الغدير في الكتاب والسنة والأدب كتاب ديني. علمي. فني. تاريخي. أدبي. أخلاقي مبتكر في موضوعه فريد في بابه يبحث فيه عن حديث الغدير كتابا وسنة وأدبا ويتضمن تراجم أمة كبيرة من حالات العلم والدين والأدب من الذين نظموا هذه الأثارة من العلم وغيرهم تأليف الحبر العلم الحجة المجاهد شيخنا الأكبر الشيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي الجزء السادس عني بنشره الحاج حسن إيراني صاحب دار الكتاب العربي بيروت لبنان
[1]
الجزء السادس شعراء الغدير في القرن الثامن وهم سبعة شعراء والله المستعان وفي هذه الجزء أبحاث دينية قيمة لا منتدح لرواد العلم والفضيلة عن الخوض فيها والبحث عنها
[2]
بسم الله الرحمن الرحيم سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون.، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم، ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين، وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا، ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن اهتدى، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وسلام على عباده الذين اصطفى عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون. الأميني
[3]
شعراء الغدير في القرن الثامن - 65. أبو محمد ابن داود الحلي المولود 647
وإذا نظرت إلى خطاب " محمد " * يوم " الغدير " إذ استقر المنزل: من كنت مولاه فهذا " حيدر " * مولاه لا يرتاب فيه محصل لعرفت نص المصطفى بخلافة * من بعده غراء لا يتأول وله من أرجوزة في الإمامة طويلة: وقد جرت لي قصة غريبة * قد نتجت قضية عجيبة فاعتبروا فيها ففيها معتبر * يغني عن الاغراق في قوس النظر حضرت في بغداد دار علم * فيها رجال نظر وفهم في كل يوم لهم مجال * تدنو به الأوجال والآجال لا بد أن يسفر عن جريح * بصارم الحجة أو طريح 5 لما اطمأنت بهم المجالس * ووضعت لاماتها الفوارس واجتمع المدرسون الأربعة * في خلوة آراؤهم مجتمعة حضرت في مجلسهم فقالوا: * أنت فقيه وهنا سؤال من ذا ترى أحق بالتقدم * بعد رسول الله هادي الأمم ؟ فقلت: فيه نظر يحتاج * أن يترك العناد واللجاج 10 وكلنا ذوو عقول ونظر * وفكر صالحة ومعتبر فلنفرض الآن قضى النبي * واجتمع الدني والقصي وأنتم مكان أهل العقد * والحل بل فوقهم في النقد
[4]
فالتزموا قواعد الانصاف * فإنها من شيم الأشراف 15 لما قضى النبي قال الأكثر: * إن أبا بكر هو المؤمر وقال قوم: ذاك للعباس * وانقرضوا وقال باقي الناس: ذاك علي. والجميع مدعي *: أن سواه للمحال يدعي
فهل ترون إنه لما قضى * نص على خليفة ؟ أم فوضا ترتيبه بعد إلى الرعايا * ليجمعوا على الإمام رايا ؟ 20 فقال منهم واحد: بل نصا * على أبي بكر بها وخصا قال له الباقون: هذا يشكل * بما عن الفاروق نحن ننقل من أنه قال: إن استخلفت (1) * فلأبي بكر قد اتبعت وإن تركت فالنبي قد ترك * والحق بين الرجلين مشترك وقال: كانت فلتة بيعته (2) * فمن يعد حلت لكم قتلته 25 وقول سلمان لهم: فعلتم * وما فعلتم إذ له عزلتم وقالت الأنصار: نستخير * منا أميرا ولكم أمير فلو يكون نص في عتيق * للزم الطعن على الفاروق ثم على سلمان والأنصار * وليس ذا بالمذهب المختار مع أنه استقال واستقالته (3) * دلت على أن باختيار بيعته 30 لو أنها نص من الرسول * لم يك في العالم من مقيل فاجتمع القوم على الانكار * للنص والقول بالاختيار فقلت: لما فوضت إلينا * أيلزم الأمة أن يكونا أفضلهم ؟ أم ناقصا مفضولا * لا يستحق الحكم والتأهيلا ؟ فاجتمعوا: أن ليس للرعيه * إلا اختيار أفضل البقيه 35 قلت لهم: يا قوم خبروني * أعلى صفات الفضل بالتعيين
(1) راجع الجزء الخامس من كتابنا هذا ص 360. (2) راجع ما أسلفناه في الجزء الخامس ص 370. (3) مر حديث الاستقالة في الجزء الخامس ص 368 *
[5]
فقدموا السبق إلى الإيمان * وهجرة القوم على الأوطان إلى أن يقول فيها: قلت: دعوني من صفات الفضل * فأنتم من كلها في حل نفرضها كأمة بين نفر * قد أحدقوا من حولها وهم زمر وافترق الناس فقال الأكثر * لواحد: خذها فأنت أجدر وقال باقيهم لشخص ثاني: * ليس لها مولى سواك قاني 40 ثم رأينا الأول المولى * ينكر فيها الملك مستقيلا يقول: ليس لي بها من حق * وذا يقول: أمتي ورقي ويستغيث وله تألم * على الذي يغصبه ويظلم وكل شخص منهما صديق * ليس إلى تكذيبه طريق فما يقول الفقهاء فيها * شرعا أنعطيها لمدعيها 45 أم من يقول ليس لي بحق ؟ * بالله أفتونا بمحض الحق بعيد هذا قالت الجماعة: * سمعا لما ذكرتم وطاعة ما عندنا في فضله تردد * وإنه المكمل المؤيد لكننا لا نترك الإجماعا * ولا نرى الشقاق والنزاعا والمسلمون قط لم يجتمعوا * على ضلال فلهم نتبع 50 ثم الأحاديث عن النبي * ناطقة بنصه الجلي قلت لهم: دعواكم الاجماعا * ممنوعة إذ ضدها قد شاعا وأي إجماع هنالك انعقد * والصفوة الابرار ما منهم أحد مثل علي الصنو والعباس * ثم الزبير هم سراة الناس ولم يكن سعد فتى عباده * ولا لقيس ابنه أراده 55 ولا أبو ذر ولا سلمان * ولا أبو سفيان والنعمان
أعني ابن زيد لا ولا المقداد * بل نقضوا عليهم ما شادوا وغيرهم ممن له اعتبار * لم يقنعوا بها ولم يختاروا فلا يقال: إنه إجماع * بل أكثر الناس له أطاعوا
[6]
60 لكنما الكثرة ليست حجه * بل ربما في العكس كان أوجه فالله قد أثنى على القليل * في غير موضع من التنزيل فسقط الإجماع باليقين * إلا إذا كابرتموا في الدين ونصكم كيف ادعيتموه ؟ * وعن قليل قد منعتموه أليس قد قررتم إن النبي * مات بلا نص ؟ وليس مذهبي 65 لكنني وافقتكم إلزاما * ولم أقل بذلك التزاما لأنني أعلم مثل الشمس * نص الغدير واضحا عن لبس وأنتم أيضا نقلتموه * كنقلنا لكن رفضتموه إلى آخر الأرجوزة ذكر شطر مهم منها في " أعيان الشيعة " ج 22 ص 343 * (الشاعر) * تقي الدين أبو محمد الحسن بن علي بن داود الحلي، هو نابغة في الفقه والحديث والرجال والعربية وفي علوم شتى، ولم يختلف اثنان في إنه من أوحديي هذه الفرقة الناجية، ومن علمائها الأعلام، وأطراه العلماء في المعاجم والاجازات بكل جميل، وإن تكلم بعضهم في مقدار اعتبار كتابه المعروف الساير في الرجال، فمن معول عليه (1) حاصر لتعويله به، ومن معرض عنه (2) نهائيا، ولكن خير الأمور أوسطها، وهو نظرية أكثر علمائنا من إنه كغيره من أصول علم الرجال يعتمد عليه وربما ينتقد، وأما الشعر فقد كان تحدوه إلى نظمه غايات كريمة حينا بعد حين. ولد المترجم 5 جمادى الثانية سنة 647، وأخذ العلم من السيد الحجة السيد
أبي الفضايل أحمد بن طاوس الحلي المتوفى 673، ويروي عنه وعن جمع آخر من أعلام الطائفة منهم: 1 - المحقق نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي المتوفى 676 وهو أحد مشايخ قرائته. 2 - الشيخ نجيب الدين أبو زكريا يحيى بن سعيد الحلي ابن عم المحقق المذكور
(1) كالشيخ حسين بن عبد الصمد والد شيخنا البهائي في درايته. (2) كالشيخ عبد الله التستري في شرح التهذيب في شرح الحديث الأول. *
[7]
المتوفى 689. 3 - الفيلسوف الأكبر خواجه نصير الدين الطوسي المتوفى 672. 4 - السيد غياث الدين عبد الكريم بن السيد أبي الفضايل أحمد بن طاوس الحلي المذكور المتوفى 693. 5 - الشيخ سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر الحلي والد العلامة الحلي. 6 - الشيخ مفيد الدين محمد بن جهيم " جهم " الأسدي عده المترجم في رجاله من مشايخه. ويروي عنه من مشايخ الطايفة: 1 - الشيخ رضي الدين أبو الحسن علي بن أحمد المزيدي الحلي المتوفى 757 2 - السيد أبو عبد الله محمد بن القاسم الديباجي الحلي الشهير بابن معية المتوفى 776. 3 - الشيخ زين الدين علي بن طراد المطار آبادي المتوفى بالحلة 754. تآليفه القيمة ذكر المترجم في كتابه في الرجال لنفسه تآليف قيمة وهي: التحفة السعدية. عدة الناسك في قضاة المناسك نظما. تكملة المعتبر
المقتصر من المختصر. اللؤلؤة في خلاف أصحابنا ". كتاب الدرج كتاب الرايع. الخريدة العذراء في العقيدة الغراء ". كتاب الكافي كتاب في الفقه. الدر الثمين في أصول الدين ". البغية في القضايا كتاب الرجال. عقد الجواهر في الأشباه والنظائر ". كتاب النكت مختصر الايضاح. مختصر الأسرار الغريبة في النحو. حروف المعجم اللمعة في الصلاة. حل الاشكال في عقد الأشكال. تحصيل المنافع الإكليل في العروض. إحكام القضية في أحكام القضية. خلاف المذاهب الرائض في الفرائض. شرح قصيدة الساوي في العروض. أصول الدين 28 - قرة عين الخليل في شرح النظم الجليل لابن حاجب في العروض. 29 - الجوهرة في نظم. التبصرة. لم نقف على تاريخ وفاة المترجم وإنما فرغ من كتاب رجاله سنة 707 وله من
[8]
العمر ستين سنة، ورأى صاحب " رياض العلماء " في مشهد الرضا عليه السلام نسخة من " الفصيح " بخط شاعرنا المترجم له في آخرها: كتبه مملوكه حقا حسن بن علي بن داود غفر له في ثالث عشر شهر رمضان المبارك سنة إحدى وأربعين وسبعمائة حامدا مصليا مستغفرا (1) فكان في 741 حيا وله من العمر 94 عاما. ومرت من شعر المترجم أبيات في رثاء الشيخ شمس الدين محفوظ ابن وشاح الحلي في ج 5 ص 442.
(1) روضات الجنات ص 357، وفي ط 361 *
[9]
القرن الثامن 66 جمال الدين الخلعي
المتوفى ح 750 فاح أريج الرياض والشجر * ونبه الورق راقد السحر واقتدح الصبح زند بهجته * فاشعلت في محاجر الزهر وافتر ثغر النوار مبتسما * لما بكته مدامع المطر واختالت الأرض في غلائلها * فعطرتنا بنشرها العطر 5 وقامت الورق في الغصون فلم * يبق لنا حاجة إلى الوتر ونبهتنا إلى مساحب أذيال * الصبا بالأصيل والبكر يا طيب أوقاتنا ونحن على * مستشرف شاهق ند نضر تطل منه على بقاع أنيقات * كساها الربيع بالحبر في فتية ينثر البليغ لهم * وترا فيهدي تمرا إلى هجر 10 من كل من يشرف الجليس له * معطر الذكر طيب الخبر فمن جليل صدر ومن شادن * شاد فصيح كطلعة القمر يورد ما جاء في " الغدير " وما * حدث فيه عن خاتم النذر مما روته الثقات في صحة * النقل وما أسندوا إلى عمر: قد رقى المصطفى بخم على * الأقتاب لا بالونى ولا الحصر 15 إذ عاد من حجة الوداع إلى * منزله وهي آخر السفر وقال: يا قوم إن ربي قد * عاودني وحيه على خطر إن لم أبلغ ما قد أمرت به * وكنت من خلقكم على حذر وقال: إن لم تفعل محوتك من * حكم النبيين فاخش واعتبر إن خفت من كيدهم عصمتك * فاستبشر فإني لخير منتصر
[10]
20 أقم عليا عليهم علما * فقد تخيرته من البشر
ثم تلا آية البلاغ لهم * والسمع يعنو لها مع البصر وقال: قد آن أن أجيب إلى * داعي المنايا وقد مضى عمري ألست أولى منكم بأنفسكم ؟ * قلنا: بلى فاقض حاكما ومر فقال والناس محدقون به * ما بين مصغ وبين منتظر 25: من كنت مولى له فحيدرة * مولاه يقفو به على أثري يا رب فانصر من كان ناصره * واخذل عداه كخذل مقتدر فقمت لما عرفت موضعه * من ربه وهو خيرة الخير فقلت: يا خيرة الأنام بخ * جاءتك منقادة على قدر أصبحت مولى لنا وكنت أخا * فافخر فقد حزت خير مفتخر ويقول فيها: 30. تالله ما ذنب من يقيس إلى * نعلك من قدموا بمغتفر أنكر قوم عيد " الغدير " وما * فيه على المؤمنين من نكر حكمك الله في العباد به * وسرت فيهم بأحسن السير وأكمل الله فيه دينهم * كما أتانا في محكم السور نعتك في محكم الكتاب وفي * التوراة باد والسفر والزبر 35 عليك عرض العباد تقض على * من شئت منهم بالنفع والضرر تظمئ قوما عند الورود كما * تروي أناسا بالورد والصدر يا ملجأ الخائف اللهيف ويا * كنز الموالي وخير مدخر لقبت بالرفض وهو أشرف لي * من ناصبي بالكفر مشتهر نعم رفضت الطاغوت والجبت * واستخلصت ودي للأنجم الزهر (القصيدة 56 بيتا) وله قوله:
حبذا يوم الغدير * يوم عيد وسرور إذ أقام المصطفى * من بعده خير أمير
[11]
قائلا: هذا وصيي * في مغيبي وحضوري وظهيري ونصيري و * وزيري ونظيري وهو الحاكم بعدي * بالكتاب المستنير 5 والذي أظهره الله * على علم الدهور والذي طاعته فرض * على أهل العصور فأطيعوه تنالوا * القصد من خير ذخير فأجابوه وقد أخفوا * له عل الصدور بقبول القول منه * والتهاني والحبور 10 يا أمير النحل يا من * حبه عقد ضميري والذي ينقذني من * حر نيران السعير والذي مدحته ما عشت * أنسي وسميري والذي يجعل في الحشر * إلى الخلد مصيري لك أخلصت الولا يا * صاحب العلم الغزير 15 ولمن عاداك مني كلما يخزيه * من شتم ولعن ودحور نال مولاك " الخليعي " * الهنا يوم النشور بتبريه إلى الرحمن * من كل كفور وله من قصيدة تناهز واحدا وستين بيتا توجد منها في مجالس المؤمنين ص 464 ستة وثلثون بيتا، وذكرت برمتها في رياض الجنة لسيدنا الزنوزي في الروضة الخامسة، وفي غير واحد من المجاميع المخطوطة.
سارت بأنوار علمك السير * وحدثت عن جلالك السور والمادحون المخبرون غلوا * وبالغوا في ثناك واعتذروا وعظمتك التوراة والصحف الأولى وأثنى الانجيل والزبر وأحكم الله في إمامتك الآيات * واستبشرت بك العصر والأنبياء المكرمون وفوا * فيك بما عاهدوا وما غدروا وذكر المصطفى فأسمع من * ألقى له السمع وهو مدكر
[12]
وجد في نصحهم فما قبلوا * ولا استقاموا له كما أمروا يقول فيها: أسماؤك المشرقات في أوجه * القرآن في كل سورة غرر سماك رب العباد قسورة * من حيث فروا كأنهم حمر والعين والجنب والوجه أنت * والهادي والليل الضلال معتكر يا صاحب الأمر في يوم الغدير و * قد بخبخ لما وليته عمر لو شئت ما مد حبتر يده * لها ولا نال حكمها زفر لكن تأنيت في الأمور ولم * تعجل عليهم وأنت مقتدر * (الشاعر) * أبو الحسن جمال الدين علي بن عبد العزيز بن أبي محمد الخلعي (الخليعي) الموصلي الحلي، شاعر أهل البيت عليهم السلام المفلق، نظم فيهم فأكثر، ومدحهم فأبلغ، ومجموع شعره الموجود ليس فيه إلا مدحهم ورثائهم، كان فاضلا مشاركا في الفنون قوي العارضة، رقيق الشعر سهلة، وقد سكن الحلة إلى أن مات في حدود سنة 750 ودفن بها وله هناك قبر معروف. ولد من أبوين ناصبيين ذكر القاضي التستري في " المجالس " ص 463، وسيدنا
الزنوري في " رياض الجنة " في الروضة الأولى: أن أمه نذرت أنها إن رزقت ولدا تبعثه لقطع طريق السابلة من زوار الإمام السبط الحسين عليه السلام وقتلهم فلما ولدت المترجم وبلغ أشده ابتعثته إلى جهة نذرها فلما بلغ إلى نواحي (المسيب) بمقربة من كربلاء المشرفة طفق ينتظر قدوم الزائرين فاستولى عليه النوم واجتازت عليه القوافل فأصابه القتام الثائر فرأى فيما يراه النائم إن القيامة قد قامت وقد أمر به إلى النار ولكنها لم تمسه لما عليه من ذلك العثير الطاهر فانتبه مرتدعا عن نيته السيئة، واعتنق ولاء العترة، وهبط الحائر الشريف ردحا. ا ه. ويقال: إنه نظم عندئذ بيتين خمسهما الشاعر المبدع الحاج مهدي الفلوجي الحلي المتوفى 1357 وهما مع التخميس: أراك بحيرة ملأتك رينا * وشتتك الهوى بينا فبينا فطب نفسا وقر بالله عينا * إذا شئت النجاة فزر حسينا
[13]
لكي تلقى الإله قرير عين إذا علم الملائك منك عزما * تروم مزاره كتبوك رسما وحرمت الجحيم عليك حتما * فإن النار ليس تمس جسما عليه غبار زوار الحسين ولقد أخلص في الولاء حتى تحظى بعنايات خاصة من ناحية أهل البيت عليهم السلام ففي " دار السلام " للعلامة النوري ص 187 نقلا عن كتاب " حبل المتين في معجزات أمير المؤمنين " للسيد شمس الدين محمد الرضوي: إن المترجم لما دخل الحرم الحسيني المقدس أنشأ قصيدة في الحسين عليه السلام وتلاها عليه وفي أثنائها وقع عليه ستار من الباب الشريف فسمي بالخليعي أو الخلعي، وهو يتخلص بهما في شعره. وفي " دار السلام " ص 183 عن " حبل المتين " المذكور عن المولى محمد الجيلاني إنه جرت مفاخرة بين المترجم وبين ابن حماد (1) الشاعر وحسب كل أن مديحه
لأمير المؤمنين عليه السلام أحسن من مديح الآخر فنظم كل قصيدة وألقياها في الضريح العلوي المقدس محكمين الإمام عليه السلام فخرجت قصيدة الخليعي مكتوبا عليها بماء الذهب: أحسنت. وعلى قصيدة ابن حماد مثله بماء الفضة. فتأثر ابن حماد وخاطب أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: أنا محبك القديم، وهذا حديث العهد بولائك، ثم رأى أمير المؤمنين عليه السلام في المنام وهو يقول له: إنك منا وإنه حديث عهد بأمرنا فمن اللازم رعايته. ا ه ملخصا. ومن الشعر المترجم قوله في رثاء الحسين السبط سلام الله عليه: أي عذر لمهجة لا تذوب * وحشى لا يشب فيها لهيب ؟ ولقلب يضيق من ألم الحزن * وعين دموعها لا تصوب ؟ وابن بنت النبي بالطف مطروح * لقى والجبين منه تريب حوله من بني أبيه شباب * صرعتهم أيدي المنايا وشبيب وحريم النبي عبرى من الثكل * وحسرى خمارها منهوب 5
(1) علي بن الحسين بن حماد الليثي الواسطي أحد شعراء أهل البيت وقفنا على شعر غير يسير له فيهم عليهم السلام مدحا ورثائا. *
[14]
تلك تدعو أخي وتلك تنادي * يا أبي وهو شاخص لا يجيب لهف قلبي وطفله في يديه * يتلظى والنحر منه خضيب لهف قلبي لأخته زينب تأوي * اليتامى ودمعها مسكوب لهف قلبي لفاطم خيفة السبي * تخفت وقلبها مرعوب 10 لهف قلبي لأم كلثوم والخدان * منها قد خددتها الندوب وهي تدعوا يا واحدي يا شقيقي * يا مغيثي قد برحتني الخطوب ثم تشكوا إلى النبي ودمع العين * في خدها الأسيل صبيب
جد يا جد لو ترانا سبايا * قد عرتنا بكربلاء الكروب جد يا جد لم يفد ذلك النصح * وذاك الترهيب والترغيب 15 جد لم تقبل الوصية في الأهل * ولم يرحم الوحيد الغريب يصبح الجاهد البعيد من الحق * قريبا منهم ويقصى القريب أين عيناك والحسين قتيل * وعلي مغلل مضروب ؟ لا ترى سبطك المفدى طريحا * عاريا والرداء منه سليب لو ترانا نساق بالذل ما بين * العدى قد قست علينا القلوب 20 لو ترانا حسرى وقد أبرزت منا * وجوه صينت وشقت جيوب بأبي الطاهرات تحدى بهن العيس * بين الملأ وتطوى السحوب بأبي رأس نجل فاطمة يشهره * للعيون رمح كعوب يا بن أزكى الورى نجارا على * مثلك يستحسن البكا والنحيب هاجفوني لما أصبت به قرحى * وقلبي لما رزيت كئيب 25 أين قلب الشجي والفارغ * البال ؟ وأين المحق والمستريب ؟ لا هنا لي عيشي ومبسمك الدري * باد وقد علاه قضيب ليت إني فداك لو كان بالعبد * يفدى المولى الحسيب النسيب سهم بغي الأولى أصابك من * قبل ولله عنك سهم مصيب أظهروا فيك حقد بدر ومن قبل * دعوا للهدى فلم يستجيبوا 30 يا بني أحمد إلى مدحكم قلب * (الخليعي) مستهام طروب
[15]
كيف صبر امرء يرى الود في * القربى وجوبا وإرثكم مغصوب أنتم حجة الإله على الخلق * وأنتم للطالب المطلوب بولاكم وبغض أعدائكم تقبل * أعمالنا وتمحى الذنوب
شاهت وجوه ذوي النصب * وشقت من النفور القلوب وله رحمه الله تعالى قوله: سجعت فوق الغصون * فاقدات للقرين فاستهلت سحب أجفاني * وهزتني شجوني غردت لأشجوها شجوي * ولا حنت حنيني لا ولا قلت لها *: يا ورق بالنوح أسعديني ما شجى الباكي. طروبا * كشجى الباكي الحزين 5 حق لي أبكي دماء * عوض الدمع الهتون لغريب نازح الدار * خلي من معين لتريب الخد دامي الوجه * مرضوض الجبين ومنها: يا بني طه وياسين * وحم ونون بكم استعصمت من * شر خطوب تعتريني 10 فإذا خفت. فأنتم * لنجاتي كالسفين وعليكم ثقل ميزاني *. وأنتم تنقذوني فاحشروا العبد " الخليعي " * إلى ذات اليمين وإليكم مدحا أسنى * من الدر الثمين يا حجاب الله والمحمي * عن رجم الظنون 15 فيك داريت أناسا * عزموا أن يقتلوني وتحصنت بقول الصادق * الحبر الأمين إتقوا إن التقى من * دين آبائي وديني ولأوصافك وريت * كلامي وحنيني
[16]
20 وإلى مدحك أظهرت * ظهوري وبطوني وكفاني علمك الشاهد * للسر المصون ومعاذ الله أن * ألوي عن الحبل المتين وأساوي بين مفضال * ومفضول ضنين بين من قال: أقيلوني * ومن قال: سلوني وله يرثي البطل الهاشمي الشهيد مسلم بن عقيل سلام الله عليه قوله: المسلم بن عقيل قام الناعي ؟ * لما استهلت أدمع الأشياع مولى دعاه وليه وإمامه * فأجاب دعوته بسمع واع حفظ الوداد لذي القرابة فاقتنى * شرفا على الأهلين والأتباع أفديه من حر نقي طاهر * ماض العزيمة ساجد ركاع 5 أفديه من بطل كمي ماجد * جم الوفا ندب طويل الباع لهفي لمسلم والرماح تنوشه * لا بالجزوع لها ولا المرتاع حتى إذا ظفرت به عصب الخنا * من بعد معترك وطول نزاع جائوا به نحو اللعين فغاظه * بالقول من ثبت الجنان شجاع وإلى ابن سعد بالوصية مبطنا * أفضى فأظهرها بلؤم طباع 10 وهوى من القصر المشوم مهللا * ومكبرا تجلو صدى الأسماع لهفي لسيف من سيوف " محمد " * عبث الفلول بحده القطاع لهفي لمزج شرابه بنجيعه * لهفي لمسقط ثغره اللماع لهفي له فوق التراب مجدلا * دامي الجبين مهشم الأضلاع مولاي يا بن عقيل يومك جاعل * حب القلوب دريئة الأوجاع 125 جادت معالمك الدموع بريها * وسقى الحميم بواطن الابداع
وسقى بن عروة هانيا غدق الحيا * فلقد أصاخ إلى نداء الداعي يا سادة ما زلت مذ علقت يدي * بهم أحافظ ودهم وأراعي مولاكم " الخلعي " رافع قصة * يشكو سموم عقارب وأفاعي وقفت للمترجم على قصائد كثيرة كلها في العترة الطاهرة مدحا ورثائا لو تجمع
[17]
لجاءت ديوانا فخما وإليك فهرستها، توجد في مجاميع مخطوطة بالنجف الأشرف وأخرى بالكاظمية المشرفة: عدد القصائد مطلع القصائد عدد الأبيات 1 لم أبك عافي دمنة وطلول * وشموس ركب آذنت برحيل 27 2 - أضرمت نار قلبي المحزون * صادحات الحمام فوق الغصون 56 3 طلاب العلى بالسمهري المقوم * وضرب الطلى مرمى إلى كل مغنم 50 4 جعلت النوح في عاشور دأبي * فزاد أليم وجدي واكتئابي 30 5 يا عين بالدمع الغزير * جودي على الطهر المزور 31 6 أرقي لابن النبي * لا لبرق حاجري 31 7 - عرج على أرض كربلاء * وامزج الدمع بالدماء 23 8 ذكرت المصارع في كربلا * فزاد بقلبي عظيم البلا 23 9 ألحاظ ساكنة الخبا * فتكتك أم مقل الظبا ؟ 44 10 فرط وجدي قد حلالي * ما لعذالي ومالي ؟ 51 11 ليته زار لماما * فاهتدى جفني المناما 59 12 زاد همي وشجوني * وجفا نومي حفوني 66 13 طال حزني واكتئابي * فجعلت النوح دابي 35 14 هاج لي نوح الحمام * فرط وجدي وغرامي 29
15 ماذا يريد النوى من قلبي العاني ؟ * أما تناهت صباباتي وأشجاني ؟ 90 16 أكفكف دمعي وهو لا يسأم الوكفا * وأخفي غرامي والصبابة لا تخفا 35 17 سلام الله ذي الحجب * على الزوار في رجب 37 18 قل ولا تخش في المعاد أثاما * لا سقى شانئي علي غماما 37 ويقول فيها: وتناسي العهد المؤكد في خم * ولم ترع للوصي ذماما 19 لم أطل في عرصة الدمن * وقفة الباكي على السكن 25 20 يا زائرا حرم الوصي * الطاهر العلم الإمام
[18]
يبغي بزورته الرضا * والأمن في يوم الزحام 32 21 لم أبك ربعا للأحبة قد خلا * وعفى وغيره الجديد وأمحلا 75 توجد هذه القصيدة في (بحار الأنوار) للعلامة المجلسي ج 10 ص 258، ووقفنا للمترجم على قصائد في رثاء الإمام السبط الشهيد صلوات الله عليه في مجموعة كبيرة بالكاظمية المشرفة غير ما سبق فهرستها: 22 يا عين لا لمرابع وخيام * أودت بساكنها يد الأيام 38 23 يا عين لا لخلو الربع والدمن * باكي الرزايا سوى الباكي على السكن 44 24 سل جيرة القاطنين ما فعلوا (1) * وهل أقاموا بالحي أم رحلوا ؟ 55 25 العين عبرى ودمعها مسفوح * والقلب من ألم الأسى مقروح 32 26 أعاذلي ! ذكر كربلا حزني * فسح دمعي كالعارض الهتن 29 27 ألا ما لجفني بالسهاد موكل * وقلبي لأعباء الهوى يتحمل ؟ 39 28 لم أبك ربعا دارس العرصات * أضحت معارفه من النكرات 36 29 لم أبك من وقفة على الدمن * ولا لخل نأى ولا سكن 51
30 هاج حزني وزاد حر لهيبي * وشجاني ذكر القتيل الغريب 39 31 جفون لا تمل من الهمول * وجسم لا يفك من النحول 48 32 ما هاجني ذكر مربع خصب * ولا شجاني وجدي ولا طربي 46 33 ما لدمعي لم يطف حر غليلي * للقتيل الظامي ؟ وأي قتيل 58 34 هاج حزني وغليلي * ذكر عطشان قتيل 28 35 هجرت مقلتي لذيذ كراها * لمصاب الشهيد من آل طاها 52 ووجدت عند الشيخ العلامة السماوي قصائد للمترجم في رثاء الإمام السبط عليه السلام مستهلها: 36 عذرتك لو تجدي ملامة لوم * على اللوم للمضني الكئيب المتيم 55 37 لست ممن يبكي رسوما محولا * وديارا أعفى البلا وطلولا 53
(1) توجد هذه القصيدة والقصيدة الثامنة والعشرون في الجزء الثالث من تحفة الأزهار للسيد ضامن بن شدقم. *
[19]
38 جعلت النوح ادمانا * لما نال ابن مولانا 30 39 هو الحمى وبانه * لا نفرت غزلانه 37 فمجموع أبيات ما وقفنا عليه من شعر المترجم: " 1656 " بيتا لفت نظر توجد في " أعيان الشيعة " ج 21 ص 249 ترجمة تحت عنوان: الشيخ حسن الخليعي، ذكرت له خمسة أبيات من بائية شاعرنا الخليعي التي أسلفناها برمتها مطلعها: أي عذر لمهجة لا تذوب * وحشى لا يشب فيها لهيب ؟ وستة وعشرون بيتا من قصيدته الرائية في مدح أمير المؤمنين أولها: سارت بأنوار علمك السير * وحدثت من جلالك السور
وقد مر أن القاضي ذكر منها في مجالسه للمترجم ستة وثلثين بيتا، واحتمل سيد (الأعيان) كون الشيخ حسن هذا ولد مترجمنا أوان النسخة محرفة. والصواب أن الشعر المنقول هناك المنتزع منه العنوان المذكور كله للمترجم له، والحسن محرف كنيته أبي الحسن.
[20]
القرن الثامن 67 السريجي الأوالي المتوفى 750 تقريبا إن لم أفض في المغاني ماء أجفاني ؟ * فما أفظ إذن قلبي وأجفاني ؟ وكيف لا يهمل الدمع الهتون فتى * أمسى أسير صبابات وأحزان ؟ يا ربة السجف هلا كنت قاضية * دينا وأقلعت عن مطل وليان ؟ لو كنت في عصر بلقيس لما خلبت * بلقيس قلب ابن داود سليمان 5 يا قلب كم بالحسان البيض تجعلني * مستهترا ؟ والنبهي عن ذاك ينهاني ولي بود أمير النحل. " حيدرة " * شغل عن اللهو والإطراب ألهاني هات الحديث سميري عن مناقبه * ودع حديث ربى نجد ونعمان مردي الكماة وفتاك العتاة * وهطال الهبات وأمن الخائف الجاني بنى بصارمه الاسلام إذ هدم * الأصنام أكرم به من هادم بان 10 سائل به يوم أحد والقليب وفي * بدر وخيبر يا من فيه يلحاني ويوم صفين والألباب طائشة * وفي حنين إذا التف الفريقان ويوم عمرو بن ود حين جلله * عضبا به قربت آجال أقران وفي " الغدير " وقد أبدى النبي له * مناقبا أرغمت ذا البغظة الشاني إذ قال: من كنت مولاه فأنت له * مولى به الله يهدي كل حيران
15 أنزلت مني كما هارون أنزل من * موسى ولم يك بعدي مرسل ثاني وآية الشمس إذ ردت مبادرة * غراء أقصر عنها كل إنسان وإن في قصة الأفعى ومكمنه * في الخف هديا لذي بغض وارعان وقصة الطائر المشوي بينة * لكل من حاد عن عمد وشنآن واسأل به يوم وافي ظهر منبره * والناس قد فزعوا من شخص ثعبان
[21]
فقال: خلوا له نهجا ولا تجدوا * بأسا بتمكينه قصدي وإتياني 20 فجاء حتى رقى أعواد منبره * مهمهما بلسان الخاضع الجاني من غيره بطن العلم الخفي ؟ ومن * سواه قال: اسألوني قبل فقداني ؟ ومن وقت نفسه نفس الرسول وقد * وافى الفراش ذوو كفر وطغيان ؟ ومن تصدق في حال الركوع ولم * يسجد كما سجدت قوم لأوثان ؟ من كان في حرم الرحمن مولده * وحاطه الله من باس وعدوان ؟ 25 من غيره خاطب الرحمن واعتضدت * به النبوة في سر وإعلان ؟ من أعطي الراية الغراء إذ ربدت * نار الوغا فتحاماها الخميسان ؟ من ردت الكف إذ بانت بدعوته ؟ * والعين بعد ذهاب المنظر الفاني ؟ من أنزل الوحي في أن لا يسد له * باب وقد سد أبواب لإخوان ؟ ومن به بلغت من بعد أوبتها * براءة لأولي شرك وكفران ؟ 30 ومن تظلم طفلا وارتقى كتف * المختار خير ذوي شيب وشبان ؟ ومن يقول: خذي يا نار ذا وذري * هذا وبالكأس يسقي كل ظمآن ؟ من غسل المصطفى ؟ من سال في يده * أجل نفس نأت عن خير جثمان ؟ ومن تورك متن الريح طائعة * تجري بأمر مليك الخلق رحمان ؟ حتى أتى فتية الكهف الذين جرت * على مراقدهم أعصار أزمان 35
فاستيقظوا ثم قالوا بعد يقظتهم *: أنت الوصي على علم وإيقان * (ما يتبع الشعر) * في هذه القصيدة إشارة إلى لمة من فضائل مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وقد بسطنا القول في جملة مهمة منها في الأجزاء السابقة ونذكر هنا ما أشار إليه شاعرنا بقوله: من كان في حرم الرحمن مولده * وحاطه الله من باس وعدوان ؟ يريد به قصة ولادته صلوات الله عليه في الكعبة المعظمة، وقد انشق جدار البيت لأمه فاطمة بنت أسد فدخلته ثم التأمت الفتحة، فلم تزل في البيت العتيق حتى ولدت مشرف البيت بذلك الهبوط الميمون، وأكلت من ثمار الجنة، ولم ينفلق
[22]
صدف الكعبة عن دره الدري إلا وأضاء الكون بنور محياه الأبلج، وفاح في الأجواء شذى عنصره الأقدس، وهذه حقيقة ناصعة أصفق على إثباتها الفريقان، وتضافرت بها الأحاديث، وطفحت بها الكتب، فلا نعبأ بجلبة رماة القول على عواهنه بعد نص جمع من أعلام الفريقين على تواتر حديث هذه الأثارة. قال الحاكم في " المستدرك " 3: 483: وقد تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة. وحكى الحافظ الكنجي الشافعي في (الكفاية) من طريق ابن النجار عن الحاكم النيسابوري أنه قال: ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بمكة في بيت الله الحرام ليلة الجمعة لثلث عشرة ليلة خلت من رجب سنة ثلثين من عام الفيل ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه إكراما له بذلك، وإجلالا لمحله في التعظيم. وتبعه أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي الشهير بشاه ولي الله والد عبد العزيز الدهلوي مصنف (التحفة الاثنى عشرية في الرد على الشيعة) فقال في كتابه (إزالة الخفاء): تواترت الأخبار إن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليا في جوف الكعبة فإنه
ولد في يوم الجمعة ثالث عشر من شهر رجب بعد عام الفيل بثلثين سنة في الكعبة ولم يولد فيها أحد سواه قبله ولا بعده. قال شهاب الدين السيد محمود الآلوسي صاحب التفسير الكبير في (سرح الخريدة الغيبية في شرح القصيدة العينية) لعبد الباقي أفندي العمري ص 15 عند قول الناظم: أنت العلي الذي فوق العلى رفعا * ببطن مكة عند البيت إذ وضعا: وكون الأمير كرم الله وجهه ولد في البيت أمر مشهور في الدنيا وذكر في كتب الفريقين السنة والشيعة - إلى أن قال -: ولم يشتهر وضع غيره كرم الله وجهه كما اشتهر وضعه بل لم تتفق الكلمة عليه، وما أحرى بإمام الأئمة أن يكون وضعه فيما هو قبلة للمؤمنين ؟ وسبحان من يضع الأشياء في مواضعها وهو أحكم الحاكمين. وقال في ص 75 عند قول العمري: وأنت أنت الذي حطت له قدم * في موضع يده الرحمن قد وضعا: وقيل: أحب عليه الصلاة والسلام (يعني عليا) أن يكافئ الكعبة حيث ولد
[23]
في بطنها بوضع الصنم عن ظهرها فإنها كما ورد في بعض الآثار كانت تشتكي إلى الله تعالى عبادة الأصنام حولها وتقول: أي رب حتى متى تعبد هذه الأصنام حولي ؟ والله تعالى يعدها بتطهيرها من ذلك. ا ه. وإلى هذا المعنى أشار العلامة السيد رضا الهندي بقوله: لما دعاك الله قدما لأن * تولد في البيت فلبيته شكرته بين قريش بأن * طهرت من أصنامهم بيته ويجدها القارئ من المتسالم عليه من فضائل مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه في غير واحد من مصادر القوم منها: 1 - مروج الذهب 2 ص 2 تأليف أبي الحسن المسعودي الهذلي
2 - تذكرة خواص الأمة ص 7 " سبط ابن الجوزي الحنفي 3 - الفصول المهمة ص 14 " ابن الصباغ المالكي 4 - السيرة النبوية 1 ص 150 " نور الدين علي الحلبي الشافعي 5 - شرح الشفا ج 1 ص 151 " الشيخ علي القاري الحنفي 6 - مطالب السئول ص 11 " أبي سالم محمد بن طلحة الشافعي 7 - محاضرة الأوائل ص 120 " الشيخ علاء الدين السكتواري 8 - مفتاح النجا في مناقب آل العبا " ميرزا محمد البدخشي 9 - المناقب " الأمير محمد صالح الترمذي 10 - مدارج النبوة " الشيخ عبد الحق الدهلوي 11 - نزهة المجالس 2 ص 204 " عبد الرحمن الصفوري الشافعي 12 - آيينه تصوف ط ص 1311 " شاه محمد حسن الجشتي 13 - روائح المصطفى ص 10 " صدر الدين أحمد البردواني 14 - كتاب الحسين 1 ص 16 " السيد علي جلال الدين 15 - نور الأبصار ص 76 " السيد محمد مؤمن الشبلنجي 16 - كفاية الطالب ص 37 " الشيخ حبيب الله الشنقيطي وأما أعلام الشيعة فقد ذكرت منهم هذه الأثارة أمة كبيرة منها:
[24]
1 - الحسن بن محمد بن الحسن القمي في تاريخ قم الذي ألفه وقدمه إلى الصاحب ابن عباد سنة 378، وترجمه إلى الفارسية الشيخ الحسن بن علي بن الحسن القمي سنة 865، راجع ص 191 من الترجمة. 2 - الشريف الرضي المتوفى 406 (المترجم في ج 4 ص 181 - 221) ذكرها في خصائص الأئمة وقال: لم نعلم مولودا في الكعبة غيره.
3 - شيخ الأمة معلم البشر أبو عبد الله المفيد المتوفى 413 في المقنع، ومسار الشيعة ص 51 مصر، والارشاد ص 3 وقال: لم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله سواه، إكراما من الله جل اسمه بذلك، وإجلالا لمحله في التعظيم. 4 - الشريف المرتضى المتوفى 436 (مرت ترجمته في ج 4 ص 264 - 299) ذكرها في شرح القصيدة البائية للحميري ص 51 ط مصر وقال: لا نظير له في هذه الفضيلة. 5 - نجم الدين الشريف أبو الحسن علي بن أبي الغنائم محمد المعروف بابن الصوفي ذكرها في كتابه (المجدي) المخطوط. 6 - الشيخ أبو الفتح الكراجكي المتوفى 449 في " كنز الفوائد " ص 115. 7 - الشيخ حسين بن عبد الوهاب معاصر الشريف المرتضى في (عيون المعجزات) 8 - شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي المتوفى 460 في التهذيب ج 2، ومصباح المتهجد ص 560، والأمالي ص 80 - 82. 9 - أمين الاسلام الفضل بن الحسن الطبرسي المتوفى 548 صاحب " مجمع البيان " في (إعلام الورى) ص 93 وقال: لم يولد قط في بيت الله تعالى مولود سواه لا قبله ولا بعده. 10 - ابن شهر آشوب السروي المتوفى 588 في (المناقب) 1 ص 359، و ج 2 ص، 5. 11 - ابن البطريق شمس الدين أبو الحسين يحيى بن الحسن الحلي المتوفى 600 في كتابه (العمدة) وقال: لم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله سواه. 12 - رضي الدين علي بن طاوس المتوفى 664 في كتابه " الاقبال " ص 141.
[25]
13 - عماد الدين الحسن الطبري الآملي صاحب " الكامل " المؤلف سنة 675 في كتابه (تحفة الأبرار) في الفصل الثامن من الباب الرابع.
14 - بهاء الدين الأربلي المتوفى 692 (مرت ترجمته في ج 5 ص 445) في كتابه (كشف الغمة) ص 19 وقال: لم يولد في البيت أحد سواه قبله ولا بعده، وهي فضيلة خصه الله بها إجلالا له، وإعلاء لرتبته، وإظهارا لتكرمته. 15 - أبو علي ابن الفتال النيسابوري المترجم في كتابنا " شهداء الفضيلة " ص 37 ذكرها في (روضة الواعظين) ص 67. 16 - هندوشاه بن عبد الله الصاحبي النخجواني في (تجارب السلف) ص 37. 17 - العلامة الحسن بن يوسف الحلي المتوفى 726 في كتابيه: كشف الحق، وكشف اليقين ص 5 ونص على أنه لم يولد أحد سواه فيها لا قبله ولا بعده. 18 - جمال الدين ابن عنبة المتوفى 828 في " عمدة الطالب " ص 41. 19 - الشيخ علي بن يونس العاملي البياضي المتوفى 877 في " الصراط المستقيم ". 20 - السيد محمد بن أحمد بن عميد الدين علي الحسيني، في " المشجر الكشاف للسادة الأشراف " ص 230 ط مصر. 21 - الشيخ تقي الدين الكفعمي الآتي ترجمته في هذا الجزء إنشاء الله، في المصباح ص 512. 22 - أحمد بن محمد بن عبد الغفار الغفاري القزويني في " تاريخ نكارستان " المؤلف سنة 949 ص 10 ط سنة 1245. 23 - القاضي نور الله المرعشي المستشهد 1019، المترجم في كتابنا " شهداء الفضيلة " ص 171 في كتابه: إحقاق الحق. 24 - الشيخ عبد النبي الجزائري المتوفى 1021 في " حاوي الأقوال ". 25 - الشيخ محمد بن الشيخ علي اللاهيجي في " محبوب القلوب ". 26 - المولى المحسن الكاشاني المتوفى 1091 في كتابه " تقويم المحسنين " 27 - الشيخ نظام الدين محمد بن الحسين التفرشي الساوجي تلميذ شيخنا البهائي
في تأليفه " تكملة الجامع العباسي " لشيخه المذكور.
[26]
28 - الشيخ أبو الحسن الشريف المتوفى 1100 في كتابه الضخم الفخم القيم " ضياء العالمين " وقال: كانت مشهورة في الصدر الأول. 29 - السيد هاشم التوبلي البحراني صاحب التآليف القيمة المتوفى 1107 في " غاية المرام " وقال: بلغت حد التواتر معلومة في كتب العامة والخاصة. 30 العلامة المجلسي المتوفى 1110 / 11 في جلاء العيون ص 80 فقال ما معناه: مشهور بين المحدثين والمؤرخين من الخاصة والعامة. 31 - السيد نعمة الله الجزائري المتوفى 1112 في " الأنوار النعمانية ". 32 - السيد علي خان الشيرازي 1118 / 20 في " الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية ". 33 - السيد محمد الطباطبائي جد آية الله بحر العلوم الفارغ عن بعض تآليفه سنة 1126 في رسالته الموضوعة لتواريخ مواليد الأئمة ووفياتهم. 34 - السيد عباس بن علي بن نور الدين الموسوي الحسيني المكي المتوفى 1179 في كتابه " نزهة الجليس " ج 1 ص 68. 35 - أبو علي الحائري المتوفى 1215 في رجاله الدائر " منتهى المقال " ص 46. 36 - السيد محسن الأعرجي المتوفى 1227 في " عمدة الرجال ". 37 - الشيخ خضر بن شلال العفكاوي النجفي المتوفى 1255 في مزاره المسمى بأبواب الجنان وبشائر الرضوان. 38 - السيد حيدر الحسني الحسيني الكاظمي المتوفى 1265 في " عمدة الزائر " ص 54. 39 - السيد مهدي القزويني المتوفى 1300 في " فلك النجاة " ص 326.
40 - المولى السيد محمود بن محمد علي بن محمد باقر في " تحفة السلاطين " ج 2 فقال ما معناه: مشهور كالشمس في رائعة النهار. 41 - المولى السلطان محمد بن تاج الدين حسن في " تحفة المجالس " ص 88 ط سنة 1274. 42 - السيد ميرزا حسن الزنوزي نزيل خوي في كتابه الضخم " بحر العلوم ".
[27]
43 - الحاج المولى شريف الشرواني من تلمذة السيد العظيم صاحب الرياض في كتابه: الشهاب الثاقب في مناقب علي بن أبي طالب. 44 - المولى علي أصغر البروجردي في عقائد الشيعة ص 31 ط سنة 1263. 45 - الحاج ميرزا حبيب الخوئي في كتابه الكبير: شرح نهج البلاغة ج 1 ص 71. 46 - أبو عبد الله جعفر بن محمد بن جعفر الحسيني الأعرجي في " مناهل الضرب في أنساب العرب ". 47 - الحاج الشيخ عباس القمي المتوفى 1359 في (سفينة البحار) ج 2 ص 229. 48 - السيد محسن الأمين الحسيني العاملي في (أعيان الشيعة) ج 3: 3. 49 - الشيخ جعفر نقدي في كتابه (نزهة المحبين في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام) ص 2 - 8. 50 - شيخنا الأوردبادي ألف في الموضوع كتابا فخما، وقد أغرق نزعا في التحقيق ولم يبق في القوس منزعا، وإليك فهرست عناوينه. 1 - حديث المولد الشريف وتواتره. 2 - حديث الولادة الشريفة مشهور بين الأمة. 3 - نبأ الولادة والمحدثون 4 - حديث الولادة والنسابون.
5 - حديث الولادة والمؤرخون. 6 - حديث الولادة والشعراء. 7 - حديث الولادة والاجماع عليه. ألف القاضي أبو البحتري كتابا في مولد أمير المؤمنين عليه السلام كما ذكره النجاشي و شيخ الطايفة، ورواه أبو محمد العلوي الحسن بن محمد عن حجر بن محمد السامي عن رجاء بن سهل الصنعاني عن أبي البحتري كما في تاريخ الخطيب البغدادي 7 ص 419. وذكر النجاشي في فهرسته ص 279 كتاب مولد أمير المؤمنين لشيخنا ابن بابويه الصدوق). وقد نظم هذه الأثارة كثيرون من أعلام الشيعة الفطاحل وشعرائها الأفذاذ نظراء:
[28]
1 - السيد الحميري المتوفى 173، وقد مرت ترجمته في ج 2 ص 231 - 278 قال: ولدته في حرم الإله وأمنه * والبيت حيث فناؤه والمسجد بيضاء طاهرة الثياب كريمة * طابت وطاب وليدها والمولد في ليلة غابت نحوس نجومها * وبدت مع القمر المنير الأسعد ما لف في خرق القوابل مثله * إلا ابن آمنة النبي " محمد " 2 - محمد بن منصور السرخسي، ذكرها في أبيات توجد في مناقب ابن شهر آشوب ج 1 ص 360. 3 - خواجه معين الدين الجشتي الأجميري المتوفى 632. 4 - المولي الرومي العارف الشهير المتوفى 672. 5 - المولى محمد بن عبد الله الكاتبي النيسابوري المتوفى 889، المترجم في مجالس المؤمنين. 6 - المولى أهلي الشيرازي المتوفى 942.
7 - ميرزا محمد علي التبريزي المتخلص في شعره ب " صائب " من شعراء عهد السلطان سليمان المتوفى 974 له قصيدة يمدح بها الكعبة المشرفة ويذكر مزاياها و عد منها ولادة أمير المؤمنين بها توجد في كتاب (الخزانة العامرة) صحيفة 291. 8 - السيد محمد باقر بن محمد الحسيني الاسترابادي الشهير بداماد المتوفى 1041. 9 - المولى محمد مسيح المعروف بمسيحا الفسوي الشيرازي المتوفى 1127 الآتي شعره وترجمته في شعراء القرن الثاني عشر. 10 - السيد نصر الله المدرس الحائري الشهيد سنة 1160، أحد شعراء الغدير يأتي في شعراء القرن الثاني عشر. 11 - المولى رضا الرشتي المتخلص في شعره ب " المحزون " في مثنوى له. 12 - ميرزا نصر الله المتخلص ب " شهاب ". 13 - الشريف محمد بن فلاح الكاظمي أحد شعراء الغدير يأتي شعره وترجمته في محلهما، ذكرها في قصيدته الكرارية. 14 - الشيخ محمد رضا النحوي المتوفى 1226، أحد شعراء الغدير تأتي ترجمته
[29]
في محلها. 15 - الشيخ حسين نجف المتوفى 1252، أحد شعراء الغدير يأتي شعره وترجمته في شعراء القرن الثالث عشر قال في قصيدته الكبيرة. جعل الله بيته لعلي * مولدا ياله علا لا يضاهى لم يشاركه في الولادة فيه * سيد الرسل لا ولا أنبياها علم الله شوقها لعلي * علمه بالذي به من هواها إذ تمنت لقاءه وتمنى * فأراها حبيبه ورآها ما ادعى مدع لذلك كلا * من ترى في الورى يروم ادعاها ؟
فاكتست مكة بذاك افتخارا * وكذا المشعران بعد مناها بل به الأرض قد علت إذ حوته * فغدت أرضها مطاف سماها ؟ أو ما تنظر الكواكب ليلا * ونهارا تطوف حول حماها ؟ وإلى الحشر في الطواف عليه * وبذاك الطواف دام بقاها 16 - ميرزا عباس الدامغاني المتخلص ب " نشاط " الهزار جريبي المتوفى 1262. 17 السيد محمد تقي القزويني المتوفى 1270، أحد شعراء الغدير تأتي ترجمته في شعراء القرن الثالث عشر. 18 - الشيخ حسين بن علي الفتوني الهمداني العاملي الحائري، من شعراء الغدير يأتي ذكره في القرن الثالث عشر. 19 - الحاج محمد خان المولود سنة 1246 المتخلص ب " دشتي " في ديوانه المطبوع. 20 - الحاج ميرزا إسماعيل الشيرازي المتوفى 1305، أحد شعراء الغدير من حجج الطائفة يأتي ذكره في شعراء القرن الرابع عشر له قصيدة موشحة في المولود المقدس ألا وهي: رغد العيش فزده رغدا * بسلاف منه تشفي سقمي طرب الصب على وصل الحبيب * وهنى العيش على بعد الرقيب وفني من أكؤس الراح النصيب * وائتني توما بها لا مفردا فالهنا كل الهنا في التوئم
[30]
آتني الصهباء نارا ذائبه * كللتها قبسات لاهبه واسقنيها والندامى قاطبه * فلعمري إنها ري الصدى لفؤاد بالتصابي مضرم ما أحيلي الراح من كف الملاح * هي روح هي روح هي راح
فأدرها في غدو ورواح * كذكاء تتجلى صرخدا رصعتها حبب كالأنجم حبذا آناء أنس أقبلت * أدركت نفسي بهاما أملت وضعت أم العلى ما حملت * طاب أصلا وتعالى محتدا مالكا ثقل ولاء الأمم آنست نفسي من الكعبة نور * مثل ما آنس موسى نار طور يوم غشي الملأ الأعلى سرور * قرع السمع نداء كندا شاطئ الوادي طوى من حرم ولدت شمس الضحى بدر التمام * فانجلت عناديا جير الظلام ناد: يا بشراكم هذا غلام * وجهه فلقة بدر يهتدى بسنا أنواره في الظلم هذه فاطمة بنت أسد * أقبلت تحمل لاهوت الأبد فاسجدوا ذلا له فيمن سجد * فله الأملاك خرت سجدا إذ تجلى نوره في آدم كشف الستر عن الحق المبين * وتجلى وجه رب العالمين وبدا مصباح مشكاة اليقين * وبدت مشرقة شمس الهدى فانجلى ليل الضلال المظلم نسخ التأبد من نفي ترى * فأرانا وجهه رب الورى ليت موسى كان فينا فيرى * ما تمناه بطور مجهدا فانثني عنه بكفي معدم هل درت أم العلى ما وضعت ؟ أم درت ثدي الهدى ما أرضعت ؟
[31]
أم درت كف النهي ما رفعت ؟ أم درى رب الحجى ما ولدا ؟ جل معناه فلما يعلم سيد فاق علا كل الأنام * كان إذ لا كائن وهو إمام شرف الله به البيت الحرام * حين أضحى لعلاه مولدا فوطا تربته بالقدم إن يكن يجعل لله البنون * وتعالى الله عما يصفون فوليد البيت أحرى أن يكون * لولي البيت حقا ولدا لا عزيز لا ولا ابن مريم هو بعد المصطفى خير الورى * من ذرى العرش إلى تحت الثرى قد كست عليائه أم القرى * غرة تحمي حماها أبدا حيث لا يدنوه من لم يحرم سبق الكون جميعا في الوجود * وطوى عالم غيب وشهود كلما في الكون من يمناه جود * إذ هو الكائن لله يدا ويد الله مدر الأنعم سيد حازت به الفضل مضر * بفخار فسما كل البشر وجهه في فلك العليا قمر * فبه لا بالنجوم يهتدى نحو مغناه لنيل المغنم هو بدر وذراريه بدور * عقمت عن مثلهم أم الدهور كعبة الوفاد في كل الشهور * فاز من نحو فناها وفدا بمطاف منه أو مستلم ورثوا العلياء قدما من قصي * ونزار ثم فهر ولوي لا يباري حيهم قط بحي * وهم أزكى البرايا محتدا
وإليهم كل فخر ينتمي أيها المرجى لقاه في الممات * كل موت فيه لقياك حياة ليتما عجل بي ما هو آت * علني ألقى حياتي في الردى
[32]
فايزا منه بأوفى النعم 21 - ميرزا أبو القاسم الحسيني الشيرازي. 22 - سراج الدين محمد بن الحسن القرشي التميمي العدوي الأموي المعروف بفدا حسين الهندي، نظم مكرمة الولادة الشريفة في قصيدته العلوية الكبيرة المطبوعة البالغة 1411 بيتا المسماة بالنفحة القدسية ص 68، 178 23 - ميرزا محمد تقي الشهير بحجة الاسلام المتوفى 1312، في ديوانه المطبوع ص 196، 200 24 - الشاعر المفلق محمد اليزدي المتخلص في شعره ب (جيحون) المتوفى حدود 1318. في ديوانه المطبوع. 25 - السيد مصطفى بن الحسين الكاشاني النجفي دفين الكاظمية المتوفى 1336 أحد شعراء الغدير، يأتي شعره وترجمته في شعراء القرن الرابع عشر. 26 - الحاج ميرزا حبيب الخراساني المترجم في كتابنا (شهداء الفضيلة) ص 282 27 - الشيخ علي الملقب بالشيخ الرئيس الخراساني المتوفى حدود 1320 في منظومته المسماة ب (تنبيه الخاطر في أحوال المسافر) ص 4. 28 - الشيخ محمود عباس العاملي المتوفى 1353، أحد شعراء الغدير يأتي. 29 - السيد حسن آل بحر العلوم المتوفى 1355، من شعراء الغدير يأتي ذكره في شعراء القرن الرابع عشر. 30 - الحاج الشيخ محمد الحسين الاصبهاني المتوفى 1361، أحد شعراء الغدير
الآتي ذكره في شعراء القرن الرابع عشر. 31 - السيد مير علي أبو طبيخ النجفي المتوفى 1361، أحد شعراء الغدير يأتي شعره وترجمته. 32 - السيد رضا الهندي النجفي المتوفى 1362، من شعراء الغدير يأتي ذكره في شعراء القرن الرابع عشر. 33 - السيد المحسن الأمين العاملي، أحد شعراء الغدير يأتي ذكره. 34 - الشيخ محمد صالح المازندراني، أحد شعراء الغدير يأتي ذكره.
[33]
35 - الشيخ ميرزا محمد علي الأوردبادي، أحد شعراء الغدير يأتي ذكره، نظمها في غير واحدة من قصائده، ومما قال فيها قوله يمدح به أمير المؤمنين عليه السلام سبق الكرام فها هم لم يلحقوا * في حلبة العلياء شأو كميته إذ خصه المولى بفضل باهر * فيه يميز حيه من ميته لم يتخذ ولدا وما إن يتخذ * إلا وكان ولاده في بيته في البيت مولده يحقق إنه * دون الأنام ذبالة في زيته خمسها النطاسي المحنك ميرزا محمد الخليلي صاحب (معجم أدباء الأطباء) 36 - الشيخ محمد السماوي النجفي، أحد شعراء الغدير يأتي ذكره. 37 - الشيخ محمد علي يعقوب النجفي، أحد شعراء الغدير يأتي ذكره. 38 - الشيخ جعفر نقدي، أحد شعراء الغدير يأتي ذكره. 39 - ميرزا محمد الخليلي النجفي، أحد شعراء الغدير يأتي ذكره. 40 - السيد علي النقي اللكهنوي الهندي، أحد شعراء الغدير يأتي ذكره، له موشحة في الميلاد الشريف يهني بها سيدنا الحجة السيد ميرزا علي آغا الشيرازي وهي: من بدا فاز دهر البيت الحرام * وزهت منه ليالي رجب ؟
طرب الكون لبشر وهنا * إذ بدا الفخر بنور وسنا وأتى الوحي ينادي معلنا *: قد أتاكم حجة الله الإمام وأبو الغر الهداة النجب خصه الرحمن بالفضل الصراح * ومزايا أشرقت غرا وضاح وسما منزله هام الضراح * فغدا مولده خير مقام طأطأت فيه رؤس الشهب إنه أول بيت وضعا * للورى طرا فأضحوا خضعا وعلى الحاضر والبادي معا * حجة أصبح فرضا ولزام طاعة تتبع أقصى القرب وهو القبلة في كل صلاة * وملاذ يرتجى فيه النجاه وقد استخلصه الله حماه * فلان يأت إليه مستهام
[34]
في ملم داعيا يستجب تلكم فاطمة بنت أسد * أمت البيت بكرب وكمد ودعت خالقها الباري الصمد * بحشافيه من الوجد الضرام قد علته قبسات اللهب نادت: اللهم رب العالمين * قاضي الحاجات للمستصرخين كاشف الكرب مجيب السائلين * إنني جئتك من دون الأنام أبتغي عندك كشف الكرب بينما كانت تناجي ربها * وإلى الرحمن تشكوا كربها وإذا بالبشر غشى قلبها * من جدار البيت إذ لاح ابتسام عن سنا ثغر له ذي شنب
فتق الزهر ؟ أم انشق القمر ؟ أم عمود الصبح بالليل انفجر ؟ أم أضاء البرق فالكون ازدهر ؟ أم بدا في الأفق خرق والتئام ؟ فغدا برهان معراج النبي أم أشار البيت بالكف ادخلي ؟ واطمئني بالإله المفضل فهنا يولد ذو العليا " علي " * من به يحظى حطيمي والمقام وينال الركن أعلا الرتب دخلت فاطم فارتد الجدار * مثلما كان ولم يكشف ستار إذ تجلى النور وانجاب السرار * عن سنا بدر به يجلو الظلام والورى ينجو به من عطب ولد الطاهر ذاك ابن جلا * من سما العرش جلالا وعلا فله الأملاك يعنو ذللا * وبه قد بشر الرسل العظام قومهم فيها خلا من حقب عرف الله ولا أرض ولا * رفعت سبع طباق ظللا فلذا خر سجودا وتلا * كلما جاء إلى الرسل الكرام قبله من صحف أو كتب
[35]
إن يك البيت مطافا للأنام * فعلي قد رقى أعلا سنام إذ به يطوف البيت الحرام * وسعى الركن إليه لاستلام فغدا يزهو به من طرب لم يكن في البيت مولود سواه * إذ تعالى عن مثيل في علاه أوتي العلم بتعليم الإله * فغذاه دره قبل الفطام يرتوي منه بأهنى مشرب
صغر الكون على سودده * وانتمى الوحي إلى محتده بشر الشيعة في مولده * واقصدوا العلامة الحبر الإمام منبع العلم مناط الأدب (القصيدة) وله قصيدة أخرى ميلادية بارى بها قصيدة (إيليا أبي ماضي) الإلحادية المقفاة ب " لست أدري " وهي: طرب الكون من البشر وقد عم السرور وغدا القمري يشدو في ابتسام للزهور وتهانت ساجعات في ذرى الأيك الطيور لم ذا البشر ؟ وما هذا التهاني ؟. لست أدري تلعب الريح. وفيها الدوح قامت راقصات وبها الأوراق تزهو بالأكف الصافقات ضاربا سجع هزار الغصن أوتار الحياة مم هذي الدوح أضحت راقصات ؟ لست أدري قد كسى وجه الثرى من سندس وشي الربيع فتهادى مائسا في حلل الخصب المريع وغدا يختال بالأرياش والشأن البديع قائلا: هل أجد يوجد مثلي ؟ لست أدري والنسيم الغض قد تهمس في سمع الاقاح فترى باسمه الثغر نشاطا وارتياح
[36]
وهزيز الغصن يبدي شان زهو ومراح
ما الذي قالت فردت بابتسام ؟ لست أدري طبق الأرض لهيبا نار محمر الشقيق فغدا البلبل مرتاع الحشا خوف الحريق صارخا: هل لنجاتي عن لظاها من طريق ؟ هذه النار أتتني كيف أطفي ؟ لست أدري أشرقت طلعة نور عمت الكون ضياءا لا أرى بدرا على الأفق ولم أبصر ذكاءا وتفحصت فلم أدرك هناك الكهرباءا فبماذا ضاء هذا الكون نورا ؟ لست أدري كان هذا الروض قبل اليوم رهنا للذبول ساحبات فوقها الأرواح قدما للذيول تعصف النكباء فيها دون أنفاس البليل كيف عاد اليوم يزهو في شذاه ؟ لست أدري قمت أستكشف عنه سائلا هذا وذاك فرأيت الكل مثلي في اضطراب وارتباك وإذا الآراء طرا في اصطدام واصطكاك وأخيرا عمها العجز فقالت: لست أدري وإذا نبهني عاطفة الحب الدفين وتظننت وظن الألمعي عين اليقين إنه ميلاد مولانا أمير المؤمنين فدع الجاهل والقول: بأني لست أدري لم يكن في كعبة الرحمن مولود سواه
إذ تعالى في البرايا عن مثيل في علاه وتولى ذكره في محكم الذكر الإله
[37]
أيقول الغر فيه بعد هذا: لست أدري أقبلت فاطمة حاملة خير جنين جاء مخلوقا بنور القدس لا الماء المهين وتردى منظر اللاهوت بين العالمين كيف قد أودع في جنب وصدر ؟ لست أدري أقبلت تدعو وقد جاء بها داء المخاض نحو جذع النخل من ألطاف ذي اللطف المفاض فدعت خالقها الباري بأحشاء مراض كيف ضجت ؟ كيف عجت ؟ كيف ناحت ؟ لست أدري لست أدري غير أن البيت قد رد الجواب بابتسام في جدار البيت أضحى منه باب دخلت فانجاب فيه البشر عن محض اللباب إنما أدري بهذا غير هذا لست أدري كيف أدري وهو سر فيه قد حار العقول حادث في اليوم لكن لم يزل أصل الأصول مظهر لله لكن لا اتحاد لا حلول غاية الادارك أن أدري بأني لست أدري ولد الطهر " علي " من تسامى في علاه ؟ فاهتدى فيه فريق وفريق فيه تاه
ضل أقوام فظنوا: إنه حقا إله أم جنون العشق هذا لا يجازى ؟ لست أدري ونظمها الشاعر المفلق الأستاذ المسيحي " بولس سلامة " في أول ملحمته العربية " عيد الغدير " فقال في ص 56: سمع الليل في الظلام المديد * همسة مثل أنه المفقود من خفي الآلام والكبت فيها * ومن البشر والرجاء السعيد
[38]
حرة لزها المخاض فلاذت * بستار البيت العتيق الوطيد كعبة الله في الشدائد ترجى * فهي جسر العبيد للمعبود 5 لا نساء ولا قوابل حفت * بابنة المجد والعلى والجود يذر الفقر أشرف الناس فرادا * والغني الخليج غير فريد أينما سار واكبته جباه * وظهور مخلوقة للسجود صبرت فاطم على الضيم حتى * لهث الليل لهثة المكدود وإذا نجمة من الأفق خفت * تطعن الليل بالشعاع الجديد 10 وتدانت من الحطيم وقرت * وتدلت تدلي العنقود تسكب الضوء في الأثير دفيقا * فعلى الأرض وابل من سعود واستفاق الحمام يسجع سجعا * فتهش الأركان للتغريد بسم المسجد الحرام حبورا * وتنادت حجاره للنشيد كان فجران ذلك اليوم فجر * لنهار وآخر للوليد 15 هالت الأم صرخة جال فيها * بعض شئ من همهمات الأسود دعت الشبل حيدرا وتمنت * وأكبت على الرجاء المديد - أسدا - سمت ابنها كأبيها * لبدة الجد اهديت للحفيد
بل - عليا - ندعوه قال أبوه * فاستقز السماء للتأكيد ذلك اسم تناقلته الفيافي * ورواه الجلمود للجلمود 20 يهرم الدهر وهو كالصبح باق * كل يوم يأتي بفجر جديد * (الشاعر) * السيد عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن أبي نصر الحسيني السريجي الأوالي. ترجمة العلامة السماوي في (الطليعة من شعراء الشيعة) فقال: كان فاضلا أديبا جامعا، وشاعرا ظريفا بارعا، توفي في البصرة سنة 750 تقريبا.
[39]
القرن الثامن 68 صفي الدين الحلي المولود: 677 المتوفى: 752 خمدت لفضل ولادك النيران * وانشق من فرح بك الايوان وتزلزل النادي وأوجس خيفة * من هول رؤياه أنو شروان فتأول الرؤيا سطيح (1) وبشرت * بظهورك الرهبان والكهان وعليك رميا وشعيا أثنيا * وهما وحزقيل لفضلك دانوا (2) بفضائل شهدت بهن الصحف * والتوراة والانجيل والفرقان 5 فوضعت لله المهيمن ساجدا * واستبشرت بظهورك الأكوان متكملا لم تنقطع لك سرة * شرفا ولم يطلق عليك ختان (3) فرأت قصور الشام آمنة وقد * وضعتك لا تخفى لها أركان (4) وأتت حليمة وهي تنظر في ابنها (5) سرا تحار لوصفه الأذهان
(1) توجد قصة الرؤيا وتأويل سطيح إياها في كتب السير النبوية ودلائلها ومعاجم
التاريخ، وسطيح هو ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن غسان. (2) أرميا بن حلقيا من سبط لاوي بن يعقوب من أنبياء بني إسرائيل، شعيا بن امصيا ممن بشر بالنبي الأعظم من أنبياء بني إسرائيل، حزقيل بن بوذي ابن العجوز، الذي دعا الله فأحيا الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله: موتورا. (3) أشار إلى ما أخرجه الحفاظ البيهقي والحاكم وابن عساكر وغيرهم من أنه صلى الله عليه وآله ولد مختونا مسرورا. (4) يوجد حديث رؤية آمنة أم النبي الأعظم قصور النام حين وضعته صلى الله عليه وآله في تاريخ ابن كثير 2 ص 264. (5) حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية مرضعة رسول الله أقام صلى الله عليه وآله عندها نحوا من أربع سنين " إمتاع الأسماع ص 27 " *
[40]
وغدا ابن ذي يزن ببعثك مؤمنا (1) سرا ليشهد جدك الديان شرح الإله الصدر منك لأربع (2) فرأى الملائك حولك الأخوان وحييت في خمس بظل غمامة * لك في الهواجر جرمها صيوان ومررت في سبع بدير فانحنى * منه الجدار وأسلم المطران وكذاك في خمس وعشرين انثنى * نسطور منك وقلبه ملآن حتى كملت الأربعين وأشرقت * شمس النبوة وانجلى التبيان 15 فرمت رجوم النيرات رجيمها * وتساقطت من خوفك الأوثان والأرض فاحت بالسلام عليك * والأشجار والأحجار والكثبان وأتت مفاتيح الكنوز بأسرها * فنهاك عنها الزهد والعرفان ونظرت خلفك كالإمام بخاتم * أضحى لديه الشك وهو عيان
وغدت لك الأرض البسيطة مسجدا * فالكل منها للصلاة مكان 20 ونصرت بالرعب الشديد على العدى * ولك الملائك في الوغى أعوان وسعى إليك فتى (3) سلام مسلما * طوعا وجاء مسلما سلمان وغدت تكلمك الأباعر والظبى * والضب والثعبان والسرحان والجزع حن إلى علاك مسلما * وببطن كفك سبح الصوان (4) وهوى إليك العذق ثم رددته * في نخلة تزهى به وتزان 25 والدوحتان وقد دعوت فاقبلا * حتى تلاقت منهما الأغصان وشكا إليك الجيش من ظمأ به * فتفجرت بالماء منك بنان ورددت عين قتادة من بعد ما * ذهبت فلم ينظر بها إنسان وحكى ذراع الشاة مودع سمه * حتى كأن العضو منه لسان
(1) سيف بن ذي يزن الحميري له بشارة بالنبي الأعظم أخرج حديثها الحافظ أبو بكر الخرائطي في كتابه " هواتف الجان " وحكى عنه جمع من الحفاظ والمؤرخين في تآليفهم. (2) في هذا البيت وما يليه من الأبيات إشارة إلى قضايا من دلائل النبوة توجد جمعاء في كتب الدلائل والسيرة النبوية ومعاجم التاريخ. (3) هو عبد الله بن سلام يوجد حديث إسلامه في سيرة ابن هشام 2 ص 138. (4) الصوان جمع الصوانة: حجر شديد يقدح به. *
[41]
30 وعرجت في ظهر البراق مجاوز * السبع الطباق كما يشا الرحمن والبدر شق وأشرقت شمس الضحى * بعد الغروب وما بها نقصان وفضيلة شهد الأنام بحقها * لا يستطيع جحودها الانسان في الأرض ظل الله كنت ولم يلح * في الشمس ظلك إن حواك مكان نسخت بمظهرك المظاهر بعد ما * نسخت بملة دينك الأديان
35 وعلى نبوتك المعظم قدرها * قام الدليل وأوضح البرهان وبك استغاث الأنبياء جميعهم * عند الشدايد ربهم ليعانوا أخذ الإله لك العهود عليهم * من قبل ما سمحت بك الأزمان وبك استغاث الله آدم عندما * نسب الخلاف إليه والعصيان وبك التجا نوح وقد ماجت به * دسر السفينة إذ طغى الطوفان 40 وبك اغتدى أيوب يسأل ربه * كشف البلاء فزالت الأحزان وبك الخليل دعا الإله فلم يخف * نمرود إذ شبت له النيران وبك اغتدى في السجن يوسف سائلا رب العباد وقلبه حيران وبك الكليم غداة خاطب ربه * سأل القبول فعمه الاحسان وبك المسيح دعا فأحيا ربه * ميتا وقد بليت به الأكفان 45 وبك استبان الحق بعد خفائه * حتى أطاعك إنسها والجان ولو أنني وفيت وصفك حقه * فني الكلام وضاقت الأوزان فعليك من رب السلام سلامه * والفضل والبركات والرضوان وعلى صراط الحق آلك كلما * هب النسيم ومالت الأغصان وعلى ابن عمك وارث العلم الذي * ذلت لسطوة بأسه الشجعان 50 وأخيك في يوم (الغدير) وقد بدى * نور الهدى وتآخت الأقران وعلى صحابتك الذين تتبعوا * طرق الهدى فهداهم الرحمان وشروا بسعيهم الجنان وقد دروا * إن النفوس لبيعها أثمان يا خاتم الرسل الكرام وفاتح اك - نعم الجسام ومن له الاحسان أشكو إليك ذنوب نفس هفوها * طبع عليه ركب الانسان
[42]
55 فاشفع لعبد شانه عصيانه * إن العبيد يشينها العصيان
فلك الشفاعة في محبكم إذا * نصب الصراط وعلق الميزان فلقد تعرض للاجازة طامعا * في أن يكون جزاؤه الغفران (1) وله قوله (2): توال " عليا " وأبناؤه * تفز في المعاد وأهواله إمام له عقد يوم الغدير * بنص " النبي " وأقواله له في التشهد بعد الصلاة * مقام يخبر عن حاله فهل بعد ذكر إله السما * وذكر النبي سوى آله ؟ * (الشاعر) * صفي الدين عبد العزيز بن سرايا بن علي بن أبي قاسم بن أحمد بن نصر بن عبد العزيز ابن سرايا بن باقي بن عبد الله بن العريض الحلي الطائي السنبسي (من بني سنبس بطن من طي). كان في الطراز الأول من شعراء لغة الضاد، فاق شعره بجزالة اللفظ، ورقة المعنى، وأشف بحسن الأسلوب والانسجام، وقد تفنن بمحاولة المحسنات اللفظية مع المحافظة على المزايا المعنوية، فجاء مقدما في فنون الشعر، إماما من أئمة الأدب كما أنه كان معدودا من علماء الشيعة المشاركين في الفنون. في " مجالس المؤمنين " ص 471 عن بعض تآليف صاحب " القاموس " مجد الدين الفيروز آبادي الشافعي أنه قال: اجتمعت سنة 747 بالأديب الشاعر صفي الدين بمدينة بغداد فرأيته شيخا كبيرا وله قدرة تامة على النظم والنثر، وخبرة بعلوم العربية والشعر، فقرضه أرق من سحر النسيم، وأورق من المحيا الوسيم، وكان شيعيا قحا، ومن رأى صورته لا يظن أنه ينظم ذلك الشعر الذي هو كالدر في الأصداف. وقال ابن حجر في " الدرر الكامنة " ج 2 ص 369: تعاني الأدب فمهر في فنون
الشعر كلها، وتعلم المعاني والبيان وصنف فيهما، وتعاني التجارة فكان يرحل إلى الشام
(1) توجد في ديوانه ص 47 وفي طبعة 52 يمدح بها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله. (2) توجد في ديوانه ص 52 وفي طبعة أخرى 58. *
[43]
ومصر وماردين وغيرها في التجارة ثم يرجع إلى بلاده وفي غضون ذلك يمدح الملوك والأعيان وانقطع مدة إلى ملوك ماردين وله في مدائحهم الغرر، وامتدح الناصر محمد بن قلاون، والمؤيد إسماعيل بحماة. وكان يتهم بالرفض وفي شعره ما يشعر به، و كان مع ذلك يتنصل بلسان قاله وهو في أشعاره موجود وإن كان فيها ما يناقض ذلك، وأول ما دخل القاهرة سنة بضع وعشرين، فمدح علاء الدين ابن الأثير فأقبل عليه وأوصله إلى السلطان واجتمع بابن سيد الناس وأبي حيان وفضلاء ذلك العصر، فاعترفوا بفضائله، وكان الصدر شمس الدين عبد اللطيف.. يعتقدانه ما نظم الشعر أحد مثله مطلقا، وديوان شعره مشهور يشتمل على فنون كثيرة، وبديعية مشهورة وكذا شرحها وذكر فيه أنه استمد من مائة وأربعين كتابا. قال الأميني: وممن اجتمع المترجم به الصفدي سنة 731 يروي عن المترجم في الوافي بالوفيات، وأخذ العلم عن شيخنا المحقق نجم الدين الحلي، وأخذ عنه الشريف النسابة تاج الدين ابن معية. م - قولنا: وأخذ العلم عن شيخنا المحقق. إلخ. أخذناه من " أمل الآمل " و تبعه في ذلك جل من ترجم شاعرنا صفي الدين نظراء صاحب الروضات، وأعيان الشيعة وشيخا القمي، وهذا لا يصح جدا لأن شيخنا المحقق نجم الدين توفي سنة 676، وصفي الدين الحلي ولد 677 بعد وفاة الشيخ بسنة، وصفي الدين الذي تلمذ لشيخنا المحقق هو صفي الدين محمد بن الشيخ نجيب الدين يحيى وهو الذي كان من مشايخ السيد تاج الدين ابن معية كما في معاجم التراجم).
بالغ في الثناء عليه الكتبي في فوات الوفيات ج 1 ص 279 وذكر كثيرا من شعره، وترجمة القاضي التستري في مجالس المؤمنين ص 470، وشيخنا الحر العاملي في أمل الآمل، وابن أبي شبانة في تتميم الأمل، والسيد اليماني في نسمة السحر، والشوكاني في البدر الطالع 1 ص 358، وفريد وجدي في دائرة المعارف 5 ص 525، وصاحب رياض العلماء، والسيد الزنوزي في رياض الجنة. والسيد صاحب الروضات ص 422، والزركلي في الأعلام 2 ص 525، ومؤلف تاريخ آداب اللغة العربية 3 ص 128. وكل من هؤلاء وصفه بما هو أهله من جمل المدح وعقود الاطراء ونسائج الحمد
[44]
وأفرد العلامة الشيخ محمد علي الشهير بالشيخ علي الحزين المتوفى ببنارس الهند سنة 1181 تأليفا في أخباره ونوادر شعره. آثاره ومآثره: 1 - منظومة في علم العروض. ذكرها له صاحب رياض العلماء. 2 - العاطل الحالي، رسالة في الزجل والموالي. 3 - الخدمة الجليلة، رسالة في وصف الصيد بالبندق. 4 - درر النحور في مدائح الملك المنصور، وهي القصائد " الارتقيات " تحوي 29 قصيدة مرتبة على حروف المعجم، وأول أبياتها كآخرها من الحروف، وكل قصيدة منها 29 بيتا. 5 - ديوان شعره. قال الكتبي في الفوات: إنه دون شعره في ثلث مجلدات و كله جيد. والمطبوع مجلد واحد ولعله بعض شعره أو ديوانه الصغير الذي ذكره له بعض المتأخرين من المؤلفين بعد ذكر ديوان كبير له. 6 - رسالة الدار عن محاورات الفار. 7 - الرسالة المهملة كتبها إلى الملك الناصر محمد بن قلاون سنة 723. 8 - الرسالة الثومية أنشأها بماردين سنة 700.
9 - الكافية، هي بديعيته الشهيرة الحاوية لمائة وواحد وخمسين نوعا من محاسن البديع في 145 بيتا في بحر (البسيط) يمدح بها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله طبعت في ديوانه مستهلها. إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم * وأقر السلام على عرب بذي سلم م - شرحها ابن زاكور أبو عبد الله محمد بن قاسم بن زاكور الفاسي المالكي المتوفى 1120). 10 - شرح الكافية المذكورة في مصر سنة 1316 وفي غير واحد من المعاجم: إن له فضل السبق في نظم البديعية على من نظمها، غير أنا نقول: إن المترجم وإن أبدع في نظم بديعيته إلا أن السابق إليها هو أمين الدين علي بن عثمان بن علي بن سليمان الأربلي الشاعر الصوفي المتوفى 670، المترجم في الوافي بالوفيات، وله فضل السبق كما
[45]
ذكره السيد علي خان في (أنوار البديع) وذكر قصيدته، والبقية ممن نظم محاسن البديع ببديعية تبع في ذلك لهذين الشاعرين منهم: 1 - شمس الدين أبو عبد الله محمد بن علي الهواري المالكي المتوفى 780، أحد شعراء الغدير يأتي ذكره في هذا الجزء. له البديعية الشهيرة ب " بديعية العميان " يمدح بها النبي الأعظم أولها: بطيبة أنزل ويمم سيد الأمم. عاصر المترجم وشرح بديعيته زميله الشاعر أبو جعفر أحمد بن يوسف البصير الألبيري المعروف بالأعمى الطليطلي المتوفى 779. 2 - الشيخ عز الدين علي بن الحسين بن علي بن أبي بكر محمد بن أبي الخير الموصلي المتوفى 789 له بديعية مطلعها. براعة تستهل الدمع في العلم * عبارة عن نداء المفرد العلم
وله شرحها الموسوم (التوصل بالبديع إلى التوسل بالشفيع). 3 - الشيخ وجيه الدين اليمني المتوفى سنة 800 له بديعية كما في علم الأدب ج 1 ص 244. م 4 - شرف الدين عيسى بن حجاج السعدي المصري الحنبلي المعروف بعويس العالية (1) المتوفى 807 له بديعية في مدح النبي الأعظم كما في شذرات الذهب 7 ص 71، مطلعها: سل ما حوى القلب في سلمى من العبر * فكلما خطرت أمسى على خطر م 5 - السيد جمال الدين عبد الهادي بن إبراهيم الحسيني الصنعاني اليماني الزيدي المتوفى 822 كما في إيضاح المكنون ذيل كشف الظنون 1 ص 173 مطلعها: سرى طيف ليلي فابتهجت به وجدا 6 - الأديب شعبان بن محمد القرشي المصري المتوفى 828، له بديعية ذكرها له صاحب " كشف الظنون " ج 1 ص 191. 7 - شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقري اليمني المتوفى 837، له بديعية
(1) سمي به لأنه كان عالية في لعب الشطرنج *
[46]
وشرحها كما في " كشف الظنون " 1 ص 191، وبغية الوعاة ص 193، وشذرات الذهب 7 ص 221. 8 - تقي الدين أبو بكر علي بن عبد الله الحموي المعروف بابن حجة المتوفى 837، له بديعية يمدح بها النبي الأعظم سماها ب " التقديم " تشتمل على 136 نوعا في 141 بيتا وشرحها شرحا يسمى ب " خزانة الأدب " طبع في 571 صفحة. مطلعها. لي في ابتدا مد حكم يا عرب ذي سلم * براعة تستهل الدمع في العلم م 9 - ابن الخراط زين الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن محمد بن سليمان الحموي
الشافعي المتوفى 840، له بديعية وشرحها " إيضاح المكنون 1 ص 173 "). 10 - الشيخ محمد المقري ابن الشيخ خليل الحلبي المتوفى 849، له بديعية أولها: عجبي عراقي فعجبي نحو ذي سلم، واجنح لسكانها بالسلم والسلم 11 - الشيخ بدر الدين الحسن بن مخزون الطحان، له بديعية ذكرها له شيخنا الكفعمي في كتابه " فرج الكرب " وقال: إنها مخمسة لبديعية الشيخ صفي الدين " المترجم " 12 - الشيخ إبراهيم الكفعمي الحارثي، أحد شعراء الغدير الآتي ذكره في هذا الجزء، له بديعية وشرحها المعرب عن تضلعه في فنون الأدب، مستهلها: إن جئت سلمى فسل من في خيامهم. 13 - جلال الدين أبو بكر السيوطي المولود 849 والمتوفى 911، له بديعية موسومة ب (نظم البديع في مدح خير الشفيع) وله شرحها أولها: من العقيق ومن تذكار ذي سلم * براعة العين في استهلالها بدم 14 - الباعونية عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر بن خليفة الدمشقية الشافعية المتوفاة 922 (1) لها بديعية أولها: في حسن مطلع أقمار بذي سلم * أصبحت في زمرة العشاق كالعلم وشرحتها وأسمتها ب (الفتح المبين في مدح الأمين) طبعت بهامش (خزانة الأدب لابن حجة).
(1) الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص 293. *
[47]
15 - الشيخ عبد الرحمن بن أحمد الحميدي المتوفى 1005، أحد شعراء الغدير يأتي ذكره في شعراء القرن الحادي عشر، له بديعية تسمى ب " تمليح البديع بمديح الشفيع " أولها: رد ربع أسما وأسمى ما يرام رم * وحي حيا حواها معدن الكرم
عدد أنواعها 168، وعدد أبياتها 140، وتاريخ نظمها 992، أشار إلى كل ذلك بقوله: جانوعه (مصلح) أبياته (منن) * أرخته (ناظما) للحاسب الفهم توجد في ديوانه " الدر المنظم في مدح النبي الأعظم " المطبوع في مصر سنة 1322 في 149 صفحة. م 16 - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن الحموي المكي الحنفي نزيل مصر المتوفى 1017، له بديعية كما في الايضاح (1 ص 173). 17 - السيد علي خان صاحب " سلافة العصر " المتوفى 1018 / 20، أحد شعراء الغدير يأتي ذكره، له بديعية في 148 بيتا وله شرحها الدائر السائر الموسوم ب " أنوار الربيع " مطلعها: حسن ابتدائي بذكرى جيرة الحرم * له براعة شوق يستهل دمي 18 - الشيخ عبد القادر بن محمد الطبري المكي الشافعي المتوفى 1032، له بديعية ذكرها له الشوكاني في " البدر الطالع " 1 ص 371 مستهلها: حسن ابتداء مديحي حي ذي سلم * أبدى براعة الاستهلال في العلم أسماها (علي الحجة بتأخير أبي بكر ابن حجة) وله شرحها. 19 - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني المتوفى 1041، له بديعية مطلعها: شارفت ذرعا فذر من مائها الشبم * وجزت نملي فنم لا خوف في الحرم 20 - الشيخ محمد بن عبد الحميد بن عبد القادر المعروف ب (حكيم زاده) له بديعية نظمها سنة 1059 مستهلها: حسن ابتدائي بذكر البان والعلم * حلا لمطلع أقمار بذي سلم وله بديعية أخرى موسومة ب " اللمعة المحمدية في مدح خير البرية " أولها:
[48]
إن رمت صنعا فصن عن مدح غيرهم * يا قلب سرا وجهرا جوهر الكلم وله شرحها الكبير المخطوط في 338 صحيفة يوجد عند العلامة السيد جعفر بحر العلوم في النجف الأشرف. 21 - الشيخ أبو الوفاء العرضي الحلبي، له بديعية يمدح بها النبي الأعظم ذكرها له الشيخ قاسم ابن البكرة چي في شرح بديعيته أولها: براعتي في ابتدا مدحي بذى سلم * قد استهلت لدمع فاض كالعلم 22 - الشيخ عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني الحنفي النابلسي الدمشقي المولود سنة 1050 والمتوفى 1143، له بديعية يمدح بها رسول الله صلى الله عليه وآله أولها: يا منزل الركب بين البان والعلم * من سفح كاظمة حييت بالديم وأرخها بقوله وهو آخر القصيدة: وقلت للربع لما الفكر أرخها *: يا ربع قدتم مدحي سيد الأمم وله شرحها الموسوم ب " نفحات الأزهار على نسمات الأسحار في مدح النبي المختار " طبع في 348 صحيفة، وله بديعية أخرى طبعت بهامش الشرح المذكور أولها: يا حسن مطلع من أهوى بذي سلم * براعة الشوق في استهلالها ألمي 23 - الشيخ قاسم بن محمد البكرة چي الحلبي الحنفي المتوفى 1169، له بديعية في مدح النبي الأمين صلى الله عليه وآله أولها. من حسن مطلع أهل البان والعلم * براعتي مستهل دمعها بدم وله شرحها المطبوع الموسوم ب " حلية البديع في مدح النبي الشفيع " فرغ منه سنة 1148. 24 - السيد حسين بن مير رشيد الرضوي الهندي المتوفى 1156 له بديعية يمدح بها النبي وآله عليه وعليهم السلام توجد في ديوانه المخطوط في 143 بيتا مطلعها: حي الحيا عهد أحباب بذي سلم * وملعب الحي بين البان والعلم
م 25 - الشيخ عبد الله بن يوسف بن عبد الله الحلبي المتوفى 1194، له بديعية و شرحها كما " في الايضاح " 1 ص 174). 26 - الخوري يوسف بن أرسانيوس بن إبراهيم المسيحي الفاخوري المولود سنة
[49]
1218 والمتوفى 1301، له بديعية يمدح بها النبي المسيح عليه السلام تشتمل على مائة وثمانين نوعا مع التزام تسمية النوع أولها: براعة المدح في نجم ضياه سمي * تهدى بمطلعها من عن سناه عمي وآخرها: واختم ختامي بأن أحظى بمطلعك الباهي بخدر السنى يا مرشد الأمم طبعت بتمامها في " علم الأدب " ج 1 ص 245. 27 - الشيخ عبد القادر الحسيني الأزهري الطرابلسي، له بديعية تسمى ب (ترجمان الضمير في مدح الهادي البشير) نظمها سنة 1308 طبعت في جريدة بيروت. 28 - الشيخ محمد بن عبد الله الضرير الأزهري المتوفى 1313، له بديعية مسماة ب (الغرر في أسانيد الأئمة الأربعة عشر) مطبوعة ذكرها له صاحب معجم المطبوعات. 29 - الشيخ أحمد بن صالح بن ناصر البحراني المولود 1254 والمتوفى 1315، له بديعية يمدح بها مولانا أمير المؤمنين عليه السلام توجد في ديوانه المطبوع الموسوم ب (المراثي الأحمدية) وله شرحها، مطلعها: بديع مدح علي مذ علا قلمي * براعة تستهل الفيض من كلمي 30 - الشيخ محمد بن حمرة التستري الحلي الشهير بابن الملا المتوفى 1322 من شعراء الغدير يأتي ذكره، له بديعية يمدح بها النبي الأعظم صلوات الله عليه وآله تمتاز البديعيات بأنواع من البديع. 31 - المولى داود بن الحاج قاضي الخراساني المعروف بملا باشي المتوفى حدود
1325 المترجم في " مطلع الشمس "، له بديعية شرحها ولده ميرزا فضل الله المتوفى أواخر سنة 1343، أسماه بأزهار الربيع. 32 - الشيخ طاهر بن صالح بن أحمد الجزائري الدمشقي المولود سنة 1268 والمتوفى سنة 1338، وله شرحها المطبوع بسوريا أولها: بديع حسن بدور نحو ذي سلم * قد راقني ذكره في مطلع الكلم 33 - الشيخ محمد صالح بن ميرزا فضل الله المازندراني الحائري المولود سنة 1297، أحد شعراء الغدير يأتي ذكره في شعراء القرن الرابع عشر، له بديعية وله
[50]
شرحها مطلعها: من حسن مطلع سلمى مستهل دمي * لله من دم ذي سلم بذي سلم م 34 - الشيخ عبد الله محمد بن أبي بكر أحد شعراء العامة، له بديعية يمدح بها النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم عدد أبياتها مائة وتسع وثلاثون بيتا أولها: يا عامل اليعملات الكوم في الأكم * بالعيس بالعيس عرج نحو ذي سلم وآخر أبياتها: صلى عليه إله العرش ما لمعت * بيض الكواعب في سود من الظلم ذكرها برمتها سيدنا العلامة السيد أحمد العطار في كتابه " الرائق " في الجزء الثاني). 35 - الواردي المقري، له بديعية في مدح سيد البشر رسول الله صلى الله عليه وآله ذكرها السيد أحمد العطار طاب ثراه في الجزء الثاني من كتابه " الرائق " عدد أبياتها 145 أولها: إن زرت سلمى فسل ما حل بالعلم * وحي سلعا وسل عن حي ذي سلم ويقول في آخرها: وآله وهم الآل الهداة ومن * بهل أتى قد أتى تنكيت مدحهم آل الرسول وأعلام الأصول وآمال الوصول وأهل الحلم والكرم
مطهرون زكوا فرعا وأصلهم * السامي " علي " سما من نور جدهم جادوا وجالوا وطالوا في الفخار فهم * سحب وقضب وشهب في علائهم هم صدور مقامات العلى فلذا * تطأطأت وغدت مأوى نعالهم هم الرجال رجال الله فضلهم * لم يحص إن يحص يوما فضل غيرهم خير الورى سادة الدنيا وخيرهم * طه النبي وكل في ذرى النعم باعوا بنصرهم الدين النفيس نفوسهم وكم بذلوها بذل زادهم خضر مرابعهم حمر صوارمهم * بيض وجوههم غر ذووا شمم كفو العتاة كما كفوا العناة عطا * بالنبل والنيل في كر وفي كرم صالوا وكم وخزوا بالسمر يوم وغا * صدرا ونهدا وكم أكبوه في الصدم منزهون عن الأرجاس أنفسهم * من مثلها نقلت في أنفس الرحم والصحب صحب رسول الله ما القمر * السامي بأحسن مرأى من وقارهم
[51]
لا عيب فيهم بوصف غير أنهم * قد أرخصوا بالتقى غالي نفوسهم يا أبهج الخلق في خلق وفي خلق * وفي فخار وفي حكم وفي حكم ومن إذا طال ذنبي فامتدحت له * نجوت فالمدح ذخري فالولا عصمي كن شافعي مالكي يا أحمد ! بغد * وانقذ حنيف هوى من زلة القدم هذا مديحي بالتقصير معترفا * فاقبله مني ودع من لام بالندم ففي الحديث اندماج من يقل بكم * بيتا فبيت علاه جنة النعم فامنن علي بفضل في قبولكم * من غير طرد وأنتم معدن الكرم وأنت تعلم ما يبغي محبك في * غد ومثلك لم يحتج إلى كلمي فلا ترد يدي حاشاك خائبة * وارحم فديتك عبدا في حماك حمي بيان مدحك في فن البديع له * دقيق معنى به نطقي زكى وفمي
وقد جعلت بحمد الله ساعة دنيا العمر طاعة مدح فيك منتظم فاصفح وإن تصفح الصفح الجميل فلن * يضيق جاهك عند الله في جرمي وفيك إن فاز كعب يوم بردته * ففي غد منك ألقى خير مغتنمي ومطلب " الواردي المقري " ري ظما * وهل سواك مغيث في غد لظمي ؟ فخذ بديع مديح في علاك حلا * عن حسن مبتدئ في حسن مختتم) ولادته ووفاته أطبقت المعاجم على أن المترجم " الصفي " ولد في 5 ربيع الآخر سنة 677 (1) وعلى أنه توفي ببغداد غير أن الخلاف في تاريخ وفاته بين سنة 750 و 752 فأرخها بكل فريق وتردد جميع بينهما، والمصدر الوحيد (على ما أحسب) على القول الأول هو زين الدين طاهر ابن حبيب، وعلى الثاني هو الصفدي والله العالم. م كتب إلينا الدكتور مصطفى جواد البغدادي: إن الذي أرخ صفي الدين الحلي من بني حبيب الحلبيين هو " بدر الدين حسن بن زين الدين عمر بن حبيب المتوفى
(1) كتب إلينا الدكتور مصطفى جواد البغدادي، إن ابن تغرى بردى ذكر في كتابه " المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي " نقلا عن تاريخ العلامة البرزالي إنه سأل المترجم له عن مولده فقال: في جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وستمائة. *
[52]
سنة 779 " ذكره في " درة الأسلاك في دولة الأتراك " في وفيات سنة 750، ولعله ذكره أيضا في تاريخه الثاني " تاريخ الملوك، الذي أنهاه بسنة وفاته 679، وقد ذيل عليه ابنه زين الدين طاهر المتوفى سنة 808، ومن المعلوم إن وفاة صفي الدين الحلي داخلة في تاريخ بدر الدين ابن حبيب لا في ذيل ابنه، ثم إن الوارد في " الدرر الكامنة " على وجهين هما: زين الدين ابن حبيب في المتن. وابن رجب في إحدى النسخ، والثاني ممكن أن يكون صحيحا، لأن زين الدين ابن رجب ترجم لعشرات أمثال صفي
الدين الحلي في مشيخته إن كانوا شيوخا له، وفي طبقات الحنابلة إن كانوا حنابلة. وقد ترجم ابن قاضي شهبة صفي الدين الحلي في " ذيل تاريخ الذهبي " ولم يقتصر الصفدي على ترجمته في الوافي بالوفيات بل ترجمه أيضا في " أعيان العصر وأعوان النصر " ومن كلتا الترجمتين نقل ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات. وكتب نجم الدين سعيد بن عبد الله الدهلي الحافظ المؤرخ جزءا لطيفا في ترجمة صفي الدين الحلي، ونقل منه ابن قاضي شهبة في ذيل تاريخ الذهبي المذكور، وتوفي في سنة وفاته 749 وهي سنة الطاعون العامة التي مات فيها كثير من الأعيان وغيرهم.) ومن شعر المترجم قوله وقد أجاب به قصيدة ابن المعتز العباسي التي مستهلها: ألا من لعين وتسكابها * تشكى القذا وبكاها بها ترامت بنا حادثات الزمان * ترامى القسي بنشابها ويا رب ألسنة كالسيوف * تقطع أرقاب أصحابها ويقول فيها: ونحن ورثنا ثياب النبي * فكم تجذبون بأهدابها لكم رحم يا بني بنته * ولكن بنو العم أولى بها ومنها: قتلنا أمية في دارها * ونحن أحق بأسلابها إذا ما دنوتم تلقيتم * زبورنا أقرت بجلابها فأجابه الصفي المترجم بقوله: ألا قل لشر عبيد الإله * وطاغي قريش وكذابها
[53]
وباغي العباد وباغي العناد * وهاجي الكرام ومغتابها: أ أنت تفاخر آل النبي * وتجحدها فضل أحسابها ؟ بكم باهل المصطفى أم بهم * فرد العداة بأوصابها ؟
أعنكم نفى الرجس أم عنهم * لطهر النفوس وألبابها ؟ 5 أما الرجس والخمر من دابكم * وفرط العبادة من دابها ؟ وقلت: ورثنا ثياب " النبي " * فكم تجذبون بأهدابها ؟ وعندك لا يورث الأنبياء * فكيف حظيتم بأثوابها ؟ فكذبت نفسك في الحالتين * ولم تعلم الشهد من صابها أجدك يرضى بما قلته ؟ * وما كان يوما بمرتابها 10 وكان بصفين من حزبهم * لحرب الطغاة وأحزابها وقد شمر الموت عن ساقه * وكشرت الحرب عن نابها فأقبل يدعو إلى " حيدر " * بإرغابها وبإرهابها وآثر أن ترتضيه الأنام * من الحكمين لأسبابها ليعطي الخلافة أهلا لها * فلم يرتضوه لإيجابها 15 وصلى مع الناس طول الحياة، و " حيدر " في صدر محرابها فهلا تقمصها جدكم * إذا كان إذ ذاك أحرى بها ؟ إذا جعل الأمر شورى لهم * فهل كان من بعض أربابها ؟ أخامسهم كان أم سادسا ؟ * وقد جليت بين خطابها وقولك: أنتم بنو بنته * ولكن بنو العم أولى بها 20 بنو البنت أيضا بنو عمه * وذلك أدنى لأنسابها فدع في الخلافة فصل الخلاف * فليست ذلولا لركابها وما أنت والفحص عن شأنها ؟ * وما قمصوك بأثوابها وما ساورتك سوى ساعة * فما كنت أهلا لأسبابها وكيف يخصوك يوما بها ؟ * ولم تتأدب بآدابها 25 وقلت: بأنكم القاتلون * أسود أمية في غابها
[54]
كذبت وأسرفت فيما ادعيت * ولم تنه نفسك عن عابها فكم حاولتها سراة لكم * فردت على نكص أعقابها ولولا سيوف أبي مسلم * لعزت على جهد طلابها 30 وذلك عبد لهم لا لكم * رعى فيكم قرب أنسابها وكنتم أسارى ببطن الحبوس * وقد شفكم لثم أعتابها فأخرجكم وحباكم بها * وقمصكم فضل جلبابها فجازيتموه بشر الجزاء * لطغوى النفوس وإعجابها فدع ذكر قوم رضوا بالكفاف * وجاؤا الخلافة من بابها 35 هم الزاهدون هم العابدون * هم الساجدون بمحرابها هم الصائمون هم القائمون * هم العالمون بآدابها هم قطب ملة دين الإله * ودور الرحى حول أقطابها عليك بلهوك بالغانيات * وخل المعالي لأصحابها ووصف العذارى وذات الخمار * ونعت العقار بألقابها 40 وشعرك في مدح ترك الصلاة * وسعي السقاة بأكوابها فذلك شأنك لا شأنهم * وجري الجياد بأحسابها
[55]
القرن الثامن 69 الإمام الشيباني الشافعي المولود: 703 المتوفى: 777 سأحمد ربي طاعة وتعبدا * وأنظم عقدا في العقيدة أوحدا
أفادتكم النعماء مني ثلاثة: يدي ولساني والضمير محجبا وأشهد أن الله لا رب غيره * تعزز قدما بالبقا وتفردا هو الأول المبدي بغير بداية * وآخر من يبقى مقيما مؤبدا سميع بصير عالم متكلم * قدير يعيد العالمين كما بدا مريد أراد الكائنات لوقتها * قديم فأنشا ما أراد وأوجدا حياة وعلم قدرة وإرادة * كلام وأبصار وسمع مع البقا إله على عرش السماء قد استوى * وباين مخلوقاته وتوحدا فلا جهة تحوي الإله ولاله * مكان تعالى عنهما وتمجدا إذ الكون مخلوق وربي خالق * لقد كان قبل العرش مولى وسيدا إلى أن قال بعد ذكر أصول العقايد ومدح الخلفاء الثلاث: ولا تنس صهر المصطفى وابن عمه * فقد كان بحرا للعلوم مسددا وأفدى رسول الله حقا بنفسه * عشية لما بالفراش توسدا ومن كان مولاه (النبي) فقد غدا * (علي) له بالحق مولا ومنجدا ولا تنس باقي صحبه وأهل بيته * وأنصاره والتابعين على الهدى فكلهم أثنى الإله عليهم * وأثنى رسول الله أيضا وأكدا فلا تك عبدا رافضيا فتعتدي * فويل وويل في الورى لمن اعتدا فحب جميع الآل والصحب مذهبي * غدا بهم أرجو النعيم المؤبدا
[56]
وتسكت عن حرب الصحابة فالذي * جرى بينهم كان اجتهادا مجردا وقد صح في الأخبار: أن قتيلهم * وقاتلهم في جنة الخلد خلدا فهذا اعتقاد الشافعي إمامنا * ومالك والنعمان أيضا وأحمدا * (ما يتبع الشعر) *
هذه الأبيات أخذناها من القصيدة الكبيرة - الألفية - المطبوعة للإمام أبي عبد الله محمد الشيباني الشافعي ذكرها له صاحب " كشف الظنون " وشرحها جمع من أعلام الشافعية، منهم: 1 - نجم الدين محمد بن عبد الله الأذرعي العجلوني الشافعي المتوفى 876، فرغ من شرحه 11 رجب سنة 859 وسماه ببديع المعاني في شرح عقيدة الشيباني. وهو أول شرح ألف عليها كما ذكره في أول الشرح. قال في ص 75: أشار الناظم بقوله: ومن كان مولاه " النبي " فقد غدا * " علي " له بالحق مولا ومنجدا إلى ما ورد في الحديث الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. قال الشيخ محيي الدين النووي: معناه (1) عند علماء هذا الشأن وعليهم الاعتماد في تحقيق هذا ونظائره: من كنت ناصره ومولاه ومحبه ومصافيه فعلي كذلك. إنتهى، ولعل الناظم أشار إلى هذا المعنى بعطف قوله منجدا على مولاه فيكون عطفا تفسيرا. وقد ورد: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه، قال لعلي رضي الله عنه: هنيئا لك أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة. ا ه. 2 - الشيخ علوان علي بن عطية الحموي الشافعي المتوفى 936، سماه ببديع المعاني في شرح قصيدة الشيباني، كذا ذكره صاحب كشف الظنون، وفي شذرات الذهب 8 ص 218، وقاموس الأعلام 2 ص 682 أسماه ببيان المعاني في شرح عقيدة الشيباني. 3 - أبو البقاء الأحمدي الشافعي سماه المعتقد الايماني على عقيدة الشيباني. 4 - الشيخ محمد بن علي بن محمد علان المتوفى 1057 سماه: بديع المعاني أيضا
(1) قد عرفت معنى الحديث في المجلد الأول فلا يغرنك بعدئذ أمثال هذه اللهجات. *
[57]
* (الشاعر) *
محمد بن أحمد بن أبي بكر بن عرام بن إبراهيم بن ياسين بن أبي القاسم ابن محمد الربعي الشيباني الأسواني الاسكندراني الشافعي تقي الدين أبو عبد الله الإمام المحدث الفقيه المفتي ولد في ثامن عشر شوال سنة 703 وسمع كما في (الدرر الكامنة) 3 ص 373 من العلامة رشيد الدين إسماعيل بن عثمان المعروف بابن المعلم الحنفي المتوفى 724، والحسن بن عمر الكردي أبي علي نزيل الجيزة بمصر والمتوفى بها سنة 720، والحجار شهاب الدين أبي العباس أحمد بن أبي طالب المتوفى 730، والشريف موسى ابن أبي طالب عز الدين أبي القاسم الموسوي المتوفى بمصر سنة 715، والعلم بن درادة، وتاج الدين ابن دقيق العيد أحمد بن علي المتوفى بالقاهرة وقيل بقوص سنة 723، وأحمد بن محمد بن كمال الدين المتوفى 718، والشريف علي الزينبي، وعمر العتبي ركن الدين ابن محمد القرشي المتوفى 724، وزينب بنت أحمد بن عمر بن أبي بكر ابن شكر المقدسي المتوفاة سنة 722، وغيرهم. وأجاز له المطعم، وابن عبد الدائم، وابن النحاس، ويحيى بن سعد، ومن مكة رضي الدين أبو إسحاق إبراهيم الطبري المكي الشافعي المتوفى سنة 722 وغيرهم. قال ابن حجر في الدرر: وحدث وأفتى ودرس وصنف وخرج وتفرد بأشياء من مسموعاته وكانت وفاته في سنة 777. وتوجه ترجمته في (شذرات الذهب) 6 ص 252 وعد ممن سمع منه ابن مخلوف علي بن ناهض النويري المالكي القاضي المتوفى 718. والمترجم له وإن لم يوصف بالشعر فيما وقفنا عليه من ترجمته غير أن (الإمام أبا عبد الله محمد الشيباني الشافعي) الذي نسبت إليه القصيدة بهذه الأوصاف في المعاجم لم ينطبق إلا عليه، والله العالم.
[58]
القرن الثامن
70 شمس الدين المالكي المتوفى: 78 وإن " عليا " كان سيف رسوله * وصاحبه السامي لمجد مشيد وصهر النبي المجتبى وابن عمه * أبو الحسنين المحتوي كل سودد وزوجه رب السما من سماءه * وناهيك تزويجا من العرش قد بدي بخير نساء الجنة الغر سوددا * وحسبك هذا سوددا لمسود 5 فباتا وجل الزهد خير حلاهما * وقد آثرا بالزاد من كان يجتدي فآثرت الجنات من حلل ومن * حلي لها رعيا لذاك التزهد وما ضر من قد بات والصوف لبسه * وفي السندس الغالي غدا سوف يغتدي وقال رسول الله: إني مدينة * من العلم وهو الباب والباب فاقصد ومن كنت مولاه علي وليه * ومولاك فاقصد حب مولاك ترشد 10 وإنك مني خاليا من نبوة * كهارون من موسى وحسبك فاحمد وكان من الصبيان أول سابق (1) * إلى الدين لم يسبق بطائع مرشد وجاء رسول الله مرتضيا له * وكان عن الزهراء بالمتشرد فمسح عنه التراب إذ مس جلده * وقد قام منها آلفا للتفرد وقال له قول التلطف: قم أبا - تراب كلام المخلص المتودد 15 وفي ابنيه قال المصطفى: ذان سيدا * شبابكم في دار عز وسودد وأرسله عنه الرسول مبلغا * وخص بهذا الأمر تخصيص مفرد وقال: هل التبليغ عني ينبغي * لمن ليس من بيتي من القوم فاقتدي وقد قال عبد الله للسائل الذي * أتى سائلا عنهم سؤال مشدد
(1) راجع الجزء الثالث ص 219 - 241 تعرف قيمة هذه الكلمة التي تصبي بها صاحبها. *
[59]
: وأما علي فالتفت أين بيته * وبيت رسول الله ؟ فاعرفه تشهد وما زال صواما منيبا لربه * على الحق قواما كثير التعبد 20 قنوعا من الدنيا بما نال معرضا * عن المال مهما جاءه المال يزهد لقد طلق الدنيا ثلاثا وكلما * رآها وقد جاءت يقول لها: ابعدي وأقربهم للحق فيها وكلهم * أولوا الحق لكن كان أقرب مهتدي ومدح بها العشرة المبشرة فذكر ما يختص بأبي بكر بن أبي قحافة من المناقب في 14 بيتا أولها: فمنهم أبو بكر خليفة الذي * له الفضل والتقديم في كل مشهد وصديق هادي الخلق المؤثر الذي * لإنفاقه للمال في الله قد هدي ثم ذكر ما يختص بعمر بن الخطاب في 22 بيتا أولها: ويتبعه في فضله عمر الذي * رمى عن قسي الصدق سهم مسدد وما كل من رام السعادة نالها * ولكنه من يسعد الله يسعد ثم نظم مناقب عثمان في 15 بيتا أولها: وحبي عثمان بن عفان إنه * عليه اعتمادي وهو سؤلي ومقصدي إمام صبور للأذى وهو قادر * حليم عن الجاني جميل التعود وبعد ذكر مناقب أمير المؤمنين عليه السلام ذكر السبطين الإمامين صلوات الله عليهما بقوله: وبالحسنين السيدين توسلي * بجدهما في الحشر عند تفردي هما قرتا عين الرسول وسيدا * شباب الورى في جنة وتخلد وقال: هما ريحانتاي أحب من * أحبهما فاصدقهما الحب تسعد هما اقتسما شبه الرسول تعادلا * وماذا عسى يحصيه منهم تعددي فمن صدره شبه الحسين أجله (1) * وللحسن الأعلى وحسبك فاعدد وللحسن السامي مزايا كقوله * هو: ابني هذا سيد وابن سيد
سيصلح رب العالمين به الورى * على فرقة منهم وعظم تبدد إلى أن قال:
(1) أخرج حديث الشبه هذا ابن عساكر في تاريخه 4 ص 313. *
[60]
وكان الحسين الصارم الحازم الذي * متى يقصر الأبطال في الحرب يشدد شبيه رسول الله في البأس والندى * وخير شهيد ذاق طعم المهند لمصرعه تبكي العيون وحقها * فلله من جرم وعظم تودد فبعدا وسحقا لليزيد وشمره * ومن سار مسرى ذلك المقصد الردي وذكر فيها سيد الشهداء حمزة سلام الله عليه وقال: ومن مثل ليث الله حمزة ذي الندى * مبيد العدا مأوى الغريب المطرد ؟ فكم حز أعناق العداة بسيفه ؟ * وذب عن (المختار) كل مشدد فقال رسول الله: هذا أمرته * ولي أسد ضار لدى كل مشهد وقال أبو جهل: أجبت " محمدا " * لما شاءه فاهتز هزة سيد وأهوى له بالقوس ما بين قومه * ونال وأخرى بالحسام المهند وقال له: إني على دينه فإن * أطقت فعرج عن طريقي فاردد فذل أبو جهل وأبدى تلطفا * مقرا بقبح السب في حق " أحمد " فعاد وقد نال السعادة واهتدى * وأضحي لدين الله أكرم مسعد وفي يوم بدر حث عند سؤالهم * لما شهدوا من بأسه المتوقد لمن كان أعلام بريش نعامة * يشردنا مثل النعام المشرد فذاك الذي والله قد فعلت بنا * أفاعيله في الحرب ما لم تعود وفي أحد نال الشهادة بعد ما * أذاق سباعا للردى شر مورد ففاز وأضحى سيد الشهداء في * ملائكة الرحمن يسعى ويغتدي
وصلى رسول الله سبعين مرة * عليه إلى ثنتين عند التعدد وقال: مصاب لن نصاب بمثله * وإن كان لي يوم سأجزي بأزيد وزاد إلى فضل العمومة أنه * أخوه رضاعا هكذا المجد فاشهد وما زال ذا عرض مصون عن الأذى * ومال مهان في العطايا مبدد كريم متى ما أوقد النار للقرى * تجد خير نار عندها خير موقد وذكر فيها سيدنا العباس عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال من أبيات أولها: وقد بلغ العباس في المجد رتبة * تقول لبدر التم قصرت فابعد
[61]
حسبنا هذه القصيدة في إيقاف القارئ على مذهب الرجل ومقداره من الشعر، أخذناها من نفح الطيب ج 4 ص 603 - 607. * (ما يتبع الشعر) * أشار شاعرنا شمس الدين المالكي في شعره هذا إلى عدة من مناقب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مما أخرجته أئمة القوم وحفاظ حديثهم في الصحاح والمسانيد بطرقهم عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ألا وهي: 1 - حديث تزويج المولى سبحانه فاطمة من علي عليه السلام ونثر الجنة الحلي والحلل في ذلك الزواج الميمون، مر تفصيل ذلك في ج 2 ص 315. 2 - حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها قال: وقال رسول الله: إني مدينة * من العلم وهو الباب والباب فاقصد قد أسلفنا الكلام حول علم أمير المؤمنين عليه السلام في الجزء الثالث ص 95 - 101 وأوعزنا هناك إلى أن حديث هذه الأثارة صححه الطبري وابن معين والحاكم والخطيب والسيوطي، وهنا نفصل القول فيه وأنه أخرجه جمع كثير من الحفاظ وأئمة الحديث، فإليك جم غفير ممن ذكره في تلكم القرون الخالية محتجين به، مرسلين إياه إرسال
المسلم، مدافعين عنه قالة المزيفين، وجلبة المبطلين. 1 - الحافظ أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى 211، حكاه عنه بإسناده الحاكم في " المستدرك " 3 ص 127. 2 - الحافظ يحيى بن معين أبو زكريا البغدادي المتوفى 233، كما في " المستدرك " الحاكم وتاريخ الخطيب البغدادي. 3 - أبو عبد الله (أبو جعفر) محمد بن جعفر الفيدي المتوفى 236، رواه عنه ابن معين. 4 - أبو محمد سويد بن سعيد الهروي المتوفى 240، أحد مشايخ مسلم وابن ماجة، نقله عنه ابن كثير في تاريخه 7: 358. 5 - إمام الحنابلة أحمد بن حنبل المتوفى 241، أخرجه في " المناقب ". 6 - عباد بن يعقوب الرواجني الأسدي، أحد مشايخ البخاري والترمذي وابن
[62]
ماجة، يروي عنه الحافظ الكنجي في " الكفاية " من طريق الخطيب. 7 - الحافظ أبو عيسى محمد الترمذي المتوفى 279، في جامعه الصحيح. 8 - الحافظ أبو علي الحسين بن محمد بن فهم البغدادي المتوفى 289، روى عنه الحاكم في " المستدرك " 3: 127. 9 - الحافظ أبو بكر أحمد بن عمر البصري البزار المتوفى 292، صاحب المسند الكبير. 10 - الحافظ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى 310، في " تهذيب الآثار " وصححه حكاه عنه غير واحد من أعلام القوم. 11 - أبو بكر محمد بن محمد بن الباغندي الواسطي البغدادي المتوفى 312، رواه عنه الفقيه ابن المغازلي في " المناقب ".
12 - أبو الطيب محمد بن عبد الصمد الدقاق البغوي المتوفى 319، أخرجه عنه بإسناده الخطيب البغدادي في تاريخه 2: 377. 13 - أبو العباس محمد بن يعقوب الأموي النيسابوري الأصم المتوفى 346، رواه عنه الحاكم في " المستدرك " 3: 126. 14 - أبو بكر محمد بن عمر بن محمد التميمي البغدادي ابن الجعابي المتوفى 355، أخرجه بخمسة طرق كما في مناقب ابن شهر آشوب 1: 261. 15 - أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني المتوفى 360، أخرجه في معجميه الكبير والأوسط. 16 - أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي المعروف بالقفال المتوفى 366 حكاه عنه الحاكم في " المستدرك " 3: 127. 17 - الحافظ أبو محمد عبد الله بن جعفر بن حيان الاصبهاني المعروف بأبي الشيخ المتوفى 369، أخرجه في كتابه (السنة) حكاه عنه السخاوي في المقاصد الحسنة. 18 - الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن عثمان المعروف بابن السقا الواسطي المتوفى 173 رواه عنه ابن المغازلي في " المناقب ". 19 - الحافظ أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي الحنفي المتوفى 379، كما في
[63]
كتابه (المجالس). 20 - الحافظ أبو الحسين محمد بن المظفر البزاز البغدادي المتوفى 379، كما في مناقب ابن المغازلي. 21 - الحافظ أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي ابن شاهين المتوفى 385، أخرجه بأربعة طرق. 22 - الحافظ أبو عبد الله عبيد الله بن محمد الشهير بابن بطة العكبري المتوفى 387،
أخرجه من ستة طرق. 23 - الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى 405، أخرجه في " المستدرك " 3: 126 - 128. 24 - الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الاصبهاني المتوفى 416، حكاه عنه جمع كثير. 25 - الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الاصبهاني المتوفى 430، في كتابه (معرفة الصحابة) 26 - الفقيه الشافعي أبو الحسن أحمد بن المظفر العطار المتوفى 441، رواه للفقيه ابن المغازلي سنة 434 كما في مناقبه. 27 - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الشافعي الشهير بالماوردي المتوفى 450، حكاه عنه ابن شهر آشوب في " المناقب " 1 ص 261. 28 - الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي المتوفى 458، كما في مقتل الخوارزمي 1 ص 43 29 - أبو غالب محمد بن أحمد الشهير بابن بشران المتوفى 462، رواه عنه ابن المغازلي في " المناقب ". 30 - الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي المتوفى 463، أخرجه في (المتفق والمفترق) وتاريخ بغداد 4 ص 348، ج 2 ص 377، ج 7 ص 173، ج 11 ص 204. 31 - الحافظ أبو عمر ويوسف بن عبد الله ابن عبد البر القرطبي المتوفى 463، في
[64]
(الاستيعاب) ج 2: 461. 32 - أبو محمد حسن بن أحمد بن موسى الغندجاني المتوفى 467، نقله عنه ابن
المغازلي في " المناقب ". 33 - الفقيه أبو الحسن علي بن محمد بن الطيب الجلابي ابن المغازلي المتوفى 483، أخرجه في مناقبه بسبعة طرق. 34 - أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني الشافعي المتوفى 489، كما في مناقب ابن شهر آشوب. 35 - الحافظ أبو محمد الحسن بن أحمد السمرقندي المتوفى 491، أخرجه في بحر الأسانيد في صحيح الأسانيد، فالحديث صحيح عنده كما في تذكرة الذهبي 4: 28. 36 - أبو علي إسماعيل بن أحمد بن الحسين البيهقي المتوفى 507، رواه عنه الخوارزمي في " المناقب " ص 49. 37 - أبو شجاع شيرويه بن شهردار الهمداني الديلمي المتوفى 509، في فردوس الأخبار 38 - أبو محمد أحمد بن محمد بن علي العاصمي، أخرجه في (زين الفتى شرح سورة هل أتى) الموجود عندنا. 39 - أبو القاسم الزمخشري المتوفى 538 سمى في " الفائق " 1: 28 باب مدينة العلم. 40 - الحافظ أبو منصور شهردار بن شيرويه الهمداني الديلمي المتوفى 558، أخرجه مسندا في كتابه (مسند الفردوس). 41 - الحافظ أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني المتوفى 562، قال في (الأنساب) في (الشهيد): اشتهر بهذا الاسم جماعة من العلماء المعروفين قتلوا فعرفوا بالشهيد أولهم: ابن باب مدينة العلم. إلخ ينم كلامه هذا عن كون الحديث من المتسالم عليه عند حفاظ الحديث. 42 - الحافظ أخطب خوارزم أبو المؤيد موفق بن أحمد المكي الحنفي المتوفى 568، أخرجه في " المناقب " ص 49، وفي مقتل الإمام السبط 1 ص 43.
43 - الحافظ أبو القاسم علي بن حسن الشهير بابن عساكر الدمشقي المتوفى
[65]
571، أخرجه بعدة طرق. 44 - أبو الحجاج يوسف بن محمد البلوي الأندلسي الشهير بابن الشيخ المتوفى حدود 605، أرسله إرسال المسلم في كتابه " ألف باء " ج 1 ص 222. 45 - أبو السعادات مبارك بن محمد ابن الأثير الجزري الشافعي المتوفى 606، ذكره في " جامع الأصول " نقلا عن الترمذي. 46 - الحافظ أبو الحسن علي بن محمد ابن الأثير الجزري 630، أخرجه في " أسد الغابة " 4 ص 22. 47 - محيي الدين محمد بن علي ابن العربي الطائي الأندلسي المتوفى 638 في " الدر المكنون والجوهر المصون " كما في ينابيع المودة ص 419. 48 - الحافظ محب الدين محمد بن محمود ابن النجار البغدادي المتوفى 643، أخرجه في ذيل تاريخ بغداد مسندا. 49 - أبو سالم محمد بن طلحة الشافعي المتوفى 652، في مطالب السئول ص 22 والدر المنظم كما في ينابيع المودة ص 65. 50 - شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزاوغلي سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى 654، ذكره في تذكرته ص 29. 51 - الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي المتوفى 658، أخرجه في " الكفاية " ص 98 - 102، وقال بعد إخراجه بعدة طرق: قلت: هذا حديث حسن عال - إلى أن قال -: ومع هذا فقد قال العلماء من الصحابة والتابعين وأهل بيته بتفضيل علي عليه السلام وزيادة علمه وغزارته، وحدة فهمه، ووفور حكمته، وحسن قضاياه، وصحة فتواه،
وقد كان أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من علماء الصحابة يشاورونه في الأحكام ويأخذون بقوله في النقض والابرام، اعترافا منهم بعلمه، ووفور فضله، ورجاحة عقله، وصحة حكمه، وليس هذا الحديث في حقه بكثير لأن رتبته عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين من عباده أجل وأعلا من ذلك. 52 - أبو محمد الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الشافعي المتوفى
[66]
660، ذكره في مقال حكاه عند شهاب الدين أحمد في توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل. 53 - الحافظ محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري الشافعي المكي المتوفى 694، رواه في " الرياض النضرة " 1: 192 و " ذخائر العقبى " ص 77. 54 - سعيد الدين محمد بن أحمد الفرغاني المتوفى 699، ذكره في شرح تائية ابن فارض العربي في شرح قوله: كراماتهم من بعض ما خصهم به * بما خصهم من إرث كل فضيلة وذكره في شرحه الفارسي عند قوله: وأوضح بالتأويل ما كان مشكلا * " علي " بعلم ناله بالوصية 55 - الحافظ أبو محمد ابن أبي حمرة الأزدي الأندلسي المتوفى 699 في " بهجة النفوس " 2: 175، و ج 4: 78. 56 - صدر الدين السيد حسين بن محمد الهروي الفوزي المتوفى 718، ذكره في " نزهة الأرواح ". 57 - شيخ الاسلام إبراهيم بن محمد الحموي الجويني المتوفى 722، ذكره في " فرائد السمطين في فضائل المرتضى والبتول والسبطين ". 58 - نظام الدين محمد بن أحمد بن علي البخاري المتوفى 725، حكاه عنه الشيخ عبد الرحمن الچشتي في " مرآة الأسرار عن سير الأولياء ".
59 - الحافظ أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي المتوفى 742، ذكره في " تهذيب الكمال " في ترجمة أمير المؤمنين. 60 - الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي الشافعي المتوفى 748، ذكره في تذكرة الحفاظ 4: 28 عن صحيح الحافظ السمرقندي ثم قال: هذا الحديث صحيح. 61 - الحافظ جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي الأنصاري المتوفى سنة بضع و 750، ذكره في (نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين) وقفت عليه في قرميسين (كرمانشاه) عند العلامة الحجة سردار الكابلي. 62 - الحافظ صلاح الدين أبو سعيد خليل العلائي الدمشقي الشافعي المتوفى 761، عنه غير واحد من أعلام القوم، وصححه من طريق ابن معين ثم قال: وأي
[67]
استحالة في أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا في حق علي رضي الله عنه ؟ ولم يأت كل من تكلم في هذا الحديث وجزم بوضعه بجواب عن هذه الروايات الصحيحة عن ابن معين، ومع ذلك فله شاهد رواه الترمذي في جامعه إلخ. (1) 63 - السيد علي بن شهاب الدين الهمداني، ذكره في المودة القربى من طريق جابر بن عبد الله ثم قال: وعن ابن مسعود وأنس مثل ذلك. 64 - بدر الدين محمد أبو عبد الله الزركشي المصري الشافعي المتوفى 794، وقال: الحديث ينتهي إلى درجة الحسن المحتج به ولا يكون ضعيفا فضلا عن كونه موضوعا " فيض القدير " 3 ص 47. 65 - الحافظ أبو الحسن علي بن أبي بكر الهيثمي المتوفى 807 في " مجمع الزوائد " 9: 114. 66 - كمال الدين محمد بن موسى الدميري المتوفى 808، في " حياة " الحيوان " ج 1: 55.
67 - مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي المتوفى 816 / 7، في كتابه " النقد الصحيح " وقال في كلام له طويل حول الحديث بعد روايته بطريق عن ابن معين: ولم يأت من تكلم على حديث أنا مدينة العلم بجواب عن هذه الروايات الثابتة عن يحيى بن معين، والحكم بالوضع عليه باطل قطعا. إلى أن قال: والحاصل أن الحديث ينتهي بمجموع طريقي أبي معاوية وشريك إلى درجة الحسن المحتج به، ولا يكون ضعيفا فضلا عن أن يكون موضوعا. 68 - إمام الدين محمد الهجروي اللايجي، يحكي عن كتابه " أسماء النبي و خلفائه الأربعة ". 69 - الشيخ يوسف الواسطي الأعور، ذكره في رسالة رد بها الشيعة، عده من حجج الرافضة وأجاب عنه متسالما عليه من حيث السند بوجوه في مفاده وستأتي كلمته. 70 - شمس الدين محمد بن محمد الجزري المتوفى 833، أخرجه في " أسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب " ص 14 من طريق الحاكم وذكر تصحيحه، وقد
(1) راجع اللئالي المصنوعة 1 ص 333 تجد هناك تمام كلامه. *
[68]
اشترط في أول كتابه أن يذكر فيه ما تواتر وصح وحسن من مناقب أمير المؤمنين. 71 - الشيخ زين الدين أبو بكر محمد بن محمد بن علي الخوافي المتوفى 838، ذكره مرسلا محتجا به لاختصاص علي عليه السلام بمزيد العلم والحكمة، حكاه عنه الشيخ شهاب الدين أحمد في توضيح الدلائل. 72 - شهاب الدين بن شمس الدين الزاولي الدولت آبادي المتوفى 849، إحتج به لفضل أمير المؤمنين في كتابه " هداية السعداء ". 73 - شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي الشهير بابن حجر العسقلاني المتوفى 852، ذكره في تهذيب التهذيب ج 7: 337، وقال في لسان الميزان: هذا الحديث له
طرق كثيرة في مستدرك الحاكم أقل أحوالها أن يكون للحديث أصل فلا ينبغي أن يطلق القول عليه بالوضع. 74 - شهاب الدين أحمد، ذكره في " توضيح الدلائل " وقال: هذه فضيلة اعترف بها الأصحاب وابتهجوا، وسلكوا طريق الوفاق وانتهجوا. 75 - نور الدين علي بن محمد ابن الصباغ المالكي المكي المتوفى 855، ذكره في " الفصول المهمة " ص 18. 76 - بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى الحنفي العيني المتوفى بالقاهرة 855، ذكره في " عمدة القاري " 7 ص 631. 77 - الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن علي البسطامي الحنفي المتوفى 858، ذكره في كتابه " درة المعارف الإلهية " واحتج به لوراثة علي علم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم راجع ينابيع المودة ص 400. 78 - شمس الدين محمد بن يحيى الجيلاني اللاهجي النوربخش، ذكره في " مفاتيح الإعجاز شرح گلشن راز " المؤلف سنة 877. 79 - شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي المصري المتوفى 902، ذكره في " المقاصد الحسنة " وحسنه. 80 - الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن كمال الدين السيوطي المتوفى 911، ذكره في " الجامع الصغير " ج 1 ص 374 وفي غير واحد من تآليفه وحسنه في كثير منها ثم
[69]
حكم بصحته في " جمع الجوامح " كما في ترتيبه 6 ص 401 فقال: كنت أجيب بهذا الجواب " يعني بحسن الحديث " دهرا إلى أن وقفت على تصحيح ابن جرير لحديث علي في " تهذيب الآثار " مع تصحيح الحاكم لحديث ابن عباس، فاستخرت الله وجزمت بارتقاء الحديث من مرتبة الحسن إلى مرتبة الصحة والله أعلم.
وقد أفرد في طرقه جزءا وعده من تآليفه، وذكر الحديث في " الدرر المنتثرة " وعده من الأحاديث المشهورة ص 43 هامش الفتاوى الحديثية لابن حجر. 81 - السيد نور الدين علي بن عبد الله السمهودي الشافعي المتوفى 911، ذكره في " جواهر العقدين " وأردفه بشواهد من الأحاديث الواردة في علم علي عليه السلام 82 - فضل بن روزبهان، ذكره في الرد على نهج الحق للعلامة الحلي متسالما عليه بلا أي غمز في سنده وقال في رد حجاج العلامة بأعلمية أمير المؤمنين بحديثي: أقضاكم علي. وأنا مدينة العلم، من طريق الترمذي: وأما ما ذكره المصنف من علم أمير المؤمنين فلا شك في أنه من علماء الأمة والناس محتاجون إليه فيه وكيف لا ؟ وهو وصي النبي صلى الله عليه وسلم في إبلاغ العلم وودائع حقائق المعارف، فلا نزاع لأحد فيه، وأما ما ذكره من صحيح الترمذي فصحيح. 83 - الحافظ عز الدين عبد العزيز المعروف بابن فهد الهاشمي المكي الشافعي المتوفى 922، أشار إليه في أبيات له يمدح بها أمير المؤمنين عليه السلام وهي: ليث الحروب المدره الضرغام من * بحسامه جاب الدياجي والظلم صهر الرسول أخوه باب علومه * أقضى الصحابة ذو الشمائل والشيم الزهد والورع الشديد شعاره * ودثاره العدل العميم مع الكرم في جوده ما البحر ؟ ما التيار ؟ ما * كل السيول ؟ وما الغوادي والديم ؟ وله الشجاعة والشهامة والحيا * وكذا الفصاحة والبلاغة والحكم ما عنتر ما غيره في البأس ؟ ما * أسد الشرى معه إذ الحرب اصطلم ؟ ما نجل ساعدة البليغ لديه ؟ ما * سحبان إن نثر الكلام وإن نظم ؟ حاز الفضائل كلها سبحان من * من فضله أعطاه ذاك من القدم نصر الرسول وكم فداه ؟ فياله * من نجل عم فضله للخلق عم
[70]
كل أقر بفضله حقا وذا * أمر جلي في " علي " ما انبهم فعليه مني ألف ألف تحية * وعلى الصحابة كلهم أهل الذمم 84 - الحافظ شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني المصري الشافعي المتوفى 923، عد في " المواهب اللدنية " في أسماء النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم (مدينة العلم) أخذا بالحديث كما قاله الزرقاني في شرحه 3 ص 143. 85 - المولى جلال الدين محمد بن أسعد الدواني المتوفى 928، أوعز إليه في شرح رسالة الزوراء. 86 - القاضي كمال الدين حسين بن معين الميبدي المتوفى في أوائل القرن العاشر، ذكره في شرح الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام محتجا به. 87 - الحاج عبد الوهاب بن محمد البخاري المتوفى 932، في تفسيره " الأنوري " عند قوله تعالى: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى. ذكره من طريق جابر نقلا عن ابن المغازلي وأردفه بعدة من الفضايل ثم قال: إعلم يا هذا أن هذه الأحاديث وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي رضي الله عنه. 88 - الحافظ الشيخ محمد بن يوسف الشامي المتوفى 942، ذكره في " سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد " وقال: الصواب إنه حديث حسن كما قال الحافظان العلائي وابن حجر. إلخ. 89 - الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن عراق الكناني المتوفى 863، ذكره في " تنزيه الشريعة عن الأخبار الشنيعة " وأردفه بتصحيح الحاكم وتضعيف ابن الجوزي وتحسين ابن حجر والعلائي إياه، ويظهر منه اختيار الأخير. 90 - شهاب الدين أحمد بن محمد ابن حجر الهيتمي المكي المتوفى 974، ذكره في " الصواعق " ص 73، وفي شرح الهمزية للبوصيري (1) عند شرح قوله: كم أبانت آياته من علوم * عن حروف أبان عنها الهجاء ؟
وفي شرح قوله: ووزير ابن عمه في المعالي * ومن الأهل تسعد الوزراء
(1) شرف الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد الدلاصي المتوفى 694. *
[71]
وفي شرح قوله: لم يزده كشف الغطاء يقينا * بل هو الشمس ما عليه غطاء وذكره وحسنه وقال في " تطهير الجنان " هامش " الصواعق ص 74، ورواه في الفتاوى الحديثية ص 126 وحسنه وقال في ص 197: هو حديث حسن، بل قال الحاكم: صحيح. 91 - علي بن حسام الدين الشهير بالمتقي الهندي المتوفى 975، ذكره في إكمال جمع الجوامع للسيوطي في قسم الأقوال من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام كما في ترتيبه الكنز 6 ص 156. 92 - الشيخ إبراهيم بن عبد الله الوصابي اليمني الشافعي، ذكره في كتاب " الاكتفاء " نقلا عن أبي نعيم في المعرفة والحاكم والخطيب محتجبا به لفضل علم علي عليه السلام من دون أي غمز في سنده ودلالته. 93 - الشيخ جمال الدين محمد طاهر الهندي المتوفى 986، ذكره في " تذكرة الموضوعات " وحسنه وقال: فمن حكم بكذبه فقد أخطأ. 94 - ميرزا مخدوم عباس بن معين الدين الجرجاني ثم الشيرازي المتوفى 988، ذكره في الفصل الثاني من " نواقض الروافض " وعده من فضائل أمير المؤمنين نقلا عن الترمذي من دون أي غمز فيه. 95 - شيخ بن عبد الله العيدروس المتوفى 990، ذكره في " العقد النبوي والسر المصطفوي " نقلا عن البزار، والطبراني، والحاكم، والعقيلي، وابن عدي، والترمذي
من دون إيعاز إلى ضعف سنده. 96 - جمال الدين المحدث عطاء الله بن فضل الله الشيرازي المتوفى 1000 ذكره في كتابه " الأربعين " وهو الحديث السادس عشر منه، وذكره في المطلب الأول من كتابه " تحفة الأحبا من مناقب آل العبا ". 97 - أبو العصمة محمد معصوم بابا السمرقندي، ذكره في الفصل الثاني من رسالة " الفصول الأربعة " واحتج به على من طعن أبا بكر بغصب فدك، وأنكر بذلك شهادة أمير المؤمنين لفاطمة سلام الله عليهما بمكانته العلمية الثابتة بالحديث.
[72]
98 - الشيخ علي القاري الهروي الحنفي المتوفى 1014، في ذكره " المرقاة " شرح المشكاة. 99 - الحافظ الشيخ عبد الرؤف بن تاج العارفين المناوي الشافعي المتوفى 1031، ذكره في " فيض القدير " شرح الجامع الصغير 3: 46 وفي " التيسير " شرح الجامع الصغير وقال في الأول: فإن المصطفى صلى الله عليه وسلم المدينة الجامعة لمعاني الديانات كلها، ولا بد للمدينة من باب، فأخبر أن بابها علي كرم الله وجهه، فمن أخذ طريقه دخل المدينة، ومن أخطأه أخطأ طريق الهدى، وقد شهد بالأعلمية الموافق والمخالف والمعادي والمحالف، خرج الكلاباذي أن رجلا سأل معاوية عن مسألة فقال: سل عليا هو أعلم مني، فقال: أريد جوابك. قال: ويحك كرهت رجلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزه بالعلم عزا. وقد كان أكابر الصحب يعترفون له بذلك، وكان عمر يسأله عما أشكل عليه، جاءه رجل فسأله فقال: ههنا علي فاسأله، فقال: أريد أن أسمع منك يا أمير المؤمنين ! قال: قم لا أقام الله رجليك. ومحى إسمه من الديوان وصح عنه من طرق: أنه كان يتعوذ من قوم ليس هو فيهم حتى أمسكه عنده ولم
ير له شيئا من البعوث لمشاورته في المشكل. وأخرج الحافظ عبد الملك بن سليمان قال ذكر لعطاء: أكان أحد من الصحب أفقه من علي ؟ قال: لا والله. قال الحرالي: قد علم الأولون والآخرون أن فهم كتاب الله منحصرا إلى علم علي ومن جهل ذلك فقد ضل عن الباب الذي من ورائه، يرفع الله عن القلوب الحجاب حتى يتحقق اليقين الذي لا يتغير بكشف الغطاء. ا ه. 100 - المولى يعقوب اللاهوري، ذكره في " رسالة العقائد " وتكلم في دلالته على أعلمية الإمام وأفضليته. 101 - الشيخ أحمد بن الفضل بن محمد باكثير المكي الشافعي المتوفى 1047 ذكره في كتابه " وسيلة المآل في عد مناقب الآل " نقلا عن أبي عمر صاحب الاستيعاب من دون أي غمز في السند والمتن والدلالة. 102 - الشيخ محمود بن محمد بن علي الشيخاني القادري، ذكره في تأليفه (الصراط
[73]
السوي في مناقب آل النبي) نقلا عن أحمد والترمذي بصورة إرسال المسلم ثم قال: ولهذا كان ابن عباس يقول: من أتى العلم فليأت الباب وهو علي رضي الله عنه. 103 - عبد الحق الدهلوي المتوفى 1052، ذكره في اللمعات في شرح المشكاة وحكى كلمات غير واحد من الحفاظ حول الحديث نفيا وإثباتا واختار ما ذهب إليه جمع من متأخري الحفاظ من القول بثبوته وحسنه، وعد أيضا في " مدارج النبوة " من أسماء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مدينة العلم. أخذا بالحديث. 104 - السيد محمد بن السيد جلال بن حسن البخاري، ذكره في كتابه " تذكرة الأبرار " عند ذكر أمير المؤمنين ونص على صحته. 105 - الله ديا بن عبد الرحيم بن بينا حكيم الچشتي العثماني، ذكره في (سر الأقطاب " محتجا به مرسلا إياه إرسال المسلم.
106 - عبد الرحمن بن عبد الرسول بن القاسم الچشتي، ذكره في " مرآة الأسرار " عند ذكر مولانا أمير المؤمنين. 107 - شيخ بن علي بن محمد الخفري المتوفى 1063، في كتابه " كنز البراهين الكسبية ". 108 - الحافظ علي بن أحمد العزيزي الشافعي المتوفى 1070، ذكره في السراج المنير في شرح الجامع الصغير 2 ص 63، وحكى حسنه عن شيخه ولم يوعز إلى شئ مما يزيفه فقال: يؤخذ منه أنه ينبغي للعالم أن يخبر الناس بفضل من عرف فضله ليأخذوا عنه العلم. 109 - أبو الضياء نور الدين علي بن علي الشبراملسي القاهري الشافعي المتوفى 1082، ذكره في حاشيته على المواهب اللدنية المسماة ب " تيسير المطالب السنية بكشف أسرار المواهب اللدنية " في شرح أسماء النبي صلى الله عليه وسلم في اسمه: مدينة العلم، فقال: والصواب أنه حديث حسن كما قاله العلائي وابن حجر. 110 - الشيخ تاج الدين السنبهلي، ذكره في " رسالة أشغال النقشبندية ". 111 - الشيخ إبراهيم بن الحسن الكردي الكوراني الشافعي المتوفى 1101، ذكره في " النبراس لكشف الالتباس الواقع في الأساس " نقلا عن البزار والطبراني
[74]
عن جابر، ومن طريق الترمذي والحاكم عن علي عليه السلام من دون غمز في السند. 112 - الشيخ إسماعيل بن سليمان الكردي البصري، ذكره في كتابه " جلاء النظر في دفع شبهات ابن حجر " احتج به على من نسب الخطاء في الفتيا إلى أمير المؤمنين عليه السلام حكاه ابن حجر في الفتاوى الحديثية عن بعض معاصريه. 113 - الشيخ محمد بن عبد الرسول البرزنجي المدني المتوفى 1103، في رسالته " الاشاعة في أشراط الساعة ".
114 - الشيخ محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المالكي المتوفى 1122، ذكره في شرح " المواهب اللدنية " 3 ص 143 وحسنه. 115 - الشيخ سالم بن عبد الله بن سالم البصري الشافعي، ذكره في رسالته " الأمداد بمعرفة الاسناد " المؤلف سنة 1121. 116 - ميرزا محمد بن معتمد خان البدخشاني الحارثي، أخرجه في " نزل الأبرار بما صح من مناقب أهل البيت الأطهار " ص 27 نقلا عن البزار والعقيلي وابن عدي والطبراني والحاكم وأبي نعيم، والحديث عنده صحيح على شرط كتابه. 117 - الشيخ محمد صدر العالم، في " المعارج العلى في مناقب المرتضى " ذكره ما أفاده السيوطي في جمع الجوامع من صحة الحديث حريفا فيظهر منه اختياره صحته كالسيوطي. 118 - شاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي المتوفى 1176، ذكره في " قرة العينين " في عدة مواضع مرسلا إياه إرسال المسلم، وعده من فضائل أمير المؤمنين في كتابه " إزالة الخفاء ". 119 - الشيخ محمد بن سالم المصري الحنفي المتوفى 1181، في حاشيته على شرح الجامع الصغير للعزيزي 2 ص 63. 120 - الشيخ محمد بن محمد أمين السندي، عد في كتابه " دراسات اللبيب " المطبوع سنة 1284 في لاهور باب مدينة العلم من أسماء أمير المؤمنين أخذا بالحديث. 121 - الأمير محمد بن إسماعيل بن صلاح اليمني الصنعاني المتوفى 1182 ذكره في (الروضة الندية في شرح التحفة العلوية) وحكم بصحة الحديث تبعا على الحاكم
[75]
وابن جرير والسيوطي، وقال بعد نقل تصحيح المصححين وتحسين من حسنه: فظهر لك بطلان دعوى الواضح وصحة القول بالصحة كما اختاره السيوطي وهو قول الحاكم وابن جرير.
122 - الشيخ سليمان جمل، في " الفتوحات الأحمدية بالمنح المحمدية " ذكره مرسلا إياه إرسال المسلم. 123 - المولى السيد قمر الدين الحسيني الاورنك آبادي المتوفى 1193 ذكره في " نور الكريمتين " محتجا به متسالما عليه. 124 - شهاب الدين أحمد بن عبد القادر العجيلي الشافعي - أحد شعراء الغدير يأتي في شعراء القرن الثاني عشر - ذكره في كتابه " ذخيرة المآل في شرح عقد اللآل " في عدة مواضع كذكر الحديث الثابت الصحيح المتسالم عليه. 125 - الشيخ محمد بن علي الصبان المتوفى 1205، ذكره في " إسعاف الراغبين ص 156 - هامش نور الأبصار - نقلا عن البزار والطبراني والحاكم والعقيلي وابن عدي والترمذي، وصوب قول من حسنه خلافا لمن صححه أو زيفه. 126 - الشيخ محمد مبين بن محب الله السهالوي المتوفى 1225، إحتج به لعلم الإمام عليه السلام في كتابه " وسيلة النجاة " ثم قال. هذا الحديث صحيح على رأي الحاكم وقال ابن حجر: حسن. ولم يذكر شيئا من كلم الغمز فيه موميا إلى فسادها. 127 - القاضي ثناء الله پاني پتي المتوفى 1225، ذكره في غير موضع من كتابه " السيف المسلول " وذكر تصحيح الحاكم إياه وتضعيف من ضعفه واختيار ابن حجر حسنه ثم قال ما معناه: الصواب ما أختاره ابن حجر نظرا إلى السند، وأما نظرا إلى كثرة الشواهد فيمكننا الحكم بالصحة. 128 - عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي، ذكره في جواب سؤال سئل عنه (1) وفي رسالة كتبها في عقايد والده الشاه ولي الله. 129 - الشيخ جواد ساباط بن إبراهيم ساباط الساباطي الحنفي، ذكره في " البراهين الساباطية ". 130 - عمر بن أحمد الخرپوتي الحنفي، في كتاب " عصيدة الشهدة في شرح قصيدة
(1) راجع الجزء الخامس من عبقات الأنوار ص 479. *
[76]
البردة " قال في شرح قوله: فاق النبيين في خلق وفي خلق * ولم يدانوه في علم ولا كرم: إعلم أن بيان علمه ثابت بقوله تعالى: وعلمك ما لم تكن تعلم، وبقوله عليه السلام أنا مدينة العلم. الحديث وغير ذلك. 131 - القاضي محمد بن علي الشوكاني الصنعاني المتوفى 1250، ذكره في " الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة " وحسنه. 132 - محمد رشيد الدين خان الدهلوي، في " إيضاح لطافة المقال ". 133 - جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد العلي القرشي المعروف بميرزا حسن علي اللكهنوي، عده من مناقب أمير المؤمنين في " تفريح الأحباب بمناقب الآل والأصحاب " واختار حسنه. 134 - نور الدين إسماعيل بن السليماني، ذكره في " الدر اليتيم " نقلا عن أبي نعيم والحاكم والخطيب من دون غمز فيه. 135 - ولي الله بن حبيب الله بن محب الله بن ملا أحمد عبد الحق السهاوي اللكهنوي المتوفى 1270، عده من مناقب أمير المؤمنين في كتابه " مرآة المؤمنين " ثم قال ما معناه: والذي زادوا عليه في بعض الروايات من مناقب الصحابة موضوع مفترى على ما في الصواعق. 136 - شهاب الدين السيد محمود بن عبد الله الآلوسي البغدادي المتوفى 1270 في تفسيره " روح المعاني " يسمي عليا عليه السلام بباب مدينة العلم عند البحث عن رؤية اللوح في ج 27 ص 3 من الطبعة المنيرية. 137 - الشيخ سليمان بن إبراهيم الحسيني البلخي القندوزي المتوفى 1293 ذكره بطرق كثيرة في " ينابيع المودة " ص 65، 72، 73، 400، 419 نقلا عن جمع
من الحفاظ والأعلام تنتهي إسنادهم إلى أمير المؤمنين، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وحذيفة بن اليمان، والحسن بن علي، وابن مسعود. وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، 138 - الشيخ سلامة الله البدايوني، أسمى أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه (معركة الآراء) بباب مدينة العلم أخذا بالحديث.
[77]
139 - السيد أحمد زيني دحلال المكي الشافعي المتوفي 1304، في (الفتوحات الإسلامية) 2 ص 510. 140 - المولوي حسن الزمان، ذكره في " القول المستحسن في فخر الحسن " وعده من المشهور الصحيح وقال: صححه جماعات من الأئمة وعد منها ابن معين، والخطيب، وابن جرير، والحاكم، والفيروز آبادي في النقد الصحيح. ثم قال: واقتصر على تحسينه العلائي والزركشي وابن حجر في أقوام أخر ردا على ابن الجوزي. 141 - الشيخ علي بن سليمان المغربي المالكي الشاذلي، ذكره في كتابه " نفع قوت المغتذي على صحيح الترمذي ". 142 - الشيخ عبد الغني أفندي الغنيمي، حكاه عنه سليم محمد أفندي في " قرة الأعيان " المطبوع في القسطنطنية سنة 1297. 143 - الشيخ محمد حبيب الله بن عبد الله اليوسفي المدني الشنقيطي المصري في " كفاية الطالب لمناقب علي بن أبي طالب " ص 48. توجد كلمات كثير من هؤلاء الأعلام حول الحديث في الجزء الخامس من " عقبات الأنوار " لسيدنا العلم الحجة المجاهد الأكبر السيد مير حامد حسين الموسوي اللكهنوي المتوفى 1306.
[78]
صحة الحديث
نص غير واحد من هؤلاء الأعلام بصحة الحديث من حيث السند، وهناك جمع يظهر منهم اختيارها، وكثيرون من أوليائك يرون حسنه مصرحين بفساد الغمز فيه، وبطلان القول بضعفه، وممن صححه: 1 - الحافظ أبو زكريا يحيي بن معين البغدادي المتوفى 233، نص على صحته كما ذكره الخطيب وأبو الحجاج المزي وابن حجر وغيرهم. 2 - أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى 310، صححه في تهذيب الآثار. 3 - أبو عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى 405، صححه في المستدرك. 4 - الحافظ الخطيب البغدادي المتوفى 463، عده ممن صححه المولوي حسن زمان في القول المستحسن. 5 - الحافظ أبو محمد الحسن السمرقندي المتوفى 491، في بحر الأسانيد. 6 - مجد الدين الفيروز آبادي المتوفى 816، صححه في النقد الصحيح. 7 - الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى 911، صححه في جمع الجوامع كما مر. 8 - السيد محمد البخاري، نص على صحته في " تذكرة الأبرار ". 9 - الأمير محمد اليماني الصنعاني المتوفى 1182، صرح بصحته في " الروضة الندية ". 10 - المولوي حسن الزمان، عده من المشهور الصحيح في القول المستحسن. وممن يظهر منه اختيار صحته: 11 - أبو سالم محمد بن طلحة القرشي المتوفى 652. 12 - أبو المظفر يوسف بن قزاوغلي المتوفى 654. 13 - الحافظ صلاح الدين العلائي المتوفى 761. 15 - شمس الدين محمد الجزري المتوفى 833. 16 - شمس الدين محمد السخاوي المتوفى 902.
[79]
17 - فضل الله بن روزبهان الشيرازي. 18 - المتقي الهندي علي بن حسام الدين المتوفى 975. 19 - ميرزا محمد البدخشاني. 20 - ميرزا محمد صدر العالم. 21 - ثناء الله پاني پتي الهندي. لفظ الحديث 1 - عن الحرث وعاصم عن علي عليه السلام مرفوعا: إن الله خلقني وعليا من شجرة أنا أصلها، وعلي فرعها، والحسن والحسين ثمرتها، والشيعة ورقها، فهل يخرج من الطيب إلا الطيب ؟ وأنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها. وفي لفظ حذيفة عن علي عليه السلام: أنا مدينة العلم وعلي بابها، ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها. وفي لفظ آخر له عليه السلام: أنا مدينة العلم وأنت بابها، كذب من زعم أنه يصل إلى المدينة إلا من قبل الباب. وفي لفظ له عليه السلام: أنا مدينة العلم وأنت بابها، كذب من زعم أنه يدخل المدينة بغير الباب قال الله عز وجل: وأتوا البيوت من أبوابها. 2 - عن ابن عباس: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت بابه " الباب " وفي لفظ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: يا علي أنا مدينة العلم وأنت بابها، ولن تؤتى المدينة إلا من قبل الباب. 3 - عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وهو آخذ بيد علي يقول: هذا أمير البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره. مخذول من خذله، ثم مد بها صوته فقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب.
وفي لفظ له: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب. وهناك أحاديث أخرى أخرجها الأعلام في تآليفهم القيمة تعاضد صحة هذا الحديث منها
[80]
1 - أنا دار الحكمة وعلي بابها (1). 2 - أنا دار العلم وعلي بابها (2). 3 - أنا ميزان العلم وعلي كفتاه (3). 4 - أنا ميزان الحكمة وعلي لسانه (4). 5 - أنا المدينة وأنت الباب، ولا يؤتى المدينة إلا من بابها (5). 6 - في حديث فهو باب " مدينة " علمي (6) 7 - علي أخي ومني وأنا من علي فهو باب علمي ووصيي. 8 - علي باب علمي ومبين لأمتي ما أرسلت به من بعدي (7). 9 - أنت باب علمي. قاله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام في حديث أخرجه. الخركوشي، و أبو نعيم، والديلمي، والخوارزمي، وأبو العلاء الهمداني، وأبو حامد الصالحات، وأبو عبد الله الكنجي، والسيد شهاب الدين صاحب توضيح الدلائل، والقندوزي. 10 - يا أم سلمة اشهدي واسمعي هذا علي أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، و عيبة علمي " وعاء علمي " وبابي الذي أوتى منه. أخرجه أبو نعيم، والخوارزمي في المناقب، والرافعي في التدوين، والكنجي في المناقب، والحموي في فرائد السمطين، وحسام الدين المحلي، وشهاب الدين في توضيح الدلائل، والشيخ محمد الحفني في شرح الجامع الصغير وقال في حاشية شرح العزيزي 2 ص 417: حديث العيبة أي: وعاه علمي الحافظ له، فإنه مدينة العلم ولذا كانت الصحابة تحتاج إليه في تلك المشكلات ولذا كان يسأله سيدنا معاوية في زمن الواقعة
(1) أخرجه الترمذي في جامعه الصحيح 2 ص: 214، وأبو نعيم في حلية الأولياء 1 ص 64،
والبغوي في مصابيح السنة 2 ص 275، وجمع آخر تربو عدتهم على ستين من الحفاظ وأئمة الحديث (2) أخرجه البغوي في مصابيح السنة كما ذكره الطبري في ذخاير العقبى ص 770 وآخرون (3) أخرجه الديلمي في فردوس الأخبار مسندا عن ابن عباس مرفوعا وتبعه جمع ونقلوه عنه كالعجلوني في كشف الخفاء 1 ص 204 وغيره. (4) ذكره الغزالي في الرسالة العقلية وحكاه عنه الميبدي في شرح الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين. (5) أخرجه العاصمي أبو محمد في كتابه " زين الفتى في شرح سورة هل أتى ". (6) أخرجه الفقيه ابن المغازلي، وأبو المؤيد الخوارزمي، وذكره القندوزي في الينابيع ص 71 (7) كنز العمال 6 ص 156، والقول الجلي في فضائل علي للسيوطي جعله الحديث الثامن و والثلثين من الكتاب. *
[81]
عن المشكلات فيجيبه فتقول له جماعته: مالك تجيب عدونا ؟ فيقول: أما يكفيكم أنه يحتاج إلينا ؟ ووقع له فك مشكلات مع سيدنا عمر، فقال: ما أبقاني الله إلى أن أدرك قوما ليس فيهم أبو الحسن، أو كما قال، فقد طلب أن لا يعيش بعده، ثم ذكر قضايا منها حديث اللطم (1) وحديث قد أمر سيدنا عمر برجم زانية " يأتي بتمامه " فقال سيدنا عمر: لولا علي لهلك عمر. وقال المناوي في فيض القدير 4 ص 356: علي عيبة علمي. أي: مظنة استفصاحي وخاصتي، وموضع سري، ومعدن نفائسي، والعيبة ما يحرز الرجل فيه نفائسه قال ابن دريد: وهذا من كلامه الموجز الذي لم يسبق ضرب المثل به في إرادة اختصاصه بأموره الباطنة التي لا يطلع عليها أحد غيره، وذلك غاية في مدح علي، وقد كانت ضمائر أعدائه منطوية على اعتقاد تعظيمه، وفي شرح الهمزية: إن معاوية كان يرسل يسأل عليا عن المشكلات فيجيبه فقال أحد بنيه: تجيب عدوك ؟ قال: أما يكفينا أن
احتاجنا وسألنا ؟. 11 - أنا مدينة الفقه وعلي بابها، ذكره أبو المظفر سبط ابن الجوزي في التذكرة ص 29: وأخرجه ابن بطة العكبري بإسناده عن سلمة بن كهيل عن عبد الرحمن عن على، وأبو الحسن علي بن محمد الشهير بابن عراق في تنزيه الشريعة.
(1) أخرجه محب الدين الطبري في الرياض النضرة 2 ص 196، 197. *
[82]
ما عشت أراك الدهر عجبا ما عساني أن أقول في مثقف يحسب نفسه فقيها من فقهاء الاسلام وبين يديه هذه الأحاديث وأمثالها الجمة من الصحاح والحسان المذكورة في الجزء الثالث صحيفة 95 - 100 وما أسلفناه هنا وهناك من كلمات الصحابة ومن إجماع الأمة الإسلامية جمعاء على وراثة أمير المؤمنين عليه السلام علم النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم فيصفح عن تلكم النصوص كلها، ويرى في الأمة من الصحابة وحتى اليوم من هو أعلم من أمير المؤمنين. ما عساني أن أقول في رجل يؤلف كتابا من المخاريق والمخازي ويسميه (الوشيعة) غير مكترث لمغبة مساءته، ولا متحاش عن كشف سوءته ؟ بل يتبهج ويتبجح عند قومه بالرد على الشيعة، ولم يدر المغفل أنه شوه سمعتهم، وسود صحيفة تاريخهم بتلك الوقيعة بالوشيعة، غير شاعر بأن بحاثة التنقيب سيميط الستر عن أكاذيبه وتقولاته، ويسمه بسمة العار، ووسمة الشنار. قال: كان عمر أفقه الصحابة وأعلم الصحابة في زمنه على الإطلاق، وإنما كان أعرف الفقهاء بمواقع السنن والقرآن الكريم، وكان مدة عمره في جميع أموره يعمل بالكتاب والسنة، وكان يعرف مواقع السنن ويفهم معاني الكتاب. " ن ط ". هذه الجمل الأربع التقطناها من سفاسفه المعنونة ب " الخلافة الراشدة " من صحيفة " ون - ه س " ونحن لا ننكر لعمر بن الخطاب فقها ولا علما شأن كل مسلم عاصر
النبي الأعظم وعاشره إن لم يلهه عنه الصفق بالاسواق، وإنا نود أن نعرفه - إن وسعنا - بما وصفه الرجل بعد ما عرف في الملأ بالخلافة الراشدة، ومن حملة ذلك العبء الثقيل: غير أن ما حفظته غضون الكتب والمعاجم لا يتفق مع هذه المزعمة، والتاريخ الصحيح يوجهنا إلى غير شطر ولى الرجل إليه وجهه، ويبعدنا عن محسبته بعد المشرقين، ويسمعنا قول الخليفة نفسه من وراء ستر رقيق: كل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال (1) فنحن نقدم إلى رواد الحقيقة آثارا تعرف مهيع الطريق، وتعرب عن جلية الحال.
(1) سيوافيك حديثه. *
[83]
نوادر الأثر في علم عمر 1 رأي الخليفة في فاقد الماء أخرج الإمام مسلم في صحيحه في باب التيمم بأربعة طرق عن عبد الرحمن بن أبزي: إن رجلا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء ؟ فقال عمر: لا تصل. فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين ! إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك ؟ فقال عمر: إتق الله يا عمار ! قال: إن شئت لم أحدث به ؟. وفي لفظ: قال عمار: يا أمير المؤمنين ! إن شئت لما جعل الله علي من حقك أن لا أحدث به أحدا ؟ ولم يذكر. سنن أبي داود 1 ص 53. سنن ابن ماجة 1 ص 200. مسند أحمد 4 ص 265. سنن النسائي 1 ص 59، 61. سنن البيهقي 1 ص 209. صورة أخرى: كنا عند عمر فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ! إنما نمكث الشهر والشهرين و
لا نجد الماء ؟ فقال عمر: أما أنا فلم أكن لأصلي حتى أجد الماء. فقال عمار: يا أمير المؤمنين تذكر حيث كنا بمكان كذا ونحن نرعى الإبل فتعلم إنا أجنبنا ؟ قال: نعم، قال: فإني تمرغت في التراب فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فضحك وقال: كان الطيب كافيك وضرب بكفيه الأرض ثم نفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وبعض ذراعه ؟ قال: اتق الله يا عمار، قال يا أمير المؤمنين ! إن شئت لم أذكره ما عشت أو ما حييت ؟ قال: كلا والله ولكن نوليك من ذلك ما توليت. مسند أحمد 4 ص 319. سنن أبي داود 1 ص 53. سنن النسائي 1 ص 60.
[84]
تحريف وتدجيل هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 1 ص 45 في باب: المتيمم هل ينفخ فيهما، وفي أبواب بعده غير أنه راقه أن يحرفه صونا لمقام الخليفة فحذف منه جواب عمر - لا تصل - أو: - أما أنا فلم أكن لأصلي ذاهلا عن أن كلام عمار عندئذ لا يرتبط بشئ، ولعل هذا عند البخاري أخف وطئة من إخراج الحديث على ما هو عليه. وذكره البيهقي محرفا في سننه الكبرى 1 ص 209 نقلا عن الصحيحين، وأخرجه النسائي في سننه 1 ص 60 وفيه مكان جواب عمر: فلم يدر ما يقول. وأخرجه البغوي في المصابيح 1 ص 36 وعده من الصحاح غير أنه حذف صدر الحديث وذكر مجئ عمار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحسب. وذكره الذهبي في تذكرته 3 ص 152 محرفا وأردفه بقوله: قال بعضهم: كيف ساغ لعمار أن يقول مثل هذا فيحل له كتمان العلم ؟ والجواب: إن هذا ليس من كتمان العلم فإنه حدث به واتصل ولله الحمد بنا، وحدث في مجلس أمير المؤمنين، وإنما لاطف عمر بهذا لعلمه بأنه كان ينهى عن الاكثار من الحديث خوف الخطأ، ولئلا يتشاغل الناس به عن القرآن. قال الأميني: هناك شئ هام أمثال هذه الكلمات المزخرفة والأبحاث الفارغة
المعدة لتعمية البسطاء من القراء عما في التاريخ الصحيح، ليت شعري ما أغفلهم عن قول عمر: لا تصل - أو: - أما أنا فلم أكن لأصلي ؟ ! يقوله وهو أمير المؤمنين والمسألة سهلة جدا عامة البلوى شايعة. وما أغفلهم عن قوله لعمار: اتق الله يا عمار ؟ وعن تركه الصلاة يوم أجنب في السرية بعد ما جاء الاسلام بالطهورين ؟ وعن جهله بآية التيمم وحكم القرآن الكريم ؟ وعن غضه البصر عن تعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمارا بكيفية التيمم ؟ ما أذهلهم عن هذه الطامات الكبرى وأشغلهم بعمار وكلمته ؟ نعم الحب يعمي ويصم، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا. ويظهر من العيني في عمدة القاري 2 ص 172، وابن حجر في فتح الباري 1 ص 352 ثبوت تينك الفقرتين (1) من لفظ عمر في الحديث ولذلك جعلاه مذهبا له، قال العيني:
(1) أعني قول عمر: لا تصل. وقوله: أما أنا فلم أكن لأصلي حتى أجد الماء. *
[85]
فيه (يعني في الحديث) أن عمر رضي الله عنه لم يكن يرى للجنب التيمم لقول عمار له: فأما أنت فلم تصل، وقال: إنه جعل آية التيمم مختصة بالحدث الأصغر و أدى اجتهاده إلى أن الجنب لا يتيمم. وقال ابن حجر: هذا مذهب مشهور عن عمر. يعرب الحديث عن أن هذا الاجتهاد من الخليفة كان في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو أعجب شئ طرق أذن الدهر، كيف أكمل الله دينه ومثل مسألة التيمم العامة البلوى كانت غير معلومة في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبقي فيها مجالا لمثل الخليفة أن يجهل بها أو يجتهد فيها ؟ وكيف فتح باب الاجتهاد بمصراعيه على الأمة مع وجوده صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيها ؟. فهلا سأل الرجل رسول الله بعد ما خالفه عمار، ورآه يتمعك بالتراب فيصلي ؟. وهلا أخبره عمار يوم أجنبا بما علمه رسول الله من هديه وسنته في التيمم ؟
وهلا علم رسول الله ترك عمر الصلاة - وهي أهم الفرايض وأكملها - مهما أجنب ولم يجد الماء وأخبره بما جاء به الاسلام وقرر في شرعه المقدس ؟ وهلا سأل عمر بعده صلى الله عليه وآله وسلم رجالا خالفوه في رأيه هذا مثل علي أمير المؤمنين وابن عباس وأبي موسى الأشعري والصحابة كلهم غير عبد الله بن مسعود ؟ وهل كان عمل أولئك القائلين بالتيمم على الجنب الفاقد للماء اتباعا للسنة الثابتة المسموعة من رسول الله ؟ أو كان مجرد رأي واجتهاد أيضا لدة اجتهاد الخليفة ؟ وهلا كان الخليفة يثق بعمار يوم أخبره عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعدل عن رأيه ؟ ولم ير ابن مسعود أن عمر قنع بقول عمار (1). وهل خفي على الخليفة ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عمران بن الحصين ؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم فقال: يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم ؟ فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك (2)
(1) صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن البيهقي 1 ص 226، تيسير الوصول 3 ص 97. (2) صحيح البخاري 1 ص 129، صحيح مسلم، مسند أحمد 4 ص 434، سنن النسائي 1 ص 171، سنن البيهقي 1 ص 219، تيسير الوصول 3 ص 98. *
[86]
وهل عزب عنه ما رواه سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ؟ قال: جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنا نكون في الرمل وفينا الحائض والجنب والنفساء فيأتي علينا أربعة أشهر لا نجد الماء ؟ قال: عليك بالتراب يعني التيمم. وفي لفظ آخر: إن أعرابا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا نكون في هذه الرمال لا نقدر على الماء ولا نرى الماء ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر وفينا النفساء والحائض والجنب ؟ قال: عليكم بأرض.
وفي لفظ الأعمش: جاء الأعراب إلى النبي. صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نكون بالرمل ونعزب عن الماء الشهرين والثلاثة وفينا الجنب والحائض ؟ فقال: عليكم بالتراب (1). وهل ذهب عليه ما أخبر به أبو ذر من السنة ؟ قال: كنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فاصلي بغير طهور فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بنصف النهار وهو في رهط من أصحابه وهو في ظل المسجد فقال: أبو ذر ؟ فقلت: نعم هلكت يا رسول الله ! فقال: وما أهلكك ؟ قال: إني كنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فاصلي بغير طهور فأمر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فجاءت به جارية سوداء بعس يتخضخض ما هو بملآن فتسترت إلى بعيري فاغتسلت ثم جئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر إن الصعيد الطيب طهور وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين فإذا وجدت الماء فامسسه جلدك (2). م - وهلا قرع سمعه حديث الأسقع ؟ قال: كنت ارحل للنبي صلى الله عليه وسلم فأصابتني جنابة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: رحل لنا يا أسقع. فقلت: بأبي أنت وأمي أصابتني جنابة وليس في المنزل ماء. فقال: تعال يا أسقع ! أعلمك التيمم مثل ما علمني جبرئيل، فأتيته فنحاني عن الطريق قليلا فعلمني التيمم). (3) وقبل كل شئ آيتا التيمم إحديهما في سورة النساء آية 43 وهي قوله: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد
منكم من الغايط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: أنزلت هذه الآية إذا أجنب فلم يجد الماء تيمم وصلى حتى يدرك الماء فإذا أدرك الماء اغتسل (1). والآية الثانية في سورة المائدة آية 6 وهي قوله. يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه. فإن المراد من الملامسة في آية النساء هو الجماع لا محالة كما عن أمير المؤمنين و ابن عباس وأبي موسى الأشعري وتبعهم في ذلك الحسن وعبيدة والشعبي وآخرون و هذا مذهب كل من نفى الوضوء بمس المرأة كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والثوري والأوزاعي وغيرهم. وذلك أن المولى سبحانه أسلف بيان حكم الجنب عند وجدان الماء بقوله: حتى تغتسلوا. وقوله: فاطهروا. ثم شرع في صور حكم عدم التمكن من استعمال الماء لمرض أو سفر أو فقدانه واستطرد هنا ذكر الحدث الأصغر بقوله: أو جاء أحد منكم من الغايط. فنوه بذكر الجنابة بقوله: أو لامستم النساء. ولو أريد به غير الجماع لكان مختزلا عما قبله. وعبر عن الجماع باللمس المرادف للمس (2) الذي أريد به الجماع فحسب في قوله تعالى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن. وقوله تعالى: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن. وقوله تعالى: ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن. ولغير واحد من فقهاء القوم وأئمتهم كلمات ضافية في المقام تكشف عن جلية الحال نقتصر منها بكلمة الإمام أبي بكر الجصاص الحنفي المتوفى 370 قال في أحكام القرآن 2 ص 450 - 456:
(1) سنن البيهقي 1 ص 216.
(2) راجع معاجم اللغة. *
[88]
أما قوله تعالى " أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا " فإن السلف قد تنازعوا في معنى الملامسة المذكورة في هذه الآية فقال علي وابن عباس وأبو موسى والحسن وعبيدة والشعبي: هي كناية عن الجماع وكانوا لا يوجبون الوضوء لمن مس امرأته. وقال عمر وعبد الله بن مسعود: المراد اللمس باليد وكانا يوجبان الوضوء بمس المرأة ولا يريان للجنب أن يتيمم، فمن تأوله من الصحابة على الجماع لم يوجب الوضوء من مس المرأة ومن حمله على اللمس باليد أوجب الوضوء من مس المرأة ولم تجز التيمم للجنب. ثم أثبت عدم نقض الوضوء بمس المرأة على كل حال لشهوة أو لغير شهوة بالسنة النبوية فقال: اللمس يحتمل الجماع على ما تأوله علي وابن عباس وأبو موسى. و يحتمل اللمس باليد على ما روي عن عمر وعبد الله بن مسعود، فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ. أبان ذلك عن مراد الله تعالى. ووجه آخر يدل على أن المراد منه الجماع وهو أن اللمس وإن كان حقيقة للمس باليد فإنه لما كان مضافا إلى النساء وجب أن يكون المراد منه الوطئ كما أن الوطئ حقيقته المشي بالاقدام فإذا أضيف إلى النساء لم يعقل منه غير الجماع، كذلك هذا ونظيره قوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، يعني من قبل أن تجامعوهن. وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الجنب بالتيمم في أخبار مستفيضة ومتى ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حكم ينتظمه لفظ الآية وجب أن يكون فعله إنما صدر عن الكتاب كما أنه قطع السارق وكان في الكتاب لفظ يقتضيه كان قطعه معقولا بالآية وكسائر الشرايع التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم مما ينطوي عليه ظاهر الكتاب. ويدل على أن المراد الجماع دون لمس اليد إن الله تعالى قال: إذا قمتم إلى
الصلاة فاغسلوا وجوهكم. إلى قوله: وإن كنتم جنبا فاطهروا. أبان به عن حكم الحدث في حال وجود الماء ثم عطف عليه قوله: وإن كنتم مرضى أو على سفر. إلى قوله: فتيمموا صعيدا طيبا. فأعاد ذكر حكم الحدث في حال عدم الماء فوجب أن يكون قوله: أو لامستم النساء على الجنابة لتكون الآية منتظمة لهما مبينة لحكمهما في حال وجود الماء وعدمه، ولو كان المراد اللمس باليد لكان ذكر التيمم مقصورا على حال الحدث
[89]
دون الجنابة غير مفيد لحكم الجنابة في حال عدم الماء، وحمل الآية على فائدتين أولى من الاقتصار بها على فائدة واحدة، وإذا ثبت أن المراد الجماع انتفى اللمس باليد لما بينا من امتناع إرادتهما بلفظ واحد. فإن قيل: إذا حمل على اللمس باليد كان مفيدا لكون اللمس حدثا وإذا جعل مقصورا على الجماع لم يفد ذلك، فالواجب على قضيتك في اعتبار الفائدتين حمله عليهما جميعا فيفيد كون اللمس حدثا، ويفيد أيضا جواز التيمم للجنب، فإن لم يجز حمله على الأمرين لما ذكرت من اتفاق السلف على أنهما لم يرادا ولامتناع كون اللفظ مجازا وحقيقة أو كناية وصريحا، فقد ساويناك في إثبات فائدة مجددة بحمله على اللمس باليد مع استعمالنا حقيقة اللفظ فيه، فما جعلك إثبات فائدة من جهة إباحة التيمم للجنب أولى ممن أثبت فائدته من جهة كون اللمس باليد حدثا ؟. قيل له: لأن قوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة مفيد لحكم الأحداث في حال وجود الماء ونص مع ذلك على حكم الجنابة، فالأولى أن يكون ما في نسق الآية من قوله: أو جاء أحد منكم من الغايط - إلى قوله: أو لامستم النساء. بيانا لحكم الحدث والجنابة في حال عدم الماء، كما كان في أول الآية بيانا لحكمهما في حال وجوده، وليس موضع الآية في بيان تفصيل الأحداث، وإنما هي في بيان حكمها وأنت متى حملت اللمس على بيان الحدث فقد أزلتها عن مقتضاها وظاهرها فلذلك كان
ما ذكرناه أولى ؟ ودليل آخر على ما ذكرناه من معنى الآية وهو أنها قد قرئت على وجهين: أو لامستم النساء. ولمستم. فمن قرأ: أو لامستم. فظاهره الجماع لا غير، لأن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين إلا في أشياء نادرة كقولهم: قاتله الله وجازاه وعافاه الله ونحو ذلك، وهي أحرف معدودة لا يقاس عليها أغيارها، والأصل في المفاعلة إنها بين اثنين كقولهم: قاتله، وضاربه، وسالمه، وصالحه، ونحو ذلك، وإذا كان ذلك حقيقة اللفظ فالواجب حمله على الجماع الذي يكون منهما جميعا، ويدل على ذلك أنك لا تقول لامست الرجل و لامست الثوب إذا مسته بيدك لانفرادك بالفعل، فدل على أن قوله: أو لامستم. بمعنى أو جامعتم النساء فيكون حقيقته الجماع، وإذا صح ذلك وكانت قراءة من قرأ:
[90]
أو لمستم. يحتمل اللمس باليد ويحتمل الجماع وجب أن يكون ذلك محمولا على ما لا يحتمل إلا معنى واحد لأن ما لا يحتمل إلا معنى واحدا فهو المحكم، وما يحتمل معنيين فهو المتشابه، وقد أمرنا الله تعالى بحمل المتشابه على المحكم ورده إليه بقوله: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب. الآية. فلما جعل المحكم أما للمتشابه فقد أمرنا بحمله عليه، وذم متبع المتشابه باقتصاره على حكمه بنفسه دون رده إلى غيره بقوله: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه. فثبت بذلك أن قوله " أو لمستم " لما كان محتملا للمعنيين كان متشابها وقوله " أو لامستم " لما كان مقصورا في مفهوم اللسان على معنى واحد كان محكما، فوجب أن يكون معنى المتشابه مبينا عليه. ويدل على أن اللمس ليس بحدث: أن ما كان حدثا لا يختلف فيه الرجال والنساء ولو مست امرأة امرأة لم يكن حدثا، كذلك مس الرجل إياها (1) وكذلك مس الرجل الرجل ليس بحدث. فكذلك مس المرأة. ودلالة ذلك على ما وصفنا من
وجهين: أحدهما إنا وجدنا الأحداث لا تختلف فيها الرجال والنساء فكل ما كان حدثا من الرجل فهو من المرأة حدث، وكذلك ما كان حدثا من المرأة فهو حدث من الرجل، فمن فرق بين الرجل والمرأة فقوله خارج عن الأصول، ومن جهة أخرى: أن العلة في مس المرأة المرأة والرجل الرجل إنه مباشرة من غير جماع فلم يكن حدثا كذلك الرجل والمرأة. ا ه. فترى بعد هذه كلها أن رأي الخليفة شاذ عن الكتاب والسنة الثابتة وإجماع الأمة، واجتهاد محض تجاه النصوص المسلمة، ولذلك خالفته الأمة الإسلامية جمعاء من يومها الأول حتى اليوم، وأصفقت على وجوب التيمم على الجنب الفاقد للماء ولم يتبعه فيما رآه أحد إلا عبد الله بن مسعود - إن صحت النسبة إليه -. ويظهر من صحيحة الشيخين - البخاري ومسلم - عن شقيق أن الاجتهاد المذكور في آيتي التيمم والتأويل في قوله (أو لامستم) كما ذكر من مختلفات التابعين ومن بعدهم، وكان مفاد الآيتين متفقا عليه عند الصحابة ولم يكن قط اختلاف بينهم فيه وإنما كره
(1) يعني ليس بحدث بالنسبة إلى المرأة. *
[91]
عمر وتابعه الوحيد التيمم للجنب الفاقد للماء لغاية أخرى. قال شقيق: كنت بين عبد الله بن مسعود وأبي موسى رضي الله عنهما فقال أبو موسى: أرأيت يا أبا عبد الرحمن ؟ لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا كيف يصنع بالصلاة ؟ فقال لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرا. فقال أبو موسى: كيف بهذه الآية في سورة المائدة " فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا " ؟ قال عبد الله: لو رخص لهم في هذا الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد. فقال له أبو موسى: و إنما كرهتم هذا لذا ؟ قال: نعم. فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار لعمر رضي الله عنهما: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما
تتمرغ الدابة ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، وضرب بكفيه ضربة على الأرض ثم نفضها ثم مسح بها ظهر كفه بشماله: وظهر شماله بكفه ثم مسح بهما وجهه، فقال عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار ؟ صورة أخرى للبخاري: قال شقيق: كنت عند عبد الله وأبي موسى فقال له أبو موسى: أرأيت يا أبا عبد الله إذا أجنب فلم يجد ماء كيف يصنع ؟ فقال عبد الله: لا يصلي حتى يجد الماء. قال أبو موسى: فيكف تصنع بقول عمار ؟ حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: كان يكفيك. قال: أولم تر أن عمر لم يقنع منه بذلك. فقال له أبو موسى: فدعنا من قول عمار، كيف تصنع بهذه الآية ؟ فما درى عبد الله ما يقول فقال: إنا لو رخصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمم، فقلت لشقيق: فإنما كره عبد الله لهذا ؟ قال: نعم (1) ما أرأف هذا القائل بالجنب الفاقد للماء وأشفقه عليه إذا رأى له ترك الصلاة ولو لم يجد الماء شهرا ؟ وما أقساه على من برد عليه الماء وأوشك أن يتيمم ؟ فنهى عن التيمم شدة على هذا ورأفة بذاك، فكأن ترك الجنب الفاقد للماء الصلاة وإعراضه عما في الكتاب والسنة أخف وطئة عنده من تيمم من اتخذ البرد عذرا وترك الغسل، وكأنه أعرف بصالح المجتمع الديني من مشرع الدين لهم، وكأنه يرى أن الشارع
(1) صحيح البخاري ج 1 ص 128، 129، صحيح مسلم 1 ص 110، سنن ابن داود 1 ص 53، وفي تيسير الوصول 3 ص 97: أخرجه الخمسة إلا الترمذي. سنن البيهقي 1 ص 226. *
[92]
الأقدس فاتته رعاية ما تنبه له من المفسدة من التيمم عند برد الماء فتداركه هذا الفقيه الضليع في الفقاهة برأيه الفطير وحجته الداحضة، وكأنه وكأنه... 2 الخليفة لا يعرف حكم الشكوك أخرج إمام الحنابلة أحمد في مسنده 1 ص 192 بإسناده عن مكحول أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم فشك في صلاته فإن شك في الواحدة والثنتين فليجعلها واحدة، وإن شك في الثنتين والثلاث فليجعلها ثنتين، وإن شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثا، حتى يكون الوهم في الزيادة ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم يسلم. قال محمد بن إسحاق: وقال لي حسين بن عبد الله: هل أسنده لك ؟ فقلت: لا. فقال: لكنه حدثني أن كريبا مولى ابن عباس حدثه عن ابن عباس قال: جلست إلى عمر بن الخطاب فقال: يا بن عباس ! إذا اشتبه على الرجل في صلاته فلم يدر أزاد أم نقص ؟ قلت: يا أمير المؤمنين ! ما أدري ما سمعت في ذلك شيئا، فقال عمر: والله ما أدري - وفي لفظ البيهقي -: لا والله ما سمعت منه صلى الله عليه وسلم فيه شيئا ولا سألت عنه. فبينا نحن على ذلك إذ جاء عبد الرحمن بن عوف فقال: ما هذا الذي تذكران ؟ فقال له عمر: ذكرنا الرجل يشك في صلاته كيف يصنع ؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا. الحديث. وفي لفظ آخر في مسند أحمد: عن كريب عن ابن عباس أنه قال له عمر: يا غلام ! هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ما ذا يصنع ؟ قال: فبينا هو كذلك إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف فقال: فيم أنتما ؟ فقال عمر: سألت هذا الغلام هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع ؟ فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا شك أحدكم. الحديث (1) ألا تعجب من خليفة لا يعرف حكم شكوك الصلاة، وهو مبتلى بها في اليوم والليلة خمسا ؟ ولم يهتم بأمرها حتى يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنها إلى أن يؤل أمره إلى
السؤال عن غلام لا يعرفها أيضا فينبأه بها عبد الرحمن بن عوف، أنا لا أدري كيف كان يفعل وهو بتلك الحال لو شك في صلاة يأم فيها المؤمنين ؟ وطبع الحال يقضي بوقوع ذلك لكل
أحد في عمره ولو دفعات يسيرة، وأنا في بهيتة من الحكم البات بأعلمية رجل هذا مبلغ علمه، وهذه سعة اطلاعه على الأحكام، زه بأمة هذا شأن أعلمها. كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا. 3 جهل الخليفة بكتاب الله أخرج الحافظان ابن أبي حاتم والبيهقي عن الدئلي: أن عمر بن الخطاب رفعت إليه امرأة ولدت لستة فهم برجمها، فبلغ ذلك عليا فقال: ليس عليها رجم. فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فأرسل إليه فسأله فقال: قال الله تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين. وقال: وحمله وفصاله ثلاثون شهرا فستة أشهر حمله وحولين فذلك ثلاثون شهرا. فخلى عنها. وفي لفظ النيسابوري والحافظ الكنجي: فصدقه عمر وقال: لولا علي لهلك عمر. وفي لفظ سبط ابن الجوزي: فخلى وقال: أللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب. صورة أخرى: أخرج الحافظ عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر بإسنادهم عن الدئلي قال: رفع إلى عمر امرأة ولدت لستة أشهر فأراد عمر أن يرجمها فجاءت أختها إلى علي بن أبي طالب فقالت: إن عمر يرجم أختي فأنشدك الله إن كنت تعلم أن لها عذرا لما أخبرتني به فقال علي: إن لها عذرا فكبرت تكبيرة سمعها عمر ومن عنده فانطلقت إلى عمر فقالت: إن عليا زعم أن لأختي عذرا فأرسل عمر إلى علي ما عذرها ؟ قال: إن الله يقول: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين. فقال: وحمله وفصاله ثلاثون شهرا. وقال: وفصاله في عامين. وكان الحمل هنا ستة أشهر. فتركها عمر، قال: ثم بلغنا إنها ولدت آخر لستة أشهر. صورة ثالثة: أخرج الحافظان العقيلي وابن السمان عن أبي حزم بن الأسود: أن عمر أراد
[94]
رجم المرأة التي ولدت لستة أشهر فقال له علي: إن الله تعالى يقول: وحمله وفصاله ثلثون شهرا. وقال تعالى: وفصاله في عامين. فالحمل ستة أشهر والفصال في عامين. فترك عمر رجمها وقال: لولا علي لهلك عمر. السنن الكبرى 7 ص 442، مختصر جامع العلم ص 150، الرياض النضرة 2 ص 194، ذخائر العقبى ص 82، تفسير الرازي 7 ص 484، أربعين الرازي 466، تفسير النيسابوري 3 في سورة الأحقاف، كفاية الكنجي ص 105، مناقب الخوارزمي ص 57، تذكرة السبط ص 87، الدر المنثور 1 ص 288 و ج 6 ص 40 نقلا عن جمع من الحفاظ، كنز العمال 3 ص 96 نقلا عن خمس من الحفاظ، و ج 3 ص 228 نقلا عن غير واحد من أئمة الحديث. العجب العجاب أخرج الحفاظ عن بعجة بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت له تماما لستة أشهر فانطلق زوجها إلى عثمان فأمر بها أن ترجم فبلغ ذلك عليا رضي الله عنه فأتاه فقال: ما تصنع ؟ ليس ذلك عليها قال الله تبارك وتعالى: وحمله وفصاله ثلثون شهرا وقال: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين. فالرضاعة أربعة وعشرون شهرا والحمل ستة أشهر. فقال عثمان: والله ما فطنت لهذا، فأمر بها عثمان أن ترد فوجدت قد رجمت، وكان من قولها لأختها: يا أخية لا تحزني فوالله ما كشف فرجي أحد قط غيره، قال: فشب الغلام بعد فاعترف الرجل به وكان أشبه الناس به قال: فرأيت الرجل بعد ويتساقط عضوا عضوا على فراشه (1). أليس عارا أن يشغل فراغ النبي الأعظم أناس هذا شأنهم في القضاء ؟ أمن العدل أن يسلط على الأنفس والأعراض والدماء رجال هذا مبلغهم من العلم ؟ أمن الانصاف أن تفوض النواميس الإسلامية وطقوس الأمة وربقة المسلمين إلى يد خلائف
هذه سيرتهم ؟ لا ها الله. وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى
(1) أخرجه مالك في الموطأ 2 ص 176، والبيهقي في السنن الكبرى 7 ص 442، و أبو عمر في العلم ص 150، وابن كثير في تفسيره 4 ص 157، وابن الديبع في تيسير الوصول 2 ص 9، والعيني في عمدة القاري 9 ص 642، والسيوطي في الدر المنثور 6 ص 40 نقلا عن ابن المنذر وابن أبي حاتم. *
[95]
عما يشركون، وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون، فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم. 4 امرأة أخرى وضعت لستة أشهر أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن نافع بن جبير: أن ابن عباس أخبره قال: لصاحب امرأة التي أتي بها عمر وضعت لستة أشهر فأنكر الناس ذلك فقلت لعمر: لا تظلم، قال: كيف ؟ قلت. إقرأ وحمله وفصاله ثلثون شهرا. والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، كم الحول ؟ قال: سنة، قلت. كم السنة ؟ قال. اثنا عشر شهرا، قلت. فأربعة وعشرون شهرا حولان كاملان، ويؤخر الله من الحمل ما شاء ويقدم، قال. فاستراح عمر إلى قولي. الدر المنثور سورة الأحقاف 6 ص 40، وأوعز إليه ابن عبد البر في كتاب " العلم " ص 150 5 كل الناس أفقه من عمر. عن مسروق بن الأجدع قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء ؟ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الاكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها، فلا عرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال:
ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم ؟ قال: نعم. فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن ؟ قال: وأي ذلك ؟ فقالت: أما سمعت الله يقول: وآتيتم إحداهن قنطارا ؟ قال: فقال اللهم غفرا، كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله - أو - فمن طابت نفسه فليفعل. أخرجه أبو يعلى في مسنده الكبير، وسعيد بن منصور في سننه، والمحاملي في
[96]
أماليه، وابن الجوزي في سيرة عمر ص 129، وابن كثير في تفسيره 1 ص 467 عن أبي يعلى وقال: إسناده جيد قوي، والهيثمي في مجمع الزوائد 4 ص 284، والسيوطي في الدر المنثور 2 ص 133، وفي جمع الجوامع كما في ترتيبه 8 ص 298، وفي الدرر المنتثرة ص 243 نقلا عن سبعة من الحفاظ ومنهم أحمد وابن حبان والطبراني، وذكره الشوكاني في فتح القدير 1 ص 407، والعجلوني في كشف الخفاء 1 ص 269 نقلا عن أبي يعلى وقال: سنده جيد، وابن درويش الحوت في أسنى المطالب ص 166 وقال: حديث كل أحد أعلم أو أفقه من عمر. قاله عمر لما نهى عن المغالاة في الصداق وقالت امرأة: قال الله " وآتيتم إحديهن قنطارا " رواه أبو يعلى وسنده جيد، وعند البيهقي منقطع. صورة أخرى: عن عبد الله بن مصعب قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية وإن كانت بنت ذي الفضة (يعني يزيد بن الحصين الحارثي) فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، فقامت امرأة من صف النساء طويلة في أنفها قطس فقالت: ما ذاك لك. قال: ولم ؟ قالت: إن الله تعالى يقول: وآتيتم إحداهن قنطارا. الآية. فقال عمر: إمرأة أصابت ورجل أخطأ.
أخرجه الزبير بن بكار في الموفقيات، وابن عبد البر في جامع العلم كما في مختصره ص 66، وابن الجوزي في سيرة عمر ص 129، وفي كتابه: الأذكياء ص 162، والقرطبي في تفسيره 5 ص 99، وابن كثير في تفسيره 1 ص 467، والسيوطي في الدر المنثور 2 ص 133، وفي جمع الجوامع كما ترتيبه الكنز 8 ص 298 عن ابن بكار وابن عبد البر، والسندي في حاشية سنن ابن ماجة 1 ص 584، والعجلوني في كشف الخفاء 1 ص 270، و ج 2 ص 118. صورة ثالثة: أخرج البيهقي في سننه الكبرى 7 ص 233 عن الشعبي قال: خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شئ ساقه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سبق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال ثم نزل، عرضت له امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين أكتاب الله تعالى أحق أن يتبع أو قولك ؟ قال: بل كتاب الله تعالى، فما ذاك ؟ قالت: نهيت الناس
[97]
آنفا أن يغالوا في صداق النساء والله تعالى يقول في كتابه: وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا. فقال عمر رضي الله عنه: كل أحد أفقه من عمر. مرتين أو ثلاثا. الحديث. وذكره السيوطي في جمع الجوامع كما في الكنز 8 ص 298 نقلا عن سنن سعيد بن منصور والبيهقي، ورواه السندي في حاشية السنن لابن ماجة 1 ص 583، والعجلوني في كشف الخفاء 1 ص 269 و ج 2 ص 118. صورة رابعة: قام عمر خطيبا فقال: أيها الناس لا تغالوا بصداق النساء فلو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثني عشر أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت له: يا أمير المؤمنين ! لم تمنعنا حقا جعله الله لنا ؟ والله يقول: وآتيتم إحداهن قنطارا. فقال عمر كل أحد أعلم من عمر، ثم
قال لأصحابه: تسمعونني أقول مثل القول فلا تنكرونه علي حتى ترد علي امرأة لبست من أعلم النساء. تفسير الكشاف 1 ص 357، شرح صحيح البخاري للقسطلاني 8 ص 57. صورة خامسة: أخرج الحافظان عبد الرزاق وابن المنذر بالإسناد عن عبد الرحمن السلمي قال: قال عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء، فقالت امرأة: ليس ذلك يا عمر ! إن الله يقول وآتيتم إحداهن قنطارا من ذهب - قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود - فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئا، فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته. تفسير ابن كثير 1 ص 467، إرشاد الساري للقسطلاني 8 ص 57، حاشية السندي على سنن ابن ماجة 1 ص 583، كنز العمال 8 ص 298، كشف الخفاء 1 ص 269 و ج 2 ص 118. صورة سادسة: قال عمر رضي الله عنه على المنبر: لا تغالوا بصدقات النساء، فقالت امرأة: أنتبع قولك أم قول الله: وآتيتم إحداهن قنطارا ؟ فقال عمر: كل أحد أعلم من عمر، تزوجوا على ما شئتم. تفسير النسفي هامش تفسير الخازن 1 ص 353، كشف الخفاء 1 ص 388.
[98]
صورة سابعة: إن عمر قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نساءكم فقامت امرأة فقالت: يا ابن الخطاب الله يعطينا وأنت تمنعنا ؟ وتلت الآية فقال: كل الناس أفقه منك يا عمر. تفسير القرطبي 5 ص 99، تفسير النيسابوري ج 1 سورة النساء، تفسير الخازن 1 ص 353، الفتوحات الإسلامية 2 ص 477 وزاد فيه: حتى النساء. صورة ثامنة:
قال عمر مرة: لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي إلا ارتجعت ذلك منها، فقالت له امرأة: ما جعل الله لك ذلك إنه تعالى قال: وآتيتم إحداهن قنطارا. الآية. فقال: كل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال، ألا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت ؟ فاضلت إمامكم ففضلته (1) (فنضلته). وفي لفظ الخازن: إمرأة أصابت وأمير أخطأ (2) وفي لفظ القرطبي: أصابت امرأة وأخطأ عمر. وفي لفظ الرازي في أربعينه ص 467: كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات في البيوت. وفي لفظ الباقلاني في التمهيد ص 199: إمرأة أصابت ورجل أخطأ، وأمير ناضل فنضل، كل الناس أفقه منك يا عمر ! صورة تاسعة: صعد عمر رضي الله عنه المنبر فقال: أيها الناس لا تزيدوا في مهور النساء على أربعمائة درهم فمن زاد ألقيت زيادته في بيت مال المسلمين فهاب الناس أن يكلموه فقامت امرأة في يدها طول فقالت له: كيف يحل لك هذا ؟ والله يقول: وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا. فقال عمر رضي الله عنه: إمرأة أصابت ورجل أخطأ. المستطرف 1 ص 70 نقلا عن المنتظم لابن الجوزي. جمع الحاكم النيسابوري طرق هذه الخطبة لعمر بن الخطاب في جزء كبير كما قاله في المستدرك 2 ص 177 وقال: تواترت الأسانيد الصحيحة بصحة خطبة أمير المؤمنين عمر بن خطاب رضي الله عنه بذلك. وأقره الذهبي في تلخيص المستدرك، وأخرجها
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 ص 61 و ج 3 ص 96. (2) تفسير الخازن 1 ص 353. *
[99]
الخطيب البغدادي في تاريخه 3 ص 257 بعدة طرق وصححها غير أنه لم يذكر تمام الحديث
بل يذكر الخطبة فحسب ثم يقول. الحديث بطوله. ولعل الخليفة أخذ برأي امرأة أصابت وتزوج بأم كلثوم وجعل مهرها أربعين ألفا كما في تاريخ ابن كثير 7 ص 81، 139، الإصابة 4 ص 492، الفتوحات الإسلامية 2 ص 472. 6 جهل الخليفة بمعنى الأب عن أنس بن مالك قال: إن عمر قرأ على المنبر: فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا " سورة عبس " قال: كل هذا عرفناه فما الأب ؟ ثم رفض عصا كانت في يده فقال: هذا لعمر الله هو التكلف، فما عليك أن لا تدري ما الأب ؟ اتبعوا ما بين لكم هداه من الكتاب فاعملوا به وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه. وفي لفظ: قال إنس: بينا عمر جالس في أصحابه إذ تلا هذه الآية: " فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا " ثم قال: هذا كله عرفناه فما الأب ؟ قال: وفي يده عصية يضرب بها الأرض فقال: هذا لعمر الله التكلف، فخذوا أيها الناس بما بين لكم فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه. وفي لفظ: قرأ عمر وفاكهة وأبا فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب ؟ ثم قال: مه نهينا عن التكلف، وفي النهاية: ما كلفنا وما أمرنا بهذا. وفي لفظ: إن عمر رضي الله عنه قرأ هذه الآية فقال: كل هذا قد عرفناه فما الأب ؟ ثم رفض عما كانت بيده وقال: هذا لعمر الله التكلف، وما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدري ما الأب ؟ ثم قال: إتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه. وفي لفظ المحب الطبري: ثم قال: مه قد نهينا عن التكلف، يا عمر إن هذا من التكلف، وما عليك ألا تدري ما الأب ؟.
[100]
وعن ثابت: إن رجلا سأل عمر بن الخطاب عن قوله وفاكهة وأبا: ما الأب ؟
فقال عمر: نهينا عن التعمق والتكلف. هذه الأحاديث أخرجها سعيد بن منصور في سننه، وأبو نعيم في المستخرج، وابن سعد، وعبد بن حميد، وابن الأنباري، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، وابن جرير في تفسيره 30 ص 38، والحاكم في المستدرك 2 ص 514 وصححه هو وأقره الذهبي في تلخيصه، والخطيب في تاريخه 11 ص 468، والزمخشري في الكشاف 3 ص 253، ومحب الدين الطبري في الرياض النضرة 2 ص 49 نقلا عن البخاري والبغوي والمخلص الذهبي، والشاطبي في الموافقات 1 ص 21، 25، وابن الجوزي في سيرة عمر ص 120، وابن الأثير في النهاية 1 ص 10، وابن تيمية في مقدمة أصول التفسير ص 30، وابن كثير في تفسيره 4 ص 473 وصححه، والخازن في تفسيره 4 ص 374، والسيوطي في الدر المنثور 6 ص 317 عن جمع من الحفاظ المذكورين، وفي كنز العمال 1 ص 227 نقلا عن سعيد بن منصور، وابن أبي شبيه، وأبي عبيد في فضائله، وابن سعيد في طبقاته، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والأنباري في المصاحف، والحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان، وابن مردويه، وأبو السعود في تفسيره - هامش تفسير الرازي - ج 8 ص 389 وقال: وروي مثل هذا لأبي بكر بن أبي قحافة أيضا، والقسطلاني في إرشاد الساري 10 ص 298 نقلا عن أبي نعيم، وعبد بن حميد، والعيني في " عمدة القاري " 11 ص 468، وابن حجر في " فتح الباري " 13 ص 230 وقال: قيل: إن الأب ليس بعربي ويؤيده خفاؤه على مثل أبي بكر وعمر. قال الأميني: كيف خفي هذا القيل الذي جاء به ابن حجر على أئمة اللغة العربية جمعاء فأدخلت الأب في معاجمها من دون أي إيعاز إلى كونه دخيلا، وهب أن الأب غير عربي فهل قوله تعالى في تفسيره وما قبله " متاعا لكم ولأنعامكم " ليس بعربي أيضا ؟ فما عذر الشيخين عندئذ في خفائه عليهما ؟ وكيف يؤيد به قول القائل ؟ نعم: يروق ابن حجر أن يدافع عنهما ولو بالتهكم على لغة العرب ونفي كلمتها عنها.
لفت نظر: هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (1) غير أنه سترا على جهل الخليفة
(1) في كتاب الاعتصام باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه. *
[101]
بالأب حذف صدر الحديث وأخرج ذيله، وتكلف بعد النهي عن التكلف، ولا بهمه جهل الأمة عندئذ بمغزى قول عمر، قال: عن أنس قال: كنا عند عمر فقال: نهينا عن التكلف. وكم وكم في صحيح البخاري من أحاديث لعبت بها يد تحريفه ؟ وسيوافيك غير واحد منها. 7 قضاء الخليفة على مجنونة قد زنت عن ابن عباس قال: أتي عمر بمجنونة قد زنت فاستشار فيها أناسا فأمر بها أن ترجم فمر بها علي رضي الله عنه فقال: ما شأن هذه ؟ فقالوا: مجنونة بني فلان زنت فأمر بها عمر أن ترجم. فقال: ارجعوا بها، ثم أتاه فقال: يا أمير المؤمنين أما علمت ؟ " أما تذكر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ. وعن النائم حتى يستيقظ. وعن المعتوه حتى يبرأ. وأن هذه معتوهة بني فلان لعل الذي أتاها أتاها وهي في بلائها فخلى سبيلها، وجعل عمر يكبر. صورة أخرى: عن أبي ظبيان قال: شهدت عمر بن الخطاب أتي بامرأة قد زنت فأمر برجمها فذهبوا بها ليرجموها فلقيهم علي فقال لهم: ما بال هذه ؟ قالوا: زنت فأمر برجمها. فانتزعها علي من أيديهم فردهم إلى عمر فقالوا: ردنا علي، قال: ما فعل هذا إلا لشئ فأرسل إليه فجاءه فقال: مالك رددت هذه ؟ قال: أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المبتلى حتى يعقل ؟ قال: بلى فهذه
مبتلاه بني فلان فلعله أتاها وهوبها، قال له عمر: لا أدري، قال: وأنا لا أدري فترك رجمها. أبو ظبيان هو الحصين بن جندب الجنبي بفتح الجيم الكوفي المتوفى 90 يروي القصة عن ابن عباس صورة ثالثة: أمر سيدنا عمر رضي الله عنه برجم زانية فمر عليها سيدنا علي رضي الله عنه في أثناء الرجم فخلصها فلما أخبر سيدنا عمر بذلك قال: إنه لا يفعل إلا عن شئ فلما سأله قال: إنها مبتلاة بني فلان فلعله أتاها وهو بها. فقال عمر: لولا علي لهلك عمر.
[102]
صورة رابعة بلفظ الحاكم والبيهقي: أتي عمر رضي الله عنه بمبتلاة قد فجرت فأمر برجمها فمر بها علي بن أبي طالب ومعها الصبيان يتبعونها فقال: ما هذه ؟ قالوا: أمر بها عمر أن ترجم، قال: فردها وذهب معها إلى عمر رضي الله عنه وقال: ألم تعلم أن القلم رفع عن المجنون حتى يعقل، وعن المبتلى حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم ؟ قال الحاكم حديث صحيح، ورواه شعبة عن الأعمش بزيادة ألفاظ صورة خامسة بلفظ البيهقي: مر علي بمجنونة بني فلان قد زنت وهي ترجم فقال علي لعمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين ! أمرت برجم فلانة ؟ قال: نعم قال: أما تذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق ؟ قال: نعم: فأمر بها فخلى عنها. أخرجه أبو داود في سننه بعدة طرق 2 ص 227، وابن ماجة في سننه 2 ص
227، والحاكم في المستدرك 2 ص 59 و ج 4 ص 389 وصححه، والبيهقي في السنن الكبرى 8 ص 264 بعدة طرق، وابن الأثير في جامع الأصول كما في تيسير الوصول 2 ص 5، ومحب الدين الطبري في الرياض النضرة 2 ص 196 باللفظ الثاني نقلا عن أحمد، وفي ذخائر العقبي ص 81، وذكره القسطلاني في إرشاد الساري 10 ص 9 نقلا عن البغوي وأبي داود والنسائي وابن حبان، والمناوي في فيض القدير 4 ص 357 بالصورة الثانية فقال: واتفق له - لعلي عليه السلام - مع أبي بكر نحوه، والحفني في حاشية شرح العزيزي على الجامع الصغير 2 ص 417 باللفظ الثالث، والدمياطي في مصباح الظلام 2 ص 56 باللفظ الثالث، وسبط ابن الجوزي في تذكرته ص 57 بلفظ فيه قول عمر: لولا علي لهلك عمر، وابن حجر في فتح الباري 12 ص 101، والعيني في عمدة القاري 11 ص 151.
[103]
لفت نظر: أخرج البخاري هذا الحديث في صحيحه (1) غير أنه مهما وجد فيه مسة بكرامة الخليفة حذف صدره تحفظا عليها، ولم يرقه إيقاف الأمة على قضية تعرب عن جهله بالسنة الشايعة أو ذهوله عنها عند القضاء فقال: قال علي لعمر: أما علمت أن القلم رفع عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ ؟ 8 جهل الخليفة بتأويل كتاب الله عن أبي سعيد الخدري قال: حججنا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما دخل الطواف استقبل الحجر فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك فقبله، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بل يا أمير المؤمنين ! يضر وينفع ولو علمت ذلك من تأويل كتاب الله لعلمك أنه كما أقول قال الله تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم. الآية (2)
فلما أقروا أنه الرب عز وجل وأنهم العبيد كتب ميثاقهم في رق وألقمه في هذا الحجر وأنه يبعث يوم القيامة وله عينان ولسان وشفتان يشهد لمن وافى بالموافاة فهو أمين الله في هذا الكتاب، فقال له عمر: لا أبقاني الله بأرض لست فيها يا أبا الحسن !. وفي لفظ: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن !. أخرجه الحاكم في المستدرك 1 ص 457، وابن الجوزي في سيرة عمر ص 106، والأزرقي في تاريخ مكة كما في العمدة، والقسطلاني في إرشاد الساري 3 ص 195، والعيني في عمدة القاري 4 ص 606 بلفظيه. والسيوطي في الجامع الكبير كما في ترتيبه 3 ص 35 نقلا عن الجندي في فضائل مكة، وأبي الحسن القطان في الطوالات، والحاكم، وابن حبان، وابن أبي الحديد في شرح النهج 3 ص 122، وأحمد زيني دحلان في الفتوحات الإسلامية 2 ص 486. 9 جهل الخليفة بكفارة بيض نعام عن محمد بن الزبير قال: دخلت مسجد دمشق فإذا أنا بشيخ قد التوت ترقوتاه
(1) في كتاب المحاربين باب لا يرجم المجنون والمجنونة. (2) سورة الأعراف آية 172. *
[104]
من الكبر فقلت: يا شيخ من أدركت. قال عمر: قلت: فما غزوت ؟ قال: اليرموك، قلت: فحدثني بشئ سمعته، قال: خرجنا مع قتيبة حجاجا فأصبنا بيض نعام وقد أحرمنا، فلما قضينا نسكنا ذكرنا ذلك لأمير المؤمنين عمر فأدبر وقال: اتبعوني حتى انتهى إلى حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب حجرة منها فأجابته امرأة فقال: أثم أبو الحسن ؟ قالت: لا، فمر في المقتاة. فأدبر وقال: اتبعوني حتى انتهى إليه وهو يسوي التراب بيده فقال: مرحبا يا أمير المؤمنين ! فقال إن هؤلاء أصابوا بيض نعام وهم محرمون قال: ألا أرسلت إلي ؟ قال: أنا أحق بإتيانك، قال: يضربون الفحل قلائص أبكارا بعدد البيض فما نتج
منها أهدوه. قال عمر: فإن الإبل تخدج، قال علي: والبيض يمرض، فلما أدبر قال عمر: أللهم لا تنزل بي شديدة إلا وأبو حسن إلى جنبي (1) 10 كل الناس أفقه من عمر مر عمر يوما يشاب من فتيان الأنصار وهو ظمآن فاستقاه فجدح (2) له ماء بعسل فلم يشربه وقال: إن الله تعالى يقول: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا. فقال له الفتي: يا أمير المؤمنين ! إنها ليست لك ولا لأحد من أهل القبلة إقرأ ما قبلها: ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم وفي حياتكم الدنيا واستمتعتم بها (3) فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر (4) 11 أمر الخليفة بضرب غلام خاصم أمه عن محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه قال: خاصم غلام من الأنصار أمه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجحدته فسأله البينة فلم تكن عنده وجاءت المرأة بنفر فشهدوا إنها لم تزوج وإن الغلام كاذب عليها وقد قذفها فأمر عمر بضربه، فلقيه علي رضي الله عنه فسأل عن أمرهم فدعاهم ثم قعد في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وسأل المرأة فجحدت فقال للغلام: إجحدها كما جحدتك فقال: يا بن عم رسول الله إنها أمي، قال: إجحدها
(1) الرياض النضرة 2 ص 50، 194، ذخائر العقبى 82، كفاية الشنقيطي ص 57. (2) جدح وأجدح واجتدح: حلط. (3) سورة الأحقاف آية 20. (4) شرح النهج لابن أبي الحديد 1 ص 61. *
[105]
وأنا أبوك والحسن والحسين أخواك. قال: قد جحدتها وأنكرتها، فقال علي لأولياء المرأة: أمري في هذه المرأة جائر ؟ قالوا: نعم وفينا أيضا، فقال علي: أشهد من حضر أني قد زوجت هذا الغلام من هذه المرأة الغريبة منه، يا قنبر ائتني بطينة فيها دراهم
فأتاه بها فعد أربعمائة وثمانين درهما فقذفها مهرا لها وقال للغلام: خذ بيد امرأتك ولا تأتينا إلا وعليك أثر العرس. فلما ولي قالت المرأة: يا أبا الحسن الله الله هو النار، هو والله ابني. قال: كيف ذلك ؟ قالت: إن أباه كان زنجيا وإن أخواتي زوجوني منه فحملت بهذا الغلام وخرج الرجل غازيا فقتل وبعث بهذا إلى حي بني فلان فنشأ فيهم وأنفت أن يكون ابني، فقال علي أنا أبو الحسن، وألحقه وثبت نسبه. ذكره ابن القيم الجوزية في (الطرق الحكمية) ص 45. 12 جهل الخليفة بمعاريض الكلم 1 - إن عمر بن الخطاب سأل رجلا كيف أنت ؟ فقال: ممن يحب الفتنة، ويكره الحق، ويشهد على ما لم يره. فأمر به إلى السجن، فأمر علي برده فقال صدق، فقال: كيف صدقته ؟ قال: يحب المال والولد وقد قال الله تعالى: إنما أموالكم و أولادكم فتنة. ويكره الموت وهو الحق. ويشهد أن محمدا رسول الله ولم يره. فأمر عمر رضي الله عنه بإطلاقه وقال: الله يعلم حيث يجعل رسالته. (الطرق الحكمية) لابن القيم الجوزية ص 46. 2 - عن حذيفة بن اليمان إنه لقي عمر بن الخطاب فقال له عمر: كيف أصبحت يا بن اليمان ؟ فقال: كيف تريدني أصبح ؟ أصبحت والله أكره الحق وأحب الفتنة، وأشهد بما لم أره، وأحفظ غير المخلوق، وأصلي غير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء. فغضب عمر لقوله وانصرف من فوره وقد أعجله أمر، وعزم على أذى حذيفة لقوله ذلك، فبينا هو في الطريق إذ مر بعلي بن أبي طالب فرأى الغضب في وجهه، فقال: ما أغضبك يا عمر ؟ فقال: لقيت حذيفة بن اليمان فسألته كيف أصبحت ؟ فقال: أصبحت أكره الحق، فقال: صدق يكره الموت وهو حق. فقال: يقول: وأحب الفتنة، قال: صدق يحب المال والولد وقد قال الله
تعالى: إنما أموالكم وأولادكم فتنة، فقال: يا علي يقول: وأشهد بما لم أره فقال:
[106]
صدق يشهد لله بالوحدانية والموت والبعث والقيامة والجنة والنار والصراط ولم ير ذلك كله، فقال: يا علي وقد قال إنني أحفظ غير المخلوق قال: صدق يحفظ كتاب الله تعالى القرآن وهو غير مخلوق (1)، قال: ويقول: أصلي على غير وضوء فقال: صدق يصلي على ابن عمي رسول الله على غير وضوء والصلاة عليه جائزة، فقال: يا أبا الحسن ! قد قال: أكبر من ذلك، فقال: وما هو ؟ قال: قال: إن لي في الأرض ما ليس لله في السماء. قال: صدق له زوجة وولد وتعالى الله عن الزوجة والولد. فقال عمر، كاد يهلك ابن الخطاب لولا علي بن أبي طالب. أخرجه الحافظ الكنجي في الكفاية ص 96 فقال: قلت هذا ثابت عند أهل النقل ذكره غير واحد من أهل السير، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ص 18. 3 - روي أن رجلا أتي به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان صدر منه أنه قال لجماعة من الناس وقد سألوه كيف أصبحت ؟ قال: أصبحت أحب الفتنة، و أكره الحق. وأصدق اليهود والنصارى، وأومن بما لم أره، وأقر بما لم يخلق. فأرسل عمر إلى علي رضي الله عنهما فلما جاءه أخبره بمقالة الرجل قال: صدق يحب الفتنة قال الله تعالى إنما أموالكم وأولادكم فتنة، ويكره الحق يعني الموت وقال الله تعالى: وجاءت سكرة الموت بالحق. ويصدق اليهود والنصارى، قال الله تعالى: وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست اليهود على شئ. ويؤمن بما لم يره، يؤمن بالله عز وجل، ويقره بما لم يخلق يعني الساعة. فقال عمر رضي الله عنه: أعوذ بالله من معظلة لا علي بها (2) 4 - أخرج الحفاظ ابن أبي شيبة. وعبد بن حميد. وابن المنذر عن إبراهيم التميمي قال: قال رجل عند عمر: أللهم اجعلني من القليل، فقال عمر: ما هذا الدعاء ؟ فقال الرجل
إني سمعت الله يقول: " وقليل من عبادي الشكور " (3) فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل، فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر. وفي لفظ القرطبي: كل الناس أعلم منك يا عمر، وفي لفظ الزمخشري: كل الناس
(1) هذه الفقرة خرافة دست في الحديث اختلقها أنصار المذهب الباطل في خلق القرآن. (2) نور الأبصار للشبلنجي ص 79. (3) سورة سبأ آية 13. *
[107]
أعلم من عمر. تفسير القرطبي 14 ص 227، تفسير الكشاف 2 ص 445، تفسير السيوطي 5 ص 229. 5 - جاءت امرأة إلى عمر رضي الله عنه فقالت: يا أمير المؤمنين ! إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل فقال لها: نعم الرجل زوجك، وكان في مجلسه رجل يسمى كعبا فقال: يا أمير المؤمنين " إن هذه المرأة تشكو زوجها في أمر مباعدته إياها عن فراشه فقال له: كما فهمت كلامها أحكم بينهما. فقال كعب: علي بزوجها فأحضر فقال له: إن هذه المرأة تشكوك. قال: أفي أمر طعام أم شراب ؟ قال: بل في أمر مباعدتك إياها عن فراشك فأنشأت المرأة تقول: يا أيها القاضي الحكيم انشده * ألهى خليلي عن فراشي مسجده نهاره وليله لا يرقده * فلست في أمر النساء أحمده فأنشأ الزوج يقول: زهدني في فرشها وفي الحلل * إني امرؤ أذهلني ما قد نزل في سورة النمل وفي سبع الطول * وفي كتاب الله تخويف يجل فقال له القاضي:
إن لها عليك حقا لم يزل * في أربع نصيبها لمن عقل فعاطها. ذاك ودع عنك العلل ثم قال: إن الله تعالى أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع فلك ثلاثة أيام بلياليهن ولها يوم وليلة. فقال عمر رضي الله عنه: لا أدري من أيكم أعجب ؟ أمن كلامها أم من حكمك بينهما ؟ إذهب فقد وليتك البصرة. صورة أخرى: عن قتادة والشعبي قالا: جاءت عمر امرأة فقالت: زوجي يقول الليل ويصوم النهار. فقال عمر: لقد أحسنت الثناء على زوجك. فقال كعب بن سوار: لقد شكت. قال عمر: كيف ؟ قال: تزعم إنه ليس لها من زوجها نصيب قال: فإذا قد فهمت ذلك فاقض بينهما، فقال: يا أمير المؤمنين ! أحل الله له من النساء أربعا فلها من كل أربعة أيام يوم ومن
[108]
كل أربع ليال ليلة. م - وفي لفظ أبي عمر في الاستيعاب: إن امرأة شكت زوجها إلى عمر فقالت: إن زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، وأنا أكره أن أشكوه إليك فهو يعمل بطاعة الله، فكان عمر لم يفهم عنها. الحديث. وفي لفظ آخر له: قال عمر لكعب بن سوار: عزمت عليك لتقضين بينهما فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهم. إلخ. قال أبو عمر: هو مشهور). وعن الشعبي: إن امرأة جاءت إلى عمر فقالت: يا أمير المؤمنين ! أعدني على زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، قال: فما تأمريني أتأمريني أن أمنع رجلا من عبادة ربه (1). 13 إجتهاد الخليفة في قراءة الصلاة 1 - عن عبد الرحمن بن حنظلة بن الراهب: إن عمر بن الخطاب صلى المغرب فلم يقرأ في الركعة الأولى فلما كانت الثانية قرأ بفاتحة الكتاب مرتين فلما فرغ وسلم سجد سجدتي السهو.
ذكره ابن حجر في فتح الباري 3 ص 69 وقال: رجاله ثقات وكأنه مذهب لعمر. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 2 ص 382 ولفظه: صلى بنا عمر بن الخطاب فلم يقرأ في الركعة الأولى شيئا فلما قام في الركعة الثانية قرأ بفاتحة الكتاب وسورة، ثم عاد فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة: ثم مضى فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين بعد ما سلم. وفي لفظ: سجد سجدتين ثم سلم. وذكره السيوطي في جمع الجوامع كما في كنز العمال 4 ص 213 نقلا عن جمع من الحفاظ باللفظ الثاني. 2 - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: إن عمر بن الخطاب كان يصلي بالناس المغرب فلم يقرأ فيها فلما انصرف قيل له: ما قرأت. قال: فكيف كان الركوع والسجود ؟ قالوا:
(1) ألكني والألقاب للدولابي 1 ص 192، الاستيعاب في ترجمة كعب بن سوار وجمع ألفاظه، الأذكياء لابن الجوزي ص 49، 142، المستطرف لشهاب الدين الأبشيهي 1 ص 70، شرح ابن أبي الحديد 3 ص 105، تاريخ الخلفاء السيوطي ص 96، الإصابة 3 ص 315. *
[109]
حسنا. قال: فلا بأس إذن. أخرجه البيهقي في السنن 2 ص 347، 381، وحكاه السيوطي عن مالك و عبد الرزاق والنسائي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 4 ص 213، وقال البيهقي: قال الشافعي: وكان أبو سلمة يحدثه بالمدينة وعند آل عمر لا ينكره أحد. والإسناد صحيح رجاله كلهم ثقات. 3 - عن إبراهيم النخعي: إن عمر بن الخطاب صلى بالناس صلاة المغرب فلم يقرأ شيئا حتى سلم فلما فرغ قيل له: إنك تقرأ شيئا. فقال: إني جهزت عيرا إلى الشام فجعلت أنزلها منقلة منقلة حتى قدمت الشام فبعتها وأقتابها وأحلاسها وأحمالها فأعاد عمر وأعادوا.
وعن الشعبي: أن أبا موسى الأشعري قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين ! أقرأت في نفسك ؟ قال: لا، فأمر المؤذنين فأذنوا وأقاموا وأعاد الصلاة بهم. السنن الكبرى للبيهقي 2 ص 382، كنز العمال 4 ص 213. يظهر من هذه الموارد وتكرر القصة فيها إن الخليفة لم يستند في صلواته هاتيك إلى أصل مسلم فمرة لم يقرأ في الركعة الأولى فيقضيها في الثانية ويسجد سجدتي السهو قبل السلام أو بعده، وأخرى اكتفى بحسن الركوع والسجود عن الإعادة و سجدتي السهو، وطورا نراه يحتاط بالاعادة أو أنه يرى ما أتى به باطلا فيعيد ويعيدون فهل هذه اجتهادات وقتية ؟ أو أنه لم يعرف للمسألة ملاكا يرجع إليه ؟ والعجب من ابن حجر إنه يعد الشذوذ عن الطريقة المثلي مذهبا، ويسع كل شاذ أن يتترس بمثل هذا المذهب فيستر عواره، وفي هذه الأحاديث إعراب عن مبلغ خضوع الخليفة وخشوعه في صلواته. 14 رأي الخليفة في الميراث عن مسعود الثقفي قال: شهدت عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشرك الأخوة من الأب والأم ومع الأخوة من الأم في الثلث، فقال له رجل: قضيت في هذا عام أول بغير هذا. قال: كيف قضيت ؟ قال: جعلته للأخوة من الأم ولم تجعل للأخوة من
[110]
الأب والأم شيئا، قال: تلك على ما قضينا وهذا على ما قضينا. وفي لفظ: تلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما قضينا اليوم. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6 ص 255، بعدة طرق، والدارمي في سننه 1 ص 154 مختصرا، وأبو عمر في " العلم " ص 139. قال الأميني: كان أحكام القضايا تدور مدار ما صدر عن رأي الخليفة سواء أصاب الشريعة أم أخطأ، وكأن الخليفة له أن يحكم بما شاء وأراد، وليس هناك حكم يتبع
وقانون مطرد في الاسلام، ولعل هذا أفظع من التصويب المدحوض بالبرهنة القاطعة. 15 جهل الخليفة بطلاق الأمة أخرج الحافظان الدارقطني وابن عساكر: إن رجلين أتيا عمر بن الخطاب وسألاه عن طلاق الأمة فقام معهما فمشى حتى أتى حلقة في المسجد فيها رجل أصلع فقال: أيها الأصلع ! ما ترى في طلاق الأمة ؟ فرفع رأسه إليه ثم أومى إليه بالسبابة والوسطى فقال لهما عمر: تطليقتان، فما أحدهما: سبحان الله جئناك وأنت أمير المؤمنين فمشيت معنا حتى وقفت على هذا الرجل فسألته فرضيت منه أن أومى إليك. الحديث. راجع الجزء الثاني ص 299 من كتابنا هذا. 16 لولا علي لهلك عمر أتي عمر بن الخطاب بامرأة حامل قد اعترفت بالفجور فأمر برجمها فتلقاها علي فقال: ما بال هذه ؟ فقالوا: أمر عمر برجمها فردها علي وقال: هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها ؟ ولعلك انتهرتها أو أخفتها ؟ قال: قد كان ذلك. قال أو ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا حد على معترف بعد بلاء، إنه من قيد أو حبس أو تهدد فلا إقرار له، فخلا سبيلها ثم قال: عجزت النساء أن تلدن مثل علي بن أبي طالب، لولا علي لهلك عمر. الرياض النضرة 2 ص 196، ذخاير العقبى ص 80، مطالب السئول ص 13، مناقب الخوارزمي ص 48، الأربعين للفخر الرازي ص 466.
[111]
17 كل أحد أفقه من عمر دخل علي على عمر وإذا امرأة حبلى تقاد ترجم فقال: ما شأن هذه ؟ قالت: يذهبون بي ليرجموني. فقال: يا أمير المؤمنين ! لأي شئ ترجم ؟ إن كان لك سلطان عليها فمالك سلطان على ما في بطنها، فقال عمر: كل أحد أفقه مني - ثلاث مرات - فضمنها
علي حتى وضعت غلاما ثم ذهب بها إليه فرجمها. أخرجه الحافظ محب الدين الطبري في الرياض النضرة 2 ص 196، وذخاير العقبى ص 81 فقال: هذه غير تلك - القضية السابقة - لأن اعتراف تلك كان بعد تخويف فلم يصح فلم ترجم وهذه رجمت. وذكره الحافظ الكنجي في الكفاية ص 105. 18 رأي الخليفة في الحائض بعد الافاضة قال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء بالامصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت: أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضا لطواف الوداع، وكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الافاضة إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها، ثم أسند عن عمر بإسناد صحيح إلى نافع عن ابن عمر قال: طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت فأمر عمر بحبسها بمكة بعد أن ينفر الناس حتى تطهر وتطوف البيت. قال: وقد ثبت رجوع ابن عمر (1) وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة، يشير بذلك إلى ما تضمنته أحاديث (2) هذا الباب، وقد روى ابن أبي شيبة من طريق القاسم بن محمد: إن الصحابة كانوا يقولون: إذا أفاضت المرأة قبل أن تحيض فقد فرغت إلا فإنه كان يقول: يكون آخر عهدها بالبيت (3).
(1) أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الحج باب إذا حاضت المرأة عن ابن عباس إنه رخص للحائض أن تنفر إذا أفاضت قال: وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر، ثم سمعته يقول بعد: إن النبي رخص لهن. وأخرج البيهقي عن زيد بن ثابت ما ظاهره رجوعه عن رأيه. (2) أخرجها البخاري في صحيحه في كتاب الحيض في باب المرأة تحيض بعد الافاضة وفي كتاب الحج باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت، ومسلم في صحيحه، والدارمي في سننه 2 ص 68، وأبو داود في سننه 1 ص 313، والترمذي في صحيحه 1 ص 177، وابن ماجة في سننه 2 ص 251، والبيهقي في سننه 5 ص 162، والبغوي في مصابيح السنة 1 ص 182. (3) فتح الباري 3 ص 462. *
[112]
وعن الحارث بن عبد الله بن أوس قال: أتيت عمر بن الخطاب فسألته عن المرأة تطوف بالبيت ثم تحيض ؟ فقال: ليكن آخر عهدها الطواف بالبيت قال الحارث: فقلت كذلك أفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) فقال عمر: تبت يداك أو ثكلتك أمك سألتني عما سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيما أخالفه (2). م - وأخرج أبو النضر هاشم بن القاسم الليثي المتوفى 207 المتسالم على ثقته بإسناد رجاله كلهم ثقات عن هاشم بن يحيى المخزومي: إن رجلا من ثقيف أتى عمر بن الخطاب فسأله عن امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت يوم النحر ألها أن تنفر قبل أن تطهر ؟ قال عمر: لا. فقال له الثقفي: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفتاني في هذه المرأة بغير ما أفتيت به. فقام إليه عمر يضربه بالدرة ويقول: لم تستفتني في شئ قد أفتى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم " إيقاظ الهمم للعمري الفلاني ص 9 "). قال الأميني: أنا لا أدري كيف ذهب على عمر ما عرفته الصحابة أجمع - ويزعم موسى جار الله أنه أعلمهم - فخالفوه في الفتيا وتبعتهم علماء الأمصار، وأما زيد وابن عمر فوافقوه ردحا من الزمن ولا أدري أكان فرقا من درته ؟ أو موافقة له في رأيه ؟ ولا أدري متى عدلا عن ذلك أبعد موته ؟ أم أبان حياته ؟ وإن تعجب فعجب إنه لم يعدل عن رأيه بعد ما وقف على السنة لكنه خاشن الحارث بن عبد الله وضرب الثقفي بدرته لما أخبراه بها، واستمر على مذهبه الخاص به خلاف السنة المتبعة، لماذا ؟ أنا لا أدري. ورأى ابن عباس أن لهذه السنة أصلا في الكتاب الكريم قد عزب عن الخليفة أيضا، أخرجه البيهقي في سننه الكبرى 5 ص 163 عن عكرمة أن زيد بن ثابت قال: تقيم حتى تطهر، ويكون آخر عهدها بالبيت. فقال ابن عباس: إذا كانت قد طافت يوم النحر فلتنفر. فأرسل زيد بن ثابت إلى ابن عباس إني وجدت الذي قلت كما قلت قال: فقال
ابن عباس: إني لأعلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء ولكني أحببت أن أقول بما في كتاب الله ثم تلا هذه الآية " ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق "
(1) يعني على خلاف ما أفتى به عمر. (2) سنن أبي داود 1 ص 313، مختصر جامع العلم لأبي عمر ص 227. *
[113]
فقد قضت التفث ووفت النذر وطافت بالبيت، فما بقي ؟ 19 جهل الخليفة بالسنة م أخرج ابن المبارك قال: حدثنا أشعث عن الشعبي عن مسروق قال: بلغ عمر: إن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها فأرسل إليها ففرق بينهما وعاقبهما وقال: لا ينكحها أبدا وجعل الصداق في بيت المال وفشا ذلك بين الناس فبلغ عليا كرم الله وجهه فقال: رحم الله أمير المؤمنين ! ما بال الصداق وبيت المال ؟ إنهما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة قيل: فما تقول أنت فيها ؟ قال: لها الصداق بما استحل من فرجها، ويفرق بينهما، ولا جلد عليهما، وتكمل عدتها من الأول ثم تكمل العدة من الآخر، ثم يكون خاطبا. فبلغ ذلك عمر فقال: يا أيها الناس ردوا الجهالات إلى السنة. وروى ابن أبي زائدة عن أشعث مثله وقال فيه: فرجع عمر إلى قول علي أحكام القرآن للجصاص 1: 504). وفي لفظ عن مسروق: أتي عمر بامرأة قد نكحت في عدتها ففرق بينهما وجعل مهرها في بيت المال وقال: لا يجتمعان أبدا، فبلغ عليا فقال إن كان جهلا فلها المهر بما استحل من فرجها، ويفرق بينهما، فإذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب. فخطب عمر وقال: ردوا الجهالات إلى السنة. فرجع إلى قول علي. وفي لفظ الخوارزمي: ردوا قول عمر إلى علي. وفي التذكرة: فقال عمر: لولا علي لهلك عمر.
وأخرج البيهقي في سننه عن مسروق قال: قال عمر رضي الله عنه في امرأة تزوجت في عدتها: النكاح حرام، والصداق حرام، وجعل الصداق في بيت المال وقال: لا يجتمعان ما عاشا. وأخرج عن عبيد بن نضلة (نضيلة) قال: رفع إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأة تزوجت في عدتها فقال لها: هل علمت أنك تزوجت في العدة ؟ قالت: لا. فقال لزوجها: هل علمت ؟ قال: لا. قال: لو علمتما لرجمتكما فجلدهما أسياطا وأخذ المهر فجعله صدقة في سبيل الله قال: لا أجيز مهرا، لا أجيز نكاحه. وقال: لا تحل لك أبدا
[114]
صورة أخرى للبيهقي. أتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بامرأة تزوجت في عدتها فأخذ مهرها فجعله في بيت المال وفرق بينهما وقال: لا يجتمعان. وعاقبهما، فقال علي رضي الله عنه: ليس هكذا ولكن هذه الجهالة من الناس، ولكن يفرق بينهما، ثم تستكمل بقية العدة من الأول، ثم تستقبل عدة أخرى، وجعل لها علي رضي الله عنه المهر بما استحل من فرجها، قال: فحمد الله عمر رضي الله عنه وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس ردوا الجهالات إلى السنة (1) قال الأميني: لماذا جلدهما الخليفة ؟ ولماذا أخذ المهر ؟ وبأي كتاب أم بأية سنة جعل الصداق في بيت المال وصيره صدقة في سبيل الله ؟ ولم وبم حرم المرأة على الرجل ؟ أنا لا أدري فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. وليت الخليفة لا ينسى نفسه ويأخذ بقوله: ردوا الجهالات إلى السنة. قبل قضاءه بالأقضية الشاذة عن الكتاب والسنة. م - وإن تعجب فعجب قول الجصاص في أحكام القرآن 1: 505: وأما ما روي عن عمر إنه جعل المهر في بيت المال فإنه ذهب إلى إنه مهر حصل لها من وجه محظور فسبيله
أن يتصدق به فلذلك جعله في بيت المال ثم رجع فيه إلى قول علي رضي الله عنه، ومذهب عمر في جعل مهرها لبيت المال إذ قد حصل لها ذلك من وجه محظور يشبه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشاة المأخوذة بغير إذن مالكها قدمت إليه مشوية فلم يكد يسيغها حين أراد الأكل منها فقال: إن هذه الشاة تخبرني إنها أخذت بغير حق فأخبروه بذلك فقال: أطعموها الأسارى. ووجه ذلك عندنا إنما صارت لهم بضمان القيمة فأمرهم بالصدقة بها لأنها حصلت لهم من وجه محظور ولم يكونوا قد أدوا القيمة إلى أصحابها. ا ه. أعمى الجصاص حب الخليفة فرام أن يدافع عنه ولو بما يسمه بسمة الجهل، ألا مسائل هذا المدافع الوحيد عن المال المحصل من وجوه الحظر متى كان سبيله
(1) السنن الكبرى للبيهقي 7 ص 441، 442، الموافقات لابن السمان، كتاب العلم لأبي عمر 2 ص 187، الرياض النضرة 2 ص 196، ذخاير العقبى ص 81، مناقب الخوارزمي ص 57، تذكرة السبط ص 87. *
[115]
أن يتصدق به حتى يتخذه الخليفة مذهبا وإن لم يكن الموضوع من مصاديقه ؟ ولماذا لا يرد إلى صاحبه ولا يحل مال امرء إلا بطيب نفسه ؟ ثم ما وجه الشبه بين مال استحقت به المرأة بما استحل من فرجها، وبين شاة حللته اليد لرسول الله، وسوغت له التصرف فيها ؟ غيران حسن الوقوف عند الشبهات وإن علمت من غير طريق عادي دعاه صلى الله عليه وآله وسلم إلى الكف عنها، من دون ترتب أحكام الغصب عليها من ردها إلى صاحبها عرف أو لم يعرف، فلا صلة بين الموضوعين، على أن جهل الخليفة في المسألة ليس من ناحية جعل الصداق في بيت المال فحسب حتى يرقع، وإنما خالف السنة من شتى النواحي كما عرفت). 20 إجتهاد الخليفة في الجد. أخرج الدارمي في سننه 2 ص 354 عن الشعبي أنه قال: أول جد ورث في الاسلام عمر فأخذ ماله، فأتاه علي وزيد فقالا: ليس لك ذلك إنما كنت كأحد الأخوين.
وفي لفظ البيهقي. إن أول جد ورث في الاسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مات ابن فلان بن عمر فأراد عمر أن يأخذ المال دون إخوته، فقال له علي وزيد رضي الله عنهما: ليس لك ذلك. فقال عمر: لولا أن رأيكما اجتمع لم أر أن يكون ابني ولا أكون أباه. السنن الكبرى 6 ص 247. وأخرج الدارمي أيضا عن مروان بن الحكم: أن عمر بن الخطاب لما طعن استشارهم في الجد فقال: إني كنت رأيت في الجد رأيا فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه. فقال له عثمان: إن نتبع رأيك فإنه رشد وإن نتبع رأي الشيخ فلنعم ذو الرأي كان. (مستدرك الحاكم 4 ص 340). قال الشعبي: كان من رأي أبي بكر وعمر رضي الله عنها أن يجعلا الجد أولى من الأخ، وكان عمر يكره الكلام فيه، فلما صار عمر جدا قال: هذا أمر قد وقع لا بد للناس من معرفته فأرسل إلى زيد بن ثابت فسأله فقال: كان من رأي أبي بكر رضي الله عنه أن نجعل الجد أولى من الأخ. فقال: يا أمير المؤمنين ! لا تجعل شجرة نبتت فانشعب منها غصن فانشعب في الغصن غصن فما يجعل الغصن الأول أولى من الغصن الثاني وقد
[116]
خرج الغصن من الغصن ؟ قال: فأرسل إلى علي رضي الله عنه فسأله فقال له كما قال زيد إلا أنه جعل سيلا سال فانشعب منه شعبة ثم انشعبت منه شعبتان فقال: أرأيت لو أن هذه الشعبة الوسطى رجع أليس إلى الشعبتين جميعا !. الحديث. (السنن الكبرى 6 ص 247). وعن سعيد بن المسيب عن عمر قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم كيف قسم الجد ؟ قال: ما سؤالك عن ذلك يا عمر ؟ إني أظنك تموت قبل أن تعلم ذلك. قال سعيد بن المسيب فمات عمر قبل أن يعلم ذلك.
أخرجه الطبراني في الأوسط، والهيثمي في مجمع الزوائد 4 ص 227 وقال: رجاله رجال الصحيح. وذكره السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 ص 15 نقلا عن عبد الرزاق والبيهقي وأبي الشيخ في الفرائض. وأخرج البيهقي في سننه 6: 247 عن زيد بن ثابت: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استأذن عليه يوما فأذن له فقالت: يا أمير المؤمنين ! لو أرسلت إلي جئتك. فقال عمر رضي الله عنه: إنما الحاجة لي إني جئتك لتنظر في أمر الجد فقال زيد: لا والله ما نقول فيه. فقال عمر رضي الله عنه: ليس هو بوحي حتى نزيد فيه وننقص منه إنما هو شئ نراه، فإن رأيته ووافقني تبعته وإلا لم يكن عليك فيه شئ. فأبى زيد فخرج مغضبا قال: قد جئتك وأنا أظنك ستفرغ من حاجتي، ثم أتاه مرة أخرى في الساعة التي أتاه المرة الأولى فلم يزل به حتى قال: فسأكتب لك فيه فكتبه في قطعة قتب وضرب له مثلا إنما مثله مثل شجرة نبتت على ساق واحد فخرج فيها غصن ثم خرج في الغصن غصن آخر، فالساق يسقي الغصن فإن قطع الغصن الأول رجع الماء إلى الغصن يعني الثاني وإن قطعت الثاني رجع الماء إلى الأول فأتي به. فخطب الناس عمر ثم قرأ قطعة القتب عليهم ثم قال: إن زيد بن ثابت قد قال في الجد قولا وقد أمضيته قال: وكان أول جد كان فأراد أن يأخذ المال كله مال ابن ابنه دون إخوته فقسمه بعد ذلك عمر بن الخطاب. وأخرج البيهقي في السنن الكبرى 6 ص 245 عن عبيدة قال: إني لأحفظ عن عمر في الجد مائة قضية كلها ينقض بعضها بعضا.
[117]
وعن عبيدة قال: حفظت عن عمر مائة قضية في الجد قال وقال: إني قد قضيت في الجد قضايا مختلفة كلها لا آلو فيه عن الحق، ولئن عشت إن شاء الله إلى الصيف لأقضين فيها بقضية تقضي به المرأة وهي على ذيلها.
وأخرج البيهقي في السنن عن طارق بن شهاب قال: أخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتفا وجمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ليكتب في الجد وهم يرون أنه يجعله أبا فخرجت عليه حية فتفرقوا، فقال: لو أن الله أراد أن يمضيه لأمضاه. وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 1 ص 61: كان عمر يفتي كثيرا بالحكم ثم ينقضه ويفتي بضده وخلافه، قضى في الجد مع الإخوة قضايا كثيرة مختلفة، ثم خاف من الحكم في هذه المسألة فقال: من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه. قال الأميني: أنا لا أدري أن هذه القضايا المتناقضة البالغ عددها إلى المائة في موضوع واحد هل كلها موافقة للواقع ؟ وليس من المعقول ذلك. أو أن بعضها موافق ؟ فلم لم يرجع إليه في جميع الموارد. وهل هي كلها عن اجتهاد الخليفة ؟ أو أنها متخذة من الصحابة ؟ وهل الصحابة كانوا يفتون بذلك عن آرائهم ؟ أو اتخذوها عن النبي الأمين ؟ فإن كان سماعا ؟ فلا تختلف الفتيا فيه ولا سيما مع قرب العهد به صلى الله عليه وسلم. وإن كان اجتهادا منهم ؟ فمن ذا الذي يعترف لهم يعترف لجميعهم بالتأهل للاجتهاد ؟ على أن لنا بعد التنازل لهم بالأهلية حق النظر فيما اجتهدوا وفيما استندوا إليه، ومثل هذا الاجتهاد الفارغ لا حجة فيه حتى من نفس الخليفة. ثم إن خليفة المسلمين كيف يسوغ له الجهل بما شرعه نبي الاسلام حتى يربكه ذلك في التناقض ؟ فيأخذ الحق في بعض الموارد من أفواه الرجال، ويمضي على ضلته حيث لم يصادف أحدا منهم. وما أعضلت هذه المسألة على الخليفة ؟ ولم يمكن من تعلمها طيلة حياته، وما شأنه وقد ظن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه يموت قبل أن يعلمها ومات ولم يعلم ؟ وما سوغ له القضاء في تلكم القضايا الجمة وهو لا يعلم حكمها وقد أخبره النبي الأعظم بذلك ؟ ولست أدري كيف حفظتها الأمة وتلقتها في قرونها الخالية من دون أن تصعب على أي فقيه أو متفقه وقد أشكلت على الخليفة وهو مع ذلك أعلم الصحابة في زمانه
[118]
على الإطلاق عند صاحب الوشيعة ؟. 21 رأي الخليفة في امرأة تسررت غلامها عن قتادة: إن امرأة اتخذت مملوكها وقالت: تأولت آية من كتاب الله - أو ما ملكت أيمانهم - (1) فأتي بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال له ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: تأولت آية من كتاب الله عز وجل على غير وجهها، قال: فضرب العبد وجز رأسه، وقال: أنت بعده حرام على كل مسلم. صورة أخرى للقرطبي تسررت امرأة غلامها فذكر ذلك لعمر فسألها: ما حملك على ذلك ؟ قالت: كنت أراه يحل لي بملك يميني كما يحل للرجل المرأة بملك اليمين. فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: تأولت كتاب الله عز وجل على غير تأويله لا رجم عليها. فقال عمر: لا جرم ! والله لا أحلك لحر بعده أبدا. عاقبها بذلك ودرأ الحد عنها، وأمر العبد ألا يقربها (2). قال الأميني: ليتني أدري وقومي ما هذه العقوبات الفادحة بعد سقوط الحد عن المرأة ومملوكها بالجهل والتأويل ؟ وما معنى عذابهما بعد عفو المولى سبحانه عنهما ؟ و بأي كتاب أم بأية سنة ضرب العبد، وجز رأسه، وحرم المرأة على كل مسلم، ونهى العبد عن قربها ؟ فهل دين الله مفوض إلى الخليفة ؟ أم أن الاسلام ليس إلا الرأي المجرد ؟ فإن كان هذا أو ذاك ؟ فعلى الاسلام السلام، وإن لم يكن لا هذا ولا ذاك ؟ فمرحبا بالخلافة الراشدة، وزه بتلك الآراء الحرة. ثم أنى هذه العقوبات من صحيحة عمر نفسه وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم لمسلم مخرجا فخلوا سبيله فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ بالعقوبة (3).
(1) سورة المؤمنون آية 8. (2) تفسير ابن جرير الطبري 6 ص 68، سنن البيهقي 7 ص 127، تفسير ابن كثير 3: 239، تفسير القرطبي 12 ص 107، الدر المنثور. (3) كتاب الإمام للشافعي 7 ص 214، مستدرك الحاكم 4 ص 384، صحيح الترمذي 1 ص 267، تاريخ الخطيب البغدادي 5 ص 331، سنن البيهقي 2 ص 238، مشكاة المصابيح ص 303، تيسير الوصول 2 ص 20. جامع مسانيد أبي حنيفة 2 ص 214. *
[119]
22 الخليفة وامرأة مغنية عن الحسن قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى امرأة مغنية كان يدخل عليها فأنكر ذلك فأرسل إليها فقيل لها: أجيبي عمر. فقالت: يا ويلها ما لها ولعمر ؟ فبينما هي في الطريق فزعت فضربها الطلق فدخلت دارا فألقت ولدها فصاح الصبي صيحتين ثم مات فاستشار عمر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأشار عليه بعضهم: أن ليس عليك شئ إنما أنت دال ومؤدب. وصمت علي فأقبل على علي فقال: ما تقول ؟ قال: إن كانوا قالوا برأيهم ؟ فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك ؟ فلم ينصحوا لك، أرى أن ديته عليك فإنك أنت أفزعتها وألقت ولدها في سبيلك، فأمر عليا أن يقسم عقله على قريش يعني يأخذ عقله من قريش لأنه أخطأ. صورة أخرى: إستدعى عمر إمرأة ليسألها عن أمر وكانت حاملا فلشدة هيبته ألقت ما في بطنها فأجهضت به جنينا ميتا فاستفتى عمر أكابر الصحابة في ذلك فقالوا: لا شيئ عليك إنما أنت مؤدب. فقال له علي عليه السلام: إن كانوا راقبوك ؟ فقد غشوك، وإن كان هذا جهد رأيهم ؟ فقد أخطأوا، عليك غرة يعني عتق رقبة فرجع عمر والصحابة إلى قوله. أخرجه ابن الجوزي في سيرة عمر ص 117، وأبو عمر في العلم ص 146، والسيوطي
في جمع الجوامع كما في ترتيبه 7 ص 300 نقلا عن عبد الرزاق، والبيهقي، وذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 ص 58. م - قال الأميني: ما شأن هذا الخليفة لا يحمل في دين الله علما ناجعا يقيه عن هوايا الهلكة، ويحميه عن سقطات القضاء ؟ وما باله يعول في كل سهل ومشكل في طقوس الاسلام حتى في مهام الفروج والدماء على آراء أناس غشوه إن راقبوه، وغاية جهد رأيهم الخطأ ؟ وما يسعنا أن نقول وبين يدي الباحث هذه الأقضية ؟) 23 حكم الخليفة برجم مضطرة عن عبد الرحمن السلمي قال: أتي عمر بامرأة أجهدها العطش فمرت على راع
[120]
فاستسقته فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت، فشاور الناس في رجمها فقال علي: هذه مضطرة أرى أن يخلى سبيلها. ففعل. سنن البيهقي 8 ص 236، الرياض النضرة 2 ص 196: ذخاير العقبى ص 81، الطرق الحكمية ص 53. صورة مفصلة إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي بامرأة زنت فأقرت فأمر برجمها فقال علي رضي الله عنه: لعل بها عذرا ثم قال لها: ما حملك على الزنا ؟ قالت: كان لي خليط وفي إبله ماء ولبن ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن فظمئت فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أعطيه نفسي فأبيت عليه ثلاثا فلما ظمئت وظننت أن نفسي ستخرج أعطيته الذي أراد فسقاني. فقال علي: الله أكبر، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم الطرق الحكمية لابن القيم الجوزية ص 53، كنز العمال 3 ص 96 نقلا عن البغوي. م - قال الأميني: ليت الخليفة كان يحمل شيئا من علم الكتاب والسنة حتى يحكم بما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وليتني أدري ما كان صيره وأي مبلغ كانت تبلغ بوائق
أقضيته إن لم يكن في الأمة علي أمير المؤمنين ؟ أو لم يكن يقيم أوده ويزيل أمته ؟ نعم: حقا قال الرجل: لولا علي لهلك عمر.) 24 الخليفة لا يدري ما يقول أتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه برجل أسود ومعه امرأة سوداء فقال: يا أمير المؤمنين ! إني أغرس غرسا أسود وهذه سوداء على ما ترى فقد أتتني بولد أحمر. فقالت المرأة: والله يا أمير المؤمنين ! ما خنته وإنه لولده. فبقي عمر لا يدري ما يقول، فسئل عن ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال للأسود: إن سألتك عن شئ أتصدقني ؟ قال: أجل والله. قال: هل واقعت امرأتك وهي حائض ؟ قال: قد كان ذلك، قال علي: الله أكبر إن النطفة إذا خلطت بالدم فخلق الله عز وجل منها خلقا كان أحمر فلا تنكر ولدك فأنت جنيت على نفسك. الطرق الحكمية ص 47
[121]
25 قضاياه في عسه وتجسسه 1 - عن عمر بن الخطاب إنه كان يعس ليلة فمر بدار سمع فيها صوتا فارتاب و تسور فرأى رجلا عند امرأة وزق خمر فقال: يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته ؟ فقال: لا تعجل يا أمير المؤمنين ! إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث: قال الله تعالى: ولا تجسسوا (1) وقد تجسست، وقال: وأتوا البيوت من أبوابها (2) وقد تسورت، وقال: إذا دخلتم بيوتا فسلموا (3) وما سلمت. فقال: هل عندك من خير إن عفوت عنك ؟ قال: نعم، والله لا أعود. فقال: إذهب فقد عفوت عنك. الرياض النضرة 2 ص 46، شرح النهج لابن أبي الحديد 1 ص 61، ج 3 ص 96، الدر المنثور 6 ص 93، الفتوحات الإسلامية 2 ص 477. 2 - خرج عمر بن الخطاب في ليلة مظلمة فرأى في بعض البيوت ضوء سراج وسمع حديثا، فوقف على الباب يتجسس فرأى عبدا أسود قدامه إناء فيه مزر وهو يشرب،
ومعه جماعة فهم بالدخول من الباب فلم يقدر من تحصين البيت فتسور على السطح و نزل إليهم من الدرجة ومعه الدرة، فلما رأوه قاموا وفتحوا الباب وانهزموا فمسك الأسود فقال له: يا أمير المؤمنين ! قد أخطأت وإني تائب فاقبل توبتي فقال: أريد أن أضربك على خطيئتك فقال: يا أمير المؤمنين ! إن كنت قد أخطأت في واحدة فأنت قد أخطأت في ثلاث: فإن الله تعالى قال: ولا تجسسوا، وأنت تجسست وقال تعالى: وأتوا البيوت من أبوابها. وأنت أتيت من السطح. وقال تعالى: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها، وأنت دخلت وما سلمت. إلخ. المستطرف لشهاب الدين الأبشيهي 2 ص 115 في الباب الحادي والستين. يظهر من القرائن إن هذه القضية غير سابقتها والله أعلم. م - وقد عد ابن الجوزي هذه الفضيحة المخزية من مناقب عمر وتبعه شاعر النيل حافظ
(1) سورة الحجرات آية 49. (2) سورة البقرة آية 189. (3) سورة النور آية 61. *
[122]
إبراهيم ونظمها في قصيدته العمرية فقال تحت عنوان: مثال رجوعه إلى الحق: وفتية ولعوا بالراح فانتبذوا * لهم مكانا وجدوا في تعاطيها ظهرت حائطهم لما علمت بهم * والليل معتكر الأرجاء ساجيها حتى تبينتهم والخمر قد أخذت * تعلو ذؤابة ساقيها وحاسيها سفهت آرائهم فيها فما لبثوا * أن أوسعوك على ما جئت تسفيها ورمت تفقيههم في دينهم فإذا * بالشرب قد برعوا الفاروق تفقيها قالوا: مكانك قد جئنا بواحدة * وجئتنا بثلاث لا تباليها فائت البيوت من الأبواب يا عمر * فقد يزن (1) من الحيطان آتيها
واستأذن الناس لا تغشى بيوتهم * ولا تلم بدار أو تمحيها ولا تجسس فهذي الآي قد نزلت * بالنهي عنه فلم تذكر نواهيها فعدت عنهم وقد أكبرت حجتهم * لما رأيت كتاب الله يمليها وما أنفت وإن كانوا على حرج * من أن يحجك بالآيات عاصيها قال الأميني: هكذا يعمي الحب ويصم، ويجعل الموبقات مكرمات، ويبدل السيئات حسنات). 3 - عن عبد الرحمن بن عوف: إنه حرس مع عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ليلة بالمدينة فبينما هم يمشون شب لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمونه حتى إذا دنوا منه إذ باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط فقال عمر رضي الله عنه وأخذ بيد عبد الرحمن فقال: أتدري بيت من هذا ؟ قلت: لا، قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن وهم الآن شرب فما ترى ؟ قال عبد الرحمن: أرى قد أتينا ما نهى الله عنه - ولا تجسسوا - فقد تجسسنا. فانصرف عنهم عمر رضي الله عنه وتركهم. سنن البيهقي البري 8 ص 334، الإصابة 1 ص 531، الدر المنثور 6 ص 93، السيرة الحلبية 3 ص 293، الفتوحات الإسلامية 2 ص 476. 4 - دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قوم يشربون ويوقدون في الاخصاص فقال نهيتكم عن معاقرة الشراب فعاقرتم، وعن الايقاد في الاخصاص فأوقدتم، وهم
(1) بالبناء للمجهول من ازنه بكذا يعني اتهمه به.
[123]
بتأديبهم فقالوا: يا أمير المؤمنين ! نهاك الله عن التجسس فتجسست، ونهاك عن الدخول بغير إذن فدخلت، فقال: هاتان بهاتين وانصرف وهو يقول: كل الناس أفقه منك يا عمر. العقد الفريد 3 ص 416 5 - كان عمر يعس ذات ليلة بالمدينة فرأى رجلا وامرأة على فاحشة فلما أصبح
قال للناس: أرأيتم لو أن إماما رأى رجلا وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد ما كنتم فاعلين ؟ قالوا: إنما أنت إمام. فقال علي بن أبي طالب ليس ذلك لك إذن يقام عليك الحد، إن الله لم يأمن هذا الأمر أقل من أربعة شهود. ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم ثم سألهم فقال القوم مثل مقالتهم الأولى وقال علي مثل مقالته الأولى فأخذ عمر بقوله (1). 6 - أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الشعبي قال: جاءت امرأة إلى عمر فقالت: يا أمير المؤمنين ! إني وجدت صبيا ووجدت معه قبطية فيها مائة دينار فأخذته واستأجرت له ظئرا، وإن أربع نسوة يأتينه فيقبلنه لا أدري أيتهن أمه فقال لها: إذا هن أتينك فأعلميني. ففعلت، فقال لامرأة منهن: أيتكن أم هذه الصبي ؟ فقلن: والله ما أحسنت ولا أجملت يا عمر ! تعمد علي امرأة ستر الله عليها فتريد أن تهلك سترها. قال: صدقت ثم قال للمرأة: إذا أتينك فلا تسأليهن عن شئ وأحسني إلى صبيهن ثم انصرف. (منتخب كنز العمال هامش مسند أحمد 1 ص 199) قال الأميني: في كل من هذه الآثار أبحاث هامة لا تعزب عن القارئ النابه فلا نطيل بذكرها المقام. 26 رأي الخليفة في حد الخمر عن أنس بن مالك قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين قال: وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر. صورة أخرى: جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، فلما * (الهامش) * (1) الفتوحات الإسلامية 2 ص 482. *
[124]
كان عمرو ورد الناس من المدن والقرى قال: ما ترون في حد الخمر ؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعله كأخف الحدود فجلد عمر ثمانين (1). وأخرج أبو داود في سننه 2 ص 242 في حديث: جلد أبو بكر في الخمر أربعين، ثم جلد عمر رضي الله عنه صدرا من إمارته أربعين، ثم جلد ثمانين في آخر خلافته، و جلد عثمان الحدين كليهما: ثمانين وأربعين ثم أثبت معاوية الحد على الثمانين. وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى 8 ص 320، وابن الديبع في تيسير الوصول 2 ص 17. وعن حضين أبي ساسان الرقاشي قال: حضرت عثمان بن عفان رضي الله عنه وأتي الوليد بن عقبة قد شرب الخمر وشهد عليه حمران بن أبان ورجل آخر فقال عثمان لعلي رضي الله عنهما: أقم عليه الحد فأمر علي رضي الله عنه عبد الله بن جعفر ذي الجناحين رضي الله عنهما أن يجلده فأخذ في جلده وعلي رضي الله عنه يعد حتى جلد أربعين ثم قال له: أمسك جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين وأبو بكر رضي الله عنه، وجلد عمر رضي الله عنه ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي (2) وفي لفظ آخر: إن الوليد بن عقبة صلى بالناس الصبح أربعا ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم فرفع ذلك إلى عثمان رضي الله عنه - إلى آخره - وفيه: ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين و أبو بكر وعمر صدرا من خلافته أربعين ثم أتمها عمر ثمانين وكل سنة (3). قال الأميني: ما قيمة عبد الرحمن وقيمة رأيه تجاه ما قام به المشرع الأعظم ؟ و ما بال عمر جرى على ذلك المنهج ردحا من أيامه ثم نقضه وضرب عنه صفحا ؟ وما باله وهو خليفة المسلمين يستشير ويستفتي في حكم من أحكام الدين ثبت بسنة ثابتة عن صاحب الشريعة ؟ قال ابن رشد في بداية المجتهد 2 ص 435: إن أبا بكر رضي الله عنه
* (الهامش) * (1) صحيح مسلم باب حد الخمر 2 ص 38، سنن الدارمي 2 ص 175، سنن أبي داود 2 ص 240، مسند أبي داود الطيالسي ص 265، سنن البيهقي 8 ص 319. (2) صحيح مسلم في الحد 2 ص 52، سنن أبي داود 2 ص 241، السنن الكبرى للبيهقي 8 ص 318، وفي كنز العمال 3 ص 102 نقلا عن الطبراني. وعبد الرزاق. وأحمد. ومسلم وأبي داود. والنسائي. وابن جرير. وأبي عوانه. والطحاوي. والدار قطني. والدارمي. (3) السنن الكبرى للبيهقي 8 ص 319 نقلا عن صحيح مسلم. *
[125]
شاور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كم بلغ ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لشراب الخمر ؟ فقدروه بأربعين وروي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بنعلين أربعين، فجعل عمر مكان كل نعل سوطا، وروي من طريق آخر عن أبي سعيد الخدري ما هو أثبت من هذا وهو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر أربعين وروي هذا عن علي عن النبي عليه السلام من طريق أثبت، وبه قال الشافعي. ا ه. وإن من الدخيل في الحديث ما عزي إلى أمير المؤمنين عليه السلام من قوله: وكل سنة وهذا أحب إلي. فلو كانت الثمانون سنة مشروعة لعمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأقل مرة واحدة أو قالها لأحد ولو كان قالها لما خفي على كل المسلمين ولاحتج به عبد الرحمن دون قوله: أخف الحدود ثمانون، ولما عد عمر أول من أقام الحد في الخمر ثمانين كما فعله غير واحد (1) نعم: قال الحلبي في السيرة الحلبية 2 ص 314: قوله (وكل سنة) أي طريقة فأربعون طريقته صلى الله عليه وسلم وطريقة الصديق رضي الله عنه، والثمانون طريقة عمر رضي الله عنه رآها اجتهادا مع استشارته لبعض الصحابة في ذلك لما رآه من كثرة شرب الناس للخمر. وقال ابن القيم في زاد المعاد 2 ص 195: من تأمل الأحاديث رآها تدل على أن الأربعين حد والأربعون الزائدة عليها تعزير اتفق عليه الصحابة رضي الله عنهم.
ما عساني أن أقول في أناس اتخذوا تجاه سنة رسول الله طريقة باجتهاد واستشارة ؟ وهل تعزير بعد الحد حتى يتأتى باتفاق الصحابة عليه ؟ وهل لهذه المزعمة معنى معقول حتى يتخذ مذهبا ؟ أنا لست أدري أي قيمة لتلك الطريقة في سوق الاعتبار وجاه الطريقة المثلى ولن تجد لسنة الله تحويلا، ولن تجد لسنة الله تبديلا، وما أتى به النبي الأعظم أحق أن يتبع، فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه. وهناك كلمات تافهة حول هذا الاجتهاد مثل قول القسطلاني (2) من أن الكل حد وعليه فحد الشارب مخصوص من بين سائر الحدود بأن يتحتم بعضه ويتعلق * (الهامش) * (1) منهم العسكري في أولياته، وابن أبي الحديد في شرح النهج 3 ص 113، وابن كثير في تاريخه 7 ص 132، والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص 93، وعلاء الدين السكتواري في محاضرة الأوائل ص 169، والقرماني في تاريخه هامش الكامل 1 ص 203. (2) في إرشاد الساري 6 ص 104 و ج 9 ص 439. *
[126]
بعضه باجتهاد الإمام. ا ه. كلها خارجة عن نطاق الفهم، تبعد عن ساحة المتعلم فضلا عن العالم، ولا يخفى على القارئ فسادها (1). 27 الخليفة وامرأة احتالت على شاب أتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بامرأة قد تعلقت بشاب من الأنصار وكانت تهواه فلما لم يساعدها احتالت عليه فأخذت بيضة فألقت صفرتها وصبت البياض على ثوبها وبين فخذيها ثم جاءت إلى عمر رضي الله عنه صارخة فقالت: هذا الرجل غلبني على نفسي وفضحني في أهلي وهذا أثر فعاله. فسأل عمر النساء فقلن له: إن ببدنها وثوبها أثر المني فهم بعقوبة الشاب فجعل يستغيث ويقول: يا أمير المؤمنين ! تثبت في أمري فوالله ما أتيت فاحشة وما هممت بها فلقد راودتني عن نفسي فاعتصمت. فقال عمر: يا أبا الحسن ما ترى في أمرهما ؟ فنظر علي إلى ما على الثوب ثم دعا بماء حار شديد الغليان فصب على الثوب فجمد ذلك البياض ثم أخذه واشتمه وذاقه فعرف طعم البيض وزجر المرأة فاعترفت.
الطرق الحكمية لابن القيم ص 47. 28 لا أبقاني الله بعد ابن أبي طالب عن حنش بن المعتمر قال: إن رجلين أتيا امرأة من قريش فاستودعاها مائة دينار وقالا: لا تدفعيها إلى أحد منا دون صاحبه حتى نجتمع، فلبثا حولا ثم جاء أحدهما إليها وقال: إن صاحبي قد مات فادفعي إلي الدنانير فأبت فثقل عليها بأهلها فلم يزالوا بها حتى دفعتها إليه ثم لبثت حولا آخر فجاء الآخر فقال: ادفعي إلي الدنانير. فقالت: إن صاحبك جاءني وزعم أنك قد مت فدفعتها إليه فاختصما إلى عمر فأراد أن يقضي عليها وقال لها: ما أراك إلا ضامنة. فقالت: أنشدك الله أن تقضي بيننا وارفعنا إلي علي بن أبي طالب. فرفعها إلى علي وعرف أنهما قد مكرا بها، فقال: أليس قلتما لا تدفعيها إلى واحد منا دون صاحبه ؟ قال: بلى. قال: فإن مالك عندنا إذهب فجئ بصاحبك حتى ندفعها إليكما، * (الهامش) * (1) " لفت نظر " نحن نناقش في المسألة وغيرها من الأبحاث الدينية على مباني أهل السنة من دون أي نظر إلى آراء الشيعة فيها. *
[127]
فبلغ ذلك عمر فقال: لا أبقاني الله بعد ابن أبي طالب. كتاب الأذكياء لابن الجوزي ص 18، أخبار الظراف لابن الجوزي ص 19، الرياض النضرة 2 ص 197، ذخاير العقبى ص 80، تذكرة سبط ابن الجوزي 87، مناقب الخوارزمي 60. 29 الخليفة والكلالة 1 - عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: إن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم وذكر أبا بكر فقال: ثم إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شئ ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شئ ما أغلظ لي فيه حتى طعن باصبعه في صدري وقال: يا عمر ألا يكفيك آية الصيف
التي في آخر سورة النساء ؟ (1) وإني (2) إن أعش أقض فيها - بقضاء - بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لم يقرأ القرآن (3). وفي لفظ الجصاص: ما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شئ أكثر مما سألته عن الكلالة. 2 - عن مسروق قال: سألت عمر بن الخطاب عن ذي قرابة لي ورث كلالة فقال: الكلالة، الكلالة. وأخذ بلحيته ثم قال: والله لإن أعلمها أحب إلي من أن يكون لي ما على الأرض من شئ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف. فأعادها ثلاث مرات (4)، * (الهامش) * (1) آية الكلالة تسمى بآية الصيف لنزولها في الصيف في حجة الوداع، وهي قوله تعالى: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شئ عليم. (2) قال النووي في شرح هذا الحديث: قوله وإني إن أعش إلى آخره من كلام عمر لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. (3) صحيح مسلم كتاب الفرائض 2 ص 3، مسند أحمد 1 ص 48، سنن ابن ماجة 2 ص 163، أحكام القرآن للجصاص 2 ص 106، سنن البيهقي 6 ص: 224 و ج 8 ص 150، تفسير القرطبي 6 ص 29. (4) تفسير الطبري 6 ص 30، تفسير الدر المنثور 2 ص 251. *
[128]
3 - أخرج أحمد في المسند 1 ص 38 عن عمر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فقال: تكفيك آية الصيف فقال: لإن أكون سألت رسول الله عنها أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم.
4 - أخرج البيهقي في السنن الكبرى 6 ص 225 عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنه قال: ثلاث لإن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهن أحب إلي من حمر النعم: الخلافة. والكلالة. والربا. وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده ج 1 ص 12. 5 - أخرج الطبري في تفسيره 6 عن عمر أنه قال: لإن أكون أعلم الكلالة أحب إلي من أن يكون لي مثل قصور الشام. (كنز العمال 6 ص 20) 6 - أخرج ابن راهويه وابن مردويه عن عمر: إنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تورث الكلالة ؟ فأنزل الله: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة. الآية. فكان عمر لم يفهم فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نفس فسليه عنها، فلما رأت منه طيب نفس فسألته فقال: أبوك ذكر لك هذا، ما أرى أباك يعلمها. فكان عمر يقول: ما أراني أعلمها وقد قال رسول الله ما قال (1) قال السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه الكنز: هو صحيح. 7 - أخرج ابن مردويه عن طاوس: إن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فأملاها عليها في كتف فقال: من أمرك بهذا ؟ أعمر ؟ ما أراه يقيمها وما تكفيه آية الصيف. (تفسير ابن كثير 1 ص 594) 8 - عن طارق بن شهاب قال: أخذ عمر كتفا وجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورهن فخرجت حينئذ حية من البيت فتفرقوا فقال: لو أراد الله عز وجل أن يتم هذا الأمر لأتمه (2) قال ابن كثير: إسناد صحيح. 9 - عن مرة بن شرحبيل قال قال عمر بن الخطاب: ثلاث لإن يكون رسول الله * (الهامش) * (1) إحكام القرآن للجصاص 2 ص 105، تفسير ابن كثير 1 ص 594، الدر المنثور 2 ص 249،
كنز العمال 6 ص 2. (2) تفسير الطبري 6 ص 60، تفسير ابن كثير 1 ص 594. مر نظير هذه القضية من طريق طارق في صفحة 117 راجع. *
[129]
صلى الله عليه وسلم بينهن أحب إلي من الدنيا وما فيها: الكلالة. والربا. والخلافة (1) 10 - أخرج الحاكم وصححه عن محمد بن طلحة عن عمر بن الخطاب أنه قال: لإن أكون سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث أحب إلي من حمر النعم: ومن الخليفة بعده ؟ وعن قوم قالوا: نقر بالزكاة في أموالنا ولا نؤديها إليك أيحل قتالهم ؟ وعن الكلالة ؟ (2) 11 - عن حذيفة في حديث قال: نزلت " يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة " فلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة، فلقاها حذيفة عمر، فلما كان بعد ذلك سأل عمر عنها حذيفة فقال: والله إنك لأحمق إن كنت ظننت إنه لقانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيتكها كما لقانيها رسول الله والله لا أزيدك عليها شيئا أبدا (3) 12 - أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره في رواية لما كان في خلافة عمر نظر عمر في الكلالة فدعا حذيفة فسأله عنها فقال حذيفة: لقد لقانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيتكها كما لقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لصادق، ووالله لا أزيدك على ذلك شيئا أبدا، وكان عمر يقول: أللهم إن كنت بينتها له فإنها لم تبين لي (تفسير ابن كثير 1 ص 594). 13 - عن الشعبي: سئل أبو بكر رضي الله عنه عن الكلالة فقال: إني سأقول فيها برأيي فإن يك صوابا فمن الله وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الولد و الوالد فلما استخلف عمر رضي الله عنه قال: إني لأستحيي الله أن أرد شيئا قاله أبو بكر (4) 14 - أخرج البيهقي في السنن الكبرى 6 ص 224 عن الشعبي قال: قال عمر رضي الله عنه: الكلالة ما عدا الولد، قال أبو بكر: الكلالة ما عدا الولد والوالد، فلما طعن
عمر قال: إني لأستحيي أن أخالف أبا بكر، الكلالة ما عدا الولد والوالد. 15 - في السنن الكبرى 6 ص 224: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أتى علي زمان ما أدري ما الكلالة، وإذا الكلالة من لا أب له ولا ولد. * (الهامش) * (1) سنن ابن ماجة 2 ص 164، تفسير ابن جرير 6 ص 30، أحكام القرآن للجصاص 2 105، مستدرك الحاكم 2 ص 304 وصححه، تفسير القرطبي 6 ص 29، تفسير ابن كثير 1 ص 595 نقلا عن الحاكم وصححه، تفسير السيوطي 2 ص 250. (2) المستدرك 2 ص 303، تفسير ابن كثير 1 ص 595، تفسير السيوطي 2 ص 249. (3) تفسير القرطبي 6 ص 29، تفسير ابن كثير 1 ص 594. (4) سنن الدارمي 3 ص 365، السنن الكبرى 6 ص 223. *
[130]
16 - عن ابن عباس قال: كنت آخر الناس عهدا بعمر رضي الله عنه فسمعته يقول: القول ما قلت. قلت: وما قلت ؟ قال: الكلالة من لا ولد له. (السنن الكبرى 6 ص 225، مستدرك الحاكم 2 ص 304) قال الأميني: ما أعضلت الكلالة على الخليفة ؟ وما أبهمها وأبهم حكمها عنده ؟ وهي شريعة مطردة سمحة سهلة، وهل هو حين أكثر السؤال عنها أجاب عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لم يجب ؟ فإن كان الأول فلم لم يحفظه أو قصر فهمه عن عرفانه وهو أحب إليه من حمر النعم، أو من الدنيا وما فيها، أو من أن يكون له مثل قصور الشام ؟ وإن كان الثاني ؟ فحاشا رسول الله أن يأخر البيان عن وقت الحاجة وهو يعلم أنه سوف يتربع على منصة الخلافة فترفع إليه المسائل والخصومات وإن من أكثرها اطرادا مسألة الكلالة، لكن الحقيقة هي ما نوه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله لحفصة: ما أرى أباك يعلمها. أو بقوله: ما أراه يقيمها، وهو يعرب عن جلية الحال، ويوقف القارئ على الواقع إن لم يضله الهوى.
والخطب الفظيع أنه بعد هذه كلها ومع قوله: إنها لم تبين لي لم يتزحزح عن الحكم فيها، وكان يقضي فيها برأيه ما شاء ذاهلا عن قوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا (1) وعن قوله تعالى: ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين (2) وتراه يتبع أبا بكر وهو يعلم أنه شاكلته وقد سمع منه قوله: إني سأقول فيها برأيي فإن يك صوابا فمن الله وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان. إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا. وقد رأى ابن حجر كثرة الخلاف في الكلالة بأنها: من ليس له الوالد والولد. إنها من سوى الوالد. من سوى الوالد وولد الولد. من سوى الولد. الكلالة الأخوة. الكلالة هي المال. وقيل: الفريضة. وقيل: بنو العم ونحوهم. وقيل: العصبات وإن بعدوا.
(1) سورة الاسراء - آية 36. (2) سورة الحاقة. آية 44 - 47. *
[131]
ثم قال: ولكثرة الاختلاف فيها صح عن عمر أنه قال: لم أقل في الكلالة شيئا (1) فكأنه يراها عذرا للخليفة في ربيكته بالكلالة، وأين هو من آية الكلالة ؟ وكيف تخفى على أحد وهي بين يديه وفيها قوله تعالى (يبين الله لكم أن تضلوا) فيكف بينها الله ومثل الخليفة يقول: لم تبين لي ؟ ومن أين أتى الخلاف وكثر وهي مبينة ؟ وكيف يرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم آية الصيف كافية في البيان لمن جهل الكلالة ؟. على أن الخليفة هو إمام الأمة ومرجعها الوحيد في خلافها، وبه القدوة والأسوة في التخاصم والتنازع في الآراء والمعتقدات، فلا عذر له في جهلة بشئ منها على كل حال خالفت الأمة أم لم تخالف.
30 رأي الخليفة في الأرنب عن موسى بن طلحة: إن رجلا سأل عمر عن الأرنب فقال عمر: لولا إني أزيد في الحديث أو أنقص منه، وسأرسل لك إلى رجل. فأرسل إلى عمار فجاء فقال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فنزلنا في موضع كذا وكذا فأهدى إليه رجل من الأعراب أرنبا فأكلناها فقال الأعرابي: يا رسول الله إني رأيتها تدمي أي تحيض فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا بأس بها. أخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير الطبري كما في كنز العمال 8 ص 50، و أخرجه أبو يعلى في مسنده، والطبراني في الكبير من رواية ابن الحوتكية كما في عمدة القاري 6 ص 259، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 3 ص 195 نقلا عن أحمد من طريق ابن الحوتكية. أنا لا أقول: إن الذي أخاف الخليفة من الزيادة أو النقيصة في الحديث هو عدم معرفته بالحكم، ولا أقول: إن عمارا كان أبصر منه في القضية وأوثق منه في الرواية والنقل. ولا أقول: أين كانت تلك الحيطة منه في غير الأرنب مما استبد بحكمه من دون أي اكتراث من مئات المسائل في الأموال والأنفس والعقود والايقاعات وهو يعلم أنه لم يحط بها علما. لكني أكل ذلك إلى وجدانك الحر. وفي النفس ما فيها في نفي البأس عن لحم الأرنب، وهو قول الأئمة الأربعة وكافة * (الهامش) * (1) فتح الباري شرح صحيح البخاري 8 ص 215. *
[132]
العلماء إلا ما حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعكرمة مولى ابن عباس إنهم كرهوا أكلها (عمدة القاري 6 ص 259). 31 رأي الخليفة في القود عن ابن أبي حسين: إن رجلا شج رجلا من أهل الذمة فهم عمر بن الخطاب أن يقيده منه فقال معاذ بن جبل: قد علمت أن ليس ذلك لك. وأثر ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه
عمر بن الخطاب في شجته دينارا فرضي به. أخرجه الحافظ السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 7 ص 304. 32 لولا معاذ لهلك عمر عن أبي سفيان عن أشياخ لهم: إن امرأة غاب عنها زوجها سنتين ثم جاء وهي حامل فرفعها إلى عمر فأمر برجمها، فقال له معاذ: إن يكن لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها، فقال عمر: احبسوها حتى تضع فوضعت غلاما له ثنيتان فلما رآه أبوه عرف الشبه فقال: ابني ابني ورب الكعبة، فبلغ ذلك عمر فقال: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر. لفظ البيهقي جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حبلى فشاور عمر رضي الله عنه ناسا في رجمها فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين إن كان لك عليها سبيل فليس على ما في بطنها سبيل فاتركها حتى تضع. فتركها فولدت غلاما قد خرجت ثناياه فعرف الرجل الشبه فيه فقال: ابني ورب الكعبة فقال عمر رضي الله عنه: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 7 ص 443، وأبو عمر في العلم ص 150، و الباقلاني إيعازا إليه في التمهيد ص 199، وابن أبي شيبة كما في كنز العمال 7 ص 82، وفتح الباري لابن حجر 12 ص 120 وقال: أخرجه ابن أبي شيبة ورجاله ثقات، والإصابة 3 ص 427 نقلا عن فوائد محمد بن مخلد العطار، وذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج 3 ص 150 متسالما عليه.
[133]
33 رأي الخليفة في القود عن مكحول إن عبادة بن الصامت دعا نبطيا يمسك له دابته عند بيت المقدس
فأبى فضربه فشجه فاستدعى عليه عمر بن الخطاب فقال له: ما دعاك إلى ما صنعت بهذا ؟ فقال: يا أمير المؤمنين أمرته أن يمسك دابتي فأبى وأنا رجل في حدة فضربته، فقال: اجلس للقصاص. فقال زيد بن ثابت: أتقيد عبدك من أخيك ؟ فترك عمر عنه القود وقضى عليه بالدية. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 8 ص 32، وذكره السيوطي في جمع الجوامع كما في الكنز 7 ص 303. 34 رأي الخليفة في ذمي مقتول عن مجاهد قال: قدم عمر بن الخطاب الشام فوجد رجلا من المسلمين قتل رجل من أهل الذمة فهم أن يقيده فقال له زيد بن ثابت: أتقيد عبدك من أخيك ؟ فجعله عمر دية. أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير الطبري كما في كنز العمال 7 ص 304. 35 قصة أخرى في ذمي مقتول عن عمر بن عبد العزيز إن رجلا من أهل الذمة قتل بالشام عمدا وعمر بن الخطاب إذ ذاك بالشام فلما بلغه ذلك قال عمر: قد ولعتم بأهل الذمة لأقتلنه به. قال أبو عبيدة ابن الجراح: ليس ذلك لك فصلى ثم دعا أبا عبيدة فقال: لم زعمت لا أقتله به ؟ فقال أبو عبيدة: أرأيت لو قتل عبدا له أكنت قاتله به ؟ فصمت عمر ثم قضي عليه بالدية بألف دينار تغليظا عليه. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 8 ص 32، وذكره السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 7 ص 303. 36 رأي الخليفة في قاتل معفو عنه عن إبراهيم النخعي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي برجل قد قتل عمدا
[134]
فأمر بقتله فعفا بعض الأولياء فأمر بقتله فقال ابن مسعود: كانت النفس لهم جميعا فلما
عفا هذا أحيا النفس فلا يستطيع أن يأخذ حقه حتى يأخذ غيره قال: فما ترى ؟ قال: أرى أن تجعل الدية عليه في ماله وترفع حصة الذي عفا فقال عمر رضي الله عنه: وأنا أرى ذلك (1). إن كان الحكم في هذه القضايا هو ما ارتآه الخليفة أولا فلماذا عدل عنه ؟ وإن كان ما لفتوا نظره إليه أخيرا فلماذا هم أن ينوء بالأول ؟ وهل من المستطاع أن نقول: إن الحكم كان عازبا عن فكرة خليفة المسلمين في كل هذه الموارد ؟ أو أن تلكم الأقضية كانت مجرد رأي وتحكم ؟ أو هذه هي سيرة أعلم الأمة ؟ 37 رأي الخليفة في الأصابع عن سعيد بن المسيب: أن عمر رضي الله عنه قضى في الأصابع في الابهام بثلاثة عشر، وفي التي تليها باثني عشر، وفي الوسطى بعشرة، وفي التي تليها بتسع، وفي الخنصر بست. وفي لفظ آخر: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في الابهام بخمس عشرة، وفي التي تليها بعشر، وفي الوسطى بعشرة، وفي التي تلي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست. وعن أبي غطفان: إن ابن عباس كان يقول في الأصابع عشر عشر فأرسل مروان إليه فقال: أتفتي في الأصابع عشر عشر وقد بلغك عن عمر رضي الله عنه في الأصابع ؟ فقال ابن عباس: رحم الله عمر: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع من قول عمر رضي الله عنه (2) قال الأميني: ثبت في الصحاح والمسانيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الأصابع عشر عشر على ما أفتى به ابن عباس، وهذه سنته صلى الله عليه وسلم المسلمة وهدية الثابت فيها، وما قضى به عمر فمن آراء الخاصة به، والأمر كما قال ابن عباس: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع من قول عمر. وأنا لا أدري أن الخليفة كان يعلم ذلك ويخالف، أم لم
(1) كتاب الأم للشافعي 7 ص 295، سنن البيهقي 8 ص 60.
(2) كتاب الأم للشافعي 1 ص 58، 134، واختلاف الحديث للشافعي أيضا هامش كتاب الأم 7 ص 140، وكتاب الرسالة له ص 113، سنن البيهقي 8 ص 93. *
[135]
يكن يعلم ؟. فإن كان لا يدري فتلك مصيبة * وإن كان يدري فالمصيبة أعظم 38 رأي الخليفة في دية الجنين عن المسور بن مخرمة قال: إستشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس في إملاص المرأة فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو أمة. فقال: ائتني بمن يشهد معك فشهد محمد بن مسلمة (1). وعن عروة: أن عمر رضي الله عنه سأل - نشد - الناس من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في السقط ؟ فقال المغيرة بن شعبة: أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو أمة فقال: ائت بمن يشهد معك على هذا. فقال محمد بن مسلمة: أنا أشهد على النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا (2). وفي لفظ أبي داود: فقال عمر: الله أكبر لو لم أسمع بهذا لقضينا بغير هذا (3) وفي حديث: نشد عمر الناس في دية الجنين فقال حمل بن النابغة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو وليدة فقضى به عمر (4) م - وزاد الشافعي: فقال عمر رضي الله عنه لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا. وفي لفظ: إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا. قال ابن حجر في الإصابة 2 ص 259: أخرجه أحمد وأصحاب السنن بإسناد صحيح من طريق طاوس عن ابن عباس): قال الأميني: ما أحوج الخليفة إلى العقل المنفصل في كل قضية حتى أنه يركن إلى مثل المغيرة أزنى ثقيف وأكذبها في شريعة إلهية ؟ وهو لم يجز شهادة المغيرة للعباس
(1) صحيح البخاري كتاب الديات باب جنين المرأة، صحيح مسلم 2 ص 41، سنن أبي
داود 2 ص 255، مسند أحمد 4 ص 244، 253، سنن البيهقي 8 ص 114، تذكرة الحفاظ 1 ص 7. (2) صحيح البخاري كتاب الديات باب جنين المرأة، السنن الكبرى للبيهقي 8 ص 114، 115. (3) سنن أبي داود 2 ص 256. (4) كتاب الرسالة للشافعي ص 113، اختلاف الحديث له في هامش كتاب الأم 7 ص 20 عمدة القاري 5 ص 410، تهذيب التهذيب 3 ص 36. *
[136]
عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعواه أنه صلى الله عليه وآله وسلم أقطع له البحرين (1) أو يستند إلى مثل محمد بن مسلمة الذي ما جاء عنه غير ستة أحاديث (2) أو إلى مثل حمل بن النابغة الذي ليس له عندهم غير هذا الحديث (3) قال ابن دقيق العيد: إستشارة عمر في ذلك أصل في سؤال الإمام عن الحكم إذا كان لا يعلمه، أو كان عنده شك، أو أراد الاستثبات (4) لكنا لا نرى في مستوى الإمامة مقيلا لمن يجهل حكما من الأحكام، أو يشك فيما علمه، أو يحتاج إلى التثبت فيما اتصل به يقينه بقول هذا وذاك، فإنه المقتدى في الأحكام كلها، فلو جاز له الجهل في شئ منها أو الشك أو الحاجة إلى التثبت ؟ لجاز أن يقع ذلك حيث لا يجد من يسأله فيرتبك في الجواب، أو يربك صاحبه في الضلال، أو يتعطل الحكم الإلهي من جراء ذلك ألا تسمع قول عمر: الله أكبر لو لم أسمع بهذا لقضينا بغير هذا. أو: إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا. 39 رأي الخليفة في سارق عن عبد الرحمن بن عائذ قال: أتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه برجل أقطع اليد والرجل قد سرق فأمر به عمر رضي الله عنه أن يقطع رجله فقال علي رضي الله عنه:
إنما قال الله عز وجل: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، الآية (5) فقد قطعت يد هذا ورجله فلا ينبغي أن تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها، إما أن تعزره وإما أن تستودعه السجن. قال: فاستودعه السجن. السنن الكبرى للبيهقي 8 ص 274، كنز العمال 3 ص 118. 40 إجتهاد الخليفة في هدية ملكة الروم عن قتادة قال: بعث عمر رسولا إلى ملك الروم فاستقرضت أم كلثوم بنت علي
(1) تاريخ ابن خلكان 2 ص 456 في ترجمة يزيد من ربيعة. (2) تهذيب التهذيب 9 ص 455. (3) تهذيب التهذيب 3 ص 36. (4) إرشاد الساري للقسطلاني 10 ص 67 (5) سورة المائدة آية 33. *
[137]
- وكانت امرأة عمر - دينارا فاشترت به عطرا وجعلته في قارورة وبعثت به مع الرسول إلى امرأة ملك الروم فلما أتاها بعثت لها شيئا من الجواهر وقالت للرسول: إذهب به إلى امرأة عمر فلما أتاها أفرغته على البساط فدخل عمر فقال: ما هذا ؟ فأخبرته فأخذ الجواهر وخرج بها إلى المسجد ونادى الصلاة جامعة فلما اجتمع الناس أخبرهم الخبر وأراهم الجواهر وقال: ما ترون في ذلك ؟ فقالوا: إنا نراها تستحق ذلك لأنه هدية جاءتها من امرأة لا جزية ولا خراج عليها ولا يتعلق بها حكم من أحكام الرجال. فقال: لكن الزوجة زوجة أمير المؤمنين، والرسول رسول أمير المؤمنين، والراحلة التي ركبها للمؤمنين، وما جاء ذلك كله لولا المؤمنون، فأرى أن ذلك لبيت مال المسلمين، ونعطيها رأس مالها. فباع الجواهر ودفع لزوجته دينارا وجعل ما بقي في بيت مال المسلمين (1). 2 - يروى أن امرأة أبي عبيدة أرسلت إلى امرأة ملك الروم هدية فكافأتها بجوهر فبلغ ذلك عمر فأخذه فباعه وأعطاها ثمن هديتها ورد باقيه إلى بيت مال المسلمين (2) قال الأميني: كل ما ذكره الخليفة ليس من المملك ولا من المخرجات من الملك
أما كونها زوجة الخليفة فمن الدواعي لإهداء زوجة ملك الروم، وأما وجود المؤمنين فهو من بواعث شوكة الخليفة التي من جهتها تكون زوجته معتنى بها عند أزواج الملوك. وكون الرسول رسول الخليفة لا يبيح ما اؤتمن عليه الرسول في ايصاله إلى صاحبه. ودابة المؤمنين لا تستبيح ما حمله الراكب عليها. نعم من الممكن إن كان له ثقل يعتد به أن يأخذ المؤمنون الأجرة على حمله. ولا أدري كيف فعل الخليفة ما فعل ؟ وكيف استساغ المسلمون ذلك المال أخيرا بعد أن رأوا إنها تستحقه أو لا ؟ ثم ما وجه إعطاء ثمن الهدية في القضيتين ؟ فإن كان لحق لصاحبتيهما في الجواهر ؟ فهو لها في كله، وإلا فقد أقدمتاهما إلى إتلاف مالهما فلا وجه لإعطاء بدله من مال المسلمين. 41 رأي الخليفة في جلد المغيرة عن عبد الرحمن بن أبي بكر: إن أبا بكر وزيادا ونافعا وشبل بن معبد كانوا
(1) الفتوحات الإسلامية 2 ص 413. (2) الفتوحات الإسلامية 2 ص 413. *
[138]
في غرفة والمغيرة في أسفل الدار فهبت ريح ففتحت الباب ورفعت الستر فإذا المغيرة بين رجليها فقال بعضهم لبعض: قد ابتلينا. قال فشهد أبو بكرة ونافع وشبل وقال زياد: لا أدري نكحها أم لا فجلدهم عمر رضي الله عنه إلا زيادا فقال أبو بكرة رضي الله عنه: أليس قد جلدتموني ؟ قال: بلى. قال: فأنا أشهد لقد فعل. فأراد عمر أن يجلده أيضا فقال علي: إن كانت شهادة أبي بكرة شهادة رجلين فارجم صاحبك وإلا فقد جلدتموه، يعني لا يجلد ثانيا بإعادة القذف. وفي لفظ آخر: فهم عمر أن يعيد عليه الحد فنهاه علي رضي الله عنه وقال: إن جلدته فارجم صاحبك، فتركه ولم يجلده.
وفي لفظ ثالث: فهم عمر بضربه فقال علي: لئن ضربت هذا فارجم ذاك (1). صورة مفصلة عن أنس بن مالك: إن المغيرة بن شعبة كان يخرج من دار الأمارة وسط النهار، وكان أبو بكرة - نفيع الثقفي - يلقاه فيقول له: أين يذهب الأمير ؟ فيقول. إلى حاجة، فيقول له: حاجة ما ؟ إن الأمير يزار ولا يزور، قال: وكانت المرأة - أم جميل بنت الأفقم - التي يأتيها جارة لأبي بكرة، قال: فبينا أبو بكرة في غرفة له مع أصحابه وأخويه نافع وزياد ورجل آخر يقال له: شبل بن معبد، وكانت غرفة تلك المرأة بحذاء غرفة أبي بكرة فضربت الريح باب غرفة المرأة ففتحته فنظر القوم فإذا هم بالمغيرة ينكحها فقال أبو بكرة: هذه بلية ابتليتم بها فانظروا. فنظروا حتى أثبتوا فنزل أبو بكرة حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة فقال له: إنه قد كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا، قال: وذهب ليصلي بالناس الظهر فمنعه أبو بكرة وقال له: والله لا تصلي بنا وقد فعلت ما فعلت. فقال الناس: دعوه فليصل فإنه الأمير واكتبوا بذلك إلى عمر. فكتبوا إليه فورد كتابه أن يقدموا عليه جميعا المغيرة والشهود. قال مصعب بن سعد: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جلس ودعا بالمغيرة والشهود فتقدم أبو بكرة فقال له، أرأيته بين فخذيها ؟ قال: نعم والله لكأني أنظر تشريم جدري بفخذيها، فقال له المغيرة: لقد ألطفت النظر، فقال له: ألم أك قد أثبت ما يخزيك الله به ؟
(1) السنن الكبرى للبيهقي 8 ص 235. *
[139]
فقال له عمر: لا والله حتى تشهد لقد رأيته يلج المرود في المكحلة. فقال: نعم أشهد على ذلك، فقال له: اذهب مغيرة ذهب ربعك، ثم دعا نافعا فقال له: علام تشهد ؟ قال: على مثل شهادة أبي بكرة. قال: لا حتى تشهد أنه يلج فيه ولوج المرود في المكحلة، فقال: نعم حتى بلغ قذذه. فقال: إذهب مغيرة ذهب نصفك، ثم دعا الثالث فقال: علام
تشهد ؟ فقال: على مثل شهادة صاحبي. فقال له: اذهب مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك ثم كتب - عمر - إلى زياد فقدم على عمر فلما رآه جلس له في المسجد واجتمع له رؤس المهاجرين والأنصار فقال المغيرة: ومعي كلمة قد رفعتها لأحلم القوم قال: فلما رآه عمر مقبلا قال: إني لأرى رجلا لن يخزي الله على لسانه رجلا من المهاجرين. فقال: يا أمير المؤمنين أما إن الحق ما حق القوم فليس ذلك عندي ولكني رأيت مجلسا قبيحا، وسمعت أمرا حثيثا وانبهارا، ورأيته متبطنها، فقال له: أرأيته يدخله كالميل في المكحلة ؟ فقال: لا. وفي لفظ قال: رأيته رافعا برجليها، ورأيت خصيتيه تترددان بين فخذيها، و رأيت خفزا شديدا، وسمعت نفسا عاليا. وفي لفظ الطبري قال: رأيته جالسا بين رجلي امرأة، فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان، وإستين مكشوفتين، وسمعت خفزانا شديدا. فقال له: أرأيته يدخله كالميل في المكحلة ؟ فقال: لا، فقال عمر: الله أكبر قم إليهم فاضربهم، فقام إلى أبي بكرة فضربه ثمانين وضرب الباقين وأعجبه قول زياد ودرأ عن المغيرة الرجم فقال أبو بكرة بعد أن ضرب: فإني أشهد أن المغيرة فعل كذا وكذا. فهم عمر بضربه فقال له علي عليه السلام: إن ضربته رجمت صاحبك ونهاه عن ذلك (1). قال الأميني: لو كان للخليفة قسط من حكم هذه القضية لما هم بجلد أبي بكرة ثانيا، ولا عزب عنه حكم رجم المغيرة إن جلد. وإن تعجب فعجب إيعاز الخليفة إلى زياد لما جاء يشهد بكتمان الشهادة بقوله: إني لأرى رجلا لن يخزي الله على لسانه رجلا من المهاجرين (2) أو بقوله: أما إني أرى وجه
(1) الأغاني لأبي الفرج الاصبهاني 14 ص 146، تاريخ الطبري 4 ص 207، فتوح البلدان للبلاذري ص 352، تاريخ الكامل لابن الأثير 2 ص 228، تاريخ ابن خلكان 2 ص 455، تاريخ ابن كثير 7 ص 81، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 ص 161، عمدة القاري 6 ص 340. (2) الأغاني كما مر. *
[140]
رجل أرجو أن لا يرجم رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على يده ولا يخزى بشهادته (1) أو بقوله: إني لأرى غلاما كيسا لا يقول إلا حقا ولم يكن ليكتمني شيئا (2) أو بقوله: إني أرى غلاما كيسا لن يشهد إن شاء الله إلا بحق (3) وهو يوعز إلى أن الذين تقدموه أغرار شهدوا بالباطل، وعلى أي فقد استشعر زياد ميل الخليفة إلى درأ الحد عن المغيرة فأتى بجمل لا تقصر عن الشهادة، ولكنه تلجلج عن صراح الحقيقة لما انتهى إليه، و كيف يصدق في ذلك ؟ وقد رئا إستاها مكشوفة، وخصيتين مترددتين بين فخذي أم جميل، وقدمين مخضوبتين مرفوعتين، وسمع خفزانا شديدا ونفسا عاليا، ورئاه متبطنا لها، وهل تجد في هذا الحد مساغا لأن يكون الميل في خارج المكحلة ؟ أو أن يكون قضيب المغيرة جامحا عن فرج أم جميل ؟. نعم كان في القضية تأول واجتهاد أدى إلى أهمية درأ الحد في المورد خاصة، وإن كان الخليفة نفسه جازما بصدق الخزاية كما يعرب عنه قوله للمغيرة: والله ما أظن أبا بكرة كذب عليك، وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بالحجارة من السماء. قاله لما وافقت أم جميل عمر بالموسم والمغيرة هناك فسأله عنها فقال: هذه أم كلثوم بنت علي فقال عمر: أتتجاهل علي ؟ والله ما أظن. إلخ. (4) وليت شعري لماذا كان عمر يخاف أن يرمى بالحجارة من السماء ؟ ألرده الحد حقا ؟ وحاشا الله أن يرمي مقيم الحق، أو لتعطيله الحكم ؟ أو لجلده مثل أبي بكرة الذي عدوه من خيار الصحابة وكان من العبادة كالنصل ؟ أنا لا أدري. وكانت علي أمير المؤمنين عليه السلام يصافق عمر على ما ظن أو جزم به فخاف أن يرمى بالحجارة، وينم عن ذلك قوله عليه السلام: لئن لم ينته المغيرة لأتبعنه أحجاره. أو قوله: لئن أخذت المغيرة لأتبعنه أحجاره (5). وقد هجاه حسان بن ثابت في هذه القصة بقوله:
(1) فتوح البلدان للبلاذري ص 353.
(2) سنن البيهقي 8 ص 235 (3) كنز العمال. (4) الأغاني 14 ص 147. شرح النهج 3 ص 162. (5) الأغاني 14 ص 147. *
[141]
لو أن اللوم ينسب كان عبدا * قبيح الوجه أعور من ثقيف تركت الدين والاسلام لما * بدت لك غدوة ذات النصيف وراجعت الصبا وذكرت لهوا * من القينات في العمر اللطيف (1) ولا يشك ابن أبي الحديد المعتزلي في أن المغيرة زنى بأم جميل وقال: إن الخبر بزناه كان شايعا مشهورا مستفيضا بين الناس (2) غير أنه لم يخطى عمر بن الخطاب في درأ الحد عنه ويدافع عنه بقوله: لأن الإمام يستحب له درأ الحد وإن غلب على ظنه أنه قد وجب الحد عليه. عزب على ابن أبي الحديد أن درأ الحد بالشبهات لا يخص بالمغيرة فحسب بل للإمام رعاية حال الشهود أيضا ودرأ الحد عنهم، فأنى للإمام درأ الحد عمن يقال: إنه كان أزنى الناس في الجاهلية فلما دخل في الاسلام قيده الاسلام وبقيت عنده منه بقية ظهرت في أيام ولايته بالبصرة (3) ؟ أنى له رفع اليد عن مثل الرجل وقد غلب على ظنه وجوب الحد عليه، وحكمه بالحد على أبرياء ثلاثة يشك في الحد عليهم وفيهم من يعد من عباد الصحابة ؟ وأني يتأتى الاحتياط في درأ الحد عن واحد مثل المغيرة برمي ثلاثة بالكذب والقذف وتشويه سمعتهم في المجتمع الديني وتخذيلهم بإجراء الحد عليهم ؟. ثم هلا اجتمعت كلمة الشهود الأربعة على ما شهد به زياد من معاصي المغيرة دون إيلاج المرود في المكحلة ؟ فلماذا لم يعزره على ما اقترفه من الفاحشة ؟ أولم تكن المعاصي
تستوجب تعزيرا ؟ أولم يكن من رأي الخليفة جلد صائم أخذ على شراب كما يأتي في نادرة 72. أولم يكن من رأيه ضرب خمسين على من وجد مع امرأة في لحافها على فراشها ؟ (4). أولم يكن مقررا حكم عبد الله بن مسعود في رجل وجد مع امرأة في لحاف فضرب عبد الله كل واحد منهما أربعين سوطا وأقامهما للناس فذهب أهل المرأة وأهل الرجل
(1) الأغاني 14 ص 147. شرح بن أبي الحديد 3 ص 163. (2) شرح نهج البلاغة 3 ص 163. (3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 ص 163 نقلا عن المدايني. (4) أخرجه إمام الشافعية في كتاب الأم 7 ص 170. *
[142]
فشكوا ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال عمر لابن مسعود: ما يقول هؤلاء ؟ قال: قد فعلت ذلك. قال: أو رأيت ذلك ؟ قال: نعم. فقال: نعم ما رأيت. فقالوا: أتيناه نستأذنه فإذا هو يسأله (1). نعم: للقارئ أن يفرق بين ما نحن فيه وبين تلكم المواقف التي حكم فيها بالتعزير بأن الحكم هناك قد دار مدار اللحاف ولم يكن لحاف على المغيرة وأم جميل في فحشائهما: والقول بمثل هذه الخزاية أهون من تلكم الكلم التي توجد في الدفاع عن الخليفة حول هذه القضية ولدتها. هذا مغيرة وهذا إلى أمثالها بوائقه، وكان يعرف بها في إسلامه وقبله، وقد أتى أمير المؤمنين عليه السلام عند ما تولى الخلافة يظهر بزعمه النصح له بإقرار معاوية في ولايته على الشام ردحا ثم يفعل به ما أراد، وبما أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن ممن يداهن ويجامل أعداء الله في أمر الدين ولا يؤثر الدهاء على حكم الشريعة، وكان يرى أن مفاسد إبقاء معاوية على الأمر لا تكافئ مصلحة إغفاله عن المقاومة، فإنه غير صالح لتولي أمر المسلمين
فيومه لدة سنته، وساعته كمثل عمره في الفساد، رفض ذلك الرأي المغيري، ولم يكن بالذي يتخذ المضلين عضدا فبهض ذلك المغيرة فولى عنه منشدا: نصحت عليا في ابن هند نصيحة * فردت فلم اسمع لها الدهر ثانية وقلت له: أوجز عليه بعهده * وبالأمر حتى يستقر معاويه وتعلم أهل الشام أن قد ملكته * وأن أذنه صارت لأمرك واعيه فتحكم فيه ما تريد فإنه * لداهية فارفق به أي داهيه فلم يقبل النصح الذي قد نصحته * وكانت له تلك النصيحة كافيه (2) وأجاب عنها العلامة الأوردبادي بقوله: أتيت إمام المسلمين بغدرة * فلم تلف نفسا منه للغدر صاغيه وأسمعته إدا من القول لم يصخ * له إذ رأى منه الخيانة باديه
(1) أخرجه الطبراني والهيثمي في مجمع الزوائد 6 ص 270 وقال: رجاله رجال الصحيح. (2) مروج الذهب 2: 16، تاريخ الطبري 5: 160، تاريخ ابن كثير 8: 128، الاستيعاب 1: 251، تاريخ أبي الفدا ج 1: 172. *
[143]
رغبت إليه في ابن هند ولاية * أبى الدين إلا أن ترى عنه نائيه أيؤتمن الغاوي على إمرة الهدى ؟ * تعاد على الدين المعرة ثانيه ويرعى القطيع الذئب والذئب كاسر * ويأمن منه في الأويقة عاديه ؟ 5 وهل سمعت أذناك قل لي هنيهة * بزوبعة هبت فلم تعد سافيه ؟ وهل يأمن الأفعى السليم سويعة * ومن شدقها قتالة السم جاريه ؟ فيوم ابن هند ليس إلا كدهره * فصفقته كانت من الخير خاليه وللشر منه والمزنم جروه * ووالده شيخ الفجور زبانيه متى كان للتقوى علوج امية ؟ * وللغي منهم كل باغ وباغيه
وللزور والفحشاء منهم زبائن * وللجور منهم كل دهياء داهيه هم أرهجوها فتنة جاهلية * إذ انتهزوا للشر أجواء صافيه فماذا على حلف التقى وهو لا يرى * يراوغ في أمر الخلافة طاغيه ؟ وشتان في الاسلام هذا وهذه * فدين (علي) غير دنيا معاويه أتنقم منه إن شرعة (أحمد) * تجذ يمينا لابن سفيان عاديه ؟ 15 وتحسب أن قد فاته الرأي عنده * كأنك قد أبصرت ما عنه خافيه ولولا التقى ألفيت صنو (محمد) * لتدبير أمر الملك أكبر داهيه عرفناك يا أزنى ثقيف ووغدها * عليك بيوميك الشنار سواسيه وإنك في الاسلام مثلك قبله * وأم جميل للخزاية راويه 19 وكان المغيرة في مقدم أناس كانوا ينالون من أمير المؤمنين عليه السلام قال ابن الجوزي قدمت الخطباء إلى المغيرة بن شعبة بالكوفة فقام صعصعة بن صوحان فتكلم، فقال المغيرة: أخرجوه فأقيموه على المصطبة فليلعن عليا. فقال: لعن الله من لعن الله ولعن علي بن أبي طالب، فأخبره بذلك فقال: أقسم بالله لتقيدنه فخرج فقال: إن هذا يأبى إلا علي بن أبي طالب فالعنوه لعنه الله. فقال المغيرة: أخرجوه أخرج الله نفسه. رسائل الجاحظ ص 92، الأذكياء ص 98. وأخرج أحمد في مسنده 4 ص 369 عن قطبة بن مالك قال: نال المغيرة بن شعبة من علي فقال زيد بن أرقم: قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن سب الموتى
[144]
فلم تسب عليا وقد مات. وأخرج في المسند أيضا ج 1 ص 188 أحاديث نيله من أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته واعتراض سعيد بن زيد عليه. 42 كل أفقه من عمر حتى العجائز
لما رجع عمر بن الخطاب من الشام إلى المدينة إنفرد عن الناس ليعرف أخبارهم فمر بعجوز في خبائها فقصدها فقالت: يا هذا ما فعل عمر ؟ قال: هوذا قد أقبل من الشام قالت: لا جزاه الله عني خيرا، قال: ويحك ولم ؟ قالت: لأنه والله ما نالني من عطائه منذ ولي إلى يومنا هذا دينار ولا درهم، فقال: ويحك وما يدري عمر حالك وأنت في هذا الموضع ؟ فقالت: سبحان الله ما ظننت أن أحدا يلي على الناس ولا يدري ما بين مشرقها ومغربها، قال: فأقبل عمر وهو يبكي ويقول: واعمراه واخصوماه كل واحد أفقه منك يا عمر. الحديث. وفي لفظ: كل واحد أفقه منك حتى العجائز يا عمر !. الرياض النضرة 2 ص 57، الفتوحات الإسلامية 2 ص 408، نور الأبصار ص 65. قال الأميني: نحن ندرس من هذه القصة إن فكرة إحاطة علم الإمام بالأشياء كلها أو جلها فضلا عن الشرائع والأحكام فكرة بسيطة عامة يشترك في لزومها الرجال والنساء، فهي غريزة لا تعزب عن أي ابن أنثى وقد فقدها الخليفة واعترف بأن كل واحد أفقه منه. 43 إستشارة الخليفة في متسابين أخرج البيهقي في السنن الكبرى 8 ص 252: إن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب فقال أحدهما على الآخر: والله ما أرى أبي بزان ولا أمي بزانية. فاستشار عمر الناس في ذلك فقال قائل: مدح أباه وأمه. وقال آخرون. قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا نرى أن تجلده الحد. فجلده عمر الحد ثمانين. وذكره النيسابوري في تفسيره في سورة النور عند قوله تعالى: الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة.
[145]
قال الأميني: أنا لا أدري لأي المصيبتين أنحب ؟ أبقصور الخليفة عن حكم المسألة ؟ أم بقصر المعلمين له عن حقيقته ؟ وكل يفوه برأي ضئيل، والأفظع جري العمل
على ما قالوه. أما الحد فليس إلا بالقذف البين والنفي البين وهو المستفاد من قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات (1) وعلى هذا كان عمل الصحابة والتابعين لهم بإحسان كما قال القاسم بن محمد: ما كنا نرى الجلد إلا في القذف البين والنفي البين (2) وأما قول - ليس أبي بزان - فنناقش أولا في كونه تعريضا إذ لعله يريد طهارة منبته التي تزعه عن النزول إلى الدنايا من بذاؤة في القول، أو خسة في الطبع، أو حزازة في العمل، فمن الممكن أنه لا يريد إلا هذا فحسب، وهو الذي فهمه فريق من الصحابة فقالوا: إنه مدح أباه. وإن لم يجدوا لما أبدوه أذنا واعية وعلى فرض كونه تعريضا فإنما يوجب الحد إذا كانت دلالته مقطوعا بها، أو أن يعترف المعرض بأنه لم يقصد إلا القذف، وإلا فالحدود تدرأ بالشبهات. ألا ترى سقوط الحكم عمن عرض بسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يصرح كما في الصحاح. وإلى نفي الحد بالتعريض ذهب أبو حنيفة والشافعي وأبو يوسف وزفر ومحمد بن شبرمة والثوري والحسن بن صالح وبين يديهم الحديث المذكور وما رواه الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: كان عمر يضرب الحد في التعريض (3). قال أبو بكر الجصاص في " أحكام القرآن " 3 ص 330: ثم لما ثبت أن المراد بقوله: والذين يرمون المحصنات، هو الرمي بالزنا لم يجز له إيجاب الحد على غيره، إذ لا سبيل إلى إثبات الحدود من طريق المقاييس، وإنما طريقها الاتفاق أو التوقيف وذلك معدوم في التعريض، ومشاورة عمر الصحابة في حكم التعريض دلالة على أنه لم يكن عندهم فيه توقيف وإنه قال اجتهادا ورأيا، وأيضا فإن التعريض بمنزلة الكناية المحتملة للمعاني وغير جائز إيجاب الحد بالاحتمال لوجهين: أحدهما أن القائل برئ الظهر من الجلد
(1) سورة النور آية 4. (2) السنن الكبرى للبيهقي 8 ص 252.
(3) السنن الكبرى 8 ص 252. *
[146]
فلا نجلده بالشك والمحتمل مشكوك فيه، ألا ترى أن يزيد بن ركانة لما طلق امرأته البتة استحلفه النبي صلى الله عليه وسلم (فقال): ما أردت إلا واحدة فلم يلزمه الثلاث بالاحتمال، ولذلك قال الفقهاء في كنايات الطلاق: إنها لا تجعل طلاقا إلا بدلالة. والوجه الآخر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: إدرؤا الحدود بالشبهات. و أقل أحوال التعريض حين كان محتملا للقذف وغيره أن يكون شبهة في سقوطه. وأيضا قد فرق الله تعالى بين التعريض بالنكاح في العدة وبين التصريح فقال: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله إنكم ستذكرونهن ولكم لا تواعدوهن سرا. يعني نكاحا فجعل التعريض بمنزلة الاضمار في النفس فوجب أن يكون كذلك حكم التعريض بالقذف، والمعنى الجامع بينهما إن التعريض لما كان فيه احتمال كان في حكم الضمير لوجود الاحتمال فيه. ا ه. م - هذه كلها كانت بمنتأى عن مبلغ الخليفة من العلم، غير أنه كان يستشير الناس كائنا من كان في كل مشكلة ثم يرى فيه رأيه وافق دين الله أم خالفه). 44 رأي الخليفة في شجرة الرضوان عن نافع قال: كان الناس يأتون الشجرة التي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها بيعة الرضوان فيصلون عندها فبلغ ذلك عمر فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت. الطبقات الكبرى لابن سعد ص 607، سيرة عمر لابن الجوزي 107، شرح ابن أبي الحديد 3 ص 122، السيرة الحلبية 3 ص 29، فتح الباري لابن حجر 7 ص 361 وقد صححه، إرشاد الساري 6 ص 337 وحكى تصحيح ابن حجر، شرح المواهب للزرقاني 2 ص 207، الدر المنثور 6 ص 73، عمدة القاري 8 ص 284 وقال: إسناد صحيح. م - وذكره ابن أبي الحديد في شرحه 1 ص 60 ولفظه:
كان الناس بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأتون الشجرة التي كانت بيعة الرضوان تحتها فيصلون عندها فقال عمر: أراكم أيها الناس رجعتم إلى العزى ألا لا أوتى منذ اليوم بأحد عاد لمثلها إلا قتلته بالسيف كما يقتل المرتد ثم أمر بها فقطعت).
[147]
45 رأي الخليفة في آثار الأنبياء عن معرور قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب رضوان الله عليه في حجة حجها قال: فقرأ بنا في الفجر: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ولايلاف قريش فلما انصرف فرأى الناس مسجدا فبادروه فقال: ما هذا ؟ قالوا: هذا مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له صلاة فليصل ومن لم تعرض له صلاة فليمض (1). قال الأميني: ليت شعري ما المانع من تعظيم آثار الأنبياء وفي مقدمهم سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذا لم يكن خارجا عن حدود التوحيد كالسجود إلى تماثيلهم واتخاذها قبلة ؟ ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، ومتى هلكت الأمم باتخاذهم آثار أنبيائهم بيعا ؟ وأي مسجد تكون الصلاة فيه أزلف إلى الله سبحانه من مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وأي مكان أشرف من مكان حل به النبي الأعظم وبويع فيه بيعة الرضوان وحظي المؤمنون فيه برضى الله عنهم ؟ أولا يكسب ذلك كله المحل فضلا يزيد في زلفة المتعبدين بفنائه ؟ وما ذنب الشجرة المسكينة حتى اجتثت أصولها ؟ ولا من ثائر لها أو مدافع عنها. أو ليس ذلك توهينا للمحل ولمشرفه ؟ م - أيسوغ أدب الدين للخليفة قوله: أراكم أيها الناس رجعتم إلى العزى ؟ والذين كانوا يرون حرمة تكلم الآثار ويعظمونها ويصلون عندها إنما هم حملة علم الدين من الصحابة العدول، مراجع الخليفة في الأحكام والشرايع، كان يعول عليهم حيثما أعيته المسائل قائلا: كل الناس أفقه منك يا عمر).
هذه أسؤلة جمة عزب عن الخليفة العلم بالجواب عنها، أو أنها لم تدر في خلده، أو أنه متأول فيها جمعاء وأنت ترى.. ومن الصحابة التي كانت تتبرك بتلك الأماكن وتصلي فيها عبد الله بن عمر، قال موسى بن عقبة (2): رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها
(1) سيرة عمر لابن الجوزي ص 107، شرح ابن أبي الحديد 3 ص 122 وفيه بدل معرور المغيرة بن سويد، فتح الباري 1 ص 450. (2) صحيح البخاري كتاب الصلاة باب: المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم. *
[148]
ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الأمكنة. وعن نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي في تلك الأمكنة. فالمراجع إلى الصحاح والسنن يجد كثيرا من لدة هذه يعلم بها أن رأي الخليفة إنما يخص به ولا يتبع ولم يتبع لن يتبع. 46 الخليفة وقوم من أحبار اليهود لما ولي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة أتاه قوم من أحبار اليهود فقالوا: يا عمر أنت ولي الأمر بعد محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه وإنا نريد أن نسألك عن خصال إن أخبرتنا بها علمنا أن الاسلام حق وأن محمدا كان نبيا، وإن لم تخبرنا به علمنا أن الاسلام باطل وأن محمدا لم يكن نبيا، فقال: سلوا عما بدا لكم، قالوا: أخبرنا عن أقفال السموات ما هي ؟ وأخبرنا عن مفاتيح السموات ما هي ؟ وأخبرنا عن قبر سار بصاحبه ما هو ؟ وأخبرنا عمن أنذر قومه لا هو من الجن ولا هو من الإنس ؟ وأخبرنا عن خمسة أشياء مشوا على وجه الأرض ولم يخلقوا في الأرحام ؟ وأخبرنا ما يقول الدراج في صياحه ؟ وما يقول الديك في صراخه ؟ وما يقول الفرس في صهيله ؟ وما يقول
الضفدع في نقيقه ؟ وما يقول الحمار في نهيقه ؟ وما يقول القنبر في صفيره ؟ قال: فنكس عمر رأسه في الأرض ثم قال: لا عيب بعمر إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم، وأن يسئل عما لا يعلم. فوثبت اليهود وقالوا: نشهد أن محمدا لم يكن نبيا وأن الاسلام باطل، فوثب سلمان الفارسي وقال لليهود: قفوا قليلا ثم توجه نحو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حتى دخل عليه فقال: يا أبا الحسن ! أغث الاسلام. فقال: وما ذاك ؟ فأخبره الخبر فأقبل يرفل في بردة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نظر إليه عمر وثب قائما فاعتنقه وقال: يا أبا الحسن ! أنت لكل معضلة وشدة تدعى فدعا علي كرم الله وجهه اليهود فقال: سلوا عما بدا لكم فإن النبي صلى الله عليه وسلم علمني ألف باب من العلم فتشعب لي من كل باب ألف باب، فسألوه عنها فقال علي كرم الله وجهه: إن لي عليكم شريطة إذا أخبرتكم كما في توراتكم دخلتم في ديننا وآمنتم. فقالوا: نعم. فقال: سلوا عن خصلة خصلة. قالوا:
[149]
أخبرنا عن أقفال السموات ما هي ؟ قال. أقفال السموات الشرك بالله لأن العبد والأمة إذا كانا مشركين لم يرتفع لهما عمل. قالوا: فأخبرنا عن مفاتيح السموات ما هي ؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فجعل بعضهم ينظر إلى بعض ويقولون: صدق الفتى، قالوا: فأخبرنا عن قبر سار بصاحبه ؟ فقال ذلك الحوت الذي التقم يونس بن متى فسار به في البحار السبع. فقالوا: أخبرنا عمن أنذر قومه لا هو من الجن ولا هو من الإنس ؟ قال: هي نملة سليمان بن داود قالت: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون. قالوا: فأخبرنا عن خمسة مشوا على الأرض ولم يخلقوا في الأرحام ؟ قال: ذلكم: آدم، وحواء. وناقة صالح. وكبش إبراهيم. وعصى موسى. قالوا: فأخبرنا ما يقول الدراج في صياحه ؟ قال: يقول: الرحمن على العرش استوى. قالوا: فأخبرنا ما يقول: الديك في صراخه ؟ قال: يقول: اذكروا الله يا غافلين. قالوا: أخبرنا ما يقول الفرس في صهيله ؟ قال: يقول إذا مشى المؤمنون إلى الكافرين إلى الجهاد: اللهم
انصر عبادك المؤمنين على الكافرين. قالوا: فأخبرنا ما يقول الحمار في نهيقه ؟ قال: يقول لعن الله العشار وينهق في أعين الشياطين. قالوا: فأخبرنا ما يقول الضفدع في نقيقه ؟ قال: يقول سبحان ربي المعبود المسبح في لجج البحار. قالوا: فأخبرنا ما يقول القنبر في صفيره ؟ قال: يقول: أللهم العن مبغضي محمد وآل محمد. وكان اليهود ثلاثة نفر قال اثنان منهم: نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. ووثب الحبر الثالث فقال: يا علي لقد وقع في قلوب أصحابي ما وقع من الإيمان و التصديق وقد بقي خصلة واحدة أسألك عنها فقال: سل عما بدا لك، فقال: أخبرني عن قوم في أول الزمان ماتوا ثلثمائة وتسع سنين ثم أحياهم الله فما كان من قصتهم ؟ قال علي رضي الله عنه: يا يهودي هؤلاء أصحاب وقد أنزل الله على نبينا قرآنا فيه قصتهم وإن شئت قرأت عليك قصتهم ؟ فقال اليهودي: ما أكثر ما قد سمعنا قراءتكم إن كنت عالما فأخبرني بأسمائهم وأسماء آبائهم، وأسماء مدينتهم، واسم ملكهم، واسم كلبهم، واسم جبلهم، واسم كهفهم وقصتهم من أولها إلى آخرها، فاحتبى علي ببردة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا أخا العرب حدثني حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان بأرض رومية مدينة يقال لها " أفسوس " ويقال هي " طرسوس " وكان اسمها في الجاهلية " أفسوس " فلما جاء الاسلام
[150]
سموها " طرطوس " قال: وكان لهم ملك صالح فمات ملكهم وانتشر أمرهم فسمع به ملك من ملوك فارس يقال له: دقيانوس. وكان جبارا كافرا فأقبل في عساكر حتى دخل أفسوس فاتخذها دار ملكه وبنى فيها قصرا. فوثب اليهودي وقال: إن كنت عالما فصف لي ذلك القصر ومجالسه. فقال: يا أخا اليهودي ابتنى فيها قصرا من الرخام طوله فرسخ وعرضه فرسخ واتخذ فيه أربعة آلاف اسطوانة من الذهب وألف قنديل من الذهب لها سلاسل من اللجين تسرج في كل ليلة بالأدهان الطيبة واتخذ لشرقي المجلس مائة وثمانين قوة، ولغربيه كذلك، و
كانت الشمس من حين تطلع إلى حين تغيب تدور في المجلس كيفما دارت، واتخذ فيه سريرا من الذهب طوله ثمانون ذراعا في عرض أربعين ذراعا مرصعا بالجواهر، ونصب على يمين السرير ثمانين كرسيا من الذهب فأجلس عليها بطارقته، واتخذ أيضا ثمانين كرسيا من الذهب عن يساره فأجلس عليها هراقلته، ثم جلس هو على السرير ووضع التاج على رأسه. فوثب اليهودي وقال: يا علي إن كنت عالما فأخبرني مم كان تاجه ؟ قال: يا أخا اليهود كان تاجه من الذهب السبيك له تسعة أركان على كل ركن لؤلؤة تضئ كما يضئ المصباح في الليلة الظلماء، واتخذ خمسين غلاما من أبناء البطارقة فمنطقهم بمناطق الديباج الأحمر، وسرولهم بسراويل القز الأخضر، وتوجهم ودملجهم وخلخلهم وأعطاهم عمد الذهب وأقامهم على رأسه، واصطنع ستة غلمان من أولاد العلماء وجعلهم وزرائه، فما يقطع أمرا دونهم وأقام منهم ثلاثة عن يمينه، وثلاثة عن شماله. فوثب اليهودي وقال: يا علي إن كنت صادقا فأخبرني ما كانت أسماء الستة ؟ فقال علي كرم الله وجهه: حدثني حبيبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن الذين كانوا عن يمينه أسمائهم: (تمليخا، ومكسلمينا، ومحسلمينا) وأما الذين كانوا عن يساره (فمرطليوس، وكشطوس، و سادنيوس)، وكان يستشيرهم في جميع أموره، وكان إذا جلس كل يوم في صحن داره واجتمع الناس عنده دخل من باب الدار ثلاثة غلمة في يد أحدهم جام من الذهب مملوء من المسك، وفي يد الثاني جام من فضة مملوء من ماء الورد، وعلى يد الثالث طائر فيصيح به فيطير الطائر حتى يقع في جام ماء الورد فيتمرغ فيه فينشف ما فيه بريشه وجناحيه، ثم يصيح به الثاني فيطير فيقع في جام المسك فيتمرغ فيه فينشف ما فيه بريشه وجناحيه، فيصيح
[151]
به الثالث فيطير فيقع على تاج الملك فينفض ريشه وجناحيه على رأس الملك بما فيه من المسك وماء الورد، فمكث الملك في ملكه ثلاثين سنة من غير أن يصيبه صداع ولا وجع ولا حمى ولا لعاب ولا بصاق ولا مخاط، فلما رأى ذلك من نفسه عتا وطغى وتجبر واستعصى
وادعى الربوبية من دون الله تعالى ودعا إليه وجوه قومه فكل من أجابه أعطاه وحباه وكساه وخلع عليه، ومن لم يجبه ويتابعه قتله، فأجابوه بأجمعهم فأقاموا في ملكه زمانا يعبدونه من دون الله تعالى، فبينما هو ذات يوم جالس في عيد له على سريره والتاج على رأسه إذ أتى بعض بطارقته فأخبره أن عساكر الفرس قد غشيته يريدون قتله فاغتم لذلك غما شديدا حتى سقط التاج عن رأسه وسقط هو عن سريره، فنظر أحد فتيته الثلاثة الذين كانوا عن يمينه إلى ذلك وكان عاقلا يقال له: تمليخا. فتفكر وتذكر في نفسه وقال: لو كان دقيانوس هذا إلها كما يزعم لما حزن ولما كان ينام ولما كان يبول و يتغوط، وليس هذه الأفعال من صفات الإله، وكانت الفتية الستة يكونون كل يوم عند واحد منهم وكان ذلك اليوم نوبة " تمليخا " فاجتمعوا عنده فأكلوا وشربوا ولم يأكل تمليخا ولم يشرب فقالوا: يا تمليخا ! مالك لا تأكل ولا تشرب ؟ فقال: يا إخواني قد وقع في قلبي شئ منعني عن الطعام والشراب والمنام. فقالوا: وما هو يا تمليخا ؟ فقال: أطلت فكري في هذه السماء فقلت: من رفعها سقفا محفوظا بلا علاقة من فوقها ولا دعامة من تحتها ؟ وما أجرى فيها شمسها وقمرها ؟ ومن زينها بالنجوم ؟ ثم أطلت فكري في هذه الأرض من سطحها على ظهر اليم الزاخر ومن حبسها وربطها بالجبال الرواسي لئلا تميد، ثم أطلت فكري في نفسي فقلت: من أخرجني جنينا من بطن أمي ؟ ومن غذاني ورباني ؟ إن لهذا صانعا ومدبرا سوى دقيانوس الملك، فانكبت الفتية على رجليه يقبلونهما وقالوا: يا تمليخا لقد وقع في قلوبنا ما وقع في قلبك، فأشر علينا. فقال: يا إخواني ما أجد لي ولكم حيلة إلا الهرب من هذا الجبار إلى ملك السماوات والأرض. فقال: الرأي ما رأيت فوثب تمليخا فابتاع تمرا بثلاثة دراهم وسرها في ردائه وركبوا خيولهم وخرجوا فلما ساروا قدر ثلاثة أميال من المدينة قال لهم تمليخا: يا إخوتاه قد ذهب عنا ملك الدنيا وزال عنا أمره، فانزلوا عن خيولكم وامشوا على أرجلكم لعل الله يجعل من أمركم فرجا ومخرجا. فنزلوا عن خيولهم ومشوا على أرجلهم سبع فراسخ حتى
[152]
صارت أرجلهم تقطر دما لأنهم لم يعتادوا المشي على أقدامهم فاستقبلهم رجل راع فقالوا: أيها الراعي أعندك شربة ماء أو لبن ؟ فقال: عندي ما تحبون ولكني أرى وجوهكم وجوه الملوك وما أظنكم إلا هرابا فأخبروني بقصتكم. فقالوا: يا هذا إنا دخلنا في دين لا يحل لنا الكذب أفينجينا الصدق ؟ قال: نعم. فأخبروه بقصتهم فانكب الراعي على أرجلهم يقبلهما ويقول: قد وقع في قلبي ما وقع في قلوبكم فقفوا إلي ههنا حتى أرد الأغنام إلى أربابها وأعود إليكم. فوقفوا له حتى ردها وأقبل يسعى فتبعه كلب له. فوثب اليهودي قائما وقال: يا علي إن كنت. عالما فأخبرني ما كان لون الكلب واسمه ؟ فقال: يا أخا اليهود حدثني حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم إن الكلب كان أبلق بسواد وكان اسمه " قطمير " قال: فلما نظر الفتية إلى الكلب قال بعضهم لبعض: إنا نخاف أن يفضحنا هذا الكلب بنبيحه فألحوا عليه طردا بالحجارة فلما نظر إليهم الكلب وقد ألحوا عليه بالحجارة والطرد أقعى على رجليه وتمطى وقال بلسان طلق ذلق: يا قوم لم تطردونني وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، دعوني أحرسكم من عدوكم وأتقرب بذلك إلى الله سبحانه وتعالى. فتركوه ومضوا فصعد بهم الراعي جبلا وانحط بهم أعلى كهف. فوثب اليهودي وقال: يا علي ما إسم ذلك الجبل ؟ وما إسم الكهف ؟ قال أمير المؤمنين: يا أخا اليهود إسم الجبل " نا جلوس " وإسم الكهف " الوصيد " وقيل: خيرم قال: وإذا بفناء الكهف أشجار مثمرة وعين غزيرة، فأكلوا من الثمار وشربوا من الماء وجنهم الليل فآووا إلى الكهف وربض الكلب على باب الكهف ومد يديه عليه، وأمر الله ملك الموت بقبض أرواحهم، ووكل الله تعالى بكل رجل منهم ملكين يقلبانه من ذات اليمين إلى ذات الشمال، ومن ذات الشمال إلى ذات اليمين، قال: وأوحى الله تعالى إلى الشمس فكانت تزاور عن كهفهم ذات اليمين إذا طلعت، وإذا غربت تقرضهم ذات
الشمال، فلما رجع الملك " دقيانوس " من عيده سأل عن الفتية فقيل له: إنهم اتخذوا إلها غيرك وخرجوا هاربين منك فركب في ثمانين ألف فارس وجعلوا يقفوا آثارهم حتى صعد الجبل وشارف الكهف فنظر إليهم مضطجعين فظن أنهم نيام، فقال لأصحابه: لو أردت أن أعاقبهم بشئ ما عاقبتهم بأكثر مما عاقبوا به أنفسهم فأتوني بالبنائين فأتي
[153]
بهم فردموا عليهم باب الكهف بالجبس والحجارة ثم قال لأصحابه: قولوا لهم يقولوا لإلهم الذي في السماء إن كانوا صادقين يخرجهم من هذا الموضع. فمكثوا ثلثمائة و تسع سنين، فنفخ الله فيهم الروح وهموا من رقدتهم لما بزغت الشمس، فقال بعضهم لبعض: لقد غفلنا هذه الليلة عن عبادة الله تعالى قوموا بنا إلى العين، فإذا بالعين قد غارت والأشجار قد جفت فقال بعضهم لبعض: أنا من أمرنا هذا لفي عجب مثل هذه العين قد غارت في ليلة واحدة، ومثل هذه الأشجار قد جفت في ليلة واحدة، فألقى الله عليهم الجوع فقالوا: أيكم يذهب بورقكم هذه إلى المدينة فليأتنا بطعام منها ولينظر أن لا يكون من الطعام الذي يعجن بشحم الخنازير وذلك قوله تعالى: فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما. أي أحل وأجود وأطيب فقال لهم تمليخا: يا إخوتي لا يأتيكم أحد بالطعام غيري ولكن أيها الراعي ادفع لي ثيابك وخذ ثيابي. فلبس ثياب الراعي ومر وكان يمر بمواضع لا يعرفها وطريق ينكرها حتى أتى باب المدينة، فإذا عليه علم أخضر مكتوب عليه: لا إله إلا الله عيسى روح الله صلى الله على نبينا وعليه وسلم فطفق الفتى ينظر إليه ويمسح عينيه ويقول: أراني نائما فلما طال عليه ذلك دخل المدينة فمر بأقوام يقرؤن الانجيل واستقبله أقوام لا يعرفهم حتى انتهى إلى السوق فإذا هو بخباز فقال له: يا خباز ما أسم مدينتكم هذه ؟ قال: أفسوس. قال وما اسم ملككم ؟ قال: عبد الرحمن. قال تمليخا: إن كنت صادقا فإن أمري عجيب إدفع إلي بهذه الدراهم طعاما وكانت دراهم ذلك الزمان الأول ثقالا كبارا فعجب الخباز من تلك الدراهم.
فوثب اليهودي وقال: يا علي إن كنت عالما فأخبرني كم كان وزن الدرهم منها ؟ فقال: يا أخا اليهود: أخبرني حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم وزن كل درهم عشرة دراهم وثلثا درهم فقال له الخباز: يا هذا إنك قد أصبت كنزا فاعطني بعضه وإلا ذهبت بك إلى الملك. فقال تمليخا ما أصبت كنزا وإنما هذا من ثمن ثمر بعته بثلاثة دراهم منذ ثلاثة أيام وقد خرجت من هذه المدينة وهم يعبدون دقيانوس الملك. فغضب الخباز وقال: ألا ترضى أن أصبت كنزا أن تعطيني بعضه ؟ حتى تذكر رجلا جبارا كان يدعي الربوبية قد مات منذ ثلثمائة سنة وتسخر بي ثم أمسكه واجتمع الناس ثم إنهم أتوا به إلى الملك وكان عاقلا عادلا فقال لهم: ما قصة هذا الفتى ؟ قالوا: أصاب كنزا. فقال له الملك: لا
[154]
تخف فإن نبينا عيسى عليه السلام أمرنا أن لا نأخذ من الكنوز إلا خمسها فادفع إلي خمس هذا الكنز وامضي سالما. فقال: أيها الملك تثبت في أمري ما أصبت كنزا وإنما أنا من أهل هذه المدينة فقال له: أنت من أهلها ؟ قال: نعم. قال أفتعرف فيها أحدا ؟ قال: نعم. قال: فسم لنا فسمى له نحوا من ألف رجل فلم يعرفوا منهم رجلا واحدا قالوا: يا هذا ما نعرف هذه الأسماء، وليست هي من أهل زماننا، ولكن هل لك في هذه المدينة دارا ؟ فقال: نعم أيها الملك، فابعث معي أحدا، فبعث معه الملك جماعة حتى أتى بهم دارا أرفع في المدينة وقال: هذه داري ثم قرع الباب فخرج لهم شيخ كبير قد استرخا حاجباه من الكبر على عينيه وهو فزع مرعوب مزعور فقال: أيها الناس ما بالكم ؟ فقال له رسول الملك: إن هذا الغلام يزعم أن هذه الدار داره فغضب الشيخ والتفت إلى تمليخا وتبينه وقال له: ما أسمك ؟ قال: تمليخا بن فلسين. فقال له الشيخ: أعد علي. فأعاد عليه فانكب الشيخ على يديه ورجليه يقبلهما وقال: هذا جدي ورب الكعبة وهو أحد الفتية الذين هربوا من " دقيانوس " الملك الجبار إلى جبار السموات والأرض ولقد كان عيسى عليه السلام أخبرنا بقصتهم وإنهم سيحيون. فأنهى ذلك إلى الملك وأتى إليهم وحضرهم فلما رأى
الملك تمليخا نزل عن فرسه وحمل تمليخا على عاتقه فجعل الناس يقبلون يديه ورجليه ويقولون له: يا تمليخا ما فعل بأصحابك ؟ فأخبرهم إنهم في الكهف. وكانت المدينة قد وليها رجلان ملك مسلم وملك نصراني فركبا في أصحابهما وأخذا تمليخا فلما صاروا قريبا من الكهف قال لهم تمليخا: يا قوم إنى أخاف أن إخوتي يحسون بوقع حوافر الخيل والدواب وصلصلة اللجم والسلاح فيظنون أن " دقيانوس " قد غشهم فيموتون جمعيا فقفوا قليلا حتى أدخل إليهم فأخبرهم. فوقف الناس ودخل عليهم تمليخا فوثب إليه الفتية واعتنقوه وقالوا: الحمد لله الذي نجاك من " دقيانوس ". فقال: دعوني منكم ومن " دقيانوس " كم لبثتم ؟ قالوا: لبثنا يوما، أو بعض يوم. قال: بل لبثتم ثلثمائة وتسع سنين. وقد مات " دقيانوس " وانقرض قرن بعد قرن وآمن أهل المدينة بالله العظيم وقد جاءكم. فقالوا له: يا تمليخا ! تريد أن تصيرنا فتنة للعالمين ؟ قال: فماذا تريدون ؟ قالوا: ارفع يدك ونرفع أيدينا فرفعوا أيديهم وقالوا: أللهم بحق ما أريتنا من العجائب في أنفسنا إلا قبضت أرواحنا ولم يطلع علينا أحد. فأمر الله ملك الموت فقبض أرواحهم وطمس الله باب الكهف
[155]
وأقبل الملكان يطوفان حول الكهف سبعة أيام فلا يجدان له بابا ولا منفذا ولا ملكا فأيقنا حينئذ بلطيف صنع الله الكريم وأن أحوالهم كانت عبرة أراهم الله إياها. فقال المسلم: على ديني ماتوا وأنا أبني على باب الكهف مسجدا. وقال النصراني: بل ماتوا على ديني فأنا أبني على باب الكهف ديرا. فاقتتل الملكان فغلب المسلم النصراني فبنى على باب الكهف مسجدا، فذلك قوله تعالى: قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا وذلك يا يهودي ! ما كان من قصتهم، ثم قال علي كرم الله وجهه لليهودي: سألتك بالله يا يهودي أوافق هذا ما في توراتكم ؟ فقال اليهودي ما زدت حرفا ولا نقصت حرفا يا أبا الحسن ! لا تسمني يهوديا أشهد أن لا إله الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإنك أعلم هذه الأمة
م - قال الأميني: هذه هي سيرة أعلم الأمة، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان والقصة ذكرها أبو إسحاق الثعلبي المتوفى 427 / 37 في كتابه " العرائس " ص 232 - 239. 47 رأي الخليفة في الزكاة عن حارثة قال: جاء ناس من أهل الشام إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا: إنا قد أصبنا أموالا وخيلا ورقيقا نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور. قال: ما فعله صاحباي قبلي فأفعله. واستشار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وفيهم علي رضي الله عنه فقال علي: هو حسن إن لم يكن جزية راتبة دائبة يؤخذون بها من بعدك. وعن سليمان بن يسار: إن أهل الشام قالوا لأبي عبيدة الجراح رضي الله عنه: خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة. فأبى، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب: فأبى، فكلموه أيضا فكتب إليه عمر بن الخطاب إن أحبوا فخذها منهم وارددها عليهم وارزق رقيقهم. قال مالك: أي ارددها على فقرائهم (1). وقال العسكري في أولياته، والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص 93: إن عمر أول
(1) موطأ مالك 1 ص 206، مسند أحمد 1 ص 14 ؟ سنن البيهقي 4 ص 118، مستدرك الحاكم 1: 401 ذكر الحديث الأول وصححه هو والذهبي، مجمع الزوائد 3 ص 69، ذكر الحديث الأول فقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات. *
[156]
من أخذ زكاة الخيل. قال الأميني: ظاهر الرواية الأولى إن الخليفة لم يكن يعلم بعدم تعلق الزكاة بالخيل والرقيق ولذا أناط الحكم بما فعله صاحباه من قبله، ولم يكن يعلم أيضا ما فعلاه إلى أن استشار الصحابة فأشار مولانا أمير المؤمنين عليه السلام إلى عدم الزكاة، واستحسن أن يؤخذ منهم برا مطلقا لولا أنه يكون بدعة متبعة من بعده يؤخذ كجزية، لكن
الخليفة لم يصخ إلى تلك الحكمة البالغة، ولا اتبع من سبقه، فأمر بأخذها وردها عليهم أو على فقرائهم. وما علم في الرواية الثانية أن حب صاحب المال لا يثبت حكما شرعيا، وقد نبهه الإمام عليه السلام بأنها تكون جزية، هكذا سبق الخليفة في عمله حتى جاء قوم من بعده وجعلوه أول من أخذ الزكاة على الخيل، واعتمدوا على عمله فوقع الشجار بينهم وبين من اتبع السنة النبوية في عدم تعلق الزكاة بالخيل. 48 رأي الخليفة في ليلة القدر عن عكرمة قال: قال ابن عباس: دعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسألهم عن ليلة القدر فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر فقلت لعمر: إني لأعلم وإني لأظن أي ليلة هي، قال: وأي ليلة هي ؟ قلت: سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر قال: ومن أين تعلم ؟ قال: قلت: خلق الله سبع سموات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، وإن الدهر يدور في سبع، وخلق الانسان فيأكل ويسجد على سبعة أعضاء، والطواف سبع، والجبال سبع، فقال عمر رضي الله عنه لقد فطنت لأمر ما فطنا له. عن ابن عباس قال: كنت عند عمر وعنده أصحابه فسألهم فقال: أرأيتم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر: التمسوها في العشر الأواخر وترا، أي ليلة ترونها ؟ فقال بعضهم ليلة إحدى. وقال بعضهم: ليلة ثلاث. وقال بعضهم: ليلة خمس. وقال بعضهم: ليلة سبع، فقالوا وأنا ساكت فقال: مالك لا تتكلم ؟ فقلت: إنك أمرتني أن لا أتكلم حتى يتكلموا فقال: ما أرسلت إليك إلا لتتكلم فقلت: إني سمعت الله يذكر السبع فذكر سبع سموات ومن الأرض مثلهن، وخلق الانسان من سبع، ونبت الأرض سبع،
[157]
فقال عمر رضي الله عنه: هذا أخبرتني ما أعلم أرأيت ما لم أعلم قولك (نبت الأرض سبع) قال: قال الله عز وجل: إنا شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا، وعنبا، وقضبا، وزيتونا،
ونخلا، وحدائق غلبا قال: فالحدائق الغلب الحيطان من النخل والشجر، وفاكهة، وأبا - قال: فالأب ما أنبت الأرض مما تأكله الدواب والأنعام (1) ولا يأكله الناس قال: فقال عمر رضي الله عنه لأصحابه: أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم تجتمع شئون رأسه ؟ والله إني لأرى القول كما قلت (2). نعم: لقد عجز الخليفة أيضا عن عرفان ما قاله الغلام الذي لم تجتمع شئون رأسه، والأب ذلك الذي أعيي الخليفة ورأى علمه تكلفا كما مر في الحديث السادس ص 99، وأنا لا أدري ماذا قال الغلام ؟ ولماذا راق الخليفة قوله ؟ 49 ضرب الخليفة بالدرة لغير موجب أخرج ابن عساكر عن عكرمة بن خالد قال: دخل ابن لعمر بن الخطاب عليه و قد ترجل ولبس ثيابا حسانا فضربه عمر بالدرة حتى أبكاه، فقالت له حفصة: لم ضربته قال رأيته قد أعجبته نفسه فأحببت أن أصغرها إليه (3). قال الأميني: أنا لا أناقش في عرفان الخليفة إعجاب نفس ابنه إياه وهو خلة قائمة بالنفس، ولا أباحث في اجتهاده في تعزير الولد، ولا أبحث عن إمكان ردع الولد عن عجبه - مهما سلم - بطرق معقولة غير التعزير والضرب بالدرة، بل أسائل الحافظين كيف وسعهما عد مثل هذه القصة من مناقب الخليفة ومن شواهد سيرته الحسنة ؟. وألطف من هذه قصة الجارود سيد ربيعة وقد أخرجه ابن الجوزي قال: إن عمر كان قاعدا والدرة معه والناس حوله إذ أقبل الجارود العامري فقال رجل: هذا سيد ربيعة. فسمعها عمر ومن حوله وسمعها الجارود فلما دنا منه خفقه بالدرة فقال: مالي و لك يا أمير المؤمنين ؟ ! قال: مالي ولك لقد سمعتها. قال: وسمعتها، فمه ؟ قال: خشيت أن
(1) بينه المولى سبحانه في الكتاب العزيز بقوله في ذيل الآية: متاعا لكم ولأنعامكم (2) مسند عمر ص 87، مستدرك الحاكم 1 ص 438 وصححه، سنن البيهقي 4 ص 313، تفسير ابن كثير 4 ص 533، الدر المنثور 6 ص 374، فتح الباري 4 ص 211.
(3) تاريخ الخلفاء ص 96 *
[158]
تخالط القوم ويقال، هذا أمير - وفي لفظ: خشيت أن يخالط قلبك منها شئ - فأحببت أن أطأطئ منك (1). م وأخرج ابن سعد عن سعيد قال: دخل معاوية على عمر بن الخطاب وعليه حلة خضراء فنظر إليه الصحابة فلما رأى ذلك عمر قام ومعه الدرة فجعل ضربا بمعاوية ومعاوية يقول: الله الله يا أمير المؤمنين ! فيم فيم ؟ فلم يكلمه حتى رجع فجلس في مجلسه فقالوا له: لم ضربت الفتى ؟ وما في قومك مثله. فقال: ما رأيت إلا خيرا وما بلغني إلا خير ولكني رأيته وأشار بيده يعني إلى فوق فأردت أن أضع منه ما شمخ (2)) ما عساني أن أقول ؟ ما عساني ما عساني ؟... 50 جهل الخليفة بالسنة المشهورة أخرج مسلم في صحيحه عن عبيد بن عمير: أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثا فكأنه وجده مشغولا فرجع فقال عمر: ألم تسمع صوت عبد الله بن قيس ؟ ائذنوا له. فدعي به فقال: ما حملك على ما صنعت ؟ قال: إنا كنا نؤمر بهذا. قال: لتقيمن على هذا بينة أو لأفعلن (3) فخرج فانطلق إلى مجلس من الأنصار فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا. فقام أبو سعيد فقال: كنا نؤمر بهذا. فقال عمر: خفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهاني عنه الصفق بالاسواق (4). وأخرج في صحيح آخر: قال أبي بن كعب: يا ابن الخطاب فلا تكونن عذابا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: سبحان الله إنما سمعت شيئا فأحببت أن أتثبت. وفي لفظ: قال أبو سعيد قلت: أنا أصغر القوم. قال النووي في شرحه: فمعناه
(1) سيرة عمر لابن الجوزي ص 178، شرح ابن أبي الحديد 3 ص 112، كنز العمال 2 ص 167.
(2) تاريخ ابن كثير 8 ص 125، الإصابة 3 ص 434. (3) وفي لفظ: فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك. وفي لفظ الطحاوي: والله لأضربن بطنك وظهرك أو ليأتيني بمن يشهد لك. (4) صحيح مسلم 2 ص 234 في كتاب الآداب، صحيح البخاري 3 ص 837 ط الهند، مسند أحمد 3 ص 19، سنن الدارمي 2 ص 274، سنن أبي داود 2 ص 340، مشكل الآثار 1 ص 499. *
[159]
أن هذا حديث مشهور بيننا، معروف لكبارنا وصغارنا حتى يحفظه وسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الأميني: من لي بمخبر عن أن الذي ألهاه الصفق بالاسواق حتى عن ناموس مشتهر هتف به صاحب الرسالة العظمى، وعرفته الصحابة أجمع كبارا وصغارا، وعضده الذكر الحكيم كيف يكون أعلم الصحابة في زمانه على الإطلاق كما زعمه صاحب الوشيعة ؟. ثم ما الموجب إلى ذلك الارهاب لمحض أن الرجل روى فيما ارتكبه سنة ؟ وهل التثبيت يستدعي ذلك الوعيد بالأيمان المغلظة ؟ أو يستحق به الراوي أن يزرى به في الملأ العام ؟ أو في مجرد التحري والطلب مقنع وكفاية ؟ وليس على الخليفة أن يكون عذابا على الأمة كما رآه أبي. 51 إجتهاد الخليفة في البكاء على الميت عن ابن عباس قال: لما ماتت زينب (1) بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألحقوها بسلفنا الخير عثمان بن مظعون فبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وقال: مهلا يا عمر دعهن يبكين، وإياكن ونعيق الشيطان. إلى أن قال: وقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها.
مسند أحمد 1 ص 237، 335، مستدرك الحاكم 3 ص 191 وصححه وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: سنده صالح، مسند أبي داود الطيالسي ص 351، الاستيعاب في ترجمة عثمان بن مظعون ج 2 ص 482، مجمع الزوائد 3 ص 17. وأخرج البيهقي في السنن الكبرى 4 ص 70 عن ابن عباس قال: بكت النساء على رقية (بنت رسول الله) رضي الله عنها فجعل عمر رضي الله عنه ينهاهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه يا عمر. قال: ثم قال: إياكن ونعيق الشيطان فإنه مهما يكن من العين والقلب فمن الرحمة، وما يكون من اللسان واليد فمن الشيطان - قال: وجعلت فاطمة رضي الله عنها تبكى على شفير قبر رقية فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الدموع على وجهها
(1) توفيت زينب سنة ثمان من الهجرة فحزن عليها رسول الله حزنا عظيما *
[160]
باليد. أو: قال: بالثوب. وأخرج النسائي وابن ماجة عن أبي هريرة أنه قال: مات ميت في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع النساء يبكين عليه فقام عمر ينهاهن ويطردهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهن يا عمر فإن العين دامعة، والقلب مصاب، والعهد قريب (1) قال الأميني: لا أدري ما الذي حدا عمر إلى التسرع إلى ضرب تلكم النسوة الباكيات وصاحب الشريعة ينظر إليهن من كثب، ولو كان بكائهن محظورا كان هو الأولى بالمنع والرد، ومن أين علم الحظر في بكائهن ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخالفه ؟ وهلا راجعة في أمرهن لما هم بهن تأدبا ؟ وما هذه الفظاظة الدافعة له إلى ما فعل ؟ وكيف مد يده إلى تلكم النسوة حتى أخذ بها النبي الأعظم ودافع عنهن ؟ والمجتمعات هناك بطبع الحال حامة رسول الله وذوات رحمة ونسوته، وغير أني لا أعلم أن الصديقة الفاطمة التي كانت من الباكيات في ذلك اليوم هل كانت بين تكلم النسوة المضروبات أو لا ؟ وعلى أي فقد جلست إلى أبيها وهي باكية.
وكانت للخليفة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمرأى منه ومشهد مواقف لدة هذه لم يصب فيها قط، ومنها ما حدث به سلمة بن الأزرق إنه كان جالسا عند ابن عمر بالسوق فمر بجنازة يبكى عليها قال: فعاب ذلك ابن عمر وانتهرهن قال فقال سلمة: لا تقل ذلك يا أبا عبد الرحمن فأشهد على أبي هريرة لسمعته يقول: مر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة و أنا معه ومعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ونساء يبكين عليها فزبرهن عمر وانتهرهن فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: دعهن يا عمر فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد حديث. قالوا: أنت سمعته يقول هذا ؟ قال: نعم، قال ابن عمر: فالله ورسوله أعلم مرتين (2) وأخرج الحاكم (3) بإسناد صححه وأقره الذهبي عن أبي هريرة قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على جنازة ومعه عمر بن الخطاب فسمع نساء يبكين فزبرهن عمر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عمر دعهن فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب. وعن أبي هريرة: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في جنازة فرأى عمر امرأة فصاح بها فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: دعها يا عمر، فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب (1) وعن عمرو بن الأزرق قال: توفي بعض كنائن مروان فشهدها الناس وشهدهم أبو هريرة ومعها نساء يبكين فأمرهن مروان بالسكوت، فقال أبو هريرة دعهن فإنه مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة معها بواك فنهرهن عمر رحمه الله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهن يا بن الخطاب فإن النفس مصابة، والعين دامعة، والعهد حديث. مسند أحمد 3 ص 333. وقال أبو هريرة: أبصر عمر امرأة تبكي على قبر فزبرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعها يا أبا حفص فإن العين باكية، والنفس مصابة، والعهد قريب (2).
وينبأنا التاريخ عن أن الخليفة لم تجده تلكم النصوص وبقي على اجتهاده والسوط بيده يردع به ويزجر مستندا إلى ما اختلقته يد الإفك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما يخالف العقل والعدل والطبيعة من أنه قال: إن الميت يعذب ببكاء الحي. قال سعيد بن المسيب: لما مات أبو بكر بكي عليه فقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت يعذب ببكاء الحي. فأبوا إلا أن يبكون، فقال عمر لهشام بن الوليد: قم فأخرج النساء. فقالت عائشة: أخرجك. فقال عمر: أدخل، فقد أذنت لك. فدخل فقالت عائشة: أمخرجي أنت يا بني ؟ فقال: أما لك فقد أذنت لك. فجعل يضربهن امرأة. امرأة، وهو يضربن بالدرة حتى خرجت أم فروة وفرق بينهن (3). وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 ص 60: إن أول من ضرب عمر بالدرة (4) أم فروة بنت أبي قحافة - حين مات أبو بكر - كيف صفحت عائشة عن قول النبي - إن صح به النبأ - ولم تقبله من الخليفة ؟ و لماذا سمح الخليفة عائشة بإذن البكاء على أبيها دون غيرها ورفع اليد عن تعميم ذلك الحكم البات ؟ ولماذا أبت الصحابة إلا أن يبكوا على أبي بكر بعد نهي الخليفة ؟ و لماذا رضوا بأن يعذب فقيدهم ببكاءهم ؟ ولماذا حكمت الدرة في النساء امرأة امرأة
(1) سنن ابن ماجة 1 ص 481. (2) أخرجه الطبري في تهذيبه كما في كنز العمال 8 ص 117. (3) أخرجه ابن راهويه وصححه السيوطي راجع كنز العمال 8 ص 119. وذكره ابن حجر في الإصابة 3 ص 606. (4) يعني أيام خلافته وكم ضرب قبلها بالدرة من أناس. وأما بعدها فحدث عنه ولا حرج *
[162]
بالضرب وعفت عن الرجال ؟ إن هي إلا مشكلات غير أنها لا تخفى على الباحث النابه. ومن مواقف تلك الدرة القاضية على الباكيات ما أخرجه الحافظ عبد الرزاق عن
عمرو بن دينار قال: لما مات خالد بن الوليد اجتمع في بيت ميمونة نساء يبكين فجاء عمر.. فكان يضربهن بالدرة فسقط خمار امرأة منهن فقالوا: يا أمير المؤمنين خمارها. فقال: دعوها فلا حرمة لها. وكان يعجب من قوله: لا حرمة لها (1). ونحن أيضا نتعجب من قوله: لا حرمة لها. وسيرة الخليفة حقا جلها معجبات قولا وفعلا لو لم يكن كلها. وأما حديث عمر: إن الميت يعذب ببكاء الحي. فقد كذبته عائشة فيما أخرجه الحاكم في المستدرك 1 ص 381 وقال: إتفق الشيخان على إخراج حديث أيوب السختياني عن عبد الله بن أبي مليكة مناظرة عبد الله بن عمر وعبد الله بن العباس في البكاء على الميت ورجوعهما فيه إلى أم المؤمنين عائشة وقولها: والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الميت يعذب ببكاء أحد. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الكافر يزيده عند الله بكاء أهله عذابا شديدا، وإن الله هو أضحك وأبكى، ولا تزر وازرة وزر أخرى. صورة مفصلة قال عبد الله بن أبي مليكة: توفيت ابنة - هي أم أبان - لعثمان رضي الله عنه بمكة وجئنا لنشهدها قال وحضرها ابن عمر وابن عباس وإني لجالس بينهما فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان: ألا تنهي النساء عن البكاء (2) فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه. فقال ابن عباس: قد كان عمر رضي الله عنه يقول بعض ذلك ثم حدث قال: صدرت مع عمر من مكة حتى كنا بالبيداء إذا هو يركب تحت ظل سمرة فقال: إذهب وانظر إلى هؤلاء الركب، قال: فنظرت فإذا هو صهيب فأخبرته قال: ادعه لي. فرجعت إلى صهيب فقلت: ارتحل فألحق أمير المؤمنين فلما أصيب عمر دخل صهيب رضي الله عنهما يبكي يقول: وا أخاه وا صاحباه فقال: عمر رضي الله عنه يا صهيب ! تبكي
(1) كنز العمال 8 ص 118. (2) كان عبد الله على سيرة أبيه في المسألة. وقد كان نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أباه
عن رأيه بمرأى منه ومشهد. فضرب عن تلكم النصوص النبوية صفحا وسلك مسلك أبيه، ومن يشابه أبه فما ظلم. *
[163]
علي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه. قال ابن عباس: فلما مات عمر رضي الله عنه ذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فقالت: رحم الله عمر والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يعذب المؤمن ببكاء أهله عليه. ولكن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه. قال: وقالت عائشة: حسبكم القرآن (ولا تزر وازرة وزر أخرى) قال. وقال ابن عباس عند ذلك: والله أضحك وأبكى. قال ابن أبي مليكة: فوالله ما قال ابن عمر شيئا (1). وعن عمرة: إنها سمعت عائشة رضي الله عنها وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي. فقالت عائشة رضي الله عنها: أما إنه لم يكذب ولكنه أخطأ أو نسي، إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية وهي يبكي عليها أهلها فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها (2). وفي لفظ مسلم: رحم الله أبا عبد الرحمن سمع شيئا فلم يحفظ. في لفظ أبي عمر: وهم أبو عبد الرحمن أو أخطأ أو نسي. وعن عروة عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه فذكر ذلك لعائشة فقالت وهي تعني ابن عمر: إنما مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبر يهودي فقال: إن صاحب هذا ليعذب وأهله يبكون عليه ثم قرأت: ولا تزر وازرة وزر أخرى (3). وعن القاسم بن محمد قال: لما بلغ عائشة رضي الله عنها قول عمر وابن عمر قالت: إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا مكذوبين ولكن السمع يخطي (4). وقال الشافعي في اختلاف الحديث (5): وما روت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه
(1) اختلاف الحديث للشافعي في هامش كتابه الأم 7 ص 266، صحيح البخاري في أبواب الجنائز، صحيح مسلم 1 ص 342، 343، مسند أحمد 1 ص 41، سنن النسائي 4 ص 18، سنن البيهقي 4 ص 73، مختصر المزني هامش كتاب الأم 1 ص 187. (2) صحيح البخاري أبواب الجنائز، اختلاف الحديث للشافعي 7 ص 266، الموطأ لمالك 1 ص 96، صحيح مسلم 1 ص 344، سنن النسائي 4 ص 17، سنن البيهقي 4 ص 72. (3) سنن أبي داود 2 ص 59، سنن النسائي 4 ص 17. (4) صحيح مسلم 1 ص 343، مسند أحمد 1 ص 42، السنن الكبرى 4 ص 73. (5) طبع في هامش كتابه الأم 7 ص 267. *
[164]
أن يكون محفوظا عنه صلى الله عليه وسلم بدلالة الكتاب ثم السنة. فإن قيل: فأين دلالة الكتاب قيل: في قوله عز وجل: ولا تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للانسان إلا ما سعى. وقوله: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. وقوله: لتجزى كل نفس بما تسعى. وعمرة أحفظ عن عائشة من ابن أبي مليكة، وحديثها أشبه الحديثين أن يكون محفوظا، فإن كان الحديث على غير ما روى ابن أبي مليكة من قول النبي: إنهم ليبكون عليها وأنها لتعذب في قبرها. فهو واضح لا يحتاج إلى تفسير لأنها تعذب بالكفر وهؤلاء يبكون ولا يدرون ما هي فيه، وإن كان الحديث كما رواه ابن أبي مليكة فهو صحيح لأن على الكافر عذابا أعلى فإن عذب بدونه فزيد في عذابه فبما استوجب، وما ينل من كافر من عذاب أدنى من أعلى منه وما زيد عليه من العذاب فباستيجابه لا بذنب غيره في بكائه عليه. فإن قيل: يزيده عذابا ببكاء أهله عليه ؟ قيل: يزيده بما استوجب بعمله ويكون بكاؤهم سببا لا أنه يعذب ببكائهم.
فإن قيل: أين دلالة السنة ؟ قيل: قال رسول الله لرجل: ابنك هذا ؟ قال نعم قال: أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه. فأعلم رسول الله مثل ما أعلم الله من أن جناية كل امرئ عليه كما عمله له لا لغيره ولا عليه. م - ويكذب الخليفة بكائه على النعمان بن مقرن لما جاءه نعيمه فخرج ونعاه إلى الناس على المنبر ووضع يده على رأسه يبكي (1) ويكذبه وقوفه على قبر شيخ واعتناقه إياه وبكائه عليه (2) وكم وكم له من مواقف لدة ما ذكر). وقبل هذه كلها بكاء النبي الأقدس والصحابة والتابعين لهم بإحسان على موتاهم فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي على ولده العزيز - إبراهيم - ويقول: العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون (3). وهذا هو صلى الله عليه وآله وسلم يبكي على ابنه طاهر ويقول: إن العين تذرف، وإن الدمع
(1) الاستيعاب في ترجمة النعمان 1 ص 297. (2) راجع مآمر في الجزء الخامس ص 155. (3) سنن أبي داود 3 ص 58، سنن ابن ماجة 1 ص 482. *
[165]
يغلب، وإن القلب يحزن، ولا نعصي الله عز وجل (1). وهذا هو صلى الله عليه وآله وسلم لما أصيب حمزة رضي الله عنه وجاءت صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها تطلبه فحالت بينها وبينه الأنصار فقال صلى الله عليه وآله وسلم: دعوها فجلست عنده فجعلت إذا بكت بكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا نشجت نشج، وكانت فاطمة عليها السلام تبكي ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما بكت يبكي وقال: لن أصاب بمثلك أبدا (2). ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أحد بكت نساء الأنصار على شهدائهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: لكن حمزة لا بواكي له فرجعت الأنصار فقلن لنسائهم: لا تبكين أحدا حتى تبدأن بحمزة قال: فذاك فيهم إلى اليوم لا يبكين ميتا إلا بدأن بحمزة (3).
وهذا هو صلى الله عليه وآله وسلم ينعي جعفرا وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة وعيناه تذرفان (4). وهذا هو صلى الله عليه وآله وسلم زار قبر أمه وبكا عليها وأبكى من حوله (5) وهذا هو صلى الله عليه وآله وسلم يقبل عثمان بن مظعون وهو ميت ودموعه تسيل على خده (6) وهذا هو صلى الله عليه وآله وسلم يبكي على ابن لبعض بناته فقال له عبادة بن الصامت: ما هذا يا رسول الله ؟ قال: الرحمة التي جعلها الله في بني آدم وإنما يرحم الله من عباده الرحماء (7) وهذه الصديقة الطاهرة تبكي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقول: يا أبتاه من ربه ما أدناه، يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه (8) وهذه هي سلام الله عليها وقفت على قبر أبيها الطاهر وأخذت قبضة من تراب القبر فوضعتها على عينها وبكت وأنشأت تقول: ماذا على من شم تربة أحمد * أن لا يشم مدى الزمان غواليا ؟ صبت علي مصائب لو أنها * صبت على الأيام صرن لياليا (9)
(1) مجمع الزوائد 3 ص 18 (2) إمتاع المقريزي ص 154. (3) مجمع الزوائد 6 ص 120. (4) صحيح البخاري كتاب المناقب في علامات النبوة في الاسلام، سنن البيهقي 4 ص 70. (5) سنن البيهقي 4 ص 70، تاريخ الخطيب البغدادي 7 ص 289. (6) سنن أبي داود 2 ص 63، سنن ابن ماجة 1 ص 445. (7) سنن أبي داود 2 ص 58، سنن ابن ماجة 1 ص 481. (8) صحيح البخاري باب: مرض النبي ووفاته، مسند أبي داود 2 ص 197، سنن النسائي 4 ص 13، مستدرك الحاكم 3 ص 163، تاريخ الخطيب 6 ص 262. (9) راجع الجزء الخامس من كتابنا هذا ص 147. *
[166]
وهذا أبو بكر بن أبي قحافة يبكي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويرثيه بقوله: يا عين فابكي ولا تسأمي * وحق البكاء على السيد وهذا حسان بن ثابت يبكيه صلى الله عليه وآله وسلم ويقول: ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت * عيون ومثلاها من الجفن أسعد ويقول: يبكون من تبكي السماوات يومه * ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد ويقول: يا عين جودي بدمع منك إسبال * ولا تملن من سح وإعوال وهذا أروى بنت عبد المطلب تبكي عليه صلى الله عليه وآله وسلم وترثيه بقولها: ألا يا عين ! ويحك أسعديني * بدمعك ما بقيت وطاوعيني ألا يا عين ! ويحك واستهلي * على نور البلاد وأسعديني وهذه عاتكة بنت عبد المطلب ترثيه وتقول: عيني جودا طوال الدهر وانهمرا * سكبا وسحا بدمع غير تعذير يا عين فاسحنفري بالدمع واحتفلي * حتى الممات بسجل غير منذور يا عين فانهملي بالدمع واجتهدي * للمصطفى دون خلق الله بالنور وهذه صفية بنت عبد المطلب تبكي عليه وترثيه صلى الله عليه وآله وسلم وتقول: أفاطم بكي ولا تسأمي * بصحبك ما طلع الكوكب هو المرء يبكى وحق البكاء * هو الماجد السيد الطيب وتقول: أعيني ! جودا بدمع سجم * يبادر غربا بما منهدم أعيني ! فاسحنفرا وأسكبا * بوجد وحزن شديد الألم وهذه هند بنت الحارث بن عبد المطلب تبكي عليه وترثيه وتقول:
يا عين جودي بدمع منك وابتدري * كما تنزل ماء الغيث فانثعبا وهذه هند بنت أثاثة ترثيه وتقول: ألا يا عين ! بكي لا تملي * فقد بكر النعي بمن هويت
[167]
وهذه عاتكة بنت زيد ترثيه وتقول: وأمست مراكبه أوحشت * وقد كان يركبها زينها وأمست تبكي على سيد * تردد عبرتها عينها وهذه أم أيمن ترثيه صلى الله عليه وآله وسلم وتقول: عين جودي فإن بذلك للدمع * شفاء فاكثري من بكاء بدموع غزيرة منك حتى * يقضي الله فيك خير القضاء (1) م - وهذه عمة جابر بن عبد الله جاءت يوم أحد تبكي على أخيها عبد الله بن عمر وقال جابر: فجعلت أبكي وجعل القوم ينهوني ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينهاني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكوه أو لا تبكوه فوالله ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى دفنتموه. الاستيعاب في ترجمة عبد الله ج 1 ص 368) هذه سنة النبي الأعظم المتبعة بين الصحابة يعارضها حديث الخليفة: إن الميت يعذب ببكاء الحي. فالقول به يخص به وبابنه عبد الله. فالحق أحق أن يتبع. 52 إجتهاد الخليفة في الأضحية عن حذيفة بن أسيد قال: رأيت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وما يضحيان عن أهلهما خشية - مخافة - أن يستن بهما فحملني أهلي على الجفاء بعد أن علمت السنة حتى إني لأضحي عن كل. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 9 ص 265، والطبراني في الكبير، والهيثمي في المجمع 4 ص 18 من طريق الطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح، وذكره السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 3 ص 45 نقلا عن ابن أبي الدنيا في الأضاحي، والحاكم
في الكنى، وأبي بكر عبد الله بن محمد النيسابوري في الزيادات ثم قال: قال ابن كثير: إسناده صحيح. وقال الشافعي في كتاب " الأم " 2 ص 189: قد بلغنا أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يضحيان كراهية أن يقتدى بهما فيظن من رآهما إنها واجبة.
(1) راجع طبقات ابن سعد ص 839 - 855، سيرة ابن هشام 4 ص 346. *
[168]
وفي مختصر المزني هامش كتاب " الأم " 5 ص 210: قال الشافعي: بلغنا أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان كراهية أن يرى إنها واجبة. وعن الشعبي: أن أبا بكر وعمر شهدا الموسم فلم يضحيا. كنز العمال 3 ص 45. قال الأميني: هل وقف الرجلان على شئ من الحكمة لم يقف عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضحى وأمر بها وحض عليها وأكد وتركها سنة متبعة ؟ وخفي عليه ما عرفاه من اتخاذ الأمة ذلك من الطقوس الواجبة ؟ أو أن الرجلين كانا أشفق على الأمة منه صلى الله عليه وآله وسلم فأحبا أن لا يبهضاها بنفقة الأضاحي ؟ أو أنهما خشيا أن يكون ذلك بدعة في الدين بظن الوجوب ؟ لكنه حجة داحضة لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين فعل وأمر كان ذلك مشفوعا ببيان عدم وجوبه، وعرفت ذلك منه الصحابة، وعلى هذا كان عملهم وتلقاه منهم التابعون وهلم جرا إلى يومنا الحاضر، ولو كان ما حسباه مطردا لزم ترك المستحبات كلها، ثم إن احتمال مزعمة الوجوب كان أولى أن ينشأ من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقوله، فإن السنة سنته، والدين ما صدع به، لكنه لم ينشأ لما شفعه من البيان، فهلا فعلا كما فعل وهما خليفتاه ؟ م - والعجب العجاب أن الخليفة الثاني هاهنا ينقض السنة الثابتة للصادع الكريم خشية ظن الأمة الوجوب، ويسن لها ما لا أصل له في الدين كزكاة الخيل وصلاة التراويح، إلى أحداث أخرى كثيرة، وهو في ذلك كله لا يخشى ولا يكترث ولا يبالي)
53 الخليفة في إرث الزوجة من الدية عن سعيد بن المسيب إن عمر الخطاب رضي الله عنه كان يقول: الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا حتى أخبره الضحاك بن سفيان إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته فرجع إليه عمر رضي الله عنه. وفي لفظ آخر: إن عمر بن الخطاب قال: ما أرى الدية إلا للعصبة لأنهم يعقلون عنه فهل سمع أحد منكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئا، فقال الضحاك الكلابي وكان استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأعراب: كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أورث امرأة أشيم الضبابي من
[169]
دية زوجها. فأخذ بذلك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (1). قال الأميني: كأن الخليفة كان غافلا عن إحدى ثلاث أو عنها جمعاء: 1 - الآية الكريمة من القرآن وهي قوله تعالى: فدية مسلمة إلى أهله (2) و الزوجة من الأهل بنص قوله تعالى: لننجينه وأهله إلا امرأته. سورة العنكبوت 32. وقوله تعالى: إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك. سورة العنكبوت 33. وقوله تعالى: فأنجيناه وأهله إلا امرأته (3) والاستثناء في المقامات يدل على دخولها فيما خرجت منه به، وعرف الجميع أن الاستثناء متصل لا محالة كما نص عليه ابن حجر في فتح الباري. وقوله تعالى: عن زليخا زوجة عزيز مصر: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا (4) وقوله تعالى: إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا. سورة النمل 7. وقوله تعالى: فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا. القصص 29. وقوله تعالى عن النبي موسى عليه السلام: فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا. (5) وما
كانت معه عليه السلام إلا زوجته وهي حامل أو أنها ولدت قبيل ذلك. 2 - ألسنة النبوية وهي ما كتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عامله على الأعراب الضحاك بن سفيان (6). 3 - لغة العرب وأعظم ما يستفاد منه استقراءها على إطلاق الأهل على الزوجة الآيات الكريمة المذكورة ثم ما مر من مكاتبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم من أنه أعطى الآهل حظين والأعزب حظا، وقال صفوان بن عمرو: أعطاني - رسول
(1) كتاب الأم للشافعي 6 ص 77، كتاب الرسالة له ص 113، اختلاف الحديث له هامش كتاب الأم 7: 20، سنن أبي داود 2 ص 22، مسند أحمد 3 ص 452، صحيح الترمذي 1 ص 265 وصححه، سنن ابن ماجة 2 ص 142، سنن البيهقي 8 ص 134، تيسير الوصول 4 ص 8، تاريخ الخطيب 8 ص 343. (2) سورة النساء. آية 90. (3) سورة النمل. آية 57. (4) سورة يوسف. آية 25. (5) سورة طه. آية 11. (6) توجد مصافا على ما ذكر من المصادر في كثير من جوامع الحديث وكتب الفقه *
[170]
الله - حظين وكان لي أهل ثم دعى عمار فأعطى له حظا واحدا (1). ويرى محمد بن الحسن فيمن أوصى لأهل فلان: إن القياس يستدعي حصر الوصية إلى زوجاته لكنه ترك القياس وعممها إلى كل من كان في عياله (2) وقال أبو بكر: الأهل إسم يقع على الزوجة وعلى جميع من يشتمل عليه منزله قال الله تعالى: إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك (3) وفي معاجم اللغة: الآهل الذي له زوجة. وعيال، وسار بأهله أي بزوجته و
أولاده، وأهل الرجل وتأهل: تزوج، والتأهل: التزوج، وفي الدعاء: آهلك الله في الجنة إيهالا. أي زوجك فيها (4) ولئن راجعت معاجم اللغة تزدد وثوقا بذلك. إذا عرفت هذا فلا يذهب عليك أن إطلاق الأهل على الزوجة بقرينة إضافته إلى الرجل لا ينافي وجود معان أخرى له يستعمل فيها بقرائن معينة أو صارفة، فأهل الرجل عشيرته وذوو قرباه ومنه قوله تعالى: فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، وأهل الأمر ولاته، وأهل البيت سكانه، وأهل المذهب من يدين به ومنه قوله تعالى في قصة نوح: إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم. " الأنبياء 76 " زبدة المخض: أن موضوع الأهل كلما له صلة من إحدى النواحي بالمضاف إليه، فتعين المراد القرائن المحتفة به كما في آية التطهير، فالمراد بها محمد وعلي وفاطمة و الحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين، وقد اجتمعوا تحت الكساء فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ربه بمنحة القداسة لهم وسماهم أهل بيته فنزل قوله تعالى: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. حتى أن أم سلمة استأذنته في أن تدخل معهم فأذن لها بعد نزول الآية، واستحفته صلى الله عليه وآله وسلم عن دخولها في مفاد الآية الكريمة فقال: إنك على الخير. إيعازا إلى قصر هذه المنحة عليهم، وتفصيل هذه الجملة مذكور في الصحاح والمسانيد.
(1) سنن أبي داود 2 ص 25، سنن البيهقي 6 ص 346، تيسير الوصول 1 ص 253 النهاية 4 ص 64. (2) أحكام القرآن للجصاص 2 ص 277. (3) أحكام القرآن للجصاص 2 ص 277. (4) نهاية ابن الأثير 1 ص 64، قاموس اللغة 3 ص 331، لسان العرب 13 ص 31، تاج العروس 7 ص 217. *
[171]
54 رأي الخليفة في تحقق البلوغ عن ابن أبي مليكة: إن عمر كتب في غلام من أهل العراق سرق فكتب: أن أشبروه فإن وجدتموه ستة أشبار فاقطعوه. فشبر فوجد ستة أشبار تنقص أنملة فترك. وعن سليمان بن يسار: إن عمر أتي بغلام سرق فأمر به فشبر فوجد ستة أشبار إلا أنملة فتركه. أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، ومسدد، وابن المنذر في الأوسط كما في كنز العمال 3 ص 116. قال الأميني: الذي ثبت من الشريعة في تحقق البلوغ هو الاحتلام الثابت بصحيح قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيمن رفع عنه القلم: والغلام حتى يحتلم. أو نبات الشعر في العانة الثابت بالصحاح، أو السن المحدود كما في صحيحة عبد الله بن عمر (1) ولا رابع لها يعد حدا مطردا، وأما المساحة بالأشبار فهو من فقه الخليفة ومحدثاته فحسب، ولعله أبصر بمواقع فقاهته. 55 تنقيص الخليفة من الحد عن أبي رافع: أن عمر بن الخطاب أتي بشارب فقال: لأبعثنك إلى رجل لا تأخذه فيك هوادة، فبعث به إلى مطيع بن الأسود العدوي فقال: إذا أصبحت غدا فاضربه الحد فجاء عمر وهو يضربه ضربا شديدا فقال: قتلت الرجل كم ضربته ؟ قال: ستين، قال: أقص عنه بعشرين. قال أبو عبيدة في معناه: يقول اجعل شدة هذا الضرب قصاصا بالعشرين التي بقيت من الحد فلا تضربه إياها. (السنن الكبرى 8 ص 317، شرح ابن أبي الحديد 3 ص 133). قال الأميني: انظر إلى الرجل كيف يتلون في الحكم فيضعف يوما حد الشارب وهو الأربعون - عند القوم - فيجلد ثمانين (2) ثم يرق المحدود في يوم آخر فينقص منه عشرين، ويتلافي شدة الكيف بنقيصة الكم بعد تسليم الشارب إلى رجل
(1) راجع في أحاديث الباب السنن الكبرى 5 ص 54 - 59. (2) راجع الحديث السادس والعشرين ص 113. *
[172]
يعرفه بالشدة، والكل زائد على الناموس الإلهي الذي جاء به النبي الأقدس، وفي الحديث يؤتى بالرجل الذي ضرب فوق الحد فيقول الله: لم ضربت فوق ما أمرتك ؟ فيقول: يا رب غضبت لك، فيقول:: أكان لغضبك أن يكون أشد من غضبي ؟ ويؤتى بالذي قصر فيقول: عبدي لم قصرت ؟ فيقول: رحمته. فيقول: أكان لرحمتك أن تكون أشد من رحمتي ؟. (1). وكم لهذا الحديث من نظائر أخرجه الحفاظ راجع كنز العمال 3 ص 196 56 أبا حسن لا أبقاني الله لشدة لست لها عن ابن عباس قال: وردت على عمر بن الخطاب واردة قام منها وقعد وتغير و تربد وجمع لها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعرضها عليهم وقال: أشيروا علي. فقالوا: جميعا: يا أمير المؤمنين أنت المفزع. فغضب عمر وقال: اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم. فقالوا: يا أمير المؤمنين ما عندنا مما تسأل عنه شئ. فقال: أما والله إني لأعرف أبا بجدتها وابن بجدتها وأين مفزعها وأين منزعها، فقالوا: كأنك تعني ابن أبي طالب ؟ فقال عمر: لله هو، وهل طفحت حرة بمثله وأبرعته ؟ انهضوا بنا إليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين أتصير إليه ؟ يأتيك. فقال هيهات هناك شجنة من بني هاشم، وشجنة من الرسول، وأثرة من علم يؤتى لها ولا يأتي، في بيته يؤتى الحكم. فاعطفوا نحوه. فألفوه في حائط وهو يقرأ: أيحسب الانسان أن يترك سدى. ويرددها ويبكي فقال عمر لشريح: حدث أبا حسن بالذي حدثتنا به. فقال شريح: كنت في مجلس الحكم فأتى هذا الرجل فذكر أن رجلا أودعه امرأتين حرة مهيرة (2) وأم ولد فقال له: أنفق عليهما حتى أقدم. فلما كان في هذه الليلة وضعتا جميعا إحداهما
ابنا والأخرى بنتا وكلتاهما تدعي الابن وتنتفي من البنت من أجل الميراث فقال له: بم قضيت بينهما ؟ فقال شريح: لو كان عندي ما أقضي به بينهما لم آتكم بهما، فأخذ علي تبنة من الأرض فرفعها فقال: إن القضاء في هذا أيسر من هذه. ثم دعا
(1) البيان والتبيين 2 ص 20. (2) المهيرة من النساء: الحرة الغالية المهر ج مهائر. *
[173]
بقدح فقال لإحدى المرأتين: احلبي، فحبلت فوزنه ثم قال للأخرى: احلبي. فحلبت فوزنه فوجده على النصف من لبن الأولى فقال لها: خذي أنت ابنتك، وقال للأخرى: خذي أنت ابنك، ثم قال لشريح: أما علمت أن لبن الجارية على النصف من لبن الغلام ؟ وأن ميراثها نصف ميراثه ؟ وأن عقلها نصف عقله ؟ وأن شهادتها نصف شهادته ؟ وأن ديتها نصف ديته ؟ وهي على النصف في كل شئ. فأعجب به عمر إعجابا شديدا ثم قال: أبا حسن لا أبقاني الله لشدة لست لها ولا في بلد لست فيه ؟ كنز العمال 3 ص 179، مصباح الظلام للجرداني 2 ص 56. 57 الخليفة ومولود عجيب عن سعيد بن جبير قال: أتي عمر بن الخطاب بامرأة قد ولدت ولدا له خلقتان بدنان وبطنان وأربعة أيد ورأسان وفرجان هذا في النصف الأعلى، وأما في الأسفل فله فخذان وساقان ورجلان مثل ساير الناس فطلب المرأة ميراثها من زوجها وهو أبو ذلك الخلق العجيب فدعا عمر بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشاورهم فلم يجيبوا فيه بشئ فدعا علي بن أبي طالب فقال علي: إن هذا أمر يكون له نبأ فاحبسها واحبس ولدها واقبض مالهم وأقم لهم من يخدمهم وأنفق عليهم بالمعروف. ففعل عمر ذلك ثم ماتت المرأة وشب الخلق وطلب الميراث فحكم له علي بأن يقام له خادم خصي يخدم فرجيه ويتولى منه ما يتولى الأمهات ما لا يحل لأحد سوى الخادم، ثم
إن أحد البدنين طلب النكاح فبعث عمر إلى علي فقال له: يا أبا الحسن ما تجد في أمر هذين إن اشتهى أحدهما شهوة خالفه الآخر، وإن طلب الآخر حالة طلب الذي يليه ضدها حتى إنه في ساعتنا هذه طلب أحدهما الجماع ؟ فقال علي: الله أكبر إن الله أحلم وأكرم من أن يري عبدا أخاه وهو يجامع أهله ولكن عللوه ثلاثا فإن الله سيقضي قضاء فيه ما طلب هذا عند الموت فعاش بعدها ثلاثة أيام ومات، فجمع عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشاورهم فيه قال بعضهم: اقطعه حتى يبين الحي من الميت وتكفنه وتدفنه، فقال عمر: إن هذا الذي أشرتم لعجب أن نقتل حيا لحال ميت، وضج الجسد الحي فقال: الله حسبكم تقتلوني وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقرأ القرآن
[174]
فبعث إلى علي فقال: يا أبا الحسن احكم فيما بين هذين الخلقين فقال علي: الأمر فيه أوضح من ذلك وأسهل وأيسر، الحكم: أن تغسلوه وتكفنوه وتدعوه مع ابن أمه يحمله الخادم إذا مشى فيعاون عليه أخاه فإذا كان بعد ثلث جف فاقطعوه جافا ويكون موضعه حيا لا يألم، فإني أعلم إن الله لا يبقي الحي بعده أكثر من ثلث يتأذى برائحة نتنه وجيفه. ففعلوا ذلك فعاش الآخر ثلثة أيام ومات فقال عمر رضي الله عنه: يا ابن أبي طالب فما زلت كاشف كل شبهة وموضح كل حكم. (كنز العمال 3 ص 179) 58 اجتهاد الخليفة في حد أمة عن يحيى بن حاطب قال: توفي حاطب فاعتق من صلى من رقيقه وصام وكانت له أمة نوبية قد صلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه فلم ترعه إلا بحبلها وكانت ثيبا فذهب إلى عمر رضي الله عنه فحدثه فقال: لأنت الرجل لا تأتي بخير. فأفزعه ذلك فأرسل إليها عمر رضي الله عنه فقال: أحبلت ؟ فقالت: نعم من مرغوش بدرهمين. فإذا هي تستهل بذلك لا تكتمه قال: وصادف عليا وعثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم فقال: أشيروا علي وكان عثمان رضي الله عنه جالسا فاضطجع فقال علي وعبد الرحمن: قد وقع
عليها الحد، فقال: أشر علي يا عثمان ؟ فقال: قد أشار عليك أخواك. قال: أشر علي أنت. قال أراها تستهل به كأنها لا تعلمه وليس الحد إلا على من علمه. فقال: صدقت صدقت والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علمه. فجلدها عمر مائة وغربها عاما (1). وقال الشافعي في الأم 1 ص 135: فخالف عليا وعبد الرحمن فلم يحدها حدها عندهما وهو الرجم، وخالف عثمان أن لا يحدها بحال، وجلدها مائة وغربها عاما. وقال البيهقي في السنن: قال الشيخ رحمه الله: كان حدها الرجم فكأنه رضي الله عنه درأ عنها حدها للشبهة بالجهالة وجلدها وغربها تعزيرا. قال الأميني: أنا لا أقول: إن الأمر في المسألة دائر بين أمرين إما ثبوت الحد وهو الرجم، وإما درأه بالشبهة وتخلية الحامل سبيلها، والقول بالفصل رأي خارج عن نطاق
(1) كتاب الإمام للشافعي 1 ص 135، اختلاف الحديث للشافعي هامش الأم 7 ص 144 سنن البيهقي 8 ص 238، وذكر أبو عمر شطرا منه في العلم ص 148. *
[175]
الشرع. وإنما أقول: إن ما رآه البيهقي من كون الجلدة والتغريب تعزيرا لا يصحح الرأي بل يوجب مزيد الاشكال إذ ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله (1) وفي صحيح آخر قوله: لا يجلد فوق عشرة أسواط فيما دون حد من حدود الله (2). وقوله: لا يحل لأحد أن يضرب أحدا فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله (3). وقوله: لا تعزروا فوق عشرة أسواط (4). وقوله: من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين (5). وقوله: لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله (6). وقوله: لا عقوبة فوق عشر ضربات إلا في حد من حدود الله (7). فهل الخليفة قد خفيت عليه هذه كلها ؟ أو تعمد في الصفح عنها، وجعلها دبر أذنيه ؟
59 نهي الخليفة عما أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أبي هريرة قال: كنا قعودا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو بكر وعمر في نفر فقام من بين أظهرنا فأبطأ علينا وخشينا أن يقطع دوننا فقمنا وكنت أول من فزع فخرجت أبتغيه حتى أتيت حائطا للأنصار لقوم من بني النجار فلم أجد له بابا إلا ربيعا فدخلت في جوف الحائط - والربيع: الجدول - فدخلت منه بعد أن احتفزته فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبو هريرة ؟ قلت: نعم. قال: ما شأنك ؟ قلت: كنت بين أظهرنا فقمت وأبطأت فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا وكنت أول من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفزته كما يحتفز الثعلب والناس من ورائي فقال: يا أبا هريرة إذهب بنعلي هاتين فمن لقيته وراء
(1) صحيح البخاري في الجزء الأخير باب كم التعزير والأدب، سنن أبي داود 2 ص 242، صحيح مسلم في الحدود 2 ص 52. (2) مستدرك الحاكم 4 ص 382. (3) سنن الدارمي 2 ص 176. (4) سنن ابن ماجة 2 ص 129. (5) السنن الكبرى للبيهقي 8 ص 327. (6) السنن الكبرى للبيهقي 8 ص 328، وأخرجه ابن مندة وأبو نعيم كما في الإصابة 2 ص 423. (7) صحيح البخاري في باب كم التعزير والأدب في الجزء الأخير. *
[176]
هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة. فخرجت فكان أول من لقيت عمر فقال: ما هذان النعلان ؟ قلت: نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني بهما وقال: من لقيته يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة فضرب عمر في صدري فخررت لإستي وقال: إرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجهشت بالبكاء راجعا فقال رسول
الله: ما بالك ؟ قلت: لقيت عمر فأخبرته بما بعثتني به فضرب صدري ضربة خررت لإستي وقال: إرجع إلى رسول الله، فخرج رسول الله فإذا عمر فقال: ما حملك يا عمر ! على ما فعلت ؟ فقال عمر: أنت بعثت أبا هريرة بكذا ؟ قال: نعم، قال: فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فيتركوا العمل خلهم يعملون، فقال رسول الله: فخلهم (1) قال الأميني: إن التبشير والانذار من وظايف النبوة كتابا وسنة واعتبارا وأرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين، وإن كان في التبشير تثبيط عن العمل لكان من واجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يبشر بشئ قط وقد بشر في الكتاب الكريم بمثل قوله تعالى: و بشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (2) وقوله: وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم (3) ووردت بشارات جمة في السنة النبوية في الترغيب في الشهادة بالله وذكر لا إله إلا الله (4) م - وأمر صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر أن ينادي في الناس: إن من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة) (5) وأي تثبيط هناك ولازم التوحيد الصحيح العمل بكل ما شرعه الإله الواحد ؟ ولا سيما هتاف الرسالة في كل حين يسمع المستخفين بالوعيد المزعج والعذاب الشديد مشفوعا بعداته الكريمة لمن يعمل الصالحات، والجنة يشتاق إليه الموحدون، أخرج أحمد عن ابن مطرف قال: حدثني الثقة إن رجلا أسود كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن التسبيح والتهليل فقال عمر بن الخطاب: مه أكثرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: مه يا عمر. وأنزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل أتى على الانسان حين من الدهر. حتى إذا أتى على ذكر الجنة زفر الأسود زفرة خرجت نفسه فقال
(1) سيرة عمر لابن الجوزي ص 38، شرح ابن أبي الحديد 3 ص 108، 116، فتح الباري 1 ص 184. (2) سورة الأحزاب آية 47. (3) سورة يونس آية 2 (4) راجع الترغيب والترهيب للحافظ المنذري 2 ص 160 - 165.
(5) تهذيب التهذيب 1 ص 424. *
[177]
النبي صلى الله عليه وسلم: مات شوقا إلى الجنة (1). وهكذا يجب أن تسير الأمة إلى الله بين خطتي الخوف والرجاء، فلا التهديد يدعها تتوانى عن العمل، ولا الوعد يأمنها من العقوبة إن تركته، وهذه هي الطريقة. المثلى في إصلاح المجتمع، والسير بهم في السنن اللاحب، سنة الله في الذين خلوا ولن تجد لسنة الله تبديلا، غير أن الخليفة قد يحسب أن خطته أمثل من هذه، فانتهر أبا هريرة حتى خر لإسته، ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الدؤب على ما قال وأمر به وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. وليس من المستطاع أن يخبت إلى اعتناء النبي بهاتيك الهلجة بعد أن صدع بما صدع عن الوحي الإلهي، لكن الدوسي يقول: قال: فخلهم. وأنا لا أدري هل كذب الدوسي، أو أن هذا مبلغ علم الخليفة وأنموذج عمله ؟. 60 إجتهاد الخليفة في حلي الكعبة (2) 1 - ذكر عند عمر بن الخطاب في أيامه حلي الكعبة وكثرته فقال قوم: لو أخذته فجهزت به جيوش المسلمين كان أعظم للأجر، وما تصنع الكعبة بالحلي ؟ فهم عمر بذلك وسأل عنه أمير المؤمنين عليه السلام فقال ؟ إن هذا القرآن أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم والأموال أربعة: أموال المسلمين فقسمها بين الورثة في الفرائض. والفئ فقسمه على مستحقيه. والخمس فوضعه الله حيث وضعه. والصدقات فجعلها الله حيث جعلها. وكان حلي الكعبة فيها يومئذ فتركه الله على حاله ولم يتركه نسيانا ولم يخف عنه مكانا فأقره حيث أقره الله ورسوله. فقال له عمر: لولاك لافتضحنا. وترك الحلي بحاله. 2 - عن شقيق عن شيبة بن عثمان قال: قعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مقعدك الذي أنت فيه فقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة - بين فقراء المسلمين - قال قلت
(1) الدر المنثور 6 ص 297. (2) صحيح البخاري 3 ص 81، في كتاب الحج باب كسوة الكعبة، وفي الاعتصام أيضا، أخبار مكة للأزرقي، سنن أبي داود 1 ص 317، سنن ابن ماجة 2 ص 269، سنن البيهقي 5 ص 159، فتوح البلدان للبلاذري ص 55، نهج البلاغة 2 ص 201، الرياض النضرة 2 ص 20، ربيع الأبرار للزمخشري في الباب الخامس والسبعين، تيسير الوصول، فتح الباري 3 ص 358، كنز العمال 7 ص 145. *
[178]
ما أنت بفاعل. قال: بلى لأفعلن. قال قلت: ما أنت بفاعل. قال: لم ؟ قلت: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى مكانه وأبو بكر رضي الله عنه وهما أحوج منك إلى المال فلم يخرجاه. فقام فخرج. لفظ آخر: قال شقيق: جلست إلى شيبة بن عثمان في المسجد الحرام فقال لي: جلس إلي عمر بن الخطاب رضي الله عنه مجلسك هذا فقال: لقد هممت أن لا أترك فيها - أي في الكعبة - صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها. قال شيبة فقلت: إنه كان لك صاحبان فلم يفعلاه: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه. فقال عمر: هما المرءان أقتدي بهما. 3 - وعن الحسين: إن عمر بن الخطاب قال: لقد هممت أن لا أدع في الكعبة صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها فقال له أبي بن كعب: والله ما ذاك لك. فقال عمر: لم. قال: إن الله قد بين موضع كل مال وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: صدقت. نحن لا نناقش الحساب في تعيين الملقن لحكم القضية، غير أن هذه الروايات تعطينا خبرا بأن كل أولئك الرجال كانوا أفقه من الخليفة في هذه المسألة، فأين قول صاحب الوشيعة: إن عمر أفقه الصحابة وأعلمهم في زمنه على الإطلاق ؟. 61 إجتهاد الخليفة في الطلاق الثلاث 1 - عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين
- وسنين - من خلافة عمر رضي الله عنه طلاق الثلاث واحدة فقال عمر رضي الله عنه: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم. مسند أحمد 1 ص 314، صحيح مسلم 1 ص 574، سنن البيهقي 7 ص 336، مستدرك الحاكم 2 ص 196، تفسير القرطبي 3 ص 130 وصححه، إرشاد الساري 8 ص 127، الدر المنثور 1 ص 279. 2 - عن طاوس قال: إن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه وثلاث في إمارة عمر رضي الله عنه ؟ قال ابن عباس: نعم. صحيح مسلم 1 ص 574، سنن أبي داود ص 344، أحكام القرآن للجصاص 1
[179]
ص 459، سنن النسائي 6 ص 145، سنن البيهقي 7 ص 336، الدر المنثور 1 ص 279. إن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه واحدة ؟ قال: قد كان ذلك فلما كان في عهد عمر رضي الله عنه تتابع الناس في الطلاق فأمضاه عليهم - فأجازه عليهم - صحيح مسلم 1 ص 574، سنن البيهقي 7 ص 336. صورة أخرى: كان أبو الصهباء كثير السؤال لابن عباس قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر و صدرا من إمارة عمر ؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه وصدرا من إمارة عمر رضي الله عنه، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم سنن أبي داود 1 ص 344، سنن البيهقي 7 ص 339، تيسير الوصول 2 ص 162،
الدر المنثور 1 ص 279. 3 - أخرج الطحاوي من طريق ابن عباس أنه قال: لما كان زمن عمر رضي الله عنه قال: يا أيها الناس قد كان لكم في الطلاق أناة، وإنه من تعجل أناة الله في الطلاق ألزمناه إياه. وذكره العيني في عمدة القاري 9 ص 537 وقال: إسناد صحيح. 4 - عن طاوس قال: قال عمر بن الخطاب: قد كان لكم في الطلاق أناة فاستعجلتم أناتكم، وقد أجزنا عليهم ما استعجلتم من ذلك. (كنز العمال 5 ص 162 نقلا عن أبي نعيم) 5 - عن الحسن إن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري: لقد هممت أن أجعل إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس أن أجعلها واحدة، ولكن أقواما جعلوا على أنفسهم فألزم كل نفس ما لزم نفسه، من قال لامرأته: أنت علي حرام. فهي حرام، ومن قال لامرأته: أنت بائنة. فهي بائنة، ومن طلق ثلاثا فهي ثلاث. (كنز العمال 5 ص 163 نقلا عن أبي نعيم) قال الأميني: إن من العجب أن يكون استعجال الناس مسوغا لأن يتخذ الانسان
[180]
كتاب الله ورائه ظهريا ويلزمهم بما رأوا، هذا الذكر الحكيم يقول بكل صراحة: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. إلى قوله تعالى: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره. فقد أوجب سبحانه تحقيق المرتين والتحريم بعد الثالث، وذلك لا يجامع جمع التطليقات بكلمة - ثلاثا - ولا بتكرار صيغة الطلاق ثلاثا متعاقبة بلا تخلل عقدة النكاح بينها. أما الأول: فلأنه طلاق واحد وقول - ثلاثا - لا يكرره ألا ترى ؟ أن الوحدة المأخوذة في الفاتحة في ركعات الصلاة لا تكرر لو شفعها المصلي بقوله: خمسا أو عشرا، ولا يقال: إنه كرر السورة وقرأها غير مرة.
وكذلك كل حكم اعتبر فيه العدد كرمي الجمرات السبع فلا يجزي عنه رمي الحصيات مرة واحدة، وكالشهادات الأربع في اللعان لا تجزي عنها شهادة واحدة مشفوعة بقوله - أربعا -. وكفصول الأذان المأخوذة فيها التثنية لا يتأتى التكرار فيها بقراءة واحدة و إردافها بقول - مرتين -. وكتكبيرات صلاة العيدين الخمس أو السبع المتوالية - عند القوم - قبل القرائة (1) لا تتأتى بتكبيرة واحدة بعدها قول المصلي خمسا أو سبعا. وكصلاة التسبيح (2) وقد أخذ في تسبيحاتها العدد عشرا وخمسة عشر فلا تجزي عنها تسبيحة واحدة مردوفة بقوله عشرا أو خمسة عشر. وهذه كلها مما لا خلاف فيه. وأما الثاني فإن الطلاق يحصل باللفظ الأول، وتقع به البينونة، وتسرح به المعقودة بالنكاح، ولا يبقى ما بعده إلا لغوا، فإن المطلقة لا تطلق، والمسرحة لا تسرح، فلا يحصل به العدد المأخوذ في موضوع الحكم، بل تعدد الطلاق يستلزم تخلل عقدة الزواج بين الطلاقين ولو بالرجوع، ومهما لم تتخلل يقع الطلاق الثاني لغوا و يبطله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا طلاق إلا بعد نكاح. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا طلاق قبل نكاح. وقوله
(1) السنن الكبرى 3 ص 285 - 291. (2) صلاة التسبيح هي المسماة بصلاة جعفر عند أصحابنا، ولا خلاف بين الفريقين في فضلها وكمها وكيفها، غير أن أئمة القوم أخرجوها في الصحاح والمسانيد عن ابن عباس. *
[181]
صلى الله عليه وآله وسلم: لا طلاق لمن لا يملك. (1) قال سماك بن الفضل: إنما النكاح عقدة تعقد والطلاق يحلها، وكيف تحل عقدة قبل أن تعقد. ا ه. (2) م - وروى أبو يوسف القاضي عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن ابن مسعود
رضي الله عنه إنه قال: طلاق السنة أن يطلق الرجل امرأته واحدة حين تطهر من حيضتها من غير أن يجامعها، وهو يملك الرجعة حتى تنقضي العدة، فإذا انقضت فهو خاطب من الخطاب، فإن أراد أن يطلقها ثلاثا طلقها حين تطهر من حيضتها الثانية، ثم يطلقها حين تطهر من حيضتها الثالثة. كتاب الآثار ص 129 ومراده كما يأتي تخلل الرجوع بعد كل طلقة). وقال الجصاص في أحكام القرآن 1 ص 447: والدليل على أن المقصد في قوله: الطلاق مرتان - الأمر بتفريق الطلاق وبيان حكم ما يتعلق بإيقاع ما دون الثلاث من الرجعة أنه قال: الطلاق مرتان. وذلك يقتضي التفريق لا محالة، لأنه لو طلق اثنتين معالما جاز أن يقال طلقها مرتين، وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين حتى يفرق الدفع فحينئذ يطلق عليه، وإذا كان هذا هكذا فلو كان الحكم المقصود باللفظ هو ما تعلق بالتطليقتين من بقاء الرجعة لأدى ذلك إلى إسقاط فائدة ذكر المرتين إذا كان هذا الحكم ثابتا في المرة الواحدة إذا طلق اثنتين، فثبت بذلك إن ذكر المرتين إنما هو أمر بإيقاعه مرتين، ونهي عن الجمع بينهما في مرة واحدة، ومن جهة أخرى إنه لو كان اللفظ محتملا للأمرين لكان الواجب حمله على إثبات الحكم في إيجاب الفائدتين وهو الأمر بتفريق الطلاق متى أراد أن يطلق اثنتين، وبيان حكم الرجعة إذا طلق كذلك، فيكون اللفظ مستوعبا للمعنيين. ا ه هذا ما نطق به القرآن الكريم وليس الرأي تجاه كتاب الله إلا تلاعبا به كما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وآله في صحيحة أخرجها النسائي في السنن (3) عن محمود بن لبيد قال: أخبر رسول
(1) سنن الدارمي 2 ص 161، سنن أبي داود 1 ص 342، سنن ابن ماجة 1 ص 631، السنن الكبرى 7 ص 318 - 321، مستدرك الحاكم 2 ص 24، مشكل الآثار للطحاوي 7 ص 280. (2) سنن البيهقي 7 ص 321. (3) ج 6 ص 142، وذكر في تيسير الوصول 3 ص 160، تفسير ابن كثير 1 ص 277،
إرشاد الساري 8 ص 128، الدر المنثور 1 ص 283. *
[182]
الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبانا ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟ حتى قام رجل وقال: يا رسول الله ألا أقتله ؟ م - وروى ابن إسحاق في لفظ عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق ركانة زوجه ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها ؟ قال: طلقتها ثلاثا في مجلس واحد. قال: إنما تلك طلقة واحدة فارتجعها " بداية المجتهد 2 ص 61 "). ولبعض أعلام القوم في المسألة كلمات في المسألة كلمات تشدق بها، وأعجب ما رأيت فيها كلمة العيني قال في عمدة القاري 9 ص 537: إن الطلاق الوارد في الكتاب منسوخ، فإن قلت ؟ ما وجه هذا النسخ وعمر رضي الله عنه لا ينسخ ؟ وكيف يكون النسخ بعد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قلت: لما خاطب عمر الصحابة بذلك فلم يقع إنكار صار إجماعا والنسخ بالاجماع جوزه بعض مشايخنا بطريق أن الإجماع موجب علم اليقين كالنص فيجوز النسخ به، والاجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور، فإن قلت: هذا إجماع على النسخ من تلقاء أنفسهم فلا يجوز ذلك في حقهم. قلت: يحتمل أن يكون ظهر لم نص أوجب النسخ ولم ينقل إلينا ذلك. ا ه. لم تسمع الآذان نبأ هذا النسخ في القرون السالفة إلى أن جاد الدهر بالعيني فجاء يدعي ما لم يقل به أحد، ويخبط خبط عشواء، ويلعب بكتاب الله، ولا يرى له ولا لسنة الله قيمة ولا كرامة أنى للرجل إثبات حكمه البات بإجماع الصحابة على ما أحدثه الخليفة لما خاطبهم بذلك ؟ وكيف يسوغ عزو رفض محكم الكتاب والسنة إليهم برأي رئاه النبي
الأقدس لعبا بالكتاب العزيز كما مر عن صحيح النسائي قبيل هذا، وقد كانوا على حكمها غير إنه لا رأي لمن لا يطاع. هذا ودرة الخليفة تهتز على رؤسهم. ثم إن كان نسخ بالاجماع فيكف ذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعي والليث إلى أن الجمع بين الثلاث طلاق بدعة. وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور ليس بحرام لكن
[183]
الأولى التفريق. وقال السندي: ظاهر الحديث التحريم ؟ (1). م وكيف أجمعت الأمة على النقيضين في يوميها وهي لن تجتمع على الخطاء ؟ هذا إجماع العيني المزعوم يوم بدو رأي الخليفة في الطلاق، وهذا إجماع صاحب عون المعبود قبله قال: وقد أجمع الصحابة إلى السنة الثانية من خلافة عمر على إن الثلاث بلفظ واحد واحدة، ولم ينقض هذا الإجماع بخلافه، بل لا يزال في الأمة من يفتي به قرنا بعد قون إلى يومنا هذا. ه. تيسير الوصول 3 ص 162). هب أن الأمة جمعاء قديما وحديثا أجمعت على خلاف ما نطق به محكم القرآن ونقضت ما هتف به المشرع الأقدس، فهل لنا مسوغ لرفع اليد عنهما والأخذ بقول أمة غير معصومة، والنسخ بالخبر المشهور بعد الغض عما فيه من الخلاف الثائر إنما هو لعصمة قائله فلا يقاس به قول من لا عصمة له. واحتمال استناد إجماع الصحابة إلى نص لم ينقل إلينا خرافة تكذبه نصوص الخليفة وغيره من الصحابة على أن ما ذهب إليه الخليفة لم يكن إلا مجرد رأي، و سياسة محضة. م - وما أحسن كلمة الشيخ صالح بن محمد العمري الفلاني المتوفى 1298 في كتابه " إيقاظ همم أولي الأبصار " في صفحة 9 حيث قال: إن المعروف عند الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعند سائر العلماء المسلمين أن حكم الحاكم المجتهد إذا خالف نص كتاب الله تعالى أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب نقضه ومنع نفوذه، ولا
يعارض نص الكتاب والسنة بالاحتمالات العقلية والخيالات النفسانية والعصبية الشيطانية بأن يقال: لعل هذا المجتهد قد اطلع على هذا النص وتركه لعلة ظهرت له، أو أنه اطلع على دليل آخر، ونحو هذا مما لهج به فرق الفقهاء المتعصبين وأطبق عليه جهلة المقلدين). 62 إجتهاد الخليفة في الصلاة بعد العصر 1 - عن تميم الداري قال: إنه ركع ركعتين بعد نهي عمر بن الخطاب عن الصلاة
(1) راجع حاشية الإمام السندي على سنن النسائي 6 ص 143. *
[184]
بعد العصر فأتاه عمر فضربه بالدرة، فأشار إليه تميم أن اجلس وهو في صلاته فجلس عمر ثم فرغ تميم من صلاته فقال تميم لعمر: لم ضربتني ؟ قال: لأنك ركعت هاتين الركعتين وقد نهيت عنهما، قال: إني صليتهما مع من هو خير منك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: إنه ليس بي أنتم أيها الرهط ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى المغرب حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلوا فيها كما وصلوا ما بين الظهر والعصر. وعن وبرة قال: رأى عمر تميما الداري يصلي بعد العصر فضربه بالدرة فقال تميم: لم يا عمر ! تضربني على صلاة صليتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر: يا تميم ليس كل الناس يعلم ما تعلم. وعن عروة بن الزبير قال: خرج عمر على الناس فضربهم على السجدتين بعد العصر حتى مر بتميم الداري فقال: لا أدعهما صليتهما مع من هو خير منك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: إن الناس لو كانوا كهيئتك لم أبال. صححه الهيثمي في المجمع وقال: رجال الطبراني رجال الصحيح. 3 - عن السائب بن يزيد: إنه رأى عمر بن الخطاب يضرب المنكدر في الصلاة
بعد العصر. وعن الأسود: إن عمر كان يضرب على الركعتين بعد العصر. 4 - عن زيد بن خالد الجهني قال: إنه رآه عمر بن الخطاب وهو خليفة يركع بعد العصر ركعتين فمشى إليه فضربه بالدرة وهو يصلي كما هو فلما انصرف قال زيد: إضرب يا أمير المؤمنين ! فوالله لا أدعهما أبدا بعد أن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما فجلس إليه عمر وقال: يا زيد بن خالد لولا إني أخشى أن يتخذها الناس سلما إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما. قال الهيثمي في المجمع إسناده حسن. 5 - عن طاوس إن أبا أيوب الأنصاري كان يصلي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر فلما استخلف عمر تركها فلما توفي ركعهما فقيل له: ما هذا ؟ فقال: إن عمر كان يضرب عليهما. 6 - أخرج مسلم عن المختار بن فلفل قال: سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد
[185]
العصر ؟ فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر، وكنا نصلي على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب فقلت له: أكان صلى الله عليه وسلم صلاهما ؟ قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا. 7 - أخرج أبو العباس السراج في مسنده عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان يصلي الظهر ؟ قالت: كان يصلي بالهجير ثم يصلي بعدها ركعتين، ثم يصلي العصر ثم يصلي بعدها ركعتين. قلت: قد كان عمر يضرب عليهما وينهى عنهما. فقالت: قد كان يصليهما وقد أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصليهما ولكن قومك أهل اليمن قوم طغام يصلون الظهر ثم يصلون ما بين الظهر والعصر، ويصلون العصر ثم يصلون ما بين العصر والمغرب، وقد أحسن (1). قال الأميني: عجبا من فقه الخليفة حيث يردع بالدرة عن صلاة ثبت من السنة
أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاها وما تركها بعد العصر قط كما ورد في الصحاح وأخبرت به عائشة (2) وقالت: والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله، وما لقي الله تعالى حتى ثقل عن الصلاة، وكان يصلي كثيرا من صلاته قاعدا تعني ركعتين بعد العصر. وقالت: ما ترك النبي السجدتين بعد العصر عندي قط. وقالت: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعهما سرا ولا علانية، وقالت: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين. وفي لفظ البيهقي: قال أيمن: إن عمر كان ينهى عنهما ويضرب عليهما. فقالت: صدقت ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما. م - وفي تعليق " الاجابة " للزركشي ص 91 نقلا عن أبي منصور البغدادي في استدراكه من طريق أبي سعيد الخدري قال: كان عمر يضرب عليها رؤس الرجال " يعني الصلاة بعد الفجر حتى مطلع الشمس وبعد العصر حتى مغرب الشمس " فرأى أبو سعيد ابن
(1) صحيح مسلم 1 ص 310، مسند أحمد 4 ص 102، 115، موطأ مالك 1 ص 90، الاجابة للزركشي ص 91، 92، مجمع الزوائد 2 ص 222، تيسير الوصول 2 ص 295، فتح الباري 2 ص 51 و ج 3 ص 82، كنز العمال 4 ص 225، 226، شرح المواهب 8 ص 23، شرح الموطأ للزرقاني 1 ص 398. (2) صحيح البخاري، صحيح مسلم 1 ص 309، 310، سنن أبي داود 1 ص 201، سنن الدارمي 1 ص 334، سنن البيهقي 2 ص 458، تيسير الوصول 2 ص 295، فتح الباري 2 ص 51. *
[186]
الزبير يصليها. قال: فنهيته فأخذ بيدي فذهبنا إلى عائشة رضي الله عنها فقال لها: يا أم المؤمنين إن هذا ينهاني.. فقالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها) واقتفت أثره صلى الله عليه وآله فيها الصحابة والتابعون طيلة حياته وبعدها، وممن روي عنه الرخصة في التطوع بعد العصر الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام. الزبير. ابن الزبير.
تميم الداري. النعمان بن بشير. أبو أيوب الأنصاري. عائشة أم المؤمنين. الأسود بن يزيد. عمرو بن ميمون. عبد الله بن مسعود وأصحابه. بلال. أبو الدرداء. ابن عباس. مسروق. شريح. عبد الله بن أبي الهذيل. أبو بردة. عبد الرحمن بن الأسود. عبد الرحمن ابن البيلماني. الأحنف بن قيس (1) وكانوا على هذا حتى تقيض صاحب الدرة وليس عنده ما يتعلل به على النهي عنها والزجر عليها سوى خيفة أن يأتي قوم فيواصلوا بين العصر والمغرب بالصلاة. الأمن مسائل إياه عن علة كراهته ذلك الوصال وليس له من الشريعة أي وازع عنه ؟ وهب إنه ارتأى كراهة ذلك الوصال فما باله ينهى عن الركعتين وليستا مالئتين للفراغ بين الوقتين - العصر والمغرب - ؟ وعلى فرضه كان الواجب أن ينهى عن الصلاة في أول وقت المغرب غير الفريضة التي رأى كراهتها هو، ولكن أي قيمة لرأيه وقد صلوها على العهد النبوي بمرأى من صاحب الرسالة ومشهد فلم ينههم عنها (2) ثم الذي خافه عمر من أن يأتي قوم يصلون بين الوقتين بالصلاة هل عزب علمه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فشرع لهم تينك الركعتين بعد العصر ؟ أو أنه علم ذلك ولم يكترث له ؟ أم كانت بصيرة الخليفة في الأمور أقوى من بصيرة النبي الأعظم ؟ لاها الله لا ذلك ولا هذا، لكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علم ذلك كله ولم ير بأسا بما خافه عمر. وبماذا استحق أولئك الأخيار من الصحابة الضرب بالدرة والفضيحة بملأ من الأشهاد نصب عيني النبي الأقدس قرب مشهده الطاهر ؟ والذين يأتون بما كرهه أقوام من رجال المستقبل لم يرتكبوه بعد، أو أنه لم تنعقد نطفهم حتى تلك الساعة وهو يعترف بأنهم ليسوا من أولئك، ولعل الخليفة كان يرى جواز القصاص قبل جناية
(1) طرح التثريب في شرح التقريب للحافظ العراقي 2 ص 186. (2) كما في صحيح مسلم 1 ص 31، ومسند أبي داود 270 وغيرهما. *
[187]
غير المقتص منه. هلم واعجب. وكأن الخليفة في آرائه هذه الخاصة به كان ذاهلا عن قوله هو: احذروا هذا الرأي على الدين فإنما كان الرأي من رسول الله مصيبا لأن الله كان يريه، وإنما هو ههنا تكلف وظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (1) 63 رأي الخليفة في العجم روى مالك - إمام المالكية - عن الثقة عنده أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: أبى عمر بن الخطاب أن يورث أحدا من الأعاجم إلا أحدا ولد في العرب. قال مالك: وإن جاءت امرأة حامل من أرض العدو فوضعته في أرض العرب فهو ولدها يرثها إن ماتت، وترثه إن مات، ميراثها في كتاب الله. (الموطأ 2 ص 12) قال الأميني. هذا حكم حدت إليه العصبية المحضة، وإن التوارث بين المسلمين عامة عربا كانوا أو أعاجم أينما ولدوا وحيثما قطنوا من ضروريات دين الاسلام، وعليه نصوص الكتاب والسنة، فعمومات الكتاب لم تخصص، وليس من شروط التوارث الولادة في أرض العرب ولا العروبة من شروط الاسلام، وهذه العصبية إلى أمثالها في موارد لا تحصى هي التي تفكك عرى الاجتماع، وتشتت شمل المسلمين، وإنما المسلمون كأسنان المشط لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى، والله سبحان يقول: إنما المؤمنون إخوة. ويقول: إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ويقول: ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته ءأعجمي وعربي. وهذا هتاف النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم من خطبة له يوم الحج الأكبر في ذلك المحتشد الرحيب بقوله: أيها الناس ! إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، الأهل بلغت ؟ أللهم اشهد ؟ فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده: كتاب الله، ألا هل بلغت ؟ أللهم اشهد. أيها الناس ! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى ألا هل بلغت ؟ أللهم
(1) أخرجه أبو عمر في العلم 2 ص 134، وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور 6 ص 127. *
[188]
اشهد ! قالوا: نعم. قال: فليبلغ الشاهد الغائب (1). وفي لفظ أحمد: ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أسود على أحمر، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى (2) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وفي لفظ الطبراني في الكبير: يا أيها الناس ؟ إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم. فليس لعربي على عجمي فضل، ولا لعجمي على عربي فضل، ولا لأسود على أحمر فضل، ولا لأحمر على أسود فضل إلا بالتقوى. الحديث. (مجمع الزوائد 3 ص 272) وفي لفظ ابن القيم: لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب. زاد المعاد 2 ص 226. وقال صلى الله عليه وآله وسلم في صحيحة أخرجها البيهقي: ليس لأحد على أحد فضل إلا بالدين أو عمل صالح. (الجامع الصغير للسيوطي وصححه) ولو فرضنا مفاضلة بالعنصريات فتلك في غير الأحكام والنواميس المطردة وما أحوج المسلمين من أول يومهم إلى التآخي والتساند تجاه سيل الإلحاد الآتي، لكن كثيرا منهم يتأثرون بتسويلات أجنبية من حيث لا يشعرون، فأهواء مردية، تحدوهم إلى التشعب، وآراء فاسدة تفت في عضد الجامعة، ونزعات طائفية، ونعرات قومية، وعوامل داخلية، وعواطف حزبية تلهينا عن سد الثغور. أضف إلى ذلك كله نزعات شعوبية، وتبجحات بالعروبة فحسب، فهذه كلها تفضي إلى شق العصا، وتفريق الكلمة، ونصب عين الكل تعليمات النبي الأقدس، و
تقديره الشخصيات المحلات بالفضائل من مختلف العناصر بمثل قوله: سلمان منا أهل البيت. (3) وقوله: لو كان العلم بالثريا لتناوله ناس من أبناء فارس (4) إلى الكثير
(1) البيان والتبيين 2 ص 25، العقد الفريد 2 ص 85، تاريخ اليعقوبي 2 ص 91. (2) مجمع الزوايد 3 ص 266. (3) مستدرك الحاكم 3 ص 598، شرح مختصر صحيح البخاري لأبي محمد الأزدي 2: 46. (4) مسند أحمد 2 ص 420، 422، وأخرجه ابن قانع بإسناده بلفظ. لو كان الدين متعلقا بالثريا لتناوله قوم من أبناء فارس. الإصابة 3 ص 459. *
[189]
الطيب من أمثاله. فعلى المسلم أن لا يتخذ تلكم الآراء الشاذة خطة لنفسه، ولا يصفح عن قول النبي الأمين: ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية (1). م - وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: من قاتل تحت راية عمية يغضب للعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل فقتلة جاهلية. سنن البيهقي 8 ص 156. 64 تجسس الخليفة بالسعاية أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال: أتى عمر بن الخطاب رجل فقال: إن فلانا لا يصحو. فدخل عليه عمر رضي الله عنه فقال: إني لأجد ريح شراب يا فلان ! أنت بهذا ؟ فقال الرجل: يا ابن الخطاب ! وأنت بهذا ؟ ألم ينهك الله أن تجسس ؟ فعرفها عمر فانطلق وتركه. الدر المنثور 6 ص 93. قال الأميني: أترى الخليفة كيف رتب الأثر على التهمة من غير بينة ؟ من دون أن ينهى المخبر المتهم عما ارتكبه من الوقيعة في أخيه المسلم بالبهت وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا أو اغتياب الرجل، فوقع من جراء ذلك كله في محظور آخر من التجسس
المنهي عنه بنص الذكر الحكيم، لكنه سرعان ما ارتدع بلفت الرجل نظره إلى الحكم الشرعي. 65 عن عمر وبن ميمون قال: قال عمر بن الخطاب لابنه عبد الله: انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه. فمضى فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال: يقرأ عليك عمر السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه. قالت: كنت أريده لنفسي ولأوثرن به اليوم على نفسي فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء فقال: ارفعوني. فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك ؟ قال: الذي يحب أمير المؤمنين
(1) سنن أبي داود 2 ص 332. *
[190]
أذنت. قال: الحمد لله ما كان شئ أهم إلي من ذلك المضجع، فإذا أنا قضيت فاحملوني وأن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين (1). قال الأميني: ليت الخليفة عرفنا ما وجه الاستيذان من عائشة ؟ فهل ملكت هي حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالإرث ؟ فأين قوله صلى الله عليه وآله وسلم المزعوم: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ؟ وبذلك زحزحوا عن الصديقة الطاهرة فدكا، وبذلك منع أبو بكر عائشة وبقية أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم لما جئن إليه يطلبن ثمنهن (2) وإن كان الخليفة نعدل عن ذلك الرأي لما انكشف له من عدم صحة الرواية ؟ فإن ورثة ابنة رسول الله كانت أولى بالإذن فإنها هي المالكة إذن، وأما عائشة فلها التسع من الثمن فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توفي عن تسع، فكان الذي يلحق عائشة من الحجرة الشريفة التسع من الثمن، وما عسى أن يكون من ذلك لها إلا شبرا أو دون شبرين وذلك لا يسع دفن جثمان الخليفة وهب أنه كان يضم إلى ذلك نصيب ابنته حفصة فإن الجميع يقصر عن ذلك المضطجع، فالتصرف في تلك الحجرة الشريفة من دون رخصة من يملكها من العترة النبوية الطاهرة
وأمهات المؤمنين لا يلائم ميزان الشرع المقدس. ربما يقرأ القارئ في المقام ما جاء به ابن بطال من قوله: إنما استأذنها عمر لأن الموضع كان بيتها وكان لها فيه حق (3). فيحسب هناك حقا لأم المؤمنين يستدعي ذلك الاستيذان ويصححه، وإن هو إلا حق السكنى ومجرد إضافة البيت إلى عائشة وهما لا يوجبان الملك، قال ابن حجر في فتح الباري 7 ص 53: استدل به وباستيذان عمر لها على ذلك على أنها كانت تملك البيت، وفيه نظر بل الواقع إنها كانت تملك منفعته بالسكنى فيه والاسكان ولا يورث عنها، وحكم أزواج النبي كالمعتدات لأنهن لا يتزوجن بعده صلى الله عليه وآله وسلم. ا ه. وقال في ج 6 ص 160: ويؤيده - يعني عدم الملك - إن ورثتهن لم يرثن عنهن منازلهن، ولو كانت البيوت ملكا لهن لانتقلت إلى ورثتهن وفي ترك ورثتهن
(1) صحيح البخاري 5 ص 226 و ج 2 ص 263 وأخرجه جمع كثير من الحفاظ وأئمة الحديث لا نطيل بذكرهم المقام. (2) السيرة الحلبية 3 ص 390. *
[191]
حقوقهم دلالة على ذلك، ولهذا زيدت بيوتهن في المسجد النبوي بعد موتهن لعموم نفعه للمسلمين كما فعل فيما كان يصرف لهن من النفقات. والله أعلم. ا ه. وقال العيني في عمدة القاري 7 ص 132 في حديث عائشة (لما ثقل رسول الله استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي): أسندت البيت إلى نفسها، ووجه ذلك أن سكنى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في بيوت النبي من الخصايص، فلما استحققن النفقة لحبسهن استحققن السكني ما بقين، فنبه البخاري بسوق أحاديث هذا الباب وهي سبعة على أن بهذه النسبة تتحقق دوام استحقاق سكناهن للبيوت ما بقين. ا ه. وقال القسطلاني في إرشاد الساري 5 ص 190: أسندت (عائشة) البيت إلى
نفسها ووجه ذلك أن سكن أزواجه عليه الصلاة والسلام في بيوته من الخصائص، فكما استحققن النفقة لحبسهن استحققن السكنى ما بقين، فنبه على أن بهذه النسبة تحقق دوام استحقاقهن لسكني البيوت ما بقين. ا ه. فالقارئ جد عليم عندئذ بأن أم المؤمنين لم يكن لها من حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا السكنى فيها كالمعتدة، وليس لها قط أن تتصرف فيها بما يترتب على الملك. والخطب الفظيع عد الحفاظ هذا الاستيذان وهذا الدفن من مناقب الخليفة ذاهلين عن قانون الاسلام العام في التصرف في أموال الناس. ولست أدري بأي حق أوصى الإمام الحسن السبط الزكي صلوات الله عليه أن يدفن في تلك الحجرة الشريفة ؟ وهل منعته عائشة عن أن يدفن بها ؟ أو أذنت له وما أطيعت ؟ - ولا رأي لمن لا يطاع - فتسلح بنو أمية وقالوا: لا ندعه أن يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكاد أن تقع الفتنة (1) لم هذه كلها ؟ أنا لا أدري. 66 خطبة الخليفة في الجابية عن علي بن رباح اللخمي قال: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن
(1) تاريخ ابن كثير 8 ص 44 وجملة أخرى من معاجم السير. *
[192]
أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإني له خازن. وفي لفظ: فإن الله تعالى جعلني خازنا (1) وقاسما. م - أخرجه أبو عبيد المتوفى 224 في كتابه " الأموال " ص 223 بإسناد رجاله كلهم ثقات، والبيهقي في " السنن الكبرى " 6: 210، والحاكم في " المستدرك " 3: 271، 272، ويذكر في العقد الفريد 2: 132، وسيرة عمر لابن الجوزي ص 87، وأشير إليه
في " معجم البلدان " 3: 33 فقال: في الجابية خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطبته المشهورة. وجاء في ترجمة كثيرين: إنهم سمعوا خطبة عمر في الجابية. إسناده من طريق أبي عبيد: 1 - الحافظ عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي أبو صالح الكوفي المتوفى 221 وثقه ابن معين، وابن خراش، وابن بكر الأندلسي، وابن حبان، وهو من مشايخ البخاري في صحيحه (2). 2 - موسى بن علي بن رباح اللخمي أبو عبد الرحمن المصري المتوفى 163، وثقه أحمد، وابن سعد، وابن معين، والعجلي، والنسائي، وأبو حاتم، وابن شاهين، واحتج به أربعة من أئمة الصحاح الست (3). 3 - علي بن رباح اللخمي التابعي أبو عبد الله - أبو موسى - المولود سنة 10 والمتوفى 114 / 7 وثقه ابن سعد، والعجلي، ويعقوب بن سفيان، والنسائي، وابن حبان، واحتج به أربعة من أئمة الصحاح (4). في هذه الخطبة الثابتة المروية عن الخليفة بطرق صحيحة كل رجالها ثقات، وصححها الحاكم والذهبي، اعتراف بأن المنتهى إليه في العلوم الثلاثة أولئك النفر المذكورين فحسب، وليس للخليفة إلا أنه خازن مال الله، وهل ترى من المعقول أن يكون خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمته في شرعه ودينه وكتابه وسنته وفرائضه فاقدا لهاتيك العلوم ؟
ويكون مرجعه فيها لفيفا من الناس كما تنبأ عنه سيرته، فعلام هذه الخلافة ؟ وهل تستقر بمجرد الأمانة، وليست بعزيزة في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وما وجه الاختصاص به ؟ نعم: وقع النص عليه ممن سبقه في الخلافة على غير طريقة القوم في الخليفة الأول. وشتان بين هذا القاتل وبين من لم يزل يعرض نفسه لعويصات المسائل ومشكلات العلوم فيحلها عند السؤال عنها من فوره، ويرفع عقيرته على صهوات المنابر بقوله سلام الله عليه: سلوني قبل أن لا تسألوني ولن تسألوا بعدي مثلي. أخرجه الحاكم في المستدرك 2 ص 466 وصححه هو والذهبي في تلخيصه. وقوله: عليه السلام: لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى ولا سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنبأتكم بذلك. أخرجه ابن كثير في تفسيره 4 ص 231 من طريقين وقال: ثبت أيضا من غير وجه. وقوله عليه السلام: سلوني والله لا تسألوني عن شئ يكون إلى يوم القيامة إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار في سهل أم في جبل. أخرجه أبو عمر في جامع بيان العلم 1 ص 114، والمحب الطبري في الرياض 2 ص 198، ويوجد في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 124، والاتقان 2 ص 319، تهذيب التهذيب 7 ص 338، فتح الباري 8 ص 485، عمدة القاري 9 ص 167، مفتاح السعادة 1 ص 400. وقوله عليه السلام: ألا رجل يسأل فينتفع وينفع جلسائه. أخرجه أبو عمر في جامع بيان العلم 1 ص 114، وفي مختصره ص 57. وقوله عليه السلام: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت، وأين أنزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سؤولا. أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 1 ص 68، وذكره صاحب مفتاح السعادة 1 ص 400 وقوله عليه السلام سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن كتاب الله، وما من آية إلا وأنا أعلم حيث أنزلت بحضيض جبل أو سهل أرض، وسلوني عن الفتن فما من فتنة إلا وقد
علمت من كسبها ومن يقتل فيها. أخرجه إمام الحنابلة أحمد وقال: روي عنه نحو هذا كثيرا (ينابيع المودة ص 274). وقوله عليه السلام وهو على منبر الكوفة وعليه مدرعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو متقلد بسيفه،
[194]
ومتعمم بعمامته صلى الله عليه وآله وسلم، فجلس على المنبر وكشف عن بطنه فقال: سلوني قبل أن تفقدوني فإنما بين الجوانح مني علم جم، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا ما زقني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زقا زقا، فوالله لو ثنيت لي وسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم، وأهل الانجيل بإنجيلهم، حتى ينطق الله التوراة والانجيل فيقولان: صدق علي قد أفتاكم بما أنزل في وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون. أخرجه شيخ الاسلام الحموي في " فرائد السمطين " عن أبي سعيد. وقال سعيد بن المسيب: لم يكن أحد من الصحابة يقول: سلوني. إلا علي بن أبي طالب (1) وكان إذا سئل عن مسألة يكون فيها كالسكة المحماة ويقول: إذا المشكلات تصدين لي * كشفت حقائقها بالنظر فإن برقت في مخيل الصواب * عمياء لا يجتليها البصر مقنعة بغيوب الأمور * وضعت عليها صحيح الفكر لسانا كشقشقة الأرحبي * أو كالحسام اليماني الذكر وقلبا إذا استنطقته الفنون * أبر عليها بواه درر ولست بامعة في الرجال * يسائل هذا وذا ما الخبر ؟ ولكنني مذرب الأصغرين (2) * أبين مع ما مضى ما غبر أخرجها أبو عمر في العلم 2 ص 113، وفي مختصره ص 170، والحافظ العاصمي في زين الفتى شرح سورة هل أتى، والقالي في أماليه، والحصري القيرواني في زهر الآداب 1 ص 38، والسيوطي في جمع الجوامع كما ترتيبه 5 ص 242، والزبيدي الحنفي في تاج
العروس 5 ص 268 نقلا عن الأمالي. وذكر منها البيتين الأخيرين الميداني في مجمع الأمثال. 2: 358. لفت نظر: لم أر في التاريخ قبل مولانا أمير المؤمنين من عرض نفسه لمعضلات المسائل و كراديس الأسئلة، ورفع عقيرته بجأش رابط بين الملأ العلمي بقوله: سلوني. إلا صنوه
(1) أخرجه أحمد في المناقب، والبغوي في المعجم، وأبو عمر في العلم 1 ص 114 وفي مختصره ص 58، والمحب الطبري في الرياض 2 ص 198، وابن حجر في الصواعق ص 76. (2) قال أبو عمر: المذرب، الحاد. واصغراه: قلبه ولسانه. *
[195]
النبي الأعظم فإنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يكثر من قوله: سلوني عما شئتم. وقوله: سلوني. سلوني. وقوله: سلوني ولا تسألوني عن شئ إلا أنبأتكم به (1). فكما ورث أمير المؤمنين علمه صلى الله عليه وآله وسلم ورث مكرمته هذه وغيرها، وهما صنوان في المكارم كلها. وما تفوه بهذا المقال أحد بعد أمير المؤمنين عليه السلام إلا وقد فضح ووقع في ربيكة، وأماط بيده الستر عن جهله المطبق نظراء. 1 - إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي القرشي والي مكة والمدينة والموسم لهشام بن عبد الملك، حج بالناس سنة 107 وخطب بمنى ثم قال: سلوني فأنا ابن الوحيد، لا تسألوا أحدا أعلم مني. فقام إليه رجل من أهل العراق فسأله عن الأضحية أواجبة هي ؟ فما درى أي شئ يقول له فنزل عن المنبر. (تاريخ ابن عساكر 2 ص 305). 2 - مقاتل بن سليمان: قال إبراهيم الحربي: قعد مقاتل بن سليمان فقال: سلوني عما دون العرش إلى لويانا ؟ ؟ فقال له رجل: آدم حين حج من حلق رأسه ؟ قال فقال له: ليس هذا من عملكم، ولكن الله أراد أن يبتليني بما أعجبتني نفسي.
(تاريخ الخطيب البغدادي 13 ص 163). 3 - قال سفيان بن عيينة: قال مقاتل بن سليمان يوما: سلوني عما دون العرش. فقال له إنسان: يا أبا الحسن ! أرأيت الذرة أو النملة أمعاؤها في مقدمها أو مؤخرها ؟ قال: فبقي الشيخ لا يدري ما يقول له. قال سفيان: فظننت إنها عقوبة عوقب بها. (تاريخ الخطيب البغدادي 13 ص 166). 4 - قال موسى بن هارون الحمال: بلغني أن قتادة قدم الكوفة فجلس في مجلس له وقال: سلوني عن سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجيبكم. فقال جماعة لأبي حنيفة: قم إليه فسله. فقام إليه فقال: ما تقول يا أبا الخطاب في رجل غاب عن أهله فتزوجت امرأته ثم قدم زوجها الأول فدخل عليها وقال: يا زانية تزوجت وأنا حي ؟ ثم دخل زوجها الثاني فقال لها: تزوجت يا زانية ولك زوج. كيف اللعان ؟ فقال قتادة: قد وقع هذا ؟
(1) صحيح البخاري 1 ص 46، ج 10 ص 240، 241، مسند أحمد 1 ص 278، مسند أبي داود 356. *
[196]
فقال له أبو حنيفة: وإن لم يقع نستعد له. فقال له قتادة: لا أجيبكم في شئ من هذا سلوني عن القرآن. فقال له أبو حنيفة: ما تقول في قوله عز وجل: قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به. من هو ؟ قال قتادة: هذا رجل من ولد عم سليمان بن داود كان يعرف اسم الله الأعظم. فقال أبو حنيفة: أكان سليمان يعلم ذلك الاسم ؟ قال: لا. قال: سبحان الله ويكون بحضرة نبي من الأنبياء من هو أعلم منه ؟ قال قتادة: لا أجيبكم في شئ من التفسير سلوني عما اختلف الناس فيه. فقال له أبو حنيفة: أمؤمن أنت ؟ قال أرجو. قال له أبو حنيفة: فهلا قلت كما قال إبراهيم فيما حكى الله عنه حين قال له: أولم تؤمن قال: بلى. قال: قتادة: خذوا بيدي والله لا دخلت هذا البلد أبدا. (الانتقاء لأبي عمر صاحب الاستيعاب ص 156)
5 - حكي عن قتادة أنه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم و كان أبو حنيفة حاضرا وهو يومئذ غلام حدث فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكرا أم أنثى فسألوه فأفحم فقال أبو حنيفة: كانت أنثى. فقيل له كيف عرفت ذلك ؟ فقال: من قوله تعالى: قالت. ولو كانت ذكرا لقال: قال نملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى. (حياة الحيوان 2 ص 368). 6 - قال عبيد الله بن محمد بن هارون سمعت الشافعي بمكة يقول: سلوني عما شئتم أحدثكم من كتاب الله وسنة نبيه فقيل: يا أبا عبد الله ما تقول في محرم قتل زنبورا ؟ قال: وما آتاكم الرسول فخذوه. (طبقات الحفاظ للذهبي 2 ص 288). 67 أخرج الخطيب في رواة مالك، والبيهقي في شعب الإيمان، والقرطبي في تفسيره بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر قال: تعلم عمر سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة فلما ختمها نحر جزورا (1) وقال القرطبي في تفسيره 1 ص 132: تعلمها عمر رضي الله عنه بفقهها وما تحتوي عليه في اثنتي عشرة سنة.
(1) تفسير القرطبي 1 ص 34، سيرة عمر لابن الجوزي ص 165، شرح ابن أبي الحديد 3 ص 111، الدر المنثور 1 ص 21، *
[197]
قال الأميني: هذا يتم إما عن عدم انعطاف الخليفة على القرآن واهتمامه به مع أنه أهم أصول الاسلام، وقد انطوى فيه مهمات علومه حتى أنه تبطأ في تعلم سورة منه إلى غاية ذلك الأمد المتطاول، ولعله كان قد ألهاه عن ذلك الصفق بالاسواق كما ورد في غير واحد من هذه الآثار، واعتذر به هو وغيره من الصحابة، وإما عن قصور في فطنته و ذكاءه وجمود في القريحة يأبى عن انعكاس ما يلقى إليه فيها فيحتاج إلى تكرار ومثابرة كثيرة وترديد حتى ينتقش ما هم بتعلمه في الذاكرة.
وقد يؤكد الثاني ما مر في صحيفة 116 من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له: إني أظنك تموت قبل أن تعلم ذلك، وما ذكر في ص 128 من قوله صلى الله عليه وآله وسلم له لحفصة. ما أرى أباك يعلمها. وقوله: ما أراه يقيمها. ويساعد هذا ما في الكتب من أن عمر كان أعلم وأفقه من عثمان ولكن كان يعسر عليه حفظ القرآن (1). وأيا ما كان فإن مدة التعلم هذه لا يمكن أن تكون على العهد النبوي، فإن سورة البقرة نزلت بالمدينة عند جميع المفسرين غير آيات نزلت في حجة الوداع، وقالت عائشة: ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده صلى الله عليه وسلم (2) وتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ربيع الأول - على ما ذهب إليه القوم - من السنة الحادية عشر من مهاجرته، ومع ذلك لم يؤثر تعلمه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا بد أن يكون تعلمه عند أحد الصحابة أو عند لفيف منهم وهم الذين يقول القائل: فإن الخليفة كان أعلمهم على الإطلاق. ويشهد هذا أيضا على خلو الرجل من أكثر علوم القرآن الموجودة في بقية السور فإن تعلمها على هذا القياس يستدعي أكثر من مائة وثلاثين عاما حسب أجزاء القرآن الكريم، فيفتقر الخليفة على هذا الحساب في تعلم جميع القرآن إلى ما يقرب من مائة وخمسين عاما، ولا يفي بذلك عمر الخليفة، على أن الأحكام في غير البقرة من السور أكثر مما فيها، فكان خليفة ومتعلما - والخليفة، هو معلم الناس لا المتعلم منهم - ولهذا كان لا يهتدي إلى جملة من الأحكام الموجودة في القرآن، كان يحسب أبسط شئ
(1) عمدة القاري 2 ص 733 نقلا عن النهاية. (2) فتح الباري 8 ص 130. *
[198]
من معانيه تعمقا وتكلفا ويدعي أنه نهي عنه (1) وكان يقول: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب. إلى آخر ما مر عنه ص 161.
هذا شأن الخليفة قبل طرو النسيان عليه وأما بعده فروى محمد بن سيرين أن عمر في آخر أيامه اعتراه نسيان حتى كان ينسى عدد ركعات الصلاة فجعل أمامه رجلا يلقنه فإذا أومأ إليه أن يقوم أو يركع فعل (2). وإن تعجب فعجب أنه مع ذلك كله ما كان يتنصل عن الحكم، ولا يرعوي عن الافتاء، وإن كان يظهر خطأه في كثير منها. وبأبه اقتدى عدي في الكرم. أخرج مالك في الموطأ 1 ص 162: إن عبد الله بن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها، وذكره القرطبي في تفسيره 1 ص 34، وقال العيني في عمدة القاري 2 ص 732: حفظ عبد الله بن عمر سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، وفي طبقات ابن سعد كما في تنوير الحالك في شرح الموطأ لمالك 1 ص 162: إن ابن عمر تعلم سورة البقرة في أربع سنين. قال الباجي لأنه كان يتعلم فرائضها وأحكامها وما يتعلق بها. 68 رأي الخليفة في المتعتين متعة الحج 1 - عن أبي رجاء قال: قال عمران بن حصين: نزلت آية المتعة في كتاب الله وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات، قال رجل برأيه بعد ما شاء (3) صورة أخرى لمسلم: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل فيه القرآن قال رجل برأيه ما شاء. وفي لفظ آخر له: تمتع نبي الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا معه. وفي لفظ رابع له: إعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة ثم لم ينزل فيها كتاب ولم ينهنا عنها قال رجل برأيه ما شاء.
(1) راجع صحيفة 99، 100 من هذا الجزء. (2) سيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 135، شرح ابن أبي الحديد 3 ص 110.
(3) صحيح مسلم 1 ص 474، وأخرجه القرطبي بهذا الفظ في تفسيره 2 ص 365. *
[199]
لفظ البخاري: تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن قال رجل برأيه ما شاء (1) وفي لفظ آخر له: أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء. (2) وفي بعض نسخ صحيح البخاري قال محمد - أي البخاري - يقال: إنه عمر. قال القسطلاني في الارشاد: لأنه كان ينهى عنها. وذكره ابن كثير في تفسيره 1 ص 233 نقلا عن البخاري فقال: هذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحا به: إن عمر كان ينهى الناس عن التمتع. وقال ابن حجر في فتح الباري 4 ص 339: ونقله الاسماعيلي عن البخاري كذلك فهو عمدة الحميدي في ذلك ولهذا جزم القرطبي والنووي وغيرهما وكان البخاري أشار بذلك إلى رواية الحريري عن مطرف فقال في آخره: ارتأى رجل برأيه ما شاء يعني عمر. كذا في الأصل أخرجه مسلم وقال ابن التين: يحتمل أن يريد عمر أو عثمان، وأغرب الكرماني فقال: إن المراد به عثمان، والأولى أن يفسر بعمر فإنه أول من نهى عنها وكان من بعده تابعا له في ذلك ففي مسلم: إن ابن الزبير كان ينهى عنها وابن عباس يأمر بها فسألوا جابرا فأشار إلى أن أول من نهى عنها عمر. وقال القسطلاني في الارشاد 4 ص 169: قال رجل برأيه ما شاء، هو عمر بن الخطاب لا عثمان بن عفان لأن عمر أول من نهى عنها فكان من بعده تابعا له في ذلك ففي مسلم - إلى آخر كلمة ابن حجر المذكورة - وقال النووي في شرح مسلم: هو عمر بن الخطاب لأنه أول من نهى عنه عن المتعة فكان
من بعده من عثمان وغيره تابعا له في ذلك. لفظ الشيخين: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فيه القرآن، فليقل رجل برأيه ما شاء (السنن الكبرى 5 ص 20).
(1) صحيح البخاري 3 ص 151 ط سنة 1272. (2) صحيح البخاري كتاب التفسير سورة البقرة ج 7 ص 24 ط سنة 1277. *
[200]
لفظ النسائي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تمتع وتمتعنا معه قال فيها قائل برأيه. أخرجه في سننه 5 ص 155، وأحمد في مسنده 4 ص 436 قريبا من لفظ مسلم مبتورا وفي لفظ الاسماعيلي: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فيه القرآن ولم ينهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) 2 - عن أبي موسى: إنه كان يفتي بالمتعة فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك حتى لقيته فسألته فقال عمر: قد علمت أن النبي قد فعله وأصحابه ولكني كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤسهم. أخرجه مسلم في صحيحه 1 ص 472، وابن ماجة في سننه 2 ص 229، وأحمد في مسنده 1 ص 50، والبيهقي في سننه 5 ص 20، والنسائي في سننه 5 ص 153، ويوجد في تيسير - الوصول 1 ص 288، وشرح الموطأ للزرقاني 2 ص 179. 3 - عن مطرف عن عمران بن حصين: إني لأحدثك بالحديث اليوم ينفعك الله به بعد اليوم واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعمر طائفة من أهله في العشر فلم تنزل آية تنسخ ذلك ولم ينه عنه حتى مضى لوجهه، ارتأى كل امرئ بعد ما شاء أن يرتئي. وفي لفظ
مسلم الآخر: ارتأى رجل برأيه ما شاء يعني عمر. وفي لفظ ابن ماجة: ولم ينه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل نسخه قال في ذلك بعد رجل برأيه ما شاء أن يقول. صحيح مسلم 1 ص 474، سنن ابن ماجة 2 ص 229، مسند أحمد 4 ص 434، السنن الكبرى 4 ص 344، فتح الباري 3 ص 338. صورة أخرى عن مطرف قال قال لي عمران بن حصين: أحدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجة وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرمه وقد كان يسلم علي حتى اكتويت فتركت ثم تركت الكي فعاد. وفي لفظ الدارمي: إن المتعة حلال في كتاب الله لم ينه عنها نبي ولم ينزل فيها كتاب قال رجل برأيه ما بدا له. صحيح مسلم 1 ص 474، سنن الدارمي 2 ص 35.
(1) فتح الباري 3 ص 338. *
[201]
صورة ثالثة عن مطرف قال: بعث إلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه فقال: إني كنت محدثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك بها بعدي فإن عشت فاكتم علي وإن مت فحدث بها إن شئت إنه قد سلم علي، واعلم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد جمع بين حج وعمرة ثم لم ينزل فيها كتاب الله ولم ينه عنها نبي الله صلى الله عليه وسلم قال رجل فيها برأيه ما شاء. صحيح مسلم 1 ص 474، مسند أحمد 4 ص 428، سنن النسائي 5 ص 149. 4 - عن محمد بن عبد الله بن نوفل قال: سمعت عام حج معاوية يسأل سعد بن مالك كيف تقول بالتمتع بالعمرة إلى الحج ؟ قال: حسنة جميلة، فقال: قد كان عمر ينهى عنها، فأنت خير من عمر ؟ قال: عمر خير مني وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وهو خير من عمر. سنن الدارمي 2 ص 35.
5 - عن محمد بن عبد الله: إنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى. فقال سعد: بئسما قلت: يا ابن أخي. قال الضحاك. فإن عمر بن الخطاب نهى عن ذلك. قال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه. الموطأ لمالك 1 ص 148، كتاب الأم للشافعي 7 ص 199، سنن النسائي 5 ص 52، صحيح الترمذي 1 ص 157، فقال: هذا حديث صحيح. أحكام القرآن للجصاص 1 ص 335، سنن البيهقي 5 ص 17، تفسير القرطبي 2 ص 365 وقال: هذا حديث صحيح. زاد المعاد لابن القيم 1 ص 84 وذكر تصحيح الترمذي له، المواهب اللدنية للقسطلاني، شرح المواهب للزرقاني 8 ص 153. 6 عن سالم قال: إني لجالس مع ابن عمر في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج: فقال ابن عمر: حسن جميل، قال: فإن أباك كان ينهي عنها. فقال: ويلك ! فإن كان أبي نهي عنها وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به أفبقول أبي آخذ أم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قم عني (1). صورة أخرى: سئل عبد الله بن عمر عن متعة الحج قال: هي حلال. فقال له السائل: إن
(1) تفسير القرطبي 2 ص 365 نقلا عن الدار قطني. *
[202]
أباك قد نهى عنها. فقال: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أأمر أبي تتبع أم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال: لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (1) صورة ثالثة: قال سالم: سئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل له: إنك تخالف أباك ؟
قال: إن أبي لم يقل الذي تقولون إنما قال: أفردوا العمرة من الحج أي إن العمرة لا تتم في شهور الحج إلا بهدي وأراد أن يزار البيت في غير شهور الحج فجعلتموها أنتم حراما وعاقبتم الناس عليها وقد أحلها الله عز وجل وعمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإذا اكثروا عليه قال: أفكتاب الله عز وجل أحق أن يتبع أم عمر ؟ (السنن الكبرى 5 ص 21). صورة رابعة: قال سالم: كان عبد الله بن عمر يفتي بالذي أنزل الله عز وجل من الرخصة في التمتع وسن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول ناس لعبد الله بن عمر: كيف تخالف أباك وقد نهي عن ذلك ؟ فيقول لهم عبد الله: ويلكم ! ألا تتقون الله ؟ أرأيتم إن كان عمر رضي الله عنه نهى عن ذلك يبتغي فيه الخير ويلتمس فيه تمام العمرة فلم تحرمون وقد أحله الله وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبعوا سنته أو عمر رضي الله عنه ؟ إن عمر لم يقل لك: إن العمرة في أشهر الحج حرام ولكنه قال: إن أتم العمرة أن تفردوها من أشهر الحج. (2) 7 - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عروة: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عباس: ما يقول عرية ؟ قال: يقول نهى أبو بكر وعمر عن المتعة. فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: قال أبو بكر وعمر. مسند أحمد 1 ص 337، كتاب مختصر العلم لأبي عمر ص 226، تذكرة الحفاظ للذهبي 3 ص 53، زاد المعاد لابن القيم 1 ص 219. 8 - أخرج أحمد في مسنده 1 ص 49 عن أبي موسى: أن عمر رضي الله عنه قال: ؟ ؟
(1) صحيح الترمذي 1 ص 157، زاد المعاد لابن القيم 1 ص 164، وفي هامش شرح المواهب للزرقاني 2 ص 252. (2) سنن البيهقي 5 ص 21، مجمع الزوائد 1 ص 185. *
[203]
سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني المتعة ولكني أخشى أن يعرسوا بهن تحت الأراك ثم يروحوا بهن حجاجا. 9 - عن ابن عباس أنه قال لمن كان يعارضه في متعة الحج بأبي بكر وعمر: يوشك أن ينزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر. زاد المعاد لابن القيم 1 ص 215 وهامش شرح المواهب 2 ص 328. 10 - عن الحسن أن عمر أراد أن ينهى عن متعة الحج فقال له أبي: ليس ذلك لك فقد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينهنا عن ذلك فأضرب عن ذلك عمر، وأراد أن ينهى عن حلل الحبرة لأنها تصبغ بالبول فقال له أبي: ليس لك ذلك قد لبسهن ؟ ؟ صلى الله عليه وسلم ولبسناهن في عهده. أخرجه إمام الحنابلة أحمد في مسنده 5 ص 143، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 3 ص 246 نقلا عن أحمد وقال: رجاله رجال الصحيح، والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 3 ص 33 نقلا عن أحمد، وفي الدر المنثور 1 ص 216 نقلا عن مسند ابن راهويه وأحمد ولفظه: إن عمر بن الخطاب هم أن ينهى عن متعة الحج فقام إليه أبي بن كعب فقال: ليس ذلك لك قد نزل بها كتاب الله واعتمرناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل عمر. وذكره ابن القيم الجوزية في زاد المعاد 1 ص 220 من طريق علي بن عبد العزيز البغوي ولفظه: إن عمر أراد أن يأخذ مال الكعبة وقال: الكعبة غنية عن ذلك المال، وأراد أن ينهى أهل اليمن أن يصبغوا بالبول، وأراد أن ينهى عن متعة الحج فقال أبي بن كعب: قد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هذا المال وبه وبأصحابه الحاجة إليه فلم يأخذه وأنت فلا تأخذه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يلبسون الثياب اليمانية فلم ينه عنها وقد علم أنها تصبغ بالبول، وقد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينه عنها ولم
ينزل الله تعالى فيها نهيا. 11 - أخرج البخاري في صحيحه عن أبي جمرة نصر بن عمران قال: سألت ابن عباس رضي الله عنه المتعة فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيها - في المتعة - جزور أو
[204]
بقرة أو شاة أو شرك في دم. قال: وكأن ناسا كرهوها فنمت فرأيت في المنام كأن إنسانا ينادي حج مبرور ومتعة متقبلة فأتيت ابن عباس رضي الله عنهما فحدثته فقال: الله أكبر سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم (1) قال القسطلاني في إرشاد الساري 3 ص 204 (وكأن ناسا كرهوها) يعني كعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وغيرهما ممن نقل الخلاف في ذلك. 12 - عن ابن سيرين: إنه سئل عن المتعة بالعمرة إلى الحج قال، كرهها عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان فإن يكن علما فهما أعلم مني ؟ وإن يكن رأيا فرأيهما أفضل " أخرجه أبو عمر في جامع بيان العلم 2 ص 31، وفي مختصره ص 111 ". 13 - عن الأسود بن يزيد قال: بينما أنا واقف مع عمر بن الخطاب بعرفة عشية عرفة فإذا هو برجل مرجل شعره يفوح منه ريح الطيب فقال له عمر: أمحرم أنت ؟ قال: نعم. فقال عمر: ما هيأتك بهيأة محرم إنما المحرم الأشعث الأغبر الأذفر. قال: إني قدمت متمتعا وكان معي أهلي، وإنما أحرمت اليوم. فقال عمر عند ذلك: لا تتمتعوا في هذه الأيام فإني لو رخصت في المتعة لهم لعرسوا بهن في الأراك ثم راحوا بهن حجاجا. أخرجه أبو حنيفة كما في زاد المعاد لابن القيم 1 ص 220 فقال: قال ابن حزم: وكان ماذا ؟ وحبذا ذلك وقد طاف النبي صلى الله عليه وسلم على نساءه ثم أصبح محرما ولا خلاف أن الوطئ مباح قبل الاحرام بطرفة عين والله أعلم. م - أخرجه أبو يوسف القاضي في كتاب الآثار ص 97 رواية عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن عمر بن الخطاب إنه بينا هو واقف بعرفات إذ أبصر رجلا يقطر رأسه طيبا
فقال له عمر: ألست محرما ؟ ويحك ! فقال: بلى يا أمير المؤمنين. قال: مالي أراك يقطر رأسك طيبا ؟ والمحرم أشعث أغبر. قال أهللت بالعمرة مفردة وقدمت مكة ومعي أهلي ففرغت من عمرتي، حتى إذا كان عشية التروية أهللت بالحج، قال: فرأى عمر إن الرجل قد صدقه إنما عهده بالنساء والطيب بالأمس، فنهى عمر عند ذلك عن المتعة و قال: إذا والله لأوشكتم لو خليت بينكم وبين المتعة أن تضاجعوهن تحت أراك عرفة
(1) صحيح البخاري 3 ص 114 كتاب الحج باب فمن تمتع بالعمرة إلى الحج. وذكره السيوطي في الدر المنثور 1 ص 217 نقلا عن البخاري ومسلم. *
[205]
ثم تروحون حجاجا ". 14 - عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: والله إني لأنهاكم عن المتعة وإنها لفي كتاب الله ولقد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني العمرة في الحج. أخرجه النسائي في سننه 5 ص 153. 15 - عن عبد الله بن عمر: إن عمر بن الخطاب قال: أفصلوا بين حجكم وعمرتكم، فإن ذلك أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج. موطأ مالك 1 ص 252، سنن البيهقي 5 ص 5، تيسير الوصول 1 ص 279، م - وأخرجه ابن أبي شيبة كما في الدر المنثور 1 ص 218 ولفظه: قال عمر: أفصلوا بين حجكم وعمرتكم، إجعلوا الحج في أشهر الحج، واجعلوا العمرة في غير أشهر الحج، أتم لحجكم ولعمرتكم). 16 - عن سعيد بن المسيب: إن عمر بن الخطاب نهى عن المتعة في أشهر الحج وقال: فعلتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنها وذلك أن أحدكم يأتي من افق من الآفاق شعثا نصبا معتمرا في أشهر الحج وإنما شعثه ونصبه وتلبيته في عمرته ثم يقدم فيطوف بالبيت ويحل ويلبس ويتطيب ويقع على أهله إن كانوا معه حتى إذا كان يوم التروية أهل بالحج وخرج إلى منى يلبي بحجة لا شعث فيها ولا نصب ولا تلبية إلا
يوما والحج أفضل من العمرة، لو خلينا بينهم وبين هذا لعانقونهن تحت الأراك، مع أن أهل البيت ليس لهم ضرع ولا زرع وإنما ربيعهم فيمن يطرء عليهم. ذكره السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه الكنز 3 ص 32 نقلا عن حل حم خ م ن ق. م 17 - أخرج القاضي أبو يوسف في كتاب الآثار ص 99 عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: إنما نهى عمر عن الإفراد يعني إفراد المتعة فأما القرآن فلا). 69 متعة النساء 1 - عن جابر بن عبد الله قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى - ثم - نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث.
[206]
صحيح مسلم 1 ص 395، جامع الأصول لابن الأثير، تيسير الوصول لابن الديبع 4 ص 262، زاد المعاد لابن القيم 1 ص 444، فتح الباري لابن حجر 9 ص 141، كنز العمال 8 ص 294. 2 - عن عروة بن الزبير: إن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت: إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة مولدة فحملت منه فخرج عمر رضي الله عنه يجر رداءه فزعا فقال: هذه المتعة ولو كنت تقدمت فيه لرجمته. إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات أخرجه مالك في الموطأ 2 ص 30، والشافعي في كتاب الأم 7 ص 219، والبيهقي في السنن الكبرى 7 ص 206. 3 - عن الحكم قال: قال علي رضي الله عنه: لولا إن عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي. صورة أخرى: عن الحكم إنه سئل عن هذه الآية - آية متعة النساء - أمنسوخة ؟ قال: لا.
وقال علي: لولا إن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي. تفسير الطبري 5 ص 9 بإسناد صحيح، تفسير الثعلبي، تفسير الرازي 3 ص 200، تفسير أبي حيان 3 ص 218، تفسير النيسابوري، الدر المنثور 2 ص 140 بعدة طرق. 4 - عن ابن جريج عن عطاء قال سمعت ابن عباس يقول: رحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد ولولا نهيه لما احتاج إلى الزنا إلا شفا (1). أحكام القرآن للجصاص 2 ص 179، بداية المجتهد لابن رشد 2 ص 58، النهاية لابن الأثير 2 ص 249، الغريبين للهروي، الفائق للزمخشري 1 ص 331، تفسير القرطبي 5 ص 130 وفيه بدل إلا شفا: إلا شقي. وكذلك في تفسير السيوطي 2 ص 140 من طريق الحافظين عبد الرزاق وابن المنذر عن عطاء، لسان العرب لابن منظور 19 ص 166، تاج العروس 10 ص 200 وحذف من صدر الحديث " رحم الله عمر " وزاد هو وابن منظور قال عطاء: والله لكأني أسمع قوله إلا شقي. 5 - أخرج الحافظ عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير
(1) أي إلا قليلا من الناس. قاله ابن الأثير في النهاية. *
[207]
عن جابر قال: قدم عمرو بن حريث الكوفة فاستمتع بمولاة فأتى بها عمر وهي حبلى فسأله فاعترف قال: فذلك حين نهى عنها عمر. (فتح الباري 9 ص 141). 6 - أخرج الحافظ ابن أبي شيبة عن نافع ؟ إن ابن عمر سئل عن المتعة ؟ فقال: حرام. فقيل له: ابن عباس يفتي بها، قال فهلا ترمرم بها - تزمزم - في زمان عمر. الدر المنثور 2 ص 140، جمع الجوامع نقلان عن ابن جرير. 7 - أخرج الطبري عن جابر قال: كانوا يتمتعون من النساء حتى نهاهم عمر بن الخطاب. (كنز العمال 8 ص 293). 8 - عن سليمان بن يسار عن أم عبد الله ابنة أبي خيثمة إن رجلا قدم من الشام
فنزل عليها فقال: إن العزبة قد اشتدت علي فابغيني امرأة أتمتع معها. قالت: فدللته على امرأة فشارطها وأشهدوا على ذلك عدولا فمكث معها ما شاء الله أن يمكث ثم إنه خرج فأخبر عن ذلك عمر بن الخطاب فأرسل إلي فسألني أحق ما حدثت ؟ قلت: نعم. قال: فإذا قدم فأذنيني، فلما قدم أخبرته فأرسل إليه فقال: ما حملك على الذي فعلته ؟ قال: فعلته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم ينهنا عنه حتى قبضه الله، ثم مع أبي بكر فلم ينهنا عنه حتى قبضه الله، ثم معك فلم تحدث لنا فيه نهيا. فقال عمر: أما والذي نفسي بيده لو كنت تقدمت في نهي لرجمتك، بينوا حتى يعرف النكاح من السفاح. (كنز العمال 8 ص 294 من طريق الطبري) 9 - أخرج الحفاظ عبد الرزاق، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير الطبري عن علي (أمير المؤمنين) قال: لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب لأمرت بالمتعة ثم ما زنى إلا شقي. (كنز العمال 8 ص 294) 10 - قال عطاء: قدم جابر بن عبد الله معتمرا فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة فقال: استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. وفي لفظ أحمد: حتى إذا كان في آخر خلافة عمر رضي الله عنه. صحيح مسلم 1 ص 395 في باب نكاح المتعة، مسند أحمد 3 ص 380، وذكره فخر الدين أبو محمد الزيلعي في تبيان الحقايق شرح كنز الدقائق ولفظه: تمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر ونصفا من خلافة عمر ثم نهى الناس عنه.
[208]
11 - عن عمران بن حصين قال: نزلت. آية المتعة في كتاب الله تعالى لم تنزل آية بعدها تنسخها فأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات ولم ينهنا عنها قال رجل بعد برأيه ما شاء (1). ذكره المفسرون عند قوله تعالى: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن
فريضة (2) في بيان حجة من جوز متعة النكاح، وبعضهم في مقام إثبات نسبة الجواز إلى عمران بن حصين. راجع تفسير الثعلبي، تفسير الرازي 3 ص 200 و 202، تفسير أبي حيان 3 ص 218، تفسير النيسابوري. 12 - عن نافع عن عبد الله بن عمر: إنه سئل عن متعة النساء ؟ فقال: حرام أما إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو أخذ فيها أحدا لرجمه بالحجارة. (السنن الكبرى للبيهقي 7 ص 206) 13 - كان عمر رضوان الله عليه يقول: والله لا أؤتى برجل أباح المتعة إلا رجمته. (ذكره سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان) 14 - عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله قالا: تمتعنا إلى نصف من خلافة عمر رضي الله عنه حتى نهى عمر الناس عنها في شأن عمرو بن حريث. عمدة القاري للعيني 8 ص 310، م - وأخرجه ابن رشد في بداية المجتهد 2 ص 58 عن جابر بلفظ: تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ونصفا من خلافة عمر ثم نهى عنها عمر الناس). 15 - عن أيوب قال عروة لابن عباس. ألا تتقي الله ترخص في المتعة ؟ فقال ابن عباس: سل أمك يا عرية ؟ فقال عروة: أما أبو بكر وعمر فلم يفعلا. فقال ابن عباس: والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله نحدثكم عن النبي صلى الله عليه وسلم وتحدثونا عن أبي بكر وعمر (3) إحالة ابن عباس فصل القضاء على أم عروة أسماء بنت أبي بكر إنما هي لتمتع الزبير بها، وانها ولدت له عبد الله، قال الراغب في المحاضرات 2 ص 94: عير عبد الله بن
(1) مرت مصادر هذا الحديث في صحيفة 184. (2) سورة النساء آية 24 (3) أخرجه أبو عمر في العلم 2 ص 196، وفي مختصره ص 226، وذكره ابن القيم في زاد المعاد 1 ص 219. *
[209]
الزبير عبد الله بن عباس بتحليله المتعة فقال له: سل أمك كيف سطعت المجامر بينها و بين أبيك، فسألها فقالت: ما ولدتك إلا في المتعة. وقال ابن عباس: أول مجمر سطع في المتعة مجمر آل الزبير. (1) وأخرج مسلم في صحيحه 1 ص 354 عن مسلم القري قال: سألت ابن عباس عن متعة الحج فرخص فيها وكان ابن الزبير ينهى عنها فقال: هذه أم ابن الزبير تحدث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيها فادخلوا عليها فاسألوها. قال: فدخلنا عليها فإذا امرأة ضخمة عمياء فقالت: قد رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها. أخرجه بهذا اللفظ من طريقين ثم قال: فأما عبد الرحمن ففي حديثه (المتعة) ولم يقل (متعة الحج) وأما ابن جعفر فقال: قال شعبة: قال مسلم (يعني القري): لا أدري متعة الحج أو متعة النساء. والمتعة وإن أطلقت في لفظ عبد الرحمن ولا يدري مسلم أي المتعتين هي غير أن أبا داود الطيالسي أخرج في مسنده ص 227 عن مسلم القري قال: دخلنا على أسماء بنت أبي بكر فسألناها عن متعة النساء، فقالت فعلناها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. نعم فيما أخرجه أحمد في مسنده 6 ص 348 (متعة الحج) رواه من طريق شعبة وقد سمعت حكايته عن مسلم ترديده فلعلها قيدت بعد بذلك تحفظا على كرامة ابن الزبير، وتخفيا على القارئ كونه وليد المتعة. م 16 - أخرج ابن الكلبي: إن سلمة بن أمية بن خلف الجمحي استمتع من سلمى مولاة حكيم بن أمية بن الأوقص الأسلمي فولدت له فجحد ولدها فبلغ ذلك عمر فنهى المتعة. وروى أيضا إن سلمة استمتع بامرأة فبلغ عمر فتوعده " الإصابة 2 ص 63). المتعتان متعة الحج ومتعة النساء
1 - عن أبي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما. صحيح مسلم 1 ص 395، سنن البيهقي 7 ص 206.
(1) العقد الفريد 2 ص 139. *
[210]
صورة أخرى: عن أبي نضرة عن جابر رضي الله عنه قال. قلت: إن ابن الزبير ينهى عن المتعة وإن ابن عباس يأمر به قال: على يدي جرى الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر رضي الله عنه فلما ولي عمر خطب الناس فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرسول، وإن القرآن هذا القرآن، وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنهما وأعاتب عليهما: إحداهما متعة النساء، ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل إلا غيبته بالحجارة، والأخرى: متعة الحج. سنن البيهقي 7 ص 206 فقال: أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر عن همام. صورة ثالثة: عن جابر بن عبد الله قال: تمتعنا متعتين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: الحج والنساء فنهانا عمر عنهما فانتهينا. أخرجه إمام الحنابلة أحمد في مسنده 3 ص 356، 363 بطريقين أحدهما طريق عاصم صحيح رجاله كلهم ثقات بالاتفاق. وذكره السيوطي كما في كنز العمال 8 ص 293 عن الطبري. صورة رابعة: عن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدي دار الحديث. تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء فأتموا الحج والعمرة كما أمر الله، وانتهوا - وأبتوا - عن نكاح هذه النساء لا أوتى برجل نكح - تزوج - إمرأة إلى أجل إلا رجمته. صحيح مسلم 1 ص 467، أحكام القرآن للجصاص 2 ص 178، سنن البيهقي 5 ص 21، تفسير الرازي 3 ص 26، كنز العمال 8 ص 293، الدر المنثور 1 ص 216. صورة خامسة: قال قتادة: سمعت أبا نضرة يقول: قلت لجابر بن عبد الله: إن ابن الزبير ينهى عن المتعة وإن ابن عباس يأمر بها قال جابر: على يدي دار الحديث تمتعنا على عهد
[211]
رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان عمر بن الخطاب وقال: إن الله عز وجل كان يحل لنبيه ما شاء وإن القرآن قد نزل منازله، فافصلوا حجكم من عمرتكم، واتبعوا نكاح هذه النساء، فلا أوتى برجل تزوج امرأة إلى أجل إلا رجمته. " مسند أبي داود الطيالسي ص 247 ". قال الأميني: لما لم يكن رجم المتمتع بالنساء مشروعا ولم يحكم به فقهاء القوم لشبهة العقد هناك قال الجصاص بعد ذكر الحديث: فذكر عمر الرجم في المتعة جائز أن يكون على جهة الوعيد والتهديد لينزجر الناس عنها. 2 - عن عمر أنه قال في خطبته: متعتان كانتا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهي عنهما وأعاقب (1) عليهما: متعة الحج. ومتعة النساء، وفي لفظ الجصاص: لو تقدمت فيها لرجمت. البيان والتبيين للجاحظ 2 ص 223، أحكام القرآن للجصاص 1 ص 342 و 345، و ج 2 ص 184، تفسير القرطبي 2 ص 370، المبسوط للسرخسي الحنفي في باب القرآن من كتاب الحج وصححه، زاد المعاد لابن القيم 1 ص 444 فقال: ثبت عن عمر، تفسير الفخر الرازي 2 ص 167 و ج 3 ص 201 و 202، كنز العمال 8 ص 293 نقله عن كتاب أبي صالح والطحاوي، وص 294 عن ابن جرير الطبري وابن عساكر، ضوء الشمس 2 ص 94.
استدل المأمون على جواز المتعة بهذا الحديث وهم بأن يحكم بها كما في تاريخ ابن خلكان 2 ص 359 ط ايران واللفظ هناك: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد أبي بكر رضي الله عنه وأنا أنهى عنهما. خطبة عمر هذه في المتعتين من المتسالم عليه بالألفاظ المذكورة غير أن أحمد إمام الحنابلة أخرج الحديث باللفظ الثاني لجابر وحذف منه ما حسبه خدمة للمبدأ ولفظه: فلما ولي عمر رضي الله عنه خطب الناس فقال: إن القرآن هو القرآن وإن رسول الله هو الرسول وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إحداهما متعة الحج والأخرى متعة النساء. 3 - أخرج الحافظ ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: نهى عمر عن متعتين: متعة النساء ومتعة الحج. الدر المنثور 2 ص 140، كنز العمال 8 ص 293 نقلا عن مسدد. 4 - أخرج الطبري عن عروة بن الزبير أنه قال لابن عباس: أهلكت الناس قال:
(1) أضرب فيهما، كذا في لفظ غير واحد، وفي لفظ الجاحظ: أضرب عليهما. *
[212]
وما ذاك ؟ قال: تفتيهم في المتعتين وقد علمت أن أبا بكر وعمر نهيا عنهما ؟ فقال: ألا للعجب إني أحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحدثني عن أبي بكر وعمر. فقال: هما كانا أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتبع لها منك. كنز العمال 8 ص 293، مرآة الزمان للسبط الحنفي ص 99. 5 - قال الراغب في المحاضرات 2 ص 94: قال يحيى بن أكثم لشيخ بالبصرة: بمن اقتديت في جواز المتعة ؟ قال: بعمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال: كيف وعمر كان أشد الناس فيها ؟ قال: لأن الخبر الصحيح إنه صعد المنبر فقال: إن الله ورسوله قد أحلا لكم متعتين وإني محرمهما عليكم وأعاقب عليهما. فقبلنا شهادته ولم نقبل تحريمه. 6 - أخرج الطبري في تاريخه 5 ص 32 عن عمران بن سوادة قال: صليت الصبح مع عمر فقرأ سبحان وسورة معها ثم انصرف وقمت معه فقال: أحاجة ؟ قلت: حاجة.
قال: فإلحق. قال: فلحقت فلما دخل أذن لي فإذا هو على سرير ليس فوقه شئ فقلت: نصيحة. فقال: مرحبا بالناصح غدوا وعشيا قلت: عابت أمتك أربعا قال فوضع رأس درته في ذقنه ووضع أسفلها على فخذه ثم قال: هات. قلت: ذكروا إنك حرمت العمرة في أشهر الحج ولم يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر رضي الله عنه وهي حلال. قال: هي حلال لو إنهم اعتمروا في أشهر الحج رأوها مجزية من حجهم فكانت قائبة قوب عامها فقرع حجهم وهو بهاء من بهاء الله وقد أصبت. قلت: وذكروا إنك حرمت متعة النساء وقد كانت رخصة من الله نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلها في زمان ضرورة ثم رجع الناس إلى السعة ثم لم أعلم أحدا من المسلمين عمل بها ولا عاد إليها فالآن من شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق وقد أصبت. قال قلت: وأعتقت الأمة ذا بطنها بغير عتاقه سيدها. قال: ألحقت حرمة بحرمة وما أردت إلا الخير واستغفر الله. قلت: وتشكوا منك نهر الرعية وعنف السياق. قال: فشرع الدرة ثم مسحها حتى أتى على آخرها، ثم قال: أنا زميل محمد - وكان زامله في غزوة قرقرة الكدر - فوالله إني لارتع فاشبع، واسقي فأروي. وأنهز اللفوت (1) وأزجر العروض (2) وأذب قدري، وأسوق خطوي، وأضم العنود (3) والحق
(1) النهز: الضرب والدفع. واللفوت: الناقة الضجور عند الحلب. (2) العروض: الناقة تأخذ يمينا وشمالا ولا نلزم المحجة (3) العنود: المائل عن القصد. *
[213]
القطوف (1) وأكثر الزجر، وأقل الضرب، وأشهر العصا، وأدفع باليد، لولا ذلك لا عذرت. قال: فبلغ ذلك معاوية فقال: كان والله عالما برعيتهم. وذكره ابن أبي الحديد في شرحه 3 ص 28 نقلا عن ابن قتيبة والطبري. 7 - أخرج الطبري في (المستبين) عن عمر أنه قال: ثلث كن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا محرمهن ومعاقب عليهن: متعة الحج. ومتعة النساء. وحي على خير
العمل في الأذان. وذكره القوشچي في شرح التجريد وسيوافيك قوله فيه. وحكاه عن الطبري الشيخ علي البياضي في كتابه " الصراط المستقيم ". هذا شطر من أحاديث المتعتين وهي تربو على أربعين حديثا بين صحاح وحسان تعرب عن أن المتعتين كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فيهما القرآن وثبتت إباحتهما بالسنة وأول من نهى عنهما عمر. وعده العسكري في أولياته، والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص 93، والقرماني في تاريخه - هامش الكامل - 1 ص 203، أول من حرم المتعة. نظرة في المتعتين هذه جملة مما ورد فيهما من الأحاديث، وهي كما ترى بنفسها وافية باثبات تشريعهما على العهد النبوي كتابا وسنة من دون نسخ يعقب حكمهما، أضف إليها من الأحاديث الكثيرة الدالة على إباحتهما ولم نذكرها لخلوها عن نهي عمر، ولم يكن النهي منه في المتعتين إلا رأيا محضا أو اجتهادا مجردا تجاه النص، أما متعة الحج فقد نهى عنها لما استهجنه من توجه الناس إلى الحج ورؤسهم تقطر ماء بعد مجامعة النساء بعد تمام العمرة، لكن الله سبحانه كان أبصر منه بالحال، ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلم ذلك حين شرع إباحة متعة الحج حكما باتا أبديا إلى يوم القيامة كما هو نص الأحاديث الآنفة والآتية، ولم يكن ما جاء به إلا استحسانا يخص به لا يعول عليه وجاه الكتاب والسنة. هذا ما رآه الخليفة هو بنفسه في مستند حكمه، وهناك أقاويل منحوتة جاءوا بها
(1) القطوف: من الدواب التي تسئ السير. *
[214]
شوهاء ليعضدوا تلك الفتوى المجردة، ويبرروا بها ما قدم عليه الخليفة وتفرد به،
وكلها يخالف ما نص عليه هو بنفسه، وهي أعذار مفتعلة لا يدعم قوما ولا يغني من الحق شيئا. فمنها: 1 - إن المتعة التي نهى عنها عمر هي فسخ الحج إلى العمرة التي يحج بعدها. و تدفعه نصوص الصحاح المذكورة عن ابن عباس، وعمران بن الحصين وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن عبد الله بن نوفل، وأبي موسى الأشعري، والحسن، وبعدها نصوص العلماء على أن المنهي عنه للخليفة هو متعة الحج والجمع بين الحج والعمرة. وقبل هذه كلها تنصيصي عمر نفسه على ذلك وتعليله للنهي عنها بقوله: إني أخشى أن يعرسوا بهن تحت الأراك ثم يروحوا به حجاجا. وقوله: إني لو رخصت في المتعة لهم لعرسوا بهن في الأراك ثم راحوا بهن حجاجا. وقوله: كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤسهم. وقال الشيخ بدر الدين العيني الحنفي في عمدة القاري شرح صحيح البخاري 4 ص 568: قال عياض وغيره ما جازمين: بأن المتعة التي نهى عنها عمر وعثمان رضي الله عنهما هي فسخ الحج إلى العمرة لا العمرة التي يحج بعدها. قلت: يرد عليهم ما جاء في رواية مسلم في بعض طرقه التصريح بكونه متعة الحج، وفي رواية له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمر بعض أهله في العشر. وفي رواية له جمع بين حج وعمرة. ومراده التمتع المذكور و هو الجمع بينها في عام واحد. ا ه. 2 - إختصاص إباحة المتعة بالصحابة في عمرتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب. عزوا ذلك إلى عثمان وإلى الصحابي العظيم أبي ذر الغفاري، ويرد عليه كما في زاد المعاد لابن القيم 1 ص 213: إن تلكم الآثار الدالة على الاختصاص بالصحابة بين باطل لا يصح عمن نسب إليه البتة، وبين صحيح عن قائل غير معصوم لا يعارض به نصوص المشرع المعصوم ففي صحيحة الشيخين وغيرهما عن سراقة بن مالك قال: متعتنا هذه يا رسول الله لعامنا هذا أم للأبد ؟ قال: لا بل للأبد - لأبد الأبد - (1).
(1) صحيح البخاري 3 ص 148 كتاب الحج باب عمرة التنعيم، صحيح مسلم 1 ص 346، كتاب الآثار للقاضي أبي يوسف ص 126، سنن ابن ماجة 2 ص 230، مسند أحمد 3 ص 388 و ج 4 ص 175، سنن أبي داود 2 ص 282، صحيح النسائي 5 ص 178، سنن البيهقي 5 ص 19. *
[215]
وفي صحيحه أخرى عن سراقة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال: ألا إن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة (1). وفي صحيحة عن ابن عباس قال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة (2) قال الترمذي بعده في صحيحه 1 ص 175: وفي الباب عن سراقة بن مالك وجابر بن عبد الله ومعنى هذا الحديث: أن لا بأس بالعمرة في أشهر الحج، وهكذا فسره الشافعي وأحمد وإسحق، ومعنى هذا الحديث: أن أهل الجاهلية كانوا لا يعتمرون في أشهر الحج فلما جاء الاسلام رخص النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة يعني لا بأس بالعمرة في أشهر الحج. ا ه. وفي صحيحة عن عمر نفسه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبرئيل عليه السلام وأنا بالعقيق فقال: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين وقل: عمرة في حجة فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة (3) فما أجرأ الخليفة على سنة أخبره بها رسول الله وأتى بها جبرئيل. وقال السندي في حاشية سنن ابن ماجة 2 ص 231: ظاهر حديث بلال موافقة نهي عمر عن المتعة والجمهور على خلافه وإن المتعة غير مخصوصة بهم فلذلك حملوا المتعة بالفسخ والله أعلم. ا ه. وحديث بلال هذا من الأحاديث الدالة على اختصاص المتعة بالصحابة وفيه قال أحمد: لا يعرف هذا الرجل، هذا حديث ليس إسناده بالمعروف، ليس حديث بلال عندي بثبت وقال ابن القيم في زاد المعاد بعد نقله قول أحمد: قلت: ومما يدل على صحة قول الإمام
أحمد وإن هذا الحديث لا يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن المتعة إنها للأبد، فنحن نشهد بالله أن حديث بلال هذا لا يصح عن رسول الله، وهو غلط عليه وكيف تقدم رواية بلال على روايات الثقات الاثبات - إلى أن قال: قال المجوزون للفسخ: هذا قول فاسد لا شك فيه بل هذا رأي لا شك فيه،
(1) مسند أحمد 4 ص 957، سنن ابن ماجة 2 ص 229، سنن البيهقي 4 ص 552، (2) صحيح مسلم 1 ص 355، سنن الدارمي 2 ص 51، صحيح الترمذي 1 ص 175، سنن أبي داود 1 ص 283، سنن النسائي 5 ص 181، سنن البيهقي 4 ص 344. تفسير ابن كثير 1 ص 230 وصححه (3) أخرجه البيهقي في سننه 5 ص 13 وقال: رواه البخاري في الصحيح. *
[216]
وقد صرح بأنه رأي من هو أعظم من عثمان وأبي ذر وعمران بن حصين ففي الصحيحين واللفظ للبخاري تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونزل القرآن فقال رجل برأيه ما شاء، ولفظ مسلم: نزلت آية المتعة في كتاب الله عز وجل يعني متعة الحج وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم لم تنزل آية تنسخ متعة الحج ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى مات قال رجل برأيه ما شاء. وفي لفظ: يريد عمر. وقال عبد الله بن عمر لمن سأله عنها وقال إن أباك نهى عنها: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحق أن يتبع أو أبي ؟ وقال ابن عباس لمن كان يعارضه فيها بأبي بكر وعمر: يوشك أن ينزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر. فهذا جواب العلماء لا جواب من يقول: عثمان وأبو ذر أعلم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منكم، وهلا قال ابن عباس وعبد الله بن عمر: أبو بكر وعمر أعلم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منا ؟ ولم يكن أحد من الصحابة ولا أحد من التابعين يرضى بهذا الجواب في دفع نص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم كانوا أعلم بالله ورسوله وأتقى له من أن يقدموا على قول المعصوم رأي غير المعصوم.
ثم ثبت النص عن المعصوم بأنها باقية إلى يوم القيامة، وقد قال ببقائها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وأبو موسى وسعيد بن المسيب وجمهور التابعين. ويدل على أن ذلك رأي محض لا ينسب إلى أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما نهى عنها قال له أبو موسى الأشعري: يا أمير المؤمنين ما أحدثت في شأن النسك ؟ فقال: إن نأخذ بكتاب ربنا فإن الله يقول: وأتموا الحج والعمرة لله. وإن نأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحل حتى نحر. فهذا اتفاق من أبي موسى وعمر على أن منع الفسخ إلى المتعة والاحرام بها ابتداء إنما هو رأي منه أحدثه في النسك ليس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن استدل له بما استدل، و أبو موسى كان يفتي الناس بالفسخ في خلافة أبي بكر رضي الله عنه كلها وصدرا من خلافة عمر حتى فاوض عمر رضي الله عنه في نهيه عن ذلك واتفقا على أنه رأي أحدثه
[217]
عمر رضي الله عنه في النسك ثم صح عنه الرجوع عنه. ا ه. (1) وقال العيني في عمدة القاري 4 ص 562: فإن قلت: روي عن أبي ذر أنه قال: كانت متعة الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، في صحيح مسلم. قلت: قالوا: هذا قول صحابي يخالف الكتاب والسنة والاجماع وقول من هو خير منه. أما الكتاب فقوله تعالى: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج. وهذا عام، وأجمع المسلمون على إباحة التمتع في جميع الأعصار وإنما اختلفوا في فضله، وأما السنة فحديث سراقة: المتعة لنا خاصة أو هي للابد ؟ قال: بل هي للابد، وحديث جابر المذكور في صحيح مسلم في صفة الحج نحو هذا، ومعناه إن أهل الجاهلية كانوا لا يجيزون التمتع ولا يرون العمرة في أشهر الحج إلا فجورا فبين النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قد شرع العمرة في أشهر الحج وجوز المتعة إلى يوم القيامة رواه سعيد بن منصور من قول طاووس وزاد فيه فلما كان
الاسلام أمر الناس أن يعتمروا في أشهر الحج فدخلت العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة. وقد خالف أبا ذر علي وسعد وابن عباس وابن عمر وعمران بن حصين وسائر الصحابة وسائر المسلمين قال عمران: تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فيه القرآن فلم ينهنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينسخها شئ فقال فيها رجل برأيه ما شاء. متفق عليه وقال سعد بن أبي وقاص: فعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني المتعة وهذا يعني الذي نهى عنها يومئذ كافر بالعرش يعني بيوت مكة. رواه مسلم. ا ه. يعني به معاوية بن أبي سفيان كما في صحيح مسلم. فرأي الخليفة وأمره بالعمرة في غير أشهر الحج عود إلى الرأي الجاهلي قصده أو لم يقصد، فإن أهل الجاهلية كما سمعت كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج، قال ابن عباس: والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك. وقال: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض (21) 3 - ما أخرجه أبو داود في سننه 1 ص 283 عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فشهد عنده أنه سمع رسول الله
(1) زاد المعاد 1 ص 215. (2) صحيح البخاري 3 ص 69، صحيح مسلم 1 ص 355، سنن البيهقي 4 ص 345، سنن النسائي 5 ص 180. *
[218]
صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج. وأجاب عنه بدر الدين العيني في عمدة القاري 4 ص 562 بقوله: أجيب عن هذا بأنه حالة مخالفة للكتاب والسنة والاجماع كحديث أبي ذر، بل هو أدنى حالا منه فإن في إسناده مقالا. ا ه. وأجاب عنه الزرقاني في شرح الموطأ 2 ص 180 بأن إسناده ضعيف ومنقطع
كما بينه الحفاظ. أعطف إلى حديث ذلك الرجل الذي لم يعرف ولعله لم يولد بعد ما أخرجه أبو داود في سننه 1 ص 283 عن معاوية بن أبي سفيان إنه قال لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كذا وكذا وركوب جلود النمور ؟ قالوا: نعم. قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة ؟ فقالوا: أما هذا فلا. فقال: أما إنه معن ولكنكم نسيتم. سبحانك اللهم ما أجرأهم على نواميس الدين فلو كان مثل متعة الحج الذي يشمل حكمها في كل سنة مآت من ألوف الناس نزل فيها القرآن وفعلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم ينهى عنها صلى الله عليه وآله وسلم وينساه كل الصحابة وفيهم كثيرون طالت أيام صحبتهم، ولم يتفوه به أي أحد، ولم يذكره إلا معاوية بن أبي سفيان المتأخر إسلامه عن أكثرهم، المستتبع لقصر صحبته وقلة سماعه ولا يفوه به إلا بعد لأي من عمر الدهر يوم تولى الأمر وراقه أن يحذو حذو من تقدمه ؟ فأي ثقة تبقى بالأحكام عندئذ ؟ وأي اعتماد يحصل للمسلم عليها ؟ ولعمر الحق ليست هذه كلها إلا لعبا بالشريعة المطهرة وتسريبا للأهواء فيها، وما كانت هي عند أولئك الرجال إلا قوانين سياسية وقتية تدور بنظر من ساسها ورأي من تولى أزمتها. وشفع الحديثين بما رواه أحمد (1) في رواية من أن أول من نهى عنها معاوية وتمتع أبو بكر وعمر وعثمان. وفي أخرى (2) أن أبا بكر نهى عنه. فهو مضاد في معاوية لجميع ما تقدم من الصحاح، وفي أبي بكر لأكثرها، وأحسب أن من لفق الرواية
(1) مسند أحمد 1 ص 292 * 313، وأخرجه الترمذي في صحيحه 1 ص 157. (2) مسند أحمد 1 ص 337، 353. *
[219]
الأولى أراد تخفيفا عن عمر بإلقاء النهي على عاتق معاوية، ومن اختلق الثانية جعل ذلك
الرأي من سنة الشيخين ليقوى جانبه ذاهلا عن أن الكتاب والسنة يأتيان على كل قول وفتوى يتحيزان عنهما لأي قائل كان القول، ومن أي مفت صدرت الفتوى. قال العيني في عمدة القاري 4 ص 562: فإن قلت: قد نهى عنها عمر وعثمان و معاوية ؟ قلت: قد أنكر عليهم علماء الصحابة وخالفوهم في فعلها والحق مع المنكرين عليهم دونهم. ا ه. ولم يكن عزو التمتع إلى عثمان في حديث أحمد والترمذي إلا من ذاهل مغفل عن أحاديث كثيرة دالة على نهيه عنه أخرجها أئمة الحديث وحفاظه في الصحاح والمسانيد (1) وفيها اعتراضه على مثل علي أمير المؤمنين وتمتعه بقوله: تراني أنهى الناس عن شئ وأنت تفعله ؟ فقال " عليه السلام ": ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس (2) وفي حديث آخر عند البخاري: فقال علي: ما تريد إلا أن تنتهي عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) وقد بلغت شدة نكير عثمان على من تمتع إلى حد كاد أن يقتل من جرائه مولانا أمير المؤمنين أخرج أبو عمر في كتاب جامع العلم 2 ص 30 وفي مختصره صحيفة 111 عن عبد الله بن الزبير أنه قال: أنا والله لمع عثمان بالجحفة ومعه رهط من أهل الشام وفيهم حبيب بن مسلمة الفهري إذ قال عثمان وذكر له التمتع بالعمرة إلى الحج: أن أتموا الحج وخلصوه في أشهر الحج فلو أخرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل فان الله قد وسع في الخير. فقال له علي: عمدت إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورخصة رخص للعباد بها في كتابه، تضيق عليهم فيها وتنهي عنها، و كانت لذي الحاجة ولنائي الدار، ثم أهل بعمرة وحجة معا، فأقبل عثمان على الناس فقال: وهل نهيت عنها ؟ إني لم أنه عنها إنما كان رأيا أشرت به، فمن شاء أخذ به، خح
(1) صحيح البخاري 3 ص 69، 71. صحيح مسلم 1 ص 349. صحيح النسائي 5 ص 152، مستدرك الحاكم 1 ص 472، سنن البيهقي 5 ص 22، تيسير الوصول 1 ص 282.
(2) صحيح البخاري 3 ص 69 ط سنة 1279 في عشرة مجلدات، سنن النسائي 5 ص 148 سنن البيهقي 4 ص 352 و ج 5 ص 22. (3) وأخرجه مسلم في صحيحه 1 ص 349. *
[220]
من شاء تركه. قال: فما أنسى قول رجل من أهل الشام مع حبيب بن مسلمة: انظر إلى هذا كيف يخالف أمير المؤمنين ؟ والله لو أمرني لضربت عنقه. قال: فرفع حبيب يده فضرب بها في صدره وقال: اسكت فض الله فاك فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعلم بما يختلفون فيه. وبما ذكر يظهر فساد بقية ما قيل من الوجوه المبررة لرأي الخليفة، ومن ابتغى وراء ذلك تفصيلا في الموضوع فعليه بزاد المعاد لابن القيم الجوزية ج 1 ص 177 - 225. أما متعة النساء: فالذي يظهر من كلمات عمر إنه كان يعدها من السفاح ولذلك قال في حديث مر في صحيفة 207، بينوا حتى يعرف النكاح من السفاح. ولم يكن عند ذلك وفي عهد الصحابة كلهم من حديث النسخ عين ولا أثر، وكان إذا شجر بينهم خلاف في ذلك استند المجوزون إلى الكتاب والسنة، والمانعون إلى قول عمرو نهيه عنها، كما ينفي النسخ بكل صراحة قول الخليفة أنا أنهى عنهما، وهو صريح ما مر عن أمير المؤمنين عليه السلام وعبد الله بن العباس من إسناد النهي إلى عمر فحسب، وسيأتي عن ابن عباس قوله: إن آية المتعة محكمة. يعني لم تنسخ، ومر في ص 206 عن الحكم: إنها غير منسوخة ولي هذا استند كلم من أباحها من الصحابة والتابعين ومنهم: 1 - عمران بن الحصين، مر حديثه ص 208. 2 - جابر بن عبد الله، مر حديثه ص 208 و 209 - 11. 3 - عبد الله بن مسعود، يأتي حديث قرائته فما استمتعتم به منهن إلى أجل. وعده ابن حزم في المحلي والزرقاني في شرح الموطأ ممن ثبت على إباحتها.
وأخرج الحفاظ عنه أنه قال: كنا نغز ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس نساءنا فقلنا: يا رسول الله ألا نستخصي فنهانا عن ذلك ورخص لنا أن ننكح بالثوب إلى أجل ثم قال: لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم (1).
(1) صحيح البخاري 8 ص 7 كتاب النكاح. صحيح مسلم 1 ص 354، صحيح أبي حاتم البستي، أحكام القرآن للجصاص 2 ص 184، سنن البيهقي ك 7 ص 200. تفسير القرطبي 5 ص 130 نقلا عن صحيح البستي، تفسير ابن كثير 2 ص 87، الدر المنثور 2 ص 307 نقلا عن تسعة من الأئمة والحفاظ. *
[221]
قال الجصاص بعد ذكر الحديث: إن الآية من تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم عند إباحة المتعة وهو قوله تعالى: لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم. وذكره ابن كثير في تفسيره 2 ص 87 نقلا عن الشيخين وأدخل فيه من عند نفسه " ثم قرأ عبد الله ". 4 - عبد الله بن عمر، أخرج إمام الحنابلة أحمد في مسنده 2 ص 95 بإسناده عن عبد الرحمن بن نعم - نعيم - الأعرجي قال: سأل رجل ابن عمر عن المتعة وأنا عنده متعة النساء ؟ فقال: والله ما كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم زانين ولا مسافحين. 5 - معاوية بن أبي سفيان، عده ابن حزم في المحلى، والزرقاني في شرح الموطأ ممن ثبت على إباحتها. ومر خلافه ويوافيك قولنا الفصل فيه. 6 - أبو سعيد الخدري، المحلى لابن حزم. وشرح الموطأ للزرقاني. 7 - سلمة بن أمية بن خلف المحلى لابن حزم. وشرح الموطأ للزرقاني 8 - معبد بن أمية بن خلف المحلى لابن حزم. وشرح الموطأ للزرقاني. 8 - الزبير بن العوام، راجع صحيفة 208، 209. 10 - خالد بن مهاجر بن خالد المخزومي قال: بينا هو جالس عند رحل جاءه رجل فاستفتاه في المتعة فأمره بها. فقال له ابن أبي عمرة الأنصاري: مهلا. فقال: ما هي
والله لقد فعلت في عهد إمام المتقين (1). 11 - عمرو بن حريث، مر حديثه ص 207 وفيما أخرجه الطبري عن سعيد بن المسيب قال: إستمتع ابن حريث وابن فلان كلاهما وولد له من المتعة زمان أبي بكر وعمر (2). 12 - أبي بن كعب تأتي قراءته: فما استمتعتم به منهن إلى أجل. 13 - ربيعة بن أمية، مر حديثه ص 206. م 14 - سمير - في الإصابة: لعله سمرة بن جندب - قال: كنا نتمتع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الإصابة 2 ص 81). 15 - سعيد بن جبير، عده ابن حزم ممن ثبت على إباحتها وتأتي قراءته. * (الهامش) * (1) صحيح مسلم 1 ص 396، سنن البيهقي 7 ص 205 (2) كنز العمال 8 ص 293.
[222]
16 - طاوس اليماني، عدة ابن حزم ممن ثبت على إباحتها. 17 - عطاء أبو محمد المدني عدة ابن حزم ممن ثبت على إباحتها. 18 - السدي، كما في تفسيره، وتأتي قراءته. 19 - مجاهد، سيأتي قوله في آية المتعة ولم يعز إليه القول بالنسخ. 20 - زفر بن أوس المدني، كما في البحر الرائق لابن نجيم 3 ص 115. قال ابن حزم في " المحلى " بعد عد جملة ممن ثبت على إباحة المتعة من الصحابة: ورواه جابر عن جميع الصحابة مدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر. ثم قال: ومن التابعين طاوس وسعيد بن جبير وعطاء وساير فقهاء مكة. وقال أبو عمر صاحب " الاستيعاب ": أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كملهم يرون المتعة حلالا على مذهب ابن عباس وحرمها سائر الناس (1).
وقال القرطبي في تفسيره ص 132: أهل مكة كانوا يستعملونها كثيرا. وقال الرازي في تفسيره 3 ص 200 في آية المتعة: اختلفوا في أنها هل نسخت أم لا ؟ فذهب السواد الأعظم من الأمة إلى أنها صارت منسوخة. وقال السواد منهم إنها بقيت مباحة كما كانت. وقال أبو حيان في تفسيره بعد نقل حديث إباحتها: وعلى هذا جماعة من أهل البيت والتابعين. وقد ذهب إلى إباحة المتعة مثل ابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز المكي المتوفى 150، قال الشافعي: استمتع ابن جريج بسبعين امرأة. وقال الذهبي تزوج نحوا من تسعين امرأة نكاح المتعة (2) وقال السرخسي في المبسوط: تفسير المتعة أن يقول لامرأة: أتمتع بك كذا من المدة بكذا من ا لمال. وهذا باطل عندنا جائز عند ملك بن أنس وهو الظاهر من قول ابن عباس. وقال فخر الدين أبو محمد عثمان بن علي الزيلعي في تبيان الحقايق شرح كنز الدقائق: * (الهامش) * (1) تفسير القرطبي 5 ص 133، فتح الباري 9 ص 142. (2) تهذيب التهذيب 6 ص 406، ميزان الاعتدال 2 ص 151.
[223]
قال مالك: هو - نكاح المتعة - جائز لأنه كان مشروعا فيبقى إلى أن يظهر ناسخه، واشتهر عن ابن عباس تحليلها وتبعه على ذلك أكثر أصحابه من أهل اليمن ومكة، وكان يستدل على ذلك بقوله تعالى: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن، وعن عطاء أنه قال: سمعت جابرا يقول: تمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر ونصفا من خلافة عمر ثم نهى الناس عنه. وهو يحكى عن أبي سعيد الخدري وإليه ذهب الشيعة. وينسب جواز المتعة إلى مالك في فتاوى الفرغاني تأليف القاضي فخر الدين حسن بن منصور الفرغاني، وفي خزانة الروايات في الفروع الحنفية تأليف القاضي جكن
الحنفي، وفي كتاب الكافي في الفروع الحنفية، وفي العناية شرح الهداية تأليف أكمل الدين محمد بن محمود الحنفي، ويظهر من شرح الموطأ للزرقاني إنه أحد قولي مالك. نعم جاء قوم راقهم أن ينحتوا لنهي عمر حجة قوية فادعوا نسخ الآية بالكتاب تارة وبالسنة أخرى، وتضاربت هناك آرائهم وكل منها يكذب الآخر، كما أن كلا من قائليها يزيف قول. الآخر فمن قائل: نسخت بقوله تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن. ومن قائل بنسخها بقوله سبحانه: والذين هم لفروجهم حافظون إلا أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. نظر إلى أن المنكوحة متعة ليس بزوجة ولا ملك يمين. وثالث يقول إنها نسخت بآية الميراث إذ كانت المتعة لا ميراث فيها. هذه كلها دعاو فارغة، أيحسب امرئ أن تخفى هذه الآيات وكونها ناسخة لآية المتعة على أولئك الصحابة وفيهم من المجوزين لها من عرفت، وفيهم من فيهم، وفي مقدمهم سيدنا أمير المؤمنين العارف بالكتاب قذاذاته وجذاذاته، وقد مر في صحيفة 72 عن الحر إلى قوله: قد علم الأولون والآخرون إن فهم كتاب الله منحصر إلى علم علي. فكيف ذهب عليه وعلى مثل ابن عباس ترجمان القرآن نسخ هذه الآيات آية المتعة و ذهبوا إلى إباحتها وما أصاخوا إلى قول أي ناه عنها ؟ فالمتمسكون بهذه الآيات في النسخ ممن أخذوا ؟ ومن أين أتاهم هذا المعلم ؟ - المساوق بالجهل -.
[224]
وإن صدقت الأحلام وكان ابن عباس روى النسخ ببعضها كما عزوا إليه (1) و رأى مع ذلك إباحتها وقال بها إلى آخر نفس لفظه، وتبعته فيها أمة كبيرة فالمصيبة أعظم وأعظم، وحاشاه أن تكون هذه سيرته وهذا مبلغ ثقته وأمانته بوايع العلم والدين على أن الآية الأولى إنما أراد سبحانه بها من تبين بالطلاق لا مطلق البينونة
وإلا لشملت ملك اليمين أيضا فنسخته ولم يقل به أحد ولا عده أحد من السفاح. وأما الآية الثانية فالقول فيها بنفي الزوجية في المتعة مصادرة محضة فإن القائل با با حتها يقول بالزوجية فيها وإنها نكاح وعلى ذلك قال القرطبي كما يأتي: لم يختلف العلماء من السلف والخلف إن المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه. وعن القاضي كما سيوافيك: أنه قال: اتفق العلماء على أن هذه المتعة كانت نكاحا إلى أجل لا ميراث فيها. فالاستدلال بإطلاق هذه الآية على إباحة نكاح المتعة أولى من التمسك بها في نسخ آية المتعة. ثم القول بالنسخ بهذه الآية يعزى إلى ابن عباس وهو كعزو الرجوع عن القول بإباحة المتعة إليه ساقط عن الاعتبار قال ابن بطال: روى أهل مكة واليمن عن ابن عباس إباحة المتعة، وروي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة وإجازة المتعة عنه أصح (2) وأما آية الميراث فهي أجنبية عن المقام فإن نفي الوراثة جاءت بها السنة في خصوص النكاح المؤجل فهي بمعزل عن نفي عقدة النكاح وعنوان الزوجية كما جاء مثله في الولد القاتل أو الكافر من غير نفي لأصل البنوة. وأما النسخ بالسنة: فقد كثر القول فيه واختلفت الآراء اختلافا هائلا، وكل منها لا يلايم الآخر، والقارئ لا مناص له من هذا الخلاف والتضارب في القول لاختلاف ما اختلقته يد الوضع فيه من الروايات الجمة تجاه ما حفظته السنة الثابتة والتاريخ الصحيح، فوضع كل من رجال النسخ المفتعل بحسب رأيه وسليقته ذاهلا عن نسيجة أخيه وفعيلته، وإليك * (الهامش) * (1) أحكام القرآن للجصاص 2 ص 178، سنن البيهقي 7 ص 306. (2) فتح الباري ص 242. *
[225]
جملة من تلكم الأقوال: 1 - كانت رخصة في أول الاسلام نهى عنها رسول الله يوم خيبر. 2 - لم تكن مباحة إلا للضرورة في أوقات ثم حرمت آخر سنة حجة الوداع. قاله الحازمي. 3 - لا تحتاج إلى الناسخ إنما أبيحت ثلاثة أيام فبانقضائها تنتهي الإباحة. 4 - كانت مباحة ونهي عنها في غزوة تبوك. 5 - أبيحت عام أوطاس ثم نهي عنها. 6 - أبيحت في حجة الوداع ثم نهي عنها. 7 - أبيحت ثم نهي عنها عام الفتح. 8 - أبيحت يوم الفتح ونهي عنها يوم ذاك. 9 - ما حلت قط إلا في عمرة القضاء. 10 - هي الزنا لم تبح قط في الاسلام قاله النحاس. 11 - أبيحت ثم نهي عنها عام خيبر، ثم أذن فيها عام الفتح، ثم حرمت بعد ثلاث. 12 - أبيحت في صدر الاسلام ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت في غزوة أوطاس ثم حرمت. 13 - أبيحت في صدر الاسلام وعام أوطاس ويوم الفتح وعمرة القضاء وحرمت يوم خيبر وغزوة تبوك وحجة الاسلام. 14 - أبيحت ثم نسخت. ثم أبيحت ثم نسخت. ثم أبيحت ثم نسخت. 15 - أبيحت سبعا ونسخت سبعا نسخت بخيبر. وحنين. وعمرة القضاء. وعام الفتح. وعام الأوطاس. وغزوة تبوك. وحجة الوداع (1). وإن رمت الوقوف على الآراء المتضاربة حول أحاديث هذه الأقوال والكلمات الطويلة والعريضة فيها فخذ القول الأول مقياسا وقد أخرج حديثه خمسة من أئمة
* (الهامش) * (1) راجع أحكام القرآن للجصاص 2 ص 182، صحيح مسلم 1 ص 394، زاد المعاد 1 ص 443، فتح الباري 9 ص 138، إرشاد الساري 8 ص 41، شرح صحيح مسلم للنووي هامش الارشاد ص 124 - 130، شرح الموطأ للزرقاني 2 ص 24. *
[226]
الصحاح الست في صحاحهم وغيرهم من أئمة الحديث في مسانيدهم (1) وأنهوا إسناده إلى علي أمير المؤمنين فتكلم القوم فيه فمن قائل (2) بأن تحريم المتعة يوم خيبر صحيح لا شك فيه. وآخر يقول (3) هذا شئ لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثر إن المتعة حرمت يوم خيبر. وثالث (4) يقول: إنه غلط ولم يقع في غزوة خيبر تمتع بالنساء. ورابع (5) يقول: إن التاريخ في الحديث إنما هو في النهي عن لحوم الحمر الأهلية لا في النهي عن نكاح المتعة، فتوهم بعض الرواة فجعله ظرفا لتحريمها. ا ه. كيف خفي هذا الوهم على. طائفة كبيرة من العلماء ومنهم الشافعي وذهبوا إلى تحريمها يوم خيبر ؟ كما في زاد المعاد 1 ص 442، وكيف عزب عن مثل مسلم وأخرجه في صحيحه بلفظ: نهي عن متعة النساء يوم خيبر (6) وفي لفظه الآخر: نهي عن نكاح المتعة يوم خيبر. وفي ثالث الألفاظ له: نهي عنها يوم خيبر. وفي لفظ رابع له: نهى رسول الله عن متعة النساء يوم خيبر ؟ وجاء خامس (7) يزيف ويضعف أحاديث بقية الأقوال فيقول: فلم يبق صحيح صريح سوى خيبر والفتح مع ما وقع في خيبر من الكلام. هذا شأن أصح رواية أخرجته أئمة الحديث في النهي عن المتعة، والخطب في بقية مستند تلكم الأقوال أعظم وأعظم، وأفظع من هذه كلها نعرات القرن العشرين لصاحبها موسى الوشيعة فإنه جاء بطامات قصرت عنها يد اللاعبين بالكتاب والسنة في القرون المتقادمة، وأتى برأي خداج ومذهب مخترع يخالف رأي سلف الأمة جمعاء، ولا يساعده في تقولاته أي مبدأ من المبادئ الإسلامية ولا شئ من الكتاب والسنة.
قال: وللأمة في المتعة كلام طويل عريض: وأرى أن المتعة من بقايا الأنكحة * (الهامش) * (1) صحيح البخاري ص 8 ص 23، صحيح مسلم 1 ص 397، سنن ابن ماجة 1 ص 604 سنن الدارمي 2 ص 140، صحيح الترمذي 209 1، سنن النسائي 6 ص 126. (2) قاله القاضي عياض وحكاه عنه الزرقاني في شرح الموطأ 3 ص 24. (3) قاله السهيلي في الروض الأنف 2 ص 238. (4) قاله أبو عمر صاحب الاستيعاب وحكاه عنه الزرقاني في شرح المواهب 2 ص 239، وفي شرح الموطأ 2 ص 24. (5) قاله ابن عيينة كما في سنن البيهقي 7 ص 201، وزاد المعاد 1 ص 443. (6) وبهذا اللفظ أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 6 ص 102 و ج 8 ص 461. (7) قاله الزرقاني في شرح الموطأ 2 ص 24. *
[227]
الجاهلية، ويمكن إنها قد وقعت من بعض الناس في صدر الاسلام، ويمكن أن الشارع الكريم قد أقرها لبعض الناس في الأحوال من باب ما نزل فيها إلا ما قد سلف.. وقد نزل في أشد المحرمات، كانت المتعة أمرا تاريخيا ولم تكن حكما شرعيا بإذن من الشارع، وإن ادعى مدع إن المتعة كانت حلالا طلقا بإذن من الشارع وإقرار منه فلتكن ولنقل أن لا بأس بها ولا كلام لنا في هذه على ردها. وإنما كلامي الآن في أن المتعة هل ثبتت في القرآن أو لا ؟ كتب الشيعة تدعي أن المتعة نزل فيها قول الله جل جلاله: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن. وأرى أن أدب البيان يأبى وعربية هذه الجملة الكريمة تأبى أن تكون هذه الجملة الجليلة الكريمة قد نزلت في المتعة لأن تركيب هذه الجملة يفسد ونظم هذه الآية الكريمة يختل لو قلنا إنها نزلت فيها. ص 32. أما متعة النكاح ونكاح المتعة فلم ينزل قرآن وفيه. ولبيان هذا المعنى
الجليل عقدت هذا الباب دفعا لما شاع في كتب الشيعة أن قوله: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن. نزل في نكاح المتعة ص 121. المتعة لم تكن مباحة في شرع الاسلام أصلا، ونسخها لم يكن نسخ حكم شرعي، إنما كان نسخ أمر جاهلي تحريم أبد. ص 132. حديث المتعة من غرائب الأحاديث كان يقول بها جماعة من الصحابة حتى قال بها جماعة من التابعين منهم طاووس وعطاء وسعيد بن جبير وجماعة من فقهاء مكة، روى الحاكم في علوم الحديث عن الإمام الأوزاعي أنه كان يقول: يترك من قول أهل الحجاز خمس منها المتعة. ص 132 وقد أسرف القول بإباحة المتعة فقيه مكة ابن جريج كما كان يسرف في العمل بها حتى أوصى بسبعين امرأة وقال: لا تتزوجوا بهن فإنهن أمهاتكم. وقد روى أبو عوانة في صحيحه عن ابن جريج عن هذا المسرف المتمتع أنه قال لهم بالبصرة: اشهدوا إني قد رجعت عن المتعة، أشهدهم بعد أن حدثهم فيها ثمانية عشر حديثا أنه لا بأس بها وبعد أن شبع منها وعجز.
[228]
أستبعد غاية الاستبعاد أن يكون مؤمن يعلم لغة القرآن الكريم ويؤمن بإعجازه ويفهم حق الفهم إفادة النظم يقول: أن قول الله جل جلاله: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة. نزل في متعة النساء. قول لا يكون إلا من جاهل يدعي ولا يعي. ص 149. كتب الشيعة ترفع إلى الباقر والصادق إن فما استمتعتم به منهن منزل في المتعة. وأحسن الاحتمالين أن السند موضوع وإلا فالباقر والصادق جاهل. ص 165. لا يوجد في غير كتب الشيعة قول لأحد أن فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن نزل في متعة النساء وقد أجمعت الأمة على تحريم المتعة ولم يقل أحد أن قول الله: فما استمتعتم به منهن قد نسخ. ص 166.
حكومات الأمم الإسلامية اليوم أرشد في شرف دينها وصلاح دنياها من فقهاء الأمة. فحكومة الدولة الايرانية التي كانت قد أخذت مرات عديدة من قبل في إبطال متعة الفقهاء، نراها اليوم بفضل ملكها الأعظم قد نسخت المتعة نسخا قطعيا بتاتا. إن حكومة الدولة الايرانية التي تسعى في إصلاح حياة الأمة ودنياها وفي تعمير الوطن وإحيائه أخذت في إصلاح دين الأمة فمنعت منعا باتا متعة فقهاء الشيعة. ص 185. ج - هذه جمل التقطناها من صحائف - الوشيعة - سودها الرجل في مسألة المتعة، وتلك الصحائف السوداء تبعد عن أدب الدين. أدب العلم. أدب العفة. أدب الكتاب. أدب الاجتماع، وبينها وبين ما جاء به الاسلام بون شاسع، فلا نقابله فيها إلا بالسلام. أما بسط القول في المتعة فلا حاجة لنا تمس بها بعد ما أغرق نزعا فيها محققوا أصحابنا ولا سيما الأواخر منهم (1) فجاء الرجل بعده يتهجم عليهم بفاحش القول ولا يبالي، ويقذفهم بلسان بذي ولا يكترث له، وإنما يهمنا إيقاظ شعور الباحث إلى أكاذيب الرجل وجناياته الكبيرة على العلم والقرآن وأهله بكتمان رأي السلف فيه، وتدجيله الحقائق الراهنة على الأمة بالسفاسف والمخاريق، وإشاعة ما يضاد الكتاب والسنة في الملأ العلمي، وهو مع جهله بها يرى نفسه فقيها من فقهاء الاسلام، فعلى الاسلام السلام. * (الهامش) * (1) نظراء الأعلام الحجج سيدنا السيد عبد الحسين شرف الدين، سيدنا السيد المحسن الأمين، شيخنا الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، وأفرد فيها الأستاذ توفيق الفكيكي كتابا وقد أدى فيه حق المقال. *
[229]
المتعة في الكتاب فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة، ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما. سورة النساء 24.
يرى موسى الوشيعة أن القول بنزول الآية من دعاوي الشيعة فحسب، ولا يوجد في غير كتبهم قول به لأحد، والقول به لا يكون إلا من جاهل يدعي ولا يعي فنحن نذكر شطرا مما في كتب قومه حتى يعلم القارئ إلى من توجه قوارص هذا الرجل الجاهل الفاحش المتفحش. 1 - أخرج أحمد إمام الحنابلة في مسنده 4 ص 436 بإسناد رجاله كلهم ثقات عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى وعملنا بها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات. وقد مر في صحيفة 208 أن غير واحد من المفسرين ذكره في سورة النساء في آية المتعة وبهذا الحديث عد من عد عمران بن حصين ممن ثبت على إباحتها. 2 - أخرج أبو جعفر الطبري المتوفى 310 في تفسيره ج 5 ص 9 بإسناده عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن متعة النساء قال: أما تقرأ سورة النساء ؟ قال: قلت: بلي قال: فما تقرأ فيها فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ؟ قلت له: لو قرأتها هكذا ما سألتك. قال: فإنها كذا. وفي حديث: قال ابن عباس: والله لأنزلها الله كذلك. ثلاث مرات. وأخرج عن قتادة في قراءة أبي بن كعب: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى وأخرج بإسناد صحيح عن شعبة عن الحكم قال: سألته عن هذه الآية أمنسوخة هي ؟ قال: لا. وروى عن عمر بن مرة: أنه سمع سعيد بن جبير يقرأ: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى. وعن مجاهد: إن في الآية يعني نكاح المتعة. وعن أبي ثابت: إن ابن عباس أعطاني مصحفا فيه: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى.
[230]
- أخرج أبو بكر الجصاص الحنفي المتوفى 370 في " أحكام القرآن " 2 ص 178 ما مر من حديثي ابن عباس وأبي بن كعب في قراءة الآية، وذكر من طريق ابن جريح وعطاء الخراساني عن ابن عباس إنها نسخت بقوله تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن. فلو لم تكن نزلت في المتعة كيف نسخت ؟ وقد عرفت بطلان نسخها بها وبغيرها. 4 - أخرج الحافظ أبو بكر البيهقي المتوفى 458 بإسناده في السنن الكبرى 7 ص 205 عن محمد بن كعب عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كانت المتعة في أول الاسلام وكانوا يقرأون هذه الآية: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى. الحديث، 5 - قال الحافظ أبو محمد البغوي الشافعي المتوفى 510 / 16 في تفسيره هامش تفسير الخازن ج 1 ص 423: قال الحسن ومجاهد: إن الآية في النكاح الصحيح. وقال آخرون هو نكاح المتعة - إلى أن قال -: ذهب عامة (1) أهل العلم أن نكاح المتعة حرام والآية منسوخة وكان ابن عباس رضي الله عنهما يذهب إلى أن الآية محكمة، وترخص في نكاح المتعة، ثم روى حديث أبي نضرة المذكور بلفظ الطبري. 6 - قال أبو القاسم جار الله الزمخشري المعتزلي المتوفى 538 في (الكشاف) ج 1 ص 360: قيل نزلت - الآية - في المتعة، وعن ابن عباس هي محكمة يعني لم تنسخ، وكان يقرأ: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى. 7 - قال القاضي أبو بكر الأندلسي المتوفى 542 في (أحكام القرآن ج 1 ص 162: في الآية قولان: أحدهما إنه أراد استمتاع النكاح المطلق قاله جماعة منهم الحسن ومجاهد وإحدى روايتي ابن عباس. الثاني: إنه متعة النساء بنكاحهن إلى أجل. ثم رواه عن ابن عباس. وحبيب بن أبي ثابت. وأبي بن كعب. 8 - قال أبو بكر يحيى بن سعدون القرطبي المتوفى 567 في تفسيره 5 ص 130
عند بيان الاختلاف في معنى الآية: قال الجمهور إن المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الاسلام، وقرأ ابن عباس وأبي وسعيد بن جبير: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن.
(1) تعرف مقيل صحة هذه النسبة المكذوبة على عامة أهل العلم مما أسلفناه. *
[231]
وقال في بيان الخلاف في من تمتع بها: وفي رواية أخرى عن مالك: لا يرجم لأن نكاح المتعة ليس بحرام ولكن لأصل آخر لعلمائنا غريب انفردوا به دون ساير العلماء، وهو أن ما حرم بالسنة هل هو مثل ما حرم بالقرآن أم لا ؟ فمن رواية بعض المدنيين عن مالك إنهما ليسا بسواء وهذا ضعيف. وقال أبو بكر الطرسوسي: ولم يرخص في نكاح المتعة إلا عمران بن حصين وابن عباس وبعض الصحابة وطائفة من أهل البيت، وفي قول ابن عباس يقول الشاعر: أقول للركب إذ طال الثواء بنا *: يا صاح هل لك من فتيا ابن عباس في بضة رخصة الأطراف ناعمة * تكون مثواك حتى مرجع الناس ؟ وسائر العلماء والفقهاء من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة. ص 133. قال الأميني: فترى إن القول بنزول الآية في المتعة رأي العلماء والفقهاء من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين غير إنهم يعزى إليهم عند القرطبي القول بالنسخ وقد عرفت حق القول فيه. وقال القرطبي أيضا في تفسيره ج 5 ص 35 في قوله تعالى: ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة. قال القائلون بأن الآية في المتعة هذه إشارة إلى ما تراضيا عليه من زيادة في مدة المتعة في أول الاسلام فإنه كان يتزوج المرأة شهرا على دينار مثلا فإذا انقضى الشهر فربما كان يقول: زيديني في الأجل أزدك في المهر، بين أن ذلك كان
جائزا عند التراضي. م - قال أبو الوليد محمد بن أحمد القرطبي الشهير بابن رشد المتوفى 595 في بداية المجتهد ج 2 ص 58: إشتهر عن ابن عباس تحليلها (المتعة) وتبع ابن عباس على القول بها أصحابه من أهل مكة وأهل اليمن ورووا: إن ابن عباس كان يحتج لذلك بقوله تعالى: فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم. وفي حرف عنه: إلى أجل مسمى). 9 - ذكر أبو عبد الله فخر الدين الرازي الشافعي المتوفى 606 في تفسيره الكبير 3 ص 200 قولين في الآية وقال أحدهما قول أكثر العلماء.
[232]
والقول الثاني: أن المراد بهذه الآية حكم المتعة وهي عبارة إن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معين فيجامعها واتفقوا على إنها كانت مباحة في ابتداء الاسلام واختلفوا في أنها هل نسخت أم لا ؟ فذهب السواد الأعظم من الأمة إلى أنها صارت منسوخة. وقال السواد منهم: إنها بقيت مباحة كما كانت، وهذا القول مروي عن ابن عباس وعمران بن الحصين، أما ابن عباس فعنه ثلاث روايات " ثم ذكر الروايات " فقال: وأما عمران بن الحصين فإنه قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى ولم ينزل بعدها آية تنسخها وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتعا بها. ومات ولم ينهنا عنه ثم قال رجل برأيه ما شاء. وذكر في صحيفة 201 قراءة أبي وابن عباس كما مر عن الطبري. وقال في ص 203: إن قراءة أبي وابن عباس بتقدير ثبوتها لا تدل إلا على أن المتعة كانت مشروعة ونحن لا ننازع فيه إنما الذي نقوله إن النسخ طرأ عليه. 10 - ذكر الحافظ أبو زكريا النووي الشافعي المتوفى 676 في شرح صحيح مسلم ج 9 ص 181، إن عبد الله بن مسعود قرأ: فما استمعتم به منهن إلى أجل. 11 - قال القاضي أبو الخير البيضاوي الشافعي المتوفى 685 في تفسيره 1 ص 259:
قيل نزلت الآية في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتحت مكة ثم نسخت كما روي إنه عليه الصلاة والسلام أباحها ثم أصبح يقول: أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء ألا إن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة (1) وهي النكاح الموقت بوقت معلوم سمي بها. 12 - قال علاء الدين البغدادي المتوفى 841: في تفسيره المعروف بتفسير الخازن ج 1 ص 357: قال قوم: المراد من حكم الآية هو نكاح المتعة وهو أن ينكح امرأة إلى مدة معلومة بشئ معلوم فإذا انقضت تلك المدة بانت منه بغير طلاق ويستبرئ رحمها وليس بينهما ميراث وكان هذا في ابتداء الاسلام ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة ثم ذكر حديث سبرة المذكور في لفظ البيضاوي فقال: وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم، أي إن نكاح المتعة حرام والآية منسوخة واختلفوا
(1) هذا يبطل غير واحد من الأقوال المذكورة في صحيفة 225، 226. *
[233]
في ناسخها فقيل نسخت بالسنة وهو ما تقدم من حديث سبرة... وهذا على مذهب من يقول: إن السنة تنسخ القرآن، ومذهب الشافعي إن السنة لا تنسخ القرآن فعلى هذا يقول: إن ناسخ هذه الآية قوله تعالى في سورة المؤمنون: والذين هم لفروجهم حافظون. الآية. ثم ذكر روايات ابن عباس ومنها: إن الآية محكمة لم تنسخ. 13 - قال ابن جزي محمد بن أحمد الغرناطي المتوفى 741، في تفسيره التسهيل 1 ص 137: قال ابن عباس (1) وغيره: معناها إذا استمعتم بالزوجة ووقع الوطئ فقد وجب إعطاء الأجر وهو الصداق كاملا، وقيل: إنها في نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل من غير ميراث، وكان جائزا في أول الاسلام فنزلت هذه الآية في وجوب الصداق فيه ثم حرم عند جمهور العلماء، فالآية على هذا منسوخة بالخبر الثابت في تحريم نكاح المتعة،
وقيل: نسختها آية الفرائض لأن نكاح المتعة لا ميراث فيه، وقيل: نسختها والذين هم لفروجهم حافظون، وروي عن ابن عباس: جواز نكاح المتعة. وروي: أنه رجع عنه (2). 14 - ذكر أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي المتوفى 745 في تفسيره 3 ص 218 قرائة ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى. وقال: قال ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم: إن الآية في نكاح المتعة. وقال ابن عباس لأبي نضرة: هكذا أنزلها الله. 15 - قال الحافظ عماد الدين ابن كثير الدمشقي الشافعي المتوفى 774 في تفسيره 1 ص 474. وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة ولا شك أنه كان مشروعا في ابتداء الاسلام ثم نسخ بعد ذلك. ثم قال بعد ذكر بعض أقوال النسخ: وكان ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرؤن: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى. وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة. ولكن الجمهور على خلاف ذلك والعمدة
(1) تكذب هذه النسبة إلى ابن عباس قراءته الآية فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى وهي ثابتة عن كما مر ويأتي. (2) كيف يرجع عنه وهو يرى الآية محكمة لم تنسخ ؟ وقد مر ويأتي ما يكذب هذا العزو إليه، وقد قال به إلى آخر نفس لفظه. *
[234]
ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (1) 16 - قال الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى 911 في " الدر المنثور " 2 ص 140: أخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس: كانت المتعة في أول الاسلام و كانوا يقرؤن هذه الآية: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه
من طرق عن أبي نضرة قال: قرأت على ابن عباس. وقد مر ص 229 وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن سعيد بن جبير قرائة أبي بن كعب: فما استمتعتم به منهن إلى أجل، وأخرج عبد الرزاق عن عطاء قراءة ابن عباس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد: فما استمتعتم به منهن: قال: يعني نكاح المتعة. وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: هذه المتعة. وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخة وابن جرير عن الحكم إنه سئل عن هذه الآية أمنسوخة ؟ قال: لا. 17 - قال أبو السعود العمادي الحنفي المتوفى 982 في تفسيره (هامش تفسير الرازي) 3 ص 251 قيل: نزلت في المتعة التي هي النكاح إلى وقت معلوم من يوم أو أكثر سميت بذلك لأن الغرض منها مجرد الاستمتاع بالمرأة واستمتاعها بما يعطي، وقد أبيحت ثلاثة أيام حين فتحت مكة شرفها الله تعالى ثم نسخت لما روي إنه عليه السلام أباحها ثم أصبح يقول: يا أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء ألا إن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة (2) وقيل: أبيح مرتين وحرم مرتين. 18 - قال القاضي الشوكاني المتوفى 1250 في تفسيره 1 ص 414: قد اختلف أهل العلم في معنى الآية فقال الحسن ومجاهد (3) وغيرهما: المعنى فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع
(1) عرفت بعض القول حول هذه الصحيحة في صحيفة 222. (2) عرفت أن هذا القول يبطل الأقوال الأخر في النسخ وهي تناقض هذا فراجع. (3) سمعت عن الطبري وعبد بن حميد وأبي خيان وابن كثير والسيوطي إن مجاهدا من رواة القول بنزولها في المتعة ومن هنا عد ممن ثبت على إباحتها، فعزو خلاف ما جاء عن السلف إليه من صنايع الأهواء. *
[235]
من النساء بالنكاح الشرعي فآتوهن أجورهن أي مهورهن، وقال الجمهور: إن المراد بهذه الآية: نكاح المتعة الذي كان في صدر الاسلام، ويؤيد ذلك قرائة أبي بن كعب وابن عباس وسعيد بن جبير: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن. ثم نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم كما صح ذلك من حديث علي قال: نهى النبي عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر (1) ثم ذكر حديث النهي عنها يوم فتح مكة ويوم حجة الوداع فقال: فهذا هو الناسخ، وحكى عن سعيد بن جبير نسخها بآية الميراث إذ المتعة لا ميراث فيها (2) وعن عائشة والقاسم بن محمد: نسخها بآية والذين هم لفروجهم حافظون. ثم قال في قوله تعالى (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة): أي من زيادة أو نقصان في المهر فإن ذلك سائغ عند التراضي، هذا عند من قال بأن الآية في النكاح الشرعي، وأما عند الجمهور القائلين بأنها في المتعة فالمعنى التراضي في زيادة مدة المتعة أو نقصانها أو في زيادة ما دفعه إليها إلى مقابل الاستمتاع بها أن نقصانه. 19 - ذكر شهاب الدين أبو الثناء السيد محمد الآلوسي البغدادي المتوفى 1270 في تفسيره 5 ص 5 قراءة ابن عباس وعبد الله بن مسعود الآية: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى، ثم قال، ولا نزاع عندنا في إنها أحلت ثم حرمت، والصواب المختار إن التحريم والاباحة كانا مرتين، وكانت حلالا قبل يوم خيبر ثم حرمت يوم خيبر، (3) ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أو طاس لاتصالهما ثم حرمت يومئذ بعد ثلاث (4) تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة. هلم معي: هلم معي أيها القارئ نسائل الرجل - موسى جار الله - عن هذه الكتب أليست * (الهامش) * (1) عرفت الحال في هذا الحديث الصحيح الذي هو عمدة مستند القوم في النهى عن المتبعة راجع ص 211.
(2) عزو القول بالنسخ إلى سعيد يكذبه عد السلف إياه فيمن ثبت على القول بإباحتها. (3) عرفت في ص 226 عن السهيلي إن هذا شئ لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثر. (4) هذا يبطل القول بالتحريم في حجة الوداع بعد إباحتها وحكى النووي في شرح مسلم عن أبي داود إنه يراه أصح ما روى في ذلك. وهكذا كل قول من تلكم الأقوال يكذب الآخر ويبطله، والحق يبطل الجميع، والحق أحق أن يتبع. *
[236]
هي مراجع أهل السنة في علم القرآن ؟ أليس هؤلاء أعلامهم وأئمتهم في التفسير ؟ أليس من واجب الباحث أن يراجع تلكم الكتب ثم ينقض ويبرم، ويزن ويرجح ؟ أيوجه قوارصه إلى مثل ابن عباس ترجمان القرآن، وأبي بن كعب أقرأ الصحابة - عندهم - وعبد الله بن مسعود (عالم الكتاب والسنة) وعمران بن حصين، والحكم، وحبيب بن أبي ثابت، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد ؟ أيرى كلا منهم جاهلا يدعي ولا يعي ؟ أليس هذا سب الصحابة والسلف الصالح الذي تتهم به الشيعة عند قومه ؟ أم يرى رجالات قومه من الشيعة ويسلقهم بألسنة حداد ؟ فإن لم تكن عنده قيمة لمثل البخاري. ومسلم. وأحمد. والطبري. ومحمد بن كعب. وعبد بن حميد. وأبي داود. وابن جريج. والجصاص. وابن الأنباري. والبيهقي. والحاكم. والبغوي. والزمخشري. والأندلسي. والقرطبي. والفخر الرازي. والنووي. والبيضاوي. والخازن. وابن جزي. وأبي حيان. وابن كثير. وأبي السعود. والسيوطي. والشوكاني. والآلوسي. فمن قدوته وأسوته في العلم والدين ؟ نعم: لا يفوتنا أن أكاذيب الرجل وأساطيره المسطرة وعز والقول بنزول الآية إلى الشيعة فحسب كلها تقدمة لسب الإمامين الطاهرين الباقر والصادق، وهو يعلم وكل ذي نصفة يدري إن أئمة قومه الأربعة عايلة الإمامين في علمهما، فإن يوجد عندهم
شئ من العلم فمن ذلك النمير العذب، والباقران هما الباقران، وموسى الوشيعة هو موسى الوشيعة، والله هو الحكم العدل، وإلى الله المشتكى. وهلم نسائل الرجل عن أدب البيان الذي شعر به هو وخفي على هؤلاء الأعلام في القرون الخالية، وعن الاختلال الذي عرفه هو وجهله أئمة القوم على تقدير القول بنزول الآية في المتعة ما هو ؟ وأين كان ؟ وعمن يؤثر ؟ ومن الذي قال به ؟ وما الحجة عليه ؟ وممن أخذه ؟ ولم كتمه الأولون والآخرون حتى انتهت النوبة إليه ؟ لا أحسب إنه يحير جوابا يشفي الغليل، ولعله يعيد سبابه المقذع إلى أناس آخرين. حدود المتعة في الاسلام: 1: الأجرة. 2: الأجل.
[237]
3: العقد المشتمل للإيجاب والقبول. 4: الافتراق بانقضاء المدة أو البذل. 5: العدة أمة وحرة حائلا وحاملا. 6: عدم الميراث. إن هذه الحدود ذكرها الفقهاء في مدوناتهم الفقهية، والمحدثون في الصحاح والمسانيد، والمفسرون في ذيل الآية الكريمة الآنفة، فوقع إصفاقهم على أنها حدود شرعية إسلامية لا محيص عنها، سواء فيها من يقول بالإباحة الدائمة أو بالإباحة الموقتة المنسوخة، فأين يكون مقيل كلمة الرجل: إنها من الأنكحة الجاهلية التاريخية ولم تكن بإذن من الشارع ؟ ومتى كان في الجاهلية نكاح بهذه الحدود، وقد ضبطوا أنكحتها وعاداتها وتقاليدها وليس فيها ما يشابه نكاح المتعة. نعم: الرجل يتقول ولا يكترث لما يقول، وقد أسلفنا جمعا ممن ذكر حدود نكاح المتعة في الجزء
الثالث ص 331. ولماذا يكون ابن جريج مسرفا في إتيان الفاحشة التي نزلت في أشد المحرمات في مزعمة (موسى)، ولو كان ابن جريج متهاونا بالدين، فلماذا أخرج عنه أئمة الحديث أرباب الصحاح الست كلهم، وحشو المسانيد مروياته وأسانيده ؟ وقد سمعوا منه اثني عشر ألف حديث يحتاج إليها الفقهاء (2) ولو فسد مثله أو فسدت روايته لوجب أن تمحى صحائف جمة من جوامع الحديث، ولا تبقى قيمة لتلكم الصحاح عندئذ، ولو كان كما يزعمه فلماذا أطرته أئمة الرجال بكل ثناء جميل ؟ وكيف رآه أحمد إمام الحنابلة أثبت الناس، وكيف كانوا يسمون كتبه كتب الأمانة ؟ (2). ثم ماذا على الرجل إن عمل بما أدى إليه اجتهاده وهو يروي في ذلك ثمانية عشر حديثا ؟ وأما حديث عدوله عن رأيه فإن صدق نقل الرجل عن أبي عوانه وصدق إسناد أبي عوانة، ولو كان لبان وظهر وتناقلته الفقهاء، ولم ينحصر نقله بواحد عن واحد، ولا سيما وابن جريح هو ذلك المصر على رأيه عمليا وعلميا، وإني أحسب أن عز والعدول
إلى هذا الرجل لدة عزوه إلى حبر الأمة عبد الله بن العباس الذي كذبه من كذبه كما عرفت. وأما ما عزاه (موسى) إلى الحكومة الايرانية في إدخال المنع عن المتعة في جملة إصلاحاتها ونسخها نسخا قطعيا بتاتا، ومنعها منعا بتا فكبقية مفتعلاته، فما أعوزته الحجة، وضاقت عليه المحجة، وغدا محجوجا أعيت عليه البراهين، إلى أن محج وأفك، واحتج بما لم تسمعه أذن الدنيا، وقابل الكتاب والسنة بتاريخ مفتعل على حكومة إسلامية لم تأب بشئ جديد قط في المتعة، وعلى تقدير تحقق فريته فأي
قيمة لذلك تجاه ما هتف به النبي الأعظم وكتابه المقدس. اقرأ واضحك أو ابك ذكر القوشچي المتوفى 879 في شرح التجريد في مبحث الإمامة أن عمر قال وهو على المنبر: أيها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنهن و أحرمهن وأعاقب عليهن: متعة النساء. ومتعة الحج. وحي على خير العمل. ثم اعتذر عنه بقوله: إن ذلك ليس مما يوجب قدحا فيه فإن مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ببدع. ا ه. ما كنا نقدر أن ضليعا في العلم يقابل النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بواحد من أمته ويجعل كلا منهما مجتهدا، وما ينطقه الرسول الأمين هو عين ما ثبت في اللوح المحفوظ وإن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى، فأين هو عن الاجتهاد برد الفرع إلى الأصل، واستعمال الظنون في طريق الاستنباط ؟ وإن السائغ من المخالفة الاجتهادية هو ما إذا قابل المجتهد مجتهدا مثله لا من اجتهد تجاه النص المبين، وارتأى أمام تصريحات الشريعة من قول الشارع وعمله. ثم أي مستوى يقل سيد أولي الألباب وهذا الرجل في عرض واحد فهما و إدراكا حتى يقابل بين رأييهما ؟ وأي قيمة لآراء العالمين جميعا إذا خالفت ما جاء به المشرع الأقدس ؟ لكني أعذر القوشچي لالتزامه بدحض كل ما جاء به نصير الدين الطوسي لئلا يعزى إليه العجز والتواني في الحجاج، فلا بد أن يأتي بكل ما دب ودرج سواء كان حجة له أو وبالا عليه.
[239]
م - وقال ابن القيم في زاد المعاد 1 ص 444: فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى نهى عنها عمر في شأن عمرو بن حريث وفيما ثبت
عن عمر أنه قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما: متعة النساء ومتعة الحج ؟ قيل: الناس في هذا طائفتان: طائفة تقول: إن عمر هو الذي حرمها ونهى عنها وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع ما سنه الخلفاء الراشدون (1) ولم تر هذه الطائفة تصحيح حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة عام الفتح (2) فإنه من رواية عبد الملك بن الربيع ابن سبرة عن أبيه عن جده وقد تكلم فيه ابن معين ولم ير البخاري إخراج حديثه في صحيحه مع شدة الحاجة إليه، وكونه أصلا من أصول الاسلام، ولو صح عنده لم يصبر عن إخراجه والاحتجاج به، قالوا: ولو صح حديث سبرة لم يخف على ابن مسعود حتى يروي إنهم فعلوها ويحتج بالآية. وأيضا ولو صح لم يقل عمر إنها كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنها وأعاقب عليها، بل كان يقول: إنه صلى الله عليه وسلم حرمها ونهى عنها. قالوا: ولو صح لم تفعل على عهد الصديق وهو عهد خلافة النبوة حقا. والطائفة الثانية رأت صحة حديث سبرة ولو لم يصح فقد صح حديث علي رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم متعة النساء فوجب حمل حديث جابر على أن الذي أخبر عنها بفعلها لم يبلغه التحريم، ولم يكن قد اشتهر حتى كان زمن عمر رضي الله عنه فلما وقع فيها النزاع ظهر تحريمها واشتهر وبهذا تأتلف الأحاديث الواردة فيها وبالله التوفيق. قال الأميني: أني يتأتى الجمع بين أحاديث الباب المتضاربة من شتى النواحي بصحيحة مزعومة ؟ ومتى تصح ؟ وكيف يتم عزوها المختلق إلى أمير المؤمنين عليه السلام وبين يدي الأمة قوله الصحيح الثابت: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي (3) وقد صح عنه عليه السلام مذهبه إلى تحليل المتعة، كما إن أبناء بيته الرفيع ذهبوا إلى إباحتها سلفا وخلفا، ومن المتسالم عليه قول ابن عباس: لولا نهي عمر لما احتاج إلى الزنا إلا شفا (4)
(1) يأتي الكلام حول هذا الحديث وهذه السنة في هذا الجزء. (2) تحريم المتعة عام الفتح قول ابن عيينة وطائفة كما في زاد المعاد 1 ص 442. (3) راجع ما مر صفحة 206، 207 من هذا الجزء.
(4) مر حديثه في صفحة 206. *
[240]
ومن الذي أخبر الأمة عن نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المتعة غير علي عليه السلام حتى ظهر في زمن عمر واشتهر ؟ ومهما كان الحظر عنه صلى الله عليه وآله وسلم مشهورا، وأول من جاء به وباح بالنهي عنها يقول: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنهما وأعاقب. وقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما. وقال: إن الله ورسوله قد أحلا لكم متعتين وإني محرمهما عليكم. وقال: ثلاث كن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا محرمهن: متعة الحج ومتعة النساء. فهل جابهه صحابي بالرد عليه في دعواه حلية المتعة في العهدين ؟ أو في نسبة تحريمها إلى نفسه ؟ وهل كان إجماع الصحابة على حلية المتعة عهد أبي بكر خلاف دين الله وسنة نبيه ؟ نعم الغريق يتشبث بكل حشيش). لا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام، لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (1). 70 رأي الخليفة فيمن قال: إني مؤمن عن مسند عمر رضي الله عنه عن سعيد بن يسار قال: بلغ عمر بن الخطاب أن رجلا بالشام يزعم أنه مؤمن فكتب إلى أميره: أن ابعثه إلي. فلما قدم قال: أنت الذي تزعم أنك مؤمن ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ويحك ومم ذاك ؟ قال: أولم تكونوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصنافا: مشرك، ومنافق، ومؤمن ؟ فمن أيهم كنت ؟ فمد عمر يده إليه معرفة لما قال حتى أخذ بيده (2). وعن قتادة قال عمر بن الخطاب: من قال إني عالم. فهو جاهل، ومن قال: إني مؤمن. فهو كافر. كنز العمال 1 ص 103.
قال الأميني: أنا لا أدري ما هذا المشكلة التي من جرائها جلب الرجل من الشام
(1) سورة النحل آية 16. (2) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وابن أبي شيبة في الإيمان كما في كنز العمال 1 ص 103، *
[241]
وحوله آلاف من المؤمنين يقولون بمقالته، وهو يحسب أنه أميرهم ولم يسألهم عما سأل الشامي عنه ؟ ثم كيف انحلت تلك المشكلة بأبسط جواب ؟ أو لم يكن الخليفة يعلم ذلك من أن الانسان إذا لم يكن مشركا أو منافقا فهو مؤمن لا محالة ؟ أم أنه حسب أن المؤمن الواثق بإيمانه لا يجوز له أن يقول: أنا مؤمن. لأن ذلك القول كفر كما في حديث قتادة ؟ وذلك تعبدا بقول عمر. لكن الله سبحانه مدح أقواما في الذكر بأن قالوا آمنا مثل قوله تعالى: قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله (1) وقوله: ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول (2) وقوله: ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا (3) وقوله: يقولون آمنا واشهد بأننا مسلمون (4) وقوله: يقولون ربنا آمنا (5) وقوله: قالوا آمنا برب العالمين (6) والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا. ومنهم من قال: بلى. إذا خوطب بقول العلي العظيم: أولم تؤمن (7) ومنهم من قال: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (8). ومن جلية الواضحات عدم الفرق بين قول القائل: آمنا بكذا أو نحن مؤمنون أو أنا مؤمن بكذا إذا وثق من نفسه بإيمان، ومن فرق بينها فهو مجازف لا محالة. ولعل الخليفة كان ناظرا إلى حراجة الموقف في الإيمان، وعزة خلوصة من خفيات صفات الشرك والنفاق حتى كان يسأل حذيفة عن نفسه، قال الغزالي في إحياء العلوم 1 ص 129: الأخبار والآثار تعرفك خطر الأمر بسبب دقائق النفاق والشرك الخفي وأنه لا يؤمن منه، حتى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل حذيفة عن نفسه
وأنه هل ذكر في المنافقين ؟ وهل هو منهم وهل عدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم ؟ (9) م - وكان حذيفة صاحب السر المكنون في تمييز المنافقين، ولذلك كان عمر لا يصلي
(1) سورة آل عمران آية 52. (2) سورة آل عمران آية 53. (3) سورة آل عمران آية 193. (4) سورة المائدة آية 111. (5) سورة المائدة آية 83. (6) سورة الأعراف آية 121. (7) سورة البقرة آية 260. (8) راجع الأعراف آية 143. (9) وذكره الباقلاني في التمهيد ص 196، وابن أبي جمرة في بهجة النفوس 4 ص 48. *
[242]
على ميت حتى يصلي عليه حذيفة يخشى أن يكون من المنافقين. كذا قاله ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب 1 ص 44). 71 قدوم أسقف نجران على الخليفة قدم أسقف نجران على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في صدر خلافته فقال: يا أمير المؤمنين إن أرضنا باردة شديدة المؤنة لا يحتمل الجيش وأنا ضامن لخراج أرضي أحمله إليك في كل عام كملا. قال: فضمنه إياه فكان يحمل المال ويقدم به في كل سنة و يكتب له عمر البرائة بذلك فقدم الأسقف ذات مرة ومعه جماعة وكان شيخا جميلا مهيبا فدعاه عمر إلى الله وإلى رسوله وكتابه وذكر له أشياء من فضل الاسلام وما تصير إليه المسلمون من النعيم والكرامة فقال له الأسقف: يا عمر ! أتقرؤن في كتابكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض فأين يكون النار ؟ فسكت عمر وقال لعلي: أجبه أنت: فقال
له علي: أنا أجيبك يا أسقف أرأيت إذا جاء الليل أين يكون النهار ؟ وإذا جاء النهار أين يكون الليل ؟ فقال الأسقف: ما كنت أرى أن أحدا ليجيبني عن هذه المسألة. من هذا الفتى يا عمر ؟ فقال: علي بن أبي طالب ختن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمه وهو أبو الحسن والحسين. فقال الأسقف: فأخبرني يا عمر ! عن بقعة من الأرض طلع فيها الشمس مرة واحدة ثم لم تطلع قبلها ولا بعدها ؟ قال عمر: سل الفتى. فسأله فقال: أنا أجيبك هو البحر حيث انفلق لبني إسرائيل ووقعت فيه الشمس مرة واحدة لم تقع قبلها ولا بعدها. فقال الأسقف: أخبرني عن شئ في أيدي الناس شبه بثمار الجنة. قال عمر: سل الفتى. فسأله فقال علي أنا أجيبك هو القرآن يجتمع عليه أهل الدنيا فيأخذون منه حاجتهم فلا ينقص منه شئ فكذلك ثمار الجنة. فقال الأسقف: صدقت قال: أخبرني هل للسموات من قفل ؟ فقال علي: قفل السموات الشرك بالله فقال الأسقف: وما مفتاح ذلك القفل ؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله لا يحجبها شئ دون العرش. فقال: صدقت. فقال: أخبرني عن أول دم وقع على وجه الأرض ؟ فقال علي: أما نحن فلا نقول كما يقولون دم الخشاف ولكن أول دم وقع على وجه الأرض مشيمة حواء حيث ولدت هابيل بن آدم. قال: صدقت وبقيت مسألة واحدة أخبرني أين الله ؟ فغضب عمر فقال علي: أنا أجيبك وسل عنا شئت كنا
[243]
عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتاه ملك فسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أين أرسلت ؟ فقال: من السماء السابعة من عند ربي، ثم أتاه آخر فسأله فقال: أرسلت من الأرض السابعة من عند ربي، فجاء ثالث من الشرق، ورابع من المغرب فسألهما فأجابا كذلك فالله عز وجل هيهنا وهيهنا في السماء إله وفي الأرض إله. أخرجه الحافظ العاصمي في زين الفتى في شرح سورة هل أتى. 72 جلد صائم قعد على شراب أخرج أحمد - إمام الحنابلة - في الأشربة عن عمرو بن عبد الله بن طلحة الخزاعي
إن عمر بن الخطاب أتي بقوم أخذوا على شراب فيهم رجل صائم فجلدهم وجلده معهم قالوا: إنه صائم، قال لم جلس معهم ؟. (1) هل علم الخليفة الوجه في جلوس الرجل معهم في منتدى الشرب وهو صائم لا يشاركهم في العمل ؟ فلعل الضرورة ألجأته إلى ذلك فما كان يسعه مفارقتهم خشية بوادرهم، أو ضرر آخر يستقبله إن فارقهم، أو أن قصد ردعهم عن المنكر حدى الصائم المسكين إلى مصاحبتهم، والملاينة معهم في بدء الأمر، وإذا احتمل شئ من هذه فإن الحدود تدرأ بالشبهات. وهب إنه لم يحتمل شيئا منها فإن غاية ما هنالك أن تعزر الرجل تأديبا وقد عرفت في ص 175 حد التعزير، وإنه لا يتجاوز العشرة أسواطا، فكيف ساوى بينه و بينهم في الجلد ؟. 73 رأي الخليفة في مسك بيت المال أتي عمر مرة بمسك فأمر أن يقسم بين المسلمين ثم سد أنفه فقيل له في ذلك، فقال: وهل ينتفع منه إلا بريحه ؟ ودخل يوما على زوجته فوجد معها ريح مسك فقال: ما هذا ؟ قالت: إني بعت من مسك في بيت مال المسلمين ووزنت بيدي فلما وزنت مسحت إصبعي في متاعي هذا فقال: ناوليني متاعك فأخذه فصب عليه الماء فلم يذهب فجعل يدلكه في
(1) كنز العمال 3 ص 101، منتخب الكنز هامش مسند أحمد 2 ص 427. *
[244]
التراب ويصب عليه الماء حتى ذهب ريحه. (1) هكذا فليكن الفقيه البارع، وهل كان الخليفة يضرب ستارا أمام مصابيح المسلمين حتى لا يستضيئ بضوءها ؟ أو يضرب سدا على مهب الصبا متى حملت شدا من حقول المسلمين ؟ إلى أمثال هذه من الانتفاعات القهرية التي لا دخل لرضاء المالك فيها ؟ أنا لا أدري.
74 اجتهاد الخليفة في صلاة الميت عن أبي وائل قال: كانوا يكبرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعا وخمسا وستا أو قال أربعا فجمع عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر كل رجل بما رأى فجمعهم عمر رضي الله عنه على أربع تكبيرات كأطول الصلاة. وعن سعيد بن المسيب يحدث عن عمر رضي الله عنه قال: كان التكبير أربعا وخمسا فجمع عمر الناس على أربع التكبير على الجنازة. (2) وقال ابن حزم في " المحلى " احتج من منع أكثر من أربع بخبر رويناه من طريق وكيع عن سفيان الثوري عن عامر بن شقيق عن أبي وائل قال جمع عمر بن الخطاب الناس فاستشارهم بالتكبير على الجنازة فقالوا: كبر النبي صلى الله عليه وسلم سبعا وخمسا وأربعا فجمعهم عمر على أربع تكبيرات. ه وأخرج الطحاوي عن إبراهيم قال قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس مختلفون في التكبير على الجنازة لا تشاء أن تسمع رجلا يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر سبعا. وآخر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر خمسا. وآخر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر أربعا. إلا سمعته فاختلفوا في ذلك فكانوا على ذلك حتى قبض أبو بكر رضي الله عنه فلما ولي عمر رضي الله عنه ورأى اختلاف الناس في ذلك شق عليه جدا فأرسل إلى رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تختلفون على الناس يختلفون من بعدكم، ومتى تجتمعون على أمر يجتمع الناس عليه،
الفتوحات الإسلامية 2 ص 414. (2) سنن البيهقي 4 ص 37، فتح الباري 3 ص 157 وقال في الحديث الثاني: إسناد صحيح وفي الحديث الأول. إسناد حسن، إرشاد الساري 2 ص 417. *
[245]
فانظروا أمرا تجتمعون عليه فكأنما أيقظهم فقالوا: نعم ما رأيت يا أمير المؤمنين ! فأشر
علينا. فقال عمر رضي الله عنه: بل أشيروا علي فإنما أنا بشر مثلكم، فتراجعوا الأمر بينهم فاجمعوا أمرهم على أن يجعلوا التكبير على الجنائز مثل التكبير في الأضحى والفطر أربع تكبيرات فأجمع أمرهم على ذلك. (عمدة القاري 4 ص 129) وقال العسكري في أولياته، والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص 93، والقرماني في تاريخه - هامش الكامل - 1 ص 203: إن عمر أول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات. قال الأميني: الذي ثبت من السنة وعمل الصحابة اختلاف العدد في التكبير على الجنازة المحمول على مراتب الفضل في الميت أو الصلاة نفسها، وذلك يكشف عن إجزاء كل من تلك الأعداد، فاختيار الواحد منها والجمع عليه والمنع عن البقية كما يمنع عن البدع رأي غير مدعوم بشاهد، واجتهاد تجاه السنة والعمل. ومن الواضح الجلي بعد تلاوة ما وقع من المفاوضة بين الخليفة والصحابة إنه لم يكن هناك نسخ وإنما ذكر كل منهم ما شاهده على العهد النبوي، فدعوى النسخ وتأخر التكبير بالأربع عن هاتيك الأعداد زور من القول، ولذلك لم يحتج به أحد ممن يعبأ بحجاجه، وإنما حصروا الدليل على تعيين عمر ومنعه بعد تزييف ما قيل من دليل المنع كما سمعت من ابن حزم، وهو كما ترى رأي يخص بقائله لا تقاوم السنة الثابتة وهي لا تترك بقول الرجال. ويوهن ذلك الجمع والمنع صفح الصحابة عنهما، أخرج أحمد في مسنده 4 ص 370 عن عبد الأعلى قال: صليت خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبر خمسا فقام إليه أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلي فأخذ بيده فقال: نسيت ؟ قال: لا ولكن صليت خلف أبي القاسم خليلي صلى الله عليه وسلم فكبر خمسا فلا أتركها أبدا. وروى البغوي من طريق أيوب بن النعمان أنه قال: شهدت جنازة سعد بن حبتة فكبر عليه زيد بن أرقم خمسا (الإصابة 2: 22)
وأخرج الطحاوي عن يحيى بن عبد الله التيمي قال: صليت مع عيسى مولى حذيفة ابن اليمان على جنازة فكبر عليها خمسا ثم التفت إلينا فقال: ما وهمت ولا نسيت ولكني
[246]
كبرت كما كبر مولاي وولي نعمتي - يعني حذيفة بن اليمان - صلى على جنازة فكبر عليها خمسا ثم التفت إلينا فقال: ما وهمت ولا نسيت ولكني كبرت كما كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر خمسا. (عمدة القاري 4 ص 129) قال ابن القيم الجوزية في زاد المعاد (1): كان صلى الله عليه وسلم يأمر بإخلاص الدعاء الميت وكان يكبر أربع تكبيرات وصح عنه أنه كبر خمسا (2) وكان الصحابة بعده يكبرون أربعا وخمسا وستا فكبر زيد بن أرقم خمسا، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كبرها ذكره مسلم (3) وكبر الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه على سهل بن حنيف ستا (4) وكان يكبر على أهل بدر ستا وعلى غيرهم من الصحابة خمسا وعلى سائر الناس أربعا، ذكره الدار قطني (5) وذكر سعيد بن منصور على الحكم عن ابن عيينة أنه قال: كانوا يكبرون على أهل بدر خمسا وستا وسبعا، وهذه آثار صحيحة فلا موجب للمنع منها والنبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع مما زاد على الأربع بل فعله هو وأصحابه من بعده، و الذين منعوا من الزيادة على الأربع منهم من احتج بحديث ابن عباس: إن آخر جنازة صلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم كبر أربعا قالوا: وهذا آخر الأمرين وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعله صلى الله عليه وسلم هذا، وهذا الحديث قد قال الخلال في العلل: أخبرني حارث قال سأل الإمام أحمد عن حديث أبي المليح عن ميمون عن ابن عباس فذكر الحديث فقال أحمد: هذا كذب ليس له أصل إنما رواه محمد بن زيادة الطحان وكان يضع الحديث، واحتجوا بأن ميمون بن مهران روى عن ابن عباس: إن الملائكة لما صلت على آدم عليه الصلاة والسلام كبرت عليه أربعا وقالوا: تلك سنتكم يا بني آدم. وهذا الحديث قد قال فيه الأثرم: جرى ذكر محمد بن معاوية النيسابوري الذي كان بمكة فسمعت أبا عبد الله
قال: رأيت أحاديثه موضوعة، فذكر منها عن أبي المليح عن ميمون بن مهران عن ابن
(1) ج 1 ص 145، وفي ط هامش شرح المواهب للزرقاني 2 ص 70. (2) أخرجه ابن ماجة في سننه 1 ص 458. (3) وأخرجه أبو داود في سننه 2 ص 67، وابن ماجة في سننه 1 ص 458، وأحمد في مسنده 4 ص 368، 371، والبيهقي في السنن الكبرى 4 ص 36، فتح الباري 3 ص 157. (4) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 4 ص 36. (5) وأخرجه البيهقي في السنن 4 ص 37، وذكره ابن حجر في فتح الباري 3 ص 157 نقلا عن ابن المنذر. *
[247]
عباس: إن الملائكة لما صلت على آدم فكبرت عليه أربعا. واستعظمه أبو عبد الله و قال: أبو المليح كان أصح حديثا وأتقى لله من أن يروي مثل هذا. واحتجوا بما رواه البيهقي من حديث يحيى عن أبي عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الملائكة لما صلت على آدم فكبرت عليه أربعا وقالت هذه سنتكم يا بني آدم. وهذا لا يصح. وقد روي مرفوعا وموقوفا. وكان أصحاب معاذ يكبرون خمسا قال علقمة: قلت لعبد الله: إن ناسا من أصحاب معاذ قدموا من الشام فكبروا على الميت لهم خمسا. فقال عبد الله: ليس على الميت في التكبير وقت، كبر ما كبر الإمام فإذا انصرف الإمام فانصرف. هذا نص كلام ابن القيم وفيه فوائد. 75 الخليفة ومسائل ملك الروم أخرج أحمد - إمام الحنابلة - في الفضائل قال: حدثنا عبد الله القواريري ثنا مؤمل عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب يقول: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن، قال ابن المسيب: ولهذا القول سبب وهو: أن ملك الروم كتب إلى عمر يسأله عن مسائل فعرضها على الصحابة فلم يجد عندهم جوابا فعرضها على أمير المؤمنين
فأجاب عنها في أسرع وقت بأحسن جواب. (ذكر المسائل) قال ابن المسيب: كتب ملك الروم إلى عمر رضي الله عنه: من قيصر ملك بني الأصفر إلى عمر خليفة المؤمنين - المسلمين - أما بعد: فإني مسائلك عن مسائل فأخبرني عنها: ما شيئ لم يخلقه الله ؟ وما شيئ لم يعلمه الله ؟ وما شيئ ليس عند الله ؟ وما شيئ كله فم ؟ وما شيئ كله رجل ؟ وما شيئ كله عين ؟ وما شيئ كله جناح ؟ وعن رجل لا عشيرة له ؟ وعن أربعة لم تحمل بهم رحم ؟ وعن شيئ يتنفس وليس فيه روح ؟ وعن صوت الناقوس ماذا يقول ؟ وعن ظاعن ظعن مرة واحدة ؟ وعن شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ما مثلها في الدنيا ؟ وعن مكان لم تطلع فيه الشمس إلا مرة واحدة ؟ وعن شجرة نبتت من غير ماء ؟ وعن أهل الجنة فإنهم يأكلون ويشربون ولا يتغوطون ولا يبولون ما مثلهم في الدنيا ؟ وعن موايد الجنة فإن عليها القصاع في كل قصعة ألوان لا يخلط بعضها ببعض ما مثلها في الدنيا ؟ وعن جارية تخرج من تفاحة في
[248]
الجنة ولا ينقص منها شيئ ؟ وعن جارية تكون في الدنيا لرجلين وهي في الآخرة لواحد ؟ وعن مفاتيح الجنة ما هي ؟ فقرأ علي عليه السلام الكتاب وكتب في الحال خلفه. بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فقد وقفت على كتابك أيها الملك وأنا أجيبك بعون الله وقوته وبركته وبركة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. أما الشيئ الذي لم يخلقه الله تعالى: فالقرآن لأنه كلامه وصفته، وكذا كتب الله المنزلة والحق سبحانه قديم وكذا صفاته. وأما الذي لا يعلمه الله فقولكم: له ولد وصاحبة وشريك، ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله لم يلد ولم يولد. وأما الذي ليس عند الله: فالظلم وما ربك بظلام للعبيد. وأما الذي كله فم: فالنار تأكل ما يلقى فيها. وأما الذي كله رجل: فالماء. وأما الذي كله عين. فالشمس. وأما الذي كله جناح: فالريح. وأما الذي لا عشيرة له: فآدم عليه السلام. وأما الذين لم يحمل بهم رحم: فعصى موسى، وكبش إبراهيم، وآدم، وحواء. وأما الذي يتنفس من غير
روح فالصبح لقوله تعالى: والصبح إذا تنفس. وأما الناقوس: فإنه يقول طقا طقا، حقا حقا، مهلا مهلا. عدلا عدلا، صدقا صدقا، إن الدنيا قد غرتنا واستهوتنا، تمضي الدنيا قرنا قرنا، ما من يوم يمضي عنا إلا أوهى منا ركنا، إن الموتى قد أخبرنا إنا نرحل فاستوطنا. وأما الظاعن: فطور سيناء لما عصت بنو إسرائيل وكان بينه وبين الأرض المقدسة أيام فقلع الله منه قطعة وجعل لها جناحين من نور فنتقه عليهم فذلك قوله: وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم. وقال لبني إسرائيل إن لم تؤمنوا وإلا أوقعته عليكم. فلما تابوا رده إلى مكانه. وأما المكان الذي لم تطلع على الشمس إلا مرة واحدة فأرض البحر لما فلقه الله لموسى على السلام وقام الماء أمثال الجبال ويبست الأرض بطلوع الشمس عليها ثم عاد ماء البحر إلى مكانه. وأما الشجرة التي يسير الراكب في ظلها مائة عام: فشجرة طوبى وهي سدرة المنتهى في السماء السابعة إليها ينتهي أعمال بني آدم وهي من أشجار الجنة ليس في الجنة قصر ولا بيت إلا وفيه غصن من أغصانها، ومثلها في الدنيا الشمس أصلها واحد وضوئها في كل مكان. وأما الشجرة التي نبتت من غير ماء: فشجرة يونس وكان ذلك معجزة له لقوله تعالى: وأنبتنا عليه شجرة من يقطين. وأما غذاء أهل الجنة فمثلهم في الدنيا الجنين في بطن أمه فإنه يغتذي من
[249]
سرتها ولا يبول ولا يتغوط. وأما الألوان في القصعة الواحدة: فمثله في الدنيا البيضة فيها لونان أبيض وأصفر ولا يختلطان. وأما الجارية التي تخرج من التفاحة: فمثلها في الدنيا الدودة تخرج من التفاحة ولا تتغير. وأما الجارية التي تكون بين اثنين: فالنخلة التي تكون في الدنيا لمؤمن مثلي ولكافر مثلك وهي لي في الآخرة دونك، لأنها في الجنة وأنت لا تدخلها، وأما مفاتيح الجنة: فلا إله إلا الله، محمد رسول الله. قال ابن المسيب. فلما قرأ قيصر الكتاب قال: ما خرج هذا الكلام إلا من بيت النبوة ثم سأل عن المجيب فقيل له: هذا الجواب ابن عم محمد صلى الله عليه وسلم فكتب إليه: سلام عليك. أما بعد: فقد وقفت على جوابك، وعلمت أنت من أهل بيت النبوة، و
معدن الرسالة، وأنت موصوف بالشجاعة والعلم، وأوثر أن تكشف لي عن مذهبكم والروح التي ذكرها الله في كتابكم في قوله: ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي فكتب إليه أمير المؤمنين: أما بعد فالروح نكتة لطيفة، ولمعة شريفة، من صنعة باريها وقدرة منشأها، وأخرجها من خزائن ملكه وأسكنها في ملكه فهي عنده لك سبب، وله عندك وديعة، فإذا أخذت مالك عنده أخذ ماله عندك، والسلام. زين الفتى في شرح سورة هل أتى للحافظ العاصمي، وتذكرة خواص الأمة لسبط ابن الجوزي الحنفي ص 87. 76 موقف الخليفة في الأحكام عن ابن أذينة العبدي قال: أتيت عمر فسألته من أين أعتمر ؟ قال إئت عليا فسله. فأتيته فسألته فقال لي علي: من حيث ابدأت - يعني ميقات أرضه - (1) قال: فأتيت عمر فذكرت له ذلك فقال: ما أجد لك إلا ما قال ابن أبي طالب. أخرجه ابن حزم في " المحلى " 7: 76 مسندا معنعنا. وذكره. أبو عمر وابن السمان في الموافقة كما في الرياض النضرة 2 ص 195، وذخائر العقبى ص 79، ذكره محب الدين الطبري في (اختصاص أمير المؤمنين بإحالة جمع من الصحابة عند سؤالهم عليه) وعد منهم معاوية وعائشة وعمر فأخرج من طريق أحمد
(1) قال ابن حزم في المحلى: هكذا في الحديث نفسه. *
[250]
في حديث: كان عمر إذا أشكل عليه شئ أخذه منه، ثم ذكر جملة من مراجعات عمر إليه سلام الله عليه، فأين أعلمية عمر المزعومة لموسى الوشيعة أو لغيره من أعلام القوم ؟ 77 رأي الخليفة في المناسك أخرج مالك - إمام المالكية - عن عبد الله بن عمر: إن عمر بن الخطاب خطب الناس
بعرفة وعلمهم أمر الحج وقال لهم فيما قال: إذا جئتم منى فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم على الحاج إلا النساء والطيب لا يمس أحد نساء ولا طيبا حتى يطوف في البيت وفي حديثه الآخر: أن عمر بن الخطاب قال: من رمى الجمرة ثم حلق أو قصر ونحر هديا إن كان معه فقد حل له ما حرم إلا النساء والطيب حتى يطوف بالبيت. وفي لفظ أبي عمر: عن سالم بن عمر عن أبيه قال عمر: إذا رميتم الجمرة سبع حصيات وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شئ إلا الطيب والنساء. قال سالم: وقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله قبل أن يطوف بالبيت. قال سالم: فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع (1). قال صاحب (إزالة الخفاء) بعد ذكر الحديثين الأولين: قلت ترك الفقهاء قوله (والطيب) لما صح عندهم من حديث عائشة وغيرها: أن النبي صلى الله عليه وسلم تطيب قبل طواف الافاضة. قال الأميني: واها لأمة يعلمهم المناسك من لا يعلم ما به يحل للمحرم ما حرم عليه، ومرحبا بخليفة ترك الفقهاء قوله مهما وجدوه خلاف السنة النبوية، وقد ثبتت بحديث عايشة وغيرها أخرجه أئمة الصحاح والمسانيد كالبخاري في صحيحه 4 ص 58، ومسلم في صحيحه 1 ص 330، والترمذي في صحيحه 1 ص 173، وأبو داود في سننه 1 ص 275، والدارمي في سننه 2 ص 32، وابن ماجة في سننه 2 ص 217، والنسائي في سننه 5 ص 137، والبيهقي في سننه 5 ص 205 أضف إليها جل جوامع الحديث و الكتب الفقهية لولا كلها. * (الهامش) * (1) موطأ مالك 1 ص 285، صحيح الترمذي 1 ص 173، سنن البيهقي 5 ص 204، جامع بيان العلم 2 ص 197، وفي مختصره ص 226، الاجابة للزركشي ص 88. *
[251]
م وأخرج البيهقي مثل حديث عايشة عن ابن عباس وذكره الزركشي في
" الاجابة " ص 89). 87 إجتهاد الخليفة في الخمر وآياتها 1 - قال الزمخشري في ربيع الأبرار في باب اللهو واللذات والقصف واللعب (1) و شهاب الدين الأبشيهي في " المستطرف " 2 ص 291: قد أنزل الله تعالى في الخمر ثلاث آيات: الأولى قوله تعالى: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس. الآية (2) فكان من المسلمين من شارب ومن تارك إلى أن شرب رجل فدخل في الصلاة فهجر فنزل قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون (3) فشربها من شربها من المسلمين وتركها من تركها حتى شربها عمر رضي الله عنه فأخذ بلحى بعير وشج به رأس عبد الرحمن بن عوف ثم قعد ينوج على قتلى بدر بشعر الأسود بن يعفر يقول: وكائن بالقليب قليب بدر * من الفتيان والعرب الكرام وكائن بالقليب قليب بدر * من الشيزى المكلل بالسنام (4) أيوعدني ابن كبشة أن سنحيى * وكيف حياة أصداء وهام ؟ أيعجز أن يرد الموت عني * وينشرني إذا بليت عظامي ؟ ألا من مبلغ الرحمن عني * بأني تارك شهر الصيام ؟ فقل لله: يمنعني شرابي * وقل لله: يمنعني طعامي فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج مغضبا يجر رداءه فرفع شيئا كان في يده فضربه به فقال: أعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فأنزل الله تعالى: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (5) فقال عمر رضي الله عنه: إنتهينا انتهينا. * (الهامش) * (1) وقفنا من الكتاب على عدة نسخ في مكتبات العراق وإيران. (2) سورة البقرة 219.
(3) سورة النساء 43. (4) هذا البيت لا يوجد في المستطرف. (5) سورة المائدة آية 91. *
[252]
ورواه الطبري في تفسيره 2 ص 203 بتغيير في أبياته غير أن فيه مكان عمر في الموضع الأول (رجل). 2 - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: أللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في البقرة: يسألونك عن الخمر والميسر. قال فدعي عمر فقرأت عليه فقال: أللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في النساء: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى. فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرأت عليه فقال: أللهم بين لنا بيانا شافيا. فنزلت: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر و الميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون. قال عمر: إنتهينا، إنتهينا. أخرجه أبو داود في سننه 2 ص 128، وأحمد في المسند 2 ص 53، والنسائي في السنن 8 ص 287، والطبري في تاريخه 7 ص 22، والبيهقي في سننه 8 ص 285، والجصاص في أحكام القرآن 2 ص 245، والحاكم في المستدرك 2 ص 278، وصححه وأقره الذهبي في تلخيصه، والقرطبي في تفسيره 5 ص 200، وابن كثير في تفسيره 1 ص 255، 500، و ج 2 ص 92 نقلا عن أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه وعلي بن المديني وقال: قال علي بن المديني: إسناد صالح صحيح وذكر تصحيح الترمذي وقرره. ويوجد في تيسير الوصول 1 ص 124، وتفسير الخازن 1 ص 513، وتفسير الرازي 3 ص 458، وفتح الباري 8 ص 225، والدر المنثور 1 ص 252 نقلا عن ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، وأبي داود، والترمذي، والنسائي. وأبي يعلى، وابن جرير، وابن المنذر،
وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي، والضياء المقدسي في المختارة. 3 - عن سعيد بن جبير: كان الناس على أمر جاهليتهم حتى يؤمروا أو ينهوا فكانوا يشربونها أول الاسلام حتى نزلت: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيها إثم كبير و منافع للناس. قالوا: نشربها للمنفعة لا للإثم فشربها رجل (1) فتقدم يصلي بهم فقرأ: * (الهامش) * (1) هو عبد الرحمن بن عوف في صلاة المغرب. أخرج حديثه الجصاص في أحكام القرآن 2 ص 245، والحاكم في المستدرك 4 ص 142 وقال في ج 2 ص 307: إن الخوارج تنسب هذا السكر وهذه القراءة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب دون غيره وقد برأه الله منها فإنه راوي هذا الحديث. *