تحفة الاحوذي بشرح جامع الترمذي للامام الحافظ أبي العلا محمد عبد الرحمن ابن عبد الرحيم المباركفوري 1283 - 1353 ه . طبعة جديدة مقارنة مع الطبعتين الهندية والمصرية ، مع ملحق خاص بالاحاديث المستدركة من جامع الترمذي الجزء الاول أبواب الطهارة - أبواب الصلاة . دار الكتب العلمية بيروت - لبنان
[ 2 ]
الطبعة الاولى 1410 ه . 1990 م
[ 3 ]
88 ما جاء في العمرة من التنعيم بفتح المثناة وسكون النون وكسر المهملة مكان معروف خارج مكة وهو على أربعة أميال من مكة إلى جهة المدينة قوله (أن يعمر) بضم الياء من الاعمار قال صاحب الهدى لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر مدة إقامته بمكة قبل الهجرة ولا اعتمر بعد الهجرة إلا داخلا إلى مكة ولم يعتمر قط خارجا من مكة إلى الحل ثم يدخل مكة بعمرة كما يفعل
الناس اليوم ولا ثبت عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك في حياته إلا عائشة وحدها إنتهى قال الحافظ في الفتح وبعد أن فعلته عائشة بأمره دل على مشروعيته قال واختلفوا هل يتعين التنعيم لمن اعتمر من مكة فروى الفاكهي وغيره من طريق محمد بن سيرين قال بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل مكة التنعيم ومن طريق عطاء قال من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها فليخرج إلى التنعيم أو إلى الجعرانة فليحرم منها وأفضل ذلك أن يأتي وقتا أي ميقاتا من مواقيت الحج قال الطحاوي ذهب قوم إلى أنه لا ميقات للعمرة لمن كان بمكة إلا التنعيم ولا ينبغي مجاوزته كمالا ينبغي مجاوزة المواقيت التي للحج وخالفهم اخرون فقالوا ميقات العمرة الحوإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة بالإحرام من التنعيم لأنه كان أقر ب الحل من مكة ثم روى من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة في حديثها قالت وكان أدنانت من الحرم التنعيم فاعتمرت منه قال فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحل وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء إنتهى كلام الحافظ قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه
[ 4 ]
باب ما جاء في العمرة من الجعرانة فيها لغتان إحداهما كسر الجيم وسكون العين المهملة وفتح الراء المخففة والثانية كسر العين وتشديد الراء وإلى التخفيف ذهب الأصمعي وصوبه الخطابي وهي ما بين الطائف ومكة وهي إلى مكة أقرب قاله العيني قوله (عن مزاحم بن أبي مزاحم) المكي مولى عمر بن عبد العزيز روى عنه وعن عبد العزيز بن عبد الله وغيرهما (عن محرش) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الراء المشدد وشين معجمة على المشهور وقيل بكسر الميم وخاء معجمة ساكنة وفتح الراء قاله السيوطي قال الحافظ صحابي له حديث في عمرة الجعرانة قوله (فأصبح بالجعرانة كبائت) إسم فاعل من بات يبيت يعني أصبح صلى الله عليه وسلم بالجعرانة كأنه
بات فيها ولم يخرج عنها ولم يذهب منها إلى مكة (في بطن سرف) بكسر الراء موضع على نحو ثلاثة أميال من مكة قوله (هذا حديث حسن غريب الخ) قال في تهذيب التهذيب في ترجمة مزاحم بن أبي مزاحم أخرج الشافعي عن ابن عينية عن إسماعيل بن أمية عنه حديث محرش الكعبي في العمرة من الجعرانة وأخرجه النسائي من طريق ابن عيينة
[ 5 ]
باب ما جاء في عمرة رجب قوله (إلا وهو معه تعني ابن عمر) أي حاضر معه وقالت ذلك مبالغة في نسبته إلى النسيان (وما اعتمر في شهر رجب قط) زاد عطاء عن عروة عند مسلم في اخره قال وابن عمر يسمع فما قال لا ولا نعم سكت قال النووي هذا يدل على أنه اشتبه عليه أو نسي أو شك ولهذا سكت عن الانكار على عائشة ومراجعتها بالكلام فهذا الذي ذكرته هو الصواب الذي يتعين المصير إليه قوله (اعتمر أربعا إحداهن في رجب) هكذا رواه الترمذي مختصرا ورواه الشيخان من طريق جرير عن منصور عن مجاهد مطولا فلفظ البخاري قال دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة وإذا أناس يصلون في المسجد صلاة الضحى قال فسألناه عن صلاتهم فقال بدعة ثم قال له كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قال أربع إحدهن في رجب فكرهنا أن نرد عليه قال وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة فقال عروة يا أماه يا أم المؤمنين ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن قالت ما يقول قال يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمرات إحداهن في رجب قالت يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهد وما اعتمر في رجب قط إنتهى وروى الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته عمرة من الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة وعمرة من جعرانة حيث قسم
غنائم حنين في ذي القعدة وعمرة حجته
[ 6 ]
باب ما جاء في عمرة ذي القعدة قوله (حدثنا العباس بن محمد الدوري) أبو الفضل البغدادي خوارزمي الأصل ثقة حافظ من الحادية عشر كذا في التقريب وقال في الخلاصة أحد الحفاظ الأعلام عن حسين الجعفي وأبي داود الطيالسي وشبابة وخلق ولزم ابن معين وأخذ عنه الجرح والتعديل وعنه أهل السنن الأربعة إنتهى وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ ولد سنة 851 ثمان وخمسين ومائة وتوفي في صفر سنة 172 إحدى وسبعين ومائتين قال وكتابه في الرجال عن ابن معين مجلد كبير نافع ينبئ عن بصره بهذا الشأن إنتهى (السلولى) بفتح السين وباللامين وصدوق تكلم فيه للتشيع قوله (اعتمر في ذي القعدة) وفي رواية البخاري من طريق إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق قال سمعت البراء بن عازب يقول اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين إنتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري من وجه اخر قوله (وفي الباب عن ابن عباس) لينظر من أخرجه ما جاء في عمرة رمضان قوله (أخبرنا أبو أحمد الزبيري) بضم الزاي وفتح الموحدة وسكون الياء هو محمد بن عبد الله بن الزبير الكوفي ثقة ثبت إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري (عن ابن أمعقل) قال
[ 7 ]
العيني في عمدة القاري ص 41 ج 5 ابن أبي معقل الذي لم يسم في رواية الترمذي اسمه معقل كذا ورد مسمى في كتاب الصحابة لابن مندة من طريق عبد الرزاق عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن معقل بن أبي معقل عن أمعقل قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة في رمضان تعدل حجة ومعقل هذا معدود في الصحابة من أهل المدينة قال محمد بن سعد صحب النبي صلى الله عليه وسلم وروى
عنه وهو معقل بن أبي معقل بن نهيك بن أساف بن عدي إنتهى بقدر الحاجة قلت ليس في رواية الترمذي بن أبي معقل بل فيها ابن أم معقل (عن أم معقل) الأسدية أو الأشجعية زوج أبي معقل ويقال لها الأنصارية صحابية لها حديث في عمرة رمضان كذا في التقريب قوله (عمرة في رمضان تعدل حجة) في الثواب لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حج الفرض وقال ابن العربي حديث العمرة هذا صحيح وهو فضل من الله ونعمة فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها وقال ابن الجوزى فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وخلوص المقصد قوله (وفي الباب عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة وأنس ووهب ابن خنبش) بمعجمة ونون وموحدة وزن جعفر الطائي صحابي نزل الكوفة ويقال اسمه هرم ووهب أصح قاله في التقريب أما حديث ابن عباس فأخرجه الشيخان وأما حديث جابر فأخرجه ابن ماجه عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عمرة في رمضان تعدل حجة وأما حديث أبي هريرة فلينظر من أخرجه وأما حديث أنس فأخرجه أبو أحمد بن عدي في الكامل عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول عمرة في رمضان كحجة معي وفي إسناده مقال وأما حديث وهب بن خنبش فأخرجه ابن ماجه من رواية سفيان عن بيان وجابر عن الشعبي عن وهب بن خنبش مرفوعا عمرة في رمضان تعدل حجة وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها العيني في عمد القاري ص 41 ج 5
[ 8 ]
قوله (وحديث أم معقل حديث حسن غريب من هذا الوجه) وأخرجه أبو داود من وجه اخر وأخرجه النسائي أيضا من وجه اخر قوله (قال إسحاق معنى هذا الحديث مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ قل هو الله أحد فقد قرأ ثلث القران) وقال ابن خزيمة إن الشئ يشبه بالشئ ويجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني لا جميعها لأن العمرة لا يقضي بها فرض الحج ولا النذر إنتهى
ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر بصيغة المجهول (أو يعرج) بصيغة المعروف قال العيني في شرح البخاري اختلف العلماء في الحصر بأي شئ يكون وبأمعنى فقال قوم يكون الحصر بكل حال من مرض أو عدو وكسر وذهاب نفقة ونحوها مما يمنعه عن المضي إلى البيت وهي قول أبي حنيفة رضي الله عنه وأصحابه وروى ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت وقال اخرون وهم الليث بن سعد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق لا يكون الاحصار إلا بالعدو فقط ولا يكون بالمرض انتهى قلت قال الحافظ في الفتح وصح عن ابن عباس أن لا حصر إلا بالعدو وأخرج عبد الرزاق عن معمر وأخرج الشافعي عن ابن عيينة كلاهما عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال لاحصر إلا من حبسه عدو فيحل بعمرة وليس عليه حج ولا عمرة انتهى وإليه ذهب ابن عمر رضي الله عنه روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال من حبس دون البيت بالمرض فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت وروى مالك عن أيوب عن رجل من أهل البصرة قال خرجت إلى مكة حتى إذا كنت بالطريق كسرت فخذي فأرسلت إلى مكة وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والناس فلم يرخص لي أحد في أن أحل فأقمت على ذلك إلى تسعة أشهر ثم حللت بعمرة
[ 9 ]
واحتج من قال أن لا إحصار إلا بالعدو اتفاق أهل النقل على أن قوله تعالى فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله نزل في قصة الحديبية حين صد النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت فسمى الله صد العدو إحصارا وحجة الاخرين التمسك بعموم قوله تعالى (فإن أحصرتم) وبحديث الباب والظاهر هو قول من قال بتعميم الاحصار والله تعالى أعلم قوله (من كسر) بضم الكاف وكسر السين (أو عرج) زاد أبو داود في رواية له أو مرض
قال في القاموس عرج أصابه شئ في رجله وليس بخلقة فإذا كان خلقة فعرج كفرح أو يثلث في غير الخلقة (فقد حل) أي يجوز له أن يترك الاحرام ويرجع إلى وطنه (وعليه حجة أخرى) زاد أبو داود من قابل أي يقضي ذلك الحج في السنة المستقبلة قال الخطابي هذا فيمن كان حجه عن فرض فأما المتطوع بالحج إذا أحصر فلا شئ عليه غير هذا الاحصار وهذا على قول مالك رحمه الله والشافعي رحمه الله وقال أبو حنيفة رحمه الله وأصحابه عليه حجة وعمرة وهو قول النخعي وعن مجاهد والشعبي وعكرمة عليه حجة من قابل انتهى قوله (فذكرت ذلك لأبي هريرة وابن عباس الخ) وفي رواية أبي داود قال عكرمة فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقلا صدق قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أبو داود وسكت عنه ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره ورواه أيضا النسائي وابن ماجه وقال القاري في المرقاة وقال غير الترمذي صحيح
[ 10 ]
باب ما جاء في الاشتراط في الحج قوله (أن ضباعة) بضم الضاد المعجمة وبالوحدة والعين المهملة (بنت الزبير) أي ابن عبد المطلب بن هاشم (محلى) بفتح الميم وكسر الحاء أي محل خروجي من الحج وموضع حلالي من لاحرام أي زمانه ومكانه (حيث تحبسني) أي تمنعني يا الله قوله (وفي الباب عن جابر) أخرجه البيهقي (وأسماء) أي بنت أبي بكر رضي الله عنه أخرجه ابن ماجه (وعائشة) قالت دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير فقال لها لعلك أردت الحج قالت والله ما أجدني إلا وجعة فقال لها حجي واشترطي وقولي اللهم محلى حيث حبستني وكانت تحت المقداد بن الأسود أخرجه الشيخان قال الحافظ في الفتوفي الباب عن ضباعة نفسها وعن سعدى بنت عوف وأسانيدها كلها قوية انتهى وفي الباب أيضا عن أنس وابن مسعود وأم سليم عند البيهقي وعن أم سلمة عند أحمد والطبراني في الكبير وفي إسناده ابن
إسحاق ولكنه صرح بالتحديث وبقية رجاله رجال الصحيح وعن ابن عمر رضي الله عنه في الطبراني في الكبير وفيه علي بن عاصم وهو ضعيف قوله (حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا البخاري
[ 11 ]
قوله (وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق) قال الحافظ في الفتح وصح القول بالاشتراط عن عمر وعثمان وعلي وعمار وابن مسعود وعائشة وأم سلمة وغيرهم من الصحابة ولم يصح إنكاره عن أحد من الصحابة إلا عن ابن عمر ووافقه جماعة من التابعين ومن بعدهم من الحنفية والمالكية انتهى قوله (ولم ير بعض أهل العلم الاشتراط في الحج الخ) وهو قول أبي حنيفة ومالك وبعض التابعين وأجابوا من حديث ضباعة بأجوبة منها أنه خاص بضباعة قال النووي وهو تأويل باطل وقيل معناه محلى حيث حبسني الموت إذا أدركتني الوفاة انقطع إحرامي حكاه إمام الحرمين وأنكره النووي وقال إنه ظاهر الفساد وقيل إن الشرط خاص بالتحلل من العمرة لا من الحج حكاه المحب الطبري وقصة ضباعة ترده كما تقدم من سياق مسلم وقد أطنب ابن حزم في التعقب على من أنكر الاشتراط بما لا مزيد عليه قاله الحافظ باب منه قوله (عن أبيه) أي عبد الله بن عمر (أنه كان ينكر الاشتراط في الحج) أشار ابن عمر بإنكار الاشتراط إلى ما كان يفتى به ابن عباس قال البيهقي لو بلغ ابن عمر حديث ضباعة في الاشتراط لقال به كذا في الفتح (ويقول أليس حسبكم سنة نبيكم) أي ليس يكفيكم سنة نبيكم لأن معنى الحسب الكفاية ومنه حسبنا الله أي كافينا وحسبكم مرفوع لأنه اسم ليس وسنة نبيكم منصوب على أنه خبر ليس
[ 12 ]
قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه البخاري مطولا ما جاء في المرأة تحيض بعد الافاضة أي بعد طواف الزيارة قوله (ذكر) بصيغة المجهول (أن صفية بنت حي) بضم الحاء المهملة وبالتحتيين مصغرا (فقال أحابستنا هي) الهمزة فيه الاستفهام أي أمانعتنا من التوجه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه ظنا منه صلى الله عليه وسلم أنها ما طافت طواف الافاضة (قد أفاضت) أي طافت طواف الزيارة (فلا إذا) أي فلا حبس علينا حينئذ أي إذا أفاضت فلا مانع لنا من التوجه لأن الذي يجب عليها قد فعلته قوله (وفي الباب عن ابن عمر) أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم (وابن عباس) قال كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينفر أحد حتى يكون اخر عهده بالبيت أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه وفي رواية أمر الناس أن يكون اخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض أخرجه الشيخان قوله (حديث عائشة حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق) وبه قال أبو حنيفة رحمه الله
[ 13 ]
قوله (ورخص لهن) أي للنساء اللاتي حضن بعد أن طفن طواف الزيارة أن يتركن طواف الوداع قوله (حديث ابن عمر حديث صحيح) وأخرجه النسائي وصححه الحاكم كذا في النيل قوله (والعمل على هذا عند أهل العلم) قال ابن المنذر قال عامة الفقهاء بالأمصار ليس على الحائض التي أفاضت طواف الوداع وروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن عمر وزيد بن ثابت أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضا لطواف الوداع وكأنهم أوجبوا عليها طواف الافاضة إلى أن قال وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد
بن ثابت عن ذلك وبقي عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة انتهى بقدر الحاجة ما جاء ما تقضي الحائض من المناسك قوله (أن أقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت) وفي رواية للشيخين (أهلي بالحج واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) وقد روى هذا الحديث عن عائشة من غير هذا الوجه أيضا أي من غير هذا الاسناد الذي أخرجه الترمذي وقد روى هذا الحديث الشيخان وغيرهما وله ألفاظ
[ 14 ]
قوله (حدثنا زياد بن أيوب) ابن زياد البغدادي وأبو هاشم الطوسى المحار الأصل يلقب دلويه وكان يغضب منها ولقبه أحمد شعبة الصغير ثقة حافظ من العاشرة (أخبرنا مروان بن شجاع) الجزري أبو عمرو ويقال أبو عبد الله الأموي مولاهم نزل بغداد صدوق له أوهام ويقال له الخصيفي لكثرة روايته عن خصيف قوله (أن النفساء والحائض تغتسل وتحرم الخ) وفي رواية أبي داود الحائض والنفساء إذا أتتا على الوقت تغتسلان وتحرمان وتقضيان المناسك كلها الخ قال النووي فيه صحة إحرام النفساء والحائض واستحباب اغتسالهما للإحرام وهو مجمع على الأمر به لكن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور أنه مستحب وقال الحسن وأهل الظاهر هو واجب والحائض والنفساء يصح منهما جميع أفعال الحج إلا الطواف وركعتيه لقوله صلى الله عليه وسلم إصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي وفيه أن ركعتي الاحرام سنة ليستا بشرط لصحة الحج لأن أسماء لم تصلهما انتهى قوله (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) وأخرجه أبو داود قال المنذري وأخرجه الترمذي وقال غريب من هذا الوجه هذا اخر كلامه وفي إسناده خصيف وهو ابن عبد الرحمن الحراني كنيته أبو عون وقد ضعفه غير واحد انتهى كلام المنذري
ما جاء من حج واعتمر فليكن اخر عهده بالبيت قوله (حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي) الناجي الوشاء ثقة روى عن عبد الله ابن أدريس وعبد الرحمن بن محمد المحاربي وغيرهما وروى عنه الترمذي وابن ماجة وغيرهما (أخبرنا
[ 15 ]
المحاربي) هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد الكوفي لا بأس به وكان يدلس من التاسعة (عن عبد الملك بن مغيرة) الطائفي مقبول من الرابعة وقال في تهذيب التهذيب روى عن ابن عباس وعبد الرحمن بن البيلماني وغيرهما وعنه الحجاج بن أرطاة وغيره وذكره ابن حبان في الثقات (عن عبد الرحمن بن البيلماني) بفتح الموحدة ثم تحتانية ساكنوفتح اللام كذا في الخلاصة وقال في التقريب هو مولى عمر رضي الله عنه مدني نزل حران ضعيف من السادسة وقال في تهذيب التهذيب عبد الرحمن بن أبي زيد هو ابن البيلماني روى عن ابن عباس وعمرو بن أوس وغيرهما (عن عمرو بن أوس) الثقفي الطائفي تابعي كبير من الثانية وهم من ذكره في الصحابة (عن الحارث بن عبد الله بن أوس) قال في تهذيب التهذيب الحارث بن أوس ويقال ابن عبد الله بن أوس الثقفي حجازي سكن الطائف روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عمر وعنه عمرو بن أوس الثقفي قوله (من حج هذا البيت أو اعتمر فليكن اخر عهده بالبيت) كذا في هذا الحديث بزيادة أو اعتمر رواه أبو داود في سننه وليس فيه هذه الزيادة وليس هذه الزيادة في حديث ابن عباس الذي أشار إليه الترمذي فهذه الزيادة غير محفوظة (فقال له عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (خررت من يديك) قال الجزري في النهاية أي سقطت من أجل مكروه يصيب يديك من قطع أو وجع وقيل هو كناية عن الخجل يقال خررت عن يدي أي خجلت وسياق الحديث يدل عليه وقيل معناه سقطت إلى الأرض من سبب يديك أي من جنايتهما كما يقال لمن وقع في مكروه إنما أصابه ذلك من يده أي من أمر عمله وحيث كان العمل باليد أضيف إليها انتهى ووقع في رواية أبي داود أربت عن يديك قال الجزري أي سقطت أرابك من اليدين خاصة
وقال الهروي معناه ذهب ما في يديك حتى تحتاج وفي هذا نظر لأنه قد جاء في رواية أخرى لهذا الحديث خررت عن يديك وهي عبارة عن الخجل مشهورة كأنه أراد أصابك خجل أو ذم ومعنى خررت سقطت انتهى قال في حاشية النسخة الأحمدية فإن قلت كان عمر رضي الله عنه يرى ذلك برأيه واجتهاده فلم غضب عليه قلت غضبه على أنه كان ينبغي له أن يبلغ هذا الحديث عند أداء المناسك لكي يرى الناس ذلك سنة ولم يسنده إلى اجتهاد عمر ورأيه انتهى
[ 16 ]
قلت هذا ليس بصحيح بل وجه ذلك مذكور صراحة في رواية أبي داود فقد رواها عن الحارث بن عبد الله بن أوس قال أتيت عمر بن الخطاب فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض قال ليكن اخر عهدها بالبيت قال فقال الحارث كذلك أفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر أربت عن يديك سألتني عن شئ سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي ما أخالف قوله (وفي الباب عن ابن عباس رضي الله عنه) قال كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينفر أحد حتى يكون اخر عهده بالبيت رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه وفي رواية أمر الناس أن يكون اخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض متفق عليه كذا في المنتقى قوله (حديث الحارث بن عبد الله بن أوس حديث غريب) قال المنذري وأخرجه النسائي والإسناد الذي أخرجه أبو داود والنسائي حسن وأخرجه الترمذي بإسناده ضعيف وقال غريب انتهى كلام المنذري قلت في إسناد الترمذي الحجاج بن أرطاة وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس وروي هذا الحديث عن عبد الملك بن مغيرة بالعنعنة وفي إسناده أيضا عبد الرحمن بن البيلماني وهو ضعيف كما عرفت وأما أبو داود والنسائي فأخرجاه بإسناد اخر غير إسناد الترمذي وفي أحاديث الباب دليل على وجوب طواف الوداع قال النووي وهو قول أكثر العلماء ويلزم بتركه دم وقال مالك وداود وابن المنذر هو سنة لا شئ في تركه قال الحافظ والذي رأيته لابن المنذر في الأوسط أنه واجب إلا أنه لا يجب بتركه شئ انتهى قال
الشوكاني وقد اجتمع في طواف الوداع أمره صلى الله عليه وسلم ونهيه عن تركه وفعله الذي هو بيان للمجمل الواجب ولا شك أن ذلك يفيد الوجوب والله تعالى أعلم ما جاء أن القارن يطوف طوافا واحدا قوله (فطاف لهما طوافا واحدا) استدل به من قال بكفاية الطواف الواحد للقارن وإليه ذهب الجمهور
[ 17 ]
قوله (وفي الباب عن ابن عمر) أخرجه أحمد وابن ماجه مرفوعا من قرن بين حجه وعمرته أجزأه لهما طواف واحد وأخرجه الترمذي أيضا ويأتي لفظه (وابن عباس رضي الله عنه) أخرجه ابن ماجه عن عطاوطاوس ومجاهد عن جابر بن عبد الله وابن عمر وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطف هو وأصحابه لعمرتهم وحجتهم حين قدموا إلا طوافا واحدا وفي الباب أيضا عن عائشة قالت خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع الحديث وفيه فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا اخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا أخرجه الشيخان قوله (حديث جابر حديث حسن) وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه بلفظ لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا طوافه الأول قوله (وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق) وبه قال مالك وهو قول الجمهور كما صرح به النووي وغيره وتمسكوا بأحاديث الباب قوله (وهو قول الثوري وأهل الكوفة) قال النووي وهو يحكى عن علي بن أبي طالب وابن مسعود والشعبي والنخعي انتهى قال الحافظ في الفتح واحتج الحنفية بما روي عن علي أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل وطرقه عن علي عند عبد الرزاق والدارقطني وغيرهما ضعيفة وكذا أخرج من حديث ابن مسعود بإسناد ضعيف نحوه وأخرج من حديث ابن عمر نحو ذلك وفيه الحسن ابن عمارة وهو متروك
والمخرج في الصحيحين وفي السنن عنه من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد وقال البيهقي إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين فيحمل على طواف القدوم وطواف الافاضة وأما السعي مرتين فلم يثبت وقال ابن حزم لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه في ذلك شئ أصلا
[ 18 ]
قال الحافظ لكن روى الطحاوي وغيره مرفوعا عن علي وابن مسعود ذلك بأسانيد لا بأس بها إذا اجتمعت ولم أر في الباب أصح من حديثي ابن عمر وعائشة المذكورين في هذا الباب ثم ذكر الحافظ كلاما حسنا من شاء الوقوف عليه فليرجع إلى فتح الباري وأراد بحديث ابن عمر الحديث الذي أشار إليه الترمذي وتقدم تخريجه ولفظه وأراد بحديث عائشة الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره وفيه وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا قلت القول الراجح هو أن القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد كالمفرد قوله (حدثنا عبد العزيز بن محمد) هو الدراوردي قوله (من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعى واحد منهما) أي من الحج والعمرة ورواه سعيد بن منصور بلفظ من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد كذا في فتح الباري وهذا لحديث نص صريح في أن القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد وسعى واحد (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه أحمد وابن ماجه ما جاء أن مكث المهاجر بعد الصدر ثلاث قال في النهاية الصدر بالتحريك رجوع المسافر من مقصد والشاربة من الورد يقال صدر يصدر صدورا وصدرا انتهى وقال في المجمع أي بعد الرجوع من منى وكان إقامة المهاجر بمكة حراما ثم أبيح بعد قضاء النسك ثلاثة أيام انتهى قوله (يمكث) بضم الكاف من باب نصر ينصر أي يقيم (المهاجر بعد قضاء نسكه) أي
[ 19 ]
بعد رجوعه من منى كما قال في الرواية الأخرى بعد الصدر أي الصدر من منى قاله النووي (بمكة
ثلاثا) أي يجوز له مكث هذه المدة لقضاء حوائجه ولا يجوز له الزيادة عليها لأنها بلدة تركها لله تعالى فلا يقيم فيها أكثر من هذه المدة لأنه يشبه العود إلى ما تركه لله تعالى قال النووي معنى الحديث أن الذين هاجروا من مكة قبل الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم عليهم استيطان مكة ولاقامة بها ثم أبي لهم إذا وصلوها بحج أو عمرة أو غيرهما أن يقيموا بعد فراغهم ثلاثة أيام ولا يزيدوا على الثلاثة انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في الهجرة ومسلم في الحج وأبو داود أيضا في الحج وأخرجه النسائي أيضا في الحج وفي الصلاة وابن الولاجه في الصلاة (وقد روى من غير هذا الوجه بهذا الاسناد مرفوعا) إن شئت الوقوف على ذلك فارجع إلى الصحيحين والسنن وقد ذكرنا مواقع الحديث فيها ما جاء ما يقول عند القفول من الحج والعمرة أي عند الرجوع منهما قوله (إذا قفل) أي رجع فعلا) الفاء للعطف وعلا فعل ماضي (فدفدا) بتكرار إلفاء المفتوحة والدال المهملة المكان الذي فيه ارتفاع وغلظ قاله السيوطي وكذلك في النهاية وجمعه فدافد أو شرفا) بفتح الشين المعجمة والراء المكان المرتفع (كبر) جواب إذا (ائبون) بهمزة ممدودة بعدها همزة مكسورة إسم فاعل من اب يئوب إذا رجع أي نحن راجعون من السفر بالسلامة إلى أوطاننا (تائبون) أي من المعصية إلى الطاعة (عابدون) أي لمعبودنا (سائحون) جمع سائح من
[ 20 ]
ساح الماء يسيح إذا جرى على وجه الأرض أي سائرون لمطلوبنا ودائرون لمحبوبنا قاله القاري في المرقاة (لربنا حامدون) أي لا لغيره لأنه هو المنعم علينا (صدق الله وعده) أي في وعده بإظهار الدين (ونصر عبده) أراد نفسه النفيسة (وهزم الأحزاب) أي القبائل المجتمعة من الكفار المختلفة لحرب النبي صلى الله عليه وسلم والحزب جماعة فيهم لغط (وحده) لقوله تعالى وما النصر إلا من عند الله وكانوا اثني عشر ألفا توجهوا من مكة إلى المدينة واجتمعوا حولها سوى من انضم إليهم من اليهود ومضى
عليهم قريب من شهر لم يقع بينهم حرب إلا الرامي بالنبل أو الحجارة زعما منهم أن المؤمنين لم يطيقوا مقابلتهم فلا بد أنهم يهربون فأرسل الله عليهم ريحا ليلة سفت التراب على وجوههم وأطفأت نيرانهم وقلعت أوتادهم وأرسل الله ألفا من الملائكة فكبرت في معسكرتهم فحاصت الخيل وقذف في قلوبهم الرعب فانهزموا ونزل قوله تعالى يا أيها الذين امنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ومنه يوم الأحزاب وهو غزوة الخندق وقيل المراد أحزاب الكفار في جميع المواطن قاله القاري قوله (وفي الباب عن البراء) أخرجه الترمذي في الدعوات (وأنس) أخرجه أبو نعيم الحافظ ذكر لفظه العيني في عمدة القارى (وجابر) أخرجه الدارقطني عنه كنا إذا سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعدنا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا كذا في عمدة القاري قلت وأخرجه البخاري أيضا قوله (حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في الحج والدعوات ومسلم في الحج وأبو داود في الجهاد والنسائي في السير ما جاء في المحرم يموت في إحرامه قوله (فوقص) بصيغة المجهول أي كسر عنقه قال في النهاية الوقص كسر عنق وقصت
[ 21 ]
عنقه أقصها وقصا ووقصت به راحلته كقولك خذ الخطام وخذ بالخطام ولا يقال وقصت العنق نفسها ولكن يقال وقص الرجل فهو موقوص انتهى (ولا تخمروا رأسه) أي لا تغطوه (يهل أو يلبى) شك من الراوي والجملة حال أي يبعث ملبيا قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق) وهو قول الجمهور قالوا لا ينقطع إحرام المحرم بعد موته فلا يغطى رأسه ويكفن في ثوبيه واستدلوا بحديث الباب قوله (وقال بعض أهل العلم إذا مات المحرم ينقطع إحرامه ويصنع به ما يصنع بغير
المحرم) وهو قول الحنفية والمالكية واستدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه إذا مات ابن ادم انقطع عمله الحديث رواه مسلم وأجاب العيني والزرقاني وغيرهما عن الحنفية والمالكية عن حديث الباب بأن النبي صلى الله عليه وسلم لعله عرف بالوحي بقاء إحرامه بعد موته فهو خاص بذلك الرجل وبأنه واقعة حال لا عموم لها وبأنه علله بقوله فإنه يبعث ملبيا وهذا الأمر لا يتحقق في غيره وجوده فيكون خاصا به قال صاحب التعليق الممجد بعد ذكر هذه الأجوبة ما لفظه ولا يخفى على المنصف أن هذا كله تعسف فإن البعث ملبيا ليس بخاص به بل هو عام في كل محرم حيث ورد يبعث كل عبد على ما مات عليه أخرجه مسلم وورد من مات على مرتبة من هذه المراتب بعث عليها يوم القيامة أخرجه الحاكم وورد أن المؤذن يبعث وهو يؤذن والملبي يبعث وهو يلبي أخرجه الأصبهاني في الترغيب والترهيب وورد غير ذلك مما يدل عليه أيضا كما بسطه السيوطي في البدور السافرة في أحوال الاخرة فهذا التعليل لا دلالة له على الاختصاص وإنما علل به لأنه لما حكم بعدم التخمير المخالف لسنن الموتى نبه على حكمه فيه وهو أنه يبعث ملبيا فينبغي إبقاؤه على صورة الملبين واحتمال الاختصاص بالوحي مجرد احتمال لا يسمع وكونه واقعة حال لا عموم لها إنما يصح إذا لم يكن فيه تعليل وأما إذا وجد وهو عام فيكون الحكم عاما والجواب عن أثر ابن عمر يعني الذي رواه محمد عن مالك عن نافع أن ابن عمر كفن ابنه واقد بن عبد الله وقد مات محرما بالجحفة وخمر رأسه أنه يحتمل أنه لم يبلغه الحديث ويحتمل أن يكون بلغه وحمله على
[ 22 ]
الأولوية وجوز التخمير ولعل هذا هو الذي لا يتجاوز الحق عنه انتهى كلام صاحب التعليق الممجد وقال الحافظ في فتح الباري قال أبو الحسن بن القصار لو أريد تعميم هذا الحكم في كل محرم لقال فإن المحرم كما جاء أن الشهيد يبعث وجرحه يثعب دما وأجيب بأن الحديث ظاهر في أن العلة في الأمر المذكور كونه كان في النسك وهي عامة في كل محرم والأصل أن كل ما ثبت لواحد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت لغيره حتى يتضح التخصيص انتهما جاء أن المحرم يشتكي عينه فيضمدها بالصبر
ككتف ولا يسكن إلا بضرورة الشعروهو عصارة جامدة من نبات كالسوسن بين صفرة وحمرة منه سقوطرى ومنه عربي ومنه سميخاني أفضله سقوطرى كذا في القاموس وبحر الجواهر والضماد بالكسر أن يخلط الدواء بمائع ويلين ويوضع على العضو وأصل الضمد الشد من باب ضرب يقال ضمد رأسه وجرحه إذا شده بالضمادة وهي خرقة يشد بها العضو المؤوف ثم نقل لوضع الدواء على الجرح وغيره وان لم يشد قوله (عن نبيه بن وهب) بنون مضمومة وباء موحدة مصغرا قوله (اشتكى عينيه) وفي رواية لمسلم رمدت عينه (يقول اضمدها بالصبر) بكسر الميم وفي رواية لمسلم فإن عثمان حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجل إذا اشتكى عينيه وهو محرم ضمدها بالصبر قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم قوله (والعمل على هذا عند أهل العلم الخ) قال النووي اتفق العلماء على جواز تضميد العين وغيرها بالصبر ونحوه مما ليس بطيب ولا فدية في ذلك فإن احتاج إلى ما فيه طيب جاز له فعله وعليه الفدية واتفق العلماء على أن للمحرم أن يكتحل بكحل لا طيب فيه إذا احتاج إليه ولا فدية
[ 23 ]
عليه فيه وأما الاكتحال للزينة فمكروه عند الشافعي واخرين ومنعه جماعة منهم أحمد وإسحاق وفي مذهب مالك قولان كالمذهبين وفي إيجاب الفدية عندهم بذلك خلاف انتهى ما جاء في المحرم يحلق رأسه في إحرامه ما عليه قوله (عن كعب بن عجرة) بضم العين وسكون الجيم صحابي مشهور قوله (مر به) أي بكعب بن عجرة (وهو) أي كعب (بالحديبية) بضم الحاء المهملة وفتح الدال مصغرا قال الجزري في النهاية هي قرية قريبة من مكة سميت ببئر فيها وهي مخففة وكثير من المحدثين يشددها انتهى (وهو محرم وهو يوقد تحت قدر) الضميران يرجعان إلى كعب وفي رواية أبي وائل عن كعب وأنا أطبخ قدرا لأصحابي قاله الحافظ (والقمل) بفتح القاف وسكون الميم دويبة يتولد من العرق والوسخ إذا أصاب ثوبا أو بدنا أو شعرا يقال له بالفارسية سبس
(يتهافت) بالفاء أي يتساقط شيئا فشيئا (هوامك) بتشديد الميم جمع هامة وهي ما يدب من الأخشاش والمراد بها ما يلازم جسد الانسان إذا طال عهده بالتنظيف وقد عين في كثير من الروايات أنها القمل قاله الحافظ (وأطعم فرقا) بفتح الفاء والراء وقد تسكن قاله ابن فارس وقال الأزهري كلام العرب بالفتح والمحدثون قد يسكنونه وآخره قاف مكيال معروف بالمدينة (والفرق ثلاثة آصع) بمد الهمزة وضم الصاد جمع صاع وأصله أصوع فقلب وأبدل الوا وهمزة والهمزة ألفا وجاء في رواية أصوع على الأصل وذلك مثل آدر في جمع دار كذا في اللمعات ولمسلم من طريق أبي قلابة عن ابن أبي ليلى أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين قال الحافظ في فتح الباري وإذا ثبت أن الفرق ثلاثة آصع اقتضى أن الصاع خمسة أرطال وثلث خلافا لمن قال إن الصاع ثمانية أرطال (أو انسك) بضم السين (نسيكة) أي اذبح الذبيحة والنسيكة الذبيحة (قال ابن أبي نجيح أو اذبح شاة) أي مكان أو انسك نسيكة
[ 24 ]
قوله (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الشيخان قوله (فعليه الكفارة بمثل ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم) أي في حديث الباب من الاطعام أو الصيام أو ذبح شاة ما جاء في الرخصة للرعاة أن يرموا يوما ويدعوا يوما الرعاة بضم الراء جمع الراعي قوله (حدثنا ابن أبي عمر) هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني نزيل مكة صدوق صنف المسند وكان لازم ابن عيينة لكن قال أبو حاتم كانت فيه غفلة وقال في الخلاصة وثقه ابن حبان وقال أبو حاتم صدوق حدث بحديث موضوع عن ابن عيينة (أخبرنا سفيان) هو ابن عيينة (عن أبي البداح) بفتح الموحدة وتشديد المهملة واخره مهملة ابن عاصم بن عدى بن الجد بفتح الجيم يقال اسمه عدي ويقال كنيته أبو عمرو وأبو البداح لقب ثقة من الثالثة (عن أبيه) أي عاصم بن عدي قال السيوطي في قوت المغتذي ليس لأبي البداح ولا لأبيه عند المصنف إلا هذا الحديث قوله (رخص للرعاء) بكسر الراء جمع الراعي (أن يرموا يوما ويدعوا يوما) بفتح الدال
أي يتركوا يعني يجوز لهم أن يرموا اليوم الأول من أيام التشريق ويذهبوا إلى إبلهم فيبيتوا عندها
[ 25 ]
ويدعوا يوم النفر الأول ثم يأتوا في اليوم الثالث فيرموا ما فاتهم في اليوم الثاني مع رمي اليوم الثالث وفيه تفسير ثان وهو أنهم يرمون جمرة العقبة ويدعون رمي ذلك اليوم ويذهبون ثم يأتون في اليوم الثاني من التشريق فيرمون ما فاتهم ثم يرمون عن ذلك اليوم كما تقدم وكلاهما جائز وإنما رخص للرعاء لأن عليهم رعي الابل وحفظها لتشاغل الناس بنسكهم عنها ولا يمكنهم الجمع بين رعيها وبين الرمي والمبيت فيجوز لهم ترك المبيت للعذر والرمي على الصفة المذكورة كذا في النيل (هكذا روى ابن عيينة) يعني روى عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح بن عدي عن أبيه فقال ابن عيينة عن أبي البداح بن عدي عن أبيه فيظهر منه أن عديا والد أبي البداح وهو يروي هذا الحديث عنه وليس الأمر كذلك فإن عديا هو جد أبي البداح ووالد أبي البداح هو عاصم بن عدي وهو يروي هذا الحديث عن والده عاصم بن عدي وقد صرح به الامام مالك في الرواية الآتية وقال الامام محمد رحمه الله في موطئه أخبرنا مالك حدثنا عبد الله بن أبي بكر أن أباه أخبره أن أبا البداح بن عاصم بن عدي أخبره عن أبيه عاصم بن عدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رخص لرعاء الابل الحديث (وروى مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه) فقال مالك عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه يعني عاصم بن عدي وهذا هو الصحيح فإن أبا البداح يروي هذا الحديث عن أبيه وهو عاصم لا عن جده وهو عدي وهذا ظاهر لمن تتبع كتب الرجال ولذلك قال الترمذي (ورواية مالك أصح) يعني قول مالك عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه صحيح وأما قول سفيان بن عيينة عن أبي البداح بن عدي عن أبيه ليس بصحيح فإن قلت قال الحافظ في التلخيص من قال عن أبي البداح بن عدي فقد نسبه إلى جده انتهى قلت يخدشه قوله عن أبيه بعد قوله عن أبي البداح بن عدي فتفكر
تنبيه وجه كون رواية مالك أصح ظاهر لكن لم يفهمه صاحب العرف الشذي فاعترض على الترمذي حيث قال كيف الفرق بين رواية مالك وابن عيينة ثم ذكر وجوها للأصحية واهية من عند نفسه ثم ردها ولم يرض بها ثم قال فالحاصل أني لم أجد وجها شافيا لترجيح رواية مالك على رواية ابن عيينة انتهى قلت لو تأمل صاحب العرف الشذي في كلام الترمذي تأملا صادقا لوجد الوجه الشافي لأصحية رواية مالك
[ 26 ]
قوله (في البيتوتة) مصدر بات أي في القيام ليلا بمنى اللائق للحجاج أي أباح لرعاة الابل ترك البيتوتة بمنى (أن يرموا يوم النحر) أي جمرة العقبة (ثم يجمعوا رمي يومين) أي الحادي عشر والثاني عشر (فيرمونه) أي رمي اليومين (في أحدهما) أي في أحد اليومين لأنهم مشغولون برعي الابل قال الطيبي رحمه الله أي رخص لهم أن لا يبيتوا بمنى ليالي أيام التشريق وأن يرموا يوم العيد جمرة العقبة فقط ثم لا يرموا في الغد بل يرموا بعد الغد رمي اليومين القضاء والأداء ولم يجوز الشافعي ومالك رحمهما الله أن يقدموا الرمي في الغد انتهى كلام الطيبي قال القاري وهو كذلك عند أئمتنا قوله (قال مالك ظننت أنه) أي عبد الله بن أبي بكر قوله (في الأول منهما) أي في اليوم الأول من اليومين (ثم يرمون يوم النفر) أي يوم الانصراف من منى وهو اليوم الثالث عشر وهو يوم النفر الثاني قوله (هذا حديث حسن صحيح) قال في المنتقى أخرجه الخمسة وصححه الترمذي وقال في النيل أخرجه أيضا مالك والشافعي وابن حبان والحاكم انتهى وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الشوكاني في النيل باب قوله (حدثنا سليم) بفتح أوله (بن حيان) بفتح المهملة وتشديد التحتانية الهزلي البصري ثقة من السابعة (قال سمعت مروان الأصفر) أبا خليفة البصري قيل اسم أبيه خاقان وقيل سالم ثقة من الرابعة
[ 27 ]
قوله (بما أهللت) قال أهللت بما أهل به (رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي حديث جابر الطويل عند مسلم ماذا قلت حين فرضت الحج قال قلت اللهم إني أهل بما أهل به رسولك (قال لولا أن معي هديا لأحللت) وفي حديث جابر الطويل قال فإن معي الهدى فلا تحل وفي الحديث دليل على أنه يجوز تعليق إحرام الرجل على إحرام غيره باب قوله (فقال يوم النحر) لما فيه من أكثر أحكام الحج من رمي الجمرة العقبة والحلق والذبح وطواف الزيارة وغيرها قوله (وهذا أصح من الحديث الأول) أي أرجح من الحديث الأول وأقل ضعفا منه فهما ضعيفان لأن في سندهما الحارث وهو الأعور وهو ضعيف وبين الترمذي وجه الأصحية بقوله روى غير واحد من الحفاظ الخ وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال هذا يوم الحج الأكبر أخرجه البخاري وغيره تنبيه قد اشتهر بين العوام أن يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة كان الحج حجا أكبر ولا أصل له نعم روى رزين عن طلحة بن عبيد الله بن كرز أرسله أفضل الأيام يوم عرفة وإذا وافق يوم جمعة فهو أفضل من سبعين حجة في غير يوم جمعة كذا في جمع الفوائد وهو حديث مرسل ولم أقف على إسناده
[ 28 ]
فائدة قال الحافظ واختلف في المراد بالحج الأصغر فالجمهور على أنه العمرة وقيل الحج الأصغر يوم عرفة والحج الأكبر يوم النحر لأن فيه تتكمل بقية المناسك وذكر الحافظ أقوالا أخرى وإن شئت الوقوف عليها فارجع إلى الفتح باب قوله (عن ابن عبيد) بالتصغير اسمه عبد الله ثقة من الثالثة (بن عمير) بالتصغير أيضا
(عن أبيه) عبيد بن عمير يكنى أبا عاصم الليثي الحجازي قاضي أهل مكة ولد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقال رآه وهو معدود في كبار التابعين مات قبل ابن عمر رضي الله عنه قوله (أن ابن عمر كان يزاحم) أي يغالب الناس (على الركنين) أي الحجر الأسود والركن اليماني (زحاما) قال الطيبي أي زحاما عظيما وهو يحتمل أن يكون في جميع الأشواط أو في أوله وآخره فإنهما آكد أحوالها وقد قال الشافعي في الأم ولا أحب الزحام في الاستلام إلا في بدء الطواف وآخره لكن المراد ازدحام لا يحصل فيه أذى للأنام لقوله عليه الصلاة والسلام لعمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبرواه الشافعي وأحمد (يزاحم عليه) أي على ما ذكر أو على كل واحد وقد جاء أنه ربما دمى أنفه من شدة تزاحمه وكأنهم تركوه لما يترتب عليه من الأذى فالاقتداء بفعلهم سيما هذا الزمان أولى قاله القاري في المرقاة قلت روى سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمد قال رأيت ابن عمر يزاحم على الركن حتى يدمى ومن طريق أخرى أنه قيل له في ذلك فقال هوت الأفئدة إليه فأريد أن يكون فؤادي معهم وروى الفاكهي من طرق عن ابن عباس كراهة المزاحمة وقال لا يؤذي كذا في فتح الباري (إن أفعل) أي هذا الزحام فلا ألام فإن شرطية والجزاء مقدر ودليل الجواب قوله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ قاله القاري وقال الشيخ عبد الحق في اللمعات أي أن أزاحم فلا تنكروا على فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل استلامهما فإني لا أطيق الصبر عنه
[ 29 ]
(وسمعته) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا (سبوعا) كذا وقع في النسخ الموجودة بلا ألف ووقع في المشكاة أسبوعا بالألف قال في المجمع طاف أسبوعا أي سبع مرات والأسبوع الأيام السبعة وسبوع بلا ألف لغة انتهى وقال القاري وقال القاري أي سبعة أشواط كما في رواية (فأحصاه) قال السيوطي أي لم يأت فيه بزيادة أو نقص وقال القارى بأن يكمله ويراعي ما يعتبر في الطواف من الشروط والآداب (لا يضع) أي الطائف (إلا حط الله عنه بها) أي إلا وضع الله ومحا عنه بها أي إلا وضع الله ومحا عن الطائف بكل قدم
باب قوله (الطواف حول البيت) احتراز من الطواف بين الصفا والمروة (مثل الصلاة) بالرفع على الخبرية وجوز النصب أي نحوها (إلا أنكم تتكلمون فيه) أي في الطواف قال القاري في المرقاة أي تعتادون الكلام فيه والاستثناء متصل أي مثلها في كل معتبر فيها وجودا وعدما إلا التكلم يعني وما في معناه من المنافيات من الأكل والشرب وسائر الأفعال الكثيرة وإما منقطع أي لكن رخص لكم في الكلام وفي العدول عن قوله إلا الكلام نكتة لطيفة لا تخفى ويعلم من فعله عليه الصلاة والسلام عدم شرطية الاستقبال وليس لأصل الطواف وقت مشروط وبقي بقية شروط الصلاة من الطهارة الحكمية والحقيقية وستر العورة فهي معتبرة عند الشافعي كالصلاة وواجبات عندنا لأنه لا يلزم من مثل الشئ أن يكون مشاركا له في كل شئ على الحقيقة مع أن الحديث من الآحاد وهو ظني لا يثبت به الفرضية مع الاتفاق أنه يعفي عن النجاسة التي بالمطاف
[ 30 ]
إذ شق اجتنابها لأن في زمنه عليه الصلاة والسلام وزمن أصحابه الكرام ومن بعدهم لم تزل فيه نجاسة زرق الطيور وغيرها لم يمتنع أحد من الطواف به لأجل ذلك ولا أمر من يقتدي به بتطهير ما هنالك (فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير) أي من ذكر الله وإفادة علم واستفادته على وجه لا يشوش على الطائفين قوله (وقد روى عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفا الخ) قال الحافظ في التلخيص رواه الترمذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان وقال الترمذي روى مرفوعا وموقوفا ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء ومداره على عطاء بن السائب عن طاوس عن ابن عبا س واختلف في رفعه ووقفه ورجح الموقوف النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي وزاذ إن رواية الرفع ضعيفة وفي إطلاق ذلك نظر فإن عطاء بن السائب صدوق وإذا روى عنه الحديث مرفوعا تارة وموقوفا أخرى فالحكم عند هؤلاء الجماعة للرفع والنووي ممن يعتمد ذلك ويكثر منه ولا يلتفت
إلى تعليل الحديث به إذا كان الرافع ثقة فيجئ على طريقته أن المرفوع صحيح فإن اعتل عليه بأن عطاء بن السائب اختلط ولا تقبل إلا رواية من رواه عنه قبل اختلاطه وأجيب بأن الحاكم أخرجه من رواية سفيان الثوري عنه والثوري ممن سمع قبل اختلاطه باتفاق وإن كان الثوري قد اختلف عليه في وقفه ورفعه فعلى طريقتهم تقدم رواية الرفع أيضا والحق أنه من رواية سفيان موقوف ووهم عليه من رفعه وقد بسط الحافط الكلام ههنا من شاء الوقو ف عليه فليرجع إلى التلخيص ص 47 باب قوله (أخبرنا جرير) هو ابن عبد الحميد بن قرط الضبي ثقة (عن ابن خثيم) بالخاء المعجمة والمثلثة مصغرا هو عبد الله بن عثمان بن خثيم القاري المكي أبو عثمان ثقة
[ 31 ]
قوله (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجر) أي في شأن الحجر الأسود ووصفه (ليبعثنه الله) أي ليظهرنه (له عينان يبصر بهما) فيعرف من استلمه (يشهد على من استلمه بحق) قال العراقي على هنا بمعنى اللام وفي رواية أحمد والدارمي وابن حبان يشهد لمن استلمه قال والباء في بحق يحتمل تعلقها بيشهد أو باستلمه كذا في قوت المغتذي وقال الشيخ في اللمعات كلمة على باعتبار تضمين معنى الرقيب والحفيظ وقوله بحق متعلق باستلمه أي استلمه إيمانا واحتسابا ويجوز أن يتعلق بيشهد والحديث محمول على ظاهره فإن الله تعالى قادر على إيجاد البصر والنطق في الجمادات فإن الأجسام متشابهة في الحقيقة يقبل كل منها ما يقبل الاخر من الأعراض ويأوله الذين في قلوبهم زيغ التفلسف ويقولون إن ذلك كناية عن تحقيق ثواب المستلم وإن سعيه لا يضيع والعجب من البيضاوي أنه قال إن الأغلب على الظن أن المراد هذا وإن لم يمتنع حمله على الظاهر ولا عجب فإنه مجبول على التفلسف في تفسير القران وشرح الأحاديث تجاوز الله عنه انتهى كلام الشيخ قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه ابن ماجه والدارمي قال الحافظ في الفتح في صحيح
ابن خزيمة عن ابن عباس مرفوعا إن لهذا الحجر لسانا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق وصححه أيضا ابن حبان والحاكم وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم أيضا انتهى ولو أورد الترمذي هذا الحديث في باب فضل الحجر الأسود لكان أحسن قوله (عن فرقد السبخي) قال في التقريب فرقد بن يعقوب السبخي بفتح المهملة والموحدة وبخاء معجمة أبو يعقوب البصري صدوق عابد لكنه لين الحديث كثير الخطأ من الخامسة انتهى وقال الذهبي هي الميزان قال أبو حاتم ليس بقوي وقال ابن معين ثقة وقال البخاري في حديثه مناكير وقال النسائي ليس بثقة وقال أيضا هو والدارقطني ضعيف وقال يحي القطان ما يعجبني الرواية عن فرقد انتهى وقال في ترجمة محمد بن يونس القرشي الشامي نقلا عن ابن حبان فرقد السبخي ليس بشئ انتهى
[ 32 ]
قوله (غير المفتت) قال في القاموس زيت مفتت طبخ فيه الرياحين أو خلط بأدهان طيبة انتهى والحديث يدل على جواز الادهان بالزيت الذي لم يخلط بشئ من الطيب لكن الحديث ضعيف قال ابن المنذر أجمع العلماء على أنه يجوز للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن والشيرج وأن يستعمل ذلك في جميع بدنه سوى رأسه ولحيته قال وأجمعوا على أن الطيب لا يجوز استعماله في بدنه وفرقوا بين الطيب والزيت في هذا كذا في الفتح والنيل قلت ظاهر كلام الحنفية أن الادهان ممنوع عندهم مطلقا قال المرغيناني الحنفي في الهداية ولا يمس طيبا لقوله عليه السلام الحاج الشعث التفل وكذا لا يدهن لما روينا انتهى قال ابن الهمام والشعث انتشار الشعر وتغيره لعدم تعهده فأفاد منع الادهان انتهى قوله (هذا حديث غريب الخ) ومع كونه غريبا ضعيف لأن مداره على فرقد السبخي وقد عرفت حاله والحديث أخرجه أحمد وابن ماجه أيضا باب قوله (حدثنا خلاد بن يزيد الجعفي) الكوفي صدوق له أوهام من العاشرة (أخبرنا
زهير بن معاوية) بن خديج الجعفي الكوفي نزيل الجزيرة ثقة ثبت إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بأخره من السابعة قوله (كان يحمله) فيه دليل على استحباب حمل ماء زمزم إلى المواطن الخارجة عن مكة قوله (هذا حديث حسن غريب الخ) وأخرجه البيهقي والحاكم وصححه كذا في النيل
[ 33 ]
باب قوله (ومحمد بن الوزير الواسطي) ثقة عابد من العاشرة (أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق) بتقديم الزاي على الراء ثقة من التاسعة (عن سفيان) هو الثوري صرح به الحافظ (عن عبد العزيز بن رفيع) بالفاء مصغرا المكي نزيل الكوفة ثقة من الرابعة (أين صلى الظهر يوم التروية) أي يوم الثامن من ذي الحجة وسمى التروية بفتح المثناة وسكون الراء وكسر الواو وتخفيف التحتانية لأنهم كانوا يروون فيها إبلهم ويتروون من الماء لأن تلك الأماكن لم تكن إذ ذاك فيها ابار ولا عيون وأما الان فقد كثر ت جدا واستغنوا عن حمل الماء وقيل في تسمية التروية أقوال أخرى ذكرها الحافظ في الفتح لكنها شاذة (يوم النفر) بفتح النون وسكون الفاء هو اليوم الثالث من أيام التشريق (بالأبطح) أي البطحاء التي بين مكة ومنى وهي ما انبطح من الوادي واتسع وهي التي يقال لها المحصب والمعرس وحدها ما بين الجبلين إلى المقبرة كذا في فتح الباري (ثم قال) أي أنس (افعل كما يفعل أمراؤك) أي لا تخالفهم فإن نزلوا به فانزل به فإن تركوه فاتركه حذرا مما يتولد على المخالفة من المفاسد فيفيد أن تركه لعذر لا بأس به قوله (هذا حديث صحيح يستغرب الخ) يعني أإسحاق تفرد به قال الحافظ في الفتح وأظن أن لهذه النكتة أردفه البخاري بطريق أبي بكر بن عياش عن عبد العزيز ورواية أبي بكر وإن كان قصر فيها متابعة قوية بطريق إسحاق وقد وجدنا له شواهد ثم ذكر الحافظ شواهده والحديث أخرجه البخاري ومسلم
[ 34 ]
أبواب الجنائز عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال النووي الجنازة بكسر الجيم وفتحها والكسر أفصح ويقال بالفتح للميت وبالكسر للنعش عليه ميت ويقال عكسه والجمع جنائز بالفتح لا غير قال والجنازة مشتقة من جنز إذا ستر ذكره ابن فارس وغيره والمضارع يجنز بكسر النون انتهى ما جاء في ثواب المريض قوله (شوكة) بالفتح وهو في الفارسية خار (فما فوقها) يمكن أن يراد به ما هو فوقها في الصغر والقلة فيرجع إلى ما هو أقل منها أو ما هو فوقها في الكبر والتألم فيرجع إلى ما هو أكبر منها وقد فسروا بالوجهين قوله تعالى إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها والمعنى الأول أنسب وأفيد قاله أبو الطيب السندي قوله (وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة بن الجراح وأبي هريرة وأبي أمامة وأبي سعيد وأنس وعبد الله بن عمرو وأسد بن كرز وجابر وعبد الرحمن بن أزهر وأبي موسى) أما حديث سعد بن أبي وقاص فأخرجه الترمذي وابن ماجة والدارمي وأما حديث أبي عبيدة بن الجراح فأخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأصله في النسائي بسند جيد وصححه الحاكم
[ 35 ]
وذكره الحافظ في الفتح في كتاب المرضى وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مالك في الموطأ والترمذي وأما حديث أبي أمامة فأخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير كذا في الترغيب وأما حديث أبي سعيد فأخرجه الشيخان وأما حديث أنس فأخرجه أحمد ورواته ثقات قاله المنذري وأما حديث عبد الله بن عمرو فلينظر من أخرجه وأما حديث أسد بن كرز فأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده وابن أبي الدنيا بإسناد حسن وأما حديث جابر فأخرجه أحمد والبزار وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه وأما حديث عبد الرحمن بن أزهر فلينظر من أخرجه وأما حديث أبي موسى فأخرجه البخاري وأبو داود قوله (حديث عائشة حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم قوله (وما من شئ) ما نافية ومن زائدة للاستغراق قوله (من نصب) بفتحتين التعب والألم
الذي يصيب البدن من جراحة وغيرها (ولا حزن) بضم الحاء وسكون الزاي وبفتحهما وهو الذي يظهر منه في القلب خشونة يقال مكان حزن أي خشن (ولا وصب) بفتحتين الألم اللازم والسقم الدائم (حتى الهم) بالرفع فحتى ابتدائية والجملة بعد الهم خبره وبالجر فحتى عاطفة أو بمعنى إلى فالجملة بعده حاله (يهمه) أي يذيبه من هممت الشحم إذا أذبته من باب نصر ينصر قال في القاموس الهم الحزن هم السقم جسمه أذابه وأذهب لحمه وفي رواية البخاري ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم قال في الفتح الهم ينشأ من الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به والغم كرب يحدث للقلب بسبب ما حصل والحزن يحدث لفقد ما يشق على المرء فقده وقيل الهم والغم بمعنى واحد انتهى (إلا يكفر الله به عنه سيئاته) ظاهره تعميم جميع السيئات لكن الجمهور خصوا ذلك بالصغائر لحديث الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر فحملوا المطلقات الواردة في التفكير على هذا المقيد
[ 36 ]
قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه البخاري ومسلم (وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم) رواه البخاري في صحيحه من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله (قال وسمعت الجارود) أي قال الترمذي سمعت الجارود وهو الجارود بن معاذ السلمي الترمذي شيخ أبي عيسى الترمذي ثقة من العاشرة (يقول سمعت وكيعا) هو وكيع بن الجراح الكوفي ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة (أنه) أي وكيعا ما جاء في عيادة المريض قوله (عن أبي أسماء الرحبي) هو عمرو بن مرثد ويقال اسمه عبد الله ثقة من الثالثة مات في خلافة عبد الملك قوله (لم يزل في خرفة الجنة) زاد مسلم حتى يرجع والخرفة بضم الخاء وسكون الراء
وفتح الفاء قال الهروي في غريبه الخرفة ما يخترف من النخل حين يدرك ثمرة قال أبو بكر بن الأنياري شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحرزه عائد المريض من الثواب بما يحرز المخترف من الثمر وحكى الهروي عن بعضهم أن المراد بذلك الطريق فيكون معناه أنه طريق يؤديه إلى الجنة كذا في قوت المغتذي وقال ابن العربي قوله لم يزل في خرفة الجنة فإن ممشاه إلى المريض لما كان من الثواب على كل خطوة كان الخطى سببا إلى نيل الدرجات في النعيم المقيم عبر بها عنها لأنه بسببها مجاز انتهى
[ 37 ]
قوله (وفي الباب عن علي) أخرجه الترمذي (وأبي موسى) أخرجه البخاري (والبراء) أخرجه الشيخان (وأبي هريرة) أخرجه مسلم (وأنس) أخرجه أبو داود (وجابر) أخرجه الديلمي في الفردوس بلفظ أفضل العيادة أجرا سرعة القيام من عند المريض قوله (حديث ثوبان حديث حسن) وأخرجه مسلم قوله (وروى أبو غفار) بكسر المعجمة وتخفيف الفاء آخره راء اسمه مثنى بن سعد أو سعيد الطائي ليس به بأس من السادسة (نحوه) أي نحو حديث خالد الحذاء (قال) أي أبو عيسى (وسمعت محمدا) يعني الامام البخاري رحمه الله (من روى هذا الحديث عن أبي الأشعث عن أبي الأسماء فهو أصح) أي من روى عن أبي الأسماء بحذف واسطة أبي الأشعث (الاهذا الحديث) أي جميع أحاديثه غير هذا الحديث (إنما هي عن أبي أسماء) أي بلا واسطة أبي الأشعث (إلا هذا الحديث) أي المذكور (وهو عندي عن أبي الأشعث عن أبي أسماء) أي بواسطة أبي الأشعث فمن روى هكذا فهو أصح (وزاد فيه قيل ما خرقة الجنة قال جناها) بفتح الجيم قال في النهاية الجنا اسم ما يجتنى من الثمر ويجمع الجنا على أجن مثل عصى وأعص انتهى قوله (عن ثوير) بضم المثلثة مصغرا ابن فاختة بمعجمة مكسورة ومثناة مفتوحة سعيد بن
[ 38 ]
علاقة بكسر المهملة الكوفي ضعيف رمي بالرفض من الرابعة (عن أبيه) سعيد بن علاقة الهاشمي
مولاهم أبو فاختة الكوفي مشهور بكنيته ثقة من الثالثة قوله (أخذ علي) أي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه (إلى الحسن) أي ابن علي رضي الله تعالى عنه (غدوة) بضم الغين ما بين صلاة الغدوة وطلوع الشمس كذا قاله ابن الملك والظاهر أن المراد به أول النهار وما قبل الزوال (إلا صلى عليه) أي دعا له بالمغفرة (حتى يمسي) من الإمساء (وإن عاده) إن نافية بدلالة إلا ولمقابلتها ما (عشية) أي ما بعد الزوال أو أول الليل (وكان له) أي للعائد (خريف) أي بستان وهو في الأصل الثمر المجتني أو مخروف من ثمر الجنة فعيل بمعنى مفعول قوله (هذا حديث غريب حسن) وأخرجه أبو داود والنسائي (واسم أبي فاختة) هو ثوير كما عرفت فائدة قال أبو بكر بن العربي تكرار العيادة سنة لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل بسعد بن معاذ حين ضرب له خيمة في المسجد ليعوده من قريب قال ويعاد المريض من كل ألم دق أو جل ويعاد من الرمد وقد روى أن زيد بن أرقم عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم من رمد أصابه وما روي عن أبي هريرة مرفوعا لا يعاد من وجع العين ولا من وجع الضرس ولا من الدمل فليس بصحيح انتهى كلامه محصلا ما جاء في النهي عن تمني الموت قوله (عن حارثة بن مضرب) بالحاء المهملة والثاء المثلثة وأبوه بضم الميم وفتح الضاد
[ 39 ]
المعجمة وكسر الراء المشددة وآخره باء موحدة وليس له عند المصنف إلا هذا الحديث قاله السيوطي وقال الحافظ في التقريب ثقة من الثانية غلط من نقل عن ابن المديني أنه تركه انتهى قوله (دخلت على خباب) بالتشديد أي ابن الأرت بتشديد الفوقية تميمي سبي في الجاهلية وبيع بمكة ثم حالف بني زهرة وأسلم في السنة السادسة وهو أول من أظهر إسلامه فعذب عذابا شديدا لذلك وشهد بدرا والمشاهد كلها ومات سنة سبع وثلاثين منصرف علي كرم الله وجهه من صفين فمر على قبره فقال رحم الله خبابا أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا وابتلي في
جسمه أحوالا ولن يضيع الله أجره (وقد اكتوى في بطنه) قال الطيبي الكي علاج معروف في كثير من الأمراض وقد ورد النهي عن الكي فقيل النهي لأجل أنهم كانوا يرون أن الشفا منه وأما إذا أعتقد أنه سبب وأن الشافي هو الله فلا بأس به ويجوز أن يكون النهي من قبل التوكل وهو درجة أخرى غير الجواز انتهى ويؤيده حديث لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون (لقد كنت وما أجد درهما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) كأكثر الصحابة لأن الفتوحات العظيمة لم تقع إلا بعد ألا ترى أن عبد الله بن أبي السرح لما افتتح إفرقية في زمن عثمان بلغ سهم الفارس فيه ثلاثة آلاف دينار (وفي ناحية بيتي أربعون ألفا) وفي رواية أحمد وإن في جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم (نهانا أو نهى) شك من الراوي بين هذين اللفظين (أن يتمنى) بصيغة المجهول (لتمنيته) أي لأستريح من شدة المرض الذي من شأن الجبلة البشرية أن تنفر منه ولا تصبر عليه والحديث رواه أحمد وزاد قال ثم أتى بكفنه فلما راه بكى وقال لكن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه حتى مدت على رأسه وجعل على قدميه الاذخر (وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وجابر) أما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري ولفظه لا يتمنى أحدكم الموت إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا وإما مسيئا فلعله أن يستعتب وأما حديث أنس فأخرجه البخاري ومسلم وأما حديث جابر فأخرجه أحمد قوله (حديث خباب حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد
[ 40 ]
قوله (بضر) بضم الضاد وتفتح أي بسبب ضرر مالي أو بدني ووجه النهي أن تمني الموت من أجل الضر أنه يدل على الجزع في البلاء وعدم الرضاء بالقضاء (ما كانت الحياة خيرا لي) أي من الموت وهو أن تكون الطاعة غالبة على المعصية والأزمنة خالية عن الفتنة والمحنة (وتوفني) أي أمتني (إذا كانت الوفاة) أي الممات (خيرا لي) أي من الحياة بأن يكون الأمر عكس ما تقدم قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان ما جاء في التعوذ للمريض
قوله (إن جبريل) بكسر الجيم وفتحها (أتى النبي صلى الله عليه وسلم) أي للزيارة أو العيادة (أشتكيت) بفتح الهمزة للاستفهام وحذف همزة الوصل وقيل بالمد على إثبات همزة الوصل وإبدالها ألفا وقيل بحذف الاستفها (قال بسم الله أرقيك) بفتح الهمزة وكسر القاف مأخوذ من الرقية (من شر كل نفس) أي خبيثة (وعين حاسدة) وفي رواية مسلم أو عين حاسد قال النووي في شرح مسلم قيل يحتمل أن المراد بالنفس نفس الادمي وقيل يحتمل أن المراد بها العين فان النفس تطلق على العين يقال رجل منفوس إذا كان يصيب الناس بعينه كما قال في الرواية الأخرى من شر كل ذي عين ويكون قوله أو عين حاسد من باب التوكيد بلفظ مختلف أو شكا من الراوي في لفظه انتهى كلام النووي
[ 41 ]
قوله (وثابت البناني) بضم الموحدة (يا أبا حمزة) هذا كنية أنس قوله (رب الناس) بالنصب بحذف حرف النداء (مذهب الباس) أي مزيل شدة المرض قال الحافظ ابن حجر الباس بغير همزة للازدواج فإن أصله الهمزة (شفاء) بالنصب على أنه مفعول مطلق لا شف والجملتان معترضتان بين الفعل والمفعول المطلق (لا يغادر) بالغين المعجمة أي لا يترك (سقما) بفتحتين وبضم وسكون أي مرضا والتنكير للتقليل وفائدة التقييد أنه قد يحصل الشفاء من ذلك المرض فيخلفه مرض آخر يتولد منه مثلا فكان يدعو بالشفاء المطلق لا بمطلق الشفاء قوله (وفي الباب عن أنس) أخرجه أحمد وابن السني (وعائشة) أخرجه الشيخان و النسائي قوله (حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه قوله (قال) أي أبو عيسى (سألت أبا زرعة) هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ الرازي إمام حافظ ثقة مشهور روى عنه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه قال إسحاق كل حديث لا يعرفه أبو زرعة ليس له أصل مات سنة أربع وستين ومائتين (أخبرنا عبد الصمد بن عبد الوارث الخ) هذا مقول أبي زرعة واستدل بقوله هذا على كون كلا الحديثين صحيحا
[ 42 ]
باب ما جاء في الحث على الوصية قوله (ما) أي ليس (حق امرئ مسلم) قال الحافظ كذا في أكثر الروايات وسقط لفظ مسلم من رواية أحمد عن إسحاق بن عيسى عن مالك والوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له أو ذكر للتهييج لتقع المبادرة لامتثاله لما يشعر به من نفي الاسلام عن تارك ذلك ووصية الكافر جائزة في الجملة وحكى ابن المنذر فيه الاجماع وقد بحث فيه السبكي من جهة أن الوصية شرعت زيادة في العمل الصالح والكافر لا عمل له بعد الموت وأجاب بأنهم نظروا إلى أن الوصية كالإعتاق وهو يصح عن الذمي والحربي (يبيت) كأن فيه حذفا تقديره أن يبيت وهو كقوله تعالى (ومن آياته يريكم البرق) الآية ويجوز أن يكون يبيت صفة لمسلم وبه جزم الطيبي (وله شئ) جملة حالية (يوصي فيه) صفة شئ (إلا ووصيته مكتوبة عنده) قال الطيبي رحمه الله ما بمعنى ليس ويبيت صفة ثالثة لامرئ ويوصي فيه صفة شئ والمستثنى خبر أي لليس ثم قيد ليلتين على ما قاله المظهر تأكيد وليس بتحديد والمعنى لا ينبغي له أن يمضي عليه زمان وإن كان قليلا في حال من الأحوال إلا أن يبيت بهذه الحال وهي أن يكون وصيته مكتوبة عنده لأنه لا يدري متى يدركه الموت قال الطيبي رحمه الله وفي تخصيص ليلتين تسامح في إرادة المبالغة أي لا ينبغي أن يبيت ليلة وقد سامحناه في هذا المقدار فلا ينبغي أن يتجاوز عنه قال النووي فيه دليل على وجوب الوصية والجمهور على أنها مندوبة وبه قال الشافعي رحمه الله ومعناه ما الحزم والاحتياط لمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده وقال داود وغيره من أهل الظاهر هي واجبة بهذا الحديث ولا دلالة فيه على الوجوب لكن إن كان على الانسان دين أو وديعة لزمه الايصاء بذلك ويستحب تعجيلها وأن يكتبها فصحيفة ويشهد عليه فيها وإن تجدد له أمر يحتاج إلى الوصية به ألحقه بها قوله (وفي الباب عن ابن أبي أوفى) أخرجه البخاري من طريق طلحة بن مصرف قال سألت عبد الله بن أبي أوفى هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى فقال لا فقلت كيف كتب على
[ 43 ]
أو أمروا بالوصية قال أوصى بكتاب الله قوله (حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم ما جاء في الوصية بالثلث والربع قوله (هم أغنياء بخير) قال في مجمع البحار قوله بخير خبر بعد خبر أو صفة أغنياء قوله (فما زلت أناقصه) قال في مجمع البحار أي أراجعه في النقصان أي أعد ما ذكره ناقصا ولو روى بضاد معجمة لكان من المناقضة انتهى قلت في جميع النسخ الحاضرة أناقص بالصاد المهملة وأورد الشيخ ولي الدين هذا الحديث في المشكاة وفيه أيضا بالصاد المهملة لكن قال القاري في المرقاة وفي نسخة بالمعجمة وقال فيه نقلا عن ابن الملك أي قال سعد فما زلت أناقض النبي صلى الله عليه وسلم من المناقضة أي ينقض عليه الصلاة والسلام قولي وأنقض قوله أراد به المراجعة حرصا على الزيادة وروى بالصاد المهملة عن النقصان انتهى ما في المرقاة قلت وقع في رواية للنسائي أوص بالعشر فما زال يقول وأقول حتى قال أوص بالثلث الخ وقال الجزري في النهاية في حديث صوم التطوع فناقضني وناقضته أي ينقض قولي وأنقض قوله من نقض البناء أراد به المراجعة والمرادة انتهى (والثلث كبير) وقع في رواية البخاري كثير بالمثلثة قال الحافظ في الفتح كذا في أكثر الروايات ومعناه كثير بالنسبة إلى ما دونه قال ويحتمل أن يكون قوله والثلث كثير مسوقا لبيان الجواز بالثلث وأن الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه وهو ما يبتدره الفهم ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل أي كثير أجره ويحتمل أن يكون معناه كثير غير قليل قال الشافعي رحمه الله وهذا أولى معانيه يعني أن الكثرة أمر نسبي وعلى الأول عول ابن عباس انتهى قلت المراد بالأول الاحتمال الأول وهو أن قوله والثلث كثير مسوق لبيان الجواز وأن الأولى أن ينقص عنه روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال لو غفر الناس إلى الربع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الثلث
[ 44 ]
والثلث كبير أو كثير قال الحافظ في الفتح قوله لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هو كالتعليل لما اختاره من النقصان عن الثلث وكأن ابن عباس أخذ ذلك من وصفه صلى الله عليه وسلم الثلث بالكثرة انتهى (قال أبو عبد الرحمن فنحن نستحب أن ينقص من الثلث لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم والثلث كثير) يعني لوصفه صلى الله عليه وسلم الثلث بالكثرة وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنه كما عرفت آنفا وقال النووي في شرح مسلم إن كان الورثة فقراء استحب أن ينقص منه وإن كانوا أغنياء فلا قوله (وفي الباب عن ابن عباس) أخرجه البخاري ومسلم وتقدم لفظه قوله (حديث سعد حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم قوله (وقد روى عنه كبير) أي بالموحدة (ويروي كثير) أي بالمثلثة قوله (والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون أن يوصي الرجل بأكثر من الثلث) قال العيني في شرح البخاري إذا أوصى المسلم بأكثر من ثلث ماله فإن لم يكن له ورثة جاز وإن كان له ورثة فإن أجازوا جازت الوصية وإن ردوا بطلت الوصية وقال مالك والشافعي وأحمد لا يجوز إلا في الثلث ويوضع الثلثان لبيت المال إنتهى (ويستحبون أن ينقص من الثلث وقال سفيان الثوري كانوا يستحبون في الوصية الخمس دون الربع والربع دون الثلث الخ) قال العيني في شرح البخاري إعلم أن الاجماع قائم على أن الوصية بالثلث جائزة وأوصى الزبير رضي الله عنه بالثلث واختلف العلماء في القدر الذي تجوز الوصية به هل هو الخمس أو السدس أو الربع فعن أبي بكر رضي الله عنه أنه أوصى بالخمس وقال إن الله تعالى رضي من غنائم المؤمنين بالخمس وقال معمر عن قتادة أوصى عمر رضي الله عنه بالربع وقال إسحاق السنة الربع كما
[ 45 ]
روى عن ابن عباس وروى عن علي رضي الله عنه لأن أوصى بالخمس أحب إلى من الربع ولأن أوصى بالربع أحب إلى من الثلث واختار آخرون السدس وقال إبراهيم كانوا يكرهون أن يوصوا مثل نصيب أحد الورثة حتى يكون أقل وكان السدس أحب إليهم من الثلث واختار آخرون العشر واختار آخرون لمن كان ماله قليلا وله وارث ترك الوصية روى ذلك عن علي واين
عباس وعائشة وفي التوضيح وقام الاجماع من الفقهاء أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث إلا أبا حنيفة وأصحابه وشريك بن عبد الله قال العيني هو قول ابن مسعود وعبيدة ومسروق وإسحاق وقال زيد بن ثابت لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من ثلثه وإن لم يكن له وارث وهو قول مالك والأوزاعي والحسن بن حي والشافعي إنتهى كلام العيني ما جاء في تلقين المريض عند الموت والدعاء له قوله (عن عمارة بن غزية) بفتح المعجمة وكسر الزاء بعدها تحتانية ثقيلة ابن الحارث الأنصاري والمدني لا بأس به قوله (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) قال النووي في شرح مسلم معناه من حضره الموت ذكروه إله إلا الله ليكون آخر كلامه كما في الحديث من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة والأمر بهذا التلقين أمر ندب وأجمع العلماء على هذا التلقين وكرهوا الاكثار عليه والموالاة لئلا يضجر بضيق حاله وشدة كربه فيكره ذلك بقلبه أو يتكلم بما لا يليق إنتهى قال القاري في المرقاة الجمهور على أنه يندب هذا التلقين وظاهر الحديث يقتضي وجوبه وذهب إليه جمع بل نقل بعض المالكية الاتفاق عليه إنتهى قلت الأمر كما قال القاري والله تعالى أعلم قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري المراد بقول لا إله إلا الله في هذا الحديث وغيره كلتا الشهادة فلا يرد إشكال ترك ذكر الرسالة قال الزين بن المنير قول لا إله إلا الله لقب جرى على النطق بالشهادتين شرعا إنتهى
[ 46 ]
إعلم أن المراد من الموتى في هذا الحديث من حضره الموت لا الميت حقيقة فإن ابن حبان روى عن أبي هريرة بمثل حديث البا ب وزاد فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة يوما من الدهر وإن أصابه ما أصابه قبل ذلك ذكره الحافظ في التلخيص وقال فيه وروى من حديث عطاء بن السائب عن أبيه عن جده بلفظ من لقن عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة إنتهى وأخرج البيهقي في شعب الايمان عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال افتحوا على
صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله ولقنوهم عند الموت لا إله إلا الله فإنه من كان أول كلامه لا إله إلا الله ثم عاش ألف سنة ما سئل عن ذنب واحد أخرجه الحاكم في تاريخه والبيهقي في شعب الايمان عن ابن عباس وقال غريب كذا في جمع الجوامع للسيوطي قوله (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه مسلم (وأم سلمة) أخرجه مسلم (وعائشة) أخرجه النسائي (وجابر) أخرجه العقيلي في الضعفاء والطبراني في الدعاء وفيه عبد الوهاب بن مجاهد وهو متروك كذا في التلخيص (وسعدى المرية) بضم السين وسكون العين بنت عوف لها صحبة (وهي امرأة طلحة بن عبيد الله) أحد العشرة استشهد يوم الجمل قوله (حديث أبي سعيد حديث غريب حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا البخاري قوله (عن الأعمش) إسمه سليمان بن مهران أبو محمد الكاهلي ثقة حافظ قوله (إذا حضرتم المريض أو الميت) أي الحكمى فأو للشك أو الحقيقي فأو للتنويع قاله القاري (فقولوا خيرا) أي للمريض أشفه وللميت إغفر له ذكره المظهر كذا في المرقاة (فإن الملائكة يؤمنون) بالتشديد أي يقولون آمين (على ما تقولون) من الدعاء خيرا أو شرا قال
[ 47 ]
النووي فيه الندب إلى قول الخير حينئذ من الدعاء والاستغفار له وطلب اللطف به والتخف عنه ونحوه وفيه حضور الملائكة حينئذ وتأمينهم انتهى (وأعقبني منه عقبى حسنة) أعوضني منه عوضا حسنا (فأعقبني الله منه من هو خير منه) أي أعطاني الله بدله من هو خير منه (رسول الله صلى الله عليه وسلم) بدل من من هو خير منه قوله (حديث أم سلمة حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم قوله (وروى عن ابن المبارك) هو عبد الله بن المبارك المروزي أحد الأئمة الأعلام وشيوخ الاسلام قال ابن عيينة ابن المبارك عالم المشرق والمغرب وما بينهما وقال شعبة ما قدم علينا مثله ثقة ثبت فقيه عالم جواد جمعت فيه خصال الخير مات سنة إحدى وثمانين ومائة (وإنما معنى قول عبد الله) أي ابن المبارك (إنما أراد ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من كان آخر قوله الخ) أخرجه أبو داود والحاكم عن معاذ بن جبل وقد روى ابن أبحاتم في ترجمة أبي زرعة أنه لما احتضر أرادوا تلقينه
فتذاكروا حديث معاذ فحدثهبه أبو زرعة بإسناده وخرجت روحه في آخر قول لا إله إلا الله ما جاء في التشديد عند الموت قوله (عن ابن الهاد) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي أبو عبد الله المدني ثقة مكثر من الخامسة (عن أبي موسى بن سرجس) بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها
[ 48 ]
مهملة مدني مستور من السادسة (عن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق ثقة أحد الفقهاء بالمدينة من كبار الثالثة قوله (وهو بالموت) أي مشغول أو ملتبس به (ثم يمسح وجهه بالماء) دفعا لحرارة الموت أو دفعا للغشيان وكربه (اللهم أعني على غمرات الموت) أي شدائده أي أعني على دفعها قال في القاموس غمرة الشئ شدته ومزدحمه ج غمرات وغمار انتهى وقال في مجمع البحار غمرات الموت شدائده انتهى (وسكرات الموت) أي شدائده جمع سكرة بسكون الكاف وهي شدة الموت قال سراج أحمد في شرح الترمذي هو عطف بيان لما قبله والظاهر أن يراد بالأولى الشدة وبالأخرى ما يترتب عليها من الدهشة والحيرة الموجبة للغفلة وقال القاضي في تفسير قوله تعالى وجاءت سكرة الموت بالحق إن سكرته شدته الذاهبة بالعقل انتهى قوله (هذا حديث غريب) لم يحكم عليه الترمذي بشئ من الصحة والضعف والظاهر أنه ضعيف لأن موسى بن سرجس مستور كما تقدم قوله (والحسن بن الصباح البزار) آخره راء أبو علي الواسطي نزيل بغداد صدوق يهم وكان عابدا فاضلا من العاشرة (أخبرنا مبشر) بكسر المعجمة الثقيلة صدوق من التاسعة (عن عبد الرحمن بن العلاء) بن اللجلاج نزيل حلب مقبول من السابعة (عن أبيه) العلاء بن اللجلاج ثقة من الرابعة قوله (ما أغبط) بكسر الباء يقال غبطت الرجل أغبطه إذا اشتهيت أن يكون لك مثل ماله وأن يدوم عليه ما هو فيه أي ما أحسد (أحدا) ولا أتمنى ولا أفرح لأحد (بهون موت) الهون بالفتح
الرفق واللين أي بسهولة موت والإضافة فيه إضافة الصفة إلى الموصوف أي لما رأيت شدة وفاته علمت أن ذلك ليس من المنذرات الدالة على سوء عاقبة المتوفى وأن هون الموت وسهولته ليس من
[ 49 ]
المكرمات وإلا لكان صلى الله عليه وسلم أولى الناس به فلا أكره شدة الموت لأحد ولا أغبط أحدا يموت من غير شدة قوله (هو ابن العلاء اللجلاج) بجيمين وسكون الأول منهما قوله (وإنما أعرفه من هذا الوجه) لم يحكم عليه بشئ من الصحة والضعف والظاهر أنه حسن باب قوله (حدثنا ابن بشار) هو محمد بن بشار بندار ثقة من العاشرة قوله (المؤمن يموت بعرق الجبين) قيل هو عبارة عن شدة الموت وقيل هو علامة الخير عند الموت قال ابن الملك يعني يشتد الموت على المؤمن بحيث يعرق جبينه من الشدة لتمحيص ذنوبه أو لتزيد درجته وقال التوربشتي فيه وجهان أحدهما ما يكابده من شدة السياق التي يعرق دونها الجبين والثاني أنه كناية عن كد المؤمن في طلب الحلال وتضييقه على نفسه بالصوم والصلاة حتى يلقى الله تعالى والأول أظهر كذا في المرقاة وقال العراقي اختلف في معنى هذا الحديث فقيل إن عرق الجبين لما يعالج من شدة الموت وقيل من الحياء وذلك لأن المؤمن إذا جاءته البشرى مع ما كان قد اقترف من الذنوب حصل له بذلك خجل واستحياء من الله تعالى فعرق لذلك جبينه كذا في قوت المغتذي قوله (في الباب عن ابن مسعود) أخرجه الشيخان كذا قال سراج أحمد في شرحه وإني لم أجد في الصحيحين حديثا عن ابن مسعود في هذا الباب والله تعالى أعلم قوله (هذا حديث حسن) والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه أيضا ورواه الحاكم وقال على شرطهما وأقره الذهبي كذا في المرقاة
[ 50 ]
باب
قوله (حدثنا سيار بن حاتم) بفتح السين المهملة وتشديد التحتانية صدوق له أوهام من كبار التاسعة (أخبرنا جعفر بن سليمان) الضبعي صدوق زاهد لكنه يتشيع من الثامنة قوله (وهو بالموت) أي في سكراته (كيف تجدك) قال ابن الملك أي كيف تجد قلبك أو نفسك في الانتقال من الدنيا إلى الاخرة راجيا رحمة الله أو خائفا من غضب الله (أرجو الله) أي أجدني أرجو رحمته (وإني) أي مع هذا (أخاف ذنوبي) قال الطيبي علق الرجاء بالله والخوف بالذنب وأشار بالفعلية إلى أن الرجاء حدث عند السياق وبالإسمية والتأكيد بان إلى أن خوفه كان مستمرا محققا (لا يجتمعان) أي الرجاء والخوف (في مثل هذا الموطن) أي في هذا الوقت وهو زمان سكرات الموت ومثله كل زمان يشرف على الموت حقيقة أو حكما كوقت المبادرة وزمان القصاص ونحوهما فلا يحتاج إلى القول بزيادة المثل وقال الطيبي مثل زائدة والموطن إما مكان أو زمان كمقتل الحسين رضي الله تعالى عنه انتهى (ما يرجو) أي من الرحمة (وآمنه مما يخاف) أي من العقوبة بالعفو والمغفرة قوله (هذا حديث غريب) قال ميرك عن المنذري إسناده حسن ورواه ابن أبي الدنيا أيضا كذا في المرقاة قلت ورواه ابن ماجه أيضا
[ 51 ]
باب ما جاء في كراهية النعي بفتح النون وسكون العين المهملة وتخفيف الياء وفيه أيضا كسر العين وتشديد الياء وهو في اللغة الإخبار بموت الميت كما في الصحاح والقاموس وغيرهما من كتب اللغة وفي النهاية نعى الميت نعيا إذا أذاع موته وأخبر به قوله (أخبرنا عبد القدوس بن بكر بن خنيس) بضم الخاء المعجمة وفتح النون مصغرا قال أبو حاتم لا بأس به (أخبرنا حبيب بن سليم) بضم السين وفتح اللام مصغرا قال الشيخ محمد طاهر في كتابه المغني سليم كله بالضم إلا سليم بن حبان بفتحها (العبسي) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة قال الحافظ في تهذيب التهذيب أخرجا يعني الترمذي وابن ماجه له
حديثا واحدا في الجنائز وحسنه الترمذي وذكره ابن حبان في الثقات (عن بلال بن يحي العبسي) روى عن حذيفة بن اليمان وغيره وعنه حبيب بن سليم العبسي وغيره قال إسحاق بن منصور يحيى بن معين ليس به بأس قاله الحافظ في تهذيب التهذيب وقال في التقريب صدوق (عن حذيفة) هو ابن اليمان صحابي جليل قوله (فلا تؤذنوا بي أحدا) من الايذان بمعنى الاعلام أي لا تخبروا بموتي أحدا (وينهي عن النعي) الظاهر أن حذيفة رضي الله عنه أراد بالنعي في هذا الحديث معناه اللغوي وحمل النهي على مطلق النعي وقال غيره من أهل العلم إن المراد بالنعي في هذا الحديث النعي المعروف في الجاهلية قال الأصمعي كانت العرب إذا مات فيها ميت له قدر ركب راكب فرسا وجعل يسير في الناس ويقول نعاء فلان أي أنعيه وأظهر خبر وفاته قال الجوهري وهي مبنية على الكسر مثل دراك ونزال كذا في قوت المغتذي وإنما قالوا هذا لأنه قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي وأيضا قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بموت زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة حين قتلوا بمؤتة وأيضا قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال حين أخبر بموت السوداء أو الشاب الذي كان يقم المسجد ألا آذنتموني فهذا كله يدل على أن مجرد الإعلام بالموت لا يكون نعيا محرما وإن كان باعتبار اللغة
[ 52 ]
يصدق عليه اسم النعي ولذلك قال أهل العلم إن المراد بالنعي في قوله ينهي عن النعي النعي الذي كان في الجاهلية جمعا بين الأحاديث قال ابن العربي يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات الأولى إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذا سنة الثانية دعوة الحفل للمفاخرة فهذه تكره الثالثة الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يحرم انتهى قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه ابن ماجه أيضا وقال الحافظ في الفتح بإسناد حسن قوله (أخبرنا حكام) بفتح الحاء المهملة وتشديد الكاف (ابن سلم) بفتح السين المهملة وسكون اللام ثقة له غرائب من الثامنة (عن أبي خمرة) هو ميمون الأعور وليس بالقوي عند أهل الحديث قال الحافظ ميمون أبو حمزة الأعور مشهور بكنيته ضعيف من السادسة (عن إبراهيم) هو النخعي (عن عبد الله) هو ابن مسعود رضي الله عنه
قوله (إياكم والنعي) أي اتقوا النعي المراد بالنعي في هذا الحديث ما يكون على طريقة الجاهلية كما تقدم عن إبراهيم أنه قال لا بأس إذا مات الرجل أن يؤذن صديقه وأصحابه إنما كان يكره أن يطاف في المجالس فيقال أنعى فلانا فعل أهل الجاهلية رواه سعيد بن منصور في سننه قوله (والنعي أذان بالميت) أي إعلام بموته قوله (وفي الباب عن حذيفة) قد أخرج الترمذي حديث حذيفة في هذا الباب فلعله أشار إلى حديث اخر له والله تعالى أعلم (وقد كره بعض أهل العلم النعي والنعي عندهم أن ينادى في الناس بأن فلانا مات ليشهدوا جنازته) قال أبو الطيب في شرحه أي يركب راكب
[ 53 ]
وينادي في الناس فهذا نعي الجاهلية وهو مكروه ويؤيده حديث عبد الله إياكم والنعي فإن النعي من عمل الجاهلية وقوله وقال بعض أهل العلم لا بأس بأن يعلم الخ يعني إن نعى نعي غير أهل الجاهلية فلا بأس به وتركه أولى والذي عليه الجمهور أن مطلق الإعلام بالموت جائز وليس فيه ترك الأولى بل ربما يقال إنه سنة لما ورد أنه صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي رواه البخاري وقال بعض الفضلاء معنى قوله والنعي عندهم الخ أي حملوا النهي على مطلق النعي وهو خبر الموت كما في مقتضى كلام حذيفة على طريق الاحتمال حيث قال فإني أخاف فقولوقال بعضهم الخ أي يحمل الحديث على نعي أهل الجاهلية انتهى أقول توجيه حسن إأنه يأبى تفسيره للقول الأول بما فسره به تفسيرهم بقولهم أن ينادي اه والله أعلم انتهى كلام أبي الطيب قلت فيما قال بعض الفضلاء في شرح كلام الترمذي شئ وكذا فيما قال أبو الطيب لكن قول بعض الفضلاء أظهر مما قال أبو الطيب فتفكر قال الحافظ في فتح الباري والحاصل أن محض الإعلام بذلك لا يكره فإن زاد على ذلك فوقد كان بعض السلف يشدد في ذلك حتى كان حذيفة إذا مات له الميت يقول لا تؤذنوا به أحدا إني أخاف أن يكون نعيا الخ قوله (وروي عن ابراهيم النخعي أنه قال الخ) أخرجه سعيد بن منصور في سننه وتقدم لفظه وأخرج أيضا عن ابن سيرين أنقال لا أعلم بأسا أن يؤذن الرجل صديقه وحميمه ذكره
الحافظ في الفتح ما جاء أن الصبر في الصدمة الأولى قوله (عن يزيد بن أبي حبيب) مولى شريك بن الطفيل الأزدي المصري قال الليث يزيد عالمنا وسيدنا وقال ابن سعد ثقة كثير الحديث مات سنة ثمان وعشرين ومائة (عن سعد بن سنان) ويقال سنان بن سعد الكندي المصري وصوب الثاني البخاري وابن يونس صدوق له أفراد من الخامسة كذا في التقريب قوله (الصبر في الصدمة الأولى) وفي الرواية الآتية عند الصدمة الأولى وفي رواية للبخاري
[ 54 ]
عند أول صدمة وأصل الصدم ضرب الشئ الصلب بمثله فاستعير للمصيبة الواردة على القلب والمعنى إذا وقع الثبات أول شئ يهجم على القلب من مقتضيات الجزع فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر قال الطيبي إذ هناك سورة المصيبة فيثاب على الصبر وبعدها تنكسر السورة ويتسلى المصاب بعض التسلى فيصير الصبر طبعا فلا يثاب عليها انتهى قوله (هذا حديث غريب من هذا الوجه) أي من هذا الطريق يعني من طريق الليث عن يزيد بن حبيب عن سعد بن سنان عن أنس وهذا الحديث مشهور من طريق شعبة عن ثابت البناني عن أنس أو بهذا الطريق أخرجه الشيخان في صحيحهما وأخرجه الترمذي أيضا بهذا الطريق فيما بعد قوله (الصبر عند الصدمة الأولى) أي عند قوة المصيبة وشدتها قال الخطابي المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة بخلاف ما يعد ذلك فإنه على الأيام يسلو انتهى وقال الحافظ في الفتح الصبر عند الصدمة الأولى أي هو المطلوب المبشر عليه بالصلاة والرحمة قوله هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي ما جاء في تقبيل الميت
قوله (عن عاصم بن عبيد الله) بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي مدني ضعيف كذا في الخلاصة والتقريب (قبل عثمان بن مظعون) هو أخ رضاعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال صاحب
[ 55 ]
المشكاة هاجر الهجرتين وشهد بدرا وكان حرم الخمر في الجاهلية وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة في شعبان على رأ س ثلاثين شهرا من الهجرة ولما دفن قال نعم السلف هو لنا ودفن بالبقيع وكان عابدا مجتهدا من فضلاء الصحابة انتهى (وهو ميت) حال من المفعول (وهو) أي النبي صلى الله عليه وسلم (أو قال عيناه تدرفان) أي تجريان دمعا وفي رواية ابن ماجه فكأني أنظر إلى دموعه تسيل على خديه والحديث يدل على أن تقبيل المسلم بعد الموت والبكاء عليه جائز قوله (وفي الباب عن ابن عباس وجابر وعائشة قالوا) أي هؤلاء الثلاثة (إن أبا بكر قبل الخ) روى البخاري عن عائشة وابن عباس أن أبا بكر قبل النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته انتهى قال الشوكاني فيه جواز تقبيل الميت تعظيما وتبركا لأنه لم ينقل أنه أنكر أحد من الصحابة على أبي بكر فكان إجماعا انتهى قوله (حديث عائشة حديث حسن صحيح) قال المنذري في تلخيص السنن قال الترمذي حسن صحيح وفي إسناده عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة انتهى كلام المنذري ما جاء في غسل الميت قال ابن العربي في العارضة خبر الواحد مقبول في الأحكام الشرعية باتفاق من أهل السنة واختلف العلماء هل يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى فرده أبو حنيفة وقد بيناه في أصول الفقه وأنه قد تناقض في مسائل قبل فيها خبر الواحد ومن هذا الباب غسل الميت إذ ليس في الباب حديث سواه انتهى قوله (أخبرنا خالد) هو الحذاء (ومنصور) هو ابن زاذان (وهشام) هو ابن حسان (فأما خالد وهشام فقالا عن محمد وحفصة) محمد هذا هو ابن سيرين وحفصة هذه هي بنت سيرين
[ 56 ]
وقال منصور عن محمد) أي ولم يذكر وحفصة (عن أم عطية) فروى خالد وهشام عن محمد وحفصة عن أم عطية وروى منصور عن محمد عن أم عطية قال الحافظ في الفتح مدار حديث أم عطية على محمد وحفصة ابني سيرين قال ابن المنذر ليس في أحاديث الغسل للميت أعلى من حديث أم عطية وعليه عول الأئمة قوله (توفيت إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم) هي زينب زوج أبي العاص بن الربيع كما في مسلم وهو المشهور وقيل إنها أم كلثوم زوج عثمان كما في ابن ماجه ولفظه دخل علينا ونحن نغسل ابنته أم كلثوم وكذا وقع لابن بشكوال في المبهمات عن أم عطية والدولابي في الذرية الطاهرة قال الحافظ ابن حجر في الفتح فيمكن ترجيح أنها أم كلثوم بمجيئه من طرق متعددة ويمكن الجمع بأن تكون أم عطية حضرتهما جميعا فقد جزم ابن عبد البر في ترجمتها بأنها كانت غاسلة الميتات (من ذلك) بكسر الكاف لأنه خطاب للمؤنث (إن رأيتن) أي إن احتجتن إلى أكثر من ثلاث أو خمس للإنقاء لا للتشهي فافعلنه قاله الطيبي (واغسلنها بماء وسدر) قال القاضي هذا لا يقتضي استعمال السدر في جميع الغسلات والمستحب استعماله في الكرة الأولى ليزيل الأقذار ويمنع عنه تسارع الفساد ويدفع الهوام قال ابن الهمام الحديث يفيد أن المطلوب المبالغة في التنظيف لا أصل التطهير وإلا فالماء كاف فيه ولا شك أن تسخين الماء كذلك مما يزيد في تحقيق المطلوب فكان مطلوبا شرعيا وعند الشافعي لا يغلى قيل يبدأ بالقراح أولا ليبتل ما عليه من الدرن أولا فيتم قلعه بالماء والسدر ثم يحصل تطييب البدن بعد النظافة بماء الكافور والأولى أن يغسل الأوليان بالماء والسدر كما هو ظاهر كتاب الهداية وأخرج أبو داود عن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغسل عن أم عطية يغسل بالسدر مرتين والثالث بالماء والكافور وسنده صحيح كذا في المرقاة قلت قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر حديث أبي داود هذا نقلا عن النووي إسناده على شرط البخاري ومسلم انتهى وسكت عنه أبو داود والمنذري تنبيه وقع في المرقاة المطبوعة قال القاضي هذا لا يقتضي استعمال السدر في جميع
الغسلات الخ قلت الظاهر أن يكون هذا يقتضي استعمال السدر في جميع الغسلات بحذف كلمة لا كما قال الزين بن المنير ظاهره أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل لأن قوله بماء وسدر يتعلق بقوله اغسلنها انتهى (كافورا أو شيئا من كافور) شك من الراوي أي اللفظين قال
[ 57 ]
والأول محمول على الثاني لأنه نكرة فيصدق بكل شئ منه (فآذنني) بالمد وكسر الذال وتشديد النون الأولى أمر لجماعة النساء من الإيذان وهو الإعلام والنون الأولى أصلية ساكنة والثانية ضمير فاعل وهي مفتوحة والثالثة للوقاية (فألقى إلينا حقوه) بفتح المهملة ويجوز كسرها بعدها قاف ساكنة والمراد به هنا الإزار كما وقع مفسرا في رواية للبخاري والحقو في الأصل معقد الإزار وأطلق على الإزار مجازا قاله الحافظ (أشعرنها به) أي بالحقو في النهاية أي اجعلنه شعارها والشعار الثوب الذي يلي الجسد لأنه يلي شعره قال الطيبي أي اجعلن هذا الحقو تحت الأكفان بحيث يلاصق بشرتها والمراد إيصال البركة إليها قوله (وفي حديث غير هؤلاء) أي خالد ومنصور وهشام (وضفرنا شعرها) الضفر فتل الشعر قال الطيبي من الضفيرة وهي النسج ومنه ضفر الشعر وإدخال بعضه في بعض (ثلاثة قرون) أي ثلاث ضفائر ووقع في رواية للبخاري ناصيتها وقرينها أي جانبي رأسها وفي رواية أخرى للبخاري أنهن جعلن رأس بنت النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة قرون نقضنه ثم غسلنه ثم جعلنه ثلاثة قرون (فألقيناه خلفها) أي فألقينا الشعر خلف ظهرها قال الحافظ في فتح الباري واستدل به على ضفر شعر الميت خلافا لمن منعه فقال ابن القاسم لا أعرف الضفر بل يكف وعن الأوزاعي والحنفية يرسل شعر الميت خلفها وعلى وجهها مفرقة قال القرطبي وكأن سبب الخلاف أن الذي فعلته أم عطية هل استندت فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أم فعلته استحسانا كلا الأمرين محتمل لكن الأصل أن لا يفعل بالميت شئ من جنس القرب إلا بإذن من الشرع محقق ولم يرد ذلك مرفوعا كذا قال وقال النووي الظاهر اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره قال الحافظ ابن حجر وقد رواه سعيد بن منصور بلفظ الأمر عن أم عطية قالت قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اغسلنها وترا واجعلن شعرها ضفائر وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أم عطية اغسلنها ثلاثا
واجعلن لها ثلاثة قرون انتهى (وفي الباب عن أم سليم) لينظر من أخرجه قوله (حديث أم عطية حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان
[ 58 ]
قوله (قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال غسل الميت كالغسل من الجنابة) يعني يراعى في غسل الميت ما يراعى في الغسل من الجنابة قوله (وقال مالك بن أنس ليس لغسل الميت عندنا حد مؤقت وليس لذلك صفة معلومة) قال مالك في الموطأ وليس لغسل الميت عندنا حد موصوف وليس لذلك صفة معلومة ولكن يغسل فيطهر انتهى قلت بل له حد موصوف وصفة معلوم فيغسل الميت وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأى الغاسل ويبدأ بميامنه ومواضع الوضوء منه ويغسل بماء وسدر ويجعل في الغسلة الأخيرة الكافور وإن كان الميت امرأة فيضفر شعر رأسها ثلاثة قرون ويجعل خلفها وهذه الصفات كلها قد جاءت في حديث أم عطية الصحيح المتفق عليه فلا حاجة إلى القول المجمل بأنه ليس لغسل الميت حد موصوف وليس لذلك صفة معلومة (قال الشافعي إنما قال مالك قول مجملا يغسل وينقى) ولم يفصل ولم يبين (وإذا أنقي) بصيغة المجهول من الانقاء (بماء القراح) قال في القاموس القراح كسحاب الماء لا يخالطه ثفل من سويق وغيره والخالص كالقريح (ولا يرى) وفي بعض النسخ أو لا يرى بهمزة الاستفهام (ولم يؤقت) من التوقيت أي لم يحدد والمعنى أن المقصود من قوله اغسلنها ثلاثا أو خمسا هو الإنقاء لا التحديد فإن حصل النقاء والطهارة بأقل من ثلاث مرات أجزأ قوله (وكذلك قال الفقهاء وهم أعلم بمعاني الحديث) المراد بالفقهاء الفقهاء من المحدثين كسفيان الثوري والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وعبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم وقد صرح الترمذي بذلك في كتاب العلل
[ 59 ]
قوله (وقال أحمد وإسحاق وتكون الغسلات بماء وسدر) أي قالا بكون جميع الغسلات بالماء والسدر لإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم واغسلنها بماء وسدر وظاهره أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل (ويكون في الآخرة) أي في الغسلة الآخرة (شئ من كافور) قال ابن العربي وقد قالوا الأولى بالماء القراح والثانية بالماء والسدر والثالثة بالماء والكافور وقد قال النخعي لا يجعل الكافور في الماء وليس هذا في لفظ الحديث ولم يقتضيه بلفظ الحديث من خلط الماء بالسدر والكافور انتهى ما جاء في المسك للميت قوله (حدثنا سفيان بن وكيع) بي الجراح الرواسي الكوفي أبو محمد قال البخاري يتكلمون فيه وقال عبد الرحمن بن أبحاتم لين (حدثنا أبي) هو وكيع بن الجراح أبو سفيان أحد الأئمة الأعلام ثقة حافت (عن خليد) بالتصغير (بن جعفر) بن طريف الحنفي البصري صدوق لم يثبت أن ابمعين ضعفه قاله الحافظ قوله (فقال هو أطيب طيبكم) أي أفضله فهو أفخر أنواعه وسيدها وتقديم العنبر عليه خطأ كما قال ابن القيم ومطابقة الحديث للباب بأن من المعلوم أن الطيب سنة للميت والمسك فرد من الطيب بل هو من أفضل أفراده فهو أيضا سنة له تنبيه قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية ص بعد ذكر هذا الحديث أخرجه مسلم في الطب وأخرجه أبو داود والنسائي في الجنائز وبوبا عليه باب الطيب للميت قال ولم أعرف مطابقته للباب انتهى قلت ليس في واحدة من نسخ أبي داود الموجودة عندنا باب الطيب للميت بل وقع في جميعها باب في المسك للميت ووقع في نسخة النسائي المطبوعة الموجودة عندنا المسك وليس فيها لفظ باب ولا لفظ للميت فالحديث مطابق لتبويبها كما عرفت
[ 60 ]
قوله (وهو قول أحمد وإسحاق واستدل لهما بحديث الباب وما أخرج الحاكم في المستدرك عن أبي وائل) قال كان عند علي رضي الله تعالى عنه مسك فأوصى أن يحنط به وقال هو
فضل حنوط رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى وسكت ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ورواه البيهقي في سننه قال النووي إسناده حسن وبما أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن سلمان أنه استودع إمرأته مسكا وقال إذا مت فطيبوني به فإنه يحضرني خلق من خلق لا ينالون من الطعام والشراب يجدون الريح انتهى قوله (وقد كره بعض أهل العلم المسك للميت) لم أقف على وجه الكراهة والحق هو الجواز قوله (وقد رواه المستمر بن الريان الخ) بفتح الراء المهملة وشدة التحتانية وأخرج روايته مسلم وأبو داود والنسائي قوله (قال علي) وهو علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم أبو الحسن ابن المديني البصري ثقة ثبت إمام أعلم أهل عصره بالحديث وعلله (قال يحيى بن سعيد) بن فروخ أبو سعيد القطان أحد أئمة الجرح والتعديل ما جاء في الغسل من غسل الميت قوله (من غسله الغسل) وفي رواية أبي داود من طريق عمرو بن عمير عن أبي هريرة بلفظ من غسل الميت فليغتسل ومن حمله فليتوضأ (يعني الميت) هذا تفسير من بعض الرواة للضمير المجرور في قوله من غسله ومن حمله
[ 61 ]
قوله (وفي الباب عن علي) أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما ولفظ أبي داود قال قلت للنبي صلى الله عليه وسلم إن عمك الشيخ الضال قد مات قال اذهب فوار أباك ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني فذهبت فواريته وجثته فأمرني فاغتسلت ودعا لي انتهى قال الحافظ مدار كلام البيهقي على أنه ضعيف ولا يتبين وجه ضعفه قال وقع عند ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ فقلت إن عمك الشيخ الكافر قد مات فما ترى فيه قال أرى أن تغسله وتجنه كذا في التلخيص (وعائشة) أخرجه أبو داود وغيره بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من أربع من الجنابة ويوم الجمعة ومن الحجامة ومن غسل الميت انتهى والحديث ضعيف
قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن) قال الحافظ في الفتح هو معلول لأن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة وقال ابن أبي حاتم عن أبيه الصواب عن أبي هريرة موقوف انتهى وقال في التلخيص بعد ما ذكر طرقا عديدة لحديث أبي هريرة هذا ما لفظه وفي الجملة هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنا فإنكار النووي على الترمذي تحسينه معترض وقد قال الذهبي في مختصر البيهقي طرق هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء ولم يعلوها بالوقف بل قدموا رواية الرفع انتهى قلت الحق أن حديث أبي هريرة هذا بكثرة طرقه وشواهده لا ينزل عن درجة الحسن وقد صحح هذا الحديث ابن حبان كما ذكره الحافظ في التلخيص قوله (فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم إذا غسل ميتا فعليه الغسل) أي فالغسل عليه واجب وروي ذلك عن علي وأبي هريرة واستدلوا على الوجوب بحديث الباب وما في معناه فإنه بظاهره يدل على الوجوب وقال مالك بن أنس أستحب الغسل من غسل الميت ولا أرى ذلك واجبا وهكذا قال الشافعي وقال أحمد من غسل ميتا أرجو أن لا يجب عليه الغسل واستدل هؤلاء أيضا بحديث الباب لكنهم حملوا الأمر فيه على الاستحباب لحديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه إن ميتكم يموت طاهرا وليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم أخرجه البيهقي وقد حسن الحافظ إسناده وقال فيجمع بينه وبين الأمر في حديث أبي هريرة بأن الأمر على الندب أو المراد بالغسل
[ 62 ]
غسل الأيدي كما صرح به في هذا الحديث انتهى ولحديث ابن عمر رضي الله عنه كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل قال الحافظ في التلخيص إسناده صحيح وهو يؤيد أن الأمر في حديث أبي هريرة للندب وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث انتهى ولحديث أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنها غسلت أبا بكر حين توفي ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت إن هذا يوم شديد البرد وأنا صائمة فهل على من غسل قالو لا رواه مالك في الموطأ قال الشوكاني في النيل وهو من الأدلة الدالة على استحباب الغسل
دون وجوبه وهو أيضا من القرائن الصارفة عن الوجوب فإنه يبعد غاية البعد أن يجهل أهل ذلك المجمع الذين هم أعيان المهاجرين والأنصار واجبا من الواجبات الشرعية ولعل الحاضرين منهم جل المهاجرين وأجلهم لأن موت مثل أبي بكر حادث لا يظن بأحد من الصحابة الموجودين في المدينة أن يتخلف عنه وهم في ذلك الوقت لم يتفرقوا كما تفرقوا من بعد انتهى وقال فيه والقول بالاستحباب هو الحق لما فيه من الجمع بين الأدلة بوجه مستحسن انتهى (وقد روي عن عبد الله بن المبارك أنه قال لا يغتسل ولا يتوضأ من غسل الميت) استدل من ذهب إلى عدم استحباب الاغتسال من غسل الميت بحديث ابن عباس المذكور وبحديث أسماء بنت عميس المذكور وأجابوا عن حديث الباب بأنه ضعيف قال علي بن المديني وأحمد بن حنبل لا يصح في الباب شئ وقال الذهلي لا أعلم فيه حديثا ثابتا ولو ثبت للزمنا استعماله وقال الرافعي لم يصحح علماء الحديث في هذا الباب شيئا مرفوعا وقد عرفت أن الحق أن حديث الباب بكثرة طرقه وشواهده لا ينحط عن درجة الحسن وأجابوا أيضا بأن حديث الباب منسوخ وقد جزم به أبو داود ونقله عن أحمد وفيه أن النسخ لا يثبت بالاحتمال بل إذا وجد ناسخ صريح وهو متأخر ما يستحب من الأكفان قوله (البسوا) بفتح الباء (من ثيابكم) من تبعيضية أو بيانية مقدمة (البياض) أي ذات
[ 63 ]
البياض (فإنها) أي الثياب البيض (وكفنوا فيها موتاكم) قال القاري الأمر فيه للاستحباب قال ابن الهمام وأحبها البياض ولا بأس بالبرد والكتان للرجال ويجوز للنساء الحرير والمزعفر والمعصفر اعتبارا للكفن باللباس في الحياة انتهى قال النووي استحباب التكفين في البياض مجمع عليه قوله (وفي الباب عن سمرة) أخرجه أحمد والنسائي والترمذي (وابن عمر) أخرجه ابن عدي في الكامل (وعائشة) أخرجه الشيخان بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية إلخ وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الشوكاني في النيل
قوله (حديث ابن عباس حديث حسصحيح) أخرجه الخمسة إلا النسائي كذا في المنتقى وصححه ابن القطان (وقال ابن المبارك أحب إلى أن يكفن في ثيابه التي كان يصلي فيها) لأنها ثياب عبادة قد تعبد فيها وروى ابن سعد عن طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال أبو بكر كفنونني في ثوبي اللذين كنت أصلي فيهما كذا في فتح الباري في تذكرة الحفاظ للذهبي قال الزهري إن سعدا لما احتضر دعا بخلق جبة صوف وقال كفنوني فيها فإني قاتلت فيها يوم بدر إنما خبأتها لهذا قوله (ويستحب حسن الكفن) يأتي بيان حسنه في الباب الآتي باب قوله (فليحسن) ضبط بفتح الحاء وإسكانها قال النووي كلاهما صحيح (كفنه) قال
[ 64 ]
السيوطي في قوت المغتذي المشهور في رواية هذا الحديث فتح الفاء وحكى بعضهم سكونها على المصدر انتهى والمراد بإحسان الكفن نظافته ونقاؤه وكثافته وستره وتوسطه وكونه من جنس لباسه في الحياة لا أفخر منه ولا أحقر وليس المراد بإحسانه السرف والمغالاة ونفاسته لحديث علي رضي الله عنه مرفوعا لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبا سريعا رواه أبو داود قوله (وفيه عن جابر) أخرجه مسلم قوله (قال سلام) بتشديد اللام وسلام هذا هو شيخ ابن المبارك ثقة صاحب سنة في رواية عن قتادة ضعف من السابعة قاله الحافظ (هو الصفا) أي النظيف (وليس بالمرتفع) أي في الثمن ما جاء في كم كفن النبي صلى الله عليه وسلم قوله (يمانية) بتخفيف الياء على اللغة الفصيحة المشهورة وحكى سيبويه والجوهري وغيرهما لغة في تشديدها وجه الأول أن الألف بدل من ياء النسبة فلا يجتمعان فيقال يمنية أو يمانية بالتخفيف وكلاهما نسبة إلى اليمن (ليس فيها قميص ولا عمامة) فيه دليل على أن القميص ليس بمستحب في الكفن وهو قول الجمهور وقال مالك والحنفية باستحبابه وأجابوا عن قول عائشة
رضي الله عنها ليس فيها قميص ولا عمامة بأنه يحتمل نفي وجودهما ويحتمل أن يكون المراد نفي المعدود أي الثلاثة خارجة عن القميص والعمامة وهما زائدان وأن يكون معناه ليس فيها قميص جديد أو ليس فيها القميص الذي غسل فيه أو ليس فيها قميص مكفوف الأطراف ويجاب بأن الاحتمال الأول هو الظاهر وما عداه متعسف فلا يصار إليه كذا في النيل قوله (فذكروا لعائشة قولهم في ثوبين وبرد حبرة) بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة ما كان
[ 65 ]
من البرود مخططا وروى أبو داود عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثوبين وبرد حبرة انتهى قال الحافظ في الفتح إسناده حسن لكن روى مسلم والترمذي من حديث عائشة أنهم نزعوها عنه انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة قوله (كفن حمزة بن عبد المطلب) عم رسول الله صلى الله عليه وسلم (في نمرة) بفتح نون وكسر ميم هي شملة فيها خطوط بيض وسود أو بردة من صوف يلبسها الأعراب كذا في القاموس (في ثوب واحد) بدل من في نمرة وروى أحمد في سنده عن خباب أن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه حتى مدت على رأسه وجعل على قدميه الأذخر انتهى قوله (وفي الباب عن علي) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والبزار بلفظ قال كفن النبي صلى الله عليه وسلم في سبعة أثواب وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل وهو سئ الحفظ لا يصلح الاحتجاج بحديثه إذا خالف الثقات كما هنا كذا في النيل (وابن عباس) أخرجه أحمد وأبو داود بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب قميصه الذي مات فيه وحلة نجرانية الحلة ثوبان وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف كبر فتغير قاله الحافظ (وعبد الله بن مغفل) لينظر من أخرجه (وابن عمر) أخرجه الحاكم بمعنى حديث علي المذكور قوله (حديث عائشة حديث حسن صحيح) وأخرجه الجماعة (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم) أي عمل أكثر أهل العلم على أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا
[ 66 ]
عمامة وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل قال القاري في المرقاة نقلا عن المواهب قال مالك والشافعي وأحمد يستحب أن يكون الثلاث لفائف ليس فيها قميص ولا عمامة وقال الحنفية الأثواب الثلاثة إزار وقميص ولفافة انتهى قوله (يجزئ ثوب واحد الخ) قال الحافظ في الفتح إن الثلاث في حديث عائشة ليست شرطا في الصحوإنما هو مستحب وهو قول الجمهور واختلف فيما إذا شح بعض الورثة بالثاني أو الثالث والمرجح أنه لا يلتفت إليه وأما الواحد الساتر لجميع البدن فلا بد منه بالاتفاق انتهى قوله (وقالوا تكفن المرأة في خمسة أثواب) لحديث ليلى بنت قائف الثقفية قالت كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاتها وكان أول ما أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم الخفا ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر الحديث رواه أحمد وأبو داود وقال القاضي ابن العربي في العارضة قوله في هذا الحديث أم كلثوم وهم إنما هي زينب لأن أم كلثوم توفيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم غائب ببدر انتهى ما جاء في الطعام يصنع لأهل الميت قوله (لما جاء نعي جعفر) أي ابن أبي طالب أي خبر موته بمؤتة وهي موضع عند تبوك سنة ثمان (ما يشغلهم) بفتح الياء والغين وقيل بضم الأول وكسر الثالث قال في القاموس شغله كمنعه شغلا ويضم وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة والمعنى جاءهم ما يمنعهم من الحزن عن تهيئة الطعام لأنفسهم فيحصل الهم والضرر وهم لا يشعرون قال الطيبي دل على أنه يستحب
[ 67 ]
للأقارب والجيران تهيئة طعام لأهل الميت انتهى قال ابن العربي في العارضة والحديث أصل في المشاركات عند الحاجة وصححه الترمذي والسنة فيه أن يصنع في اليوم الذي مات فيه لقوله صلى الله عليه وسلم فقد جاءهم ما يشغلهم عن حالهم فحزن موت وليهم اقتضى أن يتكلف لهم عيشهم وقد
كانت للعرب مشاركات ومواصلات في باب الأطعمة باختلاف الأسباب وفي حالات اجتماعها انتهى قال القاري والمراد طعام يشبعهم يومهم وليلتهم فإن الغالب أن الحزن الشاغل عن تناول الطعام لا يستمر أكثر من يوم ثم إذا صنع لهم ما ذكر سن أن يلح عليهم في الأكل لئلا يضعفوا بتركه استحياء أو لفرط جزع انتهى وقال ابن الهمام ويستحب لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم لقوله صلى الله عليه وسلم اصنعوا لآل جعفر طعاما وقال يكره اتخاذ الضيافة من أهل الميت لأنه شرع في السرور لا في الشرور وهي بدعة مستقبحة انتهى وقال القاري واصطناع أهل البيت الطعام لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهة بل صح عن جرير رضي الله عنه كنا نعده من النياحة وهو ظاهر في التحريم انتهى قلت حديث جرير رضي الله عنه أخرجه أحمد وابن ماجه بلفظ قال كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة انتهى وإسناده صحيح فإن قلت حديث جرير هذا مخالف لحديث عاصم بن كليب الذي رواه أبو داود في سننه بسند صحيح عنه عن أبيه عن رجل من الأنصار قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على القبر يوصي لحافرا أوسع من قبل رجليه أوسع من قبل رأسه فلما رجع استقبله داعي امرأته فأجاب ونحن معه فجئ بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم فأكلوا الحديث رواه أبو داود والبيهقي في دلائل النبوة هكذا في المشكاة في باب المعجزات فقوله فلما رجع استقبله داعي امرأته الخ نص صريح في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة أهل البيت واجتمع هو وأصحابه بعد دفنه وأكلوا فإن الضمير المجرور في امرأته راجع إلى ذلك الميت الذي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازته فما التوفيق بين هذين الحديثين المختلفين قلت قد وقع في المشكاة لفظ داعي امرأته بإضافة لفظ امرأة إلى الضمير وهو ليس بصحيح بل الصحيح داعي امرأة بغير الاضافة والدليل عليه أنه قد وقع في سنن أبو داود داعي امرأة بغير الاضافة قال في عون المعبود داعي امرأة كذا وقع في النسخ الحاضرة وفي المشكاة داعي امرأته بالإضافة انتهى وروى هذا الحديث الإمام أحمد في مسنده ص 293 ج 5 وقد وقع فيه أيضا داعي امرأة بغير الاضافة بل زاد فيه بعد داعي
امرأة لفظ من قريش فلما ثبت أن الصحيح في حديث عاصم بن كليب هذا لفظ داعي امرأة بغير إضافة امرأة إلى الضمير ظهر أن حديث جرير المذكور ليس بمخالف لحديث عاصم بن كليب هذا فتفكر هذا ما عندي والله تعالى أعلم
[ 68 ]
قوله (هذا حديث حسن) وصححه ابن السكن والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه قوله (وجعفر بن خالد هو ابن سارة) بمهملة وخفة راء وقيل بشدته كذا ذكر صاحب المغني (وهو ثقة) ووثقه أيضا أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم (روى عنه ابن جريج) وابن عيينة قال البغوي لا أعلم روى عنه غيرهما كذا في تهذيب التهذيب ما جاء في النهي عن ضرب الخدود قوله (حدثني زبيد) بزاي موحدة مصغرا (الأيامي) بفتح الهمزة ويقال له اليامي بحذف الهمزة أيضا قوله (ليس منا) أي من أهل سنتنا وطريقتنا وليس المراد به إخراجه عن الدين ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك كما يقول الرجل لولده عند معاتبته لست منك ولست مني أي ما أنت على طريقتي وقيل المعنى ليس على ديننا الكامل أي أنه خرج من فرع من فروع الدين وإن كان معه أصله قال الحافظ في الفتح ويظهر لي أن هذا النفي يفسره التبري المذكور في حديث ابي موسى حيث قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة وأصل البراءه الانفصال من الشئ وكأنه وعده بأن لا يدخله في شفاعته مثلا قال وحكى عن سفيان أنه كان يكره الخوض في تأويله ويقول ينبغي أن يمسك عن ذلك ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر انتهى (من شق الجيوب) جمع جيب بالجيم والموحدة وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس والمراد بشقه إكمال فتحه إلى آخره وهو من علامات التسخط (وضرب الخدود) جمع الخد خص الخد بذلك لكونه الغالب في ذلك وإلا فضرب بقية
[ 69 ]
الوجه داخل في ذلك (ودعا بدعوة الجاهلية) أي بدعائهم يعني قال عند البكاء ما لا يجوز شرعا مما يقول به أهل الجاهلية كالدعاء بالويل والثبور وكواكهفاه واجبلاه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم ما جاء في كراهيه النوح قوله (قران) بضم أوله وتشديد الراء (بن تمام) بتشديد الميم الأول ثقة قوله (يقال له قرظة) بفتح القاف والراء والظاء المشالة أنصاري خزرجي كان أحد من وجهه عمر إلى الكوفة ليفقه الناس وكان على يده فتح الري واستخلفه علي على الكوفة وجزم ابن سعد وغيره بأنه مات في خلافته وهو قول ح ح مرجوح لما ثبت في صحيح مسلم أن وفاته حيث كان المغيرة بن شعبة أميرا على الكوفة وكانت إمارة المغيرة على الكوفة من قبل معاوية من سنة إحدى وأربعين إلى أن مات وهو عليها سنة خمسين كذا في فتح الباري (من نيح) مجهول ناح (ما نيح عليه) أي ما دام نيح عليه وفي رواية الصحيحين من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة قوله (وفي الباب عن عمر رضي الله عنه) أخرجه الشيخان والترمذي (وعلي) أخرجه ابن أبي شيبة (وأبي موسى) أخرجه أحمد مرفوعا بلفظ الميت يعذب ببكاء الحي إذا قالت النائحة واعضداه واناصراه واكاسباه حبذ الميت وقيل له أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسبها إنتهى أخرجه الترمذي (وقيس بن عاصم) أخرجه النسائي (وأبي هريرة) أخرجه الترمذي وأخرجه ابن عدي من حديث الحسن عن أبي هريرة بلفظ لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة
[ 70 ]
والمستمعة وهو ضعيف ذكره الحافظ في التلخيص (وجنادة بن مالك) أخرجه الطبراني (وأنس) وأخرج مسلم عن أنس أن عمر قال لحفصة أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المعول عليه يعذب في قبره زاد ابن حبان قالت بلى كذا في التلخيص (وأم عطية) أخرجه الشيخان والنسائي أخرجه البزار (وسمرة) أخرجه البزار أيضا (وأبي مالك الأشعري) أخرجه أحمد ومسلم مرفوعا بلفظ أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب
والاستسقاء بالنجوم والنياحة الحديث وفي الباب أحاديث كثيرة مذكورة في عمدة القاري صفحة 59 ج 4 قوله (حديث المغيرة بن شعبة حديث غريب حسن صحيح) أخرجه الشيخان قوله (أربع في أمتي) أي خصال أربع كائنة في أمتي (من أمر الجاهلية) أي حال كونهن من أمور الجاهلية وخصالها (لن يدعهن) بفتح الدال أي لن يتركهن (النياحة) هي قول واويلاه واحسرتاه والندبة عد شمائل الميت مثل واشجاعاه واأسداه واجبلاه قاله القاري (والطعن في الأحساب) جمع الحسب ومن يعده الرجل من الخصال التي تكون فيه كالشجاعة والفصاحة وغير ذلك وقيل الحسب ما يعده الانسان من مفاخر آبائه قال ابن السكيت الحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن لآبائه شرف والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء (والعدوى) بفتح العين المهملة وسكون الدال المهملة قال الجزري في النهاية هو إسم من الاعداء كالرعوي والبقوي من الإرعاء والإبقار يقال أعداه الداء يعديه إعداء وهو أن يصيبه مثل ما بصاحب الداء وذلك أن يكون ببعير جرب مثلا فتنتقي مخالطته بإبل أخرى خدارا أن يتعدى ما به من الجرب إليها فيصيبها ما أصابه وقد أبطله الاسلام لأنهم كانوا يظنون أن المرض بنفسه يتعدى فأعلمهمم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس الأمر كذلك وإنما الله هو الذي يمرض وينزل الداء (أجرب بعير) أي صار ذا جرب (من أجرب البعير الأول) هذا رد عليهم أي من أين صار فيهم الجرب (والأنواء مطرنا بنوء كذا
[ 71 ]
وكذا) الأنواء جمع نوء قال النووي في شرح مسلم نقلا عن الشيخ أبي عمر الصلاح النوء في أصله ليس هو نفس الكوكب فإنه مصدر ناء النجم ينوء نوءا أي سقط وغاب وقيل نهض وطلع وبيان ذلك أن ثمانية وعشرين نجما معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة منها نجم في المغرب مع طلوع الفجر ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته فكان أهل الجاهلية إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منهما وقال الأصمعي إلى الطالع منهما قال أبو عبيد ولم أسمع أن النوء السقوط إلا في هذا الموضع ثم إن النجم نفسه قد يسمى نوأ تسمية للفاعل بالمصدر قال أبو
إسحاق الزجاج في أمالية الساقطة في المغرب هي الأنواء والطالعة في المشرق هي البوارج إنتهى كلام النووي ما جاء في كراهية البكاء على الميت قوله (الميت يعذب ببكاء أهله عليه) فيه دلالة على أنه لا يجوز البكاء على الميت لأنه سبب لتعذيبه وإليه ذهب بعض أهل العلم كما ستعرف وقد حكى النووي إجماع العلماء على اختلاف مذاهبهم أن المراد بالبكاء الذي يعذب الميت عليه هو البكاء بصوت ونياحة لا بمجرد دمع العين قوله (وفي الباب عن ابن عمر وعمران بن حصين) أما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان بمثل حديث عمر رضي الله عنه ولأحمد ومسلم عنه بلفظ الميت يعذب في قبره بما نيح عليه وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه النسائي مرفوعا بلفظ الميت يعذب بنياحة أهله عليه الحديث قوله (حديث مر حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان
[ 72 ]
قوله (وقد كره قوم من أهل العلم البكاء على الميت وقالوا الميت يعذب ببكاء أهله عليه الخ) وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف منهم عمر وإبنه وروي عن أبي هريرة أنه رد هذه الأحاديث وعارضها بقوله تعالى ولا تزر وإزرة وزر أخرى وروى عنه أبو يعلى أنه قال تالله لئن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله فاستشهد فعمدت امرأته سفها وجهلا فبكت عليه ليعذبن هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة وإلى هذا جنح جماعة من الشافعية منهم الشيخ أبو حامد وغيره وذهب جمهور العلماء إلى تأويل هذه الأحاديث لمخالفتها للعمومات القرآنية وإثباتها لتعذيب من لا ذنب له واختلفوا في التأويل فذهب جمهورهم كما قال النووي إلى تأويلها بمن أوصى بأن يبكى عليه لأنه بسببه ومنسوب إليه قالوا وقد كان ذلك من عادة العرب كما قال طرفة بن العبد
إذا مت فأبكيني بما أنا أهله وشقي على الجيب يا أم معبد قال في الفتح واعترض بأن التعذيب بسبب الوصية يستحق بمجرد صدور الوصية والحديث دال على أنه إنما يقع عند الامتثال والجواب أنه ليس في السياق حصر لا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا مثلا إنتهى قلت والحق هو ما ذهب إليه الجمهور من تأويل هذه الأحاديث الصحيحة ولا وجه لردها مع إمكان التأويل ولهم تأويلات بعضها قريبة وبعضها بعيدة فتؤخذ القريبة وتترك البعيدة وإن شئت الوقوف على هذه التأويلات فارجع إلى فتح الباري وغيره من شروح البخاري (وقال ابن المبارك أرجو إن كان ينهاهم في حياتهم أن لا يكون عليه من ذلك شئ) وهذا هو رجائي والله تعالى أعلم قوله (حدثني أسيد بن أبي أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين فيهما المراد أبو سعيد المديني صدوق قوله (ما من ميت) أي حقيقي أو مشرف على الموت (يموت) قال الطيبي هو كقول ابن
[ 73 ]
عباس يمرض المريض أو تضل الضالة فسمى المشارف للموت والمرض والضلال ميتا ومريضا وضالة وهذه الحالة هي التي ظهرت على عبد الله بن رواحة إنتهى قلت وقصة عبد الله بن رواحة أخرجها البخاري وقد ذكرتها في اخر هذا الباب يلهزانه) بفتح الهاء أي يضربانه ويدفعانه وفي النهاية اللهز الضرب بجمع اليفي الصدر يقال لهزه بالرمح أي طعنه في الصدر (أهكذا كنت) أي توبيخا وتقريعا قوله (هذا حديث حسن غريب) قال الحافظ في التلخيص ورواه الحاكم وصححه وشاهده في الصحيح عن النعمان بن بشير قال أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته تبكي وتقول واجبلاه واكذا واكذا فلما أفاق قال ما قلت شيئا إلا قيل لي أنت كذا فلما مات لم تبك عليه ما جاء في الرخصة في البكاء على الميت أي في الرخصة في البكاء الذي ليس به صوت ولا نياحة
قوله (عن عمرة) بفتح العين هي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية أكثرت عن عائشة رضي الله عنها ثقة من الثالثة قوله (وذكر) بصيغة المجهول (لها) أي لعائشة (غفر الله لأبي عبد الرحمن) كنيته عبد الله بن عمر رضي الله عنه وهذا من الآداب الحسنة المأخوذة من قوله تعالى (عفا الله عنك لم أذنت لهم) فمن استغرب من غيره شيئا ينبغي أن يوطى ويمهد له بالدعاء إقامة لعذره فيما وقع منه وأنه لم يتعمد ومن ثم زادت على ذلك بيانا واعتذارا بقولها (أما) بالتخفيف للتنبيه أو للافتتاح يؤتي بها لمجرد التأكيد (إنه) أي ابن عمر (ولكنه نسي) أي مورده الخاص (أو أخطأ) أي في إرادته
[ 74 ]
العام (يبكي عليها) بصيغة المجهول (إنهم) أي اليهود (وإنها) أي اليهودية (لتعذب في قبرها) أي لكفرها قال القاري في المرقاة ولا يخفي أن هذا الاعتراض وارد لو لم يسمع الحديث إلا في هذا المورد وقد ثبت بألفاظ مختلفة وبروايات متعددة عنه وعن غيره غير مقيدة بل مطلقة دخل هذا الخصوص تحت ذلك العموم فلا منافاة ولا معارضة فيكون إعتراضها بحسب اجتهادها انتهى وقال الحافظ في فتح الباري قال القرطبي إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضا ولم يسمع بعضا بعيد لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح إنتهى قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه الشيخان قوله (فقالت عائشة يرحمه الله لم يكذب ولكنه وهم الخ) وكذلك حكمت عائشة رضي الله عنها على عمر رضي الله عنه أيضا التخطئة ففي رواية ابن عباس عن عائشة عند البخاري ومسلم فقالت يرحم الله عموالله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه وقالت حسبكم القرآن قوله ولا تزر وازرة وزر أخرى قال الحافظ في الفتح وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة وفيه إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر بل بما استشعرته من معارضة القرآن قال الداودي رواية ابن عباس عن عائشة بينت مانفته عمرة وعروة عنها إلا أنها خصته بالكافر لأنها أثبتت أن الميت يزداد
عذابا ببكاء أهله فأي فرق بين أن يزداد بفعل غيره أو يعذب ابتداء انتهى قوله (وفي الباب) أي في باب الرخصة في البكاء على الميت (عن ابن عباس) أخرجه أحمد
[ 75 ]
بلفظ قال ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه فأخره رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال مهلا يا عمر ثم قال إياكن ونعيق الشيطان ثم قال إنه مهما كان من العين ومن القلب فمن الله عز وجل ومن الرحمة وما كان من اليد ومن اللسان فمن الشيطان انتهى (وقرظة بن كعب) لينظر من أخرجه قوله (وأبي هريرة) أخرجه أحمد والنسائي قال مات ميت من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع النساء يبكين عليه فقام عمر ينهاهن ويطردهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعهن يا عمر فإن العين دامعة والقلب مصاب والعهد قريب انتهى (وابن مسعود) لينظر من أخرجه (وأسامة بن زيد أخرجه الشيخان قال أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه أن ابنا لي قبض فأتنا الحديث وفيه ففاضت عيناه فقال سعد يا رسول الله ما هذا فقال هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده فإنما يرحم الله من عباده الرحماء انتهى قوله (حديث عائشة حديث حسن صحيح) أصل القصة رواها الشيخان قوله (يجود بنفسه) أي يخرجها ويدفعها كما يدفع الانسان ماله قاله الحافظ (أو لم تكن نهيت) بالبناء للفاعل على المشهور وضبطه بعضهم بالبناء للمفعول كذا في قوت المغتذي (صوت) بالجر بدل من صوتين (خمش وجوه) مصدر خمشت المرأة وجهها خمشا إذا قشرت بالأظفار قاله أبو الطيب السندي (ورنة الشيطان) بفتح راء وتشديد نون صوت مع بكاء فيه ترجيع كالقلقلة كذا في مجمع البحار قال النووي في الخلاصة المراد به الغناء والمزامير قال وكذا جاء مبينا في رواية البيهقي قال العراقي ويحتمل أن المراد به رنة النوح لا رنة الغناء ونسب إلى الشيطان لأنه ورد في الحديث أول من ناح ابليس وتكون رواية الترمذي قد ذكر فيها أحد الصوتين فقط واختصر
[ 76 ]
الآخر ويؤيده أن في رواية البيهقي إني لم أنه عن البكاء إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين
صوت نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة وهذا هو رحمة ومن لا يرحم لا يرحم كذا في قوت المغتذي قوله (هذا حديث حسن) أصل قصة هذا الحديث في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه باب في المشي أمام الجنازة قوله (عن الزهري عن سالم عن أبيه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم الخ) أخرج هذا الحديث أحمد وأصحاب السنن والدارقطني وابن حبان والبيهقي من حديث ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه به قال أحمد إنما هو عن الزهري مرسل وحديث سالم فعل ابن عمر وحديث ابن عيينة وهم كذا في التلخيص قوله (عن الزهري قال كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة) هذه الرواية مرسلة ورواية سفيان المتقدمة عن الزهري موصولة والأصح الارسال كما صرح به الترمذي فيما
[ 77 ]
بعد قوله (وأخبرني سالم أن أباه) أي عبد الله بن عمر رضي الله عنه قوله (وفي الباب عن أنس) أخرجه الترمذي قوله (وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح) لكن البيهقي اختار ترجيح الموصول لأنه من رواية ابن عيينة وهو ثقة حافظ وعن علي بن المديني قال قلت لابن عيينة يا أبا محمد خالفك الناس في هذا الحديث فقال استيقن الزهري حدثني مرارا لست أحصيه يعيده ويبديه سمعته من فيه عن سالم عن أبيه قال الحافظ في التلخيص وهذا لا ينفي عنه الوهم فإنه ضابط لأنه سمعه منه عن سالم عن أبيه والأمر كذلك إلا أن فيه إدراجا لعل الزهري أدمجه إذ حدث به ابن عيينة وفصله لغيره وقد أوضحته في المدرج بأتم من هذا وجزم أيضا بصحته ابن المنذر وابن حزم انتهى كلام الحافظ قوله (وهو قول الشافعي وأحمد) وهو قول مالك وهو مذهب الجمهور على ما صرح به
الحافظ في الفتح واستدلوا بحديث ابن عمر المذكور في الباب واستدلوا أيضا بما أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان يضرب الناس يقدمهم أمام جنازة زينب بنت جحش رضي الله عنها وبما أخرج ابن أبي شيبة حدثنا وكيع عن ابن أبي ذئب عن
[ 78 ]
صالح مولى التوأمة قال رأيت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه وأبا قتادة وابن عمر وأبا أسيد رضي الله عنهم يمشون أمام الجنازة ما جاء في المشي خلف الجنازة قوله (عن يحيى إمام بني تيم الله) يحيى هذا بن عبد الله بن الحارث الجابر أبو الحارث الكوفي لين الحديث من السادسة (عن أبي ماجد) قيل اسمه عائذ بن فضلة مجهول لم يرو عنه غير يحيى الجابر من الثانية كذا في التقريب ويقال له أبو ماجدة أيضا كما في قوت المغتذي قوله (فقال ما دون الخبب) هو سرعة المشي مع تقارب الخطى كذا في قوت المغتذي (فلا يبعد) قال العراقي يحتمل ضبطه وجهين أحدهما بناؤه للمفعول ويكون المراد أن حاملها يبعدها عنه بسرعة بها لكونه من أهل النار ويحتمل أن يكون بفتح الياء والعين أيضا من بعد بالكسر يبعد بالفتح إذا هلك انتهى (والجنازة متبوعة) أي حقيقة وحكما فيمشي خلفها (ولا تتبع) بفتح التاء والباء وبرفع العين على النفي وبسكونها على النهي أي لا تتبع الناس هي فلا تكون عقيبهم وهو تصريح بما علم ضمنا (ليس منها من تقدمها) أي لا يثبت له الأجر
[ 79 ]
قوله (فقال طائر طار فحدثنا) أشار إلى أنه مجهول (وبه يقول الثوري وإسحاق) وبه يقول الأوزاعي واستدل لهم بحديث الباب وبما رواه سعيد بن منصور وغيره عن علي قال المشي خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ قال الحافظ إسناده حسن وهو موقوف له حكم المرفوع لكن حكى الأثرم عن أحمد أنه تكلم في إسناده انتهى وفي الباب
أحاديث أخر ذكرها الحافظ الزيلعي في نصب الراية قوله (وله حديثان عن ابن مسعود) الحديث الآخر ما رواه أبو الأحوص عن يحيى التميمي عن أبي ماجدة عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عفو يحب العفو كذا في الميزان وقوت المغتذي قوله (ويحيى إمام بني تيم الله ثقة) قال العراقي هذا مخالف بقول الجمهور فقد ضعفه ابن معين وأبو حاتم والنسائي والجوزجاني وقال البيهقي ضعفه جماعة من أهل النقل ثم قال فيه أحمد وابن عدي لا بأس به كذا في قوت المغتذي (ويقال له يحيى الجابر ويقال له يحيى المجبر أيضا) لأنه كان يجبر الأعضاء كذا في تهذيب التهذيب باب ما جاء في كراهية الركوب خلف الجنازة قوله (ألا تستحيون إن ملائكة الله الخ) إن هذه بكسر الهمزة قاله القاري والحديث يدل
[ 80 ]
على كراهة الركوب خلف الجنازة ويعارضه ما أخرج أبو داود عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الراكب يسير خلف الجنازة والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها ويسارها قريبا منها الحديث والجمع بن هذين الحديثين بوجوه منها أن حديث المغيرة في حق المعذور بمرض أو شلل أو عرج ونحو ذلك وحديث الباب في حق غير المعذور ومنها أن حديث الباب محمول على أنهم كانوا قدام الجنازة أو طرفها فلا ينافي حديث المغيرة ومنها أن حديث المغيرة لا يدل على عدم الكراهة وإنما يدل على الجواز فيكون الركوب جائزا مع الكراهة قوله (وفي الباب عن المغيرة بن شعبة) أخرجه أبو داود وتقدم لفظه وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه بلفظ الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها (وجابر بن سمرة) أخرجه مسلم والترمذي (حديث ثوبان قد روى عنه موقوفا) لم يتكلم الترمذي على حديث ثوبان المرفوع المذكور بحسن ولا ضعف وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف باب ما جاء في الرخصة في ذلك
قوله (في جنازة ابن الدحداح) بفتح الدالين المهملتين وحائين مهملتين (وهو على فرس له) أي حين رجع كما في الرواية الاتية (يسعى) قال العراقي روى بالياء والنون (وهو يتوقص به) بالقاف المشددة والصاد المهملة أي يتثوب به وفي مصنف ابن أبي شيبة يتوقس بالسين المهملة وهما نعتان كذا في قوت المغتذي وقال في المجمع أي يثب ويقارب الخطو قوله (عن الجراح) بتشديد
[ 81 ]
قوله (ورجع على فرس) فيه دليل على جواز الركوب عند الانصراف وقال العلماء لا يكره الركوب في الرجوع من الجنازة إتفاقا لانقضاء العبادة كذا في المرقاة وقال النووي فيه إباحة الركوب في الرجوع عن الجنازة وإنما يكره الركوب في الذهاب معها إنتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم ما جاء في الاسراع بالجنازة قوله (يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم) أي يرفع الحديث إليه صلى الله عليه وسلم قوله (أسرعوا) أمر من الاسراع قال الحافظ في الفتح نقل ابن قدامة أن الأمر فيه للإستحباب بلا خلاف بين العلماء وشذ ابن حزم فقال بوجوبه والمراد بالإسراع شدة المشي وعلى ذلك حمله بعض السلف وهو قول الحنفية قال صاحب الهداية ويمشون بها مسرعين دون الخبب وفي المبسوط ليس فيه شئ مؤقت غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة وعن الشافعي والجمهور المراد بالإسراع ما فوق سجية المشي المعتاد ويكره الإسراع الشديد ومال عياض إلى نفي الخلاف فقال من استحبه أراد الزيادة على المشي المعتاد ومن كرهه أراد الإفراط فيه كالرمل والحاصل أنه يستحب الإسراع بها لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل أو المشيع لئلا ينافي المقصود من النظافة أو إدخال المشقة على المسلم إنتهى كلام الحافظ (بالجنازة) أي بحملها إلى قبرها (فإن تك) أي الجثة المحمولة قاله الحافظ وقال القاري أي فلن تكن الجنازة قال المظهر الجنازة بالكسر الميت وبالفتح السرير فعلى هذا أسند الفعل إلى الجنازة وأريد بها الميت (خيرا) أي ذا خير وفي رواية الشيخين صالحة (تقدموها) أي الجنازة (إليه) أي الخير وفي رواية
الشيخين فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه قال القاري
[ 82 ]
قإن كان حال ذلك الميت حسنا طيبا فأسرعوا به حتى يصل إلى تلك الحالة الطيبة عن قريب قال الحافظ وفي الحديث استحباب المبادرة إلى دفن الميت لكن بعد أن يتحقق أنه مات أما مثل المطعون والمفلوج والمسبوت فينبغي أن لا يسرع بدفنهم حتى يمضي يوم وليلة ليتحقق موتهم نبه على ذلك ابن بزيزة إنتهى قوله (وفي الباب عن أبي بكرة) أخرجه أبو داود من طريق عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص وكنا نمشي مشيا خفيفا فلحقنا أبو بكرة فرفع سوطه فقال لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نرمل رملا انتهى وسكت عنه أبو داود والمنذري وقال النووي في الخلاصة سنده صحيح قال العيني نرمل رملا من رمل رملان ورملانا إذا أسرع في المشي وهز منكبيه ومراده الإسراع المتوسط ويدل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث عبد الله بن عمرو أن أباه أوصاه قال إذا حملتني على السرير فامش مشيا بين المشيين وكن خلف الجنازة فإن مقدمتها للملائكة وخلفها لبني آدم انتهى قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة قتلى جمع قتيل قوله (قد مثل به) قال في الدر النثير مثلت بالقتيل جدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئا من أطرافه والاسم مثلة (لولا أن تجد) أن تحزن وتجزع (صفية) هي بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشقيقة حمزة رضي الله عنهما (حتى تأكله العافية) قال الخطابي هي السباع والطير التي تقع على الجيف فتأكلها وتجمع على العوافي (حتى يحشر يوم القيامة من بطونها) إنما أراد ذلك
[ 83 ]
ليتم له به الأجر ويكمل ويكون كل البدن مصروفا في سبيله تعالى إلى البعث أو البيان أنه ليس
عليه فيما فعلوا به من المثلة تعذيب حتى إن دفنه وتركه سواء قاله أبو الطيب (بنمرة) بفتح نون وكسر ميم بردة من صوف وغيره مخططة وقيل الكساء قوله (ولم يصلى عليهم) واستدل به من قال بأن الشهيد لا يصلي عليه وسيجئ الكلام على هذه المسألة في باب ترك الصلاة على الشهيد قوله (حديث أنس حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود وسكت عنه وذكر المنذري قول الترمذي هذا وأقره باب اخر قوله (ويركب الحمار) قال ابن الملك فيه دليل على أن ركوب الحمار سنة قال القاري فمن استنكف من ركوبه كبعض المتكبرين وجماعة من جهلة الهند فهو أخس من الحمار انتهى قلت كيف وقد قال تعالى (والخيل والبغال والحمير لتركوها وزينة) (وكان يوم بني قريظة) بضم القاف وفتح الظاء المعجمة المشالة بوزن جهينة قبيلة من يهود خيبر وكانت هذه الوقعة لسبع
[ 84 ]
بقين من ذي القعدة سنة خمس (محطوم بحبل) أي مجعول في أنفه بحبل (من ليف) بكسر اللام بالفارسية بوست درخمت خرما قال في القاموس خطمه بالخطام أي جعله على أنفه كخطمه به أو جر أنفه ليضع عليه الخطام وهو ككتاب كل ما وضع في أنف البعير أي ونحوه لينقاد به (عليه) أي على الفرس (إكاف ليف) بكسر الهمزة ويقال له الوكاف بالواو وهو للحمار كالسرج للفرس وإكاف ليف بالإضافة وفي بعض النسخ إكاف من ليف قوله (ومسلم الأعور يضعف) قال النسائي وغيره متروك كذا في الميزان (وهو مسلم بن كيسان الملائي) بميم مضمومة وخفة لام وبياء في آخره نسبة إلى بيع الملاء نوع من الثياب كذا في المعنى باب قوله (اختلفوا في دفنه) أي في موضع دفنه فقال بعضهم يدفن بمكة وقال الاخرون بالمدينة في البقيع وقيل في القدس كذا في اللمعات (ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه) إكراما له حيث لم يفعل به إلا ما يحبه ولا ينافيه كراهة الدفن في البيوت لأن من
خصائص الأنبياء أنهم يدفنون حيث يموتون قوله (هذا حديث غريب) قال المناوي ضعيف لضعف ابن أبي مليكة انتهى قلت قد و هم المناوى فإن ابن أبي مليكة ليس بضعيف بل هو ثقة وضعف هذا الحديث إنما هو لضعف عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي مليكة قال الحافظ في التقريب ضعيف وقال الترمذي يضعف من قبل حفظه
[ 85 ]
باب آخر قوله (أذكروا محاسن موتاكم) محاسن جمع حسن على غير قياس والأمر للندب (وكفوا) أمر للوجوب أي امتنعوا (عن مساويهم) جمع سوء على غير قياس أيضا قال حجة الاسلام غيبة الميت أشد من الحي وذلك لأن عفو الحي واستحلاله ممكن ومتوقع في الدنيا بخلاف الميت وفي الأزهار قال العلماء وإذا رأى الغاسل من الميت ما يعجبه كاستنارة وجهه وطيب ريحه وسرعة انقلابه على المغتسل استحب أن يتحدث به وإن رأى ما يكره كنتنه وسواد وجهه أو بدنه أو انقلاب صورته حرم أن يتحدث به كذا في المرقاة قوله (هذا حديث غريب) ورواه أبو داود وابن حبان قوله (وعمران بن أنس مصري الخ) يعني أن عمران بن أنس اثنان مصري ومكي والمصري أثبت وأقدم من المكي قاله الحافظ في التقريب ما جاء في الجلوس قبل أن توضع قوله (عن بشر بن رافع) الحارثي أبو الأسباط فقيه ضعيف الحديث (عن عبد الله بن
[ 86 ]
سليمان بن جنادة) بضم الجيم وبالنون ضعيف من السادسة (عن أبيه) سليمان بن جنادة منكر الحديث من السادسة (عن جده) جنادة بن أبي أمية الأزدي ثقة قوله (حتى توضع في اللحد) بفتح اللام وسكون الحاء الشق في جانب القبلة من القبر فعرض له حبر) بفتح الحاء وتكسر أي عالم أي ظهر له صلى الله عليه وسلم عالم من اليهود (فجلس رسول الله
صلى الله عليه وسلم) أي بعد ما كان واقفا أو بعد ذلك (وقال خالفوهم) قال القاري فبقي القول بأن التابع لم يقعد حتى توضع عن أعناق الرجال هو الصحيح انتهى قلت هذا الحديث ضعيف لأن في إسناده بشر بن رافع وعبد الله بن سليمان وأباه سليمان جنادة وهؤلاء كلهم ضعفاء وقد روى الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد الخدري مرفوعا إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع قال الحازمي قد اختلف أهل العلم في هذا الباب فقال قوم من تبع جنازة فلا يقعدن حتى توضع عن أعناق الرجال وممن رأى ذلك الحسن بن علي وأبو هريرة وابن عمر وابن الزبير والأوزاعي وأهل الشام وأحمد وإسحاق وذكر إبراهيم النخعي والشعبي أنهم كانوا يكرهون أن يجلسوا حتى توضع عن مناكب الرجال وبه قال محمد بن الحسن وخالفهم في ذلك اخرون ورأوا الجلوس أولى واعتقدوا الحكم الأول منسوخا وتمسكوا في ذلك بأحاديث ثم ذكر بإسناده حديث الباب وقال هذا حديث غريب أخرجه الترمذي في كتابه وقال بشر بن رافع ليس بقوي في الحديث وقد روي هذا الحديث من غير هذا الطريق وفيه أيضا كلام ولو صح لكان صريحا في النسخ غير أن حديث أبي سعيد اصح وأثبت فلا يقاومه هذا الإسناد ثم روى الحازمي بإسناده عن علي رضي الله عنه قال قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أول ما قدمنا فكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يجلس حتى توضع الجنازة ثم جلس بعد وجلسنا معه فكان يؤخذ بالاخر فالاخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الحديث بهذه الألفاظ غريب أيضا ولكنه يشيد ما قبله انتهى كلام الحازمي
[ 87 ]
باب فضل المصيبة إذا احتسب أي صبر وطلب الثواب قوله (على شفير القبر) أي على طرفه (حدثني ضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب) بفتح المهملة وسكون الراء وفتح الزاي ثم موحدة ثقة من الثالثة (قال الله لملائكته) أي ملك الموت وأعوانه (قبضتم) على تقدير الاستفهام (ولد عبدي) أي روحه (فيقول قبضتم ثمرة فؤاده) أي يقول ثانيا إظهارا لكمال الرحمة كما أن الوالد العطوف يسأل الفصاد هل فصدت ولدي مع أنه بأمره ورضاه وقيل سمى الولد ثمرة فؤاده لأنه نتيجة الأب كالثمرة للشجرة (واسترجع) أي قال إنا
لله وإنا إليه راجعون (وسموه بيت الحمد) أضاف البيت إلى الحمد الذي قاله عند المصيبة لأنه جزاء ذلك الحمد قاله القاري باب ما جاء في التكبير على الجنازة قوله (صلى على النجاشي) بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة ثم ياء
[ 88 ]
ثقيلة كياء النسب وقيل بالتخفيف وهو لقب من ملك الحبشة وحكى المطرزي عن بعضهم تشديد الجيم وخطأه كذا في فتح الباري واسمه أصحمة بوزن أربعة وهو ممن آمن به صلى الله عليه وسلم ولم يره وكان ردءا للمسلمين المهاجرين إليه مبالغا في الإحسان إليهم (فكبر أربعا) فيه دليل على أن التكبير على الجنازة أربع تكبيرات وعليه عمل الأكثر قوله (وفي الباب عن ابن عباس وابن أبي أوفى وجابر وأنس ويزيد بن ثابت) أما حديث ابن عباس فأخرجه الحازمي في كتاب الاعتبار عنه قال آخر ما كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنائز أربعا وكبر عمر رضي الله عنه على أبي بكر أربعا وكبر عبد الله بن عمر على عمر أربعا وكبر الحسن بن علي على علي أربعا وكبر الحسين على الحسن أربعا وكبرت الملائكة على آدم أربعا وأخرجه الدارقطني مختصرا وهو حديث ضعيف وله طرق أخرى كلها ضعيفة ذكرها الزيلعي في نصب الراية وأما حديث ابن أبي أوفى فأخرجه أحمد عن عبد الله بن أبي أوفى أنه مات له ابن فكبر أربعا وقام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو ثم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع هكذا ورواه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات من هذا الوجه وزاد ثم سلم عن يمينه وشماله ثم قال لا أزيد على ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه وأما حديث جابر فأخرجه الشيخان عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه أربعا وأما حديث أنس فأخرجه الحازمي في كتاب الناسخ والمنسوخ عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر على أهل بدر سبع تكبيرات وعلي بني هاشم سبع تكبيرات وكان اخر صلاته أربعا حتى خرج من الدنيا قال وإسحاق واهي وقد روى اخر صلاته كبر أربعا من عدة روايات كلها ضعيفة كذا في نصب الراية وقد روى أبو داود في سننه عن أنس حديثا طويلا وفيه فكبر أربع تكبيرات لم يطل ولم يسرع ورفعه إلى
النبي صلى الله عليه وسلم وأما حديث يزيد بن ثابت فأخرجه أحمد وابن ماجه وفيه ثم أتى القبر فصففنا خلفه فكبر عليه أربعا قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة
[ 89 ]
قوله (وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق) وهو قول أبي حنيفة وقد استدلوا بحديث الباب قال الحافظ ابن حجر في الفتح وقد اختلف السلف في ذلك فروى مسلم عن زيد بن أرقم أنه يكبر خمسا ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وروى ابن المنذر عن ابن مسعود أنه صلى على جنازة رجل من بني أسد فكبر خمسا وروى ابن المنذر وغيره عن علي أنه كان يكبر على أهل بدر ستا وعلى الصحابة خمسا وعلى سائر الناس أربعا وروى أيضا بإسناد صحيح عن أبي معبد قال صليت خلف ابن عباس على جنازة فكبر ثلاثا قال ابن المنذر ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع وفيه أقوال أخر فذكر ما تقدم قال والذي نختار ما ثبت عن عمر ثم ساق بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب قال كان التكبير أربعا وخمسا فجمع عمر الناس على أربع وروى البيهقي بإسناد حسن إلى أبي وائل قال كانوا يكبرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعا وستا وخمسا وأربعا فجمع عمر الناس على أربع كأطول الصلاة إنتهى قوله (فإنه يتبع الامام) أي المقتدي يتبع الامام قال العيني ظاهر كلام الخرقي أن الامام إذا كبر خمسا تابعه المأموم ولا يتابعه في زيادة عليها ورواه الأثرم عن أحمد وروى حرب عن أحمد إذا كبر خمسا لا يكبر معه ولا يسلم إلا مع الامام وممن لا يرى متابعة الامام في زيادة على أربع الثوري ومالك وأبو حنيفة والشافعي واختاره ابن عقيل كذا ذكره العيني نقلا عن ابن قدامة قلت الراجح عندي أن الامام إذا كبر خمسا تابعه المأموم
[ 90 ]
باب ما يقول في الصلاة على الميت قوله (حدثني أبو ابراهيم الأشهلي) مقبول من الثالثة قيل إنه عبد الله بن أبي قتادة ولا
يصح قاله الحافظ في التقريب قوله (صغيرنا وكبيرنا) ههنا إشكال وهو أن الصغير غير مكلف لا ذنب له فما معنى الاستغفار له وذكروا في دفعه وجوها فقيل الاستغفار في حق الصغير لرفع الدرجات وقيل المراد بالصغير والكبير الشاب والشيخ وقال التوربشتي عن الطحاوي أنه سئل عن معنى الاستغفار للصبيان مع أنه لا ذنب لهم فقال معناه السؤال من الله أن يغفر له ما كتب في اللوح المحفوظ أن يفعله بعد البلوغ من الذنوب حتى إذا كان فعله كان مغفورا وإلا فالصغير غير مكلف لا حاجة له إلى الاستغفار (وذكرنا وأنثانا المقصود من القرائن الأربع الشمول والاستيعاب كأنه قيل اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات كلهم أجمعين (قال يحيى) أي ابن أبي كثير (فأحيه على الاسلام) أي الاستسلام والانقياد للأوامر والنواهي (فتوفه على الايمان) أي التصديق القلبي إذا لا نافع حينئذ غيره ورواه أبو داود من طريق يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة وزاد اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده ووقع في هذه الرواية اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام قال الشوكاني في النيل ولفظ فأحيه علي الإسلام هو الثابت عند الأكثر وعند أبي داود فأحيه على الإيمان وتوفه على الإسلام قوله (وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف وعائشة وأبي قتادة وجابر وعوف بن مالك)
[ 91 ]
أما حديث عبد الرحمن وأبي قتادة وجابر فلينظر من أخرجه وأما حديث عائشة فأخرجه الحاكم وأما حديث عوف بن مالك أخرجه مسلم قوله (حديث والد أبي إبراهيم حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والنسائي ورواه أبو داود والنسائي وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة (وروى هشام الدستوائي الخ) قال ابن أبي حاتم سألت أبي عن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة فقال الحفاظ لا يذكرون أبا هريرة إنما يقولون أبو سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا لا يوصله بذكر أبي هريرة إلا غير متقن والصحيح أنه مرسل وروى عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير
عن أبي سلمة عن عائشة الخ قال الحاكم بعد رواية حديث أبي هريرة المذكور وله شاهد صحيح فرواه من حديث أبي سلمة عن عائشة نحوه وأعله الترمذي بقوله (وحديث عكرمة بن عمار غير محفوظ وعكرمة ربما يهم في حديث يحيى) قال الحافظ في التقريب عكرمة بن عمار العجلي أبو عمار اليمامي أصله من البصرة صدوق يغلط وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب ولم يكن له كتاب (وروى عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم) وقد توهم بعض الناس أن أبا ابراهيم المذكور هو عبد الله بن أبي قتادة وهو غلط أبو ابراهيم من بني عبد الأشهل وأبو قتادة من بني سلمة قاله الحافظ في التلخيص نقلا عن ابن أبي حاتم عن أبيه
[ 92 ]
قوله (ففهمت من صلاته) وفي رواية لمسلم فحفظت من دعائه وفي رواية أخرى له سمعت النبي صلى الله عليه وسلم على جنازة يقول (واغسله بالبرد) بفتحتين وهو حب الغمام قاله العيني روى الترمذي هذا الحديث هكذا مختصرا ورواه مسلم مطولا ولفظه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائوهو يقول اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه واكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وابدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار انتهى قال النووي فيه إشارة إلى الجهر بالدعاء في صلاة الجنازة وقد اتفق أصحابنا على أنه إن صلى عليها بالنهار أسر بالقراءة وإن صلى بالليل ففيه وجهان الصحيح الذي عليه الجمهور يسر والثاني يجهر وأما الدعاء فيسر به بلا خلاف وحينئذ يتأول هذا الحديث على أن قوله حفظت من دعائه أي علمنيه بعد الصلاة فحفظته انتهى قلت ويرد هذا التأويل قوله في رواية أخرى سمعت وقال القاري في المرقاة وهذا يعني قوله حفظت لا ينافي ما تقرر في الفقه من ندب الإسرار لأن الجهر هنا للتعليم لا غير انتهى وقال الشوكاني في النيل قوله سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وكذا قوله فحفظت من دعائه يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالدعاء وهو خلاف ما صرح به
جماعة من استحباب الإسرار بالدعاء وقد قيل إن جهره صلى الله عليه وسلم بالدعاء لقصد تعليمهم وأخرج أحمد عن جابر قال ما أباح لنا في دعاء الجنازة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر وفسر أباح بمعنى قدر قال الحافظ والذي وقفت عليه باح بمعنى جهر والظاهر أن الجهر والإسرار بالدعاء جائزان انتهى كلام الشوكاني قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم (وقال محمد بن إسماعيل أصح شئ في هذا الباب هذا الحديث) أي حديث عوف بن مالك وقد ورد في هذا الباب أحاديث منها ذكره الترمذي ومنها حديث وائلة بن الأصقع أخرجه أبو داود ومنها حديث عبد الله بن أبي أوفى أخرجه أحمد وابن ماجه قال الحافظ ابن حجر واختلاف الأحاديث في ذلك محمول على أنه يدعو لميته بدعاء ولآخر بآخر انتهى قال الشوكاني إذا كان المصلي عليه طفلا
[ 93 ]
استحب أن يقول المصلي اللهم اجعله لنا سلفا وفرطا وأجرا روى ذلك البيهقي من حديث أبي هريرة وروى مثله سفيان في جامعه عن الحسن قال والظاهر أنه يدعو بهذه الألفاظ الواردة في هذه الأحاديث سواء كان الميت ذكرا أو أنثى ولا يحول الضمائر المذكرة إلى صيغة التأنيث إذا كانت الميت أنثى لأن مرجعها الميت وهو يقال على الذكر والأنثى انتهى باب ما جاء في القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب قوله (أخبرنا ابراهيم بن عثمان) هو أبو شيبة الواسطي قال الحافظ مشهور بكنيته متروك الحديث (قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب) أي بعد التكبيرة الأولى وقد أخرج الشافعي والحاكم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر على الميت أربعا وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى ولفظ الحاكم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر على جنائزنا أربعا ويقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأول وفيه إبراهيم بن محمد بن أبي يحي فقد وثقه جماعة منهم الشافعي وابن الأصبحاني وابن عدي وابن عقدة وضعفه آخرون قاله ابن القيم في جلاء الأفهام وقد صرح العراقي في شرح الترمذي بأن إسناد حديث جابر ضعيف
قوله (وفي الباب عن أم شريك) أخرجه ابن ماجه عنها قالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب وفي إسناده ضعف يسير كما قال الحافظ في التلخيص وفي الباب أيضا عن أم عفيف النهدية قالت أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب على ميتنا رواه أبو نعيم كذا في عمدة القاري وعن أبي أسامة بن سهل بن حنيف قال السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخلص الدعاء للميت ولا يقرأ إلا في الأولى أخرجه عبد الرزاق والنسائي قال الحافظ في الفتح إسناده صحيح انتهى قلت روى النسائي في سننه قال أخبرنا قتيبة قال حدثنا الليث عن ابن شهاب عن أبي أمامة قال السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ثم تكبر ثلاثا والتسليم عند
[ 94 ]
الآخرة وقال النووي في الخلاصة إن إسناده على شرط الشيخين قاله العيني في شرح البخاري قوله (إبراهيم بن عثمان هو أبو شيبة الواسطي منكر الحديث) قال في التقريب بكنيته متروك الحديث قوله (والصحيح عن ابن عباس قوله من السنة القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب) قال الحافظ في الفتح بعد ذكر قول الترمذي هذا ما لفظه هذا مصير منه يعني من الترمذ إلى الفرق بين الصيغتين (أي بين قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب وبين قوله من السنة القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب ولعله أراد الفرق بالنسبة إلى الصراحة والاحتمال انتهى) قوله (إن ابن عباس صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب فقلت له فقال إنه من السنة أو من تمام السنة) شك من الراوي وفي رواية النسائي فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة جهر حتى أسمعنا فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال سنة وحق وللحاكم من طريق ابن عجلان أنه سمع سعيد يقول صلى ابن عباس على جنازة فجهر بالحمد ثم قال إنما جهرت لتعلموا أنها
سنة قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري والنسائي وابن حبان والحاكم قوله (وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق) وقولهم هو الحق يدل عليه أحاديث الباب (وقال بعض أهل العلم لا يقرأ في الصلاة الخ) وهو قول أبي حنيفة رحمه الله قال محمد في موطإه لا قراءة على الجنازة وهو قول أبي حنيفة رحمه الله انتهى واستدل لهم بحديث أبي هريرة مرفوعا
[ 95 ]
إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء رواه أبو داود وابن ماجه قلت هذا الاستدلال ليس بشئ فإن المراد بقوله فأخلصوا له الدعاء أدعوا له بالإخلاص وليس فيه نفي القراءة على الجنازة كيف وقد روى القاضي إسماعيل في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي أمامة أنه قال إن السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ ولا يقرأ إلا مرة ثم يسلم وأخرجه ابن الجارود في المنتقى قال الحافظ ورجاله مخرج لهم في الصحيحين ففي هذا الحديث أن السنة في الصلاة على الجنازة قراءة الفاتحة وإخلاص الدعاء للميت وكذا وقع الجمع بين القراءة وإخلاص الدعاء للميت في رواية عبد الرزاق وقد تقدمت هذه الرواية واستدل الطحاوي على ترك القراءة في التكبيرة الأولى بتركها في باقي التكبيرات وترك التشهد قلت هذا الاستدلال أيضا ليس بشئ فإنه قياس في مقابلة النص وأجابوا عن أحاديث الباب بأن قراءة الفاتحة في الصلاة على الجنازة كانت على وجه الدعاء قال الطحاوي ولعل قراءة من قرأ الفاتحة من الصحابة كانت على وجه الدعاء لا على وجه التلاوة قلت هذا ادعاء محض لا دليل عليه فهو مما لا يلتفت إليه قال صاحب التعليق الممجد قد صنف حسن الشرنبلالى من متأخري أصحابنا يعني الحنفية رسالة سماها بالنظم المستطاب بحكم القراءة في صلاة الجنازة بأم الكتاب ورد فيها على من ذكر الكراهة بدلائل شافية وهذا هو الأولى لثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه انتهى كلام صاحب التعليق الممجد فائدة قال الشوكاني في النيل ذهب الجمهور إلى أنه لا يستحب الجهر بالقراءة في صلاة الجنازة وتمسكوا بقول ابن عباس لم أقرأ أي جهرا إلا لتعلموا أنه سنة وبقوله في حديث أبي أمامة سرا في نفسه انتهى كلام الشوكاني قلت وقع في حديث أبي أمامة عند النسائي السنة في
الصلاة على الجنازة أن يقرأ بأم القرآن مخافتة وقد تقدم هذا الحديث آنفا وأما لفظ سرا في نفسه فقد وقع عند الشافعي فأخرج في مسنده أخبرنا مطرف بن مازن عن معمر عن الزهري أخبرني أبو أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه الحديث وأما قول ابن عباس الذي ذكره الشوكاني فأخرجه الحاكم من طريق شرحبيل ابن سعد عن ابن عباس أنه صلى على جنازة بالأبواء فكبر ثم قرأ الفاتحة رافعا صوته ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال اللهم عبدك وابن
[ 96 ]
عبدك الحديث وفي آخره ثم انصرف فقال يا أيها الناس إني لم أقرأ عليها أي جهرا إلا لتعلموا أنها سنة قال الحافظ في الفتح وشرحبيل مختلف في توثيقه انتهى وأخرج ابن الجارود في المنتقى من طريق زيد بن طلحة التيمي قال سمعت ابن عباس قرأ على جنازة فاتحة الكتاب وسورة وجهر بالقراءة وقال إنما جهرت لأعلمكم أنها سنة وأخرجه أيضا من طريق طلحة بن عبد الله قال صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة فجهر حتى سمعت الحديث وقد تقدم رواية الحاكم بلفظ إنما جهرت لتعلموا أنها سنة قال الشوكاني وقيل يستحب الجهر بالقراءة فيها واستدل على ذلك بما رواه النسائي من حديث ابن عباس فقد وقع فيه فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر فلما فرغ قال سنة وحق وقال بعض أصحاب الشافعي إنه يجهر بالليل كالليلية انتهى كلام الشوكاني قلت قول ابن عباس إنما جهرت لتعلموا أنها سنة يدل على أن جهره كان للتعليم وأما قول بعض أصحاب الشافعي يجهر بالليل كالليلية فلم أقف على رواية تدل على هذوالله تعالى أعلم فائدة أخرى قد وقع في رواية النسائي التي ذكرتها آنفا فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وهذا يدل على أن السنة قراءة فاتحة الكتاب وسورة معها قال الشوكاني فيه مشروعية قراءة سورة مع الفاتحة في صلاة الجنازة ولا محيص عن المصير إلى ذلك لأنها زيادة خارجة عن مخرج صحيح
انتهى قلت قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر أثر ابن عباس أنه قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب وقال إنها سنة ما لفظه ورواه أبو يعلى في مسنده من حديث ابن عباس وزاد وسورة قال البيهقي ذكر السورة غير محفوظ وقال النووي إسناده صحيح انتهى باب كيف الصلاة على الميت والشفاعة له قوله (عن مرثد) بفتح الميم وسكون الراء بالتاء المثلثة المفتوحة (بن عبد الله اليزني) بفتح التحتانية والزاي بعدها نون ثقة فقيه قوله (كان مالك بن هبيرة) بالتصغير السكوني الكندي صحابي نزل حمص ومصر مات في أيام مروان وكان أميرا لمعاوية رضي الله عنه على الجيوش
[ 97 ]
وغزو الروم (فتقال الناس عليها) تفاعل من القلة أي رآهم قليلا (جزأهم ثلاثة أجزاء) من التجزئة أي فرقهم وجعل القوم الذين يمكن أن يكونوا صفا واحدا ثلاثة صفوف وفي رواية أبي داود جزأهم ثلاثة صفوف قال القاري في المرقاة أي قسمهم ثلاثة أقسام أي شيوخا وكهولا وشبابا أو فضلاء وطلبة العلم والعامة انتهى قال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي بعد ذكر هذا القول هذا بعيد جدا انتهى قلت لا شك في بعده بل الحق والصواب أن المراد جعلهم ثلاثة صفوف كما في رواية أبي داود (ثم قال) أي استدلالا لفعله (من صلى عليه ثلاثة صفوف) وأقل الصف أن يكون اثنين على الأصح قاله القاري قلت ولاحد لأكثره (فقد أوجب) في رواية أبي داود وجبت له الجنة وفي رواية البيهقي غفر له كذا في قوت المغتذي فمعنى أوجب أي أوجب الله عليه الجنة أو أوجب مغفرته وعدا منه وفضلا قوله (وفي الباب عن عائشة) أخرجه مسلم والترمذي (وأم حبيبة) لم أقف على حديثها (وأبي هريرة) أخرجه ابن ماجه بسند صحيح عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من صلى عليه مائة من المسلمين غفر له كذا في فتح الباري (وميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم) أخرجه النسائي من حديث أبي المليح حدثني عبد الله عن إحدى أمهات المؤمنين وهي ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت أخبرني النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من ميت يصلي عليه أمة من الناس إلا شفعوا فيه فسألت أبا المليح عن الأمة قال
أربعون قوله (حديث مالك بن هبيرة حديث حسن) وصححه الحاكم كما قال الحافظ في الفتح وأخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري وأخرجه ابن ماجه
[ 98 ]
قوله (رضيع كان لعائشة) بالجر بدل من عبد الله بن يزيد قال الحافظ في التقريب عبد الله بن يزيد رضيع عائشة بصري وثقه العجلي من الثالثة قلت قال في القاموس رضيعك أخوك من الرضاعة قوله (فليصلي عليه أمة) أي جماعة (فيشفعوا له) من المجرد أي دعوا له (إلا شفعوا فيه) من التفعيل على بناء المفعول أي قبلت شفاعتهم (فيه) في حقه وروى مسلم عن ابن عباس مرفوعا ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه وفي هذه الأحاديث استحباب تكثير جماعة الجنازة ويطلب بلوغهم إلى هذا العدد الذي يكون من موجبات الفوز وقد قيد ذلك بأمرين الأول أن يكونوا شافعين فيه أي مخلصين له الدعاء سائلين له المغفرة الثاني أن يكونوا مسلمين ليس فيهم من يشرك بالله شيئا كما في حديث ابن عباس قال النووي في شرح مسلم قال القاضي قيل هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا عن ذلك فأجاب كل واحد عن سؤاله قال ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بقبول شفاعة مائة فأخبر به ثم بقبول شفاعة أربعين ثم ثلاثة صفوف وإن قل عددهم فأخبر به ويحتمل أيضا أن يقال هذا مفهوم عدد ولا يحتج به جماهير الأصوليين فلا يلزم من الإخبار عن قبول شفاعة مائة منع قبول ما دون ذلك وكذا في الأربعين مع ثلاثة صفوف وحينئذ كل الأحاديث معمول بها ويحصل الشفاعة بأقل الأمرين من ثلاثة صفوف وأربعين انتهى كلام النووي وقال التوربشتي لا تضاد بين هذه الأحاديث لأن السبيل في أمثال هذا المقام أن يكون الأقل من العددين متأخرا على الأكثر لأن الله تعالى إذا وعد المغفرة لمعنى لم يكن من سنته النقصان من الفضل الموعود بعد ذلك بل يزيد تفضلا فيدل على زيادة فضل الله وكرمه على عباده انتهى
قوله (حديث عائشة حديث حسن صحيح) أخرجه مسلم والنسائي قوله (وقد أوقفه بعضهم ولم يرفعه) قال النووي قال القاضي عياض رواه سعيد بن منصور موقوفا على عائشة فأشار إلى تعليله بذلك وليس معللا لأن من رفعه ثقة وزيادة الثقة مقبولة انتهى
[ 99 ]
باب ما جاء في كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها قوله (ثلاث ساعات) أي أوقات (أن نصلي فيهن) هو بإطلاقه يشمل صلاة الجنازة لأنها صلاة (أو نقبر فيهن موتانا) من باب نصر أي ندفن فيهن موتانا يقال قبرته إذا دفنته وأقبرته إذ جعلت له قبرا يوارى فيه ومنه قوله تعالى (فأقبره) كذا في المرقاة وقال النووي وهو بضم الباء الموحدة وكسرها لغتان انتهى (حين تطلع الشمس بازغة) أي طالعة ظاهرة حال مؤكدة (وحين يقوم قائم الظهيرة) قال النووي الظهيرة حال استواء الشمس ومعناه حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق ولافي المغرب انتهى وقال ابن حجر الظهيرة هي نصف النهار وقائمها أما الظل وقيامه وقوفه من قامت به دابته وقفت والمراد بوقوفه بطوء حركته الناشئ من بطوء حركة الشمس حينئذ باعتبار ما يظهر للناظر بادى الرأي وإلا فهي سائرة على حالها وأما القائم فيها لأنه حينئذ لا يميل له ظل إلى جهة المشرق ولا إلى جهة المغرب وذلك كله كناية عن وقت استواء الشمس في وسط السماء (حتى تميل) أي الشمس من المشرق إلى المغرب وتزول عن وسط السماء إلى الجانب الغربي وميلها هذا هو الزوال قال ابن حجر ووقت الاستواء المذكور وإن كان وقتا ضيقا لا يسع صلاة إلا أنه يسع التحريمة فيحرم تعمد التحريمة فيه (وحين تضيف) بفتح التاء والضاد المعجمة وتشديد الياء أي تميل قاله النووي وأصل الضيف الميل سمي الضيف لميله إلى من ينزل عليه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه
[ 100 ]
قوله (وقال ابن المبارك معنى هذا الحديث أو أن نقبر فيهن موتانا يعني الصلاة) أي ليس المراد بقوله أو نقبر الدفن كما هو الظاهر بل المراد صلاة الجنازة قلت قد حمل الترمذي قوله نقبر فيهن موتانا على صلاة الجنازة ولذلك بوب عليه باب ما جاء في كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها ونقل في تأييده قول ابن المبارك وحمله أبو داود على الدفن الحقيقي فإنه ذكره في الجنائز وبوب عليه باب الدفن عند طلوع الشمس وعند غروبها قال الزيلعي في نصب الراية قد جاء بتصريح الصلاة فيه رواه الإمام أبو حفص عمر بن شاهين في كتاب الجنائز من حديث خارجة بن مصعب عن ليث بن سعد عن موسى بن علي به قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي على موتانا عند ثلاث عند طلوع الشمس إلى آخره انتهى ما في نصب الراية قلت لو صحت هذه الرواية لكانت قاطعة للنزاع ولوجب حمل قوله أو نقبر فيهن موتانا على الصلاة لكن هذه الرواية ضعيففإن خارجة بن مصعب ضعيف قال الحافظ في التقريب في ترجمته متروك وكان يدلس عن الكذابين ويقال إن ابن معين كذبه تنبيه قال النووي في شرح مسلم قال بعضهم إن المراد بالقبر صلاة الجنازة وهذا ضعيف لأن صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع فلا يجوز تفسير الحديث بما يخالف الإجماع بل الصواب أن معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات كما يكره تعمد تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر وهي صلاة المنافقين فأما إذا وقع في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره انتهى كلام النووي قلت قوله صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع فيه نظر ظاهر كما ستقف على ذلك في بيان المذاهب قوله (وهو قول أحمد وإسحاق) وهو قول مالك والأوزاعي والحنفية وهو قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما روى أبي شيبة من طريق ميمون بن مهران قال كان ابن عمر يكره الصلاة على الجنازة إذا طلعت الشمس وحين تغرب قال الحافظ في فتح الباري وإلى قول ابن عمر ذهب مالك والأوزاعي والكوفيون وأحمد وإسحاق انتهى قال القاري في المرقاة والمذهب عندنا
أن هذه الأوقات الثلاثة يحرم فيها الفرائض والنوافل وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة إلا إذا حضرت الجنازة أو تليت آية السجدة حينئذ فإنهما لا يكرهان لكن الأولى تأخيرهما إلى خروج
[ 101 ]
الأوقات انتهى واستدل هؤلاء بحديث الباب وقولهم هو الظاهر والله تعالى أعلم (وقال الشافعي لا بأس أن يصلي على الجنازة في الساعات التي يكره فيهن الصلاة) وأجيب من جانبه عن حديث الباب بأنه محمول على الدفن الحقيقي قال البيهقي ونهيه عن القبر في هذه الساعات لا يتناول الصلاة على الجنازة وهو عند كثير من أهل العلم محمول على كراهية الدفن في تلك الساعات انتهى كذا نقل الزيلعي عن البيهقي في نصب الراية وتعقب بأنه كيف لا يتناول الصلاة على الجنازة وقد رواه إسحاق بن راهويه في كتاب الجنائز بلفظ نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي على موتانا عند ثلاث عند طلوع الشمس الخ وقد عرفت أنها رواية ضعيفة فإن قيل صلاة الجنازة صلاة وكل صلاة منهي عنها في هذه الساعات فكيف قال الشافعي لا بأس أن يصلي على الجنازة في هذه الساعات يقال ليس كل صلاة منهما عنها في هذه الساعات عند الشافعي بل المنهي عنها إنما هي الصلوات التي لا سبب لها وأما ذوات الأسباب من الصلوات فهي جائزة عنده في هذه الساعات والصلاة على الجنازة من ذوات الأسباب باب ما جاء في الصلاة على الأطفال قوله (بشر بن آدم ابن بنت أزهر السمان) قال في التقريب بشر بن آدم بن يزيد البصري أبو عبد الرحمن ابن بنت أزهر السمان صدوق فيه لين من العاشرة انتهى وقال في الخلاصة رو عن جده لأمه أزهر السمان وابن مهدي وزيد بن الحباب وعنه دت عس ق قال أبو حاتم ليس بقوي وقال النسائي لا بأس به (عن زياد بن جبير بن حية) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتانية المفتوحة ثقة قوله (الراكب خلف الجنازة) أي يمشي خلفها (والماشي حيث شاء منها) أي يمشي حيث أراد من الجنازة خلفها أو قدامها أو يمينها أو شمالها زاد في رواية أبي داود قريبا منها (والطفل يصلى عليه) قال في القاموس الطفل بالكسر الصغير من كل شئ والمولود وفي رواية ابي داود
والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة قال في القاموس السقط مثلثة الولد لغير تمام انتهى
[ 102 ]
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وصححه ابن حبان وأخرجه الحاكم بلفظ السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة قال الحاكم صحيح على شرط البخاري لكن رواه الطبراني موقوفا على المغيرة وقال لم يرفعه سفيان ورجح الدارقطني في العلل الموقوف كذا في التلخيص والحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وفي الباب أيضا عن علي أخرجه ابن عدي في ترجمة عمرو بن خالد وهو متروك ومن حديث ابن عباس أخرجه ابن عدي أيضامن رواية شريك عن ابن إسحاق عن عطاء عنه وقواه ابن طاهر في الذخيرة وقد ذكره البخاري من قول الزهري تعليقا ووصله ابن أبي شيبة وأخرج ابن ماجه من رواية البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا صلوا على أطفالكم فإنهم من أفراطكم إسناده ضعيف كذا في التلخيص قوله (قالوا يصلى على الطفل وإن لم يستهل بعد أن يعلم أنه خلق وهو قول أحمد وإسحاق) قال الخطابي في المعالم اختلف الناس في الصلاة على السقط فروي عن ابن عمر أنه قال يصلى عليه وإن لم يستهل وبه قال ابن سيرين وابن المسيب وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه كل ما نفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر وعشر صلي عليه وقال إسحاق إنما الميراث بالاستهلال فأما الصلاة فإنه يصلى عليه لأنه نسمة تامة قد كتب عليها الشقاوة والسعادة فلأي شئ تترك الصلاة عليه وروي عن ابن عباس أنه قال إذا استهل ورث وصلي عليه وعن جابر إذا استهل صلى عليه وإن لم يستهل لم يصل عليه وبه قال أصحاب الرأي وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي انتهى كلام الخطابي وما ذهب إليه أحمد وإسحاق رجحه العلامة ابن تيمية في المنتقى حيث قال وإنما يصلى عليه إذا نفخت فيه الروح وهو أن يستكمل أربعة أشهر فأما إن سقط لدونها فلا لأنه ليس بميت إذ لم ينفخ فيه روح وأصل ذلك حديث ابن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه
أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح متفق عليه انتهى قال الشوكاني في النيل بعد ذكر كلام ابن تيمية هذا ومحل الخلاف فيمن سقط بعد أربعة أشهر ولم
[ 103 ]
يستهل وظاهر حديث الاستهلال أنه لا يصلى عليه وهو الحق لأن الاستهلال يدل على وجود الحياة قبل خروج السقط كما يدل على وجودها بعده فاعتبار الاستهلال من الشارع دليل على أن الحياة بعد الخروج من البطن معتبرة في مشروعية الصلاة على الطفل وأنه لا يكتفي بمجرد العلم بحياته في البطن فقط انتهى كلام الشوكاني باب ما جاء في ترك الصلاة على الطفل حتى يستهل قوله (الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل) قال في النهاية استهلال الصبي تصويته عند ولادته انتهى وكذا في المجمع وفيه أراد العلم بحياته بصياح أو اختلاج أو نفس أو حركة أو عطاس انتهى وقال ابن الهمام الاستهلال أن يكون منه ما يدل على الحياة من حركة عضو أو رفع صوت انتهى وقد أخرج البزار عن ابن عمر مرفوعا استهلال الصبي العطاس قال الحافظ في التلخيص وإسناده ضعيف انتهى قوله (هذا حديث قد اضطرب الناس فيه الخ) قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وفي إسناده إسماعيل المكي عن أبي الزبير عنه أي عن جابر رضي الله عنه وهو ضعيف قال الترمذي رواه أشعث وغير واحد عن أبي الزبير عن جابر موقوفا وكأن الموقوف أصح وبه جزم النسائي وقال الدارقطني في العلل لا يصح رفعه وقد روى عن شريك عن أبي الزبير مرفوعا ولا يصح ورواه ابن ماجه من طريق الربيع بن بدر عن أبي الزبير مرفوعا والربيع ضعيف ورواه ابن أبي شيبة من طريق أشعث بن سوار عن أبي الزبير موقوفا ورواه النسائي أيضا وابن حبان في صحيحه والحاكم من طريق إسحاق الأزرق عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووهم لأن أبا الزبير
ليس من شرط البخاري وقد عنعن فهو علة هذا الخبر إن كان محفوظا عن سفيان الثوري ورواه الحاكم أيضا من طريق المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير مرفوعا وقال لا أعلم أحدا رفعه عن أبي الزبير غير المغيرة وقد وقفه ابن جريج وغيره ورواه أيضا من طريق بقية عن الأوزاعي عن أبي
[ 104 ]
الزبير مرفوعا انتهى ما في التلخيص (وكأن هذا أصح من المرفوع) قال القاري في المرقاة بعد ذكر كلام الترمذي هذا ما لفظه وأنت سمعت غير مرة أن المختار في تعارض الوقف والرفع تقديم الرفع لا الترجيح بالأحفظ والأكثر بعد جود أصل الضبط والعدالة انتهى كلام القاري قلت هذا ليس بمجمع عليه ثم قد عرفت ما فيه من المقال قوله (وهو قول الثوري والشافعي) وبه قال أصحاب الرأي وهو قول مالك والأوزاعي كما عرفت في كلام الخطابي وقال الشوكاني هو الحق وقد تقدم كلامه باب ما جاء في الصلاة على الميت في المسجد قوله (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن البيضاء في المسجد) وفي رواية لمسلم والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه قال النووي قال العلماء بنو البيضاء ثلاثة إخوة سهل وسهيل وصفوان وأمهم البيضاء واسمها وعد والبيضاء وصف وأبوهم وهب عن ربيعة القرشي الفهري وكان سهيل قديم الإسلام هاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرا وغيرها توفي سنة تسع من الهجرة انتهي كلام النووي قوله (هذا حديث حسن) أخرجه الجماعة إلا البخاري
[ 105 ]
قوله (قال الشافعي قال مالك لا يصلي على الميت في المسجد) وهو قول ابن أبي ذئب وأبي حنيفة وكل من قال بنجاسة الميت واحتجوا بحديث أبي هريرة مرفوعا من صلى على جنازة في المسجد فلا شئ له رواه أبو داود وسيجئ بيان ما فيه من الكلام واحتج بعضهم بأن العمل استقر على ترك ذلك لأن الذين أنكروا ذلك على عائشة رضي الله عنها كانوا من الصحابة قال
الحافظ ابن حجر ورد بأن عائشة لما أنكرت ذلك الإنكار سلموا لها فدل على أنها حفظت ما نسوه انتهى قوله (وقال الشافعي يصلى على الميت في المسجد واحتج بهذا الحديث) وبه قال أحمد وإسحاق وهو قول الجمهور واستدلوا بحديث الباب واستدل لهم أيضا بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي بالمصلى كما في صحيح البخاري وللمصلى حكم المسجد فيما ينبغي أن يجتنب فيه بدليل حديث أم عطية ويعتزل الحيض المصلى قال الحافظ في فتح الباري وقد روى ابن أبي شيبة وغيره أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد وأن صهيبا صلى على عمر في المسجد زاد في رواية ووضعت الجنازة تجاه المنبر وهذا يقتضي الإجماع على جوا ذلك انتهى قلت والحق هو الجواز وأما حديث أبي داود المذكور فأجيب عنه بأجوبة قال النووي في شرح مسلم أجابوا عنه بأجوبة أحدها أنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به قال أحمد بن حنبل هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوأمة وهو ضعيف الثاني أن الذي في النسخ المشهورة المحققة المسموعة من سنن أبي داود من صلى على جنازة في المسجد فلا شئ عليه ولا حجة لهم حينئذ فيه الثالث أنه لو ثبت الحديث وثبت أنه قال فلا شئ له لوجب تأويله على فلا شئ عليه ليجمع بين الروايتين وبين هذا الحديث وحديث سهيل بن بيضاء وقد جاء له بمعنى عليه كقوله تعالى وإن أسأتم فلها الرابع أنه محمول على نقص الأجر في حق من صلى في المسجد ورجع ولم يشيعها إلى المقبرة لما فاته من تشييعه إلى المقبرة وحضور دفنه انتهى كلام النووي قلت الظاهر أن حديث أبي داود حسن قال الحافظ في التقريب صالح بن نبهان المدني مولى التوأمة صدوق اختلط بآخره قال ابن عدي لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج انتهى وروى أبو داود هذا الحديث من طريق ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة وقد ثبت أن عمر رضي الله عنه صلى على أبي بكر في المسجد وأن صهيبا صلى على عمر رضي الله عنه في المسجد ولم ينكر أحد من الصحابة على عمر ولا على صهيب فوقع إجماع الصحابة رضي الله عنهم على جواز الصلاة على الميت
[ 106 ]
في المسجد فلا بد من تأويل حديث أبي داود المذكور على تقدير أنه حسن والله تعالى أعلم باب ما جاء أين يقوم الامام من الرجل والمرأة قوله (على جنازة رجل) أي عبد الله بن عمر رضي الله عنه كما في رواية أبي داود (فقام حيال رأسه) بكسر الحاء أي حذاءه ومقابله (بجنازة امرأة من قريش) وفي رواية أبي داود المرأة الأنصارية قال القاري فالقضية إما متعددة وإما متحدة فتكون المرأة قرشية أنصارية انتهى (فقالوا) أي أولياؤها (يا أبا حمزة) كنية أنس رضي الله عنه (فقام حيال وسط السرير) بسكون السين وفتحه قال الطيبي الوسط بالسكون يقال فيما كان متفرق الأجزاء كالناس والدواب وغير ذلك وما كان متصل الأجزاء كالدار والرأس فهو بالفتح وقيل كل منهما يقع موقع الآخر وكأنه أشبه وقال صاحب المغرب الوسط بالفتح كالمركز للدائرة وبالسكون داخل الدائرة وقيل ما يصلح فيه بين فبالفتح ومالا فبالسكون انتهى ووقع في رواية أبي داود فقام عند عجيزتها قال في النهاية العجيزة العجز وهي للمرأة خاصة والعجز مؤخر الشئ (هكذا رأيت) بحذف حرف الاستفهام (قام على الجنازة) أي من المرأة قوله (وفي الباب عن سمرة) رواه الجماع قوله (حديث أنس حديث حسن) وأخرجه أبو داود وابن ماجه وسكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص قال الشوكاني ورجال إسناده ثقات
[ 107 ]
قوله (واختلفوا في اسم أبي غالب هذا الخ) قال في التقريب أبو غالب الباهلي مولاهم الخياط اسمه نافع أو رافع ثقة من الخامسة (وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا) أي إلى أن الامام يقوم حذاء رأس الرجل وحذاء عجيزة المرأة (وهو قول أحمد وإسحاق) وهو قول الشافعي وهو الحق وهو رواية عن أبي حنيفة قال في الهداية وعن أبي حنيفة أنه يقوم من الرجل بحذاء رأسه ومن المرأة بحذاء وسطها لأن أنسا فعل كذلك وقال هو السنة انتهى ورجح الطحاوي قول أبي حنيفة هذا على قوله المشهور حيث قال في شرح الآثار قال أبو جعفر والقول الأول أحب إلينا لما قد شده
الآثار التي روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى وذهب الحنفية إلى أن الإمام يقوم بحذاء صدر الميت رجلا كان أو امرأة وهو قول أبي حنيفة المشهور وقال مالك يقوم حذاء الرأس منهما ونقل عنه أن يقوم عند وسط الرجل وعند منكبي المرأة وقال بعضهم حذاء رأس الرجل وثدي المرأة واستدل بفعل علي رضي الله عنه وقال بعضهم إنه يستقبل صدر المرأة وبينه وبين السرة من الرجل قال الشوكاني بعد ذكر هذه الأقوا وقد عرفت أن الأدلة دلت على ما ذهب إليه الشافعي وأن ما عداه لا مستند له من المرفوع إلا مجرد الخطأ في الاستدلال أو التعويل على محض الرأي أو ترجيح ما فعله الصحابي على ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل نعم لا ينتهض مجرد الفعل دليلا للوجوب ولكن النزاع فيما هو الأولى والأحسن ولا أولى ولا أحسن من الكيفية التي فعلها المصطفى صلى الله عليه وسلم انتهى كلام الشوكاني قوله (فقام وسطها) المراد بوسطها عجيزتها كما يدل عليه رواية أبي داود وأما قول الشيخ ابن الهمام هذا لا ينافي كونه الصدر بل الصدر وسط باعتبار توسط الأعضاء إذ فوته يداه ورأسه وتحته بطنه وفخذاه ويحتمل أنه وقف كما قلنا إلا أنه مال إلى العورة في حقها فظن الراوي ذلك
[ 108 ]
لتقارب المحلين فمما لا التفات إليه بعد ما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم حذاء رأس الرجل وحذاء عجيزة المرأة قوله (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة باب ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد المراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار ففي الصلاة عليه اختلاف مشهور كما ستقف عليه قوله (كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد) أي للضرورة ولا يلزم منه تلاقي بشرتهما إذ يمكن حيلولتهما بنحو إذخر مع احتمال أن الثوب كان طويلا فأدرجا فيه ولم يفصل بينهما لكونهما في قبر واحد (أيهما أكثر حفظا للقرآن) وفي بعض النسخ أخذا للقرآن (قدمه) أي ذلك الأحد (في اللحد) بفتح اللام وسكون الحاء أي الشق في عرض القبر جانب القبلة (فقال أنا
شهيد على هؤلاء يوم القيامة) في المرقاة قال المظهر أي أنا شفيع لهم وأشهد أنهم بذلوا أرواحهم في سبيل الله انتهى وأشار إلى أن على بمعنى اللام قال الطيبي تعديته بعلى تدفع هذا المعنى ويمكن دفعه بالتضمين ومنه قوله تعالى (والله على كل شئ شهيد) انتهى ما في المرقاة مختصرا (ولم يصل عليهم) قال الحافظ في فتح الباري هو مضبوط في روايتنا بفتح اللام وهو اللائق بقوله بعد ذلك ولم يغسلوا وسيأتي بعد ما بين من وجه آخر عن الليث بلفظ ولم يصل عليهم ولم يغسلهم وهذه بكسر اللام والمعنى ولم يفعل ذلك بنفسه ولا بأمره انتهى كلام الحافظ قوله (وفي الباب عن أنس بن مالك) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي بلفظ إن شهداء
[ 109 ]
أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم قوله (حديث جابر حديث حسن صحيح) أخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه قوله (وقد روى هذا الحديث عن الزهري عن أنس) أخرجه أبو داود والترمذي من طريق أسامة بن زيد الليثي وأسامة سئ الحفظ وقد حكى الترمذي في العلل عن البخاري أن أسامة غلط في إسناد كذا في فتح الباري (وروى عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير عن النبي) أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق والطبراني من طريق عبد الرحمن بن إسحاق وعمرو بن الحارث كلهم عن ابن شهاب عن عبد الله له رواية فحديثه من حيث السماع مرسل وقد رواه عبد الرزاق عن معمر فزاد فيه جابرا فيحمل على أن الحديث عند الزهري عن شيخين كذا في فتح الباري والمراد بقوله عن شيخين عبد الرحمن بن كعب كما في رواية الباب وعن عبد الله بن ثعلبة كما في رواية أحمد والطبراني (ومنهم من ذكره عن جابر) كما في رواية عبد الرزاق قوله (فقال بعضهم لا يصل على الشهيد وهو قول أهل المدينة وبه يقول الشافعي وأحمد) قال الشافعي في الأم جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد وما روى أنه صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح وقد كان ينبغي لمن عارض
بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحي على نفسه قال وأما حديث عقبة بن عامر فقد وقع في نفس الحديث أن ذلك كان بعد ثمان سنين يعني والمخالف يقول لا يصلى على القبر إذا طالت المدة قال وكأنه صلى الله عليه وسلم دعا لهم واستغفر لهم حين قرب أجله مودعا لهم بذلك ولا يدل ذلك على نسخ الحكم الثابت انتهى قلت أخرج البخاري في صحيحه في غزوة أحد عن عقبة بن عامر قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات (وقال بعضهم
[ 110 ]
يصلى على الشهيد واحتجوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على حمزة وهو قول الثوري وأهل الكوفة وبه يقول إسحاق) حديث الصلاة على حمزة الذي أشار إليه الترمذي أخرجه الحاكم من حديث جابر قال فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة حين جاء الناس من القتال فقال رجل رأيته عند تلك الشجيرات فلما رآه ورأى ما مثل به شهق وبكى فقام رجل من الأنصار فرمى عليه بثوب ثم جئ بحمزة فصلى عليه الحديث وفي إسناده أبو حماد الحنفي وهو متروك وأخرج أبو داود في المراسيل والحاكم من حديث أنس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد مثل به ولم يصل على أحد من الشهداء غيره وأعله البخاري والترمذي والدارقطني بأنه غلط فيه أسامة بن زيد فرواه عن الزهري عن أنس ورجحوا رواية الليث عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر وأخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجى ببردة ثم صلى عليه وكبر سبع تكبيرات ثم أتي بالقتلى فيوضعون إلى حمزة فيصلي عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة وفي إسناده رجل مبهم لأن ابن إسحاق قال حدثني من لا أتهم عن مقسم مولى ابن عباس عن ابن عباس قال السهيلي إن كان الذي أبهمه ابن إسحاق هو الحسن بن عمارة فهو ضعيف وإلا فهو مجهول لا حجة فيه قال الحافظ الحامل للسهيلي على ذلك ما وقع في مقدمة مسلم عن شعبة أن الحسن بن عمارة حدثه عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد فسألت الحكم فقال لم يصل عليهم انتهى قال الشوكاني لكن حديث ابن عباس روى من طريق أخرى فذكرها وأعلم أن في الصلاة على قتلى أحد وعلى حمزة أحاديث
أخرى لكن لا يخلو واحد منها عن كلام قال ابن تيمية في المنتقى وقد رويت الصلاة عليهم يعني على شهداء أحد بأسانيد لا تثبت انتهى ثم اعلم أنه لم يرد في شئ من الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم صلى على شهداء بدر ولا أنه لم يصل عليهم وكذلك في شهداء سائر المشاهد النبوية إلا ما روى النسائي في سننه والطحاوي عن شداد بن الهاد رضي الله عنه أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه الحديث وفيه ولكني اتبعتك على أن أرمي إلى ههنا وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة فقال إن تصدق الله يصدقك فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي صلى الله عليه وسلم أهو هو قالوا نعم قال صدق الله فصدقه ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدمه فصلى عليه فكان مما ظهر من صلاته اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا أنا شهيد على ذلك وما روى أبو داود في سننه عن أبي سلام عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم فضربه فأخطأه وأصاب
[ 111 ]
نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخوكم يا معشر المسلمين فابتدره الناس فوجدوه قد مات فلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثيابه ودمائه وصلى عليه ودفنه فقالوا يا رسول الله أشهيد هو قال نعم وأنا له شهيد قال الشوكاني في النيل سكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده سلام بن أبي سلام وهو مجهول وقال أبو داود بعد إخراجه عن سلام المذكور إنما هو عن زيد بن سلام عن جده أبي سلام انتهى وزيد ثقة انتهى ما في النيل وقد استدل بهذين الحديثين أيضا لمن قال بالصلاة على الشهيد قال الشوكاني أما حديث أبي سلام فلم أقف للمانعين من الصلاة على جواب عليه وهو من أدلة المثبتين لأنه قتل في المعركة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه شهيدا وصلى عليه نعم لو كان النفي عاما غير مقيد بوح قعة أحد ولم يرد في الإثبات غير هذا الحديث لكان مختصا بمن قتل مثل صفته انتهى وأما حديث شداد بن الهاد فهو أيضا من أدلة المثبتين فإنه قتل في المعركة وسماه شهيدا وصلى عليه ولكن حمل البيهقي هذا على أنه لم يمت في المعركة قلت والظاهر عندي أن الصلاة
على الشهيد ليست بواجبة فيجوز أن يصلي عليها ويجوز تركها والله تعالى أعلم وروى الماوردي عن أحمد الصلاة على الشهيد أجود وإن لم يصلوا عليه أجزأ ذكره الحافظ في الفتح واختار الشوكاني الصلاة على الشهيد وأجاب عن كلام الإمام الشافعي الذي ذكره في الأم فائدة قال الشوكاني في النيل قد اختلف في الشهيد الذي وقع الخلاف في غسله والصلاة عليه هل هو مختص بمن قتل في المعركة أو أعم من ذلك فعند الشافعي أن المراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار وخرج بقوله في المعركة من جرح في المعركة وعاش بعد ذلك حياة مستقرة وخرج بحرب الكفار من مات في قتال المسلمين كأهل البغي وخرج بجميع ذلك من يسمى شهيدا بسبب غير السبب المذكور ولا خلاف أن من جمع هذه القيود شهيد وروى عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أن من جرح في المعركة إن مات قبل الارتثاث فشهيد والإرتثاث أن يحمل ويأكل أو يشرب أو يوصي أو يبقى في المعركة يوما وليلة حيا وذهبت الهادوية إلى أن من جرح في المعركة يقال له شهيد وإن مات بعد الارتثاث وأما من قتل مدافعا عن نفس أو مال في المصر ظلما فقال أبو حنيفة وأبو يوسف إنه شهيد وقال الشافعي إنه وإن قيل له شهيد فليس من الشهداء الذين لا يغسلون وذهبت العترة والحنفية والشافعي في قوله له إن قتيل البغاة شهيد قالوا إذا لم يغسل على أصحابه وهو توقيف انتهى كلام الشوكاني
[ 112 ]
باب ما جاء في الصلاة على القبر قوله (أخبرنا الشيباني) هو سليمان بن أبي سليمان أبو إسحاق الشيباني (أخبرنا الشعبي) هو عامر بن شراحيل الشعبي من كبار التابعين قال أدركت خمسمائة من الصحابة (ورأى قبرا منتبذا) قال في النهاية أي منفردا عن القبور بعيدا عنها (فصف أصحابه فصلى عليه) أي على القبر وفي رواية البخاري فأمهم وصلوا خلفه (فقيل له) أي للشعبي (من أخبرك) أي بهذا الحديث (فقال ابن عباس) أي فقال الشعبي أخبرني ابن عباس وفي رواية البخاري قلت من حدثك هذا يا أبا عمرو قال ابن عباس قال الحافظ في الفتح القائل هو الشيباني والمقول له هو
الشعبي قال وسياق الطرق الصحيحة تدل على أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه في صبيحة دفنه قوله (وفي الباب عن أنس) أخرجه البزار (وبريدة) أخرجها البيهقي (ويزيد بن ثابت) أخرجه أحمد والنسائي ص 623 (وأبي هريرة) أخرجه البخاري ومسلم (وعامر بن ربيعة) أخرجه ابن ماجه (وأبي قتادة) أخرجه البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قبر البراء وفي رواية بعد شهر كذا في النيل (وسهل بن حنيف) أخرجه ابن عبد البر في كتابه التمهيد قال الإمام أحمد رويت الصلاة على القبر من النبي صلى الله عليه وسلم من ستة وجوه حسان قال ابن عبد البر بل من تسعة كلها حسان وساقها كلها بأسانيده في تمهيده من حديث سهل بن حنيف وأبي هريرة وعامر بن ربيعة وابن عباس وزيد بن ثابت الخمسة في صلاته على المسكينة وسعد بن عبادة في صلاة المصطفى على أم سعد بعد دفنها بشهر وحديث الحصين بن وحوح في صلاته على قبر طلحة بن البراء وحديث أبي أمامة بن ثعلبة أنه صلى الله عليه وسلم رجع من بدر وقد توفيت أم أبي أمامة فصلى عليها وحديث أنس أنه صلى على امرأة بعد ما دفنت وهو محتمل للمسكينة وغيرها وكذا ورد من حديث بريدة عند البيهقي وسماها محجنة كذا في التعليق الممجد
[ 113 ]
قوله (حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم قوله (والعمل على هذا) أي على مشروعية الصلاة على القبر (وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق) سواء صلى على الميت أو لا وهو قول الجمهور انتهى واستدلوا بأحاديث الباب (وقال بعض أهل العلم لا يصلى على القبر وهو قول مالك بن أنس) قال ابن المنذر ومنعه النخعي ومالك وأبو حنيفة وعنهم إن دفن قبل أن يصلى عليه شرع وإلا فلا وأجابوا عن أحاديث الباب بأن ذلك كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم واستدلوا على هذا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عند مسلم إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم قالوا صلاته صلى الله عليه وسلم كانت لتنوير القبر وقالا يوجد في صلاة غيره فلا يكون الصلاة على القبر مشروعا وأجاب ابن حبان عن ذلك بأن في ترك إنكاره صلى الله عليه وسلم على من صلى معه على القبر بيان
جواز ذلك لغيره وأنه ليس من خصائصه وتعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا ينهض دليلا للأصالة ومن جملة ما أجاب به الجمهور عن هذه الزيادة أنها مدرجة في هذا الإسناد وهي من مراسيل ثابت بين ذلك غير واحد من أصحاب حماد بن زيد قال الحافظ وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتاب بيان المدرج قال البيهقي يغلب على الظن أن هذه الزيادة من مراسيل ثابت كما قال أحمد انتهى قلت وقع في حديث يزيد بن ثابت عند النسائي قال لا يموت فيكم ميت ما دمت بين أظهركم إلا يعني آذنتموني به فإن صلاتي له رحمة وهذا ليس بمرسل وأجاب الشوكاني بأن الاختصاص لا يثبب إلا بدليل ومجرد كون الله ينور القبور بصلاته صلى الله عليه وسلم على أهلها لا ينفي مشروعية الصلاة على القبر لغيره لا سيما بعد قوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي انتهى قوله (وقال ابن المبارك إذا دفن الميت ولم يصل عليه الخ) قال الشوكاني في النيل وأما من لم يصل عليه ففرض الصلاة عليه الثابت بالأدلة وإجماع الأمة باق وجعل الدفن مسقطا لهذا الفرض محتاج إلى دليل قال وقد استدل بحديث الباب يعني حديث ابن عباس المذكور على رد قول من فصل فقال يصلى على قبر من لم يكن قد صلي عليه قبل الدفن لا من كان قد صلي عليه لأن القصة وردت فيمن قد صلي عليه والمفصل هو بعض المانعين
[ 114 ]
قوله (وقال أحمد وإسحاق يصلى على القبر إلى شهر) قال الأمير اليماني في سبل السلام ص 491 واختلف القائلون بالصلاة على القبر في المدة التي شرعت فيها الصلاة فقيل إلى شهر بعد دفنه وقيل إلى أن يبلى الميت لأنه إذا بلي لم يبق ما يصلى عليه وقيل أبدا لأن المراد من الصلاة عليه الدعاء وهو جائز في كل وقت قال هذا هوالحق إذ لا دليل على التحديد بمدة انتهى قلت استدل أحمد وإسحاق وغيرهما ممن قال إلى شهر بحديث سعيد بن المسيب الذي رواه الترمذي في هذا الباب قال الحافظ في التلخيص بعد ذكره ورواه البيهقي وإسناده مرسل صحيح انتهى وروى الدارقطني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر بعد شهر وروى عنه أيضا أن النبي
صلى الله عليه وسلم صلى على ميت بعد ثلاث قلت الظاهر الاقتصار على المدة التى ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما القياس على مطلق الدعاء وتجويزه في كل وقت ففيه نظر كما لا يخفي قوله (عن سعيد بن المسيب أن أم سعد ماتت الخ) هذا مرسل وقد عرفت آنفا أنه رواه البيهقي وإسناده مرسل صحيح باب ما جاء في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي هو من سادات التابعين أسلم ولم يهاجر وهاجر المسلمون إليه إلى الحبشة مرتين وهو يحسن إليهم وأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية بكتابين أحدهما يدعوه فيه إلى الاسلام والثاني يطلب منه تزويجه بأم حبيبة فأخذ الكتاب ووضعه على عينيه وأسلم وزوجه أم حبيبة وأسلم على يده عمرو بن العاص قبل أن يصحب النبي صلى الله عليه وسلم فصار يلغز به فيقال صحابي كثير الحديث أسلم على يد تابعي كذا في ضياء الساري وقال الحافظ في الفتح هو بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد
[ 115 ]
لألف شين ثم ياء ثقيلة كياء النسب وقيل بالتخفيف ولقب من ملك الحبشة وحكى المطرزي تشديد الجيم عن بعضهم وخطأه انتهى قلت كما يقال لمن ملك الفرس كسرى ولمن ملك الروم قيصر كذلك يقال لمن ملك الحبشة النجاشي وكان اسمه أصحمة في صحيح البخاري في هجرة الحبشة من طريق ابن عيينة عن ابن جريج فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة قوله (إن أخاكم النجاشي قد مات) وفي رواية للبخاري قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش وفي رواية أبي هريرة عند البخاري نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وفيه علم من أعلام النبوة لأنه صلى الله عليه وسلم أعلمهم بموته في اليوم الذي مات فيه مع بعد ما بين أرض الحبشة والمدينة (وصلينا عليه كما يصلى على الميت) استدل به على مشروعية الصلاة على الميت الغائب عن البلد وبذلك قال الشافعي وأحمد وجمهو السلف حتى قال ابن حزم لم يأت عن أحد من الصحابة منعه وعن الحنفية والمالكية لايشرع ذلك وقد اعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب من قصة النجاشي بأمور منها أنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد فتعينت الصلاة عليه لذلك ومن ثم قال الخطابي لا يصلى على الغائب إلا إذا
وقع موته ليس بها من يصلى عليه واستحسنه الروياني من الشافعية وبه ترجم أبو داود في السنن الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك ببلد آخقال الحافظ في الفتح هذا محتمل إلا أنني لم أقف في شئ من الأخبار على أنه لم يصل عليه في بلده أحد ومنها أنه كشف له صلى الله عليه وسلم عنه حتى رآه فتكون صلاته عليه كصلاة الإمام على ميت رآه ولم يره المأمومون ولا خلاف في جوازها وأجيب عنه بأن هذا يحتاج إلى نقل صحيح صريح ولم يثبت فإن قلت قد روى عن ابن عباس قال كشف للنبي صلى الله عليه وسلم عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه وأخرج ابن حبان عن عمران بن حصين قصة الصلاة على النجاشي وفي روايته فقام وصفوا خلفه وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه أخرجه من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المهلب عنه ولأبي عوانة من طريق أبان وغيره عن يحيى فصلينا خمسة ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا
[ 116 ]
قلت أما رواية ابن عباس فقد ذكرها الواقدي في أسبابه بغير إسناد كما ذكره الحافظ في فتح الباري وأما رواية عمران بن حصين بلفظ وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه وبلفظ ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا فالمراد به أنهم صلوا عليه كما يصلون على الميت الحاضر من غير فرق ويدل عليه حديث الباب بلفظ فقمنا فصففنا كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلى على الميت وهو مروى عن عمران بن حصين ومنها أن ذلك خاص بالنجاشي لأنه لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى على ميت غائب قاله الملهب وأجاب عنه الحافظ في الفتح فقال كأنه لم يثبت عنده قصة معاوية بن معاوية الليثي وقد ذكر ت في ترجمته في الصحابة أن خبره قوي بالنظر إلى مجموع طرقه انتهى ولمن لم يقل بالصلاة على الغائب اعتذارات أخرى ضعيفة لا حاجة إلى ذكرها والكلام عليها قال الشوكاني بعد البحث في هذه المسألة ما لفظه والحاصل أنه لم يأت المانعون من الصلاة على الغائب بشئ يعتد به سوى الإعتذار بأن ذلك مختص بمن كان في أرض لا يصلى عليه فيها وهو أيضا جمود على قصة النجاشي يدفعه الأثر والنظر انتهى قلت الكلام في هذه المسألة
طويل مذكور في فتح الباري وغيره فعليك أن تراجعه قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله وأبي سعيد وحذيفة بن أسيد وجرير بن عبد الله) أما حديث أبي هريرة فأخرجه الجماعة وأما حديث جابر فأخرجه الشيخان وأما حديث أبي سعيد وحذيفة وجرير فلينظر من أخرجه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والنسائي (وأبو المهلب اسمه عبد الرحمن بن عمرو الخ) قال الحافظ في التقريب أبو المهلب الجرمي البصري عم أبي قلابة فذكر الاختلاف في اسمه ثم قال ثقة من الثانية
[ 117 ]
باب ما جاء في فضل الصلاة على الجنازة قوله (فله قيراط) بكسر القاف قال الجوهري أصله قراط بالتشديد لأن جمعه قراريط فأبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء قال والقيراط نصف دانق والدانق سدس الدرهم فعلى هذا يكون القيراط جزء من اثني عشر جزء من الدرهم وأما صاحب النهاية فقال القيراط جزء من أجزاء الدينار وهو نصف عشره في أكثر البلاد في الشام جزء من أربعة وعشرين جزءا (حتى يقضى دفنها) أي يفرغ من دفنها (أحدهما أو أصغرهما) شك من الراوي (مثل أحد) هذا التفسير المراد ههنا لا للفظ (فذكرت ذلك) هذا مقول أبي سلمة (فرطنا) من التفريط أي ضيعنا كما في رواية لمسلم (في قراريط كثيرة) جمع قيراط أي ضيعنا قراريط كثيرة من عدم المواظبة على حضور الدفن بين ذلك مسلم في روايته من طريق ابن شهاب عن سالم بن عبد الله قال كان ابن عمر يصلي على الجنازة ثم ينصرف فلما بلغه حديث أبي هريرة قال فذكره قوله (وفي الباب عن البراء الخ) قال الحافظ في الفتح وقع لي حديث الباب يعني حديث أبي هريرة الذي ذكره الترمذي في هذا الباب من رواية عشرة من الصحابة غير أبي هريرة وعائشة من حديث ثوبان عند مسلم والبراء وعبد الله بن مغفل عند النسائي وأبي سعيد عند أحمد وابن مسعود عند أبي عوانة وأسانيد هؤلاء الخمسة صحاح ومن حديث أبي بن كعب عند ابن ماجه وابن عباس عند البيهقي في الشعب وأنس عند الطبراني في الأوسط وواثلة بن الأصقع
عند ابن عدي وحفصة عند حميد بن زنجويه في فضائل الأعمال وفي كل من أسانيد هؤلاء الخمسة ضعف انتهى
[ 118 ]
قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما باب آخر قوله (أخبرنا روح بن عبادة) بفتح الراء وسكون الواو ثقة فاضل له تصانيف من التاسعة (سمعت أبا المهزم) قال في المغني بمضمومة وفتح هاء وفتح زاي مشددة وهو يزيد بن سفيان انتهى وقال في التقريب بتشديد الزاي المكسورة التميمي البصري اسمه يزيد وقيل عبد الرحمن بن سفيا متروك من الثالثة قوله (وحملها ثلاث مرات) قال ابن الملك يعني يعاون الحاملين في الطريق ثم يتركها ليستريح ثم يحملها في بعض الطريق يفعل كذلك ثلاث مرات (فقد قضى ما عليه من حقها) أي من حق الجنازة بيان لما قال ميرك أي من جهة المعاونة لا من دين وغيبة ونحوهما انتهى وقد عد صلى الله عليه وسلم أن من جملة الحقوق التي للمؤمن على المؤمن أن يشيع جنازته قوله (هذا حديث غريب) لم يحكم الترمذي عليه بالضعف وهو ضعيف لأن في سنده أبا المهزم وهو متروك كما عرفت قوله (وضعفه شعبة) قال الذهبي في الميزان قال مسلم سمعت شعبة يقول رأيت أبا المهزم ولو يعطى درهما لوضع حديثا انتهى إعلم أن أهل العلم قد اختلفوا في كيفية حمل الجنازة فقال محمد رحمه الله في موطإه وصفته أن يبدأ الرجل فيضع يمين الميت المقدم على يمينه ثم يضع يمين الميت المؤخر على يمينه ثم يعود إلى المقدم الأيسر فيضعه على يساره وهذا قول أبي حنيفة رضي الله عنه انتهى وقال الشافعي رحمه الله السنة أن يحملها رجلان يضعها السابق على أصل عنقه والثاني على أعلى صدره واستدل
[ 119 ]
للإمام أبي حنيفة بما رواه ابن ماجه عن عبيد بن بسطاس عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن
مسعود قال من اتبع جنازة فليأخذ بجوانب السرير كلها فإنه من السنة وإن شاء فليدع ثم إن شاء فليدع ورواه أبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما حدثنا شعبة عن منصور بن المعتمر عبيد بن بسطاس به بلفظ فليأخذ بجوانب السرير الأربعة ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في معجمه ورواه محمد بن الحسن الشيباني في كتاب الآثار أخبرنا أبو حنيفة رضي الله عنه حدثنا منصور بن المعتمر به قال من السنة حمل الجنازة بجوانب السرير الأربعة كذا في نصب الراية واحتج للإمام الشافعي رحمه الله بما أخرجه ابن سعد عن شيوخ من بني عبد الأشهل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل جنازة سعد بين العمودين حتى خرج به من الدار وأجاب صاحب الهداية عن هذا بأن ذلك كان لازدحام الملائكة قلت لا شك في أنه كان في جنازة سعد ازدحام الملائكة فروى سعد بإسناد صحيح عن ابن عمر رفعه قال لقد شهد سبعون ألف ملك لم ينزلوا إلى الأرض قبل ذلك كذا في الدراية لكن لا يلزم من هذا أن حمل جنازته بين العمودين كان لازدحامهم فتفكر وقد حملت جنائز عدة من الصحابة رضي الله عنه بين العمودين قال الحافظ في الدراية وفي الباب عن الحسن بن الحسن بن علي في جنازة جابر أخرجه الطبراني وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رأيت سعدا في جنازة عبد الرحمن بن عوف واضعا السرير على كاهله بين العمودين أخرجه الشافعي ومن حديث أبي هريرة أنه صنع ذلك في جنازة سعد ومن حديث عثمان أنه صنع ذلك ومن طريق ابن عمر في جنازة رافع بن خديج ومن طريق ابن الزبير في جنازة المسور بن مخرمة وروى ابن سعد عن مروان أنه فعل ذلك هو وأبو هريرة بجنازة حفصة بنت عمر انتهى ما في الدراية باب ما جاء في القيام للجنازة قوله (إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها) وفي حديث جابر عند مسلم إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا وفي حديث سهل بن حنيف وقيس بن سعد عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به
[ 120 ]
جنازة فقام فقيل له إنها جنازة يهودي فقال أليست نفسا وفي حديث أنس مرفوعا عند الحاكم
فقال إنما قمنا للملائكة وفي حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا عند أحمد وابن حبان والحاكم إنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس ولفظ ابن حبان إعظاما لله الذي يقبض الأرواح قال الحافظ في الفتح ما محصله إنه لا تنافي بين هذه التعليلات لأن القيام للفزع من الموت فيه تعظيم لأمر الله وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك وهم الملائكة قال وأما ما أخرجه أحمد من حديث الحسن بن علي قال إنما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تأذيا بريح اليهودي زاد الطبراني من حديث عبد الله بن عياش فأذاه ريح بخورها وللطبرى والبيهقي من وجه آخر عن الحسن كراهية أن تعلو رأسه فإن ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة أما أولا فلأن أسانيدها لا تقاوم تلك في الصحة وأما ثانيا فلأن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم انتهى قوله حتى تخلفكم) بضم أوله وفتح المعجمة وتشديد اللام المكسورة بعدها فاء أي تترككم وراءها ونسبة ذلك إليها على سبيل المجاز لأن المراد حاملها (أو توضع) أي عن مناكب الرجال قوله (وفي الباب عن أبي سعيد) أخرجه البخاري ومسلم (وجابر) أخرجه البخاري ومسلم (وسهل بن حنيف) لينظر من أخرجه (وقيس بن سعد) أخرجه البخاري ومسلم (وأبي هريرة) أخرجه البخاري ومسلم قوله (حديث عامر بن ربيعة حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم قوله (فمن تبعها فلا يقعدن حتى توضع) قيل أراد به وضعها عن الأعناق ويعضده رواية الثوري حتى توضع بالأرض وقيل حتى توضع في اللحد قاله الطيبي قلت قال الحافظ في التلخيص المراد بالوضع الوضع على الأرض ووقع في رواية عبادة حتى توضع في اللحد ويرده ما في حديث البراء الطويل الذي صححه أبو عوانة وغيره كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة
[ 121 ]
فإنتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلسنا حوله ووقع في رواية سهيل عن أبيه عن أبي هريرة اختلاف فقال الثوري عنه حتى توضع بالأرض وقال أبو معاوية عنه حتى توضع باللحد
حكاه أبو داود ووهم رواية أبي معاوية وكذلك قال الأثرم انتهى قوله (حديث أبي سعيد في هذا الباب حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم قوله وهو قول أحمد وإسحاق قالا من تبع الخ) قال الحافظ في الفتح اختلف الفقهاء فذلك فقال أكثر الصحابة والتابعين باستحبابه كما نقله ابن المنذر وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن وروى البيهقي من طريق أبي حازم الأشجعي عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما أن القائم مثل الحامل يعني في الأجر وقال الشعبي والنخعي يكره القعود قبل أن توضع وقال بعض السلف يجب القيام واحتج برواية سعيد عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد جنازة قط فجلس حتى توضع أخرجه النسائي انتهى كلام الحافظ قوله (وقد روى عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أنهم كانوا يتقدمون الخ) لم أقف على حديث صحيح يدل على ذلك والظاهر الموافق للأحاديث الصحيحة الصريحة هو ما ذهب إليه أحمد وإسحاق وغيرهما والله تعالى أعلم باب الرخصة في ترك القيام لها أي عند رؤية الجنازة قوله (فقال علي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قعد) قال البيضاوي يحتمل قول علي ثم قعد أي بعد أن جاوزته وبعدت عنه ويحتمل أن يريد كان يقوم في وقت ثم ترك القيام أصلا وعلى هذا
[ 122 ]
يكون فعله الأخير قرينة في أن المراد بالأمر الوارد في ذلك الندب ويحتمل أن يكون نسخا للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر والأول أرجح لأن احتمال المجاز يعني في الأمر أولى من دعوى النسخ انتهى كلام البيضاوي قال الحافظ في الفتح والاحتمال الأول يدفعه ما رواه البيهقي من حديث علي أنه أشار إلى قوم قاموا أن يجلسوا ثم حدثهم الحديث ومن ثم قال بكراهة القيام جماعة منهم سليم الرازي وغيره من الشافعية وقال ابن حزم قعوده صلى الله عليه وسلم بعد أمره بالقيام يدل على أن الأمر
للندب ولا يجوز أن يكون نسخا لأن النسخ لا يكون إلا بنهي أو بترك معه نهى قال الحافظ في الفتح وقد ورد معنى النهي من حديث عبادة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم للجنازة فمر به حبر من اليهود فقال هكذا نفعل فقال اجلسوا وخالفوهم أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي فلو لم يكن إسناده ضعيفا لكان حجة في النسخ انتهى قلت ويدل على النسخ ما رواه أحمد عن علي بلفظ قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس قوله (وفي الباب عن الحسن بن علي وابن عباس) أخرجه النسائي من طريق محمد بن سيرين قال إن جنازة مرت بالحسن بن علي وابن عباس فقام الحسن ولم يقم ابن عباس فقال الحسن أليس قد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم لجنازة يهودي قال ابن عباس نعم ثم جلس قوله (حديث علي حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الجنازة ثم قعد بعد قوله (وهذا الحديث ناسخ للحديث الأول إذا رأيتم الجنازة فقوموا) ويدل على النسخ حديث عبادة وقد تقدم وما رواأحمد عن علي بلفظ ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس وتقدم هذا أيضا وما رواه البيهقي من حديث علي أنه أشار إلى قوم قاموا أن يجلسوا ثم حدثهم الحديث وقد تقدم هذا أيضا (وقال أحمد إن شاء قام وإن شاء لم يقم إلخ) فعند أحمد حديث علي هذا ليس بناسخ للحديث الأول قال الحازمي في كتاب الاعتبار وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب فقال بعضهم على الجالس أن يقوم إذا رأى الجنازة حتى تخلفه وممن رأى ذلك أبو مسعود البدري
[ 123 ]
وأبو سعيد الخدري وقيس بن سعد وسهل بن حنيف وسالم بن عبد الله وقال أحمد بن حنبل إن قام لم أعبه وإن قعد فلا بأس به وبه قال إسحاق الحنظلي وقال أكثر أهل العلم ليس على أحد القيام للجنازة روينا ذلك عن علي بن أبي طالب والحسن بن علي وعلقمة الأسود والنخعي ونافع بن جبير وفعله سعيد بن المسيب وبه قال عروة بن الزبير ومالك وأهل الحجاز والشافعي وأصحابه وذهبوا إلى أن الأمر بالقيام منسوخ وتمسكوا في ذلك بأحاديث ثم ذكر الحازمي بإسناده
حديث علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الجنائز ثم جلس بعد قال هذا حديث صحيح أخرجه مسلم ثم ذكر بإسناده عن مسعود بن الحكم الزرقى أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه في رحبة الكوفة وهو يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس ثم ذكر بإسناده عن مجاهد عن أبي معمر قال مرت بنا جنازة فقمنا فقال من أفتاكم بهذا قلنا أبو موسى الأشعري فقال ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة كان يتشبه بأهل الكتاب فلما نسخ ذلك ونهى عنه انتهى قال الحازمي فهذه الألفاظ كلها تدل على أن القعود أولى من القيام قال الشافعي قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم تركه بعد فعله والحجة في الآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان الأول واجبا فالآخر من أمره ناسخ وإن كان استحبابا فالآخر هو الاستحباب وإن كان مباحا لا بأس بالقيام والقعود فالقعود أولى لأنه الآخر من فعله صلى الله عليه وسلم انتهى باب ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم اللحد لنا والشق لغيرنا اللحد بفتح اللام وبالضم وسكون الحاء هو الشق في عرض القبر جانب القبلة والشق هو الضريح وهو الشق في وسط القبر
[ 124 ]
قوله (حدثنا حكام) بفتح الحاء وتشديد الكاف (بن سلم) بفتح السين وسكون اللام ثقة له غرائب (عن علي بن عبد الأعلى) صدوق ربما وهم قوله (اللحد لنا والشق لغيرنا) قال التوربشتى أي اللحد آثر وأولى لنا والشق آثر وأولى لغيرنا أي هو اختيار من كان قبلنا من أهل الايمان وفي ذلك بيان فضيلة اللحد وليس فيه نهي عن الشق لأن أبا عبيدة مع جلالة قدره في الدين والأمانة كان يصنعه ولأنه لو كان منهيا لما قالت الصحابة أيهما جاء أولا عمل عمله ولأنه قد يضطر إليه لرخاوة الأرض انتهى وقال الطيبي ويمكن أنه عليه الصلاة والسلام عني بضمير الجمع نفسه أي أوثر لي اللحد وهو أخبار عن الكائن فيكون معجزة انتهى وقيل معناه اللحد لنا معشر الأنبياء والشق جائز لغيرنا قلت الصحيح هو ما ذكره التوربشتي ويؤيده حديث جرير بن عبد الله بلفظ اللحد لنا والشق لغيرنا أهل
الكتاب قوله (وفي الباب عن جرير بن عبد الله) أخرجه أحمد والبزار وابن ماجه بنحو حديث ابن عباس المذكور في هذا الباب وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف وزاد أحمد بعد قوله لغيرنا أهل الكتاب (وعن عائشة) أخرجه ابن ماجة بلفظ قالت لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في اللحد والشق حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم فقال عمر رضي الله عنه لا تصخبوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا ولا ميتا أو كلمة نحوها فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد جميع فجاء اللاحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دفن صلى الله عليه وسلم (وابن عمر رضي الله عنه) أخرجه أحمد بلفظ أنهم ألحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم لحدا وفيه عبد الله العمري وأخرجه ابن أبي شيبة بلفظ ألحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر (وجابر) أخرجه ابن شاهين في كتاب الجنائز بلفظ حديث ابن عباس المذكور وأحاديث الباب تدل على استحباب اللحد وأنه أولى من الضرح وإلى ذلك ذهب الأكثر كما قال النووي في شرح مسلم إجماع العلماء على جواز اللحد والشق قوله (حديث ابن عباس غريب من هذا الوجه) أخرجه الخمسة قال الشوكاني وصححه ابن السكن وحسنه الترمذي كما وجدنا ذلك في بعض النسخ الصحيحة من جامعه في إسناده عبد الأعلى بن عامر وهو ضعيف انتهى
[ 125 ]
باب ما يقول إذا أدخل الميت قبره قوله (إذا أدخل) روى مجهولا ومعلوما (الميت) بالرفع أو النصب (القبر) مفعول ثان (قال) أي أبو سعيد الأشج (وقال أبو خالد إذا وضع الميت في لحده) يعني أن أبا خالد قال مرة لفظ إذا وضع الميت في لحده مكان لفظ إذا أدخل الميت القبر وقد جاء صريح هذا في رواية ابن ماجة كما ستعرف (قال مرة بسم الله) أي وضعته أو وضع أو أدخله (وبالله) أي بأمره وحكمه أو بعونه وقدرته (وعلى ملة رسول الله) أي على طريقته ودينه (وقال مرة بسم الله وبالله وعلى سنة رسول الله) أي على طريقته وشريعته والمراد بملة رسول الله وسنته واحد قال الطيبي قوله أدخل
روى معلوما ومجهولا والثاني أغلب فعلى المجهول لفظ كان بمعنى الدوام وعلى المعلوم بخلافه لما روى أبو داود عن جابر قال رأى ناس نارا في المقبرة فأتوها فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر وهو يقول ناولوني صاحبكم فإذا هو بالرجل الذي يرفع صوته بالذكر قال ميرك وفيه نظر لأنه على تقدير المعلوم يحتمل الدوام أيضا وعلى تقدير المجهول يحتمل عدمه أيضا كما لا يخفى قال القاري وفيه أن إدخاله عليه الصلاة والسلام الميت بنفسه الأشرف لم يكن دائما بل كان نادرا لكن قوله بسم الله يمكن أن يكون دائما مع إدخاله وإدخال غيره تأمل انتهى قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد وابن ماجه قوله (رواه أبو الصديق الناجي عن النبي صلى الله عليه وسلم) أخرجه أبو داود (وقد روى عن أبي
[ 126 ]
الصديق موقوفا أيضا) قال المنذري وأخرجه النسائي مسندا وموقوفا وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الحافظ في التلخيص والزيلعي في نصب الراية تنبيه اعلم أن الترمذي رحمه الله روى حديث الباب بالإجمال وقد رواه ابن ماجه بالإيضاح فقال حدثنا هشام بن عمار حدثنا اسماعيل بن عياش حدثنا ليث بن أبي سليم عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وحدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا أبو خالد الأحمر حدثنا الحجاج عن نافع عن ابن عمر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أدخل الميت القبر قال بسم الله وعلى ملة رسول الله وقال أبو خالد مرة إذا وضع الميت في لحده قال بسم الله وعلى سنة رسول الله وقال هشام في حديثه بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله باب ما جاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت في القبر قوله (سمعت جعفر بن محمد) جعفر هذا معروف بالصادق وأبوه محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب معروف بالباقر قوله (الذي ألحد) يقال لحد يلحد كذهب يذهب وألحد يلحد إذا حفر اللحد وهو الشق تحت الجانب القبلي من القبر (والذي ألقى القطيفة) قال في النهاية هي كساء له خمل (شقران) بضم الشين المعجمة وسكون القاف مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل
اسمه صالح شهد بدرا وهو مملوك ثم عتق قال الحافظ أظنه مات في خلافة عثمان قال النووي في شرح مسلم هذه القطيفة ألقاها شقران وقال كرهت أن يلبسها أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد نص الشافعي وجميع أصحابنا وغيرهم من العلماء على كراهة وضع قطيفة أو مضربة أو مخدة أو نحو ذلك تحت الميت في القبر وشذ عنهم البغوي من أصحابنا فقال في كتابه التهذيب لا بأس بذلك لهذا الحديث والصواب كراهته كما قاله الجمهور وأجابوا عن هذا الحديث بأن شقران انفرد بفعل ذلك ولم يوافقه غيره من الصحابة ولا علموا ذلك وإنما فعله شقران لما ذكرناه عنه من كراهته أن يلبسها أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبسها ويفترشها فلم تطب نفس شقران أن
[ 127 ]
يتبذلها أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وخالفه غيره فروى البيهقي عن ابن عباس أنه كره أن يجعل تحت الميت ثوب في قبره انتهى كلام النووي (وأخبرني بن أبي رافع قال سمعت شقران يقول أنا والله طرحت القطيفة الخ) وروى ابن إسحاق في المغازي والحاكم في الاكليل من طريقه والبيهقي عنه من طريق ابن عباس قال كان شقران حين وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته أخذ قطيفة قد كان يلبسها ويفترشها فدفنها معه في القبر وقال والله لا يلبسها أحد بعدك فدفنت معه وروى الواقدي عن علي بن حسين أنهم أخرجوها وبذلك جزم ابن عبد البر كذا في التلخيص قوله (وفي الباب عن ابن عباس) أخرجه الترمذي في هذا الباب ومسلم وغيره (حديث شقران حديث حسن غريب) ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه قوله (اخبرنا يحيى بن سعيد) هو القطان (عن أبي جمرة) بفتح الجيم وسكون الميم (قال جعل) بصيغة المجهول والجاعل هو شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم والنسائي وابن حبان قال الحافظ وروى ابن أبي شيبة وأبو داود في المراسيل عن الحسن نحوه وزاد لأن المدينة أرض سبخة وذكرا بن عبد البر أن تلك القطيفة استخرجت قبل أن يهال التراب انتهى وقال الحافظ العراقي في ألفيته في السيرة وفرشت في قبره قطيفة وقيل أخرجت وهذا أثبت
قوله (وقد روى شعبة عن أبي حمزة القصاب) بالحاء المهملة والزاي والقصاب بمعنى بائع القصب (واسمه عمران بن أبي عطاء) الواسطي روى عن ابن عباس وأنس وغيرهما وعنه شعبة
[ 128 ]
والثوري وغيرهما ثقة له في مسلم حديث ابن عباس لا أشبع الله بطنه وليس له حديث في جامع الترمذي (وروى) أي شعبة (عن أبي جمرة) بفتح الجيم وسكون الراء المهملة (الضبعى) بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة بعدها مهملة (واسمه نصر بن عمران) البصري نزيل خراسان مشهور بكنيته ثقة ثبت من الثالثة قوله (وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم) وذهب الجمهور إلى الكراهة وقولهم هو الراجح وتقدم الجواب عن حديث الباب والله تعالى أعلم قوله (حدثنا محمد بن جعفر ويحيى عن شعبة عن أبي جمرة) بالجيم لا غير وليس لأبي حمزة القصاب حديث في الترمذي باب ما جاء في تسوية القبر قوله (قال لأبي الهياج) بتشديد التحتية (الأسدي) بفتح السين ويسكن (أبعثك على ما أبعثني) أي أرسلك للأمر الذي أرسلني وإنما ذكر تعديته بحرف على لما في البعث من معنى الاستعلاء والتأمير أي أجعلك أميرا على ذلك كما امرني رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله القاري (أن لا تدع) أن مصدرية ولا نافية خبر مبتدأ محذو ف أي هو أن لا تدع وقيل أن تفسيرية ولا ناهية أي لا تترك (قبرا مشرفا) قال القاري هو الذي بنى عليه حتى ارتفع دون الذي أعلم عليه بالرمل والحصباء أو محسومة بالحجارة ليعرف ولا يوطأ (إلا سويته) في الأزهار قال العلماء يستحب أن يرفع القبر قدر شبر ويكره فوق ذلك ويستحب الهدم ففي قدره خلاف قيل إلى الأرض تغليظا وهذا أقرب إلى اللفظ أي لفظ الحديث من التسوية وقال ابن الهمام هذا الحديث محمول على من كانوا يفعلونه من تعلية القبور بالبناء العالي وليس مرادنا ذلك بتسنيم القبر بل بقدر ما يبدو من الأرض ويتميز عنها كذا في المرقاة وقال الشوكاني في النيل قوله ولا قبرا مشرفا إلا سويته فيه أن
[ 129 ]
السنة أن القبر لا يرفع رفعا كثيرا من غير فرق بين من كان فاضلا ومن كان غير فاضل والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوليا القبب والمشاهد المعمورة على القبور وأيضا هو من اتخاذ القبور مساجد وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعل ذلك وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الاسلام منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضر فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم وشدوا إليه الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجابية تفعله بالأصنام إلا فعلوه فإنا لله وإنا إليه راجعون ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالما ولا متعلما ولا أميرا ولا وزيرا ولا ملكا وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرا فإذا قيل له بعد ذلك احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للإسلام أشد من الكفر وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكاره هذا الشرك البين واجبا لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي ولو نارا نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في الرماد (ولا تمثالا) أي صورة (إلا طمسته) أو محوته وأبطلته قوله (وفي الباب عن جابر) لينظر من أخرجه وفي الباب أيضا عن فضالة بن عبيد أخرجه مسلم عن ثمامة بن شفى قال كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها
[ 130 ]
قوله (حديث علي حديث حسن) وأخرجه مسلم (قال الشافعي أكره أن يرفع القبر إلا بقدر ما يعرف أنه قبر لكيلا يوطأ ولا يجلس عليه) قال النووي في شرح مسلم 213 ج 1 في شرح قوله يأمر بتسويتها فيه إن السنة أن القبر لا يرفع على الأرض رفعا كثيرا ولا يسنم بل يرفع نحو شبر ويسطح وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسنيمها وهو مذهب مالك انتهى كلام النووي وأخرج البخاري في صحيحه عن سفيان التمار أنه حدثه أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما قال الحافظ قوله مسنما أي مرتفعا زاد أبو نعيم في المستخرج وقبر أبي بكر وعمر كذلك واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية وأدعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه وتعقب بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح كما نص عليه الشافعي وبه جزم الماوردي وآخرون وقول سفيان التمار لا حجة فيه كما قال البيهقي لإحتمال أن قبره صلى الله عليه وسلم لم يكن في الأول مسنما فقد روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال دخلت على عائشة فقلت يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء زاد الحاكم فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدما وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم وعمر رأسه عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كان في خلافة معاوية فكأنها كانت في الأول مسطحة ثم لما بنى جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة وقد روى أبو بكر الآجرى في كتاب صفة قبر النبي صلى الله عليه وسلم من طريق إسحاق بن عيسى ابن بنت داود بن أبي هند عن غنيم بن بسطام المديني قال رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم في إمارة عمر بن عبد العزيز فرأيته مرتفعا نحوا من أربع أصابع ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه ثم الاختلاف في ذلك في أيهما أفضل لا في أصل الجواز ورجح المزني التسنيم من حيث المعنى بأن المسطح يشبه ما يصنع للجلوس بخلاف المسنم
ورجحه ابن قدامة بأنه يشبه أبنية أهل الدنيا وهو من شعار أهل البدع فكأن التسنيم أولى ويرجح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه مر بقبر فسوى ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها انتهى كلام الحافظ
[ 131 ]
باب ما جاء في كراهية الوطء على القبور والجلوس عليها والصلاة عليها وفي بعض النسخ باب في كراهية المشي على القبور الخ قوله (عن بسر بن عبيد الله) بضم الموحدة وسكون السين (عن أبي مرثد) بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة (الغنوي) بفتحتين صحابي بدري مشهور بكنيته واسمه كناز بتشديد النون وآخره زاي معجمة (لا تجلسوا على القبور) فيه دليل على تحريم الجلوس على القبر وإليه ذهب الجمهور قاله الشوكاني قال ابن الهمام وكره الجلوس على القبر ووطؤه وحينئذ فما يصنعه الناس ممن دفنت أقاربه ثم دفنت حواليه خلق من وطأ تلك القبور إلى أن يصل إلى قبر قريبه مكروه ويكره النوم عند القبر وقضاء الحاجة بل أولى ويكره كل ما لم يعهد من السنة والمعهود منها ليس إلا زيارتها والدعاء عندها قائما كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل في الخروج في البقيع انتهى (ولا تصلوا إليها) أي مستقبلين إليها قال القاري وفي معناه بل أولى منه الجنازة الموضوعة وهو مما ابتلى به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها قوله (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الجماعة إلا البخاري والترمذي مرفوعا لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر (وعمرو بن حزم) أخرجه أحمد بلفظ قال رآني النبي صلى الله عليه وسلم متكئا على قبر فقال لا تؤذ صاحب هذا القبر أو لا تؤذه قال الحافظ في الفتح إسناده صحيح (وبشير بن الخصاصية) بفتح الموحدة وكسر الشين هو بشير بن معبد وقيل ابن زيد بن معبد السدوسي المعروف بابن الخصاصية بمعجمة مفتوحة وصادين مهملتين بعد الثانية تحتانية صحابي جليل أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجه بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يمشي في نعلين بين القبور فقال يا صاحب السبتيتين ألقهما
سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات إلا خالد بن نمير فإنه يهم وأخرجه أيضا الحاكم وصححه قاله الشوكاني في النيل (فائدة) قال الشوكاني في النيل تحت حديث بشير هذا فيه دليل على أنه لا يجوز المشي بين القبور بالنعلين ولا يختص عدم الجواز بكون سبتيتين لعدم
[ 132 ]
الفارق بينها وبين غيرها وقال ابن حزم يجوز وطء القبور بالنعال التي ليست سبتية لحديث أن الميت يسمع خفق نعالهم وخص المنع بالسبتية وجعل هذا جمعا بين الحديثين وهو وهم لأن سماع الميت لخفق النعال لا يستلزم أن يكون المشي على قبر أو بين القبور فلا معارضة انتهى كلام الشوكاني قوله (قال محمد) هو الإمام البخاري (حديث ابن المبارك خطأ أخطأ فيه ابن المبارك وزاد فيه عن أبي إدريس الخولاني الخ) لقائل أن يقول إن ابن المبارك ثقة حافظ فيمكن أن يكون الحديث عند بسر بن عبيد الله بالوجهين أعني رواه أولا عن وائلة بواسطة أبي إدريس ثم لقيه فرواه عنه من غير واسطة والله تعالى أعلم وحديث أبي مرثد هذا أخرجه مسلم باب ما جاء في كراهية تجصيص القبور والكتابة عليها قوله (نهى أن تجصص القبور) بصيغة المجهول وفي رواية لمسلم نهى عن تقصيص القبور بالقاف والصادين المهملتين وهو بمعنى التجصيص والقصة هي الجص (وأن يكتب عليها)
[ 133 ]
بالبناء للمفعول قال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي يحتمل النهي عن الكتابة مطلقا ككتاب اسم صاحب القبر وتاريخ وفاته أو كتابة شئ من القرآن وأسماء الله تعالى ونحو ذلك للتبرك لإحتمال أن يوطأ أو يسقط على الأرض فيصير تحت الأرجل قال الحاكم بعد تخريج هذا الحديث في المستدرك الإسناد صحيح وليس العمل عليه فإن أئمة المسلمين من الشرق والغرب يكتبون على قبورهم وهو شئ أخذه الخلف عن السلف وتعقبه الذهبي في مختصره بأنه محدث ولم يبلغهم النهي انتهى قال الشوكاني في النيل فيه تحريم الكتابة على القبور وظاهره عدم الفرق
بين كتابة اسم الميت على القبر وغيرها وقد استثنت الهادوية رسم الإسم فجوزوه لا على وجه الزخرفة قياسا على وضعه صلى الله عليه وسلم الحجر على قبر عثمان كما تقدم وهو من التخصيص بالقياس وقد قال به الجمهور لا أنه قياس في مقابلة النص كما قال في ضوء النهار ولكن الشأن في صحة هذا القياس انتهى (وأن يبنى عليها) فيه دليل على تحريم البناء على القبر وفصل الشافعي وأصحابه فقالوا إن كان البناء في ملك الباني فمكروه وإن كان في مقبر مسبلة فحرام قال الشوكاني ولا دليل على هذا التفصيل وقد قال الشافعي رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبني ويدل على الهدم حديث علي رضي الله عنه انتهى قلت الأمر كما قال الشوكاني وأراد بحديث علي رضي الله عنه حديثه الذي تقدم في باب تسوية القبر (وأن توطأ) أي بالأرجل لما فيه من الإستخفاف قال في الأزهار والوطء لحاجة كزيارة ودفن ميت لا يكره قال القاري في المرقاة وفي وطئه للزيارة محل بحث انتهى وفي رواية مسلم وأن يقعد عليه قال الشوكاني فيه دليل على تحريم القعود على القبر وإليه ذهب الجمهور وقال مالك في الموطأ المراد بالقعود الحدث وقال النووي وهذا تأويل ضعيف أو باطل والصواب أو المراد بالقعود الجلوس ومما يوضحه الرواية الواردة بلفظ لا تجلسوا على القبور انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وفي لفظه نهى أن يبنى على القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه قوله (وقد رخص بعض أهل العلم منهم الحسن البصري في تطيين القبور الخ) جاء في تطيين القبور روايتان ما روى أبو بكر النجار من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع قبره من الأرض شبرا وطين بطين الأحمر من العرصة ذكره الحافظ في التلخيص ص 561
[ 134 ]
وسكت عنها والثانية ما ذكر صاحب مسند الفردوس عن الحاكم أنه روى من طريق ابن مسعود مرفوعا لا يزال الميت يسمع الأذان ما لم يطين قبره قال الحافظ في التلخيص ص 561 بعد ذكر هذه الرواية إسناده باطل فإنه من رواية محمد بن القاسم الطايكاني وقد رموه بالوضع
انتهى واختلف الفقهاء الحنفية في تطيين القبور قال سراج أحمد السرهندي في شرح الترمذي وفي البرجندي وينبغي أن لا يجصص القبر وأما تطيينه ففي الفتاوي المنصورية لا بأس به خلافا لما يقوله الكرخي إنه مكروه وفي المضمرات المختار أنه لا يكره انتهى وقال في اللمعات في الخانية تطيين القبور لا بأس به خلافا لما قاله الكرخي انتهى وقال الشوكاني في النيل وحكى في البحر عن الهادي والقاسم أنه لا بأس بالتطيين لئلا ينطمس وبه قال الامام يحيى وأبو حنيفة انتهى باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر جمع مقبرة قال في القاموس المقبرة مثلثة الباء وكمكنسة موضع القبور قوله (حدثنا أبو كريب) اسمه محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي مشهور بكنيته ثقة حافظ عن هشيم وابن المبارك وابن عيينة وخلق وعنه ع من العاشرة كذا في التقريب والخلاصة (حدثنا محمد بن الصلت) بن الحجاج الأسدي أبو جعفر الكوفي ثقة من كبار العاشرة (عن أبي كدينة) بضم الكاف وفتح النون مصغرا اسمه يحيى بن الملهب الكوفي صدوق من السابعة (عن قابوس بن أبي ظبيان) بفتح المعجمة وسكون الموحدة بعدها تحتانية الكوفي فيه لين (عن أبيه) اسمه حصين بن جندب الجنبي ثقة من الثانية قوله (فأقبل عليهم) أي على أهل القبور (بوجهه) قال القاري في المرقاة فيه دلالة على أن المستحب في حال السلام على الميت أن يكون وجهه لوجه الميت وأن يستمر كذلك في الدعاء أيضا وعليه عمل عامة المسلمين خلافا لما قاله ابن حجر من أن السنة عندنا أنه حالة الدعاء يستقبل القبلة كما علم من الأحاديث في مطلق الدعاء انتهى وفيه أن كثيرا من مواضع الدعاء ما وقع استقباله عليه الصلاة والسلام للقبلة منها
[ 135 ]
ما نحن فيه ومنها حالة الطواف والسعي ودخول الميت وخروجه وحال الأكل والشرب وعيادة المريض وأمثال ذلك فيتعين أن يقتصر الاستقبال وعدمه على المورد إن وجد وإلا فخير المجالس ما استقبل القبلة كما ورد به الخبر انتهى كلام القاري (أنتم سلفنا) بفتحتين في النهاية هو من
سلف المال كأنه أسلفه وجعله ثمنا للأجر على الصبر عليه وقيل سلف الانسان من تقدمه بالموت من الآباء وذوي القرابة ولذا سمي الصدر الأول من التابعين بالسلف الصالح انتهى (ونحن بالأثر) بفتحتين يعني تابعون لكم من ورائكم لاحقون بكم قوله (وفي الباب عن بريدة) أخرجه مسلم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية (وعائشة) وأخرجه أيضا مسلم بلفظ قالت كيف أقول يا رسول الله تعني في زيارة القبور قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور قوله (فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه) فيه دليل على جواز زيارة قبر القريب الذي لم يدرك الاسلام (فزوروها) الأمر للرخصة أو للاستحباب وعليه الجمهور بل ادعى بعضهم الاجماع بل حكى ابن عبد البر عن بعضهم وجوبها كذا في المرقات (فإنها تذكر الآخرة) أي فإن القبور أو زيارتها تذكر الاخرة
[ 136 ]
قوله (وفي الباب عن أبي سعيد) لينظر من أخرجه (وابن مسعود) أخرجه ابن ماجه بلفظ كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة (وأنس) أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم ولفظ الحاكم كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلوب وتدمع العين وتذكر الآخرة (وأبي هريرة) أخرجه مسلم بلفظ قال زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال استأذنت ربي في أن استغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت (وأم سلمة رضي الله عنها) أخرجه الطبراني بسند حسن بلفظ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن لكم فيها عبرة كذا في المرقاة قوله (حديث بريدة حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم قوله (والعمل على هذا
عند أهل العلم الخ) قال النووي تبعا للعبدري والحازمي وغيرهما اتفقوا على أن زيارة القبور للرجال جائزة قال الحافظ في الفتح فيه نظر لأن ابن أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين وإبراهيم والشعبي الكراهة مطلقا فلعل من أطلق أراد بالاتفاق ما استقر عليه الأمر بعد هؤلاء وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ ومقابل هذا القول ابن حزم أن زيارة القبور واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به انتهى باب ما جاء في الزيارة القبور للنساء قوله (لعن زوارات القبور) قال القاري لعل المراد كثيرا ت الزيارة وقال القرطبي هذا اللعن إنما هو المكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك فقد يقال إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الاذن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء انتهى قال الشوكاني في النيل وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر انتهى
[ 137 ]
قوله (وفي الباب عن ابن عباس وحسان بن ثابت) أما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه كلهم من رواية أبي صالح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج كذا في الترغيب قال الحافظ في التلخيص أبو صالح هو مولى أم هانئ وهو ضعيف وأما حديث حسان بن ثابت فأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم قوله (فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء) قال الحافظ بن حجر وهو قول الأكثر ومحله ما إذا أمنت الفتنة ويؤيد الجواز حديث أنس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال اتقي الله واصبري الخ فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر وتقريره حجة وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة رضي الله عنها فروى الحاكم من طريق ابن أبي مليكة أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن فقيل لها أليس قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالت نعم
ان نهى ثم أمر بزيارتها انتهى قلت ويؤيد الجواز ما رواه مسلم من حديث عائشة قالت كيف أقول يا رسول الله تعني إذا زارت القبور قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين الحديث (وقال بعضهم إنما كره) أي النبي صلى الله عليه وسلم وروى بصيغة المجهول قاله القاري واستدل من قال بالكراهة بأحاديث الباب وبالأحاديث التي وردت في تحريم اتباع الجنائز للنساء كحديث أم عطية عند الشيخين قالت نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا وأجاب من قال بالجواز عن أحاديث الباب بأنها محمولة على زيارتهن لمحرم كالنوح وغيره قال القاري في المرقاة بعد ذكر الأحاديث التي مرت في باب الرخصة فزيارة القبور ما لفظه هذه الأحاديث بتعليلاتها تدل على أن النساء كالرجال في حكم الزيارة إذا زرن بالشروط المعتبرة في حقهن وأما خبر لعن الله زوارات القبور فمحمول على زيارتهن لمحرم كالنوح وغيره مما اعتدنه انتهى وقد تقدم قول القرطبي أن اللعن في حديث الباب للمكثرات من الزيارة وهذا هو الظاهر والله تعالى أعلم
[ 138 ]
باب ما جاء في الزيارة للقبور للنساء قوله (توفي عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق وهو أخو عائشة رضي الله عنها (بالحبشي) في النهاية بضم الحاء وسكون الباء وكسر الشين وتشديد الياء موضع قريب من مكة وقال الجوهري جبل بأسفل مكة وقال السيوطي مكان بينه وبين مكة اثنا عشر ميلا (فحمل) أي نقل من الحبشى (فلما قدمت عائشة) أي مكة (فقالت) أي منشدة مشيرة إلى أن طول الإجتماع في الدنيا بعد زواله يكون كأقصر زمن وأسرعه كما هو شأن الفاني جميعه (وكنا كندماني جذيمة) قال الشمني في شرح المغني هذا البيت لتميم بن نويرة يرثي أخاه مالكا الذي قتله خالد بن الوليد وجذيمة بفتح الجيم وكسر الذال قال الطيبي جذيمة هذا كان ملكا بالعراق والجزيرة وضم إليه العرب وهو صاحب الزباء انتهى وفي القاموس الزباء ملكة الجزيرة وتعد من ملوك الطوائف أي كنا كنديمي جذيمة وجليسيه وهما مالك وعقيل كانا نديميه وجليسيه مدة أربعين سنة (حقبة)
بالكسر أي مدة طويلة (حتى قيل لن يتصدعا) أي إلى أن قال الناس لن يتفرقا (فلما تفرقنا) أي بالموت (كأني ومالكا) هو أخو الشاعر الميت (لطول اجتماع) قيل اللام بمعنى مع أو بعد كما في قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس ومنه صوموا لرؤيته أي بعد رؤيته (لم نبت ليلة معا) أي مجتمعين (ثم قالت) أي عائشة (لو حضرتك) أي وقت الدفن (ما دفنت) بصيغة المجهول (إلا حيث مت) أي منعتك أن تنقل من مكان إلى مكان بل دفنت حيث مت (ولو شهدتك) أي حضرت وفاتك (ما زرتك) قال الطيبي لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور انتهى ويرد عليه أن عائشة كيف زارت مع النهي وإن كانت لم تشهد وقت موته ودفنه ويمكن أن يجاب عنه بأن
[ 139 ]
النهي محمول على تكثير الزيارة لأنه صيغة مبالغة ولذا قالت لو شهدتك ما زرتك لأن التكرار ينبئ عن الاكثار كذا في بعض الحواشي وقد تقدم الكلام في زيارة القبور للنساء في الباب الذي قبله ولم يحكم الترمذي على حديث الباب بشئ من الصحة والضعف ورجاله ثقات إلا أن ابن جريج مدلس ورواه عن عبد الله بن أبي مليكة بالعنعنة باب ما جاء في الدفن بالليل قوله (ومحمد بن عمرو السواق) بتشديد الواو عن المنهال بن خليفة) الكوفي أبو قدامة ضعيف من السابعة قوله (عن الحجاج بن أرطاة) بفتح الهمزة النخعي أبو أرطاة الكوفي القاضي صدوق كثير الخطأ والتدليس قوله (فأسرج) ماض مجهول (له) أي للميت أو للنبي صلى الله عليه وسلم (فأخذه) أي أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الميت (من قبل القبلة) في الأزهار احتج أبو حنيفة بهذا الحديث على أن الميت يوضع في عرض القبر في جانب القبلة بحيث يكون مؤخر الجنازة إلى مؤخر القبر ورأسه إلى رأسه ثم يدخل الميت القبر وقال الشافعي والأكثرون يسل من قبل الرأس بأن يوضع رأس الجنازة على مؤخر القبر ثم يدخل الميت القبر انتهى (إن كنت) إن مخففة من المثقلة أي إنك كنت (لأواها) بتشديد الواو أي كثير التأوه من خشية الله قال في النهاية الأواه المتأوه المتضرع وقيل هو الكثير البكاء أو الكثير الدعاء (تلاء) بتشديد اللام أي كثير التلاوة وقوله (وفي الباب عن
جابر) أخرجه أبو داود بلفظ قال رأى ناس نارا في المقبرة فأتوها فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر وإذا هو يقول ناولوني صاحبكم فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري (ويزيد بن ثابت) لينظر من أخرجه قوله (حديث ابن عباس حديث حسن) قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية وأنكر عليه
[ 140 ]
لأن مداره على الحجاج بن أرطاة وهو مدلس ولم يذكر سماعا قال ابن القطان ومنهال بن خليفة ضعفه ابن معين وقال البخاري رحمه الله فيه نظر انتهى كلام الزيلعي قوله (وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا) وهو قول أبي حنيفة واستدل له بحديث الباب وقد عرفت أنه ضعيف وبما أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمير بن سعيد أن عليا رضي الله عنه كبر على يزيد بن المكفف أربعا وأدخل من قبل القبلة وبما أخرج هو أيضا عن ابن الحنفية أنه ولي ابن عباس فكبر عليه أربعا وأدخله من قبل القبلة (وقال بعضهم يسل سلا) أي يدخل الميت في القبر من قبل الرأس بأن يوضع رأس الجنازة على مؤخر القبر ثم يدخل الميت القبر وهو قول الشافعي وأحمد والأكثرين وهو الأقوى والأرجح دليلا واستدلوا بما أخرج أبو داود عن أبي إسحاق قال أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد فصلى عليه ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر وقال هذا من السنة وهذا الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح قاله الشوكاني وقال الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر هذا الحديث وأخرجه البيهقي وقال إسناده صحيح وهو كالمسند لقوله من السنة انتهى وبما أخرج ابن شاهين في كتاب الجنائز عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الميت من قبل رجليه ويسل سلا قال الحافظ ابن حجر في الدراية إسناده ضعيف ورواه ابن أبي شيبة بإسناده صحيح لكنه موقوف على أنس انتهى قلت قال الزيلعي في نصب الراية بعد ما ذكر حديث أنس المرفوع وروى ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا عبد الأعلى عن خالد عن ابن سيرين قال كنت مع أنس رضي الله عنه في جنازة فأمر بالميت فأدخل من قبل رجليه انتهى حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر أنه أدخل
ميتا من قبل رجليه انتهى وبما أخرج ابن ماجه عن أبي رافع قال سل رسول الله صلى الله عليه وسلم سعدا ورش على قبره ماء إنتهى وفي سنده منذر بن علي وهو ضعيف فإن قلت ما أخرج أبو داود عن أبي إسحاق كيف يكون إسناده صحيحا وأبو إسحاق هذا هو السبيعي وكان قد اختلط في آخر في عمره ومع هذا قد كان مدلسا قلت نعم لكن رواه عنه شعبة وهو لا يحمل عن شيوخه إلا صحيح حديثهم كما صرح به الحافظ ابن حجر في فتح الباري ص 051 ج 1 وقد تقرر أن رواية أبي إسحاق من طريق شعبة محمولة على السماع وإن كانت معنعنة قال الحافظ ابن حجر في طبقات المدلسين قال البيهقي وروينا عن شعبة أنه قال كفيتكم تدليس ثلاثة الأعمش وأبي إسحاق وقتادة قال الحافظ فهذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة أنها إذا جاءت من طريق شعبة دلت على السماع ولو
[ 141 ]
كانت معنعنة انتهى (ورخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل) لأحاديث الباب وكرهه الحسن البصري واستدل بحديث جابر رضي الله عنه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر أن يقبر الرجل ليلا حتى يصلى عليه رواه مسلم وأجيب عنه بأن الزجر منه صلى الله عليه وسلم إنما كان لترك الصلاة لا للدفن بالليل أو لأجل أنهم كانوا يدفنون بالليل لرداءة الكفن فالزجر إنما هو لما كان الدفن بالليل مظنة إساءة الكفن فإذا لم يقع تقصير في الصلاة على الميت وتكفينه فلا بأس بالدفن ليلا وقد دفن النبي صلى الله عليه وسلم ليلا كما رواه أحمد عن عائشة وكذا دفن أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ليلا وعلي رضي الله عنه دفن فاطمة ليلا باب ما جاء الثناء الحسن على الميت قوله (مر) بصيغة المجهول (فأثنوا عليها خيرا) وفي رواية النضر بن أنس عن أبيه عند الحاكم قالوا جنازة فلان كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها (وجبت) أي الجنة كما في الحديث الآتي (أنتم شهداء الله في الأرض) أي المخاطبون بذلك من الصحابة ومن كان
على صفتهم من الايمان وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم والصواب أن ذلك يختص بالمتقيات والمتقين انتهى قوله (وفي الباب عن عمر) أخرجه البخاري والترمذي (وكعب بن عجرة) لينظر من أخرجه (وأبي هريرة) أخرجه أحمد وفي إسناده رجل لم يسم كذا في النيل قوله (حديث أنس حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم (عن أبي الأسود الديلي) بكسر الدال وسكون
[ 142 ]
التحتية ويقال الدؤلي بالضم بعدها همز مفتوحة هو التابعي الكبير المشهور قوله (ما من مسلم يشهد له ثلاثة إلا وجبت له الجنة) قال الداؤدي المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق لا الفسقة لأنهم قد يثنون على من يكون مثلهم ولا من بينه وبين الميت عداوة لأن شهادة العدو لا تقبل قال النووي قال بعضهم معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل وكان ذلك مطابقا للوافع فهو من أهل الجنة فإن كان غير مطابق فلا وكذا عكسه قال والصحيح أنه على عمومه وأن من مات منهم فألهم الله تعالى الناس الثناء عليه بخير كان دليلا على أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة وهذا إلهام يستدل به على تعيينها وبهذا تظهر فائدة الثناء انتهى قال الحافظ ابن حجر وهذا في جانب الخير واضح ويؤيده ما رواه أحمد وابن حبان والحاكم عن أنس مرفوعا ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرا إلا قال الله تعالى قد قبلت قولكم وغفرت له ما لا تعلمون وأما جانب الشر فظاهر الحديث كذلك لكن إنما يقع ذلك في حق من غلب شره على خيره وقد وقع في رواية النضر بن أنس عن أبيه عند الحاكم إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر انتهى (قلنا واثنان) أي فحكم اثنين (قال واثنان) أي وكذلك اثنان وقيل هو عطف تلقين (ولم نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الواحد) قيل الحكمة في الإقتصار على الإثنين لأنهما نصاب الشهادة غالبا وقال الزين بن المنير إنما لم يسأل عمر عن الواحد استبعادا منه أن يكتفي في مثل هذا المقام العظيم بأقل من النصاب
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري
[ 143 ]
باب ما جاء في ثواب من قدم ولدا أي مات ولده فصبر قوله (فتمسه) بالنصب لأن الفعل المضارع ينصب بعد النفي بتقدير أن قاله الحافظ والعيني ولهما ههنا كلام مفيد (إلا تحلة القسم) بفتح المثناة فوق وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام أي ما ينحل به القسم وهو اليمين وهو مصدر حلل اليمين أي كفرها يقال حلل تحليلا وتحله وقال أهل اللغة يقال فعلته تحل القسم أي قدر ما حللت به يميني ولم أبالغ وقال الجزري في النهاية قيل أراد بالقسم قوله تعالى (وإن منكم إلا واردها) تقول العرب ضربه تحليلا وضربه تعذيرا إذا لم يبالغ في ضربه وهذا مثل في القليل المفرط في القلة وهو أن يباشر من الفعل الذي يقسم عليه المقدار الذي يبر به قسمه مثل أن يحلف على النزول بمكان فلو وقع به وقعة خفيفة أجزأته فتلك تحلة قسمه فالمعنى لا تمسه النار إلا مسة يسيرة مثل تحلة قسم الحالف ويريد بتحلته الورود على النار والاجتياز بها والتاء في التحلة زائدة انتهى ما في النهاية وقال الحافظ في الفتح قالوا أي الجمهور المراد به قوله تعالى (وإن منكم إلا واردها) قال الخطابي معناه لا يدخل النار ليعاقب بها ولكنه يدخلها مجتازا ولا يكون ذلك الجواز إلا قدر ما يحلل به الرجل يمينه ويدل على ذلك ما وقع عند عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في آخر الحديث إلا تحلة القسم يعني الورود وذكر الحافظ روايات أخرى تدل على هذا فعليك أن ترجع إلى فتح الباري قوله (وفي الباب عن عمر ومعاذ وكعب بن مالك الخ) وفي الباب أيضا عن مطرف بن الشخير وعبادة بن الصامت وعلي بن أبي طالب وأبي أمامة وأبي موسى والحارث بن وقيش
[ 144 ]
وجابر بن سمرة وعمرو بن عبسة ومعاوية ابن حيدة وعبد الرحمن بن بشير وزهير بن علقمة وعثمان بن أبي العاص وعبد الله بن الزبير وابن النضر السلمى وسفينة وحوشب بن طخمة
والحسحاس بن بكر وعبد الله بن عمر والزبير بن العوام وبريدة وأبي سلمة راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي برزة الأسلمي وعائشة أم المؤمنين وحبيبة بنت سهل وأم مبشر ورجل لم يسم رضي الله تعالى عنهم وإن شئت تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة فارجع إلى عمدة القاري ص 30 ج 4 (وأبو ثعلبة له عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد هذا الحديث) أخرجه أحمد في مسنده والطبراني في معجمه الكبير من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن عمر بن نبهان عنه قال قلت يا رسول الله مات لي ولدان في الإسلام فقال من مات له ولدان في الإسلام أدخله الجنة بفضل رحمته إياهما (وليس هو بالخشنى) بضم الخاء المعجمة وفتح الشين وكسر النون يعني أن أبا ثعلبة الجشمى الذي روى الحديث المذكور آنفا ليس هو بأبي ثعلبة الخشنى بل هما صحابيان وأبو ثعلبة الخشنى صحابي مشهور اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا (وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم قوله (من قدم ثلاثة من الولد) أي من قدمهم بالصبر علموتهم قال القاري الظاهر أن معناه من قدم صبر ثلاثة من الولد عند فقدهم واحتسب ثوابهم عند ربهم أو المراد بالتقديم لازمه وهو التأخر أي الذنب أو البلوغ والظاهر أن هذا قيد للكمال لأن الغالب أن يكون القلب عليه أرق والصبر عنهم أشق وشفاعتهم أرجى وأسبق (كانوا له حصنا حصينا عن النار) أي حصارا محكما وحاجرا مانعا من النار (قدمت اثنين) أي فما حكمه (قال واثنين) أي وكذا من قدم اثنين (فقال أبي بن كعب سيد القراء)
[ 145 ]
إنما قيل له سيد القراء لقوله صلى الله عليه وسلم وسلم أقرؤكم أبي (ولكن إنما ذلك عند الصدمة الأولى) أي يحصل ذلك بالصبر عند الصدمة الأولى قوله (وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه) أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود مشهور بكنيته والأشهر أنه لا اسم له غيرها ويقال اسمه عامر كوفي ثقة من كبار الثالثة والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه كذا في التقريب
قوله (أبا أمي) بدل من جدى يعني أنه سمع الحديث من جده الفاسد وهو أبو الأم قوله (من كان له فرطان) بفتحتين أي ولدان لم يبلغا أوان الحلم بل ماتا قبله يقال فرط إذا تقدم وسبق فهو فارط والفرط هنا الولد الذي مات قبله فإنه يتقدم ويهئ لوالديه نزلا ومنزلا في الجنة كما يتقدم فراط القافلة إلى المنازل فيعدون لهم ما يحتاجون إليه من الماء والمرعى وغيرهما (من أمتي) بيان لمن (فمن كان له فرط) أي فما حكمه أو فهل له هذا الثواب (قال ومن كان له فرط) أي فكذلك (يموفقة) أي في الخيرات وللأسئلة الواقعة موقعها شفقة على الأمة (فأنا فرط أمتي) أي سابقهم وإلى الجنة بالشفاعة سائقهم بل أنا أعظم من كل فرط فإن الأجر علقدر المشقة (لن يصابوا) أي أمتي (بمثلي) أي بمثل مصيبتي لهم فإن مصيبتي اشد عليهم من سائر المصائب
[ 146 ]
باب ما جاء في الشهداء من هم قوله (عن سمي) بضم السين وفتح الميم مصغرا مولى أبي بكر بن عبد الرحمن المخزومي أبي عبد الله المدني ثقة من السادسة (الشهداء خمسة) جمع شهيد بمعنى فاعل لأنه يشهد مقامه قبل موته أو بمعنى مفعول لأن الملائكة تشهده أي تحضره مبشرة له وقد ذكر الحافظ في سبب تسمية الشهيد شهيدا أقوالا أخرى وأعلم أن الأحاديث قد اختلفت في عدد أسباب الشهادة ففي بعضها خمسة وفي بعضها سبعة وفي بعضها أقل من ذلك قال الحافظ الذي يظهر أنه صلى الله عليه وسلم أعلم بالأقل ثم أعلم زيادة على ذلك فذكرها في وقت آخر ولم يقصد الحصر في شئ من ذلك انتهى (المطعون) أي الذي ابتلي بالطاعون ومات به (والمبطون) أي الذي يموت بمرض البطن كالاستسقاء ونحوه قال القرطبي المراد بالبطن الاستسقاء أو الإسهال على قولين للعلماء (والغريق) أي الذي يموت من الغرق (وصاحب الهدم) بفتح الدال وتسكن أي الذي يموت تحت الهدم قال في النهاية الهدم بالتحريك البناء المهدوم فعل بمعنى المفعول وبالسكون الفعل نفسه (والشهيد في سبيل الله) أي المقتول فيه قال ابن الملك وإنما أخره لأنه من باب الترقي من الشهيد الحكمى إلى الحقيقي وأعلم أن الشهداء الحكمية كثيرة وردت في أحاديث شهيرة جمعها
السيوطي في كراسة سماها أبواب السعادة في أسباب الشهادة قوله (وفي الباب عن أنس وصفوان بن أمية وجابر بن عتيك وخالد بن عرفطة وسليمان بن صرد وأبي موسى وعائشة) أما حديث أنس فأخرجه البخاري ومسلم عنه مرفوعا الطاعون شهادة لكل مسلم وأما حديث صفوان بن أمية رضي الله عنه فلينظر من أخرجه وأما
[ 147 ]
حديث جابر بن عتيك فأخرجه مالك وأبو داود والنسائي وأما حديث خالد بن عرفطة وسليمان بن صرد فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث أبي موسى فلينظر من أخرجه وأما حديث عائشة فأخرجه البخاري قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما قوله (حدثنا عبيد بن أسباط بن محمد القرشي الكوفي) صدوق من الحادية عشرة (أخبرنا أبي) وهو أسباط بن محمد بن عبد الرحمن بن خالد القرشي مولاهم ثقة ضعف في الثوري من التاسعة (أخبرنا أبو سنان الشيباني) اسمه سعيد بن سنان البرجمى الأصغر الكوفي نزيل الري صدوق له أوهام من السادسة (قال قال سليمان بن صرد) بضم المهملة وفتح الراء ابن الجون الخزاعي أبو مطرف الكوفي صحابي قتل بعين الوردة سنة خمس وستين (لخالد بن عرفطة) بضم العين المهملة وسكون الراء وضم الفاء القضاعي صحابي استنابه سعد على الكوفه مات سنة أربع وستين (أو خالد لسليمان) شك من الراوي قوله (من قتله بطنه) إسناده مجازي أي من مات من وجع بطنه وهو يحتمل الإسهال والاستسقاء والنفاس وقيل من حفظ بطنه من الحرام والشبه فكأنه قتله بطنه كذا في المرقاة قلت والظاهر هو الأول (لم يعذب في قبره) لأنه لشدته كان كفارة لسيئته وصح في مسلم أن الشهيد يغفر له كل شئ إلا الدين أي إلا حقوق الآدميين قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد قال ميرك وأخرجه النسائي وابن حبان
[ 148 ]
باب ما جاء في كراهية الفرار من الطاعون قوله (بقية رجز) بكسر الراء أي عذاب (أو عذاب) شك من الراوي (أرسل على طائفة
من بني إسرائيل) قال الطيبي هم الذين أمرهم الله تعالى أن يدخلوا الباب سجدا فخالفوا قال تعالى (فأرسلنا عليهم رجزا من السماء) قال ابن الملك فأرسل عليهم الطاعون فمات منهم في ساعة أربعة وعشرون ألفا من شيوخهم وكبرائهم (فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها) قال ابن الملك فإن العذاب لا يدفعه الفرار وإنما يمنعه التوبة والاستغفار قال الطيبي فيه أنه لو خرج لحاجة فلا بأس (فلا تهبطوا عليها) بكسر الباء من باب ضرب يضرب وفي رواية الشيخين فلا تقدموا عليه والمراد بالهبوط هو القدوم وعادة العرب أن يسموا الذهاب بالصعود والقدوم بالهبوط قوله (وفي الباب عن سعد) أي ابن أبي وقاص أخرجه الطحاوي في شرح الآثار بلفظ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم بها فلا تفروا منها وإذا كان بأرض فلا تهبطوا عليها (وخزيمة ابن ثابت) لينظر من أخرجه (وعبد الرحمن بن عوف) أخرجه الشيخان بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه (وجابر) أخرجه أحمد بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه له أجر شهيد قال الحافظ في فتح الباري سنده صالح المتابعات وقال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب إسناده حسن وقال الحافظ العراقي في المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج إحياء العلوم إسناده ضعيف (وعائشة) أخرجه أحمد بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فناء أمتي بالطعن والطاعون فقلت يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون قال غدة كغدة الابل المقيم فيها كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف
[ 149 ]
قال الحافظ العراقي في المغني عن الأسفار إسناده جيد وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري سنده حسن وقال الزرقاني رجاله ثقات وأحاديث الباب كلها تدل على حرمة الخروج من أرض وقع بها الطاعون فرارا منه وكذا الدخول في أرض وقع بها الطاعون لأن الأصل في النهي
التحريم ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة الفار منها كالفار من الزحف قال حافظ في فتح الباري ومنهم من قال النهي فيه للتنزيه فيكره ولا يحرم وخالفهم جماعة فقالوا يحرم الخروج منها لظاهر النهي الثابت في الأحاديث الماضية وهذا هو الراجح عند الشافعية وغيرهم ويؤيده ثبوت الوعيد على ذلك فأخرج أحمد وابن خزيمة من حديث عائشة مرفوعا في أثناء حديث بسند حسن قلت يا رسول الله فما الطاعون قال غدة كغدة الإبل المقيم فيها كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف انتهى وقال النووي في شرح مسلم وفي هذه الأحاديث منع القدوم على بلدة الطاعون ومنع الخروج فرارا من ذلك أما الخروج لعارض فلا بأس وهذا الذي ذكرنا هو مذهبنا ومذهب الجمهور قال القاضي هو قول الأكثرين حتى قالت عائشة الفرار منه كالفرار من الزحف قال ومنهم من جوز القدوم عليه والخروج منه فرارا ثم قال والصحيح ما قدمناه من النهي عن القدوم عليه والفرار منه لظاهر الأحاديث الصحيحة انتهى وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في أشعة اللمعات ضابطه دروهمين أست كه درانجا كه هست نبا يدر فت وازنجاكه باشد نبايد كريخت واكرحه كريختن در بعض مواضع مثل خانه كه دروى زلزله شده يا اتش كرفته يانشتن درزير ديو اريكه خم شده نزد غلبه ظن بهلاك امده است اما درباب طاعون جز صبرنيا مده وكريختن تجويز نيافته وقياس اين بران مواد فاسد است كه انها از قبيل اسباب عادية اندواين أو اسباب وهمي وبرهد تقدير كريختن ازانجا جائز نيست وهيج جاوارد نشده وهركه بكريز دعاصى ومرتكب كبيره ومردود است نسأل الله العافية انتهى وقال الشيخ إسماعيل المهاجر الحنفي في تفسيره روح البيان والفرار من الطاعون حرام إلى أن قال وفي الحديث الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف فهذا الخبر يدل على أن النهي عن الخروج للتحريم وأنه من الكباتر انتهى وقال الزرقاني في شرح الموطأ والجمهور على أنه للتحريم حتى قال ابن خزيمة إنه من الكبائر التي يعاقب الله عليها إن لم يعف انتهى وقال في شرح المواهب وخالفهم الأكثر وقالوا إنه للتحريم حتى قال في شرح المواهب وخالفهم الأكثر وقالوا إنه للتحريم حتى قال ابن خزيمة إنه من الكبائر التي يعاقب عليها إن لم يعف وهو ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم الطاعون غدة كغدة البعير المقيم بها كالشهيد
والفار منه كالفار من الزحف رواه أحمد برجال ثقات وروى الطبراني وأبو نعيم بإسناد حسن مرفوعا الطاعون شهادة لأمتي ووخز أعدائكم من الجن غدة كغدة الابل تخرج في الاباط والمراق من مات منه مات شهيدا ومن أقام به كان كالمرابط في سبيل الله ومن فر منه كان
[ 150 ]
كالفار من الزحف انتهى قلت والحق أن الخروج من أرض وقع فيها الطاعون فرارا منه حرام وقد ألفت في هذه المسألة رسالة سميتها خير الماعون في منع الفرار من الطاعون قوله (حديث أسامة حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم باب ما جاء في من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه قوله (من أحب لقاء الله) قال الجزري في النهاية المراد بلقاء الله المصير إلى الله أو الآخرة وطلب ما عند الله وليس الغرض به الموت لأن كلا يكرهه فمن ترك الدنيا وأبغضها أحب لقاء الله ومن آثرها وركن إليها كره لقاء الله لأنه إنما يصل إليه بالموت انتهى قوله (وفي الباب عن أبي موسى) أخرجه البخاري ومسلم (وأبي هريرة) أخرجه مسلم (وعائشة) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي قوله (حديث عبادة حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم قوله (ليس كذلك) أي ليس الأمر كما ظننت يا عائشة (ولكن المؤمن إذا بشر) أي عند النزع
[ 151 ]
وحضور الملائكة ففي رواية البخاري ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله الخ وفي حديث أبي هريرة عند مسلم وليس بالذي تذهب إليه ولكن إذا شخص البصر وحشرج الصدر واقشعر الجلد وتشنجت الأصابع فعند ذلك من أحب لقاء الله الخ قال النووي في شرح مسلم وهذا الحديث يفسر آخره أوله ويبين المراد بباقي الأحاديث المطلقة من أحب لقاء الله ومن كره لقاء الله ومعنى الحديث أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند النزع في حالة لا تقبل توبته ولا غيرها فحينئذ يبشر كل إنسان بما هو صائر إليه وما أعد له ويكشف له عن ذلك فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله لينتقلوا إلى ما أعد لهم ويحب الله لقاءهم فيجزل لهم
العطاء والكرامة وأهل الشقاوة يكرهون لقاءه لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه ويكره الله لقاءهم أي يبعدهم عن رحمته وكرامته ولا يريد ذلك بهم وهذا معنى كراهته سبحانه لقاءهم وليس معنى الحديث أن سبب كراهة الله تعالى لقاءهم كراهتهم ذلك ولا أن حبه لقاء الآخرين حبهم ذلك بل هو صفة لهم انتهى كلام النووي قوله (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه البخاري ومسلم باب ما جاء فيمن يقتل نفسه لم يصل عليه قوله (أن رجلا قتل نفسه الخ) وفي رواية مسلم أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه وفي رواية النسائي أن رجلا قتل نفسه بمشاقص والمشاقص جمع شقص وهو سهم عريض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أنا فلا أصلي عليه
[ 152 ]
قوله (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا البخاري قوله (فقال بعضهم يصلي على كل من صلى للقبلة وعلى قاتل النفس وهو قول سفيان الثوري وإسحاق) قال النووي في شرح مسلم تحت هذا الحديث ما لفظه وفي هذا الحديث دليل لمن يقول لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء يصلي عليه وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه بنفسه زجرا للناس عن مثل فعله وصلت عليه الصحابة وهذا كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في أول الأمر على من عليه دين زجرا لهم عن التساهل في الاستدانة وعن إهمال وفائها وأمر أصحابه بالصلاة عليه فقال صلى الله عليه وسلم صلوا على صاحبكم قال القاضي مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنا وعن مالك وغيره أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد وأن أهل الفضل لا يصلون على الفساق زجرا لهم وعن الزهري لا يصلى على مرجوم ويصلى على المقتول في قصاص وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يصلى على محارب ولا على قتيل الفئة الباغية وقال قتادة لا يصلى على ولد الزنا وعن الحسن لا يصلى
على النفساء تموت من زنا ولا على ولدها ومنع بعض السلف الصلاة على الطفل الصغير واختلفوا في الصلاة على السقط فقال بها فقهاء المحدثين وبعض السلف إذا مضى عليه أربعة أشهر ومنعها جمهور الفقهاء حتى يستهل أو تعرف حياته بغير ذلك وأما الشهيد المقتول في حرب الكفار فقال مالك والشافعي والجمهور لا يغسل ولا يصلى عليه وقال أبو حنيفة يغسل ولا يصلى عليه وعن الحسن يغسل ويصلى عليه انتهى كلام النووي وقال الشوكاني في النيل وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء إلى أنه يصلى على الفاسق وأجابوا عن حديث جابر بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما لم يصل عليه بنفسه زجرا للناس وصلت عليه الصحابة ويؤيد ذلك ما عند النسائي أما أنا فلا أصلي عليه انتهى (وقال أحمد لا يصلي الإمام على قاتل النفس ويصلي عليه غير الامام) يدل عليه ما في رواية النسائي من قوله صلى الله عليه وسلم أما أنا فلا أصلي عليه
[ 153 ]
باب ما جاء في الصلاة على المديون قوله (أتي) بصيغة المجهول (برجل) أي بجنازة رجل (صلوا على صاحبكم فإن عليه دينا) قال القاضي وغيره امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المديون إما للتحذير عن الدين والزجر عن المماطلة والتقصير في الأداء أو كراهة أن يوقف دعاءه بسبب ما عليه من حقوق الناس ومظالمهم وقال القاضي ابن العربي في العارضة وامتناعه من الصلاة لمن ترك عليه دينا تحذيرا عن التقحم في الديون لئلا تضيع أموال الناس كما ترك الصلاة على العصاة زجرا عنها حتى يجتنب خوفا من العار ومن حرمان صلاة الإمام وخيار المسلمين انتهى (قال أبو قتادة وهو على الخ) فيه دليل على جواز الضمان عن الميت سواء ترك وفاء أو لم يترك وهو قول أكثر أهل العلم وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يصح الضمان من حيث لم يخلف وفاء بالإتفاق لو ضمن عن حر معسر دينا ثم مات من عليه الدين كان الضمان بحاله فلما لم يناف موت المعسر دوام الضمان لا ينافي ابتداءه قال الطيبي والتمسك بالحديث أولى من هذا القياس ذكره القاري نقلا عن شرح السنة ثم قاوقال بعض علمائنا تمسك به أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله
تعالى في إنه تصح الكفالة عن ميت لم يترك مالا وعليه دين فإنه لو لم تصح الكفالة لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم عليه وقال أبو حنيفة رحمه الله لا تصح الكفالة عن ميت مفلس لأن الكفالة عن الميت المفلس كفالة بدين ساقط والكفالة بالدين الساقط باطلة والحديث يحتمل أن يكون إقرارا بكفالة سابقة فإن لفظ الإقرار والإنشاء في الكفالة سواء ولا عموم لحكاية الفعل ويحتمل أن يكون وعدا لا كفالة وكان امتناعه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليه ليظهر له طريق قضاء ما عليه فلما ظهر صلى عليه صلى الله عليه وسلم انتهى قلت والظاهر ما قال به أكثر أهل العلم والله تعالى أعلم قوله (وفي الباب عن جابر وسلمة بن الأكوع وأسماء بنت يزيد) أما حديث جابر فأخرجه
[ 154 ]
البخاري ومسلم وأما حديث سلمة بن الأكوع فأخرجه البخاري وأما حديث أسماء بنت يزيد فأخرجه الطبراني كما في عمدة القاري قوله (حديث أبي قتادة حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع وفيه قال أبو قتادة صل عليه يا رسول الله وعلى دينه فصلى عليه قوله (بالرجل المتوفي) أي بالميت (عليه دين) جملة حالية (فيقول) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قضاء) أي ما يقضي به دينه (فإن حدث) بصيغة المجهول أي أخبر (فلما فتح الله عليه الفتوح) أي الفتوحات المالية (قام) أي على المنبر (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم) أي أولى في كل شئ من أمور الدين والدنيا ولذا أطلق ولم يقيد فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم وحكمه أنفذ عليهم من حكمها وحقه آثر عليهم من حقوقها وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها وكذلك شفقته صلى الله عليه وسلم عليهم أحق وأحرى من شفقتهم على أنفسهم فإذا حصلت له الغنيمة يكون هو أولى بقضاء دينهم كذا في المرقاة قال المنذري في الترغيب قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يصلي على المدين ثم نسخ ذلك وذكر هذا الحديث قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما
[ 155 ]
باب ما جاء في عذاب القبر قوله (إذا قبر الميت) بصيغة المجهول أي إذا أدخل في القبر ودفن (أو قال أحدكم) شك من الراوي أي أو قال أحدكم مكان لفظ الميت (أتاه ملكان أسودان أزرقان) بزاء فراء أي أزرقان أعينهما زاد الطبراني في الأوسط من طريق أخرى عن أبي هريرة أعينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل صياصي البقر وأصواتهما مثل الرعد ونحوه لعبد الرزاق من مرسل عمرو بن دينار وزاد يحفران بأنيابهما ويطآن في أشعارهما معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها كذا في فتح الباري (يقال لأحدهما المنكر) مفعول من أنكر بمعنى نكر إذا لم يعرف أحدا (وللآخر النكير) فعيل بمعنى مفعول من نكر بالكسر إذا لم يعرفه أحد فهما كلاهما ضد المعروف سميا بهما لأن الميت لم يعرفهما ولم ير صورة مثل صورتهما كذا في المرقاة وقال الحافظ في الفتح ذكر بعض الفقهاء أن اسم اللذين يسألان المذنب منكر ونكير واسم اللذين يسألان المطيع مبشر وبشير (فيقولان ما كنت تقول) زاد في حديث أنس رضي الله عنه عند البخاري ومسلم فيقعدانه وزاد حديث البراء فتعاد روحه في جسده وزاد ابن حبان من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه فإذا كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه والصوم عن شماله وفعل المعروف من قبل رجليه فيقال له اجلس فيجلس وقد مثلت له الشمس عند الغروب زاد ابن ماجه من حديث جابر فيجلس فيمسح عينيه ويقول دعوني أصلي (في هذا الرجل) وفي حديث أنس عند البخاري ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد ولأحمد من حديث عائشة ما هذا الرجل الذي كان فيكم قال القسطلاني عبر بذلك امتحانا لئلا يتلقن تعظيمه عن عبارة القائل قيل يكشف للميت حيث يرى النبي صلى الله عليه وسلم وهي بشرى عظيمة للمؤمن إن صح ذلك ولا نعلم حديثا صحيحا مرويا في ذلك والقائل به إنما استند لمجرد أن الإشارة لا تكون إلا للحاضر لكن يحتمل أن تكون الإشارة لما في الذهن فيكون مجاز انتهى كلام
[ 156 ]
القسطلاني (فيقول) أي الميت (ما كان يقول) أي قبل الموت (قد كنا نعلم أنك تقول هذا) أي الإقرار بالوحدانية والرسالة وعلمهما بذلك إما بإخبار الله تعالى إياهما بذلك أو بمشاهدتهما في جبينه أثر السعادة وشعاع نور الايمان والعبادة (لم يفسح) بصيغة المجهول أي يوسع (سبعون ذراعا في سبعين) أي في عرض سبعين ذراعا يعني طوله وعرضه كذلك قال الطيبي أصله يفسح قبره مقدار سبعين ذراعا فجعل القبر ظرفا للسبعين وأسند الفعل إلى السبعين مبالغة في السعة (ثم ينور له فيه) أي يجعل النور له في قبره الذي وسع عليه وفي رواية ابن حبان وينور له كالقمر ليلة البدر (نم) أمر من نام ينام (فيقول) أي الميت لعظيم ما رأى من السرور (أرجع إلى أهلي) أي أريد الرجوع كذا قيل والأظهر أن الاستفهام مقدر قاله القاري (فأخبرهم) أي بأن حالي طيب ولا حزن لي ليفرحوا بذلك (كنومة العروس) هيطلق على الذكر والأنثى في أول اجتماعهما وقد يقال للذكر العريس (الذي لا يوقظ) الجملة صفة العروس وإنما شبه نومه بنومة العروس لأنه يكون في طيب العيش (إلا أحب أهله إليه) قال المظهر عبارة عن عزته وتعظيمه عند أهله يأتيه غداة ليلة زفافه من هو أحب وأعطف فيوقظه على الرفق واللطف (حتى يبعثه الله) هذا ليس من مقول الملكين بل من كلامه صلى الله عليه وسلم وحتى متعلق بمحذوف أي ينام طيب العيش حتى يبعثه الله (سمعت الناس يقولون) وفي بعض النسخ يقولون قولا وكذلك في المشكاة والمراد بالقول هو أن محمدا رسول الله (فقلت مثله) أي مثل قولهم (لا أدري) أي أنه نبي في الحقيقة أم لا وهو استيناف أي ما شعرت غير ذلك ك القول ويحتمل أن يكون في محل النصب على الحال (التأمي) أي انضمي واجتمحي (فيختلف أضلاعه) بفتح الهمزة جمع ضلع وهو عظم الجنب أي تزول عن الهيئة المستوية التي كانت عليها من شدة التئامها عليه وشدة الضغطة وتجاوز جنبيه من كل جنب إلى جنب آخر (فلا يزال فيها) أي في الأرض أو في تلك الحالة قوله (وفي الباب عن علي رضي الله عنه) لم أقف عليه (وزيد بن ثابت) أخرجه مسلم (وابن عباس) لم أقف عليه
[ 157 ]
(والبراء بن عازب) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود وأخرجه أحمد حديثه الطويل وذكره صاحب المشكاة في باب ما يقال عند من حضره الموت وصححه أبو عوانة وغيره كما صرح به الحافظ في التلخيص (وأبي أيوب) لم أقف عليه (وأنس) أخرجه البخاري ومسلم (وجابر) أخرجه أحمد وابن ماجه (وعائشة) أخرجه البخاري ومسلم (وأبي سعيد) أخرجه الدارمي والترمذي قوله (عرض عليه مقعده) أي أظهر له مكانه الخاص من الجنة والنار وزاد في رواية الصحيحين بالغداة والعشي قال القرطبي يجوز أن يكون هذا العرض على الروح فقط ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن قال والمراد بالغداة والعشي وقتهما وإلا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء قال وهذا في حق المؤمن والكافر واضح فأما المؤمن المخلص فيحتمل في حقه أيضا لأنه يدخل الجنة في الجملة ثم هو مخصوص بغير الشهداء لأنهم أحياء وأرواحهم تسرح في الجنة ويحتمل أن يقال فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها فإن فيه قدرا زائدا على ما هي فيه الآن انتهى (إن كان) أي الميت (من أهل الجنة فمن أهل الجنة) قال التوربشتي التقدير إن كان من أهل الجنة فمقعد من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه ووقع عند مسلم بلفظ إن كان من أهل الجنة فالجنة أي فالمعروض الجنة (هذا) أي المقعد المعروض عليك (مقعدك حتى يبعثك الله الخ) قال ابن التين معناه أي لا تصل إليه إلى يوم البعث قال الحافظ في الفتح في رواية مسلم عن يحي بن يحي عن مالك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة قال ابن عبد البر والمعنى حتى يبعثك الله إلى ذلك المقعد ويحتمل أن يعود الضمير إلى الله فإلى الله ترجع الأمور والأول أظهر انتهى ويؤيده رواية الزهري عن سالم عن أبيه بلفظ ثم يقال هذا مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة أخرجه مسلم انتهى كلام الحافظ قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم
[ 158 ]
باب ما جاء في أجر من عزى مصابا العزاء الصبر والتعزية حمله عليه قوله (حدثنا يوسف بن عيسى) بن دينار أبو يعقوب
المروزي ثقة فاضل من العاشرة (أخبرنا علي بن عاصم) بن صهيب الواسطي التيمي صدوق يخطئ ويصر ورمى بالتشيع من التاسعة (أخبرنا والله محمد بن سوقة) بضم المهملة الغنوي أبو بكر الكوفي ثقة مرضي عابد من الخامسة ولا حاجة إلى القسم ولعله لوجه اقتضاه عند التحديث قوله (من عزى مصابا) أي ولو بغير موت بالمأتي لديه أو بالكتابة إليه بما يهون المصيبة عليه ويحمله بالصبر بوعد الأجر أو بالدعاء له بنحو أعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر ورزقك الشكر (فله) أي فللمعزى (مثل أجره) أي نحو أجر المصاب على صبره لأن الدال على الخير كفاعله قوله (هذا حديث غريب) والحديث أخرجه ابن ماجة قال ميرك ورواه البيهقي وفي سنده ضعف وقال السيوطي في قوت المغتذي قال الحافظ صلاح الدين العلائي ومن خطه نقلت هذا الحديث أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق حماد بن الوليد عن سفيان الثوري عن محمد بن سوقة به ومن طريق محمد بن عبيد الله العزرمي عن أبي الزبير عن جابر به وتعلق عليه في الأول بحماد بن الوليد فقد قال فيه ابن عدي عامة ما يرويه لا يتابع عليه وقال ابن حبان يسرق الحديث ويلزق بالثقات ما ليس من حديثهم ثم ذكر له هذا الحديث وأنه إنما يعرف من حديث علي بن عاصم لا من حديث الثوري وفي الثاني بالعزرمي فقد قال فيه النسائي ليس بثقة قال العلائي علي بن عاصم أحد الحفاظ المكثرين ولكن له أوهام كثيرة تكلموا فيه بسببها ومن جملتها هذا الحديث وقد تابعه عليه عن محمد بن سوقة عبد الحليم بن منصور لكنه ليسبشئ قال فيه ابن معين والنسائي متروك فكأنه سرقه من علي ابن عاصم وقال الحافظ أبو بكر الخطيب كان أكثر كلامهم فيه يعني علي بن عاصم بسبب هذا الحديث وقد رواه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي عن وكيع عن قيس بن الربيع عن محمد بن سوقة وإبراهيم بن مسلم هذا ذكره ابن حيان في الثقات ولم يتكلم فيه أحد وقيس بن الربيع صدوق متكلم فيه لكن حديثه يؤيد رواية علي بن عاصم ويخرج به عن
[ 159 ]
أن يكون ضعيفا واهيا فضلا عن أن يكون موضوعا وقال يعقوب بن شيبة هذا حديث كوفي منكر يرون أنه لا أصل له مسندا
ولا موقوفا وقد رواه أبو بكر النهشلي وهو صدوق ضعيف عن محمد بن سوقة قوله قال العلائي وهذه علة مؤثرة لكن يعقوب بن شيبة ما ظفر بمتابعة إبراهيم بن مسلم وقد روى ابن ماجه والبيهقي من طريق قيس بن عمارة مولى الأنصاري وقد وثقه ابن حبان عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول من عزى أخاه المؤمن من مصيبة كساه الله حلل الكرامة يوم القيامة والظاهر أن في إسناده انقطاعا انتهى كلام العلائي قوله (لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث علي بن عاصم) قد عرفت في كلام العلائي المذكور آنفا أنه رواه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي عن وكيع عن قبس بن الربيع عن محمد بن سوقة (موقوفا) أي على عبد الله بن مسعود قال القاري لكن له حكم المرفوع ويعضده خبر ابن ماجه بسند حسن مرفوعا ما من مسلم يعزي أخاه بمصببة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة انتهى قلت قد عرفت في كلام العلائي أن الظاهر أن في إسناده انقطاعا (أكثر ما ابتلى به علي بن عاصم بهذا الحديث) يعني أن أكثر كلام المحدثين في علي بن عاصم بسبب هذا الحديث قال يعقوب بن شيبة هذا الحديث من أعظم ما أنكره الناس على علي بن عاصم وتكلموا فيه مع ما أنكر عليه سواه كذا في تهذيب التهذيب (نقموا عليه) أي عابوا وأنكروا عليه باب ما جاء فيمن مات يوم الجمعة قوله (وأبو عامر العقدي) بفتح المهملة والقاف اسمه عبد الملك بن عمرو القيسي ثقة من التاسعة (عن ربيعة بن سيف) بن مانع الاسكندراني صدوق له مناكير من الرابعة قوله (ما
[ 160 ]
من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة) الظاهر أن أو للتنويع لا للشك (إلا وقاه الله) أي حفظه (فتنة القبر) أي عذابه وسؤاله وهو يحتمل الاطلاق والتقييد والأول هو الأولى بالنسبة إلى فضل المولى وهذا يدل على أن شرف الزمان له تأثير عظيم كما أن فضل المكان له أثر جسيم قوله (ولا نعرف لربيعة بن سيف سماعا من عبد الله بن عمرو) فالحديث ضعيف لانقطاعه لكن له شواهد قال الحافظ في فتح الباري بعد ذكر هذا الحديث في إسناده ضعف
وأخرجه أبو يعلى من حديث أنس نحوه وإسناده أضعف انتهى وقال القاري في المرقاة ذكره السيوطي في باب من لا يسأل في القبر وقال أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن أبي الدنيا عن ابن عمرو ثم قال وأخرجه ابن وهب في جامعه والبيهقي أيضا من طريق آخر عنه بلفظ إلا برئ من فتنة القبر وأخرجه البيهقي أيضا ثالثة عنه موقوفا بلفظ وقي الفتان قال القرطبي هذه الأحاديث أي التي تدل على نفي سؤال القبر لا تعارض أحاديث السؤال السابقة أي لا تعارضها بل تخصها وتبين من لا يسأل في قبره ولا يفتن فيه فمن يجري عليه السؤال ويقاسي تلك الأهوال وهذا كله ليس فيه مدخل للقياس ولا مجال للنظر فيه وإنما فيه التسليم والانقياد لقول الصادق المصدوق قال الحكيم الترمذي ومن مات يوم الجمعة فقد انكشف له الغطاء عما له عند الله لأن يوم الجمعة لا تسجر فيه جهنم وتغلق أبوابها ولا يعمل سلطان النار فيه ما يعمل في سائر الأيام فإذا قبض الله عبدا من عبيده فوافق قبضه يوم الجمعة كان ذلك دليلا لسعادته وحسن مآبه وإنه لا يقبض في هذا اليوم إلا من كتب له السعادة عنده فلذلك يقيه فتنة القبر لأن سببها إنما هو تمييز المنافق من المؤمن قلت ومن تتمة ذلك أن من مات يوم الجمعة له أجر شهيد فكان على قاعدة الشهداء في عدم السؤال كما أخرجه أبو نعيم في الحلية عن جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة أجير من عذاب القبر وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء وأخرج حميد في ترغيبه عن إياس ابن بكير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من مات يوم الجمعة كتب له أجر شهيد ووقي فتنة القبر وأخرج من طريق ابن جريح عن عطاء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مسلم أو مسلمة يموت في يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقي عذاب القبر
[ 161 ]
وفتنة القبر ولقي الله ولا حساب عليه وجاء يوم القيامة ومعه شهود يشهدون له أو طابع وهذا الحديث لطيف صرح فيه بنفي الفتنة والعذاب معا انتهى كلام السيوطي باب ما جاء في تعجيل الجنازة قوله (عن سعيد بن عبد الله الجهني) قال العراقي ليس له في الكتب ولا يعرف في هذا
إلا هذا الحديث ولا يعرف إلا برواية ابن وهب عنه وقال فيه أبو حاتم مجهول وذكره ابن حبان في الثقات كذا في قوت المغتذي قلت وقال الحافظ في التقريب مقبول (عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب) صدوق من السادسة وروايته عن جده مرسلة كذا في التقريب (عن أبيه) أي عمر بن علي بن أبي طالب ثقة من الثالثة مات زمن الوليد وقيل قبل ذلك قال الحافظ قوله (ثلاث) أي من المهمات وهو المسوغ للابتداء والمعنى ثلاثة أشياء (الصلاة) بالرفع أي منها أو إحداها (إذا آنت) أي حانت قال العراقي هو بمد الهمزة بعدها نون ومعناها إذا حضرت هكذا ضبطناه في أصول سماعنا قال ووقع في روايتنا في مسند أحمد إذا أتت بتاء مكررة وبالقصر والأول أظهر كذا في قوت المغتذي (والجنازة إذا حضرت) قال القاري في المرقاة قال الأشرف فيه دليل على أن الصلاة على الجنازة لا تكره في الأوقات المكروهة نقله الطيبي وهو كذلك عندنا أيضا إذا حضرت في تلك الأوقات من الطلوع والغروب والاستواء وأما إذا حضرت قبلها وصلى عليها في تلك الأوقات فمكروهة وأما بعد الصبح وقبله وبعد العصر فلا تنكره مطلقا انتهى (والأيم) بتشديد الياء المكسورة أي المرأة العزبة ولو بكرا قاله القاري يعني التي لا زوج لها (إذا وجدت لها كفؤا) الكفؤ المثل وفي النكاح أن يكون الرجل مثل المرأة في الاسلام والحرية والصلاح والنسب وحسن الكسب والعمل قاله القاري قوله (هذا حديث غريب وما أرى إسناده متصلا) وأخرجه ابن ماجه صفحة 801 والحاكم وابن حبان قال ميرك رجاله
[ 162 ]
ثقات والظاهر أن إسناده متصل قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر هذا الحديث عن جامع الترمذي ما لفظه أخرجه الحاكم في المستدرك في النكاح وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه انتهى إلا أني وجدته قال عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحى عوض سعيد بن عبد الله الجهني فلينظر انتهى باب آخر في فضل التعزية قوله (حدثتنا أم الأسود) الخزاعية ويقال الأسلمية ثقة من السابعة (عن منية) بضم الميم
وبسكون النون بعدها تحتانية (ابنة عبيد) بالتصغير قال الحاففي التقريب لا يعرف حالها من الرابعة قوله (من عزى ثكلى) بفتح المثلثة مقصور المرأة التي فقدت ولدها (كسى) بصيغة المجهول أي ألبس (بردا) أي ثوبا عظيما مكافأة على تعزيتها قال المناوي في شرح الجامع الصغير لا يعزي المرأة الشابة إلا زوجها أو محرمها انتهى قوله (هذا حديث غريب وليس إسناده بالقوي) لأنه فيه منية بنت عبيد وهي مجهولة كما عرفت باب ما جاء في رفع اليدين على الجنازة قوله (حدثنا القاسم بن دينار الكوفي) ثقة من الحادية عشرة (أخبرنا اسماعيل بن أبان الوراق) ثقة تكلم فيه للتشيع (عن يحيى بن يعلى الأسلمي) الكوفي شيعي ضعيف من التاسعة (عن أبي فروة يزيد بن سنان) الرهاوي ضعيف من كبار السابعة (عن زيد بن أبي أنيسة) بالتصغير
[ 163 ]
ثقة قوله (فرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى) فيه دليل لمن قال برفع اليدين في التكبيرة الأولى دون التكبيرات الباقية والحديث ضعيف قوله (هذا حديث غريب) وأعله ابن القطان في كتابه بأبي فروة ونقل تضعيفه عن أحمد والنسائي وابن معين والعقيلي قال وفيه علة أخرى وهو أن يحيى بن يعلى الراوي عن أبي فروة هو وأبو زكريا القطواني الأسلمي هكذا صرح به عند الدارقطني وهو ضعيف قلت قال ابن حبان في أبي فروة كثير الخطأ لا يعجبني الاحتجاج به إذا وافق الثقات فكيف إذا انفرد وثم نقل عن ابن معين أنه قال ليس بشئ كذا في نصب الراية قوله (وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق) واستدل لهم بحديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى على الجنازة رفع يديه في كل تكبيرة وإذا انصرف سلم أخرجه الدارقطني في علله عن عمر بن شيبة حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر فذكره وقال هكذا رفعه عمر بن أبي شيبة خالفه جماعة فرووه عن يزيد بن هارون موقوفا وهو الصواب ولم يرو البخاري في كتابه المفرد في رفع اليدين شيئا في هذا الباب إلا حديثا موقوفا على بن عمر وحديث موقوفا على عمر بن عبد العزيز رضي الله
عنهم كذا في نصب الراية قلت لم أجد حديثا مرفوعا صحيحا في هذا الباب قوله وقال بعض أهل العلم لا يرفع يديه إلا في أول مرة وهو قول الثوري وأهل الكوفة واستدل لهم بحديث الباب وقد عرفت أنه ضعيف واستدل لهم أيضا بحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ثم لا يعود أخرجه الدارقطني في سننه عن الفضل بن السكن حدثنا هشام بن يوسف حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس فذكره وسكت عنه لكن أعله العقيلي في كتابه بالفضل بن السكن وقال إنه مجهول كذا في نصب
[ 164 ]
الراية قلت قال الذهبي في الميزان الفضل بن السكن الكوفي عن هشام بن يوسف لا يعرف وضعه الدارقطني انتهى باب ما جاء أن نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه قوله نفس المؤمن معلقة قال السيوطي أي محبوسة عن مقامها الكريم وقال العراقي أي أمرها موقوف لا حكم لها بنجاة ولا هلاك حتى ينظر هل يقضى ما عليها من الدين أم لا انتهى وسواء ترك الميت وفاء أم لا كما صرح به جمهور أصحابنا وشذ الماوردي فقال إن الحديث محمول على من يخلف وفاء كذا في قوت المغتدي وقال الشوكان في النيل فيه الحث للورثة على قضاء دين الميت والإخبار لهم بأن نفسه معلقة بدينه حتى يقضى عنه وهذا مقيد بمن له مال يقضى منه دينه وأما من لا مال له ومات عازما على القضاء فقد رود في الأحاديث ما يدل على ان الله تعالى يقضي عنه بل ثبت أن مجرد محبة المديون عند موته للقضاء موجبة لتولي الله سبحانه لقضاء دينه وإن كان له مال ولم يقض عنه الورثة أخرج الطبراني عن أبي أمامة مرفوعا من دان بدين في نفسه وفاء ومات تجاوز الله عنه وأرضى غريمة بما شاء ومن دان بدين وليس في نفسه وفاءه ومات اقتص لغريمة منه يوم القيامة وأخرج ايضا من حديث ابن عمر الدين دينان فمن مات
[ 165 ]
وهو ينوي قضاءه فأنا وليه ومن مات ولا ينوي قضاءه فذلك الذي يؤخذ من حسناته ليس يؤمئذ
دينار ولا درهم وأخرج أحمد وأبو نعيم في الحلية والبزار والطبراني بلفظ يدعي بصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله عز وجل فيقول يا ابن آدم فيم أخذت هذا الدين وفيم ضيعت حقوق الناس فيقول يا رب إنك تعلم أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع ولكن أتي على يدي إما حرق وإما سرق وإما وضيعة فيقول الله صدق عبدي وأنا أحق من قضى عنك فيدعو الله بشئ فيضعه في كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته فيدخل الجنة بفضل رحمته هكذا ذكر الشوكاني هذه الأحاديث بغير الإسناد ولم يتكلم عليها بشئ من الصحة والضعف ثم ذكر حديث أبي هريرة مرفوعا من أخذا أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذا يريد اتلافها أتلفه الله أخرجه البخاري ثم ذكر حديث ميمونة ما من مسلم يدان دينا يعلم الله أنه يريد أداءه إلا أدى الله عنه في الدنيا والآخرة قال وأخرج الحاكم بلفظ من تداين بدين في نفسه وفاؤه ثم مات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء ثم قال وقد وقد ورد أيضا ما يدل على أن من مات من المسلمين مديونا فدينه على من إليه ولاية أمور المسلمين يقضيه عنه من بيت مالهم وإن كان له مال كان لورثته أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من انفسهم فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه في حديث آخر من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي وأنا أولى بالمؤمنين قال الشوكني وفي معنى ذلك عدة أحاديث ثبتت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قالها بعد أن كان يمتنع من الصلاة على المديون فلما فتح الله عليه البلاد وكثرت الأموال صلى على من مات مديونا وقضى عنه وذلك مشعر بأن من مات مديونا استحق أن يقضى عنه دينه في بيت مال المسلمين وهو أحد المصارف الثمانية فلا يسقط حقه بالموت ودعوى من ادعي اختصاصه صلى الله عليه وسلم بذلك ساقطة وقياس الدلالة ينفي هذه الدعوى في مثل قوله صلى الله عليه وسلم وأنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه أخرجه أحمد وبن ماجه وسعيد بن منصور والبيهقي وهو في يقولون أن ميراث من لا وارث له مختص برسول اللله صلى الله عليه وسلم وقد أخرج الطبراني من حديث سلمان ما يدل على انتفاء هذه الخصوصية المدعاة
ولفظه من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا فعلي وعلى الولاة من بعدي من بيت المال قوله هذا حديث حسن وأخرجه أحمد وابن ماجه قال الشوكاني رجال إسناده ثقات إلا عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن وهو صدوق يخطئ انتهى
[ 166 ]
أبواب النكاح قال القاري في المرقاة قيل هو مشترك بين الوطء والعقد اشتراطا لفظيا وقيل حقيقة في العقد مجاز في الوطء وقيل بقلبه وعليه مشايخنا انتهى قلت قال الحافظ في الفتح النكاح في اللغة الضم والتداخل وفي الشرع حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الصحيح والحجة في ذلك كثرة وروده في الكتاب والسنة للعقد حتى قيل إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد قال وقيل مقول بالاشترك على كل منهما وبه جزم الزجاجي وهذا الذي يترجح في نظري وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد انتهى أخبرنا حفص بن غياث بكسر الغين المعجمة الكوفي القاضي ثقة فقيه تغير حفظه قليلا في الآخر عن أبي الشمال بن ضباب بكسر المعجمة وموحدتين مجهول كذا في الخلاصة والتقريب وقال في الميزان حدث عنه مكحول بحديث أربع من سنن المرسلين لا يعرف إلا بهذا الحديث قاله أبو زرعة قوله أربع أي أربع خصال من سنن المرسلين أي فعلا وقولا يعنى التي فعلوها وحثوا عليها وفيه تغليب لأن بعضهم كعيسى ما ظهر منه الفعل في بعض الخصال وهو النكاح قاله القاري في المرقاة وقال المناوي في شرح الجامع الصغير المراد أن الأربع من سنن غالب الرسل فنوح لم يختتن وعيسى لم يتزوج انتهى الحياء قال العراقي وقع في روايتنا بفتح الحاء المهملة وبعدها ياء مثناة من تاحت وصحفه بعضهم بكسر الحاء وتشديد النون وقال ابن القيم في الهدى روي في الجامع بالنون والياء أي الحناء والحياء وسمعت أبا الحجاج الحافظ يقول الصواب الختان وسقطت النون من الحاشية كذلك رواه
[ 167 ]
المحاملي عن شيخ الترمذي كذا في قوت المغتذي وأورد الخطيب التبرزي هذا الحديث في
المشكاة نقلا عن الترمذي هكذا أربع من سنن المرسلين الحياء ويروى الختان والتعطر قال القاري في المرقاة قال الطيبي اختصر المظهر كلام التوربشتي وقال في الحياء ثلاث روايات بالحاء المهملة والياء التحتانية يعنى به ما يقتضي الحياء من الدين كستر العورة والتنزه عما تأباه المروءة ويذمه الشرع من الفواحش وغيرها لا الحياء الجبلي نفسه فإنه مشترك بين الناس وإنه خلق غريزي لا يدخل في جملة السنن وثانيها الختان بخاء معجمة وتاء فوقها نقطتان وهي من سنة الأنبياء من لدن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى زمن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وثالثها الحناء بالحاء المهملة والنون المشددة وهذه الرواية غير صحيحة ولعلها تصحيف لأنه يحرم على الرجلا خضاب اليد والرجل تشبها بالنساء وأما خضاب الشعر به فلم يكن قبل نبينا صلى الله عليه وسلم فلا يصح إسناده إلى المرسلين انتهى ما في المرقاة والتعطر أي استعمال العطر وهو الطيب قوله وفي الباب عن عثمان بن عفان رضي الله عنه مرفوعا من كان منكم ذال طول فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لا فالصوم له وجاء وثوبان أخرجه الترمذي والروياني ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعا كذا في التلخيص وابن مسعود أخرجه الجماعة وعن عائشة أخرجه ابن ماجه بلفظ النكاح من سنتي فمن لم يعلم بسنتي فليس مني الحديث وفي إسناده عيسى بن ميمون وهو ضعيف وعبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه النسائي وابن ماجه والبيهقي بلفظ إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة فمن كان فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كان إلى غير لك فقد هلك وجابر أخرج الجماعة بلفظ إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا جابر تزوجت بكرا أم ثيبا قال ثيبا الحديث وأخرج عبد الرزاق في الجامع عن جابر مرفوعا أيما شاب تزوج في حداثة سنه عج شيطانه عصم مني دينه وعكاف قال في القاموس عكاف كشداد بن وداعة الصحابي انتهى وقال الحافظ في تعجيل المنفعة عكاف بن وداعة الهلالي ويقال ابن يسر التيمي أخرج حديثه أبو علي بن السكن والعقيلي في الشعفاء والطبراني في مسند الشاميين من طريق برد بن سنان عن مكحول عن غضيف بن الحارث عن عطية بن بسر المازني عن عكاف بن وداعة الهلالي وأخرج أبو يعلى في مسنده وابن منده في المعرفة
من طريق بقية بن الوليد عن معاوية بن يحيى عن سليمان بن موسى عن مكحول عو غضيف بن الحارث عن عطية بن بسر المازني قال جاء عكاف بن وداعة الهلالي إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال
[ 168 ]
يا عكاف ألك زوجة قال لا قال ولا جارية قال لا قال وأنت صحيح موسر قال نعم الحمد لله قال فأنت إذن من إخوان الشياطين إما أن تكون من رهبان النصارى فأنت منهم وإما أن تكون منا فاصنع كما نصنع فإن من سنتنا النكاح شراركم عزابكم ويحك يا عكاف تزوج الحديث ثم ذكر الحافظ طرقا أخرى ثم قال ولا يخلو طريق من طرقه من ضعف انتهى قوله حديث أبي أيوب حديث حسن غريب في تحسين الترمذي هذا الحديث نظر فإنه قد تفرد به أبو الشمال وقد عرفت أنه مجهول إلا أن يقال إن الترمذي عرفه ولم يكن عنده مجهولا أو يقال إنه حسنة لشواهده فروى نحوه عن غير أبي أيوب قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر حديث أبي أيوب هذا رواه أحمد والترمذي ورواه ابن أبي خيثمة وغيره من حديث مليح بن عبد الله عن أبيه عن جده نحوه ورواه الطبراني من حديث ابن عباس انتهى قوله ونحن شباب على وزن سحاب جمع شاب قال الأزهري لم يجمع فاعل على فعال غيره لا نقدر على شئ أي من المال وفي رواية البخاري لا نجد شيئا يا معشر الشباب المعشر جماعة يشملهم وصف وخصهم بالخطاب لأن الغالب وجود قوة الداعي فيهم إلى النكاح عليكم بالباءة بالهمزة وتاء التأنيث ممدودا قال النووي فيها أربع لغات الفصيحة المشهورة البآءة بالمد والهاء والثانية الباءة بلا مد والثالثة البآء بالمد بلا هاء والرابعة الباهة بهائين بلا مد وأصلها في اللغة الجماع مشتقة من المباءة وهي المنزل ومنه مباءة الإبل وهي مواطنها ثم قيل لعقد النكاح باءة لأن من تزوج امرأة بوأها منزلا قال واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما أن المراد معناه اللغوي وهو الجماع فتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه
[ 169 ]
فعليه الصوم ليدفع شهورته والقول الثاني أن المراد هنا بالباءة مؤن النكاح سميت باسم ما يلازمها والذي حمل القائلين بهذا قوله ومن لم يستطع فعليه بالصوم قالوا والعاجز على الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدع الشهوة فوجب تأويل الباءة على المؤن انتهى كلام النووي ملخصا فإنه أي التزوج إغض للبصر أي أخفض وأدفع لعين المتزوج عن الأجنبية من غض طرفه أي خفضه وكفه وأحصن أي أحفظ للفرج أي عن الوقوع بالحرام فإن الصوم له وجاء بكسر الواو وبالمد أي كسر لشهوته وهو في الأصل رض الخصتين ودقهما لتضعف الفحولة فالمعنى أن الصوم يقطع الشهوة ويدفع شر المني كالوجاء قوله هذا حديث حسن صحيح وأخرجه البخاري ومسلم قوله وروى أبو معاوية والمحاربي عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله الخ أخرج البخاري هذا الحديث في صحيحه بهذا السند وبالسند المتقدم كليهما وإبراهيم هذا هو النخغي والمحاربي هذا هو عبد الحمن بن محمد بن زياد أبو محمد الكوفي لا بأس تنبيه استدل بهذا الحديث بعض المالكية على تحريم الاستمناء لأنه أرشد عند العجز عن التزويج إلى الصوم الذي يقطع الشهوة فلو كان الاستمناء مباحا لكان الارشاد إليه أسهل وتعقب دعوى كونه أسهل لأن الترك أسهل من الفعل وقد أباح الاستمناء طائفة من العلماء وهو عند الحنابلة وبعض الحنفية لأجل تسكين الشهوة كذا في فتح الباري قلت في الاستمناء ضرر عظيم على المستمني بأي وجه كان فالحق أن لاستمناء فعل حرام لا يجوز ارتكابه لغرض تسكين الشهوة ولا لغرض آخومن أباحه لأجل التسكين فقد غفل غفلة شديدة ولم يتأمل فيما فيه من الضرر هذا ما عندي والله تعالى أعلم
[ 170 ]
باب ما جاء في النهي عن التبتل هو في الأصل الانقطاع والمراد به هنا الانقطاع من النساء وترك التزوج قوله رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل أي لم يأذين له حين استأذنه بل نهاه
عنه قال النووي وهذا عند أصحابنا محمول على من تاقت نفسه ووجد مؤنه ولو أذن له لاختصينا أي لجعل كل منا نفسه خصيا كيلا يحتاج إلى النساء قال الطيبي كان الظاهر أن يقول ولو أذن له لتبتلنا ولكنه عدل عن هذا الظاهر إلى قوله لاختصينا لإرادة المبالغة أي لبالغنا في التبتل حتى يفضي بنا الاختصاء ولم يرد به حقيقة الاختصاء لأنه حرام وقيل بل هو على ظاهره وكان ذلك قبل النهي عن الاختصاء ويؤيده توارد استيذان جماعة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كأبي هريرة وابن مسعود وغيرهما كذا في فتح الباري فال النوي وهذا محمول على أنه كانوا يظنون جواز الاختصاء باجتهادهم ولم يكن ظنهم هذا موفقا فإن الاختصاء في الآدمي حرام صغيرا كان أو كبيرا قال البغوي وكذا يحرم خصاء كل حيوان لا يؤكل وأما المأكول فيجوز خصاؤه في صغره ويحرم في كبره انتهى قلت يدل على عم جواز خصاء البهائم مطلقا صغيرة كانت أو كبيرة مأكولة كانت أو غير مأكولة ما أخرجه البزار قال الشوكاني في النيل بإسناد صحيح من حديث ابن عباس إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صبر الروح وعن إخصاء البهائم نهيا شديدا وأخرجه أيضا البيهقي في سننه الكبرى ويؤد هذا الحديث ما رواه أحمد والطحاوي بإسناد ضعيف عن ابن عمر قال نهى رسول الله الله صلى الله عليه وسمل عن إخصاء الخيل والبهائم ثم قال ابن عمر فيها نماء الخلق قال الشوكاني في النيل تحت هذا الحديث فيه دليل على تحريم خصي الحيوانات وقول ابن عمر فيها نماء الخلق أي زيادته إشارة إلى أن الخصي تنمو به الحيوانات ولكن ليس كل ما كان جالبا لنفع يكون حلالا بل لا بد من عدم المانع وإيلام الحيوان ههنا مانع لأنه إيلام لم يأذن به الشارع بل نهى عنه انتهى كلام الشوكان وقد استدل بعض الصحابة والتابعين على عدم جواز إخصاء البهائم بقوله تعالى ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله قال الحافظ ابن كثير في تفسيره ولآمرنهم فليغيرن
[ 171 ]
خلق الله قال ابن عباس يعني بذلك خصي الدواب وكذا روي عن ابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب وعكرمة وأبي عياض وقتادة وأبي صالح والثوري وقد ورد في حديث النهي عن ذلك
انتهى وقيل المراد بتغير خلق الله في هذه الآية تغير دين الله ففي تفسير ابن كثير وقال ابن عباس في رواية عنه ومجاهد وعكرمة وابراهيم النخعي والحسن وقتادة والحكم والسدي والضحاك وعطاء الخراساني ولآمرنهم فليغيرن خلق الله يعني دين الله عز وجل وهذا كقوله تعالى أقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله على قوله من جعل ذلك أمرا أي لا تبدلوا فطرة الله ودعوا الناس إلى فطرتهم انتهى قلت لو تأملت وتدبرت في الآيتين ظهر لك ان المراد بتغيير خلق الله في الآية الولي هو تغيير الصورة وأن المراد بتبديل خلق الله في الآية الثانية هو تبديل دين الله ويدل على أن المراد بتغيير خلق الله في الآية الأول هو تغيير الصورة ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود قال قال لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله الحديث وقد استدل من قال لجواز إخصاء البهائم بما ورد من أن رسول الله ضحى بكبشين موجوئين قال لو كان إخصاء الحيوان المأكول حراما لم ضحى بالكبش الموجوء البتة وفي هذا الاستدلال نظر كما لا يخفي على المتأمل وقد بسطت الكلام في هذه المسألة في رسالتي إرشاد الهائم إلى حكم إخصاء البهائم قوله هذه حديث حسن صحيح وأخرجه الشيخان قوله نهى عن التبتل قال الجزري في النهاية التبتل الانقطاع عن النساء وترك النكاح وامرأة بتول منقطعة عن الرجال لا شهوة لها فيهم وبهسميت مريم أم المسيح عليهما السلام وسميت الفاطمة البتول لانقطاعها عن نساء زمانها فضلا ودينا وحسبا وقيل لانقطاعها عن الدنيا إلى الله تعالى انتهى قوله ولقد أرسلنا رسلا من قبلك الخ يعني أن النكاح من سنة المرسلين فلا ينبغي تركها أصلا وقد استدلت عائشة بهذه الآية على منع التبتل روى النسائي عن سعد بن هشام أنه دخل على أم المؤمنين عائشة قال قلت إني أريد أن أسألك عن التبتل فما ترين فيه قالت
[ 172 ]
قالت فلا تفعل أما سمعت الله عز وجل يقول ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا
وذرية فلا تبتل قوله (وفي الباب عن سعد) بن أبي وقا ص أخرجه الطبراني وفيه أن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة كذا في النيل (وأنس بن مالك) أخرجه أحمد بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديدا ويقول تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة وأخرجه أيضا ابن حبان وصححه وذكره في مجمع الزوائد في موضعين وحسن إسناده في أحدهما كذا في النيل (وعائشة) أخرجه النسائي بلفظ حديث الباب (وابن عباس) أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم والطبراني مرفوعا بلفظ لا صرورة في الاسلام قال الحافظ في التلخيص وهو من رواية عطاء عن عكرمة عنه ولم يقع منسوبا فقال ابن طاهر هو ابن وزار وهو ضعيف لكن في رواية الطبراني ابن أبي الخوار وهو موثق انتهى قوله (حديث سمرة حديث حسن غريب) فيه أن في سماع الحسن عن سمرة خلافا مشهورا قوله (وفي الباب عن سعد) بن أبي وقاص أخرجه الطبراني وفيه أن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة كذا في النيل (وأنس بن مالك) أخرجه أحمد بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهيا شديدا ويقول تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة وأخرجه أيضا ابن حبان وصححه وذكره في مجمع الزوائد في موضعين وحسن إسناده في أحدهما كذا في النيل (وعائشة) أخرجه النسائي بلفظ حديث الباب (وابن عباس) أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم والطبراني مرفوعا بلفظ لا صرورة في الاسلام قال الحافظ في التلخيص وهو من رواية عطاء عن عكرمة عنه ولم يقع منسوبا فقال ابن طاهر هو ابن وزار وهو ضعيف لكن في رواية الطبراني ابن أبي الخوار وهو موثق انتهى قوله (حديث سمرة حديث حسن غريب) فيه أن في سماع الحسن عن سمرة خلافا مشهورا باب ما جاء في من ترضون دينه فزوجوه
قوله (حدثنا عبد الحميد بن سليمان) الخزاعة أبو عمر المدني نزيل بغداد ضعيف من الثامنة (عن ابن وثيمة) بفتح واو وكسمثلثة وسكون ياه اسمه زفر الدمشقي مقبول من الثالثة
[ 173 ]
قوله (إذا خطب إليكم) أي طلب منكم أن تزوجوه امرأة من أولادكم وأقاربكم (من ترضون) أي تستحسنون (دينه) أي ديانته (وخلقه) أي معاشرته (فزوجوه) أي إياها (إلا تفعلوا) أي إن لم تزوجوا من ترضون دينه وخلقه وترغبوا في مجرد الحسب والجمال أو المال (وفساد عريض) أي ذو عرض أي كبير وذلك لأنكم إن لم تزوجوها إلا من ذي مال أو جاه ربما يبقى أكثر نسائكم بلا أزواج وأكثر رجالكم بلا نساء فيكثر الافتتان بالزنا وربما يلحق الأولياء عار فتهيج الفتن والفساد ويترتب عليه قطع النسب وقلة الصلاح والعفة قال الطيبي وفي الحديث دليل لمالك فإنه يقول لا يراعى في الكفاءة إلا الدين وحده ومذهب الجمهور أنه يراعى أربعة أشياء الدين والحرية والنسب والصنعة فلا تزوج المسلمة من كافر ولا الصالحة من فاسق ولا الحرة من عبد ولا المشهورة النسب من الخامل ولا بنت تاجر أو من له حرفة طيبة ممن له حرفة خبيثة أو مكروهة فإن رضيت المرأة أو وليها بغير كفء صح النكاح كذا في المرقاة قوله (وفي الباب عن أبي حاتم المزني) أخرجه الترمذي (وعائشة) أي أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكان ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم تبنى سالما وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة وهو مولى امرأة من الأنصار وأخرجه البخاري والنسائي وأبو داود قوله (مرسلا) أي منقطعا بعدم ذكر ابن وثيمة قوله (ولم يعد حديث عبد الحميد محفوظا) لأنه ضعيف وأما الليث بن سعد ثقة ثبت قوله (وإن كان فيه) أي شئ من قلة المال أو عدم
[ 174 ]
الكفاءة قوله (هذا حديث حسن غريب) في سنده عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف إلا أنه قد تأيد بحديث أبي هريرة المذكور قبله قوله (وأبو حاتم المزني له صحة) وقيل لا صحبة له كذا في التقريب
باب ما جاء أن المرأة تنكح على ثلاث خصال قوله (تنكح) بصيغة المجهول (على دينها) أي لأجل دينها فعلى بمعنى اللام لما في الصحيحين تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها الحديث (فعليك بذات الدين) قال القاضي رحمه الله من عادة الناس أن يرغبوا في النساء ويختاروها حدى الخصال واللائق بذوى المروءات وأرباب الديانات أن يكون الدين مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون لا سيما فيما يدوم أمره ويعظم خطره انتهى وقد وقع في حديث عبد الله بن عمر وعند ابن ماجه والبزار والبيهقي رفعه لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولكن تزوجوهن على الدين ولأمة سوداء ذات دين أفضل (تربت يداك) قال الجزري في النهاية يقال ترب الرجل إذا افتقر أي لصق بالتراب وأترب إذا استغنى وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب ولا وقوع الأمر به قال وكثيرا ترد للعرب ألفاظا ظاهرها الذم وإنما يريدون بها المدح كقولهم لا أب لك ولا أم لك ولا أرض لك ونحو ذلك انتهى قوله (وفي الباب عن عوف بن مالك وعائشة) لينظر من
[ 175 ]
أخرج حديثهما (وعبد الله بن عمرو) أخرجه ابن ماجه وتقدم لفظه وأخرجه أيضا البزار والبيهقي (وأبي سعيد) أخرجه الحاكم وابن حبان بلفظ تنكح المرأة على إحدى ثلاث خصال جمالها ودينها وخلقها فعليك بذات الدين والخلق قوله (حديث جابر حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة قوله (فإنه) أي النظر إليها (أحرى) أي أجدر وأولى والنسب (أن يؤدم بينكما) أي بأن يؤلف ويوفق بينكما قال ابن الملك يقال أدم الله بينكما يأدم أي أدما بالسكون أصلح وألف وكذا ادم في الفائق الأدم والإيدام الاصلاح والتوفيق من أدم الطعام وهو إصلاحه بالإدام وجعله موافقا للطاعم والتقدير يؤدم به فالجار والمجرور أقيم مقام الفاعل ثم حذف أو نزل المتعدي منزلة اللازم أي يوقع الأدم بينكما يعني يكون بينكما الألفة والمحبة لأن تزوجها إذا كان بعد معرفة
فلا يكون بعدها غالبا ندامة وقيل بينكما نائب الفاعل كقوله تعالى (تقطع بينكم) بالرفع كذا في المرقاة قوله (وفي الباب عن محمد بن مسلمة) قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ألقى الله عز وجل في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها أخرجه أحمد وابن ماجه وأخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه وسكت عنه الحافظ في التلخيص (وجابر) قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا خطب أحدكم المرأة فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل أخرجه أحمد وأبو داود (وأنس) أخرجه ابن حبان والدارقطني والحاكم وأبو عوانة وصححوه وهو مثل حديث المغيرة (وأبي حميد) أخرجه أحمد مرفوعا إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة وإن كانت لا تعلم وأخرجه أيضا الطبراني والبزار وأورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه وقال في مجمع الزوائد رجال أحمد رجال الصحيح (وأبي هريرة) قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 176 ]
أنظرت إليها قال لا قال فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا أخرجه مسلم وأحمد والنسائي قوله (هذا حديث حسن) أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والدارمي وابن حبان وصححه قوله (وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث وقالوا لا بأس أن ينظر إليها الخ) قال النووي في شرح مسلم تحت حديث أبي هريرة فيه استحباب النظر إلى ميريد تزوجها وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وجماهير العلماء وحكى القاضي عن قوم كراهته وهذا مخالف لصريح هذا الحديث ومخالف لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة ثم إنه إنما يباح له النظر إلى وجهها وكفيها فقط لأنهما ليسا بعورة ولأنه يستدل بالوجه على الجمال وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمها هذا مذهبنا ومذهب الأكثرين وقال الأوزاعي ينظر إلى مواضع اللحم وقال داود ينظر إلى جميع بدنها وهذا خطأ ظاهر تنابذ لأصول السنة والإجماع ثم مذهبنا ومذهب مالك وأحمد والجمهور أنه لا يشترط في جواز النظر رضاها بل له ذلك في غفلتها ومن غير نقدم إعلام لكن قال مالك أكره نظره في غفلتها مخافة من وقوع نظره على عورة وعن مالك رواية ضعيفة أنه لا ينظر إليها إلا بإذنها
وهذا ضعيف لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن في ذلك مطلقولم يشترط استيذانها ولأنها تستحي غالبا من الإذن انتهى كلام النووي قوله (قال أحرى أن تدوم المحبة بينكما) قال في النهاية أحرى أن يؤدم بينكما المحبة والاتفاق يقال أدم الله بينكما يأدم أدما بالسكون أي ألف ووفق وكذلك آدم يودم بالمد انتهى باب ما جاء في إعلان النكاح قوله (حدثنا هشيم) بالتصغير ابن بشير بوزن عظيم ابن القاسم بن دينار السلمى أبو معاوية الواسطي ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال (أخبرنا أبو بلج) بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها جيم الكوفي ثم الواسطي صدوق ربما أخطأ من الخامسة وهو أبو بلج الكبير (الجمحى) بضم الجيم وفتح الميم وبالحاء المهملة منسوب إلى جمح بن عمرو كذا في المغنى
[ 177 ]
قوله (وفصل ما بين الحلال والحرام) أي فرق ما بينهما (الصوت) قال الجزري في النهاية يريد إعلان النكاح وذلك بالصوت والذكر به في الناس يقال له صوت وصيت انتهى (والدف) بضم الدال وفتحها قال القاري في المرقاة الصوت أي الذكر والتشهير والدف أي ضربه فإنه يتم به الاعلان قال ابن الملك ليس المراد أن لا فرق بين الحلال والحرام في النكاح إلا هذا الأمر فإن الفرق يحصل بحضور الشهود عند العقد بل المراد الترغيب إلى إعلان أمر النكاح بحيث لا يخفى على الأباعد فالسنة إعلان النكاح بضرب الدف وأصوات الحاضرين بالتهنئة أو النغمة في إنشاء الشعر المباح وفي شرح السنة معناه إعلان النكاح واضطراب الصوت به والذكر في الناس كما يقال فلان ذهب صوته في الناس وبعض الناس يذهب به إلى السماع وهذا خطأ يعني السماع المتعارف بين الناس الآن انتهى كلام القاري قلت الظاهر عندي والله تعالى أعلم أن المراد بالصوت ههنا الغناء المباح فإن الغناء المباح بالدف جائز في العرس يدل عليه حديث الربيع بنت معوذ الآتي في هذا الباب وهو حديث صحيح أخرجه البخاري وفيه فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي
يوم بدر قال المهلب في هذا الحديث إعلان النكاح بالدف والغناء المباح انتهى وروى البخاري في صحيحه عن عائشة أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا عائشة ما كان معكم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو قال الحافظ في رواية شريك فقال فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني وأخرج النسائي من طريق عامر بن سعد عن قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاريين قال إنه رخص لنا في اللهو عند العرس الحديث وصححه الحاكم وللطبراني من حديث السائب بن يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل له أترخص في هذا قال نعم إنه نكاح لاسفاح أشيدوا النكاح انتهى قوله (حديث محمد بن حاطب حديث حسن) أخرجه أحمد
[ 178 ]
والنسائي وابن ماجه والحاكم قوله (أعلنوا هذا النكاح) أي بالبينة فالأمر للوجوب أو بالإظهار والاشتهار فالأمر للاستحباب كما في قوله (واجعلوه في المساجد) وهو إما لأنه أدعى للإعلان أو لحصول بركة المكان (واضربوا عليه) أي على النكاح (بالدفوف) لكن خارج المسجد وقال الفقهاء المراد بالدف ما لا جلاجل له كذا ذكره ابن الهمام قال الحافظ واستدل بقوله واضربوا على أن ذلك لا يختص بالنساء لكنه ضعيف والأحاديث القوية فيها الاذن في ذلك للنساء فلا يلتحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن انتهى قلت وكذلك الغناء المباح في العرس مختص بالنساء فلا يجوز للرجال قوله (هذا حديث حسن غريب) كذا في النسخ الحاضرة وأورد هذا الحديث الشيخ ولي الدين في المشكاة وقال رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب ولم يذكر لفظ حسن وكذلك أورد الشوكاني هذا الحديث في النيل وقال قال الترمذي هذا حديث غريب ولم يذكر هو أيضا لفظ حسن فالظاهر أن النسخة التي كانت عند صاحب المشكاة وعند الشوكاني هي الصحيحة ويدل على صحتها تضعيف الترمذي عيسى بن ميمون أحد رواة هذا الحديث وقد صرح الحافظ في الفتح بضعف هذا الحديث والله تعالى أعلم وأخرج ابن ماجه هذا الحديث بلفظ اعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالغربال وفي سنده خالد بن إلياس وهو متروك وأخرجه من حديث عبد الله بن الزبير أحمد وصححه ابن حبان والحاكم بلفظ
أعلنوا النكاح وليس فيه واضربوا عليه بالدفوف قوله (وعيسى بن ميمون الأنصاري يضعف في الحديث) عيسى بن ميمون هذا هو مولى القاسم بن محمد يعرف بالواسطي قال البخاري منكر الحديث وقال ابن حبان يروي أحاديث كلها موضوعات (وعيسى بن ميمون الذي يروي عن أبي نجيح التفسير هو ثقة) قال الحافظ في تهذيب التهذيب عيسى بن ميمون الجرشي المكي أبو موسى المعروف بإبن داية وهو صاحب التفسير وروى عن مجاهد وابن أبي نجيح وعنه السفيانان وغيرهما قال الدوري عن ابن معين ليس به بأس وقال ابن المديني ثقة كان سفيان يقدمه على ورقاء وقال الساجي ثقة ووثقه أيضا الترمذي وأبو أحمد الحاكم والدارقطني وغيرهم
[ 179 ]
انتهى مختصرا قوله (عن الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد الياء المكسورة (بنت معوذ) بكسر الواو المشددة (غداة بني) بصيغة المجهول (بي) وفي رواية الشيخين على أي سلمت وزففت إلى زوجي والبناء الدخول بالزوجة وبين ابن سعد أنها تزوجت حينئذ إياس بن البكير الليثي وأنها ولدت له محمد بن إياس قيل له صحبة (كمجلسك منى) بكسر اللام أي مكانك خطاب لمن يروي الحديث عنها وهو خالد بن ذكوان قال الحافظ في الفتح قال الكرماني هو محمول على أن ذلك كان من وراء حجاب أو كان قبل نزول آية الحجاب أو جاز النظر للحاجة أو عند الأمن من الفتنة انتهى قال الحافظ والأخير هو المعتمد والذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها وهو الجواب الصحيح عن قصة أم حرام بنت ملحان في دخوله عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية انتهى كلام الحافظ واعترض القاري في المرقاة على كلام الحافظ هذا فقال هذا غريب فإن الحديث لا دلالة فيه على كشف وجهها ولا على الخلوة بها بل ينافيها مقام الزفاف وكذا قولها فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف الخ قلت لو ثبت بالأدلة القوية أن من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها لحصل الجواب بلا تكلف ولكان شافيا وكافيا ولكن لم يذكر الحافظ تلك الأدلة ههنا
(وجويريات) بالتصغير قيل المراد بهن بنات الأنصار دون المملوكات (يضربن بدفهن) بضم الدال ويفتح قيل تلك البنات لم تكن بالغات حدالشهوة وكان دفهن غير مصحوب بالجلاجل (ويندبن) بضم الدال من الندبة بضم النون وهي ذكر أوصاف الميت بالثناء عليه وتعديد محاسنه بالكرم والشجاعة ونحوها قوله (من قتل من أبائي يوم بدر) قال الحافظ إن الذي قتل من آبائها إنما قتل بأحد وآباؤها الذين شهدوا بدرا معوذ ومعاذ وعوف واحدهم أبوها واخران عماها أطلقت الأبوة عليهما تغليبا (أسكتي عن هذه) أي عن هذه المقالة وفي رواية البخاري دعى هذه أي اتركي ما يتعلق بمدحى الذي فيه الإطراء المنهي عنه زاد في رواية حماد بن سلمة لا يعلم ما في غد إلا الله فأشار إلى علة المنع (وقولي التي كنت تقولين قبلها) فيه جواز سماع المدح والمرثية مما ليس فيه مبالغة تفضي إلى الغلو قاله الحافظ قال القاري في المرقاة وإنما منع القائلة بقولها وفينا
[ 180 ]
نبي الخ لكراهة نسبة علم الغيب إليه لأنه لا يعلم الغيب إلا الله وإنما يعلم الرسول من الغيب ما أخبره أو لكراهة أن يذكر في أثناء ضرب الدف وأثناء مرثية القتلى لعلو منصبه عن ذلك انتهى قلت المعتمد هو الأول لما ورد به التصريح في رواية حماد بن سلمة كما مر آنفا قوله (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري باب فيما يقال للمتزوج أي من الدعاء قوله (كان إذا رفأ انسان) بفتح الراء وتشديد الفاء مهموز معناه دعا له قاله الحافظ في الفتح وفي القاموس رفأه ترفئة وترفيا قال له بالرفاه والبنين أي بالالتئام وجمع الشمل انتهى وذلك لأن الترفئة في الأصل الالتئام يقال رفأ الثوب لأم خرقه وضم بعضه إلى بعض وكانت هذه ترفئة الجاهلية ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأرشد إلى ما في حديث الباب فروى بقي بن مخلد عن رجل من بني تميم قال كنا نقول في الجاهلية بالرفاه والبنى فلما جاء الاسلام علمنا نبينا قال قولوا بارك الله لكم وبارك فيكم وبارك عليكم وأخرجه النسائي والطبراني عن عقيل بن أبي طالب أنه قدم البصرة فتزوج امرأة فقالوا له بالرفاه والبنين فقال لا
تقولوا هكذا وقولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم بارك لهم وبارك عليهم ورجاله ثقات (قال بارك الله وبارك عليك) وفي رواية غير الترمذي بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير قوله (وفي الباب عن عقيل بن أبي طالب) أنه تزوج امرأة من بني جشم فقالوا بالرفاه والبنين فقال لا تقولوا هكذا ولكن قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم بارك لهم وبارك عليهم أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد بمعناه وفي رواية له لا تقولوا ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن ذلك قولوا بارك الله فيك وبارك لك فيها وأخرجه أيضا أبو يعلى والطبراني وهومن رواية الحسن عن عقيل قال في الفتح ورجاله ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من عقيقوله (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) أخرجه أصحاب السنن وابن حبان والحاكم قاله الحافظ في الفتح
[ 181 ]
باب ما يقول إذا دخل على أهله قوله (إذا أتى أهله) أي جامع امرأته أو جاريته والمعنى إذا أراد أن يجامع فيكون القول قبل الشروع وفي روايته لأبي داود إذا أراد أن يأتي أهله وهي مفسرة لغيرها من الروايات التي تدل بظاهرها على أن القول يكون مع الفعل فهي محمولة على المجاز كقوله تعالى (وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) أي إذا أردت القراءة (جنبنا) أي بعدنا (الشيطان) مفعول ثان (ما رزقتنا) من الولد (لم يضره الشيطان) أي لم يسلط عليه بحيث لا يكون له عمل صالح وإلا فكل مولود يمسه الشيطان إلا مريم وابنها ولا بد له من وسوسة لكن كان ممن ليس له عليهم سلطان قاله في المجمع قلت وقد وقع في رواية لمسلم وأحمد لم يسلط عليه الشيطان وقد وقع في رواية للبخاري لم يضره شيطان أبدا قال الحافظ في الفتح واختلف في الضرر المنفي بعد الاتفاق على عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر على ما نقل القاضي عياض وإن كان ظاهرا في الحمل على عموم الأحوال من صيغة النفي مع التأييد وكان سبب ذلك الاتفاق ما ثبت في الصحيح إن كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد إلا من استثنى فإن هذا الطعن نوع من الضرر ثم اختلفوا فقيل المعنى لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية بل يكون من جملة العباد الذين قيل
فيهم (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) وقيل المراد لم يصرعه وقيل لم يضره في بدنه وقال الداودي معنى لم يضره أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر وليس المراد عصمته منه عن المعصية انتهى كلام الحافظ مختصرا وقد ذكر أقوالا أخر من شاء الاطلاع عليه فليرجع إلى الفتح قوله (هذا حديث حسن صحيح أخرجه الجماعة إلا النسائي كذا في المنتقى
[ 182 ]
باب ما جاء في الأوقات التي يستحب فيها النكاح قوله (بنى بي) أي دخل معي وزف بي قال في النهاية الابتناء والبناء الدخول بالزوجة والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها فيقال بنى الرجل على أهله قال الجوهري ولا يقال بنى بأهله وهذا القول فيه نظر فإنه قد جاء في غير موضع من الحديث وغير الحديث وعاد الجوهري فاستعمله في كتابه انتهى (وبنى بي في شوال) زاد مسلم في روايته فأي نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحظى عنده مني (وكانت عائشة تستحب أيبني بنائها في شوال) ضمير نسائها يرجع إلى عائشة قال النووي فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال وقد نص أصحابنا على استحبابه واستدلوا بهذا الحديث وقصدت عائشة بهذا الكلام رد ما كانت الجاهلية عليه وما يتخيله بعض العوام اليوم من كراهة التزوج والتزويج والدخول في شوال وهذا باطل لا أصل له وهو من آثار الجاهلية كانوا يتطيرون بذلك لما في اسم شوال من الاشالة والرفع انتهى وقال القاري قيل إنما قالت هذا ردا على أهل الجاهلية فإنهم كانوا لا يرون يمنا في التزوج والعرس في أشهر الحج انتهى قوله (هذا حديث حسن) ورواه أحمد ومسلم والنسائي باب ما جاء في الوليمة قال العلماء من أهل اللغة والفقهاء وغيرهم الوليمة الطعام المتخذ للعرس مشتقة من الولم وهو الجمع لأن الزوجين يجتمعان قاله الأزهري وغيره وقال الأنباري أصلها تمام الشئ واجتماعه والفعل منها أو لم قاله النووي واعلم أن العلماء ذكروا أن الضيافات ثمانية أنواع الوليمة
[ 183 ]
للعرس والخرس بضم الخاء المعجمة ويقال بالصاد المهملة أيضا للولادة والأعذار بكسر الهمزة وبالعين المهملة والذال المعجمة للختان والوكيرة للبناء والنقيعة لقدوم المسافر مأخوذة من النقع وهو الغبار ثم قيل إن المسافر يصنع الطعام وقيل يصنعه غيره له والعقيقة يوم سابع الولادة والوضيمة بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة الطعام عند المصيبة والمأدبة بضم الدال وفتحها الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب والوضيمة من هذه الأنواع الثمانية ليست بجائرة بل هي حرام وقال الحافظ في الفتح وقد فاتهم ذكر الحذاق بكسر المهملة وتخفيف الذال المعجمة وآخره قاف الطعام الذي يتخذ عند حذق الصبي ذكره ابن الصباغ في الشامل وقال ابن الرفعة هو الذ يصنع عند الختم أي ختم القرآن كذا قيده ويحتمل ختم قدر مقصود منه ويحتمل أن يطرد ذلك في حذقه لكل صناعة قال وروى أبو الشيخ والطبراني في الأواسط عن أبي هرير رفعه الوليمة حق وسنة الحديث وفي آخره قال والخرس والاعذار والتوكير أنت في بالخيار وفيه تفسير ذلك وظاهر سياقه الرفع ويحتمل الوقف وفي مسند أحمد من حديث عثمان بن أبي العاص في وليمة الختان لم يكن يدعى لها انتهى قوله (رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة) قال النووي وفي رواية ردع من زعفران براء ودال وعين مهملات هو أثر الطيب والصحيح في معنى هذا الحديث أنه تعلق به أثر من الزعفران وغيره من طيب العروس ولم يقصده ولا تعمد التزعفر فقد ثبت في الصحيح النهي عن التزعفر للرجال وكذا نهى الرجال عن الخلوق لأنه شعار النساء وقد نهى الرجال عن التشبه بالنساء فهذا هو الصحيح في معنى الحديث وهو الذي اختاره القاضي والمحققون قال القاضي وقيل إنه يرخص في ذلك الرجل العروس وقد جاء ذلك في أثر ذكره أبو عبيد أنهم كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه قال وقيل لعلي كان يسيرا فلم ينكر انتهى كلام النووي (على وزن نواة من ذهب) قال الخطابي النواة اسم لقدر معروف عندهم فسروها بخمسة دراهم من ذهب قال القاضي كذا فسرها أكثر العلماء (أولم ولو بشاة) قال الحافظ ليست لو هذه
الامتناعية إنما هي التي للتقليل ووقع في حديث أبي هريرة بعد قوله أعرست قال نعم قال أولمت قال لا فرمى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنواة من ذهب فقال أولم ولو بشاة وهذا لو صح كان فيه أن الشاة من إعانة النبي صلى الله عليه وسلم وكان يعكر على من استدل به على أن الشاة أقل ما يشرع للموسر ولكن الإسناد ضعيف قال ولولا ثبوت أنه صلى الله عليه وسلم أولم على بعض نسائه بأقل من الشاة
[ 184 ]
لكان يمكن أن يستدل به على أن الشاة أقل ما تجزئ في الوليمة ومع ذلك فلا بد من تقييده بالقادر عليها قال عياض وأجمعوا على أن لا حد لأكثرها وأما أقلها فكذلك ومهما تيسر أجزأ والمستحب أنها على قدر حال الزوج وقد تيسر على الموسر الشاة فما فوقها انتهى وقد استدل بقوله أولم ولو بشاة على وجوب الوليمة لأن الأصل في الأمر الوجوب وروى أحمد من حديث بريدة قال لما خطب على فاطمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لا بد للعروس من وليمة قال الحافظ سنده لا بأس به وهذا الحديث قد استدل به على وجوب الوليمة وقال به بعض أهل العلم وأما قول ابن بطال لا أعلم أحدا أوجبها ففيه أنه نفى علمه وذلك لا ينافي ثبوت الخلاف في الوجوب وقد وقع في حديث وحشي بن حرب عند الطبراني مرفوعا الوليمة حق وكذا وقع في أحاديث أخرى قال ابن بطال قوله حق أي ليس بباطل بل يندب إليها وهي سنة فضيل وليس المرا بالحق الوجوب وأيضا هو طعام لسرور حادث فأشبه سائر الأطعمة والأمر محمول على الاستحباب ولكونه أمر بشاة وهي غير واجبة اتفاقا قوله (وفي الباب عن ابن مسعود وعائشة وجابر وزهير بن عثمان) أما حديث ابن مسعود فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث عائشة فلينظر من أخرجه وأما حديث جابر فأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه عنه مرفوع إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاة ترك وأما حديث زهير بن عثمان فأخرجه أبو داود والنسائي ولفظ أبو داود الوليمة أول يوم حق والثاني معروف واليوم الثالث سمعة ورياء قال المنذري في تلخيصه قال أبو القاسم البغوي ولا أعلم لزهير بن عثمان غير هذا وقال أبو عمر النمري في إسناده نظر يقال إنه مرسل وليس
له غيره وذكر البخاري هذا الحديث في تاريخه الكبير في ترجمة زهير بن عثمان وقال ولا يصح إسناده ولا نعرف له صحبة وقال ابن عمر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعى أحدكم إلى وليمة فليجب ولم يخص ثلاثة أيام ولا غيرها وهذا أصح وقال ابن سيرين عن أبيه لما بنى بأهله أولم سبعة أيام ودعى في ذلك أبي بن كعب فأجابه انتهى قال الحافظ في الفتح وقد وجدنا الحديث زهير بن عثمان شواهد فذكرها ثم قال وهذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو عن مقال فمجموعها يدل على أن للحديث أصلا انتهى كلام الحافظ قوله (حديث أنس حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم قوله (وقال أحمد بن حنبل وزن نواة من ذهب وزن ثلاثة دراهم وثلث) قال الحافظ وقع في رواية حجاج بن أرطاة عن قتادة عند
[ 185 ]
البيهقي قومت ثلاثة دراهم وثلثا وإسناده ضعيف ولكن جزم به أحمد انتهى (وقال إسحاق هو وزن خمسة دراهم) قال الحافظ واختلف في المراد بقوله نواة فقيل المراد واحدة نوى التمر كما يوزن بنوى الخروب وإن القيمة عنها كانت يومئذ خمسة دراهم وقيل لفظ النواة من ذهب عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورق وجزم به الخطابي واختاره الأزهري ونقله عياض عن أكثر العلماء ويؤيده أن في رواية البيهقي من طريق سعيد بن بشر عن قتادة وزن نواة من ذهب قومت خمسة دراهم انتهى كلام الحافظ مختصرا وذكر فيه أقوالا أخرى قوله (عن وائل بن داود) التيمي الكوفي والد بكر ثقة من السادسة (عن ابنه نوف) بفتح النون وسكون الواو وفي رواية أبي داود عن ابنه بكر بن وائل وليس في التقريب ولا في الخلاصة ولا في تهذيب التهذيب ذكر نوف بن وائل فلينظر وأما بكر بن وائل بن داود فصدوق روى عن الزهري وغيره وروى عنه أبوه وائل بن داود وغيره (أولم على صفية بنت حي بسويق وتمر) وفي رواية الصحيحين أولم عليها بحيس قال القاري في المرقاة جمع بينهما بأنه كان في الوليمة كلاهما فاخر كل راو بما كان عنده انتهى قلت وقع في رواية للبخاري أنه أمر بالإنطاع فألقى فيها من التمر والأقط والسمن فكانت وليمته قال الحافظ في الفتح ولا مخالفة بينهما يعنى بين هذه الرواية وبين الرواية التي فيها ذكر الحيس لأن هذه من أجزاء الحيس قال أهل اللغة الحيس يؤخذ التمر فينزع نواه ويخلط
بالأقط أو الدقيق أو السويق انتهى ولو جعل فيه السمن لم يخرج عن كونه حيسا انتهى كلام الحافظ قلت السمن أيضا من أجزاء الحيس قال في القاموس الحيس الخلط وتمر يخلط بسمن وأقط فيعجن شديدا ثم يندر منه نواه وربما جعل فيه سويق انتهى قوله (حديث حسن غريب) ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وسكت عنه أبو داود والمنذري قوله (وكان سفيان بن
[ 186 ]
عيينة يدلس في هذا الحديث) أعلم أن سفيان بن عيينة لم يكن يدلس إلا عن ثقة كما صرح به الحافظ في طبقات المدلسين قوله (أخبرنا زياد بن عبد الله) بن الطفيل العامري البكائي بفتح المهملة وتشديد الكاف أبو محمد الكوفي صدوق ثبت في المغازي وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين من الثامنة قاله الحافظ (عن أبي عبد الرحمن) السلمي الكوفي المقري اسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة ثقة ثبت من الثانية (طعام أول يوم حق) أي ثابت ولازم فعله وإجابته أو واجب وهذا عند من ذهب إلى أن الوليمة واجبة أو سنة مؤكدة فإنها في معنى الواجب حيث يسئ بتركها ويترتب عتاب وإن لم يجب عقاب قالت القاري قلت هذا الحديث من متمسكات من قال بالوجوب كما تقدم (وطعام يوم الثاني سنة) وروى أبو داود هذا الحديث عن رجل أعود من ثقيف بلفظ الوليمة أول يوم حق والثاني معروف الخ أي ليس بمنكر (وطعام يوم الثالث سمعة) بضم السين أي سمعة ورياء ليسمع الناس ويرائيهم وفي رواية أبي داود سمعة ورياء (ومن سمع سمع الله به) بتشديد الميم فيهما أي من شهر نفسه بكرم أو غيره فخرا أو رياء شهره الله يوم القيامة بين أهل العرصات بأنه مراء كذاب بأن أعلم الله الناس بريائه وسمعته وقرع باب أسماع خلقه فيفتضح بين الناس قال الطيبي إذا أحدث الله تعالى لعبد نعمة حق له أن يحدث شكرا واستحب ذلك في الثاني جبرا لما يقع من النقصان في اليوم الأول فإن السنة مكملة للواجب وأما اليوم الثالث فليس إلا رياء وسمعة والمدعو يجب عليه الإجابة في الأول ويستحب في الثاني ويكره بل يحرم في الثالث انتهى قال القاري وفيه رد صريح على أصحاب مالك حيث قالوا باستحباب سبعة أيام لذلك انتهى قلت لعلهم تمسكوا بما أخرجه ابن
أبي شيبة من طريق حفصة بنت سيرين قالت لما تزوج أبي دعا الصحابة سبعة أيام فلما كان يوم الأنصار دعا أبي بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهما فكان أبي صائما فلما طعموا دعا أبي وأثنى وأخرجه البيهقي من وجه آخر أتم سياقا منه وأخرجه عبد الرزاق إلى حفصة فيه ثمانية أيام ذكره الحافظ في الفتح وقد جنح الإمام البخاري في صحيحه إلى جواز الوليمة سبعة أيام حيث
[ 187 ]
قال باب حق إجابة الوليمة والدعوة ومن أول بسبعة أيام ونحوه ولم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم يوما ولا يومين انتهى وأشار بهذا إلى ضعف حديث الباب ولكن ذكر الحافظ في الفتح شواهد لهذا الحديث وقال بعد ذكرها هذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو عن مقال فمجموعها يدل على أن للحديث أصلا قال وقد عمل به يعني بحديث الباب الشافعية والحنابلة قال وإلى ما جنح إليه البخاري ذهب المالكية قال عياض استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعا قال وقال بعضهم محله إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله ولم يكرر عليهم وإذا حملنا الأمر في كراهة الثالث على ما إذا كان هناك رياء وسمعة ومباهاة كان الرابع وما بعده كذلك فيمكن حمل ما وقع من السلف من الزيادة على اليومين عندالأمن من ذلك وإنما أطلق ذلك على الثالث لكونه الغالب انتهى كلام الحافظ مختصرا قوله (حديث ابن مسعود لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث زيادة بن عبد الله) وقال الدارقطني به زياد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمى عنه قال الحافظ وزياد مختلف في الاحتجاج به ومع ذلك فسماعه عن عطاء بعد الاختلاط (وزياد بن عبد الله كثير الغرائب والمناكير) قال الحافظ في الفتح وشيخه فيه عطاء بن السائب وسماع زياد منه بعد اختلاطه فهذه علته انتهى وقد عرفت أن لحديثه شواهد يدل مجموعها أن للحديث أصلا (قال وكيع زياد بن عبد الله مع شرفه يكذب في الحديث) قال الحافظ في التقريب لم يثبت أن وكيعا كذبه وله في البخاري موضع واحد متابعة انتهى وحديث الباب أخرجه أبو داود من حديث رجل من ثقيف قال قتادة إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان فلا أدري ما اسمه وإسناده ليس بصحيح كما صرح به البخاري في تاريخه الكبير وأخرجه ابن ماجه من
حديث أبي هريرة وفي إسناده عبد الملك بن حسين النخعي الواسطي قال الحافظ ضعيف وفي الباب عن أنس عند البيهقي وفي إسناده بكر بن خنيس وهو ضعيف وذكره ابن أبي حاتم والدارقطني في العلل من حديث الحسن عن أنس ورجحا رواية من أرسله عن الحسن وفي الباب أيضا عن وحشي بن حرب عند الطبراني بإسناد ضعيف وعن ابن عباس عنده أيضا بإسناد كذلك
[ 188 ]
باب في إجابة الداعي قوله (إئتوا الدعوة إذا دعيتم) قال النووي دعوه الطعام بفتح الدال ودعوة النسب بكسرها هذا قول جمهور العرب وعكسه تيم الرباب فقالوا الطعام بالكسر والنسب بالفتح وأما قول قطرب في المثلث أن دعوة الطعام بالضم فغلطوه فيه والحديث دليل على أنه يجب الإجابة إلى كل دعوة من عرس وغيره وقد أخذ بظاهر هذا الحديث بعض الشافعية فقال بوجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقا عرسا كان أو غيره بشرطه ونقله ابن عبد البر عن عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين ويعكر عليه ما روى عن عثمان بن أبي العاص وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة الختان لم يكن يدعى لها لكن يمكن الانفصال عنه بأن ذلك لا يمنع القول بالوجوب لودعو وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه دعا لطعام فقال رجل من القوم أعفني فقال ابن عمر إنه لا عافية لك من هذا فقم وأخرج الشافعي وعبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عباس أن ابن صفوان دعاه فقال إني مشغول وإن لم تعفني جئته وجزم بعدم الوجوب في غيره وليمة النكاح المالكية والحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية وبالغ السرخسي منهم فنقل فيه الإجماع ولفظ الشافعي إتيان دعوة الوليمة حق والوليمة التي تعرف وليمة العرس وكل دعوة دعى إليها رجل وليمة فلا أرخص لأحد في تركها ولو تركها لم يتبين لي أنه عاص في تركها كما تبين لي في وليمة العرس قاله الحافظ وقال في شرح حديث أبي هريرة الذي أشار إليه الترمذي في هذا
الباب وذكرنا لفظه ما لفظه والذي يظهر أن اللام في الدعوة للعهد من الوليمة المذكورة أولا وقد تقدم أن الوليمة إذا أطلقت حملت على طعام العرس بخلاف سائر الولائم فإنها تقيد انتهى قلت قال الشوكاني في النيل بعد ذكر كلام الحافظ هذا ما لفظه ويجاب أولا بأن هذا مصادرة على المطلوب لأن الوليمة المطلقة هي محل النزاع وثانيا بأن في أحاديث الباب ما يشعر بالإجابة إلى كل دعوة ولا يمكن فيه ما أدعاه في الدعوة وذلك نحو ما في رواية ابن عمر بلفظ من دعى فلم يجب فقد عصى الله وكذلك قوله من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب ثم قال
[ 189 ]
الشوكاني لكن الحق ما ذهب إليه الأولون يعني بهم الذين قالوا بوجوب الإجابة إلى كل دعوة قلت الظاهر هو ما قال الشوكاني والله تعالى أعلم فائدة قال الحافظ في الفتح بعدأن حكى وجوب الإجابة إلى الوليمة وشرط وجوبها أن يكون الداعي مكلفا حرا رشيدا وأن لا يخص الأغنياء دون الفقراء وأن لا يظهر قصد التودد لشخص بعينه لرغبة فيه أو رهبة منه وأن يكون الداعي مسلما على الأصح وأن يختص باليوم الأول على المشهور وأن لا يسبق فمن سبق تعينت الإجابة له دون الثاني وإن جاءا معا قدم الأقرب رحما على الأقرب جوارا على الأصح فإن استويا أقرع وأن لا يكون هناك من يتأذى بحضوره قوله (وفي الباب عن علي) لينظر من أخرجه (وأبي هريرة) قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن ترك الدعوة فقد عصى الله رسوله أخرجه البخاري ومسلم (والبراء أخرجه البخاري (وأنس) أخرجه أحمد عنه أن يهوديا دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى خبز شعير وإهاله سنخة فأجابه كذا في عمدة القاري (وأبي أيوب) لم اقف على حديثه قوله (حديث ابن عمر حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم باب ما جاء فيمن يجئ إلى الوليمة من غير دعوة قوله (إلى غلام له لحام) بتشديد الخاء أي بائع اللحم كتمار وهو مبالغة لاحم فاعل
للنسبة كلابن وتامر قاله القاري قلتوقع في رواية للبخاري لفظ قصاب والقصاب هو
[ 190 ]
الجزار قال الحافظ وفيه جواز الاكتساب بصنعة الجزارة انتهى (فإن أذنت له دخل قال فقد أذنا له) فيه أنه لا يجوز لأحد أن يدخل في ضيافة قوم بغير إذن أهلها ولا يجوز للضيف أن يأذن لأحد في الإتيان معه إلا بأمر صريح أو إذن عام أو علم برضاه قال الحافظ في الفتح وفيه أن المدعو لا يمتنع من الإجابة إذا امتنع الداعي من الإذن لبعض من صحبه وأما ما أخرجه مسلم من حديث أنس أن فارسيا كان طيب المرق صنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما ثم دعاه فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهذه لعائشة فقال لا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا فيجاب عنه بأن الدعوة لم تكن لوليمة وإنما صنع الفارسي طعاما بقدر ما يكفي الواحد فخشي إن أذن لعائشة أن لا يكفي النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون الفرق أن عائشة كانت حاضرة عند الدعوة بخلاف الرجل وأيضا فالمستحب للداعي أن يدعو خواص المدعو معه كما فعل اللحام بخلاف الفارسي فلذلك امتنع من الإجابة إلا أن يدعوها أو علم حاجة عائشة لذلك الطعام بعينه أو أحب أن تأكل معه منه لأنه كان موصوفا بالجودة ولم يعلم مثله في قصة اللحام وأما قصة أبي طلحة حيث دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى العصيدة فقال لمن معه قوموا فأجاب عنه المازري أنه يحتمل أن يكون علم رضا أبي طلحة فلم يستأذنه ولم يعلم رضا أبي شعيب فاستأذنه ولأن الذي أكله القوم عند أبي طلحة كان مما خرق الله فيه العادة لنبيه صلى الله عليه وسلم فكان جل ما أكلوه من البركة التي لا صنيع لأبي طلحة فيها فلم يفتقر إلى استيذانه انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم قوله (وفي الباب عن ابن عمر) أخرجه أبو داود مرفوعا من دعى فلم يجب فقد عصى الله ورسوله ومن دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا وهو حديث ضعيف كما صرح به الحافظ في الفتح باب ما جاء في تزويج الأبكار جمع بكر وهي التي لم توطأ واستمرت على حالتها الأولى قوله (هلا جارية) أي بكرا (تلاعبها وتلاعبك) فيه أن تزوج البكر أولى وأن الملاعبة مع الزوج مندوب إليها قال الطيبي
[ 191 ]
وهو عبارة عن الألفة التامة فإن الثيب قد تكون معلقة القلب بالزوج الأول فلم تكن محبتها كاملة بخلاف البكر وعليه ما ورد عليكم بالأبكار فإنهن أشد حبا وأقل خبا (فجئت بمن يقوم عليهن) وفي رواية للبخاري كن لي تسع أخوات فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن ولكن امرأة تقوم عليهن وتمشطهن قال أصبت (فدعا لي) وفي رواية للبخاري قال فبارك الله لك وفي الحديث دليل على استحباب نكاح الأبكار إلا لمقتض لنكاح الثيب كما وقع لجابر قوله (وفي الباب عن أبي بن كعب) لم أقف على حديثه (وكعب بن عجرة) أخرجه الطبراني بنحو حديث جابر وفيه تعضها وتعضك وفي الباب أيضا عن عويم بن ساعدة في ابن ماجة والبيهقي بلفظ عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأنتق أرحاما وأرضى باليسير وعن ابن عمر نحوه وزاد وأسحن أقبالا رواه أبو نعيم في الطب وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف كذا في التلخيص قوله (حديث جابر حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه باب ما جاء لا نكاح إلا بولي قوله (عن أبي إسحاق) هو السبيعي (عن أبي بردة) بن موسى الأشعري روى عن أبيه وجماعة وروى عنه أبو إسحاق السبيعي وجماعة قيل اسمه عامر وقيل الحارث ثقة من الثانية (لا نكاح إلا بولي) قال السيوطي حمله الجمهور على نفي الصحة وأبو حنيفة على نفي الكمال انتهى قلت الراجح أنه محمول على نفي الصحة بل هو المتعين كما يدل عليه حديث عائشة الآتي
[ 192 ]
وغيره قوله (وفي الباب عن عائشة) مرفوعا بلفظ أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وصححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم كذا في فتح الباري (وابن عباس) مرفوعا بلفظ لا نكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له أخرجه الطبراني وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وفيه مقال وأخرجه سفيان في جامعه ومن
طريقه الطبراني في الأوسط بإسناد آخر حسن عن ابن عباس بلفظ لا نكاح إلا بولي مرشد أو سلطان كذا في فتح الباري (وأبي هريرة) قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها أخرجه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي قال ابن كثير الصحيح وقفه على أبي هريرة وقال الحافظ رجاله ثقات كذا في النيل (وعمران بن حصين) مرفوعا بلفظ لا نكاج إلا بولي وشاهدي عدل أخرجه أحمد والدارقطني والطبراني والبيهقي من حديث الحسن عنه وفي إسناده عبد الله بن محرر وهو متروك ورواه الشافعي من وجه آخر عن الحسن مرسلا وقال هذا وإن كان منقطعا فإن أكثر أهل العلم يقولون به كذا في التلخيص (وأنس) أخرجه ابن عدى كذا في شرح سراج أحمد قوله (عن سليمان) هو ابن موسى الأموي مولاهم الدمشقي الأشدق صدوق فقيه في حديثه بعض لين خولط قبل موته بقليل كذا في التقريب وقال في الخلاصة وثقه رحيم وابن معين وقال ابن عدى تفرد بأحاديث وهو عندي ثبت صدوق وقال النسائي ليس بالقوى قال أبو حاتم محله الصدق في حديثه بعض الاضطراب قال ابن سعد مات سنة تسع عشرة ومائة انتهى قوله (أيما امرأة نكحت) أي نفسها وأيما من ألفاظ العموم في سلب الولاية عنهن من غير تخصيص ببعض دون بعض أي أيما امرأة زوجت نفسها (فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل) كرر ثلاث مرات للتأكيد والمبالغة (بما استحل) أي استمتع (فإن اشتجروا) أي الأولياء أي اختلفوا وتنازعوا اختلافا للعضل كانوا كالمعدومين قاله القاري وفي مجمع البحار التشاجر الخصومة والمراد المنع من العقد دون المشاحة في السبق إلى العقد فأما إذا تشاجروا في العقد ومراتبهم في الولاية سواء فالعقد لمن سبق إليه منهم إذا كان ذلك نظرا منه في مصلحتها انتهى (فالسلطان ولي من لا ولي له)
[ 193 ]
لأن الولي إذا امتنع من التزويج فكأنه لا ولي لها فيكون السلطان وليها وإلا فلا ولاية للسلطان مع وجود الولي قوله (هذا حديث حسن) وصححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم كما عرفت من كلام الحافظ وقال الحافظ في بلوغ المرام أخرجه الأربعة إلا النسائي وصححه أبو
عوانة وابن حبان والحاكم انتهى وقال في التلخيص وقد تكلم فيه بعضهم من جهة أن ابن جريج قال ثم لقيت الزهري فسألته عنه فأنكره قال فضعف الحديث من أجل هذا لكن ذكر عن يحي بن معين أنه قال لم يذكر هذا عن ابن جريج غير ابن علية وضعف يحي رواية ابن علية عن ابن جريج انتهى وحكاية ابن جريج هذه وصلها الطحاوي عن ابن أبي عمران عن يحي بن معين عن ابن علية عن ابن جريج ورواه الحاكم من طريق عبد الرزا عن ابن جريج سمعت سليمان سمعت الزهري وعد أبو القاسم بن مندة عدة من رواه عن ابن جريج فبلغوا عشرين رجلا وذكر أن معمرا وعبيد الله بن زحر تابعا ابن جريج على روايته إياه عن سليمان بن موسى وأن قرة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق وأيوب بن موسى وهشام بن سعد وجماعة تابعو سليمان بن موسى عن الزهري قال ورواه أبو مالك الجنبي ونوح ابن دراج ومندل وجعفر بن برقان وجماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ورواه الحاكم من طريق أحمد عن ابن علية عن ابن جريج وقال في آخره قال ابن جريج فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه وسألته عن سليمان بن موسى فأثنى عليه قال وقال ابن معين سماع ابن علية من ابن جريج ليس بذاك قال وليس أحد يقول فيه هذه الزيادة غير ابن علية وأعل ابن حبان وابن عدى وابن عبد البر والحاكم وغيرهم الحكاية عن ابن جريج وأجابوا عنها على تقدير الصحة بأنه لا يلزم من نسيان الزهري له أن يكون سليمان بن موسى وهم فيه وقد تكلم عليه أيضا الدارقطني في جزء من حدث ونسي والخطيب بعده وأطال في الكلام عليه البيهقي في السنن وفي الخلافيات وابن الجوزي في التحقيق وأطال الماوردي في الحلوى في ذكر مادل عليه هذا الحديث من الأحكام نصا واستنباطا فأفاد انتهى فإن قلت إن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تجيز النكاح بغير ولي كما روى مالك أنها زوجت بنت عبد الرحمن أخيها وهو غائب فلما قدم قال أمثلي يفتات عليه في بناية فهذا يدل على ضعف حديث عائشة المذكور فإنه يدل على اشتراط الولي قلت قال الحافظ لم يردفي الخبر التصريح بأنها باشرت العقد فقد يحتمل أن تكون البنت المذكورة ثيبا ودعت إلى كفء وأبوها
[ 194 ]
غائب فانتقلت الولاية إلى الولي الأبعد أو إلى السلطان وقد صح عن عائشة أنها أنكحت رجلا من بني أخيها فضربت بينهم بشر ثم تكلمت حتى إذا لم يبق إلا العقد أمرت رجلا فأنكح ثم قالت ليس إلى النساء نكاح أخرجه عبد الرزاق كذا في فتح الباري قوله (رواه إسرائيل وشريك بن عبد الله الخ) هذا بيان الاختلاف الذي وقع في إسناد حديث أبي موسى وقد رجح ا لترمذي رواية اسرائيل وشريك وغيرهما الذين رووا الحديث مسندا متصلا على رواية شعبة والثوري المرسلة لأجل أن سماعهم من أبي إسحاق في مجالس وأوقات مختلفة وسماعهم منه في مجلس واحد قوله (وإسرائيل هو ثبت في أبي إسحاق الخ) قال الحافظ في فتح الباري وأخرج ابن عدي عن عبد الرحمن بن مهدي قال إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة وسفيان وأسند الحاكم من طريق علي ابن المديني ومن طريق البخاري والذهلي وغيرهم أنهم صححوا
[ 195 ]
حديث إسرائيل قوله (وروى الحجاج بن أرطاة وجعفر بن ربيعة عن الزهري عن عروة عن عائشة) فتابع الحجاج وجعفر سليمان بن موسى في روايته هذا الحديث عن الزهري ولم يتفرد به (قال ابن جريج ثم لقيت الزهري فسألته فأنكره) أي قال ابن جريج في اخر الحديث (فضعفوا هذا الحديث من أجل هذا) وقد تقدم الجواب عن هذا فتذكر (لم يذكر هذا الحرف) أي ثم لقيت الزهري فسألته فأنكره (إلا إسماعيل بن إبراهيم) وهو المعروف بابن علية ثقة حافظ
[ 196 ]
(إنما صحح كتبه على كتب عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد) بفتح الراء وتشديد الواو الأزدي أبي عبد الحميد المكي (روى) عن ابن جريج فأكثر قال أحمد ويحي ثقة يغلو في الإرجاء وقال الدارقطني يعتبر به ولا يحتج به كذا في الخلاصة وقال في التقريب صندوق يخطئ أفرط ابن حبان فقال متروك (ما سمع من ابن جريج) أي لم يسمع إسماعيل من ابن جريج
قوله (والعمل في هذا الباب على حديث النبي صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي عند أهل العلم الخ) قد اختلف العلما في اشتراط الولي في النكاح فذهب الجمهور إلى ذلك وقالوا لا تزوج المرأة نفسها أصلا واحتجوا بأحاديث الباب وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يشترط الولي أصلا ويجوز أن تزوج نفسها ولو بغير إذن وليها إذا تزوجت كفئا واحتج بالقياس على البيع فإنها تستقل به وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي على الصغيرة وخص بهذا القياس عمومها وهو عمل سائغ في الأصول وهو جواز تخصيص العموم بالقياس لكن حديث معقل يدفع (1) هذا القياس ويدل على اشتراط الولي في النكاح دون غيره ليندفع عن موليته العار باختيار الكفء وانفصل بعضهم عن هذا الإيراد بالتزامهم اشتراط الولي ولكن لا يمنع ذلك تزويج نفسها ويتوقف ذلك على إجازة الولي كما قالوا في البيع وهو مذهب الأوزاعي وقال أبو ثور نحوه لكن قال يشترك إذن الولي لها في تزويج نفسها وتعقب بأن إذن الولي لا يصح إلا لمن ينوب عنه والمرأة لا تنوب عنه في ذلك لأن الحق لها ولو أذن لها في إنكاح نفسها صارت كمن أذن لها في البيع من نفسها ولا يصح كذا في فتح الباري قلت أراد بحديث معقل ما رواه البخاري في صحيحه عن الحسن فلا تعضلوهن قال حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه
[ 197 ]
قال زوجت أختا لي من رجل وطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له زوجتك وفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها لا والله لا تعود إليك أبدا وكان رجلا لا بأس به وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل الله هذه الأية فلا تعضلوهن فقلت الآن أفعل يا رسول الله فزوجها إياه قال الحافظ في الفتح وهي أصرح دليل على اعتبار الولي وإلا لما كان لعضله معنى ولأنها لو كان لها أن تزوج ونفسها لم تحتج إلى أخيها ومن كان أمره إليه لا يقال إن غيره منعه منه قال وذكر ابن مندة أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك انتهى قلت القول القوي الراجح هو قول الجمهور والله تعالى أعلم باب ما جاء لا نكاح إلا ببينة
قوله (حدثنا يوسف بن حماد المعني) بفتح الميم وسكون العين المهملة ثم نون مكسورة ثم ياء مشددة ثقة من العاشرة (أخبرنا عبد الأعلى) هو ابن عبد الأعلى البصري الشامي بالمهملة ثقة من الثامنة (عن سعيد) هو ابن أبي عروبة اليشكرى مولاهم البصري ثقة حافظ له تصانيف لكنه كثير التدليس واختلط وكان من أثبت الناس في قتادة قوله (البغايا) أي الزواني جمع بغى وهي الزانية من البغاء وهو الزنا مبتدأ خبره (اللاتي ينكحن) بضم أوله أي يزوجن قاله القاري (أنفسهن) بالنصب (بغير بينة) قال الطيبي المراد بالبينة إما الشاهد فبدونه زنا عند الشافعي رحمه الله وأبي حنيفة رحمه الله وإما الولي إذ به يتبين
[ 198 ]
النكاح فالتسمية بالبغايا تشديد لأنه شبهه انتهى قال القاري لا يخفى أن الأول هو الظاهر إذ لم يعهد إطلاق البينة على الولي شرعا وعرفا انتهى قوله (حدثنا غندر) بضم عين معجمة وسكون وفتح دال مهملة وقد يضم لقب محمد بن جعفر المدني البصري ثقة صحيح الكتا ب إلا أن فيه غفلة من التاسعة قوله (هذا حديث غير محفوظ لا نعلم أحدا رفعه إلا ماروى عن عبد الأعلى الخ) قال الحافظ ابن تيمية في المنتقى وهذا لا يقدح لأن عبد الأعلى ثقة فيقبل رفعه وزيادته وقد يرفع الراوي الحديث وقد يقفه انتهى قوله (وفي الباب عن عمران بن حصين) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ذكره أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد الله كذا في المنتقى قال الشوكاني وأخرجه الدارقطني في العلل من حديث الحسن عنه وفي إسناده عبد الله بن محرر وهو متروك ورواه الشافعي من وجه آخر عن الحسن مرسلا وقال هذا وإن كان منقطعا فإن أكثر أهل العلم يقولون به (وأنس) لينظر من أخرج حديثه (وأبي هريرة) مرفوعا وموقوفا أخرجه البيهقي بلفظ لا نكاح الا بأربعة خاطب وولي وشاهدين وفي إسناده المغيرة بن شعبة
[ 199 ]
قال البخاري منكر الحديث قوله (وقال بعض أهل العلم شهادة رجل وامرأتين تجوز في النكاح وهو قول أحمد واسحاق) وهو قول الحنفية وقال الشافعي لا يصح النكاح إلا بشهادة الرجال وقال باشتراط العدالة بالشهود وقالت الحنفية لا تشترط العدالة قال في الهداية من كتب الحنفية اعلم أن الشهادة شرط في باب النكاح لقوله عليه السلام لا نكاح إلا بشهود وهو حجة على مالك في اشتراط الإعلان دون الشهادة ولا بد من اعتبار الحرية فيها لأن العبد لا شهادة له لعدم الولاية ولا بد من اعتبار العقل والبلوغ لأنه (لا) ولاية بدونهما ولا بد من اعتبار الإسلام في أنكحة المسلمين لأنه لا شهادة للكافر على المسلم ولا يشترط وصف الذكورة حتى ينعقد بحضور رجل وامرأتين وفيه خلاف الشافعي ولا تشترط العدالة حتى ينعقد بحضرة الفاسقين عندنا خلافا للشافعي له أن الشهادة من باب الكرامة والفاسق من أهل الإهانة ولنا أنه من أهل الولاية فيكون من أهل الشهادة وهذا لأنه لما لم يحرم الولاية على نفسه لإسلامه لا يحرم (الشهادة) على غيره لأنه من جنسه انتهى قلت احتج الشافعي على اشتراط العدالة في شهود النكاح بتقييد الشهادة بالعدالة في حديث عمران بن حصين وفي حديث عائشة قال الشوكاني في النيل والحق ما ذهب إليه الشافعي من اعتبار العدالة في شهود النكاح لتقييد الشهاد المعتبرة في حديث عمران بن حصين وعائشة وابن عباس انتهى واحتج الشافعي علي اشتراط الذكورة في شهود النكاح بقوله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل فإن لفظ الشاهدين يقع على الذكرين وأجاب الحنفية عن هذا بأن لا فرق في باب الشهادة بين الذكر والأنثى وهذا اللفظ (يقع) على مطلق الشاهدين مع قطع النظر عن وصف الذكورة والأنوثة قلت الظاهر هو قول الشافعي رحمه الله والله تعالى أعلم
[ 200 ]
باب ما جاء في خطبة النكاح قوله (أخبرنا عبثر) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وفتح المثلثة (بن القاسم)
الزبيدي بالضم الكوفي ثقة من الثامنة (عن عبد الله) أي ابن مسعود قوله (والتشهد في الحاجة) أي من النكاح وغيره (قال) أي ابن مسعود (التشهد في الصلاة) أي في آخرها (التحيات لله والصلوات الخ) تقدم شرحه في محله (والتشهد في الحاجة أن الحمد لله) بتخفيف أن ورفع الحمد قال الطيبي التشهد مبتدأ خبره أن الحمد لله وأن مخففة من المثقلة كقوله تعالى وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين (نستعينه) أي في حمده وغيره وهو وما بعده جمل مستأنفة مبينة لأحوال الحامدين وفي رواية ابن ماجه نحمده ونستعينه بزيادة نحمده (ونستغفره) أي في تقصير عبادته (من يهد الله) وفي بعض النسخ من يهده الله بإثبات الضمير وكذلك في رواية أبي داود والنسائي وابن ماجه أي من يوفقه للهداية (فلا مضل له) أي من شيطان ونفس وغيرهما (ومن يضلل) بخلق الضلالة فيه (فلا هادى له) أي لا من جهة العقل ولا من جهة النقل ولا من ولي ولامن نبي قال الطيبي أضاف الشر إلى الأنفس أولا كسبا والإضلال إلى الله تعالى ثانيا خلقا وتدبيرا (قال) أي ابن مسعود (ويقرأ ثلاث آيات) أي النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يقتضي معطوفا عليه فالتقدير يقول الحمد لله ويقرأ (ففسرها) أي الآيات الثلاث (اتقوا الله حق تقاته الخ) الآية التامة هكذا
[ 201 ]
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام الخ الآية التامة هكذا يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا وقولوا قولا سديدا الآية الآية التامة هكذا يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما قوله (وفي الباب عن عدي بن حاتم) أخرجه مسلم بتغيير الألفاظ كذا في شرح سراج أحمد وإني لم أجد حديثه في صحيح مسلم فلينظر قوله (حديث عبد الله حديث حسن) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه أبو عوانة وابن حبان كذا في فتح
الباري قوله (وقد قال بعض أهل العلم إن النكاح جائز بغير خطبة الخ) ويدل على الجواز حديث إسماعيل بن إبراهيم عن رجل من بني سليم قال خطبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أمامة بنت عبد المطلب فأنكحني من غير أن يتشهد رواه أبو داود ورواه البخاري في تاريخه الكبير وقال إسناده مجهول انتهى قال الشوكاني وأما جهالة الصحابي المذكور فغير قادحة وقال الحافظ في فتح الباري تحت حديث سهل بن سعد الساعدي وفيه أنه لا يشترط في صحة العقد تقدم الخطبة إذا لم يقع في شئ من طرق هذا الحديث وقوع حمد ولا تشهد ولا غيرهما من أركان الخطبة وخالف في ذلك الظاهرية فجعلوها واجبة ووافقهم من الشافعية أبو عوانة فترجم في
[ 202 ]
صحيحه باب وجوب الخطبة عند العقد انتهى قوله (حدثنا أبو هشام الرفاعي) اسمه محمد ابن يزيد بن محمد بن كشير العجلي الكوفي قاضي المدائن ليس بالقوي من صغار العاشرة وذكره ابن عدي في شيوخ البخاري وجزم الخطيب بأن البخاري روى عنه لكن قد قال البخاري رأيتهم مجمعين على ضعفه كذا في التقريب وقال في الميزان قال أحمد العجلي لا بأس به وقال البرقاني أبو هاشم ثقة أمرني الدارقطني أن أخرج حديثه في الصحيح إنتهى (ابن فضيل) اسمه محمد بن فضيل بن غزوان أبو عبد الرحمن الكوفي صدوق عارف رمى بالتشيع قوله (كل خطبة) بضم الخاء وقال القاري بكسر الخاء وهي التزوج انتهى قلت الظاهر أنه بضم الخاء (ليس فيها تشهد) قال التوربشتي وأصل التشهد قولك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ويعبر به عن الثناء وفي غير هذه الرواية كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء والشهادة الخبر المقطوع به والثناء على الله أصدق الشهادات وأعظمها قال القاري الرواية المذكورة رواها أبداود عن أبي هريرة (كاليد الجذماء) بالذال المعجمة أي المقطوعة التي لا فائدة فيها لصاحبها أو التي بها جذام كذا في
المجمع قوله (هذا حديث حسن غريب) قال الحافظ في الفتح في أوائله قوله صلى الله عليه وسلم كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع وقوله كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء أخرجهما أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة قال وفي كل منهما مقال انتهى وقال في التلخيص حديث أبي هريرة كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم (أخرجه) أبو داود والنسائي وابن ماجه وأبو عوانة والدارقطني وابن حبان والبيهقي من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة واختلف في وصله وإرساله فرجح النسائي والدارقطني الإرسال قوله ويروي كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر هو عند أبي داود والنسائي كالأول وعند ابن ماجه كالثاني لكن قال أقطع بدل أبتر وكذا عند ابن حبان وله ألفاظ أخرى أوردها الحافظ عبد القادر الرهاوي في أول الأربعين البلدانية انتهى كلام الحافظ فالظاهر أن تحسين الترمذي بتعدد الطرق والله تعالى أعلم
[ 203 ]
ما جاء في استيمار البكر والثيب قوله (لا تنكح) بصيغة المجهول قوله (الثيب) قال في النهاية الثيب من ليس ببكر وفي رواية الشيخين الأيم بتشديد الياء المكسورة (حتى تستأمر) على البناء للمفعول أي حتى تستأذن صريحا إذ الإستيمار طلب الأمر والأمر لا يكون إلا بالنطق (ولا تنكح البكر) المراد بالبكر البالغة إذ لا معنى لاستئذان الصغيرة لأنها لا تدري ما الإذن (حتى تستأذن) أي يطلب منها الإذن (وإذنها الصموت) أي السكوت يعني لا حاجة إلى إذن صريح منها بل يكتفي بسكوتها لكثرة حيائها وفي رواية الشيخين قالوا يا رسول الله وكيف إذنها قال إذنها أن تسكت واختلف في أن السكوت من البكر يقوم مقام الإذن في حق جميع الأولياء أو في حق الأب والجد دون غيرهما وإلى الأول ذهب الأكثر لظاهر الحديث قوله (وفي الباب عن عمر) لينظر من أخرجه (وابن عباس) أخرجه الجماعة إلا البخاري (وعائشة) قالت قلت
يا رسول الله تستأمر النساء في أبضاعهن قال نعم قلت إن البكر تستأمر فتستحي فتسكت فقال سكاتها إذنها أخرجه الشيخان (والعرس) بضم أوله وسكون الراء بعدها مهملة (ابن عميرة) بفتح العين المهملة وكسر الميم وسكون التحتانية صحابي قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (وأكثر أهل العلم من أهل الكوفة وغيرهم أن الأب إذا زوج البكر وهي بالغة بغير أمرها فلم ترض بتزويج الأب فالنكاح
[ 204 ]
مفسوخ) واحتجوا على ذلك بحديث ابن عباس أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه قال ابن القطان في كتابه حديث ابن عبا س هذا حديث صحيح (وقال بعض أهل المدينة تزويج الأب على البكر جائز وإن كرهت ذلك وهو قول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق) وهو قول ابن أبي ليلى والليث واحتجوا بحديث ابن عباس الآتي الأيم أحق بنفسها من وليها فإنه دل بمفهومه على أن ولي البكر أحق بها منها واحتج بعضهم بحديث أبي موسى مرفوعا تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها قال فقيد ذلك باليتيمة فيحمل المطلب عليه وفيه نظر لحديث ابن عباس بلفظ والبكر يستأذنها أبوها في نفسها رواه مسلم وأجاب الشافعي بأن المؤامرة قد تكون عن استطابة نفس ويؤيده حديث ابن عمر رفعه وأمروا النساء في بناتهن رواه أبو داود وقال الشافعي لا خلاف أنه ليس للأم أمر لكنه على معنى استطابة النفس وقال البيهقي زيادة ذكر الأب في حديث ابن عباس غير محفوظة قال الشافعي رواها ابن عيينة في حديثه وكان ابن عمر والقاسم وسالم يزوجون الأبكار لا يستأمروهن قال البيهقي والمحفوظ في حديث ابن عباس البكر تستأمر ورواه صالح بن كيسان بلفظ واليتيمة لا تستأمر وكذلك رواه أبو بردة عن أبي موسى ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة فدل على أن المراد بالبكر اليتيمة قال الحافظ ابن حجر وهذا لا يدفع زيادة الثقة الحافظ بلفظ الأب ولو قال قائل بل المراد باليتيمة البكر لم يدفع وتستأمر بضم أوله
يدخل فيه الأب وغيره فلا تعارض بين الروايات ويبقى النظر في أن الاستثمار هل هو شرط في صحة العقد أو مستحب على معنى الاستطابة كما قال الشافعي كل الأمرين محتمل انتهى كلا الحافظ قلت الظاهر أن الاستثمار هو شرط في صحة العقد لا على طريق الاستطابة يدل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنه أن جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم تخريجه وهو حديث صحيح قال الحافظ في الفتح ولا معنى للطعن في الحديث فإن طرقه تقوى بعضها ببعض انتهى وأجاب البيهقي بأنه إنه ثبت الحديث في البكر حمل على أنها زوجت بغير كفء قال الحافظ وهذا الجواب هو المعتمد فإنها واقعة عين فلا يثبت الحكم فيها تعميما قلت قد تعقب العلامة الأمير اليماني على كلام البيهقي والحافظ في سبل اللام تعقبا حسنا حيث قال كلام هذين الإمامين محاماة على كلام الشافعي ومذهبهم وإلا فتأويل البيهقي لا دليل عليه فلو
[ 205 ]
كان كما قال لذكرته المرأة بل قالت إنه زوجها وهي كارهة فالعلة كراهتها فعليها علق التخيير لأنها المذكورة فكأنه قال صلى الله عليه وسلم إذا كنت كارهة فأنت بالخيار وقول المصنف يعني الحافظ ابن حجر إنها واقعة عين كلام غير صحيح بل حكم عام لعموم علته فأينما وجدت الكراهة ثبت الحكم وقد أخرج النسائي عن عائشة أن فتاة دخلت عليها فقالت أبي زوجني من ابن أخيه يرفع في خسيسه (1) وأنا كارهة قالت اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأرسل إلى أبيها فدعاه فجعل الأمر إليها فقالت يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شئ والظاهر أنها بكر ولعلها البكر التي في حديث ابن عباس وقد زوجها أبوها كفئا ابن أخيه وإن كانت ثيبا فقد صرحت أنه ليس مرادها إلا إعلام النساء أنه ليس للآباء من الأمر شئ ولفظ النساء عام للثيب والبكر وقد قالت هذه عنده صلى الله عليه وسلم فأقرها عليه والمراد بنفي الأمر من الآباء ففي التزويج للكارهة لأن السياق في ذلك فلا يقال هو عام لكل شئ انتهى ما في السبل قلت حديث عائشة الذي
أخرجه النسائي مرسل فإنه أخرجه عن عبد الله بن بريدة عن عائشة قال البيهقي هذا مرسل ابن بريدة لم يسمع من عائشة انتهى لكن رواه ابن ماجه متصلا وسنده هكذا حدثنا هناد بن السري حدثنا وكيع عن كهمس بن الحسن عن ابن بريدة عن أبيه قال جاءت فتاة الخ بمثل حديث النسائي وأخرجه أحمد في مسنده قوله (الأيم) قال الحافظ ظاهر هذا الحديث (أن) الأيم هي الثيب التي فارقت زوجها بموت أو طلاق لمقابلتها بالبكر وهذا هو الأصل في الأيم ومنه قولهم الغزو مأيمة أي يقتل الرجال فتصير النساء أيامى وقد تطلق على من لا زوج لها أصلا (وإذنها صماتها) بضم الصاد بمعنى سكوتها قوله (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا البخاري قوله
[ 206 ]
(واحتج بعض الناس في إجازة النكاح بغير ولي بهذا الحديث) قال الحافظ الزيلعي وجهه أنه شارك بينها وبين الولي ثم قدمها بقوله أحق وقد صح العقد منه فوجب أن يصح منها انتهى (وليس في هذا الحديث ما احتجوا به لأنه قد روي من غير وجه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا نكاح إلا بولي وهو حديث صحيح كما عرفت (وهكذا أفتى به ابن عباس بعد النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا نكاح إلا بولي) فإفتاؤه به بعد النبي صلى الله عليه وسلم يؤيد صحة حديثه (وإنما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم الأيم أحق بنفسها من وليها عند أكثر أهل العلم أن الولي لا يزوجها إلا برضاها وأمرها فإن زوجها فالنكاح مفسوخ على حديث خنساء بنت خدام الخ) قال الحافظ في الفتح حديث عائشة أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل حديث صحيح وهو يبين أن معنى قوله أحق بنفسها من وليها أنه لا ينفذ عليها أمره بغير إذنها ولا يجبرها فإذا أرادت أن تزوج لم يجز لها إلا بإذن وليها انتهى كلام الحافظ وقال النووي في شرح صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم أحق بنفسها يحتمل من حيث اللفظ أن المراد أحق من وليها في كل شئ من عقد وغيره كما قاله أبو حنيفة وداود ويحتمل (من حيث غيره) أنها أحق بالرضا أي لا تزوج حتى تنطق بالإذن بخلاف البكر ولكن لما صح قوله صلى الله عليه وسلم لانكاح إلا بولي مع غيره من
الأحاديث الدالة على اشتراط الولي يتعين الاحتمال الثاني قال واعلم أن لفظة أحق ههنا المشاركة (و) معناه أن لها في نفسها في النكاح حقا ولوليها حقا وحقها أوكد من حقه فإنه لو أراد تزويجها كفئا وامتنعت لم تجبر ولو أرادت أن تتزوج كفئا فامتنع الولي أجبر فإن أصر زوجها القاضي فدل على تأكد حقها ورجحانه انتهى كلام النووي
[ 207 ]
باب ما جاء في إكراه اليتيمة على التزويج قوله (اليتيمة تستأمر) اليتيمة هي صغيرة لا أب لها والمراد هنا البكر البالغة سماها باعتبار ما كانت كقوله تعالى واتوا اليتامى أموالهم وفائدة التسمية مراعاة حقها والشفقة عليها في تحري الكفاية والصلاح فإن اليتيم مظنة الرأفة والرحمة ثم هي قبل البلوغ لا معنى لإذنها ولا لإبائها فكأنه عليه الصلاة والسلام شرط بلوغها فمعناه لا تنكح حتى تبلغ فتستأمر قاله القاري في المرقاة (فإن صمتت) أي سكتت (فهو) أي صماتها (وإن أبت) من الأباء أي أنكرت ولم ترض (فلا جواز عليها) بفتح الجيم أي فلا تعدي عليها ولا إجبار قوله (وفي الباب عن أبي موسى) أخرجه أحمد مرفوعا بلفظ تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنت وإن أبت لم تكره وأخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وأبو يعلى والدارقطني والطبراني قال في مجمع الزوائد ورجال أحمد رجال الصحيح (وابن عمر) قال توفي عثمان بن مظعون وترك ابنة له من خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون قال عبد الله وهما خالاي فخطبت إلى قدامة ابن مظعون ابنة عثمان بن مظعون فزوجنيها ودخل المغيرة بن شعبة (يعني إلى أمها) فأرغبها في المال فحطت إليه فحطت الجارية إلى هوى أمها فأبتا حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قدامة بن مظعون يا رسول الله ابنة أخي أوصى بها إلي فزوجتها ابن عمتها فلم أقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة (ولكنها امرأة وإنما حطت إلى هوى أمها قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هي يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها
قال فانتزعت والله مني بعد أن ملكتها فزوجوها المغيرة بن شعبة رواه أحمد والدارقطني قال صاحب المنتقى وهو دليل على أن اليتيمة لا يجبرها وصى ولا غيره انتهى قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن) قال في المنتقى رواه الخمسة إلا ابن ماجه وقال في
[ 208 ]
النيل وأخرجه أيضا ابن حبان والحاكم لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم قال الحافظ في الفتح فيه دلالة على تزويج الولي غير الأب التي دون البلوغ بكرا كانت أو ثيبا لأن حقيقة اليتيمة من كانت دون البلوغ ولا أب لها وقد أذن في تزويجها بشرط أن لا يبخس من صداقها فيحتاج من منع ذلك إلى دليل قوى انتهى (وقال بعضهم لا يجوز نكاح اليتيمة حتى تبلغ ولا يجوز الخيار في النكاح) وهو قول الشافعي واحتج بظاهر حديث الباب قال في شرح السنة والأكثر على أن الوصي لا ولاية له على بنات الموصي وإن فوض ذلك إليه وقال حماد بن أبي سليمان للوصي أن يزوج اليتيمة قبل البلوغ وحكى ذلك عن أبي شريح أنه أجاز نكاح الوصي مع كراهة الأولياء وأجاز مالك إن فوضه الأب إليه انتهى (وقال أحمد وإسحاق إذا بلغت اليتيمة تسع سنين فزوجت فرضيت فالنكاح جائز ولا خيار لها إذا أدركت) أي إذا بلغت ولم أقف على دليل يدل على قول هذين الامامين وأما احتجاجهما بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى بها وهي بنت تسع سنين ففيه أن عائشة قد كانت أدركت وهي بنت تسع سنين (قالت عائشة إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة) كأن عائشة أرادت أن الجارية إذا بلغت تسع سنين فهي في حكم المرأة البالغة لأنه يحصل لها حينئذ ما يعرف به نفعها وضررها من الشعور والتمييز والله تعالى أعلم
[ 209 ]
باب ما جاء في الوليين يزوجان قوله (حدثنا غندر) بفتح معجمة وسكون نون وفتح دال وقد تضم (زوجها وليان) أي من رجلين (فهي للأول منهما) أي للسابق منهما ببينة أو تصادق فإن وقعا معا أو جهل السابق
منهما بطلا معا قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه قال المنذري وقد قيل إن الحسن لم يسمع من سمرة شيئا وقيل سمع منه حديثا في العقيقة انتهى وقال الحافظ في التلخيص حسنه الترمذي وصححه أبو زرعة وأبو حاتم والحاكم في المستدرك قال الحافظ وصحته متوقفة على ثبوت سماع الحسن من سمرة فإن رجاله ثقات لكن إختلف فيه على الحسن ورواه الشافعي وأحمد والنسائي من طريق قتادة أيضا عن الحسن عن عقبة بن عامر قال الترمذي الحسن عن سمرة في هذا أصح وقال ابن المديني لم يسمع الحسن من عقبة شيئا وأخرجه ابن ماجه من طريق شعبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة أو عقبة بن عامر انتهى ما جاء في نكاح العبد بغير إذن سيده قوله (بغير إذن سيده) أي مالكه (فهو عاهر) أي زان قال المظهر لا يجوز
[ 210 ]
نكاح العبد بغير إذن السيد وبه قال الشافعي وأحمد ولا يصير العقد صحيحا عندهم بالإجازة بعده وقال أبو حنيفة ومالك إن جاز بعد العقد صح قلت احتج من قال ببطلان النكاح وعدم صحته إلا بإذن السيد بأنه صلى الله عليه وسلم حكم عليه بأنه عاهر والعاهر الزاني والزنا باطل وبرواية ابن عمر بلفظ إذا نكح العبد بغير إذ مولاه فنكاحه باطل وهو حديث ضعيف كما ستعرف قوله (وفي الباب عن ابن عمر) أخرجه أبو داود من طريق عبد الله بن عمر العمري عن نافع عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا نكح العبد بغير إذن مولاه فنكاحه باطل قال أبو داود هذا الحديث ضعيف وهو موقوف وهو قول ابن عمر رضي الله عنهما انتهى قال الحافظ في التلخيص ورواه ابن ماجه من حديث ابن عمر بلفظ أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو زان وفيه مندل بن علي وهو ضعيف وقال أحمد بن حنبل هذا حديث منكر وصوب الدارقطني في العلل وقف هذا المتن على ابن عمر ولفظ الموقوف أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع
عن ابن عمر أنه وجد عبدا له تزوج بغير إذنه ففرق بينهما وأبطل صداقه وضربه حدا انتهى قوله (حديث جابر حديث حسن) قال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي هذا ما لفظه وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل وقد احتج به غير واحد من الأئمة وتكلم فيه غير واحد من الأئمة انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) في سنده عبد الله بن محمد بن عقيل وقد عرفت انفا أنه قد احتج به غير واحد وتكلم فيه غير واحد والترمذي ممن احتج به ولذلك صحح هذا الحديث قال الخزرجي في
[ 211 ]
الخلاصة قال الترمذي صدوق سمعت محمدا يقول كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل انتهى باب ما جاء في مهور النساء قوله (أرضيت) همزة الاستفهام للاستعلام (من نفسك ومالك) بكسر اللام أي بدل نفسك مع وجود مالك قاله القاري (قالت نعم فأجازه) استدل به من قال بجواز كون المهر شيئا حقيرا له قيمة لكن الحديث ضعيف قوله (وفي الباب عن عمر) أخرجه الخمسة وصححه الترمذي وسيجئ (وأبي هريرة) قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني تزوجت امرأة من الأنصار الحديث وفيه قال على كم تزوجتها قال على أربع أواق فقال له النبي صلى الله عليه وسلم على أربع أواق كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك الخ أخرجه مسلم (وسهل بن سعد) أخرجه الترمذي في هذا الباب وأخرجه الشيخان (وأبي سعيد) أخرجه الدارقطني مرفوعا بلفظ لا يضر أحدكم بقليل من ماله تزوج أم بكثير بعد أن يشهد وفي سنده أبو هارون العبدي قال ابن الجوزى وأبو هارون العبدي أسمه عمارة بن جرير قال حماد بن زيد كان كذابا وقال السعدي كذاب مفتري كذا في نصب الراية (وأنس) أخرجه الجماعة بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة فقال ما هذا قال تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب قال بارك الله أولم ولو بشاة
(وعائشة) أخرجه أحمد مرفوعا بلفظ إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة وأخرجه أيضا الطبراني في الأواسط بلفظ أخف النساء صداقا أعظمهن بركة وفي إسناده الحارث بن شبل وهو ضعيف وأخرجه أيضا الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه وأخرج نحوه أبو داود والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الصداقه أيسره
[ 212 ]
(وجابر) بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعطى في صداق امرأة سويقا أو تمرا فقد استحل أخرجه أبو داود وأشار إلى ترجيح وقفه كذا في بلوغ المرام (وأبي حدرد الأسلمي) لينظر من أخرجه قوله (وحديث عامر بن ربيعة حديث حسن صحيح) قال الحافظ في بلوغ المرام بعد أن حكى تصحيح الترمذي هذا إنه خولف في ذلك انتهى وقال الحافظ الزيلعي في نصب الراية بعد أن حكى تصحيح الترمذي له قال ابن الجوزي في التحقيق عاصم بن عبيد الله (1) قال ابن معين ضعيف وقال ابن حبان كان فأحسن الخطإ فترك انتهى قوله (واختلف أهل العلم في المهر فقال بعضهم المهر على ما تراضوا عليه وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق) قال الحافظ في الفتح وأجازه الكافة بما تراضى عليه الزوجان أو (كذا بالأصل ولعل الصواب أي) من العقد إليه (كذا بالأصل ولعل الصواب عليه) بما فيه منفعة كالسوط والنعل وإن كانت قيمته أقل من درهم وبه قال يحي بن سعيد الأنصاري وأبو الزناد وربيعة وابن أبي ذئب وغيرهم من أهل المدينة غير مالك ومن تبعه وابن جريج ومسلم بن خالد وغيرهما من أهل مكة والأوزاعي في أهل الشام والليث في أهل مصر والثوري وابن أبي ليلى وغيرهما من العراقيين غير أبي حنيفة ومن تبعه والشافعي وداود وفقهاء أصحاب الحديث وابن وهب من المالكية انتهى وحجتهم أحاديث الباب (وقال مالك بن أنس لا يكون المهر أقل من ربع دينار) قال القرطبي استدل من قاسه بنصاب السرقة بأنه عضو آدمي محترم فلا يستباح بأقل من كذا قياسا على يد السارق وتعقبه
الجمهور بأنه قياس في مقابل النص فلا يصح وبأن اليد تقطع وتبين ولا كذلك الفرج وبأن القدر المسروق يجب رده (وقال بعض أهل الكوفة لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم) وهو
[ 213 ]
قول أبي حنيفة وأصحابه واحتجوا بحديث جابر مرفوعا لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء ولا يزوجهن إلا الأولياء ولا مهر دون عشرة دراهم وفي سنده مبشر بن عبيد قال الدارقطني بعد أن أخرج هذا الحديث هو متروك الحديث أحاديثه لا يتابع عليها انتهى وأسند البيهقي وقد أخرجه في سننه في كتاب المعرفة عن أحمد أنه قال أحاديث مبشر بن عبيد موضوعة انتهى وأخرجه أيضا أبو يعلى الموصلي في مسنده وابن حبان في كتاب الضعفاء وقال مبشر بن عبيد يروي عن الثقات الموضوعات لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب انتهى وأخرجه أيضا ابن عدي والعقيلي وأعلاه بمبشر وأخر الدارقطني والبيهقي في سننهما عن الشعبي عن علي موقوفا لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم ولا يكون المهر أقل من عشرة دراهم وفي سنده داود الأودي وهو ضعيف ولطرق أخرى في سنن الدارقطني ولا تخلو عن ضعف كذا في التعليق الممجد تنبيه قال صاحب العرف الشذي أكثرنا يحتج بحديث الدارقطني لا مهر أقل من عشرة دراهم وفي جميع طرقه حجاج بن أرطاة وهو متكلم فيه انتهى قلت ضعف هذا الحديث مشهور بمبشر بن عبيد وهو متروك الحديث بل قال الامام أحمد رحمه الله أحاديثه موضوعة فالعجب من صاحب العرف الشذي أنه ضعف هذا الحديث بحجاج بن أرطاة ولم يضعفه بمبشر تنبيه آخر قال العيني في البناية مجيبا عن ضعف حديث جابر المذكور فإنه إذا روى من طرق مفرداتها ضعيفة يصير حسنا ويحتج به ورد عليه صاحب عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية بأن بكثرة الطرق إنما يصير الحديث حسنا إذا كان الضعف فيها يسيرا فيجبر
بالتعدد لا إذا كانت شديدة الضعف بأن لا يخلو واحد منها عن كذاب أو متهم والأمر فيما نحن فيه كذلك انتهى تنبيه آخر قالت الحنفية إما يدل على كون المهر أقل من عشرة محمول على المعجل قلت رد عليهم صاحب عمدة الرعاية بأن هذا الحمل إنما يسلم مع مخالفته للظواهر إذا ثبت التقدير بدليل معتمد وإذ ليس فليس
[ 214 ]
تنبيه أعلم أن حديث جابر المذكور من أخبار الآحاد وهو يخالف إطلاق قوله تعالى أن تبتغوا بأموالكم فإنه لا تقدير فيه بشئ وتخصيص الكتاب بخبر الواحد وإن كان صحيحا لا يجوز عند الحنفية فما بالك إذا كان ضعيفا فالعجب منهم أنهم كيف خصصوا بهذا الحديث الضعيف إطلاق الكتاب وعملوا به والعجب على العجب أنهم قد استندوا في الجواب عن الأحاديث الصحيحة التي دلت على كون المهر غير مال وهي مروية في الصحيحين بما استندت (1) به الشافعية حيث قالوا هذا الأحاديث أخبار آحاد مخالفة لظاهر الكتاب فلا يعمل (2) به الشافعية حيث قالوا هذا الأحاديث أخبار آحاد مخالفة لظاهر الكتاب فلا يعمل (2) بظاهرها قوله (عن أبي العجفاء) (1) بفتح أوله وسكون الجيم السلمي البصري قيل اسمه
[ 215 ]
هرم بن نسيب وقيل بالعكس وقيل بالصاد يدل السين المهملتين مقبول من الثانية (لا تغالوا) بضم التاء واللام (صدقة النساء) بفتح الصاد وضم الدال جمع الصداق قال القاضي المغالاة التكثير أي لا تكثروا مهورهن (فإنها أي الصدقة أو المغالاة يعني كثرة الصدقة (لو كانت مكرمة) بفتح الميم وضم الراء واحدة المكارم أي مما تحمد (أو تقوى عند الله) أو مكرمة في الآخرة لقول الله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم قال القاري قال وهي غير منونة وفي نسخة (يعني من المشكاة) بالتنوين وقد قرئ شاذا في قوله تعالى أفمن
أسس بنيانه على تقوى من الله أولادكم بها أي بمغالاة المهور (نكح شيئا من نسائه) أي تزوج إحداهن (ولا أنكح) أي زوج (على أكثر من ثنتي عشرة أوقية) وهي أربعمائة وثمانون درهما (84) وأما ما روي أن صداق أم حبيبة كان أربعة الآف درهم فإنه مستثنى من قول عمر لأنه أصدقها النجاشي في الحبشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة الآ ف درهم من غير تعيين من النبي صلى الله عليه وسلم وما روته عائشة من ثنتي عشرة ونش فإنه لم يتجاوز عدد الأواقي التي ذكرها عمر ولعله أراد الأوقية ولم يلتفت إلى الكسور مع أنه نفى الزيادة في علمه ولعله لم يبلغه صداق أم حبيبة ولا الزيادة التي روتها عائشة فإن قلت نهيه عن المغالاة مخالف لقوله تعالى وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا قلت النص يدل على الجواز لا على الأفضلية والكلام فيها لا فيه لكن ورد في بعض الروايات أنه قال لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال فقالت امرأة ما ذاك لك قال ولم قالت لأن الله يقول وآتيتم إحداهن قنطارا فقال عمر امرأة أصابت ورجل أخطأ كذا في المرقاة قلت أخرج عبد الرزاق من طريق عبد الرحمن السلمى قال قال عمر رضي الله عنه لا تغالوا في مهور النساء فقالت امرأة ليس ذلك لك يا عمر إن الله يقول وآتيتم إحداهن قنطارا من ذهب قال وكذلك هي في قراءة ابن مسعود فقال عمر امرأة خاصمت عمر فخصمته وأخرجه الزبير بن بكار من وجه آخر منقطع فقال عمر امرأة أصابت ورجل أخطأ وأخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن مسروق عن عمر فذكره متصلا مطولا قال الحافظ في الفتح قال القاري في المرقاة ذكر السيد جمال الدين المحد ث في روضة الأحباب أن صداق فاطمة رضي الله عنها كان أربعمائة مثقال فضة وكذلك ذكره صاحب المواهب ولفظه
[ 216 ]
إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي إن الله عز وجل أمرني أن أزوجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة والجمع أن عشرة دراهم سبعة مثاقيل مع عدم اعتبار الكسور لكن يشكل نقل ابن الهمام أن صداق فاطمة كان اربعمائة درهم وعلى كل فما اشتهر بين أهل مكة من أن مهرها تسعة
عشر مثقالا من الذهب فلا أصل له اللهم إلا أن يقال إن هذا المبلغ قيمة درع علي رضي الله تعالى عنه حيث دفعها إليها مهرا معجلا والله تعالى أعلم انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) قال الحافظ في الفتح بعد ذكره وصححه ابن حبان والحاكم باب ما جاء في الرجل يعتق الأمة ثم يتزوجها قوله (أعتق صفية) هي أم المؤمنين صفية بنت حيى بن أخطب من سبط هارون بن ع مران كانت تحت ابن أبي الحقيق وقتل يوم خيبر ووقعت صفية في السبي فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها وماتت سنة خمسين وقيل غير ذلك (وجعل عتقها صداقها) فيه دليل على صحة جعل العتق صداقا وقد قال به من القدماء سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وطاوس والزهري ومن فقهاء الأمصار الثوري وأبو يوسف وأحمد وإسحاق قالوا إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها صح العقد والعتق والمهر على ظاهر الحديث قال الحافظ وهو قول الحسن البصري وعامر الشعبي والأوزاعي وعطاء بن أبي رباح وقتادة وطاوس قاله العيني قوله (وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق) في عد الشافعي من القائلين بصحة جعل العتق صداقا كلام قال النووي قال الشافعي فإن أعتقها على هذا الشرط فقبلت عتقت ولا يلزمها أن تتزوج به بل له عليها قيمتها لأنه لم يرض بعتقها مجانا
[ 217 ]
فإن رضيت وتزوجها على مهر يتفقان عليه فله عليها القيمة ولها عليه المهر المسمى من قليل أو كثير وإن تزوجها على قيمتها فإن كانت القيمة معلومة له ولها صح الصداق ولا تبقى له عليها قيمة ولا لها عليه صداق وإن كانت مجهولة ففيه وجهان لأصحابنا أحدهما يصح الصداق كما لو كانت معلومة لأن هذا العقد فيه ضرب من المسامحة والتخفيف وأصحهما وبه قال جمهور أصحابنا لا يصح الصداق بل يصح النكاح ويجب لها مهر المثل انتهى كلام النووي وقال الحافظ في الفتح ومن المستغرب قول الترمذي بعد إخراج الحديث وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق الخ لكن لعل مراد من نقله عنه صورة الاحتمال الأول انتهى وأراد بصورة الاحتمال الأول ما ذكر قبل بقوله وأجاب الباقون عن ظاهر الحديث بأجوبة
أقربها إلى لفظ الحديث أنه أعتقها بشرط أن يتزوجها فوجبت له عليها قيمتها وكانت معلومة فتزوجها بها انتهى (وكره بعض أهل العلم أن يجعل عتقها صداقها حتى يجعل لها مهرا سوى العتق) قال الثوري اختلف العلماء فيمن أعتق أمته على أن يتزوج بها ويكون عتقها صداقها فقال الجمهور لا يلزمها أن تتزوج به ولا يصح هذا الشرط وممن قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر انتهى باب ما جاء في الفضل في ذلك قوله (ثلاثة) أي من الرجال أو رجال ثلاثة مبتدأ وخبره (يؤتون) بصيغة المجهول (أجرهم مرتين) أي يؤتيهم الله يوم القيامة أجرهم مرتين (عبد) بدل من المبتدإ بدل بعض والعطف بعد الربط أو بدل كل والربط بدل العطف أو خبر مبتدأ محذوف أي أحدهم أو مبتدأ موصوف محذوف الخبر أي منهم قال القاري في المرقاة (أدي حق الله) من صلاة وصوم (وحق مواليه) جمع المولى للإشارة إلا أنه لو كان مشتركا بين
[ 218 ]
جماعة فلا بد أن يؤدي حقوق جميعهم فيعلم المنفرد بالأولى أو للإيماء إلى أنه إذا تعدد مواليه بالمناوبة على جري العادة الغالبة فيقوم بحق كل (فذلك) أي ذلك العبد (يؤتى أجره مرتين) أجر لتأدية حق الله وأجر لتأدية حق مواليه (وجارية وضيئة) أي جميلة (فأدبها) أي علمها الخصال الحميدة مما يتعلق بأدب الخدمة إذ الأدب هو حسن الأحوال من القيام والتعود وحسن الأخلاق (فأحسن أدبها) وفي رواية الشيخين فأحسن تأديبها وإحسان تأديبها هو الاستعمال علمها الرفق واللطف وزاد في رواية الشيخين وعلمها فأحسن تعليمها (يبتغي ذلك) أي بالمذكور من التأديب والتعليم والتزوج (فذلك يؤتى أجره مرتين) أجر على عتقه وأجر على تزوجه (ورجل آمن بالكتاب الأول ثم جاءه الكتاب الآخر فآمن به) في رواية الشيخين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد قوله (حديث أبي موسى حديث
حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه باب ما جاء فيمن يتزوج المرأة ثم يطلقها قبل أن يدخل بها هل يتزوج ابنتها أم لا قوله (حدثنا ابن لهيعة) بفتح اللام وكسر الهاء اسمه عبد الله قوله (فدخل بها) أي
[ 219 ]
جامعها (فلا يحل له نكاح ابنتها) قال تعالى وربائبكم اللآتي فحجوركم من نسائكم اللآتي دخلتم بهن وأسقط قيد كونها في حجره لأنه خرج مخرج غلب العادة (فإن لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها) أي بعد طلاق أمها قال تعالى فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم (فلا يحل له نكاح أمها) طلاق قوله تعالى وأمهات نسائكم قوله (هذا حديث لا يصح من قبل إسناده) أي من جهة إسناده وإن كان صحيحا باعتبار معناه مطابقته معنى الآية قوله (والمثنى بن الصباح وابن لهيعة يضعفان في الحديث) قال البيهقي أجمع أصحاب الحديث على ضعف ابن لهيعة وترك الاحتجاج بما ينفرد به كذا في التلخيص والمثنى بن الصباح ضعيف اختلط بآخره قاله الحافظ في التقريب قوله (وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق) وهو قول الحنفية قال في الهداية ولا بأم امرأته دخل بإبنتها أو لم يدخل لقوله تعالى وأمهات نسائكم من غير قيد بالدخول ولا ببنت امرأته التي دخل بها لثبوت قيد الدخول بالنص انتهى باب ما جاء فيمن يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها آخر فيطلقها قبل أن يدخل بها قوله (جاءت امرأة رفاعة) بكسر الراء (القرظي) بضم القاف وفتح الراء وبالظاء المعجمة
[ 220 ]
نسبة إلى قريظة قبيلة من اليهود (عند رفاعة) أي في نكاحه (فبت طلاقي) أي قطعه فلم يبق من الثلاث شيئا وقيل طلقني ثلاثا (فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير) بفتح الزاي وكسر الباء (وما معه) أي ليس مع عبد الرحمن من آلة الذكورة (إلا مثل هدبة الثوب) بضم الهاء وسكون الدال بعدها موحدة أي طرفه وهو طرف الثوب الغير المنسوج (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة) في رواية
الشيخين قالت نعم كما في المشكاة (لا) وفي رواية الشيخين قال لا أي لا ترجعي إليه (حتى تذوقي عسيلته) بضم العين وفتح السين أي لذة جماع عبد الرحمن (ويذوق عسيلتك) كناية عن حلاوة الجماع والعسيل تصغير عسل والتاء فيها على نية اللذة أو النطفة أي حتى تجدي منه لذة ويجد منك لذة بتغيب الحشفة ولا يشترط إنزال المني خلافا للحسن البصري فإنه لا يحل عنده حتى ينزل الثاني حملا للعسيلة عليه قوله (وفي الباب عن ابن عمر وأنس والرميصاء أو الغميصاء وأبي هريرة) أما حديث ابن عمر فأخرجه النسائي وأما حديث أنس فأخرجه سعيد بن منصور والبيهقي وأما حديث الرميصاء أو الغميصاء فأخرجه النسائي وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الطبراني وابن أبي شيبة قوله (حديث عائشة حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما قوله (والعمل على هذا عند عامة أهل العلم الخ) قال ابن المنذر أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول إلا سعيد بن المسيب ثم ساق بسنده الصحيح عنه أنه قال يقول الناس لا تحل للأول حتى يجامعها الثاني وأنا أقول إذا تزوجها تزويجا صحيحا لا يريد بذلك إحلالها للأول فلا بأس أن يتزوجها الأول قال ابن المنذر هذا القول لا نعلم أحدا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج ولعله لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن كذا في فتح الباري قلت قول سعيد بن المسيب هذا في الرخصة يقابله قول الحسن البصري في التشديد فإنه شرط الإنزال كما عرفت قال ابن بطال شذ الحسن في هذا وخالفه سائر الفقهاء انتهى
[ 221 ]
باب ما جاء في المحلل والمحلل له المحل اسم فاعل من الإحلال والمحلل اسم مفعول من التحليل والمراد من المحل هو من تزوج المرأة المطلقة ثلاثا بقصد الطلاق أو شروطه لتحل هي لزوجها الأول والمراد من المحلل له الزوج الأول قوله (عن الشعبي) بفتح الشين المعجمة هو عامر بن شراحيل ثقة مشهور فقيه فاضل (وعن الحارث) عطف على عن جابر بن عبد الله قوله (لعن المحل والمحلل له) وقع في بعض الروايات المحلل والمحلل له كلا اللفظين من باب التفعيل الأول بكسر اللام والثاني
بفتحها قال القاضي المحلل الذي تزوج مطلقة الغير ثلاثا على قصد أن يطلقها بعد الوطء ليحل للمطلق نكاحها وكأنه يحللها على الزوج الأول بالنكاح والوطء والمحلل له والزو وإنما لعنهما لما في ذلك من هتك المروءة وقلة الحمية والدلالة على خسه النفس وسقوطها أما بالنسبة إلى المحلل له فظاهر وأما بالنسبة إلى المحلل فلأنه يعير نفسه بالوطء لغرض الغير فإنه إنما يطؤها ليعرضها لوطء المحلل له ولذلك مثله صلى الله عليه وسلم بالتيس المستعار انتهى قال الحافظ في التلخيص استدلوا بهذا الحديث على بطلان النكاح إذا شرط الزوج أنه إذا نكحها بانت منه أو شرط أنه يطلقها أو نحو ذلك وحملوا الحديث على ذلك ولا شك أن إطلاقه يشمل هذه الصورة وغيرها لكن روى الحاكم والطبراني في الأوسط من طريق أبي غسان عن عمر بن نافع عن أبيه قال جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له عن غير مؤامرة ليحلها لأخيه هل يحل للأول قال لا إلا بنكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم انتهى كلام الحافظ قلت روى الحاكم هذا الحديث في المستدرك وصححه كما صرح به الزيلعي في نصب الراية قوله (وفي الباب عن ابمسعود) أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد وإسحاق بن راهويه (وأبي هريرة) أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلى الموصلي وإسحاق بن راهويه في مسانيدهم وحديث صحيح نص على صحته الزيلعي في نصب الراية (وعقبة بن عامر) أخرجه ابن ماجه مرفوعا بلفظ ألا أخبركم بالتيس المستعار قالوا بلى يا رسول الله قال هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له قال عبد الحق في أحكامه إسناده حسن (وأبن عباس) أخرجه ابن ماجه وفي إسناده
[ 222 ]
زمعة بن صالح وهو ضعيف قوله (لأن مجالد بن سعيد قد ضعفه بعض أهل العلم) قال الحافظ في التقريب مجالد بضم أوله وتخفيف الجيم ابن سعيد بن عمير الهمداني أبو عمرو الكوفي ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره انتهى قوله (عن عبد الله بن مسعود قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحل والمحلل له) قال في سبل السلام الحديث دليل على تحريم التحليل لأنه لا يكون اللعن
إلا على فاعل المحرم وكل محرم منهي عنه والنهي يقتضي فساد العقد واللعن وإن كان ذلك للفاعل لكنه علق بوصف يصح أن يكون علة الحكم وذكروا للتحليل صورا منها أن يقول له في العقد إذا أحللتها فلا نكاح وهذا مثل نكاح المتعة لأجل التوقيت ومنها أن يقول في العقد إذا أحللتها طلقتها ومنها أن يكون مضمرا في العقد بأن يتواطأ على التحليل ولا يكون النكاح الدائم هو المقصود وظاهر شمول اللعن وفساد العقد لجميع الصور وفي بعضها خلاف بلا دليل ناهض فلا يستعمل بها انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري كذا في التلخيص قوله (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمر بن الخطاب) أخرج ابن أبي شيبة عنه قال لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتها كذا في شرح الترمذي للشيخ سراج أحمد ولم أقف على سنده (وعثمان بن عفان) قال الشيخ سراج أحمد أخرجه البيهقي قلت لم أقف على سنده ولا على لفظه (وبه يقول سفيان الثوري وابن
[ 223 ]
المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق) قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية واعلم أن المصنف يعني صاحب الهداية استدل بهذا الحديث يعني بحديث لعن الله المحلل والمحلل له على كراهة النكاح المشروط به التحليل وظاهره يقتضي التحريم كما هو مذهب أحمد انتهى قلت لا شك في أن ما قال الامام أحمد هو الظاهر ثم أجاب الزيلعي فقال لكن يقال لما سماه محللا دل على صحة النكاح لأن المحلل هو المثبت للحل فلو كان فاسدا لما سماه محللا انتهى قلت سماه محللا على حسب ظنه فإن من تزوج المطلقة ثلاثا بقصد الطلاق أو شرطه ظن أن تزوجه إياها ووطأها يحلها لزوجها الأول وليس تسميته محللا على أنه مثبت للحل في الواقع ويؤيده قول ابن عمر كنا نعد هذا سفاحا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصححه الحاكم كما تقدم (وسمعت الجارود يذكر عن وكيع أنه قال بهذا) أي بما قال سفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وقال أي وكيع (ينبغي أن يرمي بهذا الباب من قول أصحاب الرأي) يعني أبا حنيفة وأصحابه قال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي أي يطرح ويلقى من قولهم ما ذكروا في هذا الباب من صحة النكاح
وإن قصد الإحلال وذلك لأن اللعن يقتضي النهي عن هذا الفعل وحرمته والحرمة في باب النكاح يقتضي عدم الصحة فقولهم بالصحة مخالف للحديث فيكون مرميا مطروحا قال أجابوا عنه أن قولهم ليس بمخالف للحديث لأن اللعن قد يكون لخسة الفعل وهتك المروءة وتسميته محللا يقتضي صحة العقد ليترتب عليه التحليل وليس في الحديث تصريح بعدم الشرط أو بإثباته فالتوفيق بينهما أن يحمل اللعن على أنه للخسة لا للتحريم لئلا يعارض قوله محللا فلا دلالة فيه على بطلان النكاح بمجرد أن يكون من نيته الإحلال أو بكونه شرط الإحلال انتهى كلام أبي الطيب قلت قوله اللعن قد يكون لخسة الفعل وهتك المروءة ادعاء محض لا دليل عليه بل لعنة الله لا تكون إلا للتحريم وقد تقدم أن تسميته محللا لا يقتضي صحة العقد تنبيه قول الإمام وكيع هذا يدل دلالة ظاهرة على أنه لم يكن حنفيا مقلدا للإمام أبي حنيفة فبطل قول صاحب العرف الشذي أن وكيعا كان حنفيا مقلدا لأبي حنيفة وقد تقدم الكلام في هذا في باب الإشعار من كتاب الحج (قال وكيع وقال سفيان إذا تزوج المرأة ليحللها ثم بدا له أن يمسكها فلا يحل له أن يمسكها حتى يتزوج بنكاح جديد) قال الخطابي في المعالم إذا كان ذلك
[ 224 ]
على شرط بينهما فالنكاح فاسد لأن العقد متناه إلى مدة كنكاح المتعة وإذا لم يكن شرطا ودان نية وعقيدة فهو مكروه فإن أصابها الزوج ثم طلقها وانقضت العدة فقد حلت للزوج الأول وقد كره غير واحد من العلماء أن يضمر أو ينويا أو أحدهما التحليل وإن لم يشترطاه وقال ابراهيم النخعي لا يحله الزوجها الأول إلا أن يكون نكاح رغبة فإن كانت نية أحد الثلاثة الزوج الأول أو الثاني أو المرأة أنه محلل فالنكاح باطل ولا تحل للأول وقال سفيان الثوري إذا تزوجها وهو يريد أن يحللها لزوجها ثم بدا له أن يمسكها لا يعجبني إلا أن يفارقها ويستأنف نكاحا جديدا وكذلك قال أحمد بن حنبل وقال مالك بن أنس يفرق بينها على كل حال انتهى كلام الخطابي وقال الشافعي إن عقد النكاح مطلقا لا شرط فيه فالنكاح ثابت ولا تفسد النية من النكاح شيئا لأن النية حديث نفس وقد رفع عن الناس ما حدثوا به أنفسهم ذكر قول الشافعي هذا
الحافظ المنذري في تلخيصه قلت في كلام الشافعي هذا كلام فتأمل تنبيه قال صاحب العرف الشذي والمشهور عندنا أن الشرط إثم والنكاح صحيح قال ولأبي حنيفة ما أفتى عمر بسند لعله جيد أن رجلا نكح امرأة للتحليل فقال له عمر رضي الله عنه لا تفارق امرأتك وإن طلقتها فأعزرك قال فدل على صحة النكاح للتحليل انتهى قلت روى عبد الرزاق أن امرأة أرسلت إلى رجفزوجته نفسها ليحلها لزوجها فأمره عمر بن الخطاب أن يقيم معها ولا يطلقها وأوعدأن يعاقبه إن طلقها ذكر هذا الأثر الشوكاني في النيل بغير السند ولم أقف علسنده فمن يدعى أنه صحيح فعليه البيان وأثر عمر هذا يخالفه ما أخرج ابن أبي شيبة عنه قال لا أوتي بمحلل له ولا محلل له إلا رجمتهما ويخالفه قول ابن عمر رضي الله عنه كنا نعد هذا سفاحا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصححه الحاكم وقد تقدم ثم قال صاحب العرف الشذي وإن لم يشترط في اللفظ فإن كان الرجل معروفا بهذا الفعل فمكروه تحريما كما في فتح القدير وفي بعض كتبنا أنه إذا لم يشترط في اللفظ فالمحل له ثواب لأنه نفع أخيه المسلم انتهى بلفظه قلت وفي بعض كتب الحنفية أنه مأجور وإن شرطاه بالقول لقصد الاصلاح وهذا هو معمول به عند حنفية ديارنا فيعملون به ويظنون أنهم ينفعون إخوانهم ويصيرون مأجورين فهداهم الله تعالى إلى التحقيق
[ 225 ]
باب ما جاء في نكاح المتعة يعني تزويج المرأة إلى أجل فإذا انقضى وقعت الفرقة قوله (عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي) بن أبي طالب رضي الله عنه ومحمد هذا هو الذي يعرف بابن الحنفية وابنه عبد الله كنيته أبو هاشم وذكر البخاري في التاريخ ولأحمد عن سفيان وكان الحسن أرضاهما إلى أنفسنا وكان عبد الله يتبع السبئية انتهى والسبئية ينسبون إلى عبد الله بن سبأوهو من رؤساء الروافض وكان المختار بن أبي عبيد على رأيه ولما غلب على الكوفوا تتبع قتلة الحسين فقتلهم أحبته الشيعة ثم فارقه أكثرهم لما ظهر منه من الأكاذيب وكان من رأي السبئية موالاة محمد بن علي بن أبي طالب وكانوا يزعمون أنه المهدي وأنه لا يموت حتى يخرج في آخر الزمان ومنهم من
أقر بموته وزعم أن الأمر بعده صار إلى ابنه أبي هاشم هذا ومات أبو هاشم في آخر ولاية س ليمان بن عبد الملك سنة ثمان أو تسع وتسعين (نهى عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر) الظرف متعلق بكلا الأمرين ففي رواية للبخاري نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية وهكذا في رواية لمسلم قوله (وفي الباب عن سبرة الجهني) بفتح السين المهملة وسكون الموحدة أخرجه أحمد ومسلم أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة قال فأقمنا بها خمسة عشر فأذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في متعة النساء وذكر الحديث إلى أن قال فلم أخرج حتى حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع عن النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شئ فليخل سبيله ولا تأخذوا مما أتيتموهن شيئا كذا في المنتقى (وأبي هريرة) أخرجه الدارقطني مرفوعا بلفظ هدم المتعة الطلاق والعدة والميراث قال الحافظ في التلخيص إسناده حسن قوله (حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم قوله (وأمر أكثر أهل العلم على
[ 226 ]
تحريم المتعة وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق) قال الحازمي في كتاب الاعتبار وهذا الحكم كان مباحا مشروعا في صدر الاسلام وإنما أباحه النبي صلى الله عليه وسلم لهم للسبب الذي ذكره ابن مسعود وإنما كان ذلك يكون في أسفارهم ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أباحه لهم وهم في بيوتهم ولهذا نهاهم عنه غير مرة ثم أباحه لهم في أوقات مختلفة حتى حرمه عليهم في آخر أيامه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وكان تحريم تأبيد لا تأقيت فلم يبق اليوم في ذلك خلاف بين فقهاء الأمصار وأئمة الأمة إلا شيئا ذهب إليه بعض الشيعة ويروى أيضا عن ابن جريج جوازه وسنذكر أحاديث تدل على صحة ما ادعيناه ثم ذكر الحازمي تلك الأحاديث إن شئت الوقوف عليها فعليك أن تراجعه قوله (عن موسى بن عبيدة) بالتصغير الربذى بفتح الراء والموحدة ضعيف قاله الحافظ (حتى إذا نزلت الآية إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) قال الطيبي يريد أن الله تعالى وصفهم بأنهم يحفظون فروجهم عن جميع الفروج إلا عن الأزواج والسراري
والمستمتعة ليست زوجة لانتفاء التوارث إجماعا ولا مملوكة بل هي مستأجرة نفسها أياما معدودة فلا تدخل تحت الحكم انتهى وحديث ابن عباس هذا روا الحازمي في كتاب الاعتبار وقال هذا إسناد صحيح لولا موسى بن عبيدة الربذي يسكن الربذة انتهى قلت قال الحافظ ضعيف كما تقدم وقد روى روايات عديدة عن ابن عباس في الرجوع ذكرها الحافظ في الفتح وقال يقوي بعضها بعضا باب ما جاء من النهي عن نكاح الشغار قال في النهاية هو نكاح معروف في الجاهلية كان يقول الرجللرجل شاغرني أي زوجني أختك أو بنتك أو من تلى أمرها حتى أزوجك أختي أو بنتي أو من ألى أمرها ولا يكون بينهما مهر
[ 227 ]
ويكون بضع كل واحدة منهما في إ مقابلة بضع الأخرى وقيل له شغار لارتفاع المهر بينهما من شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه ليبول وقيل الشغر البعد وقيل الاتساع انتهى قوله (ولا جلب ولا جنب) بفتحتين فيهما (ولا شغار) بكسر أوله (في الإسلام) الظاهر أنه قيد في الكل ويحتمل أن يكون قيدا للأخير والجلب والجنب يكونان في السباق وفي الزكاة فالجلب في السباق أن يتبع فرسه رجلا يجلب عليه ويصيح ويزجره حثا له على الجري والجنب أن يجنب إلى فرسه فرسا عريانا فإذا فتر المركوب تحول إليه والجلب في الزكاة أن لا يقرب العامل أموال الناس بل ينزل موضعا ثم يرسل من يجلب إليه الأموال من أماكنها ليأخذ صدقتها فنهى عنه وأمر أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم وأماكنهم والجنب أن يجنب رب المال بماله أي يبعده عن مواضعه حتى يحتاج العامل إلى الإبعاد في أتباعه وطلبه وفي المرقاة للقاري والشغار أن تشاغر الرجل وهو أن تزوجه أختك على أن يزوجك أخته ولا مهر إلا هذا من شغر البلد إذا خلا وهو قول أكثر أهل العلم والمقتضي إفساده الاشتراك في البضع يجعله صداقا وقال أبو حنيفة والثوري يصح العقد لكل منهما (ومن انتهب نهبة) بفتح النون وسكون الهاء مصدر وأما بالضم فالمال المنهوب أي من أخذ ما لا يجوز أخذه قهرا جهرا (فليس منا) أي ليس من المطيعين لأمرنا أو ليس من جماعتنا وعلى طريقتنا قوله
(هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والنسائي قوله (وفي الباب عن أنس) أخرجه أحمد والنسائي (وأبي ريحانة) أخرجه أبو الشيخ بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المشاغرة والمشاغرة أن يقول زوج هذا من هذه وهذه من هذا بلا مهر (وابن عمر) أخرجه الجماعة (وجابر) أخرجه مسلم وأخرج البيهقي أيضا عن جابر بلفظ نهى عن الشغار أن تنكح هذه بهذه بغير صداق يضع هذه صداق هذه ويضع هذه صداق هذه (ومعاوية) أخرجه أحمد وأبو داود (وأبي هريرة رضي الله عنه) أخرجه أحمد ومسلم (ووائل بن حجر) لينظر من أخرجه وفي الباب أيضا عن أبي بن كعب مرفوعا لاشغار قالوا يا رسول الله ما الشغار قال نكاح المرأة بالمرأة لا صداق بينهما قال الحافظ إسناده ضعيف قوله (نهى عن الشغار) هكذا أخرجه الترمذي مختصرا
[ 228 ]
وأخرجه الشيخان وغيرهما مع تفسير الشغار هكذا نهى عن الشغار والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته وليس بينهما صدق قال في المنتقى وأبو داود جعله أي تفسير الشغار من كلام نافع وهو كذلك في تفسير متفق عليها انتهى قال القرطبي تفسير الشغار صحيح موافق لما ذكره أهل اللغة فإن كان مرفوعا فهو المقصود وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضا لأنه أعلم بالمقال وأقعد بالحال انتهى قلت قد وقع في حديث أبي بن كعب قالوا يا رسول الله ما الشغار قال إنكاح المرأة الخ فهذا نص صريح في أن تفسير الشغار مرفوع لكن هذا الحديث ضعيف كما عرفت لكن قال الحافظ وإسناده وإن كان ضعيفا لكنه يستأنس به في هذا المقام انتهى قوله (وقابعض أهل العلم نكاح الشغار مفسوخ ولا يحل وإن جعل لهما صداق وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق الخ) قال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز ولكن اختلفوا في صحته فالجمهور على البطلان وفي رواية عن مالك يفسخ قبل الدخول لابعده وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي وذهب الحنفية إلى صحته ووجوب مهر المئل وهو قول الزهري ومكحول والثوري والليث ورواية عن أحمد وإسحاق وأبي ثور وهو قول علمذهب الشافعي
لاختلاف الجهة لكن قال الشافعي إن النساء محرمات إلا ما أحل الله أو ملك يمين فإذا ورد النهي عن نكاح تأكد التحريم كذا في فتح الباري قلت والظاهر هو ما قال الشافعي رحمه الله والله تعالى أعلم باب ما جاء لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها قوله (عن أبي حريز) بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وسكون التحتية وبالزاء قال الحافظ في التلخيص اسمه عبد الله بن حسين علق له البخاري ووثقه ابن معين وأبو زرعة وضعفه
[ 229 ]
جماعة فهو حسن الحديث قوله (نهى أن تزوج) بصيغة المجهول أي تنكح (المرأة على عمتها أو خالتها) روى ابن حبان في صحيحه وابن عدي هذا الحديث من طريق أبي حريز عن عكرمة عن ابن عباس وزاد في آخره إنكم إذا فعلتم ذلك فطعتم أرحامكم ذكره الحافظ في التلخيص قال وفي الباب ما أخرجه أبو داود في المراسيل عن عيسى بن طلحة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة انتهى وقد ظهر بهذه الزيادة حكمة النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها وهي الاحتراز عن قطع الرحم قال النووي هذا دليل لمذهب العلماء كافة أنه يحرم الجمع بينهما سواء كانت عمة وخالة حقيقية وهي أخت الأب وأخت الأم أو مجازية وهي أخت أبي الأب وأبي الجد وإن علا وأخت أم الأم وأم الجدة من جهتي الأم والأب وإن علت فكلهن حرام بالإجماع ويحرم الجمع بينهما في النكاح أو في ملك اليمين انتهى قوله (وفي الباب عن علي وابن عمر وعبد الله بن عمرو الخ) وقال البيهقي قد جاء من حديث علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأنس وأبي سعيد وعائشة وليس فيها شئ شرط الصحيح انتهى قال الحافظ في الفتح بعد نقل قول البيهقي هذا وذكر مثل ذلك الترمذي بقوله وفي الباب لكن لم يذكر ابن مسعود ولا ابن عباس ولا أنسا وزاد بدلهم أبا موسى وأبا أمامة وسمرة ووقع لي أيضا من حديث أبي الدرداء ومن حديث عتاب بن أسيد ومن حديث
سعد بن أبي وقاص ومن حديث زينب امرأة ابن مسعود فصار عدة من رواه غير الأولين يعني جابرا وأبا هريرة ثلاثة عشر نفسا وأحاديثهم موجودة عند ابن أبي شيبة وأحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه وأبي يعلى والبزار والطبراني وابن حبان وغيرهم قال ولولا خشية التطويل لأوردتها مفصلة انتهى كلام الحافظ قوله (حدثنا عامر) هو الشعبي قوله (نهى أن تنكح) بصيغة
[ 230 ]
المجهول (ولا تنكح الصغرى) أي ببنت الأخ أو بنت الأخت وسميت صغرى لأنها بمنزلة البنت (على الكبرى) أي سنا غالبا أو رتبة فهي بمنزلة الأم والمراد بها العمة والخالة (ولا الكبرى على الصغرى) كرر النفي من الجانبين للتأكيد لقوله نهى عن تنكح المرأة على عمتها الخ قوله (حديث ابن عباس وأبي هريرة حديث حسن صحيح) المراد بحديث ابن عباس هو المذكور أولا وأخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضا ومسلم لم يخرجه هكذا بتمامه ولكنه فرقه حديثين فأخرج صدره عن أبي سلمة عن أبي هرير مرفوعا لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها انتهى وأخرج باقيه عن قبيصة بن ذويب عن أبي هريرة مرفوعا لا تنكح العمة على بنت الأخ ولا ابنة الأخت على الخالة انتهى كذا في نصب الراية قوله والعمل على هذا عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافا الخ وقال ابن المنذر لست أعلم في منع ذلك اختلافا اليوم وإنما قال بالجواز فرقة من الخوارج وإذا ثبت الحكم بالسنة واتفق أهل العلم على القول به لم يضره خلاف من خالفه وكذا نقل الإجماع ابن عبد البر وابن حزم والقرطبي والنوو لكن استثنى ابن حزم عثمان البتي وهو أحد الفقهاء القدماء من أهل البصرة واستثنى النووي طائفة من الخوارج والشيعة واستثنى القرطبي الخوارج ولفظه اختار الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين انتهى وفي نقله عنهم جواز الجمع بين الأختين غلط بين فإن عمدتهم التمسك بأدلة القرآن لا يخالفونها البتة وإنما يردون الأحاديث لاعتقادهم عدم الثقة بنقلتها وتحريم الجمع بين الأختين بنصوص القرآن كذا في فتح الباري قوله (فنكاح الأخرى منهما مفسوخ) أي باطل وأما نكاح الأولى منهما فصحيح هذا إذا عقد على إحداهما ثم عقد على
ا لأخرى وأما إذا عقد عليهما معا بعقد واحد فنكاحهما باطل قوله (أدرك الشعبي أبا هريرة)
[ 231 ]
الشعبي بفتح الشين المعجمة هو عامبن شراحيل الكوفي ثقة مشهور فقيه فاضل قال أدركت خمسمائة من الصحابة فائدة الجمع بين زوجة رجل وبنته من غيرها جائز قال البخاري في صحيحه جمع عبد الله بن جعفر بين ابنة علي وامرأة علي وقال ابن سيرين لا بأس به وكرهه الحسن مرة ثم قال لا بأس به انتهى باب ما جاء في الشرط عند عقدة النكاح قوله (عن مرثد) بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة (ابن عبد الله اليزني) بفتح التحتانية والزاي بعدها نون (أبي الخير) كنية مرثد قوله (إن أحق الشروط أن يوفي بها) بالتخفيف من باب الأفعال ويجوز التشديد من التفعيل وأن يوفي بها بدل من الشروط والمعنى أحق الشروط بالوفاء (ما استحللتم به الفروج) خبر إن قال القاضي المراد بالشروط ههنا المهر لأنه المشروط في مقابلة ا لبضع وقيل جميع ما تستحقه المرأة بمقتضى الزوجية من المهر والنفقة وحسن المعاشرة فإن الزوج التزمها بالعقد فكأنها شرطت فيه وقيل كل ما شرط الزوج ترغيبا للمرأة في النكاح ما لم يكن محظورا قال النووي قال الشافعي أكثر العلماء على أن هذا محمول على شرط لا ينافي مقتضى النكاح ويكون من مقاصده كاشتراط العشرة بالمعروف والإنفاق عليها وكسوتها وسكناها ومن جانب المرأة أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه ونحو ذلك وأما شرط يخالف مقتضاه كشرط أن لا يقسم لها ولا يتسرى عليها ولا ينفق ولا يسافر بهونحو ذلك فلا يجيب الوفاء به بل يكون لغوا ويصح النكاح بمهر المثل وقال أحمد يجب الوفاء بكل شرط قال الطيبي فعلى هذا الخطاب في قوله (ما استحللتم) للتغليب فيدخل فيه الرجال والنساء
[ 232 ]
ويدل عليه الرواية الأخرى ما استحللت به الفروج كذا في المرقاة قوله (هذا حديث حسن
صحيح) أخرجه الجماعة قوله (منهم عمر بن الخطاب قال إذا تزوج الرجل امرأة وشرط لها أن لا يخرجها من مصرها فليس له أن يخرجها) روى سعيد بن منصور من طريق إسماعيل بن عبيد الله وهو ابن أبي المهاجر عن عبد الرحمن بن غنيم قال كنت مع عمر حيث تمس ركبتي ركبته فجاءه رجل فقال يا أمير المؤمنين تزوجت هذه وشرطت لها دارها وإني أجمع لأمري أو لشأني أن انتقل إلى أرض كذا وكذا فقال لها شرطها فقال الرجل هلك الرجل إذ لا تشاء امرأة أن تطلق زوجها إلا طلقت فقال عمر المؤمنون على شروطهم عند مقاطع حقوقهم انتهى وذكره البخاري في صحيحه مختصرا معلقا وقد اختلف عن عمر فروى ابن وهب بإسناد جيد عن عبيد بن السباق أن رجلا تزوج امرأة فشرط لها أن لا يخرجها من دارها فارتفعوا إلى عمر فوضع الشرط وقال المرأة مع زوجها قال أبو عبيد تضادت الروايات عن عمر في هذا وقد قال بالقول الأول عمرو بن العاص ومن التابعين طاؤس وأبو الشعثاء وهو قول الأوزاعي (وهو قول بعض أهل العلم وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق) قال الحافظ والنقل في هذا عن الشافعي غريب بل الحديث عندهم محمول على الشروط التي لا تنافي مقتضى النكاح بل تكون من مقتضياته ومقاصده كاشتراط العشرة بالمعروف والإنفاق والكسوة والسكنى وأن لا يقصر في شئ من حقها من قسمة ونحوها وكشرطه عليها أن لا تخرج إلا بإذنه ولا تمنعه نفسها ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه ونحو ذلك وأما شرط ينافي مقتضى النكاح كأن لم يقسم لها أو لا يتسرى عليها أو لا ينفق أو نحو ذلك فلا يجب الوفاء به بل إن وقع في صلب العقد لغى وصح النكاح بمهر المثل في وجه يجب المسمى ولا أثر للشرط وفي قول للشافعي يبطل النكاح وقال أحمد وجماعة يجب الوفاء بالشرط مطلقا وقد استشكل ابن دقيق العيد حمل الحديث على الشروط التي هي من مقتضيات النكاح وقال تلك الأمور لا تؤثر الشرو في إيجابها فلا تشتد الحاجة إلى تعليق الحكم باشتراطها وسياق الحديث يقتضي خلاف ذلك لأن لفظ أحق الشروط يقتضي أن يكون بعض الشروط يقتضي الوفاء بها وبعضها أشد اقتضاء والشروط التي هي من مقتضى العقد مستوية في وجوب الوفاء بها انتهى (وعن علي بن أبي طالب أنه قال شرط الله قبل شرطها
[ 233 ]
كأنه رأى للزوج أن يخرجها وإن كانت اشترطت على زوجها أن لا يخرجها وذهب بعض أهل العلم إلى هذا وهو قول سفيان الثوري وبعض أهل الكوفة) قال الحافظ وقال الليث والثوري والجمهور بقول علي حتى لو كان صداق مثلها مائة مثلا فرضيت بخمسين على أن لا يخرجها فله إخراجها ولا يلزمه إلا المسمى وقالت الحنفية لها أن ترجع بما نقصته له من الصداق وقال الشافعي يصح النكاح ويلغو الشرط ويلزمه مهر المثل وعنه يصح وتستحق الكل وقال أبو عبيد والذي نأخذ به أنا نأمره بالوفاء بشرطه من غير أن يحكم عليه بذلك قال وقد أجمعوا على أنها لو اشترطت عليه أن لا يطأها لم يجب الوفاء بذلك الشرط فكذلك هذا قال الحافظ ومما يقوي حمل حديث عقبة على الندب ما في حديث عائشة في قصة بريرة كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل والوطء والإسكان وغيرهما من حقوق الزوج إذا شرط عليه إسقاط شئ منها كان شرطا ليس في كتاب الله وأخرج الطبراني في الصغير بإسناد حسن عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب أم مبشر بنت البراء ابن معروف فقالت إني شرطت لزوجي أن لا أتزوج بعده فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا لا يصلح انتهى باب في الرجل يسلم وعنده عشرة نسوة قوله (إن غيلان) بفتح الغين (أن يتخير منهن أربعا) قال المظهر فيه إن أنكحة الكفار صحيحة حتى إذا أسلموا لم يؤمروا بتجديد النكاح إلا إذا كان في نكاحهم من لا يجوز الجمع بينهن من النساء وإنه لا يجوز أكثر من أربع نسوة وإنه إذا قال اخترت فلانة وفلانة للنكاح ثبت نكاحهن وحصلت الفرقة بينه وبين ما سوى الأربع من غير أن يطلقهن قال محمد في موطإه بهذا نأخذ يختار منهن أربعا أيتهن شاء ويفارق ما بقي وأما أبو حنيفة رحمه الله فقال الأربع الأول
[ 234 ]
جائز ونكاح من بقي منهن باطل وهو قول ابراهيم النخعي رحمه الله قال ابن الهمام والأوجه قول
محمد وفي الهداية وليس له أن يتزوج أكثر من ذلك قال ابن الهمام اتفق عليه الأربعة وجمهور المسلمين أما الجواري فله ما شاء منهن انتهى قوله (قال محمد وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلا من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر الخ) يعني أن المحفوظ عن الزهري بهذا السند هو هذا الموقوف على عمر وأما الحديث المرفوع المذكور بهذا السند فهو غير محفوظ بل الصحيح أنه عن الزهري قال حدثت عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة أسلم الخ كما روى شعيب بن حمزة وغيره عن الزهري لا كما روى معمر عن الزهري وحكم مسلم في التمييز على معمر بالوهم وقال ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة المرسل أصح لكن الإمام أحمد أخرج في مسنده عن ابن علية ومحمد بن جعفر جميعا عن معمر بالحديثين معا المرفوع والموقوف على عمر ولفظه أن ابن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشرة نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اختر منهن أربعا فلما كان في عهد عمر طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه فبلغ ذلك عمر فقال إني لأظن الشيطان مما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك وأعلمك أنك لا تمكث إلا قليلا وأيم الله لتراجعن نساءك ولترجعن مالك أو لأورثهن منك ولآمرن بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رغال انتهى والموقوف على عمر هو الذي حكم البخاري بصحته عن الزهري عن سالم عن أبيه بخلاف أول القصة قوله (كما رجم قبر أبي رغال) بكسر الراء المهملة بعدها غين معجمة في القاموس في فصل الراء من باب اللام وأبو رغال ككتاب في سنن أبي داود ودلائل النبوة وغيرهما عن ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر فقال هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عنه فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكافدفن فيه الحديث وقول الجوهري كان دليلا للحبشة حين توجهوا إلى مكة فمات في الطريق غير معتد به وكذا قول ابن سيدة كان عبدا لشعيب وكان عشارا
[ 235 ]
جائرا انتهى وفي بعض الحواشي يضرب به المثل في الظلم والشؤم وهو الذي يرجم الحاج قبره إلى الان قال جرير إذا مات الفرزدق فارجموه كما ترجمون قبر أبي رغال باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده أختان
قوله (انه سمع ابن فيروز) بفتح الفاء غير منصرف للعجمة والعلمية واسمه الضحاك (بحديث عن أبيه) هو فيروز الديلي وهو من أبناء فارس من فرس صنعاء وكان ممن وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قاتل الأسود العنسي الكذاب الذي ادعى النبوة باليمن قتل في آخر أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصله خبره في مرضه الذي مات فيه روى عنه ابناه الضحاك وعبد الله وغيرهما مات في خلافة عثمان قوله (اختر أيتهما شئت) وفي رواية أبي داود طلق أيتهما شئت قال المظهر ذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى أنه لو أسلم رجل وتحته أختان وأسلمتا معه كان له أن يختار إحداهما سواء كانت المختارة تزوجها أولا أو آخرا وقال أبو حنيفة رحمه الله أن تزوجهما معا لا يجوز له أن يختار واحدة منهما وأن تزوجهما متعاقبتين له أن يختار الأولى منهما دون الأخيرة انتهى قال الشوكاني والظاهر ما قاله الأولون لتركه صلى الله عليه وسلم الاستفصال ولما في قوله اختر أيتهما من الاطلاق انتهى قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه قال في النيل وأخرجه أيضا الشافعي وصححه ابن حبان والدارقطني والبيهقي وأعله البخاري والعقيلي انتهى قلت في سند الترمذي ابن لهيعة فتحسينه لتعدد الطرق قوله (وأبو وهب الجيشاني) بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها معجمة (اسمه الديلم بن هوشع) وقال ابن يونس هو عبيد بن شرحبيل مقبول من الرابعة كذا في التقريب
[ 236 ]
باب الرجل يشتري الجارية وهي حامل قوله (عن بسر) بضم الموحدة وسكون السين المهملة (ابن عبيد الله) الحضرمي الشامي ثقة حافظ (عن رويفع) بالتصغير قوله (فلا يسقى) بفتح أوله أي يدخل (ماءه) أي نطفته (ولد غيره) وفي رواية أبي داود زرع غيره يعني إتيان الحبالى وزاد أبو داود ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبى حتى يستبرئها ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الأخر أن يبيع مغنما حتى يقسم قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وأبو داود والدارمي وابن أبي
شيبة والطبراني والبيهقي والضياء المقدسي وابن حبان وصححه والبزار وحسنه قوله (وفي الباب عن ابن عباس) أخرجه الحاكم بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن بيع المغانم حتى تقسم وقال لا تسق ماءك زرع غيرك وأصله في النسائي (وأبي الدرداء) عن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على امرأة مجح على باب فسطاط فقال لعله يريد أن يلم بها فقالوا نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره وكيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود ورواه أبو داود الطيالسي وقال كيف يورثه وهولا يحل له وكيف يسترقه وهو لا يحل له والمجح هي الحامل كذا في المنتقى (والعرباض بن سارية) أخرجه أحمد والترمذي بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهم كذا في المنتقى (وأبي سعيد) أخرجه أحمد وأبو داود بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبى أوطاس لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة وأخرجه الحاكم صححه قال الحافظ في التلخيص إسناده حسن انتهى
[ 237 ]
باب ما جاء يسبى الأمة ولها زوج هل يحل له وطؤها أي هل يجوز للسابى وطء تلك الأمة بعد الاستبراء قوله (حدثنا عثمان البتي) هو عثمان بن مسلم البتي بفتح الموحدة وتشديد المثناة أبو عمرو البصري صدوق (أصبنا سبايا يوم أوطاس) بالصرف وقد لا يصرف موضع أو بقعة على ثلاث مراحل من مكة فيها وقعة للنبي صلى الله عليه وسلم قال القاري (والمحصنات) أي وحرمت عليكم المحصنات أي ذوات الأزواج (من النساء) أن تنكحوهن قبل مفارقة أزواجهن حرائر مسلمات كن أولا (إلا ما ملكت أيمانكم) من الإماء بالسبي فلكم وطؤهن وإن كان لهم أزواج في دار الحرب بعد الاستبراء والحديث رواه مسلم مطولا ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس فلقى عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا فكأن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله تعالى في ذلك (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن انتهى قال النووي المراد بقوله إذا انقضت عدتهن أي استبراؤهن وهي بوضع الحمل عن
الحامل وبحيضة من الحاثل كما جاءت به الأحاديث الصحيحة والحديث دليل عن أن السبايا يحل وطؤهن بعد الاستبراء وإن كن ذوات الأزواج قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي
[ 238 ]
باب ما جاء في كراهية مهر البغى بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتانية وهو فغيل بمعنى فاعله وجمع البغى البغايا والبغاء بكسر أوله الزنا والفجور وأصل البغاء الطلب غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد قوله (عن ثمن الكلب) فيه دليل على تحريم بيع الكلب وظاهره عدم الفرق بين المعلم وغيره سواء كان مما يجوز اقتناؤه أو مما لا يجوز وإليه ذهب الجمهور وقال أبو حنيفة يجوز وقال عطاء والنخعي يجوز بيع كلب الصيد دون غيره ويدل عليه ما أخرجه النسائي من حديث جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب صيد قال في الفتح ورجال إسناده ثقات إلا أنه طعن في صحته وأخرج نحوه الترمذي من حديث أبي هريرة لكن من رواية أبي المهزم وهو ضعيف فينبغي حمل المطلق على المقيد ويكون المحرم بيع ما عدا كلب الصيد إن صلح هذا المقيد للاحتجاج به (ومهر البغى) المراد به ما تأخذه الزانية على الزنا وهو مجمع على تحريمه (وحلوان الكاهن) بضم الحاء المهملة وسكون اللام هو ما يعطاه الكاهن على كهانته والكاهن قال الخطابي هو الذي يدعى مطالعة علم الغيب ويخبر الناس عن الكوائن قال الحافظ في الفتح حلوان الكاهن حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاطاه العرافون من استطلاع الغيب قوله (وفي الباب عن رافع بن خديج وأبي جحيفة وأبي هريرة وابن عباس) أما حديث رافع بن خديج فلينظر من أخرجه وأما حديث أبي جحيفة فأخرجه البخاري ومسلم وأما حديث أبي هريرة فلينظر من أخرجه وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد وأبو داود قوله (حديث أبي مسعود حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة
[ 239 ]
باب ما جاء أن لا يخطب الرجل على خطبة أخيه قال في النهاية خطب يخطب خطبه بالكسر فهو خاطب والاسم منه الخطبة أيضا وأما الخطبة بالضم فهو من القول والكلام انتهى وقال في الصراح خطبة بالكسر زن خواستن قوله (قال قتيبة يبلغ به) أي قال قتيبة في روايته يبلغ به أي يرفع أبو هريرة الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (وقال أحمد) أي قال أحمد بن منيع في روايته (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) فمعنى روايتهما واحد وإنما الفرق في اللفظ قوله (لا يبيع الرجل على بيع أخيه) قال العلماء البيع على البيع حرام وكذلك الشراء على الشراء وهو أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار افسخ لأبيعك بأنقص أو يقول للبايع افسخ لأشتري منك بأزيد قال الجمهور لا فرق في ذلك بين المسلم والذمي وذكر الأخ خرج للغائب فلا مفهوم له (ولا يخطب على خطبة أخيه) قال الجزري في النهاية هو أن يخطب الرجل المرأة فتركن إليه ويتفقا على صداق ويتراضيا ولم يبق إلا العقد فأما إذا لم يتفقا ولم يتراضيا ولم يركن أحدهما إلى الآخر فلا يمنع من خطبتها وهو خارج عن النهي انتهى قوله (وفي الباب عن سمرة وابن عمر) وفي الباب أيضا عن عقبة بن عامر أما حديث سمرة فأخرجه أحمد مرفوعا بلفظ نهى النبي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه وأما حديث ابن عمر فأخرجه أحمد والبخاري والنسائي ولفظه لا يخطب الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه أحمد ومسلم ولفظه المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري والنسائي قوله (والحجة في ذلك
[ 240 ]
حديث فاطمة بنت قيس الخ) قال النووي في شرح مسلم هذه الأحاديث ظاهرة في تحريم الخطبة على خطبة أخيه وأجمعوا على تحريمها إذا كان قد صرح للخاطب بالإجابة ولم يأذن ولم يترك فلو خطب على خطبته وتزوج والحالة هذه عصى وصح النكاح ولم يفسخ هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال داود يفسخ النكاح وعن مالك روايتان كالمذهبين وقال جماعة من أصحاب
مالك بفسخ قبل الدخول لا بعده وأما إذا عرض له بالإجابة ولم يصرح ففي تحرير الخطبة على خطبته قولان للشافعي أصحهما لا يحرم وقال بعض المالكية لا يحرم حتى يرضو بالزوج ويسمى المهر واستدلوا لما ذكرناه من أن التحريم إنما هو إذا حصلت الإجابة بحديث فاطمة بنت قيس فإنها قالت خطبني أبو جهم ومعاوية فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم خطبة بعضهم على بعض بل خطبها لأسامة وقد يعترض على هذا الدليل فيقال لعل الثاني لم يعلم بخطبة الأول وأما النبي صلى الله عليه وسلم فأشار بأسامة لا أنه خطب له واتفقوا على أنه إذا ترك الخطبة رغبة عنها أو أذن فيها جازت الخطبة على خطبته وقد صرح بذلك في هذه الأحاديث انتهى قوله (على فاطمة بنت قيس) أي القرشية أخت الضحاك كانت من المهاجرات الأول (فحدثت أن زوجها طلقها ثلاثا) وفي رواية لمسلم وغيره فبعث إليها بتطليقه كانت بقيت لها (ووضع لي عشرة أقفزة) جمع قفيز وهو مكيال معروف (خمسة شعير وخمسة بر) بدل من عشرة أقفزة (فقال صدق) أي في عدم جعله لك السكنى
[ 241 ]
والنفقة (يغشاها المهاجرون) أي يدخلون عليها (فعسى أن تلقى ثيابك فلا يراك) قال النووي احتج بعض الناس بهذا على جواز نظر المرأة إلى الأجنبي بخلاف نظره إليها وهو ضعيف والصحيح الذي عليه الجمهور أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي كما يحرم عليه النظر إليها لقوله تعالى قل للمؤمنات يغضوا من أبصارهم الآية ولحديث أم سلمة أفعمياوان أنتما وأيضا ليس في هذا الحديث رخصة لها في النظر إليه بل فيه أنها آمنة عنده من نظر غيره وهي مأمورة بغض بصرها عنه انتهى (خطبني أبو جهم ومعاوية) أبو جهم هذا هو عامر بن حذيفة العدوي القرشى وهو مشهور بكنيته وهو الذي طلب النبي صلى الله عليه وسلم انبجانية في الصلاة قال النووي وهو غير أبي جهم المذكور في التيمم وفي المرور بين يدي المصلي ومعاوية هذا هو ابن أبي سفيان بن حرب الأموي (أما معاوية فرجل لا مال له وفي رواية مسلم فصعلوك لا مال له والصعلوك بالضم الفقير الذي لا مال له (وأما أبو جهم فرجل شديد على النساء) وفي رواية لمسلم فرجل ضراب للنساء وفي هذا دليل على جواز ذكر الانسان بما فيه عند المشاورة وطلب النصيحة ولا
يكون هذا من الغيبة المحرمة (فبارك الله في أسامة) وفي رواية مسلم فجعل الله فيه خيرا واغتبطت قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم بطوله والبخاري مختصرا قوله (ورواه سفيان الثوري عن أبي بكر بن أبي جهم الخ) أخر هذه الرواية مسلم وقد أخرح مسلم حديث فاطمة بنت قيس من طرق عديدة مطولا مختصرا وقد استنبط منه النووي فوائد كثيرة في شرح مسلم فعليك أن تراجعه
[ 242 ]
باب ما جاء في العزل بفتح العين المهملة وسكون الزاي هو النزع بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج قوله (فزعمت اليهود أنه) أي العزل (الموءودة الصغرى) الوأد دفن البنت حية وكانت العرب تفعل ذلك خشية الإملاق والعار قاله النووي والمعنى أن اليهود زعموا أن العزل نوع من الوأد لأن فيه إضاعة النطفة التي أعدها الله تعالى ليكون منها الولد وسعيا في إبطال ذلك الاستعداد بعزلها عن محلها (كذبت اليهود) أي في زعمهم إن العزل الموءودة الصغرى (إن الله تعالى إذا أراد أن يخلقه لم يمنعه) أي العزل أو شئ وهذا الحديث دليل لمن أجاز العزل قوله (وفي الباب عن عمر والبراء وأبي هريرة وأبي سعيد) أما حديث عمر فأخرجه أحمد وابن ماجه عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل من الحرة إلا بإذنها قال صاحب المنتقى ليس إسناده بذاك وقال الشوكاني في إسناده ابن لهيعة وفيه مقال معروف ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عباس قال نهى عن عزل الحرة إلا بإذنها وروى عنه ابن أبي شيبة أنه كان يعزل عن أمته وروى البيهقي عن ابن عمر مثله وأما حديث البراء فلينظر من أخرجه وأما حديث أبي هريرة فأخرجه النسائي نحو حديث أبي سعيد وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أحمد وأبو داود قال قالت اليهود العزل الموءودة الصغرى فقال النبي صلى الله عليه وسلم كذبت اليهود إن الله عز وجل لو أراد أن يخلق شيئا لم يستطع أحد أن يصرفه فإن قلت حديث الباب وما في معناه يعارضه حديث جذامة بنت وهب ففيه ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الوأد الخفي وهي (وإذا الموءودة سئلت) أخرجه أحمد ومسلم فما وجه الجمع والتوفيق بين هذين الحديثين قلت قد اختلفوا في وجه
الجمع فمن العلماء من جمع بينهما بحمل حديث جذامة على التنزيه وهذه طريقة البيهقي ومنهم من ضعف حديث جذامة لمعارضته لما هو أكثر منه طرقا قال الحافظ وهذا دفع للأحاديث الصحيحة بالتوهم والحديث صحيح لا ريب فيه والجمع ممكن ومنهم من ادعى أنه منسوخ
[ 243 ]
ورد بعدم معرفة التاريخ وقال الطحاوي يحتمل أن يكون حديث جذامة على وفق ما كان عليه الأمر أولا من موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه ثم علمه الله بالحكم فكذب اليهود فيما كانوا يقولونه وتعقبه ابن رشد وابن العربي بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحرم شيئا تبعا لليهود ثم يصرح بتكذيبهم فيه ومنهم من رجح حديث جذامة بثبوته في الصحيح وضعف مقابله بالاختلاف في إسناده والاضطراب وقال الحافظ ورد بأنه إنما يقدح في حديث لا فيما يقوى بعضه بعضا فإنه يعمل به وهو هنا كذلك والجمع ممكن ورجح ابن حزم العمل بحديث جذامة بأن أحاديث غيرها موافقة لأصل الإباحة وحديثها يدل على المنع قال فمن ادعى أنه أبيح بعد أن منع فعليه البيان وتعقب بأن حديثها ليس صريحا في المنع إذا لا يلزم من تسميته وأدا خفيا على طريقي التشبيه أن يكون حراما وجمع ابن القيم فقال الذي كذب فيه صلى الله عليه وسلم اليهود هو زعمهم أن العزل لا يتصور معه الحمل أصلا وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد فأكذبهم وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأد حقيقة وإنما وأدا خفيا في حديث جذامة لأن الرجل إنما يعزل هربا من الحمل فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة اجتمع فيه القصد والفعل والعزل يتعلق بالقصد فقط فلذلك وصفه بكونه خفيا وهذا الجمع قوي كذا في النيل قوله (كنا نعزل والقرآن ينزل) فيه جواز الاستدلال بالتقرير من الله ورسوله على حكم من الأحكام لأنه لو كان ذلك الشئ حراما لم يقررا عليه ولكن بشرط أن يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذهب الأكثر من أهل الأصول على ما حكاه في الفتح إلى أن الصحابي إذا أضاف الحكم إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان له حكم الرفع قال لأن الظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وأقره لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام قال وقد وردت عدة طرق تصرح باطلاعه على ذلك
وأخرج مسلم من حديث جابر قال كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا قوله (حديث جابر حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم قوله (وقد رخص قوم من أهلم العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في العزل) فاستدلوا بأحاديث الباب (وقال مالك بن أنس تستأمر الحرة في العزل ولا تستأمر الأمة) يدل عليه ما رواه أحمد وابن ماجه عن
[ 244 ]
عمر بن الخطاب قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها وفي إسناده ابن لهيعة وفيه مقال معروف ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عباس قال نهى عن عزل الحرة إلا بإذنها وروى عنه ابن أبي شيبة أنه كان يعزل عن أمته وروى البيهقي عن ابن عمر مثله وقد اختلف السلف في حكم العزل فحكى في الفتح عن ابن عبد البر أنه قال لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها لأن الجماع من حقها ولها المطالبة به وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه العزل قال الحافظ وافقه في نقل هذا الاجماع ابن هبيرة قال وتعقب بأن المعروف عند الشافعية أنه لاحق للمرأة في الجماع فيجوز عندهم العزل عن الحرة بغير إذنها على مقتضى قولهم ويدل على اعتبار الإذن من الحرة حديث عمر المذكور وأما الأمة فإن كانت زوجة فحكمها حكم الحرة واختلفوا هل يعتبر الإذن منها أو من سيدها وإن كانت سرية فقال في الفتح يجوز بلا خلاف عندهم إلا في وجه حكاه الروياني في المنع مطلقا كمذهب ابن حزم باب ما جاء في كراهية العزل قوله (عن قزعة) بفتح القاف والزاي ابن يحي البصري ثقة من الثالثة قوله (لم يفعل ذلك أحدكم وزاد ابن أبي عمر في حديثه ولم يقل لا يفعل ذلك أحدكم) أشار إلى أنه لم يصرح لهم بالنهي وإنما أشار إلى أن الأولى ترك ذلك لأن العزل إنما كان خشية حصول الولد فلا فائدة في ذلك لأن الله إن كان قد خلق الولد لم يمنع العزل ذلك فقد يسبق الماء ولم يشعر العازل فيحصل العلوق ويلحقه الولد ولا راد لما قضى الله والفرار من حصول الولد يكون لأسباب منها
خشية علوق الزوجة الأمة لئلا يصير الولد رقيقا أو خشية دخول الضرر على الولد المرضع إذا
[ 245 ]
كانت الموطوءة ترضعه أو فرارا من كثرة العيال إذا كان الرجل مقلا فيرغب في قلة الولد لئلا يتضرر بتحصيل الكسب وكل ذلك لا يغني شيئا وقد أخرج أحمد والبزار وصححه ابن حبان من حديث أنس أن رجلا سأل عن العزل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله منها ولدا وله شاهدان في الكبير للطبراني عن ابن عباس وفي الأوسط له عن ابن مسعود كذا في الفتح باب ما جاء في القسمة للبكر والثيب قوله (قال) أي أبو قلابة (لو شئت أن أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه قال السنة) كان يشير إلى أنه لو صرح برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكان صادقا ويكون روى بالمعنى وهو جائز عنده لكنه رأى أن المحافظة على اللفظ أولى واعلم أن الصحابي إذا قال السنة أو من السنة فالمراد به سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي يتبادر من قول الصحابي وقد وقع في صحيح البخاري في الحج قول سالم بن عبد الله بن عمر حين سأله الزهري عن قول ابن عمر للحجاج إن كنت تريد السنة هل تريد سنة النبي صلى الله عليه وسلم فقال له سالم وهل يعنون بذلك إلا سنته انتهى (إذا تزوج الرجل البكر على امرأته) أي يكون عنده امرأة فيتزوج معها بكرا (أقام عندها سبعا) زاد في رواية الشيخين ثم قسم قوله (وإذا تزوج ثيبا على امرأته أقام ثلاثا) زاد في رواية الشيخين ثم قسم وفي رواية الدارقطني للبكر سبعة أيام وللثيب ثلاثة ثم يعود إلى نسائه قوله (وفي الباب عن أم سلمة) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوجها أقام عندها ثلاثة أيام وقال إنه ليس بك هوان على أهلك فإن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي وفي رواية الدارقطني إن شئت أقمت عندك ثلاثا خالصة لك وإن شئت سبعت لك وسبعت لنسائي قالت تقيم معي ثلاثا خالصة وفي إسناد رواية الدارقطني هذه الواقدي وهو ضعيف جدا قوله (حديث أنس حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم قالوا
[ 246 ]
إذا تزوج الرجل امرأة بكرا على امرأته أقام عندها سبعا ثم قسم بينهما بعد بالعدل الخ) واستدلوا بأحاديث الباب فإنها ظاهرة فيما قالوا وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور العلماء قال النووي في شرح مسلم وفيه أن حق الزفاف ثابت للمزفوفة وتقدم به على غيرها فإن كانت بكرا كان لها سبع ليال بأيامها بلا قضاء وإن كانت ثيبا كان لها الخيار إن شاءت سبعا ويقضي السبع لباقي النساء وإن شاءت ثلاثا ولا يقضي وهذا مذهب الشافعي وموافقيه وهو الذي ثبتت فيه هذه الأحاديث الصحيحة ومن قال به مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن جرير وجمهور العلماء انتهى كلام النووي وروى الامام محمد في موطإه حديث أم سلمة وفيه إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن وإن شئت ثلثت عندك ودرت قالت ثلث قال محمد بهذا نأخذ ينبغي إن سبع عندها أن يسبع عندهن لا يزيد لها عليهن شيئا وإن ثلث عندها يثلث عندهن وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا انتهى قلت مذهب الحنفية أنه لا فرق بين الجديدة والقديمة ولا بين البكر والثيب بل يجب القسم بينهن بالسوية والاستدلال على هذا بحديث أم سلمة غير ظاهر بل الظاهر منه هو ما ذهب إليه الجمهور وقد أقر به صاحب التعليق الممجد على موطإ محمد وكذا الظاهر من سائر أحاديث الباب هو ما ذهب إليه الجمهور ويؤيده رواية الدارقطني بلفظ إن شئت أقمت عندك ثلاثا خالصة لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي قالت تقيم معي ثلاثا خالصة واستدل أبو حنيفة وأصحابه بالظواهر الواردة بالعدل بين الزوجات وأجيبوا بأن أحاديث الباب مخصصة للظواهر العامة والحاصل أن المذهب الراجح الظاهر من الأحاديث الصحيحة هو مذهب الجمهور والله تعالى أعلم تنبيه اعلم أن الإمام أبا حنيفة وأصحابه كما تركوا العمل بظاهر أحاديث الباب كذلك ترك الإمام مالك وأصحابه العمل بظاهر حديث أم سلمة المذكور فإنه يفهم منه جواز التخيير للثيب بين الثلاث بلا قضاء والسبع مع القضاء وإليه ذهب الشافعي وأحمد والجمهور وقال مالك وأصحابه لا تخيير بل للبكر الجديدة سبع وللثيب ثلاث بدون التخيير والقضاء قال ابن عبد
البر هذا يعني حديث أم سلمة تركه مالك وأصحابه للحديث الذي رواه مالك عن أنس انتهى وأشار به إلى حديث أنس المذكور في الباب قال صاحب التعليق الممجد واعتذر أصحاب مالك عن حديث أم سلمة الدال صريحا على التخيير بأن مالكا رأى ذلك من خصائص
[ 247 ]
النبي صلى الله عليه وسلم لأنه خص في النكاح بخصائص فاحتمال الخصوصية منع من الأخذ به وفيه ضعف ظاهر لأن مجرد الاحتمال لا يمنع الاستدلال انتهى قلت الأمر كما قال صاحب التعليق الممجد باب ما جاء في التسوية بين الضرائر هي زوجات الرجل لأن كل واحدة تتضرر بالأخرى بالغيرة والقسم كذا في المجمع قوله (كان يقسم بين نسائه فيعدل) استدل به من قال أن القسم كان واجبا عليه وذهب بعض المفسرين إلا أنه لا يجب عليه واستدلوا بقوله تعالى ترجى من تشاء منهن الآية وذلك من خصائصه (ويقول اللهم هذه قسمتي فيما أملك) أي أقدر عليه (فلا تلمني) أي لا تعاتبني ولا تؤاخذني (فيما تملك ولا أملك) أي من زيادة المحبة والميل قال ابن الهمام ظاهره أن ما عداه مما هو داخل تحت ملكه وقدرته يجب التسوية فيه ومنه عدد الوطآت والقبلات والتسوية فيهما غير لازمة إجماعا قوله (وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة) وكذا أعله النسائي والدارقطني وقال أبو زرعة لا أعلم أحدا تابع حماد بن سلمة على وصله والحديث أخرجه الخمسة إلا أحمد وأخرجه أيضا الدارمي وصححه ابن حبان والحاكم قوله (كذا فسره بعض أهل العلم) أخرج
[ 248 ]
البيهقي من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس في قوله (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء) قال في الحب والجماع وعند عبيدة بن عمرو السلماني مثله قوله (جاء يوم القيامة وشقه ساقط) وفي بعض الروايات جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطا أو ماثلا قال الطيبي في شرح قوله وشقه ساقط أي نصفه ماثل قيل بحيث يراه أهل العرصات ليكون هذا زيادة في التعذيب وهذا الحكم غير مقصور على امرأتين فإنه لو كانت ثلاث أو أربع كان السقوط ثابتا واحتمل أن يكون
نصفه ساقطا وإن لزم الواحدة وترك الثلاث أو كانت ثلاثة أرباعه ساقطة على هذا فاعتبر ثم إن كانت الزوجتان إحداهما حرة والأخرى أمة فللحرة الثلثان من القسم وللأمة الثلث بذلك ورد الأثر قضى به أبو بكر وعلي رضي الله عنهما كذا في المرقاة قوله (وإنما أسند هذا الحديث همام) أي رواه مرفوعا (ولا نعرف هذا الحديث مرفوعا إلا من حديث همام) وقال عبد الحق هو خبر ثابت لكن علته أن هماما تفرد به وأن هشاما رواه عن قتادة فقال كان يقال وأخرج أبو نعيم عن أنس نحوه وحديث أبي هريرة هذا أخرجه الخمسة وأخرجه أيضا الدارمي وابن حبان والحاكم قال وإسناده على شرط الشيخين كذا في المنتقى والنيل باب ما جاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما قوله (عن الحجاج) هو ابن أرطاة صدوق كثير الخطأ والتدليس قوله (رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد) يخالفه حديث ابن عباس الآتي ففيه أنه صلى الله عليه وسلم ردها عليه بالنكاح الأول ولم يحدث نكاحا وهو أصح كما ستعرف قوله (هذا حديث في إسناده مقال في إسناده حجاج بن أرطاة وهو مدلس) وأيضا لم يسمعه من عمرو بن شعيب كما قال أبو عبيد وإنما حمله عن العرزمي وهو ضعيف وقد ضعف هذا الحديث جماعة من أهل العلم كذا
[ 249 ]
في النيل والحديث أخرجه أيضا ابن ماجه قوله (والعمل على هذا عند أهل العلم) أي من حيث أن هذا الحديث يقتضي أن الرد بعد العدة يحتاج إلى نكاح جديد فالرد بلا نكاح لا يكون إلا قبل العدة قاله أبو الطيب المدني (وهو قول مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق) وقال محمد في موطإه إذا أسلمت المرأة وزوجها كافر في دار الاسلام لم يفرق بينهما حتى يعرض على الزوج الاسلام فإن أسلم فهي امرأته وإن أبى أن يسلم فرق بينهما وكانت فرقتها تطليقة بائنة وهو قول أبي حنيفة وإبراهيم النخعي انتهى قوله (بعد ست سنين بالنكاح الأول ولم يحدث نكاحا) وفي رواية
بعد ثلاث سنين وأشار في الفتح إلى الجمع فقال المراد بالست ما بين هجرة زينب وإسلامه وبالسنتين أو الثلاث ما بين نزول قوله تعالى لاهن حل لهم وقدومه مسلما فإن بينهما سنتين وأشهرا قوله (هذا حديث ليس بإسناده بأس) حديث ابن عباس هذا صححه الحاكم وقال الخطابي هو أصح من حديث عمرو بن شعيب وكذا قال البخاري قال ابن كثير في الارشاد هو حديث جيد قوي وهو من رواية ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس انتهى إلا أن حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس نسخه وقد ضعف أمرها علي ابن المديني وغيره من علماء الحديث وابن إسحاق فيه مقال معروف كذا في النيل قلت قد تقدم في بحث القراءة خلف الإمام أن الحق أن ابن إسحاق ثقة قابل للاحتجاج (ولكن لا نعرف وجه الحديث) قال الحافظ أشار بذلك إلى أن ردها إليه بعد ست سنين أو بعد سنتين أو ثلاث مشكل لاستبعاد أن تبقى في العدة هذه المدة قال ولم يذهب أحد إلى جواز تقرير المسلمة تحت المشرك إذا تأخر إسلامه عن إسلامها حتى انقضت عدتها وممن نقل الإجماع في ذلك ابن
[ 250 ]
عبد البر وأشار إلى أن بعض أهل الظاهر قال بجوازه ورده بالإجماع المذكور وتعقب بثبوت الخلاف قديما فيه فقد أخرجه ابن أبي شيبة عن علي وإبراهيم النخعي بطرق قوية وأفتى به حماد شيخ أبي حنيفة وأجاب الخطابي عن الإشكال بأن بقاء العدة تلك المدة ممكن وإن لم تجر به عادة في الغالب ولا سيما إن كانت المدة إنما هي سنتان وأشهر فإن الحيض قد يبطئ عن ذات الأقراء لعارض وبمثل هذا أجاب البيهقي قال الحافظ وهو أولى ما يعتمد في ذلك وقال السهيلي في شرح السيرة إن حديث عمرو بن شعيب هو الذي عليه العمل وإن كان حديث ابن عباس أصح اسنادا لكن لم يقل به أحد من الفقهاء لأن الإسلام قد كان فرق بينهما قال الله تعالى لاهن حل لهم ولا هم يحلون لهن ومن جمع بين الحديثين قال معنى حديث ابن عباس ردها عليه على النكاح الأول في الصداق والحباء ولم يحدث زيادة على ذلك من شرط ولا غيره انتهى وقد أشار إلى مثل هذا الجمع ابن عبد الله وقيل إن زينب لما أسلمت وبقي زوجها على الكفر لم
يفرق النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن قد نزل تحريم نكاح المسلمة على الكافر فلما نزل قوله تعالى لاهن حل لهم الآية أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابنته أن تعتد فوصل أبو العاص مسلما قبل انقضاء العدة فقررها النبي صلى الله عليه وسلم بالنكاح الأول فيندفع الاشكال قال ابن عبد البر وحديث عمرو بن شعيب تعضده الأصول وقد صرح فيه بوقوع عقد جديد والأخذ بالصريح أولى من الأخذ بالمحتمل ويؤيده مخالفة ابن عباس لما رواه كما حكى ذلك عنه البخاري قال الحافظ وأحسن المسالك في تقرير الحديثين ترجيح حديث ابن عباس كما رجحه الأئمة وحمله على تطاول العدة فيما بين نزول آية التحريم وإسلام أبي العاص ولا مانع من ذلك انتهى وفي المقام كلام أكثر من هذا فعليك أن تراجع شروح البخاري كالفتح وغيره قوله (فقال يا رسول الله إنها كانت أسلمت معي فردها عليه) فيه أن المرأة إذا أسلمت مع زوجها ترد إليه وهذا مجمع عليه قوله (يذكر عن محمد بن إسحاق هذا الحديث) أراد بهذا الحديث حديث ابن عباس المذكور بلفظ رد النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب الخ
[ 251 ]
ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها قوله (ولم يفرض) بفتح الياء وكسر الراء أي لم يقدر ولم يعين (لها صداقا) أي مهرا (ولم يدخل بها) أي لم يجامعها ولم يخل بها خلو صحيحة (مثل صداق نسائها) أي نساء قومها (لا وكس) بفتح فسكون أي لا نقص (ولا شطط) بفتحتين أي ولا زيادة (ولها العدة) أي الموفاة (ولها الميراث) زاد في رواية لأبي داود فإن يك صوابا فمن الله وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان (فقام معقل) بفتح الميم وكسر القاف (ابن سنان) بكسر السين (الأشجعي) بالرفع صفة معقل (في بروع) قال في القاموس كجدول ولا يكسر بنت واشق صحابية انتهى وقال في المغنى بفتح الباء عند أهل اللغة وكسرها عند أهل الحديث انتهى وقال في جامع الأصول أهل الحديث يرونها بكسر الباء وفتح الواو وبالعين المهملة وأما أهل اللغة فيفتحون الباء ويقولون إنه ليس بالعربية فعول إلا خروع لهذا النبت وعقود اسم واد انتهى قال القاري
فليكن هذا من قبيلهما ونقل المحدثين أحفظ قال وهو غير منصرف (بنت واشق) بكسر الشين المعجمة (ففرح بها) أي بالقضية أو بالفتيا لكون اجتهاده موافقا لحكمه صلى الله عليه وسلم قوله (وفي الباب عن الجراح) بفتح الجيم وتشديد الراء بن أبي الجراح الأشجعي صحابي مقل وأخرج حديثه أبو
[ 252 ]
داود قوله (حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح) قال الحافظ في بلوغ المرام وصححه الترمذي وجماعة انتهى قال في السبل منهم ابن مهدي وابن حزم وقال لا مغمز فيه بصحة إسناده ومثله قال البيهقي في الخلافيات قلت الحديث صحيح وكل ما أعلوه به فهو مدفوع قوله (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وبه يقول الثوري وأحمد وإسحاق) قال في النيل والحديث فيه دليل على أن المرأة تستحق بموت زوجها بعد العقد قبل فرض الصداق جميع المهر وإن لم يقع منه دخول ولا خلوة وبه قال ابن مسعود وابن سيرين وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق وأحمد انتهى قلت وهو الحق (وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس وابن عمر إذا تزوج الرجل امرأة ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقا حتى مات قالوا لها الميراث ولا صداق لها وعليها العدة) وهو قول الأوزاعي والليث ومالك وأحمد قول الشافعي قالوا لأن الصداق عوض فإذا لم يستوف الزوج المعوض عنه لم يلزم قياسا على ثمن المبيع وأجابوا عن الحديث بأن فيه اضطرابا فروى مرة عن معقل بن سنان ومرة عن معقل بن يسار ومرة عن بعض أشجع لا يسمى ومرة عن رجل من أشجع أو ناس من أشجع وضعفه الواقدي بأنه حديث ورد إلى المدينة من أهل الكوفة فما عرفه علماء المدينة وروي عن علي رضي الله عنه أنه رده بأنه معقل بن سنان أعرابي بوال على عقبيه وأجيب بأن الاضطراب غير قادح لأنه متردد بين صحابي وصحابي وهذا لا يطعن به في الرواية ولا يضر الرواية بلفظ عن بعض أشجع أو عن رجل من أشجع لأنه فسر ذلك بمعقل قال البيهقي قد سمى فيه ابن سنان وهو صحابي مشهور والاختلاف فيه لا يضر فإن جميع الروايات فيه صحيحة وفي بعضها ما دل على أن جماعة من أشجع شهدوا
بذلك وقال ابن أبي حاتم قال أبو زرعة الذي قال معقل بن سنان أصح وأما عدم معرفة علماء المدينة فلا يقدح بها عدالة الراوي وأما الرواية عن علي رضي الله عنه فقال في البدر المنير لم يصح عنه (وقال لو ثبت حديث بروع بنت واشق لكانت الحجة فيما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم) وقال
[ 253 ]
الشافعي في الأم إن كان يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أولى الأمور ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كبر ولا شئ في قوله إلا طاعة الله بالتسليم له ولم أحفظه عنه من وجه يثبت مثله مرة يقال عن معقل بن سنان ومرة عن معقل بن يسار ومرة عن بعض أشجع لا يسمى انتهى وغرضه التضعيف بالاضطراب وقد عرفت الجواب عنه وروى الحاكم في المستدرك عن حرملة بن يحيى أنه قال سمعت الشافعي يقول إن صح حديث بروع بنت واشق قلت به قال الحاكم قال شيخنا أبو عبد الله لو حضرت الشافعي لقمت على رؤوس الناس وقلت قد صح الحديث انتهى وروي عن الشافعي أنه رجع عن هذا القول وقال بحديث بروع بنت واشق لثبوته عنده بعد أن كان مترددا في صحته