فتح الباري شرح صحيح البخاري للامامي الحافظ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى المجلد الثاني عشر دار المعرفة بيروت - لبنان
[ 2 ]
بسم الله الرحمن الرحيم قوله كتاب الفرائض جمع فريضة كحديقة وحدائق والفريضة فعيلة بمعنى مفروضة مأخودة من الفرض وهو القطع يقال فرضت لفلان كذا أي قطعت له شيئا من المال قال الخطابي وقيل هو من فرض القوس وهو الحز الذي في طرفيه حيث يوضع الوتر ليثبت فيه ويلزمه ولا يزول وقيل الثاني خاص بفرائض الله وهي ما ألزم به عباده وقال الراغب الفرض قطع الشئ الصلب والتأثير فيه وخصت المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى نصيبا مفروضا أي مقدرا أو معلوما أو مقطوعا عن غيرهم قوله وقول الله يوصيكم الله في أولادكم أفاد السبيلي أن الحكمة في التعبير بلفظ الفعل المضارع لا بلفظ الفعل الماضي كما في قوله تعالى ذلكم وصاكم به وسورة أنزلناها وفرضناها الاشارة إلى أن هذه الآية ناسخة للوصية المكتوبة عليهم كما سيأتي بيانه قريبا في باب ميراث الزوج قال وأضاف الفعل إلى اسم المظهر تنويها بالحكم وتعظيما له وقال في أولادكم ولم يقل بأولادكم إشارة إلى الامر بالعدل فيهم ولذلك لم يخص الوصية بالميراث بل أتى باللفظ عاما وهو كقوله لاأشهد على جور وأضاف الاولاد إليهم مع أنه الذي أوصى بهم إشارة إلى أنه أرحم بهم من
أبائهم قوله إلى قوله وصية من الله والله عليم حليم كذا لابي ذر وأما غيره فساق الآية الاولى وقال بعد قوله عليما حكيما إلى قوله والله عليم حليم وذكر فيه حديث جابر مرضت فعادني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله كيف أصنع في مالي فلم يجبني بشئ حتى نزلت آية الميراث
[ 3 ]
هكذا وقع في رواية قتيبة وقد تقدم في تفسير سورة النساء أن مسلما أخرجه عن عمرو الناقد عن سفيان وهو بن عيينة شيخ قتيبة فيه وزاد في أخره يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة وبينت هناك أن هذه الزيادة مدرجة وأن الصواب ما أخرجه الترمذي من طريق يحيى بن أدم عن بن عيينة حتى نزلت يوصيكم الله في أولادكم وأما قول البخاري في الترجمة إلى والله عليم حليم فأشار به إلى أن مراد جابر من آية الميراث قوله وان كان رجل يورث كلالة أو امرأة وقد سبق في آخر تفسير النساء ما أخرجه النسائي من وجه آخر عن جابر أن يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة نزلت فيه وقد أشكل ذلك قديما قال بن العربي بعد أن ذكر الروايتين في إحداهما فنزلت يستفتونك وفي أخرى آية المواريث هذا تعارض لم يتفق بيانه إلى الآن ثم أشار إلى ترجيح آية المواريث وتوهيم يستفتونك ويظهر أن يقال أن كلا من الآيتين لما كان فيها ذكر الكلالة نزلت في ذلك لكن الآية الاولى لما كانت الكلالة فيها خاصة بميراث الاخوة من الام كما كان بن مسعود يقرأ وله أخ أو أخت من أم وكذا قرأ سعيد بن أبي وقاص أخرجه البيهقي بسند صحيح استفتوا عن ميراث غيرهم من الاخو فنزلت الاخيرة فيصح أن كلا من الآيتين نزلت في قصة جابر لكن المتعلق به من الآية الاولى ما يتعلق بالكلالة وأما سبب نزول أولها فورد من حديث جابر أيضا في قصة ابنتي سعد بن الربيع ومنع عمهما أن يرثا من أبيهما فنزلت يوصيكم الله الآية فقال للعم أعط ابنتي سعد الثلثين وقد بينت سياقه من وجه آخر هناك وبالله التوفيق وقد وقع في بعض طرق حديث جابر المذكور في الصحيحين فقلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة وقوله فلم يجبني بشئ استدل به على أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يجتهد ورد بأنه لا يلزم من انتظاره الوحي في هذه القصة الخاصة عموم ذلك في كل قصة ولا سيما وهي في مسألة المواريث التي غالبها لا مجال
للرأي فيه سلمنا أنه كان يمكنه أن يجتهد فيها لكن لعلة كان ينتظر الوحي أولا فان لم ينزل اجتهد فلا يدل على نفي الاجتهاد مطلقا قوله باب تعليم الفرائض وقال عقبة بن عامر تعلموا قبل الظانين يعني الذين يتكلمون بالظن هذا الاثر لم أظفر به موصولا وقوله قبل الظانين فيه إشعار بأن أهل ذلك العصر كانوا يقفون عند النصوص ولا يتجاوزونها وأن نقل عن بعضهم الفتوى بالرأي فهو قليل بالنسبة وفيه انذار بوقوع ما حصل من كثرة القائلين بالرأي وقيل مراده قبل اندراس العلم وحدوث من يتكلم بمقتضى ظنه غير مستند إلى علم قال بن المنير وانما خص البخاري قول عقبة بالفرائض لانها أدخل فيه من غيرها لان الفرائض الغالب عليها التعبد وانحسام وجوه الرأي والخوض فيها بالظن لا انضباط له بخلاف غيرها من أبواب العلم فان للرأي فيها مجالا والانضباط فيها ممكن غالبا ويؤخذ من هذا التقرير مناسبة الحديث المرفوع للترجمة وقيل وجه المناسبة أن فيه إشارة إلى أن النهي عن العمل بالظن يتضمن الحث على العمل بالعلم وذلك فرع تعلمه وعلم الفرائض يؤخذ غالبا بطريق العلم كما تقدم تقريره وقال الكرماني يحتمل أن يقال لما كان في الحديث وكونوا عباد الله إخوانا يؤخذ منه تعلم الفرائض ليعلم الاخ الوارث من غيره وقد ورد في الحث على تعلم الفرائض حديث ليس على شرط المصنف أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وصححه الحاكم من حديث بن مسعود رفعه تعلموا الفرائض وعلموها الناس فاني امرؤ مقبوض وان العلم سيقبض حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل
[ 4 ]
بينهما ورواته موثقون إلا أنه اختلف فيه على عوف الاعرابي اختلافا كثيرا فقال الترمذي انه مضطرب والاختلاف عليه انه جاء عنه من طريق أبي مسعود وجاء عنه من طريق أبي هريرة وفي اسانيدها عنه أيضا اختلاف ولفظه عند الترمذي من حديث أبي هريرة تعلموا الفرائض فانها نصف العلم وانه أول ما ينزع من أمتي وفي الباب عن أبي بكرة أخرجه الطبراني في الاوسط من طريق راشد الحماتي عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه رفعه تعلموا القرآن والفرائض وعلموها الناس أوشك أن يأتي على الناس زمان يختصم الرجلان في الفريضة فلا يجدان من
يفصل بينهما وراشد مقبول لكن الراوي عنه مجهول وعن أبي سعيد الخدري بلفظ تعلموا الفرائض وعلموها الناس أخرجه الدارقطني عن طريق عطية وهو ضعيف وأخرج الدارمي عن عمر موقوفا تعلموا الفرائض كما تعلمون القرآن وفي لفظ عنه تعلموا الفرائض فانها من دينكم وعن بن مسعود موقوفا أيضا من قرأ القرآن فليتعلم الفرائض ورجالها ثقات إلا أن في أسانيدها انقطاعا قال بن الصلاح لفظ النصف في هذا الحديث بمعنى أحد القسمين وإن لم يتساويا وقد قال بن عيينة إذ سئل عن ذلك انه يبتلى به كل الناس وقال غيره لان لهم حالتين حالة حياة وحالة موت والفرائض تتعلق بأحكام الموت وقيل لان الاحكام تتلقى من النصوص ومن القياس والفرائض لا تتلقى إلا من النصوص كما تقدم ثم ذكر حديث أبي هريرة إياكم والظن الحديث وقد تقدم من وجه آخر عن أبي هريرة في باب ما ينهى عن التحاسد في أوائل كتاب الادب وتقدم شرحه مستوفى وفيه بيان المراد بالظن هنا وأنه الذي لا يستند إلى أصل ويدخل فيه ظن السوء بالمسلم وابن طاوس المذكور في السند هو عبد الله قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركنا صدقة هو بالرفع أي المتروك عنا صدقة وادعى الشيعة أنه بالنصب على أن ما نافية ورد عليهم بأن الرواية ثابتة بالرفع وعلى التنزل فيجوز النصب على تقدير حذف تقديره ما تركنا مبذول صدقة قاله بن مالك وينبغي الاضراب عنه والوقوف مع ما ثبتت به الرواية وذكر فيه أربعة أحاديث احداها حديث أبي بكر في ذلك وقصته مع فاطمة وقد مضى في فرض الخمس مشروحا وسياقه أتم مما هنا وقوله فيه انما يأكل آل محمد من هذا المال كذا
[ 5 ]
وقع وظاهرة الحصر وأنهم لا يأكلون إلا من هذا المال وليس ذلك مرادا وانما المراد العكس وتوجيهه أن من للتبعيض والتقدير إنما يأكل آل محمد بعض هذا المال يعني بقدر حاجتهم وبقيته للمصالح ثانيها حديث عائشة بلفظ الترجمة وأورده آخر الباب بزيادة فيه ثالثها حديث عمر في قصة علي والعباس مع عمر في منازعتهما في صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه قول عمر لعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام هل تعلمون أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركنا صدقة يريد نفسه فقالوا قد قال ذلك وفيه أنه قال مثله لعلي وللعباس فقال كذلك الحديث بطوله وقد مضى مطولا في فرض الخمس وذكر شرحه هناك تنبيهات الراء من قوله لا نورث بالفتح في الرواية ولو روي بالكسر لصح المعنى أيضا وقوله فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كذا للاكثر وفي رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني خاصة وقوله لقد أعطاكموه أي المال في رواية الكشميهني أعطاكموها أي الخالصة له وقوله فوالله الذي بإذنه في رواية الكشميهني بحذف الجلالة رابعها حديث أبي هريرة وإسماعيل شيخه هو بن أبي أكثر عنه وأما إسماعيل بن أبان شيخه في الحديث الذي قبله بحديث فلا رواية له عن مالك قوله لا يقتسم كذا لابي ذر عن غير الكشميهني وللباقين لا يقسم بحذف التاء الثانية قال بن التين الرواية في الموطأ وكذا قرأته في البخاري برفع الميم على أنه خبر والمعنى ليس يقسم ورواه بعضهم بالجزم كأنه نهاهم إن خلف شيئا لا يقسم بعده فلا تعارض بين هذا وما تقدم في الوصايا من حديث عمرو بن الحارث الخزاعي ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ويحتمل أن يكون الخبر بمعنى النهي فيتحد معنى الروايتين ويستفاد من رواية الرفع أنه أخبر أنه لا يخلف شيئا مما جرت العادة بقسمته كالذهب والفضة وأن الذي يخلفه من غيرهما لا يقسم أيضا بطريق الارث بل تقسم منافعة لمن ذكر قوله ورثتي أي بالقوة لو كنت ممن يورث أو المراد لا يقسم مال تركه لجهة الارث فأتى بلفظ ورثتي ليكون الحكم معللا بما به الاشتقاق وهو الارث فالمنفي اقتسامهم بالارث عنه قاله السبكي الكبير قوله ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة تقدم الكلام على المراد بقوله عاملي في أوائل فرض الخمس مع شرح الحديث وحكيت فيه ثلاثة أقوال ثم وجدت في الخصائص لابن دحية حكاية قول رابع أن المراد خادمه وعبر عن العامل على الصدقة بالعامل على النخل وزاد أيضا وقيل الا جبر ويتحصل من المجموع خمسة أقوال الخليفة والصانع والناظر والخادم وحافر قبره عليه الصلاة والسلام وهذا إن كان المراد بالخادم الجنس والا فان كان الضمير للنخل فيتحد مع الصانع أو الناظر وقد ترجم المصنف عليه في أواخر الوصايا باب نفقة قيم الوقف وفيه إشارة إلى ترجيح حمل العامل على الناظر ومما يسأل عنه تخصيص النساء بالنفقة والمؤنة بالعامل وهل
بينهما مغايرة وقد أجاب عنه السبكي الكبير بأن المؤنة في اللغة القيام بالكفاية والانفاق بذل القوت قال وهذا يقتضي أن النفقة دون المؤنة والسر في التخصيص المذكور الاشارة إلى أن أزواجه صلى الله عليه وسلم لما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة كان لا بد لهن من القوت فاقتصر على ما يدل عليه والعامل لما كان في صورة الاجير فيحتاج إلى ما يكفيه اقتصر على ما يدل عليه انتهى ملخصا ويؤيده قول أبي بكر الصديق إن حرفتي كانت تكفي عائلتي فاشتغلت عن ذلك
[ 6 ]
بأمر المسلمون فجعلوا له قدر كفايته ثم قال السبكي لا يعترض بأن عمر كان فضل عائشة في العطاء لانه علل ذلك بمزيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها قلت وهذا ليس مما بدأ به لان قسمة عمر كانت من الفتوح وأما ما يتعلق بحديث الباب ففيما يتعلق بما خلفه النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يبدأ منه بما ذكر وأفاد رحمه الله أنه يدخل في لفظ نفقة نسائي كسوتهن وسائر اللوازم وهو كما قال ومن ثم استمرت المساكن التي كن فيها قبل وفاته صلى الله عليه وسلم كل واحدة باسم التي كانت فيه وقد تقدم تقرير ذلك في أول فرض الخمس وإذا انضم قوله ان الذي تخلفه صدقة الا أن آله تحرم عليهم الصدقة تحقق قوله لا نورث وفي قول عمر يريد نفسه إشارة إلى أن النون في قوله نورث للمتكلم خاصة لا للجمع وأما ما اشتهر في كتب أهل الاصول وغيرهم بلفظ نحن معاشر الانبياء لا نورث فقد أنكره جماعة من الائمة وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ نحن لكن أخرجه النسائي عن طريق بن عيينة عن أبي الزناد بلفظه إنا معاشر الانبياء لا نورث الحديث أخرجه عن محمد بن منصور عن بن عيينة عنه وهو كذلك في مسند الحميدي عن بن عيينة وهو من أتقن أصحاب بن عيينة فيه وأورده الهيثم بن كليب في مسنده من حديث أبي بكر الصديق باللفظ المذكور وأخرجه الطبراني في الاوسط بنحو اللفظ المذكور وأخرجه الدارقطني في العلل من رواية أم هانئ عن فاطمة عليها السلام عن أبي بكر الصديق بلفظ إن الانبياء لا يورثون قال بن بطال وغيره ووجه ذلك والله أعلم أن الله بعثهم مبلغين رسالته وأمرهم أن لا يأخذوا على ذلك أجرا كما قال قل لا أسألكم عليه أجرا وقال نوح وهود وغيرهما نحو ذلك
فكانت الحكمة في أن لا يورثوا لئلا يظن أنهم جمعوا المال لوارثهم قال وقوله تعالى وورث سليمان داود حمله أهل العلم بالتأويل على العلم والحكمة وكذا قول زكريا فهب لي من لدنك وليا يرثني وقد حكى بن عبد البر أن للعلماء في ذلك قولين وأن الاكثر على أن الانبياء لا يورثون وذكر أن ممن قال بذلك من الفقهاء إبراهيم بن إسماعيل بن علية ونقله عن الحسن البصري عياض في شرح مسلم وأخرج الطبري من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله تعالى حكاية عن زكريا واني خفت الموالي قال العصبة ومن قوله وهب لي من لدنك وليا يرثني قال يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة ومن طريق قتادة عن الحسن نحوه لكن لم يذكر المال ومن طريق مبارك بن فضالة عن الحسن رفعه مرسلا رحم الله أخي زكريا ما كان عليه من يرث ماله قلت وعلى تقديري تسليم القول المذكور فلا معارض من القرآن لقول نبينا عليه الصلاة والسلام لا نورث ما تركنا صدقة فيكون ذلك من خصائصه التي أكرم بها بل قول عمر يريد نفسه يؤيد اختصاصه بذلك وأما عموم قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم الخ فأجيب عنها بأنها عامة فيمن ترك شيئا كان يملكه وإذا ثبت أنه وقفه قبل موته فلم يخلف ما يورث عنه فلم يورث وعلى تقدير أنه خلف شيئا مما كان يملكه فدخوله في الخطاب قابل للتخصيص لما عرف من كثرة خصائصه وقد اشتهر عنه أنه لا يورث فظهر تخصيصه بذلك دون الناس وقيل الحكمة في كونه لا يورث حسم المادة في تمني الوارث موت المورث من أجل المال وقيل لكون النبي كالاب لامته فيكون ميراثه للجميع وهذا معنى الصدقة العامة وقال بن المنير في الحاشية يستفاد من الحديث ان من قال داري صدقة لا تورث أنها تكون حبسا ولا يحتاج إلى التصريح بالوقف أو الحبس وهو حسن لكن هل يكون
[ 7 ]
ذلك صريحا أو كناية يحتاج إلى نية وفي حديث أبي هريرة دلالة على صحة وقف المنقولات وأن الوقف لا يختص بالعقار لعموم قوله ما تركت بعد نفقة نسائي الخ ثم ذكر حديث عائشة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن فقالت عائشة أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركنا صدقة أورده من رواية مالك
عن بن شهاب عن عروة وهذا الحديث في الموطأ ووقع في رواية بن وهب عن مالك حدثني بن شهاب وفي الموطأ للدارقطني من طريق القعني يسألنه ثمنهن وكذا أخرجه من طريق جويرية بن أسماء عن مالك وفي الموطأ أيضا أرسلنا عثمان بن عفان إلى أبي بكر الصديق وفيه فقالت لهن عائشة وفيه ما تركنا فهو صدقة وظاهر سياقه أنه من مسند عائشة وقد رواه إسحاق بن محمد الفروي عن مالك بهذا السند عن عائشة عن أبي بكر الصديق أورده الدارقطني في الغرائب وأشار إلى أنه تفرد بزيادة أبي بكر في مسنده وهذا يوافق رواية معمر عن بن شهاب المذكورة في أول هذا الباب فان فيه عن عائشة أن أبا بكر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكره فيحتمل أن تكون عائشة سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعه أبوها ويحتمل أن تكون انما سمعته من أبيها عن النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلته عن النبي صلى الله عليه وسلم لما طالب بالازواج ذلك والله أعلم قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم من ترك مالا فلاهله هذ الترجمة لفظ الحديث المذكور في الباب من طريق أخرى عن أبي سلمة وأخرجه الترمذي في أول كتاب الفرائض من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة بهذا اللفظ وبعده ومن ترك ضياعا فإلي وقال بعده راواه الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أطول من هذا قوله في السند عبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد وقد بينت في الكفالة الاختلاف على الزهري في صحابيه وأن معمرا انفرد عنه بقوله عن جابر بدل أبي هريرة قوله أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم هكذا أورده مختصرا وتقدم في الكفالة من طريق عقيل عن بن شهاب بذكر سببه في أوله ولفظه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتي بالرجل المتوفى عليه الدين فيقول هل ترك لدينه قضاء فان قيل نعم صلى عليه وإلا قال صلوا على صاحبكم فلما فتح الله عليه الفتوح قال أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم الحديث وتقدم في القرض وفي تفسير الاحزاب عن رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة بلفظ ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤا ان شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم الحديث وفي حديث جابر عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول أنا
أولى بكل مؤمن من نفسه وقوله هنا فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه يخص ما أطلق في رواية عقيل بلفظ فمن توفي من المؤمنين وترك دينا فعلي قضاؤه وكذا قوله في الرواية الاخرى في تفسير الاحزاب فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه أو وليه فعرف أنه مخصوص بمن لم يترك وفاء وقوله فليأتني أي من يقوم مقامه في السعي في وفاء دينه أو المراد صاحب الدين وأما الضمير في قوله مولاه فهو الميت المذكور وسيأتي بعد قليل من رواية أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ فأنا وليه فلا دعي له وقد تقدم شرح ما يتعلق بهذا الشق في الكفالة وبيان الحكمة في ترك الصلاة على من مات وعليه دين بلا وفاء وأنه كان إذا وجد من يتكفل بوفاءه صلى عليه
[ 8 ]
وان ذلك كان قبل أن يفتح الفتوح كما في رواية عقيل وهل مان ذلك من خصائصه أو يجب على ولاة الامر بعده والراجح الاستمرار لكن وجوب الوفاء إنما هو من مال المصالح ونقل بن بطال وغيره أنه كان صلى الله عليه وسلم يتبرع بذلك وعلى هذا لا يجب على من بعده وعلى الاول قال بن بطال فان لم يعط الامام عنه من بيت المال لم يحبس عن دخول الجنة لانه يستحق القدر الذي عليه في بيت المال ما لم يكن دينه أكثر من القدر الذي له في بيت المال مثلا قلت والذي يظهر أن ذلك يدخل في المقاصصة وهو كمن له حق وعليه حق وقد مضى أنهم إذا خلصوا من الصراط حبسوا عند قنطرة بين الجنة والنار يتقاصون المظالم حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فيحمل قوله لا يحبس أي معذبا مثلا والله أعلم قوله ومن ترك مالا فلورثته أي فهو لورثته وثبتت كذلك هنا في الكشميهني وكذا لمسلم وفي رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة فليرثه عصبته من كانوا ولمسلم من طريق الاعرج عن أبي هريرة فإلى العصبة من كان وسيأتي بعد قليل من رواية أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ فماله لموالي العصبة أي أولياء العصبة قال الداودي المراد بالعصبة هنا الورثة لا من يرث بالتعصيب لان العاصب في الاصطلاح من له سهم مقدر من المجمع على توريثهم ويرث كل المال إذا انفرد ويرث ما فضل بعد الفروض بالتعصيب وقيل المراد بالعصبة هنا قرابة الرجل وهم من يلتقي مع الميت في أب ولو علا سموا بذلك لانهم يحيطون
به يقال عصب الرجل بفلان أحاط به ومن ثم قيل تعصب لفلان أي أحاط به وقال الكرماني المراد العصبة بعد أصحاب الفروض قال ويؤخذ حكم أصحاب الفروض من ذكر العصبة بطريق الاولى ويشير إلى ذلك قوله من كانوا فأنه يتناول أنواع المنتسبين إليه بالنفس أو بالغير قال ويحتمل أن تكون من شرطية قوله باب ميراث الولد من أبيه وأمه لفظ الولد أعم من الذكر والانثى ويطلق على الولد للصلب وعلى ولد الولد وإن سفل قال بن عبد البر أصل ما بنى عليه مالك والشافعي وأهل الحجاز ومن وافقهم في الفرائض قول زيد بن ثابت وأصل ما بنى عليه أهل العراق ومن وافقهم فيها قول علي بن أبي طالب وكل من الفريقين لا يخالف قول صاحبه الا في اليسير النادر إذا ظهر له مما يجب عليه الانقياد إليه قوله وقال زيد بن ثابت الخ وصله سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه فذكر مثله سواء الا أنه قال بعد قوله وان كان معهن ذكر فلا فريضة لاحد منهن ويبدأ بمن شركهم فيعطى فريضته فما بقى بعد ذلك فللذكر مثل حظ الانثيين قال بن بطال قوله وان كان معهن ذكر يريد إن كان مع البنات أخ من أبيهن وكان معهم غيرهن ممن له فرض مسمى كالاب مثلا قال ولذلك قال شركهم ولم يقل شركهن فيعطى الاب مثلا فرضه ويقسم ما بقي بين الابن والبنات للذكر مثل حظ الانثيين قال وهذا تأويل حديث الباب وهو قوله ألحقوا الفرائض بأهلها قوله بن طاوس هو عبد الله قوله عن بن عباس قيل تفرد وهيب بوصله ورواه الثوري عن بن طاوس لم يذكر بن عباس بل أرسله أخرجه النسائي والطحاوي وأشار النسائي إلى ترجيح الارسال ورجح عند صاحبي صحيح الموصول لمتابعة روح بن القاسم وهيبا عندهما ويحيى بن أيوب عند مسلم وزياد بن سعد وصالح عند الدارقطني واختلف على معمر فرواه عبد الرزاق عنه موصولا أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة
[ 9 ]
ورواه عبد الله بن المبارك عن معمر والثوري جميعا مرسلا أخرجه الطحاوي ويحتمل أن يكون حمل رواية معمر على روايه الثوري وانما صححاه لان الثوري وأن كان أحفظ منهم لكن
العدد الكثير يقاومه وإذا تعارض الوصل والارسال ولم يرجح أحد الطريقين قدم الوصل والله أعلم قوله ألحقوا الفرائض بأهلها المراد بالفرائض هنا الانصباء المقدرة في كتاب الله تعالى وهي النصف ونصفه ونصف نصفه والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما والمراد بأهلها من يستحقها بنص القرآن ووقع في رواية روح بن القاسم عن بن طاوس اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله أي على وفق ما أنزل في كتابه قوله فما بقى في رواية روح بن القاسم فما تركت أي أبقت قوله فهو لاولى في رواية الكشميهني فلاولى بفتح الهمزة واللام بينهما واو ساكنة أفعل تفضيل من الولي بسكون اللام وهو القرب أي لمن يكون أقرب في النسب إلى المورث وليس المراد هنا الاحق وقد حكى عياض أن في رواية بن الحذاء عن بن ماهان في مسلم فهو لادنى بدال ونون وهي بمعني الاقرب قال الخطابي المعنى أقرب رجل من العصبة وقال بن بطال المراد بأولى رجل أن الرجال من العصبة بعد أهل الفروض إذا كان فيهم من هو أقرب إلى الميت استحق دون من هو أبعد فان استنووا اشتركوا قال ولم يقصد في هذا الحديث من يدلى بالآباء والامهات مثلا لانه ليس فيهم من هو أولى من غيره إذا استووا في المنزلة كذا قال بن المنير وقال بن التين انما المراد به العمة مع العم وبنت الاخ مع بن الاخ وبنت العم مع بن العم وخرج من ذلك الاخ والاخت لابوين أو لاب فانهم يرثون بنص قوله تعالى وان كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين ويستثنى من ذلك من يحجب كالاخ للاب مع البنت والاخت الشقيقة وكذا يخرج الاخ والاخت لام لقوله تعالى فلكل واحد منهما السدس وقد نقل الاجماع على أن المراد بها الاخوة من الام وسيأتي مزيد في هذا في باب ابني عم أحدهما أخ لام وأخر زوج قوله رجل ذكر هكذا في جميع الروايات ووقع في كتب الفقهاء كصاحب النهاية وتلميذه الغزالي فلاولى عصبة ذكر قال بن الجوزي والمنذري هذه اللفظة ليست محفوظة وقال بن الصلاح فيها بعد عن الصحة من حيث اللغة فضلا عن الرواية فان العصبة في اللغة اسم للجمع لا للواحد كذا قال والذي يظهر أنه اسم جنس ويدل عليه ما وقع في بعض طرق حديث أبي هريرة الذي في الباب قبله فليرثه عصبتة من كانوا قال بن دقيق العيد قد استشكل بأن الاخوات عصبات البنات
والحديث يقتضي اشتراط الذكورة في العصبة المستحق للباقي بعد الفروض والجواب أنه من طريق المفهوم وقد اختلف هل له عموم وعلى التنزل فيخص في الخبر الدال على أن الاخوات عصبات البنات وقد استشكل التعبير بذكر بعد التعبير برجل فقال الخطابي انما كرر للبيان في لغته بالذكورة ليعلم أن العصبة إذا كان عما أو بن عم مثلا وكان معه أخت له أن الاخت لا ترث ولا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الانثيين وتعقب بأن هذا ظاهر من التعبير بقوله رجل والاشكال باق إلا أن كلامه ينحل إلى أنه للتأكيد وبه جزم غيره كابن التين قال ومثله بن لبون ذكر وزيفه القرطبي فقال قيل أنه للتأكيد اللفظي ورد بأن العرب انما تؤكد حيث يفيد فائدة إما تعين المعنى في النفس وإما رفع توهم المجاز وليس ذلك موجودا هنا وقال غيره هذا التوكيد لمتعلق الحكم وهو الذكورة لان الرجل قد يراد به معنى النجدة والقوة
[ 10 ]
في الامر فقد حكى سيبويه مررت برجل رجل أبوه فلهذا احتاج الكلام إلى زيادة التوكيد لذكر حتى لا يظن أن المراد به خصوص البالغ وقيل خشية أن يظن بلفظ رجل الشخص وهو أعم من الذكر والانثى وقال بن العربي في قوله ذكر الاحاطة بالميراث انما تكون للذكر دون الانثى ولا يرد قول من قال أن البنت تأخذ جميع المال لانها انما تأخذه بسببين متغايرين والاحاطة مختصة بالسبب الواحد وليس إلا الذكر فلهذا نبه عليه بذكر الذكورية قال وهذا لا يتفطن له كل مدع وقيل أنه احتراز عن الخنثى في الموضعين فلا تؤخذ الخنثى في الزكاة ولا يجوز الخنثى المال إذا انفرد وقيل للاعتناء بالجنس وقيل للاشارة إلى الكمال في ذلك كما يقال امرأة أنثى وقيل لنفي توهم اشتراك الانثى معه لئلا يحمل على التغليب وقيل ذكر تنبيها على سبب الاستحقاق بالعصوبة وسبب الترجيح الارث ولهذا جعل للذكر مثل حظ الانثيين وحكمته أن الرجال تلحقهم المؤن كالقيام بالعيال والضيفان وإرفاد القاصدين ومواساة السائلين وتحمل الغرامات وغير ذلك هكذا قال النووي وسبقه القاضي عياض فقال قيل هو على معنى اختصاص الرجال بالتعصيب بالذكورية التي بها القيام على الاناث وأصله للمازري فإنه قال
بعد أن ذكر استشكال ما ورد في هذا وهو رجل ذكر وفي الزكاة بن لبون ذكر قال والذي يظهر لي أن قاعدة الشرع في الزكاة الانتقال من سن إلى أعلى منها ومن عدد إلى أكثر منه وقد جعل في خمسة وعشرين بنت مخاض وسنا أعلى منها وهو بن لبون فقد يتخيل أنه على خلاف القاعدة وأن السنين كالسن الواحد لان بن اللبون أعلى سنا لكنه أدنى قدرا فنبه بقوله ذكر على أن الذكورية تبخسه حتى يصير مساويا لبنت مخاض مع كونها أصغر سنا منه وأما في الفرائض فلما علم أن الرجال هم القائمون بالامور وفيهم معنى التعصيب وترى لهم العرب ما لا ترى للنساء فعبر بلفظ ذكر إشارة إلى العلة التي لاجلها اختص بذلك فهما وان اشتركا في أن السبب في وصف كل منهما بذكر التنبيه على ذلك لكن متعلق التنبيه فيهما مختلف فإنه في بن اللبون إشارة إلى النقص وفي الرجل إشارة إلى الفضل وهذا قد لخصه القرطبي وارتضاه وقيل انه وصف لاولى لا لرجل قاله السهيلي وأطال في تقريره وتبجح به فقال هذا الحديث أصل في الفرائض وفيه إشكال وقد تلقاه الناس أو أكثرهم على وجه لا تصح إضافته إلى من أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا فقالوا هو نعت لرجل وهذا لا يصح لعدم الفائدة لانه لا يتصور أن يكون الرجل إلا ذكرا وكلامه أجل من أن يشتمل على حشو لا فائدة فيه ولا يتعلق به حكم ولو كان كما زعموا لنقص فقه الحديث لانه لا يكون فيه بيان حكم الطفل الذي لم يبلغ سن الرجولية وقد اتفقوا على أن الميراث يجب له ولو كان بن ساعة فلا فائدة بتخصيصه بالبالغ دون الصغير قال والحديث إنما سيق لبيان من يستحق الميراث من القرابة بعد أصحاب السهام ولو كان كما زعموا لم يكن فيه تفرقة بين قرابة الاب وقرابة الام قال فإذا ثبت هذا فقوله أولى رجل دكر يريد القريب في النسب الذي قرابته من قبل رجل وصلب لا من قبل بطن ورحم فالاولى هنا ولي الميت فهو مضاف إليه في المعنى دون اللفظ وهو في اللفظ مضاف إلى النسب وهو الصلب فعبر عن الصلب بقوله أولى رجل لان الصلب لا يكون إلا رجلا فأفاد بقوله لاولى رجل نفي الميراث عن الاولى الذي هو من قبل الام كالخال وأفاد بقوله ذكر نفي الميراث عن النساء وان كن من المدلين إلى
[ 11 ]
الميت من قبل صلب لانهن إناث قال وسبب الاشكال من وجهين أحدهما أنه لما كان مخفوضا ظن نعتا لرجل ولو كان مرفوعا لم يشكل كأن يقال فوارثه أولى رجل ذكر والثاني أنه جاء بلفظ أفعل وهذا الوزن إذا أريد به التفضيل كان بعض ما يضاف إليه كفلان أعلم انسان فمعناه أعلم الناس فتوهم أن المراد بقوله أولى رجل أولى الرجال وليس كذلك وإنما هو أولى الميت بإضافة النسب وأولى صلب بإضافته كما تقول هو أخوك أخو الرخاء لا أخو البلاء قال فالاولى في الحديث كالولي فان قيل كيف يضاف للواحد وليس بجزء منه فالجواب إذا كان معناه الاقرب في النسب جازت إضافته وان لم يكن جزءا منه كقوله صلى الله عليه وسلم في البر بر أمك ثم أباك ثم أدناك قال وعلى هذا فيكون في هذا الكلام الموجز من المتانة وكثرة المعاني ما ليس في غيره فالحمد لله الذي وفق وأعان انتهى كلامه ولا يخلو من استغلاق وقد لخصه الكرماني فقال ذكر صفة لاولى لا لرجل والاولى بمعنى القريب الاقرب فكأنه قال فهو لقريب الميت ذكر من جهة رجل وصلب لا من جهة بطن ورحم فالاولى من حيث المعنى مضاف إلى الميت وأشير بذكر الرجل إلى الاولوية فأفاد بذلك نفي الميراث عن الاولى الذي من جهة الام كالخال وبقوله ذكر نفيه عن النساء بالعصوية وان كن من المدلين للميت من جهة الصلب انتهى وقد أوردته كما وجدته ولم أحذف منه إلا أمثلة أطال بها وكلمات طويلة تبجح بها بسبب ما ظهر له من ذلك والعلم عند الله تعالى قال النووي أجمعوا على أن الذي يبقى بعد الفروض للعصبة يقدم للاقرب فالاقرب فلا يرث عاصب بعيد مع عاصب قريب والعصبة كل ذكر يدلى بنفسه بالقرابة ليس بينه وبين الميت أنثى فمتى انفرد أخذ جميع المال وان كان مع ذوي فروض غير مستغرقين أخذ ما بقي وان كان مع مستغرقين فلا شئ له قال القرطبي وأما تسمية الفقهاء الاخت مع البنت عصبة فعلى سبيل التجوز لانها لما كانت في هذه المسألة تأخذ ما فضل عن البنت أشبهت العاصب قلت وقد ترجم البخاري بذلك كما سيأتي قريبا قال الطحاوي استدال قوم يعني بن عباس ومن تبعه بحديث بن عباس على أن من خلف بنتا وأخا شقيقا وأختا شقيقة كان لابنته النصف وما بقي لاخيه ولا شئ لاخته ولو كانت شقيقة وطردوا ذلك فيما لو كان مع الاخت الشقيقة عصبة فقال لا شئ
لها مع البنت بل الذي يبقى بعد البنت للعصبة ولو بعدوا وأحتجوا أيضا بقوله تعالى ان امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك قالوا فمن أعطى الاخت مع البنت خالف ظاهر القرآن قال واستدل عليهم بالاتفاق على أن من ترك بنتا وابن بن وبنت بن متساويين أن للبنت النصف وما بقي بين بن الابن وبنت الابن ولم يخص بن الابن بما بقي لكونه ذكرا بل ورثوا معه شقيقته وهي أنثى قال فعلم بذلك أن حديث بن عباس ليس على عمومه بل هو في شئ خاص وهو ما إذا ترك بنتا وعما وعمة فان للبنت النصف وما بقي للعم دون العمة إجماعا قال فاقتضى النظر ترجيح إلحاق الاخت مع الاخ بالابن والبنت لا بالعم والعمة لان الميت لو لم يترك إلا أخا وأختا شقيقتين فالمال بينهما فكذلك لو ترك بن بن وبنت بن بخلاف ما لو ترك عما وعمة فان المال كله للعم دون العمة باتفاقهم قال وأما الجواب عما احتجوا به من الآية فهو أنهم أجمعوا على أن الميت لو ترك بنتا وأخا لاب كان للبنت النصف وما بقي للاخ وأن معنى قوله تعالى ليس له ولد انما هو ولد يحوز المال كله لا الولد الذي لا يحوز وأقرب العصبات البنون ثم بنوهم وإن سفلوا ثم الاب ثم الجد والاخ إذا
[ 12 ]
انفرد واحد منهما فان اجتمعا فسيأتي حكمه ثم بنو الاخوة ثم بنوهم وإن سفلوا ثم الاعمام ثم بنوهم وإن سفلوا ومن أدلى بأبوين يقدم على من أدلى بأب لكن يقدم الاخ من الاب على بن الاخ من الابوين ويقدم بن أخ لاب على عم لابوين ويقدم عم لاب على بن عم لابوين واستدل به البخاري على أن بن الابن يحوز المال إذا لم يكن دونه بن وعلى أن الجد يرث جميع المال إذا لم يكن دونه أب وعلى أن لاخ من الام إذا كان بن عم يرث بالفرض والتعصيب وسيأتي جميع ذلك والبحث فيه قوله باب ميراث البنات الاصل فيه كما تقدم في أول كتاب الفرائض قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين وقد تقدمت الاشارة إليه والى سبب نزولها وان أهل الجاهلية كانوا لا يورثون البنات كما حكاه جعفر بن حبيب في كتاب المحبر وحكى ان بعض عقلاء الجاهلية ورث البنت لكن سوى بينها وبين الذكر وهو عامر بن جشم بضم الجيم وفتح المعجمة وقد تمسك بالسبب المذكور من أجاب عن السؤال المشهور في قوله تعالى
فان كن نساء فوق اثنتين حيث قيل ذكر في الآية حكم البنتين في حال اجتماعهما مع الابن دون الانفراد وذكر حكم البنت الواحدة في الحالين وكذا حكم ما زاد على البنتين وقد انفرد بن عباس بأن حكمهما حكم الواحدة وأبى ذلك الجمهور واختلف في مأخذهم فقيل حكمهما حكم الثلاث فما زاد ودليله بيان السنة فان الآية لما كانت محتملة بينت السنة أن حكمهما حكم ما زاد عليهما وذلك واضح في سبب النزول فان العم لما منع البنتين من الارث وشكت ذلك أمهما قال صلى الله عليه وسلم لها يقضي الله في ذلك فنزلت آية الميراث فأرسل إلى العم فقال أعط بنتي سعد الثلثين فلا يرد على ذلك أنه يلزم منه نسخ الكتاب بالسنة فإنه بيان لا نسخ وقيل بالقياس على الاختين وهما أولى لما يختص بهما من أنهما أمس رحما بالميت من أختيه فلا يقصر بهما عنهما وقيل أن لفظ فوق في الآية مقحم وهو غلط وقال المبرد يؤخذ من جهة أن أقل عدد يجتمع به الصنفان ذكر وأنثى فان كان للواحدة ثلث كان للبنتين الثلثان وقال إسماعيل القاضي في أحكام القرآن يؤخذ ذلك من قوله تعالى للذكر مثل حظ الانثيين لانه يقتضي أنه إذا كان ذكر وأنثى فللذكر الثلثان وللانثى الثلث فإذا استحقت الثلث مع الذكر فاستحقاقها الثلث مع أنثى مثلها بطريق الاولى وقال السهيلي يؤخذ ذلك من المجئ بلام التعريف التي للجنس في قوله حظ الانثيين فإنه يدل على انهما استحقا الثلثين وأن الواحدة لها مع الذكر الثلث وكان ظاهر ذلك أنهن لو كن ثلاثا لاستوعبن المال فلذلك ذكر حكم الثلاث فما زاد واستغنى عن إعادة حكم الانثيين لانه قد تقدم بدلالة اللفظ وقال صاحب الكشاف وجهه أن الذكر كما يحوز الثلثين مع الواحدة فالاثنتان كذلك يحوزان الثلثين فلما ذكر ما دل على حكم الثنتين ذكر بعده حكم ما فوق الثنتين وهو منتزع من كلام القاضي وقرر الطيبي فقال اعتبر القاضي الفاء في قوله تعالى فان كن نساء لان مفهوم ترتيب الفاء ومفهوم الوصف في قوله فوق اثنين مشعران بذلك فكأنه لما قال للذكر مثل حظ الانثيين علم بحسب الظاهر من عبارة النص حكم الذكر مع الانثى إذا اجتمعا وفهم منه بحسب إشارة النص حكم الثنتين لان الذكر كما يحوز الثلثين مع الواحدة فالثنتان يحوزان الثلثين ثم أراد أن يعلم حكم ما زاد على الثنتين فقال فان كن نساء فوق اثنتين فمن نظر إلى عبارة
النص قال أريد حالة الاجتماع دون الانفراد ومن نظر إلى إشارة النص قال ان حكم الثنتين حكم
[ 13 ]
الذكر مطلقا واعترض على هذا التقرير بأنه ثبت بما ذكر أن لهما الثلثين في صورة ما وليست هي صورة الاجتماع دائما إذ ليس للبنتين مع الابن الثلثان والجواب عنه عسر إلا إن انضم إليه أن الحديث بين ذلك ويعتذر عن بن عباس بأنه لم يبلغه فوقف مع ظاهر الآية وفهم أن قوله فوق اثنتين لانتفاء الزيادة على الثلثين لا لاثبات ذلك الثنتين وكذا يرد على جواب السهيلي أن الاثنتين لا يستمر الثلثان حظهما في كل صورة والله أعلم ثم ذكر المصنف في الباب حديث سعد بن أبي وقاص في الوصية بالثلث وقد مضى شرحه مستوفى في الوصايا والغرض منه قوله وليس يرثني إلا ابنتي وقد تقدم أن الذي نفاه سعد أولاده وإلا فقد كان له من العصبات من يرثه وحديث معاذ في توريث البنت والاخت وسيأتي شرحه قريبا في باب ميراث الاخوات مع البنات من وجه أخر عن الاسود وأبو النضر المذكور في سنده هو هاشم بن القاسم وشيبان هو بن عبد الرحمن والاشعث هو بن أبي الشعثاء سليم المحاربي وقد أخرجه يزيد بن هارون في كتاب الفرائض له عن سفيان الثوري عن أشعث بن أبي الشعثاء عن الاسود بن يزيد قال قضى بن الزبير في ابنه وأخت فأعطى الابنة النصف وأعطى العصبة بقية المال فقلت له إن معاذا قضى فيها باليمن فذكره قال فقال له أنت رسولي إلى عبد الله بن عتبة وكان قاضي الكوفة فحدثه بهذا الحديث وأخرجه الدارمي والطحاوي من طريق الثوري نحوه قوله ميراث بن الابن إذا لم يكن بن أي للميت لصلبه سواء كان أباه أو عمه قوله وقال زيد بن ثابت الخ وصله سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه وقوله بمنزلة الولد أي للصلب وقوله إذا لم يكن دونهم أي بينهم وبين الميت وقوله ولد ذكر احترز به عن الانثى وسقط لفظ ذكر من رواية الاكثر وثبت الكشميهني وهي في رواية سعيد بن منصور المذكورة وقوله يرثون كما يرثون ويحجبون كما يحجبون أي يرثون جميع المال إذا انفردوا ويحجبون من دونهم في الطبقة ممن بينه وبين الميت مثلا اثنان فصاعدا ولم يرد تشبيههم بهم من كل جهة وقوله في آخره ولا يرث ولد الابن
مع الابن تأكيد لما تقدم فان حجب أولاد الابن بالابن انما يؤخذ من قوله إذا لم يكن دونهم إلى آخره بطريق المفهوم ثم ذكر حديث بن عباس ألحقوا الفرائض بأهلها وقد مضى شرحه قريبا قال بن بطال قال أكثر الفقهاء فيمن خلفت زوجا وأبا وبنتا وابن بن وبنت بن تقدم الفروض فللزوج الربع وللاب السدس وللبنت النصف وما بقي بين ولدي الابن الذكر مثل حظ الانثيين فان كانت البنت أسفل من الابن فالباقي له دونها وقيل الباقي له مطلقا لقوله فما بقي فلاولى رجل ذكر وتمسك زيد بن ثابت والجمهور بقوله تعالى في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين وقد اجمعوا أن بني البنين ذكورا وإناثا كالبنين عند فقد البنين إذا استووا في التعدد فعلى هذا تخص هذه الصورة من عموم فلاولى رجل ذكر قوله باب ميراث ابنة بن مع ابنة في رواية الكشميهني مع بنت قوله حدثنا أبو قيس هو عبد الرحمن بن ثروان بفتح المثلثة وسكون الراء وهزيل بالزاي مصغر ووقع في كتب كثير من الفقهاء هذيل بالذال المعجمة قيس واسمه عبد الرحمن قوله سئل أبو موسى في رواية غندر عن شعبة عن النسائي جاء رجل إلى أبي موسى الاشعري وهو الامير والي سلمان بن ربيعة الباهلي فسألهما وكذا أخرجه
[ 14 ]
أبو داود من طريق الاعمش عن أبي قيس لكن لم يقل وهو الامير وكذا للترمذي وابن ماجة والطحاوي والدارمي من طرق عن سفيان الثوري بزيادة سلمان بن ربيعة مع أبي موسى وقد ذكروا أن سلمان المذكور كان على قضاء الكوفة قوله وائت بن مسعود فسيتابعني في رواية الاعمش والثوري المشار إليهما فقال له أبو موسى وسلمان بن ربيعة وفيها أيضا فسيتابعنا وهذا قاله أبو موسى على سبيل الظن لانه اجتهد في المسألة ووافقه سلمان فظن أن بن مسعود يوافقهما ويحتمل أن يكون سبب قوله ائت بن مسعود الاستثبات قوله فقال لقد ضللت إذا قاله جوابا عن قول أبي موسى أنه سيتابعه وأشار إلى أنه لو تابعه لخالف صريح السنة عنده وأنه لو خالفها عامدا لضل قوله أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الدارقطني من طريق حجاج بن أرطاة عن عبد الرحمن بن مروان فقال بن مسعود كيف أقول يعني مثل
قول أبي موسى وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكره قوله فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول بن مسعود فيه إشارة إلى أن هزيلا الراوي توجه مع السائل إلى بن مسعود فسمع جوابه فعاد إلى أبي موسى معهم فأخبروه قوله لا تسألوني ما دام هذا الحبر بفتح مهملة وبكسرها أيضا وسكون الموحدة حكاه الجوهري ورجح الكسر وجزم الفراء بأنه بالكسر وقال سمي باسم الحبر الذي يكتب به وقال أبو عبيد الهروي هو العالم بتحبير الكلام وتحسينه وهو بالفتح في رواية جميع المحدثين وأنكر أبو الهيثم الكسر وقال الراغب سمي العالم حبرا لما يبقى من أثر علومه وكانت هذه القصة في زمن عثمان لانه هو الذي أمر أبا موسى على الكوفة وكان بن مسعود قبل ذلك أميرها ثم عزل قبل ولاية أبي موسى عليها بمدة قال بن بطال فيه ان العالم يجتهد إذا ظن أن لا نص في المسألة ولا يتولى الجواب إلى أن يبحث عن ذلك وفيه أن الحجة عند التنازع سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيجب الرجوع إليها وفيه ما كانوا عليه من الانصاف والاعتراف بالحق والرجوع إليه وشهادة بعضهم لبعض بالعلم والفضل وكثرة اطلاع بن مسعود على السنة وتثبت أبي موسى في الفتيا حيث دل على من ظن أنه أعلم منه قال ولا خلاف بين الفقهاء فيما راواه بن مسعود وفي جواب أبي موسى إشعار بأنه رجع عما قاله قال بن عبد البر لم يخالف في ذلك إلا أبو موسى الاشعري وسلمان بن ربيعة الباهلي وقد رجع أبو موسى عن ذلك ولعل سلمان أيضا رجع كأبي موسى وسلمان المذكور مختلف في صحبته وله أثر في فتوح العراق أيام عمر وعثمان واستشهد في زمن عثمان وكان يقال له سلمان الخيل لمعرفته بها واستدل الطحاوي بحديث بن مسعود هذا على أن المراد بحديث بن عباس فما أبقت الفرائض فلاولى رجل ذكر من يكون أقرب العصبات إلى الميت فلو كان هناك عصبة أقرب إلى الميت ولو كانت أنثى كان المال الباقي لها ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الاخوات من قبل الاب مع البنت عصبة فصرن مع البنات في حكم الذكور من قبل الارث وقال غيره وجه كون الولد المذكور في قوله تعالى إن امرؤ هلك ليس له ولد ذكرا أنه الذي يسبق إلى الوهم من قول القائل قال ولد فلان كذا فأول ما يقع في نفس السامع أن المراد الذكر وإن كان الاناث أيضا اولادا بالحقيقة
ولكن هو أمر شائع وقد قال الله تعالى إنما أموالكم وأولادكم فتنة وقال لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم وقال حكاية عن الكافر الذي قال لاوتين مالا وولدا والمراد بالاولاد والولد في هذه
[ 15 ]
الآي الذكور دون الاناث لان العرب ما كانت تتكاثر بالبنات فإذا حمل قوله تعالى إن امرؤ هلك ليس له ولد على الولد الذكر لم يمنع الاخت الميراث مع البنت وعلى تقدير أن يكون الولد في الآية أعم فأنه محتمل لان يراد به العموم على ظاهره وأن يراد به خصوص الذكر فبينت السنة الصحيحة أن المراد به الذكور دون الاناث قال بن العربي يؤخذ من قصة أبي موسى وابن مسعود جواز العمل بالقياس قبل معرفة الخبر والرجوع إلى الخبر بعد معرفته ونقض الحكم إذا خالف النص قلت ويؤخذ من صنيع أبي موسى أنه كان يرى العمل بالاجتهاد قبل البحث عن النص وهو لائق بمن يعمل بالعام قبل البحث عن المخصص وقد نقل بن الحاجب على منع العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص وتعقب بأن أبوي إسحاق الاسفرايني والشيرازي حكيا الخلاف وقال أبو بكر الصيرفي وطائفة وهو المشهور وعن الحنفية يجب الانقياد للعموم في الحال وقال بن شريح وابن خيران والفضال يجب البحث قال أبو حامد وكذا الخلاف في الامر والنهي المطلق قوله باب ميراث الجد مع الاب والاخوة المراد بالجد هنا من يكون من قبل الاب والمراد بالاخوة الاشقاء ومن الاب وقد انعقد الاجماع على أن الجد لا يرث مع وجود الاب قوله وقال أبو بكر وابن عباس وابن الزبير الجد أب أي هو أب حقيقة لكن تتفاوت مراتبه بحسب القرب والبعد وقيل المعنى أنه ينزل منزلة الاب في الحرمة ووجوه البر والمعروف عن المذكورين الاول قال يزيد بن هارون في كتاب الفرائض له أخبرنا محمد بن سالم عن الشعبي أن أبا بكر وابن عباس وابن الزبير كانوا يجعلون الجد أبا يرث ما يرث ويحجب ما يحجب ومحمد بن سالم ضعيف والشعبي عن أبي بكر منقطع وقد جاء من طريق أخرى وإذا حمل ما نقله الشعبي على العموم لزم منه خلاف ما اجمعوا عليه في صورة وهي أم الاب إذا علت تسقط بالاب ولا تسقط بالجد واختلف في صورتين إحداهما أن بني العلات والاعيان
يسقطون بالاب ولا يسقطون بالجد إلا عند أبي حنيفة ومن تابعه والام مع الاب وأحد الزوجين تأخذ ثلث ما بقي ومع الجد تأخذ ثلث الجميع إلا عند أبي يوسف فقال هو كالاب وفي الارث بالولاء صورة ثالثة فيها اختلاف أيضا فاما قول أبي بكر وهو الصديق فوصله الدارمي بسند على شرط مسلم عن أبي سعيد الخدري أن أبا بكر الصديق جعل الجد أبا وبسند صحيح إلى أبي موسى أن أبا بكر مثله وبسند صحيح أيضا إلى عثمان بن عفان أن أبا بكر كان يجعل الجد أبا وفي لفظ له أنه جعل الجد أبا إذا لم يكن دونه أب وبسند صحيح عن بن عباس أن أبا بكر كان يجعل الجد أبا وقد أسند المصنف في آخر الباب عن بن عباس أن أبا بكر أنزله أبا وكذا مضى في المناقب موصولا عن بن الزبير أن أبا بكر أنزله أبا وأما قول بن عباس فأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الفرائض من طريق عمرو بن دينار عن عطاء عن بن عباس قال الجد أب وأخرج الدارمي بسند صحيح عن طاوس عنه أنه جعل الجد أبا وأخرج يزيد بن هارون من طريق ليث عن طاوس أن عثمان وابن عباس كان يجعلان الجد أبا اما قول بن الزبير فتقدم في المناقب موصولا من طريق بن أبي مليكة قال كتب أهل الكوفة إلى بن الزبير في الجد فقال ان أبا بكر أنزله أبا وفيه دلالة على أنه أفتاهم بمثل قول أبي يكر وأخرج يزيد بن هارون من طريق سعيد بن جبير قال كنت كاتبا لعبد الله بن عتبة فأتاه كتب بن الزبير أن أبا بكر جعل الجد أبا قوله وقرأ بن عباس يا بني آدم
[ 16 ]
واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب أما احتجاج بن عباس بقوله تعالى يا بني آدم فوصله محمد بن نصر من طريق عبد الرحمن بن معقل قال جاء رجل إلى بن عباس فقال له كيف تقول في الجد قال أي أب لك أكبر فسكت وكأنه عي عن جوابه فقلت أنا آدم فقال أفلا تسمع إلى قوله تعالى يا بني آدم أخرجه الدارمي من هذا الوجه وأما احتجاجه بقوله تعالى واتبعت ملة آبائي فوصله سعيد بن منصور من طريق عطاء عن بن عباس قال الجد أب وقرأ واتبعت ملة آبائي الآية واحتج بعض من قال بذلك بقوله صلى الله عليه وسلم أنا بن عبد المطلب وانما هو بن ابنه قوله ولم يذكر هو بضم أوله على البناء للمجهول قوله أن أحدا خالف أبا بكر في زمانه وأصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم متوافرون كأنه يريد بذلك تقوية حجة القول المذكور فان الاجماع السكوتي حجة وهو حاصل في هذا وممن جاء عنه التصريح بأن الجد يرث ما كان يرث الاب عند عدم الاب غير من سماه المصنف معاذ وأبو الدرداء وأبو موسى وأبي بن كعب وعائشة وأبو هريرة ونقل ذلك أيضا عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود على اختلاف عنهم كما سيأتي ومن التابعين عطاء وطاوس وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبو الشعثاء وشريح والشعبي ومن فقهاء الامصار عثمان التيمي وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه وداود وأبو ثور والمزني وابن سريج وذهب عمر وعلي وزيد بن ثابت وابن مسعود إلى توريث الاخوة مع الجد لكن اختلفوا في كيفية ذلك كما سيأتي بيانه قوله وقال بن عباس يرثني بن ابني دون إخوتي ولا أرث أنا بن ابني ووصله سعيد بن منصور من طريق عطاء عنه قال فذكر قال بن عبد البر وجه قياس بن عباس أن بن الابن لما كان كالابن عند عدم الابن كان أبو الأب عند عدم الاب كالاب وقد ذكر من وافق بن عباس في هذا توجيه قياسه المذكور من جهة أنهم اجمعوا على أنه كالاب في الشهادة له وفي العتق عليه وأنه لا يفتص منه وأنه ذو فرض أو عاصب وعلى أن من ترك ابنا وأبا أن للاب السدس والباقي للابن وكذا لو ترك جدة لابيه وابنا وعلى أن الجد يضرب مع أصحاب الفروض بالسدس كما يضرب الاب سواء قيل بالعول أم لا واتفقوا على أن بن الابن بمنزلة الابن في حجب الزوج عن النصف والمرأة عن الربع والام عن الثلث كالابن سواء فلو أن رجلا ترك آبويه وابن ابنة كان لكل من آبويه السدس وأن من ترك أبا جده وعمه أن المال لابي جده دون عمه فينبغي أن يكون لوالد أبيه دون إخوته فيكون الجد أولى من أولاد أبيه كما أن أباه أولى من أولاد أبيه وعلى أن الاخوة من الام لا يرثون مع الجد كما لا يرثون مع الاب فحجبهم الجد كما حجبهم الاب فينبغي أن يكون الجد كالاب في حجب الاخوة وكذا القول في بني الاخوة ولو كانوا أشقاء وقال السهيلي لم ير زيد بن ثابت لاحتجاج بن عباس بقوله تعالى يا بني آدم ونحوها مما ذكر عنه حجة لان ذلك ذكر في مقام النسبة والتعريف فعبر بالبنوة ولو عبر بالولادة لكان فيه متعلق ولكن بين التعبير بالولد والابن فرق ولذلك قال تعالى يوصيكم الله في أولادكم ولم يقل في أبنائكم ولفظ الولد يقع على الذكر والانثى
والواحد والجمع بخلاف الابن وأيضا فلفظ الولد يليق بالميراث بخلاف الابن تقول بن فلان من الرضاعة ولا تقول ولده وكذا كان من يتبنى ولد غيره قال له ابني وتبناه ولا يقول ولدي ولا ولده ومن ثم قال في آية التحريم وحلائل أبنائكم إذ لو قال وحلائل أولادكم لم يحتج إلى أن يقول من أصلابكم لان الولد لا يكون إلا من صلب أو بطن قوله ويذكر عن عمر وعلي وابن مسعود
[ 17 ]
وزيد أقاويل مختلفة سقط ذكر زيد من شرح بن بطال فلعله من النسخة وقد أخذ بقوله جمهور العلماء وتمسكوا بحديث أفرضكم زيد وهو حديث حسن أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من رواية أبي قلابة عن أنس وأعله بالارسال ورجحه الدارقطني والخطيب وغيرهما وله متابعات وشواهد ذكرتها في تخريج أحاديث الرافعي فأما عمر فأخرج الدارمي بسند صحيح عن الشعبي قال أول جد ورث في الاسلام عمر فأخذ ماله فأتاه علي وزيد يعني بن ثابت فقالا ليس لك ذلك انما أنت كأحد الاخوين وأخرج بن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن غنم مثله دون قوله فأتاه الخ لكن قال فأراد عمر أن يحتار المال فقلت له يا أمير المؤمنين أنهم شجرة دونك يعني بني أبيه وأخرج الدارقطني بسند قوي عن زيد بن ثابت أن عمر أتاه فذكر قصة فيها أن مثل الجد كمثل شجرة نبتت على ساق واحد فخرج منها غصن ثم خرج من الغصن غصن فان قطعت الغصن رجع الماء إلى الساق وان قطعت الثاني رجع الماء إلى الاول فخطب عمر الناس فقال أن زيدا قال في الجد قولا وقد أمضيته وأخرج الدارمي من طريق إسماعيل بن أبي خالد قال قال عمر خذ من الجد ما اجتمع عليه الناس وهذا منقطع وأخرج الدارمي من طريق عيسى الخياط عن الشعبي قال كان عمر يقاسم الجد مع الاخ والاخوين فإذا زادوا أعطاه الثلث وكان يعطيه مع الولد السدس وأخرج البيهقي بسند صحيح عن يونس بن يزيد عن الزهري حدثني سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وقبيصة بن ذؤيب أن عمر قضى أن الجد يقاسم الاخوة للاب والام والاخوة للاب ما كانت المقاسمة خيرا له من الثلث فان كثر الاخوة أعطى الجد الثلث وأخرج يزيد بن هارون في كتاب الفرائض عن هشام
بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة بن عمرو قال اني لاحفظ عن عمر في الجد مائة قضية كلها ينقض بعضها بعضا وروينا في الجزء الحادي عشر من فوائد أبي جعفر الرازي بسند صحيح إلى بن عون عن محمد بن سيرين سألت عبيدة عن الجد فقال قد حفظت عن عمر في الجد مائة قضية مختلفة وقد استبعد بعضهم هذا عن عمر وتأول البزار صاحب المسند قوله قضايا مختلفة على اختلاف حال من يرث مع الجد كأن يكون أخ واحد أو أكثر أو أخت واحدة أو أكثر ويدفع هذا التأويل ما تقدم من قول عبيدة بن عمرو ينقض بعضها بعضا وسيأتي عن عمر أقوال أخرى وأما علي فأخرج بن أبي شيبة ومحمد بن نصر بسند صحيح عن الشعبي كتب بن عباس إلى علي يسأله عن ستة إخوة وجد فكتب إليه أن اجعله كأحدهم وامح كتابي واخرج الدارمي بسند قوي عن الشعبي قال كتب بن عباس إلى علي وابن عباس بالبصرة اني أتيت بجد وستة إخوة فكتب إليه على أن أعط الجد سبعا ولا تعطه أحدا بعده وبسند صحيح إلى عبد الله بن سلمة أن عليا كان يجعل الجد أخا حتى يكون سادسا ومن طريق الحسن البصري أن عليا كان يشرك الجد مع الاخوة إلى السدس ومن طريق إبراهيم النخعي عن علي نحوه وأخرج بن أبي شيبة من وجه آخر عن الشعبي عن علي أنه أتى في جد وستة إخوة فأعطى الجد السدس وأخرج يزيد بن هارون في الفرائض له عن محمد بن سالم عن الشعبي عن علي نحوه ومحمد بن سالم هذا فيه ضعف وسيأتي عن علي أقوال أخرى وأخرج الطحاوي من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال حدثت أن علي كان ينزل بني الاخوة مع الجد منزلة آباءهم ولم يكن أحد من الصحابة يفعله غيره ومن طريق السري بن يحيى عن الشعبي
[ 18 ]
عن علي كقول الجماعة وأما عبد الله بن مسعود فأخرج الدارمي بسند صحيح إلى أبي إسحاق السبيعي قال دخلت على شريح وعنده عامر يعني الشعبي وعبد الرحمن بن عبد الله أي بن مسعود في فريضة امرأة منا تسمى العالية تركت زوجها وأمها وأخاها لابيها وجدها فذكر قصة فيها فاتيت عبيدة بن عمرو وكان يقال ليس بالكوفة اعلم بفريضة من عبيدة والحارث الاعور فسألته فقال ان شئتم نبأتكم بفريضة عبد الله بن مسعود في هذا فجعل للزوج ثلاثة أسهم
النصف وللام ثلث ما بقي وهو السدس من رأس المال وللاخ سهم وللجد سهم وروينا في كتاب الفرائض لسفيان الثوري من طريق النخعي قال كان عمر وعبد الله يكرهان أن يفضلا أما على جد وأخرج سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة بسند واحد صحيح إلى عبيد بن نضلة قال كان عمر وابن مسعود يقاسمان الجد مع الاخوة ما بينه وبين أن يكون السدس خيرا له من مقاسمة الاخوة وأخرجه محمد بن نصر مثله سواء وزاد ثم ان عمر كتب إلى عبد الله ما أرانا إلا قد أجحفنا بالجد فإذا جاءك كتابي هذا فقاسم به مع الاخوة ما بينه وبين أن يكون الثلث خيرا له من مقاسمتهم فأخذ بذلك عبد الله وأخرج محمد بن نصر بسند صحيح إلى عبيدة بن عمرو قال كان يعطي الجد مع الاخوة الثلث وكان عمر يعطيه السدس ثم كتب عمر إلى عبد الله إنا نخاف أن نكون قد أجحفنا بالجد فأعطه الثلث ثم قدم على هاهنا يعني الكوفة فأعطاه السدس قال عبيدة فرأيهما في الجماعة أحب إلى من رأى أحدهما في الفرقة ومن طريق عبيد بن نضيلة ان عليا كان يعطي الجد الثلث ثم تحول إلى السدس وأن عبد الله كان يعطيه السدس ثم تحول إلى الثلث وأما زيد بن ثابت فأخرج الدارمي من طريق الحسن البصري قال كان زيد يشرك الجد مع الاخوة إلى الثلث وأخرج البيهقي من طريق بن وهب أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد قال أخذ أبو الزناد هذه الرسالة من خارجة بن زيد بن ثابت ومن كبراء آل زيد بن ثابت فذكر قصة فيها قال زيد بن ثابت وكان رأيي أن الاخوة أولى بميراث أخيهم من الجد وكان عمر يرى أن الجد أولى بميراث بن ابنه من إخوته وأخرجه بن حزم من طريق إسماعيل القاضي عن إسماعيل بن أبي أويس عن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه قال كان رأيي أن الاخوة أحق بميراث أخيهم من الجد وكان أمير المؤمنين يعني عمر يعطيهم بالوجه الذي يراه على قدر كثرة الاخوة وقلتهم قلت فاختلف النقل عن زيد وأخرج عبد الرزاق من طريق إبراهيم قال كان زيد بن ثابت يشرك الجد مع الاخوة إلى الثلث فإذا بلغ الثلث أعطاه إياه والاخوة ما بقي ويقاسم الاخ للاب ثم يرد على أخيه ويقاسم بالاخوة من الاب مع الاخوة الاشقاء ولا يورث الاخوة للاب شيئا ولا يعطي أخا لام مع الجد شيئا قال بن عبد البر تفرد زيد من بين الصحابة في معادلته الجد بالاخوة بالاب
مع الاخوة الاشقاء وخالفه كثير من الفقهاء القائلين بقوله في الفرائض في ذلك لان الاخوة من الاب لا يرثون مع الاشقاء فلا معنى لادخالهم معهم لانه حيف على الجد في المقاسمة وقد سأل بن عباس زيدا عن ذلك فقال انما أقول في ذلك برأيي كما تقول أنت برأيك وقال الطحاوي ذهب مالك والشافعي وأبو يوسف إلى قول زيد بن ثابت في الجد ان كان معه إخوة أشقاء قاسمهم ما دامت المقاسمة خيرا له من الثلث وان كان الثلث خيرا له أعطاه إياه ولا ترث الاخوة من الاب مع الجد شيئا ولا بنو الاخوة ولو كانوا أشقاء وإذا كان مع الجد والاخوة أحد من أصحاب
[ 19 ]
الفروض بدأ بهم ثم أعطى الجد خير الثلاثة من المقاسمة ومن ثلث ما بقى ومن السدس ولا ينقصه من السدس إلا في الاكدرية قال وروى هشام عن محمد بن الحسن أنه وقف في الجد قال أبو يوسف وكان بن أبي ليلى يأخذ في الجد بقول علي ومذهب أحمد أنه كواحد الاخوة فان كان الثلث أحظ له أخذه وله مع ذي فرض بعده الاحظ من مقاسمة كأخ أو ثلث الباقي أو سدس الجميع والاكدرية المشار إليها تسمى مربعة الجماعة لانهم أجمعوا على أنها أربعة ولكن اختلفوا في قسمها وهي زوج وأم وأخت وجد فللزوج النصف وللام الثلث وللجد السدس وللاخت النصف وتصح من سبعة وعشرين للزوج تسعة وللام ستة وللاخت أربعة وللجد ثمانية وقد نظمها بعضهم ما فرض أربعة يوزع بينهم ميراث ميتهم بفرض واقع فلواحد ثلث الجميع وثلث ما يبقى لثانيهم بحكم جامع ولثالث من بعد ذا ثلث الذي يبقى وما يبقى نصيب الرابع ثم ذكر المصنف حديث بن عباس ألحقوا الفرائض وقد تقدم شرحه ووجه تعلقه بالمسألة أنه دل على أن الذي يبقى بعد الفرض يصرف لاقرب الناس للميت فكان الجد أقرب فيقدم قال بن بطال وقد احتج به من شرك بين الجد والاخ فإنه أقرب إلى الميت بدليل أنه ينفرد بالولاء ولانه يقوم مقام الولد في حجب الام من الثلث إلى السدس ولان الجد انما يدلى إلى الميت وهو ولد ابنه
والاخ يدلى بالميت وهو ولد أبيه والابن أقوى من الاب لان الابن ينفرد بالمال ويرد الاب إلى السدس ولا كذلك الاب فتعصيب الاخ تعصيب بنوة وتعصيب الجد تعصيب أبوه والبنوة أقوى من الابوة في الارث ولان الاخت فرضها النصف إذا انفردت فلم يسقطها الجد كالبنت ولان الاخ يعصب أخته بخلاف الجد فامتنع من قوة تعصيبه عليه أن يسقط به وقال السهيلي الجد أصل ولكن الاخ في الميراث أقوى سببا منه لانه يدلى بولاية الاب فالولادة أقوى الاسباب في الميراث فإن قال الجد وأنا أيضا ولدت الميت قيل له انما ولدت والده وأبوه ولد الاخوة فصار سببهم قويا وولد الولد ليس ولدا إلا بواسطة وان شاركه في مطلق الولدية ثم ذكر حديث بن عباس أيضا في فضل أبي بكر وقد تقدم شرحه مستوفى في المناقب وقوله أفضل أو قال خير شك من الراوي وكذا قوله أنزله أبا أو قال قضاه أبا قوله باب ميراث الزوج مع الولد وغيره أي من الوارثين فلا يسقط الزوج بحال وانما يحطه الولد عن النصف إلى الربع ذكر فيه حديث بن عباس كان المال أي المخلف عن الميت للولد والوصية للوالدين الحديث وقد تقدم في الوصايا وذكرت شرحه هناك مستوفى سندا ومتنا ولله الحمد قال بن المنير استشهاد البخاري بحديث بن عباس هذا مع أن الدليل من الآية واضح إشارة منه إلى تقرير سبب نزول الآية وأنها على ظاهرها غير مؤولة ولا منسوخة وأفاد السهيلي أن في الآية التي نسختها وهي يوصيكم الله إشارة إلى استمرارها فلذلك عبر بالفعل الدال على الدوام بخلاف غيرها من الآيات حيث قال في الآية المنسوخة الحكم كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ان ترك خيرا الآية قوله وجعل للابوين لكل واحد منهما السدس أفاد السهيلي أن الحكمة في إعطاء الوالدين ذلك والتسوية بينهما ليستمرا فيه فلا يجحف بهما ان كثرت الاولاد مثلا وسوى بينهما في ذلك مع وجود الولد أو الاخوة لما يستحقه
[ 20 ]
كل منهما على الميت من التربية ونحوها وفضل الاب على الام عند عدم الولد والاخوة لما للاب من الامتياز بالانفاق والنصرة ونحو ذلك وعوضت الام عن ذلك بأمر الولد بتفضيلها على الاب في البر في حال حياة الولد انتهى ملخصا وأخرج عبد بن حميد من طريق قتادة عن بعض أهل
العلم أن الاب حجب الاخوة وأخذ سهامهم لانه يتولى إنكاحهم والانفاق عليهم دون الام قوله باب ميراث المرأة والزوج مع الولد وغيره أي من الوارثين فلا يسقط إرث واحد منهما بحال بل يحط الولد الزوج من النصف إلى الربع ويحط المرأة من الربع إلى الثمن ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة المرأة التي ضربت الاخرى فأسقطت جنينا ثم ماتت الضاربة فقضى النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة وأن العقل على عصبة القاتلة وأن ميراث الضاربة لبنيها وزوجها وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الديات إن شاء الله تعالى ووجه الدلالة منه على الترجمة ظاهرة لان ميراث الضاربة لبنيها وزوجها لا لعصبتها الذين عقلوا عنها فورث الزوج مع ولده وكذا لو كان الاب هو الميت لورثت الام مع الاولاد أشار إلى ذلك بن التين وكذا لو كان هناك عصبة بغير ولد قوله باب ميراث الاخوات مع البنات عصبة قال بن بطال أجمعوا على أن الاخوات عصبة البنات فيرثن ما فضل عن البنات فمن لم يخلف إلا بنتا وأختا فللبنت النصف وللاخت النصف الباقي على ما في حديث معاذ وان خلف بنتين وأختا فلهما الثلثان وللاخت ما بقى وإن خلف بنتا وأختا وبنت بن فللبنت النصف ولبنت الابن تكملة الثلثين وللاخت ما بقى على ما في حديث بن مسعود لان البنات لا يرثن أكثر من الثلثين ولم يخالف في شئ من ذلك إلا بن عباس فإنه كان يقول للبنت النصف وما بقى للعصبة وليس للاخت شئ وكذا البنتين الثلثان وللبنت وبنت الابن كما مضى والباقي للعصبة فإذا لم تكن عصبة رد الفضل على البنت أو البنات وقد تقدم البحث في ذلك قال ولم يوافق بن عباس على ذلك أحد إلا أهل الظاهر قال وحجة الجماعة من جهة النظر أن عدم الولد في قوله تعالى ان امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت إنما جعل شرطا في فرضها الذي تقاسم به الورثة لا في توريثها مطلقا فإذا عدم الشرط سقط الفرض ولم يمنع ذلك أن ترث بمعنى آخر كما شرط في ميراث الاخ من أخته عند عدم الولد وهو يرثها إن لم يكن لها ولد وقد أجمعوا على أنه يرثها مع البنت وهو كما جعل النصف في ميراث الزوج شرطا إذا لم يكن ولد ولم يمنع ذلك أن يأخذ النصف مع البنت فيأخذ نصف النصف بالفرض والنصف الآخر بالتعصيب إن كان بن عم مثلا وكذلك الاخت والله أعلم قوله عن سليمان
هو الاعمش وإبراهيم هو النخعي والاسود هو بن يزيد وهو خال إبراهيم الراوي عنه قوله ثم قال سليمان قضى فينا ولم يذكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل ذلك هو شعبة وسليمان هو الاعمش وهو موصول بالسند المذكور وحاصله أن الاعمش روى الحديث أولا بإثبات قوله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون مرفوعا على الراجح في المسألة ومرة دونها فيكون موقوفا وقد أخرجه الاسماعيلي عن القاسم بن زكريا عن بشر بن خالد شيخ البخاري فيه مثله لكن قال قال سليمان بعد قال القاسم وحدثنا محمد بن عبد الاعلى حدثنا خالد بسنده بلفظ قضى بذلك معاذ فينا قلت وقد مضى في باب ميراث البنات من وجه آخر عن الاسود بن يزيد قال أتانا معاذ بن جبل باليمن معلما وأميرا فسألنا عن رجل فذكره وسياقه مشعر بأن ذلك كان في عهد النبي
[ 21 ]
صلى الله عليه وسلم لان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمره على اليمن كما مضى صريحا في كتاب الزكاة وغيره وأخرجه أبو داود والدار قطني من وجه ثالث عن الاسود أن معاذ ورث فذكره وزاد هو باليمن ونبي الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حي وللدار قطني من وجه آخر عن الاسود قدم علينا معاذ حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره باختصار وهذا أصرح ما وجدت في ذلك قوله عبد الرحمن هو بن مهدي وسفيان هو الثوري وأبو قيس هو عبد الرحمن وقد مضى ذكره وشرح حديثه قبل هذا بأربعة أبواب من طريق شعبة عن أبي قيس وفيه قصة أبي موسى وجزم فيه بقوله لاقضين فيها بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم وأما قوله هنا أو قال قال النبي صلى الله عليه وسلم فهو شك من بعض رواته وأكثر الرواة أثبتوا الزيادة ففي رواية وكيع وغيره عن سفيان عند النسائي وغيره سأقضي فيها بما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومراده بالقضاء بالنسبة إليه الفتيا فان بن مسعود يومئذ لم يكن قاضيا ولا أميرا قوله باب ميراث الاخوات والاخوة ذكر فيه حديث جابر المذكور في أول كتاب الفرائض والغرض منه قوله انما لي أخوات فإنه يقتضي أنه لم يكن له ولد واستنبط المصنف الاخوة بطريق الاولى وقدم الاخوات في الذكر للتصريح بهن في الحديث عبد الله المذكور في السند هو بن المبارك قال بن بطال
أجمعوا على أن الاخوة الاشقاء أو من الاب لا يرثون مع الابن وان سفل ولا مع الاب وأختلفوا فيهم مع الجد على ما مضت الاشارة إليه وما عدا ذلك فللواحدة من الاخوات النصف وللبنتين فصاعدا الثلثان وللاخ الجميع فما زاد فبالقسمة السوية وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين كما نص عليه القرآن ولم يقع في كل ذلك اختلاف إلا في زوج وأم وأختين لام وأخ شقيق فقال الجمهور يشرك بينهم وكان علي وأبي وأبو موسى لا يشركون الاخوة ولو كانوا أشقاء مع الاخوة للام لانهم عصبة وقد استغرقت الفرائض المال وبذلك قال جمع من الكوفيين قوله باب يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ذكر فيه حديث البراء من طريق أبي إسحاق عنه آخر آية نزلت خاتمة سورة النساء يستفتونك قل الله يفتكم في الكلالة وأراد بذلك ما فيها من التنصيص على ميراث الاخوة وقد أخرج أبو داود في المراسيل من وجه آخر عن أبي إسحاق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن جاء رجل فقال يا رسول الله ما الكلالة قال من لم يترك ولدا ولا والدا فورثته كلالة ووقع في صحيح مسلم عن عمر أنه خطب ثم قال إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة وما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما راجعته في الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري فقال ألا يكفيك آية النصف التي في آخر سورة النساء وقد اختلف في تفسير الكلالة والجمهور على أنه من لا ولد له ولا والد واختلف في بنت وأخت هل ترث الاخت مع البنت وكذا في الجد هل يتنزل منزلة الاب فلا ترث معه الاخوة قال السهيلي الكلالة من الاكليل المحيط بالرأس لان الكلالة وراثة تسكللت العصبة أي أحاطت بالميت وإن عنيت المصدر قلت ورثوه عن كلالة وتطلق الكلالة على الورثة مجازا قال ولا يصح قول من قال الكلالة المال ولا الميت الا على إرادة تفسيره معنى من غير نظر إلى حقيقة اللفظ ثم قال ومن العجب أن الكلالة في الآية الاولى من النساء لا يرث فيها الاخوة مع البنت مع أنه لم يقع فيها التقييد بقوله ليس له ولد وقيد به في الآية
[ 22 ]
الثانية مع أن الاخت فيها ورثت مع البنت والحكمة فيها أن الاولى عبر فيها بقوله تعالى وان كان رجل يورث فإن مقتضاه الاحاطة بجميع المال فأغنى لفظ يورث عن القيد ومثله قوله تعالى وهو
يرثها ان لم يكن لها ولد أي يحيط بميراثها وأما الآية الثانية فالمراد بالولد فيها الذكر كما تقدم تقريره ولم يعبر فيها بلفظ يورث فلذلك ورثت الاخت مع البنت وقال بن المنير الاستدلال بآية الكلالة على أن الاخوات عصبة لطيف جدا وهو أن العرف في آيات الفرائض قد اطرد على أن الشرط المذكور فيها هو لمقدار الفرض لا لاصل الميراث فيفهم أنه إذا لم يوجد الشرط أن يتغير قدر الميراث فمن ذلك قوله ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك ان كان له ولد فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث فتغير القدر ولم يتغير أصل الميراث وكذا في الزوج وفي الزوجة فقياس ذلك أن يطرد في الاخت فلها النصف ان لم يكن ولد فان كان ولد تغير القدر ولم يتغير أصل الارث وليس هناك قدر يتغير إليه الا التعصيب ولا يلزم من ذلك أن ترث الاخت مع الابن لانه خرج بالاجماع فيبقى ما عداه على الاصل والله اعلم وقد تقدم الكلام في آخر ما نزل من القرآن في آخر تفسير سورة البقرة وقال الكرماني اختلف في تعيين آخر ما نزل فقال البراء هنا خاتمة سورة النساء وقال بن عباس كما تقدم في آخر سورة البقرة آية الربا وهذا اختلاف بين الصحابيين ولم ينقل واحد منهما ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فيحمل على أن كلا منهما قال بظنه وتعقب بان الجمع أولى كما تقدم بيانه هناك قوله باب ابني عم أحدهما أخ للام والآخر زوج صورتها أن رجلا تزوج امرأة فأتت منه بابن ثم تزوج أخرى فأتت منه بآخر ثم فارق الثانية فتزوجها أخوه فأتت منه ببنت فهي أخت الثاني لامه وابنة عمه فتزوجت هذه البنت الابن الاول وهو بن عمها ثم ماتت عن ابني عمها قوله وقال علي للزوج النصف وللاخ من الام السدس وما بقي بينهما نصفان وحاصله أن الزوج يعطي النصف لكونه زوجا ويعطي الآخر السدس لكونه أخا من أم فيبقى الثلث فيقسم بينهما بطريق العصوبة فيصبح للاول الثلثان بالفرض والتعصيب وللآخر الثلث بالفرض والتعصيب وهذا الاثر وصله عن علي رضي الله عنه سعيد بن منصور من طريق حكيم بن غفال قال أتى شريح في امرأة تركت ابني عمها أحدهما زوجها والآخر أخوها لامها فجعل للزوج النصف والباقي للاخ من الام فأتوا عليا فذكروا له ذلك فأرسل إلى شريح فقال ما قضيت أبكتاب الله أو سنة من رسول الله فقال بكتاب الله قال أين
قال وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله قال فهل قال للزوج النصف وللاخ ما بقى ثم أعطى الزوج النصف وللاخ من الام السدس ثم قسم ما بقى بينهما وأخرج يزيد بن هارون والدارمي من طريق الحارث قال أتى علي في ابني عم أحدهما أخ لام فقيل له ان عبد الله كان يعطي الاخ للام المال كله فقال يرحمه الله ان كان لفقيها ولو كنت أنا لاعطيت الاخ من الام السدس ثم قسمت ما بقى بينهما قال بن بطال وافق عليا زيد بن ثابت والجمهور وقال عمر وابن مسعود جميع المال يعني الذي يبقى بعد نصيب الزوج للذي جمع القرابتين فله السدس بالفرض والثلث الباقي بالتعصيب وهو قول الحسن وأبي ثور وأهل الظاهر واحتجوا بالاجماع في أخوين أحدهما شقيق والآخر لاب أن الشقيق يستوعب المال لكونه أقرب بأم وحجة الجمهور ما أشار إليه البخاري في حديث أبي هريرة الذي أورده في الباب بلفظ فمن مات وترك مالا فماله لموالي العصبة
[ 23 ]
والمراد بموالي العصبة بنوا العم فسوى بينهم ولم يفضل أحدا على أحد وكذا قال أهل التفسير في قوله واني خفت الموالي من ورائي أي بنى العم فان احتجوا بالحديث الآخر المذكور في الباب أيضا من حديث بن عباس فما تركت الفرائض فالاولي رجل ذكر فالجواب أنهما من جهة التعصيب سواء والتقدير ألحقوا الفرائض بأهلها أي أعطوا أصحاب الفروض حقهم فان بقى شئ فهو للاقرب فلما أخد الزوج فرضه الاخ من الام فرضه صار ما بقي موروثا بالتعصيب وهما في ذلك سواء وقد أجمعوا في ثلاثة إخوة للام أحدهم بن عم أن للثلاثة الثلث والباقي لابن العم قال المازري مراتب التعصيب البنوة ثم الابوة ثم الجدودة فالابن أولى من الاب وان فرض له معه السدس وهو أولى من الاخوة وبنيهم لانهم ينتسبون بالمشاركة في الابوة والجدودة والاب أولى من الاخوة ومن الجد لانهم به ينتسبون فيسقطون مع وجوده والجد أولى من بني الاخوة لانه كالاب معهم ومن العمومة لانهم به ينتسبون والاخوة وبنوهم أولى من العمومة وبنيهم لان تعصيب الاخوة بالابوة والعمومة بالجدودة هذا ترتيبهم وهم يختلفون في القرب فالاقرب أولى كالاخوة مع بنيهم والعمومة مع بنيهم فان تساووا في الطبقة والاقرب ولاحدهما زيادة كالشقيق
مع الاخ لاب قدم وكذا الحال في بنيهم وفي العمومة وبنيهم فان كانت زيادة الترجيح بمعنى غير ما هما فيه كابني عم أحدهما أخ لام فقيل يستمر الترجيح فيأخذ بن العم الذي هو أخ لام جميع ما بقى بعد فرض الزوج وهو قول عمر وابن مسعود وشريح والحسن وابن سيرين والنخعي وأبي ثور والطبري داود ونقل عن أشهب وأبي ذلك الجمهور فقالوا بل يأخذ الاخ من الام فرضه ويقسم الباقي بينهما والفرق بين هذه الصورة وبين تقدم الشقيق على الاخ لاب طريق الترجيح لان الشرط فيها أن يكون فيه معنى مناسب لجهة التعصيب لان الشقيق شارك شقيقه في جهة القرب المتعلقة بالتعصيب بخلاف الصورة المذكورة والله اعلم قوله حدثنا محمود هو بن غيلان وعبيد الله شيخه هو بن موسى وقد حدث البخاري عنه كثيرا بغير واسطة وإسرائيل هو بن يونس بن أبي إسحاق وأبو حصين بفتح أوله هو عثمان بن عاصم وأبو صالح هو ذكوان السمان قوله أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم زاد في رواية الاصيلي هنا وأزواجه أمهاتهم قال عياض وهي زيادة في الحديث لا معنى لها قوله فلادعي له قال بن بطال هي لام الامر أصلها الكسر وقد تسكن مع الفاء والواو غالبا فيهما واثبات الالف بعد العين جائز كقوله ألم يأتيك والاخبار تنمى والاصل عدم الاشباع للجزم والمعنى فادعوني له أقوم بكله وضياعه قوله والكل العيال ثبت هذا التفسير في آخر الحديث في رواية المستملي والكشميهني وأصل الكل الثقل ثم استعمل في كل أمر يصحب والعيال فرد من أفراده وقال صاحب الاساس كل بصره فهو كليل وكل عن الامر لم تنبعث نفسه له وكل كلالة أي قصر عن بلوغ القرابة وقد مضى شرح حديث بن عباس في أوائل الفرائض وروح شيخ يزيد بن زريع فيه هو بن القاسم العنبري قوله باب ذوي الارحام أي بيان حكمهم هل يرثون أولا وهم عشرة أصناف الخال والخالة والجد للام وولد البنت وولد الاخت وبنت الاخ وبنت العم والعمة والعم للام وابن الاخ للام ومن أدلى بأحد منهم فمن ورثهم قال أولاهم أولاد البنت ثم أولاد الاخت وبنات الاخ ثم العم والعمة والخال والخالة وإذا استوى اثنان قدم الاقرب إلى صاحب فرض أو عصبة رحمه قوله إسحاق بن إبراهيم
[ 24 ]
هو الامام المعروف بابن راهويه قوله قلت لابي أسامة حدثكم إدريس أي بن يزيد بن عبد الرحمن الاودي والد عبد الله وطلحة شيخه هو بن مصرف وقد نسبة المصنف في التفسير من رواية الصلت بن محمد عن أبي أسامة وقال في آخره سمع إدريس من طلحة وأبو أسامة من إدريس وقد صرح هنا بالثاني ووقع في رواية أبي داود عن هارون بن عبد الله عن أبي أسامة حدثني إدريس بن يزيد حدثنا طلحة بن مصرف وكذا أخرجه الاسماعيلي عن الهنجاني عن أبي كريب عن أبي أسامة وكذا عند الطبري عن أبي كريب قوله ولكل جعلنا هو إلى والذين عاقدت أيمانكم قال كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الانصاري المهاجري دون ذوى رحمه للاخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت ولكل جعلنا موالي قال نسختها والذين عاقدت أيمانكم قال بن بطال كذا وقع في جميع النسخ نسختها والذين عاقدت ايمانكم والصواب ان المنسوخة والذين عاقدت ايمانكم والناسخة ولكل جعلنا موالي قال ووقع في رواية الطبري بيان ذلك ولفظه فلما نزلت هذه الآية ولكل جعلنا موالي نسخت قلت وقد تقدم في الكفالة التفسير من رواية الصلت بن محمد عن أبي أسامة مثل ما عزاه للطبري فكان عزوه إلى ما في البخاري أولى إلى مع أن في سياقه فائدة أخرى وهو أنه قال ولكل جعلنا موالي ورثة فأفاد تفسير الموالي بالورثة وأشار إلى أن قوله والذين عاقدت أيمانكم ابتداء شئ يريد أن يفسره أيضا ويؤيده أنه وقع في رواية الصلت ثم قال والذين عاقدت وبقى قوله نسختها مشكلا كما قال بن بطال وقد أجاب بن المنير في الحاشية فقال الضمير في نسختها عائد على المؤاخاة لا على الآية والضمير في نسختها وهو الفاعل المستتر يعود على قوله ولكل جعلنا موالي وقوله والذين عاقدت أيمانكم بدل من الضمير وأصل الكلام لما نزلت ولكل جعلنا موالي نسخت والذين عاقدت أيمانكم قال الكرماني فاعل نسختها آية جعلنا والذين عاقدت منصوب بإضمار أعني قلت ووقع في سياقه هنا أيضا موضع آخر وهو أنه عبر بقوله يرث الانصاري المهاجري وتقدم في رواية الصلت بالعكس وأجاب عنه الكرماني بأن المقصود اثبات الوراثة بينهما في الجملة قلت والاولى أن يقرأ الانصاري بالنصب على أنه مفعول مقدم فتتحد الروايتان ووقع في رواية الصلت
موضع ثالث مشكل وهو قوله والذين عاقدت أيمانكم من النصر الخ وظاهر الكلام أن قوله من النصر يتعلق بعاقدت أيمانكم وليس كذلك وإنما يتعلق بقوله فآتوهم نصيبهم وقد بين ذلك أبو كريب في روايته وكذلك أخرجه أبو داود عن هارون بن عبد الله عن أبي أسامة وقد تقدم في تفسير النساء عدة طرق لذلك مع إعراب الآية والكلام على حكم المعاقدة المذكورة ونسخها بما يغني عن إعادته والمراد بإيراد الحديث هنا أن قوله تعالى ولكل جعلنا موالي نسخ حكم الميراث الذي دل عليه والذين عاقدت أيمانكم قال بن بطال أكثر المفسرين على أن الناسخ لقوله تعالى والذين عاقدت أيمانكم قوله تعالى في الانفال وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض وبذلك جزم أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ قلت كذا أخرجه أبو داود بسند حسن عن بن عباس قال بن الجوزي كان جماعة من المحدثين يروون الحديث من حفظهم فتقصر عباراتهم خصوصا العجم فلا يبين للكلام رونق مثل هذه الالفاظ في هذا الحديث وبيان ذلك أن مراد الحديث المذكور أن النبي صلى الله عليه وسلم كان آخى بين المهاجرين والانصار فكانوا يتوارثون بتلك الاخوة ويرونها
[ 25 ]
داخلة في قوله تعالى والذين عاقدت أيمانكم فلما نزل قوله تعالى وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله نسخ الميراث بين المتعاقدين وبقي النصر والرفادة وجواز الوصية لهم وقد وقع في رواية العوفي عن بن عباس بيان السبب في إرثهم قال كان الرجل في الجاهلية يلحق به الرجل فيكون تابعه فإذا مات الرجل صار لاقاربه الميراث وبقى تابعه ليس له شئ فنزلت والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم فكانوا يعطونه من ميراثه ثم نزلت وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله فنسخ ذلك قلت والعوفي ضعيف والذي في البخاري هو الصحيح المعتمد وتصحيح السياق قد ظهر في نفس الرواية وأن بعض الرواة قدم بعض الالفاظ على بعض وحذف منها شيئا وأن بعضهم ساقها على الاستقامة وذلك هو المعتمد قال بن بطال اختلف الفقهاء في توريث ذوي الارحام وهم من لاسهم له وليس بعصبة فذهب أهل الحجاز والشام إلى منعهم الميراث وذهب الكوفيون وأحمد وإسحاق إلى توريثهم واحتجوا بقوله تعالى وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض
واحتج الآخرون بأن المراد بها من له سهم في كتاب الله لان آية الانفال مجملة وآية المواريث مفسرة وبقوله صلى الله عليه وسلم من ترك مالا فلعصبته وأنهم أجمعوا على ترك القول بظاهرها فجعلوا ما يخلفه المعتوق إرثا لعصبته دون مواليه فان فقدوا فلمواليه دون ذوي رحمه واختلفوا في توريثهم فقال أبو عبيد رأي أهل العراق رد ما بقى من ذوي الفروض إذا لم تكن عصبة على ذوي الفروض وإلا فعليهم وعلى العصبة فان فقدوا أعطوا ذوي الارحام وكان بن مسعود ينزل كل ذي رحم منزلة من يجر إليه وأخرج بسند صحيح عن بن مسعود أنه جعل العمة كالاب والخالة كالام فقسم المال بينهما أثلاثا وعن علي أنه كان لا يرد على البنت دون الام ومن أدلتهم حديث الخال وارث من لا وارث له وهو حديث حسن أخرجه الترمذي وغيره وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يرد به إذا كان عصبة ويحتمل أن يريد بالحديث المذكور السلب كقولهم الصبر حيلة من لا حيلة له ويحتمل أن يكون المراد به السلطان لانه خال المسلمين حكى هذه الاحتمالات بن العربي قوله باب ميراث الملاعنة بفتح العين المهملة ويجوز كسرها والمراد بيان ما ترثه من ولدها الذي لاعنت عليه ذكر فيه حديث بن عمر المختصر في الملاعنة وقد مضى شرحه في كتاب اللعان ومن وجه آخر مطول عن بن عمر ومن حديث سهل بن سعد والغرض منه هنا قوله وألحق الولد بالمرأة وقد اختلف السلف في معنى إلحاقه بأمه مع اتفاقهم على أنه لا ميراث بينه وبين الذي نفاه فجاء عن علي وابن مسعود أنهما قالا في بن الملاعنة عصبته عصبة أمه يرثهم ويرثونه أخرجه بن أبي شيبة وقال النخعي والشعبي وجاء عن علي وابن مسعود أنهما كانا يجعلان أمه عصبة وحدها فتعطى المال كله فإن ماتت أمه قبله فماله لعصبتها وبه قال جماعة منهم الحسن وابن سيرين ومكحول والثوري وأحمد في رواية وجاء عن علي أن بن الملاعنة ترثه أمه وإخوته منها فان فضل شئ فهو لبيت المال وهذا قول زيد بن ثابت وجمهور العلماء وأكثر فقهاء الامصار قال مالك وعلى هذا أدركت أهل العلم وأخرج عن الشعبي قال بعث أهل الكوفة إلى الحجاز في زمن عثمان يسألون عن ميراث بن الملاعنة فأخبروهم أنه لامه وعصبتها وجاء عن بن عباس عن علي أنه أعطى الملاعنة الميراث وجعلها عصبة قال بن عبد البر الرواية الاولى
أشهر عند أهل الفرائض قال بن بطال هذا الخلاف إنما نشأ من حديث الباب حيث جاء فيه
[ 26 ]
وألحق الولد بالمرأة لانه لما ألحق بها قطع نسب أبيه فصار كمن لا أب له من أولاد البغي وتمسك الآخرون بأن معناه إقامتها مقام أبيه فجعلوا عصبة أمه عصبة أبيه قلت وقد جاءني المرفوع ما يقوي القول الاول فأخرج أبو داود من رواية مكحول مرسلا ومن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جعل النبي صلى الله عليه وسلم ميراث بن الملاعنة لامه ولورثتها من بعدها ولاصحاب السنن الاربعة عن وائلة رفعه تحوز المرأة ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه قال البيهقي ليس بثابت قلت وحسنه الترمذي وصححه الحاكم وليس فيه سوى عمر بن رؤية بضم الراء وسكون الواو بعدها وحدة مختلف فيه قال البخاري فيه نظر ووثقه جماعة وله شاهد من حديث بن عمر عند بن المنذر ومن طريق داود بن أبي هند عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن رجل من أهل الشام أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى به لامه هي بمنزلة أبيه وأمه وفي رواية أن عبد الله بن عبيد كتب إلى صديق له من أهل المدينة يسأله عن ولد الملاعنة فكتب إليه اني سألت فأخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى به لامه وهذه طرق يقوي بعضها ببعض قال بن بطال تمسك بعضهم بالحديث الذي جاء أن الملاعنة بمنزلة أبيه وأمه وليس فيه حجة لان المراد أنها بمنزلة أبيه وأمه في تربيته وتأديبه وغير ذلك مما يتولاه أبوه فأما الميراث فقد اجمعوا أن بن الملاعنة لو لم تلاعن أمه وترك أمه وأباه كان لامه السدس فلو كانت بمنزلة أبيه وأمه لورثت سدسين فقط سدس بالامومة وسدس بالابوة كذا قال وفيه نظر تصويرا واستدلالا وحجة الجمهور ما تقدم في اللعان أن في رواية فليح عن الزهري عن سهل في آخره فكانت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض لها أخرجه أبو داود وحديث بن عباس فهو لاولى رجل ذكر فأنه جعل ما فضل عن أهل الفرائض لعصبة الميت دون عصبة أمه وإذا لم يكن لولد الملاعنة عصبة من قبل أبيه فالمسلمون عصبته وقد تقدم من حديث أبي هريرة ومن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا قوله باب الولد للفراش حرة كانت أي المستفرشة
أو أمة قوله عن عروة في رواية شعيب عن الزهري في العتق حدثني عروة وكذا وقع في رواية عبد الله بن مسلمة عن مالك في المغازي لكن أخرجه في الوصايا بلفظ عن عروة قوله كان عتبة عهد إلى أخيه في رواية يحيى بن قزعة عن مالك في أوائل البيوع بن أبي وقاص في الموضعين وكذا في رواية شعيب والليث وغيرهما عن الزهري وفي رواية بن عيينة عن الزهري الماضية في الاشخاص أوصاني أخي إذا قدمت يعني مكة أن اقبض إليك بن أمة زمعة فإنه ابني قوله ان بن وليدة زمعة في رواية بن عيينة عن بن شهاب الماضية في المظالم بن امة زمعة والوليدة في الاصل المولودة وتطلق على الامة وهذه الوليدة لم أقف على أسمها لكن ذكر مصعب الزبيري وابن أخيه الزبير في نسب قريش أنها كانت أمة يمانية والوليدة فعيلة من الولادة بمعنى مفعولة قال الجوهري هي الصبية والامة والجمع ولائد وقيل انها أسم لغير أم الولد وزمعة بفتح الزاي وسكون الميم وقد تحرك قال النووي التسكين أشهر وقال أبو الوليد الوقثي التحريك هو الصواب قلت والجاري على ألسنة المحدثين التسكين في الاسم والتحريك في النسبة وهو بن قيس بن عبد شمس القرشي العامري والد سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وعبد بن زمعة بغير إضافة ووقع في مختصر بن الحاجب عبد الله وهو غلط نعم عبد الله بن زمعة آخر وفي بعض
[ 27 ]
الطرق من غير رواية عائشة عند الطحاوي في هذا الحديث عبد الله بن زمعة ونبه على أنه غلط وأن عبد الله بن زمعة هو بن الاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى آخر قلت وهو الذي مضى حديثه في تفسير والشمس وضحاها وقد وقع لابن الاسود وليس كذلك بل عبد بغير إضافة وعبد الرحمن أخوان عامريان من قريش وعبد الله بن زمعة قرشي أسدي من قريش أيضا وقد أوضحت ذلك في الاصابة في تميز الصحابة والابن المذكور اسمه عبد الرحمن وذكره بن عبد البر في الصحابة وغيره وقد أعقب بالمدينة وعتبة بن أبي وقاص أخو سعد مختلف في صحبته فذكره في الصحابة العسكري وذكر ما نقله الزبير بن بكار في النسب أنه كان أصاب دما بمكة في قريش فانتقل إلى المدينة ولما مات أوصى إلى سعد وذكره بن مندة في الصحابة ولم يذكر مستندا إلا قول سعد
عهد إلى أخي أنه ولده واستنكر أبو نعيم ذلك وذكر أنه الذي شج وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد قال وما علمت له اسلاما بل قد روى عبد الرزاق من طريق عثمان الجزري عن مقسم أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بأن لا يحول على عتبة الحول حتى يموت كافرا فمات قبل الحول وهذا مرسل وأخرجه من وجه آخر عن سعيد بن المسيب بنحوه وأخرج الحاكم في المستدرك من طريق صفوان بن سليم عن أنس أنه سمع حاطب بن أبي بلتعة يقول ان عتبة لما فعل بالنبي صلى الله عليه وسلم ما فعل تبعته فقتلته كذا قال وجزم بن التين والدمياطي بأنه مات كافرا قلت وأم عتبة هند بنت وهب بن الحارث بن زهرة وأم أخيه سعد حمنة بنت سفيان بن أمية قوله فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال بن أخي في رواية يونس عن الزهري في المغازي فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في الفتح وفي رواية معمر عن الزهري عند أحمد وهي لمسلم لكن لم يسق لفظها فلما كان يوم الفتح رأى سعد الغلام فعرفه بالشبه فاحتضنه وقال بن أخي ورب الكعبة وفي رواية الليث فقال سعد يا رسول الله هذا بن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أنه ابنه وعتبة بالجر بدل من لفظ أخي أو عطف بيان والضمير في أخي لسعد لا لعتبة قوله فقام عبد بن زمعة فقال أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه في رواية معمر فجاء عبد بن زمعة فقال بل هو أخي ولد على فراش أبي من جاريته وفي رواية يونس يا رسول الله هذا أخي هذا بن زمعة ولد على فراشه زاد في رواية الليث أنظر إلى شبهه يا رسول الله وفي رواية يونس فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص وفي رواية الليث فرأى شبها بينا بعتبة وكذا لابن عيينة عند أبي داود وغيره قال الخطابي وتبعه عياض والقرطبي وغيرهما كان أهل الجاهلية يقتنون الولائد ويقررون عليهن الضرائب فيكتسبن بالفجور وكانوا يلحقون النسب بالزناة إذا ادعوا الولد كما في النكاح وكان لزمعة أمة وكان يلم بها فظهر بها حمل زعم عتبة بن أبي وقاص أنه منه وعهد إلى أخيه سعد أن يستلحقه فخاصم فيه عبد بن زمعة فقال له سعد هو بن أخي على ما كان عليه الامر في الجاهلية وقال عبد هو أخي على ما استقر عليه الامر في الاسلام فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم حكم الجاهلية وألحقه بزمعة وأبدل عياض قوله إذا
ادعوا الولد بقوله إذا اعترفت به الام وبنى عليهما القرطبي فقال ولم يكن حصل إلحاقه بعتبة في الجاهلية إما لعدم الدعوة وإما لكون الام لم تعترف به لعتبة قلت وقد مضى في النكاح
[ 28 ]
من حديث عائشة ما يؤيد أنهم كانوا يعتبرون استلحاق الام في صورة وإلحاق القائف في صورة ولفظها أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء الحديث وفيه يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومضت ليال أرسلت إليهم فاجتمعوا عندها فقالت قد ولدت فهو ابنك يا فلان فيلحق به ولدها ولا يستطيع أن يمتنع إلا أن قالت ونكاح البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن فوضعت جمعوا لها القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرى القائف لا يمتنع من ذلك انتهى واللائق بقصة أمة زمعة الاخير فلعل جمع القافة لهذا الولد تعذر بوجه من الوجوه أو أنها لم تكن بصفة البغايا بل أصابها عتبة سرا من زنا وهما كافران فحملت وولدت ولدا يشبهه فغلب على ظنه أنه منه فبغته الموت قبل استلحاقه فأوصى أخاه أن يستلحقه فعمل سعد بعد ذلك تمسكا بالبراءة الاصلية قال القرطبي وكان عبد بن زمعة سمع أن الشرع ورد بان الولد للفراش وإلا فلم يكن عادتهم الالحاق به كذا قاله وما أدرى من أين له هذا الجزم بالنفي وكأنه بناه على ما قال الخطابي أمة زمعة كانت من البغايا اللاتي عليهن من الضرائب فكان الالحاق مختصا باستلحاقها على ما ذكر أو بالحاق القائف على ما في حديث عائشة لكن لم يذكر الخطابي مستندا لذلك والذي يظهر من سياق القصة ما قدمته أنها كانت أمة مستفرشة لزمعة فأنفق على أن عتبة زنى بها كما تقدم وكانت طريقة الجاهلية في مثل ذلك أن السيد إن استلحقه لحقة وان نفاه انتفى عنه وإذا ادعاه غيره كان مرد ذلك إلى السيد أو القافة وقد وقع في حديث بن الزبير الذي أسوقه بعد هذا ما يؤيد ما قلته وأما قوله ان عبد بن زمعة سمع أن الشرع الخ نفيه نظر لانه يبعد أن يسمع ذلك عبد بن زمعة وهو بمكة لم يعلم بعد ولا يسمعه سعد بن أبي وقاص وهو من السابقين الاولين الملازمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حين إسلامه إلى حين فتح مكة نحو العشرين سنة حتى ولو قلنا ان الشرع لم يرد بذلك الا
في زمن الفتح فبلوغه لعبد قبل سعد بعيد أيضا والذي يظهر لي أن شرعية ذلك انما عرفت من قوله صلى الله عليه وسلم في هذه القصة الولد للفراش وإلا فما كان سعد لو سبق علمه بذلك ليدعيه بل الذي يظهر أن كلا من سعد وعتبة بنى على البراءة الاصلية وأن مثل هذا الولد يقبل النزاع وقد أخرج أبو داود تلو حديث الباب بسند حسن إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قام رجل فقال يا رسول الله ان فلان ابني عاهرت بأمه في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا دعوة في الاسلام ذهب أمر الجاهلية الولد للفراش وللعاهر الحجر وقد وقع في بعض طرقه أن ذلك وقع في زمن الفتح وهو يؤيد ما قلته واستدل بهذه القصة على أن الاستلحاق لا يختص بالاب بل للاخ أن يستلحق وهو قول الشافعية وجماعة بشرط أن يكون الاخ حائزا أو يوافقه باقي الورثة وامكان كونه من المذكور وأن يوافق على ذلك ان كان بالغا عاقلا وأن لا يكون معروف الاب وتعقب بأن زمعة كان له ورثة غير عبد وأجيب بأنه لم يخلف وارثا غيره إلا سودة فان كان زمعة مات كافرا فلم يرثه إلا عبد وحده وعلى تقدير أن يكون أسلم وورتثه سودة فيحتمل أن تكون وكلت أخاها في ذلك أو ادعت أيضا وخص مالك وطائفة الاستلحاق بالاب وأجابوا بأن الالحاق لم ينحصر في استلحاق عبد لاحتمال أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك بوجه من الوجوه كاعتراف زمعة بالوطئ ولانه انما حكم بالفراش لانه قال بعد قوله هو لك الولد
[ 29 ]
للفراش لانه لما أبطل الشرع الحاق هذا الولد بالزاني لم يبق صاحب الفراش وجرى المزني على القول بأن الالحاق يختص بالاب فقال أجمعوا على أنه لا يقبل اقرار أحد على غيره والذي عندي في قصة عبد بن زمعة أنه صلى الله عليه وسلم أجاب عن المسألة فأعلمهم أن الحكم كذا بشرط أن يدعي صاحب الفراش لا أنه قبل دعوى سعد عن أخيه عتبة ولا دعوى عبد بن زمعة عن زمعة بل عرفهم أن الحكم في مثلها يكون كذلك قال ولذلك قال احتجي منه يا سودة وتعقب بأن قوله لعبد بن زمعة هو أخوك يدفع هذا التأويل واستدل به على أن الوصي يجوز له أن يستلحق ولد موصيه إذا أوصى إليه بأن يستلحقه ويكون كالوكيل عنه في ذلك وقد مضى التبويب بذلك
في كتاب الاشخاص وعلى أن الامة تصير فراشا بالوطئ فإذا اعترف السيد بوطئ أمته أو ثبت ذلك بأي طريق كان ثم أتت بولد لمدة الامكان بعد الوطئ لحقه من غير استلحاق كما في الزوجة لكن الزوجة تصير فراشا بمجرد العقد فلا يشترط في الاستلحاق إلا الامكان لانها تراد الموطئ فجعل العقد عليها كالوطئ بخلاف الامة فأنها تراد لمنافع أخرى فاشترط في حقها الوطئ ومن ثم يحوز الجمع بين الاختين بالملك دون الوطئ وهذا قول الجمهور وعن الحنفية لا تصير الامة فراشا إلا إذا ولدت من السيد ولدا ولحق به فمهما ولدت بعد ذلك لحقه إلا أن ينفيه وعن الحنابلة من اعترف بالوطئ فأتت منه لمدة الامكان لحقه وأن ولدت منه أولا فاستلحقه لم يلحقه ما بعده إلا بإقرار مستأنف على الراجح عندهم وترجيح المذهب الاول ظاهر لانه لم ينقل أنه كان لزمعة من هذه الامة ولد آخر والكل متفقون على أنها لا تصير فراشا إلا بالوطئ قال النووي وطئ زمعة أمته المذكورة علم إما ببينة وإما باطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك قلت وفي حديث بن الزبير ما يشعر بأن ذلك كان أمرا مشهورا وسأذكر لفظه قريبا واستدل به على أن السبب لا يخرج ولو قلنا أن العبرة بعموم اللفظ ونقل الغزالي تبعا لشيخه والآمدي ومن تبعه عن الشافعي قولا بخصوص السبب تمسكا بما نقل عن الشافعي أنه ناظر بعض الحنفية لما قال أن أبا حنيفة خص الفراش بالزوجة وأخرج الامة من عموم الولد للفراش فرد عليه الشافعي بأن هذا ورد على سبب خاص ورد ذلك الفخر الرازي على من قاله بأن مراد الشافعي أن خصوص السبب لا يخرج والخبر انما ورد في حق الامة فلا يجوز إخراجه ثم وقع الاتفاق على تعميمه في الزوجات لكن شرط الشافعي والجمهور الامكان زمانا ومكانا وعن الحنفية يكفي مجرد العقد فتصير فراشا ويلحق الزوج الولد وحجتهم عموم قوله الولد للفراش لانه لا يحتاج إلى تقدير وهو الولد لصاحب الفراش لان المراد بالفراش الموطوءة ورده القرطبي بأن الفراش كناية عن الموطوءة لكون الواطئ يستفرشها أي بصيرها بوطئه لها فراشا له يعني فلا بد من اعتبار الوطئ حتى تسمى فراشا وألحق به إمكان الوطئ فمع عدم إمكان الوطئ لا تسمى فراشا وفهم بعض الشراح عن القرطبي خلاف مراده فقال كلامه يقتضي حصول مقصود الجمهور بمجرد كون فراش هو الموطوءة وليس هو المراد فعلم أنه
لا بد من تقدير محذوف لانه قال أن الفراش هو الموطوءة والمراد به أن الولد لا يلحق بالواطئ قال المعترض وهذا لا يستقيم إلا مع تقدير الحذف قلت وقد بينت وجه استقامته بحمد الله ويؤيد ذلك أيضا أن بن الاعرابي اللغوي نقل أن الفراش عند العرب يعبر به عن الزوج وعن المرأة والاكثر إطلاقه على المرأة ومما ورد في التعبير به عن الرجل قول جرير فيمن تزوجت بعد
[ 30 ]
قتل زوجها أو سيدها باتت تعانقه وبات فراشها خلف العباءة بالبلاء ثقيلا وقد يعبر به عن حالة الافتراش ويمكن حمل الخبر عليها فلا بتعين الحذف نعم لا يمكن حمل الخبر على كل واطئ بل المراد من له الاختصاص بالوطئ كالزوج والسيد ومن ثم قال بن دقيق العيد معنى الولد للفراش تابع للفراش أو محكوم به للفراش أو ما يقارب هذا وقد شنع بعضهم على الحنفية بأن من لازم مذهبهم إخراج السبب مع المبالغة في العمل بالعموم في الاحوال وأجاب بعضهم بأنه خصص الظاهر القوي بالقياس وقد عرف من قاعدته تقديم القياس في مواضيع على خبر الواحد وهذا منها واستدل به على أن القائف إنما يعتمد في الشبه إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه لان الشارع لم يلتفت هنا إلى الشبه والتفت إليه في قصة زيد بن حارثة وكذا لم يحكم بالشبه في قصة الملاعنة لانه عارضه حكم أقوى منه وهو مشروعية اللعان وفيه تخصيص عموم الولد للفراش وقد تمسك بالعموم الشعبي وبعض المالكية وهو شاذ ونقل عن الشافعي أنه قال لقوله الولد للفراش معنيان أحدهما هو له ما لم ينفه فإذا نفاه بما شرع له كاللعان أنتفي عنه والثاني إذا تنازع رب الفراش والعاهر فالولد لرب الفراش قلت والثاني منطبق على خصوص الواقعة والاول أعم قوله فتساوقا أي تلازما في الذهاب بحيث أن كلا منهما كان كالذي يسوق الآخر قوله هو لك يا عبد بن زمعة كذا للاكثر وقد تقدم ضبط عبد وأنه يجوز فيه الضم والفتح وأما بن فهو منصوب على الحالين ووقع في رواية النسائي هو لك عبد بن زمعة بحذف حرف النداء وقرأه بعض المخالفين بالتنوين وهو مردود فقد وقع في رواية يونس المعلقة في المغازي
هو لك هو أخوك يا عبد ووقع لمسدد عن بن عيينة عند أبي داود هو أخوك يا عبد قال بن عبد البر نثبت الامة فراشا عند أهل الحجاز إن أقر سيدها أنه كان يلم بها وعند أهل العراق إن أقر سيدها بالولد وقال المازري يتعلق بهذا الحديث استلحاق الاخ لاخيه وهو صحيح عند الشافعي إذا لم يكن له وارث سواه وقد تعلق أصحابه بهذا الحديث لانه لم يرد أن زمعة ادعاه ولدا ولا اعترف بوطئ أمه فكان المعول في هذه القصة على استلحاق عبد بن زمعة قال وعندنا لا يصح استلحاق الاخ ولا حجة في هذا الحديث لانه يمكن أن يكون ثبت عند النبي صلى الله عليه وسلم أن زمعة كان يطأ أمته فألحق الولد به لان من ثبت وطؤه لا يحتاج إلى الاعتراف بالوطئ وانما يصعب هذا على العراقيين ويعسر عليهم الانفصال عما قاله الشافعي لما قررناه أنه لم يكن لزمعة ولد من الامة المذكورة سابق ومجرد الوطئ لا عبرة به عندهم فيلزمهم تسليم ما قال الشافعي قال ولما ضاق عليهم الامر قالوا الرواية في هذا الحديث هو لك عبد بن زمعة وحذف حرف النداء بين عبد وابن زمعة والاصل يا بن زمعة قالوا والمراد أن الولد لا يلحق بزمعة بل هو عبد لولده لانه وارثه ولذلك أمر سودة بالاحتجاب منه لانها لم ترث زمعة لانه مات كافرا وهي مسلمة قال وهذه الرواية التي ذكروها غير صحيحة ولو وردت لرددناها إلى الرواية المشهورة وقلنا بل المحذوف حرف النداء بين لك وعبد كقوله تعالى حكاية عن صاحب يوسف حيث قال يوسف أعرض عن هذا انتهى وقد سلك الطحاوي فيه مسلكا آخر فقال معنى قوله هو لك أي يدك عليه لا أنك تملكه ولكن تمنع غيرك منه إلى أن يتبين أمره كما قال لصاحب اللفظة هي لك وقال له إذا جاء صاحبها
[ 31 ]
فأدها إليه قال ولما كانت سودة شريكة لعبد في ذلك لكن لم يعلم منها تصديق ذلك ولا الدعوى به ألزم عبدا بما أقر به على نفسه ولم يجعل ذلك حجة عليها فأمرها بالاحتجاب وكلامه كله متعقب بالرواية الثانية المصرح فيها بقوله هو أخوك فإنها رفعت الاشكال وكأنه لم يقف عليها وعلى حديث بن الزبير وسودة الدال على أن سودة وافقت أخاها عبدا في الدعوى بذلك قوله الولد للفراش وللعاهر الحجر تقدم في غزوة الفتح تعليقا من رواية يونس عن بن شهاب قالت عائشة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد الخ وهذا منقطع وقد وصله غيره عن بن شهاب ووقع في رواية يونس أيضا قال بن شهاب وكان أبو هريرة يصيح بذلك وقد قدمت هناك أن مسلما أخرجه موصولا من رواية بن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة وأبي هريرة وقوله وللعاهر الحجر أي للزاني الخيبة والحرمان والعهر بفتحتين الزنا وقيل يختص بالليل ومعنى الخيبة هنا حرمان الولد الذي يدعيه وجرت عادة العرب أن تقول لمن خاب له الحجر وبفيه الحجر والتراب ونحو ذلك وقيل المراد بالحجر هنا أنه يرجم قال النووي وهو ضعيف لان الرجم مختص بالمحصن ولانه لا يلزم من رجمه نفي الولد والخبر انما سيق لنفي الولد وقال السبكي والاول أشبه بمساق الحديث لتعم الخيبة كل زان ودليل الرجم مأخوذ من موضع آخر فلا حاجة للتخصيص من غير دليل قلت ويؤيد الاول أيضا ما أخرجه أبو أحمد الحاكم من حديث زيد بن أرقم رفعه الولد للفراش وفي فم العاهر الحجر وفي حديث بن عمر عند بن حبان الولد للفراش وبفي العاهر الاثلب بمثلثة ثم موحدة بينهما لام ويفتح أوله وثالثه ويكسران قيل هو الحجر وقيل دقاقه وقيل التراب قوله ثم قال لسودة احتجبي منه في رواية الليث واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة قوله فما رآها حتى لقي الله في رواية معمر قالت عائشة فوالله ما رآها حتى ماتت وفي رواية الليث فلم تره سودة قط يعني في المدة التي بين هذا القول وبين موت أحدهما وكذا لمسلم من طريقه وفي رواية بن جريج في صحيح أبي عوانة مثله وفي رواية الكشميهني الآتية في حديث الليث أيضا فلم تره سودة بعد وهذا إذا ضمت إلى رواية مالك ومعمر استفيد منها أنها امتثلت الامر وبالغت في الاحتجاب منه حتى انها لم تره فضلا عن أن يراها لانه ليس في الامر المذكور دلالة على منعها من رؤيته وقد استدل به الحنفية على أنه لم يلحقه بزمعة لانه لو ألحقه به لكان أخا سودة والاخ لا يؤمر بالاحتجاب منه وأجاب الجمهور بأن الامر بذلك كان للاحتياط لانه وإن حكم بأنه أخوها لقوله في الطرق الصحيحة هو أخوك يا عبد وإذا ثبت أنه أخو عبد لابيه فهو أخو سودة لابيها لكن لما رأى الشبه بينا بعتبة أمرها بالاحتجاب منه احتياطا وأشار الخطابي إلى أن في ذلك مزية لامهات المؤمنين لان لهن في ذلك ما ليس لغيرهن
قال والشبه يعتبر في بعض المواطن لكن لا يقضى به إذا وجد ما هو أقوى منه وهو كما يحكم في الحادثة ثم يوجد فيها نص فيترك القياس قال وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث وليس بالثابت احتجبي منه يا سودة فإنه ليس لك بأخ وتبعه النووي فقال هذه الزيادة باطلة مردودة وتعقب بأنها وقعت في حديث عبد الله بن الزبير عند النسائي بسند حسن ولفظه كانت لزمعة جارية يطؤها وكان يظن بآخر أنه يقع عليها فجاءت بولد يشبه الذي كان يظن به فمات زمعة فذكرت ذلك سودة للنبي صلى الله عليه وسلم فقال الولد للفراش وأحتجبي منه يا سودة فليس لك
[ 32 ]
بأخ ورجال سنده رجال الصحيح إلا شيخ مجاهد وهو يوسف مولى آل الزبير وقد طعن البيهقي في سنده فقال فيه جرير وقد نسب في أخر عمره إلى سوء الحفظ وفيه يوسف وهو غير معروف وعلى تقدير ثبوته فلا يعارض حديث عائشة المتفق على صحته وتعقب بأن جريرا هذا لم ينسب إلى سوء حفظ وكأنه اشتبه عليه بجرير بن حازم وبأن الجمع بينهما ممكن فلا ترجيح وبأن يوسف معروف في موالي آل الزبير وعلى هذا فيتعين تأويله وإذا ثبتت هذه الزيادة تعين تأويل نفي الاخوة عن سودة على نحو ما تقدم من أمرها بالاحتجاب منه ونقل بن العربي في القوانين عن الشافعي نحو ما تقدم وزاد ولو كان أخاها بنسب محقق لما منعها كما أمر عائشة أن لا تحتجب من عمها من الرضاعة وقال البيهقي معنى قوله ليس لك بأخ إن ثبت ليس لك بأخ شبها فلا يخالف قوله لعبد هو أخوك قلت أو معنى قوله ليس لك بأخ بالنسبة للميراث من زمعة لان زمعة مات كافرا وخلف عبد بن زمعة والولد المذكور وسودة فلا حق لسودة في إرثه بل حازه عبد قبل الاستلحاق فإذا استلحق الابن المذكور شاركه في الارث دون سودة فلهذا قال لعبد هو أخوك وقال لسودة ليس لك بأخ وقال القرطبي بعد أن قرر أن أمر سودة بإلاحتجاب للاحتياط وتوقي الشبهات ويحتمل أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حق أمهات المؤمنين كما قال أفعمياوان أنتما فنهاهما عن رؤية الاعمى مع قوله لفاطمة بنت قيس اعتدي عند بن أم مكتوم فأنه اعمى فغلظ الحجاب في حقهن دون غيرهن وقد تقدم في تفسير الحجاب قول من قال أنه كان
يحرم عليهن بعد الحجاب إبراز أشخاصهن ولو كن مستترات إلا لضرورة بخلاف غيرهن فلا يشترط وأيضا فان للزوج ان يمنع زوجته من الاجتماع بمحارمها فلعل المراد بالاحتجاب عدم الاجتماع به في الخلوة وقال بن حزم لا يجب على المرأة أن يراها أخوها بل الواجب عليها صلة رحمها ورد على من زعم أن معنى قوله هو لك أي عبد بأنه لو قضى بأنه عبد لما أمر سودة بالاحتجاب منه إما لان لها فيه حصة واما لان من في الرق لا يحتجب منه على القول بذلك وقد تقدم جواب المزني عن ذلك قريبا واستدل به بعض المالكية على مشروعية الحكم بين حكمين وهو أن يأخذ الفرع شبها من أكثر من أصل فيعطى أحكاما بعدد ذلك وذلك أن الفراش يقتضي إلحاقه بزمعة في النسب والشبه يقتضي إلحاقه بعتبة فأعطى الفرع حكما بين حكمين فروعي الفراش في النسب والشبه البين في الاحتجاب قال وإلحاقه بهما ولو كان من وجه أولى من الغاء أحدهما من كل وجه قال بن دقيق العيد ويعترض على هذا بأن صورة المسألة ما إذا دار الفرع بين أصلين شرعيين وهنا الالحاق شرعي للتصريح بقوله الولد للفراش فبقي الامر بالاحتجاب مشكلا لانه يناقض الالحاق فتعين أنه للاحتياط لا لوجوب حكم شرعي وليس فيه إلا ترك مباح مع ثبوت المحرمية واستدل به على أن حكم الحاكم لا يحل الامر في الباطن كما لو حكم بشهادة فظهر أنها زور لانه حكم بأنه أخو عبد وأمر سودة بالاحتجاب بسبب الشبه بعتبة فلو كان الحكم يحل الامر في الباطن لما أمرها بالاحتجاب واستدل به على أن لوطئ الزنا حكم وطئ الحلال في حرمة المصاهرة وهو قول الجمهور ووجه الدلالة أمر سودة بالاحتجاب بعد الحكم بأنه أخوها لاجل الشبه بالزاني وقال مالك في المشهور عنه والشافعي لا أثر لوطئ الزنا بل للزاني أن يتزوج أم التي زنى بها وبنتها وزاد الشافعي ووافقه بن الماجشون والبنت التي تلدها المزني بها ولو عرفت أنها منه قال النووي وهذا احتجاج باطل لانه على تقدير أن يكون من الزنا
[ 33 ]
فهو أجنبي من سودة لا يحل لها أن تظهر له سواء ألحق بالزاني أم لا فلا تعلق له بمسألة البنت المخلوقة من الزنا كذا قال وهو رد للفرع برد الاصل وإلا فالبناء الذي بنوه صحيح وقد أجاب
الشافعية عنه بما تقدم أن الامر بالاحتجاب للاحتياط ويحمل الامر في ذلك إما على الندب وإما على تخصيص أمهات المؤمنين بذلك فعلى تقدير الندب فالشافعي قائل به في المخلوقة من الزنا وعلى التخصيص فلا إشكال والله اعلم ويلزم من قال بالوجوب أن يقول به في تزويج البنت المخلوقة من ماء الزنا فيجيز عند فقد الشبه ويمنع عند وجوده واستدل به على صحة ملك الكافر الوثني الامة الكافرة وأن حكمها بعد أن تلد من سيدها حكم القن لان عبدا وسعدا أطلقا عليهما أمة ووليدة ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كذا أشار إليه البخاري في كتاب العتق عقب هذا الحديث بعد أن ترجم له أم الولد ولكنه ليس في أكثر النسخ وأجيب بأن عتق أم الولد بموت السيد ثبت بأدلة أخرى وقيل أن غرض البخاري بإيراده بأن بعض الحنفية لما ألزم أن أم الولد المتنازع فيه كانت حرة رد ذلك وقال بل كانت عتقت وكأنه قد ورد في بعض طرقه أنها أمة فمن أدعى أنها عتقت فعليه البيان قوله عن يحيى هو بن سعيد القطان ومحمد بن زياد هو الجمحي قوله الولد لصاحب الفراش كذا في هذه الرواية وزاد آدم عن شعبة وللعاهر الحجر وكذا أخرجه الاسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة ولهذا الحديث سبب غير قصة بن زمعة فقد أخرجه أبو داود وغيره من رواية حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قام رجل فقال لما فتحت مكة إن فلانا ابني فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا دعوة في الاسلام ذهب أمر الجاهلية الولد للفراش وللعاهر الاثلب قيل ما الاثلب قال الحجر تكملة حديث الولد للفراش قال بن عبد البر هو من أصح ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء عن بضعة وعشرين نفسا من الصحابة فذكره البخاري في هذا الباب عن أبي هريرة وعائشة وقال الترمذي عقب حديث أبي هريرة وفي الباب عن عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو وأمبي أمامة عمرو وابن عمر وزاد أبو القاسم بن منده في تذكرته معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب والحسين بن علي وعبد الله بن حذافة وسعد بن أبي وقاص وسودة بنت زمعة ووقع لي من حديث بن عباس وأبي مسعود البدري ووائلة بن الاسقع وزينب بنت جحش وقد رقمت عليها علامات من أخرجها
من الائمة فطب علامة الطبراني في الكبير وطس علامته في الاوسط وبز علامة البزار وص علامة أبي يعلى الموصلي وتم علامة تمام في فوائد وجميع هؤلاء وقع عندهم الولد للفراش وللعاهر الحجر ومنه من اقتصر على الجملة الاولى وفي حديث عثمان قصة وكذا علي وفي حديث معاوية قصة أخرى له مع نصر بن حجاج وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد فقال له نصر فأين قضاؤك في زياد فقال قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من قضاء معاوية وفي حديث أبي أمامة وابن مسعود وعبادة أحكام أخرى وفي حديث عبد الله بن حذافة قصة له في سؤاله عن اسم أبيه وفي حديث بن الزبير قصة نحو قصة عائشة باختصار وقد أشرت إليه وفي حديث سودة نحوه ولم تسمى في رواية أحمد بل قال عن بنت زمعة وفي حديث زينب قصة ولم يسمى أبوها بل فيه عن زينب الاسدية وبالله التوفيق وجاء من مرسل عبيد بن عمير وهو أحد كبار التابعين أخرجه بن عبد البر بسند
[ 34 ]
صحيح إليه قوله باب انما الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط وقال عمر اللقيط حر هذه الترجمة معقودة لميراث اللقيط فأشار إلى ترجيح قول الجمهور أن اللقيط حر وولاؤه في بيت المال والى ما جاء عن النخعي أن ولاءه للذي التقطه واحتج بقول عمر لابي جميلة في الذي التقطه اذهب فهو حر وعلينا نفقته ولك ولاؤه وتقدم هذا الاثر معلقا بتمامه في أوائل الشهادات وذكرت هناك من وصله وأجبت عنه بأن معنى قول عمر لك ولاؤه أي أنت الذي تتولى تربيته والقيام بأمره فهي ولاية الاسلام لا ولاية العتق والحجة لذلك صريح الحديث المرفوع انما الولاء لمن أعتق فاقتضى أن من لم يعتق لا ولاء له لان العتق يستدعي سبق ملك واللقيط من دار الاسلام لا يملكه المتلقط لان الاصل في الناس الحرية إذ لا يخلو المنبوذ أن يكون بن حرة فلا يسترق أو بن أمة قوم فميراثه لهم فإذا جهل وضع في بيت المال ولا رق عليه للذي التقطه وجاء عن علي أن اللقيط مولى من شاء وبه قال الحنفية إلى أن يعقل عنه فلا ينتقل بعد ذلك عمن عقل عن وقد خفي كل هذا على الاسماعيلي فقال ذكر ميراث اللقيط في ترجمة الباب وليس له في الحديث ذكر ولا عليه دلالة يريد أن حديث عائشة وابن عمر
مطابق لترجمة انما الولاء لمن أعتق وليس في حديثه ذكر ميراث اللقيط وقد جرى الكرماني على ذلك فقال فان قلت فأين ذكر ميراث اللقيط قلت هو ما ترجم به ولم يتفق له إيراد الحديث فيه قلت وهذا كله انما هو بحسب الظاهر وأما بحسب تدقيق النظر ومناسبة إيراده في أبواب المواريث فبيانه ما قدمت والله اعلم قال بن المنذر اجمعوا على أن اللقيط حر الا رواية عن النخعي وعنه كالجماعة وعنه كالمنقول عن الحنفية وقد جاء عن شريح نحو الاول وبه قال إسحاق بن راهويه قوله الحكم هو بن عتيبة بمثناة ثم موحدة مصغرة وإبراهيم هو النخعي والاسود هو بن يزيد والثلاثة تابعيون كوفيون قوله قال الحكم وكان زوجها حرا هو موصول إلى الحكم بالاسناد المذكور ووقع في رواية الاسماعيلي من رواية أبي الوليد عن شعبة مدرجا في الحديث ولم يقل ذلك الحكم من قبل نفسه فسيأتي في الباب الذي يليه من طريق منصور عن إبراهيم أن الاسود قاله أيضا فهو سلف الحكم فيه قوله وقول الحكم مرسل أي ليس بمسند إلى عائشة راوية الخبر فيكون في حكم المتصل المرفوع قوله وقال بن عباس رأيته عبدا زاد في الباب الذي يليه وقول الاسود منقطع أي لم يصله بذكر عائشة فيه وقول بن عباس أصح لانه ذكر أنه رآه وقد صح أنه حضر القصة وشاهدها فيترجح قوله على قول من لم يشهدها فان الاسود لم يدخل المدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الحكم فولد بعد ذلك بدهر طويل ويستفاد من تعبير البخاري قول الاسود منقطع جواز إطلاق المنقطع في موضع المرسل خلافا لما اشتهر في الاستعمال من تخصيص المنقطع بما يسقط منه من اثناء السند واحد إلا في صورة سقوط الصحابي بين التابعي والنبي صلى الله عليه وسلم فان ذلك يسمى عندهم المرسل ومنهم من خصه بالتابعي الكبير فيستفاد من قول البخاري أيضا وقول الحكم مرسل أنه يستعمل في التابعي الصغير أيضا لان الحكم من صغار التابعين واستدل به لاحدى الروايتين عن أحمد أن من أعتق عن غيره فالولاء للمعتق والاجر للمعتق عنه وسيأتي البحث فيه في باب ما يرث النساء من الولاء قوله باب ميراث السائبة بمهملة وموحدة
[ 35 ]
بوزن فاعلة وتقدم بيانها في تفسير المائدة والمراد بها في الترجمة العبد الذي يقول له سيده لا ولاء لاحد عليك أو أنت سائبة يريد بذلك عتقه وأن لا ولاء لاحد عليه وقد يقول له أعتقتك سائبة أو أنت حر سائبة ففي الصيغتين الاوليين يفتقر في عتقه إلى نية وفي الاخريين يعتق واختلف في الشرط فالجمهور على كراهيته وشذ من قال بإباحتة واختلف في ولائه وسأبينه في الباب الذي بعده ان شاء الله تعالى قوله عن هزيل في رواية يزيد بن أبي الحكم العدني عن سفيان عند الاسماعيلي حدثني هزيل بن شرحبيل وهو بالزاي مصغر ووهم من قاله بالذال المعجمة وقد تقدم ذلك قريبا وأن سفيان في السند هو الثوري وأن أبا قيس هو عبد الرحمن قوله عن عبد الله هو بن مسعود قوله إن أهل الاسلام لا يسيبون وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون هذا طرف من حديث أخرجه الاسماعيلي بتمامه من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بسنده هذا إلى هزيل قال جاء رجل إلى عبد الله فقال إني أعتقت عبدا لي سائبة فمات فترك مالا ولم يدع وارثا فقال عبد الله فذكر حديث الباب وزاد وأنت ولي نعمته فلك ميراثه فان تأثمت أو تحرجت في شئ فنحن نقبله ونجعله في بيت المال وفي رواية العدني فان تحرجت ولم يشك وقال فارنا نجعله في بيت المال ومعنى تأثمت بالمثلثة قبل الميم خشيت أن تقع في الاثم وتحرجت بالحاء المهملة ثم الجيم بمعناه وبهذا الحكم في السائبة قال الحسن البصري وابن سيرين والشافعي وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن بن سيرين ان سالما مولى أبي حذيفة الصحابي المشهور أعتقته امرأة من الانصار سائبة وقالت له وال من شئت فوالى أبا حذيفة فلما استشهد باليمامة دفع ميراثه للانصارية أو لابنها وأخرج بن المنذر من طريق بكر بن عبد الله المزني أن بن عمر اتى بمال مولى له مات فقال إنا كنا أعتقناه سائبة فأمر أن يشترى بثمنه رقابا فتعتق وهذا يحتمل أن يكون فعله على سبيل الوجوب أو على سبيل الندب وقد أخذ بظاهره عطاء فقال إذا لم يخلف السائبة وارثا دعى الذي أعتقه فان قبل ماله وإلا أبتيعت به رقاب فأعتقت وفيه مذهب آخر أن ولاءه للمسلمين يرثونه ويعقلون عنه قاله عمر بن عبد العزيز والزهري وهو قول مالك وعن الشعبي والنخعي والكوفيين لا بأس ببيع ولاء السائبة وهبته قال بن المنذر واتباع ظاهر قوله الولاء لمن
أعتق أولى قلت والى ذلك أشار البخاري بإيراد حديث عائشة في قصة بريرة وفيه فانما الولاء لمن أعتق وفيه قول الاسود إن زوج بريرة كان حرا وقد تقدم الكلام على ذلك في الباب الذي قبله قوله باب إثم من تبرأ من مواليه هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد والطبراني من طريق سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن لله عبادا لا يكلمهم الله تعالى الحديث وفيه رجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه عند أحمد كفر بالله تبرؤ من نسب وان دق وله شاهد عن أبي بكر الصديق وأما حديث الباب فلفظه من والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ومثله لاحمد وابن ماجة وصححه بن حبان عن بن عباس ولابي داود من حديث أنس فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة وقد مضى شرح حديث الباب في فضل المدينة وفي الجزية ويأتي في الديات وفي معنى حديث علي في هذا حديث عائشة مرفوعا من تولى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار صححه بن حبان ووالد إبراهيم التيمي
[ 36 ]
الراوي له عن علي اسمه يزيد بن شريك وقد رواه عن علي جماعة منهم أبو جحيفة وهب بن عبد الله السواني ومضى في كتاب العلم وذكرت هناك وفي فضائل المدينة اختلاف الرواة عن علي فيما في الصحيفة وان جميع ما رووه من ذلك كان فيها وكان فيها أيضا ما مضى في الخمس من حديث محمد بن الحنفية أن أباه علي بن أبي طالب أرسله إلى عثمان بصحيفة فيها فرائض الصدقة فان رواية طارق بن شهاب عن علي في نحو حديث الباب عند أحمد أنه كان في صحيفته فرائض الصدقة وذكرت في العلم سبب تحديث علي بن أبي طالب بهذا الحديث وإعراب قوله إلا كتاب الله وتفسير الصحيفة وتفسير العقل ومما وقع فيه في العلم لا يقتل مسلم بكافر وأحلت بشرحه على كتاب الديات والذي تضمنه حديث الباب مما في الصحيفة المذكورة أربعة أشياء أحدها الجراحات وأسنان الابل وسيأتي شرحه في الديات وهل المراد بأسنان الابل المتعلقة بالخراج أو المتعلقة بالزكاة أو أعم من ذلك ثانيها المدينة حرم وقد مضى شرحه مستوفى في مكانه في فضل المدينة في أواخر
الحج وذكرت فيه ما يتعلق بالسند وبيان الاختلاف في تفسير الصرف والعدل ثالثها ومن والى قوما هو المقصود هنا وقوله في بغير إذن مواليه قد تقدم هناك أن الخطابي زعم أن له مفهوما وهو أنه إذا استأذن مواليه منعوه ثم راجعت كلام الخطابي وهو ليس اذن الموالي شرطا في ادعاء نسب وولاء ليس هو منه واليه وإنما ذكر تأكيدا للتحريم ولانه إذا استأذنهم منعوه وحالوا بينه وبين ما يفعل من ذلك انتهى وهذا لا يطرد لانهم قد يتواطئون معه على ذلك لغرض ما والاولى ما قال غيره أن التعبير بالاذن ليس لتقييد الحكم بعدم الاذن وقصره عليه وانما ورد الكلام بذلك على أنه الغالب انتهى ويحتمل أن يكون قول من تولى شاملا المعنى الاعم من الموالاة وأن منها مطلق النصرة والاعانة والارث ويكون قوله بغير اذن مواليه يتعلق بمفهومه بما عدا الميراث ودليل إخراجه حديث انما الولاء لمن أعتق والعلم عند الله تعالى وكأن البخاري لحظ هذا فعقب الحديث بحديث بن عمر في النهي عن بيع الولاء وعن هبته فإنه يؤخذ منه عدم اعتبار الاذن في ذلك بطريق الاولى لانه إذا منع السيد من بيع الولاء مع ما تحصل له من العوض ومن هبته مع ما يحصل له من المانة بذلك فمنعه من الاذن بغير عوض ولا مانة أولى وهو مندرج في الهبة وفي الحديث أن انتماء المولى من أسفل إلى غير مولاه من فوق حرام لما فيه من كفر النعمة وتضييع حق الارث بالولاء والعقل وغير ذلك وبه استدل مالك على ما ذكر عنه بن وهب في موطئه قال سئل عن عبد يبتاع نفسه من سيده على أنه يوالي من شاء فقال لا يجوز ذلك واحتج بحديث بن عمر ثم قال فتلك الهبة المنهي عنها وقد شذ عطاء بن أبي رباح بالاخذ بمفهوم هذا الحديث فقال فيما أخرجه عبد الرزاق عن بن جريج عنه إن أذن الرجل لمولاه أن يوالي من شاء جاز واستدل بهذا الحديث قال بن بطال وجماعة الفقهاء على خلاف ما قال عطاء قال ويحمل حديث علي على أنه جرى على الغالب مثل قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق وقد أجمعوا على أن قتل الولد حرام سواء خشي الاملاق أم لا وهو منسوخ بحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته قلت قد سبق عطاء إلى القول بذلك عثمان فروى بن المنذر أن عثمان اختصموا إليه في نحو ذلك فقال للعتيق وال من شئت وأن
ميمونة وهبت ولاء مواليها للعباس وولده والحديث الصحيح مقدم على جميع ذلك فلعله لم يبلغ
[ 37 ]
هؤلاء أو بلغهم وتأولوه وانعقد الاجماع على خلاف قولهم قال بن بطال وفي الحديث أنه لا يجوز للعتيق أن يكتب فلان بن فلان ويسمي نفسه ومولاه الذي أعتقه بل يقول فلان مولى فلان ولكن يجوز له أن ينتسب إلى نسبة كالقرشي وغيره قال والاولى أن يفصح بذلك أيضا كأن يقول القرشي بالولاء أو مولاهم قال وفيه أن من علم ذلك وفعله سقطت شهادته لما ترتب عليه من الوعيد ويجب عليه التوبة والاستغفار وفي جواز لعن أهل الفسق عموما ولو كانوا مسلمين رابعها وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الجزية وأما حديث الباب الثاني فقد مضى في كتاب العتق وأحلت بشرحه على ما هنا قوله حدثنا سفيان هو الثوري قوله عن عبد الله بن دينار هكذا قال الحفاظ من أصحاب سفيان الثوري عنه منهم عبد الرحمن بن مهدي ووكيع وعبد الله بن نمير وغيرهم قوله عن بن عمر في رواية الاسماعيلي من طريق أحمد بن سنان عن عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة وسفيان عن بن دينار سمعت بن عمر وقد اشتهر هذا الحديث عن عبد الله بن دينار حتى قال مسلم لما أخرجه في صحيحه الناس في هذا الحديث عيال عليه وقال الترمذي بعد تخريجه حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار رواه عنه سعيد وسفيان ومالك ويروى عن شعبة أنه قال وددت أن عبد الله بن دينار لما حدث بهذا الحديث أذن لي حتى كنت أقوم إليه فأقبل رأسه قال الترمذي وروى يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار قلت وصل رواية يحيى بن سليم بن ماجة ولم ينفرد به يحيى بن سليم فقد تابعه أبو ضمرة أنس بن عياض ويحيى بن سعيد الاموي كلاهما عن عبيد الله بن عمر أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريقهما لكن قرن كل منهما نافعا بعبد الله بن دينار وأخرجه بن حبان في الثقات في ترجمة أحمد بن أبي أوفى وساقه من طريقه عن شعبة عن عبد الله بن دينار وعمرو بن دينار جميعا عن بن عمر وقال عمرو بن دينار غريب وقد أعتنى أبو نعيم الاصبهاني بجمع طرقه عن عبد الله بن دينار فأورده عن خمسه وثلاثين
نفسا ممن حدث به عن عبد الله بن دينار منهم من الاكابر يحيى بن سعيد الانصاري وموسى بن عقبة ويزيد بن الهاد وعبيد الله العمري وهؤلاء من صغار التابعين وممن دونهم مسعر والحسن بن صالح بن حي وورقاء وأيوب بن موسى وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وعبد العزيز بن مسلم وأبو أويس وممن لم يقع له بن جريج وهو عند أبي عوانة وسليمان بن بلال وهو عند مسلم وأحمد بن حازم المغافري في جزء الهروي من طريق الطبراني قوله عن بن عمر في رواية أبي داود الحفري عن سفيان عند الاسماعيلي سمعت بن عمر وكذا مضى في العتق من رواية شعبة وفي مسند الطيالسي عن شعبة قلت لعبد الله بن دينار أنت سمعت هذا من بن عمر قال نعم سأله ابنه عنه وذكره أبو عوانة عن بهز بن أسد عن شعبة قلت لابن دينار أنت سمعته من بن عمر قال نعم وسأله ابنه حمزة عنه وكذا وقع في رواية عفان عن شعبة عند أبي نعيم وأخرجه من وجه آخر أن شعبة قال قلت لابن دينار آلله لقد سمعت بن عمر يقول هذا فيحلف له وقيل لابن عيينة إن شعبة يستحلف عبد الله بن دينار قال لكنا لم نستحلفه سمعته منه مرارا رويناه في مسند الحميدي عن سفيان وأخرجه الدار قطني في غرائب مالك من طريق الحسن بن زياد اللؤلؤي عن مالك عن بن دينار عن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سأل أباه عن شراء الولاء فذكر
[ 38 ]
الحديث فهذا ظاهره أن بن دينار لم يسمعه من بن عمر وليس كذلك وقال بن العربي في شرح الترمذي تفرد بهذا الحديث عبد الله بن دينار وهو من الدرجة الثانية من الخبر لانه لم يذكر لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه نقل معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم انما الولاء لمن أعتق قلت ويؤيده أن بن عمر روى هذا الحديث عن عائشة في قصة بريرة كما مضى في العتق لكن جاءت عنه صيغة الحديث من وجه آخر أخرجه النسائي وأبو عوانة من طريق الليث عن يحيى بن أيوب عن مالك ولفظه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الولاء وعن هبته ووقع في رواية محمد بن أبي سليمان التي أشرت إليها بلفظ الولاء لا يباع ولا يوهب وفي رواية عتبان بن عبيد عن شعبة مثله ذكره أبو نعيم وزاد محمد بن سليمان في السند عن بن عمر عن عمر فوهم
أخرجه الدارقطني أيضا وضعفه وأتفق جميع من ذكرنا على هذا اللفظ وخالفهم أبو يوسف القاضي فرواه عن عبد الله بن دينار عن بن عمر بلفظ الولاء لحمة كلحمة النسب أخرجه الشافعي ومن طريقه الحاكم ثم البيهقي وأدخل بشر بن الوليد بين أبي يوسف وبين بن دينار عبيد الله بن عمر أخرجه أبو يعلى في مسنده عنه وأخرجه بن حبان في صحيحه عن أبي يعلى وأخرجه أبو نعيم من طريق عبد الله بن جعفر بن أعين عن بشر فزاد في المتن لا يباع ولا يوهب ومن طريق عبد الله بن نافع عن عبد الله بن دينار إنما الولاء نسب لا يصح بيعه ولا هبته والمحفوظ في هذا ما أخرجه عبد الرزاق عن الثوري عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب موقوفا عليه الولاء لحمة كلحمة النسب وكذا ما أخرجه البزار والطبراني من طريق سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده رفعه الولاء ليس بمنتقل ولا متحول وفي سنده المغيرة بن جميل وهو مجهول نعم عن بن عباس من قوله الولاء لمن أعتق لا يجوز بيعه ولا هبته وقال بن بطال اجمع العلماء على أنه لا يجوز تحويل النسب فإذا كان حكم الولاء حكم النسب فكما لا ينتقل النسب لا ينتقل الولاء وكانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره فنهى الشرع عن ذلك وقال بن عبد البر اتفق الجماعة على العمل بهذا الحديث إلا ما روى عن ميمونة أنها وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس وروى عبد الرزاق عن بن جريج عن عطاء يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالي من شاء قلت وقد تقدم البحث فيه في الباب الذي قبله وقال بن بطال وغيره جاء عن عثمان جواز بيع الولاء وكذا عن عروة وجاء عن ميمونة جواز هبة الولاء وكذا عن بن عباس ولعلهم لم يبلغهم الحديث قلت قد انكر ذلك بن مسعود في زمن عثمان فأخرج عبد الرزاق عنه أنه كان يقول أيبيع أحدكم نسبه ومن طريق علي الولاء شعبة من النسب ومن طريق جابر أنه انكر بيع الولاء وهبته ومن طريق عطاء أن بن عمر كان ينكره ومن طريق عطاء عن بن عباس لا يجوز وسنده صحيح ومن ثم فصلوا في النقل عن بن عباس بين البيع والهبة وقال بن العربي معنى الولاء لحمة كلحمة النسب أن الله أخرجه بالحرمة إلى النسب حكما كما أن الاب أخرجه بالنطفة إلى الوجود حسا لان العبد كان كالمعدوم في حق الاحكام لا يقضي ولا يلي ولا يشهد فأخرجه سيده بالحرية إلى وجود هذه
الاحكام من عدمها فلما شابه حكم النسب أنيط بالمعتق فلذلك جاء انما الولاء لمن أعتق وألحق برتبة النسب فنهى عن بيعه وهبته وقال القرطبي استدل للجمهور بحديث الباب ووجه الدلالة أنه أمر وجودي لا يتأتى الانفكاك عنه كالنسب فكما لا تنتقل الابوة والجدودة فكذلك لا ينتقل الولاء إلا أنه يصح في الولاء جرما يترتب عليه من الميراث كما لو تزوج عبد معتقة آخر فولد له منها ولد
[ 39 ]
فإنه ينعقد حرا لحرية أمه فيكون ولاؤه لمواليها لو مات في تلك الحالة ولو أعتق السيد أباه قبل موت الولد فان ولاءه ينتقل إذا مات لمعتق أبيه اتفاقا انتهى وهذا لا يقدح في الاصل المذكور أن الولاء لحمة كلحمة النسب لان التشبيه لا يستلزم التسوية من كل وجه وأختلف فيمن أشتري نفسه من سيده كالمكاتب فالجمهور على أن ولاءه لسيده وقيل لا ولاء عليه وفي ولاء من أعتق سائبة وقد تقدم قريبا قوله باب إذا أسلم على يديه كذا للنسفي وزاد الفربري والاكثر رجل ووقع في رواية الكشميهني الرجل وبالتنكير أولى قوله وكان الحسن لا يرى له ولاية كذا للاكثر وفي رواية الكشميهني ولاء بالهمز بدل الياء من الولاء وهو المراد بالولاية واثر الحسن هذا وهو البصري وصله سفيان الثوري في جامعه عن مطرف عن الشعبي وعن يونس وهو بن عبيد عن الحسن قالا في الرجل يوالي الرجل قالا هو بين المسلمين وقال سفيان وبذلك أقول وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان وكذا رواه الدارمي عن أبي نعيم عن سفيان وأخرجه بن أبي شيبة أيضا من طريق يونس عن الحسن لا يرثه إلا إن شاء أوصى له بماله قوله ويذكر عن تميم الداري رفعه هو أولى الناس بمحياه ومماته هذا الحديث أغفله من صنف في الاطراف وكذا من صنف في رجال البخاري لم يذكروا تميما الداري فيمن أخرج له وهو ثابت في جميع النسخ هنا وذكر البخاري من روايته حديثا في الايمان لكن جعله ترجمة باب وهو الدين النصيحة وقد أخرجه مسلم من حديثه وليس له عنده غيره وقد تكلمت عليه هناك وذكرت من حديث أبي هريرة وغيره أيضا فلم يتعين المراد في تميم وهو بن أوس بن خارجة بن سواد اللخمي ثم الداري نسب إلى بني الدار بن لخم وكان من أهل الشام ويتعاطى التجارة في الجاهلية وكان
يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم فيقبل منه وكان إسلامه سنة تسع من الهجرة وقد حدث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وهو على المنبر عن تميم في قصة الجساسة والدجال وعد ذلك في مناقبه وفي رواية الاكابر عن الاصاغر وقد وجدت رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن غير تميم وذلك فيما أخرجه أبو عبد الله بن منده في معرفة الصحابة في ترجمة زرعة بن سيف بن ذي يزن فساق بسنده إلى زرعة أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه كتابا وفيه وأن مالك بن مزرد الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت وقاتلت المشركين فأبشر بخير الحديث وكان تميم الداري من أفاضل الصحابة وله مناقب وهو أول من أسرج المساجد وأول من قضى على الناس أخرجهما الطبراني وسكن تميم بيت المقدس وكان سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطعه عيون وغيرها إذا فتحت ففعل فتسلمها بذلك لما فتحت بزمن عمر ذكر ذلك بن سعد وغيره ومات تميم سنة أربعين وقوله رفعه هو في معنى قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحوها وقد وصله البخاري في تاريخه وأبو داود وابن أبي عاصم والطبراني والباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز بالعنعنة كلهم من طريق عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال سمعت عبيد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري قال قلت يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يدي رجل من المسلمين قال هو أولى الناس بمحياه ومماته قال البخاري قال بعضهم عن بن موهب سمع تميما ولا يصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم الولاء لمن أعتق وقال الشافعي هذا الحديث ليس بثابت إنما يرويه عبد العزيز بن عمر عن بن موهب وابن موهب ليس بالمعروف ولا نعلمه لقى تميما ومثل
[ 40 ]
هذا لا يثبت وقال الخطابي ضعف أحمد هذا الحديث وأخرجه أحمد والدارمي والترمذي والنسائي من رواية وكيع وغيره عن عبد العزيز عن بن موهب عن تميم وصرح بعضهم بسماع بن موهب من تميم وأما الترمذي فقال ليس إسناده بمتصل قال وأدخل بعضهم بين بن موهب وبين تميم قبيصة رواه يحيى بن حمزة قلت ومن طريقه أخرجه من بدأت بذكره وقال بعضهم أنه تفرد فيه بذكر قبيصة وقد رواه أبو إسحاق السبيعي عن بن موهب بدون ذكر تميم أخرجه النسائي
أيضا وقال بن المنذر هذا حديث مضطرب هل هو عن بن موهب عن تميم أو بينهما قبيصة وقال بعض الرواة فيه عن عبد الله بن موهب وبعضهم بن موهب وعبد العزيز راويه ليس بالحافظ قلت هو من رجال البخاري كما تقدم في الاشربة ولكنه ليس بالمكثر وأما بن موهب فلم يدرك تميما وقد أشار النسائي إلى أن الرواية التي وقع التصريح فيها بسماعه من تميم خطأ ولكن وثقه بعضهم وكان عمر بن عبد العزيز ولاه القضاء ونقل أبو زرعة الدمشقي في تاريخه بسند له صحيح عن الاوزاعي أنه كان يدفع هذا الحديث ولا يرى له وجها وصحح هذا الحديث أبو زرعة الدمشقي وقال هو حديث حسن المخرج متصل والى ذلك أشار البخاري بقوله وأختلفوا في صحة هذا الخبر وجزم في التاريخ بأنه لا يصح لمعارضته حديث انما الولاء لمن أعتق ويؤخذ منه أنه لو صح سنده لما قاوم هذا الحديث وعلى التنزل فتردد في الجمع هل يخص عموم الحديث المتفق على صحته بهذا فيستثنى منه من أسلم أو تؤول الاولوية في قوله أولى الناس بمعنى النصرة والمعاونة وما أشبه ذلك لا بالميراث ويبقى الحديث المتفق على صحته على عمومه جنح الجمهور إلى الثاني ورجحانه ظاهر وبه جزم بن القصار فيما حكاه بن بطال فقال لو صح الحديث لكان تأويله أنه أحق بموالاته في النصر والاعانة والصلاة عليه إذا مات ونحو ذلك ولو جاء الحديث بلفظ أحق بميراثه لوجب تخصيص الاول والله أعلم قال بن المنذر قال الجمهور بقول الحسن في ذلك وقال حماد وأبو حنيفة وأصحابه وروى عن النخعي أنه يستمر إن عقل عنه وإن لم يعقل عنه فله أن يتحول لغيره واستحق الثاني وهلم جرة وعن النخعي قول آخر ليس له أن يتحول وعنه ان استمر إلى أن مات تحول عنه وبه قال إسحاق وعمر بن عبد العزيز ووقع ذلك في طريق الباغندي التي أسلفتها وفي غيرها أنه أعطى رجلا أسلم على يديه رجل فمات وترك مالا وبنتا نصف المال الذي بقى بعد نصيب البنت ثم ذكر المنصف حديث بن عمر في قصة بريرة من أجل قوله فيه فإن الولاء لمن أعتق لان اللام فيه للاختصاص أي الولاء مختص بمن أعتق وقد تقدم توجيهه وقوله فيه لا يمنعك وقع في رواية الكشميهني لا يمنعنك بالتأكيد ثم ذكر حديث عائشة في ذلك مختصرا وقال في آخره قال وكان زوجها حرا وقد تقدم قبل باب من وجه آخر عن منصور أن قائل ذلك هو الاسود راويه
عن عائشة وفي الباب الذي قبله من طريق الحكم عن إبراهيم أنه الحكم ومضى الكلام على ذلك مستوفى بحمد الله تعالى ومحمد المذكور في أول السند الثاني قال أبو علي الغساني هو بن سلام إن شاء الله وجرير هو بن عبد الحميد قلت وقد وقع في الاستقراب حدثنا محمد حدثنا جرير كذا عند الاكثر غير منسوب ووقع في رواية أبي علي بن شبويه عن الفربري محمد بن سلام وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني محمد بن يوسف يعني البيكندي وليس في الكتاب محمد عن جرير سوى هذين الموضعين والمرجح أنه بن سلام وقد أغرب أبو نعيم فأخرج الحديث من طريق عثمان
[ 41 ]
بن أبي شيبة عن جرير ثم قال أخرجه البخاري عن عثمان كذا وجدته وما أظنه إلا ذهولا قوله باب ما يرث النساء من الولاء ذكر فيه حديث بن عمر المذكور في الباب قبله من وجه آخر عن نافع وحديث عائشة من وجه آخر عن منصور مقتصرا على قوله الولاء لمن أعطى الورق وولي النعمة وهذا اللفظ لوكيع عن سفيان الثوري عن منصور وقد أخرجه الترمذي من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بلفظ أنها أرادت أن تشتري بريرة فأشترطوا الولاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وقد أخرجه الاسماعيلي من طريق وكيع أيضا ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي جميعا عن سفيان تاما وقال لفظهما واحد فعرف أن وكيعا كان ربما اختصره وعرف أنه في قصة بريرة وقد ذكر أصحاب منصور كأبي عوانة بلفظ انما الولاء لمن أعتق وكذلك ذكره أصحاب إبراهيم كالحكم والاعمش وأصحاب الاسود وأصحاب عائشة وكلها في الكتب الستة وتفرد الثوري وتابعه جرير عن منصور بهذا اللفظ ويحتمل أن يكون منصور رواه لهما بالمعنى وقد تفرد الثوري بزيادة قوله وولى النعمة ومعنى قوله أعطى الورق أي الثمن وإنما صحة العتق تستدعي سبق ملك والملك يستدعي ثبوت العوض قال بن بطال هذا الحديث يقتضي أن الولاء لكل معتق ذكرا كان أو أنثى وهو مجمع عليه وأما جر الولاء فقال الابهري ليس بين الفقهاء اختلاف أنه ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أولاد من أعتقن إلا ما جاء عن مسروق أنه قال لا يختص الذكور بولاء من أعتق آباءهم بل الذكور والاناث فيه سواء كالميراث ونقل بن المنذر
عن طاوس مثله وعليه اقتصر سحنون فيما نقله بن التين وتعقب الحصر الذي ذكره الابهري تبعا لسحنون وغيره بأنه يرد عليه ولد الاناث من ولد من أعتقن قال والعبارة السالمة أن يقال إلا ما اعتقن اوجر اليهن من اعتقن بولاده أو عتق احترازا ممن لها ولد من زنا أو كانت ملاعنة أو كان زوجها عبدا فان ولاء ولد هؤلاء كلهم لمعتق الام والحجة للجمهور اتفاق الصحابة ومن حيث النظر أن المرأة لا تستوعب المال بالفرض الذي هو آكد من فأختص بولاء من يستوعب المال وهو الذكر وانما ورثن من عتقن لانه عن مباشرة لاعن جر الارث واستدل بقوله الولاء لمن أعطى الورق على من قال فيمن أعتق قوله الولاء لمن أعطى الورق فدل على أن المراد بقوله لمن أعتق لمن كان من عتق في ملكه حين العتق لا لمن باشر العتق فقط قوله باب بالتنوين مولى القوم من أنفسهم أي عتيقهم ينسب نسبتهم ويرثونه قوله وابن الاخت منهم أي لانه ينتسب إلى بعضهم وهي أمة قوله حدثنا شعبة حدثنا معاوية بن قرة وقتادة عن أنس هكذا وقع في رواية آدم عن شعبة مقرونا وأكثر الرواة قالوا عن شعبة عن قتادة وحده عن أنس وقد تقدم بيان ذلك في مناقب قريش وأورده مختصرا ومن وجه آخر عن شعبة عن قتادة مطولا في غزوة حنين وتقدمت فوائده هناك وفي كتاب الجزية وأخرجه الاسماعيلي من طرق عن شعبة عن قتادة وقال المعروف عن شعبة في مولى القوم منهم أو من أنفسهم روايته عن قتادة وعن معاوية بن قرة والمعروف عنه في بن أخت القوم منهم أو من أنفسهم روايته عن قتادة وحده وانفرد علي بن الجعد عن شعبة به عن معاوية بن قرة أيضا قلت وليس كما قال بل
[ 42 ]
تابعه أبو النصر عن شعبة عن معاوية بن قرة أيضا أخرجه أحمد في مسنده عنه وأفاد فيه أن المعني بذلك النعمان بن مقرن المزني وكانت أمه انصارية والله أعلم واستدل بقوله بن أخت القوم منهم من قال بأن ذوي الارحام يرثون كما يرث العصبات وحمله من لم يقل بذلك على ما تقدم وكأن البخاري رمز إلى الجواب بإيراد هذا الحديث لانه لو صح الاستدلال بقوله بن أخت القوم منهم على إرادة الميراث لصح الاستدلال به على أن العتيق يرث ممن أعتقه لورد مثله في حقه لدل
على أن المراد بقوله من أنفسهم وكذا منهم في المعاونة والانتصار والبر والشفقة ونحو ذلك لا في الميراث وقال بن أبي جمرة الحكمة في ذكر ذلك إبطال ما كانوا عليه في الجاهلية من عدم الالتفات إلى أولاد البنات فضلا عن أولاد الاخوات حتى قال قائلهم بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الاباعد فأراد بهذا الكلام التحريض على الالفة بين الاقارب قلت وأما القول في الموالي فالحكمة فيه ما تقدم ذكره من جواز نسبة العبد إلى مولاه لا بلفظ البنوة لما سيأتي قريبا من الوعيد الثابت لمن انتسب إلى غير أبيه وجواز نسبته إلى نسب مولاه بلفظ النسبة وفي ذلك جمع بين الادلة وبالله التوفيق قوله باب ميراث الاسير أي سواء عرف خبره أم جهل قوله وكان شريح بمعجمة أوله ومهملة آخره وهو بن الحارث القاضي الكندي الكوفي المشهور قوله يورث الاسير في أيدي العدو ويقول هو أحوج إليه وصله بن أبي شيبة والدارمي من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن شريح قال يورث الاسير إذا كان في أرض العدو وزاد بن أبي شيبة قال شريح أحوج ما يكون إلى ميراثه وهو أسير قوله وقال عمر بن عبد العزيز أجز وصية الاسير وعتاقته وما صنع في ماله ما لم يتغير عن دينه فانما هو ماله يصنع فيه ما يشاء في رواية الكشميهني ما شاء وهذا وصله عبد الرزاق عن معمر عن إسحاق بن راشد أن عمر كتب إليه أن أجز وصية الاسير وأخرجه الدارمي من طريق بن المبارك عن معمر عن إسحاق بن راشد عن عمر بن عبد العزيز في الاسير يوصى قال أجز له وصيته ما دام على الاسلام لم يتغير عن دينه قال بن بطال ذهب الجمهور إلى أن الاسير إذا وجب له ميراث أنه يوقف له وعن سعيد بن المسيب أنه لم يورث الاسير في أيدي العدو قال وقول الجماعة أولى لانه إذا كان مسلما دخل تحت عموم قوله صلى الله عليه وسلم من ترك مالا فلورثته والى هذا أشار البخاري بإيراد حديث أبي هريرة وقد تقدم شرحه قريبا وأيضا فهو مسلم تجري عليه أحكام المسلمين فلا يخرج عن ذلك إلا بحجة كما أشار إليه عمر بن عبد العزيز ولا يكفي أن يثبت أنه ارتد حتى يثبت أن ذلك وقع منه طوعا فلا يحكم بخروج ماله عنه حتى يثبت أنه ارتد طائعا لا مكرها وما ذكره بن بطال عن سعيد بن المسيب أخرجه بن أبي شيبة
وأخرج عنه أيضا رواية أخرى أنه يرث وعن الزهري روايتين أيضا وعن النخعي لا يرث تنبيه تقدم في أواخر النكاح في باب حكم المفقود في أهله وماله أشياء تتعلق بالاسير في حكم زوجته وماله وأن زوجته لا تتزوج وماله لا يقسم ما تحققت حياته وعلم مكانه فإذا انقطع خبره فهو مفقود وتقدم بيان الاختلاف في حكمه هناك قوله باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم هكذا ترجم بلفظ الحديث ثم قال وإذا أسلم قبل أن يقسم الميراث فلا ميراث له فأشار إلى ان عمومه يتناول هذه الصورة فمن قيد عدم التوارث بالقسمة احتاج إلى دليل وحجة
[ 43 ]
الجماعة أن الميراث يستحق بالموت فإذا أنتقل عن ملك الميت بموته لم ينتظر قسمته لانه استحق الذي أنتقل عنه ولو لم يقسم المال قال بن المنير صورة المسألة إذا مات مسلم وله ولدان مثلا مسلم وكافر فأسلم الكافر قبل قسمة المال قال بن المنذر ذهب الجمهور إلى الاخ بما دل عليه عموم حديث أسامة يعني المذكور في هذا الباب إلا ما جاء عن معاذ قال يرث المسلم من الكافر من غير عكس واحتج بأنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الاسلام يزيد ولا ينقص وهو حديث أخرجه أبو داود وصححه الحاكم من طريق يحيى بن يعمر عن أبي الاسود الدؤلي عنه قال الحاكم صحيح الاسناد وتعقب بالانقطاع بين أبي الاسود ومعاذ ولكن سماعه منه ممكن وقد زعم الجوزقاني أنه باطل وهي مجازفة وقال القرطبي في المفهم وهو كلام محكي ولا يروى كذا قال وقد رواه من قدمت ذكره فكأنه ما وقف على ذلك وأخرج أحمد بن منيع بسند قوي عن معاذ أنه كان يورث المسلم من الكافر بغير عكس وأخرج مسند عنه أن أخوين اختصما إليه مسلم ويهودي مات أبوهما يهوديا فحاز ابنه اليهودي ماله فنازعه المسلم فورث معاذ المسلم وأخرج بن أبي شيبة من طريق عبد الله بن معقل قال ما رأيت قضاء أحسن من قضاء قضى به معاوية نرث أهل الكتاب ولا يرثونا كما يحل النكاح فيهم ولا يحل لهم وبه قال مسروق وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وإسحاق وحجة الجمهور أنه قياس في معارضة النص وهو صريح في المراد ولا قياس مع وجوده وأما الحديث فليس نصا في المراد بل هو محمول على أنه يفضل غيره من الاديان ولا تعلق له بالارث وقد عارضه
قياس آخر وهو أن التوارث يتعلق بالولاية ولا ولاية بين المسلم والكافر لقوله تعالى لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض وبأن الذمي يتزوج الحربية ولا يرثها وأيضا فان الدليل ينقلب فيما لو قال الذمي أرث المسلم لانه يتزوج إلينا وفيه قول ثالث وهو الاعتبار بقسمة الميراث جاء ذلك عن عمر وعثمان وعن عكرمة والحسن وجابر بن زيد وهو رواية عن أحمد قلت ثبت عن عمر خلافه كما مضى في باب توريث دور مكة من كتاب الحج فان فيه بعد ذكر حديث الباب مطولا في ذكر عقيل بن أبي طالب فكان عمر يقول فذكر المتن المذكور هنا سواء قوله عن بن شهاب هو الزهري وكذا وقع في رواية للاسماعيلي من وجه آخر عن أبي عاصم قوله عن علي بن حسين هو المعروف بزين العابدين وعمرو بن عثمان أي بن عفان وقد تقدم في الحج من هذا الشرح بيان من رواه عن الزهري مصرحا بالاخبار بينه وبين علي وكذا بين علي وعمرو واتفق الرواة عن الزهري أن عمرو بن عثمان بفتح أوله وسكون إلا أن مالكا وحده قال عمر بضم أوله وفتح الميم وشذت روايات عن غير مالك على وفقه وروايات عن مالك على وفق الجمهور وقد بين ذلك بن عبد البر وغيره ولم يخرج البخاري رواية مالك وقد عد ذلك بن الصلاح في علوم الحديث له في أمثلة المنكر وفيه نظر أوضحه شيخنا في النكت وزدت عليه في الافصاح قوله لا يرث المسلم الكافر الخ تقدم في المغازي بلفظ المؤمن في الموضعين وأخرجه النسائي من رواية هشيم عن الزهري بلفظ لا يتوارث أهل ملتين وجاءت رواية شاذة عن بن عيينة عن الزهري مثلها وله شاهد عند الترمذي من حديث جابر وآخر من حديث عائشة عند أبي يعلى وثالث من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في السنن الاربعة وسند أبي داود فيه إلى عمرو صحيح وتمسك بها من قال لا يرث أهل ملة كافرة من أهل ملة أخرى كافرة وحملها الجمهور على أن المراد بإحدى الملتين
[ 44 ]
الاسلام وبالاخرى الكفر فيكون مساويا للرواية التي بلفظ حديث الباب وهو أولى من حملها على ظاهر عمومها حتى يمتنع على اليهودي مثلا أن يرث من النصراني والاصح عند الشافعية أن الكافر يرث الكافر وهو قول الحنفية والاكثر ومقابلة عن مالك وأحمد وعنه التفرقة بين الذمي
والحربي وكذا عند الشافعية وعن أبي حنيفة لا يتوارث حربي من ذمي فان كانا حربيين شرط أن يكونا من دار واحدة وعند الشافعية لا فرق وعندهم وجه كالحنفية وعن الثوري وربيعة وطائفة الكفر ثلاث ملل يهودية ونصرانية وغيرهم فلا ترث ملة من هذه من ملة من الملتين وعن طائفة من أهل المدينة والبصرة كل فريق من الكفار ملة فلم يورثوا مجوسيا من وثني ولا يهوديا من نصراني وهو قول الاوزاعي وبالغ فقال ولا يرث أهل نحلة من دين واحد أهل نحلة أخرى كاليعقوبية والملكية من النصارى واختلف في المرتد فقال الشافعي وأحمد يصير ماله إذا مات فيئا للمسلمين وقال مالك يكون فيئا إلا إن قصد بردته أن يحرم ورثته المسلمين فيكون لهم وكذا قال في الزنديق وعن أبي يوسف ومحمد بورثته المسلمين وعن أبي حنيفة ما كسبه قبل الردة لورثته المسلمين وبعد الردة لبيت المال وعن بعض التابعين كعلقمة يستحقه أهل الدين الذي أنتقل إليه وعن داود يختص بورثته من أهل الدين الذي أنتقل إليه ولم يفصل فالحاصل من ذلك ستة مذاهب حررها الماوردي واحتج القرطبي في المفهم بمذهبه بقوله تعالى لكل جعلنا شرعة ومنهاجا فهي ملل متعددة وشرائع مختلفة قال وأما ما احتجوا به من قوله تعالى ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم فوحد الملة فلا حجة فيه لان الوحدة في اللفظ وفي المعنى الكثرة لانه اضافه إلى مفيد الكثرة كقول القائل أخذ عن علماء الدين علمهم يريد علم كل منهم قال واحتجوا بقوله قل يا أيها الكافرون إلى آخرها والجواب أن الخطاب بذلك وقع لكفار قريش وهم أهل وثن وأما ما أجابوا به عن حديث لا يتوارث أهل ملتين بأن المراد ملة الكفر وملة الاسلام فالجواب عنه بأنه إذا صح في حديث أسامة فمردود في حديث غيره واستدل بقوله لا يرث الكافر المسلم على جواز تخصيص عموم الكتاب بالآحاد لان قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم عام في الاولاد فخص منه الولد الكافر فلا يرث من المسلم بالحديث المذكور وأجيب بأن المنع حصل بالاجماع وخير الواحد إذا حصل الاجماع على وفقه كان التخصيص بالاجماع لا بالخبر فقط قلت لكن يحتاج من احتج في الشق الثاني به إلى جواب وقد قال بعض الحذاق طريق العام هنا قطعي ودلالته على كل فرد ظنية وطريق الخاص هنا ظنية ودلالته عليه
قطعية فيتعادلان ثم يترجح الخاص بان العمل به يستلزم الجمع بين الدليلين المذكورين بخلاف عكسه قوله باب ميراث العبد النصراني والمكاتب النصراني كذا للاكثر بغير حديث ولابي ذر عن المستملي والكشميهني باب من ادعى أخي أو بن أخ ولم يذكر فيه حديثا ثم قال عن الثلاثة باب ميراث العبد النصراني والمكاتب النصراني ولم يذكر أيضا فيه حديثا ثم قال عنهم باب إثم من انتفى من ولده وذكر قصة سعد وعبد بن زمعة فجرى بن بطال وابن التين على حذف باب ميراث العبد حديثا على ما وقع عند الاكثر وأما الاسماعيلي فلم يقع عنده باب ميراث العبد النصراني بل وقع عنده باب إثم من انتفى من ولده وقال ذكر بلا حديث ثم قال باب
[ 45 ]
من ادعى أخا أو بن أخ وهذا كله راجع إلى رواية الفربري عن البخاري وأما النسفي فوقع عنده باب ميراث العبد النصراني و المكاتب النصراني وقال لم يكتب فيه حديثا وفي عقبة باب إثم من انتفى من ولده ومن ادعى أخا أو بن أخ وذكر فيه قصة بن زمعة فتلخص لنا من هذا كله أن الاكثر جعلوا قصة بن زمعة لترجمة من ادعى أخا أو بن أخ ولا إشكال فيه وأما الترجمتان فسقطت إحداهما عند بعض وثبتت عند بعض قال بن بطال لم يدخل البخاري تحت هذا الرسم حديثا ومذهب العلماء أن العبد النصراني إذا مات فماله لسيده بالرق لان مالك العبد غير صحيح لا مستقر فهو مال السيد يستحقه لا بطريق الميراث وانما يستحق بطريق الميراث ما يكون ملكا مستقرا لمن يورث عنه وعن بن سيرين ماله لبيت المال وليس للسيد فيه شئ لاختلاف دينهما وأما المكاتب فان مات قبل أداء كتابته وكان في ماله وفاء لباقي كتابته أخذ ذلك في كتابته فما فضل فهو لبيت المال قلت وفي مسألة المكاتب خلاف ينشأ من الخلاف فيمن أدى بعض كتابته هل يعتق منه بقدر ما أدى أو يستمر على الرق ما بقى عليه شئ وقد مضى الكلام على ذلك في كتاب العتق وقال بن المنير يحتمل أن يكون البخاري أراد أن يدرج هذه الترجمة تحت الحديث الذي قبلها لان النظر فيه محتمل كأن يقال يأخذ المال لان العبد ملكه وله انتزاعه منه حيا فكيف لا يأخذه ميتا ويحتمل أن يقال لا يأخذ لعموم لا يرث المسلم الكافر والاول أوجه قلت
وتوجيه ما تقدم وجرى الكرماني على ما وقع عند أبي نعيم فقال ههنا ثلاث تراجم متوالية والحديث ظاهر للثالثة وهي من ادعى أخا أو بن أخ قال وهذا يؤيد ما ذكروا أن البخاري ترجم لابواب وأراد أن يلحق بها الاحاديث فلم يتفق له إتمام ذلك وكان اخلي بين كل ترجمتين بياضا فضم النقلة بعض ذلك إلى بعض قلت ويحتمل أن يكون في الاصل ميراث العبد النصراني والمكاتب النصراني كان مضموما إلى لا يرث المسلم الكافر الخ وليس بعد ذلك ما يشكل إلا ترجمة من انتفى من ولده ولا سيما على سياق أبي ذر وسأذكره في الباب الذي يليه تكميل لم يذكر البخاري ميراث النصراني إذا أعتقه المسلم وقد حكى فيه بن التين ثمانية أقوال فقال عمر بن عبد العزيز والليث والشافعي هو كالمولى المسلم إذا كان له ورثة وإلا فماله لسيده وقيل يرثه الولد خاصة وقيل الولد والوالد خاصة وقيل هما والاخوة وقيل هم والعصبة وقيل ميراثه لذوي رحمه وقيل لبيت المال فيئا وقيل يوقف فمن ادعاه من النصارى كان له انتهى ملخصا وما نقله عن الشافعي لا يعرفه أصحابه واختلف في عكسه فالجمهور أن الكافر إذا أعتق مسلما لا يرثه بالولاء وعن أحمد رواية أنه يرثه ونقل مثله عن علي وأما ما أخرج النسائي والحاكم من طريق أبي الزبير عن جابر مرفوعا لا يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته وأعله بن حزم بتدليس أبي الزبير وهو مردود فقد أخرجه عبد الرزاق عن بن جريج عن أبي الزبير أنه سمع جابرا فلا حجة فيه لكل من المسألتين لان ظاهر في الموقوف قوله باب إثم من انتفى من ولده أورد فيه حديث عائشة في قصة مخاصمة سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة وقد مضى شرحه مستوفى في باب الولد للفراش وقد خفي توجيه هذه الترجمة لهذا الحديث ويحتمل أن يخرج على أن عتبة بن أبي وقاص مات مسلما وأن الذي حمله على أن يوصي أخاه بأخذ ولد وليدة زمعة خشية
[ 46 ]
أن يكون سكوته عن ذلك مع اعتقاده أنه ولده يتنزل منزلة النفي وكان سمع ما ورد في حق من انتفى من ولده من الوعيد فعهد إلى أخيه أنه ابنه وأمر باستلحاقه وعلى تقدير أن يكون عتبة مات كافرا فيحتمل أن يكون ذلك هو الحامل لسعد على استلحاق بن أخيه ويلحق انتفاء ولد
الاخ بالانتفاء من الولد لانه قد يرث من عمه كما يرث من أبيه وقد ورد الوعيد في حق من انتفى من ولده من رواية مجاهد عن بن عمر رفعه من انتفى من ولده ليفضحه في الدنيا فضحه الله يوم القيامة الحديث وفي سنده الجراح والد وكيع مختلف فيه وله طريق أخرى عن بن عمر أخرجه بن عدي بلفظ من انتفى من ولده فليتبوأ مقعده من النار وفي سنده محمد بن أبي الزعيزعة راويه عن نافع قال أبو حاتم منكر الحديث وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه أبو داود والنسائي وصححه بن حبان والحاكم بلفظ وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه الحديث وفي سنده عبيد الله بن يوسف حجازي ما روى عنه سوى يزيد بن الهاد قوله باب من ادعى إلى غير أبيه لعل المراد إثم من ادعى كما صرح به في الذي قبله أو أطلق لوقوع الوعيد فيه بالكفر وبتحريم الجنة فوكل ذلك إلى نظر من يسعى في تأويله عز وجل قوله خالد هو بن عبد الله يعني الواسطي الطحان وخالد شيخه هو بن مهران الحذاء وأبو عثمان هو النهدي وسعد هو بن أبي وقاص والسند إلى سعد كله بصريون والقائل فذكرته لابي بكرة هو أبو عثمان وقد وقع في رواية هشيم عن خالد الحذاء عند مسلم في أوله قصة ولفظه عن أبي عثمان قال لما ادعى زياد لقيت أبا بكرة فقلت ما هذا الذي صنعتم إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول فذكر الحديث مرفوعا فقال أبو بكرة وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد بزياد الذي ادعى زياد بن سمية وهي أمه كانت أمة للحارث بن كلدة زوجها المولى عبيد فأتت بزياد على فراشه وهم بالطائف قبل أن يسلم أهل الطائف فلما كان في خلافة عمر سمع أبو سفيان بن حرب كلام زياد عند عمر وكان بليغا فأعجبه فقال إني لاعرف من وضعه في أمه ولو شئت لسميته ولكن أخاف من عمر فلما ولى معاوية الخلافة كان زياد على فارس من قبل علي فأراد مداراته فأطمعه في أن يلحقه بأبي سفيان فأصغى زياد إلى ذلك فجرت في ذلك خطوب إلى أن ادعاه معاوية وأمره على البصرة ثم على الكوفة وأكرمه وسار زياد سيرته المشهورة وسياسته المذكورة فكان كثير من الصحابة والتابعين ينكرون ذلك على معاوية محتجين بحديث الولد للفراش وقد مضى قريبا شئ من ذلك وانما خص أبو عثمان أبا بكرة بالانكار لان زيادا كان أخاه
من أمه ولابي بكرة مع زياد قصة تقدمت الاشارة إليها في كتاب الشهادات وقد تقدم الحديث في غزوة حنين من رواية عاصم الاحول عن أبي عثمان قال سمعت سعدا وأبا بكرة وتقدم هناك ما يتعلق بأبي بكرة قوله من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام وفي رواية عاصم المشار إليها عند مسلم من ادعى أبا في الاسلام غير أبيه والثاني مثله وقد تقدم شرحه في مناقب قريش في الكلام على حديث أبي ذر وفيه من ادعى لغير أبيه وهو يعلمه الا كفر ووقع هناك الا كفر بالله وتقدم القول فيه وقد ورد في حديث أبي بكر الصديق كفر بالله انتفى من نسب وان دق أخرجه الطبراني الرب عز وجلقوله أخبرني عمرو هو بن الحارث وعراك بكسر المهملة وتخفيف الراء وآخره كاف هو بن مالك قوله عن أبي هريرة في رواية مسلم عن هارون بن سعيد
[ 47 ]
عن بن وهب بسنده إلى عراك أنه سمع أبا هريرة قوله لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر كذا للاكثر وكذا لمسلم ووقع للكشميهني فقد كفر وسيأتي في باب رجم الحبلى من الزنا في حديث عمر الطويل لا ترغبوا عن آبائكم فهو كفر بربكم قال بن بطال ليس معنى هذين الحديثين أن من اشتهر بالنسبة إلى غير أبيه أن يدخل في الوعيد كالمقداد بن الاسود وانما المراد به من تحول عن نسبته لابيه إلى غير أبيه عالما عامدا مختارا وكانوا في الجاهلية لا يستنكرون أن يتبنى الرجل ولد غيره ويصير الولد ينسب إلى الذي تبناه حتى نزل قوله تعالى ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله وقوله سبحانه تعالى وما جعل أدعياءكم أبناءكم فنسب كل واحد إلى أبيه الحقيقي وترك الانتساب إلى من تبناه لكن بقى بعضهم مشهورا بمن تبناه فيذكر به لقصد التعريف لا لقصد النسب الحقيقي كالمقداد بن الاسود وليس الاسود أباه وانما كان تبناه واسم أبيه الحقيقي عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة البهراني وكان أبوه حليف كندة فقيل له الكندي ثم حالف هو الاسود بن عبد يغوث الزهري فتبنى المقداد فقيل له بن الاسود انتهى ملخصا موضحا قال وليس المراد بالكفر حقيقة الكفر التي يخلد صاحبها في النار وبسط القول في ذلك وقد تقدم توجيهه في مناقب قريش وفي كتاب الايمان في أوائل الكتاب وقال بعض الشراح سبب إطلاق الكفر
هنا أنه كذب على الله كأنه يقول خلقني الله من ماء فلان وليس كذلك لانه انما خلقه من غيره واستدل به على أن قوله في الحديث الماضي قريبا بن أخت القوم من أنفسهم ومولى القوم من أنفسهم ليس على عمومه إذ لو كان على عمومه لجاز أن ينسب إلى خاله مثلا وكان معارضا لحديث الباب المصرح بالوعيد الشديد لمن فعل ذلك فعرف أنه خاص والمراد به أنه منهم في الشفقة والبر والمعاونة ونحو ذلك قوله باب إذا ادعت المرأة ابنا ذكر قصة المرأتين اللتين كان مع كل منهما بن فأخذ الذئب أحدهما فأختلفتا في أيهما الذاهب فتحا كمتا إلى داود وفيه حكم سليمان وقد مضى شرحه مستوفى في ترجمة سليمان من أحاديث الانبياء قال بن بطال أجمعوا على أن الام لا تستلحق بالزوج ما ينكره فان أقامت البينة قبلت حيث تكون في عصمته فلو لم تكن ذات زوج وقالت لمن لا يعرف له أب هذا ابني ولم ينازعها فيه أحد فإنه يعمل بقولها وترثه ويرثها ويرثه إخوته لامه ونازعه بن التين فحكى عن بن القاسم لا يقبل قولها إذا ادعت اللقيط وقد استنبط النسائي في السنن الكبرى من هذا الحديث أشياء نفيسة فترجم نقض الحاكم ما حكم به غيره ممن هو مثله أو أجل إذا اقتضى الامر ذلك ثم ساق الحديث من طريق علي بن عياش عن شعيب بسنده المذكور هنا وصرح فيه بالتحديث بين أبي الزناد وبين الاعرج وأبي هريرة وساق الحديث نحو أبي اليماني وترجم أيضا الحاكم بخلاف ما يعترف به المحكوم له إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به وساق الحديث من طريق مسكين بن بكير عن شعيب وفيه فقال اقطعوه نصفين لهذه نصف ولهذه نصف فقالت الكبرى نعم اقطعوه فقالت الصغرى لا تقطعوه هو ولدها فقضى به للتي أبت أن يقطعه فأشار إلى قول الصغرى هو ولدها ولم يعمل سليمان بهذا الاقرار بل قضى به لها مع اقرارها بأنه لصاحبتها وترجم له التوسعة للحاكم أن يقول للشئ الذي لا يفعله افعل ليستبين له الحق وساقه من طريق محمد بن عجلان عن أبي الزناد وفيه فقال ائتوني بالسكين أشق الغلام بينهما فقالت الصغرى أتشقه فقال نعم فقالت لا تفعل
[ 48 ]
حظي منه لها وقد أخرجه مسلم من طريق أبي الزناد ولم يسق لفظه بل أحال به على رواية ورقاء
عن أبي الزناد وقد ذكرت ما فيها في ترجمة سليمان ثم ترجم الفهم في القضاء والتدبر فيه والحكم بالاستدلال ثم ساقه من طريق بشير بن نهيك عن أبي هريرة وذكر الحديث مختصرا وقال في آخره فقال سليمان يعني للكبرى لو كان ابنك لم ترضي ان يقطع قوله باب القائف هو الذي يعرف الشبه ويميز الاثر سمي بذلك لانه يقفو الاشياء أي يتبعها فكأنه مقلوب من القافي قال الاصمعي هو الذي يقفو الاثر ويقتافه قفوا وقيافة والجمع القافة كذا وقع في الغريبين والنهاية قوله في الطريق الثانية عن الزهري في رواية الحميدي عن سفيان حدثنا الزهري أخرجه أبو نعيم قوله دخل على مسرورا تبرق أسارير وجه تقدم شرحه في صفة النبي صلى الله عليه وسلم قوله فقال ألم ترى إلى مجزز في الرواية التي بعدها ألم ترى أن مجززا والمراد من الرؤية هنا الاخبار أو العلم ومضى في مناقب زيد من طريق أبي عيينة عن الزهري الم تسمعي ما قال المدلجي ومضى في صفة النبي صلى الله عليه وسلم من طريق إبراهيم بن محمد عن الزهري بلفظ دخل على قائف الحديث وفيه فسر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأعجبه وأخبر به عائشة ولمسلم من طريق معمر وابن جريج عن الزهري وكان مجزز قائفا ومجزز بضم الميم وكسر الزاي الثقيلة وحكى فتحها وبعدها زاي أخرى هذا هو المشهور ومنهم من قال بسكون الحاء المهملة وكسر الراء ثم زاي وهو بن الاعور بن جعدة المدلجي نسبة إلى مدلج بن مرة بن عبد مناف بن كنانة وكانت القيافة فيهم وفي بني أسد والعرب تعترف لهم بذلك وليس ذلك خاصا بهم على الصحيح وقد أخرج يزيد بن هارون في الفرائض بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب أن عمر كان قائفا أورده في قصته وعمر قرشي ليس مدلجيا ولا أسديا لا أسد قريش ولا أسد خزيمة ومجزز المذكور هو والد علقمة بن مجزز الماضي ذكره في باب باب سرية عبد الله بن حذافة من المغازي وذكر مصعب الزبيري والواقدي أنه سمي مجززا لانه كان إذا أخذ أسيرا في الجاهلية جز ناصيته وأطلقه وهذا يدفع فتح الزاي الاولى من اسمه وعلى هذا كان له اسم غير مجزز لكني لم أر من ذكره وكان مجزز عارفا بالقيافة وذكره بن يونس فيمن شهد فتح مصر وقال لا أعلم له رواية قوله نظر آنفا بالمد ويجوز القصر أي قريبا أو أقرب وقت قوله إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد في الرواية التي بعدها دخل علي فرأى أسامة بن زيد
وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامها وفي رواية إبراهيم بن سعد وأسامة وزيد مضطجعان وفي هذه الزيادة دفع توهم من يقول لعله حاباهما بذلك لما عرف من كونهم كانوا يطعنون في أسامة قوله بعضها من بعض من رواية الكشميهني لمن بعض قال أبو داود نقل أحمد بن صالح عن أهل النسب أنهم كانوا في الجاهلية يقدحون في نسب أسامة لانه كان أسود شديد السواد وكان أبوه زيد أبيض من القطن فلما قال القائف ما قال مع اختلاف اللون سر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك لكونه كافا لهم عن الطعن فيه لاعتقادهم ذلك وقد أخرج عبد الرزاق من طريق بن سيرين أن أم أسامة وهي أم أيمن مولاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت سوداء فلهذا جاء أسامة أسود وقد وقع في الصحيح عن بن شهاب أن أم أيمن كانت حبشية وصيفة لعبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم ويقال كانت من سبي الحبشة الذين قدموا زمن الفيل فصارت لعبد المطلب فوهبها لعبد الله وتزوجت قبل زيد
[ 49 ]
الهبة قال عياض لو صح أن أم أيمن كانت سوداء لم ينكروا سواد ابنها أسامة لان السوداء قد تلد من الابيض أسود قلت يحتمل أنها كانت صافية فجاء أسامة شديد السواد فوقع الانكار لذلك وفي الحديث جواز الشهادة على المنتقبة والاكتفاء بمعرفتها من غير رؤية الوجه وجواز اضطجاع الرجل مع ولده في شعار واحد وقبول شهادة من يشهد قبل أن يستشهد عند عدم التهمة وسرور الحاكم لظهور الحق لاحد الخصمين عند السلامة من الهوى وتقدم في باب إذا عرض لنفي الولد من كتاب اللعان حديث أبي هريرة في قصة الذي قال أن امرأتي ولدت غلاما أسود وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعله نزعه عرق ومضى شرحه هناك وبالله التوفيق تنبيه وجه إدخال هذا الحديث في كتاب الفرائض الرد على من زعم أن القائف لا يعتبر قوله فان من اعتبر قوله فعمل به لزم منه حصول التوراث بين الملحق والملحق به خاتمة اشتمل كتاب الفرائض من الاحاديث المرفوعة على ثلاثة وأربعين حديثا المعلق منها حديث تميم الداري فيمن أسلم على يديه والبقية
موصول والمكرر منها فيه وفيما مضى سبعة وثلاثون حديثا والبقية خالصة لم يخرج مسلم منها سوى حديث أبي هريرة في الجنين غرة وحديث بن عباس ألحقوا الفرائض بأهلها وأما حديث معاذ في توريث الاخت والبنت وحديث بن مسعود في توريث بنت الابن وحديثه في السائبة وحديث تميم الداري المعلق فانفرد البخاري بتخريجها وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم أربعة وعشرون أثرا والله سبحانه وتعالى أعلم بسم الله الرحمن الرحيم قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الحدود جمع حد والمذكور فيه هنا حد الزنا والخمر والسرقة وقد حصر بعض العلماء ما قيل بوجوب الحد به في سبعة عشر شيئا فمن المتفق عليه الردة والحرابة ما لم يتب قبل القدرة والزنا والقذف به وشرب الخمر سواء أسكر أم لا والسرقة ومن المختلف فيه جحد العارية وشرب ما يسكر كثيره من غير الخمر والقذف بغير الزنا والتعريض بالقذف واللواط ولو بمن يحل له نكاحها وإتيان البهيمة والسحاق وتمكين المرأة القرد وغيره من الدواب من وطئها والسحر وترك الصلاة تكاسلا والفطر في رمضان وهذا كله خارج عما تشرع فيه المقاتلة كما لو ترك قوم الزكاة ونصبوا لذلك الحرب وأصل الحد ما يحجز بين شيئين فيمنع اختلاطهما وحد الدار ما يميزها وحد الشئ وصفه المحيط به المميز له عن غيره وسميت عقوبة الزاني ونحوه حدا لكونها تمنعه المعاودة أو لكونها مقدرة من الشارع وللاشارة إلى المنع سمى البواب حدادا قال الراغب وتطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي كقوله تعالى تلك حدود الله فلا تقربوها وعلى فعل فيه شئ مقدر ومنه ومن يتعدى حدود الله فقد ظلم نفسه وكأنها لما فصلت بين الحلال والحرام سميت حدودا فمنها ما زجر عن فعله ومنها ما زجر من الزيادة عليه والنقصان منه وأما قوله تعالى إن الذين يحادون الله ورسوله فهو من الممانعة ويحتمل أن يراد استعمال الحديث إشارة إلى المقاتلة وذكرت البسملة في رواية أبي ذر سابقة على كتاب قوله باب ما يحذر من الحدود كذا للمستملي ولم
[ 50 ]
يذكر فيه حديثا ولغيره وما يحذر عطفا على الحدود وفي رواية النسفي جعل البسملة بين الكتاب والباب ثم قال لا يشرب الخمر وقال بن عباس الخ قوله باب الزنا وشرب الخمر أي التحذير من تعاطيهما ثبت هذا المستملي وحده قوله وقال بن عباس ينزع منه نور الايمان في الزنا وصله أبو بكر بن أبي شيبة في كتاب الايمان من طريق عثمان بن أبي صفية قال كان بن عباس يدعو غلمانه غلاما غلاما فيقول ألا أزوجك ما من عبد يزني إلا نزع الله منه نور الايمان وقد روى مرفوعا أخرجه أبو جعفر الطبري من طريق مجاهد عن بن عباس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من زنى نزع الله نور الايمان من قلبه فان شاء أن يرده إليه رده وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أبي داود قوله عن أبي بكر بن عبد الرحمن أي بن الحارث بن هشام المخزومي ووقع في رواية مسلم من طريق شعيب بن الليث عن أبيه حدثني عقيل بن خالد قال قال بن شهاب أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قوله لآ يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن قيد نفي الايمان بحالة ارتكابه لها ومقتضاه أنه لا يستمر بعد فراغه وهذا هو الظاهر ويحتمل بأن يكون المعنى أن زوال ذلك إنما هو إذا أقلع الاقلاع الكلي واما لو فرغ وهو مصر تلك المعصية فهو كالمرتكب فيتجه أن نفي الايمان عنه يستمر ويؤيده ما وقع في بعض طرقه كما سيأتي في المحاربين من قول بن عباس فان تاب عاد إليه ولكن أخرج الطبري من طريق نافع بن جبير بن مطعم عن بن عباس قال لا يزني حين يزني وهو مؤمن فإذا زال رجع إليه الايمان ليس إذا تاب منه ولكن إذا تأخر عن العمل به ويؤيده أن المصر وان كان إثمه مستمرا لكن ليس إثمة كمن باشر الفعل كالسرقة مثلا قوله ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن في الرواية الماضية في الاشربة ولا يشربها ولم يذكر اسم الفاعل من الشرب كما ذكره في الزنا والسرقة وقد تقدم الكلام على ذلك في كتاب الاشربة قال بن مالك فيه جواز حذف الفاعل بدلالة الكلام عليه والتقدير ولا يشرب الشارب الخمر الخ ولا يرجع الضمير إلى الزاني لئلا يختص به بل هو عام في حق كل من شرب وكذا القول في لا يسرق ولا يقتل وفي لا يغل ونظير حذف الفاعل بعد النفي قراءة هشام ولا يحسبن الذين قتلوا في سبيل الله بفتح الياء التحتانية أوله أي لا يحسبن حاسب قوله ولا
ينتهب نهبة بضم النون هو المال المنهوب والمراد به المأخوذ جهرا قهرا ووقع في رواية همام عند أحمد والذي نفس محمد بيده لا ينتهبن أحدكم نهبة الحديث وأشار برفع البصر إلى حالة المنهوبين فانهم ينظرون إلى من ينهبهم ولا يقدرون على دفعه ولو تضرعوا إليه ويحتمل أن يكون كناية عن عدم التستر بذلك فيكون صفة لازمة للنهب بخلاف السرقة والاختلاس فإنه يكون في خفية والانتهاب أشد لما فيه من مزيد الجراءة وعدم المبالاة وزاد في رواية يونس بن يزيد عن بن شهاب التي يأتي التنبيه عليها عقبها ذات شرف أي ذات قدر حيث يشرف الناس لها ناظرين إليها ولهذا وصفها بقوله يرفع الناس إليه فيها أبصارهم ولفظ يشرف وقع في معضم الروايات في الصحيحين وغيرهما بالشين المعجمة وقيدها بعض رواة مسلم بالمهملة وكذا نقل عن إبراهيم الحربي وهي ترجع إلى التفسير الاول قاله بن الصلاح قوله يرفع الناس الخ هكذا وقع تقييده بذلك في النهبة دون السرقة قوله وعن بن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله إلا النهبة هو موصول بالسند المذكور وقد أخرجه مسلم من طريق شعيب بن
[ 51 ]
الليث بلفظ قال بن شهاب وحدثني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي بكر هذا إلا النهبة من طريق يونس بن يزيد عن بن شهاب سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن وابن المسيب يقولان قال أبو هريرة فذكره مرفوعا وقال بعده قال بن شهاب وأخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن أبا بكر يعني أباه كان يحدثه عن أبي هريرة ثم يقول كان أبو بكر يلحق معهن ولا ينتهب نهبة ذات شرف والباقي نحو الذي هنا وتقدم في كتاب الاشربة أن مسلما أخرجه من رواية الاوزاعي عن بن شهاب عن بن المسيب وأبي سلمة وأبي بكر بن عبد الرحمن ثلاثتهم عن أبي هريرة وساقه مساقا واحدا من غير تفصيل قال بن الصلاح في كلامه على مسلم قوله وكان أبو هريرة يلحق معهن ولا ينتهب يوهم أنه موقوف على أبي هريرة وقد رواه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم من طريق همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والذي نفس محمد بيده
لا ينتهب أحدكم نهبة الحديث فصرح برفعه انتهى وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه لكن لم يسق لفظه بل قال مثل حديث الزهري لكن قال يرفع إليه المؤمنون أعينهم فيها الحديث قال وزاد ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن فاياكم إياكم وسيأتي في المحاربين من حديث بن عباس هذا فيه من الزيادة ولا يقتل وتقدمت الاشارة إلى بعض ما قيل في تأويله في أول كتاب الاشربة واستوعبه هنا إن شاء الله تعالى قال الطبري اختلف الرواة في أداء لفظ هذا الحديث وأنكر بعضهم أن يكون صلى الله عليه وسلم قاله ثم ذكر الاختلاف في تأويله ومن أقوى ما يحمل على صرفه عن ظاهره إيجاب الحد في الزنا على أنحاء مختلفة في حق الحر المحصن والحر البكر وفي حق العبد فلو كان المراد بنفي الايمان ثبوت الكفر لاستووا في العقوبة لان المكلفين فيما يتعلق بالايمان والكفر سواء فلما كان الواجب فيه من العقوبة مختلفا دل على أن مرتكب ذلك ليس بكافر حقيقة وقال النووي اختلف العلماء في معنى هذا الحديث الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الايمان هذا من الالفاظ التي تطلق على نفي الشئ والمراد نفي كماله كما يقال لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا ما يغل ولا عيش إلا عيش الآخرة وانما تأولناه لحديث أبي ذر من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق وحديث عبادة الصحيح المشهور أنهم بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يسرقوا ولا يزنوا الحديث وفي آخره ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارة ومن لم يعاقب فهو إلى الله ان شاء عفا عنه وان شاء عذبه فهذا مع قول الله عزوجل إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء مع إجماع أهل السنة على أن مرتكب الكبائر لا يكفر إلا بالشرك يضطرنا إلى تأويل الحديث ونظائره وهو تأويل ظاهر سائغ في اللغة مستعمل فيها كثيرا قال وتأوله بعض العلماء على من فعل مستحيلا مع علم بتحريمه وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري معناه ينزع عنه اسم المدح الذي سمى الله به أولياءه فلا يقال في حقه مؤمن ويستحق اسم الذم فيقال سارق وزان وفاجر وفاسق وعن بن عباس ينزع منه نور الايمان وفيه حديث مرفوع وعن المهلب تنزع منه بصيرته في طاعة الله وعن الزهري أنه من المشكل الذي نؤمن به وتمر كلما جاء ولا نعترض لتأويله
قال وهذه الاقوال محتملة والصحيح ما قدمته قال وقيل في معناه غير ما ذكرته مما ليس بظاهر بل
[ 52 ]
بعضها غلط فتركتها انتهى ملخصا وقد ورد في تأويله بالمستحل حديث مرفوع عن علي عند الطبري في الصغير لكن في سنده راو كذبوه فمن الاقوال التي لم يذكرها ما أخرجه الطبري من طريق محمد بن زيد بن واقد بن عبد الله بن عمر أنه خبر بمعنى النهي والمعنى لا يزنين مؤمن ولا يسرقن مؤمن وقال الخطابي كان بعضهم يرويه ولا يشرب بكسر الباء على معنى النهي والمعنى المؤمن لا ينبغي له أن يفعل ذلك ورد بعضهم هذا القول بأنه لا يبقى التقييد بالظرف فائدة فان الزنا منهي عنه في جميع الملل وليس مختصا بالمؤمنين قلت وفي هذا الرد نظر واضح لمن تأمله ثانيها أن يكون بذلك منافقا نفاق معصية لا نفاق كفر حكاه بن بطال عن الاوزاعي وقد مضى تقريره في كتاب الايمان أول الكتاب ثالثها أن معنى نفي كونه مؤمنا أنه شابه الكافر في عمله وموقع التشبيه أنه مثله في جواز قتله في تلك الحالة ليكف عن المعصية ولو أدى إلى قتله فإنه لو قتل في تلك الحالة كان دمه هدرا فانتفت فائدة الايمان في حقه بالنسبة إلى زوال عصمته في تلك الحالة وهذا يقوي ما تقدم من التقييد بحالة التلبس بالمعصية رابعها معنى قوله ليس بمؤمن أي ليس بمستحضر في حالة تلبسه بالكبيرة جلال من آمن به فهو كناية عن الغفلة التي جلبتها له غلبة الشهوة وعبر عن هذا بن الجوزي بقوله فان المعصية تذهله عن مراعاة الايمان وهو تصديق القلب فكأنه نسي من صدق به قال ذلك في تفسير نزع نور الايمان ولعل هذا هو مراد المهلب خامسها معنى نفي الايمان نفي الامان من عذاب الله لان ايمان مشتق من الامن سادسها أن المراد به الزجر والتنفير ولا يراد ظاهره وقد أشار إلى ذلك الطيبي فقال يجوز أن يكون من باب التغليظ والتهديد كقوله تعالى ومن كفر فان الله غني عن العالمين يعني أن هذه الخصال ليست من صفات المؤمن لانها منافية لحاله فلا ينبغي أن يتصف بها سابعها أنه يسلب الايمان حال تلبسه بالكبيرة فإذا فارقها عاد إليه وهو ظاهر ما أسنده البخاري عن بن عباس كما سيأتي في باب إثم الزنا من كتاب المحاربين عن عكرمة عنه بنحو حديث الباب قال عكرمة
قلت لابن عباس كيف ينزع منه الايمان قال هكذا وشبك بين أصابعه ثم أخرجها فإذا تاب عاد إليه هكذا ثم شبك بين أصابعه وجاء مثل هذا مرفوعا أخرجه أبو داود والحاكم بسند صحيح من طريق سعد المقبري أنه سمع أبا هريرة رفعه إذا زنى الرجل خرج منه الايمان فكان عليه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه الايمان وأخرج الحاكم من طريق بن حجيرة أنه سمع أبا هريرة يقول من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الايمان كما يخلع الانسان القميص من رأسه وأخرج الطبراني بسند جيد من رواية رجل من الصحابة لم يسم رفعه من زنى خرج منه الايمان فان تاب تاب الله عليه وأخرج الطبري من طريق عبد الله بن رواحة مثل الايمان مثل قميص بينما أنت مدبر عنه إذا لبسته وبينما أنت قد لبسته إذ نزعته قال بن بطال وبيان ذلك أن الايمان هو التصديق غير أن للتصديق معنيين أحدهما قول والآخر عمل فإذا ركب المصدق كبيرة فارقه اسم الايمان فإذا كف عنها عاد له الاسم لانه في حال كفه عن الكبيرة مجتنب بلسانه ولسانه مصدق عقد قلبه وذلك معنى الايمان قلت وهذا القول قد يلاقي ما أشار إليه النووي فيما نقله عن بن عباس ينزع منه نور الايمان لانه يحمل منه على ان المراد في هذه الاحاديث نور الايمان وهو عبارة عن فائدة التصديق وثمرته وهو العمل بمقتضاه ويمكن رد هذا
[ 53 ]
القول إلى القول الذي رجحه النووي فقد قال بن بطال في آخر كلامه تبعا للطبري الصواب عندنا قول من قال يزول عنه اسم الايمان الذي هو بمعنى المدح إلى الاسم الذي بمعنى الذم فقال له فاسق مثلا ولا خلاف أنه يسمى بذلك ما لم تظهر منه التوبة فالزائل عنه حينئذ اسم الايمان بالاطلاق والثابت له اسم الايمان بالتقييد فيقال هو مصدق بالله ورسوله لفظا واعتقادا لا عملا ومن ذلك الكف عن المحرمات وأظن بن بطال تلقى ذلك من بن حزم فإنه قال المعتمد عليه عند أهل السنة أن الايمان اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالجوارح وهو يشمل عمل الطاعة والكف عن المعصية فالمرتكب لبعض ما ذكر لم يختل اعتقاده ولا نطقه بل اختلت طاعته فقط فليس بمؤمن بمعنى أنه ليس بمطيع فمعنى نفي الايمان محمول على الانذار بزواله
ممن اعتاد ذلك لانه يخشى عليه أن يقضي به إلى الكفر وهو كقوله ومن يرتع حول الحمى الحديث أشار إليه الخطابي وقد أشار المازري إلى أن القول المصحح هنا مبني على قول من يرى أن الطاعات تسمى إيمانا والعجب من النووي كيف جزم بأن في التأويل المنقول عن بن عباس حديثا مرفوعا ثم صحح غيره فلعله لم يطلع على صحته وقد قدمت أنه يمكن رده إلى القول الذي صححه قال الطيبي يحتمل أن يكون الذي نقص من إيمان المذكور الحياء وهو المعبر عنه في الحديث الآخر بالنور وقد مضى أن الحياء من من الايمان فيكون التقدير لا يزني حين يزني وهو يستحي من الله لانه لو استحى منه وهو يعرف انه مشاهد حاله لم يرتكب ذلك والى ذلك تصح إشارة بن عباس تشبيك اصابعه ثم أخراجها منها ثم إعادتها إليها ويعضده حديث من استحى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى انتهى وحاصل ما اجتمع لنا من الاقوال في معنى هذا الحديث ثلاثة عشر قولا خارجا عن قول الخوارج وعن قول المعتزلة وقد أشرت إلى بعض الاقوال المنسوبة لاهل السنة يمكن رد بعضها إلى بعض قال المازري هذه التأويلات تدفع قول الخوارج ومن وافقهم من الرافضة أن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار إذا مات من غير توبة وكذا قول المعتزلة انه فاسق مخلد في النار فان الطواف المذكورين تعلقوا بهذا الحديت وشبهه وإذا احتمل ما قلناه اندفعت حجتهم قال القاضي عياض أشار بعض العلماء إلى أن في الحديث تنبيها على جميع أنواع المعاصي والتحذير منها فنبه بالزنا على جميع الشهوات وبالسرقة على الرغبة في الدنيا والحرص على الحرام وبالخمر على جميع ما يصدر عن الله تعالى ويوجب الغفلة عن حقوقه وبالانتهاب الموصوف على الاستخفاف بعباد الله وترك توقيرهم والحياء منهم وعلى جمع الدنيا من غير وجهها وقال القرطبي بعد أن ذكره ملخصا وهذا لا يتمشى الا مع المسامحة والاولى أن يقال ان الحديث يتضمن التحرز من ثلاثة أمور هي من أعظم أصول المفاسد وأضدادها من أصول المصالح وهى استباحة الفروج المحرمة وما يؤدى إلى اختلال العقل وخص الخمر بالذكر لكونها أغلب الوجوه في ذلك والسرقة بالذكر لكونها أغلب الوجوه التي يؤخذ بها مال الغير بغير حق قلت وأشار بذلك إلى أن عموم ما ذكره
الاول يشمل الكبائر والصغائر وليست الصغائر مرادة هنا لانها تكفر باجتناب الكبائر فلا يقع الوعيد عليها بمثل التشديد الذي في هذا الحديث وفي الحديث من الفوائد أن من زنى دخل في هذا الوعيد سواء كان بكرا أو محصنا وسواء كان المزني بها أجنبية أو محرما ولا شك أنه في حق المحرم
[ 54 ]
فحش ومن المتزوج أعظم ولا يدخل فيه ما يطلق عليه اسم الزنا من اللمس المحرم وكذا التقبيل والنظر لانها وان سميت في عرف الشرع زنا فلا تدخل في ذلك لانها من الصغائر كما تقدم تقريره في تفسير اللمم وفيه أن من سرق قليلا أو كثيرا وكذا من انتهب أنه يدخل في الوعيد وفيه نظر فقد شرط بعض العلماء وهو لبعض أيضا في كون الغصب كبيرة أن يكون المغصوب نصابا وكذا في السرقة وإن كان بعضهم أطلق فيها فهو محمول على ما اشتهر أن وجوب للقطع فيها متوقف على وجود النصاب وإن كان سرقة ما دون النصاب حراما وفي الحديث تعظيم شأن أخذ حق الغير بغير حق لانه صلى الله عليه وسلم أقسم عليه ولا يقسم الا على إرادة تأكيد المقسم عليه وفيه أن من شرب الخمر دخل في الوعيد المذكور سواء كان المشروب كثيرا أم قليلا لان شرب القليل من الخمر معدود من الكبائر وان كان ما يترتب على الشرب من المحذور من اختلال العقل أفحش من شرب مالا يتغير معه العقل وعلى القول الذي رجحه النووي لا إشكال في شئ من ذلك لان لنقص الكمال مراتب بعضها أقوى من بعض واستدل به من قال إن الانتهاب كله حرام حتى فيما أذن مالكه كالنثار في العرس ولكن صرح الحسن والنخغي وقتادة فيما أخرجه بن المنذر عنهم بأن شرط التحريم أن يكون بغير اذن المالك وقال أبو عبيدة هو كما قالوا وأما النهبه المختلف فيها فهو ما أذن فيه صاحبه واباحه وغرضه تساويهم أو مقاربة التساوي فإذا كان القوي منهم يغلب الضعيف ولم تطب نفس صاحبه بذلك فهو مكروه وقد ينتهى إلى التحريم وقد صرح المالكية والشافعية والجمهور بكراهيته وممن كرهه من الصحابة أبو مسعود البدري ومن التابعين النخعي وعكرمة قال بن المنذر ولم يكرهوه من الجهة المذكورة بل لكون الاخذ في مثل ذلك انما يحصل لمن فيه فضل قوة أو قلة حياء واحتج الحنفية ومن وافقهم بأنه صلى الله
عليه وسلم قال في الحديث الذي أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن قرظ ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في البدن التي نحرها من شاء اقتطع واحتجوا أيضا بحديث معاذ رفعه انما نهيتكم عن نهي العساكر فأما العرسان فلا الحديث وهو حديث ضعيف في سنده ضعف وانقطاع قال بن المنذر هي حجة قوية في جواز أخذ ما ينثر في العرس ونحوه لان المبيح لهم قد علم اختلاف حالهم في الاخذ كما علم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وأذن فيه في أخذ البدن التي نحرها وليس فيها معنى إلا وهو موجود في النثار قلت بل فيها معنى ليس في غيرها بالنسبة إلى المأذون لهم فانهم كانوا الغاية في الورع والانصاف وليس غيرهم في ذلك مثلهم قوله باب ما جاء في ضرب شارب الخمر أي خلافا لمن قال يتعين الجلد وبيان الاختلاف في كميته وقد تقدم الكلام على تحريم الخمر ووقته وسبب نزوله وحقيقتها وهل هي مشتقة وهل يجوز تذكيرها في أول كتاب الاشربة قوله عن قتادة عن أنس في رواية لمسلم والنسائي سمعت أنا أخرجاها من طريق خالد بن الحارث عن شعبة وهو يدل على أن رواية شبابة عن شعبة بزيادة الحسن بين قتادة وأنس التي أخرجها النسائي من المزيد في متصل الاسانيد قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم كذا ذكر طريق شعبة عن قتادة ولم يسق المتن وتحول إلى طريق هشام عن قتادة فساق المتن على لفظه وقد ذكر في الباب الآتي بعد باب عن شيخ آخر عن هشام بهذا اللفظ وأما لفظ شعبة فأخرجه البيهقي في الخلافيات من طريق جعفر بن محمد القلانسي عن آدم شيخ البخاري
[ 55 ]
فيه بلفظ ان النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل شرب الخمر نضربه بجريدتين نحوا من أربعين ثم صنع أبو بكر مثل ذلك فلما كان عمر استشار الناس فقال له عبد الرحمن بن عوف أخف الحدود ثمانون ففعله عمر ولفظ رواية خالة التي ذكرتها إلى قوله نحو من أربعين وأخرجه مسلم والنسائي أيضا من طريق محمد بن جعفر عن شعبة مثل رواية آدم إلا أنه قال وفعله أبو بكر فلما كان عمر أي في خلافته استشار الناس فقال عبد الرحمن يعني بن عوف أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر ووقع لبعض رواة مسلم أخف الحدود ثمانين قال بن دقيق العيد فيه حذف
عامل النصب جعله وتعقبه الفاكهي فقال هذا بعيد أو باطل وكأنه صدر عن غير تأمل لقواعد العربية ولا لمراد المتكلم إذ لا يجوز أجود الناس الزيدين على تقدير اجعلهم لان مراد عبد الرحمن الاخبار بأخف الحدود لا الامر بذلك فالذي يظهر أن راوي النصب وهم واحتمال توهيمه أولى من ارتكاب ما لا يجوز لفظا ولا معنى ورد عليه تلميذه بن مرزوق بأن عبد الرحمن مستشار والمستشار مسؤل والمستشير سائل ولا يبعد أن يكون المستشار آمرا قال والمثال الذي مثل به غير مطابق قلت بل هو مطابق لما ادعاه أن عبد الرحمن قصد الاخبار فقط والحق أنه أخبر برأيه مستندا إلى قياس وأقرب التقادير أخف الحدود أجده ثمانين أو أجد أخف الحدود ثمانين فنصبهما وأعرب بن العطار صاحب النووي في شرح العمدة فنقل عن بعض العلماء أنه ذكره بلفظ أخف الحدود ثمانون بالرفع وأعربه مبتدأ وخبرا قال ولا أعلمه منقولا رواية كذا قال والرواية بذلك ثابتة والاولى في توجيهها ما أخرجه مسلم أيضا من طريق معاذ بن هشام عن أبيه جلد أبو بكر أربعين فلما كان عمرو دنى الناس من الريف والقرى قال ما ترون في جلد الخمر فقال عبد الرحمن بن عوف أرى أن تجعلها كأخف الحدود قال فجلد عمر ثمانين فيكون المحذوف من هذه الرواية المختصرة أرى أن تجعلها وأداة التشبيه وأخرج النسائي من طريق يزيد بن هارون عن شعبة فضربه بالنعال نحوا من أربعين ثم أتى به أبو بكر فصنع به مثل ذلك ورواه همام عن قتادة بلفظ فأمر قريبا من عشرين رجلا فجلده كل رجل جلدتين بالجريد والنعال أخرجه أحمد والبيهقي وهذا يجمع بين ما اختلف فيه على شعبة وأن جملة الضربات كانت نحو أربعين لا إنه جلده بجريدتين أربعين فتكون الجملة ثمانين كما أجاب به بعض الناس رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ جلد بالجريد والنعال أربعين علقه أبو داود بسند صحيح ووصله البيهقي وكذا أخرجه مسلم من طريق وكيع عن هشام بلفظ كان يضرب في الخمر مثله وقد نسب صاحب العمدة قصة عبد الرحمن هذه إلى تخريج الصحيحين ولم يخرج البخاري منها شيئا وبذلك جزم عبد الحق في الجمع ثم المنذري نعم ذكر معنى صنيع عمر فقط في حديث السائب في الباب الثالث وسيأتي بسط ذلك تنبيه الرجل المذكور لم أنف
على اسمه صريحا لكن سأذكر في باب ما يكرهه من لعن الشارب ما يؤخذ منه أنه النعيمان قوله باب من أمر ضرب الحد في البيت يعني خلافا لمن قال لا يضرب الحد سرا وقد ورد عن عمر في قصة ولد أبي شحمة لما شرب بمصر فحده عمرو بن العاص في البيت أن عمر أنكر عليه وأحضره إلى المدينة وضربه الحد جهرا روى ذلك بن سعد وأشار إليه الزبير وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن بن عمر مطولا وجمهور أهل العلم على الاكتفاء وحملوا صنيع عمر على
[ 56 ]
المبالغة في تأديب ولده لا أن إقامة الحد لا تصح إلا جهرا قوله عبد الوهاب هو بن عبد المجيد الثقفي وأيوب هو السختياني وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله وقد سمى في الباب الذي بعده من رواية وهيب بن خالد عن أيوب قوله عن عقبة بن الحارث أي بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ووقع في رواية عبد الوارث عن أيوب عند أحمد حدثني عقبة بن الحارث وقد اتفق هؤلاء على وصله وخالفهم إسماعيل بن علية فقال عن أيوب عن بن أبي مليكة مرسلا أخرجه مسدد عنه قوله جئ كذا لهم على البناء للمجهول وقد ذكرت في الوكالة تسمية الذي أتى به ولم ينبه عليه أحد ممن صنف في المبهمات قوله بالنعيمان أو بابن النعيمان في رواية الكشميهني في الباب الذي يليه نعيمان بغير ألف ولام في الموضعين وقد تقدم التنبيه على ذلك في كتاب الوكالة وأنه وقع عند الاسماعيلي النعيمان بغير شك فان الزبير بن بكار وابن مندة أخرجا الحديث من وجهين فيهما النعمان بغير شك وذكرت نسبه هناك وفي رواية الزبير كان النعيمان يصبب الشراب وهذا يعكر على قول بن عبد البر ان الذي كان أتى به قد شرب الخمر هو بن النعيمان فإنه قيل في ترجمة النعيمان كان رجلا صالحا وكان له بن انهمك في شرب الخمر فجلده النبي صلى الله عليه وسلم وقال في موضع آخر أظن بن النعيمان جلد في الخمر أكثر من خمسين مرة وذكر الزبير بن بكار أيضا أنه كان مزاحا وله في ذلك قصة مع سويبط بن حرملة ومع مخرمة بن نوفل والد المسور مع أمير المؤمنين عثمان ذكرها الزبير مع نظائر لها في كتاب الفكاهة والمزاح وذكر محمد بن سعد عليه وسلم ووقع في رواية معلى بن أسد عن وهيب عند النسائي فشق على النبي صلى
الله عليه وسلم مشقة شديدة وسيأتي بقية ما يتعلق بقصة النعيمان في الباب الذي يليه ان شاء الله تعالى واستدل به على جواز إقامة الحد على السكران في حال سكره وبه قال بعض الظاهرية والجمهور على خلافه وأولوا الحديث بأن المراد ذكر سبب الضرب وأن ذلك الوصف استمر في حال ضربه وأيدوا ذلك بالمعنى وهو أن المقصود بالضرب في الحد الايلام ليحصل به الردع وفي الحديث تحريم الخمر ووجوب الحد على شاربها سواء كان شرب كثيرا أم قليلا وسواء أسكر أم لا قوله باب الضرب بالجريد والنعال أي في شرب الخمر وأشار بذلك إلى أنه لا يشترط الجلد وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال وهي أوجه عند الشافعية أصحها يجوز الجلد بالسوط ويجوز الاقتصار على الضرب بالايدي والنعال والثياب ثانيها يتعين الجلد ثالثها يتعين الضرب وحجة الراجح أنه فعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت نسخه والجلد في عهد الصحابة فدل على جوازه وحجة الآخر أن الشافعي قال في الام لو قام عليه الحد بالسوط فمات وجبت الدية فسوى بينه وبين ما إذا زاد فدل على أن الاصل الضرب بغير السوط وصرح أبو الطيب ومن تبعه بأنه لا يجوز بالسوط وصرح القاضي حسين بتعيين السوط واحتج بأنه إجماع الصحابة ونقل عن النص في القضاء ما يوافقه ولكن في الاستدلال بإجماع الصحابة نظر فقد قال النووي في شرح مسلم أجمعوا على الاكتفاء بالجريد والنعال وأطراف الثياب ثم قال والاصح جوازه بالسوط وشذ من قال هو شرط وهو غلط منابذ للاحاديث الصحيحة قلت وتوسط بعض المتأخرين فعين السوط للمتمردين وأطراف الثياب والنعال للضعفاء ومن
[ 57 ]
عداهم بحسب ما يليق بهم وهو متجه ونقل بن دقيق العيد عن بعضهم أن معنى قوله نحوا من أربعين تقدير أربعين ضربة بعصا مثلا لا أن المراد عدد معين ولذلك وقع في بعض طرق عبد الرحمن بن أزهر أن أبا بكر سأل من حضر ذلك الضرب فقومه أربعين فضرب أبو بكر أربعين قال وهذا عندي خلاف الظاهر ويبعده قوله في الرواية الاخرى جلد في الخمر أربعين قلت ويبعد التأويل المذكور ما تقدم من رواية همام في حديث أنس فأمر عشرين رجلا فجلده كل رجل جلدتين
بالجريد والنعال وذكر المصنف فيه خمسة أحاديث الاول حديث عقبة بن الحارث وقد تقدم في الباب الذي قبله وهو ظاهر فيما ترجم له الثاني حديث أنس وقد تقدم أيضا في الباب الاول وقوله فيه جلد تقدم في الباب الاول بلفظ ضرب ولا منافاة بينهما لان معنى جلد هنا ضربه فأصاب جلده وليس المراد به ضربه بالجلد الثالث حديث أبي هريرة قوله أبو ضمرة أنس يعني بن عياض قوله عن يزيد بن الهاد وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن عبد الله بن شداد بن الهاد فنسب إلى جده الاعلى وهو وشيخه وشيخ شيخه مدنيون تابعيون ووقع في آخر الباب الذي يليه أنس بن عياض حدثنا بن الهاد قوله عن محمد بن إبراهيم أي بن الحارث بن خالد التيمي زاد في رواية الطحاوي من طريق نافع بن يزيد عن بن الهاد عن محمد بن إبراهيم أنه حدثه عن أبي سلمة قوله عن أبي سلمة هو بن عبد الرحمن بن عوف وصرح به في رواية الطحاوي قوله أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب في الرواية التي في الباب الذي يليه بسكران وهذا الرجل يحتمل أن يفسر بعبد الله الذي كان يلقب حمارا المذكور في الباب الذي بعده من حديث عمر ويحتمل أن يفسر بابن النعيمان والاول أقرب لان في قصته فقال رجل من القوم اللهم العنه ونحوه في القصة المذكور في حديث أبي هريرة لكن لفظه قال بعض القوم أخزاك الله ويحتمل أن يكون ثالثا فان الجواب في حديثي عمر وأبي هريرة مختلف وأخرج النسائي بسند صحيح عن أبي سعيد أتى النبي صلى الله عليه وسلم بنشوان فأمر به فنهز بالايدي وخفق بالنعال الحديث ولعبد الرزاق بسند صحيح عن عبيد بن عمير أحد كبار التابعين كان الذي يشرب الخمرة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وبعض إمارة عمر يضربونه بأيديهم ونعالهم ويصكونه قوله قال اضربوه هذا يفسر الرواية الآتية بلفظ فأمر بضربه ولكن لم يذكر فيهما عددا قوله قال بعض القوم في الرواية الآتية فقال رجل وهذا الرجل هو عمر بن الخطاب إن كانت هذه القصة متحدة مع حديث عمر في قصة حمار كما سأبينه قوله لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان في الرواية الاخرى لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم ووجه عونهم الشيطان بذلك أن الشيطان يريد بتزيينه له المعصية أن يحصل له الخزي فإذا دعوا عليه بالخزي فكأنهم قد حصلوا مقصود الشيطان ووقع عند أبي داود من طريق بن
وهب عن حيوة بن شريح ويحيى بن أيوب وابن لهيعة ثلاثتهم عن يزيد بن الهاد نحوه وزاد في آخره ولكن قولوا اللهم اغفر له اللهم ارحمه زاد فيه أيضا بعض الضرب ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صحابه بكتوه وهو أمر بالتبكيت وهو مواجهته بقبيح فعله وقد فسره في الخبر بقوله فأقبلوا عليه يقولون له ما اتقيت الله عزوجل ما خشيت الله جل ثناؤه ما استحيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أرسلوه وفي حديث عبد الرحمن بن أزهر عند الشافعي بعد ذكر الضرب ثم قال عليه الصلاة والسلام بكتوه فبكتوه ثم أرسله ويستفاد من ذلك منع الدعاء على العاصي
[ 58 ]
بالابعاد عن رحمة الله كاللعن وسيأتي مزيد لذلك في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى الحديث الرابع قوله سفيان هو الثوري وصرح به في رواية مسلم وأبو حصين بمهملتين مفتوح أوله وعمير بن سعيد بالتصغير وأبوه بفتح أوله وكسر ثانيه تابعي كبير ثقة قال النووي هو في جميع النسخ من الصحيحين هكذا ووقع في الجمع للحميدي سعد بسكون العين وهو غلط ووقع في المهذب وغيره عمر بن سعد بحذف الياء فيهما وهو غلط فاحش قلت ووقع في بعض النسخ من البخاري كما ذكر الحميدي ثم رأيته في تقييد أبي علي الجياني منسوبا لابي زيد المروزي قال والصواب سعيد وجزم بذلك بن حزم وأنه في البخاري سعد بسكون العين فلعله سلف الحميدي ووقع النسائي والطحاوي وسكون الميم والمحفوظ عمير كما قال النووي وقد أعل بن حزم الخبر بالاختلاف في اسم عمير واسم أبيه وليست بعلة تقدح في روايته وقد عرفه ووثقه من صحيح حديثه وقد عمر عمير المذكور وعاش الى خمس عشر ومائة قوله ما كنت لاقيم اللام لتأكيد النفي كما في قوله تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم قوله فيموت فأجد بالنصب فيهما ومعنى أجد من الوجد وله معان اللائق منها هنا الحزن وقوله فيموت مسبب عن أقيم وقوله فأجد مسبب عن السبب والمسبب معا قوله إلا صاحب الخمر أي شاربها وهو بالنصب ويجوز الرفع والاستثناء منقطع أي لكن أجد من حد شارب الخمر إذا مات ويحتمل أن يكون التقدير ما أجد من موت أحد يقام عليه الحد شيئا إلا موت شارب الخمر فيكون الاستثناء
على هذا متصلا قاله الطيبي قوله فإنه لو مات وديته أي أعطيت ديته لمن يستحق قبضها وقد جاء مفسرا من طريق أخرى أخرجها النسائي وابن ماجة من رواية الشعبي عن عمير بن سعيد قال سمعت عليا يقول من أقمنا عليه حدا فمات فلا دية له إلا من ضربناه في الخمر قوله لم يسنه أي لم يسن فيه عددا معينا في رواية شريك فان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستن فيه شيئا ووقع في رواية الشعبي فانما هو شئ صنعناه تكملة اتفقوا على أن من مات من الضرب في الحد لا ضمان على قاتله إلا في حد الخمر فعن على ما تقدم وقال الشافعي أن ضرب بغير السوط فلا ضمان وان جلد بالسوط ضمن قيل الدية وقيل قدر تفاوت ما بين الجلد بالسوط وبغيره والدية في ذلك على عاقلة الامام وكذلك لو مات فيما زاد على الاربعين الحديث الخامس قوله عن الجعيد بالجيم والتصغير ويقال الجعد بفتح أوله ثم سكون وهو تابعي صغير تقدمت روايته عن السائب بن يزيد في كتاب الطهارة وروى عنه هنا بواسطة وهذا السند للبخاري في غاية العلو لان بينه وبين التابعي فيه واحد فكان في حكم الثلاثيات وإن كان التابعي رواه عن تابعي أخر وله عنده نظائر ومثله ما أخرجه في العلم عن عبيد الله بن موسى عن معروف عن أبي الطفيل عن علي فان أبا الطفيل صحابي فيكون في حكم الثلاثيات لان بينه وبين الصحابي فيه اثنين وإن كان صحابيه انما رواه عن صحابي أخر وقد أخرجه النسائي من رواية حاتم بن إسماعيل عن الجعيد سمعت السائب فعل هذا فإدخال يزيد بن خصيفة بينهما إما من المزيد في متصل الاسانيد وإما أن يكون الجعيد سمعه من السائب وثبت فيه يزيد ثم ظهر لي السبب في ذلك وهو أن رواية الجعيد المذكورة عن السائب مختصرة فكأنه سمع الحديث تاما من يزيد عن السائب فحدث
[ 59 ]
بما سمعه من السائب عنه من غير ذكر يزيد وحدث أيضا بالتام فذكر الواسطة ويزيد بن خصيفة المذكور هو بن عبد الله بن خصيفة نسب لجده وقيل هو يزيد بن عبد الله بن يزيد بن خصيفة فيكون نسب إلى جد أبيه وخصيفة هو بن يزيد بن ثمامة أخو السائب بن يزيد صحابي هذا الحديث فتكون رواية يزيد من خصيفة لهذا الحديث عن عم أبيه أو عم جده قوله كنا نؤتى بالشارب
فيه إسناد القائل الفعل بصيغة الجمع التي يدخل هو فيها مجازا لكونه مستويا معهم في أمرها وإن لم يباشر هو ذلك الفعل الخاص لان السائب كان صغيرا جدا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقد تقدم في الترجمة النبوية أنه كان بن ست سنين فيبعد ان يكون شارك من كان يجالس النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكر من ضرب الشارب فكان مراده بقوله كنا أي الصحابة لكن يحتمل أن يحضر مع أبيه أو عمه فيشاركهم في ذلك فيكون الاسناد على حقيقته قوله وإمرة أبي بكر بكسر الهمزة وسكون الميم أي خلافته وفي رواية حاتم من زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وبعض زمان عمر قوله وصدرا من خلافة عمر أي جانبا أوليا قوله فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا أي فنضربه بها قوله حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين ظاهره أن التحديد بأربعين انما وقع في آخر خلافة عمر وليس كذلك لما في قصة خالد بن الوليد وكتابته إلى عمر فإنه يدل على أن أمر عمر بجلد ثمانين كان في وسط إمارته لان خالدا مات في وسط خلافة عمر وإنما المراد بالغاية المذكورة أولا استمرار الاربعين فليست الفاء معقبة لآخر الامرة بل لزمان أبي بكر وبيان ما وقع في زمن عمر فالتقدير فاستمر جلد أربعين والمراد بالغاية الاخرى في قوله حتى إذا عتوا تأكيدا لغاية الاولى وبيان ما صنع التجبر والمراد هنا انهماكهم في الطغيان والمبالغة في الفساد في شرب الخمر لانه ينشأ عنه الفساد قوله وفسقوا أي خرجوا عن الطاعة ووقع في رواية النسائي فلم ينكلوا أي يدعوا قوله جلد ثمانين وقع في مرسل عبيد بن عمير أحد كبار التابعين فيما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عنه نحو حديث السائب وفيه أن عمر جعله أربعين سوطا فلما رآهم لا يتناهون جعله ستين سوطا فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين سوطا وقال هذا أدنى الحدود وهذا يدل على أنه وافق عبد الرحمن بن عوف في أن الثمانين أدنى الحدود وأراد بذلك الحدود المذكورة في القرآن وهي حد الزنا وحد السرقة للقطع وحد القذف وهي أخفها عقوبة وأدناها عددا وقد مضى من حديث أنس في رواية شعبة وغيره سبب ذلك وكلام عبد الرحمن فيه حيث قال أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر وأخرج مالك في الموطأ عن ثور بن يزيد أن عمر استشار في الخمر فقال له علي بن أبي طالب
ترى أن تجعله ثمانين فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فجلد عمر في الخمر ثمانين وهذا معضل وقد وصله النسائي والطحاوي من طريق يحيى بن فليح عن ثور عن عكرمة عن بن عباس مطولا ولفظه ان الشراب كانوا يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالايدي والنعال والعصا حتى توفى فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم فقال أبو بكر لو فرضنا لهم حدا فتوخى نحو ما كانوا يضربون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فجلدهم أربعين حتى توفى ثم
[ 60 ]
كان عمر فجلدهم كذلك حتى أتى برجل فذكر قصة وأنه تأول قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وأن بن عباس ناظره في ذلك واحتج ببقية الآية وهو قوله تعالى إذا ما اتقوا والذي يرتكب ما حرمه الله ليس بمتق فقال عمر ما ترون فقال علي فذكره وزاد بعد قوله وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة فأمر به عمر فجلده ثمانين ولهذا الاثر عن علي طرق أخرى منها ما أخرجها الطبراني والطحاوي والبيهقي من طريق أسامة بن زيد عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أن رجلا من بني كلب يقال له بن دبرة أخبره أن أبا بكر كان يجلد في الخمر أربعين وكان عمر يجلد فيها أربعين قال فبعثني خالد بن الوليد إلى عمر فقلت أن الناس قد انهمكوا في الخمر واستخفوا العقوبة فقال عمر لمن حوله ما ترون قال ووجدت عنده عليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف في المسجد فقال علي فذكر مثل رواية ثور الموصولة ومنها ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عكرمة أن عمر شاور الناس في الخمر فقال له علي إن السكران إذا سكر هذى الحديث ومنها ما أخرجه بن أبي شيبة من رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال شرب نفر من أهل الشام الخمر وتأولوا الآية المذكورة فاستشار عمر فيهم فقلت أرى أن تستتيبهم فإن تابوا ضربتهم ثمانين ثمانين وإلا ضربت أعناقهم لانهم استحلوا ما حرم الله فاستتابهم فتابوا فضربهم ثمانين ثمانين وأخرج أبو داود والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أزهر في قصة الشارب الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم بحنين وفيه فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد ان الناس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا العقوبة قال وعنده المهاجرون والانصار
فسألهم واجتمعوا على أن يضربه ثمانين وقال علي فذكر مثله وأخرج عبد الرزاق عن بن جريج ومعمر عن بن شهاب قال فرض أبو بكر في الخمر أربعين سوطا وفرض فيها عمر ثمانين قال الطحاوي جاءت الاخبار متواترة عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسن في الخمر شيئا ويؤيده فذكر الاحاديث التي ليس فيها تقييد بعدد حديث أبي هريرة وحديث عقبة بن الحارث المتقدمين وحديث عبد الرحمن بن أزهر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب الخمر فقال للناس اضربوه فمنهم من ضربه بالنعال ومنهم من ضربه بالعصا ومنهم من ضربه بالجريد ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ترابا فرمى به في وجهه وتعقب بأنه قد ورد في بعض طرقه ما يخالف قوله وهو ما عند أبي داود والنسائي في هذا الحديث ثم أتى أبو بكر بسكران فتوخى الذي كان من ضربهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه أربعين ثم أتى عمر بسكران فضربه أربعين فأنه يدل على أنه وان لم يكن في الخبر تنصيص على عدد معين ففيما اعتمده أبو بكر حجة على ذلك ويؤيده ما أخرجه مسلم من طريق حضير بمهملة وضاد معجمة مصغر بن المنذر أن عثمان أمر عليا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر فقال لعبد الله بن جعفر أجلده فجلده فلما بلغ أربعين قال أمسك جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين وجلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب الي فان فيه الجزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين وسائر الاخبار ليس فيها عدد إلا بعض الروايات الماضية عن أنس ففيها نحو الاربعين والجمع بينها أن عليا أطلق الاربعين فهو حجة على من ذكرها بلفظ التقريب وادعى الطحاوي أن رواية أبي ساسان هذه ضعيفة لمخالفتها الآثار المذكورة ولان راويها عبد الله بن فيروز المعروف بالداناج بنون وجيم ضعيف وتعقبه البيهقي بأنه حديث
[ 61 ]
صحيح مخرج في المسانيد والسنن وأن الترمذي سأل البخاري عنه فقواه وقد صححه مسلم وتلقاه الناس بالقبول وقال بن عبد البر أنه أثبت شئ في هذا الباب قال البيهقي وصحة الحديث انما تعرف بثقة رجاله وقد عرفهم حفاظ الحديث وقبلوهم وتضعيفه الداناج لا يقبل لان الجرح بعد ثبوت التعديل لا يقبل إلا مفسرا ومخالفة الراوي غيره في بعض ألفاظ الحديث لا تقتضي تضعيفه
ولا سيما مع ظهور الجمع قلت وثق الدانا المذكور أبو زرعة والنسائي وقد ثبت عن علي في هذه القصة من وجه آخر أنه جلد الوليد أربعين ثم ساقه من طريق هشام بن يوسف عن معمر وقال أخرجه البخاري وهو كما قال وقد تقدم في مناقب عثمان وأن بعض الرواة قال فيه إنه جلد ثمانين وذكرت ما قيل في ذلك هناك وطعن الطحاوي ومن تبعه في رواية أبي ساسان أيضا بأن عليا قال وهذا أحب الي أي جلد أربعين مع أن عليا جلد النجاشي الشاعر في خلافته ثمانين وبأن بن أبي شيبة أخرج من وجه آخر عن علي أن حد النبيذ ثمانون والجواب عن ذلك من وجهين أحدهما أنه لا تصح أسانيد شئ من ذلك عن علي والثاني على تقدير ثبوته فأنه يجوز أن ذلك يختلف بحال الشارب وأن حد الخمر لا ينقص عن الاربعين ولا يزاد على الثمانين والحجة انما هي في جزمه بأنه صلى الله عليه وسلم جلد أربعين وقد جمع الطحاوي بينهما بما أخرجه هو والطبري من طريق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أن علي جلد الوليد بسوط له طرفان وأخرج الطحاوي أيضا من طريق عروة مثله لكن قال له ذنبان أربعين جلدة في الخمر في زمن عثمان قال الطحاوي ففي هذه الحديث أن علي جلده ثمانين لان كل سوط سوطان وتعقب بأن السند الاول منقطع فان أبا جعفر ولد بعد موت علي بأكثر من عشرين سنة وبأن الثاني في سنده بن لهيعة وهو ضعيف وعروة لم يكن في الوقت المذكور مميزا وعلى تقدير ثبوته فليس في الطريقين أن الطرفين أصاباه في كل ضربة وقال البيهقي يحتمل أن يكون ضربه بالطرفين عشرين فأراد بالاربعين ما أجتمع من عشرين وعشرين ويوضح ذلك قوله في بقية الخبر وكل سنة وهذا أحب إلى لانه لا يقتضي التغاير والتأويل المذكور يقتضي أن يكون كل من الفريقين جلد ثمانين فلا يبقى هناك عدد يقع التفاضل فيه واما دعوة من زعم أن المراد بقوله هذا الاشارة إلى الثمانين فيلزم من ذلك أن يكون علي رجح ما فعل عمر على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهذا لا يظن به قاله البيهقي واستدل الطحاوي لضعف حديث أبي ساسان بما تقدم ذكره من قول علي إنه إذا سكر هذى الخ قال فلما اعتمد علي في ذلك على ضرب المثل واستخرج الحد بطريق الاستنباط دل على أنه لا توقيف عنده من الشارع في ذلك فيكون جزمه بأن النبي صلى الله عليه
وسلم جلد أربعين غلطا من الراوي إذ لو كان عنده الحديث المرفوع لم يعدل عنه إلى القياس ولو كان عند من بحضرته من الصحابة كعمر وسائر من ذكر في ذلك شئ مرفوع لانكروا عليه وتعقب بأنه إنما يتجه الانكار لو كان المنزع واحدا فاما مع الاختلاف فلا يتجه الانكار وبيان ذلك أن في سياق القصة ما يقتضي أنهم كانوا يعرفون أن الحد أربعون وانما تشاوروا في أمر يحصل به الارتداع يزيد على ما كان مقررا ويشير إلى ذلك ما وقع من التصريح في بعض طرقه أنهم احتقروا العقوبة وانهمكوا فاقتضى رأيهم أن يضيفوا إلى الحد المذكور قدره إما اجتهادا بناء على جواز دخول القياس في الحدود فيكون حدا أو استنبطوا من النص معنى يقتضي
[ 62 ]
الزيادة في الحد لا النقصان منه أو القدر الذي زادوه كان على سبيل التعزير تحذيرا وتخويفا لان من أحتقر العقوبة إذا عرف أنها غلظت في حقه كان أقرب إلى ارتداعه فيحتمل أن يكونوا ارتدعوا بذلك ورجع الامر إلى ما كان عليه قبل ذلك فرأى علي الرجوع إلى الحد المنصوص وأعرض عن الزيادة لانتفاء سببها ويحتمل أن يكون القدر الزائد كان عندهم خاصا بمن تمرد وظهرت منه امارات الاشتهار للفجور ويدل على ذلك أن في طرق حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عند الدارقطني وغيره فكان عمر إذا أتى بالرجل الضعيف تكون منه الزلة جلده أربعين قال وكذلك عثمان جلد أربعين وثمانين وقال المازري لو فهم الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم حد في الخمر حدا معينا لما قالوا فيه بالرأي كما لم يقولوا بالرأي في غيره فلعلهم فهموا أنه ضرب فيه باجتهاده في حق من ضربه انتهى وقد وقع التصريح بالحد المعلوم وجب المصير إليه ورجح القول بأن الذي اجتهدوا فيه زيادة على الحد انما هو التعزير على القول بأنهم اجتهدوا في الحد المعين لما يلزم منه من المخالفة التي ذكرها كما سبق تقريره وقد أخرج عبد عن بن جريج أنبأنا عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول كان الذي يشرب الخمر يضربونه بأيديهم ونعالهم فلما كان عمر فعل ذلك حتى خشي فجعله أربعين سوطا فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين سوطا وقال هذا أخف الحدود والجمع بين حديث علي المصرح بأن النبي صلى الله عليه
وسلم جلد أربعين وأنه سنة وبين حديثه المذكور في هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنه بأن يحمل النفي على أنه لم يحد الثمانين أي لم يسن شيئا زائدا على الاربعين ويؤيده قوله وانما هو شئ صنعناه نحن يشير إلى ما أشار به على عمر وعلى هذا فقوله لو مات لوديته أي في الاربعين الزائدة وبذلك جزم البيهقي وابن حزم ويحتمل أن يكون قوله لم يسنه أي الثمانين لقوله في الرواية الاخرى وانما هو شئ صنعناه فكأنه خاف من الذي صنعوه باجتهادهم أن لا يكون مطابقا واختص هو بذلك لكونه الذي كان أشار بذلك واستدل له ثم ظهر له أن الوقوف عندما كان الامر عليه أولا أولى فرجع إلى ترجيحه وأخبر بأنه لو أقام الحد ثمانين فمات المضروب وداه للعلة المذكورة ويحتمل أن يكون الضمير في قوله لم يسنه لصفة الضرب وكونها بسوط الجلد أي لم يسن جلد السوط وانما كان يضرب فيه بالنعال وغيرها مما تقدم ذكره أشار إلى ذلك البيهقي وقال بن حزم أيضا لو جاء من غير علي من الصحابة في حكم واحد أنه مسنون وأنه غير مسنون لوجب حمل أحدهما على غير ما حمل عليه الآخر فضلا عن علي مع سعة حلمه وقوة فهمه وإذا تعارض خبر عمير بن سعيد وخبر أبي ساسان فخبر أبي ساسان أولى بالقبول لانه مصرح فيه برفع الحديث عن علي وخبر عمير موقوف على علي وإذا تعارضا المرفوع والموقوف قدم المرفوع وأما دعوى ضعف سند أبي ساسان فمردودة والجمع أولى مهما أمكن من توهين الاخبار الصحيحة وعلى تقدير أن تكون إحدى الروايتين وهما فرواية الاثبات مقدمة على رواية النفي وقد ساعدتها رواية أنس على اختلاف ألفاظ النقلة عن قتادة وعلى تقدير أن يكون بينهما تمام التعارض فحديث أنس سالم من ذلك واستدل بصنيع عمر في جلد شارب الخمر ثمانين على أن حد الخمر ثمانون وهو قول الائمة الثلاثة وأحد القولين للشافعي واختاروه بن المنذر والقول الآخر للشافعي وهو الصحيح أنه أربعون قلت جاء عن أحمد كالمذهبين قال القاضي عياض أجمعوا على وجوب
[ 63 ]
الحد في الخمر وأختلفوا في تقديره فذهب الجمهور إلى الثمانين وقال الشافعي في المشهور عنه وأحمد في رواية وأبو ثور وداود أربعين وتبعه على نقل الاجماع بن دقيق العيد والنووي ومن
تبعهما وتعقب بأن الطبري وابن المنذر وغيرهما حكوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها وإنما فيها التعزير واستدلوا بأحاديث الباب فأنها ساكتة عن تعيين عدد الضرب واصرحها حديث أنس ولم يجزم فيه بالاربعين في أرجح الطرق عنه وقد قال عبد الرزاق أنبأنا بن جريج ومعمر سئل بن شهاب كم جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر فقال لم يكن فرض فيها حدا كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم حتى يقول لهم ارفعوا وورد أنه لم يضربه أصلا وذلك فيما أخرجه أبو داود والنسائي بسند قوي عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوقت في الخمر حدا قال بن عباس وشرب رجل فسكر فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما حاذى دار العباس انفلت فدخل على العباس فألتزمه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك ولم يأمر فيه بشئ وأخرج الطبري من وجه أخر عن بن عباس ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر إلا أخيرا ولقد حجرته من الليل سكران فقال ليقم إليه رجل فيأخذ بيده حتى يرده إلى رحله والجواب أن الاجماع انعقد بعد ذلك على وجوب الحد لان أبا بكر تحرى ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ضرب السكران فصيره حدا وأستمر عليه وكذا استمر من بعده وإن اختلفوا في العدد وجمع القرطبي بين الاخبار بأنه لم يكن أولا في شرب الخمر حد وعلى ذلك يحمل حديث بن عباس في الذي استجار بالعباس ثم شرع فيه التعزير على ما في سائر الاحاديث التي لا تقدير فيها ثم شرع الحد ولم يطلع أكثرهم على تعيينه صريحا مع اعتقادهم أن فيه الحد المعين ومن ثم توخى أبو بكر ما فعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فاستقر عليه الامر ثم رأى عمر ومن رافقه الزيادة على الاربعين إما حدا بطريق الاستنباط وإما تعزيرا قلت وبقي ما ورد في الحديث أنه إن شرب فحد ثلاث مرات ثم شرب قتل في الرابعة وفي رواية في الخامسة وهو حديث مخرج بالسنن من عدة طرق أسانيدها قوية ونقل الترمذي الاجماع على ترك القتل وهو محمول على من بعد من نقل غيره عنه قول به كعبد الله بن عمرو فيما أخرجه أحمد والحسن البصري وبعض أهل الظاهر وبالغ النووي فقال هو قول باطل مخالف لاجماع الصحابة فمن بعدهم والحديث أو أرد فيه منسوخ إما بحديث لا يحل دم امرئ مسلم إلا إحدى ثلاث وأما بأن
الاجماع دل على نسخه قلت بل دليل النسخ منصوص وهو ما أخرجه أبو داود من طريق الزهري عن قبيصة في هذه القصة قال فأتى برجل قد شرب فجلده ثم أتى به قد شرب فجلده ثم أتى به فجلده ثم أتى به فجلده فرفع القتل وكانت رخصة وسيأتي بسط ذلك في الباب الذي يليه واحتج من قال إن حده ثمانون بالاجماع في عهد عمر حيث وافقه على ذلك كبار الصحابة وتعقب بأن عليا أشار على عمر بذلك ثم رجع علي عن ذلك واقتصر على الاربعين لانها القدر الذي اتفقوا عليه في زمن أبي بكر مستندين إلى تقدير ما فعل في بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وأما الذي أشار به فقد تبين من سياق قصته أنه أشار بذلك ردعا للذين انهمكوا لان في بعض طرق القصة كما تقدم انهم احتقروا العقوبة وبهذا تمسك الشافعية فقالوا أقل ما في حد الخمر أربعون وتجوز الزيادة فيه إلى الثمانين على سبيل التعزير ولا يجاوز الثمانين واستندوا إلى أن التعزير إلى رأي الامام
[ 64 ]
فرأى عمر فعله بموافقة علي ثم رجع علي ووقف عند ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ووافقه عثمان على ذلك وأما قول علي وكل سنة فمعناه أن الاقتصار على الاربعين سنة النبي صلى الله عليه وسلم فصار إليه أبو بكر والوصول إلى الثمانين سنة عمر ردعا للشاربين الذين احتقروا العقوبة الاولى ووافقهم من ذكر في زمانه للمعنى الذي تقدم وسوغ لهم ذلك إما اعتقادهم جواز القياس في الحدود على رأي من يجعل الجميع حدا وإما أنهم جعلوا الزيادة تعزيرا بناء على جواز أن يبلغ بالتعزير قدر الحد ولعلهم لم يبلغهم الخبر الآتي في باب التعزير وقد تمسك بذلك من قال بجواز القياس في الحدود وادعى إجماع الصحابة وهي دعوى ضعيفة لقيام الاحتمال وقد شنع بن حزم على الحنفية في قولهم أن القياس لا يدخل في الحدود والكفارات مع جزم الطحاوي ومن وافقه منهم بأن حد الخمر وقع بالقياس على حد القذف وبه تمسك من قال بالجواز من المالكية والشافعية واحتج من منع ذلك بأن الحدود والكفارات شرعت بحسب المصالح وقد تشترك أشياء مختلفة وتختلف أشياء متساوية فلا سبيل إلى علم ذلك إلا بالنص وأجابوا عما وقع في زمن عمر بأنه لا يلزم من كونه جلد قدر حد القذف أن يكون جعل الجميع
حدا بل الذي فعلوه محمول على أنهم لم يبلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حد فيه أربعين إذ لو بلغهم لما جاوزوه كما لم يجاوزوا غيره من الحدود المنصوصة وقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يستنبط من النص معنى يعود عليه بالابطال فرجح أن الزيادة كانت تعزيرا ويؤيده ما أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث بسند صحيح عن أبي رافع عن عمر أتى بشارب فقال لمطيع بن الاسود إذا أصبحت غدا فاضربه فجاء عمر فوجده يضربه ضربا شديدا فقال كم ضربته قال ستين قال اقتص عنه بعشرين قال أبو عبيد يعني اجعل شدة ضربك له قصاصا بالعشرين التي بقيت من الثمانين قال أبو عبيد فيؤخد من هذا الحديث أن ضرب الشارب لا يكون شديدا وأن لا يضرب في حال السكر لقوله إذا أصبحت فأضربه قال البيهقي ويؤخذ منه أن الزيادة على الاربعين ليست بحد إذا لو كانت حدا لما جاز النقص منه بشدة الضرب إذ لا قائل به وقال صاحب المفهم ما ملخصه بعد أن ساق الاحاديث الماضية هذا كله يدل على أن الذي وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان أدبا وتعزيرا ولذلك قال علي فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنه فلذلك ساغ للصحابة الاجتهاد فيه فألحقوه بأخف الحدود وهذا قول طائفة من علمائنا ويرد عليهم قول على جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين وكذا وقوع الاربعين في عهد أبي بكر وفي خلافة عمر أولا أيضا ثم في خلافة عثمان فلولا أنه حد لاختلف التقدير قيام الاجماع على أن في الخمر الحد وإن وقع الاختلاف في الاربعين والثمانين قال والجواب أن النقل عن الصحابة اختلف في التحديد والتقدير ولا بد من الجمع بين مختلف أقوالهم وطريقه أنهم فهموا أن الذي وقع في زمنه صلى الله عليه وسلم كان أدبا من أصل ما شاهدوه من اختلاف الحال فلما كثر الاقدام على الشرب ألحقوه بأخف الحدود المذكورة في القرآن وقوى ذلك عندهم وجود الافتراء من السكر فأثبتوها حدا ولهذا أطلق على أن عمر جلد ثمانين وهى سنة ثم ظهر لعلي أن الاقتصار على الاربعين أولى مخافة أن يموت فتجب فيه الدية ومراده بذلك الثمانون وبهذا يجمع بين قوله لم يسنه وبين تصريحه بأنه صلى الله عليه وسلم جلد أربعين قال وغاية هذا البحث أن الضرب في الخمر
[ 65 ]
تعزير يمنع من الزيادة على غايته وهي مختلف فيها قال وحاصل ما وقع من استنباط الصحابة أنهم أقاموا السكر مقام القذف لانه لا يخلو عنه غالبا فأعطوه حكمه وهو من أقوى حجج القائلين بالقياس فقد اشتهرت هذه القصة ولم ينكرها في ذلك الزمان منكر قال وقد اعترض بعض أهل النظر بأنه إن ساغ إلحاق حد السكر لحد القذف فليحكم له بحكم الزنا والقتل لانهما مظنته وليقتصروا في الثمانين على من سكر لا على من اقتصر على الشرب ولم يسكر قال وجوابه أن المظنة موجودة غالبا في القذف نادرة في الزنا والقتل والوجود يحقق ذلك وانما أقاموا الحد على الشارب وان لم يسكر مبالغة في الردع لان القليل يدعو إلى الكثير والكثير يسكر غالبا وهو المظنة ويؤيده أنه اتفقوا على إقامة الحد في الزنا بمجرد الايلاج وان لم يتلذذ ولا أنزل ولا أكمل قلت والذي تحصل لنا من الآراء في حد الخمر ستة أقوال الاول أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل فيها حدا معلوما بل كان يقتصر في ضرب الشارب على ما يليق به قال بن المنذر قال بعض أهل العلم أتى النبي صلى الله عليه وسلم بسكران فأمرهم بضربه وتبكيته فدل على أن لا حد في السكر بل فيه التنكيل والتبكيت ولو كان ذلك على سبيل الحد لبينه بيانا واضحا قال فلما كثر الشراب في عهد عمر استشار الصحابة ولو كان عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم شئ محدود لما تجاوزوه كما لم يتجاوزوا حد القذف ولو كثر القاذفون وبالغوا في الفحش فلما اقتضى رأيهم أن يجعلوه كحد القذف واستدل علي بما ذكر من أن في تعاطيه ما يؤدي إلى وجود القذف غالبا أو إلى ما يشبه القذف ثم رجع إلى الوقوف عند تقدير ما وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم دل على صحة ما قلناه لان الروايات في التحديد بأربعين اختلفت عن أنس وكذا عن علي فالاولى أن لا يتجاوز أقل ما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم ضربه لانه المحقق سواء كان ذلك حدا أو تعزيرا الثاني أن أن الحد فيه أربعون ولا تجوز الزيادة عليها الثالث مثله لكن للامام أن يبلغ به ثمانين وهل تكون الزيادة من تمام الحد أو تعزيرا قولان الرابع أنه ثمانون ولا تجوز الزيادة عليه الخامس كذلك وتجوز الزيادة تعزيرا وعلى الاقوال كلها هل يتعين الجلد بالسوط أو يتعين بما عداه أو يجوز بكل من ذلك أقوال السادس إن شرب فجلد ثلاث مرات فعاد
الرابعة وجب قتله وقيل أن شرب أربعا فعاد الخامسة وجب قتله وهذا السادس في الطرف الابعد من القول الاول وكلاهما شاذ وأظن الاول رأي البخاري فإنه لم يترجم بالعدد أصلا ولا أخرج هنا في العدد الصريح شيئا مرفوعا وتمسك من قال لا يزاد على الاربعين بأن أبا بكر تحرى ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فوجده أربعين فعمل به ولا يعلم له في زمنه مخالف فان كان السكوت إجماعا فهذا الاجماع سابق على ما وقع في عهد عمر والتمسك به أولى لان مستنده فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن ثم رجع إليه علي ففعله في زمن عثمان بحضرته وبحضرة من كان عنده من الصحابة منهم عبد الله بن جعفر الذي باشر ذلك والحسن بن علي فان كان السكوت إجماعا فهذا هو الاخير فينبغي ترجيحه وتمسك من قال بجواز بما صنع في عهد عمر من الزيادة ومنهم من أجاب عن الاربعين بأن المضروب كان عبدا وهو بعيد فاحتمل الامرين أن يكون حدا أو تعزيرا وتمسك من قال بجواز الزيادة على الثمانين تعزيرا بما تقدم في الصيام أن عمر حد الشارب في رمضان ثم نفاه إلى الشام وبما أخرجه بن أبي شيبة أن عليا جلد النجاشي الشاعر
[ 66 ]
ثمانين ثم أصبح فجلده عشرين بجراءته بالشرب في رمضان وسيأتي الكلام في جواز الجمع بين الحد والتعزير في الكلام على تغريب الزاني ان شاء الله تعالى وتمسك من قال يقتل في الرابعة أو الخامسة بما سأذكره في الباب الذي بعده ان شاء الله تعالى وقد استقر الاجماع على ثبوت حد الخمر وأن لا قتل فيه واستمر الاختلاف في الاربعين والثمانين وذلك خاص بالحر المسلم وأما الذمي فلا يحد فيه وعن أحمد رواية أنه يحد وعنه إن سكر والصحيح عندهم كالجمهور وأما من هو في الرق فهو على النصف من ذلك إلا عند أبي ثور وأكثر أهل الظاهر فقالوا الحر والعبد في ذلك سواء لا ينقص عن الاربعين نقله بن عبد البر وغيره عنهم وخالفهم بن حزم فوافق الجمهور قوله باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج من الملة يشير إلى طريق الجمع بين ما تضمنه حديث الباب من النهي عن لعنه وما تضمنه حديث الباب الاول لا يشرب الخمر وهو مؤمن وأن المراد به نفي كان الايمان لا أنه يخرج عن الايمان جملة
وعبر بالكراهة هنا إشارة إلى أن النهي للتنزيه في حق من يستحق اللعن إذا قصد به اللاعن محض السب لا إذا قصد معناه الاصلي وهو الابعاد عن رحمة الله فأما إذا قصده فيحرم ولا سيما في حق من لا يستحق اللعن كهذا الذي يحب الله ورسوله ولا سيما مع إقامة الحد عليه بل يندب الدعاء له بالتوبة والمعفرة كما تقدم تقريره في الباب الذي قبله في الكلام على حديث أبي هريرة ثاني حديثي الباب وبسبب هذا التفصيل عدل عن قوله في الترجمة كراهية لعن شارب الخمر إلى قوله ما يكره من فأشار بذلك إلى التفصيل وعلى هذا التقرير فلا حجة فيه لمنع لعن الفاسق المعين مطلقا وقيل أن المنع خاص بما يقع في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يتوهم الشارب عند عدم الانكار أنه مستحق لذلك فربما أوقع الشيطان في قلبه ما يتمكن به من فتنه والى ذلك الاشارة بقوله في حديث أبي هريرة لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم وقيل المنع مطلقا في حق من أقيم عليه الحد لان الحد قد كفر عنه الذنب المذكور وقيل المنع مطلقا في حق ذي الزلة والجواز مطلقا في حق المجاهرين وصوب بن المنير أن المنع مطلقا في حق المعين والجواز في حق غير المعين لانه في حق غير المعين زج عن تعاطي ذلك الفعل وفي حق المعين أذى له وسب وقد ثبت النهي عن أذى المسلم واحتج من أجاز لعن المعين بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما لعن من يستحق اللعن فيستوي المعين وغيره وتعقب بأنه إنما يستحق اللعن بوصف الابهام ولو كان لعنه قبل الحد جائزا لاستمر بعد الحد كما لا يسقط التغريب بالجلد وأيضا فنصيب غير المعين من ذلك يسير جدا والله اعلم قال النووي في الاذكار وأما الدعاء على انسان بعينه ممن اتصف بشئ من المعاصي فظاهر الحديث أنه لا يحرم وأشار الغزالي إلى تحريمه وقال في باب الدعاء على الظلمة بعد أن أورد أحاديث صحيحة في الجواز قال الغزالي وفي معنى اللعن الدعاء على الانسان بالسوء حتى على الظالم مثل لا أصح الله جسمه وكل ذلك مذموم انتهى والاولى حمل كلام الغزالي على الاول وأما الاحاديث فتدل على الجواز كما ذكره النووي في قوله صلى الله عليه وسلم الذي قال كل بيمينك فقال لا أستطيع فقال لا استطعت فيه دليل على جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعي ومال هنا إلى الجواز قبل إقامة الحد والمنع بعد إقامته وصنيع البخاري يقتضي لعن المتصف
بذلك من غير أن يعين باسمه فيجمع بين المصلحتين لان لعن المعين والدعاء عليه قد يحمله على
[ 67 ]
التمادي أو يقنطه من قبول التوبة بخلاف ما إذا صرف ذلك إلى المتصف فان فيه زجرا وردعا عن ارتكاب ذلك وباعثا لفاعله على الاقلاع عنه ويقويه النهي عن التئزيب على الامة إذا جلدت على الزنا كما سيأتي قريبا واحتج شيخنا الامام البلقيني على جواز لعن المعين بالحديث الوارد في المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح وهو في الصحيح وقد توقف فيه بعض من لقيناه بأن اللاعن لها الملائكة فيتوقف الاستدلال به على جواز التأسي بهم وعلى التسليم فليس في الخبر تسميتها والذي قاله شيخنا أقوى فأن الملك معصوم والتأسي بالمعصوم مشروع والبحث في جواز لعن المعين وهو الموجود قوله أن رجلا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا ذكر الواقدي في غزوة خيبر من مغازيه عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال ووجد في حصن الصعب بن معاذ فذكر ما وجد من الثياب وغيرها إلى أن قال وزقاق خمر فأريقت وشرب يومئذ من تلك الخمر رجل يقال له عبد الله الحمار وهو باسم الحيوان المشهور وقد وقع في حديث الباب أن الاول اسمه والثاني لقبه وجوز بن عبد البر أنه بن النعيمان المبهم في حديث عقبة بن الحارث فقال في ترجمة النعيمان كان رجلا صالحا وكان له بن انهمك في الشراب فجلده النبي صلى الله عليه وسلم فعلى هذا يكون كل من النعيمان وولده عبد الله جلد في الشرب وقوى هذا عنده بما أخرجه الزبير بن بكار في الفاكهة من حديث محمد بن عمرو بن حزم قال كان بالمدينة رجل يصيب الشراب فكان يؤتي به النبي صلى الله عليه وسلم فيضربه بنعله ويأمر أصحابه فيضربونه بنعالهم ويحثون عليه التراب فلما كثر ذلك منه قال له رجل لعنك الله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعل فإنه يحب الله ورسوله وحديث عقبة اختلف ألفاظ ناقليه هل الشارب النعيمان أو بن النعيمان والراجح النعيمان فهو غير المذكور هنا لان قصة عبد الله كانت في خيبر فهي سابقة على قصة النعيمان فأن عقبة بن الحارث من مسلمة الفتح والفتح كان بعد خيبر بنحو من عشرين شهرا والاشبه أنه المذكور في حديث
عبد الرحمن بن أزهر لان عقبة بن الحارث ممن شهدها من مسلمة الفتح لكن في حديثه أن النعيمان ضرب في البيت وفي حديث عبد الرحمن بن أزهر أنه أتى به والنبي صلى الله عليه وسلم عند رحل خالد بن الوليد ويمكن الجمع بأنه أطلق على رحل خالد بيتا فكأنه كان بيتا من شعر فأن كان كذلك فهو الذي في حديث أبي هريرة لان في كل منهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه بكتوه كما تقدم قوله وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يقول بحضرته أو يفعل ما يضحك منه وقد أخرج أبو يعلى من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم بسند الباب ان رجلا كان يلقب حمارا وكان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم العكة من السمن والعسل فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أعط هذا متاعه فما يزيد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبسم ويأمر به فيعطى ووقع في حديث محمد بن عمرو بن حزم بعد قوله يحب الله ورسوله قال وكان لا يدخل إلى المدينة طرفة إلا اشترى منها ثم جاء فقال يا رسول الله هذا أهديته لك فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه جاء به فقال أعط هذا الثمن فيقول ألم تهده الي فيقول ليس عندي فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه وهذا مما يقوي أن صاحب الترجمة والنعيمان واحد والله أعلم قوله قد جلد في الشراب أي بسبب شربه الشراب المسكر وكان فيه مضمرة أي كان قد جلد ووقع
[ 68 ]
في رواية معمر عن زيد بن أسلم بسنده هذا عند عبد الرزاق أتي برجل قد شرب الخمر فحد ثم أتى به فحد ثم أتى به فحد ثم أتى به فحد أربع مرات قوله فأتى به يوما فذكر سفيان اليوم الذي أتى به فيه والشراب الذي شربه من عند الواقدي ووقع في روايته وكان قد أتى به في الخمر مرارا قوله فأمر به فجلد في رواية الواقدي فأمر به فخفق بالنعال وعلى هذا فقوله فجلد أي ضرب ضربا أصاب جلده وقد يؤخذ منه أنه المذكور في حديث أنس في الباب الاول قوله قال رجل من القوم لم أرى هذا الرجل مسمى وقد وقع في رواية معمر المذكورة فقال رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم رأيته مسمى في رواية الواقدي فعنده فقال عمر قوله ما أكثر ما يؤتى به في رواية الواقدي ما يضرب وفي رواية معمر ما أكثر ما يشرب وما أكثر ما يجلد قوله لا تلعنوه في رواية
الواقدي لا تفعل يا عمر وهذا قد يتمسك به من يدعي اتحاد القصتين وهو بعيد لما بينته من اختلاف الوقتين ويمكن الجمع بأن ذلك وقع للنعيمان ولابن النعيمان وأن اسمه عبد الله ولقبه حمار والله أعلم قوله فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله كذا للاكثر بكسر الهمزة ويجوز على رواية بن السكن الفتح والكسر وقال بعضهم الرواية بفتح الهمزة على أن ما نافية يحيل المعنى إلى ضده وأغرب بعض شراح المصابيح فقال ما موصولة وان مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي علمت لكونه مشتملا على المنسوب والمنسوب إليه والضمير في أنه يعود إلى الموصول والموصول مع صلته خبر مبتدأ محذوف تقديره هو الذي علمت والجملة في جواب القسم قال الطيبي وفيه تعسف وقال صاحب المطالع ما موصولة وإنه بكسر الهمزة مبتدأ وقيل بفتحها وهو مفعول علمت قال الطيبي فعلى هذا علمت بمعنى عرفت وانه خبر الموصول وقال أبو البقاء في إعراب الجمع ما زائدة أي فو الله علمت أنه والهمزة على هذا مفتوحة قال ويحتمل أن يكون المفعول محذوفا أي ما علمت عليه أو فيه سوءا ثم أستأنف فقال انه يحب الله ورسوله ونقل عن رواية بن السكن أن التاء بالفتح للخطاب تقريرا ويصح على هذا كسر الهمزة وفتحها والكسر على جواب القسم والفتح معمول علمت وقيل ما زائدة للتأكيد والتقدير لقد علمت قلت وقد حطى في المطالع أن في بعض الروايات فوالله لقد علمت وعلى هذا فالهمزة مفتوحة ويحتمل أن تكون ما مصدرية وكسرت إن لانها جواب القسم قال الطيبي وجعل ما نافية أظهر لاقتضاء القسم أن يلتقي بحرف النفي وبان وباللام بخلاف الموصولة ولان الجملة القسمية جئ بها مؤكدة لمعنى النفي مقررة للانكار ويؤيده أنه وقع في شرح السنة فوالله ما علمت إلا أنه قال فمعنى الحصر في هذه الرواية بمنزلة تاء الخطاب في الرواية الاخرى لارادة مزيد الانكار على المخاطب قلت وقد وقع في رواية أبي ذر عن الكشميهني مثل ما عزاه لشرح السنة ووقع في رواية الاسماعيلي من طريق أبي زرعة الرازي عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه فوالله ما علمت أنه ليحب الله ورسوله ويصح معه أن تكون ما زائدة وأن تكون ظرفية أي مدة على ووقع في رواية معمر والواقدي فإنه يحب الله ورسوله كذا في رواية محمد بن عمرو بن حزم ولا إشكال فيها لانها جاءت تعليلا لقوله لا تفعل يا عمر
والله أعلم وفي هذا الحديث من الفوائد جواز التلقيب وقد تقدم القول فيه في كتاب الادب وهو محمول هنا على أنه كان لا يكرهه أو أنه ذكر به على سبيل التعريف لكثرة من كان يسمى بعبد الله أو أنه لما تكرر منه الاقدام على الفعل المذكور نسب إلى البلا فأطلق عليه اسم من يتصف بها
[ 69 ]
ليرتدع بذلك وفيه الرد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر لثبوت النهي عن لعنه والامر بالدعاء له وفيه أن لا تنافي بين ارتكاب النهي وثبوت محبة الله ورسوله في قلب المرتكب لانه صلى الله عليه وسلم أخبر بأن المذكور يحب الله ورسوله مع وجود ما صدر منه وأن من تكررت منه المعصية لا تنزع منه محبة الله ورسوله ويؤخذ منه تأكيدا ما تقدم أن نفي الايمان عن شارب الخمر لا يراد به زواله بالكلية بل نفي كماله كما تقدم ويحتمل أن يكون استمرار ثبوت محبة الله ورسوله في قلب العاصي مقيدا بما إذا ندم على وقوع المعصية وأقيم عليه الحد فكفر عن الذنب المذكور بخلاف من لم يقع منه ذلك فأنه يخشى عليه بتكرار الذنب أن يطبع على قلبه شئ حتى يسلب منه ذلك نسأل الله العفو والعافية وفيه ما يدل على نسخ الامر الوارد بقتل شارب الخمر إذا تكرر منه إلى الرابعة أو الخامسة فقد ذكر بن عبد البر أنه أتى به أكثر من خمسين مرة والامر منسوخ أخرجه الشافعي في رواية حرملة عنه وأبو داود وأحمد والنسائي والدارمي وابن المنذر وصححه بن حبان كلهم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رفعه إذا سكر فاجلدوه ثم إذا سكر فاجلدوه ثم إذا سكر فأجلدوه ثم إذا سكر فاقتلوه ولبعضهم فاضربوا عنقه وله من طريق أخرى عن أبي هريرة أخرجها عبد الرزاق وأحمد والترمذي تعليقا والنسائي كلهم من رواية سهيل من أبي صالح عن أبيه عنه بلفظ إذا شربوا فاجلدوهم ثلاثا فإذا شربوا الرابعة فاقتلوهم وروى عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح فقال أبو بكر بن عياش عنه عن أبي صالح عن أبي سعيد كذا أخرجه بن حبان من رواية عثمان بن أبي شيبة عن أبي بكر وأخرجه الترمذي عن أبي كريب عنه فقال عن معاوية بدل أبي سعيد وهو المحفوظ وكذا أخرجه أبو داود من رواية أبان العطار عنه وتابعه الثوري وشيبان بن عبد الرحمن وغيرهما عن عاصم ولفظ الثوري عن عاصم ثم إن
شرب الرابعة فاضربوا عنقه ووقع في رواية أبان عند أبي داود ثم إن شربوا فاجلدوهم ثلاث مرات بعد الاولى ثم قال ان شربوا فاقتلوهم ثم ساقه أبو داود من طريق حميد بن يزيد عن نافع عن بن عمر قال وأحسبه قال في الخامسة ثم ان شربها فاقتلوه قال وكذا في حديث عطيف في الخامسة قال أبو داود وفي رواية عمر بن أبي سلمة عن أبيه وسهيل بن أبي صالح عن أبيه كلاهما عن أبي هريرة في الرابعة وكذا في رواية بن أبي نعيم عن بن عمر وكذا في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص والشريد وفي رواية معاوية فان عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه وقال الترمذي بعد تخريجه وفي الباب عن أبي هريرة والشريد والشرحبيل بم أوس وأبي الرمداء وجرير وعبد الله بن عمرو قلت وقد ذكرت حديث أبي هريرة وأما حديث الشريد وهو بن أوس الثقفي فأخرجه أحمد والدارمي والطبراني وصححه الحاكم بلفظ إذا شرب فاضربوه وقال في آخره ثم ان عاد الرابعة فاقتلوه وأما حديث شرحبيل وهو الكندي فأخرجه أحمد والحاكم والطبراني وابن مندة في المعرفة ورواته ثقات نحو رواية الذي قبله وصححه الحاكم من وجه آخر وأما حديث أبي الرمداء وهو بفتح الراء وسكون الميم بعدها دال مهملة وبالمد وقيل بموحدة ثم ذال معجمة وهو يدري نزل مصر فأخرجه الطبراني وابن مندة وفي سنده بن لهيعة وفي سياق حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالذي شرب الخمر في الرابعة أن تضرب عنقه فضربت فأفاد أن ذلك عمل به قبل النسخ فان ثبت كان فيه رد على من زعم أنه لم يعمل به وأما حديث جرير فأخرجه الطبراني والحاكم ولفظه
[ 70 ]
من شرب الخمر فاجلدوه وقال فيه فان عاد في الرابعة فاقتلوه وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فأخرج أحمد والحاكم من وجهين عنه وفي كل منهما مقال ففي رواية شهر بن حوشب عنه فان شربها الرابعة فاقتلوه قلت ورويناه عن أبي سعيد أيضا كما تقدم وعن بن عمر وأخرجه النسائي والحاكم من رواية عبد الرحمن بن أبي نعيم عن بن عمر ونفر من الصحابة بنحوه وأخرجه الطبراني موصولا من طريق عياض بن عطيف عن أبيه وفيه في الخامسة كما أشار إليه أبي داود وأخرجه الترمذي تعليقا والبزار والشافعي والنسائي والحاكم موصولا من رواية محمد
بن المنكدر عن جابر وأخرجه البيهقي والخطيب في المبهمات من وجهين أخرين عن بن المنكدر وفي رواية الخطيب جلد وللحاكم من طريق يزيد بن أبي كبشة سمعت رجلا من الصحابة يحدث عبد الملك بن مروان رفعه بنحوه ثم أن عاد في الرابعة فاقتلوه وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن بن المنكدر مرسلا وفيه أتى بابن النعيمان بعد الرابعة وأبو داود من رواية الزهري عن قبيصة بن ذؤيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرب الخمر فاجلدوه إلى ان قال ثم إذا شرب في الرابعة فاقتلوه قال فأتي برجل قد شرب فجلده ثم أتي به قد شرب فجلده ثم أتى به وقد شرب فجلده ثم أتي به في الرابعة قد شرب فجلده فرفع القتل عن الناس وكانت رخصة وعلقه الترمذي فقال روى الزهري وأخرجه الخطيب في المبهمات من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري وقال فيه فأتي برجل من الانصار يقال له نعيمان فضربه أربع مرات فرأى المسلمون أن القتل قد أخر وأن الضرب قد وجب وقبيصة بن ذؤيب من أولاد الصحابة وولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه ورجال هذا الحديث ثقات مع إرساله لكنه أعل بما أخرجه الطحاوي من طريق الاوزاعي عن الزهري قال بلغني عن قبيصة ويعارض ذلك رواية بن وهب عن يونس عن الزهري أن قبيصة حدثه أنه بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أصح لان يونس أحفظ لرواية الزهري من الاوزاعي والظاهر أن الذي بلغ قبيصة ذلك صحابي فيكون الحديث على شرط الصحيح لان إبهام الصحابي لا يضر وله شاهد أخرجه عبد الرزاق عن معمر قال حدثت به بن المنكدر فقال ترك ذلك قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن نعيمان فجلده ثلاثا ثم أتي به في الرابعة فجلده ولم يزد ووقع عند النسائي من طريق محمد بن إسحاق عن بن المنكدر عن جابر فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل منا قد شرب في الرابعة فلم يقتله وأخرجه من وجه آخر عن محمد بن إسحاق بلفظ فان عاد الرابعة فاضربوا عنقه فضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مرات فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وأن القتل قد رفع قال الشافعي بعد تخريجه هذا ما لا اختلاف فيه بين أهل العلم علمته وذكره أيضا عن أبي الزبير مرسلا وقال أحاديث القتل منسوخة وأخرجه أيضا من رواية بن أبي ذئب حدثني بن شهاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم
بشارب فجلده ولم يضرب عنقه وقال الترمذي لا نعلم بين أهل العلم في هذا اختلافا في القديم والحديث قال وسمعت محمدا يقول حديث معاوية في هذا أصح وانما كان هذا في أول الامر ثم نسخ بعد وقال في العلل آخر الكتاب جميع ما في هذا الكتاب قد عمل به أهل العلم إلا هذا الحديث وحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر وتعقبه النووي فسلم قوله في حديث الباب دون الآخر
[ 71 ]
ومال الخطابي إلى تأويل الحديث في الامر بالقتل فقال قد يرد الامر بالوعيد ولا يراد به وقوع الفعل وانما قصد به الردع والتحذير ثم قال ويحتمل أن يكون القتل في الخامسة كان واجبا ثم نسخ بحصول الاجماع من الامة على أنه لا يقتل وأما بن المنذر فقال كان العمل فيمن شرب الخمر أن يضرب وينكل به ثم نسخ بالامر بجلده فان تكرر ذلك أربعا قتل ثم نسخ ذلك بالاخبار الثابتة وباجماع أهل العلم إلا من شذ ممن لا يعد خلافه خلافا قلت وكأنه أشار إلى بعض أهل الظاهر فقد نقل عن بعضهم واستمر عليه بن حزم منهم واحتج له وادعى أن لا إجماع وأورد من مسند الحارث بن أبي أسامة ما أخرجه هو والامام من طريق الحسن البصري عن عبد الله بن عمرو وأنه قال ائتوني برجل أقيم عليه الحد يعني ثلاثا ثم سكر فان لم اقتله فأنا كذاب وهذا منقطع لان الحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو وكما جزم به بن المديني وغيره فلا حجة فيه وإذا لم يصح هذا عن عبد الله بن عمرو لم يبق لمن رد الاجماع على ترك القتل متمسك حتى ولو ثبت عن عبد الله بن عمرو لكان عذره أنه لم يبلغه النسخ وعد ذلك نزره المخالف وقد جاء عن عبد الله بن عمرو أشد من الاول فأخرج سعيد بن منصور عنه بسند لين قال لو رأيت أحدا يشرب الخمر واستطعت أن أقتله لقتلته وأما قول بعض من انتصر لابن حزم فطعن في النسخ بأن معاوية انما أسلم بعد الفتح وليس في شئ من أحاديث غيره الدالة على نسخه التصريح بأن ذلك متأخر عنه وجوابه أن معاوية أسلم قبل الفتح وقيل في الفتح وقصة بن النعيمان كانت بعد ذلك لان عقبة بن الحارث حضرها إما بحنين وإما بالمدينة وهو انما أسلم في الفتح وحنين وحضور عقبة إلى المدينة كان بعد الفتح جزما فثبت ما نفاه هذا القائل وقد عمل بالناسخ بعض الصحابة فأخرج عبد الرزاق في مصنفه بسند لين عن عمر
بن الحطاب أنه جلد أبا محجن الثقفي في الخمر ثمان مرار وأورد نحو ذلك عن سعيد بن أبي وقاص وأخرج حماد بن سلمة في مصنفه من طريق أخرى رجالها ثقات أن عمر جلد أبا محجن في الخمر أربع مرار ثم قال له أنت خليع فقال أما إذ خلعتني فلا أشربها أبدا قوله حدثنا علي بن عبد الله بن جعفر هو المعروف بابن المديني قوله أتى النبي صلى الله عليه وسلم بسكران فأمر بضربه وقع في رواية المستملي فقام ليضربه وهو تصحيف فقد تقدم الحديث في الباب الذي قبله من وجه أخر عن أبي ضمرة على الصواب بلفظ فقال اضربوه قال القرطبي ظاهره يقتضي أن السكر بمجرده موجب للحد لان الفاء للتعليل كقوله سهى فسجد ولم يفصل هل سكر من ماء عنب أو غيره ولا هل شرب قليلا أو كثيرا ففيه حجة للجمهور على الكوفيين في التفرقة وقد مضى بيان ذلك في الاشربة قوله باب السارق حين يسرق ذكر فيه حديث بن عباس نحو حديث أبي هريرة الماضي في أول الحدود مقتصرا فيه على الزنا والسرقة ولابي ذر مولا يسرق السارق وسقط لفظ السارق من رواية غيره وكذا أخرجه الاسماعيلي من رواية عمرو بن علي شيخ البخاري فيه وأخرجه أيضا من طريق إسحاق بن يوسف الازرق عن الفضل بن غزوان بسنده في ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يقتل وهو مؤمن قال عكرمة قلت لابن عباس كيف ينتزع منه الايمان قال هكذا فان تاب راجعه الايمان وقد تقدم بسط هذا في أول كتاب الحدود قوله لعن السارق إذا لم يسم أي إذا لم يعين إشارة إلى الجمع بين النهي عن لعن الشارب المعين كما مضى تقريره وبين حديث الباب قال بن بطال معناه لا ينبغي تعيين أهل المعاصي ومواجهتهم باللعن
[ 72 ]
وإنما بنبغي أن يلعن في الجملة من فعل ذلك ليكون ردعا لهم وزجرا عن انتهاك شئ منها ولا يكون لمعين لئلا يقنط قال فان كان هذا مراد البخاري فهو غير صحيح لانه إنما نهى عن لعن الشارب وقال لا تعينوا عليه الشيطان بعد إقامة الحد عليه قلت وقد تقدم تقرير ذلك قريبا وقال الداودي قوله في هذا الحديث لعن الله السارق يحتمل أن يكون خبرا ليرتدع من سمعه عن السرقة ويحتمل أن يكون دعاء قلت ويحتمل أن لا يراد به حقيقة اللعن بل للتنفير فقط وقال الطيبي
لعل هنا المراد باللعن الاهانة والخذلان كأنه قيل لما استعمل أعز شئ في أحقر شئ خذله الله حتى قطع وقال عياض جوز بعضهم لعن المعين ما لم يحد لان الحد كفارة قال وليس هذا بسديد لثبوت النهي عن اللعن في الجملة فحمله على المعين أولى وقد قيل إن لعن النبي صلى الله عليه وسلم لاهل المعاصي كان تحذيرا لهم عنها قبل وقوعها فإذا فعلوها استغفر لهم ودعا لهم بالتوبة وأما من أغلظ له ولعنه تأديبا على فعل فعله فقد دخل في عموم شرطه حيث قال سألت ربي أن يجعل لعني له كفارة ورحمة قلت وقد تقدم الكلام عليه فيما مضى وبينت هناك أنه مقيد بما إذا صدر في حق من ليس له بأهل كما قيد له بذلك في صحيح مسلم قوله عن أبي هريرة في رواية محمد بن الحسين عن أبي الحنين عن عمر بن حفص شيخ البخاري فيه سمعت أبا هريرة وكذا في رواية عبد الواحد بن زياد عن الاعمش عن أبي صالح سمعت أبي هريرة وسيأتي بعد سبعة أبواب في باب توبة السارق وقال بن حزم وقد سلم من تدليس الاعمش قلت ولم ينفرد به الاعمش أخرجه أبو عوانة في صحيحه من رواية أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح قوله لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده في رواية عيسى بن يونس عن الاعمش عند مسلم والاسماعيلي ان سرق بيضة قطعت يده وان سرق حبلا قطعت يده قوله قال الاعمش هو موصول بالاسناد المذكور قوله كانوا يرون بفتح أوله من الرأي وبضمه من الظن قوله أنه بيض الحديد في رواية الكشميهني بيضة الحديد قوله والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوي دراهم وقع لغير أبي ذر يسوى وقد أنكر بعضهم صحتها والحق أنها جائزة لكن بقلة قال الخطابي تأويل الاعمش هذا غير مطابق لمذهب الحديث ومخرج الكلام فيه وذلك أنه ليس بالشائع في الكلام أن يقال في مثل ما ورد فيه الحديث من اللوم والتثريب أخزى الله فلانا عرض نفسه للتلف في مال له قدر ومزية وفي عرض له قيمة انما يضرب المثل في مثله بالشئ الذي لا وزن له ولا قيمة هذا حكم العرف الجاري في مثله وانما وجه الحديث وتأويله ذم السرقة وتهجين أمرها وتحذير سوء مغبتها فيما قل وكثر من المال كأنه يقول ان سرقة الشئ اليسير الذي لا قيمة له كالبيضة المذرة والحبل الحاق الذي لا قيمة له إذا تعاطاه فاستمرت به العادة لم ييأس أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقها حتى يبلغ قدر ما تقطع فيه اليد فتقطع
يده كأنه يقول فليحذر هذا الفعل وليتوقه قبل أن تملكه العادة ويمرن عليها ليسلم من سوء مغبته ووخيم عاقبته قلت وسبق الخطابي إلى ذلك أبو محمد بن قتيبة فيما حكاه بن بطال فقال احتج الخوارج بهذا الحديث على أن القطع يجب في قليل الاشياء وكثيرها ولا حجة لهم فيه وذلك أن الآية لما نزلت قال عليه والسلام ذلك على ظاهر ما نزل ثم أعلمه الله أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار فكان بيانا لما أجمل فوجب المصير إليه قال وأما قول الاعمش أن البيضة في هذا الحديث بيضة الحديد التي تجعل في الرأس في الحرب وأن الحبل من حبال السفن فهذا تأويل
[ 73 ]
بعيد لا يجوز عند من يعرف صحيح كلام العرب لان كل واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة وهذا ليس موضع تكثير لما سرقه السارق ولان من عادة العرب والعجم أن يقولوا قبح الله فلانا عرض نفسه للضرب في عقد جوهر وتعرض للعقوبة بالغلول في جراب مسك وانما العادة في مثل هذا أن يقال لعنه الله تعرض لقطع اليد في حبل رث أو في كبة شعر أو رداء خلق وكل ما كان نحو ذلك كان أبلغ انتهى ورأيته في غريب الحديث لابن قتيبة وفيه حضرت يحيى بن أكثم بمكة قال فرأيته يذهب إلى هذا التأويل ويعجب به ويبدئ ويعيد قال وهذا لا يجوز فذكره وقد تعقبه أبو بكر بن الانباري فقال ليس الذي طعن به بن قتيبة على تأويل الخبر بشئ لان البيضة من السلاح ليست علما في كثرة الثمن ونهاية في غلو القيمة فتجري مجرى العقد من الجوهر والجراب من المسك اللذين ربما يتساويان الالوف من الدنانير بل البيضة من الحديد ربما اشتريت بأقل مما يجب فيه القطع وانما مراد الحديث أن السارق يعرض قطع يده بما لا غنى له به لان البيضة من السلاح لا يستغني بها أحد وحاصله أن المراد بالخبر أن السارق يسرق الجليل وقال المازري تأول بعض الناس البيضة في الحديث ببيضة الحديد لانه يساوي نصاب القطع وحمله بعضهم على المبالغة في التنبيه على عظم ما خسر وحقر ما حصل وأراد من جنس البيضة والحبل ما يبلغ النصاب قال القرطبي ونظير حمله على المبالغة ما حمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة فأن أحد ما قيل فيه إنه أراد المبالغة في ذلك وإلا فمن المعلوم
أن مفحص القطاة وهو قدر ما تحضن فيه بيضها لا يتصور أن يكون مسجدا قال ومنه تصدقن ولو بظلف محرق وهو مما لا يتصدق به ومثله كثير في كلامهم وقال عياض لا ينبغي أن يلتفت لما ورد أن البيضة بيضة الحديد والحبل حبل السفن لان مثل ذلك له قيمة وقدر فان سياق الكلام يقتضي ذم من أخذ القليل لا الكثير والخبر إنما ورد لتعظيم ما جنى على نفسه بما تقل به قيمته لا بأكثر والصواب تأويله على ما تقدم من تقليل أمره وتهجين فعله وأنه إن لم يقطع في هذا القدر جرته عادته إلى ما هو أكثر منه وأجاب بعض من انتصر لتأويل الاعمش أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله عند نزول الآية مجملة قبل بيان نصاب القطع انتهى وقد أخرج بن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عم أبيه عن علي أنه قطع يد سارق في بيضة حديد ثمنها ربع دينار ورجاله ثقات مع انقطاعه ولعل هذا مستند التأويل الذي أشار إليه الاعمش وقال بعضهم البيضة في اللغة تستعمل في المبالغة في المدح وفي المبالغة في الذم فمن الاولى قولهم فلان بيضة البلد إذا كان فردا في العظمة وكذا في الاحتقار ومنه قول أخت عمرو بن عبد ود لما قتل علي أخاها يوم الخندق في مرثيتها له لكن قاله من لا يعاب به من كان يدعى قديما بيضة البلد ومن الثاني قول الآخر يهجو قوما تأبى قضاعة أن تبدي لكم نسبا وابنا نزار فانتم بيضة البلد ويقال في المدح أيضا بيضة القوم أي وسطهم وبيضة السنام أي شحمته فلما كانت البيضة تستعمل في كل من الامرين حسن التمثيل بها كأنه قال يسرق الجليل والحقير فيقطع فرب
[ 74 ]
أنه عذر بالجليل فلا عذر له بالحقير وأما الحبل فأكثر ما يستعمل في التحقير كقولهم ما ترك فلان عقالا ولا ذهب من فلان عقال فكان المراد أنه إذا اعتاد السرقة لم يتمالك مع غلبة العادة التمييز بين الجليل والحقير وأيضا فالعار الذي يلزمه بالقطع لا يساوي ما حصل له ولو كان جليلا والى هذا أشار القاضي عبد الوهاب بقوله
صيانة العضو أغلاها وأرخصها صيانة المال ففهم حكمه الباري ورد بذلك على قول المعري يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار وسيأتي مزيد لهذا في باب السرقة إن شاء الله تعالى قوله باب الحدود كفارة قوله حدثنا محمد بن يوسف لم أره منسوبا ويحتمل أن يكون هو البيكندي ويحتمل أن يكون الفريابي وبه جزم أبو نعيم في المستخرج وابن عيينة هو سفيان قوله عن الزهري في رواية الحميدي عن سفيان بن عيينة سمعت الزهري أخرجه أبو نعيم وذكر حديث عبادة بن الصامت وفيه ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة وقد تقدم أن عند مسلم من وجه آخر ومن أتى منكم حدا ولاحمد من حديث خزيمة بن ثابت رفعه من أصاب ذنبا أقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته وسنده حسن وفي الباب عن جرير بن عبد الله نحوه عند أبي الشيخ وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عنده بسند صحيح إليه نحو حديث عبادة وفيه فمن فعل من ذلك شيئا فأقيم عليه الحد فهو كفارته وعن ثابت بن الضحاك نحوه عند أبي الشيخ وقد ذكرت شرح حديث الباب مستوفى في الباب العاشر من كتاب الايمان في أول الصحيح وقد استشكل بن بطال قوله الحدود كفارة مع قوله في الحديث الآخر ما أدري الحدود كفارة لاهلها أو لا وأجاب بأن سند حديث عبادة أصح وأجيب بأن الثاني كان قبل أن يعلم بأن الحدود كفارة ثم أعلم فقال الحديث الثاني وبهذا جزم بن التين وهو المعتمد وقد أجيب من توقف في ذلك لاجل أن الاول من حديث أبي هريرة وهو متأخر الاسلام عن بيعة العقبة والثاني وهو التردد من حديث عبادة بن الصامت وقد ذكر في الخبر أنه ممن بايع ليلة العقبة وبيعة العقبة كانت قبل إسلام أبي هريرة بست سنين وحاصل الجواب أن البيعة المذكورة في حديث الباب كانت متأخرة عن إسلام أبي هريرة بدليل أن الآية المشار إليها في قوله وقرأ الآية كلها هي قوله تعالى يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا إلى آخرها وكان نزولها في فتح مكة وذلك بعد إسلام أبي هريرة بنحو سنتين وقررت ذلك تقريرا بينا وانما وقع الاشكال من قوله
هناك إن عبادة بن الصامت وكان أحد النقباء ليلة العقبة قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال بايعوني على أن لا تشركوا فإنه يوهم أن ذلك كان ليلة العقبة وليس كذلك بل البيعة التي وقعت في ليلة العقبة كانت على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره الخ وهو من حديث عبادة أيضا كما أوضحت هناك قال بن العربي دخل في عموم قوله المشرك أو هو مستثنى فان المشرك إذا عوقب على شركه لم يكن ذلك كفارة له بل زيادة في نكاله قلت وهذا لا خلاف فيه قال وأما ا لقتل فهو كفارة بالنسبة إلى الولي المستوفي للقصاص في حق المقتول لان القصاص ليس بحق له بل يبقى حق المقتول فيطالبه به في الآخرة كسائر الحقوق قلت والذي قاله في مقام لمنع
[ 75 ]
وقد نقلت في الكلام على قوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا قول من قال يبقى للمقتول حق التشفي وهو أقرب من إطلاق بن العربي هنا قال وأما السرقة فتتوقف براءة السارق فيها على رد المسروق لمستحقه وأما الزنا فأطلق الجمهور أنه حق الله وهي غفلة لان لآل المزني بها في ذلك حقا لما يلزم منه من دخول العار على أبيها وزوجها وغيرهما ومحصل ذلك أن الكفارة تختص بحق الله تعالى دون حق الآدمي في جميع ذلك قوله باب ظهر المؤمن حمى أي محمي معصوم من الايذاء قوله إلا في حد أو في حق أي لا يضرب ولا يذل إلا على سبيل الحد والتعزير تأديبا وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أبو الشيخ في كتاب السرقة من طريق محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهور المسلمين حمى إلا في حدود الله وفي محمد بن عبد العزيز ضعف وأخرجه الطبراني من حديث عصمة بن مالك الخطمي بلفظ ظهر المؤمن حمى إلا بحقه وفي سنده الفضل بن المختار وهو ضعيف ومن حديث أبي أمامة من جرد ظهر مسلم من غير حق لقى الله وهو عليه غضبان وفي سنده أيضا مقال قوله حدثنا محمد بن عبد الله في رواية غير أبي ذر حدثني قال الحاكم محمد بن عبد الله هذا هو الذهلي وقال أبو علي الجياني لم أره منسوبا في شئ من الروايات قلت وعلى قول الحاكم فيكون نسب لجده لانه محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس
وقد حدث البخاري في الصحيح عن محمد بن عبد الله بن المبارك المخزومي وعن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج بالمثلثة والجيم وعن غيرهما وقد بينت ذلك موضحا في أخر حديث في كتاب الايمان والنذور وقد سقط محمد بن عبد الله من رواية أبي أحمد الجرجاني عن الفربري وأعتمد أبو نعيم في مستخرجه على ذلك فقال رواه البخاري عن عاصم بن علي وعاصم المذكور هو بن عاصم الواسطي وشيخ عاصم بن محمد أي بن زيد بن عبد الله بن عمر وشيخه واقد هو أخوه قوله قال عبد الله هو بن عمر جد الراوي عنه قوله ألا أي شهر تعلمونه هو بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف افتتاح للتنبيه لما يقال وقد كررت في هذه الرواية سؤلا وجوابا وقوله في هذه الرواية أي يوم تعلمونه أعظم حرمة قالوا يومنا هذا يعارضه أن يوم عرفة أعظم الايام وأجاب الكرماني بأن المراد باليوم الوقت الذي تؤدى فيه المناسك ويحتمل أن يختص يوم النحر بمزيد الحرمة ولا يلزم من ذلك حصول المزية التي أختص بها يوم عرفة وقد تقدم بعض الكلام على هذا الحديث في كتاب العلم وتقدم ما يتعلق بالسؤال والجواب مبسوطا في باب الخطبة أيام منى من كتاب الحج ومضى ما يتعلق بقوله ويلكم أو ويحكم في كتاب الادب ويأتي ما يتعلق بقوله لا ترجعوا بعدي مستوفى في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى رضي الله تعالى عنه قوله باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله ذكر فيه حديث عائشة ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أختار أيسرهما وقد تقدم شرحه مستوفى في باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب المناقب وقوله هنا ما لم يأثم في رواية المستملي ما لم يكن إثم قال بن بطال هذا التخيير ليس من الله لان الله لا يخير رسوله بين أمرين أحدهما إثم إلا إن كان في الدين وأحدهما يئول إلى الاثم كالغلو فإنه مذموم كما لو أوجب الانسان على نفسه شيئا شاقا من العبادة فعجز عنه ومن ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الترهب قال بن التين المراد التخيير في أمر الدنيا وأما أمر الآخرة فكلما صعب كان
[ 76 ]
أعظم ثوابا كذا قال وما أشار إليه بن بطال أولى وأولى منهما أن ذلك في أمور الدنيا لان بعض أمورها قد يفضي إلى الاثم كثيرا والاقرب أن فاعل التخيير الآدمي وهو ظاهر وأمثلته كثيرة ولا
سيما إذا صدر من الكافر قوله باب إقامة الحدود على الشريف والوضيع هو من الوضع وهو النقص ووقع هنا بلفظ الوضيع وفي الطريق التي تليه بلفظ الضعيف وهي رواية الاكثر في هذا الحديث وقد رواه بلفظ الوضيع أيضا النسائي من طريق إسماعيل بن أمية عن الزهري والشريف يقابل الاثنين لما يستلزم الشرف من الرفعة والقوة ووقع للنسائي أيضا في رواية لسفيان بلفظ الدون الضعيف قوله حدثنا أبو الوليد هو الطيالسي قوله حدثنا الليث عن بن شهاب في رواية أبي النضر هاشم بن القاسم عن الليث عند أحمد حدثنا بن شهاب ولا يعارض ذلك رواية أبي صالح عن الليث عن يونس عن بن شهاب فيما أخرجه أبو داود لان لفظ السياقين مختلف فيحمل على أنه عند الليث بلا واسطة باللفظ الاول وعنده باللفظ الثاني بواسطة وسأوضح ذلك قوله عن عروة في رواية بن وهب عن يونس عن بن شهاب أخبرني عروة بن الزبير وقد مضى سياقه في غزوة الفتح قوله أن أسامة هو بن زيد بن حارثة قوله كلم النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة هكذا رواه أبو الوليد مختصرا ورواه غيره عن الليث مطولا كما في الباب بعده قوله ويتركون على الشريف كذا لابي ذر عن الكشميهني وفيه حذف تقديره ويتركون إقامة الحد على الشريف فلا يقيمون عليه الحد قوله لو فاطمة كذا للاكثر قال بن التين التقدير لو فعلت فاطمة ذلك لان لواليها الفعل دون الاسم قلت الاولى التقدير بما جاء في الطريق الاخرى لو أن فاطمه كذا في رواية الكشميهني هنا وهي ثابتة سائر سائر طرق هذا الحديث في غير هذا الموضع ولو هنا شرطية وحذف أن ورد معها كثيرا كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي عند مسلم لو أهل عمان أتاهم رسولي فالتقدير لو أن أهل عمان وقد أنكر بعض الشراح من شيوخنا على بن التين إيراده هنا بحذف أن ولا إنكار عليه فان ذلك ثابت هنا في رواية أبي ذر عن غير الكشميهني وكذا هو في رواية النسفي ووقع في رواية إسحاق بن راشد عن بن شهاب عند النسائي لو سرقت فاطمة وهو يساعد تقدير بن التين بسم الله الرحمن الرحيم قوله باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان كذا قيد ما أطلقه في حديث الباب أتشفع في حد من حدود الله ليس القيد صريحا فيه وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه صريحا وهو في
مرسل حبيب بن أبي ثابت الذي أشرت إليه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لاسامة لما شفع فيها لا تشفع في حد فان الحدود إذا انتهت الي فليس لها مترك وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب ترجم له أبو داود العفو عن الحد ما لم يبلغ السلطان وصححه الحاكم وسنده إلى عمرو بن شعيب صحيح وأخرج أبو داود أيضا وأحمد وصححه الحاكم من طريق يحيى بن راشد قال خرج علينا بن عمر فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره وأخرجه بن أبي شيبة من وجه آخر أصح منه عن بن عمر موقوفا وللمرفوع شاهد من حديث أبي هريرة في الاوسط للطبراني وقال فقد ضاد الله في ملكه وأخرج أبو يعلى من طريق أبي المحياة عن أبي مطر رأيت عليا أتى بسارق فذكر قصة فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى
[ 77 ]
بسارق فذكر قصة فيها قالوا يا رسول الله أفلا عفوت قال ذلك سلطان سوء الذي يعفو عن الحدود بينكم وأخرج الطبراني عن عروة بن الزبير قال لقي الزبير سارقا فشفع فيه فقيل له حتى يبلغ الامام فقال إذا بلغ الامام فلعن الله الشافع والمشفع وأخرج الموطأ عن ربيعة عن الزبير وهو منقطع مع وقفة وهو عند بن أبي شيبة بسند حسن عن الزبير موقوفا وبسند آخر حسن عن علي نحوه كذلك وبسند صحيح عن عكرمة ان بن عباس وعمارا والزبير أخذوا سارقا فخلوا سبيله فقلت لابن عباس بئسما صنعتم حين خليتم سبيله فقال لا أم لك أما لو كنت أنت لسرك أن يخلى سبيلك وأخرجه الدارقطني من حديث الزبير موصولا مرفوعا بلفظ اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي فإذا وصل الوالي فعفا فلا عفا الله عنه والموقوف هو المعتمد وفي الباب غير ذلك حديث صفوان بن أمية عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجة والحاكم في قصة الذي سرق رداؤه ثم أراد أن لا يقطع فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هل لا قبل أن تأتيني به وحديث بن مسعود في قصة الذي سرق فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطعه فرأوا منه أسفا عليه فقالوا يا رسول الله كأنك كرهت كرهت قطعه فقال وما يمنعني لا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم انه
ينبغي للامام إذا انهي إليه حد أن يقيمه والله عفو يحب العفو وفي الحديث قصة مرفوعة وأخرج موقوفا أخرجه أحمد وصححه الحاكم وحديث عائشة مرفوعا أقبلوا ذوي الهيآت زلاتهم إلا في الحدود أخرجه أبو داود ويستفاد منه جواز الشفاعة فيما يقتضي التعزير وقد نقل بن عبد البر وغيره في الاتفاق ويدخل فيه سائر الاحاديث الواردة في ندب الستر على المسلم وهي محمولة على ما لم يبلغ الامام قوله عن عائشة كذا قال الحفاظ من أصحاب بن شهاب عن عروة وشذ عمر بن قيس الماصر بكسر المهملة فقال بن شهاب عن عروة عن أم سلمة فذكر حديث الباب سواء أخرجه أبو الشيخ في كتاب السرقة والطبراني وقال تفرد به عمر بن قيس يعني من حديث أم سلمة قال الدارقطني في العلل الصواب رواية الجماعة قوله أن قريشا أي القبيلة المشهورة وقد تقدم بيان المراد بقريش الذي انتسبوا إليه في المناقب وأن الاكثر أنه فهر بن مالك والمراد بهم هنا من أدرك القصة التي تذكر بمكة قوله أهمتهم المرأة أي أجلبت إليهم هما أو صيرتهم ذوي هم بسبب ما وقع منها يقال أهمني الامر أي أقلقني ومضى فس المناقب من رواية قتيبة عن الليث بهذا السند أهمهم شأن المرأة أي أمرها المتعلق بالسرقة وقد وقع في رواية مسعود بن الاسود الآتي التنبيه عليها لما سرقت تلك المرأة أعظمنا ذلك فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسعود المذكور من بطن آخر من قريش وهو من بني عدي بن كعب رهط عمر وسبب إعظامهم ذلك خشية أن تقطع يدها لعلمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرخص في الحدود وكان قطع السارق معلوما عندهم قبل الاسلام ونزل القرآن بقطع السارق فاستمر الحال فيه وقد عقد بن الكلبي بابا لمن قطع في الجاهلية بسبب السرقة فذكر قصة الذين سرقوا غزال الكعبة فقطعوا في عهد عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم وذكر من قطع في السرقة عوف بن عبد بن عمرو بن مخزوم ومقيس بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم وغيرهما وأن عوف السابق لذلك قوله المخزومية نسبة إلى مخزوم بن يقظة بفتح التحتانية والقاف بعدها ظاء معجمة مشالة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ومخزوم أخو كلاب بن مرة الذي نسب إليه
[ 78 ]
بنو عبد مناف ووقع في رواية إسماعيل بن أمية عن محمد بن مسلم وهو الذي عند النسائي سرقت امرأة من قريش من بني مخزوم واسم المرأة على الصحيح فاطمة بنت الاسود بن عبد الاسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وهي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الاسد الصحابي الجليل الذي كان زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم قتل أبوها كافرا يوم بدر قتله حمزة بن عبد المطلب ووهم من زعم أن له صحبة وقيل هي أم عمرو بنت سفيان بن عبد الاسد وهي بنت عم المذكورة أخرجه عبد الرزاق عن بن جريج قال أخبرني بشر بن تيم أنها أم عمرو بن سفيان بن عبد الاسد وهذا معضل ووقع مع ذلك في سياقه أنه قال عن ظن وحسبان وهو غلط ممن قاله لان قصتها مغايرة للقصة المذكورة في هذا الحديث كما سأوضحه قال بن عبد البر في الاستيعاب فاطمة بنت الاسود بن عبد الاسد هي التي قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدها لانها سرقت حليا فكلمت قريش أسامة فشفع فيها وهو غلام الحديث قلت وقد ساق ذلك بن سعد في ترجمتها في الطبقات من طريق الاجلح بن عبد الله الكندي عن حبيب بن أبي ثابت رفعه ان فاطمة بنت الاسود بن عبد الاسد سرقت حليا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشفعوا الحديث وأورد عبد الغني بن سعيد المصري في المبهمات من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل عن عمار الدهني عن شقيق قال سرقت فاطمة بنت أبي أسد بنت أخي أبى سلمة فأشفقت قريش أن يقطعها النبي صلى الله عليه وسلم الحديث والطريق الاولى أقوى ويمكن أن يقال لا منافاة بين قوله بنت الاسود وبنت أبي الاسود لاحتمال أن تكون كنية الاسود أبا الاسود وأما قصة أم عمرو فذكرها بن سعد أيضا وابن الكلبي في المثالب وتبعه الهيثم بن عدي فذكروا أنها خرجت ليلا فوقعت بركب نزول فأخذت عيبة لهم فأخذها القوم فأوثقوها فلما أصبحوا أتوا بها النبي صلى الله عليه وسلم فعاذت بحقوى أم سلمة فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت وأنشدوا في ذلك شعرا قاله خنيس بن يعلى بن أمية وفي رواية بن سعد أن ذلك كان في حجة الوداع وقد تقدم في الشهادات وفي غزوة الفتح أن قصة فاطمة بنت الاسود كانت عام الفتح فظهر تغاير القصتين وأن بينهما أكثر من سنتين ويظهر من ذلك خطأ من اقتصر على أنها أم عمرو كابن الجرزي ومن رددها بين فاطمة وأم عمرو كابن طاهر وابن
بشكوال ومن تبعهما فلله الحمد وقد تقلد بن حزم ما قاله بشر بن تيم لكنه جعل قصة أم عمرو بنت سفيان في جحد العارية وقصة فاطمة في السرقة وهو غلط أيضا لوقوع التصريح في قصة أم عمرو بأنها سرقت قوله التي سرقت زاد يونس في روايته في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ووقع بيان المسروق في حديث مسعود بن أبي الاسود المعروف بابن العجماء فأخرج بن ماجة وصححه الحاكم من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن طلحة بن ركانة عن أمه عائشة بنت مسعود بن الاسود عن أبيها قال لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظمنا ذلك فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نكلمه وسنده حسن وقد صرح فيه بن إسحاق بالتحديث في رواية الحاكم وكذا علقه أبو داود فقال روى مسعود بن الاسود وقال الترمذي بعد حديث عائشة المذكور هنا وفي الباب عن مسعود بن العجماء وقد أخرجه أبو الشيخ في كتاب السرقة من طريق يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن طلحة فقال عن خالته بنت مسعود بن العجماء عن أبيها فيحتمل أن يكون محمد بن طلحة سمعه من أمه ومن خالته ووقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت
[ 79 ]
الذي أشرت إليه أنها سرقت حليا ويمكن الجمع بأن الحلى كان في القطيفة فالذي ذكر القطيفة أراد بما فيها والذي ذكر الحلى ذكر المظروف دون الظرف ثم رجع عندي أن ذكر الحلى في قصة هذه المرأة وهم كما سأبينه ووقع في مرسل الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب فيما أخرجه عبد الرزاق عن بن جريج أخبرني عمرو بن دينار أن الحسن أخبره قال سرقت امرأة قال عمرو وحسبت أنه قال من ثياب الكعبة الحديث وسنده إلى الحسن صحيح فان أمكن الجمع والا فالاول أقوى وقد وقع في رواية معمر عن الزهري في هذا الحديث أن المرأة المذكورة كانت تستعير المتاع وتجحده أخرجه مسلم وأبو داود وأخرجه النسائي من رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري بلفظ استعارت امرأة على ألسنة ناس يعرفون وهي لا تعرف حليا فباعته وأخذت ثمنة الحديث وقد بينه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فيما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح إليه ان امرأة جاءت امرأة فقالت ان فلانة تستعيرك حليا فأعارتها إياه فمكثت لا تراه فجاءت إلى التي
استعارت لها فسألتها فقالت ما استعرتك شيئا فرجعت إلى الاخرى فأنكرت فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدعاها فسألها فقالت والذي بعثك بالحق ما استعرت منها شيئا فقال اذهبوا إلى بيتها تجدوه تحت فراشها فأتوه فأخذوه وأمر بها الحديث فيحتمل أن تكون سرقت القطيفة وجحدت الحلى وأطلق عليها في جحد الحلى في رواية حبيب بن أبي ثابت سرقت مجازا قال شيخنا في شرح الترمذي اختلف على الزهري فقال الليث ويونس وإسماعيل بن أمية وإسحاق بن راشد سرقت وقال معما وشعيب إنها استعارت وجحدت قال ورواه سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن الزهري فاختلف عليه سندا ومتنا فرواه البخاري يعني كما تقدم في الشهادات عن على بن المديني عن بن عيينة قال ذهبت أسال الزهري عن حديث المخزومية فصاح علي فقلت لسفيان فلم يحفظه عن أحد قال وجدت في كتاب كتبه أيوب بن موسى عن الزهري وقال فيه انها سرقت وهكذا قال محمد بن منصور عن بن عيينة انها سرقت أخرجه النسائي عنه وعن رزق الله بن موسى عن سفيان كذلك لكن قال اتي النبي صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعه فذكره مختصرا ومثله لابي يعلى عن محمد بن عباد عن سفيان وأخرجه أحمد عن سفيان كذلك لكن في آخره قال سفيان لا أدري ما هو وأخرجه النسائي أيضا عن إسحاق بن راهويه عن سفيان عن الزهري بلفظ كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده الحديث وقال في آخره قيل لسفيان من ذكره قال أيوب بن موسى فذكره بسنده المذكور وأخرجه من طريق بن أبي زائدة عن أبي عيينة عن الزهري بغير واسطة وقال فيه سرقت قال شيخنا وابن عيينة لم يسمعه من الزهري ولا ممن سمعه من الزهري إنما وجده في كتاب أيوب بن موسى ولم يصرح بسماعه من أيوب بن موسى ولهذا قال في رواية أحمد لا أدري كيف هو كما تقدم وجزم جماعة بأن معمرا تفرد عن الزهري بقوله استعارت وجحدت وليس كذلك بل تابعه شعيب كما ذكره شيخنا عند النسائي ويونس كما أخرجه أبو داود من رواية أبي صالح كاتب الليث عن الليث عنه وعلقه البخاري لليث عن يونس لكن لم يسق لفظه كما نبهت عليه وكذا ذكر البيهقي أن شبيب بن سعيد رواه عن يونس وكذلك رواه بن أخي الزهري عن الزهري أخرجه بن أيمن في مصنفه عن إسماعيل القاضي بسنده إليه وأخرج أصله أبو عوانة
في صحيحه والذي اتضح لي أن الحديثين محفوظان عن الزهري وأنه كان يحدث تارة بهذا وتارة
[ 80 ]
بهذا فحدث يونس عنه بالحديثين واقتصرت كل طائفة من أصحاب الزهري غير يونس على أحد الحديثين فقد أخرج أبو داود والنسائي وأبو عوانة في صحيحه من طريق أيوب عن نافع عن بن عمر أن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها وأخرجه النسائي وأبو عوانة أيضا من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر عن نافع بلفظ استعارت حليا وقد اختلف نظر العلماء في ذلك فأخذ بظاهره أحمد في اشهر الروايتين عنه وإسحاق وانتصر له بن حزم من الظاهرية وذهب الجمهور إلى أنه لا يقطع في جحد العارية وهي رواية عن أحمد أيضا وأجابوا عن الحديث بأن رواية من روى سرقت أرجح وبالجمع بين الروايتين بضرب من التأويل فأما الترجيح فنقل النووي أن رواية معمر شاذة مخالفة لجماهير الرواة قال والشاذة لا يعمل بها وقال بن المنذر في الحاشية وتبعه المحب الطبري قيل إن معمرا انفرد بها وقال القرطبي رواية أنها سرقت أكثر وأشهر من رواية الجعد فقد انفرد بها معمر وحده من بين الائمة الحفاظ وتابعه على ذلك من لا يقتدى بحفظه كابن أخ الزهري ونمطه هذا قول المحدثين قلت سبقه لبعضه القاضي عياض وهو يشعر بأنه لم يقف على رواية شعيب ويونس بموافقة إذ لو وقف عليها لم يجزم بتفرد معمر وأن من وافقه كابن أخي الوهري ونمطه ولا زاد القرطبي نسبة ذلك للمحدثين إذ لا يعرف عن أحد من المحدثين أنه قرن شعيب بن أبي حمزة ويونس بن يزيد وأيوب بن موسى بابن أخي الزهري بل هم متفقون على أن شعيب ويونس أرفع درجة في حديث الزهري من بن أخيه ومع ذلك فليس في هذا الاختلاف عن الزهري ترجيح بالنسبة إلى اختلاف الرواة عنه الا لكون رواية سرقت متفقا عليها ورواية جحدت انفرد بها مسلم وهذا لا يدفع تقديم الجمع إذا أمكن بين الروايتين وقد جاء عن بعض المحدثين عكس كلام القرطبي فقال لم يختلف على معمر ولا على شعيب وهما في غاية الجلالة في الزهري وقد وافقهما بن أخي الزهري وأما الليث ويونس وإن كانا في الزهري كذلك فقد اختلف عليهما فيه وأما إسماعيل بن أمية وإسحاق بن راشد فدون معمر وشعيب
في الحفظ قلت وكذا اختلف على أيوب بن موسى كما تقدم وعلى هذا فيتعادل الطريقين ويتعين الجمع فهو أولى من اطراح أحد الطريقين فقال بعضهم كما تقدم عن بن حزم وغيره هما قصتان مختلفتان لامرأتين مختلفتين وتعقب بأن في كل من الطريقين أنهم استشفعوا بأسامة وأنه شفع وأنه قيل له لا تشفع في حد من حدود الله فيبعد عن أسامة يسمع النهي المؤكد عن ذلك ثم يعود إلى ذلك مرة أخرى ولا سيما إن اتحد زمن القصتين وأجاب بن حزم بأنه يجوز أن ينسى ويجوز أن يكون الزجر عن الشفاعة في حد السرقة تقدم فظن أن الشفاعة في جحد العارية جائز وأن لا حد فيه فشفع فاجيب بأن فيه الحد أيضا ولا يخفى ضعف الاحتمالين وحكى بن المنذر عن بعض العلماء أن القصة لامرأة واحدة استعارت وجحدت وسرقت فقطعت للسرقة لا للعارية قال وبذلك نقول وقال الخطابي في معالم السنن بعد أن حكى الخلاف وأشار إلى ما حكاه بن المنذر وانما ذكرت العارية والجحد في هذه القصة تعريفا لها بخاص صفتها إذ كانت تكثر ذلك كما عرفت بأنها مخزومية وكأنها لما كثر منها ذلك ترقت إلى السرقة وتجرأت عليها وتلقف هذا الجواب من الخطابي جماعة منهم البيهقي فقال تحمل رواية من ذكر جحد الجارية على
[ 81 ]
تعريفها بذلك والقطع على السرقة وقال المنذري نحوه ونقله المازري ثم النووي عن العلماء وقال القرطبي يترجح أن يدها قطعت على السرقة لا لاجل جحد العارية من أوجه أحدها قوله في آخر حديث الذي ذكرت فيه العارية لو أن فاطمة سرقت فان فيه دلالة قاطعة على أن المرأة قطعت في السرقة إذ لو كان قطعها لاجل الجحد لكان ذكر السرقة لاغيا ولقال لو أن فاطمة جحدت العارية قلت وهذا قد أشار إليه الخطابي أيضا ثانيها لو كانت قطعت في جحد العارية لوجب قطع كل من جحد شيئا إذا ثبت عليه ولو لم يكن بطريق العارية ثالثها أنه عارض ذلك حديث ليس على خائن ولا مختلس ولا منتهب قطع الزبير عن جابر رفعه وصرح بن جريج في رواية النسائي بقوله أخبرني أبو الزبير ووهم بعضهم هذه الرواية فقد صرح أبو داود بأن بن جريج لم يسمعه من أبي الزبير قال وبلغني عن أحمد أنما سمعه بن جريج من ياسين الزيات ونقل
بن عدي في الكامل عن أهل المدينة أنهم قالوا لم يسمع بن جريج من أبي الزبير وقال النسائي رواه الحفاظ من أصحاب بن جريج عنه عن أبي الزبير فلم يقل أحد منهم أخبرني ولا أحسبه سمعه قلت لكن وجد له متابع عن أبي الزبير أخرجه النسائي أيضا من طريق المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير لكن أبو الزبير مدلس أيضا وقد عنعنه عن جابر لكن أخرجه بن حبان من وجه أخر عن جابر بمتابعة أبي الزبير فقوي الحديث وقد اجمعوا على العمل به إلا من شد فنقل بن المنذر عن إياس بن معاوية أنه قال المختلس يقطع كأنه الحقه بالسارق اشتراكهما في الاخذ خفية ولكنه خلاف ما صرح به في الخبر والا ما ذكر من قطع جاحد العارية وأجمعوا على أن لا قطع على الخائن في غير ذلك ولا على المنتهب إلا إن كان قاطع طريق والله أعلم وعارضه غيره ممن خالف فقال بن القيم الحنبلي لا تنافي بين جحد العارية وبين السرقة فان الجحد داخل في اسم السرقة فيجمع بين الروايتين بأن الذين قالوا سرقت أطلقوا على الجحد سرقة كذا قال ولا يخفى بعده قال والذي أجاب به الخطابي مردود لان الحكم المرتب على الوصف معمول به ويقويه أن لفظ الحديث وترتيبه في إحدى الروايتين القطع على السرقة وفي الاخرى على الجحد على حد سواء وترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية فكل من الروايتين دال على أن علة القطع كل من السرقة وجحد العارية على انفراده ويؤيد ذلك أن سياق حديث بن عمر ليس فيه ذكر للسرقة ولا للشفاعة من أسامة وفيه التصريح بأنها قطعت في ذلك وابسط ما وجدت من طرقه ما أخرجه النسائي في رواية له ان امرأة كانت تستعير الحلي في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعارت من ذلك حليا فجمعته ثم أمسكته فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لتتب امرأة إلى الله تعالى وتؤد ما عندها مرارا فلم تفعل فأمر بها فقطعت وأخرج النسائي بسند صحيح من مرسل سعيد بن المسيب ان امرأة من بني مخزوم استعارت حليا على لسان أناس فجحدت فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح أيضا إلى سعيد قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة من بيت عظيم من بيوت قريش قد أتت أناسا فقالت إن آل فلان يستعيرونكم كذا فأعاروها ثم أتوا أولئك فانكروا ثم أنكرت هي فقطعها النبي صلى الله عليه وسلم وقال بن
دقيق العيد صنيع صاحب العمدة حيث أورد الحديث بلفظ الليث ثم قال وفي لفظ فذكر لفظ
[ 82 ]
معمر يقتضي أنها قصة واحدة واختلف فيها هل كانت سارقة أو جاحدة يعني لانه أورد حديث عائشة باللفظ الذي أخرجاه من طريق الليث ثم قال وفي لفظ كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها وهذه رواية معمر في مسلم فقط قال وعلى هذا فالحجة في هذا الخبر في قطع المستعير ضعيفة لانه اختلاف في واقعة واحدة فلا يبت الحكم فيه بترجيح من روى أنها جاحدة على الرواية الاخرى يعني وكذا عكسه فيصح أنها قطعت بسبب الامرين والقطع في السرقة متفق عليه فيترجح على القطع في الجحد المختلف فيه قلت وهذه أقوى الطرق في نظري وقد تقدم الرد على من زعم أن القصة وقعت لامرأتين فقطعتا في أوائل الكلام على هذا الحديث والالزام الذي ذكره القرطبي في أنه لو ثبت القطع في جحد العارية للزم القطع في جحد غير العارية قوى أيضا فان من يقول بالقطع في جحد العارية لا يقول به في جحد غير العارية فيقاس المختلف فيه على المتفق عليه إذ لم يقل أحد بالقطع في الجحد على الاطلاق وأجاب بن القيم بأن الفرق بين جحد العارية وجحد غيرها أن السارق لا يمكن الاحتراز منه وكذلك جاحد العارية خلاف المختلس من غير حرز والمنتهب قال ولا شك أن الحاجة ماسة بين الناس إلى العارية فلو علم المعير أن المستعير إذا جحد لا شئ عليه لجر ذلك إلى سد باب العارية وهو خلاف ما تدل عليه حكمة الشريعة بخلاف ما إذا علم أنه يقطع فان ذلك يكون أدعى إلى استمرار العارية وهي مناسبة لا تقوم بمجردها حجة إذا ثبت حديث جابر في أن لا قطع على خائن وقد فر من هذا بعض من قال بذلك فخص القطع بمن استعار على لسان غيره مخادعا للمستعار منه ثم تصرف في العارية وأنكرها لما طولب بها فان هذا لا يقطع بمجرد الخيانة بل لمشاركته السارق في أخذ المال خفية تنبيه قول سفيان المتقدم ذهبت أسأل الزهري عن حديث المخزومية التي سرقت فصاح علي مما يكثر السؤال عنه وعن سببه وقد أوضح ذلك بعض الرواة عن سفيان فرأينا في كتاب المحدث الفاضل لابي محمد الرامهرمزي من طريق سليمان بن عبد العزيز أخبرني محمد بن إدريس
قال قلت لسفيان بن عيينة كم سمعت من الزهري قال أما مع الناس فما أحصي وأما وحدي فحديث واحد دخلت يوما من باب بني شيبة فإذا أنابه جالس إلى عمود فقلت يا أبا بكر حدثني حديث المخزومية التي قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدها قال فضرب وجهي بالحصى ثم قال قم فما يزال عبد يقدم علينا بما نكره قال فقمت منكرا فمر رجل فدعاه فلم يسمع فرماه بالحصى فلم يبلغه فاضطر الي فقال ادعه لي فدعوته له فاتاه فقضى حاجته فنظر الي فقال تعال فجئت فقال أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العجماء جبار الحديث ثم قال لي هذا خير لك من الذي أردت قلت وهذا الحديث الاخير أخرجه مسلم والاربعة من طريق سفيان بدون قصة قوله فقالوا من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يشفع عنده فيها أن لا تقطع إما عفوا وأما بفداء وقد وقع ما يدل على الثاني في حديث مسعود بن الاسود ولفظه بعد قوله أعظمنا ذلك فجئنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا نحن نفديها بأربعين أوقية فقال تطهر خير لها وكأنهم ظنوا أن الحد يسقط بالفدية كما ظن ذلك من أفتى والد العسيف الذي زنى بأنه يفتدي منه بمائة شاة ووليدة ووجدت لحديث مسعود هذا شاهدا عند أحمد من حديث عبد الله بن عمرو أن امرأة سرقت على عهد رسول الله صلى الله
[ 83 ]
عليه وسلم فقال قومها نحن نفديها قوله ومن يجترئ عليه بسكون الجيم وكسر الراء يفتعل من الجرأة بضم الجيم وسكون الراء وفتح الهمزة ويجوز فتح الجيم والراء مع المد ووقع في رواية قتيبة فقالوا ومن يجترئ عليه وهو أوضح لان الذي استفعم بقوله من يكلم غير الذي أجاب بقوله ومن يجترئ والجرأة هي الاقدام بادلال والمعنى ما يجترئ عليه إلا أسامة وقال الطيبي الواو عاطفة على محذوف تقديره لا يجترئ عليه أحد لمهابته لكن أسامة له عليه إدلال فهو يجسر على ذلك ووقع في حديث مسعود بن الاسود بعد قوله تطهر خير لها فلما سمعنا لين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أتينا أسامة ووقع في رواية يونس الماضية في الفتح ففزع قومها إلى أسامة أي لجؤا وفي رواية أيوب بن موسى في الشهادات فلم يجترئ أحد أن يكلمه إلا أسامة وكان السبب
في اختصاص أسامة بذلك ما أخرجه بن سعد من طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لاسامة لا تشفع في حد وكان إذا شفع شفعه بتشديد الفاه أي قبل شفاعته وكذا وقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشفعه قوله حب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكسر المهملة بمعنى محبوب مثل قسم بمعنى مقسوم وفي ذلك تلميح بقول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إني أحبه فأحبه وقد تقدم في المناقب قوله فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصب وفي رواية قتيبة فكلمه أسامة وفي الكلام شئ مطوي تقديره فجاءوا إلى أسامة فكلموه في ذلك فجاء أسامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه ووقع في رواية يونس فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فيها فأفادت هذه الرواية أن الشافع يشفع بحضرة المشفوع له ليكون أعذر له عنده إذا لم تقبل شفاعته وعند النسائي من رواية إسماعيل بن أمية فكلمه فزبره بفتح الزاي والموحدة أي أغلظ له في النهي حتى نسبه إلى الجهل لان الزبر بفتح ثم سكون هو العقل وفي رواية يونس فكلمه فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد شعيب عند النسائي وهو يكلمه وفي مرسل حبيب بن أبي ثابت فلما أقبل أسامة ورآه النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تكلمني يا أسامة قوله فقال أتشفع في حد من حدود الله بهمزة الاستفهام الانكاري لانه كان سبق له منع الشفاعة في الحد قبل ذلك زاد يونس وشعيب فقال أسامة استغفر لي يا رسول الله ووقع في حديث جابر عند مسلم والنسائي ان امرأة من بني مخزوم سرقت فأتى بها النبي صلى الله عليه وسلم فعاذت بأم سلمة بذال معجمة أي استجارت أخرجاه من طريق معقل بن يسار عن عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر وذكره أبو داود تعليقا والحاكم موصولا من طريق موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر فعاذت بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المنذري يجوز أن تكون عاذت بكل منهما وتعقبه شيخنا في شرح الترمذي بأن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ماتت قبل هذه القصة لان هذه القصة كما تقدم كانت في غزوة الفتح وهي في رمضان سنة ثمان وكان موت زينب قبل ذلك في جمادى الاولى من السنة فلعل المراد أنها عاذت بزينب ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم وهي بنت أم سلمة فتصحفت على بعض
الرواة قلت أو نسبت زينب بنت أم سلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم مجازا لكونها ربيبته فلا يكون فيها تصحيف ثم قال شيخنا وقد أخرج أحمد هذا الحديث من طريق بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة وقال فيه فعاذت بربيب النبي صلى الله عليه وسلم براء وموحدة مكسورة وحذف
[ 84 ]
لفظ بنت وقال في آخره قال بن أبي الزناد وكان ربيب النبي صلى الله عليه وسلم سلمة بن أبي سلمة وعمر بن أبي سلمة فعاذت بأحدهما قلت وقد ظفرت بما يدل على أنه عمر بن أبي سلمة فأخرج عبد الرزاق من مرسل الحسن بن محمد بن علي قال سرقت امرأة فذكر الحديث وفيه فجاء عمر بن أبي سلمة فقال للنبي صلى الله عليه وسلم أي أبه إنها عمتي فقال لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها قال عمرو بن دينار الراوي عن الحسن فلم أشك أنها بنت الاسود بن عبد الاسد قلت ولا منافاة بين الروايتين عن جابر فإنه يحمل على أنها استجارت بأم سلمة وبأولادها وأختصها بذلك لانها قريبتها وزوجها عمها وانما قال عمر بن أبي سلمة عمتي من جهة السن وإلا فهي بنت عمه أخي أبيه وهو كما قالت خديجة لورقة في قصة المبعث أي عم أسمع من بن أخيك وهو بن عمها أخي أبيها أيضا ووقع عند أبي الشيخ من طريق أشعث عن أبي الزبير عن جابر أن امرأة من بني مخزوم سرقت فعاذت بأسامة وكأنها جاءت مع قومها فكلموا أسامة بعد أن استجارت بأم سلمة ووقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت فاستشفعوا على النبي صلى الله عليه وسلم بغير واحد فكلموا أسامة قوله ثم قام فخطب في رواية قتيبة فاختطب وفي رواية يونس فلما كان العشى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا قوله فقال يا أيها الناس في رواية قتيبة بحذف يا من أوله وفي رواية يونس فقام خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد قوله انما ضل من كان قبلكم في رواية أبي الوليد هلك وكذا لمحمد بن رمح عند مسلم وفي رواية سفيان عند النسائي انما هلك بنو إسرائيل وفي رواية قتيبة أهلك من كان قبلكم قال بن دقيق العيد الظاهر أن هذا الحصر ليس عاما فان بني إسرائيل كان فيهم أمور كثيرة تقتضي الاهلاك فيحمل ذلك على حصر المخصوص وهو الاهلاك بسبب المحاباة في الحدود فلا ينحصر ذلك في حد السرقة قلت يؤيد هذا
الاحتمال ما أخرجه أبو الشيخ في كتاب السرقة من طريق زاذان عن عائشة مرفوعا انهم عطلوا الحدود عن الاغنياء وأقاموها على الضعفاء والامور التي أشار إليها الشيخ سبق منها في ذكر بني إسرائيل حديث بن عمر في قصة اليهوديين اللذين زنيا وسيأتي شرحه بعد هذا وفي التفسير حديث بن عباس في أخذ الدية من الشريف إذا قتل عمدا والقصاص من الضعيف وغير ذلك قوله انهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه في رواية قتيبة إذا سرق فيهم الشريف وفي رواية سفيان عند النسائي حين كانوا إذا أصاب فيهم الشريف الحد تركوه ولم يقيموه عليه وفي رواية إسماعيل بن أمية وإذا سرق فيهم الوضيع قطعوه قوله وايم الله تقدم ضبطها في كتاب الايمان والنذور ووقع مثله في رواية إسحاق بن راشد ووقع في رواية أبي الوليد والذي نفسي بيده وفي رواية يونس والذي نفس محمد بيده قوله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت هذا من الامثلة التي صح فيها أن لو حرف امتناع لامتناع وقد أتقن القول في ذلك صاحب المغني وسيأتي بسط ذلك في كتاب التمني إن شاء الله تعالى وقد ذكر بن ماجد عن محمد بن رمح شيخه في هذا الحديث سمعت الليث يقول عقب هذا الحديث قد أعاذها الله من أن تسرق وكل مسلم ينبغي له أن يقول هذا ووقع للشافعي أنه لما ذكر هذا الحديث قال فذكر عضوا شريفا من امرأة شريفة واستحسنوا ذلك منه لما فيه من الادب البالغ وانما خص صلى الله عليه وسلم فاطمة ابنته بالذكر لانها أعز أهله عنده ولانه لم يبق من بناته حينئذ غيرها فأراد المبالغة في إثبات إقامة الحد على كل مكلف وترك المحاباة في ذلك
[ 85 ]
ولان اسم السارقة وافق اسمها عليها السلام فناسب أن يضرب المثل بها قوله لقطع محمد يدها في رواية أبي الوليد والاكثر لقطعت يدها وفي الاول تجريد زاد يونس في روايته من رواية بن المبارك عنه كما مضى في غزوة الفتح ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها ووقع في حديث بن عمر في رواية للنسائي قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها وفي أخرى له فأمر بها فقطعت وفي حديث جابر عند الحاكم فقطعها وذكر أبو داود تعليقا عن محمد بن عبد الرحمن بن غنج عن نافع عن صفية بن أبي عبيد نحو حديث المخزومية وزاد فيه قال نشهد عليها وزاد يونس أيضا في روايته قالت
عائشة فحسنت توبتها بعد وتزوجت وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجه الاسماعيلي من طريق نعيم بن حماد عن بن المبارك وفيه قال عروة قالت عائشة ووقع في رواية شعيب عند الاسماعيلي في الشهادات وفي رواية بن أخي الزهري عند أبي عوانة كلاهما عن الزهري قال وأخبرني القاسم بن محمد أن عائشة قالت فنكحت تلك المرأة رجلا من بني سليم وتابت وكانت حسنة التلبس وكانت تأتيني فأرفع حاجتها الحديث وكأن هذه الزيادة كانت عند الزهري عن عروة وعن القاسم جميعا عن عائشة وعندهما زيادة على الآخر وفي آخر حديث مسعود بن الحكم عند الحاكم قال بن إسحاق وحدثني عبد الله بن أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعد ذلك يرحمها ويصلها وفي حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد أنها قالت هل لي من توبة يا رسول الله فقال أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك وفي هذا الحديث من الفوائد منع الشفاعة في الحدود وقد تقدمت في الترجمة الدلالة على تقييد بما إذا انتهى ذلك إلى أولي الامر واختلف العلماء في ذلك فقال أبو عمر بن عبد البر لا أعلم خلافا أن الشفاعة في ذوي الذنوب حسنة جميلة ما لم تبلغ السلطان وأن على السلطان أن يقيمها إذا بلغته وذكر الخطابي وغيره عن مالك أنه فرق بين من عرف بأذى الناس ومن لم يعرف فقال لا يشفع للاول مطلقا سواء بلغ الامام أم لا وأما من لم يعرف بذلك فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الامام وتمسك بحديث الباب من أوجب إقامة الحد على القاذف إذا بلغ الامام ولو عفا المقذوف وهو قول الحنفية والثوري والاوزاعي وقال مالك والشافعي وأبو يوسف يجوز العفو مطلقا ويدرأ بذلك الحد لان الامام لو وجد بعد عفو المقذوف لجاز أن يقيم البينة بصدق القاذف فكانت تلك شبهة قوية وفيه دخول النساء مع الرجال في حد السرقة وفيه قبول توبة السارق ومنقبة لاسامة وفيه ما يدل على أن فاطمة عليها السلام عند أبيها صلى الله عليه وسلم في أعظم المنازل فأن في القصة إشارة إلى أنها الغاية في ذلك عنده ذكره بن هبيرة وقد تقدمت مناسبة اختصاصها بالذكر دون غيرها من رجال أهله ولا يؤخذ منه أنها أفضل من عائشة لان من جملة ما تقدم من المناسبة كون اسم صاحبة وافق اسمها ولا تنتفى المساواة وفيه ترك المحاباة
في إقامة الحد على من وجب عليه ولو كان ولدا أو قريبا أو كبير القدر والتشديد في ذلك والانكار على من رخص فيه أو تعرض للشفاعة فيمن وجب عليه وفيه جواز ضرب المثل بالكبير القدر للمبالغة في الزجر عن الفعل ومراتب ذلك مختلفة ولا يحق ندب الاحتراز من ذلك حيث لا يترجح التصريح بحسب المقام كما تقدم نقله عن الليث والشافعي ويؤخذ منه جواز الاخبار عن أمر مقدر يفيد القطع بأمر محقق وفيه أن من حلف على أمر يتحقق أنه يفعله أو لا يفعله
[ 86 ]
لا يحنث كمن قال لمن خاصم أخاه والله لو كنت حاضرا لهشمت أنفك خلافا لمن قال يحنث مطلقا وفيه جواز التوجع لمن أقيم عليه الحد بعد إقامته عليه وقد حكى بن الكلبي في قصة أم عمرو بنت سفيان أن امرأة أسيد بن حضيرأوتها بعد أن قطعت وصنعت لها طعاما وأن أسيدا ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم كالمنكر على امرأته فقال رحمتها رحمها الله وفيه الاعتبار بأحوال من مضى من الامم ولا سيما من خالف أمر الشرع وتمسك به بعض من قال إن شرع من قبلنا شرع لنا لان فيه إشارة إلى تحذير من فعل الشئ الذي جر الهلاك إلى الذين من قبلنا لئلا يهلك كما هلكوا وفيه نظر وإنما يتم أن لو لم يرد قطع السارق في شرعنا وأما اللفظ العام فلا دلالة فيه على المدعي أصلا قوله باب قول الله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما كذا أطلق في الآية اليد وأجمعوا على أن المراد اليمنى إن كانت موجودة واختلفوا فيما لو قطعت الشمال عمدا أو خطأ هل يجزئ وقدم السارق على السارقة وقدمت الزانية على الزاني لوجود السرقة غالبا في الذكورية ولان داعية الزنا في الاناث أكثر ولان الانثى سبب في وقوع الزنا إذ لا يتأتى غالبا إلا بطواعيتها وقوله بصيغة الجمع ثم التثنية إشارة إلى أن المراد جنس السارق فلوحظ فيه المعنى فجمع والتثنية بالنظر إلى الجنسين المتلفظ بهما والسرقة بفتح السين وكسر الراء ويجوز إسكانها ويجوز كسر أوله وسكون ثانيه الاخذ خفية وعرفت في الشرع بأخذ شئ خفية ليس للآخذ أخذه ومن اشترط الحرز وهم الجمهور زاد فيه من حرز مثله قال بن بطال الحرز مستفاد من معنى السرقة يعني في اللغة ويقال لسارق الابل الخارب بخاء معجمة
وللسارق بالمكيال مطفف وللسارق في الميزان مخسر في أشياء أخرى ذكرها بن خالويه في كتاب ليس قال المازري ومن تبعه صان الله الاموال بايجاب قطع سارقها وخص السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها من الانتهاب والغصب ولسهولة إقامة البينة على ما عدا السرقة بخلافها وشدد العقوبة فيها ليكون أبلغ في الزجر ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع منها بقدر ما يقطع فيه حماية لليد ثم لما خانت هانت وفي ذلك إشارة إلى الشبهه التي نسبت إلى أبي العلاء المعري في قوله يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله صيانة العضو أغلاها وأرخصها صيانة المال فافهم حكمة الباري وشرح ذلك أن الدية لو كانت ربع دينار لكثرت الجنايات على الايدي ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينار لكثرت الجنايات على الاموال فظهرت الحكمة في الجانبين وكان في ذلك صيانة من الطرفين وقد عسر فهم المعنى المقدم ذكره في الفرق بين السرقة وبين النهب ونحوه على بعض منكري القياس فقال القطع في السرقة دون الغصب وغيره غير معقول المعنى فان الغصب أكثر هتكا للحرمة من السرقة فدل على عدم اعتبار القياس لانه إذا لم يعمل به في الاعلى فلا يعمل به في المساوي وجوابه أن الادلة على العمل بالقياس أشهر من أن يتكلف لايرادها وستأتي الاشارة إلى شئ من ذلك في كتاب الاحكام إن شاء الله تعالى قوله وقطع علي من الكف أشار بهذا الاثر إلى الاختلاف في محل القطع وقد اختلف في حقيقة اليد فقيل أولها من المنكب وقيل من المرفق وقيل من الكوع وقيل من أصول الاصابع فحجة الاول أن العرب تطلق الايدي على
[ 87 ]
ذلك ومن الثاني آية الوضوء ففيها وأيديكم إلى المرافق ومن الثالث آية التيمم ففي القرآن فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه وبينت السنة كما تقدم في بابه أنه عليه الصلاة والسلام مسح على كفيه فقط وأخذ بظاهر الاول بعض الخوارج ونقل عن سعيد بن المسيب واستنكره جماعة والثاني لا نعلم من قال به في السرقة والثالث قول الجمهور ونقل بعضهم فيه الاجماع
والرابع نقل عن علي واستحسنه أبو ثور ورد بأنه لا يسمى مقطوع اليد لغة ولا عرفاه بل مقطوع الاصابع وبحسب هذا الاختلاف وقع الحلف في محل القطع فقال بالاول الخوارج وهم محجوجون بإجماع السلف على خلاف قولهم وألزم بن حزم الحنفية بأن يقولوا بالقطع من المرفق قياسا على الوضوء وكذا التيمم عندهم قال وهو أولى من قياسهم قدر المهر على نصاب السرقة ونقله عياض قولا شاذا وحجة الجمهور الاخذ بأقل ما ينطلق عليه الاسم لان اليد قبل السرقة كانت محترمة فلما جاء النص بقطع اليد وكانت تطلق على هذه المعاني وجب أن لا يترك المتيقن وهو تحريمها إلا بمتيقن وهو القطع من الكف وأما الاثر عن علي فوصله الدارقطني من طريق حجية بن عدي أن عليا قطع من المفصل وأخرج بن أبي شيبة من مرسل رجاء بن حيوة أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع من المفصل وأورده أبو الشيخ في كتاب حد السرقة من وجه آخر عن رجاء عن عدي رفعه مثله ومن طريق وكيع عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر رفعه مثله وأخرج سعيد بن منصور عن حماد بن زيد عن عمرو بن دينار قال كان عمر يقطع من المفصل وعلي يقطع من مشط القدم وأخرج بن أبي شيبة من طريق بن أبي حيوة أن عليا قطعه من المفصل وجاء عن علي أنه قطع اليد من الاصابع والرجل من مشط القدم أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عنه وهو منقطع وان كان رجال السند من رجال الصحيح وقد أخرج عبد الرزاق من وجه آخر أن عليا كان يقطع الرجل من الكعب وذكر الشافعي في كتاب اختلاف علي وابن مسعود أن عليا كان يقطع من يد السارق الخنصر والبنصر والوسطى خاصة ويقول استحي من الله أن أتركه بلا عمل وهذا يحتمل أن يكون بقي الابهام والسبابة وقطع الكف والاصابع الثلاثة ويحتمل أن يكون بقي الكف أيضا والاول أليق لانه موافق لما نقل البخاري أنه قطع من الكف وقد وقع في بعض النسخ بحذف من بلفظ وقطع على الكف قوله وقال قتادة في امرأة سرقت فقطعت شمالها ليس إلا ذلك وصله أحمد في تاريخه عن محمد بن الحسين الواسطي عن عوف الاعرابي عنه هكذا قرأت بخط مغلطاي في شرحه ولم يسق لفظه وقد أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة فذكر مثل قول الشعبي لا يزاد على ذلك قد أقيم عليه الحد وكان ساق بسنده عن الشعبي أنه سئل عن
سارق قدم ليقطع فقدم شماله فقطعت فقال لا يزاد على ذلك وأشار المصنف بذكره إلى أن الاصل أن أول شئ يقطع من السارق اليد اليمنى وهو قول الجمهور وقد قرأ بن مسعود فاقطعوا أيمانهما وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن إبراهيم قال هل قراءتنا يعني أصحاب بن مسعود ونقل فيه عياض الاجماع وتعقب نعم قد شذ من قال إذا قطع الشمال أجزأت مطلقا كما هو ظاهر النقل عن قتادة وقال مالك إن كان عمدا وجب القصاص على القاطع ووجب قطع اليمين وان كان خطأ وجبت الدية ويجزئ عن السارق وكذا قال أبو حنيفة عن الشافعي وأحمد قولان في السارق واختلف السلف فيمن سرق فقطع ثم سرق ثانيا فقال الجمهور تقطع رجله اليسرى ثم إن سرق
[ 88 ]
فاليد اليسرى ثم إن سرق فالرجل اليمنى واحتج لهم بآية المحاربة وبفعل الصحابة وبأنهم فهموا من الآية أنها في المرة الواحدة فإذا عاد السارق وجب عليه القطع ثانيا إلى أن لا يبقى له ما يقطع ثم إن سرق عزر وسجن وقيل يقتل في الخامسة قاله أبو مصعب الزهري المدني صاحب مالك وحجته ما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث جابر قال جئ بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه ثم جئ به الثانية فقال أقتلوه ذكر مثله إلى أن قال فأتى به الخامسة فقال أقتلوه قال جابر فأنطلقنا به فقتلناه ورميناه في بئر قال النسائي هذا حديث منكر ومصعب بن ثابت راويه ليس بالقوي وقد قال بعض أهل العلم كابن المنكدر والشافعي أن هذا منسوخ وقال بعضهم هو خاص بالرجل المذكور فكأن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على أنه واجب القتل ولذلك أمر بقتله من أول مرة ويحتمل أنه كان من المفسدين في الارض قلت وللحديث شاهد من حديث الحارث بن حاطب أخرجه النسائي ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بلص فقال أقتلوه فقالوا إنما سرق فذكر نحو حديث جابر في قطع أطرافه الاربع إلا أنه قال في آخره ثم سرق الخامسة في عهد أبي بكر فقال أبو بكر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال أقتلوه ثم دفعه إلى فتية من قريش فقتلوه قال النسائي لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا قلت نقل المنذري تبعا لغيره فيه الاجماع ولعلهم
أرادوا أنه استقر على ذلك وإلا فقد جزم الباجي في اختلاف العلماء أنه قول مالك ثم قال وله قول آخر لا يقتل وقال عياض لا أعلم أحدا من أهل العلم قال به إلا ما ذكر أبو مصعب صاحب مالك في مختصره عن مالك وغيره من أهل المدينة فقال ومن سرق ممن بلغ الحلم قطع يمينه ثم ان عاد فرجله اليسرى ثم إن عاد فيده اليسرى ثم إن عاد فرجله اليمنى فان سرق في الخامسة قتل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن عبد العزيز انتهى وفيه قول ثالث بقطع اليد بعد اليد ثم الرجل بعد الرجل نقل عن أبي بكر وعمر ولا يصح وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن القاسم بن محمد أن أبا بكر قطع يد سارق في الثالثة ومن طريق سالم بن عبد الله أن أبا بكر انما قطع رجله وكان مقطوع اليد ورجال السندين ثقات مع انقطاعهما وفيه قول رابع تقطع الرجل اليسرى بعد اليمنى ثم لا قطع أخرجه عبد الرزاق من طريق الشعبي عن علي وسنده ضعيف ومن طريق أبي الضحى أن عليا نحوه ورجاله ثقات مع انقطاعه وبسند صحيح عن إبراهيم النخعي كانوا يقولون لا يترك بن آدم مثل البهيمة ليس له يد يأكل بها ويستنجي بها وبسند حسن عن عبد الرحمن بن عائذ أن عمر أراد أن يقطع في الثالثة فقال له علي اضربه وأحبسه ففعل وهذا قول النخعي والشعبي والاوزاعي والثوري وأبي حنيفة وفيه قول خامس قاله عطاء لا يقطع شئ من الرجلين أصلا على ظاهر الآية وهو قول الظاهرية قال بن عبد البر حديث القتل في الخامسة منكر وقد ثبت لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث وثبت السرقة فاحشة وفيها عقوبة وثبت عن الصحابة قطع الرجل بعد اليد وهم يقرءون والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما كما اتفقوا على الجزاء في الصيد وإن قتل خطأ وهم يقرءون ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ويمسحون على الخفين وهم يقرءون غسل الرجلين وانما قالوا جميع ذلك بالسنة ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث عائشة من طريقين
[ 89 ]
الاولى قوله عن عمرة قال الدارقطني في العلل اقتصر إبراهيم بن سعد وسائر من رواه عن بن شهاب على عمرة ورواه يونس عنه فزاد مع عمرة عروة قلت وحكى بن عبد البر أن بعض
الضعفاء وهو إسحاق الحنيني بمهملة ونونين مصغر رواه عن مالك عن الزهري عن عروة عن عمرة عن عائشة وكذا روى عن الاوزاعي عن الزهري قال بن عبد البر وهذان الاسنادان ليسا صحيحين وقول إبراهيم ومن تابعه هو المعتمد وكذا أخرجه الاسماعيلي من رواية زكريا بن يحيى وحمويه عن إبراهيم بن سعد ورواية يونس يجمعهما صحيحة قلت وقد صرح بن أخي بن شهاب عن عمه بسماعه له من عمرة وبسماع عمرة له من عائشة أخرجه أبو عوانة وكذا عند مسلم من وجه آخر عن عمرة أنها سمعت عائشة قوله تقطع اليد في ربع دينار في رواية يونس تقطع يد السارق وفي رواية حرملة عن بن وهب عند مسلم لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار وكذا عنده من طريق سليمان بن يسار عن عمرة قوله فصاعدا قال صاحب المحكم يختص هذا بالفاء ويجوز ثم بدلها ولا تجوز الواو وقال بن جني هو منصوب على الحال المؤكدة أي ولو زاد ومن المعلوم أنه إذا زاد لم يكن إلا صاعدا قلت ووقع في رواية سليمان بن يسار عن عمرة عند مسلم فما فوقه بدل فصاعدا وهو بمعناه قوله وتابعه عبد الرحمن بن خالد وابن أخي الزهري ومعمر عن الزهري أي في الاقتصار على عمرة ثم ساق رواية يونس وليس في أخره فصاعدا وقد أخرجه مسلم عن حرملة والاسماعيلي من طريق همام كلاهما عن بن وهب بإثباتها وأما متابعة عبد الرحمن بن خالد وهو بن مسافر فوصلها الذهلي في الزهريات عن عبد الله بن صالح عن الليث عنه نحو رواية إبراهيم بن سعد وقرأت بخط مغلطاي وقلده شيخنا بن الملقن أن الذهلي أخرجه في علل حديث الزهري عن محمد بن بكر وروح بن عبادة جميعا عن عبد الرحمن وهذا الذي قاله لا وجود له بل ليس لروح ولا لمحمد بن بكر عن عبد الرحمن هذا رواية أصلا وأما متابعة بن أخي الزهري وهو محمد بن عبد الله بن مسلم فوصلها أبو عوانة في صحيحه من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن بن أخي بن شهاب عن عمه وقرأت بخط مغلطاي وقلده شيخنا أيضا أن الذهلي أخرجه عن روح بن عبادة عنه قلت ولا وجود له أيضا وإنما أخرجه عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد وأما متابعة معمر فوصلها أحمد عن عبد الرزاق عنه وأخرجه مسلم من رواية عبد الرزاق لكن لم يسق لفظه وساق النسائي ولفظه تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا ووصلها أيضا هو وأبو عوانة
من طريق سعيد بن أبي عروبه عن معمر وقال أبو عوانة في أخره قال سعيد نبلنا معمرا رويناه عنه وهو شاب وهو بنون وموحدة ثقيلة أي صيرناه نبيلا قلت وسعيد أكبر من معمر وقد شاركه في كثير من شيوخه ورواه بن المبارك عن معمر لكن لم يرفعه أخرجه النسائي وقد رواه عن الزهر أيضا سليمان بن كثير أخرجه مسلم من رواية يزيد بن هارون عنه مقرونا برواية إبراهيم بن سعد قوله عن يونس في رواية مسلم عن حرملة وأبي داود عن أحمد بن صالح كلاهما عن بن وهب قوله حدثنا الحسين هو بن ذكوان المعلم وهو بصري ثقة وفي طبقه حسين بن واقد قاضي مرو وهو دونه في الاتقان قوله عن محمد بن عبد الرحمن الانصاري في رواية الاسماعيلي من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث سمعت أبي يقول حدثنا الحسين المعلم عن يحيى حدثني محمد بن عبد الرحمن الانصاري قال الاسماعيلي رواه حرب بن شداد
[ 90 ]
عن يحيى بن أبي كثير كذلك وقال همام بن يحيى عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن زرارة قلت نسب عبد الرحمن إلى جده وهو عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قال الاسماعيلي ورواه إبراهيم القناد عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان كذا حدثناه بن صاعد عن لوين عن القناد والذي قبله أصح وبه جزم البيهقي وأن من قال فيه بن ثوبان فقد غلط قلت وأخرجه النسائي من رواية عبد الرحمن بن أبي الرجال عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمرة عن عائشة مرفوعا ولفظه تقطع يد السارق في ثمن المجن وثمن المجن ربع دينار وأخرجه من طريق سليمان بن يسار عن عمرة بلفظ لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن قيل لعائشة ما ثمن المجن قالت ربع دينار وقد توبع حسين المعلم عن يحيى أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق هقل بن زياد عنه بلفظه قوله عن عمرة بنت عبد الرحمن حدثته أي أنها حدثته وكذا في قوله عن عائشة حدثتهم وقد جرت عادتهم بحذفها في مثل هذا كما أكثروا من حذف قال في مثل حدثنا عثمان حدثنا عبدة وفي مثل سمعت أبي حدثنا فلان وذكر بن الصلاح أنه لا بد من النطق بقال وفيه بحث ولم ينبه على حذف أن التي أشرت إليها وفي رواية عبد الصمد المذكورة أن عمرة حدثته أن عائشة
أم المؤمنين حدثتها قوله تقطع اليد في ربع دينار هكذا في هذه الرواية مختصرا وكذا في رواة مسلم وأخرجه أبو داود عن أحمد بن صالح عن بن وهب بلفظ القطع في ربع دينار فصاعدا وعن وهب بن بيان عن بن وهب بلفظ تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا وأخرجه النسائي من طريق عبد الله بن المبارك عن يونس بلفظ تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا ورواه مالك في رفعه صريحا لكنه في معنى المرفوع وأخرجه الطحاوي من رواية بن عيينة عن يحيى كذلك ومن رواية جماعة عن عمرة موقوفا على عائشة قال بن عيينة ورواية يحيى مشعرة بالرفع ورواية الزهري صريحة فيه وهو أحفظهم وقد أخرجه مسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة مثل رواية سليمان بن يسار عنها التي أشرت إليها آنفا وكذا أخرجه النسائي من طريق بن الهاد بلفظ لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا وأخرجه من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة موقوفا وحاول الطحاوي تعليل رواية أبي بكر المرفوعة برواية ولده الموقوفة وأبو بكر أتقن وأعلم من ولده على أن الموقوف في مثل هذا لا يخالف المرفوع لان الموقوف محمول على طريق الفتوى والعجب أن الطحاوي ضعف عبد الله بن أبي بكر في موضع آخر ورام هنا تضعيف الطريق القويمة بروايته وكأن البخاري أراد الاستظهار لرواية الزهري عن عمرة بموافقة محمد بن عبد الرحمن الانصاري عنها لما وقع في رواية بن عيينة عن الزهري من الاختلاف في لفظ المتن هل هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من فعله وكذا رواه بن عيينة عن غير الزهري فيما أخرجه النسائي عن قتيبة عنه عن يحيى بن سعيد وعبد ربه بن سعيد وزريق صاحب أيلة أنهم سمعوا عمرة عن عائشة قالت القطع في ربع دينار فصاعدا ثم أخرجه النسائي من طرق عن يحيى بن سعيد به مرفوعا وموقوفا وقال الصواب ما وقع في رواية مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة ما طال على العهد ولا نسيت القطع في ربع دينار فصاعدا وفي هذا إشارة إلى الرفع والله أعلم وقد تعلق بذلك بعض من لم يأخذ
[ 91 ]
بهذا الحديث فذكره يحيى بن يحيى وجماعة عن بن عيينة بلفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقطع السارق في ربع دينار فصاعدا أورده الشافعي والحميدي وجماعة عن بن عيينة بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقطع اليد الحديث وعلى هذا التعليل عول الطحاوي فأخرج الحديث عن يونس بن عبد الاعلى عن بن عيينة بلفظ كان يقطع وقال هذا الحديث لا حجة فيه لان عائشة إنما أخبرت عما قطع فيه فيحتمل أن يكون ذلك لكونها قومت ما وقع القطع فيه إذ ذاك فكان عندها ربع دينار فقالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع في ربع دينار مع احتمال أن تكون القيمة يومئذ أكثر وتعقب باستبعاد أن تجزم عائشة بذلك مستندة إلى ظنها المجرد وأيضا فاختلاف التقويم وان كان ممكن لكن محال في العادة أن يتفاوت هذا التفاوت الفاحش بحيث يكون عند قوم أربعة اضعاف قيمته عند آخرين وانما يتفاوت بزيادة قليلة أو نقص قليل ولا يبلغ المثل غالبا وادعى الطحاوي اضطراب الزهري في هذا الحديث لاختلاف الرواة عنه في لفظه ورد بأن من شرط الاضطراب أن تتساوى وجوهه فأما إذا رجح بعضها فلا ويتعين الاخذ بالراجح وهو هنا كذلك لان جل الرواة عن الزهري ذكروه عن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم على تقرير قاعدة شرعية في النصاب وخالفهم بن عيينة تارة ووافقهم تارة فالاخذ بروايته الموافقة للجماعة أولى وعلى تقدير أن يكون بن عيينة اضطرب فيه فلا يقدح ذلك في رواية من ضبطه وأما نقل الطحاوي عن المحدثين أنهم يقدمون بن عيينة في الزهري على يونس فليس متفقا عليه بل أكثرهم على العكس وممن جزم بتقديم يونس على سفيان في الزهري يحيى بن معين وأحمد بن صالح المصري وذكر أن يونس صحب الزهري أربع عشر سنة وكان يزامله في السفر وينزل عليه الزهري إذا قدم أيلة وكان يذكر أنه كان يسمع الحديث الواحد من الزهري مرارا وأما بن عيينة فانما سمع منه سنة ثلاث وعشرين ومائة ورجع الزهري فمات في التي بعدها ولو سلم أن بن عيينة أرجح في الزهري من يونس فلا معارضة بين روايتيهما فتكون عائشة أخبرت في الفعل والقول معا وقد وافق الزهري في الرواية عن عمرة جماعة كما سبق وقد وقع الطحاوي في معابه على من احتج بحديث الزهري مع اضطرابه على رأيه فأحتج بحديث محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن بن عباس قال قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا في مجن قيمته
دينار أو عشرة دراهم أخرجه أبو داود واللفظ له وأحمد والنسائي والحاكم ولفظ الطحاوي كان قيمة المجن الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم وهو أشد في الاضطراب من حديث الزهري فقيل عنه هكذا وقيل عنه عن عمرو بن شعيب عن عطاء عن بن عباس وقيل عنه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ولفظه كانت قيمة المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم وقيل عنه عن عمرو عن عطاء مرسلا وقيل عن عطاء عن أيمن أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته دينار كذا قال منصور والحكم بن عتيبة عن عطاء وقيل عن منصور عن مجاهد وعطاء جميعا عن أيمن وقيل عن مجاهد عن أيمن بن أم أيمن عن أم أيمن قالت لم يقطع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ثمن المجن وثمنه يومئذ دينار أخرجه النسائي ولفظ الطحاوي لا تقطع يد السارق إلا في حجفة وقومت يومئذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا أو عشرة دراهم وفي لفظ له أقل ما يقطع فيه السارق ثمن المجن وكان يقوم يومئذ بدينار واختلف
[ 92 ]
في لفظه أيضا على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فقال حجاج بن أرطاة عنه بلفظ لا قطع فيما دون عشرة دراهم وهذه الرواية لو ثبتت لكانت نصا في تحديد النصاب إلا أن حجاج بن أرطاة ضعيف ومدلس حتى ولو ثبت روايته لم تكن مخالفة لرواية الزهري بل يجمع بينهما بأنه كان أولا لا قطع فيما دون العشرة ثم شرع القطع في الثلاثة فما فوقها فزيد في تغليظ الحد كما زيد في تغليظ حد الخمر كما تقدم وأما سائر الروايات فليس فيها إلا أخبار عن فعل وقع في عهده صلى الله عليه وسلم وليس فيه تحديد النصاب فلا ينافي رواية بن عمر الآتية أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم وهو مع كونه حكاية فعل فلا يخالف حديث عائشة من رواية الزهري فأن ربع دينار صرفه ثلاثة دراهم وقد أخرج البيهقي من طريق بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن سليمان بن يسار عن عمرة قالت قيل لعائشة ما ثمن المجن قالت ربع دينار وأخرج أيضا من طريق بن إسحاق عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال أتيت بنبطي قد سرق فبعثت إلى عمرة فقالت أي بني ان لم يكن بلغ ما سرق ربع دينار فلا تقطعه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثتني عائشة أنه قال
لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا فهذا يعارض حديث بن إسحاق الذي اعتمده الطحاوي وهو من رواية بن إسحاق أيضا وجمع البيهقي بين ما اختلف في ذلك عن عائشة بأنها كانت تحدث به تارة وتارة تستفتى فتفتي واستند إلى ما أخرجه من طريق عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة ان جارية سرقت فسئلت عائشة فقالت القطع في ربع دينار فصاعدا الطريق الثاني لحديث عائشة قوله حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبدة هو بن سليمان ثم قال حدثنا عثمان حدثنا حميد بن عبد الرحمن وقد أخرجه مسلم عن عثمان هذا قال حدثنا عبدة بن سليمان وحميد بن عبد الرحمن جمعهما وضمهما إلى غيرهما فقال كلهم عن هشام وحميد بن عبد الرحمن هذا هو الرؤاسي بضم الراء ثم همزة خفيفة ثم سين مهملة وقد أخرجه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير عنه ونسب كذلك قوله عن أبيه أخبرتني عائشة أن يد السارق لم تقطع الخ وقع عند الاسماعيلي من طريق هارون بن إسحاق عن عبدة بن سليمان فيه زيادة قصة في السند ولفظه عن هشام بن عروة أن رجلا سرق قدحا فأتى به عمر بن عبد العزيز فقال هشام بن عروة قال أبي إن اليد لا تقطع في الشئ التافه ثم قال حدثتني عائشة وهكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن عبدة بن سليمان وهكذا رواه وكيع وغيره عن هشام لكن أرسله كله قوله لم يقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الا في ثمن مجن حجفة أو ترس المجن بكسر الميم وفتح الجيم مفعل من الاجتنان وهو الاستتار مما يحاذره المستتر وكسرت ميمه لانه آلة في ذلك والجحفة بفتح المهملة والجيم ثم فاء هي الدرقة وقد تكون من خشب أو عظم وتغلف بالجلد أو غيره والترس مثله لكن يطارق فيه بين جلدين وقيل هما بمعنى واحد وعلى الاول أو في الخبر للشك وهو المعتمد ويؤيده رواية عبد الله بن المبارك عن هشام التي تلي رواية حميد بن عبد الرحمن بلفظ في أدنى ثمن جحفة أو ترس كل واحد منهما ذو ثمن والتنوين في قوله ثمن للتكثير والمراد أنه ثمن يرغب فيه فأخرج الشئ التافه كما فهمه عروة راوي الخبر وليس المراد ترسا بعينه ولا حجفة بعينها وانما المراد الجنس وأن القطع كان يقع في كل شئ يبلغ قدر ثمن المجن سواء كان ثمن المجن كثيرا أو قليلا والاعتماد انما هو على الاقل فيكون نصابا ولا يقطع فيما دونه ورواية أبي أسامة عن هشام جامعة
[ 93 ]
بين الروايتين المذكورتين أولا وقوله فيها كان كل واحد منهما ذا ثمن كذا ثبت في الاصول وأفاد الكرماني أنه وقع في بعض النسخ وكان كل واحد منهما ذا ثمن كذا ثبت في الاصول وأفاد الكرماني في كان قوله رواه وكيع وابن إدريس عن هشام عن أبيه مرسلا أما رواية وكيع فأخرجها بن أبي شيبة في مصنفه عنه ولفظه عن هشام بن عروة عن أبيه قال كان السارق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقطع في ثمن المجن وكان المجن يومئذ له ثمن ولم يكن يقطع في الشئ التافه وأما رواية بن إدريس وهو عبد الله الاودي الكوفي فأخرجها الدارقطني في العلل والبيهقي من طريق يوسف بن موسى عن جرير وعبد الله بن إدريس ووكيع ثلاثتهم عن هشام عن أبيه أن يد السارق لم تقطع فذكر مثل سياق أبي أسامة سواء وزاد ولم يكن يقطع في الشئ التافه وقرأت بخط مغلطاي وتبعه شيخنا بن الملقن أن رواية بن إدريس عند عبد الرزاق عنه فيما ذكره الطبراني في الاوسط كذا قال الاسماعيلي ووصله أيضا عن هشام عمر بن علي المقدمي وعثمان الغطفان وعبد الله بن قبيصة الفزاري وأرسله أيضا عبد الرحيم بن سليمان وحاتم بن إسماعيل وجرير قلت وقد ذكرت رواية جرير وأما عبد الرحمن فاختلف عليه فقيل عنه مرسلا ووصله عنه أبو بكر بن أبي شيبة أخرجه مسلم تنبيه لم تختلف الرواة عن هشام بن عروة عن أبيه في هذا المتن وأما الزهري فاختلف عليه في سنده ولم يختلف عليه في المتن أيضا كما تقدم وهو حافظ فيحتمل أن يكون عروة حدثه به على الوجهين كما تقدم ويحتمل أن يكون لفظ عروة هو الذي حفظه هشام عنه وحمل يونس حديث عروة على حديث عمرة فساق على لفظ عمرة وهذا يقع لهم كثيرا ويشهد للاول أن النسائي أخرجه من طريق حفص بن حسان عن يونس عن الزهري عن عروة وحده عن عائشة بلفظ رواية بن عيينة ورواه أيضا من رواية القاسم بن مبرور عن يونس بهذا السند لكن لفظ المتن أو نصف دينار فصاعدا وهي رواية شاذة الحديث الثاني حديث بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم أورده من حديث مالك قال بن حزم لم يروه عن بن عمر إلا نافع وقال بن عبد البر هو أصح حديث روي
في ذلك قوله تابعه محمد بن إسحاق يعني عن نافع أي في قوله ثمنه وروايته موصولة عند الاسماعيلي من طريق عبد الله بن المبارك عن مالك ومحمد بن إسحاق وعبيد الله بن عمر ثلاثتهم عن نافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم وقد أخرجه المؤلف رحمه الله من رواية جريرية وهو بن أسماء مثل هذا السياق سواء ومن رواية عبيد الله وهو بن عمر أي العمري مثله ومن رواية موسى بن عقبة عن نافع بلفظ الله تعالى قطع النبي صلى الله عليه وسلم يد سارق مثله قوله وقال الليث حدثني نافع قيمته يعني أن الليث رواه عن نافع كالجماعة لكن قال قيمته بدل قولهم ثمنه ورواية الليث وصلها مسلم عن قتيبة ومحمد بن رمح عن الليث عن نافع عن بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم وأخرجه مسلم أيضا من رواية سفيان الثوري عن أبي أيوب السختياني وأيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية ومن رواية بن وهب عن حنظلة بن أبي سفيان ومالك وأسامة بن زيد كلهم عن نافع قال بعضهم ثمنه وقال بعضهم قيمته هذا لفظ مسلم ولم يميز وقد أخرجه أبو داود من رواية بن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن نافع ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع يد رجل سرق ترسا من صيغة النساء ثمنه ثلاثة دراهم
[ 94 ]
وأخرجه النسائي من رواية بن وهب عن حنظلة وحده بلفظ ثمنه ومن طريق مخلد بن يزيد عن حنظلة بلفظ قيمته فوافق الليث في قوله قيمته لكن خالف الجميع فقال خمسة دراهم وقول الجماعة ثلاثة دراهم هو المحفوظ وقد أخرجه الطحاوي من طريق عبيد الله بن عمر بلفظ قطع في مجن قيمته ومن رواية أيوب ومن رواية مالك قال مثله ومن رواية بن إسحاق بلفظ أتي برجل سرق حجفة قيمتها ثلاثة دراهم فقطعه تنبيه قوله قطع معناه أمر لانه صلى الله عليه وسلم لم يكن يباشر القطع بنفسه وقد تقدم في الباب قبله أن بلالا هو الذي باشر قطع يد المخزومية فيحتمل أن يكون هو الذي كان موكلا بذلك ويحتمل غيره وقوله قيمته قيمة الشئ ما تنتهي إليه الرغبة فيه وأصله قومة فأبدلت الواو ياء لوقوعها بعد كسره به المبيع عند البيع والذي يظهر أن المراد هنا القيمة وأن من رواه بلفظ قد يختلفان والمعتبر إنما هو القيمة ولعل
التعبير بالثمن لكونه صادف القيمة في ذلك الوقت في ظن الراوي أو باعتبار الغلبة وقد تمسك مالك بحديث بن عمر في اعتبار النصاب بالفضة وأجاب الشافعية وسائر من خالفه بأنه ليس في طرقه أنه لا يقطع في أقل من ذلك وأورد الطحاوي حديث سعد الذي أخرجه بن مالك أيضا وسنده ضعيف ولفظه لا يقطع السارق إلا في المجن قال فعلمنا أنه لا يقطع في أقل من ثمن المجن لكن اختلف في ثمن المجن ثم ساق حديث بن عباس قال كان قيمة المجن الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم قال فالاحتياط أن لا يقطع إلا فيما اجتمعت فيه هذه الآثار وهو عشرة ولا يقطع فيما دونها لوجود الاختلاف فيه وتعقب بأنه لو سلم في الدراهم لم يسلم في النص الصريح في ربع دينار كما تقدم إيضاحه ودفع ما أعله به والجمع بين ما اختلفت الروايات في ثمن المجن ممكن بالحمل على اختلاف الثمن والقيمة أو على تعدد المجان التي قطع فيها وهو أولى وقال بن دقيق العيد الاستدلال بقوله قطع في مجن على اعتبار النصاب ضعيف لانه حكاية فعل ولا يلزم من القطع في هذا المقدار عدم القطع فيما دونه بخلاف قوله يقطع في ربع دينار فصاعدا فأنه بمنطوقه يدل على أنه يقطع فيما إذا بلغ وكذا فيما زاد عليه وبمفهومه على أنه لا قطع فيما دون ذلك قال واعتماد الشافعي على حديث عائشة وهو قول أقوى في الاستدلال من الفعل المجرد وهو قوي في الدلالة على الحنفية لانه صريح في القطع في دون القدر الذي يقولون بجواز القطع فيه ويدل على القطع فيما يقولون به بطريق الفحوى وأما دلالته على عدم القطع في دون ربع دينار فليس هو من حيث منطوقه بل من حيث مفهومه فلا يكون حجة على من لا يقول بالمفهوم قلت وقرر الباجي طريق الاخذ بالمفهوم هنا فقال دل التقويم على أن القطع يتعلق بقدر معلوم وإلا فلا يكون لذكره فائدة وحينئذ فالمعتمد ما ورد به النص صريحا مرفوعا في اعتبار ربع دينار وقد خالف من المالكية في ذلك من القدماء بن عبد الحكم وممن بعدهم بن العربي فقال ذهب سفيان الثوري مع جلالته في الحديث إلى أن القطع لا يكون إلا في عشرة دراهم وحجته أن اليد محترمة بالاجماع فلا تستباح إلا بما أجمع عليه والعشرة متفق على القطع فيها عند الجميع فيتمسك به ما لم يقع الاتفاق على ما دون ذلك وتعقب
بأن الآية دلت على القطع في كل قليل وكثير وإذا اختلفت الروايات في النصاب أخذ بأصح ما ورد
[ 95 ]
في الاقل ولم يصح أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم فكان اعتبار ربع دينار أقوى من وجهين أحدهما أنه صريح في الحصر حيث ورد بلفظ لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا وسائر الاخبار الصحيحة الواردة حكاية فعل لا عموم فيها والثاني أن المعول عليه في القيمة الذهب لانه الاصل في جواهر الارض كلها ويؤيده ما نقل الخطابي استدلالا على أن أصل النقد في ذلك الزمان الدنانير بأن الصكاك القديمة كان يكتب فيها عشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل فعرفت الدراهم بالدنانير وحصرت بها والله أعلم وحاصل المذاهب في القدر الذي يقطع السارق فيه يقرب من عشرين مذهبا الاول يقطع في كل قليل وكثير تافها كان أو غير تافه نقل عن أهل الظاهر والخوارج ونقل عن الحسن البصري وبه قال أبو عبد الرحمن بن بنت الشافعي ومقابل هذا القول في الشذوذ ما نقله عياض ومن تبعه عن إبراهيم النخعي أن القطع لا يجب إلا في أربعين درهما أو أربعة دنانير وهذا هو القول الثاني الثالث مثل الاول إلا إن كان المسروق شيئا تافها لحديث عروة الماضي لم يكن القطع في شئ من التافه ولان عثمان قطع في فخارة خسيسة وقال لمن يسرق السياط لان عدتم لاقطعن فيه وقطع بن الزبير في نعلين أخرجهما بن أبي شيبة وعن عمر بن عبد العزيز أنه قطع في مد أو مدين الرابع تقطع في درهم فصاعدا وهو قول عثمان البتي بفتح الموحدة وتشديد المثناة من فقهاء البصرة وربيعة من فقهاء المدينة ونسبة القرطبي إلى عثمان فأطلق ظنا منه أنه الخليفة وليس كذلك الخامس في درهمين وهو قول الحسن البصري جزم به بن المنذر عنه السادس فيما زاد على درهمين ولو لم يبلغ الثلاثة أخرجه بن أبي شيبة بسند قوي عن أنس أن أبا بكر قطع في شئ ما يساوي درهمين وفي لفظ لا يساوي ثلاثة دراهم السابع في ثلاثة دراهم ويقوم ما عداها بها ولو كان ذهبا وهي رواية عن أحمد وحكاه الخطابي عن مالك الثامن مثله لكن إن كان المسروق ذهبا فنصابه ربع دينار وإن كان غيرهما فان بلغت قيمته ثلاثة دراهم قطع به وان لم تبلغ لم يقطع ولو كان نصف دينار وهذا قول مالك عند اتباعه
وهي رواية عن أحمد واحتج له بما أخرجه أحمد من طريق محمد بن راشد عن يحيى بن يحيى الغساني عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة مرفوعا اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا في أدنى من ذلك قالت وكان ربع دينار قيمته يومئذ ثلاثة دراهم والمرفوع من هذه الرواية نص في أن المعتمد والمعتبر في ذلك الذهب والموقوف منه يقتضي أن الذهب يقوم بالفضة وهذا يمكن تأويله فلا يرتفع به النص الصريح التاسع مثله إلا إن كان المسروق غيرهما قطع به إذا بلغت قيمته أحدهما وهو المشهور عن أحمد ورواية عن إسحاق العاشر مثله لكن لا يكتفي بأحدهما إلا إذا كانا غالبين فان كان أحدهما غالبا فهو المعول عليه وهو قول جماعة من المالكية وهو الحادي عشر الثاني عشر ربع دينار أو ما يبلغ قيمته من فضة أو عرض وهو مذهب الشافعي وقد تقدم تقريره وهو قول عائشة وعمرة وأبي بكر بن حزم وعمر بن عبد العزيز والاوزاعي والليث ورواية عن إسحاق وعن داود ونقله الخطابي وغيره عن عمر وعثمان وعلي وقد أخرجه بن المنذر عن عمر بسند منقطع أنه قال إذا أخذ السارق ربع دينار قطع ومن طريق عمرة أتى عثمان بسارق سرق أترجة قومت بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثنى عشر فقطع ومن طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا قطع في ربع دينار كانت قيمته درهمين ونصفا الثالث عشر أربعة
[ 96 ]
دراهم نقله عياض عن بعض الصحابة ونقله بن المنذر عن أبي هريرة وأبي سعيد الرابع عشر ثلث دينار حكاه بن المنذر عن أبي جعفر الباقر الخامس عشر خمسة دراهم وهو قول بن شبرمة وابن أبي ليلى من فقهاء الكوفة ونقل عن حسن البصري وعن سليمان بن يسار أخرجه النسائي وجاء عن عمر بن الخطاب لا تقطع الخمس إلا في خمس أخرجه بن المنذر من طريق منصور عن مجاهد عن سعيد بن المسيب عنه وأخرج بن أبي شيبة عن أبي هريرة وابن سعيد مثله ونقل أبو زيد الدبوسي عن مالك وشذ بذلك السادس عشر عشرة دينار أو ما بلغ قيمتها من ذهب أو عرض بن حزم عن طائفة وجزم بن المنذر بأنه قول النخعي الثامن عشر دينار أو عشرة دراهم أو ما يساوي أحدهما حكاه بن حزم أيضا وأخرجه بن المنذر عن علي بسند ضعيف وعن بن
مسعود بسند منقطع قال وبه قال عطاء التاسع عشر ربع دينار فصاعدا من الذهب على ما دل عليه حديث عائشة ويقطع في القليل والكثير من الفضة والعروض وهو قول بن حزم ونقل بن عبد البر نحوه عن داود واحتج بأن التحديد في الذهب ثبت صريحا في حديث عائشة ولم يثبت التحديد صريحا في غيره فبقي عموم الآية على حاله فيقطع فيما قل أو كثر إلا إذا كان الشئ تافها وهو موافق للشافعي إلا في قياس أحد النقدين على الآخر وقد أيده الشافعي بأن الصرف يومئذ كان موافقا لذلك واستدل بأن الدية على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الفضة اثنى عشر ألف دينار وتقدم في قصة الاترجة قريبا ما يؤيده ويخرج من تفصيل جماعة من المالكية أن التقويم يكون بغالب نقد البلد إن ذهبا فبالذهب وإن فضة فبالفضة تمام العشرين مذهبا وقد ثبت في حديث بن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم وثبت لا قطع في أقل من ثمن المجن وأقل ما ورد في ثمن المجن ثلاثة دراهم وهي موافقة للنص الصريح في القطع في ربع دينار وانما ترك القول بأن الثلاثة دراهم نصاب يقطع فيه مطلقا لان قيمة الفضة بالذهب تختلف فبقي الاعتبار بالذهب كما تقدم والله أعلم واستدل به على وجوب قطع السارق ولو لم يسرق من حرز وهو قول الظاهرية وأبي عبيد الله البصري من المعتزلة وخالفهم الجمهور فقالوا العام إذا خص منه شئ بدليل بقي ما عداه على عمومه وحجته سواء كان لفظه ينبئ عما ثبت في ذلك الحكم بعد التخصيص أم لا لان آية السرقة عامة في كل من سرق فخص الجمهور منها من سرق من غير حرز فقالوا لا يقطع وليس في الآية ما ينبئ عن اشتراط الحرز وطرد البصري أصله في الاشتراط المذكور فلم يشترط الحرز ليستمر الاحتجاج بالآية نعم وزعم بن بطال أن شرط الحرز مأخوذ من معنى السرقة فان صح ما قال سقطت حجة البصري أصلا واستدل به على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لان آية السرقة نزلت في سارق رداء صفوان أو سارق المجن وعمل بها الصحابة في غيرهما من السارقين واستدل بإطلاق ربع دينار على أن القطع يجب بما صدق عليه ذلك من الذهب سواء كان مضروبا أو غير مضروب جيدا كان أو رديئا وقد اختلف فيه الترجيح عند الشافعية ونص الشافعي في الزكاة فلى ذلك وأطلق في السرقة فجزم الشيخ أبو
حامد واتباعه بالتعميم هنا وقال الاصطخري لا يقع إلا في المضروب ورجحه الرافعي وقيد الشيخ أبو حامد النقل عن الاصطخري بالقدر الذي ينقص بالطبع واستدل بالقطع في المجن على
[ 97 ]
مشروعية القطع في كل ما يتمول قياسا واستثنى الحنفية ما يسرع إليه الفساد وما أصله الاباحة كالحجارة واللبن والخشب والملح والتراب والكلا والطير وفي رواية عن الحنابلة والراجح عندهم في مثل السرجين القطع تفريعا على جواز بيعه وفي هذا تفاريع أخرى محل بسطها كتب الفقه وبالله التوفيق الحديث الثالث حديث أبي هريرة في لعن السارق يسرق البيضة فيقطع ختم به الباب إشارة إلى أن طريق الجمع بين الاخبار أن يجعل حديث عمرة عن عائشة أصلا فيقطع في ربع دينار فصاعدا وكذا فيما بلغت قيمته ذلك فكأنه قال المراد بالبيضة ما يبلغ قيمتها ربع دينار فصاعدا وكذا الحبل ففيه إيماء إلى ترجيح ما سبق من التأويل الذي نقله الاعمش وقد تقدم البحث فيه قوله باب توبة السارق أي هل تفيده في رفع اسم الفسق عنه حتى تقبل شهادته أو لا وقد وقع في آخر هذا الباب قال أبو عبد الله إذا تاب السارق وقطعت يده قبلت شهادته وكذلك كل الحدود إذا تاب أصحابها قبلت شهادتهم وهو في رواية أبي ذر عن الكشميهني وحده وأبو عبد الله هو البخاري المصنف وقد تقدمت هذه المسألة في الشهادات فيما يتعلق في القاذف والسارق في ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال يحتمل أن يسقط كل حق لله بالتوبة قال وجزم به في كتاب الحدود وروى الربيع عنه أن حد الزنا لا يسقط وعن الليث والحسن لا يسقط شئ من الحدود أبدا قال وهو قول مالك عن الحنفية يسقط إلا الشرب وقال الطحاوي ولا يسقط إلا قطع الطريق لورود النص فيه والله أعلم وذكر في الباب حديث عائشة في قصة التي سرقت مختصرا ووقع في آخره وتابت وحسنت توبتها وقد تقدم شرحه مستوفى قبيل هذا ووجه مناسبته للترجمة وصف التوبة بالحسن فان ذلك يقتضي أن هذا الوصف يثبت للتائب المذكور فيعود لحالته التي كان عليها وحديث عبادة بن الصامت في البيعة وفيه ذكر السرقة وفي آخره فمن أصاب من ذلك شيئا فأخذ به في الدنيا فهو كفارة له
وطهور ووجه الدلالة منه أن الذي أقيم عليه الحد وصف بالتطهر فإذا انضم إلى ذلك أنه تاب فإنه يعود إلى ما كان عليه قبل ذلك فتضمن ذلك قبول شهادته أيضا والله أعلم قوله كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة كذا هذه الترجمة ثبتت للجميع هنا وفي كونها في هذا الموضع إشكال وأظنها مما انقلب على الذين نسخوا كتاب البخاري من المسودة والذي يظهر لي أن محلها بين كتاب الديات وبين استتابة المرتدين وذلك أنها تخللت بين أبواب الحدود فان المصنف ترجم كتاب الحدود وصدره بحديث لا يزني الزاني وهو مؤمن وفيه ذكر السرقة وشرب الخمر ثم بدأ بما يتعلق بحد الخمر في أبواب ثم بالسرقة كذلك فالذي يليق أن يثلث بأبواب الزنا على وفق ما جاء في الحديث الذي صدر به ثم بعد ذلك إما أن يقدم كتاب المحاربين وإما أن يؤخره والاولى أن يؤخره ليعقبه باب استتابة المرتدين فإنه يليق أن يكون من جملة أبوابه ولم أر من نبه على ذلك إلا الكرماني فإنه تعرض لشئ من ذلك في باب إثم الزناة ولم يستوفه كما سأنبه عليه ووقع في رواية النسفي زيادة قد يرتفع بها الاشكال وذلك أنه قال بعد قوله من أهل الكفر والردة فزاد ومن يجب عليه الحد في الزنا فان كان محفوظا فكأنه ضم حد الزنا إلى المحاربين لافظائه إلى القتل في بعض صوره بخلاف الشرب والسرقة
[ 98 ]
وعلى هذا فالاولى أن يبدل لفظ كتاب بباب وتكون الابواب كلها داخلة في كتاب الحدود قوله وقول الله إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية كذا لابي ذر وساق في رواية كريمة وغيرها إلى أو ينفوا من الارض قال بن بطال ذهب البخاري إلى أن آية المحاربة نزلت في أهل الكفر والردة وساق حديث العرنيين وليس فيه تصريح بذلك ولكن أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة حديث العرنيين وفي آخره قال بلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية ووقع مثله في حديث أبي هريرة وممن قال ذلك الحسن وعطاء والضحاك والزهري قال وذهب جمهور الفقهاء إلى أنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يسعى في الارض بالفساد ويقطع الطريق وهو قول مالك والشافعي والكوفيين ثم قال ليس هذا منافيا للقول الاول لانها وان نزلت في
العرنيين بأعيانهم لكن لفظها عام يدخل في معناه كل من فعل مثل فعلهم من المحاربة والفساد قلت بل هما متعايران والمرجع إلى تفسير المراد بالمحاربة فمن حملها على الكفر خص الآية بأهل الكفر ومن حملها على المعصية عمم ثم نقل بن بطال عن إسماعيل القاضي أن ظاهر القرآن وما مضى عليه عمل المسلمين يدل على أن الحدود المذكورة في هذه الآية نزلت في المسلمين واما الكفار فقد نزل فيهم فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب إلى آخر الآية فكان حكمهم خارجا عن ذلك وقال تعالى في آية المحاربة إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم وهي دالة على أن من تاب من المحاربين يسقط عنه الطلب بما ذكر بما جناه فيها ولو كانت الآية في الكافر لنفعته المحاربة ولكن إذا أحدث الحرابة مع كفره اكتفينا بما ذكر في الآية وسلم من القتل فتكون الحرابة خففت عنه القتل وأجيب عن هذا الاشكال بأنه لا يلزم من إقامة هذه الحدود على المحارب المرتد مثلا أن تسقط عنه المطالبة بالعود إلى الاسلام أو القتل وقد تقدم في تفسير المائدة ما نقله المصنف عن سعيد بن جبير أن معنى المحاربة لله الكفر به وأخرج الطبري من طريق روح بن عبادة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس في آخر قصة العرنيين قال فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله وأخرج نحوه من وجه آخر عن أنس وأخرج الاسماعيلي هناك من طريق مروان بن معاوية عن معاوية بن أبي العباس عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله قال هم من عكل قلت قد ثبت في الصحيحين أنهم كانوا من عكل وعرينة فقد وجد التصريح الذي نفاه بن بطال والمعتمد أن الآية نزلت أولا فيهم وهي تتناول بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطريق لكن عقوبة الفريقين مختلفة فان كانوا كفارا يخير الامام فيهم إذا ظفر بهم وإن كانوا مسلمين فعلى قولين أحدهما وهو قول الشافعي والكوفيين ينظر في الجناية فمن قتل قتل ومن أخذ المال قطع ومن لم يقتل ولم يأخذ مالا نفي وجعلوا أو للتنويع وقال مالك بل هي للتخيير فيتخير الامام في المحارب المسلم بين الامور الثلاثة ورجح الطبري الاول واختلفوا في المراد بالنفي في الآية فقال مالك والشافعي يخرج من بلد الجناية إلى بلدة أخرى زاد مالك فيحبس فيها
وعن أبي حنيفة بل يحبس في بلده وتعقب بأن الاستمرار في البلد ولو كان مع الحبس إقامة فهو ضد النفي فان حقيقة النفي الاخراج من البلد وقد قرنت مفارقة الوطن بالقتل قال تعالى ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم وحجة أبي حنيفة أنه لا يؤمن منه استمرار
[ 99 ]
المحاربة في البلدة الاخرى فافصل عنه مالك بأنه يحبس بها وقال الشافعي يكفيه مفارقة الوطن والعشيرة خذلانا وذلا ثم ذكر المصنف حديث أنس في قصة العرنيين أورده من طريق الوليد بن مسلم عن الآوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة مصرحا فيه بالتحديث في جميعه فأمن فيه من التدليس والتسوية وقد تقدم شرحه في باب أبوال الابل من كتاب الطهارة ووقع في هذا الموضع ففعلوا فصحوا فارتدوا وقتلوا رعاتها واستاقوا الابل قوله باب لم يحسم النبي صلى الله عليه وسلم المحاربين الخ الحسم بفتح الحاء وسكون السين المهملتين الكي بالنار لقطع الدم حسمته فانحسم كقطعته فانقطع وحسمت العرق معناه حبست دم العرق فمنعته أن يسيل وقال الداودي الحسم هنا أن توضع اليد بعد القطع في زيت حار قلت وهذا من صور الحسم وليس محصورا فيه وأورد فيه طرفا من قصة العرنيين مقتصرا على قوله قطع العرنيين ولم يحسمهم قال بن بطال انما ترك حسمهم لانه أراد إهلاكهم فأما من قطع في سرقة مثلا فإنه يجب حسمه لانه لا يؤمن معه التلف غالبا بنزف الدم قوله باب لم يسق المرتدين المحاربين حتى ماتوا كذا لهم بضم أوله على البناء للمجهول ولو كان بفتحه لنصب المحاربين وكان راجعا إلى فاعل يحسم في الباب الذي قبله وأورد فيه قصة العرنيين من وجه آخر عن أبي قلابة عن أنس تاما قوله حتى صحوا وسمنوا وقتلوا الراعي في رواية الكشميهني فقتلوا الراعي بالفاء وهي أوجه وحكى بن بطال عن المهلب أن الحكمة في ترك سقيهم كفرهم نعمة السقي التي أنعشتهم من المرض الذي كان بهم وقال فيه وجه آخر يؤخذ مما أخرجه بن وهب من مرسل سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما بلغه ما صنعوا عطش الله من عطش آل محمد الليلة قال فكان ترك سقيهم إجابة لدعوته صلى الله عليه وسلم قلت وهذا لا ينافي أنه عاقبهم بذلك كما ثبت أنه سملهم لكونهم سملوا أعين
الرعاة وانما تركهم حتى ماتوا لانه أراد إهلاكهم كما مضى في الحسم وأبعد من قال إن تركهم بلا سقي لم يكن بعلم النبي صلى الله عليه وسلم وقوله في هذه الطريق قالوا أبغنا بهمزة قطع ثم موحدة ثم معجمة أي أطلب لنا يقال أبغاه كذا طلبه له وقوله رسلا بكسر الراء وسكون المهملة أي لبنا وقوله ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تجريد وسياق الكلام يقتضي أن يقول بابلي ولكنه كقول كبير القوم يقول لكم الامير مثلا ومنه قول الخليفة يقول لكم أمير المؤمنين وتقدم في غير هذه الطريق وهوفي الباب الاول أيضا بلفظ فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة فجمع بعضهم بين الروايتين بأنه صلى الله عليه وسلم كانت له إبل ترعى وإبل الصدقة في جهة واحدة فدل كل من الصنفين على الصنف الاخر وقيل بل الكل إبل الصدقة وإضافتها إليه إضافة التبعية لكونه تحت حكمه ويؤيد الاول ما ذكر قريبا من تعطيش آل محمد لانهم كانوا لا يتناولون الصدقة قوله باب بالتنوين سمر النبي صلى الله عليه وسلم بفتح السين المهملة والميم بالفعل الماضي ويجوز مضافا بغير تنوين مع سكون الميم وأورد فيه حديث العرنيين من وجه آخر عن أيوب وقوله فيه حتى جئ بهم في رواية الكشميهني أتى بهم وقوله وسمر أعينهم ووقع في رواية الاوزاعي في أول المحاربين وسمل باللام وهما بمعنى قال بن التين وغيره وفيه نظر قال عياض سمر العين بالتخفيف كحلها بالمسمار المحمي فيطلق السمل فإنه فسر بأن يدنى من العين حديدة محماة حتى يذهب نظرها فيطلق الاول بأن تكون الحديدة مسمارا قال وضبطناه
[ 100 ]
بالتشديد في بعض النسخ والاول أوجه وفسروا السمل بأنه فق ء العين بالشوك وليس هو المراد تنبيه أشكل قوله في آية المحاربين ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم مع حديث عبادة الدال على أن من أقيم عليه الحد في الدنيا كان له كفارة فان ظاهر الآية أن المحارب يجمع له الامران والجواب أن حديث عبادة مخصوص بالمسلمين بدليل أن فيه ذكر الشرك مع ما انضم إليه من المعاصي فلما حصل الاجماع على أن الكافر إذا قتل على شركه فمات مشركا أن ذلك القتل لا يكون كفارة له قام إجماع أهل السنة على أن من أقيم عليه الحد من أهل
المعاصي كان ذلك كفارة لاثم معصيته والذي يضبط ذلك قوله تعالى ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء والله أعلم قوله باب فضل من ترك الفواحش جمع فاحشة وهي كل ما اشتد قبحه من الذنوب فعلا أو قولا وكذا الفحشاء والفحش ومنه الكلام الفاحش ويطلق غالبا على الزنا فاحشة ومنه قوله تعالى ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وأطلقت على اللواط باللام العهدية في قول لوط عليه السلام لقومه أتأتون الفاحشة ومن ثم كان حده حد الزاني عند الاكثر وزعم الحليمي أن الفاحشة أشد من الكبيرة وفيه نظر ثم ذكر فيه حديثين أحدهما حديث أبي هريرة في السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله والمقصود منه قوله فيه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها فقال إني أخاف الله تعالى وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الزكاة ويلتحق بهذا الخصلة من وقع له نحوها كالذي دعا شابا جميلا لان يزوجه ابنة له جميلة كثيرة الجهاز جدا لينال منه الفاحشة فعفى الشاب عن ذلك وترك المال والجمال وقد شاهدت ذلك وقوله في أول السند حدثنا محمد غير منسوب فقال أبو علي الغساني وقع في رواية الاصيلي محمد بن مقاتل وفي رواية القابسي محمد بن سلام والاول هو الصواب لان عبد الله هو بن المبارك وابن مقاتل معروف بالرواية عنه قلت ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هذا الحديث الخاص عند بن سلام والذي أشار إليه الغساني قاعدة في التفسير من أبهم واستمر إبهامه فيكون كثرة أخذه وملازمته قرينة في تعيينه أما إذا أورد التنصيص عليه فلا وقد صرح أيضا بأنه محمد بن سلام أبو ذر في روايته عن شيوخه الثلاثة وكذا هو في بعض النسخ من رواية كريمة وأبي الوقت الحديث الثاني قوله عمر بن علي هو المقدمي نسبة إلى جده مقدم بوزن محمد وهو عم محمد بن أبي بكر الراوي عنه وهو موصوف بالتدليس لكنه صرح بالتحديث في هذه الرواية وقد أورده في الرقاق عن محمد بن أبي بكر وحده وقرنه هنا بخليفة وساقه على لفظ خليفة قوله من توكل لي أي تكفل وقد ذكرت في الرقاق من رواه بلفظ تكفل وبلفظ حفظ وهو هناك بلفظ تضمن وأصل التوكل الاعتماد على الشئ والوثوق به وقوله توكلت له من باب المقابلة وقوله ما بين رجليه أي فرجه ولحييه بفتح اللام وهو منبت اللحية والاسنان ويجوز كسر اللام وثني لان له أعلى
وأسفل والمراد به اللسان وقيل النطق وقد ترجم له في الرقاق حفظ اللسان وتقدم شرحه مستوفى هناك وقوله في آخره له بالجنة كذا للاكثر وفي رواية أبي ذر عن المستملي والسرخسي بحذف الباء ويقرأ بالنصب على نزع الخافض أو كأنه ضمن توكلت معنى ضمنت قوله باب إثم الزناة بضم أوله جمع زان كرماة ورام قوله وقول الله تعالى ولا يزنون يشير إلى الآية التي في الفرقان وأولها والذين لا يدعون مع الله إلها آخر والمراد قوله في الآية التي بعدها
[ 101 ]
ومن يفعل ذلك يلق أثاما وكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه وهو في أخر طريق مسدد عن يحيى القطان فقال متصلا بقوله حليلة جارك قال فنزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله ولا يزنون ووقعت في الادب من طريق جرير عن الاعمش وساق إلى قوله يلق أثاما ولم يقع ذلك في رواية جرير عن منصور كما بينه مسلم وأخرجه الترمذي من طريق شعبة والنسائي من طريق مالك بن مغول كلاهما عن واصل الاحدب وساقه إلى قوله تعالى ويخلد فيه مهانا ووقع لغير أبي ذر بحذف الواو في قوله وقول الله قوله ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة زاد في رواية النسفي إلى آخر الآية والمشهور في الزنا القصر وجاء المد في بعض اللغات وذكر في الباب أربعة أحاديث الحديث الاول قوله حدثنا في رواية غير أبي ذر والنسفي أخبرنا قوله داود بن شبيب بمعجمة وموحدة وزن عظيم هو الباهلي يكنى أبا سليمان بصري صدوق قاله أبو حاتم وقال البخاري مات سنة اثنتين وعشرين قلت ولم يخرج عنه إلا في هذا الحديث هنا فقط وقد تقدم في العلم من طريق شعبة عن قتادة بزيادة في أوله وتقدم شرحه في كتاب العلم والغرض منه قوله في ويظهر الزنا أي يشيع ويشتهر بحيث لا يتكاتم به لكثرة من يتعاطاه وقد تقدم سبب قول أنس لا يحدثكموه أحد بعدي الحديث الثاني حديث بن عباس لا يزني الزاني وقد تقدم شرحه مستوفى في شرح حديث أبي هريرة في أول الحدود وقول بن جرير ان بعضهم رواه بصيغة النهي لا يزنين مؤمن وأن بعضهم حمله على المستحل وساقه بسنده عن بن عباس وإسحاق من يوسف المذكور في السند هو الواسطي المعروف
بالازرق والفضيل بفاء ومعجمة مصغر وأبوه غزوان بغين معجمة ثم زاي ساكنة بوزن شعبان وقوله في قال عكرمة الخ هو موصول بالسند المذكور وقوله وشبك بين اصابعه في رواية الاسماعيلي من طريق إسماعيل بن هود الواسطي عن خالد الذي أخرجه البخاري من طريقه وقال هكذا فوصف صفة لا أحفظها وقد قدمت الكلام على الصفة المذكورة هناك قال الترمذي بعد تخريج حديث أبي هريرة وحكاية تأويل لا يزني الزاني وهو مؤمن لا نعلم أحدا كفر أحدا بالزنا والسرقة والشرب يعني ممن يعتد بخلافه قال وقد روى عن أبي جعفر يعني الباقر أنه قال في هذا خرج من الايمان إلى الاسلام يعني أنه جعل الايمان أخص من الاسلام فإذا خرج من الايمان بقي في الاسلام وهذا يوافق قول الجمهور إن المراد بالايمان هنا كماله لا أصله والله أعلم الحديث الثالث حديث أبي هريرة في ذلك وقد مضى الكلام عليه وعلى قوله في آخره والتوبة معروضة بعد الحديث الرابع حديث عبد الله هو بن مسعود قوله عمرو بن علي هو الفلاس ويحيى هو بن سعيد القطان وسفيان هو الثوري ومنصور هو بن المعتمر وسليمان هو الاعمش وأبو وائل هو شقيق وأبو ميسرة هو عمرو بن شرحبيل وواصل المذكور في السند الثاني هو بن حيان بمهملة وتحتانية ثقيلة هو المعروف بالاحدب ورجال السند من سفيان فصاعدا كوفيون وقوله قال عمرو هو بن علي المذكور فذكرته لعبد الرحمن يعني بن مهدي وكان حدثنا هكذا ذكره البخاري عن عمرو بن علي قدم رواية يحيى على رواية عبد الرحمن وعقبها بالفاء وقال الهيثم بن خلف فيما أخرجه الاسماعيلي عنه عن عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي فساق روايته وحذف ذكر واصل من السند ثم قال وقال
[ 102 ]
عبد الرحمن مرة عن سفيان عن منصور والاعمش وواصل فقلت لعبد الرحمن حدثنا يحيى بن سعيد فذكره فقال عبد الرحمن دعه والحاصل أن الثوري حدث بهذا الحديث عن ثلاثة أنفس حدثوه به عن أبي وائل فأما الاعمش ومنصور فأدخلا بين أبي وائل وبين بن مسعود أبا ميسرة وأما واصل فحذفه فضبطه يحيى القطان عن سفيان هكذا مفصلا وأما عبد الرحمن فحدث
به أولا بغير تفصيل فحمل رواية واصل على رواية منصور والاعمش فجمع الثلاثة وأدخل أبا ميسرة في السند فلما ذكر له عمرو بن علي أن يحيى فصله كأنه تردد فيه فاقتصر على التحديث به عن سفيان عن منصور والاعمش حسب وترك طريق واصل وهذا معنى قوله فقال دعه دعه أي اتركه والضمير للطريق التي اختلف فيها وهي رواية واصل وقد زاد الهيثم بن خلف في روايته بعد قوله دعه فلم يذكر فيه واصلا بعد ذلك فعرف أن معنى قوله دعه أي اترك السند الذي ليس فيه ذكر أبي ميسرة وقال الكرماني حاصله أن أبا وائل وان كان قد روى كثيرا عن عبد الله فان هذا الحديث لم يروه عنه قال وليس المراد بذلك الطعن عليه لكن ظهر له ترجيح الرواية بإسقاط الواسطة وافقه الاكثرين كذا قال والذي يظهر ما قدمته أنه تركه من أجل التردد فيه لان ذكر أبي ميسرة إن كان في أصل رواية واصل فتحديثه به بدونه يستلزم أنه طعن فيه بالتدليس أو بقلة الضبط وان لم يكن قي روايته في الاصل فيكون زاد في السند ما لم يسمعه فاكتفى برواية الحديث عمن لا تردد عنده فيه وسكت عن غيره وقد كان عبد الرحمن حدث به مرة عن سفيان عن واصل وحده بزيادة أبي ميسرة كذلك أخرجه الترمذي والنسائي لكن الترمذي بعد أن ساقه بلفظ واصل عطف عليه بالسند المذكور طريق سفيان عن الاعمش ومنصور قال بمثله وكأن ذلك كان في أول الامر وذكر الخطيب هذا السند مثالا لنوع من أنواع مدرج الاسناد وذكر فيه أن محمد بن كثير وافق عبد الرحمن على روايته الاولى عن سفيان فيصير الحديث عن الثلاثة بغير تفصيل قلت وقد أخرجه البخاري في الادب عن محمد بن كثير لكن اقتصر من السند على منصور وأخرجه أبو داود عن محمد بن كثير فضم الاعمش إلى المنصور وأخرجه الخطيب من طريق الطبراني عن أبي مسلم الليثي عن معاذ بن المثني ويوسف القاضي ومن طريق أبي العباس البرقي ثلاثتهم عن محمد بن كثير عن سفيان عن الثلاثة وكذا أخرجه أبو نعيم في المستخرج عن الطبراني وفيه ما تقدم وذكر الخطيب الاختلاف فيه على منصور وعلى الاعمش في ذكر أبي ميسرة وحذفه ولم يختلف فيه على واصل في إسقاطه في غير رواية سفيان قلت وقد أخرجه الترمذي والنسائي من رواية شعبة عن واصل بحذف أبي ميسرة لكن قال الترمذي رواية منصور أصح
يعني بإثبات أبي ميسرة وذكر الدارقطني الاختلاف فيه وقال رواه الحسن بن عبيد الله عن أبي وائل عن عبد الله كقول واصل ونقل عن الحافظ أبي بكر النيسابوري أنه قال يشبه أن يكون الثوري جمع بين الثلاثة لما حدث به بن مهدي ومحمد بن كثير وفصله لما حدث به غيرهما يعني فيكون الادراج من سفيان لا من عبد الرحمن والعلم عند الله تعالى وقد تقدم الكلام على شئ من هذا في تفسير سورة الفرقان قوله أي الذنب أعظم هذه رواية الاكثر ووقع في رواية عاصم عن أبي وائل عن عبد الله أعظم الذنوب عند الله أخرجها الحارث وفي رواية مسدد الماضية في كتاب الادب أي الذنب عند الله أكبر وفي رواية أبي عبيدة بن معن عن الاعمش أي الذنوب أكبر
[ 103 ]
عند الله وفي رواية الاعمش ش عند أحمد وغيره أي الذنب أكبر وفي رواية الحسن بن عبيد الله عن أبي وائل أكبر الكبائر قال بن بطال عن المهلب يجوز أن يكون بعض الذنوب أعظم من بعض من الذنبين المذكورين في هذا الحديث بعد الشرك لانه لا خلاف بين الآية أن اللواط أعظم إثما من الزنا فكأنه صلى الله عليه وسلم إنما قصد بالاعظم هنا ما تكثر مواقعته ويظهر الاحتياج إلى بيانه في الوقت كما وقع في حق وفد عبد القيس حيث اقتصر في منهياتهم على ما يتعلق بالاشربة لفشوها في بلادهم قلت وفيما قال نظر من أوجه أحدها ما نقله من الاجماع ولعله لا يقدر ان يأتي بنقل صحيح صريح بما ادعاه عن إمام واحد بل المنقول عن جماعة عكسه فان الحد عند الجمهور والراجح من الاقوال انما ثبت فيه بالقياس على الزنا والمقيس عليه أعظم من المقيس أو مساويه والخبر الوارد في قتل الفاعل والمفعول به أو رجمهما ضعيف واما ثانيا فما من مفسدة فيه إلا ويوجد مثلها في الزنا وأشد ولو لم يكن الا ما قيد به في الحديث المذكور فان المفسدة فيه شديدة جدا ولا يتأتى مثلها في الذنب الآخر وعلى التنزل فلا يزيد واما ثالثا ففيه مصادمة للنص الصريح على الاعظمية من غير ضرورة إلى ذلك وأما رابعا فالذي مثل به من قصة الاشربة ليس فيه إلا أنه اقتصر لهم على بعض المناهي وليس فيه تصريح ولا إشارة بالحصر في الذي اقتصر عليه والذي يظهر أن كلا من الثلاثة على ترتيبها في العظم ولو جاز أن يكون فيما لم
يذكره شئ يتصف بكونه أعظم منها لما طابق الجواب السؤال نعم يجوز أن يكون فيما لم يذكر شئ يساوي ما ذكر فيكون التقدير في المرتبة الثانية مثلا بعد القتل الموصوف وما يكون في الفحش مثله أو نحوه لكن يستلزم أن يكون فيما لم يذكر في المرتبة الثانية شئ هو أعظم مما ذكر في المرتبة الثالثة ولا محذور في ذلك وأما ما مضى في كتاب الادب من عد عقوق الوالدين في أكبر الكبائر لكنها ذكرت بالواو فيجوز أن تكون رتبة رابعة وهي أكبر مما دونها قوله حليلة جارك بفتح الحاء المهملة وزن عظيمة أي التي يحل له وطؤها وقيل التي تحل معه في فراش واحد وقوله أجل أن يطعم معك بفتح اللام أي من أجل فحذف الجار فانتصب وذكر الاكل لانه كان الاغلب من حال العرب وسيأتي الكلام بقية شرح هذا الحديث في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى قوله باب رجم المحصن هو بفتح الصاد المهملة من الاحصان ويأتي بمعنى العفة والتزويج والاسلام والحرية لان كلا منها يمنع المكلف من عمل الفاحشة قال بن القطاع رجل محصن بكسر الصاد على القياس وبفتحها على غير قياس قلت يمكن تخريجه على القياس وهو أن المراد هنا من له زوجة عقد عليها ودخل بها وأصابها فكأن الذي زوجها له أو حمله على التزويج بها ولو كانت نفسه أحصنة أي جعله في حصن من العفة أو منعه من عمل الفاحشة وقال الراغب يقال للمتزوجة محصنة أي أن زوجها أحصنها ويقال امرأة محصن بالكسر إذا تصور حصنها من نفسها وبالفتح إذا تصور حصنها من غيرها ووقع هنا قبل الباب عند بن بطال كتاب الرجم ولم يقع في الروايات المعتمدة قال بن المنذر اجمعوا على أنه لا يكون الاحصان بالنكاح الفاسد ولا الشبه وخالفهم أبي ثور فقال يكون محصنا واحتج بأن النكاح الفاسد يعطي أحكام الصحيح في تقدير المهر ووجوب العدة ولحق الولد وتحريم الربيبة وأجيب بعموم أدرءوا الحدود قال واجمعوا على أنه لا يكون بمجرد العقد محصنا واختلفوا إذا دخل بها وادعى أنه لم
[ 104 ]
يصبها قال حتى تقوم البينة أو يوجد منه إقرار أو يعلم له منها ولد وعن بعض المالكية إذا زنى أحد الزوجين واختلفا في الوطئ لم يصدق الزاني ولو لم يمض لهما إلا ليلة وأما قبل الزنا فلا يكون محصنا
ولو أقام معها ما أقام واختلفوا إذا تزوج الحر أمة هل تحصنه فقال الاكثر نعم وعن عطاء والحسن وقتادة والثوري والكوفيين وأحمد وإسحاق لا واختلفوا إذا تزوج كتابية فقال إبراهيم وطاوس والشعبي لا تحصنه وعن الحسن لا تحصنه حتى يطأها في الاسلام أخرجهما بن أبي شيبة وعن جابر بن زيد وابن المسيب محصنه وبه قال عطاء وسعيد بن جبير وقال بن بطال أجمع الصحابة وأئمة الامصار على أن المحصن إذا زنى عامدا عالما مختارا فعليه الرجم ودفع ذلك الخوارج وبعض المعتزلة واعتلوا بأن الرجم لم يذكر في القرآن وحكاه بن العربي عن طائفة من أهل المغرب لقيهم وهم من بقايا الخوارج واحتج الجمهور بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم وكذلك الائمة بعده ولذلك أشار علي رضي الله عنه بقوله في أول أحاديث الباب ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت في صحيح مسلم عن عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب الرجم وسيأتي في باب رجم الحبلى من الزنا من حديث عمر أنه خطب فقال ان الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه القرآن فكان مما أنزل آية الرجم ويأتي الكلام عليه هنا مستوفى إن شاء الله تعالى قوله وقال الحسن هو البصري كذا للاكثر والكشميهني وحده وقال منصور بدل الحسن وزيفوه قوله من زنا بأخته فحده حد الزاني في رواية الكشميهني الزنا وصله بن أبي شيبة عن حفص بن غياث قال سألت عمر ما كان الحسن يقول فيمن تزوج ذات محرم وهو يعلم قال عليه الحد وأخرج بن أبي شييبة من طريق جابر بن زيد وهو أبي الشعثاء التابعي المشهور فيمن أتى ذات محرم منه قال تضرب عنقه ووجه الدلالة من حديث علي أنه قال رجمتها بسنة رسول الله فأنه لم يفرق بين ما إذا كان الزنا بمحرم أو بغير محرم وأشار البخاري إلى ضعف الخبر الذي ورد في قتل من زنى بذات محرم وهو ما رواه صالح بن راشد قال أتى الحجاج برجل قد اغتصب أخته على نفسها فقال سلوا من هنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله بن المطرف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من تخطى الحرمتين فخطوا وسطه بالسيف فكتبوا إلى بن عباس فكتب إليهم بمثله ذكره بن أبي حاتم في العلل ونقل عن أبيه أنه روى عن مطرف بن عبد الله بن الشخير من قوله قال ولا أدري أهو
هذا أو لا يشير إلى تجويز أن يكون الراوي غلط في قوله عبد الله بن مطرف وفي قوله سمعت وانما هو مطرف بن عبد الله ولا صحبة له وقال بن عبد البر يقولون إن الراوي غلط فيه وأثر مطرف الذي أشار إليه أبو حاتم أخرجه بن أبي شيبة من طريق بكر بن عبد الله المزي قال أتى الحجاج برجل قد وقع على ابنته وعنده مطرف بن عبد الله بن الشخير وأبو بردة فقال أحدهما اضرب عنقه فضربت عنقه قلت والراوي عن صالح بن راشد ضعيف وهو رفدة بكسر الراء وسكون الفاء ويوضح ضعفه قوله فكتبوا إلى بن عباس وابن عباس مات قبل أن يلي الحجاج الامارة بأكثر من خمس سنين ولكن له طريق أخرى إلى بن عباس أخرجها الطحاوي وضعف راويها وأشهر حديث في الباب حديث البراء لقيت خالي ومعه الراية فقال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أضرب عنقه أخرجه أحمد وأصحاب السنن وفي سنده
[ 105 ]
اختلاف كثير وله شاهد من طريق معاوية بن مرة عن أبيه أخرجه بن ماجة والدارقطني وقد قال بظاهره أحمد وحمله الجمهور على من استحل ذلك بعدم العلم بتحريمه بقرينة الامر بأخذ ماله وقسمته ثم ذكر في الباب ثلاثة أحاديث الحديث الاول قوله حدثنا سلمة بن كهيل في رواية علي بن الجعد عن شعبة عن سلمة ومجالد أخرجه الاسماعيلي وذكر الدارقطني أن قعنب بن محرز رواه عن وهب بن جرير عن شعبة عن سلمة عن مجالد وهو غلط والصواب سلمة ومجالد قوله سمعت الشعبي عن علي أي يحدث عن علي وقد بعضهم كالحازمي في هذا الاسناد بأن الشعبي لم يسمعه من علي قال الاسماعيلي رواه عصام بن يوسف عن شعبة فقال عن سلمة عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي وكذا ذكر الدارقطني عن حسين بن محمد عن شعبة ووقع في رواية قعنب المذكورة عن الشعبي عن أبيه عن علي وجزم الدارقطني بأن الزيادة في الاسنادين وهم وبأن الشعبي سمع هذا الحديث من علي قال ولم يسمع عنه غيره قوله حين رجم المرأة يوم الجمعة في رواية علي بن الجعد أن عليا أتى بامرأة زنت فضربها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وكذا عند النسائي من طريق بهز بن أسد عن شعبة والدار قطني من طريق أبي حصين بفتح أوله عن الشعبي
قال أتى علي بشراحة وهي بضم الشين المعجمة وتخفيف الراء ثم حاء مهملة الهمدانية بسكون الميم وقد فجرت فردها حتى ولدت وقال ائتوني بأقرب النساء منها فأعطاها الولد ثم رجمها ومن طريق حصين بالتصغير عن الشعبي قال أتى علي بمولاة لسعيد بن قيس فجرت وفي لفظ وهي حبلى فضربها مائة ثم رجمها وذكر بن عبد البر أن في تفسير سنيد بن داود من طريق أخرى إلى الشعبي قال أتى علي بشراحة فقال لها لعل رجلا استكرهك قالت لا قال فلعله أتاك وأنت نائمة قالت لا قال لعل زوجك من عدونا قالت لا فأمر بها فحبست فلما وضعت أخرجها يوم الخميس فجلدها مائة ثم ردها إلى الحبس فلما كان يوم الجمعة حفر لها ورجمها ولعبد الرزاق من وجه آخر عن الشعبي أن عليا لما وضعت أمر لها بحفرة في السوق ثم قال ان أولى الناس أن يرجم الامام إذا كان بالاعتراف فان كان الشهود فالشهود ثم رماها قوله رجمتها بسنة رسول الله زاد علي بن الجعد وجلدتها بكتاب الله زاد إسماعيل بن سالم في أوله عن الشعبي قيل لعلي جمعت حدين فذكره وفي رواية عبد الرزاق أجلدها بالقرآن وأرجمها بالسنة قال الشعبي وقال أبي بن كعب مثل ذلك قال الحازمي ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن المنذر إلى أن الزاني المحصن يجلد ثم يرجم وقال الجمهور وهي رواية عن أحمد أيضا لا يجمع بينهما وذكروا أن حديث عبادة منسوخ يعني الذي أخرجه مسلم بلفظ الثيب بالثيب جلد مائة والرجم والبكر بالبكر جلد مائة والنفي والناسخ له ما ثبت في قصة ماعز أن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر الجلد قال الشافعي فدلت السنة على أن الجلد ثابت على البكر وساقط عن الثيب والدليل على أن قصة ماعز متراخية عن حديث عبادة أن حديث عبادة ناسخ لما شرع أولا من حبس الزاني في البيوت فنسخ الحبس بالجلد وزيد الثيب الرجم وذلك صريح في حديث عبادة ثم نسخ الجلد في حق الثيب وذلك مأخود من الاقتصار في قصة ماعز على الرجم وذلك في قصة الغامدية والجهنية واليهوديين لم يذكر الجلد مع الرجم وقال بن المنذر عارض بعضهم الشافعي فقال الجلد ثابت في كتاب الله والرجم ثابت بسنة رسول الله كما قال علي وقد ثبت الجمع بينهما في حديث عبادة وعمل به علي ووافقه أبي وليس في قصة
[ 106 ]
ماعز ومن ذكر معه تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم لاحتمال أن يكون ترك ذكره لوضوحه ولكونه الاصل فلا يرد ما وقع التصريح به بالاحتمال وقد احتج الشافعي بنظير هذا حين عورض ايجابه العمرة بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من سأله أن يحج عن أبيه ولم يذكر العمرة فأجاب الشافعي بأن السكوت عن ذلك لا يدل على سقوطه قال فكذا ينبغي أن يجاب هنا قلت وبهذا ألزم الطحاوي أيضا الشافعية ولهم أن ينفصلوا لكن في بعض طرقه حج عن أبيك وأعتمر كما تقدم بيانه في كتاب الحج فالتقصير في ترك ذكر العمرة من بعض الرواة وأما قصة ماعز فجاءت من طرق متنوعة بأسانيد مختلفة لم يذكر في شئ منها أنه جلد وكذلك الغامدية والجهنية وغيرهما وقال في ماعز اذهبوا فارجموه وكذا في حق غيره ولم يذكر الجلد فدل ترك ذكره على عدم وقوعه ودل عدم وقوعه على عدم وجوبه ومن المذاهب المستغربة ما حكاه بن المنذر وابن حزم عن أبي بن كعب زاد بن حزم وأبي ذر وابن عبد البر عن مسروق أن الجمع بين الجلد والرجم خاص بالشيخ والشيخة وأما الشاب فيجلد إن لم يحصن ويرجم إن أحصن فقط وحجتهم في ذلك حديث الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة كما سيأتي بيانه في الكلام على حديث عمر في باب رجم الحبلى من الزنا وقال عياض شذت فرقة من أهل الحديث فقالت الجمع على الشيخ الثيب دون الشاب ولا أصل له وقال النووي هو مذهب باطل كذا قال هو نفى أصله ووصفه بالبطلان إن كان المراد به طريقه فليس بجيد لانه ثابت كما سأبينه في باب البكران يجلدان وان كان المراد دليله ففيه نظر أيضا لان الآية وردت بلفظ الشيخ ففهم هؤلاء من تخصيص الشيخ بذلك أن الشاب أعذر منه في الجملة فهو معنا مناسب وفيه جمع بين الادلة فكيف يوصف بالبطلان واستدل به على جواز نسخ التلاوة دون الحكم وخالف في ذلك بعض المعتزلة واعتل بأن التلاوة مع حكمها كالعلم مع العالمية فلا ينفكان وأجيب بالمنع فان العالمية لا تنافي قيام العلم بالذات سلمنا لكن التلاوة أمارة الحكم فيدل وجودها على ثبوته ولا دلالة من مجردها على وجوب الدوام فلا يلزم من انتفاء الامارة في طرف الدوام انتفاء ما دلت عليه فإذا نسخت التلاوة لم ينتف المدلول وكذلك بالعكس الحديث الثاني قوله حدثني في رواية أبي ذر حدثنا إسحاق وهو بن شاهين الواسطي وخالد هو بن عبد
الله الطحان والشيباني هو أبو إسحاق سليمان مشهور بكنيته قوله قبل سورة النور أم بعد في رواية الكشميهني أم بعدها وفائدة هذا السؤال أن الرجم ان كان وقع قبلها فيمكن أن يدعي نسخه بالتنصيص فيها على أن حد الزاني الجلد وان كان وقع بعدها فيمكن أن يستدل به على نسخ الجلد في حق المحصن لكن يرد عليه أنه من نسخ الكتاب بالسنة وفيه خلاف أجيب بأن الممنوع نسخ الكتاب بالسنة إذا جاءت من طريق الآحاد وأما السنة المشهورة فلا وأيضا فلا نسخ وانما هو مخصص بغير المحصن قوله لا أدري يأتي بيانه بعد أبواب وقد قام الدليل على أن الرجم وقع بعد سورة النور لان نزولها كان في قصة الافك وأختلف هل كان سنة أربع أو خمس أو ست على ما تقدم بيانه والرجم كان بعد ذلك فقد حضره أبو هريرة وانما أسلم سنة سبع وابن عباس إنما جاء مع أمه إلى المدينة سنة تسع الحديث الثالث قوله حدثنا في رواية أبي ذر أخبرنا وعبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد قوله حدثني أبو سلمة في رواية أبي ذر أخبرني قوله أن رجلا من أسلم أي من بني أسلم القبيلة المشهورة واسم هذه الرجل ماعز بن مالك كما سيأتي مسمى
[ 107 ]
عن بن عباس بعد سبعة أبواب قوله باب لا يرجم المجنون والمجنونة أي إذا وقع في الزنا في حال الجنون وهو إجماع واختلف فيما إذا وقع في حال الصحة ثم طرأ الجنون هل يؤخر إلى الافاقة قال الجمهور لا لانه يراد به التلف فلا معنى للتأخير بخلاف من يجلد فإنه يراد به الايلام فيؤخر حتى يفيق قوله وقال علي رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه أما علمت الخ تقدم بيان من وصله في باب الطلاق في الاغلاق وأن أبا داود وابن حبان والنسائي أخرجوه مرفوعا ورجح النسائي الموقوف ومع ذلك فهو مرفوع حكما وفي أول الاثر المذكور قصة تناسب هذه الترجمة وهو عن بن عباس أتى عمر أي بمجنونة قد زنت وهي حبلى فأراد أن يرجمها فقال له علي أما بلغك أن القلم قد رفع عن ثلاثة فذكره هذه لفظ علي بن الجعد الموقوف في الفوائد الجعديات ولفظ الحديث المرفوع عن بن عباس مر علي بن أبي طالب بمجنونة بني فلان قد زنت فأمر عمر برجمها فردها علي وقال لعمر أما تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رفع القلم
عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله وعن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ قال صدقت فخلى عنها هذه رواية جرير بن حازم عن الاعمش عن أبي ظبيان عن بن أبي داود وسندها متصل لكن أعله النسائي بأن جرير بن حازم حدث بمصر بأحاديث غلط فيها وفي رواية جرير بن عبد الحميد هن الاعمش بسنده أتى عمر بمجنونة قد زنت فاستشار فيها الناس فأمر بها عمر أن ترجم فمر بها علي بن أبي طالب فقال ارجعوا بها ثم أتاه فقال أما علمت أن القلم قد رفع وذكر الحديث وفي آخره قال بلى قال فما بال هذه ترجم فأرسلها فجعل يكبر ومن طريق وكيع عن الاعمش نحوه وأخرجه أبو داود موقوفا من الطريقين ورجحه النسائي ورواه عطاء بن السائب عن أبي ظبيان عن علي بدون ذكر بن عباس وفي آخره فجعل عمر يكبر أخرجه أبو داود والنسائي بلفظ قال أتي عمر بامرأة فذكر نحوه وفيه فخلي على سبيلها فقال عمر ادع لي عليا فأتاه فقال يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رفع القلم فذكره لكن بلفظ المعتوه حتى يبرأ وهذه معتوهة بني فلان لعل الذي أتاها وهي في بلائها ولابي داواد من طريق أبي الضحى عن علي مرفوعا نحوه لكن قال وعن الخرف بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء بعدها فاء ومن طريق حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن الاسود عن عائشة مرفوعا رفع القلم عن ثلاثة فذكره بلفظ وعن المبتلى حتى يبرأ وهذه طرق تقوي بعضها ببعض وقد أطنب النسائي في تخريجها ثم قال لا يصح منها شئ والمرفوع أولى بالصواب قلت وللمرفوع شاهد من حديث أبي إدريس الخولاني أخبرني غير واحد من الصحابة منهم شداد بن أوس وثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رفع القلم في الحد عن الصغير حتى يكبر وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق وعن المعتوه الهالك أخرجه الطبراني وقد أخذ الفقهاء بمقتضى هذه الاحاديث لكن ذكر بن حبان أن المراد برفع القلم ترك كتابة الشر عنهم دون الخير وقال شيخنا في شرح الترمذي هو ظاهر في الصبي دون المجنون والنائم لانهما في حيز من ليس قابلا لصحة العبادة منه بزوال الشعور وحكى بن العربي أن بعض الفقهاء سئل عن إسلام الصبي فقال لا يصح واستدل بهذا الحديث فعرض بأن الذي ارتفع عنه قلم المؤاخذة وأما قلم التواب فلا لقوله للمرأة لما سألته
ألهذا حج قال نعم ولقوله مروهم بالصلاة فإذا جرى له قلم الثواب فكلمة الاسلام أجل أنواع
[ 108 ]
الثواب فكيف يقال إنها تقع لغوا ويعتد بحجه وصلاته واستدل بقوله حتى يحتلم على أنه لا يؤاخذ قبل ذلك واحتج من قال يؤاخذ قبل ذلك بالردة وكذا من قال من المالكية يقام الحد على المراهق ويعتبر طلاقه لقوله في الطريق الاخرى حتى يكبر والاخرى حتى يشب وتعقبه بن العربي بأن الرواية بلفظ حتى يحتلم هي العلامة المحققة فيتعين اعتبارها وحمل باقي الروايات عليها قوله عن عقيل هو بن خالد قوله عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب هذه رواية يحيى بن بكير عن الليث ووافقه شعيب بن الليث عن أبيه عند مسلم وسيأتي بعد ستة أبواب من رواية سعيد بن عفير عن الليث عن عبد الرحمن بن خالد عن بن شهاب وجمعها مسلم فوصل رواية عقيل وعلق رواية عبد الرحمن فقال بعد رواية الليث عن عقيل ورواه الليث أيضا عن عبد الرحمن بن خالد قلت ورواه معمر ويونس وابن جريج عن بن شهاب عن أبي سلمة وحده عن جابر وجمع مسلم هذه الطرق وأحال بلفظها على رواية عقيل وسيأتي للبخاري بعد بابين من رواية معمر وعلق طرفا منه ليونس وابن جريج ووصل رواية يونس قبل هذا وأما رواية بن جريج فوصلها مسلم عن إسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق عن معمر وابن جريج معا ووقعت لنا بعلو في مستخرج أبي نعيم من رواية الطبراني عن الفربري عن عبد الرزاق عن بن جريج وحده قوله أتى رجل زاد بن مسافر في روايته من الناس وفي رواية شعيب من الليث من المسلمين وفي رواية يونس ومعمر إن رجلا من أسلم وفي حديث جابر بن سمرة عند مسلم رأيت ماعز بن مالك الاسلمي حين جئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه رجل قصير أعضل ليس عليه رداء وفي لفظ ذو عضلات بفتح المهملة ثم المعجمة قال أبو عبيدة العضلة ما اجتمع من اللحم في أعلى باطن الساق وقال الاصمعي كل عصبة مع لحم فهي عضلة وقال بن القطاع العضلة لحم الساق والذراع وكل لحمة مستديرة في البدن والاعضل الشديد الخلق ومنه أعضل الامر إذا اشتد لكن دلت الرواية الاخرى على أن المراد به هنا كثير العضلات قوله فأعرض عنه زاد بن مسافر فتنحى لشق
وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أعرض قبله بكسر القاف وفتح الموحدة وفي رواية شعيب فتنحى تلقاء وجهه أي انتقل من الناحية التي كان فيها إلى الناحية التي يستقبل بها وجه النبي صلى الله عليه وسلم وتلقاء منصوب على الظرفية وأصله مصدر أقيم مقام الظرف أي مكان تلقاء فحذف مكان قبل وليس من المصادر تفعال بكسر أوله إلا هذا وتبيان وسائرها بفتح أوله وأما الاسماء بهذا الوزن فكثيرة قوله حتى ردد في رواية الكشميهني حتى رد بدال واحدة وفي رواية شعيب بن الليث حتى ثنى ذلك عليه وهو بمثلثة بعدها نون خفيفة أي كرر وفي حديث بريدة عند مسلم قال ويحك ارجع فأستغفر الله وتب إليه فرجع غير بعيد ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني وفي لفظ فلما كان من الغد أتاه ووقع في مرسل سعيد بن المسيب عند مالك والنسائي من رواية يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد إن رجلا من أسلم قال لابي بكر الصديق ان الآخر زنى قال فتب إلى الله واستتر بستر الله ثم أتى عمر كذلك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه ثلاث مرار حتى إذا أكثر عليه بعث إلى أهله قوله فلما شهد على نفسه أربع شهادات في رواية أبي ذر أربع مرات وفي رواية بريدة المذكورة حتى إذا كانت الرابعة قال فبم أطهرك وفي حديث جابر بن سمرة من طريق أبي عوانة عن سماك
[ 109 ]
فشهد على نفسه أربع شهادات أخرجه مسلم وأخرجه من طريق شعبة عن سماك قال فرده مرتين وفي أخرى مرتين أو ثلاثا قال شعبة قال سماك فذكرته لسعيد بن جبير فقال أنه رده أربع مرات ووقع في حديت أبي سعيد عند مسلم أيضا فاعترف بالزنا ثلاث مرات والجمع بينهما أما رواية مرتين فتحمل على أنه اعترف مرتين في يوم ومرتين في يوم آخر لما يشمر به قول بريدة فلما كان من الغد فاقتصر الراوي على أحدهما أو مراده اعترف مرتين في يومين فيكون من ضرب أثنين في أثنين وقد وقع عند أبي داود من طريق إسرائيل عن سماك عن سعيد بن جبير عن بن عباس جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا مرتين فطرده ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين وأما رواية الثلاث فكأن المراد الاقتصار على المرات التي رده فيها وأما الرابعة فإنه لم يرده بل
استثبت فيه وسأل عن عقله لكن وقع في حديث أبي هريرة عند أبي داود من طريق عبد الرحمن بن الصامت ما يدل على أن الاستثبات فيه انما وقع بعد الرابعة ولفظه جاء الاسلمي فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراما أربع مرات كل ذلك يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل في الخامسة فقال تدري ما الزاني إلى آخره والمراد بالخامسة الصفة التي وقعت منه عند السؤال والاستثبات لان صفة الاعراض وقعت أربع مرات وصفة الاقبال عليه للسؤال وقع بعدها قوله فقال أبك جنون قال لا في رواية شعيب في الطلاق وهل بك جنون وفي حديث بريدة فسأل أبه جنون فأخبر بأنه ليس بمجنون وفي لفظ فأرسل إلى قومه فقالوا ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا وفي حديث أبي سعيد ثم سأل قومه فقالوا ما نعلم به بأسا إلا أنه أصاب شيئا يرى أنه لا يخرج منه إلا أن يقام فيه الحد لله وفي مرسل أبي سعيد بعث إلى أهله فقال أشتكى به جنة فقالوا يا رسول الله انه لصحيح ويجمع بينهما بأنه سأله ثم سأل عنه احتياطا فإن فائدة سؤاله أنه لو ادعى الجنون لكان في ذلك دفع لاقامة الحد عليه حتى يظهر خلاف دعواه فلما أجاب بأنه لا جنون به سأل عنه لاحتمال أن يكون كذلك ولا يعتد بقوله وعند أبي داود من طريق نعيم بن هزال قال كان ماعز بن مالك يتيما في حجر أبي فأصاب جارية من الحي فقال له أبي ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك ورجاء أن يكون له مخرج فذكر الحديث فقال عياض فائدة سؤاله أبك جنون سترا لحاله واستبعاد أن يلح عاقل بالاعتراف بما يقتضي إهلاكه ولعله يرجع عن قوله أو لانه سمعه وحده أو ليتم إقراره أربعا عند من يشترطه وأما سؤاله قومه عنه بعد ذلك فمبالغة في الاستثبات وتعقب بعض الشراح قوله أو لانه سمعه وحده بأنه كلام ساقط لانه وقع في نفس الخبر أن ذلك كان بمحضر الصحابة في المسجد قلت ويرد بوجه آخر هو أن انفراده صلى الله عليه وسلم بسماع إقرار المقر كاف في الحكم عليه لعلمه اتفاقا إذ لا ينطق عن الهوى بخلاف غيره ففيه احتمال قوله قال فهل أحصنت أي تزوجت هذا معناه جزما هنا لافتراق الحكم في حد من تزوج ومن لم يتزوج قوله قال نعم زاد في حديث بريدة قبل هذا أشربت خمرا قال لا وفيه فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريحا وزاد في حديث بن عباس الآتي قريبا لعلك قبلت أو غمزت
بمعجمة وزاي أو نظرت أي فأطلقت على كل ذلك زنا ولكنه لا حد في ذلك قال لا وفي حديث نعيم فقال هل ضاجعتها قال نعم قال فهل باشرتها قال نعم قال هل جامعتها قال نعم وفي حديث بن عباس المذكور فقال أنكتها لا يكنى بفتح التحتانية وسكون الكاف من الكناية أي أنه ذكر هذا
[ 110 ]
اللفظ صريحا ولم يكن عنه بلفظ أخر كالجماع ويحتمل أن يجمع بأنه ذكر بعد ذكر الجماع بأن الجماع قد يحمل على مجرد الاجتماع وفي حديث أبي هريرة المذكور أنكتها قال نعم قال حتى دخل ذلك منك في ذلك منها قال نعم قال كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر قال نعم قال تدري ما الزنا قال نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا قال فما تريد بهذا القول قال تطهرني فأمر به فرجم وقبله عند النسائي هنا هل أدخلته وأخرجته قال نعم قوله قال بن شهاب هو موصول بالسند المذكور قوله فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله صرح يونس ومعمر في روايتهما بأنه أبو سلمة بن عبد الرحمن فكأن الحديث كان عند أبي سلمة عن أبي هريرة كما عند سعيد بن المسيب وعنده زيادة عليه عن جابر قوله فكنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى في رواية معمر فأمر به فرجم بالمصلى وفي حدث أبي سعيد فما أوثقناه ولا حفرنا له قال فرميناه بالعظام والمدر والخزف بفتح معجمة والزاي وبالفاء وهي الآنية التي تتخذ من الطين المشوي وكأن المراد ما تكسر منها قوله فلما أذلقته بذال معجمة وفتح اللام بعدها قاف أي أقلقته وزنه ومعناه قال أهل اللغة الذلق بالتحريك القلق وممن ذكره الجوهري وقال في النهاية أذلقته بلغت منه الجهد حتى قلق يقال أذلقه الشئ أجهده وقال النووي معنى أذلقته الحجارة أصابته بحدها ومنه أنذلق صار له حد يقطع قوله هرب في رواية بن مسافر جمز بجيم وميم مفتوحتين ثم زاي أي وثب مسرعا وليس بالشديد العدو بل كالقفز ووقع في حديث أبي سعيد فاشتد وأسند لنا خلفه قوله فأدركناه بالحرة فرجمناه زاد معمر في روايته حتى مات وفي حديث أبي سعيد حتى أتى عرض بضم أوله أي جانب الحرة فرميناه بجلاميد الحرة حتى سكت وعند الترمذي من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة في قصة ماعز فلما وجد مس الحجارة فر
يشتد حتى مر برجل معه لحى جمل فضربه وضربه الناس حتى مات وعند أبي داود والنسائي من رواية يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه في هذه القصة فوجد مس الحجارة فخرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه فنزع له بوظيف بعير فرماه فقتله وهذا ظاهره يخالف ظاهر رواية أبي هريرة أنهم ضربوه معه لكن يجمع بأن قوله في هذا فقتله أي كان سببا في قتله وقد وقع في رواية للطبراني في هذه القصة فضرب ساقه فصرعه ورجموه حتى قتلوه والوظيف بمعجمة وزن عظيم خف البعير وقيل مستدق الذراع والساق من الابل وغيرهما وفي حديث أبي هريرة عند النسائي فانتهى إلى أصل شجرة فتوسد يمينه حتى قتل وللنسائي من طريق أبي مالك عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبوا به إلى حائط يبلغ صدره فذهب يثب فرماه رجل فأصاب أصل أذنه فصرع فقتله وفي هذا الحديث من الفوائد منقبة عظيمة لماعز بن مالك لانه استمر على طلب إقامة الحد عليه مع توبته ليتم تطهيره ولم يرجع عن إقراره مع أن الطبع البشري يقتضي أنه لا يستمر على الاقرار بما يقتضي إزهاق نفسه فجاهد نفسه على ذلك وقوى عليها من غير اضطرار إلى إقامة ذلك عليه بالشهادة مع وضوح الطريق إلى سلامته من القتل بالتوبة ولا يقال لعله لم يعلم أن الحد بعد أن يرفع للامام يرتفع بالرجوع لانا نقول كان له طريق أن يبرز أمره في صورة الاستفتاء فيعلم ما يخفى عليه من أحكام المسألة ويبنى على ما يجاب به ويعدل عن الاقرار إلى ذلك ويؤخد من قضيته أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى
[ 111 ]
ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لاحد كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز وأن من اطلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا ولا يفضحه ولا يرفعه إلى الامام كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصة لو سترته بثوبك لكان خيرا لك وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه فقال أحب لمن أصاب ذنبا فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر وقال بن العربي هذا كله في غير المجاهر فاما إذا كان متظاهرا بالفاحشة مجاهرا فاني أحب مكاشفته والتبريح به لينزجر هو وغيره وقد استشكل استحباب الستر مع ما وقع من الثناء على ماعز والغامدية وأجاب شيخنا
في شرح الترمذي بأن الغامدية كان ظهر بها الحبل مع كونها غير ذات زوج فتعذر الاستتار للاطلاع على ما يشعر بالفاحشة ومن ثم قيد بعضهم ترجيح الاستتار حيث لا يكون هنا كما يشعر بضده وان وجد فالرفع إلى الامام ليقيم عليه الحد أفضل انتهى والذي يظهر أن الستر مستحب والرفع لقصد المبالغة في التطهير أحب والعلم عند الله تعالى وفيه التثبت في إزهاق نفس المسلم والمبالغة في صيانته لما وقع في هذه القصة من ترديده والايماء إليه بالرجوع والاشارة إلى قبول دعواه إن ادعى إكراها وأخطأ في معنى الزنا أو مباشرة دون الفرج مثلا أو غير ذلك وفيه مشروعية الاقرار بفعل الفاحشة عند الامام وفي المسجد والتصريح فيه بما يستحي من التلفظ به من أنواع الرفث في القول من أجل الحاجة الملجئة لذلك وفيه نداء الكبير بالصوت العالي وإعراض الامام عن من أقر بأمر محتمل لاقامة الحد لاحتمال أن يفسره بما لا يوجب حدا أو يرجع واستفساره عن شروط ذلك ليرتب عليه مقتضاه وأن إقرار المجنون لاغ والتعريض للمقر بأن يرجع وأنه إذا رجع قبل قال بن العربي وجاء عن مالك رواية أنه لا أثر لرجوعه وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع وفيه أنه يستحب لمن وقع في معصية وندم أن يبادر إلى التوبة منها ولا يخبر بها أحدا ويستتر بستر الله وان اتفق أنه يخبر أحدا فيستحب أن يأمره بالتوبة وستر ذلك عن الناس كما جرى لماعز مع أبي بكر ثم عمر وقد أخرج قصته معهما في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب مرسلة ووصله أبو داود وغيره من رواية يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه وفي القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهزال لو سترته بثوبك لكان خيرا لك وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد ذكرت هذا الحديث في مجلس فيه يزيد بن نعيم فقال هزال جدي جدي وهذا الحديث حق قال الباجي المعنى خيرا لك مما أمرته به من إظهار أمره وكان ستره بأن يأمره بالتوبة والكتمان كما أمره أبو بكر وعمر وذكر الثوب مبالغة أي لو لم تجد السبيل إلى ستره الا بردائك ممن علم أمره كان أفضل مما أشرت به عليه من الاظهار واستدل به على اشتراط تكرير الاقرار بالزنا أربعا لظاهر قوله فلما شهد على نفسه أربع شهادات فان فيه إشعارا بأن العدد هو العلة في تأخير إقامة الحد عليه وإلا لامر برجمه في أول مرة ولان في حديث بن عباس قال لماعز قد شهدت على
نفسك أربع شهادات اذهبوا به فارجموه وقد تقدم ما يؤيده ويؤيد القياس على عدد شهود الزنا دون غيره من الحدود وهو قول الكوفين والراجح عند الحنابلة وزاد بن أبي ليلى فاشترط أن تتعدد مجالس الاقرار وهي رواية عن الحنفية وتمسكوا بصورة الواقعة لكن الروايات فيها اختلفت والذي يظهر أن المجالس تعددت لكن لا بعدد الاقرار فأكثر ما نقل في ذلك أنه أقر مرتين ثم عاد من الغد فأقر مرتين كما تقدم بيانه من عند مسلم وتأول الجمهور بأن ذلك وقع في قصة ماعز
[ 112 ]
وهي واقعة حال فجاز أن يكون لزيادة الاستثبات ويؤيد هذا الجواب ما تقدم في سياق حديث أبي هريرة وما وقع عند مسلم في قصة الغامدية حيث قالت لما جاءت طهرني فقال ويحك ارجعي فاستغفري قالت أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعزا إنها حبلى من الزنا فلم يؤخر إقامة الحد عليها إلا لكونها حبلى فلما وضعت أمر برجمها ولم يستفسرها مرة أخرى ولا اعتبر تكرير اقرارها ولا تعدد المجالس وكذا وقع في قصة العسيف حيث قال واغديا يأنيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها وفيه فغدا عليها فاعترفت فرجمها ولم يذكر تعدد الاعتراف ولا المجالس وسيأتي قريبا مع شرحه مستوفى وأجابوا عن القياس المذكور بأن القتل لا يقبل فيه إلا شاهدان بخلاف سائر الاموال فيقبل فيها شاهد وامرأتان فكان قياس ذلك أن يشترط الاقرار بالقتل مرتين وقد اتفقوا أنه يكفي فيه مرة فان قلت والاستدلال بمجرد عدم الذكر في قصة العسيف وغيره فيه نظر فان عدم الذكر لا يدل على عدم الوقوع فإذا ثبت كون العدد شرطا فالسكوت عن ذكره يحتمل أن يكون لعلم المأمور به وأما قول الغامدية تريد أن ترددني كما رددت ماعزا فيمكن التمسك به لكن أجاب الطيبي بأن قولها إنها حبلى من الزنا فيه إشارة إلى أن حالها مغايرة لحال ماعز لانهما وان اشتركا في الزنا لكن العلة غير جامعة لان ماعزا كان متمكنا من الرجوع عن اقراره بخلافها فكأنها قالت أنا غير متمكنة من الانكار بعد الاقرار لظهور الحمل بها بخلافه وتعقب بأنه كان يمكنها أن تدعى إكراها أو خطأ أو شبهة وفيه أن الامام لا يشترط أن يبدأ بالرجم فيمن أقر وإن كان ذلك مستحبا لان الامام إذا بدأ مع كونه مأمورا بالتثبت والاحتياط فيه كان ذلك أدعى إلى الزجر عن
التساهل في الحكم والى الحض على التثبت في الحكم ولهذا يبدأ الشهود إذا ثبت الرجم بالبينة وفيه جواز تفويض الامام إقامة الحد لغيره واستدل به على أنه لا يشترط الحفر للمرجوم لانه لم يذكر في حديث الباب بل وقع التصريح في حديث أبي سعيد عند مسلم فقال فما حفرنا له ولا أوثقناه ولكن وقع في جديث بريدة عنده فحفر له حفيرة ويمكن الجمع بأن المنفي حفيرة لا يمكنه الوثوب منها والمثبت عكسه أو أنهم في أول الامر لم يحفروا له ثم لما فر فأدركوه حفروا له حفيرة فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه وعند الشافعية لا يحفر للرجل وفي وجه يتخير الامام وهو أرجح لثبوته في قصة ماعز فالمثبت مقدم على النافي وقد جمع بينهما بما دل على وجود حفر في الجملة وفي المرأة أوجه ثالثها الاصح ان ثبت زناها بالبينة استحب لا بالاقرار وعن الائمة الثلاثة في المشهور عنهم لا يحفر وقال أبو يوسف وأبو ثور يحفر للرجل وللمرأة وفيه جواز تلقين المقر بما يوجب الحد ما يدفع به عنه الحد وأن الحد لا يجب إلا بالاقرار الصريح ومن ثم شرط على من شهد بالزنا أن يقول رأيته ولج ذكره في فرجها أو ما أشبه ذلك ولا يكفي أن يقول أشهد أنه زنا وثبت عن جماعة من الصحابة تلقين المقر بالحد كما أخرجه مالك عن عمرو بن أبي شيبة عن أبي الدرداء وعن علي في قصة شراحة ومنهم من خص التلقين بمن يظن به أنه يجهل حكم الزنا وهو قول أبي ثور وعند المالكية يستثنى تلقين المشتهر بانتهاك الحرمات ويجوز تلقين من عداه وليس ذلك بشرط وفه ترك سجن من اعتراف بالزنا في مدة الاستثبات وفي الحامل حتى تضع وقل ان المدينة لم يكن بها حينئذ سجن وانما كان يسلم كل جان لوليه وقال بن العربي انما لم يأمر بسجنه ولا التوكيل به لان رجوعه مقبول فلا فائدة في ذلك مع جواز الاعراض عنه إذا رجع ويؤخذ من قوله هل أحصنت
[ 113 ]
وجوب الاستفسار عن الحال التي تختلف الاحكام باختلافها وفيه أن إقرار السكران لا أثر له ويؤخذ من قوله استنكهوه والذين اعتبروه وقالوا إن عقله زال بمعصيته ولا دلالة في قصة ماعز لاحتمال تقدمها على تحريم الخمر أو أن سكره وقع عن غير معصية وفيه أن المقر بالزنا إذا أقر يترك فان صرح بالرجوع فذاك وإلا أتبع ورجم وهو قول الشافعي وأحمد ودلالته من قصة ماعز
ظاهرة وقد وقع في حديث نعيم بن هزال هل تركتموه لعلة يتوب فيتوب الله عليه أخرجه أبو داود وصححه الحاكم وحسنه وللترمذي نحوه من حديث أبي هريرة وصححه الحاكم وعند أبي داود من حديث بريدة قال كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتحدث أن ماعز والغامدية لو رجعا لم يطلبهما وعند المالكية في المشهور لا يترك إذا هرب وقيل يشترط أن يؤخذ على الفور فأن لم يؤخذ ترك وعن بن عيينة إن أخذ في الحال كمل عليه الحد وإن أخذ بعد أيام ترك وعن أشهب إن ذكر عذرا يقبل ترك وإلا فلا ونقله القعنبي عن مالك وحكى الكجي عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة ومنهم من قيده بما بعد إقراره عنه الحاكم واحتجوا بأن الذين رجموه حتى مات بعد أن هرب لم يلزموا بديته فلو شرع تركه لوجبت عليهم الدية والجواب أنه لم يصرح بالرجوع ولم يقل أحد إن حد الرجم يسقط بمجرد الهرب وقد عبر في حديث بريدة بقوله لعله يتوب واستدل به على الاكتفاء بالرجم في حد من أحصر من غير جلد وقد تقدم البحث فيه وأن المصلى إذا لم يكن وقفا لا يثبت له حكم المسجد وسيأتي البحث فيه بعد بابين وأن المرجوم في الحد لا تشرع الصلاة عليه إذا مات بالحد ويأتي البحث فيه أيضا قريبا وأن من وجد منه ريح الخمر وجب عليه الحد من جهة استنكاه ماعز بعد أن قال له أشربت خمرا قال القرطبي وهو قول مالك والشافعي كذا قال وقال المازري استدل به بعضهم على أن طلاق السكران لا يقع وتعقبه عياض بأنه لا يلزم من درء الحد به أنه لا يقع طلاقه لوجود تهمته على ما يظهره من عدم العقل قال ولم يختلف في غير الطافح أن طلاقه لازم قال ومذهبنا التزامه بجميع أحكام الصحيح لانه أدخل ذلك على نفسه وهو حقيقة مذهب الشافعي واستثنى من أكره ومن شرب ما ظن أنه غير مسكر ووافقه بعض متأخري المالكية وقال النووي الصحيح عندنا صحة إقرار السكران ونفوذ أقواله فيما له وعليه قال والسؤال عن شربه الخمر محمول عندنا على أنه لو كان سكرانا لم يقم عليه الحد كذا أطلق فألزم التناقض وليس كذلك فان مراده لم يقم عليه الحد لوجود الشبهة كما تقدم من كلام عياض قلت وقد مضى ما يتعلق بذلك في كتاب الطلاق ومن المذاهب الظريفة فيه قول الليث يعمل بأفعاله ولا يعمل
بأقواله لانه يلتذ بفعله ويشفى غيضه ولا يفقه أكثر ما يقول وقد قال تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون قوله باب للعاهر الحجر ذكر فيه حديث عائشة في قصة بن وليدة زمعة وقد تقدم شرحه مستوفي في أواخر الفرائض أورده عن أبي الوليد عن الليث وفيه الولد للفراش وقال بعده زاد قتيبة عن الليث وللعاهر الحجر وفي رواية أبي ذر زادنا وقال في البيوع حدثنا قتيبة فذكره بتمامه وذكر هنا حديث أبي هربرة بالجملتين المذكورتين وقد أورده في كتاب القدر في وجه آخر مقتصرا على الجملة الاولى وفي ترجمته هنا إشارة إلى أنه يرجح قول من أول الحجر هنا بأنه الحجر الذي يرجم به الزاني وقد تقدم ما فيه والمراد منه أن
[ 114 ]
للزاني بشرطه لا أن على كل من زني الرجم صلى الله عليه وسلم قوله باب الرجم في البلاط في رواية المستملي بالبلاط بالموحدة بدل في ففهم منه بعضهم أنه يريد أن الآلة التي يرجم بها تجوز بكل شئ حتى بالبلاط وهو بفتح الموحدة وفتح اللام ما تفرش به الدور من حجارة وآجر وغير ذلك وفيه بعد والاولى أن الباء ظرفية ودل على ذلك رواية غير المستملي والمراد بالبلاط هنا موضع معروف عند باب المسجد النبوي كان مفروشا بالبلاط ويؤيد ذلك قوله في هذا المتن فرجما عند البلاط وقيل المراد بالبلاط الارض الصلبة سواء كانت مفروشة أم لا ورجحه بعضهم والراجح خلافه قال أبو عبيد البكري البلاط بالمدينة ما بين المسجد والسوق وفي الموطأ عن عمه أبي سهيل بن مالك بن أبي عامر عن أبي كنا نسمع قراءة عمر بن الخطاب ونحن عند دار أبي جهم بالبلاط وقد استشكل بن بطال هذه الترجمة فقال البلاط وغيره في ذلك سواء وأجاب بن المنير بأنه أراد أن ينبه على أن الرجم لا يختص بمكان معين للامر بالرجم بالمصلى تارة وبالبلاط أخرى قال ويحتمل أنه أراد أن ينبه على أنه لا يشترط الحفر للمرجوم لان البلاط لا يتأتى الحفر فيه وبهذا جزم بن القيم وقال أراد رد رواية بشير بن المهاجر عن أبي بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فحفرت لماعز بن مالك حفرة فرجم فيها أخرجه مسلم قال هو وهم سرى من قصة الغامدية إلى قصة ماعز قلت ويحتمل أن يكون أراد أن ينبه على أن المكان الذي
يجاور المسجد لا يعطي حكم المسجد في الاحترام لان البلاط المشار إليه موضع كان مجاورا للمسجد النبوي كما تقدم ومع ذلك أمر بالرجم عنده وقد وقع في حديث بن عباس عند أحمد والحاكم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم اليهوديين عند باب المسجد قوله حدثنا محمد بن عثمان زاد أبو ذر بن كرامة قوله عن سليمان هو بن بلال وهو غريب ضاق على الاسماعيلي مخرجه فأخرجه عن عبد الله بن جعفر المديني أحد الضعفاء ولو وقع عن سليمان بن بلال لم يعدل عنه وكذا ضاق على أبي نعيم فلم يستخرجه بل أورده بسنده عن البخاري وخالد بن مخلد أكثر البخاري عنه بواسطة وبغير واسطة وقد تقدم له في الرقاق عن محمد بن عثمان بن كرامة عن خالد بن مخلد حديث وتقدم في العلم والهبة والمناقب وغيرها عدة أحاديث وكذا يأتي في التعبير والاعتصام عن خالد بن مخلد بغير واسطة وقوله في المتن قد أحدثا أي فعلا أمرا فاحشا وقوله أحدثوا أي ابتكروا وقوله تحميم الوجه أي يصب عليه ماء حار مخلوط بالرماد والمراد تسخيم الوجه بالحميم وهو الفحم وقوله والتجبية بفتح المثناه وسكون الجيم وكسر الموحدة بعدها ياء آخر ساكنة ثم هاء أصلية من جبهة الرجل إذا قابلته بما يكره من الاغلاظ في القول أو الفعل قاله ثابت في الدلائل وسبقه الحربي وقال غيره هو بوزن تذكره ومعناه الا ركاب منكوسا وقال عياض فسر التجبيه في الحديث بأنهما يجلدان ويحمم وجوههما ويحملان على دابة مخالفا بين وجوههما قال الحربي كذا فسره الزهري قلت غلط من ضبطه هنا بالنون بدل الموحدة ثم فسره بأن يحمل الزانيان على بعير أو حمار ويخالف بين وجوههما والمعتمد ما قال أبو عبيدة والتجبيه أن يضع اليدين على الركبتين وهو قائم فيصير كالراكع وكذا أن ينكب على وجهه باركا كالساجد وقال الفرابي جب بفتح الجيم وتشديد الموحدة قام قيام الراكع وهو عريان والذي بالنون بعد الجيم إنما جاء في قوله فرأيت اليهودي أجنأ عليها
[ 115 ]
وقد ضبطت بالحاء المهملة ثم نون بلفظ الفعل الماضي أي أكب عليها يقال أحنت المرأة على ولدها حنوا وحنت بمعنى وضبطت بالجيم
والنون فعند الاصيلي بالهمز وعند أبي ذر بلا همز وهو بمعنى الذي بالمهملة قال بن القطاع جنأ على الشئ حنا ظهره عليه وقال الاصمعي أجنأ الترس جعله مجنأ أي محدودبا وقال عياض الصحيح في هذا ما قاله أبو عبيدة يعني بالجيم والهمز والله أعلم وسيأتي مزيدا لهذا في شرح حديث اليهوديين في باب أحكام الذمة قوله باب الرجم بالمصلى أي عنده والمراد المكان الذي كان يصلى عنده العيد والجنائز وهو من ناحية بقيع الغرقد وقد وقع في حديث أبي سعيد عند مسلم فأمرنا أن نرجمه فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد وفهم بعضهم كعياض من قوله بالمصلى أن الرجم وقع داخله وقال يستفاد منه أن المصلى لا يثبت له حكم المسجد إذ لو ثبت له ذلك لاجتنب الرجم فيه لانه لا يؤمن التلويث من خلافا لما حكاه الدارمي أن المصلى يثبت له حكم المسجد ولو لم يوقف وتعقب بأن المراد أن الرجم وقع عنده لا فيه كما تقدم في البلاط وأن في حديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين عند باب المسجد وفي رواية موسى بن عقبة أنهما رجما قريبا من موضع الجنائز قرب المسجد وبأنه ثبت في حديث أم عطية الامر بخروج النساء حتى الحيض في العيد إلى المصلى وهو ظاهر في المراد والله أعلم وقال النووي ذكر الدارمي من أصحابنا أن مصلى العيد وغيره إذا لم يكن مسجدا يكون في ثبوت حكم المسجد له وجهان أصحهما لا وقال البخاري وغيره في رجم هذا بالمصلى دليل على أن مصلى الجنائز والاعياد إذا لم يوقف مسجدا لا يثبت له حكم المسجد إذ لو كان له حكم المسجد لاجتنب فيه ما يجتنب في المسجد قلت وهو كلام عياض بعينه وليس للبخاري منه سوى الترجمة قوله حدثنا محمود في رواية غير أبي ذر حدثني وللنسسفي محمود بن غيلان وهو المروزي وقد أكثر البخاري عنه قوله أخبرنا معمر في رواية إسحاق بن راهويه في مسنده عن عبد الرزاق أنبأنا معمر وابن جريج وكذا أخرجه مسلم عن إسحاق قوله فاعترف بالزنا زاد في رواية إسحاق فاعرض عنه أعادها مرتين قوله فأمر به فرجم بالمصلى ليس في رواية يونس بالمصلى وقد تقدمت في باب رجم المحصن وسيأتي في رواية عبد الرحمن بن خالد بلفظ كنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى قوله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم
خيرا أي ذكره بجميل ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم فما استغفر له ولا سبه وفي حديث بريدة عنده فكان الناس فيه فرقتين قائل يقول لقد هلك لقد أحاطت به خطيئته وقائل يقول ما توبة أفضل من توبة ماعز فلبثوا ثلاثا ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال استغفروا لماعز بن مالك وفي حديث بريدة أيضا لقد تاب توبة لو قسمت على أمة لوسعتهم وفي حديث أبي هريرة عند النسائي لقد رأيته بين أنهار الجنة ينغمس قال يعني يتنعم كذا في الاصل وفي حديث جابر عند أبي عوانة فقد رأيته يتخضخض في أنهار الجنة وفي حديث اللجلاج عند أبي داود والنسائي ولا تقل له خبيث لهو عند الله أطيب من ريح المسك وفي حديث أبي الفيل عند الترمذي لا تشتمه وفي حديث أبي ذر عند أحمد قد غفر له وأدخل الجنة قوله وصلى عليه هكذا وقع هنا عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق وخالفه محمد بن يحيى الذهلي وجماعة عن عبد الرزاق
[ 116 ]
فقالوا في آخره ولم يصل عليه قال المنذري في حاشية السنن رواه ثمانية أنفس عن عبد الرزاق فلم يذكروا قوله وصلى عليه قلت قد أخرجه أحمد في مسنده عن عبد الرزاق ومسلم عن إسحاق بن راهويه وأبو داود عن محمد بن المتوكل العسقلاني وابن حبان من طريقه زاد أبو داود والحسن بن علي الخلال والترمذي عن الحسن بن علي المذكور والنسائي وابن الجارود عن محمد بن يحيى الذهلي زاد النسائي ومحمد بن رافع ونوح بن حبيب والاسماعيلي والدار قطني من طريق أحمد بن منصور الرمادي زاد الاسماعيلي ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه وأخرجه أبو عوانة عن الدبري ومحمد بن سهل الصغاني فهؤلاء أكثر من عشرة أنفس خالفوا محمودا منهم من سكت عن الزيادة ومنهم من صرح بنفيها قوله ولم يقل يونس وابن جريج عن الزهري وصلى عليه وأما رواية يونس فوصلها المؤلف رحمه الله كما تقدم في باب رجم المحصن ولفظه فأمر به فرجم وكان قد أحصن وأما رواية بن جريج فوصلها مسلم مقرونة برواية معمر ولم يسق المتن وساقه إسحاق شيخ مسلم في مسنده وأبو نعيم من طريقه فلم يذكر فيه وصلى عليه قوله سئل أبو عبد الله هل قوله فصلى عليه يصح أو لا قال رواه معمر قيل له هل رواه غير معمر قال لا وقع هذا الكلام في رواية
المستملي وحده عن الفربري وأبو عبد الله هو البخاري وقد اعترض عليه في جزمه بأن معمرا روى هذه الزيادة مع أن المنفرد بها إنما هو محمود بن غيلان عن عبد الرزاق وقد خالفه العدد الكثير من الحفاظ فصرحوا بأنه لم يصل عليه لكن ظهر لي أن البخاري قويت عنده رواية محمود بالشواهد فقد أخرج عبد الرزاق أيضا وهو في السنن لابي قرة من وجه آخر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قصة ماعز قال فقيل يا رسول الله أتصلي عليه قال لا قال فلما كان من الغد قال لوا على صاحبكم فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس فهذا الخبر يجمع الاختلاف فتحمل رواية النفي على أنه لم يصل عليه حين رجم ورواية الاثبات على أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه في اليوم الثاني وكذا طريق الجمع لما أخرجه أبو داود عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالصلاة على ماعز ولم ينه عن الصلاة عليه ويتأيد بما أخرجه مسلم من حديث عمران بن حصين في قصة الجهنية التي زنت ورجمت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليها فقال له عمر أتصلي عليها وقد زنت فقال لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين لوسعتهم وحكى المنذري قول من حمل الصلاة في الخبر على الدعاء ثم قال في قصة الجهنية دلالة على توهين هذا الاحتمال قال وكذا أجاب النووي فقال انه فاسد لان التأويل لا يصار إليه إلا عند الاضطرار إليه ولا اضطرار هنا وقال بن العربي لم يثبت أن النيي صلى الله عليه وسلم صلى على ماعز قال وأجاب من منع عن صلاته على الغامدية لكونها عرفت حكم الحد وماعز انما جاء مستفهما قال وهو جواب واه وقيل لانه قتله غضبا لله وصلاته رحمة فتنافيا قال وهذا فاسد لان الغضب انتهى قال ومحل الرحمة باق والجواب المرضي أن الامام حيث ترك الصلاة على المحدود كان ردعا لغيره قلت وتمامه أن يقال وحيث صلي عليه يكون هناك قرينة لا يحتاج معها إلى الردع فيختلف حينئذ باختلاف الاشخاص وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة فقال مالك يأمر الامام بالرجم ولا يتولاه بنفسه ولا يرفع عنه حتى يموت ويخلي بينه وبين أهله يغسلونه ويصلون عليه ولا يصلي عليه الامام ردعا لاهل المعاصي إذا علموا أنه ممن لا يصلى عليه ولئلا يجترئ الناس على مثل فعله وعن بعض المالكية يجوز للامام أن يصلي
[ 117 ]
عليه وبه قال الجمهور والمعروف عن مالك أنه يكره للامام وأهل الفضل الصلاة على المرجوم وهو قول أحمد وعن الشافعي لا يكره وهو قول الجمهور وعن الزهري لا يصلى على المرجوم ولا على قاتل نفسه وعن قتادة لا يصلى على المولود من الزنا وأطلق عياض فقال لم يختلف العلماء في الصلاة على أهل الفسق والمعاصي والمقتولين في الحدود وان كره بعضهم ذلك لاهل الفضل إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة في المحاربين وما ذهب إليه الحسن في الميتة من نفاس الزنا وما ذهب إليه الزهري وقتادة قال وحديث الباب في قصة الغامدية حجة للجمهور والله أعلم قوله باب من أصاب ذنبا دون الحد فأخبر الامام فلا عقوبة عليه بعد التوبة إذا جاء مستفتيا كذا للاكثر بفاء ساكنة بعد مثناة مكسورة ثم ياء آخر الحروف من الاستفتاء ويؤيده قوله في حديث الباب فاستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية الكشميهني مستعينا وضبطت بمهملة وبالنون قبل الالف وبالمعجمة ثم المثلثة والتقييد بدون الحد يقتضي أن من كان ذنبه يوجب الحد أن عليه العقوبة ولو تاب وقد مضى الاختلاف في ذلك في أوائل الحدود وأما التقييد الاخير فلا مفهوم له بل الذي يظهر أنه ذكر لدلالته على توبته قوله قال عطاء لم يعاقبه النبي صلى الله عليه وسلم أي الذي أخبر أنه وقع في معصية بلا مهلة حتى صلى معه فأخبره بأن صلاته كفرت ذنبه قوله وقال بن جريج ولم يعاقب النبي صلى الله عليه وسلم الذي جامع في رمضان تقدم شرحه مستوفى في كتاب الصيام وليس في شئ من طرقه أنه عاقبه قوله ولم يعاقب عمر صاحب الظبي كأنه أشار بذلك إلى ما ذكره مالك منقطعا ووصله سعيد بن منصور بسند صحيح عن قبيصة بن جابر قال خرجنا حجاجا فسنح لي ظبي فرميته بحجر فمات فلما قدمنا مكة سألنا عمر فسأل عبد الرحمن بن عوف فحكما فيه بعنز فقلت إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره قال فعلاني بالدرة فقال أتقتل الصيد في الحرم وتسفه الحكم قال الله تعالى يحكم به ذوا عدل منكم وهذا عبد الرحمن بن عوف وأنا عمر ولا يعارض هذا المنفي الذي في الترجمة لان عمر إنما علاه بالدرة لما طعن في الحكم وإلا لو وجبت عليه عقوبة بمجرد الفعل المذكور لما أخرها قوله وفيه عن أبي عثمان عن بن مسعود أي في معنى الحكم المذكور في الترجمة حديث مروي عن أبي عثمان عن بن
مسعود وزاد الكشميهني مثله وهي زيادة لا حاجة إليها لانه يصير ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاقب صاحب الظبي ووقع في بعض النسخ عن أبي مسعود وهو غلط والصواب بن مسعود وقد وصله المؤلف رحمه الله في أوائل كتاب الصلاة في باب الصلاة كفارة من رواية سليمان التيمي عن أبي عثمان به وأوله أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت أقم الصلاة طرفي النهار الآية وقد ذكرت شرحه في تفسير سورة هود وأن الاصح في تسمية هذا الرجل أنه أبو اليسر كعب بن عمرو الانصاري وأن نحو ذلك وقع لجماعة غيره قوله عن حميد بن عبد الرحمن هو بن عوف الزهري وقد تقدم شرح حديثه مستوفى في كتاب الصيام قوله وقال الليث الخ وصله المصنف في التاريخ الصغير قال حدثني عبد الله بن صالح حدثني الليث به ورويناه موصولا أيضا في الاوسط للطبراني والمستخرج للاسماعيلي قوله عن عمرو بن الحارث لليث فيه سند آخر أخرجه مسلم عن قتيبة ومحمد بن رمح كلاهما عن الليث عن يحيى بن سعيد الانصاري عن محمد بن جعفر بن الزبير وقد مضى في الصيام من وجه آخر عن يحيى بن سعيد
[ 118 ]
موصولا وأخرجه مسلم من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث قوله عن عبد الرحمن بن القاسم أي بن محمد بن أبي بكر الصديق عن محمد بن جعفر بن الزبير أي بن العوام عن عباد وهو بن عمه ووقع في رواية بن وهب عن عمرو بن الحارث أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه أن محمد بن جعفر بن الزبير حدثه أن عباد بن عبد الله حدثه قوله عن عائشة في رواية بن وهب أنه سمع عائشة قوله أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد زاد في رواية بن وهب في رمضان قوله فقال احترقت كررها بن وهب قوله قال مما ذاك في رواية بن وهب فسأله عن شأنه قوله قال ما عندي شئ في رواية بن وهب فقال يا نبي الله ما لي شئ وما أقدر عليه قوله فجلس فأتاه إنسان في رواية بن وهب قال اجلس فجلس فبينما هو على ذلك أقبل رجل قوله ومعه طعام فقال عبد الرحمن هو بن القاسم راوي الحديث ما أدري ما هو مقول عبد الرحمن وفي رواية الكشميهني قال بغير فاء ولم يقع هذا في رواية الليث ووقع فيها عند الاسماعيلي
عرقان فيهما طعام وقال قال أبو صالح عن الليث عرق وكذا قال عبد الوهاب يعني الثقفي ويزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد قال الاسماعيلي وعرقان ليس بمحفوظ قوله أين المحترق زاد بن وهب آنفا قوله علي أحوج مني هو استفهام حذفت أداته ووقع في رواية بن وهب أغيرنا أي أعلى غيرنا قوله ما لاهلي طعام في رواية بن وهب إنا الجياع ما لنا شئ قوله قال فكلوا في رواية بن وهب قال فكلوه وقد مضى شرحه في الصيام قوله باب إذا أقر بالحد ولم يبين أي لم يفسره هل للامام أن يستر عليه تقدم في الباب الذي قبله التنبيه على حديث أبي أمامة في ذلك وهو يدخل في هذا المعنى قوله حدثنا عبد القدوس بن محمد أي بن عبد الكبير بن شعيب بن الحبحاب بمهملتين مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة وآخره موحدة هو بصري صدوق وما له في البخاري إلا هذا الحديث الواحد وعمرو بن عاصم هو الكلابي وهو من شيوخ البخاري أخرج عنه بغير واسطة في الادب وغيره وقد طعن الحافظ أبو بكر البرزنجي في صحة هذا الخبر مع كون الشيخين اتفقا عليه فقال هو منكر وهم وفيه عمرو بن عاصم مع أن هماما كان يحيى بن سعيد لا يرضاه ويقول أبان العطار أمثل منه قلت لم يبين وجه الوهم وأما إطلاقه كونه منكرا فعلى طريقته في تسمية ما ينفرد به الراوي منكرا إذا لم يكن له متابع لكن يجاب بأنه وان لم يوجد لهمام ولا لعمرو بن عاصم فيه متابع فشاهده حديث أبي أمامة الذي أشرت إليه ومن ثم أخرجه مسلم عقبة والله أعلم قوله فجاء رجل فقال إني أصبت حدا فأقمه علي لم أقف على اسمه ولكن من وحد هذه القصة والتي في حديث بن مسعود فسره به وليس بجيد لاختلاف القصتين وعلى التعدد جرى البخاري في هاتين الترجمتين فحمل الاولى على من أقر بذنب دون الحد للتصريح بقوله غير أني لم أجامعها وحمل الثانية على ما يوجب الحد لانه ظاهر قول الرجل وأما من وحد بين القصتين فقال لعله ظن ما ليس بحد حدا أو استعظم الذي فعله فظن أنه يجب فيه الحد ولحديث أنس شاهد أيضا من رواية الاوزاعي عن شداد أبي عمار عن وائلة قوله ولم يسأله عنه أي لم يستفسره وفي حديث أبي أمامة عند مسلم فسكت عنه ثم عاد قوله وحضرت الصلاة في حديث أبي أمامة وأقيمت قوله أليس قد صليت معنا في حديث أبي
أمامة أليس حيث خرجت من بيتك توضأت فأحسنت الوضوء قال بلى قال ثم شهدت معنا الصلاة
[ 119 ]
قال نعم قوله ذنبك أو قال حدك في رواية مسلم عن الحسن بن علي الحلواني عن عمرو بن عاصم بسنده فيه قد غفر لك وفي حديث أبي أمامة بالشك ولفظه فان الله قد غفر لك ذنبك أو قال حدك وقد اختلف نظر العلماء في هذا الحكم فظاهر ترجمة البخاري حمله على من أقر بحد ولم يفسره فإنه لا يجب على الامام ان يقيمه إذا تاب وحمله الخطابي على أنه يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أطلع بالوحي على أن الله قد غفر له لكونها واقعة عين وإلا لكان يستفسره عن الحد ويقيمه عليه وقال أيضا في هذا الحديث إنه لا يكشف عن الحدود بل يدفع مهما أمكن وهذا الرجل لم يفصح بأمر يلزمه به إقامة الحد عليه فلعله أصاب صغيرة ظنها كبيرة توجب الحد فلم يكشفه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك لان موجب الحد لا يثبت بالاحتمال وإنما لم يستفسره إما لان ذلك قد يدخل في التجسيس المنهي عنه وإما إيثارا للستر ورأى أن في تعرضه لاقامة الحد عليه ندما ورجوعا وقد استحب العلماء تلقين من أقر بموجب الحد بالرجوع عنه إما بالتعريض وإما بأوضح منه ليدرأ عنه الحد وجزم النووي وجماعة أن الذنب الذي فعله كان من الصغائر بدليل أن في بقية الخبر أنه كفرته الصلاة بناء على أن الذي تكفره الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر وهذا هو الاكثر الاغلب وقد تكفر الصلاة بعض الكبائر كمن كثر تطوعه مثلا بحيث صلح لان يكفر عددا كثيرا من الصغائر ولم يكن عليه من الصغائر شئ أصلا أو شئ يسير وعليه كبيرة واحدة مثلا فانها تكفر عنه ذلك لان الله لا يضيع أجر من أحسن عملا قلت وقد وقع في رواية أبي بكر البرزنجي عن محمد بن عبد الملك الواسطي عن عمرو بن عاصم بسند حديث الباب بلفظ ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله اني زنيت فأقم علي الحد الحديث فحمله بعض العلماء على أنه ظن ما ليس زنا زنا فلذلك كفرت ذنبه الصلاة وقد يتمسك به من قال إنه إذا جاء تائبا سقط عنه الحد ويحتمل أن يكون الراوي عبر بالزنا من قوله أصبت حدا فرواه بالمعنى الذي ظنه والاصل ما في الصحيح فهو الذي اتفق عليه الحفاظ عن عمرو بن عاصم بسنده المذكور
ويحتمل أن يختص ذلك المذكور لاخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد كفر عنه حده بصلاته فان ذلك لا يعرف إلا بطريق الوحي فلا يستمر الحكم في غيره الا في من علم أنه مثله في ذلك وقد انقطع علم ذلك بانقطاع الوحي بعد النبي صلى الله عليه وسلم وقد تمسك بظاهره صاحب الهدى فقال للناس في حديث أبي أمامة يعني المذكور قبل ثلاث مسالك أحدها أن الحد لا يجب إلا بعد تعيينه والاصرار عليه من المقر به والثاني أن ذلك يختص بالرجل المذكور في القصة والثالث أن الحد يسقط بالتوبة قال وهذا أصح المسالك وقواه بأن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعا بخشية الله وحده تقاوم السيئة التي عملها لان حكمة الحدود الردع عن العود وصنيعه ذلك دال على ارتداعه فناسب رفع الحد عنه لذلك والله أعلم قوله باب هل يقول الامام للمقر أي بالزنا لعلك لمست أو غمزت هذه الترجمة معقودة لجواز تلقين الامام المقر بالحد ما يدفعه عنه وقد خصه بعضهم بمن يظن به أنه أخطأ أو جهل قوله سمعت يعلى بن حكيم في رواية موسى بن إسماعيل عند أبي داود عن جرير بن حازم حدثني يعلى ولم يسمي أباه في روايته فظن بعضهم أنه بن مسلم وليس كذلك للتصريح في إسناد هذا الباب بن حكيم قوله عن بن عباس لم يذكره موسى في روايته بل أرسله وأشار إلى ذلك أبو داود وكأن البخاري
[ 120 ]
لم يعتبر هذه العلة لان وهب بن جرير وصله وهو أخبر بحديث أبيه من غيره ولانه ليس دون موسى في الحفظ ولان أصل الحديث معروف عن بن عباس فقد أخرجه أحمد وأبو داود من رواية خالد الحذاء عن عكرمة عن بن عباس وأخرجه مسلم من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن بن عباس قوله لما أتى ماعز بن مالك في رواية خالد الحذاء ان ماعز بن مالك أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال انه زنا فأعرض عنه فأعاد عليه مرارا فسأل قومه أمجنون هو قالوا ليس به بأس وسنده على شرط البخاري وذكر الطبراني في الاوسط أن يزيد بن زريع تفرد به عن خالد الحذاء قوله قال له لعلك قبلت حذف المفعول للعلم به أي المرأة المذكورة ولم يعين محل التقبيل وقوله أو غمزت بالغين المعجمة والزاي أي بعينك أو يدك أي أشرت أو المراد بغمزت بيدك الجس أو وضعها على
عضو الغير والى ذلك الاشارة بقوله لمست بدل غمزت وقد وقع في رواية يزيد بن هارون عن جرير بن حازم عند الاسماعيلي بلفظ لعلك قبلت أو لمست قوله أو نظرت أي فأطلقت على أي واحدة فعلت من الثلاث زنا ففيه إشارة إلى الحديث الآخر المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة العين تزني وزناها النظر وفي بعض طرقه عندهما أو عند أحدهما ذكر اللسان واليد والرجل والاذن زاد أبو داود والفم وعندهم والفرج يصدق ذلك أو يكذبه وفي الترمذي وغيره عن أبي موسى الاشعري رفعه كل عين زانية قوله أنكتها بالنون والكاف لا يكني أي تلفظ بالكلمة المذكورة ولم يكن عنها بلفظ آخر وقد وقع في رواية خالد بلفظ أفعلت بها وكأن هذه الكناية صدرت منه أو من شيخه للتصريح في رواية الباب بأنه لم يكن وقد تقدم في حديث أبي هريرة الذي تقدمت الاشارة إلى أن أبا داود أخرجه في باب لا يرجم المجنون مع زيادات في هذه الالفاظ قوله فعند ذلك أمر برجمه زاد خالد الحذاء في روايته فانطلق به فرجم ولم يصل عليه رضي الله تعالى عنه قوله باب سؤال الامام المقر هل أحصنت أي تزوجت ودخلت بها وأصبتها قوله رجل من الناس أي ليس من أكابر الناس ولا بالمشهور فيهم قوله زنيت يريد نفسه أي أنه لم يجئ مستفتيا لنفسه ولا لغيره وانما جاء مقرا بالزنا ليفعل معه ما يجب عليه شرعا وقد تقدمت فوائد الحديث المذكور فيه في باب لا يرجم المجنون قال بن التين محل مشروعية سؤال المقر بالزنا عن ذلك إذا كان لم يعلم أنه تزوج تزويجا صحيحا ودخل بها فأما إذا علم إحصانه فلا يسأل عن ذلك ثم حكى عن المالكية تفصيلا فيما إذا علم أنه تزوج ولم يسمع منه إقرارا بالدخول فقيل من أقام مع الزوجة ليلة واحدة لم يقبل إنكاره وقيل أكثر من ذلك وهل يحد حد الثيب أو البكر الثاني أرجح وكذا إذا اعترف الزوج بالاصابة ثم قال انما اعترفت بذلك لاملك الرجعة أو اعترفت المرأة ثم قالت انما فعلت ذلك لاستكمل الصداق فان كل منهما يحد حد البكر انتهى وعند غيرهم يرفع الحد أصلا ونقل الطحاوي عن أصحابهم أن من قال لآخر يا زاني فصدقه أنه يجلد القائل ولا يحد المصدق وقال زفر بل يحد قلت وهو قول الجمهور ورجح الطحاوي قول زفر واستدل بحديث الباب وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز أحق
ما بلغني عنك انك زنيت قال نعم فحد قال وباتفاقهم على أن من قال لآخر لي عليك ألف فقال صدقت أنه يلزمه المال قوله باب الاعتراف بالزنا هكذا عبر بالاعتراف لوقوعه في حديثي الباب وقد تقدم في شرح قصة ماعز البحث في أنه هل يشترط في الاقرار
[ 121 ]
بالزنا التكرير أولا واحتج من اكتفى بالمرة بإطلاق الاعتراف في الحديث ولا يعارض ما وقع في قصة ماعز من تكرار الاعتراف لانها واقعة حال كما تقدم قوله حدثنا سفيان هو بن عيينة قوله حفظناه من في الزهري في رواية الحميدي عن سفيان حدثنا الزهري وفي رواية عبد الجبار بن العلاء عن سفيان عند الاسماعيلي سمعت الزهري قوله أخبرني عبيد الله زاد الحميدي بن عبد الله بن عتبة قوله أنه سمع أبا هريرة وزيد بن خالد في رواية الحميدي عن زيد بن خالد الجهني وأبي هريرة وشبل وكذا قال أحمد وقتيبة عند النسائي وهشام بن عمار وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح عند بن ماجة وعمرو بن علي وعبد الجبار بن العلاء والوليد بن شجاع وأبو خيثمة ويعقوب الدورقي وإبراهيم بن سعيد الجوهري عند الاسماعيلي وآخرون عن سفيان وأخرجه الترمذي عن نصر بن علي وغير واحد عن سفيان ولفظه سمعت من أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل لانهم كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال الترمذي هذا وهم من سفيان وانما روي عن الزهري بهذا السند حديث إذا زنت الامة فذكر فيه شبلا وروى حديث الباب بهذا السند ليس في شبل فوهم سفيان في تسويته بين الحديثين قلت وسقط ذكر شبل من رواية الصحيحين من طريقه لهذا الحديث وكذا أخرجاه من طرق عن الزهري منها عن مالك والليث وصالح بن كيسان وللبخاري من رواية بن أبي ذئب وشعيب بن أبي حمزة ولمسلم من رواية يونس بن يزيد ومعمر كلهم عن الزهري ليس فيه شبل قال الترمذي وشبل لا صحبه له والصحيح ما روى الزبيدي ويونس وابن أخي الزهري فقالوا عن الزهري عن عبيد الله عن شبل بن خالد عن عبد الله بن مالك الاوسي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الامة إذا زنت قلت ورواية الزبيدي عند النسائي وكذا أخرجه من رواية يونس
عن الزهري وليس هو في الكتب الستة من هذا الوجه إلا عند النسائي وليس فيه كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم قوله كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في رواية شعيب بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية بن أبي ذئب وهو جالس في المسجد قوله فقام رجل في رواية بن أبي ذئب الآتية قريبا وصالح بن كيسان الآتية في الاحكام والليث الماضية في الشروط ان رجلا من الاعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس وفي رواية شعيب في الاحكام إذ قام رجل من الاعراب وفي رواية مالك الآتية قريبا أن رجلين اختصما قوله أنشدك الله في رواية الليث فقال يا رسول الله أنشدك الله بفتح أوله ونون ساكنة وضم الشين المعجمة أي أسألك بالله وضمن أنشدك معنى أذكرك فحذف الباء أي أذكرك رافعا نشيدتي أي صوتي هذا أصله ثم استعمل في كل مطلوب مؤكد ولو لم يكن هناك رفع صوت وبهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل رفع الرجل صوته عند النبي صلى الله عليه وسلم مع النهي عنه ثم أجاب عنه بأنه لم يبلغه النهي لكونه أعرابيا أو النهي لمن يرفع حيث يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم على ظاهر الآية وذكر أبو علي الفارسي أن بعضهم رواه بضم الهمزة وكسر المعجمة وغلطه قوله إلا قضيت بيننا بكتاب الله في رواية الليث إلا قضيت لي بكتاب الله قيل فيه استعمال الفعل بعد الاستثناء بتأويل المصدر وإن لم يكن فيه حرف مصدري لضرورة افتقار المعنى إليه وهو من المواضع التي يقع فيها الفعل موقع الاسم ويراد به
[ 122 ]
النفي المحصور فيه المفعول والمعنى هنا لا أسألك إلا القضاء بكتاب الله ويحتمل أن تكون إلا جواب القسم لما فيها من معنى الحصر وتقديره أسألك بالله لا تفعل شيئا إلا القضاء فالتأكيد انما وقع لعدم التشاغل بغيره لا لان لقوله بكتاب الله مفهوما وبهذا يندفع إيراد من استشكل فقال لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يحكم إلا بكتاب الله فما فائدة السؤال والتأكيد في ذلك ثم أجاب بأن ذلك من جفاة الاعراب والمراد بكتاب الله ما حكم به وكتب على عباده وقيل المراد القرآن وهو المتبادر وقال بن دقيق العيد الاول أولى لان الرجم والتغريب ليسا مذكورين
في القرآن إلا بواسطة أمر الله باتباع رسوله قيل وفيما قال نظر لاحتمال أن يكون المراد ما تضمنه قوله تعالى أو يجعل الله لهن سبيلا فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن السبيل جلد البكر ونفيه ورجم الثيب قلت وهذا أيضا بواسطة التبيين ويحتمل أن يراد بكتاب الله الآية التي نسخت تلاوتها وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما وسيأتي بيانه في الحديث الذي يليه وبهذا أجاب البيضاوي ويبقي عليه التغريب وقيل المراد بكتاب الله ما فيه من النهي عن أكل المال بالباطل لان خصمه كان أخذ منه الغنم والوليدة بغير حق فلذلك قال الغنم والوليدة رد عليك والذي يترجح أن المراد بكتاب الله ما يتعلق بجميع أفراد القصة مما وقع به الجواب الآتي ذكره والعلم عند الله تعالى قوله فقام خصمه وكان افقه منه في رواية مالك فقال الآخر وهو أفقههما قال شيخنا في شرح الترمذي يحتمل أن يكون الراوي كان عارفا بهما قبل أن يتحاكما فوصف الثاني بأنه أفقه من الاول إما مطلقا وإما في هذه القصة الخاصة أو استدل بحسن أدبه في استئذانه وترك رفع صوته إن كان الاول رفعه وتأكيده السؤال على فقهه وقد ورد أن حسن السؤال نصف العلم وأورده بن السني في كتاب رياضة المتعلمين حديثا مرفوعا بسند ضعيف قوله فقال اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في رواية مالك فقال أجل وفي رواية الليث فقال نعم فاقض وفي رواية بن أبي ذئب وشعيب فقال صدق اقض له يا رسول الله بكتاب الله قوله وائذن لي زاد بن أبي شيبة عن سفيان حتى أقول وفي رواية مالك أن أتكلم قوله قل في رواية محمد بن يوسف فقال النبي صلى الله عليه وسلم قل وفي رواية مالك قال تكلم قوله قال ظاهر السياق أن القائل هو الثاني وجزم الكرماني بأن القائل هو الاول واستند في ذلك لما وقع قي كتاب الصلح عن آدم عم بن أبي ذئب هنا فقال الاعرابي ان ابني بعد قوله في أول الحديث جاء أعرابي وفيه فقال خصمه وهذه الزيادة شاذة والمحفوظ ما في سائر الطرق كما في رواية سفيان في هذا الباب وكذا وقع في الشروط عن عاصم بن علي عن بن أبي ذئب موافقا للجماعة ولفظه فقال صدق اقض له يا رسول الله بكتاب الله ان ابني الخ فالاختلاف فيه على بن ذئب وقد وافق آدم أبو بكر الحنفي عند أبي نعيم في المستخرج ووافق عاصما يزيد بن هارون عند الاسماعيلي قوله إن
ابني هذا فيه أن الابن كان حاضرا فأشار إليه وخلا معظم الروايات عن هذه الاشارة قوله كان عسيفا على هذا هذه الاشارة الثانية لخصم المتكلم وهو زوج المرأة زاد شعيب في روايته والعسيف الاجير وهذا التفسير مدرج في الخبر وكأنه من قول الزهري لما عرف من عادته أنه كان يدخل كثيرا من التفسير في أثناء الحديث كما بينته في مقدمة كتابي في المدرج وقد فصله مالك فوقع في سياقه كان عسيفا على هذا قال مالك والعسيف الاجير وحذفها سائر الرواة
[ 123 ]
والعسيف بمهملتين الاجير وزنه ومعناه والجمع عسفاء كأجراء ويطلق أيضا على الخادم وعلى العبد وعلى السائل وقيل يطلق على من يستهان به وفسره عبد الملك بن حبيب بالغلام الذي لم يحلم وان ثبت ذلك فإطلاقه على صاحب هذه القصة باعتبار حاله في ابتداء الاستئجار ووقع في رواية للنسائي تعيين كونه أجيرا ولفظه من طريق عمرو بن شعيب عن بن شهاب كان ابني أجيرا لامرأته وسمي الاجير عسيفا لان المستأجر يعسفه في العمل والعسف الجور أو هو بمعنى الفاعل لكونه يعسف الارض بالتردد فيها يقال عسف الليل عسفا إذا أكثر السير فيه ويطلق العسف أيضا على الكفاية والاجير يكفي المستأجر الامر الذي أقامه فيه قوله على هذا ضمن على معنى عند بدليل رواية عمرو بن شعيب وفي رواية محمد بن يوسف عسيفا في أهل هذا وكأن الرجل استخدمه فيما عن سفيان فزنا بامرأته فأخبروني أن علي ابني الرجم فافتديت وقد ذكر علي بن المديني رواية في آخره هنا أن سفيان كان يشك في هذه الزيادة فربما تركها وغالب الرواة عنه كأحمد ومحمد بن يوسف وابن أبي شيبة لم يذكروها وثبتت عند مالك والليث وابن أبي ذئب وشعيب وعمرو بن شعيب ووقع في رواية آدم فقالوا لي على ابنك الرجم وفي رواية الحميدي فأخبرت بضم الهمزة على البناء للمجهول وفي رواية أبي بكر الحنفي فقال لي بالافراد وكذا عند أبي عوانة من رواية بن وهب عن يونس عن بن شهاب فان ثبتت فالضمير في قوله فافتديت منه لخصمه وكأنهم ظنوا أن ذلك حق له يستحق أن يعفو عنه على مال يأخذه وهذا ظن باطل ووقع في رواية عمرو بن شعيب فسألت من لا يعلم فأخبروني أن على ابني الرجم
فافتديت منه قوله بمائة شاه وخادم والمراد بالخادم الجارية المعدة للخدمة بدليل رواية مالك بلفظ وجارية لي وفى رواية بن أبي ذئب وشعيب بمائة من الغنم ووليدة وقد تقدم تفسير الوليدة في أواخر الفرائض قوله ثم سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني لم أقف على أسمائهم ولا على عددهم ولا على اسم الخصمين ولا الابن ولا المرأة وفي رواية مالك وصالح بن كيسان وشعيب ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني ومثله لابن أبي ذئب لكن قال فزعموا وفي رواية معمر ثم أخبرني أهل العلم وفي رواية عمرو بن شعيب ثم سألت من يعلم قوله ان على ابني في رواية مالك انما على ابني قوله جلد مائة بالاضافة للاكثر وقرأه بعضهم بتنوين جلد مرفوع وتنوين مائة منصوب على التمييز ولم يثبت رواية قوله وعلى امرأة هذا الرجم في رواية مالك والاكثر وانما الرجم على امرأته وفي رواية عمرو بن شعيب فأخبروني أن ليس على ابني الرجم قوله والذي نفسي بيده في رواية مالك أما والذي قوله لاقضين بتشديد النون للتأكيد قوله بكتاب الله في رواية عمرو بن شعيب بالحق وهي ترجح أول الاحتمالات الماضي ذكرها قوله المائة شاة والخادم رد في رواية الكشميهني عليك وكذا في رواية مالك ولفظه أما غنمك وجاريتك فرد عليك أي مردود من إطلاق لفظ المصدر على اسم المفعول كقولهم ثوب نسج أي منسوج ووقع في رواية صالح بن كيسان أما الوليدة والغنم فردها وفي رواية عمرو بن شعيب أما ما أعطيته فرد عليك فان كان الضمير في أعطيته لخصمه تأيدت الرواية الماضية وان كان للعطاء فلا قوله وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام قال النووي هو محمول على أنه صلى الله
[ 124 ]
عليه وسلم علم أن الابن كان بكرا وأنه اعترف بالزنا ويحتمل أن يكون أضمر اعترافه والتقدير وعلى ابنك إن اعترف والاول أليق فإنه كان في مقام الحكم فلو كان في مقام الافتاء لم يكن فيه اشكال لان التقدير إن كان زنى وهو بكر وقرينة اعترافه حضوره مع أبيه وسكوته عما نسبه إليه وأما العلم بكونه بكرا فوقع صريحا من كلام أبيه في رواية عمرو بن شعيب ولفظه كان ابني أجيرا لامرأة هذا وابني لم يحصن قوله وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام وافقه
الاكثر ووقع في رواية عمرو بن شعيب وأما ابنك فنجلده مائة ونغربه سنة وفي رواية مالك وصالح بن كيسان وجلد ابنه مائة وغربه عاما وهذا ظاهر في أن الذي صدر حينئذ كان حكما لا فتوى بخلاف رواية سفيان ومن وافقه قوله واغد يا أنيس بنون ومهملة مصغر على امرأة هذا زاد محمد بن يوسف فاسألها قال بن السكن في كتاب الصحابة لا أدري من هو ولا وجدت له رواية ولا ذكرا إلا في هذا الحديث وقال بن عبد البر هو بن الضحاك الاسلمي وقيل بن مرثد وقيل بن أبي مرثد وزيفوا الاخير بأن أنيس بن أبي مرثد صحابي مشهور وهو غنوي بالغين المعجمة والنون لا أسلمي وهو بفتحتين لا التصغير وغلط من زعم أيضا أنه أنس بن مالك وصغر كما صغر في رواية أخرى عند مسلم لانه أنصاري لا أسلمي ووقع في رواية شعيب وابن أبي ذئب وأما أنت يا أنيس لرجل من أسلم فاغد وفي رواية مالك ويونس وصالح بن كيسان وأمر أنيسا الاسلمي أن يأتي امرأة الآخر وفي رواية معمر ثم قال لرجل من أسلم يقال له أنيس قم يا أنيس فسل امرأة هذا وهذا يدل على أن المراد بالغدو الذهاب والتوجه كما يطلق الرواح على ذلك وليس المراد حقيقة الغدو وهو التأخير إلى أول النهار كما لا يراد بالرواح التوجه نصف النهار وقد حكى عياض أن بعضهم استدل به على جواز تأخير إقامة الحد عند ضيق الوقت واستضعفه بأنه ليس في الخبر أن ذلك كان في آخر النهار قوله فان اعترفت فارجمها في رواية يونس وأمر أنيسا الاسلمي أن يرجم امرأة الآخر إن اعترفت قوله فغدا عليها فاعترفت فرجمها كذا للاكثر ووقع في رواية الليث فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت واختصره بن أبي ذئب فقال فغدا عليها فرجمها ونحوه في رواية صالح بن كيسان وفي رواية عمرو بن شعيب وأما امرأة هذا فترجم ورواية الليث أتمها لانها تشعر بأن أنيسا أعاد جوابها على النبي صلى الله عليه وسلم فأمر حينئذ برجمها ويحتمل أن يكون المراد أمره الاول المعلق على اعترافها فيتحد مع رواية الاكثر وهو أولى وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم الرجوع إلى كتاب الله نصا أو استنباطا وجواز القسم على الامر لتأكيده والحلف بغير استحلاف وحسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وحلمه على من يخاطبه بما الاولى خلافه وأن من تأسى به من الحكام في ذلك يحمد
كمن لا ينزعج لقول الخصم مثلا احكم بيننا بالحق وقال البيضاوي أنما تواردا على سؤال الحكم بكتاب الله مع أنهما يعلمان أنه لا يحكم الا بحكم الله ليحكم بينهما بالحق الصرف لا بالمصالحة ولا الاخذ بالارفق لان للحاكم أن يفعل ذلك برضا الخصمين وفيه أن حسن الادب في مخاطبة الكبير يقتضي التقديم في الخصومة ولو كان المذكور مسبوقا وأن للامام أن يأذن لمن شاء من الخصمين في الدعوى إذا جاءا معا وأمكن أن كلا منهما يدعي واستحباب استئذان المدعي والمستفتي الحاكم والعالم في الكلام ويتأكد ذلك إذا ظن أن له عذرا وفيه أن من أقر بالحد وجب على الامام إقامته
[ 125 ]
عليه ولو لم يعترف مشاركه في ذلك وأن من قذف غيره لا يقام عليه الحد إلا إن طلبه المقذوف خلافا لابن أبي ليلى فإنه قال يجب ولو لم يطلب المقذوف قلت وفي الاستدلال به نظر لان محل الخلاف إذا كان المقذوف حاضرا واما إذا كان غائبا كهذا فالظاهر أن التأخير لاستكشاف الحال فان ثبت في حق المقذوف فلا حد على القاذف كما في هذه القصة وقد قال النووي تبعا لغيره ان سبب بعث النبي صلى الله عليه وسلم أنيسا للمرأة ليعلمها بالقذف المذكور لتطالب بحد قاذفها ان أنكرت قال هكذا أوله العلماء من أصحابنا وغيرهم ولا بد منه لان ظاهره أنه بعث يطلب إقامة حد الزنا وهو غير مراد لان حد الزنا لا يحتاط له بالتجسس والتنقيب عنه بل يستحب تلقين المقر به ليرجع كما تقدم في قصة ماعز وكأن لقوله فان اعترفت مقابلا أي وان أنكرت فاعلمها أن لها طلب حد القذف فحذف لوجود الاحتمال فلو أنكرت وطلبت لاجيبت وقد أخرج أبو داود والنسائي من طريق سعيد بن المسيب عن بن عباس ان رجلا أقر بأنه زنى بامرأة فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة ثم سأل المرأة فقالت كذب فجلده حد الفرية ثمانين وقد سكت عليه أبو داود وصححه الحاكم واستنكره النسائي وفيه أن المخدرة التي لا تعتاد البروز لا تكلف الحضور لمجلس الحكم بل يجوز أن يرسل إليها من يحكم لها وعليها وقد ترجم النسائي لذلك وفيه أن السائل يذكر كل ما وقع في القصة لاحتمال أن يفهم المفتي أو الحاكم من ذلك ما يستدل به على خصوص الحكم في المسألة لقول السائل إن ابني كان عسيفا على هذا وهو انما جاء يسأل عن
حكم الزنا والسر في ذلك أنه أراد أن يقيم لابنه معذرة ما وأنه لم يكن مشهورا بالعهر ولم يهجم على المرأة مثلا ولا استكرهها وانما وقع له ذلك لطول الملازمة المقتضية لمزيد التأنيس والادلال فيستفاد منه الحث على إبعاد الاجنبي من الاجنبية مهما أمكن لان العشرة قد تفضي إلى الفساد ويتسور بها الشيطان إلى الافساد وفيه جواز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل والرد على من منع التابعي أن يفتي مع وجود الصحابي مثلا وفيه جواز الاكتفاء في الحكم بالامر الناشئ عن الظن مع القدرة على اليقين لكن إذا اختلفوا على المستفتى يرجع إلى ما يفيد القطع وان كان في ذلك العصر الشريف من يفتي بالظن الذي لم ينشأ عن أصل ويحتمل أن يكون وقع ذلك من المنافقين أو من قرب عهده بالجاهلية فأقدم على ذلك وفيه أن الصحابة كانوا يفتون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي بلده وقد عقد محمد بن سعد في الطبقات بابا لذلك وأخرج بأسانيد فيها الواقدي أن منهم أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وعبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وفيه أن الحكم المبني على الظن ينقض بما يفيد القطع وفيه أن الحد لا يقبل الفداء وهو مجمع عليه في الزنا والسرقة والحرابة وشرب المسكر واختلف في القذف والصحيح أنه كغيره وانما يجري الفداء في البدن كالقصاص في النفس والاطراف وأن الصلح المبني على غير الشرع يرد ويعاد المال المأخوذ فيه قال بن دقيق العيد وبذلك يتبين ضعف عذر من اعتذر من الفقهاء عن بعض العقود الفاسدة بأن المتعاوضين تراضيا وأذن كل منهما للآخر في التصرف والحق أن الاذن في التصرف مقيد بالعقود الصحيحة وفيه جواز الاستنابة في إقامة الحد واستدل به على وجوب الاعذار والاكتفاء فيه بواحد وأجاب عياض باحتمال أن يكون ذلك ثبت عند النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة هذين الرجلين كذا قال والذي تقبل شهادته
[ 126 ]
من الثلاثة والد العسيف فقط وأما العسيف والزوج فلا وغفل بعض من تبع القاضي فقال لا بد من هذا الحمل وإلا لزم الاكتفاء بشهادة واحد في الاقرار بالزنا ولا قائل به ويمكن الانفصال عن هذا بأن أنيسا بعث حاكما فاستوفى شروط الحكم ثم استأذن في رجمها فأذن له في رجمها
وكيف يتصور من الصورة المذكورة إقامة الشهادة عليها من غير تقدم دعوى عليها ولا على وكيلها مع حضورها في البلد غير متوارية إلا أن يقال إنها شهادة حسبة ويجاب بأنه لم يقع هناك صيغة الشهادة المشروطة في ذلك واستدل به على جواز الحكم بإقرار الجاني من غير ضبط بشهادة عليه ولكنها واقعة عين فيحتمل أن يكون أنيس أشهد قبل رجمها قال عياض احتج قوم بجواز حكم الحاكم في الحدود وغيرها بما أقر به الخصم عنده وهو أحد قولي الشافعي وبه قال أبو ثور وأبى ذلك الجمهور والخلاف في غير الحدود أقوى قال وقصة أنيس يطرقها احتمال معنى الاعذار كما مضى وأن قوله فرجمها أبعد إعلامي أو أنه فوض الامر إليه فإذا اعترف بحضرة من يثبت ذلك بقولهم تحكم وقد دل قوله فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حكم فيها بعد أن أعلمه أنيس باعترافها كذا قال والذي يظهر أن أنيسا لما اعترفت أعلم النبي صلى الله عليه وسلم وبالغ في الاستثبات مع كونه كان علق له رجمها على اعترافها واستدل به على أن حضور الامام الرجم ليس شرطا وفيه نظر لاحتمال أن أنيسا كان حاكما وقد حضر بل باشر الرجم لظاهر قوله فرجمها وفيه ترك الجمع بين الجلد والتغريب وسيأتي في باب البكران يجلدان وينفيان وفيه الاكتفاء بالاعتراف بالمرة الواحدة لانه لم ينقل أن المرأة تكرر اعترافها والاكتفاء بالرجم من غير جلد لانه لم ينقل في قصتها أيضا وفيه نظر لان الفعل لا عموم له فالترك أولى وفيه جواز استئجار الحر وجواز إجازة الاب ولده الصغير لمن يستخدمه إذا احتاج لذلك واستدل به على صحة دعوة الاب لمحجوره ولو كان بالغا لكون الولد كان حاضرا ولم يتكلم إلا أبوه وتعقب باحتمال أن يكون وكيله أو لان التداعي لم يقع إلا بسبب المال الذي وقع به الفداء فكأن والد العسيف ادعى على زوج المرأة بما أخذه منه إما لنفسه وإما لامرأته بسبب ذلك حين أعلمه أهل العلم بأن ذلك الصلح فاسد ليستعيده منه سواء كان من ماله أو من مال ولده فأمره النبي صلى الله عليه وسلم برد ذلك إليه وأما ما وقع في القصة من الحد فباعتراف العسيف ثم المرأة وفيه أن حال الزانيين إذا اختلفا أقيم على كل واحد حده لان العسيف جلد والمرأة رجمت فكذا لو كان أحدهما حرا والآخر رقيقا وكذا لو زنى بالغ بصبية
أو عاقل بمجنونة حد البالغ والعاقل دونهما وكذا عكسه وفيه أن من قذف ولده لا يحد له لان الرجل قال ان ابني زنى ولم يثبت عليه حد القذف الحديث الثاني قوله عن الزهري صرح الحميدي فيه بالتحديث عن سفيان قال أتينا يعني الزهري فقال ان شئتم حدثتكم بعشرين حديثا أو حدثتكم بحديث السقيفة فقالوا حدثنا بحديث السقيفة فحدثهم به بطوله فحفظت منه شيئا ثم حدثني ببقيته بعد ذلك معمر قوله عن عبيد الله بالتصغير هو المذكور في الحديث قبله ووقع عند أبي عوانه في رواية يونس عن الزهري أخبرني عبيد الله قوله عن بن عباس قال قال عمر في رواية محمد بن منصور عن سفيان عند النسائي سمعت عمر قوله لقد خشيت الخ هو طرف من الحديث ويأتي بتمامه في الباب الذي يليه والغرض منه هنا قوله ألا وإن الرجم
[ 127 ]
حق الخ قوله قال سفيان هو موصول بالسند المذكور قوله كذا حفظت هذه جملة معترضة بين قوله أو الاعتراف وبين قوله وقد رجم وقد أخرجه الاسماعيلي من رواية جعفر الفريابي عن علي بن عبد الله شيخ البخاري فيه فقال بعد قوله أو الاعتراف وقد قرأناها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فسقط من رواية البخاري من قوله وقرأ إلى قوله البتة ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدا فقد أخرجه النسائي عن محمد بن منصور عن سفان كراوية جعفر ثم قال لا أعلم أحدا ذكر في هذا الحديث الشيخ والشيخة غير سفيان وينبغي أن يكون وهم في ذلك قلت وقد أخرج الائمة هذا الحديث من رواية مالك ويونس ومعمر وصالح بن كيسان وعقيل وغيرهم من الحفاظ عن الزهري فلم يذكروها وقد وقعت هذه الزيادة في هذا الحديث من رواية الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال لما صدر عمر من الحج وقدم المدينة خطب الناس فقال أيها الناس قد سنت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتم على الواضحة ثم قال إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل لا نجد حدين في كتاب الله فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا
والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة قال مالك الشيخ والشيخة الثيب والثيبة ووقع في الحلية في ترجمة داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب عن عمر لكتبتها في آخر القرآن ووقعت أيضا في هذا الحديث في رواية أبي معشر الآتي التنبيه عليها في الباب الذي يليه فقال متصلا بقوله قد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ولولا أن يقولوا كتب عمر ما ليس في كتاب الله لكتبته قد قرأناها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم وأخرج هذه الجملة النسائي وصححه الحاكم من أبي بن كعب قال ولقد كان فيها أي سورة الاحزاب آية الرجم الشيخ فذكر مثله ومن حديث زيد بن ثابت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الشيخ والشيخة مثله إلى قوله البتة ومن رواية أبي أسامة بن سهل أن خالته أخبرته قالت لقد أقرأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الرجم فذكره إلى قوله البتة وزاد بما قضيا من اللذة وأخرج النسائي أن مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت ألا تكتبها في المصحف قال لا ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان وقد ذكرنا ذلك فقال عمر أنا أكفيكم فقال يا رسول الله أكتبني آية الرجم قال لا أستطيع وروينا في فضائل القرآن لابن الضريس من طريق يعلى وهو بن حكيم عن زيد بن أسلم أن عمر خطب الناس فقال لا تشكوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعت في صدري وقلت أستقرئه آية الرجم وهم يتسافدون تسافد الحمر ورجاله ثقات وفيه إشارة إلى بيان السبب في رفع تلاوتها وهو الاختلاف وأخرج الحاكم من طريق كثير بن الصلت قال كان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص يكتبان في المصحف فمرا على هذه الآية فقال زيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الشيخ والشيخة فارجموهما البتة فقال عمر لما نزلت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت أكتبها فكأنه كره ذلك فقال عمر ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد وان الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم فيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ
[ 128 ]
تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها قوله باب رجم الحبلى من الزنا
في رواية غير أبي ذر من الزنا قوله إذا أحصنت أي تزوجت قال الاسماعيلي يريد إذا حبلت من زنا على الاحصان ثم وضعت فاما وهي حبلى فلا ترجم حتى تضع وقال بن بطال معنى الترجمة هل يجب على الحبلى رجم أولا وقد استقر الاجماع على أنها لا ترجم حتى تضع قال النووي وكذا لو كان حدها الجلد لا تجلد حتى تضع وكذا من وجب عليها قصاص وهي حامل لا يقتص منها حتى تضع بالاجماع في كل ذلك وقد كان عمر أراد أن يرجم الحبلى فقال له معاذ لا سبيل لك عليها حتى تضع ما في بطنها أخرجه بن أبي شيبة ورجاله ثقات واختلف بعد الوضع فقال مالك إذا وضعت رجمت ولا ينتظر أن يكفل ولدها وقال الكوفيون لا ترجم حين تضع حتى تجد من يكفل ولدها وهو قول الشافعي ورواية عن مالك وزاد الشافعي لا ترجم حتى ترضع اللبأ وقد أخرج مسلم من حديث عمران بن حصين أن امرأة جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا فذكرت أنها زنت فأمرها أن تقعد حتى تضع فلما وضعت أتته فأمر بها فرجمت وعنده من حديث بريدة أن امرأة من غامد قالت يا رسول الله طهرني فقالت انها حبلى من الزنا فقال لها حتى تضعي فلما وضعت قال لا ترجمها وتضع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه فقام رجل فقال إلى رضاعه يا رسول الله فرجمها وفي رواية له فارضعته حتى فطمته ودفعته إلى رجل من المسلمين ورجمها وجمع بين روايتي بريدة بأن في الثانية زيادة فتحمل الاولى على أن المراد بقوله الي ارضاعه أي تربيته وجمع بين حديثي عمران وبريدة أن الجهنية كان لولدها من يرضعه بخلاف الغامدية قوله عن صالح وهو بن كيسان ووقع كذلك عند يعقوب بن سفيان في تاريخه عن عبد العزيز شيخ البخاري فيه بسنده وأخرجه الاسماعيلي من طريقه قوله عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله في رواية مالك عن الزهري أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أخبره وأخرجه أحمد والدار قطني في الغرائب وصححه بن حبان قوله عن بن عباس في رواية مالك أن عبد الله بن عباس أخبره كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف ولم أقف على اسم أحد منهم غيره زاد مالك في روايته في خلافة عمر فلم أر رجلا يجد من الاقشعريرة ما يجد عبد الرحمن عند القراءة قال الداودي فيما نقله بن التين معنى قوله كنت أقرئ رجالا أي أتعلم
منهم القرآن لان بن عباس كان عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم انما حفظ المفصل من المهاجرين والانصار قال وهذا الذي قاله خروج عن الظاهر بل عن النص لان قوله أقرئ بمعنى أعلم قلت ويؤيد التعقب ما وقع في رواية بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري كنت اختلف إلى عبد الرحمن بن عوف ونحن بمنى مع عمر بن الخطاب أعلم عبد الرحمن بن عوف القرآن أخرجه بن أبي شيبة وكان بن عباس ذكيا سريع الحفظ وكان كثير من الصحابة لاشتغالهم بالجهاد لم يستوعبوا القرآن حفظا وكان من اتفق له ذلك يستدركه بعد الوفاة النبوية وإقامته بالمدينة فكانوا يعتمدون على نجباء الابناء فيقرؤونهم تلقينا للحفظ قوله فبينما أنا بمنزلي بمنى وهو عند عمر في رواية بن إسحاق فأتيته في المنزل فلم أجده فانتظرته حتى جاء قوله في آخر حجة حجها يعني عمر كان ذلك سنة ثلاث وعشرين قوله لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم لم أقف على اسمه قوله هل لك في فلان لم أقف على اسمه أيضا ووقع
[ 129 ]
في رواية بن إسحاق أن من قال ذلك كان أكثر من واحد ولفظه أن رجلين من الانصار ذكرا بيعة أبي بكر قوله لقد بايعت فلانا هو طلحة بن عبيد الله أخرجه البزار من طريق أبي معشر عن زيد بن أسلم عن أبيه وعن عمير مولى غفرة بضم المعجمة وسكون الفاء قالا قدم على أبي بكر مال فذكر قصة طويلة في قسم الفئ ثم قال حتى إذا كان من آخر السنة التي حج فيها عمر قال بعض الناس لو قد مات أمير المؤمنين أقمنا فلانا يعنون طلحة بن عبيد الله ونقل بن بطال عن المهلب أن الذين عنوا أنهم يبايعونه رجلا من الانصار ولم يذكر مستنده في ذلك قوله فو الله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة بفتح الفاء وسكون اللام بعدها مثناة ثم تاء تأنيت أي فجأة وزنه ومعناه وجاء عن سحنون عن أشهب أنه كان يقولها بضم الفاء ويفسرها بانفلات الشئ من الشئ ويقول إن الفتح غلط وإنه إنما يقال فيما يندم عليه وبيعة أبي بكر مما لا يندم عليه أحد وتعقب بثبوت الروايات بفتح الفاء ولا يلزم من وقوع الشئ بغتة أن يندم عليه كل أحد بل يمكن الندم عليه من بعض دون بعض وانما أطلقوا على بيعة أبي بكر ذلك بالنسبة لمن لم يحضرها في الحال الاول ووقع
في رواية بن إسحاق بعد قوله فلتة فما يمنع امرأ إن هلك هذا أن يقوم إلى من يريد فيضرب على يده فتكون أي البيعة كما كانت أي في قصة أبي بكر وسيأتي مزيد في معنى الفلتة بعد قوله فغضب عمر زاد بن إسحاق غضبا ما رأيته غضب مثله منذ كان قوله أن يغصبوهم أمورهم كذا في رواية الجميع بغين معجمة وصاد مهملة وفي رواية مالك يغتصبوهم بزيادة مثناة بعد الغين المعجمة وحكى بن التين أنه روي بالعين المهملة وضم أوله من أعضب أي صار لا ناصر له والمعضوب الضعيف وهو من عضبت الشاة إذا انكسر أحد قرنيها أو قرنها الداخل وهو المشاش والمعنى أنهم يغلبون على الامر فيضعف لضعفهم والاول أولى والمراد أنه يثبون على الامر بغير عهد ولا مشاورة وقد وقع ذلك بعد علي وفق ما حذره عمر رضي الله عنه قوله يجمع رعاع الناس وغوغاءهم الرعاع بفتح الراء وبمهملتين الجهلة الرذلاء وقيل الشباب منهم والغوغاء بمعجمتين بينهما واو ساكنة أصله صغار الجراد حين يبدأ بالطيران ويطلق على السفلة المسرعين إلى الشرب قوله يغلبون على قربك بضم القاف وسكون الراء ثم موحدة أي المكان الذي يقرب منك ووقع في رواية الكشميهني وأبي زيد المروزي بكسر القاف وبالنون وهو خطأ وفي رواية بن وهب عن مالك على مجلسك إذا قمت في الناس قوله يطيرها بضم أوله من أطار الشئ إذا أطلقه وللسرخسي يطيرها بفتح أوله أي يحملونها على غير وجهها ومثله لابن وهب وقال يطيرنها أولئك ولا يعونها أي لا يعرفون المراد بها قوله فتخلص بضم اللام بعدها مهملة أي تصل قوله لاقومن في رواية مالك فقال لئن قدمت المدينة صالحا لاكلمن الناس بها قوله أقومه في رواية الكشميهني والسرخسي أقوم بحذف الضمير قوله في عقب ذي الحجة بضم المهملة وسكون القاف وبفتحها وكسر القاف وهو أولى فان الاول يقال لما بعد التكملة والثاني لما قرب منها يقال جاء عقب الشهر بالوجهين والواقع الثاني لان قدوم عمر كان قبل أن ينسلخ ذو الحجة في يوم الاربعاء قوله عجلت الرواح في رواية الكشميهني بالرواح زاد سفيان عند البزار وجاءت الجمعة وذكرت ما حدثني عبد الرحمن بن عوف فهجرت إلى المسجد وفي رواية جويرية عن مالك عند بن حبان والدار قطني لما أخبرني قوله حين زاغت الشمس في رواية
[ 130 ]
مالك حين كانت صكه عمى بفتح الصادو تشديد الكاف وعمى بضم أوله وفتح الميم وتشديد التحتانية وقيل بتشديد الميم وزن حبلى زاد أحمد عن إسحاق بن عيسى قلت لمالك ما صكه عمى قال الاعمى قال لا يبالي أي ساعة خرج لا يعرف الحر من البرد أو نحو هذا قلت وهو تفسير معنى وقال أبو هلال العسكري المراد به اشتداد الهاجرة والاصل فيه أنه اسم رجل من العمالقة يقال له عمي غزا قوما في قائم الظهيرة فأوقع بهم فصار مثلا لكل من جاء في ذلك الوقت وقيل هو رجل من عدوان كان يفيض بالحاج عند الهاجرة فضرب به المثل وقيل المعنى أن الشخص في هذا الوقت يكون كالاعمى لا يقدر على مباشرة الشمس بعينه وقيل أصله أن الظبي يدور أي يدوخ من شدة الحر فيصك برأسه ما واجهه وللدار قطني من طريق سعيد بن داود عن مالك صكه عمي ساعة من النهار تسميها العرب وهو نصف النهار أو قريبا منه قوله فجلست حوله في رواية الاسماعيلي حذوه وكذا لمالك وفي رواية إسحاق الغروي عن مالك حذاءه وفي رواية معمر فجلست إلى جنبه تمس ركبتي ركبته قوله فلم أنشب بنون ومعجمة وموحدة أي لم أتعلق بشئ غير ما كنت فيه والمراد سرعة خروج عمر قوله أن خرج أي من مكانه إلى جهة المنبر وفي رواية مالك أن طلع عمر أي ظهر يؤم المنبر أي يقصده قوله ليقولن العشية مقالة أي عمر قوله لم يقلها منذ استخلف في رواية مالك لم يقلها أحد قط قبله قوله ما عسيت في رواية الاسماعيلي ما عسى قوله أن يقول ما لم يقل قبله زاد سفيان فغضب سعيد وقال ما عسيت وقيل أراد بن عباس أن ينبه سعيدا معتمدا على ما أخبره به عبد الرحمن ليكون على يقظة فيلقي باله لما يقوله عمر فلم يقع ذلك من سعيد موقعا بل أنكره لانه لم يعلم بما سبق لعمر وعلى بناء أن الامور استقرت قوله لا أدري لعلها بين يدي أجلي أي بقرب موتي وهو من الامور التي جرت على لسان عمر فوقعت كما قال ووقع في رواية أبي معشر المشار إليها قبل ما يؤخذ منه سبب ذلك وأن عمر قال في خطبته هذه رأيت رؤياي وما ذاك إلا عند قرب أجلي رأيت كأن ديكا نقرني وفي مرسل سعيد بن المسيب في الموطأ أن عمر لما صدر من الحج دعا الله أن بقبضه إليه غير مضيع ولا مفرط وقال في آخر القصة فما انسلخ
ذو الحجة حتى قتل عمر قوله أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق قال الطيبي قدم عمر هذا الكلام قبل ما أراد أن يقوله توطئة له ليتيقظ السامع لما يقول قوله فكان مما في رواية الكشميهني فيما قوله آية الرجم تقدم القول فيها في الباب الذي قبله قال الطيبي آية الرجم بالرفع اسم كان وخبرها من التبعيضية في قوله مما أنزل الله ففيه تقديم الخبر على الاسم وهو كثير قوله ووعيناها رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية الاسماعيلي ورجم بزيادة واو وكذا لمالك قوله فأخشى في رواية معمر واني خائف قوله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله أي في الآية المذكورة التي نسخت تلاوتها وبقى حكمها وقد وقع ما خشيه عمر أيضا فأنكر الرجم طائفة من الخوارج أو معضمهم وبعض المعتزلة ويحتمل أن يكون استند في ذلك إلى توقيف وقد أخرج عبد الرزاق والطبري من وجه آخر عن بن عباس أن عمر قال سيجئ قوم يكذبون بالرجم الحديث ووقع في رواية سعيد بن إبراهيم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة في حديث عمر عند النسائي وأن ناسا يقولون ما بال الرجم وانما في كتاب الله الجلد ألا قد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه إشارة إلى أن عمر استحضر أن ناسا قالوا ذلك فرد عليهم وفي الموطأ عن يحيى بن
[ 131 ]
سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل لا أجد حدين في كتاب الله فقد رجم قوله والرجم في كتاب الله حق أي في قوله تعالى أو يجعل الله لهن سبيلا فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد به رجم الثيب وجلد البكر كما تقدم التنبيه عليه في قصة العسيف قريبا قوله إذا قامت البينة أي بشرطها قوله إذا أحصن أي كان بالغا عاقلا قد تزوج حرة تزويجا صحيحا وجامعها قوله أو كان الحبل بفتح المهملة والموحدة في رواية معمر الحمل أي وجدت المرأة الخلية من زوج أو سيد حبلى ولم تذكر شبهة ولا إكراه قوله أو الاعتراف أيي الاقرار بالزنا والاستمرار عليه وفي رواية سفيان أو كان حملا أو اعترافا ونصب على نزع الخافض أي كان الزنا عن حمل أو عن اعتراف قوله ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أي مما نسخت تلاوته قوله لا ترغبوا عن آبائكم أي لا تنتسبوا إلى غيرهم قوله فإنه كفر
بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفر بكم كذا هو بالشك وكذا في رواية معمر بالشك لكن قال لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أو إن كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ووقع في رواية جويرية عن مالك فان كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم قوله ألا ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية مالك ألا وإن بالواو بدل ثم وألا بالتخفيف حرف افتتاح كلام غير الذي قبله قوله لا تطروني هذا القدر مما سمعه سفيان من الزهري أفرده الحميدي في مسنده عن بن عيينة سمعت الزهري به وقد تقدم مفردا في ترجمة عيسى عليه السلام من أحاديث الانبياء عن الحميدي بسنده هذا وتقدم شرح الاطراء قوله كما أطري عيسى في رواية سفيان كما أطرت النصارى عيسى قوله وقولوا عبد الله في رواية مالك فانما أنا عبد الله فقولوا قال بن الجوزي لا يلزم من النهي عن الشئ وقوعه لانا لا نعلم أحدا ادعى في نبينا ما ادعته النصارى في عيسى وانما سبب النهي فيما يظهر ما وقع في حديث معاذ بن جبل لما استأذن في السجود له فامتنع ونهاه فكأنه خشي أن يبالغ غيره بما هو فوق ذلك فبادر إلى النهي تأكيدا للامر وقال بن التين معنى قوله لا تطروني لا تمدحوني كمدح النصارى حتى غلا بعضهم في عيسى فجعله إلها مع الله وبعضهم ادعى أنه هو الله وبعضهم بن الله ثم أردف النهي بقوله أنا عبد الله قال والنكتة في إيراد عمر هذه القصة هنا أنه خشي عليهم الغلو يعني خشي على من لا قوة له في الفهم أن يظن بشخص استحقاقه الخلافة فيقوم في ذلك مع أن المذكور لا يستحق فيطريه بما ليس فيه فيدخل في النهي ويحتمل أن تكون المناسبة أن الذي وقع منه في مدح أبي بكر ليس من الاطراء المنهي عنه ومن ثم قال وليس فيكم مثل أبي بكر ومناسبة إيراد عمر قصة الرجم والزجر عن الرغبة عن الآباء في القصة التي خطب بسببها وهي قول القائل لو مات عمر لبايعت فلانا أنه أشار بقصة الرجم إلى زجر من يقول لا أعمل في الاحكام الشرعية إلا بما وجدته في القرآن وليس في القرآن تصريح باشتراط التشاور إذا مات الخليفة بل انما يؤخذ ذلك من جهة السنة كما أن الرجم ليس فيما يتلى من القرآن وهو مأخوذ من طريق السنة وأما الزجر عن الرغبة عن الآباء فكأنه أشار إلى أن الخليفة يتنزل للرعية منزلة
الاب فلا يجوز لهم أن يرغبوا إلى غيره بل يجب عليهم طاعته بشرطها كما تجب طاعة الاب هذا الذي ظهر لي من المناسبة والعلم عند الله تعالى قوله ألا وإنها أي بيعة أبي بكر قوله قد كانت
[ 132 ]
كذلك أي فلتة وصرح بذلك في رواية إسحاق بن عيسى عن مالك حكى ثعلب عن بن الاعرابي وأخرجه سيف في الفتوح بسنده عن سالم بن عبد الله بن عمر نحوه قال الفلتة الليلة التي يشك فيها هل هي من رجب أو شعبان وهل من المحرم أو صفر كان العرب لا يشهرون السلاح في الاشهر الحرم فكان من له ثأر تربص فإذا جاءت تلك الليلة انتهز الفرصة من قبل أن يتحقق انسلاح الشهر فيتمكن ممن يريد إيقاع الشر به وهو آمن فيترتب على ذلك الشر الكثير فشبه عمر الحياة النبوية بالشهر الحرام والفلتة بما وقع من أهل الردة ووقى الله شر ذلك ببيعة أبي بكر لما وقع منه من النهوض في قتالهم وإخماد شوكتهم كذا قال والاولى أن يقال الجامع بينهما انتهاز الفرصة لكن كان ينشأ عن أخذ الثأر الشر الكثير فوقى الله المسلمين شر ذلك فلم ينشأ عن بيعة أبي بكر شر بل أطاعه الناس كلهم من حضر البيعة ومن غاب عنها وفي قوله وقى الله شرها إيماء إلى التحذير من الوقوع في مثل ذلك حيث لا يؤمن من وقوع الشر والاختلاف قوله ولكن الله وقى شرها أي وقاهم ما في العجلة غالبا من الشر لان من العادة أن من لم يطلع على الحكمة في الشئ الذي يفعل بغتة لا يرضاه وقد بين عمر سبب إسراعهم ببيعة أبي بكر لما خشوا أن يبايع الانصار سعد بن عبادة قال أبو عبيدة عاجلوا ببيعة أبي بكر خيفة انتشار الامر وأن يتعلق به من لا يستحقه فيقع الشر وقال الداودي معنى قوله كانت فلتة أنها وقعت من غير مشورة مع جميع من كان ينبغي أن يشاور وأنكر هذه الكرابيسي صاحب الشافعي وقال بل المراد أن أبا بكر ومن معه تفلتوا في ذهابهم إلى الانصار فبايعوا أبا بكر بحضرتهم وفيهم من لا يعرف ما يجب عليه من بيعته فقال منا أمير ومنكم أمير فالمراد بالفلتة ما وقع من مخالفة الانصار وما أرادوه من مبايعة سعد بن عبادة وقال بن حبان معنى قوله كانت فلتة أن ابتدائها كان عن غير ملا كثير والشئ إذا كان كذلك يقال له الفلتة فيتوقع فيه ما لعله يحدث من الشر بمخالفة من يخالف في ذلك عادة فكفى
الله المسلمين الشر المتوقع في ذلك عادة لا أن بيعة أبي بكر كان فيها شر قوله وليس فيكم من تقطع الاعناق إليه مثل أبي بكر قال الخطابي يريد أن السابق منكم الذي لا يلحق في الفضل لا يصل إلى منزلة أبي بكر فلا يطمع أحد أن يقع له مثل ما وقع لابي بكر من المبايعة له أولا في الملا اليسير ثم اجتماع الناس عليه وعدم اختلافهم عليه لما تحققوا من استحقاقه فلم يحتاجوا في أمره إلى نظر ولا إلى مشاورة أخرى وليس غيره في ذلك مثله انتهى ملخصا وفيه إشارة إلى التحذير من المسارعة إلى مثل ذلك حيث لا يكون هناك مثل أبي بكر لما اجتمع فيه من الصفات المحمودة من قيامه في أمر الله ولين جانب المسلمين وحسن خلقه ومعرفته بالسياسة وورعه التام ممن لا يوجد فيه مثل صفاته لا يؤمن من مبايعته عن غير مشورة الاختلاف الذي ينشأ عنه الشر وعبر بقوله تقطع الاعناق لكون الناظر إلى السابق تمتد عنقه لينظر فإذا لم يحصل مقصوده من سبق من يريد سبقه قيل انقطعت عنقه أو لان المتسابقين تمتد إلى رؤيتها الاعناق حتى يغيب السابق عن النظر فعبر عن امتناع نظره بانقطاع عنقه وقال بن التين هو مثل يقال للفرس الجواد تقطعت أعناق الخيل دون لحاقه ووقع في رواية أبي معشر المذكورة ومن أين لنا مثل أبي بكر تمد أعناقنا إليه قوله من غير في رواية الكشميهني عن غير مشورة بضم المعجمة وسكون الواو وبسكون المعجمة وفتح الواو فلا يبايع بالموحدة وجاء بالمثناة وهي أولى لقوله هو والذي تابعه
[ 133 ]
قوله تغرة أن يقتلا بمثناة مفتوحة وغين معجمة مكسورة وراء ثقيلة بعدها هاء تأنيت أي حذرا من القتل وهو مصدر من أغررته تغريرا أو تغرة والمعنى أن من فعل ذلك فقد غرر بنفسه وصاحبه وعرضهما للقتل قوله وإنه قد كان من خبرنا كذا للاكثر من الخبر بفتح الموحدة ووقع للمستملي بسكون التحتانية والضمير لابي بكر وعلى هذا فيقرأ ان الانصار بالكسر على أنه ابتداء كلام آخر وعلى رواية الاكثر بفتح همزة أن على أنه خبر كان قوله خالفونا أي لم يجتمعوا معنا في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله وخالف عنا علي والزبير ومن معهما في رواية مالك ومعمر وأن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله
عليه وسلم وكذا في رواية سفيان لكن قال العباس بدل الزبير قوله يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا زاد في رواية جويرية عن مالك فبينما نحن في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا برجل ينادي من وراء الجدار أخرج الي يا بن الخطاب فقلت إليك عني فاني مشغول قال أخرج الي فإنه قد حدث أمر إن الانصار اجتمعوا فأدركوهم قبل أن يحدثوا أمرا يكون بينكم فيه حرب فقلت لابي بكر انطلق قوله فانطلقنا نريدهم زاد جويرية فلقينا أبو عبيدة بن الجراح فأخذ أبو بكر بيده يمشي بيني وبينه قوله لقينا رجلان صالحان في رواية معمر عن بن شهاب شهدا بدرا كما تقدم في غزوة بدر وفي رواية بن إسحاق رجلا صدق عويم بن ساعدة ومعن بن عدي كذا أدرج تسميتهما وبين مالك أنه قول عروة ولفظه قال بن شهاب أخبرني عروة أنهما معن بن عدي وعويم بن ساعدة وفي رواية سفيان قال الزهري هما ولم يذكر عروة ثم وجدته من رواية صالح بن كيسان رواية في هذا الباب بزيادة فأخرجه الاسماعيلي من طريقه وقال فيه قال بن شهاب وأخبرني عروة الرجلين فسماهما وزاد فأما عويم فهو الذي بلغنا أنه قيل يا رسول الله من الذين قال الله فيهم رجال يحبون أن يتطهروا قال نعم المرء منهم عويم بن ساعدة وأما معن فبلغنا أن الناس بكوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفاه الله وقالوا وددنا أنا متنا قبله لئلا نفتتن بعده فقال معن بن عدي والله ما أحب أن لو مت قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا واستشهد باليمامة قوله ما تمالا بفتح اللام والهمز أي أتفق وفي رواية مالك الذي صنع القوم أي من اتفاقهم على أن يباعوا لسعد بن عبادة قوله لا عليكم أن لا تقربوهم لا بعد أن زائده قوله اقضوا أمركم في رواية سفيان أمهلوا حتى تقضوا أمركم ويؤخذ من هذا أن الانصار كلها لم تجتمع على سعد بن عبادة قوله مزمل بزاي وتشديد الميم المفتوحة أي ملفف قوله بين ظهرانيهم بفتح المعجمة والنون أي في وسطهم قوله يوعك بضم أوله وفتح المهملة أي يحصل له الوعك وهو الحمى بنافض ولذلك زمل وفي رواية سفيان وعك بصيغة الفعل الماضي وزعم بعض الشراح أن ذلك وقع لسعد من هول ذلك المقام وفيه نظر لان سعدا كان من الشجعان والذين كانوا عنده أعوانه وأنصاره وقد اتفقوا على تأميره وسياق عمر يقتضي أنه جاء فوجده
موعوكا فلو كان ذلك حصل له بعد كلام أبي بكر وعمر لكان له بعض اتجاه لان مثله قد يكون من الغيض وأما قبل ذلك فلا وقد وقع في رواية الاسماعيلي قالوا سعد وجع يوعك وكأن سعدا كان موعوكا فلما اجتمعوا إليه في سقيفة بني ساعدة وهي منسوبة إليه لانه كان كبير بني ساعدة خرج إليهم من منزله وهو بتلك الحالة فطرقهم أبو بكر وعمر في تلك الحالة قوله تشهد خطيبهم لم
[ 134 ]
أقف على اسمه وكان ثابت بن قيس بن شماس يدعى خطيب الانصار فالذي يظهر أنه هو قوله وكتيبة الاسلام الكتيبة بمثناة ثم موحدة وزن عظيمة وجمعها كتائب هي الجيش المجتمع الذي لا يتقشر وأطلق عليهم ذلك مبالغة كأنه قال لهم أنتم مجتمع الاسلام قوله وأنتم معشر في رواية الكشميهني معاشر قوله رهط أي قليل وقد تقدم أنه يقال للعشرة فما دونها زاد بن وهب في روايته منا وكذا لمعمر وهو يرفع الاشكال فإنه لم يرد حقيقة الرهط وانما أطلقه عليهم بالنسبة إليهم أي أنتم بالنسبة إلينا قليل لان عدد الانصار في المواطن النبوية التي ضبطت كانوا دائما أكثر من عدد المهاجرين وهو بناء على أن المراد بالمهاجرين من كان مسلما قبل فتح مكة وهو المعتمد وإلا فلو أريد عموم من كان غير الانصار لكانوا أضعاف أضعاف الانصار قوله وقد دفت دافة من قومكم بالدال المهملة والفاء أي عدد قليل وأصله من الدف وهو السير البطئ في جماعة قوله يختزلونا بخاء معجمة وزاي أي يقتطعونا عن الامر وينفردوا به دوننا وقال أبو زيد خزلته عن حاجته عوقته عنها والمراد هنا بالاصل ما يستحقونه من الامر وقوله وأن يحضنونا بحاء مهملة وضاد معجمة ووقع في رواية المستملي أي يخرجونا قاله أبو عبيد وهو كما يقال حضنه واحتضنه عن الامر أخرجه في ناحية عنه واستبد به أو حبسه عنه ووقع في رواية أبي علي بن السكن يختصونا بمثناة قبل الصاد المهملة وتشديدها ومثله للكشميهني لكن بضم الخاء بغير تاء وهي بمنع الاقتطاع والاستئصال وفي رواية سفيان عند البزار ويختصون بالامر أو يستأثرون بالامر دوننا وفي رواية أبي بكر الحنفي عن مالك عند الدارقطني ويخطفون بخاء معجمة ثم طاء مهملة ثم فاء والروايات كلها متفقة على أن قوله فإذا هم الخ بقية كلام خطيب الانصار لكن
وقع عند بن ماجة بعد قوله وقد دفت دافة من قومكم قال عمر فإذا هم يريدون الخ وزيادة قوله هنا قال عمر خطأ والصواب أنه كله كلام الانصار ويدل له قول عمر فلما سكت وعلى ذلك شرحه الخطابي فقال قوله رهط أي أن عددكم قليل بالاضافة للانصار وقوله دفت دافة من قومكم يريد أنكم قوم طرأة غرباء أقبلتم من مكة إلينا ثم أنتم تريدون أن تستأثروا علينا قوله فلما سكت أي خطيب الانصار وحاصل ما تقدم من كلامه أنه أخبر أن طائفة من المهاجرين أرادوا أن يمنعوا الانصار من أمر تعتقد الانصار أنهم يستحقونه وانما عرض بذلك بأبي بكر وعمر ومن حضر معهما قوله أردت أن اتكلم وكنت قد زورت بزاي ثم راء أي هيأت وحسنت وفي رواية مالك رويت براء واو ثقيلة ثم تحتانية ساكنة من الرؤية ضد البديهة ويؤيده قول عمر بعد فما ترك كلمة وفي رواية مالك ما ترك من كلمة أعجبتني في رويتي إلا قالها في بديهته وفي حديث عائشة وكان عمر يقول والله ما أردت لذلك إلا أني قد هيأت كلاما قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر قوله على على رسلك بكسر الراء وسكون المهملة ويجوز الفتح أي على مهلك بفتحين وقد تقدم بيانه في الاعتكاف وفي حديث عائشة الماضي في مناقب أبي بكر فأسكته أبو بكر قوله أن أغضبه بغين ثم ضاد معجمتين ثم موحدة وفي رواية الكشميهني بمهملتين ثم ياء آخر الحروف قوله فكان هو أحلم مني وأوقر في حديث عائشة فتكلم أبلغ الناس قوله ما ذكرتم فيكم من خير فانتم له أهل زاد بن إسحاق في روايته عن الزهري إنا والله يا معشر الانصار ما ننكر فضلكم ولا بلاءكم في الاسلام ولا حقكم الواجب علينا قوله ولن يعرف بضم أوله على البناء للمجهول
[ 135 ]
وفي رواية مالك ولن تعرف العرب هذا الامر إلا لهذا الحي من قريش وكذا في رواية سفيان وفي رواية بن إسحاق قد عرفتم أن هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب ليس بها غيرهم وأن العرب لا تجتمع إلا على رجل منهم فاتقوا الله لا تصدعوا الاسلام ولا تكونوا أول من أحدث في الاسلام قوله هم أوسط العرب في رواية الكشميهني هو بدل هم والاول أوجه وقد بينت في مناقب أبي بكر أن أحمد أخرج من طريق حميد بن عبد الرحمن عن أبي بكر الصديق
أنه قال يومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الائمة من قريش وسقت الكلام على ذلك هناك وسيأتي القول في حكمه في كتاب الاحكام إن شاء الله تعالى قوله وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين زاد عمر بن مرزوق عن مالك عند الدارقطني هنا فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وقد ذكرت في هذا الحديث مفاخرة وتقدم ما يتعلق بذلك في مناقب أبي بكر قوله فقال قائل الانصار في رواية الكشميهني من الانصار وكذا في رواية مالك وقد سماه سفيان في روايته عند البزار فقال حباب بن المنذر لكنه من هذه الطريق مدرج فقد بين مالك في روايته عن الزهري أن الذي سماه سعيد بن المسيب فقال قال بن شهاب فأخبرني سعيد بن المسيب أن الحباب بن المنذر هو الذي قال أنا جذيلها المحكك وتقدم موصولا في حديث عائشة فقال أبو بكر نحن الامراء وأنتم الوزراء فقال الحباب بن المنذر لا والله لا نفعل منا أمير ومنكم أمير وتقدم تفسير المرجب والمحكك هناك وهكذا سائر ما يتعلق ببيعة أبي بكر المذكورة مشروحا وزاد إسحاق بن الطباع هناك فقلت لمالك ما معناه قال كأنه يقول أنا داهيتها وهو تفسير معنى زاد سفيان في روايته هنا والا اعدنا الحرب بيننا وبينكم خدعة فقلت إنه لا يصلح سيفان في غمد واحد ووقع عند معمر أن راوي ذلك قتادة فقال قال قتادة قال عمر لا يصلح سيفان في غمد واحد ولكن منا الامراء ومنكم الوزراء ووقع عند بن سعد بسند صحيح من مرسل القاسم بن محمد قال اجتمعت الانصار إلى سعد بن عبادة فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة فقام الحباب بن المنذر وكان بدريا فقال منا أمير ومنكم أمير فإنا والله ما ننفس عليكم هذا الامر ولكنا نخاف أن يليها أقوام قتلنا آباءهم وإخوتهم فقال عمر إذا كان ذلك فمت ان استطعت قال الخطابي الحامل للقائل منا أمير ومنكم أمير أن العرب لم تكن تعرف السيادة على قوم إلا لمن يكون منهم وكأنه لم يكن يبلغه حكم الامارة في الاسلام واختصاص ذلك بقريش فلما بلغه أمسك عن قوله وبايع هو وقومه أبا بكر قوله حتى فرقت بفتح الفاء وكسر الراء ثم قاف من الفرق بفتحتين وهو الخوف وفي رواية مالك حتى خفت وفي رواية جويرية حتى أشفقنا الاختلاف ووقع في رواية بن إسحاق المذكورة فيما أخرجه الذهلي في الزهريات بسند صحيح عنه حدثني عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن عبيد الله عن بن
عباس عن عمر قال قلت يا معشر الانصار إن أولى الناس بنبي الله ثاني اثنين إذ هما في الغار ثم أخذت بيده ووقع بحديث بن مسعود عند أحمد والنسائي من طريق عاصم عن زر بن حبيش عنه أن عمر قال يا معشر الانصار ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يؤم بالناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر فقالوا نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر وسنده حسن وله شاهد من حديث سالم بن عبيد الله عن عمر أخرجه النسائي أيضا وآخر من طريق رافع بن عمرو الطائي أخرجه الاسماعيلي في مسند عمر بلفظ فأيكم يجترئ أن يتقدم أبا بكر فقالوا لا أينا وأصله
[ 136 ]
عند أحمد وسنده جيد وأخرج الترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد قال قال أبو بكر ألست أحق الناس بهذا الامر ألست أول من أسلم ألست صاحب كذا قوله فبايعته وبايعه المهاجرون فيه رد على قول الداودي فيما نقله بن التين عنه حيث أطلق أنه لم يكن مع أبي بكر حينئذ من المهاجرين إلا عمر وأبو عبيدة وكأنه استصحب الحال المنقولة في توجههم لكن ظهر من قول عمر وبايعه المهاجرون بعد قوله بايعته أنه حضر معهم جمع من المهاجرين فكأنهم تلاحقوا بهم لما بلغهم أنهم توجهوا إلى الانصار فلما بايع عمر أبا بكر وبايعه من حضر من المهاجرين على ذلك بايعه حين قامت الحجة عليهم بما ذكره أبو بكر وغيره قوله ثم بايعته الانصار في رواية بن إسحاق المذكورة قريبا ثم أخذت بيده وبدرني رجل من الانصار فضرب على يده قبل أن أضرب على يده ثم ضربت على يده فتتابع الناس والرجل المذكور بشير بن سعد والد النعمان قوله ونزونا بنون وزاي مفتوحة أي وتبنا قوله فقلت قتل الله سعد بن عبادة تقدم بيانه في شرح حديث عائشة في مناقب أبي بكر وسيأتي في الاحكام من وجه آخر عن الزهري قال أخبرني أنس أنه سمع خطبة عمر الآخرة من الغد من يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر صامت لا يتكلم فقص البيعة العامة ويأتي شرحها هناك قوله وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا بصيغة الفعل الماضي قوله من أمر في موضع المفعول أي حضرنا في تلك الحالة أمورا فما وجدنا فيها أقوى من سابقة أبي بكر والامور التي
حضرت حينئذ الاشتغال بالمشاورة واستيعاب من يكون أهلا لذلك وجعل بعض الشراح منها الاشتغال بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم ودفنه وهو محتمل لكن ليس في سياق القصة اشعار به بل تعليل عمر يرشد إلى الحصر فيما يتعلق بالاستخلاف قوله فاما بايعناهم في رواية الكشميهني بمثناة وبعد الالف موحدة قوله على ما نرضى في رواية مالك على ما لا نرضى وهو الوجه وبقية الكلام ترشد إلى ذلك قوله فمن بايع رجلا في رواية مالك فمن تابع رجلا قوله فلا يتابع هو ولا الذي بايعه في رواية معمر من وجه آخر عن عمر من دعي إلى إمارة من غير مشورة فلا يحل له أن يقبل وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم أخذ العلم عن أهله وإن صغرت سن المأخوذ عنه عن الآخذ وكذا لو نقص قدره عن قدره وفيه التنبيه على أن العلم لا يودع عند غير أهله ولا يحدث به إلا من يعقله ولا يحدث القليل الفهم بما لا يحتمله وفيه جواز إخبار السلطان بكلام من يخشى منه وقوع أمر فيه إفساد للجماعة ولا يعد ذلك من النميمة المذمومة لكن محل ذلك أن يبهمه صونا له وجمعا له بين المصلحتين ولعل الواقع في هذه القصة كان كذلك واكتفى عمر بالتحذير من ذلك ولم يعاقب الذي قال ذلك ولا من قيل عنه وبنى المهلب على ما زعم أن المراد مبايعة شخص من الانصار فقال إن في ذلك مخالفة لقول أبي بكر ان العرب لا تعرف هذا الامر إلا لهذا الحي من قريش فان المعروف هو الشئ الذي لا يجوز خلافه قلت والذي يظهر من سياق القصة أن إنكار عمر انما هو على من أراد مبايعة شخص على غير مشورة من المسلمين ولم يتعرض لكونه قرشيا أو لا وفيه أن العظيم يحتمل في حقه من الامور المباحة ما لا يحتمل في حق غيره لقول عمر وليس فيكم من تمد إليه الاعناق مثل أبي بكر أي فلا يلزم من احتمال المبادرة إلى بيعته عن غير تشاور عام أن يباح ذلك لكل أحد من الناس لا يتصف بمثل صفة أبي بكر قال المهلب
[ 137 ]
وفيه أن الخلافة لا تكون إلا في قريش وأدلة ذلك كثيرة ومنها أنه صلى الله عليه وسلم أوصى من ولي أمر المسلمين بالانصار وفيه دليل واضح على أن لا حق لهم في الخلافة كذا قال وفيه نظر سيأتي بيانه عند شرح باب الامراء من قريش من كتاب الاحكام وفيه أن المرأة إذا وجدت حاملة ولا
زوج لها ولا سيد وجب عليها الحد إلا أن تقيم بينة على الحمل أو الاستكراه وقال بن العربي إقامة الحمل عليه إذا ظهر ولد لم يسبقه سبب جائز يعلم قطعا أنه من حرام ويسمى القياس الدلالة كالدخان على النار ويعكر عليه احتمال أن يكون الوطئ من شبهة وقال بن القاسم إن ادعت الاستكراه وكانت غريبة فلا حد عليها وقال الشافعي والكوفيون لا حد عليها إلا ببينة أو إقرار وحجة مالك قول عمر في خطبته ولم ينكرها أحد وكذا لو قامت القرينة على الاكراه أو الخطأ قال المازري في تصديق المرأة الخلية إذا ظهر بها حمل فادعت الاكراه خلاف هل يكون ذلك شبهة أم يجب عليها الحد لحديث عمر قال بن عبد البر قد جاء عن عمر في عدة قضايا أنه درأ الحد بدعوى الاكراه ونحوه ثم ساق من طريق شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال إنا لمع عمر بمنى فإذا بامرأة حبلى ضخمة تبكي فسألها فقالت اني ثقيلة الرأس فقمت بالليل أصلي ثم نمت فما استيقظت إلا ورجل قد ركبني ومضى فما أدري من هو قال فدرأ عنها الحد وجمع بعضهم بأن من عرف منها مخايل الصدق في دعوى الاكراه قبل منها وأما المعروفة في البلد التي لا تعرف بالدين ولا الصدق ولا قرينة معها على الاكراه فلا ولا سيما إن كانت متهمة وعلى الثاني يدل قوله أو كان الحبل واستنبط منه الباجي أن من وطئ في غير الفرج فدخل ماؤه فيه فادعت المرأة أن الولد منه لا يقبل ولا يلحق به إذا لم يعترف به لانه لو لحق به لما وجب الرجم على حبلى لجواز مثل ذلك وعكسه غيره فقال هذا يقتضى أن لا يجب على الحبلى بمجرد الحبل حد لاحتمال مثل هذه الشبهة وهو قول الجمهور وأجاب الطحاوي أن المستفاد من قول عمر الرجم حق على من زنى أن الحبل إذا كان من زنا وجب فيه الرجم وهو كذلك ولكن لابد من ثبوت كونه من زنى ولا ترجم بمجرد الحبل مع قيام الاحتمال فيه لان عمر لما أتى بالمرأة الحبلى وقالوا انها زنت وهي تبكي فسألها ما يبكيك فأخبرت أن رجلا ركبها وهي نائمه فدرأ عنها الحد بذلك قلت ولا يخفى تكلفه فان عمر قابل الحبل بالاعتراف وقسيم الشئ لا يكون قسمه وانما اعتمد من لا يرى الحد بمجرد الحبل قيام الاحتمال بأنه ليس عن زنى محقق وأن الحد يدفع بالشبهة والله أعلم وفيه أن من اطلع على أمر يريد الامام أن يحدثه فله أن ينبه غيره عليه إجمالا ليكون إذا سمعه على بصيرة كما وقع لابن عباس
مع سعيد بن زيد وإنما أنكر سعيد على بن عباس لان الاصل عنده أن أمور الشرع قد استقرت فهما أحدث بعد ذلك انما يكون تفريعا عليها وانما سكت بن عباس عن بيان ذلك له علمه بأنه سيسمع ذلك من عمر على الفور وفيه جواز الاعتراض على الامام في الرأي إذا خشي أمرا وكان فيما أشار به رجحان على ما أراده الامام واستدل به على أن أهل المدينة مخصوصون بالعلم والفهم لاتفاق عبد الرحمن بن عوف وعمر على ذلك كذا قال المهلب فيما حكاه بن بطال وأقره وهو صحيح في حق أهل ذلك العصر ويلتحق بهم من ضاهاهم في ذلك ولا يلزم من ذلك أن يستمر ذلك في كل عصر بل ولا في كل فرد فرد وفيه الحث على تبليغ العلم ممن حفظه وفهمه وحث من لا يفهم على عدم التبليغ الا ان كان يورده بلفظه ولا يتصرف فيه وأشار المهلب إلى أن مناسبة إيراد
[ 138 ]
عمر حديث لا ترغبوا عن آباكم وحديث الرجم من جهة أنه أشار إلى أنه لا ينبغي لاحد أن يقطع فيما لا نص فيه من القرآن أو السنة ولا يتسور برايه فيه فيقول أو يعمل بما تزين له نفسه كما يقطع الذي قال لو مات عمر بايعت فلانا لما لم يجد شرط من يصلح للامامة منصوصا عليه في الكتاب فقاس ما أراد أن يقع له بما وقع في قصة أبي بكر فأخطأ القياس لوجود الفارق وكان الواجب عليه أن يسأل أهل العلم بالكتاب والسنة عنه ويعمل بما يدلونه عليه فقدم عمر قصه الرجم وقصة النهي عن الرغبة عن الآباء وليسا منصوصين في الكتاب المتلو وان كانا مما أنرل الله واستمر حكمهما ونسخت تلاوتهما ولكن ذلك مخصوص بأهل العلم ممن اطلع على ذلك والا فالاصل ان كل شئ نسخت تلاوته نسخ حكمه وفي قوله أخشى إن طال بالناس زمان إشارة إلى دروس العلم مع مرور الزمن فيجد الجهال السبيل إلى التأويل بغير علم وأما الحديث الآخر وهو لا تطروني ففيه إشارة إلى تعليمهم ما يخشى عليهم جهله قال وفيه اهتمام الصحابة وأهل القرن الاول بالقرآن والمنع في الزيادة قي المصحف وكذا منع النقص بطريق الاولى لان الزيادة انما تمنع لئلا يضاف إلى القرآن ما ليس منه فاطراح بعضه أشد قال وهذا يشعر بأن كل ما نقل عن السلف كأبي بن كعب وابن مسعود من الزيادة ليست في الامام انما هي على سبيل التفسير ونحوه قال ويحتمل أن يكون
ذلك كان في أول الامر ثم استقر الاجماع على ما في الامام وبقيت تلك الروايات تنقل لا على أنها ثبتت في المصحف وفيه دليل على أن من خشي من قوم فتنة وأن لا يجيبوا إلى امتثال الامر الحق أن يتوجه إليهم ويناظرهم ويقيم عليهم الحجة وقد أخرج النسائي من حديث سالم بن عبيد الله قال اجتمع المهاجرون يتشاورون فقالوا انطلقوا بنا إلى إخواننا الانصار فقالوا منا أمير ومنكم أمير فقال عمر فسيفان في غمد إذا لا يصلحان ثم أخد بيد أبي بكر فقال من له هذه الثلاثة إذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا من صاحبه إذ هما في الغار من هما فبايعه وبايعه الناس أحسن بيعه وأجملها وفيه أن للكبير القدر أن يتواضع ويفضل من هو دونه على نفسه أدبا وفرارا من تزكية نفسه ويدل عليه أن عمر لما قال له أبسط يدك لم يمتنع وفيه أنه لا يكون للمسلمين أكثر من إمام وفيه جواز الدعاء على من يخشى في بقائه فتنة واستدل به على أن من قدف غيره عند الامام لم يجب على الامام أن يقيم عليه الحد حتى يطلبه المقدوف لان له أن يعفو عن قاذفه أو يريد الستر وفيه أن على الامام إن خشي من قوم الوقوع في محذور أن يأتيهم فيعظم ويحذرهم قبل الايقاع بهم وتمسك بعض الشيعه بقول أبي بكر قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين بأنه لم يكن يعتقد وجوب إمامته ولا استحقاقه للخلافه والجواب من أوجه أحدهما أن ذلك كان تواضعا منه والثاني لتجويزه امامة المفضول مع وجود الفاضل وان كان من الحق له فله أن يتبرع لغيره الثالث أنه علم أن كلا منهما لا يرضى أن يتقدمه فأراد بذلك الاشارة إلى أنه لو قدر أنه لا يدخل في ذلك لكان الامر منحصرا فيهما ومن ثم لما حضره الموت استحلف عمر لكون أبو عبيدة كان أذ ذاك غائبا في جهاد أهل الشام متشاغلا بفتحها وقد دل قول عمر لان أقدم فتضرب عنقي الخ على صحة الاحتمال المذكور وفيه إشارة ذي الرأي على الامام بالمصلحة العامة بما ينفع عموما أو خصوصا وان لم يستشره ورجوعه إليه عند وضوح الصواب واستدل بقول أبي بكر أحد هذين الرجلين أن شرط الامام أن يكون واحدا وقد ثبت النص الصريح في حديث مسلم إذا بايعوا لخليفتين
[ 139 ]
فاقتلوا الآخر منهما وان كان بعضهم أوله بالخلع والاعراض عنه فيصير كمن قتل وكذا قال
الخطابي في قول عمر في حق سعد اقتلوه أي اجعلوه كمن قتل قوله باب البكران يجلدان وينفيان هذه الترجمة لفظ خبر أخرجه بن أبي شيبة من طريق الشعبي عن مسروق عن أبي بن كعب مثله وزاد والثيبان يجلدان ويرجمان وأخرج بن المنذر الزيادة بلفظ والثيبان يرجمان واللذان بلغا سنا يجلدان ثم يرجمان وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن الاعمش عن مسروق البكران يجلدان وينفيان والثيبان يرجمان ولا يجلدان والشيخان يجلدان ثم يرجمان ورجاله رجال الصحيح وقد تقدمت الاشارة إلى هذه الزيادة في باب رجم المحصن ونقل محمد بن نصر في كتاب الاجماع الاتفاق على نفي الزاني الا عن الكوفيين ووافق الجمهور منهم بن أبي ليلى وأبو يوسف وادعى الطحاوي أنه منسوخ وسأذكره في باب لا تغريب على الامة ولا تنفى واختلف القائلون فقال الشافعي والثوري وداود والطبري بالتعميم وفي قول للشافعي لا ينفى الرقيق وخص الاوزاعي النفي بالذكورية وبه قال مالك وقيده بالحرية وبه قال إسحاق وعن أحمد روايتان واحتج من شرط الحرية بأن في نفي العبد عقوبة لمالكه لمنعه منفعته مدة نفيه وتصرف الشرع يقتضى أن لا يعاقب إلا الجاني ومن ثم سقط فرض الحج والجهاد عن العبد وقال بن المنذر أقسم النبي صلى الله عليه وسلم في قصة العسيف أنه يقضى فيه بكتاب الله ثم قال ان عليه جلد مائة وتغريب عام وهو المبين لكتاب الله وخطب عمر بذلك على رؤوس الناس وعمل به الخلفاء الراشدون فلم ينكره أحد فكان إجماعا واختلف في المسافة التي ينفى إليها فقيل هو إلى رأي الامام وقيل يشترط مسافة القصر وقيل إلى ثلاثة أيام وقيل إلى يومين وقيل يوم وليلة وقيل من عمل إلى عمل وقيل إلى ميل وقيل إلى ما ينطلق عليه اسم نفي وشرط المالكية الحبس في المكان الذي ينفي إليه وسيأتي البحث فيه في باب لا تغريب على الامة ولا نفى ومن عجيب الاستدلال احتجاج الطحاوي لسقوط النفي أصلا بأن نفي الامة ساقط بقوله بيعوها كما سيأتي تقريره قال وإذا سقط عن الامة سقط عن الحر لانها في معناها ويتأكد بحديث لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم قال وإذا انتفى أن يكون على النساء نفي انتفى أن يكون على الرجال كذا قال وهو مبني على أن العموم إذا سقط خص الاستدلال به وهو مذهب ضعيف جدا قوله الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد
منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله الآية كذا لابي ذر وساق في رواية كريمة إلى قوله المؤمنين والمراد بذكر هذه الآية أن الجلد ثابت بكتاب الله وقام الاجماع ممن يعتد به على اختصاصه بالبكر وهو غير المحصن وقد تقدم بيان المحصن في باب رجم المحصن واختلفوا في كيفية الجلد فعن مالك يختص بالظهر لقوله في حديث اللعان البينة وإلا جلد في ظهرك وقال غيره يفرق على الاعضاء ويتقى الوجه والرأس ويجلد في الزنا والشرب والتعزير قائما مجردا والمرأة قاعدة وفي القذف وعليه ثيابه وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور لا يجرد أحد في الحد وليس في الآية للنفي ذكر فتمسك به الحنفية فقالوا لا يزاد على القرآن بخبر الواحد والجواب أنه مشهور لكثرة طرقه ومن عمل به من الصحابة وقد عملوا بمثله بدونه كنقض الوضوء بالقهقهة وجواز الوضوء بالنبيذ وغير ذلك مما ليس في القرآن وقد أخرج مسلم من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة
[ 140 ]
والرجم وأخرج الطبراني من حديث بن عباس قال كن يحبسن في البيوت ان ماتت ماتت وان عاشت عاشت لما نزل واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا حتى نزلت الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة قوله قال بن عيينة رأفة في إقامة الحد كذا للاكثر وسقط في لبعضهم ولبعضهم بن علية بلام وتحتانية ثقيلة وعليه جرى بن بطال والاول المعتمد وقد ذكر مغلطاي في شرحه أنه رآه في تفسير سفيان بن عيينة قلت ووقع نظيره عند بن أبي شيبة عن مجاهد بسند صحيح إليه وزاد بعد قوله في إقامة الحد يقام ولا يعطل والمراد بتعطيل الحد تركه أصلا أو نقصه عددا ومعنى وقوله تعالى وليشهد عذابها طائفة نقل بن المنذر عن أحمد الاجتزاء بواحد وعن إسحاق اثنين وعن الزهري ثلاثة وعن مالك والشافعي أربعة وعن ربيعة ما زاد عليها وعن الحسن عشرة ونقل بن أبي شيبة بأسانيده عن مجاهد أدناها رجل وعن محمد بن كعب في قوله ان نعف عن طائفة منكم قال هو رجل واحد وعن عطاء اثنان وعن الزهري
ثلاثة وسيأتي في أول خبر الواحد ما جاء في قوله وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا قوله عبد العزيز هو بن أبي سلمة الماجشون قوله عن زيد بن خالد هكذا اختصر عبد العزيز من السند ذكر أبي هريرة ومن المتن سياق قصة العسيف كلها واقتصر منها على قوله يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام ويحتمل أن يكون بن شهاب اختصره لما حدث به عبد العزيز وقوله جلد مائة بالنصب على نزع الخافض ووقع في رواية النسائي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن عبد العزيز بلفظ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر فيمن زنى ولم يحصن بجلد مائة وتغريب عام وقوله قال بن شهاب وهو موصول بالسند المذكور قوله أن عمر بن الخطاب هو منقطع لان عروة لم يسمع من عمر لكنه ثبت عن عمر من وجه آخر أخرجه الترمذي والنسائي وصححه بن خزيمة والحاكم من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب وأن أبا بكر ضرب وغرب وان عمر ضرب وغرب أخرجوه من رواية عبد الله بن إدريس عنه وذكر الترمذي أن أكثر أصحاب عبيد الله بن عمر رووه عنه موقوفا على أبي بكر وعمر قوله غرب ثم لم تزل تلك السنة زاد عبد الرزاق في روايته عن مالك حتى غرب مروان ثم ترك الناس ذلك يعني أهل المدينة قوله في رواية الليث عن عقيل ووقع عند الاسماعيلي في رواية حجاج بن محمد عن الليث حدثني عقيل قوله عن سعيد بن المسيب هكذا خالف عقيل عبد العزيز بن أبي سلمة في شيخ الزهري فان كان هذا المتن مختصرا من قصة العسيف فقد وافق عبد العزيز جميع أصحاب الزهري فان شيخه عندهم عبيد الله بن بن عتبة لا سعيد بن المسيب وان كان حديث آخر فالراجح قول عقيل لانه أحفظ لحديث الزهري من عبد العزيز لكن قد روى عقيل عن الزهري الحديث الآخر موافقا لعبد العزيز أخرجهما النسائي من طريق حجين بمهملة ثم جيم مصغر بن المثنى عن الليث عن عقيل عن بن شهاب فذكر الحديثين على الولاء حديث زيد بن خالد من رواية عبيد الله عنه وحديث أبي هريرة من رواية سعيد بن المسيب عنه وابن شهاب صاحب حديث لا يستنكر منه حمله الحديث عن جماعة بألفاظ مختلفة قوله بنفي عام وباقامة الحد عليه وقع في رواية النسائي أن
[ 141 ]
ينفى عاما مع إقامة الحد عليه وكذا أخرجه الاسماعيلي من طريق حجاج بن محمد عن الليث وعرف أن الباء في رواية يحيى بن بكير بمعنى مع والمراد بإقامة الحد ما ذكر في رواية عبد العزيز جلد المائة وأطلق عليها الجلد لكونها بنص القرآن وقد تمسك بهذه الرواية من زعم أن النفي تعزير وأنه ليس جزءا من الحد وأجيب بأن الحديث يفسر بعضه بعضا وقد وقع التصريح في قصة العسيف من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أن عليه جلد مائة وتغريب عام وهو ظاهر في كون الكل حده ولم يختلف على راويه في لفظه فهو أرجح من حكاية الصحابي مع الاختلاف ومما يؤيد كون حديثي الباب واحد مع أنه اختلف على بن شهاب في تابعيه وصحابيه أن الزيادة التي عن عمر عند عبد العزيز في حديث زيد بن خالد وقعت عند عقيل في حديث أبي هريرة ففي آخر رواية حجاج بن محمد التي أشرت إليها عند الاسماعيلي قال بن شهاب وكان عمر ينفي من المدينة إلى البصرة والى خيبر وفيه أشارة إلى بعد المسافة وقربها في النفي بحسب ما يراه الامام وأن ذلك لا يتقيد والذي تحرر لي من هذا الاختلاف أن في حديثي الباب اختصارا من قصة العسيف وأن أصل الحديث كان عند عبيد الله بن عتبة عن أبي هريرة وزيد بن خالد جميعا فكان يحدث به عنهما بتمامه وربما حدث عنه عن زيد بن خالد باختصار وكان عند سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وحده باختصار والله أعلم وفي الحديث جواز الجمع بين الحد والتعزير خلافا للحنفية ان أخذ بظاهر قوله مع إقامة الحد وجواز الجمع بين الجلد والنفي في حق الزاني الذي لم يحصن خلافا لهم أيضا ان قلنا إن الجميع حد واحتج بعضهم بأن حديث عبادة الذي فيه النفي منسوخ بآية النور لان فيها الجلد بغير نفي وتعقب بأنه يحتاج إلى ثبوت التاريخ وبأن العكس أقرب فان آية الجلد مطلقة في حق كل زان فخص منها في حديث عبادة الثيب ولا يلزم من خلو آية النور عن النفي عدم مشروعيته كما لم يلزم من خلوها من الرجم ذلك ومن الحجج القوية أن قصة العسيف كانت بعد آية النور لانها كانت في قصة الافك وهي متقدمة على قصة العسيف لان أبا هريرة حضرها وانما هاجر بعد قصة الافك بزمن قوله باب نفي أهل المعاصي
والمخنثين كأنه أراد الرد على من أنكر النفي على غير المحارب فبين أنه ثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده في حق غير المحارب وإذا ثبت في حق من لم يقع منه كبيرة فوقوعه فيمن أتى كبيرة بطريق الاولى وقد تقدم ضبط المخنث في باب ما ينهى من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة في أواخر النكاح قوله هشام هو الدستوائي ويحيى هو بن أبي كثير وقد تقدم بيان الاختلاف على هشام في سنده في كتاب اللباس في باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت مع بقية شرحه قوله وأخرج عمر فلانا سقط لفظ عمر من رواية غير أبي ذر وقد أخرج أبو داود الحديث عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري فيه بعد قوله وقال أخرجوهم من بيوتكم وأخرجوا فلانا وفلانا يعني المخنثين وتقدم في اللباس عن معاذ بن فضالة عن هشام كرواية أبي ذر هنا وكذا عند أحمد عن يزيد بن هارون وغيره عن هشام وذكرت هناك اسم من نفاه النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة ولم أذكر اسم الذي نفاه عمر ثم وقفت في كتاب المغربين لابي حسن المدايني من طريق الوليد بن سعيد قال سمع عمر قوما يقولون أبو ذؤيب أحسن أهل المدينة فدعا به فقال أنت لعمري فأخرج عن المدينة فقال إن كنت تخرجني فالى البصرة حيث أخرجت يا عمر
[ 142 ]
نصر بن حجاج وذكر قصة نصر بن حجاج وهي مشهورة وساق قصة جعدة السلمي وأنه كان يخرج مع النساء إلى البقيع ويتحدث اليهن حتى كتب بعض الغزاة إلى عمر يشكو ذلك فأخرجه وعن مسلمة بن محارب عن إسماعيل بن مسلم أن أمية بن يزيد الاسدي ومولى مزينة كانا يحتكران الطعام بالمدينة فأخرجهما عمر ثم ذكر عدة قصص لمبهم ومعين فيمكن التفسير في هذه القصة ببعض هؤلاء قال بن بطال أشار البخاري بإيراد هذه الترجمة عقبة ترجمة الزاني إلى أن النفي إذا شرع في حق من أتى معصية لا حد فيها فلان يشرع في حق من أتى ما فيه حد أولي فتتأكد السنة الثابتة بالقياس ليرد به على من عارض السنة بالقياس فإذا تعارض القياسان بقيت السنة بلا معارض واستدل به على أن المراد بالمخنثين المتشبهون بالنساء لا من يؤتى فان ذلك حده الرجم ومن وجب رجمه لا ينفى وتعقب بأن حده مختلف فيه والاكثر أن حكمه حكم الزاني فان ثبت
عليه جلد ونفي لانه لا يتصور فيه الاحصان وان كان يتشبه فقط نفي فقط وقيل أن في الترجمة إشارة إلى ضعف القول الصائر إلى رجم الفاعل والمفعول به وأن هذا الحديث الصحيح لم يأت فيه إلا النفي وفي هذا نظر لانه لم يثبت عن أحد ممن أخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يؤتى وقد أخرج أبو داود من طريق أبي هاشم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بمخنث قد خضب يديه ورجليه فقالوا ما بال هذا قيل يتشبه بالنساء فأمر به فنفي إلى النقيع يعني بالنون والله أعلم قوله باب من أمر غير الامام بإقامة الحد غائبا عنه قال الكرماني في هذا التركيب قلق وكان الاولى أن يبدل لفظ غير بالضمير فيقول من أمره الامام الخ وقال بن بطال قد ترجم بعد يعني في آخر أبواب الحدود هل يأمر الامام رجلا فيضرب الحد غائبا عنه ومعنى الترجمتين واحد كذا قال ويظهر لي أن بينهما تغايرا من جهة أن قوله في الاول غائبا عنه حال من المأمور وهو الذي يقيم الحد وفي الآخر حال من الذي يقام عليه الحد ثم ذكر حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف وقد مضى شرحه مستوفى قريبا وقوله في هذه الرواية فقام خصمه فقال صدق اقض له يا رسول الله بكتاب الله إن ابني قال الكرماني القائل هو الاعرابي لا خصمه لانه وقع في كتاب الصلح جاء أعرابي فقال يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله فقام خصمه وقال صدق اقض بيننا بكتاب الله فقال الاعرابي إن ابني كان عسيفا قلت بل الذي قال اقض بيننا هو والد العسيف ففي الرواية الماضية قريبا في باب الاعتراف بالزنا فقام خصمه وكان أفقه منه فقال اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي الخ هذه رواية سفيان بن عيينة ووافقه الجمهور فتقدمت رواية مالك في الايمان والنذور ورواية الليث في الشروط وتأتي رواية صالح بن كيسان وشعيب بن أبي حمزة في خبر الواحد وكذا أخرجه مسلم من رواية الليث وصالح بن كيسان ومعمر وساقه على لفظ الليث ومع ذلك فالاختلاف في هذا على بن أبي ذئب فإنه رواه عن الزهري هنا وفي الصلح فالراوي له في الصلح عن بن أبي ذئب آدم بن أبي إياس وهنا عاصم بن علي وقد أخرجه الاسماعيلي من طريق يزيد بن هارون عن بن أبي ذئب فوافق عاصم بن علي وهذا هو المعتمد وان قوله في رواية آدم فقال الاعرابي زيادة إلا
إن كان كل من الخصمين متصفا بهذا الوصف وليس ذلك ببعيد والله أعلم قوله باب قول الله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات الآية
[ 143 ]
كذا لابي ذر وساق في رواية كريمة إلى قوله والله غفور رحيم قال الواحدي قرئ المحصنات في القرآن بكسر الصاد وفتحها إلا في قوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم فبالفتح جزما وقرئ فإذا أحصن بالضم وبالفتح فبالضم معناه التزويج وبالفتح معناه الاسلام وقال غيره اختلف في احصان الامة فقال الاكثر إحصانها التزويج وقيل العتق وعن بن عباس وطائفة إحصانها التزويج ونصره أبو عبيد وإسماعيل القاضي واحتج له بأنه تقدم في الآية قوله تعالى من فتياتكم المؤمنات فيبعد أن يقول بعده فإذا أسلمن قال فان كان المراد التزويج كان مفهومه أنها قبل أن تتزوج لا يجب عليها الحد إذا زنت وقد أخذ به بن عباس فقال لا حد على الامة إذا زنت قبل أن تتزوج وبه قال جماعة من التابعين وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام وهو وجه للشافعية واحتج بما أخرجه الطبراني من حديث بن عباس ليس على الامة حد حتى تحصن وسنده حسن لكن اختلف في رفعه ووقفه والارجح وقفه وبذلك جزم بن خزيمة وغيره وادعى بن شاهين في الناسخ والمنسوخ أنه منسوخ بحديث الباب وتعقب بأن النسخ يحتاج إلى تاريخ وهو لم يعلم وقد عارضه حديث علي اقيموا الحدود على أرقائكم من أحصن منهم ومن لم يحصن واختلف أيضا في رفعه ووقفه والراجح أنه موقوف لكن سياقه في مسلم يدل على رفعه فالتمسك به أقوى وإذا حمل الاحصان في الحديث على التزويج وفي الآية على الاسلام حصل الجمع وقد بينت السنة أنها إذا زنت قبل الاحصان تجلد وقال غيره التقييد بالاحصان يفيد أن الحكم في حقها الجلد لا الرجم فأخذ حكم زناها بعد الاحصان من الكتاب وحكم زناها قبل الاحصان من السنة والحكمة فيه أن الرجم لا يتنصف فاستمر حكم الجلد في حقها قال البيهقي ويحتمل أن يكون نص على الجلد في أكمل حاليها ليستدل به على سقوط الرجم عنها لا على إرادة إسقاط الجلد عنها إذا لم تتزوج وقد بينت السنة أن عليها الجلد وان لم تحصن قوله غير مسافحات
زواني ولا متخذات أخدان أخلاء بفتح الهمزة وكسر المعجمة والتشديد جمع خليل وهذا التفسير ثبت في رواية المستملي وحده وقد أخرجه بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس مثله والمسافحات جمع مسافحة مأخوذ من السفاح وهو من أسماء الزنا والاخدان جمع خدن بكسر أوله وسكون ثانيه وهو الخدين والمراد به الصاحب قال الراغب وأكثر ما يستعمل فيمن يصاحب غيره بشهوة وأما قول الشاعر في المدح خدين المعالي فهو استعارة قلت والنكتة فيه أنه جعله يشتهي معالي الامور كما يشتهي غيره الصورة الجميلة فجعله خدينا لها وقال غيره الخدين الخليل في السر قوله باب إذا زنت الامة أي ما يكون حكمها وسقطت هذه الترجمة للاصيلي وجرى على ذلك بن بطال وصار الحديث المذكور فيها حديث الباب المذكور قبلها ولكن صرح الاسماعيلي بأن الباب الذي قبلها لا حديث فيه وقد تقدم الجواب على نظيره وأنه إما أن يكون أخلى بياضا في المسودة فسده النساخ بعده وإما أن يكون اكتفى بالآية وتأويلها عن الحديث المرفوع وهذا هو الاقرب لكثرة وجود مثله في الكتاب قوله عن أبي هريرة وزيد بن خالد سبق التنبيه في شرح قصة العسيف على أن الزبيدي ويونس زادا في روايتهما لهذا الحديث عن الزهري شبل بن خليل أو بن حامد وتقدم بيانه مفصلا قوله سئل عن الامة في رواية حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أتى رجل النبي صلى الله
[ 144 ]
عليه وسلم فقال إن جاريتي زنت فتبين زناها قال اجلدها ولم أقف على اسم هذا الرجل قوله إذا زنت ولم تحصن تقد القول في المراد بهذا الاحصان قال بن بطال زعم من قال لا جلد عليها قبل التزويج بأنه لم يقل في هذا الحديث ولم تحصن غير مالك وليس كما زعموا فقد رواه يحيى بن سعيد الانصاري عن بن شهاب كما قال مالك وكذا رواه طائفة عن بن عيينة عنه قلت رواية يحيى بن سعيد أخرجها النسائي ورواية بن عيينة تقدمت في البيوع ليس فيها ولم تحصن وزادها النسائي في روايته عن الحارث بن مسكين عن بن عيينة بلفظ سئل عن الامة تزني قبل أن تحصن وكذا عند بن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح كلاهما عن بن عيينة وقد
رواه عن بن شهاب أيضا صالح بن كيسان كما قال مالك وتقدمت روايته في كتاب البيوع في باب بيع المدبر وكذا أخرجهما مسلم والنسائي ووقع في رواية سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة هناك بدونها وسيأتي قريبا أيضا وعلى تقدير أن مالكا تفرد بها فهو من الحفاظ وزيادته مقبولة وقد سبق الجواب عن مفهومها قوله قال ان زنت فاجلدوها قيل أعاد الزنا في الجواب غير مقيد بالاحصان للتنبيه على أنه لا أثر له وأن موجب الحد في الامة مطلق الزنا ومعنى اجلدوها الحد اللائق بها المبين في الآية وهو نصف ما على الحرة وقد وقع في رواية أخرى عن أبي هريرة فليجلدها الحد والخطاب في اجلدوها لمن يملك الامة فاستدل على أن السيد يقيم الحد على من يملكه من جارية وعبد أما الجارية فبالنص وأما العبد فبالالحاق وقد اختلف السلف فيمن يقيم الحدود على الارقاء فقالت طائفة لا يقيمها إلا الامام أو من يأذن له وهو قول الحنفية وعن الاوزاعي والثوري لا يقيم السيد إلا حد الزنا واحتج الطحاوي بما أورده من طريق مسلم بن يسار قال كان أبو عبد الله رجل من الصحابة يقول الزكاة والحدود والفئ والجمعة إلى السلطان قال الطحاوي لا نعلم له مخالفا من الصحابة وتعقبه بن حزم فقال بل خالفه اثنا عشر نفسا من الصحابة وقال أخرون يقيمها السيد ولو لم يأذن له الامام وهو قول الشافعي وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن بن عمر في الامة إذا زنت ولا زوج لها يحدها سيدها فان كانت ذات زوج فأمرها إلى الامام وبه قال مالك إلا إن كان زوجها عبدا لسيدها فأمرها إلى السيد واستثنى مالك القطع في السرقة وهو وجه للشافعية وفي آخر يستثنى حد الشرب واحتج للمالكية بأن في القطع مثله فلا يؤمن السيد أن يريد أن يمثل بعبده فيخشى أن يتصل الامر بمن يعتقد أنه يعتق بذلك فيدعي عليه السرقة لئلا يعتق فيمنع من مباشرته القطع سدا للذريعة وأخذ بعض المالكية من هذا التعليل اختصاص ذلك بما إذا كان مستند السرقة علم السيد أو الاقرار بخلاف ما لو ثبتت بالبينة فإنه يجوز للسيد لفقد العلة المذكورة وحجة الجمهور حديث علي المشار إليه قبل وهو عند مسلم والثلاثة وعند الشافعية خلاف في اشتراط أهلية السيد لذلك وتمسك من لم يشترط بأن سبيله سبيل الاستصلاح فلا يفتقر للاهلية وقال بن حزم يقيمه السيد إلا إن كان كافرا واحتج بأنهم لا يقرون إلا بالصغار وفي
تسليطه على إقامة الحد منافاة لذلك وقال بن العربي في قول مالك ان كانت الامة ذات زوج لم يحدها الامام من أجل أن للزوج تعلقا بالفرج في حفظه عن النسب الباطل والماء الفاسد لكن حديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى أن يتبع يعني حديث علي المذكور الدال على التعميم في ذات الزوج وغيرها وقد وقع في بعض طرقه من أحصن منهم ومن لم يحصن قوله
[ 145 ]
ثم بيعوها ولو بضفير بفتح الضاد المعجمة غير المشالة ثم فاء أي المضفور فعيل بمعنى مفعول زاد يونس وابن أخي الزهري والزبيدي ويحيى بن سعيد كلهم عن بن شهاب عند النسائي والضفير الحبل وهكذا أخرجه عن قتيبة عن مالك وزادها عمار بن أبي قرة عن محمد بن مسلم وهو بن شهاب الزهري عند النسائي وابن ماجة لكن خالف في الاسناد فقال ان محمد بن مسلم حدثه أن عروة عروة وعمرة حدثاه أن عائشة حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا زنت الامة فاجلدوها وقال في آخره ولو بضفير والضفير الحبل وقوله الضفير الحبل مدرج في هذا الحديث من قول الزهري على ما بين في رواية القعنبي عن مالك عند مسلم وأبي داود فقال في آخره قال بن شهاب والضفير الحبل وكذلك ذكره الدارقطني في الموطآت منسوبا لجميع من روى الموطأ إلا بن مهدي فان ظاهر سياقه أنه أدرجه أيضا ومنهم من لم يذكر قوله والضفير الحبل كما في رواية الباب قوله قال بن شهاب هو موصول بالسند المذكور قوله لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة لم يختلف في رواية مالك في هذا وكذا في رواية صالح بن كيسان وابن عيينة وكذا في رواية يونس والزبيدي عن الزهري عند النسائي وكذا في رواية معمر عند مسلم وأدرجه في رواية يحيى بن سعيد عند النسائي ولفظه ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير بعد الثالثة أو الرابعة ولم يقل بن شهاب وعن قتيبة وعن مالك كذلك وأدرج أيضا في رواية محمد بن أبي فروة عن الزهري في حديث عائشة عند النسائي والصواب التفصيل وأما الشك في الثالثة أو في الرابعة فوقع في حديث أبي صالح عن أبي هريرة عند الترمذي فليجلدها ثلاثا فان عادت فليبعها ونحوه في مرسل عكرمة عند أبي قرة بلفظ وإذا زنت الرابعة فبيعوها ووقع في رواية سعيد المقبري المذكورة
في الباب الذي يليه ثم ان زنت الثالثة فليبعها ومحصل الاختلاف هل يجلدها الرابعة قبل البيع أو يبيعها بلا جلد والراجح الاول ويكون سكوت من سكت عنه للعلم بأن الجلد لا يترك ولا يقوم البيع مقامه ويمكن الجمع بأن البيع يقع بعد المرة الثالة في الجلد لانه المحقق فيلغي الشك والاعتماد على الثلاث في كثير من الامور المشروعة وقوله ولو بضفير أي حبل مضفور ووقع في رواية المقبري ولو بحبل من شعر وأصل الضفر نسج الشعر وإدخال بعضه في بعض ومنه ضفائر شعر الرأس للمرأة وللرجل قيل لا يكون مضفورا إلا إن كان من ثلاث وقيل شرطه أن يكون عريضا وفيه نظر وفي الحديث أن الزنا عيب يرد به الرقيق للامر بالحط من قيمة المرقوق إذا وجد منه الزنا كذا جزم به النووي تبعا لغيره وتوقف فيه بن دقيق العيد لجواز أن يكون المقصود الامر بالبيع ولو انحطت القيمة فيكون ذلك متعلقا بأمر وجودي لا إخبارا عن حكم شرعي إذ ليس في الخبر تصريح بالامر من حط القيمة وفيه أن من زنى فأقيم عليه الحد ثم عاد أعيد عليه بخلاف من زنى مرارا فإنه يكتفى فيه بإقامة الحد عليه مرة واحدة على الراجح وفيه أن الزجر عن مخالطة الفساق ومعاشرتهم ولو كانوا من الالزام إذا تكرر زجرهم ولم يرتدعوا ويقع الزجر بإقامة الحد فيما شرع فيه الحد وبالتعزير فيما لا حد فيه وفيه جواز عطف الامر المقتضي للندب على الامر المقتضي للوجوب لان الامر بالجلد واجب والامر بالبيع مندوب عند الجمهور خلافا لابي ثور وأهل الظاهر وادعى بعض الشافعية أن سبب صرف الامر عن الوجوب أنه منسوخ وممن حكاه بن الرفعة في المطلب ويحتاج إلى ثبوت وقال بن بطال حمل الفقهاء الامر بالبيع على الحض
[ 146 ]
على مساعدة من تكرر منه الزنا لئلا يظن بالسيد الرضا بذلك ولما في ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنا قال وحمله بعضهم على الوجوب ولا سلف له من الامة فلا يستقل به وقد ثبت النهي عن إضاعة المال فكيف يجب بيع الامة ذات القيمة بحبل من شعر لا قيمة له فدل على أن المراد الزجر عن معاشرة من تكرر منه ذلك وتعقب بأنه لا دلالة فيه على بيع الثمين بالحقير وان كان بعضهم قد استدل به على جواز بيع المطلق التصرف ماله بدون قيمته ولو كان بما يتغابن بمثله إلا أن
قوله ولو بحبل من شعر لا يراد به ظاهره وانما ذكر المبالغة كما وقع في حديث من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة على أحد الاجوبة لان قدر المفحص لا يسع أن يكون مسجدا حقيقة فلو وقع ذلك في عين مملوكة للمحجور فلا يبيعها وليه إلا بالقيمة ويحتمل أن يطرد لان عيب الزنا تنقص به القيمة عند كل أحد فيكون بيعها بالنقصان بيعا بثمن المثل نبه عليه القاضي عياض ومن تبعه وقال بن العربي المراد من الحديث الاسراع بالبيع وامضاؤه ولا يتربص به طلب الراغب في الزيادة وليس المراد بيعه بقيمة الحبل حقيقة وفيه أنه يجب على البائع أن يعلم المشتري بعيب السلعة لان قيمتها انما تنقص مع العلم بالعيب حكاه بن دقيق العيد وتعقبه بأن العيب لو لم يعلم تنقص القيمة فلا يتوقف على الاعلام واستشكل الامر ببيع الرقيق إذا زنى مع أن كل مؤمن مأمور أن يرى لاخيه ما يرى لنفسه ومن لازم البيع أن يوافق أخاه المؤمن على أن يقتني ما لا يرضى اقتناءه لنفسه وأجيب بأن السبب الذي باعه لاجله ليس محقق الوقوع عند المشتري لجواز أن يرتدع الرقيق إذا علم أنه متى عاد أخرج فان الاخراج من الوطن المألوف شاق ولجواز أن يقع الاعفاف عند المشتري بنفسه أو بغيره قال بن العربي يرجى عند تبديل المحل تبديل الحال ومن المعلوم أن للمجاورة تأثير في الطاعة وفي المعصية قال النووي وفيه أن الزاني إذا حد ثم زنى لزمه حد آخر ثم كذلك أبدا فإذا زنى مرات ولم يحد فلا يلزمه إلا حد واحد قلت من قوله فإذا زنى ابتداء كلام قاله لتكميل الفائدة وإلا فليس في الحديث ما يدل عليه اثباتا ولا نفيا بخلاف الشق الاول فإنه ظاهر وفيه إشارة إلى أن العقوبة في التعزيرات إذا لم يفد مقصودها من الزجر لا يفعل لان إقامة الحد واجبة فلما تكرر ذلك ولم يفد عدل إلى ترك شرط إقامته على السيد وهو المالك ولذلك قال بيعوها ولم يقل اجلدوها كلما زنت ذكره بن دقيق العيد وقال قد تعرض إمام الحرمين لشئ من ذلك فقال إذا علم المعزر أن التأديب لا يحصل إلا في الضرب المبرح فليتركه لان المبرح يهلك وليس له الاهلاك وغير المبرح لا يفيد قال الرافعي وهو مبني على أن الامام لا يجب عليه تعزير من يستحق التعزير فان قلنا يجب التحق بالحد فليعزره بغير المبرح وإن لم ينزجر وفيه أن السيد يقيم الحد على عبده وإن لم يستأذن السلطان وسيأتي البحث فيه بعد ثلاثة أبواب قوله
باب لا يثرب على الامة إذا زنت ولا تنفى أما التثريب بمثناة ثم مثلثة ثم موحدة فهو التعنيف وزنه ومعناه وقد جاء بلفظ ولا يعنفها في رواية عبيد الله العمري عن سعيد المقبري عند النسائي وأما النفي فاستنبطوه من قوله فليبعها لان المقصود من النفي الابعاد عن الوطن الذي وقعت فيه المعصية وهو حاصل بالبيع وقال بن بطال وجه الدلالة أنه قال فليجلدها وقال فليبعها فدل على سقوط النفي لان الذي ينفى لا يقدر على تسليمه الا بعد مدة فأشبه الآبق قلت وفيه نظر لجواز أن يتسلمه المشتري مسلوب المنفعة مدة النفي أو يتفق بيعه لمن يتوجه إلى المكان
[ 147 ]
الذي يصدق عليه وجود النفي وقال بن العربي تستثنى الامة لثبوت حق السيد فيقدم على حق الله وانما لم يسقط الحد لانه الاصل والنفي فرع قلت وتمامه أن يقال روعي حق السيد فيه أيضا بترك الرجم لانه فوت المنفعة من أصلها بخلاف الجلد واستمر نفي العبد إذ لا حق للسيد في الاستمتاع به واستدل من استثنى نفي الرقيق بأنه لا وطن له وفي نفيه قطع حق السيد لان عموم الامر بنفي الزاني عارضه عموم نهي المرأة عن السفر بغير المحرم وهذا خاص بالاماء من الرقيق دون الذكور وبه احتج من قال لا يشرع نفي النساء مطلقا كما تقدم في باب البكران يجلدان وينفيان واختلف من قال بنفي الرقيق فالصحيح نصف سنة وفي وجه ضعيف عند الشافعية سنة كاملة وفي ثالث لا نفي على رقيق وهو قول الائمة الثلاثة والاكثر قوله إذا زنت الامة فتبين زناها أي ظهر وشرط بعضهم أن يظهر بالبينة مراعاة للفظ تبين وقيل يكتفي في ذلك بعلم السيد قوله فليجلدها أي الحد الواجب عليها المعروف من صريح الآية فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ووقع في رواية للنسائي من طريق الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة فليجلدوها بكتاب الله قوله ولا يثرب أي لا يجمع عليها العقوبة بالجلد وبالتعيير وقيل المراد لا يقتنع بالتوبيخ دون الجلد وفي رواية سعيد عن أبي هريرة عند عبد الرزاق ولا يعيرها ولا يفندها قال بن بطال يؤخذ منه أن كل من أقيم عليه الحد لا يعزر بالتعنيف واللوم وانما يليق ذلك بمن صدر منه قبل أن يرفع إلى الامام للتحذير والتخويف فإذا رفع وأقيم عليه الحد كفاه قلت وقد تقدم قريبا
نهيه صلى الله عليه وسلم عن سب الذي أقيم عليه حد الخمر وقال لا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم قوله تابعه إسماعيل بن أمية عن سعيد عن أبي هريرة يريد في المتن لا في السند لانه نقص منه قوله عن أبيه ورواية إسماعيل وصلها النسائي من طريق بشر بن المفضل عن إسماعيل بن أمية ولفظه مثل الليث إلا أنه قال فان عادت فزنت فليبعها والباقي سواء ووافق الليث على زيادة قوله عن أبيه محمد بن إسحاق أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ووافق إسماعيل على حذفه عبيد الله بن عمرو العمري عندهم وأيوب بن موسى عند مسلم والنسائي ومحمد بن عجلان وعبد الرحمن بن إسحاق عند النسائي ووقع في رواية عبد الرحمن المذكور عن سعيد سمعت أبا هريرة ولاسماعيل فيه شيخ آخر رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه عند الزهري عن حميد عن أبي هريرة أخرجه النسائي وقال أنه خطأ والصواب الاول ووقع في رواية حميد هذه بلفظ آخر قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال جاريتي زنت فتبين زناها قال اجلدها خمسين الحديث قوله باب أحكام أهل الذمة أي اليهود والنصارى وسائر من تؤخذ منه الجزية قوله وإحصانهم إذا زنوا يعني خلافا لمن قال أن من شروط الاحصان الاسلام ورفعوا إلى الامام أي سواء جاءوا إلى حاكم المسلمين ليحكموه أو رفعهم إليه غيرهم متعديا عليهم خلافا لمن قيد ذلك بالشق الاول كالحنفية وسأذكر ذلك مبسوطا وذكر فيه الحديثين الحديث الاول قوله عبد الواحد هو بن زياد والشيباني هو أبو إسحاق سليمان قوله عن الرجم أي رجم من ثبت أنه زنا وهو محصن قوله فقال رجم النبي صلى الله عليه وسلم كذا أطلق فقال الكرماني مطابقته للترجمة من حيث الاطلاق قلت والذي ظهر لي أنه جرى على عادته في الاشارة إلى ما ورد في بعض طرق حديث وهو ما أخرجه أحمد والاسماعيلي والطبراني من طريق هشيم عن
[ 148 ]
الشيباني قال قلت هل رجم النبي صلى الله عليه وسلم فقال نعم رجم يهوديا ويهودية وسياق أحمد مختصر قوله أقبل النور أي سورة النور والمراد بالقبلية النزول قوله أم بعد في رواية الكشميهني أم بعده قوله لا أدري فيه أن الصحابي الجليل قد تخفى عليه بعض الامور
الواضحة وأن الجواب من الفاضل بلا أدري لا عيب عليه فيه بل يدل على تحريه وتثبته فيمدح به قوله تابعه علي بن مسهر قلت وصلها بن أبي شيبة عنه عن الشيباني قال قلت لعبد الله بن أبي أوفى فذكر مثله بلفظ قلت بعد سورة النور قوله وخالد بن عبد الله أي الطحان وهي عند المؤلف في باب رجم المحصن وقد تقدم لفظه والمحاربي يعني عبد الرحمن بن محمد الكوفي قوله وعبيدة بفتح أوله وأبوه حميد بالتصغير ومتابعته وصلها الاسماعيلي من رواية أبي ثور وأحمد بن منيع قالا حدثنا عبيدة بن حميد وجرير هو بن عبد الله الشيباني ولفظه قلت قبل النور أو بعدها قوله وقال بعضهم أي بعض المسلمين وهو عبيدة فان لفظه في مسند أحمد بن منيع ومن طريقه الاسماعيلي فقلت بعد سورة المائدة أو قبلها كذا وقع في رواية هشيم التي أشرت إليها قبل قوله والاول أصح أي في ذكر النور قلت ولعل من ذكره توهم من ذكر اليهودي واليهودية ان المراد سورة المائدة لان فيها الآية التي نزلت بسبب سؤال اليهود عن حكم اللذين زنيا منهم الحديث الثاني قوله عن نافع في موطأ محمد بن الحسن وحده حدثنا نافع قاله الدارقطني في الموطآت قوله ان اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا ذكر السهيلي عن بن العربي أن اسم المرأة بسرة بضم الموحدة وسكون المهملة ولم يسم الرجل وذكر أبو داود السبب في ذلك من طريق الزهري سمعت رجلا من مزينة ممن تبع العلم وكان عند سعيد بن المسيب يحدث عن أبي هريرة قال زنى رجل من اليهود بامرأة فقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف فان افتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا فتيا نبي من انبيائك قال فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة زنيا منهم ونقل بن العربي عن الطبري والثعلبي عن المفسرين قالوا انطلق قوم من قريظة والنضير منهم كعب بن الاشرف وكعب بن أسد وسعيد بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحقيق وشاس بن قيس ويوسف بن عازوراء فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم وكان رجل وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا واسم المرأة بسرة وكانت خيبر حينئذ
حربا فقال لهم اسألوه فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال اجعل بينك وبينهم بن صوريا فذكر القصة مطولة ورفض الطبري من طريق الزهري المذكورة أن أحبار اليهود اجتمعوا في بيت المدراس وقد زنى رجل منهم بعد احصانه بامرأة منهم قد أحصنت فذكر القصة وفيها فقال أخرجوا إلى عبد الله بن صوريا الاعور قال بن إسحاق ويقال أنهم أخرجوا معه أبا ياسر بن أحطب ووهب بن يهودا فخلا النبي صلى الله عليه وسلم بابن صوريا فذكر الحديث ووقع عند مسلم من حديث البراء مر على النبي صلى الله عليه وسلم يهودي محمما مجلودا فدعاهم فقال هكذا تجدون حد الزنا في كتابكم قالوا نعم وهذا يخالف الاول من حيث أن فيه أنهم ابتدؤوا السؤال قبل إقامة الحد وفي هذا أنهم أقاموا الحد قبل السؤال ويمكن الجمع بالتعدد بأن يكون الذين
[ 149 ]
سألوا عنهما غير الذي جلدوه ويحتمل أن يكون بادروا فجلدوه ثم بدا لهم فسألوا فاتفق المرور بالمجلود في حال سؤالهم عن ذلك فأمرهم باحضارهما فوقع ما وقع والعلم عند الله ويؤيد الجمع ما وقع عند الطبراني من حديث بن عباس أن رهطا من اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ومعهم امرأة فقالوا يا محمد ما أنزل عليك في الزنا فيتجه أنهم جلدوا الرجل ثم بدا لهم أن يسألوا عن الحكم فأحضروا المرأة وذكروا القصة والسؤال ووقع في رواية عبيد الله العمري عن نافع عن بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بيهودي ويهودية زنيا ونحوه في رواية عبد الله بن دينار عن بن عمر الماضية قريبا ولفظه أحدثا وفي حديث عبد الله بن الحارث عند البزار أن اليهود أتوا بيهوديين زنيا وقد أحصنا قوله ما تجدون في التوراة في شأن الرجم قال الباجي يحتمل أن يكون علم بالوحي أن حكم الرجم فيها ثابت على ما شرع لم يلحقه تبديل ويحتمل أن يكون علم ذلك بأخبار عبد الله بن سلام وغيره ممن أسلم منهم على وجه حصل له به العلم بصحة نقلهم ويحتمل أن يكون انما سألهم عن ذلك ليعلم ما عندهم فيه ثم يتعلم صحة ذلك من قبل الله تعالى قوله فقالوا نفضحهم بفتح أوله وثالثه من الفضيحة قوله ويجلدون وقع بيان الفضيحة في رواية أيوب عن نافع الآتية في التوحيد بلفظ قالوا نسخم وجوههما ونخزيهما وفي رواية عبد الله بن عمر قالوا
نسود وجوههما ونحممهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما وفي رواية عبد الله بن دينار ان أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبية وفي حديث أبي هريرة يحمم ويجبه ويجلد والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما وقد تقدم في باب الرجم بالبلاط النقل عن إبراهيم الحربي أنه جزم بأن تفسير التجبية من قول الزهري فكأنه أدرج في الخبر لان أصل الحديث من روايته وقال المنذري يشبه أن يكون أصله الهمزة وأنه التجبئة وهي الردع والزجر يقال جبأته تجبيئا أي ردعته والتجبية أن ينكس رأسه فيحتمل أن يكون من فعل ذلك ينكس رأسه استحياء فسمى ذلك الفعل تجبية ويحتمل أن يكون من الجبة وهو الاستقبال بالمكروه وأصله من إصابة الجبهة تقول جبهته إذا أصبت جبهته كرأسته إذا أصبت رأسه وقال الباجي ظاهر الامر قصدوا في جوابهم تحريف حكم التوراة والكذب على النبي إما رجاء أن يحكم بينهم بغير ما أنزل الله وإما لانهم قصدوا بتحكيمه التخفيف عن الزانيين واعتقدوا أن ذلك يخرجهم عما وجب عليهم أو قصدوا اختبار أمره لانه من المقرر أن من كان نبيا لا يقر على باطل فظهر بتوفيق الله نبيه كذبهم وصدقه ولله الحمد قوله قال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها الرجم رواية أيوب وعبيد الله بن عمر قال فأتوا بالتوراة قال فاتلوها إذا كنتم صادقين قوله فأتوا بصيغة الفعل الماضي وفي رواية أيوب فجاءوا وزاد عبد الله بن عمر بها فقرؤها وفي رواية زيد بن أسلم فأتى بها فنزع الوسادة من تحته فوضع التوراة عليها ثم قال آمنت بك وبمن أنزلك وفي حديث البراء عند مسلم فدعا رجلا من علمائهم فقال أنشدك بالله وبمن أنزلك وفي حديث جابر عند أبي داود فقال ائتوني بأعلم رجلين منكم فأت بابن صوريا زاد الطبري في حديث بن عباس ائتوني برجلين من علماء بني إسرائيل فأتوا برجلين أحدهما شاب والآخر شيخ قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر ولابن أبي حاتم من طريق مجاهد أن اليهود استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزانيين فأفتاهم بالرجم فأنكروه فأمرهم أن يأتوا بأحبارهم فناشدهم فكتموه إلا رجلا من
[ 150 ]
أصاغرهم أعور فقال كذبوك يارسول الله في التوراة قوله فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع
أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها ونحوه في رواية عبد الله بن دينار وفي رواية عبيد اللبن عمر فوضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم فقرأ ما بين يديها وما وراءها وفي رواية أيوب فقال لرجل ممن يرضون يا أعور اقرأ فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه واسم هذا الرجل عبد الله بن صوريا كما وقد وقع عند النقاش في تفسيره أنه أسلم لكن ذكر مكي في تفسيره أنه ارتد بعد أن أسلم كذا ذكر القرطبي ثم وجدته عند الطبري بالسند المتقدم في الحديث الماضي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ناشده قال يا رسول الله انهم ليعلمون أنك نبي مرسل ولكنهم يحسدونك وقال في آخر الحديث ثم كفر بعد ذلك بن صوريا ونزلت فيه يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر الآية قوله فقال له عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم في رواية عبد الله بن دينار فإذا آية الرجم تحت يده ووقع في حديث البراء فحده الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد فقلنا تعالوا فلنجتمع على شئ نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم وقع بيان ما في التوراة من آية الرجم في رواية أبي هريرة المحصن والمحصنة إذا زنيا فقامت عليهما البينة رجما وان كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما في بطنها وفي حديث جابر عند أبي داود قالا نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما زاد البزار من هذا الوجه فان وجدوا الرجل مع المرأة في بيت أو في ثوبها أو على بطنها فهي ريبة وفيها عقوبة قال فما منعكما أن ترجموهما قالا ذهب سلطاننا فكرهنا القتل وفي حديث أبي هريرة فما أول ما أرتخصتم أمر الله قال زنى ذو قرابة من الملك فأخر عنه الرجم ثم زنا رجل شريف فأرادوا رجمه فحال قومه دونه وقالوا ابدأ بصاحبك فاصطلحوا على هذه العقوبة وفي حديث بن عباس عند الطبراني انا كنا شيبة وكان في نسائنا حسن وجه فكثر فينا فلم يقم له فصرنا نجلد والله أعلم قوله فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما زاد في حديث أبي هريرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم فاني أحكم بما في التوراة وفي حديث البراء اللهم اني أول من أحيي أمرك إذ أماتوه ووقع في حديث
جابر من الزيادة أيضا فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاء أربعة فشهدوا انهم رأوه ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فأمر بهما فرجما قوله فرأيت الرجل يحني كذا في رواية أبي ذر عن السرخسي بالحاء المهملة بعدها نون مكسورة ثم تحتانية ساكنة وعن المستملي والكشميهني بجيم ونون مفتوحة ثم همزة وهو الذي قال بن دقيق العيد إنه راجح في الرواية وفي رواية أيوب يجائ بضم أوله وجيم مهموز قال بن عبد البر وقع في رواية يحيى بن يحيى كالسرخسي والصواب يحني أي يميل وجملة ما حصل لنا من الاختلاف من ضبط هذه اللفظة عشرة أوجه الاولان والثالث بضم أوله والجيم وكسر النون وبالهمزة الرابع كالاول إلا أنه بالموحدة بدل النون الخامس كالثاني إلا أنه بواو بدل التحتانية السادس كالاول إلا أنه بالجيم السابع بضم أوله وفتح المهملة وتشديد النون الثامن يجاني النون التاسع مثله لكن بالحاء العاشر مثله لكنه بالفاء بدل النون وبالجيم أيضا ورأيت في الزهريات
[ 151 ]
للذهلي بخط الضياء في هذا الحديث من طريق معمر عن الزهري يجافي بجيم وفاء بغير همز وعلى الفاء صح صح قوله يقيها بفتح أوله ثم قاف تفسير لقوله يحني وفي رواية عبيد الله بن عمر فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه ولابن ماجة من هذا الوجه يسترها وفي حديث بن عباس عند الطبراني فلما وجد مس الحجارة قام على صاحبته يحني عليها يقيها الحجارة حتى قتلا جميعا فكان ذلك مما صنع الله لرسوله في تحقيق الزنا منهما وفي هذا الحديث من الفوائد وجوب الحد على الكافر إذا زنى وهو قول الجمهور وفيه خلاف عند الشافعية وقد ذهب بن عبد البر فنقل الاتفاق على أن شرط الاحصان الموجب للرجم الاسلام ورد عليه بأن الشافعية وأحمد لا يشترطان ذلك ويؤيد مذهبهما وقوع التصريح بأن اليهوديين اللذين رجما كانا قد أحصنا كما تقدم نقله وقال المالكية ومعظم الحنفية وربيعة شيخ مالك شرط الاحصان الاسلام وأجابوا عن حديث الباب بأنه صلى الله عليه وسلم انما رجمهما بحكم التوراة وليس هو من حكم الاسلام في شئ انما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم فان في التوراة الرجم على المحصن وغير
المحصن قالوا وكان ذلك أول دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وكان مأمورا باتباع حكم التوراة والعمل بها حتى ينسخ ذلك في شرعه فرجم اليهوديين على ذلك الحكم ثم نسخ ذلك بقوله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم إلى قوله أو يجعل الله لهن سبيلا ثم نسخ بالتفرقة بين من أحصن ومن لم يحصن كما تقدم انتهى وفي دعوى الرجم على من لم يحصن نظر لما تقدم من رواية الطبري وغيره وقال مالك انما رجم اليهوديين لان اليهود يومئذ لم يكن لهم ذمة فتحاكموا إليه وتعقبه الطحاوي بأنه لو لم يكم واجبا ما فعله قال وإذا أقام الحد على من لا ذمة له فلان يقيمه على من له ذمة أولى وقال المازري يعترض على جواب مالك بكونه رجم المرأة وهو يقول لا تقتل المرأة إلا إن أجاب أن ذلك كان قبل النهي عن قتل النساء وأيد القرطبي أنهما كانا حربيين بما أخرجه الطبري كما تقدم ولا حجة فيه لانه منقطع قال القرطبي ويعكر عليه أن مجيئهم سائلين يوجب لهم عهدا كما لو دخلوا لغرض كتجارة أو رسالة أو نحو ذلك فانهم في أمان إلى أن يردوا إلى مأمنهم قلت ولم ينفصل عن هذا إلا أن يقول إن السائل عن ذلك ليس هو صاحب الواقعة وقال النووي دعوى أنهما كانا حربيين باطلة بل كانا من أهل العهد كذا قال وسلم بعض المالكية أنهما كانا من أهل العهد واحتج بأن الحاكم مخير إذا تحاكم إليه أهل الذمة بين أن يحكم فيهم بحكم الله وبين أن يعرض عنهم على ظاهر الآية فاختار صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة أن يحكم بينهم وتعقب بأن ذلك لا يستقيم على مذهب مالك لان شرط الاحصان عنده الاسلام وهما كانا كافرين وانفصل بن العربي عن ذلك بأنهما كانا محكمين له في الظاهر ومختبرين ما عنده في الباطن هل هو نبي حق أو مسامح في الحق وهذا لا يرفع الاشكال ولا يخلص عن الايراد ثم قال بن العربي في الحديث أن الاسلام ليس شرطا في الاحصان والجواب بأنه انما رجمهما لاقامة الحجة على اليهود فيما حكموه فيه من حكم التوراة فيه نظر لانه كيف يقيم الحجة عليهم بما لا يراه في شرعه مع قوله وأن احكم بينهم بما أنزل الله قال وأجيب بأن سياق القصة يقتضي ما قلناه ومن ثم استدعى شهودهم ليقيم الحجة عليهم منهم إلى أن قال والحق أحق أن يتبع ولو جاءوني لحكمت عليهم بالرجم ولم اعتبر الاسلام في الاحصان وقال
[ 152 ]
بن عبد البر حد الزاني حق من حقوق الله وعلى الحاكم إقامته وقد كان لليهود حاكم وهو الذي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما وقول بعضهم إن الزانيين حكماه دعوى مردودة واعترض بأن التحكيم لا يكون إلا لغير الحاكم وأما النبي صلى الله عليه وسلم فحكمه بطريق الولاية لا بطريق التحكيم وأجاب الحنفية عن رجم اليهوديين بأنه وقع بحكم التوراة ورده الخطابي لان الله قال وان أحكم بينهم بما أنزل الله وانما جاءه القوم سائلين عن الحكم عنده كما دلت عليه الرواية المذكورة فأشار عليهم بما كتموه من حكم التوراة ولا جائز أن يكون حكم الاسلام عندهم مخالف لذلك لانه لا يجوز الحكم بالمنسوخ فدل على أنه إنما حكم بالناسخ وأما قوله في حديث أبي هريرة فاني أحكم بما في التوراة ففي سنده رجل مبهم ومع ذلك فلو ثبت لكان معناه لاقامة الحجة عليهم وهو موافق لشريعته قلت ويؤيده أن الرجم جاء ناسخا للجلد كما تقدم تقريره ولم يقل أحد إن الرجم شرع ثم نسخ بالجلد ثم نسخ الجلد بالرجم وإذا كان حكم الرجم باقيا منذ شرع فما حكم عليهما بالرجم بمجرد حكم التوراة بل بشرعه الذي استمر حكم التوراة عليه ولم يقدر أنهم بدلوه فيما بدلوا وأما ما تقدم من أن النبي صلى الله عليه وسلم رجمهما أول ما قدم المدينة لقوله في بعض طرق القصة لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه اليهود فالجواب أنه لا يلزم من ذلك الفور ففي بعض طرقه الصحيحه كما تقدم أنهم تحاكموا إليه وهو في المسجد بين أصحابه والمسجد لم يكمل بناؤه الا بعد مدة من دخوله صلى الله عليه وسلم المدينة فبطل الفور وأيضا ففي حديث عبد الله بن الحارث بن جزء أنه حضر ذلك وعبد الله إنما قدم مع أبيه مسلما بعد فتح مكة وقد تقدم حديث بن عباس وفيه ما يشعر بأنه شاهد ذلك وفيه أن المرأة إذا أقيم عليها الحد تكون قاعدة هكذا استدل به الطحاوي وقد تقدم أنهم اختلفوا في الحفر للمرجومة فمن يرى أنه يحفر لها تكون في الغالب قاعدة في الحفرة واختلافهم في إقامة الحد عليها قاعدة أو قائمة انما هو في الجلد ففي الاستدلال بصورة الجلد على صورة الرجم نظر لا يخفى وفيه قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وزعم بن العربي أن معنى قوله في حديث جابر فدعا بالشهود أي شهود
الاسلام على اعترافهما وقوله فرجمهما بشهادة الشهود أي البينة على اعترافهما ورد هذا التأويل بقوله في نفس الحديث انهم رأوا ذكره في فرجها كالميل في المكحلة وهو صريح في أن الشهادة بالمشاهدة لا بالاعتراف وقال القرطبي الجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على المسلم ولا على كافر لا في حد ولا في غيره ولا فرق بين السفر والحضر في ذلك وقبل شهادتهم جماعة من التابعين وبعض الفقهاء إذا لم يوجد مسلم واستثنى أحمد حالة السفر إذا لم يوجد مسلم وأجاب القرطبي عن الجمهور عن واقعة اليهود بأنه صلى الله عليه وسلم نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة وألزمهم العمل به إظهارا لتحريفهم كتابهم وتغييرهم حكمه أو كان ذلك خاصا بهذه الواقعة كذا قال والثاني مردود وقال النووي الظاهر أنه رجمهما بالاعتراف فان ثبت حديث جابر فلعل الشهود كانوا مسلمين والا فلا عبرة بشهادتهم ويتعين أنهما أقرا بالزنا قلت لم يثبت أنهم كانوا مسلمين ويحتمل أن يكون الشهود أخبروا بذلك لسؤال بقية اليهود لهم فسمع النبي صلى الله عليه وسلم كلامهم ولم يحكم فيهم الا مستندا لما أطلعه الله تعالى فحكم في ذلك بالوحي والزمهم الحجة بينهم كما قال تعالى وشهد شاهد من أهلها وان شهودهم شهدوا عليهم عند
[ 153 ]
أحبارهم بما ذكره فلما رفعوا الامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم استعلم القصة على وجهها فذكر كل من حضر من الرواة ما حفظه في ذلك ولم يكن مستندا حكم النبي صلى الله عليه وسلم الا ما اطلعه الله عليه واستدل به بعض المالكية على أن المجلود يجلد قائما إن كان رجلا والمراة قاعدة لقول بن عمر رأيت الرجل يقيها الحجارة فدل على أنه كان قائما وهي قاعدة وتعقب بأنه واقعة عين فلا دلالة فيه على أن قيام الرجل كان بطريق الحكم عليه بذلك واستدل به على رجم المحصن وقد تقدم البحث فيه مستوفى وعلى الاقتصار على الرجم ولا يضم إليه الجلد وقد تقدم الخلاف فيه في باب مفرد وكذا احتج به بعضهم ولو احتج به لعكسه لكان أقرب لانه في حديث البراء عند مسلم أن الزاني جلد أولا ثم رجم كما تقدم لكن يمكن الانفصال بان الجلد الذي وقع له لم يكن بحكم حاكم وفيه أن أنكحة الكفار صحيحة لان ثبوت الاحصان فرع ثبوت صحة
النكاح وفيه أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وفي أخذه من هذه القصة بعد وفيه أن اليهود كانوا ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها ولو لم يكن مما أقدموا على تبديله والا لكان في الجواب حيدة عن السؤال لانه سأل عما يجدون في الثوراة فعدلوا عن ذلك لما يفعلونه وأوهموا أن فعلهم موافق لما في الثوراة فأكذبهم عبد الله بن سلام وقد استدل به بعضهم على أنهم لم يسقطوا شيئا من ألفاظها كما يأتي تقريره في كتاب التوحيد والاستدلال به لذلك غير واضح لاحتمال خصوص ذلك بهذه الواقعة فلا يدل على التعميم وكذا من استدل به على أن التوراة التي أحضرت حينئذ كانت كلها صحيحة سالمة من التبديل لانه يطرقه هذا الاحتمال بعينه ولا يرده قوله آمنت بك وبمن أنزلك لان المراد أصل التوراة وفيه اكتفاء الحاكم بترجمان واحد موثوق به وسيأتي بسطه في كتاب الاحكام واستدل به على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ثبت ذلك إما بدليل قرآن أو حديث صحيح ما لم يثبت نسخه بشريعة نبينا أو نبيهم أو شريعتهم وعلى هذا فيحمل ما وقع في هذه القصة على أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن هذا الحكم لم ينسخ من التوراة أصلا قوله باب إذا رمى امرأته أو امرأة غيره بالزنا عند الحاكم والناس هل على الحاكم أن يبعث إليها فيسألها عما رميت به ذكر فيه قصة العسيف وقد تقدم شرحه مستوفى والحكم المذكور ظاهر فيمن قذف امرأة غيره وأما من قذف امرأته فكأنه أخذه من كون زوج المرأة كان حاضرا ولم ينكر ذلك وأشار بقوله هل على الامام إلى الخلاف في ذلك والجمهور على أن ذلك بحسب ما يراه الامام قال النووي الاصح عندنا وجوبه والحجة فيه بعث أنيس إلى المرأة وتعقب بأنه فعل وقع في واقعة حال لا دلالة فيه على الوجوب لاحتمال أن يكون السبب البعث ما وقع بين زوجها وبين والد العسيف من الخصام والمصالحة على الحد واشتهار القصة حتى صرح والد العسيف بما صرح به ولم ينكر عليه زوجها فالارسال إلى هذه يختص بمن كان على مثل حالها من التهمة القوية بالفجور وانما علق على اعترافها لان حد الزنا لا يثبت في مثلها إلا بالاقرار لتعذر إقامة البينة على ذلك وقد تقدم شرح الحديث مستوفى وذكرت ما قيل من الحكمة في إرسال أنيس إلى المرأة المذكورة وفي الموطأ أن عمر أتاه رجل فأخبره أنه وجد مع امرأته رجلا فبعث
إليها أبا واقد فسألها عما قال زوجها وأعلمها أنه لا يؤخذ بقوله فاعترفت فأمر بها عمر فرجمت قال بن بطال اجمع العلماء على أن من قذف امرأته أو امرأة غيره بالزنا فلم يأت على ذلك بينة أن
[ 154 ]
عليه الحد إلا إن أقر المقذوف فلهذا يجب على الامام أن يبعث إلى المرأة يسألها عن ذلك ولو لم تعترف المرأة في قصة العسيف لوجب على والد العسيف حد القذف ومما يتفرع عن ذلك لو اعترف رجل أنه زنا بامرأة معينة فانكرت هل يجب عليه حد الزنا وحد القذف أو حد القذف فقط قال بالاول مالك وبالثاني أبو حنيفة وقال الشافعي وصاحبا أبا حنيفة من أقر منهما فانما عليه حد الزنا فقط والحجة فيه أنه إن كان صدق في نفس الامر فلا حد عليه في قذفها وإن كان كذب فليس بزان وانما يجب عليه حد الزنا لان كل من أقر على نفسه وعلى غيره لزمه ما أقر به على نفسه وهو مدعي فيما أقر به على غيره فيؤاخذ بإقراره على نفسه دون غيره قوله باب من أدب أهله أو غيره دون السلطان أي دون إذنه له في ذلك هذه الترجمة معقودة لبيان الخلاف هل يحتاج من وجب عليه الحد من الارقاء إلى أن يستأذن سيده الامام في إقامة الحد عليه أو له أن يقيم ذلك بغير مشورة وقد تقدم بيانه في باب إذا زنت الامة قوله وقال أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى فأراد أحد أن يمر بين يديه فليدفعه فان أبى فليقاتله وفعله أبو سعيد هذا مختصر من الحديث الذي تقدم موصولا في باب يرد المصلي من مر بين يديه ولفظه فان أراد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فان أبى فليقاتله فانما هو شيطان أخرجه من طريق أبي صالح عن أبي سعيد وأما قوله وفعله أبو سعيد فهو في الباب المذكور بلفظ رأيت أبا سعيد يصلي وأراد شاب أن يجتاز بين يديه فدفع أبو سعيد في صدره وقد تقدم شرحه مستوفى هناك والغرض منه ان الخبر ورد بالاذن للمصلي أن يؤدب المجتاز بالدفع ولا يحتاج في ذلك إلى اذن الحاكم وفعله أبو سعيد الخدري ولم ينكر عليه مروان بل استفهمه عن السبب فلما ذكره له أقره على ذلك ثم ذكر حديث عائشة في سبب نزول آية التيمم من وجهين عن عبد الرحمن بن قاسم عن أبيه عنها وقد تقدمت طريق مالك في تفسير سورة المائدة وطريق عمرو بن الحارث عقبها رحمه اللهقوله لكز ووكز واحد أي
بمعنى واحد ثبت هذا في رواية المستملي وهو من كلام أبي عبيدة قال الوكز في الصدر بجمع الكف ولهزه مثله وهو اللكز قال بن بطال في هذين الحديثين دلالة على جواز تأديب الرجل أهله وغير أهله بحضرة السلطان ولو لم يأذن له إذا كان ذلك في حق وفي معنى تأديب الاهل تأديب الرقيق وقد تقدمت الاشارة إليه في باب لا تثريب على الامة قوله باب من رأى مع امرأته رجلا فقتله كذا أطلق ولم يبين الحكم وقد اختلف فيه فقال الجمهور عليه القود وقال أحمد وإسحاق إن أقام بينة أنه وجده مع امرأته هدر دمه وقال الشافعي يسعه فيما بينه وبين الله قتل الرجل إن كان ثيبا وعلم أنه نال منها ما يوجب الغسل ولكن لا يسقط عنه القود في ظاهر الحكم وقد أخرج عبد الرزاق بسند صحيح إلى هانئ بن حزام أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتلهما فكتب عمر كتابا في العلانية أن يقيدوه به وكتابا في السر أن يعطوه الدية وقال بن المنذر جاءت الاخبار عن عمر في ذلك مختلفة وعامة اسانيدها منقطعة وقد ثبت عن علي أنه سئل عن رجل قتل رجلا وجده مع امرأته فقال إن لم يأت بأربعة شهداء وإلا فليغط برمته قال الشافعي وبهذا نأخذ ولا نعلم لعلي مخالفا في ذلك قوله حدثنا موسى هو بن إسماعيل وعبد الملك هو بن عمير ووراد هو كاتب المغيرة بن شعبة وثبت كذلك لغير أبي ذر قوله قال سعد بن عبادة هو الانصاري سيد الخزرج قوله لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف كذا في هذه الرواية
[ 155 ]
بالجزم وفي حديث أبي هريرة عند مسلم أن سعد بن عبادة قال يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهل حتى آتي بأربعة شهداء الحديث وله من وجه آخر فقال سعد كلا والذي بعثك بالحق ان كنت لاعاجله بالسيف قبل ذلك ولابي داود من هذا الوجه أن سعد بن عبادة قال يا رسول الله الرجل يجد مع أهله رجلا فيقتله قال لا قال بلى والذي أكرمك بالحق وأخرج الطبراني من حديث عبادة بن الصامت لما نزلت آية الرجم قال النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد جعل لهن سبيلا الحديث وفيه فقال أناس لسعد بن عبادة يا أبا ثابت قد نزلت الحدود أرأيت لو وجدت مع امرأتك رجلا كيف كنت صانعا قال كنت ضاربه بالسيف حتى يسكنا
فانا أذهب واجمع أربعة فإلى ذلك قد قضى الخائب حاجته فانطلق وأقول رأيت فلانا فيجلدوني ولا يقبلون لي شهادة أبدا فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كفى بالسيف شاهدا ثم قال لولا أني أخاف أن يتتابع فيها السكران والغيران وتقدم شرح هذا الحديث في باب الغيرة في أواخر كتاب النكاح ويأتي الكلام على قوله والله أغير مني في كتاب التوحيد وفي الحديث أن الاحكام الشرعية لا تعارض بالرأي قوله باب ما جاء في التعريض بعين مهملة وضاد معجمة قال الراغب هو كلام له وجهان ظاهر وباطن فيقصد قائله الباطن ويظهر إرادة الظاهر وقد تقدم شئ من الكلام فيه في باب التعريض بنفي الولد من كتاب اللعان في شرح حديث أبي هريرة في قصة الاعرابي الذي قال أن امرأتي ولدت غلاما أسود الحديث وذكرت هناك ما قيل في اسمه وبيان الاختلاف في حكم التعريض وان الشافعي استدل بهذا الحديث على أن التعريض بالقذف لا يعطي حكم التصريح فتبعه البخاري حيث أورد هذا الحديث في الموضعين وقد وقع في آخر رواية معمر التي أشرت إليها هناك ولم يرخص له في الانتفاء منه وقول الزهري انما تكون الملاعنة إذا قال رأيت الفاحشة قال بن بطال احتج الشافعي بأن التعريض في خطبة المعتدة جائز مع تحريم التصريح بخطبتها فدل على افتراق حكمهما قال وأجاب القاضي إسماعيل بأن التعريض بالخطبة جائز لان النكاح لا يكون إلا بين أثنين فإذا صرح بالخطبة وقع عليه الجواب بالايجاب أو الوعد فمنع وإذا عرض فأفهم أن المرأة من حاجته لم يحتج إلى جواب والتعريض بالقذف يقع من الواحد ولا يفتقر إلى جواب فهو قاذف من غير أن يخفيه عن أحد فقام مقام الصريح كذا فرق ويعكر عليه أن الحد يدفع بالشبه والتعريض يحتمل الامرين بل عدم القذف فيه هو الظاهر وإلا لما كان تعريضا ومن لم يقل بالحد في التعريض يقول بالتأديب فيه لان في التعريض أذى المسلم وقد اجمعوا على تأديب من وجد مع امرأة أجنبية في بيت والباب مغلق عليهما وقد ثبت عن إبراهيم النخعي أنه قال في التعريض عقوبة وقال عبد الرزاق أنبأنا بن جريج قلت لعطاء فالتعريض قال ليس فيه حد قال عطاء وعمرو بن دينار فيه نكال ونقل بن التين عن الداودي أنه قال تبويب البخاري غير معتدل قال ولو قال
ما جاء في ذكر ما يقع في النفوس عندما يرى ما ينكره لكان صوابا قلت ولو سكت عن هذا لكان هو الصواب قال بن التين قد انفصل المالكية عن حديث الباب بأن الاعرابي انما جاء مستفتيا ولم يرد بتعريضه قذفا وحاصله أن القذف في التعريض إنما يثبت على من عرف من ارادته القذف وهذا يقوي أن لا حد في التعريض لتعذر الاطلاع على الارادة والله سبحانه وتعالى
[ 156 ]
أعلم قوله باب بالتنوين كم التعزير والادب التعزير مصدر عزره وهو مأخوذ من العزر وهو الرد والمنع واستعمل في الدفع عن الشخص كدفع أعدائه عنه ومنعهم من إضراره ومنه وآمنتم برسلي وعزرتموهم وكدفعة عن إتيان القبيح ومنه عزره القاضي أي لئلا يعود إلى القبيح ويكون بالقول والفعل بحسب ما يليق به والمراد بالادب في الترجمة التأديب وعطفه على التعزير لان التعزير يكون بسبب المعصية والتأديب أعم منه ومنه تأديب الولد وتأديب المعلم وأورد الكمية بلفظ استفهام إشارة إلى الاختلاف فيها كما سأذكره وقد ذكر في الباب أربعة أحاديث الاول قوله عن بكير بن عبد الله يعني بن الاشج قوله عن سليمان بن يسار عن عبد الرحمن في رواية عمرو بن الحارث الآتية في الباب أن بكيرا حدثه قال بينما أنا جالس عند سليمان بن يسار إذ جاء عبد الرحمن بن جابر فحدث سليمان بن يسار ثم أقبل علينا سليمان فقال حدثني عبد الرحمن قوله عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله في رواية الاصيلي عن أبي أحمد الجرجاني عن عبد الرحمن عن جابر ثم خط على قوله عن جابر فصار عن عبد الرحمن عن أبي بردة وهو الصواب وأصوب منه رواية الجمهور بلفظ بن بدل عن قوله عن أبي بردة في رواية علي بن إسماعيل بن حماد عن عمرو بن علي شيخ البخاري فيه بسنده إلى عبد الرحمن بن جابر قال حدثني رجل من الانصار قال أبو حفص يعني عمرو بن علي المذكور هو أبو بردة بن نيار أخرجه أبو نعيم وفي رواية عمرو بن الحارث حدثني عبد الرحمن بن جابر أن أباه حدثه أنه سمع أبا بردة الانصاري ووقع في الطريق الثانية من رواية فضيل بن سليمان عن مسلم بن أبي مريم حدثني عبد الرحمن بن جابر عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم وقد سماه حفص بن ميسرة وهو أوثق من فضيل بن سليمان
فقال فيه عن مسلم بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه أخرجه الاسماعيلي قلت قد رواه يحيى بن أيوب عن مسلم بن أبي مريم مثل رواية فضيل أخرجه أبو نعيم في المستخرج قال الاسماعيلي ورواه إسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق عن بن جريج عن مسلم بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن جابر عن رجل من الانصار قلت وهذا لا يعين أحد التفسرين فان كلا من جابر وأبي بردة أنصاري قال الاسماعيلي لم يدخل الليث عن يزيد بين عبد الرحمن وأبي بردة أحدا وقد وافقه سعيد بن أيوب عن يزيد ثم ساقه من روايته كذلك وحاصل الاختلاف هل هو عن صحابي مبهم أو مسمى الراجح الثاني أنه أبو بردة بن نيار وهل بين عبد الرحمن وأبي بردة واسطة وهو جابر أولا الراجح الثاني أيضا وقد ذكر الدارقطني في العلل الاختلاف ثم قال القول قول الليث ومن تابعه وخالف ذلك في جميع التتبع فقال القول قول عمرو بن الحارث وقد تابعه أسامة بن زيد قلت ولم يقدح هذا الاختلاف عن الشيخين في صحة الحديث فإنه كيفما دار يدور على ثقة ويحتمل أن يكون عبد الرحمن وقع له فيه ما وقع لبكير بن الاشج في تحديث عبد الرحمن بن جابر لسليمان بحضرة بكير ثم تحديث سليمان بكيرا به عن عبد الرحمن أو أن عبد الرحمن سمع أبا بردة لما حدث به أباه وثبته فيه أبوه فحدث به تارة بواسطة أبيه وتارة بغير واسطة وادعى الاصيلي أن الحديث مضطرب فلا يحتج به لاضطرابه وتعقب بأن عبد الرحمن ثقة فقد صرح بسماعه وإبهام الصحابي لا يضر وقد اتفق الشيخان على تصحيحه وهما العمدة في التصحيح وقد وجدت له شاهدا بسند قوي لكنه مرسل أخرجه الحارث بن أبي أسامة من رواية
[ 157 ]
عبد الله بن أبي بكر بن الحارث بن هشام رفعه لا يحل أن يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد وله شاهد آخر عن أبي هريرة عند بن ماجة ستأتي الاشارة إليه قوله لا يجلد بضم أوله بصيغة النفي ولبعضهم بالجزم ويؤيده ما وقع في الرواية التي بعدها بصيغة النهي لا تجلدوا قوله فوق عشرة اسواط في رواية يحيى بن أيوب وحفص بن ميسرة فوق عشرة جلدات وفي رواية علي بن إسماعيل بن حماد المشار إليها لا عقوبة فوق عشر ضربات قوله إلا في حد من حدود الله
ظاهره أن المراد بالحد ما ورد فيه من الشارع عدد من الجلد أو الضرب مخصوص أو عقوبة مخصوصة والمتفق عليه من ذلك أصل الزنا والسرقة وشرب المسكر والحرابة والقذف بالزنا والقتل والقصاص في النفس والاطراف والقتل في الارتداد واختلف في تسمية الاخيرين حدا واختلف في أشياء كثيرة يستحق مرتكبها العقوبة هل تسمى عقوبته حدا أو لا وهي جحد العارية واللواط واتيان البهيمة وتحميل المرأة الفحل من البهائم عليها والسحاق وأكل الدم والميتة في حال الاختيار ولحم الخنزير وكذا السحر والقذف بشرب الخمر وترك الصلاة تكاسلا والفطر في رمضان والتعريض بالزنا وذهب بعضهم إلى أن المراد بالحد في حديث الباب حق الله وقال بن دقيق العيد بلغني أن بعض العصريين قرر هذا المعنى بأن تخصيص الحد بالمقدرات المقدم ذكرها أمر اصطلاحي من الفقهاء وأن عرف الشرع أول الامر كان يطلق الحد على كل معصية كبرت أو صغرت وتعقبه بن دقيق العيد أنه خروج عن الظاهر ويحتاج إلى نقل والاصل عدمه قال ويرد عليه أنا إذا أجزنا في كل حق من حقوق الله أن يزاد على العشر لم يبقى لنا شئ يختص المنع به لان ما عدا الحرمات التي لا يجوز فيها الزيادة هو ليس بمحرم وأصل التعزير أنه لا يشرع فيما ليس بمحرم فلا يبقى بخصوص الزيادة معنى قلت والعصري المشار إليه أظنه بن تيمية وقد تقلد صاحبه بن القيم المقالة المذكورة فقال الصواب في الجواب أن المراد بالحدود هنا الحقوق التي هي أوامر الله ونواهيه وهي المراد بقوله ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون وفي أخرى فقد ظلم نفسه وقال تلك حدود الله فلا تقربوها وقال ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا قال فلا يزاد على العشر في التأديبات التي لا تتعلق بمعصية كتأديب الاب ولده الصغير قلت ويحتمل أن يفرق بين مراتب المعاصي فما ورد فيه تقدير لا يزاد عليه وهو المستثنى في الاصل وما لم يرد فيه تقدير فان كان كبيرة جازت الزيادة فيه وأطلق عليه اسم الحد كما في الآيات المشار إليها والتحق بالمستثنى وان كان صغيرة فهو المقصود بمنع الزيادة فهذا يدفع إيراد الشيخ تقي الدين على العصري المذكور ان كان ذلك مراده وقد أخرج بن ماجة من حديث أبي هريرة بالتعزير بلفظ لا تعزروا فوق عشرة اسواط وقد
اختلف السلف في مدلول هذا الحديث فأخذ بظاهره الليث وأحمد في المشهور عنه وإسحاق وبعض الشافعية وقال مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة تجوز الزيادة على العشر ثم اختلفوا فقال الشافعي لا يبلغ أدنى الحدود وهل الاعتبار بحد الحر والعبد قولان وفي قول أو وجه يستنبط كل تعزير من جنس حده ولا يجاوزه وهو مقتضى قول الاوزاعي لا يبلغ به الحد ولم يفصل وقال الباقون هو إلى رأي الامام بالغا ما بلغ وهو اختيار أبي ثور وعن عمر أنه كتب إلى أبي موسى لا تجلد في التعزير أكثر من عشرين وعن عثمان ثلاثين وعن عمر أنه بلغ بالسوط
[ 158 ]
مائة وكذا عن بن مسعود وعن مالك وأبي ثور وعطاء لا يعزر إلا من تكرر منه ومن وقع منه مرة واحدة معصية لا حد فيها فلا يعزر وعن أبي حنيفة لا يبلغ أربعين وعن بن أبي ليلى وأبي يوسف لا يزاد على خمس وتسعين جلدة وفي رواية عن مالك وأبي يوسف لا يبلغ ثمانين وأجابوا عن الحديث بأجوبة منها ما تقدم ومنها قصره على الجلد وأما الضرب بالعصا مثلا وباليد فتجوز الزيادة لكن لا يجاوز أدنى الحدود وهذا رأي الاصطخري من الشافعية وكأنه لم يقف على الرواية الواردة بلفظ الضرب ومنها أنه منسوخ دل على نسخه إجماع الصحابة ورد بأنه قال به بعض التابعين وهو قول الليث بن سعد أحد فقهاء الامصار ومنها معارضة الحديث بما هو أقوى منه وهو الاجماع على أن التعزير يخالف الحدود وحديث الباب يقتضي تحديده بالعشر فما دونها فيصير مثل الحد وبالاجماع على أن التعزير موكول إلى رأي الامام فيما يرجع إلى التشديد والتخفيف لامن حيث العدد لان التعزير شرع للردع ففي الناس من يردعه الكلام ومنهم من لا يردعه الضرب الشديد فلذلك كان تعزير كل أحد بحسبه وتعقب بأن الحد لا يزاد فيه ولا ينقص فاختلفا وبأن التخفيف والتشديد مسلم لكن مع مراعاة العدد المذكور وبأن الردع لا يراعى في الافراد بدليل أن من الناس لا يردعه الحد ومع ذلك لا يجمع عندهم بين الحد والتعزير فلو نظر إلى كل فرد لقيل بالزيادة على الحد أو الجمع بين الحد والتعزير ونقل القرطبي أن الجمهور قالوا بما دل عليه حديث الباب وعكسه النووي وهو المعتمد فإنه لا يعرف القول به عن
أحد من الصحابة واعتذر الداودي فقال لم يبلغ مالكا هذا الحديث فكان يرى العقوبة بقدر الذنب وهو يقتضي أن لو بلغه ما عدل عنه فيجب على من بلغه أن يأخذ به الحديث الثاني حديث النهي عن الوصال والغرض منه قوله فواصل بهم كالمنكل بهم قال بن بطال عن المهلب فيه أن التعزير موكول إلى رأى الامام لقوله لو امتد الشهر لزدت فدل على أن للامام أن يزيد في التعزير ما يراه وهو كما قال لكن لا يعارض الحديث المذكور لانه ورد في عدد من الضرب أو الجلد فيتعلق في شئ محسوس وهذا يتعلق بشئ متروك وهو الامساك عن المفطرات والالم في يرجع إلى التجويع والتعطيش وتأثيرهما في الاشخاص متفاوت جدا والظاهر أن الذين واصل بهم كان لهم اقتدار على ذلك في الجملة فأشار إلى أن ذلك لو تمادى حتى ينتهي إلى عجزهم عنه لكان هو المؤثر في زجرهم ويستفاد منه أن المراد من التعزير ما يحصل به الردع وذلك ممكن في العشر بأن يختلف الحال في صفة الجلد أو الضرب تخفيفا وتشديدا والله أعلم نعم يستفاد منه جواز التعزير بالتجويع ونحوه من الامور المعنوية قوله تابعه شعيب ويحي بن سعيد ويونس عن الزهري وقال عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب أي تابعوا عقيلا في قوله عن أبي سلمة وخالفهم عبد الرحمن بن خالد فقال سعيد بن المسيب قلت فاما متابعة شعيب فوصلها المؤلف في كتاب الصيام وأما متابعة يحيى بن سعيد وهو الانصاري فوصلها الذهلي في الزهريات وأما متابعة يونس وهو بن يزيد فوصلها مسلم من طريق بن وهب عنه وأما رواية عبد الرحمن بن خالد فسيأتي الكلام عليها في كتاب الاحكام وذكر الاسماعيلي أن أبا صالح رواه عن الليث عن عبد الرحمن المذكور فجمع فيه بين سعيد وأبي سلمة قال وكذا رواه عبد الرحمن بن نمر عن الزهري بسنده إليه كذلك انتهى وقد تقدم شرح هذا الحديث في كتاب الصيام
[ 159 ]
الحديث الثالث قوله حدثني عياش بتحتانية ثم معجمة وعبد الاعلى هو بن عبد الاعلى البصري قوله عن سالم هو بن عبد الله بن عمر قوله عن عبد الله بن عمر انهم كانوا يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا طعاما جزافا أن يبيعوه في مكانهم في رواية
أبي أحمد الجرجاني عن الفربري سالم بن عبد الله بن عمر انهم كانوا الخ فصارت صورة الاسناد الارسال والصواب عن سالم عن عبد الله فتصحفت عن فصارت بن وقد وقع في رواية مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الاعلى بهذا الاسناد عن سالم عن بن عمر به وتقدم في البيوع من طريق يونس عن الزهري أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر قال فذكر نحوه وتقدم شرح هذا الحديث في كتاب البيوع مستوفى ويستفاد منه جواز تأديب من خالف الامر الشرعي فتعاطى العقود الفاسدة بالضرب ومشروعية إقامة المحتسب في الاسواق والضرب المذكور محمول على من خالف الامر بعد أن علم به الحديث الرابع قوله عبدان هو عبد الله بن عثمان وعبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد قوله ما انتقم هذا طرف من حديث أوله ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما أخرجه مسلم بتمامه من رواية يونس وقد تقدم شرحه مستوفى في باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم من طريق مالك عن الزهري وقد تقدم قريبا في أوائل الحدود من طريق عقيل عن بن شهاب قوله باب من أظهر الفاحشة واللطخ والتهمة بغير بينة أي ما حكمه والمراد بإظهار الفاحشة أن يتعاطى ما يدل عليها عادة من غير أن يثبت ذلك بينة أو إقرار واللطخ هو بفتح اللام والطاء المهملة بعدها خاء معجمة الرمي بالشر يقال لطخ فلان بكذا أي رمى بشر ولطخه بكذا مخففا ومثقلا لوثة به وبالتهمة بضم المثناة وفتح الهاء من يتهم بذلك من غير أن يتحقق فيه ولو عاد وذكر فيه حديثين أحدهما حديث سهل بن سعيد في قصة المتلاعنين أورده مختصرا وفي آخره تصريح سفيان حيث قال حفظت عن الزهري وقد تقدم شرحه في كتاب اللعان مستوفى وقوله إن جاءت به كذا فهو وان جاءت به كذا فهو كذا وقع بالكناية وبالاكتفاء في الموضعين وتقدم في اللعان بيانه من طريق بن جريج عن بن شهاب ولفظه إن جاءت به أحمر قصيرا كأنه وحرة فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها وإن جاءت به أسود أعين ذا اليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها وكذبت عليه انتهى وعلى هذا فتقدير الكلام فهو كاذب في الاولى فهو صادق في الثانية وعرف منه أن الضمير للزوج كأنه قال ان جاءت به أحمر فزوجها كاذب فيما رماها به وان جاءت به أسود فزوجها صادق ثانيهما حديث
بن عباس في اللعان أيضا أورده من طريقين مختصرة ثم مطولة كلاهما من طريق القاسم بن محمد عنه ووقع لبعضهم بإسقاط القاسم بن محمد من السند وهو غلط وقد تقدم شرحه مستوفى أيضا في
[ 160 ]
كتاب اللعان وقوله من غير بينة في رواية الكشميهني عن بدل من وقوله في الطريق الاخرى ذكر المتلاعنان في رواية الكشميهني ذكر التلاعن قوله فقال رجل لابن عباس في المجلس هو عبد الله بن شداد بن الهاد كما صرح به في الرواية التي قبلها قوله تلك امرأة كانت تظهر في الاسلام السوء في رواية عروة عن بن عباس بسند صحيح عند بن ماجة لو كنت راجما أحد بغير بينة لرجمت فلانة فقد ظهر فيها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها ولم أقف على اسم المرأة المذكورة فكأنهم تعمدوا إبهامها سترا عليها قال المهلب فيه أن الحد لا يجب على أحد بغير بينة أو إقرار ولو كان متهما بالفاحشة وقال النووي معنى تظهر السوء أنه اشتهر عنها وشاع ولكن لم تقم البينة عليها بذلك ولا اعترفت فدل على أن الحد لا يجب بالاستفاضة وقد أخرج الحاكم من طريق بن عباس عن عمر أنه قال لرجل أقعد جاريته وقد اتهمها بالفاحشة على النار حتى احترق فرجها هل رأيت ذلك عليها قال لا قال فاعترفت لك قال لا قال فضربه وقال لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لايقاد مملوك من مالكه لاقدتها منك قال الحاكم صحيح الاسناد وتعقبه الذهبي بأن في إسناده عمرو بن عيسى شيخ الليث وفيه منكر الحديث كذا قال فأوهم أن لغيره كلاما وليس كذلك فأنه ذكره في الميزان فقال لا يعرف لم يزد على ذلك ولا يلزم من ذلك القدح فيما رواه بل يتوقف فيه قوله باب رمي المحصنات أي قذفهن والمراد الحرائر العفيفات ولا يختص بالمزوجات بل حكم البكر كذلك بالاجماع قوله والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم الآية كذا لابي ذر والنسفي وأما غيرهما فساقوا الآية إلى قوله غفور رحيم وقوله إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا كذا لابي ذر ولغيره إلى قوله عظيم واقتصر النسفي على إن الذين يرمون الآية وتضمنت الآية الاولى بيان حد القذف والثانية بيان كونه من الكبائر بنا على أن كل ما توعد عليه باللعن
أو العذاب أو شرع فيه حد فهو كبيرة وهو المعتمد وبذلك يطابق حديث الباب الآيتين المذكورتين وقد انعقد الاجماع على أن حكم قذف المحصن من الرجال حكم قذف المحصنة من النساء واختلف في حكم قذف الارقاء كما سأذكره في الباب الذي بعده قوله والذين يرمون أزواجهم ثم لم يأتوا الآية كذا لابي ذر وحده ونبه على أنه وقع فيه وهم لان التلاوة ولم يكن لهم شهداء وهو كذلك لكن في أيرادها هنا تكرار لانها تتعلق باللعان وقد تقدم قريبا باب من رمى امرأته قوله حدثني سليمان هو بن بلال ولغير أبي ذر حدثنا وأبو الغيث هو سالم قوله اجتنبوا السبع الموبقات بموحدة وقاف أي المهلكات قال المهلب سميت بذلك لانها سبب لاهلاك مرتكبها قلت والمراد بالموبقة هنا الكبيرة كما ثبت في حديث أبي هريرة من وجه آخر أخرجه البزار وابن المنذر من طريق عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رفعه الكبائر الشرك بالله وقتل النفس الحديث مثل رواية أبي الغيث إلا أنه ذكر بدل السحر الانتقال إلى الاعرابية بعد الهجرة وأخرج النسائي والطبراني وصححه بن حبان والحاكم من طريق صهيب مولى العتواريين عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مامن عبد يصلي الخمس ويجتنب الكبائر السبع الا فتحت له أبواب الجنة الحديث ولكن لم يفسرها والمعتمد في تفسيرها ما وقع في رواية سالم وقد وافقه كتاب عمرو بن حزم الذي أخرجه
[ 161 ]
النسائي وابن حبان في صحيحه والطبراني من طريق سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده قال كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الفرائض والديات والسنن وبعث به مع عمرو بن حزم إلى اليمن الحديث بطوله وفيه وكان في الكتاب وان أكبر الكبائر الشرك فذكر مثل حديث سالم سواء وللطبراني من حديث سهل بن أبي خيثمة عن على رفعه اجتنب الكبائر السبع فذكرها لكن ذكر التعرب بعد الهجرة بدل السحر وله في الاوسط من حديث أبي سعيد مثله وقال الرجوع إلى الاعراب بعد الهجرة ولاسماعيل القاضي من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب عن عبد الله بن عمرو قال صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر ثم قال
أبشروا من صلى الخمس واجتنب الكبائر السبع نودي من أبواب الجنة فقيل له أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكرهن قال نعم فذكر مثل حديث علي سواء وقال عبد الرزاق أنبانا معمر عن الحسن قال الكبائر الاشراك بالله فذكر مثل الاصول سواء إلا أنه قال اليمين الفاجرة بدل السحر ولابن عمر فيما أخرجه البخاري في الادب المفرد والطبري في التفسير وعبد الرزاق والخرائطي في مساوئ الاخلاق وإسماعيل القاضي في أحكام القرآن مرفوعا وموقوفا قال الكبائر تسع فذكر السبعة المذكورة وزاد الالحاد في الحرم وعقوق الولدين ولابي داود والطبراني من رواية عبيد بن عمير بن قتادة الليثي عن أبيه رفعه ان أولياء الله المصلون ومن يجتنب الكبائر قالوا ما الكبائر قال هن تسعة أعظمهن الاشراك بالله فذكر مثل حديث بن عمر سواء إلا أنه عبر عن الالحاد في الحرم باستحلال البيت الحرام إسماعيل القاضي بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب قال هن عشرة فذكر السبعة التي في الاصل وزاد وعقوق الوالدين واليمين الغموس وشرب الخمر ولابن أبي حاتم من طريق مالك بن حريث عن علي قال الكبائر فذكر التسعة إلا مال اليتيم وزاد العقوق والتعرب بعد الهجرة وفراق الجماعة ونكث الصفقة وللطبراني عن أبي أمامة أنهم تذكروا الكبائر فقالوا الشرك ومال اليتيم والفرار من الزحف والسحر والعقوق وقول الزور والغلول والزنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين تجعلون الذين يشترون بعهد الله ثمنا قليلا قلت وقد تقدم في كتاب الادب عند اليمين الغموس وكذا شهادة الزور وعقوق الوالدين وعند عبد الرزاق والطبراني عن بن مسعود أكبر الكبائر الاشراك بالله والامن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله وهو موقوف وروى إسماعيل بسند صحيح من طريق بن سيرين عن عبد الله بن عمرو مثل حديث الاصل لكن قال البهتان بدل السحر والقذف فسأل عن ذلك فقال البهتان يجمع وفي الموطأ عن النعمان بن مرة مرسلا الزنا والسرقة وشرب الخمر فواحش وله شاهد من حديث عمران بن حصين عند البخاري في الادب المفرد والطبراني والبيهقي وسنده حسن وتقدم حديث بن عباس في النميمة ومن رواه بلفظ الغيبة وترك التنزه من البول كل ذلك في الطهارة ولاسماعيل القاضي من مرسل الحسن ذكر الزنا والسرقة وله عن أبي إسحاق
السبيعي شتم أبي بكر وعمر وهو لابن أبي حاتم من قول مغيرة بن مقسم وأخرج الطبري عنه بسند صحيح الاضرار في الوصية من الكبائر وعنه الجمع بين الصلاتين من غير عذر رفعه وله شاهد أخرجه بن أبي حاتم عن عمر قوله وعند إسماعيل من قول بن عمر ذكر النهبة ومن حديث بريدة عند البزار منع فضل الماء ومنع طروق الفحل ومن حديث أبي هريرة عند الحاكم الصلوات كفارات
[ 162 ]
إلا من ثلاث الاشراك بالله ونكث الصفقة وترك السنة ثم فسر نكث الصفقة بالخروج على الامام وترك السنة بالخروج عن الجماعة أخرجه الحاكم ومن حديث بن عمر عند بن مردويه أكبر الكبائر سوء الظن بالله ومن الضعيف في ذلك نسيان القرآن أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس رفعه نظرت في الذنوب فلم أر أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل فنسيها وحديث من أتى حائضا أو كاهنا فقد كفر أخرجه الترمذي فهذا جميع ما وفقت عليه مما ورد التصريح بأنه من الكبائر أو من أكبر الكبائر صحيحا وضعيفا مرفوعا وموقوفا وقد تتبعه غاية التتبع وفي بعضه ما ورد خاصا ويدخل في عموم غيره كالتسبب في لعن الوالدين وهو داخل في العقوق وقتل الولد وهو داخل في قتل النفس والزنا بحليلة الجار وهو داخل في الزنا والنهبة والغلول واسم الخيانة يشمله ويدخل الجميع في السرقة وتعلم السحر وهو داخل في السحر وشهادة الزور وهي داخلة في قول الزور ويمين الغموس وهي داخلة في اليمين الفاجرة والقنوط من رحمة الله كاليأس من روح الله والمعتمد من كل ذلك ما ورد مرفوعا بغير تداخل من وجه صحيح وهي السبعة المذكورة في حديث الباب والانتقال عن الهجرة والزنا والسرقة والعقوق واليمين الغموس والالحاد في الحرم وشرب الخمر وشهادة الزور والنميمة وترك التنزه من البول والغلول ونكث الصفقة وفراق الجماعة فتلك عشرون خصلة وتتفاوت مراتبها والمجمع على عدة من ذلك أقوى من المختلف فيه إلا ما عضده القرآن أو الاجماع فيلتحق بما فوقه ويجتمع من المرفوع ومن الموقوف ما يقاربها ويحتاج عند هذا إلى الجواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع ويجاب بأن مفهوم العدد ليس بحجة وهو جواب ضعيف وبأنه أعلم أولا بالمذكورات ثم أعلم
بما زاد فيجب الاخذ بالزائد أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة إلى السائل أو من وقعت له واقعة ونحو ذلك وقد أخرج الطبري وإسماعيل القاضي عن بن عباس أنه قيل له الكبائر سبع فقال هن أكثر من سبع وسبع وفي رواية عنه هي إلى السبعين أقرب وفي رواية إلى السبعمائة ويحمل كلامه على المبالغة بالنسبة إلى من اقتصر على سبع وكأن المقتصر عليها اعتمد على حديث الباب المذكور وإذا تقرر ذلك عرف فساد من عرف الكبيرة بأنها ما وجب فيها الحد لان أكثر المذكورات لا يجب فيها الحد قال الرافعي في الشرح الكبير الكبيرة هي الموجبة للحد وقيل ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب أو سنة وهذا أكثر ما يوجد للاصحاب وهم إلى ترجيح الاول أميل لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر وقد أقره في الروضة وهو يشعر بأنه لا يوجد عن أحد من الشافعية الجمع بين التعريفين وليس كذلك فقد قال الماوردي في الحاوي هي ما يوجب الحد أو توجه إليها الوعيد وأو في كلامه للتنويع لا للشك وكيف يقول عالم إن الكبيرة ما ورد فيه الحد مع التصريح في الصحيحين بالعقوق واليمين الغموس وشهادة الزور وغير ذلك والاصل فيما ذكره الرافعي قال البغوي في التهذيب من أرتكب كبيرة من زنا أو لواط أو شرب الخمر أو غصب أو سرقة أو قتل بغير حق ترد شهادته وإن فعله مرة واحدة ثم قال فكل ما يوجب الحد من المعاصي فهو كبيرة وقيل ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب أو سنة انتهى والكلام الاول لا يقتضي الحصر والثاني هو المعتمد وقال بن عبد السلام لم أقف على ضابط الكبيرة يعني يسلم من الاعتراض قال والاولى ضبطها بما يشعر بتهاون مرتكبها
[ 163 ]
إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها قال وضبطها بعضهم بكل ذنب قرن به وعيد أو لعن قلت وهذا أشمل من غيره ولا يرد عليه إخلاله بما فيه حد لان كل ما ثبت فيه الحد لا يخلو من ورود الوعيد على فعله ويدخل فيه ترك الواجبات الفورية منها مطلقا والمتراخية إذا تضيقت وقال بن الصلاح لها امارات منها إيجاب الحد ومنها الايعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب أو السنة ومنها وصف صاحبها بالفسق ومنها اللعن قلت وهذا أوسع مما قبله وقد أخرج
إسماعيل القاضي بسند فيه بن لهيعة عن أبي سعيد مرفوعا الكبائر كل ذنب أدخل صاحبه النار وبسند صحيح عن الحسن البصري قال كل ذنب نسبه الله تعالى إلى النار فهو كبيرة ومن أحسن التعاريف قول القرطبي في المفهم كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم أو أخبر فيه بشدة العقاب أو علق عليه الحد أو شدد النكير عليه فهو كبيرة وعلى هذا فينبغي تتبع ما ورد فيه الوعيد أو اللعن أو الفسق من القرآن أو الاحاديث الصحيحة والحسنة ويضم إلى ما ورد فيه التنصيص في القرآن والاحاديث الصحاح والحسان على أنه كبيرة فمهما بلغ مجموع ذلك عرف منه تحرير عددها وقد شرعت في جمع ذلك وأسأل الله الاعانة على تحريره بمنه وكرمه وقال الحليمي في المنهاج ما من ذنب إلا وفيه صغيرة وكبيرة وقد تنقلب الصغيرة كبيرة بقرينة تضم إليها وتنقلب الكبيرة فاحشة كذلك إلا الكفر بالله فإنه أفحش الكبائر وليس من نوعه صغيرة قلت ومع ذلك فهو ينقسم إلى فاحش وأفحش ثم ذكر الحليمي أمثلة لما قال فالثاني كقتل النفس بغير حق فإنه كبيرة فان قتل أصلا أو فرعا أو ذا رحم أو بالحرم أو بالشهر الحرام فهو فاحشة والزنا كبيرة فان كان بحليلة الجار أو بذات رحم أو في شهر رمضان أو في الحرم فهو والاول كالمفاخذة مع الاجنبية صغيرة فان كان مع امرأة الاب أو حليلة الابن أو ذات رحم فكبيرة وسرقة ما دون النصاب صغيرة فان كان المسروق منه لا يملك غيره وأفضى به عدمه إلى الضعف فهو كبيرة وأطال في أمثلة ذلك وفي الكثير منه ما يتعقب لكن هذا عنوانه وهو منهج حسن لا بأس باعتباره ومداره على شدة المفسدة وخفتها والله أعلم تنبيه يأتي القول في تعظيم قتل النفس في الكتاب الذي بعد هذا وتقدم الكلام على السحر في آخر كتاب الطب وعلى أكل مال اليتيم في كتاب الوصايا وعلى أكل الربا في كتاب البيوع وعلى التولي يوم الزحف في كتاب الجهاد وذكر هنا قذف المحصنات وقد شرط القاضي أبو سعيد الهروي في أدب القضاء أن شرط كون غصب المال كبيرة أن يبلغ نصابا ويطرد في السرقة وغيرها وأطلق في ذلك جماعة ويطرد في أكل مال اليتيم وجميع أنواع الجناية والله أعلم قوله باب قذف العبيد أي الارقاء عبر بالعبيد اتباعا للفظ الخبر وحكم الامة والعبد في ذلك سواء والمراد بلفظ
الترجمة الاضافة للمفعول بدليل ما تضمنه حديث الباب ويحتمل إرادة الاضافة للفاعل والحكم فيه أن على العبد إذا قذف نصف ما على الحر ذكرا كان أو أنثى وهذا قول الجمهور وعن عمر بن عبد العزيز والزهري وطائفة يسيرة والاوزاعي وأهل الظاهر حده ثمانون وخالفهم بن حزم فوافق الجمهور قوله عن بن أبي نعم هو بن عبد الرحمن قوله عن أبي هريرة في رواية الاسماعيلي من طريق محمد بن خلاد وعلي بن المديني كلاهما عن يحيى بن سعيد وهو القطان بهذا
[ 164 ]
السند حدثنا أبو هريرة قوله سمعت أبا القاسم في رواية الاسماعيلي حدثنا أبو القاسم نبي التوبة قوله من قذف مملوكا في رواية الاسماعيلي من قذف عبده بشئ قوله وهو برئ مما قال جملة حالية وقوله إلا أن يكون كما قال أي فلا يجلد وفي رواية النسائي من هذا الوجه أقام عليه الحد يوم القيامة وأخرج من حديث بن عمر من قذف مملوكه كان لله في ظهره حد يوم القيامة إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه قال المهلب أجمعوا على أن الحر إذا قذف عبدا لم يجب عليه الحد ودل هذا الحديث على ذلك لانه لو وجب على السيد أن يجلد في قذف عبده في الدنيا لذكره كما ذكره في الآخرة وانما خص ذلك بالآخرة تمييزا للاحرار من المملوكين فأما في الآخرة فان ملكهم يزول عنهم ويتكافئون في الحدود ويقتص لكل منهم إلا أن يعفو ولا مفاضلة حينئذ إلا بالتقوى قلت في نقله الاجماع نظر فقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع سئل بن عمر عمن قذف أم ولد لآخر فقال يضرب الحد صاغرا وهذا بسند صحيح وبه قال الحسن وأهل الظاهر وقال بن المنذر اختلفوا فيمن قذف أم ولد فقال مالك وجماعة يجب فيه الحد وهو قياس قول الشافعي بعد موت السيد وكذا كل من يقول أنها عتقت بموت السيد وعن الحسن البصري أنه كان لا يرى الحد على قاذف أم الولد وقال مالك والشافعي من قذف حرا يظنه عبدا وجب عليه الحد قوله باب هل يأمر الامام رجلا فيضرب الحد غائبا عنه تقدم الكلام على هذه الترجمة وهل هو مكروه أو لا قريبا قوله وقد فعله عمر ثبت هذا التعليق في رواية الكشميهني وقد ورد ذلك عن عمر في عدة آثار منها ما أخرجه سعيد بن
منصور بسند صحيح عن عمر أنه كتب إلى عامله إن عاد فحدوه ذكره في قصة طويلة وتقدم الكلام على حديث سهل بن سعد المذكور في الباب في قصة العسيف ولله الحمد ومحمد بن يوسف شيخه فيه هو الفريابي كما جزم به أبو نعيم في المستخرج وقوله في هذه الرواية حدثنا بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله وقع عند الاسماعيلي من طريق العباس بن الوليد النرسي عن بن عيينة قال الزهري كنت أحسب أني قد أصبت من العلم فلما لقيت عبيد الله كأنما كنت أفجر به بحرا فذكر الحديث وفيه إيماء إلى أنه لم يحمل هذا الحديث تاما إلا عن عبيد الله المذكور وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة خاتمة اشتمل كتاب الحدود والمحاربين من الاحاديث المرفوعة على مائة حديث وثلاثة أحاديث الموصول منها تسعة وسبعون والبقية متابعات وتعاليق والمكرر منها فيه وفيما مضى اثنان وستون حديثا والخالص سبعة عشر حديثا وافقه مسلم على تخريجها سوى ثمانية أحاديث وهي حديث أبي هريرة أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب الخمر وفيه لا تعينوا عليه الشيطان وحديث السائب بن يزيد في ضرب الشارب وحديث عمر في قصة الشارب الملقب حمارا وحديث بن عباس لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وحديث علي في رجم المرأة وجلدها وحديث علي في رفع القلم وحديث أنس في الرجل الذي قال يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي وحديث بن عباس في قصة ماعز وحديث عمر في قصة السقيفة المطول بما اشتمل عليه وقد اتفقنا منه على أوله في قصة الرجم وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين عشرون أثرا بعضها موصول في ضمن الاحاديث المرفوعة مثل قول بن عباس ينزع نور الايمان من الزاني ومثل إخراج عمر المخنثين ومثل كلام
[ 165 ]
الحباب بن المنذر بسم الله الرحمن الرحيم قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الديات
بتخفيف التحتانية جمع دية مثل عدات وعدة وأصلها ودية بفتح الواو وسكون الدال تقول ودى القتيل يديه إذا أعطى وليه ديته وهي ما جعل في مقابلة النفس وسمي دية تسمية بالمصدر وفاؤها محذوفة والهاء عوض وفي الامر د القتيل بدال مكسورة حسب فان وقفت قلت ده وأورد البخاري تحت هذه الترجمة ما يتعلق بالقصاص لان كل ما يجب فيه القصاص يجوز العفو عنه على مال فتكون الدية أشمل وترجم غيره كتاب القصاص وأدخل تحته الديات بناء على أن القصاص هو الاصل في العمد قوله وقول الله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم كذا للجميع لكن سقطت الواو الاولى لابي ذر والنسفي وفي هذه الآية وعيد شديد لمن قتل مؤمنا متعمدا بغير حق وقد تقدم النقل في تفسير سورة الفرقان عن بن عباس وغيره في ذلك وبيان الاختلاف هل للقاتل توبة بما يغني عن إعادته وأخرج اسما عيل القاضي في أحكام القرآن بسند حسن أن هذه الآية لما نزلت قال المهاجرون والانصار وجبت حتى نزل ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء قلت وعلى ذلك عول أهل السنة في أن القاتل في مشيئة الله ويؤيده حديث عبادة المتفق عليه بعد أن ذكر القتل والزنا وغيرهما ومن أصاب من ذلك شيئا فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه ويؤيده قصة الذي قتل تسع وتسعون نفسا ثم قتل المكمل مائة وقد مضى في ذكر بني إسرائيل من أحاديث الانبياء ثم ذكر فيه خمسة أحاديث مرفوعة الحديث الاول حديث بن مسعود أي الذنب أكبر وقد تقدم شرحه مستوفى في باب اثم الزنا وقوله أن تقتل ولدك قال الكرماني لا مفهوم له لان القتل مطلقا أعظم قلت لا يمتنع أن يكون الذنب أعظم من غيره وبعض أفراده أعظم من بعض ثم قال الكرماني وجه كونه أعظم أنه جمع مع القتل ضعف الاعتقاد في أن الله هو الرزاق الحديث الثاني حديث بن عمر قوله حدثنا علي كذا للجميع غير منسوب ولم يذكره أبو علي الجياني في تقييده ولا نبه عليه الكلاباذي وقد ذكرت في المقدمة أنه علي بن الجعد لان علي بن المديني لم يدرك إسحاق بن سعيد قوله لا في رواية الكشميهني لن قوله في فسحة بضم الفاء وسكون المهملة وبحاء مهملة أي سعة قوله من دينه كذا للاكثر بكسر المهملة من الدين وفي رواية
الكشميهني من ذنبه فمفهوم الاول أن يضيق عليه دينه ففيه اشعار بالوعيد على قتل المؤمن متعمدا بما يتوعد به الكافر ومفهوم الثاني أنه يصير في ضيق بسبب ذنبه ففيه إشارة إلى استبعاد العفو عنه لاستمراره في الضيق المذكور وقال بن العربي الفسحة في الدين سعة الاعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لانها لا تفي بوزره والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول وحاصله أنه فسره على رأي بن عمر في عدم قبول توبة القاتل قوله ما لم يصب دما حراما في رواية إسماعيل القاضي من هذا الوجه ما لم يتند بدم حرام وهو بمثناة ثم نون ثم دال ثقيلة ومعناه الاصابة وهو كناية عن شدة المخالطة ولو قلت وقد أخرج الطبراني في المعجم الكبير عن
[ 166 ]
بن مسعود بسند رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعا مثل حديث بن عمر موقوفا أيضا وزاد في آخره فإذا أصاب دما حراما نزع منه الحياء ثم أورد عن أحمد بن يعقوب وهو المسعودي الكوفي عن إسحاق بن سعيد وهو المذكور في السند الذي قبله بالسند المذكور إلى بن عمر قوله ان من ورطات بفتح الواو والراء وحكى بن مالك أنه قيد في الرواية بسكون الراء والصواب التحريك وهي جمع ورطة بسكون الراء وهي الهلاك يقال وقع فلان في ورطة أي في شئ لا ينجو منه وقد فسرها في الخبر بقوله التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها قوله سفك الدم أي إراقته والمراد به القتل بأي صفة كان لكن لما كان الاصل إراقة الدم عبر به قوله بغير حلة في رواية أبي نعيم بغير حقه وهو موافق للفظ الآية وهل الموقوف على بن عمر منتزع من المرفوع فكأن بن عمر فهم من كون القائل لا يكون في فسحة أنه ورط نفسه فأهلكها لكن التعبير بقوله من ورطات الامور يقتضي المشاركة بخلاف اللفظ الاول فهو أشد في الوعيد وزعم الاسماعيلي أن هذه الرواية الثانية غلط ولم يبين وجه الغلط وأظنه من جهة انفراد أحمد بن يعقوب بها فقد رواه عن إسحاق بن سعيد أبو النضر هاشم بن القاسم ومحمد بن كناسة وغيرهما باللفظ الاول وقد ثبت عن بن عمر أنه قال لمن قتل عامدا بغير حق تزود من الماء البارد فإنك لا تدخل الجنة وأخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمر زوال الدنيا كلها أهون على الله من قتل رجل مسلم قال الترمذي
حديث حسن قلت وأخرجه النسائي بلفظ لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا قال بن العربي ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق والوعيد في ذلك فكيف بقتل الآدمي فكيف بالمسلم فكيف بالتقي الصالح الحديث الثالث قوله حدثنا عبيد الله بن موسى عن الاعمش هذا السند يلتحق بالثلاثيات وهي أعلى ما عند البخاري من حيث العدد وهذا في حكمه من جهة أن الاعمش تابعي وان كان روى هذا عن تابعي آخر فان ذلك التابعي أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وان لم تحصل له صحبة قوله عن أبي وائل عن عبد الله تقدم في باب القصاص يوم القيامة في أواخر الرقاق من رواية حفص بن غياث عن الاعمش حدثني شقيق وهو أبو وائل المذكور قال سمعت عبد الله وهو بن مسعود قوله أول ما يقضي بين الناس في الدماء زاد مسلم من طريق آخر عن الاعمش يوم القيامة وقد ذكرت شرحه في الباب المذكور وطريق الجمع بينه وبين حديث أبي هريرة أول ما يحاسب به المرء صلاته وننبه هنا على أن النسائي أخرجهما من حديث واحد أورده من طريق أبي وائل عن مسعود رفعه أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس فس الدماء وما في هذا الحديث موصولة وهو موصول حرفي ويتعلق الجار بمحذوف أي أول القضاء يوم القيامة القضاء في الدماء أي في الامر المتعلق بالدماء وفيه عظم أمر القتل لان الابتداء إنما يقع بالاهم وقد استدل به على أن القضاء يختص بالناس ولا مدخل فيه للبهائم وهو غلط لان مفاده حصر الاولوية في القضاء بين الناس وليس فيه نفي القضاء بين البهائم مثلا بعد القضاء بين الناس الحديث الرابع قوله حدثنا عبدان هو عبد الله بن عثمان وعبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد وعطاء بن يزيد هو الليثي وعبيد الله بالصغير هو بن عدي أي بن الخيار بكسر المعجمة وتخفيف التحتانية النوفلي له إدراك وقد تقدم بيانه في مناقب عثمان والمقداد بن عمرو هو المعروف بابن الاسود قوله ان لقيت كذا للاكثر بصيغة
[ 167 ]
الشرط وفي رواية أبي ذر إني لقيت كافرا فاقتتلنا فضرب يدي فقطعها وظاهر سياقه أن ذلك وقع والذي في نفس الامر بخلافه وانما سأل المقداد عن الحكم في ذلك لو وقع وقد تقدم في غزوة بدر
بلفظ أرأيت إن لقيت رجلا من الحديث وهو يؤيد رواية الاكثر قوله ثم لاذ بشجرة أي التجأ إليها وفي رواية الكشميهني ثم لاذ مني بشجرة والشجرة مثال قوله وقال أسلمت لله أي دخلت في الاسلام قوله فان قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله قال الكرماني القتل ليس سببا لكون كل منهما بمنزلة الآخر لكن عند النحاة مؤول بالاخبار أي هو سبب لاخباري لك بذلك وعند البيانيين المراد لازمه كقوله يباح دمك ان عصيت قوله وأنت بمنزلته قبل أن يقول قال الخطابي معناه أن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يسلم فإذا أسلم صار مصان الدم كالمسلم فان قتله المسلم بعد ذلك صار دمه مباحا بحق القصاص كالكافر بحق الدين وليس المراد إلحاقه في الكفر كما تقول الخوارج من تكفير المسلم بالكبيرة وحاصله اتحاد المنزلتين مع اختلاف المأخذ فالاول انه مثلك في صون الدم والثاني انك مثله في الهدر ونقل بن التين عن الداودي قال معناه انك صرت قاتلا كما كان هو قاتلا قال وهذا من المعاريض لانه أراد الاغلاط بظاهر اللفظ دون باطنه وانما أراد أن كلا منهما قاتل ولم يرد أنه صار كافرا بقتله إياه ونقل بن بطال عن المهلب معناه فقال أي انك بقصدك لقتله عمدا آثم كما كان هو بقصده لقتلك آثما فأنتما في حالة واحدة من العصيان وقيل المعنى أنت عنده حلال الدم قبل أن تسلم وكنت مثله في الكفر كما كان عندك حلال الدم قبل ذلك وقيل معناه أنه مغفور له بشهادة التوحيد كما انك مغفور لك بشهود بدر ونقل بن بطال عن بن القصار أن معنى قوله وأنت بمنزلته أي في إباحة الدم وانما قصد بذلك ردعه وزجره عن قتله لا أن الكافر إذا قال أسلمت حرم قتله وتعقب بأن الكافر مباح الدم والمسلم الذي قتله ان لم يتعمد قتله ولم يكن عرف أنه مسلم إنما قتله متأولا فيكون بمنزلته في إباحته وقال القاضي عياض معناه أنه مثله في مخالفة الحق وارتكاب الاثم وان اختلف النوع في كون أحدهما كفرا والآخر معصية وقيل المراد إن قتلته مستحلا لقتله فأنت مثله في الكفر وقيل المراد بالمثلية أنه مغفور له بشهادة التوحيد وأنت مغفور لك بشهود بدر ونقل بن التين أيضا عن الداودي أنه أوله على وجه آخر فقال يفسره حديث بن عباس الذي في آخر الباب ومعناه أنه يجوز أن يكون اللائذ بالشجرة القاطع لليد مؤمنا يكتم ايمانه مع قوم كفار غلبوه على نفسه
فان قتلته فأنت شاك في قتلك إياه أنى ينزله الله من العمد والخطأ كما كان هو مشكوكا في ايمانه لجواز أن يكون يكتم ايمانه ثم قال فان قيل كيف قطع يد المؤمن وهو ممن يكتم ايمانه فالجواب أنه دفع عن نفسه من يريد قتله فجاز له ذلك كما جاز للمؤمن أن يدفع عن نفسه من يريد قتله ولو أفضى إلى قتل من يريد قتله فان دمه يكون هدرا فلذلك لم يقد النبي صلى الله عليه وسلم من يد المقداد لانه قطعها متأولا قلت وعليه مؤاخذات منها الجمع بين القصتين بهذا التكلف مع ظهور اختلافهما وانما الذي ينطبق على حديث بن عباس قصة أسامة الآتية في الباب الذي يليه حيث حمل على رجل أراد قتله فقال اني مسلم فقتله ظنا أنه قال ذلك متعوذا من القتل وكان الرجل في الاصل مسلما فالذي وقع للمقداد نحو ذلك كما سأبينه وأما قصة قطع اليد فانما قالها مستفتيا على تقدير أن لو وقعت كما تقدم تقريره وانما تضمن الجواب النهي عن قتله لكونه
[ 168 ]
أظهر الاسلام فحقن دمه وصار ما وقع منه قبل الاسلام عفوا ومنها أن في جوابه عن الاستشكال نظرا لانه كان يمكنه أن يدفع بالقول بأن يقول له عند إرادة المسلم قتله اني مسلم فكيف عنه وليس له أن يبادر لقطع يده مع القدرة على القول المذكور ونحوه واستدل به على صحة من قال أسلمت لله ولم يزد على ذلك وفيه نظر لان ذلك كاف في الكف على أنه ورد في بعض طرقه أنه قال لا اله إلا الله وهو رواية معمر عن الزهري عند مسلم في هذا الحديث واستدل به على جواز السؤال عن النوازل قبل وقوعها بناء على ما تقدم ترجيحه وأما ما نقل عن بعض السلف من كراهة ذلك هو محمول على ما يندر وقوعه وأما ما يمكن وقوعه عادة فيشرع السؤال عنه ليعلم الحديث الخامس قوله وقال حبيب بن أبي عمرة هو القصاب الكوفي لا يعرف اسم أبيه وهذا التعليق وصله البزار والدار قطني في الافراد والطبراني في الكبير من رواية أبي بكر بن علي بن عطاء مقدم والد محمد بن أبي بكر المقدمي عن حبيب وفي أوله بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد فلما أتوهم وجدوهم تفرقوا وفيهم رجل له مال كثير لم يبرح فقال أشهد أن لا اله إلا الله فهوى إليه المقداد فقتله الحديث وفيه فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال يا مقداد قتلت رجلا قال لا اله إلا الله فكيف لك بلا اله إلا الله فأنزل الله يا أيها الذين أمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمقداد كان رجلا مؤمنا يخفي ايمانه الخ قال الدارقطني تفرد به حبيب وتفرد به أبو بكر عنه قلت قد تابع أبا بكر سفيان الثوري لكنه أرسله أخرجه بن أبي شيبة عن وكيع عنه أخرجه الطبري من طريق أبي إسحاق الفزاري عن الثوري كذلك ولفظ وكيع بسنده عن سعيد بن جبير خرج المقداد بن الاسود في سرية فذكر الحديث مختصرا إلى قوله فنزلت ولم يذكر الخبر المعلق وقد تقدمت الاشارة إلى هذه القصة في تفسير سورة النساء وبينت الاختلاف في سبب نزول الآية المذكورة وطريق الجمع ولله الحمد قوله باب ومن أحياها في رواية غير أبي ذر باب قوله تعالى ومن أحياها وزاد المستملي والاصيلي فكأنما أحيا الناس جميعا قوله قال بن عباس من حرم قتلها إلا بحق فكأنما أحيا الناس جميعا وصله بن أبي حاتم ومضى بيانه في تفسير سورة المائدة وذكر مغلطاي من طريق وكيع عن سفيان عن خصيف عن مجاهد عن بن عباس واعترض بأن خصيفا ضعيف وهو اعتراض ساقط لوجوده من غير رواية خصيف والمراد من هذه الآية صدرها وهو قوله الله تعالى من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا وعليه ينطبق أول أحاديث الباب وهو قوله الا كان على بن آدم الاول كفل منها وسائرها في تعظيم أمر القتل وهي اثنا عشر حديثا قال بن بطال فيها تغليظ أمر القتل والمبالغة في الزجر عنه قال واختلف السلف في المراد بقوله قتل الناس جميعا وأحيا الناس جميعا فقالت طائفة معناه تغليظ الوزر والتعظيم في قتل المؤمن أخرجه الطبري عن الحسن ومجاهد وقتادة ولفظ الحسن أن قاتل النفس الواحدة يصير إلى النار كما لو قتل الناس جميعا وقيل معناه أن الناس خصماؤه جميعا وقيل يجب عليه من القود بقتله المؤمن مثل ما يجب عليه لو قتل الناس جميعا لانه لا يكون عليه غير قتلة واحدة لجميعهم أخرجه الطبري عن زيد بن أسلم واختار الطبري أن المراد بذلك تعظيم العقوبة وشدة الوعيد من حيث أن قتل الواحد وقتل الجميع سواء
[ 169 ]
في استيجاب غضب الله وعذابه وفي مقابله أن من لم يقتل أحدا فقد حيي الناس منه جميعا لسلامتهم منه وحكى بن التين أن معناه أن من وجب له قصاص فعفا عنه أعطي من الاجر مثل ما لو أحيا الناس جميعا وقيل وجب شكره على الناس جميعا وكأنما من عليهم جميعا قال بن بطال وانما اختار هذا لانه لا توجد نفس يقوم قتلها في عاجل الضر مقام قتل جميع النفوس ولا إحياؤها في عاجل النفع مقام إحياء جميع النفوس قلت وأختار بعض المتأخرين تخصيص الشق الاول بابن آدم الاول كونه سن القتل وهتك حرمة الدماء وجرأ الناس على ذلك وهو ضعيف لان الاشارة بقوله في أول الآية من أجل ذلك لقصة ابني آدم فدل على المذكور بعد ذلك متعلق بغيرهما فالحمل على ظاهر العموم أولى والله أعلم الحديث الاول قوله حدثنا سفيان هو الثوري ويحتمل أن يكون بن عيينة فسيأتي في الاعتصام من رواية الحميدي عنه حدثنا الاعمش قوله الاعمش هو سليمان بن مهران قوله عن عبد الله بن مرة في رواية حفص بن غياث عن الاعمش حدثني عبد الله بن مرة وهو الخارفي بمعجمة وراء مكسورة وفاء كوفي وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق كوفيون قوله لا تقتل نفس زاد حفص في روايته ظلما وفي الاعتصام ليس من نفس تقتل ظلما قوله على بن آدم الاول هو قابيل عند الاكثر وعكس القاضي جمال الدين بن واصل في تاريخه فقال اسم المقتول قابيل اشتق من قبول قربانه وقيل اسمه قابن بنون بدل اللام بغير ياء وقيل قبن مثله بغير الف وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك في باب خلق آدم من بدء الخلق وأخرج الطبري عن بن عباس كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه انما كان القربان يقربه الرجل فمهما قبل تنزل النار فتأكله وإلا فلا وعن الحسن لم يكونا ولدي آدم لصلبه انما كانا من بني إسرائيل أخرجه الطبري ومن طريق بن أبي تجيح عن مجاهد قال كانا ولدي آدم لصلبه وهذا هو المشهور ويؤيده حديث الباب لوصفه بن بأنه الاول أي أول ما ولد لآدم ويقال بأنه لم يولد في الجنة لآدم غيره وغير توأمته ومن ثم فخر على أخيه هابيل فقال نحن من أولاد الجنة وأنتما من أولاد الارض ذكر ذلك بن إسحاق في المبتدأ وعن الحسن ذكر لي أن هابيل قتل وله عشرون سنة ولاخيه القاتل خمس
وعشرون سنة وتفسير هابيل هبة الله ولما قتل هابيل وحزن عليه آدم ولد له بعد ذلك شيث ومعناه عطية الله ومنه انتشرت ذرية آدم وقال الثعلبي ذكر أهل العلم بالقرآن أن حواء ولدت لآدم أربعين نفسا في عشرين بطنا أولهم قابيل وأخته أقليما وأخرهم عبد المغيث وأمة المغيث ثم لم يمت حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا وهلكوا كلهم فلم يبق بعد الطوفان إلا ذرية نوح وهو من نسل شيث قال الله تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين وكان معه في السفينة ثمانون نفسا وهم المشار إليهم بقوله تعالى وما آمن معه إلا قليل ومع ذلك فما بقي إلا نسل نوح فتوالدوا حتى ملاوا الارض وقد تقدم شئ من ذلك في ترجمة نوح من أحاديث الانبياء قوله كفل منها زاد في الاعتصام وربما قال سفيان من دمها وزاد في آخره لانه أول من سن القتل وهذا مثل لفظ حفص بن غياث الماضي في خلق آدم والكفل بكسر أوله وسكون الفاء النصيب وأكثر ما يطلق على الاجر والضعف على الاثم ومنه قوله تعالى كفلين من رحمته ووقع على الاثم في قوله تعالى ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وقوله لانه أول من سن القتل وفيه أن من سن شيئا
[ 170 ]
كتب له أو عليه وهو أصل في أن المعونة على ما لا يحل حرام وقد أخرج مسلم من حديث جرير من سن في الاسلام سنة حسنه كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن في الاسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة وهو محمول على من لم يتب من ذلك الذنب وعن السدى شدخ قابيل رأس أخيه بحجر فمات وعن بن جريج تمثل له إبليس فأخذ بحجر فشدخ به رأس طير ففعل ذلك قابيل وكان ذلك على جبل ثور وقيل على عقبة حراء وقيل بالهند وقيل بموضع المسجد الاعظم بالبصرة وكان من شأنه في دفنه ما قصة الله في كتابه الحديث الثاني قوله واقد بن عبد الله أخبرني هو من تقديم الاسم على الصيغة وواقد هذا قال أبو ذر في روايته كذا وقع هنا واقد بن عبد الله والصواب واقد بن محمد قلت وهو كذلك لكن لقوله واقد بن عبد الله توجيه وهو ان يكون الراوي نسبة لجده الاعلى عبد الله بن عمر فإنه واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر والذي نسبه كذلك أبو الوليد شيخ البخاري فيه فقد أخرجه أبو داود في
السنن عن أبي الوليد كذلك وتقدم للمصنف في الادب من رواية خالد بن الحارث عن شعبة على الحقيقة فقال عن واقد بن محمد ويأتي في الفتن عن حجاج بن منهال عن شعبة كذلك وكذا لمسلم والنسائي من رواية غندر عن شعبة ثم وجدت في الاول من فوائد أبي عمر بن السماك من طريق عفان عن شعبة كما قال أبو الوليد فلعل نسبته كذلك من شعبة لكن أخرجه أحمد عن عفان وغيره عن شعبة كالجادة وفي الجملة فقوله عن أبيه لا ينصرف لعبد الله بل لمحمد بن زيد جزما فمن ترجم لعبد الله والد واقد في رجال البخاري أخطأ نعم في هذا النسب واقد بن عبد الله بن عمر تابعي معروف وهو أقدم من هذا فإنه عم والد واقد المذكور هنا وله ولد اسمه عبد الله بن واقد وقد أخرج له مسلم قوله لا ترجعوا بعدي كفارا جملة ما فيه من الاقوال ثمانية احداها قول الخوارج إنه على ظاهره ثانيها هو في المستحلين ثالثها المعنى كفارا بحرمة الدماء وحرمة المسلمين وحقوق الدين رابعها تفعلون فعل الكفار في قتل بعضهم بعضا خامسها لابسين السلاح يقال كفر درعه إذا لبس فوقها ثوبا سادسها كفارا بنعمة الله سابعها المراد الزجر عن الفعل وليس ظاهره مرادا ثامنها لا يكفر بعضكم بعضا كأن يقول أحد الفريقين للآخر يا كافر فيكفر أحدهما ثم وجدت تاسعا وعاشرا ذكرتهما في كتاب الفتن وسيأتي شرح الحديث مستوفى في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى الحديث الثالث حديث جرير وهو بن عبد الله البجلي قوله استنصت الناس أي أطلب منهم الانصات ليسمعوا الخطبة وقد تقدم أتم سياقا من هذا في كتاب الحج ويأتي شرحه في الفتن أيضا الحديث الرابع والخامس قوله رواه أبو بكرة وابن عباس يريد قوله لا ترجعوا بعدي كفارا وحديث أبي بكرة وصله المؤلف مطولا في الحج وشرحه هناك ويأتي في الفتن أيضا وكذلك حديث بن عباس الحديث السادس حديث عبد الله بن عمرو في الكبائر تقدم شرحه في كتاب الادب قوله وعقوق الوالدين أو قال اليمين الغموس شك شعبة قلت تقدم في الايمان والنذور من طريق النضر بن شميل عن شعبة بالواو بغير شك وزاد مع الثلاثة وقتل النفس وهو المراد في هذا الباب قوله معاذ هو بن العنبري وهو من تعاليق البخاري وجوز الكرماني أن يكون مقول محمد بن بشار فيكون موصولا وقد
وصله الاسماعيلي من رواية عبيد الله بن معاذ عن أبيه ولفظه الكبائر الاشراك بالله وعقوق
[ 171 ]
الوالدين أو قال قتل النفس واليمين الغموس وهذا مطابق لتعليق البخاري إلا أن فيه تأخير اليمين الغموس والغرض منه انما هو اثبات قتل النفس وحاصل الاختلاف على شعبة أنه تارة ذكرها وتارة لم يذكرها وأخرى ذكرها مع الشك الحديث السابع حديث أنس في الكبائر أيضا تقدم شرحه في كتاب الادب الحديث الثامن حديث أسامة قوله حدثنا عمرو بن زرارة حدثنا هشيم تقدم في المغازي عن عمرو بن محمد عن هشيم وكلاهما من شيوخ البخاري قوله حدثنا هشيم في رواية الكشميهني أنبأنا قوله حدثنا حصين في رواية أبي ذر والاصيلي أنبأنا حصين وهو بن عبد الرحمن الواسطي من صغار التابعين وأبو ظبيان بظاء معجمة مفتوحة ثم موحدة ساكنة ثم ياء آخر الحروف واسمه أيضا حصين وهو بن جندب من كبار التابعين قوله بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة بضم المهملة وبالراء ثم قاف وهم بطن من جهينة تقدم نسبتهم إليهم في غزوة الفتح قال بن الكلبي سموا بذلك لوقعة كانت بينهم وبين بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان فأحرقوهم بالسهام لكثرة من قتلوا منهم وهذه السرية يقال لها سرية غالب بن عبيد الله اليثي وكانت في رمضان سنة سبع فيما ذكره بن سعد عن شيخه وكذا ذكره بن إسحاق في المغازي حدثنى شيخ من أسلم عن رجال من قومه قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبيد الله الكلبي ثم الليثي إلى أرض بني مرة وبها مرداس بن نهيك حليف لهم من بني الحرقة فقتله أسامة فهذا يبين السبب في قول أسامة بعثنا إلى الحرقات من جهينة والذي يظهر أن قصة الذي قتل ثم مات فدفن ولفظته الارض غير قصة أسامة لان أسامة عاش بعد ذلك دهرا طويلا وترجم البخاري في المغازي بعث النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة فجرى الداودي في شرحه على ظاهره فقال تأمير من لم يبلغ وتعقب من وجهين أحدهما أنه ليس فيه تصريح بأن أسامة كان الامير إذ يحتمل أن يكون جعل الترجمة باسمه لكونه وقعت له تلك الواقعة لا لكونه كان الامير والثاني أنها إن كانت سنة سبع أو ثمان فما كان
أسامة يومئذ إلا بالغا لانهم ذكروا انه كان له لما مات النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر عاما قوله فصبحنا القوم أي هجموا عليهم صباحا قبل أن يشعروا بهم يقال صبحته أتيته صباحا بغتة ومنه قوله ولقد صبحهم بكرة عذابا مستقر قوله ولحقت أنا ورجل من الانصار لم أقف على اسم الانصاري المذكور في هذه القصة قوله رجل منهم قال بن عبد البر اسمه مرداس بن عمرو الفدكي ويقال مرداس بن نهيك الفزاري وهو قول بن الكلبي قتله أسامة وساق القصة وذكر بن مندة أن أبا سعيد الخدري قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها أسامة إلى بني ضمرة فذكر قتل أسامة الرجل وقال بن أبي عاصم في الديات حدثنا يعقوب بن حميد حدثنا يحيى بن سليم عن هشام بن حسان عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلا إلى فدك فأغاروا عليهم وكان مرداس الفدكي قد خرج من الليل وقال لاصحابه اني لاحق بمحمد وأصحابه فبصر به رجل فحمل عليه فقال اني مؤمن فقتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم هلا شققت عن قلبه قال فقال أنس أن قاتل مرداس مات فدفنوه فأصبح فوق القبر فأعادوه فأصبح فوق القبر مرارا فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمر أن يطرح في واد بين جبلين ثم قال ان الارض لتقبل من هو شر منه ولكن الله وعظكم قلت إن ثبت هذا فهو مرداس آخر
[ 172 ]
وقتيل أسامة لا يسمى مرداسا وقد وقع مثل هذا عند الطبري في قتل محلم بن جثامة عامر بن الاضبط وأن محلما لما مات ودفن لفظته الارض فذكر نحوه قوله غشيناه بفتح أوله وكسر ثانيه معجمتين أي لحقنا به حتى تغطى بنا وفي رواية الاعمش عن أبي ظبيان عند مسلم فأدركت رجلا فطعنته برمحي حتى قتلته ووقع في حديث جندب عند مسلم فلما رفع عليه السيف قال لا اله إلا الله فقتله ويجمع بأنه رفع عليه السيف أولا فلما لم يتمكن من ضربه بالسيف طعنه بالرمح قوله فلما قدمنا أي المدينة بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الاعمش فوقع في نفسي من ذلك شئ فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم ولا منافاة بينهما لانه يحمل على أن ذلك بلغ النبي صلى الله عليه وسلم من أسامة لا من غيره فتقديره الاول بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم مني
قوله أقتلته بعد ما قال في رواية الكشميهني بعد أن قال قال بن التين في هذا اللوم تعليم وابلاغ في الموعظة حتى لا يقدم أحد على قتل من تلفظ بالتوحيد وقال القرطبي في تكريره ذلك والاعراض عن قبول العذر زجر شديد عن الاقدام على مثل ذلك قوله انما كان متعوذا في رواية الاعمش قالها خوفا من السلاح وفي رواية بن أبي عاصم من وجه آخر عن أسامة انما فعل ذلك ليحرز دمه قوله قال قلت يا رسول الله والله انما كان متعوذا كذا أعاد الاعتذار وأعيد عليه الانكار وقي رواية الاعمش أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا قال النووي الفاعل في قوله أقالها هو القلب ومعناه انك إنما كلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان وأما القلب فليس لك طريق إلى ما فيه فأنكر عليه ترك العمل بما ظهر من اللسان فقال أفلا شققت عن قلبه لتنظر هل كانت فيه حين قالها وأعتقدها أو لا والمعنى انك إذا كنت ليس قادرا على ذلك فأكتف منه باللسان وقال القرطبي فيه حجة لمن أثبت الكلام النفسي وفيه دليل على ترتب الاحكام على أسبابه الظاهرة دون الباطنة قوله حتى تمنيت اني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم أي أن إسلامي كان ذلك اليوم لان الاسلام يجب ما قبله فتمنى أن يكون ذلك الوقت أول دخوله في الاسلام ليأمن من جريرة تلك الفعلة ولم يرد أنه تمنى أن لا يكون مسلما قبل ذلك قال القرطبي وفيه اشعار بأنه كان استصغر ما سبق له قبل ذلك من عمل صالح في مقابلة هذه الفعلة لما سمع من الانكار الشديد وإنما أورد ذلك على سبيل المبالغة وبين ذلك أن في بعض طرقه في رواية الاعمش حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ ووقع عند مسلم من حديث جندب بن عبد الله في هذه القصة زيادات ولفظه بعث بعثا من المسلمين إلى قوم من المشركين فالتقوا فأوجع رجل من المشركين فيهم فأبلغ فقصد رجل من المسلمين غيلته كنا نتحدث أنه أسامة بن زيد فلما رفع عليه السيف قال لا اله إلا الله فقتله الحديث وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له فكيف تصنع بلا اله إلا الله إذا أتتك يوم القيامة قال يا رسول الله استغفر لي قال كيف تصنع بلا اله إلا الله فجعل لا يزيده على ذلك وقال الخطابي لعل أسامة تأول قوله تعالى فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ولذلك عذره النبي صلى الله عليه وسلم فلم يلزمه دية ولا غيرها قلت كأنه حمل نفي النفع على عمومه دنيا
وأخرى وليس ذلك المراد والفرق بين المقامين أنه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعا مقيدا بأن يجب الكف عنه حتى يختبر أمره هل قال ذلك خالصا من قلبه أو خشية من القتل وهذا بخلاف ما لو هجم عليه الموت ووصل خروج الروح إلى الغرغرة وانكشف الغطاء فأنه إذا قالها لم تنفعه
[ 173 ]
بالنسبة لحكم الآخرة وهو المراد من الآية وأما كونه لم يلزمه دية ولا كفارة فتوقف فيه الداودي وقال لعله سكت عنه لعلم السامع أو كان ذلك قبل نزول آية الدية والكفارة وقال القرطبي لا يلزم من السكوت عنه عدم الوقوع لكن فيه بعد لان العادة جرت بعدم السكوت عن مثل ذلك إن وقع قال فيحتمل أنه لم يجب عليه شئ لانه كان مأذونا له في أصل القتل فلا يضمن ما أتلف من نفس ولا مال كالخاتن والطبيب أو لان المقتول كان من العدو ولم يكن له ولي من المسلمين يستحق ديته قال وهذا يتمشى على بعض الاراء أو لان أسامة أقر بذلك ولم تقم بذلك بينة فلم تلزم العاقلة الدية وفيه نظر قال بن بطال كانت هذه القصة بسبب حلف أسامة أن لا يقاتل مسلما بعد ذلك ومن ثم تخلف عن علي في الجمل وصفين كما سيأتي بيانه في كتاب الفتن قلت وكذا وقع في رواية الاعمش المذكورة أن سعد بن أبي وقاص كان يقول لا أقاتل مسلما حتى يقاتله أسامة واستدل به النووي على رد الفرع الذي ذكره الرافعي فيمن رأى كافرا أسلم فأكرم إكراما كثيرا فقال ليتني كنت كافرا لاكرم وقال الرافعي يكفر بذلك ورده النووي بأنه لا يكفر لانه جازم الاسلام في الحال والاستقبال وانما تمنى ذلك في الحال الماضي مقيدا له بالايمان ليتم له الاكرام واستدل بقصة أسامة ثم قال ويمكن الفرق الحديث التاسع حديث عبادة قوله حدثني يزيد هو بن أبي حبيب المصري وأبو الخير هو مرثد بن عبد الله والصنابحي هو عبد الرحمن بن عسيلة بمهملتين مصغر قوله اني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني ليلة العقبة قوله بايعناه على أن لا نشرك ظاهره أن هذه البيعة على هذه الكيفية كانت ليلة العقبة وليس كذلك كما بينته في كتاب الايمان في أوائل الصحيح وانما كانت البيعة ليلة العقبة على المنشط والمكره في العسر واليسر إلى آخره وأما البيعة المذكورة هنا وهي التي تسمى بيعة النساء فكانت بعد ذلك بمدة فان آية النساء التي
فيها البيعة المذكورة نزلت بعد عمرة الحديبية في زمن الهدنة وقبل فتح مكة وكانت البيعة التي وقعت للرجال على وفقها كانت عام الفتح وقد أوضحت ذلك والسبب في الحمل عليه في كتاب الايمان ومضى شرح هذا الحديث هناك الحديث العاشر حديث بن عمر قوله جويرية بالجيم تصغير جارية وهو بن أسماء سمع من نافع مولى بن عمر وحدث عنه بواسطة مالك أيضا قوله من حمل علينا السلاح فليس منا المراد من حمل عليهم السلاح لقتالهم لما فيه من إدخال الرعب عليهم لا من حمله لحراستهم مثلا فأنه يحمله لهم لا عليهم وقوله فليس منا أي على طريقتنا وأطلق اللفظ مع احتمال إرادة أنه ليس على الملة للمبالغة في الزجر والتخويف وسيأتي بسط ذلك في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى الحديث الحادي عشر قوله رواه أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت سيأتي موصولا مع شرحه في كتاب الفتن ومعه حديث أبي هريرة بمعناه وهو عند مسلم من حديث سلمة بلفظ من حمل علينا السيف الحديث الثاني عشر قوله حدثنا أيوب هو السختياني ويونس هو بن عبيد البصري والحسن البصري قوله عن الاحنف هو بن قيس قوله لانصر هذا الرجل هو علي بن أبي طالب وكان الاحنف تخلف عنه في وقعة الجمل قوله إذا التقى المسلمان بسيفيهما بالتثنية وفي رواية الكشميهني بالافراد قوله في النار أي إن أنفذ الله عليهما ذلك لانهما فعلا فعلا يستحقان أن يعذبا من أجله وقوله أنه كان حريصا على
[ 174 ]
قتل صاحبه احتج به الباقلاني ومن تبعه على أن من عزم على المعصية يأثم ولو لم يفعلها وأجاب من خالفه بان هذا شرع في الفعل والاختلاف فيمن هم مجردا ثم صمم ولم يفعل شيئا هل يأثم وقد تقدم شرحه مستوفى في شرح حديث من هم بحسنة ومن هم بسيئة في كتاب الرقاق وقال الخطابي هذا الوعيد لمن قاتل على عداوة دنيوية أو طلب ملك مثلا فأما من قاتل أهل البغي أو دفع الصائل فقتل فلا يدخل في هذا الوعيد لانه مأذون له في القتال شرعا وسيأتي شرح هذا الحديث في كتاب الفتن أيضا إن شاء الله تعالى قوله باب قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الآية كذا لابي ذر وفي رواية الاصيلي والنسفي وابن
عساكر القتلى الحر بالحر إلى قوله عذاب أليم وللاسماعيلي القتلى إلى قوله أليم وساق في رواية كريمة الآية كلها قوله باب سؤال القاتل حتى يقر والاقرار في الحدود كذا للاكثر وبعده حديث أنس في قصة اليهودي والجارية ووقع عند النسفي وكريمة وأبي نعيم في المستخرج بحذف باب وقالوا بعد قوله عذاب أليم وإذا لم يزل يسأل القاتل حتى أقر والاقرار في الحدود وصنيع الاكثر أشبه وقد صرح الاسماعيلي بأن الترجمة الاولى بلا حديث قلت والآية المذكورة أصل في اشتراط التكافؤ في القصاص وهو قول الجمهور وخالفهم الكوفيون فقالوا يقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر الذمي وتمسكوا بقوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس قال إسماعيل القاضي في أحكام القرآن الجمع بين الآيتين أولى فتحمل النفس على المكافئة ويؤيده اتفاقهم على أن الحر لو قذف عبدا لم يجب عليه حد القذف قال ويؤخذ الحكم من الآية نفسها فان في آخرها فمن تصدق به فهو كفارة له والكافر لا يسمى متصدقا ولا مكفرا عنه وكذلك العبد لا يتصدق بجرحه لان الحق لسيده وقال أبو ثور لما اتفقوا على أن لا قصاص بين العبيد والاحرار فيما دون النفس كانت النفس أولى بذلك قال بن عبد البر أجمعوا على أن العبد يقتل بالحر وأن الانثى تقتل بالذكر ويقتل بها إلا أنه ورد عن بعض الصحابة كعلي والتابعين كالحسن البصري أن الذكر إذا قتل الانثى فشاء أولياءها قتله وجب عليهم نصف الدية وإلا فلهم الدية كاملة قال ولا يثبت عن علي لكن هو قول عثمان البتي أحد فقهاء البصرة ويدل على التكافؤ بين الذكر والانثى أنهم اتفقوا على أن مقطوع اليد والاعور لو قتله الصحيح عمدا لوجب عليه القصاص ولم يجب له بسبب عينه أو يده دية قوله في الترجمة سؤال القاتل حتى يقر أي من اتهم بالقتل ولم تقم عليه البينة قوله حدثنا همام هو بن يحيى قوله عن أنس في رواية حبان بفتح المهملة وتشديد الموحدة عن همام الآتية بعد سبعة أبواب حدثنا أنس قوله أن يهوديا لم أقف على اسمه قوله رض رأس جارية الرض بالضاد المعجمة والرضخ بمعنى والجارية يحتمل أن تكون أمة ويحتمل أن تكون حرة لكن دون البلوغ وقد وقع في رواية هشام بن زيد عن أنس في الباب الذي يليه خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة فرماها يهودي بحجر وتقدم
من هذا الوجه في الطلاق بلفظ عدا يهودي على جارية فأخذ أوضاحا كانت عليها ورضخ رأسها وفيه فأتى أهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في آخر رمق وهذا لا يعين كونها حرة لاحتمال أن يراد بأهلها مواليها رقيقة كانت أو عتيقة ولم أقف على اسمها لكن في بعض طرقه أنها من الانصار ولا تنافي بين قوله رض رأسها بين حجرين وبين قوله رماها بحجر وبين قوله
[ 175 ]
رضخ رأسها لانه يجمع بينها بأنه رماها بحجر فأصاب رأسها فسقطت على حجر آخر وأما قوله على أوضاح فمعناه بسبب أوضاح وهي بالضاد المعجمة والحاء المهملة جمع وضح قال أبو عبيد هي حلي الفضة ونقل عياض أنها حلى من حجارة ولعله أراد حجارة الفضة احترازا من الفضة المضروبة أو المنقوشة قوله فقيل لها من فعل بك هذا أفلان أو فلان في رواية الكشميهني فلان أو فلان بحذف الهمزة وقد تقدم في الاشخاص من وجه آخر عن همام أفلان أفلان بالتكرار بغير واو عطف وجاء بيان الذي خاطبها بذلك في الرواية التي تلي هذه بلفظ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلان قتلك وبين في رواية أبي قلابة عن أنس عند مسلم وأبي داود فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها من قتلك قوله حتى سمى اليهودي زاد في الروايتين اللتين في الاشخاص والوصايا فأومأت برأسها ووقع في رواية هشام بن زيد في الرواية التي تلي هذا بيان الايماء المذكور وأنه كان تارة دالا على النفي وتارة دالا على الاثبات بلفظ فلان قتلك فرفعت رأسها فعاد فقال فلان قتلك فرفعت رأسها فقال لها في الثالثة فلان قتلك فخفضت رأسها وهو مشعر بأن فلان الثاني غير الاول ووقع التصريح بذلك في الرواية التي في الطلاق وكذا الآتية بعد بابين فأشارت برأسها أن لا قال ففلان لرجل آخر يعني عن رجل أخر فأشارت أن لا قال ففلان قاتلها فأشارت أن نعم قوله فلم يزل به حتى أقر في الوصايا فجئ به فلم يعترف فلم يزل به حتى أعترف قال بن مسعود لا أعلم أحدا قال في هذا الحديث فاعترف ولا فأقر إلا همام بن يحيى قال المهلب فيه أنه ينبغي للحاكم أن يستدل على أهل الجنايات ثم يتلطف بهم حتى يقروا ليؤخذوا بإقرارهم وهذا بخلاف ما إذا جاءوا تائبين فإنه يعرض عمن لم يصرح بالجناية فأنه يجب إقامة الحد عليه إذا
أقر وسياق القصة يقتضي أن اليهودي لم تقم عليه بينة وانما أخذ بإقراره وفيه أنه تجب المطالبة بالدم بمجرد الشكوى وبالاشارة قال وفيه دليل على جواز وصية غير البالغ ودعواه بالدين والدم قلت في هذا نظر لانه لم يتعين كون الجارية دون البلوغ وقال المازري فيه الرد على من أنكر القصاص بغير السيف وقتل الرجل بالمرأة قلت وسيأتي البحث فيهما في بابين مفردين قال واستدل به بعضهم على التدمية لانها لو لم تعتبر لم يكن لسؤال الجارية فائدة قال ولا يصح اعتبار مجردا لانه خلاف الاجماع فلم يبق إلا أنه يفيد القسامة وقال النووي ذهب مالك إلى ثبوت قتل المتهم بمجرد قول المجروح واستدل بهذا الحديث ولا دلالة فيه بل هو قول باطل لان اليهودي اعترف كما وقع التصريح به في بعض طرقه ونازعه بعض المالكية فقال لم يقل مالك ولا أحد من أهل مذهبه بثبوت القتل على متهم بمجرد قول المجروح وانما قالوا انما قول المحتضر عند موته فلان قتلني لوث يوجب القسامة فيقسم اثنان فصاعدا من عصبته بشرط الذكورية وقد وافق بعض المالكية الجمهور واحتج من قال بالتدمية إن دعوى من وصل إلى تلك الحالة وهي وقت اخلاصه وتوبته عند معاينة مفارقة الدنيا يدل على أنه لا يقول إلا حقا قالوا وهي أقوى من قول الشافعية أن الوالي يقسم إذا وجد قرب وليه المقتول رجلا معه سكين بجواز أن يكون القاتل غير من معه السكين قوله فرض رأسه بالحجارة أي دق وفي رواية الاشخاص فرضخ رأسه بين حجرين ويأتي في رواية حبان أن هماما قال كلا من اللفظين وفي رواية هشام التي تليها فقتله بين حجرين ومضى في الطلاق بلفظ الرواية التي في الاشخاص وفي رواية أبي قلابة عند مسلم فأمر به
[ 176 ]
فرجم حتى مات لكن في رواية أبي داود من هذا الوجه فقتل بين حجرين قال عياض رضخه بين حجرين ورميه بالحجارة ورجمه بها بمعنى والجامع أنه رمي بحجر أو أكثر ورأسه على آخر وقال بن التين أجاب بعض الحنفية بأن هذا الحديث لا دلالة فيه على المماثلة في القصاص لان المرأة كانت حية والقود لا يكون في حي وتعقبه بأنه إنما أمر بقتله بعد موتها لان في الحديث أفلان قتلك فدل على أنها ماتت حينئذ لانها كانت تجود بنفسها فلما ماتت اقتص منه وادعى بن
المرابط من المالكية ان هذا الحكم كان في أول الاسلام وهو قبول قول القتيل وأما ما جاء أنه أعترف فهو في رواية قتادة ولم يقله غيره وهذا مما عد عليه انتهى ولا يخفى فساد هذه الدعوى فقتادة حافظ زيادته مقبوله لان غيره لم يتعرض لنفيها فلم يتعارضا والنسخ لا يثبت بالاحتمال واستدل به على وجوب القصاص على الذمي وتعقب بأنه ليس فيه تصريح بكونه ذميا فيحتمل أن يكون معاهدا أو مستأمنا والله أعلم قوله باب إذا قتل بحجر أو بعصا كذا أطلق ولم يبت الحكم إشارة إلى الاختلاف في ذلك ولكن إيراده الحديث يشير إلى ترجيح قول الجمهور وذكر فيه حديث أنس في اليهودي والجارية وهو حجة للجمهور أن القاتل يقتل بما قتل به وتمسكوا بقوله تعالى وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به وبقوله تعالى فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم وخالف الكوفيون فاحتجوا بحديث لا قود إلا بالسيف وهو ضعيف أخرجه البزار وابن عدي من حديث أبي بكرة وذكر البزار الاختلاف فيه مع ضعف إسناده وقال بن عدي طرقه كلها ضعيفة وعلى تقدير ثبوته فإنه على خلاف قاعدتهم في أن السنة لا تنسخ الكتاب ولا تخصصه وبالنهي عن المثلة وهو صحيح لكنه محمول عند الجمهور على غير المماثلة في القصاص جمعا بين الدليلين قال بن المنذر قال الاكثر إذا قتل بشئ يقتل مثله غالبا فهو عمد وقال بن أبي ليلى إن قتل بالحجر أو العصا نظر إن كرر ذلك فهو عمدا وإلا فلا وقال عطاء وطاوس شرط العمد أن يكون بسلاح وقال الحسن البصري والشعبي والنخعي والحكم وأبو حنيفة ومن تبعهم شرطه أن يكون بحديدة واختلف فيمن قتل بعصا فأقيد بالضرب بالعصا فلم يمت هل يكرر عليه فقيل لم يكرر وقيل ان لم يمت قتل بالسيف وكذا فيمن قتل بالتجويع وقال بن العربي يسثتنى من المماثلة ما كان فيه معصية كالخمر واللواط والتحريق وفي الثالثة خلاف عند الشافعية والاولان بالاتفاق لكن قال بعضهم يقتل بما يقوم مقام ذلك انتهى ومن أدلة المانعين حديث المرأة التي رمت ضرتها بعمود الفسطاط فقتلتها فان النبي صلى الله عليه وسلم جعل فيها الدية وسيأتي البحث فيه في بان جنين المرأة وهو بعد باب القسامة ومحمد في أول السند جزم الكلاباذي بأنه بن عبد الله بن نمير وقال أبو علي بن السكن هو بن سلام الله تعالى قوله باب قول
الله تعالى إن النفس بالنفس والعين بالعين كذا لابي ذر والاصيلي وعند النسفي بعده الآية إلى قوله فأولئك هم الظالمون وساق في رواية كريمة إلى قوله الظالمون والغرض من ذكر هذه الآية مطابقتها للفظ الحديث ولعله أراد أن يبين أنها وان وردت في أهل الكتاب لكن الحكم الذي دلت عليه مستمر في شريعة الاسلام فهو أصل في القصاص في قتل العمد قوله عن عبد الله هو بن مسعود قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل وقع في رواية سفيان الثوري عن الاعمش عند مسلم والنسائي زيادة في أوله وهي قام فينا رسول الله صلى الله عليه
[ 177 ]
وسلم فقال والذي لا إله غيره لا يحل وظاهر قوله لا يحل اثبات إباحة قتل من اسثتنى وهو كذلك بالنسبة لتحريم قتل غيرهم وان كان قتل من أبيح قتله منهم واجبا في الحكم قوله دم امرئ مسلم في رواية الثوري دم رجل والمراد لا يحل إراقة دمه أي كله وهو كناية عن قتله ولو لم يرق دمه قوله يشهد أن لا إله إلا الله هي صفة ثانية ذكرت لبيان أن المراد بالمسلم هو الآتي بالشهادتين أو هي حال مقيدة للموصوف إشعارا بأن الشهادة هي العمدة في حقن الدم وهذا رجحه الطيبي واستشهد بحديث أسامة كيف تصنع بلا اله الا الله قوله الا بإحدى ثلاث أي خصال ثلاث ووقع في رواية الثوري إلا ثلاثة نفر قوله النفس بالنفس أي من قتل عمدا بغير حق قتل بشرطه ووقع في حديث عثمان المذكور قتل عمدا فعليه القود وفي حديث جابر عند البزار ومن قتل نفسا ظلما قوله والثيب الزاني أي فيحل قتله بالرجم وقد وقع في حديث عثمان عند النسائي بلفظ رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم قال النووي الزاني يجوز فيه إثبات الياء وحذفها وإثباتها أشهر قوله والمفارق لدينه التارك للجماعة كذا في رواية أبي ذر عن الكشميهني وللباقين والمارق من الدين لكن عند النسفي والسرخسي والمستملي والمارق لدينه قال الطيبي المارق لدينه هو التارك له من المروق وهو الخروج وفي رواية مسلم والتارك لدينه المفارق للجماعة وله في رواية الثوري المفارق للجماعة وزاد قال الاعمش فحدثت بهما إبراهيم يعني النخعي فحدثني عن الاسود يعني بن يزيد عن عائشة بمثله قلت وهذا الطريق
أغفل المزي في الاطراف ذكرها في مسند عائشة وأغفل التنبيه عليها في ترجمة عبد الله بن مرة عن مسروق عن بن مسعود وقد أخرجه مسلم أيضا بعده من طريق شيبان بن عبد الرحمن عن الاعمش ولم يسق لفظه لكن قال بالاسنادين جميعا ولم يقل والذي لا اله غيره وأفرده أبو عوانة في صحيحه من طريق شيبان باللفظ المذكور سواء والمراد بالجماعة جماعة المسلمين أي فارقهم أو تركهم بالارتداد فهي صفة للتارك أو المفارق لا صفة مستقلة وإلا لكانت الخصال أربعا وهو كقوله قبل ذلك مسلم يشهد أن لا إله إلا الله فانها صفة مفسرة لقوله مسلم وليست قيدا فيه إذ لا يكون مسلما الا بذلك ويؤيد ما قلته أنه وقع في حديث عثمان أو يكفر بعد إسلامه أخرجه النسائي بسند صحيح وفي لفظ له صحيح أيضا ارتد بعد إسلامه وله من طريق عمرو بن غالب عن عائشة أو كفر بعد ما أسلم وفي حديث بن عباس عند النسائي مرتد بعد ايمانه قال بن دقيق العيد الردة سبب لاباحة دم المسلم بالاجماع في الرجل وأما المرأة ففيها خلاف وقد استدل بهذا الحديث للجمهور في أن حكمها حكم الرجل لاستواء حكمهما في الزنا وتعقب بأنها دلالة اقتران وهي ضعيفة وقال البيضاوي التارك لدينه صفة مؤكدة للمارق أي الذي ترك جماعة المسلمين وخرج من جملتهم قال وفي الحديث دليل لمن زعم أنه لا يقتل أحد دخل في الاسلام بشئ غير الذي عدد كترك الصلاة ولم ينفصل عن ذلك وتبعه الطيبي وقال بن دقيق العيد قد يؤخذ من قوله المفارق للجماعة أن المراد المخالف لاهل الاجماع فيكون متمسكا لمن يقول مخالف الاجماع كافر وقد نسب ذلك إلى بعض الناس وليس ذلك بالهين فان المسائل الاجماعية تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع كوجوب الصلاة مثلا وتارة لا يصحبها التواتر فالاول يكفر جاحدا لمخالفة التواتر لا لمخالفة الاجماع والثاني لا يكفر به قال شيخنا في شرح
[ 178 ]
الترمذي الصحيح في تكفير منكر الاجماع تقييده بانكار ما يعلم وجوبه من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس ومنه من عبر بانكار ما علم وجوبه بالتواتر ومنه القول بحدوث العالم وقد حكى عياض وغيره الاجماع على تكفير من يقول بقدم العالم وقال بن دقيق العيد وقع هنا من يدعي
الحذق في المعقولات ويميل إلى الفلسفة فظن أن المخالف في حدوث العالم لا يكفر لانه من قبيل مخالفة الاجماع وتمسك بقولنا إن منكر الاجماع لا يكفر على الاطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواترا عن صاحب الشرع قال وهو تمسك ساقط إما عن عمى في البصيرة أو تعام لان حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الاجماع والتواتر بالنقل وقال النووي قوله التارك لدينه عام لكل في ارتد بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الاسلام وقوله المفارق للجماعة يتناول كل خارج عن الجماعة ببدعة أو نفي إجماع كالروافض والخوارج وغيرهم كذا قال وسيأتي البحث فيه وقال القرطبي في المفهم ظاهر قوله المفارق للجماعة أنه نعت للتارك لدينه لانه إذا ارتد فارق جماعة المسلمين غير أنه يلتحق به من خرج عن جماعة المسلمين وان لم يرتد كمن يمتنع من إقامة الحد عليه إذا وجب ويقاتل على ذلك كأهل البغي وقطاع الطريق والمحاربين من الخوارج وغيرهم قال فيتناولهم لفظ المفارق للجماعة بطريق العموم ولو لم يكن كذلك لم يصح الحصر لانه يلزم أن ينفي من ذكر ودمه حلال فلا يصح الحصر وكلام الشارع منزه عن ذلك فدل على أن وصف المفارقة للجماعة يعم جميع هؤلاء قال وتحقيقه أن كل من فارق الجماعة ترك دينه غير أن المرتد ترك كله والمفارق بغير ردة ترك بعضه انتهى وفيه مناقشة لان أصل الخصلة الثالثة الارتداد فلا بد من وجوده والمفارق بغير ردة لا يسمى مرتدا فيلزم الخلف في الحصر والتحقيق في جواب ذلك أن الحصر فيمن يجب قتله عينا أما من ذكرهم فان قتل الواحد منهم إنما يباح إذا وقع حال المحاربة والمقاتلة بدليل أنه لو أسر لم يجز قتله صبرا اتفاقا في غير المحاربين وعلى الراجح في المحاربين أيضا لكن يرد على ذلك قتل تارك الصلاة وقد تعرض له بن دقيق العيد فقال استدل بهذا الحديث أن تارك الصلاة لا يقتل بتركها لكونه ليس من الامور الثلاثة وبذلك استدل شيخ والدي الحافظ أبو الحسن بن فضل المقدسي في أبياته المشهورة ثم ساقها ومنها وهو كاف في تحصيل المقصود هنا والرأي عندي أن يعزره الامام بكل تعزير يراه صوابا فالاصل عصمته إلا أن يمتطي إحدى الثلاث إلى الهلاك ركابا
قال فهذا من المالكية اختار خلاف مذهبه وكذا استشكله امام الحرمين من الشافعية قلت تارك الصلاة اختلف فيه فذهب أحمد وإسحاق وبعض المالكية ومن الشافعية بن خزيمة وأبو الطيب بن سلمة وأبو عبيد بن جويرية ومنصور الفقيه وأبو جعفر الترمذي إلى أنه يكفر بذلك ولو لم يجحد وجوابها وذهب الجمهور إلى أنه يقتل حدا وذهب الحنفية ووافقهم المزني إلى أنه لا يكفر ولا يقتل ومن أقوى ما يستدل به على عدم كفره حديث عبادة رفعه خمس صلوات كتبهن الله على العباد الحديث وفيه ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه بن حبان وابن السكن وغيرهما وتمسك أحمد ومن وافقه بظواهر أحاديث وردت بتكفيره وحملها من خالفهم على المستحل جمعا
[ 179 ]
بين الاخبار والله أعلم وقال بن دقيق العيد وأراد بعض من أدركنا زمانه أن يزيل الاشكال فاستدل بحديث أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ووجه الدليل منه أنه وقف العصمة على المجموع والمرتب على أشياء لا تحصل إلا بحصول مجموعها وينتفى بانتفاء بعضها قال وهذا إن قصد الاستدلال بمنطوقه وهو أقاتل الناس الخ فإنه يقتضي الامر بالقتال إلى هذه الغاية فقد ذهل للفرق بين المقاتلة على الشئ والقتل عليه فان المقاتلة مفاعلة تقتضي الحصول من الجانبين فلا يلزم من إباحة المقاتلة على الصلاة إباحة قتل الممتنع من فعلها إذا لم يقاتل وليس النزاع في أن قوما لو تركوا الصلاة ونصبوا القتال أنه يجب قتالهم وانما النظر فيما إذا تركها انسان من غير نصب قتال هل يقتل أولا والفرق بين المقاتلة على الشئ والقتل عليه ظاهر وان كان أخذه من آخر الحديث وهو ترتب العصمة على فعل ذلك فان مفهومه يدل على أنها لا تترتب على فعل بعضه هان الامر لانها دلالة مفهوم ومخالفه في هذه المسألة لا يقول بالمفهوم وأما من يقول به فله أن يدفع حجته بأنه عارضته دلالة المنطوق في حديث الباب وهي أرجح من دلالة المفهوم فيقدم عليها واستدل به بعض الشافعية لقتل تارك الصلاة لانه تارك للدين الذي هو العمل وانما لم يقولوا بقتل تارك
الزكاة لامكان انتزاعها منه قهرا ولا يقتل تارك الصيام لامكان منعه المفطرات فيحتاج هو أن ينوي الصيام لانه يعتقد وجوبه واستدل به على أن الحر لا يقتل بالعبد لان العبد لا يرجم إذا زنى ولو كان ثيبا حكاه بن التين قال وليس لاحد أن يفرق ما جمعه الله إلا بدليل من كتاب أو سنة قال وهذا بخلاف الخصلة الثالثة فان الاجماع انعقد على أن العبد والحر في الردة سواء فكأنه جعل أن الاصل العمل بدلالة الاقتران ما لم يأت دليل يخالفه وقال شيخنا في شرح الترمذي استثنى بعضهم من الثلاثة قتل الصائل فإنه يجوز قتله للدفع وأشار بذلك إلى قول النووي يخص من عموم الثلاثة الصائل ونحوه فيباح قتله في الدفع وقد يجاب بأنه داخل في المفارق للجماعة أو يكون المراد لا يحل تعمد قتله بمعنى أنه لا يحل قتله إلا مدافعة بخلاف الثلاثة واستحسنه الطيبي وقال هو أولى من تقرير البيضاوي لانه فسر قوله النفس بالنفس بحل قتل النفس قصاصا للنفس التي قتلها عدوانا فاقتضى خروج الصائل ولو لم يقصد الدافع قتله قلت والجواب الثاني هو المعتمد وأما الاول فتقدم الجواب عنه وحكى بن التين عن الداودي أن هذا الحديث منسوخ بآية المحاربة من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض قال فأباح القتل بمجرد الفساد في الارض قال ورد في القتل بغير الثلاث أشياء منها قوله تعالى فقاتلوا التي تبغي وحديث من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوه وحديث من اتى بهيمة فاقتلوه وحديث من خرج وأمر الناس جمع يريد تفريقهم فاقتلوه وقول عمر تغره أن يقتلا وقول جماعة من الائمة إن تاب أهل القدر وإلا قتلوا وقول جماعة من الائمة يضرب المبتدع حتى يرجع أو يموت وقول جماعة من الائمة يقتل تارك الصلاة قال وهذا كله زائد على الثلاثة قلت وزاد غيره قتل من طلب أخذ مال إنسان أو حريمه بغير حق ومانع الزكاة المفروضة ومن ارتد ولم يفارق الجماعة ومن خالف الاجماع وأظهر الشقاق والخلاف والزنديق إذا تاب على رأي والساحر والجواب عن ذلك كله أن الاكثر في المحاربة أنه إن قتل قتل وبأن حكم الآية في الباغي أن يقاتل لا أن يقصد إلى قتله
[ 180 ]
وبأن الخبرين في اللواط واتيان البهيمة لم يصحا وعلى تقدير الصحة فهما داخلان في الزنا وحديث
الخارج عن المسلمين تقدم تأويله بأن المراد بقتله حبسه ومنعه من الخروج وأثر عمر من هذا القبيل والقول في القدرية وسائر المبتدعة مفرع على القول بتكفيرهم وبأن قتل تارك الصلاة عند من لا يكفرهم مختلف فيه كما تقدم إيضاحه وأما من طلب المال أو الحريم فمن حكم دفع الصائل ومانع الزكاة تقدم جوابه ومخالف الاجماع داخل في مفارق الجماعة وقتل الزنديق لاصطحاب حكم كفره وكذا الساحر والعلم عند الله تعالى وقد حكى بن العربي عن بعض اشياخه أن أسباب القتل عشرة قال بن العربي ولا تخرج عن وهذه الثلاثة بحال فان من سحر أو سب نبي الله كفر فهو داخل في التارك لدينه والله أعلم واستدل بقوله النفس بالنفس على تساوي النفوس في القتل العمد فيقاد لكل مقتول من قاتله سواء من كان حرا أو عبدا وتمسك به الحنفية وادعوا أن آيه المائدة المذكورة في الترجمة ناسخة لآية البقرة كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد ومنهم من فرق بين عبد الجاني وعبد غيره فأقاد من عبد غيره دون عبد نفسه وقال الجمهور آية البقرة مفسرة لآية المائدة فيقتل العبد بالحر ولا يقتل الحر بالعبد وقال الشافعي ليس بين العبد والحر قصاص إلا أن يشاء الحر واحتج للجمهور بأن العبد سلعة فلا يجب فيه إلا القيمة لو قتله خطأ وسيأتي مزيدا لذلك بعد باب واستدل بعمومه على جواز قتل المسلم بالكافر المستأمن والمعاهد وقد مضى في الباب قبله شرح حديث علي لا يقتل مؤمن بكافر وفي الحديث جواز وصف الشخص بما كان عليه ولو انتقل عنه لاستثنائه المرتد من المسلمين وهو باعتبار ما كان قوله باب من أقاد بالحجر أي حكم بالقود بفتحتين وهو المماثلة في القصاص ذكر في حديث أنس فيه قصة اليهودي والجارية وقد تقدم شرحه مستوفى قريبا وقوله فأشارت برأسها أي نعم في رواية الكشميهني أن نعم بالنون بدل التحتانية وكلاهما يجئ لتفسير ما تقدمه والمراد أنها أشارت إشارة مفهمة يستفاد منها ما يستفاد منها لو نطقت فقالت نعم قوله باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين ترجم بلفظ الخبر وظاهره حجة لمن قال إن الاختيار في أخذ الدية أو الاقتصاص راجع إلى أولياء المقتول ولا يشترط في ذلك رضى القاتل وهذا القدر مقصود الترجمة ومن ثم عقب حديث أبي هريرة بحديث بن عباس الذي
فيه تفسير قوله تعالى فمن عفا له من أخيه شئ أي ترك له دمه ورضي منه بالدية فاتباع بالمعروف أي في المطالبة بالدية وقد فسر بن عباس العفو بقبول الدية في العمد وقبول الدية راجع إلى الاولياء الذين لهم طلب القصاص وأيضا فإنما لزمت القاتل الدية بغير رضاه لانه مأمور باحياء نفسه لعموم قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم فإذا رضي أولياء المقتول بأخذ الدية له لم يكن للقاتل أن يمتنع من ذلك قال بن بطال معنى قوله تعالى ذلك تخفيف من ربكم إشارة إلى أن أخذ الدية لم يكن في بني إسرائيل بل كان القصاص متحتما فخفف الله عن هذه الامة بمشروعية أخذ الدية إذا رضي أولياء المقتول ثم ذكر ذلك في الباب حديثين الاول قوله عن أبي هريرة كذا للاكثر ممن رواه عن يحيى بن أبي كثير في الصحيحين وغيرهما ووقع في رواية النسائي مرسلا وهو من رواية يحيى بن حميد عن الاوزاعي وهي شاذة قوله أن خزاعة قتلوا رجلا وقال عبد الله بن رجاء كذا تحول إلى طريق حرب بن شداد عن يحيى وهو بن أبي كثير في الطريقين وساق الحديث
[ 181 ]
هنا على لفظ حرب وقد تقدم لفظ شيبان وهو بن عبد الرحمن في كتاب العلم وطريق عبد الله بن رجاء هذه وصلها البيهقي من طريق هشام بن علي السيرافي عنه وتقدم في اللقطة من طريق الوليد بن مسلم عن الاوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة مصرحا بالتحديث في جميع السند قوله أنه عام فتح مكة الهاء في أنه ضمير الشأن قوله قتلت خزاعة رجلا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية وقع في رواية أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الله حرم مكة فذكر الحديث وفيه ثم أنكم معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل واني عاقله وقع نحو ذلك في رواية بن إسحاق عن المقبري كما أوردته في باب لا يعضد شجر الحرم من أبواب جزاء الصيد من كتاب الحج فأما خزاعة فتقدم نسبهم في أول مناقب قريش وأما بنو ليث فقبيلة مشهورة ينسبون إلى ليث بن بكر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر وأما هذيل فقبيلة كبيرة ينسبون إلى هذيل وهم بنو مدركة بن الياس بن مضر وكانت هذيل وبكر من سكان مكة وكانوا في ظواهرها خارجين من الحرم وأما خزاعة فكانوا غلبوا على مكة
وحكموا فيها ثم أخرجوا منها فصاروا في ظاهرها وكانت بينهم وبين بني بكر عداوة ظاهرة في الجاهلية وكانت خزاعة حلفاء بني هاشم بن عبد مناف إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان بنو بكر حلفاء قريش كما تقدم بيانه في أول فتح مكة من كتاب المغازي وقد ذكرت في كتاب العلم أن اسم القاتل من خزاعة خراش بمعجمتين بن أمية الخزاعي وأن المقتول منهم في الجاهلية كان اسمه أحمر وأن المقتول من بني ليث لم يسم وكذا القاتل ثم رأيت في السيرة النبوية لابن إسحاق أن الخزاعي المقتول اسمه منبه قال بن إسحاق في المغازي حدثني سعيد بن أبي سندر الاسلمي عن رجل من قومه قال كان معنا رجل يقال له أحمر كان شجاعا وكان إذا نام غط فإذا طرقهم شئ صاحوا به فيثور مثل الاسد فغزاهم قوم من هذيل في الجاهلية فقال لهم بن الاثوع وهو بالثاء المثلثة والعين المهملة لا تعجلوا حتى أنظر فان كان أحمر فيهم فلا سبيل إليهم فاستمع فإذا غطيط أحمر فمشى إليه حتى وضع السيف في صدره فقتله وأغاروا على الحي فلما كان عام الفتح وكان الغد من يوم الفتح أتى بن الاثوع الهذلي حتى دخل مكة وهو على شركه فرأته خزاعة فعرفوه فأقبل خراش بن أمية فقال أفرجوا عن الرجل فطعنه بالسيف في بطنه فوقع قتيلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل ولقد قتلتم قتيلا لادينه قال بن إسحاق وحدثني عبد الرحمن بن حرملة الاسلمي عن سعيد بن المسيب قال لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما صنع خراش بن أمية قال أن خراشا لقتال يعيبه بذلك ثم ذكر حديث أبي شريح الخزاعي كما تقدم فهذا قصة الهذلي وأما قصة المقتول من بني ليث فكأنهما أخرى وقد ذكر بن هشام أن المقتول من بني ليث اسمه جندب بن الادلع وقال بلغني أن أول قتيل وداه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح جندب بن الادلع قتله بنو كعب فوداه بمائة ناقة لكن ذكر الواقدي أن اسمه جندب بن الادلع فرآه جندب بن الاعجب الاسلمي فخرج يستجيش عليه فجاء خراش فقتله فظهر أن القصة واحدة فلعله كان هذليا حالف بني ليث أو بالعكس ورأيت في آخر الجزء الثالث من فوائد أبي علي بن خزيمة أن اسم الخزاعي القاتل هلال بن أمية فان ثبت فلعل هلالا لقب خراش والله أعلم قوله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية سفيان المشار إليها في العلم
[ 182 ]
فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فركب راحلته فخطب قوله إن الله حبس عن مكة الفيل بالفاء اسم الحيوان المشهور وأشار بحبسه عن مكة إلى قصة الحبشة وهي مشهورة ساقها بن إسحاق مبسوطه وحاصل ما ساقه أن أبرهة الحبشي لما غلب على اليمن وكان نصرايا بنى كنيسة والزم الناس بالحج إليها فعمد بعض العرب فاسعفل الحجبة وتغوط فهرب فغضب أبرهة وعزم على تخريب الكعبة فتجهز في جيش كثيف واستصحب معه فيلا عظيمه فلما قرب من مكة خرج إليه عبد المطلب فأعظمه وكان جميل الهيئة فطلب منه أن يرد عليه إبلا له نهبت فاستقصر همته وقال لقد ظننت انك لا تسألني إلا في الامر الذي جئت فيه فقال إن لهذا البيت ربا سيحميه فأعاد إليه إبله وتقدم أبرهه بجيوشه فقدموا الفيل فبرك وعجزوا فيه وأرسل الله عليهم طيرا مع كل واحد ثلاثة أحجار حجرين في رجليه وحجر في منقاره فألقوها عليهم فلم يبق منهم أحد إلا اصيب وأخرج بن مردويه بسند حسن عن عكرمة عن بن عياس قال جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح وهو بكسر المهملة ثم فاء ثم مهملة موضع خارج مكة من جهة طريق اليمن فأتاهم عبد المطلب فقال إن هذا بيت الله لم يسلط عليه أحدا قالوا لا نرجع حتى نهدمه فكانوا لا يقدمون فيلهم إلا تأخر فدعا الله الطير الابابيل فأعطاها حجارة سوداء فلما حاذتهم رمتهم فما بقي منهم أحد إلا أخذته الحكة فكان لا يحك أحد منهم جلده إلا تساقط لحمه قال بن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة قال حدثت أن أول ما وقعت الحصباء والجدري بأرض العرب من يومئذ وعند الطبري بسند صحيح عن عكرمة أنها كانت طيرا خضرا خرجت من البحر لها رءوس كرءوس السباع ولابن أبي حاتم من طريق عبيد بن عمير بسند قوي بعث الله عليهم طيرا أنشأها من البحر كأمثال الخطاطيف فذكر نحو ما تقدم قوله وأنها لم تحل لاحد قبلي الخ تقدم بيانه مفصلا في باب تحريم القتال بمكة من أبواب جزاء الصيد وفيما قبله في باب لا يعضد شجر الحرم قوله ولا يلتقط بضم أوله على البناء للمجهول وفي آخره إلا لمنشد ووقع للكشميهني هنا بفتح أوله وفي آخره إلا منشد وهو واضح قوله من قتل له قتيل أي من قتل له قريب كان حيا فصار قتيلا
بذلك القتل قوله فهو بخير النظرين تقدم في العلم بلفظ ومن قتل فهو بخير النظرين وهو مختصر ولا يمكن حمله على ظاهره لان المقتول لا اختيار له وانما الاختيار لوليه وقد أشار إلى نحو ذلك الخطابي ووقع في رواية الترمذي من طريق الاوزاعي فإما أن يعفو وإما أن يقتل والمراد العفو على الدية جمعا بين الروايتين ويؤيده ان عنده في حديث أبي شريح فمن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله بين خيرتين اما أن يقتلوا أو يأخذوا الدية ولابي داود وابن ماجة وعلقمة الترمذي من وجه آخر عن أبي شريح بلفظ فأنه يختار إحدى ثلاث اما أن يقتص وإما أن يعفو وإما أن يأخذ الدية فان أراد الرابعة فخذوا على يديه أي ان أراد زيادة على القصاص أو الدية وسأذكر الاختلاف فيمن يستحق الخيار هل هو القاتل أو ولي المقتول في شرح الحديث الذي بعده وفي الحديث أن ولي الدم يخير بين القصاص والدية واختلف إذا اختار الدية هل يجب على القاتل اجابته فذهب الاكثر إلى ذلك وعن مالك لا يجب إلا برضى القاتل واستدل بقوله ومن قتل له بأن الحق يتعلق بورثة المقتول فلو كان بعضهم غائبا أو طفلا لم يكن للباقين القصاص حتى يبلغ الطفل ويقدم الغائب قوله إما أن يؤدي بسكون الواو أي يعطي القاتل أو أولياؤه لاولياء
[ 183 ]
المقتول الدية وأما أن يقاد أي يقتل به ووقع في العلم بلفظ اما ان يعقل بدل إما أن يودي وهو بمعناه والعقل الدية وفي رواية الاوزاعي في اللقطة إما أن يفدى بالفاء بدل الواو وفي نسخة واما أن يعطى أي الدية ونقل بن التين عن الداودي أن في رواية أخرى اما أن يودي أو يفادى وتعقبه بأنه غير صحيح لانه لو كان بالفاء لم يكن له فائدة لتقدم ذكر الدية ولو كان بالقاف وأحتمل أن يكون للمقتول وليان لذكر بالتثنية أي يقادا بقتيلهما والاصل عدم التعدد قال وصحيح الرواية إما أن يودى أو يقاد وانما يصح يفادى إن تقدمه أن يقتص وفي الحديث جواز إيقاع القصاص بالحرم لانه صلى الله عليه وسلم خطب بذلك بمكة ولم يقيده بغير الحرم وتمسك بعمومه من قال يقتل المسلم بالذمي وقد سبق ما فيه قوله فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبوشاه تقدم ضبطه مع شرحه في العلم وحكى السلفي أن بعضهم نطق بها بتاء في آخره وغلطه
وقال هو فارسي من فرسان الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن قوله ثم قام رجل من قريش فقال يا رسول الله إلا الاذخر تقدم بيان اسمه وأنه العباس بن عبد المطلب وشرح بقية الحديث المتعلق بتحريم مكة وبالاذخر في الابواب المذكورة من كتاب الحج قوله وتابعه عبيد الله يعني بن موسى قوله عن شيبان في الفيل أي تابع حرب بن شداد عن يحيى في الفيل بالفاء ورواية عبيد الله المذكورة موصولة في صحيح مسلم من طريقه قوله وقال بعضهم عن أبي البخاري فرواه عنه بالشك كما تقدم في كتاب العلم قوله وقال عبيد الله إما أن يقاد أهل القتيل أي يؤخذ لهم بثأرهم وعبيد الله هو بن موسى المذكور وروايته إياه عن شيبان بن عبد الرحمن بالسند المذكور وروايته عنه موصولة في صحيح مسلم كما بينته ولفظه إما أن يعطي الدية وإما أن يقاد أهل القتيل وهو بيان لقوله إما أن يقاد الحديث الثاني قوله عن عمرو هو بن دينار قوله عن مجاهد وقد تقدم في تفسير البقرة عن الحميدي عن سفيان حدثنا عمرو سمعت مجاهدا قوله عن بن عباس رضي الله عنهما في رواية الحميدي سمعت بن عباس هكذا وصله بن عيينة عن عمرو بن دينار وهو من أثبت الناس في عمرو ورواه ورقاء بن عمر عن عمرو فلم يذكر فيه بن عباس أخرجه النسائي قوله كانت في بني إسرائيل القصاص كذا هنا من رواية قتيبة عن سفيان بن عيينة وفي رواية الحميدي عن سفيان كان في بني إسرائيل القصاص كما تقدم في التفسير وهو أوجه وكأنه أنث باعتبار معنى القصاص وهو المماثلة والمساواة قوله فقال الله لهذه الامة كتب عليكم القصاص في القتلى إلى هذه الآية فمن عفي له من أخيه شئ قلت كذا وقع في رواية قتيبة وقع هنا عند أبي ذر والاكثر ووقع هنا في رواية النسفي والقابسي إلى قوله فمن عفي له من أخيه شئ ووقع في رواية بن أبي عمر في مسنده ومن طريقه أبو نعيم في المستخرج إلى قوله في هذه الآية وبهذا يظهر المراد وإلا فالاول يوهم أن قوله فمن عفي في آية تلي الآية المبدأ بها وليس كذلك وقد أخرجه الاسماعيلي من رواية أبي كريب وغيره عن سفيان فقال بعد قوله في القتلى فقرأ إلى والانثى بالانثى فمن عفي له ووقع في رواية الحميدي المذكورة ما حذف هنا من الآية وزاد في آخره تفسير قوله ذلك تخفيف من
ربكم وزاد فيه أيضا تفسير قوله فمن اعتدى أي قتل بعد قبول الدية وقد اختلف في تفسير
[ 184 ]
العذاب في هذه الآية فقيل يتعلق بالآخرة وأما في الدنيا فهو لمن قتل ابتداء وهذا قول الجمهور وعن عكرمة وقتادة والسدي يتحتم القتل ولا يتمكن الولي من أخذ الدية وفيه حديث جابر رفعه لا أعفو عمن قتل بعد أخذ الدية أخرجه أبو داود وفي سنده انقطاع قال أبو عبيد ذهب بن عباس إلى أن هذه الآية ليست منسوخة بآية المائدة إن النفس بالنفس بل هما محكمتان وكأنه رأى أن آية المائدة مفسرة لآية البقرة وأن المراد بالنفس نفس الاحرار ذكورهم واناثهم دون الارقاء فان أنفسهم متساوية دون الاحرار وقال إسماعيل المراد في النفس بالنفس المكافئة للاخرى في الحدود لان الحر لو قذف عبدا لم يجلد اتفاقا والقتل قصاصا من جملة الحدود قال وبينه قوله في الآية والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له فمن هنا يخرج العبد والكافر لان العبد ليس له أن يتصدق بدمه ولا بجرحه ولان الكافر لا يسمى متصدقا ولا مكفرا عنه قلت محصل كلام بن عباس يدل على أن قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أي على بني إسرائيل في التوراة ان النفس بالنفس مطلقا فخفف عن هذه الامة بمشروعية الدية بدلا عن القتل لمن عفا من الاولياء عن القصاص وبتخصيصه بالحر في الحر فحينئذ لا حجة في آية المائدة لمن تمسك بها في قتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر لان شرع من قبلنا إنما يتمسك منه بما لم يرد في شرعنا ما يخالفه وقد قيل ان شريعة عيسى لم يكن فيها قصاص وانه كان فيها الدية فقط فإن ثبت ذلك امتازت شريعة الاسلام بأنها جمعت الامرين فكانت وسطى لا إفراط ولا تفريط واستدل به على أن المخير في القود أو أخذ الدية هو الولي وهو قول الجمهور وقرره الخطابي بأن العفو في الآية يحتاج إلى بيان لان ظاهر القصاص أن لا تبعة لاحدهما على الآخر لكن معنى أن من عفي عنه من القصاص إلى الدية فعلى مستحق الدية الاتباع بالمعروف وهو المطالبة على القاتل الاداء وهو دفع الدية بإحسان وذهب مالك والثوري وأبو حنيفة إلى أن الخيار في القصاص أو الدية للقاتل قال الطحاوي والحجة لهم حديث أنس في قصة الربيع عمته فقال النبي صلى الله
عليه وسلم كتاب الله القصاص فإنه حكم بالقصاص ولم يخير ولو كان الخيار للولي لاعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم إذ لا يجوز للحاكم أن يتحكم بمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما من قبل أن يعلمه بأن الحق له في أحدهما فلما حكم بالقصاص وجب أن يحمل عليه قوله فهو بخير النظرين أي ولي المقتول مخير بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدية وتعقب بأن قوله صلى الله عليه وسلم كتاب الله القصاص انما وقع عند طلب أولياء المجني عليه في العمد القود فأعلم أن كتاب الله نزل على أن المجني عليه إذا طلب القود أجيب إليه وليس فيه ما ادعاه من تأخير البيان واحتج الطحاوي أيضا بأنهم أجمعوا على أن الولي لو قال للقاتل رضيت أن تعطيني كذا على أن لا أقتلك ان القاتل لا يجبر على ذلك ولا يؤخذ منه كرها وان كان يجب عليه أن يحقن دم نفسه وقال المهلب وغيره يستفاد من قوله فهو بخير النظرين أن الولي إذا سئل في العفو على مال إن شاء قبل ذلك وإن شاء اقتص وعلى الوالي اتباع الاولى في ذلك وليس فيه ما يدل على اكراه القاتل على بذل الدية واستدل بالآية على أن الواجب في قتل العمد القود والدية بدل منه وقيل الواجب الخيار وهما قولان للعلماء وكذا في مذهب الشافعي أصحهما الاول واختلف في سبب نزول الآية فقيل نزلت في حيين من العرب كان لاحدهما طول على الآخر في الشرف فكانوا يتزوجون من نسائهم بغير
[ 185 ]
مهر وإذا قتل منهم عبد قتلوا به حرا أو امرأة قتلوا بها رجلا أخرجه الطبري عن الشعبي وأخرج أبو داود من طريق علي بن صالح بن حي عن سماك بن حرب عن عكرمة عن بن عباس قال كان قريظة والنضير وكان النضير أشرف من قريظة فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة يودى بمائة وسق من التمر فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا ادفعوه لنا نقتله فقالوا بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه فنزلت وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط والقسط النفس بالنفس ثم نزلت أفحكم الجاهلية يبغون واستدل به الجمهور على جواز أخذ الدية في قتل العمد ولو كان غيلة وهو أن يخدع شخصا حتى يصير به إلى موضع خفي فيقتله خلافا للمالكية
وألحقه مالك بالمحارب فان الامر فيه إلى السلطان وليس للاولياء العفو عنه وهذا على أصله في ان حد المحارب القتل إذا رآه الامام وان أو في الآية للتخيير لا للتنويع وفيه أن من قتل متأولا كان حكمه حكم من قتل خطأ في وجوب الدية لقوله صلى الله عليه وسلم فاني عاقله واستدل به بعض المالكية على قتل من التجأ إلى الحرم بعد أن يقتل عمدا خلافا لمن قال لا يقتل في الحرم بل يلجأ إلى الخروج منه ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم قاله في قصة قتيل خزاعة المقتول في الحرم وأن القود مشروع فيمن قتل عمدا ولا يعارضه ما ذكر من حرمة الحرم فان المراد به تعظيمه لتحريم ما حرم الله وإقامة الحد على الجاني به من جملة تعظيم حرمات الله وقد تقدم شئ من هذا في الموضع الذي أشرت إليه آنفا من كتاب الحج قوله باب من طلب دم امرئ بغير حق أي بيان حكمه قوله عن عبد الله بن أبي حسين هو عبد الله بن عبد الرحمن نسب إلى جده وثبت ذكر أبيه في هذا السند عند الطبراني في نسخة شعيب بن أبي حمزة وكذا في مستخرج أبي نعيم ونافع بن جبير أي بن مطعم قوله أبغض هو أفعل من البغض قال وهو شاذ ومثله أعدم من العدم إذا افتقر قال وانما يقال أفعل من كذا للمفاضلة في الفعل الثلاثي قال المهلب وغيره المراد بهؤلاء الثلاثة أنهم أبغض أهل المعاصي إلى الله فهو كقوله أكبر الكبائر وإلا فالشرك أبغض إلى الله من جميع المعاصي قوله ملحد في الحرم أصل الملحد هو المائل عن الحق والالحاد العدول عن القصد واستشكل بأن مرتكب الصغيرة مائل عن الحق والجواب ان هذه الصيغة في العرف مستعملة للخارج عن الدين فإذا وصف به من ارتكب معصية كان في ذلك إشارة إلى عظمها وقيل إيراده للجملة الاسمية مشعر بثبوت الصفة ثم التنكير للتعظيم فيكون ذلك إشارة إلى عظم الذنب وقد تقدم قريبا في عد الكبائر مستحل البيت الحرام وأخرج الثوري في تفسيره عن السدي عن مرة عن بن مسعود قال ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه إلا أن رجلا لو هم بعدن أبين أن يقتل رجلا بالبيت الحرام إلا أذاقه الله من عذاب أليم وهذا سند صحيح وقد ذكر شعبة أن السدي رفعه لهم وكان شعبة يرويه عنه موقوفا أخرجه أحمد عن زيد بن هارون عن شعبة وأخرجه الطبري من طريق أسباط بن نصر السدى موقوفا وظاهر سياق ا