فتح الباري شرح صحيح البخاري للامام الحافظ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى الجزء العاشر دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت - لبنان
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم قوله كتاب الاضاحي باب سنة الاضحية كذا لابي ذر والنسفي ولغيرهما سنة الاضاحي وهو جمع أضحية بضم الهمزة ويجوز كسرها ويجوز حذف الهمزة فتفتح الضاد والجمع ضحايا وهي أضحاة والجمع أضحى وبه سمي يوم الاضحى وهو يذكر ويؤنث وكأن تسميتها اشتقت من اسم الوقت الذي تشرع فيه وكأنه ترجم بالسنة إشارة إلى مخالفة من قال بوجوبها قال بن حزم لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة وصح أنها غير واجبة عن الجمهور ولا خلاف في كونها من شرائع الدين وهي عند الشافعية والجمهور سنة مؤكدة على الكفاية وفي وجه الشافعية من فروض الكفاية وعن أبي حنيفة تجب على المقيم الموسر وعن مالك مثله في رواية لكن لم يقيد بالمقيم ونقل عن الاوزاعي وربيعة والليث مثله وخالف أبو يوسف من الحنفية وأشهب من المالكية فوافقا الجمهور وقال أحمد يكره تركها مع القدرة وعنه واجبة وعن محمد بن الحسن هي سنة غير
مرخص في تركها قال الطحاوي وبه نأخذ وليس في الآثار ما يدل على وجوبها أه وأقرب ما يتمسك به للوجوب حديث أبي هريرة رفعه من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا أخرجه ابن ماجة وأحمد ورجاله ثقات لكن اختلف في رفعه ووقفه والموقوف أشبه بالصواب قاله الطحاوي وغيره ومع ذلك فليس صريحا في الايجاب قوله قال بن عمر هي سنة ومعروف وصله حماد بن سلمة في مصنفه بسند جيد إلى بن عمر وللترمذي محسنا من طريق جبلة بن سحيم إن رجلا
[ 3 ]
سأل بن عمر عن الاضحية أهي واجبة فقال ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بعده قال الترمذي العمل على هذا عند أهل العلم أن الاضحية ليست بواجبة وكأنه فهم من كون ابن عمر لم يقل في الجواب نعم أنه لا يقول بالوجوب فإن الفعل المجرد لا يدل على ذلك وكأنه أشار بقوله والمسلمون إلى أنها ليست من الخصائص وكان بن عمر حريصا على اتباع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك لم يصرح بعدم الوجوب وقد احتج من قال بالوجوب بما ورد في حديث مخنف ابن سليم رفعه على أهل كل بيت أضحية أخرجه أحمد والاربعة بسند قوي ولا حجة فيه لان الصيغة ليست صريحة في الوجوب المطلق وقد ذكر معها العتيرة وليست بواجبة عند من قال بوجوب الاضحية واستدل من قال بعدم الوجوب بحديث بن عباس كتب علي النحر ولم يكتب عليكم وهو حديث ضعيف أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني والدارقطني وصححه الحاكم فذهل وقد استوعبت طرقه ورجاله في الخصائص من تخريج أحاديث الرافعي وسيأتي شئ من المباحث في وجوب الاضحية في الكلام على حديث البراء في حديث أبي بردة بن نيار بعد أبواب ثم ذكر المصنف حديث البراء وأنس في أمر من ذبح قبل الصلاة بالاعادة وسيأتي شرحهما مستوفى بعد أبواب وقوله في حديث البراء أن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر وقع في بعض الروايات في يومنا هذا نصلي بحذف إن وعليها شرح الكرماني فقال هو مثل تسمع بالمعيدى خير من أن تراه وهو على تنزيل الفعل منزلة المصدر والمراد بالسنة هنا في الحديثين معا الطريقة لا السنة بالاصطلاح التي تقابل الوجوب والطريقة أعم من أن تكون للوجوب أو للندب فإذا لم يقم
دليل على الوجوب بقى الندب وهو وجه إيرادها في هذه الترجمة وقد استدل من قال بالوجوب بوقوع الامر فيهما بالاعادة وأجيب بأن المقصود بيان شرط الاضحية المشروعة فهو كما لو قال لمن صلى راتبة الضحى مثلا قبل طلوع الشمس إذا طلعت الشمس فأعد صلاتك وقوله في حديث البراء وليس من النسك في شئ النسك يطلق ويراد به الذبيحة ويستعمل في نوع خاص من الدماء المراقة ويستعمل بمعنى العبادة وهو أعم يقال فلان ناسك أي عابد وقد استعمل في حديث البراء بالمعنى الثالث وبالمعنى الاول أيضا في قوله في الطريق الاخرى من نسك قبل الصلاة قال فلا نسك له أي من ذبح قبل الصلاة فلا ذبح له أي لا يقع عن الاضحية وقوله فيه وقال مطرف يعني ابن طريف بالطاء المهملة وزن عظيم وعامر هو الشعبي وقد تقدمت رواية مطرف موصولة في العيدين وتأتي أيضا بعد ثمانية أبواب الرب عز وجلقوله إسماعيل هو ابن علية وأيوب هو السختياني ومحمد هو ابن سيرين والاسناد كله بصريون قوله باب قسمة الامام الاضاحي بين الناس أي بنفسه أو بأمره قوله هشام هو الدستوائي ويحيى هو بن أبي كثير قوله عن بعجة في رواية مسلم من طريق معاوية بن سلام عن يحيى أخبرني بعجة بن عبد الله وهو بفتح الموحدة وسكون المهملة بعدها جيم واسم جده بدر وهو تابعي معروف ما له في البخاري إلا هذا الحديث وقد أزالت رواية مسلم ما يخشى من تدليس يحيى بن أبي كثير قوله عن عقبة في رواية مسلم المذكورة أن عقبة بن عامر أخبره قوله قسم النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ضحايا سيأتي بعد أربعة أبواب أن عقبة هو الذي باشر القسمة وتقدم في الشركة باب وكالة الشريك للشريك في القسمة وأورده فيه أيضا وأشار إلى أن عقبة كان له في تلك الغنم نصيب باعتبار أنها كانت من الغنائم وكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها نصيب ومع هذا فوكله في قسمتها
[ 4 ]
وقدمت له هناك توجيها آخر وهذا التوجيه أقوى منه قال بن المنير يحتمل أن يكون المراد أنه أطلق عليها ضحايا باعتبار ما يؤول إليه الامر ويحتمل أن يكون عينها للاضحية ثم قسمها بينهم ليحوز كل واحد نصيبه فيؤخذ منه جواز قسم لحم الاضحية بين الورثة ولا يكون ذلك بيعا
وهي مسألة خلاف المالكية قال وما أرى البخاري مع دقة نظره قصد بالترجمة إلا هذا كذا قال قوله فصارت لعقبة أي بن عامر جذعة بفتح الجيم والذال المعجمة هو وصف لسن معين من بهيمة الانعام فمن الضأن ما أكمل السنة وهو قول الجمهور وقيل دونها ثم اختلف في تقديره فقيل ابن ستة أشهر وقيل ثمانية وقيل عشرة وحكى الترمذي عن وكيع أنه بن ستة أشهر أو سبعة أشهر وعن بن الاعرابي أن بن الشابين يجذع لستة أشهر إلى سبعة وابن الهرمين يجذع لثمانية إلى عشرة قال والضأن أسرع إجذاعا من المعز وأما الجذع من المعز فهو ما دخل في السنة الثانية ومن البقر ما أكمل الثالثة ومن الابل ما دخل في الخامسة وسيأتي بيان المراد بها هنا قريبا وأنها كانت من المعز بعد أربعة أبواب قوله باب الاضحية للمسافر والنساء فيه إشارة إلى خلاف من قال إن المسافر لا أضحية عليه وقد تقدم نقله في أول الباب وإشارة إلى خلاف من قال أن النساء لا أضحية عليهن ويحتمل أن يشير إلى خلاف من منع من مباشرتهن التضحية فقد جاء عن مالك كراهة مباشرة المرأة الحائض للتضحية قوله سفيان هو ابن عيينة ولم يسمع مسدد من سفيان الثوري قوله عن عبد الرحمن بن القاسم في رواية علي بن عبد الله عن سفيان سمعت عبد الرحمن بن القاسم وتقدمت في كتاب الحيض قوله بسرف بفتح المهملة وكسر الراء مكان معروف خارج مكة قوله أنفست قيده الاصيلي وغيره بضم النون أي حضت ويجوز الفتح وقيل هو في الحيض بالفتح فقط وفي النفاس بالفتح والضم قوله قالت فلما كنا بمنى أتيت بلحم بقر تقدم في الحج من وجه آخر عن عائشة أخصر من هذا وتقدم شرحه مبينا هناك وقوله ضحى النبي صلى الله عليه وسلم عن أزواجه بالبقر ظاهر في أن الذبح المذكور كان على سبيل الاضحية وحاول بن التين تأويله ليوافق مذهبه فقال المراد أنه ذبحها وقت ذبح الاضحية وهو ضحى يوم النحر قال وأن حمل على ظاهره فيكون تطوعا لا على أنها سنة الاضحية كذا قال ولا يخفى بعده واستدل به الجمهور على أن ضحية الرجل تجري عنه وعن أهل بيته وخالف في ذلك الحنفية وأدعى الطحاوي أنه مخصوص أو منسوخ ولم يأت لذلك بدليل قال القرطبي لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر كل واحدة من نسائه بأضحية مع تكرار سنى
الضحايا ومع تعددهن والعادة تقضي بنقل ذلك لو وقع كما نقل غير ذلك من الجزئيات ويؤيده ما أخرجه مالك وابن ماجة والترمذي وصححه من طريق عطاء بن يسار سألت أبا أيوب كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تناهى الناس كما ترى قوله باب ما يشتهى من اللحم يوم النحر أي أتباعا للعادة بالالتذاذ بأكل اللحم يوم العيد وقال الله تعالى ليذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام قوله حدثنا صدقة هو بن الفضل وابن علية هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم قوله فقام رجل هو أبو بردة بن نيار كما في حديث البراء قوله ان هذا يوم يشتهي فيه اللحم في رواية داود بن أبي هند عن الشعبي عند مسلم فقال يا رسول الله أن هذا يوم اللحم فيه مكروه وفي لفظ له مقروم وهو بسكون القاف قال عياض رويناه في مسلم من
[ 5 ]
طريق الفارسي والسجزي مكروه ومن طريق العذري مقروم وقد صوب بعضهم هذه الرواية الثانية وقال معناه يشتهي فيه اللحم يقال قرمت إلى اللحم وقرمته إذا اشتهيته فهو موافق للرواية الاخرى إن هذا يوم يشتهى فيه اللحم قال عياض وقال بعض شيوخنا صواب الرواية اللحم فيه مكروه بفتح الحاء وهو اشتهاء اللحم والمعنى ترك الذبح والتضحية وإبقاء أهله فيه بلا لحم حتى يشتهوه مكروه قال وقال لي الاستاذ أبو عبد الله بن سليمان معناه ذبح ما لا يجزي في الاضحية مما هو لحم أه وبالغ بن العربي فقال الرواية بسكون الحاء هنا غلط وإنما هو اللحم بالتحريك يقال لحم الرجل بسكر الحاء يلحم بفتحها إذا كان يشتهي اللحم وأما القرطبي في المفهم فقال تكلف بعضهم ما لا يصح رواية أي اللحم بالتحريك ولا معنى وهو قول الآخر معنى المكروه إنه مخالف للسنة قال وهو كلام من لم يتأمل سياق الحديث فإن هذا التأويل لا يلائمه إذ لا يستقيم أن يقول هذا اليوم اللحم فيه مخالف للسنة وأني عجلت لاطعم أهلي قال وأقرب ما يتكلف لهذه الرواية أن معناه اللحم فيه مكروه التأخير فحذف لفظ التأخير لدلالة قوله عجلت وقال النووي ذكر الحافظ أبو موسى أن معناه هذا يوم طلب اللحم فيه مكروه شاق قال وهو معنى حسن قلت
يعني طلبه من الناس كالصديق والجار فاختار هو أن لا يحتاج أهله إلى ذلك فأغناهم بما ذبحه عن الطلب ووقع في رواية منصور عن الشعبي كما مضى في العيدين وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي ويظهر لي أن بهذه الرواية يحصل الجمع بين الروايتين المتقدمتين وأن وصفه اللحم بكونه مشتهى وبكونه مكروها لا تناقض فيه وإنما هو باعتبارين فمن حيث أن العادة جرت فيه بالذبائح فالنفس تتشوق له يكون مشتهى ومن حيث توارد الجميع عليه حتى يكثر يصير مملوأ فاطلقت عليه الكراهة لذلك فحيث وصفه بكونه مشتهى أراد ابتداء حاله وحيث وصفه بكونه مكروها أراد انتهاءه ومن ثم استعجل بالذبح ليفوز بتحصيل الصفة الاولى عند أهله وجيرانه ووقع في رواية فراس عن الشعبي عند مسلم فقال خالي يا رسول الله قد نسكت عن بن لي وقد استشكل هذا وظهر لي أن مراده أنه ضحى لاجله للمعنى الذي ذكره في أهله وجيرانه فخص ولده بالذكر لانه أخص بذلك عنده حتى يستغنى ولده مما عنده عن التشوف إلى ما عند غيره قوله وذكر جيرانه في رواية عاصم عند مسلم وإني عجلت فيه نسيكتي لاطعم أهلي وجيراني وأهل داري قوله فلا أدري أبلغت الرخصة من سواه أم لا قد وقع في حديث البراء اختصاصه بذلك كما سيأتي بعد أبواب ويأتي البحث فيه كأن أنسا لم يسمع ذلك وقد روى بن عون عن الشعبي حديث البراء وعن بن سيرين حديث أنس فكان إذا حدث حديث البراء يقف عند قوله ولن تجزى عن أحد بعدك ويحدث بقول أنس لا أدري أبلغت الرخصة غيره أم لا ولعله استشكل الخصوصية بذلك لما جاء من ثبوت ذلك لغير أبي بردة كما سيأتي بيانه قريبا قوله ثم انكفأ مهموز أي مال يقال كفأت الاناء إذا أملته والمراد أنه رجع عن مكان الخطبة إلى مكان الذبح قوله وقام الناس كذا هنا وفي الرواية الآتية في باب من ذبح قبل الصلاة أعاد فتمسك به بن التين في أن من ذبح قبل الامام لا يجزئه وسيأتي البحث فيه قوله إلى غنيمة بغين معجمة ونون مصغر فتوزعوها أو قال فتجزعوها شك من الراوي والاول بالزاي من التوزيع وهو التفرقة أي تفرقوها والثاني بالجيم والزاي أيضا من الجزع وهو القطع أي
[ 6 ]
اقتسموها حصصا وليس المراد أنهم اقتسموها بعد الذبح فأخذ كل واحد قطعة من اللحم وإنما المراد أخذ حصة من الغنم والقطعة تطلق على الحصة من كل شئ فبهذا التقرير يكون المعنى واحدا وإن كان ظاهره في الاصل الاختلاف قوله باب من قال الاضحى يوم النحر قال بن المنير أخذه من إضافة اليوم إلى النحر حيث قال أليس يوم النحر واللام للجنس فلا يبقى نحر إلا في ذلك اليوم قال والجواب على مذهب الجماعة أن المراد النحر الكامل واللام تستعمل كثيرا للكمال كقوله الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب قلت واختصاص النحر باليوم العاشر قول حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن سيرين وداود الظاهري وعن سعيد بن جبير وأبي الشعثاء مثله إلا في منى فيجوز ثلاثة أيام ويمكن أن يتمسك لذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه أمرت بيوم الاضحى عيدا جعله الله لهذه الامة الحديث صححه بن حبان وقال القرطبي التمسك بإضافة النحر إلى اليوم الاول ضعيف مع قوله تعالى ليذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام ويحتمل أن يكون أراد أن أيام النحر الاربعة أو الثلاثة لكل واحد منها اسم يخصه فالاضحى هو اليوم العاشر والذي يليه يوم القر والذي يليه يوم النفر الاول والرابع يوم النفر الثاني وقال بن التين مراده أنه يوم تنحر فيه الاضاحي في جميع الاقطار وقيل مراده لا ذبح إلا فيه خاصة يعني كما تقدم نقله عمن قال به وزاد مالك ويذبح أيضا في يومين بعده وزاد الشافعي اليوم الرابع قال وقيل يذبح عشرة أيام ولم يعزه لقائل وقيل إلى آخر الشهر وهو عن عمر بن عبد العزيز وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وغيرهم وقال به ابن حزم متمسكا بعدم ورود نص بالتقييد وأخرج ما رواه بن أبي شيبة من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار قالا عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله قال وهذا سند صحيح إليهما لكنه مرسل فيلزم من يحتج بالمرسل أن يقول به قلت وسيأتي عن أبي أمامة بن سهل في الباب الذي يليه شئ من ذلك ويمثل قول مالك قال الثوري وأبو حنيفة وأحمد وبمثل قول الشافعي قال الاوزاعي قال بن بطال تبعا للطحاوي ولم ينقل عن الصحابة غير هذين القولين وعن قتادة ستة أيام بعد العاشر وحجة الجمهور حديث جبير بن مطعم رفعه فجاج منى منحر وفي كل أيام
التشريق ذبح أخرجه أحمد لكن في سنده انقطاع ووصله الدارقطني ورجاله ثقات واتفقوا على أنها تشرع ليلا كما تشرع نهارا إلا رواية عن مالك وعن أحمد أيضا ثم ذكر المصنف حديث محمد وهو ابن سيرين عن بن أبي بكرة وهو عبد الرحمن وقد تقدم شرحه في العلم وفي باب الخطبة أيام منى من كتاب الحج شئ منه وكذا في تفسير براءة قوله ثلاث متواليات إلى قوله ورجب مضر هذا هو الصواب وهو عدها من سنتين ومنهم من عدها سنة واحدة فبدأ بالمحرم لكن الاول أليق ببيان المتوالية وشذ من أسقط رجبا وأبدله بشوال زاعما أن بذلك تتوالى الاشهر الحرم وأن ذلك المراد بقوله تعالى فسيحوا في الارض أربعة أشهر حكاه بن التين قوله قال محمد وأحسبه هو بن سيرين كأنه كان يشك في هذه اللفظة وقد ثبتت في رواية غيره وكذا قوله فكان محمد إذا ذكره في رواية الكشميهني ذكر قوله أن يكون أوعى له من بعض من سمعه كذا للاكثر بالواو أي أكثر وعيا له وتفهما فيه ووقع في رواية الاصيل والمستملي أرعى بالراء من الرعاية ورجحها بعض الشراح وقال صاحب المطالع هي وهم وقوله قال ألا هل بلغت القائل هو النبي
[ 7 ]
صلى الله عليه وسلم وهو بقية الحديث ولكن الراوي فصل بين قوله بعض من سمعه وبين قوله ألا هل بلغت بكلام بن سيرين المذكور بسم الله الرحمن الرحيم قوله باب الاضحى والنحر بالمصلى قال ابن بطال هو سنة للامام خاصة عند مالك قال مالك فيما رواه بن وهب إنما يفعل ذلك لئلا يذبح أحد قبله زاد المهلب وليذبحوا بعده على يقين وليتعلموا منه صفة الذبح وذكر فيه المؤلف حديث ابن عمر من وجهين أحدهما موقوف والثاني مرفوع كان النبي صلى الله عليه وسلم يذبح وينحر بالمصلى وهو اختلاف على نافع وقيل بل المرفوع يدل على الموقوف لان قوله في الموقوف كان ينحر في منحر النبي صلى الله عليه وسلم يريد به المصلي بدلالة الحديث المرفوع المصرح بذلك وقال بن التين هو مذهب مالك أن الامام يبرز أضحيته للمصلى فيذبح هناك وبالغ بعض أصحابه وهو أبو مصعب فقال من لم يفعل ذلك لم يؤتم به وقال بن العربي قال أبو حنيفة ومالك لا يذبح حتى يذبح الامام أن كان ممن يذبح قال ولم أر له دليلا قوله باب أضحية النبي صلى الله
عليه وسلم بكبشين أقرنين أي لكل منهما قرنان معتدلان والكبش فحل الضأن في أي سن كان واختلف في ابتدائه فقيل إذا أثنى وقيل إذا أربع قوله ويذكر سمينين أي في صفة الكبشين وهي في بعض طرق حديث أنس من رواية شعبة عن قتادة عنه أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق الحجاج بن محمد عن شعبة وقد ساقه المصنف في الباب من طريق شعبة عنه وليس فيه سمينين وهو المحفوظ عن شعبة وله طريق أخرى أخرجها عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبي سلمة عن عائشة أو عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوأين فذبح أحدهما عن محمد وآل محمد والآخر عن أمته من شهد لله بالتوحيد وله بالبلاغ وقد أخرجه ابن ماجة من طريق عبد الرزاق لكن وقع في النسخة ثمينين بمثلثة أوله بدل السين والاول أولى وابن عقيل المذكور في سنده مختلف فيه وقد اختلف عليه في إسناده فقال زهير بن محمد وشريك وعبيد الله بن عمرو كلهم عنه عن علي بن الحسين عن أبي رافع وخالفهم الثوري كما ترى ويحتمل أن يكون له في هذا الحديث طريقان وليس في روايته في حديث أبي رافع لفظ سمينين وأخرج أبو داود من وجه آخر عن جابر ذبح النبي صلى الله عليه وسلم كبشين أقرنين أملحين موجوأين قال الخطابي الموجود يعني بضم الجيم وبالهمز منزوع الانثيين والوجاء الخصاء وفيه جواز الخصي في الضحية وقد كرهه بعض أهل العلم لنقص العضو لكن ليس هذا عيبا لان الخصاء يفيد اللحم طيبا وينفي عنه الزهومة وسوء الرائحة وقال بن العربي حديث أبي سعيد يعني الذي أخرجه الترمذي بلفظ ضحى بكبش فحل أي كامل الخلقة لم تقطع انثياه يرد رواية موجوأين وتعقب باحتمال أن يكون ذلك وقع في وقتين قوله وقال يحيى بن سعيد سمعت أبا أمامة بن سهل قال كنا نسمن الاضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق أحمد بن حنبل عن عباد بن العوام أخبرني محمد بن سعيد وهو الانصاري ولفظه كان المسلمون يشتري أحدهم الاضحية فيسمنها ويذبحها في آخر ذي الحجة قال أحمد هذا الحديث عجيب قال ابن التين كان بعض المالكية يكره تسمين الاضحية لئلا يتشبه باليهود وقول أبي أمامة أحق قاله
الداودي قوله كان النبي صلى الله عليه وسلم يضحى بكبشين وأنا أضحي بكبشين هكذا في هذه
[ 8 ]
الطريق وقائل ذلك هو أنس بينه النسائي في روايته وهذه الرواية مختصرة ورواية أبي قلابة المذكورة عقبها مبينة لكن في هذه زيادة قول أنس أنه كان يضحى بكبشين للاتباع وفيها أيضا إشعار بالمداومة على ذلك فتمسك به من قال الضأن في الاضحية أفضل قوله في رواية أبي قلابة إلى كبشين أقرنين أملحين فذبحهما بيده الاملح بالمهملة هو الذي فيه سواد وبياض والبياض أكثر ويقال هو الاغبر وهو قول الاصمعي وزاد الخطابي هو الابيض الذي في خلل صوفه طبقات سود ويقال الابيض الخالص قاله بن الاعرابي وبه تمسك الشافعية في تفضيل الابيض في الاضحية وقيل الذي يعلوه حمرة وقيل الذي ينظر في سواد ويمشي في سواد ويأكل في سود ويبرك في سواد أي أن مواضع هذه منه سود وما عدا ذلك أبيض وحكى ذلك الماوردي عن عائشة وهو غريب ولعله أراد الحديث الذي جاء عنها كذا لكن ليس فيه وصفه بالاملح وسيأتي قريبا أن مسلما أخرجه فإن ثبت فلعله كان في مرة أخرى واختلف في اختيار هذه الصفة فقيل لحسن منظره وقيل لشحمه وكثرة لحمه واستدل به على اختيار العدد في الاضحية ومن ثم قال الشافعية أن الاضحية بسبع شياه أفضل من البعير لان الدم المراق فيها أكثر والثواب يزيد بحسبه وأن من أراد أن يضحي بأكثر من واحد يعجله وحكى الروياني من الشافعية استحباب التفريق على أيام النحر قال النووي هذا أرفق بالمساكين لكنه خلاف السنة كذا قال والحديث دال على اختيار التثنية ولا يلزم منه أن من أراد أن يضحي بعدد فضحى أول يوم باثنين ثم فرق البقية على أيام النحر أن يكون مخالفا للسنة وفيه أن الذكر في الاضحية أفضل من الانثى وهو قول أحمد وعنه رواية أن الانثى أولى وحكى الرافعي فيه قولين عن الشافعي أحدهما عن نصه في البوبطي الذكر لان لحمه أطيب وهذا هو الاصح والثاني أن الانثى أولى قال الرافعي وإنما يذكر ذلك في جزاء الصيد عند التقويم والانثى أكثر فيمة فلا تفدي بالذكر أو أراد الانثى التي لم تلد وقال بن العربي الاصح أفضلية الذكور على الاناث في الضحايا وقيل هما سواء وفيه
استحباب النضحية بالاقرن وأنه أفضل من الاجم مع الاتفاق على جواز التضحية بالاجم وهو الذي لا قرن له واختلفوا في مكسور القرن وفيه استحباب مباشرة المضحي الذبح بنفسه واستدل به على مشروعية استحسان الاضحية صفة ولونا قال الماوردي إن اجتمع حسن المنظر مع طيب المخبر في اللحم فهو أفضل وإن انفردا فطيب المخبر أولى من حسن المنظر وقال أكثر الشافعية أفضلهما البيضاء ثم الصفراء ثم الغبراء ثم البلقاء ثم السوداء وسيأتي بقية فوائد حديث أنس بعد أبواب قوله فذبحهما بيده سيأتي البحث فيه قريبا قوله وقال إسماعيل وحاتم ابن وردان عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أنس يعني أنهما خالفا عبد الوهاب الثقفي في شيخ أيوب فقال هو أبو قلابة وقالا محمد بن سيرين فأما حديث إسماعيل وهو بن علية فقد وصله المصنف بعد أربعة أبواب في أثناء حديث وهو مصير منه إلى أن الطريقين صحيحان وهو كذلك لاختلاف سياقهما وأما حديث حاتم بن وردان فوصله مسلم من طريقه قوله تابعه وهيب عن أيوب كذا وقع في رواية أبي ذر وقدم الباقون متابعة وهيب على روايتي إسماعيل وحاتم وهو الصواب لان وهيبا إنما رواه عن أيوب عن أبي قلابة متابعا لعبد الوهاب الثقفي وقد وصله الاسماعيلي من طريقه كذلك قال بن التين إنما قال أولا قال إسماعيل وثانيا تابعه وهيب
[ 9 ]
لان القول يستعمل على سبيل المذاكرة والمتابعة تستعمل عند النقل والتحمل قلت لو كان هذا على إطلاقه لم يخرج البخاري طريق إسماعيل في الاصول ولم ينحصر التعليق الجازم في المذاكرة بل الذي قال إن البخاري لا يستعمل ذلك إلا في المذاكرة لا مستند له قوله الليث عن يزيد هو بن أبي حبيب بينه المصنف في كتاب الشركة قوله أعطاه غنما هو أعم من الضأن والمعز قوله على صحابته يحتمل أني يكون الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون لعقبة فعلى كل يحتمل أن تكون الغنم ملكا للنبي صلى الله عليه وسلم وأمر بقسمتها بينهم تبرعا ويحتمل أن تكون من الفئ واليه جنح القرطبي حيث قال في الحديث إن الامام ينبغي له أن يفرق الضحايا على من لم يقدر عليها من بيت مال المسلمين وقال بن بطال إن كان قسمها بين
الاغنياء فهي من الفئ وأن كان خص بها الفقراء فهي من الزكاة وقد ترجم له البخاري في الشركة باب قسمة الغنم والعدل فيها وكأنه فهم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لعقبة ما يعطيه لكل واحد منهم وهو لا يوكل إلا بالعدل وإلا لو كان وكل ذلك لرأيه لعسر عليه لان الغنم لا يتأتى فيها قسمة الاجزاء وأما قسمة التعديل فتحتاج إلى رد لان استواء قسمتها على التحرير بعيد قلت ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بها عنهم ووقعت القسمة في اللحم فتكون القسمة قسمة الاجزاء كما تقدم توجيهه عن بن المنير قبل أبواب قوله فبقي عتود بفتح المهملة وضم المثناة الخفيفة وهو من أولاد المعز ما قوي ورعى وأتى عليه حول والجمع اعتدة وعتدان وتدغم التاء في الدال فيقال عدان وقال بن بطال العتود الجذع من المعز ابن خمسة أشهر وهذا يبين المراد بقوله في الرواية الاخرى عن عقبة كما مضى قريبا جذعة وأنها كانت من المعز وزعم بن حزم أن العتود لا يقال إلا للجذع من المعز وتعقبه بعض الشراح بما وقع في كلام صاحب المحكم أن العتود الجدي الذي استكرش وقيل الذي بلغ السفاد وقيل هو الذي أجذع قوله فقال ضح به أنت زاد البيهقي في روايته من طريق يحيى بن بكير عن الليث ولا رخصة فيها لاحد بعدك وسأذكر البحث في هذه الزيادة في الباب الذي بعده إن شاء الله تعالى واستدل به على أجزاء الاضحية بالشاة الواحدة وكأن المصنف أراد بإيراد حديث عقبة في هذه الترجمة وهي ضحية النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين الاستدلال على أن ذلك ليس على الوجوب بل على الاختيار فمن ذبح واحدة أجزأت عنه ومن زاد فهو خير والافضل الاتباع في الاضحية بكبشين ومن نظر إلى كثرة اللحم قال كالشافعي الافضل الابل ثم الضأن ثم البقر قال بن العربي وافق الشافعي أشهب من المالكية ولا يعدل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم شئ لكن يمكن التمسك بقول ابن عمر يعني الماضي قريبا كان يذبح وينحر بالمصلى أي فإنه يشمل الابل وغيرها قال لكنه عموم والتمسك بالصريح أولى وهو الكبش قلت قد أخرج البيهقي من حديث بن عمر كان النبي صلى الله عليه وسلم يضحى بالمدينة بالجزور أحيانا وبالكبش إذا لم يجد جزروا فلو كان ثابتا لكان نصا في موضع النزاع لكن في سنده عبد الله بن نافع وفيه مقال وسيأتي حديث عائشة أن النبي صلى الله
عليه وسلم ضحى عن نسائه بالبقر في باب من ذبح ضحية غيره وقد ثبت في حديث عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكبش أقرن يطأ في سواد وينظر في سواد ويبرك في سواد فاضجعه ثم ذبحه ثم قال بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحي أخرجه مسلم قال
[ 10 ]
الخطابي قولها يطأ في سواد الخ سواد الخ تريد أن أظلافه ومواضع البروك منه وما أحاط بملاحظ عينيه من وجهه أسود وسائر بدنه أبيض قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لابي بردة ضح بالجذع من المعز ولن تجزى عن أحد بعدك أشار بذلك إلى أن الضمير في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية التي ساقها اذبحها للجذعة التي تقدمت في قول الصحابي أن عندي داجنا جذعة من المعز قوله حدثنا مطرف هو بن طريف بمهملة وزن عقيل وعامر هو الشعبي قوله ضحى خال لي يقال له أبو بردة في رواية زبيد عن الشعبي في أول الاضاحي أبو بردة بن نيار وهو بكسر النون وتخفيف الياء المثناة من تحت وآخره راء واسمه هانئ واسم جده عمرو بن عبيد وهو بلوي من حلفاء الانصار وقد قيل أن اسمه الحارث بن عمرو وقيل مالك بن هبيرة والاول هو الاصح وأخرج بن منده من طريق جابر الجعفي عن الشعبي عن البراء قال كان اسم خالي قليلا فسماه النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا وقال يا كثير إنما نسكنا بعد صلاتنا ثم ذكر حديث الباب بطوله وجابر ضعيف وأبو بردة ممن شهد العقبة وبدرا والمشاهد وعاش إلى سنة اثنتين وقيل خمس وأربعين وله في البخاري حديث سيأتي في الحدود قوله شاتك شاة لحم أي ليست أضحية بل هو لحم ينتفع به كما وقع في رواية زبيد قائما هو لحم يقدمه لاهله وسيأتي في باب الذبح بعد الصلاة وفي رواية فراس عند مسلم قال ذاك شئ عجلته لاهلك وقد استشكلت الاضافة في قوله شاة لحم وذلك أن الاضافة قسمان معنوية ولفظية فالمعنوية إما مقدرة بمن كخاتم حديد أو باللام كغلام زيد أو بفي كضرب اليوم معناه ضرب في اليوم وأما اللفظية فهي صفة مضافة إلى معمولها كضارب زيد وحسن الوجه ولا يصح شئ من الاقسام الخمسة في شاة لحم قال الفاكهي والذي يظهر لي أن أبا بردة لما اعتقد أن شاته شاة أضحية أوقع صلى الله عليه وسلم في الجواب قوله شاة
لحم موقع قوله شاة غير أضحية قوله ان عندي داجنا الداجن التي تألف البيوت وتستأنس وليس لها سن معين ولما صار هذا الاسم علما على ما يألف البيوت اضمحل الوصف عنه فاستوى فيه المذكر والمؤنث والجذعة تقدم بيانها وقد بين في هذه الرواية أنها من المعز ووقع في الرواية الاخرى كما سيأتي بيانه فإن عندنا عناقا وفي رواية أخرى عناق لبن والعناق بفتح العين وتخفيف النون الانثى من ولد المعز عند أهل اللغة ولم يصب الداودي في زعمه أن العناق هي التي استحقت أن تحمل وأنها تطلق على الذكر والانثى وأنه بين بقوله لبن أنها أنثى قال ابن التين غلط في نقل اللغة وفي تأويل الحديث فإن معنى عناق لبن أنها صغيرة سن ترضع أمها ووقع عند الطبراني من طريق سهل بن أبي حثمة أن أبا بردة ذبح ذبيحته بسحر فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إنما الاضحية ما ذبح بعد الصلاة أذهب فضح فقال ما عندي الا جذعة من المعز الحديث قلت وسيأتي بيان ذلك عند ذكر التعاليق التي ذكرها المصنف عقب هذه الرواية وزاد في رواية أخرى هي أحب إلي من شأتين وفي رواية لمسلم من شاتي لحم والمعنى أنها أطيب لحما وأنفع للآكلين لسمنها ونفاستها وقد استشكل هذا بما ذكر أن عتق نفسين أفضل من عتق نفس واحدة ولو كانت أنفس منهما وأجيب بالفرق بين الاضحية والعتق أن الاضحية يطلب فيها كثرة اللحم فتكون الواحدة السمينة أولى من الهزلتين والعتق يطلب فيه التقرب إلى الله بفك الرقبة فيكون عتق الاثنين أولى من عتق الواحدة نعم إن عرض للواحد وصف يقتضى
[ 11 ]
رفعته على غيره كالعلم وأنواع الفضل المتعدي فقد جزم بعض المحتقين بأنه أولى لعموم نفعه للمسلمين ووقع في الرواية الاخرى التي في أواخر الباب وهي خير من مسنة وحكى بن التين عن الداودي أن المسنة التي سقطت أسنانها للبدل وقال أهل اللغة المسن الثني الذي يلقى سنة ويكون في ذات الخف في السنة السادسة وفي ذات الظلف والحافر في السنة الثالثة وقال ابن فارس إذا دخل ولد الشاة في الثالثة فهو ثن ومسن قوله قال اذبحها ولا تصلح لغيرك في رواية فراس الآتية في باب من ذبح قبل الامام أأذبحها قال نعم ثم لا تجزى عن أحد بعدك
ولمسلم من هذا الوجه ولن تجزى الخ وكذا في رواية أبي جحيفة عن البراء كما في أواخر هذا الباب ولن تجزى عن أحد بعدك وفي حديث سهل بن أبي حثمة وليس فيها رخصة لاحد بعدك وقوله تجزى بفتح أوله غير مهموز أي تقضي يقال جزا عني فلان كذا أي قضى ومنه لا تجزى نفس عن نفس شيئا أي لا تقضي عنها قال بن بري الفقهاء يقولون لا تجزئ بالضم والهمز في موضع لا تقضى والصواب بالفتح وترك الهمز قال لكن يجوز الضم والهمز بمعنى الكفاية يقال أجزأ عنك وقال صاحب الاساس بنو تميم يقولون البدنة تجزى عن سبعة بضم أوله وأهل الحجاز تجزى بفتح أوله وبهما فرئ لا تجزى نفس عن نفس شيئا وفي هذا تعقب على من نقل الاتفاق على منع ضم أوله وفي هذا الحديث تخصيص أبي بردة بأجزاء الجذع من المعز في الاضحية لكن وقع في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة ففي حديث عقبة بن عامر كما تقدم قريبا ولا رخصة فيها لاحد بعدك قال البيهقي أن كانت هذه الزيادة محفوظة كان هذا رخصة لعقبة كما رخص لابي بردة قلت وفي هذا الجمع نظر لان في كل منهما صيغة عموم فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني وأقرب ما يقال فيه إن ذلك صدر لكل منهما في وقت واحد أو تكون خصوصية الاول نسخت بثبوت الخصوصية للثاني ولا مانع من ذلك لانه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحا وقد انفصل بن التين وتبعه القرطبي عن هذا الاشكال باحتمال أن يكون العتود كان كبير السن بحيث يجزي لكنه قال ذلك بناء على أن الزيادة التي في آخره لم تقع له ولا يتم مراده مع وجودها مع مصادمته لقول أهل اللغة في العتود وتمسك بعض المتأخرين بكلام ابن التين فضعف الزيادة وليس بجيد فإنها خارجة من مخرج الصحيح فإنها البيهقي من طريق عبد الله البوشنجي أحد الائمة الكبار في الحفظ والفقه وسائر فنون العلم رواها عن يحيى ابن بكير عن الليث بالسند الذي ساقه البخاري ولكني رأيت الحديث في المتفق للجوزقي من طريق عبيد بن عبد الواحد ومن طريق أحمد بن إبراهيم بن ملحان كلاهما عن يحيى بن بكير وليست الزيادة فيه فهذا هو السر في قوله البيهقي أن كانت محفوظة فكأنه لما رأى التفرد خشي أن يكون دخل على راويها حديث في حديث وقد وقع في كلام بعضهم أن الذين ثبتت لهم
الرخصة أربعة أو خمسة واستشكل الجمع وليس بمشكل فإن الاحاديث التي وردت في ذلك ليس فيها التصريح بالنفي إلا في قصة أبي بردة في الصحيحين وفي قصة عقبة بن عامر في البيهقي وأما ما عدا ذلك فقد أخرج أبو داود وأحمد وصححه بن حبان من حديث زيد بن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه عتودا جذعا فقال ضح به فقلت أنه جذع أفأضحي به قال نعم ضح به فضحيت به لفظ أحمد وفي صحيح بن حبان وابن ماجة من طريق عباد بن تميم عن عويمر بن أشقر أنه ذبح أضحيته قبل أن
[ 12 ]
يغدو يوم الاضحى فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد أضحية أخرى وفي الطبراني الاوسط من حديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى سعد بن أبي وقاص جذعا من المعز فأمره أن يضحي به وأخرجه الحاكم من حديث عائشة وفي سنده ضعف ولابي يعلى والحاكم من حديث أبي هريرة أن رجلا قال يا رسول الله هذا جذع من الضأن مهزول وهذا جذع من المعز سمين وهو خيرهما أفأضحي به قال ضح به فإن لله الخير وفي سنده ضعف والحق أنه لا منافاة بين هذه الاحاديث وبين حديثي أبي بردة وعقبة لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء الامر ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزي واختص أبو بردة وعقبة بالرخصة في ذلك وإنما قلت ذلك لان بعض الناس زعم أن هؤلاء شاركوا عقبة وأبا بردة في ذلك والمشاركة إنما وقعت في مطلق الاجزاء لا في خصوص منع الغير ومنهم من زاد فيهم عويمر بن أشقر وليس في حديثه إلا مطلق الاعادة لكونه ذبح قبل الصلاة وأما ما أخرجه بن ماجة من حديث أبي زيد الانصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من الانصار اذبحها ولن تجزي جذعة عن أحد بعدك فهذا يحمل على أنه أبو بردة بن نيار فإنه من الانصار وكذا ما أخرجه أبو يعلى والطبراني من حديث أبي جحيفة أن رجلا ذبح قبل الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجزى عنك قال أن عندي جذعة فقال تجزى عنك ولا تجزى بعد فلم يثبت الاجزاء لاحد ونفيه عن الغير الا لابي بردة وعقبة وأن تعذر الجمع الذي قدمته فحديث أبي بردة أصح مخرجا والله أعلم قال الفاكهي ينبغي النظر في اختصاص أبي بردة بهذا الحكم وكشف السر فيه وأجيب بأن الماوردي قال أن فيه
وجهين أحدهما أن ذلك كان قبل استقرار الشرع فاستثنى والثاني أنه علم من طاعته وخلوص نيته ما ميزه عمن سواه قلت وفي الاول نظر لانه لو كان سابقا لامتنع وقوع ذلك لغيره بعد التصريح بعدم الاجزاء لغيره والفرض ثبوت الاجزاء لعدد غيره كما تقدم وفي الحديث أن الجذع من المعز لا يجزي وهو قول الجمهور وعن عطاء وصاحبه الاوزاعي يجوز مطلقا وهو وجه لبعض الشافعية حكاه الرافعي وقال النووي وهو شاذ أو غلط وأغرب عياض فحكى الاجماع على عدم الاجزاء قيل والاجزاء مصادر النص ولكن يحتمل أن يكون قائله قيد ذلك بمن لم يجد غيره ويكون معنى نفى الاجزاء عن غير من أذن له في ذلك محمولا على من وجد وأما الجذع من الضأن فقال الترمذي أن العمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم لكن حكى غيره عن بن عمر والزهري أن الجذع لا يجزي مطلقا سواء كان من الضأن أم من غيره وممن حكاه عن ابن عمر بن المنذر في الاشراف وبه قال بن حزم وعزاه لجماعة من السلف وأطنب في الرد على من أجازه ويحتمل أن يكون ذلك أيضا مقيدا بمن لم يجد وقد صح فيه حديث جابر رفعه لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم لكن نقل النووي عن الجمهور أنهم حملوه على الافضل والتقدير يستحب لكم أن لا تبذحوا إلا مسنة فإن عجزتم فاذبحوا جذعة من الضأن قال وليس فيه تصريح بمنع الجذعة من الضأن وأنها لا تجزى قال وقد أجمعت الامة على أن الحديث ليس على ظاهره لان الجمهور يجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه وابن عمر والزهري يمنعانه مع وجود غيره وعدمه فتعين تأويله قلت ويدل للجمهور الاحاديث الماضية قريبا وكذا حديث أم
[ 13 ]
هلال بنت هلال عن أبيها رفعه يجوز الجذع من الضأن أضحية أخرجه بن ماجة وحديث رجل من بني سليم يقال له مجاشع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن الجذع يوفي ما يوفى منه الثني أخرجه أبو داود وابن ماجة وأخرجه النسائي من وجه آخر لكن لم يسم الصحابي بل وقع عنده أنه رجل من مزينة وحديث معاذ بن عبد الله بن حبيب عن عقبة بن عامر ضحينا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم بجذع من الضأن أخرجه النسائي بسند قوي وحديث أبي هريرة رفعه فعمت الاضحية الجذعة من الضأن أخرجه الترمذي وفي سنده ضعف واختلف القائلون بأجزاء الجذع من الضأن وهم الجمهور في سنة على آراء أحدها أنه ما أكمل سنة ودخل في الثانية وهو الاصح عند الشافعية وهو الاشهر عند أهل اللغة ثانيها نصف سنة وهو قول الحنفية والحنابلة ثالثها سبعة أشهر وحكاه صاحب الهداية من الحنفية عن الزعفراني رابعها ستة أو سبعة حكاه الترمذي عن وكيع خامسها التفرقة بين ما تولد بين شابين فيكون له نصف سنة أو بين هرمين فيكون بن ثمانية سادسها بن عشر سابعها لا يجزي حتى يكون عظيما حكاه بن العربي وقال انه مذهب باطل كذا قال وقد قال صاحب الهداية أنه إذا كانت عظيمة بحيث لو اختلطت بالثنيات اشتبهت على الناظر من بعيد أجزأت وقال العبادي من الشافعية لو أجذع قبل السنة أي سقطت أسنانه أجزأ كما لو تمت السنة قبل أن يجذع ويكون ذلك كالبلوغ أما بالسن وإما بالاحتلام وهكذا قال البغوي الجذع ما استكمل السنة أو أجذع قبلها والله أعلم قوله ثم قال من ذبح قبل الصلاة أي صلاة العيد فانما يذبح لنفسه أي وليس أضحية ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه أي عبادته وأصاب سنة المسلمين أي طريقتهم هكذا وقع في هذه الرواية أن هذا الكلام وقع بعد قصة أبي بردة بن نيار والذي في معظم الروايات كما سيأتي قريبا من رواية زبيد عن الشعبي أن هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم وقع في الخطبة بعد الصلاة وأن خطاب أبي بردة بما وقع له كان قبل ذلك وهو المعتمد ولفظه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال أن أول ما نبدأ به من يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل فقد أصاب سنتنا فقال أبو بردة يا رسول الله ذبحت قبل أن أصلي وتقدم في العيدين من طريق منصور عن الشعبي عن البراء قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاضحى بعد الصلاة فقال من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك ومن نسك قبل الصلاة فإنه لا نسك له فقال أبو بردة فذكر الحديث وسيأتي بيان الحكم في هذا قريبا في باب من ذبح قبل الصلاة أعاد إن شاء الله تعالى واستدل به على وجوب الاضحية على من التزم الاضحية فأفسد ما يضحى به ورده الطحاوي بأنه لو
كان كذلك لتعرض إلى قيمة الاولى ليلزم بمثلها فلما لم يعتبر ذلك دل على أن الامر بالاعادة كان على جهة الندب وفيه بيان ما يجزي في الاضحية لا على وجوب الاعادة وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم أن المرجع في الاحكام إنما هو إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قد يخص بعض أمته بحكم ويمنع غيره منه ولو كان بغير عذر وأن خطابه للواحد يعم جميع المكلفين حتى يظهر دليل الخصوصية لان السياق يشعر بأن قوله لابي بردة ضح به أي بالجذع ولو كان يفهم منه تخصيصه بذلك لما أحتاج إلى أن يقول له ولن تجزى عن أحدد بعدك ويحتمل أن تكون فائدة ذلك قطع إلحاق غيره به في الحكم المذكور لا أن ذلك مأخوذ من مجرد اللفظ وهو قوي واستدل بقوله
[ 14 ]
أذبح مكانها أخرى وفي لفظ أعد نسكا وفي لفظ ضح بها وغير ذلك من الالفاظ المصرحة بالامر بالاضحية على وجوب الاضحية قال القرطبي في المفهم ولا حجة في شئ من ذلك وإنما المقصود بيان كيفية مشروعية الاضحية لمن أراد أن يفعلها أو من أوقعها على غير الوجه المشروع خطأ أو جهلا فبين له وجه تدارك ما فرط منه وهذا معنى قوله لا تجزى عن أحد بعدك أي لا يحصل له مقصود القربة ولا الثواب كما يقال في صلاة النفل لا تجزى الا بطهارة وستر عورة قال وقد استدل بعضهم للوجوب بأن الاضحية من شريعة إبراهيم الخليل وقد أمرنا باتباعه ولا حجة فيه لانا نقول بموجبه ويلزمهم الدليل على أنها كانت في شريعة إبراهيم واجبة ولا سبيل إلى علم ذلك ولا دلالة في قصة الذبيح للخصوصية التي فيها والله أعلم وفيه أن الامام يعلم الناس في خطبة العيد أحكام النحر وفيه جواز الاكتفاء في الاضحية بالشاة الواحدة عن الرجل وعن أهل بيته وبه قال الجمهور وقد تقدمت الاشارة إليه قبل وعن أبي حنيفة والثوري يكره وقال الخطابي لا يجوز أن يضحى بشاة واحدة عن اثنين وادعى نسخ ما دل عليه حديث عائشة الآتي في باب من ذبح ضحية غيره وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة وفيه أن العمل وأن وافق نية حسنة لم يصح إلا إذا وقع على وفق الشرع وفيه جواز أكل اللحم يوم العيد من غير لحم الاضحية لقوله إنما هو لحم قدمه لاهله وفيه كرم الرب سبحانه وتعالى لكونه شرع لعبيده
الاضحية مع ما لهم فيها من الشهوة بالاكل والادخار ومع ذلك فأثبت لهم الاجر في الذبح ثم من تصدق أثيب وإلا لم يأثم قوله تابعه عبيدة عن الشعبي وإبراهيم وتابعه وكيع عن حريث عن الشعبي قلت أما عبيدة فهو بصيغة التصغير وهو بن معتب بضم أوله وفتح المهملة وتشديد المثناة وكسرها بعدها موحدة الضبي وروايته عن الشعبي يعني عن البراء بهذه القصة وأما قوله وإبراهيم فيعني النخعي وهو من طريق إبراهيم منقطع وليس لعبيدة في البخاري سوى هذا الموضع الواحد وأما متابعة حريث وهو بصيغة التصغير وهو بن أبي مطر واسمه عمرو الاسدي الكوفي وما له أيضا في البخاري سوى هذا الموضع وقد وصله أبو الشيخ في كتاب الاضاحي من طريق سهل بن عثمان العسكري عن وكيع عن حريث عن الشعبي عن البراء أن خاله سأل فذكر الحديث وفيه عندي جذعة من المعز أو في منها وفي هذا تعقب على الدارقطني في الافراد حيث زعم أن عبيد الله بن موسى تفرد بهذا عن حريث وساقه من طريقه بلفظ قال فعندي جذعة معز سمينة قوله وقال عاصم وداود عن الشعبي عندي عناق لبن أما عاصم فهو ابن سليمان الاحول وقد وصله مسلم من طريق عبد الواحد بن زياد عنه عن الشعبي عن البراء بلفظ خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم نحر فقال لا يضحين أحد حتى يصلي فقال رجل عندي عناق لبن وقال في آخره ولا تجزى جذعة عن أحد بعدك وأما داود فهو بن أبي هند فوصله مسلم أيضا من طريق هشيم عنه عن الشعبي عن البراء بلفظ إن خاله أبا بردة بن نيار ذبح قبل أن يذبح النبي صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه لاطعم أهلي وجيراني وأهل داري فقال أعد نسكا فقال إن عندي عناق لبن هي خير من شاتي لحم قال هي خير نسيكتيك ولا تجزى جذعة عن أحد بعدك قوله وقال زبيد وفراس عن الشعبي عندي جذعة أما رواية زبيد وهو بالزاي ثم الموحدة مصغر فوصلها المؤلف في أول الاضاحي كذلك وأما رواية فراس وهو بكسر الفاء وتخفيف الراء
[ 15 ]
وآخره مهملة بن يحيى فوصلها أيضا المؤلف في باب من ذبح قبل الصلاة أعاد قوله وقال أبو الأحوص حدثنا منصور عناق جذعة هو بالتغوين فيهما ورواية منصور هذه وهو ابن
المعتمر وصلها المؤلف من الوجه المذكور عنه عن الشعبي عن البراء في العيدين قوله وقال ابن عون هو عبد الله عناق جذع عناق لبن يعني أن في روايته عن الشعبي عن البراء باللفظين جميعا لفظ عاصم ومن تابعه ولفظ منصور ومن تابعه وقد وصل المؤلف رواية بن عون في كتاب الايمان والنذور من طريق معاذ بن معاذ عن بن عون باللفظ المذكور قوله عن سلمة هو ابن كهيل وصرح أحمد وبه في روايته عن محمد بن جعفر بهذا الاسناد وأبو جحيفة هو الصحابي المشهور قوله ذبح أبو بردة هو بن نيار الماضي ذكره قوله أبدلها بموحدة وفتح أوله وقد تقدم بيانه في قوله أذبح مكانها أخرى قوله قال شعبة وأحسبه قال هي خير من مسنة في رواية أبي عامر العقدي عن شعبة عند مسلم هي خير من مسنة ولم يشك قوله اجعلها مكانها أي اذبحها وقد تسمك بهذا الامر من ادعى وجوب الاضحية ولا دلالة فيه لانه ولو كان ظاهر الامر الوجوب إلا أن قرينة إفساد الاولى تقتضي أن يكون الامر بالاعادة لتحصيل المقصود وهو أعم من أن يكون في الاصل واجبا أبو مندوبا وقال الشافعي يحتمل أن يكون الامر بالاعادة للوجوب ويحتمل أن يكون الامر بالاعادة للاشارة إلى أن التضحية قبل الصلاة لا تقع أضحية فأمره بالاعادة ليكون في عداد من ضحى فلما احتمل ذلك وجدنا الدلالة على عدم الوجوب في حديث أم سلمة المرفوع إذا دخل العشر فأراد أحدكم أن يضحي قال فلو كانت الاضحية واجبة لم يكل ذلك إلى الارادة وأجاب من قال بالوجوب بأن التعليق على الارادة لا يمنع القول بالوجوب فهو كما قيل من أراد الحج فليكثر من الزاد فان ذلك لا بدل على أن الحج لا يجب وتعقب بأنه لا يلزم من كون ذلك لا يدل على عدم الوجوب ثبوت الوجوب بمجرد الامر بالاعادة لما تقدم من احتمال إرادة الكمال وهو الظاهر والله أعلم قوله وقال حاتم بن وردان الخ تقدم ذكر من وصله في الباب الذي قبله ولم يسق مسلم لفظه لكنه قال يمثل حديثهما يعني رواية إسمعيل بن علية عن أيوب ورواية هشام عن محمد بن سيرين قوله باب من ذبح الاضاحي بيده أي وهل يشترط ذلك أو هو الاولى وقد اتفقوا على جواز التوكيل فيها للقادر لكن عند المالكية رواية بعدم الاجزاء مع القدرة وعند أكثرهم يكره لكن يستحب أن يشهدها ويكره
أن يستنيب حائضا أو صبيا أو كتابيا وأولهم أولى ثم ما يليه قوله ضحى كذا في رواية شعبة بصيغة الفعل الماضي وكذا في رواية أبي عوانة الآتية قريبا عن قتادة وفي رواية همام الآتية قريبا أيضا عن قتادة كان يضحي وهو أظهر في المداومة على ذلك قوله بكبشين أملحين زاد في رواية أبي عوانة وفي رواية همام كلاهما عن قتادة أقرنين وسيأتيان قريبا وتقدم مثله في رواية أبي قلابة قبل باب قوله فرأيته واضعا قدمه على صفاحهما أي على صفاح كل منهما عند ذبحه والصفاح بكسر الصاد المهملة وتخفيف الفاء وآخره حاء مهملة الجوانب والمراد الجانب الواحد من وجه الاضحية وإنما ثنى إشارة إلى أنه فعل ذلك في كل منهما فهو من إضافة الجمع إلى المثنى بإرادة التوزيع قوله يسمى ويكبر في رواية أبي عوانة وسمي وكبر والاول أظهر في وقوع
[ 16 ]
ذلك عند الذبح وفي الحديث غير ما تقدم مشروعية التسمية عند الذبح وقد تقدم في الذبائح بيان من اشترطها في صفة الذبح وفيه استحباب التكبير مع التسمية واستحباب وضع الرجل على صفحة عنق الاضحية الايمن واتفقوا على أن إضجاعها يكون على الجانب الايسر فيضع رجله على الجانب الايمن ليكون أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين وامساك رأسها بيده اليسار قوله باب من ذبح ضحية غيره أراد بهذه الترجمة بيان أن التي قبلها ليست للاشتراط قوله وأعان رجل بن عمر في بدنته أي عند ذبحها وهذا وصله عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال رأيت بن عمر ينحر بدنة بمنى وهي باركة معقولة ورجال يمسك بحبل في رأسها وابن عمر يطعن قال بن المنير هذا الاثر لا يطابق الترجمة إلا من جهة أن الاستعانة إذا كانت مشروعة التحقت بها الاستنابة وجاء في نحو قصة بن عمر حديث مرفوع أخرجه أحمد من حديث رجل من الانصار أن النبي صلى الله عليه وسلم أضجع أضحيته فقال أعني على أضحيتي فأعانه ورجاله ثقات قوله وأمر أبو موسى بناته أن يضحين بأيديهن وصله الحاكم في المستدرك ووقع لنا بعلو في خبرين كلاهما من طريق المسيب بن رافع أن أبا موسى كان يأمر بناته أن يذبحن نسائكهن بايديهن وسنده صحيح قال بن التين فيه جواز ذبيحة المرأة ونقل محمد
عن مالك كراهته قلت وقد سبق في الذبائح مبينا وهذا الاثر مباين للترجمة فيحتمل أن يكون محله في الترجمة التي قبلها أو أراد أن الامر في ذلك على اختيار المضحي وعن الشافعية الاولى للمرأة أن توكل في ذبح أضحيتها ولا تباشر الذبح بنفسها ثم ذكر المصنف حديث عائشة لما حاضت بسرف وفيه هذا أم كتبه الله على بنات آدم وفي آخره وضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر ولمسلم من حديث جابر نحر النبي صلى الله عليه وسلم عن نسائه بقرة في حجة الوداع قوله باب الذبح بعد الصلاة ذكر فيه حديث البراء في قصة أبي بردة وقد تقدم شرحه قريبا وسأذكر ما يتعلق بهذه الترجمة في التي بعدها وقوله فيه ولن تجزى أو توفي شك من الراوي ومعنى توفي أي تكمل الثواب وعند أحمد من طريق يزيد بن البراء عن أبيه ولن تفي بغير واو ولا شك يقال وفى إذا انجز فهو بمعنى تجزى بفتح أوله قوله باب من ذبح قبل الصلاة أعاد أي أعاد الذبح ذكر فيه ثلاثة أحاديث الاول حديث أنس قوله فيه وذكر هنة بفتح الهاء والنون الخفيفة بعدها هاء تأنيث أي حاجة من جيرانه إلى اللحم قوله فكأن النبي صلى الله عليه وسلم عذره بتخفيف الذال المعجمة من العذر أي قبل عذره ولكن لم يجعل ما فعله كافيا ولذلك أمره بالاعادة قال بن دقيق العيد فيه دليل على أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الامر لم يعذر فيها بالجهل والفرق بين المأمورات والمنهيات أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها وذلك لا يحصل إلا بالفعل والمقصود من المنهيات الكف عنها بسبب مفاسدها ومع الجهل والنسيان لم يقصد المكلف فعلها فيعذر قوله وعندي جذعة
[ 17 ]
هو معطوف على كلام الرجل الذي عني عنه الراوي بقوله وذكر هنة من جيرانه تقديره هذا يوم يشتهي فيه اللحم ولجيرانه حاجة فذبحت قبل الصلاة وعندي جذعة وقد تقدمت مباحثه قبل ثلاثة أبواب الثاني حديث جندب بن سفيان أورده مختصرا وتقدم في الذبائح من طريق أبي عوانة عن الاسود بن قيس أتم منه وأوله ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أضحاة فإذا ناس ذبحوا ضحاياهم قبل الصلاة الحديث قوله ومن لم يذبح فليذبح في رواية أبي عوانة
ومن كان لم يذبح حتى صلينا فليذبح على اسم الله وفي رواية لمسلم فليذبح بسم الله أي فليذبح قائلا بسم الله أو مسميا والمجرور متعلق بمحذوف وهو حال من الضمير في قوله فليذبح وهذا أولى ما حمل عليه الحديث وصححه النووي ويؤيده ما تقدم في حديث أنس وسمي وكبر وقال عياض يحتمل أن يكون معناه فليذبح لله والباء تجئ بمعنى اللام ويحتمل أن يكون معناه بتسمية الله ويحتمل أن يكون معناه متبركا باسمه كما يقال سر على بركة الله ويحتمل أن يكون معناه فليذبح بسنة الله قال وأما كراهة بعضهم أفعل كذا على اسم الله لانه اسمه على كل شئ فضعيف قلت ويحتمل وجها خامسا أن يكون معنى قوله بسم الله مطلق الاذن في الذبيحة حينئذ لان السياق يقتضي المنع قبل ذلك والاذن بعد ذلك كما يقال للمستأذن بسم الله أي ادخل وقد استدل بهذا الامر في قوله فليذبح مكانها أخرى من قال بوجوب الاضحية قال ابن دقيق العيد صيغة من في قوله من ذبح صيغة عموم في حق كل من ذبح قبل أن يصلي وقد جاءت لتأسيس قاعدة وتنزيل صيغة العموم إذا وردت لذلك على الصورة النادرة يستنكر فإذا بعد تخصيصه بمن نذر أضحية معينة بقي التردد هل الاولى حمله على من سبقت له أضحية معينة أو حمله على ابتداء أضحيه من غير سبق تعيين فعلى الاول يكون حجة لمن قال بالوجوب على من اشترى الاضحية كالمالكية فإن الاضحية عندهم تجب بالتزام اللسان وبنية الشراء وبنية الذبح وعلى الثاني يكون لا حجة لمن أوجب الضحية مطلقا لكن حصل الانفصال ممن لم يقل بالوجوب بالادلة الدالة على عدم الوجوب فيكون الامر الندب واستدل به من اشترط تقدم الذبح من الامام بعد صلاته وخطبته لان قوله من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى إنما صدر منه بعد صلاته وخطبته وذبحه فكأنه قال من ذبح قبل فعل هذه الامور فليعد أي فلا يعتد بما ذبحه قال ابن دقيق العيد وهذا استدلال غير مستقيم لمخالفته التقييد بلفظ الصلاة والتعقيب بالفاء الحديث الثالث حديث البراء أورده من طريق فراس بن يحيى عن الشعبي وقد تقدمت مباحثه قريبا قوله من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا المراد من كان على دين الاسلام قوله فلا يذبح أي الاضحية حتى ينصرف تمسك به الشافعية في أن أول وقت الاضحية قدر فراغ الصلاة والخطبة
وإنما شرطوا فراغ الخطيب لان الخطبتين مقصودتان مع الصلاة في هذه العبادة فيعتبر مقدار الصلاة والخطبتين على أخف ما يجزي بعد طلوع الشمس فإذا ذبح بعد ذلك أجزأه الذبح عن الاضحية سواء صلى العيد أم لا وسواء ذبح الامام أضحيته أم لا ويستوي في ذلك أهل المصر والحاضر والبادي ونقل الطحاوي عن مالك والاوزاعي والشافعي لا تجوز أضحية قبل أن يذبح الامام وهو معروف عن مالك والاوزاعي لا الشافعي قال القرطبي ظواهر الاحاديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة لكن لما رأى الشافعي أن من لا صلاة عيد عليه مخاطب بالتضحية حمل
[ 18 ]
الصلاة على وقتها وقال أبو حنيفة والليث لا ذبح قبل الصلاة ويجوز بعدها ولو لم يذبح الامام وهو خاص بأهل المصر فأما أهل القرى والبوادي فيدخل وقت الاضحية في حقهم إذا طلع الفجر الثاني وقال مالك يذبحون إذا نحر أقرب أئمة القرى إليهم فإن نحروا قبل أجزأهم وقال عطاء وربيعة يذبح أهل القرى بعد طلوع الشمس وقال أحمد وإسحاق إذا فرغ الامام من الصلاة جازت الاضحية وهو وجه للشافعية قوي من حيث الدليل وأن ضعفه بعضهم ومثله قول الثوري يجوز بعد صلاة الامام قبل خطبته وفي أثنائها ويحتمل أن يكون قوله حتى ينصرف أي من الصلاة كما في الروايات الاخر وأصرح من ذلك ما وقع عند أحمد من طريق يزيد بن البراء عن أبيه رفعه إنما الذبح بعد الصلاة ووقع في حديث جندب عند مسلم من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى قال بن دقيق العيد هذا اللفظ أظهر في اعتبار فعل الصلاة من حديث البراء أي حيث جاء فيه من ذبح قبل الصلاة قال لكن أن أجريناه على ظاهره اقتضى أن لا تجزئ الاضحية في حق من لم يصل العيد فإن ذهب إليه أحد فهو أسعد الناس بظاهر هذا الحديث وإلا وجب الخروج عن هذا الظاهر في هذه الصورة ويبقى ما عداها في محل البحث وتعقب بأنه قد وقع في صحيح مسلم في رواية أخرى قبل أن يصلي أو نصلي بالشك قال النووي الاولى بالياء والثانية بالنون وهو شك من الراوي فعلى هذا إذا كان بلفظ يصلي ساوى لفظ حديث البراء في تعليق الحكم بفعل الصلاة قلت وقد وقع عند البخاري في حديث جندب في الذبائح بمثل لفظ البراء وهو خلاف
ما يوهمه سياق صاحب العمد ة فإنه ساقه على لفظ مسلم وهو ظاهر في اعتبار فعل الصلاة فإن إطلاق لفظ الصلاة وإرادة وقتها خلاف الظاهر وأظهر من ذلك قوله قبل أن نصلي بالنون وكذا قوله قبل أن ننصرف سواء قلنا من الصلاة أم من الخطبة وارعى بعض الشافعية أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى أي بعد أن يتوجه من مكان هذا القول لانه خاطب بذلك من حضره فكأنه قال من ذبح قبل فعل هذا من الصلاة والخطبة فليذبح أخرى أي لا يعتد بما ذبحه ولا يخفي ما فيه وأورد الطحاوي ما أخرجه مسلم من حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر فأمرهم أن يعيدوا قال ورواه حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بلفظ أن رجلا ذبح قبل أن يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى أن يذبح أحد قبل الصلاة وصححه بن حبان ويشهد لذلك قوله في حديث البراء أن أول ما نصنع أن نبدأ بالصلاة ثم نرجع فننحر فإنه دال على أن وقت الذبح يدخل بعد فعل الصلاة ولا يشترط التأخير إلى نحر الامام ويؤيده من طريق النظر أن الامام لو لم ينحر لم يكن ذلك مسقطا عن الناس مشروعية النحر ولو أن الامام نحر قبل أن يصلي لم يجزئه نحره فدل على أنه هو والناس في وقت الاضحية سواء وقال المهلب إنما كره الذبح قبل الامام لئلا يشتغل الناس بالذبح عن الصلاة قوله فقام أبو بردة بن نيار فقال يا رسول الله فعلت أي ذبحت قبل الصلاة ووقع عند مسلم من هذا الوجه نسكت عن بن لي وقد تقدم توجيهه قوله هي خير من مسنتين كذا وقع هنا بالتثنية وهي مبالغة ووقع في رواية غيره من مسنة بالافراد وتقدم توجيهه أيضا قوله قال عامر هي خير نسيكتيه كذا فيه بالتثنية وفيه ضم الحقيقة إلى المجاز بلفظ واحد فإن النسيكة هي التي
[ 19 ]
أجزأت عنه وهي الثانية والاولى لم تجز عنه لكن أطلق عليها نسيكة لان نحرها على أنها نسيكة أو نحرها في وقت النسيكة وإنما كانت خيرهما لانها أجزأت عن الاضحية بخلاف الاولى وفي الاولى خير في الجملة باعتبار القصد الجميل ووقع عند ما من هذا الوجه قال ضح بها فإنها خير
نسيكة ونقل بن التين عن الشيخ أبي الحسن يعني بن القصار أنه استدل بتسميتها نسيكة على أنه لا يجوز بيعها ولو ذبحت قبل الصلاة ولا يخفي وجه الضعف عليه قوله باب وضع القد على صفح الذبيحة ذكر فيه حديث أنس ويضع رجله على صفحتهما وقد تقدمت مباحثه قريبا رضي الله تعالى عنه قوله باب التكبير عند الذبح ذكر فيه حديث أنس أيضا وقد تقدم أيضا قوله باب إذا بعث بهديه ليذبح لم يحرم عليه شئ ذكر فيه حديث عائشة وقد تقدمت مباحثه في كتاب الحج وأحمد بن محمد شيخه هو المروزي وعبد الله هو بن المبارك وإسمعيل هو بن أبي خالد وقوله فيه إن رجلا يبعث بالهدى هو زياد بن أبي سفيان وقد تقدم نقله عن ابن عباس وغيره وقوله فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب أي ضربت إحدى يديها على الاخرى تعجبا أو تأسفا على وقوع ذلك واستدل الداودي بقولها هدية على أن الحديث الذي روته ميمونة مرفوعا إذا دخل على عشر ذي الحجة فمن أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره يكون منسوخا بحديث عائشة أو ناسخا قال بن التين ولا يحتاج إلى ذلك لان عائشة إنما أنكرت أن يصير من يبعث هدية محرما بمجرد بعثه ولم تتعرض على ما يستحب في العشر خاصة من اجتناب إزالة الشعر والظفر ثم قال لكن عموم الحديث يدل على ما قال الداودي وقد استدل به الشافعي على إباحة ذلك في عشر ذي الحجة قال والحديث المذكور أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي قلت هو من حديث أم سلمة لا من حديث ميمونة فوهم الداودي في النقل وفي الاحتجاج أيضا فإنه لا يلزم من دلالته على عدم اشتراط ما يجتنبه المحرم على المضحي أنه لا يستحب فعل ما ورد به الخير المذكور لغير المحرم والله أعلم قوله باب ما يؤكل من لحوم الاضاحي أي من غير تقييد بثلث ولا نصف وما يتزود منها أي للسفر وفي الحضر وبيان التقييد بثلاثة أيام إما منسوخ وإما خاص بسبب فيه أحاديث الاول حديث جابر قوله لحوم الاضاحي تقدم البحث في قوله إلى المدينة في باب ما كان السلف يدخرون من كتاب الاطعمة قوله وقال غير مرة لحوم الهدى فاعل قال هو سفيان بن عيينة وقائل ذلك الراوي عنه علي بن عبد الله وهو بن المديني بين أن سفيان كان تارة يقول لحوم الاضاحي ومرارا يقول
لحوم الهدى ووقع في رواية الكشميهني هنا وقال غيره وهو تصحيف وقد تقدم في الباب المذكور من رواية أخرى عن سفيان لحوم الهدى الثاني قوله حدثنا إسمعيل هو بن أبي أويس وسليمان هو بن بلال ويحيى بن سعيد هو الانصاري والقاسم هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق وابن خباب بمعجمة وموحدتين الاولى ثقيلة اسمه عبد الله والاسناد كله مدنيون وفيه ثلاثة من التابعين في نسق يحيى والقاسم وشيخه وفيه صحابيان أبو سعيد وقتادة بن النعمان قوله فقدم أي من السفر فقدم بضم القاف وتشديد الدال المكسورة أي وضع بين يديه قوله فقال
[ 20 ]
أخروه فعل أمر من التأخير لا أذوقه أي لا آكل منه قوله قال ثم قمت فخرجت قد تقدم في غزوة بدر من كتاب المغازي من رواية الليث عن يحيى بن سعيد بهذا الاسناد بلفظ أن أبا سعيد قدم من سفر فقدم إليه أهله لحما من لحوم الاضاحي فقال ما أنا بآكله حتى أسأل قوله فخرجت حتى أتى أخي أبا قتادة وكان أخاه لامه كذا لابي ذر ووافقه الاصيلي والقابسي في روايتهما عن أبي زيد المروزي وأبي أحمد الجرجاني وهو وهم وقال الباقون حتى أتى أخي قتادة وهو الصواب وقد تقدم في رواية الليث فانطلق إلى أخيه لامه قتادة بن النعمان وزعم بعض من لم يمعن النظر في ذلك أنه وقع في كل النسخ أبا قتادة وليس كما زعم وقد نبه على اختلاف الرواة في ذلك أبو علي الجياني في تقييده وتبعه عياض وآخرون وأم أبي سعيد وقتادة المذكورة أنيسة بنت أبي خارجة عمرو بن قيس بن مالك من بني عدي بن النجار ذكر ذلك بن سعد قوله حدث بعدك أمر زاد الليث نقض لما كانوا ينهون عنه من أكل لحوم الاضاحي بعد ثلاثة أيام وقد أخرجه أحمد من رواية محمد بن إسحاق قال حدثني أبي ومحمد بن علي بن حسين عن عبد الله بن خباب مطولا ولفظه عن أبي سعيد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا أن نأكل لحوم نسكنا فوق ثلاث قال فخرجت في سفر ثم قدمت على أهلي وذلك بعد الاضحى بأيام فأتتني صاحبتي بسلق قد جعلت فيه قديدا فقالت هذا من ضحايانا فقلت لها أو لم ينهنا فقالت إنه رخص للناس بعد ذلك فلم أصدقها حتى بعثت إلى أخي قتادة بن النعمان فذكره وفيه قد أرخص رسول الله
صلى الله عليه وسلم للمسلمين في ذلك وأخرجه النسائي وصححه بن حبان من طريق زينب بنت كعب عن أبي سعيد فقلب المتن جعل راوي الحديث أبا سعيد والممتنع من الاكل قتادة بن النعمان وما في الصحيحين أصح وأخرجه أحمد من وجه آخر فجعل القصة لابي قتادة وأنه سأل قتادة بن النعمان عن ذلك أيضا وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في حجة الوداع فقال إني كنت أمرتكم ألا تأكلوا الاضاحي فوق ثلاثة أيام لتسعكم وإني أحله لكم فكلوا منه ما شئتم الحديث فبين في هذا الحديث وقت الاحلال وأنه كان في حجة الوداع وكأن أبا سعيد ما سمع ذلك وبين فيه أيضا السبب في التقييد وأنه لتحصيل التوسعة بلحوم الاضاحي لمن لم يضح الثالث حديث سلمة بن الاكوع وهو من ثلاثياته قوله فلما كان العام المقبل قالوا يا رسول الله نفعل كما فعلنا في العام الماضي استفاد منه أن النهي كان سنة تسع لما دل عليه الذي قبله أن الاذن كان في سنة عشر قال بن المنير وجه قولهم هل نفعل كما كنا نفعل مع أن النهي يقتضي الاستمرار لانهم أن ذلك النهي ورد على سبب خاص فلما احتمل عندهم عموم النهي أو خصوصه من أجل السبب سألوا فارشدهم إلى أنه خاص بذلك العام من أجل السبب المذكور وقوله كلوا وأطعموا تمسك به من قال بوجوب الاكل من الاضحية ولا حجة فيه لانه أمر بعد حظر فيكون للاباحة واستدل به على أن العام إذا ورد على سبب خاص ضعفت دلالة العموم حتى لا يبقى على أصالته لكن لا يقتصر فيه على السبب قوله وادخروا بالمهملة وأصله من ذخر بالمعجمة دخلت عليه تاء الافتعال ثم ادغمت ومنه قوله تعالى واذكر بعد أمة ويؤخذ من الاذن في الادخار الجواز خلافا لمن كرهه وقد ورد في الادخار كان يدخر لاهله قوت سنة وفي رواية كان لا يدخر لغد والاول في الصحيحين والثاني في مسلم والجمع بينهما أنه كان لا يدخر لنفسه
[ 21 ]
ويدخر لعياله أو أن ذلك كان باختلاف الحال فيتركه عند حاجة الناس إليه ويفعله عند عدم الحاجة قوله كان بالناس جهد بالفتح أي مشقة من جهد قحط السنة قوله فأردت أن تعينوا فيها كذا هنا من الاعانة وفي رواية مسلم عن محمد بن المثنى عن أبي عاصم شيخ البخاري فيه فأردت
أن تفشوا فيهم وللاسماعيلي عن أبي يعلى عن أبي خيثمة عن أبي عاصم فأردت أن تقسموا فيهم كلوا وأطعموا وادخروا قال عياض الضمير في تعينوا فيها للمشقة المفهومة من الجهد أو من الشدة أو من السنة لانها سبب الجهد وفي تفشوا فيهم أي في الناس المحتاجين إليها قال في المشارق ورواية البخاري أوجه وقال في شرح مسلم ورواية مسلم أشبه قلت قد عرفت أن مخرج الحديث وأحد ومداره على أبي عاصم وأنه تارة قال هذا وتارة قال هذا والمعنى في كل صحيح فلا وجه للترجيح الحديث الرابع حديث عائشة قوله إسماعيل بن عبد الله هو بن أبي أويس الذي روى عنه حديث أبي سعيد وقوله حدثني أخي هو أبو بكر عبد الحميد وسليمان هو ابن بلال ويحيى بن سعيد هو الانصاري فإسماعيل في حديث أبي سعيد يروي عن سليمان بن بلال بغير واسطة وفي حديث عائشة هذا يروي عنه بواسطة وقد تكرر له هذا في عدة أحاديث وذلك يرشد إلى أنه كان لا يدلس قوله الضحية بفتح المعجمة وكسر الحاء المهملة قوله نملح منه أي من لحم الاضحية في رواية الكشميهني منها أي من الاضحية قوله فنقدم بسكون القاف وفتح الدال من القدوم وفي رواية بفتح القاف وتشديد الدال أي نضعه بين يديه وهو أوجه قوله فقال لا تأكلوا أي منه هذا صريح في النهي عنه ووقع في رواية الترمذي من طريق عابس بن ربيعة عن عائشة أنها سألت أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الاضاحي فقالت لا والجمع بينهما أنها نفت نهي التحريم لا مطلق النهي ويؤيده قوله في هذه الرواية وليست بعزيمة قوله وليست بعزيمة ولكن أراد أن نطعم منه بضم النون وسكون الطاء أي نطعم غيرنا قال الاسماعيلي بعد أن أخرج هذا الحديث عن علي بن العباس عن البخاري بسنده إلى قوله بالمدينة كأن الزيادة من قوله بالمدينة الخ من كلام يحيى بن سعيد قلت بل هو من جملة الحديث فقد أخرجه أبو نعيم من وجه آخر عن البخاري بتمامه وتقدم في الاطعمة من طريق عابس بن ربيعة قلت لعائشة أنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤكل من لحوم الاضاحي فوق ثلاث قالت ما فعله إلا في عام جاع الناس فيه فأراد أن يطعم الغني الفقير والطحاوي من هذا الوجه أكان يحرم لحوم الاضاحي فوق ثلاث قالت لا ولكنه لم يكن يضحي منهم إلا القليل ففعل ليطعم من
ضحى منهم من لم يضح وفي رواية مسلم من طريق عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عمرة إنما نهبتكم من أجل الدافة التي دفت وتصدقوا وادخروا وأول الحديث عند مسلم دف ناس من أهل البادية حضرة الاضحى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ادخروا لثلاث وتصدقوا بما بقى فلما كان بعد ذلك قيل يا رسول الله لقد كان الناس ينفعون من ضحاياهم فقال إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت فكلوا وتصدقوا وادخروا قال الخطابي الدف يعني بالمهملة والفاء الثقيلة السير السريع والدافة من يطرأ من المحتاجين واستدل بإطلاق هذه الاحاديث على أنه لا تقييد في القدر الذي يجزي من الاطعام ويستحب للمضحي أن يأكل من الاضحية شيئا ويطعم الباقي صدقة وهدية وعن الشافعي يستحب قسمتها أثلاثا لقوله كلوا وتصدقوا وأطعموا
[ 22 ]
قال ابن عبد البر وكان غيره يقول يستحب أن يأكل النصف ويطعم النصف وقد أخرج أبو الشيخ في كتاب الاضاحي من طريق عطاء بن يسار عن أبي هريرة رفعه من ضحى فليأكل من أضحيته ورجله ثقات لكن قال أبو حاتم الرازي الصواب عن عطاء مرسل قال النووي مذهب الجمهور أنه لا يحب الاكل من الاضحية وإنما الامر فيه للاذن وذهب بعض السلف إلى الاخذ بظاهر الامر وحكاه الماوردي عن أبي الطيب بن سلمة من الشافعية وأما الصدقة منها فالصحيح أنه يجب التصدق من الاضحية بما يقع عليه الاسم والاكمل أن يتصدق بمعظمها الحديث الخامس والسادس والسابع أحاديث أبي عبيد عن عمر ثم عن عثمان ثم عن علي قوله عبد الله هو ابن المبارك ويونس هو بن يزيد وأبو عبيد مولى بن أزهر أي عبد الرحمن بن أزهر بن عوف بن أخي عبد الرحمن بن عوف وأبو عبيد اسمه سعد بن عبيد قوله قد نهاكم عن صيام هذين العيدين تقدمت مباحثه في أواخر كتاب الصيام واستدل به على أن النهي عن الشئ إذا تحدث جهته لم يجز فعله كصوم يوم العيد فإنه لا ينفك عن الصوم فلا يتحقق فيه جهتان فلا يصح بخلاف ما إذا تعددت الجهة كالصلاة في الدار المغصوبة فإن الصلاة تتحقق في غير المغصوب فيصح في المغصوب مع التحريم والله أعلم قوله قال أبو عبيد هو موصول بالسند المذكور قوله ثم شهدت العيد
لم يبين كونه أضحى أو فطرا والظاهر أنه الاضحى الذي قدمه في حديثه عن عمر فتكون اللام فيه للعهد قوله وكان ذلك يوم الجمعة أي يوم العيد قوله قد اجتمع لكم فيه عيدان أي يوم الاضحى ويوم الجمعة قوله من أهل العوالي جمع العالية وهي قرى معروفة بالمدينة قوله فلينتظر أي يتأخر إلى أن يصلى الجمعة قوله ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له استدل به من قال بسقوط الجمعة عمن صلى العيد إذا وافق العيد يوم الجمعة وهو محكى عن أحمد وأجيب بأن قوله أذنت له ليس فيه تصريح بعدم العود وأيضا فظاهر الحديث في كونهم من أهل العوالي أنهم لم يكونوا ممن تجب عليهم الجمعة لبعد منازلهم عن المسجد وقد ورد في أصل المسألة حديث مرفوع قوله ثم شهدته أي العيد ودل السياق على أن المراد به الاضحى وهو يؤيد ما تقدم في حديث عثمان وأصرح من ذلك ما وقع في رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي عبيد أنه سمع عليا يقول يوم الاضحى وللنسائي من طريق غندر عن معمر بسنده شهدت عليا في يوم عيد بدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة ثم قال سمعت فذكر المرفوع قوله نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث زاد عبد الرزاق في روايته فلا تأكلوها بعدها قال القرطبي اختلف في أول الثلاث التي كان الادخار فيها جائزا فقيل أولها يوم النحر فمن ضحى فيه جاز له أن يمسك يومين بعده ومن ضحى بعده أمسك ما بقي له من الثلاثة وقيل أولها يوم يضحى فلو ضحى في آخر أيام النحر جاز له أن يمسك ثلاثا بعدها ويحتمل أن يؤخذ من قوله فوق ثلاث أن لا يحسب اليوم الذي يقع فيه النحر من الثلاث وتعتبر الليلة التي تليه وما بعدها قلت ويؤيده ما في حديث جابر كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى فإن ثلاث منى تتناول يوما بعد يوم النحر لاهل النفر الثاني قال الشافعي لعل عليا لم يبلغه النسخ وقال غيره يحتمل أن يكون الوقت الذي قال علي فيه ذلك كان بالناس حاجة كما وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك جزم ابن حزم فقال إنما خطب علي بالمدينة في الوقت الذي كان عثمان حوصر فيه وكان أهل البوادي
[ 23 ]
قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة فأصابهم الجهد فلذلك قال علي ما قال قلت أما كون علي خطب
به وعثمان محصورا فأخرجه الطحاوي من طريق الليث عن عقيل عن الزهري في هذا الحديث ولفظه صليت مع علي العيد وعثمان محصور وأما الحمل المذكور فلما أخرج أحمد والطحاوي أيضا من طريق مخارق بن سليم عن رفعه أني كنت نهيتكم عن لحوم الاضاحي فوق ثلاث فادخروا ما بدا لكم ثم جمع الطحاوي بنحو ما تقدم وكذلك يجاب عما أخرج أحمد من طريق أم سليمان قالت دخلت على عائشة فسألتها عن لحوم الاضاحي فقالت كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها ثم رخص فيها فقدم علي من السفر فأتته فاطمة بلحم من ضحاياها فقال أو لم ننه عنه قالت إنه قد رخص فيها فهذا علي قد اطلع على الرخصة ومع ذلك خطب بالمنع فطريق الجمع ما ذكرته وقد جزم به الشافعي في الرسالة في آخر باب العلل في الحديث فقال ما نصه فإذا دفت الدافة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث وأن لم تدف دافة فالرخصة ثابتة بالاكل والتزود والادخار والصدقة قال الشافعي ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الاضاحي بعد ثلاث منسوخا في كل حال قلت وبهذا الثاني أخذ المتأخرون من الشافعية فقال الرافعي الظاهر أنه لا يحرم اليوم مجال وتبعه النووي فقال في شرح المهذب الصواب المعروف أنه لا يحرم الادخار اليوم مجال وحكى في شرح مسلم عن جمهور العلماء أنه من نسخ السنة بالسنة قال والصحيح نسخ النهي مطلقا وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة فيباح اليوم الادخار فوق ثلاث والاكل إلى متى شاء اه وإنما رجح ذلك لانه يلزم من القول بالتحريم إذا دفت الدافة إيجاب الاطعام وقد قامت الادلة عند الشافعية أنه لا يجب في المال حتى سوى الزكاة ونقل بن عبد البر ما يوافق ما نقله النووي فقال لا خلاف بين فقهاء المسلمين في إجازة أكل لحوم الاضاحي بعد ثلاث وأن النهي عن ذلك منسوخ كذا أطلق وليس بجيد فقد قال القرطبي حديث سلمة وعائشة نص على أن المنع كان لعلة فلما ارتفعت ارتفع لارتفاع موجبه فتعين الاخذ به وبعود الحكم تعود العلة فلو قدم على أهل بلد ناس محتاجون في زمان الاضحى ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا تعين عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث قلت والتقييد بالثلاث واقعة حال وإلا فلو لم تستد الخلة إلا بتفرقة الجميع لزم على هذا التقرير عدم الامساك ولو ليلة واحدة وقد
حكى الرافعي عن بعض الشافعية أن التحريم كان لعلة فلما زالت زال الحكم لكن لا يلزم عود الحكم عند عود العلة قلت واستبعدوه وليس ببعيد لان صاحبه قد نظر إلى أن الخلة لم تستد يومئذ إلا بما ذكر فأما الآن فإن الخلة تستد بغير لحم الاضحية فلا يعود الحكم إلا لو فرض أن الخلة لا تستد إلا بلحم الاضحية وهذا في غاية الندور وحكى البيهقي عن الشافعي أن النهي عن أكل لحوم الاضاحي فوق ثلاث كان في الاصل للتنزيه قال وهو كالامر في قوله تعالى فكلوا منها وأطعموا القانع وحكاه الرافعي عن أبي علي الطبري احتمالا وقال المهلب أنه الصحيح لقول عائشة وليس بعزيمة والله أعلم واستدل بهذه الاحاديث على أن النهي عن الاكل فوق ثلاث خاص بصاحب الاضحية فإما من أهدى له أو تصدق عليه فلا لمفهوم قوله من أضحيته وقد جاء في حديث الزبير بن العوام عند أحمد وأبي يعلى ما يفيد ذلك ولفظه قلت يا نبي الله أرأيت قد نهى المسلمون أن يأكلوا من لحم نسكهم فوق ثلاث فكيف نصنع بما أهدي لنا قال أما
[ 24 ]
ما أهدي إليكم فشأنكم به فهذا نص في الهدية وأما الصدقة فإن الفقير لا حجر عليه في التصرف فيما يهدى له لان القصد أن تقع المواساة من الغني للفقير وقد حصلت قوله عن معمر عن الزهري عن أبي عبيد نحوه هذا ظاهره أنه معطوف على السند المذكور فيكون من رواية حبان بن موسى عن بن المبارك عن معمر وبهذا جزم أبو العباس الطرقي في الاطراف وهو مقتضي صنيع المزي لكن أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق الحسن بن سفيان عن حبان ابن موسى فساق رواية يونس بتمامها ثم أخرجه من رواية يزيد بن زريع عن معمر وقال أخرجه البخاري عقب رواية بن المبارك عن يونس قلت فاحتمل على هذا أن تكون رواية معمر معلقة وقد بينت ما فيها من فائدة زائدة قبل ويؤيده أن الاسماعيل أخرجه عن الحسن بن سفيان عن حبان بسنده ومن طريق بن وهب عن يونس ومالك كلاهما عن بن شهاب به ثم قال البخاري وعن معمر عن الزهري عن أبي عبيد نحوه ولم يذكر الخبر أي لم يوصل السند إلى معمر الحديث الثامن قوله محمد بن عبد الرحيم هو المعروف بصاعقة وابن أخي بن شهاب اسمه
محمد بن عبد الله بن مسلم وسالم هو بن عبد الله بن عمر قوله كلوا من الاضاحي ثلاثا أي فقط ولمسلم من طريق معمر نهى أن تؤكل الاضاحي بعد ثلاث وله من طريق نافع عن ابن عمر لا يأكل أحد من أضحيته فوق ثلاثة أيام قوله وكان عبد الله أي بن عمر يأكل بالزيت سيأتي بيانه قوله حين ينفر من منى هذا هو الصواب ووقع في رواية الكشميهني وحده حتى بدل حين وهو تصحيف يفسد المعنى فإن المراد أن بن عمر كان لا يأكل من لحم الاضحية بعد ثلاث فكان إذا انقضت ثلاث مني ائتدم بالزيت ولا يأكل اللحم تمسكا بالامر المذكور ويدل عليه قوله في آخر الحديث من أجل لحوم الهدي وكأنه أيضا لم يبلغه الاذن بعد المنع وعلى رواية الكشميهني ينعكس الامر ويصير المعنى كان يأكل بالزيت إلى أن ينفر فإذا نفر أكل بغير الزيت فيدخل فيه لحم الاضحية وأما تعبيره في الحديث بالهدى فيحتمل أن يكون بن عمر كان يسوى بين لحم الهدى ولحم الاضحية في الحكم ويحتمل أن يكون أطلق على لحم الاضحية لحم الهدى لمناسبة أنه كان بمنى وفي هذه الاحاديث من الفوائد غير ما تقدم نسخ الاثقل بالاخف لان النهي عن ادخار لحم الاضحية بعد ثلاث مما يثقل على المضحين والاذن في الادخار أخف منه وفيه رد على من يقول إن النسخ لا يكون إلا بالاثقل للاخف وعكسه بن العربي زعما أن الاذن في الادخار نسخ بالنهي وتعقب بأن الادخار كان مباحا بالبراءة الاصلية فالنهي عنه ليس نسخا وعلى تقدير أن يكون نسخا ففيه نسخ الكتاب بالسنة لان في الكتاب الاذن في أكلها من غير تقييد لقوله تعالى فكلوا منها وأطعموا ويمكن أن يقال إنه تخصيص لا نسخ وهو الاظهر خاتمة اشتمل كتاب الاضاحي من الاحاديث المرفوعة على أربعة وأربعين حديثا المعلق منها خمسة عشر والبقية موصولة المكرر منها فيه وفيما مضى تسعة وثلاثون حديثا والخالص خمسة وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث قتادة بن النعمان في الباب الاخير وسوى زيادة معلقة في حديث أنس وهي قوله بكبشين سمينين فإن أصل الحديث عند مسلم سوى قوله سمينين وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم سبعة آثار والله سبحانه وتعالى أعلم قوله كتاب الاشربة
[ 25 ]
وقول الله تعالى إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس الآية كذا لابي ذر وساق الباقون إلى المفلحون كذا ذكر الآية وأربعة أحاديث تتعلق بتحريم الخمر وذلك أن الاشربة منها ما يحل وما يحرم فينظر في حكم كل منهما ثم في الآداب المتعلقة بالشرب فبدأ يتبين المحرم منها لقلته بالنسبة إلى الحلال فإذا عرف ما يرحم كان ما عداه حلالا وقد بينت في تفسير المائدة الوقت الذي نزلت فيه الآية المذكورة وأنه كان في عام الفتح قبل الفتح ثم رأيت الدمياطي في سيرته جزم بأن تحريم الخمر كان سنة الحديبية والحديبية كانت سنة ست وذكر بن إسحاق أنه كان في واقعة بني النضير وهي بعد وقعة أحد وذلك سنة أربع على الراجح وفيه نظر لان أنسا كما سيأتي في الباب الذي بعده كان الساقي يوم حرمت وأنه لما سمع المنادي بتحريمها بادر فأراقها فلو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر عن ذلك وكأن المصنف لمح بذكر الآية إلى بيان السبب في نزولها وقد مضى بيانه في تفسير المائدة أيضا من حديث عمر وأبي هريرة وغيرهما وأخرج النسائي والبيهقي بسند صحيح عن بن عباس أنه لما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من الانصار شربوا فلما ثمل القوم عبث بعضهم ببعض فلما أن صحوا جعل الرجل يرى في وجهه ورأسه الاثر فيقول صنع هذا أخي فلان وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن فيقول والله لو كان بي رحيما ما صنع بي هذا حتى وقعت في قلوبهم الضغائن فانزل الله عزوجل هذه الآية يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر إلى منتهون قال فقال ناس من المتكلفين هي رجس وهي في بطن فلان وقد قتل يوم أحد فانزل الله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إلى المحسنين ووقعت هذه الزيادة في حديث أنس في البخاري كما مضى في المائدة ووقعت أيضا في حديث البراء عند الترمذي وصححه ومن حديث بن عباس عند أحمد لما حرمت الخمر قال ناس يا رسول الله أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها وسنده صحيح وعند البزار من حديث جابر أن الذي سأل عن ذلك اليهود وفي حديث أبي هريرة الذي ذكرته في تفسير المائدة نحو الاول وزاد في آخره قال النبي صلى الله عليه وسلم لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن يستفاد تحريم الخمر من هذه
الآية من تسميتها رجسا وقد سمي به ما أجمع على تحريمه وهو لحم الخنزير ومن قوله من عمل الشيطان لان مهما كان من عمل الشيطان حرم تناوله ومن الامر بالاجتناب وهو للوجوب وما وجب اجتنابه حرم تناوله ومن الفلاح المرتب على الاجتناب ومن كون الشرب سببا للعداوة والبغضاء بين المؤمنين وتعاطي ما يوقع ذلك حرام ومن كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة ومن ختام الآية بقوله تعالى فهل أنتم منتهون فإنه استفهام معناه الردع والزجر ولهذا قال عمر لما سمعها انتهينا انتهينا وسبقه إلى نحو ذلك الطبري وأخرجه الطبراني وابن مردويه وصححه الحاكم من طريق طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال لما نزل تحريم الخمر مشى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض فقالوا حرمت الخمر وجعلت عدلا للشرك قيل يشير إلى قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر الآية فإن الانصاب والازلام من عمل المشركين بتزين الشيطان فنسب العمل إليه قال أبو الليث السمرقندي المعنى أنه لما نزل فيها أنها رجس من عمل الشيطان وأمر باجتنابها عادلت قوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الاوثان وذكر أبو جعفر النحاس أن بعضهم استدل لتحريم الخمر بقوله تعالى قل إنما
[ 26 ]
حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وقد قال تعالى في الخمر والميسر فيهما إثم كبير ومنافع للناس فلما أخبر أن في الخمر إثما كبيرا ثم صرح بتحريم الاثم ثبت تحريم الخمر بذلك قال وقول من قال إن الخمر تسمى الاثم لم نجد له أصلا في الحديث ولا في اللغة ولا دلالة أيضا في قول الشاعر شربت الاثم حتى ضل عقلي كذاك الاثم يذهب بالعقول فإنه أطلق الاثم على الخمر مجازا بمعنى أنه ينشأ عنها الاثم واللغة الفصحى تأنيث الخمر وأثبت أبو حاتم السجستاني وابن قتيبة وغيرهما جواز التذكير ويقال لها الخمرة أثبته فيها جماعة من أهل اللغة منهم الجوهري وقال بن مالك في المثلث الخمرة هي الخمر في اللغة وقيل سميت الخمر لانها تغطي العقل وتخامره أي تخالطه أو لانها هي تخمر أي تغطي حتى تغلي أو لانها تختمر أي تدرك كما يقال
للعجين اختمر أقوال سيأتي بسطها عند شرح قول عمر رضي الله عنه والخمر ما خامر العقل إن شاء الله تعالى الحديث الاول حديث بن عمر من طريق مالك عن نافع عنه وهو من أصح الاسانيد قوله من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة حرمها بضم المهملة وكسر الراء الخفيفة من الحرمان زاد مسلم عن القعنبي عن مالك في آخره لم يسقها وله من طريق أيوب عن نافع بلفظ فمات وهو مدمنها لم يشربها في الآخرة وزاد مسلم في أول الحديث مرفوعا كل مسكر خمر وكل مسكر حرام وأورد هذه الزيادة مستقلة أيضا من رواية موسى بن عقبة وعبيد الله بن عمر كلاهما عن نافع وسيأتي الكلام عليها في باب الخمر من العسل ويأتي كلام بن بطال فيها في آخر هذا الباب وقوله ثم لم يتب منها أي من شربها فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه قال الخطابي والبغوي شرح السنة معنى الحديث لا يدخل الجنة لان الخمر شراب أهل الجنة فإذا حرم شربها دل على أنه لا يدخل الجنة وقال بن عبد البر هذا وعيد شديد يدل على حرمان دخول الجنة لان الله تعالى أخبر أن في الجنة أنهار الخمر لذة للشاربين وأنهم لا يصدعون عنها ولا ينزفون فلو دخلها وقد علم أن فيها خمرا أو أنه حرمها عقوبة له لزم وقوع الهم والحزن في الجنة ولا هم فيها ولا حزن وأن لم يعلم بوجودها في الجنة ولا أنه حرمها عقوبة له لم يكن عليه في فقدها ألم فلهذا قال بعض من تقدم أنه لا يدخل الجنة أصلا قال وهو مذهب غير مرضي قال ويحمل الحديث عند أهل السنة على أنه لا يدخلها ولا يشرب الخمر فيها إلا إن عفا الله عنه كما في بقية الكبائر وهو في المشيئة فعلى هذا فمعنى الحديث جزاؤه في الآخرة أن يحرمها لحرمانه دخول الجنة إلا أن عفا الله عنه قال وجائز أن يدخل الجنة بالعفو ثم لا يشرب فيها خمرا ولا تشتهيها نفسه وأن علم بوجودها فيها ويؤيده حديث أبي سعيد مرفوعا من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو قلت أخرجه الطيالسي وصححه ابن حبان وقريب منه حديث عبد الله بن عمرو ورفعه من مات من أمتي وهو يشرب الخمر حرم الله عليه شربها في الجنة أخرجه أحمد بسند حسن وقد لخص عياض كلام بن عبد البر وزاد احتمالا آخر وهو أن المراد بحرمانه شربها أنه يحبس عن الجنة مدة إذا أراد الله عقوبته ومثله الحديث
الآخر لم يرح رائحة الجنة قال ومن قال لا يشربها في الجنة بأن ينساها أو لا يشتهيها يقول ليس عليه في ذلك حسرة ولا يكون ترك شهوته إياها عقوبة في حقه بل هو نقص نعيم بالنسبة إلى من
[ 27 ]
هو أتم نعيما منه كما تختلف درجاتهم ولا يلحق من هو أنقص درجة حينئذ بمن هو أعلى درجة منه استغناه بما أعطي واغتباطا له وقال بن العربي ظاهر الحديثين أنه لا يشرب الخمر في الجنة ولا يلبس الحرير فيها وذلك لانه استعجل ما أمر بتأخيره ووعد به فحرمه عند ميقاته كالوارث فإنه إذا قتل مورثه فإنه يحرم ميراثه لاستعجاله وبهذا قال نفر من الصحابة ومن العلماء وهو موضع احتمال وموقف إشكال والله أعلم كيف يكون الحال وفصل بعض المتأخرين بين من يشربها مستحلا فهو الذي لا يشربها أصلا لانه لا يدخل الجنة أصلا وعدم الدخول يستلزم حرمانها وبين من يشربها عالما بتحريمها فهو محل الخلاف وهو الذي يحرم شربها مدة ولو في حال تعذيبه إن عذب أو المعنى أن ذلك جزاؤه إن جوزي والله أعلم وفي الحديث أن التوبة تكفر المعاصي الكبائر وهو في التوبة من الكفر قطعي وفي غيره من الذنوب خلاف بين أهل السنة هل هو قطعي أو ظني قال النووي الاقوى أنه ظني وقال القرطبي من استقرأ الشريعة على أن الله يقبل توبة الصادقين قطعا وللتوبة الصادقة شروط سيأتي البحث فيها في كتاب الرقاق ويمكن أن يستدل بحديث الباب على صحة التوبة من بعض الذنوب دون بعض وسيأتي تحقيق ذلك وفيه أن الوعيد يتناول من شرب الخمر وأن لم يحصل له السكر لانه رتب الوعيد في الحديث على مجرد الشرب من غير قيد وهو مجمع عليه في الخمر المتخذ من عصير العنب وكذا فيما يسكر من غيرها وأما ما لا يسكر من غيرها فالامر فيه كذلك عند الجمهور كما سيأتي بيانه ويؤخذ من قوله ثم لم يتب منها أن التوبة مشروعة في جميع العمر ما لم يصل إلى الغرغرة لما دل عليه ثم من التراخي وليست المبادرة إلى التوبة شرطا في قبولها والله أعلم الحديث الثاني حديث أبي هريرة قوله بايلياء بكسر الهمز وسكون التحتانية وكسر اللام وفتح التحتانية الخفيفة مع المد هي مدينة بيت المقدس وهو ظاهر في أن عرض ذلك عليه صلى الله عليه وسلم وقع وهو في بيت المقدس لكن وقع في رواية الليث التي تأتي الاشارة إليها إلى أيلياء وليست صريحة في ذلك لجواز أن يريد
تعيين ليلة الايتاء لا محله وقد تقدم بيان ذلك مع بقية شرحه في أواخر الكلام على حديث الاسراء قبل الهجرة إلى المدينة وقوله فيه ولو أخذت الخمر غوت أمتك هو محل الترجمة قال ابن عبد البر يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم نفر من الخمر لانه تفرس أنها ستحرم لانها كانت حينئذ مباحة ولا مانع من افتراق مباحين مشتركين في أصل الاباحة في أن أحدهما سيحرم والآخر تستمر إباحته قلت ويحتمل أن يكون نفر منها لكونه لم يعتد شربها فوافق بطبعه ما سيقع من تحريمها بعد حفظا من الله تعالى له ورعاية واختار اللبن لكونه مألوفا له سهلا طيبا طاهرا سائغا للشاربين سليم العاقبة بخلاف الخمر في جميع ذلك والمراد بالفطرة هنا الاستقامة على الدين الحق وفي الحديث مشروعية الحمد عند حصول ما يحمد ودفع ما يحذر وقوله غوت أمتك يحتمل أن يكون أخذه من طريق الفأل أو تقدم عنده علم بترتب كل من الامرين وهو أظهر قوله تابعه معمر وابن الهاد وعثمان بن عمر عن الزهري يعني بسنده ووقع في غير رواية أبي ذر زيادة الزبيدي مع المذكورين بعد عثمان بن عمر فأما متابعة معمر فوصلها المؤلف في قصة موسى من أحاديث الانبياء وأول الحديث ذكر موسى وعيسى وصفتهما وليس فيه ذكر إيلياء وفيه أشرب أيهما شئت فأخذت اللبن فشربته وأما رواية بن الهاد وهو يزيد بن عبد الله
[ 28 ]
ابن أسامة بن الهاد الليثي ينسب لجد أبيه فوصلها النسائي وأبو عوانة والطبراني في الاوسط من طريق الليث عنه عن عبد الوهاب بن بخت عن بن شهاب وهو الزهري قال الطبراني تفرد به يزيد ابن الهاد عن عبد الوهاب فعلى هذا فقد سقط ذكر عبد الوهاب من الاصل بين بن الهاد وابن شهاب على أن بن الهاد قد روى عن الزهري أحاديث غير هذا بغير واسطة منها ما تقدم في تفسير المائدة قال البخاري فيه وقال يزيد بن الهاد عن الزهري فذكره ووصله أحمد وغيره من طريق بن الهاد عن الزهري بغير واسطة وأما رواية الزبيدي فوصلها النسائي وابن حبان والطبراني في مسند الشاميين من طريق محمد بن حرب عنه لكن ليس فيه ذكر إيلياء أيضا وأما رواية عثمان بن عمر فوصلها تمام الرازي في فوائده من طريق إبراهيم بن المنذر عن عمر بن
عثمان عن أبيه عن الزهري به وأما ذكره المزي في الاطراف عن الحاكم أنه قال أراد البخاري بقوله تابعه بن الهاد وعثمان بن عمر عن الزهري حديث بن الهاد عن عبد الوهاب وحديث عثمان بن عمر بن فارس عن يونس كلاهما عن الزهري قلت وليس كما زعم الحاكم وأقره المزي في عثمان بن عمر فإنه ظن أنه عثمان بن عمر بن فارس الراوي عن يونس بن يزيد وليس به وإنما هو عثمان بن عمر بن موسى بن عبد الله بن عمر التيمي وليس لعثمان بن عمر بن فارس ولد اسمه عمر يروي عنه وإنما هو ولد التيمي كما ذكرته من فوائد تمام وهو مدني وقد ذكر عثمان الدارمي أنه سأل يحيى بن معين عن عمر بن عثمان بن عمر المدني عن أبيه عن الزهري فقال لا أعرفه ولا أعرف أباه قلت وقد عرفهما غيره وذكره الزبير بن بكار في النسب عن عثمان المذكور فقال أنه ولي قضاء المدينة في زمن مروان بن محمد ثم ولي القضاء للمنصور ومات معه بالعراق وذكره ابن حبان في الثقات وأكثر الدارقطني من ذكره في العلل عند ذكره للاحاديث التي تختلف رواتها عن الزهري وكثيرا ما ترجح روايته عن الزهري والله أعلم الحديث الثالث حديث أنس قوله هشام هو الدستوائي قوله لا يحدثكم به غيري كأن أنسا حدث به أواخر عمره فأطلق ذلك أو كان يعلم أنه لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم إلا من كان قد مات قوله وتشرب الخمر في رواية الكشميهني وشرب الخمر بالاضافة ورواية الجماعة أولى للمشاكلة قوله حتى يكون لخمسين في رواية الكشميهني حتى يكون خمسون امرأة قيمهن رجل واحد وسبق شرح الحديث مستوفى في كتاب العلم والمراد أن من أشراط الساعة كثرة شرب الخمر كسائر ما ذكر في الحديث الحديث الرابع حديث أبي هريرة لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وقع في أكثر الروايات هنا لا يزني حين يزني بحذف الفاعل فقدر بعض الشراح الرجل أو المؤمن أو الزاني وقد بينت هذه الرواية تعيين الاحتمال الثالث قوله ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن قال ابن بطال هذا أشد ما ورد في شرب الخمر وبه تعلق الخوارج فكفروا مرتكب الكبيرة عامدا عالما بالتحريم وحمل أهل السنة الايمان هنا على الكامل لان العاصي يصير أنقص حالا في الايمان ممن لا يعصي ويحتمل أن يكون المراد أن فاعل ذلك يئول أمره إلى ذهاب الايمان كما
وقع في حديث عثمان الذي أوله اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث وفيه وإنها لا تجتمع هي والايمان إلا وأوشك أحدهما أن يخرج صاحبه أخرجه البيهقي مرفوعا وموقوفا وصححه بن حبان مرفوعا قال بن بطال وإنما أدخل البخاري هذه الاحاديث المشتملة على الوعيد الشديد في
[ 29 ]
هذا الباب ليكون عوضا عن حديث بن عمر كل مسكر حرام وإنما لم يذكره في هذا الباب لكونه روى موقوفا كذا قال وفيه نظر لان في الوعيد قدرا زائدا على مطلق التحريم وقد ذكر البخاري ما يؤدي معنى حديث بن عمر كما سيأتي قريبا قوله قال بن شهاب هو موصول بالاسناد المذكور قوله ان أبا بكر أخبره هو والد عبد الملك شيخ بن شهاب فيه قوله ثم يقول كان أبو بكر هو بن عبد الرحمن المذكور والمعنى أنه كان يزيد ذلك في حديث أبي هريرة وقد مضى بيان ذلك عند ذكر شرح الحديث في كتاب المظالم ويأتي مزيد من لذلك في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى قوله باب الخمر من العنب وغيره كذا في شرح بن بطال ولم أر لفظ وغيره في شئ من نسخ الصحيح ولا المستخرجات ولا الشروح سواه قال بن المنير غرض البخاري الرد على الكوفيين إذ فرقوا بين ماء العنب وغيره فلم يرحموا من غيره إلا القدر المسكر خاصة وزعموا أن الخمر ماء العنب خاصة قال لكن في استدلاله بقول بن عمر يعني الذي أورده في الباب حرمت الخمر وما بالمدينة منها شئ على أن الانبذة التي كانت يومئذ تسمى خمرا نظر بل هو بأن يدل على أن الخمر من العنب خاصة أجدر لانه قال وما منها بالمدينة شئ يعني الخمر وقد كانت الانبذة من غير العنب موجودة حينئذ بالمدينة فدل على أن الانبذة ليست خمرا إلا أن يقال أن كلام بن عمر يتنزل على جواب قول من قال لا خمر إلا من العنب فيقال قد حرمت الخمر وما بالمدينة من خمر العنب شئ بل كان الموجود بها من الاشربة ما يصنع من البسر والتمر ونحو ذلك وفهم الصحابة من تحريم الخمر تحريم ذلك كله ولولا ذلك ما بادروا إلى إراقتها قلت ويحتمل أن يكون مراد البخاري بهذه الترجمة وما بعدها أن الخمر يطلق على ما يتخذ من عصير العنب ويطلق على نبيذ البسر والتمر ويطلق على ما يتخذ من العسل فعقد لكل واحد منها بابا ولم يرد حصر التسمية في العنب بدليل
ما أورده بعده ويحتمل أن يريد بالترجمة الاولى الحقيقية وبما عداها المجاز والاول أظهر من تصرفه وحاصله أنه أراد بيان الاشياء التي وردت فيها الاخبار على شرطه لما يتخذ منه الخمر فبدأ بالعنب لكونه المتفق عليه ثم أردفه بالبسر والتمر والحديث الذي أورده فيه عن أنس ظاهر في المراد جدا ثم ثلث بالعسل إشارة إلى أن ذلك لا يختص بالتمر والبسر ثم أتى بترجمة عامة لذلك وغيره وهي الخمر ما خامر العقل والله أعلم وفيه إشارة إلى ضعف الحديث الذي جاء عن أبي هريرة مرفوعا الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة أو أنه ليس المراد به الحصر فيهما والمجمع على تحريمه عصير العنب إذا أشتد فإنه يحرم تناول قليله وكثيره بالاتفاق وحكى ابن قتيبة عن قوم من مجان أهل الكلام أن النهي عنها للكراهة وهو قول مهجور لا يلتفت إلى قائله وحكى أبو جعفر النحاس عن قوم أن الحرام ما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه ليس بحرام قال وهذا عظيم من القول يلزم منه القول يحل كل شئ اختلف في تحريمه ولو كان مستند الخلاف واهيا ونقل الطحاوي في اختلاف العلماء عن أبي حنيفة الخمر حرام قليلها وكثيرها والسكر من غيرها حرام وليس كتحريم الخمر والنبيذ المطبوخ لا بأس به من أي شئ كان وإنما يحرم منه القدر الذي يسكر وعن أبي يوسف لا بأس بالنقيع من كل شئ وإن غلا إلا الزبيب والتمر قال وكذا حكاه محمد عن أبي حنيفة وعن محمد ما أسكر كثيره فأحب إلي أن لا أشربه ولا أحرمه وقال الثوري أكره نقيع التمر ونقيع الزبيب إذا غلي ونقيع العسل لا بأس به قوله حدثني الحسن
[ 30 ]
ابن صباح هو البزار آخره راء ومحمد بن سابق من شيوخ البخاري وقد يحدث عنه بواسطة كهذا قوله حدثنا مالك هو بن مغول كان شيخ البخاري حدث به فقال حدثنا مالك ولم يسنبه فنسبه هو لئلا يلتبس بمالك بن أنس وقد أخرج الاسماعيلي الحديث المذكور من طريق محمد بن إسحاق الصغاني عن محمد بن سابق فقال عن مالك بن مغول قوله وما بالمدينة منها شئ يحتمل أن يكون بن عمر نفى ذلك بمقتضى ما علم أو أراد المبالغة من أجل قلتها حينئذ بالمدينة فأطلق النفي كما يقال فلان ليس بشئ مبالغة ويؤيده قول أنس المذكور في الباب وما نجد خمر
الاعناب إلا قليلا ويحتمل أن يكون مراد بن عمر وما بالمدينة منها شئ أي يعصر وقد تقدم في تفسير المائدة من وجه آخر عن بن عمر قال نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب وحمل على ما كان يصنع بها لا على ما يجلب إليها وأما قول عمر في ثالث أحاديث الباب نزل تحريم الخمر وهي من خمسة فمعناه أنها كانت حينئذ تصنع من الخمسة المذكورة في البلاد لا في خصوص المدينة كما سيأتي في تقريره بعد بابين مع شرحه قوله عن يونس هو بن عبيد البصري قوله وعامة خمرنا البسر والتمر أي النبيذ الذي يصير خمرا كان أكثر ما يتخذ من البسر والتمر قال الكرماني قوله البسر والتمر مجاز عن الشراب الذي يصنع منهما وهو عكس إني أراني أعصر خمرا أو فيه حذف تقديره عامة أصل خمرنا أو مادته وسيأتي في الباب الذي بعده من وجه آخر عن أنس قال إن الخمر حرمت والخمر يومئذ البسر وتقرير الحذف فيه ظاهر وأخرج النسائي وصححه الحاكم من رواية محارب بن دثار عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الزبيب والتمر هو الخمر وسنده صحيح وظاهره الحصر لكن المراد المبالغة وهو بالنسبة إلى ما كان حينئذ بالمدينة موجودا كما تقرر في حديث أنس وقيل مراد أنس الرد على من خص اسم الخمر بما يتخذ من العنب وقيل مراده أن التحريم لا يختص بالخمر المتخذة من العنب بل يشركها في التحريم كل شراب مسكر وهذا أظهر والله أعلم قوله يحيى هو ابن سعيد القطان وأبو حيان هو يحيى بن سعيد التيمي وعامر هو الشعبي قوله قام عمر على المنبر فقال أما بعد نزل تحريم الخمر ساقه من هذا الوجه مختصرا وسيأتي بعد قليل مطولا قال ابن مالك فيه جواز حذف الفاء في جواب أما بعد قلت لا حجة فيه لان هذه رواية مسدد هنا وسيأتي قريبا بن أبي رجاء عن يحيى القطان بلفظ خطب عمر على المنبر فقال أنه قد نزل تحريم الخمر ليس فيه أما بعد وأخرجه الاسماعيلي هنا من طريق محمد بن أبي بكر المقدمي عن يحيى بن سعيد القطان شيخ مسدد وفيه بلفظ أما بعد فإن الخمر فظهر أن حذف الفاء واثباتها من تصرف الرواة قوله باب نزل تحريم الخمر وهي من البسر والتمر أي تصنع أو تتخذ وذكر فيه حديث أنس من رواية إسحاق بن أبي طلحة عنه أتم سياقا من رواية ثابت عنه
المتقدمة في الباب قبله قوله كنت أسقي أبا عبيدة هو بن الجراح وأبا طلحة هو زيد بن سهل زوج أم سليم أم أنس وأبي بن كعب كذا اقتصر في هذه الرواية على هؤلاء الثلاثة فأما أبو طلحة فلكون القصة كانت في منزله كما مضى في التفسير من طريق ثابت عن أنس كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة وأما أبو عبيدة فلان النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين أبي طلحة كما أخرجه مسلم من وجه آخر عن أنس وأما أبي بن كعب فكان كبير الانصار وعالمهم ووقع في رواية
[ 31 ]
عبد العزيز بن صهيب عن أنس في تفسير المائدة أني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا كذا وقع بالابهام وسمي في رواية مسلم منهم أبا أيوب وسيأتي بعد أبواب من رواية هشام عن قتادة عن أنس إني كنت لاسقي أبا طلحة وأبا دجانة وسهيل بن بيضاء وأبو دجانة بضم الدال المهملة وتخفيف الجيم وبعد الالف نون اسمه سماك بن خرشه بمعجمتين بينهما راء مفتوحات ولمسلم من طريق سعيد عن قتادة نحوه وسمي فيهم معاذ بن جبل ولاحمد عن يحيى القطان عن حميد عن أنس كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب وسهيل بن بيضاء ونفرا من الصحابة عند أبي طلحة ووقع عند عبد الرزاق عن معمر بن ثابت وقتادة وغيرهما عن أنس أن القوم كانوا أحد عشر رجلا وقد حصل من الطرق التي أوردتها تسمية سبعة منهم وأبهمهم في رواية سليمان التيمي عن أنس وهي في هذا الباب ولفظه كنت قائما على الحي أسقيهم عمومتي وقوله عمومتي في موضع خفض على البدل من قوله الحي وأطلق عليهم عمومته لانهم كانوا أسن منه ولان أكثرهم من الانصار ومن المستغربات ما أورده بن مردويه في تفسيره من طريق عيسى بن طهمان عن أنس أن أبا بكر وعمر كانا فيهم وهو منكر مع نظافة سنده وما أظنه إلا غلطا وقد أخرج أبو نعيم في الحلية في ترجمة شعبة من حديث عائشة قالت حرم أبو بكر الخمر على نفسه فلم يشربها في جاهلية ولا إسلام ويحتمل إن كان محفوظا أن يكون أبو بكر وعمر زارا أبا طلحة في ذلك اليوم ولم يشربها معهم ثم وجدت عند البزار من وجه آخر عن أنس قال كنت ساقي القوم وكان في القوم رجل يقال له أبو بكر فلما شرب قال تحيي بالسلامة أم بكر الابيات فدخل علينا رجل من المسلمين فقال قد نزل تحريم الخمر الحديث
وأبو بكر هذا يقال له بن شغوب فظن بعضهم أنه أبو بكر الصديق وليس كذلك لكن قرينة ذكر عمر تدل على عدم الغلط في وصف الصديق فحصلنا تسمية عشرة وقد قدمت في غزوة بدر من المغازي ترجمة أبي بكر بن شغوب المذكور وفي كتاب مكة للفاكهي من طريق مرسل ما يشيد ذلك قوله من فضيخ زهو وتمر أما الفضيخ فهو بفاء وضاد معجمتين وزن عظيم اسم للبسر إذا شدخ ونبذ وأما الزهو فبفتح الزاي وسكون الهاء بعدها واو وهو البسر الذي يحمر أو يصفر قبل أن يترطب وقد يطلق الفضيخ على خليط البسر والرطب كما يطلق على خليط البسر والتمر وكما يطلق على البسر وحده وعلى التمر وحسده كما في الرواية التي آخر الباب وعند أحمد من طريق قتادة عن أنس وما خمرهم يومئذ الا البسر والتمر مخلوطين ووقع عند مسلم من طريق قتادة عن أنس أسقيهم من مزادة فيها خليط بسر وتمر قوله فجاءهم آت لم أقف على اسمه ووقع في رواية حميد عن أنس عند أحمد بعد قوله أسقيهم حتى كاد الشراب يأخذ فيهم ولابن مردويه حتى أسرعت فيهم ولابن أبي عاصم حتى مالت رؤوسهم فدخل داخل ومضى في المظالم من طريق ثابت عن أنس فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديا فنادى ولمسلم من هذا الوجه فإذا مناد ينادي أن الخمر قد حرمت وله من رواية سعيد عن قتادة عن أنس نحوه وزاد فقال أبو طلحة أخرج فأنظر ما هذا الصوت ومضى في التفسير من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس بلفظ إذ جاء رجل فقال هل بلغكم الخبر قالوا وما ذاك قال قد حرمت الخمر وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو المنادي ويحتمل أن يكون غيره سمع المنادي فدخل إليهم فأخبرهم وقد أخرج بن مردويه من طريق بكر بن عبد الله عن أنس قال لما حرمت الخمر وحلف على أناس من أصحابي وهي بين أيديهم
[ 32 ]
فضربتها برجلي وقلت نزل تحريم الخمر فيحتمل أن يكون أنس خرج فاستخبر الرجل لكن أخرجه من وجه آخر أن الرجل قام على الباب فذكر لهم تحريمها ومن وجه آخر أتانا فلان من عند نبينا فقال قد حرمت الخمر قلنا ما تقول فقال سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم الساعة ومن عنده أتيتكم قوله فقال أبو طلحة قم يا أنس فهرقها بفتح الهاء وكسر الراء وسكون القاف
والاصل أرقها فأبدلت الهمزة هاء وكذا قوله فهرقتها وقد تستعمل هذه الكلمة بالهمزة والهاء معا وهو نادر وقد تقدم بسطه في الطهارة ووقع في رواية ثابت عن أنس في التفسير بلفظ فأرقها ومن رواية عبد العزيز بن صهيب فقالوا أرق هذه القلال يا أنس وهو محمول على أن المخاطب له بذلك أبو طلحة ورضي الباقون بذلك فنسب الامر بالاراقة إليهم جميعا ووقع في الرواية الثانية في الباب أكفئها بكسر الفاء مهموز بمعنى أرقها وأصل الاكفاء الامالة ووقع في باب إجازة خبر الواحد من رواية أخرى عن مالك في هذا الحديث قم إلى هذه الجرار فاكسرها قال أنس فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى انكسرت وهذا لا ينافي الروايات الاخرى بل يجمع بأنه أراقها وكسر أوانيها أو أراق بعضا وكسر بعضا وقد ذكر بن عبد البر إن إسحاق بن أبي طلحة تفرد عن أنس بذكر الكسر وأن ثابتا وعبد العزيز بن صهيب وحميدا وعد جماعة من الثقات رووا الحديث بتمامه عن أنس منهم من طوله ومنهم من اختصره فلم يذكروا إلا إراقتها والمهراس بكسر الميم وسكون الهاء وآخره مهملة إناء يتخذ من صخر وينقر وقد يكون كبيرا كالحوض وقد يكون صغيرا بحيث يتأتى الكسر به وكأنه لم يحضره ما يكسر به غيره أو كسر بآلة المهراس التي يدق بها فيه كالهاون فأطلق اسمه عليها مجازا ووقع في رواية حميد عن أنس عند أحمد فوالله ما قالوا حتى ننظر ونسأل وفي رواية عبد العزيز بن صهيب في التفسير فوالله ما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل ووقع في المظالم فجرت في سكك المدينة أي طرقها وفيه إشارة إلى توارد من كانت عنده من المسلمين على إراقتها حتى جرت في الازقة من كثرتها قال القرطبي تمسك بهذه الزيادة بعد من قال أن الخمر المتخذة من غير العنب ليست نجسه لانه صلى الله عليه وسلم نهى عن التخلي في الطرق فلو كانت نجسة ما أقرهم على إراقتها في الطرقات حتى تجري والجواب ان القصد بالاراقة كان لاشاعة تحريمها فإذا اشتهر ذلك كان أبلغ فتحمل أخف المفسدتين لحصول على المصلحة العظيمة الحاصلة من الاشتهار ويحتمل أنها إنما أريقت في الطرق المنحدرة بحيث تنصب إلى الاسربة والحشوش أو الاودية فتستهلك فيها ويؤيده ما أخرجه ابن مردوية من حديث جابر بسند جيد في قصة صب الخمر قال فانصبت حتى استنقعت في بطن
الوادي والتمسك بعموم الامر باجتنابها كاف في القول بنجاستها قوله قلت لانس القائل هو سليمان التيمي والد معتمر وقوله قال أبو بكر بن أنس وكانت خمرهم زاد مسلم من هذا الوجه يومئذ وقوله فلم ينكر أنس زاد مسلم ذلك والمعنى أن أبا بكر بن أنس كان حاضرا عند أنس لما حدثهم فكأن أنسا حينئذ لم يحدثهم بهذه الزيادة إما نسينا وإما إختصار فذكره بها ابنه أبو بكر فأقره عليها وقد ثبت تحديث أنس بها كما سأذكره قوله وحدثني بعض أصحابي القائل هو سليمان التيمى أيضا وهو موصول بالسند المذكور وقد أفرد مسلم هذه الطريق عن محمد بن عبد الاعلى عن معتمر بن سليمان عن أبيه قال حدثني بعض من كان معي أنه سمع أنسا يقول كان خمرهم يومئذ
[ 33 ]
فيحتمل أن يكون أنس حدث بها حينئذ فلم يسمعه سليمان أو حدث بها في مجلس آخر فحفضها عنه الرجل الذي حدث بها سليمان وهذا المبهم يحتمل ان يكون هو بكر بن عبد الله المزني فان روايته في آخر الباب تومئ إلى ذلك ويحتمل ان يكون قتادة فسيأتي بعد أبواب من طريقه عن أنس بلفظ وإنا نعدها يومئذ الخمر وهو من أقوى الحجج على أن الخمر اسم جنس لكل ما يسكر سواء كان من العنب أو من نقيع الزبيب أو التمر أو العسل أو غيرهما وأما دعوى بعضهم أن الخمر حقيقة في ماء العنب مجاز في غيره فإن سلم في اللغة لزم من قال به جواز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه والكوفيون لا يقولون بذلك انتهى وأما من حيث الشرع فالخمر حقيقة في الجميع لثبوت حديث كل مسكر خمر فمن زعم بأنه جمع بين الحقيقة والمجاز في هذا اللفظ لزم أن يجيزه وهذا ما لا انفكاك لهم عنه قوله حدثني يوسف هو بن يزيد وهو أبو مشعر البراء بالتشديد وهو مشهور بكنيته أكثر من اسمه ويقال له أيضا القطان وشهرته بالبراء أكثر وكان يبرى السهام وهو بصرى وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر سيأتي في الطب وكلاهما في المتابعات وقد لينه بن معين وأبو داود ووثقه المقدمي وسعيد بن عبيد الله بالتصغير اسم جده جبير بالجيم والموحدة مصغرا ابن $ حية بالمهملة وتشديد التحتانية وثقه أحمد وابن معين وقال الحاكم عن الدارقطني ليس بالقوي وما له أيضا في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في
الجزية قوله ان الخمر حرمت والخمر يومئذ البسر هكذا رواه أبو معشر مختصرا وأخرجه الاسماعيلي من طريق روح بن عبادة عن سعيد بن عبيد الله بهذا السند مطولا ولفظه عن أنس نزل تحريم الخمر فدخلت على أناس من أصحابي وهى بين أيديهم فضربتها برجلي فقلت انطلقوا فقد نزل تحريم الخمر وشرابهم يومئذ البسر والتمر وهذا الفعل من أنس كأنه بعد أن خرج فسمع النداء بتحريم الخمر فرجع فأخبرهم ووقع عند بن أبي عاصم من وجه آخر عن أنس فأراقوا الشراب وتوضأ بعض واغتسل بعض واصابوا من طيب أم سليم وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو يقرأ انما الخمر والميسر الآية واستدل بهذا الحديث على أن شرب الخمر كان مباحا لا إلى نهاية ثم حرمت وقيل كان المباح الشرب لا السكر المزيل للعقل وحكاه أبو نصر بن القشيري في تفسيره عن القفال ونازعه فيه وبالغ النووي في شرح مسلم فقال ما يقوله بعض من لا تحصيل عنده أن السكر لم يزل محرما باطل لا أصل له وقد قال الله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون فإن مقتضاه وجود السكر حتى يصل إلى الحد المذكور ونهوا عن الصلاة في تلك الحالة لا في غيرها فدل على أن ذلك كان واقعا ويؤيده قصة حمزة والشارفين كما تقدم تقريره في مكانه وعلى هذا فهل كانت مباحة بالاصل أو بالشرع ثم نسخت فيه قولان للعلماء والراجح الاول واستدل به على أن المتخذ من غير العنب يسمى خمرا وسيأتي البحث في ذلك قريبا في باب ما جاء أن الخمر ما خامر العقل وعلى أن السكر المتخذ من غير العنب يحرم شرب قليله كما يحرم شرب القليل من المتخذ من العنب إذا أسكر كثيرة لان الصحابة فهموا من الامر باجتناب الخمر تحريم ما يتخذ للسكر من جميع الانواع ولم يستفصلوا وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين وخالف في ذلك الحنفية ومن قال بقولهم من الكوفيين فقالوا يحرم المتخذ من العنب قليلا كان أو كثيرا إلا إذا طبخ على تفصيل سيأتي بيانه في باب مفرد فإنه يحل وقد انعقد الاجماع
[ 34 ]
على أن القليل من الخمر المتخذ من العنب يحرم قليله وكثيره وعلى أن العلة في تحريم قليله كونه يدعو إلى تناول كثيرة فيلزم ذلك من فرق في الحكم بين المتخذ من العنب وبين المتخذ من غيرها فقال في المتخذ من العنب يحرم القليل منه والكثير إلا إذا طبخ كما سيأتي بيانه وفي المتخذ من
غيرها لا يحرم منه إلا القدر الذي يسكر وما دونه لا يحرم ففرقوا بينهما بدعوى المغايرة في الاسم مع اتحاد العلة فيهما فإن كان ما قدر في المتخذ من العنب يقدر في المتخذ من غيرها قال القرطبي وهذا من أرفع أنواع القياس لمساواة الفرع فيه للاصل في جميع أوصافه مع موافقته فيه لظواهر النصوص الصحيحة والله أعلم قال الشافعي قال لي بعض الناس الخمر حرام والسكر من كل شراب حرام ولا يحرم المسكر منه حتى يسكر ولا يحد شاربها فقلت كيف خالفت ما جاء به عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن عمر ثم عن علي ولم يقل أحد من الصحابة خلافه قال وروينا عن عمر قلت في سنده مجهول عنده فلا حجة فيه قال البيهقي أشار إلى رواية سعيد بن ذي لعوة أنه شرب من سطيحة لعمر فسكر فجلده عمر قال إنما شربت من سطيحتك قال أضربك على السكر وسعيد قال البخاري وغيره لا يعرف قال وقال بعضهم سعيد بن ذي حدان وهو غلط ثم ذكر البيهقي الاحاديث التي جاءت في كسر النبيذ بالماء منها حديث همام بن الحارث عن عمر أنه كان في سفر فأتى بنبيذ فشرب منه فقطب ثم قال أن نبيذ الطائف له حرام بضم المهملة وتخفيف الراء ثم دعا بماء فصبه عليه ثم شرب وسنده قوي وهو أصح شئ ورد في ذلك وليس نصا في إنه بلغ حد الاسكار فلو كان بلغ حد الاسكار لم يكن صب الماء عليه مزيلا لتحريمه وقد اعترف الطحاوي بذلك فقال لو كان بلغ التحريم لكان لا يحل ولو ذهبت شدته بصب الماء فثبت أنه قبل أن يصب عليه الماء كان غير حرام قلت وإذا لم يبلغ حد الاسكار فلا خلاف في إباحة شرب قليله وكثيره فدل على أن تقطيبه لامر غير الاسكار قال البيهقي حمل هذه الاشربة على أنهم خشوا أن تتغير فتشتد فجوزوا صب الماء فيها ليمتنع الاشتداد أولى من حملها على أنها كانت بلغت حد الاسكار فكان صب الماء عليها لذلك لان مزجها بالماء لا يمنع إسكارها إذا كانت قد بلغت حد الاسكار ويحتمل أن يكون سبب صب الماء كون ذلك الشراب كان حمض ولهذا قطب عمر لما شربه فقد قال نافع والله ما قطب عمر وجهه لاجل الاسكار حين ذاقه ولكنه كان تخلل وعن عتبة بن فرقد قال كان النبيذ الذي شربه عمر قد تخلل قلت وهذا الثاني أخرجه النسائي بسند صحيح وروى الاثرم عن الاوزاعي وعن العمري أن عمر إنما كسره بالماء لشدة حلاوته قلت ويمكن الحمل على حالتين
هذه لما لم يقطب حين ذاقه وأما عندما قطب فكان لحموضته واحتج الطحاوي لمذهبم أيضا بما أخرجه من طريق النخعي عن علقمة عن بن مسعود في قوله كل مسكر حرام قال هي الشربة التي تسكر وتعقب بأنه ضعيف لانه تفرد به حجاج بن أرطاة عن حماد بن أبي سليمان عن النخعي وحجاج هو ضعيف ومدلس أيضا قال البيهقي ذكر هذا لعبد الله بن المبارك فقال هذا باطل وروى بسند له صحيح عن النخعي قال إذا سكر من شراب لم يحل أن يعود فيه أبدا قلت وهذا أيضا عند النسائي بسند صحيح ثم روى النسائي عن بن المبارك قال ما وجدت الرخصة فيه من وجه صحيح إلا عن النخعي من قوله وأخرج النسائي والاثرم من طريق خالد بن سعد عن أبي مسعود قال عطش النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف فأتى بنبيذ من السقاية فقطب فقيل
[ 35 ]
أحرام هو قال لا على بذنوب من ماء زمزم فصب عليه وشرب قال الاثرم احتج به الكوفيون لمذهبهم ولا حجة فيه لانهم متفقون على أن النبيذ إذا أشتد بغير طبخ لا يحل شربه فإن زعموا أن الذي شربه النبي صلى الله عليه وسلم كان من هذا القبيل فقد نسبوا إليه أنه شرب المسكر ومعاذ الله من ذلك وأن زعموا أنه قطب من حموضته لم يكن لهم فيه حجة لان النقيع ما لم يشتد فكثيره وقليله حلال بالاتفاق قلت وقد ضعف حديث أبي مسعود المذكور النسائي وأحمد وعبد الرحمن ابن مهدي وغيرهم لتفرد يحيى بن يمان برفعه وهو ضعيف ثم روى النسائي عن بن المبارك قال ما وجدت الرخصة فيه من وجه صحيح إلا عن النخعي من قوله قوله باب الخمر من العسل وهو البتع بكسر الموحدة وسكون المثناة وقد تفتح وهي لغة يمانية قوله وقال معن ابن عيسى سألت مالك بن أنس عن الفقاع بضم الفاء وتشديد القاف معروف قد يصنع من العسل وأكثر ما يصنع من الزبيب وحكمه سائر الانبذة ما دام طريا يجوز شربه ما لم يشتد قوله فقال إذا لم يسكر فلا بأس به أي وإذا أسكر حرم كثيرة وقليله قوله وقال بن الدراوردي هو عبد العزيز بن محمد وهذا من رواية معن بن عيسى عنه أيضا قوله فقالوا لا يسكر لا بأس به لم أعرف الذين سألهم الدراوردي عن ذلك لكن الظاهر أنهم فقهاء أهل المدينة في زمانه وهو قد
شارك مالكا في لقاء أكثر مشايخه المدنيين والحكم في الفقاع ما أجابوه به لانه لا يسمى فقاعا إلا إذا لم يشتدوهذا الاثر ذكره معن بن عيسى القزاز في الموطأ رواية عن مالك وقد وقع لنا بالاجازة وغفل بعض الشراح فقال أن معن بن عيسى من شيوخ البخاري فيكون له حكم الاتصال كذا قال والبخاري لم يلق معن بن عيسى لانه مات بالمدينة والبخاري حينئذ ببخارى وعمره حينئذ أربع سنين وكأن البخاري أراد بذكر هذا الاثر في الترجمة أن المراد بتحريم قليل ما أسكر كثيرة أن يكون الكثير في تلك الحالة مسكرا فلو كان الكثير في تلك الحالة لا يسكر لم يحرم قليله ولا كثيرة كما لو عصر العنب وشربه في الحال وسيأتي مزيد في بيان ذلك في باب البازق إن شاء الله تعالى قوله سئل عن البتع زاد شعيب عن الزهري وهو ثاني أحاديث الباب وهو نبيذ العسل وكان أهل اليمن يشربونه ومثله لابي داود من طريق الزبيدي عن الزهري وظاهره أن التفسير من كلام عائشة ويحتمل أن يكون من كلام من دونها ووقع في رواية معمر عن الزهري عند أحمد مثل رواية مالك لكن قال في آخره والبتع نبيذ العسل وهو أظهر في احتمال الادراج لانه أكثر ما يقع في آخر الحديث وقد أخرجه مسلم من طريق معمر لكن لم يسق لفظه ولم أقف على اسم السائل في حديث عائشة صريحا لكنني أظنه أبا موسى الاشعري فقد تقدم في المغازي من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها فقال ما هي قال البتع والمزر فقال كل مسكر حرام قلت لابي بردة ما البتع قال نبيذ العسل وهو عند مسلم من وجه آخر عن سعيد بن أبي بردة بلفظ فقلت يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن البتع من العسل ينبذ حتى يشتد والمزر من الشعير والذرة ينبذ حتى يشتد قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطى جوامع الكلم وخواتمه فقال أنهى عن كل مسكر وفي رواية أبي داود التصريح بأن تفسير البتع مرفوع ولفظه سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب من العسل فقال ذاك البتع قلت ومن الشعير والذرة قال ذاك
[ 36 ]
المزر ثم قال أخبر قومك أن كل مسكر حرام وقد سأل أبو وهب الجيشاني عن شئ ما سأله أبو موسى
فعند الشافعي وأبي داود من حديثه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المزر فأجاب بقوله كل مسكر حرام وهذه الرواية تفسير المراد بقوله في حديث الباب كل شراب أسكر وأنه لم يرد تخصيص التحريم بحالة الاسكار بل المراد أنه إذا كانت فيه صلاحية الاسكار حرم تناوله ولو لم يسكر المتناول بالقدر الذي تناوله منه ويؤخذ من لفظ السؤال أنه وقع عن حكم جنس البتع لا عن القدر المسكر منه لانه لو أراد السائل ذلك لقال أخبرني عما يحل منه وما يحرم وهذا هو المعهود من لسان العرب إذا سألوا عن الجنس قالوا هل هذا نافع أو ضار مثلا وإذا سألوا عن القدر قالوا كم يؤخذ منه وفي الحديث أن المفتي يجيب السائل بزيادة عما سأل عنه إذا كان ذلك مما يحتاج إليه السائل وفيه تحريم كل مسكر سواء كان متخذا من عصير العنب أو من غيره قال المازري أجمعوا على أن عصير العنب قبل أن يشتد حلال وعلى أنه إذا أشتد وغلى وقذف بالزبد حرم قليله وكثيره ثم لو حصل له تخلل بنفسه حل بالاجماع أيضا فوقع النظر في تبدل هذه الاحكام عند هذه المتخذات فأشعر ذلك بارتباط بعضها ببعض ودل على أن علة التحريم الاسكار فاقتضى ذلك أن كل شراب وجد فيه الاسكار حرم تناول قليله وكثيره انتهى وما ذكره استنباطا ثبت التصريح به في بعض طرق الخمر فعند أبي داود والنسائي وصححه بن حبان من حديث جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسكر كثيرة فقليله حرام وللنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله وسنده إلى عمرو صحيح ولابي داود من حديث عائشة مرفوعا كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام ولابن حبان والطحاوي من حديث عامر ابن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيرة وقد اعترف الطحاوي بصحة هذه الاحاديث لكن قال اختلفوا في تأويل الحديث فقال بعضهم أراد به جنس ما يسكر وقال بعضهم أراد به ما يقع السكر عنده ويؤيده أن القاتل لا يسمى قاتلا حتى يقتل قال ويدل له حديث بن عباس رفعه حرمت الخمر قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب قلت وهو حديث أخرجه النسائي ورجاله ثقات إلا أنه اختلف في وصله وانقطاعه وفي رفعه ووقفه وعلى تقدير صحته فقد رجح الامام أحمد وغيره أن الرواية فيه بلفظ والمسكر بمض
الميم وسكون السين لا السكر بضم ثم سكون أبوبفتحتين وعلى تقدير ثبوتها فهو حديث فرد ولفظه محتمل فكيف يعارض عموم تلك الاحاديث مع صحتها وكثرتها وجاء على عند الدارقطني وعن بن عمر عند بن إسحاق والطبراني وعن خوات بن جبير عند الدارقطني والحاكم والطبراني وعن زيد بن ثابت عند الطبراني وفي أسانيدها مقال لكنها تزيد الاحاديث التي قبلها قوة وشهرة قال أبو المظفر بن السمعائي وكان حنفيا فتحول شافعيا ثبتت الاخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم المسكر ثم ساق كثيرا منها ثم قال والاخبار في ذلك كثيرة ولا مساغ لاحد في العدول عنها والقول بخلافها فإنها حجج قواطع قال وقد زل الكوفيون في هذا الباب ورووا أخبارا معلولة لا تعارض هذه الاخبار بحال ومن ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب مسكرا فقد دخل في أمر عظيم وباء بإثم كبير وإنما الذي شربه كان حلوا ولم يكن مسكرا وقد روى ثمامة بن حزن القشيري أنه سأل عائشة عن النبيذ فدعت جارية حبشية فقالت سل هذه
[ 37 ]
فإنها كانت تنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الحبشية كنت أنبذ له في سقاء من الليل وأوكؤه وأعلقه فإذا أصبح شرب منه أخرجه مسلم وروى الحسن البصري عن أمه عن عائشة نحوه ثم قال فقياس النبيذ على الخمر بعلة الاسكار والاضطراب من أجل الاقيسة وأوضحها والمفاسد التي توجد في الخمر توجد في النبيذ ومن ذلك أن علة الاسكار في الخمر لكون قليله يدعو إلى كثيرة موجودة في النبيذ لان السكر مطلوب على العموم والنبيذ عندهم عند عدم الخمر يقوم مقام الخمر لان حصول الفرح والطرب موجود في كل منهما وأن كان في النبيذ غلظ وكدرة وفي الخمر رقة وصفاء لكن الطبع يحتمل ذلك في النبيذ لحصول السكر كما تحتمل المرارة في الخمر لطلب السكر قال وعلى الجملة فالنصوص المصرحة بتحريم كل مسكر قل أو كثر مغنية عن القياس والله أعلم وقد قال عبد الله بن المبارك لا يصح في حل النبيذ الذي يسكر كثيرة عن الصحابة شئ ولا عن التابعين إلا عن إبراهيم النخعي قال وقد ثبت حديث عائشة كل شراب أسكر فهو حرام وأما ما أخرج بن أبي شيبة من طريق أبي وائل كنا ندخل على بن مسعود فيسقينا
نبيذا شديدا ومن طريق علقمة أكلت مع بن مسعود فأتينا بنبيذ شديد نبذته سيرين فشربوا منه فالجواب عنه من ثلاثة أوجه أحدها لو حمل على ظاهره لم يكن معارضا للاحاديث في تحريم كل مسكر ثانيها أنه ثبت عن بن مسعود تحريم المسكر قليله وكثيره فإذا اختلف النقل عنه كان قوله الموافق لقول إخوانه من الصحابة مع موافقة الحديث المرفوع أولى ثالثها يحتمل أن يكون المراد بالشدة شدة الحلاوة أو شدة الحموضة فلا يكون فيه حجة أصلا وأسند أبو جعفر النحاس عن يحيى بن معين أن حديث عائشة كل شراب أسكر فهو حرام أصح شئ في الباب وفي هذا تعقب على من نقل عن بن معين أنه قال لا أصل له وقد ذكر الزيلعي في تخريج أحاديث الهداية وهو من أكثرهم اطلاعا أنه لم يثبت في شئ من كتب الحديث نقل هذا عن بن معين اه وكيف يتأتى القول بتضعيفه مع وجود مخارجه الصحيحة ثم مع كثرة طرقه حتى قال الامام أحمد أنها جاءت عن عشرين صحابيا فأورد كثيرا منها في كتاب الاشربة المفرد فمنها ما تقدم منها حديث ابن عمر المتقدم ذكره أول الباب وحديث عمر بلفظ كل مسكر حرام عند أبي يعلى وفيه الافريقي وحديث علي بلفظ اجتنبوا ما أسكر عند أحمد وهو حسن وحديث بن مسعود عند ابن ماجة من طريق لين بلفظ عمر وأخرجه أحمد من وجه آخر لين أيضا بلفظ علي وحديث أنس أخرجه أحمد بسند صحيح بلفظ ما أسكر فهو حرام وحديث أبي سعيد أخرجه البزار بسند صحيح بلفظ عمر وحديث الاشج العصري أخرجه أبو يعلى كذلك بسند جيد وصححه بن حبان وحديث ديلم الحميري أخرجه أبو داود بسند حسن في حديث فيه قال هل يسكر قال نعم قال فاجتنبوه وحديث ميمونة أخرجه أحمد بسند حسن بلفظ وكل شراب أسكر فهو حرام وحديث بن عباس أخرجه أبو داود من طريق جيد بلفظ عمر والبزار من طريق لين بلفظ واجتنبوا كل مسكر وحديث قبس بن سعد أخرجه الطبراني بلفظ حديث بن عمر وأخرجه أحمد من وجه آخر بلفظ حديث عمر وحديث النعمان بن بشير أخرجه أبو داود بسند حسن بلفظ وإني أنهاكم عن كل مسكر وحديث معاوية أخرجه بن ماجة بسند حسن بلفظ عمر وحديث وائل بن حجر أخرجه ابن أبي عاصم وحديث قرة بن إياس المزني أخرجه البزار بلفظ عمر بسند لين وحديث عبد الله بن
[ 38 ]
مغفل أخرجه أحمد بلفظ اجتنبوا المسكر وحديث أم سلمة أخرجه أبو داود بسند حسن بلفظ نهى عن كل مسكر ومفتر وحديث بريدة أخرجه مسلم في أثناء حديث ولفظه مثل لفظ عمر وحديث أبي هريرة أخرجه النسائي بسند حسن كذلك ذكر أحاديث هؤلاء الترمذي في الباب وفيه أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند النسائي بلفظ عمر وعن زيد بن الخطاب أخرجه الطبراني بلفظ علي اجتنبوا كل مسكر وعن الرسيم أخرجه أحمد بلفظ اشربوا فيما شئتم ولا تشربوا مسكرا وعن أبي بردة بن نيار أخرجه بن أبي شيبة بنحو هذا اللفظ وعن طلق بن علي رواه بن أبي شيبة بلفظ يا أيها السائل عن المسكر لا تشربه ولا تسقه أحدا من المسلمين وعن صحار العبدي أخرجه الطبراني بنحو هذا وعن أم حبيبة عند أحمد في كتاب الاشربة وعن الضحاك بن النعمان عند بن أبي عاصم في الاشربة وكذا عنده عن خوات بن جبير فإذا انضمت هذه الاحاديث إلى حديث بن عمر وأبي موسى وعائشة زادت عن ثلاثين صحابيا وأكثر الاحاديث عنهم جياد ومضمونها أن المسكر لا يحل تناوله بل يجب اجتنابه والله أعلم وقد رد أنس الاحتمال الذي جنح إليه الطحاوي فقال أحمد حدثنا عبد الله بن إدريس سمعت المختار بن فلفل يقول سألت أنسا فقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزفت وقال كل مسكر حرام قال فقلت له صدقت المسكر حرام فالشربة والشربتان على الطعام فقال ما أسكر كثيرة فقليله حرام وهذا سند صحيح على شرط مسلم والصحابي أعرف بالمراد ممن تأخر بعده ولهذا قال عبد الله بن المبارك ما قال واستدل بمطلق قوله كل مسكر حرام على تحريم ما يسكر ولو لم يكن شرابا فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها وقد جزم النووي وغيره بأنها مسكرة وجزم آخرون بأنها مخدرة وهو مكابرة لانها تحدث بالمشاهدة ما يحدث الخمر من الطرب والنشأة والمداومة عليها والانهماك فيها وعلى تقدير تسليم أنها ليست بمسكرة فقد ثبت في أبي داود النهي عن كل مسكر ومفتر وهو بالفاء والله أعلم عز وجلقوله وعن الزهري هو من رواية شعيب أيضا عن الزهري وهو موصول بالاسناد المذكور وقد أخرجه الطبراني في مسند الشاميين وأفرده عن أبي زرعة الدمشقي عن أبي اليمان شيخ البخاري به وأخرجه أبو نعيم في
المستخرج عن الطبراني قوله وكان أبو هريرة يلحق معهما الحنتم والنقير القائل هذا هو الزهري وقع ذلك عند شعيب عنه مرسلا وأخرجه مسلم والنسائي من طريق بن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ لا تنبذوا في الدباء ولا في المزفت ثم يقول أبو هريرة واجتنبوا الحناتم ورفعه كله من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ نهى عن المزفت والحنتم والنقير ومثله لابن سعد من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة وزاد فيه والدباء وقد تقدم ضبط هذه الاشياء في شرح حديث وفد عبد القيس في أوائل الصحيح من كتاب الايمان وأخرج مسلم من طريق زاذان قال سألت بن عمر عن الاوعية فقلت أخبرناه بلغتكم وفسره لنا بلغتنا فقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحنتمة وهي الجرة وعن الدباء وهي القرعة وعن النقير وهي أصل النخلة تنقر نقرا وعن المزفت وهو المقير وأخرج أبو داود الطيالسي وابن أبي عاصم والطبراني من حديث أبي بكرة قال نهينا عن الدباء والنقير والحنتم والمزفت فأما الدباء فإنا معشر ثقيف بالطائف كنا نأخذ الدباء فنخرط فيها عناقيد العنب ثم ندفنها ثم نتركها حتى تهدر ثم تموت وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة فيشدخون فيه الرطب
[ 39 ]
والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت وأما الحنتم فجرار جاءت تحمل إلينا فيها الخمر وأما المزفت فهي هذه الاوعية التي فيها هذا الزفت وسيأتي بيان نسخ النهي عن الاوعية بعد ثلاثة أبواب إن شاء الله تعالى تنبيه قال المهلب وجه إدخال حديث أنس في الانتباذ في الاوعية المذكورة في ترجمة الخمر من العسل أن العسل لا يكون مسكرا إلا بعد الانتباذ والعسل قبل الانتباذ مباح فأشار إلى اجتناب بعض ما ينتبذ فيه لكونه يسرع إليه الاسكار قوله باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل من الشراب كذا قيده بالشراب وهو متفق عليه ولا يرد عليه أن غير الشراب ما يسكر لان الكلام إنما هو في أنه هل يسمى خمرا أم لا قوله حدثني أحمد بن أبي رجاء هو أبو الوليد الهروي واسم أبيه عبد الله بن أيوب ويحيى هو أبن سعيد القطان وأبو حيان هو يحيى بن سعيد التيمي قوله عن الشعبي في رواية بن علية عن أبي حيان
حدثنا الشعبي أخرجه النسائي قوله خطب عمر في رواية بن إدريس عن أبي حيان بسنده سمعت عمر يخطب وقد تقدمت في التفسير وزاد فيه أيها الناس قوله فقال أنه قد نزل زاد مسدد فيه عن القطان فيه أما بعد وقد تقدمت في أول الاشربة وعند البيهقي من وجه آخر عن مسدد فحمد الله وأثنى عليه قوله نزل تحريم الخمر وهي من خمسة الجملة حالية أي نزل تحريم الخمر في حال كونها تصنع من خمسة ويجوز أن تكون استئنافية أو معطوفة على ما قبلها والمراد أن الخمر تصنع من هذه الاشياء لا أن ذلك يختص بوقت نزولها والاول أظهر لانه وقع في رواية مسلم بلفظ ألا وإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمسة أشياء نعم وقع في آخر الباب من وجه آخر وإن الخمر تصنع من خمسة قوله من العنب ألخ هذا الحديث أورده أصحاب المسانيد والابواب في الاحاديث المرفوعة لان له عندهم حكم الرفع لانه خبر صحابي شهد التنزيل أخبر عن سبب نزولها وقد خطب به عمر على المنبر بحضرة كبار الصحابة وغيرهم فلم ينقل عن أحد منهم إنكاره وأراد عمر بنزول تحريم الخمر الآية المذكورة في أول كتاب الاشربة وهي آية المائدة يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر إلى آخرها فأراد عمر التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصا بالمتخذ من العنب بل يتناول المتخذ من غيرها ويوافقه حديث أنس الماضي فإنه يدل على أن الصحابة فهموا من تحريم الخمر تحريم كل مسكر سواء كان من العنب أم من غيرها وقد جاء هذا الذي قاله عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحا فأخرج أصحاب السنن الاربعة وصححه ابن حبان من وجهين عن الشعبي أن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة وإني أنهاكم عن كل مسكر لفظ أبي داود وكذا بن حبان زاد فيه أن النعمان خطب الناس بالكوفة ولابي داود من وجه آخر عن الشعبي عن النعمان بلفظ أن من العنب خمرا وأن من التمر خمرا وأن من العسل خمرا وأن من البر خمرا وأن من الشعير خمرا ومن هذا الوجه أخرجها أصحاب السنن والتي قبلها فيها الزبيب دون العسل ولاحمد من حديث أنس بسند صحيح عنه قال الخمر من العنب والتمر والعسل ولاحمد من حديث أنس بسند صحيح عنه قال الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة
والشعير والذرة أخرجه أبو يعلى من هذا الوجه بلفظ حرمت الخمر يوم حرمت وهي فذكرها وزاد الذرة وأخرج الخلمي في فوائده من طريق خلاد بن السائب عن أبيه رفعه مثل الرواية الثانية
[ 40 ]
لكن ذكر الزبيب بدل الشعير وسنده لا بأس به ويوافق ذلك ما تقدم في التفسير من حديث ابن عمر نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب قوله الذرة بضم المعجمة وتخفيف الراء من الحبوب معروفة وقد تقدم ذكرها في حديث أبي موسى في الباب قبله قوله والخمر ما خامر العقل أي غطاه أو خالطه فلم يتركه على حاله وهو من مجاز التشبيه والعقل هو آلة التمييز فلذلك حرم ما غطاه أو غيره لان بذلك يزول الادراك الذي طلبه الله من عبادة ليقوموا بحقوقه قال الكرماني هذا تعريف بحسب اللغة وأما بحسب العرف فهو ما يخامر العقل من عصير العنب خاصة كذا قال وفيه نظر لان عمر ليس في مقام تعريف اللغة بل هو في مقام تعريف الحكم الشرعي فكأنه قال الخمر الذي وقع تحريمه في لسان الشرع هو ما خامر العقل على أن عند أهل اللغة اختلافا في ذلك كما قدمته ولو سلم أن الخمر في اللغة يختص بالمتخذ من العنب فالاعتبار بالحقيقة الشرعية وقد تواردت الاحاديث على أن المسكر من المتخذ من غير العنب يسمى خمرا والحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة قال البيهقي ليس المراد الحصر فيها لانه ثبت أن الخمر تتخذ من غيرهما في حديث عمر وغيره وإنما فيه الاشارة إلى أن الخمر تتخذ شرعا لا تختص بالمتخذ من العنب قلت وجعل الطحاوي هذه الاحاديث متعارضة وهي حديث أبي هريرة في أن الخمر من شيئين مع حديث عمر ومن وافقه أن الخمر من غيرهما وكذا حديث بن عمر لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شئ وحديث أنس يعني المتقدم ذكره وبيان اختلاف ألفاظه منها أن الخمر حرمت وشرابهم الفضيخ وفي لفظ له وأنا نعدها يومئذ خمرا وفي لفظ له أن الخمر يوم حرمت البسر والتمر قال فلما اختلف الصحابة في ذلك ووجدنا اتفاق الامة على أن عصير العنب إذا أشتد وغلى وقذف بالزبد فهو خمر وأن مستحله كافر دل على أنهم لم يعلموا بحديث
أبي هريرة إذ لو عملوا به لكفروا مستحل نبيذ التمر فثبت أنه لم يدخل في الخمر غير المتخذ من عصير العنب اه ولا يلزم من كونهم لم يكفروا مستحل نبيذ التمر أن يمنعوا تسميته خمرا فقد يشترك الشيئان في التسمية ويفترقان في بعض الاوصاف مع أنه هو يوافق على أن حكم المسكر من نبيذ التمر حكم قليل العنب في التحريم فلم تبق المشاححة إلا في التسمية والجمع بين حديث أبي هريرة وغيره بحمل حديث أبي هريرة على الغالب أي أكثر ما يتخذ الخمر من العنب والتمر ويحمل حديث عمر ومن وافقه على إرادة استيعاب ذكر ما عهد حينئذ أنه يتخذ منه الخمر وأما قول ابن عمر فعلى إرادة تثبيت أن الخمر يطلق على ما لا يتخذ من العنب لان نزول تحريم الخمر لم يصادف عند من خوطب بالتحريم يحنئذ إلا ما يتخذ من غير العنب أو على إرادة المبالغة فأطلق نفي وجودها بالمدينة وأن كانت موجودة فيها بقلة فإن تلك القلة بالنسبة لكثرة المتخذ مما عداها كالعدم وقد قال الراغب في مفردات القرآن سمي الخمر لكونه خامرا للعقل أي ساترا له وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر وعند بعضهم للمتخذ من العنب خاصة وعند بعضهم للمتخذ من العنب والتمر وعند بعضهم لغير المطبوخ فرجع أن كل شئ يستر العقل يسمى خمرا حقيقة وكذا قال أبو نصر بن القشيري في تفسيره سميت الخمر خمرا لسترها العقل أو لاختمارها وكذا قال غير واحد من أهل اللغة منهم أبو حنيفة الدينوري وأبو نصر الجوهري ونقل عن بن الاعرابي قال سميت
[ 41 ]
الخمر لانها تركت حتى اختمرت واختمارها تغير رائحتها وقيل سميت بذلك لمخامرتها العقل نعم جزم ابن سيدة في المحكم بأن الخمر حقيقة إنما هي للعنب وغيرها من المسكرات يسمى خمرا مجازا وقال صاحب الفائق في حديث إياكم والغبيراء فإنها خمر العالم هي نبيذ الحبشة متخذة من الذرة سميت الغبيراء لما فيها من الغبرة وقوله خمر العالم أي هي مثل خمر العالم لا فرق بينها وبينها قلت وليس تأويله هذا بأولى من تأويل من قال أراد أنها معظم خمر العالم وقال صاحب الهداية من الحنفية الخمر عندنا ما اعتصر من ماء العنب إذا أشتد وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم قال وقيل هو اسم لكل مسكر لقوله صلى الله عليه وسلم كل مسكر خمر وقوله الخمر من هاتين الشجرتين
ولانه من مخامرة العقل وذلك موجود في كل مسكر قال ولنا إطباق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب ولهذا اشتهر استعمالها فيه ولان تحريم الخمر قطعي وتحريم ما عدا المتخذ من العنب ظني قال وإنما سمي الخمر خمرا لتخمره لا لمخامرة العقل قال ولا ينافي ذلك كون الاسم خاصا فيه كما في النجم فإنه مشتق من الظهور ثم هو خاص بالثريا اه والجواب عن الحجة الاولى ثبوت النقل عن بعض أهل اللغة بأن غير المتخذ من العنب يسمى خمرا وقال الخطابي زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب فيقال لهم أن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرا عرب فصحاء فلو لم يكن هذا الاسم صحيحا لما أطلقوه وقال بن عبد البر قال الكوفيون أن الخمر من العنب لقوله تعالى أعصر خمرا قال فدل على أن الخمر هو ما يعتصر لا ما ينتبذ قال ولا دليل فيه على الحصر وقال أهل المدينة وسائر الحجازيين وأهل الحديث كلهم كل مسكر خمر وحكمه حكم ما أتخذ من العنب ومن الحجة لهم أن القرآن لما نزل بتحريم الخمر فهم الصحابة وهم أهل اللسان أن كل شئ يسمى خمرا يدخل في النهي فأراقوا المتخذ من التمر والرطب ولم يخصوا ذلك بالمتخذ من العنب وعلى تقدير التسليم فإذا ثبت تسمية كل مسكر خمرا من الشرع كان حقيقة شرعية وهي مقدمة على الحقيقة اللغوية وعن الثانية ما تقدم من أن اختلاف مشتركين في الحكم في الغلظ لا يلزم منه افتراقهما في التسمية كالزنا مثلا فإنه يصدق على من وطئ أجنبية وعلى من وطئ امرأة جاره والثاني أغلظ من الاول وعلى من وطئ محرما له وهو أغلظ واسم الزنا مع ذلك شامل الثلاثة وأيضا فالاحكام الفرعية لا يشترط فيها الادلة القطعية فلا يلزم من القطع بتحريم المتخذ من العنب وعدم القطع بتحريم المتخذ من غيره أن لا يكون حراما بل يحكم بتحريمه إذا ثبت بطريق ظني تحريمه وكذا تسميته خمرا والله أعلم وعن الثالثة ثبوت النقل عن أعلم الناس بلسان العرب بما نفاه هو وكيف يستجيز أن يقول لا لمخامرة العقل مع قول عمر بمحضر الصحابة الخمر ما خامر العقل كأن مستنده ما ادعاه من اتفاق أهل اللغة فيحمل قول عمر على المجاز لكن اختلف قول أهل اللغة في سبب تسمية الخمر خمرا فقال أبو بكر بن الانباري سميت الخمر خمرا لانها تخامر العقل أي تخالطه قال ومنه قولهم خامره الداء أي خالطه وقيل لانها تخمر العقل أي
تستره ومنه الحديث الآتي قريبا خمروا آنيتكم ومنه خمار المرأة لانه يستر وجهها وهذا أخص من التفسير الاول لانه لا يلزم من المخالطة التغطية وقيل سميت خمرا لانها تخمر حتى تدرك كما يقال خمرت العجين فتخمر أي تركته حتى أدرك ومنه خمرت الرأي أي تركته حتى ظهر وتحرر وقيل سميت خمرا لانها تغطى حتى تغلي ومنه حديث المختار بن فلفل قلت لانس الخمر من
[ 42 ]
العنب أو من غيرها قال ما خمرت من ذلك فهو الخمر أخرجه بن أبي شيبة بسند صحيح ولا مانع من صحة هذه الاقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة وأهل المعرفة باللسان قال بن عبد البر الاوجه كلها موجودة في الخمرة لانها تركت حتى أدركت وسكنت فإذا شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه وقال القرطبي الاحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها وكثرتها تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر وهو قول مخالف للغة العرب وللسنة الصحيحة وللصحابة لانهم لما نزل تحريم الخمر فهموا من الامر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره بل سووا بينهما وحرموا كل ما يسكر نوعه ولم يتوفقوا ولا استفصلوا ولم يشكل عليهم شئ من ذلك بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب وهم أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن فلو كان عندهم فيه تردد لتوقفوا عن الاراقة حتى يستكشفوا ويستفصلوا ويتحققوا التحريم لما كان تقرر عندهم من النهي عن إضاعة المال فلما لم يفعلوا ذلك وبادروا إلى الاتلاف علمنا أنهم فهموا التحريم نصا فصار القائل بالتفريق سالكا غير سبيلهم ثم انضاف إلى ذلك خطبة عمر بما يوافق ذلك وهو ممن جعل الله الحق على لسانه وقلبه وسمعه الصحابة وغيرهم فلم ينقل عن أحد منهم إنكار ذلك وإذا ثبت أن كل ذلك يسمى خمرا لزم تحريم قليله وكثيره وقد ثبتت الاحاديث الصحيحة في ذلك ثم ذكرها قال وأما الاحاديث عن الصحابة التي تمسك بها المخالف فلا يصح منها شئ على ما قال عبد الله بن المبارك وأحمد وغيرهم وعلى تقدير ثبوت شئ منها فهو محمول على نقيع الزبيب أو التمر من قبل أن يدخل حد الاسكار جمعا بين الاحاديث قلت ويؤيده ثبوت مثل ذلك عن
النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في بابا نقيع التمر ولا فرق في الحل بينه وبين عصير العنب أول ما يعصر وإنما الخلاف فيما أشتد منهما هل يفترق الحكم فيه أو لا وقد ذهب بعض الشافعية إلى موافقة الكوفيين في دعواهم أن اسم الخمر خاص بما يتخذ من العنب مع مخالفتهم له في تفرقتهم في الحكم وقولهم بتحريم قليل ما أسكر كثيرة من كل شراب فقال الرافعي ذهب أكثر الشافعية إلى أن الخمر حقيقة فيما يتخذ من العنب مجاز في غيره وخالفه بن الرفعة فنقل عن المزني وابن أبي هريرة وأكثر الاصحاب أن الجميع يسمى خمرا حقيقة قال وممن نقله عن أكثر الاصحاب القاضيان أبو الطيب والروياني وأشار بن الرفعة إلى أن النقل الذي عزاه الرافعي للاكثر لم يجد نقله عن الاكثر إلا في كلام الرافعي ولم يتعقبه النووي في الروضة لكن كلامه في شرح مسلم يوافقه وفي تهذيب الاسماء يخالفه وقد نقل بن المنذر عن الشافعي ما يوافق ما نقلوا عن المزني فقال قال أن الخمر من العنب ومن غير العنب عمر وعلي وسعيد وابن عمر وأبو موسى وأبو هريرة وابن عباس وعائشة ومن التابعين سعيد بن المسيب وعروة والحسن وسعيد بن جبير وآخرون وهو قول مالك والاوزاعي والثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث ويمكن الجمع بأن من أطلق على غير المتخذ من العنب حقيقة يكون أراد الحقيقة الشرعية ومن نفى أراد الحقيقة اللغوية وقد أجاب بهذا بن عبد البر وقال أن الحكم إنما يتعلق بالاسم الشرعي دون اللغوي والله أعلم وقد قدمت في باب نزول تحريم الخمر وهو من البسر إلزام من قال بقول أهل الكوفة إن الخمر حقيقة في ماء العنب مجاز في غيره أنه يلزمهم أن يجوزوا إطلاق اللفظ الواحد
[ 43 ]
على حقيقته ومجازه لان الصحابة لما بلغهم تحريم الخمر أراقوا كل ما كان يطلق عليه لفظ الخمر حقيقة ومجازا وإذا لم يجوزوا ذلك صح أن الكل خمر حقيقة ولا انفكاك عن ذلك وعلى تقدير أرخاء العنان والتسليم أن الخمر حقيقة في ماء العنب خاصة فإنما ذلك من حيث الحقيقة اللغوية فأما من حيث الحقيقة الشرعية فالكل خمر حقيقة لحديث كل مسكر خمر فكل ما أشتد كان خمرا وكل خمر يحرم قليله وكثيره وهذا يخالف قولهم وبالله التوفيق قوله وثلاث هي صفة موصوف أي
أمور أو أحكام قوله وددت أي تمنيت وإنما تمنى ذلك لانه أبعد من محذور الاجتهاد وهو الخطأ فيه فثبت على تقدير وقوعه ولو كان مأجورا عليه فإنه يفوته بذلك الاجر الثاني والعمل بالنص إصابة محضة قوله لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدا في رواية مسلم عهدا ينتهي إليه وهذا يدل على أنه لم يكن عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم نص فيها ويشعر بأنه كان عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن الخمر ما لم يحتج معه إلى شئ غيره حتى خطب بذلك جازما به قوله الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا أما الجد فالمراد قدر ما يرث لان الصحابة اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا فسيأتي في كتاب الفرائض عن عمر أنه قضى فيه بقضايا مختلفة وأما الكلالة بفتح الكاف وتخفيف اللام فسيأتي بياتها أيضا في كتاب الفرائض وأما أبواب الربا فلعله يشير إلى ربا الفضل لان ربا النسيئة متفق عليه بين الصحابة وسياق عمر يدل على أنه كان عنده نص في بعض من أبواب الربا دون بعض فلهذا تمنى معرفة البقية قوله قلت يا أبا عمرو القائل هو أبو حيان التيمي وأبو عمرو هي كنية الشعبي قوله فشئ يصنع بالسند من الازر زاد الاسماعيلي في روايته يقال له السادية يدعى الجاهل فيشرب منها شربة فتصرعه قلت وهذا الاسم لم يذكره صاحب النهاية لا في السين المهملة ولا في الشين المعجمة ولا رأيته في صحاح الجوهري وما عرفت ضبطه إلى الآن ولعله فارسي فإن كان عربيا فلعله الشاذبة بشين وذال معجمتين ثم موحدة قال في الصحاح الشاذب المنتحى عن وطنه فلعل الشاذبة تأنيثه وسميت الخمر بذلك لكونها إذا خالطت العقل تنحت به عن وطنه قوله ذاك لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أي اتخاذ الخمر من الارز لم يكن على العهد النبوي وفي رواية الاسماعيلي لم يكن هذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان لنهى عنه ألا ترى أنه قد عم الاشربة كلها فقال الخمر ما خامر العقل قال الاسماعيلي هذا الكلام الاخير فيه دلالة على أن قوله الخمر ما خامر العقل من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقال الخطابي إنما عد عمر الخمسة المذكورة لاشتهار أسمائها في زمانه ولم تكن كلها توجد بالمدينة الوجود العام فإن الحنطة كانت بها عزيزة وكذا العسل بل كان أعز فعد عمر ما عرف فيها وجعل ما في معناها مما يتخذ من الازر وغيره خمرا إن
كان مما يخامر العقل وفي ذلك دليل على جواز إحداث الاسم بالقياس وأخذه من طريق الاشتقاق كذا قال ورد لك بن العربي في جواب من زعم أن قوله صلى الله عليه وسلم كل مسكر خمر معناه مثل الخمر لان حذف مثل ذلك مسموع شائع قال بل الاصل عدم التقدير ولا يصار إلى التقدير إلا إلى الحاجة فإن قيل احتجنا إليه لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث لبيان الاسماء قلنا بل بيان الاسماء من جملة الاحكام لمن لا يعلمها ولا سيما ليقطع تعلق القصد بها قال وأيضا لو لم يكن الفضيخ خمرا ونادى المنادي حرمت الخمر لم يبادروا إلى إراقتها ولم يفهموا أنها
[ 44 ]
داخلة في مسمى الخمر وهم الفصح اللسن فإن قيل هذا إثبات اسم بقياس قلنا إنما هو إثبات اللغة عن أهل فإن الصحابة عرب فصحاء فهموا من الشرع ما فهموه من اللغة ومن اللغة ما فهموه من الشرع وذكر بن حزم أن بعض الكوفيين احتج بما أخرجه عبد الرزاق عن ابن عمر بسند جيد قال أما الخمر فحرام لا سبيل إليها وأما ما عداها من الاشربة فكل مسكر حرام قال وجوابه أنه ثبت عن بن عمر أنه قال كل مسكر خمر فلا يلزم من تسمية المتخذ من العنب خمرا انحصار اسم الخمر فيه وكذا احتجوا بحديث بن عمر أيضا حرمت الخمر وما بالمدينة منها شئ مراده المتخذ من العنب ولم يرد أن غيرها لا يسمى خمرا بدليل حديث الآخر نزل تحريم الخمر وأن بالمدينة خمسة أشربة كلها تدعي الخمر ما فيها خمر العنب وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم ذكر الاحكام على المنبر لتشتهر بين السامعين وذكر أما بعد فيها والتنبيه بالنداء والتنبيه على شرف العقل وفضله وتمنى الخير وتمنى البيان للاحكام وعدم الاستثناء قوله وقال حجاج هو بن منهال وحماد هو ابن سلمة قوله عن أبي حيان مكان العنب الزبيب يعني أن حماد بن سلمة روى هذا الحديث عن أبي حيان بهذا السند والمتن فذكر الزبيب بدل العنب وهذا التعليق وصله على بن عبد العزيز البغوي في مسنده عن حجاج بن منهال كذلك وليس فيه سؤال أبي حيان الاخير وجواب الشعبي وكذلك أخرجه بن أبي خيثمة عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة ووقع عند مسلم أيضا من رواية علي بن مسهر ومن رواية عيسى بن يونس كلاهما عن أبي حيان الزبيب بدل على العنب كما قال حماد بن سلمة قال
البيهقي وكذلك قال الثوري عن أبي حيان قلت وكذلك أخرجه النسائي من طريق محمد بن قيس عن الشعبي والله أعلم قوله باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه قال الكرماني ذكره باعتبار الشراب وإلا فالخمر مؤنث سماعي قلت بل فيه لغة بالتذكير قال الكرماني وفي بعض الروايات تسميتها بغير اسمها وذكر بن التين عن الداودي قال كأنه يريد بالامة من يتسمى بهم ويستحل ما لا يحل لهم فهو كافر إن أظهر ذلك ومنافق إن أسره أو من يرتكب المحارم مجاهرة واستخفافا فهو يقارب الكفر وأن تسمى بالاسلام لان الله لا يخسف بمن تعود عليه رحمته في المعاد كذا قال وفيه نظر يأتي توجيهه وقال بن المنير الترجمة مطابقة للحديث إلا في قوله ويسميه بغير اسمه فكأنه قنع بالاستدلال له بقوله في الحديث من أمتي لان من كان من الامة المحمدية يبعد بأن يستحل الخمر بغير تأويل إذلو كان عنادا ومكابرة لكان خارجا عن الامة لان تحريم الخمر قد علم بالضرورة قال وقد ورد في غير هذا الطريق التصريح بمقتضى الترجمة لكن لم يوافق شرطه فاقتنع بما في الرواية التي ساقها من الاشارة قلت الرواية التي أشار إليها أخرجها أبو داود من طريق مالك بن أبي مريم عن أبي مالك الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم ليشربن ناس الخمر يسمونها بغير اسمها وصححه بن حبان وله شواهد كثيرة منها لابن ماجة من حديث ابن محيريز عن ثابت بن السمط عن عبادة بن الصامت رفعه يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ورواه أحمد بلفظ ليستحلن طائفة من أمتي الخمر وسنده جيد ولكن أخرجه النسائي من وجه آخر عن بن محيريز فقال عن رجل من الصحابة ولابن ماجة أيضا من حديث خالد بن معدان عن أبي أمامة رفعه لا تذهب الايام والليالي حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها وللدارمي بسند لين من طريق القاسم عن عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول ما يكفأ
[ 45 ]
الاسلام كما يكفأ الاناء كفء الخمر قيل وكيف ذاك يا رسول الله قال يسمونها بغير اسمها فيستحلونها وأخرجه بن أبي عاصم من وجه آخر عن عائشة ولابن وهب من طريق سعيد بن أبي هلال عن محمد ابن عبد الله أن أبا مسلم الخولاني حج فدخل على عائشة فجعلت تسأله عن الشام وعن بردها فقال
يا أم المؤمنين إنهم يشربون شرابا لهم يقال له الطلاء فقالت صدق رسول الله وبلغ حتى سمعته يقول إن ناسا من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها وأخرجه البيهقي قال أبو عبيد جاءت في الخمر آثار كثيرة بأسماء متخلفة فذكر منها السكر بفتحتين قال وهو نقيع التمر إذا غلى بغير طبخ والجعة بكسر الجيم وتخفيف العين نبيذ الشعير والسكركة خمر الحبشة من الذرة إلى أن قال وهذه الاشربة المسماة كلها عندي كناية عن الخمر وهي داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها ويؤيد ذلك قول عمر الخمر ما خامر العقل صلى الله عليه وسلم - قوله وقال هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد هكذا في جميع النسخ من الصحيح من جميع الروايات مع تنوعها عن الفربري وكذا عن رواية النسقي وحماد بن شاكر وذهل الزركشي في توضيحه فقال معظم الرواة يذكرون هذا الحديث في البخاري معلقا وقد أسنده أبو ذر عن شيوخه فقال قال البخاري حدثنا الحسين ابن إدريس حدثنا هشام بن عمار قال فعلى هذا يكون الحديث صحيحا على شرط البخاري وبذلك يرد على بن حزم دعواه الانقطاع اه وهذا الذي قاله خطأ نشأ عن عدم تأمل وذلك أن القائل حدثنا الحسين بن إدريس هو العباس بن الفضل شيخ أبي ذر لا البخاري ثم هو الحسين بضم أوله وزيادة التحتانية الساكنة وهو الهروي لقبه خرم بضم المعجمة وتشديد الراء وهو من المكثرين وإنما الذي وقع في رواية أبي ذر من الفائدة أنه أستخرج هذا الحديث من رواية نفسه من غير طريق البخاري إلى هشام على عادة الحفاظ إذا وقع لهم الحديث عاليا عن الطريق التي في الكتاب المروي لهم يرودونها عالية عقب الرواية النازلة وكذلك إذا وقع في بعض أسانيد الكتاب المروي خلل ما من انقطاع أو غيره وكان عندهم من وجه آخر سالما أوردوه فجرى أبو ذر على هذه الطريقة فروى الحديث عن شيوخه الثلاثة عن الفربري عن البخاري قال وقال هشام بن عمار ولما فرغ من سياقه قال أبو ذر حدثنا أبو منصور الفضل بن العباس النضروي حدثنا الحسين ابن إدريس حدثنا هشام بن عمار به وأما دعوى بن حزم التي أشار إليها فقد سبقه إليها ابن الصلاح في علوم الحديث فقال التعليق في أحاديث من صحيح البخاري قطع إسنادها وصورته صورة الانقطاع وليس حكمة حكمة ولا خارجا ما وجد ذلك فيه من قبيل الصحيح إلى قبيل الضعيف ولا
التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رد ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر وأبي مالك الاشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرير والخمر والمعازف الحديث من جهة أن البخاري أورده قائلا قال هشام بن عمار وساقه بإسناده فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام وجعله جوابا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف وأخطأ في ذلك من وجوه والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندا متصلا وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الاسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع اه ولفظ بن حزم في المحلى ولم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد وحكى بن الصلاح في موضع آخر أن الذي يقول البخاري فيه قال فلان
[ 46 ]
ويسمى شيخا من شيوخه يكون من قبيل الاسناد المعنعن وحكى عن بعض الحفاظ أنه يفعل ذلك فيما يتحمله عن شيخه مذاكرة وعن بعضهم أنه فيما يرويه مناولة وقد تعقب شيخنا الحافظ أبو الفضل كلام بن الصلاح بأنه وجد في الصحيح عدة أحاديث يرويها البخاري عن بعض شيوخه قائلا قال فلان ويوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ قلت الذي يورده البخاري من ذلك على أنحاء منها ما يصرح فيه بالسماع عن ذلك الشيخ بعينه إما في نفس الصحيح وإما خارجة والسبب في الاول إما أن يكون أعاده في عدة أبواب وضاق عليه مخرجه فتصرف فيه حتى لا يعيده على صورة واحدة في مكانين وفي الثاني أن لا يكون على شرطه إما لقصور في بعض رواته وإما لكونه موقوفا ومنها ما يورده بواسطة عن ذلك الشيخ والسبب فيه كالاول لكنه في غالب هذا لا يكون مكثرا عن ذلك الشيخ ومنها ما لا يورده في مكان آخر من الصحيح مثل حديث الباب فهذا مما كان أشكل أمره علي والذي يظهر لي الآن أنه لقصور في سياقه وهو هنا تردد هشام في اسم الصحابي وسيأتي من كلامه ما يشير إلى ذلك حيث يقول أن المحفوظ أنه عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك وساقه في التاريخ من رواية مالك بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن غنم كذلك وقد أشار المهلب إلى شئ من ذلك وأما كونه سمعه من هشام بلا
واسطة وبواسطة فلا أثر له لانه لا يجزم إلا بما يصلح للقبول ولا سيما حيث يسوقه مساق الاحتجاج وأما قول بن الصلاح أن الذي يورده بصيغة قال حكمة حكم الاسناد المعنعن والعنعنة من غير المدلس محمولة على الاتصال وليس البخاري مدلسا فيكون متصلا فهو بحث وافقه عليه ابن منده والتزمه فقال أخرج البخاري قال وهو تدليس وتعقبه شيخنا بأن أحدا لم يصف البخاري بالتدليس والذي يظهر لي أن مراد بن منده أن صورته صورة التدليس لانه يورده بالصيغة المحتملة ويوجد بينه وبينه واسطة وهذا هو التدليس بعينه لكن الشأن في تسليم أن هذه الصيغة من غير المدلس لها حكم العنعنة فقد قال الخطيب وهو المرجوع إليه في الفن أن قال لا تحمل على السماع إلا ممن عرف من عادته أنه يأتي بها في موضع السماع مثل حجاج بن محمد الاعور فعلى هذا ففارقت العنعنة فلا تعطى حكمها ولا يترتب عليه أثرها من التدليس ولا سيما ممن عرف من عادته أن يوردها لغرض غير التدليس وقد تقرر عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحا إلى من علق عنه ولو لم يكن من شيوخه لكن إذا وجد الحديث المعلق من رواية بعض الحفاظ موصولا إلى من علقه بشرط الصحة أزال الاشكال ولهذا عنيت في ابتداء الامر بهذا النوع وصنفت كتاب تعليق التعليق وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي وفي كلامه على علوم الحديث أن حديث هشام بن عمار جاء عنه موصولا في مستخرج الاسماعيلي قال حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا هشام بن عمار وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين فقال حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد حدثنا هشام بن عمار قال وأخرجه أبو داود في سننه فقال حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا بشر بن بكر حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بسنده انتهى وننبه فيه على موضعين أحدهما أن الطبراني أخرج الحديث في معجمه الكبير عن موسى بن سهل الجويني وعن جعفر بن محمد الفريابي كلاهما عن هشام والمعجم الكبير أشهر من مسند الشاميين فعزوه إليه أولى وأيضا فقد أخرجه أبو نعيم في مستخرجه على البخاري من
[ 47 ]
رواية عبدان بن محمد المروزي ومن رواية أبي بكر الباغندي كلاهما عن هشام وأخرجه ابن
حبان في صحيحه عن الحسين بن عبد الله القطان عن هشام ثانيهما قوله إن أبا داود أخرجه يوهم أنه عند أبي داود باللفظ الذي وقع فيه النزاع وهو المعازف وليس كذلك بل لم يذكر فيه الخمر الذي وقعت ترجمة البخاري لاجله فإن لفظه عند أبي داود بالسند المذكور إلى عبد الرحمن بن يزيد حدثنا عطية بن قيس سمعت عبد الرحمن بن غنم الاشعري يقول حدثني أبو عامر أو أبو مالك الاشعري والله ما كذبني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والحرير والخمر وذكر كلاما قال يمسخ منهم قردة وخنازير إلى يوم القيامة نعم ساق الاسماعيلي الحديث من هذا الوجه من رواية دحيم عن بشر بن بكر بهذا الاسناد فقال يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف الحديث قوله حدثنا صدقة بن خالد هو الدمشقي من موالي آل أبي سفيان وليس له في البخاري إلا هذا الحديث وآخر تقدم في مناقب أبي بكر وهو من رواية هشام بن عمار عنه أيضا عن زيد بن واقد وصدقة هذا ثقة عند الجميع قال عبد الله بن أحمد عن أبيه ثقة بن ثقة ليس به بأس أثبت من الوليد بن مسلم وذهل شيخنا بن الملقن تبعا لغيره فقال ليته يعني بن حزم أعل الحديث بصدقة فإن بن الجنيد روى عن يحيى بن معين ليس بشئ وروى المرزوي عن أحمد ذلك ليس بمستقيم ولم يرضه وهذا الذي قاله الشيخ خطأ وإنما قال يحيى وأحمد ذلك في صدقة بن عبد الله السمين وهو أقدم من صدقة بن خالد وقد شاركه في كونه دمشقيا وفي الرواية عن بعض شيوخه كزيد بن واقد وأما صدقة بن خالد فقد قدمت قول أحمد فيه وأما ابن معين فالمنقول عنه أنه قال كان صدقة بن خالد أحب إلى أبي مسهر من الوليد بن مسلم قال وهو أحب إلي من يحيى بن حمزة ونقل معاوية بن صالح عن بن معين أن صدقة بن خالد ثقة ثم أن صدقة لم ينفرد به عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بل تابعه على أصله بشر بن بكر كما تقدم قوله حدثنا عطية بن قيس هو شامي تابعي قواه أبو حاتم وغيره ومات سنة عشر ومائة وقيل بعد ذلك ليس له في البخاري ولا لشيخه إلا هذا الحديث والاسناد كله شاميون قوله عبد الرحمن بن غنم بفتح المعجمة وسكون النون بن كريب بن هانئ مختلف في صحبته قال بن سعد كان أبوه ممن قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة أبي موسى وذكر بن يونس أن عبد الرحمن كان مع أبيه
حين وفد وأما أبو زرعة الدمشقي وغيره من حفاظ الشام فقالوا أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه وقدمه دحيم على الصنابحي وقال بن سعد أيضا بعثه عمر يفقه أهل الشام ووثقه العجلي وآخرون ومات سنة ثمان وسبعين ووقع عند الاسماعيلي من الزيادة عن عطية بن قيس قال قام ربيعة الجرشي في الناس فذكر حديثا فيه طول فإذا عبد الرحمن بن غنم فقال يمينا حلفت عليها حدثني أبو عامر أو أبو مالك الاشعري والله يمينا أخرى حدثني أنه سمع وفي رواية مالك بن أبي مريم كنا عند عبد الرحمن بن غنم معنا ربيعة الجرشي فذكروا الشراب فذكر الحديث قوله حدثني أبو عامر أو أبو مالك الاشعري هكذا رواه أكثر الحفاظ عن هشام بن عمار بالشك وكذا وقع عند الاسماعيلي من رواية بشر بن بكر لكن وقع عند أبي داود من رواية بشر بن بكر حدثني أبو مالك بغير شك ووقع عند بن حبان عن الحسين بن عبد الله عن هشام بهذا السند إلى عبد الرحمن بن غنم أنه سمع أبا عامر وأبا مالك الاشعريين يقولان فذكر الحديث كذا قال وعلى
[ 48 ]
تقدير أن يكون المحفوظ هو الشك فالشك في اسم الصحابي لا يضر وقد أعله بذلك ابن حزم وهو مردود وأعجب منه أن بن بطال حكى عن المهلب أن سبب كون البخاري لم يقل فيه حدثنا هشام ابن عمار وجود الشك في اسم الصحابي وهو شئ لم يوافق عليه والمحفوظ رواية الجماعة وقد أخرجه البخاري في التاريخ من طريق إبراهيم بن عبد الحميد عمن أخبره عن أبي مالك أو أبي عامر على الشك أيضا وقال إنما يعرف هذا عن أبي مالك الاشعري انتهى وقد أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والبخاري في التاريخ من طريق مالك بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الاشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها تغدو عليهم القيان وتروح عليهم المعازف الحديث فظهر بهذا أن الشك فيه من عطية بن قيس لان مالك بن أبي مريم وهو رفيقه فيه عن شيخهما لم يشك في أبي مالك على أن التردد في اسم الصحابي لا يضر كما تقرر في علوم الحديث فلا التفات إلى من أهل الحديث بسبب التردد وقد ترجح أنه عن أبي مالك الاشعري وهو صحابي مشهور قوله والله ما كذبني هذا يؤيد رواية
الجماعة أنه عن غير واحد لا عن اثنين قوله يستحلون الحر ضبطه بن ناصر بالحناء المهملة المكسورة والراء الخفيفة وهو الفرج وكذا هو في معظم الروايات من صحيح البخاري ولم يذكر عياض ومن تبعه غيره وأغرب بن التين فقال إنه عند البخاري بالمعجمتين وقال بن العربي هو بالمعجمتين تصحيف وإنما رويناه بالمهملتين وهو الفرج والمعنى يستحلون الزنا قال بن التين يريد ارتكاب الفرج بغير حله وإن كان أهل اللغة لم يذكروا هذه اللفظة بهذا المعنى ولكن العامة تستعمله بكسر المهملة كما في هذه الرواية وحكى عياض فيه تشديد الراء والتخفيف هو الصواب وقيل أصله بالياء بعد الراء فحذفت وذكره أبو موسى في ذيل الغريب في ح ر وقال هو بتخفيف الراء وأصله حرح بكسر أوله وتخفيف الراء بعدها مهملة أيضا وجمعه أحراح قال ومنهم من يشدد الراء وليس بجيد وترجم أبو داود للحديث في كتاب اللباس باب ما جاء في الحر ووقع في روايته بمعجمتين والتشديد والراجح بالمهملتين ويؤيده ما وقع في الزهد لابن المبارك من حديث على بلفظ يوشك أن تستحل أمتي فروج النساء والحرير ووقع عند الداودي بالمعجمتين ثم تعقبه بأنه ليس بمحفوظ لان كثيرا من الصحابة لبسوه وقال بن الاثير المشهور في رواية هذا الحديث بالاعجام وهو ضرب من الابر يسم كذا قال وقد عرف أن المشهور في رواية البخاري بالمهملتين قال بن العربي الخز بالمعجمتين والتشديد مختلف فيه والاقوى حله وليس فيه وعيد ولا عقوبة بإجماع تنبيه لم تقع هذه اللفظة عند الاسماعيلي ولا أبي نعيم من طريق هشام بل في روايتهما يستحلون الحرير والخمر والمعازف وقوله يستحلون قال بن العربي يحتمل أن يكون المعنى يعتقدون ذلك حلالا ويحتمل أن يكون ذلك مجازا على الاسترسال أي يسترسلون في شربها كالاسترسال في الحلال وقد سمعنا ورأينا من يفعل ذلك قوله والمعازف بالعين المهملة والزاي بعدها فاء جمع معزفة بفتح الزاي وهي آلات الملاهي ونقل القرطبي عن الجوهري أن المعازف الغناء والذي في صحاحه أنها آلات اللهو وقيل أصوات الملاهي وفي حواشي الدمياطي المعازف الدفوف وغيرها مما يضرب به ويطلق على الغناء عزف وعلى كل لعب عزف ووقع في رواية مالك بن أبي مريم تغدو عليهم القيان وتروح عليهم المعازف قوله
[ 49 ]
ولينزلن أقوام إلى جنب علم بفتحتين والجمع أعلام وهو الجبل العالي وقيل رأس الجبل قوله يروح عليهم كذا فيه بحذف الفاعل وهو الراعي بقرينة المقام إذا السارحة لا بد من حافظ قوله بسارحة بمهملتين الماشية التي تسرح بالغداة إلى رعيها وتروح أي ترجع بالعشي إلى مألفها ووقع في رواية الاسماعيلي سارحة بغير موحدة في أوله ولا حذف فيها قوله يأتيهم لحاجة كذا فيه بحذف الفاعل أيضا قال الكرماني التقدير الآتي أو الراعي أو المحتاج أو الرجل قلت وقع عند الاسماعيلي يأتيهم طالب حاجة فتعين بعض المقدرات قوله فبيتهم الله أي يهلكهم ليلا والبيات هجوم العدو ليلا قوله ويضع العلم أي يوقعه عليهم وقال ابن بطال إن كان العلم جبلا فيدكدكه وأن كان بناء فيهدمه ونحو ذلك وأغرب بن العربي فشرحه على أنه بكسر العين وسكون اللام فقال وضع العلم إما بذهاب أهله كما سيأتي في حديث عبد الله بن عمرو وإما باهانة أهله بتسليط الفجرة عليهم قوله ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة يريد ممن لم يهلك في البيات المذكور أو من قوم آخرين غير هؤلاء الذين بيتوا ويؤيد الاول أن في رواية الاسماعيلي ويمسخ منهم آخرين قال بن العربي يحتمل الحقيقة كما وقع للامم السالفة ويحتمل أن يكون كناية عن تبدل أخلاقهم قلت والاول أليق بالسياق وفي هذا الحديث وعيد شديد على من يتحيل في تحليل ما يحرم بتغيير اسمه وأن الحكم يدور مع العلة والعلة في تحريم الخمر الاسكار فمهما وجد الاسكار وجد التحريم ولو لم يستمر الاسم قال بن العربي هو أصل في أن الاحكام إنما تتعلق بمعاني الاسماء لا بألقابها ردا على من حمله على اللفظ قوله باب الانتباذ في الاوعية والتور هو من عطف الخاص على العام لان التور من جملة الاوعية وهو بفتح المثناة إناء من حجارة أو من نحاس أو من خشب ويقال لا يقال له تور إلا إذا كان صغيرا وقيل هو قدح كبير كالقدر وقيل مثل الطست وقيل كالاجانة وهي بكسر الهمزة وتشديد الجيم وبعد الالف نون وعاء قوله أتى أبو أسيد الساعدي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرسه تقدم في الوليمة من هذا الوجه بلفظ دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعرسه ومن وجه آخر عن أبي
حازم دعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قوله قال أتدرون القائل هو سهل وما سقت بفتح القاف وسكون المثناة وفي رواية الكشميهني قالت وسقيت بسكون التحتانية بعد القاف وفي آخره مثناة وكذا الخلاف في أنقعت ونقعت وأنقع بالهمزة لغة وفيه لغة أخرى نقعت بغير ألف وتقدم في الوليمة بلفظ بلت تمرات قوله في تور زاد في الوليمة من حجارة وإنما قيده لانه قد يكون من غيرها كما تقدم وفي رواية أشعث عن أبي الزبير عن جابر كان النبي صلى الله عليه وسلم ينبذ له في سقاء فإذا لم يكن سقاء ينبذ له في تور قال أشعث والتور من لحاء الشجر أخرجه ابن أبي شيبة وعبر المصنف في الترجمة بالانتباذ إشارة إلى أن النقيع يسمى نبيذا فيحمل ما ورد في الاخبار بلفظ النبيذ على النقيع وقد ترجم له بعد قليل باب نقيع التمر ما لم يسكر قال المهلب النقيع حلال ما لم يتشد فإذا أشتد وغلى حرم وشرك الحنفية أن يقذف بالزبد قال وإذا نقع من الليل وشرب النهار أو بالعكس لم يشتد وفيه حديث عائشة يشير إلى ما أخرجه مسلم عن عائشة كانت تنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سقاء توكي أعلاه فيشرب به عشاء وتنبذه عشاء فيشربه غدوة وعند أبي داود من وجه آخر عن عائشة أنها كانت تنبذ للنبي صلى الله عليه وسلم غدوة
[ 50 ]
فإذا كان من العشي تعشى فشرب على عشائه فإن فضل شئ صبته ثم تنبذ له بالليل فإذا أصبح وتغدى شرب على غدائه قالت نغسل السقاء غدوة وعشية وفي حديث عبد الله بن الديلمي عن أبيه قلنا للنبي صلى الله عليه وسلم ما نصنع بالزبيب قال انبذوه على عشائكم واشربوه على غدائكم أخرجه أبو داود والنسائي فهذه الاحاديث فيها التقييد باليوم والليلة وأما ما أخرج مسلم من حديث بن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبذ له الزبيب من الليل في السقاء فإذا أصبح شربه يومه وليلته ومن الغد فإذا كان مساء شربه أو سقاه الخدم فإن فضل شئ أراقه وقال بن المنذر الشراب في المدة التي ذكرتها عائشة يشرب حلوا وأما الصفة التي ذكرها ابن عباس فقد ينتهي إلى الشدة والغليان لكن يحمل ما ورد من أمر الخدم بشربه على أنه لم يبلغ ذلك ولكن قرب منه لانه بلغ ذلك لاسكر ولو أسكر لحرم تناوله مطلقا انتهى وقد تمسك بهذا
الحديث من قال بجواز شرب قليل ما أكسر كثيرة ولا حجة فيه لانه ثبت أنه بدأ فيه بعض تغير في طعمه من حمض أو نحوه فسقاه الخدم وإلى هذا أشار أبو داود فقال بعد أن أخرجه قوله سقاه الخدم يريد أنه تبادر به الفساد انتهى ويحتمل أن يكون أر في الخير للتنويع لانه قال سقاه الخدم يريد انه تبادر به الفساد انتهى ويحتمل ان يكون اوفى الخبر للتنويع لانه قال سقاه الخدم أو أمر به فأهريق أي إن كان بدا في طعمه بعض التغير ولم يشتد سقاه الخدم وأن كان أشتد أمر بإهراقه وبهذا جزم النووي فقال هو اختلاف على حالين إن ظهر فيه شدة صبه وأن لم تظهر شدة سقاه الخدم لئلا تكون فيه إضاعة مال وإنما يتركه هو تنزها وجمع بين حديث ابن عباس وعائشة بأن شرب النقيع في يومه لا يمنع شرب النقيع في أكثر من يوم ويحتمل أن يكون باختلاف حال أو زمان يحمل الذي يشرب في يومه على ما إذا كان قليلا وذاك على ما إذا كان كثيرا فيفضل منه ما يشربه فيما بعد وإما بأن يكون في شدة الحر مثلا فيسارع إليه الفساد وذاك في شدة برد فلا يتسارع إليه قوله باب ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم في الاوعية والظروف بعد النهي ذكر فيه خمسة أحاديث أولها حديث جابر وهو عام في الرخصة ثانيها حديث عبد الله بن عمرو وفيه اسثتناء المزفت ثالثها حديث علي في النهي عن الدباء والمزفت رابعها حديث عائشة مثله خامسها حديث عبد الله بن أبي أوفى في النهي عن الجر الاخضر وظاهر صنيعه أنه يرى أن عموم الرخصة مخصوص بما ذكر في الاحاديث الاخرى وهي مسألة خلاف فذهب مالك إلى ما دل عليه صنيع البخاري وقال الشافعي والثوري وابن حبيب من المالكية يكره ذلك ولا يحرم وقال سائر الكوفيين يباح وعن أحمد روايتان وقد أسند الطبري عن عمر ما يؤيد قول مالك وهو قوله لان أشرب من قمقم محمى فيحرق ما أحرق ويبقى ما أبقى أحب إلي من أن أشرب نبيذ الجر وعن بن عباس لا يشرب نبيذ الجر ولو كان أحلى من العسل وأسند النهي عن جماعة من الصحابة وقال بن بطال النهي عن الاوعية إنما كان قطعا للذريعة فلما قالوا لا نجد بدا من الانتباذ في الاوعية قال انتبذوا وكل مسكر حرام وهكذا الحكم في كل شئ نهي عنه بمعنى النظر إلى غيره فإنه يسقط للضرورة كالنهي
عن الجلوس في الطرقات فلما قالوا لا بد لنا منها قال فأعطوا الطريق حقها وقال الخطابي ذهب الجمهور إلا أن النهي إنما كان أولا ثم نسخ وذهب جماعة إلى أن النهي عن الانتباذ في هذه الاوعية باق منهم بن عمر وابن عباس وبه قال مالك وأحمد وإسحاق كذا أطلق قال والاول أصح
[ 51 ]
والمعنى في النهي أن العهد بإباحة الخمر كان قريبا فلما اشتهر التحريم أبيح لهم الانتباذ في كل وعاء بشرط ترك شرب المسكر وكأن من ذهب إلى استمرار النهي لم يبلغه الناسخ وقال الحازمي لمن نصر قول مالك أن يقول ورد النهي عن الظروف كلها ثم نسخ منها ظروف الادم والجرار غير المزفتة واستمر ما عداها على المنع ثم تعقب ذلك بما ورد من التصريح في حديث بريدة عند مسلم ولفظه نهيتكم عن الاشربة إلا في ظروف الادم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا قال وطريق الجمع أن يقال لما وقع النهي عاما شكوا إليه الحاجة فرخص لهم في ظروف الادم ثم شكوا إليه أن كلهم لا يجد ذلك فرخص لهم في الظروف كلها الحديث الاول قوله سفيان هو الثوري ومنصور هو بن المعتمر قوله عن سالم وقع مفسرا في الطريق التي بعدها أنه ابن أبي الجعد والظروف بظاء مشالة معجمة جمع ظرف بفتح أوله وهو الوعاء قوله نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظروف في رواية مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر نهى عن الدباء والمزفت وكأن هذه الطريق لما لم تكن على شرط البخاري أورد عقب حديث جابر أحاديث عبد الله بن عمرو وعلي وعائشة الدالة على ذلك قوله لا بد لنا منها في رواية الحفري عن الثوري عند الاسماعيلي ليس لنا وعاء وفي رواية لاحمد في قصة وفد عبد القيس فقال رجل من القوم يا رسول الله إن الناس لا ظروف لهم فقال أشربوه إذا طاب فإذا خبث فذروه وأخرج أبو يعلى وصححه بن حبان من حديث الاشج العصري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم مالي أرى وجوهكم قد تغيرت قالوا نحن بأرض وخمة وكنا نتخذ من هذه الانبذة ما يقطع اللحمان في بطوننا فلما نهيتنا عن الظروف فذلك الذي ترى في وجوهنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الظروف لا تحل ولا تحرم ولكن كل مسكر حرام قوله فلا إذا جواب وجزاء أي إذا كان كذلك لا بد لكم
منها فلا تدعوها وحاصله أن النهي كان ورد على تقدير عدم الاحتياج أو وقع وحي في الحال بسرعة أو كان الحكم في تلك المسألة مفوضا لرأيه صلى الله عليه وسلم وهذه الاحتمالات ترد على من جزم بأن الحديث حجة في أنه صلى الله عليه وسلم كان يحكم بالاجتهاد قوله وقال لي خليفة هو ابن خياط بمعجمة ثم تحتانية ثقيلة وهو من شيوخ البخاري ويحيى بن سعيد هو القطان الحديث الثاني قوله علي هو بن المديني وسفيان هو بن عيينة قوله عن سليمان في رواية الحميدي عن سفيان حدثنا سليمان الاحول وأخرجه أبو نعيم في المستخرج من رواية الحميدي كذلك قوله عن أبي عياض العنسي بالنون وعياض بكسر المهملة وتخفيف التحتانية وبعد الالف ضاد معجمه واسمه عمرو بن الاسود وقيل قيس بن ثعلبة وبذلك جزم أبو نصر الكلاباذي في رجال البخاري وكأنه تبع ما نقله البخاري عن علي بن المديني وقال النسائي في الكنى أبو عياض عمرو ابن الاسود العنسي ثم ساق من طريق شرحبيل بن عمرو بن مسلم عن عمرو بن الاسود الحمصي أبي عياض ثم روى عن معاوية بن صالح عن يحيى بن معين قال عمرو بن الاسود العنسي يكنى أبا عياض ومن طريق البخاري قال لي علي يعني بن المديني أن لم يكن اسم أبي عياض قيس بن ثعلبة فلا أدري قال البخاري وقال غيره عمرو بن الاسود قال النسائي ويقال كنية عمرو بن الاسود أبو عبد الرحمن قلت أورد الحاكم أبو أحمد في الكنى فحصل ما أورده النسائي إلا قول يحيى بن معين وذكر أنه سمع عمر ومعاوية وأنه روى عنه مجاهد وخالد بن معدان وأرطاة بن المنذر وغيرهم وذكر في رواية
[ 52 ]
شرحبيل بن مسلم عن عمرو بن الاسود أنه مر على مجلس فسلم فقالوا لو جلست إلينا يا أبا عياض ومن طريق موسى بن كثير عن مجاهد حدثنا أبو عياض في خلافة معاوية وروى أحمد في الزهد أن عمر أثنى على أبي عياض وذكره أبو موسى في ذيل الصحابة وعزاه لابن أبي عاصم وأظنه ذكره لادراكه ولكن لم تثبت له صحبة وقال بن سعد كان ثقة قليل الحديث وقال ابن عبد البر أجمعوا على أنه كان من العلماء الثقات وإذا تقرر ذلك فالراجح في أبي عياض الذي يروي عنه مجاهد أنه عمرو بن الاسود أنه شامي وأما قيس بن ثعلبة فهو أبو عياض آخر وهو كوفي ذكره ابن
حبان في ثقات التابعين وقال إنه يروي عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم روى عنه أهل الكوفة وإنما بسطت ترجمته لان المزي لم يستوعبها وخلط ترجمة بترجمة وأنه صغر اسمه فقال عمير بن الاسود الشامي العنسي صاحب عبادة بن الصامت والذي يظهر لي أنه غيره فإن كان كذلك فما له في البخاري سوى هذا الحديث وإن كان كما قال المزي فإن له عند البخاري حديثا تقدم ذكره في الجهاد من رواية خالد بن معدان عن عمير بن الاسود عن أم حرام بنت ملحان وكأن عمدته في ذلك أن خالد بن معدان روى عن عمرو بن الاسود أيضا وقد فرق ابن حبان في الثقات بين عمير بن الاسود الذي يكنى أبا عياض وبين عمير بن الاسود الذي يروي عن عبادة بن الصامت وقال كل منهما عمير بالتصغير فإن كان ضبطه فلعل أبا عياض كان يقال له عمرو وعمير ولكنه آخر غير صاحب عبادة والله أعلم قوله عن عبد الله بن عمرو أي بن العاص كذا في جميع نسخ البخاري ووقع في بعض نسخ مسلم عبد الله بن عمر بضم العين وهو تصحيف نبه عليه أبو علي الجياني قوله لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاسقية كذا وقع في هذه الرواية وقد تفطن البخاري لما فيها فقال بعد سياق الحديث حدثني عبد الله بن محمد حدثنا سفيان بهذا وقال عن الاوعية وهذا هو الراجح وهو الذي رواه أكثر أصحاب بن عيينة عنه كأحمد والحميدي في مسنديهما وأبي بكر بن أبي شيبة وابن أبي عمر عند مسلم وأحمد بن عبدة عند الاسماعيلي وغيرهم وقال عياض ذكر الاسقية وهم من الراوي وإنما هو عن الاوعية لانه صلى الله عليه وسلم لم ينه قط عن الاسقية وإنما نهى عن الظروف وأباح الانتباذ في الاسقية فقيل له ليس كل الناس يجد سقاء فاستثنى ما يسكر وكذا قال لوفد عبد القيس لما نهاهم عن الانتباذ في الدباء وغيرها قالوا ففيم نشرب قال في أسقية الادم قال ويحتمل أن تكون الرواية في الاصل كانت لما نهى عن النبيذ إلا في الاسقية فسقط من الرواية شئ انتهى وسبقه إلى هذا الحميدي فقال في الجمع لعله نقص من لفظ المتن وكان في الاصل لما نهى عن النبيذ إلا في الاسقية وقال بن التين معناه لما نهى عن الظروف إلا الاسقية وهو عجيب والذي قاله الحميدي أقرب وإلا فحذف أداة الاستثناء مع المستنثى منه وإثبات المستثنى غير جائز إلا إن
ادعى ما قال الحميدي أنه سقط على الراوي وقال الكرماني يحتمل أن يكون معناه لما نهى في مسألة الانبذة عن الجرار بسبب الاسقية قال ومجئ عن سببية شائع مثل يسمنون عن الاكل أي بسبب الاكل ومنه فأزالهما الشيطان عنها أي بسببها قلت ولا يخفى ما فيه ويظهر لي أن لا غلط ولا سقط وإطلاق السقاء على كل ما يسقى منه جائز فقوله نهى عن الاسقية بمعنى الاوعية لان المراد بالاوعية الاوعية التي يستقى منها واختصاص اسم الاسقية بما يتخذ من
[ 53 ]
الادم إنما هو بالعرف وقال بن السكيت السقاء يكون للبن والماء والوطب بالواو للبن خاصة والنحى بكسر النون وسكون المهملة للسمن والقربة للماء وإلا فمن يجيز القياس في اللغة لا يمنع ما صنع سفيان فكأنه كان يرى استواء اللفظين فحدث به مرة هكذا ومرارا هكذا ومن ثم لم يعدها البخاري وهما قوله فرخص لهم في الجر غير المزفت في رواية بن أبي عمر فأرخص وهي لغة يقال أرخص ورخص وفي رواية بن أبي شيبة فأذن لهم في شئ منه وفي هذا دلالة على أن الرخصة لم تقع دفعة واحدة بل وقع النهي عن الانتباذ إلا في سقاء فلما شكوا رخص لهم في بعض الاوعية دون بعض ثم وقعت الرخصة بعد ذلك عامه لكن يفتقر من قال إن الرخصة وقعت بعد ذلك إلى أن يثبت أن حديث بريدة الدال على ذلك كان متأخرا عن حديث عبد الله بن عمرو هذا قوله حدثني عبد الله بن محمد هو الجعفي وليس هو أبا بكر بن أبي شيبة وإن كان هو أيضا عبد الله بن محمد لان قول البخاري بهذا يشعر بأن سياقه مثل سياق علي بن المديني إلا في اللفظة التي اختلفا فيها وسياق بن أبي شيبة لا يشبه سياق علي قوله بهذا أي بهذا الاسناد إلى علي والمتن وقد أخرجه الاسماعيلي عن عمران بن موسى عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن الاعمش فقال بإسناده مثله الحديث الرابع قوله عن الاوعية فيه حذف تقديره نهى عن الانتباذ في الاوعية وقد بين ذلك في رواية زياد بن فياض عن أبي عياض أخرجه أبو داود بلفظ لا تنبذوا في الدباء والغنم والنقير والفرق بين الاسقية من الادم وبين غيرها أن الاسقية يتخللها الهواء من مسامها فلا يسرع إليها الفساد مثل ما يسرع إلى غيرها من الجرار ونحوها مما نهى عن الانتباذ
فيه وأيضا فالسقاء فيه وأيضا فالسقاء إذا نبذ فيه ثم ربط أمنت مفسدة الاسكار بما يشرب منه لانه مني تغير وصار مسكرا شق الجلد فلما لم يشقه فهو غير مسكر بخلاف الاوعية لانها قد تصير النبيذ فيها مسكرا ولا يعلم به وأما الرخصة في بعض الاوعية دون بعض فمن جهة المحافظة على صيانة المال لثبوت النهي عن إضاعته لان التي نهى عنها يسرع التغير إلى ما ينبذ فيها بخلاف ما أذن فيه فإنه لا يسرع إليه التغير ولكن حديث بريدة ظاهر في تعميم الاذن في الجميع يفيد أن لا تشربوا المسكر فكأن الامن حصل بالاشارة إلى ترك الشرب من الوعاء ابتداء حتى يختبر حاله هل تغير أو لا فإنه لا يتعين الاختبار بالشرب بل يقع بغير الشرب مثل أن يصير شديد الغليان أو يقذف بالزبد ونحو ذلك قوله فقالوا لا بد لنا في رواية زياد بن فياض أن قائل ذلك أعرابي الحديث الثالث قوله حدثني سليمان هو الاعمش وإبراهيم التيمي هو بن يزيد بن شريك قوله عن الدباء والمزفت زاد في رواية مالك بن عمير عن علي عند أبي داود والختم والنقير قوله حدثني عثمان هو بن أبي شيبة وجرير هو بن عبد الحميد قوله عن إبراهيم هو النخعي قلت للاسود هو ابن يزيد النخعي وهو خال إبراهيم الراوي عنه قوله عم نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينتبذ فيه أي أخبرني عما نهى وعما أصلها عن ما فأدغمت ولا تشبع الميم غالبا ووقع في رواية الاسماعيلي ما نهى بحذف عن قوله أهل البيت بالفتح على الاختصاص أو على البدل من الضمير قوله أما ذكرت القائل هو إبراهيم وقوله قال أي الاسود وقوله أفنحدث كذا للاكثر بالنون وللكشميهني أفأحدث بالافراد وهو استفهام إنكار وفي رواية الاسماعيلي أفأحدثك ما لم أسمع وإنما استفهم إبراهيم عن الجر والحنتم لاشتهار الحديث بالنهي عن الانتباذ في الاربعة ولعل هذا
[ 54 ]
هو السر في التقييد بأهل البيت فإن الدباء والمزفت كان عندهم متيسرا فلذلك خص نهيهم عنهما الحديث الخامس قوله حدثنا عبد الواحد هو بن زياد والشيباني هو أبو إسحاق سليمان بن فيروز ووقع في رواية الاسماعيلي حدثني سليمان الشيباني قوله عن الجر الاخضر في رواية الاسماعيلي عن نبيذ الجر الاخضر قوله قلت للقائل هو الشيباني قوله قال لا يعني أن
حكمة حكم الاخضر فدل على أن الوصف بالخضرة لا مفهوم له وكأن الجرار الخضر حينئذ كانت شائعة بينهم فكان ذكر الاخضر لبيان الواقع لا للاحتراز وقال بن عبد البر هذا عندي كلام خرج على جواب سؤال كأنه قيل الجر الاخضر فقال لا تنبذوا فيه فسمعه الراوي فقال نهى عن الجر الاخضر وقد روى بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن نبيذ الجر قال والجر كل ما يصنع من مدر قلت وقد أخرج الشافعي عن سفيان عن أبي إسحاق عن ابن أبي أوفى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نبيذ الجر الاخضر والابيض والاحمر فإن كان محفوظا ففي الاول اختصار والحديث الذي ذكره بن عبد البر أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما قال الخطابي لم يعلق الحكم في ذلك بالخضرة والبياض وإنما علق بالاسكار وذلك أن الجرار تسرع التغير لما ينبذ فيها فقد يتغير من قبل أن يشعر به فنهوا عنها ثم لما وقعت الرخصة أذن لهم في الانتباذ في الاوعية بشرط أن لا يشربوا مسكرا وقد أخرج بن أبي شيبة من وجه آخر عن ابن أبي أوفى أنه كان يشرب نبيذ الجر الاخضر وأخرج أيضا بسند صحيح عن بن مسعود أنه كان ينبذ له في الجر الاخضر ومن طريق معقل بن يسار وجماعة من الصحابة نحوه وقد خص جماعة النهي عن الجر بالجرار الخضر كما رواه مسلم عن أبي هريرة قال النووي وبه قال الاكثر أو الكثير من أهل اللغة والغريب والمحدثين والفقهاء وهو أصح الاقوال وأقواها وقيل إنها جرار مقيرة الاجواف يؤتى بها من مصر أخرجه بن أبي شيبة عن أنس وقيل مثله عن عائشة بزيادة أعناقها في جنوبها وعن بن أبي ليلى جرار أفواهها في جنوبها يجلب فيه الخمر من الطائف وكانوا ينبذون فيها يضاهون بها الخمر وعن عطاء جرار تعمل من طين ودم وشعر ووقع عند مسلم عن ابن عباس أنه فسر الجر بكل شئ ينصع من مدر وكذا فسر بن عمر الجر بالجرة وأطلق ومثله عن سعيد بن جبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن قوله باب نقيع التمر ما لم يسكر أورد فيه حديث سهل بن سعد في قصة امرأة أبي أسيد وفيه أنقعت له تمرات وقد تقدم التنبيه عليه قريبا وتقدم بسنده ومتنه في أبواب الوليمة وأشار بالترجمة إلى أن الذي أخرجه بن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن معقل وغيره من كراهة نقيع الزبيب محمول على ما تغير وكاد يبلغ حد الاسكار أو
أراد قائله حسم المادة كما سيأتي عن عبيدة السلماني أنه قال أحدث الناس أشربة لا أدري ما فيها فما لي شراب الا الماء واللبن الحديث وتقييده في الترجمة بما لم يسكر مع أن الحديث لا تعرض فيه للسكر لا إثباتا ولا نفيا أما من جهة أن المدة التي ذكرها سهل وهو من أول الليل إلى أثناء نهاره لا يحصل فيها التغير جملة وإما خصه بما لا يسكر من جهة المقام والله أعلم قوله باب الباذق ضبطه بن التين بفتح المعجمة ونقل عن الشيخ أبي الحسن يعني القابسي أنه حدث به بكسر الذال وسئل عن فتحها فقال ما وقفنا عليه قال وذكر أبو عبد الملك أنه الخمر إذا طبخ وقال بن التين هو فارسي معرب وقال الجوال بقي أصله باذه وهو الطلاء وهو أن يطبخ
[ 55 ]
العصير حتى يصير مثل طلاء الابل وقال بن قرقول الباذق المطبوخ من عصير العنب إذا أسكر أو إذا طبخ بعد أن أشتد وذكر بن سيده في المحكم أنه من أسماء الخمر وأغرب الداودي فقال إنه يشبه الفقاع إلا أنه ربما أشتد وأسكر وكلام من هو أعرف منه بذلك يخالفه ويقال للباذق أيضا المثلث إشارة إلى أنه ذهب منه منه بالطبخ ثلثاه وكذلك المنصف وهو ما ذهب نصفه وتسميه العجم مينختج بفتح الميم وسكون التحتانية وضم الموحدة وسكون المعجمة وفتح المثناة وآخره جيم ومنهم من يضم المثناة وروايته في مصنف بن أبي شيبة بدال بدل المثناة وبحذف الميم والياء من أوله قوله ومن نهى عن كل مسكر من الاشربة كأنه أخذه من قول عمر فإن كان يسكر جلدته مع نقله عنه تجويز شرب الطلاء على الثلث فكأنه يؤخذ من الخيرين أن الذي إباحه ما لم يسكر أصلا وأما قوله من الاشربة فلان الآثار التي أوردها مرفوعها وموقوفها تتعلق بما يشرب وقد سبق جمع طرق حديث كل مسكر حرام في باب الخمر من العسل قوله ورأى عمر وأبو عبيدة ومعاذ شرب الطلاء على الثلث أي رأوا جواز شرب الطلاء إذا طبخ فصار على الثلث ونقص منه الثلثان وذلك بين من سياق ألفاظ هذه الآثار فأما أثر عمر فأخرجه مالك في الموطأ من طريق محمود بن لبيد الانصاري أن عمر بن الخطاب حين قدم الشام شكا إليه أهل الشام وباء الارض وثقلها وقالوا لا يصلحنا إلا هذا الشراب فقال عمر اشربوا العسل قالوا ما يصلحنا العسل
فقال رجال من أهل الارض هل لك أن تجعل لك من هذا الشراب شيئا لا يسكر فقال نعم فطبخوه حتى ذهب منه ثلثان وبقي الثلث فأتوا به عمر فأدخل فيه إصبعه ثم رفع يده فتبعها يتمطط فقال هذا الطلاء مثل طلاء الابل فأمرهم عمر أن يشربوه وقال عمر اللهم أني لا أحل لهم شيئا حرمته عليهم وأخرج سعيد بن منصور من طريق أبي مجاز عن عامر بن عبد الله قال كتب عمر إلى عمار أما بعد فإنه جاءني عير تحمل شرابا أسود كأنه طلاء الابل فذكروا أنهم يطبخونه حتى يذهب ثلثاه الاخبثان ثلث بريحه وثلث ببغيه فمر من قبلك أن يشربوه ومن طريق سعيد بن المسيب أن عمر أحل من الشراب ما طبخ فذهب ثلثاه وبقي ثلثه وأخرج النسائي من طريق عبد الله بن يزيد الخطمي قال كتب عمر اطبخوا شرابكم حتى يذهب نصيب الشيطان منه فإن للشيطان اثنين ولكم واحد وهذه أسانيد صحيحة وقد أفصح بعضها بأن المحذور منه السكر فمتى أسكر لم يحل وكأنه أشار بنصيب الشيطان إلى ما أخرجه النسائي من طريق بن سيرين في قصة نوح عليه السلام قال لما ركب السفينة فقد الحبلة فقال له الملك أن الشيطان أخذها ثم احضرت له ومعها الشيطان فقال له الملك أنه شريكك فيها فأحسن الشركة قال له النصف قال أحسن قال له الثلثان ولي الثلث قال أحسنت وأنت محسان أن تأكله عنبا وتشربه عصيرا وما طبخ على الثلث فهو لك ولذريتك وما جاز عن الثلث فهو من نصيب الشيطان وأخرج أيضا من وجه آخر عن بن سيرين عن أنس بن مالك فذكره ومثله لا يقال بالرأي فيكون له حكم المرفوع وأغرب بن حزم فقال أنس بن مالك لم يدرك نوحا فيكون منقطعا وأما أثر أبي عبيدة وهو ابن الجراح ومعاذ وهو بن جبل فأخرجه أبو مسلم الكجي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة من طريق قتادة عن أنس أن أبا عبيدة ومعاذ بن جبل وأبا طلحة كانوا يشربون من الطلاء ما طبخ على الثلث وذهب ثلثاه والطلاء بكسر المهملة والمد هو الدبس شبه بطلاء الابل وهو القطران الذي يدهن
[ 56 ]
به فإذا طبخ عصير العنب حتى تمدد أشبه طلاء الابل وهو في تلك الحالة غالبا لا يسكر وقد وافق عمر ومن ذكر معه على الحكم المذكور أبو موسى وأبو الدرداء أخرجه النسائي عنهما وعلي وأبو أمامة
وخالد بن الوليد وغيرهم أخرجها بن أبي شيبة وغيره ومن التابعين بن المسيب والحسن وعكرمة ومن الفقهاء الثوري والليث ومالك وأحمد والجمهور وشرط تناوله عندهم ما لم يسكر وكرهه طائفة تورعا قوله وشرب البراء وأبو جحيفة على النصف أما أثر البراء فأخرجه بن أبي شيبة من رواية عدي بن ثابت عنه أنه كان يشرب الطلاء على النصف أي إذا طبخ فصار على النصف وأما أثر أبي جحيفة فأخرجه بن أبي شيبة أيضا من طريق حصين بن عبد الرحمن قال رأيت أبا جحيفة فذكر مثله ووافق البراء وأبو جحيفة جرير وأنس ومن التابعين بن الحنفية وشريح وأطبق الجميع على أنه إن كان يسكر حرم وقال أبو عبيدة في الاشربة بلغني أن النصف يسكر فإن كان كذلك فهو حرام والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف أعناب البلاد فقد قال بن حزم إنه شاهد من العصير ما إذا طبخ إلى الثلث ينعقد ولا يصير مسكرا أصلا ومنه ما إذا طبخ إلى النصف كذلك ومنه ما إذا طبخ إلى الربع كذلك بل قال إنه شاهد منه ما يصير ربا خاثرا لا يسكر ومنه ما لو طبخ لا يبقى غير ربعه لا يخثر ولا ينفك السكر عنه قال فوجب أن يحمل ما ورد عن الصحابة من أمر الطلاء على ما لا يسكر بعد الطبخ وقد ثبت عن بن عباس بسند صحيح أن النار لا تحل شيئا ولا تحرمه أخرجه النسائي من طريق عطاء عنه وقال إنه يريد بذلك ما نقل عنه في الطلاء وأخرج أيضا من طريق طاوس قال هو الذي يصير مثل العسل ويؤكل ويصب عليه الماء فيشرب قوله وقال بن عباس أشرب العصير ما دام طريا وصله النسائي من طريق أبي ثابت الثعلبي قال كنت عند بن عباس فجاءه رجل يسأله عن العصير فقال اشربه ما كان طريا قال إني طبخت شرابا وفي نفسي منه شئ قال أكنت شاربه قبل أن تطبخه قال لا قال فإن النار لا تحل شيئا قد حرم وهذا يقيد ما أطلق في الآثار الماضية وهو أن الذي يطبخ إنما هو العصير الطري قبل أن يتخمر أما لو صار خمرا فطبخ فإن الطبخ لا يطهره ولا يحله إلا على رأي من يجيز تخليل الخمر والجمهور على خلافه وحجتهم الحديث الصحيح عن أنس وأبي طلحة أخرجه مسلم وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي من طريق سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي أشرب العصير ما لم يغل وعن الحسن البصري ما لم يتغير وهذا قول كثير من السلف أنه إذا بدأ فيه التغير يمتنع وعلامة ذلك أن
يأخذ في الغليان وبهذا قال أبو يوسف وقيل إذا انتهى غليانه وابتدأ في الهدو بعد الغليان وقيل إذا سكن غليانه وقال أبو حنيفة لا يحرم عصير العنب النئ حتى يغلى ويقذف بالزبد فإذا غلى وقذف بالزبد حرم وأما المطبوخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فلا يمتنع مطلقا ولو غلى وقذف بالزبد بعد الطبخ وقال مالك والشافعي والجمهور يمتنع إذا صار مسكرا شرب قليله وكثيره سواء غلى أم لم يغل لانه يجوز أن يبلغ حد الاسكار بأن يغلي ثم يسكن غليانه بعد ذلك وهو مراد من قال حد منع شربه أن يتغير والله أعلم قوله وقال عمر هو بن الخطاب وجدت من عبيد الله بالتصغير وهو بن عمر قوله ريح شراب وأنا سائل عنه فإن كان يسكر جلدته وصله مالك عن الزهري عن السائب بن يزيد أنه أخبره أن عمر بن الخطاب خرج عليهم فقال أني وجدت من فلان ريح شراب فزعم أنه شراب الطلاء وإني سائل عما شرب فإن كان يسكر جلدته فجلده عمر الحد تاما
[ 57 ]
وسنده صحيح وفي السياق حذف تقديره فسأل عنه فوجده يسكر فجلده وأخرجه سعيد بن منصور عن بن عيينة عن الزهري سمع السائب بن يزيد يقول قام عمر على المنبر فقال ذكر لي أن عبيد الله بن عمر وأصحابه شربوا شرابا وأنا سائل عنه فإن كان يسكر حددتهم قال ابن عيينة فأخبرني معمر عن الزهري عنا لسائب قال فرأيت عمر يجلدهم وهذا الاثر يؤيد ما قدمته أن المراد بما أحله عمر من المطبوخ الذي يسمى الطلاء ما لم يكن بلغ حد الاسكار فإن بلغه لم يحل عنده ولذلك جلدهم ولم يستفصل هل شربوا منه قليلا أو كثيرا وفي هذا رد على من احتج بعمر في جواز شرب المطبوخ إذا ذهب منه الثلثان ولو أسكر فإن عمر إذن في شربه ولم يفصل وتعقب بأن الجمع بين الاثرين عنه يقتضى التفصيل وقد ثبت عنده أن كل مسكر حرام فاستغنى عن التفصيل ويحتمل أن يكون سأل ابنه فاعترف بأنه شرب كذا فسأل غيره عنه فأخبره أنه يسكر أو سأل ابنه فاعترف أن الذي شرب يسكر وقد بين ذلك عبد الرزاق في روايته عن معمر فقال عن الزهري عن السائب شهدت عمر صلى على جنازة ثم أقبل علينا فقال أني وجدت من عبيد الله بن عمر ريح شراب وإني سألته عنه فزعم أنه الطلاء وإني سائل عن الشراب الذي شرب فإن كان مسكرا
جلدته قال فشهدته بعد ذلك يجلده قلت وهذا السياق يوضح أن رواية بن جريج التي أخرجها عبد الرزاق أيضا عنه عن الزهري مختصرة من هذه القصة ولفظه عن السائب أنه حضر عمر يجلد رجلا وجد منه ريح شراب فجلده الحد تاما فإن ظاهره أنه جلده بمجرد وجود الريح منه وليس كذلك لما تبين من رواية معمر وكذلك ما أخرجه بن أبي شيبة من طريق بن أبي ذئب عن الزهري عن السائب أن عمر كان يضرب في الريح فإنها أشد اختصارا وأعظم لبسا وقد تبين برواية معمر أن لا حجة فيه لمن يجوز إقامة الحد بوجود الريح واستدل به النسائي على أن الذي نقل عنه من أنه كسر النبيذ بالماء لما شرب منه فقطب أن ذلك كان لحموضته لا لاشتداده ووجه الدلالة أنه عمم وجوب الحد بشرب المسكر ولم يستفصل منه هل شرب منه قليلا أو كثيرا فدل على أن ذلك النبيذ الذي قطب منه لم يكن بلغ حد الاسكار أصلا واستدل به على جواز إقامة الحد بالرائحة وقد مضى في فضائل القرآن النقل عن بن مسعود أنه عمل به ونقل بن المنذر عن عمر بن عبد العزيز ومالك مثله قال مالك إذا شهد عدلان ممن كان يشرب ثم تابا أنه ريح خمر وجب الحد وخالف ذلك الجمهور فقالوا لا يجب الحد إلا بالاقرار أو البينة على مشاهدة الشرب لان الروائح قد تتفق والحد لا يقام مع الشبهة وليس في قصة عمر التصريح أنه جلد بالرائحة بل ظاهر سياقه يقتضى أنه اعتمد في ذلك على الاقرار أو البينة لانه لم يجلدهم حتى سأل وفي قول عمر اللهم لا أحل لهم شيئا حرمته عليهم رد على من استدل بإجازته شرب المطبوخ أنه يجوز عنده الشرب منه ولو أسكر شاربه لكونه لم يفصل بين ما إذا أسكر أو لم يسكر فإن بقية أثر عمر الذي ذكرته يدل على أنه فصل بخلاف ما قال الطحاوي وغيره قوله سفيان هو الثوري قوله عن أبي الجويرية بالجيم مصغرا اسمه حطان وقد تقدم شرح حاله في سورة المائدة ووقع في رواية عبد الرزاق عن الثوري حدثني أبو الجورية قوله سبق محمد صلى الله عليه وسلم الباذق ما أسكر فهو حرام قال المهلب أي سبق محمد بتحريم الخمر وتسميتهم لها الباذق قال بن بطال يعني بقوله كل مسكر حرام والباذق شراب العسل ويحتمل أن يكون المعنى سبق حكم محمد بتحريم الخمر تسميتهم
[ 58 ]
لها بغير اسمها وليس تغييرهم للاسم بمحلل له إذا كان يسكر قال وكأن بن عباس فهم من السائل أنه يرى أن الباذق حلال فحسم مادته وقطع رجاءه وباعد منه أصله وأخبره أن المسكر حرام ولا عبرة بالتسمية وقال بن التين يعني أن الباذق لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت وسياق قصة عمر الاولى يؤيد ذلك وقال أبو الليث السمرقندي شارب المطبوخ إذا كان يسكر أعظم ذنبا من شارب الخمر لان شارب الخمر يشربها وهو يعلم أنه عاص بشربها وشارب المطبوخ يشرب المسكر ويراه حلالا وقد قام الاجماع على أن قليل الخمر وكثيره حرام وثبت قوله صلى الله عليه وسلم كل مسكر حرام ومن أستحل ما هو حرام بالاجماع كفر قلت وقد سبق إلى نحو هذا بعض قدماء الشعراء في أول المائة الثالثة فقال يعرض ببعض من كان يفتي بإباحة المطبوخ وأشربها وأزعمها حراما وأرجو عفو رب ذي امتنان ويشربها ويزعمها حلالا وتلك على المسئ خطيئتان قوله قال الشراب الحلال الطيب قال ليس بعد الحلال الطيب الا الحرام الخبيث هكذا في جميع نسخ الصحيح ولم يعين القائل هل هو بن عباس أو من بعده والظاهر أنه من قول ابن عباس وبذلك جزم القاضي إسماعيل في أحكامه في رواية عبد الرزاق وأخرج البيهقي الحديث من طريق محمد بن أيوب عن محمد بن كثير شيخ البخاري فيه بلفظ قال الشراب الحلال الطيب لا الحرام الخبيث وأخرجه أيضا من طريق بن أبي خيثمة وهو زهير بن معاوية عن أبي الجويرية قال قلت لابن عباس أفتني عن البادق فذكر الحديث وفي آخره فقال رجل من القوم إنا نعمد إلى العنب فنعصره ثم نطبخه حتى يكون حلالا طبيا فقال سبحان الله سبحان الله أشرب الحلال الطيب فإنه ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث وأجرجه سعيد بن منصور من طريق أبي عوانة عن أبي الجويرية قال سألت بن عباس قلت نأخذ العنب فنعصره فنشرب منه حلوا حلالا قال أشرب الحلو والباقي مثله ومعنى هذا أن المشبهات نقع في حين الحرام وهو الخبيث وما لا شبهة فيه حلال طيب قال إسماعيل القاضي في أحكام القرآن هذا الاثر عن ابن عباس يضعف الاثر المروي عنه حرمت الخمر بعينها الحديث وقد سبق بيانه في باب الخمر من العسل ثم
أسند عن بن عباس قال ما أسكر كثيرة فقليله حرام وأخرج البيهقي من طريق إسحاق بن راهويه بسند صحيح إلى يحيى بن عبيد أحد الثقات عن بن عباس قال أن النار لا تحل شيئا ولا تحرمه وزاد في رواية أخرى عن يحيى بن عبيد عن بن عباس أنه قال لهم أيسكر قالوا إذا أكثر منه أسكر قال فكل مسكر حرام ثم ذكر المصنف حديث عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل وقد تقدم في الاطعمة والحلواء تعقد من السكر وعطف العسل عليها من عطف العام على الخاص وقد تعقد الحلواء من السكر فيتقاربان ووجه إيراده في هذا الباب أن الذي يحل من المطبوخ هو ما كان في معنى الحلواء والذي يجوز شربه من عصير العنب بغير طبخ هو ما كان في معنى العسل فإنهم كانوا يمزجونه بالماء ويشربونه من ساعته والله أعلم قوله باب من رأى أن لا يخلط البسر والتمر إذا كان مسكرا قال بن بطال قوله إذا كان مسكرا خطأ لان النهي عن الخليطين عام وأن لم يسكر كثيرهما لسرعة سريان الاسكار إليهما من حيث لا يشعر صاحبه به فليس النهي عن الخليطين لانهما يسكران حالا بل لانهما يسكران مآلا فإنهما
[ 59 ]
إذا كانا مسكرين في الحال لا خلاف في النهي عنهما قال الكرماني فعلى هذا فليس هو خطأ بل يكون أطلق ذلك على سبيل المجاز وهو استعمال مشهور وأجاب بن المنير بأن ذلك لا يرد على البخاري إما لانه يرى جواز الخليطين قبل الاسكار وإما لانه ترجم على ما يطابق الحديث الاول وهو حديث أنس فإنه لا شك أن الذي كان يسقيه القوم حينئذ كان مسكرا ولهذا دخل عندهم في عموم النهي عن الخمر حتى قال أنس وانا لنعدها يومئذ الخمر فدل على أنه كان مسكرا قال وأما قول وأن لا يجعل إدامين في إدام فيطابق حديث جابر وأبي قتادة ويكون النهي معللا بعلل مستقلة إما تحقيق إسكار الكثير وإما توقع الاسكار بالخلط سريعا وإما الاسراف والشره والتعليل بالاسراف مبين في حديث النهي عن قران التمر قلت والذي يظهر لي أن مراد البخاري بهذه الترجمة الرد على من أول النهي عن الخليطين بأحد تأويلين أحدهما حمل الخليط على المخلوط وهو أن يكون نبيذ تمر وحده مثلا قد أشتد ونبيذ زبيب وحده مثلا قد أشتد
فيخلطان ليصيرا خلا فيكون النهي من أجل تعمد التخليل وهذا مطابق للترجمة من غير تكلف ثانيهما أن يكون علة النهي عن الخلط الاسراف فيكون كالنهي عن الجمع بين إدامين ويؤيد الثاني قوله في الترجمة وأن لا يجعل إدامين في إدام وقد حكى أبو بكر الاثرم عن قوم أنهم حملوا النهي عن الخليطين على الثاني وجلعوه نظير النهي عن القرآن بين التمر كما تقدم في الاطعمة قالوا فإذا ورد النهي عن القرآن بين التمرتين وهما من نوع واحد فكيف إذا وقع القرآن بين نوعين ولهذا عبر المصنف بقوله من رأى ولم يجزم بالحكم وقد نصر الطحاوي من حمل النهي عن الخليطين على منع السرف فقال كان ذلك لما كانوا فيه من ضيق العيش وساق حديث بن عمر في النهي عن القرآن بين التمرتين وتعقب بأن بن عمر أحد من روى النهي عن الخليطين وكان ينبذ البسر فإذا نظر إلى بسرة في بعضها ترطيب قطعه كراهة أن يقع في النهي وهذا على قاعدتهم يعتمد عليه لانه لو فهم أن النهي عن الخليطين كالنهي عن القرآن لما خالفه فدل على أنه عنده على غيره ثم أورد المصنف حديث أنس الذي تقدم شرحه في أول الباب وفيه أنه سقاه خليط بسر وتمر فدل على أن المراد بالنهي عن الخليطين ما كانوا يصنعونه قبل ذلك من خلط البسر بالتمر ونحو ذلك لان ذلك عادة يقتضى إسراع الاسكار بخلاف المنفردين ولا يمكن حمل حديث أنس هذا في الخليطين على ما ادعاه صاحب التأويل الاول وحمل علة النهي لخوف الاسراع أظهر من حملها على الاسراف لانه لا فرق بين نصف رطل من تمر ونصف رطل من بسر إذا خلطا مثلا وبين رطل من زبيب صرف بل هو أولى لقلة الزبيب عندهم إذ ذاك بالنسبة إلى التمر والرطب وقد وقع الاذن بأن ينبذ كل واحد على حدة ولم يفرق بين قليل وكثير فلو كانت العلة الاسراف لما أطلق ذلك وحكى الطحاوي في اختلاف العلماء عن الليث قال لا أرى بأسا أن يخلط نبيذ التمر ونبيذ الزبيب ثم يشربان جميعا وإنما جاء النهي أن ينبذا جميعا ثم يشربا لان أحدهما يشتد به صاحبه قوله وقال عمرو بن الحارث حدثنا قتادة سمع أنسا أراد بهذا التعليق بيان سماع قتادة لانه وقع في الراواية التي ساقها قبل منعنا وقد أخرجه مسلم من طريق بن وهب عن عمرو بن الحارث ولفظه نهى أن يخلط التمر والزهو ثم يشرب وأن ذلك كان عامة خمرهم يومئذ وهذا السياق أظهر في المراد
الذي حملت عليه لفظ الترجمة والله أعلم وقوله في الاسناد الاول حدثنا مسلم وقع في رواية
[ 60 ]
النسقي حدثنا مسلم بن إبراهيم وهشام هو الدستوائي الحديث الثاني حديث جابر وأورده بلفظ نهى عن الزبيب والتمر والبسر والرطب وليس صريحا في النهي عن الخليط وقد بينه مسلم في روايته من طريق عبد الرزاق ويحيى القطان جميعا عن بن جريج بلفظ لا تجمعوا بين الرطب والبسر وبين الزبيب والتمر نبيذا وأخرج أيضا من طريق الليث عن عطاء نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا والرطب والبسر جميعا الحديث الثالث حديث أبي قتادة قوله حدثنا مسلم هو ابن إبراهيم أيضا وهشام هو الدستوائي أيضا قوله عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه هو الانصاري المشهور قوله نهى في رواية مسلم من طريق إسماعيل بن علية عن هشام بهذا الاسناد لا تنبذوا الزهو والرطب جميعا الحديث قوله ولينبذ كل واحد منهما أي من كل اثنين منهما فيكون الجمع بين أكثر بطريق الاولى قوله على حدة بكسر المهملة وفتح الدال بعدها هاء تأنيث أي وحده ووقع في رواية الكشميهني على حدته وهذا مما يؤيد رد التأويل المذكور أولا كما بينته ولمسلم من حديث أبي سعيد من شرب منكم النبيذ فليشربه زبيبا فردا أو تمرا فردا أو بسرا فردا وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي سبب النهي من طريق الحراني عن ابن عمر قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم بسكران فضربه ثم سأله عن شرابه فقال شربت نبيذ تمر وزبيب فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تخلطوهما فان كل واحد منهما يكفي وحده قال النووي وذهب أصحابنا وغيرهم من العلماء إلى أن سبب النهي عن الخليط أن الاسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يشتد فيظن الشارب أنه لم يبلغ حد الاسكار ويكون قد بلغه قال ومذهب الجمهور أن النهي في ذلك للتنزيه وإنما يمتنع إذا صار مسكرا ولا تخفى علامته وقال بعض المالكية هو للتحريم واختلف في خلط نبيذ البسر الذي لم يشتد مع نبيذ التمر الذي لم يشتد عند الشرب هل يمتنع أو يختص النهي عن الخلط عند الانتباذ فقال الجمهور لا فرق وقال الليث لا بأس بذلك عند الشرب ونقل بن التين عن الداودي أن سبب النهي أن النبيذ يكون حلوا فإذا أضيف
إليه الآخر أسرعت إليه الشدة وهذه صورة أخرى كأنه يخص النهي بما إذا نبذ أحدهما ثم أضيف إليه الآخر لا ما إذا نبذا معا واختلف في الخليطين من الاشربة غير النبيذ فحكى ابن التين عن بعض الفقهاء أنه كره أن يخلط للمريض شرابين ورده بأنهما لا يسرع إليهما الاسكار اجتماعا وانفرادا وتعقب باحتمال أن يكون قائل ذلك يرى أن العلة الاسراف كما تقدم لكن يقيد كلام هذا في مسألة المريض بما إذا كان المفرد كافيا في دواء ذلك المرض وإلا فلا مانع حينئذ من التركيب وقال بن العربي ثبت تحريم الخمر لما يحدث عنها من السكر وجواز النبيذ الحلو الذي لا يحدث عنه سكر وثبت النهي عن الانتباذ في الاوعية ثم نسخ وعن الخليطين فاختلف العلماء فقال أحمد وإسحاق وأكثر الشافعية بالتحريم ولو لم يسكر وقال الكوفيون بالحل قال واتفق علماؤنا على الكراهة لكن اختلفوا هل هو للتحريم أو للتنزيه واختلف في علة المنع فقيل لان أحدهما يشد الآخر وقيل لان الاسكار يسرع إليهما قال ولا خلاف أن العسل باللبن ليس بخليطين لان اللبن لا ينبذ لكن قال بن عبد الحكم لا يجوز خلط شرابي سكر كالورد والجلاب وهو ضعيف قال واختلفوا في الخليطين لاجل التخليل ثم قال ويتحصل لنا أربع صور أن يكون الخليطان منصوصين فهو حرام أو منصوص ومسكوت عنه فإن كان كل منهما لو انفرد أسكر
[ 61 ]
فهو حرام قياسا على المنصوص أو مسكوت عنهما وكل منهما لو انفرد لم يسكر جاز قال وهنا مرتبة رابعة وهي ما لو خلط شيئين وأضاف إليهما دواء يمنع الاسكار فيجوز في المسكوت عنه ويكره في المنصوص وما نقله عن أكثر الشافعية وجد نص الشافعي بما يوافقه فقال ثبت نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخليطين فلا يجوز بحال وعن مالك قال أدركت على ذلك أهل العلم ببلدنا وقال الخطابي ذهب إلى تحريم الخليطين وأن لم يكن الشراب منهما مسكرا جماعة عملا بظاهر الحديث وهو قول مالك وأحمد وإسحاق وظاهر مذهب الشافعي وقالوا من شرب الخليطين أثم من جهة واحدة فإن كان بعد الشدة أثم من جهتين وخص الليث النهي بما إذا نبذا معا اه وجرى بن حزم على عادته في الجمود فخص النهي عن الخليطين بخلط واحد من خمسة أشياء
وهي التمر والرطب والزهو والبسر والزبيب في أحدها أو في غيرها فأما لو خلط واحد من غيرها في واحد من غيرها لم يمتنع كاللبن والعسل مثلا ويرد عليه ما أخرجه أحمد في الاشربة من طريق المختار بن فلفل عن أنس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين شيئين نبيذا مما يبغي أحدهما على صاحبه وقال القرطبي النهي عن الخليطين ظاهر في التحريم وهو قول جمهور فقهاء الامصار وعن مالك يكره فقط وشذ من قال لا بأس به لان كلا منهما يحل منفردا فلا يكره مجتمعا قال وهذه مخالفة للنص وقياس مع وجود الفارق فهو فاسد من وجهين ثم هو منتقض بجواز كل واحدة من الاختين منفردة وتحريمهما مجتمعين قال وأعذب من ذلك تأويل من قال منهم إن النهي إنما هو من باب السرف قال وهذا تبديل لا تأويل ويشهد ببطلانه الآحاديث الصحيحة قال وتسمية الشراب إداما قول من ذهل عن الشرع واللغة والصرف قال والذي يفهم من الاحاديث التعليل بخوف إسراع الشدة بالخلط وعلى هذا يقتصر في النهي عن الخلط على ما يؤثر فيه الاسراع قال وافرط بعض أصحابنا فمنع الخلط وأن لم توجد العلة المذكورة ويلزمه أن يمنع من خلط العسل واللبن والخل والعسل قلت حكاه بن العربي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وقال أنه حمل النهي عن الخليطين من الاشربة على عمومه واستغربه قوله باب شرب اللبن قال بن المنير أطال التفنن في هذه الترجمة لبرد قول من زعم أن اللبن يسكر كثيرة فرد ذلك بالنصوص وهو قول غير مستقيم لان اللبن لا يسكر بمجرده وإنما يتفق فيه ذلك نادرا بصفة تحدث وقال غيره قد زعم بعضهم أن اللبن إذا طال العهد به وتغير صار يسكر وهذا ربما يقع نادرا إن ثبت وقوعه ولا يلزم منه تأثيم شاربه إلا إن علم إن عقله يذهب به فشربه لذلك نعم قد يقع السكر باللبن إذا جعل فيه ما يصير باختلاطه معه مسكرا فيحرم قلت أخرج سعيد ابن منصور بسند صحيح عن بن سيرين أنه سمع بن عمر يسأل عن الاشربة فقال إن أهل كذا يتخذون من كذا وكذا خمرا حتى عد خمسة أشربة لم أحفظ منها الا العسل والشعير واللبن قال فكنت أهاب أن أحدث باللبن حتى أنبئت أنه بأرمينية يصنع شراب من اللبن لا يلبث صاحبه أن يصرع واستدل بالآية المذكورة أول الباب على أن الماء إذا تغير ثم طال مكثه حتى زال التغير
بنفسه ورجع إلى ما كان عليه أنه يطهر بذلك وهذا في الكثير وبغير النجاسة من القليل متفق عليه وأما القليل المتغير بالنجاسة ففيما إذا زال تغيره بنفسه خلاف هل يطهر والمشهور عند المالكية يطهر وظاهر الاستدلال يقوي القول بالتطهير لكن في الاستدلال به لذلك نظر
[ 62 ]
وقريب منه في البعد اتسدلال من استدل به على طهارة المني وتقريره أن اللبن خالط الفرث والدم ثم استحال فخرج خالصا طاهرا وكذلك المني ينقصر من الدم فيكون على غير صفة الدم فلا يكون نجسا قوله وقول الله عزوجل يخرج من بين فرث ودم زاد غير أبي ذر لبنا خالصا وزاد غيره وغير النسفي بقية الآية ووقع يخرج في أوله في معظم النسخ والذي في القرآن نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم وأما لفظ يخرج فهو في الآية الاخرى من السورة يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه ووقع في بعض النسخ وعليه جرى الاسماعيلي وابن بطال وغيرهما بحذف يخرج من أوله وأول الباب عندهم وقول الله من بين فرث ودم فكأن زيادة لفظ يخرج ممن دون البخاري وهذه الآية صريحة في إحلال شرب لبن الانعام بجميع أنواعه لوقوع الامتنان به فيعم جميع ألبان الانعام في حال حياتها والفرث بفتح الفاء وسكون الراء بعدها مثلثة هو ما يجتمع في الكرش وقال القزاز هو ما ألقي من الكرش تقول فرثت الشئ إذا أخرجته من وعائه فشربته فأما بعد خروجه فإنما يقال له سرجين وزبل وأخرج القزاز عن بن عباس أن الدابة إذا أكلت العلف واستقر في كرشها طبخته فكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما والكبد مسلطة عليه فتقسم الدم وتجريه في العروق وتجري اللبن في الضرع ويبقى الفرث في الكرش وحده وقوله تعالى لبنا خالصا أي من حمرة الدم وقذارة الفرث وقوله سائغا أي لذيذا هنيئا لا يغص به شاربه وذكر المصنف في الباب سبعة أحاديث الاول حديث أبي هريرة قوله بقدح لبن وقدح خمر تقدم البحث فيه قريبا والحكمة في التخيير بين الخمر مع كونه حراما واللبن مع كونه حلالا إما لان الخمر حينئذ لم تكن حرمت أو لانها من الجنة وخمر الجنة ليست حراما وقوله في الحديث ليلة أسرى به حكى فيه تنوين ليلة والذي أعرفه في الرواية الاضافة الحديث الثاني
حديث أم الفضل في شرب اللبن بعرفة وقد تقدم شرحه في الصيام وقوله في آخره وكان سفيان ربما قال شك الناس في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت إليه أم الفضل فإذا وقف عليه قال هو عن أم الفضل يعني أن سفيان كان ربما أرسل الحديث فلم يقل في الاسناد عن أم الفضل فإذا سئل عنه هل هو موصول أو مرسل قال هو عن أم الفضل وهو في قرة قوله هو موصول وهذا معني قوله وقف عليه وهو بضم أوله وكسر القاف ووقع في رواية أبي ذر ووقف بزيادة واو ساكنة بعد الواو المضمومة والقائل وكان سفيان هو الراوي عنه وهو الحميدي وقد تقدم في الحج عن علي بن عبد الله عن سفيان بدون هذه الزيادة وأغرب الداودي فقال لا مخالفة بين الروايتين لانه يجوز أن تقول أم الفضل عن نفسها فأرسلت أم الفضل أي على سبيل التجريد كذا قال الحديث الثالث قوله عن أبي صالح وأبي سفيان كذا رواه أكثر أصحاب الاعمش عنه عن جابر ورواه أبو معاوية عن الاعمش عن أبي صالح وحده أخرجه مسلم وقد أخرجه الاسماعيلي من وجه آخر عن حفص بن غياث عن الاعمش عن أبي سفيان عن جابر وعن أبي صالح عن أبي هريرة وهو شاذ والمحفوظ عن جابر قوله من النقيع بالنون قيل هو الموضع الذي حمى لرعي النعم وقيل غيره وقد تقدم في كتاب الجمعة ذكر نقيع الخضمات فدل على التعدد وكان واديا يجتمع فيه الماء والماء الناقع هو المجتمع وقيل كانت تعمل فيه الآنية وقيل هو الباع حكاه الخطابي وعن الخليل الوادي الذي يكون فيه الشجر وقال بن التين رواه أبو الحسن
[ 63 ]
يعني القابسي بالموحدة وكذا نقله عياض عن أبي بحر بن العاص وهو تصحيف فإن البقيع مقبرة بالمدينة وقال القرطبي الاكثر على النون وهو من ناحية العقيق على عشرين فرسخا من المدينة قوله ألا بفتح الهمزة والتشديد بمعنى هلا وقوله خمرته بخاء معجمة وتشديد الميم أي غطيته ومنه خمار المرأة لانه يسترها قوله تعرض بفتح أوله وضم الراء قاله الاصمعي وهو رواية الجمهور وأجاز أبو عبيد كسر الراء وهو مأخوذ من العرض أي تجعل العود عليه بالعرض والمعنى أنه إن لم يغطه فلا أقل من أن يعرض عليه شيئا وأظن السر في الاكتفاء بعرض العود أن تعاطي التغطية
أو العرض يقترن بالتسمية فيكون العرض علامة على التسمية فتمتنع الشياطين من الدنو منه وسيأتي شئ من الكلام على هذا الحكم في باب في تغطية الاناء بعد أبواب تنبيه وقع لمسلم من طريق أبي معاوية عن الاعمش عن أبي صالح وحده عن جابر كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستسقى فقال رجل يا رسول الله الا نسقيك نبيذا قال بلى فخرج الرجل يسمى فجاء بقدح فيه نبيذ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا خمرته الحديث ولمسلم أيضا من طريق ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول أخبرني أبو حميد الساعدي قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن من النقيع ليس مخمرا الحديث والذي يظهر أن قصة اللبن كانت لابي حميد وأن جابرا أحضرها وأن قصة النبيذ حملها جابر عن أبي حميد وأبهم أبو حميد صاحبها ويحتمل أن يكون هو أبا حميد راويها أيهم نفسه ويحتمل أن يكون غيره وهو الذي يظهر لي والله أعلم الحديث الرابع حديث البراء قدم النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وأبو بكر معه كذا أورده مختصرا فقال البراء أن هذا القدر هو الذي رواه شعبة عن أبي إسحاق قال ورواه إسرائيل وغيره عن أبي إسحاق مطولا قلت وقد تقدم في الهجرة وأوله أن عازبا باع رحلا لابي بكر وسأله عن قصته مع النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة وقوله فحلبت وتقدم هناك فأمرت الراعي فحلب فتكون نسبة الحلب لنفسه هنا مجازية وقوله كثبة بضم أوله وسكون المثلثة بعدها موحدة قال الخليل كل قليل جمعته فهو كثبة وقال بن فارس هي القطعة من اللبن أو التمر وقال أبو زيد هي من اللبن ملء القدح وقيل قدر حلبة ناقة ومحمود شيخ البخاري فيه هو بن غيلان والنضر هو ابن شميل وأحسن الاجوبة في شرب النبي صلى الله عليه وسلم من اللبن مع كون الراعي أخبرهم أن الغنم لغيره أنه كان في عرفهم التسامح بذلك أو كان صاحبها أذن للراعي أن يسقي من يمر به إذا التمس ذلك منه وقيل فيه احتمالات أخرى تقدمت الحديث الخامس حديث أبي هريرة نعم الصدقة اللقحة بكسر اللام ويجوز فتحها وسكون القاف بعدها مهملة وهي التي قرب عهدها بالولادة والصفي بمهملة وفاء وزن فعيل هي الكثيرة اللبن وهي بمعنى مفعول أي مصطفاة مختارة وفي قوله تغدو وتروح إشار إلى أن المستعير لا يستأصل لبنها وقد تقدم بيان ذلك مستوفى في كتاب
العارية الحديث السادس حديث بن عباس في المضمضة من اللبن أي بسبب شرب اللبن تقدم شرحه في الطهارة وقد أخرجه أبو جعفر الطبري من طريق عقيل عن بن شهاب بصيغة الامر تمضمضوا من اللبن الحديث السابع حديث أنس في الاقداح قوله وقال إبراهيم بن طهمان الخ وصله أبو عوانة والاسماعيلي والطبراني في الصغير من طريقه ووقع لنا بعلو في غرائب شعبة
[ 64 ]
لابن منده قال الطبراني لم يروه عن شعبة إلا إبراهيم بن طهمان تفرد به حفص بن عبد الله النيسابوري عنه قوله رفعت إلي سدرة المنتهى كذا للاكثر بضم الراء وكسر الفاء وفتح المهملة وسكون المثناة على البناء للمجهول والسدرة مرفوعة وللمستملي دفعت بدال بدل الراء وسكون العين وضم المثناة بنسبه الفعل إلى المتكلم وإلى بالسكون حرف جر قوله وقال هشام يعني الدستوائي وهمام يعني بن يحيى وسعيد يعني بن أبي عروبة يعني أنهم اجتمعوا على رواية الحديث عن قتادة فزادوهم في الاسناد بعد أنس بن مالك مالك بن صعصعة ولم يذكره شعبة وقوله في الانهار نحوه يريد أنهم توافقوا من المتن على ذكر الانهار وزادوا هم قصة الاسراء بطولها وليست في رواية شعبة هذه ووقع في روايتهم هنا بعد قوله سدرة المنتهى فإذا نبقها كأنه قلال هجر وورقها كأنها آذان الفيلة في أصلها أربعة أنهار واقتصر شعبة على فإذا أربعة أنهار قوله ولم يذكروا ثلاثة أقداح في رواية الكشميهي ولم يذكر بالافراد وظاهر هذا النفي أنه لم يقع ذكر الاقداح في رواية الثلاثة وهو معترض بما تقدم في بدء الخلق عن هذبة عن همام بلفظ ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فيحتمل أن يكون المراد بالنفي نفي ذكر الاقداح بخصوصها ويحتمل أن تكون رواية الكشمهيني التي بالافراد هي المحفوظة والفاعل هشام الدستوائي فإنه تقدم في بدء الخلق طريق يزيد بن زريع عن سعيد وهشام جميعا عن قتادة بطوله وليس فيه ذكر الآنية أصلا لكن أخرجه مسلم من رواية عبد الاعلى عن هشام وفيه ثم أتيت بإناءين أحدهما خمر والآخر لبن فعرضا علي ثم أخرجه من طريق معاذ بن هشام عن أبيه نحوه ولم يسق لفظه وقد ساقه النسائي من رواية يحيى القطان عن هشام وليس فيه ذكر الآنية
أصلا فوضح من هذا أن رواية همام فيها ذكر ثلاثة وإن كان لم يصرح بذكر العدد ولا وصف الظرف ورواية سعيد فيها ذكر إناءين فقط ورواية هشام ليس فيها ذكر شئ من ذلك أصلا وقد رجح الاسماعيلي رواية إناءين فقال عقب حديث شعبة هنا هذا حديث شعبة وحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة المذكور أول الباب أصح إسنادا من هذا وأولى من هذا كذا قال مع أنه أخرج حديث همام عن جماعة عن هدبة عنه كما أخرجه البخاري سواء والزيادة من الحافظ مقبولة وقد توبع وذكر إناءين لا ينفي الثالث مع أنني قدمت في الكلام على حديث الاسراء أن عرض الآنية على النبي صلى الله عليه وسلم وقع مرتين قبل المعراج وهو في بيت المقدس وبعده وهو عند سدرة المنتهى وبهذا يرتفع الاشكال جملة قال بن المنير لم يذكر السر في عدوله عن العسل إلى اللبن كما ذكر السر في عدوله عن الخمر ولعل السر في ذلك كون اللبن أنفع وبه يشتد العظم وينبت اللحم وهو بمجرده قوت ولا يدخل في السرف بوجهه وهو أقرب إلى الزهد ولا منافاة وبين الورع بوجه والعسل وإن كان حلالا لكنه من المستلذات التي قد يخشى على صاحبها أن يندرج في قوله تعالى اذهبتم طيباتكم قلت ويحتمل أن يكون السر فيه ما وقع في بعض طرق الاسراء أنه صلى الله عليه وسلم عطش كما تقدم في بعض طرقه مبينا هناك فأتى بالاقداح فأثر اللبن دون غيره لما فيه من حصول حاجته دون الخمر والعسل فهذا هو السبب الاصلي في إيثار اللبن وصادف مع ذلك رجحانه عليهما من عدة جهات وقد تقدم شئ من هذا في شرح حديث الاسراء قال بن المنير ولا يعكر على ما ذكرته ما سيأتي قريبا أنه كان يحب الحلوى
[ 65 ]
والعسل لانه إنما كان يحبه مقتصدا في تناوله لا في جعله ديدنا ولا تنطعا ويؤخذ من قول جبريل في الخمر غوت أمتك أن الخمر ينشأ عنها الغي ولا يختص ذلك بقدر معين ويؤخذ من عرض الآنية عليه صلى الله عليه وسلم إرادة إظهار التيسير عليه وإشارة إلى تفويض الامور إليه قوله باب استعذاب الماء بالذال المعجمة أي طلب الماء العذب والمراد به الحلو ذكر فيه حديث أنس في صدقة أبي طلحة لقوله فيه ويشرب من ماء فيها طيب وقد ورد
في خصوص هذا اللفظ وهو استعذاب الماء حديث عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعذب له الماء من بيوت السقيا والسقيا بضم المهملة وبالقاف بعدها تحتانية قال قتيبة هي عين بينها وبين المدينة يومان هكذا أخرجه أبو داود عنه بعد سياق الحديث بسند جيد وصححه الحاكم وفي قصة أبي الهيثم بن التيهان أن امرأته قالت للنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءهم يسأل عن أبي الهيثم ذهب يستعذب لنا من الماء وهو عند مسلم كما سأبينه بعد وذكر الواقدي من حديث سلمى امرأة أبي رافع كان أبو أيوب حين نزل عنده النبي صلى الله عليه وسلم يستعذب له الماء من بئر مالك بن النضر والد أنس ثم كان أنس وهند وحارثة أبناء أسماء يحملون الماء إلى بيوت نسائه من بيوت السقيا وكان رباح الاسود عبده يستقي له من بئر عرس مرة ومن بيوت السقيا مرة قال بن بطال استعذاب الماء لا ينافي الزهد ولا يدخل في الترفه المذموم بخلاف تطيب الماء بالمسك ونحوه فقد كرهه مالك لما فيه من السرف وأما شرب الماء الحلو وطلبه فمباح فقد فعله الصالحون وليس في شرب الماء الملح فضيلة قال وفيه دلالة على أن استطابة الاطعمة جائزة وأن ذلك من فعل أهل الخير وقد ثبت أن قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم نزل في الذين أرادوا الامتناع من لذائذ المطاعم قال ولو كانت مما لا يريد الله تناوله ما امتن بها على عباده بل نهيه عن تحريمها يدل على أنه أراد منهم تناولها ليقابلوا نعمته بها عليهم بالشكر لها وأن كانت نعمه لا يكافئها شكرهم وقال بن المنير أما أن استعذاب الماء لا ينافي الزهد والورع فواضح وأما الاستدلال بذلك على لذيذ الاطعمة فبعيد وقال بن التين هذا الحديث أصل في جواز شرب الماء من البستان بغير ثمن قلت المأذون له في الدخول فيه لا شك فيه وأما غيره فلما اقتضاه العرف من المسامحة بذلك وثبوت ذلك بالفعل المذكور فيه نظر وقوله ذلك مال رايح أو رابح الاول بتحتانية والثاني بموحدة والحاء مهملة فيهما فالاول معناه أن أجره يروح إلى صاحبه أي يصل إليه ولا ينقطع عنه الثاني معناه كثير الربح وأطلق عليه صفة صاحبه المتصدق به وقوله شك عبد الله بن مسلمة هو القعنبي وقوله قال إسمعيل هو بن أبي أويس ويحيى هو بن يحيى ورايح في روايتهما بالتحتانية وقد تقدمت
رواية إسماعيل مصرحا فيها بالتحديث في تفسير آل عمران ورواية يحيى بن يحيى كذلك في الوكالة وتقدم شرح الحديث مستوفى في كتاب الوكالة قوله باب شرب اللبن بالماء أي ممزوجا وإنما قيده بالشرب للاحتراز عن الخلط عند البيع فإنه غش ووقع في رواية الكشميهني بالواو بدل الراء والشوب الخلط قال بن المنير مقصوده أن ذلك لا يدخل في النهي عن الخليطين وهو يؤيد ما تقدم من فائدة تقييده الخليطين بالمسكر أي إنما ينهى عن الخليطين إذا كان كل واحد منهما من جنس ما يسكر وإنما كانوا يمزجون اللبن بالماء لان اللبن عند الحلب يكون حارا وتلك
[ 66 ]
البلاد في الغالب حارة فكانوا يكسرون حر اللبن بالماء البارد ذكر فيه حديثين الاول قوله حدثنا عبدان هو عبد الله بن عثمان وعبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد قوله أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب لبنا وأتى داره أي دار أنس وهي جملة حالية أي رآه حين أتى داره وقد تقدم في الهبة من طريق أبي طوالة عن أنس بلفظ أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في دارنا هذه فاستسقى فحلبنا شاة لنا قوله فحلبت عين في هذه الرواية أنه هو الذي باشر الحلب وقوله فشبت كذا للاكثر من الشوب بلفظ المتكلم ووقع في رواية الاصيلي بكسر المعجمة بعدها تحتانية على البناء للمجهول قوله وأبو بكر عن يساره زاد في رواية أبي طوالة وعمر تجاهه وقد تقدم ضبطها في الهبة وتقدم في الشرب من طريق شعيب عن الزهري في هذا الحديث فقال عمر وخاف أن يعطيه الاعرابي أعط أبا بكر وفي رواية أبي طوالة فقال عمر هذا أبو بكر قال الخطابي وغيره كانت العادة جارية لملوك الجاهلية ورؤسائهم بتقديم الايمن في الشرب حتى قال عمرو بن كلثوم في قصيدة له وكان الكأس بحراها اليمين فخشي عمر لذلك أن يقدم الاعرابي على أبي بكر في الشرب فنبه عليه لانه احتمل عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم يؤثر تقديم أبي بكر على تلك العادة فتصير السنة تقديم الافضل في الشرب على الايمن فبين النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وقوله أن تلك العادة لم تغيرها السنة وأنها مستمرة وأن الايمن يقدم على الافضل في ذلك ولا يلزم من ذلك حط رتبة الافضل وكان ذلك لفضل اليمن على اليسار قوله فأعطى الاعرابي فضله أي
اللبن الذي فضل منه بعد شربه وقد تقدم في الهبة ذكر من زعم أن اسم هذا الاعرابي خالد بن الوليد وأنه وهم ووقع عند الطبراني من حديث عبد الله بن أبي حبيبة قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد قباء فجئت فجلست عن يمينه وجلس أبو بكر عن يساره ثم دعا بشراب فشرب وناولني عن يمينه وأخرجه أحمد لكن لم يسم الصحابي ولا يمكن تفسير المبهم في حديث أنس به أيضا لان هذه القصة كانت بقباء وتلك في دار أنس أيضا فهو أنصاري ولا يقال له أعرابي كما استبعد ذلك في حق خالد بن الوليد قوله ثم قال الايمن فالايمن في رواية الكشميهني وقال بالواو بدل ثم وفي رواية أبي طوالة الايمنون فالايمنون وفيه حذف تقديره الايمنون مقدمون أو أحق أو يقدم الايمنون وأما رواية الباب فيجوز الرفع على ما سبق والنصب على تقدير قدموا أو أعطوا ووقع في الهبة بلفظ ألا فيمنوا والكلام عليها واستنبط بعضهم من تكرار الايمن أن السنة إعطاء من على اليمين ثم الذي يليه وهلم جرا ويلزم منه أن يكون عمر في الصورة التي وردت في هذا الحديث شرب بعد الاعرابي ثم شرب أبو بكر بعده لكن الظاهر عن عمر إيثاره أبا بكر بتقديمه عليه والله أعلم وفي الحديث من الفوائد غير ما ذكر أن من سبق إلى مجلس علم أو مجلس رئيس لا ينحى منه لمجئ من هو أولى منه بالجلوس في الموضع المذكور بل يجلس الآتي حيث انتهى به المجلس لكن إن آثره السابق جاز وأن من استحق شيئا لم يدفع عنه إلا بإذنه كبيرا كان أو صغيرا إذا كان ممن يجوز إذنه وفيه أن الجلساء شركاء فيما يقرب إليهم على سبيل الفضل لا اللزوم للاجماع على أن المطالبة بذلك لا تجب قاله بن عبد البر ومحله ما إذا لم يكن فيهم الامام أو من يقوم مقامه فإن كان فالتصرف في ذلك له وفيه دخول الكبير بيت خادمه وصاحبه ولو كان صغير السن وتناوله مما عندهم من طعام وشراب من غير بحث وسيأتي بقية فوائده بعد ثلاثة أبواب إن شاء الله
[ 67 ]
تعالى الحديث الثاني قوله حدثنا عبد الله بن محمد هو الجعفي وأبو عامر هو العقدي وسعيد ابن الحارث هو الانصاري قوله دخل على رجل من الانصار كنت ذكرت في المقدمة أنه أبو الهيثم بن التيهان الانصاري ثم وقفت عن ذلك لما أخرجه أحمد عن إسحاق بن عيسى عن فليح في
أول حديثي الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى قوما من الانصار يعود مريضا لهم وقصة أبي الهيثم في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة واستوعب بن مردوية في تفسير التكاثر طرقه فزاد عن ابن عباس وأبي عسيب وأبي سعيد ولم يذكر في شئ من طرقه عبادة فالذي يظهر أنها قصة أخرى ثم وقفت على المستند في ذلك وهو ما ذكره الواقدي من حديث الهيثم بن نصر الاسلمي قال خدمت النبي صلى الله عليه وسلم ولزمت بابه فكنت آتيه بالماء من بئر جاشم وهي بئر أبي الهيثم ابن التيهان وكان ماؤها طيبا ولقد دخل يوما صائغا ومعه أبو بكر على أبي الهيثم فقال هل من ماء بارد فأتاه بشجب فيه ماء كأنه الثلج فصبه على لبن عنز له وسقاه ثم قال له إن لنا عريشا باردا فقل فيه يا رسول الله عندنا فدخله وأبو بكر وأتى أبو الهيثم بألوان من الرطب الحديث والشجب بفتح المعجمة وسكون الجيم ثم موحدة يتخذ من شنة تقطع ويخرز رأسها قوله ومعه صاحبه هو أبو بكر الصديق كما ترى قوله فقال له زاد في رواية الاسماعيلي من قبل هذا وإلى جانبه ماء في ركي وهو بفتح الراء وكسر الكاف وبعدها شدة البئر المطلوبة وزاد في رواية ستأتي بعد خمسة أبواب فسلم النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه فرد الرجل أي عليهما السلام قوله إن كان عندك ماء بات هذه الليلة في شنة بفتح المعجمة وتشديد النون وهي القربة الخلقة وقال الداودي هي التي زال شعرها من البلى قال المهلب الحكمة في طلب الماء البائت أنه يكون أبرد وأصفى وأما مزج اللبن بالماء فلعل ذلك كان في يوم حار كما وقع في قصة أبي بكر مع الراعي قلت لكن القصتان مختلفتان فصنيع أبي بكر ذلك باللبن لشدة الحر وصنيع الانصاري لانه أراد أن لا يسقى النبي صلى الله عليه وسلم ماء صرفا فأراد أن يضيف إليه اللبن فأحضر له ما طلب منه وزاد عليه من جنس جرت عادته بالرغبة فيه ويؤيد هذا ما في رواية الهيثم بن نصر قبل أن الماء كان مثل الثلج قوله وإلا كرعنا فيه حذف تقديره فاسقنا وإن لم يكن عندك كرعنا ووقع في رواية ابن ماجة التصريح بطلب السقي والكرع بالراء تناول الماء بالفم من غير إناء ولا كف وقال بن التين حكى أبو عبد الملك أنه الشرب باليدين معا قال وأهل اللغة على خلافة قلت ويرده ما أخرجه ابن ماجة عن بن عمر قال مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا بها الحديث ولكن في سنده ضعف فإن كان محفوظا فالنهي فيه للتنزيه والفعل لبيان الجواز أو قصة جابر قبل النهي أو النهي في غير حال الضرورة وهذا الفعل كان لضرورة شرب الماء الذي ليس ببارد فيشرب بالكرع لضرورة العطش لئلا تكرهه نفسه إذا تكررت الجرع فقد لا يبلغ الغرض من الري أشار إلى هذا الاخير ابن بطال وإنما قبل للشرب بالفم كرع لانه فعل البهائم لشربها بأفواهها والغالب أنها تدخل أكارعها حينئذ في الماء ووقع عند بن ماجة من وجه آخر عن بن عمر فقال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب على بطوننا وهو الكرع وسنده أيضا ضعيف فهذا إن ثبت احتمل أن يكون النهي خاصا بهذه الصورة وهي أن يكون الشارب منبطحا على بطنه ويحمل حديث جابر على
[ 68 ]
الشرب بالفم من مكان عال لا يحتاج إلى الانبطاح ووقع في رواية أحمد وإلا ترجعنا بمثناة وجيم وتشديد الراء أي شربنا جرعة جرعة وهذا قد يعكر على الاحتمال المذكور والله أعلم قوله والرجل يحول الماء في حائطه أي ينقل الماء من مكان إلى مكان آخر من البستان ليعم أشجاره بالسقي وسيأتي بعد خمسة أبواب من وجه آخر بلفظ وهو يحول في حائط له يعني الماء وفي لفظ له يحول الماء في الحائط فيحتمل أن يكون وقع منه تحويل الماء من البئر مثلا إلى أعلاها ثم حوله من مكان إلى مكان قوله إلى العريش هو خيمة من خشب وثمام بضم المثلثة مخففا وهو نبات ضعيف له خواص وقد يجعل من الجريد كالقبة أو من العيدان ويظلل عليها قوله فسكب في قدح في رواية أحمد فسكب ماء في قدح قوله ثم حلب عليه من داجن له في رواية أحمد وابن ماجة فحلب له شاة ثم صب عليه ماء بات في شن والداجن بجيم ونون الشاة التي تألف البيوت قوله ثم شرب الرجل في رواية أحمد وشرب النبي صلى الله عليه وسلم وسقى صاحبه وظاهره أن الرجل شرب فضلة النبي صلى الله عليه وسلم لكن في رواية لاحمد أيضا وابن ماجة ثم سقاه ثم صنع لصاحبه مثل ذلك أي حلب له أيضا وسكب عليه الماء البائت هذا هو الظاهر ويحتمل أن تكون المثلية في مطلق الشرب قال المهلب في الحديث أنه لا بأس بشرب الماء البارد في اليوم الحار
وهو من جملة النعم التي أمتن الله بها على عباده وقد أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة رفعه أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة ألم أصح جسمك وأرويك من الماء البارد قوله باب شراب الحلواء والعسل في رواية المستملي الحلواء بالمد ولغيره بالقصر وهما لغتان قال الخطابي هي ما يعقد من العسل ونحوه وقال بن التين عن الداودي هي النقيع الحلو وعليه يدل تبويب البخاري شراب الحلواء كذا قال وإنما هو نوع منها والذي قاله الخطابي هو مقتضى العرف وقال بن بطال الحلوى كل شئ حلو وهو كما قال لكن استقر العرف على تسمية ما لا يشرب من أنواع الحلو حلوى ولانواع ما يشرب مشروب ونقيع أو نحو ذلك ولا يلزم مما قال اختصاص الحلوى بالمشروب قوله وقال الزهري لا يحل شرب بول الناس لشدة تنزل لانه رجس قال الله تعالى أحل لكم الطيبات وصله عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ووجهه بن التين أن النبي صلى الله عليه وسلم سمي البول رجسا وقال الله تعالى ويحرم عليهم الخبائث ولا رجس من جملة الخبائث ويرد على استدلال الزهري جواز أكل الميتة عند الشدة وهي رجس أيضا ولهذا قال ابن بطال الفقهاء على خلاف قول الزهري وأشد حال البول أن يكون في النجاسة والتحريم مثل الميتة والدم ولحم الخنزير ولم يختلفوا في جواز تناولها عند الضرورة وأجاب بعض العلماء عن الزهري باحتمال أنه كان يرى أن القياس لا يدخل الرخص والرخصة في الميتة لا في البول قلت وليس هذا بعيدا من مذهب الزهري فقد أخرج البيهقي في الشعب من رواية ابن أخي الزهري قال كان الزهري يصوم يوم عاشوراء في السفر فقيل له أنت تفطر في رمضان إذا كنت مسافرا فقال إن الله تعالى قال في رمضان فعدة من أيام أخر وليس ذلك لعاشوراء قال ابن التين وقد يقال إن الميتة لسد الرمق والبول لا يدفع العطش فإن صح هذا صح ما قال الزهري إذ لا فائدة فيه قلت وسيأتي نظيره في الاثر الذي بعده قوله وقال بن مسعود في السكر إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم قال بن التين اختلف في السكر بفتحتين فقيل هو الخمر وقيل ما يجوز
[ 69 ]
شربه كنقيع التمر قبل أن يشتد وكالخل وقيل هو نبيذ التمر إذا أشتد قلت وتقدم في تفسير النحل
عن أكثر أهل العلم أن السكر في قوله تعالى تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا وهو ما حرم منها والرزق الحسن ما أحل وأخرج الطبري من طريق أبي رزين أحد كبار التابعين قال نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر ومن طريق النخعي نحوه ومن طريق الحسن البصري بمعناه ثم أخرج من طريق الشعبي قال السكر نقيع الزبيب يعني قبل أن يشتد والخل واختار الطبري هذا القول وانتصر له لانه لا يستلزم منه دعوى نسخ ويستمر الامتنان بما تضمنته الآية على ظاهره بخلاف القول الاول فإنه يستلزم النسخ والاصل عدمه قلت وهذا في الآية محتمل لكنه في هذا الاثر محمول على المسكر وقد أخرج النسائي بأسانيد صحيحة عن النخعي والشعبي وسعيد بن جبير أنهم قالوا السكر خمر ويمكن الجمع بأن السكر بلغة العجم الخمر وبلغة العرب النقيع قبل أن يشتد ويؤيده ما أخرجه الطبراني من طريق قتادة قال السكر خمور الاعاجم وعلى هذا ينطبق قول ابن مسعود إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ونقل بن التين عن الشيخ أبي الحسن يعني ابن القصار إن كان أراد مسكر الاشربة فلعله سقط من الكلام ذكر السؤال وإن كان أراد السكر بالضم وسكون الكاف قال فأحسبه هذا أراد لانني أظن أن عند بعض المفسرين سئل ابن مسعود عن التداوي بشئ من المحرمات فأجاب بذلك الله أعلم بمراد البخاري قلت قد رويت الاثر المذكور في فوائد علي بن حرب الطائي عن سفيان بن عيينة عن منصور عن أبي وائل قال اشتكى رجل منا يقال له خثيم بن العداء داء ببطنه يقال له الصفر فنعت له السكر فأرسل إلى ابن مسعود يسأله فذكره وأخرجه بن أبي شيبة عن جرير عن منصور وسنده صحيح على شرط الشيخين وأخرجه أحمد في كتاب الاشربة والطبراني في الكبير من طريق أبي وائل نحوه وروينا في نسخة داود بن نصير الطائي بسند صحيح عن مسروق قال قال عبد الله هو ابن مسعود لا تسقوا أولادكم الخمر فإنهم ولدوا على الفطرة وإن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر عن بن مسعود كذلك وهذا يؤيد ما قلناه أولا في تفسير السكر وأخرج إبراهيم الحربي في غريب الحديث من هذا الوجه قال أتينا عبد الله في مجدرين أو محصبين نعت لهم السكر فذكر مثله ولجواب بن مسعود شاهد آخر أخرجه أبو يعلى وصححه ابن حبان من
حديث أم سلمة قالت اشتكت بنت لي فنبذت لها في كوز فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغلي فقال ما هذا فأخبرته فقال أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ثم حكى بن التين عن الداودي قال قول بن مسعود حق لان الله حرم الخمر لم يذكر فيها ضرورة وأباح الميتة وأخواتها في الضرورة قال ففهم الداودي أن بن مسعود تكلم على استعمال الخمر عند الضرورة وليس كذلك وإنما تكلم على التداوي بها فمنعه لان الانسان يجد مندوحه عن التداوي بها ولا يقطع بنفعه بخلاف الميتة في سد الرمق وكذا قال النووي في الفرق بين جواز إساغة اللقمة لمن شرق بها بالجرعة من الخمر فيجوز وبين التداوي بها فلا يجوز لان الاساغة تتحقق بها بخلاف الشفاء فإنه لا يتحقق ونقل الطحاوي عن الشافعي أنه قال لا يجوز سد الرمق من الجوع ولا من العطش بالخمر لانها لا تزيده إلا جوعا وعطشا ولانها تذهب بالعقل وتعقبه بأنه إن كانت لا تسد من الجوع ولا تروي من العطش لم يرد السؤال أصلا وأما اذهابها العقل فليس البحث فيه بل هو فيما يسد به
[ 70 ]
الرمق وقد لا يبلغ إلى حد إذهاب العقل قلت والذي يظهر أن الشافعي أراد أن يردد الامر بأن التناول منها إن كان يسيرا فهو لا يغني من الجوع ولا يروي من العطش وإن كان كثيرا فهو يذهب العقل ولا يمكن القول بجواز التداوي بما يذهب العقل لانه يستلزم أن يتداوى من شئ فيقع في أشد منه وقد اختلف في جواز شرب الخمر للتداوي وللعطش قال مالك لا يشربها لانها لا تزيده إلا عطشا وهذا هو الاصح عند الشافعية لكن التعليل يقتضي قصر المنع على المتخذ من شئ يكون بطبعه حارا كالعنب والزبيب أما المتخذ من شئ بارد كالشعير فلا وأما التداوي فإن بعضهم قال إن المنافع التي كانت فيها قبل التحريم سلبت بعد التحريم بدليل الحديث المتقدم ذكره وأيضا فتحريمها مجزوم به وكونها دواء مشكوك بل يترجح أنها ليست بدواء بإطلاق الحديث ثم الخلاف إنما هو فيما لا يسكر منها أما ما يسكر منها فإنه لا يجوز تعاطيه في التداوي إلا في صورة واحدة وهو من اضطر إلى إزالة عقله لقطع عضو من الاكلة والعياذ بالله فقد أطلق الرافعي تخريجه على الخلاف في التداوي وصحح النووي هنا الجواز وينبغي أن يكون محله
فيما إذا تعين ذاك طريقا إلى سلامة بقية الاعضاء ولم يجد مرقدا غيرها وقد صرح من أجاز التداوي بالثاني وأجازه الحنفية مطلقا لان الضرورة تبيح الميتة وهي لا يمكن أن تنقلب إلى حالة تحل فيها فالخمر التي من شأنها أن تنقلب خلا فتصير حلالا أولى وعن بعض المالكية إن دعته إليها ضرورة يغلب على ظنه أنه يتخلص بشربها جاز كما لو غص بلقمة والاصح عند الشافعية في الغص الجواز وهذا ليس من التداوي المحض وسيأتي في أواخر الطب ما يدل على النهي عن التداوي بالخمر وهو يؤيد المذهب الصحيح ثم ساق البخاري حديث عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الحلواء والعسل قال بن المنير ترجم على شئ وأعقبه بضده وبضدها تتبين الاشياء ثم عاد إلى ما يطابق الترجمة نصا ويحتمل أن يكون مراده بقول الزهري الاشارة بقوله تعالى أحل لكم الطيبات إلى أن الحلواء والعسل من الطيبات فهو حلال وبقول بن مسعود الاشارة إلى قوله تعالى فيه شفاء للناس فدل الامتنان به على حله فلم يجعل الله الشفاء فيما حرم قال ابن المنير ونبه بقوله شراب الحلواء على أنها ليست الحلوى المعهودة التي يتعاطاها المترفون اليوم وإنما هي حلو يشرب إما عسل بماء أو غير ذلك مما يشاكله انتهى ويحتمل أن تكون الحلوى كانت تطلق لما هو أعم مما يعقد أو يؤكل أو يشرب كما أن العسل قد يؤكل إذا كان جامدا وقد يشرب إذا كان مائعا وقد يخلط فيه الماء ويذاب ثم يشرب وقد تقدم في كتاب الطلاق من طريق علي بن مسهر عن هشام بن عروة في حديث الباب زيادة وأن امرأة من قوم حفصة أهدت لها عكة عسل فشرب النبي صلى الله عليه وسلم منه شربة الحديث في ذكر المغافير فقوله سقته شربة من عسل محتمل لان يكون صرفا حيث يكون مائعا ومحتمل أن يكون ممزوجا وقال النووي المراد بالحلوى في هذا الحديث كل شئ حلو وذكر العسل بعدها للتنبيه على شرفه ومزيته وهو من الخاص بعد العام وفيه جواز أكل لذيذ الاطعمة والطيبات من الرزق وأن ذلك لا ينافي الزهد والمراقبة لا سيما إن حصل اتفاقا وروى البيهقي في الشعب عن أبي سليمان الدارائي قال قول عائشة كان يعجبه الحلوى ليس على معنى كثرة التشهي لها وشدة نزاع النفس إليها وتأنق الصنعة في اتخاذها كفعل أهل الترفه والشره وإنما كان إذا قدمت إليه ينال منها نيلا جيدا فيعلم بذلك
[ 71 ]
أنه يعجبه طعمها وفيه دليل على اتخاذ الحلاوات والاطعمة من أخلاط شتى قوله باب الشرب قائما قال بن بطال أشار بهذه الترجمة إلى أنه لم يصح عنده الاحاديث الواردة في كراهة الشرب قائما كذا قال وليس بجيد بل الذي يشبه صنيعه أنه إذا تعارضت عنده الاحاديث لا يثبت الحكم وذكر في الباب حديثين الاول قوله عن النزال بفتح النون وتشديد الزاي وآخره لام في الرواية الثانية سمعت النزال بن سبرة وهو بفتح المهملة وسكون الموحدة تقدمت له رواية عن بن مسعود في فضائل القرآن وغيره وليس له في البخاري سوى هذين الحديثين وقد روى مسعر هذا الحديث عن عبد الملك بن ميسرة مختصرا ورواه عنه شعبة مطولا وساقه المصنف في هذا الباب ووافق الاعمش شعبة على سياقه مطولا ومسعر وشيخه وشيخ شيخه هلاليون كوفيون وأبو نعيم أيضا كوفي وعلي نزل الكوفة ومات بها فالاسناد الاول كله كوفيون قوله أتى على وقوله في الرواية التي تليها عن علي وقع عند النسائي رأيت عليا أخرجه من طريق بهز بن أسد عن شعبة صلى الله عليه وسلم قوله على باب الرحبة زاد في رواية شعبة أنه صلى الظهر ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة والرحبة بفتح الراء المهملة والموحدة المكان المتسع والرحب بسكون المهملة المتسع أيضا قال الجوهري ومنه أرض رحبة بالسكون أي متسعة ورحبة المسجد بالتحريك وهي ساحته قال بن التين فعلى هذا يقرأ الحديث بالسكون ويحتمل أنها صارت رحبة للكوفة بمنزلة رحبة المسحد فيقرأ بالتحريك وهذا هو الصحيح قال وقوله حوائج هو جمع حاجة على غير القياس وذكر الاصمعي أنه مولد والجمع حاجات وحاج وقال بن ولاد الحوجاء الحاجة وجمعها حواجي بالتشديد ويجوز التخفيف قال فلعل حوائج مقلوبة من حواجي مثل سوائع من سواعي وقال أبو عبيد الهروي قيل الاصل حائجة فيصح الجمع على حوائج قوله ثم أتى بماء في رواية عمرو بن مرزوق عن شعبة عند الاسماعيلي فدعا بوضوء وللترمذي من طريق الاعمش عن عبد الملك بن ميسرة ثم أتى علي بكوز من ماء ومثله من رواية بهز بن أسد عن شعبة عند النسائي وكذا لابي داود الطيالسي في مسنده عن شعبة قوله فشرب وغسل وجهه ويديه
وذكر رأسه ورجليه كذا هنا وفي رواية بهز فأخذ منه كفا فمسح وجهه وذراعيه ورأسه ورجليه وكذلك عند الطيالسي فغسل وجهه ويديه ومسح على رأسه ورجليه ومثله في رواية عمرو بن مرزق عند الاسماعيلي ويؤخذ منه أنه في الاصل ومسح على رأسه ورجليه وأن آدم توقف في سياقه فعبر بقوله وذكر رأسه ورجليه ووقع في رواية الاعمش فغسل يديه ومضمض واستنشق ومسح بوجهه وذارعيه ورأسه وفي رواية علي بن الجعد عن شعبة عند الاسماعيلي فمسح بوجهه ورأسه ورجليه ومن رواية أبي الوليد عن شعبة ذكر الغسل والتثليث في الجميع وهي شاذة مخالفة لرواية أكثر أصحاب شعبة والظاهر أن الوهم فيها من الراوي عنه أحمد ابن إبراهيم الواسطي شيخ الاسماعيلي فيها فقد ضعفه الدارقطني والصفة التي ذكرها هي صفة إسباغ الوضوء الكامل وقد ثبت في آخر الحديث قول علي هذا وضوء من لم يحدث كما سيأتي بيانه قوله ثم قام فشرب فضله هذا هو المحفوظ في الروايات كلها والذي وقع هنا من ذكر الشرب مرة قبل الوضوء ومرة بعد الفراغ منه لم أره في غير رواية آدم والمراد بقوله فضله بقية الماء الذي توضأ منه قوله ثم قال إن ناسا يكرهون الشرب قائما كذا للاكثر وكأن المعنى
[ 72 ]
أن ناسا يكرهون أن يشرب كل منهم قائما ووقع في رواية الكشميهني قياما وهي واضحة وللطيالسي أن يشربوا قياما قوله صنع كما صنعت أي من الشرب قائما وصرح به الاسماعيلي في روايته فقال شرب فضلة وضوئه قائما كما شربت ولاحمد ورأيته من طريقين آخرين عن علي أنه شرب قائما فرأى الناس كأنهم أنكروه فقال ما تنظرون أن أشرب قائما فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائما وإن شربت قاعدا فقد رأيته يشرب قاعدا ووقع في رواية النسائي والاسماعيلي زيادة في آخر الحديث من طرق عن شعبة وهذا وضوء من لم يحدث وهي على شرط الصحيح وكذا ثبت في رواية الاعمش عند الترمذي واستدل بهذا الحديث على جواز الشرب للقائم وقد عارض ذلك أحاديث صريحة في النهي عنه منها عند مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائما ومثله عنده عن أبي سعيد بلفظ
نهى ومثله الترمذي وحسنه من حديث الجارود ولمسلم من طريق أبي غطفان عن أبي هريرة بلفظ لا يشربن أحدكم قائما فمن نسي فليستقئ وأخرجه أحمد من وجه آخر وصححه بن حبان من طريق أبي صالح عنه بلفظ لو يعلم الذي يشرب وهو قائم لاستقاء ولاحمد من وجه آخر عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يشرب قائما فقال قه قال لم قال أيسرك أن يشرب معك الهر قال لا قال قد شرب معك من هو شر منه الشيطان وهو من رواية شعبة عن أبي زياد عن شعبة عن أبي زياد الطحان مولى الحسن بن علي عنه وأبو زياد لا يعرف اسمه وقد وثقه يحيى بن معين وأخرج مسلم من طريق قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يشرب الرجل قائما قال قتادة فقلنا لانس فالاكل قال ذاك أشر وأخبث قيل وإنما جعل الاكل أشر لطول زمنه بالنسبة لزمن الشرب فهذا ما ورد في المنع من ذلك قال المازري اختلف الناس في هذا فذهب الجمهور إلى الجواز وكرهه قوم فقال بعض شيوخنا لعل النهي ينصرف لمن أتى أصحابه بماء فبادر لشربه قائما قبلهم استبدادا به وخروجا عن كون ساقي القوم آخرهم شربا قال وأيضا فإن الامر في حديث أبي هريرة بالاستقاء لا خلاف بين أهل العلم في أنه ليس على أحد أن يستقئ قال وقال بعض الشيوخ الاظهر أنه موقوف على أبي هريرة قال وتضمن حديث أنس الاكل أيضا ولا خلاف في جواز الاكل قائما قال والذي يظهر لي أن أحاديث شربه قائما تدل على الجواز وأحاديث النهي تحمل على الاستحباب والحث على ما هو أولى وأكمل أو لان في الشرب قائما ضررا ما فكره من أجله وفعله هو لامنه قال وعلى هذا الثاني يحمل قوله فمن نسي فليستقئ على أن ذلك يحرك خلطا يكون القئ دواءه ويؤيده قول النخعي إنما نهى عن ذلك لداء البطن انتهى ملخصا وقال عياض لم يخرج مالك ولا البخاري أحاديث النهي وأخرجها مسلم من رواية قتادة عن أنس ومن روايته عن أبي عيسى عن أبي سعيد وهو معنعن وكان شعبة يتقي من حديث قتادة ما لا يصرح فيه بالتحديث وأبو عيسى غير مشهور واضطراب قتادة فيه مما يعله مع مخالفة الاحاديث الاخرى والائمة له وأما حديث أبي هريرة ففي سنده عمر بن حمزة ولا يحتمل منه مثل هذا لمخالفة غيره له والصحيح أنه موقوف انتهى ملخصا ووقع للنووي ما ملخصه هذه
الاحاديث أشكل معناها على بعض العلماء حتى قال فيها أقوالا باطلة وزاد حتى تجاسر ورام أن يضعف بعضها ولا وجه لاشاعة الغلطات بل يذكر الصواب ويشار إلى التحذير عن الغلط
[ 73 ]
وليس في الاحاديث إشكال ولا فيها ضعيف بل الصواب أن النهي فيها محمول على التنزيه وشربه قائما لبيان الجواز وأما من زعم نسخا أو غيره فقد غلط فإن النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع لو ثبت التاريخ وفعله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز لا يكون في حقه مكروها أصلا فإنه كان يفعل الشئ للبيان مرة أو مرات ويواظب على الافضل والامر بالاستقاءة محمول على الاستحباب فيستحب لمن شرب قائما أن يستقي لهذا الحديث الصحيح الصريح فإن الامر إذا تعذر حمله على الوجوب حمل على الاستحباب وأما قول عياض لا خلاف بين أهل العلم في أن من شرب قائما ليس عليه أن يتقيأ وأشار به إلى تضعيف الحديث فلا يلتفت إلى إشارته وكون أهل العلم لم يوجبوا الاستقاءة لا يمنع من استحبابه فمن ادعى منع الاستحباب بالاجماع فهو مجازف وكيف تترك السنة الصحيحة بالتوهمات والدعاوي والترهات اه وليس في كلام عياض التعرض للاستحباب أصلا بل ونقل الاتفاق المذكور إنما هو كلام المازري كما مضى وأما تضعيف عياض للاحاديث فلم يتشاغل النووي بالجواب عنه وطريق الانصاف أن لا تدفع حجة العالم بالصدر فأما إشارته إلى تضعيف حديث أنس بكون قتادة مدلسا وقد عنعنه فيجاب عنه بأنه صرح في نفس السند بما يقتضي سماعه له من أنس فإن فيه قلنا لانس فالاكل وأما تضعفيه حديث أبي سعيد بأن أبا عيسى غير مشهور فهو قول سبق إليه بن المديني لانه لم يرو عنه إلا قتادة لكن وثقه الطبري وابن حبان ومثل هذا يخرج في الشواهد ودعواه اضطرابه مردودة لان لقتادة فيه اسنادين وهو حافظ وأما تضعفيه لحديث أبي هريرة بعمر بن حمزة فهو مختلف في توثيقه ومثله يخرج له مسلم في المتابعات وقد تابعه الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة كما أشرت إليه عند أحمد وابن حبان فالحديث بمجموع طرقه صحيح والله أعلم قال النووي وتبعه شيخنا في شرح الترمذي إن قوله فمن نسي لا مفهوم له بل يستحب ذلك للعامد أيضا بطريق الاولى وإنما خص
الناسي بالذكر لكون المؤمن لا يقع ذلك منه بعد النهي غالبا الا نسيانا قلت وقد يطلق النسيان ويراد به الترك فيشمل السهو والعمد فكأنه قيل من ترك امتثال الامر وشرب قائما فليستقئ وقال القرطبي في المفهم لم يصر أحد إلى أن النهي فيه للتحريم وان كان جاريا على أصول الظاهرية والقول به وتعقب بان بن حزم منهم جزم بالتحريم وتمسك من لم يقل بالتحريم بحديث على المذكور في الباب وصحح الترمذي من حديث بن عمر كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص أخرجه الترمذي أيضا وعن عبد الله بن أنيس أخرجه الطبراني وعن أنس أخرجه البزار والاثرم وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أخرجه الترمذي وحسنه وعن عائشة أخرجه البزار وأبو علي الطوسي في الاحكام وعن أم سليم نحوه أخرجه بن شاهين وعن عبد الله بن السائب عن خباب عن أبيه عن جده أخرجه ابن أبي حاتم وعن كبشة قالت دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فشرب من قربة معلقة أخرجه الترمذي وصححه وعن كلثم نحوه أخرجه أبو موسى بسند حسن وثبت الشرب قائما عن عمر أخرجه الطبري وفي الموطأ أن عمر وعثمان وعليا كانوا يشربون قياما وكان سعد وعائشة لا يرون بذلك بأسا وثبتت الرخصة عن جماعة من التابعين وسلك العلماء في ذلك مسالك أحدها الترجيح وأن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي
[ 74 ]
وهذه طريقة أبي بكر الاثرم فقال حديث أنس يعني في النهي جيد الاسناد ولكن قد جاء عنه خلافه يعني في الجواز قال ولا يلزم من كون الطريق إليه في النهي أثبت من الطريق إليه في الجواز أن لا يكون الذي يقابله أقوى لان الثبت قد يروي من هو دونه الشئ فيرجح عليه فقد رجح نافع على سالم في بعض الاحاديث عن بن عمر وسالم مقدم على نافع في الثبت وقدم شريك على الثوري في حديثين وسفيان مقدم عليه في جملة أحاديث ثم أسند عن أبي هريرة قال لا بأس بالشرب قائما قال الاثرم فدل على أن الرواية عنه في النهي ليست ثابتة وإلا لما قال لا بأس به قال ويدل على وهاء أحاديث النهي أيضا اتفاق العلماء على أنه ليس على أحد شرب قائما أن
يستقئ المسلك الثاني دعوى النسخ واليها جنح الاثرم وابن شاهين فقررا على أن أحاديث النهي على تقدير ثبوتها منسوخة بأحاديث الجواز بقرينة عمل الخلفاء الراشدين ومعظم الصحابة والتابعين بالجواز وقد عكس ذلك بن حزم فادعى نسخ أحاديث الحواز بأحاديث النهي متمسكا بأن الجواز على وفق الاصل وأحاديث النهي مقررة لحكم الشرع فمن ادعى الجواز بعد النهي فعليه البيان فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال وأجاب بعضهم بأن أحاديث الجواز متأخرة لما وقع منه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كما سيأتي ذكره في هذا الباب من حديث بن عباس وإذا كان ذلك الاخير من فعله صلى الله عليه وسلم دل على الجواز ويتأيد بفعل الخلفاء الراشدين بعده المسلك الثالث الجمع بين الخبرين بضرب من التأويل فقال أبو الفرج الثقفي في نصره الصحاح والمراد بالقيام هنا المشي يقال قام في الامر إذا مشى فيه وقمت في حاجتي إذا سعيت فيها وقضيتها ومنه قوله تعالى إلا ما دمت عليه قائما أي مواظبا بالمشي عليه وجنح الطحاوي إلى تأويل آخر وهو حمل النهي على من لم يسم عند شربه وهذا أن سلم له في بعض ألفاظ الاحاديث لم يسلم له في بقيتها وسلك آخرون في الجمع حمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه وأحاديث الجواز على بيانه وهي طريقة الخطابي وابن بطال في آخرين وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض وقد أشار الاثرم إلى ذلك أخيرا فقال أن ثبتت الكراهة حملت على الارشاد والتأديب لا على التحريم وبذلك جزم الطبري وأيده بأنه لو كان جائزا ثم حرمه أو كان حراما ثم جوزه لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بيانا واضحا فلما تعارضت الاخبار بذلك جمعنا بينها بهذا وقيل إن النهي عن ذلك إنما هو من جهة الطب مخافة وقوع ضرر به فإن الشرب قاعدا أمكن وأبعد من الشرق وحصول الوجع في الكبد أو الحلق وكل ذلك قد لا يأمن منه من شرب قائما وفي حديث على من الفوائد أن على العالم إذا رأى الناس اجتنبوا شيئا وهو يعلم جوازه أن يوضح لهم وجه الصواب فيه خشية أن يطول الامر فيظن تحريمه وأنه متى خشي ذلك فعليه أن يبادر للاعلام بالحكم ولو لم يسأل فإن سئل تأكد الامر به وأنه إذا كره من أحد شيئا لا يشهره باسمه لغير غرض بل يكنى عنه كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل في مثل ذلك الحديث الثاني قوله
حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن عاصم الاحول قال الكرماني ذكر الكلاباذي أن أبا نعيم سمع من سفيان الثوري ومن سفيان بن عيينة وأن كلا منها روى عن عاصم الاحول فيحتمل أن يكون أحدهما قلت ليس الاحتمالان فيهما هنا على السواء فإن أبا نعيم مشهور بالرواية عن الثوري معروف بملازمته وروايته عن بن عيينة قليلة وإذا أطلق اسم شيخه حمل على من هو
[ 75 ]
أشهر بصحبته وروايته عنه أكثر ولهذا جزم المزي في الاطراف أن سفيان هذا هو الثوري وهذه قاعدة مطردة عند المحدثين في مثل هذا وللخطيب فيه تصنيف سماه المكمل لبيان المهمل وقد روى هذا الحديث بعينه سفيان بن عيينة عن عاصم الاحول أخرجه أحمد عنه وكذا هو عند مسلم من رواية بن عيينة وأخرجه أحمد أيضا من وجه آخر عن سفيان الثوري عن عاصم الاحول لكن خصوص رواية أبي نعيم فيه إنما هي عن الثوري كما تقدم قوله شرب النبي صلى الله عليه وسلم قائما من زمزم في رواية بن ماجة من وجه آخر عن عاصم في هذا الحديث قال أي عاصم فذكرت ذلك لعكرمة فحلف أنه ما كان حينئذ إلا راكبا وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الحج وعند أبي داود من وجه آخر عن عكرمة عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعيره ثم أناخه بعد طوافه فصلى ركعتين فلعله حينئذ شرب من زمزم قبل أن يعود إلى بعيره ويخرج إلى الصفا بل هذا هو الذي يتعين المصير إليه لان عمدة عكرمة في إنكار كونه شرب قائما إنما هو ما ثبت عنده أنه صلى الله عليه وسلم طاف على بعيره وخرج إلى الصفا على بعيره وسعى كذلك لكن لا بد من تخلل ركعتي الطواف بين ذلك وقد ثبت أنه صلاهما على الارض فما المانع من كونه شرب حينئذ من سقاية زمزم قائما كما حفظه الشعبي عن بن عباس قوله باب من شرب وهو واقف على بعيره قال بن العربي لا حجة في هذا على الشرب قائما لان الراكب على البعير قاعد غير قائم كذا قال والذي يظهر لي أن البخاري أراد حكم هذه الحالة وهل تدخل تحت النهي أو لا وإيراده الحديث من فعله صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز فلا يدخل في الصورة المنهي عنها وكأنه لمح بما قال عكرمة أن مراد بن عباس بقوله في الرواية التي
جاءت عن الشعبي في الذي قبله أنه شرب قائما إنما أراد وهو راكب والراكب يشبه القائم من حيث كونه سائرا ويشبه القاعد من حيث كونه مستقرا على الدابة قوله حدثنا مالك بن إسمعيل هو أبو غسان النهدي الكوفي من كبار شيوخ البخاري وقوله بعد ذلك زاد مالك الخ هو ابن أنس والمراد أن مالكا تابع عبد العزيز بن أبي سلمة على روايته هذا الحديث عن أبي النضر وقال في روايته شرب وهو واقف على بعيره وقد تقدمت هذه الرواية تامة في كتاب الصيام مع بقية شرح الحديث قوله باب الايمن فالايمن في الشرب ذكر فيه حديث أنس الماضي قريبا في باب شرب اللبن وتقدمت مباحثه هناك وإسماعيل هو بن أبي أويس وكذا في حديث الباب الذي بعده وقوله الايمن فالايمن أي يقدم من على يمين الشارب في الشرب ثم الذي عن يمين الثاني وهلم جرا وهذا مستحب عند الجمهور وقال بن حزم يجب وقوله في الترجمة في الشرب يعم الماء وغيره من المشروبات ونقل عن مالك وحده أنه خصه بالماء قال ابن عبد البر لا يصح عن مالك وقال عياض يشبه أن يكون مراده أن السنة ثبتت نصا في الماء خاصة وتقديم الايمن في غير شرب الماء يكون بالقياس وقال بن العربي كأن اختصاص الماء بذلك لكونه قد قيل أنه لا يملك بخلاف سائر المشروبات ومن ثم اختلف هل يجري الربا فيه وهل يقطع في سرقته وظاهر قوله في الشرب أن ذلك لا يجري في الاكل لكن وقع في حديث أنس خلافه كما سيأتي قوله باب هل يستأذن الرجل من عن يمينه في الشرب ليعطي الاكبر كأنه لم يجزم بالحكم لكونها واقعة عين فيتطرق إليها احتمال الاختصاص فلا يطرد الحكم
[ 76 ]
فيها لكل جليسين وذكر فيه لكل جليسين وذكر فيه حديث سهل بن سعد في ذلك وقد تقدم في أوائل الشرب وفيه تسمية الغلام وبعض الاشياخ وقوله أتأذن لي لم يقع في حديث أنس أنه استأذن الاعرابي الذي عن يمينه فأجاب النووي وغيره بأن السبب فيه أن الغلام كان بن عمه فكان له عليه إدلال وكان من على اليسار أقارب الغلام أيضا وطيب نفسه مع ذلك بالاستئذان لبيان الحكم وأن السنة تقديم الايمن ولو كان مفضولا بالنسبة إلى من على اليسار وقد وقع في حديث بن عباس في
هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم تلطف به حيث قال له الشربة لك وأن شئت آثرت بها خالدا كذا في السنن وفي لفظ لاحمد وإن شئت آثرت به عمك وإنما أطلق عليه عمه لكونه أسن منه ولعل سنه كان قريبا من سن العباس وأن كان من جهة أخرى من أقرانه لكونه ابن خالته وكان خالد مع رياسته في الجاهلية وشرفه في قومه قد تأخر إسلامه فلذلك استأذن له بخلاف أبي بكر فإن رسوخ قدمه في الاسلام وسبقه يقتضي طمأنينته بجميع ما يقع من النبي صلى الله عليه وسلم ولا يتأثر لشئ من ذلك ولهذا لم يستأذن الاعرابي له ولعله خشي من استئذانه أن يتوهم إرادة صرفه إلى بقية الحاضرين بعد أبي بكر دونه فربما سبق إلى قلبه من أجل قرب عهده بالاسلام شئ فجرى صلى الله عليه وسلم على عادته في تأليف من هذا سبيله وليس ببعيد أنه كان من كبراء قومه ولهذا جلس عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وأقره على ذلك وفي الحديث أن سنة الشرب العامة تقديم الايمن في كل موطن وأن تقديم الذي على اليمن ليس لمعنى فيه بل لمعنى في جهة اليمين وهو فضلها على جهة اليسار فيؤخذ منه أن ذلك ليس ترجيحا لمن هو على اليمين بل هو ترجيح لجهته وقد تقدم كلام الخطابي في ذلك قيل ثلاثة أبواب وقد يعارض حديث سهل هذا وحديث أنس الذي في الباب قبله وحديث سهل بن أبي خيثمة الآتي في القسامة كبر كبر وتقدم في الطهارة حديث بن عمر في الامر بمناولة السواك الاكبر وأخص من ذلك حديث ابن عباس الذي أخرجه أبو يعلى بسند قوي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سقى قال ابدءوا بالكبير ويجمع بأنه محمول على الحالة التي يجلسون فيها متساوين إما بين يدي الكبير أو عن يساره كلهم أو خلفه أو حيث لا يكون فيهم فتخص هذه الصورة من عموم تقديم الايمن أو يخص من عموم هذا الامر بالبداءة بالكبير ما إذا جلس بعض عن يمين الرئيس وبعض عن يساره ففي هذه الصورة يقدم الصغير على الكبير والمفضول على الفاضل ويظهر من هذا أن الايمن ما امتاز بمجرد الجلوس في الجهة اليمني بل بخصوص كونها يمين الرئيس فالفضل إنما فاض عليه من الافضل وقال بن المنير تفضيل اليمن شرعي وتفضيل اليسار طبعي وإن كان ورد به الشرع لكن الاول أدخل في التعبد ويؤخذ من الحديث أنه إذا تعارضت فضيلة الفاعل وفضيلة
الوظيفة اعتبرت فضيلة الوظيفة كما لو قدمت جنازتان لرجل وامرأة وولي المرأة أفضل من ولي الرجل قدم ولي الرجل ولو كان مفضولا لان الجنازة هي الوظيفة فتعتبر أفضليتها لا أفضلية المصلى عليها قال ولعل السر فيه أن الرجولية والميمنة أمر يقطع به كل أحد بخلاف أفضلية الفاعل فإن الاصل فيه الظن ولو كان مقطوعا به في نفس الامر لكنه مما يخفي مثله عن بعض كأبي بكر بالنسبة إلى علم الاعرابي والله أعلم قوله أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ظاهر في أنه لو أذن له لاعطاهم ويؤخذ منه جواز الايثار بمثل ذلك وهو مشكل على ما اشتهر من أنه لا إيثار
[ 77 ]
بالقرب وعبارة إمام الحرمين في هذا لا يجوز التبرع في العبادات ويجوز في غيرها وقد يقال إن القرب أعم من العبادة وقد أورد على هذه القاعدة تجويز جذب واحد من الصف الاول ليصلي معه ليخرج الجاذب عن أن يكون مصليا خلف الصف وحده لثبوت الزجر عن ذلك ففي مساعدة المجذوب للجاذب إيثار بقربة كانت له وهي تحصيل فضيلة الصف الاول ليحصل فضيلة تحصل للجاذب وهي الخروج من الخلاف في بطلان صلاته ويمكن الجواب بأنه لا إيثار إذ حقيقة الايثار إعطاء ما استحقه لغيره وهذا لم يعط الجاذب شيئا وإنما رجح مصلحته على مصلحته لان مساعدة الجاذب على تحصيل مقصود ليس فيه إعطاؤه ما كان يحصل للمجذوب لو لم يوافقه والله أعلم وقوله في هذه الرواية فتله بفتح المثناة وتشديد اللام أي وضعه وقال الخطابي وضعه بعنف وأصله من الرمي على التل وهو المكان العالي المرتفع ثم استعمل في كل شئ يرمي به وفي كل إلقاء وقيل هو من التلتل بلام ساكنة بين المثناتين المفتوحتين وآخره لام وهو العنق ومنه وتله للجبين أي صرعه فألقى عنقه وجعل جنبه إلى الارض والتفسير الاول أليق بمعنى حديث الباب وقد أنكر بعضهم تقييد الخطابي الوضع بالعنق قوله باب الكرع في الحوض ذكر فيه حديث جابر وقد تقدم شرحه قبل خمسة أبواب مستوفي وإنما قيد في الترجمة بالحوض لما بينته هناك أن جابرا أعاد قوله وهو يحول الماء في أثناء مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم الرجل مرتين وأن الظاهر أنه كان ينقله من أسفل البئر إلى أعلاه فكأنه كان هناك حوض
يجمعه فيه ثم يحوله من جانب إلى جانب قوله باب خدمة الصغار الكبار ذكر فيه حديث أنس كنت قائما على الحي أسقيهم وأنا أصغرهم وهو ظاهر فيما ترجم به وقد تقدم شرح الحديث مستوفي في أوائل الاشربة قوله باب تغطية الاناء ذكر فيه حديث جابر في الامر بغلق الابواب وغير ذلك من الآداب وفيه وخمروا آنيتكم وفي الرواية الثانية وخمروا الطعام والشراب ومعنى التخمير التغطية وقد تقدم شئ من شرح الحديث في بدء الخلق ويأتي شرحه مستوفى في كتاب الاستئذان وتقدم في باب شرب اللبن شرح قوله ولو أن تعرض عليه عودا قوله باب الختناث الاسقية افتعال من الخنث بالخاء المعجمة والنون والمثلثة وهو الانطواء والتكسر والانثناء والاسقية جمع السقاء والمراد به المتخذ من الادم صغيرا كان أبو كبيرا وقيل القرية قد تكون كبيرة وقد تكون صغيرة والسقاء لا يكون إلا صغيرا قوله عن عبيد الله بالتصغير بن عبد الله بالتكبير ابن عتبة بضم المهملة وسكون المثناة بعدها موحدة أي بن مسعود وصرح في الرواية التي تليها بتحديث
[ 78 ]
عبيد الله للزهري قوله عن أبي سعيد صرح بالسماع في التي تليها أيضا قوله نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في التي بعدها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى قوله يعني أن تكسر أفواهها فيشرب منها المراد بكسرها ثنيها لا كسرها حقيقة ولا إبانتها والقائل يعني لم يصرح به في هذه الطريق ووقع عند أحمد عن أبي النضر عن بن أبي ذئب بحذف لفظ يعني فصار التفسير مدرجا في الخبر ووقع في الرواية الثانية قال عبد الله هو بن المبارك قال معمر هو ابن راشد أو غيره هو الشرب من أفواهها وعبد الله بن المبارك روى المرفوع عن يونس عن الزهري وروى التفسير عن معمر مع التردد وقد أخرجه الاسماعيلي من طريق ابن وهب عن يونس وابن أبي ذئب معا مدرجا ولفظه ينهي عن اختناث الاسقية أو الشرب أو الشرب أن يشرب من أفواهها كذا فيه بحرف التردد وهو عند مسلم من طريق بن وهب عن يونس وحده بلفظ عن اختناث الاسقية أن يشرب من أفواهها وهذا أشبه وهو أنه تفسير الاختناث لا أنه شك من
الراوي في أي اللفظين وقع في الحديث لكن ظاهره أن التفسير في نفس الخبر وأخرجه مسلم أيضا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ولم يسق لفظه لكن قال مثله قال غير أنه قال واختناثها أن يقلب رأسها ثم يشرب وهو مدرج أيضا وقد جزم الخطابي أن تفسير الاختناث من كلام الزهري ويحمل التفسير المطلق وهو الشرب من أفواهها على المقيد بكسر فمها أو قلب رأسها ووقع في مسند أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن بن أبي ذئب في أول هذا الحديث شرب رجل من سقاء فانساب في بطنه جنان فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره وكذا أخرجه الاسماعيلي من طريق أبي بكر وعثمان بن أبي شيبة فرقهما عن يزيد به قوله أفواهها جمع فم وهو على سبيل الرد إلى الاصل في الفم أنه فوه نقصت منه الهاء لاستثقال هاءين عند الضمير لو قال فوهه فلما لم يحتمل حذف الواو بعد حذف الهاء الاعراب لسكونها عوضت ميما فقيل فم وهذا إذا أفرد ويجوز أن يقتصر على الفاء إذا أضيف لكن تزاد حركة مشبعة يختلف إعرابها بالحروف فإن أضيف إلى مضمر كفت الحركات ولا يضاف مع الميم إلا في ضرورة شعر كقول الشاعر يصبح عطشان وفي البحر فمه فإذا أرادوا الجمع أو التصغير ردوه إلى الاصل فقالوا فويه وأفواه ولم يقولوا فميم ولا أفمام قوله باب الشرب من فم السقاء الفم بتخفيف الميم ويجوز تشديدها ووقع في رواية من في السقاء وقد تقدم توجيهها قال بن المنير لم يقنع بالترجمة التي قبلها لئلا يظن أن النهي خاص بصورة الاختناث فبين أن النهي يعم ما يمكن اختناثه وما لا يمكن كالفخار مثلا قوله حدثنا أيوب قال لنا عكرمة في رواية الحميدي عن سفيان حدثنا أيوب السختياني أخبرنا عكرمة وأخرجه أبو نعيم من طريقه قوله ألا أخبركم بأشياء قصار حدثنا بها أبو هريرة في الكلام حذف تقديره مثلا فقلنا نعم أو فقلنا حدثنا أو نحو ذلك فقال حدثنا أبو هريرة ووقع في رواية بن أبي عمر عن سفيان بهذا الاسناد سمعت أبا هريرة أخرجه الاسماعيلي من طريقه قوله من فم القربة أو السقاء هو شك من الراوي وكأنه من سفيان فقد وقع في رواية عبد الجبار بن العلاء عن سفيان عند الاسماعيلي من في السقاء وفي رواية بن أبي عمر عنده من فم القربة قوله وأن يمنع جاره الخ تقدم شرحه في
أوائل كتاب المظالم قال الكرماني قال ألا أخبركم بأشياء ولم يذكر إلا شيئين فلعله أخبر بأكثر
[ 79 ]
فاختصره بعض الرواة أو أقل الجمع عنده اثنان قلت واختصاره يجوز أن يكون عمدا ويجوز أن يكون نسيانا وقد أخرج أحمد الحديث المذكور من رواية حماد بن زيد عن أيوب فذكر بهذا الاسناد الشيئين المذكورين وزاد النهي عن الشرب قائما وفي مسند الحميدي أيضا ما يدل على أنه ذكر ثلاثة أشياء فإنه ذكر النهي عن الشرب من في السقاء أو القربة وقال هذا آخرها والله أعلم قوله حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل المعروف بابن علية قوله ان يشرب من في السقاء زاد أحمد عن إسماعيل بهذا الاسناد والمتن قال أيوب هو فأنبئت أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت حية وكذا أخرجه الاسماعيلي من رواية عباد بن موسى عن إسماعيل ووهم الحاكم فأخرج الحديث في المستدرك بزيادته والزيادة المذكورة ليست على شرط الصحيح لان راويها لم يسم وليست موصولة لكن أخرجها بن ماجة من رواية سلمة بن وهرام عن عكرمة بنحو المرفوع وفي آخره وأن رجلا قام من الليل بعد النهي إلى سقاء فاختنثه فخرجت عليه منه حية وهذا صريح في أن ذلك وقع بعد النهي بخلاف ما تقدم من رواية بن أبي ذئب في أن ذلك كان سبب النهي ويمكن الجمع بأن يكون ذلك وقع قبل الله النهي فكان من أسباب النهي ثم وقع أيضا بعد النهي تأكيدا وقال النووي اتفقوا على أن النهي هنا للتنزيه لا للتحريم كذا قال وفي نقل الاتفاق نظر لما سأذكره فقد نقل بن التين وغيره عن مالك أنه أجاز الشرب من أفواه القرب وقال لم يبلغني فيه نهي وبالغ بن بطال في رد هذا القول واعتذر عنه بن المنير باحتمال أنه كان لا يحمل النهي فيه على التحريم كذا قال مع النقل عن مالك أنه لم يبلغه فيه نهي فالاعتذار عنه بهذا القول أولى والحجة قائمة على من بلغه النهي قال النووي ويؤيد كون هذا النهي للتنزيه أحاديث الرخصة في ذلك قلت لم أر في شئ من الاحاديث المرفوعة ما يدل على الجواز إلا من فعله صلى الله عليه وسلم وأحاديث النهي كلها من قوله فهي أرجح إذا نظرنا إلى علة النهي عن ذلك فإن جميع ما ذكره العلماء في ذلك يقتضي أنه مأمون منه صلى الله عليه وسلم أما أولا فلعصمته ولطيب نكهته وأما ثانيا
فلرفقه في صب الماء وبيان ذلك بسياق ما ورد في علة النهي فمنها ما تقدم من أنه لا يؤمن دخول شئ من الهوام مع الماء في جوف السقاء فيدخل فم الشارب وهو لا يشعر وهذا يقتضي أنه لو ملا السقاء وهو يشاهد الماء يدخل فيه ثم ربطه ربطا محكما ثم لما أراد أن يشرب حله فشربه منه لا يتناوله النهي ومنها ما أخرجه الحاكم من حديث عائشة بسند قوي بلفظ نهى أن يشرب من في السقاء لان ذلك ينتنه وهذا يقتضي أن يكون النهي خاصا بمن يشرب فيتنفس داخل الاناء أو باشر بفمه باطن السقاء أما من صب من القربة داخل فمه من غير مماسة فلا ومنها أن الذي يشرب من فم السقاء قد يغلبه الماء فينصب منه أكثر من حاجته فلا يأمن أن يشرق به أو تبتل ثيابه قال بن العربي وواحدة من الثلاثة تكفي في ثبوت الكراهة وبمجموعها تقوى الكراهة جدا وقال الشيخ محمد بن أبي جمرة ما ملخصه اختلف في علة النهي فقيل يخشى أن يكون في الوعاء حيوان أو ينصب بقوة فيشرق به أو يقطع العروق الضعيفة التي بإزاء القلب فربما كان سبب الهلاك أو بما يتعلق بفم السقاء من بخار النفس أبو بما يخالط الماء من ريق الشارب فيتقذره غيره أو لان الوعاء يفسد بذلك في العادة فيكون من إضاعة المال قال والذي يقتضيه الفقه أنه لا يبعد أن يكون النهي لمجموع هذه الامور وفيها ما يقتضي الكراهة وفيها ما يقتضي التحريم
[ 80 ]
والقاعدة في مثل ذلك ترجيح القول بالتحريم وقد جزم بن حزم بالتحريم لثبوت النهي وحمل أحاديث الرخصة على أصل الاباحة وأطلق أبو بكر الاثرم صاحب أحمد أن أحاديث النهي ناسخة للاباحة لانهم كانوا أولا يفعلون ذلك حتى وقع دخول الحية في بطن الذي شرب من فم السقاء فنسخ الجواز قلت ومن الاحاديث الواردة في الجواز ما أخرجه الترمذي وصححه من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة عن جدته كبشة قالت دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب من في قربة معلقة وفي الباب عن عبد الله بن أنيس عند أبي داود والترمذي وعن أم سلمة في الشمائل وفي مسند أحمد والطبراني والمعاني للطحاوي قال شيخنا في شرح الترمذي لو فرق بين ما يكون لعذر كأن تكون القربة معلقة ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء متيسرا ولم
يتمكن من التناول بكفه فلا كراهة حينئذ وعلى ذلك تحمل الاحاديث المذكورة وبين ما يكون لغير عذر فتحمل عليه أحاديث النهي قلت ويؤيده أن أحاديث الجواز كلها فيها أن القربة كانت معلقة والشرب من القربة المعلقة أخص من الشرب من مطلق القربة ولا دلالة في أخبار الجواز على الرخصة مطلقا بل على تلك الصورة وحدها وحملها على حال الضرورة جمعا بين الخبرين أولى من حملها على النسخ والله أعلم وقد سبق بن العربي إلى نحو ما أشار إليه شيخنا فقال يحتمل أن يكون شربه صلى الله عليه وسلم في حال ضرورة إما عند الحرب وإما عند عدم الاناء أو مع وجوده لكن لم يتمكن لشغله من التفريغ من السقاء في الاناء ثم قال ويحتمل أن يكون شرب من إداوة والنهي محمول على ما إذا كانت القربة كبيرة لانها مظنة وجود الهوام كذا قال والقربة الصغيرة لا يمتنع وجود شئ من الهوام فيها والضرر يحصل به ولو كان حقيرا والله أعلم قوله باب النهي عن التنفس في الاناء ذكر فيه حديث أبي قتادة وقد تقدم شرحه في كتاب الطهارة قوله فلا يتنفس في الاناء زاد بن أبي شيبة من وجه آخر عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه النهي عن النفخ في الاناء وله شاهد من حديث بن عباس عند أبي داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الاناء وأن ينفخ فيه وجاء في النهي عن النفخ في الاناء عدة أحاديث وكذا النهي عن التنفس في الاناء لانه ربما حصل له تغير من النفس إما لكون المتنفس كان متغير الفم بمأكول مثلا أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة أو لان النفس يصعد ببخار المعدة والنفخ في هذه الاحوال كلها أشد من التنفس قوله باب الشرب بنفسين أو ثلاثة كذا ترجم مع أن لفظ الحديث الذي أورده في الباب كان يتنفس فكأنه أراد أن يجمع بين حديث الباب والذي قبله لان ظاهرهما التعارض إذ الاول صريح في النهي عن التنفس في الاناء والثاني يثبت التنفس فحملهما على حالتين فحالة النهي على التنفس داخل الاناء وحالة الفعل على من تنفس خارجة فالاول على ظاهره من النهي والثاني تقديره كان يتنفس في حالة الشرب من الاناء قال بن المنير أورد بن بطال سؤال التعارض بين الحديثين وأجاب بالجمع بينهما فأطنب ولقد أغنى البخاري عن ذلك بمجرد لفظ الترجمة فجعل الاناء
في الاول ظرفا للتنفس والنهي عنه لاستقذاره وقال في الثاني الشرب بنفسين فجعل النفس الشرب أي لا يقتصر على نفس واحد بل يفصل بين الشربين بنفسين أو ثلاثة خارج الاناء فعرف بذلك انتفاء التعارض وقال الاسماعيلي المعنى أنه كان يتنفس أي على الشراب لا فيه
[ 81 ]
داخل الاناء قال وإن لم يحمل على هذا صار الحديثان مختلفين وكان أحدهما منسوخا لا محالة والاصل عدم النسخ والجمع مهما أمكن أولى ثم أشار إلى حديث أبي سعيد وهو ما أخرجه الترمذي وصححه والحاكم من طريقه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل القذاة أراها في الاناء قال أهرقها قال فإني لا أروى من نفس واحد قال فأين القدح إذا عن فيك ولابن ماجة من حديث أبي هريرة رفعه إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الاناء فإذا أراد أن يعود فلينح الاناء ثم ليعد إن كان يريد قال الاثرم اختلاف الرواية في هذا دال على الجواز وعلى اختيار الثلاث والمراد بالنهي عن التنفس في الاناء أن لا يجعل نفسه داخل الاناء وليس المراد أن يتنفس خارجة طلب الراحة واستدل به لمالك على جواز الشرب بنفس واحد وأخرج ابن أبي شيبة الجواز عن سعيد بن المسيب وطائفة وقال عمر بن عبد العزيز إنما نهى عن التنفس داخل الاناء فأما من لم يتنفس فإن شاء فليشرب بنفس واحد قلت وهو تفصيل وقد ورد الامر بالشرب بنفس واحد من حديث أبي قتادة مرفوعا أخرجه الحاكم وهو محمول على التفصيل المذكور قوله حدثنا عزرة بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها راء بن ثابت هو تابعي صغير أنصاري أصله من المدينة نزل البصرة وقد سمع من جده لامه عبد الله بن يزيد الخطمي وعبد الله ابن أبي أوفى وغيرهما فهذا الاسناد له حكم الثلاثيات وإن كان شيخ تابعيه فيه تابعيا آخر قوله كان يتنفس في الاناء مرتين أو ثلاثا يحتمل أن تكون أو للتنويع وأنه كان صلى الله عليه وسلم لا يقتصر على المرة بل إن روى من نفسين أكتفى بهما وإلا فثلاث ويحتمل أن تكون أو للشك فقد أخرج إسحاق بن راهويه الحديث المذكور عن عبد الرحمن بن مهدي عن عزرة بلفظ كان يتنفس ثلاثا ولم يقل أو وأخرج الترمذي بسند ضعيف عن بن عباس رفعه لا تشربوا واحدة
كما يشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث فإن كان محفوظا فهو يقوي ما تقدم من التنويع وأخرج أيضا بسند ضعيف عن بن عباس أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا شرب تنفس مرتين وهذا ليس نصا في الاقتصار على المرتين بل يحتمل أن يراد به التنفس في أثناء الشرب فيكون قد شرب ثلاث مرات وسكت عن التنفس الاخير لكونه من ضرورة الواقع وأخرج مسلم وأصحاب السنن من طريق أبي عاصم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الاناء ثلاثا ويقول هو أروى وأمرأ وأبرأ لفظ مسلم وفي رواية أبي داود أهنأ بدل قوله أروى وقوله أروى هو من الري بكسر الراء غير مهموز أي أكثر ريا ويجوز أن يقرأ مهموزا للمشاكلة وأمرأ بالهمز من المراءة يقال مرأ الطعام بفتح الراء يمرأ بفتحها ويجوز كسرها صار مريا وأبرأ بالهمز من البراءة أو من البرء أي يبرئ من الاذى والعطش وأهنأ بالهمز من الهنء والمعنى أنه يصير هنيئا مريا بريا أي سالما أو مبريا من مرض أو عطش أو أذى ويؤخذ من ذلك أنه أقمع للعطش وأقوى على الهضم وأقل أثرا في ضعف الاعضاء وبرد المعدة واستعمال أفعل التفضيل في هذا يدل على أن للمرتين في ذلك مدخلا في الفضل المذكور ويؤخذ منه أن النهي عن الشرب في نفس واحد للتنزيه قال المهلب النهي عن التنفس في الشرب كالنهي عن النفخ في الطعام والشراب من أجل أنه قد يقع فيه شئ من الريق فيعافه الشارب ويتقذره إذ كان التقذر في مثل ذلك عادة غالبة على طباع أكثر الناس ومحل هذا إذا أكل وشرب مع غيره وأما لو أكل وحده
[ 82 ]
أو مع أهله أو من يعلم أنه لا يتقذر شيئا مما يتناوله فلا بأس قلت والاولى تعميم المنع لانه لا يؤمن مع ذلك أن تفضل فضلة أو يحصل التقذر من الاناء أو نحو ذلك وقال بن العربي قال علماؤنا هو من مكارم الاخلاق ولكن يحرم على الرجل أن يناول أخاه ما يتقذره فإن فعله في خاصة نفسه ثم جاء غيره فناوله إياه فليعلمه فإن لم يعلمه فهو غش والغش حرام وقال القرطبي معنى النهي عن التنفس في الاناء لئلا يتقذر به من بزاق أو رائحة كريهة تتعلق بالماء وعلى هذا إذا لم يتنفس يجوز الشرب بنفس واحد وقبيل يمنع مطلقا لانه شرب الشيطان قال وقول أنس كان يتنفس في
الشرب ثلاثا قد جعله بعضهم معارضا للنهي وحمل على بيان الجواز ومنهم من أومأ إلى أنه من خصائصه لانه كان لا يتقذر منه شئ تكملة أخرج الطبراني في الاوسط بسند حسن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب في ثلاثة أنفاس إذا أدنى الاناء إلى فيه يسمى الله فإذا أخره حمد الله يفعل ذلك ثلاثا وأصله في بن ماجة وله شاهد من حديث بن مسعود عند البزار والطبراني وأخرج الترمذي من حديث بن عباس المشار إليه قبل وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم رفعتم وهذا يحتمل أن يكون شاهدا لحديث أبي هريرة المذكور ويحتمل أن يكون المراد به في الابتداء والانتهاء فقط والله أعلم قوله باب الشرب في آنية الذهب كذا أطلق الترجمة وكأنه استغنى عن ذكر الحكم بما صرح به بعد في كتاب الاحكام أن نهى النبي صلى الله عليه وسلم على التحريم حتى يقوم دليل الاباحة وقد وقع التصريح في حديث الباب بالنهي والاشارة إلى الوعيد على ذلك ونقل بن المنذر الاجماع على تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة إلا عن معاوية بن قرة أحد التابعين فكأنه لم يبلغه النهي وعن الشافعي في القديم ونقل عن نصه في حرملة أن النهي فيه للتنزيه لان علته ما فيه من التشبه بالاعاجم ونص في الجديد على التحريم ومن أصحابه من قطع به عنه وهذا اللائق به لثبوت الوعيد عليه بالنار كما سيأتي في الذي يليه وإذا ثبت ما نقل عنه فلعله كان قبل أن يبلغه الحديث المذكور ويؤيدوهم النقل أيضا عن نصه في حرملة أن صاحب التقريب نقل في كتاب الزكاة عن نصه في حرملة تحريم اتخاذ الاناء من الذهب أو الفضة وإذا حرم الاتخاذ فتحريم الاستعمال أولى والعلة المشار إليها ليست متفقا عليها بل ذكروا للنهي عدة علل منها ما فيه من كسر قلوب الفقراء أو من الخيلاء والسرف ومن تضييق النقدين قوله عن بن أبي ليلى هو عبد الرحمن وفي رواية غندر عن شعبة عن الحكم سمعت بن أبي ليلى أخرجه مسلم والترمذي قوله كان حذيفة بالمدائن عند أحمد من طريق يزيد عن بن أبي ليلى كنت مع حذيفة بالمدائن والمدائن اسم بلفظ جمع مدينة وهو بلد عظيم على دجلة بينها وبين بغداد سبعة فراسخ كانت مسكن ملوك الفرس وبها إيوان كسرى المشهور وكان فتحها على يد سعد بن أبي وقاص في خلافة عمر سنة ست عشرة وقيل قبل ذلك
وكان حذيفة عاملا عليها في خلافة عمر ثم عثمان إلى أن مات بعد قتل عثمان قوله فاستسقى فأتاه دهقان بكسر الدال المهملة ويجوز ضمها بعدها هاء ساكنة ثم قاف هو كبير القرية بالفارسية ووقع في رواية أحمد عن وكيع عن شعبة استسقى حذيفة من دهقان أو علج وتقدم في الاطعمة من طريق سيف عن مجاهد عن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة فاستسقى فسقاه مجوسي ولم أقف على اسمه بعد البحث قوله بقدح فضة في رواية أبي داود عن حفص شيخ البخاري فيه
[ 83 ]
بإناء من فضة ولمسلم من طريق عبد الله بن عكيم كنا عند حذيفة فجاءه دهقان بشراب في إناء من فضة ويأتي في اللباس عن سليمان بن حرب عن شعبة بلفظ بماء في إناء قوله فرماه به في رواية وكيع فحذفه به ويأتي في الذي يليه بلفظ فرمى به في وجهه ولاحمد من رواية يزيد عن ابن أبي ليلى ما يألوا أن يصيب به وجهه زاد في رواية الاسماعيلي وأصله عند مسلم فرماه به فكسره قوله فقال أني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته في رواية الاسماعيلي المذكورة لم أكسره إلا أتى نهيته فلم يقبل وفي رواية وكيع ثم أقبل على القوم فاعتذر وفي رواية يزيد لولا أني تقدمت إليه مرة أو مرتين لم أفعل به هذا وفي رواية عبد الله بن عكيم أني أمرته أن لا يسقيني فيه ويأتي في الذي بعده مزيد فيه قوله وإن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن الحرير والديباج سيأتي في اللباس التصريح ببيان النهي عن لبسهما وفيه بيان الديباج ما هو قوله والشرب في آنية الذهب والفضة وقع في الذي يليه بلفظ لا تشربوا ولا تلبسوا وكذا عند أحمد من وجه آخر عن الحكم كذا وقع في معظم الروايات عن حذيفة الاقتصار على الشرب ووقع عند أحمد من طريق مجاهد عن بن أبي ليلى بلفظ نهى أن يشرب في آنية الذهب والفضة وأن يؤكل فيها ويأتي نحوه في حديث أم سلمة في الباب الذي يليه قوله وقال هن لهم في الدنيا وهن لكم في الآخرة كذا فيه بلفظ هن بضم الهاء وتشديد النون في الموضعين وفي رواية أبي داود عن حفص بن عمر شيخ البخاري فيه بلفظ هي بكسر الهاء ثم التحتانية وكذا في رواية غندر عن شعبة ووقع عند الاسماعيلي وأصله في مسلم هو أي جميع ما ذكر قال الاسماعيلي ليس المراد
بقوله في الدنيا إباحة استعمالهم إياه وإنما المعنى بقوله لهم أي هم الذين يستعملونه مخالفة لزي المسلمين وكذا قوله ولكم في الآخرة أي تستعملونه مكافأة لكم على تركه في الدنيا ويمنعه أولئك جزاء لهم على معصيتهم باستعماله قلت ويحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن الذي يتعاطى ذلك في الدنيا لا يتعاطاه في الآخرة كما تقدم في شرب الخمر ويأتي مثله في لباس الحرير بل وقع في هذا بخصوصه ما سأبينه في الذي قبله قوله باب آنية الفضة ذكر فيه ثلاثة أحاديث الاول حديث حذيفة قوله خرجنا مع حذيفة وذكر النبي صلى الله عليه وسلم كذا ذكره مختصرا وقد أخرجه أحمد عن بن أبي عدي الذي أخرجه البخاري من طريقه وأخرجه الاسماعيلي وأصله في مسلم من طريق معاذ بن معاذ وكلاهما عن عبد الله بن عون بلفظ خرجت مع حذيفة إلى بعض السواد فاستسقى فأتاه الدهقان بإناء من فضة فرمى به في وجهه قال فقلنا اسكتوا فأنا إن سألناه لم يحدثنا قال فسكتنا فلما كان بعد ذلك قال أتدرون لم رميت بهذا في وجهه قلنا لا قال ذلك أني كنت نهيته قال فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تشربوا في آنية الذهب والفضة قال أحمد وفي رواية معاذ ولا في الفضة الحديث الثاني قوله إسماعيل هو ابن أبي أويس قوله عن زيد بن عبد الله بن عمر هو تابعي ثقة تقدمت روايتيه عن أبيه في إسلام عمر وليس له في البخاري سوى هذين الحديثين وهذا الاسناد كله مدنيون وقد تابع مالكا عن نافع عليه موسى بن عقبة وأيوب وغيرهما وذلك عند مسلم وخالفهم إسماعيل بن أمية عن نافع فلم يذكر زيدا في إسناده جعله عن نافع عن عبد الله بن عبد الرحمن أخرجه النسائي والحكم لمن زاد من الثقات ولا سيما وهم حفاظ وقد اجتمعوا وانفرد إسماعيل وقال محمد بن إسحاق عن نافع عن صفية بنت أبي
[ 84 ]
عبيد عن أم سلمة ووافقه سعد بن إبراهيم عن نافع في صفية لكن خالفه فقال عن عائشة بدل أم سلمة وقول محمد بن إسحاق أقرب فإن كان محفوظا فلعل لنافع فيه إسنادين وشذ عبد العزيز بن أبي رواد فقال عن نافع عن أبي هريرة وسلك برد بن سنان وهشام بن الغاز الجادة فقالا عن نافع عن ابن عمر أخرج الجميع النسائي وقال الصواب من ذلك كله رواية أيوب ومن تابعه قوله عن
عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق هو بن أخت أم سلمة التي روى عنها هذا الحديث أمه قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية وهو ثقة ما له في البخاري غير هذا الحديث قوله الذي يشرب في آنية الفضة في رواية مسلم من طريق عثمان بن مرة عن عبد الله بن عبد الرحمن من شرب من إناء ذهب أو فضة وله من رواية على بن مسهر عن عبيد الله بن عمر العمري عن نافع أن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة وأشار مسلم إلى تفرد علي بن مسهر بهذه اللفظة أعني الاكل قوله انما يجرجر بضم التحتانية وفتح الجيم وسكون الراء ثم جيم مكسورة ثم راء من الجرجرة وهو صوت يردده البعير في حنجرته إذا هاج نحو صوت اللجام في فك الفرس قال النووي اتفقوا على كسر الجيم الثانية من يجرجر وتعقب بأن الموفق بن حمزة في كلامه على المذهب حكى فتحها وحكى بن الفركاح عن والده أنه قال روى يجرجر على البناء للفاعل والمفعول وكذا جوزه بن مالك في شواهد التوضيح نعم رد ذلك بن أبي الفتح تلميذه فقال في جزء جمعه في الكلام على هذا المتن لقد كثر بحثي على أن أرى أحدا رواه مبنيا للمفعول فلم أجده عند أحد من حفاظ الحديث وإنما سمعناه من الفقهاء الذين ليست لهم عناية بالرواية وسألت أبا الحسين اليونيني فقال ما قرأته على والدي ولا على شيخنا المنذري إلا مبنيا للفاعل قال ويبعد اتفاق الحفاظ قديما وحديثا على ترك رواية ثابتة قال وأيضا فإسناده إلى الفاعل هو الاصل وإسناده إلى المفعول فرع فلا يصار إليه بغير حاجة وأيضا فإن علماء العربية قالوا يحذف الفاعل إما للعلم به أو للجهل به أو إذا تخوف منه أو عليه أو لشرفه أو لحقارته أو لاقامة وزن وليس هنا شئ من ذلك قوله في بطنه نار جهنم وقع للاكثر بنصب نار على أن الجرجرة بمعني الصب أو التجرع فيكون نار نصب على المفعولية والفاعل الشارب أي يصب أو يتجرع وجاء الرفع على أن الجرجرة هي التي تصوت في البطن قال النووي النصب أشهر ويؤيده رواية عثمان بن مرة عند مسلم بلفظ فإنما يجرجر في بطنه نارا من جهنم وأجار الازهري النصب على أن الفعل عدى إليه وابن السيد الرفع على أنه خبر إن وما موصولة قال ومن نصب جعل ما زائدة كافة لان عن العمل وهو نحو إنما صنعوا كيد ساحر فقرئ بنصب كيد ورفعه ويدفعه أنه لم يقع في شئ من النسخ بفصل ما من أن
وقوله إن النار تصوت في بطنه كما يصوت البعير بالجرجرة مجاز تشبيه لان النار لا صوت لها كذا قيل وفي النفي نظر لا يخفي الحديث الثالث حديث البراء أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع قوله وعن الشرب في الفضة أو قال في آنية الفضة شك من الراوي زاد مسلم من طريق أخرى عن البراء فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة ومثله في حديث أبي هريرة رفعه من شرب في آنية الفضة والذهب في الدنيا لم يشرب فيهما في الآخرة وآنية أهل الجنة الذهب والفضة أخرجه النسائي بسند قوي وسيأتي شرح حديث البراء مستوفي في كتاب الادب ويأتي ما يتعلق باللباس منه في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى وفي هذه الاحاديث تحريم
[ 85 ]
الاكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل مكلف رجلا كان أو امرأة ولا يلتحق ذلك بالحلي للنساء لانه ليس من التزين الذي أبيح لها في شئ قال القرطبي وغيره في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الاكل والشرب ويلحق بهما ما في معناهما مثل التطيب والتكحل وسائر وجوه الاستعمالات وبهذا قال الجمهور وأغربت طائفة شذت فأباحت ذلك مطلقا ومنهم من قصر التحريم على الاكل والشرب ومنهم من قصره على الشرب لانه لم يقف على الزيادة في الاكل قال واختلف في علة المنع فقيل إن ذلك يرجع إلى عينهما ويؤيده قوله هي لهم وإنها لهم وقيل لكونهما الاثمان وقيم المتلفات فلو أبيح استعمالهما لجاز اتخاذ الآلات منهما فيفضي إلى قلتهما بأيدي الناس فيجحف بهم ومثله الغزالي بالحكام الذين وظيفتهم التصرف لاظهار العدل بين الناس فلو منعوا التصرف لاخل ذلك بالعدل فكذا في اتخاذ الاواني من النقدين حبس لهما عن التصرف الذي ينتفع به الناس ويرد على هذا جواز الحلي للنساء من النقدين ويمكن الانفصال عنه وهذه العلة هي الراجحة عند الشافعية وبه صرح أبو علي السنجي وأبو محمد الجويني وقيل علة التحريم السرف والخيلاء أو كسر قلوب الفقراء ويرد عليه جواز استعمال الاواني من الجواهر النفيسة وغالبها أنفس وأكثر قيمة من الذهب والفضة ولم يمنعها إلا من شذ وقد نقل ابن الصباغ في الشامل الاجماع على الجواز وتبعه الرافعي ومن بعده لكن في زوائد
العمراني عن صاحب الفروع نقل وجهين وقيل العلة في المنع تشبه بالاعاجم وفي ذلك نظر لثبوت الوعيد لفاعله ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك واختلف في اتخاذ الاواني دون استعمالها كما تقدم والاشهر المنع وهو قول الجمهور ورخصت فيه طائفة وهو مبني على العلة في منع الاستعمال ويتفرع على ذلك غرامة أرش ما أفسد منها وجواز الاستئجار عليها قوله باب الشرب في الاقداح أي هل يباح أو يمنع لكونه من شعار الفسقة ولعله أشار إلى أن الشرب فيها وأن كان من شعار الفسقة لكن ذلك بالنظر إلى المشروب وإلى الهيئة الخاصة بهم فيكره التشبه بهم ولا يلزم من ذلك كراهة الشرب في القدح إذا سلم من ذلك قوله حدثنا عمرو بن عباس بمهملتين وموحدة وشيخه عبد الرحمن هو بن مهدي وقد تقدم التنبيه على حديث أم الفضل المذكور قريبا وتقدم أنه مر مشروحا في كتاب الصيام قوله باب الشرب من قدح النبي صلى الله عليه وسلم أي تبركا به قال بن المنير كأنه أراد بهذه الترجمة دفع توهم من يقع في خياله أن الشرب في قدح النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته تصرف في ملك الغير بغير إذن فبين أن السلف كانوا يفعلون ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث وما تركه فهو صدقة ولا يقال إن الاغنياء كانوا يفعلون ذلك والصدقة لا تحل للغني لان الجواب أن الممتنع على الاغنياء من الصدقة هو المفروض منها وهذا ليس من الصدقة المفروضة قلت وهذا الجواب غير مقنع والذي يظهر أن الصدقة المذكورة من جنس الاوقاف المطلقة ينتفع بها من يحتاج إليها وتقر تحت يد من يؤتمن عليها ولهذا كان عند سهل قدح وعند عبد الله بن سلام آخر والجبة عن أسماء بنت أبي بكر وغير ذلك قوله وقال أبو بردة هو بن أبي موسى الاشعري قوله قال لي عبد الله بن سلام هو الصحابي المشهور ولام سلام مخففة قوله ألا بتخفيف اللام للعرض وهذا طرف من حديث سيأتي موصولا في كتاب الاعتصام من طريق بريد بن
[ 86 ]
عبد الله بن أبي بردة عن جده عن عبد الله بن سلام وتقدم في مناقب عبد الله بن سلام من وجه آخر عن أبي بردة ثم ذكر حديث سهل بن سعد في قصة الجونية بفتح الجيم وسكون الواو ثم نون في
قصة استعاذتها لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم يخطبها وقد تقدم شرح قصتها في أول كتاب الطلاق وقوله في هذه الطريق فنزلت في أجم بضم الهمزة والجيم هو بناء يشبه القصر وهو من حصون المدينة والجمع آجام مثل أطم وآطام قال الخطابي الاطم والاجم بمعنى وأغرب الداودي فقال الآجام الاشجار والحوائط ومثله قول الكرماني الاجم بفتحتين جمع أجمة وهي الغيضة قوله قالت أنا كنت أشقى من ذلك ليس أفعل التفضيل فيه على ظاهره بل مرادها اثبات الشقاء لها لما فاتها من التزوج برسول الله صلى الله عليه وسلم قوله فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو المكان الذي وقعت فيه البيعة لابي بكر الصديق بالخلافة قوله ثم قال اسقنا يا سهل في رواية مسلم من هذا الوجه اسقنا لسهل أي قال لسهل اسقنا ووقع عند أبي نعيم فقال اسقنا يا أبا سعد والذي أعرفه في كنية سهل بن سعد أبو العباس فلعل له كنيتين أو كان الاصل يا بن سعد فتحرفت قوله فأخرجت لهم هذا القدح في رواية المستملي فخرجت لهم بهذا القدح قوله فأخرج لنا سهل قائل ذلك هو أبو حازم الراوي عنه وصرح بذلك مسلم في روايته قوله ثم استوهبه عمر بن عبد العزيز بعد ذلك فوهبه له كان عمر ابن عبد العزيز حينئذ قد ولي إمرة المدينة وليست الهبة هنا حقيقية بل من جهة الاختصاص وفي الحديث التبسط على الصاحب واستدعاء ما عنده من مأكول ومشروب وتعظيمه بدعائه بكنيته والتبرك بآثار الصالحين واستيهاب الصديق ما لا يشق عليه هبته ولعل سهلا سمح بذلك لبدل كان عنده من ذلك الجنس أو لانه كان محتاجا فعوضه المستوهب ما يسد به حاجته والله أعلم ومناسبته للترجمة ظاهرة من جهة رغبة الذين سألوا سهلا أن يخرج لهم القدح المذكور ليشربوا فيه تبركا به الحديث الثالث قوله حدثنا الحسن بن مدرك حدثنا يحيى ابن حماد كذا أخرج هنا وفي غير موضع عن يحيى بن حماد بواسطة وأخرج عنه في هجرة الحبشة بغير واسطة والحسن بن مدرك كان صهر يحيى بن حماد فكان عنده عنه ما ليس عند غيره ولهذا لم يخرجه الاسماعيلي من طريق أبي عوانة ولا وجد له أبو نعيم إسنادا غير إسناد البخاري فأخرجه في المستخرج من طريق الفربري عن البخاري ثم قال رواه البخاري عن الحسن بن مدرك
ويقال إنه حديثه يعني أنه تفرد به قوله رأيت قدح النبي صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك تقدم في فرض الخمس من طريق أبي حمزة السكري عن عاصم قال رأيت القدح وشربت منه وأخرجه أبو نعيم من طريق علي بن الحسن بن شقيق عن أبي حمزة ثم قال قال علي بن الحسن وأنا رأيت القدح وشربت منه وذكر القرطبي في مختصر البخاري أنه رأى في بعض النسخ القديمة من صحيح البخاري قال أبو عبد الله البخاري رأيت هذا القدح بالبصرة وشربت منه وكان اشترى من ميراث النضر بن أنس بثمانمائة ألف قوله وكان قد انصدع أي انشق قوله فسلسله بفضة أي وصل بعضه ببعض وظاهره أن الذي وصله هو أنس ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر رواية أبي حمزة المذكورة بلفظ أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة لكن رواية البيهقي من هذا الوجه بلفظ انصدع فجلعت
[ 87 ]
مكان الشعب سلسلة من فضة قال يعني أنسا هو الذي فعل ذلك قال البيهقي كذا في سياق الحديث فما أدري من قاله من رواته هل هو موسى بن هارون أو غيره قلت لم يتعين من هذه الرواية من قال هذا وهو جعلت بضم التاء على أنه ضمير القائل وهو أنس بل يجوز أن يكون جعلت بضم أوله على البناء للمجهول فتساوى الرواية التي في الصحيح ووقع لاحمد من طريق شريك عن عاصم رأيت عند أنس قدح النبي صلى الله عليه وسلم فيه ضبة من فضة وهذا أيضا يحتمل والشعب بفتح المعجمة وسكون العين المهملة هو الصدع وكأنه سد الشقوق بخيوط من فضة فصارت مثل السلسلة قوله وهو قدح جيد عريض من نضار القائل هو عاصم رواية والعريض الذي ليس بمتطاول بل يكون طوله أقصر من عمقه والنضار بضم النون وتخفيف الضاد المعجمة الخالص من العود ومن كل شئ ويقال أصله من شجر النبع وقيل من الاثل ولونه يميل إلى الصفرة وقال أبو حنيفة الدينوري هو أجود الخشب للآنية وقال في المحكم النضار التبر والخشب قوله قال أي عاصم قال أنس لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا القدح أكثر من كذا وكذا وقع عند مسلم من طريق ثابت عن أنس لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدحي
هذا الشراب كله العسل والنبيذ والماء واللبن وقد تقدمت صفة النبيذ الذي كان يشربه وأنه نقيع التمر أو الزبيب قوله قال أي عاصم وقال بن سيرين هو محمد وقد فصل أبو عوانة في روايته هذه ما حمله عاصم عن أنس مما حمله عن بن سيرين ولم يقع ذلك في رواية أبي حمزة الماضية قوله انه كان فيه حلقة من حديد فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة هو شك من الراوي ويحتمل أن يكون التردد من أنس عند إرادة ذلك أو استشارته أبا طلحة فيه قوله فقال له أبو طلحة هو الانصاري زوج أم سليم والدة أنس قوله لا تغيرن كذا للاكثر بالتأكيد والكشميهني لا تغير بصيغة النهي بغير تأكيد وكلام أبي طلحة هذا إن كان بن سيرين سمعه من أنس وإلا فيكون أرسله عن أبي طلحة لانه لم يلقه وفي الحديث جواز اتخاذ ضبة الفضة وكذلك السلسلة والحلقة وهو أيضا مما اختلف فيه قال الخطابي منعه مطلقا جماعة من الصحابة والتابعين وهو قول مالك والليث وعن مالك يجوز من الفضة إن كان يسيرا وكرهه الشافعي قال لئلا يكون شاربا على فضة فأخذ بعضهم منه أن الكراهة تختص بما إذا كانت الفضة في موضع الشرب وبذلك صرح الحنفية وقال به أحمد وإسحاق وأبو ثور وقال بن المنذر تبعا لابي عبيد المفضض ليس هو إناء فضة والذي تقرر عند الشفاعية أن الضبة إن كانت من الفضة وهي كبيرة للزبنة تحرم أو للحاجة فتجوز مطلقا وتحرم ضبة الذهب مطلقا ومنهم من سوى بين ضبتي الفضة والذهب وأما الحديث الذي أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن بن عمر بنحو حديث أم سلمة وزاد فيه أو في إناء فيه شئ من ذلك فإنه معلول بجهالة حال إبراهيم بن عبد الله بن مطيع وولده قال البيهقي الصواب ما رواه عبيد الله العمري عن نافع عن بن عمر موقوفا أنه كان لا يشرب في قدح فيه ضبة فضة وقد أخرج الطبراني في الاوسط من حديث أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الذهب وتفضيض الاقداح ثم رخص في تفضيض الاقداح وهذا لو ثبت لكان حجة في الجواز لكن في سنده من لا يعرف واستدل بقوله أو إناء فيه شئ من ذلك على تحريم الاناء من النحاس أو الحديد المطلي
[ 88 ]
بالذهب أو الفضة والصحيح عند الشفاعية إن كان يحصل منه بالعرض على النار حرم وإلا فوجهان أصحهما لا وفي العكس وجهان كذلك ولو غلف إناء الذهب أو الفضة بالنحاس مثلا ظاهرا وباطنا فكذلك وجزم إمام الحرمين أنه لا يحرم كحشو الجبة التي من القطن مثلا بالحرير واستدل بجواز اتخاذ السلسلة والحلقة أنه يجوز أن يتخذ للاناء رأس منفصل عنه وهذا ما نقله المتولي والبغوي والخوارزمي وقال الرافعي فيه نظر وقال النووي في شرح المهذب ينبغي أن يجعل كالتضبيب ويجري فيه الخلاف والتفصيل واختلفوا في ضابط الصغر في ذلك فقيل العرف وهو الاصح وقيل ما يلمع على بعد كبير وما لا فصغير وقيل ما استوعب جزءا من الاناء كأسفله أو عروته أو شفته كبير وما لا فلا ومتى شك فالاصل الاباحة والله أعلم قوله باب شرب البركة والماء المبارك قال المهلب سمي الماء بركة لان الشئ إذا كان مباركا فيه يسمى بركة قوله عن جابر بن عبد الله في رواية حصين عن سالم بن أبي الجعد سمعت جابرا وقد تقدمت في المغازي قوله قد رأيتني بضم التاء وفيه نوع تجريد قوله وحضرت العصر أي وقت صلاتها والجملة حالية قوله ثم قال حي على أهل الوضوء كذا وقع للاكثر وفي رواية النسفي حي على الوضوء بإسقاط لفظ أهل وهي أصوب وقد وجهت على تقدير ثبوتها بأن يكون أهل بالنصب على النداء بحذف حرف النداء كأنه قال حي على الوضوء المبارك يا أهل الوضوء كذا قال عياض وتعقب بأن المجرور بعلي غير مذكور وقال غيره الصواب حي هلا على الوضوء المبارك فتحرف لفظ هلا فصارت أهل وحولت عن مكانها وحي اسم فعل للامر بالاسراع وتفتح لسكون ما قبلها مثل ليت وهلا بتخفيف اللام والتنوين كلمة استعجال قوله فجعلت لا آلو بالمد وتخفيف اللام المضمومة أي لا أقصر والمراد أنه جعل يستكثر من شربه من ذلك الماء لاجل البركة قال ابن بطال يؤخذ منه أنه لا سرف ولا شره في الطعام أو الشراب الذي تظهر فيه البركة بالمعجزة بل يستحب الاستكثار منه وقال بن المنير في ترجمة البخاري إشارة إلى أنه يغتفر في الشرب منه الاكثار دون المعتاد الذي ورد باستحباب جعل الثلث له ولئلا يظن أن الشرب من غير عطش ممنوع فإن فعل جابر ما ذكر دال على أن الحاجة إلى البركة أكثر من الحاجة إلى الري والظاهر
اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولو كان ممنوعا لنهاه قوله فقلت لجابر القائل هو سالم بن أبي الجعد رواية عنه قوله كم كنتم يومئذ قال ألف وأربعمائة كذا لهم بالرفع والتقدير نحن يومئذ ألف وأربعمائة ويجوز النصب على خبر كان وقد تقدم بيان الاختلاف على جابر في عددهم يوم الحديبية في باب غزوة الحديبية من المغازي وبينت هناك أن هذه القصة كانت هناك وتقدم شئ من شرح المتن في علامات النبوة قوله تابعه عمرو بن دينار عن جابر وصله المؤلف في تفسير سورة الفتح مختصرا كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة وهذا القدر هو مقصوده بالمتابعة المكذورة لا جميع سياق الحديث قوله وقال حصين وعمرو بن مرة عن سالم هو ابن أبي الجعد خمس عشرة مائة أما رواية حصين فوصلها المؤلف في المغازي وأما رواية عمرو بن مرة فوصلها مسلم وأحمد بلفظ ألف وخمسمائة والجمع بين هذا الاختلاف عن جابر أنهم كانوا زيادة على ألف وأربعمائة فمن اقتصر عليها ألغى الكسر ومن قال ألف وخمسمائة جبره وقد تقدم بسط ذلك في كتاب المغازي وبيان توجيه من قال ألف وثلاثمائة مائة ولله الحمد خاتمة
[ 89 ]
اشتمل كتاب الاشربة من الاحاديث المرفوعة على أحد وتسعين حديثا المعلق منها تسعة عشر طريقا والباقي موصول المكرر منها فيه وفيما مضى سبعون طريقا والباقي خالص وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي مالك وأبي عامر في المعازف وحديث بن أبي أوفى في الجر الاخضر وحديث أنس في الاقداح ليلة الاسراء وهو معلق وحديث جابر في الكرع وحديث علي في الشرب قائما وحديث أبي هريرة في النهي عن الشرب من فم السقاء وحديث أبي طلحة في قدح النبي صلى الله عليه وسلم وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم أربعة عشر أثرا والله أعلم قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب المرضى باب ما جاء في كفارة المرض كذا لهم إلا أن البسملة سقطت لابي ذر وخالفهم النسفي فلم يفرد كتاب المرضى من كتاب الطب بل صدر بكتاب الطب ثم بسمل ثم ذكر باب ما جاء واستمر على ذلك إلى آخر كتاب الطب ولكل وجه وفي بعض النسخ كتاب والمرضى جمع مريض والمراد
بالمرض هنا مرض البدن وقد يطلق المرض على مرض القلب إما للشبهة كقوله تعالى في قلوبهم مرض وإما للشهوة كقوله تعالى فيطمع الذي في قلبه مرض ووقع ذكر مرض البدن في القرآن في الوضوء والصوم والحج وسيأتي ذكر مناسبة ذلك في أول الطب والكفارة صيغة مبالغة من التكفير وأصله التغطية والستر والمعنى هنا أن ذنوب المؤمن تتغطى بما يقع له من ألم المرض قال الكرماني والاضافة بيانية لان المرض ليست له كفارة بل هو الكفارة نفسها فهو كقولهم شجر الاراك أو الاضافة بمعنى في أو هو من إضافة الصفة إلى الموصوف وقال غيره هو من الاضافة إلى الفاعل وأسند التكفير للمرض لكونه سببه قوله وقول الله عزوجل من يعمل سوءا يجز به قال الكرماني مناسبة الآية للباب أن الآية أعم إذا المعنى أن كل من يعمل سيئة فإنه يجازى بها وقال بن المنير الحاصل أن المرض كما جاز أن يكون مكفرا للخطايا فكذلك يكون جزاء لها وقال بن بطال ذهب أكثر أهل التأويل إلى أن معنى الآية أن المسلم يجازى على خطاياه في الدنيا بالمصائب التي تقع له فيها فتكون كفارة لها وعن الحسن وعبد الرحمن بن زيد أن الآية المذكورة نزلت في الكفارة خاصة والاحاديث في هذا الباب تشهد للاول انتهى وما نقله عنهما أورده الطبري وتعقبه ونقل بن التين عن بن عباس نحوه والاول المعتمد والاحاديث الواردة في سبب نزول الآية لما لم تكن على شرط البخاري ذكرها ثم أورد من الاحاديث على شرطه ما يوافق ما ذهب إليه الاكثر من تأويلها ومنه ما أخرجه أحمد وصححه ابن حبان من طريق عبيد بن عمير عن عائشة أن رجلا تلا هذه الآية من يعمل سوءا يجز به فقال إنا لنجزى بكل ما عملناه هلكنا إذا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال نعم يجزى به في الدنيا من مصيبة في جسده مما يؤذيه وأخرجه أحمد وصححه بن حبان أيضا من حديث أبي بكر الصديق أنه قال يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به فقال غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض ألست تحزن قال قلت بلى قال هو ما تجزون به ولمسلم من طريق محمد بن قيس بن مخرمة عن أبي هريرة لما نزلت من يعمل سوءا يجز به بلغت من المسلمين مبلغا شديدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم
[ 90 ]
كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها ثم ذكر المصنف في الباب ستة أحاديث الحديث الاول حديث عائشة رضي الله تعالى عنه قوله ما من مصيبة أصل المصيبة الرمية بالسهم ثم استعملت في كل نازلة وقال الراغب أصاب يستعمل في الخير والشر قال الله تعالى ان تصبك حسنة تسؤهم وأن تصبك مصيبة الآية قال وقيل الاصابة في الخير مأخوذة من الصوب وهو المطر الذي ينزل بقدر الحاجة من غير ضرر وفي الشر مأخوذة من إصابة السهم وقال الكرماني المصيبة في اللغة ما ينزل بالانسان مطلقا وفي العرف ما نزل به من مكروه خاصة وهو المراد هنا قوله تصيب المسلم في رواية مسلم من طريق مالك ويونس جميعا عن الزهري ما من مصيبة يصاب بها المسلم ولاحمد من طريق عبد الرزاق عن معمر بهذا السند ما من وجع أو مرض يصيب المؤمن ولابن حبان من طريق بن أبي السري عن عبد الرزاق ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها ونحوه لمسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه قوله حتى الشوكة جوزوا فيه الحركات الثلاث فالجر بمعنى الغاية أي حتى ينتهي إلى الشوكة أو عطفا على لفظ مصيبة والنصب بتقدير عامل أي حتى وجدانه الشركة والرفع عطفا على الضمير في تصيب وقال القرطبي قيده المحققون بالرفع والنصب فالرفع على الابتداء ولا يجوز على المحل كذا قال ووجهه غيره بأنه يسوغ على تقدير أن من زائدة قوله يشاكها بضم أوله أي يشوكه غيره بها وفيه وصل الفعل لان الاصل يشاك بها وقال بن التين حقيقة هذا اللقظ يعني قوله يشاكها أن يدخلها غيره قلت ولا يلزم من كونه الحقيقة أن لا يراد ما هو أعم من ذلك حتى يدخل ما إذا دخلت هي بغير إدخال أحد وقد وقع في رواية هشام بن عروة عند مسلم لا يصيب المؤمن شوكة فاضافة الفعل إليها هو الحقيقة ويحتمل إرادة المعنى الاعم وهي أن تدخل بغير فعل أحد أو بفعل أحد فمن لا يمنع الجمع بين إرادة الحقيقة والمجاز باللفظ الواحد يجوز مثل هذا ويشاكها ضبط بضم أوله ووقع في نسخة الصغاني بفتحه ونسبها بعض شراح المصابيح لصحاح الجوهري لكن الجوهري إنما ضبطها لمعنى آخر فقدم لفظ يشاك بضم أوله ثم قال والشوكة حدة الناس وحدة السلاح وقد شاك
الرجل يشاك شوكا إذا ظهرت فيه شوكته وقويت قوله إلا كفر الله بها عنه في رواية أحمد إلا كان كفارة لذنبه أي يكون ذلك عقوبة بسبب ما كان صدر منه من المعصية ويكون ذلك سببا لمغفرة ذنبه ووقع في رواية بن حبان المذكورة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة ومثله لمسلم من طريق الاسود عن عائشة وهذا يقتضي حصول الامرين معا حصول الثواب ورفع العقاب وشاهده ما أخرجه الطبراني في الاوسط من وجه آخر عن عائشة بلفظ ما ضرب على مؤمن عرق قط إلا حط الله به عنه خطيئة وكتب له حسنة ورفع له درجة وسنده جيد وأما ما أخرجه مسلم أيضا من طريق عمرة نها إلا كتب الله له بها حسنة أو حط عنه بها خطيئة كذا وقع فيه بلفظ أو فيحتمل أن يكون شكا من الراوي ويحتمل التنويع وهذا أوجه ويكون المعنى إلا كتب الله له بها حسنة إن لم يكن عليه خطايا أو حط عنه خطايا إن كان له خطايا وعلى هذا فمقتضى الاول أن من ليست عليه خطيئة يزاد في رفع درجته بقدر ذلك والفضل واسع تنبيه وقع لهذا الحديث سبب أخرجه أحمد وصححه أبو عوانة والحاكم من طريق عبد الرحمن بن شيبة العبدري أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وجع
[ 91 ]
فجعل يتقلب على فراشه ويشتكي فقالت له عائشة لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه فقال إن الصالحين يشدد عليهم وأنه لا يصيب المؤمن نكبة شوكة الحديث وفي هذا الحديث تعقب على الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور وهو خطأ صريح فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب والمصائب ليست منها بل الاجر على الصبر والرضا ووجه التعقب أن الاحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الاجر بمجرد حصول المصيبة وأما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة قال القرافي المصائب كفارات جزما سواء اقترن بها الرضا أم لا لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير وإلاقل كذا قال والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها وبالرضا يؤجر على ذلك فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه وزعم القرافي أنه لا يجوز لاحد أن يقول للمصاب
جعل الله هذه المصيبة كفارة لذنبك لان الشارع قد جعلها كفارة فسؤال التكفير طلب لتحصيل الحاصل وهو إساءة أدب على الشارع كذا قال وتعقب بما ورد من جواز الدعاء بما هو واقع كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الوسيلة له وأجيب عنه بأن الكلام فيما لم يرد فيه شئ وأما ما ورد فهو مشروع ليثاب من امتثل الامر فيه على ذلك الحديث الثاني والثالث حديث أبي سعيد وأبي هريرة معا قوله عبد الملك بن عمرو هو أبو عامر العقدي مشهور بكنيته أكثر من اسمه وزهير بن محمد هو أبو المنذر التميمي وقد تكلموا في حفظه لكن قال البخاري في التاريخ الصغير ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح قلت وقال أحمد بن حنبل كان زهير بن محمد الذي يروي عنه الشاميون آخر لكثرة المناكير انتهى ومع ذلك فما أخرج له البخاري إلا هذا الحديث وحديثا آخر في كتاب الاستئذان من رواية أبي عامر العقدي أيضا عنه وأبو عامر بصري وقد تابعه على هذا الحديث الوليد بن كثير في حديث الباب عن شيخه فيه محمد بن عمرو بن حلحلة عند مسلم وحلحلة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة وبعد الثانية لام مفتوحة ثم هاء قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الوليد بن كثير أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله من نصب بفتح النون والمهملة ثم موحدة هو التعب وزنه ومعناه قوله ولا وصب بفتح الواو والمهملة ثم الموحدة أي مرض وزنه ومعناه وقيل هو المرض اللازم قوله ولا هم ولا حزن هما من أمراض الباطن ولذلك ساغ عطفهما على الوصب قوله ولا أذى هو أعم مما تقدم وقيل هو خاص بما يلحق الشخص من تعدي غيره عليه قوله ولا غم بالغين المعجمة هو أيضا من أمراض الباطن وهو ما يضيق على القلب وقيل في هذه الاشياء الثلاثة وهي الهم والغم والحزن أن الهم ينشأ عن الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به والغم كرب يحدث للقلب بسبب ما حصل والحزن يحدث لفقد ما يشق على المرء فقده وقيل الهم والغم بمعنى واحد وقال الكرماني الغم يشمل جميع أنواع المكروهات لانه إما بسبب ما يعرض للبدن أو النفس والاول إما بحيث يخرج عن المجرى الطبيعي أو لا والثاني إما أن يلاحظ فيه الغير أو لا وإما أن يظهر فيه الانقباض
أو لا وإما بالنظر إلى الماضي أو لا الحديث الرابع حديث كعب قوله حدثنا يحيى هو القطان وسفيان هو الثوري وسعد هو بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري وعبد الله بن
[ 92 ]
كعب أي ابن مالك الانصاري قوله كالخامة بالخاء المعجمة وتخفيف الميم هي الطاقة الطرية اللينة أو الغضة أو القضبة قال الخليل الخامة الزرع أول ما ينبت على ساق واحد والالف منها منقلبة عن واو ونقل بن التين عن القزاز أنه ذكرها بالمهملة والفاء وفسرها بالطاقة من الزرع ووقع عند أحمد في حديث جابر مثل المؤمن مثل السنبلة تستقيم مرة وتخر أخرى وله في حديث لابي بن كعب مثل المؤمن مثل الخامة تحمر مرة وتصفر أخرى قوله تفيئها بفاء وتحتانية مهموز أي تميلها وزنه ومعناه قال الزركشي هنا لم يذكر الفاعل وهو الريح وبه يتم الكلام وقد ذكره في باب كفارة المرض وهذا من أعجب ما وقع له فان هذا الباب الذي ذكر فيه ذلك هو باب كفارة المرض ولفظ الريح ثابت فيه عند معظم الرواة ونقل بن التين عن أبي عبد الملك أن معنى تفيئها ترقدها وتعقبه بأنه ليس في اللغة فاء إذا رقد قلت لعله تفسير معنى لان الرقود رجوع عن القيام وفاء يجئ بمعنى رجع قوله وتعدلها بفتح أوله وسكون المهملة وكسر الدال وبضم أوله أيضا وفتح ثانيه والتشديد ووقع عند مسلم تفيئها الريح تصرعها مرة وتعدلها أخرى وكأن ذلك باختلاف حال الريح فإن كانت شديدة حركتها فمالت يمينا وشمالا حتى تقارب السقوط وإن كانت ساكنة أو إلى السكون أقرب أقامتها ووقع في رواية زكريا عند مسلم حتى تهيج أي تستوي ويكمل نضجها ولاحمد من حديث جابر مثله قوله ومثل المنافق في حديث أبي هريرة المذكور بعده الفاجر وفي رواية زكريا عند مسلم الكفار قوله كالارزة بفتح الهمزة وقيل بكسرها وسكون الراء بعدها زاي كذا للاكثر وقال أبو عبيدة هو بوزن فاعلة وهي الثابتة في الارض ورده أبو عبيد بأن الرواة اتفقوا على عدم المد وإنما اختلفوا في سكون الراء وتحريكها والاكثر على السكون وقال أبو حنيفة الدينوري الراء ساكنة وليس هو من نبات أرض العرب ولا ينبت في السباخ بل يطول طولا شديدا ويغلظ قال وأخبرني الخبير أنه
ذكر الصنوبر وأنه لا يحمل شيئا وإنما يستخرج من أعجازه وعروقه الزفت وقال بن سيده الارز العرعر وقيل شجر بالشام يقال لثمره الصنوبر وقال الخطابي الارزة مفتوحة الراء واحدة الارز وهو شجر الصنوبر فيما يقال وقال القزاز قاله قوم بالتحريك وقالوا هو شجر معتدل صلب لا يحركه هبوب الريح ويقال له الارزن قوله انجعافها بجيم ومهملة ثم فاء أي انقلاعها تقول جعفته فانجعف مثل قلعته فانقلع ونقل بن التين عن الداودي أن معناه انكسارها من وسطها أو أسفلها قال المهلب معنى الحديث أن المؤمن حيث جاءه أمر الله أن طاع له فإن وقع له خير فرح به وشكر وإن وقع له مكروه صبر ورجا فيه الخير والاجر فإذا اندفع عنه اعتدل شاكرا والكافر لا يتفقده الله باختياره بل يحصل له التيسير في الدنيا ليتعسر عليه الحال في المعاد حتى إذا أراد الله إهلاكه قصمه فيكون موته أشد عذابا عليه وأكثر ألما في خروج نفسه وقال غيره المعنى أن المؤمن يتلقى الاعراض الواقعة عليه لضعف حظه من الدنيا فهو كأوائل الزرع شديد الميلان لضعف ساقه والكافر بخلاف ذلك وهذا في الغالب من حال الاثنين قوله وقال زكريا هو ابن أبي زائدة وهذا التعليق عنه وصله مسلم من طريق عبد الله بن نمير ومحمد بن بشر كلاهما عنه قوله حدثني سعد هو بن إبراهيم المذكور من قبل قوله حدثني بن كعب يريد أنه مغاير لرواية سفيان عن سعد في شيئين أحدهما إبهامه اسم بن كعب والثاني تصريحه بالتحديث فيستفاد
[ 93 ]
من رواية سفيان تسميته ومن رواية زكريا التصريح باتصاله وقد وقع في رواية لمسلم عند سفيان تسميته عبد الرحمن بن كعب ولعل هذا هو السر في إبهامه في رواية زكريا ويستفاد من صنيع مسلم في تخريج الروايتين عن سفيان أن الاختلاف إذا دار على ثقة لا يضر الحديث الخامس حديث أبي هريرة قوله حدثني أبي هو فليح بن سليمان قوله عن هلال بن علي من بني عامر بن لؤي كذا فيه وليس هو من أنفسهم وإنما هو من مواليهم واسم جده أسامة وقد ينسب إلى جده ويقال له أيضا هلال بن أبي ميمونة وهلال بن أبي هلال وهو مدني تابعي صغير موثق وفي الرواة هلال بن أبي هلال سلمة الفهري تابعي مدني أيضا يروي عن بن عمر روى عنه أسامة بن زيد
الليثي وحده ووهم من خلطه بهلال بن علي وفيهم أيضا هلال بن أبي هلال مذحجي تابعي أيضا يروي عن أبي هريرة وهلال بن أبي هلال أبو ظلال بصري تابعي أيضا يأتي ذكره قريبا في باب فضل من ذهب بصره وهلال بن أبي هلال شيخ يروي عن أنس أفرده الخطيب في المتفق عن أبي ظلال وقال أنه مجهول ولست أستبعد أن يكون واحدا قوله من حيث أتتها الريح كفأتها بفتح الكاف والفاء والهمز أي أمالتها ونقل بن التين أن منهم من رواه بغير همز ثم قال كأنه سهل الهمز وهو كما ظن والمعنى أمالتها قوله فإذا اعتدلت تكفأ بالبلاء قال عياض كذا فيه وصوابه فإذا انقلبت ثم يكون قوله تكفأ رجوعا إلى وصف المسلم وكذا ذكره في التوحيد وقال الكرماني كان المناسب أن يقول فإذا اعتدلت تكفأ بالريح كما يتكفأ المؤمن بالبلاء لكن الريح أيضا بلاء بالنسبة إلى الخامة أو لانه لما شبة المؤمن بالخامة أثبت للمشبه به ما هو من خواص المشبه قلت ويحتمل أن يكون جواب إذا محذوفا والتقدير استقامت أي فإذا اعتدلت الريح استقامت الخامة ويكون قوله بعد ذلك تكفأ بالبلاء رجوعا إلى وصف المسلم كما قال عياض وسياق المصنف في باب المشيئة والارادة من كتاب التوحيد يؤيد ما قلت فإنه أخرجه فيه عن محمد بن سنان عن فليح عاليا بإسناده الذي هنا وقال فيه فإذا سكنت اعتدلت وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء تنبيه ذكر المزي في الاطراف في ترجمة هلال بن علي عن عطاء ابن يسار عن أبي هريرة حديث مثل المؤمن مثل خامة الزرع خ في الطب عن محمد بن سنان عن فليح وعن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن أبيه عنه به قال أبو القاسم يعني ابن عساكر لم أجد حديث محمد بن سنان ولا ذكره أبو مسعود فأشار إلى أن خلفا تفرد بذكره قلت ورواية إبراهيم بن المنذر في كتاب المرضى كما ترى لا في الطب لكن الامر فيه سهل وأما رواية محمد بن سنان فقد بينت أين ذكرها البخاري أيضا فيتعجب من خفاء ذلك على هذين الحافظين الكبيرين بن عساكر والمزي ولله الحمد على ما أنعم قوله والفاجر في رواية محمد بن سنان والكافر وبهذا يظهر أن المراد بالمنافق في حديث كعب بن مالك نفاق الكفر قوله صماء أي صلبة شديدة بلا تجويف قوله يقصمها بفتح أوله وبالقاف أي يكسرها وكأنه مستند
الداودي فيما فسر به الانجعاف لكن لا يلزم من التعبير بما يدل على الكسر أن يكون هو الانقلاع لان الغرض القدر المشترك بينهما وهو الازالة والمراد خروج الروح من الجسد الحديث السادس حديث أبي هريرة أيضا قوله عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة هكذا جرد مالك نسبه ومنهم من ينسبه إلى جده ومنهم من ينسب عبد الله إلى
[ 94 ]
جده ووقع في رواية الاسماعيلي من طريق بن القاسم عن مالك حدثني محمد بن عبد الله فذكره قوله أبا الحباب بضم المهملة وموحدتين مخففا قوله من يرد الله به خيرا يصب منه كذا للاكثر بكسر الصاد والفاعل الله قال أبو عبيد الهروي معناه يبتليه بالمصائب ليثيبه عليها وقال غيره معناه يوجه إليه البلاء فيصيبه وقال بن الجوزي أكثر المحدثين يرويه بكسر الصاد وسمعت بن الخشاب يفتح الصاد وهو أحسن وأليق كذا قال ولو عكس لكان أولى والله أعلم ووجه الطيبي الفتح بأنه أليق بالادب لقوله تعالى وإذا مرضت فهو يشفين قلت ويشهد للكسر ما أخرجه أحمد من حديث محمود بن لبيد رفعه إذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن صبر فله الصبر ومن جزع فله الجزع ورواته ثقات إلا أن محمود بن لبيد اختلف في سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم وقد رآه وهو صغير وله شاهد من حديث أنس عند الترمذي وحسنه وفي هذه الاحاديث بشارة عظيمة لكل مؤمن لان الآدمي لا ينفك غالبا من ألم بسبب مرض أو هم أو نحو ذلك مما ذكر وأن الامراض والاوجاع والآلام بدنية كانت أو قلبية تكفر ذنوب من تقع له وسيأتي في الباب الذي بعده من حديث بن مسعود ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه وظاهره تعميم جميع الذنوب لكن الجمهور خصوا ذلك بالصغائر للحديث الذي تقدم التنبيه عليه في أوائل الصلاة الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر فحملوا المطلقات الواردة في التكفير على هذا المقيد ويحتمل أن يكون معنى الاحاديث التي ظاهرها التعميم أن المذكورات صالحة لتكفير الذنوب فيكفر الله بها ما شاء من الذنوب ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدة المرض
وخفته ثم المراد بتكفير الذنب ستره أو محو أثره المرتب عليه من استحقاق العقوبة وقد استدل به على أن مجرد حصول المرض أو غيره مما ذكر يترتب عليه التكفير المذكور سواء انضم إلى ذلك صبر المصاب أم لا وأبي ذلك قوم كالقرطبي في المفهم فقال محل ذلك إذا صبر المصاب واحتسب وقال ما أمر الله به في قوله تعالى الذين إذا أصابتهم مصيبة الآية فحينئذ يصل إلى ما وعد الله ورسوله به من ذلك وتعقب بأنه لم يأت على دعواه بدليل وأن في تعبيره بقوله بما أمر الله نظرا إذ لم يقع هنا صيغة أمر وأجيب عن هذا بأنه وإن لم يقع التصريح بالامر فسياقه يقتضي الحث عليه والطلب له ففيه معنى الامر وعن الاول بأنه حمل الاحاديث الواردة بالتقييد بالصبر على المطلقة وهو حمل صحيح لكن كان يتم له ذلك لو ثبت شئ منها بل هي إما ضعيفة لا يحتج بها وإما قوية لكنها مقيدة بثواب مخصوص فاعتبار الصبر فيما إنما هو لحصول ذلك الثواب المخصوص مثل ما سيأتي فيمن وقع الطاعون ببلد هو فيها فصبر واحتسب فله أجر شهيد ومثل حديث محمد بن خالد عن أبيه عن جده وكانت له صحبة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل ابتلاه الله في جسده أو ولده أو ماله ثم صبر على ذلك حتى يبلغ تلك المنزلة رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات إلا أن خالدا لم يرو عنه غير ابنه محمد وأبوه اختلف في اسمه لكن إبهام الصحابي لا يضر وحديث سخبرة بمهملة ثم معجمة ثم موحدة وزن مسلمة رفعه من أعطى فشكر وابتلى فصبر وظلم فاستغفر وظلم فغفر أولئك لهم الامن وهم مهتدون أخرجه الطبراني بسند حسن والحديث الآتي قريبا من ذهب بصره يدخل في هذا أيضا هكذا زعم
[ 95 ]
بعض من لقيناه أنه استقرأ الاحاديث الواردة في الصبر فوجدها لا تعدو أحد الامرين وليس كما قال بل صح التقييد بالصبر مع إطلاق ما يترتب عليه من الثواب وذلك فيما أخرجه مسلم من حديث صهيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجبا لامر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك الا للمؤمن إن أصابته سراء فشكر الله فله أجر وإن أصابته ضراء فصبر فله أجر فكل قضاء الله للمسلم خير وله شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ عجبت من قضاء الله للمؤمن إن أصابه خير حمد
وشكر وإن أصابته مصيبة حمد وصبر فالمؤمن يؤجر في كل أمره الحديث أخرجه أحمد والنسائي وممن جاء عنه التصريح بأن الاجر لا يحصل بمجرد حصول المصيبة بل إنما يحصل بها التكفير فقط من السلف الاول أبو عبيدة بن الجراح فروى أحمد والبخاري في الادب المفرد وأصله في النسائي بسند جيد وصححه الحاكم من طريق عياض بن غطيف قال دخلنا على أبي عبيدة نعوده من شكوى أصابته فقلنا كيف بات أبو عبيدة فقالت امرأته نحيفة لقد بات بأجر فقال أبو عبيدة ما بت بأجر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حطة وكأن أبا عبيدة لم يسمع الحديث الذي صرح فيه بالاجر لمن أصابته المصيبة أو سمعه وحمله على التقييد بالصبر والذي نفاه مطلق حصول الاجر العاري عن الصبر وذكر ابن بطال أن بعضهم استدل على حصول الاجر بالمرض بحديث أبي موسى الماضي في الجهاد بلفظ إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحا مقيما قال فقد زاد على التكفير وأجاب بما حاصله وأجاب بما حاصله أن الزيادة لهذا إنما هي باعتبار نيته أنه لو كان صحيحا لدام على ذلك العمل الصالح فتفضل الله عليه بهذه النية بأن يكتب له ثواب ذلك العمل ولا يلزم من ذلك أن يساويه من لم يكن يعمل في صحته شيئا وممن جاء عنه أن المريض يكتب له الاجر بمرضه أبو هريرة فعند البخاري في الادب المفرد بسند صحيح عنه أنه قال ما من مرض يصيبني أحب إلي من الحمى لانها تدخل في كل عضو مني وإن الله يعطي كل عضو قسطه من الاجر ومثل هذا لا يقوله أبو هريرة برأيه وأخرج الطبراني من طريق محمد بن معاذ عن أبيه عن جده أبي بن كعب أنه قال يا رسول الله ما جزاء الحمى قال تجري الحسنات على صاحبها ما اختلج عليه قدم أو ضرب عليه عرق الحديث والاولى حمل الاثبات والنفي على حالين فمن كانت له ذنوب مثلا أفاد المرض تمحيصها ومن لم تكن له ذنوب كتب له بمقدار ذلك ولما كان الاغلب من بني آدم وجود الخطايا فيهم أطلق من أطلق أن المرض كفارة فقط وعلى ذلك تحمل الاحاديث المطلقة ومن أثبت الاجر به فهو محمول على تحصيل ثواب يعادل الخطيئة فإذا لم تكن خطيئة توفر لصاحب المرض الثواب والله أعلم بالصواب وقد استبعد بن عبد السلام في القواعد حصول الاجر على نفس المصيبة وحصر حصول الاجر
بسببها في الصبر وتعقب بما رواه أحمد بسند جيد عن جابر قال استأذنت الحمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها إلى أهل قباء فشكوا إليه ذلك فقال ما شئتم إن شئتم دعوت الله لكم فكشفها عنكم وإن شئتم أن تكون لكم طهورا قالوا فدعها ووجه الدلالة منه أنه لم يؤاخذهم بشكواهم ووعدهم بأنها طهور لهم قلت والذي يظهر أن المصيبة إذا قارنها الصبر حصل التكفير ورفع الدرجات على ما تقدم تفصيله وإن لم يحصل الصبر نظر إن لم يحصل من الجزع ما يذم من قول أو فعل فالفضل واسع ولكن المنزلة منحطة عن منزلة الصابر السابقة وإن حصل
[ 96 ]
فيكون ذلك سببا لنقص الاجر الموعود به أو التكفير فقد يستويان وقد يزيد أحدهما على الآخر فبقدر ذلك يقضى لاحدهما على الآخر ويشير إلى التفصيل المذكور حديث محمود بن لبيد الذي ذكرته قريبا والله أعلم قوله باب شدة المرض أي وبيان ما فيها من الفضل قوله وحدثني بشر بن محمد أخبرنا عبد الله هو بن المبارك قوله عن الاعمش كذا أعاد الاعمش بعد التحويل ولو وقف في السند الاول عند سفيان وحول ثم قال كلاهما عن الاعمش لكان سائغا لكن أظنه فعل ذلك لكونه ساقه على لفظ الرواية الثانية وهي رواية شعبة وقد أخرجها الاسماعيلي من طريق حبان بن موسى عن بن المبارك بلفظ ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وساقه من رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن قبيصة شيخ البخاري فيه بلفظ ما رأيت أحدا كان أشد عليه الوجع والباقي سواء والمراد بالوجع المرض والعرب تسمي كل وجع مرضا ثم ذكر المصنف حديث بن مسعود الآتي في الباب الذي يليه وقوله في آخره إلا حات الله بحاء مهملة ومد وتشديد المثناة أصله حاتت بمثناتين فأدغمت إحداهما في الاخرى والمعنى فتت وهي كناية عن إذهاب الخطايا قوله حدثنا محمد بن يوسف هو الفريابي وسفيان هو الثوري قوله باب أشد الناس بلاء الانبياء ثم الامثل فالامثل كذا للاكثر وللنسفي الاول فالاول وجمعهما المستملي والمراد بالاول الاولية في الفضل والامثل أفعل من المثالة والجمع أماثل وهم الفضلاء وصدر هذه الترجمة لفظ حديث
أخرجه الدارمي والنسائي في الكبرى وابن ماجة وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم كلهم من طريق عاصم بن بهدلة عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء قال الانبياء ثم الامثل فالامثل يبتلي الرجل على حسب دينه الحديث وفيه حتى يمشي على الارض وما عليه خطيئة أخرجه الحاكم من رواية العلاء بن المسيب عن مصعب أيضا وأخرجه له شاهدا من حديث أبي سعيد ولفظه قال الانبياء قال ثم من قال العلماء قال ثم من قال الصالحون الحديث وليس فيه ما في آخر حديث سعد ولعل الاشارة بلفظ الاول فالاول إلى ما أخرجه النسائي وصححه الحاكم من حديث فاطمة بنت اليمان أخت حذيفة قالت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نساء نعوده فإذا بسقاء يقطر عليه من شدة الحمى فقال إن من أشد الناس بلاء الانبياء ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم صلى الله عليه وسلم قوله عن أبي حمزة هو السكري بضم المهملة وتشديد الكاف قوله عن إبراهيم التيمي هو بن يزيد بن شريك والحارث بن سويد هو تيمي أيضا وفي الاسناد ثلاثة من التابعين في نسق كوفيون وليس للحارث بن سويد في البخاري سوى هذا الحديث وآخر يأتي في الدعوات لكنهما عنده من طرق عديدة وله عنده ثالث مضى في الاشربة من روايته عن علي بن أبي طالب قوله دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك في رواية سفيان التي قبلها أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه والوعك بفتح الواو وسكون العين المهملة الحمى وقد تفتح وقيل ألم الحمى وقيل تعبها وقيل إرعادها الموعوك وتحريكها إياه وعن الاصمعي الوعك الحر فإن كان محفوظا فلعل الحمى سميت وعكا لحراراتها قوله ذلك إشارة إلى مضاعفة الاجر بشدة الحمى وعرف بهذا أن في الرواية السابقة في الباب قبله حذفا يعرف من هذه الرواية وهو قوله أني أوعك كما يوعك رجلان منكم قوله أجل أي نعم وزنا ومعنى
[ 97 ]
قوله أذى شوكة التنوين فيه للتقليل لا للجنس ليصح ترتب فوقها ودونها في العظم والحقارة عليه بالفاء وهو يحتمل فوقها في العظم ودونها في الحقارة وعكسه والله أعلم قوله كما تحط بفتح أوله وضم المهملة وتشديد الطاء المهملة أي تلقيه منتثرا والحاصل أنه أثبت أن المرض إذا أشتد
ضاعف الاجر ثم زاد عليه بعد ذلك أن المضاعفة تنتهي إلى أن تحط السيئات كلها أو المعنى قال نعم شدة المرض ترفع الدرجات وتحط الخطيئات أيضا حتى لا يبقى منها شئ ويشير إلى ذلك حديث سعد الذي ذكرته قبل حتى يمشي على الارض وما عليه خطيئة ومثله حديث أبي هريرة عند أحمد وابن أبي شيبة بلفظ لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة قال أبو هريرة ما من وجع يصيبني أحب إلي من الحمى أنها تدخل في كل مفصل من بن آدم وأن الله يعطي كل مفصل قسطه من الاجر ووجه دلالة حديث الباب على الترجمة من جهة قياس الانبياء على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإلحاق الاولياء بهم لقربهم منهم وإن كانت درجتهم منحطة عنهم والسر فيه أن البلاء في مقابلة النعمة فمن كانت نعمة الله عليه أكثر كان بلاؤه أشد ومن ثم ضوعف حد الحر على العبد وقيل لامهات المؤمنين من يأت منكن بفاحشة مبينه يضعف لها العذاب ضعفين قال بن الجوزي في الحديث دلالة على أن القوي يحمل ما حمل والضعيف يرفق به إلا أنه كلما قويت المعرفة بالمبتلي هان عليه البلاء ومنهم من ينظر إلى أجر البلاء فيهون عليه البلاء وأعلى من ذلك درجة من يرى أن هذا تصرف المالك في ملكة فيسلم ولا يعترض وأرفع منه من شغلته المحبة عن طلب رفع البلاء وأنهى المراتب من يتلذذ به لانه عن اختياره نشأ والله أعلم قوله باب وجوب عيادة المريض كذا جزم بالوجوب على ظاهر الامر بالعيادة وتقدم حديث أبي هريرة في الجنائز حق المسلم على المسلم خمس فذكر منها عيادة المريض ووقع في رواية مسلم خمس تجب للمسلم على المسلم فذكرها منها قال بن بطال يحتمل أن يكون الامر على الوجوب بمعنى الكفاية كاطعام الجائع وفك الاسير ويحتمل أن يكون للندب للحث على التواصل والالفة وجزم الداودي بالاول فقال هي فرض يحمله بعض الناس عن بعض وقال الجمهور هي في الاصل ندب وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض وعن الطبري تتأكد في حق من ترجى بركته وتسن فيمن يراعي حاله وتباح فيما عدا ذلك وفي الكافر خلاف كما سيأتي ذكره في باب مفرد ونقل النووي الاجماع على عدم الوجوب يعني على الاعيان وقد تقدم حديث أبي موسى المذكور هنا في الجهاد وفي الوليمة وذكر بعده حديث البراء مختصرا مقتصرا
على بعض الخصال السبع ويأتي شرحه مستوفي في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى واستدل بعموم قوله عودوا المريض على مشروعية العيادة في كل مريض لكن استثنى بعضهم الارمد لكون عائده قد يرى ما لا يراه هو وهذا الامر خارجي قد يأتي مثله في بقية الامراض كالمغمي عليه وقد عقبه المصنف به وقد جاء في عيادة الارمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم قال عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع كان بعيني أخرجه أبو داود وصححه الحاكم وهو عند البخاري في الادب المفرد وسياقه أتم وأما ما أخرجه البيهقي والطبراني مرفوعا ثلاثة ليس لهم عيادة العين والدمل والضرس فصحح البيهقي أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير ويؤخذ من إطلاقه أيضا عدم التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه وهو قول الجمهور وجزم الغزالي في
[ 98 ]
الاحياء بأنه لا يعاد إلا بعد ثلاث واستند إلى حديث أخرجه بن ماجة عن أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعود مريضا إلا بعد ثلاث وهذا حديث ضعيف جدا تفرد به مسلمة بن علي وهو متروك وقد سئل عنه أبو حاتم فقال هو حديث باطل ووجدت له شاهدا من حديث أبي هريرة عند الطبراني في الاوسط وفيه راو متروك أيضا ويلتحق بعيادة المريض تعهده وتفقد أحواله والتلطف به وربما كان ذلك في العادة سببا لوجود نشاطه وانتعاش قوته وفي إطلاق الحديث أن العيادة لا تتقيد بوقت دون وقت لكن جرت العادة بها في طرفي النهار وترجمة البخاري في الادب المفرد العيادة في الليل وساق عن خالد بن الربيع قال لما ثقل حذيفة أتوه في جوف الليل أو عند الصبح فقال أي ساعة هذه فأخبروه فقال أعوذ بالله من صباح إلى النار الحديث ونقل الاثرم عن أحمد أنه قيل له بعد ارتفاع الهار في الصيف تعود فلانا قال ليس هذا وقت عيادة ونقل بن الصلاح عن الفراوي أن العيادة تستحب في الشتاء ليلا وفي الصيف نهارا وهو غريب ومن آدابها أن لا يطيل الجلوس حتى يضجر المريض أو يشق على أهله فإن اقتضت ذلك ضرورة فلا بأس كما في حديث جابر الذي بعده وقد ورد في فضل العيادة أحاديث كثيرة جياد منها عند مسلم والترمذي من حديث ثوبان أن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة
وخرفة بضم المعجمة وسكون الراء بعدها فاء ثم هاء هي الثمرة إذا نضجت شبه ما يحوزه عائد المريض من الثواب بما يحوزه الذي يجتني الثمر وقيل المراد بها هنا الطريق والمعنى أن العائد يمشي في طريق تؤديه إلى الجنة والتفسير الاول أولى فقد أخرجه البخاري في الادب المفرد من هذا الوجه وفيه قلت لابي قلابة ما خرقة الجنة قال جناها وهو عند مسلم من جملة المرفوع وأخرج البخاري أيضا من طريق عمر بن الحكم عن جابر رفعه من عاد مريضا خاض في الرحمة حتى إذا قعد استقر فيها وأخرجه أحمد والبزار وصححه بن حبان والحاكم من هذا الوجه وألفاظهم فيه مختلفة ولاحمد نحوه من حديث كعب بن مالك بسند حسن قوله باب عيادة المغمى عليه أي الذي يصيبه غشي تتعطل معه قوته الحساسة قال بن المنير فائدة الترجمة أن لا يعتقد أن عيادة المغمى عليه ساقطة الفائدة لكونه لا يعلم بعائدة ولكن ليس في حديث جابر التصريح بأنهما علما أنه مغمى عليه قبل عيادته فلعله وافق حضورهما قلت بل الظاهر من السياق وقوع ذلك حال مجيئهما وقبل دخولهما عليه ومجرد علم المريض بعائدة لا تتوقف مشروعية العيادة عليه لان وراء ذلك جبر خاطر أهله وما يرجى من بركة دعاء العائد ووضع يده على المريض والمسح على جسده والنفث عليه عند التعويذ إلى غير ذلك وقد تقدم شرح حديث جابر المذكور في كتاب الطهارة وفي تفسير سورة النساء قوله باب فضل من يصرع من الريح انحباس الريح قد يكون سببا للصرع وهي علة تمنع الاعضاء الرئيسة عن انفعالها منعا غير تام وسببه ريح غليظة تنحبس في منافذ الدماغ أو بخار ردئ يرتفع إليه من بعض الاعضاء وقد يتبعه تشنج في الاعضاء فلا يبقى الشخص معه منتصبا بل يسقط ويقذف بالزبد لغلظ الرطوبة وقد يكون الصرع من الجن ولا يقع إلى من النفوس الخبيثة منهم إما لاستحسان بعض الصور الانسية وإما لايقاع الاذية به والاول هو الذي يثبته جميع الاطباء ويذكرون علاجه والثاني يجحده كثير منهم وبعضهم يثبته ولا يعرف له علاجا إلا بمقاومة
[ 99 ]
الارواح الخيرة العلوية لتندفع آثار الارواح الشريرة السفلية وتبطل أفعالها وممن نص منهم
على ذلك إبقراط فقال لما ذكر علاج المصروع هذا إنما ينفع في الذي سببه أخلاط وأما الذي يكون من الارواح فلا قوله يحيى هو بن سعيد القطان قوله عن عمران أبي بكر هو المعروف بالقصير واسم أبيه مسلم وهو بصري تابعي صغير قوله ألا أريك ألا بتخفيف اللام قبلها همزة مفتوحة قوله هذه المرأة السوداء في رواية جعفر المستغفري في كتاب الصحابة وأخرجه أبو موسى في الذيل من طريقه ثم من رواية عطاء الخراساني عن عطاء بن أبي رباح في هذا الحديث فأراني حبشية صفراء عظيمة فقال هذه سعيرة الاسدية قوله فقالت إن بي هذه المؤتة وهو بضم الميم بعدها همزة ساكنة الجنون وأخرجه بن مردويه في التفسير من هذا الوجه فقال في روايته إن بي هذه المؤتة يعني الجنون وزاد في روايته وكذا بن منده أنها كانت تجمع الصوف والشعر والليف فإذا اجتمعت لها كية عظيمة نقضتها فنزل فيها ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها الآية وقد تقدم في تفسير النحل أنها امرأة أخرى قوله وإني أتكشف بمثناة وتشديد المعجمة من التكشف وبالنون الساكنة مخففا من الانكشاف والمراد أنها خشيت أن تظهر عورتها وهي لا تشعر قوله في الطريق الاخرى حدثنا محمد هو بن سلام وصرح به في الادب المفرد ومخلد هو ابن يزيد قوله أنه رأى أم زفر بضم الزاي وفتح الفاء قوله تلك المرأة في رواية الكشميهني تلك امرأة قوله على ستر الكعبة بكسر المهملة أي جالسة عليها معتمدة ويجوز أن يتعلق بقوله رأي ثم وجدت الحديث في الادب المفرد للبخاري وقد أخرجه بهذا السند المذكور هنا بعينه وقال على سلم الكعبة فالله أعلم وعند البزار من وجه آخر عن بن عباس في نحو هذه القصة أنها قالت أني أخاف الخبيث أن يجردني فدعا لها فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتي أستار الكعبة فتتعلق بها وقد أخرج عبد الرزاق عن بن جريج هذا الحديث مطولا وأخرجه بن عبد البر في الاستيعاب من طريق حجاج بن محمد عن بن جريج عن الحسن بن مسلم أنه سمع طاوسا يقول كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى بالمجانين فيضرب صدر أحدهم فيبرا فأتى بمجنونة يقال لها أم زفر فضرب صدرها فلم تبرأ قال بن جريج وأخبرني عطاء فذكر كالذي هنا وأخرجه ابن منده في المعرفة من طريق حنظلة بن أبي سفيان عن طاوس فزاد وكان يثني عليها خيرا وزاد في آخره
فقال أن يتبعها في الدنيا فلها في الآخرة خير وعرف مما أوردته أن اسمها سعيرة وهي بمهملتين مصغر ووقع في رواية بن منده بقاف بدل العين وفي أخرى للمستغفري بالكاف وذكر ابن سعد وعبد الغني في المبهمات من طريق الزبير أن هذه المرأة هي ماشطة خديجة التي كانت تتعاهد النبي صلى الله عليه وسلم بالزيارة كما سيأتي ذكرها في كتاب الادب إن شاء الله تعالى وقد يؤخذ من الطرق التي أوردتها أن الذي كان بأم زفر كان من صرع الجن لا من صرع الخلط وقد أخرج البزار وابن حبان من حديث أبي هريرة شبيها بقصتها ولفظه جاءت امرأة بها لمم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أدع الله فقال إن شئت دعوت الله فشفاك وإن شئت صبرت ولا حساب عليك قالت بل أصبر ولا حساب علي وفي الحديث فضل من يصرع وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة وأن الاخذ بالشدة أفضل من الاخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة وفيه دليل على جواز ترك التداوي وفيه أن علاج الامراض كلها بالدعاء
[ 100 ]
والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير وأن تأثير ذلك وانفعال البدن عنه أعظم من تأثير الادوية البدنية ولكن إنما ينجع بأمرين أحدهما من جهة العليل وهو صدق القصد والآخر من جهة المداوي وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل والله أعلم قوله باب فضل من ذهب بصره سقطت هذه الترجمة وحديثها من رواية النسفي وقد جاء بلفظ الترجمة حديث أخرجه البزار عن زيد بن أرقم بلفظ ما ابتلى عبد بعد ذهاب دينه بأشد من ذهاب بصره ومن ابتلى ببصره فصبر حتى يلقى الله تعالى ولا حساب عليه وأصله عند أحمد بغير لفظه بسند جيد وللطبراني من حديث بن عمر بلفظ من أذهب الله بصره فذكر نحوه قوله حدثني بن الهاد في رواية المصنف في الادب المفرد عن عبد الله بن صالح عن الليث حدثني يزيد بن الهاد وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة قوله عن عمرو أي ابن أبي عمرو ميسرة مولى المطلب أي بن عبد الله بن حنطب قوله إذا ابتليت عبدي محبيبتيه بالتثنية وقد فسرهما آخر الحديث بقوله يريد عينيه ولم يصرح بالذي فسرهما والمراد بالحبيبتين
المحبوبتان لانهما أحب أعضاء الانسان إليه لما يحصل له بفقدهما من الاسف على فوات رؤية ما يريد رؤيته من خير فيسر به أو شر فيجتنبه قوله فصبر زاد الترمذي في روايته عن أنس واحتسب وكذا لابن حبان والترمذي من حديث أبي هريرة ولابن حبان من حديث ابن عباس أيضا والمراد أنه يصبر مستحضرا ما وعد الله به الصابر من الثواب لا أن يصبر مجردا عن ذلك لان الاعمال بالنيات وابتلاء الله عبده في الدنيا ليس من سخطه عليه بل إما لدفع مكروه أو لكفارة ذنوب أو لرفع منزلة فإذا تلقى ذلك بالرضا تم له المراد وإلا يصبر كما جاء في حديث سلمان إن مرض المؤمن يجعله الله له كفارة ومستعتبا وإن مرض الفاجر كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه فلا يدري لم عقل ولم أرسل أخرجه البخاري في الادب المفرد موقوفا قوله عوضته منهما الجنة وهذا أعظم العوض لان الالتذاذ بالبصر يفنى بفناء الدنيا والالتذاذ بالجنة باق ببقائها وهو شامل لكل من وقع له ذلك بالشرط المذكور ووقع في حديث أبي أمامة فيه قيد آخر أخرجه البخاري في الادب المفرد بلفظ إذا أخذت كريمتيك فصبرت عند الصدمة واحتسبت فأشار إلى أن الصبر النافع هو ما يكون في أول وقوع البلاء فيفوض ويسلم وإلا فمتى تضجر وتقلق في أول وهلة ثم يئس فيصبر لا يكون حصل المقصود وقد مضى حديث أنس في الجنائز إنما الصبر عند الصدمة الاولى وقد وقع في حديث العرباض فيما صححه بن حبان فيه بشرط آخر ولفظه إذا سلبت من عبدي كريمتيه وهو بهما ضنين لم أرض له ثوابا دون الجنة إذا هو حمدني عليهما ولم أر هذه الزيادة في غير هذه الطريق وإذا كان ثواب من وقع له ذلك الجنة فالذي له أعمال صالحة أخرى يزاد في رفع الدرجات قوله تابعه أشعث بن جابر وأبو ظلال بن هلال عن أنس أما متابعة أشعث بن جابر وهو بن عبد الله بن جابر نسب إلى جده وهو أبو عبد الله الاعمى البصري الحداني بضم الحاء وتشديد الدال المهملتين وحدان بطن من الازد ولهذا يقال له الازدي وهو الحملي بضم المهملة وسكون الميم وهو مختلف فيه وقال الدارقطني يعتد به وليس له في البخاري إلا هذا الموضع فأخرجها أحمد بلفظ قال ربكم من أذهبت كريمتيه ثم صبر واحتسب كان ثوابه الجنة وأما متابعة أبي ظلال فأخرجها عبد بن حميد عن يزيد بن هارون عنه قال دخلت
[ 101 ]
على أنس فقال لي أدنه متى ذهب بصرك قلت وأنا صغير قال ألا أبشرك قلت بلى فذكر الحديث بلفظ ما لمن أخذت كريمتيه عندي جزاء إلا الجنة وأخرج الترمذي من وجه آخر عن أبي ظلال بلفظ إذا أخذت كريمتي عبدي في الدنيا لم يكن له جزاء عندي إلا الجنة تنبيه أبو ظلال بكسر الظاء المشالة المعجمة والتخفيف اسمه هلال والذي وقع في الاصل أبو ظلال بن هلال صوابه إما أبو ظلال هلال بحذف بن وإما أبو ظلال بن أبي هلال بزيادة أبي واختلف في اسم أبيه فقيل ميمون وقيل سويد وقيل يزيد وقيل زيد وهو ضعيف عند الجميع إلا أن البخاري قال إنه مقارب الحديث وليس له في صحيحه غير هذه المتابعة وذكر المزي في ترجمته أن بن حبان ذكره في الثقات وليس بجيد لان بن حبان ذكره في الضعفاء فقال لا يجوز الاحتجاج به وإنما ذكر في الثقات هلال بن أبي هلال آخر روى عنه يحيى بن المتوكل وقد فرق البخاري بينهما ولهم شيخ ثالث يقال له هلال بن أبي هلال تابعي أيضا روى عنه ابنه محمد وهو أصلح حالا في الحديث منهما والله أعلم قوله باب عيادة النساء الرجال أي ولو كانوا أجانب بالشرط المعتبر قوله وعادت أم الدرداء رجلا من أهل المسجد من الانصار قال الكرماني لابي الدرداء زوجتان كل منهما أم الدرداء فالكبرى اسمها خيرة بالخاء المعجمة المفتوحة بعدها تحتانية ساكنة صحابية والصغرى اسمها هجيمة بالجيم والتصغير وهي تابعية والظاهر أن المراد هنا الكبرى والمسجد مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة قلت وما أدعى أنه الظاهر ليس كذلك بل هي الصغرى لان الاثر المذكور أخرجه البخاري في الادب المفرد من طريق الحارث بن عبيد وهو شامي تابعي صغير لم يلحق أم الدرداء الكبرى فإنها ماتت في خلافة عثمان قبل موت أبي الدرداء قال رأيت أم الدرداء على رحالة أعواد ليس لها غشاء تعود رجلا من الانصار في المسجد وقد تقدم في الصلاة أن أم الدرداء كانت تجلس في الصلاة جلسة الرجل وكانت فقيهة وبينت هناك أنها الصغرى والصغرى عاشت إلى أواخر خلافة عبد الملك بن مروان وماتت في سنة إحدى وثمانين بعد الكبرى بنحو خمسين سنة ثم ذكر المصنف حديث عائشة قالت لما قدم رسول الله صلى الله
عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال قالت فدخلت عليهما الحديث وقد اعترض عليه بأن ذلك قبل الحجاب قطعا وقد تقدم أن في بعض طرقه وذلك قبل الحجاب وأجيب بأن ذلك لا يضره فيما ترجم له من عيادة المرأة الرجل فإنه يجوز بشرط التستر والذي يجمع بين الامرين ما قبل الحجاب وما بعده الامن من الفتنة وقد تقدم شرح الحديث مستوفى في أبواب الهجرة من أوائل المغازي وقوله في البيت الذي أوله ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد كذا هو بالتنكير والابهام والمراد به وادي مكة وذكر الجوهري في الصحاح ما يقتضي أن الشعر المذكور ليس لبلال فإنه قال كان بلال يتمثل به وأورده بلفظ هل أبيتن ليلة بمكة حولي وقوله شامة وطفيل هما جبلان عند الجمهور وصوب الخطابي أنهما عينان وقوله كيف تجدك أي تجد نفسك والمراد به الاحساس أي كيف تعلم حال نفسك قوله باب عيادة الصبيان ذكر فيه حديث أسامة
[ 102 ]
ابن زيد في قصة ولد بنت النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم شرحه مستوفي في أوائل كتاب الجنائز وقوله في هذه الطريق أن ابنة في رواية الكشميهني أن بنتا وقوله فاشهدنا كذا للاكثر وعند الكشميهني فأشهدها والمراد به الحضور وقوله هذه الرحمة في رواية الكشميهني أيضا هذه رحمة بالتنكير قوله باب عيادة الاعراب بفتح الهمزة هم سكان البوادي قوله خالد هو الحذاء قوله عن عكرمة عن بن عباس قال الاسماعيلي رواه وهيب بن خالد عن خالد الحذاء عن عكرمة فأرسله قلت قد وصله أيضا عبد العزيز بن مختار كما تقدم قريبا هنا وتقدم أيضا في علامات النبوة ووصله أيضا الثقفي كما سيأتي في التوحيد فإذا وصله ثلاثة من الثقات لم يضره إرسال واحد قوله دخل على أعرابي تقدم في علامات النبوة بيان اسمه قوله لا بأس أي أن المرض يكفر الخطايا فإن حصلت العافية فقد حصلت الفائدتان وإلا حصل ربح التكفير وقوله طهور هو خبر مبتدأ محذوف أي هو طهور لك من ذنوبك أي مطهرة ويستفاد منه أن لفظ الطهور ليس بمعنى الطاهر فقط وقوله إن شاء الله يدل على أن قوله طهور دعاء لا خير قوله قلت بفتح التاء على المخاطبة وهو استفهام إنكار قوله بل هي أي الحمى وفي رواية الكشميهني
بل هو أي المرض قوله تفور أو تثور شك من الراوي هل قالها بالفاء أو بالمثلثة وهما بمعنى قوله تزيره بضم أوله من أزاره إذا حمله على الزيارة بغير اختياره قوله فنعم إذا الفاء فيه معقبة لمحذوف تقديره إذا أبيت فنعم أي كان كما ظننت قال بن التين يحتمل أني يكون ذلك دعاء عليه ويحتمل أن يكون خيرا عما يئول إليه أمره وقال غيره يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه سيموت من ذلك المرض فدعا له بأن تكون الحمى له طهرة لذنوبه ويحتمل أن يكون أعلم بذلك لما أجابه الاعرابي بما أجابه وقد تقدم في علامات النبوة أن عند الطبراني من حديث شرحبيل والد عبد الرحمن أن الاعرابي المذكور أصبح ميتا وأخرجه الدولابي في الكنى وابن السكن في الصحابة ولفظه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما قضى الله فهو كائن فأصبح الاعرابي ميتا وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم مرسلا نحوه قال المهلب فائدة هذا الحديث أنه لا نقص على الامام في عيادة مريض من رعيته ولو كان أعرابيا جافيا ولا على العالم في عيادة الجاهل ليعلمه ويذكره بما ينفعه ويامره بالصبر لئلا يتسخط قدر الله فيسخط عليه ويسليه عن ألمه بل يغبطه بسقمه إلى غير ذلك من جبر خاطره وخاطر أهله وفيه أنه ينبغي للمريض أن يتلقى الموعظة بالقبول ويحسن جواب من يذكره بذلك قوله باب عيادة المشرك قال بن بطال إنما تشرع عيادته إذا رجى أن يجيب إلى الدخول في إلاسلام فأما إذا لم يطمع في ذلك فلا انتهى والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى قال الماوردي عيادة الذمي جائزة والقربة موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة ثم ذكر المصنف حديث أنس في قصة الغلام اليهودي وتقدم شرحها مستوفي في كتاب الجنائز وذكر قول من زعم أن اسمه عبد القدوس قوله وقال سعيد بن المسيب عن أبيه تقدم موصولا في تفسير سورة القصص وفي الجنائز أيضا وتقدم شرحه مستوفى في الجنائز قوله باب إذا عاد مريضا فحضرت الصلاة فصلى أي المريض بهم أي بمن عاده قوله يحيى هو القطان وهشام هو ابن
[ 103 ]
عروة قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه ناس يعودونه تقدم شرحه في أبواب
الامامة من كتاب الصلاة وكذا قول الحميدي المذكور في آخره قوله باب وضع اليد على المريض قال بن بطال في وضع اليد على المريض تأنيس له وتعرف لشدة مرضه ليدعو له بالعافية على حسب ما يبدو له منه وربما رقاه بيده ومسح على ألمه بما ينتفع به العليل إذا كان العائد صالحا قلت وقد يكون العائد عارفا بالعلاج فيعرف العلة فيصف له ما يناسبه ثم ذكر المصنف في الباب حديثين تقدما أحدهما حديث سعد بن أبي وقاص وقد تقدم شرحه في الوصايا وأورده هنا عاليا من طريق الجعيد وهو بن عبد الرحمن وقوله فيه تشكيت بمكة شكوى شديدة في رواية المستملي شديدا بالتذكير على إرادة المرض والشكوى بالقصر المرض وقوله وأترك لها الثلثين قال الداودي إن كانت هذه الزيادة محفوظة فلعل ذلك كان قبل نزول الفرائض وقال غيره قد يكون من جهة الرد وفيه نظر لان سعدا كان له حينئذ عصبات وزوجات فيتعين تأويله ويكون فيه حذف تقديره وأترك لها الثلثين أي ولغيرها من الورثة وخصها بالذكر لتقدمها عنده وأما قوله ولا يرثني إلا ابنة لي فتقدم أن معناه من الاولاد ولم يرد ظاهر الحصر وقوله ثم وضع يده على جبهته في رواية الكشميهني على جبهتي وبها يتبين أو في الاول تجريدا وقوله فما زلت أجد برده أي برد يده وذكر باعتبار العضو أو الكف أو المسح وقوله فيما يخال إلي قال بن التين صوابه فيما يخيل إلي بالتشديد لانه من التخيل قال الله تعالى يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى قلت وأقره الزركشي وهو عجيب فإن الكلمة صواب وهو بمعنى يخيل قال في المحكم خال الشئ يخاله يظنه وتخيله ظنه وساق الكلام على المادة الحديث الثاني حديث ابن مسعود وقد تقدم شرحه في أوائل كفارة المرضى وقوله فمسسته بيدي بكسر السين الاولى وهو موضع الترجمة وجاء عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضا يضع يده على المكان الذي يألم ثم يقول بسم الله أخرجه أبو يعلى بسند حسن وأخرج الترمذي من حديث أبي أمامة بسند لين رفعه تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته فيسأله كيف هو وأخرجه بن السني ولفظه فيقول كيف أصبحت أو كيف أمسيت قوله باب ما يقال للمريض وما يجيب ذكر فيه حديث بن مسعود المذكور في الباب قبله وحديث
[ 104 ]
ابن عباس في قصة الاعرابي الذي قال حمى تفور وقد تقدم أيضا قريبا وفيه بيان ما ينبغي أن يقال عند المريض وفائدة ذلك وأخرج بن ماجة والترمذي من حديث أبي سعيد رفعه إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الاجل فإن ذلك لا يرد شيئا وهو يطيب نفس المريض وفي سنده لين وقوله نفسوا أي أطمعوه في الحياة ففي ذلك تنفيس لما هو فيه من الكرب وطمائنينة لقلبه قال النووي هو معنى قوله في حديث بن عباس للاعرابي لا بأس وأخرج بن ماجة أيضا بسند حسن لكن فيه انقطاع عن عمر رفعه إذا دخلت على مريض فمره يدعو لك فإن دعاءه كدعاء الملائكة وقد ترجم المصنف في الادب المفرد ما يجيب به المريض وأورد قول ابن عمر للحجاج لما قال له من أصابك قال أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله وقد تقدم هذا في العيدين قوله باب عيادة المريض راكبا وماشيا وردفا على الحمار ذكر فيه حديث أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب على حمار وفيه أنه أردفه يعود سعد ابن عبادة وقد تقدم شرح الحديث مستوفى في أواخر تفسير آل عمران وقوله على حمار على إكاف على قطيفة على الثالثة بدل من الثانية وهي بدل من الاولى والحاصل أن الاكاف يلي الحمار والقطيفة فوق الاكاف والراكب فوق القطيفة والاكاف بكسر الهمزة وتخفيف الكاف ما يوضع على الدابة كالبرذعة والقطيفة كساء وقوله فدكية بفتح الفاء والدال وكسر الكاف نسبة إلى فدك القرية المشهورة كأنها صنعت فيها وحكى بعضهم أن في رواية فركبه بفتح الراء والموحدة الخفيفة من الركوب والضمير للحمار وهو تصحيف بين وقوله في حديث جابر جاءني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني ليس براكب بغل ولا برذون هذا القدر أفرده المزي في الاطراف وجعله الحميدي من جملة الحديث الذي أوله مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر وهما ماشيان وأظن الذي صنعه هو الصواب قوله باب ما رخص للمريض أن يقول أني وجع أو وارأساه أو أشتد بي الوجع وقول أيوب عليه السلام مسني الضر وأنت أرحم الراحمين أما قوله أني وجع فترجم به في كتاب الادب المفرد وأورده فيه
من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال دخلت أنا وعبد الله بن الزبير على أسماء يعني بنت أبي بكر وهي أمهما وأسماء وجعة فقال لها عبد الله كيف تجدينك قالت وجعت الحديث وأصرح منه ما روى صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال دخلت على أبي بكر رضي الله عنه في مرضه الذي توفي فيه فسلمت عليه وسألته كيف أصبحت فاستوى جالسا فقلت أصبحت بحمد الله بارئا قال أما أني على ما ترى وجع فذكر القصة أخرجه الطبراني وأما قوله وارأساه فصريح في حديث عائشة المذكور في الباب وأما قوله أشتد بي الوجع فهو في حديث سعد الذي في آخر الباب وأما قول أيوب عليه إسلام فاعترض بن التين ذكره
[ 105 ]
في الترجمة فقال هذا لا يناسب التبويب لان أيوب أنما قاله داعيا ولم يذكره للمخلوقين قلت لعل البخاري أشار إلى أن مطلق الشكوى لا يمنع ردا على من زعم من الصوفية أن الدعاء بكشف البلاء يقدح في الرضا والتسليم فنبه على أن الطلب من الله ليس ممنوعا بل فيه زيادة عبادة لما ثبت مثل ذلك عن المعصوم وأثنى الله عليه بذلك وأثبت له اسم الصبر مع ذلك وقد روينا في قصة أيوب في فوائد ميمونة وصححه بن حبان والحاكم من طريق الزهري عن أنس رفعه أن أيوب لما طال بلاؤه رفضه القريب والبعيد غير رجلين من إخوانه فقال أحدهما لصاحبه لقد أذنب أيوب ذبا ما أذنبه أحد من العالمين فبلغ ذلك أيوب يعنى فجزع من قوله ودعا ربه فكشف ما به وعند بن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عبيد بن نمير موقوفا عليه نحوه وقال فيه فجزع من قولهما جزعا شديدا ثم قال بعزتك لا أرفع رأسي حتى تكشف عني وسجد فما رفع رأسه حتى كشف عنه فكأن مراد البخاري أن الذي يجوز من شكوى المريض ما كان على طريق الطلب من الله أو على غير طريق التسخط للقدر والتضجر والله أعلم قال القرطبي اختلف الناس في هذا الباب والتحقيق أن الالم لا يقدر أحد على رفعه والنفوس مجبولة على وجدان ذلك فلا يستطاع تغييرها عما جبلت عليه وإنما كلف العبد أن لا يقع منه في حال المصيبة ما له سبيل إلى تركه كالمبالغة في التأوه والجزع الزائد كأن من فعل ذلك خرج عن معاني أهل الصبر وأما مجرد
التشكي فليس مذموما حتى يحصل التسخط للمقدور وقد اتفقوا على كراهة شكوى العبد ربه وشكواه إنما هو ذكره للناس على سبيل التضجر والله أعلم وروى أحمد في الزهد عن طاوس أنه قال أنين المريض شكوى وجزم أبو الطيب وابن الصباغ وجماعة من الشافعية أن أنين المريض وتأوهه مكروه وتعقبه النووي فقال هذا ضعيف أو باطل فإن المكروه ما ثبت فيه نهي مقصود وهذا لم يثبت فيه ذلك ثم احتج بحديث عائشة في الباب ثم قال فلعلهم أرادوا بالكراهة خلاف الاولى فإنه لا شك أن أشتغاله بالذكر أولى اه ولعلهم أخذوه بالمعنى من كون كثرة الشكوى تدل على ضعف اليقين وتشعر بالتسخط للقضاء وتورث شماتة الاعداء وأما إخبار المريض صديقه أو طبيبه عن حاله فلا بأس به اتفاقا ثم ذكر في الباب أربعة أحاديث الاول حديث كعب بن عجرة في حلق المحرم رأسه إذا آذاه القمل وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الحج وقوله أيؤذيك هوام رأسك هو موضع الترجمة لنسبة الاذى للهوام وهي بتشديد الميم اسم للحشرات لانها تهم أن تدب وإذا أضيقت إلى الرأس اختصت بالقمل الثاني حديث عائشة قوله حدثنا يحيى بن يحيى أبو زكريا هو النيسابوري الامام المشهور وليس له في البخاري سوى مواضع يسيرة في الزكاة والوكالة والتفسير والاحلام وأكثر عنه مسلم ويقال إنه تفرد بهذا الاسناد وإن أحمد كان يتمنى لو أمكنه الخروج إلى نيسابور ليسمع منه هذا الحديث ولكن أخرجه أبو نعيم في المستخرج من وجهين آخرين عن سليمان بن بلال قوله وارأساه هو تفجع على الرأس لشدة ما وقع به من ألم الصداع وعند أحمد والنسائي وابن ماجة من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جنازة من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول وارأساه قوله ذاك لو كان وأنا حي ذاك بكسر الكاف إشارة إلى ما يستلزم المرض من الموت أي لو مت وأنا حي ويرشد إليه جواب عائشة
[ 106 ]
وقد وقع مصرحا به في رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ولفظه ثم قال ما ضرك لو مت قبلى فكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك وقولها واثكلياه بضم المثلثة وسكون الكاف وفتح اللام
وبكسرها مع التحتانية الخفيفة وبعد الالف هاء للندبة وأصل الثكل فقد الولد أو من يعز على الفاقد وليست حقيقته هنا مرادة بل هو كلام كان يجري على ألسنتهم عند حصول المصيبة أو توقعها وقولها والله أني لاظنك تحب موتى كأنها أخذت ذلك من قوله لها لو مت قبلي وقولها ولو كان ذلك في رواية الكشميهني ذاك بغير لام أي موتها لظللت آخر يومك معرسا بفتح العين والمهملة وتشديد الراء المكسورة وسكون العين والتخفيف يقال أعرس وعرس إذا بني على زوجته ثم استعمل في كل جماع والاول أشهر فإن التعريس النزول بليل ووقع في رواية عبيد الله لكأني بك والله لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست ببعض نسائك قالت فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقولها بل أنا وارأساه هي كلمة إضراب والمعنى دعي ذكر ما تجدينه من وجع رأسك واشتغلي بي وزاد في رواية عبيد الله ثم بدئ في وجعه الذي مات فيه صلى الله عليه وسلم قوله لقد هممت أو أردت شك من الراوي ووقع في رواية أبي نعيم أو وددت بدل أردت قوله أن أرسل إلى أبي بكر وابنه كذا للاكثر بالواو وألف الوصل والموحدة والنون ووقع في رواية مسلم أو ابنه بلفظ أو التي للشك وأو للتخيير وفي أخرى أو آتيه بهمزة ممدودة بعدها مثناة مكسورة ثم تحتانية ساكنة من الاتيان بمعنى المجئ والصواب الاول ونقل عياض عن بعض المحدثين تصويبها وخطأه وقال ويوضح الصواب قولها في الحديث الآخر عند مسلم ادعى لي أباك وأخاك وأيضا فإن مجيئه إلى أبي بكر كان متعسرا لانه عجز عن حضور الصلاة مع قرب مكانها من بيته قلت في هذا التعليل نظر لان سياق الحديث يشعر بأن ذلك كان في ابتداء مرضه صلى الله عليه وسلم وقد استمر يصلي بهم وهو مريض ويدور على نسائه حتى عجز عن ذلك وانقطع في بيت عائشة ويحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم لقد هممت الى آخره وقع بعد المفاوضة التي وقعت بينه وبين عائشة بمدة وإن كان ظاهر الحديث بخلافه ويؤيد أيضا ما في الاصل أن المقام كان مقام استمالة قلب عائشة فكأنه يقول كما أن الامر يفوض لابيك فإن ذلك يقع بحضور أخيك هذا أن كان المراد بالعهد العهد بالخلافة وهو ظاهر السياق كما سيأتي تقريره في كتاب الاحكام إن شاء الله تعالى وإن كان لغير ذلك فلعله أراد إحضار بعض
محارمها حتى لو أحتاج إلى قضاء حاجة أو الارسال إلى أحد لوجد من يبادر لذلك قوله فأعهد أي أوصي قوله أن يقول القائلون أي لئلا يقول أو كراهة أن يقول قوله أو يتمنى المتمنون بضم النون جمع متمني بكسرها وأصل الجمع المتمنيون فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت فاجتمعت كسرة النون بعدها الواو فضمت النون وفي الحديث ما طبعت عليه المرأة من الغيرة وفيه مداعبة الرجل أهله والافضاء إليهم بما يستره عن غيرهم وفيه أن ذكر الوجع ليس بشكاية فكم من ساكت وهو ساخط وكم من شاك وهو راض فالمعول في ذلك على عمل القلب لا على نطق اللسان والله أعلم الحديث الثالث حديث بن مسعود وقد تقدم شرحه قريبا وقوله في هذه الرواية فمسسته وقع في رواية المستملي فسمعته وهو تحريف ووجهت بأن هناك حذفا والتقدير فسمعت أنينه الحديث الرابع حديث عامر بن سعد عن أبيه وهو سعد بن أبي وقاص
[ 107 ]
قوله من وجع أشتد بي تقدم شرحه مستوفي في كتاب الوصايا وقوله زمن حجة الوداع موافق لرواية مالك عن الزهري وتقدم أن بن عيينة قال في روايته إن ذلك في زمن الفتح والاول أرجح والله أعلم قوله باب قول المريض قوموا عني أي إذا وقع من الحاضرين عنده ما يقتضي ذلك قوله هشام هو بن يوسف الصنعاني وقوله حدثنا عبد الله بن محمد هو المسندي وساقه المصنف هنا على لفظ هشام وسبق لفظ عبد الرزاق في أواخر المغازي وتقدم شرحه هناك ووقع هنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا وقد تقدم الحديث في كتاب العلم من رواية يونس بن يزيد عن الزهري بلفظ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا عني وهو المطابق للترجمة ولم أستحضره عند الكلام عليه في المغازي فنسبت هذه الزيادة لابن سعد وعزوها للبخاري أولى ويؤخذ من هذا الحديث أن الادب في العيادة أن لا يطيل العائد عند المريض حتى يضجره وأن لا يتكلم عنده بما يزعجه وجملة آداب العيادة عشرة أشياء ومنها ما لا يختص بالعيادة أن لا يقابل الباب عند الاستئذان وأن يدق الباب برفق وأن لا يبهم نفسه كأن يقول أنا وأن لا يحضر في وقت يكون غير لائق بالعيادة كوقت شرب المريض الدواء وأن
يخفف الجلوس وأن يغض البصر ويقلل السؤال وأن يظهر الرقة وأن يخلص الدعاء وأن يوسع للمريض في الامل ويشير عليه بالصبر لما فيه من جزيل الاجر ويحذره من الجزع لما فيه من الوزر قوله وكان بن عباس يقول إن الرزية سبق الكلام عليه في الوفاة النبوية قوله باب من ذهب بالصبي المريض ليدعي له في رواية الكشميهني ليدعوا له ذكر فيه حديث الجعيد وهو بن عبد الرحمن والسائب هو بن يزيد وقد تقدم الحديث مشروحا في الترجمة النبوية عند ذكر خاتم النبوة وأن خالة السائب لا يعرف اسمها وستأتي الاشارة إلى خصوص المسح على رأس المريض والدعاء بالبركة في كتاب الدعوات إن شاء الله تعالى قوله باب تمني المريض الموت أي هل يمنع مطلقا أو يجوز في حالة ووقع في رواية الكشميهني نهي تمني المريض الموت وكأن المراد منع تمني المريض وذكر في الباب خمسة أحاديث الحديث الاول عن أنس قوله لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه الخطاب للصحابة والمراد هم ومن بعدهم من المسلمين عموما وقوله من ضر أصابه حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي فإن وجد الضر الاخروي بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي ويمكن أن يؤخذ ذلك من رواية ابن حبان لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا على أن في في هذا الحديث سببية أي بسبب أمر من الدنيا وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة ففي الموطأ عن عمر أنه قال اللهم كبرت سني
[ 108 ]
وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن عمر وأخرج أحمد وغيره من طريق عبس ويقال عابس الغفاري أنه قال يا طاعون خذني فقال له عليم الكندي لم تقول هذا ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتمنين أحدكم الموت فقال أني سمعته يقول بادروا بالموت ستا إمرة السفهاء وكثرة الشرط وبيع الحكم الحديث وأخرج أحمد أيضا من حديث عوف بن مالك نحوه وأنه قيل له ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عمر المسلم كان خيرا له الحديث وفيه الجواب نحوه وأصرح منه في ذلك حديث معاذ الذي أخرجه أبو داود وصححه الحاكم في القول في دبر كل صلاة وفيه وإذا أردت
بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون قوله فإن كان لا بد فاعلا في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس كما سيأتي في الدعوات فإن كان ولا بد متمنيا للموت قوله فليقل الخ وهذا يدل على أن النهي عن تمني الموت مقيد بما إذا لم يكن على هذه الصيغة لان في التمني المطلق نوع واعتراض ومراغمة للقدر المحتوم وفي هذه الصورة المأمور بها نوع تفويض وتسليم للقضاء وقوله فإن كان الخ فيه ما يصرف الامر عن حقيقته من الوجوب أو الاستحباب ويدل على أنه لمطلق الاذن لان الامر بعد الحظر لا يبقى على حقيقته وقريب من هذا السياق ما أخرجه أصحاب السنن من حديث المقدام بن معد يكرب حسب بن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان ولا بد فثلث للطعام الحديث أي إذا كان لا بد من الزيادة على اللقيمات فليقتصر على الثلث فهو إذن بالاقتصار على الثلث لا أمر يقتضي الوجوب ولا الاستحباب قوله ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت عبر في الحياة بقوله ما كانت لانها حاصلة فحسن أن يأتي بالصيغة المقتضية للاتصاف بالحياة ولما كانت الوفاة لم تقع بعد حسن أن يأتي بصيغة الشرط والظاهر أن هذا التفصيل يشمل ما إذا كان الضر دينيا أو دنيويا وسيأتي في التمني من رواية النضر بن أنس عن أبيه لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تمنوا الموت لتمنيته فلعله رأى أن التفصيل المذكور ليس من التمني المنهي عنه الحديث الثاني حديث خباب قوله عن إسماعيل بن أبي خالد لشعبة فيه إسناد آخر أخرجه الترمذي من رواية غندر عنه عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال دخلت على خباب فذكر الحديث نحوه قوله وقد اكتوى سبع كيات في رواية حارثة وقد اكتوى في بطنه فقال ما أعلم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لقي من البلاء ما لقيت أي من الوجع الذي أصابه وحكى شيخنا في شرح الترمذي احتمال أن يكون أراد بالبلاء ما فتح عليه من المال بعد أن كان لا يجد درهما كما وقع صريحا في رواية حارثة المذكورة عنه قال لقد كنت وما أجد درهما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ناحية بيتي أربعون ألفا يعني الآن وتعقبه بأن غيره من الصحابة كان أكثر مالا منه كعبد الرحمن بن عوف واحتمال أن يكون أراد ما لقي من التعذيب في أول الاسلام من المشركين وكأنه رأى أن اتساع الدنيا عليه يكون ثواب ذلك التعذيب وكان
يحب أن لو بقي له أجره موفرا في الآخرة قال ويحتمل أن يكون أراد ما فعل من الكي مع ورود النهي عنه كما قال عمران بن حصين نهينا عن الكي فاكتوينا فما أفلحنا أخرجه قال وهذا بعيد قلت وكذلك الذي قبله وسيأتي الكلام على حكم الكي قريبا في كتاب الطب إن شاء الله تعالى قوله إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا زاد في
[ 109 ]
الرقاق من طريق يحيى القطان عن إسماعيل بن أبي خالد شيئا أي لم تنقص أجورهم بمعنى أنهم لم يتعجلوها في الدنيا بل بقيت وفرة لهم في الآخرة وكأنه عني بأصحابه بعض الصحابة ممن مات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فأما من عاش بعده فإنهم اتسعت لهم الفتوح ويؤيد حديثه الآخر هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقع أجرنا على الله فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير وقد مضى في الجنائز وفي المغازي أيضا ويحتمل أن يكون عني جميع من مات قبله وأن من اتسعت له الدنيا لم تؤثر فيه إما لكثرة إخراجهم المال في وجوه البر وكان من يحتاج إليه إذ ذاك كثيرا فكانت تقع لهم الموقع ثم لما اتسع الحال جدا وشمل العدل في زمن الخلفاء الراشدين استغنى الناس بحيث صار الغني لا يجد محتاجا يضع بره فيه ولهذا قال خباب وإنا أصبنا ما لا تجد له موضعا إلا التراب أي الانفاق في البنيان وأغرب الداودي فقال أراد خباب بهذا القول الموت أي لا يجد للمال الذي أصابه إلا وضعه في القبر حكاه بن التين ورده فأصاب وقال بل هو عبارة عما أصابوا من المال قلت وقد وقع لاحمد عن يزيد بن هارون عن إسمعيل بن أبي خالد في هذا الحديث بعد قوله الا التراب وكان يبني حائطا له ويأتي في الرقاق نحوه باختصار وأخرجه أحمد أيضا عن وكيع عن إسماعيل وأوله دخلنا على خباب نعوده وهو يبني حائطا له وقد اكتوى سبعا الحديث قوله ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به الدعاء بالموت أخص من تمنى الموت وكل دعاء تمنى من غير عكس فلذلك أدخله في هذه الترجمة قوله ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطا له هكذا وقع في رواية شعبة تكرار المجئ وهو أحفظ الجميع فزيادته مقبولة والذي يظهر أن قصة بناء الحائظ كانت
سبب قوله أيضا وإنا أصبنا من الدنيا ما لا نجد له موضعا إلا التراب قوله إن المسلم ليؤجر في كل شئ ينفقه إلا في شئ يجعله في هذا التراب أي الذي يوضع في البنيان وهو محمول على ما زاد على الحاجة وسيأتي تقرير ذلك في آخر كتاب الاستئذان إن شاء الله تعالى تنبيه هكذا وقع من هذا الوجه موقوفا وقد أخرجه الطبراني من طريق عمر بن إسماعيل بن مجالد حدثنا أبي عن بيان ابن بشر وإسماعيل بن أبي خالد جميعا عن قيس عن أبي حازم قال دخلنا على خباب نعوده فذكر الحديث وفيه وهو يعالج حائطا له فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن المسلم يؤجر في نفقته كلها إلا ما يجعله في التراب وعمر كذبه يحيى بن معين الحديث الثالث والرابع حديث أبي هريرة قوله أخبرني أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف هو أبو عبيد مولى ابن أزهر واسمه سعيد بن عبيد وابن أزهر الذي نسب إليه هو عبد الرحمن بن أزهر بن عوف وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف الزهري هكذا اتفق هؤلاء عن الزهري في روايته عن أبي عبيد وخالفهم إبراهيم بن سعد عن الزهري فقال عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة أخرجه النسائي وقال رواية الزبيدي أولى بالصواب وإبراهيم بن سعد ثقة يعني ولكنه أخطأ في هذا قوله لن يدخل أحدا عمله الجنة الحديث يأتي الكلام عليه في كتاب الرقاق فإنه أورده مفردا من وجه آخر عن أبي هريرة وغيره وإنما أخرجه هنا استطرادا لا قصدا والمقصود منه الحديث الذي بعده وهو قوله ولا يتمنى الخ وقد أفرده في كتاب التمني من طريق معمر عن الزهري وكذا أخرجه النسائي من طريق الزبيدي عن الزهري قوله ولا يتمنى كذا للاكثر بإثبات التحتانية
[ 110 ]
وهو لفظ نفي بمعنى النهي ووقع في رواية الكشميهني لا يتمن على لفظ النهي ووقع في رواية معمر الاتية في التمني بلفظ لا يتمنى للاكثر وبلفظ لا يتمنين للكشميهني وكذا هو في رواية همام عن أبي هريرة بزيادة نون التأكيد وزاد بعد قوله أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه وهو قيد في الصورتين ومفهومه أنه إذا حل به لا يمنع من تمنيه رضا بلقاء الله ولا من طلبه من الله لذلك وهو كذلك ولهذه النكتة عقب البخاري حديث أبي هريرة بحديث عائشة اللهم اغفر لي
وارحمني وألحقني بالرفيق الاعلى إشارة إلى أن النهي مختص بالحالة التي قبل نزول الموت فلله دره ما كان أكثر استحضاره وإيثار للاخفى على الاجلي شحذا للاذهان وقد خفي صنيعه هذا على من جعل حديث عائشة في الباب معارضا لاحاديث الباب أو ناسخا لها وقوى ذلك بقول يوسف عليه السلام توفني مسلما وألحقني بالصالحين قال بن التين قيل أن النهي منسوخ بقول يوسف فذكره وبقول سليمان وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين وبحديث عائشة في الباب وبدعاء عمر بالموت وغيره قال وليس الامر كذلك لان هؤلاء إنما سألوا ما قارب الموت قلت وقد اختلف في مراد يوسف عليه السلام فقال قتادة لم يتمن الموت أحد إلا يوسف حين تكاملت عليه النعم وجمع له الشمل أشتاق إلى لقاء الله أخرجه الطبراني بسند صحيح عنه وقال غيره بل مراده توفني مسلما عند حضور أجلي كذا أخرجه بن أبي حاتم عن الضحاك بن مزاحم وكذلك مراد سليمان عليه السلام وعلى تقدير الحمل على ما قال قتادة فهو ليس من شرعنا وإنما يؤخذ بشرع من قبلنا ما لم يرد في شرعنا النهي عنه بالاتفاق وقد استشكل الاذن في ذلك عند نزول الموت لان نزول الموت لا يتحقق فكم من انتهى إلى غاية جرت العادة بموت من يصل إليها ثم عاش والجواب أنه يحتمل أن يكون المراد أن العبد يكون حاله في ذلك الوقت حال من يتمنى نزوله به ويرضاه أن لو وقع به والمعنى أن يطمئن قلبه إلى ما يرد عليه من ربه ويرضى به ولا يقلق ولو لم يتفق أنه يموت في ذلك المرض قوله إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا وإما مسيئا فلعله أن يستعتب أي يرجع عن موجب العتب عليه ووقع في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا وفيه إشارة إلى أن المعنى في النهي عن تمني الموت والدعاء به هو انقطاع العمل بالموت فإن الحياة يتسبب منها العمل والعمل يحصل زيادة الثواب ولو لم يكن إلا استمرار التوحيد فهو أفضل الاعمال ولا يرد على هذا أنه يجوز أن يقع الارتداد والعياذ بالله تعالى عن الايمان لان ذلك نادر والايمان بعد أن تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد وعلى تقدير وقوع ذلك وقد وقع لكن نادرا فمن سبق له في علم الله خاتمة السوء فلا بد من وقوعها طال عمره أو قصر فتعجيله بطلب الموت لا خير له فيه ويؤيده حديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد يا سعد إن
كنت خلقت للجنة فما طال من عمرك أو حسن من عملك فهو خير لك أخرجه بسند لين ووقع في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد ومسلم وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا واستشكل بأنه قد يعمل السيئات فيزيده عمره شرا وأجيب بأجوبة أحدها حمل المؤمن على الكامل وفيه بعد والثاني أن المؤمن بصدد أن يعمل ما يكفر ذنوبه إما من اجتناب الكبائر وإما من فعل حسنات أخر قد تقاوم بتضعيفها سيئاته وما دام الايمان باق فالحسنات بصدد التضعيف والسيئات بصدد التكفير والثالث يقيد ما أطلق في هذه الرواية بما وقع في رواية الباب من
[ 111 ]
الترجي حيث جاء بقوله لعله والترجي مشعر بالوقوع غالبا لا جزما فخرج الخبر مخرج تحسين الظن بالله وأن المحسن يرجو من الله الزيادة بأن يوفقه للزيادة من عمله الصالح وأن المسئ لا ينبغي له القنوط من رحمة الله ولا قطع رجائه أشار إلى ذلك شيخنا في شرح الترمذي ويدل على أن قصر العمر قد يكون خيرا للمؤمن حديث أنس الذي في أول الباب وتوفني إذا كان الوفاة خيرا لي وهو لا ينافي حديث أبي هريرة إن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرا إذا حمل حديث أبي هريرة على الاغلب ومقابله على النادر وسيأتي الالمام بشئ من هذا في كتاب التمني إن شاء الله تعالى الحديث الخامس حديث عائشة وألحقني بالرفيق الاعلى تقدم شرحه في أواخر المغازي في الوفاة النبوية وتقدم في الذي قبله أن ذلك لا يعارض النهي عن تمني الموت والدعاء به وأن هذه الحالة من خصائص الانبياء أنه لا يقبض نبي حتى يخير بين البقاء في الدنيا وبين الموت وقد تقدم بسطه واضحا هناك ولله الحمد قوله باب دعاء العائد للمريض أي بالشفاء ونحوه قوله وقالت عائشة بنت سعد أي بن أبي وقاص وهذا طرف من حديثه الطويل في الوصية بالثلث وقد تقدم موصولا في باب وضع اليد على المريض قريبا قوله عن منصور هو ابن المعتمر وإبراهيم هو النخعي قوله إذا أتى مريضا أو أتى به شك من الراوي وقد حكى المصنف الاختلاف فيه في الروايات المعلقة بعد قوله لا يغادر بالغين المعجمة أي لا يترك وفائدة التقييد بذلك أنه قد يحصل الشفاء من ذلك المرض فيخلفه مرض آخر يتولد منه فكان يدعو له بالشفاء
المطلق لا بمطلق الشفاء قوله وقال عمرو بن أبي قيس وإبراهيم بن طهمان عن منصور عن إبراهيم وأبي الضحى إذا أتى المريض وقع في رواية الكشميهني إذا أتى بالمريض وهو أصوب فأما عمرو بن أبي قيس فهو الرازي وأصله من الكوفة ولا يعرف اسم أبيه وهو صدوق ولم يخرج له البخاري إلا تعليقا وقد وقع لنا حديثه هذا موصولا في فوائد أبي العباس محمد بن نجيح من رواية محمد بن سعيد ابن سابق القزويني عنه بلفظ إذا أتى بالمريض وأما إبراهيم بن طهمان فوصل طريقه الاسماعيلي من رواية محمد بن سابق التميمي الكوفي نزيل بغداد عنه بلفظ إذا أتى بمريض قوله وقال جرير عن منصور عن أبي الضحى وحده وقال إذا أتى مريضا وهذا وصله ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن جرير بلفظ إذا أتى إلى المريض فدعا له وهي عند مسلم أيضا وقد دلت رواية كل من جرير وأبي عوانة على أن عمرو بن أبي قيس وإبراهيم بن طهمان حفظا عن منصور أن الحديث عنده عن شيخين وأنه كان يحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا وقد أخرجه مسلم من طريق إسرائيل عن منصور عنهما كذلك ورجح عند البخاري رواية منصور عن إبراهيم وحده لان الثوري رواها عن منصور كذلك كما سيأتي في أثناء كتاب الطب ووافقه ورقاء عن منصور عند النسائي وسفيان أحفظ الجميع لكن رواية جرير غير مرفوعة والله أعلم وقد استشكل الدعاء للمريض بالشفاء مع ما في المرض من كفارة الذنوب والثواب كما تضافرت الاحاديث بذلك والجواب أن الدعاء عبادة ولا ينافي الثواب والكفارة لانهما يحصلان بأول مرض وبالصبر عليه والداعي بين حسنتين إما أن يحصل له مقصوده أو يعوض عنه بجلب نفع أو دفع ضر وكل من فضل الله تعالى قوله باب وضوء العائد للمريض ذكر فيه حديث جابر وقد تقدم التنبيه عليه قريبا في باب المغمى عليه ولا يخفى أن محله إذا كان العائد
[ 112 ]
بحيث يتبرك المريض به قوله باب الدعاء برفع الوباء والحمى الوباء يهمز ولا يهمز وجمع المقصور بلا همز أوبية وجمع المهموز أوباء يقال أوبأت الارض فهي مؤبئة ووبئت فهي وبئة ووبئت بضم الواو فهو موبوءة قال عياض الوباء عموم الامراض وقد أطلق
بعضهم على الطاعون أنه وباء لانه من أفراده لكن ليس كل وباء طاعونا وعلى ذلك يحمل قول الداودي لما ذكر الطاعون الصحيح أنه الوباء وكذا جاء عن الخليل بن أحمد أن الطاعون هو الوباء وقال بن الاثير في النهاية الطاعون المرض العام والوباء الذي يفسد له الهواء فتفسد به الامزجة والابدان وقال بن سيناء الوباء ينشأ عن فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده قلت ويفارق الطاعون الوباء بخصوص سببه الذي ليس هو في شئ من الاوباء وهو كونه من طعن الجن كما سأذكره مبينا في باب ما يذكر من الطاعون من كتاب الطب إن شاء الله تعالى وساق المصنف في الباب حديث عائشة لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال ووقع فيه ذكر الحمى ولم يقع في سياقه لفظ الوباء لكنه ترجم بذلك إشارة إلى ما وقع في بعض طرقه وهو ما سبق في أواخر الحج من طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة في حديث الباب قالت عائشة فقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله وهذا مما يؤيد أن الوباء أعم من الطاعون فإن وباء المدينة ما كان إلا بالحمى كما هو مبين في حديث الباب فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينقل حماها إلى الجحفة وقد سبق شرح الحديث في باب مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في أوائل كتاب المغازي ويأتي شئ مما يتعلق به في كتاب الدعوات إن شاء الله تعالى وقد استشكل بعض الناس الدعاء برفع الوباء لانه يتضمن الدعاء برفع الموت والموت حتم مقضي فيكون ذلك عبثا وأجيب بأن ذلك لا ينافي التعبد بالدعاء لانه قد يكون من جملة الاسباب في طول العمر أو رفع المرض وقد تواترت الاحاديث بالاستعاذة من الجنون والجذام وسئ الاسقام ومنكرات الاخلاق والاهواء والادواء فمن ينكر التداوي بالدعاء يلزمه أن ينكر التداوي بالعقاقير ولم يقل بذلك الا شذوذ والاحاديث الصحيحة ترد عليهم وفي الالتجاء إلى الدعاء مزيد فائدة ليست في التداوي بغيره لما فيه من الخضوع والتذلل للرب سبحانه بل منع الدعاء من جنس ترك الاعمال الصالحة اتكالا على ما قدر فيلزم ترك العمل جملة ورد البلاء بالدعاء كرد السهم بالترس وليس من شرط الايمان بالقدر أن لا يتقوس من رمى السهم والله أعلم خاتمة اشتمل كتاب المرضى من الاحاديث المرفوعة على ثمانية وأربعين حديثا المعلق منها سبعة والبقية موصولة المكرر
منها فيه وفيما مضى أربعة وثلاثون طريقا والبقية خالصة وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي هريرة من يرد الله به خيرا يصب منه وحديث عطاء أنه رأى أم زفر وحديث أنس في الحبيبتين وحديث عائشة أنها قالت وارأساه إلى قوله بل أنا وارأساه فقط وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم ثلاثة آثار والله أعلم قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الطب كذا لهم الا النسفي فترجم كتاب الطب أول كفارة المرض ولم يفرد كتاب الطب وزاد في نسخة الصغاني والادوية والطب بكسر المهملة وحكى بن السيد تثليثها والطبيب هو الحاذق
[ 113 ]
بالطب ويقال له أيضا طب بالفتح والكسر ومستطب وامرأة طب بالفتح يقال استطب تعاني الطب واستطب استوصفه ونقل أهل اللغة أن الطب بالكسر يقال بالاشتراك للمداوي وللتداوي وللداء أيضا فهو من الاضداد ويقال أيضا للرفق والسحر ويقال للشهوة ولطرائق ترى في شعاع الشمس وللحذق بالشئ والطبيب الحاذق في كل شئ وخص به المعالج عرفا والجمع في القلة أطبة وفي الكثرة أطباء والطب نوعان طب جسد وهو المراد هنا وطب قلب ومعالجته خاصة بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام عن ربه سبحانه وتعالى وأما طب الجسد فمنه ما جاء في المنقول عنه صلى الله عليه وسلم ومنه ما جاء عن غيره وغالبه راجع إلى التجربة ثم هو نوعان نوع لا يحتاج إلى فكر ونظر بل فطر الله على معرفته الحيوانات مثل ما يدفع الجوع والعطش ونوع يحتاج إلى الفكر والنظر كدفع ما يحدث في البدن مما يخرجه عن الاعتدال وهو إما إلى حرارة أو برودة وكل منهما إما إلى رطوبة أو يبوسة أو إلى ما يتركب منهما وغالب ما يقاوم الواحد منهما بضده والدفع قد يقع من خارج البدن وقد يقع من داخله وهو أعسرهما والطريق إلى معرفته بتحقق السبب والعلامة فالطبيب الحاذق هو الذي يسعى في تفريق ما يضر بالبدن جمعه أو عكسه وفي تنقيص ما يضر بالبدن زيادته أو عكسه ومدار ذلك على ثلاثة أشياء حفظ الصحة والاحتماء عن المؤذي واستفراغ المادة الفاسدة وقد أشير إلى الثلاثة في القرآن فالاول
من قوله تعالى فمن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وذلك أن السفر مظنة النصب وهو من مغيرات الصحة فإذا وقع فيه الصيام ازداد فأبيح الفطر إبقاء على الجسد وكذا القول في المرض الثاني وهو الحمية من قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم فإنه استنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد والثالث من قوله تعالى أو به أذى من رأسه ففدية فإنه أشير بذلك إلى جواز حلق الرأس الذي منع منه المحرم لاستفراغ الاذى الحاصل من البخار المحتقن في الرأس وأخرج مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم مرسلا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجلين أيكما أطب قالا يا رسول الله وفي الطب خير قال أنزل الداء الذي أنزل الدواء قوله باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء كذا للاسماعيلي وابن بطال ومن تبعه ولم أرد لفظ باب من نسخ الصحيح إلا للنسفي قوله أبو أحمد الزبيري هو محمد بن عبد الله بن الزبير الاسدي نسب لجده وهو أسد من بني أسد بن خزيمة فقد يلتبس بمن ينسب إلى الزبير بن العوام لكونهم من بني أسد ابن عبد العزي وهذا من فنون علم الحديث وصنفوا فيه الانساب المتفقة في اللفظ المفترقة في الشخص وقد وقع عند أبي نعيم في الطب من طريق أبي بكر وعثمان بن أبي شيبة قالا حدثنا محمد ابن عبد الله الاسدي أبو أحمد الزبيري وعند الاسماعيلي من طريق هارون بن عبد الله الحمال حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري قوله عن أبي هريرة كذا قال عمر بن سعيد عن عطاء وخالفه شبيب ابن بشر فقال عن عطاء عن أبي سعيد الخدري أخرجه الحاكم وأبو نعيم في الطب ورواه طلحة بن عمرو عن علط عن بن عباس هذه رواية عبد بن حميد عن محمد بن عبيد عنه وقال معتمر بن سليمان عن طلحة بن عمرو عن عطاء عن أبي هريرة أخرجه بن عاصم في الطب وأبو نعيم وهذا مما يترجح به رواية عمر بن سعيد قوله ما أنزل الله داء وقع في رواية الاسماعيلي من داء ومن زائدة ويحتمل أن يكون مفعول أنزل محذوفا فلا تكون من زائدة بل لبيان المحذوف ولا يخفي تكلفه قوله
[ 114 ]
إلا أنزل له شفاء في رواية طلحة بن عمرو من الزيادة في أول الحديث يا أيها الناس تداووا ووقع في رواية طارق بن شهاب عن بن مسعود رفعه أن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء فتداووا وأخرجه
النسائي وصححه بن حبان والحاكم ونحوه للطحاوي وأبي نعيم من حديث بن عباس ولاحمد عن أنس أن الله حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا وفي حديث أسامة بن شريك تداووا يا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحدا الهرم أخرجه أحمد والبخاري في الادب المفرد والاربعة وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم وفي لفظ إلا السام بمهملة مخففة يعني الموت ووقع في رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن بن مسعود نحو حديث الباب وزاد في آخره علمه من علمه وجهله من جهله أخرجه النسائي وابن ماجة وصححه بن حبان والحاكم ولمسلم عن جابر رفعه لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برا بإذن الله تعالى ولابي داود من حديث أبي الدرداء رفعه إن الله جعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام وفي مجموع هذه الالفاظ ما يعرف منه المراد بالانزال في حديث الباب وهو إنزال علم ذلك على لسان الملك للنبي صلى الله عليه وسلم مثلا أو عبر بالانزال عن التقدير وفيها التقييد بالحلال فلا يجوز التداوي بالحرام وفي حديث جابر منها الاشارة إلى أن الشفاء متوقف على الاصابة بإذن الله وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكمية فلا ينجع بل ربما أحدث داء آخر وفي حديث بن مسعود الاشارة إلى أن بعض الادوية لا يعلمها كل أحد وفيها كلها إثبات الاسباب وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله وبتقديره وأنها لا تنجع بذواتها بل بما قدره الله تعالى فيها وأن الدواء قد ينقلب داء إذا قدر الله ذلك وإليه الاشارة بقوله في حديث جابر بإذن الله فمدار ذلك كله على تقدير الله وارادته والتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالاكل والشرب وكذلك تجنب المهلكات والدعاء بطلب العافية ودفع المضار وغير ذلك وسيأتي مزيد لهذا البحث في باب الرقية إن شاء الله تعالى ويدخل في عمومها أيضا الداء القاتل الذي اعترف حذاق الاطباء بأن لا دواء له وأقروا بالعجز عن مداواته ولعل الاشارة في حديث بن مسعود بقوله وجهله من جهله إلى ذلك فتكون باقية على عمومها ويحتمل أن يكون في الخبر حذف تقديره لم ينزل داء يقبل الدواء إلا أنزل له شفاء والاول أولى ومما يدخل في قوله جهله من جهله ما يقع لبعض المرضى أنه يتداوى من داء بدواء فيبرا ثم يعتريه ذلك الداء بعينه فيتداوى بذلك الدواء بعينه فلا ينجع
والسبب في ذلك الجهل بصفة من صفات الدواء قرب مرضين تشابها ويكون أحدهما مركبا لا ينجع فيه ما ينجع في الذي ليس مركبا فيقع الخطأ من هنا وقد يكون متحدا لكن يريد الله أن لا ينجع فلا ينجع ومن هنا تخضع رقاب الاطباء وقد أخرج بن ماجة من طريق أبي خزامة وهو بمعجمة وزاي خفيفة عن أبيه قال قلت يا رسول الله أرأيت رقي نسترقيها ودواء نتداوى به هل يرد من قدر الله شيئا قال هي من قدر الله تعالى والحاصل أن حصول الشفاء بالدواء إنما هو كدفع الجوع بالاكل والعطش بالشرب وهو ينجع في ذلك في الغالب وقد يتخلف لمانع والله أعلم ثم الداء والدواء كلاهما بفتح الدال وبالمد وحكى كسر دال الدواء واستثناء الموت في حديث أسامة ابن شريك واضح ولعل التقدير إلا داء الموت أي المرض الذي قدر على صاحبه الموت واستثناء الهرم في الرواية الاخرى إما لانه جعله شبيها بالموت والجامع بينهما نقص الصحة أو لقربه من
[ 115 ]
الموت وإفضائه إليه ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعا والتقدير لكن الهرم لا دواء له والله أعلم قوله باب هل يداوي الرجل المرأة والمرأة الرجل ذكر فيه حديث الربيع بالتشديد كنا نغزو ونسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة وليس في هذا السياق تعرض للمداواة إلا أن كان يدخل في عموم قولها نخدمهم نعم ورد الحديث المذكور بلفظ ونداوي الجرحى ونرد القتلى وقد تقدم كذلك في باب مداواة النساء الجرحى في الغزو من كتاب الجهاد فجرى البخاري على عادته في الاشارة إلى ما ورد في بعض ألفاظ الحديث ويؤخذ حكم مداواة الرجل المرأة منه بالقياس وإنما لم يجزم بالحكم لاحتمال أن يكون ذلك قبل الححاب أو كانت المرأة تصنع ذلك بمن يكون زوجا لها أو محرما وأما حكم المسألة فتجوز مداواة الاجانب عند الضرورة وتقدر بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجس باليد وغير ذلك وقد تقدم البحث في شئ من ذلك في كتاب الجهاد قوله باب الشفاء في ثلاث سقطت الترجمة للنسفي ولفظ باب للسرخعي قوله حدثني الحسين كذا لهم غير منسوب وجزم جماعة بأنه ابن محمد بن زياد النيسابوري المعروف بالقباني قال الكلاباذي كان يلازم البخاري لما كان بنيسابور وكان
عنده مسند أحمد بن منيع سمعه منه يعني شيخه في هذا الحديث وقد ذكر الحاكم في تاريخه من طريق الحسين المذكور أنه روى حديثا فقال كتب عني محمد بن إسماعيل هذا الحديث ورأيت في كتاب بعض الطلبة قد سمعه منه عني اه وقد عاش الحسين القبائي بعد البخاري ثلاثا وثلاثين سنة وكان من أقران مسلم فرواية البخاري عنه من رواية الاكابر عن الاصاغر وأحمد بن منيع شيخ الحسين فيه من الطبقة الوسطى من شيوخ البخاري فلو رواه عنه بلا واسطة لم يكن عاليا له وكانت وفاة أحمد بن منيع وكنيته أبو جعفر سنة أربع وأربعين ومائتين وله أربع وثمانون سنة واسم جده عبد الرحمن وهو جد أبي القاسم البغوي لامه ولذلك يقال له المنيعي وابن بنت منيع وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وجزم الحاكم بأن الحسين المذكور هو بن يحيى بن جعفر البيكندي وقد أكثر البخاري الرواية عن أبيه يحيى بن جعفر وهو من صغار شيوخه والحسين أصغر من البخاري بكثير وليس في البخاري عن الحسين سواء كان القبائي أو البيكندي سوى هذا الحديث وقول البخاري بعد ذلك حدثنا محمد بن عبد الرحيم هو المعروف بصاعقة يكنى أبا يحيى وكان من كبار الحفاظ وهو من أصاغر شيوخ البخاري ومات قبل البخاري بسنة واحدة وسريج بن يونس شيخه بمهملة ثم جيم من طبقة أحمد بن منيع ومات قبله بعشر سنين وشيخهما مروان بن شجاع هو الحراني أبو عمرو وأبو عبد الله مولى محمد بن مروان ابن الحكم نزل بغداد وقواه أحمد بن حنبل وغيره وقال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه وليس بالقوي وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في الشهادات ولم يتفق وقوع هذا الحديث للبخاري عاليا فإنه قد سمع من أصحاب مروان بن شجاع هذا ولم يقع له هذا الحديث عنه إلا بواسطتين وشيخه سالم الافطس هو بن عجلان وما له في البخاري سوى الحديثين المذكورين من رواية مروان بن شجاع عنه قوله حدثني سالم الافطس وفي الرواية الثانية عن سالم وقع عند الاسماعيلي عن المنيعي حدثنا جدي هو أحمد بن منيع حدثنا مروان بن شجاع قال ما أحفظه إلا عن سالم الافطس حدثني فذكره قال الاسماعيلي صار الحديث عن مروان بن شجاع
[ 116 ]
بالشك منه فيمن حدثه به قلت وكذا أخرجه أحمد بن حنبل عن مروان بن شجاع سواء وأخرجه بن ماجة عن أحمد بن منيع مثل رواية البخاري الاولى بغير شك وكذا أخرجه الاسمعيلي أيضا عن القاسم بن زكريا عن أحمد بن منيع وكذا رويناه في فوائد أبي طاهر المخلص حدثنا محمد بن يحيى بن صاعد حدثنا أحمد بن منيع قوله عن سعيد بن جبير وقع في مسند دعلج من طريق محمد بن الصباح حدثنا مروان بن شجاع عن سالم الافطس أظنه عن سعيد بن جبير كذا بالشك أيضا وكان ينبغي للاسماعيلي أن يعترض بهذا أيضا والحق أنه لا أثر للشك المذكور والحديث متصل بلا ريب قوله عن بن عباس قال الشفاء في ثلاث كذا أورده موقوفا لكن آخره يشعر بأنه مرفوع لقوله وأنهى أمتي عن الكي ولقوله رفع الحديث وقد صرح برفعه في رواية سريج بن يونس حيث قال فيه عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولعل هذا هو السر في إيراد هذه الطريق أيضا مع نزولها وإنما لم يكتف بها عن الاولى للتصريح في الاولى بقول مروان حدثني سالم ووقعت في الثانية بالعنعنة قوله رواه القمي بضم القاف وتشديد الميم هو يعقوب بن عبد الله بن سعد بن مالك بن هانئ بن عامر بن أبي عامر الاشعري لجده أبي عامر صحبة وكنية يعقوب أبو الحسن وهو من أهل قم ونزل الري قواه النسائي وقال الدارقطني ليس بالقوي وما له في البخاري سوى هذا الموضع وليث شيخه هو بن أبي سليم الكوفي سئ الحفظ وقد وقع لنا هذا الحديث من رواية القمي موصولا في مسند البزار وفي الغيلانيات في جزء ابن بخيت كلهم من رواية عبد العزيز بن الخطاب عنه بهذا السند وقصر بعض الشراح فنسبه إلى تخريج أبي نعيم في الطب والذي عند أبي نعيم بهذا السند حديث آخر في الحجامة لفظه احتجموا لا يتبيغ بكم الدم فيقتلكم قوله في العسل والحجم في رواية الكشميهني والحجامة ووقع في رواية عبد العزيز بن الخطاب المذكورة إن كان في شئ من أدويتكم شفاء ففي مصة من الحجام أو مصة من العسل وإلى هذا أشار البخاري بقوله في العسل والحجم وأشار بذلك إلى أن الكي لم يقع في هذه الرواية وأغرب الحميدي في الجمع فقال في أفراد البخاري الحديث الخامس عشر عن طاوس عن بن عباس من رواية مجاهد عنه قال وبعض الرواة يقول فيه عن مجاهد عن ابن
عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في العسل والحجم الشفاء وهذا الذي عزاه للبخاري لم أره فيه أصلا بل ولا في غيره والحديث الذي اختلف الرواة فيه هل هو عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس أو عن مجاهد عن بن عباس بلا واسطة إنما هو في القبرين اللذين كانا يعذبان وقد تقدم التنبيه عليه في كتاب الطهارة وأما حديث الباب فلم أره من رواية طاوس أصلا وأما مجاهد فلم يذكره البخاري عنه إلا تعليقا كما بينته وقد ذكرت من وصله وسياق لفظه قال الخطابي انتظم هذا الحديث على جملة ما يتداوى به الناس وذلك أن الحجم يستفرغ الدم وهو أعظم الاخلاط والحجم أنجحها شفاء عند هيجان الدم وأما العسل فهو مسهل للاخلاط البلغمية ويدخل في المعجونات ليحفظ على تلك الادوية قواها ويخرجها من البدن وأما الكي فإنما يستعمل في الخلط الباغي الذي لا تنحسم مادته إلا به ولهذا وصفه النبي صلى الله عليه وسلم ثم نهى عنه وإنما كرهه لما فيه من الالم الشديد والخطر العظيم ولهذا كانت العرب تقول في أمثالها آخر الدواء الكي وقد كوى النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وغيره وأكتوى غير واحد من الصحابة قلت ولم يرد النبي صلى
[ 117 ]
الله عليه وسلم الحصر في الثلاثة فإن الشفاء قد يكون في غيرها وإنما نبه بها على أصول العلاج وذلك أن الامراض الامتلائية تكون دموية وصفراوية وبلغمية وسوداوية وشفاء الدموية بإخراج الدم وإنما خص الحجم بالذكر لكثرة استعمال العرب والفهم له بخلاف الفصد فإنه وإن كان في معنى الحجم لكنه لم يكن معهودا لها غالبا على أن في التعبير بقوله شرطة محجم ما قد يتناول الفصد وأيضا فالحجم في البلاد الحارة أنجح من الفصد والفصد في البلاد التي ليست بحارة أنجح من الحجم وأما الامتلاء الصفراوي وما ذكر معه فدواؤه بالمسهل وقد نبه عليه يذكر العسل وسيأتي توجيه ذلك في الباب الذي بعده وأما الكي فإنه يقع أخرا لاخراج ما يتعسر إخراجه من الفضلات وإنما نهى عنه مع إثباته الشفاء فيه إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم المادة بطبعه فكرهه لذلك ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء لظنهم أنه يحسم الداء فيتعجل الذي يكتوي التعذيب بالنار لامر مظنون وقد لا يتفق أن يقع له ذلك المرض الذي يقطعه الكي
ويؤخذ من الجمع بين كراهته صلى الله عليه وسلم للكي وبين استعماله له أنه لا يترك مطلقا ولا يستعمل مطلقا بل يستعمل عند تعينه طريقا إلى الشفاء مع مصاحبة اعتقاد أن الشفاء بإذن الله تعالى وعلى هذا التفسير يحمل حديث المغيرة رفعه من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل أخرجه الترمذي والنسائي وصححه بن حبان والحاكم وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة علم من مجموع كلامه في الكي أن فيه نفعا وأن فيه مضرة فلما نهى عنه علم أن جانب المضرة فيه أغلب وقريب منه إخبار الله تعالى أن في الخمر منافع ثم حمرها لان المضار التي فيها أعظم من المنافع انتهى ملخصا وسيأتي الكلام على كل من هذه الامور الثلاثة في أبواب مفردة لها وقد قيل إن المراد بالشفاء في هذا الحديث الشفاء من أحد قسمي المرض لان الامراض كلها إما مادية أو غيرها والمادية كما تقدم حارة وباردة وكل منهما وأن انقسم إلى رطبة ويابسة ومركبة فالاصل الحرارة والبرودة وما عداهما ينفعل من إحداهما فنبه بالخبر على أصل المعالجة بضرب من المثال فالحارة تعالج بإخراج الدم لما فيه من استفراغ المادة وتبريد المزاج والباردة بتناول العسل لما فيه من التسخين والانضاج والتقطيع والتلطيف والجلاء والتليين فيحصل بذلك استفراغ المادة برفق وأما الكي فخاص بالمرض المزمن لانه يكون عن مادة باردة فقد تفسد مزاج العضو فإذا كوي خرجت منه وأما الامراض التي ليست بمادية فقد أشير إلى علاجها بحديث الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء وسيأتي الكلام عليه عند شرحه إن شاء الله تعالى وأما قوله وما أحب أن أكتوي فهو من جنس تركه أكل الضب مع تقريره أكله على مائدته واعتذاره بأنه يعافه رحمه اللهقوله باب الدواء بالعسل وقول الله تعالى فيه شفاء للناس كأنه أشار بذكر الآية إلى أن الضمير فيها للعسل وهو قول الجمهور وزعم بعض أهل التفسير أنه للقرآن وذكر ابن بطال أن بعضهم قال إن قوله تعالى فيه شفاء للناس أي لبعضهم وحمله على ذلك أن تناول العسل قد يضر ببعض الناس كمن يكون حار المزاج لكن لا يحتاج إلى ذلك لانه ليس في حمله على العموم ما يمنع أنه قد يضر ببعض الابدان بطريق العرض والعسل يذكر ويؤنث وأسماؤه تزيد على المائة وفيه من المنافع ما لخصه الموفق البغدادي وغيره فقالوا يجلو الاوساخ التي في العروق
والامعاء ويدفع الفضلات ويغسل خمل المعدة ويسخنها تسخينا معتدلا ويفتح أفواه العروق
[ 118 ]
ويشد المعدة والكبد والكلى والمثانة والمنافذ وفيه تحليل للرطوبات أكلا وطلاء وتغذية وفيه حفظ المعجونات وإذهاب لكيفية الادوية المستكرهة وتنقية الكبد والصدر وإدرار البول والطمث ونفع للسعال الكائن من البلغم ونفع لاصحاب البلغم والامزجة الباردة وإذا أضيف إليه الخل نفع أصحاب الصفراء ثم هو غذاء من الاغذيه ودواء من الادوية وشراب من الاشربة وحلوى من الحلاوات وطلاء من الاطلية ومفرح من المفرحات ومن منافعه أنه إذا شرب حارا بدهن الورد نفع من نهش الحيوان وإذا شرب وحده بماء نفع من عضة الكلب الكلب وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر وكذلك الخيار والقرع والباذنجان والليمون ونحو ذلك من الفواكة وإذا لطخ به البدن للقمل قتل القمل والصئبان وطول الشعر وحسنه ونعمه وأن اكتحل به جلا ظلمة البصر وأن استن به صقل الاسنان وحفظ صحتها وهو عجيب في حفظ جثث الموتى فلا يسرع إليها لبلى وهو مع ذلك مأمون الغائلة قليل المضرة ولم يكن يعول قدماء الاطباء في الادوية المركبة إلا عليه ولا ذكر للسكر في أكثر كتبهم أصلا وقد أخرج أبو نعيم في الطب النبوي بسند ضعيف من حديث أبي هريرة رفعه وابن ماجة بسند ضعيف من حديث جابر رفعه من لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر لم يصبه عظيم بلاء والله أعلم ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث الاول حديث عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الحلواء والعسل قال الكرماني الاعجاب أعم من أن يكون على سبيل الدواء أو الغذاء فتؤخذ المناسبة بهذه الطريق وقد تقدم باقي الكلام عليه في كتاب الاطعمة الحديث الثاني قوله عبد الرحمن بن الغسيل اسم الغسيل حنظلة بن أبي عامر الاوسي الانصاري استشهد بأحد وهو جنب فغسلته الملائكة فقيله له الغسيل وهو فعيل بمعنى مفعول وهو جد جد عبد الرحمن فهو ابن سليمان بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حنظلة وعبد الرحمن معدود في صغار التابعين لانه رأى أنسا وسهل بن سعد وجل روايته عن التابعين وهو ثقة عند الاكثر واختلف فيه قول
النسائي وقال بن حبان كان يخطئ كثيرا اه وكان قد عمر فجاز المائة فلعله تغير حفظه في الآخر وقد احتج به الشيخان وشيخه عاصم بن عمر بن قتادة أي بن النعمان الانصاري الاوسي يكنى أبا عمر ما له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في باب من بنى مسجدا في أوائل الصلاة وهو تابعي ثقة عندهم وأغرب عبد الحق فقال في الاحكام وثقة بن معين وأبو زرعة وضعفه غيرهما ورد ذلك أبو الحسن بن القطان على عبد الحق فقال لا أعرف أحد ضعفه ولا ذكره الضعفاء اه وهو كما قال قوله ان كان في شئ من أدويتكم أو يكون في شئ من أدويتكم كذا وقع بالشك وكذا لاحمد عن أبي أحمد الزبيري عن بن الغسيل وسيأتي بعد أبواب باللفظ الاول بغير شك وكذا لمسلم وذكرت فيه في باب الحجامة من الداء قصة وقوله أو يكون قال ابن التين صوابه أو يكن لانه معطوف على مجزوم فيكون مجزوما قلت وقد وقع في رواية أحمد إن كان أو إن يكن فلعل الرواي أشبع الضمة فظن السامع أن فيها واوا فأثبتها ويحتمل أن يكون التقدير إن كان في شئ أو إن كان يكون في شئ فيكون التردد لاثبات لفظ يكون وعدمها وقرأها بعضهم بشتديد الواو وسكون النون وليس ذلك بمحفوظ قوله ففي شرطة محجم بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم قوله أو لذعة بنار بذال معجمة ساكنة وعين مهملة اللذع هو
[ 119 ]
الخفيف من حرق النار وأما اللدغ بالدال المهملة والغين المعجمة فهو ضرب أو عض ذات السم قوله توافق الداء فيه إشارة إلى أن الكي إنما يشرع منه ما يتعين طريقا إلى إزالة ذلك الداء وأنه لا ينبغي التجربة لذلك ولا استعماله إلا بعد التحقق ويحتمل أن يكون المراد بالموافقة موافقة القدر قوله وما أحب أن أكتوي سيأتي بيانه بعد أبواب الحديث الثالث حديث أبي سعيد في الذي اشتكى بطنه فأمر بشرب العسل وسيأتي شرحه في باب دواء المبطون وشيخه عباس فيه هو بالموحدة ثم مهملة النرسي بنون ومهملة وعبد الاعلى شيخه هو بن عبد الاعلى وسعيد هو ابن أبي عروبة والاسناد كله بصريون قوله باب الدواء بألبان الابل أي في المرض الملائم له قوله سلام بن مسكين هو الازدي وهو بالتشديد وما له في البخاري سوى هذا الحديث
وآخر سيأتي في كتاب الادب ووقع في اللباس عن موسى بن إسماعيل حدثنا سلام عن عثمان بن عبد الله فزعم الكلاباذي أنه سلام بن مسكين وليس كذلك بل هو سلام بن أبي مطيع وسأذكر الحجة لذلك هناك إن شاء الله تعالى قوله حدثنا ثابت هو البناني ووقع للاسماعيلي من رواية بهز بن أسد عن سلام بن مسكين قال حدث ثابت الحسن وأصحابه وأنا شاهد معهم فيؤخذ من ذلك أنه لا يتشرط في قول الراوي حدثنا فلان أن يكون فلان قد قصد إليه بالتحديث بل إن سمع منه اتفاقا جاز أن يقول حدثنا فلان ورجال هذا الاسناد أيضا كلهم بصريون قوله ان ناسا زاد بهز في روايته من أهل الحجاز وقد تقدم في الطهارة أنهم من عكل أو عرينة بالشك وثبت أنهم كانوا ثمانية وأن أربعة منهم كانوا من عكل وثلاثة من عرينه والرابع كان تبعا لهم قوله كان بهم سقم فقالوا يا رسول الله آوونا وأطعمنا فلما صحوا في السياق حذف تقديره فآواهم وأطعمهم فلما صحوا قالوا إن المدينة وخمة وكان السقم الذي بهم أولا من الجوع أو من التعب فلما زال ذلك عنهم خشوا من وخم المدينة إما لكونهم أهل ريف فلم يعتادوا بالحضر وإما بسبب ما كان بالمدينة من الحمى وهذا هو المراد بقوله في الرواية التي بعدها اجتووا المدينة وتقدم تفسير الجوي في كتاب الطهارة ووقع في رواية بهز بن أسد بهم ضر وجهد وهو يشير إلى ما قلناه قوله في ذود له ذكر ابن سعد أن عدد الذود كان خمس عشرة وفي رواية بهز بن أسد أن اللذود كان مع الراعي بجانب الحرة قوله فقال اشربوا ألبانها كذا هنا وتقدم من رواية أبي قلابة وغيره عن أنس من ألبانها وأبوالها قوله فلما صحوا في السياق حذف تقديره فخرجوا فشربوا فلما صحوا قوله وسمر أعينهم كذا للاكثر والكشميهني باللام بدل الراء وقد تقدم شرحها قوله فرأيت الرجل منهم يكدم الارض بلسانه حتى يموت زاد بهز في روايته مما يجد من الغم والوجع وفي صحيح أبي عوانة هنا يعض الارض ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة قوله قال سلام هو موصول بالسند المذكور وقوله فبلغني أن الحجاج هو بن يوسف الامير المشهور وفي رواية أنس فذكر ذلك قوم للحجاج فبعث إلى أنس فقال هذا خاتمي فليكن بيدك أي يصير خازنا له فقال أنس أني أعجز عن ذلك قال فحدثني بأشد عقوبة الحديث قوله بأشد عقوبة عاقبه النبي صلى الله عليه وسلم كذا
بالتذكير على إرادة العقاب وفي رواية بهز عاقبها على ظاهر اللفظ قوله فبلغ الحسن هو بن أبي الحسن البصري فقال وددت أنه لم يحدثه زاد الكشميهني بهذا وفي رواية بهز فوالله ما انتهى الحجاج حتى قام بها على المنبر فقال حدثنا أنس فذكره وقال قطع النبي صلى الله عليه وسلم الايدي
[ 120 ]
والارجل وسمل الاعين في معصية الله أفلا نفعل نحن ذلك في معصية الله وساق الاسماعيلي من وجه آخر عن ثابت حدثني أنس قال ما ندمت على شئ ما ندمت على حديث حدثت به الحجاج فذكره وإنما ندم أنس على ذلك لان الحجاج كان مسرفا في العقوبة وكان يتعلق بأدنى شبهة ولا حجة له في قصة العرنيين لانه وقع التصريح في بعض طرقه أنهم ارتدوا وكان ذلك أيضا قبل أن تنزل الحدود كما في الذي بعده وقبل النهي عن المثلثة كما تقدم في المغازي وقد حضر أبو هريرة الامر بالتعذيب بالنار ثم حضر نسخه والنهي عن التعذيب بالنار كما مر في كتاب الجهاد وكان إسلام أبي هريرة متأخرا عن قصة العرنيين وقد تقدم بسط القول في ذلك في باب أبوال الابل والدواب في كتاب الطهارة وإنما أشرت إلى اليسير منه لبعد العهد به قوله باب الدواء بأبوال الابل ذكر فيه حديث العرنيين ووقع في خصوص التداوي بأبوال الابل حديث أخرجه ابن المنذر عن بن عباس رفعه عليكم بأبوال الابل فإنها نافعة للذرية بطونهم والذرية بفتح المعجمة وكسر الراء جمع ذرب والذرب بفتحتين فساد المعدة قوله ان ناسا اجتووا في المدينة كذا هنا بإثبات في وهي ظرفية أي حصل لهم الجوي وهم في المدينة ووقع في رواية أبي قلابة عن أنس اجتووا المدينة قوله أن يلحقوا براعيه يعني الابل كذا في الاصل وفي رواية مسلم من هذا الوجه أن يلحقوا براعي الابل قوله حتى صلحت في رواية الكشميهني صحت قوله قال قتادة هو موصول بالاسناد المذكور وقوله فحدثني محمد بن سيرين الخ يعكر عليه ما أخرجه مسلم من طريق سليمان التيمي عن أنس قال إنما سملهم النبي صلى الله عليه وسلم لانهم سملوا أعين الرعاة وسيأتي بيان ذلك واضحا في كتاب الديات إن شاء الله تعالى قوله باب الحبة السوداء سيأتي بيان المراد بها في آخر الباب قوله حدثني عبد الله بن أبي شيبة كذا سماه ونسبه لجده وهو أبو
بكر مشهور بكنيته أكثر من اسمه وأبو شيبة جده وهو بن محمد بن إبراهيم وكان إبراهيم أبو شيبة قاضي واسط قوله حدثنا عبيد الله بالتصغير كذا للجميع غير منسوب وكذا أخرجه بن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبيد الله غير منسوب وجزم أبو نعيم في المستخرج بأنه عبيد الله بن موسى وقد أخرجه الاسماعيلي من طريق أبي بكر الاعين والخطيب في كتاب رواية الآباء عن الابناء من طريق أبي مسعود الرازي وهو عندنا بعلو من طريقه وأخرجه أيضا أحمد بن حازم عن أبي غرزة بفتح المعجمة والراء والزاي في مسنده ومن طريقه الخطيب أيضا كلهم عن عبيد الله ابن موسى وهو الكوفي المشهور ورجال الاسناد كلهم كوفيون وعبيد الله بن موسى من كبار شيوخ البخاري وربما حدث عنه بواسطة كالذي هنا قوله عن منصور هو بن المعتمر قوله عن خالد بن سعد هو مولى أبي مسعود البدري الانصاري وما له في البخاري سوى هذا الحديث وقد أخرجه المنجنيقي في كتاب رواية الاكابر عن الاصاغر عن عبيد الله بن موسى بهذا الاسناد فأدخل بين منصور وخالد بن سعد مجاهدا وتعقبه الخطيب بعد أن أخرجه من طريق المنجنيقي بأن ذكر مجاهد فيه وهم ووقع في رواية المنجنيقي أيضا خالد بن سعيد بزيادة ياء في اسم أبيه وهو وهم نبه عليه الخطيب أيضا قوله ومعنا غالب بن أبجر بموحدة وجيم وزن أحمد يقال إنه الصحابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمر الاهلية وحديثه عند أبي داود قوله فعاده بن أبي عتيق في رواية أبي بكر الاعين فعاده أبو بكر بن أبي عتيق وكذا قال سائر أصحاب عبد الله بن
[ 121 ]
موسى إلا المنجنيقي فقال في روايته عن خالد بن سعد عن غالب بن أبجر عن أبي بكر الصديق عن عائشة واختصر القصة وبسياقها يتبين الصواب قال الخطيب وقوله في السند عن غالب بن أبجر وهم فليس لغالب فيه رواية وإنما سمعه خالد مع غالب من أبي بكر بن أبي عتيق قال وأبو بكر ابن أبي عتيق هذا هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وأبو عتيق كنية أبيه محمد بن عبد الرحمن وهو معدود في الصحابة لكونه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبوه وجده وجد أبيه صحابة مشهورون قوله عليكم بهذه الحبيبة السويداء كذا هنا بالتصغير
فيهما إلا الكشميهني فقال السوداء وهي رواية الاكثر ممن قدمت ذكره أنه أخرج الحديث قوله فإن عائشة حدثتني أن هذه الحبة السوداء شفاء والكشميهني أن في هذه الحبة شفاء كذا للاكثر وفي رواية الاعين هذه الحبة السوداء التي تكون في الملح وكان هذا قد أشكل علي ثم ظهر لي أنه يريد الكمون وكانت عادتهم جرت أن يخلط بالملح قوله إلا من السام بالمهملة بغير همز ولابن ماجة إلا أن يكون الموت وفي هذا أن الموت داء من جملة الادواء قال الشاعر وداء الموت ليس له دواء وقد تقدم توجيه إطلاق الداء على الموت في الباب الاول قوله قلت وما السام قال الموت لم أعرف اسم السائل ولا القائل وأظن السائل خالد بن سعد والمجيب ابن أبي عتيق وهذا الذي أشار إليه بن أبي عتيق ذكره الاطباء في علاج الزكام العارض معه عطاس كثير وقالوا تقلى الحبة السوداء ثم تدق ناعما ثم تنقع في زيت ثم يقطر منه في الانف ثلاث قطرات فلعل غالب بن أبجر كان مزكوما فلذلك وصف له بن أبي عتيق الصفة المذكورة وظاهر سياقه أنها موقوفة عليه ويحتمل أن تكون عنده مرفوعة أيضا فقد وقع في رواية الاعين عند الاسمعيلي بعد قوله من كل داء واقطروا عليها شيئا من الزيت وفي رواية له أخرى وربما قال واقطروا الخ وادعى الاسماعيلي أن هذه الزيادة مدرجة في الخبر وقد أوضحت ذلك رواية بن أبي شيبة ثم وجدتها مرفوعة من حديث بريدة فأخرج المستغفري في كتاب الطب من طريق حسام ابن مصك عن عبيد الله بن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن هذه الحبة السوداء فيها شفاء الحديث قال وفي لفظ قيل وما الحبة السوداء قال الشونيز قال وكيف أصنع بها قال تأخذ إحدى وعشرين حبة فتصرها في خرقة ثم تضعها في ماء ليلة فإذا أصبحت قطرت في المنخر الايمن واحدة وفي الايسر اثنتين فإذا كان من الغد قطرت في المنخر الايمن اثنتين وفي الايسر واحدة فإذا كان في اليوم الثالث قطرت في الايمن واحدة وفي الايسر اثنتين ويؤخذ من ذلك أن معنى كون الحبة شفاء من كل داء أنها لا تستعمل في كل داء صرفا بل ربما استعملت مفردة وربما استعملت مركبة وربما استعملت مسحوقة وغير مسحوقة وربما استعملت أكلا وشربا وسعوطا وضمادا وغير ذلك وقيل إن قوله كل داء تقديره يقبل العلاج بها فإنها تنفع من الامراض
الباردة وأما الحارة فلا نعم قد تدخل في بعض الامراض الحارة اليابسة بالعرض فتوصل قوي الادوية الرطبة الباردة إليها بسرعة تنفيذها ويستعمل الحار في بعض الامراض الحارة لخاصية فيه لا يستنكر كالعنزروت فإنه حار ويستعمل في أدوية الرمد المركبة مع أن الرمد ورم حار باتفاق الاطباء وقد قال أهل العلم بالطب إن طبع الحبة السوداء حار يابس وهي مذهبة للنفخ نافعة من حمى الربع والبلغم مفتحة للسدد والريح مجففة لبلة المعدة وإذا دقت وعجنت بالعسل
[ 122 ]
وشربت بالماء الحار أذابت الحصاة وأدرت البول والطمث وفيها جلاء وتقطيع وإذا دقت وربطت بخرقة من كتان وأديم شمها نفع من الزكام البارد وإذا نقع منها سبع حبات في لبن امرأة وسعط به صاحب اليرقان أفاده وإذا شرب منها وزن مثقال بماء أفاد من ضيق النفس والضماد بها ينفع من الصداع البارد وإذا طبخت بخل وتمضمض بها نفعت من وجع الاسنان الكائن عن برد وقد ذكر بن البيطار وغيره ممن صنف في المفردات في منافسها هذا الذي ذكرته وأكثر منه وقال الخطابي قوله من كل داء هو من العام الذي يراد به الخاص لانه ليس في طبع شئ من النبات ما يجمع جميع الامور التي تقابل الطبائع في معالجة الادواء بمقابلها وإنما المراد أنها شفاء من كل داء يحدث من الرطوبة وقال أبو بكر بن العربي العسل عند الاطباء أقرب إلى أن يكون دواء من كل داء من الحبة السوداء ومع ذلك فإن من الامراض ما لو شرب صاحبه العسل لتأذى به فإن كان المراد بقوله في العسل فيه شفاء للناس الاكثر الاغلب فحمل الحبة السوداء على ذلك أولى وقال غيره كان النبي صلى الله عليه وسلم يصف الدواء بحسب ما يشاهده من حال المريض فلعل قوله في الحبة السوداء وافق مرض من مزاجه بارد فيكون معنى قوله شفاء من كل داء أي من هذا الجنس الذي وقع القول فيه والتخصيص بالحيثية كثير شائع والله أعلم وقال الشيخ أبو محمد ابن أبي جمرة تكلم الناس في هذا الحديث وخصوا عمومه وردوه إلى قول أهل الطب والتجربة ولاخفاء بغلط قائل ذلك لانا إذا صدقنا أهل الطب ومدار عليهم غالبا إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظن غالب فتصديق من لا ينطق عن الهوى أولى بالقبول من كلامهم انتهى وقد
تقدم توجيه حمله على عمومه بأن يكون المراد بذلك ما هو أعم من الافراد والتركيب ولا محذور في ذلك ولا خروج عن ظاهر الحديث والله أعلم قوله أخبرني أبو سلمة هو بن عبد الرحمن بن عوف قوله وسعيد هو بن المسيب كذا في رواية عقيل وأخرجه مسلم من وجهين اقتصر في كل منهما على واحد منها وأخرجه مسلم أيضا من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ ما من داء إلا وفي الحبة السوداء منه شفاء إلا السام قوله والحبة السوداء الشونيز كذا عطفه على تفسير بن شهاب للسام فاقتضى ذلك أن تفسير الحبة السوداء أيضا له والشونيز بمضم المعجمة وسكون الواو وكسر النون وسكون التحتانية بعدها زاي وقال القرطبي قيد بعض مشايخنا الشين بالفتح وحي عياض عن بن الاعرابي أنه كسرها فأبدل الواو ياء فقال الشينيز وتفسير الحبة السوداء بالشونيز لشهره الشونيز عندهم إذ ذاك وأما الآن فالامر بالعكس والحبة السوداء أشهر عند أهل هذا العصر من الشونيز بكثير وتفسيرها بالشونيز هو الاكثر الاشهر وهي الكمون الاسود ويقال له أيضا الكمون الهندي ونقل إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن الحسن البصري أنها الخردل وحكى أبو عبيد الهروي في الغربيين أنها ثمرة البطم بضم الموحدة وسكون المهملة واسم شجرتها الضرو بكسر المعجمة وسكون الراء وقال الجوهري هو صمغ شجرة تدعي الكمكام تجلب من اليمن ورائحتها طيبة وتستعمل في البخور قلت وليست المراد هنا جزما وقال القرطبي تفسيرها بالشونيز أولى من وجهين أحدهما أنه قول الاكثر والثاني كثرة منافعها بخلاف الخردل والبطم قوله باب التلبينة للمريض هي بفتح المثناة وسكون اللام وكسر الموحدة بعدها تحتانية ثم نون ثم هاء وقد يقال بلا هاء قال
[ 123 ]
الاصمعي هي حساء يعمل من دقيق أو نخالة ويجعل فيه عسل قال غيره أو لبن سميت تلبينة تشبيها لها باللبن في بياضها ورقتها وقال بن قتيبة وعلى قول من قال يخلط فيها لبن سميت بذلك لمخالطة اللبن لها وقال أبو نعيم في الطب هي دقيق بحت وقال قوم فيه شحم وقال الداودي يؤخذ العجين غير خمير فيخرج ماؤه فيجعل حسوا فيكون لا يخالطه شئ فلذلك كثر نفعه وقال الموفق
البغدادي التلبينة الحساء ويكون في قوام اللبن وهو الدقيق النضيج لا الغليظ النئ قوله عبد الله هو بن المبارك قوله حدثنا يونس بن يزيد عن عقيل هو من رواية الاقران وذكر النسائي فيما رواه أبو علي الاسيوطي عنه أن عقيلا تفرد به عن الزهري ووقع في الترمذي عقب حديث محمد بن السائب بن بركة عن أمه عن عائشة في التلبينة وقد رواه الزهري عن عروة عن عائشة حدثنا بذلك الحسين بن محمد حدثنا أبو إسحاق الطالقاني حدثنا بن المبارك عن يونس عن الزهري قال المزي كذا في النسخ ليس فيه عقيل قلت وكذا أخرجه الاسماعيلي من رواية نعيم بن حماد ومن رواية عبد الله بن سنان كلاهما عن بن المبارك ليس فيه عقيل وأخرجه أيضا من رواية علي بن الحسن بن شقيق عن بن المبارك بإثباته وهذا هو المحفوظ وكأن من لم يذكر فيه عقيلا جرى على الجادة لان يونس مكثر عن الزهري وقد رواه عن عقيل أيضا الليث بن سعد وتقدم حديثه في كتاب الاطعمة قوله أنها كانت تأمر بالتلبين في رواية الاسماعيلي بالتلبينة بزيادة الهاء قوله للمريض وللمحزون أي يصنعه لكل منهما وتقدم في رواية الليث عن عقيل إن عائشة كانت إذا مات الميت من أهلها ثم اجتمع لذلك النساء ثم تفرقن أمرت ببرمة تلبينة فطبخت ثم قالت كلوا منها قوله عليكم بالتلبينة أي كلوها قوله فإنها تجم بفتح المثناة وضم الجيم وبضم أوله وكسر ثانيه وهما بمعنى ووقع في رواية الليث فإنها مجمة بفتح الميم والجيم وتشديد الميم الثانية هذا هو المشهور وروى بضم أوله وكسر ثانيه وهما بمعنى يقال جم وأجم والمعنى أنها تريح فؤاده وتزيل عنه الهم وتنشطه والجام بالتشديد المستريح والمصدر الجمام والاجمام ويقال جم الفرس وأجم إذا أريح فلم يركب فيكون أدعى لنشاطه وحكى بن بطال أنه روى تخم بخاء معجمة قال والمخمة المكنسة قوله في الطريق الثانية حدثنا فروة بفتح الفاء ابن أبي الفراء بفتح الميم وسكون المعجمة وبالمد هو الكندي الكوفي واسم أبي المغراء معد يكرب وكنية فروة أبو القاسم من الطبقة الوسطى من شيوخ البخاري ولم يكثر عنه قوله انها كانت تأمرنا بالتلبينة وتقول هو البغيض النافع كذا فيه موقوفا وقد حذف الاسمعيلي هذه الطريق وضاقت على أبي نعيم فأخرجها من طريق البخاري هذه عن فروة ووقع عند أحمد
وابن ماجة من طريق كلثم عن عائشة مرفوعا عليكم بالبغيض النافع التلبينة يعني الحساء وأخرجه النسائي من وجه آخر عن عائشة وزاد والذي نفس محمد بيده أنها لتغسل بطن أحدكم كما يغسل احدكم الوسخ عن وجهه بالماء وله وهو عند أحمد والترمذي من طريق محمد بن السائب بن بركة عن أمه عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ أهله الوعك أمر بالحساء فصنع ثم أمرهم فحسوا منه ثم قال إنه يرثو فؤاد الحزين ويسرو عن فؤاد السقيم كما تسروا إحداكن الوسخ عن وجهها بالماء ويرتو بفتح أوله وسكون الراء وضم المثناة ويسرو وزنه بسين مهملة ثم راء ومعنى يرتو يقوى ومعنى يسرو بكشف والبغيض بوزن عظيم من
[ 124 ]
البغض أي ببغضه المريض مع كونه ينفعه كسائر الادوية وحكى عياض أنه وقع في رواية أبي زيد المروزي بالنون بدل الموحدة قال ولا معنى له هنا قال الموفق البغدادي إذا شئت معرفة منافع التلبينة فاعرف منافع ماء الشعير ولا سيما إذا كان نخالة فإنه يجلو وينفذ بسرعة ويغذى غذاء لطيفا وإذا شرب حارا كان أجلى وأقوى نفوذا وأنمى للحرارة الغريزية قال والمراد بالفؤاد في الحديث رأس المعدة فإن فؤاد الحزين يضعف باستيلاء اليبس على أعضائه وعلى معدته خاصة لتقليل الغذاء والحساء يرطبها ويغذيها ويقويها ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض لكن المريض كثيرا ما يجتمع في معدته خلط مراري أو بلغمي أو صديدي وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة قال وسماه البغيض النافع لان المريض يعافه وهو نافع له قال ولا شئ أنفع من الحساء لمن يغلب عليه في غذائه الشعير وأما من يغلب على غذائه الحنطة فالاولى به في مرضه حساء الشعير وقال صاحب الهدي التلبينة أنفع من الحساء لانها تطبخ مطحونة فتخرج خاصة الشعير بالطحن وهي أكثر تغذية وأقوى فعلا وأكثر جلاء وإنما أختار الاطباء النضيج لانه أرق وألطف فلا يثقل على طبيعة المريض وينبغي أن يختلف الانتفاع بذلك بحسب اختلاف العادة في البلاد ولعل اللائق بالمريض ماء الشعير إذا طبخ صحيحا وبالحزين إذا طبخ مكحونا لما تقدمت الاشارة من الفرق بينما في الخاصية والله أعلم قوله باب السعوط بمهملتين ما يجعل في الانف
مما يتداوى به قوله واستعط أي استعمل السعوط وهو أن يستلقي على ظهره ويجعل بين كتفيه ما يرفعها لينحدر رأسه ويقطر في أنفه ماء أو دهن فيه دواء مفرد أو مركب ليتمكن بذلك من الوصول إلى دماغه لاستخراج ما فيه من الداء بالعطاس وسيأتي ذكر ما يستعط به في الباب الذي يليه وأخرج الترمذي من وجه آخر عن بن عباس رفعه أن خير ما تداويتم به السعوط قوله باب السعوط بالقسط الهندي والبحري قال أبو بكر بن العربي القسط نوعان هندي وهو أسود وبحري وهو أبيض والهندي أشدهما حرارة قوله وهو الكست يعني أنه يقال بالقاف وبالكاف ويقال بالطاء وبالمثناة وذلك لقرب كل من المخرجين بالاخر وعلى هذا يجوز أيضا مع القاف بالمثناة ومع الكاف بالطاء وقد تقدم في حديث أم عطية عند الطهر من الحيض نبذة من الكست وفي رواية عنها من قسط ومضى للمصنف في ذلك كلام في باب القسط للحادة قوله مثل الكافور والقافور تقدم هذا في باب القسط للحادة قوله ومثل كشطت وقشطت وقرأ عبد الله قشطت زاد النسقي أي نزعت يريد أن عبد الله بن مسعود قرأ وإذا السماء قشطت بالقاف ولم تشتهر هذه القراءة وقد وجدت سلف البخاري في هذا فقرأت في كتاب معاني القرآن للفراء في قوله تعالى وإذا السماء كشطت قال يعني نزعت وفي قراءة عبد الله قشطت بالقاف والمعنى واحد والعرب تقول الكافور والقافور والقشط والكشط وإذا تقارب الخرقان في المخرج تعاقبا في المخرج هكذا رأيته في نسخة جيدة منه الكشط بالكاف والطاء والله أعلم قوله عن عبيد الله سيأتي بلفظ أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قوله عن أم قيس بنت محصن وقع عند مسلم التصريح بسماعه له منها وسيأتي أيضا قريبا قوله عليكم بهذا العود الهندي كذا وقع هنا مختصرا ويأتي بعد أبواب في أوله قصة أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بابن لي وقد أعلقت عليه من العذرة فقال عليكن بهذا العود الهندي وأخرج أحمد وأصحاب السنن من
[ 125 ]
حديث جابر مرفوعا أيما امرأة أصاب ولدها عذرة أو وجع في رأسه فلتأخذ قسطا هنديا فتحكه بماء ثم تسعطه إياه وفي حديث أنس الآتي بعد بابين أن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط
البحري وهو محمول على أنه وصف لكل ما يلائمه فحيث وصف الهندي كان لاحتياج في المعالجة إلى دواء شديد الحرارة وحيث وصف البحري كان دون ذلك في الحرارة لان الهندي كما تقدم أشد حرارة من البحري وقال بن سينا القسط حار في الثالثة يابس في الثانية قوله فإن فيه سبعة أشفية جمع شفاء كدواء وأدوية قوله يسمط به من العذرة ويلد به من ذات الجنب كذا وقع الاقتصار في الحديث من السبعة على اثنين فإما أن يكون ذكر السبعة فاختصره الراوي أو اقتصر على الاثنين لوجودهما حينئذ دون غيرهما وسيأتي ما يقوي الاحتمال الثاني وقد ذكر الاطباء من مناف القسط أنه يدر الطمث والبول ويقتل ديدان الامعاء ويدفع السم وحمى الربع والورد ويسخن المعدة ويحرك شهوة الجماع ويذهب الكلف طلاء فذكروا أكثر من سبعة وأجاب بعض الشراح بأن السبعة علمت بالوحي وما زاد عليها بالتجربة فاقتصر على ما هو بالوحي لتحققه وقيل ذكر ما يحتاج إليه دون غيره لانه لم يبعث بتفاصيل ذلك قلت ويحتمل أن تكون السبعة أصول صفة التداوي بها لانها إما طلاء أو شرب أو تكميد أو تنطيل أو تبخير أو سعوط أو لدود فالطلاء يدخل في المراهم ويحل بالزيت يلطخ وكذا التكميد والشرب يسحق ويجعل في عسل أو ماء أو غيرهما وكذا التنطيل والسعوط يسحق في زيت ويقطر في الانف وكذا الدهن والتبخير واضح وتحت كل واحدة من السبعة منافع لا دواء مختلفة ولا يستغرب ذلك ممن أوتي جوامع الكلم وأما العذرة فهي بضم المهملة وسكون المعجمة وجع في الحلق يعتري الصبيان غالبا وقيل هي قرحة تخرج بين الاذن والحلق أو في الخرم الذي بين الانف والحلق قيل سميت بذلك لانها تخرج غالبا عند طلوع العذرة وهي خمسة كواكب تحت الشعري العبور ويقال لها أيضا العذاري وطلوعها يقع وسط الحر وقد استشكل معالجتها بالقسط مع كونه حارا والعذرة إنما تعرض في زمن الحر بالصبيان وأمزجتهم حارة ولا سيما قطر الحجاز حار وأجيب بأن مادة العذرة دم يغلب عليه البلغم وفي القسط تخفيف للرطوبة وقد يكون نفعه في هذا الدواء بالخاصية وأيضا فالادوية الحارة قد تنفع في الامراض الحارة بالعرض كثيرا بل وبالذات أيضا وقد ذكر ابن سينا في معالجة سعوط اللهاة القسط مع الشب اليماني وغيره على أننا لو لم نجد شيئا
من التوجيهات لكان أمر المعجزة خارجا عن القواعد الطبية وسيأتي بيان ذات الجنب في باب اللدود وفيه شرح بقية حديث أم قيس هذا وقولها ودخلت على النبي صلى الله عليه وسلم بابن لي تقدم مطولا في الطهارة وهو حديث آخر لام قيس وقد ذكره هنا استطرادا والله أعلم قوله باب أي ساعة يحتجم في رواية الكشميهني أي ساعة بلا هاء والمراد بالساعة في الترجمة مطلق الزمان لا خصوص الساعة المتعارفة قوله واحتجم أبو موسى ليلا تقدم موصولا في كتاب الصيام وفيه أن امتناعه من الحجامة نهارا كان بسبب الصيام لئلا يدخله خلل وإلى ذلك ذهب مالك فكره الحجامة للصائم لئلا يغرر بصومه لا لكون الحجامة تفطر الصائم وقد تقدم للبحث في حديث أفطر الحاجم والمحجوم هناك وورد في الاوقات اللائقة بالحجامة أحاديث ليس فيها شئ على شرطه فكأنه أشار إلى أنها تصنع عند الاحتياج ولا تقيد بوقت
[ 126 ]
دون وقت لانه ذكر الاحتجام ليلا وذكر حديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم وهو يقتضي كون ذلك وقع منه نهارا وعند الاطباء أن أنفع الحجامة ما يقع في الساعة الثانية أو الثالثة وأن لا يقع عقب استفراغ عن جماع أو حمام أو غيرهما ولا عقب شبع ولا جوع وقد ورد في تعيين الايام للحجامة حديث لابن عمر عند بن ماجة رفعه في أثناء حديث وفيه فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء واجتنبوا الحجامة يوم الاربعاء والجمعة والسبت والاحد أخرجه من طريقين ضعيفين وله طريق ثالثة ضعيفة أيضا عند الدارقطني في الافراد وأخرجه بسند جيد عن بن عمر موقوفا ونقل الخلال عن أحمد أنه كره الحجامة في الايام المذكورة وإن كان الحديث لم يثبت وحكى أن رجلا احتجم يوم الاربعاء فأصابه برص لكونه تهاون بالحديث وأخرج أبو داود من حديث أبي بكرة أنه كان يكره الحجامة يوم الثلاثاء وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الثلاثاء يوم الدم وفيه ساعة لا يرقأ فيها وورد في عدد من الشهر أحاديث منها ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رفعه من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين كان شفاء من كل داء وهو من رواية سعيد بن
عبد الرحمن الجمحي عن سهيل بن أبي صالح وسعيد وثقه الاكثر ولينه بعضهم من قبل حفظه وله شاهد من حديث بن عباس عند أحمد والترمذي ورجاله ثقات لكنه معلول وشاهد آخر من حديث أنس عند بن ماجة وسنده ضعيف وهو عند الترمذي من وجه آخر عن أنس لكن من فعله صلى الله عليه وسلم ولكون هذه الاحاديث لم يصح منها شئ قال حنبل بن إسحاق كان أحمد يحتجم أي وقت هاج به الدم وأي ساعة كانت وقد أنفق الاطباء على أن الحجامة في النصف الثاني من الشهر ثم في الربع الثالث من أرباعه أنفع من الحجامة في أوله وآخره قال الموفق البغدادي وذلك أن الاخلاط في أول الشهر تهيج في آخره تسكن فأولى ما يكون الاستفراغ في اثنائه والله أعلم قوله باب الحجم في السفر والاحرام قاله بن بحينة عن النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يشير إلى ما أورده في الباب الذي يليه موصولا عن عبد الله بن بحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في طريق مكة وقد تبين في حديث بن عباس أنه كان حينئذ محرما فانتزعت الترجمة من الحديثين معا على أن حديث بن عباس وحده كاف في ذلك لان من لازم كونه صلى الله عليه وسلم كان محرما أن يكون مسافرا لانه لم يحرم قط وهو مقيم وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بحجامة المحرم في كتاب الحج وأما الحجامة للمسافر فعلى ما تقدم أنه تفضل عند الاحتياج إليها من هيجان الدم ونحو ذلك فلا يختص ذلك بحالة دون حالة والله أعلم قوله باب الحجامة من الداء أي بسبب الداء قال الموفق البغدادي الحجامة تنقى سطح البدن أكثر من الفصد والفصد لاعماق البدن والحجامة للصبيان وفي البلاد الحارة أولى من الفصد وآمن غائلة وقد تغنى عن كثير من الادوية ولهذا وردت الاحاديث بذكرها دون الفصد ولان العرب غالبا ما كانت تعرف إلا الحجامة وقال صاحب الهدى التحقيق في أمر الفصد والحجامة أنهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والمزاج فالحجامة في الازمان الحارة والامكنة الحارة والابدان الحارة التي دم أصحابها في غاية النضج أنفع والفصد بالعكس ولهذا كانت الحجامة أنفع للصبيان ولمن لا يقوى على الفصد قوله عبد الله هو بن المبارك قوله عن أنس في رواية شعبة عن حميد
[ 127 ]
سمعت أنسا وقد تقدمت الاشارة إليه في الاجارة قوله عن أجر الحجام في رواية أحمد عن يحيى القطان عن حميد كسب الحجام قوله حجمه أبو طيبة بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة تقدم في الاجارة ذكر تسميته وتعيين مواليه وكذا جنس ما أعطى من الاجرة وأنه تمر وحكم كسبه فأغنى عن إعادته قوله وقال إن أمثل ما تداويتم به الحجامة هو موصول بالاسناد المذكور وقد أخرجه النسائي مفردا من طريق زياد بن سعد وغيره عن حميد عن أنس بلفظ خير ما تداويتم به الحجامة ومن طريق معتمر عن حميد بلفظ أفضل قال أهل المعرفة الخطاب بذلك لاهل الحجاز ومن كان في معناهم من أهل البلاد الحارة لان دماءهم رقيقة وتميل إلى ظاهر الابدان لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح البدن ويؤخذ من هذا أن الخطاب أيضا لغير الشيوخ لقلة الحرارة في أبدانهم وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن بن سيرين قال إذا بلغ الرجل أربعين سنة لم يحتجم قال الطبري وذلك أنه يصير من حينئذ في انتقاص من عمره وانحلال من قوى جسده فلا ينبغي أن يزيده وهيا بأخراج الدم وهو محمول على من لم تتعين حاجته إليه وعلى من لم يعتد به وقد قال بن سينا في أرجوزته ومن يكن تعود الفصاده فلا يكن يقطع تلك العاده ثم أشار إلى أنه يقلل ذلك بالتدريج إلى أن ينقطع جملة في عشر الثمانين قوله وقال لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة وعليكم بالقسط هو موصول أيضا بالاسناد المذكور إلى حميد عن أنس مرفوعا وقد أورده النسائي من طريق يزيد بن زريع عن حميد به مضموما إلى حديث خير ما تداويتم به الحجامة وقد اشتمل هذا الحديث على مشروعية الحجامة والترغيب في المداواة بها ولا سيما لمن أحتاج إليها وعلى حكم كسب الحجام وقد تقدم في الاجارة وعلى التداوي بالقسط وقد تقدم قريبا وسيأتي الكلام على الاعلاق في العذرة والغمزة في باب اللدود قوله حدثنا سعيد بن تليد بمثناة ولام وزن سعيد وهو سعيد بن عيسى بن تليد نسب لجده وهو مصري وثقة أبو يونس وقال كان فقيها ثبتا في الحديث وكان يكتب للقضاة قوله أخبرني عمرو وغيره أما عمرو فهو ابن الحارث وأما غيره فما عرفته ويغلب على ظني أنه بن لهيعة وقد أخرج الحديث أحمد ومسلم
والنسائي وأبو عوانة والطحاوي والاسماعيلي وابن حبان من طريق عن بن وهب عن عمرو بن الحارث وحده لم يقل أحد في الاسناد وغيره والله أعلم قوله أن بكيرا حدثه هكذا أفرد الضمير لواحد بعد أن قدم ذكر اثنين وبكير هو بن عبد الله بن الاشج وربما نسب لجده مدني سكن مصر والاسناد إليه مصريون قوله عاد المنفع بقاف ونون ثقيلة مفتوحة هو بن سنان تابعي لا أعرفه إلا في هذا الحديث قوله ان فيه شفاء كذا ذكره بكير بن الاشج مختصرا ومضى في باب الدواء بالعسل من طريق عبد الرحمن بن الغسيل عن عاصم بن عمر مطولا وسيأتي أيضا عن قرب قوله باب الحجامة على الرأس ورد في فضل الحجامة في الرأس حديث ضعيف أخرجه بن عدي من طريق عمر بن رباح عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن بن عباس رفعه الحجامة في الرأس تنفع من سبع من الجنون والجذام والبرص والنعاس والصداع ووجع الضرس والعين وعمر متروك رماه الفلاس وغيره بالكذب ولكن قال الاطباء أن الحجامة في وسط الرأس نافعة جدا وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم فعلها كما في أول حديثي الباب وآخرهما وأن
[ 128 ]
كان مطلقا فهو مقيد بأولهما وورد أنه صلى الله عليه وسلم احتجم أيضا في الاخدعين والكاهل أخرجه الترمذي وحسنه وأبو داود وابن ماجة وصححه الحاكم قال أهل العلم بالطب فصد الباسليق ينفع حرارة الكبد والطحال والرئة ومن الشوصة وذات الجنب وسائر الامراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الورك وفصد الاكحل ينفع الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويا ولا سيما إن كان فسد وفصد القيفال ينفع من علل الرأس والرقبة إذا كثر الدم أو فسد وفصد الودجين لوجع الطحال والربو ووجع الجنبين والحجامة على الكاهل تنفع من وجع المنكب والحلق وتنوب عن فصد الباسليق والحجامة على الاخدعين تنفع من أمراض الرأس والوجه كالاذنين والعينين والاسنان والانف والحلق وتنوب عن فصد القيفال والحجامة تحت الذقن تنفع من وجع الاسنان والوجه والحلقوم وتنقى الرأس والحجامة على ظهر القدم تنوب عن فصد الصافن وهو عرق عند الكعب وتنفع من قروح الفخذين والساقين
وانقطاع الطمث والحكة العارضة في الانثيين والحجامة على أسفل الصدر نافعة من دماميل الفخذ وجربه وبثوره ومن النقرس والبواسير وداء الفيل وحكة الظهر ومحل ذلك كله إذا كان عن دم هائج وصادف وقت الاحتياج إليه والحجامة على المقعدة تنفع الامعاء وفساد الحيض قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أريس وسليمان هو بن بلال وعلقمة هو بن أبي علقمة والسند كله مدنيون وقد تقدم بيان حاله في أبواب المحصر في الحج قوله احتجم بلحي جمل كذا وقع بالتثنية وتقدم بلفظ الافراد واللازم مفتوحة ويجوز كسرها وجمل بفتح الجيم والميم قال ابن وضاح هي بقعة معروفة وهي عقبة الجحفة على سبعة أميال من السقيا وزعم بعضهم أنه الآلة التي احتجم بها أي احتجم بعظم جمل والاول المعتمد وسأذكر في حديث بن عباس التصريح بقصة ذلك قوله في وسط رأسه بفتح السين المهملة ويجوز تسكينها وتقدم بيانه في كتاب الحج وقول من فرق بينهما قوله وقال الانصاري وصله الاسماعيلي قال حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا عبيد الله بن فضالة حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري فذكره بلفظ احتجم احتجامه في رأسه ووصله البيهقي من طريق أبي حاتم الرازي حدثنا الانصاري بلفظ احتجم وهو محرم من صداع كان به أو داء وأحتجم فيما يقال له لحي جمل وهكذا أخرجه أحمد عن الانصاري وسيأتي في الباب الذي بعده في حديث بن عباس بلفظ بما يقال له لحي جمل قوله باب الحجامة من الشقيقة والصداع أي بسببهما وقد سقطت هذه الترجمة من رواية النسفي وأورد ما فيها في الذي قبله وهو متجه والشقيقة بشين معجمة وقافين وزن عظيمة وجع يأخذ في أحد جانبي الرأس أو في مقدمه وذكر أهل الطب أنه من الامراض المزمنة وسببه أبخرة مرتفعة أو أخلاط حارة أو باردة ترتفع إلى الدماغ فإن لم تجد منفذا أحدث الصداع فإن مال إلى أحد شقي الرأس أحدث الشقيقة وأن ملك قمة الرأس أحدث داء البيضة وذكر الصداع بعده من العام بعد الخاص وأسباب الصداع كثيرة جدا منها ما تقدم ومنها ما يكون عن ورم في المعدة أو في عروقها أو ريح غليظة فيها أو لامتلائها ومنها ما يكون من الحركة العنيفة كالجماع والقئ والاستفراغ أو السهر أو كثرة الكلام ومنها ما يحدث عن الاعراض النفسانية كالهم والغم
والحزن والجوع والحمى ومنها ما يحدث عن حادث في الرأس كضربة تصيبه أو ورم في صفاق
[ 129 ]
الدماغ أو حمل شئ ثقيل يضغط الرأس أو تسخينه بلبس شئ خارج عن الاعتدال أو تبريده بملاقاة الهواء أو الماء في البرد وأما الشقيقة بخصوصها فهي في شرايين الرأس وحدها وتختص بالموضع الاضعف من الرأس وعلاجها بشد العصابة وقد أخرج أحمد من حديث بريدة أنه صلى الله عليه وسلم كان ربما أخذته الشقيقة فيمكث اليوم واليومين لا يخرج الحديث وتقدم في الوفاة النبوية حديث بن عباس خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عصب رأسه قوله في الطريق الاولى عن هشام هو بن حسان وقوله من وجع كان قد بينه في الرواية التي بعده قوله وقال محمد بن سواء بمهملة ومد هو السدوسي واسم جده عنبر بمهملة ونون وموحدة بصري يكنى أبا الخطاب ما له في البخاري سوى حديث موصول مضى في المناقب وآخر يأتي في الادب وهذا المعلق وقد وصله الاسماعيلي قال حدثنا أبو يعلى حدثنا محمد بن عبد الله الازدي حدثنا محمد بن سواء فذكره سواء وقد اتفقت هذه الطرق عن بن عباس أنه احتجم صلى الله عليه وسلم وهو محرم في رأسه ووافقها حديث بن بحينة وخالف ذلك حديث أنس فأخرج أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وصححه بن خزيمة وابن حبان من طريق معمر عن قتادة عنه قال احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا داود حكى عن أحمد أن سعيد بن أبي عروبة رواه عن قتادة فأرسله وسعيد أحفظ من معمر وليست هذه بعلة قادحة والجمع بين حديثي بن عباس وأنس واضح بالحمل على التعدد أشار إلى ذلك الطبري وفي الحديث أيضا جواز الحجامة للمحرم وأن إخراجه الدم لا يقدح في إحرامه وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الحج وحاصله أن المحرم أن احتجم وسط رأسه لعذر جاز مطلقا فإن قطع الشعر وجبت عليه الفدية فإن احتجم لغير عذر وقطع حرم والله أعلم قوله حدثنا إسماعيل بن أبان هو الوراق الازدي الكوفي أبو إسحاق أو أبو إبراهيم من كبار شيوخ البخاري وهو صدوق تكلم فيه الجوزجاني لاجل التشيع قال بن عدي وهو مع ذلك صدوق
وفي عصره إسماعيل بن أبان آخر يقال له الغنوي قال بن معين الغنوي كذاب والوراق ثقة وقال ابن المديني الوراق لا بأس به والغنوي كتبت عنه وتركته وضعفه جدا وكذا فرق بينهما أحمد وعثمان بن أبي شيبة وجماعة وغفل من خلطهما وكانت وفاة الغنوي قبل الوراق بست سنين والله أعلم قوله حدثنا بن الغسيل هو عبد الرحمن بن سليمان تقدم شرح حاله قريبا قوله باب الحلق من الاذى أي حلق شعر الرأس وغيره ذكر فيه حديث كعب بن عجرة في حلق رأسه وهو محرم بسبب كثرة القمل وقد مضى شرحه مستوفى في كتاب الحج وكأنه أورده عقب حديث الحجامة وسط الرأس للاشارة إلى أن جواز حلق الشعر للمحرم لاجل الحجامة عند الحاجة إليها يستنبط من جواز حلق جميع الرأس للمحرم عند الحاجة قوله باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو كأنه أراد أن الكي جائز للحاجة وأن الاولى تركه إذا لم يتعين وأنه إذا جاز كان أعم من أن يباشر الشخص ذلك بنفسه أو بغيره لنفسه أو لغيره وعموم الجواز مأخوذ من نسبة الشفاء إليه في أول حديثي الباب وفضل تركه من قوله وما أحب أن أكتوي وقد أخرج مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر قال رمى سعد بن معاذ على أكحله فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن طريق أبي سفيان عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث
[ 130 ]
إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا ثم كواه وروى الطحاوي وصححه الحاكم عن أنس قال كواني أبو طلحة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصله في البخاري وأنه كوى من ذات الجنب وسيأتي قريبا وعند الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة ولمسلم عن عمران بن حصين كان يسلم علي حتى أكتويت فترك ثم تركت الكي فعاد وله عنه من وجه آخر أن الذي كان انقطع عني رجع إلي يعني تسليم الملائكة كذا في الاصل وفي لفظ أنه كان يسلم علي فلما اكتويت أمسك عني فلما تركته عاد إلي وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكي فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا وفي لفظ فلم يفلحن ولم ينجحن وسنده قوي والنهي فيه محمول على الكراهة أو على خلاف الاولى لما يقتضيه
مجموع الاحاديث وقيل أنه خاص بعمران لانه كان به الباسور وكان موضعه خطرا فنهاه عن كيه فلما أشتد عليه كواه فلم ينجح وقال بن قتيبة الكي نوعان كي الصحيح لئلا يعتل فهذا الذي قيل فيه لم يتوكل من اكتوى لانه يريد أن يدفع القدر والقدر لا يدافع والثاني كي الجرح إذا نغل أي فسد والعضو إذا قطع فهو الذي يشرع التداوي به فإن كان الكي لامر محتمل فهو خلاف الاولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لامر غير محقق وحاصل الجمع أن الفعل يدل على الجواز وعدم الفعل لا يدل على المنع بل يدل على أن تركه أرجح من فعله وكذا الثناء على تاركه وأما النهي عنه فإما على سبيل الاختيار والتنزيه وإما عما لا يتعين طريقا إلى الشفاء والله أعلم وقد تقدم شئ من هذا في باب الشفاء في ثلاث ولم أر في أثر صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتوى إلا أن القرطبي نسب إلى كتاب أدب النفوس للطبري أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتوى وذكره الحليمي بلفظ روى أنه اكتوى للجرح الذي أصابه بأحد قلت والثابت في الصحيح كما تقدم في غزوة أحد أن فاطمة أحرقت حصيرا فحشت به جرحه وليس هذا الكي المعهود وجزم بن التين بأنه اكتوى وعكسه بن القيم في الهدى قوله حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك هو الطيالسي قوله سمعت جابرا في رواية الاسماعيلي من طريق محمد بن خلاد عن أبي الوليد بسنده أتانا جابر في بيتنا فحدثنا قوله ففي شرطة محجم أو لذعة بنار كذا اقتصر في هذه الطريق على شيئين وحذف الثالث وهو العسل وثبت ذكره في رواية أبي نعيم من طريق أبي مسعود عن أبي الوليد وكذا عند الاسماعيلي لكن لم يسق لفظه بل أحال به على رواية أبي نعيم عن بن الغسيل وقد تقدم عن أبي نعيم تاما في باب الدواء بالعسل واختصر من هذه الطريق أيضا قوله توافق الداء وقد تقدم بيانها هناك قوله عمران بن ميسرة بفتح الميم وسكون التحتانية بعدها مهملة قوله حصين بالتصغير هو بن عبد الرحمن الواسطي وعامر هو الشعبي قوله عن عمران بن حصين قال لا رقية إلا من عين أو حمة كذا رواه محمد بن فضيل عن حصين موقوفا ووافقه هشيم وشعبة عن حصين على وقفه ورواية هشيم عند أحمد ومسلم ورواية شعبة عند الترمذي تعليقا ووصلها ابنا أبي شيبة ولكن قالا عن بريدة بدل عمران بن حصين وخالف الجميع مالك بن مغول عن حصين فرواه
مرفوعا وقال عن عمران بن حصين أخرجه أحمد وأبو داود وكذا قال بن عيينة عن حصين أخرجه الترمذي وكذا قال إسحاق بن سليمان عن حصين أخرجه بن ماجة واختلف فيه على الشعبي اختلافا آخر فأخرجه أبو داود من طريق العباس بن ذريح بمعجمة وراء وآخره مهملة
[ 131 ]
بوزن عظيم فقال عن الشعبي عن أنس ورفعه وشذ العباس بذلك والمحفوظ رواية حصين مع الاختلاف عليه في رفعه ووقفه وهل هو عن عمران أبو بريدة والتحقيق أنه عنده عن عمران وعن بريدة جميعا ووقع لبعض الرواة عن البخاري قال حديث الشعبي مرسل والمسند حديث ابن عباس فأشار بذلك إلى أنه أورد حديث الشعبي استطرادا ولم يقصد إلى تصحيحه ولعل هذا هو السر في حذف الحميدي له من الجمع بين الصحيحين فإنه لم يذكره أصلا ثم وجدت في نسخة الصغاني قال أبو عبد الله هو المصنف إنما أردنا من هذا حديث بن عباس والشعبي عن عمران مرسل وهذا يؤيد ما ذكرته قوله لا رقية إلا من عين أو حمة بضم المهملة وتخفيف الميم قال ثعلب وغيره هي سم العقرب وقال القزاز قيل هي شوكة العقرب وكذا قال بن سيده أنها الابرة التي تضرب بها العقرب والزنبور وقال الخطابي الحمة كل هامة ذات سم من حية أو عقرب وقد أخرج أبو داود من حديث سهل بن حنيف مرفوعا لا رقية إلا من نفس أو حمة أو لدغة فغاير بينهما فيحتمل أن يخرج على أن الحمة خاصة بالعقرب فيكون ذكر اللدغة بعدها من العام بعد الخاص وسيأتي بيان حكم الرقية في باب رقية الحية والعقرب بعد أبواب وكذلك ذكر حكم العين في باب مفرد قوله فذكرته لسعيد بن جبير القائل ذلك حصين بن عبد الرحمن وقد بين ذلك هشيم عن حصين بن عبد الرحمن قال كنت عند سعيد بن جبير فقال حدثني بن عباس وسيأتي ذلك في كتاب الرقاق وأخرجه أحمد عن هشيم ومسلم من وجه آخر عنه بزيادة قصة قال كنت عند سعيد بن جبير فقال أيكم رأى الكوكب الذي أنقض البارحة قلت أنا ثم قلت أما أني لم أكن في صلاة ولكن لدغت قال وكيف فعلت قلت استرقيت قال وما حملك على ذلك قلت حديث حدثناه الشعبي عن بريدة أنه قال لا رقية إلا من عين أو حمة فقال سعيد قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ثم قال حدثنا ابن
عباس فذكر الحديث قوله وعرضت على الامم سيأتي شرحه في كتاب الرقاق وقوله في هذه الرواية حتى وقع في سواد كذا للاكثر بواو وقاف وبلفظ في والكشميهني حتى رفع براء وفاء وبلفظ لي وهو المحفوظ في جميع طرق هذا الحديث قوله فقال هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون سيأتي الكلام على الرقية بعد قليل وكذلك يأتي القول في الطيرة بعد ذلك إن شاء الله تعالى قوله باب الاثمد والكحل من الرمد أي بسبب الرمد والرمد بفتح الراء والميم ورم حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين وهو بياضها الظاهر وسببه انصباب أحد الاخلاط أو أبخرة تصعد من المعدة إلى الدماغ فإن اندفع إلى الخياشيم أحدث الزكام أو إلى العين أحدث الرمد أو إلى اللهاة والمنخرين أحدث الخنان بالخاء المعجمة والنون أو إلى الصدر أحدث النزلة أو إلى القلب أحدث الشوصة وإن لم ينحدر وطلب نفاذا فلم يجد أحدث الصداع كما تقدم قوله فيه عن أم عطية يشير إلى حديث أم عطية مرفوعا لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد فوق ثلاث إلى على زوج فإنها لا تكتحل وقد تقدم في أبواب العدة لكن لم أر في شئ من طرقه ذكر الاثمد فكأنه ذكره لكون العرب غالبا إنما تكتحل به وقد ورد التنصيص عليه في حديث ابن عباس رفعه اكتحلوا بالاثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر أخرجه الترمذي وحسنه واللفظ له وابن ماجة وصححه بن حبان وأخرجه الترمذي من وجه آخر عن بن عباس في الشمائل وفي الباب عن جابر عند الترمذي في الشمائل وابن ماجة وابن عدي من ثلاث طرق عن بن المنكدر
[ 132 ]
عنه بلفظ عليكم بالاثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر وعن علي عند بن أبي عاصم والطبراني ولفظه عليكم بالاثمد فإنه منبتة للشعر مذهبة للقذي مصفاة للبصر وسنده حسن وعن ابن عمر بنحوه عند الترمذي في الشمائل وعن أنس في غريب مالك الدارقطني بلفظ كان يأمرنا بالاثمد وعن سعيد بن هوذة عند أحمد بلفظ اكتحلوا بالاثمد فإنه الحديث وهو عند أبي داود من حديثه بلفظ أنه أمر بالاثمد المروح عند النوم وعن أبي هريرة بلفظ خير أكحالكم الاثمد فإنه الحديث أخرجه البزار وفي سنده مقال وعن أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل بالاثمد
أخرجه البيهقي وفي سنده مقال وعن عائشة كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم اثمد يكتحل به عند منامه في كل عين ثلاثا أخرجه أبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم بسند ضعيف والاثمد بكسر الهمزة والميم بينهما ثاء مثلثة ساكنة وحكى فيه ضم الهمزة حجر معروف أسود يضرب إلى الحمرة يكون في بلاد الحجاز وأجوده يؤتى به من أصبهان واختلف هل هو اسم الحجر الذي يتخذ منه الكحل أو هو نفس الكحل ذكره بن سيده وأشار إليه الجوهري وفي هذه الاحاديث استحباب الاكتحال بالاثمد ووقع الامر بالاكتحال وترا من حديث أبي هريرة في سنن أبي داود ووقع في بعض الاحاديث التي أشرت إليها كيفية الاكتحال وحاصله ثلاثا في كل عين فيكون الوتر في كل واحدة على حدة أو اثنتين في كل عين وواحدة بينهما أو في اليمن ثلاثا وفي اليسرى ثنتين فيكون الوتر بالنسبة لهما جميعا وأرجحها الاول والله أعلم ثم ذكر المصنف حديث أم سلمة من رواية زينب وهي بنتها عنها إن امرأة توفي زوجها فاشتكت عينها فذكروها للنبي صلى الله عليه وسلم وذكروا له الكحل وأنه يخاف على عينها الحديث وقد مرت مباحثه في أبواب الاحداد وأما قوله في آخره فلا أربعة أشهر وعشرا كذا للاكثر وعند الكشميهني فهلا أربعة أشهر وعشرا وهي واضحة وأما الاقتصار على حرف النهي فالمنفي مقدر كأنه قال فلا تكتحل ثم قال تمكث أربعة أشهر وعشرا قوله باب الجذام بضم الجيم وتخفيف المعجمة هو علة رديئة تحدث من انتشار المرة السوداء في البدن كله فتفسد مزاج الاعضاء وربما أفسد في آخره ايصالها حتى يتأكل قال بن سيده سمي بذلك لتجذم الاصابع وتقطعها قوله وقال عفان هو بن مسلم الصفار وهو من شيوخ البخاري لكن أكثر ما يخرج عنه بواسطة وهو من المعلقات التي لم يصلها في موضع آخر وقد جزم أبو نعيم أنه أخرجه عنه بلا رواية وعلى طريقة بن الصلاح يكون موصولا وقد وصله أبو نعيم من طريق أبي داود الطيالسي وأبي قتيبة مسلم بن قتيبة كلاهما عن سليم بن حيان شيخ عفان فيه وأخرجه أيضا من طريق عمرو بن مرزوق عن سليم لكن موقوفا ولم يستخرجه الاسماعيلي وقد وصله بن خزيمة أيضا وسليم بفتح أوله وكسر ثانيه وحيان بمهملة ثم تحتانية ثقيلة قوله لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر كذا
جمع الاربعة في هذه الرواية ويأتي مثله سواء بعد عدة أبواب في باب لا هامة من طريق أبي صالح عن أبي هريرة ويأتي بعد خمسة أبواب من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة مثله لكن بدون قوله ولا طيرة وأعاده بعد أبواب كثيرة بزيادة قصة وبعد عدة أبواب في باب لا طيرة من طريق عبيد الله بن عتبة عن أبي هريرة لا طيرة حسب وفي باب لا عدوى من طريق سنان بن أبي سنان عن أبي هريرة بلفظ لا عدوى حسب ولمسلم من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ لا عدوى ولا هامة ولا
[ 133 ]
طيرة وأخرج مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مثل رواية أبي سلمة وزاد ولا نوء ويأتي في باب لا عدوى من حديث بن عمر ومن حديث أنس لا عدوى ولا طيرة ولمسلم وابن حبان من طريق بن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا بلفظ لا عدوي ولا صفر ولا غول وأخرج بن حبان من طريق سماك عن عكرمة عن بن عباس مثل رواية سعيد بن ميناء وأبي صالح عن أبي هريرة وزاد فيه القصة التي في رواية أبي سلمة عن أبي هريرة وهو في بن ماجة باختصار فالحاصل من ذلك ستة أشياء العدوى والطيرة والهامة والصفر والغول والنوء والاربعة الاول قد أفرد البخاري لكل واحد منها ترجمة فنذكر شرحها فيه وأما الغول فقال الجمهور كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات وهي جنس من الشياطين تتراءى للناس وتتغول لهم تغولا أي تتلون تلونا فتضلهم عن الطريق فتهلكهم وقد كثر في كلامهم غالته الغول أي أهلكته أو أضلته فأبطل صلى الله عليه وسلم ذلك وقيل ليس المراد إبطال وجود الغيلان وإنما معناه إبطال ما كانت العرب تزعمه من تلون الغول بالصور المختلفة قالوا والمعنى لا يستطيع الغول أن يضل أحدا ويؤيده حديث إذا تغولت الغيلان فنادوا بالاذان أي ادفعوا شرها بذكر الله وفي حديث أبي أيوب عند قوله كانت لي سهوة فيها تمر فكانت الغول تجئ فتأكل منه الحديث وأما النوء فقد تقدم القول فيه في كتاب الاستسقاء وكانوا يقولون مطرنا بنوء كذا فأبطل صلى الله عليه وسلم ذلك بأن المطر إنما يقع بإذن الله لا بفعل الكواكب وان كانت العادة جرت بوقوع المطر في ذلك الوقت لكن بإرادة الله تعالى وتقديره لا صنع للكواكب في ذلك والله أعلم
قوله وفر من المجذوم كما تفر من الاسد لم أقف عليه من حديث أبي هريرة إلا من هذا الوجه ومن وجه آخر عند أبي نعيم في الطب لكنه معلول وأخرج بن خزيمة في كتاب التوكل له شاهدا من حديث عائشة ولفظه لا عدوي وإذا رأيت المجذوم ففر منه كما تفر من الاسد وأخرج مسلم من حديث عمرو بن الشريد الثقفي عن أبيه قال كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا قد بايعناك فارجع قال عياض اختلفت الآثار في المجذوم فجاء ما تقدم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل مع مجذوم وقال ثقة بالله وتوكلا عليه قال فذهب عمر وجماعة من السلف إلى الاكل معه ورأوا أن الامر باجتنابه منسوخ وممن قال بذلك عيسى ابن دينار من المالكية قال والصحيح الذي عليه الاكثر ويتعين المصير إليه أن لا نسخ بل يجب الجمع بين الحديثين وحمل الامر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط والاكل معه على بيان الجواز اه هكذا اقتصر القاضي ومن تبعه على حكاية هذين القولين وحكى غيره قوله ثالثا وهو الترجيح وقد سلكه فريقان أحدهما سلك ترجيح الاخبار الدالة على نفي العدوي وتزييف الاخبار الدالة على عكس ذلك مثل حديث الباب فأعلوه بالشذوذ وبأن عائشة أنكرت ذلك فأخرج الطبري عنها أن امرأة سألتها عنه فقالت ما قال ذلك ولكنه قال لا عدوى وقال فمن أعدى الاول قالت وكان لي مولى به هذا الداء فكان يأكل في صحافي ويشرب في أقداحي وينام على فراشي وبأن أبا هريرة تردد في هذا الحكم كما سيأتي بيانه فيؤخذ الحكم من رواية غيره وبأن الاخبار الواردة من رواية غيره في نفي العدوى كثيرة شهيرة بخلاف الاخبار المرخصة في ذلك ومثل حديث لا تديموا النظر إلى المجذومين وقد أخرجه بن ماجة وسنده ضعيف ومثل حديث
[ 134 ]
عبد الله بن أبي أوفى رفعه كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمحين أخرجه أبو نعيم في الطب بسند واه ومثل ما أخرجه الطبري من طريق معمر عن الزهري أن عمر قال لمعيقيب أجلس مني قيد رمح ومن طريق خارجة بن زيد كان عمر يقول نحوه وهما أثران منقطعان وأما حديث الشريد الذي أخرجه مسلم فليس صريحا في أن ذلك بسبب الجذام والجواب عن ذلك أن طريق
الترجيح لا يصار إليها إلا مع تعذر الجمع وهو ممكن فهو أولى الفريق الثاني سلكوا في الترجيح عكس هذا المسلك فردوا حديث لا عدوى بأن أبا هريرة رجع عنه إما لشكه فيه وإما لثبوت عكسه عنده كما سيأتي إيضاحه في باب لا عدو قالوا والاخبار الدالة على الاجتناب أكثر مخارج وأكثر طرقا فالمصير إليها أولى قالوا وأما حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فوضعها في القصعة وقال كل ثقة بالله وتوكلا عليه ففيه نظر وقد أخرجه الترمذي وبين الاختلاف فيه على روايه ورجح وقفه على عمر وعلى تقدير ثبوته فليس فيه أنه صلى الله عليه وسلم أكل معه وإنما فيه أنه وضع يده في القصعة قاله الكلاباذي في معاني الاخبار والجواب أن طريق الجمع أولى كما تقدم وأيضا فحديث لا عدوى ثبت من غير طريق أبي هريرة فصح عن عائشة وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وجابر وغيرهم فلا معنى لدعوى كونه معلولا والله أعلم وفي طريق الجمع مسالك أخرى أحدها نفى العدوى جملة وحمل الامر بالفرار من المجذوم على رعاية خاطر المجذوم لانه إذا رأى الصحيح البدن السليم من الآفة تعظم مصيبته وتزداد حسرته ونحوه حديث لا تديموا النظر إلى المجذومين فإنه محمول على هذا المعنى ثانيها حمل الخطاب بالنفي والاثبات على حالتين مختلفتين فحيث جاء لا عدوى كان المخاطب بذلك من قوي يقينه وصح توكله بحيث يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوى كما يستطيع أن يدفع التطير الذي يقع في نفس كل أحد لكن القوي اليقين لا يتأثر به وهذا مثل ما تدفع قوة الطبيعة العلة فتبطلها وعلى هذا يحمل حديث جابر في أكل المجذوم من القصعة وسائر ما ورد من جنسه وحيث جاء فر من المجذوم كان المخاطب بذلك من ضعف يقينه ولم يتمكن من تمام التوكل فلا يكون له قوة على دفع اعتقاد العدوى فأريد بذلك سد باب اعتقاد العدوى عنه بأن لا يباشر ما يكون سببا لاثباتها وقريب من هذا كراهيته صلى الله عليه وسلم الكي مع إذنه فيه كما تقدم تقريره وقد فعل هو صلى الله عليه وسلم كلا من الامرين لينأسى به كل من الطائفتين ثالث المسالك قال القاضي أبو بكر الباقلاني إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى قال فيكون معنى قوله لا عدوى أي الا من الجذام والبرص والجرب مثلا قال فكأنه قال لا يعدي شئ شيئا إلا ما تقدم تبيني له أن فيه
العدوى وقد حكى ذلك بن بطال أيضا رابعها أن الامر بالفرار من المجذوم ليس من باب العدوى في شئ بل هو لامر طبيعي وهو انتقال الداء من جسد لجسد بواسطة الملامسة والمخالطة وشم الرائحة ولذلك يقع في كثير من الامراض في العادة انتقال الداء من المريض إلى الصحيح بكثرة المخالطة وهذه طريقة بن قتيبة فقال المجذوم تشتد رائحته حتى يسقم من أطال مجالسته ومحادثته ومضاجعته وكذا يقع كثيرا بالمرأة من الرجل وعكسه وينزع الولد إليه ولهذا يأمر الاطباء بترك مخالطة المجذوم لا على طريق العدوى بل على طريق التأثر بالرائحة لانها تسقم من واظب اشتمامها قال ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لا يورد ممرض على مصح لان الجرب الرطب
[ 135 ]
قد يكون بالبعير فإذا خالط الابل أو حككها وأوى إلى مباركها وصل إليها بالماء الذي يسيل منه وكذا بالنظر نحو ما به قال وأما قوله لا عدوى فله معنى آخر وهو أن يقع المرض بمكان كالطاعون فيفر منه مخافة أن يصيبه لان فيه نوعا من الفرار من قدر الله المسلك الخامس أن المراد بنفي العدوى أن شيئا لا يعدى بطبعه نفيا لما كانت الجاهلية تعتقده أن الامراض تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم اعتقادهم ذلك وأكل مع المجذوم ليبين لهم أن الله هو الذي يمرض ويشفي ونهاهم عن الدنو منه ليبين لهم أن هذا من الاسباب التي أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مسبباتها ففي نهيه إثبات الاسباب وفي فعله إشارة إلى أنها لا تستقل بل الله هو الذي إن شاء سلبها قواها فلا تؤثر شيئا وإن شاء أبقاها فأثرت ويحتمل أيضا أن يكون أكله صلى الله عليه وسلم مع المجذوم أنه كان به أمر يسير لا يعدي مثله في العادة إذ ليس الجذمي كلهم سواء ولا تحصل العدوى من جميعهم بل لا يحصل منه في العادة عدوى أصلا كالذي أصابه شئ من ذلك ووقف فلم يعد بقية جسمه فلا يعدي وعلى الاحتمال الاول جرى أكثر الشافعية قال البيهقي بعد أن أورد قول الشافعي ما نصه الجذام والبرص يزعم أهل العلم بالطب والتجارب أنه يعدي الزوج كثيرا وهو داء مانع للجماع لا تكاد نفس أحد تطيب بمجامعة من هو به ولا نفس امرأة أن يجامعها من هو به وأما الولد فبين أنه إذا كان من ولده أجذم
أو أبرص أنه قلما يسلم وان سلم أدرك نسله قال البيهقي وأما ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا عدوى فهو على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى وقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شئ من هذه العيوب سببا لحدوث ذلك ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فر من المجذوم فرارك من الاسد وقال لا يورد ممرض على مصح وقال في الطاعون من سمع به بأرض فلا يقدم عليه وكل ذلك بتقدير الله تعالى وتبعه على ذلك ابن الصلاح في الجمع بين الحديثين ومن بعده وطائفة ممن قبله المسلك السادس العمل بنفي العدوى أصلا ورأسا وحمل الامر بالمجانبة على حسم المادة وسد الذريعة لئلا يحدث للمخالط شئ من ذلك فيظن أنه بسبب المخالطة فيثبت العدوى التي نفاها الشارع وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد وتبعه جماعة فقال أبو عبيد ليس في قوله لا يورد ممرض على مصح إثبات العدوى بل لان الصحاح لو مرضت بتقدير الله تعالى ربما وقع في نفس صاحبها أن ذلك من العدوى فيفتتن ويتشكك في ذلك فأمر باجتنابه قال وكان بعض الناس يذهب إلى أن الامر بالاجتناب إنما هو للمخافة على الصحيح من ذوات العاهة قال وهذا شر ما حمل عليه الحديث لان فيه إثبات العدوى التي نفاها الشارع ولكن وجه الحديث عندي ما ذكرته وأطنب بن خزيمة في هذا كتاب التوكل فإنه أورد حديث لا عدوى عن عدة من الصحابة وحديث لا يورد ممرض على مصح من حديث أبي هريرة وترجم للاول التوكل على الله في نفي العدوى وللثاني ذكر خبر غلط في معناه بعض العلماء وأثبت العدوى التي نفاها النبي صلى الله عليه وسلم ثم ترجم الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد اثبات العدوى بهذا القول فساق حديث أبي هريرة لا عدوى فقال أعرابي فما بال الابل يخالطها الاجرب فتجرب قال فمن أعدى الاول ثم ذكر طرقه عن أبي هريرة ثم أخرجه من حديث بن مسعود ثم ترجم ذكر خبر روى في الامر بالفرار من المجذوم قد يخطر لبعض
[ 136 ]
الناس أن فيه اثبات العدوى وليس كذلك وساق حديث فر من المجذوم فرارك من الاسد من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة وحديث عمرو بن الشريد عن أبيه في أمر المجذوم بالرجوع
وحديث بن عباس لا تديموا النظر إلى المجذومين ثم قال إنما أمرهم صلى الله عليه وسلم بالفرار من المجذوم كما نهاهم أن يورد الممرض على المصح شفقة عليهم وخشية أن يصيب بعض من يخالطه المجذوم الجذام والصحيح من الماشية الجرب فيسبق إلى بعض المسلمين أن ذلك من العدوى فيثبت العدوى التي نفاها صلى الله عليه وسلم فأمرهم بتجنب ذلك شفقة منه ورحمة ليسلموا من التصديق بإثبات العدوى وبين لهم أنه لا يعدي شئ شيئا قال ويؤيد هذا أكله صلى الله عليه وسلم مع المجذوم ثقة بالله وتوكلا عليه وساق حديث جابر في ذلك ثم قال وأما نهيه عن إدامة النظر إلى المجذوم فيحتمل أن يكون لان المجذوم يغتم ويكره إدمان الصحيح نظره إليه لانه قل من يكون به داء إلا وهو يكره أن يطلع عليه اه وهذا الذي ذكره احتمالا سبقه إليه مالك فإنه سئل عن هذا الحديث فقال ما سمعت فيه بكراهية وما أدري ما جاء من ذلك إلا مخافة أن يقع في نفس المؤمن شئ وقال الطبري الصواب عندنا القول بما صح به الخبر وأن لا عدوى وأنه لا يصيب نفسا إلا ما كتب عليها وأما دنو عليل من صحيح فغير موجب انتقال العلة للصحيح إلا أنه لا ينبغي لذي صحة الدنو من صاحب العاهة التي يكرهها الناس لا لتحريم ذلك بل لخشية أن يظن الصحيح أنه لو نزل به ذلك الداء أنه من جهة دنوه من العليل فيقع فيما أبطله النبي صلى الله عليه وسلم من العدوى قال وليس في أمره بالفرار من المجذوم معارضة لاكله معه لانه كان يأمر بالامر على سبيل الارشاد أحيانا وعلى سبيل الاباحة أخرى وان كان أكثر الاوامر على الالزام وإنما كان يفعل ما نهى عنه أحيانا لبيان أن ذلك ليس حراما وقد سلك الطحاوي في معاني الآثار مسلك بن خزيمة فيما ذكره فأورد حديث لا يورد ممرض على مصح ثم قال معناه أن المصح قد يصيبه ذلك المرض فيقول الذي أورده لو أني ما أوردته عليه لم يصبه من هذا المرض شئ والواقع أنه لو لم يورده لاصابه لكون الله تعالى قدره فنهى عن إيراده لهذه العلة التي لا يؤمن غالبا من وقوعها في قلب المرء ثم ساق الاحاديث في ذلك فأطنب وجمع بينها بنحو ما جمع به بن خزيمة ولذلك قال القرطبي في المفهم إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إيراد الممرض على المصح مخافة الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد العدوى أو مخافة تشويش النفوس وتأثير الاوهام وهو نحو قوله فر من المجذوم فرارك
من الاسد وان كنا نعتقد أن الجذام لا يعدي لكنا نجد في أنفسنا نفرة وكراهية لمخالطته حتى لو أكره إنسان نفسه على القرب منه وعلى مجالسته لتأذت نفسه بذلك فحينئذ فالاولى للمؤمن أن لا يتعرض إلى ما يحتاج فيه إلى مجاهدة فيجتنب طرق الاوهام ويباعد أسباب الآلام مع أنه يعتقد أن لا ينجي حذر من قدر والله أعلم قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة الامر بالفرار من الاسد ليس للوجوب بل للشفقة لانه صلى الله عليه وسلم كان ينهى أمته عن كل ما فيه ضرر بأي وجه كان ويدلهم على كل ما فيه خير وقد ذكر بعض أهل الطب أن الروائح تحدث في الابدان خللا فكان هذا وجه الامر بالمجانبة وقد أكل هو مع المجذوم فلو كان الامر بمجانبته على الوجوب لما فعله قال ويمكن الجمع بين فعله وقوله بأن القول هو المشروع من أجل ضعف المخاطبين وفعله حقيقة الايمان فمن فعل الاول أصاب السنة وهي أثر الحكمة ومن فعل الثاني كان أقوى يقينا
[ 137 ]
لان الاشياء كلها لا تأثير لها إلا بمقتضى إرادة الله تعالى وتقديره كما قال تعالى وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله فمن كان قوي اليقين فله أن يتابعه صلى الله عليه وسلم في فعله ولا يضره شئ ومن وجد في نفسه ضعفا فليتبع أمره في الفرار لئلا يدخل بفعله في إلقاء نفسه إلى التهلكة فالحاصل أن الامور التي يتوقع منها الضرر وقد أباحت الحكمة الربانية الحذر منها فلا ينبغي للضعفاء أن يقربوها وأما أصحاب الصدق واليقين فهم في ذلك بالخيار قال وفي الحديث أن الحكم للاكثر لان الغالب من الناس هو الضعف فجاء الامر بالفرار بحسب ذلك واستدل بالامر بالفرار من المجذوم لاثبات الخيار للزوجين في فسخ النكاح إذا وجده أحدهما بالآخر وهو قول جمهور العلماء وأجاب فيه من لم يقل بالفسخ بأنه لو أخذ بعمومه لثبت الفسخ إذا حدث الجذام ولا قائل به ورد بأن الخلاف ثابت بل هو الراجح عند الشافعية وقد تقدم في النكاح الالمام بشئ من هذا واختلف في أمة الاجذم هل يجوز لها أن تمنع نفسها من استمتاعه إذا أرادها واختلف العلماء في المجذومين إذا كثروا هل يمنعون من المساجد والمجامع وهل يتخذ لهم مكان منفرد عن الاصحاء ولم يختلفوا في النادر أنه لا يمنع ولا في شهود الجمعة قوله باب المن شفاء للعين كذا
للاكثر وفي رواية الاصيلي شفاء من العين وعليها شرح بن بطال ويأتي توجيهها وفي هذه الترجمة إشارة إلى ترجيح القول الصائر إلى أن المراد بالمن في حديث الباب الصنف المخصوص ومن المأكول لا المصدر الذي بمعنى الامتنان وإنما أطلق على المن شفاء لان الخبر ورد أن الكمأة منه وفيها شفاء فإذا ثبت الوصف للفرع كان ثبوته للاصل أولى رضي الله تعالى عنها قوله عن عبد الملك هو ابن عمير وصرح به أحمد في روايته عن محمد بن جعفر غندر وعمرو بن حريث هو المخزومي له صحبة قوله سمعت سعيد بن زيد أي بن عمرو بن نفيل العدوي أحد العشرة وعمر بن الخطاب بن نفيل ابن عم أبيه كذا قال عبد الملك بن عمير ومن تابعه وخالفهم عطاء بن السائب من رواية عبد الوارث عنه فقال عن عمرو بن حريث عن أبيه أخرجه مسدد في مسنده وابن السكن في الصحابة والدارقطني في الافراد وقال في العلل الصواب رواية عبد الملك وقال بن السكن أظن عبد الوارث أخطأ فيه وقيل كان سعيد بن زيد تزوج أم عمرو بن حريث فكأنه قال حدثني أبي وأراد زوج أمه مجازا فظنه الراوي أباه حقيقة قوله الكمأة بفتح الكاف وسكون الميم بعدها همزة مفتوحة قال الخطابي وفي العامة من لا يهمزه واحدة الكمء بفتح ثم سكون ثم همزة مثل تمرة وتمر وعكس ابن الاعرابي فقال الكمأة الجمع والكمء الواحد على غير قياس قال ولم يقع في كلامهم نظير هذا سوى خبأة وخبء وقيل الكمأة قد تطلق على الواحد وعلى الجمع وقد جمعوها على أكمؤ قال الشاعر ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا والعساقل بمهملتين وقاف ولام الشراب وكأنه أشار إلى أن الاكمؤ محل وجدانها الفلوات والكمأة نبات لا ورق لها ولا ساق توجد في الارض من غير أن تزرع قيل سميت بذلك لاستتارها يقال كمأ الشهادة إذا كتمها ومادة الكمأة من جوهر أرضي بخارى يحتقن نحو سطح الارض ببرد الشتاء وينميه مطر الربيع فيتولد ويندفع متجسدا ولذلك كان بعض العرب يسميها جدري الارض تشبيها لها بالجدري مادة وصورة لان مادته رطوبة دموية تندفع غالبا عند الترعرع وفي ابتداء استيلاء الحرارة ونماء القوة ومشابهتها له في الصورة ظاهر وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 138 ]
قالوا الكمأة جدري الارض فقال النبي صلى الله عليه وسلم الكمأة من المن الحديث وللطبري من طريق بن المنكدر عن جابر قال كثرت الكمأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فامتنع قوم من أكلها وقالوا هي جدري الارض فبلغه ذلك فقال أن الكمأة لست من جدري الارض ألا أن الكمأة من المن والعرب تسمي المكأة أيضا بنا ت الرعد لانها تكثر بكثرته ثم تنفطر عنها الارض وهي كثيرة بأرض العرب وتوجد بالشام ومصر فأجودها ما كانت أرضه رملة قليلة الماء ومنها صنف قتال يضرب لونه إلى الحمرة وهي باردة رطبة في الثانية رديئة للمعدة بطيئة الهضم وإدمان أكلها يورث القولنج والسكتة والفالج وعسر البول والرطب منها أقل ضررا من اليابس وإذا دفنت في الطين الرطب ثم سلقت بالماء والملح والسعتر وأكلت بالزيت والتوابل الحارة قل ضررها ومع ذلك ففيها جوهر مائي لطيف بدليل خفتها فلذلك كان ماؤها شفاء للعين قوله من المن قيل في المراد بالمن ثلاثة أقوال أحدها أن المراد أنها من المن الذي أنزل على بني إسرائيل وهو الطل الذي يسقط على الشجر فيجمع ويؤكل حلوا ومنه الترنجبين فكأنه شبة به الكمأة بجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفوا بغير علاج قلت وقد تقدم بيان ذلك واضحا في تفسير سورة البقرة وذكرت من زاد في متن هذا الحديث الكمأة من المن الذي أنزل على بني إسرائيل والثاني أن المعنى أنها من المن الذي أمتن الله به على عباده عفوا بغير علاج قال أبو عبيد وجماعة وقال الخطابي ليس المراد أنها نوع من المن الذي أنزل على بني إسرائيل فإن الذي أنزل على بني إسرائيل كان كالترنجبين الذي يسقط على الشجر وإنما المعنى أن الكمأة شئ ينبت من غير تكلف ببذر ولا سقي فهو من قبيل المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل فيقع على الشجر فيتناولونه ثم أشار إلى أنه يحتمل أن يكون الذي أنزل على بني إسرائيل كان أنواعا منها ما يسقط على الشجر ومنها ما يخرج من الارض فتكون الكمأة منه وهذا هو القول الثالث وبه جزم الموفق عبد اللطيف البغدادي ومن تبعه فقالوا أن المن الذي أنزل على بني إسرائيل ليس هو ما يسقط على الشجر فقط بل كان أنواعا من الله عليهم بها من النبات الذي يوجد عفوا ومن الطير التي تسقط عليهم بغير اصطياد ومن الطل الذي يسقط على الشجر والمن مصدر بمعنى المفعول
أي ممنون به فلما لم يكن للعبد فيه شائبة كسب كان منا محضا وان كانت جميع نعم الله تعالى على عبيده منا منه عليهم لكن خص هذا باسم المن لكونه لا صنع فيه لاحد فجعل سبحانه وتعالى قوتهم في التبه الكمأة وهي تقوم مقام الخبز وأدمهم السلوى وهي تقوم مقام اللحم وحلواهم الطل الذي ينزل على الشجر فكمل بذلك عيشهم ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم من المن فأشار إلى أنها فرد من أفراده فالترنجبين كذلك فرد من أفراد المن وأن غلب استعمال المن عليه عرفا اه ولا يعكر على هذا قولهم لن نصبر على طعام واحد لان المراد بالوحدة دوام الاشياء المذكورة من غير تبدل وذلك يصدق على ما إذا كان المطعوم أصنافا لكنها لا تتبدل أعيانها قوله وماؤها شفاء للعين كذا للاكثر وكذا عند مسلم وفي رواية المستملي من العين أي شفاء من داء العين قال الخطابي إنما اختصت الكمأة بهذه الفضيلة لانها من الحلال المحض الذي ليس في اكتسابه شبهة ويستنبط منه أن استعمال الحلال المحض يجلو البصر والعكس بالعكس قال ابن الجوزي في المراد بكونها شفاء للعين قولان أحدهما أنه ماؤها حقيقة إلا أن أصحاب
[ 139 ]
هذا القول اتفقوا على أنه لا يستعمل صرفا في العين لكن اختلفوا كيف يصنع به على رأيين أحدهما أنه يخلط في الادوية التي يكتحل بها حكاه أبو عبيد قال ويصدق هذا الذي حكاه أبو عبيد أن بعض الاطباء قالوا أكل الكمأة يجلو البصر ثانيهما أن تؤخذ فتشق وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها ثم يؤخذ الميل فيجعل في ذلك الشق وهو فاتر فيكتحل بمائها لان النار تلطفه وتذهب فضلاته الرديئة ويبقى النافع منه ولا يجعل الميل في مائها وهي باردة يابسة فلا ينجع وقد حكى إبراهيم الحربي عن صالح وعبد الله ابني أحمد بن حنبل أنهما اشتكت أعينهما فأخذا كمأة وعصراها واكتحلا بمائها فهاجت أعينهما ورمدا قال بن الجوزي وحكى شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي أن بعض الناس عصر ماء كمأة فاكتحل به فذهبت عينه والقول الثاني أن المراد ماؤها الذي تنبت به فإنه أول مطر يقع في الارض فتربي به الاكحال حكاه ابن الجوزي عن أبي بكر بن عبد الباقي أيضا فتكون الاضافة إضافة الكل لا إضافة جزء قال بن القيم وهذا أضعف الوجوه
قلت وفيما ادعاه بن الجوزي من الاتفاق على أنها لا تستعمل صرفا نظر فقد حكى عياض عن بعض أهل الطب في التداوي بماء الكمأة تفصيلا وهو إن كان لتبريد ما يكون بالعين من الحرارة فتستعمل مفردة وإن كان لغير ذلك فتستعمل مركبة وبهذا جزم بن العربي فقال الصحيح أنه ينفع بصورته في حال وبإضافته في أخرى وقد جرب ذلك فوجد صحيحا نعم جزم الخطابي بما قال بن الجوزي فقال تربى بها التوتياء وغيرها من الاكحال قال ولا تستعمل صرفا فإن ذلك يؤذي العين وقال الغافقي في المفردات ماء الكمأة أصلح الادوية للعين إذا عجن به الاثمد واكتحل به فإنه يقوي الجفن ويزيد الروح الباصر حدة وقوة ويدفع عنها النوازل وقال النووي الصواب أن ماءها شفاء للعين مطلقا فيعصر ماؤها ويجعل في العين منه قال وقد رأيت أنا وغيري في زماننا من كان عمي وذهب بصره حقيقة فكحل عينه بماء الكمأة مجردا فشفي وعاد إليه بصره وهو الشيخ العدل الامين الكمال بن عبد الدمشقي صاحب صلاح ورواية في الحديث وكان استعماله لماء الكمأة اعتقادا في الحديث وتبركا به فنفعه الله به قلت الكمال المذكور هو كمال الدين ابن عبد العزيز بن عبد المنعم بن الخضر يعرف بابن عبد بغير إضافة الحارثي الدمشقي من أصحاب أبي طاهر الخشوعي سمع منه جماعة من شيوخ شيوخنا عاش ثلاثا وثمانين سنة ومات سنة اثنتين وسبعين وستمائة قبل النووي بأربع سنين وينبغي تقييد ذلك بمن عرف من نفسه قوه اعتقاد في صحة الحديث والعمل به كما يشير إليه آخر كلامه وهو ينافي قوله أولا مطلقا وقد أخرج الترمذي في جامعه بسند صحيح إلى قتادة قال حدثت أن أبا هريرة قال أخذت ثلاثة أكمأ أو خمسا أو سبعا فعصرتهن فجعلت ماءهن في قارورة فكحلت به جارية لي فبرئت وقال بن القيم اعترف فضلاء الاطباء أن ماء الكمأة يجلو العين منهم المسبحي وابن سينا وغيرهما والذي يزيل الاشكال عن هذا الاختلاف أن الكمأة وغيرها من المخلوقات خلقت في الاصل سليمة من المضار ثم عرضت لها الآفات بأمور أخرى من مجاورة أو امتزاج أو غير ذلك من الاسباب التي أرادها الله تعالى فالكمأة في الاصل نافعة لما اختصت به من وصفها بأنها من الله وإنما عرضت لها المضار بالمجاورة واستعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به من يستعمله ويدفع الله عنه الضرر بنيته والعكس
بالعكس والله أعلم قوله وقال شعبة كذا لابي ذر بواو في أوله وصورته صورة التعليق وسقطت
[ 140 ]
الواو لغيره وهو أولى فإنه موصول بالاسناد المذكور وقد أخرجه مسلم عن محمد بن المثنى شيخ البخاري فيه فأعاد الاسناد من أوله للطريق الثانية وكذا أورده أحمد عن محمد بن جعفر بالاسنادين معا قوله وأخبرني الحكم هو بن عتيبة بمثناة ثم موحدة مصغر والحسن العرني بضم المهملة وفتح الراء بعدها نون هو بن عبد الله البجلي كوفي وثقة أبو زرعة والعجلي وابن سعد وقال ابن معين صدوق قلت وما له في البخاري إلا هذا الموضع قوله قال شعبة لما حدثني به الحكم لم أنكره من حديث عبد الملك كأنه أراد أن عبد الملك كبر وتغير حفظه فلما حدث به شعبة توقف فيه فلما تابعه الحكم بروايته ثبت عند شعبة فلم ينكره وانتفى عنه التوقف فيه وقد تكلف الكرماني لتوجيه كلام شعبة أشياء فيها نظر أحدها أن الحكم مدلس وقد عنعن وعبد الملك صرح بقوله سمعته فلما تقوى برواية عبد الملك لم يبق به محل للانكار قلت شعبة ما كان يأخذ عن شيوخه الذين ذكر عنهم التدليس إلا ما يتحقق سماعهم فيه وقد جزم بذلك الاسماعيلي وغيره ببعد هذا الاحتمال وعلى تقدير تسليمه كان يلزم الامر بالعكس بأن يقول لما حدثني عبد الملك لم أنكره من حديث الحكم ثانيها لم يكن الحديث منكورا لي لاني كنت أحفظه ثالثها يحتمل العكس بأن يراد لم ينكر شيئا من حديث عبد الملك وقد ساق مسلم هذه الطريق من أوجه أخرى عن الحكم ووقع عنده في المتن من المن الذي أنزل على بني إسرائيل وفي لفظ على موسى وقد أشرت إلى ما في هذه الزيادة من الفائدة في الكلام على هذا الحديث في تفسير سورة البقرة قوله باب اللدود بفتح اللام وبمهملتين هو الدواء الذي يصب في أحد جانبي فم المريض واللدود بالضم الفعل ولددت المريض فعلت ذلك به وتقدم شرح الحديث الاول مستوفى في باب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبيان ما لدوه صلى الله عليه وسلم به وبيان من عرف اسمه مما كان في البيت ولد لامره صلى الله عليه وسلم بذلك فأغنى عن إعادته وأما الحديث الثاني فسيأتي شرحه في باب العذرة قريبا قوله باب كذا لهم بغير ترجمة وذكر فيه
حديث عائشة لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي الحديث وقد تقدم شرحه في الوفاة النبوية ومن قبل ذلك في كتاب الطهارة والغرض منه هنا قوله هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن وقد تقدم بيان الحكمة فيه في الطهارة وقد استشكل بن بطال مناسبة حديث هذا الباب لترجمة الذي قبله بعد أن تقرر أن الباب إذا كان بلا
[ 141 ]
ترجمة يكون كالفصل من الذي قبله وأجاب باحتمال أن يكون أشار إلى أن الذي يفعل بالمريض بأمره لا يلزم فاعل ذلك لوم ولا قصاص لانه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بصب الماء على كل من حضره بخلاف ما نهى عنه أن لا يفعل به لان فعله جناية عليه فيكون فيه القصاص قلت ولا يخفى بعده ويمكن أن يقرب بأن يقال أولا إنه أشار إلى أن الحديث عن عائشة في مرض النبي صلى الله عليه وسلم وما اتفق له فيه واحد ذكره بعض الرواة قاما واقتصر بعضهم على بعضه وقصة اللدود كانت عندما أغمي عليه وكذلك قصة السبع قرب لكن اللدود كان نهى عنه ولذلك عاتب عليه بخلاف الصب فإنه كان أمر فلم ينكر عليهم فيؤخذ منه أن المريض إذا كان عارفا لا يكره على تناول شئ ينهى عنه ولا يمنع من شئ يأمر به قوله باب العذرة بضم المهملة وسكون الذال المعجمة هو وجع الحلق وهو الذي يسمى سقوط اللهاة وقيل هو اسم اللهاة والمراد وجمعها سمي باسمها وقيل هو موضع قريب من اللهاة واللهاه بفتح اللام اللحمة التي في أقصى الحلق قوله وكانت من المهاجرات الخ يشبه أن يكون الوصف من كلام الزهري فيكون مدرجا ويحتمل أن يكون من كلام شيخه فيكون موصولا وهو الظاهر قوله بابن لها تقدم في باب السعوط أنه الابن الذي بال في حجر النبي صلى الله عليه وسلم قوله قد اعلقت عليه تقدم قيل بباب من رواية سفيان بن عيينة عن الزهري بلفظ أعلقت عنه وفيه قلت لسفيان فإن معمرا يقول أعلقت عليه قال لم يحفظ إنما قال أعلقت عنه حفظته من في الزهري ووقع هنا معلقا من رواية يونس وهو بن يزيد وإسحاق بن راشد عن الزهري علقت عليه بتشديد اللام والصواب أعلقت والاسم العلاق بفتح المهملة وكذا وقع في رواية سفيان الماضية بهذا
العلاق كذا للكشميهني ولغيره الاعلاق ورواية يونس المعلقة هنا وصلها أحمد ومسلم ورواية إسحاق بن راشد وصلها المؤلف في باب ذات الجنب وسيأتي قريبا ورواية معمر التي سأل عنها علي ابن عبد الله سفيان أخرجها أحمد عن عبد الرزاق عنه لكن بلفظ جئت بابن لي قد أعلقت عنه قال عياض وقع في البخاري أعلقت وعلقت والعلاق والاعلاق ولم يقع في مسلم إلا أعلقت وذكر العلاق في رواية والاعلاق في رواية والكل بمعنى جاءت به الروايات لكن أهل اللغة إنما يذكرون أعلقت والاعلاق رباعي وتفسيره غمز العذرة وهي اللهاة بالاصبع ووقع في رواية يونس عند مسلم قال أعلقت غمزت وقوله في الحديث علام أي لاي شئ قوله تدغرن خطاب للنسوة وهو بالغين المعجمة والدال المهملة والدغر غمز الحلق قوله عليكم في رواية الكشميهني عليكن قوله بهذا العود الهندي يريد الكست في رواية إسحاق بن راشد يعني القسط قال وهي لغة قلت وقد تقدم ما فيها في باب السعوط بالقسط الهندي ووقع في رواية سفيان الماضية قريبا قال فسمعت الزهري يقول بين لنا اثنتين ولم يبين لنا خمسة يعني من السبعة في قوله فإن فيه سبعة أشفيه فذكر منها ذات الجنب ويسعط من العذرة قلت وقد قدمت في باب السعوط من كلام الاطباء ما لعله يؤخذ منه الخمسة المشار إليها الله تبارك وتعالى قوله باب دواء المبطون المراد بالمبطون من اشتكى بطنه لافراط الاسهال وأسباب ذلك متعددة قوله قتادة عن أبي المتوكل كذا لشعبة وسعيد بن أبي عروبة وخالفهما شيبان فقال عن قتادة عن أبي بكر الصديق عن أبي سعيد أخرجه النسائي ولم يرجح والذي يظهر ترجيح طريق أبي
[ 142 ]
المتوكل لاتفاق الشيخين عليها شعبة وسعيد أولا ثم البخاري ومسلم ثانيا ووقع في رواية أحمد عن حجاج عن شعبة عن قتادة سمعت أبا المتوكل قوله جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أخي لم أقف على اسم واحد منهما قوله استطلق بطنه بضم المثناة وسكون الطاء المهملة وكسر اللام بعدها قاف أي كثر خروج ما فيه يريد الاسهال ووقع في رواية سعيد بن أبي عروبة في رابع باب من كتاب الطب هذا بن أخي يشتكي بطنه ولمسلم من طريقه قد عرب بطنه وهي بالعين
المهملة والراء المكسورة ثم الموحدة أي فسد هضمه لاعتلال المعدة ومثله ذرب بالذال المعجمة بدل العين وزنا ومعنى قوله فقال اسقه عسلا وعند الاسماعيلي من طريق خالد بن الحارث عن شعبة اسقه العسل واللام عهدية والمراد عسل النحل وهو مشهور عندهم وظاهره الامر بسقيه صرفا ويحتمل أن يكون ممزوجا قوله فسقاه فقال أني سقيته فلم يزده إلا استطلاقا كذا فيه وفي السياق حذف تقديره فسقاه فلم يبرأ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني سقيته ووقع في رواية مسلم فسقاه ثم جاء فقال أني سقيته فلم يزده إلا استطلاقا أخرجه عن محمد بن بشار الذي أخرجه البخاري عنه لكن قرنه بمحمد بن المثنى وقال أن اللفظ لمحمد بن المثنى نعم أخرجه الترمذي عن محمد ابن بشار وحده بلفظ ثم جاء فقال يا رسول الله اني قد سقيته عسلا فلم يزده إلا استطلاقا قوله فقال صدق الله كذا اختصره وفي رواية الترمذي فقال اسقه عسلا فسقاه ثم جاء فذكر مثله فقال صدق الله وفي رواية مسلم فقال له ثلاث مرات ثم جاء الرابعة فقال اسقه عسلا فقال سقيته فلم يزده إلا استطلاقا فقال صدق الله وعند أحمد عن يزيد بن هارون عن شعبة فذهب ثم جاء فقال قد سقيته فلم يزده الا استطلاقا فقال اسقه عسلا فساقه كذلك ثلاثا وفيه فقال في الرابعة اسقه عسلا وعند الاسماعيلي من رواية خالد بن الحارث ثلاث مرات يقول فيهن ما قال في الاولى وتقدم في رواية سعيد بن أبي عروبة بلفظ ثم أتاه الثانية فقال اسقه عسلا ثم أتاه الثالثة قوله فقال صدق الله وكذب بطن أخيك زاد مسلم في روايته فسقاه فبرأ وكذا للترمذي وفي رواية أحمد عن يزيد بن هارون فقال في الرابعة اسقه عسلا قال فأظنه قال فسقاه فبرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرابعة صدق الله وكذب بطن أخيك كذا وقع ليزيد بالشك وفي رواية خالد بن الحارث فقال في الرابعة صدق الله وكذب بطن أخيك والذي اتفق عليه محمد بن جعفر ومن تابعه أرجح وهو أن هذا القول وقع منه صلى الله عليه وسلم بعد الثالثة وأمره أن يسقيه عسلا فسقاه في الرابعة فبرا وقد وقع في رواية سعيد بن أبي عروبة ثم أتاه الثالثة فقال اسقه عسلا ثم أتاه فقال قد فعلت فسقاه فبرأ قوله تابعه النضر يعني بن شميل بالمعجمة مصغر عن شعبة وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عن النضر قال الاسماعيلي وتابعه أيضا يحيى بن سعيد وخالد بن الحارث ويزيد
ابن هرون قلت رواية يحيى عند النسائي في الكبرى ورواية خالد عند الاسماعيلي عن أبي يعلى ورواية يزيد عند أحمد وتابعهم أيضا حجاج بن محمد وروح بن عبادة وروايتهما عند أحمد أيضا قال الخطابي وغيره أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ يقال كذب سمعك أي زل فلم يدرك حقيقة ما قيل له فمعنى كذب بطنه أي لم يصلح لقبول الشفاء بل زل عنه وقد اعترض بعض الملاحدة فقال العسل مسهل فكيف يوصف لمن وقع به الاسهال والجواب أن ذلك جهل من قائله بل هو كقوله تعالى بل كذبوا بما لم يحيطوا بعمله فقد أتفق الاطباء على أن المرض الواحد
[ 143 ]
يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمان والغذاء المألوف والتدبير وقوة الطبيعة وعلى أن الاسهال يحدث من أنواع منها الهيضة التي تنشأ عن تخمة واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها فإن احتاجت إلى مسهل معين أعينت ما دام بالعليل قوة فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه عن تخمة أصابته فوصف له النبي صلى الله عليه وسلم العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والامعاء لما في العسل من الجلاء ودفع الفضول التي تصيب المعدة من أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها وللمعدة خمل كخمل المنشفة فإذا علقت بها الاخلاط اللزجة أفسدتها وأفسدت الغذاء الواصل إليها فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الاخلاط ولا شئ في ذلك مثل العسل لا سيما أن مزج بالماء الحار وإنما لم يفده في أول مرة لان الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية وإن جارزه أو هي القوة وأحدث ضررا آخر فكأنه شرب منه أولا مقدارا لا يفي بمقاومة الداء فأمره بمعاردة سقيه فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء برأ بإذن الله تعالى وفي قوله صلى الله عليه وسلم وكذب بطن أخيك إشارة إلى أن هذا الدواء نافع وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه ولكن لكثرة المادة الفاسدة فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها فكان كذلك وبرأ بإذن الله قال الخطابي والطب نوعان طب اليونان وهو قياسي وطب العرب والهند وهو تجاربي وكان أكثر ما يصفه النبي صلى الله عليه وسلم لمن يكون عليلا على طريقة طب العرب ومنه ما يكون مما اطلع عليه بالوحي وقد قال
صاحب كتاب المائة في الطب إن العسل تارة يجري سريعا إلى العروق وينفذ معه جل الغذاء ويدر البول فيكون قابضا وتارة يبقى في المعدة فيهيجها بلذعها حتى يدفع الطعام ويسهل البطن فيكون مسهلا فانكار وصفه للمسهل مطلقا قصور من المنكر وقال غيره طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن البرء لصدوره عن الوحي وطب غيره أكثره حدس أو تجربة وقد يتخلف الشفاء عن بعض من يستعمل طب النبوة وذلك لمانع قام بالمستعمل من ضعف اعتقاد الشفاء به وتلقيه بالقبول وأظهر الامثلة في ذلك القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور ومع ذلك فقد لا يحصل لبعض الناس شفاء صدره لقصوره في الاعتقاد والتلقي بالقبول بل لا يزيد المنافق إلا رجسا إلى رجسه ومرضا إلى مرضه فطب النبوة لا يناسب إلا الابدان الطيبة كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا القلوب الطيبة والله أعلم وقال بن الجوزي في وصفه صلى الله عليه وسلم العسل لهذا المنسهل أربعة أقوال أحدها أنه حمل الآية على عمومها في الشفاء وإلى ذلك أشار بقوله صدق الله أي في قوله فيه شفاء للناس فلما نبهه على هذه الحكمة تلقاها بالقبول فشفي بإذن الله الثاني أن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم من التداوي بالعسل في الامراض كلها الثالث أن الموصوف له ذلك كانت به هيضة كما تقدم تقريره الرابع يحتمل أن يكون أمره بطبخ العسل قبل شربه فإنه يعقد البلغم فلعله شربه أولا بغير طبخ انتهى والثاني والرابع ضعيفان وفي كلام الخطابي احتمال آخر وهو أن يكون الشفاء يحصل للمذكور ببركة النبي صلى الله عليه وسلم وبركة وصفه ودعائه فيكون خاصا بذلك الرجل دون غيره وهو ضعيف أيضا ويؤيد الاول حديث بن مسعود عليكم بالشفاءين العسل والقرآن أخرجه بن ماجة والحاكم مرفوعا وأخرجه بن أبي شيبة والحاكم موقوفا ورجاله رجال الصحيح وأثر علي إذا اشتكى أحدكم
[ 144 ]
فليستوهب من امرأته من صداقها فليشتر به عسلا ثم يأخذ ماء السماء فيجمع هنيئا مريئا شفاء مباركا أخرجه بن أبي حاتم في التفسير بسند حسن قال بن بطال يؤخذ من قوله صدق الله وكذب بطن أخيك أن الالفاظ لا تحمل على ظاهرها إذ لو كان كذلك لبرئ العليل من أول شربة
فلما لم يبرأ إلا بعد التكرار دل على أن الالفاظ تقتصر على معانيها قلت ولا يخفى تلكف هذا الانتزاع وقال أيضا فيه أن الذي يجعل الله فيه الشفاء قد يتخلف لتتم المدة التي قدر الله تعالى فيها الداء وقال غيره في قوله في رواية سعيد بن أبي عروبة فسقاه فبرأ بفتح الراء والهمز بوزن قرأ وهي لغة أهل الحجاز وغيرهم يقولها بكسر الراء بوزن علم وقد وقع في رواية أبي الصديق الناجي في آخره فسقاه فعافاه الله والله أعلم قوله باب لا صفر وهو داء يأخذ البطن كذا جزم بتفسير الصفر وهو بفتحتين وقد نقل أبو عبيدة معمر بن المثنى في غريب الحديث له عن يونس ابن عبيد الجرمي أنه سأل رؤبة بن العجاج فقال هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس وهي أعدى من الجرب عند العرب فعلى هذا فالمراد بنفي الصفر ما كانوا يعتقدونه فيه من العدوى ورجح عند البخاري هذا القول لكونه قرن في الحديث بالعدوى وكذا رجح الطبري هذا القول واستشهد له بقول الاعشى ولا يعض على شرسوفه الصفر والشرسوف بضم المعجمة وسكون الراء ثم مهملة ثم فاء الضلع والصفر دود يكون في الجوف فربما عض الضلع أو الكبد فقتل صاحبه وقيل المراد بالصفر الحية لكن المراد بالنفي نفي ما كانوا يعتقدون أن من أصابه قتله فرد ذلك الشارع بأن الموت لا يكون إلا إذا فرغ الاجل وقد جاء هذا التفسير عن جابر وهو أحد رواة حديث لا صفر قاله الطبري وقيل في الصفر قول آخر وهو أن المراد به شهر صفر وذلك أن العرب كانت تحرم صفر وتستحل المحرم كما تقدم في كتاب الحج فجاء الاسلام برد ما كانوا يفعلونه من ذلك فلذلك قال صلى الله عليه وسلم لا صفر قال بن بطال وهذا القول مروي عن مالك والصفر أيضا وجع في البطن يأخذ من الجوع ومن اجتماع الماء الذي يكون منه الاستسقاء ومن الاول حديث صفرة في سبيل الله خير من حمر النعم أي جرعة ويقولون صفر الاناء إذا خلا عن الطعام ومن الثاني ما سبق في الاشربة في حديث بن مسعود أن رجلا أصابه الصفر فنعت له السكر أي حصل له الاستسقاء فوصف له النبيذ وحمل الحديث على هذا لا يتجه بخلاف ما سبق وسيأتي شرح الهامة والعدوى كل منهما في باب مفرد قوله عن صالح هو بن كيسان وقوله أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وغيره وقع في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح
ابن كيسان عند مسلم في هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة وقوله في آخر الباب رواه الزهري عن أبي سلمة وسنان بن أبي سنان يعني كلاهما عن أبي هريرة وسيأتي ذلك في باب لا عدوى من رواية شعيب عن الزهري عنهما وفيه تفصيل لفظ أبي سلمة من لفظ سنان ويأتي البحث فيه هناك إن شاء الله تعالى قوله باب ذات الجنب هو ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للاضلاع وقد يطلق على ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفافات والعضل التي في الصدر والاضلاع فتحدث وجعا فالاول هو ذات الجنب الحقيقي الذي تكلم عليه الاطباء قالوا ويحدث بسببه خمسة أعراض الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشاري ويقال لذات الجنب أيضا وجع الخاصرة وهي من الامراض المخوفة لانها تحدث بين القلب والكبد
[ 145 ]
وهي من سئ الاسقام ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ما كان الله ليسلطها علي والمراد بذات الجنب في حديثي الباب الثاني لان القسط وهو العود الهندي كما تقدم بيانه قريبا هو الذي تداوى به الريح الغليظة قال المسبحي العود حار يابس قابض يحبس البطن ويقوي الاعضاء الباطنة ويطرد الريح ويفتح السدد ويذهب فضل الرطوبة قال ويجوز أن ينفع القسط من ذات الجنب الحقيقي أيضا إذا كانت ناشئة عن مادة بلغمية ولا سيما في وقت إنحطاط العلة ثم ذكر المؤلف في الباب حديثين أحدهما حديث أم قيس بنت محصن في قصة ولدها والاعلاق عليه من العذرة وقد تقدم شرح ذلك وبيانه قبل ببابين وقوله في أوله حدثنا محمد هو الذهلي وقوله عتاب بن بشير بمهملة ومثناة ثقيلة وآخره موحدة وأبوه بموحدة ومعجمة وزن عظيم وشيخه إسحاق هو بن راشد الجزري وقوله في آخره يريد الكست يعني القسط قال وهي لغة هو تفسير العود الهندي بأنه القسط والقائل قال هي لغة هو الزهري ثانيهما حديث أنس قوله حدثنا عارم هو محمد بن الفضل أبو النعمان السدوسي وحماد هو بن زيد قوله قرئ على أيوب هو السختياني قوله من كتب أبي قلابة منه ما حدث به ومنه ما قرئ عليه فكان هذا في الكتاب أي كتاب أبي قلابة كذا للاكثر ووقع في رواية الكشميهني بدل قوله في الكتاب قرا الكتاب وهو تصحيف ووقع عند الاسماعيلي
بعد قوله في الكتاب غير مسموع ولم أر هذه اللفظه في شئ من نسخ البخاري قوله عن أنس هو ابن مالك قوله أن أبا طلحة هو زيد بن سهل زوج والدة أنس أم سليم وأنس بن النضر هو عم أنس بن مالك قوله كوياه وكواه أبو طلحة بيده نسب الكي إليهما معا لرضاهما به ثم نسب الكي لابي طلحة وحده لمباشرته له وعند الاسماعيلي من وجه آخر عن أيوب وشهدني أبو طلحة وأنس ابن النضر وزيد بن ثابت قوله وقال عباد بن منصور هو التاجي بالنون والجيم وأراد بهذا التعليق فائدة من جهة الاسناد وأخرى من جهة المتن أما الاسناد فبين أن حماد بن زيد بين في روايته صورة أخذ أيوب هذا الحديث عن أبي قلابة وأنه كان قرأه عليه من كتابه وأطلق عباد ابن منصور وروايته بالعنعنة وأما المتن فلما فيه من الزيادة وهي أن الكي المذكور كان بسبب ذات الجنب وأن ذلك كان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن زيد بن ثابت كان فيمن حضر ذلك وفي رواية عباد بن منصور زيادة أخرى في أوله أفردها بعضهم وهي حديث إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاهل بيت من الانصار أن يرقوا من الحمة والاذن وليس لعباد بن منصور وكنيته أبو سلمة في البخاري سوى هذا الموضع المعلق وهو من كبار أتباع التابعين تكلموا فيه من عدة جهات إحداها أنه رمى بالقدر لكنه لم يكن داعية ثانيها أنه كان يدلس ثالثها أنه قد تغير حفظه وقال يحيى القطان لما رأيناه كان لا يحفظ ومنهم من أطلق ضعفه وقد قال بن عدي هو من جملة من يكتب حديثه ووصل الحديث المذكور أبو يعلى عن إبراهيم بن سعيد الجوهري عن ريحان ابن سعيد عن عباد بطوله وأخرجه عند الاسماعيلي كذلك وفرقه البزار حديثين وقال في كل منهما تفرد به عباد بن منصور والحمة بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم وقد تشدد وأنكره الازهري هي السم وقد تقدم شرحها في باب من اكتوى وسيأتي الكلام على حكمها في باب رقية الحية والعقرب بعد أبواب وأما رقية الاذن فقال بن بطال المراد وجع الاذن أي رخص في رقية الاذن إذا كان بها وجع وهذا يرد على الحصر الماضي في الحديث المذكور في باب من اكتوى حيث قال
[ 146 ]
لا رقية إلا من عين أو حمة فيجوز أن يكون رخص فيه بعد أن منع منه ويحتمل أن يكون المعنى
لا رقية أنفع من رقية العين والحمة ولم يرد نفي الرقي عن غيرهما وحكى الكرماني عن ابن بطال أنه ضبطه الادر بضم الهمزة وسكون المهملة بعدها راء وأنه جمع أدرة وهي نفخة الخصية قال وهو غريب شاذ انتهى ولم أر ذلك في كتاب بن بطال فليحرر ووقع عند الاسماعيلي في سياق رواية عباد بن منصور بلفظ أن يرقوا من الحمة وأذن برقية العين والنفس فعلى هذا فقوله والاذن في الرواية المعلقة تصحيف من قوله أذن فعل ماضي من الاذن لكن زاد الاسماعيلي في رواية من هذا الوجه وكان زيد بن ثابت يرقى من الاذن والنفس فالله أعلم وسيأتي بعد أبواب باب رقية العين وغير ذلك وقوله رخص لاهل بيت من الانصار هم آل عمرو بن حزم وقع ذلك عند مسلم من حديث جابر والمخاطب بذلك منهم عمارة بن حزم كما بينته في ترجمته في كتاب الصحابة قوله باب حرق الحصير كذا لهم وأنكره بن التين فقال والصواب إحراق الحصير لانه من أحرق أو تحريق من حرق قال فأما الحرق فهو حرق الشئ يؤذيه قلت لكن له توجيه وقوله ليسد به الدم هو بالسين المهملة أي مجاري الدم أو ضمن سد معنى قطع وهو الوجه وكأنه أشار إلى أن هذا ليس من إضاعة المال لانه إنما يفعل للضروة المبيحة وقد كان أبو الحسن القابسي يقول وددنا لو علمنا ذلك الحصير مما كان لنتخذه دواء لقطع الدم قال بن بطال قد زعم أهل الطب أن الحصير كلها إذا أحرقت تبطل زيادة الدم بل الرماد كله كذلك لان الرماد من شأنه القبض ولهذا ترجم الترمذي لهذا الحديث التداوي بالرماد وقال المهلب فيه أن قطع الدم بالرماد كان معلوما عندهم لا سيما إن كان الحصير من ديس السعد فهي معلومة بالقبض وطيب الرائحة فالقبض يسد أفواه الجرج وطيب الرائحة يذهب بزهم الدم وأما غسل الدم أولا فينبغي أن يكون إذا كان الجرح غير غائر أما لو كان غائرا فلا يؤمن معه ضرر الماء إذا صب فيه وقال الموفق عبد اللطيف الرماد فيه تجفيف وقلة لذع والمجفف إذا كان فيه قوة لذع ربما هيج الدم وجلب الورم ووقع عند بن ماجة من وجه آخر عن سهل بن سعد أحرقت له حين لم يرقأ قطعة حصير خلق فوضعت رماده عليه وقد تقدم شرح حديث الباب وهو حديث سهل بن سعد في غسل فاطمة وجه النبي صلى الله عليه وسلم من الدم لما جرح يوم أحد في كتاب الجهاد وقوله في آخر الحديث
فرقأ بقاف وهمزة أي بطل خروجه وفي رواية فاستمسك الدم قوله باب الحمى من فيح جهنم بفتح الفاء وسكون التحتانية بعدها مهملة وسيأتي في حديث رافع آخر الباب من فوح بالواو وتقدم من حديثه في صفة النار بلفظ فور بالراء بدل الحاء وكلها بمعنى والمراد سطوع حرها ووجهه والحمى أنواع كما سأذكره واختلف في نسبتها إلى جهنم فقيل حقيقة واللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنم وقدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنة أظهرها في هذه الدار عبرة ودلالة وقد جاء في حديث أخرجه البزار من حديث عائشة بسند حسن وفي الباب عن أبي أمامة عند أحمد وعن أبي ريحانة عند الطبراني وعن ابن مسعود في مسند الشهاب الحمى حظ المؤمن من النار وهذا كما تقدم في حديث الامر بالايراد أن شدة الحر من فيح جهنم وأن الله أذن لها بنفسين وقيل بل الخبر ورد مورد التشبيه والمعنى أن حر الحمى شبيه بحر جهنم تنبيها للنفوس على شدة حر النار وأن هذه الحرارة الشديدة
[ 147 ]
شبيهة بفيحها وهو ما يصيب من قرب منها من حرها كما قيل بذلك في حديث الايراد والاول أولى والله أعلم ويؤيده قول بن عمر في آخر الباب وذكر المصنف فيه أربعة أحاديث الحديث الاول حديث بن عمر أخرجه من طريق عبد الله بن وهب عن مالك وكذا مسلم وأخرجه النسائي من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن مالك قال الدارقطني في الموطآت لم يروه من أصحاب مالك في الموطأ الا بن وهب وابن القاسم وتابعهما الشافعي وسعيد بن عفير وسعيد بن داود قال ولم يأت به معن ولا القعنبي ولا أبو مصعب ولا بن بكير انتهى وكذا قال بن عبد البر في التقصى وقد أخرجه شيخنا في تقريبه من رواية أبي مصعب عن مالك وهو ذهول منه لانه اعتمد فيه على الملخص للقابسي والقابسي إنما أخرج الملخص من طريق بن القاسم عن مالك وهذا ثاني حديث عثرت عليه في تقريب الاسانيد لشيخنا عفا الله تعالى عنه من هذا الجنس وقد نبهت عليه نصيحة لله تعالى والله أعلم وقد أخرجه الدارقطني والاسماعيلي من رواية حرملة عن الشافعي وأخرجه الدارقطني من طريق سعيد بن عفير ومن طريق سعيد بن داود ولم يخرجه بن عبد البر في التمهيد
لانه ليس في رواية يحيى بن يحيى الليثي والله أعلم صلى الله عليه وسلم قوله فأطفئوها بهمزة قطع ثم طاء مهملة وفاء مكسورة ثم همزة أمر بالاطفاء وتقدم في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع في صفة النار من بدء الخلق بلفظ فأبردوها والمشهور في ضبطها بهمزة وصل والراء مضمومة وحكى كسرها يقال بردت الحمى أبردها بردا بوزن قتلتها أقلتها قتلا أي أسكنت حرارتها قال شاعر الحماسة إذا وجدت لهيب الحب في كبدي أقبلت نحو سقاء القوم أبترد هبني بردت ببرد الماء ظاهره فمن لنار على الاحشاء تتقد وحكى عياض رواية بهمزة قطع مفتوحة وكسر الراء من أبرد الشئ إذا عالجه فصيره باردا مثل أسخنة إذا صيره سخنا وقد أشار إليها الخطابي وقال الجوهري أنها لغة رديئة قوله بالماء في حديث أبي هريرة عند بن ماجة بالماء البارد ومثله في حديث سمرة عند أحمد ووقع في حديث ابن عباس بماء زمزم كما مضى في صفة النار من رواية أبي جمرة بالجيم قال كنت أجالس ابن عباس بمكة فأخذتني الحمى وفي رواية أحمد كنت أدفع الناس عن بن عباس فاحتبست أياما فقال ما حبسك قلت الحمى قال أبردها بماء زمزم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء أو بماء زمزم شك همام كذا في رواية البخاري من طريق أبي عامر العقدي عن همام وقد تعلق به من قال بأن ذكر ماء زمزم ليس قيدا لشك رواية فيه وممن ذهب إلى ذلك ابن القيم وتعقب بأنه وقع في رواية أحمد عن عفان عن همام فأبردوها بماء زمزم ولم يشك وكذا أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم من رواية عفان وأن كان الحاكم وهم في استدراكه وترجم له ابن حبان بعد إيراده حديث بن عمر فقال ذكر الخبر المفسر للماء المجمل في الحديث الذي قبله وهو أن شدة الحمى تبرد بماء زمزم دون غيره من المياه وساق حديث بن عباس وقد تعقب على تقدير أن لا شك في ذكر ما زمزم فيه بأن الخطاب لاهل مكة خاصة لتيسر ماء زمزم عندهم كما خص الخطاب بأصل الامر بأهل البلاد الحارة وخفي ذلك على بعض الناس قال الخطابي ومن تعبه اعترض بعض سخفاء الاطباء على هذا الحديث بأن قال اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك لانه يجمع المسام ويحقن البخار ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم فيكون ذلك سببا للتلف قال
[ 148 ]
الخطابي غلط بعض من ينسب إلى العلم فانغمس في الماء لما أصابته الحمى فاحتقنت الحرارة في باطن بدنه فأصابته علة صعبة كادت تهلكه فلما خرج من علته قال قولا سيئا لا يحسن ذكره وإنما أوقعه في ذلك جهله بمعنى الحديث والجواب أن هذا الاشكال صدر عن صدر مرتاب في صدق الخبر فيقال له أولا من أين حملت الامر على الاغتسال وليس في الحديث الصحيح بيان الكيفية فضلا عن اختصاصها بالغسل وإنما في الحديث الارشاد إلى تبريد الحمى بالماء فإن أظهر الوجود أو اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل محموم في الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو المراد وإنما قصد صلى الله عليه وسلم استعمال الماء على وجه ينفع فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل الانتفاع به وهو كما وقع في أمره العائن بالاغتسال وأطلق وقد ظهر من الحديث الآخر أنه لم يرد مطلق الاغتسال وإنما أراد الاغتسال على كيفية مخصوصة وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى ما صنعته أسماء بنت الصديق فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئا من الماء بين يديه وثوبه فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها والصحابي ولا سيما مثل أسماء التي هي ممن كان يلازم بيت النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالمراد من غيرها ولعل هذا هو السر في إيراد البخاري لحديثها عقب حديث ابن عمر المذكور وهذا من بديع ترتيبه وقال المازري ولا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجا إلى التفضيل حتى أن المريض يكون الشئ دواءه في ساعة ثم يصير داء له في الساعة التي تليها لعارض يعرض له من غضب يحمى مزاجه مثلا فيتغير علاجه ومثل ذلك كثير فإذا فرض وجود الشفاء لشخص بشئ في حالة ما لم يلزم منه وجود الشفاء به له أو لغيره في سائر الاحوال والاطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغذاء المتقدم والتأثير المألوف وقوة الطباع ثم ذكر نحو ما تقدم قالوا وعلى تقدير أن يرد التصريح بالاغتسال في جميع الجسد فيجاب بأنه يحتمل أن يكون أراد أنه يقع بعد إقلاع الحمى وهو بعيد ويحتمل أن يكون في وقت مخصوص بعدد مخصوص فيكون من الخواص التي اطلع صلى الله عليه وسلم عليها بالوحي ويضمحل عند ذلك جميع كلام أهل الطب وقد أخرج الترمذي من
حديث ثوبان مرفوعا إذا أصاب أحدكم الحمى وهي قطعة من النار فليطفئها عنه بالماء يستنقع في نهر جار ويستقبل جريته وليقل بسم الله اللهم اشف عبدك وصدق رسولك بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس ولينغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام فإن لم يبرأ فخمس وإلا فسبع وإلا فتسع فإنها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن الله قال الترمذي غريب قلت وفي سنده سعيد بن زرعة مختلف فيه قال ويحتمل أن يكون لبعض الحميات دون بعض الاماكن دون بعض لبعض الاشخاص دون بعض وهذا أوجه فإن خطابه صلى الله عليه وسلم قد يكون عاما وهو الاكثر وقد يكون خاصا كما قال لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولكن شرقوا أو غربوا فقوله شرقوا أو غربوا ليس عاما لجميع أهل الارض بل هو خاص لمن كان بالمدينة النبوية وعلى سمتها كما تقدم تقريره في كتاب الطهارة فكذلك هذا يحتمل أن يكون مخصوصا بأهل الحجاز وما والاهم إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من العرضية الحادثة عن شدة الحرارة وهذه ينفعها الماء البارد شربا واغتسالا لان الحمى حرارة غربية تشتعل في القلب وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق إلى جميع البدن وهي قسمان عرضية وهي الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة
[ 149 ]
الشمس أو القيظ الشديد ونحو ذلك ومرضية وهي ثلاثة أنواع وتكون عن مادة ثم منها ما يسخن جميع البدن فإن كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حمى يوم لانها تقع غالبا في يوم ونهايتها إلى ثلاث وإن كان تعلقها بالاعضاء الاصلية فهي حمى دق وهي أخطرها وأن كان تعلقها بالاخلاط سميت عفنية وهي بعدد الاخلاط الاربعة وتحت هذه الانواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الافراد والتركيب وإذا تقرر هذا فيجوز أن يكون المراد النوع الاول فإنها تسكن بالانغماس في الماء البارد وشرب الماء المبرد بالثلج وبغيره ولا يحتاج صاحبها إلى علاج آخر وقد قال جالينوس في كتاب حيلة البرء لو أن شابا حسن اللحم خصب البدن ليس في أحشائه ورم استحم بماء بارد أو سبح فيه وقت القيظ عند منتهى الحمى لا ينتفع بذلك وقال أبو بكر الرازي إذا كانت القوي قوية والحمى حادة والنضج بين ولا ورم في الجوف ولا فتق فإن الماء البارد ينفع شربه فإن كان العليل خصب
البدن والزمان حارا وكان معتادا باستعمال الماء البارد اغتسالا فليؤذن له فيه وقد نزل ابن القيم حديث ثوبان على هذه القيود فقال هذه الصفة تنفع في فصل الصيف في البلاد الحارة في الحمى العرضية أو الغب الخالصة التي لا ورم معها ولا شئ من الاعراض الردئية والمراد الفاسدة فيطفئها بإذن الله فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمس ووفور القوي في ذلك الوقت لكونه عقب النوم والسكون وبرد الهواء قال والايام التي أشار إليها هي التي يقع فيها بحرارة الامراض الحادة غالبا ولا سيما في البلاد الحارة والله أعلم قالوا وقد تكرر في الحديث استعماله صلى الله عليه وسلم الماء البارد في علته كما قال صبوا على من سبع قرب لم تحلل أو كيتهن وقد تقدم شرحه وقال سمرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حم دعا بقربة من ماء فأفرغها على قرنه فاغتسل أخرجه البزار وصححه الحاكم ولكن في سنده راو ضعيف وقال أنس إذا حم أحدكم فليشن عليه من الماء البارد من السحر ثلاث ليال أخرجه الطحاوي وأبو نعيم في الطب والطبراني في الاوسط وصححه الحاكم وسنده قوي وله شاهد من حديث أم خالد بنت سعيد أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده وأبو نعيم في الطب من طريقه وقال عبد الرحمن بن المرقع رفعه الحمى رائد الموت وهي سجن الله في الارض فبردوا لها الماء في الشنان وصبوه عليكم فيما بين الاذنين المغرب والعشاء قال ففعلوا فذهب عنهم أخرجه الطبراني وهذه الاحاديث كلها ترد التأويل الذي نقله الخطابي عن بن الانباري أنه قال المراد بقوله فأبردوها الصدقة به قال ابن القيم أظن الذي حمل قائل هذا أنه أشكل عليه استعمال الماء في الحمى فعدل إلى هذا وله وجه حسن لان الجزاء من جنس العمل فكأنه لما أخمد لهيب العطشان بالماء أخمد الله لهيب الحمى عنه ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث وإشارته وأما المراد به بالاصل فهو استعماله في البدن حقيقة كما تقدم والله أعلم قوله قال نافع وكان عبد الله أي بن عمر يقول اكشف عنا الرجز أي العذاب وهذا موصول بالسند الذي قبله وكأن بن عمر فهم من كون أصل الحمى من جهنم أن من أصابته عذب بها وهذا التعذيب يختلف باختلاف محله فيكون للمؤمن تفكيرا لذنوبه وزيادة في أجوره كما سبق وللكافر عقوبة وانتقاما وإنما طلب بن عمر كشفه مع ما فيه من الثواب
لمشروعية طلب العافية من الله سبحانه إذ هو قادر على أن يكفر سيئات عبده ويعظم ثوابه من غير أن يصيبه شئ يشق عليه والله أعلم الحديث الثاني قوله عن هشام هو بن عروة بن الزبير
[ 150 ]
وفاطمة بنت المنذر أي بن الزبير هي بنت عمه وزوجته وأسماء بنت أبي بكر جدتهما لابويهما معا قوله بينها وبين جيبها بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها موحدة هو ما يكون مفرجا من الثوب كالكم والطوق وفي رواية عبدة عن هشام عند مسلم فتصبه في جيبها قوله ان نبردها بفتح أوله وضم الراء الخفيفة وفي رواية لابي ذر بضم أوله وفتح الموحدة وتشديد الراء من التبريد وهو بمعنى رواية أبرد بهمزة مقطوعة زاد عبدة في روايته وقال أنها من فيح جهنم الحديث الثالث حديث عائشة قوله يحيى هو القطان وهشام هو بن عروة أيضا وأشار بإيراد روايته هذه عقب الاولى إلى أنه ليس اختلافا على هشام بل له في هذا المتن إسنادان بقرينة مغايرة السياقين الحديث الرابع حديث رافع بن خديج قوله من فيح جهنم في رواية السرخسي من فوح بالواو وتقدم في صفة النار من بدء الخلق من هذا الوجه بلفظ من فور وكلها بمعنى وتقدم هناك بلفظ فأبردوها عنكم بزيادة عنكم وكذا زادها مسلم في روايته عن هناد بن السري عن أبي الاحوص بالسند المذكور هنا قوله باب من خرج من أرض لا تلايمه بتحتانية مكسورة وأصله بالهمز ثم كثر استعماله فسهل وهو من الملاءمة بالمد أي الموافقة وزنا ومعنى وذكر فيه قصة العرفيين وقد تقدمت الاشارة إليها قريبا وكأنه أشار إلى أن الحديث الذي أورده بعده في النهي عن الخروج من الارض التي وقع فيها الطاعون ليس على عمومه وإنما هو مخصوص بمن خرج فرارا منه كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى قوله باب ما يذكر في الطاعون أي مما يصح على شرطه والطاعون بوزن فاعول من الطعن عدلوا به عن أصله ووضعوه دالا على الموت العام كالوباء ويقال طعن فهو مطعون وطعين إذا أصابه الطاعون وإذا أصابه الطعن بالرمح فهو مطعون هذا كلام الجوهري وقال الخليل الطاعون الوباء وقال صاحب النهاية الطاعون المرض العام الذي يفسد له الهواء وتفسد به الامزجة والابدان
وقال أبو بكر بن العربي الطاعون الوجع الغالب الذي يطفئ الروح كالذبحة سمي بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله وقال أبو الوليد الباجي هو مرض يعم الكثير من الناس في جهة من الجهات بخلاف المعتاد من أمراض الناس ويكون مرضهم واحدا بخلاف بقية الاوقات فتكون الامراض مختلفة وقال الداودي الطاعون حبة تخرج من الارقاع وفي كل طي من الجسد والصحيح أنه الوباء وقال عياض أصل الطاعون القروح الخارجة في الجسد والوباء عموم الامراض فسميت طاعونا لشبهها بها في الهلاك وإلا فكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعونا قال ويدل على ذلك أن وباء الشام الذي وقع في عمواس إنما كان طاعونا وما ورد في الحديث أن الطاعون وخز الجن وقال بن عبد البر الطاعون غدة تخرج في المراق والآباط وقد تخرج في الايدي والاصابع وحيث شاء الله وقال النووي في الروضة قيل الطاعون إنصباب الدم إلى عضو وقال آخرون هو هيجان الدم وانتفاخه قال المتولي وهو قريب من الجذام من أصابه تأكلت أعضاؤه وتساقط لحمه وقال الغزالي هو انتفاخ جميع البدن من الدم مع الحمى أو انصباب الدم إلى بعض الاطراف فينتفخ ويحمر وقد يذهب ذلك العضو وقال النووي أيضا في تهذيبه هو بئر وورم مؤلم جدا يخرج مع لهب ويسود ما حواليه أو يخضر أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة ويحصل معه خفقان وقئ ويخرج غالبا في المراق والآباط وقد يخرج في الايدي والاصابع
[ 151 ]
وسائر الجسد وقال جماعة من الاطباء منهم أبو علي بن سينا الطاعون مادة سمية تحدث ورما قتالا يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن وأغلب ما تكون تحت الابط أو خلف الاذن أو عند الارنبة قال وسببه دم ردئ مائل إلى العفونة والفساد يستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو بغير ما يليه ويؤدي إلى القلب كيفية ردئية فيحدث القئ والغثيان والغشي والخفقان وهو لرداءته لا يقبل من الاعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع وأردؤه ما يقع في الاعضاء الرئيسية والاسود منه قل من يسلم منه وأسلمه الاحمر ثم الاصفر والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة ومن ثم أطلق على الطاعون وباء وبالعكس وأما الوباء فهو فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح
ومدده قلت فهذا ما بلغنا من كلام أهل اللغة والفقه وأهل الفقه والاطباء في تعريفه والحاصل أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم أو انصباب الدم إلى عضو فيفسده وأن غير ذلك من الامراض العامة الناشئة عن فساد الهواء يسمى طاعونا بطريق المجاز لاشتراكهما في عموم المرض به أو كثرة الموت والدليل على أن الطاعون يغاير الوباء ما سيأتي في رابع أحاديث الباب أن الطاعون لا يدخل المدينة وقد سبق في حديث عائشة قدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله وفيه قول بلال أخرجونا إلى أرض الوباء وما سبق في الجنائز من حديث أبي الاسود قدمت المدينة في خلافة عمر وهم يموتون موتا ذريعا وما سبق في حديث العرنيين في الطهارة أنهم استوخموا المدينة وفي لفظ أنهم قالوا أنها أرض وبئة فكل ذلك يدل على أن الوباء كان موجودا بالمدينة وقد صرح الحديث الاول بأن الطاعون لا يدخلها فدل على أن الوباء غير الطاعون وأن من أطلق على كل وباء طاعونا فبطريق المجاز قال أهل اللغة الوباء هو المرض العام يقال أوبأت الارض فهي موبئة ووبئت بالفتح فهي وبئة وبالضم فهي موبوءة والذي يفترق به الطاعون من الوباء أصل الطاعون الذي لم يتعرض له الاطباء ولا أكثر من تكلم في تعريف الطاعون وهو كونه من طعن الجن ولا يخالف ذلك ما قال الاطباء من كون الطاعون ينشأ عن هيجان الدم أو انصبابه لانه يجوز أن يكون ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة فتحدث منها المادة السمية ويهيج الدم بسببها أو ينصب وإنما لم يتعرض الاطباء لكونه من طعن الجن لانه أمر لا يدرك بالعقل وإنما يعرف من الشارع فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم وقال الكلاباذي في معاني الاخبار يحتمل أن يكون الطاعون على قسمين قسم يحصل من غلبة بعض الاخلاط من دم أو صفراء محترقة أو غير ذلك من غير سبب يكون من الجن وقسم يكون من وخز الجن كما تقع الجراحات من القروح التي تخرج في البدن من غلبة بعض الاخلاط وإن لم يكن هناك طعن وتقع الجراحات أيضا من طعن الانس انتهى ومما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن وقوعه غالبا في أعدل الفصول وفي أصح البلاد هواء وأطيبها ماء ولانه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الارض لان الهواء يفسد تارة ويصح أخرى وهذا يذهب أحيانا ويجئ أحيانا على غير قياس ولا تجربة فربما جاء سنة على سنة وربما أبطأ
سنين وبأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير ولا يصب من هم بجانبهم مما هو في مثل مزاجهم ولو كان كذلك لعم جميع البدن وهذا يختص بموضع من الجسد ولا يتجاوزه ولان فساد الهواء يقتضي تغير الاخلاط وكثرة الاسقام وهذا في الغالب يقتل بلا مرض فدل على أنه من طعن الجن كما ثبت في الاحاديث الواردة في ذلك منها حديث
[ 152 ]
أبي موسى رفعه فناء أمتي بالطعن والطاعون قيل يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون قال وخز أعدائكم من الجن وفي كل شهادة أخرجه أحمد من رواية زياد بن علاقة عن رجل عن أبي موسى وفي رواية له عن زياد حدثني رجل من قومي قال كنا على باب عثمان ننتظر الاذن فسمعت أبا موسى قال زياد فلم أرض بقوله فسألت سيد الحي فقال صدق وأخرجه البزار والطبراني من وجهين آخرين عن زياد فسميا المبهم يزيد بن الحارث وسماه أحمد في رواية أخرى أسامة بن شريك فأخرجه من طريق أبي بكر النهشلي عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال خرجنا في بضع عشرة نفسا من بني ثعلبة فإذا نحن بأبي موسى ولا معارضة بينه وبين من سماه يزيد بن الحارث لانه يحمل على أن أسامة هو سيد الحي الذي أشار إليه في الرواية الاخرى واستثبته فيما حدثه به الاول وهو يزيد بن الحارث ورجاله رجال الصحيحين إلا المبهم وأسامة بن شريك صحابي مشهور والذي سماه وهو أبو بكر النهشلي من رجال مسلم فالحديث صحيح بهذا الاعتبار وقد صححه بن خزيمة والحاكم وأخرجاه وأحمد والطبراني من وجه آخر عن أبي بكر بن أبي موسى الاشعري قال سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هو وخز أعدائكم من الجن وهو لكم شهادة ورجاله رجال الصحيح إلا أبا بلج بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها جيم واسمه يحيى وثقه بن معين والنسائي وجماعة وضعفه جماعة بسبب التشيع وذلك لا يقدح في قبول روايته عند الجمهور وللحديث طريق ثالثة أخرجها الطبراني من رواية عبد الله بن المختار عن كريب بن الحارث بن أبي موسى عن أبيه عن جده ورجاله الصحيح إلا كريبا وأباه وكريب وثقه بن حبان وله حديث آخر في الطاعون أخرجه أحمد وصححه الحاكم من رواية عاصم الاحول عن كريب بن الحارث عن أبي بردة بن قيس أخي أبي
موسى الاشعري رفعه اللهم اجعل فناء أمتي قتلا في سبيلك بالطعن والطاعون قال العلماء أراد صلى الله عليه وسلم أن يحصل لامته أرفع أنواع الشهادة وهو القتل في سبيل الله بأيدي أعدائهم إما من الانس وإما من الجن ولحديث أبي موسى شاهد من حديث عائشة أخرجه أبو يعلى من رواية ليث بن أبي سليم عن رجل عن عطاء عنها وهذا سند ضعيف وآخر من حديث بن عمر سنده أضعف منه والعمدة في هذا الباب على حديث أبي موسى فإنه يحكم له بالصحة لتعدد طرقه إليه وقوله وخز بفتح أوله وسكون المعجمة بعدها زاي قال أهل اللغة هو الطعن إذا كان غير نافذ ووصف طعن الجن بأنه وخز لانه يقع من الباطن إلى الظاهر فيؤثر بالباطن أولا ثم يؤثر في الظاهر وقد لا ينفذ وهذا بخلاف طعن الانس فإنه يقع من الظاهر إلى الباطن فيؤثر في الظاهر أولا ثم يؤثر في الباطن وقد لا ينفذ تنبيه يقع في الالسنة وهو في النهاية لابن الاثير تبعا لغربي الهروي بلفظ وخز إخوانكم ولم أره بلفظ إخوانكم بعد التتبع الطويل البالغ في شئ من طرق الحديث المسندة لا في الكتب المشهورة ولا الاجزاء المنثورة وقد عزاه بعضهم لمسند أحمد أو الطبراني أو كتاب الطواعين لابن أبي الدنيا ولا وجود لذلك في واحد منها والله أعلم ثم ذكر المصنف في الباب خمسة أحاديث الاول حديث أسامة بن زيد قوله حبيب بن أبي ثابت سمعت إبراهيم بن سعد أي بن أبي وقاص وقع في سياق أحمد فيه قصة عن حبيب قال كنت بالمدينة فبلغني أن الطاعون بالكوفة فلقيت إبراهيم بن سعد فسألته وأخرجه مسلم أيضا من هذا الوجه وزاد فقال لي عطاء بن يسار وغيره فذكر الحديث المرفوع فقلت عمن قالوا عن عامر بن سعد
[ 153 ]
فأتيته فقالوا غائب فلقيت أخاه إبراهيم بن سعد فسألته قوله سمعت أسامة بن زيد يحدث سعدا أي والد إبراهيم المذكور ووقع في رواية الاعمش عن حبيب عن إبراهيم بن سعد عن أسامة بن زيد وسعد أخرجه مسلم ومثله في رواية النووي عن حبيب وزاد وخزيمة بن ثابت أخرجه أحمد ومسلم أيضا وهذا الاختلاف لا يضر لاحتمال أن يكون سعد تذكر لما حدثه به أسامة أو نسبت الرواية إلى سعد لتصديقه أسامة وأما خزيمة فيحتمل أن يكون إبراهيم بن سعد سمعه منه بعد
ذلك فضمه إليها تارة وسكت عنه أخرى قوله إذا سمعتم بالطاعون وقع في رواية عامر بن سعد ابن أبي وقاص عن أسامة في هذا الحديث زيادة على رواية أخيه إبراهيم أخرجها المصنف في ترك الحيل من طريق شعيب عن الزهري أخبرني عامر بن سعد أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الوجع فقال رجز أو عذاب عذب به بعض الامم ثم بقي منه بقية فيذهب المرة ويأتي الاخرى الحديث وأخرجه مسلم من رواية يونس بن يزيد عن الزهري وقال فيه إن هذا الوجع أو السقم وأخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل ومسلم أيضا والنسائي من طريق مالك ومسلم أيضا من طريق الثوري ومغيرة بن عبد الرحمن كلهم عن محمد بن المنكدر زاد مالك وسالم أبي النضر كلاهما عن عامر بن سعد أنه سمع أباه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون فقال أسامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم الحديث كذا وقع بالشك ووقع بالجزم عند بن خزيمة من طريق عمرو بن دينار عن عامر بن سعد بلفظ فإنه رجز سلط على طائفة من بني إسرائيل وأصله عند مسلم ووقع عند بن خزيمة بالجزم أيضا من رواية عكرمة ابن خالد عن بن سعد عن سعد لكن قال رجز أصيب به من كان قبلكم تنبيه وقع الرجس بالسين المهملة موضع الرجز بالزاي والذي بالزاي هو المعروف وهو العذاب والمشهور في الذي بالسين أنه الخبيث أو النجس أو القذر وجزم الفارابي والجوهري بأنه يطلق على العذاب أيضا ومنه قوله تعالى ويجعل الرجس على الذين لا يؤمنون وحكاه الراغب أيضا والتخصيص على بني إسرائيل أخص فإن كان ذلك المراد فكأنه أشار بذلك إلى ما جاء في قصة بلعام فأخرج الطبري من طريق سليمان التيمي أحد صغار التابعين عن سيار أن رجلا كان يقال له بلعام كان مجاب الدعوة وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الارض التي فيها بلعام فأتاه قومه فقالوا أدع الله عليهم فقال حتى أؤامر ربي فمنع فأتوه بهدية فقبلها وسألوه ثانيا فقال حتى أؤامر ربي فلم يرجع إليه بشئ فقالوا لو كره لنهاك فدعا عليهم فصار يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل فينقلب على قومه فلاموه على ذلك فقال سأدلكم على ما فيه هلاكهم أرسلوا النساء في عسكرهم
ومروهن أن لا يمتنعن من أحد فعسى أن يزنوا فيهلكوا فكان فيمن خرج بنت المالك فأرادها رأس بعض الاسباط وأخبرها بمكانه فمكنته من نفسها فوقع في بني إسرائيل الطاعون فمات منهم سبعون ألفا في يوم وجاء رجل من بني هارون ومعه الرمح فطعنهما وأيده الله فانتظمهما جميعا وهذا مرسل جيد وسيار شامي موثق وقد ذكر الطبري هذه القصة من طريق محمد بن إسحق عن سالم أبي النضر فذكر نحوه وسمي المرأة كشتا بفتح الكاف وسكون المعجمة بعدها مثناة والرجل زمري بكسر الزي وسكون الميم وكسر الراء رأس سبط شمعون وسمي الذي طعنهما
[ 154 ]
فنحاص بكسر الفاء وسكون النون بعدها مهملة ثم مهملة بن هارون وقال في آخره فحسب من هلك من الطاعون سبعون ألفا والمقلل يقول عشرون ألفا وهذه الطريق تعضد الاولى وقد أشار إليها عياض فقال قوله أرسل على بني إسرائيل قيل مات منهم في ساعة واحدة عشرون ألفا وقيل سبعون ألفا وذكر بن إسحاق في المبتدأ أن الله أوحى إلى داود أن بني إسرائيل كثر عصيانهم فخيرهم بين ثلاث إما أن أبتليهم بالقحط أو العدو شهرين أو الطاعون ثلاثة أيام فأخبرهم فقالوا اختر لنا فاختار الطاعون فمات منهم إلى أن زالت الشمس سبعون ألفا وقيل مائة ألف فتضرع داود إلى الله تعالى فرفعه وورد وقوع الطاعون في غير بني إسرائيل فيحتمل أن يكون هو المراد بقوله من كان قبلكم فمن ذلك ما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير قال أمر موسى بني إسرائيل أن يذبح كل رجل منهم كبشا ثم ليخضب كفه في دمه ثم ليضرب به على بابه ففعلوا فسألهم القبط عن ذلك فقالوا إن الله سيبعث عليكم عذابا وإنما ننجو منه بهذه العلامة فأصبحوا وقد مات من قوم فرعون سبعون ألفا فقال فرعون عند ذلك لموسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز الآية فدعا فكشفه عنهم وهذا مرسل جيد الاسناد وأخرج عبد الرزاق في تفسيره والطبري من طريق الحسن في قوله تعالى ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت قال فروا من الطاعون فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ليكملوا بقية آجالهم وأخرج بن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك قصتهم مطولة فأقدم من وقفنا عليه
في المنقول ممن وقع الطاعون به من بني إسرائيل في قصة بلعام ومن غيرهم في قصة فرعون وتكرر بعد ذلك لغيرهم والله أعلم وسيأتي شرح قوله إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها الخ في شرح الحديث الذي بعده الحديث الثاني حديث عبد الرحمن بن عوف وفيه قصة عمر وأبي عبيدة ذكره من وجهين مطولا ومختصرا قوله عن عبد الحميد هو بتقديم الحاء المهملة على الميم وروايته عن شيخه فيه من رواية الاقران وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق وصحابيان في ينسق وكلهم مدنيون قوله عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث أي بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب لجد أبيه نوفل بن عم النبي صلى الله عليه وسلم صحبة وكذا لولده الحارث وولد عبد الله ابن الحارث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فعد لذلك في الصحابة فهم ثلاثة من الصحابة في نسق وكان عبد الله بن الحارث يلقب ببة بموحدتين مفتوحتين الثانية مثقلة ومعناه الممتلئ البدن من النعمة ويكنى أبا محمد ومات سنة أربع وثمانين وأما ولده راوي هذا الحديث فهو ممن وافق اسمه اسم أبيه وكان يكنى أبا يحيى ومات سنة تسع وتسعين وما له في البخاري سوى هذا الحديث وقد وافق مالكا على روايته عن بن شهاب هكذا معمر وغيره وخالفهم يونس فقال علي ابن شهاب عن عبد الله بن الحارث أخرجه مسلم ولم يسق لفظه وساقه بن خزيمة وقال قول مالك ومن تابعه أصح وقال الدار قطني تابع يونس صالح بن نصر عن مالك وقد رواه بن وهب عن مالك ويونس جميعا عن بن شهاب عن عبد الله بن الحارث والصواب الاول وأظن بن وهب حمل رواية مالك على رواية يونس قال وقد رواه إبراهيم بن عمر بن أبي الوزير عن مالك كالجماعة لكن قال عن عبد الله ابن عبد الله بن الحارث عن أبيه عن بن عباس زاد في السند عن أبيه وهو خطأ قلت وقد خالف هشام بن سعد جميع أصحاب بن شهاب فقال عن بن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبيه وعمر
[ 155 ]
أخرجه ابن خزيمة وهشام صدوق سئ الحفظ وقد اضطرب فيه فرواه تارة هكذا ومرة أخرى عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه وعمر أخرجه بن خزيمة أيضا ولابن شهاب فيه شيخ آخر قد ذكره البخاري أثر هذا السند قوله أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام ذكر
سيف بن عمر في الفتوح أن ذلك كان في ربيع الآخر سنة ثماني عشرة وأن الطاعون كان وقع أولا في المحرم وفي صفر ثم ارتفع فكتبوا إلى عمر فخرج حتى إذا كان قريبا من الشام بلغه أنه أشد ما كان فذكر القصة وذكر خليفة بن خياط أن خروج عمر إلى سرغ كان في سنة سبع عشرة فالله أعلم وهذا الطاعون الذي وقع بالشام حينئذ هو الذي يسمى طاعون عمواس بفتح المهملة والميم وحكى تسكينها وآخره مهملة قبل سمي بذلك لانه عم وواسي قوله حتى إذا كان بسرغ بفتح المهملة وسكون الراء بعدها معجمة وحكى عن بن وضاح تحريك الراء وخطأه بعضهم مدينة افتتحها أبو عبيدة وهي واليرموك والجابية متصلات وبينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة وقال ابن عبد البر قيل إنه واد بتبوك وقيل بقرب تبوك وقال الحازمي هي أول الحجاز وهي من منازل حاج الشام وقيل بينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة قوله لقيه أمراء الاجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه هم خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص وكان أبو بكر قد قسم البلاد بينهم وجعل أمر القتال إلى خالد ثم رده عمر إلى أبي عبيدة وكان عمر رضي الله تعالى عنه قسم الشام أجنادا الاردن جند وحمص جند ودمشق جند وفلسطين جند وقنسرين جند وجعل على كل جند أميرا ومنهم من قال أن قنسرين كانت مع حمص فكانت أربعة ثم أفردت قنسرين في أيام يزيد بن معاوية قوله فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام في رواية يونس الوجع بدل الوباء وفي رواية هشام بن سعد أن عمر لما خرج إلى الشام سمع بالطاعون ولا مخالفة بينها فإن كل طاعون وباء ووجع من غير عكس قوله فقال عمر أدع لي المهاجرين الاولين في رواية يونس أجمع لي قوله ارتفعوا عني في رواية يونس فأمرهم فخرجوا عنه قوله من مشيخة قريش ضبط مشيخة بفتح الميم والتحتانية بينهما معجمة ساكنة وبفتح الميم وكسر المعجمة وسكون التحتانية جمع شيخ ويجمع أيضا على شيوخ بالضم وبالكسر واشياخ وشيخه بكسر ثم فتح وشيخان بكسر ثم سكون ومشايخ ومشيخاء بفتح سكون ثم ضم ومد وقد تشبع الضمة حتى تصير واوا فنتم عشرا قوله من مهاجرة الفتح أي الذين هاجروا إلى المدينة عام الفتح أو المراد مسلمة الفتح أو أطلق على من تحول إلى المدينة بعد فتح مكة مهاجرا صورة
وأن كانت الهجرة بعد الفتح حكما قد ارتفعت وأطلق عليهم ذلك احتراز عن غيرهم من مشيخة قريش ممن أقام بمكة ولم يهاجر أصلا وهذا يشعر بأن لمن هاجر فضلا في الجملة على من لم يهاجر وأن كانت الهجرة الفاضلة في الاصل إنما هي لمن هاجر قبل الفتح لقوله صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح وإنما كان كذلك لان مكة بعد الفتح صارت دار إسلام فالذي يهاجر منها للمدينة إنما يهاجر لطلب العلم أو الجهاد لا للفرار بدينه بخلاف ما قبل الفتح وقد تقدم بيان ذلك قوله بقية الناس أي الصحابة أطلق عليهم ذلك تعظيما لهم أي ليس الناس إلا هم ولهذا عطفهم على الصحابة عطف تفسير ويحتمل أن يكون المراد ببقية الناس أي الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم عموما والمراد بالصحابة الذين لازموه وقاتلوا معه قوله فنادى عمر في الناس أني مصبح على
[ 156 ]
ظهر فأصبحوا عليه زاد يونس في روايته فإني ماض لما أرى فانظروا ما آمركم به فامضوا له قال فأصبح على ظهر قوله فقال أبو عبيدة وهو إذ ذاك أمير الشام أفرارا من قدر الله أي أترجع فرارا من قدر الله وفي رواية هشام بن سعد وقالت طائفة منهم أبو عبيدة أمن الموت نفر إنما نحن بقدر لن يصبنا إلا ما كتب الله لنا قوله فقال عمر لو غيرك قالها يا أبا عبيدة أي لعاقبته أو لكان أولى منك بذلك أو لم أتعجب منه ولكني أتعجب منك مع علمك وفضلك كيف تقول هذا ويحتمل أن يكون المحذوف لادبته أو هي التمني فلا يحتاج إلى جواب والمعنى أن غيرك ممن لا فهم له إذا قال ذلك يعذر وقد بين سبب ذلك بقوله وكان عمر يكره خلافه أي مخالفته قوله نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله في رواية هشام بن سعد إن تقدمنا فبقدر الله وإن تأخرنا فبقدر الله وأطلق عليه فرارا لشبهه به في الصورة وإن كان ليس فرارا شرعيا والمراد أن هجوم المرء على ما يهلكه منهي عنه ولو فعل لكان من قدر الله وتجنبه ما يؤذيه مشروع وقد يقدر الله وقوعه فيما فر منه فلو فعله أو تركه لكان من قدر الله فهما مقامان مقام التوكل ومقام التمسك بالاسباب كما سيأتي تقريره ومحصل قول عمر نفر من قدر الله إلى قدر الله أنه أراد أنه لم يفر من قدر الله حقيقة وذلك أن الذي فر منه أمر خاف على نفسه منه فلم يهجم عليه والذي فر إليه أمر لا يخاف على نفسه منه
إلا الامر الذي لا بد من وقوعه سواء كان ظاعنا أو مقيما قوله له عدوتان بضم العين المهملة وبكسرها أيضا وسكون الدال المهملة تثنية عدوة وهو المكان المرتفع من الوادي وهو شاطئه قوله إحداهما خصيبة بوزن عظيمة وحكى بن التين سكون الصاد بغير ياء زاد مسلم في رواية معمر وقال له أيضا أرأيت لو أنه رعى الجدبة وترك الخصبة أكنت معجزه وهو بتشديد الجيم قال نعم قال فسر إذا فسار حتى أتى المدينة قوله فجاء عبد الرحمن بن عوف هو موصول عن ابن عباس بالسند المذكور قوله وكان متغيبا في بعض حاجته أي لم يحضر معهم المشاورة المذكورة لغيبته قوله ان عندي في هذا علما في رواية مسلم لعلما بزيادة لام التأكيد قوله إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه الخ هو موافق للمتن الذي قبله عن أسامة بن زيد وسعد وغيرهما فلعلهم لم يكونوا مع عمر في تلك السفرة قوله فلا تخرجوا فرارا منه في رواية عبد الله بن عامر التي بعد هذه وفي حديث أسامة عند النسائي فلا تفروا منه وفي رواية لاحمد من طريق بن سعد عن أبيه مثله ووقع في ذكر بني إسرائيل إلا فرارا منه وتقدم الكلام على إعرابه هناك قوله عن عبد الله بن عامر هو بن ربيعة وثبت كذلك في رواية القعنبي كما سيأتي في ترك الحيل وعبد الله بن عامر هذا معدود في الصحابة لانه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه بن شهاب هذا الحديث عاليا عن عبد الرحمن بن عوف وعمر لكنه اختصر القصة واقتصر على حديث عبد الرحمن بن عوف وفي رواية القعنبي عقب هذه الطريق وعن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عمر إنما انصرف من حديث عبد الرحمن وهو لمسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك وقال إنما رجع بالناس من سرغ عن حديث عبد الرحمن بن عوف وكذا هو في الموطأ وقد رواه جويرية بن أسماء عن مالك خارج الموطأ مطولا أخرجه الدارقطني في الغرائب فزاد بعد قوله عن حديث عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقدم عليه إذا سمع به وأن يخرج عنه إذا وقع بأرض هو بها وأخرجه أيضا من رواية بشر بن عمر عن مالك
[ 157 ]
بمعناه ورواية سالم هذه منقطعة لانه لم يدرك القصة ولا جده عمر ولا عبد الرحمن بن عوف وقد رواه
ابن أبي ذئب عن بن شهاب عن سالم فقال عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عبد الرحمن أخبر عمر وهو في طريق الشام لما بلغه أن بها الطاعون فذكر الحديث أخرجه الطبراني فإن كان محفوظا فيكون بن شهاب سمع أصل الحديث من عبد الله بن عامر وبعضه من سالم عنه واختصر مالك الواسطة بين سالم وعبد الرحمن والله أعلم وليس مراد سالم بهذا الحصر نفى سبب رجوع عمر أنه كان عن رأيه الذي وافق عليه مشيخة قريش من رجوعه بالناس وإنما مراده أنه لما سمع الخبر رجح عنده ما كان عزم عليه من الرجوع وذلك أنه قال أني مصبح على ظهر فبات على ذلك ولم يشرع في الرجوع حتى جاء عبد الرحمن بن عوف فحدث بالحديث المرفوع فوافق رأي عمر الذي رآه فحضر سالم سبب رجوعه في الحديث لانه السبب الاقوى ولم يرد نفي السبب الاول وهو اجتهاد عمر فكأنه يقول لولا وجود النص لامكن إذا أصبح أن يتردد في ذلك أو يرجع عن رأيه فلما سمع الخبر استمر على عزمه الاول ولولا الخبر لما استمر فالحاصل أن عمر أراد بالرجوع ترك الالقاء إلى التهلكة فهو كمن أراد الدخول إلى دار فرأى بها مثلا حريقا تعذر طفؤه فعدل عن دخولها لئلا يصيبه فعدل عمر لذلك فلما بلغه الخبر جاء موافقا لرأيه فأعجبه فلاجل ذلك قال من قال إنما رجع لاجل الحديث لا لما اقتضاه نظره فقط وقد أخرجه الطحاوي بسند صحيح عن أنس أن عمر أتى الشام فاستقبله أبو طلحة وأبو عبيدة فقالا يا أمير المؤمنين إن معك وجوه الصحابة وخيارهم وإنا تركنا من بعدنا مثل حريق النار فارجع العام فرجع وهذا في الظاهر يعارض حديث الباب فإن فيه الجزم بأن أبا عبيدة أنكر الرجوع ويمكن الجمع بأن أبا عبيدة أشار أولا بالرجوع ثم غلب عليه مقام التوكل لما رأى أكثر المهاجرين والانصار جنحوا إليه فرجع عن رأي الرجوع وناظر عمر في ذلك فاستظهر عليه عمر بالحجة فتبعه ثم جاء عبد الرحمن بن عوف بالنص فارتفع الاشكال وفي هذا الحديث جواز رجوع من أراد دخول بلدة فعلم أن بها الطاعون وأن ذلك ليس من الطيرة وإنما هي من منع الالقاء إلى التهلكة أو سد الذريعة لئلا يعتقد من يدخل إلى الارض التي وقع بها أن لو دخلها وطعن العدوى المنهي عنها كما سأذكره وقد زعم قوم أن النهي عن ذلك إنما هو للتنزيه وأنه يجوز الاقدام عليه لمن قوي توكله وصح يقينه وتمسكوا بما جاء عن عمر أنه ندم على رجوعه من سرغ
كما أخرجه بن أبي شيبة بسند جيد من رواية بن رويم عن القاسم بن محمد عن بن عمر قال جئت عمر حين قدم فوجدته قائلا في خبائه فانتظرته في ظل الخباء فسمعته يقول حين تضور اللهم اغفر لي رجوعي من سرغ وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده أيضا وأجاب القرطبي في المفهم بأنه لا يصح عن عمر قال وكيف يندم على فعل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ويرجع عنه ويستغفر منه وأجيب بأن سنده قوي والاخبار القوية لا ترد بمثل هذا مع إمكان الجمع فيحتمل أن يكون كما حكاه البغوي في شرح السنة عن قوم أنهم حملوا النهي على التنزيه وأن القدوم عليه جائز لمن غلب عليه التوكل والانصراف عنه رخصة ويحتمل وهو أقوى أن يكون سبب ندمه أنه خرج لامر مهم من أمور المسلمين فلما وصل إلى قرب البلد المقصود رجع مع أنه كان يمكنه أن يقيم بالقرب من البلد المقصود إلى أن يرتفع الطاعون فيدخل إليها ويقضي حاجة المسلمين ويؤيد ذلك أن الطاعون ارتفع عنها عن قرب فلعله كان بلغه ذلك فندم على رجوعه إلى المدينة لا على
[ 158 ]
مطلق رجوعه فرأى أنه لو أنتظر لكان أولى لما في رجوعه على العسكر الذي كان صحبته من المشقة والخبر لم يرد بالامر بالرجوع وإنما ورد بالنهي عن القدوم والله أعلم وأخرج الطحاوي بسند صحيح عن زيد بن أسلم عن أبيه قال قال عمر اللهم إن الناس قد نحلوني ثلاثا أنا أبرأ إليك منهن زعموا أني فررت من الطاعون وأنا أبرأ إليك من ذلك وذكر الطلاء والمكس وقد ورد عن غير عمر التصريح بالعمل في ذلك بمحض التوكل فأخرج بن خزيمة بسند صحيح عن هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير بن العوام خرج غازيا نحو مصر فكتب إليه أمراء مصر أن الطاعون قد وقع فقال إنما خرجنا للطعن والطاعون فدخلها فلقي طعنا في جبهته ثم سلم وفي الحديث أيضا منع من وقع الطاعون ببلد هو فيها من الخروج منها وقد اختلف الصحابة في ذلك كما تقدم وكذا أخرج أحمد بسند صحيح إلى أبي منيب أن عمرو بن العاص قال في الطاعون أن هذا رجز مثل السيل من تنكبه أخطأه ومثل النار من أقام أحرقته فقال شرحبيل بن حسنة إن هذا رحمة ربكم ودعوة نبيكم وقبض الصالحين قبلكم وأبو منيب بضم الميم وكسر النون بعدها تحتانية ساكنة ثم موحدة
وهو دمشقي نزل البصرة يعرف بالاحدب وثقه العجلي وابن حبان وهو غير أبي منيب الجرشي فيما ترجح عندي لان الاحدب أقدم من الجرشي وقد أثبت البخاري سماع الاحدب من معاذ بن جبل والجرشي يروي عن سعيد بن المسيب ونحوه وللحديث طريق أخرى أخرجها أحمد أيضا من رواية شرحبيل بن شفعة بضم المعجمة وسكون الفاء عن عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة بمعناه وأخرجه بن خزيمة والطحاوي وسنده صحيح وأخرجه أحمد وابن خزيمة أيضا من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن شرحبيل بمعناه وأخرج أحمد من طريق أخرى أن المراجعة في ذلك أيضا وقعت عن عمرو بن العاص ومعاذ بن جبل وفي طريق أخرى بينه وبين واثلة الهذلي وفي معظم الطرق أن عمرو بن العاص صدق شرحبيل وغيره على ذلك ونقل عياض وغيره جواز الخروج من الارض التي يقع بها الطاعون عن جماعة من الصحابة منهم أبو موسى الاشعري والمغيرة بن شعبة ومن التابعين منهم الاسود بن هلال ومسروق ومنهم من قال النهي فيه للتنزيه فيكره ولا يحرم وخالفهم جماعة فقالوا يحرم الخروج منها لظاهر النهي الثابت في الاحاديث الماضية وهذا هو الراجح عند الشافعية وغيرهم ويؤيده ثبوت الوعيد على ذلك فأخرج أحمد وابن خزيمة من حديث عائشة مرفوعا في اثناء حديث بسند حسن قلت يا رسول الله فما الطاعون قال غدة كغدة الابل المقيم فيها كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف وله شاهد من حديث جابر رفعه الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف أخرجه أحمد أيضا وابن خزيمة وسنده صالح للمتابعات وقال الطحاوي استدل من أجاز الخروج بالنهي الوارد عن الدخول إلى الارض التي يقع بها قالوا وإنما نهى عن ذلك خشية أن يعدي من دخل عليه قال وهو مردود لانه لو كان النهي لهذا لجاز لاهل الموضع الذي وفع فيه الخروج وقد ثبت النهي أيضا عن ذلك فعرف أن المعنى الذي لاجله منعوا من القدوم عليه غير معنى العدوى والذي يظهر والله أعلم أن حكمة النهي عن القدوم عليه لئلا يصيب من قدم عليه بتقدير الله فيقول لولا أني قدمت هذه الارض لما أصابني ولعله لو أقام في الموضع الذي كان فيه لاصابه فأمر أن لا يقدم عليه حسما للمادة ونهى من وقع وهو بها أن يخرج من الارض التي نزل بها لئلا
[ 159 ]
يسلم فيقول مثلا لو أقمت في تلك الارض لاصابني ما أصاب أهلها ولعله لو كان أقام بها ما أصابه من ذلك شئ اه ويؤيده ما أخرجه الهيثم بن كليب والطحاوي والبيهقي بسند حسن عن أبي موسى أنه قال إن هذا الطاعون قد وقع فمن أراد أن يتنزه عنه فليفعل واحذروا اثنتين أن يقول قائل خرج خارج فسلم وجلس جالس فأصيب فلو كنت خرجت لسلمت كما سلم فلان أو لو كنت جلست أصبت كما أصيب فلان لكن أبو موسى حمل النهي على من قصد الفرار محضا ولا شك أن الصور ثلاث من خرج لقصد الفرار محضا فهذا يتناوله النهي لا محالة ومن خرج لحاجة متمحضة لا لقصد الفرار أصلا ويتصور ذلك فيمن تهيأ للرحيل من بلد كان بها إلى بلد إقامته مثلا ولم يكن الطاعون وقع فاتفق وقوعه في أثناء تجهيزه فهذا لم يقصد الفرار أصلا فلا يدخل في النهي والثالث من عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها وانضم إلى ذلك أنه قصد الراحة من الاقامة بالبلد التي وقع بها الطاعون فهذا محل النزاع ومن جملة هذه الصورة الاخيرة أن تكون الارض التي وقع بها وخمة والارض التي يريد التوجه إليها صحيحة فيتوجه بهذا القصد فهذا جاء النقل فيه عن السلف مختلفا فمن منع نظر إلى صورة الفرار في الجملة ومن أجاز نظر إلى أنه مستثنى من عموم الخروج فرارا لانه لم يتحمض للفرار وإنما هو لقصد التداوي وعلى ذلك يحمل ما وقع في أثر أبي موسى المذكور أن عمر كتب إلى أبي عبيدة إن لي إليك حاجة فلا تضع كتابي من يدك حتى تقبل إلي فكتب إليه أني قد عرفت حاجتك وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم فكتب إليه أما بعد فإنك نزلت بالمسلمين أرضا غميقة فارفعهم إلى أرض نزهة فدعا أبو عبيدة أبا موسى فقال أخرج فارتد للمسلمين منزلا حتى انتقل بهم فذكر القصة في اشتغال أبي موسى بأهله ووقوع الطاعون بأبي عبيدة لما وضع رجله في الركاب متوجها وأنه نزل بالناس في مكان آخر فارتفع الطاعون وقوله غميقة بغين معجمة وقاف وزن عظيمة أي قريبة من المياه والنزور وذلك مما يفسد غالبا به الهواء لفساد المياه والنزهة الفسيحة البعيدة عن الوخم فهذا يدل على أن عمر رأى أن النهي عن الخروج إنما هو لمن قصد الفرار متمحضا ولعله كانت له حاجة بأبي عبيدة في نفس الامر فلذلك استدعاه وظن
أبو عبيدة أنه إنما طلبه ليسلم من وقوع الطاعون به فاعتذر عن إجابته لذلك وقد كان أمر عمر لابي عبيدة بذلك بعد سماعها للحديث المذكور من عبد الرحمن بن عوف فتأول عمر فيه ما تأول واستمر أبو عبيدة على الاخذ بظاهره وأيد الطحاوي صنيع عمر بقصة العرنيين فإن خروجهم من المدينة كان للعلاج لا للفرار وهو واضح من قصتهم لانهم شكوا وخم المدينة وأنها لم توافق أجسامهم وكان خروجهم من ضرورة الواقع لان الابل التي أمرو أن يتداووا بألبانها وأبوالها واستنشاق روائحا ما كانت تتهيأ إقامتها بالبلد وإنما كانت في مراعيها فلذلك خرجوا وقد لحظ البخاري ذلك فترجم قبل ترجمة الطاعون من خرج من الارض التي لا تلائمه وساق قصة العرنيين ويدخل فيه ما أخرجه أبو داود من حديث فروة بن مسيك بمهملة وكاف مصغر قال قلت يا رسول الله إن عندنا أرضا يقال لها أبين هي أرض ريفنا وميرتنا وهي وبئة فقال دعها عنك فإن من القرف التلف قال بن قتيبة القرف القرب من الوباء وقال الخطابي ليس في هذا إثبات العدوى وإنما هو من باب التداوي فإن استصلاح الاهوية من أنفع الاشياء في تصحيح البدن وبالعكس واحتجوا أيضا بالقياس على الفرار من المجذوم وقد ورد الامر به كما تقدم والجواب أن الخروج
[ 160 ]
من البلد التي وقع بها الطاعون قد ثبت النهي عنه والمجذوم قد ورد الامر بالفرار منه فكيف يصح القياس وقد تقدم في باب الجذام من بيان الحكمة في ذلك ما يغني عن إعادته وقد ذكر العلماء في النهي عن الخروج حكما منها أن الطاعون في الغالب يكون عاما في البلد الذي يقع به فإذا وقع فالظاهر مداخلة سببه لمن بها فلا يفيده الفرار لان المفسدة إذا تعينت حتى لا يقع الانفكاك عنها كان الفرار عبثا فلا يليق بالعاقل ومنها أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه بالمرض أو بغيره ضائع المصلحة لفقد من يتعهده حيا وميتا وأيضا فلو شرع الخروج فخرج الاقوياء لكان في ذلك كسر قلوب الضعفاء وقد قالوا إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف لما فيه من كسر قلب من لم يفر وإدخال الرعب عليه بخذلانه وقد جمع الغزالي بين الامرين فقال الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر البدن بل من حيث دوام الاستنشاق
فيصل إلى القلب والرئة فيؤثر في الباطن ولا يظهر على الظاهر إلا بعد التأثير في الباطن فالخارج من البلد الذي يقع به لا يخلص غالبا مما استحكم به وينضاف إلى ذلك أنه لو رخص للاصحاء في الخروج لبقي المرضى لا يجدون من يتعاهدهم فتضيع مصالحهم ومنها ما ذكره بعض الاطباء أن المكان الذي يقع به الوباء تتكيف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة وتألفها وتصير لهم كالاهوية الصحيحة لغيرهم فلو انتقلوا إلى الاماكن الصحيحة لم يوافقهم بل ربما إذا استنشقوا هواءها استصحب معه إلى القلب من الابخرة الرديئة التي حصل تكيف بدنه بها فأفسدته فمنع من الخروج لهذه النكتة ومنها ما تقدم أن الخارج يقول لو أقمت لاصبت والمقيم يقول لو خرجت لسلمت فيقع في اللو المنهي عنه والله أعلم وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة في قوله فلا تقدموا عليه فيه منع معارضة متضمن الحكمة بالقدر وهو من مادة قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وفي قوله فلا تخرجوا فرارا منه إشارة آلى الوقوف مع المقدور والرضا به قال وأيضا فالبلاء إذا نزل إنما يقصد به أهل البقعة لا البقعة نفسها فمن أراد الله إنزال البلاء به فهو واقع به ولا محالة فأينما توجه يدركه فأرشده الشارع إلى عدم النصب من غير أن يدفع ذلك المحذور وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد الذي يترجح عندي في الجمع بينهما أن في الاقدام عليه تعريض النفس للبلاء ولعلها لا تصبر عليه وربما كان فيه ضرب من الدعوى لمقام الصبر أو التوكل فمنع ذلك حذرا من اغترار النفس ودعواها ما لا تثبت عليه عند الاختبار وأما الفرار فقد يكون داخلا في التوغل في الاسباب بصورة من يحاول النجاة بما قدر عليه فأمرنا الشارع بترك التكلف في الحالتين ومن هذه المادة قوله صلى الله عليه وسلم لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموهم فاصبروا فأمر بترك التمني لما فيه من التعرض للبلاء وخوف اغترار النفس إذ لا يؤمن غدرها عند الوقوع ثم أمرهم بالصبر عند الوقوع تسليما لامر الله تعالى وفي قصة عمر من الفوائد مشروعية المناظرة والاستشارة في النوازل وفي الاحكام وأن الاختلاف لا يوجب حكما وأن الاتفاق هو الذي يوجبه وأن الرجوع عند الاختلاف إلى النص وأن النص يسمى علما وأن الامور كلها تجري بقدر الله وعلمه وأن العالم قد يكون عنده ما لا يكون عند غيره ممن هو أعلم منه وفيه وجوب العمل بخبر
الواحد وهومن أقوى الادلة على ذلك لان ذلك كان باتفاق أهل الحل والعقد من الصحابة فقبلوه من عبد الرحمن بن عوف ولم يطلبوا معه مقويا وفيه الترجيح بالاكثر عددا والاكثر تجربة لرجوع
[ 161 ]
عمر لقول مشيخة قريش مع ما انضم إليهم ممن وافق رأيهم من المهاجرين والانصار فإن مجموع ذلك أكثر من عدد من خالفه من كل من المهاجرين والانصار ووازن ما عند الذين خالفوا ذلك من المهاجرين والانصار من مزيد الفضل في العلم والدين ما عند المشيخة من السن والتجارب فلما تعادلوا من هذه الحيثية رجح بالكثرة ووافق اجتهاده النص فلذلك حمد الله تعالى على توفيقه لذلك وفيه تفقد الامام أحوال رعيته لما فيه من إزالة ظلم المظلوم وكشف كربة المكروب وردع أهل الفساد وإظهار الشرائع والشعائر وتنزيل الناس منازلهم الحديث الثالث حديث أبي هريرة لا يدخل المدينة المسيح ولا الطاعون كذا أورده مختصرا وقد أورده في الحج عن إسمعيل بن أبي أويس عن مالك أتم من هذا بلفظ على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال وقدمت هناك ما يتعلق بالدجال وأخرجه في الفتن عن القعنبي عن مالك كذلك ومن حديث أنس رفعه المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة فلا يدخلها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله تعالى وقد استشكل عدم دخول الطاعون المدينة مع كون الطاعون شهادة وكيف قرن بالدجال ومدحت المدينة بعدم دخولهما والجواب أن كون الطاعون شهادة ليس المراد بوصفه بذلك ذاته وإنما المراد أن ذلك يترتب عليه وينشأ عنه لكونه سببه فإذا استحضر ما تقدم من أنه طعن الجن حسن مدح المدينة بعدم دخوله إياها فإن فيه إشارة إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة ومن اتفق دخوله إليها لا يتمكن من طعن أحد منهم فإن قيل طعن الجن لا يختص بكفارهم بل قد يقع من مؤمنيهم قلنا دخول كفار الانس المدينة ممنوع فإذا لم يسكن المدينة إلا من يظهر الاسلام جرت عليه أحكام المسلمين ولو لم يكن خالص الاسلام فحصل الامن من وصول الجن إلى طعنهم بذلك فلذلك لم يدخلها الطاعون أصلا وقد أجاب القرطبي في المفهم عن ذلك فقال المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل الذي وقع في غيرها كطاعون عمواس والجارف وهذا
الذي قاله يقتضي تسليم أنه دخلها في الجملة وليس كذلك فقد جزم بن قتيبة في المعارف وتبعه جمع جم من آخرهم الشيخ محي الدين النووي في الاذكار بان الطاعون لم يدخل المدينة أصلا ولا مكة أيضا لكن نقل جماعة أنه دخل مكة في الطاعون العام الذي كان في سنة تسع وأربعين وسبعمائة بخلاف المدينة فلم يذكر أحد قط أنه وقع بها الطاعون أصلا ولعل القرطبي بني على أن الطاعون أعم من الوباء أو أنه هو وأنه الذي ينشا عن فساد الهواء فيقع به الموت الكثير وقد مضى في الجنائز من صحيح البخاري قول أبي الاسود قدمت المدينة وهم يموتون بها موتا ذريعا فهذا وقع بالمدينة وهو وباء بلا شك ولكن الشأن في تسميته طاعونا والحق أن المراد بالطاعون في هذا الحديث المنفي دخوله المدينة الذي ينشأ عن طعن الجن فيهيج بذلك الطعن الدم في البدن فيقتل فهذا لم يدخل المدينة قط فلم يتضح جواب القرطبي وأجاب غيره بأن سبب الترجمة لم ينحصر في الطاعون وقد قال صلى الله عليه وسلم ولكن عافتيك أوسع لي فكان منع دخول الطاعون المدينة من خصائص المدينة ولوازم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لها بالصحة وقال آخر هذا من المعجزات المحمدية لان الاطباء من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون عن بلد بل عن قرية وقد أمتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة قلت وهو كلام صحيح ولكن ليس هو جوابا عن الاشكال ومن الاجوبة أنه صلى الله عليه وسلم عوضهم عن الطاعون الحمى لان
[ 162 ]
الطاعون يأتي مرة بعد مرة والحمى تتكرر في كل حين فيتعادلان في الاجر ويتم المراد من عدم دخول الطاعون لبعض ما تقدم من الاسباب ويظهر لي جواب آخر بعد استحضار الحديث الذي أخرجه أحمد من رواية أبي عسيب بهملتين آخره موحدة وزن عظيم رفعه أتاني جبريل بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام وهو أن الحكمة في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عددا ومددا وكانت المدينة وبئة كما سبق من حديث عائشة ثم خير النبي صلى الله عليه وسلم في أمرين يحصل بكل منهما الاجر الجزيل فاختار الحمى حينئذ لقلة الموت بها غالبا بخلاف الطاعون ثم لما أحتاج إلى جهاد الكفار وأذن
له في القتال كانت قضية استمرار الحمى بالمدينة أن تضعف أجساد الذين يحتاجون إلى التقوية لاجل الجهاد فدعا بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة فعادت المدينة أصح بلاد الله بعد أن كانت بخلاف ذلك ثم كانوا من حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون ربما حصلت له بالقتل في سبيل الله ومن فاته ذلك حصلت له الحمى التي هي حظ المؤمن من النار ثم استمر ذلك بالمدينة تمييزا لها عن غيرها لتحقق إجابة دعوته وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره هذه المدة المتطاولة والله أعلم تنبيه سيأتي في ذكر الدجال في أواخر كتاب الفتن حديث أنس وفيه فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله تعالى وأنه اختلف في هذا الاستثناء فقيل هو للتبرك فيشملهما وقيل هو للتعليق وأنه يختص بالطاعون وأن مقتضاه جواز دخول الطاعون المدينة ووقع في بعض طرق حديث أبي هريرة المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة على كل نقب منها ملك لا يدخلهما الدجال ولا الطاعون أخرجه عمر بن شبة في كتاب مكة عن شريح عن فليح عن العلاء ابن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا ورجاله رجال الصحيح وعلى هذا فالذي نقل أنه وجد في سنة تسع وأربعين وسبعمائة منه ليس كما ظن من نقل ذلك أو يجاب إن تحقق ذلك بجواب القرطبي المتقدم الحديث الرابع قوله عبد الواحد هو ابن زياد وعاصم هو بن سليمان الاحول والاسناد كله بصريون قوله قالت قال لي أنس ليس لحفصة بنت سيرين عن أنس في البخاري إلا هذا الحديث قوله يحيى بم مات أي بأي شئ مات ووقع في رواية بما مات باشباع الميم وهو للاصيلي وهي ما الاستفهامية لكن اشتهر حذف الالف منها إذا دخل عليها حرف جر ويحيى المذكور هو بن سيرين أخو حفصة ووقع في رواية مسلم يحيى ابن أبي عمرة وهو بن سيرين لانها كنية سيرين وكانت وفاة يحيى في حدود التسعين من الهجرة على ما يورد من هذا الحديث لكن أخرج البخاري في التاريخ الاوسط من طريق حماد عن يحيى بن عتيق سمعت يحيى بن سيرين ومحمد بن سيرين يتذاكران الساعة التي في الجمعة نقله بعد موت أنس ابن مالك أرادا أن يحيى بن سيرين مات بعد أنس بن مالك فيكون حديث حفصة خطأ انتهى وتخريجه لحديث حفصة في الصحيح يقضتي أنه ظهر له أن حديث يحيى بن عتيق خطأ وقد قال في
التاريخ الصغير حديث يحيى بن عتيق عن حفصة خطأ فإذا جوز عليه الخطأ في حديثه عن حفصة جاز تجويزه عليه في قوله يحيى بن سيرين فلعله كان أنس بن سيرين والله أعلم قوله الطاعون شهادة لكل مسلم أي يقع به هكذا جاء مطلقا في حديث أنس وسيأتي مقيدا بثلاثة قيود في حديث عائشة الذي في الباب بعده وكأن هذا هو السر في إيرداه عقبة الحديث الخامس حديث
[ 163 ]
أبي هريرة رفعه المبطون شيهد والمطعون شهيد هكذا أورده مختصرا مقتصرا على هاتين الخصلتين وقد أورده في الجهاد من رواية عبد الله بن يوسف عن مالك مطولا بلفظ الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والمقتول في سبيل الله وأشرت هناك إلى الاخبار الواردة في الزيادة على الخمسة والمراد بالمطعون من طعنه الجن كما تقدم تقريره في أول الباب قوله باب أجر الصابر على الطاعون أي سواء وقع به أو وقع في بلد هو مقيم بها رضي الله تعالى عنهما قوله حدثنا إسحاق هو بن راهويه وحبان بفتح المهملة وتشديد الموحدة هو بن هلال ويحيى بن يعمر بفتح التحتانية والميم بينهما عين مهملة ساكنة وآخره راء قوله أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون في رواية أحمد من هذا الوجه عن عائشة قالت سألت قوله أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء في رواية الكشميهني على من شاء أي من كافر أو عاص كما تقدم في قصة آل فرعون وفي قصة أصحاب موسى مع بلعام قوله فجعله الله رحمة للمؤمنين أي من هذه الامة وفي حديث أبي عسيب عند أحمد فالطاعون شهادة للمؤمنين ورحمة لهم ورجس على الكافر وهو صريح في أن كون الطاعون رحمة إنما هو خاص بالمسلمين وإذا وقع بالكفار فإنما هو عذاب عليهم يعجل لهم في الدنيا قبل الآخرة وأما العاصي من هذه الامة فهل يكون الطاعون له شهادة أو يختص بالمؤمن الكامل فيه نظر والمراد بالعصي من يكون مرتكب الكبيرة ويهجم عليه ذلك وهو مصر فإنه يحتمل أن يقال لا يكرم بدرجة الشهادة لشؤم ما كان متلبسا به لقوله تعالى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات وأيضا فقد وقع في حديث بن عمر ما يدل على أن الطاعون ينشأ عن ظهور الفاحشة أخرجه بن ماجة والبيهقي
بلفظ لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والاوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الحديث وفي إسناده خالد بن يزيد بن أبي مالك وكان من فقهاء الشام لكنه ضعيف عند أحمد وابن معين وغيرهما ووثقه أحمد بن صالح المصري وأبو زرعة الدمشقي وقال ابن حبان كان يخطئ كثيرا وله شاهد عن بن عباس في الموطأ بلفظ ولا فشا الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم الموت الحديث وفيه انقطاع وأخرجه الحاكم من وجه آخر موصولا بلفظ إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله وللطبراني موصولا من وجه آخر عن بن عباس نحو سياق مالك وفي سنده مقال وله من حديث عمرو بن العاص بلفظ ما من قوم يظهر فيهم الزنا إلا أخذوا بالفناء الحديث وسنده ضعيف وفي حديث بريدة عند الحاكم بسند جيد بلفظ ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت ولاحمد من حديث عائشة مرفوعا لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا فإذا فشا فيهم ولد الزنا أوشك أن يعمهم الله بعقاب وسنده حسن ففي هذه الاحاديث أن الطاعون قد يقع عقوبة بسبب المعصية فكيف يكون شهادة ويحتمل أن يقال بل تحصل له درجة الشهادة لعموم الاخبار الواردة ولا سيما في الحديث الذي قبله عن أنس الطاعون شهادة لكل مسلم ولا يلزم من حصول درجة الشهادة لمن اجترح السيئات مساواة المؤمن الكامل في المنزلة لان درجات الشهداء متفاوتة كنظيره من العصاة إذا قتل مجاهدا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا مقبلا غير مدبر ومن رحمه الله بهذه الامة المحمدية أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا ولا ينافي ذلك أن يحصل لمن وقع به الطاعون أجر الشهادة ولا سيما
[ 164 ]
وأكثرهم لم يباشر تلك الفاحشة وإنما عمهم والله أعلم لتقاعدهم عن إنكار المنكر وقد أخرج أحمد وصححه بن حبان من حديث عتبة بن عبيد رفعه القتل ثلاثة رجل جاهد بنفسه وما له في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل فذاك الشهيد المفتخر في خيمة الله تحت عرشه لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة ورجل مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا جاهد بنفسه وما له في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل فانمحت خطاياه أن السيف محاء للخطايا ورجل
منافق جاهد بنفسه وما له حتى يقتل فهو في النار أن السيف لا يمحو النفاق وأما الحديث الآخر الصحيح أن الشهيد يغفر له كل شئ الا الدين فإنه يستفاد منه أن الشهادة لا تكفر التبعات وحصول التبعات لا يمنع حصول درجة الشهادة وليس للشهادة معنى إلى أن الله يثيب من حصلت له ثوابا مخصوصا ويكرمه كرامة زائدة وقد بين الحديث أن الله يتجاوز عنه ما عدا التبعات فلو فرض أن للشهيد أعمالا صالحة وقد كفرت الشهادة أعماله السيئة غير التبعات فإن أعماله الصالحة تنفعه في موازنة ما عليه من التبعات وتبقى له درجة الشهادة خالصة فإن لم يكن له أعمال صالحة فهو في المشيئة والله أعلم قوله فليس من عبد أي مسلم يقع الطاعون أي في مكان هو فيه فيمكث في بلده في رواية أحمد في بيته ويأتي في القدر بلفظ يكون فيه ويمكث فيه ولا يخرج من البلد أي التي وقع فيها الطاعون قوله صابرا أي غير منزعج ولا قلق بل مسلما لامر الله راضيا بقضائه وهذا قيد في حصول أجر الشهادة لمن يموت بالطاعون وهو أن يمكث بالمكان الذي يقع به فلا يخرج فرارا منه كما تقدم النهي عنه في الباب قبله صريحا وقوله يعلم أنه لن يصيبه الا ما كتب الله له قيد آخر وهي جملة حالية تتعلق بالاقامة فلو مكث وهو قلق أو متندم على عدم الخروج ظانا أنه لو خرج لما وقع به أصلا ورأسا وأنه بإقامته يقع به فهذا لا يحصل له أجر الشهيد ولو مات بالطاعون هذا الذي يقتضيه مفهوم هذا الحديث كا اقتضى منطوقه أن من اتصف بالصفات المذكورة يحصل له أجر الشهيد وإن لم يمت بالطاعون ويدخل تحته ثلاث صور من اتصف بذلك فوقع به الطاعون فمات به أو وقع به ولم يمت به أو لم يقع به أصلا ومات بغيره عاجلا أو آجلا قوله مثل أجر الشهيد لعل السر في التعبير بالمثلية مع ثبوت التصريح بأن من مات بالطاعون كان شهيدا أن من لم يمت من هؤلاء بالطاعون كان له مثل أجر الشهيد وأن لم يحصل له درجة الشهادة بعينها وذلك أن من اتصف بكونه شهيدا أعلى درجة ممن وعد بأنه يعطي مثل أجر الشهيد ويكون كمن خرج على نية الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا فمات بسبب غير القتل وأما ما اقتضاه مفهوم حديث الباب أن من اتصف بالصفات المذكورة ووقع به الطاعون ثم لم يمت منه أنه يحصل له ثواب الشهيد فيشهد له حديث بن مسعود الذي أخرجه أحمد من
طريق إبراهيم بن عبيد بن رفاعة أن أبا محمد أخبره وكان من أصحاب بن مسعود أنه حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن أكثر شهداء أمتي لاصحاب الفرش ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته والضمير في قوله أنه لابن مسعود فإن أحمد أخرجه في مسند بن مسعود ورجال سنده موثوقون واستنبط من الحديث أن من اتصف بالصفات المذكورة ثم وقع به الطاعون فمات به أن يكون له أجر شهيدين ولا مانع من تعدد الثواب بتعدد الاسباب كمن يموت غريبا بالطاعون أو نفساء مع الصبر والاحتساب والتحقيق فيما اقتضاه حديث الباب أنه يكون شهيدا
[ 165 ]
بوقوع الطاعون به ويضاف له مثل أجر الشهيد لصبره وثباته فإن درجة الشهادة شئ وأجر الشهادة شئ وقد أشار إلى ذلك الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة وقال هذا هو السر في قوله والمطعون شهيد وفي قوله في هذا فله مثل أجر شهيد ويمكن أن يقال بل درجات الشهداء متفاوتة فأرفعها من اتصف بالصفات المذكورة ومات بالطاعون ودونه في المرتبة من اتصف بها وطعن ولم يمت به ودونه من اتصف ولم يطعن ولم يمت به ويستفاد من الحديث أيضا أن من لم يتصف بالصفات المذكورة لا يكون شهيدا ولو وقع الطاعون ومات به فضلا عن أن يموت بغيره وذلك ينشأ عن شؤم الاعتراض الذي ينشأ عنه التضجر والتسخط لقدر الله وكراهة لقاء الله وما أشبه ذلك من الامور التي تفوت معها الخصال المشروطة والله أعلم وقد جاء في بعض الاحاديث استواء شهيد الطاعون وشهيد المعركة فأخرج أحمد بسند حسن عن عتبة بن عبد السلمي رفعه يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون فيقول أصحاب الطاعون نحن شهداء فيقال انظروا فإن كان جراحهم كجراح الشهداء تسيل دما وريحها كريح المسك فيهم شهداء فيجدونهم كذلك وله شاهد من حديث العرباض بن سارية أخرجه أحمد أيضا والنسائي بسند حسن أيضا بلفظ يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا عزوجل في الذين ماتوا بالطاعون فيقول الشهداء إخواننا قتلوا كما قتلنا ويقول الذين ماتوا على فرشهم إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا فيقول الله عزوجل انظروا إلى جراحهم فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم منهم فإذا جراحهم أشبهت
جراحهم زاد الكلاباذي في معاني الاخبار من هذا الوجه في آخره فيلحقون بهم قوله تابعه النضر عن داود النضر هو بن شميل وداود هو بن أبي الفرات وقد أخرج طريق النضر في كتاب القدر عن إسحاق بن إبراهيم عنه وتقدم موصولا أيضا في ذكر بني إسرائيل عن موسى بن إسمعيل وأخرجه أحمد عن عفان وعبد الصمد بن عبد الوارث وأبي عبد الرحمن المقري والنسائي من طريق يونس بن محمد المؤدب كلهم عن داود بن أبي الفرات وإنما ذكرت ذلك لئلا يتوهم أن البخاري أراد بقوله تابعه النضر إزالة توهم من يتوهم تفرد حبان بن هلال به فيظن أنه لم يروه غيرهما ولم يرد البخاري ذلك وإنما أراد إزالة توهم التفرد به فقط ولم يرد الحصر فيهما والله أعلم قوله باب الرقي بضم الراء وبالقاف مقصور جمع رقية بسكون القاف يقال رقي بالفتح في الماضي يرقى بالكسر في المستقبل ورقيت فلانا بكسر القاف أرقيه واسترقى طلب الرقية والجمع بغير همز وهو بمعنى التعويذ بالذال المعجمة قوله بالقرآن والمعوذات هو من عطف الخاص على العام لان المراد بالمعوذات سورة الفلق والناس والاخلاص كما تقدم في أواخر التفسير فيكون من باب التغليب أو المراد الفلق والناس وكل ما ورد من التعويذ في القرآن كقوله تعالى وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم وغير ذلك والاول أولى فقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وصححه بن حبان والحاكم من رواية عبد الرحمن ابن حرملة عن بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره عشر خصال فذكر فيها الرقي إلا بالمعوذات وعبد الرحمن بن حرملة قال البخاري لا يصح حديثه وقال الطبري لا يحتج بهذا الخبر لجهالة راوية وعلى تقدير صحته فهو منسوخ بالاذن في الرقية بفاتحة الكتاب وأشار المهلب إلى الجواب عن ذلك بأن في الفاتحة معنى الاستعاذة وهو الاستعانة فعلى هذا يختص الجواز بما
[ 166 ]
يشتمل على هذا المعنى وقد أخرج الترمذي وحسنه والنسائي من حديث أبي سعيد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الانسان حتى نزلت المعوذات فأخذ بها وترك ما سواها وهذا لا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين بل يدل على الاولوية ولا سيما مع
ثبوت التعوذ بغيرهما وإنما اجتزأ بهما لما اشتملتا عليه من جوامع الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا وقد أجمع العلماء على جواز الرقي عند اجتماع ثلاثة شروط أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى واختلفوا في كونها شرطا والراجح أنه لا بد من اعتبار الشروط المذكورة ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك قال كنا نرقى في الجاهلية فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك فقال اعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك وله من حديث جابر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقي فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب قال فعرضوا عليه فقال ما أرى بأسا من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه وقد تمسك قوم بهذا العموم فأجزؤوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها لكن دل حديث عوف أنها مهما كان من الرقي يؤدي إلى الشرك يمنع وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطا والشرط الآخر لا بد منه وقال قوم لا تجوز الرقية إلا من العين واللدغة كما تقدم في باب من اكتوى من حديث عمران بن حصين لا رقية غلا من عين أو حمة وأجيب بأن معنى الحصر فيه أنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية فيلتحق بالعين جواز رقية من به خبل أو مس ونحو ذلك لاشتراكها في كونها تنشأ عن أحوال شيطانية من إنسي أو جني ويلتحق بالسم كل ما عرض للبدن من قرح ونحوه من المواد السمية وقد وقع عند أبي داود في حديث أنس مثل حديث عمران وزاد أو دم وفي مسلم من طريق يوسف بن عبد الله بن الحارث عن أنس قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقي من العين والحمة والنملة وفي حديث آخر والاذن ولابي داود من حديث الشفاء بنت عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ألا تعلمين هذه يعني حفصة رقية النملة والنملة قروح تخرج في الجنب وغيره من الجسد وقيل المراد بالحصر معنى الافضل أي لا رقية أنفع كما قيل لا سيف إلا ذو الفقار وقال قوم المنهي عنه من الرقي ما يكون قبل وقوع البلاء والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه ذكره بن عبد البر والبيهقي وغيرهما وفيه نظر وكأنه مأخوذ من الخبر الذي قرنت فيه التمائم بالرقى فأخرج أبو داود وابن ماجة وصححه الحاكم
من طريق بن أخي زينب امرأة بن مسعود عنها عن بن مسعود رفعه أن الرقي والتمائم والتولة شرك وفي الحديث قصة والتمائم جمع تميمة وهي خرز أو قلادة تعلق في الرأس كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات والتولة بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففا شئ كانت المرأة تجلب به محبة زوجها وهو ضرب من السحر وإنما كان ذلك من الشرك لانهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه فقد ثبت في الاحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه كما سيأتي قريبا في باب المرأة ترقى الرجل من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه ينفث المعوذات ويمسح بهما وجهه الحديث ومضى في أحاديث الانبياء حديث بن عباس أنه صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين بكلمات الله التامة
[ 167 ]
من كل شيطان وهامة الحديث وصحح الترمذي من حديث خولة بنت حكيم مرفوعا من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شئ حتى يتحول وعند أبي داود والنسائي بسند صحيح عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن رجل من أسلم جاء رجل فقال لدغت الليلة فلم أتم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك والاحاديث في هذا المعنى موجودة لكن يحتمل أن يقال إن الرقي أخص من التعوذ وإلا فالخلاف في الرقي مشهور ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله تعالى والالتجاء إليه في كل ما وقع وما يتوقع وقال بن التين الرقي بالمعوذات وغيرها من أسماء الله هو الطب الروحاني إذا كان على لسان الابرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله تعالى فلما عز هذا النوع فزع الناس إلى الطلب الجسماني وتلك الرقي المنهي عنها التي يستعملها المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له فيأتي بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل يجمع إلى ذكر الله واسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم ويقال إن الحية لعداوتها للانسان بالطبع تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها وكذا اللديغ إذا رقي بتلك الاسماء سألت سمومها من بدن الانسان فلذلك كره من الرقي ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة
وباللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئا من الشرك وعلى كراهة الرقي بغير كتاب الله علماء الامة وقال القرطبي الرقي ثلاثة أقسام أحدها ماكان يرقى به في الجاهلية مما لا يعقل معناه فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدي إلى الشرك الثاني ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز فإن كان مأثورا فيستحب الثالث ما كان بأسماء غير الله من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات كالعرش قال فهذا فليس من الواجب اجتنابه ولا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله والتبرك بأسمائه فيكون تركه أولى إلا أن يتضمن تعظيم المرقي به فينبغي أن يجتنب كالحلف بغير الله تعالى قلت ويأتي بسط ذلك في كتاب الايمان إن شاء الله تعالى وقال للربيع سألت الشافعي عن الرقية فقال لا بأس أن يرقى بكتاب الله وما يعرف من ذكر الله قلت أيرقى أهل الكتاب المسلمين قال نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وبذكر الله اه وفي الموطأ أن أبا بكر قال لليهودية التي كانت ترقى عائشة ارقيها بكتاب الله وروى بن وهب عن مالك كراهة الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط والذي يكتب خاتم سليمان وقال لم يكن ذلك من أمر الناس القديم وقال المازري اختلف في استرقاء أهل الكتاب فأجازها قوم وكرهها مالك لئلا يكون مما بدلوه وأجاب من أجاز بأن مثل هذا يبعد أن يقولوه وهو كالطب سواء كان غير الحاذق لا يحسن أن يقول والحاذق بأنف أن يبدل حرصا على استمرار وصفه بالحذق لترويج صناعته والحق أنه يختلف باختلاف الاشخاص والاحوال وسئل بن عبد السلام عن الحروف المقطعة فمنع منها ما لا يعرف لئلا يكون فيها كفر وسيأتي الكلام على من منع الرقي أصلا في باب من لم يرق بعد خمسة أبواب إن شاء الله تعالى قوله هشام هو بن يوسف الصنعاني قوله كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات دلالته على المعطوف في الترجمة ظاهرة وفي دلالته على المعطوف عليه نظر لانه لا يلزم من مشروعية الرقي بالمعوذات أن يشرع بغيرها من القرآن لاحتمال أن يكون في المعوذات سر ليس في غيرها وقد ذكرنا من حديث أبي سعيد أنه صلى الله عليه وسلم ترك ما عدا المعوذات لكن
[ 168 ]
ثبتت الرقية بفاتحة الكتاب فدل على أن لا اختصاص للمعوذات ولعل هذا هو السر في تعقيب
المصنف هذه الترجمة بباب الرقي بفاتحة الكتاب وفي الفاتحة من معنى الاستعاذة بالله الاستعانة به فمهما كان فيه استعاذة أو استعانة بالله وحده أو ما يعطي معنى ذلك فالاسترقاء به مشروع ويجاب عن حديث أبي سعيد بأن المراد أنه ترك ما كان يتعوذ به من الكلام غير القرآن ويحتمل أن يكون المراد بقوله في الترجمة الرقي بالقرآن بعضه فإنه اسم جنس يصدق على بعضه والمراد ما كان فيه النجاء إلى الله سبحانه ومن ذلك المعوذات وقد ثبتت الاستعاذة بكلمات الله في عدة أحاديث كما مضى قال بن بطال في المعوذات جوامع من الدعاء نعم أكثر المكروهات من السحر والحسد وشر الشيطان ووسوسته وغير ذلك فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتفي بها قلت وسيأتي في باب السحر شئ من هذا وقوله في المرض الذي مات فيه ليس قيدا في ذلك وإنما أشارت عائشة إلى أن ذلك وقع في آخر حياته وأن ذلك لم ينسخ قوله أنفث عنه في رواية الكشميهني عليه وسيأتي باب مفرد في النفث في الرقية قوله وأمسح بيده نفسه بالنصب على المفعولية أي أمسح جسده بيده وبالكسر على البدل وفي رواية الكشميهني بيد نفسه وهو يؤيد الاحتمال الثاني قال عياض فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء الذي ماسه الذكر كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر وقد يكون على سبيل التفاؤل بزوال ذلك الالم عن المريض كانفصال ذلك عن الراقي انتهى وليس بين قوله في هذه الرواية كان ينفث على نفسه وبين الرواية الاخرى كان يأمرني أن أفعل ذلك معارضة لانه محمول على أنه في ابتداء المرض كان يفعله بنفسه وفي اشتداده كان يأمرها به وتفعله هي من قبل نفسها قوله فسألت الزهري القائل معمر وهو موصول بالاسناد المذكور وفي الحديث التبرك بالرجل الصالح وسائر أعضائه وخصوصا اليد اليمني الله عز وجلقوله باب الرقي بفاتحة الكتاب ويذكر عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا ذكره بصيغة التمريض وهو يعكر على ما تقرر بين أهل الحديث أن الذي يورده البخاري بصيغة التمريض لا يكون على شرطه مع أنه أخرج حديث بن عباس في الرقية بفاتحة الكتاب عقب هذا الباب وأجاب شيخنا في كلامه على علوم الحديث بأنه قد يصنع ذلك إذا ذكر الخبر بالمعنى ولا شك أن خبر بن عباس ليس فيه التصريح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالرقية
بفاتحة الكتاب وإنما فيه تقريره على ذلك فنسبة ذلك إليه صريحا تكون نسبة معنوية وقد علق البخاري بعض هذا الحديث بلفظه فأتى به مجزوما كما تقدم في الاجارة في باب ما يعطي في الرقية بفاتحة الكتاب وقال بن عباس إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ثم قال شيخنا لعل لابن عباس حديثا آخر صريحا في الرقية بفاتحة الكتاب ليس على شرطه فلذلك أتى به بصيغة التمريض قلت ولم يقع لي ذلك بعد التتبع ثم ذكر فيه حديث أبي سعيد في قصة الذين أتوا على الحي فلم يقروهم فلدغ سيد الحي فرقاه أبو سعيد بفاتحة الكتاب وقد تقدم شرحه في كتاب الاجارة مستوفى وقال بن القيم إذا ثبت أن لبعض الكلام خواص ومنافع فما الظن بكلام رب العالمين ثم بالفاتحة التي لم ينزل في القرآن ولا غيره من الكتب مثلها لتضمنها جميع معاني الكتاب فقد اشتملت على ذكر أصول أسماء الله ومجامعها وإثبات المعاد وذكر التوحيد والافتقار إلى الرب في طلب الاعانة به والهداية منه وذكر أفضل الدعاء وهو طلب الهداية إلى الصراط
[ 169 ]
المستقيم المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته بفعل أمر به واجتناب ما نهى عنه والاستقامة عليه ولتضمنها ذكر أصناف الخلائق وقسمتهم إلى منعم عليه لمعرفته بالحق والعمل به ومغضوب عليه لعدوله عن الحق بعد معرفته وضال لعدم معرفته له مع ما تضمنته من اثبات القدر والشرع والاسماء والمعاد والتوبة وتزكية النفس وإصلاح القلب والرد على جميع أهل البدع وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من كل داء والله أعلم قوله باب الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب تقدم التنبيه على هذه الترجمة في كتاب الاجارة قوله حدثنا سيدان بكسر المهملة وسكون التحتانية بن مضارب بضاد معجمة وموحدة آخره أبو محمد الباهلي هو بصري قواه أبو حاتم وغيره وشيخه البراء بفتح الموحدة وتشديد الراء نسب إلى بري العود كان عطارا وقد ضعفه بن معين ووثقه المقدمي وقال أبو حاتم يكتب حديثه واتفق الشيخان على التخريج له ووقع في نسخة الصغاني أبو معشر البصري وهو صدوق وشيخه عبيد الله بالتصغير بن الاخنس بخاء معجمة ساكنة ونون مفتوحة هو نخعي كوفي يكنى أبا مالك ويقال أنه من
موالي الازد وثقه الائمة وشد بن حبان فقال في الثقات يخطئ كثيرا وما للثلاثة في البخاري سوى هذا الحديث ولكن لعبيد الله بن الاخنس عنده حديث آخر في كتاب الحج ولابي معشر آخر في الاشربة قوله مروا بماء أي بقوم نزول على ماء قوله فيهم لديغ بالغين المعجمة أو سليم شك من الراوي والسليم هو اللديغ سمي بذلك تفاؤلا من السلامة لكون غالب من يلدغ يعطب وقيل سليم فعيل بمعنى مفعول لانه أسلم للعطب واستعمال اللدغ في ضرب العقرب مجاز والاصل أنه الذي يضرب بفيه والذي يضرب بمؤخره يقال لسع وبإسنانه نهيس بالمهملة والمعجمة وبأنفه نكز بنون وكاف وزاي وبنا به نشط هذا هو الاصل وقد يستعمل بعضها مكان بعض تجوزا قوله فعرض لهم رجل من أهل الماء لم أقف على اسمه قوله فانطلق رجل منهم لم أقف على اسمه وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفى في كتاب الاجارة وبينت فيه أن حديث بن عباس وحديث أبي سعيد في قصة واحدة وأنها وقعت لهم مع الذي لدغ وأنه وقعت للصحابة قصة أخرى مع رجل مصاب بعقله فاغنى ذلك عن إعادته هنا قوله باب رقية العين أي رقية الذي يصاب بالعين تقول عنت الرجل أصبته بعينك فهو معين ومعيون ورجل عائن ومعيان وعيون والعين نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر وقد وقع عند أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه العين حق ويحضرها الشيطان وحسد بن آدم وقد أشكل ذلك على بعض الناس فقال كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون والجواب أن طبائع الناس تختلف فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون وقد نقل عن بعض من كان معيانا أنه قال إذا رأيت شيئا يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني ويقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد وكذا تدخل البستان فتضر بكثير من الغروس من غير أن تمسها يدها ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فيرمد ويتثاءب واحد بحضرته فيتثاءب هو أشار إلى ذلك بن بطال وقال الخطابي في الحديث أن للعين تأثيرا في النفوس وإبطال قول الطبائيعين أنه لا شئ إلا ما تدرك الحواس الخمس وما عدا ذلك لا حقيقة له وقال المازري زعم بعض الطبائعيين أن العائن ينبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين
[ 170 ]
فيهلك أو يفسد وهو كأصابة السم من نظر الافاعي وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه وأن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص لآخر وهل ثم جواهر خفية أو لا هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه ومن قال ممن ينتمي إلى الاسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن جواهر لطيفة غير مرئية تنبعث من العائن فتتصل بالمعيون وتتخلل مسام جسمه فيخلق الباري الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السموم فقد أخطأ بدعوى القطع لكن جائز أن يكون عادة ليست ضرورة ولا طبيعة اه وهو كلام سديد وقد بالغ بن العربي في إنكاره قال ذهبت الفلاسفة إلى ان الاصابة بالعين صادرة عن تأثير النفس بقوتها فيه فأول ما تؤثر في نفسها ثم تؤثر في غيرها وقيل إنما هو سم في عين العائن يصيب بلفحه عند التحديق إليه كما يصيب لفح سم الافعى من يتصل به ثم رد الاول بأنه لو كان كذلك لما تخلفت الاصابة في كل حال والواقع خلافه والثاني بأن سم الافعى جزء منها وكلها قاتل والعائن ليس يقتل منه شئ في قولهم إلا نظره وهو معنى خارج عن ذلك قال والحق أن الله يخلق عند نظر العائن إليه وإعجابه به إذا شاء ما شاء من ألم أو هلكة وقد يصرفه قبل وقوعه إما بالاستعاذة أو بغيرها وقد يصرفه بعد وقوعه بالرقية أو بالاغتسال أو بغير ذلك اه كلامه وفيه بعض ما يتعقب فإن الذي مثل بالافعى لم يرد أنها تلامس المصاب حتى يتصل به من سمها وإنما أراد أن جنسا من الافاعي اشتهر أنها إذا وقع بصرها على الانسان هلك فكذلك العائن وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في حديث أبي لبابة الماضي في بدء الخلق عند ذكر الابتر وذي الطفيتين قال فإنهما يطمسان البصر ويسقطان الحبل وليس مراد الخطابي بالتأثير المعنى الذي يذهب إليه الفلاسفة بل ما أجرى الله به العادة من حصول الضرر للمعيون وقد أخرج البزار بسند حسن عن جابر رفعه أكثر من يموت بعد قضاء الله وقدره بالنفس قال الراوي يعني بالعين وقد أجرى الله العادة بوجود كثير من القوي والخواص في الاجسام والارواح كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك وكذا الاصفرار عند رؤية من
يخافه وكثير من الناس يسقم بمجرد النظر إليه وتضعفه قواه وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الارواح من التأثيرات ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين وليست هي المؤثرة وإنما التأثير للروح والارواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها الخبيثة والحاصل أن التأثير بإرادة الله تعالى وخلقه ليس مقصورا على الاتصال الجسماني بل يكون تارة به وتارة بالمقابلة وأخرى بمجرد الرؤية وأخرى بتوجه الروح كالذي يحدث من الادعية والرقي والالتجاء إلى الله وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل فالذي يخرج من عين العائن سهم معنوي إن صادف البدن لا وقاية له أثر فيه وإلا لم ينفذ السهم بل ربما رد على صاحبه كالسهم الحسة سواء قوله سفيان هو الثوري قوله حدثني معبد بن خالد هو الجدلي الكوفي تابعي وشيخه عبد الله بن شداد هو المعروف بابن الهاد له رؤية وأبوه صحابي قوله عن عائشة كذا للاكثر وكذا لمسلم من طريق مسعر عن معبد بن خالد ووقع عند الاسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن مهدي مثله لكن شك فيه فقال أو قال عن عبد الله بن شداد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة قوله قالت أمرني النبي صلى
[ 171 ]
الله عليه وسلم أو أمر أن يسترقي من العين أي يطلب الرقية ممن يعرف الرقي بسبب العين كذا وقع بالشك هل قالت أمر بغير إضافة أو أمرني وقد أخرجه أبو نعيم في مستخرجه عن الطبراني عن معاذ بن المثنى عن محمد بن كثير شيخ البخاري فيه فقال أمرني جزما وكذا أخرجه النسائي والاسماعيلي من طريق أبي نعيم عن سفيان الثوري ولمسلم من طريق عبد الله بن نمير عن سفيان كان يأمرني أن أسترقي وعنده من طريق مسعر عن معبد بن خالد كان يأمرها ولابن ماجة من طريق وكيع عن سفيان أمرها أن تسترقي وهو الاسماعيلي في رواية عبد الرحمن بن مهدي وفي هذا الحديث مشروعية الرقية لمن أصابه العين وقد أخرج الترمذي وصححه والنسائي من طريق عبيد بن رفاعة عن أسماء بنت عميس أنها قالت يا رسول الله إن ولد جعفر تسرع إليهم العين أفأسترقي لهم قال نعم الحديث وله شاهد من حديث جابر أخرجه مسلم قال رخص رسول الله صلى
الله عليه وسلم لآل حزم في الرقية وقال لاسماء مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة أتصيبهم الحاجة قالت لا ولكن العين تسرع إليهم قال أرقيهم فعرضت عليه فقال أرقيهم وقوله ضارعة بمعجمة أوله أي نحيفة وورد في مداواة المعيون أيضا ما أخرجه أبو داود من رواية الاسود عن عائشة أيضا قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين وسأذكر كيفية اغتساله في شرح حديث الباب الذي بعد هذا قوله حدثنا محمد بن خالد قال الحاكم والجوزقي والكلاباذي وأبو مسعود ومن تبعهم هو الذهلي نسب إلى جد أبيه فإنه محمد بن يحيى بن عبد الله ابن خالد بن فارس وقد كان أبو داود يروي عن محمد بن يحيى فينسب أباه إلى جد أبيه أيضا فيقول حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قالوا وقد حدث أبو محمد بن الجارود بحديث الباب عن محمد بن يحيى الذهلي وهي قرينة في أنه المراد وقد وقع في رواية الاصيلي هنا حدثنا محمد بن خالد الذهلي فانتفى أن يظن أنه محمد بن خالد بن جبلة الرافعي الذي ذكره بن عدي في شيوخ البخاري وقد أخرج الاسماعيلي وأبو نعيم أيضا حديث الباب من طريق محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن وهب بن عطية المذكور وكذا هو في كتاب الزهريات جمع الذهلي وهذا الاسناد مما نزل فيه البخاري في حديث عروة بن الزبير ثلاث درجات فإنه أخرج في صحيحه حديثا عن عبد الله بن موسى عن هشام ابن عروة عن أبيه وهو في العتق فكان بينه وبين عروة رجلان وهنا بينه وبينه فيه خمسة أنفس ومحمد بن وهب بن عطية سلمى قد أدركه البخاري وما أدري لقيه أم لا وهو من أقران الطبقة الوسطى من شيوخه وما له عنده إلا هذا الحديث وقد أخرجه مسلم عاليا بالنسبة لرواية البخاري هذه قال حدثنا أبو الربيع حدثنا محمد بن حرب فذكره ومحمد بن حرب شيخه خولاني حمصي كان كاتبا للزبيدي شيخه في هذا الحديث وهو ثقة عند الجميع تنبيه اجتمع في هذا السند من البخاري إلى الزهري ستة أنفس في نسق كل منهم اسمه محمد وإذا روينا الصحيح من طريق الفراوي عن الحفص عن الكشميهني عن الفربري كانوا عشرة قوله رأى في بيتها جارية لم أقف على اسمها ووقع في مسلم قال لجارية في بيت أم سلمة قوله في وجهها سفعة بفتح المهملة ويجوز ضمها وسكون الفاء بعدها عين مهملة وحكى عياض ضم أوله قال إبراهيم الحربي هو سواد في الوجه
ومنه سفعة الفرس سواد ناصيته وعن الاصمعي حمرة يعلوها سواد وقيل صفرة وقيل سواد مع لون آخر وقال بن قتيبة لون يخالف لون الوجه وكلها متقاربة وحاصلها أن بوجهها موضعا على غير
[ 172 ]
لونه الاصلي وكأن الاختلاف بحسب اللون الاصلي فإن كان أحمر فالسفعة سواد صرف وأن كان أبيض فالسفعة صفرة وإن كان أسمر فالسفعة حمرة يعلوها سواد وذكر صاحب البارع في اللغة أن السفع سواد الخدين من المرأة الشاحبة والشحوب بمعجمة ثم مهملة تغير اللون بهزال أو غيره ومنه سفعاء الخدين وتطلق السفعة على العلامة ومنه بوجهها سفعة غضب وهو راجع إلى تغير اللون وأصل السفع الاخذ بقهر ومنه قوله تعالى لنسفعا بالناصية ويقال أن أصل السفع الاخذ بالناصية ثم استعمل في غيرها وقيل في تفسيرها لنعلمنه بعلامة أهل النار من سواد الوجه ونحوه وقيل معناه لنذلنه ويمكن رد الجميع إلى معنى واحد فإنه إذا أخذ بناصيته بطريق القهر أذله وأحدث له تغير لونه فظهرت فيه تلك العلامة ومنه قوله في حديث الشفاعة قوم أصابهم سفع من النار قوله استرقوا لها بسكون الراء قوله فإن بها النظرة بسكون الظاء المعجمة وفي رواية مسلم فقال أن بها نظرة فاسترقوا لها يعني بوجهها صفرة وهذا التفسير ما عرفت قائله إلا أنه يغلب على ظني أنه الزهري وقد أنكره عياض من حيث اللغة وتوجيهه ما قدمته واختلف في المراد بالنظرة فقيل عين من نظر الجن وقيل من الانس وبه جزم أبو عبيد الهروي والاولى أنه أعم من ذلك وأنها أصيبت بالعين فلذلك أذن صلى الله عليه وسلم في الاسترقاء لها وهو دال على مشروعية الرقية من العين على وفق الترجمة قوله تابعه عبد الله بن سالم يعني الحصمي وكنيته أبو يوسف عن الزبيدي أي على وصل الحديث وقال عقيل عن الزهري أخبرني عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني لم يذكر في إسناده زينب ولا أم سلمة فأما رواية عبد الله بن سالم فوصلها الذهلي في الزهريات وللطبراني في مسند الشاميين من طريق إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي عن عمرو ابن الحرث الحمصي عن عبد الله بن سالم به سندا ومتنا وأما رواية عقيل فرواها بن وهب عن ابن لهيعة عن عقيل ولفظه إن جارية دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة فقال
كأن بها سفعة أو خطرت بنار هكذا وقع لنا مسموعا في جزء من فوائد أبي الفضل بن طاهر بسنده إلى بن وهب ورواه الليث عن عقيل أيضا ووجدته في مستدرك الحاكم من حديثه لكن زاد فيه عائشة بعد عروة وهو وهم فيما أحسب ووجدته في جامع بن وهب عن يونس عن الزهري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجارية فذكر الحديث واعتمد الشيخان في هذا الحديث على رواية الزبيدي لسلامتها من الاضطراب ولم يلتفتا إلى تقصير يونس فيه وقد روى الترمذي من طريق الوليد بن مسلم أنه سمع الاوزاعي يفضل الزبيدي على جميع أصحاب الزهري يعني في الضبط وذلك أنه كان يلازمه كثيرا حضرا وسفرا وقد تمسك بهذا من زعم أن العمدة لمن وصل على من أرسل لاتفاق الشيخين على تصحيح الموصول هنا على المرسل والتحقيق أنهما ليس لهما في تقديم الوصل عمل مطرد بل هو دائر مع القرينة فمهما ترجح بها اعتمداه وإلا فكم حديث أعرضا عن تصحيحه للاختلاف في وصله وإرساله وقد جاء حديث عروة هذا من غير رواية الزهري أخرجه البزار من رواية أبي معاوية عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عروة عن أم سلمة فسقط من روايته ذكر زينب بنت أم سلمة وقال الدارقطني رواه مالك وابن عيينة وسمي جماعة كلهم عن يحيى بن سعيد فلم يجاوزا به عروة وتفرد أبو معاوية بذكر أم سلمة ولا يصح وإنما قال ذلك بالنسبة لهذه الطريق لانفراد الواحد عن العدد الجم وإذا انضمت هذه
[ 173 ]
الطريق إلى رواية الزبيدي قويت جدا والله أعلم قوله باب العين حق أي الاصابة بالعين شئ ثابت موجود أو هو من جملة ما تحقق كونه قال المازري أخذ الجمهور بظاهر الحديث وأنكره طوائف المبتدعة لغير معنى لان كل شئ ليس محالا في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل فهو من متجاوزات العقول فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لانكاره معنى وهل من فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة قوله العين حق ونهى عن الوشم لم تظهر المناسبة بين هاتين الجملتين فكأنهما حديثان مستقلان ولهذا حذف مسلم وأبو داود الجملة الثانية من روايتهما مع أنهما أخرجاه من رواية عبد الرزاق الذي أخرجه البخاري من
جهته ويحتمل أن يقال المناسبة بينهما اشتراكهما في أن كلا منهما يحدث في العضو لونا غير لونه الاصلي والوشم بفتح الواو وسكون المعجمة أن يغرز إبرة أو نحوها في موضع من البدن حتى يسيل الدم ثم يحشى ذلك الموضع بالكحل أو نحوه فيخضر وسيأتي بيان حكمة في باب المستوشمة من أواخر كتاب اللباس إن شاء الله تعالى وقد ظهرت لي مناسبة بين هاتين الجملتين لم أر من سبق إليها وهي أن من جملة الباعث على عمل الوشم تغير صفة الموشوم لئلا تصيبه العين فنهى عن الوشم مع إثبات العين وأن التحيل بالوشم وغيره مما لا يستند إلى تعليم الشارع لا يفيد شيئا وأن الذي قدره الله سيقع وأخرج مسلم من حديث بن عباس رفعه العين حق ولو كان شئ سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا فأما الزيادة الاولى ففيها تأكيد وتنبيه على سرعة نفوذها وتأثيره في الذات وفيها إشارة إلى الرد على من زعم من المتصوفة أن قوله العين حق يريد به القدر أي العين التي تجري منها الاحكام فإن عين الشئ حقيقته والمعنى أن الذي يصيب من الضرر بالعادة عند نظر الناظر إنما هو بقدر الله السابق لا بشئ يحدثه الناظر في المنظور ووجه الرد أن الحديث ظاهر في المغايرة بين القدر وبين العين وإن كنا نعتقد أن العين من جملة المقدور لكن ظاهره اثبات العين التي تصيب إما بما جعل الله تعالى فيها من ذلك وأودعه فيها وإما باجراء العادة بحدوث الضرر عند تحديد النظر وإنما جرى الحديث مجرى المبالغة في اثبات العين لا أنه يمكن أن يرد القدر شئ إذ القدر عبارة عن سابق علم الله وهو لا راد لامره أشار إلى ذلك القرطبي وحاصله لو فرض أن شيئا له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين لكنها لا تسبق فكيف غيرها وقد أخرج البزار من حديث جابر بسند حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالانفس قال الراوي يعني بالعين وقال النووي في الحديث إثبات القدر وصحة أمر العين وأنها قوية الضرر وأما الزيادة الثانية وهي أمر العاين بالاغتسال عند طلب المعيون منه ذلك ففيها إشارة إلى أن الاغتسال لذلك كان معلوما بينهم فأمرهم أن لا يمتنعوا منه إذا أريد منهم وأدنى ما في ذلك رفع الوهم الحاصل في ذلك وظاهر الامر الوجوب وحكى المازري فيه خلافا وصحح الوجوب وقال متى خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به
فإنه يتعين وقد تقرر أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر وهذا أولى ولم يبين في حديث بن عباس صفة الاغتسال وقد وقعت في حديث سهل بن حنيف عند أحمد والنسائي وصححه بن حبان من طريق الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن أباه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وساروا معه نحو ماء حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف وكان أبيض حسن
[ 174 ]
الجسم والجلد فنظر إليه عامر بن ربيعة فقال ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة فلبط أي صرع وزنا ومعنى سهل فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هل تتهمون به من أحد قالوا عامر بن ربيعة فدعا عامرا فتغيظ عليه فقال علام يقتل أحدكم أخاه هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت ثم قال اغتسل له فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم يصب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره ثم يكفأ القدح ففعل به ذلك فراح سهل مع الناس ليس به بأس لفظ أحمد من رواية أبي أويس عن الزهري ولفظ النسائي من رواية بن أبي ذئب عن الزهري بهذا السند أنه يصب صبه على وجهه بيده اليمني وكذلك سائر أعضائه صبة صبة في القدح وقال في آخر ثم يكفأ القدح وراءه على الارض ووقع في رواية بن ماجة من طريق ابن عيينة عن الزهري عن أبي أمامة أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف وهو يغتسل فذكر الحديث وفيه فليدع بالبركة ثم دعا بماء فأمر عامرا أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره وأمره أن يصب عليه قال سفيان قال معمر عن الزهري وأمر أن يكفأ الاناء من خلفه قال المازري المراد بداخلة الازار الطرف المتدلي الذي بلي حقوه الايمن قال فظن بعضهم أنه كناية عن الفرج انتهى وزاد عياض أن المراد ما يلي جسده من الازار وقيل أراد موضع الازار من الجسد وقيل أراد وركه لانه معقد الازار والحديث في الموطأ وفيه عن مالك حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل أنه سمع أباه يقول اغتسل سهل فذكر نحوه وفيه فنزع جبة كانت عليه وعامر بن ربيعة ينظر فقال ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء فوعك سهل مكانه واشتد وعكة وفيه ألا بركت أن العين حق توضأ له فتوضأ له عامر فراح سهل ليس به بأس تنبيهات الاول
اقتصر النووي في الاذكار على قوله الاستغسال أن يقال للعائن اغسل داخلة إزارك مما يلي الجلد فإذا فعل صبه على المنظور إليه وهذا يوهم الاقتصار على ذلك وهو عجيب ولا سيما وقد نقل في شرح مسلم كلام عياض بطوله الثاني قال المازري هذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل فلا يرد لكونه لا يعقل معناه وقال بن العربي أن توقف فيه متشرع قلنا له قل الله ورسوله أعلم وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة أو متفلسف فالرد عليه أظهر لان عنده أن الادوية تفعل بقواها وقد تفعل بمعنى لا يدرك ويسمون ما هذا سبيله الخواص وقال ابن القيم هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها ولا من سخر منها ولا من شك فيها أو فعلها مجربا غير معتقد وإذا كان في الطبيعة خواص لا يعرف الاطباء عللها بل هي عندهم خارجة عن القياس وإنما تفعل بالخاصية فما الذي تنكر جهلتهم من الخواص الشرعية هذا مع أن في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة فهذا ترياق سم الحية يؤخذ من لحمها وهذا علاج النفس الغضبية توضع اليد على بدن الغضبان فيسكن فكأن أثر تلك العين كشعلة نار وقعت على جسد ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة ثم لما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لشدة النفوذ فيها ولا شئ أرق من المغابن فكان في غسلها إبطال لعملها ولا سيما أن للارواح الشيطانية في تلك المواضع اختصاصا وفيه أيضا وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها نفاذا فتنطفئ تلك النار التي أثارتها العين بهذا الماء الثالث هذا الغسل ينفع بعد استحكام النظرة فإما عند الاصابة وقبل الاستحكام فقد أرشد الشارع إلى
[ 175 ]
ما يدفعه بقوله في قصة سهل بن حنيف المذكورة كما مضى ألا بركت عليه وفي رواية ابن ماجة فليدع بالبركة ومثله عند بن السني من حديث عامر بن ربيعة وأخرج البزار وابن السني من حديث أنس رفعه من رأى شيئا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره وفي الحديث من الفوائد أيضا أن العائن إذا عرف يقضي عليه بالاغتسال وأن الاغتسال من النشرة النافعة وأن العين تكون مع الاعجاب ولو بغير حسدولو من الرجل المحب ومن الرجل الصالح وأن الذي يعجبه
الشئ ينبغي أن يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة ويكون ذلك رقية منه وأن الماء المستعمل طاهر وفيه جواز الاغتسال بالفضاء وأن الاصابة بالعين قد تقتل وقد اختلف في جريان القصاص بذلك فقال القرطبي لو أتلف العائن شيئا ضمنه ولو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة وهو في ذلك كالساحر عند من لا يقتله كفرا انتهى ولم يتعرض الشافعية للقصاص في ذلك بل منعوه وقالوا أنه لا يقتل غالبا ولا يعد مهلكا وقال النووي في الروضة ولا دية فيه ولا كفارة لان الحكم إنما يترتب على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس في بعض الاحوال مما لا انضباط له كيف ولم يقع منه فعل أصلا وإنما غايته حسد وتمن لزوال نعمة وأيضا فالذي ينشأ عن الاصابة بالعين حصول مكروه لذلل الشخص ولا يتعين ذلك المكروه في زوال الحياة فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين اه ولا يعكر على ذلك إلا الحكم بقتل الساحر فإنه في معناه والفرق بينهما فيه عسر ونقل بن بطال عن بعض أهل العلم فإنه يبغي للامام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس وأن يلزم بيته فإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي أمر عمر رضي الله عنه بمنعه من مخالطة الناس كما تقدم واضحا في بابه وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور الجماعة قال النووي وهذا القول صحيح متعين لا يعرف عن غيره تصريح بخلافه قوله باب رقية الحية والعقرب أي مشروعية ذلك وأشار بالترجمة إلى ما ورد في بعض طرق حديث الباب على ما سأذكره قوله عبد الواحد هو بن زياد وبذلك جزم أبو نعيم حيث أخرج الحديث من طريق محمد بن عبيد بن حسان عنه قوله سليمان الشيباني هو أبو إسحاق مشهور بكنيته أكثر من اسمه قوله رخص فيه إشارة إلى أن النهي عن الرقي كان متقدما وقد بينت ذلك في الباب الاول قوله من كل ذي حمة بضم المهملة وتخفيف الميم تقدم بيانها في باب ذات الجنب وأن المراد بها ذوات السموم ووقع في رواية أبي الاحوص عن الشيباني بسنده رخص في الرقية من الحية والعقرب قوله باب رقية النبي صلى الله عليه وسلم أي التي كان يرقى بها ذكر فيه ثلاثة أحاديث الاول حديث أنس قوله عبد الوارث هو بن سعيد وعبد العزيز هو
ابن صهيب والاسناد بصريون قوله فقال ثابت هو البناني يا أبا حمزة هي كنية أنس قوله اشتكيت بضم التاء أي مرضت ووقع في رواية الاسماعيلي أني اشتكيت قوله ألا بتخفيف اللام للعرض وأرقيك بفتح الهمزة قوله مذهب الباس بغير همز للمؤاخاة فإن أصله الهمزة قوله أنت الشافي يؤخذ منه جواز تسمية الله تعالى بما ليس في القرآن بشرطين أحدهما أن لا يكون في ذلك ما يوهم نقصا والثاني أن يكون له أصل في القرآن وهذا من ذاك فإن في القرآن وإذا مرضت فهو يشفين قوله لا شافي إلا أنت إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوي
[ 176 ]
إن لم يصادف تقدير الله تعالى وإلا فلا ينجع قوله شفاء مصدر منصوب بقوله اشف ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ أي هو قوله لا يغادر بالغين المعجمة أي لا يترك وقد تقدم بيانه والحكمة فيه في أواخر كتاب المرضى وقوله سقما بضم ثم سكون وبفتحتين أيضا ويؤخذ من هذا الحديث أن الاضافة في الترجمة للفاعل وقد ورد ما يدل على أنها للمفعول وذلك فيما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد اشتكيت قال نعم قال بسم الله أرقيك من كل شئ يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد والله يشفيك وله شاهد عنده بمعناه من حديث عائشة الحديث الثاني قوله يحيى هو القطان وسفيان هو الثوري وسليمان هو الاعمش ومسلم هو أبو الضحى مشهور بكنيته أكثر من اسمه وجوز الكرماني أن يكون مسلم ابن عمران لكونه يروي عن مسروق ويروي الاعمش عنه وهو تجويز عقلي محض يمجه سمع المحدث على أنني لم أر لمسلم بن عمران البطين رواية عن مسروق وإن كانت ممكنة وهذا الحديث إنما هو من رواية الاعمش عن أبي الضحى عن مسروق وقد أخرجه مسلم من رواية جرير عن الاعمش عن أبي الضحى عن مسروق به ثم أخرجه من رواية هشيم ومن رواية شعبة ومن رواية يحيى القطان عن الثوري كلهم عن الاعمش قال بإسناد جرير فوضح أن مسلما المذكور في رواية البخاري هو أبو الضحى فإنه أخرجه من رواية يحيى القطان وغايته أن بعض الرواة عن يحيى سماه وبعضهم كناه والله أعلم قوله كان يعوذ بعض أهله لم أقف على تعيينه قوله يمسح بيده
اليمني أي على الوجع قال الطبري هو على طريق التفاؤل لزوال ذلك الوجع قوله واشفه وأنت الشافي في رواية الكشميهني بحذف الواو والضمير في اشفه للعليل أو هي هاء السكت قوله لا شفاء بالمد مبني على الفتح والخبر محذوف والتقدير لنا أو له قوله إلا شفاؤك بالرفع على أنه يدل من موضع لا شفاء قوله قال سفيان هو موصول بالاسناد المذكور قوله حدثت به منصورا هو بن المعتمر وصار بذلك في هذا الحديث إلى مسروق طريقان وإذا ضم الطريق الذي بعده إليه صار إلى عائشة طريقان وإذا ضم إلى حديث أنس صار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيه طريقان قوله نحوه تقدم سياقه في أواخر كتاب المرضى مع بيان الاختلاف على الاعمش ومنصور في الواسطة بينهما وبين مسروق ومن أفرد ومن جمع وتحرير ذلك واضحا قوله في الطريق الاخرى النضر هو بن شميل قوله كان يرقى بكسر القاف وهو بمعنى قوله في الرواية التي قبلها كان يعوذ ولعل هذا هو السر أيضا في إيراد طريق عروة وأن كان سياق مسروق أتم لكن عروة صرح بكون ذلك رقية فيوافق حديث أنس في أنها رقية النبي صلى الله عليه وسلم قوله امسح هو بمعنى قوله في الرواية الاخرى أذهب والمراد الازالة قوله بيدك الشفاء لا كاشف له أي للمرض إلا أنت وهو بمعنى قوله اشف أنت الشافعي لا شافي إلا أنت الحديث الثالث قوله سفيان هو بن عيينة كما صرح به في الطريق الثانية وقدم الاولى لتصريح سفيان بالحديث وصدقه شيخه في الثانية هو بن الفضل المرزوي قوله عبد ربه بن سعيد هو الانصاري أخو يحيى بن سعيد هو ثقة ويحيى أشهر منه وأكثر حديثا قوله كان يقول للمريض بسم الله في رواية صدقة كان يقول في الرقية وفي رواية مسلم عن بن أبي عمر عن سفيان زيادة في أوله ولفظه كان إذا اشتكى الانسان أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي صلى الله عليه وسلم بأصبعه هكذا ووضع سفيان سبابته بالارض ثم رفعها بسم الله قوله تربة أرضنا خبر مبتدأ
[ 177 ]
محذوف أي هذه تربة وقوله بريقة بعضنا يدل على أنه كان يتفل عند الرقية قال النووي معنى الحديث أنه أخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة ثم وضعها على التراب فعلق به شئ منه ثم مسح
به الموضع العليل أو الجريح قائلا الكلام المذكور في حالة المسح قال القرطبي فيه دلالة على جواز الرقي من كل الآلام وأن ذلك كان أمرا فاشيا معلوما بينهم قال ووضع النبي صلى الله عليه وسلم سبابته بالارض ووضعها عليه يدل على استحباب ذلك عند الرقية ثم قال وزعم بعض علمائنا أن السر فيه أن تراب الارض لبرودته ويبسه يبرئ الموضع الذي به الالم ويمنع انصباب المواد إليه ليبسه مع منفعته في تجفيف الجراح واندمالها قال وقال في الريق أنه يختص بالتحليل والانضاج وابراء الجرح والورم لا سيما من الصائم الجائع وتعقبه القرطبي أن ذلك إنما يتم إذا وقعت المعالجة على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والريق وملازمة ذلك في أوقاته وإلا فالنفث ووضع السبابة على الارض إنما يتعلق بها ما ليس له بال ولا أثر وإنما هذا من باب التبرك بأسماء الله تعالى وآثار رسوله وأما وضع الاصبع بالارض فلعله لخاصية في ذلك أو لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الاسباب المعتادة وقال البيضاوي قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلا في النضج وتعديل المزاج وتراب الوطن له تأثير في حفظ المزاج ودفع الضرر فقد ذكروا أن ينبغي للمسافر أن يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها حتى إذا ورد المياه المختلفة جعل شيئا منه في سقائه ليأمن مضرة ذلك ثم أن الرقي والعزائم لها آثار عجيبة تتعاقد العقول عن الوصول إلى كنهها وقال التوربشتي كأن المراد بالتربة الاشارة إلى فطرة آدم والريقة الاشارة إلى النطفة كأنه تضرع بلسان الحال إنك اخترعت الاصل الاول من التراب ثم أبدعته منه من ماء مهين فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته وقال النووي قيل المراد بأرضنا أرض المدينة خاصة لبركتها وبعضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لشرف ريقه فيكون ذلك مخصوصا وفيه نظر قوله يشفي سقيمنا ضبط بالوجهين بضم أوله على البناء للمجهول وسقيمنا بالرفع وبفتح أوله على أن الفاعل مقدر وسقيمنا بالنصب على المفعولية تنبيه أخرج أبو داود والنسائي ما يفسر به الشخص المرقي وذلك في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على ثابت بن قيس بن شماس وهو مريض فقال اكشف البأس رب الناس ثم أخذ ترابا من بطحان فجعله في قدح ثم نفث عليه ثم صبه عليه قوله باب النفث بفتح النون وسكون الفاء
بعدها مثلثة في الرقية في هذه الترجمة إشارة إلى الرد على من كره النفث مطلقا كالاسود بن يزيد أحد التابعين تمسكا بقوله تعالى ومن شر النفاثات في العقد وعلى من كره النفث عند قراءة القرآن خاصة كإبراهيم النخعي أخرج ذلك بن أبي شيبة وغيره فأما الاسود فلا حجة له في ذلك لان المذموم ما كان من نفث السحرة وأهل الباطل ولا يلزم منه ذم النفث مطلقا ولا سيما بعد ثبوته في الاحاديث الصحيحة وأما النخعي فالحجة عليه ما ثبت في حديث أبي سعيد الخدري ثالث أحاديث الباب فقد قصوا على النبي صلى الله عليه وسلم القصة وفيها أنه قرأ بفاتحة الكتاب وتفل ولم ينكر ذلك صلى الله عليه وسلم فكان ذلك حجة وكذا الحديث الثاني فهو واضح من قوله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم بيان النفث مرارا أو من قال إنه لا ريق فيه وتصويب أن فيه ريقا خفيفا وذكر فيه ثلاثة أحاديث قوله سليمان هو بن بلال ويحيى بن سعيد هو الانصاري والاسناد كله
[ 178 ]
مدنيون قوله الرؤيا من الله يأتي شرحه مستوفى في كتاب التعبير إن شاء الله تعالى وقوله فلينفث هو المراد من الحديث المذكور في هذه الترجمة لانه دل على جدواها قوله وقال أبو سلمة هو موصول بالاسناد المذكور وقوله فإن كنت في رواية الكشميهني بدون الفاء وقوله أثقل على من الجبل أي لما كان يتوقع من شرها الحديث الثاني قوله سليمان هو ابن بلال أيضا ويونس هو بن يزيد قوله إذا أوى إلى فراشه نفث في كفه بقل هو الله أحد وبالمعوذتين أي يقرؤها وينفث حالة القراءة وقد تقدم بيان ذلك في الوفاة النبوية قوله ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده في رواية المفضل بن فضالة عن عقيل ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات قوله فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به وهذا مما تفرد به سليمان بن بلال عن يونس وقد تقدم في الوفاة النبوية من رواية عبد الله بن المبارك عن يونس بلفظ فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث عليه وأخرجه مسلم من رواية بن وهب عن يونس فلم يذكرها قوله قال يونس كنت أرى ابن شهاب يصنع ذلك إذا أوى إلى فراشه وقع نحو ذلك في رواية عقيل عن بن شهاب عند عبد
ابن حميد وفيه إشارة إلى الرد على من زعم أن هذه الرواية شاذة وأن المحفوظ أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك إذا اشتكى كما في رواية مالك وغيره فدلت هذه الزيادة على أنه كان يفعل ذلك إذا أوى إلى فراشه وكان يفعله إذا اشتكى شيئا من جسده فلا منافاة بين الراوايتين وقد تقدم في فضائل القرآن قول من قال إنهما حديثان عن الزهري بسند واحد الحديث الثالث حديث أبي سعيد في قصة اللديغ الذي رقاه بفاتحة الكتاب وتقدم شرحه مستوفى في كتاب الاجارة وتقدمت الاشارة إليه قريبا ووقع في هذه الرواية فجعل يتفل ويقرأ وقد قدمت أن النفث دون التفل وإذا جاز التفل جاز النفث بطريق الاولى وفيها ما به قلبة بفتح اللام بعدها موحدة أي ما به ألم يقلب لآجله على الفراش وقيل أصله من القلاب بضم القاف وهو داء يأخذ البعير فيمسك على قلبه فيموت من يومه قوله باب مسح الراقي الوجع بيده اليمنى ذكر فيه حديث عائشة في ذلك وقد تقدم شرحه قريبا والقائل فذكرته لمنصور هو سفيان الثوري كما تقدم التصريح به في باب رقية النبي صلى الله عليه وسلم قوله باب المرأة ترقي الرجل
[ 179 ]
ذكر فيه حديث عائشة وفيه قولها كان ينفث على نفسه في مرضه الذي قبض فيه بالمعوذات فلما ثقل كنت أنا أنفث عليه وقد تقدم قبل بباب من رواية يونس عن بن شهاب أنه صلى الله عليه وسلم أمرها بذلك وزاد في رواية معمر هنا كيفية ذلك فقال ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه قوله باب من لم يرق هو بفتح أوله وكسر القاف مبنيا للفاعل وبضم أوله وفتح القاف مبنيا للمفعول قوله حصين بن نمير بنون مصغر هو الواسطي ماله في البخاري سوى هذا الحديث وقد تقدم بهذا الاسناد وقد تقدم بها الاسناد في أحاديث الانبياء لكن باختصار وتقدم الحديث بعينه من وجه آخر عن حصين بن عبد الرحمن في باب من اكتوى وذكرت من زاد في أوله قصة وأن شرحه سيأتي في كتاب الرقاق والغرض منه هنا قوله هم الذين لا يطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون فأما الطيرة فسيأتي ذكرها بعد هذا وأما الكي فتقدم ذكر ما فيه هناك وأما الرقية فتمسك بهذا الحديث من كره الرقي والكي من بين سائر الادوية وزعم أنهما قادحان في التوكل دون غيرهما وأجاب
العلماء عن ذلك بأجوبة أحدها قاله الطبري والمازري وطائفة أنه محمول على من جانب اعتقاد الطبائعيين في أن الادوية تنفع بطبعها كما كان أهل الجاهلية يعتقدون وقال غيره الرقي التي يحمد تركها ما كان من كلام الجاهلية ومن الذي لا يعقل معناه لاحتمال أن يكون كفرا بخلاف الرقي بالذكر ونحوه وتعقبه عياض وغيره بأن الحديث يدل على أن للسبعين ألفا مزية على غيرهم وفضيلة انفردوا بها عمن شاركهم في أصل الفضل والديانة ومن كان يعتقد أن الادوية تؤثر بطبعها أو يستعمل رقي الجاهلية ونحوها ما فليس مسلما فلم يسلم هذا الجواب ثانيها قال الداودي وطائفة إن المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا وقد قمت قدمت هذا عن بن قتيبة وغيره في باب من اكتوى وهذا اختيار ابن عبد البر غير أنه معترض بمقدمته من ثبوت الاستعاذة قبل وقوع الداء ثالثها قال الحليمي يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث من غفل عن أحوال الدنيا وما فيها من الاسباب المعدة لدفع العوارض فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله والرضا بقضائه فهم غافلون عن طب الاطباء ورقي الرقاة ولا يحسنون من ذلك شيئا والله أعلم رابعها أن المراد بترك الرقي والكي الاعتماد على الله في دفع الداء والرضا بقدره لا القدح في جواز ذلك لثبوت وقوعه في الاحاديث الصحيحة وعن السلف الصالح لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الاسباب وإلى هذا نحا الخطابي ومن تبعه قال ابن الاثير هذا من صفة الاولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها وهؤلاء هم خواص الاولياء ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فعلا وأمرا لانه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله لانه كان كامل التوكل يقينا فلا يؤثر فيه تعاطي الاسباب شيئا بخلاف غيره ولو كان كثير التوكل لكن من ترك الاسباب وفوض وأخلص في ذلك كان أرفع مقاما قال الطبري قيل لا يستحق التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف من شئ البتة حتى السبع الضاري والعدو العادي ولا من لم يسع في طلب رزق ولا في مداواة ألم والحق أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض
لم يقدح في توكله تعاطيه الاسباب أتباعا لسنته وسنة رسوله فقد ظاهر صلى الله عليه وسلم
[ 180 ]
في الحرب بين درعين ولبس على سه المغفر وأقعد الرماة على فم الشعب وخندق حول المدينة وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة وهاجر هو وتعاطى أسباب الاكل والشرب وادخر لاهله قوتهم ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء وهو على كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك وقال للذي سأله أعقل ناقتي أو أدعها قال اعقلها وتوكل فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل والله أعلم قوله باب الطيرة بكسر المهملة وفتح التحتانية وقد تسكن هي التشاؤم بالشين وهو مصدر تطير مثل تحير حيرة قال بعض أهل اللغة لم يجئ من المصادر هكذا غير هاتين وتعقب بأنه سمع طيبة وأورد بعضهم التولة وفيه نظر وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير فإذا خرج أحدهم لامر فإن رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر وأن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها فجاء الشرع بالنهي عن ذلك وكانوا يسمونه السانح بمهملة ثم نون ثم حاء مهملة والبارح بموحدة وآخره مهملة فالسانح ما ولاك ميامنه بأن يمر عن يسارك إلى يمينك والبارح بالعكس وكانوا يتيمنون بالسانح ويتشاءمون بالبارح لانه لا يمكن رميه إلى بان ينحرف إليه وليس في شئ من سنوح الطير وبروحها ما يقتضي ما اعتقدوه وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له إذ لا نطق للطير ولا تمييز فيستدل بفعله على مضمون معنى فيه وطلب العلم من غير مظائه جهل من فاعله وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير ويتمدح بتركه قال شاعر منهم ولقد غدوت وكنت لا أغدو على واق وحاتم فإذا الاشائم كالايامن والايامن كالاشائم وقال آخر الزجر والطير والكهان كلهم مضللون ودون الغيب أقفال وقال آخر
وما عاجلات الطير تدنى من الفتى نجاحا ولا عن رئيهن قصور وقال آخر لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع وقال آخر تخير طيرة فيها زياد لتخبره وما فيها خبير تعلم أنه لا طير إلا على متطير وهو الثبور بلى شئ يوافق بعض شئ أحايينا وباطله كثير وكان أكثرهم يتطيرون ويعتمدون على ذلك ويصح معهم غالبا لتزيين الشيطان ذلك وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين وقد أخرج بن حبان في صحيحه من حديث أنس رفعه لا طيرة والطيرة على من تطير وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا يسلم منهن أحد الطيرة والظن والحسد فإذا تطيرت فلا ترجع وإذا حسدت فلا تبغ وإذا ظننت فلا تحقق وهذا مرسل أو معضل لكن له شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه البيهقي في الشعب وأخرج بن عدي بسند لين عن أبي هريرة رفعه إذا تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا
[ 181 ]
وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء رفعه لن ينال الدرجات العلاء من تكهن أو استسقم أو رجع من سفر تطيرا ورجاله ثقات إلا أنني أظن أن فيه انقطاعا وله شاهد عن عمران بن حصين وأخرجه البزار في أثناء حديث بسند جيد وأخرج أبو داود والترمذي وصححه هو وابن حبان عن ابن مسعود رفعه الطيرة شرك وما منا الا تطير ولكن الله يذهبه بالتوكل وقوله وما منا إلا من كلام ابن مسعود أدرج في الخبر وقد بينه سليمان بن حرب شيخ البخاري فيما حكاه الترمذي عن البخاري عنه وإنما جعل ذلك شركا لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعا أو يدفع ضرا فكأنهم أشركوه مع الله تعالى وقوله ولكن الله يذهبه بالتوكل إشارة إلى أن من وقع له ذلك فسلم لله ولم يعبأ بالطيرة أنه لا يؤاخذ بما عرض له من ذلك وأخرج البيهقي في الشعب من حديث عبد الله بن عمرو موقوفا من عرض له
من هذه الطيرة شئ فليقل اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك قوله لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث قد تقدم شرح هذا الحديث وبيان اختلاف الرواة في سياقه في كتاب الجهاد والتطير والتشاؤم بمعنى واحد فنفى أولا بطريق العموم كما نفى العدوى ثم أثبت الشؤم في الثلاثة المذكورة وقد ذكرت ما قيل في ذلك هناك وقد وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند أبي داود بلفظ وإن كانت الطيرة في شئ الحديث قوله في الحديث الثاني لا طيرة وخيرها الفأل يأتي شرحه في الباب الذي بعده وكأنه أشار بذلك إلى أن النفي في الطيرة على ظاهر لكن في الشر ويستثنى من ذلك ما يقع فيه من الخير كما سأذكره صلى الله عليه وسلم قوله باب الفأل بفاء ثم همزة وقد تسهل والجمع فئول بالهمزة جزما قوله عن عبيد الله بن عبد الله أي بن عتبة بن مسعود وقد صرح في رواية شعيب التي قبل هذه فيه بالاخبار قوله قال وما الفأل كذا للاكثر بالافراد وللكشميهني قالوا كراوية شعيب قوله الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم وقال في حديث أنس ثاني حديثي الباب ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة وفي حديث عروة بن عامر الذي أخرجه أبو داود قال ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خيرها الفأل ولا ترد مسلما فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل اللهم لا يأتي الحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلى بالله وقوله وخيرها الفأل قال الكرماني تبعا لغيره هذه الاضافة تشعر بأن الفأل من جملة الطيرة وليس كذلك بل هي إضافة توضيح ثم قال وأيضا فإن من جملة الطيرة كما تقدم تقريره التيامن فبين بهذا الحديث أنه ليس كل التيامن مردودا كالتشاؤم بل بعض التيامن مقبول قلت وفي الجواب الاول دفع في صدر السؤال وفي الثاني تسليم السؤال ودعوى التخصيص وهو أقرب وقد أخرج بن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة رفعه كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة وأخرج الترمذي من حديث حابس التميمي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول العين حق وأصدق الطيرة الفأل ففي هذا التصريح أن الفأل من جملة الطيرة لكنه مستثنى وقال الطيبي الضمير المؤنث في قوله وخيرها راجع إلى الطيرة وقد علم أن الطيرة كلها لا خير فيها فهو كقوله تعالى أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وهو مبني على زعمهم وهو من إرخاء العنان في
المخادعة بأن يجري الكلام على زعم الخصم حتى لا يشمئز عن التفكر فيه فإذا تفكر فانصف من نفسه قبل الحق فقوله خيرها الفأل إطماع للسامع في الاستماع والقبول لا أن في الطيرة خيرا حقيقة أو هو من نحو قولهم الصيف أحر من الشتاء أي الفأل في بابه أبلغ من الطيرة في بابها
[ 182 ]
والحاصل أن أفعل التفضيل في ذلك إنما هو بين القدر المشترك بين الشيئين والقدر المشترك بين الطيرة والفأل تأثير كل منهما فيما هو فيه والفأل في ذلك أبلغ قال الخطابي وإنما كان ذلك لان مصدر الفأل عن نطق وبيان فكأنه خبر جاء عن غيب بخلاف غيره فإنه مستند إلى حركة الطائر أو نطقه وليس فيه بيان أصلا وإنما هو تكلف ممن يتعاطاه وقد أخرج الطبري عن عكرمة قال كنت عند بن عباس فمر طائر فصاح فقال رجل خير خير فقال بن عباس ما عند هذا لا خير ولا شر وقال أيضا الفرق بين الفأل والطيرة أن الفأل من طريق حسن الظن بالله والطيرة لا تكون إلا في السوء فلذلك كرهت وقال النووي الفال يستعمل فيما يسوء وفيما يسر وأكثره في السرور والطيرة لا تكون إلا في الشؤم وقد تستعمل مجازا في السرور اه وكأن ذلك بحسب الواقع وأما الشرع فخص الطيرة بما يسوء والفال بما يسر ومن شرطه أن لا يقصد إليه فيصير من الطيرة قال بن بطال جعل الله في فطر الناس محبة الكلمة الطيبة والانس بها كما جعل فيهم الارتياح بالمنظر الانيق والماء الصافي وأن كان لا يملكه ولا يشربه وأخرج الترمذي وصححه من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع يا نجيح يا راشد وأخرج أبو داود بسند حسن عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطير من شئ وكان إذا بعث عاملا يسأل عن اسمه فإذا أعجبه فرح به وأن كره اسمه رؤى كراهة ذلك في وجهه وذكر البيهقي في الشعب عن الحليمي ما ملخصه كان التطير في الجاهلية في العرب ازعاج الطير عند إرادة الخروج للحاجة فذكر نحو ما تقدم ثم قال وهكذا كانوا يتطيرون بصوت الغراب وبمرور الظباء فسموا الكل تطيرا لان أصله الاول قال وكان التشاؤم في العجم إذا رأى الصبي ذاهبا إلى المعلم تشاءم أو راجعا تيمن وكذا إذا رأى الجمل موقرا حملا تشاءم فإن رآه واضعا حمله تيمن ونحو ذلك فجاء الشرع برفع
ذلك كله وقال من تكهن أورده عن سفر تطير فليس منا ونحو ذلك من الاحاديث وذلك إذا اعتقد أن الذي يشاهده من حال الطير موجبا ما ظنه ولم يضف التدبير إلى الله تعالى فأما إن علم أن الله هو المدبر ولكنه أشفق من الشر لان التجارب قضت بأن صوتا من أصواتها معلوما أو حالا من أحوالها معلومة يردفها مكروه فإن وطن نفسه على ذلك أساء وأن سأل الله الخير واستعاذ به من الشر ومضى متوكلا لم يضره ما وجد في نفسه من ذلك وإلا فيؤاخذ به وربما وقع به ذلك المكروه بعينه الذي اعتقده عقوبة له كما كان يقع كثيرا لاهل الجاهلية والله أعلم قال الحليمي وإنما كان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفال لان التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق والتفاؤل حسن ظن به والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال وقال الطيبي معنى الترخص في الفأل والمنع من الطيرة هو أن الشخص لو رأى شيئا فظنه حسنا محرضا على طلب حاجته فليفعل ذلك وأن رآه بضد ذلك فلا يقبله بل يمضي لسبيله فلو قبل وانتهى عن المضي فهو الطيرة التي اختصت بأن تستعمل في الشؤم والله أعلم قوله باب لا هامة كذا للجميع وذكر فيه حديث أبي هريرة لا عدوي ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ثم ترجم بعد سبعة أبواب باب لا هامة وذكر فيه الحديث المذكور مطولا وليس فيه ولا طيرة وهذا من نوادر ما اتفق له أن يترجم للحديث في موضعين بلفظ واحد وسأذكر شرح الهامة في الموضع الثاني إن شاء الله تعالى ثم ظهر لي أنه أشار بتكرار هذه الترجمة إلى الخلاف في تفسير الهامة كما سيأتي بيانه قوله باب الكهانة
[ 183 ]
وقع في بن بطال هنا والسحر وليس هو في نسخ الصحيح فيما وقفت عليه بل ترجمة السحر في باب مفرد عقب هذه والكهانة بفتح الكاف ويجوز كسرها ادعاء علم الغيب كالاخبار بما سيقع في الارض مع الاستناد إلى سبب والاصل فيه استراق الجنى السمع من كلام الملائكة فيلقيه في أذن الكاهن والكاهن لفظ يطلق على العراف والذي يضرب بالحصى والمنجم ويطلق على من يقوم بأمر آخر ويسعى في قضاء حوائجه وقال في المحكم الكاهن القاضي بالغيب وقال في الجامع العرب تسمي كل من أذن بشئ قبل وقوعه كاهنا وقال الخطابي الكهنة قوم لهم أذهان
حادة ونفوس شريرة وطباع نارية فألفتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الامور ومساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم إليه وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية خصوصا في العرب لانقطاع النبوة فيهم وهي على أصناف منها ما يتلقونه من الجن فإن الجن كانوا يصعدون إلى جهة السماء فيركب بعضهم بعضا إلى أن يدنو الاعلى بحيث يسمع الكلام فيلقيه إلى الذي يليه إلى أن يتلقاه من يلقيه في أذن الكاهن فيزيد فيه فلما جاء الاسلام ونزل القرآن حرست السماء من الشياطين وأرسلت عليهم الشهب فبقي من استراقهم ما يتخطفه الاعلى فيلقيه إلى الاسفل قبل أن يصيبه الشهاب وإلى ذلك الاشارة بقوله تعالى إلا من خطف الخطفة فاتبعه شهاب ثاقب وكانت إصابة الكهان قبل إلاسلام كثيرة جدا كما جاء في أخبار شق وسطيح ونحوهما وأما في الاسلام فقد ندر ذلك جدا حتى كاد يضمحل ولله الحمد ثانيها ما يخبر الجني به من يواليه بما غاب عن غيره مما لا يطلع عليه الانسان غالبا أو يطلع عليه من قرب منه لا من بعد ثالثها ما يستند إلى ظن وتخمين وحدس وهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة مع كثرة الكذب فيه رابعها ما يستند إلى التجربة والعادة فيستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك ومن هذا القسم الاخير ما يضاهي السحر وقد يعتضد بعضهم من ذلك بالزجر والطرق والنجوم وكل ذلك مذموم شرعا وورد في ذم الكهانة ما أخرجه أصحاب السنن وصححه الحاكم من حديث أبي هريرة رفعه من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما انزل على محمد وله شاهد من حديث جابر وعمران بن حصين أخرجهما البزار بسندين جيدين ولفظهما من أتى كاهنا وأخرجه مسلم من حديث امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ومن الرواة من سماها حفصة بلفظ ممن أتى عرافا وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن مسعود بسند جيد لكن لم يصرح برفعه ومثله لا يقال بالرأي ولفظه من أتى عرافا أو ساحرا أو كاهنا واتفقت ألفاظهم على الوعيد بلفظ حديث أبي هريرة إلا حديث مسلم فقال فيه لم يقبل لهما صلاة أربعين يوما ووقع عند الطبراني من حديث أنس بسند مرفوعا بلفظ من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزل على محمد ومن أتاه غير مصدق له لم تقبل صلاته أربعين يوما والاحاديث الاول مع صحتها وكثرتها أولى من هذا والوعيد جاء تارة بعدم قبول الصلاة وتارة
بالتكفير فيحمل على حالين من الآتي أشار إلى ذلك القرطبي والعراف بفتح المهملة وتشديد الراء من يستخرج الوقوف على المغيبات بضرب من فعل أو قول ثم ذكر المصنف ثلاثة أحاديث أحدها حديث أبي هريرة قوله عن بن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة وساقه بطوله كذا قال عبد الرحمن بن خالد بن مسافر من رواية الليث عنه عن بن شهاب وفصل مالك عن ابن شهاب قصة ولي المرأة فجعله من رواية بن شهاب عن سعيد بن المسيب مرسلا كما بينه المصنف في الطريق
[ 184 ]
التي تلي طريق بن مسافر هذه وقد روى الليث عن بن شهاب أصل الحديث بدون الزيادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة موصولا كما سيأتي في الديات وكذا أخرج هناك طريق يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة وسعيد معا عن أبي هريرة بأصل الحديث دون الزيادة ويأتي شرح ما يتعلق بالجنين والغرة هناك إن شاء الله تعالى قوله فقال ولي المرأة هو حمل بفتح المهملة والميم الخفيفة بن مالك بن النابغة الهذلي بينه مسلم من طريق يونس عن بن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة معا عن أبي هريرة وكنية حمل المذكور أبو نضلة وهو صحابي نزل البصرة وفي رواية مالك فقال الذي قضى عليه أي قضى على من هي منه بسبيل وفي رواية الليث عن ابن شهاب المذكورة أن المرأة من بني لحيان وبنو لحيان حي من هذيل وجاء تسمية الضرتين فيما أخرج أحمد من طريق عمرو بن تميم بن عويم عن أبيه عن جده قال كانت أختي مليكة وامرأة منا يقال لها أم عفيف بنت مسروح تحت حمل بن مالك بن النابغة فضربت أم عفيف مليكة بمسطح الحديث لكن قال فيه فقال العلاء بن مسروح يا رسول الله أنغرم من لا شرب ولا أكل الحديث وفي آخره أسجع كسجع الجاهلية ويجمع بينهما بأن كلا من زوج المرأة وهو حمل وأخيها وهو العلاء قال ذلك تواردا معا عليه لما تضرر عندهما أن الذي يودي هو الذي يخرج حيا وأما السقط فلا يودي فأبطل الشرع ذلك وجعل فيه غرة وسيأتي بيانه في كتاب الديات إن شاء الله تعالى ووقع في رواية للطبراني أيضا أن الذي قال ذلك عمران بن عويم فلعلها قصة أخرى وأم عفيف بمهملة وفاءين وزن عظيم ووقع في المبهمات للخطيب وأصله عند أبي داود والنسائي من طريق
سماك عن عكرمة عن بن عباس أنها أم غطيف بغين ثم طاء مهملة مصغر فالله أعلم قوله كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل في رواية مالك من لا أكل ولا شرب والاول أولى لمناسبة السجع ووقع في رواية الكشميهني في رواية مالك ما لا بدل من لا وهذا هو الذي في الموطأ وقال أبو عثمان بن جنى معنى قوله لا أكل أي لم يأكل أقام الفعل الماضي مقام المضارع قوله فمثل ذلك بطل للاكثر بضم المثناة التحتانية وفتح الطاء المهملة وتشديد اللام أي يهدر يقال دم فلان هدر إذا ترك الطلب بثأره وطل الدم بضم الطاء وبفتحها أيضا وحكى أطل ولم يعرفه الاصمعي ووقع للكشميهني في رواية بن مسافر بطل بفتح الموحدة والتخفيف من البطلان كذا رأيته في نسخة معتمدة من رواية أبي ذر وزعم عياض أنه وقع هنا للجميع بالموحدة قال وبالوجهين في الموطأ وقد رجح الخطابي أنه من البطلان وأنكره بن بطال فقال كذا يقوله أهل الحديث وإنما هو من طل الدم إذا هدر قلت وليس لانكاره معنى بعد ثبوت الرواية وهو موجه راجع إلى معنى الرواية الاخرى قوله إنما هذا من إخوان الكهان أي لمشابهة كلامه كلامهم زاد مسلم والاسماعيلي من رواية يونس من أجل سجعه الذي سجع قال القرطبي هو من تفسير الراوي وقد ورد مستند ذلك فيما أخرجه مسلم في حديث المغيرة بن شعبة فقال رجل من عصبة القاتلة يغرم فذكر نحوه وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسجع كسجع الاعراب والسجع هو تناسب آخر الكلمات لفظا وأصله الاستواء وفي الاصطلاح الكلام المقفي والجمع أسجاع وأساجيع قال بن بطال فيه ذم الكفار وذم من تشبه بهم في ألفاظهم وإنما لم يعاقبه لانه صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بالصفح عن الجاهلين وقد تمسك به من كره السجع في الكلام وليس
[ 185 ]
على إطلاقه بل المكروه منه ما يقع مع التكلف في معرض مدافعة الحق وأما ما يقع عفوا بلا تكلف في الامور المباحة فجائز وعلى ذلك يحمل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الدعوات والحاصل أنه إن جمع الامرين من التكلف وإبطال الحق كان مذموما وان اقتصر على أحدهما كان أخف في الذم ويخرج من ذلك تقسيمه إلى أربعة أنواع فالمحمود ما جاء
عفوا في حق ودونه ما يقع متكلفا في حق أيضا والمذموم عكسهما وفي الحديث من الفوائد أيضا رفع الجناية للحاكم ووجوب الدية في الجنين ولو خرج ميتا كما سيأتي تقريره في كتاب الديات مع استيفاء فوائده الحديث الثاني حديث أبي مسعود وهو عقبة بن عمرو في النهي عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن وقد تقدم شرحه في أواخر كتاب البيع الحديث الثالث قوله عن يحيى بن عروة بن الزبير عن عروة كأن هذا مما فات الزهري سماعه من عروة فحمله عن ولده عنه مع كثرة ما عند الزهري عن عروة وقد وصفه الزهري بسعة العلم ووقع في رواية معقل ابن عبيد الله عند مسلم عن الزهري أخبرني يحيى بن عروة أنه سمع عروة وكذا للمصنف في التوحيد من طريق يونس وفي الادب من طريق بن جريج كلاهما عن بن شهاب ولم أقف ليحيى بن عروة في البخاري إلا على هذا الحديث وقد روى بعض هذا الحديث محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود عن عروة وتقدم موصولا في بدء الخلق وكذا هشام بن عروة عن أبيه به قوله سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية الكشميهني سأل ناس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا هو في رواية يونس وعند مسلم من رواية معقل مثله ومن رواية معقل مثل الذي قبله وقد سمي ممن سأل عن ذلك معاوية بن الحكم السلمي كما أخرجه مسلم من حديثه قال قلت يا رسول الله أمورا كنا نصنعها في الجاهلية كنا نأتي الكهان فقال لا تأتوا الكهان الحديث وقال الخطابي هؤلاء الكهان فيما علم بشهادة الامتحان قوم لهم أذهان حادة ونفوس شريرة وطبائع نارية فهم يفزعون إلى الجن في أمورهم ويستفتونهم في الحوادث فيلقون إليهم الكلمات ثم تعرض إلى مناسبة ذكر الشعراء بعد ذكرهم في قوله تعالى هل أنبئكم على من تنزل الشياطين قوله فقال ليس بشئ في رواية مسلم ليسوا بشئ وكذا في رواية يونس في التوحيد وفي نسخة فقال لهم ليسوا بشئ أي ليس قولهم بشئ يعتمد عليه والعرب تقول لمن عمل شيئا ولم يحكمه ما عمل شيئا قال القرطبي كانوا في الجاهلية يترافعون إلى الكهان في الوقائع والاحكام ويرجعون إلى أقوالهم وقد انقطعت الكهانة بالبعثة المحمدية لكن بقي في الوجود من يتشبه بهم وثبت النهي عن اتيانهم ولا تصديقهم قوله انهم يحدثوننا أحيانا بشئ فيكون حقا في رواية يونس فإنهم يتحدثون
هذا أورده السائل إشكالا على عموم قوله ليسوا بشئ لانه فهم منه أنهم لا يصدقون أصلا فأجابه صلى الله عليه وسلم عن سبب ذلك الصدق وأنه إذا اتفق أن يصدق لم يتركه خالصا بل يشوبه بالكذب قوله تلك الكلمة من الحق كذا في البخاري بهملة وقاف أي الكلمة المسموعة التي تقع حقا ووقع في مسلم تلك الكلمة من الجن قال النووي كذا في نسخ بلادنا بالجيم والنون أي الكلمة المسموعة من الجن أو التي تصح مما نقلته الجن قلت التقدير الثاني يوافق رواية البخاري قال النووي وقد حكى عياض أنه وقع يعني في مسلم بالحاء والقاف قوله يخطفها الجني كذا للاكثر وفي رواية السرخسي يخطفها من الجني أي الكاهن يخطفها من الجني أو الجني الذي يلقى الكاهن
[ 186 ]
يخطفها من جني آخر فوقه ويخطفها بخاء معجمة وطاء مفتوحة وقد تكسر بعدها فاء ومعناه الاخذ بسرعة وفي رواية الكشميهني يحفظها بتقديم الفاء بعدها ظاء معجمة والاول هو المعروف والله أعلم قوله فيقرها بفتح أوله وثانيه وتشديد الراء أي يصبها تقول قررت على رأسه دلوا إذا صببته فكأنه صب في إذنه ذلك الكلام قال القرطبي ويصح أن يقال المعنى ألقاها في أذنه بصوت يقال قر الطائر إذا صوت انتهى ووقع في رواية يونس المذكورة فيقرقرها أي يرددها يقال قرقرت الدجاجة تقرقر قرقرة إذا رددت صوتها قال الخطابي ويقال أيضا قرت الدجاجة تقر قرا وقريرا وإذا رجعت في صوتها قيل قرقرت قرقرة وقرقريرة قال والمعنى أن الجني إذا ألقى الكلمة لوليه تسامع بها الشياطين فتناقلوها كما إذا صوتت الدجاجة فسمعها الدجاج فجاوبتها وتعقبه القرطبي بأن الاشبه بمساق الحديث أن الجني يلقي الكلمة إلى وليه بصوت خفي متراجع له زمزمة ويرجعه له فلذلك يقع كلام الكهان غالبا على هذا النمط وقد تقدم شئ من ذلك في أواخر الجنائز في قصة بن صياد وبيان اختلاف الرواة في قوله في قطيفة له فيها زمزمة وأطلق على الكاهن ولي الجنى لكونه يواليه أو عدل عن قوله الكاهن إلى قوله وليه للتعميم في الكاهن وغيره ممن يوالي الجن قال الخطابي بين صلى الله عليه وسلم أن إصابة الكاهن أحيانا إنما هي لان الجني يلقي إليه الكلمة التي يسمعها استراقا من الملائكة فيزيد عليها أكاذيب يقيسها على ما سمع
فربما أصاب نادرا وخطؤه الغالب وقوله في رواية يونس كقرقرة الدجاجة يعني الطائر المعروف ودالها مثلثة والاشهر فيها الفتح وقع في رواية المستملي الزجاجة بالزاي المضمومة وأنكرها الدارقطني وعدها في التصحيف لكن وقع في حديث الباب من وجه آخر تقدم في باب ذكر الملائكة في كتاب بدء الخلق فيقرها في أذنه كما تقر القارورة وشرحوه على أن معناه كما يسمع صوت الزجاجة إذا حلت على شئ أو ألقى فيها شئ وقال القابسي المعنى أنه يكون لما يلقيه الجني إلى الكاهن حس كحس القارورة إذا حركت باليد أو على الصفا وقال الخطابي المعنى أنه يطبق به كما يطبق رأس القارورة براس الوعاء الذي يفرغ فيه منها ما فيها وأغرب شارح المصابيح النوربشتي فقال الرواية بالزاي أحوط لما ثبت في الرواية الاخرى كما تقر القارورة واستعمال قر في ذلك شائع بخلاف ما فسروا عليه الحديث فإنه غير مشهور ولم تجد له شاهدا في كلامهم فدل على أن الرواية بالدال تصحيف أو غلط من السامع وتعقبه الطيبي فقال لا ريب أن قوله قر الدجاجة مفعول مطلق وفيه معنى التشبيه فكما يصح أن يشبه إيراد ما اختطفه من الكلام في إذن الكاهن بصب الماء في القارورة يصح أن يشبه ترديد الكلام في أذنه بترديد الدجاجة صوتها في أذن صواحباتها وهذا مشاهد ترى الديك إذا رأى شيئا ينكره يقرقر فتسمعه الدجاج فتجتمع وتقرقر معه وباب الشتبيه واسع لا يفتقر إلى العلاقة غير أن الاختطاف مستعار للكلام من فعل الطير كما قال الله تعالى فتخطفه الطير فيكون ذكر الدجاجة هنا أنسب من ذكر الزجاجة لحصول الترشيح في الاستعارة قلت ويؤيده دعوى الدارقطني وهو إمام الفن أن الذي بالزاي تصحيف وأن كنا ما قبلنا ذلك فلا أقل أن يكون أرجح قوله فيخلطون معها مائة كذبة في رواية ابن جريج أكثر من مائة كذبة وهو دال على أن ذكر المائة للمبالغة لا لتعيين العدد وقوله كذبة هنا بالفتح وحكى الكسر وأنكره بعضهم لانه بمعنى الهيئة والحالة وليس هذا موضعه وقد أخرج مسلم
[ 187 ]
في حديث آخر أصل توصل الجني إلى الاختطاف فأخرج من حديث بن عباس حدثني رجال من الانصار أنهم بينا هم جلوس ليلا مع رسو