يشعر ويقلد ويفاض به من عرفة فليس بهدى انما هي ضحايا * قال على: مالك لا يحتج (له) (2) بهذا لانه لايدى الترك للتقليد وللاشعار مانعا من ان يكون هديا * قال على: لاحجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خالف ابن عمر في هذا غيره من الصحابة كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا عيسى بن يونس نا رباح بن أبى معروف
(1) في النسخة رقم (14) (بما ادخل) (2) الزيادة من النسخة رقم (14) والنسخة اليمنية *
[ 167 ]
عن عطاء عن ابن عباس قال: ان شئت فعرف الهدى، وان شئت فلا تعرف به انما أحدث الناس السياق مخافة السراق (1) * وعن سعيد بن منصور نا عيسى بن يونس نا الاعمش عن ابراهيم قال: دعا الاسود مولى له فأمره أن يخبرني بما قالت له عائشة فقال: نعم سألت عائشة أم المؤمنين؟ فقلت: أعرف بالهدى؟ فقالت: لا عليك ان لا تعرف به، وعن عطاء، وطاوش لا يضرك أن لا تعرف به. وعن ابن الحنفية أنه أمر بتعريف بدنة أدخلت من الحل * وعن سعيد بن جبير أنه لم ير هديا الا ما عرف به من الابل والبقر خاصة * قال أبو محمد: لم يأت أمر بتعريف شئ من ذلك في قرآن، ولاسنة، ولا يجب الا ما أوجبه الله تعالى في أحدهما ولاقياس يوجب ذلك أيضا لان مناسك الحج انما تلزم الناس لا الابل، وبالله تعالى التوفيق *
وأما قولنا: ولاهدى على القارن غير الهدى الذى ساق مع نفسه قبل أن يحرم وهو هدى تطوع سواء مكياكان أو غير مكى فان مالكا. والشافعي قالا: على القارن هدى وحكمه كحكم المتمتع سواء سواء في تعويض الصوم منه إن لم يجد هذيا وليس على المكى عندهما هدى، ولاصوم إن قرن كما لا شئ عليه في التمتع، وقال مالك: لم أسمع قط ان مكيا قرن، وقال أبو حنيفة: ان تمتع المكى فلا شئ عليه. لاهدى، ولاصوم وان قرن فعليه هدى ولابد، ولايجوز ان يعوض منه صوم وجد هديا أو لم يجد، ولا يجوز له ان يأكل منه شيئا قال: والمكى عنده من كان ساكنا في أحد المواقيت فما دونها إلى مكة قال: فان تمتع من هو ساكن فيما وراء المواقيت أو قرن فعليه هدى وله ان يأكل منه فان لم يجد فصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع * قال أبو محمد: أما قول أبى حنيفة ففيه وجوه جمة من الخطأ، أو لها انه تقسيم لايعرف عن أحد قبله، والثانى تفريقه بين قران المكى وبين تمتعه وتسويته بين قران غير المكى وبين تمتعه بلا برهان، والثالث تعويضه الصوم من هدى غير المكى، ومنعه من تعويضه الصوم من هدى المكى، كل ذلك رأى فاسد لاسلف له فيه ولا دليل أصلا، فقالوا: ان المكى إذا قرن قهو داخل في إساءة، فقلنا: فكان ماذا؟، وأين وجدتم أن من دخل في إساءة لم يجز له أن يعوض من هديه دم؟ وهذا قاتل الصيد محدما داخل في أعظم الاساءة وأشد الاثم وقد عوض الله تعالى من هديه صوما واطعاما وخيره في أي ذلك شاء؟ وهذا المحصر غير داخل في إساءة بل مأجور معذور ولم يعوض الله تعالى من هديه صوما ولا إطعاما، فكم هذا التخليط والخبط في دين الله تعالى بشرع الشرائع الفاسدة فيه؟
(1) في النسخة رقم (14) والنسخة اليمنية (السرق) بكسر السين السرقة.
[ 168 ]
وأيضا فالمكي عندهم إذا تمتع فهو داخل في إساءة أو غير داخل في إساءة لابد من أحدهما، فان كان داخلا في إساءة فلم لم يجعلوا عليه هديا كالذى جعلوا في القران عليه؟ وان كان
ليس داخلا في إساءة فمن أين وجب أن يدخل إذا قرن في إساءة؟ فهل فيما يأتي به الممرورون أكثر من هذا؟، وأما نحن فليس المكى ولاغيره مسيئا في قرانه ولافى تمتعه بل هما محسنان في كل ذلك كسائر الناس ولافرق، فسقط قول أبى حنيفة لعظيم تناقظه وفساده، وأما مالك، والشافعي فانهما قاسا القران على المتعة في المكى وغيره * قال أبو محمد: القياس كله خطأ (1) ثم لو كان القياس حقا لكان هذا منه عين الخطأ لانه لاشبه بين القارن والمتمتع لان المتمتع يجعل بين عمرته وحجه إحلالا ولا يجعل القارن بين عمرته وحجه إحلالا، وأيضا فان القارن عندهما وعندنا لا يطوف إلا طوافا واحدا ولا يسعى إلا سعيا واحدا والمتمتع يطوف طوافين ويسعى سعيين، وأيضا فان القارن لابد له من عمل الحج مع عمرته والمتمتع إن لم يرد أن يحج لم يلزمه ان يحج، والقياس عندهما لا يكون إلا على علة جامعة بين الحكمين ولا علة تجمع بين القارن والمتمتع * (فان قالوا): العلة في ذلك هي إسقاط أحد السفرين قلنا: هذه علة موضوعة لادليل لكم على صحتها وقد أريناكم بطلانها مرارا، وأقرب ذلك ان من أحرم وعمل عمرته في آخر يوم من رمضان ثم أهل هلال شوال إثر احلاله منها ثم أقام بمكة ولم يبرح حتى حج من عامه ذلك فلا هدى عليه عندهما ولاصوم، وقد أسقط أحد السفرين، وكذلك من قصد إلى ما دون التنعيم داخل العام لحاجة فلما صار هنالك وهو لا يريد حجا ولاعمرة بداله في العمرة فاعتمر من التنعيم في آخر يوم من رمضان، ثم أقام حتى حج من عامه فلا هدى عليه ولاصوم عندهما، وهو قد أسقط السفرين جميعا سفر الحج وسفر العمرة، ثم يقولان فيمن حج بعده بساعد إثر ظهور هلال شوال فاعتمر، ثم خرج إلى البيداء على أقل من بريد (2) من المدينة عند الشافعي أو إلى مدينة الفسطاط وهو من أهل الاسكندرية عند مالك ثم حج من عامه: فعليه الهدى أو الصوم وهو لم يسقط سفرا أصلا، فظهر فساد هذه العلة التى لاعلة أفسد منها ولا أبطل، وبالله تعالى التوفيق * واحتج بعض أهل المعرفة ممن يرى الهدى في القران بأن قال: قد صح عن سعد
ابن ابى وقاص. وعلى بن أبى طالب. وعائشة أم المؤمنين. وعمران بن الحصين. وعبد الله ابن عمر أنهم سموا القران تمتعا. وهم الحجة في اللغة، فإذ القران تمتع فالهدى فيه، أو الصوم بنص القرآن في إيجاب ذلك على التمتع *
(1) في النسخة رقم (16) (القياس كله باطل) وما هنا أنسب لما يأتي (2) في النسخة رقم (16) (اقل من بريدين) *
[ 169 ]
قال أبو محمد: لا يختلف هؤلاء رضى الله عنهم ولاغيرهم في ان عمل المهل بحج وعمرة معا هو عمل غير عمل المهل بعمرة فقط ئم يحج من عامه باهلال آخر مبتدأ، فإذ ذلك كذلك فالمرجوع إليه هو بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهبك ان كليهما يسمى تمتعا إلا أنهما عملان متغايران فنظرنا في ذلك فوجدنا الحديث الذى ذكرنا قبل من رواية البخاري عن يحيى ابن بكير عن الليث عن عقيل بن خالد عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس معه عليه السلام بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من (أهدى) (1) فساق الهدى ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال (للناس) (2): من كان منكم أهدى فانه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضى حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبن الصفا والمروة ويقصر ويحل، ثم ليهل بالحج فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) * وقد ذكرنا قبل من طريق مالك ومعمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من معه الهدى بأن يجعل مع عمرته حجا، فصح أمر النبي صلى الله عليه وسلم من تمتع بالعمرة إلى الحج بالهدى، أو الصوم ولم يأمر القارن بشئ من ذلك * ووجدنا مارويناه من طريق مسلم نا أبو بكر بن أبى شيبة نا عبدة بن سليمان عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (في حجة الوداع) (3) موافين لهلال ذى الحجة فكنت فيمن أهل بعمرة فقدمنا مكة فادركني يوم عرفة وانا حائض لم أحل من عمرتي فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دعى عمرتك وانقضى
رأسك وامتشطى وأهلي بالحج قالت: ففعلت (4) فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا أرسل معى عبد الرحمن بن أبى بكر فأردفني وخرج بى إلى التنعيم فأهللت بعمرة وقضى الله (5) حجنا وعمرتنا ولم يكن في ذلك هدى، ولا صدقة، ولاصوم) * ومن طريق أبى داود نا الربيع بن سليمان (المؤذن) (6) أنا محمد بن ادريس الشافعي عن سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيح عن عطاء عن عائشة أم المؤمنين (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك) فصح أنها كاتت قارنة، ولم يجعل عليه السلام في ذلك هدياو لاصوما *
(1) الزيادة من البخاري ج 2 ص 324 (2) الزيادة من البخاري (3) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 340 (4) في النسخة رقم (14) (ففعلت قالت) بزيادة (قالت) وليست في صحيح مسلم (5) في النسخة رقم (14) (وقد قضى الله) بزيادة ((وقد) وليست في صحيح مسلم (6) الزيادة من سنن ابى داود ج 2 ص 119 (2) في النسخة رقم (14) (بالبيت وبالصفى والمروه) وما هنا موافق لسنن ابى داود *
[ 170 ]
(فان قيل): إنها رضى الله عنها: رفضت عمرتها (1) قلنا: ان كنتم تريدون أنها حلت منها فقد كذب من قال: ذلك لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرها ان طوافها وسعيها يكفيها لحجها وعمرتها، ومن الباطل ان يكفيها عن عمرة قد أحلت منها، وان كنتم تريدون أنها رفضتها وتركتها بمعنى أخرت عمل العمرة من الطواف والسعى حتى أفاضت يوم النحر فطافت وسعت لحجها وعمرتها معافنعم، وهذا قولنا: (فان قيل): فان وكيعا روى هذا الخبر فجعل قولها ولم يكن في ذلك هدى ولاصوم من قول هشام قلنا: فان عبد الله بن نمير. وعبدة جعلاه منكلام عائشة، وما ابن نمير دون وكيع في الحفظ. والثقة. وكذلك عبدة، وكلا الروايتين حق قالته هي وقاله هشام، ونحن أيضا نقوله * (فان قيل): قد صح أنه عليه السلام أهدى عن نسائه البقر قلنا: نعم وقد بين معنى ذلك الاهداء سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنه كان
أضاحى لاهدى متعة، ولاهديا عن قران * قال أبو محمد: وقالوا: قد روى عن عمر. وجابر وجوب الهدى على القارن قلنا: أما الرواية عن عمر فانها من طريق عبد السلام بن حرب عن سعيد عن أبى معشر (2) عن ابراهيم عن عمر، فعبد السلام ضعيف، وابو معشر مثله، وابراهيم لم يولد الابعد موت عمر رضى الله عنه، وأما الرواية عن جابر فرويناها من طريق موسى بن عبيدة عن بعض أصحابه أنه سأل جابر بن عبد الله أن يقرن بين حج وعمرة بغير هدى؟ فقال: ما رأيت أحدا منا فعل (مثل) (3) ذلك، فموسى ضعيف وبعض أصحابه عجب البتة، ثم لو صحت لكانت موافقة لقولنا: لان ظاهرها المنع من القران دون أن يسوق مع نفسه صلى الله عليه وسلم ولكان قد خالفهما غيرهما من الصحابة كما ذكرنا آنفا عن أم المؤمنين * وروينا عن سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن عطاء بن السائب عن كثير بن جمهان انه سأل ابن عمر مع قوم عن رجل أحرم بالقران ما كفارته؟ فقال ابن عمر: كفارته أنه يرجع بأجرين. وترجعون بأجر، فلو كان عله هدى لافتاهم به * ومن طريق ابن أبى شيبة نا وكيع عن شعبة عن الحكم بن عتيبة ان الحسن بن على ابن أبى طالب قرن بين حج. وعمرة ولم يهد قال الحكم: وقرن أيضا شريح بين الحج والعمرة ولم يهد، (فان قيل): فقد رويتم عن ابن أبى شيبة نا عبد الله بن نمير عن
(1) في النسخة رقم (14) (العمرة) (2) في النسخة رقم (14) (عن سعيد بن ابى معشر) وهو غلط لان سعيدا هذا هو سعيد بن أبى عروبة، وابو معشر هذا هو زياد بن كليب التميمي الحنظلي، وابراهيم هو النخعي والله اعلم (3) الزيادة من النسخة رقم (16) (4) في النسخة رقم (16) (دون السوق للهدى مع نفسه) *
[ 171 ]
اسماعيل - هو ابن أبى خالد - عن وبرة بن عبد الرحمن عن ابن عمر قال: إذا قرن الرجل بين الحج والعمرة فعليه بدنة فقيل له: ان ابن مسعود يقول: شاة، فقال ابن عمر: الصيام أحب إلى من شاة قلنا: نعم وأنتم أول من خالف ابن عمر في هذا، ومن التلاعب في
الدين ان توجبوا قول الصاحب حجة (لا يجوز خلافها) (1) إذا وافق قول أبى حنيفة. أو مالك. أو الشافعي وغير حجة إذا خالفهم، نبرأ إلى الله تعالى من هذا العمل * وأما قولنا: - من أراد أن يخرج من مكة. من معتمر، أو قارن، أو متمتع بالعمرة إلى الحج، ففرض عليه أن يجعل آخر عمله الطواف بالبيت فان تردد بمكة بعد ذلك أعاد الطواف ولابد فان خرج ولم يطف بالبيت ففرض عليه الرجوع ولو كان بلده بأقصى الدنيا حتى يطوف بالبيت، فان خرج عن منازل مكة فتردد خارجا ماشيا فليس عليه أن يعيد الطواف إلا التى تحيض بعد أن تطوف طواف الافاضة فليس عليها أن تنتظر طهرها لتطوف لكن تخرج كما هي، فان حاضت قبل طواف الافاضة فلابد لها ان تنتظر حتى تطهر، وتطوف، وتحبس عليها الكرى والرفقة - فلما رويناه من طريق مسلم قال: نا سعيد ابن منصور نا سفيان عن سليمان الاحول عن طاوس عن ابن عباس قال: (كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله (: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت (3)) * ومن طريق مسلم نا محمد بن رمح نا الليث عن ابن شهاب عن أبى سلمة - هو ابن عبد الرحمن ابن عوف - أن عائشة أم المؤمنين قالت: (حاضت صفية بنت حيى بعد ما أفاضت فذكرت حيضتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: (3) أحابستناهى؟ فقلت: يا رسول الله انها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت (بعد الافاضة) (4) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلتنفر:) * قال أبو محمد: فمن خرج ولم يودع من غير الحائض فقد ترك فرضا لازما له فعليه ان يؤديه * روينا من طريق وكيع عن ابراهيم بن يزيد عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله ان قوما نفروا ولم يودعوا فردهم عمر بن الخطاب حتى ودعوا * قال على: ولم يخص عمر موضعا من موضع، وقال مالك، بتحديد مكان إذا بلغه لم يرجع منه، وهذا قول لم يوجبه نص. ولا إجماع. ولاقياس. ولاقول صاحب * ومن طريق عبد الرزاق نا محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن نافع قال: رد عمر
(1) الزيادة من النسخة رقم (14) ومن النسخة اليمنية (2) هو في صحيح مسلم ج 1 ص 374 (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 375 (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم) (4) الزيادة من صحيح مسلم *
[ 172 ]
ابن الخطاب نساء من ثنية هر شى (1) كن أفضن يوم النحر (ثم حضن) (2) فنفرن فردهن حتى يطهرن ويطفن بالبيت، ثم بلغ عمر بعد ذلك حديث غير ما صنع فترك صنعه الاول، قال أبو محمد: هر شى هي نصف الطريق من المدينة إلى مكة بين الابواء والجحفة على فرسخين من الابواء وبها علمان مبنيان علامة لانه نصف الطريق، وفد روى أثر من طريق أبى عوانة عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن الحارث بن عبد الله ابن أوس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر بن الخطاب أفتياه في المرأة تطوف بالبيت يوم النحر، ثم تحيض أن يكون آخر عهدها بالبيت) * قال أبو محمد: الوليد بن عبد الرحمن غير معروف، ثم لو صح لكان داخلا في جملة أمره عليه السلام - ان لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت - وعمومه، وكأن يكون أمره عليه السلام الحائض التى أفاضت بأن تنفر حكما زائد مبنيا على (3) النهى المذكور مستثنى منه ليستعمل الخبران معا ولا يخالف شئ منهما، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: من ترك عمدا أو بنسيان شيئا من طواف الافاضة أو من السعي الواجب بين الصفا والمروة فليرجع أيضا كما ذكرنا ممتنعا من النساء حتى يطوف (بالبيت) (4) ما بقى عليه، فان خرج ذو الحجة قبل أن يطوف فقد بطل حجه وليس عليه في رجوعه لطواف الوداع أن يمتنع من النساء فلان طواف الافاضة فرض، وقال تعالى: (الحج أشهر معلومات). وقد ذكرنا أنها شوال. وذو القعدة. وذو الحجة فإذ هو كذلك فلا يحل لاحد أن يعمل شيئا من أعمال الحج في غير أشهر الحج فيكون مخالفا لامر الله تعالى، * وأما امتناعه من النساء فلقول الله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج). فهو ما لم يتم فرائض الحج فهو في الحج بعد، وأما رجوعه لطواف الوداع فليس هو في عمرة فليس
عليه أن يحرم ولا أن يمتنع من النساء لان الله تعالى لم يوجب ذلك،، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا إحرام الا بحج، أو عمرة: وأما لطواف مجرد فلا * وأما قولنا: ان من لم يرم جمرد العقبة حتى خرج ذو الحجة أو حتى وطئ عمدا فحجه باطل. فلما روينا من طريق أبى داود السجستاني نا نصر بن على - هو الجهضمى - نا يزيد بن زريع انا خالد - هو الحذاء - عن عكرمة عن ابن عباس (أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انى أمسيت ولم أرم قال: ارم ولا حرج) (5) فأمر عليه السلام بالرمي المذكور. وأمره
(1) هي - بفتح الهاء وسكون الراء ثم شين معجمة وبالقصر - ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة يرى منها البحر ولها طريقان فكل من سلك واحد منهما واحدا أفضى إلى موضع واحد ولذلك قال الشاعر * خذا أنف هرشى أو قفاها فانما * كلا جانبى هرشى لهن طريق (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (على ان النهى) (4) الزيادة من النسخة رقم (14) (5) الخديث اختصره المصنف انظر سنن ابى داود ج 2 ص 149 *
[ 173 ]
فرض، وأخبر عليه االسلام انه لاحرج في تأخيره فهو باق مادام من أشهر الحج شئ ولا يجزئ في غير أشهر الحج لانه من فرائض الحج لما ذكرنا آنفا * روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ان ذكر وهو بمنى رمى، وان فاته ذلك حتى ينفر فانه يحج من قابل ويحافظ على المناسك * قال أبو محمد: والعجب كله ممن يبطل حج المسلم بأن بشر امرأته حتى أمنى من غير ايلاج. ولا نهى عن ذلك أصلا لافى قرآن. ولا في سنة. ولا جاء بابطال حجه بذلك نص، ولا إجماع، ولا قياس، ثم لا يبطل حجه بترك رمى جمرة العقبة وترك مزدلفة وقد صح الامر بهما في القرآن والسنة الثابتة * وأما قولنا: - انه يجزئ القارن بين الحج والعمرة طواف واحد سبعة أشواط لهما جميعا، وسعى واحد بين الصفا والمروة سبعة أشواط (1) لهما جميعا كالمفرد سواء سواء - فلما رويناه من طريق مسلم نا قتيبة نا الليث - هو ابن سعد - عن نافع أن ابن عمر قال لهم: اشهدوا انى قد أوجبت حجا مع عمرتي، ثم انطلق يهل بهما جميعا حتى قدم مكة فطاف
بالبيت وبالصفا والمروة. لم يزد على ذلك (ولم ينحر) (2)، ولم يحاق، ولاقصر، ولا أحل من شئ حرم منه حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى انه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الاول، وقال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق مسلم نا محمد بن حاتم نا بهز بن أسد نا وهيب - هو ابن خالد - نا عبد الله ابن طاوس عن أبيه عن عائشة (انها أهلت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج. فقال لها رسول الله (3) صلى الله عليه وسلم يوم النفر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن بن أبى بكر إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج) * ومن طريق مسل حدثنى حسن (بن على) (4) الحلواني نا زيد بن الحباب حدثنى ابراهيم بن نافع حدثنى عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد عن عائشة أم المؤمنين أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجزى عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك * ومن طريق مسلم نا قتيبة نا الليث عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال: أقبلت عائشة بعمرة فذكر الحديث، وفيه (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهى تبكى فقال:
(1) في النسخة رقم (14) (سبعة اطواف) (2) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 352، والحديث ذكره المصنف مختصرا وفيه اختلاف في بعض الالفاظ (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 342 (فقال لها: النبي) (4) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 343 *
[ 174 ]
ما شأنك؟ قالت: (شأني أنى) (1) قد حضت، وقد حل حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي. ثم أهلى بالحج ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا (طهرت) (2) طافت بالكعبة وبين الصفا والمروة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد حللت من حجك وعمرتك جميعا * ومن طريق أحمد بن شعيب أخبرني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (3) انا أشهب
ان مالكا حدثهم ان ابن شهاب وهشام بن عروة حدثاه عن عروة عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فقد منا مكة فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد ان رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فانما طافوا طوافا واحدا) * حدثنا أحمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن الحسين بن عقال نا ابراهيم بن محمد الدينورى نا محمد بن أحمد بن الجهم نا محمد بن بشر بن مطرنا أبو المصعب. وجعفر بن محمد الوركانى قالا جميعا: نا الدراوردى - هو عبد العزيز بن محمد - نا عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرن بين الحج والعمرة فليطف لهما طوافا واحدا وسعيا واحدا) * فهذه آثار متواتره متظاهرة توجب العلم الضرورى * ومن طريق عبد الرزاق نا عبيدالله بن عمر عن نافع ان ابن عمر كان يقول: للقارن سعى واحد. وللمتمتع سعيان * ومن طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: يكفيك لهما طوافك الاول بين الصفا والمروة يعنى القارن بين الحج والعمرة * ومن زريق سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل قال: حلف لى طاوس ما طاف أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحجه وعمرته الاطوافا واحدا * ومن طريق جعفر بن محمد عن أبيه انه كان يحفظ عن على بن أبى طالب للقارن طوافا واحدا بين الصفا والمروة خلاف ما يحفظ أهل العراق * ومن طريق هشيم ابن بشير نا أبو بشر (4) عن سليمان اليشكرى أن جابر بن عبد الله قال: لو أهللت بالحج والعمرة جميعا لطفت لهما طوافا واحدا ولكنت مهديا - يعنى سوق الهدى قبل الاحرام - وهو قول محمد بن سيرين. والحسن البصري. وسعيد بن جبير. وعطاء. وطاوس. ومجاهد.
(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 344 (2) الزيادة من صحيح مسلم وهى موافقة لسنن النسائي ج 5 ص 165 (3) في النسخة رقم (16) (اخبرني احمد بن عبد الله بن عبد الحگم وهو غلط وفى النسخة اليمنية (أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن الحكم) وهو غلط ايضا صححناه من تهذيب التهذيب ج 9 ص 360 (4) في النسخة رقم (16) (نا ابن بشر) وهو غلط لانه جعفر بن اياس وهو ابن ابى
وحشية اليشكرى - أبو بشر - روى عن سليمان اليشكرى وروى عنه هشيم انظر تهذيب التهذيب ج 2 ص 83 وج 4 ص 214 *
[ 175 ]
وسالم بن عبد الله بن عمر. ومحمد بن على بن الحسين. والزهرى. ومالك. والشافعي وأحمد. واسحاق. وأبى ثور، وداود وأصحابهم * وقالت طادفة: بل يطوف طوافين، ويسعى سعيين. كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبى سليمان عن ابراهيم النخعي ان الضبى بن معبد قرن بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى سعيين ولم يحل بينهما وأهدى. وأخبر بذل عمر بن الخطاب فقال عمر: هديت لسنة نبيك * ومن طريق عبد الرزاق عن عباد بن كثير. ويس الزيات قال يس: عن رجل عن ابن الاصبهاني، وقال عباد: عن عبد الرحمن بن الاصهبانى عن عبد الرحمن ابن أبى ليلى ان الحسين بن على قرن بين الحج والعمرة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة لعمرته، ثم قعد في الحجر ساعة، ثم قام فطاف بالبيت سبعا وبين الصفا والمروة سبعا لحجه، ثم قال: هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم * ومن طريق عبد الرزاق عن الحسن ابن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى (ان النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الحج والمعرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين) * وروى عن بعض الصحابة كما روينا من طريق منصور بن المعتمر عن مالك بن الحارث عن أبى نصر - هو ابن عمر والسلمى -، ومن طريق منصور عن رجل من بنى سليم، ومن طريق أبى عوانة عن الاعمش عن ابراهيم النخعي عن عبد الرحمن بن أذينة، ومن طريق وكيع عن مسعر عن بكير بن عطاء الليثى عن رجل من بنى عذرة، ومن طريق منصور بن زاذان عن الحكم بن عتيبة. وزياد بن مالك، ومن طريق ابن سمعان عن ابن شبرمة، ثم اتفق أبو نص بن عمرو، والرجل السلمى، والرجل العذري، وعبد الرحمن بن أذيتة، والحكم بن عتيبة، وزياد بن مالك، وابن شبرمة كلهم عن على أنه قال: يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين، ومن طريق منصور بن زاذان عن زياد بن مالك، ومن طريق سفيان عن أبى إسحاق السبيعى، ثم التفق زياد بن مالك. وأبو إسحاق
كلاهما عن ابن مسعود على القارن طوافان وسعيان (1) * ومن طريق الحجاج بن أرطاة عن الحكم بن عمرو بن الاسود (2) عن الحسين (3) بن على قال: إذا قرنت بين الحج والعمرة فطف طوافين واسع سعيين، وهو قول مجاهد. وجابر بن زيد. وشريح القاضى والشعبى. ومحمد بن على بن الحسين. وابراهيم النخعي. وحماد بن أبى سليمان. والحكم ابن عتيبة، وروى عن الاسود بن يزيد، وهو قول أبى حنيفة. وسفيان. والحسن ابن حى، وأشار نحوه الاوزاعي * وههنا قول ثالث رويناه من طريق سعيد بن منصور
(1) في النسخة رقم (16) (على القارن سعيين) وهو غلط وسقط، وفى النسخة اليمنية (على القارن طوافين وسعيين) والتقدير أي يطوف طوافين ويسعى سعيين (2) في النسخة رقم (16) (عن الحكم عن عمرو بن الاسود) وما هنا كالنسختين الاخريين وكلها صحيحة لان الحكم هو عمرو بن الاسود في النسخة رقم (14) (عن الحسن) والنسختان موافقتان لما سيأتي قريبا *
[ 176 ]
قال: نا جهم بن واقد الانصاري سألت عطاء بن أبى رباح فقلت: قرنت الحج والعمرة فقال: تطوف طوافين بالبيت ويجزئك سعى واحد بين الصفا والمروة * قال أبو محمد: أما قول عطاء هذا فانه كان لا يرى السعي بين الصفا والمروة من فرائض الحج فلذلك اجزأه عنده سعى واحد بينهما لانه للحج وحده * قال أبو محمد: أما ما شغب به من يرى ان يطوف القارن طوافين ويسعى سعيين عن - النبي صلى الله عليه وسلم فساقط كله لا يجوز الاحتجاج به، وكذلك كل مارووا في ذلك عن الصحابة رضى الله عنهم لا يصح منه ولا كلمة واحدة، ولكنه عمن ذكرنا من التابعين صحيح الاعن الاسود وحده فانه من رواية جابر الجعفي * أما حديث الضبى بن معبد فان إبراهيم لم يدرك الضبى. ولا سمع منه. ولا أدرك عمر فهو منقطع، وقد رواه الثقات. مجاهد. ومنصور عن أبى وائل شقيق بن سلمة عن الضبى. فلم يذكروا فيه طوافا. ولاطوافين. ولاسعيا ولاسعيين أصلا. وانما فيه أنه قرن بين الحج والعمرة فقط *
وأما حديث ابن أبى ليلى فمرسل، ثم هو أيضا عن الحسن بن عمارة ولا يجوز الاحتجاج بروايته * وأما حديث الحسين بن على. فعن عباد بن كثير. ويس وكلاهما ضعيف جدا في غاية السقوط، فسقط كل ذلك وتسقط بسقوطه الرواية عن عمرو عن الحسين بن على * ووالله ما جعل الله تعالى عذرا لمن يعارض رواية عطاء. وطاوس. ومجاهد. وعروة عن ام المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم، ورواية نافع عن ابن عمر. وأبى الزبير عن جابر كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذه العفونات الذفرة، ونعوذ بالله من الخذلان * وأما الرواية عن على فأبو نصربن عمرو، وعبد الرحمن بن أذينة، وزياد بن مالك، ورجل من بنى عذرة. ورجل من بنى سليم لا يدرى أحد من خلق الله تعالى من هم؟ وأما الحكم بن عتيبة. وابن شبرمة فلم يدركا عليا ولا ولدا الا بعد موته، وأما الرواية عن الحسين ابنه. فعن الحجاج بن أرطاة وهو في غاية السقوط. وأما الرواية عن ابن مسعود. فزياد ابن مالك لا يدرى من هو، وأما أبو إسحاق فلم يولد الاسنة موت ابن مسعود أو بعدها، * فمن أعجب ممن يعارض رواية عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، ورواية عمرو ابن دينار عن طاوس عن ابن عباس، ورواية سلمة بن كهيل عن طاوس عن الصحابة جملة، ورواية أبى بشر عن سليمان اليشكرى عن جابر، ورواية مالك عن الزهري. وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة أم المؤمنين عن كل من قرن من الصحابة مع رسول الله
[ 177 ]
صلى الله عليه وسلم بهذه النطائح (1) المترديات، وهذا - لمن تأمله - اجماع صحيح من جميع الصحابة رضى الله عنهم بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكدح فيه ما جاء بعده. لو جاء فكيف وكله باطل مطرح؟ * قال أبو محمد: وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى رواه طاوس. ومجاهد عن ابن عباس ورواه عطاء. ومحمد بن على عن جابر، ورواه طاوس عن سراقة كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) *
قال على: ومن الباطل أن تحتاج العمرة إلى عمل غير عمل الحج وقد دخلت فيه، ومن عجائب الدنيا احتجاجهم بمن ذكرنا من السقاط الذين يؤنس بالخير فقدهم منه، ويوحش منه وجودهم فيه، ثم يقولون في الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أمره من قرن بين الحج والعمرة بأن يطوف لهما طوافا واحدا وسعيا واحدا: هذا من رواية الدراوردى نعم انه لمن رواية الدراوردى الثقة المأمون لا من رواية الحجاج بن أرطاة. وعباد بن كثير. ويس الزيات المطرحين المتروكين، ثم أعجب شئ ان في رواية عبد الرحمن بن أذينة المذكور عن على أنه لا يجوز لمن بدأ بالاهلال بالحج ان يردف عليه عمرة، فجعل أبو حنيفة ماروى ابن أذينة عن على من ان القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين حجة خالف لها (2) السنن الثابتة وإجماع الصحابة ولم يجعل ما رواه ابن أذينة عن على - من أنه لا يجوز لمن بدأ بالاهلال بالحج ان يضيف إليه عمرة - حجة، فما هذا التلاعب؟ ولئن كانت رواية ابن أذينة عن على في أحد الوجهين حجة انها في الوجه الآخر: ولئن لم تكن حجة في أحد الوجهين فما هي حجة في الآخر، ثم اعترضوا في الآثار الواردة عن ابن عمر بما روى عنه من أن النبي صلى الله عليه آله وسلم كان متمتعا، ولو ان الذى احتج بهذا يستحى ممن حضره من الناس (من) (3) قبل ان يبلغ إلى الحياء من الملائكة، ثم من الذى إليه معاده عز وجل لردعه عن هذه المجاهرة القبيحة، وهذا الخبر قد ذكرناه وفيه (من) (4) (تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج) فوصف عمل القران وسماه تمتعا * والعجب أن هذا المجاهر بهذه العظيمة يناظر الدهر في اثبات ان النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا، ثم أضرب عن ذلك الآن وجعل يوهم أنه كان متمعتا، وهذا من الغاية في السماجة والصفة المذمومة، واعترض في الآثار المذكورة عن عائشة أم المؤمنين بما روى في ذلك الخبر
(1) في النسخة رقم (16) (الفضائح) والذى يناسب لفظ (المترديات) ماهنا (2) في النسخة اليمنية (خالف بها) (3) الزيادة في النسخة رقم (14) (4) الزيادة من النسخة رقم (14) (ومن) هنا حرف جر *
[ 178 ]
من قول النبي صلى الله عليه وسلم (ارفضي العمرة، ودعى العمرة، واتركى العمرة، وامتشطى، وانقضى رأسك، وأهلي بالحج) وأوهم هذا المكابر بهذه الالفاظ أنها أحلت من العمرة وهذا باطل لان - معنى ارفضي العمرة، ودعى العمرة، واتركى العمرة، وأهلي بالحج - ان تدع الطواف الذى هو عمل العمرة وتتركه وترفض عمل العمرة من أجل حيضها وتدخل حجا على عمرتها فتكون قارنة فإذا طهرت طافت بالبيت حينئذ للعمرة وللحج * وأما نقض الرأس والامتشاط فلا يكره ذلك في الاحرام بل هو مباح مطلق * برهان ذلك (1) قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لها حينئذ: (طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك) فكيف يمكن أن يكفيها طوافها وسعيها لعمرة قد أحلت منها؟ لولا الهوى المعمى المصم المقحم في بحار الضلالة بالمجاهرة بالباطل، فصح يقينا أنه انما كفاها طوافها وسعيها لحجها وعمرتها اللذين كانت قارنة بينهما، هذا مالا يحيل على من له أدنى فهم ولم يجد مايموه به في حديث جابر ولافى حديث عروة عن عائشة أن الذين جمعوا بين العمرة والحج من الصحابة طافوا لهما طوافا واحدا فرجع إلى أن قال: ان عليا كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجه وأشركه في هديه فلم يقل: ما قال إلا عن علم فيقال لمن قال: هذا القول: انك تنسب إلى على الباطل وقولا لم يثبت عنه قط، ثم لو ثبت عنه فأم المؤمنين كانت في تلك الحجة أبطن بالنبي صلى الله عليه وسلم وأعلم به من على وغير على، واذ صار على ههنا يجب تقليده واطراح السنن الثابتة وأقوال سائر الصحابة لقول لم يصح عنه، فهلا وجب تقليده في الثابت عنه من بيع أمهات الاولاد، ومن قوله: ان في خمس وعشرين من الابل خمس شياه، وسائر ما خالفوه فيه لما هو أقل مما تركوا ههنا؟ ولكن الهوى إله معبود * وعهدنا بهم يقولون فيما روى عن أم المؤمنين إذ قالت لام ولد زيد بن أرقم في بيعها غلاما من زيد بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم ابتاعته مه بستمائة درهم نقدا أبلغ زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان لم يتب: مثل هذا لا يقال بالرأى، فهلا قالوا ههنا
في قول عائشة. وجابر. وابن عمر. وابن عباس: ان القارن يجزئه طواف واحد: مثل هذا لا يقال بالرأى: ولكن حسبهم ونصر المسألة الحاصلة الحاضرة بما يمكن (2)، وبالله تعالى التوفيق * 837 - مسألة - ويجزى في الهدى المعيب، والسالم أحب الينا. ولا تجزى جذعة من الابل. ولامن البقر. ولا من الغنم إلا في جزاء الصيد فقط * برهان ذلك ان نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن العرجاء البين عرجها، والعوراء البين عورها،
(1) في النسخة رقم (16) (برهان هذا) وما هنا أنسب (2) في النسخة اليمنية وفى النسخة رقم (14) (بما أمكن) *
[ 179 ]
والمريضة البين مرضها، والعجفاء التى لاتنقى (1)، وأن لا يضحى بشرقاء. ولا خرقاء. ولا مقابلة. ولا مدابرة انما جاء في الاضاحي نصا والاضحية غير الهدى، والقياس باطل، وقدو افقنا المخالف على اختلاف حكم الهدى والاضحية (2) في الاشعار والتقليد وحكمه إذا عطب قبل محله، فمن الباطل ان يقاس حكم الهدى على الاضاحي في مكان، ولا يقاس عليه في مكان آخر بغير برهان مفرق بين ذلك، والهدى جائز في جميع السنة ولا تجوز الاضيحة عندهم الا في ثلاثة أيام من ذى الحجة فبطلت التسوية بينهما، وبالله تعالى التوفيق * وأما الجذعة فلما روينا من طريق مسلم نا يحيى بن يحيى انا هشيم عن داود بن أبى هند عن الشعبى عن البراء بن عازب أن خاله أبا بردة بن نيار ذبح قبل ان يذبح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ان هذا اليوم اللحم فيه مكروه (3) وان عجلت نسيكتى لاطعم أهلى وجيراني وأهل دارى فقال له (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعد نسكا فقال: يارسول الله ان عندي عناق لبن (5) هي خير من شاتى لحم فقال عليه السلام: هي خير نسيكتيك ولا تجزى جذعة عن أحد بعدك) * وهذا عموم منه عليه السلام وابتداء قضية قائمة بذاتها (6) وانما كان يكون هذا مقصورا على الاضحية لو قال عليه السلام: ولا تجزى عن أحد بعدك فكان يكون الضمير مردودا إلى الاضحية لكن ابتدأ عليه السلام فاخبر أنه لاتجزى جذعة عن أحد بعدها. فعم ولم يخص وانما خصصنا جزاء الصيد بنص (7) قوله تعالى (فجزاء مثل ما قتل من النعم). فعم تعالى أيضا
ووجب ان يجزى الجذع بمثله، والصغير بمثله، والمعيب بمثله بنص القرآن، وبالله تعالى التوفيق * 838 - مسألة - ولا يجوز لاحد أن يطوف بالبيت عريان، فان فعل لم يجزه، فان غطى قبله، ودبره فلا يسمى عريان فان انكشف ساهيا لم يضره قال الله عزوجل: (خذوا زينتكم عند كل مسجد): روينا من طريق شعبة عن المغيرة عن الشعبى عن المحرر (8) بن أبى هريرة عن أبيه قال: كنت مع على بن أبى طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ببراءة كنا ننادى أنه لايدخل الجنة الا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، وقال تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به) * 839 - مسألة - والطواف بالبيت على غير طهارة جائز، وللنفساء، ولا يحرم الا على الحائض فقط لان رسول الله صلى الله عليه وسلم منع أم المؤمنين - إذ حاضت - من الطواف بالبيت كما ذكر نا قبل، وولدت أسماء بنت عميس بذى الحليفة فأمرها عليه السلام بأن تغتسل وتهل ولم ينهها عن الطواف
(1) أي التى لامخ لها (2) في النسخة رقم (14) واليمنية (الاضحية والهدى) (3) معناه هذا يوم طلب اللحم فيه مكروه وشاق (4) سقط لفظ (له) من صحيح مسلم ج 2 ص 117 (5) العناق - بفتح العين هي الانثى من المعز التى لم تستكمل سنة، وجمعها أعنق وعنوق، وقوله عناق لبن معناه صغيرة قريبة مما ترضع (6) في النسختين (بنفسها) وهما بمعنى (7) لفظ (بنص سقط من النسخة رقم (14) (8) هو براءين مهملتين *
[ 180 ]
فلو كانت الطهارة من شروط الطواف لبينه (رسول الله) (1) صلى الله عليه وسلم كما بين أمر الحائض (وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى)، (وما كان ربك نسيا) ولا فرق بين اجازتهم الوقوف بعرفة والمزدلفة (2) والسعى بين الصفا والمروة ورمى الجمرة على غير طهارة وبين جواز الطواف على غير طهارة إلا حيث منع منه النص فقط * روينا عن سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن أبى بشر عن عطاء قال: حاضت امرأة وهى تطوف مع عائشة أم المؤمنين فأتمت بها عائشة بقية طوافها، فهذه أم المؤمنين لم ترالطهارة من شروط الطواف ولا نقول بهذا في الحيض خاصة للنص الوارد في ذلك *
840 - مسألة - فلو حاضت امرأة ولم يبق لها من الطواف الا شوط أو بعضه، أو أشواط فكل ذلك سواء وتقطع ولا بد، فإذا طهرت بنت على ما كانت طافته ولها أن تطوف بين الصفا والمروة لانها لم تنه إلا عن الطواف (بالبيت) (3) فقط، وقد وافقونا على اجازة كل ذلك للحائض لان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهها عن ذلك فكذلك لم ينه الجنب ولا النفساء عن الطواف ولا فرق، (وبالله تعالى التوفيق) (4) * 841 - مسألة - ومن قطع طوافه لعذر أو لكلل بنى على ما طاف، وكذلك السعي لانه قد طاف ما طاف كما أمر فلا يجوز ابطاله فلو قطعه عابثا فقد بطل طوافه لانه لم يطف كما أمر * 842 - مسألة - والطواف والسعى راكبا جائز، وكذلك رمى الجمرة لعذر ولغير عذر * روينا من طريق مسلم ثنى أبو الطاهر وحرملة بن يحيى انا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن) (5) * ورويناه أيضا من طريق عائشة. وجابر بن عبد الله (6) * ومن طريق مسلم نا عبد بن حميد انا محمد بن بكر انا ابن جريج أخبرني أبو الزبير انه سمع جابر بن عبد الله يقول: (طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسألوه (7)) * ومن طريق مسلم حدثنى أحمد بن حنبل (8) نا محمد بن سلمة عن أبى عبد الرحيم - هو خال محمد بن سلمة -، واسمه خالد بن أبى يزيد عن زيد بن أبى انيسة عن يحيى بن الحصين عن جدته أم الحصين (9) قالت: (حججت مع رسول الله (10) صلى الله عليه وسلم حجة الوداع
(1) الزيادة من النسخة رقم (16) ومن النسخة اليمنية (2) في النسخة رقم (16) (ومزدلفة) (3) الزيادة من النسخة (14) (4) الزيادة من النسخة رقم (16) (5) هو من صحيح مسلم ج 1 ص 360 (6) هما في صحيح مسلم ج 1 ص 361 (7) الحديث في مسلم له بقية اسقطها المصنف انظر جزء 1 ص 361 (8) في النسخة رقم (16) (احمد بن كهيل) وهو غلط * (9) في صحيح مسلم ج 1 ص 367 (عن ام الحصين جدته) والمعنى واحد (10) في صحيح مسلم (مع النبي) *
[ 181 ]
فرأيت أسامة بن زيد وبلالا أحدهما (1) آخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة) * وقد روينا عن عمر. وعروة المنع من ذلك ولا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم * 843 - مسألة - ولا يجوز التباعد عن البيت عند الطواف إلا في الزحام (2) لان التباعد عنه عمل بخلاف فعل (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبث لا (4) معنى له فلا يجوز * 844 - مسألة - والطواف بالبيت في كل ساعة جائز وعند طلوع الشمس. وعند غروبها، ويركع عند ذلك * روينا من طريق أحمد بن شعيب انا عبد الله بن محمد ابن عبد الرحمن الزهري نا سفيان - هو ابن عيينة - نا أبو الزبير عن عبد الله بن باباه عن جبير بن معطم (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا بنى عبد مناف لا تمنعن أحدا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار) (5) * ورويناه أيضا من طريق ابن أبى نجيح عن عبد الله بن باباه باسناده * وروينا عن الحسن. والحسين ابني على. وعبد الله بن عمر الطواف بعد العصر والصلاة حينئذ إثر الطواف * وعن ابن عباس انه طاف بعد العصر * وعن ابن الزبير انه طاف بعد صلاة الصبح وصلى الركعتين حينئذ * قال أبو محمد: انما جاء النهى عن الصلاة بعد العصر جملة فمن أجاز الطواف بعد العصر ما لم تصفر الشمس فقد تحكم بلا دليل * 845 - مسألة - وجائز في رمى الجمرة. والحلق. والنحر. والذبح. وطواف الافاضة. والطواف بالبيت. والسعى بين الصفا والمروة أن تقدم أيها شئت على أيها شئت لا حرج في شئ من ذلك * روينا من طريق مسلم (بن الحجاج) نا محمد ابن عبد الله بن قهزاد (6) نا على بن الحسن عن عبد الله بن المبارك انا محمد بن أبى حفصة عن الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو بن العاصى قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة فقال:
يارسول الله ان حلقت قبل أن ارمى قال: ارم ولا حرج وأتاه آخر فقال: انى ذبحت قبل أن أرمى قال: ارم ولا حرج وأتاه آخر فقال: أنى أفضت إلى البيت قبل أن أرمى قال: ارم ولاحرج (قال) (7) فما رأيته يسأل (8) يومئذ عن شئ إلا قال: افعلوا ولاحرج) * ومن طريق مالك عن ابن شهاب عن عيسى بن طلحة عن عبد الله
(1) في صحيح مسلم (وأحدهما) بزيادة واو وليست موجودة في شرح مسلم (2) في النسخة رقم (16) (إلا لزحام) (3) في النسخة رقم (14) سقط لفظ (فعل) خطأ (4) في النسخة رقم (14) (فلا) ولا لزوم للفاء هنا (5) هو في النسائي ج 5 ص 223 (6) هو بضم القاف وبمعجمتين بعد الهاء الساكنة بينهما ألف (7) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 370 (8) في صحيح مسلم (سئل) *
[ 182 ]
ابن عمرو بن العاضى (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بمنى في حجة الوداع فجاء رجل (1) فقال: يارسول الله إنى لم أشعر فحلقت قبل أن أرمى قال: ارم ولاحرج، وجاء آخر فقال: يا رسول الله ان لم اشعر فنحرت قبل أن أرمى قال: ارم ولا حرج قال: فما سئل (رسول الله صلى الله عليه وسلم) (2) عن شئ يومئذ قدم أو أخر إلا قال: اصنع ولاحرج) * ومن طريق ابن الجهم عن اسماعيل بن اسحاق انا أبو المصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله عن عبد الله بن عمرو بن العاصى قال: (وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى فجاء رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. قال: اذبح ولا حرج فقال آخر: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أرمى قال: ارم ولا حرج فما سئل عن شئ قدم ولا أخر الا قال: افعل ولاحرج) (3) * ومن طريق مسلم حدثنى محمد بن حاتم نا بهز بن أسد نا وهيب - هو ابن خالد - نا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس (ان النبي صلى الله عليه وسلم قيل له. في الذبح. والحلق (4). والرمى. والتقديم. والتأخير فقال: لا حرج) * ومن طريق أبى داود نا عثمان بن أبى شيبة نا جرير بن عبد الحميد عن الشيباني - هو أبو إسحاق - عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (5)
حاجا فكان الناس يأتونه فمن قائل (6): يارسول الله سعيت قبل ان أطوف أو أخرت شيئا أو قدمت شيئا فكان يقول: لا حرج (لا حرج) (7) وذكر باقى الحديث * قال أبو محمد: فأخذ بهذا جمهور من السلف كما روينا من طريق سعيد بن منصور نا سفيان نا أيوب - هو السختيانى - عن نافع عن ابن عمر أنه رأى رجلا من أهله أفاض قبل أن يحلق فأمره أن يحلق * وروينا عنه غير هذا من طريق سعيد أيضا، نا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد عن نافع ان ابن عمر لقى ابن أخيه عبد الرحمن ابن عبد الرحمن بن عمر قد أفاض قبل أن يحلق أو يقصر فأمره أن يقصر، ثم يرجع فيفيض * ومن طريق ابن الجهم نا عبد الله بن الحسن الهاشمي نا روح نا سعيد عن قتادة عن مورق العجلى قلت لابن عمر: (رجل) (8) حلق قبل أن يذبح قال: خالف السنة قلت: ما ذا عليه؟ قال: انك لضخم اللحية ولم يجعل عليه شيئا * ومن طريق ابن الجهم نا ابراهيم بن حماد نا الصاغانى نا سعيد
(1) في الموطأ ج 1 ص 368 (انه قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس بمنى والناس يسألون فجائه رجل) الخ (2) الزيادة من الموطأ ج 1 ص 368 (3) هو في الموطأ ج 1 ص 368، وفى صحيح مسلم ج 1 ص 369 (4) في النسخة رقم (16) (في الحلق والذبح) وما هنا موافق لصحيح مسلم ج 1 ص 370 وكذلك النسختان (5) في سنن ابى داود ج 1 ص 160 (مع النبي صلى الله عليه وسلم (6) في سنن ابى داود (4) (فمن قال) وليس بشئ (7) الزيادة من سنن ابى داود (8) الزيادة من النسخة رقم (16) *
[ 183 ]
ابن عامر عن سعيد بن أبى عروبة عن مقاتل انهم سألوا أنس بن مالك عن قوم حلقوا قبل أن يذبحوا؟ قال: اخطأتم السنة ولا شئ عليكم * قال على: ما أخطأوا السنة ولا خالفوها لان ما أباحه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ير فيه حرجا فهو سنة لكن تركوا الافضل فقط * ومن طريق الحذافى نا عبد الرزاق نا سفيان الثوري عن عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء فيمن رمى الجمرة الوسطى قبل الاولى قال: يرمى التى ترك (وأجزأه) (1) * وبه نصا إلى سفيان قال: أخبرني ابن جريج عن عطاء أنه قال: من بدأ بالصفا والمروة قبل البيت انه يطوف بالبيت وقد أجزأ عنه، وبه يقول سفيان *
ومن طريق حماد بن سلمة عن حميد أنه أتى الحسن البصري بمكة ثانى يوم النحر قد بدأ برمى جمرة العقبة، ثم الوسطى، ثم الاخرى قال: فسألت فقهاء مكة عن ذلك فلم ينكروه؟ * ومن طريق ابن أبى شيبة نا الفضيل بن عياض عن ليث بن أبى سليم عن صدقة قال: سألت طلوسا ومجاهدا عمن حلق قبل أن ينحر؟ قالا: لا شئ عليه وهو قول سفيان. والاوزاعي. وداود وأصحابه، وقد روى عن بعض السلف غير هذا * روينا من طريق ابن أبى شيبة نا سلام بن مطيع - هو أبو الأحوص - عن ابراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس قال: من قدم شيئا من حجه أو أخره فليهرق لذلك دما * ومن طريق ابن أبى شيبة نا جرير عن منصور عن سعيد ابن جبير قال: من قدم شيئا قبل شئ من حجه أو حلق قبل أن يذبح فعليه دم * ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو معاوية عن الاعمش عن ابراهيم قال: من حلق قبل ان يذبح أهرق دماو قرأ (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله) * ومن طريق ابن أبى شيبة نا فضيل بن عياض عن ليث عن صدقة عن جابر بن زيد قال: من حلق قبل ان ينحر فعليه الفدية * قال أبو محمد: أما الرواية عن ابن عباس فواهية لانها عن ابراهيم بن مهاجر، وهو ضعيف، وأما قول ابراهيم. وجابر بن زيد في ان من حلق قبل الذبح والنحر: فعليه دم أو الدفية، واحتجاجهم بقول الله تعالى. (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله) فغفلة ممن احتج بهذا (2) لان محل الهدى هو يوم النحر بمنى ذبح أو نحر أولم يذبح ولانحر إذا دخل يوم النحر والهدى بمنى أو بمكة فقد بلغ محله فحل الحلق ولم يقل تعالى: حتى تنحروا أو تذبحوا، وبين رسول صلى الله عليه وسلم ان كل ذلك مباح ولا حجة في قول أحد سواه عليه السلام * وأما المتأخرون عمن ذكرنا فان أبا حنيفة قال: من حلق قبل أن يرمى فلا شئ عليه، فان حلق قبل أن ينحر أو يذبح فان كان مفردا فعليه دم وان كان قارنا فعليه دمان *
(1) سقط هذا اللفظ من النسخة رقم (16) خطأ (2) في النسخة رقم (16) (به) *
[ 184 ]
وقال زفر صاحبه: إن حلق القارن قبل أن يذبح أو ينحر فعليه ثلاثة دماء، فان كان متمتعا فعليه دم واحد، فان كان مفردا فلا شئ عليه * وقال أبو يوسف: ان حلق قبل أن يذبح قارنا أو متمتعا فعليه دم واحد، فان كان مفردا فلا شئ عليه، ثم رجع فقال هو. ومحمد بن الحسن: لا شئ عليه في كل ذلك * وقال مالك: ان حلق قبل ان يذبح أو ينحر فلا شئ عليه فان حلق قبل ان يرمى فعليه دم * وقال الشافعي: لا شئ عليه فيما أخر أو قدم إلا من طاف بين الصفا والمروة قبل الطواف بالبيت فعليه دم * قال أبو محمد: كل هذه أقوال في غاية الفساد لانها كلها دعاوى بلا دليل لامن قرآن. ولا من سنة. ولا من قول صاحب. ولا من قياس. ولامن رأى سديد * فأما تفريق - أبى حنيفة بين الحكم المفرد والقارن وايجاب زفر ثلاثة دماء على القارن ودما على المتمتع، وتفريق مالك بين تقديم الحلق على الرمى وتقديمه على النحر والذبح، وتفريق الشافعي بين تقديم السعي على الطواف وبين سائر ما قدم وأخر - فأقوال لاتحفظ عن أحد من أهل العلم قبل القائل بها ممن ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق * 846 - مسألة - ومن لم يبت ليالى منى بمنى فقد أساء ولا شئ عليه الا الرعاء وأهل سقياية العباس فلا نكره لهم المبيت في غير منى بل للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما * روينا من طريق ابى داود نا مسدد نا سفيان - هو ابن عيينة - عن عبد الله. ومحمد ابني أبى بكر بن (1) محمد بن عمرو بن حزم عن أبيهما عن أبى البداح بن عدى عن أبيه (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) رخص للرعاء ان يرموا يوما ويدعوا يوما) * فصح بهذا الخبر ان الرمى في كل يوم من أيام منى ليس فرضا * ومن طريق مسلم نا ابن نمير - هو محمد بن عبد الله - نا أبى نا عبيدالله - هو ابن عمر - حدثنى نافع عن ابن عمر قال: (ان العباس بن عبد المطلب استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل سقايته ان يبيت بمكة ليالى منى فأذن له) (3) * قال أبو محمد: فأهل السقاية مأذون لهم من أجل السقاية وبات عليه السلام بمنى
ولم يأمر بالمبيت بها فالمبيت بها سنة وليس فرضا لان الفرض انما هو امره صلى الله عليه وسلم فقط، (4) * (فان قيل): ان إذنه للرعاء وترخيصه لهم وإذنه للعباس ذليل على ان غيرهم بخلافهم قلنا: لا وانما كان يكون هذا لو تقدم منه عليه السلام أمر بالمبيت والرمى فكان يكون هؤلاء مستثنين من سائر من أمروا، واما إذا لم يتقدم منه أمر عليه السلام فنحن ندرى ان هؤلاء
(1) في النسخة رقم (14) (ان) وهو غلط (2) في سنن أبى داود ج 2 ص 148 ((ان انلى صلى الله عليه وسلم (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 371 (ان يبيت بمكة ليالى منى من اجل سقايته فذن له) (4) قال في هامش النسخة رقم (14) (ونسى أبو محمد قوله عليه السلام (خذوا عنى مناسككم) والمبيت بمنى كان لاجل المانسك * اقول وهذه دعوى تحتاج إلى دليل آخر غير ما ذكره تنبه *
[ 185 ]
مأذون لهم وليس غيرهم مأمورا بذلك ولامنهيا فهم على الاباحة * روينا عن عمر بن الخطاب (لا يبيتن احد من وراء العقبة أيام منى، وصح هذا عنه رضى الله عنه * وعن ابن عباس مثل هذا، وعن ابن عمر أنه كره المبيت بغير منى أيام منى ولم يجعل واحد منهم في ذلك فدية أصلا * ومن طريق سعيد بن منصور نا سفيان عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: لا بأس لمن كان له متاع بمكة ان يبيت بها ليالى منى * ومن طريق ابن أبى شيبة نا زيد بن الحباب نا ابراهيم بن نافع انا عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: إذا رميت الجمار فبت حيث شئت * وبه إلى ابراهيم بن نافع ا ابن أبى نجيح عن عطاء قال: لا بأس ان يبيت بمكة ليالى منى في ضعيته * وعن مجاهد لا بأس بأن يكون أول الليل بمكة وآخره بمنى أو أول الليل بمنى وآخره بمكة * وروينا من طريق ابن ابى شيبة نا أبو معاوية عن ابن جريج عن عطاء أنه كان يقول: من بات ليالى منى بمكة تصدق بدرهم أو نحوه * وعن بكير بن مسمار (1) عن سالم عن ابن جريج عن عطاء مثل هذا أيضا يتصدق بدرهم إذا لم يبت بمنى * ومن طريق أبى بكر بن عياش عن المغيرة عن ابراهيم قال: إذا بات دون العقبة أهرق دما * وقال أبو حنيفة: بمثل قولنا، وقال سفيان: يطعم شيئا، وقال مالك: من بات ليلة من ليالى منى بغير منى أو أكثر ليلته فعليه دم، فان بات الاقل من
ليلته فلا شئ عليه، وقال الشافعي: من بات ليلة من ليالى التشريق في غير منى فليتصدق بمد. فان بات ليلتين، فمدان فان بات ثلاثا فدم * وروى عنه في ليلة ثلث دم وفى ليلتين ثلثا دم وفى ثلاث ليال دم * قال أبو محمد: هذه الاقوال لادليل على صحتها (2) يعنى الصدقة بدرهم أو باطعام شئ. أو بايجاب دم. أو بمد. أو مدين. أو ثلث دم. أو ثلثى دم. أو الفرق بين المبيت أكثر الليل. أو أقله، وما كان هكذا فالقول به لا يجوز وما نعلم لمالك. ولا للشافعي في أقوالهم هذه سلفا أصلا. لامن صاحب. ولا من تابع * 847 - مسألة - ومن رمى يومين، ثم نفر ولم يرم الثالث فلا بأس به، ومن رمى الثالث فهو أحسن * برهان ذلك قول الله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) وقال أبو حنيفة: ان نفر (3) اليوم الثاني إلى الليل لزمه أن يرمى الثالث * قال على: وهذا خطأ وحكم بلا دليل وخلاف للقرآن *
(1) في النسخة رقم (16) (عن بكر بن مسمار) وهو غلط (2) في النسخة رقم (16) وفى اليمنية (على تصحيحها) (3) في النسخة رقم (16) (ان بقى) وكذلك في النسخة اليمنية *
[ 186 ]
848 - مسألة - والمرأة المتمتعة بعمرة ان حاضت قبل الطواف بالبيت ففرضها ان تضيف حجا إلى عمرتها آن كانت تريد الحج من عامها وتعمل عمل الحج حاشا الطواف بالبيت فإذا طهرت طافت، وهذا لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بذلك وقد ذكرناه قبل * 849 - مسألة - ولا يلزم الغسل في الحج فرضا الا المرأة تهل بعمرة تريد التمتع فتحيض قبل الطواف بالبيت فهذه تغتسل ولابد وتقرن حجا إلى عمرتها، والمرأة تلد قبل ان تهل بالعمرة أو بالقران ففرض عليها ان تغتسل ولتهل بالحج * لما روينا من طريق مسلم نا قتيبة نا الليث عن أبى الزبير عن جابر قال: (أقبلت عائشة
بعمرة) فذكر الحديث وفيه (انها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: قد حضت وقد حل الناس ولم أحلل ولم أطف بالبيت (والناس يذهبون إلى الحج الان) (1) فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي وأهلي بالحج (2)) ولامره عليه السلام، أسماء بنت عميس إذ ولدت محمد بن أبى بكر بالشجرة ان تغتسل وتهل، ونحن قاطعون بائتمارها له عليه السلام، وانهما لو لم يغتسلا لكانتا عاصيتين، وقد أعاذهما الله عزوجل من ذلك * 850 - مسألة - وكل من تعمد مصية أي معصية كانت - وهو ذاكر لحجه مذ يحرم إلى أن يتم طوافه بالبيت للافاضة ويرمى الجمرة - فقد بطل حجه فان أتاها ناسيا لها أو ناسيا لاحرامه ودخوله في الحج أو العمرة فلا شئ عليه في نسيانها، وحجه وعمرته تامان في نسيانه كونه فيهما، وذلك لقول الله تعالى: (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) فكان من شرط الله تعالى في الحج براءته من الرفث والفسوق، فمن لم يتبرأ منهما فلم يحج كما أمر، ومن لم يحج كما أمر فلا حج له، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) * ومن عجائب الدنيا ابطالهم الحج بتقبيله امرأته المباحة له فيمنى ولم ينهه الله تعالى قط عن هذا، ثم لا يبطلونه بالفسوق من قتل النفس المحرمة وترك الصلاة وسائر الفسوق ان هذا لعجب!، وأعجب من ذلك ابطال أبى حنيفة الحج بوطئ الرجل امرأته ناسيا لاحرامه!، وقد صح ان الله تعالى لا يؤآخذ بالنسيان، قال تعالى: (وليس عليكم جناج فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم)، ثم لا يبطل الحج بتعمد القصد إلى أن يلوط في إحرامه أو يلاط به فهل في الفضائح والقبائح أكثر (3) من هذه المصيبة؟ وأعجب شئ دعواهم الاجماع على هذا! ولا سبيل إلى أن يأتوا برواية عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم
(1) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 344 (2) في صحيح مسلم (ثم اهلي بالحج) (3) في النسخة رقم (16) (اكبر) أي اعظم *
[ 187 ]
في ان تعمد الفسوق (1) لا يبطل! بل الروايات عن السلف تشهد لقولنا * وروى عن مجاهد انه قال: انا لنحرم من الميقات وأخشى ان لاأخرج منه حتى أخرج احرامي أو كلاما هذا معناه، وان شريحا كان إذا أحرم فكأنه حية صماء * 851 - مسألة - فان أمكنه تجديد الاحرام فليفعل ويحج أو يعتمر وقد أدى فرضه لان احرامه الاول قد بطل وأفسده، والتمادى عليه لا يجوز لقول الله تعالى: (ان الله لا يصلح عمل المفسدين). وقال الاوزاعي: في سباب المحرم دم، وهم يجعلون الدم فيما لا يكره فيه من المبيت في غير منى وغير ذلك ولا يجعلونه في السباب للمحرم في الحج * 852 - مسألة - ومن وقف بعرفة على بعير مغضوب، أو جلال بطل حجه إذا كان عالما بذلك وأما من حج بمال حرام فأنفقه في الحج - ولم يتول هو حمله بنفسه (2) - فحجه تام * أما المغصوب فلانه مخالف لما أمره الله تعالى به ولم يحج كما أمر، وأما وقوفه على بعير جلال. لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم مما حدثناه عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك نا محمد بن بكر نا أبو داود نا أحمد بن أبى سريج (3) الرازي أخبرني عبد الله بن الجهم نا عمرو - هو ابن أبى قيس - عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم عن الجلالة في الابل أن يركب عليها) * وبه إلى أبى داود نا مسدد نا عبد الوارث - هو التنورى - عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) عن ركوب الجلالة) * قال أبو محمد: والجلالة هي التى علفها الجلة وهى العذرة، فمن وقف بعرفة بعير جلال فلم يقف كما أمر لانه عاص في وقوفه (عليه) (5)، والوقوف بعرفة طاعة وفرض، ومن المحال ان تنوب المعصية عن الطاعة، وقال عليه السلام: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فمن وقف بها حاملا لمال حرام فلم يقف كما أمر بل وقف عاصيا فان لم يعلم بذلك فقد قال تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم)،
ومن لم يتعمد للحرام عالما به فليس عاصيا وإذا لم يكن عاصيا فهو محسن قال تعالى: (ما على المحسنين من سبيل)، فقد وقف كما أمرو عفا الله تعالى له عما لم يعلمه * وأما نفقة المال الحرام في الحج وطريقه فهو ان كان عاصيا بذلك فلم يباشر
(1) في النسخة رقم (16) (تعمد الفسق) (2) في النسخة رقم (14)، واليمنية (مع نفسه) (3) هو بسين مهملة وفى آخره جيم معجمة، وفى النسخ كلها بالشين المعجمة وآخره حاء مهملة وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب وحاشية تفريب التهذيب وجاء صحيحا في سنن ابى داود ج 2 ص 330 (4) سقط من سنن ابى داود ج 2 ص 330 لفظ (رسول الله صلى الله عليه وسلم) وعليها قوله (نهى) مبنى للمجهول، والحديثان سكت عنهما الحافظ المنذرى (5) الزيادة من النسخة رقم (14) *
[ 188 ]
المعصية في حال إحرامه ولا في شئ من أعمال حجه فلم يخلط في عمله الواجب عملا محرما (1)، وبالله تعالى التوفيق، وكذلك لور كب الجلال في شئ من إحرامه أو عمل حجه لقول الله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج). والمعصية فسوق، وقد وافقونا على بطلان صلاة من صلى الفرض راكبا لغير ضرورة، ولافرق بين الامرين لان كليهما عمل محرم * 853 - مسألة وعرفة كلها موقف الا بطن عرنة، ومزدلفة كلها موقف الا بطن محسر لان عرفة من الحل، وبطن عرنة من الحرم فهو غير عرفة، وأما مزدلفة فهى المشعر الحرام وهى من الحرم، وبطن محسر من الحل فهو غير مزدلفة * نا أحمد بن عمر بن أنس نا عبد الله بن حسين بن عقال نا ابراهيم بن محمد الدينورى نا محمد بن احمد بن الجهم نا جعفر الصائغ نا أبو نصر التمار - هو عبد الملك بن عبد العزيز - عن سليمان ابن موسى عن عبد الرحمن بن أبى حسين عن جبير بن مطعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل عرفات موقف وارفعوا عن بطن عرنة والمزدلفة كلها موقف وارفعوا عن بطن محسر (2)) * 854 - مسألة - ورمى الجمار بحصى قد رمى به قبل ذلك جائز، وكذلك رميها راكبا حسن، أما رميها بحصى قد رمى به فلانه لم ينه عن ذلك قرآن. ولا سنة، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه *
(فان قيل): قد روى عن ابن عباس ان حصى الجمار ما تقبل منه رفع وما لم يتقبل منه ترك ولولا ذلك لكان هضابا (3) تسد الطريق قلنا: نعم فكان ماذا؟ وان لم يتقبل رمى هذه الحصا من عمرو فسيتقبل من زيد، وقد يتصدق المرء بصدقة فلا يقبلها الله تعالى منه، ثم يملك تلك العين آخر فيتصدق بها فتقبل منه * وأما رميها راكبا نا عبد الله به ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب انا اسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - نا وكيع نا أيمن بن نابل (4) عن قدامة بن عبد الله (قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمى جمرة العقبة (يوم النحر) (5) على ناقة له صهباء. لاضرب. ولاطرد. ولا إليك إليك) (6) * وقال أبو يوسف قبل موته بأقل من ساعة: رمى الجمرتين الآخرتين راكبا أفضل
(1) أورده مصحح نسخة رقم (14) بهامشها مانصه (لافرق بين ركوب الجلالة وأكل المال الحرام في الحج لقول الله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) ولاشك ان كليهما فاسق فليتأمل اه أقول تأملت ذلك ونظرت كلام المصنف فوجدته يغنى عن الجواب لانه فرق بين من تلبس بالمعصية وهو واقف بعرفة وبين من أكل الحرام ولم يتلبس وقتئذ بالمعصية فشتان ما بينهما وهو فرق واضح نسأل الله الهداية (2) الحديث في مسند الامام احمد بسند آخر عن جبير بن مطعم ج 4 ص 82، وفيه زيادة ونسبه ابن حجر في التلخيص الجبر إلى ابن حيان والطبراني والبيهقي والبزار وغيرهم في ص 216 (3) هو جمع هضبة الجبل المنبسط على وجه الارض (4) هو بنون فباء موحدة وفى النسخ كلها (نافع) وهو غلط صححناه من تهذيب التهذيب (5) الزيادة من سنن النسائي ج 5 ص 270 (6) هو تعريض للامراء بانهم أحدثوا هذا الامور وقوله (اليك اليك) اسم فعل أي تبعد وتنح *
[ 189 ]
ورمى جمرة العقبة راجلا أفضل، وهذا تقسيم فاسد بلا برهان بل رميها راكبا أفضل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم * 855 - مسألة ويبطل الحج تعمد الحج تعمد الوطئ في الحلال من الزوجة واذمة ذاكر الحجه أو عمرته، فان وطئها ناسيا لانه في عمل حج أو عمرة فلا شئ عليه، وكذلك يبطل بتعمده أيضا حج الموطوءة وعمرتها قال تعالى: (فلا رفث ولافسوق ولا جدال في الحج)، والرفث الجماع. فمن جامع فلم يحج. ولا اعتمر كما أمر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (دخلت
العمرة في الحج إلى يوم القيامة) (1)، وأما الناسي والمكره فلا شئ عليه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (2) ولقول الله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما اخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم)، وهو قول أصحابنا * 856 - مسألة - وان وطئ وعليه بقية من طواف الافاضة (3) أو شئ من رمى الجمرة فقد بطل حجه كما قلنا: قال تعالى: (فلا رفث ولافسوق ولا جدال في الحج)، فصح أن من رفث ولم يكمل حجه فلم يحج كما أمر، وهو قول ابن عمر، وقول أصحابنا، وقال ابن عباس: لا يبطل الحج بالوطئ بعد عرفة، وهو قول أبى حنيفة، وقال مالك: ان وطئ يوم النحر قبل رمى الجمرة بطل حجه، وان وطئ يوم النحر بعد رمى الجمرة لم يبطل حجه، وان وطئ بعد يوم النحر قبل رمى الجمرة (4) لم يبطل حجه * فاما قول مالك فتقسيم لادليل على صحته أصلا، واحتج أبو حنيفة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحج عرفة) * قال على: ولا حجة لهم في هذا لان الذى قال هذا هو الذى اخبرنا عن الله تعالى بأنه قال: (وليطوفوا بالبيت العتيق). وبانه قال: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام) وهو الذي أمر برمى الجمرة فلا يجوز الاخذ ببعض قوله دون بعض، وقد قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع اله سبيلا) فكان الطواف بالبيت هو الحج كعرفة ولافرق، وقوله عليه السلام (الحج عرفة) لايمنع من ان يكون الحج غير عرفة أيضا، وقد وافقنا المخالف على أن امرءا لو قصد عرفة فوقف بها فلم يحرم (5). ولالبى. ولاطاف. ولاسعى فلا حج له، فبطل تعلقهم بقوله عليه السلام (الحج عرفة) * 857 - مسألة - فمن وطئ عامدا كما قلنا فبطل حجه فليس عليه ان يتمادى على عمل فاسد باطل لا يجزئ عنه لكن يحرم من موضعه، فان أدرك تمام الحج فلا شئ
(1) تقدم الكلام عليه في حديث جابر الطويل ص 119 من هذا الجزء، وهذا قطعة منه (2) سيأتي الكلام عليه ومن خرج قريبا (3) في النسخة رقم (16) (وان وطئ وبقى عليه من طواف الافاظة) وهو كلام ناقص (4) في النسخة رقم (16)
(قبل ان يرمى الجمرة) وما هنا انسب بالسياق (5) في النسخة رقم (16) (ولم يحرم) *
[ 190 ]
عليه غير ذلك وان كان لا يدرك تمام الحج فقد عصى وأمره إلى الله تعالى ولاهدى في ذلك ولا شئ إلا أن يكون لم يحج قط، فعليه الحج والعمرة * وقد اختلف السلف في هذا * فروينا عن عمر رضى الله عنه أن يتماديا في حجهما، ثم يحجان من قابل ويتفرقان من الموضع الذى جامع فيه وعليه هدى وعليها، وهذا مرسل عن عمر لانه عن مجاهد عن عمر ولم يدرك مجاهد عمر * وروينا عن على على كل واحد منهما بدنة ويتفرقان إذا حجا من قابل، وهذا مرسل عن على لانه عن الحكم عن على والحكم لم يدرك عليا، وروينا عن ابن عباس أقوالا منها ان يتماديا على حجهما ذلك وعليهما هدى وحج قابل ويتفرقان من الموضع الذى جامعها فيه * وعن عبد الله بن عمرو. وعبد الله بن عمر مثله قالوا: فان لم يجدهديا صام صيام المتمتع، وقول آخر مثل هذا سواء سواء إلا أنه لم يعوض من الدم صياما * وعن ابن عمرو. وابن عمر مثله ولم يذكروا تفريقا * وروى عن ابن عباس ايضا انه عيه بدنة ويتفرقان من قابل قبل الموضع الذى جامعها فيه * وعن ابن عباس ايضا كل واحد منهما هدى * وعن جبير بن مطعم انه قال للمجامع: أف لاأفتيك بشئ * وأما من جامع بعد عرفة فعن ابن عمر من وطئ قبل ان يطوف بالبيت فعليه الحج والهدى، وروى عنه أيضا عليه الحج من قابل وبدنة * وعن ابن عباس على كل واحد منهما جزور * ومن طريق ابن أبى شيبة عن ابن علية عن أيوب السختيانى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس من واقع امرأته قبل أن يطوف بالبيت فعليه دم * وعن ابن عباس أيضا عليه وعليها بدنة * وروينا عن عائشة أم المؤمنين لاهدى الاعلى المحصر، وقال أبو حنيفة: ان وطئ قبل عرفة تماديا على حجهما ذلك وعليهما حج قابل وهدى ويجزى في ذلك شاة ولا يتفرقان، فان وطئ بعد عرفة فحجه تام وعليه بدنة * قال أبو محمد: فكان من العجب! انه إذا بطل حجه اجزأه هدى شاة وإذا تم حجه لم يجزه الا
بدنة، وهذا تقسيم ما روى عن أحد، فان تعلق بابن عباس فقد اختلف عن ابن عباس كما ذكرنا وعن غيره من الصحابة رضى الله عنهم، وليس قول بعضهم أولى من بعض، وهذا جبير ابن مطعم لو يوجب في ذلك هديا أصلا ولا أمر بالتمادي على الحج * قال على: قال الله تعالى. (إن الله لا يصلح عمل المفسدين). فمن الخطأ (1) تماديه على عمل لايصحله الله عزوجل لانه مفسد بلا خلاف منا ومنهم، فالله تعالى لا يصلح عمله بنص القرآن، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الحج انما يجب مرة، ومن ألزمه التمادي على ذلك الحج الفاسد، ثم ألزمه حجا آخر فقد ألزمه حجتين، وهذا خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم *
(1) في النسخة رقم (14) (فمن الباطل) *
[ 191 ]
والعجب انهم يدعون أنهم أصحاب قياس بزعمهم! وهم لا يختلفون في أن من (1) أبطل صلاته انه لا يتمادى عليها فلم ألزموه التمادي على الحج؟، وقد خالف أبو حنيفة ابن عباس. وعمر. وعليا فيما روى عنهم من التفريق (2) فلا نكره فيمن خالف ابن عباس في قول قد صح عنه خلافه وانما هم ستة من الصحابة رضى الله عنهم مختلفون كما ذكرنا، فالواجب الرجوع إلى القرآن، والسنة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) فلا يجوز أن يوجب هدى بغير قرآن ولاعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم * وروينا من طريق مجاهد وطاوس فيمن وطئ امرأته وهو محرم ان حجه يصير عمرة وعليه حج قابل وبدنة، فلم يريا عليها التمادي في عمل الحج * وروينا عن قتادة انهما يرجعان إلى حدهما يعنى الميقات ويهلان بعمرة ويتفرقان ويهديان هديا هديا * وعن الحسن فيمن وطئ قبل طواف الافاضة قال: عليه حج قابل ولم يذكر هديا أصلا، وقال مالك: ان وطئ قبل رمى الجمرة يوم النحر فعليه هدى وحج قابل ويتفرقان من حيث جامعها، فان وطئ بعد رمى الجمرة فحجه تام وعليه عمرة وهدى بدنة، فان لم يجد فبقرة، فان لم يجد فشاة، فان لم
يجد صام صيام المتمتع، فكان إيجاب العمرة ههنا عجبا لا يدرى معناه!، وكذلك تقسيمه الهدى وتقسيمه وقت الوطئ ولا يعرف هذا عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم * وقال الشافعي: ان وطئ ما بين أن يحرم إلى أن يرمى جمرة العقبة فسد حجه وعليه بدنة. فان لم يجد بدنة فبقرة. فان لم يجد بقرد فسبع من الغنم، فان لم يجد قومت البدنة بمكة دراهم، ثم قومت الدراهم طعاما فأطعم كل مسكين مدا، فان لم يجد صام عنكل مديوما، فان وطئ بعد رمى جمرة العقبة فحجه تام وعليه بدنة، فكان هذا أيضا قولا لا يؤيده قرآن. ولاسنة. ولاقول صاحب. ولاقياس، ولا يوجد هذا عن أحد من الصحابة أصلا. وبالله تعالى التوفيق * 858 - مسألة - ومن أخطأ في رؤية الهلال لذى الحجة فوقف بعرفة اليوم العاشر وويظنه التاسع ووقف بمزدلفة الليلة الحادية عشرة وهو يظنها العاشرة فحجه تام ولا شئ عليه لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل: ان الوقوف بعرفة لا يكون إلا في اليوم التاسع من ذى الحجة أو الليلة العاشرة منها، وانما أوجب عليه السلام الوقوف بها ليلا أو نهارا فصح ان كل من وقف بها اجزأه ما لم يقف في وقت لا يختلف اثنان في أنه لا يجزيه فيه، وقد تيقن (3) الاجماع من الصغير. والكبير. والخالف. والسالف ان من وقف بها قبل الزوال من اليوم التاسع من ذى الحجة أو بعد طلوع الفجر من الليلة الحادية
(1) في النسخة رقم (16) (في من) (2) في النسخة رقم (14) (من التفريق) (3) في النسخة رقم (16) (وقد تلقى) (4) في النسخة رقم (14) واليمنية (أو بعد اطلاع الفجر) *
[ 192 ]
عشرة (1) من ذى الحجة فلا حج له، وكذلك ان وقف بها بعد طلوع الفجر من الليلة العاشرة وهو يدرى أنها العاشرة، وهذا (2) قول جمهور الناس * 859 - مسألة - فن صح عنده بعلم أو بخبر صادق ان هذا هو اليوم التاسع إلا أن الناس لم يروه رؤية (3) توجب أنها اليوم الثامن ففرض عليه الوقوف في اليوم
الذى صح عنده أنه اليوم التاسع والا فحجه باطل لما ذكرنا * روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عمر بن محمد قال: شهد نفر أنهم رأوا هلال ذى الحجة فذهب بهم سالم إلى ابن هشام وهو أمير الحج فلم يقبلهم فوقف سالم بعرفة لوقت شهادتهم، ثم دفع فلما كان في يوم الثاني وقف مع الناس * 860 - مسألة - ومن أغمى عليه في إحرامه، أوجن بعد ان احرم في عقله فاحرامه صحيح، وكذلك لو أغمى عليه، أو جن بعد أن وقف بعرفة ولو طرفة عين أو بعد ان أدرك شيئا من الصلاة بمزدلفة مع الامام فحجه تام لان الاغماء والجنون لا يبطلان عملا تقدم أصلا ولا جاء بذلك نص أصلا ولا إجماع، وليس قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاث فذكر النائم حتى ينتبه والمبتلى حتى يفيق والصبى حتى يبلغ) (4) بموجب بطلان ما تقدم من عمله، وانما فيه أنهم في هذه الحال غير مخاطبين فقط فإذا أفاقوا صاروا على حكمهم الذى كانوا عليه قبل، وبالله تعالى التوفيق نتأيد * 861 - مسألة - ومن أغمى عليه. أوجن أو نام قبل الزوال من يوم عرفة فلم يفق. ولا استيقظ إلا بعد طلوع الفجر من ليلة يوم النحر فقد بطل حجه سواء وقف به بعرفة أو لم يوقف به، وكذلك من أغمى عليه أوجن. أو نام قبل أن يدرك شيئا من صلاة الصبح بمزدلفة مع الامام فلم يفق ولا استيقظ الا بعد سلام الامام من صلاة الصبح فقد بطل حجه، فان كانت امرأد فنامت. أو جنت. أو أغمى عليها قبل أن تقف بمزدلفة فلم تفق. ولا انتبهت حتى طلعت الشمس من يوم النحر فقد بطل حجها، وسواء وقف بها بمزدلفة. أو لم يوقف لان الاعمال المذكورة فرض من فرائض الحج، وقال الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) فصح أنه لا يجزى عمل مأمور به الابنية القصد إليه مؤدى باخلاص لله تعالى فيه كما أمر عزوجل، وكل من ذكرنا فلم يعبد الله
(1) في النسخ كلها (الحادية عشر) والقاعدة ان الحادية عشر والثانية عشر يؤنثان مع المؤنث ويذكران مع المذكر (2) في النسخة
(16) (وهو) (3) في النسخة رقم (14) وفى اليمنية (لم يروه الا رؤية) بزيادة (الا والذى يظهر لى انها زائدة بدليل استدلاله بفعل ابن هشام من عدم قبول قول من رأى الهلال واخبر فان كانت تلك الرؤية توجب انها اليوم الفلاني لقبله ولم يرده، والله اعلم (4) رواه الحاكم في مستدركه ج 1 ص 258 واقره الذهبي على تصحيحه. ورواه الامام أحمد في مسنده وابى داود في سننه *
[ 193 ]
في الاعمال المذكورة مخلصا له الدين بها فلم يأت بها. ولا حج لمن لم يأت يها. ولا يجزى ان يقف به غيره هنا لك لقول الله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة). وقال تعالى: (ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى)، وكذلك لو أن امرءا مر (1) بعرفة مجتازا ليلة النحر نزل بها أو لم ينزل. وهو لا يدرى أنها عرفة فلا يجزئه ذلك ولا حج له حتى يقف بها قاصدا إلى الوقوف بها كما أمره الله تعالى * واختلف الناس في هذا، فقال مالك: لا يجزى ان يحرم أحد عن غيره فإذا أحرم بنية الحج اجزأ كل عمل في الحج بلا نية، وقال أبو حنيفة. والشافعي: اعمال الحج كلها تجزى بلانية ولو ان من لم يحج قط حج ولا ينوى إلا التطوع اجزأه عن حجة الفرض * قال أبو محمد: وهذه اقوال في غاية الفساد والتناقض، وقد أجمعوا لو أن امرءا عليه صلاة الصبح فصلى ركعتين تطوعا. أو عليه الظهر فصلى أربعا تطوعا ان ذلك لا يجزئه من الفرض وأن من عليه زكاة خمسة دراهم فتصدق بخمسة دراهم تطوعا أنها لاتجزئه من الفرض، وأجمعوا إلا زفرأن من صام يوما من رمضان ينوى به التطوع فقط، أو لا ينوى به شيئا فانه لا يجزئه من صوم الفرض، فليث شعرى أي فرق بين الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج لو نصحوا أنفسهم!؟، (فان قالوا): قد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر ان للصبى حجا، وسمع انسانا لم يكن حج يلبى عن شبرمة فقال (له): (2) اجعل حجك هذا عن نفسك، ثم حج عن شبرمة (3) قلنا: أما إخباره عليه السلام ان للصبى حجا فخبر صحيح ثابت ولا متعلق لكم به لانه لم يحعل عليه السلام ذلك الحج جازيا من حج الفريضة فهو حجة لنا عليكم، ونحن نقول: ان للصبى حجا كما قال عليه السلام وهو تطوع لا يجزى
عن الفرض، ونحن نقول: ان للصبى صلاة، وصوما وكل ذلك تطوع منه له، وقد كان الصبيان يشهدون الصلوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حج بهم معه ولافرق، وأما خبر شبرمة فلا يصح ولو صح لما كان لهم فيه حجة لانه ليس فيه ان حجه عن شبرمة يجزى عن الذى حج عنه بل هو حجة عليهم لان فيه ان يجعل الحجة عن نفسه، وفى هذا إيجاب للنية (4) بها عن نفسه فهو حجة عليهم، وبالله تعالى التوفيق *
(1) سقط لفظ (مر) من النسخة رقم (16) خطأ (2) الزيادة من النسخة رقم (16) ومن النسخة اليمنية سقط لفظ (فقال له) خطا (3) في هامش النسخة اليمنية مانصه يقال: قد قال له: (حج عن شبرمة وهذا أمر له بأن يحج عن الغير) اه وهو ذهول عن جواب المصنف بعد، وعلى تسليم دلالة ذلك عليه فهل يقال انه يجب عليه ان يحج لامره صلى الله عليه وسلم بذلك ولا قائل، والمعنى والله اعلم ان امر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل بذلك استغرابا منه فعل ذلك لان الانسان يبدأ بنفسه ثم بغيره فلا دلالة له على مشروعية ذلك والله اعلم (4) في النسخة رقم (16) (ايجاب النية) *
[ 194 ]
وروينا عن الحسن فيمن عليه شهران متتابعان من كفارة ظهار، أو نذر، وعليه حج نذره ولم يكن حج حجة الفريضة فصام شعبان ورمضان وحج فان ذلك يجزئه عما كان عليه، وعن فرض رمضان، وتلك الحجة تجزئه عن نذره وفرض الاسلام، وهذا خطأ لما ذكرنا قبل - وهو قول أصحابنا - وبالله تعالى التوفيق * (فان قال مالكى): الحج كصوم اليم إذا دخل فيه بنية، ثم عزبت نيته اجزأه قلنا: ليس كذلك لان الحج أعمال كثيرة متغايرة يحول بينها ما ليس منها كالتلبية، والوقوف بعرفة، ومزدلفة، ورمى الجمار، وطواف الافاضة، والسعى بين الصفا والمروة فلا بد لكل عمل من نية له، وأما الاحرام فهو عمل متصل لا ينفصل فيجزئه نية الدخول فيه ما لم يتعمد إحالة نيته أو ابطال إحرامه، وبالله تعالى نتأيد (1) * 862 - مسألة - ومن أدرك مع الامام صلاة الصبح بمزدلفة من الرجال فلما سلم الامام ذكر هذا الانسان أنه على غير طهارة فقد بطل حجه لانه لم يدرك الصلاة
مع الامام، وقد تقدم ذكرنا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك. وبالله التوفيق * 863 - مسألة - ومن قتل صيدا متصيدا له ذاكرا لاحرامه عامدا لقتله فقد بطل حجه أو عمرته لبطلان إحرامه وعليه الجزاء مع ذلك لقول الله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم) الآية، فحرم الله تعالى عليه أن يقتل الصيد متعمدا في إحرامه فإذا فعل فلم يحرم كما أمر لان الله تعالى انما أمره باحرام ليس فيه تعمد قتل صيد، وهذا الاحرام هو بلا شك غير الاحرام الذى فيه تعمد قتل الصيد فلم يأت بالاحرام الذى أمره الله تعالى به، وأيضا فان الله تعالى قال: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)، ولا خلاف في أن تعمد قتل الصيد في الاحرام فسوق، ومن فسق في حجه فلم يحج كما أمر، ومن لم يحج كما أمر فلم يحج * روينا من طريق اسماعيل بن اسحق القاضى نا ابراهيم بن الحجاج نا عبد الوارث ابن سعيد التنورى عن ليث عن مجاهد قال: من قتل صيدا متعمدا فقد بطل حجه وعليه الهدى * واعترض بعضهم بأن قال: إن الله تعالى يقول: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) فسماهم حرما * قال أبو محمد: وهذا إقدام منهم عظيم على تقويل الله تعالى ما لم يقله قط، وانما سماهم الله تعالى حرما قبل قتل الصيد ونهاهم إذا كانوا حرما عن قتل الصيد وما سماهم تعالى قط
(1) في النسخة رقم (16) (وبالله التوفيق) (2) في النسخة رقم (14) (في ان من تعمد) ولا يوافقه الخبر الا بضرب من التأويل ولا داعى إليه *
[ 195 ]
بعد قتل الصيد حرما، فأف لكل عصيبة لمذهب تحدو (1) إلى الكذب على الله تعالى جهارا، وقد قال تعالى: (فلا رفث ولافسوق ولا جدال في الحج) فأثبت الحج ونهى فيه عن الرفث فيلزمهم على هذا أن لايبطلوا الحج بالجماع الذى هو الرفث، وهذه كالتى قبلها ولا
فرق، وانما جعلهم تعالى في الحج ما لم يرفثوا ولافسقوا، وقال بعضهم: قد أوجب عليه السلام في الضبع كبشا ولم يخبر بأن إحرامه بطل، قلنا لهم: (2) قلتم: الباطل بل قد أخبر عليه السلام بأن إحرامه قد بطل بقوله عليه السلام (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وأيضا فلم يقل عليه السلام قط ان إحرامه لم يبطل، ولا دل دليل على ذلك أصلا، وبالله تعالى التوفيق * 864 - مسألة - قال أبو محمد: (3) وكل فسوق تعمده المحرم ذاكرا لاحرامه فقد بطل إحرامه. وحجه. وعمرته لقول الله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) فصح ان من تعمد الفسوق (4) ذاكرا لحجه. أو عمرته فلم يحج كما أمر، وقد أخبر عليه السلام (ان العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة)، وقال عليه السلام (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) * ومن عجائب الدنيا! ان الاية وردت كما تلونا فأبطلوا الحج بالرفث ولم يبطلوه بالفسوق وأعجب من هذا! ان أبا حنيفة قال: من وطئ في إحرامه - ناسيا غير عامدو لا ذاكر لانه محرم - امرأته التى أباح الله تعالى له وطأها قبل الاحرام أو بعده فقد بطل حجه، فلو تعمد اللياطة بذكرا وأن يلاط به ذاكرا لاحرامه فحجه تام وإحرامه مبرور، فأف لهذا القول عدد الرمل. والحصى. والتراب * (فان قالوا): إنما يبطل إحرامه بأن يأتي ما حرم في حال الاحرام فقط لا بما هو حرام قبل الاحرام. وفي الاحرام. وبعد الاحرام قلنا: وعن هذا التقسيم الفاسد سألناكم؟ ولا حجة لكم فيه، وأنتم تبطلون الصلاة بكل عمل محرم. وقبلها. وفيها. وبعدها كما تبطلونها بما حرم فيها فقط، وقد نقضتم هذا الاصل الفاسد فلم تبطلوا الاحرام بتعمد لباس ما حرم فيه مما هو حلال قبله وبعده، فقد أبطلتم هذا التقسيم الفاسد فأين القياس الذى تنتسبون إليه بزعمكم؟ والله تعالى قدأ كد الحج وخصه بتحريم الفسوق فيه كما خصه بتحريم الرفث فيه ولا فرق * أخبرنا محمد بن الحسن بن عبد الوارث الرازي نا عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن النحاس
بمصر نا أبو سعيد بن الاعرابي نا عبيد بن غنام بن غنام بن حفص بن غياث النخعي نا محمد بن عبد الله
(1) أي تسوق، وفى النسخة اليمنية (تجر) والمعنى قريب (2) سقط لفظ (لهم) من النسخة رقم (16) خطأ (3) سقط جملة (قال ابو محمد) من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (16) واليمنية (الفسق) وما هنا انسب بنظم الآية (5) سقط لفظ (فيه) من النسخة رقم (16) *
[ 196 ]
ابن نمير نا أحمد بن بشر عن عبد السلام بن عبد الله بن جابر الاحمسي عن أبيه عن زينب بنت جابر الاحمسية (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها في امرأة حجت معها مصمتة: قولى لها: تتكلم فانه لاحج لمن لم يتكلم)، وقد ذكرنا رواية أحمد بن شعيب عن نوح بن حبيب القومسى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الذى أحرم في جبة ان يجدد إحراما) (1) * قال أبو محمد: ولا سبيل لهم إلى ان يوجدوا عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم ان الفسوق لا يبطل الاحرام، وأما من فسق غير ذاكر لاحرامه فان لا يبطل بذلك إحرامه لانه لم يقصد ابطاله ولا أتى باحرامه بخلاف ما أمر به عامدا، وبالله تعالى التوفيق * 865 - مسألة - والجدال قسمان، قسم في واجب وحق، وقسم في باطل. فالذي في الحق واجب في الاحرام وغير الاحرام قال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هي أحسن). ومن جادل في طلب حق له فقد دعا إلى سبيل ربه تعالى، وسعى في اظهار الحق والمنع من الباطل، وهكذا كل من جادل في حق لغيره أو لله تعالى، والجدال بالباطل وفى الباطل عمدا ذاكرا لاحرامه مبطل للاحرام وللحج لقوله تعالى: (فلا رفث ولافسوق ولا جدال في الحج)، وبالله تعالى التوفيق * 866 - مسألة - ومن لم يلب في شئ من حجه أو عمرته بطل حجه وعمرته (2) فان لبى ولو مرة واحدة اجزأه والاستكثار أفضل، فلو لبى ولم يرفع صوته فلا حج له ولا عمرة لامر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عزوجل بأن يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، فمن لم يلب أصلا أو لبى ولم يرفع صوته وهو قادر على ذلك فلم يحج
ولا اعتمر كما أمره الله تعالى، وقد قال عليه السلام: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد). ولو أنهم رضى الله عنهم إذ أمرهم عليه السلام برفع أصواتهم بالتلبية أبوا لكانوا عصاة بلا شك، والمعصية فسوق بلا خلاف، وقد أعاذهم الله عزوجل من ذلك قال تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)، وقد بينا أن الفسوق يبطل الحج، وبالله تعال التوفيق * ومن لبى مرة واحدة رافعا صوته فقد لبى كما أمره الله تعالى ووقع عليه اسم ملب (3) وعلى فعله اسم التلبية فقد أدى ما عليه ومن أدى ما عليه ومن أدى ما عليه لم يلزمه فرضا أن يؤدى ما ليس عليه، والفرائض لا تكون إذ محدودة ليعلم الناس ما يلزمهم منها، وما لاحد له فليس فرضا عليه، وبالله تعالى التوفيق، لان في إلزامه تكليف مالا يطاق وقد أمننا الله تعالى من ذلك * 867 - مسألة - وجائز للمحرمين من الرجال والنساء ان يتظللوا في المحامل
(1) تقدم قريبا (2) سقط من النسخة رقم (14) جملة (بطل حجه وعمرته) خطا (3) في النسخة رقم (16) والنسخة اليمنية ملبى باثبات الياء جريا على خلاف القاعدة *
[ 197 ]
وإذا نزلوا وهو قول أبى حنيفة. والشافعي. وأصحابنا، وقال مالك: يتظللون إذا نزلوا ولا يتظللون في المحامل ولا ركابا، وهذا تقسيم لا دليل على صحته فهو خطأ * (فان قيل): قد نهى عن ذلك ابن عمر قلنا: نعم ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صح عن عمر من قدم ثقله من منى فلا حج له، فما الذى جعل قول ابن عمر في النهى عن التظلل حجة ولم يجعل قول أبيه في النهى عن تقدم الثقل من منى وتشدده في ذلك حجة؟ وقد صح عن ابن عمر فيمن أفطر في (نهار) (1) رمضان ناسيا ان صيامه تام ولا قضاء عليه، وصح عنه إباجة تقريد (2) البعير للمحرم، وصح عن ابن عمر من وطئ قبل أن يطوف طواف الافاضة بطل حجه، ولا مخالف له من الصحابة في شئ مما ذكرنا الا ابن عباس فانه رأى حج من وطئ بعد الوقوف بعرفة تاما فخالفوه، فما الذى جعل
قول ابن عمر في بعض المواضع حجة وفي بعضها ليس حجة؟ * روينا من طريق مسلم نا سلمة بن شبيب نا الحسن بن أعين نا معقل عن زيد بن أبى أنيس عن يحيى بن الحصين قال: سمعت جدتى أم الحصين تقول: (3) (حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة انصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود راحلته والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس) ومن طريق مسلم حدثنى أحمد بن حنبل نا محمد بن سلمة عن أبى عبد الرحيم عن؟؟ ابن أبى أنيسة عن يحيى بن الحصين عن أم الحصين جدته قالت: (حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة)، فهذا هو الحجة لا ما سواه، وقد خالف ابن عمر في هذا القول بلالا (6) وأسامة، وهو قول عطاء. والاسود. وغيرهما * 868 - مسألة - والكلام مع الناس في الطواف جائز، وذكر الله أفضل لان النص لم يأت بمنع من ذلك، وقال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) فما لم يفصل تحريمه فهو حلال، وبالله تعالى التوفيق * 869 - مسألة - ولا يحل لرجل ولا لامرأة أن يتزوج أو تتزوج، ولا أن يزوج الرجل غيره من وليته، ولا أن يخطب خطبة نكاح مذ يحرمان إلى أن تطلع
(1) الزيادة من النسخة رقم (16) وزيادتها ليست بلازم (2) قال في الصحاح: يقال قرد بعيرك أي انزع منه القردان - واواحد القردان قراد - والتقريد الخداع، واصله ان الرجل إذا اراد ان يأخذ البعير الصعب قرده اولا كأنه ينزع قرادته اه (3) في صحيح مسلم ج 1 ص 367 (عن جدته أم الحصين قال: سمعتها تقول) الخ (4) الحديث له بقية (5) في صحيح مسلم ج 1 ص 367 (عن النبي صلى الله عليه وسلم) وسبق ذكر هذا الحديث بهذا السند في ص 180 من هذا الجزء (6) في النسخة رقم (16) (بلال) وما هنا أتم لان المخالفة تسند للصغير أدبا وابن عمر اصغر منهما *
[ 198 ]
الشمس من يوم النحر ويدخل وقت رمى جمرة العقبة، ويفسخ النكاح قبل الوقت المذكور.
كان فيه دخول وطول مدة وولادة، أو لم يكن، فإذا دخل الوقت المذكور حل لهما النكاح والانكاح، وله ان يراحع زوجته المطلقة ما دامت في العدة فقط، ولها أن يراجعها زوجها كذلك أيضا مادامت في العدة، وله أن يبتاع الجوارى للوطئ ولا يطأ * روينا من طريق مالك عن نافع عن نبيه بن وهب أن أبان بن عثمان بن عفال قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم (لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب) (1) وهذا لفظ يقتضى كل ما قلناه، والمحرم اسم يقع على الجنس ويعم الرجال والنساء ومراجعة المرأة (المطلقة) (2) في عدتها لا يسمى نكاحا لانها امرأته كما كانت ترثه ويرثها وتلزمه نفقتها واسكانها، ولاصداق في ذلك، ولا يراعى اذنها، ولا حكم للولى في ذلك، وأما بعد انقضاء العدة فهو نكاح لا مراجعة ولا يكون إلا برضاهما وبصداق وولى، وابتياع الجوارى للوطئ لا يسمى نكاحا، وانما حرم الله تعالى ما ذكرنا من النكاح والانكاح والخطبة على المحرم، والمحرم هو الذى يحرم عليه لباس القمص. والعمائم. والبرانس. وحلق رأسه الا لضرورة بالنص والاجماع، فإذا صار في حال يجوز له كل ذلك فليس محرما بلا شك فقدتم إحرامه وإذا لم يكن محرما حل له النكاح والانكاح والخطبة، وبدخول وقت رمى الجمرة يحل له كل ما ذكرنا. رمى، أو لم يرم على ما ذكرنا قبل من اباحة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تقديم الحلق على الرمى، فان نكح المحرم أو المحرمة فسخ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وكذلك (3) ان أنكح من لا نكاح لها الا بانكاحه فهو نكاح مفسوخ لما ذكرنا ولفساد الا نكاح الذى لا يصح النكاح الا به ولا صحة لما لا يصح الا بما يصح، وأما الخطبة فان خطب فهو عاص ولا يفسد النكاح لان الخطبة لا متعلق لها بالنكاح، وقد يخطب ولا يتم النكاح إذا رد الخاطب، وقد يتم نكاح بلا خطبة أصلا لكن بأن يقول لها: أنكحيني نفسك فتقول: نعم قد فعلت ويقول هو: قد رضيت ويأذن الولى في ذلك (4)، وبالله تعالى التوفيق * واختلف السلف في هذافأ جاز نكاح المحرم طائفة صح (5) ذلك عن ابن عباس،
وروى عن ابن مسعود. ومعاذ، وقال به عطاء. والقاسم بن محمد بن أبى بكر. وعكرمة. وابراهيم النخعي، وبه يقول أبو حنيفة. وسفيان، وصح عن عمر بن الخطاب. وزيد ابن ثابت فسخ نكاح المحرم إذا نكح، وصح عن ابن عمر من طريق حماد بن سلمة
(1) في موطأ مالك ج 1 ص 321 مطولا اختصر، المصنف واقتصر على محل الشاهد منه (2) الزيادة من النسخة رقم (14) (3) في النسخة رقم (16) (فكذلك) وما هنا اصح * (4) في النسخة رقم (16) (وتأذن لولى في ذلك) وليس بشيئ * (5) في النسخة رقم (16) (وصح) بزيادة واو لالزوم لها *
[ 199 ]
عن أيوب السختيانى عن نافع عنه قال: المحرم لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب على نفسه ولا على من سواه * وروينا عن على بن أبى طالب لا يجوز نكاح المحرم ان نكح (1) نزعنا منه امرأته، وهو قول سعيد بن المسيب: وبه يقول مالك. والشافعي. وأبو سليمان. وأصحابهم: * واحتج من رأى نكاحه جائزا بما رويناه من طريق الاوزاعي عن عطاء عن ابن عباس قال: (تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم)، وبما رويناه من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن مجاهد عن ابن عباس قال (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزويج ميمونة وهما محرمان) * وكذلك رويناه أيضا من طريق جابر بن زيد. وعكرمة عن ابن عباس * قال على: فعارضهم الآخرون بأن ذكروا مارويناه من طريق حماد بن سلمة نا جبيب ابن الشهيد عن ميمون بن مهران عن يزيد بن الاصم ابن أخت ميمونة أم المؤمنين عن ميمونة أم المؤمنين قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف * قال أبو محمد: فقال من أجاز نكاح المحرم: لا يعدل يزيد بن الاصم أعرابي بوال على عقبيه بعبدالله بن عباس وقالوا: قد يخفى على ميمونة كون رسول الله صلى الله عليه وسلم محرما، فالمخبر عن كونه عليه السلام محرما زائد علما، وقالوا: خبر ابن عباس وارد بحكم زائد فهو أولى، وقالوا في خبر عثمان لا ينكح المحرم ولا ينكح: انما معناه لا يوطئ غيره ولا يطأ ولا يطأ، ثم اعترضوا بوساوس من القياس عورضوا بمثلها لا فائدة في دركها لانها حماقات *
قال أبو محمد: هذا كل ما شغبوا بهو كله ليس بشئ، أما تأويلهم في خبر عثمان رضى الله عنه أن معناه لايطأ ولا يوطئ فباطل وتخصيص للخبر بالدعوى الكاذبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صرفوا كذمه عليه السلام (2) إلى بعض ما يقتضيه دون بعض وهذا لا يجوز، قال تعالى: (يحرفون الكلم عن مواضعه). ويبين ضلال هذا التأويل قوله عليه السلام (ولا يخطب) فصح أنه عليه السلام أراد النكاح الذى هو العقد، ولايجوز ان يخص هذا اللفظ بلا نص بين * وأما ترجيحهم خبر ابن عباس على خبر ميمونة بقولهم: لايقرن يزيد إلى ابن عباس فنعم والله لا نقرنه إليه ولاكرامة، وهذا تمويه منهم انما روى يزيد عن ميمونة وروى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس فليسمعوا الآن إلى الحق: نحن نقول: لانقرن ابن عباس صبيا من صبيان أصحاب (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ميمونة المتكئة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على فراش واحد في الرفيق الاعلى القديمة الاسلام والصحبة، ولكن نقرن يزيد بن الاصم إلى أصحاب ابن عباس ولا يقطع بفضلهم عليه *
(1) في النسخة رقم (16) (وان نكح) * (2) لفظ (عليه السلام) سقط من النسخة رقم (14) (3) سقط لفظ (اصحاب) من النسخة رقم (16) * خطأ *
[ 200 ]
وأما قولهم: قد يخفى على ميمونة إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ تزوجها فكلام سخيف، ويعارضون بأن يقال لهم: قد يخفى على ابن عباس إحلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من إحرامه، فالمخبرة عن كونه قد أحل زائدة علما فحصلنا على قد يخفى وقد لا يخفى * وأما قولهم: خبر ابن عباس وارد بحكم زائد فليس كذلك بل خبر عثمان هو الوارد بالحكم الزائد على ما نبين ان شاء الله تعالى، فبطل كال ما شغبوا به، فبقى ان نرجح خبر عثمان. وخبر ميمونة على خبر ابن عباس رضى الله عن جميعهم * فنقول وبالله تعالى التوفيق: خبر يزيد عن ميمونة هو الحق، وقول ابن عباس وهم
منه بلا شك لوجوه بينة * أولها أنها رضى الله عنها أعلم بنفسها من ابن عباس لاختصاصها بتلك القصة دونه، هذا مالا يشك فيه أحد * وثانيها أنها رضى الله عنها كانت حينئذ امرأة كاملة وكان ابن عباس رضى الله عنه يومئذ ابن عشرة أعوام وأشهر فبين الضبطين فرق لا يخفى * والثالث أنه عليه السلام انما تزوجها في عمرة القضاء هذا مالا يختلف فيه اثنان ومكة يومئذ دار حرب وانما هادنهم عليه السلام على أن يدخلها معتمرا ويبقى بها ثلاثة أيام فقط ثم يخرج فأتى من المدينة محرما بعمرة ولم يقدم شيئا إذ دخل على الطواف والسعى وتم إحرامه في الوقت ولم يختلف أحد في أنه إنما تزوجها بمكة حاضرا بها لا بالمدينة، فصح أنه بلا شك إنما تزوجها بعد تمام إحرامه لافى حال طوافه وسعيه، فارتفع الاشكال جملة، وبقى خبر ميمونة. وخبر عثمان لا معارض لهما والحمد لله رب العالمين * ثم لو صح خبر ابن عباس بيقين ولم يصح خبر ميمونة لكان خبر عثمان هو الزائد الوارد بحكم لا يحل خلافه لان النكاح مذ أباحه الله تعالى حلال في كل حال للصائم. والمحرم. والمجاهد. والمعتكف، وغيرهم هذا مالا شك فيه، ثم لما (1) أمر عليه السلام بأن لا ينكح (2) المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب كان ذلك بلا شك ناسخا للحال المتقدمة من الاباحة لا يمكن غير هذا أصلا، وكان يكون خبر ابن عباس منسوخا بلا شك لموافقته للحالة المنسوخة بيقين، ومن ادعى في حكم قد صح نسخه وبطلانه انه قد عاد حكمه وبطل نسخه فقد كذب أو قطع بالظن ان لم يحقق ذلك، وكلاهما لا يحل القول به ولا يجوز ترك اليقين للظنون * قال أبو محمد: وقالوا: لما حل له شراء جارية للوطئ ولا يطأ حل له نحاح زوجة للوطئ ولا يطأ فقلنا لهم: لو استعملتم هذا في قولكم: لا يكون صداق يستباح به الفرج أقل من عشرة دراهم فهلا قلتم: كما حل له استباحة فرج جارية محرمة بأن يبتاعها بدرهم حل له فرج زوجة محرمة بأن يصدقها درهما؟ والقياسات لا يعارض بها الحق لان القياس
(1) سقط من النسخة (14) (لفظ لما) خطأ (2) في النسخة رقم (14) واليمنية (ان لا ينكح) *
[ 201 ]
كله باطل، وقالوا: كما جاز له ان يراجع المطلقة في عدتها جاز له ابتداء النكاح فقلنا: هذا باطل لانه لو كان قياس النكاح على المراجعة حقا لوجب أن يقولوا: كما جازت المراجعة بغير اذنها ولا اذن (1) وليها وبغير صداق وجب أن يجوز (2) النكاح بغير اذنها ولا اذن (3) وليها وبغير صداق وهم لا يقولونه، وهذه صفة قياساتهم السخيفة * وأما المالكيون فانهم أجازوا نكاح الموهوبة إذا ذكر فيه صداق ومنعوا من نكاح المحرم وهم لا يزالون يقولون في الاوامر: هذا ندب كقوهلم في قوله عليه السلام: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه): انما هو ندب فهلا قالوا: ههنا في قوله عليه السلام (لا ينكح المحرم ولا ينكح): هذا ندب. ولكنهم انما يجرون على ما سنح وبالله تعالى التوفيق * 870 - مسألة - ويستحب الا كثار من شرب ماء زمزم وان يستقى بيده منها وأن يشرب من نبيذ السقاية. لما روينا من طريق مسلم نا اسحاق بن راهويه عن حاتم ابن اسماعيل (المدنى) (4) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله فذكر حديث حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض بالبيت فصلى بمكة الظهر وأتى بنى (5) عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بنى عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه) (6) * ومن طريق مسلم نا محمد بن المنهال الضرير نا يزيد بن زريع عن حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني انه سمع ابن عباس يقول: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه باناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة وقال: أحسنتم وأجملتم هكذا فاصنعوا، قال ابن عباس: فنحن لا نريد أن نغير (7) ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم) * ومن طريق عبد الرزاق نا معمر وسفيان بن عيينة عن عبد الله بن طاوس عن أبيه فذكر أمر شرب النبي صلى الله عليه وسلم من ماء زمزم ومن شراب سقاية العباس النبيذ (8) المذكور فقال طاوس: هو من تمام الحج * قال أبو محمد: قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * 871 - مسألة - ومن فاتته الصلاة مع الامام بعرفة أو مزدلفة في المغرب
والعشاء ففرض عليه ان يجمع بينهما كما لو صلاهما مع الامام بعرفة فلو أدرك الامام (9) في العصر لزمه أن يدخل معه وينوى بها (10) الظهر ولابد لا يجزيه (11) غير ذلك فإذا
(1) في النسخة رقم (14) (وبغير اذن) (2) في النسخة رقم (14) (وجب ان يكون) (3) في النسخة رقم (14) (وبغير اذن) (4) الزيادة من صحيح مسلم ج 1 ص 346 (5) في النسخة رقم (14) (واتى على بنى) وفى النسخة اليمنية ايضا، وما هنا موافق لصحيح مسلم (6) اقتصر المصنف على محل الشاهد من الحديث وهو مطول جدا جمع اغلب احكام الحج (7) في صحيح مسلم ج 1 ص 371 (لا تريد تغير) والحديث مختصر من اوله (8) في النسخة رقم (16) (من النبيذ) (9) في النسخة رقم (16) (من الامام) (10) في النسخة رقم (14) (ينوى بها) بدون واو (11) في النسخة رقم (16) (ولا يجزيه) بزيادة واو *
[ 202 ]
سلم الامام أتم صلاته ان كان بقى عليه منها شئ، ثم صلى العصر ان أمكنه في جماعة والا فوحده، وكذلك لو وجد الامام بمزدلفة في العشاء الآخرة فليدخل معه ولينوبها المغرب ولا بد لا يجزئه غير ذلك، أما الجمع فانه حكم هذه الصلوات هنالك في ذلك اليوم. وتلك الليلة بالنص، والاجماع فلا يجوز له خلاف ذلك، وأما تقديم الظهر والمغرب فلانهما قبل العصر والعتمة ولا يحل تقديم مؤخرة منهما ولا تأخير مقدمة، وقد ذكرنا في كتاب الصلاة جواز اختلاف نية الامام والمأموم، فان أدركها من أولها فليقعد في الثالثة ولا يقم حتى يقعد الامام فإذا سلم الامام سلم معه وان أدرك معه ثلاث ركعات فليقم في الثانية بقيام الامام ولا بد، وليقعد في الاولى بقعوده وليسلم بسلامه، أما قعوده في الثالثة فلانه لو قام لصلى المغرب أربعا عامدا وهذا حرام وفساد للصلاة وكفر ممن دان به، وأما ان أدرك ثلاثا فقط فقعوده في الاولى لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (انما جعل الامام ليؤتم به) ولا خلاف في نص ولا بين الامة في ان المأموم ان وجد الامام جالسا جلس معه وكذلك من أدرك ركعة من أي الصلوات كانت فانه يجلس ولو كان منفردا أو إماما لقام، وأما قيامه من الثانية فللنص الوارد والاجماع في ان الامام ان قام من اثنتين ساهيا ففرض على المأمومين اتباعه في ذلك هذا كله ان أتم الامام أو كان
المأموم ممن يتم وإلا فلا، فإذا أتم صلاة المغرب صلى العتمة في جماعة أو وحده ان لم يجد جماعة، وبالله تعالى التوفيق * 872 - مسألة - ومن كان في طواف فرض أو تطوع فأقيمت الصلاة أو عرضت له صلاة جنازة أو عرض له بول أو حاجة فليصل وليخرج لحاجته ثم ليبن على طوافه ويتمه، وكذلك من عرض له شئ مما ذكرنا في سعيه (1) بين الصفا والمروة ولا فرق، وهو قول أبى حنيفة. والشافعي، وقال مالك: اما في الطواف الواجب فيبتدئ ولا بد الا في الصلاة المكتوبة فقط فانه يصليها ثم يبنى، وأما في طواف التطوع فيبنى في كل ذلك * قال أبو محمد: هذا تقسيم لا برهان على صحته أصلا ولم يأت نص ولا إجماع على وجوب ابتداء الطواف والسعى ان قطع لحاجة، ولا بابطال ما طاف من أشواطه وسعى، وقد قال الله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم)، وانما افترض الطواف والسعى سبعا، ولم يأت نص بوجوب اتصاله (2) وانما هو عمل من النبي صلى الله عليه وسلم فقط، وأما من فعل ذلك عبثا فلا عمل لعابث ولا يجزئه * نا محمد بن سعيد بن نبات نا أحمد بن عبد البصير نا قاسم
(1) في النسخة رقم (14) (في سعى) (2) في النسخة رقم (14) (يوجب اتصاله) *
[ 203 ]
ابن أصبغ نا محمد بن عبد السلام الخشنى نا مؤمل بن اسماعيل الحميرى نا سفيان الثوري نا جميل بن زيد قال: رأيت ابن عمر طاف في يوم حار ثلاثة أطواف، ثم أصابه حر فدخل الحجر فجلس، ثم خرج فبنى على ما كان طاف * وعن عطاء لا بأس بأن يجلس الانسان في الطواف ليستريح وفيمن عرضت له حاجة في طوافه ليذهب وليقض حاجته، ثم يبنى على ما كان طاف، وبالله تعالى التوفيق * 873 - مسألة - وأما الاحصار فان كل من عرض له ما يمنعه من إتمام حجه أو عمرته قارنا كان. أو متمتعا. من عدو. أو مرض. أو كسر. أو خطأ طريق. أو
خطأ في رؤية الهلال. أو سجن. أو أي شئ كان فهو محصر، فان كان اشترط عند إحرامه كما قد منا ان محله حيث حبسه الله عزوجل فليحل من إحرامه ولا شئ عليه سواء شرع في عمل الحج. أو العمرة أو لم يشرع بعد، قريبا كان أو بعيدا، مضى له أكثر فرضهما أو أقله كل ذلك سواء ولا هدى في ذلك ولا غيره ولا قضاء عليه في شئ من ذلك إلا أن يكون لم يحج قط ولا اعتمر فعليه ان يحج ويعتمر ولا بد، فان كان لم يشترط كما ذكرنا فانه يحل أيضا كما ذكرنا سواء سواء ولا فرق وعليه هدى ولا بد كما قلنا في هدى المتعة سواء سواء إلا أنه لا يعوض من هذا الهدى صوم ولا غيره فمن لم يجده فهو عليه دين حتى يجده ولاقضاء عليه إلا ان كان لم يحج قط ولا اعتمر فعليه ان يحج ويعتمر * واختلف الصحابة ومن بعدهم في الاحصار فروينا من طريق وكيع نا سفيان الثوري عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: لا إحصار الا من عدو * ومن طريق مسلم نا اسحاق بن ابراهيم - هو ابن راهويه - انا عيسى بن يونس نا زكريا - هو ابن أبى زائدة - عن أبى اسحاق السبيعى عن البراء بن عازب قال: (لما أحصر النبي صلى الله عليه وسلم عند البيت صالحه أهل مكة على أن يدخلها فيبقى (1) بها ثلاثا ولا يدخلها الا بجلبان (2) السلاح السيف وقرابه ولا يخرج بأحد معه من أهلها ولا يمنع أحدا يمكث بها من كان معه) (3) فسمى البراء منع العدو احصارا * وروينا عن ابراهيم النخعي الاحصار من الخوف والمرض. والكسر * ومن طريق ابن جريج عن عطاء قال: الاحصار من كل شئ يحسبه، وأما الحصر فروينا عن مجاهد عن ابن مسعود أنه قال: الحصر والمرض. والكسر وشبهه * ومن طريق ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: لا حصر إلا من حبسه عدو * وعن طاوس قال: لا حصر الان قد ذهب الحصر *
(1) في صحيح مسلم ج 2 ص 65 (فيقيم) (2) هو بضم الجيم واللام وتشديد الياء الموحدة، وقيل: بسكون اللام، قال النووي في شرح مسلم: وانما شرطوا هذا لوجهين، احدهما ان لا يظهر منه دخول الغالبين القاهرين والثانى انه ان عرض فتنة أو نحوها يكون في الاستعداد بالسلاح صعوبة، والله اعلم (3) الحديث له بقية اقتصر المصنف على محل الشاهد هنا منه *
[ 204 ]
وعن علقمة الحصر الخوف والمرض * وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: الحصر ما حبسه من حابس من وجع. أو خوف. أو ابتغاء ضالة * وعن معمر عن الزهري قال: الحصر ما منعه (1) من وجع، أو عدو حتى يفوته الحج، وفرق قوم بين الاحصار والحصر فروينا عن الكسائي قال: ما كان من المرض فانه يقال فيه: أحصر فهو محصر، وما كان من حبس قيل: حصر، وقال أبو عبيد: قال أبو عبيدة: ما كان من مرض، أو ذهاب نفقة قيل فيه: أحصر فهو محصر، وما كان من حبس قيل: حصر، وبه يقول أبو عبيد * قال أبو محمد: هذا لا معنى له، قول الله تعالى هو الحجة في اللغة والشريعة قال تعالى: (فان أحصرتم فما استيسر من الهدى): وانما نزلت هذه الآية في أمر الحديبية إذ منع الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم من اتمام عمرته وسمى الله تعالى منع العدو إحصارا، وكذلك قال البراء بن عازب. وابن عمر. وابراهيم النخعي: وهم في اللغة فوق أبى عبيدة. وأبى عبيد. والكسائي، وقال تعالى: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الارض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا) * فهذا هو منع العدو بلا شك لان المهاجرين انما منعهم من الضرب في الارض الكفار بلا شك، وبين ذلك تعالى بقوله: (في سبيل الله) فصح ان الاحصار والحصر بمعنى واحدو أنهما اسمان يقعان على كل مانع من عدو، أو مرض، أو غير ذلك أي شئ كان؟ * ثم اختلفوا في حكم المحصر الممنوع من إتمام حجه، أو عمرته، فروينا عن ابن مسعود أنه أفتى في محرم بحج مرض فلم يقدر على النهوض أنه يبعث بهدى فإذا بلغ محله حل، فان اعتمر من وجهه ذلك إذا برأ، ثم حج من قابل فليس عليه هدى فان لم يزر البيت حتى يحج ويجعلها سفرا واحدا فعليه هدى آخر سفران وهدى أو هديان وسفر، وهذا عنه منقطع لا يصح، وصح عنه أنه أفتى في محرم بعمرة لدغ (2) فلم يقدر على النفوذ أنه يبعث بهدى ويواعد أصحابه فإذا بلغ الهدى أحل، وصح عنه أيضا أنه أفتى في مريض
محرم لا يقدر على النفوذ بأن ينحر عنه بدنة، ثم ليهل عاما قابلا بمثل إهلاله الذى أهل به، وصح عن ابن عباس. وابن عمر في محرم بعمرة مرض بوقعة من راحلته قالا جميعا: ليس لها وقت كوقت الحج يكون على إحرامه حتى يصل إلى البيت * وعن ابن الزبير مثل هذا أيضا، وروينا عن ابن عباس فيمن أحصر يبعث بهديه فإذا نحر فقد حل من كل شئ * وروينا من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن
(1) في النسخة اليمنية (ما حبسه) (2) هو بدال مهملة وغين معجمة من لدغ العقرب، وفى النسخة رقم (16) (لذع) بذال معجمة وعين مهملة وليس مرادا معناه هنا، في النسخة اليمنية (ابدع به) ولا معنى له هنا *
[ 205 ]
عمر أنه قيل له: لا يضرك ان لا تحج العام فانا نخشى ان يكون بين الناس قتال يحال بينك وبين البيت وذلك حين نزل الحجاج بابن الزبير فقال ابن عمر: ان حيل بينى وبينه فعلت كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حين حالت كفار قريش بينه وبين البيت أشهدكم أنى قد أو جبت عمرة، ثم قال: ما أمر هما الا واحد إن حيل بينى وبين العمرة حيل بينى وبين الحج اشهدكم أنى قد أو جبت حجة مع عمرتي * قال أبو محمد: ولم يختلف اثنان في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ حال كفار قريش بينه وبين العمرة - وكان مهلا بعمرة هو وأصحابه رضى الله عنهم - نحر وحل وانصرف من الحديبية * ومن طريق مالك عن يحيى بن سعيد الانصاري عن يعقوب بن خالد بن المسيب المخزومى عن أبى أسماء مولى عبد الله بن جعفر (أنه (أخبره أنه) (1) كان مع عبد الله ابن جعفر (فخرج معه من المدينة) (2) فمروا على الحسين بن على وهو مريض بالسقيا فأقام عليه عبد الله بن جعفر حتى إذا خاف الفوات خرج وبعث إلى على بن أبى طالب وأسماء بنت عميس وهما بالمدينة فقد ما عليه وان حسينا أشار إلى رأسه فأمر على برأسه فحلق، ثم نسك عنه بالسقيا فنحر عنه بعيرا) * ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري اخبرني يحيى بن سعيد الانصاري عن يعقوب بن
خالد عن أبى أسماء مولى عبد الله بن جعفر قال: ان الحسين بن على خرج معتمرا مع عثمان بن عفان فلما كان بالعرج مرض فلما أتى السقيا برسم (3)، فكان أول افاقته أن اشار إلى رأسه فحلق على رأسه ونحر عنه بها جزورا * قال أبو محمد: إنما أتينا بهذا الخبر لما فيه من انه كان معتمرا. فهذا على. والحسين. وأسماء رأوا أن يحل من عمرته ويهدى في موضعه الذى كان فيه وهو قولنا:، وعن علقمة في المحصر قال: يبعث بهديه فإذا ذبح حل * وروينا عن علقمة أيضا لا يحله الا الطواف بالبيت، وروينا عنه أيضا ان حل قبل نحر هديه فعليه دم * وروينا عن ابراهيم. وعطاء. والحسن. والشعبى لا يحله الا الطواف بالبيت * وروينا عنهم أيضا حاشا الشعبى ان حل دون البيت فعليه هدى آخر سوى الذى لزمه أن يبعث به ولا يحل إلا في اليوم الذى واعدهم لبلوعه مكة ونحره * وروينا عن ابراهيم أيضا في القارن يحصر قال: عليه هديان * وروينا عنه أيضا. وعن سعيد بن جبير في القارن يحصر قالا جميعا: عليه عمرتان وحجة، وعن عطاء. وطاوس ليس على القارن الا هدى واحد * وعن الشعبى أيضا ان أحل المحصر قبل نحر هديه فعليه فدية الاذى اطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام أو شاة *
(1) الزيادة من الموطأ ج 1 ص 348 (2) الزيادة من الموطأ (3) البرسام علة معروفة وهى ورم حار يعرض للحجاب الذى بين الكبد والمعة ابعدها الله عنا جميعا *
[ 206 ]
وعن مجاهد في القارن يحصر قال: يبعث بهدى يحل به، ثم يهل من قابل بما كان أهل به * وعن حماد بن أبى سليمان في القارن يحصر أنه يبعث بالهدى فإذا بلغ محله حل وعليه عمرة وحجة، قال الحكم بن عتيبة: عليه حجة وثلاث عمر * وعن عروة بن الزبير في المحصر إذا رجع لا يحل منه الا رأسه * وعن الزهري من أحصر بالحرب نحر حيث حبس وحل من النساء ومن كل شئ * وعن القاسم بن محمد. وسالم. وابن سيرين يبعث هديه فإذا نحر فقد حل من كل شئ، وعن مجاهد أيضا إذا حل المحصر قبل نحر هديه فعليه هدى آخر،
وقال أبو حنيفة فيمن أهل بالحج فأحصر: عليه أن يبعث بثمن هدى فيشترى له بمكة فيذبح عنه يوم النحر ويحل وعليه عمرة وحجة، فان لم يجد هديا أقام محرما حتى يجد هديا وله أن يواعدهم بنحره قبل يوم النحر: قال: والمعتمر ينحر هديه متى شاء، والاحصار عنده بالعدو والمرض وبكل مانع سوا هما سواء سواء، فان تمادى مرضه إلى يوم النحر فكما قلنا: وان هو أفاق قبل وقت الحج لم يجزه ذلك وهو محرم بالحج كما كان، فان كان معتمرا فأفاق فان قدر على ادراك الهدى الذى بعث مضى وقضى عمرته فان لم يقدر على ذلك حل إذا نحر عنه الهدى، وقال مالك: ان أحصر بعدو فانه ينحر هديه حيث حبس ويحل ولا قضاء عليه إلا أن يكون لم يحج قط حجة الاسلام فعليه أن يحج فان لم يهد فلا شئ عليه لا يلزمه (1) الهدى إلا أن يكون حاضرا معه قد ساقه مع نفسه، فان أحصر بغير عدو لكن بحبس. أو مرض، أو غير ذلك فانه لا يحل إلا بالطواف بالبيت ولو بقى كذلك إلى عام آخر، وقال الشافعي: إذا أحصر بعدو، أو بسجن فانه يهدى ويحل حيث كان من حل، أو حرم، ولا قضاء عليه إلا ان كان لم يحج قط ولا اعتمر فعليه أن يحج ويعتمر، فان لم يقدر على هدى ففيها قولان، أحد هما لا يحل الا حتى يهدى، والآخر يحل والهدى دين عليه، وقد قيل: عليه اطعام أو صيام ان لم يقدر على الهدى فان أحصر بغير عدو أو حبس لم يحله الا الطواف بالبيت فان لم يفق حتى فاته الحج طاف وسعى وحل وعليه الهدى * قال أبو محمد: أما التفريق بين المحصر بعدو. وبغير عدو ففاسد على ما قدمنا قبل، وأما اسقاط الهدى عن المحصر بعدو، أو غيره فخلاف للقرآن (2) لان الله تعالى يقول: (فان أحصرتم فما استيسر من الهدى). وأما إيجاب القضاء فخطأ لانه لم يأت بذلك نص * (فان قيل): ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعتمر بعد عام الحديبية قلنا: نعم ونحن لم نمنع من القضاء عام آخر لمن أحب وانما نمنع من إيجابه فرضا لان الله تعالى لم يأمر بذلك ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد صح أن الله تعالى لم يوجب على المسلم الا حجة واحدة وعمرة في الدهر فلا
(1) في النسخة رقم (16) (ولا يلزمه) بزيادة واو (2) في النسخة رقم (16) (فخلاف القرآن) *
[ 207 ]
يجوز إيجاب أخرى الا بقرآن أو سنة صحيحة توجب ذلك فيوقف عند ذلك، وأما القول ببقاء المحصر بمرض (1) على احرامه حتى يطوف بالبيت فقول لا برهان على صحته ولا أوجبه قرآن. ولا سنة. ولا إجماع بل هو خلاف القرآن كما أوردنا * والصحابة قد اختلفوا في ذلك في العمرة خاصة ولم يرو عن أحد منهم أنه أفتى بذلك في الحج أصلا * (فان قيل): فان الله تعالى يقول: (ثم محلها إلى البيت العتيق). قلنا: نعم ولم يقل تعالى: ان المحصر لا يحل الا بالطواف، والذى قال: (ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق) هو الذى قال: (فان أحصرتم فما استيسر من الهدى)، وهو الذى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ان يحل ويرجع قبل أن يطوف بالبيت في عمرته التى صد فيها (2) عن البيت ولا يحل ضرب أو امره بعضها ببعض * وأما القول: ببعثه هديا (3) يحل به فقول لا يؤيده قرآن، ولا سنة، ولا اجماع، والصحابة قد اختلفوا في ذلك كما أوردنا (فان قيل): فان الله تعالى يقول: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله) قلنا: نعم وليس هذا في المحصر وحده بل هو حكم كل من ساق هديا في حج أو عمرة على عموم الآية * فالحاج. والقارن إذا كان يوم النحر فقد بلغ الهدى محله من الزمان والمكان بمكة أو بمنى فله أن يحلق رأسه، والمعتمر إذا أتم طوافه وسعيه فقد بلغ هديه محله من الزمان والمكان بمكة فله أن يحلق رأسه، والمحصر إذا صد فقد بلغ هديه محله فله أن يحلق رأسه ان كان مع هؤلاء هدى ولم يقل الله عزوجل قط: إن المحصر لا يحل حتى يبلغ هديه مكة بل هو الكذب على الله تعالى ممن نسبه إليه عزوجل، فظهر خطأ هذه الاقاويل * واما قول أبى حنيفة. ومالك. والشافعي: في الاحصار فلا يحفظ قول منها بتمامه وتقسيمه عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم أصلا * قال أبو محمد: فوجب الرجوع عند التنازع إلى ما افترض الله تعالى الرجوع إليه
إذ يقول عزوجل: (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر). فوجدنا حكم الاحصار يرجع إلى قول الله تعالى: (فان أحصرتم فما استيسر من الهدى) فكان في هذه الآية عموم إيجاب الهدى على كل من أحصر بأى وجه أحصر، وإلى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صده المشركون عن البيت فنحر وحلق هو وأصحابه وحلوا بالحديبية، وإلى أمره عليه السلام من حج أن يقول: (اللهم ان محلى حيث حبستنى)، وقد ذكرناه قبل، وإلى ما حدثناه عبد الله بن ربيع نا محمد
(1) سقط لفظ (بمرض) من النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (16) (منها (3) في النسخة رقم (16) واليمنية (ببعثه هدى) وهو غلط *
[ 208 ]
ابن معاوية نا أحمد بن شعيب انا حميد بن مسعدة (البصري) (1) نا سفيان (هو ابن حبيب) (2) عن الحجاج الصواف عن يحيى بن أبى كثير عن عكرمة عن الحجاج ابن عمرو الانصاري قال: (سمعت (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كسر أو عرج (4) فقد حل وعليه حجة أخرى فسألت ابن عباس. وأبا هريرة؟ فقالا: صدق). فهذه النصوص تنتظم كل ما قلنا، والحمد لله رب العالمين * (فان قيل): ففى هذا الخبر ان عليه حجة أخرى وليس فيه ذكر هدى قلنا: ان القرآن جاء بايجاب الهدى فهو زائد على ما في هذا الخبر وليس في هذا الخبر ذكر لا سقاط الهدى ولا لايجابه فوجب اضافة ما زاده القرآن إليه، وقد قدمنا ان النبي صلى الله عليه وسلم اخبر بأن اللازم للناس حجة واحدة، فكان هذا الخبر محمولا على من لم يحج قط وبهذا تتألف الاخبار * (فان قيل): ان ابن عباس قد روى عنه خلاف ماروى من هذا قلنا: الحجة انما هي فيما روى لا في رأيه وقد ينسى، أو يتأول، وأيضا فان التوهين بما روى لما روى عنه مما يخالف ماروى أولى من توهين ماروى بما روى عنه من خلافه لما روى، لان الطاعة علينا انما هي لما روى لا لما رأى برأيه، وأيضا فلو صح عن ابن عباس خلاف ما روى لكان
الحجاج. وأبو هريرة قد روياه ولم يخالفاه * وقال أبو حنيفة: لا ينحر هدى الاحصار الا في الحرم واحتج بأن ناجية بن كعب نهض بالهدى يوم الحديبية في شعاب وأودية حتى نحره في الحرم * قال أبو محمد: لو سح هذا لما كانت فيه حجة لانه لم يأمر بذلك عليه السلام ولا أوجبه وانما كان يكون عملا عمله وانما الطاعة لامره عليه السلام * وروينا خبرا فيه أنه عليه السلام أمر أصحابه بالبدن للهدى وهذا لا يصح لان راويه أبو حاضر (5) الازدي وهو مجهول، وبالله تعالى التوفيق * 874 - مسألة - ومن احتاج إلى حلق رأسه - وهو محرم لمرض. أو صداع، أو لقمل. أو لجرح به أو نحو ذلك مما يؤذيه - فليحلقه وعليه أحد ثلاثة أشياء هو مخير في أيها شاء لا بدله من أحدها، إما ان يصوم ثلاثة أيام، وإما ان يطعم ستة مساكين متغايرين لكل مسكين منهم نصف صاع تمر ولابد، وإما ان يهدى شاة يتصدق بها على المساكين، أو يصوم، أو يطعم، أو ينسك الشاة في المكان الذى حلق فيه، أو في غيره، فان حلق رأسه لغير ضرورة، أو حلق بعض رأسه دون بعض عامدا عالما ان ذلك لا يجوز بطل حجه، فلو قطع من شعر رأسه ما لا يسمى به حالقا بعض رأسه فلا شئ عليه لااثم ولا كفارة بأى وجه قطعه، أو نزعه *
(1) الزيادة من النسائي ج 5 ص 198 (2) الزيادة من النسائي (3) في النسائي (انه سمع) بدل سمعت (4) في النسائي (من عرج أو كسر) (5) هو بالضاد المعجمة، وفى بعض النسخ بالصاد المهملة وهو غلط *
[ 209 ]
برهان ذلك قول الله عزوجل: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) فكان في هذه الآية التخيير في أي هذه الثلاثة الاعمال أحب وليس فيها بيان كم يصوم؟ ولا بكم يتصدق؟، ولا بماذا ينسك؟ وفي الاية أيضا حذف بينه الاجماع. والسنة وهو فحلق رأسه * وروينا من طريق حماد بن سلمة عن داود ابن أبى هند عن الشعبى عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجرة في هذا الخبر (أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ان شئت فانسك نسيكة، وان شئت فصم ثلاثة أيام، وان شئت فأطعم ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين) * وروينا من طريق مسلم حدثنى يحيى ابن يحيى نا خالد بن عبد الله الطحان عن خالد الحذاء عن أبى قلابة عن عبد الرحمن ابن أبى ليلى عن كعب بن عجرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به زمن الحديبية فقال له: آذاك هو ام رأسك (1)؟ قال: نعم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: احلق، ثم اذبح شاة نسكا، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين * قال أبو محمد: هذا أكمل الاحاديث وأبينها، وقد جاء هذا الخبر من طرق في بعضها (أو انسك ما تيسر) وبعضها رويناه من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن عبد الرحمن ابن الاصبهاني عن عبد الله بن معقل أن كعب بن عجرة أخبره بهذا الخبر، وفيه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حينئذ: أو أطعم ستة (2) مساكين نصف صاع طعاما لكل مسكين)، وروى أيضا من طريق بشر بن عمر الزهراني عن شعبة عن عبد الرحمن ابن الاصبهاني عن عبد الله بن معقل عن كعب بن عجرة فذكر فيه نصف صاع حنطة لكل مسكين * وخبر من طريق أبى داود نا محمد بن منصورنا يعقوب بن ابراهيم بن سعد نا أبى عن محمد بن اسحاق (قال) (3) حدثنى ابان - هو ابن صالح - عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم فذكر فيه (أو اطعام (4) ستة مساكين فرقا (5) من زبيب)) * وخبر من طريق ابن أبى شيبة نا عبد الله بن نمير عن زكريا بن أبى زائدة عن (6) عبد الرحمن بن الاصبهاني عن عبد الله بن معقل أخبرني كعب بن عجرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث، وفيه (أنه عليه السلام قال له: هل عندك نسك؟ قال: ما أقدر عليه فأمره ان يصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين لكل
(1) في النسخة رقم (14) (اتؤذيك هو ام رأسك) وما هنا موافق لصحيح مسلم ج 1 ص 336 ولسنن ابى داود ج 2 من 110 إلا ان في سنن ابى داود زيادة لفظ (قد) وهو ام الرأس القمل (2) في النسخة رقم (14) (أو اطعام ستة) وما هنا موافق الحديث المتقدم قريبا (3) الزيادة من سنن ابى داود ج 2 ص 111 (4) في سنن ابى داود (أو اطعم) (5) (الفرق) بفتح اوله وثانيه
مكيال يسع عشر رطلا (6) في النسخة رقم (14) (حدثنا) بدل لفظ (عن)
[ 210 ]
مسكين نصف صاع) * ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو عوانة عن عبد الرحمن بن الاصبهاني عن عبد الله بن معقل أن كعب بن عجرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في هذا الخبر: (هل تجد من نسيكة؟ قال: لا قال: وهى شاة قال فصم ثلاثة أيام. أو أطعم ثلاثة آصع بين ستة مساكين) * ومن طريق أبى داود نا محمد بن المثنى نا عبد الوهاب - هو ابن عبد المجيد الثقفى - انا داود بن أبى هند عن الشعبى عن كعب بن عجرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في هذا الحديث نفسه: (أمعك دم؟ قال: لا) فذكر الحديث وفيه (أنه عليه السلام قال له: فصم ثلاثة أيام أو تصدق بثلاثة آصع (من) (1) تمر بين ستة (2) مساكين) لم يسمعه الشعبى من كعب على ما ذكرنا قبل * ونذكر الآن ان شاء الله تعالى كما روينا من طريق محمد بن الجهم نا جعفر الصائغ نا محمد بن الصباح نا اسماعيل بن زكريا عن أشعث عن الشعبى عن عبد الله بن معقل عن كعب ابن عجرة قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في هذا الخبر: أمعك هدى؟ قلت: ما أجده قال: إنه ما استيسر قلت: ما أجده قال: فصم ثلاثة أيام. أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين صاعا من تمر) * قال أبو محمد: فهذه الاحاديث المضطربة كلها انما هي في رواية عبد الله بن معقل عن كعب بن عجرة، والذى ذكرناه أولا من طريق عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب ابن عجرة هو الصحيح المتفق عليه * أما هذا الخبر الذى فيه لكل مسكين صاع تمر فهو عن أشعث الكوفى عن الشعبى وهو ضعيف البتة، وفي هذا الخبر الذى قبله من طريق داود عن الشعبى عن كعب إيجاب الترتيب وان لا يجزى الصيام. ولا الصدقة الا عند عدم النسك وذلك الخبر قد بينا ان الشعبى لم يسمعه من كعب فحصل منقطعا فسقطا معا * وأما رواية ابن أبى زائدة. وأبى عوانة عن الاصبهاني عن عبد الله بن معقل ففيها أيضا إيجاب الترتيب وقد خالفهما شعبة عن ابن الاصبهاني عن عبد الله بن معقل فذكره
بالتخيير بين النسك. أو الصوم. أو الصدقة، ثم وجدنا شعبة قد اختلف عليه أيضا في هذا الخبر، فروى عنه محمد بن جعفر نصف صاع طعاما لكل مسكين، وروى عنه بشر بن عمر نصف صاع حنطة لكل مسكين، وروى عنه أبو داود الطيالسي ثلاثة آصع بين ستة مساكين ولم يذكر مماذا؟ * قال أبو محمد: وهذا كله خبر واحد في قصة واحدة بلا خلاف من أحد. وبنصوص هذه الاخبار كلها أيضا فصح ان جميعها وهم إلا واحدا فقط فوجدنا أصحاب شعبة قد
(1) الزيادة من سنن ابى داود ج 2 ص 110 (2) في سنن ابى داود (على ستة) *
[ 211 ]
اختلفوا عليه فوجب ترك ما اضطربوا فيه إذ ليس بعضه أولى من بعض، ووجب الرجوع إلى رواية عبد الرحمن بن أبى ليلى الذى لم يضطرب الثقات من رواته فيه، ولو كان ما ذكر في هذه الاخبار عن قضايا شتى لوجب الاخذ بجميعها وضم بعضها إلى بعض وأما في قضية واحدة (1) فلا يمكن ذلك أصلا، ثم وجدنا ابان بن صالح قد ذكر في روايته فرقا من زبيب، وابان لا يعدل في الحفظ بداود بن أبى هند عن الشعبى عن عبد الرحمن ابن أبى ليلى ولا بأبي قلابة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى ولابد من أخذ احدى هاتين الروايتين إذا لا يمكن جمعهما لانها كلها في قضية (2) واحدة، في مقام واحد، في رجل واحد، في وقت واحد، فوجب أخذ ما رواه أبو قلابة، والشعبى عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن كعب بن عجزة لثقتهما (3)، ولانها مبينة لسائر الاحاديث، وبالله تعالى التوفيق * وأما من حلق رأسه لغير ضرورة عالما عامدا بان ذلك (4) لا يجوز، أو حلق بعض رأسه وخلى البعض عالما بان ذلك لا يجوز فقد عصى الله تعالى وكل معصية فسوق وقد بينا ان الفسوق (5) يبطل الاحرام، وبالله تعالى التوفيق، ولا شئ في ذلك لان الله تعالى لم يوجب الكفارة الا على من حلق رأسه لمرض. أو أذى به فقط (وما كان ربك نسيا) ولا يجوز ان يوجب فدية، أو غرامة، أو صيام، لم يوجبه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فهو شرع في الدين لم يأذن به الله تعالى، ولا يجوز قياس العاصى على المطيع لو كان (6)
القياس حقا فكيف وهو كله باطل؟ وأما من قطع من شعر رأسه ما لا يسمى بذلك (7) حالقا بعض رأسه فانه لم يعص ولا أتى منكرا لان الله تعالى لم ينه المحرم الا عن حق رأسه ونهى جملة على لسان رسوله (8) صلى الله عليه وسلم عن حلق بعض الرأس دون بعض وهو القزع (9) * روينا من طريق أبى داود نا أحمد بن حنبل نا عبد الرزاق نا معمر عن أيوب السختيانى عن نافع عن ابن عمر قال: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم صبيا (10) قد حلق بعض شعره وترك بعضه فنها هم عن ذلك، وقال: احلقوا كله. أو اتركوا كله (11)) * قال أبو محمد: وجاءت اخبار لا تصح، منها من طريق الليث عن نافع عن رجل أنصارى (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم امر كعب بن عجرة ان يحلق ويهدى بقرة) وهذا مرسل عن مجهول *
(1) في النسخة رقم (16) (في قصة واحدة) وهى لا شئ (2) في النسخة رقم (16) (في قصة) (3) في النسخة رقم (16) (لثقتها) وهو غلط (4) في النسخة رقم (16) (فان ذلك وهو غلط (5) في النسخة رقم (14) (ان الفسق) وما هنا نسب بآية التنزيل * (6) في النسخة رقم (16) (ان كان) وما هنا ابلغ (7) في النسخة رقم (16) (به) (8) في النسخة رقم (16) (لسان نبيه) (9) هو بفتح اوله وثانيه (10) في سنن ابى داود ج 4 ص 134 (ان النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبيا) (11) في سنن ابى داود (احلقوه كله أو اتركوه كله) *
[ 212 ]
ومن طريق عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر عن نافع عن سليمان بن محمد بن كعب ابن عجرة ان كعبا ذبح بقرة بالحديبية، عبد الله بن عمر ضعيف جدا * ومن طريق اسماعيل ابن أمية عن محمد بن يحيى بن حيان ان رجلا أصابه مثل الذى أصاب كعب بن عجرة فسأل عمر ابنا لكعب بن عجرة عما كان أبوه ذبح بالحديبية في فدية رأسه؟ فقال: بقرة، محمد بن يحيى لم يدرك عمر * ومن طريق نافع. وغيره عن سليمان بن يسار قال: سأل عمر ابنا لكعب بن عجرة بماذا افتدى أبوه؟ فقال: ببقرة، سليمان لم يدرك عمر * ومن طريق أبى معشر المدنى (1) عن نافع عن ابن عمر قال: افتدى كعب بن عجرة من أذى
كان برأسه فحلقه ببقرة قلدها وأشعرها * أبو معشر ضعيف * قال أبو محمد: واختلف السلف فروينا عن ابن عباس. وعلقمة. ومجاهد. وابراهيم النخعي. وقتادة. وطاوس. وعطاء كلهم قال في فدية الاذى: صيام ثلاثة أيام، أو نسك شاة، أو اطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وصح عن الحسن البصري. ونافع مولى ابن عمر. وعكرمة في فدية الاذى نسك شاة، أو صيام عشرة أيام، أو اطعام عشرة مساكين * روينا ذلك من طريق سعيد بن منصور عن هشام انا منصور بن المعتمر عن الحسن فذكره * ومن طريق بشر بن عمر عن شعبة عن قتادة عن الحسن. وعكرمة فذكره * ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن نافع. وعكرمة فذكره * قال أبو محمد: وأما المتأخرون فان أبا حنيفة قال: ان حلق من رأسه أقل من الربع لضرورة فعليه صدقة ما تيسر، فان حلق ربع رأسه فهو مخير بين نسك ما شاء ويجزئه شاة، أو صيام ثلاثة أيام: أو اطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع حنطة، أو دقيق حنطة، أو صاعا من تمر، أو من شعير، أو من زبيب، قال أبو يوسف: ويجزى أن يغديهم ويعشيهم، قال محمد بن الحسن: لا يجزئه إلا أن يعطيهم اياه، وقال أبو يوسف في قول له آخر: ان حلق نصف رأسه فأقل فصدقة وان حلق أكثر من النصف فالفدية كما ذكرنا، وروى عن محمد بن الحسن في قول له آخر ان حلق عشر رأسه فصدقة فان حلق أكثر من العشر فالفدية المذكورة قالوا كلهم: فان حلق رأسه لغير ضرورة فعليه دم لا يجزئه (2) بدله صيام، ولا اطعام، وقال الطحاوي: ليس في حلق بعض الرأس شئ * قال أبو محمد: وهذه وساوس واستهزاء وشبيه بالهزل نعوذ بالله من البلاء، ولا
(1) في النسخة رقم (16) واليمنية (المدينى) وهو غلط راجع تهذيب التهذيب ج 10 ص 419 (2) في النسخة رقم (16) (ولا يجزئه) بزيادة واو *
[ 213 ]
يحفظ هذا السخام عن أحد من خلق الله تعالى قبلهم * وقال مالك: ان حلق، أو نتف شعرات ناسيا، أو جاهلا أو عامدا فيطعم شيئا من طعام فان حلق. أو نتف ما يكون فيه اماطة أذى فعليه الفدية المذكورة في حديث كعب بن عجرة * قال على: وهذا أيضا قول لا دليل على صحته ولا يعرف عن أحد قبلهم، وقال الشافعي. والاوزاعي في نتف شعرة أو حلقها عامدا وناسيا: مد، وفي الشعرتين كذلك مدان، وفي الثلاث شعرات فصاعدا كذلك دم، قال الشافعي: ان أحب فشاة وان شاء أطعم ستة مساكين لكل مسكين مدان مدان مما يأكل وان شاء صام ثلاثة أيام * قال أبو محمد: روينا عن عطاء ليس في الشعرتين ولا في الشعرة شئ وفى ثلاث شعرات دم، وكان الليث بن سعد نحا إلى هذا * وروينا عن ابن أبى شيبة عن حفص بن غياث عن هشام ابن حسان عن الحسن. وعطاء قالا جميعا في ثلاث شعرات للمحرم: دم، الناسي والعامد سواء * ومن طريق سعيد بن منصور عن المعتمر بن سليمان عن أبى اسماعيل المكى: قال سألت عطاء عن محرم حلق شعرتين لدواء؟ قال: عليه دم * قال أبو محمد: روينا (1) عن أبى بكر بن أبى شيبة نا أبو أسامة - هو حماد بن أسامة - عن جرير بن حازم عن الزبير بن الخريت عن عكرمة قال: كان ابن عباس لا يرى بأسا للمحرم ان يلحق عن الشجة * قال على: فأباح ذلك ولم ير فيه شيئا ولا يعرف في ذلك مخالف من الصحابة رضى الله تعالى عنهم * قال أبو محمد: وأما موضع النسك والاطعام والصيام فقد ذكرنا في باب المحصر نسك على بن أبى طالب عن الحسين رضى الله تعالى عنهما في حلق رأسه لمرض كان به بالسقيا ولا نعلم لهما من الصحابة رضى الله تعالى عنهم مخالفا (2)، ونسك حلق الرأس لا يسمى هديا، فإذا لم يكن هديا فهو جائز في كل موضع إذا لم يوجب كون النسك بمكة قرآن. ولا سنة. ولا اجماع * وروينا عن طاوس (3) قال: ما كان من دم أو طعام فبمكة وأما الصوم فحيث شاء وقال عطاء وابراهيم النخعي (4) ما كان من دم فبمكة وما كان
من طعام أو صيام فحيث شاء وقال الحسن: كل دم واجب فليس لك ان تذبحه الا بمكة * روينا عن سعيد بن منصورنا جرير عن منصور عن مجاهد قال: اجعل الفدية حيث شئت * قال أبو محمد: لا يجوز ان يخص بالنسك مكان دون مكان الا بقرآن. أو سنة ثابتة *
(1) في النسخة رقم (16) (وروينا) (2) في النسخة رقم (14) (ولا يعلم لهما من الصحابة رضى الله عنهم مخالف) (3) في النسخة رقم (16) (عن عطاء) وهو غلط (4) في النسخة رقم (16) (وقال الحسن وعطاء وابراهيم) بزيادة الحسن *
[ 214 ]
875 - مسألة - فان حلق رأسه بنورة فهو حالق في اللغة ففيه ما في الحالق من كل ما ذكرنا بأى شئ لحقه؟ فان نتفه فلا شئ في ذلك لانه لم يحلقه والنتف غير الحق (وما كان ربك نسيا) وانما جاء النهى والفدية في الحلق لا في النتف * 876 - مسألة - ومن تصيد صيدا فقتله وهو محرم بعمرة أو بقران أو بجة تمتع ما بين أول احرامه إلى دخول وقت رمى جمرة العقبة أو قتله محرم أو محل في الحرم فان فعل ذلك (1) عامدا لقتله غير ذاكر لاحرامه أو لانه في الحرم أو غير عامد لقتله سواء كان ذاكرا لاحرامه أو لم يكن فلا شئ عليه لا كفاره ولا اثم، وذلك الصيد جيفة لا يحل أكله فان قتله عامدا لقتله ذاكرا لاحرامه أو لانه في الحرم فهو عاص لله تعالى وحجة باطل وعمرته كذلك وعليه ما نذكر بعد هذا ان شاء الله عزوجل، قال الله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه) * فصح يقينا لا اشكال فيه ان هذا الحكم كله انما هو على العامد لقتله، الذاكر لاحرامه أو لانه في الحرم لان اذاقة الله تعالى وبال الامر وعظيم وعيده بالانتقام منه لا يختلف ائنان من أهل الاسلام في انه ليس على المخطئ البتة ولا على غير العامد للمعصية القاصد إليها، فبطل يقينا أن يكون في القرآن ولا في السنة إيجاب حكم في هذا المكان على غير العامد
الذاكر القاصد إلى المعصية، وقال الله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما اخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (2)) * واختلف الناس في هذا فروينا من طريق وكيع عن المسعودي - هو عتبة بن عبد الله ابن عتيبة بن عبد الله (3) بن مسعود - عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر الاسدي انه سمع عمر بن الخطاب ومعه عبد الرحمن بن عوف وعمر يسأل رجلا قتل ظبيا وهو محرم؟ فقال له عمر: عمدا قتلته أم خطأ؟ فقال له الرجل لقد تعمدت رميه وما أردت قتله فقال له عمر: ما أراك الا أشركت بين العمد والخطأ اعمد إلى شاة فاذبحها فتصدق بلحمها وأسق اهابها (1) * قال أبو محمد: فلو كان العمد والخطأ في ذلك سواء عند عمر. وعبد الرحمن لما سأله عمر أعمدا قتلته أم خطأ؟ ولم ينكر ذلك عبد الرحمن لانه كان يكون فضولا من السؤال لا معنى له *
(1) في النسخة رقم (16) (فان عمل ذلك) (2) رواه الطبراني عن ثوبان باسناد حسن (3) سقط لفظ (ابن عبد الله) من تهذيب التهذيب (4) أي اعط جلدها من يتخذه سقاء، والسقاء ظرف الماء من الجلد اه نهاية *
[ 215 ]
ومن طريق ابن أبى شيبة عن اسماعيل بن علية عن الحسين المعلم عن قتادة عن أبى مدينة عن ابن عباس انه قال في المحرم يقتل الصيد ليس عليه في الخطأ شئ، أبو مدينة - هو عبد الله ابن حصن السدوسى - (1) تابعي، سمع أبا موسى. وابن عباس. وابن الزبير رضى الله عنهم * ومن ريق شعبة عن أبى بشر جعفر بن أبى وحشية عن سعيد بن جبير انه سئل عن المحرم يقتل الصيد خطأ؟ قال: ليس عليه شئ قال: فقلت له: عمن؟ قال: السنة * قال أبو محمد: عهدنا بالمالكيين يجعلون قول سعيد بن المسيب إذ سأله ربيعة عن قوله في المرأة يقطع لها ثلاث أصابع لها ثلاثون من الابل فان قطعت لها أربع أصابع فليس لها إلا عشرون من الابل فقال له سعيد: السنة يا ابن أخى فجعلوه (2) حجة لا يجوز خلافها، وقد خالف سعيد (3) في ذلك عمر بن الخطاب. وعلى بن أبى طالب وغيرهما، ثم لم
يجعلوا ههنا حجة قول سعيد بن جبير ان السنة هي أن ليس على المحرم يقتل الصيد خطأ، ومعه القرآن والصحابة، وهذا عجب جدا * ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب السختيانى عن طاوس قال: لا يحكم الاعلى من قتله متعمدا كما قال الله عزوجل * وعن القاسم ابن محمد. وسالم بن عبد الله. وعطاء. ومجاهد فيمن اصاب الجنادب (4) خطأ قالوا: لا يحكم عليه فان أصابها متعمدا حكم عليه وهو قول أبى سليمان وأصحابنا، وصح عن مجاهد قول آخر وهو أنه انما يحكم على من قتل الصيد وهو محرم خطأ وأما من قتله عامدا ذاكرا لاحرامه فلا يحكم عليه، وقال أبو حنيفة. ومالك. والشافعي: العمد والخطأ سواء يحكم عليه في كل ذلك، وقد روى هذا القول أيضا عن عمر. وعبد الرحمن. وسعد. والنخعي. والشعبى * قال أبو محمد: المرجوع إليه عند التنازع هو ما افترضه الله عزوجل علينا من الرجوع إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وشغب أهل هذه المقالة بأن قالوا: قد أوجب الله تعالى الكفارة على قاتل المؤمن خطأ فقسنا عليه قاتل الصيد خطأ * قال على: هذا قياس والقياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل، ولكانوا أيضا قد فارقوا حكم القياس في قولهم هذا، أما كونه خطأ فلان من أصلهم الذى لا يختلفون فيه ان ما خرج عن حكم أصله فصار مخصوصا أنه لا يقاس عليه،
(1) في النسخة رقم (14) والنسخة اليمنية (هو عبد الرحمن بن حصن السدوسى) وما هنا موافق لكتاب الكنى للدولابي ج 2 ص 109 (2) قوله (فجعلوه) ثابت في النسخ كلها وهو زائد وقوله (حجة) بعد هو مفعول ثان لقوله قبل (يجعلون قول سعيد بن المسيب) الخ، واتى به المصنف لطول الفصل بين الفعل ومفعوله الثاني، وقد تكرر ذلك من المصنف قبل ونبهنا عليه في تحقيقنا والله أعلم (3) في النسخ كلها (سعيدا) بالنصب، والذى يناسب الرفع (سعيد) لان الخالفة تنسب إلى المتأخر والاقل مكانة وقد سبق في ص 179 لنا كلام في ذلك (4) جمع جندب بضم الدال وفتحها هو ضرب من الجراد *
[ 216 ]
والاصل ان لا شئ على الناسي والمخطئ فخرج عندهم إيجاب الكفارة والدية على قاتل
المؤمن خطأ عن اصله فوجب أن لا يقاس عليه، وأيضا فانهم متفقون على ان لا يقيسوا حكم الواطئ في نهار رمضان ناسيا على الواطئ فيه عمدا في ايجاب الكفارة عليهما، وقتل الصيد اشبه بالوطئ منه بقتل المؤمن لان قتل المؤمن لم يحل قط، ثم حرم بل لم يزل حراما مذ آمن أو مذولد إن كان ولد على الاسلام، وأما الوطئ وقتل الصيد فكانا حلالين، ثم حرما بالصوم وبالاحرام فجمعتهما هذه العلة فاخطأوا في قياس قاتل الصيد (1) خطأ على مالا يشبهه، وأما مخالفتهم للقياس هنا (2) فان الحنيفيين من أصلهم ان الكفارات لا يجوز ان توجب بالقياس ثم أوجبوها ههنا بالقياس، وايضا فان الحنيفيين. والمالكيين قاسوا الخطأ في قتل الصيد على الخطأ في قتل المؤمن فأوجبوا الجزاء في كليهما ولم يقيسوا قتل المؤمن عمدا على قتل الصيد عمدا (3) فأوجبوا الكفارة في قتل الصيد عمدا ولم يوجبوها في قتل الؤمن عمدا وهذا تناقض وباطل، وأيضا فلم يقيسوا ناسى التسمية في التذكية على المتعمد لتركها فيها مع مجئ القرآن بالتسوية بين الامرين هنالك، وتفريق الحكم ههنا، والشافعيون فرقوا بين الناسي فيما تبطل به الصلاة وبين العامد، وكذلك في الصوم وساووا ههنا بين الناسي والعامد وهذا اضطراب شديد * وقالوا: ليس تخصيص الله تعالى المتعمد بايجاب الكفارة عليه بموجب ان المخطئ بخلافه وذكروا ما نحتج به نحن ومن وافقنا منهم من النصوص في ابطال القول بدليل الخطاب * قال أبو محمد: وهذا جهل شديد من هذا القائل لاننا إذا أبطلنا القول بدليل الخطاب لم نوجب القول بالقياس بل ابطلناهما جميعا والقياس هو ان يحكم للمسكوت عنه بحكم المنصوص عليه، ودليل الخطاب هو أن يحكم للمسكوت عنه بخلاف المنصوص عليه، وأما هم فتلونوا (4) ههنا ما شاءوا فمرة يحكمون للمسكوت عنه بحكم المنصوص عليه قياسا ومرة يحكمون عليه بخلاف حكمه اخذا بدليل الخطاب، وكل واحد من هذين الحكمين مضاد للآخر، وأما نحن فلا نتعدى القرآن ولا السنة ونوقف أمر المسكوت عنه فلا نحكم له بحكم المنصوص ولا بحكم آخر بخلاف حكم المنصوص لكن نطلب حكمه في نص
آخر فلا بدمن وجوده ولم نقل قط ههنا: انه لما نص الله تعالى على ايجاب الجزاء والكفارة على قاتل الصيد عمدا وجب أن يكون المخطئ بخلافه ومعاذ الله ان نقول: هذا لكن
(1) في النسخة رقم (14) (قتل الصيد) وما هنا يناسب ما تقدم قبل (2) في النسخة رقم (14) (هذا) بدل هنا * (3) من قوله (فأوجبوا الجزاء في كليهما) إلى هنا سقط من النسخة اليمنية خطأ، وفى النسخة رقم (16) (خطأ) بدل لفظ (عمدا) وهو غلط (4) في النسخة رقم (16) والنسخة اليمنية (فتأولوا) وفى النسخة رقم (16) (فتلوثوا) وهى تصحيف عن (فتلونوا) وما هنا اظهر في المراد لان من يذهب تارة إلى كذا وتارة إلى كذا يكون متلونا لا يثبت على حال والله اعلم *
[ 217 ]
قلنا: ليس في هذه الاية الا المتعمد وحده وليس فيها ذكر للمخطئ لا بايجاب جزاء عليه ولا باسقاطه عنه فوجب طلب حكمه في نص آخر، إذ ليس حكم كل شئ موجودا في آية واحدة، وهذا هو الذى لا يعقل أحد سواه، فإذا وجدنا حكمه حكمنا به اما موافقا لهذا الحكم الاخر واما مخالفا له ففعلنا فوجدنا الله تعالى قد أسقط الجناح عن المخطئ، ووجدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد قال: (ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) وأنه قد عفا عن الخطأ والنسيان وذم تعالى من شرع في الدين ما لم يأذن به، فوجب بهذه النصوص ان لا يلزم قاتل الصيد خطأ أو ناسيا لاحرامه شرع صوم. ولاغرامة هدى. أو اطعام أصلا، فظهر فساد احتجاجهم ولله تعالى الحمد * واحتجوا أيضا بان قالوا: لما كان متلف أموال الناس يلزمه ضمانها بالخطأ والعمد وكان الصيد ملكا لله تعالى وجب ضمانه بالعمد والخطأ * قال أبو محمد: وهذا قياس والقياس كله باطل ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل، ولكانوا أيضا قد اخطأوا فيه، أما كونه خطأ فان الله تعالى فرق بين حكم ما أصيب من أموال الناس وبين حكم ما أصيب من الصيد في الاحرام فجعل في اموال الناس المثل. أو القيمة عند عدم المثل، وجعل في الصيد جزاء من النعم لامن مثله من الصيد المباح في الاحلال، أو اطعاما أو صياما وليس شئ من هذا في اموال الناس فسووا بين حكمين قد فرق
الله تعالى بينهما، وهذه جرأة شديدة وخطأ لائح، واما خطأهم فيه فان الحنيفيين مجمعون على ان الكفارات لا يجوز ان تؤخذ قياسا وأو جبوا ههنا قياسا والقوم ليسوا في شئ، وانما هم في شبه اللعب ونعوذ بالله من الخذ لان * وأما المالكيون فانهم قاسوا متلف الصيد خطأ على متلف أموال الناس عمدا وانما يجب عندهم في أموال الناس القيمة فقط ويجب عندهم في الصيد المثل من النعم. أو الاطعام. أو الصيام فقد تركوا قياسهم الفاسد * (فان قالوا) اتبعنا القرآن قلنا: فالتزموا اتباعه في العامد خاصة واسقاط الجناح عن المخطئ واوجبوا (1) في الصيد القيمة كما فعل أبو حنيفة وطرد قياسه الفاسد، وأيضا فان الحنيفين لا يرون ضمان ما ولدت الماشية المغصوبة إلا أن تستهلك الاولاد ويرى على من أخذ صيدا وهو محرم فولد عنده، ثم مات الولد من غير فعله ان يضمن الام والاولاد، فاين قياسه الصيد على أموال الناس؟ * وأما الشافعيون فان الله تعالى قد حرم الخنزير وكل ذى ناب من السباع وكل ذى
(1) في النسخة اليمنية والنسخة رقم (16) (أو اوجبوا) *
[ 218 ]
مخلب من الطير كما حرم الصيد في الاحرام وكل ذلك ملك لله تعالى، ثم لا يوجبون على من قتل شيئا من ذلك جزاء فنقضوا قياسهم، (فان قالوا): لم يحرم قتل شئ من هذه قلنا: ولا أوجب الله تعالى الجزاء الا على المتعمد فاما التزموا النصوص كما وردت ولا تتعدوا حدود الله واما اطرد واقياسكم فأوجبوا الجزاء في الخنزير، وفي السباع، وفي ذوات المخالب كما فعل أبو حنيفة، فظهر أيضا فساد اقوالهم جملة، وبالله تعالى التوفيق، وقال بعضهم: انما نص على المتعمد ليعلم أن حكم المخطئ مثله * قال أبو محمد: وهذا من أسخف كلام في الارض، ويلزمه أن يقول: ان الله تعالى انما نص على ان جزاء قاتل المؤمن عامدا في جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ليعلم أن حكم قاتله مخطئا مثله، وإلا فقد ظهر كذب هذا القائل على الله عزوجل وافتراؤه على خالقه
لاخباره عنه بالكذب والباطل، (فان قال): (1) قد فرق الله تعالى بين قاتل العمد وقاتل الخطأ قلنا: وقد فرق الله عزوجل بين كل مخطئ وكل عامد بقوله عزوجل: (وليس عليكم جناح فيما اخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) * قال على: ما نعلم لهم تمويها غير هذا وهو كله ظاهر الفساد، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا: إن ذلك الصيد حرام أكله فلان الله تعالى سماه قتلا ونهى عنه ولم يبح لنا عزوجل أكل شئ من الحيوان الا بالذكاة التى أمر بها عزوجل، ولاشك عند كل (2) ذى حس سليم ان الذى امر الله تعالى به من الذكاة هو غير ما نهى عنه من القتل فإذ هو غيره فالقتل المنهى عنه ليس ذكاة، واذ ليس هو ذكاة فلا يحل أكل الحيوان به، وبالله تعالى التوفيق * (فان قيل): فهلا خصصتم العامد بذلك؟ قلنا: نص الآية مانع من ذلك لان الله تعالى قال: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم * فعم تعالى ولم يخص، وسمى اتلاف الصيد في حال (3) الحرم قتلا وحرمه، ثم قال: (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم) فأوجب حكم الجزاء على العامد خاصة بخلاف النهى العام في أول الآية * وأما بطلان احرامه بذلك فلانه (4) بلا خلاف معصية، والمعاصي كلها فسوق، والا حرام يبطل بالفسوق كما ذكرنا قبل، ومن شنع الاقوال وفاسدها ابطال المالكيين الحج بالدفع من عرفة قبل غروب الشمس ولم يمنع الله تعالى قط من ذلك ولا رسوله عليه السلام، ثم لم يبطلوه بالفسوق الكبير الذى توعد الله تعالى أشد الوعيد فيه وهو قتل الصيد عمدا، وأبطلواهم
(1) في النسخة رقم (14) (فان قالوا) (2) لفظ (كل) سقط من النسخة رقم (14) لفظ (حال) سقط من النسخة رقم (14) خطأ (3) لفظ " حال " سقط من النسخة رقم (14) (4) في النسخة رقم (14) (فانه) *
[ 219 ]
والحنيفيون الاحرام بالوطئ ناسيا ولم يبطله الله تعالى قط بذلك ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يبطلوه (1)
بقتل الصيد المحرم، وأبطلواهم والشافعيون الحج بالاكراه على الوطئ ولم يبطله الله تعالى قط به ولا رسوله عليه السلام ولم يبطلوه بقتل الصيد عمدا، وبالله تعالى التوفيق * 877 - مسألة - فلو ان كتابيا قتل صيدا في الحرم لم يحل أكله لقول الله تعالى: (وان احكم بينهم بما أنزل الله) فوجب ان يحكم الله تعالى على المسلمين، وبالله تعالى التوفيق، 878 - مسألة - وأما المتعمد لقتل الصيد وهو محرم (2) فهو مخير بين ثلاثة اشياء أيها شاء فعله؟ وقد أدى ما عليه اما ان يهدى مثل الصيد الذى قتل من النعم وهى الابل. والبقر. والغنم ضأنها. وماعزها. وعليه من ذلك ما يشبه الصيد الذى قتل مما قد حكم به عدلان من الصحابة رضى الله عنهم أو من التابعين رحمهم الله، وليس عليه ان يستأنف تحكيم حكمين الآن وان شاء أطعم مساكين، وأقل ذلك ثلاثة وان شاء نظر إلى ما يشبع ذلك الصيد من الناس فصام بدل كل إنسان يوما * برهان ذلك قول الله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما) فأوجب الله تعالى التخيير في ذلك بلفظة أو، وأوجب من المثل ماحكم. به ذوا عدل منا، فصح ان الصاحبين إذا حكما بمثل في ذلك فقد صار فرضا لازما لا يحل تعديه، وكذلك الصاحب والتابع ان لم يوجد قيه حكم صاحبين، وكذلك حكم التابعين ان لم يوجد فيه حكم صاحب، وأوجب تعالى طعام مساكين، وهذا بناء لا يقع على أقل من ثلاثة في اللغة التى بها نزل القرآن ويقع على ثلاثة فصاعدا إلى مالا يقدر على احصائه الا الله عزوجل، فكان إيجاب عدد أكثر من ثلاثة قولا على الله تعالى بلا برهان، وهذا لا يجوز ووجب اطعام الثلاثة بنص القرآن لاأقل، فان زاد فهو تطوع خير، ونحن نشهد بشهادة الله عزوجل ونقطع بأنه تعالى لو أراد ان يلزم في هذا عددا محدودا من المساكين لا يوجبه ظاهر الآية أو صفة من الاطعام لا يقتضيه ظاهر الآية لما أغفله عمدا ولانسيه ولبينه لنا في
كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم كما بين عدد المساكين في كفارة قتل الخطأ. وكفارة العود للظهار. وكفارة الايمان. وكفارة الوطئ في رمضان. وكفارة حلق الرأس للاذى في الاحرام، فإذ لم ينص تعالى هنا على عدد بعينه ولا على صفة بعينها فنحن نشهد بشهادة الله الصادقة أنه لم يلزم في ذلك غير ما افتضاه ظاهر الآية بيقين لا مجال للشك
(1) في النسخة رقم (14) (ولم يبطلوا) وهو غلط (2) في النسخة اليمنية وفى رقم (16) (وهو حرم) وهو بوزن زمن الحرام، ولا يصح ان يكون بضم الحاء الراء المهملتين لانه جمع ولا يصح هنا *
[ 220 ]
فيه ولا يمكن سواه والحمد لله رب العالمين (1) * وقال بعض الناس: كقولنا إلا أنه قال: ما أطعمهم وأى مقدرا أطعمهم اجزأه * قال أبو محمد: وهذا باطل لان الله تعالى قال: (اطعام مساكين) فلو حمل على ظاهر اللفظ لاجزأ اطعام حبة برة (2) لمسكين أو حبة خردلة أو وزن (3) حبة صبر أو شحم حنظل، وهذا باطل لان الله تعالى قال: (الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، وذكر تعالى عن ابراهيم أنه ذكر عن ربه عزوجل في حمده اياه هو (يطعمنمى ويسقيني) فانما أراد عزوجل بذلك بلاشك (4) ما أمسك الحياة وطرد الجوع مما يحل أكله لامما يحرم ولا مما هو وعدمه سواء، فصح يقينا أنه يشبع ثلاث مساكين مما يحل أكله، وهكذا نقول (5) في الاطعام في كفارة قتل الخطأ، وأما سائر ما فيه الاطعام فقد جاء مقدار ما يطعم فيه منصوصا وهى أربعة مواضع فقط، الا طعام في وطئ الاهل في نهار رمضان عمدا، والاطعام في الظهار، والاطعام في كفارة الايمان، والا طعام في حلق الرأس للمريض المحرم قبل محله، وبالله تعالى التوفيق * وأما قولنا في الصيام: فان الاشارة بلفظة ذلك انما تقع في اللسان العربي الذى به نزل القرآن على أبعد مذكور، وكان الصيد في هذه اذية أبعد مذكور فلزم بذلك عدله صياما ولايكون عدله أصلا الا كما ذكرنا، وأما من قومه قيمة، ثم قوم القيمة طعاما،
ثم رأى عدل ذلك صياما فلم يوجب عدل الصيد وانما أوجب عدل قيمته وليس هذا في الآية فبطل القول به (جملة) (6)، ثم نسأل من قال: بتقويم الهدى دراهم، أو طعاما أي الهدى تقوم؟ وقد يختلف قيم النوق. والبقر. والغنم فاى ناقة تقوم؟ أم أي بقرة تقوم؟ أم أي شاة؟ وهذا الزام مضمحل بلا برهان، ثم نقول لمن قال بتقويم الصيد: متى تقومه؟ أحيا أم مقتولا؟ فان قالوا: مقتولا قلنا: هو عندكم جيفة ميتة ولا قيمة للميتة، ثم هو أيضا منكم قول بلا برهان، وان قالوا بل يقوم (7) حيا قلنا: وما برهانكم على ذلك وقيمته حيا تختلف فيكون حمار وحش يرغب فيه الملوك فيغالون به فإذا ذكى لم يكن له كبير قيمة، ثم في أي المواضع يقوم؟ (فان قالوا): حيث أصيب قلنا: فان أصيب بفلاة لاقيمة له (8) فيها أصلا، وكل ما قالوه فبلا دليل * قال أبو محمد: واختلف الناس ههنا في مواضع، أحدها التخيير فقال قوم: هذا على
(1) سقطت هذه الجملة من النسخة رقم (16) (2) في النسخة رقم (14) واليمنية (حبة بر) وهو جمع برة من القمع وما هنا انص على الوحدة (2) في النسخة رقم (16) (اورق) وهو تصحيف (4) سقط لفظ بلاشك من النسخة رقم (14) خطأ (5) في النسخة رقم (16) (فكذلك القول) وما هنا اتم (6) الزيادة من النسخة رقم (16) * (7) سقط من النسخة رقم (16) جملة (بل يقوم) ومن النسخة اليمنية لفظ (بل) (8) في النسخة رقم (16) (لها) وهو غلط *
[ 221 ]
الترتيب ولا يجزئه الا الهدى فان لم يجد فالاطعام فان لم يجد فالصيام * روينا هذا من طريق سعيد بن منصور نا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال: إذا أصاب المحرم الصيد فان كان عنده جزاء ذبحه فان لم يكن عنده جزاء قوم جزاؤه دراهم، ثم قومت الدراهم طعاما فصام مكان كل نصف صاع يوما، وانما جعل الطعام للصائم لانه إذا وجد الطعام وجد جزاؤه * وروينا أيضا عن ابراهيم النخعي. وعطاء. ومجاهد. وميمون بن مهران وهو قول زفر. وسفيان الثوري * وروينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس
كل شئ في القرآن (أو) فهو مخير (1)، وكل شئ (فمن لم يجد) فهو الاول فالاول * وروينا التخيير أيضا عن عطاء. ومجاهد. وابراهيم. والزهرى. وقتادة. وهو قول أبى حنيفة. ومالك. والشافعي. وأحمد. وأبى سليمان، وإذا تنازع الناس فالمرجع إلى القرآن، وحكم القرآن التخيير، ولقد كان يلزم من قاس قاتل الصيد خطأ على العامد في ايجاب الكفارة أو على قاتل الخطأ ان يقيس حكم كفارة الصيد على كفارة القتل فيجعلها على الترتيب كما كفارة القتل على الترتيب والا فقد تناقضوا * (ومنها) (2) استئناف التحكيم فان الرواية جاءت عن طاوس انه يستأنف الحكم ويحكمان بحكم يومهما ولا ينظران إلى حكم من مضى، فان مالكا. وابن أبى ليلى. والحسن ابن حى. والثوري قالوا: لابد له (3) من استئناف تحكيم حكمين، ثم اختلفوا فقال مالك: الخيار إلى المحكوم عليه لا إلى الحكمين، ويقول لهما: لا تحكما على الا بالاطعام إن شاء أو بالصيام ان شاء أو بالجزاء ان شاء، وقال ابن أبى ليلى. وسفيان الثوري. والحسن وابن حى: الخيار في ذلك إلى الحكمين لا إلى المحكوم عليه * وقال مالك: لا يجوز للحكمين ان يحكما بغير حكم من مضى، وقال ابن حى: ان كان حكم اليوم أكثر من حكم من مضى حكم بحكم اليوم وان كان حكم اليوم أقل من حكم من مضى حكم بحكم من مضى * وقال أبو حنيفة. والشافعي. وأبو سليمان: لا يستأنف الحكم اليوم، قال الشافعي. وأبو سليمان: انما هو ماحكم به السلف لا يجوز تجاوزه * قال أبو محمد: والله تعالى أوجب ماحكم به في ذلك ذوا عدل منافاذا حكم اثنان من السلف فقد أوجب الله تعالى الطاعة لما حكما به فاستئناف تحكيم آخرين لا معنى له لانه لم يوجبه قرآن. ولاسنة. ولا إجماع فهو عمل فارغ فاسد لا فائدة فيه أصلا، ثم قول
(1) في النسخة رقم (16) (فهو محرم مخير) (2) في النسخة رقم (16) (ومنه) وهو غلط لان مرجع الضمير إلى مواضع وهو جمع وليكون على نسق ما بعده (3) لفظ (له) سقط من النسخة رقم (14) خطأ *
[ 222 ]
مالك: ا ن الخيار إلى المحكوم عليه خطأ مكرر إذ لو وجب تحكيم حكمين لا تجب طاعتهما فيما حكما به مما جعل الله تعالى اليهما الحكم به لكان ذلك عملا فاسدا، فان موهوا بالحكمين بين الزوجين فلم يجعل الله تعالى قط اليهما فرقة (1) ولا إيجاب غرامة وانما جعل تعالى اليهما الاصلاح ليوفق الله تعالى بينهما فقط * (ومنها) ان بعض من ذكرنا رأى التحيكم في الاطعام. والصيام، وهذا خطأ لان الله تعالى لم يوجب التحكيم في ذلك الا في الجزاء بالهدى فقط هذا هو نص الآية، ثم القائل: بهذا قد خالف ما جاء عن ابن عباس. وغيره من الحكم في الاطعام والصيام فتناقض * ومنها مقدار الاطعام، والصيام فعن ابن عباس كما ذكرنا آنفا ان يقوم الجزاء من النعم دراهم، ثم تقوم الدراهم طعاما فيصوم بدل كل نصف صاع يوما * وعن ابن عمر أيضا كذلك، وكلاهما لا يصح عنهما، فدل هذا على أن الاطعام يكون لكل مسكين نصف صاع * وعن ابن عباس أيضا قول آخر وهو ان قتل نعامة. أو حمار وحش فبدنة من الابل فان لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا، فان لم يجد صام ثلاثين يوما، والاطعام مد مد فقط، فان قتل ايلا (2) أو نحوه فبقرة، فان لم يجد أطعام عشرين مسكينا، فان لم يجد صام عشرين يوما، فان قتل ظبيا (3) فشاة، فان لم يجد فاطعام ستة مساكين، فان لم يجد صام ثلاثة أيام * قال أبو محمد: ما نعلم عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم قولة غير هذه التى ذكرنا (4) * وروينا عن مجاهد أن يحكم في ذلك بهدى فان لم يجده قوم الهدى طعاما، ثم قوم الطعام صياما لكل مسكين مدان ومكان كل مسكين صوم يوم * وعن ابراهيم نحو هذا * وعن الحسن مثله أيضا * وعن عطاء يقوم الجزاء طعاما، ثم يصوم بدل كل مد يوما، فان وجد الطعام قبل أن يفرغ من الصوم أطعم * وروينا عنه أيضا بدل كل نصف صاع صيام يوم * وعن ميمون بن مهران ان صيام يوم بدل كل (5) مسكين يوما * وعن أبى عياض وهو تابعي روى عن معاوية قال: أكثر الصوم في ذلك واحد وعشرون
يوما، وصح عن سعيد بن جبير أنه قال: الصوم في فدية الصيد من ثلاثة أيام إلى عشرة
(1) في النسخة رقم (16) (وفدية) وهو تصحيف (2) بضم الهمزة وفتحها مع فتح الياء وتشديدها فيهما، وقيل: ايل بفتح الهمزة وكسر الياء المشددة كسيد الذكر من الاوعال شبيه ببقر الوحش، وهو إذا خاف من الصياد يرسى نفسه من رأس الجبل ولا يتضرره (3) هو الغزال نقل ابن خلكان ان جعفرا الصادق رضى الله عنه سال ابا حنيفة النعمان ما تقول في محرم كسر رباعية ظبى فقال يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لاأعلم ما فيه فقال: ان الظبى لا يكون رباعيا وهو ثنى ابدا (4) في النسخة اليمنية (قولا غير هذه التى ذكرنا) وفى النسخة رقم (16) (قولا غير هذا الذى ذكرنا) (5) في النسخة رقم (14) (صيام بدل كل) الخ وفى النسخة اليمنية (ان صيام بدل كل) الخ، وما هنا اجمعها واظهرها *
[ 223 ]
أيام ما نعلم عن تابع في هذا غير ما ذكرنا، وقال الليث: لا يتجاور في ذلك بالصوم ستين يوما، وقال أبو حنيفة: يقوم الصيد دراهم فيبتاع بها طعاما فيطعم كل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو صاع شعير أو زبيب، أو يصوم بدل كل مسكين يوما، وهو قول الثوري، وبه قال مالك إلا انه قال: يطعم (لكل مسكين) (1) مدامدا أو يصوم بدل كل مد يوما، وقولهم: بتقويم الصيد لا نعلمه قبلهم عن أحد وانما قال من ذكرنا قبل: بتقويم الهدى وهو الجزاء، وقال الشافعي: يقوم الجزاء لا الصيد دراهم، ثم تقوم الدراهم طعام فيطم مدا مدا أو يصوم بدل كل مديوما، وقال أبو ثور: الاطعام ثلاثة آصع ستة مساكين لكل مسكن نصف صاع، و الصيام ثلاثة أيام فقط * قال أبو محمد: أما ابن عباس فقد اختلفت أقواله في ذلك وليس بعضها أولى من بعض، وكلها قد خالفها (2) أبو حنيفة. ومالك. والشافعي وهم يعظمون خلاف الصاحب إذا وافق تقليدهم لان في أحد قوليه الترتيب وهم لا يقولون به، وفيه ان يقوم الجزاء ولا يقول أبو حنيفة ولا مالك به. وفيه عنه وعن ابن عمر مكان كل نصف صاع يوما ولا يقول مالك. ولا الشافعي به، وأما قوله الثاني فكلهم مخالفون له جملة ولا يعرف فيما ذكرنا لابن عباس وابن عمر مخالف من الصحابة رضى الله عنهم *
قال على: لم نجد لشئ من هذه الاقوال برهانا من قرآن. ولا سنة، ولا حجة الا فيهما، ولا أفحش قولا ممن استسهل خلاف ابن عباس برأى نفسه (3) أو برأى تابع قد خالفه غيره من التابعين، ثم ينكر على من خالفه التزاما للقرآن، ونحن راضون مسرورون بهذه القسمة من الله تعالى لنا و لهم، لاأعدمنا الله تعالى ذلك بمنه (وفضله) (4) آمين، والتابعون مختلفون كما ذكرنا فمن تعلق ببعض قولة لواحد (5) منهم بلا نص في ذلك ذلك فقد خالفه نفسه وغيره من التابعين المذكورين في قولة أخرى في المسألة بعينها وانما هم سبعة فقط مختلفون متنازعون، ومجاهد وعطاء. وابراهيم. والحسن. وأبو عياض. وسعيد ابن جبير. وميمون بن مهران * وأما قول أبى حنيفة. وسفيان. ومالك. والشافعي فمع اختلافهم وتنازعهم فلا برهان (6) لواحد منهم على صحة دعواه لامن قرآن. ولامن سنة. ولامن رواية سقيمة. ولا من قول صاحب. ولاقياس. ولا من تابع موافق للواحد منهم في قوله كله في ذلك * وأما اليث فانه قاس الصيام في ذلك على الصيام في قتل النفس، ولقد كان يلزم من قاس ايجاب الكفارة في قتل الصيد خطأ على وجوبها في قتل المؤمن خطأ ان يقيس الصيام في
(1) الزيادة من النسخة رقم (14) (2) في النسخة رقم (14) والنسخة اليمنية (قد خالفه) (3) في النسخة رقم (16) (برأى أبى حنيفة) وهو غلط (4) الزيادة من النسخة اليمنية (5) في النسخة رقم (16) (واحد) (6) في النسخة رقم (16) فبلا برهان *
[ 224 ]
هذه على الصيام في ذلك كما فعل الليث، ولا سيما من لم يبلغ دية العبدو الامة إلى دية الحر والحرة، ومن جعل للفرس سهما وقال: لاأفضل بهيمة على انسان، ثم فضل البهائم ههنا على الناس في الصيام عن نفوسها * قال أبو محمد: والقياس كله باطل، ولو كان حقا لكان ههنا باطل لان الله تعالى أوجب في جزاء الصيد مثلا من النعم أو اطعاما ولم يوجب شيئا من ذلك في قتل المؤمن خطأ بل أوجب هنالك دية. وعتق رقبة لم يوجبها ههنا، فكيف يستجيز أحد قياس
شئ على شئ قد فرق الله تعالى بين حكميهما؟ * وأما أبو ثور فانه قاس الاطعام. والصيام في جزاء الصيد على الاطعام. والصيام في فدية حلق المحرم رأسه للاذى يكون به والمرض * قال على: وهذا قياس والقياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل لان قاتل الصيد عاص لله تعالى فاسق آثم، ثم متوعد أشد (1) الوعيد، وحالق رأسه لمرض به مطيع محسن مأجور فكيف يجوز قياس أحدهما على الآخر وليس مثله؟ ثم ان الله تعالى قد فرق بينهما فجعل في جزاء الصيد تحكيم حكمين ولم يجعل ذلك في حالق رأسه، وهذا بين، وبالله تعالى التوفيق * وقد روينا عن اسحاق بن راهويه أنه ذكر له قول أحمد في مسألة فقال: أحسن ما كنت اظن ان أحدا يوافقني عليها، فلم ينكر أبو يعقوب رحمه الله القول بما لا يعلم به قائل إذا وافق القرآن، أو السنة لاكمن ينكر هذا، ثم يأتي باقوال من رأية مخالفة (2) للقرآن والسنن لايعرف (3) ان أحدا قال بها (4) قبله، وفى قولكل من ذكرنا من أبى حنيفة. ومالك. والليث. والشافعي. ما لايعرف ان احدا قال به قبل كل واحد منهم من التقسيم الذى قسموه، فمتبع القرآن، والسنة أولى بالحق * (ومنها) ما هو المثل الذى يجزى به الصيد من النعم فان الرواية جاءت كما روينا من طرق أبى شيبة نا عائذ (5) بن حبيب عن عطاء. ومجاهد. وابراهيم قالوا جميعا: إذا أصاب المحرم صيدا حكم عليه بثمنه فاشترى به هديا فان لم يجد قوم طعاما فتصدق به على كل مسكين نصف صاع * فان لم يجد صام لكل صاع يومين، وقد صح عن عطاء. ومجاهد. وابراهيم غير هذا، وهو أنهم قالوا: الجزاء بالمثل من النعم لا بالقيمة، وهكذا روينا عن عثمان. وعمر. وعلى. وعبد الرحمن بن عوف. وسعد بن أبى وقاص. وجابر
(1) في النسخة رقم (16) (شر) وهو تصحيف (2) في النسخة رقم (16) بأقوال من رواية مخالفة) وفى النسخة اليمنية (ثم يأتي باقوال مخالفة، والصحيح ماهنا (3) في النسخة رقم (14) (لا يعلم) (4) في النسخة رقم (16) (قال به) وهو غلط (5) في
النسخة رقم (16) (غائد) بالدال المهملة وهو غلط *
[ 225 ]
ابن عبد الله. وابن عباس. ومعاوية. وابن مسعود. وطارق بن شهاب. وعبد الله بن عمر. وعبد الله بن عمرو بن العاصى رضى الله عنهم، ولا مخالف لهم من الصحابة رضى الله عنهم في ذلك، وكذلك أيضا عمن ذكرنا من التابعين، وعن شريح. وسعيد بن جبير. وغيرهم وهو قول مالك. وسفيان الثوري. والشافعي. وابن حى. وابن أبى ليلى. وأحمد. وإسحاق. وأبى ثور. وأبى سليمان وغيرهم * فاتى أبو حنيفة بقول لم يسمع بأوحش منه في هذا الباب وهو أنه قال: من قتل صيدا وهو محرم فانه يقوم الصيد دراهم، ثم يبتاع بتلك الدراهم ما بلغت من الهدى ولا يجزى في ذلك إلا الجذع من الضأن فصاعدا، والثنى من الابل، والبقر، والماعز فصاعدا، فان وجد بتلك القيمة هديين أو ثلاثة أو أربعة لزمه ان يهدى كل ذلك هكذا يفعل في الظبى والنعامة. وحمار الحوش. والايل. والبقرة الوحشية. والضب، واليربوع. (1) والحمامة وغير ذلك، فان لم يبلغ قيمة ذلك هديا ابتاع به طعاما فأطعم كما ذكرنا عنه قبل، فان قتل فيلا لم يتجاوز بالهدى في جزائه شاة واحدة، وكذلك ان قتل قردا، ويجزى الخنزير البرى ان قتله، فليث شعرى كيف يقوم الخنزير؟ * وقال صاحبه زفر: يقوم الصيد فان بلغت قيمة النعامة أكثر من بدنة لم يتجاوز بها بدنة واحدة فان بلغت قيمة حمار الوحش. وثور الوحش. والايل. والاروى (2) أكثر من بقرة لم يتجاوز بها بقرة واحدة، فان بلغت قيمة الثيتل (3) والغزال. والضبي. والارنب. والوبر. (4) واليربوع. والضب والحمامة. والحجلة. والقطاة (5). والدبسى (6). والحبارى (7). والكروان (8). والكركي (9). والدجاجة الحبشية أكثر من شاة واحدة لم يتجاوز بها شاة واحدة، فان لم يبلغ شئ من ذلك ثمن هدى ابتاع به طعاما كما قال أبو حنيفة * وخالفهما أبو يوسف ومحمد بن الحسن فرأيا الجزاء بالمثل كما قال سائر الناس *
(1) الضب بفتح الضاد المعجمة حيوان برى، ومن خصوصياته انه لايرد الماء ويعيش سبعمائة سنة فصاعدا، ويقال: انه پبول في كل اربعين يوما قطرة ولا تسقط له سن واليربوع بفتح الياء المثناة حيوان طويل الرجلين قصير اليدين جد الونه كلون الغزال (2) هو جمع كثرة للاروية وتجمع على أراوى وهى غنم الجبل (3) هو بالثاء المثلثة وبعدها ياء مثناة من تحت الذكر المسن من الاوعال (4) بفتح الواو وتسكين الباء الموحدة دويبة أصغر من السنور (5) طائر معروف واحده ويجمع أيضا على قطاة قطوات وقطيات (6)، فتح الدال المهملة وكسر السين المهملة، ويقال له ايضا الدبسي بضم الدال طائر صغير منسوب إلى دبس الرطب لانهم يغيرون في النسب كالدهرى والسهلى، والادبس من الطير والخيل الذى في لونه غبرة بين السواد والحمرة (7) هو بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة طائر معروف وهو اسم جنس يقع على الذكر والانثى واحده وجمعه سواء (8) هو بفتح الكاف والراء المهملة طائر يشبه البط لاينام الليل سمى بضده من الكراو الانثى كراونة (9) هو بضم الكاف وسكون الراء المهملة طائر كبير معروف والجمع الكراكى *
[ 226 ]
قال أبو محمد: قول أبى حنيفة. وزفر في غاية الفساد، ومخالف للقرآن (1) والسنة لان الله تعالى قال: (فجزاء مثل ما قتل من النعم). ولم يقل تعالى: فجزاء قيمة مثل ما قتل من النعم، ولا تدل الآية على ذلك أصلا ولا تحتمله بوجه من الوجوه، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الضبع كبش ولم يجعل فيها قيمة، وقد وجدنا قيمة الحمامة الهادية، والمقلين المغرد يبلغ عشرات الدنانير، فعلى قول أبى حنيفة يكون جزاء كل كل واحد منهما من الهدى أكثر من جزاء الحمار الوحشى. والنعامة من الهدى، فهذا مع خلاف القرآن تخليط فاحش ثم سائر تقسيمه المذكور فهو شئ لم يحفظ عن أحد من أهل الاسلام قبله، وقد وقف أبو يوسف أبا حنيفة على ان هذا الباب قد رويت فيه آثار مؤقتة فلم يلتفت إلى ذلك وقال: انما نتبع القرآن * قال أبو محمد: فوالله ما وفق في هذا لاتباع القرآن ولا لاتباع أحد من السلف، وقد أطلقوا القول بانه قد بلغهم ذلك عن ابن عباس. وابراهيم * قال أبو محمد: وهذا اطلاق فاسد (2) إنما جاء عن ابراهيم. وعطاء. ومجاهد أن
يقوم الصيد فقط جاء عنهم خلافه، وأما ابن عباس فلم يأت عنه إلا ما ذكرنا قبل فقط ما قد خالفوه كله، ولقد أقدم بعضهم فقال: القيمة أعدل * قال على: كذب الآفك الآثم ولا كرامة أن تكون القيمة أعدل من المثل من النعم الذى أمر الله تعالى به بل القيمة في ذلك جور وظلم، وانما هو أصل بنوه على أصل آخر لهم فاسد وهو أن يحكم فيما أتلف من أموال النسا مما لا يكال ولا يوزن بالقيمة لا بالمثل وهذا رد منهم للخطأ على الخطأ، وما الواجب في كل ذلك الا المثل بنص القرآن والسنن * قال أبو محمد: فإذ قد بطلت هذه التخاليط فالواجب الرجوع إلى القرآن وما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما حكم به العدول من الصحابة. والتابعين رضى الله عنهم كما أمر تعالى باتباعهم ههنا، وبالله تعالى التوفيق * 879 - مسألة - وفي النعامة بدنة من الابل، وفى حمار الوحش. وثور الوحش والاروية العظيمة. والايل بقرة، وفي الغزال. والوعل. (3) والظبى عنز، وفى الضب واليربوع. والارنب وأم حبين (4) جدى، وفى الوبر شاة، كذلك في الورل (5)
(1) في النسخة رقم (14) (ومخالفة للقرآن) وفى النسخة رقم (16) (ومخالة القرآن) (2) في النسخة رقم (16) (قال أبو محمد: وهذه اطلاقة فاسدة) وفى النسخة رقم (14) سقط جملة (قال أبو محمد) (3) هو بفتح الواو وكسر العين المهملة، الاروى وهو التيس الجبلى والانثى تسمى الاروية وهى شاة الوحش، والجمع أوعال ووعول (4) هي بحاء مهملة مضمومة وباء موحدة مفتوحة مخففة دويبة مثل ابن عرس وابن آوى، سميت بذلك من الحبن تقول فلان به حبن فهو احبن أي مستسقى فشبهة بذلك لكبر بطنها وهى على خلقت الحرباء غير الصدر (5) هو بفتح الواو والراء المهملة وبالام في آخره دابة على خلقت الضب إلا انه عظم منه، والجمع اورال وورلان والانثى ورلة
[ 227 ]
والضبع. وفى الحمامة وكل ماعب وهدر من الطير شاة، وكذلك الحبارى والكركي والبلدج. والاوز البرى. والبرك (1) البحري، والدجاج الحبشى. والكروان * برهان ذلك قول الله عزوجل: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) فلا يخلوا المثل من أن يكون من جميع الوجوه، أو من وجه واحد، أو من أغلب الوجوه، فوجدنا المماثلة من
جميع الوجوه معدومة من العالم جملة لان كل غيرين فليسا مثلين في تغاير هما فبطل هذا القسم، ثم نظرنا في المماثلة من أقل الوجوه وهو وجه واحد فوجدنا كل ما في العالم لاتحاش شيئا فهو يماثل كل مافى العالم من وجه ولابد وهو الخلق، لان كل ما في العالم - وهو ما دون الله تعالى - فهو مخلوق فبطل هذا القسم أيضا، ولو استعمل لاجزأت العنز بدل الحمار (2) الوحشى والنعامة لانهما حيان مخلوقان معا، وهذا ما لا يقوله أحد فلم يبق الا القسم الثالث وهو المماثلة من أغلب الوجوه وأظهرها وإذا لم يكن في المسألة الا أقوال محصورة فبطلت كلها الا واحدا فهو الحق بلا شك، فهذا موجب القرآن، ووجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكم في الضبع بكبش فعلمنا يقينا انه عليه السلام انما بين لنا ان المماثلة انما هي في القد (3) وهيئة الجسم لان الكبش أشبه النعم بالضبع، وبهذا جاء حكم السلف الطيب رضى الله عنهم * روينا من طريق جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عبد الرحمن ابن أبى عمار عن جابر بن عبد الله (قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال: هو صيد وجعل فيه كبشا إذا صاده المحرم) * ومن طريق سفيان بن عيينة انا أبو الزبير انه سمع جابر بن عبد الله يقول: حكم عمر بن الخطاب في الضبع كبشا * ومن طريق حماد ابن سلمة عن عمار بن أبى عمار عن رباح ان عبد الله بن عمر حكم في الضبع كبشا * ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء انه سمع ابن عباس يقول: في الضبع كبش * وعن على بن أبى طالب. وجابر بن عبد الله قالا جميعا: في الضبع كبش، فهم عمر. وعلى. وجابر. وابن عمر. وابن عباس وقد بلغ ابن الزبير قول عمر هذا فلم يخالفه، وهو قول عكرمة. والشافعي. وأبى سليمان * ومن طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس ان عمر بن الخطاب. وعثمان. وعلى بن أبى طالب. وزيد بن ثابت قالوا في النعامة: بدنة من الابل * ومن طريق ابن جريج عن عطاء ان ابن عباس. ومعاوية قالا: في النعامة بدنة يعنى من الابل وهو قول طاوس. وعطاء. ومجاهد. وعروة بن الزبير. وابراهيم النخعي، وهو قول مالك. والشافعي. وأبى سليمان، ولا شئ أشبه بالنعامة
(1) البركة بالضم طائر من طيور الماء ابيض والجمع برك وابراك وباقى ما ذكر تقدم تفسيره ص 226 (2) في النسخة رقم (16) (عن الحمار) (3) في النسخة رقم (16) (في القدر)
[ 228 ]
من الناقة في طول النعنق والهئية، والصورة، * وروينا عن ابن مسعود في حمار الوحش بدنة أو بقرة، وعن ابن عباس فيه بدنة، وعن ابراهيم فيه بدنة، وعن عطاء فيه بدنة، وقد روى عن عطاء أيضا فيه بقرة، والرواية في ذلك عن ابن عباس لا تصح ولا عن ابن مسعود لانه مرسل عنه، وروى ابن أبى نجيح عن مجاهد: وروى ابن جريج عن عطاء قالا جميعا: في حمار الوحش بقرة، وفي بقرة الوحش بقرة، قال عطاء: وفي الاروى بقرة، وقال مجاهد: (1) في القادر العظيم (3) من الاروى بقرة، وهذا صحيح عنهما وهما ذوا عدل منا، فوجدنا حمار الوحش أشبه بالبقرة منه بالناقة لان البقر. وحمار الوحش ذو اشعر وذنب سابغ وليس لهما سنام، والناقد ذات وبر وذنب قصير وسنام فوجب الحكم بالبقرة لقوة المماثلة، وروى عن ابن عباس في الايل بقرة وبه يقول الشافعي، وفى الثيتل بقرة وهو قول جماعة من السلف، وفي الوبر شاة وهو قول عطاء. والشافعي، وعن عمر ابن الخطاب. وعطاء في الغزال شاة * قال أبو محمد: الشاة تقع على الماعزة كما تقع على الضانية، وعن سعد. وعبد الرحمن ابن عوف في الظبى تيس، وعن عمر بن الخطاب. وزيد بن جابر في الضب جدى راع، وعن زيد بن عبد الله. وطارق بن شهاب مثله أيضا * فقال (3) مالك. وأبو حنيفة لا يجوز هذا، وروى عن عطاء في الضب شاة، وعن مجاهد في الضب حفنة من طعام، وهذا كله لا شئ لان خلاف حكم عمر. وطارق ومن معهما لا يجوز خلافه لانهم ذوو عدل منا مع موافقتهم القرآن في المماثلة، وقول عطاء حادث بعدهم، وقول مجاهد كذلك مع خلاف قولهما، وقول مالك للقرآن، وبقول عمر يقول الشافعي. وأبو سليمان. وأبو يوسف. ومحمد بن الحسن. وأحمد وغيرهم، وعن عمر في الارنب عناق وهى الجدى، وعن
عبد الله بن عمرو بن العاصى. وعمرو بن حبشي. وابن عباس مثله، وهو قول الشافعي. وأحمد. وأبى يوسف. ومحمد بن الحسن. وأبى سليمان وغيرهم، قال أبو حنيفة (4). ومالك لا يجوز فخالفوا كل من ذكرنا، والمماثلة المأمور بها في القرآن، وعن عمر. وابن مسعود. ومجاهد في اليربوع سخلة أو جفرة وهما سواء وهو قول الشافعي. وأحمد. وأبى يوسف. ومحمد بن الحسن وأبى سليمان وغيرهم، وروينا عن عطاء لم أسمع فيه بشئ، وعن الزهري فيه حكومة، وعن ابراهيم فيه قيمته، وهذا كله ليس بشئ، وقال مالك في الارنب. والضب. واليربوع قيمته يبتاع به طعام، وهذا خطأ لم يوجبه القرآن، ولا السنة، ولاقول صاحب، ولا إجماع، ولاقياس *
(1) في النسخة رقم (16) (عطاء) وهو غلط بدليل قوله بعد وهذا صحيح عنهما أي عن عطاء ومجاهد (2) في النسخة اليمنية (في النادر العظيم) (3) في النسخة رقم (16) (وقال) بالواو لا بالفاء (4) في النسخة رقم (16) (وقال) *
[ 229 ]
(فان قالوا): قسنا على الاضاحي لا يجوز فيه الجذع من غير الضأن ولا ما دون الجذع من الضأن قلنا: القياس باطل، ثم لو كان حقا لكنتم أول مخالف لهذا القياس لانكم تقولون: ان الكبش. والتيس أفضل في الاضاحي من الابل والبقر وان الذكر فيها من الانثى، وتقولون في الهدى كله: ان الابل، والبقر أفضل من الضأن والماعز، وان الاناث أفضل فيها من الذكور، فمرة تقيسون حكم بعض ذلك على بعض، ومرة تفرقون بين احكامها بلانص ولا دليل، (فان قالوا): قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لاتجزى جذعة عن أحد بعد أبى بردة قلنا: نعم، والذى أخبر بهذا هو الذي أخبرنا عن ربه تعالى بايجاب مثل الصيد المقتول من النعم، وليس بعض كلامه أولى بالطاعة من بعض بل كله فرض استعماله ولايجوز ترك شئ منه لشئ، وبالله تعالى التوفيق، ولم ينه قط عليه السلام عن ما دون الجذع باسمه لكن لما كان بعض ما دون الجذع لا يقع عليه اسم شاة لم يجز فيما جاء فيه النص بايجاب شاة فقط، وأما الجذعة فلا تجزئ في جزاء الصيد أيضا
لان النهى عنها عموم الا حيث أوحبت باسمها وليس ذلك الا في زكاة الابل، والبقر فقط مع ان الجذع من الضأن. والماعز. والابل. والبقر لا معنى لمراعاته في جزاء الصيد انما يراعى المثل في القد والصورة لاما لايعرف الا بعد فر (1) الاسنان، فصح ان الجذعة لاتجزى في جزاء الصيد، وبالله تعالى التوفيق، وروينا عن عطاء في الورل شاة * قال أبو محمد: ان كان عظيما في مقدار الشاة فكذلك والا ففيه وفى القنفذ جدى صغير، وعن عمر. وعثمان. وابن عباس. وابن في عمر الحمامة شاة، وهو قول مالك. والشافعي. وأبى سليمان. وأحمد، وقال الشافعي. وأبو سليمان: كل ما يعيب كما تعب كما تعب الشاة ففيه شاة بهذه المماثلة، وروينا عن ابن عباس الدبسي، والمقرى، والحبارى، والقطاة، والحجلة شاة شاة، وروينا عن عطاء في كل ذلك مثل هذا أيضا، وكذلك في الكروان، وابن الماء، وروينا عن القاسم. وسالم ثلث مدخير من حجلة * قال أبو محمد: لا يجوز ههنا خلاف ما حكم به ابن عباس. وعطاء * قال على: وعن عطاء في الهدهد درهم، وفي الوطواط ثلثا درهم، في العصفور نصف درهم، وعن عمر في الجرادة تمرة، وعن سعيد بن جبير مثل ذلك، وقال آخرون: لا شئ فيها لانها (2) من صيد البحر، وهذا خطأ لانها ان غمست في البحر ماتت، وعن كعب في الجرادة درهم * قال أبو محمد: انما أمر الله تعالى بتحكيم في الجزاء من النعم لافى الاطعام ولافى الصيام،
(1) يقال فررت الفرس أفره - بالضم - فرا إذا نظرت إلى اسنانه (2) في النسخة رقم (16) (وهى) وما هنا أتم *
[ 230 ]
فلا يجوز التحكيم في هذين العملين، انما هو ما أمر الله تعالى به في ذلك وهو ما ذكرنا قبل، فكل ما كان له مثل من صغار النعم جزى به وما لم يكن له مثل من كبار النعم ولا صغاره فانما فيه فدية طعام مساكين كما قال عزوجل: (أو عدل ذلك صياما) لان من المحال ان يوجب الله تعالى جزاء صيد بمثله من النعم وهو لا مثل له منها لان هذا تكليف
ما ليس في الوسع والله تعالى يقول: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها)، فإذ لاشك في هذا فلا شك أيضا في أن الله تعالى قد علم أن من جزاء الصيد الذى خلق صغيرا جدا كصغار العصافير والجراد فلم يجعل في كبير الصيد وصغيرة إلا فدية طعام مساكين أو عدله صياما، فوجب في الجرادة فما فوقها إلى النعامة، وفي ولد أصغر الطير إلى حما الوحش اطعام ثلاثة مساكين فقط، وأما الصيام فلا صيام في الاسلام أقل من صوم يوم، ففى كل صغير منها صوم يوم فقط، فان كان يشبع بكبر جسمه انسانين أو ثلاثة فأكثر فلكل آكل صوم يوم كما نص الله تعالى، (فان قيل): ان هذا قول لا يحفظ عن أحد ممن سلف قلنا: نحن لاندعى الاحاطة باقوال الصحابة جميعهم والتابعين كلهم فمن بعدهم من العلماء بل نقول ونقطع: ان من ادعى الاحاطة باقوالهم فقد كذب كذبا متيقنا لاخفاء به ولا ننكر القول بما أوجبه القرآن أو السنة وان لم تعرف رواية عن انسان بعينه بمثل ذلك لان الله تعالى لم يقل لناقط ولارسوله صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا بما في القرآن والسنة حتى تعلموا ان انسانا قال بما فيهما، بل هذا القول عندنا ضلال وبدعة وكبيرة من أكبر الكبائر وانما قال تعالى: (اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون) * والناس قد اختلفوا في الجراد فروينا من طريق حماد بن سلمة عن أبى المهزم عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (الجراد من صيد البحر) * ومن طريق أبى داود نا محمد بن عيسى عن حماد عن ميمون بن جابان عن أبى رافع عن أبى هريرة مسندا مثله (1) * وعن كعب انه قال لعمر: يا أمير المؤمنين ان الجراد نثر حوت ينثره في كل عام مرتين، وأباح أكله للمحرم وصيده، فهذا قول * وروينا من طريق سعيد بن منصور نا هشيم نا أبو بشر عن يوسف بن ماهك قال كعب: ذكر لعمراني أصبت جرادتين وانا محرم فقال لى عمر: ما نويت في نفسك؟ قلت: درهمين فقال عمر: تمرتان خير من جرادتين امض لما نويت في نفسك، فهذا عمر. وكعب جعلا في الجرادة درهما فهذا قول آخر، ومن طريق ابن أبى شيبة نا أبو معاوية عن الاعمش عن ابراهيم عن الاسود عن عمر بن الخطاب أنه قال في محرم أصاب جرادة: تمرة خير
من جرادة * ومن طريق سعيد بن منصور نا خالد بن عبد الله الطحان عن محمد بن عمرو
(1) هو في سنن أبى داود ج 2 ص 109، وقال الحافظ المذرى: ميمون بن جابان لا يحتج به وسيضعفه المصنف قريبا *
[ 231 ]
ابن علقمة عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمرو بن العاصى أنه حكم في الجرادة تمرة، فهذا قول ثالث * ومن طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الاشج عن القاسم بن محمد قال: أفتى ابن عباس في جرادة يصيبها المحرم بأن يتصدق بقبضة من طعام * ومن طريق ابن أبى شيبة نا عبد الوهاب الثقفى عن شعيب عن على بن عبد الله عن ابن عمر قال في الجرادة إذا صادها المحرم: قبضة من طعام * ومن طريق ابن أبى شيبة نا حماد بن خالد عن ابن أبى ذدب عن الزهري عن سعيد ابن المسيب قال في الجرادة: قبضة من طعام فهذا قول رابع * ومن طريق ابن أبى شيبة نا ابن أبى زائدة عن ابن جريج عن عطاء قال في الجرادة: قبضة أو لقمة * ومن طريق ابن أبى شيبة عن وكيع عن اسرائيل عن جابر عن محمد بن على. وعطاء. وطاوس. ومجاهد. قالوا كلهم: في الجرادة ليس فيها في الخطأ شئ فان قتلها عمدا أطعم شيئا * ومن طريق وكيع عن عمران بن حدير عن عكرمة في الجرادة قال: يطعم كسرة فهذا قول خامس * ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال في محرم أصاب صيدا ليس له ندمن النعم: إنه يهدى ثمنه إلى مكة * وروينا أيضا عن عكرمة فيه ثمنه، فهذا قول سادس * ومن طريق سعيد بن منصور نا هشيم انا منصور عن الحسن قال: الجراد من صيد البر والبحر فهذا قول سابع * ومن طريق سعيد بن منصور نا حفص بن ميسرة الصنعانى نا زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار عن كعب الاحبار ان عمر كره أكل الجراد للمحرم ولم يجعل فيه جزاء * ومن طريق سعيد عن هشيم انا أبو بشر عن يوسف بن ماهك قال: نهى ابن عباس عن أخذ الجراد في الحرم قال: لو علموا ما فيه ما أخدوه، فهى ثمانية أقوال كما أوردنا، فما
الذى جعل بعضها أولى من بعض؟ * وأما الخبر في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فموضوع بلاشك لان في احد طريقيه أبا المهزم (1) وهو هالك، وفي الاخرى ميمون بن جابان وهو مجهول، وبالعيان يرى الناس الجراد يبيض في البر وفى البر يفقس عنه البيض وفى البر يبقى حتى يموت، وانه لو غمس في ماء عذب أو ملح لمات في مقدار ما يموت فيه سائر حيوان البر إذا غمس في الماء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول: الكذب، فسقط هذا القول (2) بيقين، وصح انه من صيد البر المحرم على المحرم وفى الحرم بلا شك، والاقوال الباقية عن عمر بن الخطاب. وكعب في الجرادة
(1) هو بتشديد الزاى المكسورة ووقع في حاشية تهذيب التهذيب ج 2 ص 249 (بتشديد الراء وهو غلط اظنه نشامن الطبع) (2) في النسخة رقم (16) (فسقط ذلك القول) *
[ 232 ]
درهم * وعن عبد الله بن عمرو بن العاصى في الجرادة تمرة * وقال عمر: تمرة خير من جرادة، * وعن ابن عباس. وابن عمر. وابن المسيب في الجرادة قبضة من طعام * وعن عطاء قبضة أو لقمة * وعن عكرمة كسرة * وعن محمد بن على. وعطاء وطاوس. ومجاهد. ويطعم شيئا ان أصابها عمدا والا فلا * وعن ابن عباس فيما لاندله (1) من النعم ثمنه يهديه إلى مكة * وعن عكرمة ثمنه، والجرادة مما لاندلها من النعم * وعن الحسن هي من صيد البر والبحر * وعن عمر. وابن عباس المنع من صيدها ولم يجعلا فيها شيئا، فا