الخرائج والجرائح للفقيه المحدث والمفسر الكبير قطب الدين الراوندي قدس سره المتوفي سنة 573 هجرية مزاره بصحن الحضرة الفاطمية قم المقدسة الجزء الاول في معجزات النبي والائمة عليهم السلام تحقيق ونشر مؤسسة الامام المهدي عليه السلام قم المقدسة بسم الله الرحمن الرحيم تقديم: الحمد لله الذي يروي وجود نظام حقائق الكون ونواميس الحياة المحكمة، وجوب وجوده وسعة علمه وقدرته اللامتناهية، كما تروي آيات ذكره الحكيم نزرا من أنباء الغيب، وبعضا من أحاديث معجزات أنبيائه ورسله الالهية. وأكمل صلواته على أمين وحيه، وخاتم سفرائه، محمد رسول الله، وعلى آله المصطفين الذين أورثهم الله كتاب وحيه، وجعلهم مجارى أمره، ومجالى آياته ومعجزاته، فبعثوا الفقهاء امناء على حفظ أحاديث معجزات رسول الله والائمة الاثنى عشر من آله وروايتها. وبعد: فمن الذين حفظوا عنهم عليهم السلام مواريث النبوة في صحائفهم وكتبهم شيخنا الاقدم مؤلف هذا الكتاب " قطب الدين الراوندي، قدس سره ". فإنه أودع في سفره القيم هذا كتاب " الخرائج والجرائح " لمعا من الاحاديث في معجزات
النبي والائمة عليهم السلام وأعلامهم ودلائلهم (تسننا) بما قال جل وعلا: " نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ". وليكون هذا بصائر للناس، وليستيقن الذين اوتوا العلم بما يتفكرون في آياته، وليؤمنوا بالغيب: " بالله وملائكته ووحيه وكتبه ورسله ويوم لقائه "، وليعلم الذين سعوا في آيات الله معاجزين أنه ما كان الله ليعجزه شئ في السماوات ولا في الارض. مفهوم الاعجاز: هنا لابد من الاشارة إلى معنى الاعجاز، فهو مطلقا: اتيان شئ وإيجاد ما يعجز عنه غير فاعله، كما أشار إليه تعالى في قوله: " إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له " و " قل لئن اجتمعت الجن والانس على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ". فعلى هذا كان الاعجاز المطلق خاصا بالله القادر الذي بيده ملكوت كل شئ وهو بكل خلق عليم، وعن كل سبب غني، لا يعجزه شئ مما في السماوات والارض، وليس كمثله شئ فإن له الخلق والامر، يقول - أو يأذن لصفيه ورسوله أن يقول - لشئ: " كن. فيكون ". علما بأنه ليس من الاعجاز اتيان شئ بأسبابه الطبيعية العادية أو الرياضية حين تتكامل الصنعة في شتى العلوم المعاصرة أو المستقبلة، فإن التقدم في اكتشاف نواميس الطبيعة وحل رموزها التي فطرها الله تعالى، وقدر فيها أقواتها، أو استخدام القوى والاسباب في الصنائع البديعة، ليس في حقيقته اعجازا، بل فضلا لمكتشفه أو صانعه من بين أقرانه.
[ 2 ]
من يقوم بالاعجاز (بإذن الله) ؟ لقد صرح القرآن الكريم بأسماء بعض من اصطفاهم الله وأيدهم ووهبهم الاذن على القيام بأعمال اعجازية، وقد اقتضت الحكمة الالهية أن يخص كل واحد من رسله وأوصيائه في مختلف العصور بآيات باهرة، ومعجزات ظاهرة.
ألا ترى في القرآن الكريم أحوال هؤلاء الانبياء والمرسلين والاوصياء: نوح، هود صالح، إبراهيم، موسى، عيسى، داود، سليمان، إلى خاتم الانبياء، كلهم كانوا يبلغون رسالات الله، ويتلون آياته من أنباء الغيب والوحي، وهم الادلاء على مرضاة الله، وجاءوا بآيات بينات ومعجزات في كل عصر بما شاء الله وأذن لهم، دليلا على صدقهم. والمعجزات كثيرة منها: ما في آيات ابراهيم عليه السلام، بصيرورة النار بردا و سلاما له، وإحياء الطيور على يده. وفي آيات موسى عليه السلام إذ قال الله تعالى له: ألق ما في يدك (عصاك) فإذا هي حية تسعى، تلقف ما كانوا يأفكون، وما سحروا به أعين الناس. وفي تسع آيات بينات له منها: سيلان الدم (1) من غير أن يصيب حيوانا ذا نفس سائلة. وفي آيات عيسى عليه السلام بإحياء الموتى من القبور البالية، وصيرورة الطين طيرا كما خلق الله " آدم " من تراب. وفي آية داود عليه السلام بالانة الحديد له من غير أن تذيبه نار. وفي تسخير قوى الجن والانس والطير في ملك سليمان عليه السلام، وسيره على عرشه ومن حوله بما كان غدوها شهر ورواحها شهر، وعلمه بمنطق الطير. وفي اتيان وزيره " آصف " عرش ملكة سبأ من قبل أن يرتد إليه طرفه بلا أي جهاز. هذه وأمثالها معجزات الانبياء، وآيات الله تصديقا لرسالتهم عن رب العالمين الذي يقول لشئ: " كن. فيكون ".
(1) ولا بأس بالاشارة إلى ما تناقلته وسائل الاعلام بأن السماء قد أمطرت دما في يوم (21) من شهر رمضان المبارك سنة 1409 ه. ق في إحدى مناطق الهند " محلة السادات " لعدة ساعات، وبعد اجراء التحليلات المختبرية لوحظ بأن هناك تشابها بينه وبين دم الانسان في المحتويات، كما أفادت بذلك التقارير العلمية. والتاريخ يحدثنا بأن السماء قد مطرت دما عبيطا يوم استشهد سيد الشهداء ثار الله وابن ثاره الحسين بن علي بن أبي طالب
عليهما السلام. ويا حبذا لو نشرت المزيد من التحقيقات العلمية حول هذه الظاهرة.
[ 3 ]
الرسالة الالهية والامامة غير مستغنية عن المعجزات: فبما أن الله الذي خلق خلقه (ليعرف ويعبد ويجزي) بدأ خلق الانسان من طين، ثم جعل نسله من ماء مهين (1) فجعله نسبا وصهرا، ثم هداهم برسله وكتبه، ووعدهم حياة طيبة في النشأة الآخرة: بأن يحيي جميع موتاهم، فيخرجون من الاجداث، كأنهم جراد منتشر فلا أنساب بينهم يومئذ، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم يجمع الله فيه الاولين والآخرين (والنبيين) إلى ميقات يوم معلوم، قال الله عزوجل: " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم، وتكلمنا أيديهم، وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون. وقالوا لجلودهم: لم شهدتم علينا ؟ قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ، وهو خلقكم أول مرة، وهذا يوم عظيم يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون: أما في جنات النعيم تجري من تحتها الانهار خالدين فيها، نعم الثواب وحسنت مرتفقا. وأما في دركات الجحيم، طعامهم من زقوم، وشرابهم من غسلين، وساءت مستقرا. وبما أن تلك الحقائق التي وعدها الله في النشأة الآخرة بعد هذه النشأة الحاضرة المتفانية معارف من غيب الوجود الذي لا ينال بالعقل الذي لا يدرك إلا كليا دون الوجود الخارجي، ولا بعلم التلازم بين الشئ وأثره، كآيات تدل على وجود البارئ، أو النار والاحراق، دليلا لميا أو انيا، ولا بالحس الذي لا يدرك إلا الموجود الحاضر الملموس. بل علمه خاص بعالم الغيب الذي لا يظهر على غيبه أحدا إلا لمن ارتضى من رسول فيوحي إليه من أنبائه. وبما أن العقول قد بهرت وعجزت عن كنه معرفة الله كما قال تعالى: " ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء " وقال عزوجل في الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون: " ما قدروا الله حق قدره إذ قالوا: ما أنزل الله على بشر من شئ ".
وقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين، وما يهلكنا إلا الدهر. وقال الكافرون: هذا شئ عجيب: ءإذا متنا وكنا ترابا وعظاماءانا لمبعوثون خلقا جديدا ؟ ! وقال: من يحيي العظام وهي رميم ؟ ! (2) وبما أن هذه رسالة إلهية، ودعوة دينية غيبية، غير مستغنية عن آية باهرة، ومعجزة قاطعة، وحجة بالغة، ليهلك من هلك عن بينة، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وبالجملة فلاجل هذا كله فالرسالة الالهية والامامة مفتقرة إلى الآيات والمعجزات
(1) تجد تفصيل آيات الانسان في النشأتين في كتابنا " المدخل إلى التفسير الموضوعي ". (2) أمثال هذه الآيات والمقالات كثيرة جمعناها في كتابنا " المدخل إلى التفسير الموضوعي ".
[ 4 ]
كما قيل للانبياء في مختلف العصور: " فأت بآية إن كنت من الصادقين ". ومنه قال تعالى: (وسنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق). وقال: فانظر إلى آثار رحمة الله: (الماء) كيف يحيي الارض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى أقول: صفوة الآيات الباهرات في بيان هذا الغيب " المعاد الجسماني في النشأة الآخرة " أن الله الذي خلق السماوات والارض وما بينهما من الشمس والقمر و... أرسل الرياح، ثم أنزل من السماء ماءا، فأحيا به الارض بعد موتها، بإخراج زرعها ونباتها وشجرها، فأخرج منها حبا وفواكه مختلفا ألوانها، متشابها وغير متشابه. فانظر كيف يقلب الله الحب نباتا خضرا، لا ترى فيه حبا، ثم يخرج منه حبا متراكما مثله فهو قادر على أن يعيد الموتى مرة أخرى من الارض أحياءا، ويجمعهم ليوم الجمع لا ريب فيه. وأنت ترى اليوم نظير ذلك في أكمل الصناعات البديعة كالاجهزة الكامبيوترية والتلفزيونية كيف يصور في محطاتها المركزية شئ مرئي ومسموع، ثم يحول إلى قوى وأمواج لا ترى ولا تسمع، ثم يحول ثانيا، فيعود كصورته الاولى جريا على استخدام القوى المقدرة في طبائعها.
وبالجملة: هذان المثلان الطبيعي والصناعي لا يخرقان نواميس الطبيعة بما فيها من القوى والاسباب، بل هما آيتان، واعجاز من الخالق لدفع استعجاب هؤلاء الذين يقولون: ءإذا متنا وكنا ترابا وعظاما، ءإنا لمبعوثون خلقا جديدا ؟ ! أو آباؤنا الاولون ؟ ! أو من قال: من يحيي العظام وهي رميم ؟ ! بلى ! في النشأة الآخرة خلق جديد بمثل الخلق الاول " قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم... أو ليس الذي خلق السماوات والارض بقادر على أن " يخلق مثلهم " (1) بلى، وهو الخلاق العليم، وما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة (وقال:) فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، إنه لحق مثلما أنكم تنطقون، إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن. فيكون.
(1) وقد حبانا الله بكرامة سنة 1407 ه، ق في ذكرى ولادة سيدنا ومولانا الرضا عليه السلام في مدينة مشهد المقدسة، يومها كنا في مجلس يضم الكثير من الفضلاء والاخيار متقربين إلى الله بالتوسل إلى علي بن موسى الرضا عليهما السلام بذكر جدته فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ قرئ ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: " والله لقد حنت، وأنت، ومدت يديها، وضمتهما إلى صدرها مليا... " فتجلى نور بهي، وفاحت رائحة طيبة حتى أحس بهما الجميع. والحق يقال: ما وجدنا مثلهما قبل اليوم. فالخالق الذي يخلق لنا مثل رائحة حنوط فاطمة عليها السلام، المخصص لها من الجنة، وقد مضى على شهادتها ما يقارب من (14) قرن، قادر على إعادة خلق ما قد بلى، وأصبح رميما، فتبارك الله أحسن الخالقين.
[ 4 ]
التعريف بالمؤلف هو فقيه الشيعة وحامي الشريعة، الثقة الخبير، العالم الكبير، الشاعر المتكلم البصير المعلم، المحدث المفسر، العلامة المتبحر، شيخ الشيوخ أبو الحسين
" سعيد بن عبد الله بن الحسين بن هبة الله بن الحسن " المشهور ب " قطب الدين الراوندي " موطنه لقب ب " الراوندي " نسبة إلى " راوند " وهم اسم أطلق على ثلاثة مواضع، هي: - بليدة بقرب كاشان، وما زالت تعرف إلى الآن بهذا الاسم. - ناحية بظاهر نيسابور. - مدينة قديمة بالموصل، بناها راوند الاكبر بن بيوراسف الضحاك. قيل أصلها " راهاوند " أي الخير المضاعف. (1) قال شيخنا البهائي: الظاهر أنه منسوب إلى راوند، قرية من قرى كاشان. (2) وقال الميرزا الافندي: يمكن أن يكون القطب - هذا - من ناحية نيسابور أيضا. (3) اسرته كان رضوان الله عليه ينتمي إلى أسرة علمية كبيرة، لها مقام اجتماعي جليل ومنزلة علمية مرموقة، بيد أنها لم تكتسب تلك الشهرة التي تليق بها إلا بعد نبوغ القطب الراوندي، حيث لم تسلط الاضواء على أصول هذه الاسرة سوى وجيزة إجمالية أفادنا بها الميرزا عبد الله الافندي: " كان والده وجده أيضا من العلماء ". (4)
أولاده وأحفاده خلفه - قدس سره - أولاد علماء فضلاء فقهاء أتقياء، أثنى عليهم أصحابنا في كتب تراجمهم وأطروهم بالعلم والفضل والتقى، وهم: 1 - الشيخ عماد الدين أبو الفرج علي بن سعيد الراوندي.
يروي عن والده، وعن السيد ضياء الدين أبي الرضا فضل الله بن علي الحسني الراوندي صاحب النوادر. ويروي عنه ولده - سبط المؤلف - الشيخ الفاضل العالم برهان الدين أبو الفضائل محمد بن علي بن سعيد الراوندي (1) والشيخ محمد بن جعفر بن نما. والشيخ أبو السعادات أسعد بن عبد القاهر الاصفهاني. والشيخ نصير الدين أبو طالب عبد الله بن حمزة الطوسي. والسيد حيدر بن محمد الحسيني صاحب غرر الدرر. (2) 2 - الشيخ العالم الصالح الشهيد نصير الدين أبو عبد الله الحسين بن سعيد الراوندي. (3) 3 - الشيخ الفقيه الثقة العدل ظهير الدين أبو الفضل محمد بن سعيد الراوندي. (4) مكانته العلمية والاجتماعية أجمع العلماء وأرباب معاجم التراجم على جلالة قدره وتبرزه في العلوم العقلية والنقلية، لم يمر بذكره أحد من الرواة عنه أو المترجمين له إلا ويستصحب ذكره
بعبارات تدل على عظمته وسمو مكانته، وكانت هذه المكانة والجلالة ملازمة له أينما حل ونزل.
وكان موضع احترام وتقدير كافة الطبقات والاوساط العلمية والاجتماعية. وكان قدس سره بالاضافة إلى مقامه العلمي الرفيع على جانب كبير من الادب والشعر، وشعره جيد، مستعذب الالفاظ، راقي المعاني، يغلب على طابع مدح أهل البيت عليهم السلام، وتبيين فضائلهم، ورثائهم. عده العلامة الاميني في شعراء الغدير (1)، وذكر نماذج من شعره. هذا ما يختص بمكانته - رضوان الله عليه - في حياته، أما بعدها فله المكانة الكبرى بما أثرى به العالم الاسلامي من المؤلفات الضخمة القيمة الكثيرة التي تكل الالسن عن وصفها، ويقصر البيان عن مدحها وتعريفها، وأصبحت مراجع هاما من المراجع المعتمد عليها في مختلف المجالات العلمية. ولا يفوتنا دوره البارز في نشر العلوم في ربوع العالم الاسلامي، حيث تتلمذ على يديه نوابغ وأفذاذ من علماء الكلام والحديث والفقه والتفسير وغيرها، نذكر منهم: الشيخ رشيد الدين محمد علي السروي المازندراني المعروف ب " ابن شهر اشوب " صاحب الكتاب القيم " مناقب آل أبي طالب ". وقد أطلنا البحث حول مكانته قدس سره، وهو بحث يستأهل أكثر من هذه السطور. أساتذته ومشايخه: تلقى الشيخ قطب الدين الراوندي قدس سره علومه عن أساطين العلم، وكبار العلماء في عصره. وروى عن شيوخ الرواية والحديث من وجوه علماء الخاصة والعامة في عصره. ولسنا بصدد سرد أسمائهم، والحصر التام لعددهم، أو الاحاطة بكل من يمت إليه بصلة علمية.
(1) الغدير: 5 / 379 - 384.
[ 7 ]
بل نقتبس منها بعض الاسماء اللامعة، ونحيلك إلى فهرس مشايخه في آخر الكتاب. فنذكر منهم الشيخ الثقة الفقيه المفسر أمين الاسلام الفضل بن الحسن الطبرسي صاحب تفسير القيم " مجمع البيان " وكتاب " إعلام الورى " وغيرهما من روائع المؤلفات وأعلاها. ومنهم الشيخ الثقة العالم الجليل المعمر، الواسع الرواية عماد الدين محمد ابن أبي القاسم علي بن محمد الطبري، صاحب كتاب " بشارة المصطفى لشيعة المرتضى ". ومن مشايخه رضوان الله عليه من علماء العامة: الشيخ العالم المحدث شهردار بن الحافظ شيرويه بن شهردار الديلمي صاحب الكتاب الشهير " مسند الفردوس ". وفاته ومدفنه قال العلامة الشيخ المجلسي: وجدت بخط الشيخ الزاهد العالم شمس الدين محمد جد شيخنا البهائي قدس الله روحهما نقلا من خط الشهيد روح الله روحه: توفي الشيخ الامام السعيد أبو الحسين قطب الملة والدين سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي رحمه الله ضحوة يوم الاربعاء الرابع عشر من شوال سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. (1) أو في ثالث عشر شوال، كما في لسان الميزان: 3 / 48. ومزاره الشامخ في الصحن الكبير في حضرة السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام. (2)
(1) البحار: 105 / 235. (2) قال الميرزا عبد الله في رياض العلماء: 2 / 420: ان المولى حشري الشاعر المشهور نقل في كتاب تذكرة الاولياء في أحوال العلماء: أن قبر القطب الراوندي في قرية خسروشاه من توابع تبريز. أقول: وأنا أيضا رأيت قبرا بتلك القرية يعرف عند أهلها بأنه قبر القطب الراوندي وكانوا يزورونه فيه، قد زرته أنا أيضا فيه، ولا يبعد أن يكون أحدهما قبر الشيخ قطب
الدين الراوندي، والثاني قبر السيد فضل الله الراوندي، أو أحدهما قبر أحد أولاده المذكورين، أو قبر والده، أو جده، والآخر قبره.
[ 8 ]
آثاره لعل خير ما يصور منزلة القطب الراوندي هو دراسة آثاره الكبيرة التي خلفها وتبيان قيمتها مقارنة بمثيلاتها، ومدى اهتمام العلماء والباحثين والدارسين بها في العصور التالية، والمساهمة الفعالة والجادة التي قدمتها للعالم الاسلامي في مختلف عصوره. على أن مهارته - قدس سره - وبراعته تظهران في أحسن الوجوه إشراقا، وأكثرها تألقا عند دراستنا له محدثا يعني بهذا الفن. فقد مهر في علم الحديث وصنف فيه الكتب الكثيرة، الخرائج والجرائح والدعوات والقصص و... كما برع في غيره من العلوم، وألف فيها. سرد من ترجم له من أصحاب المعاجم الرجالية قائمة لاسماء مؤلفاته، نيفت على الستين. ومن أشهر هذه الكتب وأكبرها: كتاب الخرائج والجرائح وهو هذا السفر الجليل العظيم الذي نقدمه اليوم للقراء، وهو يعد من أعظم كتب المعجزات ودلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وآله وإمامة الائمة عليهم السلام التي انتهت إلينا من تراث علمائنا الاقدمين، ترتيبا وتنقيحا، وتوثيقا وإحكاما، وإحاطة وشمولا، فهو ينبئ عن سعة اطلاع مؤلفه - قدس سره - على كل ما سبقه من تآليف في موضوعه، ودراية تامة بمعجزاتهم، وما قيل في حقهم عليهم السلام. ويتميز عن غيره من الكتب التي ألفت في بابه أنه استطاع التوفيق بين المعجزات والدلائل والمسائل الكلامية الواردة عليها. ولم يقتصر على نوع معين من المعجزات بل تنوعت فشملت مختلف أشكالها.
وكان للقطب الراوندي أسلوبه المتميز في صياغة روايات كتابه هذا، وأسلوب عرضها، الامر الذي دفعه في أغلب الاحيان إلى اختصار المادة الروائية المروية بإسهاب في مؤلفات من سبقه باسلوبه الخاص، ولم يرد في ذلك ضيرا، طالما قد توخى
[ 9 ]
الدقة والامانة في نقل أهداف الرواية، لاسيما تلك التي لا تنقص قيمتها إعادة الصياغة، كحذف مقدمات الحديث، وباقي الاحداث الهامشية الخارجة عن تبيان المعجزات والدلائل، واختصار أسماء الرواة ونحو ذلك. أما أسلوبه الادبي في عرض أحداث الرواية، فقد تميز بالطراوة والحبك ولم يعن بتزويق الالفاظ الذي يتجلى فيه العناية بالاسلوب على حساب دقة المعاني ودلالة الكلمات. أضف أن معرفته القوية باللغة العربية - نحوها، وصرفها - أكسبته التمتع بهذا الاسلوب الرصين البليغ الخالي من اللحن. ومن المزايا التي تميز بها هذا الكتاب القيم عن غيره هو إيراده: الملحقات الخمسة في آخر الباب الخامس عشر بقوله: " وقد كنت جمعت " خمس مختصرات " تتعلق بهذا الفن من العلوم، فأضفتها إلى هذا الكتاب أيضا بالخطبة التي في أول كل واحد منها " وهي: 1 - كتاب نوادر المعجزات (1): وهو الباب السادس عشر، قال في خطبته: " إن هذه أحاديث هائلة، مهولة، فإنها من المشكلات التي تتهافت فيها العقول، لكونها من المعضلات، وقد كان الشيخ الصدوق سعد بن عبد الله بن أبي خلف الاشعري ذكرها في كتاب البصائر، وأوردها الشيخ الثقة محمد بن الحسن الصفار في كتاب بصائر الدرجات، وكلاهما لم يكن غاليا ولا قاليا ". ويستفاد من كلامه رحمه الله أمور: منها أنه انتخب أحاديث كتابه هذا من كتابي
بصائر درجات الاشعري والصفار، وأنها أحاديث ذات خصوصية تميزها عن مثيلاتها بكونها من المعضلات، وقد علل ذلك - بعد سطور - بأن روى: " حديث آل
(1) مما تجدر الاشارة إليه أن لشيخنا الصدوق والشيخ محمد بن جرير الطبري (صاحب دلائل الامامة) مصنفين بهذا العنوان. راجع الذريعة: 24 / 349 وص 350.
[ 10 ]
محمد صعب مستصعب... ". ويستفاد أيضا أن كتابه هذا روائي بحت، لذا لم يضمنه أي بحث كلامي. 2 - كتاب الموازاة بين معجزات نبينا صلى الله عليه وآله ومعجزات الانبياء ويشكل هذا الكتاب الباب السابع عشر من كتابنا الخرائج والجرائح. ولا أظن أننا بحاجة ماسة إلى تعريف موضوعه الذي ينطق به اسمه. ورغم أن اسم الكتاب صريح في موضوعه فقد أبان المؤلف عنه وعن منهجه في مقدمته، فقال: " قد ذكرنا من معجزاته صلى الله عليه وآله ومعجزات أوصيائه عليهم السلام التي رواها الرواة المعروفون بالامانة ما يربي على أعلام الرسل الماضين عند الموازاة والموازنة. ونذكر ها هنا شيئا يفتقر إليه في هذا المعنى ". 3 - كتاب أم المعجزات، وهو القرآن المجيد، وقد شغل تمام الباب الثامن عشر ضمنه وجوه إعجاز القرآن، وأكثر فيه من ذكر وافتراض الشبهات والرد عليها بكلام يسير محكم موجز خال من الاغلاق والابهام والغموض والتعقيد. 4 - كتاب الفرق بين الحيل والمعجزات، وهو الباب التاسع عشر، قال في ديباجته: " إني أذكر ما ينكشف فيه الفصل بين الحيل والمعجزات، وتظهر به الشعوذة والمخاريق، وحقيقة الدلالات والعلامات لكل ذي رأي صائب ونظر ثاقب... ". وهو - فيما أعلم - كتاب لم يسبقه أحد إلى تناوله بالبحث والتأليف، وضمنه -
كسابقه - سلاسة الالفاظ ودقة التعبير، والقدرة على الاقناع. 5 - كتاب علامات ومراتب نبينا صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام وهو الباب العشرون قيل في ديباجته: " إن علامات النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام من أهل بيته في الكتب المتقدمة كثيرة، وأنا أشير في هذا المختصر إلى جمل منها خطيرة، وأضيف إليها من الرؤيا الدالة على مراتبهم ما يليق بها ". فهذا الكتاب كما ينبئ عنه مؤلفه هو في ذكر البشارات بنبينا صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام وعلاماتهم، ثم تطرق إلى ذكر العلامات السارة الدالة على صاحب الزمان وأردفها بذكر العلامات الحزينة الدالة عليه (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
[ 11 ]
الوجه في تسمية الكتاب بين لنا المؤلف قدس سره الوجه في تسميته كتابه هذا بالخرائج، والجرائح بأوجز عبارة وأدق معنى فقال: " وسميته ب " الخرائج والجرائح " لان معجزاتهم التي (خرجت) على أيديهم مصححة لدعاويهم، لانها (تكسب) المدعي - ومن ظهرت على يده - صدق قوله ". (1) أقول: جرح واجترح: اكتسب، وجمعها جرائح. قال تعالى: " وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار " (2) أي كسبتم. وقال: " أم حسب الذين اجترحوا السيئات " (3) أي اكتسبوا. أهمية الكتاب، والاعتماد عليه الخرائج والجرائح عين من عيون كتب تراث أهل البيت عليهم السلام وهو الاصل والمأخذ لكثير من الروايات والاحاديث التي أودعها أصحاب المؤلفات في مؤلفاتهم بعده لدى تناولهم معجزات النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام ودلائلهم بالجمع والتأليف. فممن اعتمد عليه من علمائنا:
" الاربلي في " كشف الغمة "، والشيخ زين الدين النباطي في " الصراط المستقيم " والشيخ الحر العاملي في " وسائل الشيعة " و " اثبات الهداة ". والشيخ المجلسي في " بحار الانوار " والشيخ عبد الله البحراني في " عوالم العلوم " والسيد هاشم البحراني في " تفسير البرهان " و " غاية المرام " و " مدينة المعاجز ". ومن علماء العامة: ابن الصباغ المالكي في " الفصول المهمة " (4) والقندوزي في " ينابيع المودة " (5) وغيرهم ممن يطول المقام بذكرهم واستقصائهم. منتخب الخرائج والجرائح لدى بحثنا عن تاريخ ونسخ الخرائج والجرائح وقعت بين أيدينا نسخ خطية
(1) الخرائج والجرائح: 19. (2) سورة الانعام: 60. (3) سورة الجاثية: 21. (4) الفصول المهمة: 199: (5) ينابيع المودة: 332.
[ 12 ]
ومطبوعتان حجريتان اختزلت فيها أحاديث الكتاب بنسبة كبيرة فعلى سبيل المثال: الباب الثاني في معجزات أمير المؤمنين عليه السلام (ص 171 - 235) تضمن " 78 " حديثا، بينما في النسخ المشار إليها " 17 " حديثا فقط. والباب التاسع في معجزات الامام الرضا عليه السلام (ص 337 - 371) احتوى على " 29 " حديثا وفي النسخ السابقة الذكر " 12 " حديثا فقط. وطال هذا الاختزال والاختصار باقي أبواب الكتاب، مما اضطرنا إلى صرف النظر عن الاشارة إلى الاحاديث المختزلة في تعليقاتنا على الكتاب. فهذه النسخ هي " منتخب الخرائج والجرائح " إن صح التعبير. ترجمة الخرائج والجرائح قام العلامة الشيخ محمد الشريف الخادم بترجمة كتاب " الخرائج والجرائح " إلى
اللغة الفارسية، وسماه " كفاية المؤمنين في معجزات الائمة المعصومين عليهم السلام " ورتبه على أربعة عشر بابا، وقد وشحه باسم السلطان إبراهيم قطب شاه بن السلطان علي قطب شاه الذي ملك ثلاث وثلاثين سنة، ومات في سنة 988 عن عمر ناهز الاحدى والخمسين سنة. (1) التعريف بنسخ الكتاب إعتمدنا في تحقيقنا لهذا الكتاب على ثلاث نسخ خطية هي: النسخة الاولى: مصورة عن النسخة المحفوظة في المكتبة الشخصية للعلامة الشيخ محي الدين المامقاني، حفيد آية الله الشيخ عبد الله المامقاني، العالم الرجالي المعروف صاحب كتاب " تنقيح المقال في أحوال الرجال ". وهي أتقن النسخ وأصحها وأتمها، كتبها - بخط النسخ - السيد كمال الدين حسن بن محمد بن عماد الحسيني الاسترابادي، في الخامس عشر شهر جمادى الثانية سنة 958 ه. ق. وتقع في " 554 " صحفة،
(1) راجع الذريعة: 18 / 100، وطبقات أعلام الشيعة في القرن العاشر: 103 (وفيه: شريف الخادم، بدون محمد) رياض العلماء: 2 / 431.
[ 13 ]
وكانت هذه النسخة النفيسة هي الاصل المعتمد عليه في تحقيقنا، ورمزنا لها ب " م ". النسخة الثانية: وهي المحفوظة في خزانة مخطوطات مكتبة آية الله العظمى شهاب الدين المرعشي النجفي - دامت بركاته - تحت الرقم " 983 ". كتبت بخط النسخ في سنة " 1092 " وتقع في " 296 " ورقة، واحتوت كسابقتها تمام الكتاب ورمزنا لها ب " ه ". النسخة الثالثة: وهي المحفوظة في خزانة مخطوطات آية الله الحاج السيد مصطفى الحسيني الصفائي الخوانساري، واحتوت " منتخب الخرائج والجرائح " وسقطت من آخرها الابواب الخمسة الاخيرة، ورمزنا لها ب " س ".
واعتمدنا في تحقيق الابواب الثلاثة الاخيرة على نسختين عرفناهما في ص 969. وحصلت بأيدينا نسختان مطبوعتان: الاولى: المطبوعة الحجرية في سنة 1301 ه، ق، ضمن مجموعة تضمنت ثلاثة كتب هي: الاربعون حديثا للعلامة الشيخ المجلسي - صاحب بحار الانوار - والخرائج والجرائح، وكفاية الاثر للخزاز القمي. الثانية: المطبوعة الحجرية في بومباي في سنة 1301 ه. ق. وهذه المطبوعة والتي قبلها هي " منتخب الخرائج والجرائح ". منهج التحقيق بعد استنساخ الكتاب ومقابلته مع نسخه ومصادره والبحار، اتبعنا - كما هو دأبنا - طريقة التلفيق بين النسخ والبحار والمصادر، لاثبات متن صحيح سليم للكتاب مشيرين في الهامش إلى الاختلافات اللفظية الضرورية. ومن ثم أشرنا في نهاية كل حديث إلى مصادره واتحاداته بصورة مفصلة. كما وقمنا بشرح بعض الالفاظ اللغوية الصعبة نسبيا شرحا مبسطا موجزا، مع إثبات ترجمة لبعض الاعلام الواردة في أسانيد ومتون الروايات، خاصة تلك التي
[ 14 ]
صحفت وحرفت، معتمدين في ذلك على أمهات كتب تراجم الرجال. وكذا الحال بالنسبة لاسماء القبائل والاقوام والفرق والاماكن والبقاع. علما أن كل ما بين المعقوفين [ ] بدون إشارة فهو مما لم يكن في نسخة " م " وإنما أثبتناه من سائر النسخ، أو من أحدها. ووضعنا الاختلافات اللفظية الطويلة نسبيا، أو التي تبهم الاشارة إليها في الهامش بين قوسين (). وحصرنا النصوص الواردة في المتن بين قوسي التنصيص الصغيرين " ".
تقدير وعرفان مما يزيد في قيمة هذا الكتاب الرائد النفيس، ويعلي مكانته بين الكتب هو إصداره بهذه الحلة الزاهية الرائعة، والطبعة المحققة النافعة التي تسر كل محب وموال لاهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام وقد يسر الله لمؤازرتي وشد عضدي في إنجازه وتحقيقه ثلة من الذوات المخلصة العاملة في " مؤسسة الامام المهدي " عجل الله فرجه الشريف، سيما الافاضل: نجم عبد البدري، شاكر شبع، أمجد عبد الملك الساعاتي، فارس حسون، أبو حيدر المسجدي، السيد فلاح الشريفي. فلهم الشكر والثواب، وكان الله شاكرا عليما. السيد محمد باقر نجل المرتضى الموحد الابطحي الاصفهاني مؤسسة الامام المهدي عليه السلام قم المقدسة
[ 15 ]
الصفحة الاولى والاخيرة من نسخة - م -
[ 16 ]
كتابخانه عمومي آيت الله العظمى مرعشى نجفى - قم الصفحة الاولى والاخيرة من نسخة - ه -
[ 17 ]
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمد الله الذي هدانا إلى منهاج الدليل والصلاة على محمد وآله الذين سلكوا بنا سواء السبيل
فإن قوما (1) من الذين أقروا بظاهرهم بالنبوات، جحدوا في الامامة (2) كون المعجزات، فضاهوا الفلاسفة والبراهمة (3) الجاحدين في النبوة الاعلام الباهرات فدعاواهم جميعا باطلة فاضحة، إذ الادلة على صحة جميع ذلك واضحة. وقد أخبرنا جماعة ثقات منهم: الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن المحسن الحلبي، عن الشيخ أبي جعفر الطوسي، عن أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد ابن الزبير القرشي، عن أحمد بن الحسين بن عبد الملك الازدي (4)، عن الحسن بن محبوب، عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام أنه قال: أعظم الناس ذنبا، وأكثرهم إثما على لسان محمد صلى الله عليه وآله: الطاعن (5) على [ عالم ] آل محمد صلى الله عليه وآله والمكذب ناطقهم، والجاحد معجزاتهم (6).
(1) " فرقا " س، ط. (2) " باب الامامة " س، ط. (3) البراهمة: أحد المذاهب التي يتعبد بها في بلاد الهند، يقوم على أساس نفي النبوات أصلا ورأسا، والنسبة في هذه التسمية لرجل يقال له " براهم ". من أراد تفصيل ذلك فليراجع الملل والنحل: 2 / 250 - 255. (4) " الاودى " ط واثبات الهداة. وكلاهما وارد. راجع الوسائل: 20 / 127، ورجال السيد الخوئي: 2 / 94. (5) " الراد " ط. (6) عنه اثبات الهداة: 1 / 259 ح 248.
[ 18 ]
على أن من أنكر المعجزات لعلي عليه السلام وأولاده الاحد عشر مع إثباته للنبي صلى الله عليه وآله فإنه جاهل بالقرآن. وقد أخبرنا الله سبحانه عن آصف بن برخيا وصي سليمان عليه السلام وعن ما أتى به مع المعجز من عرش ملكة اليمن، وكان سليمان عليه السلام يومئذ ببيت المقدس فقال وصيه:
* (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) * (1) وارتداد الطرف ما لا يتوهم فيه ذهاب زمان ولا قطع مسافة، وكان بين بيت المقدس والموضع الذي فيه عرشها باليمن مسيرة خمسمائة فرسخ ذاهبا وخمسمائة راجعا. فأتاه به وصيه من هذه المسافة قبل ارتداد الطرف، فلو فعله سليمان لكان معجزا [ له ] فلما أراد أن يدل أهل زمانه على وصيه ومن يقوم مقامه بعده، قام به وصيه [ بإذن الله ] وهذا أقوى من النص. وهذا كما ذكر الله في معجزات الانبياء: من طوفان نوح وسفينته وناقة صالح وفصيلها وشربهم وشربها ونار إبراهيم، وأضيافه، وإحياء الله تعالى الطيور الاربعة التى ذبحها وفرقها على الجبال، ثم كانت (تأتيه سعيا) (2) وتسخير الله الريح لسليمان وإلانة الحديد لابيه (3) وتعليمه منطق الطير والنمل وعصا موسى وانقلابها حية، واليد البيضاء من غير سوء، وآياته المذكورة في القرآن (4) من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والرجز ونتوق الجبل فوقهم، وانفلاق البحر لقومه، والمن والسلوى [ والتيه ] والعيون الجارية من الحجر والغمام المظل ونحو ذلك.
(1) سورة النمل: 40. (2) " طيورا بإذن الله تعالى " س. (3) " له " م. وهو تصحيف. (4) " الكتاب " م.
[ 19 ]
وما أخبر الله به عن عيسى من كلامه في المهد، وإحياء الموتى، وإبراء الاكمه والابرص، وجعل الله الطين طيرا، وما شاكل ذلك. وكذلك ما أخبر الله تعالى به عن محمد صلى الله عليه وآله من شق القمر، والاسراء إلى بيت
المقدس، والمعراج، وما نقله عنه المسلمون من الآيات والدلائل والمعجزات كل ذلك قد شوهد، وعليه الاجماع. وكذلك ما رواه الشيعة الامامية خاصة في معجزات أئمتهم المعصومين عليهم السلام صحيح، لاجماعهم عليه، وإجماعهم حجة، لان فيهم (1) حجة. وقد جمعت بعون الله سبحانه من ذلك جملة لا تكاد توجد مجموعة في كتاب [ واحد ] ليستأنس بها الناظرون، وينتفع بها المؤمنون وسميته ب " كتاب الخرائج والجرائح " لان معجزاتهم التي خرجت على أيديهم مصححة لدعاويهم، لانها تكسب المدعي - ومن ظهرت على يده - صدق قوله. والمعجز في العرف: ما له خط في الدلالة على صدق من ظهر على يده. وجعلته على عشرين بابا: [ منها ثلاثة عشر بابا في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله والاثنى عشر إماما ]: الباب الاول: في معجزات رسول الله محمد صلى الله عليه وآله الباب الثاني: في معجزات أمير المؤمنين علي عليه السلام الباب الثالث: في معجزات الحسن بن علي عليه السلام الباب الرابع: في معجزات الحسين بن علي عليه السلام الباب الخامس: في معجزات الامام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام الباب السادس: في معجزات الامام محمد بن علي الباقر عليه السلام
(1) " في اجماعهم " س، ط.
[ 20 ]
الباب السابع: في معجزات الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام الباب الثامن: في معجزات الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام
الباب التاسع: في معجزات الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام الباب العاشر: في معجزات الامام محمد بن علي التقي عليه السلام الباب الحادي عشر: في معجزات الامام علي بن محمد النقي عليه السلام الباب الثاني عشر: في معجزات الامام الحسن بن علي الزكي العسكري عليه السلام الباب الثالث عشر: في معجزات صاحب الزمان مهدي آل محمد عليه السلام [ والسبعة الاخرى ]: (1) الباب الرابع عشر: في أعلام النبي والائمة عليهم السلام ويشتمل على أربعة عشر فصلا لكل واحد منها فصلا الباب الخامس عشر: في الدلائل على إمامة الاثني عشر من الآيات الباهرات لهم الباب السادس عشر: في نوادر المعجزات لهم الباب السابع عشر: في موازاة معجزات نبينا صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام معجزات الانبياء المتقدمين عليهم السلام الباب الثامن عشر: في أم المعجزات (وهي المعجز الباقي الذي هو) (2) القرآن المجيد الباب التاسع عشر: في الفرق بين الحيل وبين المعجزات والفصل بين المكر والاعجاز الباب العشرون: في العلامات والمراتب الخارقة للعادات لهم
(1) محل هذه العبارة كان في أول تعداد الابواب، فاثبتناها هنا لمناسبتها الكلام أكثر، علما أن تفصيل الابواب 1 - 13 ليس في نسخة " س ". (2) " الباقية التي هي في " س. " وهو " م.
[ 21 ]
الباب الاول في معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وآله روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله عظمت قريش في العرب، وسموا أهل الله وكان إبليس يخرق السماوات السبع، فلما ولد عيسى عليه السلام حجب عن ثلاث سماوات وكان يخرق أربع سماوات، فلما ولد رسول الله [ في ] عام الفيل في [ شهر ] ربيع الاول حين طلع (1) الفجر، حجب عن السبع كلها، ورميت الشياطين بالنجوم للرجوم. ثم توفي أبوه بالمدينة عند أخواله وهو ابن شهرين، ودفعه عبد المطلب إلى الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي (2)، وهو زوج حليمة التي أرضعته، وهي بنت أبي ذؤيب الشاعر (3)، وماتت أمه وهو ابن أربع سنين، ومات عبد المطلب وله نحو من ثمان سنين، وكفله أبو طالب [ عمه ].
(1) " طلوع " س. (2) " الحارث بن عبد العزيز بن قناعة السعدي "، وفي م: " قناعة " بدل " رفاعة ". وفي بعض النسخ: قباعة. وما أثبتناه كما ورد اسمه في اسد الغابة: 1 / 338، والاصابة: 1 / 282 ح 1438. (3) أبو ذؤيب الهذلي الشاعر المشهور، اسمه خويلد بن خالد بن محرث، ويقال: خالد بن خويلد. كان فصيحا متمكنا في الشعر، وعاش في الجاهلية دهرا، وأدرك الاسلام فأسلم. توفي في زمن عثمان. تجد ترجمته في اسد الغابة: 5 / 188، والاصابة: 4 / 65 رقم 388.
[ 22 ]
فصل إعلم أن معجزاته عليه وآله السلام على أقسام:
منها ما انتشر نقله وثبت وجوده عاما في كل زمان ومكان حين ظهوره كالقرآن الذي بين أيدينا، نتلوه ونسمعه ونكتبه ونحفظه، لا يمكن [ لاحد ] جحده، إنه هو الذي أتى به نبينا [ محمد صلى الله عليه وآله ]، وإنما دخلت الشبهة على قوم لم ينكشف لهم وجه إعجازه، وقد كشفنا ذلك ببيان قريب في كتاب مفرد. والقسم الثاني على أقسام: منها: ما رواه المسلمون وأجمعوا على نقله، وكان اختصاصهم بنقله، لانهم كانوا هم المشاهدين لذلك (1) وظهرت بين أيديهم في سفر كانوا هم المصاحبين له، أو في حضر لم يحضره غيرهم، فلذلك انفردوا بنقلها وهم الجماعة الكثيرة التي لا يجوز على مثلها نقل الكذب بما لا أصل له. والثاني من هذه الاقسام، ما شاهده بعض المسلمين فنقلوه إلى حضرة جماعتهم وكان المعصوم وراءه، فلم يوجد منهم إنكار لذلك، فاستدل بتركهم النكير عليهم على صدقهم، لانهم على كثرتهم لا يجوز عليهم السكوت على باطل، ومنكر يسمعونه فلا ينكرونه، ولا منع، كما لا يجوز أن ينقلوا كذبا ولا رغبة ولا رهبة هناك تحملهم على النقل والتصديق. ومنها: ما ظهر في وقته صلوات الله عليه قبل مبعثه تأسيسا لامره. ومنها: ما ظهر على أيدي سراياه في البلدان البعيدة، إبانة لصدقهم في ادعائهم بنبوته، لانهم ممن لا تظهر منهم (2) المعجزات، إذ لم يكونوا من أوصيائه، فيعلم بذلك تصديقه في دعواهم له. ومنها: ما وجدت في كتب الانبياء قبله من تصديقه ووصفه بصفاته، وإظهار علاماته
(1) " لها " س. (2) " عليهم " م، " عنهم " ط.
[ 23 ]
والدلالة على وقته ومكانه وولادته، وأحوال آبائه وأمهاته. ومن معجزاته أيضا: أخلاقه ومعاملاته وسيرته وأحواله الخارقة للعادة.
ومن معجزاته أيضا: شرائعه التي لا تزداد على طول البحث عنها، والنطق فيها إلا حسنا وترتيبا وإتقانا وصحة، واتساقا ولطفا. ونذكر أولا: معجزاته الموجزة التي ظهرت عليه في حياته، وتلك على أنحاء ومراتب: فمنها: ما ظهرت عليه قبل مبعثه للتأنيس والتمهيد والتأسيس. ومنها: ما ظهرت عليه بعد مبعثه لاقامة الحجة بها على الخلق. ومنها: ما ظهر من دعواته المستجابة. ومنها: ما ظهر من إخباره عن الغائبات فوجد كلها صدقا. ومنها: ما أخبر به ثم ظهر بعد وفاته صلى الله عليه وآله. [ فصل من روايات العامة ] 1 - فمن معجزاته خبر منتشر في مؤمن العرب وكافرها، يتقاولون فيه الاشعار ويتفاوضونه في الديار: أمر سراقة بن مالك بن جعشم، قد تبعه متوجها إلى المدينة ملتمسا غرته ليحظى به عند قريش، فأمهله الله حتى أيقن أنه قد ظفر ببغيته، لا يمترى لقوته، خسف الله به الارض فساخت قوائم فرسه وهو بموضع صلب كأنه ظهر صفوان فعلم أن الذي أصابه أمر سماوي، فناداه: يا محمد فأجابه آخذا بالفضل عليه ورحمة لعباد الله، وقد قال له: أدع ربك يطلق فرسي وذمة الله علي أن لا أدل عليك، بل أدفع عنك. فدعا له، فوثب جواده كأنه أفلت من أنشوطة (1). وكان رجلا داهية، وعلم بما
(1) هي العقدة التى يسهل انحلالها.
[ 24 ]
رأى أن سيكون له نبأ، فقال له: أكتب لي أمانا. ولو عقل لتنبه فأسلم. (1) 2 - ومنها: ما انتشر خبره أن أبا جهل اشترى من رجل طارئ (2) من العرب على
مكة إبلا، فبخسه حقه وثمنه، فأتى نادي قريش فذكرهم حرمة البيت، فأحالوه على محمد صلى الله عليه وآله استهزاءا به لقلة منعته (3) عندهم، فأتى محمدا صلى الله عليه وآله فمضى معه، ودق على أبي جهل الباب، فخرج متخوف القلب، وقال أهلا يا أبا القاسم - قول الذليل -. فقال صلى الله عليه وآله: أعط هذا الرجل حقه. فأعطاه في الحال. فعيره قومه، فقال: رأيت ما لم تروا، رأيت فالجا (4) لو أبيت لابتلعني. فعلموا أنه صدق بما أخبرهم، لبغضه له. (5) 3 - ومنها: أن أبا جهل طلب غرته، فلما رآه ساجدا أخذ صخرة ليطرحها عليه فألصقها الله بكفه، فلما عرف أن لا نجاة إلا بمحمد صلى الله عليه وآله سأله أن يدعو ربه. فدعا الله، فأطلق يده، وطرح صخرته. (6) 4 - ومنها: أنه بهرت عقولهم لما أخبرهم من إسراء الله به من مكة إلى المسجد الاقصى بالشام. فبات معهم أول الليل، ثم اخترق الشام، فبلغ من بيت المقدس سدرة المنتهى، ورجع من ليلته. وأنكره المشركون فامتحنوه بوسع طاقتهم، فخبرهم عنه عيانا بمجئ عيرهم وبالبعير الذي يتقدم، عليه غرارتان. وأمر البعير أعجب العلامات لانه أخبرهم قبل مجيئهم، ولو كان يخبرهم عن
(1) عنه البحار: 17 / 387 ح 53، وعن اعلام الورى: 24. ورواه ابن الاثير في أسد الغابة: 2 / 264، وفي الكامل في التاريخ: 2 / 105. (2) الطارئ: الغريب. (3) المنعة: القوة التي تمنع من يريد أحدا بسوء. (4) " ثعبانا " س. وأضاف في ط: " يعني أسدا "، وهو خطأ. والفلج والفالج: البعير ذو السنامين. لسان العرب: 2 / 346. (5) عنه البحار: 18 / 74 ح 30، وعن اعلام الورى: 29. (6) عنه البحار: 18 / 56 ح 10، وعن مناقب ابن شهر اشوب: 1 / 69.
[ 25 ]
غير الله لم يدر، لعله أن يتقدم بعير آخر، فيجئ الامر بخلاف ما أخبر. (1) 5 - ومنها: ما هو مشهور أنه خرج في متوجهه إلى المدينة، فآوى إلى غار بقرب مكة يعتوره، ويأوي إليه الرعاء، قل ما يخلو من جماعة نازلين يستريحون فيه فأقام به عليه السلام ثلاثا لا يطوره (2) بشر وخرج القوم في أثره، فصدهم الله عنه بأن بعث عنكبوتا فنسجت عليه، فآيسهم من الطلب فيه، فانصرفوا، وهو منصب أعينهم. (3) 6 - ومنها: أنه مر بامرأة يقال لها " أم معبد " لها شرف في قومها، نزل بها فاعتذرت بأنه ما عندها إلا عنز لم تر لها قطرة لبن منذ سنة [ للجدب ] (4) فمسح ضرعها ورواهم من لبنها، وأبقى لهم لبنها وخيرا كثيرا، ثم أسلم أهلها لذلك. (5) 7 - ومنها: أنه أتى إمرأة من العرب يقال لها " أم شريك " فاجتهدت في قرائه وإكرامه، فأخرجت عكة لها فيها بقايا سمن، فالتمست فيها فلم تجد شيئا. فأخذها وحركها بيده فامتلات سمنا عذبا، وهي تعالجها قبل ذلك لا يخرج منها شئ، فأروت القوم منها وأبقت فضلا عندها كافيا، وبقى لها النبي صلى الله عليه وآله شرفا يتوارثه الاعقاب، وأمر أن لا يسد رأس العكة. (6) 8 - ومنها: أنه مر بشجرة (7) غليظة الشوك، متقنة الفروع ثابتة الاصل، فدعاها فأقبلت تخذ الارض إليه طوعا، ثم أذن لها فرجعت إلى مكانها.
(1) روى نحوه في الكافي: 8 / 262 ح 376، عنه البحار: 18 / 309 ح 18. (2) أي لا يقربه. قال ابن الاثير في النهاية: 3 / 142: " في حديث علي عليه السلام: والله لا أطور به ما سمر سمير. أي لا أقر به أبدا ". (3) عنه البحار: 18 / 73 ح 27، وج 19 / 72 ح 24. (4) من البحار. يقال: أجدب المكان: إذا انقطع عنه المطر فيبست أرضه. (5، 6) عنه البحار: 18 / 26 ح 5، 6. (7) " بسمرة " البحار. قال ابن الاثير في النهاية: 2 / 399: " هو ضرب من شجر الطلح
الواحدة سمرة ".
[ 26 ]
فأي آية أبين وأوضح من موات يقبل مطيعا لامره مقبلا ومدبرا. (1) 9 - ومنها: أنه في غزوة الطائف مر في كثير طلح، فمشى وهو وسن (2) من النوم فاعترضته سدرة، فانفجرت السدرة نصفين، فمر بين نصفيها، وبقيت السدرة منفردة على ساقين إلى زماننا هذا. وهي معروفة بذلك البلد، مشهورة يعظمها أهله وغيرهم ممن عرف شأنها لاجله. وتسمى " سدرة النبي ". وإذا انتجع الاعراب الغيث عضدوا منه (3) ما أمكنهم، وعلقوه على إبلهم وأغنامهم ويقلعون شجر هذا الوادي ولا ينالون هذه السدرة (بقطع ولا شئ من المكروه) (4) معرفة بشأنها وتعظيما لحالها، فصارت له آية بينة وحجة باقية هناك. (5) 10 - ومنها: أنه كان في مسجده جذع، كان إذا خطب فتعب (6) أسند إليه ظهره فلما اتخذ له منبر حن الجذع، فدعاه، فأقبل يخد الارض، والناس حوله ينظرون إليه، فالتزمه وكلمه فسكن [ ثم ] قال له: عد إلى مكانك. وهم يسمعون. فمر حتى صار في مكانه، فازداد المؤمنون يقينا وفي دينهم بصيرة و [ كان ] هنالك المنافقون وقد نقلوه ولكن الهوى يميت القلوب. (7) 11 - ومنها: أنه انتهى إلى نخلتين وبينهما فجوة من الارض فقال لهما: انضما
(1) عنه البحار: 17 / 374 ح 31. (2) الوسن: فتور يتقدم النوم. (3) انتجع الغيب: أي ذهب في طلب الكلاء الذي ينبت بماء الغيث. عضدوا منه: أي نثروا من ورقه لابلهم. (4) " ويقطع من المكسورة " م، ط. (5) عنه البحار: 17 / 375 ح 32، وعن مناقب ابن شهر اشوب: 1 / 117، واعلام الورى: 30 من كتاب شرف النبي صلى الله عليه وآله، لابي سعيد الواعظ. (6) " فأحب " م. " فأحب إذا " ط.
(7) عنه البحار: 17 / 375 ح 33 وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة: 2 / 556 - 563 وج 6 / 67 وص 68 بعدة طرق ورواه كثير من العلماء في مصنفاتهم بطرق كثيرة.
[ 27 ]
- وأصحابه حضور - فأقبلتا تخدان الارض حتى انضمتا. (1) فأي حجة أوضح ؟ وأي عبرة أبين من هذه ؟ فأي شبهة تدخل ها هنا ؟ ! 12 - ومنها: أن رجلا كان في غنمه يرعاها فأغفلها سويعة من نهاره، فأخذ الذئب منها شاة، فجعل يتلهف ويتعجب، فطرح الذئب الشاة وكلمه بكلام فصيح: أنتم أعجب، هذا محمد صلى الله عليه وآله يدعو إلى الحق ببطن مكة وأنتم عنه لاهون. فأبصر الرجل رشده، وأقبل حتى أسلم، وحدث القوم بقصته و [ كان ] أولاده يفتخرون على العرب بذلك، فيقول أحدهم: أنا ابن مكلم الذئب. (2) 13 - ومنها: أنه أتي بشاة مسمومة أهدتها له إمرأة يهودية ومعه أصحابه، فوضع يدة ثم قال: إرفعوا أيديكم فإنها تخبرني أنها مسمومة. (3) ولو كان ذلك لعلة الارتياب باليهودية ما قبلها بدئا، ولا جمع لها أصحابه، ولا استجاز تركهم أكلها. 14 - ومنها: أن أصحابه يوم الاحزاب صاروا بمعرض العطب لفناء الازواد فهيأ رجل قوت رجل أو رجلين - لا أكثر من ذلك - ودعا النبي صلى الله عليه وآله فانقلب القوم وهم ألوف معه، فدخل، فقال: غطوا إناءكم فغطوه، ثم دعا وبرك عليه فأكلوا جميعا وشبعوا، والطعام بهيئته. (4)
(1) عنه البحار: 17 / 375 ح 34. (2) " فيقولون: نحن بنو مكلم الذئب " س، ط. عنه البحار: 17 / 406 ح 27. وأخرجه في اثبات الهداة: 2 / 88 ح 436 عن اعلام
الورى: 25. ويأتي مثله ح 38. (3) عنه البحار: 17 / 406 ح 28. وأخرجه السيوطي في الخصائص الكبرى: 2 / 63 - 65 بعدة طرق. (4) عنه البحار: 18 / 26 ح 7، وعن اعلام الورى: 26، وأخرجه في اثبات الهداة: 2 / 88 ح 438 عن اعلام الورى.
[ 28 ]
15 - ومنها: أنهم شكوا إليه في غزوة تبوك نفاذ أزوادهم، فدعا بزاد لهم فلم يوجد إلا بضع عشرة تمرة، فطرحت بين يديه فمسها بيده ودعا ربه، ثم صاح بالناس فانحفلوا (1) وقال: كلوا بسم الله. فأكل القوم فصاروا كأشبع ما كانوا، وملاوا مزاودهم وأوعيتهم، والتمرات بحالها كهيئتها يرونها عيانا، لا شبهة فيه. (2) 16 - ومنها: أنه ورد في غزاته هذه على ماء قليل لا يبل حلق واحد من القوم وهم عطاش، فشكوا ذلك إليه، فأخذ سهما من كنانته فأمر بغرزه في أسفل الركي - فإذا غرزوا - ففار الماء إلى أعلى الركي فارتووا للمقام واستقوا للضعن، وهم ثلاثون ألفا ورجال من المنافقين حضور متحيرين. (3) 17 - ومنها: أنهم كانوا معه في سفر فشكوا إليه أن لا ماء معهم، وأنهم بسبيل هلاك، فقال " كلا إن معي ربي عليه توكلي، وإليه مفزعي " ثم دعا بركوة فيها ماء فطلب فلم يوجد إلا فضلة في الركوة، وما كانت تروي رجلا، فوضع كفه فيه، فنبع الماء من بين أصابعه يجري، وصيح في الناس، فسقوا، وأسقوا، فشربوا حتى نهلوا وعلوا وهم ألوف، وهو يقول: إشهدوا أني رسول الله حقا. (4) 18 - ومنها: أن قوما شكوا إليه ملوحة مائهم، فأشرف على بئرهم، وتفل فيها وكانت مع ملوحتها غائرة، فانفجرت بالماء العذب، فها هي يتوارثها أهلها يعدونها
(1) أي احتشدوا.
(2) عنه البحار: 18 / 27 ح 8 وعن اعلام الورى: 26، وأخرجه في اثبات الهداة: 2 / 89 ح 439 عن اعلام الورى. وأورده في ثاقب المناقب: 18 (مخطوط). (3) عنه البحار: 18 / 27 ح 9 وعن اعلام الورى: 26. وأخرجه في اثبات الهداة: 2 / 89 ح 440 عن اعلام الورى. (4) عنه البحار: 17 / 27 ح 10. وأورده في اعلام الورى: 23، عنه اثبات الهداة: 2 / 85 ح 431 وأورده في كشف الغمة: 1 / 24، وثاقب المناقب: 12 (مخطوط).
[ 29 ]
أعظم مكارمهم. (1) وكان مما أكد الله صدقه أن قوم مسيلمة لما بلغهم ذلك سألوه مثلها، فأتى بئرا فتفل فيها، فعاد ماؤها ملحا أجاجا كبول الحمار، فهي بحالها إلى اليوم معروفة الاهل والمكان. (2) 19 - ومنها: أن إمرأة أتته بصبي لها ترجو بركته بأن يمسه ويدعو له وكان برأسه عاهة فرحمها، والرحمة صفته صلى الله عليه وآله فمسح يده على رأسه فاستوى شعره، وبرئ داؤه. فبلغ ذلك أهل اليمامة، فأتوا مسيلمة بصبي لامرأة فمسح رأسه، فصلع، وبقي نسله إلى يومنا هذا صلعا. (3) 20 - ومنها: أن قوما من عبد القيس أتوه بغنم لهم فسألوه أن يجعل لهم علامة يعرفونها بها، فغمز بيده في أصول آذانها، فابيضت، فهي إلى اليوم معروفة النسل. (4) 21 - ومنها: أن أهل المدينة مطروا مطرا عظيما، فخافوا الغرق، فشكوا إليه. فقال صلى الله عليه وآله: اللهم حوالينا، ولا علينا. فانجابت السحاب عن المدينة على هيئة الاكليل لا تمطر في المدينة وتمطر حواليها، فعاين مؤمنهم وكافرهم أمرا لم يعاينوا مثله. (5)
(1) زاد في البحار " وهذه البئر بظاهر مكة بموضع يسمى الزاهر، واسمها العسيلة ".
قال الفيرزآبادي: الزاهر: مستقى بين مكة والتنعيم. وقال: العسيلة كجهينة: ماء شرقي سميراء. القاموس المحيط: 2 / 43 وج 4 / 16. (2) عنه البحار: 18 / 28 ح 11، وعن مناقب ابن شهر اشوب: 1 / 102، واعلام الورى: 26 وأورده في كشف الغمة: 1 / 27. (3) عنه البحار: 18 / 8 ح 8 وعن اعلام الورى: 27. وأخرجه في اثبات الهداة: 2 / 90 ح 443 عن اعلام الورى. (4) عنه البحار: 17 / 406 ح 29، وعن المناقب: 1 / 104. وأخرجه في اثبات الهداة: 2 / 90 ح 444 عن اعلام الورى. (5) عنه البحار: 17 / 354 ح 6. وأورده في اعلام الورى: 27، عنه اثبات الهداة: 2 / 91 ح 445.
[ 30 ]
22 - ومنها: أن قوما من العرب اجتمعوا عند صنم لهم ففاجأهم صوت من جوفه ويناديهم بكلام فصيح: [ أتاكم محمد يدعوكم إلى الحق ]. فانجفلوا مسرعين (1) وذلك حين بعث عليه السلام، فأسلم أكثر من حضر. (2) 23 - ومنها: أنه لاقى (3) أعداءه يوم بدر وهم ألف وهو في عصابة كثلث أعدائه، فلما التحمت الحرب أخذ قبضة من تراب - والقوم متفرقون في نواحي عسكره - فرمى به وجوههم فلم يبق منهم رجل إلا امتلات منه عيناه، وإن كانت الريح العاصف يومها إلى الليل لتقصف (4) بأعاصير التراب لا يصيب أحدا مثله. (5) وقد نطق به القرآن، وصدق به المؤمنون، وشاهد الكفار ما نالهم منه [ وحدثوا به ] وليس في قوى أحد من العالمين أن يرمي قوما بينه وبينهم مائتا ذراع وأكثر وهم كثير متفرقون، طرفاهم متباعدان، والتراب ملء كفه. فعلم أن فاعل ذلك هو الله تعالى. (6)
24 - ومنها: أنه كان في سفرين من أسفاره قبل البعثة معروفين مذكورين عند عشيرته، وغيرهم، لا يدفعون حديثهما، ولا ينكرون ذكرهما فكانت سحابة أظلت عليه حين يمشي، تدور معه حيثما دار، وتزول حيث زال، يراها رفقاؤه ومعاشروه. (7) 25 - ومنها: أن ناقته افتقدت فأرجف المنافقون، فقالوا: يخبرنا بأسرار السماء ولا يدري أين ناقته. فسمع صلى الله عليه وآله ذلك فقال: إني وإن أخبركم بلطائف السماء (8) لكني لا أعلم من ذلك إلا ما علمني الله. فلما وسوس إليهم الشيطان بذلك دلهم على حالها، ووصف لهم الشجرة التي
(1) " فزعين " البحار. قال المجلسي: انجفل القوم: أي انقلعوا كلهم ومضوا. (2) عنه البحار: 17 / 376 ح 35. (3) " صاف " م. " صادف " ط. (4) " لتعصف " ط والبحار. يقال: ريح قاصف أو قاصفة: شديدة جدا تكسر ما مرت به من الشجر. (5) من عسكره " البحار. (6) عنه البحار: 18 / 73 ح 28. (7) عنه البحار: 17 / 354 ح 7. (8) " الاسرار " البحار.
[ 31 ]
هي متعلقة بها، فأتوها فوجدوها على ما وصف قد تعلق خطامها بشجرة أشار إليها. (1) 26 - ومنها: أن القمر قد انشق وهو بمكة أول مبعثه، يراه أهل الارض طرا فتلا به عليهم قرآنا، فما أنكروا عليه ذلك، وكان ما أخبرهم به من الامر الذي لا يخفى أثره، ولا يندرس ذكره. وقول بعض الناس: " لم يروه ولم يره إلا واحد " خطأ، بل شهرته أغنت عن نقله على أنه لم يره إلا واحد كان أعجب. وروى ذلك خمسة نفر: ابن مسعود وابن عباس، وابن جبير، وابن مطعم عن أبيه، وحذيفة وغيرهم (2). (3) 27 - ومنها: أن من كان بحضرته من المنافقين كانوا لا يكونون في شئ من ذكره
إلا أطلعه الله عليه وبينه فيخبرهم به، حتى كان بعضهم يقول لصاحبه: أسكت وكف فو الله لو لم يكن عندنا إلا الحجارة لاخبرته حجارة البطحاء. ولم يكن ذلك منه ولا منهم مرة، بل يكثر ذلك من أن يحصى عدده حتى يظن ظان أن ذلك كان بالظن وبالتخمين، كيف وهو يخبرهم بما قالوا على ما لفظوا، ويخبرهم عما في ضمائرهم فكلما ضوعفت عليهم الآيات ازدادوا عمى لعنادهم. (4) 28 - ومنها: أن سلمان أتاه فأخبره أنه قد كاتب مواليه على كذا وكذا ودية - وهي صغار النخل - كلها تعلق، وكان العلوق أمرا غير مضمون عند العاملين على ما جرت به عادتهم لولا ما علم من تأييد الله لنبيه، فأمر سلمان بضمان ذلك لهم فجمعها لهم.
(1) عنه البحار: 18 / 109 ح 11، وعن اعلام الورى: 28، وأخرجه في اثبات الهداة: 2 / 91 ح 447. (2) وروى ذلك أيضا: أنس بن مالك وابن عمر. (3) عنه البحار: 17 / 354 ح 8. والحديث متواتر مشهور رواه علماء الفريقين وشهدوا بصحته، راجع البحار: 17 / 347 - 362، دلائل النبوة للبيهقي: 2 / 262 - 268، والخصائص الكبرى: 1 / 312. (4) عنه البحار: 18 / 110 ح 12، واثبات الهداة: 2 / 113 ح 511.
[ 32 ]
ثم قام عليه السلام فغرسها بيده، فما سقطت منها واحدة، وبقيت علما معجزا يستشفى بثمرتها (1) وترجى بركاتها وأعطاه تبرة (2) من ذهب كبيضة الديك. فقال: اذهب بها وأوف بها أصحابك الديون. فقال - متعجبا مستقلا لها -: أين تقع هذه مما علي ؟ فأدارها على لسانه ثم أعطاها إياه - إنما هي قد كانت في هيئتها الاولى ووزنها لا تفي بربع حقهم - فذهب بها وأوفى القوم منها حقوقهم. (3) 29 - ومنها: أن الاخبار تواترت واعترف بها الكافر والمؤمن بخاتم النبوة
الذي بين كتفيه عليه شعرات متراكمة، تقدمت بها الانبياء قبل مولده بالزمن الطويل فوافق ذلك ما أخبروا عنه في صفته. (4) 30 - ومنها: أن أحد أصحابه (5) أصيب بإحدى عينيه في إحدى مغازيه، فسالت حتى وقعت على خده، فأتاه مستغيثا به.
(1) " بتمرها " ط والبحار. (2) " نبوة " م. ط. وهو تصحيف. والتبر - بالكسر -: ما كان من الذهب غير مضروب. (3) عنه البحار: 18 / 28 ح 12، واثبات الهداة: 2 / 114 ح 512، والمستدرك: 3 / 47 ح 4. ورواه مثله البيهقي في دلائل النبوة: 6 / 97. وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد: 8 / 336 عن أحمد والبزار. (4) عنه البحار: 16 / 174 ح 17. والروايات في خاتم النبوة وصفته كثيرة راجع دلائل النبوة: 1 / 259 - 267. (5) هو قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر، أبو عمرو الانصاري الظفري البدري. من نجباء الصحابة، شهد العقبة، هو وأخوه أبو سعيد الخدري لامه. توفي سنة 23 بالمدينة. راجع بشأنه والرواية: سير أعلام النبلاء: 2 / 231 رقم 66، اسد الغابة: 4 / 195: الاصابة: 3 / 225، وغيرها من كتب التراجم.
[ 33 ]
فأخذها، فردها مكانها، وكانت أحسن عينيه منظرا، وأحدهما بصرا. (1) 31 - ومنها: أنه أتى يهود النضير مع جماعة من أصحابه فاندس (2) له رجل منهم ولم يخبر أحدا، ولم يؤامر (3) بشرا ما أضمره عليه، وهو يريد أن يطرح عليه صخرة، وكان قاعدا في ظل اطم (4) من آطامهم، فنذرته صلى الله عليه وآله نذارة الله.
فقام راجعا إلى المدينة، وأنبأ القوم بما أراد صاحبهم، فسألوه فصدقهم وصدقوه وبعث الله على الذي أراد كيده أمس الخلق به رحما، فقتله. فنفله رسول الله صلى الله عليه وآله بماله كله. (5) 32 - ومنها: أن ابن " ملاعب الاسنة " (6) كان ببطنه استسقاء (7) فبعث إليه يستشفيه
(1) عنه البحار: 18 / 8 ح 9 وعن اعلام الورى: 28، وفيه: وأصحهما وأحدهما نظرا. أخرجه في اثبات الهداة: 2 / 92 ح 449 عن الاعلام. (2) الدسيسة: ما أكمن من المكر والعداوة. (3) آمر فلانا في الامر أي: شاوره. والمعنى: لم يشاور أحدا. (4) الاطم: الحصن، جمعه آطام. (5) عنه البحار: 18 / 110 ح 13. (6) هو أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الاسنة، وكان سيد بني عامر بن صعصعة وسمي ملاعب الاسنة، يوم سوبان، وهو يوم كانت فيه وقيعة في أيام العرب بين قيس وتميم، وقد فر عنه أخوه يومئذ فقال شاعر: فررت وأسلمت ابن أمك عامرا * يلاعب أطراف الوشيج المزعزع قالوا: قد قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله، وأهدى له هدية، فأبى رسول الله أن يقبلها، وقال: يا أبا براء: لا أقبل هدية مشرك، فأسلم ان أردت أن أقبل هديتك، وعرض عليه الاسلام، ولم يسلم. وله دور مؤثر في غزوة بئر معونة. راجع تاريخ الطبري: 2 / 219، مغازي الواقدي: 1 / 346، تاريخ ابن الاثير: 2 / 171. دلائل النبوة للبيهقي: 3 / 338. (7) الاستسقاء: هو تجمع سوائل في تجويف أو أكثر من تجاويف الجسد، أو في خلاياه.
[ 34 ]
فأخذ صلى الله عليه وآله بيده جثوة (1) من الارض، فتفل عليها ثم أعطاها رسوله. فأخذها متعجبا يرى أنه قد هزأ به، فأتاه بها وإذا هو بشفا هلاك، فشربها فأطلق
من مرضه وغسل عنه داؤه. (2) 33 - ومنها: أن امرأة من اليهود عملت له سحرا، وظنت أنه ينفذ فيه كيدها والسحر باطل محال، إلا أن الله دله عليه، فبعث من استخرجه، وكان على الصفة التي ذكرها، وعلى عدد العقد التي عقد فيها، ووصف ما لو عاينه معاين لغفل عن بعض ذلك. (3) 34 - ومنها: أنه كان على جبل حراء فتحرك الجبل، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: اسكن فما عليك إلا نبي أو وصي. وكان معه علي عليه السلام، [ فسكن ]. (4) 35 - ومنها: أنه انصرف ليلة من العشاء فاضاءت له برقة، فنظر إلى قتادة بن النعمان (5)، فعرفه، وكانت ليلة مطيرة، فقال: يا نبي الله أحببت أن أصلي معك. فأعطاه عرجونا (6)، وقال: خذ هذا فإنه سيضئ لك أمامك عشرا، فإذا أتيت بيتك فإن الشيطان قد خلفك، فانظر إلى الزاوية على يسارك حين تدخل، فأعله بسيفك.
(1) الجثوة: كومة التراب. وفي البحار واعلام الورى والمناقب: حثوة (بالحاء)، ولم نجد لها أصلا في المعاجم والاول أصح. (2) أخرج نحوه في البحار: 18 / 22 ح 50، عنه وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 101 وعن اعلام الورى: 28، واللفظ للاخير. وأخرجه في اثبات الهداة: 2 / 92 ح 450 عن اعلام الورى. ورواه في كتاب المغازى للواقدي: 1 / 350 بمثل ما مر في الاعلام. (3) عنه البحار: 18 / 57 ح 11. (4) عنه البحار: 17 / 376 ح 36. (5) تقدمت ترجمته في الحديث: 30. (6) العرجون، ويقال له العرجد: أصل العذق الذي يعوج ويبقى على النخل يابسا بعد أن تقطع عنه الشماريخ، وجمعه عراجين.
[ 35 ]
فدخلت، فنظرت حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله. فإذا أنا سواد، فعلوته بسيفي. فقال: أهلي: ماذا تصنع ؟. وفيه معجزتان: أحدهما اضاءة العرجون بلا نار جعلت في رأسه. والثانية: خبره عن الجني على ما كان. (1) 36 - ومنها: أن جارية كان يقال لها " زائدة " (2) كثيرا [ ما ] كانت تأتي رسول الله صلى الله عليه وآله. فأتته ليلة وقالت: عجنت عجينا لاهلي، فخرجت أحتطب، فرأيت فارسا لم أر أحسن منه، فقال [ لي ]: كيف محمد ؟ قلت: بخير، ينذر الناس بأيام (3) الله. فقال: إذا أتيت محمدا فأقرئيه السلام وقولي [ له ]: إن رضوان خازن الجنة يقول: إن الله قسم الجنة لامتك أثلاثا: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث تشفع لهم فتشفع فيهم. قالت: فمضى، فأخذت الحطب أحمله، فثقل علي، فالتفت ونظر إلي وقال: ثقل عليك حطبك ؟ فقلت: نعم. فأخذ قضيبا أحمر كان في يده فغمز الحطب ثم نظر فإذا هو بصخرة ناتئة (4) فقال: أيتها الصخرة احملي الحطب معها. فقالت: يا رسول الله فإني رأيتها تدكدك (5) حتى رجعت، فألقت الحطب
(1) عنه البحار: 17 / 376 ح 37. (2) هي مولاة عمر بن الخطاب، وقيل: اسمها: زيدة. راجع الاصابة: 4 / 311 رقم 460، واسد الغابة: 5 / 461. (3) " بآيات " ط، ه. (4) أي: بارزة، وفي ط وه: تأتيه، وفي نسخة أخرى: ثابتة. (5) " تذكرك " س وخ ل، والبحار، والظاهر أنها تصحيف. دك الارض دكا: سوى صعودها وهبوطها، ودك التراب دكا: كبسه وسواه. والدك: الدق، وقد دككت الشئ: إذا ضربته وكسرته حتى سويته بالارض، ومنه
قوله تعالى " فدكتا دكة واحدة ". راجع لسان العرب: 10 / 425 و 426.
[ 36 ]
وانصرفت. (1) 37 - ومنها: أنه أتاه رجل من جهينة يتقطع من الجذام، فشكا إليه فأخذ قدحا من الماء فتفل فيه، ثم قال: امسح به جسدك. ففعل، فبرأ حتى لا يوجد منه شئ. (2) 38 - ومنها: ما رواه أبو سعيد الخدري: إن عمير الطائي كان يرعى بالحرة غنما له إذ جاء ذئب إلى شاة من غنمه، فانتهزها (3)، فحال بين الذئب والشاة أذ أقعى (4) الذئب على ذنبه، فقال ألا تتقي الله، تحول بيني وبين رزق ساقه الله إلي. فقال الراعي: العجب من الذئب يكلمني. فقال الذئب: أعجب من هذا رسول الله بين الحرتين يحدث الناس بأنباء ما قد سبق. فأخذ الراعي الشاة فأتى بها المدينة، ثم أتى النبي فأخبره، فخرج النبي إلى الناس فقال للراعي: قم فحدثهم. فقام فحدثهم. فقال النبي صلى الله عليه وآله: صدق الراعي. (5)
(1) عنه البحار: 17 / 298 ح 8، واثبات الهداة: 2 / 115 ح 513. وأورد نحوه في اسد الغابة: 5 / 461 في ترجمة " زائدة " وفيه " الخضر " بدل " رضوان " وفي الاصابة: 4 / 311 رقم 460 عن كتاب شرف المصطفى لابي سعد النيسابوري، وعن أبي موسى والمستغفري، بمثل ما مر في اسد الغابة، وفي رواية سعد: رضوان خازن الجنة، (2) عنه البحار: 18 / 8 ح 10. وأورده في ثاقب المناقب: 32 و 33 (مخطوط). (3) انتهز الفرصة: اغتنمها وانتهض إليها مبادرا، وانتهز الشئ: قبله وأسرع إلى تناوله. (4) أقعى الكلب أو الاسد: جلس على استه. (5) عنه البحار: 17 / 394 ح 6، وعن أمالي الشيخ الطوسي: 1 / 12 باسناده إلى أبي سعيد الخدري (مطولا). ورواه بمثل ما مر في الامالي: البيهقي في دلائل النبوة: 6 / 41
وأحمد في مسنده: 3 / 83 و 84، والترمذي في صحيحه: 4 / 476. وأخرجه ابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 143 عن مسند أحمد، وفي الخصائص الكبرى: 2 / 267 - 271 بعدة طرق. وأورده في ثاقب المناقب: 39 عن أبي سعيد.
[ 37 ]
39 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله كان في سفر، إذ جاء بعير فضرب الارض بجرانه (1) ثم بكى حتى ابتل ما حوله من دموعه، فقال صلى الله عليه وآله: هل تدرون ما يقول ؟ إنه يزعم أن صاحبه يريد نحره غدا. فقال النبي صلى الله عليه وآله لصاحبه: تبيعه ؟ قال: مالي مال أحب إلي منه. فاستوصى به خيرا. (2) 40 - ومنها: أن ثورا أخذ ليذبح [ فتكلم ] فقال: رجل يصيح، لامر نجيح بلسان فصيح، بأعلى مكة " لا إله إلا الله "، فخلى عنه. (3) 41 - ومنها: ما روت أم سلمة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وآله كان يمشي في الصحراء فناداه مناد: يا رسول الله فإذا هي ظبية [ موثقة ] قال: ما حاجتك ؟ قالت: هذا الاعرابي صادني ولي خشفان (4) في ذلك الجبل، فأطلقني حتى أذهب وأرضعهما فأرجع. قال: وتفعلين ؟ قالت: نعم [ فإن لم أفعل عذبني الله عذاب العشار ]. (5) فأطلقها فذهبت [ فأرضعت خشفيها ] (6) ثم رجعت فأوثقها، فأتاه الاعرابي، فأخبره النبي صلى الله عليه وآله بحالها، فأطلقها، فعدت تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. (7) 42 - ومنها: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: إني قدمت من سفر لي فبينا بنية خماسية تدرج حولي في صبغها وحليها، أخذت بيدها فانطلقت إلى وادي كذا وطرحتها فيه. فقال صلى الله عليه وآله: انطلق معي فأرني الوادي. فانطلق مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الوادي فقال لابيها (8): ما اسمها ؟ قال: فلانة. فقال صلى الله عليه وآله: أجيبي (9) يا فلانة
(1) الجران من البعير: مقدم عنقه. ويقال: ألقى البعير جرانه: أي برك. وجمعه جرن وأجرنة. (2) عنه البحار: 17 / 407 ح 32. (3) عنه البحار: 17 / 408 ح 33.
(4) الخشف: ولد الظبي أول ما يولد. (5، 6) من قصص الانبياء والبحار. العشار: أي عشرة عشرة، وعذاب العشار أي: يضاعف أعشارا. (7) عنه البحار: 17 / 402 ح 19، وعن قصص الانبياء للمصنف: 306 (مخطوط) عن الصدوق باسناده إلى أم سلمة. وأخرجه في البحار: 75 / 348 ح 50 عن قصص الانبياء. (8) في المناقب: لامها. (9) في البحار: أحيى.
[ 38 ]
بإذن الله. فخرجت الصبية تقول: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: إن أبويك قد أسلما (1)، فإن أحببت أردك عليهما. قالت: لا حاجة لي فيهما، وجدت الله خيرا لي منهما. (2) 43 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله كان في أصحابه إذ جاء أعرابي ومعه ضب [ قد ] صاده، وجعله في كمه، قال: من هذا ؟ قالوا: [ هذا ] النبي. فقال: واللات والعزى ما أحد أبغض إلي منك، ولولا أن يسميني قومي عجولا، لعجلت عليك، فقتلتك. فقال صلى الله عليه وآله: ما حملك على ما قلت ؟ آمن [ بي ]. (3) قال: لا أو من أو يؤمن بك هذا الضب. فطرحه. فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا ضب. فأجابه الضب بلسان عربي يسمعه القوم: لبيك وسعديك، يا زين من وافى القيامة. قال: من تعبد ؟ قال: الذي في السماء عرشه، وفي الارض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عقابه. قال: فمن أنا يا ضب ؟ قال: رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، قد أفلح من صدقك، وخاب من كذبك. قال الاعرابي: لا أتبع أثرا بعد عين، لقد جئتك وما على وجه الارض أحد أبغض إلي منك، فإنك الآن أحب إلي من نفسي، ووالدي (4) أشهد أن لا إله إلا الله
وأنك رسول الله. فرجع إلى قومه - وكان من بني سليم - فأخبرهم بالقضية
(1) في المناقب: أساءا. (2) عنه البحار: 18 / 8 ح 11، وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 144. وروى نحوه البيهقي في دلائل النبوة: 6 / 34 و 35 باسناده إلى أبي سعيد وزيد بن أرقم. وأورد نحوه ابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 147 و 148، والسيوطي في الخصائص: 2 / 60 عن أنس بن مالك، وأم سلمة وغيرهما. (3) من " س ". وفي البحار: بالله. (4) " وولدي " س.
[ 39 ]
وآمن من ألف إنسان منهم. (1) 44 - ومنها: ما روى أنس قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وآله إلى السوق ومعي عشرة دراهم، وأراد صلى الله عليه وآله أن يشتري عباءة، فرأى جارية تبكي، وتقول: سقط مني درهمان [ في زحام السوق ] ولا أجسر أن أرجع إلى مولاي. فقال [ لي ] صلى الله عليه وآله: أعطها درهمين. فأعطيتها، فلما اشترى عباءة، بعشرة دراهم فوقفت [ على ] (2) ما بقي [ معي ]، فإذا هي عشرة كاملة. (3) 45 - وروى أنس: أن النبي صلى الله عليه وآله دخل حائطا للانصار وفيه غنم فسجدت له فقال أبو بكر: نحن أحق بالسجود لك من هذه الغنم. فقال صلى الله عليه وآله: إنه لا ينبغي (4) أن يسجد أحد لاحد، ولو كان ينبغي أن يسجد أحد لاحد (5) لامرت المرأة أن تسجد لزوجها. (6) 46 - ومنها: أن عبد الله بن أبي أوفى قال: بينما نحن قعود عند النبي صلى الله عليه وآله إذ أتاه آت فقال: ناضح (7) آل فلان قد ند (8)
(1) عنه البحار: 17 / 406 ح 30، وروى مثله باختلاف الالفاظ في دلائل النبوة: 6 / 36. وأورده ابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 149 عن البيهقي، وأبو نعيم في الدلائل:
320 عن الطبراني في الاوسط والصغير، وابن عدي والحاكم في المعجزات، والبيهقي وأبي نعيم وابن عساكر. (2) " وزنت ما بقى " س، والبحار. (3) عنه البحار: 18 / 29 ح 13. (4) " يجوز " س. (5) " ولو جاز ذلك " س، والبحار. (6) عنه البحار: 17 / 408 ح 34، وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 86. وأخرجه في مستدرك الوسائل: 2 / 550 باب 61 ح 2 عن الخرائج. والسيوطي في الخصائص: 2 / 265 عن أبي نعيم بالاسناد عن أنس، مثله. (7) الناضح: البعير يستقى عليه. (8) ند البعير: نفر وذهب شاردا. وفي دلائل النبوة للبيهقي: اغتلم أي اشتد وقوى، وفي حديث آخر: أبق، وفي حديث: قطن أي: أقام. وفي الخصائص للسيوطي: صئولا: أي شديد الوثوب والهجوم. وكلها كلمات معينة تدل على خروج البعير من طوره الطبيعي إلى حالة أخرى.
[ 40 ]
عليهم. فنهض ونهضنا معه فقلنا: لا تقربه فإنا نخافه عليك. فدنا من البعير، فلما رآه سجد له، ثم وضع يده على رأس البعير فقال: هات الشكال (1). فوضعه في رأسه، وأوصاهم به خيرا. (2) 47 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله بعث برجل يقال له: " سفينة " (3) بكتاب إلى معاذ (4) وهو باليمن، فلما صار في بعض الطريق إذا هو بأسد رابض في الطريق، فخاف أن يجوز، فقال: أيها الاسد إني رسول رسول الله إلى معاذ، وهذا كتابه إليه.
(1) الشكال: جمعه شكل: حبل يشد به قوائم الدابة. (2) عنه البحار: 17 / 408 ح 35. ورواه باختلاف الالفاظ في دلائل النبوة: 6 / 28 - 30 بأسانيده عن جابر بن عبد الله وعن عبد الله بن أبي أوفى: وعن ابن عباس.
وأخرجه السيوطي في الخصائص: 2 / 255 و 256 عن أبي نعيم والطبراني. (3) سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، أبو عبد الرحمان، كان عبدا لام سلمة، فاعتقته وشرطت عليه خدمة الرسول ما عاش. وسفينة لقبه، واسمه مهران، وقيل: رومان، وقيل: قيس. قيل: انه حمل مرة متاع أصحابه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ما أنت إلا سفينة فلزمه ذلك اللقب. توفي بعد سنة سبعين. راجع سير أعلام النبلاء: 3 / 172 رقم 29، اسد الغابة: 2 / 190 و 324، الاصابة: 2 / 58، تقريب التهذيب: 1 / 312 رقم 325 وغيرها. (4) هو معاذ بن جبل، أبو عبد الرحمن الانصاري الخزرجي، شهد بدرا والعقبة، روى عنه عدد كبير من الصحابة، بعثه الرسول صلى الله عليه وآله قاضيا إلى اليمن، اختلف في سنة وفاته، والاصح سنة 18 للهجرة. راجع سير أعلام النبلاء: 1 / 443 رقم 86، حلية الاولياء: 1 / 228، اسد الغابة: 5 / 194، وتقريب التهذيب: 2 / 255.
[ 41 ]
فهرول قدامه غلوة (1) ثم همهم، ثم خرج، ثم تنحى عن الطريق. فلما رجع بجواب الكتاب، فإذا بالسبع في الطريق ففعل مثل ذلك، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وآله أخبره بذلك، فقال: ما تدري ما قال في المرة الاولى ؟ قال: كيف رسول الله ؟ وفي الثانية قال: إقرأ رسول الله السلام. (2) 48 - ومنها: أن أعرابيا بدويا يمانيا أتى النبي صلى الله عليه وآله على ناقة حمراء، فلما قضى تحيته قالوا: إن الناقة التي تحت الاعرابي سرقة. قال: ألكم بينة ؟ قالوا: نعم. قال: يا علي خذ حق الله من الاعرابي إن قامت عليه البينة - فأطرق الاعرابي ساعة - ثم قال: قم يا أعرابي لامر الله، وإلا فأدل بحجتك. فقالت الناقة:
والذي بعثك (بالحق نبيا، يا رسول الله) (3) إن هذا ما سرقني ولا ملكني أحد سواه فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا أعرابي ما الذي أنطقها بعذرك ؟ وما الذي قلت ؟ قال: قلت: اللهم إنك لست برب استحدثناك، ولا معك إله أعانك على خلقنا ولا معك رب فيشركك في ربوبيتك. أنت ربنا كما تقول، وفوق ما يقول القائلون أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تبرئني ببرأتي. فقال النبي صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق [ نبيا ] لقد رأيت الملائكة يبتدرون [ أفواه ] الازقة يكتبون مقالتك، ألا من نزل به مثل ما نزل بك فليقل مثل مقالتك، وليكثر
(1) " عنوة " س، ومعناها القهر والغلبة، وهي غير مناسبة. قال الجزري في النهاية: 3 / 383: ومنه حديث ابن عمر " بينه وبين الطريق غلوة ". الغلوة: قدر رمية بسهم. انتهى. أي ابتعد الاسد أمامه مسافة رمية بسهم، ثم تنحى عن الطريق. (2) عنه البحار: 17 / 407 ح 31. وروى نحوه في دلائل النبوة: 6 / 45 و 46، وأخرجه عنه ابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 147، والسيوطي في الخصائص الكبرى: 2 / 276 عن ابن سعد وأبي يعلى وابن مندة، والحاكم. (3) " بالكرامة " م.
[ 42 ]
الصلاة علي [ فينقذه الله تعالى ]. (1) 49 - ومنها: أنه لما فتح خيبر أصابه من سهمه حمار أسود، فكلم النبي صلى الله عليه وآله الحمار وكلمه الحمار. فقال ما اسمك ؟ فقال: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حمارا، كلها لم يركبه إلا نبي، ولم يبق من نسل جدي غيري، ولا من الانبياء غيرك، قد كنت أتوقعك لتركبني ؟ وكنت ليهودي يجيع بطني، ويضرب ظهري. فقال النبي صلى الله عليه وآله: سميتك يعفور، تشتهي الاناث ؟ قال: لا. وكان مركبه إلى
أن مضى صلى الله عليه وآله، فجاء بعد موته إلى بئر لابي الهيثم ابن التيهان (2) فتردى فيها - فصار قبره - جزعا عليه صلى الله عليه وآله. (3) 50 - ومنها: أن سلمة بن الاكوع (4) أصابه ضربة في يوم خيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وآله
(1) عنه البحار: 17 / 403 ح 20، وعن قصص الانبياء للمصنف: 307 (مخطوط) مثله باختلاف يسير. وأخرجه عن القصص في البحار: 95 / 190 ح 18. (2) هو أبو الهيثم مالك بن التيهان الانصاري. كان يكره الاصنام في الجاهلية، ويقول بالتوحيد هو وأسعد بن زرارة، وكانا أول من أسلم من الانصار بمكة، ويجعل في الثمانين الذين لقوا رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة، ومن أهل العقبة الاثنى عشر. آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بينه وبين عثمان بن مظعون. شهد بدرا والمشاهد الاخرى، قتل بصفين مع أمير المؤمنين علي عليه السلام. راجع: سير أعلام النبلاء: 1 / 189 رقم 22، اسد الغابة: 5 / 14، الاصابة: 3 / 341 وج 4 / 212، وتهذيب الاسماء: 2 / 79. (3) أخرجه في البحار: 16 / 100 ح 38 وج 17 / 404 ح 21 عن قصص الانبياء: 307. وأخرجه السيوطي في الخصائص: 2 / 274 عن ابن عساكر مثله. (4) هو سلمة بن عمرو بن الاكوع، واسم الاكوع: سنان بن عبد الله، أبو عامر وأبو مسلم ويقال: أبو أياس الاسلمي الحجازي المدني. قيل: شهد مؤتة وهو من أهل بيعة الرضوان، روى عدة أحاديث. توفي سنة 94، وكان من أبناء التسعين، بعد أن كف بصره. راجع سير اعلام النبلاء: 3 / 326 رقم 50، طبقات ابن سعد: 4 / 305، أسد الغابة: 2 / 423، الاصابة: 2 / 66، تقريب التهذيب: 1 / 318 رقم 375.
[ 43 ]
فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكاها حتى الممات.
وأصاب عين قتادة بن النعمان ضربة أخرجتها، فردها النبي صلى الله عليه وآله إلى موضعها فكانت أحسن عينيه. (1) 51 - ومنها: أن جبرئيل أتاه فرآه حزينا، فقال: مالك ؟ قال: فعل بي الكفار كذا وكذا. قال جبرئيل: فتحب أن أريك آية ؟ قال: نعم. فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى شجرة من وراء الوادي. فقال: ادع تلك الشجرة. فدعاها النبي صلى الله عليه وآله فجاءت حتى قامت بين يديه. قال: مرها فلترجع. فرجعت، فقال النبي صلى الله عليه وآله: حسبي. (2) 52 - ومنها: أنه كان صلى الله عليه وآله في سفر فأقبل أعرابي إلى رسول الله، فقال صلى الله عليه وآله: هل أدلك إلى خير ؟ قال: ما هو ؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده، ورسوله. قال الاعرابي: هل من شاهد ؟ قال: هذه الشجرة. فدعاها النبي صلى الله عليه وآله فأقبلت تخد الارض، فقامت بين يديه فاستشهدها، فشهدت كما قال، ورجعت إلى منبتها. ورجع الاعرابي إلى قومه وقد أسلم، فقال: إن يتبعوني أتيتك بهم، وإلا رجعت إليك وكنت معك. (3)
(1) عنه البحار: 18 / 9 ح 12، وأورده في ثاقب المناقب: 13. أخرج مثله في الخصائص: 6 / 62 عن البخاري، عن يزيد بن أبي عبيد. تقدم ذيل الحديث في ص 13. (2) عنه البحار: 17 / 376 ح 38. وروى عدة أحاديث في دلائل النبوة: 6 / 13 - 17 نحوه وأخرجه عنه ابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 123 و 124. (3) عنه البحار: 17 / 376 ح 39. رواه البيهقي في دلائل النبوة: 6 / 14 باسناده إلى ابن عمر. وأخرجه السيوطي في الخصائص الكبرى 20 / 202 عن الدارمي وأبي يعلى والطبراني = (*)
[ 44 ]
53 - ومنها: أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: هل لك من آية فيما تدعو إليه ؟ قال: نعم، إئت تلك الشجرة فقل لها " يدعوك رسول الله " فمالت عن يمينها ويسارها وبين يديها فقطعت عروقها، ثم جاءت تخذ الارض حتى وقفت بين يدي رسول الله. قال: فمرها حتى ترجع إلى منزلها، فأمرها، فرجعت إلى منبتها. فقال الاعرابي: إئذن لي أسجد لك. قال: لو أمرت أحدا أن يسجد لاحد لامرت المرأة أن تسجد لزوجها. قال: فاذن لي أن أقبل يديك. فأذن له. (1) 54 - ومنها: أنه قال لاعرابي: إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة فتجئ إلي تشهد أني رسول الله ؟ قال: نعم. فدعا العذق، فنزل من النخلة حتى سقط على الارض، فجعل ينقز (2) حتى أتى النبي، ثم قال له: ارجع. فرجع إلى مكانه، فقال: أشهد أنك رسول الله. (3) 55 - ومنها: أن يعلى بن سيابة (4) قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله في مسير
= والبزار وابن حبان والبيهقي وأبى نعيم عن ابن عمر. وفى ص 200 - 202 عدة أحاديث نحوه، وابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 125 عن الحاكم. (1) عنه البحار: 17 / 377 ح 40. مر نظيره في الحديثين السابقين. (2) أي يثب. (3) أخرجه في البحار: 17 / 368 ح 17 عن قصص الانبياء. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 15. وأخرجه في الخصائص الكبرى: 2 / 202 عن أحمد والبخاري في التأريخ، والدارمي والترمذي والحاكم والبيهقي وأبي نعيم وأبي يعلى وابن سعد عن ابن عباس، وأخرجه في البداية والنهاية: 6 / 125 عن البيهقي.
(4) قال العسقلاني في تقريب التهذيب: 2 / 378 رقم 411: يعلى بن مرة بن وهب بن جابر الثقفي، أبو مرازم، وأمه سيابة، صحابي شهد الحديبية وما بعدها. راجع نفس الصفحة رقم 404 (يعلى بن سيابة)، وأسد الغابة: 5 / 129.
[ 45 ]
فأراد أن يقضي حاجته، فأمر وديتين (1) فانضمت أحدهما بالاخرى إلى أن فرغ ثم أمرهما، فرجعتا كما كانتا. (2) 56 - ومنها: أن شابا من الانصار كان له أم عجوز عمياء، وكان مريضا فعاده رسول الله صلى الله عليه وآله فمات، فقالت: اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك وإلى نبيك رجاء أن تعينني على كل شدة، فلا تحملن علي هذه المصيبة. قال أنس: فما برحنا أن كشف الثوب عن وجهه، فطعم وطعمنا (3). (4) 57 - ومنها: أن أسامة بن زيد قال: خرجنا معه النبي صلى الله عليه وآله في حجته التي حجها، حتى إذا كنا ببطن الروحاء نظرنا إلى امرأة تحمل صبيا، فقالت: يا رسول الله هذا ابني ما أفاق من خناق (5) منذ ولدته إلى يومه هذا.
(1) خ ل والمناقب: نخلتين. الودي: الواحدة ودية: صغار الفسيل، سمي به لانه يخرج من النخل ثم يقطع منه فيغرس. (2) عنه البحار: 364 ح 4 وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 117. وروى نحوه في دلائل النبوة: 6 / 8 و 9 و 18 و 20 و 21 بعدة طرق. وأخرج نحوه في الخصائص: 2 / 205 عن الدارمي وابن راهويه وابن أبي شيبة والبيهقي عن جابر. وص 206 عن البزار والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود، وعن أحمد وابن سعد والبيهقي عن يعلى بن مرة. وابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 140 و 141 عن البيهقي وابن عساكر. (3) قال الجزري في النهاية: 3 / 127 مادة " طعم ":
" فاستطعمه الحديث " أي: طلبت منه أن يحدثني وأن يذيقني طعم حديثه. (4) عنه البحار: 18 / 9 ح 13. وروى مثله في دلائل النبوة: 6 / 50 و 51 باسناديه إلى أنس، وأخرجه عنه في البداية والنهاية: 6 / 154، وفي الخصائص: 6 / 280 عن ابن عدي وابن أبي الدنيا والبيهقي وأبي نعيم عن أنس. (5) الخناق: داء يعسر معه نفوذ النفس إلى الرئة.
[ 46 ]
فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وتفل في فيه، فإذا الصبي قد برأ. فقال رسول الله لي: إنطلق، انظر هل ترى من حش ؟ (1). قلت: إن الوادي ما فيه موضع يغطي عن الناس. فقال: إنطلق إلى النخلات، وقل: إن رسول الله يأمركن أن تدنين لمخرج رسول الله صلى الله عليه وآله، وقل للحجارة مثل ذلك. فو الذي بعثه بالحق نبيا لقد قلت لهن ذلك وقد رأيت النخلات تقاربن والحجارة يتقربن، فلما قضى حاجته رأيتهن يعدن إلى مواضعهن. (2) 58 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إني لاعرف حجرا بمكة كان يسلم علي. (3) 59 - وعن أمير المؤمنين عليه السلام: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج في بعض نواحيها، فما بقي شجر ولا حجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. (4) 60 - وعن جابر: لم يمر النبي صلى الله عليه وآله في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه (5) من طيب عرفه، ولم يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له. (6)
(1) الحش: البستان، أو النخل المجتمع، أو موضع قضاء الحاجة. (2) عنه البحار: 18 / 9 ح 14. وروى نحوه في دلائل النبوة: 6 / 24 و 25 بإسناده إلى أسامة بن زيد. ورواه أبو نعيم في الدلائل: 336 بمثل ما مر في دلائل النبوة.
(3) عنه البحار: 17 / 372 ح 26، وعن أمالي الشيخ الطوسي: 1 / 351 مثله، وزاد فيه: " قبل أن أبعث، اني لاعرفه الآن ". ورواه مسلم في صحيحه: 4 / 1782 ح 2277، وأحمد في المسند: 5 / 9 و 10 و 95 بأسانيدهما إلى جابر بن سمرة. والدارمي في سننه: 1 / 12 عن علي عليه السلام. (4) أخرجه في البحار: 17 / 387 ح 55 عن اعلام الورى: 38. ورواه أحمد في مسنده: 1 / 375 وج 3 / 368، والحاكم في المستدرك: 2 / 620 والدارمي في سننه: 1 / 12. (5) " فتتبعته الا عرف الله مسلكه " م. (6) عنه البحار: 17 / 377 ح 41. ورواه في دلائل النبوة: 69 بإسناده إلى جابر، وفيه " من طيب عرقه ".
[ 47 ]
61 - ومنها: ما روى عن أنس أنه صلى الله عليه وآله أخذ كفا من الحصى فسبحن في يده ثم صبهن في يد علي، فسبحن في يده حتى سمعنا التسبيح في أيديهما، ثم صبهن في أيدينا فما سبحت في أيدينا. (1) 62 - ومنها: أن عبد الله قال: إنكم تعدون الآيات عذابا، وإنا كنا نعدها بركة على عهد النبي صلى الله عليه وآله لقد كنا نأكل الطعام مع النبي صلى الله عليه وآله ونحن نسمع التسبيح من الطعام. (2) 63 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: أتموا الركوع والسجود، فو الله إني لاراكم من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم. (3) 64 - ومنها: ما روى أبو أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال للعباس: يا أبا الفضل إلزم منزلك غدا أنت وبنوك، فإن لي فيكم حاجة. فصبحهم وقال: تقاربوا، فزحف بعضهم إلى بعض حتى إذا أمكنوا (4) اشتمل عليهم بملاءة، وقال: يا رب هذا عمي وصنوا أبي، وهؤلاء بنو عمي أسترهم من النار كستري إياهم، فأمنت (5) أسكفة (6)
(1) عنه البحار: 17 / 377 ح 42 وج 41 / 252 ح 10. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 64 و 65، وأخرجه عنه في البداية والنهاية: 6 / 132. وفي الخصائص الكبرى: 2 / 304 عن البزار والطبراني في الاوسط وأبي نعيم والبيهقي. (2) عنه البحار: 17 / 389 ح 58. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 62، والبخاري في صحيحه: 4 / 235، والترمذي في سننه: 5 / 597 ح 3633. (3) عنه البحار: 16 / 175 ح 18. وروى مثله باختلاف في دلائل النبوة: 6 / 73 و 74 بإسناده إلى أبي هريرة. ورواه مسلم في صحيحه: 1 / 320 ح 112، والبخاري: 1 / 114 بإسنادهما إلى أنس. (4) " آمنوا " م وط وه. وأمكن الامر: سهل عليه أو تيسر له فعله وقد عليه. (5) أي قالت: آمين. (6) الاسكفة: عتبة الباب التي يوطأ عليها، وجمعها اسكفات.
[ 48 ]
الباب وحوائط البيت: آمين آمين. (1) 65 - ومنها: ما روى عن أم سلمة أن فاطمة عليها السلام جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله حاملة حسنا وحسينا وفخارا فيه حريرة (2) فقال: ادعي ابن عمك. فأجلس أحدهما على فخذه اليمنى، والآخر على فخذه اليسرى، وعليا وفاطمة أحدهما بين يديه، والآخر خلفه، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا - ثلاث مرات - وأنا عند عتبة الباب. فقلت: وأنا منهم ؟ فقال: أنت إلى خير. وما في البيت أحد غير هؤلاء وجبرئيل ثم أغدف (3) عليهم كساء خيبريا فجللهم به وهو معهم. ثم أتاه جبرئيل بطبق فيه رمان وعنب فأكل النبي صلى الله عليه وآله فسبح، ثم أكل الحسن والحسين عليهما السلام فتناولا، فسبح العنب والرمان في أيديهما، ودخل علي عليه السلام فتناول
منه فسبح أيضا، ثم دخل رجل من أصحابه وأراد أن يتناول. فقال جبرئيل: إنما يأكل من هذا نبي أو ولد نبي أو وصي نبي. (4)
(1) عنه البحار: 17 / 377 ح 43 رواه في دلائل النبوة: 6 / 71، وأبو نعيم في الدلائل: 370، عنهما الخصائص الكبرى: 2 / 309 بأسانيدهم إلى أبي أسيد الساعدي. (2) الحريرة: الدقيق يطبخ بلبن أو دسم. (3) قال الجزري في النهاية: 3 / 345: " انه أغدف على علي وفاطمة سترا " أي: أرسله وأسبله. وفي البحار: 37: " أغدف خميصة كساء خيبري فجللهم به ". والخميصة: ثوب أسود مربع وجلل الشئ غطاه. (4) عنه البحار: 17 / 359 ح 15 وج 37 / 100 ح 3. راجع بشأن حديث الكساء " الجامع الكبير " كتاب " آية التطهير في أحاديث الفريقين " لحجة الاسلام السيد علي الموحد الابطحي الاصفهاني، ففيه الكفاية للراغب.
[ 49 ]
66 - ومنها: ان النبي صلى الله عليه وآله لما قدم المدينة، وهي أوبأ أرض الله، فقال: " اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، وصححها لنا، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها إلى الجحفة ". (1) 67 - ومنها: أن أبا طالب مرض، فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا بن أخ أدع ربك الذي تعبده أن يعافيني. فقال النبي صلى الله عليه وآله: " اللهم اشف عمي ". فقام فكأنما أنشط من عقال. (2) 68 - ومنها: أن عليا عليه السلام مرض وأخذ يقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرا فارفعني، وإن كان للبلاء فصبرني.
فقال النبي صلى الله عليه وآله: " اللهم اشفه، اللهم عافه " ثم قال: قم. قال علي عليه السلام: فقمت، فما عاد ذلك الوجع إلي بعد. (3) 69 - ومنها: ما روى ابن عباس: أن امرأة جاءت بابن لها إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: ابني هذا به جنون يأخذه عند غدائنا وعشائنا فيحثو (4) علينا. فمسح صلى الله عليه وآله صدره ودعا، فثع (5) ثعة، فخرج من جوفه مثل جرو الاسود (6) فبرء. (7)
(1) عنه البحار: 18 / 9 ح 15. (2) عنه البحار: 18 / 9 ح 16 وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 75. ورواه في دلائل النبوة: 2 / 569 بإسناده إلى عائشة: وقال: رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة. (3) عنه البحار: 18 / 10 ح 17. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 179 بإسناده إلى عبد الله بن سلمة، عن علي عليه السلام. (4) الحثى: ما غرف باليد من التراب وغيره. (5) ثع ثعا: قاء ما أكله. (6) " جرو الاسد " م، ط، ه، وفي البحار: خرء الاسد: وما أثبتناه كما في دلائل النبوة ومسند أحمد وسنن الدارمي وبعض نسخ الخرائج ومصادر أخرى. والجرو: صغير كل شئ حتى الرمان والبطيخ، ولكنه غلب على ولد الكلب والاسد. (7) عنه البحار: 18 / 10 ح 19، ورواه في دلائل النبوة: 6 / 187، وفي مسند أحمد: 1 / 254 و 268، وسنن الدارمي: 1 / 11، وأخرجه في الخصائص الكبرى: 2 / 290 عن أحمد والدارمي والطبراني والبيهقي وأبي نعيم عن ابن عباس.
[ 50 ]
70 - ومنها: أن عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي يقول: إن النبي صلى الله عليه وآله تفل في رجل عمرو بن معاذ حين قطعت رجله، فبرء. (1) 71 - ومنها: أن معاذ بن عفراء جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يحمل يده، وكان قطعها أبو جهل، فبصق عليها النبي صلى الله عليه وآله فألصقها فلصقت. (2)
72 - ومنها: أن نبي الله صلى الله عليه وآله رأى رجلا يكف شعره إذا سجد، قال: " اللهم افتتح رأسه ". قال: فتساقط شعره حتى ما بقي في رأسه شئ. (3) 73 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله دعا لانس لما قالت أمه أم سليم: أدع له فهو خادمك. فقال: اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته. فقال أنس: أخبرني بعض ولدي أنه دفن من ولده أكثر من مائة. (4) 74 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله أبصر رجلا يأكل بشماله، فقال: كل بيمينك. فقال: لا أستطيع. فقال صلى الله عليه وآله: لا، استطعت. قال: فما وصلت إلى فيه يمينه بعد، كلما رفع اللقمة إلى فيه ذهبت في شق آخر. (5) 75 - ومنها: ما روى أبو نهيك الازدي، عن عمرو بن أخطب أنه استسقى النبي صلى الله عليه وآله قال: فأتيته بإناء فيه ماء، وفيه شعرة فرفعتها، ثم ناولته، فقال: اللهم فجمله " قال: فرأيته بعد ثلاث وتسعين سنة ما في رأسه ولحيته شعرة بيضاء. (6)
(1، 2، 3) عنه البحار: 18 / 10 ح 18، 20، 21. (4) عنه البحار: 18 / 10 ح 22. ورواه باختلاف الالفاظ في دلائل النبوة: 6 / 194 - 196 من عدة طرق. ومسلم في صحيحه: 4 / 1928 ح 141 - 143، والبخاري في صحيحه: 8 / 93 بأسانيدهم إلى أنس بن مالك. (5) عنه البحار: 18 / 11 ح 23 وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 72 عن سلمة بن الاكوع عن أبيه، مثله ورواه في دلائل النبوة: 6 / 238 بطريقين، ومسلم في صحيحه: 3 / 1599 ح 107 بأسانيدهما إلى سلمة بن الاكوع، عن أبيه. (6) عنه البحار: 18 / 11 ح 24 وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 74 مثله. ورواه باختلاف الالفاظ في دلائل النبوة: 6 / 210 - 212 بعدة طرق، عن أنس وعن -
[ 51 ]
76 - ومنها: أن ابن مسعود قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله نصلي في ظل الكعبة
وناس من قريش وأبو جهل نحروا جزورا في ناحية مكة، فبعثوا فجاءوا بسلاها (1) فطرحوه بين كتفيه، فجاءت فاطمة عليها السلام فطرحته عنه، فلما انصرف قال: " اللهم عليك بقريش، بأبي جهل وبعتبة وشيبة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وبعقبة بن أبي معيط ". قال عبد الله: ولقد رأيتهم قتلى في قليب بدر. (2) 77 - ومنها: أن النابغة الجعدي أنشد رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: بلغنا السماء عزة وتكرما * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال: إلى أين يا أبا ليلى ؟ قلت: إلى الجنة. قال: " أحسنت لا يفضض الله فاك " قال الراوي: فرأيته شيخا له ثلاثون ومائة سنة، وأسنانه مثل ورق الاقحوان نقاءا وبياضا وقد تهدم جسمه إلا فاه. (3) 78 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله خرج فعرضت له إمرأة مسلمة فقالت: يا رسول الله إني امرأة ومعي زوج لي في بيتي مثل المرأة. فقال: أدعي زوجك. فدعته، فقال لها: أتبغضينه ؟ فقالت: نعم.
- قتادة، وعن أبى زيد الانصاري، وعن عمرو بن أخطب. والترمذي في صحيحه: 5 / 594، وأحمد في مسنده: 5 / 77 و 340 و 341. (1) السلى: جمعها أسلاء: جلدة يكون ضمنها ولد الحيوان في بطن امه. والمراد هنا: أحشاؤه. (2) عنه البحار: 18 / 57 ح 12. ورواه في دلائل النبوة: 2 / 279، ومسلم في صحيحه: 3 / 1419 ح 108 و 109 والبخاري في صحيحه: 4 / 53، بأسانيدهم إلى عبد الله بن مسعود. (3) عنه البحار: 18 / 11 ح 25. وروى مثله في دلائل النبوة: 6 / 232 و 233 بثلاثة طرق، عن يعلى بن الاشدق وعن عبد الله بن جراد، عن النابغة الجعدي. وأخرجه السيوطي في الخصائص: 3 / 72 وعن دلائل أبي نعيم. (*)
[ 52 ]
فدعا النبي صلى الله عليه وآله لهما، ووضع جبهتها على جبهته فقال: " اللهم ألف بينهما وحبب أحدهما إلى صاحبه " ثم قالت المرأة بعد ذلك: ما طارف (1) ولا تالد ولا والد أحب إلي منه. فقال النبي صلى الله عليه وآله: اشهدي أني رسول الله. (2) 97 - ومنها: أن عمرو بن الحمق الخزاعي سقى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " اللهم أمتعه بشبابه " فمر به ثمانون سنة لم تر له شعرة بيضاء. (3) 80 - ومنها: أن عمران بن حصين قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله جالسا، إذ أقبلت فاطمة عليها السلام وقد تغير وجهها من الجوع، فقال [ لها ]: ادني. فدنت، فرفع يده حتى وضعها على صدرها - وهي صغيرة - في موضع القلادة ثم قال: " اللهم مشبع الجاعة ورافع الوضيعة، لا تجع فاطمة بنت محمد ". قال: فرأيت الدم قد غلب على وجهها كما كانت الصفرة، فقالت: ما جعت بعد ذلك. (4) 81 - ومنها: أن أسماء بنت عميس قالت: إن عليا عليه السلام قد بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله في حاجة في غزوة حنين، وقد صلى النبي صلى الله عليه وآله العصر ولم يصلها علي عليه السلام، فلما رجع وضع رأسه في حجر علي عليه السلام وقد أوحي إليه فجلله بثوبه، ولم يزل كذلك حتى كادت الشمس تغيب، ثم إنه سري عن النبي صلى الله عليه وآله. فقال: أصليت يا علي ؟ فقال: لا. قال النبي صلى الله عليه وآله: " اللهم رد على علي الشمس ".
(1) الطارف: المال الحديث أو المستحدث. ويقابله التالد. (2) عنه البحار: 18 / 11 ح 26. وأورده في مناقب ابن شهر اشوب: 1 / 73 مثله. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 228 بإسناده إلى ابن عمر. (3) عنه البحار: 18 / 12 ح 27 وأخرجه في الخصائص الكبرى: 3 / 74 عن ابن أبي شيبة في مسنده، وأبي نعيم، وابن عساكر عن عمرو بن الحمق.
(4) عنه البحار: 43 / 27 ح 29. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 108. وأخرجه في الخصائص: 3 / 294 عن البيهقي، وعن أبي نعيم، عن عمران بن حصين.
[ 53 ]
فرجعت حتى بلغت نصف المسجد. قالت أسماء: وذلك بالصهباء. (1) 82 - ومنها: أن عطا قال: كان في وسط رأس مولاي السائب بن يزيد شعر أسود وبقية رأسه ولحيته بيضاء، فقلت: ما رأيت مثل رأسك هذا أسود وهذا أبيض. فقال: أفلا أخبرك ؟ قلت: بلى. قال: إني كنت ألعب مع الصبيان، فمر بي نبي الله صلى الله عليه وآله فعرضت له وسلمت عليه فقال: وعليك السلام، من أنت ؟ قلت: أنا السائب ابن أخت النمر. (2) فمسح رسول الله رأسي وقال: بارك الله فيك. فلا والله لا تبيض أبدا. (3) 83 - ومنها: أن عليا عليه السلام قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله بعثتني وأنا حديث السن لا علم لي بالقضاء ! فقال: إنطلق فإن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك. قال علي عليه السلام: فما شككت في قضاء بين رجلين. (4)
(1) عنه البحار: 17 / 359 ح 14 وج 41 / 179 ح 15. وأخرجه بهذا اللفظ وبغيره في الخصائص الكبرى: 2 / 324 عن ابن مندة وابن شاهين والطبراني بأسانيدهم عن أسماء بنت عميس. وأخرجه عن ابن مردويه عن أبي هريرة، وعن الطبراني عن جابر. (2) " أخو النمر بن قاسط " ه وط، وفي " م " ليست واضحة، والكل تصحيف. وما أثبتناه كما في كتب التراجم. وهو: السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة، أبو عبد الله وأبو يزيد الكندي المدني، ابن أخت نمر. راجع بشأنه والرواية: أسد الغابة: 2 / 258، سير أعلام النبلاء: 3 / 437 رقم 80، وغيرها. (3) عنه البحار: 18 / 12 ح 28. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 209 بإسناده إلى عطاء.
(4) عنه البحار: 18 / 12 ح 29، وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 74 مثله. وروى مثله في دلائل النبوة: 5 / 397، وفي طبقات ابن سعد: 2 / 337، وفي مسند أحمد: 1 / 83 وفي فضائله: 71 ح 108، وابن ماجة في السنن: 2 / 48 وفي خصائص النسائي: 70 و 71، وفي مستدرك الحاكم: 3 / 135 ومناقب الخوارزمي: 41، وفرائد السمطين: 1 / 167 وللحديث بهذا اللفظ وبغيره مصادر عديدة، بطرق متعددة، فراجع إحقاق الحق: 7 / 63 - 75، وج 8 / 34 - 47، وج 17 / 119 - 125 وص 299 وص 519 - 521.
[ 54 ]
84 - ومنها: أن عليا عليه السلام قال: لما خرجنا إلى خيبر فإذا نحن بواد ملان ماء فقدرناه أربع عشر قامة، فقال الناس: يا رسول الله العدو من ورائنا، والوادي أمامنا كما قال أصحاب موسى: " إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي سيهدين " (1) فنزل صلى الله عليه وآله ثم قال: " اللهم إنك جعلت لكل مرسل علامة، فأرنا قدرتك " فركب صلى الله عليه وآله وعبرت الخيل والابل لا تتندى حوافرها وأخفافها، ففتحوه. ثم أعطي بعده في أصحابه حين عبور عمرو بن معد يكرب المدائن والبحر بجيشه. (2) 85 - ومنها: ما روى جعيل (3) الاشجعي أنه قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض غزواته فقال: سر يا صاحب الفرس. فقلت: يا رسول الله عجفاء (4) ضعيفة. فرفع مخفقة معه، فضربها ضربا خفيفا، وقال: " اللهم بارك له فيها "، قال: لقد رأيتني ما أمسك رأسها أن تقدم الناس، ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا. (5) 86 - ومنها: أن جرهدا (6) أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وبين يديه طبق، فأدلى جرهد بيده الشمال ليأكل، وكانت يده اليمنى مصابة، فقال صلى الله عليه وآله: كل باليمين. قال: إنها مصابة. فنفث رسول الله صلى الله عليه وآله عليها، فما اشتكاها بعد. (7)
(1) اقتباس من سورة الشعراء: 61 و 62. (2) عنه البحار: 21 / 28 ح 29 (3) في البحار: مرة بن جعبل الاشجعي.
ذكره العسقلاني في تقريب التهذيب: 2 / 133 رقم 106 وعده من الصحابة. (4) عجف عجفا: ضعف وذهب سمنه، وعجفت مواشيهم أي: هزلت. (5) عنه البحار: 18 / 12 ح 30 وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 73. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 153 بإسناده عن جعيل ؟. (6) ذكره في تقريب التهذيب: 1 / 126 رقم 50، وقال: جرهد الاسلمي، مدني، له صحبة، وكان من أهل الصفة، يقال: مات سنة إحدى وستين. (7) عنه البحار: 18 / 12 ح 31 وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 103. وأخرجه في الخصائص الكبرى: 2 / 291 عن الطبراني مثله.
[ 55 ]
87 - ومنها: أن أبا هريرة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله يوما بتمرات، فقلت: أدع الله لي بالبركة فيهن. فدعا، ثم قال: خذهن فاجعلهن في المزود (1) وإذا أردت شيئا فأدخل يدك فيه، فيه، ولا تنثره. قال: فلقد حملت من ذلك التمر وسقا (2) وكنا نأكل منه ونطعم، وكان لا يفارق حقوي (3) فارتكبت مأثما فانقطع وذهب. وقيل: إنه كتم الشهادة لعلي ثم تاب: فدعا له علي عليه السلام فصار كما كان، فلما خرج إلى معاوية ذهب وانقطع. (4) 88 - ومنها: أن عثمان بن حنيف (5) قال: جاء رجل ضرير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وشكا إليه ذهاب بصره. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إئت الميضأة، فتوضأ ثم صل ركعتين، وقل: " اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة - يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ليجلي عن بصري - اللهم شفعه في وشفعني في نفسي ". قال ابن حنيف: فلم يطل بنا الحديث حتى دخل الرجل كأن لم يكن به ضر قط. (6)
(1) المزود: هو الوعاء من جلد وغيره يجعل فيه الزاد. (2) " أوسقا " خ ل، والبحار. (3) أي المزود، والحقو: هو موضع شد الازار وهو الخاصرة. (4) عنه البحار: 18 / 29 ح 14، وعن المناقب: 1 / 74. ورواه البيهقي في دلائل النبوة: 6 / 109 - 111 بأربعة طرق مثله، عنه ابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 117. ورواه الترمذي في سننه: 5 / 585 باب مناقب أبي هريرة. (5) في سائر النسخ المعتمدة، والبحار: " جنيد " وكذا في الموضع التالي. وهو تصحيف. وما أثبتناه في المتن من المصادر، كما أنه لم يعد رجل باسم عثمان بن جنيد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله. (6) عنه البحار: 18 / 13 ح 32، وج 94 / 5 ح 6. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 166 - 168 بستة طرق، والترمذي في سننه: 5 / 569 ح 3578، ورواه الحاكم في المستدرك: 1 / 313، وابن الاثير في أسد الغابة: 3 / 371 بإسنادهم جميعا إلى عثمان بن حنيف.
[ 56 ]
89 - ومنها: أن أبيض بن حمال قال: كان بوجهي حزاز (1) - يعني: القوباء - قد التمعت. فدعاه النبي صلى الله عليه وآله فمسح وجهه، فذهب في الحال، ولم يبق له أثر على وجهه. (2) 90 - ومنها: أن الفضل بن عباس قال: إن رجلا قال: يا رسول الله إني بخيل جبان، نؤوم، فادع لي. فدعا الله أن يذهب جبنه، وأن يسخي نفسه، وأن يذهب كثرة نومه، فلم ير أسخى نفسا، ولا أشد بأسا، ولا أقل نوما منه. (3) 91 - ومنها: أن عبد الله بن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " اللهم أذقت أول قريش نكالا، فأذق آخرهم نوالا ". فوجد كذلك. (4) 92 - ومنها: أن أبا ثروان كان راعيا في إبل عمرو بن تميم، فخاف رسول الله صلى الله عليه وآله من قريش، فنظر إلى سواد الابل فقصد له وجلس بينها، فقال:
يا محمد أخرج، لا تصلح إبل أنت فيها ؟ ا. فدعا عليه، فعاش شقيا يتمنى الموت. (5) 93 - ومنها: أن عتبة بن أبي لهب قال: كفرت برب النجم. قال النبي صلى الله عليه وآله: أما تخاف أن يأكلك كلب الله. فخرج في تجارة إلى اليمن فبيناهم قد عرسوا إذ سمع صوت الاسد فقال لاصحابه: إني مأكول بدعاء محمد. وأحدقوا به، فضرب على آذانهم فناموا، فجاء الاسد حتى أخذه فما سمعوا إلا صوته. وفي خبر آخر: أنه لما قال: كفرت بالذي " دنى فتدلى ". ثم تفل في وجه محمد، قال صلى الله عليه وآله: " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ".
(1) كلمة عامية تعني داء يظهر في الجسد فيتقشر ويتسع، وقد يعالج بالريق وفصيحها " القوباء " في دلائل النبوة " جدرة " وهي البثور الناشئة على الجسم، ولعل " جدرة " من الجدري وهو المرض المعروف الذي يسبب بثورا حمراء، بيضاء الرؤوس تنتشر في البدن وتتقيح سريعا. (2) عنه البحار: 18 / 13 ح 33. ورواه البيهقي في دلائل النبوة: 6 / 177، وابن حجر العسقلاني في الاصابة: 1 / 17. (3 و 4) عنه البحار: 18 / 13 ح 34 و 35. (5) عنه البحار: 18 / 57 ح 13.
[ 57 ]
فخرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا، فقال لهم راهب من الدير: هذه أرض مسبعة. (1) فقال أبو لهب: يا معشر قريش أعينونا هذه الليلة إني أخاف عليه دعوة محمد. فجمعوا جمالهم (2) وفرشوا لعتبة في أعلاها، وناموا حوله، فجاء الاسد يتشمم وجوههم، ثم ثنى ذنبه فوثب، فضربه بيده ضربة واحدة، فخدشه، قال: قتلني. ومات مكانه. (3) 94 - ومنها: أن عليا عليه السلام كان رمد العين يوم خيبر، فتفل رسول الله صلى الله عليه وآله في عينه، ودعا له، وقال: " اللهم أذهب عنه الحر والبرد ". فما وجد حرا، ولا بردا بعده [ وكان يخرج في الشتاء في قميص واحد ]. (4)
95 - ومنها: أن أبا هريرة قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: إني أسمع منك الحديث الكثير أنساه. قال: أبسط رداك كله. [ قال: ] فبسطته، فوضع يده فيه، ثم قال: ضمه، فضممته، فما نسيت حديثا بعده. (5) 96 - ومنها: أنه قال لابن عباس وهو غلام: " اللهم فقهه في الدين وعلمه
(1) أي كثيرة السباع. (2) " أحمالهم " ط. (3) عنه البحار: 18 / 57 ح 14، وعن المناقب: 1 / 71. ورواه في دلائل النبوة: 2 / 338، وص 339 بثلاثة طرق. (4) عنه البحار: 18 / 13 ح 36. ورواه ابن المغازلي في مناقبه: 74، وبدر الدين العيني في عمدة القارى: 16، وباكثير الحضرمي في وسيلة المآل: 115 (مخطوط)، والكنهوئي في مرآة المؤمنين: 53 والمولوي الهندي في وسيلة النجاة: 156، وعلي بن سلطان القارى في مرقاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح: 11 / 440، وابن الجوزي في تذكرة الخواص: 29 والبدخشى في مفتاح النجا: 127 (مخطوط)، وللحديث مصارد اخر كثيرة. راجع إحقاق الحق: 5 / 445 وج 16 / 230، وج 17 / 132. (5) عنه البحار: 18 / 13 ح 37. وروى نحوه مسلم في صحيحه: 4 / 1940 ح 159 بطريقين، والبيهقي في دلائل النبوة: 6 / 201.
[ 58 ]
التأويل ". فكان فقيها، عالما بالتأويل. (1) 97 - ومنها: أن نفرا من قريش اجتمعوا وفيهم: عتبة، وشيبة، وأبو جهل، وأمية ابن خلف، فقال أبو جهل: زعم محمد أنكم إن اتبعتموني كنتم ملوكا. فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقام على رؤوسهم، وقد ضرب الله على أبصارهم دونه فقبض قبضة من تراب فذرها على رؤوسهم، وقرأ " يس " حتى بلغ العشر منها
ثم قال: إن أبا جهل هذا يزعم أني أقول: إن خالفتموني فإن لي فيكم ريحا (2) وصدق وأنا أقول ذلك. ثم انصرف. فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، ولم يشعروا به، ولا كانوا، رأوه. (3) 98 - ومنها: أن أياس بن سلمة، روى عن أبيه قال: خرجت إلى النبي صلى الله عليه وآله وأنا غلام حدث، وتركت أهلي ومالي إلى الله ورسوله فقدمنا الحديبية مع النبي صلى الله عليه وآله حتى قعد على مياهها وهي قليلة قال: فإما بصق فيها، وإما دعا، فما نزفت بعد. (4) 99 - ومنها: أن أعرابيا قام فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع لنا فرفع يده، وما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر عن لحيته، فمطرنا إلى الجمعة. ثم قام أعرابي فقال: تهدم البناء، فادع. فقال: " حوالينا، ولا علينا ". قال الراوي (5): فما كان يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت حتى
(1) أورده ابن شهر اشوب في المناقب: 1 / 74، عنه البحار: 18 / 18. ورواه الحاكم في المستدرك: 3 / 534، والبيهقي في دلائل النبوة: 6 / 192. (2) أي قوة وغلبة. (3) عنه البحار: 19 / 72 ح 25. (4) عنه البحار: 18 / 29 ح 15،. رواه في دلائل النبوة: 4 / 111 مثله. (5) وهو أنس بن مالك كما سيأتي في التخريجات.
[ 59 ]
صارت المدينة مثل الجوبة (1) وسال الوادي شهرا، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لله در أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه. (2) 100 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله لما نادى بالمشركين، واستعانوا عليه، دعا الله أن يجدب بلادهم، فقال: " اللهم سنين كسني يوسف، اللهم اشدد وطأتك على مضر ":
فامسك المطر عنهم حتى مات الشجر، وذهب الثمر، وفني المواشي، وعند ذلك وفد حاجب بن زرارة على كسرى، فشكا إليه واستأذنه في رعي السواد، فأرهنه قوسه، فلما أصاب مضر الجهد الشديد عاد النبي صلى الله عليه وآله بفضله عليهم، فدعا الله بالمطر لهم (3).
(1) قال ابن الاثير في النهاية: 1 / 310: في حديث الاستسقاء " حتى صارت المدينة مثل الجوبة " وهي الحفرة المستديرة الواسعة. وكل منفنق بلا بناء: جوبة. أي حتى صار الغيم والسحاب محيطا بآفاق المدينة. (2) عنه البحار: 18 / 14 ح 38. ورواه البخاري في صحيحه: 2 / 35 - 37، ومسلم في صحيحه: 2 / 612 - 614 ح 8 - 12، والنسائي في سننه: 3 / 160 وص 161 وص 165، وأبو داود: 1 / 366 وص 367 والبيهقي في السنن الكبرى: 3 / 353 - 356، وفي دلائل النبوة: 6 / 139 - 140 جميعا بإسنادهم من عدة طرق إلى أنس بن مالك. وفي بعضها زيادة بعد قوله " قرت عيناه ": من ينشدنا قوله ؟ فقام علي عليه السلام فقال: يا رسول الله كأنك أردت: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل يلوذ به الهلال من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل كذبتم وبيت الله يبزى محمدا * ولما نقاتل دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل (3) عنه البحار: 18 / 14 ح 39 وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 72 عن ابن عباس ومجاهد. وروى نحوه في دلائل النبوة: 2 / 326. وأخرجه عنه في الخصائص الكبرى: 1 / 369 عن الشيخين (مسلم والبخاري) بإسنادهما إلى ابن مسعود.
[ 60 ]
101 - ومنها: أن عليا عليه السلام قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله والزبير والمقداد معي
فقال: انطلقوا حتى تبلغوا روضة خاخ، فإن فيها امرأة معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين. فانطلقنا وأدركناها وقلنا: أين الكتاب ؟ قالت: ما معي كتاب. ففتشها الزبير والمقداد، وقالا: ما نرى معها كتابا. فقلت: حدث به رسول الله صلى الله عليه وآله وتقولان: ليس معها كتاب ! لتخرجنه أو لاجردنك. فأخرجت من حجزتها. فلما عادوا إلى النبي قال صلى الله عليه وآله: يا حاطب ما حملك على هذا ؟ قال: أردت أن يكون لي يد عند القوم، وما ارتددت. فقال: صدق حاطب [ فلا تقولوا له إلا خيرا ]. وفي هذا: إعلام [ بمعجزات: منها ] إخباره عن الكتاب، وإخباره عن بلوغ المرأة روضة خاخ، وشهادته لحاطب بالصدق، وقد وجد كل ذلك كما أخبر. (1) 102 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله أنفذ عمارا في سفر ليستقي الماء، فعرض له شيطان في صورة عبد أسود، فصرعه ثلاث مرات فقال صلى الله عليه وآله: إن الشيطان قد حال بين عمار وبين الماء في صورة عبد أسود، وإن الله أظفر عمارا. فدخل، فأخبر بمثله. (2) 103 - ومنها: أن وائل بن حجر قال: جاءنا ظهور محمد صلى الله عليه وآله وأنا في ملك عظيم، فرفضت ذلك، وآثرت الله ورسوله، وقدمت عليه، فأخبرني أصحابه أنه بشرهم بي قبل قدومي بثلاث، فقال: هذا وائل بن حجر قد أتاكم من أرض بعيدة. فلما قدمت عليه أدناني، وبسط لي رداه، فجلست عليه، فصعد المنبر فقال: هذا وائل بن حجر أتانا راغبا في الاسلام طائعا، بقية أبناء الملوك اللهم بارك في وائل
(1) عنه البحار: 18 / 110 ح 14. وروى مثله في دلائل النبوة: 3 / 152، ومسلم في صحيحه: 4 / 1941 ح 161 بإسنادهما إلى علي عليه السلام. (2) عنه البحار: 18 / 111 ح 15. وروى نحوه في دلائل النبوة: 7 / 124 بإسناده إلى الحسن البصري. (*)
[ 61 ]
وولده، وولد ولده. (1) 104 - ومنها: أن أبا سعيد الخدري قال: كنا نخرج في الغزوات مترافقين تسعة وعشرة، فنقسم العمل: فيقعد بعضنا في الرحل، وبعضنا يعمل لاصحابه، يصنع طعامهم ويسقي ركابهم، وطائفة تذهب إلى النبي صلى الله عليه وآله فاتفق في رفقتنا رجل يعمل عمل ثلاثة نفر يحتطب (2) ويستقي ويصنع طعامنا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله، فقال: ذلك رجل من أهل النار، فلقينا العدو فقاتلناهم فجرح، فأخذ الرجل سهما، فقتل به نفسه. فقال النبي صلى الله عليه وآله: أشهد أني رسول الله وعبده. (3) 105 - ومنها: أن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله جالسا في ظل حجر كاد أن ينصرف عنه الظل فقال: إنه سيأتيكم رجل ينظر إليكم بعين شيطان فإذا جاءكم فلا تكلموه. فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق، فدعاه صلى الله عليه وآله وقال: على ما تشتمني أنت وأصحابك ؟ فقال: لا نفعل. فقال: دعني آتك بهم. فدعاهم، فجعلوا يحلفون بالله ما قالوا، وما فعلوا، فأنزل الله: " يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم " (4). (5) 106 - ومنها: أنه لما قدم العباس المدينة سهر النبي صلى الله عليه وآله تلك الليلة، فقيل له في ذلك، فقال: سمعت حس العباس في وثاقه. فاطلق، فقال [ النبي صلى الله عليه وآله ]: يا عباس إفد نفسك أو بن أخيك عقيل، ونوفل بن الحارث، فإنك ذو مال. فقال:
(1) عنه البحار: 18 / 108 ح 7 وعن قصص الانبياء (مخطوط) مثله. ورواه البخاري في التاريخ الكبير: 4 / 175، والبيهقي في دلائل النبوة: 5 / 349 (مختصرا) (2) " يخيط " م، ط ومستدرك الوسائل. (3) عنه البحار: 18 / 111 ح 16. (4) سورة المجادلة: 18. (5) عنه البحار: 18 / 111 ح 17. ورواه في دلائل النبوة: 5 / 282 بإسناده إلى ابن عباس. وفي مستدرك الحاكم: 2 / 482.
وأخرجه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 186 عن أحمد والبزار، والطبراني، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والحاكم.
[ 62 ]
إني كنت مسلما، ولكن قومي استكرهوا علي. فقال صلى الله عليه وآله: الله أعلم بشأنك، أما ظاهر أمرك كنت علينا. فقال: يا رسول الله قد أخذ مني عشرون أوقية من ذهب فاحسبها لي من فدائي. قال: لا، ذاك شئ أعطانا الله منك. قال: فإنه ليس لي مال. قال: فأين المال الذي دفعت بمكة إلى أم الفضل حين خرجت، فقلت: إن أصابني في سفري هذا شئ فللفضل كذا، ولقثم كذا، ولعبدالله كذا، ولعبيد الله كذا ؟ قال: فو الذي بعثك [ بالحق نبيا ] ما علم بذلك أحد غيري وغيرها، فأنا أعلم أنك رسول الله. (1) 107 - ومنها: أنه كان جالسا إذ أطلق حبوته (2) فتنحى قليلا، ثم مد يده كأنه يصافح مسلما، ثم أتانا فقعد، فقلنا: كنا نسمع رجع الكلام ولا نبصر أحدا. قال: ذلك [ إسماعيل ] ملك المطر استأذن ربه أن يلقاني، فسلم علي، فقلت له: اسقنا. قال: ميعادكم يوم كذا في شهر كذا. فلما جاء ميعاده صلينا الصبح، فكنا لا نرى شيئا، وصلينا الظهر، فلم نر شيئا حتى إذا صلينا العصر، نشأت سحابة فمطرنا، فضحكنا. فقال صلى الله عليه وآله: ما لكم ؟ قلنا: الذي قال الملك. قال: أجل مثل هذا ؟ احفظوا. (3) 108 - ومنها: أن أبي بن خلف قال للنبي صلى الله عليه وآله بمكة: إني أعلف العوراء (4)
(1) عنه البحار: 19 / 273 ح 14. وأورد مثله في قصص الانبياء: 345 (مخطوط). وروى مثله في دلائل النبوة: 3 / 141، 142 وبإسناده إلى ابن عباس، وبطريق آخر عن الزهري نحوه.
(2) الحبوة: ما يشتمل به من ثوب، ويقال: حل حبوته أي: قام، وعقد حبوته أي: قعد. (3) عنه البحار: 18 / 15 ح 40. (4) " العودا " م، " عوذاء " خ، " عوزاء " خ ل. واختلاف الضبط لا يؤثر على مجرى الرواية.
[ 63 ]
- يعني فرسا له - أقتلك عليه. قال [ رسول الله صلى الله عليه وآله ]: بل أنا أقتلك إن شاء الله. فلقي يوم أحد، فلما دنا تناول رسول الله الحربة من الحارث بن الصمة، فمشى إليه فطعنه وانصرف، فرجع إلى قريش وهو يقول: قتلني محمد قالوا: وما بك بأس. قال: إنه قال لي بمكة " إني أقتلك " لو بصق علي لقتلني. فمات بسرف (1). (2) 109 - ومنها: انه لما نزل: " فاصدع بما تؤمر، وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين " (3) يعني خمسة نفر، فبشر النبي أصحابه أن الله كفاه أمرهم فأتى الرسول البيت والقوم في الطواف، وجبرئيل عن يمينه، فمر الاسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء، فأعمى الله بصره وأثكله ولده ومر به الاسود بن عبد يغوث، فأومى إلى بطنه، فسقى ماءا فمات حبنا (4) ومر به الوليد بن المغيرة، فأومأ إلى جرح كان في أسفل رجله، فانتقض بذلك فقتله. ومر به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص رجله، فخرج على حمار له يريد الطائف، فدخلت فيه شوكة فقتلته ومر به الحارث، فأومأ إليه وتفقأ قيحا فمات. (5)
(1) سرف: موضع على ستة أميال من مكة. (2) عنه البحار: 20 / 77 ح 15. وأورد نحوه في مناقب ابن شهر اشوب: 1 / 102، عنه البحار: 18 / 74 ح 29. ورواه بتمامه في دلائل النبوة: 3 / 211 بإسناده إلى موسى ابن عقبة. ونحوه في ص 237 بإسناده إلى الزهري، وفي ص 259 بإسناده إلى عروة ابن الزبير، عنه البداية والنهاية: 4 / 32. وأورد ابن هشام في السيرة النبوية: 3 / 9 و 30 مثله.
(3) سورة الحجر: 94 و 95. (4) حبن حبنا: عظم بطنه وورم. (5) عنه البحار: 18 / 240 ح 87. وأخرج السيوطي في الدر المنثور: 4 / 106 - 108 عدة أحاديث بألفاظ مختلفة ومنها: عن أبي نعيم والبيهقي. وعن ابن مردويه بأسانيدهم عن ابن عباس وعن علي عليه السلام. وعن عبد الرزاق في المصنف عن عكرمة، وعن أبي نعيم في الدلائل عن قتادة، وعن ابن =
[ 64 ]
110 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال يوما: توفي أصحمة (1) - رجل صالح من الحبشة - فقوموا فصلوا عليه. فصلى عليه، فكان كذلك. (2) 111 - ومنها: أن كسرى كتب إلى فيروز الديلمي - وهو من بقية أصحاب سيف ابن ذي يزن - أن احمل إلي هذا العبد الذي يبدأ باسمه قبل اسمي، فاجترى علي ودعاني إلى غير ديني. فأتاه فيروز وقال له: إن ربي أمرني أن آتيه بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن ربي أخبرني أن ربك قتل البارحة. فجاء الخبر أن ابنه شيرويه [ وثب عليه ] فقتله في تلك الليلة. فأسلم فيروز ومن معه فلما خرج الكذاب العبسي أنفذه رسول الله صلى الله عليه وآله ليقتله فتسلق سطحا، فلوى عنقه، فقتله. (3) 112 - ومنها: أن أبا الدرداء كان يعبد صنما في الجاهلية، وأن عبد الله بن رواحة ومحمد بن مسلمة ينتظران خلوة أبي الدرداء، فغاب فدخلا على بيته، فكسرا صنمه. فلما رجع إلى أهله قال: من فعل هذا ؟ قالت: لا أدري، سمعت صوتا فجئت وقد خرجوا، ثم قالت: لو كان يدفع الصنم لدفع عن نفسه. فقال: أعطيني حلتي. فلبسها. فقال النبي صلى الله عليه وآله: هذا أبو الدرداء يجئ ويسلم. فإذا هو جاء فأسلم. (4)
= أبى حاتم عن الربيع، وعن عكرمة، وعن ابن أبى جرير وأبى نعيم عن أبى بكر الهذلى
وعن سعيد بن منصور وأبى نعيم عن الشعبى، وعن عبد الرزاق، وأبى جرير، وأبى نعيم عن قتادة، ومقسم مولى ابن عباس. (1) هو اسم النجاشي ملك الحبشة، والنجاشي: لقب يلقب به كل من ملك الحبشة. (2) عنه البحار: 18 / 420 ح 7. وأخرجه في الخصائص الكبرى: 2 / 372 عن الشيخين عن جابر. (3) عنه البحار: 20 / 377 ح 1. (4) عنه البحار: 18 / 111 ح 18 (قطعة) وج 22 / 113 ح 79. وروى مثله باختلاف في دلائل النبوة: 6 / 301، وفي مستدرك الحاكم: 3 / 336، بالاسناد إلى جبير بن نفيل.
[ 65 ]
113 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله أخبر أبا ذر بما جرى عليه بعد وفاته، فقال: كيف بك إذا أخرجت (من مكانك ؟) (1) قال: أذهب إلى المسجد الحرام. فقال: كيف بك إذا أخرجت منه ؟ قال: أذهب إلى الشام. قال: كيف بك إذا أخرجت منها ؟ قال: أعمد إلى سيفي، فأضرب حتى أقتل. قال: لا تفعل ولكن اسمع وأطع. وكان ما كان حتى أخرج إلى الربذة. (2) 114 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال لفاطمة عليها السلام: إنك أول أهل بيتي لحوقا بي. وكانت أول من مات بعده. (3) 115 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال لازواجه: أطولكن يدا، أسرعكن بي لحوقا. قالت عائشة: كنا نتطاول بالايدي حتى ماتت زينب بنت جحش. (4)
(1) " منه " م وط. (2) عنه البحار: 18 / 112 ح 18 (قطعة). روى خبر موت أبي ذر " رضي الله عنه " في أكثر كتب الحديث والتاريخ والتراجم ومنها: في دلائل النبوة: 5 / 221 - 223 وج 6 / 401 و 402.
وابن هشام في السيرة النبوية: 4 / 133، وأبن كثير في البداية والنهاية: 5 / 8. وراجع اسد الغابة والاصابة وغيرها. (3) عنه البحار: 18 / 112 ح 18 (قطعة). وروى نحوه في دلائل النبوة: 6 / 364 بإسناده إلى عائشة، والبخاري في صحيحه: 4 / 248 وج 6 / 12، ومسلم في صحيحه: 4 / 1905 ح 99، وأحمد في مسنده: 6 / 282 وابن سعد في الطبقات الكبرى: 2 / 247، والترمذي في صحيحه: 2 / 319، وفي حلية الاولياء: 2 / 40 عن ابن عباس (4) عنه البحار: 18 / 112. ورواه بألفاظ مختلفة في دلائل النبوة: 6 / 371 و 374 بأسانيده إلى عائشة. والبخاري في صحيحه: 2 / 137، ومسلم في صحيحه: 4 / 1907 ح 101. وزينب كان أطولهن يدا بالعطاء، وكما ورد في بعض الاحاديث أنها كانت تعمل بيدها وتتصدق، وفي أخرى: أنها كانت أطولهن يدا في الخير والصدقة. ولا يؤخذ الحديث على ظاهر ألفاظه.
[ 66 ]
116 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله ذكر زيد بن صوحان فقال: زيد، وما زيد ؟ ! يسبق منه عضو إلى الجنة. فقطعت يده يوم " نهاوند " في سبيل الله. (1) 117 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال: لا كسرى بعد كسرى، ولا قيصر بعد قيصر، لتنفقن كنوزهما في سبيل الله. فكان كما قال. (2) 118 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال يوم الخندق لاصحابه: لئن أمسيتم قليلا لتكثرن، وإن أمسيتم ضعفاء لتشرقن، حتى تصيروا نجوما يهتدى بكم وبواحد منكم. فكان كما قال. 119 - ومنها: ما أخبر عن أم ورقة الانصارية، فكان يقول: انطلقوا بنا إلى الشهيدة نزورها. فقتلها غلام وجارية لها بعد وفاته. (3)
120 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال في محمد بن الحنفية: " يا علي سيولد لك ولد قد نحلته إسمي وكنيتي ". (4) 121 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال: رأيت في يدي سوارين من ذهب فنفختهما فطارا. فأولتهما هذين الكذابين: " مسيلمة " كذاب اليمامة، وكذاب صنعاء: " العنسي " (5)
(1) عنه البحار: 18 / 112 وج 22 / 113 ح 81. وروى مثله في دلائل النبوة: 6 / 416 بإسناده إلى علي عليه السلام. وأورده ابن حجر في الاصابة: 1 / 582 من طريق أبي يعلى وابن مندة، وفي اسد الغابة: 2 / 234. (2) أخرجه في البحار: 18 / 141 ح 41 (قطعة) عن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 121. وأخرجه في الخصائص الكبرى: 2 / 412 عن الشيخين، عن أبي هريرة. (3) عنه البحار: 18 / 112. روى الحديث بتمامه في دلائل النبوة: 6 / 381 و 382، وأحمد بن حنبل في مسنده: 6 / 405 بإسنادهما إلى أم ورقة. (4) عنه البحار: 18 / 112. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 380، وفي طبقات ابن سعد: 5 / 91 بالاسناد إلى علي (ع). (5) عنه البحار: 18 / 112. وروى مثله في دلائل النبوة: 6 / 358، ومسلم في صحيحه: 4 / 1781 ذ ح 21 وح 22 وأحمد في مسنده: 1 / 263 بالاسانيد إلى ابن عباس.
[ 67 ]
122 - ومنها: أن عبد الله بن الزبير قال: احتجم النبي صلى الله عليه وآله فأخذت الدم لاهريقه فلما برزت حسوته (1) فلما رجعت قال: ما صنعت ؟ قلت: جعلته في أخفى مكان. قال: ألفاك (2) شربت الدم ؟ فقال: ويل للناس منك، وويل لك من الناس. (3) 123 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال: ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الادبب (4) تخرج
فتنبحها كلاب الحوأب. (5) 124 - وروى لما أقبلت عائشة مياه بني عامر ليلا نبحتها كلاب الحوأب، قالت: ما هذا ؟ قالوا: الحوأب: قالت: ما أظنني إلا راجعة، ردوني، إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لنا ذات يوم: " كيف بإحداكن إذا نبح عليها كلاب الحوأب " ؟. (6)
(1) أي: شربته. (2) أي: أجدك. (3) عنه البحار: 18 / 113. ورواه في السيرة الحلبية: 2 / 248، وفي السنن الكبرى للبيهقي: 7 / 67. وقد وردت أحاديث مغايرة له حول التبرك بشرب دمه صلى الله عليه وآله، ولم ينكر عليهم وحثهم عليه. راجع كتاب " التبرك " لمؤلفه " علي الاحمدي " ففيه زيادة في التخريجات وتوضيح ذلك التغاير في الاحاديث. (4) " الا ذيب " م. ط، ومعاني الاخبار. قال الشيخ الجليل محمد بن إدريس الحلي في مستطرفات السرائر: 129: وجدت في الغريبين للهروي هذا الحديث وهو في باب الدال غير المعجمة مع الباء المنقطة تحتها نقطة واحدة. وذكر قدس سره أنه وجده هكذا أيضا في مجمل اللغة لابن فارس. ووجدناه أيضا في النهاية لابن الاثير: 2 / 96، والفائق للزمخشري: 1 / 408 وغيرها. ومعناه الكثير وبر الوجه. (5) قال الشيخ الصدوق قدس سره: الحوأب ماء لبني عامر. عنه البحار: 18 / 113. ورواه الصدوق في معاني الاخبار: 305 ح 1، عنه مستطرفات السرائر: 129 ح 1، والبحار: 8 (طبع حجر) / 452، واثبات الهداة: 1 / 502 ح 113. (6) عنه البحار: 18 / 113. ورواه أحمد بن حنبل في مسنده: 6 / 52 وص 97، والحافظ البيهقي في دلائل النبوة: =
[ 68 ]
125 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال: أخبرني جبرئيل أن إبني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، وجائني بهذه التربة، فأخبرني أن فيها مضجعه. (1) 126 - ومنها: أن أم سلمة قالت: كان عمار ينقل اللبن لمسجد الرسول، وكان صلى الله عليه وآله يمسح التراب عن صدره، ويقول: تقتلك الفئة الباغية. (2) 127 - ومنها: ما روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله قسم يوما قسما، فقال رجل من تميم: إعدل ؟ فقال ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ ! قيل نضرب عنقه ؟ قال: لا، إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته وصيامه مع صلاتهم وصيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، آيتهم (3) رجل أدعج أحد ثدييه مثل ثدي أمرأة. قال أبو سعيد: وإني كنت مع علي عليه السلام حين قتلهم، فالتمس في القتلى [ بالنهروان ] فاتي به على النعت الذي نعته رسول الله صلى الله عليه وآله. (4)
= 6 / 410 بطريقين. والحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 211 وص 212 وقال: هذا اسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه. (1) عنه البحار: 18 / 113. وللحديث مصادر كثيرة تجد بعضها في عوالم العلوم: 17 / 101 - 157، وخصائص السيوطي: 2 / 449 - 455، ودلائل النبوة: 6 / 468 - 472، وإحقاق الحق: 11 / 339 - 416. (2) عنه البحار: 18 / 113. وهذا الحديث مما تواتر نقله عند علماء الفريقين تجد بعض مصادره في دلائل النبوة: 2 / 546 - 552 وج 6 / 420 - 422، والخصائص الكبرى للسيوطي: 2 / 496 - 498 وإحقاق الحق: 8 / 422 - 468. (3) " رئيسهم " ه، والبحار. (4) عنه البحار: 18 / 113، وج 8 (طبع حجر) / 596. رواه البخاري في صحيحه: 4 / 243، ومسلم في صحيحه: 2 / 744 ح 148، وأحمد
في مسنده: 3 / 56 وص 65، والنسائي في خصائصه: 137 وص 138، والخوارزمي في المناقب: 182، والبغوي في تفسيره: 3 / 188 (المطبوع بهامش تفسير الخازن) =
[ 69 ]
128 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال: تبنى مدينة بين دجلة ودجيل، وقطربل والصراة (1) تجبى إليها خزائن الارض، يخسف بها. - يعني بغداد -. وذكر أرضا يقال لها: البصرة إلى جنبها نهر يقال له: دجلة، ذو نخل، ينزل بها بنو قنطورا، (2) يتفرق الناس فيه ثلاث فرق: ففرقة تلحق بأهلها فيهلكون. وفرقة تأخذ على أنفسها فيكفرون، وفرقة تجعل ذراريهم خلف ظهورهم يقاتلون، قتلاهم شهداء. يفتح الله على بقيتهم. (3) 129 - ومنها: أنه روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله قال إبليس لابلسة: قد أنكرت الليلة الارض. فصاح في الابالسة، فاجتمعوا إليه، فقال: أخرجوا فانظروا ما هذا الامر الذي حدث. فذهبوا ثم رجعوا، وقالوا: ما وجدنا شيئا. قال: أنا لها
= والمتقي الهندي في كنز العمال: 11 / 296، والبيهقي في دلائل النبوة: 6 / 427، وابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 216، وابن الاثير في اسد الغابة: 2 / 140، والهيثمي في مجمع الزوائد: 6 / 234، والمقريزي في امتاع الاسماع: 425، وبدر الدين العيني في عمدة القارئ: 16 / 142، والتبريزي العمري في مشكاة المصابيح: 3 / 175 والنبهاني في الانوار المحمدية: 487، والشيخ محمد بهجت في نقد عين الميزان: 27 والامر تسري في أرجح المطالب: 631. وللحديث مصادر وشواهد كثيرة تجدها في إحقاق الحق: 8 / 475 - 519. (1) " وتطول بالبصراة " ه، م، ط. وهو تصحيف صوابه ما في المتن كما في هامش بعض النسخ والبحار. قطربل: - بضم أوله وبالباء المشددة المضمومة - قرية بين بغداد وعكبرا. معجم البلدان: 4 / 371. والصراة: نهر ببغداد. معجم البلدان: 3 / 399.
(2) قال ابن الاثير في النهاية: 4 / 113: في حديث حذيفة: " يوشك بنو قنطورا أن يخرجوا من عراقهم " ويروي: " أهل البصرة منها، كأني بهم خنس الانوف، خزر العيون، عراض الوجوه " قيل: أن قنطوراء كانت جارية لابراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ولدت له أولادا منهم الترك والصين. (3) عنه البحار: 18 / 113. وأورده في المناقب: 1 / 121 عن جبير بن عبد الله، عنه البحار: 18 / 141
[ 70 ]
ثم ضرب بذنبه على الارض على قذاله (1) ثم اغتمس في الدنيا حتى انتهى إلى الحرم فوجده منطبقا بالملائكة فذهب ليدخل فصاح به جبرئيل عليه السلام، فقال: [ ما ] وراءك. فقال: حرف أسألك عنه، ألي فيه نصيب ؟ قال: لا. قال: ألي في أمته ؟ قال: نعم. فلما أصبحوا أقبل رجل من أهل الكتاب إلى الملا من قريش فقال: أولد فيكم الليلة ؟ مولود قالوا: لا. قال: فولد إذا بفلسطين غلام اسمه [ أحمد ] له شامة كلون الخز الادكن فتفرق القوم، فبلغهم أنه ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام، قالوا: فطلبناه، وقلنا له: إنه ولد فينا غلام. قال: قبل أن قلت لكم أو بعده ؟ قالوا: قبل. قال: فانطلقوا بنا ننظر إليه. فانطلقوا، فقالوا لامه: أخرجي إبنك حتى ننظر إليه. قالت: إن ابني والله لقد سقط، فما سقط كما يسقط الصبيان لقد اتقى الارض بيديه ورفع رأسه إلى السماء، فنظر إليها ثم خرج منه نور حتى نظرت إلى قصور بصرى وسمعت هاتفا يقول: قد ولدتيه سيد هذه الامة، فإذا وضعتيه، فقولي: أعيذه بالواحد * من شر كل حاسد وكل خلق مارد * يأخذ بالمراصد في طرق الموارد * من قائم وقاعد [ وسميه " محمدا " ] فأخرجته فنظر إليه وإلى الشامة التي بين كتفيه، فخر مغشيا عليه، فأخذوا الغلام
وردوه إلى أمه، وقالوا: بارك الله لك فيه. فلما أفاق قالوا له: مالك ؟ قال: ذهبت نبوة بني إسرائيل إلى يوم القيامة، هذا والله الغلام الذي يبيرهم. ثم قال لقريش: فرحتم ؟ أما والله ليسطون بكم سطوة يتحدث
(1) القذال: كسحاب، جماع مؤخر الرأس، ومعقد العذار من الفرس خلف الناصية. قاله الفيروزآبادي في القاموس المحيط: 4 / 36.
[ 71 ]
بها أهل المشرق والمغرب. وكان أبو سفيان يقول: إنما يسطو بمضر. وأتي به عبد المطلب فأخذه، ووضعه في حجره فقال: الحمد لله الذي أعطاني * هذا الغلام الطيب الاردان قد ساد في المهد على الغلمان. (1) 130 - ومنها: ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فنشأ رسول الله في حجر أبي طالب فبينا هم غلام يجئ بين الصفا والمروة إذ نظر إليه رجل من أهل الكتاب فقال: ما اسمك ؟ قال: اسمي محمد. قال: ابن من ؟ قال: ابن عبد الله. قال: ابن من ؟ قال: ابن عبد المطلب. قال: فما اسم هذه ؟ - وأشار إلى السماء - قال: السماء. قال: فما اسم هذه ؟ - وأشار إلى الارض - قال: الارض. قال فمن ربهما ؟ قال: الله. قال: فهل لهما رب غير الله ؟ قال: لا. ثم إن أبا طالب خرج به معه إلى الشام في تجارة قريش، فلما انتهى به إلى بصرى - وفيها راهب لم يكلم أهل مكة، إذا مروا به - ورأى علامة رسول الله صلى الله عليه وآله في الركب، فإنه رأى غمامة تظله في مسيره، ونزل تحت شجرة قريبة من صومعته فتثنت أغصان الشجرة عليه والغمامة على رأسه بحالها، فصنع لهم طعاما، فاجتمعوا عليه، وتخلف محمد صلى الله عليه وآله، فلما نظر بحيرا إليهم ولم ير الصفة التي يعرف قال: فهل تخلف منكم أحد ؟ قالوا: لا - واللات والعزى - إلا صبي.
فاستحضره فلما لحظ إليه نظر إلى أشياء من جسده قد كان يعرفها من صفته، فلما تفرقوا قال: يا غلام أتخبرني عن أشياء أسألك عنها ؟ قال: سل. قال: أنشدك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه - وإنما أراد أن
(1) عنه البحار: 15 / 171. وروى مثله باختلاف يسير الصدوق في كمال الدين: 1 / 196 ح 39، والقمي في تفسيره: 349 عنها البحار: 15 / 269 ح 15.
[ 72 ]
يعرف لانه سمعهم يحلفون بهما - فذكروا أن النبي صلى الله عليه وآله قال له: لا تسألني باللات والعزى، فإني والله لم أبغض بغضهما شيئا قط. قال: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه ؟ قال: فجعل يسأله عن حاله في نومه وهيئته وأموره فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره، فكان يجدها موافقة لما عنده. فقال له: اكشف عن ظهرك. فكشف عن ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على الموضع الذي يجده عنده، فأخذه الافكل - وهو الرعدة - واهتز الديراني. فقال: من أبو هذا الغلام ؟ قال أبو طالب: هو ابني. قال: لا والله لا يكون أبوه حيا. قال أبو طالب: إنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه ؟ قال: مات وهو ابن شهرين. قال: صدقت. قال: فارجع بابن أخيك إلى بلادك، وأحذر عليه اليهود، فو الله لئن رأته وعرفوا منه الذي عرفت ليبغينه شرا. فخرج أبو طالب فرده إلى مكة. (1) 131 - ومنها: أن زبيرا (2) وتماما (3) وإدريسا (4) كانوا نفرا من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من علامة رسول الله صلى الله عليه وآله مثل ما رأى بحيرا فذكرهم بالله ما يجدون من ذكره وصفته وأنهم اجتمعوا على ما أرادوا، فعرفوا ما قال وصدقوه وانصرفوا. فذكرهم أبو طالب في قصيدة. (5)
(1) عنه البحار: 15 / 214 ح 28. ورواه ابن هشام في السيرة: 1 / 191، والبيهقي في دلائل النبوة: 2 / 26. والسيوطي في الخصائص الكبرى: 1 / 208. (2) وفي سيرة ابن هشام: " زريرا " (3) كذا في المصادر. وهو غير واضح في النسخ. (4) في المصادر " دريسا ". (5) رواه في دلائل النبوة: 2 / 29، وابن هشام في السيرة: 1 / 194، والخصائص: 1 / 210.
[ 73 ]
فصل ونذكر ها هنا شيئا مما في الكتب المتقدمة من ذكر نبينا، وكيف بشرت الانبياء به قبله بألفاظهم: منها ألفاظ التوراة في هذا الباب في السفر الاول منه: " إن الملك نزل على إبراهيم فقال له: إنه يولد في هذا العالم لك غلام اسمه إسحاق. فقال إبراهيم: ليت إسماعيل يعيش بين أيديك بخدمتك. فقال الله لابراهيم: لك ذلك، قد استجبت في إسماعيل، وإني أبركه وآمنه وأعظمه بما استجبت فيه ". وتفسير هذا الحرف: محمد صلى الله عليه وآله [ وفيه أيضا مكتوب: " وأما ابن الامة فقد باركت عليه جدا جدا ] (1) ويلد إثني عشر عظيما، وأصيره لامة كثيرة ". وقال في التوراة: " إن الملك نزل على هاجر - أم إسماعيل - وقد كانت خرجت مغاضبة لسارة وهي تبكي، فقال لها: ارجعي واخدمي مولاتك، واعلمي أنك تلدين غلاما يسمى إسماعيل، وهو يكون معظما في الامم، ويده على كل يد ". ولم يكن ذلك لاسماعيل ولا لاحد من ولده غير نبينا صلى الله عليه وآله.
وقال في التوراة: " إن إبراهيم لما خرج باسماعيل وأمه هاجر أصابهما عطش فنزل عليهما ملك وقال لها: لا تهاوني بالغلام، وشدي يديك به، فإني أريد أن أصيره لامر عظيم ". فإن قيل: هذا تبشير بملك وليس فيه ذكر نبوة. قلنا: الملك ملكان: ملك كفر وملك هدى، ولا يجوز أن يبشر الله إبراهيم عليه السلام وهاجر بظهور الكفر في ولدهما ويصفه بالعظم.
(1) من مجمع البيان والبحار. والمراد ب " ابن الامة " اسماعيل (ع).
[ 74 ]
وقال في التوراة: " أقبل من سيناء، وتجلى من ساعير (1) وظهر من جبل فاران " (2) " فسيناء " جبل كلم الله عليه موسى. " وساعير " هو الجبل الذي بالشام كان فيه عيسى، وجبل " فاران " مكة. وفي التوراة: " إن إسماعيل سكن برية فاران، ونشأ فيها، وتعلم الرمي ". فذكر الله فاران مع طور سيناء، وساعير التي جاء منها بأنبيائه - ومجئ الله إتيان دينه وأحكامه - فقد ظهر دين الله من مكة وهي فاران، فأتم الله تعالى هذه المواعد لابراهيم عليه السلام بمحمد صلى الله عليه وآله فظهر دين الله في مكة بالحج إليها، واستعلن ذكره بصراخ أصحابه بالتلبية على رؤوس الجبال وبطون الاودية، ولم يكن موجودا إلا بمجئ محمد صلى الله عليه وآله، وغيره من ولد إسماعيل عباد أصنام، فلم يظهر الله بهم تبجيله. ويدل على تأويلنا ما قال في كتاب حيقوق: " سيد يجئ من اليمن مقدس من جبل فاران يعطي السماء بهاءا، ويملا الارض نورا، ويسير الموت بين يديه، وينفر الطير بموضع قديمه ". وقال في كتاب حزقيل النبي لبني إسرائيل: " إني مؤيد [ بني ] قيدار بالملائكة - وقيدار جد العرب ابن إسماعيل لصلبه - وأجعل الدين تحت أقدامهم فيدينونكم
بدينهم، ويهمشون (3) أنفسكم بالحمية والغضب. ولا ترفعون أبصاركم ولا تنظرون
(1) قال الحموي في معجم البلدان: 3 / 171: في التوراة اسم لجبال فلسطين... وهو من حدود الروم وهو قرية من الناصرة بين طبرية وعكا. وذكره في التوراة: " جاء من سينا " يريد مناجاته لموسى على طور سينا " وأشرق من ساعير " اشارة إلى ظهور عيسى ابن مريم عليه السلام من الناصرة " واستعلن من جبال فاران " وهي جبال الحجاز، يريد النبي صلى الله عليه وآله، وهذا في الجزء العاشر في السفر الخامس من التوراة. (2) قال الحموي في معجم البلدان: 4 / 225: " كلمة عبرانية معربة وهي من أسماء مكة ذكرها في التوراة. قيل: هو اسم لجبال مكة " ثم ذكر نص التوراة المذكور. وذكر هذا النص في مجمع البيان: 4 / 487، عنه البحار: 15 / 177. (3) الهمش: الكلام والحركة. (العين: 3 / 405).
[ 75 ]
إليهم، وجميع رضاي يصنعونه بكم ". وإن محمدا صلى الله عليه وآله أخرج إليهم من أطاعه من بني قيدار فيقتل مقاتليهم، وأيدهم الله بالملائكة في بدر والخندق وخيبر. وقال في التوراة في السفر الخامس: " إني أقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي على فمه ". (1) - وإخوة بني إسرائيل ولد إسماعيل - ولم يكن في بني إسماعيل (2) نبي مثل موسى ولا أتي بكتاب ككتاب موسى غير نبينا محمد صلى الله عليه وآله. ومن قول حيقوق النبي، ومن قول دانيال: " جاء [ به ] الله من اليمن، والتقديس من جبال فاران، فامتلات الارض من تحميد أحمد وتقديسه، وملك الارض بهيبته ". وقال أيضا: " يضئ لنوره الارض (3) وتحمل خيله في البر والبحر ". وقال أيضا: " ستنزع في قبيلك أغراقا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواءا "
وهذا إيضاح باسمه، وصفاته. وفي كتاب شعيا النبي: " عبدي خيرتي [ من خلقي ] رضي نفسي أفيض عليه روحي " أو قال: " أنزل فيظهر في الامم عدلي، لا يسمع صوته في الاسواق، يفتح العيون العور، ويسمع الآذان الصم، ولا يميل إلى اللهو، ركن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا يطفأ حتى تثبت في الارض حجتي، وينقطع به العذر ". وقال في الفصل الخامس: " أثر سلطانه على كتفه " يعني علامة النبوة، وكان على كتفه خاتم النبوة.
(1) وذكره أيضا في مجمع البيان: 4 / 487، عنه البحار: 15 / 177 وفيه: " وأجعل كلامي في فيه، فيقول لهم كل ما أوصيه به ". (2) كذا في البحار وهو الصحيح. وفي النسخ: إسرائيل. (3) " يضئ له نور " ط، ه.
[ 76 ]
وأعلامه في الزبور: قال داود عليه السلام في الزبور: " سبحوا الرب تسبيحا حديثا، وليفرح إسرائيل بخالقه ونبوة صهيون، من أجل أن الله اصطفى له أمته، وأعطاه النصر، وسدد الصالحين منهم بالكرامة، يسبحونه على مضاجعهم، وبأيديهم سيوف ذات شفرتين لينتقم الله تعالى من الامم الذين لا يعبدونه ". وفي مزمور آخر من الزبور: " تقلد أيها الخيار السيف، فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك، وسهامك مسنونة، والامم يجرون تحتك ". وفي مزمور آخر: " إن الله أظهر من صهيون إكليلا محمودا ": ضرب الاكليل مثلا للرئاسة والامامة، و " محمود " هو محمد صلى الله عليه وآله. وذكر أيضا في صفته: " ويجوز من البحر إلى البحر من لدن الانهار إلى
مقطع الارض، وإنه ليجر (1) أهل الخزائن بين يديه، تأتيه ملوك الفرس، وتسجد له، وتدين له الامم بالطاعة، ينقذ الضعيف، ويرق بالمساكين ". وفي مزمور آخر: " اللهم ابعث جاعل السنة كي يعلم الناس أنه بشر ". هذا إخبار عن محمد صلى الله عليه وآله يخبر الناس عن أن المسيح بشر. وفي كتاب شعيا النبي: " قيل لي: قم نظارا فانظر ماذا ترى فخبر به. فقلت: أرى راكبين مقبلين: أحدهما على حمار، والآخر على جمل، يقول أحدهما لصاحبه: سقطت بابل وأصنامها ". فكل أهل الكتاب يؤمن بهذه الكتب، وتنفرد النصارى بالانجيل. وأعلامه في الانجيل: " قال المسيح للحواريين: أنا أذهب وسيأتيكم الفار قليط روح (2) الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنما هو كما يقال له ويشهد علي وأنتم تشهدون، لانكم معه
(1) " ليخبر " ط، ه. (2) " بروح " ط، ه والبحار.
[ 77 ]
من قبل الناس، وكل شئ أعده الله لكم يخبركم به ". وفي حكاية يوحنا عن المسيح قال: " الفار قليط لا يجيئكم ما لم أذهب، فإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه، ولكنه يكلمكم مما (1) يسمع وسيؤتيكم بالحق، ويخبركم بالحوادث والغيوب ". وقال في حكاية أخرى: " الفار قليط روح الحق الذي يرسله باسمي، هو يعلمكم كل شئ ". وقال: " إني سائل ربي أن يبعث إليكم فار قليط آخر يكون معكم إلى الابد وهو يعلمكم كل شئ ". وقال في حكاية أخرى: " ابن البشر ذاهب، والفار قليط يأتي بعده، يحيي لكم
الاسرار، ويفسر لكم كل شئ، وهو يشهد لي كما شهدت له، فإني أجيئكم (2) بالامثال، وهو يجيئكم (3) بالتأويل ". ومن أعلامه في الانجيل: " أنه لما حبس يحيى بن زكريا ليقتل، بعث بتلاميذه إلى المسيح وقال لهم: قولوا: أنت هو الآتي ؟ أو نتوقع غيرك ؟ فأجابه المسيح وقال: الحق اليقين أقول لكم: إنه لم تقم النساء عن أفضل من يحيى بن زكريا، وإن التوراة وكتب الانبياء يتلو بعضها بعضا بالنبوة والوحي حتى جاء يحيى، فأما الآن فإن شئتم فاقبلوا أن " الاليا " متوقع (4) على أن يأتي، فمن كانت له أذنان سامعتان فليسمع ". روي أنه كان فيه: " إن أحمد متوقع... " فغيروا الاسم وجعلوه " إليا " كقوله: * (يحرفون الكلم عن مواضعه) * و " إليا " هو علي بن أبي طالب عليه السلام.
(1) " فما " ه، م. (2) كذا في البحار، وفي النسخ " احيكم ". (3) في النسخ " يحيكم ". (4) " مزمع " م، ه. (6) سورة النساء: 46، وسورة المائدة: 13.
[ 78 ]
وقيل: إنما ذكر " إليا " لان عليا عليه السلام كان قد أم محمد صلى الله عليه وآله في كل حرب وفي كل حال حتى تقوم القيامة [ فإنه صاحب رايته ]. وإسم محمد صلى الله عليه وآله عندهم بالسريانية " مشفحا " ومشفح هو محمد صلى الله عليه وآله بالعربية وإنهم يقولون: " شفح لالاها " إذا أرادوا أن يقولوا " الحمد لله " وإذا كان " الشفح " " الحمد " فمشفح محمد صلى الله عليه وآله. وفي كتاب شعيا في ذكر الحج: " ستمتلئ البادية فتصفر لهم (1) من أقاصي الارض، فإذا هم سراع يأتون، يبثون تسبيحه في البحر والبر، يأتون من المشرق كالصعيد كثرة ".
وقال شعيا: قال الرب: " ها أناذا مؤسس بصهيون من بيت الله حجرا (وفي رواية: مكرمة) فمن كان مؤمنا فلا يستعجلنا ". وقال دانيال في الرؤيا التي رآها بخت نصر ملك بابل، وعبرها: " أيها الملك رأيت رؤيا هائلة، رأيت صنما بارع الجمال، قائما بين يديك، رأسه من الذهب، وساعده من الفضة، وبطنه وفخذه نحاس، وساقاه حديد، وبعض رجليه خزف. ورأيت حجرا صك رجلي ذلك الصنم فدقهما دقا شديدا، فتفتت ذلك الصنم كله حديده ونحاسه وفضته وذهبه، وصار رفاتا كدقاق البيدر، وعصفته الريح فلم يوجد له أثر، وصار ذلك الحجر الذي دق الصنم جبلا عاليا امتلات منه الارض كلها، فهذه رؤياك ؟ قال: نعم ". ثم عبرها له فقال: " إن الرأس الذي رأيته من الذهب مملكتك، فتقوم بعدك مملكة أخرى دونك، والمملكة الثالثة التي تشبه النحاس تتسلط على الارض كلها والمملكة الرابعة قوتها قوة الحديد كما أن الحديد يدق كل شئ. وأما الرجل الذي كان بعضها من حديد، وبعضها من خزف، فإن بعض تلك
(1) أي تدعوهم، وفي " ط، ه، خ ل البحار " فيظفر بهم. والظاهر أنها تصحيف.
[ 79 ]
المملكة يكون عزا، وبعضها يكون ذلا، وتكون كلمة أهل المملكة متشتتة، ويقيم إله السماء في تلك الايام ملكا عظيما دائما أبديا، لا يتغير ولا يتبدل ولا يزول، ولا يدع لغيره من الامم سلطانا، ويقوم هو دهر الداهرين ". فتأويل الرؤيا مبعث محمد صلى الله عليه وآله تمزقت الجنود لنبوته، ولم تنتقض مملكة فارس لاحد قبله، وكان ملكها أعز ملوك الارض وأشدها شوكة، وكان أول ما بدأ فيه انتقاص قتل " شيرويه بن أبرويز " أباه، ثم ظهر الطاعون في مملكته وهلك فيه، ثم هلك ابنه " أردشير " ثم ملك رجل لم يكن من أهل بيت الملك فقتلته " بوران بنت كسرى "
ثم ملك بعده رجل يقال له: " كسرى بن قباد " ولد بأرض الترك، ثم ملكت " بوران بنت كسرى ". فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله مملكتها فقال: " لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى إمرأة ". ثم ملكت ابنة أخرى لكسرى فسمت وماتت، ثم ملك رجل ثم قتل. فلما رأى أهل فارس ما هم فيه من الانتشار أمر إبن لكسرى يقال له: " يزدجرد " فملكوه عليهم، فأقام بالمدائن على الانتشار ثماني سنين، وبعث إلى الصين بأمواله وخلف أخا بالمدائن لرستم فأتى لقتال المسلمين، ونزل بالقادسية، وقتل بها، فبلغ ذلك يزدجرد، فهرب إلى سجستان فقتل هناك. وقال في التوراة: " أحمد عبدي المختار، لا فظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الاسواق، ولا يجزئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر. مولده بمكة، وهجرته طيبة (1) وملكه بالشام. وأمته الحامدون، يحمدون الله على كل نجد (2) ويسبحونه في كل منزل، ويقومون
(1) " طابة " م وخ. قال الحموي في معجم البلدان: 4 / 53: " طيبة: بالفتح ثم السكون ثم الباء موحدة، وهو اسم لمدينة رسول الله صلى الله عليه وآله، يقال لها: طيبة وطابة من الطيب وهي الرائحة الحسنة لحسن رائحة تربتها فيما قيل ". (2) النجد: ما أشرف من الارض وارتفع.
[ 80 ]
على أطرافهم وهم رعاة الشمس (1) مؤذنهم في جو السماء، صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء، رهبان بالليل، أسد بالنهار، لهم دوي كدوي النحل يصلون الصلاة حيثما أدركتهم ". أراد: أن اليهود كانت لا تقبل صلاتهم إلا في كنائسهم، فوسع الله على هذه الامة أن يصلوا حيثما أدركتهم الصلاة.
ومما أوحى الله إلى آدم: " أنا الله ذو بكة، أهلها جيرتي، وزوارها وفدي وأضيافي أعمره بأهل السماء وأهل الارض، يأتونه أفواجا شعثا غبرا، يعجون بالتكبير والتلبية فمن اعتمره لا يريد غيره فقد زارني، وهو وفد لي، ونزل بي، وحق لي أن أتحفه بكراماتي، أجعل ذلك البيت وذكره، وشرفه ومجده، وسناه لنبي من ولدك يقال له " إبراهيم " أبني له قواعده، وأجري على يديه عمارته، وأنبط (2) له سقايته، وأريه حله وحرمه، أعلمه مشاعره، ثم تعمره الامم والقرون حتى ينتهي إلى نبي من ولدك يقال له: " محمد وهو خاتم النبيين، فأجعله من سكانه وولاته ". ومن أعلامه اسمه، لان الله حفظ اسمه حتى لم يسم باسمه أحد قبل صيانة من الله لاسمه، ومنع منه كما فعل بيحيى بن زكريا " لم نجعل له من قبل سميا ". (3) وكما فعل بابراهيم وإسحاق ويعقوب وصالح وأنبياء كثيرة منع من تسمياتهم (4) قبل مبعثهم ليعرفوا به إذا جاءوا، ويكون ذلك أحد أعلامهم. 132 - وعن سراقة بن جعشم قال: خرجت رابع أربعة، فلما قدمنا الشام نزلنا على غدير فيه شجرات، وقربه قائم (5) لديراني، فأشرف علينا، قال: من أنتم ؟ قلنا: قوم من مضر. قال: من أي المضرين ؟ قلنا: من خندف. قال: أما إنه سيبعث فيكم
(1) المراد أنه يرقبون الشمس لتعيين وقت الصلاة. (2) النبط: الماء الذي ينبط من قعر البئر إذا حفرت. لسان العرب: 7 / 410. (3) سورة مريم: 7. (4) " مسمياتهم " ط. (5) أي بناء.
[ 81 ]
وشيكا نبي اسمه " محمد " فلما صرنا عند أهلنا ولد لكل رجل منا غلام فسماه " محمدا صلى الله عليه وآله ". وهذا أيضا من أعلامه. (1) 133 - ومنها: أن تبع بن حسان سار إلى يثرب، وقتل من اليهود ثلاثمائة وخمسين رجلا صبرا، وأراد إخرابها، فقام إليه رجل من اليهود له مائتان وخمسون سنة، فقال:
أيها الملك مثلك لا يقبل قول الزور، ولا يقتل على الغضب، وأنك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية. قال: ولم ؟ قال: لانه يخرج منها من ولد إسماعيل نبي يظهر من هذه البنية. يعني البيت الحرام. فكف تبع، ومضى يريد مكة ومعه اليهود، وكسا البيت، وأطعم الناس، وهو القائل: شهدت على أحمد أنه * رسول من الله بارئ النسم فلو مد عمري إلى عمره * لكنت وزيرا له وابن عم ويقال: هو تبع الاصغر، وقيل: الاوسط. (2) 134 - ومنها: أنه لما ولد النبي صلى الله عليه وآله قدمت حليمة بنت أبي ذؤيب في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء (3) بمكة، قالت: فخرجت معهن على أتان (4) ومعي زوجي، ومعنا شارف (5) لنا ما تبض (6) بقطرة من لبن، ومعي ولد ما يجد في ثديي ما نعلله (7) به، وما ننام ليلنا جوعا، فلما ندمنا مكة لم تبق منا إمرأة إلا عرض
(1) من بداية الفصل إلى هنا أخرجه عنه في البحار: / 15 / 207 - 214 ح 26. (2) عنه البحار: 15 / 214 ح 27، واثبات الهداة: 1 / 375 ح 102، ونحوه في الكامل لابن الاثير: 1 / 417. (3) الرضعاء: جمع رضيع، والمراد هنا الاطفال الذين يطلب لهم أهلهم مرضعات. (4) الاتان: هي الانثى من الحمير. (5) الشارف: الناقة المسنة. (6) بض الماء: أي سال قليلا قليلا. (7) يقال: تعالل الصبي ثدي أمه: أي امتص ما فيه من اللبن.
[ 82 ]
عليها محمد صلى الله عليه وآله فكرهناه وقلنا: يتيم، وإنما يكرم الظئر (1) الوالد، فكل صواحبي أخذن رضيعا ولم آخذ شيئا فلما لم أجد غيره رجعت إليه فأخذته، فأتيت به الرحل (2) فأمسيت وأقبل ثدياي
باللبن حتى أرويته، وأرويت ولدي أيضا، وقام زوجي إلى شارفنا تلك يلمسها بيده فإذا هي حافل (3) فحلبها فأرواني من لبنها، وروى الغلمان، فقال: يا حليمة لقد أصبنا نسمة مباركة. فبتنا بخير، ورجعنا فركبت أتاني ثم حملت محمدا صلى الله عليه وآله معي، فو الذي نفس حليمة بيده لقد طفت (4) بالركب حتى أن النسوة يقلن: يا حليمة أمسكي علينا، أهذه أتانك التي خرجت عليها ؟ ! قلت: نعم. قلن: ما شأنها ؟ قلت: حملت غلاما مباركا، ويزيدنا الله كل يوم وليلة خيرا حتى والبلاد قحط. والرعاة يسرحون ثم يريحون، فتروح أغنام بني سعد جياعا وتروح غنمي شباعا بطانا حفلا، فنحلب ونشرب. (5)
(1) أي المرضعة. (2) الرحل: ما يستصحبه المسافر معه من الاثاث والمتاع في سفره. (3) الحافل: الممتلئة الضرع من اللبن، والحفل: اجتماع اللبن في الضرع. (4) الطف والطفاف من الخيل: السريع الخفيف. (5) عنه البحار: 15 / 331 ح 1، ورواه مفصلا ابن هشام في السيرة: 1 / 172، والبيهقي في دلائل النبوة: 1 / 133 - 136، وأبو نعيم في دلائل النبوة: 111، وابن الجوزي في الوفا: 1 / 108، وابن كثير في البداية والنهاية: 2 / 273.
[ 83 ]
(فصل) من روايات الخاصة 135 - فمن معجزاته أن الصادق عليه السلام قال: نشأ رسول الله صلى الله عليه وآله في حجر أبي طالب حتى [ إذا ] بلغ قريبا من العشرين سنة، قال: يا عم إني أرى في المنام رجلا يأتيني ومعه آخر (1) فيقولان: " هو هو، فإذا بلغ فشأنك به " والرجل لا يتكلم، ثم قال: يا عم إني قد رأيت الرجل - الذي كنت أراه في المنام - قد ظهر لي
فانطلق به أبو طالب إلى عالم كان بوادي مكة يتطبب، فصوب الرجل فيه بصره وصعد، وأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله بما يرى. فقال الطبيب: يا بن عبد مناف إن لابن أخيك شأنا، إنما هذا الذي يجد ابن أخيك الناموس [ الاكبر ] الذي يجده الانبياء. 136 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أربعين سنة قال: سمعت صوتا من السماء: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبرئيل، ولما تراءى له جبرئيل بأعلى الوادي، وعليه جبة سندس، أخرج له درنوكا من درانيك الجنة، وأجلسه عليه، وأخبره أنه رسول الله، وأمره بما أراد، ثم قال: أنا جبرئيل، وقام. فلحق محمد صلى الله عليه وآله بالغنم، وكان يرعى غنم عمه أبي طالب. قال: فما من شجرة ولا مدرة إلا سلمت علي وهنأتني. (2) 137 - ومنها: أن جبرئيل أتاه وهو بأعلى مكة، فغمز بعقبة في ناحية الوادي فانفجرت عين، فتوضأ ليريه كيف وضوء الصلاة، ثم تطهر رسول الله، ثم صلى جبرئيل
(1) كذا في الاصل، والظاهر أنها " آخران " (2) أورد قطعة منه في ثاقب المناقب: 36 (مخطوط) عن الباقر عليه السلام، مثله.
[ 84 ]
وصلى رسول الله، وإنها الظهر، فهي أول صلاة افترضت. فرجع رسول الله إلى خديجة، فأخبرها، فتوضأت وصلت. (1) 138 - ومنها: أن أبا جعفر عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أسري به نزل جبرئيل عليه السلام بالبراق، وهو أصغر من البغل، وأكبر من الحمار، مضطرب الاذنين، عيناه في حوافره خطاه مد بصره، له جناحان يحفزانه (2) من خلفه، عليه سرج [ من ] ياقوت، فيه من كل لون أهدب العرف (3) الايمن، فوقفه على باب خديجة، ودخل على رسول الله صلى الله عليه وآله فمرح (4) البراق، فخرج إليه جبرئيل عليه السلام فقال: اسكن فإنما يركبك [ خير البشر ] أحب
خلق الله إليه. فسكن. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فركب ليلا، وتوجه نحو بيت المقدس، فاستقبل شيخا، فقال جبرئيل عليه السلام: هذا أبوك إبراهيم. فثنى رجله وهم بالنزول، فقال جبرئيل عليه السلام: كما أنت. فجمع من شاء الله من أنبيائه ببيت المقدس، فأذن جبرئيل، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى بهم. ثم قال أبو جعفر عليه السلام في قوله: " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك " هؤلاء الانبياء الذين جمعوا " [ لقد جاءك الحق من ربك ] فلا تكونن من الممترين " (5) قال: فلم يشك رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يسأل. (6) 139 - وفي رواية أخرى: أن البراق لم يكد يسكن لركوب رسول الله صلى الله عليه وآله إلا
(1) أورد مثله في اثبات الوصية: 114 مرسلا. (2) قال ابن الاثير في النهاية: 1 / 407: الحفز: الحث والاعجال، ومنه حديث البراق " وفي فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه ". (3) أهدب العرف أي طويله وكثيرة، مرسلا من الجانب الايمن. (4) المرح: شدة الفرح والنشاط. (5) سورة يونس: 94. (6) عنه البحار: 18 / 379 ح 84. ونحوه في صحيفة الرضا عليه السلام: 154 ح 95. وروى مثله باختلاف في علل الشرائع: 130 ح 2 باسناده عن أحدهما عليهما السلام في تفسيره للآية المذكورة، عنه البحار: 17 / 87 ح 16.
[ 85 ]
بعد شرطه أن يكون مركوبه يوم القيامة. (1) 140 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله لما رجع من السرى (2) نزل على أم هاني بنت أبي طالب فأخبرها، فقالت: بأبي أنت وأمي، والله لئن أخبرت الناس بهذا ليكذبنك من صدقك وكان أبو طالب قد فقده تلك الليلة فجعل يطلبه، وجمع بني هاشم، ثم أعطاهم المدي (3) وقال لهم: إذا رأيتموني قد دخلت وليس معي محمد، فليضرب كل رجل منكم
جليسه والله لا نعيش نحن، ولا هم، وقد قتلوا محمدا. فخرج في طلبه وهو يقول: يا لها عظيمة إن لم يواف رسول الله صلى الله مع الفجر. فتلقاه على باب أم هاني حين نزل من البراق، فقال: يا ابن أخي، انطلق فادخل بين يدي المسجد. وسل سيفه عند الحجر وقال: يا بني هاشم أخرجوا مداكم. فقال: لو لم أره ما بقي منكم شفر (4) أو عشنا، فاتقته قريش منذ يوم أن يغتالوه. ثم حدثهم محمد صلى الله عليه وآله، فقالوا: صف لنا بيت المقدس. قال: إنما دخلته ليلا فأتاه جبرئيل فقال: انظر إلى هناك. فنظر إلى البيت، فوصفه وهو ينظر إليه، ثم نعت لهم ما كان لهم من عير ما بينهم وبين الشام. (5) 141 - ومنها: أن قريشا كلهم اجتمعوا، وأخرجوا بني هاشم إلي شعب أبي طالب ومكثوا فيه ثلاث سنين إلا شهرا، وأنفق أبو طالب وخديجة جميع مالهما، ولا يقدرون على الطعام (6) إلا من موسم إلى موسم، فلقوا من الجوع والعرى ما الله أعلم به. وأن الله بعث على صحيفتهم الارضة، فأكلت كل ما فيها إلا اسم الله فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله لابي طالب، فما راع قريشا إلا وبنو هاشم عنقا (7) واحدا
(1) عنه البحار: 18 / 379. (2) " السرى " البحار. وكلاهما بمعنى السير في الليل، والمراد هنا الاسراء. (3) المدى: جمع مدية، وهي السكين أو الشفرة الكبيرة. (4) " سفر " البحار، وهو تصحيف. وشفر أي أحد، وما في الدار شفر: أي ليس فيها أحد. (5) عنه البحار: 35 / 82 ح 25. (6) " الاطعام " م وه وط. (7) العنق: الجماعة.
[ 86 ]
قد خرجوا من الشعب. فقال قريش: الجوع أخرجهم. فجاؤوا حتى أتوا الحجر، وجلسوا فيه، وكان لا يقعد فيه إلا فتيان (1) قريش. فقالوا: يا أبا طالب قد آن لك أن تصالح قومك.
قال: قد جئتكم بخبر، ابعثوا إلى صحيفتكم لعله أن يكون بيننا وبينكم صلح. قال: فبعثوا إليها وهي عند أم أبي جهل، وكانت قبل في الكعبة، فخافوا عليها السرق فوضعت بين أيديهم، وخواتيمهم عليها. فقال أبو طالب: هل تنكرون منها شيئا ؟ قالوا: لا. قال: إن ابن أخي حدثني - ولم يكذبني قط - أن الله قد بعث على هذه الصحيفة الارضة، فأكلت كل قطيعة وإثم، وتركت كل اسم هو لله، فإن كان صادقا، أقلعتم عن ظلمنا، وإن يكن كاذبا ندفعه إليكم فقتلتموه. فصاح الناس: نعم (2) يا أبا طالب، ففتحت ثم أخرجت، فإذا هي مشربة (3) كما قال صلى الله عليه وآله فكبر المسلمون وانتقعت (4) وجوه المشركين. فقال أبو طالب: أتبين لكم أينا (5) أولى بالسحر والكهانة ؟ فأسلم يومئذ عالم من الناس، ثم رجع أبو طالب إلى شعبه، ثم عيرهم هشام بن
(1) " مسان " م وه وط وخ ل، ولم نجد لها معنى في المعاجم اللغوية، والظاهر أنها تصحيف " فتيان " أو " صبيان ". وفي البحار: " لا يقعد فيه صبيان قريش ". (2) " أنصفتنا " ه وط والبحار. (3) كذا في جميع النسخ والبحار، ولم نجد لها معنى مناسبا في هذا الموضع من الكلام. ولكن قد يكون مشتقة من قول ابن منظور في لسان العرب: 1 / 493 مادة " شرب ": " ويقال: ما زال فلان على شربة واحدة أي على أمر واحد ". انتهى. أي: أن الصحيفة أخرجت على الامر الذي قاله صلى الله عليه وآله. (4) " امتقعت " البحار. وكلاهما بمعنى تغير أو اختطاف لون الوجه من حزن أو فزع أو ريبة. (5) " نبينا " م وه.
[ 87 ]
عمرو العامري بما صنعوا ببني هاشم. (1) 142 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله كان يصلي مقابل الحجر الاسود، ويستقبل الكعبة
ويستقبل بيت المقدس، فلا يرى حتى يفرغ من صلاته، وكان يستتر بقوله تعالى: " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا " (2) وبقوله: " اولئك الذين طبع الله على قلوبهم " (3) وبقوله: " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا " (4) وبقوله: " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة " (5). (6) 143 - ومنها: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله قال: إني خرجت وامرأتي حائض ورجعت وهي حبلى ! فقال صلى الله عليه وآله: من تتهم ؟ قال: فلانا وفلانا. قال: ائت بهما. فجاء بهما فقال صلى الله عليه وآله: إن يكن من هذا فسيخرج قططا (7) كذا وكذا. فخرج كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله (8) 144 - ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث إلى يهودي يسأله قرض شئ له، ففعل ثم جاء اليهودي إليه فقال: جاءتك حاجتك ؟ قال: نعم، ثم قال: فابعث فيما أردت ولا تمتنع من شئ تريده. فقال له النبي صلى الله عليه وآله: أدام الله جمالك. فعاش اليهودي ثمانين سنة ما رؤي في رأسه طاقة شعر بيضاء (9). (10)
(1) عنه البحار: 19 / 16 ح 8. وأخرج نحوه في الخصائص الكبرى: 1 / 374 عن البيهقي وأبي نعيم من طريق موسى ابن عقبة عن الزهري وص 376 عن ابن سعد. يأتي نحوه في الحديث 230. (2) سورة الاسراء: 45. (3) سورة النحل: 108. (4) سورة الانعام: 25 والاسراء: 46. (5) سورة الجاثية: 23. (6) عنه البحار: 18 / 58 ح 15. (7) قططا: قصير الشعر وجعده. (8) عنه البحار: 18 / 114 ح 19. (9) كذا في البحار، وفي الاصل بياض. (10) عنه البحار: 18 / 15 ح 41.
[ 88 ]
145 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يسير في بعض مسيره فقال لاصحابه: يطلع عليكم من بعض هذه الفجاج شخص ليس له عهد بأنيس (1) منذ ثلاثة أيام. فما لبثوا أن أقبل أعرابي قد يبس جلده على عظمه، وغارت عيناه في رأسه واخضرت شفتاه من أكل البقل. فسأل عن النبي صلى الله عليه وآله في أول الرفاق (2) حتى لقيه فقال له: أعرض علي الاسلام. فقال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأني محمد رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: أقررت. قال صلى الله عليه وآله: تصلي [ الصلوات ] الخمس، وتصوم شهر رمضان. قال: أقررت. (3) قال صلى الله عليه وآله: تحج البيت [ الحرام ]، وتؤدي الزكاة، وتغتسل من الجنابة. قال: أقررت. فتخلف بعير الاعرابي، ووقف النبي صلى الله عليه وآله فسأل عنه، فرجع الناس في طلبه فوجدوه في آخر العسكر قد سقط خف بعيره في حفرة من حفر الجرذان، فسقط فاندق عنق الاعرابي، وعنق البعير وهما ميتان. فأمر النبي صلى الله عليه وآله فضربت خيمة فغسل فيه، ثم دخل النبي صلى الله عليه وآله فكفنه، فسمعوا للنبي صلى الله عليه وآله حركة، فخرج وجبينه يترشح عرقا، وقال: إن هذا الاعرابي مات وهو جائع، وهو ممن آمن ولم يلبس إيمانه بظلم، فابتدرته الحور العين بثمار الجنة يحشون بها شدقه، هذه تقول: يا رسول الله اجعلني في أزواجه، وهذه تقول: يا رسول الله اجعلني في أزواجه. (4) 146 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله كان يخرج في الليلة ثلاث مرات إلى المسجد فخرج في آخر ليلة، وكان يبيت عند المنبر مساكين، فدعا بجارية تقوم على نسائه فقال:
إئتيني بما عندكم. فأتته ببرمة (1) ليس فيها إلا شئ يسير، فوضعها. ثم أيقظ عشرة وقال: كلوا باسم الله. فأكلوا حتى شبعوا، ثم أيقظ عشرة، فقال: كلوا باسم الله. فأكلوا حتى شبعوا [ ثم ] هكذا، وبقي في القدر بقية فقال: إذهبي بهذا إليهم. (2) 147 - ومنها: أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما طعمت طعاما منذ يومين فقال: عليك بالسوق. فلما كان من الغد أتاه (3) فقال: يا رسول الله أتيت السوق أمس فلم أصب شيئا، فبت بغير عشاء. قال: فعليك بالسوق. فأتى بعد ذلك أيضا، فقال صلى الله عليه وآله: عليك بالسوق. فانطلق إليها فإذا عير قد جاءت وعليها متاع، فباعوه بفضل دينار (4) فأخذه الرجل وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ما أصبت شيئا. قال: هل أصبت من عير آل فلان شيئا ؟ قال: لا. قال: بلى ضرب لك فيها بسهم، وخرجت منها بدينار ؟ قال: نعم. قال: فما حملك على أن تكذب ؟ قال: أشهد أنك صادق، ودعاني إلى ذلك إرادة أن أعلم: أتعلم ما يعمل الناس ؟ [ وأن ] أزداد خيرا إلى خير. فقال له النبي صلى الله عليه وآله: صدقت، من استغنى أغناه الله، ومن فتح على نفسه باب مسأله فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر لا يسد أدناها شئ. فما رؤي سائل بعد ذلك اليوم. ثم قال: إن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي. (5)
(1) البرمة: القدر من الحجر، والجمع: يرم. (2) عنه البحار: 18 / 30 ح 16. (3) " دخل " البحار. (4) " ففضل بدينار " البحار. (5) انظر الوسائل ج 6 ص 159 وجامع الاحاديث الشيعة ج 8 ص 179 ب 2 قال ابن الاثير في النهاية: 4 / 316 مادة " مرر ": فيه " لا تحل الصدقة
لغنى ولا لذي مرة سوي ". المرة: القوة والشدة، والسوي: الصحيح الاعضاء.
[ 90 ]
أي: لا يحل له أن يأخذها وهو يقدر أن يكف نفسه عنها. (1) 148 - ومنها: أن أبا جعفر عليه السلام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله يوما جالسا، إذ قام متغير اللون فتوسط المسجد، ثم أقبل يناجي، فمكث طويلا، ثم رجع إليهم، فقالوا: يا رسول الله رأينا منك منظرا ما رأيناه فيما مضى. قال: إني نظرت إلى ملك السحاب " إسماعيل " ولم يهبط إلى الارض إلا بعذاب فوثبت مخافة أن يكون قد نزل في أمتي بشئ، فسألته ما أهبطه ؟ فقال: استأذنت ربي في السلام عليك، فأذن لي. قلت: فهل أمرت فيها بشئ ؟ قال: نعم في يوم كذا، في شهر كذا، في ساعة كذا. فقام المنافقون وظنوا أنهم على شئ، فكتبوا ذلك اليوم، وكان أشد يوم حرا فأقبل القوم يتغامزون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لعلي عليه السلام انظر هل ترى في السماء شيئا ؟ فخرج ثم قال: أرى في مكان كذا كهيئة الترس غمامة. فما لبثوا أن جللتهم سحابة سوداء، ثم هطلت عليهم حتى ضج الناس. (2) 149 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: من الناس من لا يؤمن إلا بالمعاينة ومنهم من يؤمن بغيرها. إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: أرني آية. فقال (4) بيده إلى النخلة، فذهبت يمنة ثم قال هكذا، فذهبت يسرة، فآمن الرجل. (4) 150 - ومنها: أن عليا عليه السلام بكى يوما، وقال: ماتت أمي. فنهض النبي صلى الله عليه وآله فقال: هي والله أمي حقا، ما رأيت من عمي شيئا إلا وقد رأيت منها أكثر منه. ثم صاح يا أم سلمة ! هذه بردتي فأزريها فيها وهذه قميصي فدرعيها فيها، وهذا ردائي فادرجيها فيه، فإذا فرغت من غسلها فاعلميني.
(1) عنه البحار: 18 / 114 ح 20.
(2) عنه البحار: 18 / 115 ح 21. تقدم في الحديث 109. (3) أي: فأشار. (4) عنه البحار: 17 / 377 ح 44.
[ 91 ]
فأعلمته أم سلمة، فحملها على سريرها، ثم صلى عليها، ثم نزل [ لحدها ] فلبث (1) ما شاء الله لا يسمع له [ إلا ] همهمة. ثم صاح يا فاطمة ! قالت: لبيك يا رسول الله. قال: هل رأيت ما ضمنت لك. قالت: نعم، فجزاك الله عني في المحيا والممات أفضل الجزاء. فلما سوى عليها وخرج، سئل عنها فقال: فرأت عليها يوما " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة " (1) فقالت: يا رسول الله وما فرادى ؟، قلت: عراة. قالت: واسوأتاه. فسألت الله ألا تبدي عورتها. ثم سألتني عن منكر ونكير فأخبرتها [ بحالهما ] بأنهما كيف يجيئان قالت: واغوثاه بالله منهما. فسألت الله أن لا يريهما إياها، وأن يفسح لها في قبرها، وأن يحشرها في أكفانها. (3) 151 - ومنها: أن رجلا مات، وإذا الحفارون لم يحفروا شيئا، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا: ما يعمل حديدنا في الارض كما نضرب في الصفا. (4) قال: ولم ؟ إن كان صاحبكم لحسن الخلق، إئتوني بقدح من ماء: فأدخل يده فيه ثم رشه على الارض رشا، فحفر الحفارون، فكأنما رمل يتهايل عليهم. (5) 152 - ومنها: أن محمد بن مسلم قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: الرجل يكون في المسجد فتكون الصفوف مختلفة، فيها الناقصة، فأميل إليه أسعى حتى أتمه ؟ قال: لا بأس، إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ألا أيها الناس، إني أراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي، فلتقيمن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم. (6)
(1) " فمكث " م. (2) سورة الانعام: 94. (3) عنه البحار: 6 / 232 ح 44 وعن بصائر الدرجات: 287 ح 9، بإسناده عن أبي عبد الله
عليه السلام، مثله باختلاف. وأخرجه في البحار: 18 / 6 ح 6 عن البصائر. (4) الصفا: مقصورة الحجارة، ويقال: الحجارة الملس، الواحدة: صفاة. (5) عنه البحار: 17 / 377 ح 45. (6) عنه البحار: 88 / 99 ح 71 وعن بصائر الدرجات: 419 ح 2 بإسناده عن أبي جعفر مثله =
[ 92 ]
153 - ومنها: أن ابن الكوا قال لعلي عليه السلام: بما كنت وصي محمد من بين بني عبد المطلب ؟ قال: أدن، ما الخير تريد (1). لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله: " وانذر عشيرتك الاقربين " (2) جمعنا رسول الله ونحن أربعون رجلا، فأمرني فأنضجت له رجل شاة، وصاعا من طعام، أمرني فطحنته وخبزته، وأمرني فأدنيته. ثم قال: فقال: تقدم علي عشرة عشرة من أجلتهم. فأكلوا حتى صدروا [ وبقي الطعام كما كان ] وإن منهم لمن يأكل الجذعة (3) ويشرب الفرق (4) فأكلوا منها كلهم أجمعون. فقال أبو لهب: سحركم صاحبكم، فتفرقوا عنه. ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله ثانية ثم قال: أيكم يكون أخي ووصيي ووارثي ؟
= وأخرجه في الوسائل: 5 / 472 ح 8 والبحار: 16 / 173 ح 10 عن البصائر. تقدم نظيره في الحديث: 63. (1) " اذن ما الخبر تريد " البحار. (2) سورة الشعراء: 214. (3) قال ابن الاثير في النهاية: 1 / 250 مادة " جذع ": وأصل الجذع من أسنان الدواب، وهو ما كان منها شابا فتيا. فهو من الابل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية. وقيل: البقر في الثالثة، ومن الضأن ما تمت له سنة، وقيل: أقل منها.
ومنهم من يخالف بعض هذا التقدير. (4) وقال في ج 3 / 437 مادة " فرق ": الفرق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلا، وهي اثنا عشر مدا، أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز. وقيل: الفرق: خمسة أقساط، والقسط نصف صاع. فأما الفرق بالسكون: فمائة وعشرون رطلا. انتهى. أقول: هو كناية على أن أحدهم من يحث قوته وقدرته يأكل ويشرب إلى حد لا يتصور ولا يصدق.
[ 93 ]
فعرض عليهم كلهم، وكلهم يأبى حتى انتهى إلي وأنا أصغرهم سنا [ وأعمشهم (1) عينا، وأحمشهم (2) ساقا ]. فقلت: أنا. فرمى إلي بنعله (3) فلذلك كنت وصيه من بينهم. (4) 154 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: قال عبد الله بن أمية لرسول الله: إنا لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا، أو يكون لك بيت من ذهب، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك، والله لو فعلت ذلك ما كنت أدري أصدقك أم لا. فانصرف النبي صلى الله عليه وآله ثم نظروا في أمورهم، فقال أبو جهل:
(1) في بعض المصادر: وأرمصهم عينا. العمش: ضعف البصر مع سيلان الدمع. والرمص: وسخ أبيض في مجرى الدمع من العينين. (2) حمش الرجل: صار دقيق الساقين. وهذه الصفات كنايات على أنه عليه السلام، أصغرهم عمرا، وأقلهم مكانة، ولا يعتد به، ولا يؤخذ برأيه، وقد اختاره الله تعالى من بينهم للوصاية دون غيره. (3) كذا في النسخ والبحار. والعبارة لا تناسب مقام أمير المؤمنين عليه السلام، وقد تكون مصحفة لكلمات أخرى. ومنها " بنفله ". والنفل: العطية أو الغنيمة، أو غير ذلك من الهبات. (4) عنه البحار 18 / 44 ح 31.
وروى هذا الحديث باختلاف الالفاظ من طرق الخاصة والعامة في كتبهم ومؤلفاتهم: فقد رواه في علل الشرائع: 170 ح 2، وفي تفسير القمي: 474، وفي أمالي الطوسي: 2 / 194، وفي تفسير الفرات: 113، عنهم البحار: 18 / 178 ح 7 و 181 ح 11 و 191 ح 27 و 212 ح 41. وأورده في تأويل الآيات: 2 / 393 ح 19 وفي مجمع البيان: 7 / 206. ورواه في مناقب أحمد: 161، وابن عساكر في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام: 1 / 84 - 93. وفي فرائد السمطين: 1 / 85 ح 55، وفي كفاية الطالب: 205، وفي تفسير البغوي: 3 / 400. وللحديث مصادر عديدة وطرق مختلفة. فراجع إحقاق الحق: 4 / 60 - 70 وص 352 و 353 و 383 و 384. وج 15 / 113 و 144 - 149 و 169 و 217 و 693 وغيرهما.
[ 94 ]
لئن أصبحت وهو قد دخل المسجد لاطرحن على رأسه أعظم حجر أقدر عليه. فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد فصلى، وأخذ أبو جهل الحجر، وقريش تنظر فلما دنا رمى بالحجر من يده، وأخذته الرعدة. فقالوا: مالك ؟ قال: رأيت أمثال الجبال مقنعين في الحديد لو تحركت أخذوني. (1) 155 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأتي مراضع فاطمة عليها السلام فيتفل في أفواههم، ثم يقول لفاطمة: " لا ترضعيهم ". (2) 156 - ومنها: أن محمد بن عبد الحميد روى عن عاصم بن حميد، عن يزيد ابن خليفة، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام قاعدا، فسأله رجل من القميين، قال: أتصلي النساء على الجنائز ؟ فقال: إن المغيرة بن أبي العاص ادعى أنه رمى رسول الله صلى الله عليه وآله فكسر رباعيته، وشق شفتيه، وكذب، وادعى أنه قتل حمزة، وكذب.
فلما كان يوم الخندق ضرب على أذنيه (3) فنام فلم يستيقظ حتى أصبح، فخشي أن يجئ الطلب فيأخذوه، فتنكروا وتقنع بثوبه، وجاء إلى منزل عثمان يطلبه، وتسمى
(1) عنه البحار: 18 / 58 ح 16. وأخرج نحوه في الخصائص الكبرى: 1 / 315 من طريق مسلم، عن أبي هريرة. وعن اسحاق، والبيهقي وأبي نعيم، عن ابن عباس. والبخاري بنحو آخر عن ابن عباس. وعن البزار والطبراني في الاوسط والحاكم والبيهقي وأبي نعيم عن ابن عباس، عن العباس. (2) عنه البحار: 18 / 30 ح 17 وج 43 / 250 ح 25 والعوالم: 16 / 23 ح 3. وراجع العوالم: 17 / 21 باب رضاعه عليه السلام. وروى مثله باختلاف في دلائل النبوة: 226 بطريقين عن اميمة. (3) قال ابن الاثير في النهاية: 3 / 80: " فضرب عليه آذانهم ": هو كناية عن النوم، ومعناه: حجب الصوت والحس أن يلجأ آذانهم فينتبهوا، فكأنما قد ضرب عليهم حجاب. انتهى. ومنه قوله تعالى: " فضربنا على آذانهم " الكهف: 11.
[ 95 ]
باسم رجل من بني سليم كان يجلب إلى عثمان الخيل والغنم والسمن. فجاء عثمان فأدخله منزله وقال: ويحك ما صنعت ؟ ادعيت أنك رميت رسول الله وادعيت أنك شققت شفتيه، وكسرت رباعيته، وادعيت أنك قتلت حمزة. وأخبره بما لقي، وأنه ضرب على أذنه. فلما سمعت ابنة النبي صلى الله عليه وآله بما صنع بأبيها وعمها صاحت، فأسكتها عثمان، ثم خرج عثمان إلى رسول الله وهو جالس في المسجد فاستقبله بوجهه وقال: يا رسول الله إنك آمنت عمي المغيرة وكذب ؟ فصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وجهه عنه ثم استقبله من الجانب الآخر فقال: يا رسول الله إنك آمنت عمي المغيرة وكذب ؟ فصرف عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وجهه ثلاثا.
ثم قال: قد آمناه وأجلناه ثلاثا، فلعن الله من أعطاه راحلة أو رحلا أو قتبا أو سقا أو قربة أو أداوة (1) أو خفا أو نعلا أو زادا أو ماء. قال عاصم: هذه عشرة أشياء، فأعطاها كلها إياه عثمان. فخرج سار على ناقته فنقبت، ثم مشى في خفيه فنقبا، ثم مشى في نعليه فنقبتا، ثم مشى على رجليه فنقبتا، ثم جثا على ركبتيه فنقبتا، فأتى شجرة فجلس تحتها. فجاء الملك فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله بمكانه، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وآله زيدا والزبير (3) فقال لهما: إئتياه فهو في مكان كذا وكذا، فاقتلاه. فلما إنتهيا إليه قال: زيد للزبير: إنه ادعى أنه قتل أخي، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله آخى بين حمزة وزيد فاتركني أقتله. فتركه الزبير، فقتله.
(1) " دلوا " ه، والبحار. والاداوة: اناء صغير من جلد. (2) نقب البعير بالكسر: إذا رقت أخفافه، وأنقب الرجل: إذا نقب بعيره. لسان العرب: 1 / 766 (3) في رواية الكافي: علي عليه السلام وعمار وثالث لهما.
[ 96 ]
فرجع عثمان من عند النبي صلى الله عليه وآله فقال لامرأته: إنك أرسلتي إلى أبيك فأعلمتيه بمكان عمي. فحلفت له بالله ما فعلت، فلم يصدقها فأخذ خشبة القتب (1) فضربها ضربا مبرحا. فأرسلت إلى أبيها تشكو ذلك وتخبره بما صنع، فأرسل إليها: إني لاستحيي للمرأة أن لا تزال تجر ذيولها تشكو زوجها. فأرسلت إليه أنه قد قتلني. فقال صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: خذ السيف، ثم إئت بنت عمك فخذ بيدها، فمن حال بينك وبينها فاضربه بالسيف. فدخل عليها علي عليه السلام فأخذ بيدها، فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وآله، فأرته ظهرها، فقال
أبوها: قتلها، قتله الله. فمكثت يوما وماتت في الثاني، واجتمع الناس للصلاة عليها. فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله من بيته وعثمان جالس مع القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ألم (2) بجاريته الليلة فلا يشهد جنازتها. قالها مرتين، وهو ساكت فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليقومن أو لاسمينه باسمه واسم أبيه. فقام يتوكأ على مهين (3) قال: فخرجت فاطمة عليها السلام في نسائها، فصلت على أختها. (4)
(1) " القيت " م وه وط. والقتب: جمعها أقتاب، وهو رحل الدابة. (2) ألم الشى: قربه، وألم بجاريته: أي قاربها وواقعها. راجع المصباح المنير: 559، والبحار: 78 / 393 (بيان). ويوافقه في هذا المعنى ما في رواية الكليني: قوله عليه السلام: " ملتحفا بجاريتها ". (3) قال ابن الاثير في اسد الغابة: 4 / 425: مهين بن الهيثم بن ناجي بن مجدعة من آل الاسود بن أوس بن نابي لا عقب له. ذكره ابن اسحاق فيمن شهد العقبة. وذكره ابن منيع وجعفر المستغفري في الصحابة. أخرجه أبو موسى وقال المجلسي (رحمه الله) في توضيحه في البحار: 22 / 159: وكان مهينا اسم مولاه. ومما يعضده ما في رواية الكليني: " فأقبل عثمان متوكيا على مولى له ". (4) عنه البحار: 22 / 158 ح 19 وج 78 / 391 ح 57. ورواه بنحو آخر في الكافي: 3 / 251 ح 8، وفي التهذيب: 3 / 333 ح 69. وأخرجه في الوسائل: 2 / 818 ح 2 والبحار: 22 / 160 ح 22 وج 78 / 392 (بيان) عن الكافي.
[ 97 ]
157 - ومنها: ما رواه جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله يوما على علي عليه السلام والزبير قائم معه يكلمه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما تقول له ؟ فو الله لتكونن أول العرب تنكث بيعته. (1) 158 - ومنها: أن أبا بصير روى، عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه كان في المسجد الحرام
ثلاثمائة وستون صنما، وإن بعضها فيما يزعمون مشدود ببعضها بالرصاص. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله كفا من حصى، فرماها في عام الفتح، ثم قال: " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ". (2) فما بقي منها صنم إلا خر لوجهه. فأمر بها فاخرجت من المسجد، فطرحت وكسرت. (3) فلما دخل وقت صلاة الظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بلالا، فصعد على الكعبة فقال عكرمة (4): أكره أن أسمع صوت ابن رباح ينهق على الكعبة.
(1) عنه البحار: 18 / 116 ح 22. (2) الاسراء: 81. (3) عنه البحار: 21 / 117 ح 15 وعن الارشاد للمفيد: 80. وروى نحوه في أمالي الطوسي: 1 / 346، عنه البحار: 21 / 116 ح 11. وأورد نحوه في تأويل الآيات: 1 / 286 ح 26، وفي كشف الغمة: 2 / 498، وفي سعد السعود: 220، وفي مجمع البيان: 6 / 435. ووردت الرواية في كتب التفاسير في ذيل الآية المذكورة بألفاظ مختلفة ومنها: في التبيان: 6 / 512، وفي تفسير أبي الفتوح: 7 / 274، والبغوي: 2 / 133، والطبري: 15 / 152، والدر المنثور: 4 / 199، والكشاف: 2 / 537، وابن كثير: 3 / 59، والنيسابوري: 2 / 466، وأبي السعود: 5 / 191، والرازي: 21 / 34، والقرطبي: 10 / 314. والسبزواري: 4 / 310، والبيضاوي: 3 / 126. وللحديث مصادر كثيرة بطرق وأسانيد متعددة من كتب الخاصة والعامة، وما أوردناه بعض منها، وللمزيد راجع: إحقاق الحق: 3 / 550 وج 8 / 684، وج 14 / 574، وج 18 / 162. (4) هو عكرمة بن أبي جهل.
[ 98 ]
وحمد [ الله ] خالد بن أسيد (1) أن أباه [ أبا عتاب ] توفي ولم ير ذلك. وقال أبو سفيان: لا أول شيئا، لو نطقت لظننت أن هذه الجدر (2) ستخبر به محمدا.
فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وآله فأتى بهم، فقال عتاب: نستغفر الله ونتوب إليه، قد والله يا رسول الله قلنا. فأسلم وحسن إسلامه، فولاه رسول الله صلى الله عليه وآله مكة. (3) 159 - ومنها: أن الصادق عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أقبل إلى الجعرانة (4) فقسم فيها الاموال، وجعل الناس يسألونه ويعطيهم حتى ألجؤوه إلى شجرة فأخذت برده وخدشت ظهره حتى رحلوه عنها وهم يسألونه، فقال: أيها الناس ردوا علي بردي، والله لو كان عندي عدد شجر تهامة نعما لقسمته بينكم، ثم ما ألفيتموني جبانا ولا بخيلا. ثم خرج من الجعرانة في ذي القعدة. قال: فما رأيت تلك الشجرة إلا خضراء كأنما يرش عليها الماء. وفي رواية أخرى: حتى انتزعت الشجرة رداءه وخدشت ظهره. (5) 160 - ومنها: أنه في وقعة تبوك أصاب الناس عطش، فقالوا: يا رسول الله لو دعوت الله
(1) هو خالد بن أسيد بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الاموي، أخو عتاب. وعتاب بن أسيد، أبو عبد الرحمن، أو أبو محمد المكي، له صحبة، كان أمير مكة في عهد النبي صلى الله عليه وآله. راجع الاصابة: 1 / 401 رقم 2144، وتقريب التهذيب: 2 / 3 رقم 1. (2) جمع جدار. (3) عنه البحار: 21 / 118 ح 16. وروى نحوه في دلائل النبوة: 4 / 328 بإسناده إلى سعيد ابن المسيب، والواقدي في المغازي: 2 / 737. وأورده ابن كثير في البداية والنهاية: 4 / 232. (4) الجعرانة: هي ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب. نزلها النبي صلى الله عليه وآله لما قسم غنائم هوازن عند رجوعه من غزاة حنين، وأحرم منها. وله فيها مسجد. وبها بئار متقاربة. معجم البلدان: 2 / 142. (5) عنه البحار: 16 / 226 ح 32 و 33.
[ 99 ]
لسقانا ؟ فقال صلى الله عليه وآله: لو دعوت الله لسقيت. قالوا: يا رسول الله ادع الله ليسقينا. فدعا، فسالت الاودية. وإذا قوم على شفير الوادي يقولون: مطرنا بنوء (1) الذراع وبنوء كذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا ترون ؟ فقال خالد: ألا أضرب أعناقهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا، هم يقولون هكذا، وهم يعلمون أن الله أنزله. (2) 161 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: قال الناس في غزوة تبوك: تخلف أبو ذر فنزل [ بسحر طويل ] (3) فلم يبرح مكانه حتى أصبح، ثم جعل يرمق الطريق حتى طلع أبو ذر يحمل كساه (4) على عاتقه، قال: وقد تخلف عنه بعيره، فتلوم (5) عليه فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه ومضى، قال: هذا أبو ذر. فقال النبي صلى الله عليه وآله: أبو ذر يمشي وحده، ويجيئ (6) وحده، ويموت وحده ويبعث وحده، اسقوه، فإنه عطشان. فقلنا: يا رسول الله هذه إداوة معلقة معه بعصاة مملوءة ماءا.
(1) النوء: النجم إذا مال للمغيب، والجمع أنواء. وإنما سمي نوءا، لانه إذا سقط الساقط منها بالمغرب، ناء الطالع بالمشرق. وينوء نوءا أي: نهض وطلع، وذلك النهوض هو النوء، فسمى النجم به. والذراع: هي أحد الانواء الثمانية والعشرين من منازل القمر، ومنها: السرطان، والقلب وسعد السعود، وغيرها. لسان العرب: 1 / 176. (2) عنه البحار: 18 / 15 ح 42 وج 58 / 316 ح 7. (3) ليس في البحار. " شجر " ه وط. والسحر: بفتحتين: قبيل الصبح. (4) " أشياءه " البحار. (5) تلوم تلوما: تمكث أي: انتظر. وقال الجزري في النهاية: 4 / 278: " وكانت العرب تلوم باسلامهم الفتح " أي: تنتظر.
(6) " يحيى " م، والبحار.
[ 100 ]
قال: فالتفت وقال: فاياكم أن تقتلوه، اسقوه، فانه عطشان. قال أبو قتادة: فأخذت قد حي فملاته، ثم سعيت به نحوه حتى لقيته، فبرك على ركبتيه، ثم شرب حتى أتى عليه، فقلت: رحمك الله أبلغ منك العطش ما أرى وهذه إداوة معك مملوءة ماء ؟ قال: إني مررت على نضحة من السماء على صخرة فأوعيتها إداوتي، وقلت: أسقيها رسول الله. (1) 162 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: ما زال القرآن ينزل بكلام المنافقين حتى تركوا الكلام، واقتصروا بالحواجب يغمزون، فقال بعضهم: ما تأمنون أن تسموا في القرآن فتفتضحوا أنتم وعقبكم، هذه عقبة بين أيدينا لو رمينا به منها يتقطع. فقعدوا على العقبة ويقال لها: عقبة ذي فيق. (2) قال حذيفة: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد النوم على ناقته اقتصدت في السير. فقال حذيفة: قلت ليلة من الليالي: لا والله لا أفارق رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: فجعلت أحبس ناقتي عليه. فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: هذا فلان وفلان و [ فلان ] حتى عدهم، قد قعدوا ينفرون (3) بك.
(1) عنه البحار: 22 / 433 ح 45. وروى مثله باختلاف في دلائل النبوة: 5 / 221 بإسناده عن عبد الله بن مسعود. وأورده في البداية والنهاية: 5 / 8. (2) " فتق " البحار. قال الحموي في معجم البلدان: 4 / 286: فيق: بالكسر ثم السكون، كأنه فعل ما لم يسم فاعله من فاق يفوق. قال أبو بكر الهمداني: فيق مدينة بالشام بين دمشق وطبرية. ويقال: أفيق: بالالف. وعقبة فيق لها ذكر في أحاديث الملاحم. قلت أنا: عقبة فيق ينحدر منها إلى الغور، غور الاردن. ومنها يشرف على طبرية وبحيرتها
وقد رأيتها مرارا... انتهى. أقول: الظاهر أنها " عقبة فيق " كما في المعجم، وليس " ذي فيق " كما في الرواية. (3) قال ابن الاثير في النهاية: 5 / 92 و 93: يقال: نفر إذا فر وذهب، وأنفر بنا: أي جعلنا منفرين ذوي ابل نافرة. =
[ 101 ]
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فلان، يا فلان، يا فلان، يا أعداء الله. حتى سماهم بأسمائهم كلهم. ثم نظر، فإذا حذيفة، فقال: عرفتهم ؟ قلت: نعم برواحلهم وهم متلثمون، فقال: لا تخبر بهم أحدا. فقلت: يا رسول الله أفلا تقتلهم ؟ قال: إني أكره أن يقول الناس " قاتل بهم حتى إذا ظفر قتلهم " وكانوا من قريش (1). 163 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله قال لجيش بعثهم إلى أكيدر دومة الجندل (2): أما إنكم تأتونه فتجدونه يصيد البقر. فوجدوه كذلك. (3)
= ومنه حديث زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله " فأنفر بها المشركون بعيرها حتى سقطت " انتهى. أقول: أرادوا أن يفزعوا الناقة لتسقط الرسول صلى الله عليه وآله عن ظهرها، فيقتلوه أو أن يقع في واد أو غيره. (1) عنه البحار: 21 / 233 ح 11. (2) قال الحموي في معجم البلدان: 2 / 487 (والعبارات متفرقة): لما كثر ولد اسماعيل عليه السلام بتهامة، خرج دوماء بن إسماعيل حتى نزل موضع دومة وبنى به حصنا، فقيل: دوماء، ونسب الحصن إليه، وهي سبع مراحل من دمشق، بينها وبين مدينة الرسول صلى الله عليه وآله. سميت دومة الجندل، لان حصنها مبنى بالجندل، [ والجندل: جمعه جنادل، الصخر العظيم ] فأما دومة فعليها سور يتحصن به، وفي داخل السور حصن منيع يقال له: " مارد " وهو حصن اكيدر بن عبد الملك السكوني الكندي،
وكان النبي صلى الله عليه وآله قد وجه إليه خالد بن الوليد من تبوك، وقال له: ستلقاه يصيد الوحش. وكان نصرانيا، فأسلم أخوه حريث، فأقره النبي صلى الله عليه وآله على ما في يده، ونقض اكيدر الصلح بعد النبي صلى الله عليه وآله. راجع المصدر المذكور، ففيه تفصيل. (3) عنه البحار: 18 / 116 ح 23. ورواه مفصلا في دلائل النبوة: 5 / 250 - 253 بأسانيد وطرق متعددة، وفي السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 139. وأورده ابن كثير في البداية والنهاية: 5 / 17 مختصرا. راجع معجم البلدان أيضا.
[ 102 ]
164 - ومنها: أنه لما نزلت: " إذا جاء نصر الله والفتح " (1) قال: نعيت إلي نفسي وأني مقبوض. فمات في تلك السنة. وقال لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن: إنك لا تلقاني بعد هذا. (2) 165 - ومنها: أن الصادق عليه السلام قال: أصابت رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة المصطلق ريح شديدة، فتت (3) الرحال وكادت تدفنها، (4) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما إنها موت منافق. قالوا: فقدمنا المدينة فوجدنا رفاعة بن زيد مات في ذلك اليوم، وكان عظيم النفاق، وكان أصله من اليهود. فضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله في تلك الريح، فزعم (5) يزيد بن الاصيب، وكان في منزل عمارة بن حزم: كيف يقول: إنه يعلم الغيب ولا يدري أين ناقته ؟ فقالوا: بئس ما قلت والله ما يقول هو أنه يعلم الغيب، وهو صادق. فأخبر النبي بذلك فقال: لا يعلم الغيب إلا الله، وإن الله أخبرني أن ناقتي في هذا الشعب تعلق زمامها بشجرة. فوجدوها كذلك، ولم يبرح أحد من ذلك الموضع (6) فأخرج عمارة بن الاصيب من منزله. (7) 166 - ومنها: أن سلمان قال: كنت صائما فلم أقدر إلا على الماء ثلاثا، فأخبرت
رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، فقال: اذهب بنا.
(1) سورة النصر (2) عنه البحار: 18 / 116 ح 24. وأخرج نحوه الخاصة والعامة، في تفاسيرهم، أحاديث متعددة وبألفاظ مختلفة، ضمن السورة المذكورة. (3) " فقلبت " ه، والبحار، " فنبشت " ط، " شتت " خ ل. (4) " تدقها " ه، والبحار. (5) زعم زعما: قال قولا حقا أو باطلا. وأكثر ما يقال في ما يشك فيه، أو يعتقد كذبه. ومن عادتهم أن من قال كلاما وكان عندهم كاذبا، يقولون فيه " زعم فلان ". (6) " المسجد " م وه وط. (7) عنه البحار: 18 / 116 ح 25.
[ 103 ]
قال: فمررنا فلم نصب شيئا إلا عنزة، فقال رسول الله لصاحبها: قربها. قال: حائل. (1) قال: قربها. فقربها، فمسح موضع ضرعها، فأسدلت. قال لصاحبها: قرب قعبك (2) [ فجاء ] فملاه لبنا، فأعطاه صاحب العنز فقال: اشرب. فشرب، ثم ملا القدح وناولني فشربته، ثم أخذ القدح، فملاه فشرب. (3) 167 - ومنها: أن أنسا قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: يدخل عليكم من هذا الباب خير الاوصياء، وأدنى الناس منزلة من الانبياء. فدخل علي بن أبي طالب عليه السلام فقال لعلي: " اللهم اذهب عنه الحر والبرد ". فلم يجدهما حتى مات، فإنه كان يخرج في قميص في الشتوة. (4) 168 - ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله كتب إلى قيس بن عرنة البجلي يأمره بالقدوم عليه، فأقبل ومعه خويلد بن الحارث الكلبي، حتى إذا دنا من المدينة، هاب الرجل أن يدخل. فقال له قيس: أما إذا أبيت أن تدخل فكن في هذا الجبل حتى آتيه، فإن رأيت الذي تحب أدعوك، فاتبعني.
فأقام ومضى قيس حتى إذا دخل على النبي صلى الله عليه وآله المسجد فقال: يا رسول الله أنا آمن ؟ قال: نعم، وصاحبك الذي تخلف في الجبل. قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله.
(1) يقال: امرأة حائل ونخلة حائل، أي: لا تحملان. (2) القعب: اناء ضخم كالقصعة، والجمع " قعاب " و " أقعب ". (3) عنه البحار: 18 / 30 ح 18. (4) عنه البحار: 18 / 16 ح 43. تقدمت بعض تخريجاته في ص 57 ح 94. والدعاء قاله الرسول صلى الله عليه وآله أيضا في يوم خيبر، كما ذكره المؤرخون والمؤلفون في كتبهم. راجع بشأنه إحقاق الحق: 5 / 396 و 421 و 436 و 437 - 442 وج 17 / 127.
[ 104 ]
فبايعه، وأرسل إلى صاحبه فأتاه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: يا قيس إن قومك قومي، وإن لهم في الله وفي رسوله خلفا. (1) 169 - ومنها: أن هرقل بعث رجلا من غسان وأمره أن يأتيه بخبر محمد، وقال له: احفظ لي من أمره ثلاثا: انظر على أي شئ تجده جالسا، ومن على يمينه، وإن استطعت أن تنظر إلى خاتم النبوة فافعل. فخرج الغساني حتى أتى النبي صلى الله عليه وآله فوجده جالسا على الارض، ووجد علي بن أبي طالب عليه السلام عن يمينه، وجعل رجليه في ماء يفور، فقال: من هذا على يمينه ؟ قيل: ابن عمه. فكتب ذلك ونسي الغساني الثالثة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: تعال، فانظر إلى ما أمرك به صاحبك. فنظر إلى خاتم النبوة، فانصرف الرسول إلى هرقل. قال: ما صنعت ؟ قال: وجدته جالسا على الارض والماء يفور تحت قدميه.
ووجدت علينا ابن عمه عن يمينه، وأنسيت ما قلت لي في الخاتم، فدعاني فقال: هلم إلى أمرك به صاحبك. فنظرت إلى خاتم النبوة. فقال هرقل: هو هذا الذي بشر به عيسى بن مريم، إنه يركب البعير فاتبعوه وصدقوه. ثم قال للرسول: أخرج إلى أخي فأعرض عليه، فانه شريكي في الملك. فقلت له: فما طاب نفسه عن ذهاب ملكه (2). 170 - ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله لقى في غزوة ذات الرقاع رجلا من محارب يقال له: عاصم، فقال له: يا محمد أتعلم الغيب ؟ قال: لا يعلم الغيب إلا الله. قال: والله لجملي هذا أحب لي من إلهك. قال صلى الله عليه وآله: لكن الله قد أخبرني من علم غيبه أنه تعالى سيبعث عليك قرحة في
في مسبل (1) لحيتك حتى تصل إلى دماغك فتموت - والله - إلى النار. فرجع فبعث الله قرحة فأخذت في لحيته حتى وصلت إلى دماغه، فجعل يقول: لله در القرشي إن قال بعلم، أو زجر (2) فأصاب. (3) 171 - ومنها: أن أبا ذر: قال: يا رسول الله إني قد اجتويت (4) المدينة أفتأذن لي أن أخرج أنا وابن أخي إلى الغابة (5) فنكون بها ؟. قال: إني أخشى أن تغير حي من العرب، فيقتل ابن أخيك فتأتي تسعى، فتقوم بين يدي متكئا على عصاك فتقول، قتل ابن أخي، وأخذ السرح. (6) فقال: يا رسول الله بل لا يكون إلا خيرا. فأذن له فأغارت خيل بني فزارة، فأخذوا السرح وقتلوا ابن أخيه، فجاء أبو ذر معتمدا على عصاه، ووقف عند رسول الله صلى الله عليه وآله وبه طعنة قد جافته (7) فقال: صدق الله ورسوله. (8)
(1) " مسك " ه، " مسد " م. قال الجزري في النهاية: 2 / 339: " أنه كان وافر السبلة "... قال الهروي: هي الشعرات التي تحت اللحى الاسفل. والسبلة عند العرب: مقذم اللحية وما أسبل منها على الصدر (2) الزجر: الكهانة، وزجر الرجل: تكهن، ويقولون: زجرت أن يكون كذا وكذا، أي: أنذرت بوقوعه. (3) عنه البحار: 18 / 118 ح 28. (4) قال الجزري في النهاية: 1 / 318: " فاجتووا المدينة " أي: أصابهم الجوى: وهو المرض، وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها واستوخموها. ويقال: اجتويت البلد: إذا كرهت المقام فيه، وإن كنت في نعمة. (5) الغابة: هو موضع قرب المدينة من ناحية الشام فيه أموال لاهل المدينة. معجم البلدان: 4 / 182 (6) السرح: جمعها " سروح " وواحدته " سرحة ": الماشية. (7) جاف جافا بالطعنة: بلغ بها جوفه. (8) عنه الحار: 18 / 117 ح 27 وعن المناقب لابن شهر اشوب: 1 / 100 مثله، وج 22 / 402 ح 13 وعن الكافي: 8 / 126 ح 96 بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام: مثله. =
[ 106 ]
172 - ومنها: أن أبا ذر أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وكان نائما في حائط (1) فكره أن ينبهه، فأراد أن يستبرئ (2) نومه من يقظته، فتناول عسيبا (3) يابسا فكسره، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا أبا ذر أما تعلم أني أرى أعمالكم في منامي كما أرى في يقظتي ؟ إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي. (4) 173 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله قال للعباس: ويل لذريتي من ذريتك. فقال: يا رسول الله فأختصي ؟ فقال: إنه أمر قد قضي.
أي لا ينفع الخصاء، فعبدالله قد ولد، وصار له ولد. (5) 174 - ومنها: أن وابصة بن معبد الاسدي أتاه وقال في نفسه: لا أدع من البر والاثم شيئا إلا سألته، فلما أتاه قال له بعض أصحابه: إليك يا وابصة عن سؤال رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال النبي صلى الله عليه وآله: ادعوا وابصة، ادن. فدنوت، فقال: تسأل عما جئت له ؟ أم أخبرك ؟ قال: أخبرني. قال: جئت تسأل عن البر والاثم. قال: نعم فضرب يده على صدره ثم قال: البر ما اطمأنت إليه النفس، والبر ما اطمأن إليه الصدر
أورد المجلسي " رحمه الله " في البحار بيانا للحديث، وننقل قوله في البحار: 18: " ثم ان هذا من أبى ذر - رضى الله عنه - على تقدير صحته، لعله كان قبل كمال ايمانه واسقرار أمر. (1) أي بستان. (2) قال الشيخ المجلسي: الاستبراء كناية عن الامتحان، أي فعل ذلك ليستعلم أنه صلى الله عليه وآله نائم أم لا. (3) العسيب: جريدة من النخل مستقيمة رقيقة يكشط خوصها. (4) عنه البحار: 16 / 173 ح 9، وعن بصائر الدرجات: 421 ح 10. ورواه في ص 421 ح 9 من البصائر بإسناده إلى ميمون القداح عن الصادق عليه السلام. عنه البحار المذكور: 172 ح 8. (5) عنه البحار: 18 / 119 ح 31.
[ 107 ]
والاثم ما تردد في الصدر، وجال في القلب، وإن أفتاك الناس، وإن أفتوك. (1) 175 - ومنها: أنه أتاه وفد عبد القيس فدخلوا عليه، فلما أدركوا حاجتهم قال: إئتوني بتمر أرضكم مما معكم. فأتاه كل واحد منهم بنوع منه، فقال النبي صلى الله عليه وآله: هذا يسمى كذا، وهذا يسمى كذا. قالوا: أنت أعلم بتمر أرضنا منا ! فوصف لهم أرضهم، فقالوا ؟: دخلتها ؟ قال: لا، ولكن فسح لي فنظرت إليها.
فقام رجل منهم فقال: يا رسول الله هذا خالي وبه خبل. فأخذ بردائه وقال: أخرج يا عبد (2) الله - ثلاثا - ثم أرسله فبرئ. فأتوه بشاة هرمة، فأخذ إحدى أذنيها بين إصبعيه فصار لها ميسما (3) ثم قال: خذوها فإن هذا ميسم في آذان ما تلد إلى يوم القيامة. فهي تتوالد كذلك. (4) 176 - ومنها: أنها كان في سفر فمر على بعير قد أعيا وأقام على أصحابه، فدعا بماء فتمضمض منه في إناء وتوضأ وقال: افتح فاه. وصب في فيه من ذلك الماء و على رأسه ثم قال: اللهم احمل خلادا وعامرا ورفيقهما. وهما صاحبا الجمل. فركبوه وإنه ليهتز بهم أمام الخيل. (5) 177 - ومنها: أنه مر على بعير ساقط فبصبص له، فقال: إنه يشكوا ولاية أهله وسأله أن يخرج عنهم، فسأل عن أصحابه فأتاه صاحبه فقال له:
(1) عنه البحار: 18 / 119 ح 29. ورواه في قرب الاسناد: 135، عنه الوسائل: 18 / 121 ح 34، والبحار: 17 / 229. ورواه في دلائل النبوة: 6 / 292 بطريقين. وأحمد في مسنده: 4 / 227 وص 228 وابن كثير في البداية والنهاية: 6 / 181. (2) " عدو " البحار. (3) أي علامة. (4) عنه البحار: 18 / 118 ح 30. ورواه في قرب الاسناد: 135، عنه البحار: 17 / 229. وتقدم نحوه في ص 29 ح 20. (5) عنه البحار: 18 / 30 ح 19. ورواه في قرب الاسناد: 136، عنه البحار: 17 / 229.
[ 108 ]
بعه وأخرجه عنك. فأبى، والبعير يرغو، ثم نهض وتبع النبي صلى الله عليه وآله فقال: يسألني أن أتولى أمره. فباعه من علي عليه السلام، فلم يزل عنده إلى أيام صفين. (1) 178 - ومنها: أن ناقة ضلت لبعض أصحابه في سفر كان فيه، فقال صاحبها:
لو كان نبيا لعلم أين الناقة. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله، فقال صلى الله عليه وآله: الغيب لا يعلمه إلا الله، انطلق يا فلان فإن ناقتك بمكان كذا، قد تعلق زمامها بشجرة. فوجدها كما قال. (2) 179 - ومنها: أن عليا عليه السلام قال: دخلت السوق فابتعت لحما بدرهم، وذرة بدرهم فأتيت بهما فاطمة عليها السلام حتى إذا فرغت من الخبز والطبخ قالت: لو أتيت أبي فدعوته. فخرجت وهو مضطجع، وهو يقول: أعوذ بالله من الجوع ضجيعا. فقلت: يا رسول الله عندنا طعام. فاتكأ علي، ومضينا نحو فاطمة. فلما دخلنا: قال: هلم طعامك يا فاطمة. فقدمت إليه البرمة (3) والقرص، فغطى القرص وقال: اللهم بارك لنا في طعامنا. ثم قال: اغرفي لعائشة. فغرفت ثم قال: اغرفي لام سلمة. فما زالت تغرف حتى وجهت إلى نسائه التسع بقرصة قرصة ومرق. ثم قال: اغرفي لابيك وبعلك. ثم قال: اغرفي وكلي واهدي لجيرانك. ففعلت، وبقي عندهم ما يأكلون أياما. (4) 180 - ومنها: أن امرأة عبد الله بن مسلم أتته بشاة مسمومة، ومع النبي صلى الله عليه وآله بشر
(1) عنه البحار: 17 / 408 ح 36. ورواه في قرب الاسناد: 136، عنه البحار المذكور ص 230. (2) عنه البحار: 18 / 119 ح 32. ورواه في قرب الاسناد المذكور، عنه البحار المذكور. وتقدم نحوه في ص 30 ح 25. ويأتي في ح 197. (3) البرمة: قدر يصنع من الحجر. (4) عنه البحار: 18 / 30 ح 20، ورواه في قرب الاسناد: 137، عنه البحار: 17 / 232.
[ 109 ]
ابن البراء بن معرور (1) فتناول النبي صلى الله عليه وآله الذراع، وتناول بشر الكراع فأما النبي صلى الله عليه وآله فلاكها، ولفظها، وقال: إنها لتخبرني أنها مسمومة. وأما بشر فلاك المضغة فابتلعها فمات، فأرسل إليها فأقرت.
فقال: ما حملك على ما فعلت ؟ قالت: قلت زوجي، وأشراف قومي، فقلت: إن كان ملكا قتلته، وإن كان نبيا فسيطلعه الله عليه. (2) 181 - ومنها: أن سعد بن عبادة أتاه عشية وهو صائم، فدعاه إلى طعامه ودعا معه عليا عليه السلام فلما أكلوا قال النبي صلى الله عليه وآله: نبي ووصي أفطرا عندك وأكل طعامك الابرار، وأفطر عندك الصائمون، وصلت عليك الملائكة. فحمله سعد على حمار قطوف (3) وألقى عليه قطيفة، وإنه لهملاج (4) [ لا ] يساير. (5) 182 - ومنها: أنه أقبل إلى الحديبية وفي الطريق - يوم خرج - وشل (6) بقدر ما يروي الراكب والراكبين، فقال: من سبقنا إلى الماء فلا يستقين.
(1) كذا في جميع المصادر وهو الصحيح. وفي سائر النسخ وقصص الانبياء: عازب. راجع بشأنه والرواية: طبقات ابن سعد: 2 / 111، أسد الغابة: 1 / 183، تهذيب الاسماء واللغات: 1 / 133، سير أعلام النبلاء: 1 / 169، كنز العمال: 13 / 296، ومجمع الزوائد: 9 / 215. (2) عنه البحار: 17 / 408 ح 37، وأخرجه في ص 232 عن قرب الاسناد: 137. ورواه المصنف في قصص الانبياء: 310 (مخطوط). ورواه في دلائل النبوة: 4 / 262 وص 263 بعدة طرق، عنه البداية والنهاية: 4 / 210. وتقدم مختصرا في ص 27 ح 13. (3) القطوف من الدواب: التي تسئ السير وتبطئ. (4) دابة هملاج: الحسنة السريعة السير المتبخترة. وقوله " لا يساير " أي لا تسير معه دابة ولا يسابق لسرعة سيره. (5) عنه البحار: 17 / 409 ح 38، وأخرجه في ص 233 عن قرب الاسناد: 138. (6) الوشل: الماء القليل.
[ 110 ]
فلما انتهى إليه دعا بقدح، فتمضمض فيه، ثم صب في الماء، فشربوا وملاوا أداواتهم
ومياضيهم (1) وتوضؤوا. فقال النبي صلى الله عليه وآله: لئن بقيتم أو بقي منكم ليسمعن بسقي ما بين يديه من كثرة مائه. فوجدوا من ذلك ما قال. (2) 183 - ومنها: أن أخت (3) عبد الله بن رواحة الانصاري مرت به أيام حفرهم الخندق، فقال لها: أين تريدين ؟ قالت: آتي عبد الله بهذه التمرات. فقال: هاتيهن. فنثرت في كفه، ثم دعا بالانطاع (4) ثم نادى: هلموا فكلوا. فأكلوا فشبعوا وحملوا ما أرادوا معهم. ودفع ما بقي إليها. (5) 184 - ومنها: أنه كان في سفر فأجهد الناس جوعا، فقال: من كان معه زاد فليأتنا فأتاه نفر منهم بمقدار صاع، فدعا بالازر والانطاع، ثم صفف التمر عليها، ودعا ربه فأكثر الله ذلك التمر حتى كان أزوادهم إلى المدينة. (6) 185 - ومنها: أن أعرابيا أتاه عليه السلام فقال: إني أريد أن أسألك عن أشياء فلا تغضب. قال: سل عما شئت، فإن كان عندي أجبتك وإلا سألت جبرئيل. فقال: أخبرنا عن الصليعاء، والقريعاء (7) وعن أول دم وقع على وجه الارض، وعن
(1) واحدها: اداوة وهي الاناء الصغير الذي يصنع من جلد. المياضي جمع الميضاة: المطهرة (2) عنه البحار: 18 / 31 ح 21. ورواه في قرب الاسناد: 138، عنه البحار: 17 / 233. (3) " بنت " البحار: 18 (4) الانطاع: جمع نطع، وهو البساط المصنوع من الجلد. (5) عنه البحار: 18 / 31 ح 22. ورواه في قرب الاسناد: 139، عنه البحار: 17 / 234. ونحوه في دلائل النبوة: 3 / 427، وسيره ابن هشام: 3 / 172، والبداية والنهاية: 4 / 96. (6) عنه البحار: 18 / 31 ح 23. ورواه قرب الاسناد: 139، عنه البحار: 17 / 234. (7) الصليعاء: تصغير الصلعاء وهي الارض التي لا تنبت. وقال ابن الاثير في النهاية: 4 / 45: ومنه حديث علي: " ان أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وآله عن الصليعاء والقريعاء " القريعاء: أرض لعنها الله، إذا أنبتت أو زرع فيها نبت
في حافتيها، ولم ينبت في متنها شئ.
[ 111 ]
خير بقاع الارض، وعن شرها ؟ فقال: يا أعرابي هذا ما سمعت به، ولكنني يأتيني جبرئيل فأسأل منه. فهبط، فسأله فقال: هذا أسماء ما سمعت بها قط، فعرج إلى السماء، ثم هبط فقال: أخبر الاعرابي أن " الصليعاء " هي السباخ التي يزرعها أهلها فلا تنبت شيئا. وأما " القريعاء " فالارض التي يزرعها أهلها فتنبت ها هنا طاقة وها هنا طاقة، فلا ترجع إلى أهلها نفقاتهم. وخير بقاع الارض المساجد، وشرها الاسواق، وهي ميادين إبليس إليها يغدوا. وإن أول دم وقع على الارض مشيمة حواء حين ولدت قابيل بن آدم. (1) 186 - ومنها: أن قوما من اليهود قالوا للصادق عليه السلام: أي معجز يدل على نبوة محمد ؟ قال: كتابه المهيمن الباهر لعقول الناظرين مع ما أعطي من الحلال والحرام وغيرهما مما لو ذكرناه لطالت. فقال اليهود: وكيف لنا بأن نعلم أن هذا كما وصفت ؟ فقال لهم موسى بن جعفر عليه السلام - وهو صبي وكان حاضرا -: وكيف لنا بأن نعلم ما تذكرون من آيات موسى أنها على ما تصفون ؟ قالوا: علمنا ذلك بنقل الصادقين. قال لهم موسى بن جعفر عليه السلام: فاعلموا صدق ما أنبأكم به بخبر طفل لقنه الله من غير تعليم، ولا معرفة عن الناقلين. فقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنكم الائمة الهادية والحجج من عند الله على خلقه. فوثب أبو عبد الله عليه السلام فقبل بين عيني موسى بن جعفر عليه السلام ثم قال: أنت القائم من بعدي.
(فلهذا قالت الواقفية: إن موسى بن جعفر عليه السلام حي وأنه القائم)
(1) عنه البحار: 9 / 281 ح 4.
[ 112 ]
ثم كساهم أبو عبد الله عليه السلام ووهب لهم، وانصرفوا مسلمين. ولا شبهة في ذلك لان كل إمام يكون قائما بعد أبيه، فأما القائم الذي يملا الارض عدلا فهو المهدي بن الحسن العسكري عليه السلام. (1) [ فدك ] 187 - ومنها: أن أبا عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج في غزاة فلما انصرف راجعا نزل في بعض الطريق، فبينا رسول الله صلى الله عليه وآله يطعم والناس معه إذ أتاه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد قم فاركب. فقال النبي صلى الله عليه وآله فركب، وجبرئيل معه فطويت له الارض كطي الثوب حتى انتهى إلى فدك (2) فلما سمع أهل فدك وقع الخيل ظنوا أن عدوهم قد جاءهم، فغلقوا أبواب المدينة، ودفعوا المفاتيح إلى عجوز لهم في بيت لهم خارج المدينة، ولحقوا برؤوس الجبال، فأتى جبرئيل العجوز حتى أخذ المفاتيح، ثم فتح أبواب المدينة ودار النبي صلى الله عليه وآله في بيوتها وقراها، فقال جبرئيل: يا محمد هذا ما خصك الله به وأعطاك دون الناس، وهو قوله: " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى " (3) وذلك في قوله " فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط على من يشاء ". (4)
(1) عنه البحار: 10 / 244 ح 3. (2) قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان وقيل ثلاثة. راجع معجم البلدان: 4 / 238 - 240 ففيه بحث حول دوران ملكية فدك. (3، 4) سورة الحشر: 7 و 6. وراجع تفسير قوله تعالى: "... آت ذا القربى حقه " الاسراء:
26، والروم: 38 في إحقاق الحق: 3 / 549 وج 14 / 575 وشأن نزولها في فاطمة عليها السلام وفدك.
[ 113 ]
ولم يغزوا (1) المسلمون ولم يطؤوها ولكن الله أفاءها على رسوله، وطوف به جبرئيل في دورها وحيطانها وغلق الباب ودفع المفاتيح إليه فجعلها رسول الله في غلاف سيفه وهو معلق بالرحل. ثم ركب وطويت له الارض كطي الثوب، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وهم على مجالسهم لم يتفرقوا ولم يبرحوا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للناس: قد انتهيت إلى فدك، وإني قد أفاءها الله علي. فغمز المنافقون بعضهم بعضا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذه المفاتيح فدك. ثم أخرجها (2) من غلاف سيفه، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وآله وركب معه الناس فلما دخل على فاطمة عليها السلام فقال: يا بنية إن الله قد أفاء على أبيك بفدك واختصه بها فهي لي خاصة دون المسلمين، أفعل بها ما أشاء، وإنه قد كان لامك خديجة على أبيك مهر، وإن أباك قد جعلها لك بذلك، ونحلتكها تكون (3) لك ولولدك بعدك. قال: فدعا بأديم عكاظي (4) ودعا علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: أكتب لفاطمة بفدك نحلة من رسول الله صلى الله عليه وآله. وشهد على ذلك علي بن أبي طالب، ومولى لرسول الله، وأم أيمن. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله إن أم أيمن إمرأة من أهل الجنة وجاء أهل فدك إلى النبي صلى الله عليه وآله فقاطعهم على أربعة وعشرين ألف دينار في كل سنة. (5)
(1) " يعرف " م. (2) " أخرج " م. ه. (3) " وأنحلتك اياها " س، ه. (4) الاديم: هو الجلد المدبوغ، وعكاظي: نسبة إلى سوق عكاظ لانه يحمل إليه فيباع هناك. معجم البلدان: 4 / 142. (5) عنه البحار: 17 / 378 ح 46، وج 8 (ط. حجر) / 93، واثبات الهداة: 2 / 116 ح 515.
أقول: فدك وما أدراك ما فدك ؟ فتحت في تاريخ الاسلام باسم " فدك " بحوث ومحاورات وسيعة خالدة، إلى أن يقوم الامام الثاني عشر ويكشف الحجاب عن ذلك ولذا نصفح عن الخوض في هذا البحث صفحا جميلا. =
[ 114 ]
188 - ومنها: أن قريشا أرسلت النضر بن الحرث وعقبة بن أبي معيط إلى اليهود بيثرب فقالوا لهما: إذا قدمتما عليهم فاسألوهم عنه. فلما قدما سألوهم عنه، فقالوا: صفوا لنا صفته. فقالوا: ومن تبعه ؟ قالوا: سفلتنا. فصاح حبر منهم ثم قال: هذا النبي الذي نجد نعته في التوراة، ونجد قومه أشد الناس عداوة له. (1) 189 - ومنها: أن أبرهة بن يكسوم قاد الفيلة إلى بيت الله الحرام ليهدمه قبل مبعثه فقال عبد المطلب لابرهة وقد حقره بعد أن عظم شأنه لسؤاله بعيره: " إن لهذا البيت ربا يمنعه ". ثم رجع أهل مكة، فدعا عبد المطلب على أبي قبيس، وأهل مكة قد صعدوا وقد تركوا مكة، ثم قال لابي طالب: أخرج وانظر ماذا ترى في السماء. فرجع وقال: أرى طيورا لم تكن في ولايتنا. وقد أخبره سيف بن ذي يزن وغيره به فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل، ودفعهم عن مكة وأهلها فأهلكهم ببركة محمد صلى الله عليه وآله. (2) 190 - ومنها: أن سيف بن ذي يزن حين ظفر بالحبشة، وفد عليه قريش، وفيهم عبد المطلب، فسأله عن محمد صلى الله عليه وآله سرا، فأخبره به. ثم بعد مدة طويلة دخلوا عليه فسألهم عنه، ووصف لهم صفته، فأقروا جميعا
= وقد ذكر شيخنا البحاثة الطهراني في كتاب ذريعته: 16 / 129 عشر كتب تناولت قصة فدك من جوانبها المختلفة، وهناك أيضا كتاب باسم " فدك " للسيد الجليل محمد حسن الموسوي وغيرها، وراجع بعض خطب نهج البلاغة التى تعرض فيها عليه السلام لفدك.
وراجع البحار 8 (ط. حجر) / 91، واحقاق الحق: 10 / 296 والسبعة السلف: 35 ووو. (1) عنه البحار: 15 / 216 ح 29. ورواه في قرب الاسناد: 134، عنه البحار: 17 / 227. ونحوه في دلائل النبوة للبيهقي: 2 / 270. (2) عنه البحار: 15 / 145 ح 77، ورواه في قرب الاسناد: 133، عنه البحار: 17 / 226. والقصة مشهورة معروفة، مروية في كتب التاريخ والسيرة، وتفسير سورة الفيل.
[ 115 ]
أن هذه الصفة في محمد صلى الله عليه وآله فقال: هذا أوان مبعثه، ومستقره بيثرب، وموته بها. (1) 191 - ومنها: ما روى معمر بن خلاد عن الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: كنت عند أبي يوم (2) وأنا طفل خماسي [ إذ ] دخل عليه نفر من اليهود، فقالوا: أنت ابن محمد نبي هذه الامة، والحجة على أهل الارض ؟ قال لهم: نعم. قالوا: فانا نجد في التوراة أن الله آتى إبراهيم وولده الكتاب والحكم والنبوة وجعل لهم الملك والامامة، هكذا وجدنا ذرية الانبياء لا تتعداهم النبوة والخلافة والوصية، فما بالكم قد تعداكم ذلك، وثبت في غيركم، ونلقاكم مستضعفين مقهورين لا ترقب فيكم ذمة نبيكم ؟ ! فدمعت عينا أبي عبد الله عليه السلام ثم قال: نعم، لم تزل أنبياء الله مضطهدة مقهورة مقتولة بغير حق، والظلمة غالبة، وقليل من عباد الله الشكور. قالوا: فإن الانبياء وأولادهم عملوا من غير تعليم وأوتوا العلم تلقينا، وكذلك ينبغي لائمتهم وخلفائهم وأوصيائهم فهل أوتيتم ذلك ؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: أذن يا موسى، فدنوت، فمسح يده على صدري، ثم قال: " اللهم أيده بنصرك بحق محمد وآله ". ثم قال: سلوه عما بدا لكم. قالوا: كيف نسأل طفلا لا يفقه ؟
فقلت: سلوني تفقها، ودعوا العنت. فقالوا: أخبرنا عن الآيات التسع التي أوتيها موسى بن عمران. قلت: العصا، وإخراجه يده من جيبه بيضاء، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم
(1) عنه البحار: 15 / 216 ح 30. ورواه في قرب الاسناد: 133. والحديث طويل: تمامه في دلائل النبوة للبيهقي: 2 / 9 - 14، ودلائل النبوة لابي نعيم: 52 - 60، والبداية والنهاية: 2 / 330. (2) " ذات يوم " خ ل.
[ 116 ]
ورفع الطور، والمن والسلوى آية واحدة، وفلق البحر. قالوا: صدقت، فما أعطي نبيكم من الآيات التي نفت الشك عن قلوب من أرسل إليه ؟ قلت: آيات كثيرة أعدها إن شاء الله فاسمعوا، وعوا، وافقهوا: أما أول ذلك فأنتم تدرون بأن الجن كانت تسترق السمع قبل مبعثه فمنعت في أوان رسالته بالرجوم وانقضاض النجوم، وبطلان السحرة والكهنة. ومن ذلك: كلام الذئب بخبر نبوته، وإجماع العدو والصديق على صدق لهجته وصدق أمانته، وعدم جهله أيام طفوليته وحين أيفع، وفتى وكهلا، لا يعرف له شكل ولا يوازنه مثل. ومن ذلك: أنه كان دعا على مضر فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسنين يوسف. فأصابهم سنون. وعد معجزات كثيرة. (1) 192 - ومنها: ما روى عيسى بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: لما كان يوم القضية (2) حين رد المشركون النبي صلى الله عليه وآله ومن معه، ودافعوه عن المسجد أن يدخلوه، فهادنهم رسول الله صلى الله عليه وآله، فكتبوا بينهم كتابا. قال علي: فكنت أنا الذي كتبت، فكتبت: " باسمك اللهم، هذا كتاب بين محمد رسول الله وبين قريش " فقال سهيل بن عمرو: لو أقررنا أنك رسول الله لم ينازعك أحد.
فقلت: بل هو رسول الله وأنفك راغم. فقال لي رسول الله: أكتب له ما أراد، ستعطى يا علي بعدي مثلها. قال عليه السلام: فلما كتبت الصلح بيني وبين أهل الشام فكتبت: بسم الله الرحم الرحيم هذا كتاب بين علي أمير المؤمنين وبين معاوية بن أبي سفيان "
(1) رواه في قرب الاسناد: 132، عنه البحار: 17 / 225 ح 1، واثبات الهداة: 1 / 457 ح 70. ورواه المصنف في قصص الانبياء: 309 مختصرا. (2) أي قضية الهدنة في الحديبية.
[ 117 ]
فقال معاوية وعمرو بن العاص: لو علمنا أنك أمير المؤمنين لم ننازعك. فقلت: أكتبوا ما رأيتم (1) فعلمت أن قول رسول الله صلى الله عليه وآله قد جاء حقا. (2) 193 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله لما تلا * (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى) * (3) قال رجل من قريش: كفرت برب النجم. فقال النبي صلى الله عليه وآله: سلط الله عليك (4) كلبا من كلابه - يعني أسدا -. فخرج مع أصحابه في كثرة إلى الشام حتى إذا كانوا بها رأى أسدا، فجعلت فرائصه ترعد فقيل له: من أي شئ ترعد وما نحن وأنت إلا سواء ؟ فقال: إن محمدا دعا علي، لا والله ما أظلت هذه السماء من ذي لهجة أصدق من محمد. ثم وضعوا العشاء، فلم يدخل يده فيه، ثم جاء القوم فحاطوه بأنفسهم وبمتاعهم ووسطوه (5) بينهم وناموا جميعا حوله، فجاءهم الاسد فهمس يستنشق رجلا رجلا حتى انتهى إليه فضغمه ضغمة (6) كانت إياها، وكان بآخر رمق وهو يقول (7): ألم أقل [ لكم ] إن محمدا أصدق الناس ؟ ومات. (8) 194 - ومنها: أن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة قال: ما كان أحد أبغض إلي من محمد، وكيف لا يكون ذلك وقد قتل منا ثمانية كل منهم يحمل اللواء
فلما فتح مكة آيست مما كنت أتمناه من قتله، وقلت في نفسي: قد دخلت العرب في دينه، فمتى أدرك ثاري منه ؟ فلما اجتمعت هوازن بحنين قصدتهم لآخذ منه غرة (9) فاقتله، ودبرت في نفسي
(1) " أردتم " ط، ه. (2) عنه البحار: 20 / 356 ح 5. (3) سورة النجم: 1 و 2. (4) " عليه " م. (5) " وجعلوه " ط، س، ه. (6) " فعضه عضة " س. والضغم: العض. وقوله " كانت إياها " أي موتته وقاطعة حياته. (7) " وقال بآخر رمق " س، ه، ط والبحار. (8) عنه البحار: 18 / 241 ح 88. تقدم مثله في ص 56 ح 93. (9) أي غفلة.
[ 118 ]
كيف أصنع، فلما انهزم الناس وبقي محمد وحده والنفر الذين بقوا معه جئت من ورائه ورفعت السيف حتى إذا كدت أحطه غشي فؤادي، فلم أطق ذلك، فعلمت أنه ممنوع. وروى أنه قال: رفع إلي شواظ من نار حتى كاد أن يحمشني (1) ثم التفت إلي محمد صلى الله عليه وآله فقال لي: أدن يا شيبة وقاتل. ووضع يده في صدري، فصار أحب الناس إلي، وتقدمت وقاتلت بين يديه، فلو عرض لي أبي لقتلته في نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله. فلما انقضى القتال دخلنا (2) على رسول الله فقال لي: الذي أراد الله بك خيرا مما أردته لنفسك. وحدثني بجميع ما زورته (3) في نفسي. فقلت: ما اطلع على هذا إلا الله. فأسلمت. (4) 195 - ومنها: لما حاصر النبي صلى الله عليه وآله أهل الطائف قال عيينة بن حصين (5): ائذن لي حتى آتي حصن الطائف فاكلمهم. فأذن رسول الله صلى الله عليه وآله فجاءهم فقال: أدنو منكم وأنا آمن ؟ قالوا: نعم. وعرفه أبو محجن فقال: أدن. فدخل عليهم، فقال: فداكم أبي وأمي والله لقد سرني ما رأيت منكم، وما في العرب
(1) كذا في م، ه وباقي المصادر. يقال: أحمشت النار، إذا ألهبتها. (النهاية: 1 / 41).
وفي س، ط: يمحقني، ومعناه النقص والمحو والابطال. وفي البحار: يمحيني. أي يبطلني ويذهب بأثري. وفي بعض النسخ: يحمسني. أي يقيلني ويحرقني. (2) " دخلت " س، ط، ه. (3) " رويته " ه. قال ابن الاثير في النهاية: 2 / 318: كنت زورت في نفسي مقالة، أي هيأت وأصلحت. (4) عنه البحار: 21 / 154 ح 4. ورواه في دلائل النبوة: 5 / 128 وص 145، عنه البداية والنهاية: 4 / 333. ورواه الواقدي في المغازي: 3 / 910. (5) " عتبة بن حصين " ط، ه، م والبحار. وهو تصحيف. وما في المتن هو الصحيح كما في دلائل النبوة. وفي ترجمته من أسد الغابة: 4 / 166 أنه من المؤلفة قلوبهم، أسلم بعد الفتح وكان يقول: ما آمنت بالله طرفة عين. وتزوج عثمان بن عفان ابنته.
[ 119 ]
أحد غيركم، ووالله ما في محمد مثلكم، ولقد قل المقام وطعامكم كثير، وماؤكم وافر لا تخافون قطعه. فلما خرج قال ثقيف لابي محجن: فإنا قد كرهنا دخوله، وخشينا أن يخبر محمدا بخلل إن رآه فينا أو في حصننا. فقال أبو محجن: أنا كنت أعرف به، ليس منا أحد أشد على محمد منه، وإن كان معه. فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قلت لهم: ادخلوا في الاسلام، فو الله لا يبرح محمد عقر داركم حتى تنزلوا، فخذوا لانفسكم أمانا فخذلتهم ما استطعت. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: كذبت، لقد قلت لهم: كذا وكذا. وعاتبه جماعة من الصحابة قال: أستغفر الله وأتوب إليه، ولا أعود أبدا. (1) 196 - ومنها: أن المشركين لما رجعوا من بدر إلى مكة أقبل عمير بن وهب الجمحي حتى جلس إلى صفوان بن أمية بن خالد الجمحي.
فقال صفوان: قبح الله العيش بعد قتلى بدر. قال عمير: أجل والله ما في العيش بعدهم خير ولولا دين علي لا أجد له قضاء وعيال لا أدع لهم شيئا لرحلت إلى محمد حتى أقتله إن ملئت عيني منه، فإنه بلغني أنه يطوف في الاسواق، وإن لي عندهم علة أقول: قدمت على ابني هذا الاسير. ففرح صفوان بقوله وقال: يا أبا أمية هل نراك فاعلا. قال: إي ورب البنية. قال صفوان: فعلي دينك، وعيالك أسوة عيالي، وأنت تعلم أن ليس بمكة رجل أشد توسعا على عياله مني. فقال عمير: قد عرفت بذلك يا أبا وهب. قال: صفوان: فإن عيالك مع عيالي لن يسعني شئ ويعجز عنهم، ودينك علي.
(1) عنه البحار: 21 / 154 ح 5. ورواه البيهقي في دلائل النبوة: 5 / 163، وأبو نعيم في دلائل النبوة: 465، عنهما الصالحي في السيرة الشامية: 5 / 562.
[ 120 ]
فحمله صفوان على بعيره وجهزه وأجرى على عياله ما يجري على عيال نفسه وأمر عمير بسيفه فشحذ، وسم ثم خرج إلى المدينة، وقال لصفوان: أكتم علي أياما حتى أقدمها. فلم يذكرها صفوان. فقدم عمير فنزل على باب المسجد، وعقل راحلته، وأخذ السيف فتقلده، ثم عمد نحو رسول الله صلى الله عليه وآله فلما رآه النبي قال له: ما أقدمك يا عمير ؟ قال: قدمت في أسيري عندكم تفادوننا وتحسنون إلينا فيه، فإنكم العشيرة. قال النبي صلى الله عليه وآله: فما بال السيف ؟ قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت من شئ ؟ إنما نسيته حين نزلت وهو في رقبتي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: فما شرطت لصفوان في الحجر ؟ ففزع عمير وقال: ماذا شرطت له ؟
قال: تحملت له بقتلي على أن يقضي دينك ويعول عيالك، والله حائل بيني وبين ذلك. قال عمير: أشهد أنك رسول الله وأنك صادق، وأن لا إله إلا الله، كنا يا رسول اللله نكذبك بالوحي وبما يأتيك من السماء، وإن هذا الحديث كان شيئا بيني وبين صفوان كما قلت لم يطلع عليه غيري وغيره، وقد أمرته أن يكتم علي أياما، فأطلعك الله عليه فآمنت بالله وبرسوله وشهدت أن ما جئت به صدق وحق. قال صلى الله عليه وآله: علموا أخاكم القرآن وأطلقوا له أسيره. فقال عمير: إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله وقد هداني الله، فله الحمد فاذن لي لالحق قريشا فأدعوهم إلى الله وإلى الاسلام. فأذن له، فلحق بمكة. وكان صفوان يسأل عن عمير، فقيل له: إنه أسلم. فطرح عياله. وقدم عمير، فدعاهم إلى الله، وأخبرهم بصدق رسول الله صلى الله عليه وآله فأسلم معه نفر كثير. (1)
(1) أورده ابن شهر اشوب في المناقب: 1 / 113، عنه البحار: 18 / 140 ح 40. ورواه الكازروني في المنتفى: 113، عنه البحار: 19 / 326 ح 82. ورواه ابن هشام في السيرة: 2 / 316، والبيهقي في دلائل النبوة: 3 / 147 - 149.
[ 121 ]
197 - ومنها: أنه لما توجه إلى تبوك ضلت ناقته القصوى وعنده عمارة بن حزم قال كالمستهزئ: يخبرنا محمد بخبر السماء ولا يدري أين ناقته. فقال صلى الله عليه وآله: إني لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد أخبرني الآن أنها بشعب كذا وزمامها ملتف بشجرة. فكان كما قال. (1) 198 - ومنها: أنه لم قتل " زيد بن حارثة " بمؤتة قال صلى الله عليه وآله بالمدينة: " قتل زيد وأخذ الراية جعفر " ثم قال: " قتل جعفر " وتوقف وقفة ثم قال: " وأخذ الراية عبد الله بن رواحة " وذلك أن عبد الله لم يسارع إلى أخذ الراية كمسارعة جعفر ثم قال: " وقتل عبد الله ".
ثم قام النبي صلى الله عليه وآله إلى بيت جعفر، إلى أهله، ثم جاءت الاخبار بأنهم قد قتلوا في ذلك اليوم على تلك الهيئة. (2) 199 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله أخبر الناس بمكة بمعراجه وقال: آية ذلك أنه ند (3) لبني فلان في طريقي بعير، فدللتهم عليه، وهي (4) الآن تطلع عليكم من ثنية كذا
(1) عنه البحار: 21 / 234 ح 12. ورواه ابن هشام في السيرة: 4 / 166، والبيهقي في دلائل النبوة: 5 / 232. وفيهما أن المستهزئ هو زيد بن اللصيت القينقاعي، وكان في رحل عمارة بن حزم، فلما سمع بهذه المقالة أقبل على زيد يجأ في عنقه ويقول: ان في رحلي لداهية وما أدري، اخرج عني يا عدو الله فلا تصحبني. وتقدم نحوه في ح 25 وح 178. (2) عنه البحار: 21 / 52 ح 2. روى هذه المعجزة وما وقع في غزوة مؤتة، واخباره صلى الله عليه وآله عن الوقعة قبل مجئ خبرها في دلائل النبوة: 4 / 358 - 375 بعدة طرق وبألفاظ مختلفة، وفي السيرة النبوية لابن هشام: 3 / 322، وطبقات ابن سعد: 2 / 128، وصحيح البخاري: 5 / 141، وتاريخ الطبري: 3 / 23، وأنساب الاشراف: 1 / 169، والبداية والنهاية: 4 / 241. (3) ند البعير: نفر وذهب شاردا. (4) كذا في كل النسخ، وفي البحار: " وهو "، وهو خطأ بل الضمير " هي " يعود إلى القافلة التي كانت في الطريق، وكانوا يترقبون وصولها =
[ 122 ]
يقدمها جمل أورق (1) عليه غرارتان (2): إحدهما سوداء، والاخرى برقاء. (3) فوجدوا الامر على ما قال. (4) 200 - ومنها: أنه صلى الله عليه وآله رأى عليا عليه السلام نائما في بعض الغزوات في التراب فقال: يا أبا تراب (5) ألا أحدثك بأشقى الناس أخي (6) ثمود، والذي يضربك على هذا - ووضع يده على قرنه - حتى تبل هذا من هذا ؟ وأشار إلى لحيته. (7)
= إليهم، والتى يتقدمها الجمل الاورق، كما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وآله، كما ورد في معظم الروايات. (1) الاورق وجمعه ورق: الذي لونه لون الرماد. (2) الغرارة: وعاء العين للفراهيدي: 4 / 346. (3) البرقاء: هي الشاة التي في خلال صوفها الابيض طاقات سود. وتأتي هنا للغرارة. راجع النهاية: 1 / 119 مادة " برق ". (4) عنه البحار: 18 / 119 ح 33 تقدم مثله في الحديث: 4، ونظيره في ذيل الحديث: 140. (5) في بعض الروايات: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وجده نائما، وقد ترب جنبه، فجعل يحث التراب عن جنبه ويقول: قم أبا تراب وفيه منافاة لما في المتن إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله كناه بها مرتين: مرة في المسجد، ومرة في هذه الغزوة. (6) " أحيمر " م وبعض المصادر. وأحيمر ثمود: هو الذي عقر ناقة صالح. (7) عنه البحار: 18 / 119. وروى في مصادر كثيرة اخباره صلى الله عليه وآله بقتل علي عليه السلام ومنها: في دلائل النبوة: 6 / 438 و 439 بأسانيده المتعددة، وفي البداية والنهاية: 6 / 218 عن الدلائل، وفي مسند أحمد: 1 / 102 وج 4 / 263 وفي فضائله: 49 ح 76، وفي طبقات ابن سعد: 3 / 34، والطبراني في المعجم الكبير: 105 (مخطوط)، وابن عساكر في ترجمة الامام علي عليه السلام في تاريخ دمشق: 3 / 287، والحاكم في مستدركه: 3 / 113 و 140 وفرائد السمطين: 1 / 386. وأخرجه في مجمع الزوائد: 9 / 136 عن البزار وأحمد، وفي الخصائص الكبرى: 2 / 445 وفي الصواعق المحرقة: 74، وفي سيرة ابن هشام: 2 / 249، والنسائي في الخصائص: 129 وللحديث مصادر عديدة بطرق وأسانيد متعددة بألفاظ مختلفة. راجع بشأن ذلك: إحقاق الحق: 7 / 340 - 352 وج 17 / 350 - 362. (*)
[ 123 ]
201 - ومنها أنه صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين. وكان كذلك. (1) 202 - ومنها: أن عام الخندق أصابتهم مجاعة لما حاصرهم المشركون، فدعا بكف من تمر، وأمر بثوب فبسط، وألقى ذلك التمر عليه، وأمر مناديا ينادي في الناس: هلموا إلى الغذاء. فاجتمع أهل المدينة فأكلوا وصدروا والتمر ينض (2) من أطراف الثوب. (3) 203 - ومنها: أنه لما صده المشركون بالحديبية، شكا إليه الناس قله الماء فدعا بدلو من ماء البئر، فتوضأ منه، ثم تمضمض ومج في الدلو، وأخرج من كنانته سهما، ثم أمر بأن يصب في البئر تلك الدلو، وأن يغرز ذلك السهم في أسفل البئر. فعمل ففارت البئر بالماء إلى شفيرها، واغترف الناس. فعند ذلك قال أوس بن خولي لعبدالله بن أبي سلول: أبعد هذا شئ ؟ أما آن لك أن تبصر ؟ (4) 204 - ومنها: أنه لما أصاب الناس بالحديبية جوع شديد، وقلت أزوادهم (5)
(1) عنه البحار: 18 / 119. وروى مثله مناقب الخوارزمي: 122، وابن عساكر في ترجمة الامام علي عليه السلام: 3 / 162 وفرائد السمطين: 1 / 282، و 331، وغيرهم من جمهور المحدثين في كتبهم. راجع إحقاق الحق: 4 / 247 - 249 وص 385 وج 6 / 60 - 78 وج 15 / 581 - 586 وج 16 / 440 - 446. (2) " تبض " البحار، وكلاهما بمعنى واحد. يقال: بض الماء: إذا قطر وسال، ويقال: نض الماء من العين: إذا نبع. راجع النهاية: 1 / 132 وج 5 / 72. (3) عنه البحار: 20 / 247 ح 16.
(4) عنه البحار: 20 / 357 ح 6. تقدم نظيره في الحديث: 182. (5) الازواد والازودة: جمع زاد على غير القياس وهو ما يتخذ من الطعام للسفر. راجع النهايه: 2 / 317.
[ 124 ]
لانهم أقاموا بها بضعة عشر يوما. فشكوا إليه ذلك وأمر بالنطع (1) أن يبسط، وأمرهم أن يأتوا ببقية أزوادهم فيطرحوا، فأتوا بكف من دقيق وتميرات. فقام ودعى بالبركة فيها، وأمرهم بأن يأتوا بأوعيتهم فملؤوها حتى لم يجدوا له محلا (2). (3) 205 - ومنها: أن الناس في غزاة تبوك لما ساروا يوما، نالهم عطش كادت تنقطع أعناق الرجال والخيل والركاب عطشا. فدعا بركوة (4) فصب فيها ماءا قليلا من أداوة (5) كانت معه، ووضع أصابعه عليها فنبع الماء من تحت أصابعه، فاستقوا وارتووا، والعسكر ثلاثون ألف رجل سوى الخيل والابل. (6) 206 - ومنها: أنه أخذ الحصى في كفه، فقالت كل واحدة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. (7) 207 - ومنها: قوله لعمار، ستقتلك الفئة الباغية، وآخر زادك ضياح (8) من لبن. فاتي عمار بصفين بلبن، فشربه، فبارز فقتل، فكان كذلك. (9) 208 - ومنها: أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود [ روى ] عن أبيه قال: إن الله
(1) النطع: جمعه أنطاع، وهو البساط المصنوع من الجلد. (2) " محملا " م، ه، ط (3) عنه البحار: 20 / 357 ح 7. تقدم نظيره في الحديث: 15. (4، 5) ركوة: جمعها ركاء وركوات. والاداوة: جمعها أداوى، وكلاهما اناء صغير يصنع من الجلد.
(6) عنه البحار: 21 / 232 ح 7. (7) عنه البحار: 17 / 379 ح 48. (8) الضياح والضيح بالفتح: اللبن الخاثر يصب فيه الماء ثم يخلط. النهاية: 3 / 107. (9) عنه البحار: 18 / 119. وروى مثله باختلاف في دلائل النبوة: 6 / 420 و 421 بأسانيده المتعددة. وفي صحيح مسلم: 4 / 2236 ح 72 و 73، وفي مسند أحمد: 4 / 319، وفي مستدرك الحاكم: 3 / 389 وغيرها
[ 125 ]
أمر نبيه أن يدخل الكنيسة ليدخل رجلا الجنة فلما دخلها ومعه جماعة فإذا هو بيهود يقرؤون التوراة، وقد وصلوا إلى صفة النبي صلى الله عليه وآله. فلما رأوه أمسكوا، وفي ناحية الكنيسة رجل مريض فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما لكم أمسكتم ؟ فقال المريض: إنهم أتوا على صفة النبي صلى الله عليه وآله فأمسكوا. ثم جاء المرض يجثو (1) حتى أخذ التوراة فقرأها، حتى أتى على آخر صفة النبي صلى الله عليه وآله وأمته، فقال: هذه صفتك وصفة أمتك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. ثم مات. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: صلوا على أخيكم (2). (3) 209 - ومنها: ما قال بعضهم: حضرت سوق بصرى (4)، فإذا راهب في صومعة يقول: سلوا أهل هذا الموسم هل فيكم أحد من أهل الحرم ؟ قالوا: نعم. فقال: سلوه هل ظهر أحمد بن عبد المطلب ؟ فهذا هو الشهر الذي يخرج فيه وهو آخر الانبياء، ومخرجه من الحرم، ومهاجرته إلى نخل (5) وحرة (6) وسباخ. (7)
(1) جثا: جلس على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه. (2) " ولوا أخاكم " البحار. (3) عنه البحار: 15 / 216 ح 31. (4) بصرى: مدينة بالشام، وهي التي وصل إليها النبي صلى الله عليه وآله للتجاة. مراصد الاطلاع: 1 / 201
(5) نخل: بالفتح ثم السكون، جمع نخلة: منزل من منازل بني ثعلبة من المدينة على مرحلتين وقيل: موضع بنجد من أرض غطفان، وهو موضع في طرف الشام من ناحية مصر. وقيل: منزل لبني مرة بن عوف على ليلتين من المدينة. وكأنه الاول. مراصد الاطلاع: 3 / 1364 (6) حرة: الحرار في بلاد العرب كثيرة. والحرة: كل أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنما أحرقت بالنار. وأكثر الحرار حول المدينة، وتسمى مضافة إلى أماكنها، فمنها: حرة أوطاس، وحرة تبوك... مراصد الاطلاع: 1 / 394. (7) والسباخ من الارض: ما لم يحرث ولم يعمر.
[ 126 ]
قال الراوي: فلما رجعت إلى مكة قلت: هل هنا من حدث ؟ قالوا: تنبأ (1) محمد بن عبد الله الامين. (2) 210 - ومنها: أن زيد بن سلام قال: إن جده أبا سلام حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وآله بينما هو في البطحاء قبل النبوة، فإذا هو برجلين عليهما (3) ثياب سفر. فقالا: السلام عليك. فقال لهما النبي صلى الله عليه وآله: وعليكما السلام. فقال أحدهما لصاحبه: لا إله إلا الله ما لقيت أحدا منذ ولدتني أمي يرد السلام قبله (4). وقال الاخر: سبحان الله ما لقيت رجلا يسلم منذ ولدتني أمي. (5) فقال له الراكب: هل في القرية رجل يدعى محمد ؟ فقال: ما فيها أحمد ولا محمد غيري. قال: من أهلها أنت ؟ قال: نعم من أهلها، وولدت فيها. فضرب ذراع راحلته وأناخها ثم كشف عن كتف رسول الله صلى الله عليه وآله حتى نظر إلى الخاتم الذي بين كتفيه فقال: أشهد أنك رسول الله، وتبعث بضرب رقاب قومك، فهل من زاد تزودني ؟ فأتاه بخبز وتميرات، فجعلهن في ثوبه حتى أتى صاحبه، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى حمل لي نبي الله الزاد في ثوبه.
ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: هل من حاجة سوى هذا ؟ قال: تدعو الله أن يعرف بيني وبينك يوم القيامة. فدعا له، ثم انطلق. 211 - وفي كتب الله المتقدمة: لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه، عطس، فقال له ربه: قل الحمد لله. فلما قالها، قال له ربه: يرحمك الله، إئت أولئك الملا من
(1) " أتانا " البحار. (2) عنه البحار: 15 / 216 ح 32. (3) " برجل عليه " م، وكذا ما بعده بلفظ المفرد. ويظهر من سياق الكلام أنهما اثنان، وليس بواحد، وكذا اثبتناه. (4) كذا استظهرناها، وفي الاصل والبحار: قبلك. (5) من خلال الحوار، يدل على أن أحدهما له علم بمبعث النبي صلى الله عليه وآله، وأن أداء التحية والرد عليها بهذا الشكل، هو من مواصفات الدين الجديد. وتعجب صاحبه الآخر منه، لانه لا يعلم عن هذا الامر شيئا.
[ 127 ]
الملائكة وقل لهم: السلام عليكم. فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. ثم قال له ربه: هذه تحيتك وتحية ذريتك. (1) 212 - ومنها: أنه سئل ابن عباس: بلغنا أنك تذكر سطيحا الغساني (2) وتزعم أن الله خلقه ولم يخلق من ولد آدم شيئا يشبهه ؟ قال: نعم، إن الله خلق سطيحا الغساني لحما على وضم (3) - والوضم شرائح من جرائد النخل - أو كان يحمل على وضم، ويؤتى به حيث يشاء، ولم يكن فيه عظم ولا عصب إلا الجمجمة والعنق. وكان يطوى من رجليه إلى ترقوته، كما يطوى الثوب، ولم يكن يتحرك منه شئ إلا لسانه. فلما أراد الخروج إلى مكة حمل على وضمة فاتي به [ إلى ] مكة. فخرج إليه أربعة من قريش فقالوا: أتيناك لنزورك لما بلغنا من علمك، فأخبرنا عما
(1) عنه البحار: 15 / 217 ح 33.
وروى نحو ذيل الحديث في علل الشرائع: 102 ح 1، عنه البحار: 76 / 6 ح 21. (2) سطيح: هو أحد الكهان، واسمه: ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن غسان. يقال: إنما سمي سطيحا، لانه كالبضعة الملقاة على الارض، فكأنه سطح عليها. ويروى عن وهب بن منبه أنه قال: قيل لسطيح: أنى لك هذا العلم ؟ فقال: لي صاحب من الجن استمع أخبار السماء من طور سيناء حين كلم الله تعالى منه موسى عليه السلام فهو يؤدى إلى من ذلك ما يؤديه. راجع بشأنه وأخباره عن مبعث الرسول صلى الله عليه وآله في السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 15 - 18 و 43 و 70 و 72 و 73، وفي دلائل النبوة: 1 / 127 - 129. (3) قال الجزري في النهاية: 5 / 198: " انما النساء لحم على وضم، إلا ما ذب عنه " الوضم: الخشبة أو البارية التي يوضع عليها اللحم، تقيه من الارض. وقال الزمخشري: " الوضم: كل ما وقيت به اللحم من الارض " أراد أنهن من الضعف مثل ذلك اللحم الذي لا يمتنع على أحد إلا أن يذب عنه ويدفع. راجع الفائق للزمخشري: 2 / 411.
[ 128 ]
يكون في زماننا، وما يكون من بعد. قال: يا معشر العرب، لا علم عندكم ولا فهم. ينشأ من عقبكم دهم (1) يطلبون أنواع العلم، يكسرون الصنم، ويقتلون العجم، ويطلبون المغنم. قالوا: يا سطيح من يكونون أولئك ؟ قال: والبيت ذي الاركان لينشأن من عقبكم ولدان يوحدون الحرمان، ويتركون عبادة الشيطان. قالوا: فمن نسل من يكونون أولئك ؟ قال: أشرف الاشراف من عبد مناف. قالوا: من أي بلدة يخرج ؟ قال: والباقي [ إلى ] الابد ليخرجن من ذي البلد، يهدي إلى الرشد، يعبد ربا انفرد. (2)
213 - ومنها: أن عبد المطلب قدم اليمن، فقال له حبر من أهل الزبور: أتأذن لي أن أنظر إلى بعضك ؟ (3) قال: نعم إلا إلى عورة. ففتح إحدى منخريه فنظر فيه، ثم نظر في الاخرى، فقال: أشهد أن في إحدى يديك الملك، وفي الاخرى النبوة، وإنا نجده في بني زهرة فكيف ذلك ؟ قال: قلت: لا أدري. قال: هل من شاعة ؟ قلت: ما الشاعة ؟ قال: الزوجة. قال: فإذا رجعت فتزوج منهم. فرجع إلى مكة فتزوج هالة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة (4)
(1) الدهم: الخلق. يقال: أي الدهم هو: أي خلق الله هو ؟ (2) عنه البحار: 15 / 217 ح 34. (3) بعض: جمعها أبعاض: الشى، جزء، أو طائفة منه. (4) عنه البحار: 15 / 218 ح 35. وروى مثله في دلائل النبوة: 1 / 106 بإسناده عن ابن عباس، عن أبيه، وزاد فيه: " فولدت له حمزة وصفية، وتزوج عبد الله بن عبد المطلب، آمنة بنت وهب، فولدت رسول الله صلى الله عليه وآله. فقالت قريش حين تزوج عبد الله آمنة: فلج عبد الله على أبيه. أقول: فلج: ظفر بما طلب، وفلج خصمه: غلبه. وروى مثله في طبقات ابن سعد: 1 / 86، وفي دلائل أبي نعيم: 88. وأورده في البداية والنهاية: 2 / 251، والخصائص الكبرى: 1 / 40.
[ 129 ]
214 - ومنها: أن عبد الله بن عبد المطلب لما ترعرع (1) ركب يوما للصيد، وقد نزل بالبطحاء قوم من اليهود قدموا ليهلكوا والد محمد صلى الله عليه وآله ليطفؤوا نور الله. فنظروا إلى عبد الله فرأوا حلية أبوة النبوة فيه، فقصدوه - وكانوا ثمانين نفرا من اليهود - بالسيوف والسكاكين. وكان وهب بن عبد مناف بن زهرة والد آمنة أم محمد صلى الله عليه وآله في ذلك الصوب
يتصيد، وقد رأى عبد الله وقد حف به اليهود ليقتلوه، فقصد أن يدفعهم عنه، فإذا بكثير من الملائكة معهم الاسلحة طردوا اليهود عنه [ وكان الله قد كشف عن بصر وهب ] فتعجب من ذلك وانصرف، ودخل على عبد المطلب وقال: أزوج ابنتي آمنة من عبد الله. فعقد [ العقد، فحملت ] فولدت رسول الله (2) 215 - ومنها: أن بعد مولد النبي صلى الله عليه وآله بسنتين أتت أشراف العرب سيف بن ذي يزن الحميري، لما ظهر على الحبشة، وفد إليه قريش للتهنئة، وفيهم عبد المطلب. فقال: أيها الملك سلفك خير سلف، وأنت [ لنا منه ] خير خلف. قال: من أنت ؟ قال: عبد المطلب بن هاشم. قال: ابن أختنا. ثم أدناه. (قال: إن من سر علمي أمرا لو يكون غيرك لم أبح له فيه، فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله. إني أجد في الكتاب المكنون خيرا عظيما للناس عامة، ولرهطك خاصة، وهذا حينه الذي يولد فيه، أو قد ولد. اسمه محمد، يموت أبوه وأمه، يكفله جده، ثم عمه، والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا. يعبد الرحمان، ويكسر الاوثان. قوله فصل، وحكمه عدل. ثم قال: إنك ستجده يا عبد المطلب. فخر عبد المطلب ساجدا لله، ثم قال: كان لي ابن، فزوجته كريمة من قومي، فجاءت
(1) ترعرع: نشأ وشب. (2) عنه البحار: 15 / 111 ح 57.
[ 130 ]
بغلام، سميته محمدا. قال: إحذر عليه اليهود، ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي، لجعلت يثرب دار ملكي، وهو موضع قبره، ولولا أني أقيه الآفات، لاعلنت عليه) (1). ثم أمر لكل قرشي بنعمة عظيمة، ولعبد المطلب بأضعافها عشر مرات، وهم
يغبطونه بها. فقال: لو علمتم بفخري وذكري لغبطتم به. (2) 216 - ومنها: أن جبير بن مطعم قال: كنت آذى قريش لمحمد صلى الله عليه وآله فلما ظننت انهم سيقتلونه خرجت حتى لحقت بدير، فأقاموا لي الضيافة ثلاثا، فلما رأوني لا أخرج، قالوا: إن لك لشأنا ؟ قلت: إني من قرية إبراهيم، وابن عمي يزعم أنه نبي، فآذاه قومه فأرادوا قتله فخرجت لئلا أشهد ذلك. فأخرجوا إلي صورة. قلت: ما رأيت شيئا أشبه بشئ من هذه الصورة بمحمد، كأنه طوله وجسمه، وبعد ما بين منكبيه. قالوا: لا يقتلونه، وليقتلن من يريد قتله، وإنه لنبي، وليظهرنه الله. فلما قدمت مكة إذ هو خرج إلى المدينة. وسئلوا من أين لكم هذه الصورة ؟ قالوا: إن آدم عليه السلام سأل ربه أن يريه الانبياء من ولده، فأنزل الله عليه صورهم، وكان
(1) " وقال: اني مفضى إليك خبرا (خيرا - البحار) عظيما: يولد نبي أو قد ولد، اسمه محمد، الله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا. فقال عبد المطلب: كان لي ابن، زوجته كريمة، فجاءت بغلام سميته محمدا " خ وط والبحار. (2) عنه البحار: 15 / 218 ح 36 رواه مفصلا في دلائل النبوة: 2 / 9 - 14 بإسناده عن أبي زرعة بن سيف بن ذي يزن، وفي دلائل أبي نعيم: 52 - 60. وأورده في البداية والنهاية: 2 / 330.
[ 131 ]
في خزانة آدم عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من هناك فدفعها إلى دانيال. (1) 217 - ومنها: أن دحية الكلبي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله بكتاب إلى قيصر فأرسل إلى الاسقف فأخبره بمحمد صلى الله عليه وآله وكتابه
فقال: هذا النبي الذي كنا ننتظره، بشرنا به عيسى بن مريم. فقال الاسقف: أما أنا فمصدقه ومتبعه. فقال قيصر: أما أنا إن فعلت ذلك ذهب ملكي. ثم قال قيصر: التمسوا لي من قومه ها هنا أحدا أسأله عنه. وكان أبو سفيان وجماعة من قريش دخلوا الشام تجارا فأحضرهم، قال: ليدن مني أقربكم نسبا به. فأتاه أبو سفيان فقال: أنا سائل عن هذا الرجل الذي يقول: انه نبي. ثم قال لاصحابه: إن كذب فكذبوه. قال أبو سفيان: لولا الحياء أن يأثر (2) أصحابي عني الكذب لاخبرته بخلاف ما هو عليه. فقال: كيف نسبه فيكم ؟ قلت: ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد ؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل ؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم ؟ قلت: ضعفاؤهم. قال: [ فهل ] يزيدون أو ينقصون ؟ قلت: يزيدون. قال: يرتد أحد منهم سخطا لدينه ؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر ؟ قلت: لا. قال: فهل قاتلكم (3) ؟ قلت: نعم. قال: فكيف
(1) عنه البحار: 15 / 219 ح 37. (2) من آثر الحديث إذا رواه. (3) " قاتلتموه " البحار.
[ 132 ]
حربكم وحربه ؟ قلت: ذو سجال (1) مرة له، ومرة عليه ؟ قال: هذه آية النبوة. قال: فما يأمركم ؟ قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئا، وينهانا
عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصوم والعفاف والصدق وإداء الامانة والوفاء بالعهد. قال: هذه صفة نبي، وقد كنت أعلم أنه يخرج ولم أظن أنه منكم، فإنه يوشك أن يملك ما تحت قدمي هاتين. ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقياه، ولو كنت عنده لغسلت (2) قدميه. وإن النصارى اجتمعوا على الاسقف ليقتلوه فقال: إذهب إلى صاحبك فاقرأ عليه سلامي، وأخبره أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن النصارى أنكروا ذلك علي. ثم خرج إليهم فقتلوه. (3) 218 - ومنها: أنه لما بعث محمد صلى الله عليه وآله بالنبوة، بعث كسرى رسولا إلى باذان (4) عامله في أرض العرب: بلغني أنه خرج رجل قبلك يزعم أنه نبي فلتقل له فليكفف عن ذلك، أو لابعثن إليه من يقتله ويقتل قومه.
(1) قال الجزري في النهاية: 2 / 344: السجل: الدلو الملاى ماء، ويجمع على سجال. ومنه حديث أبي سفيان وهرقل " والحرب بيننا سجال " أي مرة لنا ومرة علينا. وأصله: أن المستيقن بالسجل يكون لكل واحد منهم سجل. (2) " لقبلت " خ. (3) عنه البحار: 20 / 378 ح 3. ما جاء في بعث الرسول صلى الله عليه وآله دحية الكلبي إلى قيصر، وما جرى في سؤاله أبا سفيان عنه صلى الله عليه وآله، رواه بألفاظ متعددة في دلائل النبوة: 4 / 377. وفي صحيح البخاري: 4 / 54 - 58، وفي صحيح مسلم: 3 / 1393 - 1397 ح 74. (4) باذان: أحد ملوك اليمن، المنصوب من قبل كسرى. ولم يزل عليها حتى بعث الله الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله. فلما بلغ ذلك باذان، بعث باسلامه وإسلام من معه من الفرس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. راجع السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 71 و 72.
[ 133 ]
فبعث باذان إلى النبي صلى الله عليه وآله بذلك، فقال: " لو كان شئ قلته من قبلي لكففت عنه، ولكن الله بعثني " وترك رسل باذان وهم خمسة عشر نفرا ولا يكلمهم خمسة عشر يوما، ثم دعاهم. فقال: اذهبوا إلى صاحبكم فقولوا له: إن ربي قتل ربه الليلة، إن ربي قتل كسرى [ الليلة ] ولا كسرى بعد اليوم، وقتل قيصر، ولا قيصر بعد اليوم. فكتبوا قوله فإذا هما قد ماتا في الوقت الذي حدثه محمد صلى الله عليه وآله. (1) 219 - ومنها: (حديث النجاشي) روي عن ابن مسعود [ قال ]: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أرض النجاشي ونحن ثمانون رجلا، ومعنا جعفر بن أبي طالب، وبعثت قريش خلفنا عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص مع هدايا فأتوه بها، فقبلها، وسجدوا له. فقالوا: إن قوما منا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك. فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلم أحد منكم أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي، فقال عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك. فلما انتهينا إليه زبرنا (2) الرهبان أن اسجدوا للملك. فقال لهم جعفر: لا نسجد إلا لله. فقال النجاشي: وما ذاك ؟ قال: إن الله بعث فينا رسوله، وهو الذي بشر به عيسى اسمه أحمد فأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا، وأن نقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر. فأعجب النجاشي قوله. فلما رأى ذلك عمرو قال: أصلح الله الملك، إنهم يخالفونك في ابن مريم. فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم ؟ قال: يقول فيه قول الله: هو روح الله وكلمته، أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر.
(1) عنه البحار: 20 / 380 ح 4. وروى مثله في سيرة ابن هشام: 1 / 71. تقدم ذيله في الحديث: 119. (2) زبره: انتهره، أو زجره. وزبره عن الامر: منعه ونهاه عنه. (*)
[ 134 ]
فتناول النجاشي عودا من الارض، فقال: يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذا. ثم قال النجاشي لجعفر: أنقرأ شيئا مما جاء به محمد صلى الله عليه وآله ؟ قال: نعم. قال: اقرأ وأمر الرهبان أن ينظروا في كتبهم فقرأ جعفر " كهيعص... " (1) إلى آخر قصة عيسى عليه السلام وكانوا يبكون. ثم قال النجاشي: مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد (أنه رسول الله) (2) وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، ولولا ما أنه فيه من الملك لاتيته حتى أحمل نعليه، اذهبوا أنتم " سيوم " - أي آمنون -. وأمر لنا بطعام وكسوة، وقال: ردوا على هذين هديتهما. وكان عمرو قصيرا، وعمارة جميلا، وشربا في البحر الخمر، فقال عمارة لعمرو: قل لامرأتك - وكانت معه -: تقبلني. فلم يفعل عمرو، فأخذه عمارة فرمى به في البحر، فناشده حتى خلاه فحقد عليه عمرو فقال للنجاشي: إذا خرجت خلف عمارة في أهلك، فنفخ في إحليله الزئبق فطار مع الوحش. (3) 220 - ومنها: لما قدم وفد نجران عليه، فدعا النبي صلى الله عليه وآله العاقب والطيب (4)
(1) سورة مريم. (2) " أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله " البحار. (3) عنه البحار: 18 / 420 ح 8. روى مثله في دلائل النبوة للبيهقي: 2 / 299. وأورده في البداية والنهاية: 3 / 70 ونحوه في سيرة ابن هشام: 1 / 360. (4) في بعض المصادر: السيد. ذكرهما ابن هشام في سيرته: 2 / 222 قال: العاقب: أمير القوم وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه
واسمه عبدالمسيح، والسيد: ثمالهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه: الايهم. انتهى أقول: ثمال القوم: هو أصلهم الذي يقصدون إليه، ويقوم بأمورهم وشؤونهم.
[ 135 ]
رئيسهم إلى الاسلام: فقالا: أسلمنا قبلك. فقال: كذبتهما، يمنعكما من ذلك حب الصليب وشرب الخمر. فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يغادياه. فغدا رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أخذ بيد علي والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام. فقالا: أتى بخواصه واثقا بديانتهم. فأبوا الملاعنة. فقال صلى الله عليه وآله: لو فعلا لاضرم (1) الوادي نارا. (2) 221 - ومنها: أن زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل خرجا يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالموصل فقال لزيد: من أين أقبلت يا صاحب البعير ؟ قال: من بيت (3) إبراهيم. قال: وما تلتمس ؟ قال: الدين.
(1) " لا مطر " خ. (2) عنه البحار: 21 / 341 ح 7. روى هذه الفضيلة والمعجزة الخاصة والعامة في كتبهم التاريخية، وفي تفاسيرهم، ضمن سورة آل عمران: 61 آية المباهلة بألفاظ مختلفة، ومنها: الاختصاص: 109 - 113 وتفسير فرات الكوفي: 14 - 19، وروضة الواعظين: 196 وسعد السعود: 91 - 94 ودعائم الاسلام: 1 / 17 وغيرها. وفي شواهد التنزيل: 1 / 124 ح 172، وفرائد السمطين: 1 / 377، وابن عساكر: 1 / 207 وكفاية الطالب: 142، ومناقب ابن المغازلي: 263 ح 310، والبداية والنهاية: 5 / 54 وجامع الترمذي: 5 / 225 ح 2999، والسنن الكبرى: 7 / 63، وينابيع المودة: 224.
وللحديث مصادر عديدة، راجع بشأن الحديث: إحقاق الحق: 3 / 49 - 76 وج 70 - 91، وج 14 / 131 - 148 وج 18 / 389 - 391. (3) " بنية " البحار، وستأتي في الحديث. قال الجزري في النهاية: 1 / 158: في حديث البراء بن معرور " رأيت أن لا أجعل هذه البنية مني يظهر " يريد الكعبة، وكانت تدعى بنية إبراهيم عليه السلام، لانه بناها، وقد كثر قسمهم برب هذه البنية.
[ 136 ]
قال: ارجع فانه يوشك أن يظهر [ الدين ] الذي تطلب في أرضك. فرجع يريد مكة حتى إذا كان بأرض لخم عدوا عليه فقتلوه، وكان يقول: أنا على دين إبراهيم عليه السلام وأنا ساجد على نحو البنية التي بناها إبراهيم عليه السلام وكان يقول: إنا ننتظر نبيا من ولد إسماعيل من بني عبد المطلب. (1) 222 - ومنها حديث كعب بن ماتع: بينا هو في مجلس ورجل من القوم معهم يحدث أصحابه يقول: رأيت في النوم أن الناس حشروا. وأن الامم تمر كل أمة مع نبيها، ومع كل نبي نوران يمشي بينهما. ومع كل من اتبعه نور يمشي به، حتى مر محمد صلى الله عليه وآله في أمته فإذا ليس معه شعرة إلا وفيها نوران من رأسه وجلده، ولا من اتبعه من أمته إلا ومعه نوران مثل الانبياء. فقال كعب: - والتفت إليهما - ما هذا الذي يحدث به ؟ قال: رؤيا رأيتها. فقال: والذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق إنه لفي كتاب الله كما رأيت. (2) 223 - ومنها: ما روي عن ابن الاعرج (3) أن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: خرجت غازيا فكسر بي، فغرق المركب وما فيه، وأفلت (4) وما علي إلا خرقة قد اتزرت بها، وكنت على لوح، وأقبل اللوح يرمي بي على جبل في البحر، فإذا صعدت وظننت أني نجوت جاءتني موجة فانتسفتني (5) ففعلت بي مرارا.
ثم إني خرجت أشتد (6) على شاطئ البحر، فلم تلحقني، فحمدت الله على سلامتي. فبينا أنا أمشي إذ بصر بي أسد، فأقبل يزأر يريد أن يفترسني، فرفعت يدي إلى السماء
(1) عنه البحار: 15 / 220 ح 39. وروى مثله باختلاف في دلائل النبوة: 2 / 124، وفي مستدرك الحاكم: 3 / 439. (2) عنه البحار: 15 / 219 ح 38. (3) " ابن الاعرابي " س وط والبحار. (4) " وأقبلت " البحار وط. (5) انتف الشئ: اقتلعه. (6) " استند " س وط والبحار. واشتد في السير: أسرع.
[ 137 ]
فقلت: اللهم إني عبدك ومولى نبيك نجيتني من غرق، أفتسلط علي سبعك ؟ فالهمت أن قلت: أيها السبع أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله إحفظ رسول الله في مولاه. فو الله إنه لترك الزئير، وأقبل كالسنور يمسح خده بهذه الساق مرة، وبهذه أخرى وهو ينظر في وجهي مليا. ثم طأطأ ظهره وأومأ إلي أن أركب، فركبت ظهره، فخرج يخب (1) بي، فما كان بأسرع من أن هبط جزيرة، وإذا فيها من الشجر والثمار وعين عذبة من ماء دهشت، فوقف وأومأ إلي أن انزل. فنزلت وبقي واقفا حذاي ينظر. فأخذت من تلك الثمار وأكلت، وشربت من ذلك الماء فرويت، فعمدت إلى ورقة فجعلتها لي مئزرا واتزرت بها، وتلحفت بأخرى، وجعلت ورقة شبيها بالمزود. (2) فملاتها، من تلك الثمار، وبللت الخرقة التي كانت معي لاعصرها إذا احتجت إلى الماء فأشربه. فلما فرغت مما أردت، أقبل إلي فطأطأ ظهره، ثم أومأ إلي: أن أركب. فلما ركبت أقبل بي نحو البحر في غير الطريق الذي أقبلت منه. فلما صرت على [ ساحل ] البحر، إذا مركب سائر في البحر، فلوحت لهم، فاجتمع
أهل المركب يسبحون ويهللون ويرون رجلا راكبا أسدا، فصاحوا: يا فتى من أنت أجني أم إنسي ؟ قلت: أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، راعي الاسد في حق رسول الله صلى الله عليه وآله، ففعل ما ترون. فلما سمعوا ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله حطوا الشراع وحملوا رجلين في قارب صغير، ودفعوا إليهما ثيابا فجاءا إلي، ونزلت من الاسد، ووقف ناحية مطرقا ينظر
(1) الخبب: ضرب من العدو، وخب الفرس في عدوه: راوح بين يديه ورجليه، أي: قام على احداهما مرة، وعلى الاخرى مرة. (2) المزود، جمعها: ما يوضع فيه الزاد.
[ 138 ]
ما أصنع، فرميا إلي بالثياب وقالا: البسها. فلبستها. فقال أحدهما: اركب ظهري حتى أحملك إلى القارب، أيكون السبع أرعى لحق رسول الله صلى الله عليه وآله من أمته ؟ فأقبلت على الاسد فقلت: جزاك الله خيرا عن رسول الله. فو الله لقد نظرت إلى دموعه تسيل على خده ما يتحرك، حتى دخلت القارب، وأقبل يتلفت إلي ساعة بعد ساعة حتى غبنا عنه. (1) 224 - ومنها: ما ذكرنا شيئا منه وهو أن أبا طالب سافر بمحمد صلى الله عليه وآله فقال: فلما (2) كنا نسير في الشمس تسير الغمامة بسيرنا، وتقف بوقوفنا. فنزلنا يوما على راهب بأطراف الشام في صومعة يقال له " بحيرا الراهب "، فلما قربنا منه نظر إلى الغمامة تسير بسيرنا على رؤوسنا فقال: في هذه القافلة نبي مرسل (3) فنزل من صومعته فأضافنا، وكشف عن كتفيه فنظر إلى الشامة بين كتفيه فبكى، وقال: يا أبا طالب لم يجب (4) أن تخرجه معك من مكة، وبعد إذ أخرجته فاحتفظ به واحذر عليه اليهود فله شأن عظيم، وليتني أدركه فأكون أول مجيب لدعوته. (5)
225 - ومنها: ما روي عن فاطمة بنت أسد: أنه لما ظهرت أمارة (6) وفاة عبد المطلب قال لاولاده: من يكفل محمدا ؟ قالوا: هو أكيس منا فقل له يختار لنفسه. فقال عبد المطلب: يا محمد جدك على جناح السفر إلى القيامة، أي عمومتك وعماتك تريد أن يكفلك ؟ فنظر في وجوههم، ثم زحف إلى عند أبي طالب، فقال له عبد المطلب:
(1) عنه البحار: 17 / 409 ح 39، تقدم نحوه في الحديث: 47. (2) " كلما " ط والبحار. (3) " شئ " البحار. (4) " لم نحب " ط. (5) عنه البحار: 17 / 355 ح 9. تقدم مفصلا في الحديث: 132. (6) الامارة: جمعها أمارات: العلامة.
[ 139 ]
يا أبا طالب، إني قد عرفت ديانتك وأمانتك، فكن له كما كنت له. قالت: فلما توفي أخذه أبو طالب، وكنت أخدمه، وكان يدعوني الام. قالت: وكان في بستان دارنا نخلات، وكان أول إدراك الرطب، وكان أربعون صبيا من أتراب (1) محمد صلى الله عليه وآله يدخلون علينا كل يوم في البستان ويلتقطون ما يسقط فما رأيت قط محمدا أخذ رطبة من يد صبي سبق إليها، والآخرون يختلس بعضهم من بعض. وكنت كل يوم ألتقط لمحمد صلى الله عليه وآله حفنة فما فوقها، وكذلك جاريتي. فاتفق يوما أن نسيت أن ألتقط له شيئا ونسيت جاريتي، وكان محمد صلى الله عليه وآله نائما ودخل الصبيان وأخذوا كل ما سقط من الرطب وانصرفوا، فنمت فوضعت الكم على وجهي حياء من محمد إذا انتبه. قالت: فانتبه محمد، ودخل البستان، فلم ير رطبة على الارض فانصرف، فقالت له الجارية: إنا نسينا أن نلتقط شيئا والصبيان دخلوا وأكلوا جميع ما كان قد سقط. قالت: فانصرف محمد صلى الله عليه وآله إلى البستان وأشار إلى نخلة، وقال: أيتها
الشجرة أنا جائع. قالت: فرأيت الشجرة قد وضعت أغصانها التي عليها الرطب حتى أكل منها محمد صلى الله عليه وآله ما أراد، ثم ارتفعت إلى موضعها. قالت فاطمة: فتعجبت، وكان أبو طالب قد خرج من الدار، وكل يوم إذا رجع وقرع الباب كنت أقول للجارية حتى تفتح الباب. فقرع أبو طالب، فعدوت حافية إليه وفتحت الباب وحكيت له ما رأيت. فقال: هو إنما يكون نبيا، وأنت تلدين وزيره بعد ثلاثين. فولدت عليا عليه السلام كما قال (2) 226 - ومنها: أن جابرا روى أن سبب تزويج خديجة بمحمد صلى الله عليه وآله كان [ أن ] أبا طالب قال: يا محمد إني أريد أن أزوجك ولا مال لي أساعدك به، وإن خديجة
(1) أي: كانوا في سنه صلوات الله عليه وعلى آله. (2) عنه البحار: 17 / 363 ح 1.
[ 140 ]
قرابتنا، وتخرج كل سنة قريشا في مالها مع غلمانها يتجر لها، ويأخذ وقر بعير مما أتى به، فهل لك أن تخرج ؟ قال: نعم. فخرج أبو طالب إليها وقال لها ذلك: ففرحت وقالت لغلامها ميسرة: أنت وهذا المال كله بحكم محمد صلى الله عليه وآله. فلما رجع ميسرة [ من سفره ] حدث أنه ما مر بشجرة ولا مدرة إلا قالت: السلام عليك يا رسول الله. وقال: وجاء " بحيرا الراهب " وخدمنا لما رأى الغمامة على رأسه تسير حيثما سار تظله بالنهار. وربحا في تلك السفرة ربحا كثيرا. فلما انصرفا قال ميسرة: لو تقدمت يا محمد إلى مكة وبشرت خديجة بما قد ربحنا لكان أنفع لك. فتقدم محمد صلى الله عليه وآله على راحلته، وكانت خديجة في ذلك اليوم جالسة على غرفة مع نسوة فوق سطح لها فظهر لها محمد صلى الله عليه وآله راكبا، فنظرت خديجة إلى غمامة عالية
على رأسه تسير بسيره، ورأت ملكين عن يمينه وعن شماله، وفي يد كل واحد سيف مسلول، يجيئان في الهواء معه. فقالت: إن لهذا الراكب لشأنا عظيما، ليته جاء إلى داري. فإذا هو محمد صلى الله عليه وآله قاصدا لدارها. فنزلت جافية إلى باب الدار، وكانت إذا أرادت التحول من مكان إلى مكان حولت الجواري السرير الذي كانت عليه، فلما دنت منه قالت: يا محمد أخرج واحضر لي عمك أبا طالب الساعة. وقد بعثت إلى عمها أن زوجني من محمد إذا دخل عليك. فلما حضر أبو طالب قالت: أخرجا إلى عمي ليزوجني من محمد، فقد قلت له في ذلك. فدخلا على عمها، وخطب أبو طالب الخطبة المعروفة، وعقد النكاح فلما قام محمد صلى الله عليه وآله ليذهب مع أبي طالب قالت خديجة: إلى بيتك، فبيتي بيتك
[ 141 ]
وأنا جاريتك. (1) 227 - ومنها: ما روي عن جابر قال. كنت إذا مشيت في شعاب مكة مع محمد صلى الله عليه وآله لم يكن يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. (2) 228 - ومنها: ما روي عن علي عليه السلام أنه لما كان بعد ثلاث سنين من مبعثه صلى الله عليه وآله أسري به إلى بيت المقدس، وعرج به منه إلى السماء ليلة المعراج فلما أصبح من ليلته حدث قريشا بخبر معراجه، فقال جهالهم: ما أكذب هذا الحديث وقال قائلهم: يا أبا القاسم، فبم نعلم أنك صادق ؟ قال: مررت بعيركم في موضع كذا، وقد ضل لهم بعير، وعرفتهم مكانه، وصرت إلى رحالهم، وكانت لهم قرب مملوءة من الماء فصببت قربة، والعير توافيكم في اليوم الثالث من هذا اليوم (3) مع طلوع الشمس فأول العير جمل أحمر وهو جمل فلان. فلما كان اليوم الثالث خرجوا إلى باب مكة لينظروا صدق ما أخبر به محمد صلى الله عليه وآله
قبل طلوع الشمس، فهم كذلك إذا طلعت العير عليهم بطلوع الشمس، في أولها الجمل الاحمر فتعجبوا من ذلك، وسألوا الذين كانوا مع العير فقالوا مثل ما قال محمد صلى الله عليه وآله في إخباره عنهم. فقالوا: هذا أيضا من سحر محمد. (4) 229 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله كان ليلة جالسا في الحجر (5) وكانت قريش في مجالسها يتسامرون، فقال بعضهم لبعض: قد أعيانا أمر محمد صلى الله عليه وآله، فما ندري ما نقول فيه. فقال بعضهم: قوموا بنا جميعا إليه نسأله أن يرينا آية من السماء، فإن السحر قد
(1) عنه البحار: 16 / 3 ح 8. (2) عنه البحار: 17 / 364 ح 2. تقدم مثله في الحديث: 59. (3) " الموضع " ه وس والبحار. (4) عنه البحار: 18 / 379 ح 85. تقدم نظيره في الحديث: 4 و 140. (5) الحجر: الحائط المستدير إلى جانب الكعبة الغربي. النهاية: 1 / 341.
[ 142 ]
يكون في الارض ولا يكون في السماء، فصاروا إليه. فقالوا: يا محمد إن لم يكن هذا الذي نرى منك سحرا، فأرنا آية في السماء فإنا نعلم أن السحر لا يستمر في السماء كما يستمر في الارض. فقال لهم: ألستم ترون هذا القمر في تمامه لاربع عشرة ؟ فقالوا: بلى. قال: أفتحبون أن تكون الآية من قبله وجهته ؟ قالوا: قد أحببنا ذلك. فأشار إليه باصبعه فانشق بنصفين، فوقع نصفه على ظهر الكعبة، ونصفه الآخر على جبل أبي قبيس، وهم ينظرون إليه. فقال بعضهم: فرده إلى مكانه. فأومى بيده إلى النصف الذي كان على ظهر الكعبة وبيده الاخرى إلى النصف الذى كان على جبل أبي قبيس، فطارا جميعا فالتقيا في الهواء فصارا واحدا، واستقر القمر في مكانه، على ما كان.
فقالوا: قوموا فقد استمر سحر محمد في السماء والارض. فأنزل الله تعالى: " اقتربت الساعة وانشق القمر * وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر " (1) (2) 230 - ومنها: أنه لما كانت قريش تحالفوا وكتبوا بينهم صحيفة ألا يجالسوا واحدا من بني هاشم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم محمدا ليقتلوه، وعلقوا تلك الصحيفة في الكعبة، وحاصروا بني هاشم في الشعب - شعب عبد المطلب - أربع سنين، فأصبح النبي صلى الله عليه وآله يومان وقال لعمه أبي طالب: إن الصحيفة التي كتبتها قريش في قطيعتنا قد بعث الله عليها دابة فلحست كل ما فيها غير اسم الله، وكانوا قد ختموها بأربعين خاتما من رؤساء قريش. فقال أبو طالب: يا ابن أخي أفأصير إلى قريش فأعلمهم بذلك ؟ قال: إن شئت. فصار أبو طالب رضي الله عنه إليهم فاستبشروا بمصيره إليهم، واستقبلوه بالتعظيم والاجلال، وقالوا: قد علمنا الآن أن رضى قومك أحب إليك مما كنت فيه، أفتسلم
(1) سورة القمر: 1 و 2. (2) عنه البحار: 17 / 355 ح 10. تقدم نظيره في الحديث: 26
[ 143 ]
إلينا محمدا - ولهذا جئتنا - ؟ قال: يا قوم إني قد جئتكم بخبر أخبرني به ابن أخي محمد صلى الله عليه وآله فانظروا في ذلك، فإن كان كما قال فاتقوا الله وارجعوا عن قطيعتنا، وإن كان بخلاف ما قال سلمته إليكم واتبعت مرضاتكم. قالوا: وما الذي أخبرك ؟ قال: أخبرني أن الله قد بعث على صحيفتكم دابة فلحست ما فيها غير اسم الله فحطوها فإن كان الامر بخلاف ما قال سلمته إليكم. ففتحوها فلم يجدوا فيها شيئا غير اسم الله. فتفرقوا وهم يقولون: سحر سحر. وانصرف أبو طالب رضي الله عنه. (1)
231 - ومنها: أنه لما كانت الليلة التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الغار كانت قريش اختارت من كل بطن منهم رجلا ليقتلوا محمدا صلى الله عليه وآله فاختارت خمسة عشر رجلا من خمسة عشر بطنا، كان فيهم أبو لهب من بطن بني هاشم ليتفرق دمه في بطون قريش فلا يمكن بني هاشم أن يأخذوا بطنا واحدا، فيرضون عند ذلك بالدية فيعطون عشر ديات. فقال النبي صلى الله عليه وآله لاصحابه: لا يخرج الليلة منكم أحد من داره. فلما نام الرسول صلى الله عليه وآله قصدوا باب عبد المطلب، فقال لهم أبو لهب: يا قوم إن في هذه الدار نساء بني هاشم وبناتهم، ولا نأمن أن تقع يد خاطئة إذا وقعت الصيحة عليهن فيبقى ذلك علينا مسبة وعارا إلى آخر الدهر في العرب، ولكن اقعدوا بنا جميعا على الباب نحرس محمدا في مرقده، فإذا طلع الفجر تواثبنا إلى الدار فضربناه ضربة رجل واحد وخرجنا، فإلى أن تجتمع الناس قد أضاء الصبح، فيزول عنا العار عند ذلك. فقعدوا بالباب يحرسونه.
(1) عنه البحار: 18 / 120 وتقدم نحوه في ح 141.
[ 144 ]
قال علي عليه السلام: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن قريشا دبرت كيت وكيت في قتلي فنم على فراشي حتى أخرج أنا من مكة، فقد أمرني الله تعالى بذلك. فقلت له: السمع والطاعة. فنمت على فراشه، وفتح رسول الله صلى الله عليه وآله الباب، وخرج عليهم وهم جميعا جلوس ينتظرون الفجر، وهو يقول: * (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) * (1) ومضى وهم لا يرونه، فرأى أبا بكر قد خرج في الليل يتجسس عن خبره - وقد كان وقف على تدبير قريش من جهتهم - فأخرجه معه إلى الغار. فلما طلع الفجر تواثبوا إلى الدار، وهم يظنون أني محمد صلى الله عليه وآله فوثبت
في وجوههم وصحت بهم. فقالوا: علي ؟ ! قلت: نعم. قالوا: وأين محمد ؟ قلت: خرج من بلدكم. قالوا: وإلى أين خرج ؟ قلت: الله أعلم. فتركوني وخرجوا فاستقبلهم أبو كريز الخزاعي وكان عالما بقصص الآثار، فقالوا: يا أبا كريز اليوم نحب أن تساعدنا في قصص أثر محمد، فقد خرج عن البلد. فوقف على باب الدار، فنظر إلى أثر رجل محمد صلى الله عليه وآله، فقال: هذا أثر قدم محمد، وهي والله أخت القدم التي في المقام ! ومضى به على أثره حتى إذا صار إلى الموضع الذي لقيه فيه أبو بكر، فقال: [ هنا ] قد صار مع محمد آخر، وهذه قدمه، إما أن تكون قدم أبي قحافة أو قدم ابنه. فمضى على ذلك إلى باب الغار، فانقطع عنه الاثر، وقد بعث الله إليه العنكبوت فنسجت على باب الغار كله، وبعث الله قبجة فباضت على باب الغار فقال: ما جاز محمد هذا الموضع، ولا من معه، إما أن يكونا صعدا إلى السماء، أو نزلا في الارض، فإن باب هذا الغار كما ترون عليه نسج العنكبوت، والقبجة حاضنة على
(1) سورة يس: 9.
[ 145 ]
بيضها على باب الغار. فلم يدخلوا الغار، وتفرقوا في الجبل يطلبونه. (1) 232 - ومنها: أن أبا بكر اضطرب في الغار اضطرابا شديدا خوفا من قريش وأراد الخروج إليهم، فقعد واحد من قريش مستقبل الغار يبول، فقال أبو بكر: هذا قد رآنا قال صلى الله عليه وآله: كلا لو رآنا ما استقبلنا بعورته وقال له النبي صلى الله عليه وآله " لا تخف إن الله معنا " لن يصلوا إلينا. فلم يسكن اضطرابه. فلما رأى صلى الله عليه وآله ذلك منه، رفس ظهر الغار، فانفتح منه باب إلى بحر وسفينة، فقال له: اسكن الآن، فإنهم إن دخلوا من باب الغار خرجنا من هذا الباب وركبنا السفينة. فسكن عند ذلك، فلم يزالوا إلى أن أمسوا في الطلب فيئسوا وانصرفوا.
ووافى ابن الاريقط بأغنام يرعاها إلى باب الغار وقت الليل يريد مكة بالغنم فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: أفيك مساعدة لنا ؟ قال: إي والله، فو الله ما جعل الله هذه القبجة على باب الغار حاضنة لبيضها، ولا نسج العنكبوت عليه إلا وأنت صادق، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال صلى الله عليه وآله: الحمد لله على هدايتك، فصر الآن إلى علي فعرفه موضعنا، ومر بالغنم إلى أهلها إذا نام الناس، ومر إلى عبد أبي بكر. فصار ابن الاريقط إلى مكة وفعل ما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فأتى عليا عليه السلام وعبد أبي بكر. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أعد لنا يا أبا الحسن راحلة وزادا، وابعثها إلينا، وأصلح ما تحتاج إليه لحمل والدتك وفاطمة وألحقنا بهما إلى يثرب، وقال أبو بكر لعبده مثله، ففعلا ذلك، فأردف رسول الله صلى الله عليه وآله ابن الاريقط، وأبو بكر عبده. (2) 233 - ومنها: أن النبي صلى الآله عليه وآله لما خرج بهؤلاء، وأصبحوا من تلك الليلة التي خرجوا فيها على حي سراقة بن مالك بن جعشم، فلما نظر سراقة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
(1) عنه البحار: 19 / 72 ح 26. والحديث متواتر مشهور، وفي كتب السيرة والتاريخ مسطور. (2) عنه البحار: 19 / 74.
[ 146 ]
قال: أتخذ به يدا عند قريش. وركب فرسه وقصد محمدا صلى الله عليه وآله قالوا: قد لحق بنا هذا الشيطان. فقال: إن الله سيكفينا أمره. فلما قرب قال صلى الله عليه وآله: " اللهم خذه " فارتطم فرسه في الارض فصاح: يا محمد خلص فرسي، لا سعيت لك في مكروه بعدها. وعلم أن ذلك بدعاء محمد صلى الله عليه وآله. فقال: " اللهم إن كان صادقا فخلصه " فوثب الفرس. فقال: يا أبا القاسم ستمر برعاتي وعبيدي فخذ سوطي، فكل من تمر به خذ ما شئت فقد حكمتك في مالي. فقال صلى الله عليه وآله: لا حاجة لي في مالك.
قال: فسلني حاجة. قال صلى الله عليه وآله: رد عنا من يطلبنا من قريش. فانصرف سراقة، فاستقبله جماعة من قريش في الطلب فقال لهم: انصرفوا عن هذا الطريق، فلم يمر فيه أحد، وأنا أكفيكم هذا الطريق، فعليكم بطريق اليمن والطائف. (1) 234 - ومنها: أن النبي سار حتى نزل خيمة أم معبد، فطلبوا عندها قرى (2) فقالت: ما يحضرني شئ. فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى شاة في ناحية الخيمة قد تخلفت من الغنم لضرها، فقال: تأذنين في حلبها ؟ قالت: نعم ولا خير فيها. فمسح يده على ظهرها، فصارت أسمن ما يكون من الغنم، ثم مسح يده على ضرعها، فأرخت ضرعا عجيبا، ودرت لبنا كثيرا فقال: يا أم معبد هاتي العس (3). فشربوا جميعا حتى رووا. فلما رأت أم معبد ذلك قالت: يا حسن الوجه إن لي ولدا له سبع سنين، وهو كقطعة لحم لا يتكلم ولا يقوم. فأتته به. فأخذ تمرة قد بقيت في الوعاء، ومضغها وجعلها في فيه، فنهض في الحال ومشى وتكلم، وجعل نواها في الارض فصارت في الحال نخلة، وقد تهدل الرطب منها
(1) عنه البحار: 19 / 75. وتقدم مختصرا في ص 23 ح 1 (2) القرى: ما يقدم للضيف. (3) العس بضم أوله: القدح الكبير.
[ 147 ]
وكان كذلك صيفا وشتاءا، وأشار من الجوانب فصار ما حولها مراعي، ورحل رسول الله صلى الله عليه وآله. ولما توفي صلى الله عليه وآله لم ترطب تلك النخلة، وكانت خضراء، فلما قتل علي عليه السلام لم تخضر وكانت باقية، فلما قتل الحسين عليه السلام سال منها الدم ويبست. فلما انصرف أبو معبد ورأى ذلك، وسأل عن سببه قالت: مر بي رجل قرشي من حاله وقصته [ كذا وكذا ] قال: يا أم معبد إن هذا الرجل هو صاحب أهل المدينة
الذي هم ينتظرونه، ووالله ما أشك الآن أنه صادق في قوله أنه رسول الله، فليس هذا إلا من فعل الله. ثم قصد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فآمن هو وأهله. (1) 235 - ومنها: أنه لما كانت وقعة بدر قتل المسلمون من قريش سبعين رجلا وأسروا منهم سبعين، فحكم رسول الله بقتل الاسارى وحرق الغنائم. فقال جماعة من المهاجرين: إن الاسارى هم قومك وقد قتلنا منهم سبعين، فأطلق لنا أن نأخذ الفداء من الاسارى والغنائم فنقوى (2) بها على جهادنا. فأوحى الله إليه يقتل منكم في العام المقبل في مثل هذا اليوم عدد الاسارى إن لم يقتلوا [ الاسارى ] وأنزل الله * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) *. (3) فلما كان في العام المقبل وقتل من المسلمين سبعون - عدد الاسارى - قالوا: يا رسول الله قد وعدتنا النصر فما هذا الذي وقع بنا ؟ ونسوا الشرط ببدر. فأنزل الله: * (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها) * (4) يعني ما كانوا أصابوا من قريش ببدر وقبلوا الفداء من الاسراء * (قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم) * (5)
(1) عنه البحار: 19 / 75، وفي المستدرك: 13 / 121 باب 103 ح 1 مختصرا. وتقدم بعض الحديث في ص 25 ح 6. (2) " فنتقوى " خ ل. (3) سورة الانفال: 67. (4 و 5) آل عمران: 165
[ 148 ]
يعني بالشرط الذي شرطوه على أنفسهم أن يقتل منهم بعدد الاسارى إذا هو أطلق لهم الفداء منهم والغنائم، فكان الحال في ذلك على حكم الشرط. ولما انكشفت الحرب يوم أحد سار أولياء المقتولين ليحملوا قتلاهم إلى المدينة فشدوهم على الجمال، وكانوا إذا توجهوا بهم نحو المدينة بركت الجمال، وإذا
توجهوا بهم نحو المعركة أسرعت، فشكوا الحال إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألم تسمعوا قول الله * (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) * (1) فدفن كل رجلين في قبر إلا حمزة، فأنه دفن وحده. وكان أصاب عليا عليه السلام في حرب أحد أربعون جراحة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الماء على فمه فرشه على الجراحات، فكأنها لم تكن من وقتها. وكان أصاب عين قتادة (2) سهم من المشركين فسالت الحدقة، فأمسكها النبي صلى الله عليه وآله فعادت صحيحة، وكانت أحسن من الاخرى. (3) 236 - ومنها: أن عليا عليه السلام قال: انقطع سيفي يوم أحد فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: إن المرء يقاتل بسيفه، وقد انقطع سيفي، فنظر إلى جريدة نخل عتيقة يابسة مطروحة فأخذها بيده، ثم هزها فصارت سيفه " ذا الفقار " فناولنيه، فما ضربت به أحدا إلا وقده بنصفين. (4) 237 - ومنها: أن جابرا قال: كان النبي صلى الله عليه وآله بمكة ورجل من قريش يربي مهرا، كان إذا لقى محمدا والمهر معه يقول: يا محمد على هذا المهر أقتلك. قال النبي صلى الله عليه وآله: أقتلك عليه. قال: بل أقتلك. فوافى أحدا، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله حربة رجل وخلع سنانه ورمى به، فضربه بها على عنقه، فقال: النار النار. وسقط ميتا. (5)
(1) آل عمران: 154. (2) " عم قتادة " م. وهو خطأ. راجع تعليقتنا على الحديث " 30 ". (3) عنه البحار: 20 / 77 ح 16. ونحوه في دلائل البيهقي: 3 / 137 وص 139. وتقدم ذيل الحديث في ص 32 ح 30 وذح 50. (4 و 5) عنه البحار: 30 / 78.
[ 149 ]
238 - ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله انتهى إلى رجل قد فوق (1) سهما ليرمي بعض المشركين، فوضع صلى الله عليه وآله يده فوق السهم، وقال: إرم. فرمى ذلك المشرك
فهرب المشرك من السهم، وجعل يروغ من السهم يمنة ويسرة، والسهم يتبعه حيثما راغ حتى سقط السهم في رأسه، فسقط المشرك ميتا فأنزل الله: " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ". (2) 239 - وكان أبو عزة (3) الشاعر حضر مع قريش يوم بدر يحرض قريشا بشعره على القتال، فأسر في السبعين الذين أسروا. فلما وقع الفداء على القوم قال أبو عزة: يا أبا القاسم تعلم أني رجل فقير فامنن على بناتي. فقال صلى الله عليه وآله: إن أطلقتك بغير فداء أتكثر علينا بعدها ؟ قال: لا والله. فعاهده أن لا يعود. فلما كانت حرب أحد دعته قريش إلى الخروج معها ليحرض الناس بشعره على القتال، فقال: إني عاهدت محمدا ألا أكثر عليه بعدما من علي. قالوا: ليس هذا من ذاك، إن محمدا لا يسلم منا في هذه الدفعة. فقلبوه عن رأيه فلم يؤسر يوم أحد من قريش غيره. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألم تعاهدني ؟ قال: إنما غلبوني على رأيي، فامنن على بناتي. قال: لا، تمشي بمكة وتحرك كتفيك فتقول: سخرت من محمد مرتين، المؤمن لا يلسع من جحر مرتين، يا علي اضرب عنقه (4).
(1) الفوقة: موضع الوتر في رأس السهم. (2) عنه البحار: 17 / 298 ح 9 وج 20 / 78 ح 16 (قطعة منه). (3) ذكره ابن هشام في سيرته: 2 / 315. (4) عنه البحار: 20 / 79. وروى نحوه ابن هشام في السيرة: 3 / 65، والواقدي في المغازي: 1 / 201، عنه شرح نهج البلاغة: 14 / 214. وأخرجه في البحار: 19 / 345 عن شرح النهج.
[ 150 ]
240 - ومنها: أنه لما وافى رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة مهاجرا نزل بقبا (1) وقال:
لا أدخل المدينة حتى يلحق بي علي. وكان سلمان كثير السؤال عن رسول الله صلى الله عليه وآله وكان قد اشتراه بعض اليهود وكان يخدم نخلا لصاحبه. فلما وافى صلى الله عليه وآله قبا - وكان سلمان قد عرف بعض أحواله من بعض أصحاب عيسى وغيره - فحمل طبقا من تمر وجاءهم به، فقال: سمعنا أنكم غرباء وافيتم إلى هذا الموضع فحملنا هذا إليكم من صدقاتنا فكلوه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: سموا وكلوا. ولم يأكل هو منه شيئا، وسلمان واقف ينظر، فأخذ الطبق وانصرف وهو يقول: هذه واحدة - بالفارسية -. ثم جعل في الطبق تمرا آخر وحمله فوضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: رأيتك لم تأكل من تمر الصدقة، وهذه الهدية (2) فمد يده صلى الله عليه وآله [ وأكل ] وقال لاصحابه: كلوا باسم الله. فأخذ سلمان الطبق وقال: هذه اثنتان. ثم دار خلف رسول الله صلى الله عليه وآله فعلم صلى الله عليه وآله مراده منه، فأرخى رداءه عن كتفيه، فرأى سلمان الشامة، فوقع عليها وقبلها، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. ثم قال: إني عبد ليهودي فما تأمرني ؟ قال: اذهب فكاتبه على شئ تدفعه إليه. فصار سلمان إلى اليهودي فقال: إني أسلمت واتبعت هذا النبي على دينه ولا تنتفع بي، فكاتبني على شئ أدفعه إليك وأملك نفسي. فقال اليهودي: أكاتبك على أن تغرس لي خمسمائة نخلة، وتخدمها حتى تحمل ثم تسلمها إلي، وعلى أربعين أوقية ذهبا جيدا.
(1) قبا بالضم: اسم بئر هناك، عرفت القرية بها، وهي مساكن بني عمرو بن عوف من الانصار. وهي قرية على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة. راجع معجم البلدان: 4 / 301. (2) " فحملت هذا هدية " م وط.
[ 151 ]
فانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بذلك، فقال صلى الله عليه وآله: اذهب فكاتبه على ذلك. فمضى سلمان وكاتبه على ذلك وقدر اليهودي أن هذا شئ لا يكون إلا بعد سنين فانصرف سلمان بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اذهب فأتني بخمسمائة نواة. وفي رواية الحشوية (1): بخمسمائة فسيلة. فجاء سلمان بخمسمائة نواة، فقال: سلمها إلى علي. ثم قال لسلمان: اذهب بنا إلى الارض التي طلب النخل فيها. فذهبوا إليها، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يثقب الارض باصبعه، ثم يقول لعلي عليه السلام: ضع في الثقب نواة، ثم يرد التراب عليها ويفتح رسول الله صلى الله عليه وآله أصابعه فينفجر الماء من بينها، فيسقي ذلك الموضع، ثم يصير إلى موضع الثانية فيفعل بها كذلك. فإذا فرغ من الثانية تكون الاولى قد نبتت، ثم يصير إلى موضع الثالثة، فإذا فرغ منها تكون الاولى قد حملت، ثم يصير إلى موضع الرابعة وقد نبتت الثالثة وحملت الثانية، وهكذا حتى فرغ من غرس الخمسمائة، وقد حملت كلها. فنظر اليهودي، وقال: صدقت قريش أن محمدا ساحر. وقال: قد قبضت منك النخل فأين الذهب ؟ فتناول رسول الله صلى الله عليه وآله حجرا كان بين يديه فصار ذهبا أجود ما يكون، فقال اليهودي: ما رأيت ذهبا قط مثله. وقدره مثل تقدير عشرة أواق فوضعه في الكفة فرجح فزاد عشرا، فرجح حتى صار أربعين أوقية لا تزيد ولا تنقص.
(1) " اخرى " س وه وط. قال النوبختي في فرق الشيعة: 34: الحشوية، ومن قال بقولهم: أن عليا وطلحة والزبير لم يكونوا مصيبين في حربهم، وأن المصيبين هم الذين قعدوا عنهم، وأنهم يتولونهم جميعا، ويتبرؤون من حربهم، ويردون أمرهم إلى الله عزوجل.
[ 152 ]
قال سلمان: فانصرفت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فلزمت خدمته وأنا حر. (1) 241 - ومنها: أن جابرا قال: لما اجتمعت الاحزاب من العرب لحرب الخندق واستشار النبي صلى الله عليه وآله المهاجرين والانصار في ذلك فقال سلمان: إن العجم إذا أحزبها (2) أمر مثل هذا اتخذوا الخنادق حول بلدانهم، وجعلوا القتال من وجه واحد. فأوحى الله أن يفعل مثل ما قال سلمان. فخط رسول الله صلى الله عليه وآله الخندق حول المدينة، وقسمه بين المهاجرين والانصار بالذراع، فجعل لكل عشرة منهم عشر أذرع. قال جابر: فظهرت في الخط لنا يوما صخرة عظيمة لم يمكن كسرها، ولا كانت المعاول تعمل فيها، فأرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله لاخبره بخبرها، فصرت إليه فوجدته مستلقيا، وقد شد على بطنه الحجر، فأخبرته بخبر الحجر، فقام مسرعا فأخذ الماء في فمه فرشه على الصخرة، ثم ضرب المعول بيده وسط الصخرة ضربة برقت منها برقة، فنظر المسلمون فيها إلى قصود اليمن وبلدانها، ثم ضربها ضربة فبرقت برقة أخرى نظر المسلمون فيها إلى قصور العراق، وفارس، ومدنها. ثم ضربها الثالثة فانهارت الصخرة قطعا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما الذي رأيتم في كل برقة ؟ قالوا: رأينا في الاولى كذا وفي الثانية كذا، وفي الثالثة كذا. وقال: سيفتح الله عليكم ما رأيتموه. قال جابر: وكان في منزلي صاع من شعير وشاة مشدودة، فصرت إلى أهلي فقلت: رأيت الحجر على بطن رسول الله صلى الله عليه وآله وأظنه جائعا، فلو أصلحنا هذا الشعير وهذه
(1) عنه البحار: 22 / 386 ح 6. تقدم نحوه في الحديث: 28. (2) قال الجزري في النهاية: 1 / 377: وفيه " كان إذا حزبه أمر صلى " أي: إذا نزل به مهم أو أصابه غم. ومنه حديث علي عليه السلام " نزلت كرائه الامور وحوازب الخطوب " جمع حازب، وهو الامر الشديد. (*)
[ 153 ]
الشاة ودعونا رسول الله صلى الله عليه وآله إلينا كان لنا قربة عند الله. قالت: فاذهب فأعلمه، فان أذن فعلناه. فذهبت فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل غداءك اليوم عندنا. قال: وما عندك ؟ قلت: صاع من الشعير وشاة: قال: أفأصير إليك مع من أحب أو أنا وحدي ؟ قال: فكرهت أن أقول: أنت وحدك، بل قلت: مع من تحب، وظننته يريد عليا بذلك. فرجعت إلى أهلي، فقلت: أصلحي أنت الشعير، وأنا أسلخ الشاة، ففرغنا من ذلك وجعلنا الشاة كلها قطعا في قدر واحد وماء وملحا، وخبزت أهلي ذلك الدقيق وصرت إليه، فقلت: يا رسول الله قد أصلحنا ذلك فوقف على شفير الخندق، ونادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أجيبوا دعوة جابر فخرج جميع المهاجرين والانصار فخرج [ النبي صلى الله عليه وآله ] والناس خلفه، فلم يكن يمر بملا من أهل المدينة إلا قال: أجيبوا دعوة جابر. فأسرعت إلى أهلي فقلت: قد أتانا ما لا قبل لنا به، وعرفتها خبر الجماعة. فقالت: ألست قد عرفت رسول الله ما عندنا ؟ قلت: بلى. قالت: فلا عليك فهو أعلم بما يفعل. فكانت أهلي أفقه مني. فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله الناس بالجلوس خارج الدار، ودخل هو وعلي الدار، فنظر في التنور والخبز فيه، فتفل فيه وكشف القدر فنظر فيها، ثم قال للمرأة: أقلعي من التنور رغيفا رغيفا، وناوليني واحدا بعد واحد. فجعلت تقلع رغيفا وتناوله إياه، وهو وعلي يثردان في الجفنة، ثم تعود المرأة إلى التنور فتجد مكان الرغيف الذي اقتلعته رغيفا آخر. فلما امتلات الجفنة بالثريد غرف عليه من القدر، وقال عليه السلام: أدخل علي عشرة من الناس. فدخلوا، وأكلوا حتى شبعوا [ والثريد بحاله ].
ثم قال: يا جابر أئتني بالذراع. ثم قال: أدخل علي عشرة.
[ 154 ]
فدخلوا وأكلوا حتى شبعوا والثريد بحاله. ثم قال: هات الذراع. فأتيته به. ثم قال: أدخل علي عشرة. فأكلوا وشبعوا والثريد بحاله. وقال صلى الله عليه وآله: هات الذراع. قلت: كم للشاة من ذراع ؟ قال: ذراعان. قلت: قد أتيت بثلاث أذرع. قال صلى الله عليه وآله: لو سكت لاكل الجميع من الذراع. فلم يزل يدخل عشرة ويخرج عشرة حتى أكل الناس جميعا. ثم قال: تعال حتى نأكل نحن وأنت. فأكلت أنا ومحمد صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام وخرجنا، والخبز في التنور على حاله، والقدر على حالها والثريد في الجفنة على حاله، فعشنا أياما بذلك. (1) 242 - ومنها: أن جابرا قال: استشهد والدي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله يوم أحد وهو ابن مائتي سنة، وكان عليه دين، فلقيني رسول الله صلى الله عليه وآله يوما فقال: ما فعل دين أبيك ؟ قلت: على حاله. فقال: لمن هو ؟ قلت: لفلان اليهودي. قال: متى حينه ؟ قلت: وقت جفاف التمر. قال: إذا جففت التمر فلا تحدث فيه حتى تعلمني، واجعل كل صنف من التمر على حدة. ففعلت ذلك، وأخبرته صلى الله عليه وآله، فصار معي إلى التمر وأخذ من كل صنف قبضة بيده وردها فيه، ثم قال: هات اليهودي. فدعوته.
(1) عنه الحار: 18 / 32 ح 25. وروى نحوه في قصة حفر الخندق، وظهور البرقة عند ضربه صلوات الله عليه الحجر بالمعول في دلائل النبوة: 3 / 398 - 400 بإسناده عن موسى بن عقبة، وص 417 بطريق آخر عن سلمان، وفي السيرة النبوية لابن هشام: 3 / 173. وأخرج بنحو آخر قصة ذراع الشاة في الخصائص الكبرى: 2 / 251 و 252 عن أحمد
والدارمي وابن سعد والطبراني وأبي نعيم من طريق شهر بن حوشب عن أبي عبيد. وأخرجه عن أحمد وابن سعد وأبي يعلى والطبراني وأبي نعيم وابن عساكر من طرق أربعة عن أبي رافع. وأخرجه عن أبي نعيم بعدة أوجه عن أبي هريرة.
[ 155 ]
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إختر من هذا التمر أي صنف شئت، فخذ دينك منه. فقال اليهودي: وأي مقدار لهذا التمر كله حتى آخذ صنفا منه ؟ ولعل كله لا يفي بديني ! فقال: إختر أي صنف شئت فابتدئ به. فأومى إلى صنف الصيحاني، فقال: أبتدئ به ؟ فقال: افعل باسم الله. فلم يزل يكيل منه حتى استوفى منه دينه كله، والصنف على حاله ما نقص منه شئ. ثم قال صلى الله عليه وآله: يا جابر هل بقي لاحد عليك شئ من دينه ؟ قلت: لا. قال: فاحمل تمرك بارك الله لك فيه. فحملته إلى منزلي، وكفانا السنة كلها، فكنا نبيع لنفقتنا ومؤونتنا ونأكل منه، ونهب منه ونهدي، إلى وقت التمر الحديث، والتمر على حاله إلى أن جاءنا الحديث (1). (2) 243 - ومنها: ما روى عمار بن ياسر بأنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض أسفاره قال: فنزلنا يوما في بعض الصحاري القليلة الشجر، فنظر إلى شجرتين صغيرتين. فقال لي: يا عمار صر إلى الشجرتين فقل لهما: يأمركما رسول الله أن تلقيا حتى يقعد تحتكما. فأقبلت كل واحدة إلى الاخرى. حتى التقتا فصارتا كالشجرة [ الواحدة ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله خلفهما فقضى حاجته ]. فلما أراد الخروج قال: لترجع كل واحدة إلى مكانها. فرجعتا كذلك. (3) 244 - ومنها: أن عليا عليه السلام بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض الامور بعد صلاة الظهر وانصرف من جهته تلك (4) وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وآله العصر بالناس. فلما دخل علي عليه السلام جلس يقص عليه ما كان قد نفذ فيه. فنزل الوحي عليه في
تلك الساعة، فوضع رأسه في حجر علي عليه السلام وكانا كذلك حتى غربت الشمس
(1) " الجديد " البحار. (2) عنه البحار: 18 / 31 ح 24. (3) عنه البحار: 17 / 364 ح 3. تقدم نحوه بكامل تخريجاته في الحديث: 55. (4) " فانصرف من وجهة ذلك " الاصل.
[ 156 ]
فسرى عن رسول الله صلى الله عليه وآله في وقت الغروب. فقال لعلي عليه السلام: هل صليت العصر ؟ قال: لا، فإني كرهت أن أزيل رأسك، ورأيت جلوسي تحت رأسك وأنت في تلك الحال أفضل من صلاتي. فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فاستقبل القبلة فقال: " اللهم إن كان علي في طاعتك وحاجة رسولك فاردد عليه الشمس ليصلي صلاته " فرجعت الشمس حتى صارت في موضع أول العصر، فصلى علي عليه السلام ثم انقضت الشمس للغروب مثل انقضاض الكوكب. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: يا علي إن الشمس مطيعة لك فادع. فدعا فرجعت، وكان قد صلاها بالاشارة. (1) 245 - ومنها: أن الحصار لما اشتد على المسلمين في حرب الخندق، ورأى رسول الله صلى الله عليه وآله منهم الضجر لما كان فيه من الضر، صعد على مسجد الفتح فصلى ركعتين ثم قال: " اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد بعدها في الارض " فبعث الله ريحا قلعت خيم المشركين، وبددت رواحلهم، وأجهدتهم بالبرد، وسفت (2) الرمال والتراب عليهم، وجاءته الملائكة فقالت: يا رسول الله إن الله قد أمرنا بالطاعة لك فمرنا بما شئت. قال: زعزعي المشركين وارعبيهم، وكوني من ورائهم. ففعلت بهم ذلك وأنزل الله " يا أيها الذين آمنو اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود - يعني أحزاب المشركين - فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله
بما تعملون بصيرا * إذ جاؤكم من فوقكم - أي أحزاب العرب - ومن أسفل منكم " (3) يعني بني قريضة حين نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وصاروا مع الاحزاب على المسلمين.
(1) عنه البحار: 41 / 170 ح 6. تقدم نحوه في الحديث: 81. (2) سفى التراب: تذرى وتبدد. (3) سورة الاحزاب: 9 و 10.
[ 157 ]
ثم رجع من مسجد الفتح إلى معسكره فصاح بحذيفة بن اليمان - وكان قريبا - ثلاثا، فقال في الثالثة: لبيك يا رسول الله. قال: تسمع صوتي ولا تجيبني ؟ فقال: منعني شدة البرد. فقال: اعبر الخندق: فاعرف خبر قريش والاحزاب، وارجع، ولا تحدث حدثا حتى ترجع إلي. فقمت وأنا أنتقض من البرد، فعبرت الخندق، وكأني في الحمام، فصرت إلى معسكرهم فلم أجد هناك إلا خيمة أبي سفيان وعنده جماعة من وجوه قريش، وبين أيديهم نار تشتعل مرة وتخبوا أخرى، فانسللت فجلست بينهم. فقال أبو سفيان: إن كنا نقاتل أهل الارض فنحن بالقدرة عليه، وإن كنا نقاتل أهل السماء كما يقول محمد فلا طاقة لنا بأهل السماء، أنظروا بينكم لا يكون لمحمد عين بيننا، فليسأل بعضكم بعضا. قال حذيفة: فبادرت إلى الذي عن يميني فقلت: من أنت ؟ قال: خالد بن الوليد. وقلت للذي عن يساري: من أنت ؟ قال: فلان. فلم يسألني أحد منهم. ثم قال أبو سفيان لخالد: إما أن تتقدم أنت فتجمع إلي الناس ليلحق بعضهم ببعض، فأكون على الساقة، وإما أن أتقدم أنا، وتكون على الساقة. قال: بل أتقدم أنا وتتأخر أنت. فقاموا جميعا فتقدموا وتأخر أبو سفيان، فخرج من الخيمة وأنا أختفيت في
ظلها، فركب راحلته وهي معقولة من الدهش الذي كان به، فنزل يحل العقال فأمكنني قتله، فلما هممت بذلك تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وآله لي: " لا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي ". فكففت ورجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد طلع الفجر، فحمد الله، ثم صلى بالناس الفجر، ونادى مناديه: لا يبرحن أحد مكانه إلى أن تطلع الشمس. فما أصبح إلا وقد تفرق عنه الجماعة إلا نفرا يسيرا.
[ 158 ]
فلما طلعت الشمس انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله ومن كان معه فلما دخل منزله أمر فنودي: أن لا يصلي أحد منكم إلا في بني قريظة. فسار المسلمون إليهم، فوجدوا النخل محدقا بقصرهم. ولم يكن للمسلمين معسكر ينزلون فيه، ووافى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما لكم لا تنزلون ؟ فقالوا: ما لنا مكان ننزل به من اشتباك النخل. فوقف في طريق بين النخل، فأشار بيده يمنة، فانضم النخل بعضه إلى بعض وأشار بيده يسرة فانضم النخل كذلك، واتسع لهم الموضع فنزلوا. (1) 246 - ومنها: أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله للعمرة سنة الحديبية منعت قريش من دخوله مكة، وتحالفوا أنه لا يدخلها ومنهم عين تطرف. وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: ما جئت محاربا لكم، إنما جئت معتمرا. قالوا: لا ندعك تدخل مكة على هذه الحالة فتستند لنا العرب وتعيرنا، ولكن اجعل بيننا وبينك هدنة لا تكون لغيرنا، فاتفقوا عليها. وقد نفذ ماء المسلمين وكظهم وبهائمهم العطش، فجئ بركوة فيها قليل من الماء، فأدخل يده فيها ففاضت الركوة، ونودي في العسكر: من أراد الماء فليأته. فسقوا واستقوا، وملاوا القرب. (2) 247 - ومنها: ما روى جابر، عن عمار بن ياسر أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله في
بعض غزواته، قال: فلما خرجنا من المدينة وتأخر عنا رسول الله صلى الله عليه وآله ثم أقبل خلفنا
(1) عنه البحار: 20 / 248 ح 17. وروى نحوه (قصة ارسال النبي صلى الله عليه وآله حذيفة بن اليمان إلى معسكر المشركين وظهور المعجزات) في دلائل النبوة: 3 / 449 - 455. وقطعات منه في صحيح مسلم: 3 / 1414 ح 99، ومستدرك الحاكم: 3 / 31، وفي سيرة ابن هشام: 3 / 186 - 187. وأخرجه في البداية والنهاية: 4 / 114 و 115، وفي السنن الكبرى: 9 / 149. (2) عنه البحار: 20 / 358 ح 8. تقدم نحوه في الحديث: 203.
[ 159 ]
فانتهى إلي وقد قام جملي وبرك في الطريق، وتخلفت عن الناس بسبب ذلك، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله عن راحلته فأخذ من الاداوة ماء في فمه، ثم رشه على الجمل، صاح به، فنهض كأنه ظبي، فقال لي: اركبه وسر عليه. فركبته وسرت مع رسول الله صلى الله عليه وآله فو الله ما كانت ناقة رسول الله العضباء تفوته. فقال لي صلى الله عليه وآله: يا عمار تبيعني الجمل ؟ قلت: هو لك يا رسول الله. قال صلى الله عليه وآله: لا إلا بثمن. قلت: تعطي من الثمن ما شئت. قال صلى الله عليه وآله: مائة درهم. قلت: قد بعتك. قال صلى الله عليه وآله: ولك ظهره إلى المدينة. فلما رجعنا ونزلنا المدينة حططت عنه رحلي، وأخذت بزمامه، فقدمته إلى باب دار رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: وفيت يا عمار. فقلت: الواجب هذا يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وآله: يا أنس ادفع إلى عمار مائة درهم ثمن الجمل، ورد عليه الجمل هدية منا إليه لينتفع به. (1) 248 - قال جابر: وكنا يوما جلوسا حوله صلى الله عليه وآله في مسجده فأخذ كفا من حصي
المسجد فنطقت الحصيات كلها في يده بالتسبيح، ثم قذف بها إلى موضعها في المسجد. (2) 249 - ومنها: أنه لما سار إلى خيبر أخذ أبو بكر الراية إلى باب الحصن فحاربهم فحملت اليهود فرجع منهزما يجبن أصحابه ويجبنونه. ولما كان من الغد أخذ عمر الراية وخرج، ثم رجع يجبن الناس (3). فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ما بال أقوام يرجعون منهزمين يجبنون أصحابهم ؟ ! أما لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه.
(1) عنه البحار: 17 / 411 ح 40. (2) عنه البحار: 17 / 411، وتقدم نحوه في ح 61. (3) " أصحابه " خ ل.
[ 160 ]
وكان علي عليه السلام أرمد العين، فتطاول جميع المهاجرين والانصار وقالوا: أما علي فإنه لا يبصر شيئا، لا سهلا ولا جبلا. فلما كان من الغد خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من الخيمة والراية في يده فركزها وقال: أين علي ؟ فقيل: يا رسول الله هو رمد معصوب العينين. قال: هاتوه إلي. فأتي به يقاد ففتح رسول الله صلى الله عليه وآله عينيه ثم تفل فيهما، فكأنما لم ترمدا قط. ثم قال: " اللهم أذهب عنه الحر والبرد " فكان علي يقول: ما وجدت بعد ذلك حرا ولا بردا في صيف ولا شتاء (1). ثم دفع إليه الراية ثم قال له: سر في المسلمين إلى باب الحصن، وادعهم إلى إحدى ثلاث خصال: إما أن يدخلوا في الاسلام، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وأموالهم لهم. وإما أن يذعنوا بالجزية والصلح، ولهم الذمة وأموالهم لهم. وإما الحرب. فإن هم اختاروا الحرب فحاربهم. فأخذها وسار بها والمسلمون خلفه حتى وافى باب الحصن فاستقبله حماة اليهود
وفي أولهم مرحب يهدر (2) كما يهدر البعير، فدعاهم إلى الاسلام فأبوا، ثم دعاهم إلى الذمة فأبوا، فحمل عليهم أمير المؤمنين عليه السلام فانهزموا بين يديه ودخلوا الحصن وردوا بابه. وكان الباب حجرا منقورا في صخر، والباب من الحجر في ذلك الصخر المنقور كأنه حجر رحى، وفي وسطه ثقب لطيف، فرمى أمير المؤمنين عليه السلام بقوسه من يده اليسرى، وجعل يده اليسرى في ذلك الثقب الذي في وسط الحجر دون اليمنى لان السيف كان في يده اليمنى، ثم جذبه إليه فانهار الصخر المنقور، وصار الباب في يده اليسرى، فحملت عليه اليهود، فجعل ذلك ترسا له، وحمل عليهم فضرب مرحبا، فقتله
(1) تقدمت قطعة الحديث هذه مع تخريجاتها في ص 57 ح 94، وذ ح 167. (2) الهدير: ترديد صوت البعير في الحنجرة.
[ 161 ]
وانهزم اليهود من بين يديه، فرمى عند ذلك بالحجر بيده اليسرى إلى خلفه، فمر الحجر - الذي هو الباب - على رؤوس الناس من المسلمين إلى أن وقع في آخر العسكر. وقال المسلمون: فذرعنا المسافة التي مضى فيها الباب فكانت: أربعين ذراعا، ثم اجتمعنا على ذلك الباب لنرفعه من الارض، وكنا أربعين رجلا حتى تهيأ لنا أن نرفعه قليلا من الارض. (1) 250 - ومنها: أنه لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله من خيبر راجعا إلى المدينة قال جابر: أشرفنا (2) على واد عظيم قد امتلا بالماء، فقاسوا عمقه برمح فلم يبلغ قعره، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وقال [: " اللهم أعطنا اليوم آية من آيات أنبيائك ورسلك " ثم ضرب الماء بقضيبه واستوى على راحلته ثم قال ]: سيروا خلفي (على اسم) (3) الله. فمضت راحلته على وجه الماء واتبعه الناس على رواحلهم ودوابهم، فلم تترطب أخفافها ولا حوافرها. (4) 251 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله لما أراد المسير إلى مكة لفتحها قال: " اللهم أعم
الاخبار عن قريش نبغتها في دارها " فعميت الاخبار عليهم. وكان حاطب بن أبي بلتعة قد أسلم وهاجر وكان أهله وولده بمكة، فقال قريش لهم: اكتبوا إلى حاطب كتابا سلوه أن يعرفنا خبر محمد. فكتبوا كتابا وبعثته قريش مع امرأة سرا، فكتب الجواب بأن محمدا صائر إليكم. ودفعه إلى المرأة وخرجت فقال عليه وآله السلام: إن الله أوحى إلي أن حاطبا قد كتب بخبرنا إلى مكة والكتاب حملته امرأة من حالها وصفتها... فمن يمضي خلفها فيرد الكتاب ؟ قال الزبير: أنا. قال صلى الله عليه وآله: يكون علي معك.
(1) عنه البحار: 21 / 28 ح 30. وللحديث مصادر جمة ذكر بعضها في إحقاق الحق: 5 / 368 - 468 وح 16 / 220 - 276. (2) " وصرنا " م. (3) " باسم " م. (4) عنه البحار: 21 / 30 ح 31، واثبات الهداة: 2 / 117 ح 518.
[ 162 ]
فخرجا فلحقاها في الطريق، فقالا: أين الكتاب ؟ قالت: ما معي. ورميت إليهما كل ما كان معها، فقال الزبير: ما معها كتاب. قال علي عليه السلام: ما كذب رسول الله، ولا كذب الله، وجرد سيفه، فقال: لتخرجن الكتاب أو لاقتلنك. فأخرجته من شعر رأسها. فأنزل الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) * (1). (2) 252 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله خرج قاصدا مكة في عشرة آلاف فارس من المسلمين، فلم يشعر أهل مكة حتى نزل تحت العقبة، وكان أبو سفيان وعكرمة بن أبي جهل خرجا إلى العقبة يتجسسان خبرا، ونظرا إلى النيران فاستعظما، فلم يعلما لمن النيران، وكان العباس قد خرج من مكة مستقبلا إلى المدينة، فرده رسول الله صلى الله عليه وآله معه. والصحيح أنه منذ يوم بدر كان بالمدينة. فلما نزل تحت العقبة ركب العباس بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وصار إلى العقبة طمعا
أن يجد من أهل مكة من ينذرهم، إذ سمع كلام أبي سفيان يقول لعكرمة: ما هذه النيران ؟ فصاح العباس إلى أبي سفيان، فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل ما هذه النيران ؟ قال: نيران عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال أبو سفيان: هذا محمد ! ! فقال العباس: يا أبا سفيان نعم هذا رسول الله. قال: ما ترى لي أن أصنع ؟ قال: تركب خلفي فأصير بك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فآخذ لك الامان. قال: وتراه يؤمنني ؟ قال: نعم، فإني إذا سألته شيئا لم يردني. فركب أبو سفيان خلفه وانصرف عكرمة إلى مكة، فصار العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله
(1) سورة الممتحنة: 1. (2) عنه البحار: 21 / 112 ح 5، وج 75 / 388 ح 1 وعن تفسير القمى: 674. وتقدم مثله في ح 101. وذكر بعض مصادر الحديث في إحقاق الحق: 8 / 368.
[ 163 ]
فقال العباس: هذا أبو سفيان صار معي إليك فتؤمنه بسببي. فقال صلى الله عليه وآله: أسلم تسلم يا أبا سفيان. فقال: يا أبا القاسم ما أكرمك وأحلمك. قال صلى الله عليه وآله: أسلم تسلم. قال: ما أكرمك [ وأحلمك ]. قال صلى الله عليه وآله: أسلم تسلم. فوكزه العباس: ويلك إن قالها الرابعة ولم تسلم قتلك، فقال صلى الله عليه وآله: خذه يا عم إلى خيمتك. وكانت قريبة، فلما جلس في الخيمة ندم على مجيئه مع العباس، وقال في نفسه: من فعل بنفسه مثل ما فعلت أنا ؟ جئت فأعطيت بيدي ولو كنت انصرفت إلى مكة فجمعت الاحابيش (1) وغيرهم فلعلي كنت أهزمه. فناداه رسول الله صلى الله عليه وآله من خيمته فقال: " إذا كان الله يخزيك " فجاء العباس فقال: يريد أبو سفيان أن يجيئك يا رسول الله. قال صلى الله عليه وآله: هاته.
فلما دخل قال صلى الله عليه وآله: ألم يأن [ لك ] أن تسلم ؟ فقال له العباس: قل، وإلا فيقتلك. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله فضحك صلى الله عليه وآله فقال: رده إلى عندك. فقال العباس: إن أبا سفيان يحب الشرف فشرفه. قال صلى الله عليه وآله: " من دخل داره فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ". فلما صلى بالناس الغداة قال للعباس: خذه إلى رأس العقبة فأقعده هناك لتراه جنود الله، ويراها. فقال أبو سفيان: ما أعظم ملك ابن أخيك ؟ ! قال العباس: إنما هي النبوة. قال: نعم. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تقدم إلى مكة فأعلمهم بالامان. فلما دخلها قالت هند: اقتلوا هذا الشيخ الضال. ودخل النبي صلى الله عليه وآله مكة، وكان وقت الظهر، فأمر بلالا، فصعد على ظهر الكعبة فأذن، فما بقي صنم بمكة إلا سقط على وجهه، فلما سمع وجوه قريش الاذان قال
(1) هم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشا. والتحبش: التجمع. وقيل حالفوا قريشا تحت جبل يسمى حبشيا - بضم الحاء - فسموا بذلك. النهاية: 1 / 330
[ 164 ]
بعضهم في نفسه: الدخول في بطن الارض خير من سماع هذا. وقال آخر: الحمد لله الذي (1) لم يعش والدي إلى هذا اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فلان قد قلت في نفسك كذا، ويا فلان قلت في نفسك كذا. فقال أبو سفيان: أنت تعلم أني لم أقل شيئا. قال صلى الله عليه وآله: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعملون ". (2) 253 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله لما سار إلى خيبر كانوا قد جمعوا خلفاءهم من العرب من غطفان أربعة آلاف فارس، فلما نزل صلى الله عليه وآله بخيبر سمعت غطفان صائحا يصيح في تلك الليلة: يا معشر غطفان، الحقوا حيكم، فقد خولفتم إليهم.
وركبوا من ليلتهم وصاروا إلى حيهم من الغد، فوجدوهم سالمين قالوا: فعلمنا أن ذلك من قبل الله ليظفر محمد بيهود خيبر. [ فنزل صلى الله عليه وآله تحت الشجرة، فلما انتصف النهار نادى مناديه، قالوا: فاجتمعنا إليه فإذا عنده رجل جالس فقال: عليكم هذا، جاءني وأنا نائم وسل سيفي، وقال: من يمنعك مني ؟ قلت: الله يمنعني منك، فصار كما ترون لا حراك به. فقال صلى الله عليه وآله: دعوه. ولم يعاقبه ]. ولما فتح علي عليه السلام حصن خيبر الاعلى بقيت لهم قلعة، فيها جميع أموالهم ومأكولهم، ولم يكن عليها حرب من وجه من الوجوه، نزل رسول الله صلى الله عليه وآله عليها محاصرا لمن فيها، فصار إليه يهودي منهم فقال: يا محمد تؤمنني على نفسي وأهلي وولدي حتى أدلك على فتح القلعة ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله: أنت آمن، فما دلالتك ؟
(1) " حين " م. (2) عنه البحار: 21 / 118 ح 17، وفي مستدرك الوسائل: 1 / 252 ح 8 (ط. الحجر) قطعة. وتقدمت قطعة منه في ذ ح 158.
[ 165 ]
قال: تأمر أن يحفر هذا الموضع، فإنهم يصيرون إلى ماء أهل القلعة فيخرج ويبقون بغير ما، فيسلمون إليك القلعة طوعا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أو يحدث الله غير هذا وقد أمناك ؟ فلما كان من الغد ركب رسول الله صلى الله عليه وآله بغلته وقال للمسلمين: إتبعوني. وسار نحو القلعة وأقبلت السهام والحجارة نحوه وهي تمر عن يمنته ويسرته فلا يصيبه ولا أحدا من المسلمين شئ منها حتى وصل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى باب القلعة. فأشار بيده إلى حائطها، فانخفض الحائط حتى صار مع الارض وقال للناس:
ادخلوا القلعة من رأس الحائط بغير كلفة. (1) 254 - ومنها: ما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عليا عليه السلام يوما في حاجة له، فانصرف إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو في حجرتي، فلما دخل علي من باب الحجرة استقبله رسول الله صلى الله عليه وآله إلى وسط واسع [ من ] الحجرة فعانقه، وأظلتهما غمامة سترتهما عني، ثم زالت عنهما الغمامة، فرأيت في يد رسول الله صلى الله عليه وآله عنقود عنب أبيض وهو يأكل ويطعم عليا. فقلت: يا رسول الله تأكل وتطعم عليا ولا تطعمني ؟ قال: إن هذا من ثمار الجنة لا يأكله إلا نبي أو وصي نبي في الدنيا. (2) 255 - ومنها: أن نبي الله صلى الله عليه وآله لما بنى مسجده كان فيه جذع نخل إلى جانب المحراب يابس عتيق، إذا خطب يستند إليه، فلما اتخذ له المنبر وصعده حن ذلك الجذع [ كحنين الناقة إلى فصيلها ]، فنزل [ رسول الله صلى الله عليه وآله ] فاحتضنه [ فسكن من الحنين ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله ]. ويسمى " الحنانة ".
إلى أن هدم بنو أمية المسجد وجددوا بناءه، فقطعوا الجذع. (1) 256 - ومنها: أنه لما بعث النبي صلى الله عليه وآله عسكرا إلى مؤتة ولى عليهم زيد بن حارثة ودفع الراية إليه، وقال: " إن قتل زيد فالوالي عليكم جعفر بن أبي طالب فإن قتل جعفر فالوالي عليكم عبد الله بن رواحة الانصاري " وسكت. فلما ساروا، وقد حضر هذا الترتيب في الولاية من رسول الله صلى الله عليه وآله رجل من اليهود فقال اليهودي: إن كان محمد نبيا كما يقول سيقتل هؤلاء الثلاثة. فقيل له: لم قلت هذا ؟ قال: لان أنبياء بني إسرائيل كانوا إذا بعث نبي منهم بعثا في الجهاد فقال: إن قتل
فلان فالوالي عليكم بعده فلان، فإن سمى للولاية كذلك اثنين أو مائة أو أقل أو أكثر قتل جميع من ذكر فيهم الولايات. قال جابر: فلما كان اليوم الذي وقعت فيه حربهم صلى النبي صلى الله عليه وآله بنا الغداة (2) ثم صعد المنبر فقال: " قد التقى إخوانكم مع المشركين للمحاربة " فأقبل يحدثنا بكرات بعضهم على بعض إلى أن قال: " قتل زيد وسقطت الراية ". ثم قال: " قد أخذها جعفر بن أبي طالب وتقدم للحرب بها ". ثم قال: " قد قطعت يده وقد أخذ الراية بيده الاخرى ". ثم قال: " وقطعت يده الاخرى وقد احتضن الراية في صدره ". ثم قال: " قتل جعفر وسقطت الراية، ثم أخذها عبد الله بن رواحة وقد قتل من المشركين كذا، وقتل من المسلمين فلان وفلان " إلى أن ذكر جميع من قتل من المسلمين بأسمائهم. ثم قال: " قتل عبد الله بن رواحة، وأخذ الراية خالد بن الوليد وانصرف المسلمون ". ثم نزل عن المنبر وصار إلى دار جعفر، فدعا عبد الله بن جعفر فأقعده في حجره
(1) عنه البحار: 17 / 365 ح 6، وتقدم مثله في ص 26 ح 10. (2) " صلاة الفجر " ط، ه. " الفجر " البحار.
[ 167 ]
وجعل يمسح على رأسه. فقالت والدته أسماء بنت عميس: يا رسول الله إنك لتمسح على رأسه كأنه يتيم. قال: قد استشهد جعفر في هذا اليوم. ودمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: قطعت يداه قبل أن يستشهد (1) وقد أبدله الله من يديه جناحين من زمرد أخضر، فهو الآن يطير بهما في الجنة مع الملائكة كيف يشاء. (2) 257 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله لما بعث سرية ذات السلاسل عقد الراية وسار
بها أبو بكر حتى إذا صار بها بقرب المشركين اتصل بهم خبرهم، فتحرزوا، و لم يصل المسلمون إليهم. فأخذها عمر، وخرج مع السرية فاتصل بهم خبرهم فتحرزوا، ولم يصل المسلمون إليهم. فأخذ الراية عمرو بن العاص فخرج مع السرية وانهزموا أيضا. فعقد صلى الله عليه وآله الراية لعلي عليه السلام وضمهم إليه، ومن كان في تلك السرية. وكان المشركون قد أقاموا رقباء على جبالهم: ينظرون إلى كل عسكر يخرج إليهم من المدينة على الجادة فيأخذون حذرهم واستعدادهم. فلما خرج علي عليه السلام ترك الجادة وأخذ بالسرية في الاودية بين الجبال. فلما رأى عمرو بن العاص قد فعل علي ذلك علم أنه سيظفر بهم، فحسده فقال لابي بكر وعمر، ووجوه السرية: إن عليا رجل غر لا خبرة له بهذه المسالك ونحن أعرف بها منه، وهذا الطريق الذي توجه فيه كثير السباع، وسيلقى الناس من معرتها أشد ما يحاذرونه من العدو، فاسألوه أن يرجع عنه إلى الجادة. فعرفوا أمير المؤمنين عليه السلام ذلك، قال: من كان طائعا لله ولرسوله منكم فليتبعني، ومن أراد
(1) " استشهد " م. (2) عنه البحار: 21 / 53 ح 3. وتقدم مختصرا مع ذكر تخريجاته في ح 198.
[ 168 ]
الخلاف على الله ورسوله فلينصرف عني. فسكتوا وساروا معه. فكان يسير بهم بين الجبال بالليل ويكمن في الاودية بالنهار وصارت السباع التي فيها كالسنانير (1) إلى أن كبس المشركين وهم غارون (2) آمنون وقت الصبح، فظفر بالرجال والذراري والاموال، فحاز ذلك كله، وشد الرجال في الحبال كالسلاسل، فلذلك سميت " غزاة ذات السلاسل ".
فلما كانت الصبيحة التي أغار فيها أمير المؤمنين عليه السلام على العدو - ومن المدينة إلى هناك خمس مراحل - خرج النبي صلى الله عليه وآله وصلى بالناس الفجر، وقرأ * (والعاديات) * في الركعة الاولى، وقال: " هذه سورة أنزلها الله علي في هذا الوقت يخبرني فيها باغارة علي على العدو ". وجعل حسده (2) لعلي حسدا له فقال: * (إن الانسان لربه لكنود) * (4) والكنود: الحسود، وهو عمرو بن العاص ههنا، إذ هو كان يحب الخير، وهو الحياة حين أظهر الخوف من السباع ثم هدده الله تعالى. (5) 258 - ومنها: أن جابرا قال: إن الحكم بن أبي العاص عم عثمان بن عفان كان يستهزئ من رسول الله بخطوته في مشيته، ويسخر منه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله [ يمشي ] يوما والحكم خلفه يحرك كتفيه ويكسر يديه خلف رسول الله إستهزاءا منه بمشيته صلى الله عليه وآله فأشار رسول الله صلى الله عليه وآله بيده وقال: هكذا فكن. فبقي الحكم على تلك الحال من تحريك أكتافه وتكسير يديه، ثم نفاه عن المدينة ولعنه، فكان مطرودا إلى أيام عثمان فرده إلى المدينة [ وأكرمه ]. (6)
(1) واحدها: السنور وهو الهر. (2) ومنه الحديث: " أنه أغار على بني المصطلق وهم غارون " أي غافلون. النهاية: 3 / 355. (3) أي حسد عمرو بن العاص. (4) سورة العاديات: 6. (5) عنه البحار: 21 / 76 ح 4. وأشار إليه في إثبات الهداة: 2 / 118 ح 119. (6) عنه البحار: 18 / 59 ح 17، واثبات الهداة: 2 / 118 ح 520.
[ 169 ]
259 - ومنها: أنه لما غزا تبوك كان معه من المسلمين خمسة وعشرون ألفا سوى خدمهم، فمر صلى الله عليه وآله في مسيره بجبل يرشح الماء من أعلاه إلى أسفله من غير سيلان، فقالوا: ما أعجب رشح هذا الجبل ؟ !
فقال صلى الله عليه وآله: إنه يبكي. قالوا: والجبل يبكي ؟ ! قال صلى الله عليه وآله: أتحيون أن تعلموا ذلك ؟ قالوا: نعم. قال صلى الله عليه وآله: أيها الجبل مم بكاؤك ؟ فأجابه الجبل وقد سمعه الجماعة بلسان (1) فصيح: يا رسول الله صلى الله عليه وآله مر بي عيسى ابن مريم وهو يتلو: * (نارا وقودها الناس والحجارة) * (2) فأنا أبكي منذ ذلك اليوم خوفا من أن أكون من تلك الحجارة. فقال صلى الله عليه وآله: أسكن من بكائك (3) فلست منها إنما تلك الحجارة " الكبريت ". فجف ذلك الرشح من الجبل في الوقت، حتى لم ير شئ من ذلك الرشح، ومن تلك الرطوبة التي كانت. (4) 260 - ومنها: أنه لما صار بتبوك واختلف الرسل بين رسول الله صلى الله عليه وآله وملك الروم فطالت في ذلك الايام حتى نفد الزاد فشكوا إليه نفاده، فقال صلى الله عليه وآله: من كان معه شئ من الدقيق أو تمر، أو سويق فليأتني. فجاءه رجل (5) بكف تمر، والآخر بكف سويق، فبسط رداءه، وجعل ذلك عليه ووضع يده على كل واحد منها، ثم قال: نادوا في الناس: من أراد الزاد فليأت. فأقبل الناس يأخذون الدقيق والتمر والسويق حتى ملاوا جميع ما كان معهم من
(1) " بكلام " م. (2) سوره التحريم: 66. (3) " مكانك " البحار. (4) عنه البحار: 8 / 297 ح 50، وج 17 / 364 ح 5، وج 21 / 234 ح 3، واثبات الهداة: 2 / 118 ح 521. (5) " فجاء أحد بدقيق، ولا اخر " البحار.
[ 170 ]
الاوعية، وذلك الدقيق والتمر والسويق على حاله ما نقص من واحد منها شئ ولا زاد على ما كان.
ثم سار إلى المدينة فنزل يوما على واد كان يعرف فيه الماء فيما تقدم، فوجدوه يابسا لا ماء فيه، فقالوا: ليس في الوادي ماء يا رسول الله صلى الله عليه وآله. فأخرج سهما من كنانته فقال لرجل: خذه فانصبه في أعلى الوادي. فنصبه حيث أمر النبي صلى الله عليه وآله، فتفجرت من حول السهم اثنتا عشرة عينا تجري في الوادي من أعلاه إلى أسفله وارتووا (1) وملاوا القرب. (2)
(1) " ورووا المسلمون " م. (2) عنه البحار: 21 / 235 ح 14، وأشار إليه في إثبات الهداة: 2 / 113. وتقدم صدر الحديث في ص 28 ح 15، وذيله في ح 16 مع التخريجات.
[ 171 ]
الباب الثاني في معجزات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام 1 - ومنها: عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام أن العباس بن عبد المطلب ونوفل بن قعنب كانا جالسين ما بين بني هاشم إلى فريق عبد العزى بازاء بيت الله، إذ أتت فاطمة بنت أسد، فوقفت، وقد أخذها الطلق، ودعت. قالا: رأينا البيت وقد انفتح عن ظهره، فدخلت وغابت عن أبصارنا، وانغلق الباب ثم عادت الفتحة، ثم التزقت، فرمنا أن نفتح الباب لتصل إليها بعض نسائنا فما انفتح فعلمنا أن ذلك أمر من الله. فبقيت فاطمة في البيت ثلاثة أيام، وأهل مكة يتحدثون بذلك. ثم انفتح البيت من الموضع الذي دخلت فيه، فخرجت وعلي عليه السلام على يدها فقالت: كنت آكل من ثمار الجنة في ثلاثة أيام. فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله قال: السلام عليك يا رسول الله. وضحك في وجهه. ووضع النبي صلى الله عليه وآله لسانه في فيه فانفجرت اثنتا عشر عينا. (1)
(1) رواه مفصلا في علل الشرائع: 135 ح 3، ومعاني الاخبار: 62 ح 1، وأمالي الصدوق: 114 ح 9، بإسناده إلى سعيد بن جبير عن يزيد بن قعنب، عنه البحار: 35 / 8 ح 11 وعن روضة الواعظين: 150 مرسلا. ورواه في بشارة المصطفى: 7 بإسناده إلى الشيخ الصدوق، عنه كشف الغمة: 1 / 60 وكشف اليقين: 6، وكشف الحق للعلامة الحلي - عنهما البحار المذكور ص 9 -، والدهلوي في تجهيز الجيش: 110 (مخطوط) عنه إحقاق الحق: 5 / 56.
[ 172 ]
2 - ومنها: ما روي عن الثمالي، عن رميلة - وكان ممن صحب عليا عليه السلام - قال:... وصار إليه نفر من أصحابه فقالوا: إن وصي موسى كان يريهم الدلائل والعلامات والبراهين والمعجزات، وكان وصي عيسى يريهم كذلك. فلو أريتنا شيئا تطمئن إليه وبه قلوبنا ؟ قال: إنكم لا تحتملون علم العالم ولا تقوون على براهينه وآياته. وألحوا عليه. فخرج بهم نحو أبيات الهجريين حتى أشرف بهم على السبخة، فدعا خفيا، ثم قال: اكشفي غطاءك. فإذا بجنات وأنهار في جانب، وإذا بسعير ونيران من جانب. فقال جماعة: سحر، سحر. وثبت آخرون على التصديق ولم ينكروا مثلهم، وقالوا: لقد قال النبي صلى الله عليه وآله: " القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار " (1). (2) 3 - ومنها: أنه اختصم رجل وامرأة إليه، فعلا صوت الرجل على المرأة فقال له علي عليه السلام: إخسأ - وكان خارجيا - فإذا رأسه رأس كلب، فقال رجل: يا أمير المؤمنين صحت بهذا الخارجي فصار رأسه رأس كلب فما يمنعك عن معاوية ؟ فقال: ويحك لو أشاء أن آتي بمعاوية إلى ها هنا على سريره لدعوت الله حتى فعل. ولكنا لله خزان. لا على ذهب، ولا فضة، ولا إنكار على أسرار تدبير الله.
أما تقرأ * (بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) * (3). وفي رواية: قال: إنما أدعوا هؤلاء لثبوت الحجة، وكمال المحنة، ولو أذن
(1) رواه في الخصال: 119 ضمن ح 1، بإسناده إلى الزهري، عن علي بن الحسين عليه السلام عنه البحار: 78 / 148 ضمن ح 10. وأورده الراوندي في الدعوات: 244 ذ ح 691، عنه البحار: 82 / 173. (2) عنه البحار: 41 / 248 ح 2، واثبات الهداة: 4 / 544 ح 188، ومدينة المعاجز: 199 ح 547. (3) سورة الانبياء: 26 و 27.
[ 173 ]
في الدعاء بهلاك معاوية لما تأخر. (1) 4 - ومنها: أن الباقر عليه السلام قال: شكا أهل الكوفة إلى علي عليه السلام زيادة الفرات فركب هو والحسن والحسين عليهما السلام فوقف على الفرات، وقد ارتفع الماء على جانبيه فضربه بقضيب رسول الله صلى الله عليه وآله فنقص ذراع، وضربه أخرى فنقص ذراعان. فقالوا: يا أمير المؤمنين لو زدتنا ؟ فقال: إني سألت الله فأعطاني ما رأيتم، وأكره أن أكون عبدا ملحا. (2) 5 - ومنها: أن الصادق عليه السلام قال: كان قوم من بني مخزوم لهم خؤولة (3) مع علي عليه السلام فأتاه شاب منهم يوما فقال: يا خال مات ترب (4) لي فحزنت عليه حزنا شديدا. قال: فتحب أن تراه ؟ قال: نعم. قال: فانطلق بنا إلى قبره. فدعا الله وقال: قم يا فلان باذن الله. فإذا الميت جالس على رأس القبر وهو يقول " ونيه، ونيه، شالا " معناه: لبيك لبيك سيدنا. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما هذا اللسان ألم تمت وأنت رجل من العرب ؟ قال: نعم، ولكني مت على ولاية فلان وفلان، فانقلب لساني إلى ألسنة أهل النار. (5)
(1) عنه البحار: 41 / 191 ح 1، واثبات الهداة: 4 / 544 ح 189، ومدينة المعاجز: 199 ح 548.
وأورده في ثاقب المناقب: 210 عن جابر الجعفي، عن الباقر عليه السلام. وأخرجه الحنفي الترمذي في المناقب المرتضوية: 315 عن كتاب مفاتيح الغيوب مرسلا عنه إحقاق الحق: 8 / 757. (2) عنه البحار: 41 / 239 ح 3. وأورده المسعودي في إثبات الوصية: 148 مرسلا. وأخرجه في إثبات الهداة: 5 / 32 ح 270 عن مطالب السؤول مختصرا. (3) جمع خال، وهو أخو الام. (4) الترب - بكسر التاء وسكون الراء -: الصديق أو من ولد مع الانسان، وبتعبير آخر: من كان على سنه، وفي عمره. جمعها أتراب. (5) عنه البحار: 41 / 192 ح 2. ورواه الصفار في بصائر الدجارت: 273 ح 3 عن سلمة =
[ 174 ]
6 - ومنها: ما روي عن الباقر عليه السلام: أن عليا مر يوما في أزقة الكوفة، فانتهى إلى رجل قد حمل جريثا (1) فقال: أنظروا إلى هذا الرجل قد حمل إسرائيليا. فأنكر الرجل وقال: متى صار الجريث إسرائيليا ؟ ! فقال علي عليه السلام: أما إنه إذا كان اليوم الخامس إرتفع لهذا الرجل من صدغه دخان فيموت مكانه. فأصابه في اليوم الخامس ذلك فمات، فحمل إلى قبره. فلما دفن جاء أمير المؤمنين عليه السلام مع جماعة إلى قبره فدعا الله، ثم رفسه برجله فإذا الرجل قائم بين يديه، وهو يقول: " الراد على علي كالراد على الله، وعلى رسوله ". وقال له: عد في قبرك. فعاد فيه، فانطبق القبر عليه. (2) 7 - ومنها: ما روي عن رميلة أن عليا عليه السلام مر برجل يخيط وهو يغني. فقال له: يا شاب لو قرأت القرآن لكان خيرا لك. فقال: إني لا أحسنه، ولوددت أني أحسن منه شيئا.
= ابن الخطاب، عن عبد الله بن محمد، عن عبد الله بن القاسم، عن عيسى شلقان، عن الصادق عليه السلام، عنه البحار: 6 / 230 ح 39، وج 41 / 195 ح 8. ورواه في الكافي: 1 / 456 ح 7 عن محمد بن يحيى، عن سلمة، عنه مدينة المعاجز: 36 ح 53. وأخرجه في اثبات الهداة: 4 / 440 ح 12 عنه وعن البصائر. ورواه الخصيبى في الهداية الكبرى: 159 باسناده إلى المفضل بن عمر، عن الصادق عليه السلام. وأورده في ارشاد القلوب: 284، وثاقب المناقب: 193 عن الصادق عليه السلام. (1) ضرب من السمك معروف يشبه الحيات، ويسمى أيضا: الجري، ويقال له بالفارسية " مار ماهى " أي: حية السمك. (2) عنه البحار: 41 / 192 ح 3. ورواه الشيخ محمد بن علي العاملي في تحفة الطالب عن الباقر عليه السلام: عنه اثبات الهداة: 5 / 21 ح 335. وأورده في ثاقب المناقب: 127: ومدينة المعاجز: 40 ح 67 عنه عليه السلام.
[ 175 ]
فقال: أدن مني. فدنا منه فتكلم في أذنه بشئ خفي، فصور الله القرآن كله في قلبه، يحفظه كله. (1) 8 - ومنها: ما روي عن علي بن أبي حمزة، عن علي بن الحسين، عن أبيه عليهم السلام قال: كان علي عليه السلام ينادي: من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وآله عدة أو دين فليأتني. فكان [ كل ] من أتاه يطلب دينا، أو عدة يرفع مصلاه، فيجد ذلك كذلك تحته فيدفعه إليه. فقال الثاني للاول: ذهب هذا بشرف الدنيا في هذا دوننا، فما الحيلة ؟ فقال: لعلك لو ناديت كما نادى هو كنت تجد ذلك كما يجد هو، إذ كان، إنما يقضي عن رسول الله صلى الله عليه وآله. فنادى أبو بكر كذلك، فعرف أمير المؤمنين عليه السلام الحال فقال: أما إنه سيندم على ما فعل.
فلما كان من الغد أتاه أعرابي وهو جالس في جماعة من المهاجرين والانصار فقال: أيكم وصي رسول الله ؟ فاشير إلى أبي بكر. فقال: أنت وصي رسول الله وخليفته ؟ قال: نعم، فما تشاء ؟ قال: فهلم الثمانين الناقة التي ضمن لي رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: وما هذه النوق ؟ قال: ضمن لي رسول الله صلى الله عليه وآله ثمانين ناقة حمراء، كحل العيون. فقال لعمر: كيف نصنع الآن ؟ قال: إن الاعراب جهال، فاسأله: ألك شهود بما تقوله فتطلبهم منه [ فقال أبو بكر للاعرابي: ألك شهود بما تقول ؟ ]. قال: ومثلي يطلب [ منه ] الشهود على رسول الله صلى الله عليه وآله بما يضمن لي (2) ؟ والله ما أنت بوصي رسول الله ولا خليفته. فقام إليه سلمان فقال: يا أعرابي اتبعني حتى أدلك على وصي رسول الله صلى الله عليه وآله
(1) عنه البحار: 42 / 17 ح 1، ومدينة المعاجز: 95 ح 239. (2) " يتضمنه " م والبحار.
[ 176 ]
فتبعه الاعرابي حتى إنتهى إلى علي عليه السلام فقال: أنت وصي رسول الله ؟ قال: نعم فما تشاء ؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله ضمن لي ثمانين ناقة حمراء، كحل العيون فهلمها. (1) فقال له علي عليه السلام: أسلمت أنت وأهل بيتك ؟ فانكب الاعرابي على يديه يقبلهما وهو يقول: أشهد أنك وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وخليفته، فبهذا وقع الشرط بيني وبينه (2) وقد أسلمنا جميعا. فقال علي عليه السلام: يا حسن انطلق أنت وسلمان مع هذا الاعرابي إلى وادي فلان فناد: " يا صالح، يا صالح ". فإذا أجابك فقل: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: هلم الثمانين ناقة (3) التي ضمنها رسول الله صلى الله عليه وآله لهذا الاعرابي. قال سلمان: فمضينا إلى الوادي فنادى الحسن فأجابه: لبيك يا بن رسول الله.
فأدى إليه رسالة أمير المؤمنين عليه السلام فقال: السمع والطاعة. فلم يلبث أن خرج إلينا زمام ناقة من الارض، فأخذ الحسن عليه السلام الزمام (4) فناوله الاعرابي وقال: خذ. فجعلت النوق تخرج حتى كملت (5) الثمانون على الصفة. (6) 9 - ومنها: أن زاذان وجماعة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام قالوا: كنا معه عليه السلام بصفين، فلما أن صاف معاوية، أتاه رجل من ميمنته فقال: يا أمير المؤمنين في ميمنتك خلل. قال: إرجع إلى مقامك. فرجع.
(1) " فهاتها " ط. (2) " وبين رسول الله صلى الله عليه وآله " ط وه. (3) " النوق " م. (4) " زمامها " ط وه. (5) " تم " م. (6) عنه البحار: 41 / 192 ح 4، واثبات الهداة: 4 / 545 ح 190، وغاية المرام: 665 باب 128 ح 1، ومدينة المعاجز: 86 ح 221. ورواه في الهداية الكبرى: 153، وارشاد القلوب: 279 بإسنادهما إلى جابر الجعفي عن الباقر عليه السلام. وأخرجه في اثبات الهداة: 5 / 22 ح 336 عن تحفة الطالب.
[ 177 ]
ثم أتاه ثانية، فقال: يا أمير المؤمنين في ميمنتك خلل. قال: ارجع إلى مقامك. فرجع. (ثم أتاه ثالثة) (1) كأن الارض لا تحمله، فقال: يا أمير المؤمنين في ميمنتك خلل. فقال عليه السلام: قف. فوقف، فقال أمير المؤمنين: علي بمالك الاشتر، فقال عليه السلام: يا مالك. قال: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: ترى ميسرة معاوية ؟ قال: نعم. قال: ترى صاحب الفرس المعلم ؟ قال: نعم. قال: الذي عليه الاحمر ؟ قال: نعم. قال: انطلق فأتني برأسه. فخرج مالك، فدنا منه وضربه فسقط رأسه. ثم تناوله به إلى أمير المؤمنين
فألقاه بين يديه، فأقبل علي عليه السلام على الرجل فقال (2): نشدتك الله هل كنت نظرت إلى هذا فرأيته وحليته، وهو ملا قلبك فرأيت الخلل في أصحابك ؟ قال: اللهم نعم. فأقبل [ علي ] علينا ونحن حوله، فقال: أخبرني بهذا رسول الله صلى الله عليه وآله أفترونه بقي بعد هذا شئ ؟ ثم قال للرجل: ارجع إلى مقامك. (3) 10 - ومنها: ما روى أبو حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قرئ (4) عند أمير المؤمنين عليه السلام * (إذا زلزلت الارض زلزالها) * إلى أن بلغ قوله * (وقال الانسان مالها يومئذ تحدث أخبارها) * (5). قال: أنا الانسان، وإياي تحدث أخبارها. فقال له ابن الكواء: يا أمير المؤمنين * (وعلى الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) * (6) قال: نحن الاعراف نعرف أنصارنا بسيماهم. ونحن أصحاب الاعراف نوقف بين الجنة والنار، فلا يدخل الجنة إلا من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النار إلا من أنكرنا وأنكرناه. وكان علي عليه السلام يخاطبه بويحك، وكان يتشيع، فلما كان يوم النهروان
(1) " ثانية " م. (2) " فأقبل الرجل على علي عليه السلام فقال " م. (3) عنه البحار: 8 / 530 ط. حجر. (4) " قرئت " بحار. (5) سور الزلزال: 1 - 4. (6) سورة الاعراف: 46.
[ 178 ]
قاتل عليا عليه السلام ابن الكواء. وجاءه عليه السلام رجل فقال: إني لاحبك، فقال [ أمير المؤمنين عليه السلام ] (1): كذبت. فقال الرجل: سبحان الله كأنك تعلم ما في قلبي ! وجاءه آخر فقال: إني أحبكم أهل البيت - وكان فيه لين - فأثنى عليه عنده. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: كذبتم لا يحبنا مخنث، ولا ديوث، ولا ولد زنا، ولا
من حملت به أمه في حيضها. فذهب الرجل، فلما كان يوم صفين قتل مع معاوية. (2) 11 - ومنها ما روي عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق السبيعي، عمرو بن الحمق قال: دخلت على علي عليه السلام حين ضرب الضربة بالكوفة. فقلت: ليس عليك بأس، إنما هو خدش. قال: لعمري إني لمفارقكم، ثم قال لي: إلى السبعين بلاء - قالها ثلاثا -. قلت: فهل بعد البلاء رخاء ؟ فلم يجبني وأغمي عليه، فبكت أم كلثوم، فلما أفاق قال: لا تؤذيني يا أم كلثوم، فإنك لو ترين ما أرى لم تبك، إن الملائكة من السماوات السبع بعضهم خلف بعض، والنبيين يقولون لي: انطلق يا علي فما أمامك خير لك مما أنت فيه. فقلت: يا أمير المؤمنين إنك قلت: " إلى السبعين بلاء " فهل بعد السبعين رخاء ؟ قال: نعم وإن بعد البلاء رخاء * (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) * (3) قال أبو حمزة: قلت لابي جعفر عليه السلام: إن عليا عليه السلام قال: " إلى السبعين بلاء " و كان يقول: " بعد السبعين رخاء " وقد مضت السبعون، ولم نر رخاء ! فقال أبو جعفر عليه السلام: يا ثابت إن الله قد كان وقت هذا الامر في السبعين، فلما
(1) من البحار. (2) عنه البحار: 42 / 17 ح 2، ومدينة المعاجز: 125 ح 349، واثبات الهداة: 4 / 545 ح 191، قطعة. (3) سورة الرعد: 39.
[ 179 ]
قتل الحسين عليه السلام [ اشتد ] غضب الله على أهل الارض، فأخره الله إلى الاربعين ومائة سنة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، وكشفتم القناع، قناع السر (1)، فأخره الله ولم يجعل له بعد ذلك وقتا (2) * (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) *. قال أبو حمزة: قلت لابي عبد الله عليه السلام ذلك، فقال: قد كان ذلك.
[ وكذلك قال أحدهم عليهم السلام: كذب الوقاتون ] (3). (4) 12 - ومنها: ما روي عن مقرن [ قال ]: دخلنا جماعة على أبي عبد الله عليه السلام فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لام سلمة: إذا جاء أخي فمريه أن يملا هذه الشكوة (5) من الماء ويلحقني بها بين الجبلين ومعه سيفه. فلما جاء علي عليه السلام قالت له: قال أخوك: املا هذه الشكوة من الماء وألحقني بها بين الجبلين. قالت: فملاها وانطلق حتى إذا دخل بين الجبلين استقبله طريقان فلم يدر في أيهما يأخذ، فرأى راعيا على الجبل فقال: يا راعي هل مر بك رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال الراعي: ما لله من رسول ! فأخذ علي عليه السلام جندلة (6) فصرخ الراعي، فإذا
(1) " وكشفتم قناع الستر " ط، ه. (2) أضاف في م، ه " عند الله ". (3) من حاشية نسخة م. (4) رواه العياشي في تفسيره: 2 / 217 ح 68، وص 218 ح 69، عنه البحار: 4 / 119 ح 60، وص 120 ح 61، والكليني في الكافي: 1 / 368 ح 1 ذيله، والنعماني في غيبته: 293 ح 10 ذيله، والمسعودي في اثبات الوصية: 151 صدره، والطوسي في غيبته: 263 ذيله، عنه البحار: 4 / 114 ح 39، وج 52 / 105 ح 11، المستدرك: 12 / 300 ح 34 ذيله، بأسانيدهم عن عمر بن الحمق. ورواه ابن الاثير الجزري في أسد الغابة: 4 / 38 نحوه، والبدخشي في مفتاح النجاة 90 " مخطوط "، والامر تسري في أرجح المطالب: 655، والحنفي الترمذي في كتابه المناقب المرتضوية: 494، وروى الحديث نقلا عن فتوحات القدس لكنه ذكر اسم الراوي حبيب بن عمرو، عنهم إحقاق الحق: 8 / 796. (5) الشكوة: وعاء من جلد للماء أو اللبن. (6) الجندل: الصخر العظيم، الواحدة جندلة.
[ 180 ]
الجبل قد امتلأ بالخيل والرجل، فما زالوا يرمونه بالجندل (1) واكتنفه (2) طائران
أبيضان، فما زال يمضي ويرمونه، حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال: يا علي مالك منبهرا (3) ؟ فقال: يا رسول الله كان كذا وكذا. فقال: وهل تدري من الراعي وما الطائران ؟ قال: لا. قال: أما الراعي فابليس، وأما الطائران فجبرئيل وميكائيل. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي خذ سيفي هذا وامض بين هذين الجبلين فلا تلق أحدا إلا قتلته ولا تهابنه. فأخذ سيف رسول الله صلى الله عليه وآله ودخل بين الجبلين، فرأى رجلا عيناه كالبرق الخاطف وأسنانه كالمنجل، يمشي في شعره، فشد عليه فضربه ضربة فلم يبلغ شيئا، ثم ضربه أخرى فقطعه إثنين (4)، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: قتلته. فقال النبي صلى الله عليه وآله: الله أكبر - ثلاثا - هذا يغوث (5) ولا يدخل في صنم يعبد (6) من دون الله حتى تقوم الساعة (7). 13 - ومنها: أن أعرابيا أتى أمير المؤمنين عليه السلام وهو في المسجد. فقال: مظلوم. قال: أدن مني. فدنا، فقال: يا أمير المؤمنين مظلوم. قال: أدن. فدنا حتى وضع يديه على ركبتيه (8) قال: ما ظلامتك ؟ فشكا ظلامته. فقال: يا أعرابي أنا أعظم ظلامة منك، ظلمني المدر والوبر (9)، ولم يبق بيت
(1) " بالجندلة " الاصل. (2) اكتنفه: أحاط به. (3) " منهزما " البحار. (4) " بين اثنتين " البحار. (5) " يعوق " ط (6) " بعد " م. (7) عنه البحار: 39 / 175 ح 17، ومدينة المعاجز: 95 ح 243، وص 107 ح 289 عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله، قطعة. (8) " يده على ركبته " الاصل. (9) المدر: قطع الطين اليابس. والوبر: صوف الابل والارانب ونحوها. أراد بقوله عليه السلام أن ظلمني الجميع. (*)
[ 181 ]
من العرب إلا وقد دخلت مظلمتي عليهم، وما زلت مظلوما حتى قعدت مقعدي هذا، إن كان عقيل بن أبي طالب ليرمد (1)، فما يدعهم يذرونه حتى يأتوني فاذر وما بعيني رمد، ثم كتب له بظلامته ورحل، فهاج الناس وقالوا: قد طعن على الرجلين فدخل عليه الحسن عليه السلام فقال: قد علمت ما شرب قلوب الناس من حب هذين. فخرج عليه السلام فقال: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس إن الحرب خدعة، فإذا سمعتموني أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله فو الله لئن أخر من السماء أحب إلي من [ أن ] أكذب على رسول الله كذبة، وإذا حدثتكم عن نفسي أن الحرب خدعة، ثم ذكر غير ذلك. فقام رجل يساوي برأسه رمانة المنبر فقال: أنا أبرأ من الاثنين والثلاثة. فالتفت إليه أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: بقرت العلم في غير أوانه، لتبقرن كما بقرته فلما قدم ابن سمية (2) أخذه وشق بطنه، وحشا جوفه حجارة، وصلبه. (3) 14 - ومنها: ما روى حنان بن سدير، عن رجل من مزينة، قال: كنت جالسا عند علي عليه السلام، فأقبل إليه قوم من مراد [ و ] معهم ابن ملجم، فقالوا: يا أمير المؤمنين طرأ علينا، ولا والله ما جاءنا زائرا ولا منتجعا (4)، وإنا لنخافه عليك، فاشدد يدك به. فقال له علي عليه السلام: اجلس، فنظر في وجهه طويلا، ثم قال له: أرأيتك إن سألتك عن شئ وعندك منه علم هل أنت مخبري به ؟ قال: نعم. وحلف عليه. فقال: أكنت تراضع الغلمان (5) وتقوم عليهم فكنت إذا جئت فرأوك من بعيد قالوا: قد جاءنا ابن راعية الكلاب ؟ قال: اللهم نعم.
(1) " يومه يرمد " البحار. (2) ابن سمية: هو زياد بن أبيه. (3) عنه البحار: 42 / 187 ح 5، ومدينة المعاجز: 123 ح 338. (4) انتجع فلان: أتاه طالبا معروفه.
(5) تراضع الغلمان: لعله من قولهم " فلان يرضع الناس " أي يسألهم، وفي بعض النسخ " تواضع " بالواو، من المواضعة بمعنى الموافقة في الامر (قاله المجلسي).
[ 182 ]
فقال له علي: فمررت برجل وقد أيفعت، فنظر إليك فأحد النظر، فقال لك: يا أشقى من عاقر ناقة ثمود ؟ قال: نعم. قال: فأخبرتك أمك أنها حملت بك في بعض حيضها ؟ فتعتع (1) هنيئة، ثم قال: نعم قد حدثتني بذلك، ولو كنت كاتما شيئا لكتمتك هذه المنزلة. فقال له علي عليه السلام: قم. فقام، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن قاتلك شبه اليهودي بل هو يهودي. (2) وعن رجاء بن زياد: جاء ابن ملجم يستحمل (3) عليا، فقال: احملني يا أمير المؤمنين. قال: يا غزوان احمله على الاشقر. فجاء بفرس أشقر، وأخذ بعنانه ثم قال علي عليه السلام: أريد حباءه ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد (4) وعن أبي الطفيل: جاء ابن ملجم ليبايعه، فرده، ثم جاءه فرده [ ثم جاءه فرده، ثم جاء ]، فبايعه. ثم قال: ليخضبن هذه من هذه - يعني لحيته من رأسه - ثم تمثل لما تولي: أشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا * ولا تجزع من الموت إذا حل بواديكا (5) 15 - ومنها: أن يهوديا قال لعلي عليه السلام: إن محمدا صلى الله عليه وآله قال: " إن في كل
(1) تعتع في الكلام: تردد فيه، من عى. (2) عنه البحار: 42 / 197 ح 17، والحديث ليس في " ب، ج ". (3) استظهرناها، وفي الاصل " استحمل ". (4) أخرج نحوه في البحار: 42 / 308 ح 8، عن الارشاد للمفيد: 14، قال:
روى جعفر بن سليمان الضبعي، عن المعلى بن زياد. (5) أخرج نحوه في البحار: 42 / 192 ح 6. عن الارشاد للمفيد: 13، قال: أخبر به على ابن المنذر الطريفي، عن أبي الفضل العبدي، عن فطر، عن أبي الفضيل عامر بن واثلة.
[ 183 ]
رمانة حبة من الجنة " وأنا كسرت واحدة وأكلتها كلها. فقال عليه السلام: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله، وضرب يده على لحيته، فوقعت حبة رمان منها، وتناولها عليه السلام وأكلها، وقال: لم يأكلها الكافر، والحمد لله. (1) 16 - ومنها: ما روي عن جعفر (2)، عن أبيه عليه السلام قال: مر علي عليه السلام بكربلاء فقال - لما مر به أصحابه، وقد اغرورقت عيناه يبكي (3) -: هذا مناخ (4) ركابهم، هذا ملقى رحالهم، ها هنا مراق دمائهم (5)، طوبى لك من تربة عليها تراق دماء الاحبة. وقال الباقر عليه السلام: خرج علي عليه السلام يسير بالناس حتى إذا كان من كربلاء على ميلين أو ميل، تقدم بين أيديهم حتى طاف بمكان يقال له " المقذفان "، فقال: قتل فيها مائتا نبي، ومائتا سبط، كلهم شهداء، مناخ ركاب، ومصارع شهداء (6) لا يسبقهم من كان قبلهم، ولا يلحقهم من بعدهم. (7) 17 - ومنها: ما روي عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جمع أمير المؤمنين عليه السلام بنيه - وهم إثنا عشر ذكرا - فقال لهم: إن الله أحب أن يجعل في سنة من يعقوب إذ جمع بنيه - وهم إثنا عشر ذكرا - فقال لهم: إني أوصي إلى يوسف، فاسمعوا له، وأطيعوا. وأنا أوصي إلى الحسن والحسين، فاسمعوا لهما وأطيعوا. فقال له عبد الله ابنه: أدون محمد بن علي ؟ - يعني محمد بن الحنفية -.
(1) عنه البحار: 41 / 300 ح 30، ومدينة المعاجز: 60 ح 124.
(2) " أبي جعفر " البحار. (3) زاد في البحار " ويقول ". (4) المناخ: الموضع الذي تناخ فيه الابل. (5) كناية عن قتلهم واستشهادهم عليهم السلام. (6) " عشاق شهداء " البحار. (7) عنه البحار: 41 / 295 ح 18.
[ 184 ]
فقال له: أجرأة علي في حياتي ؟ ! كأني بك قد وجدت مذبوحا في فسطاطك لا يدري من قتلك. فلما كان في زمان المختار أتاه فقال: لست هناك. فغضب فذهب إلى مصعب بن الزبير وهو بالبصرة فقال: ولني قتال أهل الكوفة فكان على مقدمة مصعب، فالتقوا بحروراء (1) فلما حجر (2) الليل بينهم أصبحوا وقد وجدوه مذبوحا في فسطاطه، لا يدري من قتله. (3) 18 - ومنها: أن عيسى النهر يري (4) روى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن فلانا، وفلانا، وابن عوف أتوا النبي صلى الله عليه وآله ليعنتوه (5). فقال الاول: إتخذ الله إبراهيم خليلا، فماذا صنع بك ربك ؟ وقال الثاني: كلم الله موسى تكليما، فماذا صنع بك ربك ؟ وقال ابن عوف: عيسى بن مريم يحيى الموتى بإذن الله، فماذا صنع بك ربك ؟ فقال للاول: إتخذ الله إبراهيم خليلا، واتخذني حبيبا. وقال للثاني: كلم الله موسى تكليما من وراء حجاب. وقد رأيت عرش ربي وكلمني. وقال للثالث: عيسى بن مريم يحيي الموتى بإذن الله، وأنا إن شئتم أحييت لكم
(1) حروراء - بفتحتين وسكون الواو -: قرية بظاهر الكوفة، وقيل، موضع على ميلين منها... (مراصد الاطلاع: 1 / 394). (2) في بعض النسخ " حجز "، وكلاهما بمعنى المنع.
(3) عنه البحار: 41 / 295 ح 19 وج 42 / 87 ح 15، واثبات الهداة: 4 / 546 ح 193، وج 5 / 134 ح 26. (4) عيسى النهر يري (النهربري) (النهرتري): من أصحاب الصادق (ع). انظر رجال الشيخ: 565، ورجال السيد الخوئي: 13 / 234 رقم 9242. (5) عنته: شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه أداؤه وشق عليه تحمله. وفي البحار " ليعتبوه ".
[ 185 ]
موتاكم. قالوا: قد شئنا. وعلى ذلك داروا (1). فأرسل النبي صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام فدعاه، ثم قال (2) له: أقدمهم إلى القبور، ثم قال لهم: اتبعوه. فلما توسط الجبانة (3)، تكلم بكلمة فاضطربت الارض وارتجت (4)، ودخلهم من الذعر ما شاء الله، والتمعت (5) ألوانهم، ولم تقل (6) ذلك قلوبهم. فقالوا: يا أبا الحسن أقلنا عثراتنا، أقالك الله عثرتك. قال: إنما رددتم على الله. ثم إن النبي صلى الله عليه وآله بعث إلى علي عليه السلام، فدعاه. (7) 19 - ومنها: أن عبد الحميد بن أبي العلاء الازدي (8) روى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن جبير الخابور كان صاحب بيت مال معاوية، وكانت له أم عجوز بالكوفة كبيرة فقال لمعاوية: إن لي أما بالكوفة عجوزا اشتقت إليها، فأذن لي حتى آتيها فأقضي من حقها ما يجب علي. فقال معاوية: ما تصنع بالكوفة ؟ فإن فيها رجلا ساحرا كاهنا يقال له " علي بن
(1) أي اتفقوا واجتمعوا. (2) " فأتاه فقال " البحار. (3) الجبان، في الاصل: الصحراء: وأهل الكوفة يسمون المقبرة جبانة، وبالكوفة محال تسمى بها... (مراصد الاطلاع: 1 / 310). (4) " وارتجت قلوبهم " البحار.
(5) أي ذهبت وتغيرت. وفي البحار: امتقعت. بمعناها. (6) أي تحمل وتطيق. وفي البحار: تقبل. (7) عنه البحار: 41 / 194 ح 5. ورواه في اثبات الوصية: 148، وثاقب المناقب: 60 مخطوط، عنه مدينة المعاجز: 98 ح 253 مثله. (8) " عبد الحميد بن العلى الاودي " م. " عبد الحميد الاودي " بحار. أثبتناه من كتب الرجال انظر رجال الشيخ: 235، ورجال النجاشي: 246 ورجال السيد الخوئي: 9 / 280 رقم 6266.
[ 186 ]
أبي طالب "، وما آمن أن يفتنك. فقال جبير: مالي ولعلي، إنما آتي أمي فأزورها وأقضي حقها. فأذن له. فقدم جبير إلى عين التمر (1) ومعه مال، فدفن بعضه في عين [ التمر ]، وقد كان لعلي مناظر، فأخذوا جبيرا بظاهر الكوفة، وأتوا به عليا، فلما نظر إليه قال له: يا جبير الخابور أما إنك كنز من كنز الله، زعم لك معاوية أني كاهن ساحر ؟ ! قال: إي والله، قال ذلك معاوية. ثم قال: ومعك مال قد دفنت بعضه في عين التمر. قال: صدقت يا أمير المؤمنين، لقد كان ذلك. قال علي عليه السلام: يا حسن ضمه إليك، فأنزله وأحسن إليه. فلما كان من الغد دعاه، ثم قال لاصحابه: إن هذا يكون في جبل الاهواز في أربعة آلاف مدججين في السلاح، فيكونون معه حتى يقول قائمنا أهل البيت (2) فيقاتل معه. (3) 20 - ومنها: ما قال أبو ظبية: جمع علي عليه السلام العرفاء، ثم أشرف عليهم فقال: افعلوا كذا. قالوا: لا نفعل. قال عليه السلام: أما والله ليستعملن عليكم اليهود والمجوس ثم لا تمتنعون (4). فكان ذلك كذلك (5)
21 - ومنها: ما روي عن عيسى بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، قال: لما رجع الامر إليه أمر أبا الهيثم بن التيهان، وعمار بن ياسر وعبد الله بن أبي رافع فقال: اجمعوا الناس، ثم انظروا إلى ما في بيت مالهم فاقسموه بينهم بالسوية. فحسبوا، فوجدوا نصيب كل واحد [ منه ] ثلاثة دنانير،
(1) عين التمر: بلدة قريبة من الانبار غربي الكوفة، بقربها موضع يقال له " شفاثا "... (معجم البلدان: 4 / 176). (2) أي في الرجعة. (3) عنه البحار: 41 / 296 ح 20. (4) لا تمتعون " البحار ". (5) عنه البحار المتقدم ح 21.
[ 187 ]
فأمرهم يقعدون للناس ويعطوهم. قال: وأخذ مكتله (1) ومسحاته، ثم انطلق إلى بئر الملك (2)، فعمل فيها، فأخذ الناس ذلك القسم حتى بلغوا الزبير، وطلحة، وعبد الله [ بن عمر ] أمسكوا بأيديهم وقالوا: هذا منكم أو من صاحبكم ؟ قالوا: بل هذا أمره، لا نعمل إلا بأمره. قالوا: فاستأذنوا لنا عليه. قالوا: ما عليه إذن، هو ذا ببئر الملك يعمل. فركبوا دوابهم حتى جاءوا إليه، فوجدوه في الشمس. ومعه أجير له يعينه فقالوا له: إن الشمس قد آذتنا، فارتفع معنا إلى الظل. فارتفع معهم إليه. فقالوا له: لنا قرابة من نبي الله، وسابقة وجهاد وأنك أعطيتنا بالسوية ولم يكن عمر ولا عثمان يعطوننا بالسوية، كانوا يفضلونا على غيرنا. فقال علي عليه السلام: أيهما عندكم أفضل: عمر، أو أبو بكر ؟ قالوا: أبو بكر. قال: فهذا (3) قسم أبي بكر، وإلا فدعوا أبا بكر وغيره، هذا كتاب الله فانظروا ما لكم من حق فخذوه. قالا (4): فسابقتنا ! قال: أنتما أسبق مني بسابقتي ؟ قالوا: لا. قالوا: قرابتنا بالنبي ؟ قال: أقرب من قرابتي ؟ قالوا: لا.
فقالوا: فجهادنا ! قال: أعظم من جهادي ؟ قالوا: لا. قال: فو الله ما أنا في هذا المال وأجيري هذا إلا بمنزلة سواء. قالا: فتأذن لنا في العمرة. قال: ما العمرة تريدان ؟ وإني لاعلم أمركم وشأنكم، فاذهبا حيث شئتما فلما وليا، قال: فمن نكث فإنما ينكث على نفسه. (5)
22 - ومنها: ما روي عن جعفر بن عبد الحميد قال: اجتمعنا يوما فقال نفر: إن عليا عليه السلام كان وصي رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال آخرون: لم يكن وصيا لمحمد صلى الله عليه وآله. فقمنا فأتينا أبا حمزة الثمالي فقلنا: جرى بيننا الكلام على كذا وكذا. فغضب أبو حمزة فقال: لقد شهدت الجن فضلا عن الانس بأن عليا كان وصي رسول الله صلى الله عليه وآله، أخبرني أبو خيثمة التميمي: لما كان بين الحكمين ما كان، قلت: لا أكون مع علي ولا عليه فخرجت أريد أرض الروم، فبينا أنا مار على شاطئ نهر بمفارقين (1) إذا أنا بصوت من ورائي وهو يقول: يا أيها الساري بشط فارق * مفارق للحق دين الخالق متبع به رئيس مارق * ارجع إلى وصي النبي (2) الصادق فالتفت فلم أر أحدا، فقلت:
أنا أبو خيثمة التميمي * لما رأيت القوم في الخصوم تركت أهلي غازيا للروم * حتى يكون الامر في الصميم فإذا بصوت وهو يقول: اسمع مقالي وارع قولي ترشدا * إرجع إلى علي الخضم الاصيدا (3) إن عليا هو وصي أحمدا قال أبو خيثمة: فرجعت إلى علي عليه السلام. (4)
(1) ميافارقين - بفتح أوله، وتشديد ثانيه -: أشهر مدينة بديار بكر... (معجم البلدان: 5 / 235). (2) " الوصي للنبي " م. (3) الخضم - بتشديد الميم -: السيد الجواد المعطاء. وفي م " ذي الخصام ". والاصيد: الملك. (4) عنه الصراط المستقيم: 2 / 36 مختصرا، والبحار: 39 / 167 ح 7.
[ 189 ]
23 - ومنها: أن عليا عليه السلام بينا هو قائم على المنبر، إذ أقبلت حية من باب الفيل (1) مثل البختي (2) العظيم، فناداهم علي: إفرجوا لها، فإن هذا رسول قوم من الجن. فجاءت حتى وضعت فاها على أذنه، وإنها لتنق كما ينق الضفدع وكلمها بكلام شبيه نقيقها (3)، ثم ولت الحية، فقال الناس: ما حالها ؟ قال: هو رسول قوم من الجن، أخبرني أنه وقع بين بني عامر وبني عنزة (4) شر وقتال، فبعثوه لآتيهم أصلح بينهم، فوعدتهم أن آتيهم الليلة. فقالوا: أتأذن لنا أن نخرج معك ؟ قال: ما أكره ذلك. فلما صلى بهم عشاء الآخرة انطلق بهم حتى أتى ظهر الكوفة قبل الغري، فخط حولهم خطة، ثم قال لهم: إياكم أن تخرجوا من هذه الخطة، فإنه إن يخرج أحد منكم من الخطة اختطف. فقعدوا في الخطة ينظرون إليه، وقد نصب له منبر، فصعد عليه فخطب بخطبة لم يسمع الاولون والآخرون مثلها، لم لم يبرح حتى أصلح ذات بينهم، وقد برئ
بعضهم من بعض، وكان الجن أشبه شئ بالزط (5). (6) 24 - ومنها: ما روي عن شريك بن عبد الله وهو يومئذ قاض - أن النبي صلى الله عليه وآله بعث عليا عليه السلام وأبا بكر وعمر إلى أصحاب الكهف فقال: ائتوهم فأبلغوهم مني السلام. فلما خرجوا من عنده، قالوا لعلي: تدري أين هم ؟ فقال: ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يبعثنا إلى مكان إلا هدانا الله له.
(1) باب الفيل: هو أحد أبواب مسجد الكوفة، تمسى باب الثعبان وقصتها مشهورة. (2) البخت: جمال طول الاعناق. (3) " بنقها " البحار. (4) " وغيرهم " البحار. (5) الزط - بضم الزاي وتشديد المهملة -: جنس من السودان أو الهنود، الواحد زطي. (6) عنه البحار: 39 / 167 ح 8، ورواه الخصيبي في الهداية الكبرى: 53 بإسناده عن الحارث الهمداني، عنه مدينة المعاجز: 194 ح 534. وأورده الديلمي مرسلا في ارشاد القلوب: 278 عن الحارث.
[ 190 ]
فلما أوقفهم على باب الكهف قال: يا أبا بكر سلم، فإنك أسننا فسلم فلم يجب، ثم قال: يا أبا حفص سلم، فإنك أسن مني. فسلم، فلم يجب. قال: فسلم علي بن أبي طالب عليه السلام، فردوا السلام وحيوه، وأبلغهم سلام رسول الله صلى الله عليه وآله، فردوا عليه، فقال أبو بكر: سلهم ما لهم سلمنا عليهم فلم يسلموا علينا ؟ قال: سلهم أنت. فسألهم فلم يتكلموا، ثم سألهم عمر فلم يكلموه، فقالا: يا أبا الحسن سلهم أنت. قال علي عليه السلام: إن صاحبي هذين سألاني أن أسألكم: لم رددتم علي ولم تردوا عليهما ؟ قالوا لانا لا نكلم إلا نبيا أو وصي نبي. (1) 25 - ومنها: ما روى أبو بصير، عن أحدهما عليهما السلام قال:
أراد قوم بناء مسجد بساحل عدن، فلما بنوه سقط، فأتوا أبا بكر فقال: استوثقوا من البناء وافعلوا. ففعلوا وأحكموا فسقط، فعادوا إليه فسألوه، فخطب الناس وناشدهم: إن كان لواحد منكم به علم فليقل. فقال علي عليه السلام: احتفروا في ميمنة القبلة وميسرتها، فإنه يظهر لكم قبران عليهما كوبة (2) مكتوب عليها " أنا رضوى وأختي حيا (3) ابنتا تبع، متنا لا نشرك بالله شيئا " فاغسلوهما وكفنوهما وصلوا عليهما وادفنوهما، ثم ابنوا مسجدكم فإنه يقوم بناؤه. ففعلوا، فكان كذا، فقام البناء. (4)
(1) عنه البحار: 39 / 136 ح 3. (2) الكوبة: حجر مدور. وفي فرج المهموم " تربة ". (3) " حبى " الصراط المستقيم. (4) عنه البحار: 41 / 297 ح 22 وعن فرج المهموم: 223 نقلا من دلائل الحميري. وأورده في الصراط المستقيم: 14 عن الصادق عليه السلام مثله، عنه أثبات الهداة: 5 / 63 ح 437. وقال في الصراط: قال ابن حماد: =
[ 191 ]
26 - ومنها: ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام أن حبابة الوالبية مرت بعلي عليه السلام ومعها سمك فيه جرية، قال: ما هذا الذي معك ؟ قالت: سمك ابتعته للعيال. فقال: نعم زاد العيال السمك، ثم قال: فما هذا الذي معك ؟ قالت: أخي اعتل من ظهره، فوصف له أكل جري. فقال: يا حبابة إن الله لم يجعل الشفاء فيما حرم، والذي نصب الكعبة، لو أشاء أن أخبرك باسمها واسم أبيها لاخبرتك. فضربت بها الارض، وقالت: استغفر الله من حملي لها (1). 27 - ومنها: ما روى الحارث الاعور [ قال ]: بينا أمير المؤمنين عليه السلام يخطب
بالكوفة على المنبر، إذ نظر إلى زاوية المسجد فقال: يا قنبر ائتني بما في ذلك الجحر (2) فإذا هو بأرقط حية من أحسن ما يكون. فأقبل (3) إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فجعل يساره، ثم انصرف إلى الجحر، فتعجب الناس، قال: أتعجبون ؟ قالوا: وما لنا لا نعجب. قال: ما ترون هذه الحية ! بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله على السمع والطاعة، وهي سامعة مطيعة لي، وأنا وصي رسول الله آمركم بالسمع والطاعة، فمنكم من يسمع ويطيع، ومنكم من لا يسمع ولا يطيع. قال الحارث: فكنا مع أمير المؤمنين عليه السلام في كناسة (4) إذ أقبل أسد يهوي (5)
= وقال للقوم امحضوا الان واحتفروا * أساس قبلتكم تفضوا إلى حزن عليه لوح من العقيان محتفر * فيه بخط من الياقوت مندفن نحن ابنتا تبع ذى الملك من يمن * حبى ورضوى بغير الحق لم ندن متنا على ملة التوحيد لم نك من * صلى إلى صنم كلا ولا وثن (1) عنه البحار: 62 / 85 ح 8، ومستدرك الوسائل: 3 / 141 ح 5. (2) الجحر: مكان تحتفره الهوام لانفسها. (3) أي ذلك الارقط. والرقطة: سواد يشوبه نقط بيضاء، ومنه: حية رقطاء. (4) كناسة: محلة بالكوفة... (معجم البلدان: 4 / 481). (5) هوى في السير: مضى. وهوى في الارض: ذهب فيها.
[ 192 ]
من البر، فتقضقضنا (1) من حوله، وجاء الاسد حتى قام بين يديه، فوضع يديه بين أذنيه فقال له علي عليه السلام: ارجع بإذن الله، ولا تدخل دار الهجرة (2) بعد اليوم، وأبلغ السباع عني. (3) 28 - ومنها: ما روي عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام
ملك ما فوق الارض، فاختار الصعبة على الذلول (4)، فركبها فدارت به سبع أرضين، فوجد ثلاثا منها خراب، وأربعا عوامر. (5) 29 - ومنها: ما روي عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام: أن غلاما يهوديا قدم على أبي بكر في خلافته، فقال: السلام عليك يا أبا بكر. فوجئ (6) عنقه، وقيل له:
(1) النقضقض: التفرق. وفي م " فتعضعضنا / فتضعضنا خ ". وفي ط " فتعسعسنا " يقال: عسعس السحاب: دنا من الارض. تضعضع: ضعف وخف جسمه من حزن أو مرض. (2) فالكوفة كانت دار هجرته عليه السلام. (3) عنه البحار: 41 / 231 ح 2. ورواه في الهداية الكبرى: 52 صدره، وص 53 ذيله في (المخطوطة فقط) بإسناده عن الحارث الهمداني، وأورده في ثاقب المناقب: 213 صدره، وفي ص 217 وفي ارشاد القلوب: 277 مرسلا عن الحارث. وأخرجه في اثبات الهداة: 5 / 24 ح 344 عن الهداية ذيله، وفي مدينة المعاجز: 20 ح 22 عن ثاقب المناقب صدره. (4) ذل البعير: سهل انقياده، فهو ذلول. والصعب: نقيض الذلول، والناقة الصعبة خلاف الذلول. (5) عنه البحار: 39 / 136 ح 2 وعن بصائر الدرجات: 409 ح 2 بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام (مثله). ورواه المفيد في الاختصاص: 194 بإسناده عن أبي جعفر (ع) (مثله)، عنه البحار: 27 / 32 ح 2، ومدينة المعاجز: 90 ح 228 وعن البصائر، وأخرجه في البحار: 57 / 344 ح 35، وح 60 / 120 ح 7. (6) وجأ فلانا بيده أو بالسكين: ضربه في أي موضع كان.
[ 193 ]
لم لم تسلم عليه بالخلافة ؟ ثم قال له أبو بكر: ما حاجتك ؟
قال: مات أبي (1) يهوديا وخلف كنوزا وأموالا، فإن أنت أظهرتها وأخرجتها إلي أسلمت على يديك، وكنت مولاك، وجعلت لك ثلث ذلك المال، وثلثا للمهاجرين والانصار، وثلثا لي. فقال أبو بكر: يا خبيث وهل يعلم الغيب إلا الله ! ؟ ونهض أبو بكر، ثم انتهى اليهودي إلى عمر، فسلم عليه، وقال: إني أتيت أبا بكر أسأله عن مسألة، فأوجعت ضربا، وأنا أسألك عن المسألة، وحكى قصته. قال: وهل يعلم الغيب إلا الله ؟ ثم خرج اليهودي إلى علي عليه السلام وهو في المسجد، فسلم عليه، وقال: يا أمير المؤمنين وقد سمعه أبو بكر وعمر، فوكزوه وقالوا: يا خبيث هلا سلمت على الاول كما سلمت على علي، والخليفة أبو بكر ! ؟ فقال اليهودي: والله ما سميته بهذا الاسم حتى وجدت ذلك في كتب آبائي وأجدادي في التوراة. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: وما حاجتك ؟ قال: مات أبي يهوديا، وخلف كنوزا كثيرة، وأموالا، فلم يطلعني عليها، فإن أخرجتها لي، أسلمت على يديك ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: وتفي بما تقول ؟ قال: نعم، وأشهد الله وملائكته وجميع من يحضرني. قال: نعم. فدعا برق أبيض، فكتب عليه كتابا، ثم قال: تحسن أن تكتب ؟ قال: نعم. قال: خذ معك ألواحا، وصر إلى بلاد اليمن، وسل عن وادي برهوت بحضرموت، فإذا صرت بطرف الوادي عند غروب الشمس، فاقعد هناك فإنه سيأتيك غرابيب (2) سود مناقيرها، وهي تنعب (3)، فإذا هي نعتت فاهتف
(1) " أبوه " م، ه. وكذا التي تلي، وهو تصحيف. (2) كذا في نسخ الاصل والبحار، والظاهر أنها تصحيف " غرابين "، وهي جمع الجمع للغراب، الطائر الاسود المعروف. وفي رواية البرسي: غرابان، وكذا ما بعدها. (3) النعيب: صوت الغراب وفي م، ط: نغبت. يقال: نغب الطائر: حسا من الماء.
[ 194 ]
باسم أبيك، وقل: يا فلان أنا رسول وصي محمد صلى الله عليه وآله فكلمني، فإنه سيجيبك أبوك فلا تفتر عن سؤاله عن الكنوز التي خلفها، فكل ما أجابك به في ذلك الوقت وتلك الساعة فاكتبه في ألواحك، فإذا انصرفت إلى بلادك، بلاد خيبر، فتتبع ما في ألواحك واعمل بما فيها. فمضى اليهودي حتى انتهى إلى بلاد اليمن، وقعد هناك كما أمره، فإذا هو بالغرابيب السود قد أقبلت تنعب فهتف اليهودي، فأجابه أبوه وقال: ويلك ما جاء بك في هذا الوقت إلى هذا الموطن وهو من مواطن أهل النار ؟ قال: جئتك أسألك عن كنوزك أين خلفتها ؟ قال: في جدار كذا، في موضع كذا، في حيطان كذا. فكتب الغلام ذلك، ثم قال: ويلك اتبع دين محمد صلى الله عليه وآله. وانصرفت الغرابيب ورجع اليهودي إلى بلاد خيبر، وخرج بغلمانه وفعلته وإبل و جواليق وتتبع ما في ألواحه، فأخرج كنزا من أواني الفضة وكنزا من أواني الذهب ثم أوقر (1) عيرا (2) وجاء حتى دخل على علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وأنك وصي محمد وأخوه وأمير المؤمنين حقا كما سميت، وهذه عير دراهم ودنانير فاصرفها حيث أمرك الله ورسوله. واجتمع الناس، فقالوا لعلي: كيف علمت هذا ؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله، وإن شئت أخبرتكم بما هو أصعب من هذا. قالوا: فافعل قال: كنت ذات يوم تحت سقيفة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وإني لاحصي ستا وستين وطأة، كل ملائكة، أعرفهم بلغاتهم وصفاتهم وأسمائهم ووطئهم (3).
(1) أوقر الدابة: حملها ثقيلا. (2) العير: الحمار. وفي رواية الطبرسي: بعير. (3) عنه البحار: 41 / 196 ح 9. وأورد مثله البرسي في مشارق أنوار اليقين: 81، عنه مدينة المعاجز: 100 ح 268. (*)
[ 195 ]
30 - ومنها: ما روى سعد الخفاف، عن زاذان أبي عمرو، قلت: يا زاذان إنك لتقرأ القرآن فتحسن قراءته، فعلى من قرأت ؟ فتبسم ثم قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام مر بي وأنا أنشد الشعر، وكان لي خلق حسن، فأعجبه صوتي، فقال: يا زاذان هلا بالقرآن (1) ؟ قلت: وكيف لي بالقرآن فو الله ما أقرأ منه إلا بقدر ما أصلي به. قال: فادن مني. فدنوت منه، فتكلم في أذني بكلام ما عرفته ولا علمت ما يقول، ثم قال لي: افتح فاك. فتفل في في، فو الله ما زالت قدمي من عنده حتى حفظت القرآن باعرابه وهمزه، وما احتجت أن أسأل عنه أحدا بعد موقفي ذلك. قال سعد: فقصصت قصة زاذان على أبي جعفر عليه السلام قال: صدق زاذان، إن أمير المؤمنين عليه السلام دعا لزاذان بالاسم الاعظم الذي لا يرد (2). 31 - ومنها: أن عليا عليه السلام قال يوما: لو وجدت رجلا ثقة لبعثت معه بمال إلى المدائن إلى شيعتي. فقال رجل في نفسه: لآتينه ولاقولن: أنا أذهب بالمال، فهو يثق بي، فإذا أخذته، أخذت طريق الشام إلى معاوية. فجاء إلى علي عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين أنا أذهب بالمال. فرفع رأسه فقال: إليك عني، تأخذ طريق الشام إلى معاوية ؟ ! (3) 32 - ومنها: ما روى داود العطار قال: قال رجل: سألني رجل من صحابة (4) أمير المؤمنين عليه السلام، فقال [ لي ]: انطلق حتى نسلم على أمير المؤمنين عليه السلام قال:
(1) أي هلا حفظت أو تحفظ القرآن ؟ فالامام عليه السلام يلومه على ترك ذلك أو لحثه على ذلك والاول أظهر. (2) عنه البحار: 41 / 195 ح 6. (3) عنه البحار: 8 / 732 ط. حجر، وج 41 / 297 ح 23.
(4) " خاصة " خ ل والبحار.
[ 196 ]
وكنت لا أحب ذلك، فلم يزل بي حتى أتيت معه. فسلمنا عليه. فرفع أمير المؤمنين عليه السلام الدرة (1) فضرب بها ساقي، فنزوت (2)، فقال: أنز، أنز (3) إنك مكره، إنك ميسرة. ثم ذهب، فقيل له: صنع بك أمير المؤمنين ما لم يصنع بأحد. قال: إني كنت مملوكا لآل فلان، وكان اسمي ميسرة، ففارقهم وادعيت إلى من لست أنا منه، فسماني أمير المؤمنين باسمي (4). 33 - ومنها: ما روى معاوية بن جرير الحضرمي قال: عرض الخيل (5) على علي عليهما السلام، فجاء ابن ملجم إليه، فسأله عن اسمه ونسبه، فانتمى إلى غير أبيه. قال: كذبت. حتى انتسب (6) إلى أبيه، فقال: صدقت (7). 34 - ومنها: ما روي عن عمر بن أذينة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخل الاشتر على علي عليه السلام فسلم، فأجابه فقال علي عليه السلام ما أدخلك علي في هذه الساعة ؟ قال: حبك يا أمير المؤمنين. قال عليه السلام: فهل رأيت ببابي أحدا ؟ قال: نعم، أربعة نفر. فخرج الاشتر معه فإذا بالباب: أكمه، ومكفوف، ومقعد، وأبرص. فقال عليه السلام: ما تصنعون ههنا ؟ قالوا: جئناك لما بنا. فرجع ففتح حقا له، فأخرج رقا (8) أبيض، فيه كتاب أبيض، فقرأ عليهم، فقاموا كلهم من غير علة. (9)
(1) الدرة - بالكسر -: التي يضرب بها، السوط. (2) نز: اضطرب، ويقال: نز فلان عني: ابتعد وانفرد. (3) " أترى " لبحار: (4) عنه البحار: 41 / 297 ح 24. (5) الخيل: تستعمل على المجاز للفرسان وركاب الخيل. (6) " انتهى " البحار.
(7) عنه البحار: 41 / 297 ح 25. (8) الرق - بفتح الراء -: جلد رقيق يكتب فيه. والحق - بضم الحاء -: الوعاء. (9) عنه البحار: 41 / 195 ح 7.
[ 197 ]
35 - ومنها: ما روي [ عن ] أبي الصيرفي عن رجل من مراد، قال: كنت واقفا على رأس أمير المؤمنين عليه السلام يوم البصرة إذ أتاه ابن عباس بعد القتال، فقال: إن لي حاجة. فقال عليه السلام: ما أعرفني بالحاجة التي جئت فيها: تطلب الامان لابن الحكم ؟ قال: ما جئت إلا لتؤمنه. قال: قد آمنته، ولكن اذهب وجئني به، ولا تجئني به إلا دريفا (1)، فإنه أذل له. فجاء به ابن عباس مردفا خلفه كأنه قرد، قال أمير المؤمنين عليه السلام: تبايع ؟ قال: نعم، وفي النفس ما فيها. قال: الله أعلم بما في القلوب. فلما بسط يده ليبايعه أخذ كفه عن كف مروان فنترها، فقال: لا حاجة لي فيها إنها كف يهودية، لو بايعني بيده عشرين مرة لنكث باسته. ثم قال: هيه يا بن الحكم خفت على رأسك أن يقع في هذه المعمعة (4)، كلا والله حتى يخرج من صلبك فلان وفلان يسومون هذه الامة خسفا (5)، ويسقونهم
= وروى الخصيبى في الهداية الكبرى: 160 باسناده عن جابر الجعفي، عن يحيى بن أبى العقب، عن مالك الاشتر مثله (وفيه: ثلاثة نفر) عنه اثبات الهداة: 5 / 25 ح 346 وأورده في ثاقب المناقب: 169 (مخطوط) عن ابن اذينة، عن أبيه، عن أبى عبد الله عليه السلام، عنه مدينة المعاجز: 105 ح 281. وفى ارشاد القلوب: 284 مرسلا عن مالك الاشتر. (1) الرديف: الراكب خلف الراكب.
(2) نتر الشئ: جذبه. بشدة. وفي ط، ط " فنزها ". (3) قال ابن الاثير في النهاية: 5 / 290: هيه: بمعنى ايه، فابدل من الهمزة هاء، وايه: اسم سمى به الفعل ومعناه الامر، تقول للرجل: ايه - بغير تنوين - إذا استزدته من الحديث المعهود بينكما، فإن نونت: استزدته من حديث ما غير معهود... (4) المعمة: شدة الحرب. وفي خ ل: المعمكة. يقال: معك فلانا في الخصومة: لواه وقهره (5) سامه خسفا: أهانه وكلفه المشقة.
[ 198 ]
كأسا مصبرة. (1) 36 - ومنها: ما روي عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن بعض الكوفيين قال: دخل أسد الكوفة فقال: دلوني على أمير المؤمنين عليه السلام، فذهبوا معه فدلوه عليه. فلما نظر إليه الاسد مضى نحوه يلوذ به ويتبصبص إليه. فمسح علي عليه السلام ظهره ثم قال له: أخرج. فنكس الاسد رأسه، ونبذ (2) ذنبه على ظهره (3) ولا يلتفت يمينا ولا شمالا حتى خرج منها. (4) 37 - ومنها: أن عوف بن مروان قال: إن راكبا قدم من الشام، فأفشى في الكوفة أن معاوية مات، فجئ بالرجل إلى علي عليه السلام فقال: أنت شهدت موت معاوية ؟ قال: نعم، كنت فيمن دفنه. فقال له علي: إنك كاذب. فقال القوم: أهو يكذب ؟ قال: نعم، لان معاوية لا يموت حتى يملك هذه الامة، ويفعل كذا، ويفعل كذا بعدما ملك. فقال القوم: فلم تقاتله وأنت تعلم أنه سيبلغ هذا ؟ قال: للحجة. (5) وعن مينا قال: سمع علي عليه السلام ضوضاء في عسكره، فقال: ما هذا ؟ قالوا: هلك معاوية: قال: كلا والذي نفسي بيده لن يهلك حتى تجتمع عليه هذه الامة.
(1) عنه البحار: 41 / 298 ح 26. ورواه في الهداية الكبرى: 151 بإسناده عن رجل
من مراد يقال له ذباب (رباب بن رياح) مثله عنه اثبات الهداة: 5 / 4 ح 343. وأورده في ارشاد القلوب مرسلا عن رجل من مراد يقال له رباب بن رياح، وفي مشارق أنوار اليقين: 76 مرسلا قطعة. عنه مدينة المعاجز: 98 ح 256. (2) نبذ الشئ: طرحه ورمى به. وفي خ ل " مد ". (3) " الارض " البحار. (4) عنه البحار: 41 / 231 ح 3. (5) عنه البحار: 41 / 304 محلق ح 37 وعن مناقب ابن شهر اشوب: 2 / 95 بالاسناد عن النضر بن شميل، عن عوف، عن مروان الاصفر. وأخرجه في مدينة المعاجز: 119 ح 320 عن المناقب.
[ 199 ]
فقالوا: فبم تقالته ؟ قال: ألتمس العذر فيما بيني وبين الله. (1) 38 - ومنها: أن الاشعث بن قيس استأذن على علي عليه السلام، فرده قنبر، فأدمى أنفه، فخرج علي عليه السلام فقال: ما لي ولك يا أشعث ؟ أما والله لو بعبد ثقيف تمر ست (2) لاقشعرت شعيرات إستك. قال: ومن غلام ثقيف ؟ قال: غلام يليهم (3) لا يبقي بيتا من العرب إلا أدخلهم الذل قال: كم يلي ؟ قال: عشرين إن بلغها. قال الراوي: فولى الحجاج سنة خمس وسبعين، ومات سنة خمس وتسعين. (4) 39 - ومنها: ما انتشرت به الآثار عنه عليه السلام من قوله قبل قتاله الفرق الثلاث بعد بيعته: " أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين " (5). فقاتلهم، وكان الامر فيما خبر به على ما قال. وقال عليه السلام لطلحة والزبير حين استأذناه في الخروج إلى العمرة: لا والله ما تريدان العمرة ولكن تريدان البصرة. فكان كما قال. وقال عليه السلام لابن عباس وهو يخبره به عن استيذانهما له في العمرة:
إنني أذنت لهما مع علمي بما انطويا عليه من الغدر، فاستظهرت بالله عليهما، وإن الله سيرد كيدهما ويظفرني بهما. وكان كما قال.
(1) عنه البحار: 41 / 298 ح 27 وعن مناقب ابن شهر اشوب: 2 / 95 بالاسناد عن عبد الرزاق، عن أبيه، عن مينا مولى عبد الرحمن بن عوف. وأورده في مشارق أنوار اليقين: 76 مرسلا باختصار، عنه إثبات الهداة: 4 / 563 ح 219. وأخرجه في اثبات الهداة: 5 / 73 ح 459. (2) تمرس بالرجل: تعرض له بشر. (3) أي يكون واليا عليهم. (4) عند البحار 8 / 733 ط حجر وج 41 / 199 ح 28. (5) زاد في البحار: يعني الجمل وصفين والنهروان.
[ 200 ]
وقال بذي قار وهو جالس لاخذ البيعة: يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا يزيدون رجلا، ولا ينقصون رجلا يبايعوني على الموت. قال ابن عباس: فجزعت لذلك وخفت أن ينقص القوم عن العدد، أو يزيدوا عليه فيفسد الامر علينا، وإني أحصي القوم فاستوفيت عددهم تسع مائة رجل و تسعة وتسعين رجلا، ثم انقطع مجئ القوم فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا حمله على ما قال ؟ فبينا أنا مفكر في ذلك إذا رأيت شخصا قد أقبل حتى دنا، وهو راجل (1) عليه قباء صوف [ و ] معه سيف وترس وإداوة (2)، فقرب من أمير المؤمنين عليه السلام. فقال: أمدد يديك أبايعك. فقال علي عليه السلام: وعلى ما تبايعني ؟ قال: على السمع والطاعة والقتال بين يديك حتى أموت، أو يفتح الله عليك. فقال: ما اسمك ؟ قال: أويس. قال: أويس القرني ؟
قال: نعم. قال: الله أكبر أخبرني (3) حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله أني أدرك رجلا من أمته يقال له " أويس القرني " يكون من حزب الله ورسوله ويموت على الشهادة، يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر. قال ابن عباس: فسري (3) عني (4). 40 - ومنها: قوله عليه السلام - وقد رفع أهل الشام المصاحف، وشك فريق من أصحابه، ولجؤا إلى المسالمة، ودعوه إليها -: ويلكم إن هذه خديعة، وما يريد القوم
(1) " رجل " البحار. بمعناها، أي يمشي على رجليه. (2) اداوة الشئ وأدواته: آلته. يريد أنه كان ذو أداة أي شاك في السلاح. (3) سرى عنه: زال عنه ما كان يجده من الغضب أو ألهم. (4) عنه البحار: 41 / 299 ح 29. وعنه ح 42 / 147 ح 7 وعن الارشاد المفيد 182. وأورد قطعة منه في ثاقب المناقب: 232، عنه مدينة المعاجز: 141 ملحق ح 397، وفي ارشاد القلوب: 224 مرسلا.
[ 201 ]
القرآن لانهم ليسوا من أهل القرآن، فاتقوا الله وامضوا على بصائركم في قتالهم، فإن لم تفعلوا تفرقت بكم السبل، وندمتم حتى لا تنفعكم الندامة. وكان كما قال. (1) 41 - ومنها: ما تواترت به الروايات من نعيه نفسه قبل موته، وأنه يخرج من الدنيا شهيدا من قوله: والله ليخضبنها من فوقها - وأومأ إلى شيبته - ما يحبس أشقاها أن يخضبها بدم. وقوله عليه السلام: أتاكم شهر رمضان، وفيه تدور رحى السلطان، ألا وإنكم حاجوا العام صفا واحدا، وآية ذلك أني لست فيكم. وكان يفطر في هذا الشهر ليلة عند الحسن، وليله عند الحسين، وليلة عند عبد الله ابن جعفر زوج زينب بنته لاجلها، لا يزيد على ثلاث لقم، فقيل له في ذلك، فقال:
يأتيني أمر الله وأنا خميص (2)، إنما هي ليلة أو ليلتان، فأصيب من الليل. وقد توجه إلى المسجد في الليلة التي ضربه الشقي في آخرها، فصاح الاوز (3) في وجهه، فطردهن الناس، فقال: دعوهن فانهم نوائح. (4) 42 - ومنها: أنه لما بلغه ما صنع بسر (5) بن أرطأة باليمن قال عليه السلام: " اللهم إن بسرا باع دينه بالدنيا، فاسلبه عقله ".
(1) عنه البحار: 8 / 593 ط. حجر، وعن الارشاد للمفيد: 183. وأخرجه في اثبات الهداة: 4 / 586 ح 274 عن الارشاد. (2) الخميص: الضامر البطن. (3) نوع من الطيور. (4) عنه البحار: 41 / 300 صدر ح 31. وأورده المفيد في الارشاد: 185 مرسلا. (5) بضم الباء وسكون السين، وفي بعض نسخ " بالشين " وكلاهما وارد ظاهر. وقيل: ابن أبي أرطأة، واسمه عمرو بن عويمر بن عمران... قال الواقدي: ولد قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وآله بسنتين، وقال أهل الشام سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله، شهد صفين مع معاوية، ثم سيره إلى الحجاز واليمن ليقتل شيعة علي ويأخذ البيعة له. وكان يحيى بن معين يقول: هو رجل سوء، توفي بالمدينة أيام معاوية، وقيل: بالشام أيام عبد الملك، وكان قد خرف آخر عمره. تجد ترجمته =
[ 202 ]
فبقي بسر حتى اختلط، فاتخذ له سيفا من خشب يلعب به حتى مات. (1) 43 - ومنها: ما استفاض عنه عليه السلام من قوله: إنكم ستعرضون من بعدي على سبي، فسبوني، فإن عرض عليكم البراءة مني فلا تبروا مني. فكان كما قال. (2) 44 - ومنها: قوله عليه السلام لجويرية (3) بن مسهر: لتعتلن إلى العتل (4) الزنيم، وليقطعن يدك ورجلك (5)، ثم ليصلبنك. ثم مضى دهر حتى ولي زياد (6) في أيام معاوية، فقطع يده ورجله ثم صلبه. (7)
= في أسد الغابة: 1 / 179، الجرح والتعديل: 2 / 422 رقم 1678، سير أعلام النبلاء 3 / 409 رقم 65، تاريخ الطبري: 5 / 167،. مروج الذهب: 3 / 211، الاستيعاب: 157، تاريخ بغداد: 6 / 210، الاغانى: 2 / 79، تهذيب التهذيب: 1 / 436، وغيرها (1) عنه البحار: 41 / 301 ضمن ح 31، وج 42 / 147 صدر ح 8 وأورد مثله المفيد في الارشاد: 86 / 1، وابن شهر اشوب في المناقب: 2 / 113 عن الوليد بن الحارث وغيره عن رجالهم، عنهما البحار: 41 / 204 ح 19. وأورده في إرشاد القلوب: 288 مرسلا نحوه. ورواه العسقلاني في تهذيب التهذيب: 1 / 436، وابن أبي الحديد في شرح النهج: 1 / 121 مثله، عنهما إحقاق الحق: 8 / 740. (2) عنه البحار: 41 / 301 ضمن ح 31. وأورده المفيد في الارشاد: 186، مرسلا مثله عنه الوسائل: 11 / 481 ح 21 واثبات الهداة: 4 / 587 ح 276. والبحار: 39 / 317 ح 16. وروى الصدوق في عيون الاخبار: 2 / 64 ح 274 بإسناده عن علي (ع) نحوه، عنه اثبات الهداة: 4 / 450 ح 26، والبحار: 39 / 317 ح 15. (3) " لجويرة " م. هو تصحيف. ترجم له السيد الخوئي في رجاله: 4 / 180 رقم 2413 وذكر قصته أعلاه برواية المفيد، فراجع. (4) عتله: جذبه وجره عنيفا. والعتل - بضمتين مشددة اللام -: الجافي الغليظ الشديد. والزنيم: اللئيم، الدعي، اللاحق بقوم ليس منهم. (5) " يديك ورجليك " خ ل. وكذا التي بعدها بصيغة الغائب. (6) أي زياد بن أبيه لما ولى الكوفة. (7) عنه البحار: 41 / 301 ذ ح 31. وأورده المفيد في الارشاد: 186 مرسلا، عنه.
[ 203 ]
45 - ومنها: ما روي من قوله عليه السلام: إني دعوتكم إلى الحق، فتلونتم علي (1)
وضربتكم بالدرة فأعييتموني، أما إنه سيكلبكم (2) بعدي ولاة يعذبونكم بالسياط والحديد وآية ذلك حين يأتيكم صاحب اليمن (الحجاج) (3)، فيأخذ العمال وعمال العمال. فكان كما قال عليه السلام. (4) 46 - ومنها: ما رووه أن ميثما التمار كان عبدا لامرأة، فاشتراه علي عليه السلام فأعتقه، وقال له: ما أسمك ؟ قال: سالم. قال: حدثني رسول الله بأن اسمك الذي سماك به أبوك في العجم " ميثم ". قال: صدق الله ورسوله، وصدقت والله، إنه لاسمي، قال: فارجع إلى اسمك الذي سماك به رسول الله صلى الله عليه وآله. فرجع إلى ميثم، واكتنى بأبي سالم. فقال عليه السلام: إنك لتؤخذ بعدي فتصلب. وكان كما قال (5). 47 - ومنها: ما تظاهر به الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عليا عليه السلام إلى وادي الجن، وقد أخبره جبرئيل عليه السلام أن طوائف منهم قد اجتمعوا لكيده، فأغنى عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وكفى الله المؤمنين به كيدهم، ودفعهم بقوته عن المسلمين.
(1) " فتوليتم عني " الارشاد، الغارات، شرح النهج. (2) " سيليكم " الارشاد، الغارات، شرح النهج. (3) " حتى يحل بين أظهركم " الارشاد، الغارات، شرح النهج. (4) أورده المفيد في الارشاد: 186 مثله مرسلا، عنه اثبات الهداة: 4 / 587 ح 277، والبحار: 41 / 285 ح 4. وأورد الخطبة الثقفي في الغارات: 2 / 458 عن زيد بن علي، عن: علي عليه السلام، عنه البحار: 8 / 675. حجر وابن أبي الحديد في شرح النهج: 2 / 306 برواية محمد ابن فرات الجرمي، عن زيد بن علي، عن علي (ع). (5) أورده المفيد في الارشاد: 187 مثله مرسلا، عنه اثبات الهداة: 2 / 150 ح 589، والبحار: 42 / 124 ح 7. (*)
[ 204 ]
قال ابن عباس: لما خرج النبي صلى الله عليه وآله إلى غزاة بني المصطلق جنب (1) عن الطريق، وأدركه الليل، فنزل بقرب واد وعر. فلما كان في آخر الليل، هبط جبرئيل عليه يخبره أن طائفة من كفار الجن قد استبطنوا الوادي يريدون [ كيده، و ] إيقاع الشر بأصحابه عند سلوكهم إياه فدعا عليا عليه السلام وقال [ له ]: إذهب إلى هذا الوادي فسيعرض لك من أعداء الله الجن من يريدك، فادفعه بالقوة التي أعطاك الله، وتحصن منه بأسماء الله الذي خصك بعلمها. وأنفذ معه مائة رجل من أخلاط الناس، فقال لهم: كونوا معه، وامتثلوا أمره. فتوجه أمير المؤمنين عليه السلام إلى الوادي، فلما قارب شفيره (2) أمر المائة الذين صحبوه أن يقفوا بقرب الشفير، ولا يحدثوا شيئا حتى يأذن لهم، ثم تقدم فوقف على شفير الوادي، وتعوذ بالله من الاعداء، وسمى الله، وأومأ إلى القوم الذين اتبعوه أن يقربوا منه، فقربوا، وكان بينهم وبينه غلوة (3)، ثم رام الهبوط، فاعترضت ريح عاصف كاد أن يقع القوم على وجههم لشدتها، ولم تثبت على الارض أقدامهم من هول ما لحقهم. فصاح أمير المؤمنين عليه السلام: أنا علي ابن أبي طالب بن عبد المطلب وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وابن عمه، اثبتوا إن شئتم. فظهر للقوم أشخاص على صورة الزط - وهم الزنج - يخيل في أيديهم شعل النار، قد اطمأنوا بجنبات الوادي، فتوغل أمير المؤمنين عليه السلام بطن الوادي وهو يقرأ القرآن، ويومي بسيفه يمينا وشمالا، فما لبث الاشخاص حتى صارت كالدخان الاسود، وكبر [ علي ] عليه السلام ثم صعد من حيث انهبط، فقام مع القوم الذين اتبعوه حتى أسفر (4) الموضع عما اعتراه.
(1) جنب: مال. (2) الشفير: ناحية كل شئ. (3) الغلوة: قدر رمية بسهم.
(4) " أصفر " البحار: 39.
[ 205 ]
فقال له الصحابة: ما لقيت يا أبا الحسن ؟ فلقد كدنا أن نهلك خوفا، وأشفقنا عليك. فقال عليه السلام لهم: إنه لما تراءى لي العدو، جهرت فيهم بأسماء الله [ تعالى ] فتضاءلوا وعلمت ما حل بهم من الجزع، فتوغلت الوادي غير خائف منهم، ولو بقوا على هيأتهم لاتيت على آخرهم، وقد كفى الله كيدهم، وكفى المؤمنين شرهم، وقد سبقتني بقيتهم إلى النبي صلى الله عليه وآله. فانصرف، ودعا له النبي صلى الله عليه وآله، وقال: قد سبقك إلي يا علي من أخافه الله بك فأسلم. ثم قطعوا الوادي آمنين. (2)
(1) عنه البحار: 39 / 175 ح 18 وعن الارشاد: 196 برواية محمد بن أبي السرى التميمي، عن أحمد بن الفرج، عن الحسن بن موسى الهندي، عن أبيه، عن وبرة بن الحارث، عن ابن عباس، وعن مناقب ابن شهر اشوب: 1 / 358 (واللفظ للاول) وأخرجه في البحار: 63 / 86 ح 42 عن، الارشاد واعلام الورى: 180. قال الشيخ المفيد (ره): وهذا الحديث قد روته العامة كما روته الخاصة، ولم يتناكروا شيئا منه. والمعتزلة لميلها إلى مذهب البراهمة تدفعه، ولبعدها من معرفة الاخبار تنكره، وهي سالكة في ذلك طريق الزنادقة فيما طعنت به في القرآن، وما تضمنه من أخبار الجن وايمانهم بالله ورسوله، وما قص الله تعالى في نبأهم في القرآن في سورة الجن وقولهم: " إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به " الجن: 1 إلى آخر ما تضمنه الخبر عنهم في هذه السورة. وإذا بطل اعتراض الزنادقة في ذلك بتجويز العقول وجود الجن وإمكان تكليفهم وثبوت ذلك مع إعجاز القرآن والاعجوبة الباهرة فيه، كان مثل ذلك ظهور بطلان طعون المعتزلة في الخبر الذي رويناه لعدم استحالة مضمونه في العقول، وفي مجيئه من طريقين
مختلفين وبرواية فريقين في دلالته متباينين برهان صحته. وليس في إنكار من عدل عن الانصاف في النظر من المعتزلة والمجبرة قدح فيما ذكرناه من وجوب العمل عليه، كما أنه ليس في جحد الملاحدة وأصناف الزنادقة واليهود والنصارى والمجوس والصابئين ما جاء صحته من الاخبار بمعجزات النبي صلى الله عليه وآله كانشقاق القمر، وحنين الجذع، وتسبيح الحصى في كفه، وشكوى البعير. وكلام =
[ 206 ]
= الذراع، ومجئ الشجرة، وخروج الماء من بين أصابعه في الميضاة، واطعام الخلق الكثير من الطعام القليل قدح في صحتها، وصدق روايتها وثبوت الحجة بها، بل الشبهة لهم في دفع ذلك و إن ضعفت أقوى من شهبة منكري معجزات أمير المؤمنين عليه السلام وبراهينه لما لا خفاء على أهل الاعتبار به مما لا حاجة بنا إلى شرح وجوهه في هذا المكان. فإذا ثبت تخصيص أمير المؤمنين عليه السلام من القوم بما وصفناه وبينونته من الكافة في العلم بما شرحناه، وضح القول في الحكم له بالتقدم على الجماعة في مقام الامامة واستحقاقه السبق لهم في محل الرياسة بما تضمنه الذكر الحكيم من قصة داود عليه السلام وطالوت حيث يقول جل اسمه: " وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم " البقرة: 247. فجعل الله تعالى الحجة لطالوت في تقدمه على الجماعة من قومه ما جعله حجة لوليه وآخى بينهما عليهما السلام في التقدم على كافة الامة من الاصطفاء عليهم وزيادته في العلم والجسم بسطة، وأكد ذلك بمثل ما تأكد به الحكم لامير المؤمنين عليه السلام من المعجز الباهر المضاف إلى البينونة من القوم بزيادة البسطة في العلم والجسم فقال سبحانه وتعالى: " وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية
مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ". البقرة: 248. وكان خرق العادة لامير المؤمنين عليه السلام بما عددناه من علم الغيوب، وغير ذلك كخرق العادة لطالوت بحمل التابوت، سواء، وهذا بين، والله ولي التوفيق. ولا أزال أجد الجاهل من الناصبة والمعاند يظهر التعجب من الخبر بملاقاة أمير المؤمنين عليه السلام الجن وكفه شرهم عن النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه ويتضاحك لذلك وينسب الرواية له إلى الخرافات الباطلة، ويضع مثل ذلك في الاخبار الواردة بسوى ذلك من معجزاته عليه السلام يقول انها من موضوعات الشيعة وتخرص من افتراه منهم للتكسب بذلك، أو التعصب. =
[ 207 ]
48 - ومنها: ما روى جميع بن عمير قال: اتهم علي عليه السلام رجلا يقال له " العيزار " (1) يرفع أخباره إلى معاوية، فأنكر ذلك وجحده. فقال له: أتحلف بالله أنك ما فعلت ذلك ؟ قال: نعم. وبدر، فحلف. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن كنت كاذبا فأعمى الله بصرك. فما دارت الجمعة حتى أخرج أعمى يقاد، قد أذهب الله بصره. (2) 49 - ومنها: ما روي عن طلحة بن عميرة قال: نشد (3) علي عليه السلام الناس في قول
= وهذا بعينه مقال الزنادقة كافة وأعداء الاسلام فيما نطق به القرآن من خبر الجن وإسلامهم في قوله: " إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ". وفيما ثبت به الخبر عن ابن مسعود في قصة ليلة الجن ومشاهدته لهم كالزط، وفي غير ذلك من معجزات الرسول صلى الله عليه وآله وأنهم يظهرون التعجب من جميع ذلك، ويتضاحكون عند سماع الخبر به، والاحتجاج بصحته، ويستهزؤون ويلغطون فيما يسرفون به من سب الاسلام وأهله، واستحماق معتقديه والناصرين له، ونسبتهم إياهم إلى العجز
والجهل ووضع الاباطيل. فلينظر القوم ما جنوه على الاسلام بعدواتهم لامير المؤمنين عليه السلام واعتمادهم في دفع فضائله ومناقبه وآياته على ما ضاهوا به أصناف الزنادقة والكفار، مما يخرج عن طريق الحجاج إلى أبواب الشغب والمسافهات. وبالله نستعين. (1) " الغيزار " الارشاد. " المغيرة " ارشاد القلوب. " الغيرار " البحار. " الغرار " إحقاق الحق (2) عنه البحار: 8 / 733 ط. حجر، وعنه ج 41 / 198 ح 11 وعن إرشاد المفيد: 203 بالاسناد عن عبد القاهر بن عبد الملك بن عطاء الاشجعي، عن الوليد بن عمران البجلي عن جميع بن عمير. وأورده ابن شهر اشوب في مناقبه: 2 / 112، عنه مدينة المعاجز: 126 ح 352 والاربلي في كشف الغمة: 1 / 283، والديلمي في ارشاد القلوب: 228 مثله. ورواه الامر تسرى في أرجح المطالب: 681. عنه إحقاق الحق: 8 / 739. (3) نشده عهده أو وعده: ذكره ما عاهده به ووعده وطلبه منه.
[ 208 ]
النبي صلى الله عليه وآله " من كنت مولاه فعلي مولاه " (1) فشهد إثنا عشر رجلا من الانصار، وأنس ابن مالك حاضر لم يشهد. فقال علي عليه السلام: يا أنس ما يمنعك أن تشهد، وقد سمعت ما سمعوا ؟ قال: كبرت ونسيت. فقال عليه السلام: اللهم إن كان كاذبا فاضربه ببياض أو بوضح (2) لا تواريه العمامة. قال ابن عميرة: فأشهد بالله لقد رأيتها (3) بيضاء بين عينيه. (4) 50 - ومنها: ما روي عن زيد بن أرقم قال: نشد علي عليه السلام الناس في المسجد فقال: أنشد الله رجلا سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاده ".
فقام إثنا عشر بدريا: ستة من الجانب الايمن، وستة من الجانب الايسر، فشهدوا بذلك. قال زيد: وكنت فيمن سمع ذلك فكتمته، فذهب الله ببصري، وكان يندم على ما
(1) استقصينا تمام مصادر وموارد هذا الحديث عند تحقيقنا صحيفة الامام الرضا عليه السلام ص 109، فراجع. (2) الوضح: البرص. والبيضاء بمعناها. (3) " رأيته " البحار: 42. (4) عنه البحار: 41 / 204 ح 20، وعن الارشاد للمفيد: 203 بالاسناد عن إسماعيل بن عمير عن مسعر بن كدام، عن طلحة بن عميرة مثله. وعنه البحار: 42 / 148 ح 9. ورواه الامر تسري في أرجح المطالب: 579، عنه إحقاق الحق: 6 / 332. وأورده في كشف الغمة: 1 / 283 مرسلا. أقول: وهذا حديث متواتر روته العامة والخاصة بألفاظ مختلفة وأسانيد شتى. أنظر: إحقاق الحق: 8 / 741 - 747 وج 16 / 562.
[ 209 ]
فاته من الشهادة ويستغفر (1). 51 - ومنها: ما روي عن حكيم بن جبير وجماعة قالوا: شهدنا عليا عليه السلام على المنبر وهو يقول: أنا عبد الله، وأخو رسول الله صلى الله عليه وآله ورثت نبي الرحمة، ونكحت سيدة نساء أهل الجنة (2)، وأنا سيد الوصيين، وآخر أوصياء النبيين (3)، لا يدعي ذلك غيري إلا أصابه الله بسوء. فقال رجل من عبس كان جالسا بين القوم: من لا يحسن أن يقول هذا ! ؟ أنا عبد الله وأخو رسول الله. فلم يبرح مكانه حتى تخبطه الشيطان، فجر برجله إلى باب المسجد، فسألنا قومه عنه، فقلنا: تعرفون منه عرضا (4) قبل هذا ؟ قالوا: اللهم لا. (5)
(1) عنه البحار: 41 / 205 ح 21، وعن الارشاد للمفيد: 203 بالاسناد عن أبي إسرائيل عن الحكم بن أبي سلمان المؤذن، وعن زيد بن الارقم مثله. وعنه البحار: 42 / 148 ح 10. وأورده في كشف الغمة: 1 / 283 مرسلا. أقول: وهذا أيضا حديث متواتر رواه الفريقان بأسانيد شتى وألفاظ مختلفة. انظر إحقاق الحق: 6 / 318 - 320 روايته، وغيره. (2) " سيدة نساء العالمين سيدة نساء أهل الجنة " م، ط. والظاهر أن العبارة الاولى هي " خ ل " من النسخة، وأدخلها الناسخ في المتن بلا اشارة. (3) " المرسلين " خ ل. (4) " عارضا " البحار. والعرض - بفتحتين -: من أحداث الدهر من الموت والمرض ونحو ذلك. (5) عنه البحار: 41 / 205 ح 22، وعن الارشاد للمفيد: 204 بالاسناد عن علي بن مسهر، عن الاعمش، عن موسى بن طريف، عن عباية بن موسى النميري، عن عمران ابن ميثم، عن عباية وموسى الوجيهي، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث وعثمان بن سعيد وعبد الله بن بكير، عن حكيم بن جبير مثله، وعن مناقب ابن شهر اشوب 2 / 166 بالاسناد عن الاعمش، عن رواته، عن حكيم بن جبير، وعن عقبة الهجري عن عمته، وعن أبي يحيى مثله. وأورده في كشف الغمة: 1 / 284 مرسلا. وأخرجه في مدينة المعاجز: 139 ح 389 عن المناقب.
[ 210 ]
52 - ومنها: أن سبعة (1) إخوة أو عشرة في حي من أحياء العرب كانت لهم أخت واحدة، فقالوا لها: كل ما يرزقنا الله من عرض الدنيا وحطامها، فإنا نطرحه بين يديك، ونحكمك فيه، فلا ترغبي في التزويج، فحميتنا لا تحتمل (2) ذلك.
فوافقتهم في ذلك، ورضيت به، وقعدت [ في خدمتهم ] وهم يكرمونها. فحاضت يوما، فلما طهرت أرادت الاغتسال، وخرجت إلى عين ماء كانت بقرب حيهم (3)، فخرجت من الماء علقة (4)، فدخلت في جوفها وقد جلست في الماء فمضت عليها أيام والعلقة تكبر، حتى علا بطنها، وظن الاخوة أنها حبلى وقد خانت فأرادوا قتلها. قال بعضهم: نرفع خبرها (5) إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فإنه يتولى ذلك. فأخرجوها إلى حضرته وقالوا فيها ما ظنوا بها، فاستحضر طشتا مملوا بالحمأة (6)، وأمرها أن تقعد عليه فلما أحست العلقة برائحة الحمأة نزلت من جوفها. فقالوا: يا علي أنت ربنا، أنت ربنا العلي، فإنك تعلم الغيب، فزبرهم وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرنا بذلك عن الله بأن هذه الحادثة تقع في هذا اليوم، في هذا الشهر، في هذه الساعة. (7) 53 - ومنها: أن الصحابة سألوا النبي صلى الله عليه وآله أن يأمر الريح فتحملهم إلى
(1) " تسعة " البحار. (2) " تحمل " ه، البحار. احتمل الامر: أطاقه وصبر عليه. (3) " حلتهم " م. بمعناها (4) العلق - بفتح العين واللام -: دود أسود وأحمر يكون بالماء، يعلق بالبدن ويمص الدم... الواحدة علقة. (حياة الحيوان: 2 / 70) (5) " أمرها " البحار. (6) قوله تعالى " من حمأ مسنون " الحجر: 26 / 28، 33. الحمأ: جمع " حمأة " وهو الطين الاسود المتغير. (مجمع البحرين: 1 / 107). (7) عنه البحار: 40 / 242 ح 20، وج 62 / 166 ح 1.
[ 211 ]
أصحاب الكهف ففعل، فلما نزلوا هناك سلم عليهم أبو بكر وعمر وعثمان فلم يردوا
عليهم، ثم قام القوم الآخرون كلهم فسلموا، فلم يردوا عليهم أيضا. فقام علي عليه السلام فقال: السلام عليكم يا أصحاب الكهف والرقيم الذين كانوا من آياتنا عجبا. (1) فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا أبا الحسن. فقال أبو بكر: سل القوم ما لنا (2) سلمنا عليهم ولم يجيبوا ؟ فسألهم علي عليه السلام فقالوا: إنا لا نكلم إلا نبيا أو وصي نبي، وأنت وصي خاتم الانبياء. ثم قال علي عليه السلام: يا ريح احملينا. قالوا: فإذا نحن في الهواء، فلما أن كان في جوف الليل، قال علي عليه السلام: يا ريح ضعينا. ثم قام فركض برجله، فإذا نحن بعين ماء، فتوضأ، ثم قال: فتوضأوا فإنكم مدركون بعض صلاة الصبح مع (3) رسول الله صلى الله عليه وآله. ثم قال: يا ريح احملينا. فأدركنا آخر ركعة مع رسول الله صلى الله عليه وآله. فلما أن قضينا ما سبقنا به، التفت إلينا وأمرنا بالاتمام. فلما فرغنا قال: يا أنس أحدثكم أو تحدثونا ؟ قلت: يا رسول الله من فيك أحسن. فحدثنا كأنه كان معنا، ثم قال: إشهد بهذا لعلي يا أنس. قال أنس: فاستشهدني علي عليه السلام وهو على المنبر، فداهنت في الشهادة. فقال: إن كنت كتمتها مداهنة من بعد وصية رسول الله صلى الله عليه وآله، فأبرصك الله، وأعمى عينيك، وأظمأ جوفك. فلم أبرح من مكاني حتى عميت وبرصت. وكان أنس لا يستطيع الصوم في شهر رمضان ولا في غيره من شدة الظماء وكان يطعم في شهر رمضان كل يوم مسكينين حتى فارق الدنيا وهو يقول: هذا من دعوة علي. (4)
(1) اقتباس من قوله تعالى في سورة الكهف: 90. (2) " ما لهم " ط. (3) " عند " البحار. (4) عنه البحار: 39 / 137 ح 4.
[ 212 ]
54 - ومنها: أنه أتي عمر بأسير في عهده، فعرض عليه الاسلام فأبى، فأمر بقتله قال: لا تقتلوني [ وأنا ] عطشان. فجاءوا بقدح ملان ماء فقال: لي الامان إلى أن أشرب ؟ قال عمر: نعم. فأراق الماء على الارض فنشفته (1)، قال عمر: اقتلوه، فإنه احتال. فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: لا يجوز لك قتله وقد آمنته. قال: ما أفعل [ به ] ؟ قال: اجعله لرجل من المسلمين بقيمة عدل (2). قال: ومن يرغب فيه ؟ قال: أنا. قال: هو لك. فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام القدح بكفه، فدعا، فإذا ذلك الماء اجتمع في القدح فأسلم لذلك، فأعتقه أمير المؤمنين عليه السلام، فلزم المسجد والتعبد. فلما قتل أبو لؤلؤة عمر، ظن عبيد الله بن عمر أن الهرمزان قتل أباه، فدخل المسجد وقتله. فعرفوا عمر حاله. فقال: أخطأ، قتلني أبو لؤلؤة، الهرمزان مولى علي بن أبي طالب، ولا يوصي إلا بقتل عبيد الله. فتوفي عمر، وقام عثمان، فلم يقتل عبيد الله. وقال علي عليه السلام إن مكنني الله منه لاقتله. فلما قتل عثمان هرب عبيد الله إلى معاوية وظفر به بصفين فقتله (3) وهو مقلد بسيفين (4) 55 - ومنها: أنه صعب على المسلمين قلعة (5) فيها كفار، ويئسوا من فتحها فعقد في المنجنيق ورماه الناس إليها، وفي يده ذو الفقار، فنزل عليهم وفتح القلعة. (6)
(1) نشف الماء في الارض: ذهب ونضب. (2) " عبد " البحار. والعدل: الفدية. (3) راجع تفصيل ذلك في مروج الذهب: 2 / 378 - 385. (4) عنه البحار: 41 / 250 ح 5 إلى قوله " فلزم المسجد والتعبد ". وأورد نحوه في الصراط المستقيم: 1 / 104 نقلا من كتاب العقد عن المغربي، عنه اثبات الهداة 5 / 57 ح 421. (5) يقال: أنها قلعة سلاسل في شوشتر. (من حاشية م).
(6) عنه البحار: 42 / 18 ح 3.
[ 213 ]
56 - ومنها: أن قوما من النصارى كانوا دخلوا على النبي صلى الله عليه وآله وقالوا: نخرج ونجئ بأهالينا وقومنا، فإن أنت أخرجت مائه ناقة من الحجر لنا سوداء، مع كل واحدة فصيل، آمنا. فضمن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وانصرفوا إلى بلادهم. فلما كان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله رجعوا، فدخلوا المدينة، فسألوا عن النبي صلى الله عليه وآله فقيل لهم: توفي صلى الله عليه وآله. فقالوا: نحن نجد في كتبنا أنه لا يخرج من الدنيا نبي إلا ويكون له وصي، فمن كان وصي نبيكم محمد ؟ فدلوا على أبي بكر، فدخلوا عليه وقالوا: لنا دين على محمد. فقال: وما هو ؟ قالوا (1): مائة ناقة، ومع كل ناقة فصيل وكلها سود. فقال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله تركة تفي بذلك. فقال بعضهم لبعض بلسانهم: ما كان أمر محمد إلا باطلا. وكان سلمان حاضرا وكان يعرف لغتهم (2)، فقال لهم: أنا أدلكم على وصي رسول الله (3). فإذا بعلي قد دخل المسجد، فنهضوا إليه مع سلمان وجثوا (4) بين يديه قالوا: لنا على نبيكم مائة ناقة دينا بصفات مخصوصة. قال [ علي ] عليه السلام: وتسلمون حينئذ ؟ قالوا: نعم. فواعدهم إلى الغد، ثم خرج بهم إلى الجبانة، والمنافقون يزعمون أنه يفتضح، فلما وصل إليها صلى ركعتين ودعا خفيا، ثم ضرب بقضيب رسول الله صلى الله عليه وآله على الحجر (5) فسمع من أنين كما يكون للنوق عند مخاضها.
(1) " قال " نسخ الاصل. تصحيف ظ. (2) " ألسنتهم ولغاتهم " خ ل. (3) " محمد " البحار.
(4) " جلسوا " ط. جثا: جلس على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه. (5) زاد في م " وخرج منه ".
[ 214 ]
فبينا كذلك إذا انشق الحجر، فخرج منه رأس ناقة قد تعلق منه الزمام (1). فقال عليه السلام لابنه الحسن: خذه. فخرج منه مائة ناقة، مع كل واحدة فصيل كلها سود الالوان. فأسلم النصارى كلهم، ثم قالوا: كانت ناقة صالح النبي واحدة، وكان بسببها هلاك قوم كثير، فادع الله يا أمير المؤمنين حتى ترجع (2) النوق وفصالها (3) في الحجر لئلا يكون شئ منها سبب هلاك أمة محمد. فدعا، فدخلت مثلما خرجت. (4) 57 - ومنها: أن أبا عبد الله الغنوي (5) قال: إنا لجلوس مع علي بن أبي طالب (6) عليه السلام يوم الجمل إذ جاءه الناس، فقالوا: لقد نالنا النبل والنشاب. فسكت. ثم جاء آخرون يهتفون به (7) وقالوا: قد جرحنا. فقال عليه السلام: [ يا قوم ] من يعذرني من قوم يأمروني بالقتال ولم تنزل بعد الملائكة ؟ فقال: (8) إنا لجلوس ما نرى ريحا ولا نحسها إذ هبت ريح طيبة من خلفنا، والله لوجدت بردها بين كتفي (9) من تحت الدرع والثياب. قال: فلما هبت الريح صب أمير المؤمنين عليه السلام درعه، ثم قام إلى القوم، فما رأيت فتحا كان أسرع منه. (1)
(1) الزمام: المقود. (2) " تدخل " البحار. وهي أظهر. (3) " فصيلها " م، ط. والفصال: جمع فصيل، وهو ولد الناقة. (4) عنه البحار: 41 / 198 ح 10. (5) " العنزي " الامالي وكشف. ولم يثبت لدينا.
(6) " على أمير المؤمنين " ط. (7) " يهرعون (به) إليه " ط. هتف: صاح. (8) أي الراوي للحديث. (9) " على كبدي " خ ل. (10) عنه البحار: 8 / 436 ط. حجر وعن أمالي الطوسي: 2 / 212 بإسناده عن المفيد عن عمر الصيرفي، عن محمد بن القاسم، عن جعفر بن عبد الله. عن يحيى بن الحسن =
[ 215 ]
58 - ومنها: أن ابن الكوا قال لعلي عليه السلام أين كنت حيث ذكر الله أبا بكر فقال * (ثاني اثنين إذ هما في الغار) * (1) ؟ فقال: عليه السلام: ويلك يا بن الكوا كنت على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وقد طرح علي ريطته (2) فأقبلت قريش مع كل رجل منهم هراوة (3) فيها شوكها، فلم يبصروا رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبلوا علي يضربونني حتى تنفط (4) جسدي، وأوثقوني بالحديد، وجعلوني في بيت، واستوثقوا الباب بقفل، وجاءوا بعجوز تحرس الباب. فسمعت صوتا يقول: يا علي ! فسكن الوجع الذي (5) أجده. وسمعت صوتا آخر [ يقول ] (6) يا علي ! فإذا الحديد الذي علي قد تقطع. ثم سمعت صوتا: يا علي ! فإذا الباب فتح، فخرجت، والعجوز لا تعقل (7). (8) 59 - ومنها: ما روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: لما قتل علي عليه السلام عمرو بن عبد ود أعطى سيفه ذا الفقار الحسن عليه السلام وقال: قل لامك: تغسل هذا الصقيل (9). فرده وعلي عليه السلام عند النبي صلى الله عليه وآله، وفي وسطه نقطة لم تنق (10)، فقال: أليس قد غسلته الزهراء ؟ قال: نعم. قال: فما هذه النقطة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي سل
= عن المسعودي، عن الحارث بن حصيرة، عن أبى محمد العنزي، عن أبى عبد الله العنزي. وأورده في كشف الغمة: 1 / 395 مرسلا عن أبى عبد الله العنزي. (1) التوبة: 40. (2) الريطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ونسجا واحدا. (3) الهراوة: العصا الضخمة، كهراوة الفأس.
(4) نفطت يده: قرحت. (5) " فلن " البحار: 19 وج 8 ط. حجر. (6) من البحار: 19 وج 8 ط. حجر. (7) أي لا تدرك. (8) عنه البحار: 19 / 76 ح 27، وج 8 / 620 ط. حجر. وأورده الشريف الرضي في خصائص أمير المؤمنين: 26 مثله. عنه البحار: 36 / 43 ح 7، وحلية الابرار: 1 / 278، ومدينة المعاجز: 76 ح 189. (9) الصقيل: السيف. (10) نفي نقاوة: نظف وحسن وخلص فهو نقي.
[ 216 ]
ذا الفقار يخبرك. فهزه وقال: أليس قد غسلتك الطاهرة من دم الرجس النجس ؟ فأنطق الله السيف فقال: [ نعم ] (1) ولكنك ما قتلت بي أبغض إلى الملائكة من عمرو ابن عبد ود فأمرني ربي، فشربت هذا النقطة من دمه وهو حظي منه، فلا تنتضيني (2) يوما إلا ورأته الملائكة فصلت عليك. (3) 60 - ومنها: ما أخبرنا به أبو منصور شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي (4) [ قال: حدثنا أبي، قال: ] حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد الميداني، حدثنا أبو عمرو محمد بن يحيى حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن محمد بن عمر [ قال: ] سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد المعروف بابن الوفا بالكوفة يقول: كنت بالمسجد الحرام، فرأيت الناس مجتمعين حول مقام إبراهيم، فقلت: ما هذا ؟ قالوا: راهب أسلم. فأشرفت عليه، فإذا أنا بشيخ كبير عليه جبة صوف وقلنسوة صوف، عظيم الخلق، وهو قاعد بحذاء مقام إبراهيم، فسمعته يقول: كنت قاعدا في صومعتي، فأشرفت منها، فإذا طائر كالنسر قد سقط على صخرة على شاطئ البحر، فتقيأ فرمى بربع إنسان، ثم طار، فتفقدته، فعاد فتقيأ فرمى بربع إنسان، ثم طار، ثم جاء فتقيأ بربع إنسان، ثم طار، ثم جاء فتقيأ بربع إنسان ثم طار، فدنت الارباع، فقام رجلا، فهو قائم، وأنا أتعجب منه، ثم انحدر الطير، فضربه
وأخذ ربعه فطار، ثم رجع فأخذ ربعه فطار، ثم رجع فأخذ ربعا آخر فطار، ثم رجع فأخذ الربع الآخر. فبقيت أتفكر وتحسرت أن لا أكون لحقته فسألته من هو ؟ فبقيت أتفقد الصخرة
(1) من البحار. (2) نضى السيف وانتضاه: سله. (3) عنه البحار: 20 / 249 ح 18، ومدينة المعاجز: 95 ح 240. (4) هو من ذرية الضحاك بن فيروز الديلمي، سمع من أبيه وغيره، مات سنة 558. تجد ترجمته في سير أعلام النبلاء: 20 / 375 رقم 255.
[ 217 ]
حتى رأيت الطير قد أقبل، فتقيأ بربع إنسان، فنزلت فقمت بازائه، فلم أزل حتى تقيأ بالربع الرابع، ثم طار، فالتأم رجلا فقام قائما. فدنوت منه، فسألته، فقلت: من أنت ؟ فسكت عني، فقلت: بحق من خلقك من أنت ؟ قال: أنا ابن ملجم. فقلت: وأيش (1) عملت ؟ قال: قتلت علي بن أبي طالب، فوكل بي هذا الطير يقتلني كل يوم قتلة (2). فهو يحدثني، إذ انقض الطائر فضربه (3) فأخذ ربعه وطار، فسألت عن علي فقالوا: ابن عم رسول الله [ ووصيه ]. فأسلمت. (4) 61 - ومنها: ما روى مكحول، أن مرحبا اليهودي، قدمته اليهود لشجاعته ويساره، وكان طويل القامة، عظيم الهامة، وما وافقه قرن لعظم خلقه، وكانت له ظئر (5) [ قد ] قرأت الكتب، وكانت تقول له: قاتل كل من قاتلك إلا من يسمى بحيدرة، فإنك إن وقفت له هلكت. فلما
(1) أيش: مخفف " أي شئ ". (2) في بعض المصادر " أربعين قتلة ". (3) " فهذا يخبرني وانقض الطير " م، ه. (4) عنه البحار: 42 / 307 ح 7 وعن كشف الغمة: 1 / 434، وعنه مدينة المعاجز: 199
ح 549. ورواه الخوارزمي في مناقبه: 281 بإسناده عن شهردار بن شيرويه الديلمي... مثله، عنه الفصول: المهمة: 759، وحديقة الافراح لازالة الاتراح: 95، ونور الابصار: 120. ورواه الحمويني في فرائد السمطين: 1 / 391. وأخرجه الحضرمي في وسيلة المآل: 157 عن حديقة الافراح، والامرتسري في أرجح المطالب: 656 عن الفصول المهمة وروى نحوه الحلواني في مقصد الراغب: 104 (مخطوط) بإسناده عن أبي الخير بدل ابن أبي عمير يرفعه عن عصمة العباداني، والمناوي في الكواكب الدرية: 1 / 44 عن ابن عساكر، عن عصمة العباد. وأخرجه عن بعض المصادر أعلاه إحقاق الحق: 8 / 759 - 761 وج 18 / 214. (5) أي مرضعة.
[ 218 ]
كثر مناوشته (1)، وبعل (2) الناس بمكانه، شكوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسألوه أن يخرج إليه عليا عليه السلام وكان أرمد، فتفل النبي صلى الله عليه وآله في عينه، فصحت. ثم قال له: " يا علي اكفني مرحبا ". فخرج إليه فلما بصر به مرحب أسرع إليه، فلم يره يعبأ به فتحير، ثم قال: أنا الذي سمتني أمي مرحبا. فقال علي عليه السلام: أنا الذي سمتني أمي حيدرة. فلما سمعها (3) هرب ولم يقف [ خوفا ] (4) مما حذرته ظئره، فتمثل له إبليس وقال: إلى أين ؟ قال: حذرت ممن اسمه حيدرة. قال: أولم يكن حيدرة إلا هذا ؟ حيدرة في الدنيا كثير، فارجع فلعلك تقتله، فإن قتلته سدت قومك (5) وأنا في ظهرك. فما كان إلا كفواق (6) ناقة حتى قتله أمير المؤمنين (7). (8) 62 - ومنها: ما روى الحارث الاعور قال: خرجنا مع علي عليه السلام حتى انتهينا (9) إلى العاقول (10)، فإذا هناك أصل شجرة وقد وقع لحاؤها (11) ويبس عودها.
(1) مناوشته: منازلته. (2) بعل بأمره: تحير فلم يدر ما يصنع. وفي ه، س " ثقل " وهو ما استظهره في " م ". (3) " سمع بذكر حيدرة " ط. (4) من الامالي. (5) ساد قومه: صار سيدهم. (6) الفواق: ما بين الحلبتين من وقت وقيل: ما بين فتح يد الحالب وقبضها على الضرع. (7) وفي ذلك يقول الكميت بن يزيد الاسدي (ره) في مدحه لعلي عليه السلام: سقى جرع الموت ابن عثمان بعدما * تعاورها منه وليد ومرحب فالوليد: ابن عتبة، وعثمان: ابن طلحة. (8) عنه البحار: 21 / 9 ح 3، وعن أمالي الطوسي: 1 / 2 بإسناده عن مكحول مفصلا. وأخرجه في غاية المرام: 470 باب 10 ح 3 عن الامالي. (9) " أتينا " ط. (10) العاقول: منعطف الوادي أو النهر. وفي رواية إرشاد القلوب:... إلى العاقول بالكوفة على شاطئ الفرات. (11) اللحاء: قشر الشجرة.
[ 219 ]
فضربها عليه السلام بيده ثم قال: ارجعي باذن الله خضراء ذات ثمر. فإذا هي بأغصانها تهتز، حملها كمثرى، فقطعنا وأكلنا منها وحملنا معنا. فلما كان من الغد عدنا إليها، فإذا هي على حالها خضراء فيها الكمثرى. (1) 63 - ومنها: ما روي [ عن ] الاصبغ بن نباتة [ قال ]: كنا نمشي خلف علي [ بن أبي طالب ] عليه السلام ومعنا رجل من قريش، فقال لامير المؤمنين عليه السلام: قد قتلت الرجال وأيتمت الاولاد (2) وفعلت و (3) فعلت. فالتفت إليه عليه السلام فقال له: اخسأ (4). فإذا هو كلب أسود، فجعل يلوذ به ويبصبص (5) فرأيناه يرحمه (6)، فحرك شفتيه، فإذا هو رجل كما كان.
فقال له رجل من القوم: يا أمير المؤمنين أنت تقدر على مثل هذا ويناويك معاوية ؟ فقال: نحن عباد لله مكرمون، لا نسبقه بالقول، ونحن بأمره عاملون. (7) 64 - ومنها: ما روي عن أبي جعفر، عن آبائه عليهم السلام أن الحسين بن علي عليهما السلام قال: كنا قعودا ذات يوم عند أمير المؤمنين عليه السلام وهناك شجرة رمان يابسة، إذ دخل عليه نفر من مبغضيه، وعنده قوم من محبيه فسلموا، فأمرهم بالجلوس.
(1) عنه البحار: 41 / 248 ح 1، وعن بصائر الدرجات: 254 ح 3 بإسناده عن الحارث مثله. وأورده في اثبات الوصية: 151، وثاقب المناقب: 213 (مخطوط). ومناقب آل أبي طالب: 2 / 153، وارشاد القلوب: 278 مرسلا عن الحارث. (2) " الاطفال " س، ط. (3) " ما " البحار. (4) زاد في ه " يا كلب ". (5) البصبصة: تحريك الكلب ذنبه طمعا أو خوفا. (6) يرحمه: يرق له ويشفق عليه. وفي س، ط بلفظ " فرآه فرحمه ". وفي البحار: " فوافاه برحمة ". (7) عنه اثبات الهداة: 4 / 546 ح 194، والبحار: 41 / 199 ح 12. وروى نحوه الخصيبي في الهداية: 124 بإسناده عن جابر الجعفي عن الباقر (ع). وأورد نحوه في ثاقب المناقب: 209 مرسلا عن أبي جعفر عليه السلام.
[ 220 ]
فقال علي عليه السلام: إني أريكم اليوم آية تكون فيكم كمثل المائدة في بني إسرائيل إذ يقول الله * (إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) * (1). ثم قال: انظروا إلى الشجرة - وكانت يابسة - وإذا هي قد جرى الماء في عودها ثم اخضرت وأورقت وعقدت (2) وتدلى حملها على رؤوسنا، ثم التفت إلينا فقال للقوم الذين هم محبوه: مدوا أيديكم وتناولوا وكلوا. فقلنا: " بسم الله الرحمن
الرحيم " وتناولنا وأكلنا رمانا لم نأكل قط شيئا أعذب منه وأطيب. ثم قال للنفر الذين هم مبغضوه: مدوا أيديكم وتناولوا، فمدوا أيديهم فارتفعت وكلما مد رجل منهم يده إلى رمانة ارتفعت، فلم يتناولوا شيئا، فقالوا: يا أمير المؤمنين ما بال أخواننا مدوا أيديهم وتناولوا، وأكلوا، ومددنا أيدينا فلم ننل ؟ فقال عليه السلام: وكذلك الجنة لا ينالها إلا أولياؤنا ومحبونا، ولا يبعد منها إلا أعداؤنا ومبغوضنا. فلما خرجوا قالوا: هذا من سحر علي بن أبي طالب قليل ! قال سلمان: ماذا تقولون " أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون " (3). (4) 65 - ومنها: ما روي عن أبي علي الحسن بن عبد العزيز الهاشمي قال: كانت
(1) سورة المائدة 115. (2) عقد الزهر: انضمت أجزاؤه فصار ثمرا. (3) اقتباس من قوله تعالى في سورة الطور: 15. (4) عنه البحار: 41 / 249 ح 4: وأورده في ثاقب المناقب: 211 عن عبد الله بن عبد الجبار، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه، عن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، عنه مدينة المعاجز: 57 ح 112. وأورده الرضوي الحائري في كنز المطالب، عنه اثبات الهداة: 5 / 30 ح 359 مختصرا. وروى نحوه الحنفي الترمذي في المناقب المرتضوية: 317، عنه إحقاق الحق 8 / 717
[ 221 ]
الفتنة قائمة بين العباسيين والطالبيين بالكوفة، حتى قتل سبعة عشر [ رجلا ] عباسيا، وغضب الخليفة القادر، واستنهض الملك مشرف الدولة (1) أبا علي حتى يسير إلى الكوفة ويستأصل من بها من الطالبيين، ويفعل كذا وكذا بهم وبنسائهم وبناتهم، وكتب من بغداد هذا
الخبر على طيور إليهم، وعرفوهم ما قال القادر، ففزعوا من ذلك وتعلقوا ببني خفاجة. فرأت امرأة عباسية في منامها كأن فارسا على فرس أشهب، وبيده رمح نزل من السماء، فسألت عنه، فقيل لها: هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يريد أن يقتل من عزم على قتل الطالبيين. فأخبرت الناس فشاع منامها في البلد، وسقط الطائر بكتاب من بغداد بأن الملك مشرف الدولة بات عازما على المسير إلى الكوفة، فلما انتصف الليل مات فجأة وتفرقت العساكر، وفزع القادر. (2) 6 - ومنها: ما روى أبو محمد الصالحي (3) [ قال ]: حدثنا أبو الحسن علي ابن هارون المنجم أن الخليفة الراضي كان يجادلني كثيرا على خطأ علي [ بن أبي طالب ] فيما دبره في أمره مع معاوية. قال: فأوضحت له الحجة أن هذا لا يجوز على علي، وأنه عليه السلام لم (4) يعمل إلا الصواب، فلم يقبل مني هذا القول، وخرج إلينا في بعض الايام ينهانا عن الخوض في مثل ذلك. وحدثنا أنه رأى في منامه كأنه خارج من داره يريد بعض متنزهاته، فرفع إليه رجل قصته (5) ورأسه رأس الكلب، فسأل عنه ؟
(1) " شرف الدولة " بعض النسخ والبحار. (2) عنه البحار: 42 / 1 ح 1. (3) " الصالح " البحار. (4) " لا " س، ط. (5) " قصة " م. " قصير " البحار.
[ 222 ]
فقيل له: هذا الرجل كان يخطئ علي بن أبي طالب عليه السلام. قال: فعلمت أن ذلك كان عبرة لي ولامثالي، فتبت إلى الله. (1) 67 - ومنها: ما روي عن أبي سعيد عقيصا قال: خرجنا مع علي عليه السلام نريد
صفين، فمررنا بكربلاء فقال: هذا موضع الحسين عليه السلام وأصحابه. ثم سرنا حتى انتهينا إلى راهب في صومعة، وتقطع (2) الناس من العطش وشكوا إلى علي عليه السلام ذلك، وأنه قد أخذ بهم طريقا لا ماء فيه من البر، وترك طريق الفرات. فدنا من الراهب، فهتف به، وأشرف إليه فقال: أقرب صومعتك ماء ؟ قال: لا. فثنى رأس بغلته، فنزل في موضع فيه رمل، وأمر الناس أن يحفروا هذا الرمل، فحفروا، فأصابوا تحته صخرة بيضاء، فاجتمع ثلاثمائة رجل، فلم يحركوها. فقال عليه السلام: تنحوا فإني صاحبها. ثم أدخل يده اليمنى تحت الصخرة، فقلعها من موضعها حتى رآها الناس على كفه فوضعها ناحية، فإذا تحتها عين ماء أرق من الزلال وأعذب من الفرات، فشرب الناس وسقوا واستقوا وتزودوا، ثم رد الصخرة إلى موضعها وجعل الرمل كما كان. وجاء الراهب فأسلم، وقال: إن أبي أخبرني، عن جده - وكان من حواري عيسى -: إن تحت هذا الرمل عين ماء، وإنه لا يستنبطها إلا نبي أو وصي نبي. وقال لعلي عليه السلام: أتأذن لي أن أصحبك في وجهك هذا ؟ قال عليه السلام: الزمني (3). ودعا له، ففعل، فلما كان ليلة الهرير (4) قتل الراهب فدفنه بيده عليه السلام، وقال:
(1) عنه البحار: 42 / 1 ح 2، ومدينة المعاجز: 200 ح 550. (2) " وقد انقطع " س، ه، ط. (3) أي لا تفارقني. (4) ليلة الهرير: وقعة كانت بين علي عليه السلام ومعاوية بظهر الكوفة سنة 37 ه.
[ 223 ]
لكأني أنظر إليه، وإلى منزله في الجنة، ودرجته التي أكرمه الله بها. (1) 68 - ومنها: ما روى الشيخ أبو جعفر بن بابويه [ قال: ] حدثنا محمد بن
الحسن بن الوليد، حدثنا محمد بن الصفار، حدثنا أحمد بن محمد السجزي (2) حدثنا عثمان بن عفان السجزي قال: خرجت في طلب العلم فدخلت البصرة فصرت إلى محمد بن عباد، صاحب عبادان فقلت: إني رجل غريب أتيتك من بلد بعيد لاقتبس من علمك شيئا. قال: من أين أنت ؟ قلت: من أهل سجستان. قال: من بلد الخوارج ؟ قلت: لو كنت خارجيا ما طلبت علمك. قال: أفلا أخبرك بحديث حسن إذا أتيت بلادك تحدث به الناس ؟ قلت: بلى. قال: كان لي جار من المتعبدين، فرأى في منامه كأنه قد مات وكفن ودفن وقال: مررت بحوض النبي صلى الله عليه وآله وإذ هو جالس على شفير الحوض والحسن والحسين عليهما السلام يسقيان الامة الماء، فاستسقيتهما فأبيا أن يسقياني. فقلت: يا رسول الله إني من أمتك ! قال: وإن قصدت عليا لا يسقيك فبكيت. وقلت: أنا من شيعة علي. قال: لك جار يلعن عليا ولم تنهه. قلت: إني ضعيف ليس لي قوة، وهو من حاشية السلطان. قال: فأخرج النبي سكينا مسلولا وقال: امض واذبحه. فأخذت السكين وصرت إلى داره، فوجدت الباب مفتوحا، فدخلت فأصبته نائما فذبحته، وانصرفت إلى
(1) عنه البحار: 8 / 530 ط. حجر. وروى مثله السيد المرتضى علم الهدى في شرح السيد الحميري عند قوله: ولقد سرى فيما يسير بليلة * بعد العشاء بكربلا في موكب عنه اثبات الهداة: 5 / 83 ح 500. (2) سجز: بكسر أوله، وسكون ثانيه، وآخره زاي: اسم: لسجستان، البلد المعروف في أطراف خراسان، والنسبة إليها سجزى. وفي البحار " السجستي ".
[ 224 ]
النبي صلى الله عليه وآله وقلت: قد ذبحته وهذه السكين ملطخة بدمه. قال: هاتها، ثم قال للحسن (1) عليه السلام: اسقه [ ماء ] (2). فلما أضاء الصبح سمعت صراخا (3) " فسألت عنه فقيل: إن فلانا وجد على فراشه مذبوحا، فلما كان بعد ساعة قبض أمير البلد على جيرانه، فدخلت عليه وقلت: أيها الامير إتق الله، إن القوم براء، وقصصت عليه الرؤيا، فخلى عنهم. (4) 69 - ومنها: ما روى جويرية بن مسهر قال: أقبلت مع علي عليه السلام من النهروان فلما صرنا في أرض بابل (5) حضر وقت الصلاة، فقال: أيها الناس إن هذه أرض ملعونة قد خسف بها مرتين من الدهر، وهي إحدى المؤتفكات (6)، وهي أول أرض عبد فيها وثن، ولا ينبغي لنبي ولا لوصي أن يصلي فيها، وضرب بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسار. قال: فتبعته فو الله ما عبر سورا حتى غربت الشمس وظهر الليل فالتفت إلي فقال: يا جويرية صليت ؟ قلت: نعم. فنزل وأذن وتنحى عني فأحسبه توضأ، ثم دعا بكلام حسبته بالعبرانية أو من التوراة، فإذا الشمس قد بدت راجعة حتى استقرت في موضعها من الزوال، فقام يصلي، وصليت معه الظهر والعصر بأذان وإقامتين، فلما قضينا صلاة العصر هوت الشمس وصرنا في الليل. ثم قال: يا جويرية إن الله يقول: " فسبح باسم ربك العظيم " (7) وإني دعوت
(1) " للحسين " البحار. (2) من البحار. (3) هكذا في البحار، وفي " الاصل " صارخا (4) عنه البحار: 42 / 2 ح 3. (5) بابل: اسم ناحية منها الكوفة والحلة. قلت: والمشهور بهذا الاسم المدينة الخراب بقرب الحلة، وإلى جانبها قرية تسمى الآن بابل، عامرة. (مراصد الاطلاع: 1 / 145). (6) المؤتفكات: المدن التي أبادها الله وقلبها على أهلها. (7) سورة الواقعة: 74. (*)
[ 225 ]
لله باسمه العظيم فرد لي الشمس كما رأيت. (1) 70 - ومنها: ما روي عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين، عن أبيه عليهما السلام قال: لما أراد علي أن يسير إلى النهروان (2)، استنفر أهل الكوفة وأمرهم أن يعسكروا بالمدائن (3) فتأخر عنه شبث بن ربعي، وعمرو بن حريث، والاشعث بن قيس
(1) رواه الصفار في بصائر الدرجات: 217 - 219 ح 1 و 3 و 4 بثلاثة طرق إلى جويرية ابن مسهر، عنه البحار: 41 / 178 ح 13 و 14، ومستدرك الوسائل: 3 / 350 ح 4. ورواه الصدوق في علل الشرائع: 352 ح 4، عنه الوسائل: 3 / 468 ح 3، واثبات الهداة: 4 / 484 ح 80، والبحار: 83 / 317 ح 10 وعن البصائر. ورواه في من لا يحضره الفقيه: 1 / 203 ح 611، عنه الوسائل المذكور ح 1 و 2 واثبات: 4 / 445 ح 18 وعن العلل والبصائر. ورواه في الهداية الكبرى: 122 بالاسناد عن جويرية. وأورده في أثبات الوصية: 150 مرسلا. وأخرجه في البحار: 41 / 167 ح 3 عن العلل والبصائر والروضة: 30 ح 17 عن الحسين عليه السلام، الفضائل لشاذان: 68. وأخرجه أيضا في مدينة المعاجز: 19 ح 42 عن الفقيه والبصائر وتأويل الآيات: 2 / 720 ح 17 وثاقب المناقب: 219. وأخرجه في اثبات الهداة: 5 / 14 ح 317 عن عيون المعجزات: 7. وأخرجه في غاية المرام: 631 ح 13 عن خصائص أمير المؤمنين: 24. وأخرجه في إحقاق الحق: 5 / 537 عن نصر بن مزاحم في " صفين ": 152 بإسناده عن عبد خير. وعن ابن حسنويه في در بحر مناقب: 117 - 118 بإسناده عن الحسين بن علي عليه السلام. وعن القندوزي في ينابيع المودة: 318 عن الحسين بن علي " ع ".
(2) النهراون: وهي ثلاثة نهروانات: الاعلى والاوسط والاسفل، وهي كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي... وكان بها وقعة لامير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع الخوارج مشهورة. " معجم البلدان: 5 / 324 ". (3) المدائن: جمع مدينة، وإنما سميت بذلك لانها كانت مدنا، كل واحدة منها إلى جنب الاخرى... وفي وقتنا هذا: بليدة صغيرة في الجانب الغربي من دجلة " مراصد الاطلاع 3 / 1243 ".
[ 226 ]
وجرير بن عبد الله البجلي، وقالوا: أتأذن لنا أياما نتخلف عنك في بعض حوائجنا ونلحق بك ؟ فقال لهم: قد فعلتموها، سوءة لكم من مشايخ، فو الله ما لكم من حاجة تتخلفون عليها، وإني لاعلم ما في قلوبكم وسأبين لكم: تريدون أن تثبطوا عني الناس، وكأني بكم بالخورنق (1) وقد بسطتم سفركم للطعام، إذ يمر بكم ضب فتأمرون صبيانكم فيصيدونه، فتخلعوني وتبايعونه. ثم مضى إلى المدائن وخرج القوم إلى الخورنق وهيأوا طعاما، فبينا هم كذلك على سفرتهم وقد بسطوها إذ مر بهم ضب فأمروا صبيانهم فأخذوه وأوثقوه ومسحوا أيديهم على يده كما أخبر علي عليه السلام، وأقبلوا على المدائن. فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: بئس للظالمين بدلا، ليبعثكم الله يوم القيامة مع إمامكم الضب الذي بايعتم، لكأني أنظر إليكم يوم القيامة وهو يسوقكم إلى النار. ثم قال: لئن كان مع رسول الله منافقون فإن معي منافقين. أما والله يا شبث ويا بن حريث لتقاتلان ابني الحسين، هكذا أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) 71 - ومنها: روي أن عليا عليه السلام لما سار إلى النهروان، شك رجل يقال له: جندب فقال له علي عليه السلام: الزمني ولا تفارقني. فلزمه فلما دنوا من قنطرة النهروان نظر [ علي ] عليه السلام قبل زوال الشمس إلى قنبر يؤذن بالصلاة وقال: إئتني بماء فقعد يتوضأ
فأقبل فارس وقال: قد عبر القوم.
(1) الخورنق: موضع بالكوفة، قيل: انه نهر، والمعروف أنه القصر القائم إلى الآن بالكوفة بظاهر الحيرة " مراصد الاطلاع ": 1 / 489 ". (2) عنه البحار: 8 / 610 " ط حجر ". رواه في الهداية الكبرى: 42 بإسناده إلى أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، عنه مدينة المعاجز: 193 ح 533. يأتي نحوه في الباب الخامس في الدلالات على صحة امامة الاثنى عشر ح 64 عن الاصبغ ابن نباتة.
[ 227 ]
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما عبروا، ولا يعبرونها، ولا يفلت منهم إلا دون العشرة ولا يقتل منكم إلا دون العشرة، والله ما كذبت ولا كذبت. فتعجب الناس. فقال جندب: إن صح ما قال علي فلا أحتاج إلى دليل غيره. فبينا هم كذلك إذ أقبل فارس، فقال: يا أمير المؤمنين القوم على ما ذكرت لم يعبروا القنطرة. فصلى بالناس الظهر، وأمرهم بالمسير إليهم. قال جندب فقلت: لا يصل إلى القنطرة قبلي أحد فركضت فرسي فإذا هم دون القنطرة وقوف (1)، فكنت أول من رمى فقتلوا كلهم إلا تسعة، وقتل من أصحابنا تسعة. ثم قال علي عليه السلام: اطلبوا ذا الثدية (2). فطلبوه فلم يجدوه، فقال: اطلبواه فو الله ما كذبت ولا كذبت. ثم قام فركب البغلة نحو قتلى كثير، فقال: اقلبوها. فاستخرجوا ذا الثدية، فقال: الحمد لله الذي عجلك إلى النار. وقد كان الخوارج قبل ذلك خرجوا عليه بجانب الكوفة في حروراء (3)، وكانوا إذ ذاك إثني عشر ألفا. فقال: فخرج إليهم أمير المؤمنين في إزار ورداء راكبا البغلة، فقيل: القوم شاكون في السلاح، أتخرج إليهم كذلك ؟ قال: إنه ليس بيوم قتالهم، وصار إليهم بحروراء
وقال لهم: ليس اليوم أوان قتالكم، وستفترقون حتى تصيرون أربعة آلاف، فتخرجون علي في مثل هذا اليوم، في هذا الشهر، فأخرج إليكم بأصحابي فاقاتلكم حتى
(1) " وفرق " م. (2) " ذو الثدية " لقب رجل من الخوارج، اسمه ثرملة، قتل يوم النهروان، فمن قال في الثدي: انه مذكر، يقول: إنما أدخلوا الهاء في التصغير لان معناه اليد وهي مؤنثة، وذلك أن يده كانت قصيرة مقدار الثدي، يدل على ذلك أنهم كانوا يقولون فيه " ذو اليدية " مجمع البحرين: 1 / 72. (3) الحر وراء: قرية بظاهر الكوفة، وقيل: موضع على ميلين منها نزل بها الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقيل... وبها كان أول تحكيمهم واجتماعهم حين خالفوا عليه. معجم البلدان: 2 / 245.
[ 228 ]
لا يبقى منكم إلا دون عشرة ويقتل من أصحابي يومئذ دون عشرة، هكذا أخبرني رسول الله. فلم يبرح من مكانه حتى تبرأ بعضهم من بعض، وتفرقوا إلى أن صاروا أربعة آلاف بالنهروان (1). 72 - ومنها: ما روي عن قنواء بنت رشيد الهجري: سمعت أبي يقول: قال لي علي حبيبي: كيف صبرك إذا أرسل إليك دعي بني أمية، فقطع يديك ورجليك ولسانك ؟ فقلت: ألست معك في الجنة ؟ قال: بلى. قالت: ما أبالي. قالت: فما ذهبت الايام حتى بعث عبيد الله بن زياد، فدعاه إلى البراءة من علي، فأبى عليه، فقال الدعي: اختر أي قتلة شئت. فقال: قال علي عليه السلام: إنك تقطع يدي ورجلي ولساني. قال: لاكذبن أبا تراب، اقطعوا يديه ورجليه واتركوا لسانه. قالت: فحضرت قطعه وهو يتبسم، فقلت ما تجد ألما ؟ قال: لا.
فلما أخرجناه من القصر وحوله زحمة من الناس. فقال لهم رشيد: اكتبوا عني علم البلايا والمنايا. فكتبوا: هذا ما عهد النبي الامي إلى علي في بني أمية وما ينزل بهم. فأخبر الدعي بذلك، فقال: اقطعوا لسانه. فأتوه بحجام فقطعوا لسانه، فكان رشيد
(1) عنه البحار: 8 / 610 " ط حجر ". روى نحوه السيد الرضي في خصائص أمير المؤمنين: 28 بإسناده مرفوع إلى جندب بن عبد الله البجلي، عنه مدينة المعاجز: 118 ح 316. وأورد نحوه الديلمي في إرشاد القلوب: 225 مرسلا: عنه البحار: 41 / 284 ح 3. وابن شهر اشوب في مناقبه: 2 / 104 مرسلا. عنه البحار: 41 / 312. وفي كشف الغمة: 1 / 274 قطعة.
[ 229 ]
يقول للرجل: تموت يوم كذا، وللآخر تقتل يوم كذا، فيكون كما قال (1). 73 - ومنها: ما وري عن يوسف بن عمران، عن ميثم التمار (2)، دعاني أمير المؤمنين عليه السلام يوما، فقال: كيف بك إذا دعاك دعي بني أمية إلى البراءة مني ؟ ! قلت: لا أبرأ منك. قال: إذا والله يقتلك ويصلبك. قلت: أصبر، وذلك عندي في الله قليل. قال: إذا تكون معي في الجنة. فكان ميثم يقول لعريف قومه: كأني بك وقد دعاك دعي بني أمية يطلبني منك، فتقول: هو بمكة، فيقول: لابد من أن تأتيني به من حيث كان، فتخرج إلى القادسية (3) فتقيم بها إلى أن أقدم عليك من مكة، فتذهب بي إليه، فيقول لي: تبرأ من أبي تراب. فأقول: لا [ والله ] ولا كرامة، فيصلبني على باب عمرو بن حريث، فإذا كان في
(1) عنه البحار: 42 / 136 ح 17، وعن الاختصاص: 72، ورجال الكشي: 75 ح 131 وأخرجه في البحار: 75 / 433، عن رجال الكشي، وفي مستدرك الوسائل: 12 /
273 ح 10 عن الاختصاص. ورواه الطوسي في أماليه: 1 / 167، عنه المحتضر: 86، وعنه البحار: 42 / 121 ح 1 وإثبات الهداة: 4 / 491 ح 87 ومدينة المعاجز: 120 ح 322. ورواه الخصيبي في الهداية الكبرى: 131. والطبري في بشارة المصطفى: 93 عن ابن الشيخ الطوسي، عن أبيه، جميعا بإسنادهم إلى قنواء بنت رشيد الهجري. ورواه الثقفي في كتاب الغارات: 2 / 799 بإسناده إلى زياد بن النضر الحارثي عنه شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2 / 294. وأخرجه عن شرح النهج البحار: 41 / 343 و 345 وإحقاق الحق: 8 / 56 نحوه. (2) " عمران عن، أبيه ميثم " الاصل. وما في المتن كما في ط، خ ورجال الكشي والهداية. (3) القادسية: قرية قرب الكوفة، من جهة البر، بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخا وبينها وبين العذيب أربعة أميال " مراصد الاطلاع: 3 / 1054 ".
[ 230 ]
اليوم الرابع ابتدر الدم من منخري. فكان كذلك. فلما صلب، قال ميثم للناس: سلوني فو الله لاخبرنكم بما يكون من الفتن ومخازي بني أمية. فلما حدثهم حديثا واحدا، بعث إليه الدعي فألجمه بلجام من شريط (1) فكان ميثم أول من ألجم وهو مصلوب. (2) 74 - ومنها: أن الفرات مد (3) على عهد علي عليه السلام فقال الناس: نخاف الغرق فركب وصلى على الفرات، فمر بمجلس ثقيف فغمز عليه بعض شبابهم فالتفت إليهم وقال: يا بقية ثمود يا صعار الخدود (4) هل أنتم إلا طغام (5) لئام ؟ من لي بهؤلاء الاعبد (6) ؟ فقال مشائخ منهم: إن هؤلاء شباب جهال، فلا تأخذنا بهم، اعف عنا.
فقال: لا أعفو عنكم إلا على أن أرجع وقد (7) هدمتم هذه المجالس، وسددتم
(1) الشريط: خوص مفتول بشرط به السرير ونحوه. (2) عنه الوسائل: 11 / 477 ح 7، والبحار: 42 / 130 ح 13. عن رجال الكشي: 83 ح 139، وأخرجه في البحار: 75 / 433 عن رجال الكشي. ورواه الخصيبي في الهداية الكبرى: 132. والثقفي في الغارات: 2 / 797. بإسناده إلى أحمد بن الحسن الميثمي عنه شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2 / 291 وأخرجه في البحار: 8 / 731 " ط حجر " وج: 41 / 343 وإحقاق الحق: 8 / 158 عن شرح النهج. وأورده الشريف الرضي في خصائص أمير المؤمنين: 22 عن ابن ميثم، عنه مدينة المعاجز 119 ح 321. (3) مد النهر أو البحر: زاد ماؤه. (4) هكذا في البحار، وفي الاصل: يا صغار الخدود وصعر خده: أماله عجبا وكبرا. (5) الطغام: أراذل الناس وأوغادهم. (6) الاعبد واحدها العبد: الرقيق. (7) هكذا في البحار: وفي الاصل: الا على ألا أرجع " أن رجع " إلا وقد.
[ 231 ]
كل كوة، وقلعتم كل ميزاب، وطميتم (1) كل بالوعة على الطريق، فإن هذا كله في طريق المسلمين، وفيه أذى لهم. فقالوا: نفعل. فمضى وتركهم، ففعلوا ذلك كله. فلما صار إلى الفرات دعا، ثم قرع (2) الفرات قرعة فنقص ذراع. فقالوا: يا أمير المؤمنين هذه رمانة قد جاء بها الماء، وقد احتبست على الجسر من كبرها وعظمها، فاحتملها، وقال: هذه رمانة من رمان الجنة، ولا يأكل ثمار
الجنة في الدنيا إلا نبي أو وصي نبي، ولولا ذلك لقسمتها بينكم (3). 75 - ومنها: ما روي عن أبي هاشم الجعفري، عن أبيه، عن الصادق عليه السلام قال: لما فرغ علي عليه السلام من وقعة صفين، وقف على شاطئ الفرات وقال: أيها الوادي من أنا ؟ فاضطرب وتشققت (4) أمواجه، وقد نظر الناس وقد سمعوا من الفرات صوتا (5): أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن عليا (6) أمير المؤمنين حجة الله على خلقه (7). 76 - ومنها: ما روي عن عبيد، عن السكسكي (8)، عن أبي عبد الله عليه السلام عن
(1) طمستم " البحار ". (2) قرع: ضرب. (3) عنه البحار: 41 / 250 ح 6. ورواه الخصيبي في الهداية الكبرى: 150 بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام وأورد ذيله في مدينة المعاجز: 56 ح 17 ذيله. (4) " وتشقشقت " م، ط. (5) " أصواتا " البحار. (6) " وأشهد أن محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وأن عليا ولي الله " البحار. (7) عنه البحار: 8 / 531، وج: 41 / 251 ح 7. (8) " سكيكي " ه. " السكيكي " خ ط. " عبد الله بن السكسكي " البحار: 8. " عبيد السكسكي " مشارق. ولم نعثر له على ترجمته في كتب الرجالا التي عندنا.
[ 232 ]
آبائه عليهم السلام أن عليا عليه السلام لما قدم من صفين، وقف على شاطئ الفرات، ثم انتزع من كنانته (1) سهاما، ثم أخرج منها قضيبا أصفر، فضرب به الفرات. فقال عليه السلام: انفجري. فانفجرت إثنتا عشر عينا كل عين كالطود (2)، والناس ينظرون إليه، ثم تكلم بكلام لم يفهموه، فأقبلت الحيتان رافعة رؤوسها بالتهليل
والتكبير، وقالت: السلام عليك يا حجة الله في أرضه، ويا عين الله في عباده، خذلك قومك بصفين كما خذل هارون (3) بن عمران قومه. فقال لهم: أسمعتم ؟ قالوا: نعم قال: فهذا آية لي عليكم، وقد أشهدتكم عليه (4). 77 - ومنها: ما روي عن سلمان الفارسي أن عليا عليه السلام بلغه عن عمر ذكر لشيعته (5) فاستقبله في بعض طرقات بساتين المدينة وفي يد علي عليه السلام قوس عربية. فقال علي: يا عمر بلغني ذكر لشيعتي عنك (6). فقال: ارجع علي ظلعك (7). قال علي: إنك لها هنا ؟ ثم رمى بالقوس إلى (8) الارض، فإذا هي ثعبان كالبعير، فاغر فاه (9) وقل أقبل نحو عمر ليبتلعه. فصاح عمر: الله الله يا أبا الحسن لا عدت بعدها في شئ. وجعل يتضرع إليه فضرب علي يده إلى (10) الثعبان، فعادت القوس كما كانت، فمضى (11) عمر إلى بيته مرعوبا.
(1) الكنانة: جعبة من جلد أو خشب تجعل فيها السهام. (2) الطود: الجبل العظيم. (3) " موسى " ه، م خ. (4) عنه البحار: 8 / 532 (ط. حجر)، وج: 41 / 251، وأورده البرسي في مشارق أنوار اليقين: 78 ومدينة المعاجز: 99 ح 263. (5) " شيعته " ط، البحار. (6) " بلغني عندك ذكرك شيعتي " ه، ط، البحار. (7) اربع على ظلعك: ارفع على نفسك فيما تحاوله. (8) " على " ط، البحار. (9) فاغر فاه: فاتح فمه. (10) " بيده " " يده " على خ ط. (11) " فمر " م، ه، البحار.
[ 233 ]
قال سلمان: فلما كان في الليل دعاني علي عليه السلام فقال: صر إلى عمر فإنه حمل إليه مال من ناحية المشرق، ولم يعلم به أحد، وقد عزم أن يحتبسه، فقل له: يقول
لك علي: أخرج ما حمل إليك من المشرق (1)، ففرقه على من جعل لهم ولا تحبسه فأفضحك. قال سلمان: وأديت إليه الرسالة (2). فقال: حيرني أمر صاحبك فمن أين علم هو به ؟ قلت: وهل يخفى عليه مثل هذا. فقال: يا سلمان (3) اقبل مني ما أقول لك: ما علي إلا ساحر وإني لمشفق عليك منه، والصواب أن تفارقه وتصير (4) في جملتنا. قلت: بئس ما قلت، لكن عليا قد ورث من آثار (5) النبوة ما قد رأيت منه وما هو أكبر منه (6). قال: إرجع إليه فقل له: السمع والطاعة لامرك، فرجعت إلى علي عليه السلام فقال: أحدثك بما جرى بينكما ؟ فقلت: أنت أعلم به مني، فتكلم بكل ما (7) جرى بيننا، ثم قال: إن رعب الثعبان في قلبه إلى أن يموت (8). 78 - ومنها: أنه عليه السلام قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله [ في منامي ] وهو يمسح الغبار عن وجهي وهو يقول: يا علي لا عليك: لا عليك قد قضيت ما عليك، فما مكث إلا ثلاثا (9) حتى ضرب. وقال: رأيت رسول الله في منامي فشكوت إليه ما لقيت من أمته (10) من الاود
(1) " اخرج إليك مال من ناحية المشرق " البحار. (2) " فمضيت إليه وأديت الرسالة " ه، ط. (3) " لسلمان " البحار. (4) " وتقر " ط. (5) " أسرار " ط، البحار. (6) " وعنده (ما هو) أكثر مما رأيت منه " ط. (7) " بما " ط خ. (8) البحار: 8 / 82 " ط. حجر "، وج: 41 / 256 ح 17، ومدينة المعاجز: 200 ح 551، واثبات الهداة: 4 / 547 ح 195. وأورد نحوه في ثاقب المناقب 119، عند مدينة المعاجز: 79 ح 198. (9) " ثلاثة أيام " ط. (10) " من بني أمية " البحار.
[ 234 ]
واللدد (1)، وبكيت، فقال: لا تبك. والتفت فإذا رجلان مصفدان (2)، وإذا جلاميد ترضح (3) بها رؤوسهما. ثم قال للحسن والحسين عليهما السلام: إذا مت فاحملاني إلى الغري (4) من نجف الكوفة واحملا آخر سريري، فالملائكة يحملون أوله. وأمرهما أن يدفناه هناك ويعفيا قبره. لما يعلمه من دولة (5) بني أمية بعده. وقال: ستريان صخرة بيضاء تلمع نورا. فاحتفرا فوجدا ساجة (6) مكتوبا عليها: مما أدخرها (7) نوح لعلي بن أبي طالب عليه السلام. [ ففعلا ما أمرهما به ]، فدفناه فيه وعفيا أثره. ولم يزل قبره مخفيا حتى دل عليه جعفر بن محمد عليهما السلام في أيام الدولة العباسية وقد خرج هارون الرشيد يوما يتصيد، وأرسلوا الصقور والكلاب على الظباء بجانب الغريين فجاولتها (8) ساعة، ثم لجأت الظباء إلى الاكمة (9) فرجع الكلاب والصقور عنها فسقطت [ في ] ناحية، ثم هبطت الظباء من الاكمة فهبطت الصقور والكلاب ترجع إليها، فتراجعت الظباء إلى الاكمة فانصرفت عنها الصقور والكلاب، ففعلوا ذلك ثلاثا.
(1) الاود: الكذب والتعب. واللدد: الخصومة الشديدة. (2) صفده صفدا: أوثقه وقيده بالحديد. (3) الجلمد جمع جلاميد: الصخر. ورضح رأسه بالحجر: رضه. (4) الغريان تثنية الغرى: طربالان وهما بناءان كالصومعتين بظهر الكوفة قرب قبر علي ابن أبي طالب عليه السلام. (معجم البلدان: 4 / 196). (5) " لما يعلمه من فعل " ط، ه. (6) الساج: شجر عظيم صلب الخشب، جمعها سيجان، والواحدة: ساجة. (7) " هذا مما ادخره " ط، ه.
(8) جاوله: طارده وصاوله. وفي خ ط " فحاولتها ". وفي البحار " فجادلتها ". (9) الاكمة: التل.
[ 235 ]
فتعجب هارون [ الرشيد من ذلك ] وسأل شيخا (1) من بني أسد: ما هذه الاكمة ؟ فقال: لي الامان ؟ قال: نعم. قال: فيها قبر علي بن أبي طالب عليه السلام. فتوضأ هارون وصلى ودعا. ثم (2) أظهر الصادق عليه السلام موضع قبره بتلك الاكمة (3).
(1) " شخصا " ط. (2) " فعند ذلك " ط، ه. (3) عنه البحار: 42 / 222 ح 33، واثبات الهداة: 4 / 547 ح 196، ومدينة المعاجز: 200 ح 552. وروى قطعة منه في ارشاد المفيد: 20 بإسناده عن حيان بن علي العنزي، عن مولى لعلي بن أبي طالب عليه السلام، عنه اثبات الهداة: 4 / 582 ح 365 والبحار: 42 / 217 ح 19، وعن فرحة الغري: 36. وروى قطعة منه في ارشاد المفيد: 21 بإسناده عن عبد الله بن حازم، عنه البحار: 42 / 329 ح 16 وعن فرحة الغري: 119. وأورده في روضة الواعظين: 165 مرسلا، وفي اعلام الورى: 202 عن حيان بن علي العنزي، عنه مدينة المعاجز: 174 ح 487 وعن ارشاد المفيد. وأورده في ارشاد القلوب: 235 مرسلا.
[ 236 ]
الباب الثالث في معجزات الامام الحسن بن علي أمير المؤمنين عليهما السلام 1 - روى محمد بن إسحاق قال: إن أبا سفيان جاء إلى المدينة لاخذه تجديد
العهد من رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يقبل: فجاء إلى علي عليه السلام، قال: هل لابن عمك أن يكتب لنا أمانا ؟ فقال: إن النبي صلى الله عليه وآله عزم على أمر لا يرجع فيه أبدا. وكان الحسن بن علي عليهما السلام ابن أربعة عشر شهرا (1)، فقال بلسان عربي مبين: " يا ابن صخر قل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، حتى أكون لك شفيعا إلى جدي رسول الله صلى الله عليه وآله ". فتحير أبو سفيان. فقال علي عليه السلام: " الحمد لله الذي جعل في ذرية محمد نظير يحيى بن زكريا " - وكان الحسن عليه السلام يمشي في تلك الحالة (2) -. 2 - روي أن عمرو بن العاص قال لمعاوية: إن الحسن بن علي رجل حيي (3) وإنه إذا صعد المنبر ورمقوه [ الناس ] بأبصارهم خجل وانقطع، لو أذنت له. فقال له معاوية: يا أبا محمد لو صعدت المنبر وعظتنا.
(1) كذا في المناقب، وفي الاصل " أربعة أشهر ". (2) أورد نحوه في مناقب آل أبي طالب: 3 / 173، عنه البحار: 43 / 326 ح 6، وعوالم العلوم: 16 / 85 ح 1، واثبات الهداة: 5 / 164 ح 45. (3) " عى " البحار.
[ 237 ]
فقام (1) فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر جده فصلى عليه ثم قال: [ أيها الناس ] من عرفني قد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي [ بن أبي طالب ]، وابن سيدة النساء فاطمة بنت رسول الله، أنا ابن رسول الله، أنا ابن نبي الله، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن البشير النذير، أنا ابن من بعث رحمة للعالمين، أنا ابن من بعث إلى الجن والانس، أنا ابن خير خلق الله بعد رسول الله، أنا ابن صاحب الفضائل، أنا ابن صاحب المعجزات والدلائل، أنا ابن أمير المؤمنين، أنا المدفوع عن حقي (2) أنا وأخي سيدا شباب أهل الجنة، أنا ابن الركن والمقام، أنا ابن مكة ومنى، أنا
ابن المشعر وعرفات. فغاظ (3) معاوية فقال: خذ في نعت الرطب ودع ذا. فقال: الريح تنفخه، والحر ينضجه، وبرد الليل يطيبه. ثم عاد فقال: أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن من قاتلت معه الملائكة، أنا ابن من خضعت له قريش، أنا [ ابن ] إمام الخلق وابن محمد رسول الله. فخشي معاوية أن يفتتن به الناس، فقال: يا أبا محمد أنزل، فقد كفى ما جرى. فنزل، فقال له معاوية: ظننت أن ستكون خليفة، وما أنت وذاك. فقال الحسن: إنما الخليفة من سار بكتاب الله وسنة رسوله، ليس الخليفة من سار بالجور، وعطل السنن، واتخذ الدنيا أبا وأما، ملك ملكا متع فيه قليلا، ثم تنقطع لذته، وتبقى تبعته. وحضر المحفل رجل من بني أمية وكان شابا، فأغلظ للحسن كلامه، وتجاوز الحد في السب والشتم له ولابيه. فقال الحسن: اللهم غير ما به من النعمة، واجعله أنثى ليعتبر به، فنظر الاموي
في نفسه وقد صار امرأة، قد بدل الله له فرجه بفرج النساء، وسقطت لحيته. فقال له الحسن: أغربي ! مالك ومحفل (1) الرجال فإنك إمرأة. ثم إن الحسن عليه السلام سكت ساعة، ثم نفض ثوبه فنهض ليخرج. فقال [ له ] ابن العاص: اجلس فإني أسألك عن مسائل. قال عليه السلام: سل عما بدا لك. قال عمرو: أخبرني عن الكرم والنجدة والمروة. فقال: أما الكرم فالتبرع بالمعروف، والاعطاء قبل السؤال، وأما النجدة
فالذب عن المحارم، والصبر في المواطن عند المكاره، وأما المروة فحفظ الرجل دينه، وإحرازه نفسه من الدنس، وقيامه بأداء الحقوق، وإفشاء السلام. فخرج، فعذل (2) معاوية عمرا، فقال: أفسدت أهل الشام. فقال عمرو: إليك عني إن أهل الشام لم يحبوك محبة [ إيمان و ] دين، إنما أحبوك للدنيا يناولونها منك، والسيف والمال بيدك، فما يغني عن الحسن كلامه. ثم شاع أمر الشاب الاموي وأتت زوجته إلى الحسن عليه السلام فجعلت تبكي وتتضرع فرق لها، ودعا له (3) فجعله الله كما كان. (4) 3 - ومنها: [ ما روي عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام ] أن الحسن عليه السلام قال [ يوما ] لاخيه الحسين ولعبدالله بن جعفر: إن معاوية قد بعث إليكم بجوائزكم وهي تصل إليكم يوم كذا لمستهل الهلال. وقد أضاقا (5) فوصلت في الساعة
(1) " ولمحفل " م. (2) عذل: لام. (3) " وخرجت من داره زوجته فأتى إلى الحسن يبكي ويتضرع عند الحسن عليه السلام فرق له " م. (4) عنه البحار: 44 / 88 ح 2، ومدينة المعاجز: 231 ح 99. وروى أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين: 47 بإسناده إلى إسماعيل بن عبد الرحمان، قطعة نحوه (5) أضاق: صار في ضيق، أو فقد ماله وافتقر.
[ 239 ]
التي ذكر لما كان (1) رأس الهلال، فلما وافاهم المال كان على الحسن عليه السلام دين كثير فقضاه مما بعثه إليه، وفضلت فضلة ففرقها في أهل بيته ومواليه، وقضى الحسين عليه السلام أيضا دينه، وقسم ثلث ما بقي في أهل بيته ومواليه، وحمل الباقي إلى عياله. وأما عبد الله فقضى دينه، وما فضل (2) دفعه إلى الرسول ليتعرف (3) معاوية من
الرسول ما فعلوا، فبعث إلى عبد الله أمولا حسنة (4). 4 - ومنها: ما روي عن صندل (5) عن أبي أسامة، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام أن الحسن عليه السلام خرج إلى مكة ماشيا من المدينة، فتورمت قدماه فقيل له: لو ركبت لسكن عنك هذا الورم. فقال: كلا، ولكنا إذا أتينا المنزل، فإنه يستقبلنا أسود معه دهن يصلح لهذا الورم، فاشتروا منه ولا تماكسوه (6). فقال له بعض مواليه: ليس أمامنا منزل فيه أحد يبيع مثل هذا الدواء ؟ فقال: بلى إنه أمامنا. وساروا أميالا (7) فإذا الاسود قد استقبلهم. فقال الحسن لمولاه: دونك الاسود، فخذ الدهن منه بثمنه. فقال الاسود: لمن تأخذ هذا الدهن ؟ قال: للحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام. قال: انطلق بي إليه.
(1) " الوقت الذي ذكره رأس الهلال " ط. (2) " وما بقى " س، ط، ه. (3) " فتعرف " م. (4) عنه البحار: 43 / 323 ح 2، وعوالم العلوم: 16 / 90 ح 4، وأخرجه في إثبات الهداة: 5 / 160 ح 8 عن صاحب كتاب مناقب فاطمة وولدها عليهم السلام بإسناده إلى عنبسة بن مصعب عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) صندل: عده الشيخ الطوسي في رجاله: 352 من أصحاب الامام الكاظم عليه السلام. انظر جامع الرواة: 1 / 417، رجال المامقاني: 2 / 102 ورجال السيد الخوئي: 9 / 145. وفي م " مندل بن أبي أسامة "، وفي ط " صندل بن أسامة " وكلاهما تصحيف. (6) تماكس الرجلان في البيع: تشاحا. (7) " ميلا " م.
[ 240 ]
فصار الاسود إليه، فقال: يا ابن رسول الله إني مولاك لا آخذ له ثمنا، ولكن ادع الله أن يرزقني ولدا سويا ذكرا يحبكم أهل البيت فإني خلفت امرأتي تمخض (1). فقال: انطلق إلى منزلك. فإن الله تعالى قد وهب لك ولدا ذكرا سويا.
فرجع الاسود من فوره فإذا امرأته قد ولدت غلاما سويا، ثم رجع الاسود إلى الحسن عليه السلام ودعا له بالخير بولادة الغلام له، وإن الحسن قد مسح رجليه بذلك الدهن فما قام من موضعه حتى زال الورم. (2) 5 - ومنها: ما روي أن فاطمة أتت رسول الله صلى الله عليه وآله تبكي وتقول: إن الحسن والحسين خرجا ولا أدري أين هما ؟ فقال: طيبي نفسا، فهما في ضمان الله حيث كانا. فنزل جبرئيل، وقال: هما نائمان في حائط (3) بني النجار متعانقين، وقد بعث الله ملكا قد بسط جناحا تحتهما، وجناحا فوقهما. فخرج رسول الله وأصحابه معه فرأوهما، وحية كالحلقة حولهما، فأخذهما رسول الله على منكبيه، فقالوا: نحملهما عنك ؟ قال: نعم المطية مطيتهما، ونعم الراكبان هما، وأبوهما خير منهما. (4)
(1) مخضت الحامل: دنا ولادها، وأخذها الطلق. (2) عنه البحار: 43 / 324 ح 3، وعن الكافي: 1 / 463 ح 6 بإسناده عن أبي أسامة مثله إلى قوله: فقد وهب الله لك ذكرا سويا وهو من شعيتنا، وأخرجه في كشف الغمة: 1 / 557، والوسائل، 8 / 55 ح 8 مختصرا. واثبات الهداة: 5 / 146 ح 6، وحلية الابرار: 1 / 521، ومدينة المعاجز: 205 ح 27 عن الكافي. وأورده في دلائل الامامة: 68، ومناقب ابن شهر اشوب: 3 / 174، وثاقب المناقب: 273، عن أبي أسامة، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفي عيون المعجزات: 62، واثبات الوصية: 157 مرسلا. (3) الحائط: البستان من التخيل إذا كان عليه حائط، وهو الجدار. (4) رواه الصدوق في أماليه: 360 ضمن ح 8 بإسناده عن الشحام، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، عنه البحار: 43 / 267 ضمن ح 25.
[ 241 ]
6 - ومنها: [ روي ] أن الحسن عليه السلام [ وإخوته ] وعبد الله بن العباس كانوا (1) على مائدة، فجاءت جرادة ووقعت على المائدة. فقال عبد الله للحسن: أي شئ مكتوب على جناح الجرادة ؟ فقال: مكتوب عليه: أنا الله لا إله إلا أنا، ربما أبعث الجراد رحمة (2) لقوم جياع ليأكلوه (3)، وربما أبعثها نقمة على قوم فتأكل أطعمتهم. فقام عبد الله، وقبل رأس الحسن، وقال: هذا من مكنون العلم (4). 7 - ومنها: ما روي عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام أن الحسن عليه السلام قال لاهل بيته: إني أموت بالسم، كما مات رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: ومن يفعل ذلك. قال: امرأتي جعدة بنت الاشعث بن قيس، فإن معاوية يدس إليها ويأمرها بذلك. قالوا: أخرجها من منزلك، وباعدها من نفسك. قال: كيف أخرجها ولم تفعل بعد شيئا، ولو أخرجتها ما قتلني غيرها، وكان لها عذر عند الناس. فما ذهبت الايام حتى بعث إليها معاوية مالا جسيما، وجعل يمنيها بأن يعطيها مائة ألف درهم أيضا (5) ويزوجها من يزيد، وحمل إليها شربة سم لتسقيها الحسن فانصرف (6) إلى منزله وهو صائم فأخرجت [ له ] وقت الافطار - وكان يوما حارا - شربة
= والشيخ حسين بن عبد الوهاب في عيون المعجزات: 60 من طريق الحشوية عن سليمان ابن اسحاق بن سليمان بن على بن عباس، عنه مدينة المعاجز: 253 ح 90. والاربلى في كشف الغمة عن معالم العبرة: الطاهرة للجنابذى: 1 / 547 عن ابن عباس. عنه البحار: 43 / 302 ضمن ح 65 جميعا نحوه. (1) " كانا " م، البحار (2) " رزقا " ط، س. (3) " ليأكلوها " م. (4) عنه البحار: 43 / 337 ح 8، أورده في مدينة المعاجز: 223 ح 83. وروى نحوه في صحيفة الرضا: 259 ح 194، راجع تخريجة الحديث.
(5) " أيضا وضياع " ه، ط. (6) " ففي بعض الايام انصرف " ه، ط
[ 242 ]
لبن وقد ألقت فيها ذلك السم، فشربها وقال: يا عدوة الله قتلتيني قتلك الله، والله لا تصيبين مني خلفا (1) ولقد غرك وسخر منك، والله يخزيك ويخزيه. فمكث عليه السلام يومين، ثم مضى، فغدر معاوية بها، ولم يف لها بما عاهد (2) عليه. (3) 8 - ومنها: [ روي ] أن الصادق عليه السلام قال: لما أن حضرت الحسن بن علي عليه السلام الوفاة بكى بكاء شديدا وقال: إني أقدم على أمر عظيم وهول لم أقدم على مثله قط. ثم أوصى (4) أن يدفنوه بالبقيع. فقال: يا أخي احملني على سريري إلى قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله لاجدد به عهدي ثم ردنى إلى قبر جدتي فاطمة بنت أسد فادفني هناك، فستعلم يا ابن أم أن القوم يظنون أنكم تريدون دفني عند رسول الله، فيجلبون (5) في منعكم ذلك، وبالله أقسم عليك أن لا تهرق في أمري محجمة دم. فلما غسله وكفنه الحسين عليه السلام حمله على سريره، وتوجه به (6) إلى قبر جده رسول الله صلى الله عليه وآله ليجدد به عهدا، أتى مروان بن الحكم ومن معه من بني أمية فقال: أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي ؟ لا يكون ذلك أبدا. ولحقت عائشة على بغل وهي تقول: ما لي ولكم [ يا بني هاشم ] ؟ تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أحب.
(1) " لا تبصرين خيرا " ط، ه. (2) " عاهدها " ه، ط. (3) عنه البحار: 44 / 153 ح 23، واثبات الهداة: 5 / 150 ح 12. وأوروده نحوه في المناقب: 3 / 175 عن الحسين بن أبي العلاء، عن جعفر بن محمد عليهما السلام. عنه البحار: 43 / 327 ضمن ح 6. وفي ثاقب المناقب. 272 (مخطوط) عن داود البرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام،
عنه مدينة المعاجز: 209 ح 44. وفي الصراط المستقيم: 2 / 177 ح 3. (4) " وصى " م. (5) جلب: اجتمع جلب وأجلب القوم: ضجوا واختلطت أصواتهم. (6) " وكفنه حمل الحسن عليه السلام على سريره وتوجه به " ط.
[ 243 ]
فقال ابن عباس لمروان: انصرفوا، لا نريد دفن صاحبنا عند رسول الله، فإنه كان أعلم [ وأعرف ] بحرمة قبر [ جده ] رسول الله من أن يطرق عليه هدما، كما يطرق ذلك غيره (1)، ودخل بيته بغير إذنه، إنصرف فنحن ندفنه بالبقيع كما وصى (2). ثم قال لعائشة: واسوأتاه يوما على بغل، ويوما على جمل. وفي رواية يوما تجملت، ويوما تبغلت، وإن عشت تفيلت. فأخذه ابن الحجاج الشاعر البغداي فقال: يا بنت أبي بكر (3) لا كان، ولا كنت * لك التسع من الثمن وبالكل تملكت (4) تجملت تبغلت وإن عشت تفيلت. بيان: قوله لك التسع من الثمن إنما كان ذلك في مناظرة فضال بن الحسن بن فضال الكوفي مع أبي حنيفة. فقال له الفضال قول الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) * (5) منسوخ أو غير منسوخ ؟ قال: هذه الآية غير منسوخة. قال: ما تقول في خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أبو بكر وعمر ؟ أم علي بن أبي طالب عليه السلام ؟ فقال: أما علمت أنهما ضجيعا رسول الله صلى الله عليه وآله في قبره، فأي حجة تريد أوضح في فضلهما من هذه ؟ فقال له الفضال: لقد ظلما [ إذ أوصيا ] بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حق، وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله صلى الله عليه وآله لقد أساءا إذا رجعا في هبتهما، ونكثا عهدهما وقد أقررت أن قوله تعالى * (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) * غير منسوخة
(1) من غير أن يطرق عليه هجما بيته طرق ذلك عبرة " ط. (2) " أوصى " ط. (3) " ألا يا بنت أبي بكر و " ط. (4) " تكلمت " م. (5) سورة الاحزاب: 53.
[ 244 ]
فأطرق أبو حنيفة ثم قال: لم يكن له ولا لهما خاصة، ولكنهما نظرا في حق عائشة وحفصة، فاستحقا الدفن في ذلك الموضع لحقوق ابنتيهما. فقال له فضال: أنت تعلم أن النبي صلى الله عليه وآله مات عن تسع حشايا (1)، وكان لهن الثمن لمكان ولده فاطمة فنظرنا فإذا لكل واحدة منهن تسع الثمن، ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر، والحجرة كذا وكذا طولا وعرضا، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك ؟ وبعد فما بال عائشة وحفصة يرثان رسول الله وفاطمة بنته (2) منعت الميراث ؟ فالمناقضة ظاهرة في ذلك من وجوه كثيرة. فقال أبو حنيفة: نحوه يا قوم عني، فإنه - والله - رافضي خبيث. (3)
(1) الحشايا: الفراش، كنى بها عن الزوجات. " قاله المجلسي ". (2) " لا ترثه " ط، ه. (3) عنه البحار: 44 / 154 ح 24، وعوالم العلوم: 16 / 291 ح 6.
[ 245 ]
الباب الرابع في معجزات الحسين بن علي عليهما السلام 1 - عن أبي خالد الكابلي، عن يحيى بن أم الطويل قال: كنا عند الحسين عليه السلام إذ دخل عليه شاب يبكي، فقال له الحسين: ما يبكيك ؟ قال: إن والدتي توفيت في هذه الساعة ولم توص، ولها مال وكانت قد أمرتني
أن (1) لا أحدث في أمرها شيئا (2) حتى أعلمك خبرها. فقال الحسين عليه السلام: قوموا بنا حتى نصير إلى هذه الحرة. فقمنا معه حتى انتهينا (3) إلى باب البيت الذي (4) فيه المرأة [ وهي ] مسجاة فأشرف على (5) بيت، ودعا الله ليحييها حتى توصي بما تحب من وصيتها (6) فأحياها الله، وإذا المرأة جلست وهي تتشهد، ثم نظرت إلى الحسين عليه السلام فقالت: ادخل البيت يا مولاي ومرني بأمرك. فدخل وجلس على مخدة ثم قال لها: وصي، يرحمك الله. فقالت: يا ابن رسول الله [ إن ] لي من المال وكذا وكذا في مكان كذا وكذا وقد جعلت ثلثه إليك لتضعه حيث شئت من أوليائك، والثلثان لابني هذا إن علمت
(1) " أخبرتني أني " ط، ه. (2) هكذا في البحار، وفي م " حدثا ". (3) " انتهى " م. (4) " الذي توفيت " ط. (5) " في " م. (6) " وصيها " ط.
[ 246 ]
أنه من مواليك وأوليائك، وإن كان مخالفا فخذه إليك، فلا حق للمخالفين في أموال المؤمنين. ثم سألته أن يصلي عليها وأن يتولى أمرها، ثم صارت المرأة ميتة كما كانت. (1) 2 - ومنها: ما روي عن جابر الجعفي، عن زين العابدين عليه السلام قال: أقبل أعرابي إلى المدينة ليختبر الحسين عليه السلام لما (2) ذكر له من دلائله، فلما صار بقرب المدينة خضخض ودخل المدينة، فدخل الحسين وهو جنب. فقال له أبو عبد الله الحسين عليه السلام: أما تستحي يا أعرابي أن تدخل إلى إمامك وأنت جنب ؟ [ وقال: ] أنتم معاشر العرب إذا خلوتم (3) خضخضتم. فقال الاعرابي: يا مولاي قد بلغت حاجتي مما جئت فيه.
فخرج من عنده فاغتسل ورجع إليه فسأله عما كان في قلبه. (4) 3 - ومنها: ما روي عن مندل، عن هارون بن خارجة (5)، عن الصادق عليه السلام عن
(1) عنه البحار: 44 / 180 ح 3، وعوالم العلوم: 17 / 49 ح 4، ومدينة المعاجز: 246 ح 64. وأورده في ثاقب المناقب: 297 " مخطوط " جميعا عن يحيى بن أم الطويل. وأورده مختصرا في الصراط المستقيم: 2 / 178 ح 1. (2) " فيما " م. (3) هكذا في الوسائل والبحار: 81، وفي الاصل والبحار: 44 " دخلتم ". والخضخضة: الاستمناء، وهو استنزال المنى في غير الفرج، وأصل الخضخضة: التحريك. (4) عنه الوسائل: 1 / 476 ح 24، وص 490 ح 4، والبحار: 44 / 181 ح 4، وعوالم العلوم: 17 / 54 ح 3 جميعا عن جابر، عن زيد العابدين عليه السلام. وأورده مختصرا في الصراط المستقيم: 2 / 178 ح 2. (5) " عن مندل بن هارون بن صدقة " ط، ه. وما أثبتناه من " م " ودلائل الامامة وبقية المصادر وهو الصحيح، راجع رجال السيد الخوئي: 18 / 378 وج: 19 / 274.
[ 247 ]
آبائه عليهم السلام [ قال ] إن الحسين عليه السلام إذا أراد (1) أن ينفذ غلمانه في بعض أموره قال لهم: لا تخرجوا يوم كذا، واخرجوا يوم كذا، فانكم إن خالفتموني قطع عليكم. فخالفوه مرة وخرجوا، فقتلهم اللصوص، وأخذوا ما معهم، واتصل الخبر بالحسين عليه السلام فقال: لقد حذرتهم، فلم يقبلوا مني. ثم قام من ساعته ودخل على الوالي، فقال الوالي: يا أبا عبد الله بلغني قتل غلمانك فآجرك الله فيهم.
فقال الحسين عليه السلام: فاني أدلك على من قتلهم فاشدد يدك بهم. قال: أو تعرفهم يا ابن رسول الله ؟ قال: نعم، كما أعرفك، وهذا منهم - وأشار بيده إلى رجل واقف بين يدي الوالي -. فقال الرجل: ومن أين قصدتني بهذا، ومن أين تعرف أني منهم ؟ ! فقال له الحسين عليه السلام: إن أنا صدقتك تصدقني (2) ؟ فقال الرجل: نعم، والله لاصدقنك. فقال: خرجت ومعك فلان وفلان. وذكرهم كلهم: فمنهم أربعة من موالي المدينة والباقون من حبشان (3) المدينة. فقال الوالي للرجل: ورب القبر والمنبر، لتصدقني أو لاهرأن (4) لحمك بالسياط. فقال الرجل: والله ما كذب الحسين وقد صدق (5)، وكأنه كان معنا.
(1) " انه قال ان الحسين عليه السلام كان " ه، ط. وفي البحار والعوالم " قال: إذا أراد الحسين عليه السلام " (2) " فأصدقني " ه، ط. (3) " جيشان " البحار. والحبش: جنس من السودان. أو سكان بلاد الحبشة. واحده حبشي والجمع: حبشان. (4) " لانشرن " ط خ. وفي البحار " لاهرقن ". وأهرأ اللحم: أنضجه، فتهرأ حتى سقط من العظم. (5) " ولصدق " البحار.
[ 248 ]
فجمعهم الوالي جميعا، فأقروا جميعا فضرب أعناقهم. (1) 4 - ومنها: أن رجلا صار إلى الحسين عليه السلام فقال: جئتك أستشيرك في تزويجي فلانة. فقال: لا أحب ذلك لك. وكانت كثيرة المال، وكان الرجل أيضا مكثرا فخالف الحسين فتزوج بها. فلم يلبث الرجل حتى افتقر. فقال له الحسين عليه السلام: قد أشرت إليك (2)، فخل سبيلها فإن الله يعوضك خيرا (3)
منها. ثم قال: وعليك بفلانة. فتزوجها فما مضت (4) سنة حتى كثر ماله، وولدت له ولدا ذكرا، ورأى منها ما أحب (5). 5 - ومنها: أنه عليه السلام سئل في حال صغره عن أصوات الحيوانات لان من شرط الامام أن يكون عالما بجميع اللغات حتى أصوات الحيوانات، فقال: على ما روى محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي (6) عن الحسين عليه السلام أنه قال: إذا صاح النسر فإنه يقول: " يا ابن آدم عش ما شئت فآخره الموت ". وإذ صاح البازي يقول: " يا عالم الخفيات يا كاشف البليات ".
(1) عنه البحار: 44 / 181 ح 5، وعوالم العلوم: 17 / 55 ح 4. ورواه في الهداية الكبرى: 205، عنه اثبات الهداة: 5 / 204 ح 62 وأورده في دلائل الامامة: 76، عنه مدينة المعاجز: 238 ح 20، جميعا عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله عليه السلام، وأورده في الصراط المستقيم: 2 / 178 ح 3. (2) " عليك " م، ه، ط. (2) هكذا في البحار، وفي " م " " منها خيرا " وفي ه، س. ط " عنها خيرا ". (4) " مضت له " ه، ط، س. (5) عنه الوسائل: 14 / 32 ح 10، والبحار: 44 / 182 ح 6، وعوالم العلوم: 17 / 56 ح 5، ومدينة المعاجز 247 ح 68. ورواه في الهداية الكبرى للخصيبي: 204 بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام نحوه، عنه إثبات الهداة: 5 / 205 ح 63، ومدينة المعاجز. (6) " التميمي " ه، ط، والبحار. وهو محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي، وثقه يحيى بن معين، توفي سنة 120 ه. راجع كتاب الجرح والتعديل: 7 / 184، وتقريب التهذيب: 2 / 140.
[ 249 ]
وإذا صاح الطاووس يقول: " مولاي ظلمت نفسي واغتررت بزينتي فاغفر لي ". وإذا صاح الدراج يقول: " الرحمن على العرش استوى ".
وإذا صاح الديك يقول: " من عرف الله لم ينس ذكره ". وإذا قرقرت الدجاجة تقول: " يا إله الحق أنت الحق وقولك الحق يا ألله يا حق ". وإذا صاح الباشق (1) يقول: " آمنت بالله واليوم (2) الآخر ". وإذا صاحت الحدأة (3) تقول: " توكل على الله ترزق ". وإذا صاح العقاب يقول: " من أطاع الله لم يشق ". وإذا صاح الشاهين يقول: " سبحان الله حقا حقا ". وإذا صاحت البومة تقول: " البعد من الناس أنس ". وإذا صاح الغراب يقول: " يا رازق ابعث بالرزق الحلال ". وإذا صاح الكركي (4) يقول: " اللهم احفظني من عدوي ". وإذا صاح اللقلق يقول: " من تخلى من الناس نجى من أذاهم ". وإذا صاحت البطة تقول: " غفرانك يا الله غفرانك " (5). وإذا صاح الهدهد يقول: " ما أشقى من عصى الله " ! وإذا صاح القمري (6) يقول: " يا عالم السر والنجوى يا الله ". وإذا صاح الدبسي (7) يقول: " أنت الله لا إله سواك يا الله ".
(1) الباشق: طائر من أصغر الجوارح. (2) " وباليوم " ط. (3) " الحداء " البحار. والحدأة: طائر من الجوارح، والعامة تسميه: الحدية. (4) الكركي: طائر كبير أغبر اللون طويل العنق والرجلين أبتر الذنب قليل اللحم يأوي إلى الماء أحيانا. (5) " غفرانك يا الله " ط، البحار. (6) القمري: ضرب من الحمام حسن الصوت. (7) الدبسي: طائر صغير منسوب إلى دبس الرطب، من الحمام البري. وفي ط " الدلبي ".
[ 250 ]
وإذا صاح العقعق (1) يقول: " سبحان من لا يخفى عليه خافية ". وإذا صاح الببغاء يقول: " من ذكر ربه غفر ذنبه ". وإذا صاح العصفور يقول: " استغفر الله مما يسخط الله ". وإذا صاح البلبل يقول: " لا إله إلا الله حقا حقا ". وإذا صاحت القبجة (2) تقول: " قرب الحق، قرب ". وإذا صاحت السماناة (3) تقول: " يا ابن آدم ما أغفلك عن الموت ". وإذا صاح السنوذنيق (4) يقول: " لا إله إلا الله محمد [ رسول الله ] وآله خيرة الله ". وإذا صاحت الفاخته تقول: " يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد ". وإذا صاح الشقراق (5) يقول " مولاي اعتقني من النار ". وإذا صاحت القنبرة (6) تقول: " مولاي تب على كل مذنب من المؤمنين ". وإذا صاح الورشان (7) يقول: " إن لم تغفر ذنبي شقيت ".
(1) العقعق: طائر على قدر الحمامة وهو على شكل الغراب وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة. (2) القبج: طائر يشبه الحجل، والواحدة " قبجة " تطلق على الذكر والانثى. (3) السماني: نوع من الطيور القواطع للواحد وللجمع، وقيل: الواحدة " سماناة ". (4) " السنوذنيق: الصقر. وتكون على صيغ أخرى منها: السذانق، والسوذنيق والسوذانق. (5) الشقراق: طائر صغير يسمى الاخيل، وهو أخضر مليح بقدر الحمامة، وخضرته حسنة مشبعة، وفي أجنحته سواد. (6) القبرة والقنبرة: عصفورة. (7) الورشان: ذكر القمارى، وقيل: أنه طائر يتولد بين الفاختة والحمام، وهو نوع من الحمام البري أكدر اللون، فيه بياض فوق ذنبه.
[ 251 ]
وإذا صاح الشفنين (1) يقول: " لا قوة إلا بالله [ العلي ] (2) العظيم ". وإذا صاحت النعامة تقول: " لا معبود سوى الله ". وإذا صاحت الخطافة (3) فانها تقرأ سورة الحمد وتقول: " يا قابل توبة التوابين، يا ألله لك الحمد ". وإذا صاحت الزرافة تقول: " لا إله إلا الله وحده ". وإذا صاح الحمل (4) يقول: " كفى بالموت واعظا ". وإذا صاح الجدي (5) يقول: " عاجلني الموت فقل ذنبي ". وإذا زأر الاسد يقول: " أمر الله مهم مهم ". وإذا صاح الثور يقول: " مهلا مهلا يا ابن آدم أنت بين يدي من يرى ولا يرى وهو الله ". وإذا صاح الفيل يقول: " لا يغني عن الموت قوة ولا حيلة ". وإذا صاح الفهد يقول: " يا عزيز يا جبار يا متكبر يا الله ". وإذا صاح الجمل يقول: " سبحان مذل الجبارين سبحانه ".