الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ج 10

شرح نهج البلاغة

ابن أبي الحديد ج 10


[ 1 ]

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم الجزء العاشر - 1961 دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل (1) (175) الاصل : ومن كلام له (ع) في معنى طلحة بن عبيد الله : قد كنت وما أهدد بالحرب ، ولا أرهب بالضرب ، وأنا على ما وعدني ربى من النصر ، والله ما استعجل متجردا للطلب بدم عثمان إلا خوفا من أن يطالب بدمه ، لانه مظنته ، ولم يكن في القوم أحرص عليه منه ، فأراد أن يغالط بما أجلب فيه ليلتبس (2) الامر ، ويقع الشك . ووالله ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث : لئن كان ابن عفان ظالما - كما كان يزعم - لقد كان ينبغى له أن يوازر قاتليه ، وأن ينابذ ناصريه . ولئن كان مظلوما ، لقد كان ينبغى له أن يكون من المنهنهين عنه ، المعذرين فيه . ولئن كان في شك من الخصلتين ، لقد كان ينبغى له أن يعتزله ، ويركد جانبا ، ويدع الناس معه . فما فعل واحدة من الثلاث ، وجاء بأمر لم يعرف بابه ، ولم تسلم معاذيره .


(1) ساقط من ب (2) مخطوطة النهج : (ليلبس) . (*)

[ 4 ]

الشرح : كان هاهنا تامة ، والواو واو الحال ، أي خلقت ووجدت وأنا بهذه الصفة ، كما تقول : خلقني الله وأنا شجاع . ويجوز أن تكون الواو زائدة ، وتكون (كان) ناقصة ، وخبرها (ما أهدد) ، كما في المثل : (لقد كنت وما أخشى (1) بالذئب) . فإن قلت : إذا كانت ناقصة ، لزم أن تكون الان بخلاف ما مضى . فيكون الان يهدد ويرهب . قلت : لا يلزم ذلك ، لان (كان) الناقصة للماضي من حيث هو ماض ، وليس يشترط في ذلك أن يكون منقطعا ، بل قد يكون دائما ، كقوله تعالى : (وكان الله عليما حكيما) . (2) . ثم ذكر (ع) أنه على ما وعده ربه من النصر ، وأنه واثق بالظفر والغلبة الان ، كما كانت عادته فيما سبق . ثم شرح حال طلحة ، وقال : إنه تجرد (3) للطلب بدم عثمان ، مغالطة للناس ، وإيهاما لهم أنه برئ من دمه ، فيلتبس الامر ، ويقع الشك . وقد كان طلحة أجهد نفسه في أمر عثمان والاجلاب (4) عليه ، والحصر له ، والاغراء به ، ومنته نفسه الخلافة ، بل تلبس بها ، وتسلم بيوت الاموال وأخذ مفاتيحها ، وقاتل الناس ، وإحدقوا به ، ولم يبق إلا أن يصفق (5) بالخلافة على يده .


(1) بقية المثل : (فاليوم قيل الذئب ذئب) ، وأول من قاله قباث بن إشيم الكنائى ، وانظر مجمع الامثال 2 : 180 (2) سورة النساء . (3) يقال : تجرد للامر ، إذا جد فيه وتفرغ له . (4) أجلب عليه ، أي حاول أن يجمع الناس من كل مكان . (5) صفق على يديه بالبيعة صفقا وصفقة ، أي ضرب على يده بيده . (*)

[ 5 ]

(ذكر ماكان من أمر طلحة مع عثمان) ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتاب التاريخ قال : حدثنى عمر بن شبة ، عن على بن محمد ، عن عبد ربة ، عن نافع ، عن إسماعيل بن أبى خالد (1) ، عن حكيم (2) بن جابر ، قال : قال على عليه السلام لطلحة وعثمان محصور : أنشدك الله إلا رددت الناس عن عثمان قال : لا ، والله حتى تعطى بنو أمية الحق من أنفسها . وروى الطبري أن عثمان كان له على طلحة خمسون ألفا ، فخرج عثمان يوما إلى المسجد ، فقال له طلحة : قد تهيأ مالك فاقبضه ، فقال : هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك (3) قال : فكان عثمان يقول وهو محصور : جزاء سنمار . وروى الطبري أيضا أن طلحة باع أرضا له من عثمان بسبعمائة ألف ، فحملها إليه ، فقال طلحة : إن رجلا يبيت (4) وهذه عنده وفى بيته ، لا يدرى ما يطرقه من أمر الله لغرير بالله ! فبات ورسله تختلف بها في سكك المدينة يقسمها حتى أصبح ، وما عنده منها درهم واحد (5) . قال الطبري : روى ذلك الحسن البصري ، وكان إذا روى ذلك يقول : ثم جاء إلينا يطلب الدينار والدرهم - أو قال : - والصفراء والبيضاء .


(1) في الاصول : (أبو طالب) تحريف وصوابه من تاريخ الطبري . (2) حكيم بمفتوحة وكسر الكاف ، كذا ضبط في التقريب . (3) تاريخ الطبري 1 : 3037 (طبع إوربا) . (5) تاريخ الطبري 1 : 3037 ، (*)

[ 6 ]

وروى الطبري أيضا ، قال : قال ابن عباس رحمه الله : لما حججت بالناس نيابة عن عثمان وهو محصور ، مررت بعائشة بالصلصل (1) ، فقالت : يابن عباس أنشدك الله ! فإنك قد أعطيت لسانا وعقلا ، أن تخذل الناس عن طلحة ، فقد بانت لهم بصائرهم في عثمان وأنهجت (2) ، ورفعت لهم المنار ، وتحلبوا من البلدان لامر قد حم ، وإن طلحة - فيما بلغني - قد اتخذ رجالا على بيوت الاموال ، وأخذ مفاتيح الخزائن وأظنه يسير إن شاء الله بسيرة ابن عمه أبى بكر ، فقال : يا أمة ، لو حدث بالرجل حدث ما فزع الناس إلا إلى صاحبنا ، فقالت : إيها عنك يابن عباس ، إنى لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك (3) . وروى المدائني في كتاب مقتل عثمان إن طلحة منع من دفنه ثلاثة أيام ، وأن عليا (ع) لم يبايع الناس إلا بعد قتل عثمان بخمسة أيام ، وأن حكيم بن حزام أحد بنى أسد بن عبد العزى ، وجبير بن مطعم بن الحارث بن نوفل استنجدا بعلى (ع) على دفنه ، فأقعد طلحة لهم في الطريق ناسا بالحجارة ، فخرج به نفر يسير من أهله وهم يريدون به حائطا بالمدينة يعرف بحش كوكب (4) كانت اليهود تدفن فيه موتاهم ، فلما صار هناك رجم سريره ، وهموا بطرحه ، فأرسل على (ع) إلى الناس يعزم عليهم ليكفوا عنه ، فكفوا ، فانطلقوا به حتى دفنوه في حش كوكب .


(1) صلصل : موضع بنواحي المدينة القديمة على سبعة أميال منها ، نزل صلى الله عليه وسلم يوم خرج من المدينة إلى مكة عام الفتح ، قال عبد الله بن مصعب الزبيري : أشرف على ظهر المدينة هل ترى برقا سرى في عارض متهلل نصح العقيق فبطن طيبة موهنا ثم إستمر يؤم قصد الصلصل (2) أنهج الطريق : وضح . (3) تاريخ الطبري 1 : 3034 (طبع أوربا) . (4) حش كوكب : موضع عند بقيع الغرق ، ذكره ياقوت ، وقال : إشتراه عثمان بن عفان ، وزاده في البقيع ، ولما قتل ألقى فيه ، ثم دفن في جنبه . (*)

[ 7 ]

وروى الطبري نحو ذلك ، إلا أنه لم يذكر طلحة بعينه ، وزاد فيه أن معاوية لما ظهر على الناس ، أمر بذلك الحائط فهدم حتى أفضى به إلى البقيع ، وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حتى إتصل (ذلك) (1) بمقابر المسلمين . وروى المدائني في هذا الكتاب ، قال دفن عثمان بين المغرب والعتمة ، ولم يشهد جنازته إلا مروان بن الحكم وإبنه عثمان وثلاثة من مواليه ، فرفعت أبنته صوتها تندبه ، وقد جعل طلحة ناسا هناك أكمنهم كمينا ، فأخذتهم الحجارة ، وصاحوا : نعثل نعثل (2) فقالوا : الحائط الحائط فدفن في حائط هناك . وروى الواقدي ، قال : لما قتل عثمان تكلموا في دفنه ، فقال طلحة : يدفن بدير سلع يعنى مقابر اليهود . وذكر الطبري في تاريخه هذا ، إلا أنه روى عن طلحة فقال : قال رجل : يدفن بدير سلع - فقال حكيم بن حزام : والله لا يكون هذا أبدا وأحد من ولد قصى (حى) (3) ، حتى كاد الشر يلتحم ، فقال ابن عديس البلوى : أيها الشيخ ، وما يضرك أين دفن قال : لا يدفن إلا ببقيع الغرقد (3) حيث دفن سلفه ورهطه ، فخرج به حكيم بن حزام ، في اثنى عشر رجلا ، منهم الزبير بن العوام ، فمنعهم الناس عن البقيع ، فدفنوه بحش كوكب (4) .


(1) من تاريخ الطبري 1 : 3046 (طبع أوربا) . (2) نعثل : رجل من أهل مصر ، كان طويل اللحية ، وكان شاتموا عثمان (رض) يسمونه بذلك اللسان . (3) أصل البقيع في اللغة ، الموضع الذى فيه أروم الشجر ، والغرقد كبار الشجر المسمى بالعوسج . وهو مقبرة أهل المدينة (ياقوت) . (4) تاريخ الطبري 1 : 3047 .

[ 8 ]

وروى الطبري في التاريخ أن عثمان لما حصر ، كان على (ع) بخيبر في أمواله ، فلما قدم أرسل إليه يدعوه ، فلما دخل عليه قال له : إن لى عليك حقوقا : حق الاسلام ، وحق النسب ، وحق مالى عليك من العهد والميثاق ، ووالله أن لو لم يكن من هذا كله شئ وكنا في جاهلية ، لكان عارا على بنى عبد مناف أن يبتزهم أخو تيم ملكهم - يعنى طلحة - فقال له (ع) سيأتيك الخبر ، ثم قام فدخل المسجد ، فرأى أسامة بن زيد جالسا ، فدعاه فاعتمد على يده ، وخرج يمشى إلى طلحة ، فدخل داره ، وهى دحاس (1) من الناس ، فقام (ع) ، فقال : يا طلحة ، ماهذا الامر الذى وقعت فيه ؟ فقال : يا أبا الحسن ، أبعد ما مس الحزام الطبيين ! فانصرف على عليه السلام ولم يحر إليه شيئا حتى أتى بيت المال ، فنادى : افتحوا هذا الباب ، فلم يقدروا على فتحه ، فقال : اكسروه ، فكسر فقال : أخرجوا هذا المال ، فجعلوا يخرجونه وهو يعطى الناس ، وبلغ الذين في دار طلحة ما صنع على عليه السلام ، فجعلوا يتسللون إليه حتى بقى طلحة وحده ، وبلغ الخبر عثمان ، فسر بذلك ، ثم أقبل طلحة يمشى عامدا إلى دار عثمان ، فاستأذن عليه ، فلما دخل قال : يا أمير المؤمنين ، أستغفر الله وأتوب إليه ، لقد رمت أمرا حال الله بينى وبينه . فقال عثمان : إنك والله ما جئت تائبا ، ولكن جئت مغلوبا ، الله حسيبك يا طلحة (2) . ثم قسم عليه السلام مال طلحة ، فقال : لا يخلو إما أن يكون معتقدا حل دم عثمان أو حرمته ، أو يكون شاكا في الامرين ، فإن كان يعتقد حله لم يجز له أن ينقض البيعة لنصرة إنسان حلال الدم ، وإن كان يعتقد حرمته ، فقد كان يجب عليه أن ينهنه عنه الناس ، أي يكفهم .


(1) دحاس من الناس ، أي ممتلئة . (2) تاريخ الطبري 1 : 3071 ، 3072 (*)

[ 9 ]

وأن يعذر فيه ، بالتشديد أي يقصر ولم يفعل ذلك ، وإن كان شاك ، فقد كان يجب عليه أن يعتزل الامر ، ويركد جانبا ، ولم يعتزل وإنما صلى بنار الفتنة ، وأصلاها غيره . فإن قلت : يمكن أن يكون طلحة اعتقد إباحة دم عثمان أولا ثم تبدل ذلك الاعتقاد بعد قتله ، فاعتقد أن قتله حرام وأنه يجب أن يقتص من قاتليه . قلت : لو اعترف بذلك لم يقسم على عليه السلام هذا التقسيم ، وإنما قسمه لبقائه على اعتقاد واحد ، وهذا التقسيم مع فرض بقائه على اعتقاد واحد صحيح لا مطعن فيه ، وكذا كان حال طلحة ، فإنه لم ينقل عنه أنه قال : ندمت على ما فعلت بعثمان . فان قلت : كيف قال أمير المؤمنين عليه السلام : (فما فعل واحدة من الثلاث) ، وقد فعل واحدة منها ، لانه وازر قاتليه حيث كان محصورا . قلت : مراده عليه السلام أنه إن كان عثمان ظالما ، وجب أن يوازر قاتليه بعد قتله ، يحامى عنهم ، ويمنعهم ممن يروم دماءهم ، ومعلوم أنه لم يفعل ذلك ، وإنما وازرهم وعثمان حى ، وذلك غير داخل في التقسيم .

[ 10 ]

(176) الاصل : من خطبة له عليه السلام : أيها الناس غير المغفول عنهم ، والتاركون ، والمأخوذ (1) منهم . مالى أراكم عن الله ذاهبين ، وإلى غيره راغبين كأنكم نعم أراح بها سائم إلى مرعى وبى ، ومشرب دوى ، وإنما هي كالمعلوفة للمدى ، لا تعرف ماذا يراد بها إذا أحسن إليها تحسب يومها دهرها ، وشبعها أمرها . والله لو شئت أن أخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت ، ولكن أخاف أن تكفروا في برسول الله صلى الله عليه وسلم . ألا وإنى مفضيه إلى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه . والذى بعثه بالحق ، واصطفاه على الخلق ، ما أنطق إلا صادقا ، ولقد عهد إلي بذلك كله وبمهلك من يهلك ، ومنجى من ينجو ، ومال هذا الامر ، وما أبقى شيئا يمر على رأسي إلا أفرغه في أذنى ، وأفضى به إلى . أيها الناس ، إنى والله ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليه ، أو لا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها . الشرح : خاطب المكلفين كافة ، وقال : إنهم غافلون عما يراد بهم ومنهم ، وليسوا بمغفول عنهم ، بل أعمالهم محفوظة مكتوبة .


(1) ب : (المأخوذ) ، من غير واو . (*)

[ 11 ]

: ثم قال : والتاركون : أي يتركون الواجبات . ثم قابل ذلك بقوله : (والمأخوذ منهم لان الاخذ في مقابلة الترك ، ومعنى الاخذ منهم انتقاص أعمارهم ، وانتقاض قواهم ، واستلاب أحبابهم وأموالهم . ثم شبههم بالنعم التى تتبع نعما أخرى . سائمة أي راعية ، وإنما قال ذلك لانها إذا اتبعت أمثالها كان أبلغ في ضرب المثل بجهلها من الابل التى يسيمها راعيها . والمرعى الوبى : ذو الوباء والمرض . والمشرب الدوى ذو الداء ، وأصل (الوبى) اللين الوبئ المهموز ، ولكنه لينه ، يقال : أرض وبيئة على (فعيلة) ، ووبئة على (فعلة) ، ويجوز أوبأت فهى موبئة . والاصل في الدوى (دو) بالتخفيف ، ولكنه شدده للازدواج . ثم ذكر أن هذه النعم الجاهلة التى أوقعت أنفسها في هذا المرتع والمشرب المذمومين كالغنم وغيرها من النعم المعلوفة . للمدى : جمع مدية ، وهى السكين ، لا تعرف ماذا يراد بها ، وتظن أن ذلك العلف إحسان إليها على الحقيقة . ومعنى قوله : (تحسب يومها دهرها) ، أي تظن أن ذلك العلف والاطعام كما هو حاصل لها ذلك اليوم ، يكون حاصلا لها أبدا . و (شبعها أمرها) ، مثل ذلك ، أي تظن أنه ليس أمرها وشأنها إلا أن يطعمها أربابها لتشبع وتحسن وتسمن ، ليس يريدون بها غير ذلك . ثم خرج عليه السلام من هذا الفن إلى فن آخر ، فأقسم أنه لو شاء أن يخبر كل واحد منهم من أين خرج ، وكيفية خروجه من منزله ، وأين يلج ، وكيفية ولوجه ، وجميع شأنه من مطعمه ومشربه ، وما عزم عليه من أفعاله ، وما أكله ، وما ادخره في بيته ، وغير ذلك من شئونه وأحواله ، لفعل .

[ 12 ]

وهذا كقول المسيح عليه السلام : (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) (1) . قال : إلا أنى أخاف أن تكفروا في برسول الله صلى الله عليه وسلم ، أي أخاف عليكم الغلو في أمرى ، وأن تفضلوني على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل أخاف عليكم أن تدعوا في الالهية ، كما ادعت النصارى ذلك في المسيح لما أخبرهم بالامور الغائبة . ثم قال : (ألا وإنى مفضيه إلى الخاصة) أي مفض به ومودع إياه خواص أصحابي وثقاتي الذين آمن منهم الغلو ، وأعلم أنهم لا يكفرون في بالرسول صلى الله عليه وسلم لعلمهم أن ذلك من إعلام نبوته ، إذ يكون تابع من أتباعه ، وصاحب من أصحابه بلغ إلى هذه المنزلة الجليلة . ثم أقسم قسما ثانيا أنه ما ينطق إلا صادقا ، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله عهد بذلك كله إليه ، وأخبره بمهلك من يهلك من الصحابة وغيرهم من الناس ، وبنجاة (2) من ينجو ، وبمال هذا الامر - يعنى ما يفضى إليه أمر الاسلام وأمر الدولة والخلافة - وأنه ما ترك شيئا يمر على رأسه عليه السلام إلا وأخبره به وأسره إليه . (فصل في ذكر بعض أقوال الغلاة في على) واعلم أنه غير مستحيل أن تكون بعض الانفس مختصة بخاصية تدرك بها المغيبات ، وقد تقدم من الكلام في ذلك ما فيه كفاية ، ولكن لا يمكن أن تكون نفس تدرك كل المغيبات لان القوة المتناهية لا تحيط بأمور غير متناهية ، وكل قوة في نفس حادثة فهى متناهية ، فوجب أن يحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، لا على أن يريد به عموم العالمية


(1) سورة آل عمران / 49 (2) ا : (بمنجاة) . (*)

[ 13 ]

بل يعلم أمورا محدودة من المغيبات ، مما اقتضت حكمة البارئ سبحانه أن يؤهله لعلمه ، وكذلك القول في رسول الله صلى الله عليه وآله إنه إنما كان يعلم أمورا معدودة لا أمورا غير متناهية ، ومع أنه عليه السلام قد كتم ما علمه حذرا من أن يكفروا فيه برسول الله صلى الله عليه وآله ، فقد كفر كثير منهم ، وادعوا فيه النبوة ، وادعوا فيه أنه شريك الرسول في الرسالة ، وادعوا فيه أنه هو كان الرسول ، ولكن الملك غلط فيه ، وادعوا أنه هو الذى بعث محمدا صلى الله عليه وآله إلى الناس ، وادعوا فيه الحلول ، وادعوا فيه الاتحاد ، ولم يتركوا نوعا من أنواع الضلالة فيه إلا وقالوه واعتقدوه ، وقال شاعرهم فيه من أبيات : ومن أهلك عادا وثمودا بدواهيه ومن كلم موسى فوق طور إذ يناديه ومن قال على المنبر يوما وهو راقيه سلونى أيها الناس فحاروا في معانيه . وقال بعض شعرائهم : إنما خالق الخلائق من زعزع أركان حصن خيبر جذبا قد رضينا به إماما ومولى وسجدنا له إلها وربا (جملة من أخبار علي بالامور الغيبية) وقد ذكرنا فيما تقدم من أخباره عليه السلام عن الغيوب طرفا صالحا ، ومن عجيب ما وقفت عليه من ذلك قوله في الخطبة التى يذكر فيها الملاحم وهو يشير إلى القرامطة (1) :


(1) يرجع مذهب القرامطة إلى كبيرهم الحسن بن بهرام الجنابي أبو سعيد ، كان دقاقا من أهل جناية بفارس ، ونفى فيها ، فأقام في البحرين تاجرا ، وجعل يدعو العرب إلى نحلته ، فعظم أمره ، فحاربه الخليفة مظفر الحسن وصافاه المقتدر العباسي ، وكان أصحابه يسمونه السيد . استولى على هجر والاحساء والقطيف وسائر بلاد البحرين ، وكان شجاعا ، قتله خادم له صقلي في الحمام بهجر مات سنة / 301 وانطر تاريخ إبن الاثير . (*)

[ 14 ]

(ينتحلون لنا الحب والهوى ، ويضمرون لنا البغض والقلى ، وآية ذلك قتلهم وراثنا ، وهجرهم أحداثنا) . وصح ما أخبر به ، لان القرامطة قتلت من آل أبى طالب عليه السلام خلقا كثير ، وأسماؤهم مذكورة في كتاب (مقاتل الطالبيين) لابي الفرج الاصفهانى . ومر أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنابي في جيشه بالغرى (1) وبالحاير (2) ، فلم يعرج على واحد منهما ولا دخل ولا وقف . وفى هذه الخطبة قال وهو يشير إلى السارية التى كان يستند إليها في مسجد الكوفة : كأنى بالحجر الاسود منصوبا هاهنا . ويحهم إن فضيلته ليست في نفسه ، بل في موضعه وأسه ، يمكث هاهنا برهة ، ثم هاهنا برهة - وأشار إلى البحرين - ثم يعود إلى مأواه ، وأم مثواه . ووقع الامر في الحجر الاسود بموجب ما أخبر به عليه السلام . وقد وقفت له على خطب مختلفة فيها ذكر الملاحم ، فوجدتها تشتمل على ما يجوز أن ينسب إليه وما لا يجوز أن ينسب إليه ، ووجدت في كثير منها اختلالا ظاهرا ، وهذه المواضع التى أنقلها ليست من تلك الخطب المضطربة ، بل من كلام له وجدته متفرقا في كتب مختلفة ، ومن ذلك أن تميم بن أسامة بن زهير بن دريد التميمي اعترضه ، وهو يخطب على المنبر ويقول : (سلونى قبل أن تفقدوني ، فو الله لا تسألونى عن فئة تضل مائة ، أو تهدى مائة إلا نبأتكم بناعقها وسائقها ، ولو شئت لاخبرت كل واحد منكم بمخرجه ومدخله وجميع شأنه) . فقال : فكم في رأسي طاقة شعر ؟ فقال له : أما والله إنى لاعلم ذلك ، ولكن أين برهانه لو أخبرتك به ولقد أخبرتك بقيامك ومقالك . وقيل لى إن على كل


(1) الغرى ، واحد الغريين ، وهما بناءان كالصومعتين ، كانا بظهر الكوفة ، قرب قبر على عليه السلام (مراصد الاطلاع) . (2) الحاير ، بعد الالف ياء مكسورة : موضع قبر الحسين عليه السلام . ذكره ياقوت . (*)

[ 15 ]

شعرة من شعر رأسك ملكا يلعنك وشيطانا يستفزك ، وآية ذلك أن في بيتك سخلا يقتل ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحض على قتله (1) . فكان الامر بموجب ما أخبر به عليه السلام ، كان ابنه حصين - بالصاد المهملة - يومئذ طفلا صغيرا يرضع اللبن ، ثم عاش إلى أن صار على شرطة عبيد الله بن زياد ، وأخرجه عبيد الله إلى عمر بن سعد يأمره بمناجزة الحسين عليه السلام ويتوعده على لسانه إن أرجأ ذلك ، فقتل عليه السلام صبيحة اليوم الذى ورد فيه الحصين بالرسالة في ليلته . ومن ذلك قوله عليه السلام للبراء بن عازب يوما : يابراء ، أيقتل الحسين وأنت حى فلا تنصره ! فقال البراء : لا كان ذلك يا أمير المؤمنين . فلما قتل الحسين عليه السلام كان البراء يذكر ذلك ، ويقول : أعظم بها حسره إذ لم أشهده وأقتل دونه . وسنذكر من هذا النمط - فيما بعد إذا مررنا بما يقتضى ذكره - ما يحضرنا إن شاء الله .


(1) ب : (قتاله) .

[ 16 ]

(177) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : انتفعوا ببيان الله ، واتعظوا بمواعظ الله ، واقبلوا نصيحة الله ، فإن الله قد أعذر إليكم بالجلية ، وأخذ (1) عليكم الحجة ، وبين لكم محابه من الاعمال ومكارهه منها ، لتتبعوا هذه وتجتنبوا هذه ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : إن الجنة حفت بالمكاره ، وإن النار حفت بالشهوات . واعلموا أنه ما من طاعة الله شئ إلا يأتي في كره ، وما من معصية الله شئ إلا يأتي في شهوة ، فرحم الله امرأ نزع عن شهوته ، وقمع هوى نفسه ، فإن هذه النفس أبعد شئ منزعا ، وإنها لا تزال تنزع إلى معصية في هوى . واعلموا عباد الله ، أن المؤمن لا يمسى ولا يصبح إلا ونفسه ظنون عنده ، فلا يزال زاريا عليها ، ومستزيدا لها . فكونوا كالسابقين قبلكم ، والماضين أمامكم ، قوضوا من الدنيا تقويض الراحل ، وطووها طي المنازل . الشرح : أعذر إليكم : أوضح عذره في عقابكم إذا خالفتم أوامره . والجلية : اليقين ، وإنما أعذر إليهم بذلك ، لانه مكنهم من العلم اليقيني بتوحيده وعدله ، وأوجب عليهم ذلك في


(1) مخطوطة النهج : (واتخذ) .

[ 17 ]

عقولهم ، فإذا تركوه ساغ له في الحكمة تعذيبهم وعقوبتهم ، فكأنه قد أبان لهم عذره أن لو قالوا : لم تعاقبنا ؟ . ومحابه من الاعمال ، هي الطاعات التى يحبها ، وحبه لها إرادة وقوعها من المكلفين . ومكارهه من الاعمال : القبائح التى يكرهها منهم ، وهذا الكلام حجة لاصحابنا على المجبرة . والخبر الذى رواه عليه السلام مروى في كتب المحدثين ، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (حجبت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات) ، ومن المحدثين من يرويه : (حفت) فيهما ، وليس منهم من يرويه : (حجبت) في النار ، وذلك لان لفظ (الحجاب) إنما يستعمل فيما يرام دخوله وولوجه لمكان النفع فيه ، ويقال : حجب زيد مأدبة الامير ، ولا يقال : حجب زيد عن الحبس . ثم ذكر عليه السلام أنه لا طاعة إلا في أمر تكرهه النفس ، ولا معصية إلا بمواقعة أمر تحبه النفس ، وهذا حق ، لان الانسان ما لم يكن متردد الدواعى لا يصح التكليف ، وإنما تتردد الدواعى إذا أمر بما فيه مشقة ، أو نهى عما فيه لذة ومنفعة . فإن قلت : أليس قد أمر الانسان بالنكاح . وهو لذة ؟ قلت : ما فيه من ضرر الانفاق ومعالجة أخلاق النساء يربى على اللذة الحاصلة فيه (1) مرارا . ثم قال عليه السلام : (رحم الله امرأ نزع عن شهوته) أي أقلع . وقمع هوى نفسه ، أي قهره . ثم قال : فإن هذه النفس أبعد شئ منزعا ، أي مذهبا ، قال أبو ذؤيب : والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنع (2) .


(1) د : (منه) . (2) ديوان الهذليين 1 : 3 (*) .

[ 18 ]

ومن الكلام المروى عنه عليه السلام - ويروى أيضا عن غيره : (أيها الناس ، إن هذه النفوس طلعة (1) فإلا تقدعوها (2) تنزع بكم إلى شر غاية (3)) . وقال الشاعر : وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى فإن أطمعت تاقت وإلا تسلت . ثم قال عليه السلام : (نفس المؤمن ظنون عنده) ، الظنون : البئر (4) التى لا يدرى أفيها ماء أم لا ، فالمؤمن لا يصبح ولا يمسى إلا وهو على حذر من نفسه ، معتقدا فيها التقصير والتضجيع (5) في الطاعة ، غير قاطع على صلاحها وسلامة عاقبتها . وزاريا عليها : عائبا ، زريت عليه : عبت . ثم أمرهم بالتأسي بمن كان قبلهم ، وهم الذين قوضوا من الدنيا خيامهم ، أي نقضوها ، وطووا أيام العمر كما يطوى المسافر منازل طريقه ، الاصل : واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذى لا يغش ، والهادي الذى لا يضل ، والمحدث الذى لا يكذب : وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان ، زيادة في هدى ، أو نقصان من عمى . واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة ، ولا لاحد قبل القرآن من


(1) الطلعة : الكثيرة التطلع . (2) القدع : المنع والكف . (3) الخبر في الفائق 1 : 246 منسوب إلى الحسن البصري بهذه الرواية : (حادثوا هذه القلوب بذكر الله ، فإنها سريعة الدثور ، واقدعوا هذه الانفس فإنها طلعة) . وانظر نهاية ابن الاثير 3 : 42 ، 234 (4) في اللسان عن المحكم : (بئر ظنون : قليلة الماء لا يوثق بمائها) . (5) التضجيع في الامر : التقصير فيه (*) .

[ 19 ]

غنى ، فاستشفوه أدوائكم ، واستعينوا به على لاوائكم ، فإن فيه شفاء من أكبر الداء ، وهو الكفر والنفاق ، والغى والضلال ، فاسألوا الله به ، وتوجهوا إليه بحبه ، ولا تسألوا به خلقه ، إنه ما توجه العباد إلى الله تعالى بمثله . واعلموا أنه شافع مشفع ، وقائل مصدق ، وأنه من شفع له القرآن يوم القيامة شفع فيه ، ومن محل به القرآن يوم القيامة صدق عليه ، فإنه ينادى مناد يوم القيامة : ألا إن كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله ، غير حرثة القرآن . فكونوا من حرثته وأتباعه ، واستدلوه على ربكم ، واستنصحوه على أنفسكم ، واتهموا عليه آراءكم ، واستغشوا فيه أهواءكم . الشرح : غشه يغشه ، بالضم ، غشا ، خلاف نصحه . واللاواء : الشدة . وشفع له القرآن شفاعة ، بالفتح ، وهو مما (1) يغلط فيه العامة فيكسرونه ، وكذلك شفعت كذا بكذا ، أتبعته ، مفتوح أيضا . ومحل به إلى السلطان ، قال عنه ما يضره ، كأنه جعل القرآن يمحل يوم القيامة عند الله بقوم ، أي يقول عنهم شرا ، ويشفع عند الله لقوم ، أي يثنى عليهم خيرا . والحارث : المكتسب ، والحرث : الكسب ، وحرثة القرآن : المتاجرون به الله . واستنصحوه على أنفسكم ، أي إذا أشار عليكم بأمر وأشارت عليكم أنفسكم بأمر يخالفه .


(1) ب (والتغلط) . (*)

[ 20 ]

فاقبلوا مشورة القرآن دون مشورة أنفسكم ، وكذلك معنى قوله : (واتهموا عليه آراءكم ، واستغشوا فيه أهواءكم) . (فصل في القرآن وذكر الاثار التى وردت بفضله) واعلم أن هذا الفصل من أحسن ما ورد في تعظيم القرآن وإجلاله ، وقد قال الناس في هذا الباب فأكثروا . ومن الكلام المروى عن أمير المؤمنين عليه السلام في ذكر القرآن أيضا ، ما رواه ابن قتيبة في كتاب عيون الاخبار عنه عليه السلام أيضا ، وهو : (مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن كمثل الاترجة ، ريحها طيب ، وطعمها طيب ، ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ، ومثل الفاجر الذى يقرأ القرآن كمثل الريحانة ، ريحها طيب ، وطعمها مر . ومثل الفاجر الذى لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ، وريحها منتنة) . وقال الحسن رحمه الله : قراء القرآن ثلاثة : رجل اتخذه بضاعة فنقله من مصر إلى مصر ، يطلب به ما عند الناس ، ورجل حفظ حروفه ، وضيع حدوده ، واستدر به الولاة واستطال به على أهل بلاده ، وقد كثر الله هذا الضرب من حملة القرآن - لا كثرهم الله - ورجل قرأ القرآن فبدأ بما يعلم من دواء القرآن ، فوضعه على داء قلبه ، فسهر ليله ، وانهملت عيناه ، وتسربل بالخشوع ، وارتدى بالحزن ، فبذاك وأمثاله يسقى الناس الغيث ، وينزل النصر ، ويدفع البلاء ، والله لهذا الضرب من حملة القرآن أعز وأقل من الكبريت الاحمر .

[ 21 ]

وفى الحديث المرفوع : (أن من تعظيم جلال الله إكرام ذى الشيبة في الاسلام ، وإكرام الامام العادل ، وإكرام حملة القرآن) . وفى الخبر المرفوع أيضا : (لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ، فإنى أخاف أن يناله العدو) . وكانت الصحابة تكره بيع المصاحف وتراه عظيما ، وكانوا يكرهون أن يأخذ المعلم على تعليم القرآن أجرا . وكان ابن عباس يقول : إذا وقعت في آل حم ، وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن . وقال ابن مسعود : لكل شئ ديباجة ، وديباجة القرآن آل حم . قيل لابن عباس : أيجوز أن يحلى المصحف بالذهب والفضة ؟ فقال : حليته في جوفه . وقال النبي صلى الله عليه وآله : (أصفر البيوت جوف صفر من كتاب الله) . وقال الشعبى : إياكم وتفسير القرآن ، فإن الذى يفسره إنما يحدث عن الله) . الحسن رحمه الله : رحم الله امرأ عرض نفسه وعمله على كتاب الله ، فإن وافق ، حمد الله وسأله الزيادة ، وإن خالف ، أعتب وراجع من قريب . حفظ عمر بن الخطاب سورة البقرة ، فنحر وأطعم . وفد غالب بن صعصعة على على عليه السلام ومعه ابنه الفرزدق ، فقال له : من أنت ؟ فقال غالب بن صعصعة المجاشعى ، قال : ذو الابل الكثيرة ؟ قال : نعم ، قال : ما فعلت إبلك ؟ قال : أذهبتها النوائب ، وذعذعتها (1) الحقوق . قال : ذاك خير سبلها . ثم قال :


(1) أي فرقتها وبددتها . (*)

[ 22 ]

يا أبا الاخطل ، من هذا الغلام معك ؟ قال : إبنى وهو شاعر ، قال : علمه القرآن فهو خير له من الشعر ، فكان ذلك في نفس الفرزدق ، حتى قيد نفسه ، وآلى ألا يحل قيده حتى يحفظ القرآن ، فما حله حتى حفظه ، وذلك قوله : وما صب رجلى في حديد مجاشع مع القد إلا حاجة لى أريدها (1) . قلت : تحت قوله عليه السلام : (يا أبا الاخطل) قبل أن يعلم أن ذلك الغلام ولده وأنه شاعر ، سر غامض ، ويكاد يكون إخبارا عن غيب ، فليلمح . الفضيل بن عياض : بلغني أن صاحب القرآن إذا وقف على معصية ، خرج القرآن من جوفه ، فاعتزل ناحية وقال : ألهذا حملتني ! قلت : وهذا القول على سبيل المثل والتخويف من مواقعة المعاصي لمن يحفظ القرآن . أنس ، قال : قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا بن أم سليم ، لا تغفل عن قراءة القرآن صباحا ومساء ، فإن القرآن يحيى القلب الميت ، وينهى عن الفحشاء والمنكر) . كان سفيان الثوري إذا دخل شهر رمضان ترك جميع العبادة ، وأقبل على قراءة القرآن من المصحف . كعب الاحبار : قال الله تعالى لموسى عليه السلام : مثل كتاب محمد في الكتب مثل سقاء فيه لبن ، كلما مخضته استخرجت منه زبدا . أسلم الخواص : كنت أقرأ القرآن ، فلا أجد له حلاوة ، فقلت لنفسي : يا أسلم ، اقرأ القرآن كأنك تسمعه من رسول الله صلى الله عليه ، فجاءت حلاوة قليلة ، فقلت : اقرأه كأنك تسمعه من جبرئيل عليه السلام ، فازدادت الحلاوة ، فقلت : اقرأه كأنك تسمعه من الله عزوجل حين تكلم به ، فجاءت الحلاوة كلها .


(1) ديوانه 1 : 215 ، وهو أيضا في اللسان 5 : 2 ، ويقال : صب رجلا فلان في القيد ، أي قيد . (*)

[ 23 ]

بعض أرباب القلوب : إن الناس يجمزون (1) في قراءة القرآن ما خلا المحبين ، فإن لهم خان إشارات إذا مروا به نزلوا . يريد آيات من القرآن يقفون عندها فيفكرون فيها . في الحديث المرفوع : (ما من شفيع من ملك ولا نبى ولا غيرهما ، أفضل من القرآن) . وفى الحديث المرفوع أيضا : (من قرأ القرآن ثم رأى أن أحدا أوتى أفضل مما أوتى فقد استصغر عظمة الله) . وجاء في بعض الاثار : إن الله تعالى خلق بعض القرآن قبل أن يخلق آدم ، وقرأه على الملائكة ، فقالوا : طوبى لامة ينزل عليها هذا ! وطوبى لاجواف تحمل هذا ! وطوبى لالسنة تنطق بهذا ! . وقال النبي صلى الله عليه وآله : (إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد) ، قيل : يا رسول الله ، وما جلاؤها ؟ قال : (قراءة القرآن وذكر الموت) . وعنه عليه السلام : (ما أذن الله لشئ إذنه لنبى حسن الترنم بالقرآن) وعنه عليه السلام : (إن ربكم لاشد أذنا إلى قارئ القرآن من صاحب القينة إلى قينته) . وعنه عليه السلام : (أنت تقرأ القرآن ما نهاك ، فإذا لم ينهك فلست تقرؤه) . ابن مسعود رحمه الله : ينبغى لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون ، وبنهاره إذ الناس مفطرون ، وبحزنه إذ الناس يفرحون ، وببكائه إذ الناس يضحكون وبخشوعه إذ الناس يختالون . وينبغى لحامل القرآن أن يكون سكيتا زميتا لينا (2) ولا ينبغى أن يكون جافيا ولا مماريا ، ولا صياحا ولا حديدا (3) ولا صخابا .


(1) يجمزون : يسرعون . (2) السكيت : الكثير السكوت ، والزميت : الحليم الساكن القليل الكلام . (3) الحديد : السريع الغضب . (*)

[ 24 ]

بعض السلف ، إن العبد ليفتتح سورة فتصلى عليه حتى يفرغ منها . وإن العبد ليفتتح سورة فتلعنه حتى يفرغ منها ، قيل : كيف ذاك ؟ قال : إذا أحل حلالها ، وحرم حرامها ، صلت عليه وإلا لعنته . ابن مسعود ، أنزل الله عليهم القرآن ليعملوا به ، فاتخذوا دراسته عملا ، إن أحدهم ليقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا ، وقد أسقط العمل به . ابن عباس : لان أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله هذرمة (1) . ثابت البنانى : كابدت في القرآن عشرين سنة ، وتنعمت به عشرين سنة . الاصل : العمل العمل ، ثم النهاية النهاية ، والاستقامة الاستقامة ، ثم الصبر الصبر والورع الورع ! إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم ، وإن لكم علما فاهتدوا بعلمكم ، وإن للاسلام غاية فانتهوا إلى غايته ، واخرجوا إلى الله مما افترض عليكم من حقه ، وبين لكم من وظائفه . أنا شاهد لكم ، وحجيج يوم القيامة عنكم ، ألا وإن القدر السابق قد وقع ، والقضاء الماضي قد تورد . وإنى متكلم بعدة الله وحجته ، قال الله جل ذكره : (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة


(1) الهذرمة : السرعة في القراءة .

[ 25 ]

التى كنتم توعدون) ، وقد قلتم : (ربنا الله) ، فاستقيموا على كتابه ، وعلى منهاج أمره وعلى الطريقة الصالحة من عبادته ، ثم لا تمرقوا منها ، ولا تبتدعوا فيها ، ولا تخالفوا عنها ، فإن أهل المروق منقطع بهم عند الله يوم القيامة . الشرح : النصب على الاغراء ، وحقيقته فعل مقدر ، أي الزموا العمل ، وكرر الاسم لينوب أحد اللفظين عن الفعل المقدر ، والاشبه أن يكون اللفظ الاول هو القائم مقام الفعل ، لانه في رتبته . أمرهم بلزوم العمل ثم أمرهم بمراعاة العاقبة والخاتمة ، وعبر عنها بالنهاية ، وهى آخر أحوال المكلف التى يفارق الدنيا عليها ، إما مؤمنا أو كافرا ، أو فاسقا ، والفعل المقدر هاهنا : راعوا وأحسنوا وأصلحوا ، ونحو ذلك . ثم أمرهم بالاستقامة وأن يلزموها ، وهى أداء الفرائض . ثم أمرهم بالصبر عليها وملازمته ، وبملازمة الورع . ثم شرع بعد هذا الكلام المجمل في تفصيله فقال : (إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم) ، وهذا لفظ رسول الله صلى الله عليه وآله : (أيها الناس ، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم ، وإن لكم غاية فانتهوا إلى غايتكم) والمراد بالنهاية والغاية أن يموت الانسان على توبة من فعل القبيح والاخلال بالواجب . ثم أمرهم بالاهتداء بالعلم المنصوب لهم ، وإنما يعنى نفسه عليه السلام . ثم ذكر أن للاسلام غاية ، وأمرهم بالانتهاء إليها ، وهى أداء الواجبات ، واجتناب المقبحات . ثم أوضح ذلك بقوله : (واخرجوا إلى الله مما افترض عليكم من حقه ، وبين لكم

[ 26 ]

من وظائفه) ، فكشف بهذا الكلام معنى الغاية التى أجملها أولا . ثم ذكر أنه شاهد لهم ، ومحاج يوم القيامة عنهم ، وهذا إشارة إلى قوله تعالى : (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) (1) . وحجيج (فعيل) بمعنى (فاعل) ، وإنما سمى نفسه حجيجا عنهم ، وإن لم يكن ذلك الموقف موقف مخاصمة (2) ، لانه إذا شهد ، لهم فكأنه أثبت لهم الحجة ، فصار محاجا عنهم . قوله عليه السلام : (ألا وإن القدر السابق قد وقع) يشير به إلى خلافته . وهذه الخطبة من أوائل الخطب التى خطب بها أيام بويع بعد قتل عثمان ، وفى هذا إشارة إلى أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخبره أن الامر سيفضي إليه منتهى عمره ، وعند انقضاء أجله . ثم أخبرهم أنه سيتكلم بوعد الله تعالى ومحجته على عباده في قوله : (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا . . .) (3) الاية ، ومعنى الاية أن الله تعالى وعد الذين أقروا بالربوبية . ولم يقتصروا على الاقرار ، بل عقبوا ذلك بالاستقامة أن ينزل عليهم الملائكة عند موتهم بالبشرى ، ولفظة (ثم) للتراخي ، والاستقامة مفضلة على الاقرار باللسان ، لان الشأن كله في الاستقامة ، ونحوها قوله تعالى : (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) (4) ، أي ثم ثبتوا على الاقرار ومقتضياته ، والاستقامة هاهنا هي الاستقامة الفعلية شافعة للاستقامة القولية . وقد اختلف فيه قول أمير المؤمنين عليه السلام وأبى بكر ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أدوا الفرائض ، وقال أبو بكر : استمروا على التوحيد .


(1) سورة الاسراء 71 . (2) د : (محاجه) . (3) سورة فصلت 30 . (4) سورة الحجرات 15 . (*)

[ 27 ]

وروى أن أبا بكر تلاها ، وقال : ما تقولون فيها ؟ فقالوا : لم يذنبوا ، فقال : حملتم الامر على أشده ، فقالوا : قل ، قال : لم يرجعوا إلى عبادة الاوثان ، ورأى أبى بكر في هذا الموضع - إن ثبت عنه - يؤكد مذهب الارجاء ، وقول أمير المؤمنين عليه السلام يؤكد مذهب أصحابنا . وروى سفيان بن عبد الله الثقفى ، قال : قلت يا رسول الله ، أخبرني بأمر أعتصم به فقال : قل : لا إله إلا الله ، ثم استقم ، فقلت : ما أخوف ما تخافه علي ؟ فقال : هذا ، وأخذ بلسان نفسه صلى الله عليه وآله . وتتنزل عليهم الملائكة ، عند الموت ، أوفى القبر ، أو عند النشور . وألا تخافوا (أن) بمعنى (أي) ، أو تكون خفيفة من الثقيلة ، وأصله (أنه لا تخافوا) والهاء ضمير الشأن . وقد فسر أمير المؤمنين الاستقامة المشترطة في الايه ، فقال : قد أقررتم بأن الله ربكم فاستقيموا على كتابه ، وعلى منهاج أمره ، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته . لا تمرقوا منها ، مرق السهم ، إذا خرج من الرمية مروقا . ولا تبتدعوا : لا تحدثوا ما لم يأت به الكتاب والسنة . ولا تخالفوا عنها ، تقول : خالفت عن الطريق ، أي عدلت عنها . قال : فإن أهل المروق منقطع بهم ، بفتح الطاء ، انقطع بزيد بضم الهمزة ، فهو منقطع به ، إذا لم يجد بلاغا ووصولا إلى المقصد .

[ 28 ]

الاصل : ثم إياكم وتهزيع الاخلاق تصريفها ، واجعلوا اللسان واحدا ، وليخزن الرجل لسانه ، فإن هذا اللسان جموح بصاحبه ، والله ما أرى عبدا يتقى تقوى تنفعه حتى يخزن لسانه ، وإن لسان المؤمن من وراء قلبه ، وإن قلب المنافق من وراء لسانه ، لان المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلام تدبره في نفسه ، فإن كان خيرا أبداه ، وإن كان شرا واراه ، وإن المنافق يتكلم بما أتى على لسانه لا يدرى ماذا له ، وماذا عليه ، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه : ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه . فمن استطاع منكم أن يلقى الله سبحانه ، وهو نقى الراحة من دماء المسلمين وأموالهم ، سليم اللسان من أعراضهم ، فليفعل . الشرح : تهزيع الاخلاق : تغييرها ، وأصل الهزع : الكسر ، أسد مهزع : يكسر الاعناق ويرض العظام ، ولما كان المتصرف بخلقه ، الناقل له من حال قد أعدم سمته الاولى كما يعدم الكاسر صورة المكسور ، اشتركا في مسمى شامل لهما ، فاستعمل التهزيع في الخلق للتغيير والتبديل مجازا . قوله : (واجعلوا اللسان واحدا) ، نهى عن النفاق واستعمال الوجهين . قال : (وليخزن الرجل لسانه) ، أي ليحبسه ، فإن اللسان يجمح بصاحبه فيلقيه في الهلكة .

[ 29 ]

ثم ذكر أنه لا يرى التقوى نافعة إلا مع حبس اللسان ، قال : فإن لسان المؤمن وراء قلبه ، وقلب الاحمق وراء لسانه ، وشرح ذلك وبينه . فإن قلت : المسموع المعروف : (لسان العاقل من وراء قلبه ، وقلب الاحمق وراء لسانه) ، كيف نقله إلى المؤمن والمنافق ؟ . قلت : لانه قل أن يكون المنافق إلا أحمق ، وقل أن يكون العاقل إلا مؤمنا فلاكثرية ذلك ، استعمل لفظ (المؤمن) ، وأراد العاقل ، ولفظ (المنافق) وأراد الاحمق . ثم روى الخبر المذكور عن النبي صلى الله عليه وآله وهو مشهور . ثم أمرهم بالاجتهاد في أن يلقوا الله تعالى وكل منهم نقى الراحة من دماء المسلمين وأموالهم ، سليم اللسان من أعراضهم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله : (إنما المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) ، فسلامتهم من لسانه سلامة أعراضهم ، وسلامتهم من يده سلامة دمائهم وأموالهم ، وانتصاب (تهزيع) على التحذير ، وحقيقته تقدير فعل ، وصورته : جنبوا أنفسكم تهزيع الاخلاق ، ف (إياكم) قائم مقام أنفسكم ، والواو عوض عن الفعل المقدر ، وأكثر ما يجئ بالواو ، وقد جاء بغير واو في قول الشاعر : إياك إياك المراء فإنه إلى الشر دعاء وللشر جالب وكان يقال : ينبغى للعاقل أن يتمسك بست خصال ، فإنها من المروءة : أن يحفظ دينه ويصون عرضه ، ويصل رحمه ، ويحمى جاره ، ويرعى حقوق إخوانه ، ويخزن عن البذاء (1) لسانه . وفى الخبر المرفوع : (من كفى شر قبقبه وذبذبه ، ولقلقه ، دخل الجنة) .


(1) البذاء : السفه والفحش في المنطق . (*)

[ 30 ]

فالقبقب البطن : والذبذب : الفرج ، واللقلق : اللسان . وقال بعض الحكماء : من علم أن لسانه جارحة من جوارحه أقل من إعتمالها ، واستقبح تحريكها ، كما يستقبح تحريك رأسه أو منكبه دائما . الاصل : واعلموا عباد الله أن المؤمن يستحل العام ما استحل عاما أول ، ويحرم العام ما حرم عاما أول ، وأن ما أحدث الناس لا يحل لكم شيئا مما حرم عليكم ، ولكن الحلال ما أحل الله ، والحرام ما حرم الله ، فقد جربتم الامور وضرستموها ، ووعظتم بمن كان قبلكم ، وضربت الامثال لكم ، ودعيتم إلى الامر الواضح فلا يصم عن ذلك إلا أصم ، ولا يعمى عنه إلا أعمى . ومن لم ينفعه الله بالبلاء والتجارب ، لم ينتفع بشئ من العظة ، وأتاه التقصير من أمامه ، حتى يعرف ما أنكر ، وينكر ما عرف ، فإن الناس رجلان : متبع شرعة ، ومبتدع بدعة ، ليس معه من الله سبحانه برهان سنة ، ولا ضياء حجة . الشرح : يقول : إن الاحكام الشرعية لا يجوز بعد ثبوت الادلة عليها من طريق النص أن تنقض باجتهاد وقياس ، بل كل ما ورد به النص تتبع مورد النص فيه ، فما استحللته عاما أول ، فهو في هذا العام حلال لك ، وكذلك القول في التحريم ، وهذا هو مذهب أكثر أصحابنا ، أن النص مقدم على القياس ، وقد ذكرناه في كتبنا في أصول الفقة . وأول هاهنا ، لا ينصرف ، لانه صفة على وزن (أفعل) .

[ 31 ]

وقال : (إن ما أحدث الناس لا يحل لكم شيئا مما حرم عليكم) ، أي ما أحدثوه من القياس والاجتهاد ، وليس هذا بقادح في القياس ، ولكنه مانع من تقديمه على النص ، وهكذا يقول أصحابنا . قوله : (وضرستموها) بالتشديد أي أحكمتموها تجربة وممارسة ، يقال : قد ضرسته الحرب ، ورجل مضرس . قوله : (فلا يصم عن ذلك إلا أصم) ، أي لا يصم عنه إلا من هو حقيق أن يقال عنه : إنه أصم كما تقول : ما يجهل هذا الامر إلا جاهل ، أي بالغ في الجهل . ثم قال : (من لم ينفعه الله بالبلاء) أي بالامتحان والتجربة ، لم تنفعه المواعظ ، وجاءه النقص من بين يديه حتى يتخيل فيما أنكره أنه قد عرفه ، وينكر ما قد كان عارفا به ، وسمى اعتقاد العرفان وتخيلة (عرفانا) على المجاز . ثم قسم الناس إلى رجلين : إما متبع طريقة ومنهاجا ، أو مبتدع ما لا يعرف ، وليس بيده حجة ، فالاول المحق والثانى المبطل . والشرعة : المنهاج . والبرهان : الحجة . الاصل : فإن الله سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن ، فإنه حبل الله المتين وسببه الامين ، وفيه ربيع القلب ، وينابيع العلم ، وما للقلب جلاء غيره ، مع أنه قد ذهب المتذكرون ، وبقى الناسون أو المتناسون ، فإذا رأيتم خيرا فأعينوا عليه ، وإذا رأيتم شرا فاذهبوا عنه ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : يا بن آدم ، اعمل الخير ، ودع الشر ، فإذا أنت جواد قاصد .

[ 32 ]

الشرح : إنما جعله حبل الله ، لان الحبل ينجو من تعلق به من هوة ، والقرآن ينجو من الضلال من يتعلق به . وجعله متينا ، أي قويا ، لانه لا انقطاع له أبدا ، وهذه غاية المتانة والقوة . ومتن الشئ ، بالضم ، أي صلب وقوى . وسببه الامين ، مثل حبله المتين ، وإنما خالف بين اللفظين على قاعدة الخطابة . وفيه ربيع القلب ، لان القلب يحيا به كما تحيا الانعام برعى الربيع . وينابيع العلم ، لان العلم منه يتفرع كما يخرج الماء من الينبوع ويتفرع إلى الجداول . والجلاء ، بالكسر : مصدر جلوت السيف ، يقول : لا جلاء لصدأ القلوب من الشبهات والغفلات إلا القرآن . ثم قال : إن المتذكرين قد ذهبوا وماتوا ، وبقى الناسون الذين لا علوم لهم ، أو المتناسون الذين عندهم العلوم ، ويتكلفون إظهار الجهل لاغراض دنيوية تعرض لهم . وروى : (والمتناسون) بالواو . ثم قال : أعينوا على الخير إذا رأيتموه ، بتحسينه عند فاعله ، وبدفع الامور المانعة عنه ، وبتسهيل أسبابه وتسنية سبله ، وإذا رأيتم الشر فاذهبوا عنه ، ولا تقاربوه ولا تقيموا أنفسكم في مقام الراضي به ، الموافق على فعله ثم روى لهم الخبر . والجواد القاصد : السهل السير ، لا سريع يتعب بسرعته ، ولا بطئ يفوت الغرض ببطئه .

[ 33 ]

الاصل : ألا وإن الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفر ، وظلم لا يترك ، وظلم مغفور لا يطلب . فأما الظلم الذى لا يغفر ، فالشرك بالله ، قال الله سبحانه : (إن الله لا يغفر أن يشرك به) . وأما الظلم الذى يغفر ، فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات . وأما الظلم الذى لا يترك ، فظلم العباد بعضهم بعضا . القصاص هناك شديد ، ليس هو جرحا بالمدى ، ولا ضربا بالسياط ، ولكنه ما يستصغر ذلك معه . فإياكم والتلون في دين الله ، فإن جماعة فيما تكرهون من الحق ، خير من فرقة فيما تحبون من الباطل ، وإن الله سبحانه لم يعط أحدا بفرقة خيرا ممن مضى ، ولا ممن بقى . يا أيها الناس ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ! وطوبى لمن لزم بيته ، وأكل قوته ، واشتغل بطاعة ربه ، وبكى على خطيئته ، فكان من نفسه في شغل ، والناس منه في راحة ! الشرح : قسم عليه السلام الظلم ثلاثة أقسام : أحدها : ظلم لا يغفر ، وهو الشرك بالله ، أي أن يموت الانسان مصرا على الشرك ، ويجب عند أصحابنا أن يكون أراد الكبائر ، وإن لم يذكرها ، لان حكمها حكم الشرك عندهم .

[ 34 ]

وثانيها : الهنات المغفورة ، وهى صغائر الذنوب ، هكذا يفسر أصحابنا كلامه عليه السلام . وثالثها : ما يتعلق بحقوق البشر بعضهم على بعض ، فإن ذلك لا يتركه الله هملا ، بل لا بد من عقاب فاعله ، وإنما أفرد هذا القسم مع دخوله في القسم الاول لتميزه بكونه متعلقا بحقوق بنى آدم بعضهم على بعض ، وليس الاول كذلك . فإن قلت : لفظه عليه السلام مطابق للاية ، وهى قوله تعالى : (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (1) والاية ولفظه عليه السلام صريحان في مذهب المرجئة ، لانكم إذا فسرتم قوله : (لمن يشاء) بإن المراد به أرباب التوبة قيل لكم : فالمشركون هكذا حالهم يقبل توبتهم ، ويسقط عقاب شركهم بها ، فلاى معنى خصص المشيئة بالقسم الثاني وهو ما دون الشرك ! وهل هذا إلا تصريح بأن الشرك لا يغفر لمن مات عليه ، وما دونه من المعاصي إذا مات الانسان عليه لا يقطع له بالعقاب ، ولا لغيره بل أمره إلى الله . قلت : الاصوب في هذا الموضع ألا يجعل قوله : (لمن يشاء) معنيا به التائبون ، بل نقول : المراد أن الله لا يستر في موقف القيامة من مات مشركا ، بل يفضحه على رؤوس الاشهاد كما قال تعالى : (ويقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم) (2) . وأما من مات على كبيرة من أهل الاسلام ، فإن الله تعالى يستره في الموقف ، ولا يفضحه بين الخلائق ، وإن كان من أهل النار ، ويكون معنى المغفرة في هذه الاية الستر وتغطية حال العاصى في موقف الحشر ، وقد يكون من أهل الكبائر ممن يقر بالاسلام


(1) سورة النساء 48 . (2) سورة هود 18 . (*)

[ 35 ]

لعظيم كبائره جدا ، فيفضحه الله تعالى في الموقف كما يفضح المشرك ، فهذا معنى قوله : (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) . فأما الكلام المطول في تأويلات هذه الاية فمذكور في كتبنا الكلامية . واعلم أنه لا تعلق للمرجئة ولا جدوى عليهم من عموم لفظ الاية ، لانهم قد وافقونا على أن الفلسفي غير مغفور له وليس بمشرك ، فإذا أراد بقوله تعالى : (إن الله لا يغفر أن يشرك به) ومن جرى مجرى المشركين ، قيل لهم : ونحن نقول : إن الزانى والقاتل يجريان مجرى المشركين كما أجريتم الفلاسفة مجرى المشركين ، فلا تنكروا علينا ما لم تنكروه على أنفسكم . ثم ذكر عليه السلام أن القصاص في الاخرة شديد ، ليس كما يعهده الناس من عقاب الدنيا الذى هو ضرب السوط ، وغايته أن يذوق الانسان طعم الحديد ، وهو معنى قوله : (جرحا بالمدى) ، جمع مدية وهى السكين ، بل هو شئ آخر عظيم لا يعبر النطق عن كنهه وشدة نكاله وألمه . (فصل في الاثار الواردة في شديد عذاب جهنم) قال الاوزاعي في مواعظه للمنصور : (روى لى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أن ثوبا من ثياب أهل النار علق بين السماء والارض لاحرق أهل الارض قاطبة ، فكيف بمن يتقمصه ! ولو أن ذنوبا من حميم جهنم صب على ماء الارض كله لاجنه حتى لا يستطيع مخلوق شربه ، فكيف بمن يتجرعه ! ولو أن حلقة من سلاسل النار وضعت على جبل لذاب كما يذوب الرصاص ، فكيف بمن يسلك فيها ، ويرد فضلها على عاتقه ! وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله : (لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون ، وأخرج إليهم رجل من النار فتنفس وأصابهم نفسه لاحرق المسجد ومن فيه) .

[ 36 ]

وروى أن رسول الله صلى عليه وآله قال لجبرئيل : ما لى لاأرى ميكائيل ضاحكا ! قال : إن ميكائيل لم يضحك منذ خلقت النار ورآها . وعنه صلى الله عليه وآله : (لما أسرى بى سمعت هدة (1) ، فسألت جبريل عنها ، فقال : حجر أرسله الله من شفير جهنم ، فهو يهوى منذ سبعين خريفا حتى بلغ الان فيه) . وروى عن النبي صلى الله عليه آله في قوله : (تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون) (2) . قال : (تتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخى شفته السفلى حتى تضرب سرته) . وروى عبيد بن عمير الليثى عنه عليه السلام : (لتزفرن جهنم زفرة لا يبقى ملك ولا نبى إلا خر مرتعدة فرائصه ، حتى إن إبراهيم الخليل ، ليجث على ركبتيه ، فيقول : يا رب إنى لاأسالك إلا نفسي) . أبو سعيد الخدرى مرفوعا : (لو ضربت جبال الدنيا بمقمع (3) من تلك المقامع الحديد لصارت غبارا . الحسن البصري : قال : الاغلال لم تجعل في أعناق أهل النار لانهم أعجزوا الرب ، ولكن إذا أصابهم اللهب أرسبتهم في النار - ثم خر الحسن صعقا ، وقال - ودموعه تتحادر : يابن آدم ، نفسك نفسك ! فإنما هي نفس واحدة ، إن نجت نجوت ، وإن هلكت لم ينفعك من نجا . طاوس : أيها الناس ، إن النار لما خلقت طارت افئدة الملائكة ، فلما خلقتم سكنت .


(1) الهدة صوت وقع الحائط أو الصخر أو نحوهما . (2) سورة المؤمنين 104 . (3) المقمع والمقمعة : العمود من الحديد ، أو خشبة يضرب بها الانسان على رأسه ليذل ويهان . (*)

[ 37 ]

مطرف بن الشخير : إنكم لتذكرون الجنة ، وإن ذكر النار قد حال بينى وبين أن أسال الله الجنة . منصور بن عمار : يامن البعوضة تقلقه ، والبقة تسهره ، أمثلك يقوى على وهج السعير أو تطيق صفحة خده لفح سمومها ، ورقة أحشائه خشونة ضريعها (1) ، ورطوبة كبده تجرع غساقها (2) ! . قيل لعطاء السلمى أيسرك أن يقال : لك قع في جهنم فتحرق فتذهب فلا تبعث أبدا لا إليها ولا إلى غيرها ؟ فقال : والله الذى لا إله إلا هو لو سمعت أن يقال لى ، لظننت أنى أموت فرحا قبل أن يقال لى ذلك . الحسن : والله ما يقدر العباد قدر حرها ، روينا : لو أن رجلا كان بالمشرق ، وجهنم بالمغرب ، ثم كشف عن غطاء واحد منها لغلت جمجمته ، ولو أن دلوا من صديدها صب في الارض ما بقى على وجهها شئ فيه روح إلا مات . كان الاحنف يصلى صلاة الليل ويضع المصباح قريبا منه ، فيضع أصبعه عليه ، ويقول : يا حنيف ، ما حملك على ما صنعت يوم كذا ! حتى يصبح . (فصل في العزلة والاجتماع وما قيل فيهما) ثم نهاهم عليه السلام عن التفرق في دين الله ، وهو الاختلاف والفرقة ، ثم أمرهم باجتماع الكلمة ، وقال : إن الجماعة في الحق المكروة إليكم ، خير لكم من الفرقة في الباطل المحبوب عندكم ، فإن الله لم يعط أحدا خيرا بالفرقة ، لا ممن مضى ، ولا ممن بقى ، وقد تقدم


(1) الضريع : نبات يسمى رطبه سبرقا ، ويابسه ضريعا ، لاتقربه دابة لخبثه . (2) الغساق : ما يقطر من جلود أهل النار وصديدهم من قيح وغيره . (*)

[ 38 ]

ذكر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله في الامر بلزوم الجماعة ، والنهى عن الاختلاف والفرقة . ثم أمر عليه السلام بالعزلة ، ولزوم البيت والاشتغال بالعبادة ، ومجانبة الناس ومتاركتهم واشتغال الانسان بعيب نفسه عن عيوبهم . وقد ورد في العزلة أخبار آثار كثيرة ، واختلف الناس قديما وحديثا فيها ، ففضلها قوم على المخالطة ، وفضل قوم المخالطة عليها . فممن فضل العزلة سفيان الثوري ، وإبراهيم بن أدهم ، وداود الطائى ، والفضيل بن عياض ، وسليمان الخواص ، ويوسف بن أسباط ، وبشر الحافى ، وحذيفة المرعشي ، وجمع كثير من الصوفية ، وهو مذهب أكثر العارفين ، وقول المتألهين من الفلاسفة . وممن فضل المخالطة على العزلة ابن المسيب ، والشعبى ، وابن أبى ليلى ، وهشام ابن عروة ، وابن شبرمة ، والقاضى شريح ، وشريك بن عبد الله ، وابن عيينة ، وابن المبارك . فأما كلام أمير المؤمنين عليه السلام فيقتضى عند إمعان النظر فيه أن العزلة خير لقوم ، وأن المخالطة خير لقوم آخرين على حسب أحوال الناس واختلافهم . وقد احتج أرباب المخالطة يقول الله تعالى : (فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) (1) ، وبقوله : (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) (2) ، وهذا ضعيف ، لان المراد بالاية تفرق الاراء واختلاف المذاهب في أصول الدين ، والمراد


(1) سورة آل عمران 103 . (2) سورة آل عمران 105 . (*)

[ 39 ]

بتأليف القلوب وبالاخوة عدم الاحن والاحقاد بينهم ، بعد استعار نارها في الجاهلية ، وهذا أمر خارج عن حديث العزلة . واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وآله : (المؤمن إلف (1) مألوف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف) ، وهذا أيضا ضعيف ، لان المراد منه ذم سوء الخلق والامر بالرفق والبشر ، فلا يدخل تحته الانسان الحسن الخلق الذى لو خولط لالف وألف ، وإنما يمنعه من المخالطة طلب السلامة من الناس . واحتجوا بقوله : (من شق عصا المسلمين فقد خلع ربقة الاسلام عن عنقه) ، وهذا ضعيف أيضا لانه مختص بالبغاة والمارقين عن طاعة الامام ، فلا يتناول أهل العزلة الذين هم أهل طاعة للائمة ، إلا أنهم لا يخالطون الناس . واحتجوا بنهيه صلى الله عليه وآله عن هجر الانسان أخاه فوق ثلاث ، وهذا ضعيف لان المراد منه النهى عن الغضب ، واللجاج ، وقطع الكلام والسلام لثوران الغليظ ، فهذا أمر خارج عن الباب الذى نحن فيه . واحتجوا بأن رجلا أتى جبلا يعبد فيه ، فجاء أهله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فنهاه وقال له : إن صبر المسلم في بعض مواطن الجهاد يوما واحدا خير له من عبادة أربعين سنة . وهذا ضعيف ، لانه إنما كان ذلك في ابتداء الاسلام والحث على جهاد المشركين . واحتجوا بما روى عنه صلى الله عليه وآله أنه قال : الشيطان ذئب ، والناس كالغنم يأخذ القاصية والشاذة ، إياكم والشعاب وعليكم بالعامة والجماعة والمساجد . وهذا ضعيف ، لان المراد به : من اعتزل الجماعة وخالفها .


(1) الالف : العشير المؤانس . (*)

[ 40 ]

واحتج من رجح العزلة وآثرها على المخالطة بالاثار الكثيرة الواردة في ذلك نحو قول عمر : خذوا بحظكم من العزلة . وقول ابن سيرين : العزلة عبادة . وقول الفضيل : كفى بالله محبوبا ، وبالقرآن مؤنسا ، وبالموت واعظا ! اتخذ الله صاحبا ، ودع الناس جانبا . وقال ابن الربيع الزاهد لداود الطائى : عظني ، فقال : صم عن الدنيا ، واجعل فطرك للاخره ، وفر من الناس فرارك من الاسد . وقال الحسن : كلمات أحفظهن من التوراة : قنع ابن آدم فاستغنى ، واعتزل الناس فسلم ، ترك الشهوات فصار حرا ، ترك الحسد فظهرت مروءته ، صبر قليلا فتمتع طويلا . وقال وهيب بن الورد : بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء ، تسعة منها الصمت ، والعاشر في العزلة عن الناس . وقال يوسف بن مسلم لعلى بن بكار : ما أصبرك على الوحدة ! وكان قد لزم البيت - فقال : كنت وأنا شاب أصبر على أشد من هذا ، كنت أجالس الناس ولا أكلمهم . وقال الثوري : هذا وقت السكوت وملازمة البيوت . وقال بعضهم : كنت في سفينة . ومعنا شاب علوى ، فمكث معنا سبعا لا نسمع له كلاما ، فقلنا له : قد جمعنا الله وإياك منذ سبع ، ولا نراك تخالطنا ولا تكلمنا ! فأنشد : قليل الهم لا ولد يموت وليس بخائف أمرا يفوت قضى وطر الصبا وأفاد علما فغايته التفرد والسكوت

[ 41 ]

وأكبر همه مما عليه تناجز من ترى خلق وقوت . قال النخعي لصاحب له : تفقه ثم اعتزل . وكان مالك بن أنس الفقيه يشهد الجنائز ، ويعود المرضى ويعطى الاخوان حقوقهم ، ثم ترك واحدا واحدا من ذلك ، إلى أن ترك الجميع . وقال : ليس يتهيأ للانسان أن يخبر بكل عذر له . وقيل لعمر بن عبد العزيز : لو تفرغت لنا ! فقال : ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله تعالى . وقال الفضيل بن عياض : إنى لاجد للرجل عندي يدا إذا لقيني ألا يسلم على ، وإذا مرضت ألا يعودني . وقال الدارانى : بينا ابن خثيم جالس على باب داره ، إذ جاء حجر فصك وجهه ، فسجد ، وجعل يمسح الدم ، ويقول : لقد وعظت يا ربيع ! ثم قام فدخل الدار ، فما جلس بعد ذلك على بابه حتى مات . وكان سعد بن أبى وقاص وسعيد بن زيد قد لزما بيوتهما بالعقيق ، فلم يكونا يأتيان المدينة لا لحاجه لهما ولا لغيرهما ، حتى ماتا بالعقيق . قال بشر : أقلل من معرفة الناس ، فإنك لا تدري ما تكون يوم القيامة ! فإن تكن فضيحة كان من يعرفك أقل . وأحضر بعض الامراء حاتما الاصم فكلمه ، ثم قال له : ألك حاجة ؟ قال : نعم ، ألا تراني ولا أراك . وقيل للفضيل : إن إبنك يقول لوددت أنى في مكان أرى الناس ولا يروننى ! فبكى الفضيل ، وقال : يا ويح على ، ألا أتمها فقال : ولا أراهم ! .

[ 42 ]

ومن كلام الفضيل أيضا : من سخافة عقل الرجل كثرة معارفه . وقد جاء في الاحاديث المرفوعة ذكر العزلة وفضلها ، نحو قوله عليه السلام لعبد الله ابن عامر الجهنى ، لما سأله عن طريق النجاة ، فقال له : (ليسعك بيتك ، أمسك عليك دينك ، وابك على خطيئتك) . وقيل له صلى الله عليه وآله : أي الناس أفضل ؟ فقال : (رجل معتزل في شعب من الشعاب ، يعبد ربه ، ويدع الناس من شره) . وقال عليه السلام : (إن الله يحب التقى النقى الخفى) (فوائد العزلة) وفى العزلة فوائد : منها الفراغ للعبادة ، والذكر والاستئناس بمناجاة الله عن مناجاة الخلق ، فيتفرغ لاستكشاف أسرار الله تعالى في أمر الدنيا والاخرة وملكوت السموات والارض ، لان ذلك لا يمكن إلا بفراغ ، ولا فراغ مع المخالطة ، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله في ابتداء أمره يتبتل في جبل حراء ، ويعتزل فيه ، حتى أتته النبوة . وقيل لبعض الحكماء : ما الذى أرادوا بالخلوة والعزلة ؟ فقال : دوام الفكر وثبات العلوم في قلوبهم ، ليحيوا حياة طيبة ، ويموتوا موتا طيبا . وقيل لبعضهم : ما أصبرك على الوحدة ؟ فقال : لست وحدي ، أنا جليس ربى ، إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه ، وإذا شئت أن أناجيه صليت . وقال سفيان بن عيينة : لقيت إبراهيم بن أدهم في بلاد الشام ، فقلت له : يا إبراهيم ،

[ 43 ]

تركت خراسان ! فقال : ما تهنأت بالعيش إلا هاهنا ، أفربدينى من شاهق إلى شاهق ، فمن رأني قال : موسوس أو حمال . : وقيل للحسن : يا أبا سعيد ، هاهنا رجل لم نره قط جالسا إلا وحده خلف سارية ، فقال الحسن : إذا رأيتموه فأخبروني ، فنظروا إليه ذات يوم ، فقالوا للحسن ، وأشاروا إليه ، فمضى نحوه ، وقال له : يا عبد الله ، لقد حببت إليك العزلة ، فما يمنعك من مجالسة الناس ؟ قال : أمر شغلنى عنهم ، قال : فما يمنعك أن تأتى هذا الرجل الذى يقال له الحسن : فتجلس إليه ؟ قال : أمر شغلنى عن الناس وعن الحسن ، قال : وما ذلك الشغل يرحمك الله ؟ قال : إنى أمسى وأصبح بين نعمة وذنب : فأشغل نفسي بشكر الله على نعمة ، والاستغفار من الذنب ، فقال الحسن : أنت أفقه عندي يا عبد الله من الحسن ، فالزم ما أنت عليه . وجاء هرم بن حيان إلى أويس ، فقال له : ما حاجتك ؟ قال : جئت لانس بك ، قال : ماكنت أعرف أحدا يعرف ربه فيأنس بغيره ! . وقال الفضيل : إذا رأيت الليل مقبلا فرحت به ، وقلت : أخلو بربي ، وإذا رأيت الصبح أدركني ، استرجعت كراهية لقاء الناس ، وأن يجئ إلى من يشغلني عن ربى . وقال مالك بن دينار : من لم يأنس بمحادثة الله عن محادثة المخلوقين ، فقد قل علمه ، وعمى قلبه ، وضاع عمره . وقال بعض الصالحين : بينا أنا أسير في بعض بلاد الشام ، إذا أنا بعابد خارج من بعض تلك الجبال ، فلما نظر إلي تنحى إلى أصل شجرة ، وتستر بها : فقلت : سبحان الله ! أتبخل علي بالنظر إليك ؟ فقال : يا هذا ، إنى أقمت في هذا الجبل دهرا طويلا ، أعالج قلبى في الصبر عن الدنيا وأهلها ، فطال في ذلك تعبي ، وفنى عمرى ، ثم سألت الله تعالى

[ 44 ]

ألا يجعل حظى من أيامى في مجاهدة قلبى فقط ، فسكنه الله عن الاضطراب ، وآلفه الوحدة والانفراد ، فلما نظرت إليك وتريدني خفت أن أقع في الامر الاول فأعود إلى إلف المخلوقين : فإليك عنى فإنى أعوذ من شرك برب العارفين وحبيب التائبين . ثم صاح : واغماه من طول المكث في الدنيا ! ثم حول وجهه عنى ، ثم نفض يده ، وقال : إليك عنى يادنيا ، لغيري فتزينى ، وأهلك فغرى ! ثم قال : سبحان من أذاق العارفين من لذة الخدمة وحلاوة الانقطاع إليه ما الهى قلوبهم عن ذكر الجنان ، والحور الحسان ، فإنى في الخلوة آنس بذكر الله ، وأستلذ بالانقطاع إلى الله ، ثم أنشد : وإنى لاستغشى وما بى نعسة لعل خيالا منك يلقى خياليا (1) وأخرج من بين البيوت لعلنى أحدث عنك النفس في السر خاليا . وقال بعض العلماء : إنما يستوحش الانسان من نفسه لخلو ذاته عن الفضيلة ، فيتكثر حينئذ بملاقاة الناس ، ويطرد الوحشة عن نفسه بهم ، فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ، ويستخرج العلم والحكمة ، وكان يقال : الاستئناس بالناس من علامات الافلاس . ومنها التخلص بالعزلة عن المعاصي التى يتعرض الانسان لها غالبا بالمخالطة ، وهى الغيبة ، والرياء ، وترك الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وسرقة الطبع بعض الاخلاق الرديئة والاعمال الخبيثه من الغير . أما الغيبة فإن التحرز منها مع مخالطة الناس صعب شديد لا ينجو من ذلك إلا الصديقون ، فإن عادة أكثر الناس التمضمض بأعراض من يعرفونه ، والتنقل بلذة


(1) لمحنون ليلى ، ديوانه 294 ، 296 (*) .

[ 45 ]

ذلك ، فهى أنسهم الذى يستريحون إليه في الجلوة والمفاوضة ، فإن خالطتهم ووافقت أثمت ، وإن سكت كنت شريكا ، فالمستمع أحد المغتابين ، وإن أنكرت تركوا ذلك المغتاب واغتابوك ، فازدادوا إثما على إثمهم . فأما الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فإن من خالط الناس لا يخلوا عن مشاهدة المنكرات ، فإن سكت عصى الله ، وإن أنكر تعرض بإنواع من الضرر ، وفى العزله خلاص عن ذلك ، وفى الامر بالمعروف إثارة للخصام ، وتحريك لكوامن مافى الصدور . وقال الشاعر : وكم سقت في آثاركم من نصيحة وقد يستفيد الظنة المتنصح . ومن تجرد للامر بالمعروف ندم عليه في الاكثر كجدار مائل ، يريد الانسان أن يقيمه وحده ، فيوشك أن يقع عليه ، فإذا سقط قال : يا ليتنى تركته مائلا ! نعم لو وجد الاعوان حتى يحكم ذلك الحائط ويدعمه استقام ، ولكنك لا تجد القوم أعوانا على الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فدع الناس وانج بنفسك . وأما الرياء فلا شبهة أن من خالط الناس داراهم ، ومن داراهم راءاهم ، ومن راءاهم كان منافقا ، وأنت تعلم أنك إذا خالطت متعاديين ، ولم تلق كل واحد منهما بوجه يوافقه صرت بغيضا إليهما جميعا ، وإن جاملتهما كنت من شرار الناس ، وصرت ذا وجهين ، وأقل ما يجب في مخالطة الناس ، إظهار الشوق والمبالغة فيه ، وليس يخلو ذلك عن كذب ، إما في الاصل وإما في الزيادة بإظهار الشفقة بالسؤال عن الاحوال ، فقولك : كيف أنت ؟ وكيف أهلك ؟ وأنت في الباطن فارغ القلب عن همومه ، نفاق محض . قال سرى السقطى : لو دخل علي أخ فسويت لحيتى بيدى لدخوله ، خشيت أن أكتب في جريدة المنافقين .

[ 46 ]

كان الفضيل جالسا وحده في المسجد ، فجاء إليه أخ له ، فقال : ما جاء بك ؟ قال : المؤانسه ، قال : هي والله بالمواحشه أشبه ، هل تريد إلا أن تتزين لى وأتزين لك ، وتكذب لى وأكذب لك ! إما أن تقوم عنى ، وإما أن أقوم عنك . وقال بعض العلماء : ما أحب الله عبدا إلا أحب ألا يشعر به خلقه . ودخل طاوس على هشام بن عبد الملك ، فقال : كيف أنت يا هشام ؟ فغضب ، وقال : لم لم تخاطبني بإمرة المؤمنين ؟ قال : لان جميع الناس ما إتفقوا على خلافتك ، فخشيت أن أكون كاذبا . فمن أمكنه أن يحترز هذا الاحتراز ، فليخالط الناس ، وإلا فليرض بإثبات إسمه في جريدة المنافقين إن خالطهم ، ولا نجاة من ذلك إلا بالعزلة . وأما سرقة الطبع من الغير ، فالتجربة تشهد بذلك ، لان من خالط الاشرار اكتسب من شرهم ، وكلما طالت صحبة الانسان لاصحاب الكبائر ، هانت الكبائر عنده وفى المثل : (فإن القرين بالمقارن يقتدى (1)) . ومنها الخلاص من الفتن والحروب بين الملوك والامراء على الدنيا . روى أبو سعيد الخدرى عن النبي صلى الله عليه وآله ، أنه قال : (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنيمات يتبع بها شعاف الجبال ، ومواضع القطر ، يفر بدينه من الفتن) . وروى عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله ذكر الفتن ، فقال : إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم (2) ، وخفت أمانتهم ، وكانوا هكذا - وشبك


(1) أصله قول الشاعر : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدى . (2) مرجت عهودهم ، أي اختلطت . أملك عليك لسانك ، أي لاتجره إلا بما يكون لك لا عليك . وانطر النهاية لابن الاثير 4 : 87 ، 106 . (*)

[ 47 ]

باصابعه - فقلت ما تأمرني ؟ فقال : (إلزم بيتك ، واملك عليك لسانك ، وخذ ما تعرف ، ودع ما تنكر ، وعليك بأمر الخاصة ، ودع عنك أمر العامة) . وروى ابن مسعود عنه صلى الله عليه وآله أنه قال : (سيأتي على الناس زمان لا يسلم لذى دين دينه إلا من فر من قرية إلى قرية ، ومن شاهق إلى شاهق ، كالثعلب الرواغ) قيل : ومتى ذلك يارسول الله ؟ قال : (إذا لم تنل المعيشة إلا بمعاصي الله سبحانه ، فإذا كان ذلك الزمان كان هلاك الرجل على يد أبويه ، فإن لم يكن له أبوان فعلى يد زوجته وولده ، وإن لم يكن فعلى يد قرابته) ، قالوا : كيف ذلك يارسول الله ؟ قال : (يعيرونه بالفقر وضيق اليد ، فيكلفونه مالا يطيقه حتى يورده ذلك موارد الهلكة) . وروى ابن مسعود أيضا أنه صلى الله عليه وآله ذكر الفتنة ، فقال : (الهرج) فقلت : وما الهرج يا رسول الله ؟ قال : (حين لا يأمن المرء جليسه) ، قلت : فبم تأمرني يا رسول الله ، إن أدركت ذلك الزمان ؟ قال : (كف نفسك ويدك ، وادخل دارك) ، قلت : أرأيت إن دخل على دارى ! قال : (ادخل بيتك) ، قلت : إن دخل على البيت ، قال : (ادخل مسجدك ، واصنع هكذا - وقبض على الكوع - وقل ربى الله ، حتى تموت) . ومنها الخلاص من شر الناس ، فإنهم يؤذونك تارة بالغيبة ، وتارة بسوء الظن والتهمة وتارة بالاقتراحات والاطماع الكاذبة التى يعسر الوفاء بها ، وتارة بالنميمة والكذب مما يرونه منك من الاعمال والاقوال مما لا تبلغ عقولهم كنهه ، فيدخرون ذلك في نفوسهم عدة ، لوقت ينتهزون فيه فرصة الشر ، ومن يعتزلهم يستغن عن التحفظ لذلك . وقال بعض الحكماء لصاحبه : أعلمك شعرا هو خير لك من عشرة آلاف درهم ! وهو :

[ 48 ]

اخفض الصوت إن نطقت بليل والتفت بالنهار قبل المقال ليس للقول رجعة حين يبدو بقبيح يكون أو بجمال . ومن خالط الناس لا ينفك من حاسد وطاعن ، ومن جرب ذلك عرف . ومن الكلام المأثور عن على عليه السلام : (أخبر تقله) قال الشاعر : من حمد الناس ولم يبلهم ثم بلاهم ذم من يحمد وصار بالوحدة مستأنسا يوحشه الاقرب والابعد . وقيل لسعد بن أبى وقاص : ألا تأتى المدينة ؟ قال : ما بقى فيها إلا حاسد نعمة ، أو فرح بنقمة . وقال ابن السماك : كتب إلينا صاحب لنا : أما بعد ، فإن الناس كانوا دواء يتداوى به ، فصاروا داء لا دواء لهم ، ففر منهم فرارك من الاسد . وكان بعض الاعراب يلازم شجرة ويقول : هذه نديمى وهو نديم فيه ثلاث خصال : إن سمع لم ينم علي ، وإن تفللت في وجهه احتمل ، وإن عربدت عليه لم يغضب ، فسمع الرشيد هذا الخبر ، فقال : قد زهدني سماعة في الندماء . وكان بعضهم يلازم الدفاتر والمقابر ، فقيل له في ذلك ، قال : لم أر أسلم من الوحدة ولا أوعظ من قبر ، ولا أمتع من دفتر . وقال الحسن مرة : إنى أريد الحج ، فجاء إلى ثابت البنانى ، وقال : بلغني أنك تريد الحج ، فأحببت أن نصطحب ، فقال الحسن : دعنا نتعاشر بستر الله ، إنى أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه . وقال بعض الصالحين : كان الناس ورقا لا شوك فيه ، فالناس اليوم شوك لاورق فيه . وقال سفيان بن عيينه : قال لى سفيان الثوري ، في اليقظة في حياته ، وفى المنام بعد

[ 49 ]

وفاته : أقلل معرفة الناس ، فإن التخلص منهم شديد ، ولا أحسبنى رأيت ما أكره إلا ممن عرفت . وقال بعضهم : جئت إلى مالك بن دينار وهو قاعد وحده ، وعنده كلب رابض قريبا منه ، فذهبت أطرده فقال : دعه فإنه لا يضر ولا يؤذى ، وهو خير من الجليس السوء . وقال أبو الدرداء : اتقوا الله واحذروا الناس ، فإنهم ما ركبوا ظهر بعير إلا أدبروه ، ولا ظهر جواد إلا عقروه ، ولا قلب مؤمن إلا أخربوه . وقال بعضهم : أقلل المعارف ، فإنه أسلم لدينك وقلبك ، وأخف لظهرك ، وأدعى إلى سقوط الحقوق عنك ، لانه كلما كثرت المعارف كثرت الحقوق ، وعسر القيام بالجميع . وقال بعضهم : إذا أردت النجاة فأنكر من تعرف ، ولا تتعرف إلى من لا تعرف . ومنها : إن في العزلة بقاء الستر على المروءة والخلق والفقر وسائر العورات ، وقد مدح الله تعالى المستترين فقال : (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) (1) . وقال الشاعر : ولا عار أن زالت عن الحر نعمة ولكن عارا أن يزول التجمل . وليس يخلو الانسان في دينه ودنياه وأفعاله عن عورات يتقين ويجب سترها ، ولا تبقى السلامة مع انكشافها ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بترك المخالطة . ومنها أن ينقطع طمع الناس عنك ، وينقطع طمعك عن الناس ، أما انقطاع طمع الناس عنك ففيه نفع عظيم ، فإن رضا الخلق غاية لا تدرك ، لان أهون حقوق الناس


(1) سورة البقره 273 (*)

[ 50 ]

وأيسرها حضور الجنازة ، وعيادة المريض ، وحضور الولائم ، والاملاكات (1) ، وفى ذلك تضييع الاوقات ، والتعرض للافات ، ثم يعوق عن بعضها العوائق ، وتستثقل فيها المعاذير ، ولا يمكن إظهار كل الاعذار ، فيقول لك قائل : إنك قمت بحق فلان ، وقصرت في حقى ، ويصير ذلك سبب عداوة ، فقد قيل : إن من لم يعد مريضا في وقت العيادة ، يشتهى موته خيفة من تخجيله إياه إذا برئ من تقصيره ، فأما من يعم الناس كلهم بالحرمان فإنهم يرضون كلهم عنه ، ومتى خصص وقع الاستيحاش والعتاب ، وتعميمهم بالقيام بجميع الحقوق ، مما لا قدرة عليه للمتجرد ليله ونهاره ، فكيف من له مهم يشغله دينى أو دنيوى ! . ومن كلام بعضهم ، كثرة الاصدقاء زيادة (2) الغرماء . وقال الشاعر : عدوك من صديقك مستفاد فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب . وأما انقطاع طمعك عنهم ، ففيه أيضا فائدة جزيلة ، فإن من نظر إلى زهرة الدنيا وزخرفها ، تحرك حرصه ، وانبعث بقوة الحرص طمعه ، وأكثر الاطماع يتعقبها الخيبة ، فيتأذى الانسان بذلك ، وإذا اعتزل لم يشاهد ، وإذا لم يشاهد لم يشته ولم يطمع ، ولذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله : (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا) (3) وقال عليه السلام : (انظروا إلى من دونكم ، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم) .


(1) الاملاكات : مجامع التزويج . (2) ب : (كثرة) ، وما أثبته من أ ، د (3) سورة الحجر 88 . (*)

[ 51 ]

وقال عون بن عبد الله : كنت أجالس الاغنياء ، فلا أزال مغموما أرى ثوبا أحسن من ثوبي ، ودابة أفره من دابتي ، فجالست الفقراء فاسترحت . وخرج المزني صاحب الشافعي من باب جامع الفسطاط بمصر ، وكان فقيرا مقلا فصادف ابن عبد الحكم قد أقبل في موكبه ، فبهره ما رأى من حاله ، وحسن هيأته ، فتلا قوله تعالى : (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون) (1) ثم قال : نعم أصبر وأرضى . فالمعتزل عن الناس في بيته لا يبتلى بمثل هذه الفتن ، فإن من شاهد زينة الدنيا ، إما أن يقوى دينه ويقينه فيصبر فيحتاج إلى أن يتجرع مرارة الصبر ، وهو أمر من الصبر ، أو تنبعث رغبته فيحتال في طلب الدنيا فيهلك دنيا وآخرة ، أما في الدنيا فبالطمع الذى في أكثر الاوقات يتضمن الذل المعجل ، وأما في الاخرة فلايثاره متاع الدنيا على ذكر الله ، والتقرب إليه ، ولذلك قال الشاعر : إذا كان باب الذل من جانب الغنى سموت إلى العلياء من جانب الفقر . أشار إلى أن الطمع يوجب في الحال ذلا . ومنها الخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقى ومعاناة أخلاقهم ، فإن رؤية الثقيل هي العمى الاصغر ، قيل للاعمش : بم عمشت عيناك (2) ؟ قال : بالنظر إلى الثقلاء . ودخل على أبى حنيفة رحمه الله ، فقال له : روينا في الخبر أن من سلب كريمتيه عوضه الله ما هو خير منهما ، فما الذى عوضك ؟ قال : كفانى رؤية ثقيل مثلك يمازحه . وقال الشافعي رحمه الله : ما جالست ثقيلا إلا وجدت الجانب الذى يليه من بدنى كأنه أثقل على من الجانب الاخر . وهذه المقاصد وإن كان بعضها دنيويا ، إلا أنها تضرب في الدين بنصيب ، وذلك لان


(1) سورة الفرقان 20 (2) د : (عينك) . (*)

[ 52 ]

من تأذى برؤية ثقيل لم يلبث أن يغتابه ويثلبه ، وذلك فساد في الدين ، وفى العزلة السلامة عن جميع ذلك . واعلم أن كلام أمير المؤمنين عليه السلام تختلف مناهجه ، فقد رجح العزلة في هذا الفصل على المخالطة ، ونهى عن العزلة في موضع آخر سيأتي ذكره في الفصل الذى أوله (أنه دخل على العلاء بن زياد الحارثى عائد) ، ويجب أن يحمل ذلك على أن من الناس من العزلة خير له من المخالطة ، ومنهم من هو بالضد من ذلك ، وقد قال الشافعي قريبا من ذلك ، قال ليونس بن عبد الاعلى صاحبه : يا يونس ، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة ، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء ، فكن بين المنقبض والمنبسط . فإذا أردت العزلة فينبغي للمعتزل أن ينوى بعزلته كف شره عن الناس أولا ، ثم طلب السلامة من شر الاشرار ثانيا ، ثم الخلاص من آفة القصور عن القيام بحقوق المسلمين ثالثا ، ثم التجرد بكنه الهمة بعبادة الله تعالى رابعا ، فهذه آداب نيته ، ثم ليكن في خلوته مواظبا على العلم والعمل ، والذكر والفكر ، ليجتني ثمرة العزلة . ويجب أن يمنع الناس عن أن يكثروا غشيانه وزيارته ، فيتشوش وقته ، وأن يكف نفسه عن السؤال عن أخبارهم وأحوالهم ، وعن الاصغاء إلى أراجيف الناس وما الناس مشغولون به ، فإن كل ذلك ينغرس في القلب حتى ينبعث على الخاطر والبال وقت الصلاة ووقت الحاجة إلى إحضار القلب ، فإن وقوع الاخبار في السمع كوقوع البذر في الارض ، لا بد أن ينبت وتتفرع عروقه وأغصانه ، وإحدى مهمات المعتزل قطع الوساوس الصارفة عن ذكر الله ، ولا ريب أن الاخبار ينابيع الوساوس وأصولها . ويجب أن يقنع باليسير من المعيشة ، وإلا أضطره التوسع إلى الناس ، واحتاج إلى مخالطتهم .

[ 53 ]

وليكن صبورا على ما يلقاه من أذى الجيران إذ يسد سمعه عن الاصغاء إلى ما يقول فيه من أثنى عليه بالعزلة ، وقدح فيه بترك المخالطة ، فإن ذلك لا بد أن يؤثر في القلب ، ولو مدة يسيرة ، وحال اشتغال القلب به لا بد أن يكون واقفا عن سيره في طريق الاخرة ، فإن السير فيها إما يكون بالمواظبة على ورد أو ذكر مع حضور قلب ، وإما بالفكر في جلال الله وصفاته وأفعاله وملكوت سماواته ، وإما بالتأمل في دقائق الاعمال ومفسدات القلب وطلب طرق التخلص منها ، وكل ذلك يستدعى الفراغ ، ولا ريب أن الاصغاء إلى ما ذكرناه يشوش القلب . ويجب أن يكون للمعتزل أهل صالح أو جليس صالح ، لتستريح نفسه إليه ساعة عن كد المواظبة ، ففى ذلك عون له على بقية الساعات . وليس يتم للانسان الصبر على العزلة إلا بقطع الطمع عن الدنيا ، وما الناس منهمكون فيه ، ولا ينقطع طمعه إلا بقصر الامل ، وألا يقدر لنفسه عمرا طويلا ، بل يصبح على أنه لا يمسى ، ويمسى على أنه لا يصبح ، فيسهل عليه صبر يوم ، ولا يسهل عليه العزم على صبر عشرين سنه لو قدر تراخى أجله ، وليكن كثير الذكر للموت ووحدة القبر ، مهما ضاق قلبه من الوحدة ، وليتحقق أن من لم يحصل في قلبه من ذكر الله ومعرفته ما يأنس به ، فإنه لا يطيق وحشة الوحدة بعد الموت ، وأن من أنس بذكر الله ومعرفته فإن الموت لا يزيل أنسه ، لان الموت ليس يهدم محل الانس والمعرفة ، بل يبقى حيا بمعرفته وأنسه فرحا بفضل الله عليه ، قال سبحانه : (ولا تحسبن الذن قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله) (1) . وكل من يجرد نفسه في ذات الله فهو شهيد مهما أدركه الموت ، فالمجاهد من


(1) سورة آل عمران 169 : 170 . (*)

[ 54 ]

جاهد نفسه وهواه ، كما صرح به عليه السلام ، وقال لاصحابه : (رجعنا من الجهاد الاصغر إلى الجهاد الاكبر) ، فالجهاد الاصغر محاربة المشركين ، والجهاد الاكبر جهاد النفس . وهذا الفصل في العزلة نقلناه على طوله من كلام أبى حامد الغزالي في إحياء علوم الدين وهذبنا منه ما اقتضت الحال تهذيبه (1) .


(1) كتاب آداب العزلة ، من كتاب الاحياء 2 : 221 - 244 ، وهو الكتاب السادس من ربع العادات . (*)

[ 55 ]

(178) الاصل : ومن كلام له عليه السلام في معنى الحكمين : فأجمع رأى ملئكم على أن اختاروا رجلين ، فأخذنا عليهما أن يجعجعا عند القرآن ، ولا يجاوزاه ، وتكون ألسنتهما معه وقلوبهما تبعه ، فتاها عنه ، وتركا الحق وهما يبصرانه ، وكان الجور هواهما ، والاعوجاج رأيهما ، وقد سبق استثناؤنا عليهما في الحكم بالعدل والعمل بالحق سوء رأيهما ، وجور حكمهما ، والثقة في أيدينا لانفسنا ، حين خالفا سبيل الحق ، وأتيا بما لا يعرف من معكوس الحكم . الشرح : الملا : الجماعه . ويجعجعا : يحبسا نفوسهما وآراءهما عند القرآن ، جعجعت ، أي حبست ، أخذت عليهما العهد والميثاق أن يعملا بما في القرآن ولا يتجاوزاه . فتاها عنه ، أي عدلا ، وتركا الحق على علم منهما به . والدأب : العادة ، (وسوء رأيهما) منصوب ، لانه مفعول (سبق) ، والفاعل استثناؤنا . ثم قال : (والثقة في أيدينا) ، أي نحن على برهان وثقة من أمرنا ، وليس بضائر لنا ما فعلاه لانهما خالفا الحق ، وعدلا عن الشرط وعكسا الحكم .

[ 56 ]

وروى الثوري ، عن أبى عبيده ، قال : أمر بلال بن أبى بردة وكان قاضيا ، بتفريق بين رجل وامرأته ، فقال الرجل : يا آل أبى موسى (1) ، إنما خلقكم الله للتفريق بين المسلمين ! (كتاب معاوية إلى عمرو بن العاص وهو على مصر) كتب معاوية إلى عمرو بن العاص وهو على مصر ، قد قبضها بالشرط الذى اشترط على معاوية : (أما بعد ، فإن سؤال أهل الحجاز وزوار أهل العراق كثروا على ، وليس عندي فضل عن أعطيات الحجاز ، فأعنى بخراج مصر هذه السنة) . فكتب عمرو إليه : معاوى إن تدركك نفس شحيحة فما مصر إلا كالهباءة في الترب وما نلتها عفوا ولكن شرطتها وقد دارت الحرب العوان على قطب ولولا دفاعي الاشعري ورهطه لالفيتها ترغو كراغية السقب . ثم كتب في ظاهر الكتاب - ورأيت أنا هذه الابيات بخط أبى زكريا يحيى بن على الخطيب التبريزي رحمه الله - معاوى حظى لا تغفل وعن سنن الحق لا تعدل أتنسى مخادعتي الاشعري وما كان في دومة الجندل ؟ ألين فيطمع في غرتي وسهمي قد خاض في المقتل فألمظه عسلا باردا وأخبا من تحته حنظلى وأعليته المنبر المشمخر كرجع الحسام إلى المفصل


(1) الرغاء : صوت الابل : والثغب : ولد الناقه . (*)

[ 57 ]

فأضحى لصاحبه خالعا كخلع النعال من الارجل وأثبتها فيك موروثة ثبوت الخواتم في الانمل وهبت لغيري وزن الجبال وأعطيتني زنة الخردل وإن عليا غدا خصمنا سيحتج بالله والمرسل وما دم عثمان منج لنا فليس عن الحق من مزحل فلما بلغ الجواب إلى معاوية لم يعاوده في شئ من أمر مصر بعدها . بعث عبد الملك روح بن زنباع وبلال بن أبى بردة بن أبى موسى ، إلى زفر بن الحارث الكلابي بكلام ، وحذرهما من كيده ، وخص بالتحذير روحا ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن أباه كان المخدوع يوم دومة الجندل لا أبى ، فعلام تخوفنى الخداع والكيد ! فغضب بلال وضحك عبد الملك .

[ 58 ]

(179) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : لا يشغله شأن ، ولا يغيره زمان ، ولا يحويه مكان ، ولا يصفه لسان ، لا يعزب عنه عدد قطر الماء ، ولا نجوم السماء ، ولا سوافى الريح في الهواء ، ولا دبيب النمل على الصفا ، ولا مقيل الذر في الليلة الظلماء . يعلم مساقط الاوراق ، وخفى طرف الاحداق . وأشهد أن لا إله إلا الله غير معدول به ، ولا مشكوك فيه ، ولا مكفور دينه ، ولا مجحود تكوينه ، شهادة من صدقت نيته ، وصفت دخلته ، وخلص يقينه ، وثقلت موازينه . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، المجتبى من خلائقه ، والمعتام لشرح حقائقه ، والمختص بعقائل كراماته ، والمصطفى لكرائم رسالاته ، والموضحة به أشراط الهدى ، والمجلو به غربيب العمى . الشرح : لا يشغله أمر ، لان الحى الذى تشغله الاشياء هو الحى العالم بالبعض دون البعض ، والقادر على البعض دون البعض ، فأما من لا يغيب عنه شئ أصلا ، ولا يعجز عن شئ أصلا ، ولا يمنعه من إيجاد مقدوره - إذا أراد - مانع أصلا ، فكيف يشغله شأن ! . وكذلك لا يغيره زمان ، لانه واجب الوجود ، ولا يحويه مكان ، لانه ليس بجسم ،

[ 59 ]

ولا يصفه لسان ، لان كنه ذاته غير معلوم ، وإنما المعلوم منه إضافات أو سلوب . ولا يعزب عنه أمر من الامور ، أي لا يفوته علم شئ أصلا . والسوافى : التى تسفى التراب ، أي تذريه . والصفا ، مقصور : الصخر الاملس ، ولا وقف عليها هاهنا ، لان المقصور لا يكون في مقابلة الممدود ، وإنما الفقرة المقابلة للهواء هي (الظلماء) ، ويكون (الصفا) في أدراج الكلام أسوة بكلمة من الكلمات . والذر : صغار النمل . ويعلم مساقط الاوراق ، من قوله تعالى : (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) (1) . وطرف الاحداق : مصدر طرف البصر يطرف طرفا ، إذا انطبق أحد الجفنين على الاخر ، ولكونه مصدرا وقع على الجماعة ، كما وقع على الواحد ، فقال عليه السلام : (طرف الاحداق) ، كما قال سبحانه : (لا يرتد إليهم طرفهم) (2) . وغير معدول به : غير مسوى بينه وبين أحد . والدخلة ، بكسر الدال : باطن الامر ، ويجوز الدخلة بالضم . والمعتام : المختار . والعيمة بالكسر خيار المال ، إعتام الرجل إذا أخذ العيمة . فإن قلت : لفظة (معتام) و (مختار) تصلح للفاعل والمفعول ، فماذا يفصل بينهما ؟ . قلت : بما يقترن باللفظ من الكلام قبله وبعده . فإن قلت : فهل يختلفان في التقدير في صناعة النحو ، وإن اتفقا في اللفظ ؟ قلت : نعم ، فإن عين الكلمة ياء مفتوح ما قبلها ، فإن أردت الفاعل فهى مكسورة ،


(1) سورة الانعام 59 (2) سورة إبراهيم 43 . (*)

[ 60 ]

وتقديره (مختير) مثل (مخترع) ، وإن كان مفعولا فهى مفتوحة ، وتقديره (مختير) مثل (مخترع) وعلى كلا التقديرين لابد من إنقلاب الياء ألفا ، واللفظ واحد ولكن يقدر على الالف كسرة للفاعل وفتحة للمفعول ، وكذلك القول في (معتام) و (مضطر) ونحوهما . وحكى أن بعض المتكلمين من المجبرة ، قال : أسمى العبد مضطرا إلى الفعل ، إذا فعله ، ولا أسمى الله تعالى مضطرا إليه . قيل : فكيف تقول ؟ قال (مضطر) بكسر الطاء ، فضحك أهل المجلس منه . والعقائل : جمع عقيلة ، وهى كريمة كل شئ من الناس والابل وغير ذلك ، ويقال للذرة عقيلة البحر . وأشراط الهدى : علاماته ، ومنه أشراط الساعة قال تعالى : (فقد جاء أشراطها) (1) . والغربيب : الاسود الشديد السواد . ويجلى به غربيب العمى : تكشف به ظلم الضلال ، وتستنير بهدايته ، وقوله تعالى : (وغرابيب سود) (2) ليس على أن الصفة قد تقدمت على الموصوف ، بل يجعل السود بدلا من الغرابيب . فإن قلت : الهاء في (حقائقه) إلى ماذا ترجع ؟ قلت : إلى البارئ سبحانه ، وحقائقه حقائق توحيده وعدله ، فالمضاف محذوف ، ومعنى حقائق توحيده : الامور المحققة اليقينية التى لا تعتريها الشكوك ، ولا تتخالجها الشبه ، وهى أدلة أصحابنا المعتزلة التى استنبطوها بعقولهم ، بعد أن دلهم إليها ، ونبههم على طرق استنباطها رسول الله صلى الله عليه وآله بواسطة أمير المؤمنين عليه السلام ، لانه إمام المتكلمين الذى لم يعرف علم الكلام من أحد قبله .


(1) سورة محمد 18 (2) سورة فاطر . (*)

[ 61 ]

الاصل : أيها الناس ، إن الدنيا تغر المؤمل لها ، والمخلد إليها ، ولا تنفس بمن نافس فيها ، وتغلب من غلب عليها . وايم الله ماكان قوم قط في غض نعمة من عيش فزال عنهم إلا بذنوب اجترحوها ، لان الله ليس بظلام للعبيد . ولو أن الناس حين تنزل بهم النقم ، وتزول عنهم النعم ، فزعوا إلى ربهم بصدق من نياتهم ، ووله من قلوبهم ، لرد عليهم كل شارد ، وأصلح لهم كل فاسد . وإنى لاخشى عليكم أن تكونوا في فترة ، وقد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة ، كنتم فيها عندي غير محمودين ، ولئن رد عليكم أمركم إنكم لسعداء . وما على إلا الجهد ، ولو أشاء أن أقول لقلت : عفا الله عما سلف ! الشرح : المخلد : المائل إليها ، قال تعالى : (ولكنه أخلد إلى الارض) (1) . ولا تنفس بمن نافس فيها : لا تضن به ، أي من نافس في الدنيا فإن الدنيا تهينه ولا تصن به ، كما يضن بالعلق النفيس . ثم قال : (وتغلب من غلب عليها) ، أي من غلب على الدنيا مقاهرة فسوف تغلبه الدنيا وتهلكه . ثم أقسم إنه ما كان قوم في غض نعمة أي في نعمة غضة ، أي طرية ناضرة ، فزالت عنهم


(1) سورة الاعراف 176 . (*)

[ 62 ]

إلا بذنوب اجترحوها ، أي اكتسبوها ، وهذا يكاد يشعر بمذهب أهل التناسخ ، ومن قال : إن الالم لا يحسن أن يفعله الحكيم سبحانه وتعالى بالحيوانات إلا مستحقا ، فأما مذهب أصحابنا فلا يتخرج هذا الكلام عليه ، لانه يجوز عندهم أن تزول النعم عن الناس لضرب من اللطف مضاف إلى عوض يعوضهم الله تعالى به في الاخرة ، فيجب أن يحمل هذا الكلام لا على عمومه ، بل على الاكثر والاغلب . ثم قال عليه السلام : لو أن الناس عند حلول النقم بهم وزوال النعم عنهم يلتجئون إلى الله تعالى تائبين من ذنوبهم ، لرفع عنهم النقمة ، وأعاد إليهم النعمة . والوله ، كالتحير يحدث عند الخوف أو الوجد . والشارد : الذاهب . قوله : (وإنى لاخشى عليكم أن تكونوا في فترة) ، أي في أمر جاهلية لغلبة الضلال والجهل على الاكثرين منهم . وهذه خطبة خطب بها عليه السلام بعد قتل عثمان في أول خلافته عليه السلام ، وقد تقدم ذكر بعضها والامور التى مالوا فيها عليه اختيارهم عثمان وعدولهم عنه يوم الشورى . وقال : (لئن رد عليكم أمركم) أي أحوالكم التى كانت أيام رسول الله صلى الله عليه وآله من صلاح القلوب والنيات إنكم سعداء . والجهد ، بالضم الطاقة . ثم قال : لو أشاء أن أقول لقلت ، أي لو شئت لذكرت سبب التحامل على وتأخري عن غيرى ، ولكني لا أشاء ذلك ، ولا أستصلح ذكره .

[ 63 ]

ثم قال : (عفا الله عما سلف) لفظ مأخوذ من الكتاب العزيز (عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام) (1) . وهذا الكلام يدل على مذهب أصحابنا في أن ما جرى من عبد الرحمن (2) وغيره في يوم الشورى ، وإن كان لم يقع على الوجه الافضل ، فإنه معفو عنه مغفور لفاعله ، لانه لو كان فسقا غير مغفور ، لم يقل أمير المؤمنين عليه السلام : (عفا الله عما سلف) .


(1) سورة المائدة 95 . (2) هو عبد الرحمن بن عوف . (*)

[ 64 ]

(180) الاصل : ومن كلام له عليه السلام وقد سأله ذعلب اليماني فقال : هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام : أفأعبد مالا أرى ! فقال : كيف تراه ؟ قال : لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان ، قريب من الاشياء غير ملامس ، بعيد منها غير مباين ، متكلم بلا روية ، مريد بلابهمة ، صانع لا بجارحة . لطيف لا يوصف بالخفاء ، كبير لا يوصف بالجفاء ، بصير لا يوصف بالحاسة ، رحيم لا يوصف بالرقة . تعنو الوجوه لعظمته ، وتجب القلوب من مخافته . الشرح : الذعلب في الاصل : الناقة السريعة ، وكذلك الذعلبة ، ثم نقل فسمى به إنسان ، وصار علما ، كما نقلوا (بكرا) عن فتى الابل إلى بكر بن وائل . واليماني مخفف النون ، ولا يجوز تشديدها ، جعلوا الالف عوضا عن الياء الثانية ، وكذلك فعلوا في (الشامي) ، والاصل (يمنى) و (شامى) . وقوله عليه السلام : (أفأعبد ما لا أرى ؟) مقام رفيع جدا لا يصلح أن يقوله غيره عليه السلام .

[ 65 ]

ثم ذكر ماهية هذه الرؤية ، قال : إنها رؤية البصيرة ، لا رؤية البصر . ثم شرح ذلك ، فقال : إنه تعالى قريب من الاشياء ، غير ملامس لها ، لانه ليس بجسم ، وإنما قربه (1) منها علمه بها ، كما قال تعالى : (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) (2) . قوله : (بعيد منها غير مباين) ، لانه أيضا ليس بجسم فلا يطلق عليه البينونة ، وبعده منها هو عبارة عن انتفاء اجتماعه معها ، وذلك كما يصدق على البعيد بالوضع ، يصدق أفضل الصدق على البعيد بالذات الذى لا يصح الوضع والاين أصلا عليه . قوله : (متكلم بلا روية) ، الروية : الفكرة يرتئى الانسان بها ليصدر عنه ألفاظ سديدة دالة على مقصده ، والبارئ تعالى متكلم لا بهذا الاعتبار ، بل لانه إذا أراد تعريف (خلقه) (3) من جهة الحروف والاصوات ، وكان في ذلك مصلحة ولطف لهم ، خلق الاصوات والحروف في جسم جمادى ، فيسمعها من يسمعها ، ويكون ذلك كلامه ، لان المتكلم في اللغة العربية فاعل الكلام لا من حله الكلام . وقد شرحنا هذا في كتبنا الكلامية . قوله : (مريد بلا همة) ، أي بلا عزم ، فالعزم عبارة عن إرادة متقدمة للفعل ، تفعل توطينا للنفس على الفعل ، وتمهيدا للارادة المقارنة له ، وإنما يصح ، ذلك على الجسم الذى يتردد فيها ، تدعوه إليه الدواعى ، فأما العالم لذاته ، فلا يصح ذلك فيه . قوله : (صانع لا بجارحة) ، أي لا بعضو ، لانه ليس بجسم . قوله : (لطيف لا يوصف بالخفاء) ، لان العرب إذا قالوا لشئ : إنه لطيف ، أرادوا أنه صغير الحجم ، والبارئ تعالى لطيف لا بهذا الاعتبار بل يطلق باعتبارين


(1) د : (قربته) (2) سورة المجادلة 7 . (3) زيادة يقتيضها السياق . (*)

[ 66 ]

أحدهما : أنه لا يرى لعدم صحة رؤية ذاته ، فلما شابه اللطيف من الاجسام في استحالة رؤيته ، أطلق عليه لفظ (اللطيف) إطلاقا للفظ السبب على المسبب . وثانيهما : أنه لطيف بعباده ، كما قال في الكتاب العزيز ، أي يفعل الالطاف المقربة لهم من الطاعة ، المبعدة لهم من القبيح ، أو لطيف بهم بمعنى أنه يرحمهم ويرفق بهم . قوله : (كبير لا يوصف بالجفاء) ، لما كان لفظ (كبير) إذا استعمل في الجسم أفاد تباعد أقطاره ، ثم لما وصف البارئ بأنه أراد أن ينزهه عما يدل لفظ (كبير) عليه ، إذا استعمل في الاجسام ، والمراد من وصفه تعالى بأنه كبير ، عظمة شأنه وجلالة سلطانه . قوله : (بصير لا يوصف بالحاسة) ، لانه تعالى يدرك إما لانه حى لذاته ، أو أن يكون إدراكه هو علمه ، ولا جارحة له ولا حاسة على كل واحد من القولين . قوله : (رحيم لا يوصف بالرقة) ، لان لفظة الرحمة في صفاته تعالى تطلق مجازا على (1) إنعامه على عباده ، لان الملك إذا رق على رعيته وعطف ، أصابهم بإنعامه ومعروفه . قوله : (تعنو الوجوه) ، أي تخضع ، قال تعالى : (وعنت الوجوه للحى القيوم) (2) . قوله : (وتجب القلوب) ، أي تخفق ، وأصله من وجب الحائط ، سقط . ويروى : (توجل القلوب) أي تخاف ، وجل : خاف . وروى : (صانع لا بحاسة) ، وروى (لا تراه العيون بمشاهدة العيان) عوضا عن (لا تدركه) .


(1) ب ، د : (عن) . (2) سورة طه 111 (*) .

[ 67 ]

(181) الاصل : ومن كلام له عليه السلام في ذم أصحابه : أحمد الله على ما قضى من أمر ، وقدر من فعل ، وعلى ابتلائي بكم أيتها الفرقة التى إذا أمرت لم تطع ، وإذا دعوت لم تجب . إن أهملتم خضتم ، وإن حوربتم خرتم ، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم ، وإن أجئتم إلى مشاقة نكصتم . لاأبا لغيركم ! ما تنتظرون بنصركم ، والجهاد على حقكم ! الموت أو الذل لكم ! فوالله لئن جاء يومى - وليأتيني - ليفرقن بينى وبينكم ، وأنا لصحبتكم قال ، وبكم غير كثير . لله أنتم ! أما دين يجمعكم ، ولا حمية تشحذكم ! أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير معونة ولا عطاء ، وأنا أدعوكم - وانتم تريكة الاسلام وبقية الناس - إلى المعونة أو طائفة من العطاء ، فتتفرقون عنى ، وتختلفون على ! إنه لا يخرج إليكم من أمرى رضا فترضونه ، ولا سخط فتجتمعون عليه ، وإن أحب ما أنا لاق إلى الموت . قد دارستكم الكتاب ، وفاتحتكم الحجاج ، وعرفتكم ما أنكرتم ، وسوغتكم مامججتم ، لو كان الاعمى يلحظ ، أو النائم يستيقظ

[ 68 ]

وأقرب بقوم من الجهل بالله قائدهم معاوية ، ومؤدبهم ابن النابغة ! الشرح : قضى وقدر في هذا الموضع واحد . ويروى : (على ما ابتلاني) . وأهملتم : خليتم وتركتم ، ويروى : (امهلتم) ، أي أخرتم . وخرتم : ضعفتم ، والخوار : الضعف ، رجل خوار ، ورمح خوار ، وأرض خوارة ، والجمع خور . ويجوز أن يكون (خرتم) أي صحتم ، كما يخور الثور ، ومنه قوله تعالى : (عجلا جسدا له خوار) (1) . ويروى : (جرتم) أي عدلتم عن الحرب فرارا . وأجئتم : ألجئتم ، قال تعالى : (فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة) . (2) . والمشاقة : المقاطعة والمصارمة . ونكصتم : أحجمتم ، قال تعالى : (فلما تراءى الجمعان نكص على عقبيه) ، أي رجع محجما ، أي دعيتم إلى كشف القناع مع العدو وجبنتم وهبتموه . قوله : (لا أبا لغيركم) ، الافصح (لا أب) ، بحذف الالف ، كما قال الشاعر : أبى الاسلام لا أب لى سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم . (3) وأما قولهم : (لا أبا لك) ، بإثباته فدون الاول في الفصاحة ، كأنهم قصدوا الاضافة ، وأقحموا اللام مزيدة مؤكدة ، كما قالوا : (ياتيم تيم عدى) ، وهو غريب لان حكم


(1) سورة طه 88 (2) سورة مريم 23 . (3) لنهار بن توسعة اليشكرى ، والبيت من شواهد سيبوية (*) .

[ 69 ]

(لا) أن تعمل في النكرة فقط ، وحكم الالف أن تثبت مع الاضافة ، والاضافة تعرف ، فاجتمع فيها حكمان متنافيان ، فصار من الشواذ كالملامح والمذاكير ولدن غدوة (1) . وقال الشيخ أبو البقاء رحمه الله : يجوز فيها وجهان آخران : أحدهما أنه أشبع فتحة الباء ، فنشأت الالف والاسم باق على تنكيره ، والثانى أن يكون استعمل (أبا) على لغة من قالها (أبا) في جميع أحوالها مثل (عصا) ، ومنه : إن أباها وأبا أباها (2) . قوله : (الموت أو الذل لكم) ، دعاء عليهم بأن يصيبهم أحد الامرين ، كأنه شرع داعيا عليهم بالفناء الكلى ، وهو الموت ، ثم استدرك فقال : (أو الذل) ، لانه نظير الموت في المعنى ، ولكنه في الصورة دونه ، ولقد أجيب دعاؤه عليه السلام بالدعوة الثانية ، فإن شيعته ذلوا بعد في الايام الاموية ، حتى كانوا كفقع قرقر (3) . ثم أقسم أنه إذا جاء يومه لتكونن مفارقته لهم عن قلى ، وهو البغض ، وأدخل حشوة بين أثناء الكلام ، وهى (ليأتيني) وهى حشوة لطيفة ، لان لفظة (إن) أكثر ما تستعمل لما لا يعلم حصوله ، ولفظة (إذا) لما يعلم أو يغلب على الظن حصوله ، تقول : إذا طلعت الشمس جئت إليك ، ولا تقول : إن طلعت الشمس جئت إليك ، وتقول : إذا احمر البسر جئتك ، ولا تقول : إن احمر البسر جئتك ، فلما قال : (لئن جاء يومى) ، أتى بلفظة دالة على إن الموضع موضع (إذا) لا موضع (إن) ، فقال : (وليأتيني) .


(1) أي أنهم لا يستعملان إلا هكذا ، فلا يستعملون (ملمحة) ، ولا يستعملون (مذكارا) ، كما أن (لدن) اختصت بغدوة ، انظر سيبوية 1 : 348 . (2) بقيته قد بلغا في المجد غايتاها * وهو من شواهد النحاة ، وانظر ابن عقيل 1 : 46 . (3) الفقع : ضرب من أردأ الكمأة ، والقرقر : المكان المستوى الاملس ، ويشبه الرجل الذليل ، فيقال : هو أذل من فقع بقرقر ، لان الدواب تنجله بأرجلها . (*)

[ 70 ]

والواو في قوله : (وإنا لصحبتكم) ، واو الحال ، وكذلك الواو في قوله : (وبكم غير كثير) ، وقوله : (غير كثير) لفظ فصيح ، وقال الشاعر : لى خمسون صديقا بين قاض وأمير لبسوا الوفر فلم أخلع بهم ثوب النفير لكثير هم ولكني بهم غير كثير . قوله : (لله أنتم لله) ، لله في موضع رفع ، لانه خبر عن المبتدأ الذى هو (أنتم) ، ومثله : لله در فلان ! ولله بلاد فلان ! ولله أبوك ! واللام هاهنا فيها معنى التعجب ، والمراد بقوله : (لله أنتم) لله سعيكم ، أو لله علمكم ، كما قالوا : (لله درك !) أي عملك ، فحذف المضاف وأقيم الضمير المنفصل المضاف إليه مقامه . فإن قلت : أفجاءت هذه اللام بمعنى التعجب في غير لفظ (لله) ؟ قلت : لا ، كما أن تاء القسم لم تأت إلا في اسم الله تعالى . قوله عليه السلام : (أما دين يجمعكم !) ارتفاع (دين) على أنه فاعل فعل مقدر ، له ، أي أما يجمعكم دين يجمعكم ! اللفظ الثاني مفسر للاول كما قدرناه بعد (إذا) في قوله سبحانه : (إذا السماء انشقت) ويجوز أن يكون (حمية) مبتدأ ، والخبر محذوف تقديره : أما لكم حمية ! والحمية : الانفة . وشحذت النصل : أحددته . فإن قلت : كيف قال : إن معاوية لم يكن يعطى جنده وأنه هو عليه السلام كان يعطيهم ، والمشهور أن معاوية كان يمد أصحابه بالاموال والرغائب ! قلت : إن معاوية لم يكن يعطى جنده على وجه المعونة والعطاء ، وإنما كان يعطى رؤساء القبائل من اليمن وساكني الشام الاموال الجليلة ، يستعبدهم بها ، ويدعو أولئك

[ 71 ]

الرؤساء أتباعهم من العرب فيطيعونهم ، فمنهم من يعطيهم حمية ، ومنهم من يطيعهم لاياد وعوارف من أولئك الرؤساء عندهم ، ومنهم من يطيعهم دينا ، زعموا للطلب بدم عثمان ، ولم يكن يصل إلى هؤلاء الاتباع من أموال معاوية قليل ولا كثير . وأما أمير المؤمنين عليه السلام ، فإنه كان يقسم بين الرؤساء والاتباع على وجه العطاء والرزق ، ولا يرى لشريف على مشروف فضلا ، فكان من يقعد عنه بهذا الطريق أكثر ممن ينصره وبقوم بأمره ، وذلك لان الرؤساء من أصحابه كانوا يجدون في أنفسهم من ذلك - أعنى المساواة بينهم وبين الاتباع - فيخذلونه عليه السلام باطنا ، وإن أظهروا له النصر ، وإذا أحس أتباعهم بتخاذلهم وتواكلهم تخاذلوا أيضا وتواكلوا أيضا ، ولم يجد عليه صلوات الله عليه ما أعطى الاتباع من الرزق ، لان انتصار الاتباع له وقتالهم دونه لا يتصور وقوعه ، والرؤساء متخاذلون ، فكان يذهب ما يرزقهم ضياعا . فإن قلت : فأى فرق بين المعونة والعطاء ؟ . قلت : المعونة إلى الجند شئ يسير من المال برسم ترميم أسلحتهم ، وإصلاح دوابهم ، ويكون ذلك خارجا عن العطاء المفروض شهرا فشهرا ، والعطاء المفروض شهرا فشهرا يكون شيئا له مقدار بصرف في أثمان الاقوات ، ومؤنة العيال ، وقضاء الديون . والتريكة : بيضة النعام تتركها في مجثمها ، يقول : أنتم خلف الاسلام وبقيته كالبيضة التى تتركها النعامة . فإن قلت : ما معنى قوله : (لا يخرج إليكم من أمرى رضا فترضونه ، ولاسخط فتجتمعون عليه) ؟ قلت : معناه أنكم لا تقبلون مما أقول لكم شيئا ، سواء كان مما يرضيكم أو مما يسخطكم ، بل لابد لكم من المخالفة والافتراق عنه .

[ 72 ]

ثم ذكر أن أحب الاشياء إليه أن يلقى الموت ، وهذه الحال التى ذكرها أبو الطيب فقال : كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن تكن أمانيا (1) تمنيتها لما تمنيت أن ترى صديقا فأعيا ، أو عدوا مداجيا . قوله : (قد دارستكم الكتاب) ، أي درسته عليكم ، دارست الكتب وتدارستها وأدرستها ، ودرستها ، بمعنى ، وهى من الالفاظ القرآنية (2) . وفاتحتكم الحجاج ، أي حاكمتكم بالمحاجة والمجادلة ، وقوله تعالى : (ربنا افتح بيننا) (3) أي احكم ، والفتاح : الحاكم . وعرفتكم ما أنكرتم : بصرتكم ما عمى عنكم . وسوغتكم ما مججتم ، يقال : مججت الشراب من فمى ، أي رميت به ، وشيخ ماج : يمج ريقه ، ولا يستطيع حبسه من كبره ، وأحمق ماج : أي يسيل لعابه ، يقول : ما كانت عقولكم وأذهانكم تنفر عنه من الامور الدينية أوضحته لكم حتى عرفتموه واعتقدتموه وانطوت قلوبكم عليه . ولم يجزم عليه السلام بحصول ذلك لهم ، لانه قال : لو كان الاعمى يلحظ ، والنائم يستيقظ ! أي أنى قد فعلت معكم ما يقتضى حصول الاعتقادات الحقيقيه في أذهانكم لو أزلتم عن قلوبكم ما يمنع من حصولها لكم ، والمانع المشار إليه هو الهوى والعصبية والاصرار على اللجاج ، ومحبة نصره (4) عقيدة قد سبقت إلى القلب ، وزرعها التعصب ، ومشقة مفارقة


(1) ديوانه 4 : 281 . (2) من قوله تعالى في سورة آل عمران 79 : (كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) . (3) سورة الاعراف 89 . (*)

[ 73 ]

الاسلاف الذين قد انغرس في النفس تعظيمهم ، ومالت القلوب إلى تقليدهم لحسن الظن بهم . ثم قال : (أقرب بقوم !) أي ما أقربهم من الجهل ! كما قال تعالى : (أسمع بهم وأبصر) (1) أي ما أسمعهم وأبصرهم ! . فإن قلت : قد كان يجب أن يقول : (وأقرب بقوم قائدهم معاوية ومؤدبهم ابن النابغة من الجهل) فلا يحول بين النكرة الموصوفة وصفتها بفاصل غريب ، ولم يقل ذلك ، بل فصل بين الصفة والموصوف بأجنبى منهما ! . قلت : قد جاء كثير من ذلك ، نحو قوله تعالى : (وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق) (2) في قول من لم يجعل (مردوا) صفة أقيمت مقام الموصوف ، لانه يجعل (مردوا) صفة القوم المحذوفين المقدرين بعد (الاعراب) وقد حال بين ذلك وبين (مردوا) قوله : (ومن أهل المدينة) . ونحوه قوله تعالى : (أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ، قيما) (3) . فإن (قيما) حال من الكتاب وقد توسط بين الحال وذى الحال (ولم يجعل له عوجا) والحال كالصفة ، ولانهم قد أجازوا : (مررت برجل - أيها الناس - طويل) ، والنداء أجنبي ، على أنا لا نسلم أن قوله : (من الجهل) أجنبي ، لانه متعلق بأقرب ، والاجنبى مالا تعلق له بالكلام .


(1) سورة الكهف 26 . (2) سورة التوبه 101 . (3) سورة الكهف 1 ، 2 . (*)

[ 74 ]

(182) الاصل : ومن كلام له عليه السلام وقد أرسل رجلا من أصحابه يعلم له علم أحوال قوم من جند الكوفة قد هموا باللحاق بالخوارج ، وكانوا على خوف منه عليه السلام ، فلما عاد إليه الرجل قال له أأمنوا فقطنوا ، أم جبنوا فظعنوا ! فقال الرجل : بل ظعنوا يا أمير المؤمنين . فقال عليه السلام : بعدا لهم كما بعدت ثمود ! أما لو أشرعت الاسنة إليهم ، وصبت السيوف على هاماتهم ، لقد ندموا على ماكان منهم . إن الشيطان اليوم قد استفلهم ، وهو غدا متبرئ منهم ، ومتخل عنهم ، فحسبهم بخروجهم من الهدى ، وارتكاسهم في الضلال والعمى ، وصدهم عن الحق ، وجماحهم في التيه . الشرح : قد ذكرنا قصة هولاء القوم فيما تقدم عند شرحنا قصة مصقلة بن هبيرة الشيباني . وقطن الرجل بالمكان ، يقطن بالضم : أقام به وتوطنه ، فهو قاطن ، والجمع قطان وقاطنة وقطين أيضا ، مثل غاز وغزى . وعازب للكلا البعيد وعزيب . وظعن صار الرجل ظعنا وظعنا ، وقرئ بهما : (يوم ظعنكم) (1) ، وأظعنه سيره ، وانتصب (بعدا) على المصدر .


(1) سورة النحل 80 . (*)

[ 75 ]

وثمود ، إذا أردت القبيلة غير مصروف ، وإذا أردت الحى أو اسم الاب مصروف ، ويقال : إنه ثمود بن عابر بن آدم بن سام بن نوح ، قيل : سميت ثمود لقلة مائها ، من الثمد وهو الماء القليل ، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادى القرى . وأشرعت الرمح إلى زيد ، أي سددته نحوه ، وشرع الرمح نفسه وصبت السيوف على هاماتهم : استعارة من صببت الماء ، شبه وقع السيوف وسرعة اعتوارها الرؤوس بصب الماء . واستفلهم الشيطان : وجدهم مفلولين ، فاستزلهم ، هكذا فسروه . ويمكن عندي أن يريد أنه وجدهم فلا ، لاخير فيهم ، والفل في الاصل : الارض لا نبات بها ، لانها لم تمطر ، قال حسان يصف العزى (1) : وإن التى بالجذع من بطن نخلة ومن دانها فل من الخير معزل (2) أي خال من الخير . ويروى (من استفزهم) ، أي استخفهم . والارتكاس في الضلال : الرجوع ، كأنه جعلهم في ترددهم في طبقات الضلال كالمرتكس الراجع إلى أمر قد كان تخلص منه . والجماح في التيه : الغلو والافراط ، مستعار من جماح الفرس ، وهو أن يعتز صاحبه ويغلبه ، جمح فهو جموح .


(1) في الاصل : (الغرى) ، تصحيف ، وفى الصحاح : (العزى ، وهى شجرة كانت تعبد . (2) اللسان 14 : 47 ، ونسبه إلى عبد الله بن رواحة ، وذكر قبله : شهدت ولم أكذب بأن محمدا رسول الذى فوق السماوات من عل . (*)

[ 76 ]

(183) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : روى عن نوف البكالى ، قال : خطبنا بهذه الخطبة أمير المؤمنين على عليه السلام بالكوفة ، وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومى ، وعليه مدرعة من صوف ، وحمائل سيفه ليف ، وفى رجليه نعلان من ليف ، وكأن جبينه ثفنة بعير ، فقال عليه السلام ! الحمد لله الذى إليه مصائر الخلق ، وعواقب الامر ! نحمده على عظيم إحسانه ، ونير برهانه ، ونوامى فضله وامتنانه ، حمدا يكون لحقه قضاء ، ولشكره أداء ، وإلى ثوابه مقربا ، ولحسن مزيده موجبا ، ونستعين به استعانة راج لفضله ، مؤمل لنفعه ، واثق بدفعه ، معترف له بالطول ، مذعن له بالعمل والقول ، ونؤمن به إيمان من رجاه موقنا ، وأناب إليه مؤمنا ، وخنع له مذعنا ، وأخلص له موحدا ، وعظمه ممجدا ، ولاذ به راغبا مجتهدا . الشرح : (نوف البكالى) قال الجوهرى في الصحاح : نوف البكالى ، بفتح الباء ، كان حاجب على عليه السلام ، ثم قال : وقال ثعلب : هو منسوب إلى بكالة ، قبيلة (1) .


(1) صحاح الجوهرى 3 : 1638 . (*)

[ 77 ]

وقال القطب الراوندي في شرح نهج البلاغة بكال وبكيل شئ واحد ، هو اسم حى من همدان ، وبكيل أكثر ، قال الكميت : فقد شركت فيه بكيل وأرحب (1) . والصواب غير ما قالاه ، وإنما بنو بكال ، بكسر الباء ، حى من حمير ، منهم هذا الشخص ، هو نوف بن فضالة ، صاحب على عليه السلام ، والرواية الصحيحة الكسر ، لان نوف بن فضالة بكالى ، بالكسر ، من حمير ، وقد ذكر ابن الكلبى نسب بنى بكال الحميريين ، فقال : هو بكال بن دعمى بن غوث بن سعد بن عوف بن عدى بن مالك بن زيد ابن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير . (نسب جعدة بن هبيرة) وأما جعدة بن هبيرة ، فهو ابن أخت أمير المؤمنين عليه السلام ، أمه أم هانئ بنت أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، وأبوه هبيرة بن أبى وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب . وكان جعدة فارسا شجاعا ، فقيها وولى خراسان لامير المؤمنين عليه السلام ، وهو من الصحابة الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الفتح ، مع أمه أم هانئ بنت أبى طالب ، وهرب أبو هبيرة بن أبى وهب ذلك اليوم هو وعبد الله بن الزبعرى إلى نجران .


(1) الصحاح ، وصدره : يقولون يورث ولولا تراثه . (*)

[ 78 ]

وروى أهل الحديث أن أم هانئ كانت يوم الفتح في بيتها ، فدخل عليها هبيرة ابن أبى وهب بعلها ، ورجل من بنى عمه ! هاربين من على عليه السلام ، وهو يتبعهما وبيده السيف ، فقامت أم هانئ في وجهه دونهما ، وقالت : ما تريده منهما ، ولم تكن رأته من ثمانى سنين ، فدفع في صدرها ، فلم تزل عن موضعها ، وقالت : أتدخل يا على بيتى ، وتهتك حرمتي ، وتقتل بعلى ، ولا تستحيى منى بعد ثمانى سنين ! فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله أهدر دمهما ، فلابد أن أقتلهما . فقبضت على يده التى فيها السيف ، فدخلا بيتا ثم خرجا منه إلى غيره ، ففاتاه ، وجاءت أم هانئ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فوجدته يغتسل من جفنة فيها أثر العجين ، وفاطمة ابنته تستره بثوبها ، فوقفت حتى أخذ ثوبه ، فتوشح به ، ثم صلى ثمانى ركعات من الضحى ، ثم انصرف ، فقال : مرحبا وأهلا بأم هانئ ! ما جاء بك ؟ فأخبرته خبر بعلها وابن عمه ، ودخول على عليه السلام بيتها بالسيف . فجاء على عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله يضحك ، فقال له : ما صنعت بأم هانئ ؟ فقال : سلها يارسول الله ما صنعت بى ! والذى بعثك بالحق لقد قبضت على يدى وفيها السيف ، فما استطعت أن أخلصها إلا بعد لاى ، وفاتني الرجلان . فقال صلى الله عليه وآله : (لو ولد أبو طالب الناس كلهم لكانوا شجعانا ، قد أجرنا من أجارت أم هانئ ، وأمنا من أمنت ، فلا سبيل لك عليهما) . فأما هبيرة فلم يرجع ، وأما الرجل الاخر ، فرجع فلم يعرض له . قالوا : وأقام هبيرة بن أبى وهب بنجران حتى مات بها كافرا ، وروى له محمد بن إسحاق في كتاب المغازى شعرا أوله : أشاقتك هند أم أتاك سؤالها كذاك النوى أسبابها وانفتالها . يذكر فيه أم هانئ وإسلامها ، وأنه مهاجر لها إذ صبت إلى الاسلام ، ومن جملته :

[ 79 ]

فإن كنت قد تابعت دين محمد وقطعت الارحام منك حبالها (1) فكوني على أعلى سحوق بهضبة ململمة غبراء يبس قلالها (2) . وقال ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب (3) : ولدت أم هانئ لهبيرة بن أبى وهب بنين أربعة : جعدة ، وعمرا ، وهانئا ، ويوسف ، قال : وجعدة الذى يقول : أبى من بنى مخزوم إن كنت سائلا ومن هاشم أمي ، لخير قبيل (4) فمن ذا الذى ينأى على بخاله كخالي على ذى الندى وعقيل ! . المدرعه : الجبه ، وتدرع : لبسها ، وربما قالوا : تمدرع . وثفنة البعير ، واحدة ثفناته ، وهو ما يقع على الارض من أعضائه إذا استناخ فيغلظ ويكثف ، كالركبتين وغيرهما . ويقال : ذو الثفنات الثلاثة لعلى بن الحسين ، وعلى بن عبد الله بن العباس عليه السلام ، ولعبد الله بن وهب الراسبى ، رئيس الخوارج ، لان طول السجود كان قد أثر في ثفناتهم ، قال دعبل :


(1) الاستيعاب لابن عبد البر 782 . (2) في الاستيعاب : ممنعة لاتستطاع قلالها ، وبعده : فإنى من قوم إذا جد جدهم على أي حال أصبح القوم حالها وإنى لاحمى من وراء عشيرتي إذا كثرت تحت العوالي مجالها وطارت بأيدى القوم بيض كأنها مخاريق ولدان ينوس ظلالها وأن كلام المرء في غير كنهه لنبل تهوى ليس فيها نصالها (3) الاستيعاب ص 82 - 92 (4) المصدر السابق . (*)

[ 80 ]

ديار على والحسين وجعفر وحمزة والسجاد ذى الثفنات (1) ومصائر الامور : جمع مصير ، وهو مصدر (صار) إلى كذا ، ومعناه المرجع ، قال تعالى : (وإلى الله المصير) (2) فأما المصدر من (صار الشئ كذا) فمصير وصيرورة ، والقياس في مصدر (صار إليه) أي رجع (مصارا) ، كمعاش ، وإنما جمع المصدر هاهنا لان الخلائق يرجعون إلى الله تعالى في أحوال مختلفة في الدنيا وفى الدار الاخرة ، فجمع المصدر ، وإن كان يقع بلفظه على القليل والكثير ، لاختلاف وجوهه ، كقوله تعالى : (ويظنون بالله الظنونا) (3) . وعواقب الامر : جمع عاقبة ، وهى آخر الشئ . ثم قسم الحمد ، فجعله على ثلاثة أقسام : أحدها : الحمد على عظيم إحسانه ، وهو أصول نعمه تعالى ، كالحياة والقدرة والشهوة وغيرها مما لا يدخل جنسه تحت مقدور القادر . وثانيها : الحمد على نير برهانه ، وهو ما نصبه في العقول من العلوم البديهية المفضية إلى العلوم النظرية بتوحيده وعدله . وثالثها : الحمد على أرزاقه النامية ، أي الزائدة وما يجرى مجراها من إطالة الاعمار ، وكثرة الارزاق ، وسائر ضروب الاحسان الداخلة في هذا القسم . ثم بالغ في الحمد حمدا يكون لحقه قضاء ، ولشكره أداء ، وذلك لان الحمد والشكر (ولو بلغ)


(1) من قصيدته التائية : مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحى مقفر العرصات وهى في معجم الادباء 11 : 103 - 115 . (2) سورة آل عمران 28 . (3) سورة الاحزاب 10 . (*)

[ 81 ]

أقصى غاياته لم يصل إلى أن يكون قاضيا لحق الله تعالى ، ولا مؤديا لشكره ولكنه قال ذلك على سبيل المبالغة . ثم قال : (وإلى ثوابه مقربا ، ولحسن مزيده موجبا) ، وذلك لان الشكر يوجب الثواب والمزيد ، قال الله تعالى : (فاذكروني أذكركم) (1) ، أي (أثبكم) ، وقال : (لئن شكرتم لازيدنكم) (2) . ثم شرع في الاستعانة بالله ففصلها أحسن تفصيل ، فذكر أنه يستعين به استعانة راج لفضله في الاخرة ، مؤمل لنفعه في الدنيا ، واثق بدفعه المضار عنه ، وذلك لانه أراد أن يحتوى على وجوه ما يستعان به تعالى لاجله ، فذكر الامور الايجابية ، وأعقبها بالامور السلبية ، فالاولى جلب المنافع ، والثانية دفع المضار . والطول : الافضال . والاذعان : الانقياد والطاعة . وأناب إليه أقبل ، وتاب . وخنع : خضع ، والمصدر الخنوع . ولاذ به : لجأ إليه . الاصل : لم يولد سبحانه فيكون في العز مشاركا ، ولم يلد فيكون موروثا هالكا . ولم يتقدمه وقت ولا زمان ، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان ، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التدبير المتقن ، والقضاء المبرم . فمن شواهد خلقه خلق السموات موطدات بلا عمد ، قائمات بلا سند ، دعاهن فأجبن طائعات مذعنات ، غير متلكئآت ولا مبطئات . ولولا إقرارهن له بالربوبية ، وإذعانهن له بالطواعية لما جعلهن موضعا لعرشه

[ 82 ]

ولا مسكنا لملائكته ، ولا مصعدا للكلم الطيب ، والعمل الصالح من خلقه . الشرح : نفى عليه السلام أن يكون البارئ سبحانه مولودا فيكون له شريك في العز والالهية ، وهو أبوه الذى ولده ، وإنما قال ذلك جريا على عادة ملوك البشر ، فإن الاكثر أن الملك يكون ابن ملك قبله ، ونفى أن يكون له ولد جريا أيضا على عادة البشر ، في أن كل والد في الاكثر ، فإنه يهلك قبل هلاك الولد ، ويرثه الولد ، وهذا النمط من الاحتجاج يسمى خطابة ، وهو نافع في مواجهة العرب به ، وأراد من الاحتجاج إثبات العقيدة ، فتارة تثبت في نفوس العلماء بالبرهان ، وتارة تثبت في نفوس العوام بالخطابة والجدل . ثم نفى أن يتقدمه وقت أو زمان ، والوقت هو الزمان ، وإنما خالف بين اللفظين ، وأتى بحرف العطف ، كقوله تعالى : (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) . ونفى أن يتعاوره ، أي تختلف عليه زيادة أو نقصان ، يقال : عاورت زيدا الضرب ، أي فعلت به من الضرب مثل ما فعل بى ، واعتوروا الشئ ، أي تداولوه فيما بينهم ، وكذلك تعوروه وتعاوروه ، وإنما ظهرت الواو في (اعتوروا) ، لانه في معنى (تعاوروا) فبنى عليه ولو لم يكن في معناه لاعتلت ، كما قالوا : (اجتوروا) لما كان في معنى : (تجاوروا) التى لا بد من صحة الواو فيها لسكون الالف ، قبلها . واعتورت الرياح رسم الدار : اختلفت عليه . فإن قلت : هذا يقتضى أن يقول : (ولم يتعاوره زيادة ونقصان) ، لان التعاور يستدعى الضدين معا ، ولا ينبغى أن يقول : (ولا نقصان) ، كما لا يجوز أن تقول : لم يختلف زيد ولا عمرو

[ 83 ]

قلت : لما كانت مراتب الزيادة مختلفة جاز أن يقال : (لايعتوره الزيادة) ، فكذلك القول في جانب النقصان ، وجرى كل واحد من النوعين مجرى أشياء متنافية ، تختلف على الموضع الموصوف بها . قوله عليه السلام : (موطدات) أي ممهدات مثبتات . والعمد : جمع عماد ، نحو إهاب وأهب ، وإدام وأدم ، وهو على خلاف القياس ، ومنه قوله تعالى : (في عمد ممدة) (1) ، وقوله تعالى : (خلق السموات بغير عمد ترونها) (2) ، والسند ما يستند إليه . ثم قال : (دعاهن فأجبن طائعات) ، هذا من باب المجاز والتوسع ، لان الجماد لا يدعى ، وأما من قال : إن السموات أحياء ناطقة ، فإنه لم يجعلهن مكلفات ليقال : ولولا إقرارهن له بالربوبية لما فعل كذا ، بل يقول ذلك على وجه آخر ، ولكن لغة العرب تنطق بمثل هذا المجاز ، نحو قول الراجز : امتلا الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملات بطني (3) . ومنه قوله تعالى : (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) (4) . ومنه قول مكاتب لبنى منقر التميميين ، كان قد ظلع (5) بمكاتبته ، فأتى قبر غالب بن صعصعة ، فاستجار به ، وأخذ منه حصيات فشدهن في عمامته ، ثم أتى الفرزدق فأخبره خبره ، وقال : إنى قد قلت شعرا ، قال : هاته ، فأنشده :


(1) سورة الهمزة 9 . (2) سورة الرعد 2 . (3) اللسان (قطين) من غير نسبه . (4) سورة فصلت 11 . (5) يريد أنه ضاق بها . (*)

[ 84 ]

بقبر ابن ليلى غالب عذت بعد ما خشيت الردى أو أن أرد على قسر بقبر امرئ يقرى المئين عظامه ولم يك إلا غالبا ميت يقرى فقال لى استقدم أمامك إنما فكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر . فقال : ما اسمك ؟ فقال : لهذم ، قال : يالهذم حكمك مسمطا ، قال : ناقة كوماء (1) سوداء الحدقة ، قال : يا جارية اطرحي لنا حبلا ، ثم قال : يالهذم اخرج بنا إلى المربد فألقه في عنق ما شئت من إبل الناس ، فتخير لهذم على عينه ناقة ، ورمى بالحبل في عنقها ، وجاء صاحبها ، فقال له الفرزدق : اغد على أوفك ثمنها ، فجعل لهذم يقودها ، والفرزدق يسوقها ، حتى أخرجها من البيوت إلى الصحراء ، فصاح به الفرزدق : يالهذم ، قبح الله أخسرنا ! فخبر الشاعر عن القبر ، بقوله : (فقال لى استقدم أمامك) والقبر والميت الذى فيه لا يخبران ، ولكن العرب وأهل الحكمة من العجم يجعلون كل دليل قولا وجوابا ، ألا ترى إلى قول زهير : أمن أم أوفى دمنة لم تكلم (2) . وإنما كلامها عنده أن تبين ما يرى من الاثار فيها عن قدم العهد بأهلها . ومن كلام بعض الحكماء : هلا وقفت على تلك الجنان والحيطان ، فقلت : أيتها الجنان ، أين من شق أنهارك ، وغرس أشجارك ، وجنى ثمارك ! فإن لم تجبك حوارا ، أجابتك اعتبارا ! . وقال (3) النعمان بن المنذر ، ومعه عدى بن زيد ، في ظل شجرات مونقات يشرب ،


(1) الكوماء : الناقة الضخمة . (2) ديوانه وبقيته : بحومانة الدراج فالمتلثم . (3) قال ، من القيلولة

[ 85 ]

فقال عدى : أبيت اللعن ! وأراد أن يعظه : أتدرى ما تقول هذه الشجرات ؟ قال : ما تقول ؟ قال : رب ركب قد أناخوا حولنا يشربون الخمر بالماء الزلال (1) أضحوا عصف الدهر بهم وكذاك الدهر يودى بالرجال فتنغص النعمان يومه ذلك . (1) والمذعن : المنقاد المطيع . المتلكئ : المتوقف . والكلم الطيب : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا صلى الله عليه وآله رسوله . والعمل الصالح : أداء الواجبات والنوافل ، واللفظات من القرآن (2) العزيز . والمصعد : موضع الصعود ، ولا شبهة أن السماء أشرف من الارض على رأى المليين وعلى رأى الحكماء ، أما أهل الملة ، فلان السماء مصعد الاعمال الصالحة ، ومحل الانوار ، ومكان الملائكة ، وفيها العرش والكرسي ، والكواكب المدبرات أمرا ، وأما الحكماء فلامور أخرى تقتضيها أصولهم الاصل : جعل نجومها أعلاما يستدل بها الحيران في مختلف فجاج الاقطار ، لم يمنع ضوء نورها ادلهمام سجف الليل المظلم ، ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن ترد ما شاع في السموات من تلالؤ نور القمر ، فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق داج ، ولا ليل ساج ، في بقاع الارضين المتطأطئات ، ولا في يفاع السفع


(1) الشعر والخبر في الاغانى 2 : 96 (طبعة دار الكتب) . (2) من قوله تعالى في سورة فاطر 10 : (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) . (*)

[ 86 ]

المتجاورات ، وما يتجلجل به الرعد في أفق السماء ، وما تلاشت عنه بروق الغمام ، وما تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الانواء وانهطال السماء ! ويعلم مسقط القطرة ومقرها ، ومسحب الذرة ومجرها ، وما يكفى البعوضة من قوتها ، وما تحمل من الانثى في بطنها . الشرح : أعلاما ، أي يستدل بها . والفجاج : جمع فج ، وهو الطريق في الجبل . ثم قال : إن إدلهمام سواد الليل - أي شدة ظلمته - لم يمنع الكواكب من الاضاءة ، وكذلك أيضا لم يمنع ظلام الليل القمر من تلالؤ نوره ، وأنما خص القمر بالذكر وإن كان من جملة الكواكب ، لشرفه بما يظهر للابصار من عظم حجمه ، وشدة إضاءته ، فصار كقوله تعالى : (فيهما فاكهة ونخل ورمان) (1) ، وقد روى بعض الرواة (ادلهمام) بالنصب ، وجعله مفعولا ، (وضوء نورها) بالرفع وجعله فاعلا ، وهذه الرواية أحسن في صناعة الكتابة لمكان الازدواج ، أي لا القمر ولا الكواكب تمنع الليل من الظلمة ، ولا الليل يمنع الكواكب والقمر من الاضاءة . والسجف : جمع سجف ، وهو الستر ، ويجوز فتح السين . وشاع : تفرق ، والتلالؤ : اللمعان . والجلابيب : الثياب . والغسق : الظلمة . والساجى : الساكن . والداجى : المظلم ، والمتطاطئ : المنخفض . والسفع المتجاورات هاهنا : الجبال ، وسماها سفعا لان السفعة سواد مشرب بحمرة ، وكذلك لونها في الاكثر .


(1) سورة الرحمن 68 . (*)

[ 87 ]

واليفاع : الارض المرتفعة . والتجلجل : صوت الرعد . وما تلاشت عنه بروق الغمام ، هذه الكلمة أهمل بناءها كثير من أئمة اللغة ، وهى صحيحة وقد جاءت ووردت ، قال ابن الاعرابي : لشا الرجل ، إذا اتضع ، وخس بعد رفعه ، وإذا صح إصلها ، صح استعمال الناس ، تلاشى الشئ ، بمعنى اضمحل . وقال القطب الراوندي : تلاشى مركب من (لا شئ) ، ولم يقف على أصل الكلمة ، وقد ظهر الان أن معنى كلامه عليه السلام أنه سبحانه يعلم ما يصوت به الرعد ، ويعلم ما يضمحل عنه البرق . فإن قلت : وهل يقصد الرعد بجلجلته معنى معقولا ليقال : إن البارئ يعلمه ؟ ثم ما المراد بكونه عالما بما يضمحل البرق عنه ؟ . قلت : قد يكون تعالى يحدث في الرعد جلجلة ، أي صوتا ليهلك به قوما ، أو لينفع به قوما ، فعلمه بما تتضمنه تلك الجلجلة هو معنى قولنا : يعلم ما يصوت به الرعد ، ولا ريب أن البرق يلمع فيضئ أقطارا مخصوصة ، ثم يتلاشى عنها ، فالبارئ سبحانه عالم بتلك الاقطار التى يتلاشى البرق عنها . فإن قلت : هو سبحانه عالم بما يضيئه البرق ، وبما لا يضيئه ، فلماذا خص بالعالمية ما يتلاشى عنه البرق ؟ قلت : لان علمه بما ليس بمضئ بالبرق أعجب وأغرب ، لان ما يضيئه البرق يمكن أن يعلمه أولو الابصار الصحيحة ، فأراد عليه السلام أن يشرح من صفاته سبحانه ما هو بخلاف المعتاد بين البشر ، ليكون إعظام السامعين له سبحانه أتم وأكمل . والعواصف : الرياح الشديدة ، وأضافها إلى الانواء ، لان أكثر ما يكون عصفانها في الانواء ، وهى جمع نوء ، وهو سقوط النجم من منازل القمر الثمانية والعشرين في المغرب

[ 88 ]

مع الفجر ، وطلوع رقيبة من المشرق مقابلا له من ساعته ، ومدة النوء ثلاثة عشر يوما ، إلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما . قال أبو عبيد : ولم يسمع في النوء أنه المسقوط إلا في هذا الموضع ، وكانت العرب نضيف الرياح والامطار والحر والبرد إلى الساقط منها . وقال الاصمعي : بل إلى الطالع في سلطانه ، فتقول : مطرنا بنوء كذا وكذا ، ونهى النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك ، والجمع أنواء ونوآن أيضا ، مثل بطن وبطنان وعبد وعبدان ، قال حسان بن ثابت : ويثرب تعلم أنا بها إذا قحط القطر نوآنها (1) . والانهطال : الانصباب . ومسقط القطرة من المطر موضع سقوطها ، ومقرها موضع قرارها ، ومسحب الذرة الصغيرة من النمل ومجرها : موضع سحبها وجرها . وهذا الفصل من فصيح الكلام ونادره ، ويتضمن من توحيد الله تعالى وتمجيده والثناء عليه ما يشهد لنفسه . الاصل : والحمد لله الكائن قبل أن يكون كرسى أو عرش أو سماء أو أرض أو جان أو أنس ، لا يدرك بوهم ، ولا يقدر بفهم ، ولا يشغله سائل ، ولا ينقصه نائل ، ولا ينظر بعين ، ولا يحد بأين ، ولا يوصف بالازواج ، ولا يخلق بعلاج ، ولا يدرك بالحواس ، ولا يقاس بالناس . الذى كلم موسى تكليما ، وأراه من آياته عظيما ، بلا جوارح ولا أدوات ، ولا نطق ولا لهوات ، بل إن كنت صادقا أيها المتكلف لوصف ربك ، فصف


(1) الصحاح 1 : 79 . (*)

[ 89 ]

جبريل وميكائيل ، وجنود الملائكة المقربين ، في حجرات القدس مرجحنين ، متولهة عقولهم أن يحدوا أحسن الخالقين ، وإنما يدرك بالصفات ذوو الهيئات والادوات ، ومن ينقضى إذا بلغ أمد حده بالفناء ، فلا إله إلا هو أضاء بنوره كل ظلام ، وأظلم بظلمته كل نور . الشرح : ليس يعنى بالكائن هاهنا ما يعنيه الحكماء والمتكلمون ، بل مراده الموجود ، أي هو الموجود قبل أن يكون الكرسي والعرش وغيرهما ، والاوائل يزعمون أن فوق السموات السبع سماء ثامنة ، وسماء تاسعة ، ويقولون : إن الثامنة هي الكرسي ، وإن التاسعة هي العرش . قوله عليه السلام : (لا يدرك بوهم) ، الوهم هاهنا (1) : الفكرة والتوهم . ولا يقدر بفهم ، أي لا تستطيع الافهام أن تقدره وتحده . ولا يشغله سائل كما يشغل السؤال منا من يسألونه . ولا ينقصه العطاء ، كما ينقص العطاء خزائن الملوك . ولا يبصر بجارحة ، ولا يحد بأين ، ولفظة أين في الاصل مبنية على الفتح ، فإذا نكرتها صارت اسما متمكنا ، كما قال الشاعر : ليت شعرى وأين منى ليت إن (ليتا) وإن (لوا) عناء . وإن شئت قلت : إنه تكلم بالاصطلاح الحكمى والاين عندهم ، حصول الجسم في المكان ، وهو أحد المقولات العشر .


(1) ساقطه من ب . (*)

[ 90 ]

قوله عليه السلام : ولا يوصف بالازواج ، أي صفات الازواج ، وهى الاصناف ، قال سبحانه : (وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) (1) . قوله : (ولا يخلق بعلاج) ، أي لا يحتاج في إيجاد المخلوقات إلى معالجة ومزاولة . قوله : (وكلم موسى تكليما) (2) من الالفاظ القرآنية ، والمراد هاهنا من ذكر المصدر تأكيد الامر وإزالة لبس عساه يصلح للسامع ، فيعتقد أنه أراد المجاز ، وأنه لم يكن كلام على الحقيقة . قوله : (وأراه من آياته عظيما) ، ليس يريد به الايات الخارجة عن التكليم ، كانشقاق البحر ، وقلب العصا ، لانه يكون بإدخال ذلك بين قوله : (تكليما) ، وقوله : (بلا جوارح ولا أدوات ، ولا نطق ولا لهوات) ، مستهجنا ، وإنما يريد أنه أراد بتكليمه إياه عظيما من آياته ، وذلك أنه كان يسمع الصوت من جهاته الست ، ليس على حد سماع كلام البشر من جهة مخصوصة ، وله دوى وصلصلة كوقع السلاسل العظيمة على الحصا الاصم . فإن قلت : أتقول إن الكلام حل أجساما مختلفة من الجهات الست . ؟ قلت : لا وإنما حل الشجرة فقط ، وكان يسمع من كل جهة ، والدليل على حلوله في الشجرة قوله تعالى : (فلما أتاها نودى من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى) (3) ، فلا يخلو إما أن يكون النداء حل الشجرة ، أو المنادى حلها ، والثانى باطل ، فثبت الاول . ثم قال عليه السلام لمن يتكلف أن يصف ربه : إن كنت صادقا ، أنك قد وصلت إلى


(1) سورة ق 7 . (2) وهو قوله تعالى في سورة النساء 164 (وكلم الله موسى تكليما) . (3) سورة القصص 30 . (*)

[ 91 ]

معرفة صفته فصف لنا الملائكة ، فإن معرفة ذات الملك أهون من معرفة ذات الاول سبحانه . وحجرات القدس : جمع حجرة ، ومرجحنين : مائلين إلى جهة (تحت) خضوعا لجلال البارئ سبحانه ، ارجحن الحجر ، إذا مال هاويا . متولهة عقولهم ، أي حائرة . ثم قال : إنما يدرك بالصفات ويعرف كنه ماكان ذا هيئة وأداة وجارحة ، وما ينقضى ويفنى ويتطرق إليه العدم ، وواجب الوجود سبحانه بخلاف ذلك . وتحت قوله : (أضاء بنوره كل ظلام . . .) إلى آخر الفصل ، معنى دقيق وسر خفى ، وهو أن كل رذيلة في الخلق البشرى مع معرفته بالادلة البرهانية غير مؤثرة ولا قادحة في جلالة المقام الذى قد بلغ إليه ، وذلك نحو أن يكون العارف بخيلا أو جبانا ، أو حريصا أو نحو ذلك ، وكل فضيلة في الخلق البشرى مع الجهل به سبحانه ، فليست بفضيلة في الحقيقة ولا معتد بها لان نقيصة الجهل به تكسف تلك الانوار ، وتمحق فضلها ، وذلك نحو أن يكون الجاهل به سبحانه جوادا ، أو شجاعا ، أو عفيفا ، أو نحو ذلك ، وهذا يطابق ما يقوله الاوائل ، من أن العارف المذنب يشقى بعد الموت قليلا ، ثم يعود إلى النعيم السرمدي ، وأن الجاهل ذا العبادة والاحسان يشقى بعد الموت شقاء مؤبدا ، ومذهب الخلص من مرجئة الاسلام يناقض هذه اللفطات ، ويقال : إنه مذهب أبى حنيفة رحمه الله ، ويمكن تأويلها على مذهب أصحابنا بأن يقال : كل ظلام من المعاصي الصغائر ، فإنه ينجلى بضياء معرفته وطاعته ، وكل طاعة يفعلها المكلف مع الكفر به سبحانه فإنها غير نافعة ولا موجبة ثوابا ، ويكون هذا التأويل من باب صرف اللفظ عن عمومه إلى خصوصه .

[ 92 ]

الاصل : أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذى ألبسكم الرياش ، وأسبغ عليكم المعاش ، فلو أن أحدا يجد إلى البقاء سلما ، أو لدفع الموت سبيلا ، لكان ذلك سليمان بن داود عليه السلام ، الذى سخر له ملك الجن والانس ، مع النبوة وعظيم الزلفة ، فلما استوفى طعمته ، واستكمل مدته ، رمته قسى الفناء بنبال الموت ، وأصبحت الديار منه خالية ، والمساكن معطلة ، وورثها قوم آخرون . وإن لكم في القرون السالفة لعبرة ! أين العمالقة وأبناء العمالقة ! أين الفراعنة وأبناء الفراعنة ! أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين ، وأطفئوا سنن المرسلين ، وأحيوا سنن الجبارين ! أين الذين ساروا بالجيوش ، وهزموا الالوف ، وعسكروا العساكر ، ومدنوا المدائن ! الشرح : الرياش : اللباس . وأسبغ : أوسع ، وإنما ضرب المثل بسليمان عليه لسلام ، لانه كان ملك الانس والجن ، ولم يحصل لغيره ذلك ، ومن الناس من أنكر هذا ، لان اليهود والنصارى يقولون : إنه لم يتعد ملكه حدود الشام ، بل بعض الشام ، وينكرون حديث الجن والطير والريح ، ويحملون ما ورد من ذلك على وجوه وتأويلات عقلية معنوية ، ليس هذا موضع ذكرها . والزلفة : القرب . والطعمة ، بضم الطاء : المأكلة ، يقال : قد جعلت هذه الضيعة طعمة لزيد . والقسى : جمع قوس ، وأصلها (قووس) على (فعول) ، كضرب وضروب ، إلا أنهم قدموا

[ 93 ]

اللام ، فقالوا (قسو) على (فلوع) ، ثم قلبت الواو ياء ، وكسروا القاف كما كسروا عين (عصى) فصارت (قسى) . (نسب العمالقة) والعمالقة أولاد لاوذ إرم بن سام بن نوح ، كان الملك باليمن والحجاز وما تاخم ذلك من الاقاليم ، فمنهم عملاق بن لاوذ بن سام ، ومنهم طسم بن لاوذ أخوه . ومنهم جديس بن لاوذ أخوهما ، وكان العز والملك بعد عملاق بن لاوذ في طسم ، فلما ملكهم عملاق بن طسم ، بغى وأكثر الفساد في الارض ، حتى كان يطأ العروس ليلة إهدائها إلى بعلها ، وإن كانت بكرا افتضها قبل وصولها إلى البعل ، ففعل ذلك بإمراه من جديس ، يقال لها غفيرة بنت غفار ، فخرجت إلى قومها ، وهى تقول : لاأحد أذل من جديس أهكذا يفعل بالعروس ! . فغضب لها أخوها الاسود بن غفار ، وتابعه قومه على الفتك بعملاق بن طسم وأهل بيته ، فصنع الاسود طعاما ، ودعا عملاق الملك إليه ، ثم وثب به وبطسم ، فأتى على رؤسائهم ، ونجا منهم رياح بن مر ، فصار إلى ذى جيشان بن تبع الحميرى ملك اليمن ، فاستغاث به ، واستنجده على جديس ، فسار ذو جيشان في حمير ، فأتى بلاد جو ، وهى قصبة اليمامة ، فاستأصل جديسا كلها ، وأخرب اليمامة فلم يبق لجديس باقية ، ولا لطسم إلا اليسير منهم . ثم ملك بعد طسم وجديس وبار بن أميم بن لاوذ بن إرم ، فسار بولده وأهله ، فنزل بأرض وبار ، وهى المعروفة الان برمل عالج ، فبغوا في الارض حينا حتى أفناهم الله .

[ 94 ]

ثم ملك الارض بعد وبار عبد ضخم بن أثيف بن لاوذ ، فنزلوا بالطائف حينا ، ثم بادوا . (نسب عاد وثمود) وممن يعد مع العمالقة عاد وثمود ، فأما عاد فهو عاد بن عويص بن إرم بن سام بن نوح ، كان يعبد القمر ، ويقال : إنه رأى من صلبه أولاد أولاد أولاده أربعة آلاف ، وإنه نكح ألف جارية ، وكانت بلاده الاحقاف المذكورة في القرآن ، وهى من شحر عمان إلى حضرموت ، ومن أولاده شداد بن عاد ، صاحب المدينة المذكورة . وأما ثمود ، فهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح ، وكانت دياره بين الشام والحجاز إلى ساحل نهر الحبشة . (نسب الفراعنة) قوله عليه السلام : (أين الفراعنة ، وأبناء الفراعنة) ، جمع فرعون ، وهم ملوك مصر ، فمنهم الوليد بن الريان فرعون يوسف ، ومنهم الوليد بن مصعب ، فرعون موسى . ومنهم فرعون بن الاعرج الذى غزا بنى إسرائيل وأخرب بيت المقدس . (نسب أصحاب الرس) قوله عليه السلام : (أين أصحاب مدائن الرس ؟) ، قيل : إنهم أصحاب شعيب النبي

[ 95 ]

النبي صلى الله عليه وآله ، وكانوا عبدة أصنام ، ولهم مواش وآبار يسقون منها . والرس : بئر عظيمة جدا انخسفت بهم ، وهم حولها ، فهلكوا وخسفت بأرضهم كلها وديارهم . وقيل : الرس قرية بفلج اليمامة ، كان بها قوم من بقايا ثمود بغوا ، فأهلكوا . وقيل قوم من العرب القديمة بين الشام والحجاز ، وكانت العنقاء تختطف صبيانهم فتقتلهم ، فدعوا الله أن ينقذهم منها ، فبعث إليهم حنظلة بن صفوان ، فدعاهم إلى الدين على أن يقتل العنقاء ، فشارطوه على ذلك فدعا عليها ، فأصابتها الصاعقة ، فلم يفوا له وقتلوه ، فأهلكوا . وقيل : هم أصحاب الاخدود ، والرس ، هو الاخدود . وقيل الرس أرض بأنطاكية قتل فيها حبيب النجار . وقيل : بل كذب أهلها نبيهم ورسوه في بئر ، أي رموه فيها . وقيل : إن الرس نهر في إقليم الباب ، والابواب مبدؤة من مدينة طراز ، وينتهى إلى نهر الكر ، فيختلط به حتى يصب في بحر الخزر ، كان هناك ملوك أولو بأس وقدرة ، فأهلكهم الله ببغيهم . الاصل : منها : قد لبس للحكمة جنتها ، وأخذها بجميع أدبها ، من الاقبال عليها ، والمعرفة بها ، والتفرغ لها ، فهى عند نفسه ضالته التى يطلبها ، وحاجته التى يسأل عنها ، فهو مغترب إذا اغترب الاسلام ، وضرب بعسيب ذنبه ، وألصق الارض بجرانه ، بقية من بقايا حجته ، خليفة من خلائف أنبيائه .

[ 96 ]

الشرح : هذا الكلام فسره كل طائفة على حسب اعتقادها ، فالشيعة الامامية ، تزعم أن المراد به المهدى المنتظر عندهم ، والصوفية يزعمون أنه يعنى به ولى الله في الارض ، وعندهم أن الدنيا لا تخلو عن الابدال ، وهم أربعون ، وعن الاوتاد ، وهم سبعة ، وعن القطب وهو واحد ، فإذا مات القطب صار أحد السبعة قطبا عوضه ، وصار أحد الاربعين وتدا ، عوض الوتد ، وصار بعض الاولياء الذين يصطفيهم الله تعالى أبدالا عوض ذلك البدل . وأصحابنا يزعمون أن الله تعالى لا يخلى الامة من جماعة من المؤمنين العلماء بالعدل والتوحيد ، وأن الاجماع إنما يكون حجة باعتبار أقوال أولئك العلماء لكنه لما تعذرت معرفتهم بأعيانهم ، اعتبر إجماع سائر العلماء ، وإنما الاصل قول أولئك . قالوا : وكلام أمير المؤمنين عليه السلام ليس يشير فيه إلى جماعة أولئك العلماء من حيث هم جماعة ، ولكنه يصف حال كل واحد منهم ، فيقول : من صفته كذا ، ومن صفته كذا . والفلاسفة يزعمون أن مراده عليه السلام بهذا الكلام العارف ، ولهم في العرفان وصفات أربابه كلام يعرفه من له أنس بأقوالهم ، وليس يبعد عندي أن يريد به القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله في آخر الوقت ، إذا خلقه الله تعالى ، وإن لم يكن الان موجودا ، فليس في الكلام ما يدل على وجوده الان ، وقد وقع إتفاق الفرق من المسلمين أجمعين على أن الدنيا والتكليف لا ينقضى إلا عليه . قوله عليه السلام : (قد لبس للحكمة جنتها) ، الجنة : ما يستتر به من السلاح كالدرع ونحوها ، ولبس جنة الحكمة قمع النفس عن المشتهيات ، وقطع علائق النفس عن

[ 97 ]

المحسوسات ، فإن ذلك مانع للنفس عن أن يصيبها سهام الهوى ، كما تمنع الدرع الدارع عن أن يصيبه سهام الرماية . ثم عاد إلى صفة هذا الشخص ، فقال : (وأخذ بجميع أدبها من الاقبال عليها) ، أي شدة الحرص والهمة . ثم قال : (والمعرفة بها) ، أي والمعرفة بشرفها ونفاستها . ثم قال : (والتفرغ لها) ، لان الذهن متى وجهته نحو معلومين تخبط وفسد ، وإنما يدرك الحكمة بتخلية السر من كل ما مر سواها . قال : (فهى عند نفسه ضالته التى يطلبها) ، هذا مثل قوله عليه السلام : (الحكمة ضالة المؤمن) ، ومن كلام الحكماء : لا يمنعك من الانتفاع بالحكمة حقارة من وجدتها عنده ، كما لا يمنعك خبث تراب المعدن من التقاط الذهب . ووجدت بخط أبى محمد عبد الله بن أحمد الخشاب رحمه الله في تعاليق مسودة أبياتا للعطوى ، وهى : قد رأينا الغزال والغصن والنجمين شمس الضحى وبدر التمام فوحق البيان يعضده البرهان في مأقط شديد الخصام (1) ما رأينا سوى المليحة شيئا جمع الحسن كله في نظام هي تجرى مجرى الاصالة في الرأى ومجرى الارواح في الاجسام . وقد كتب ابن الخشاب بخطه تحت (المليحة) : ما أصدقه إن أراد بالمليحة الحكمة ! قوله عليه السلام : (وحاجته التى يسأل عنها) ، هو مثل قوله : (ضالته التى يطلبها . ثم قال : (هو مغترب إذا اغترب الاسلام) ، يقول هذا الشخص يخفى نفسه ويحملها


(1) المأقط : ساحة القتال . (*)

[ 98 ]

إذا اغترب الاسلام ، واغتراب الاسلام أن يظهر الفسق والجور على الصلاح والعدل ، قال عليه السلام : (بدأ الاسلام غريبا وسيعود كما بدا) . قال : (وضرب بعسيب ذنبه ، وألصق الارض بجرانه) ، هذا من تمام قوله : (إذا اغترب الاسلام) ، أي إذا صار الاسلام غريبا مقهورا ، وصار الاسلام كالبعير البارك يضرب الارض بعسيبه ، وهو أصل الذنب ، ويلصق جرانه وهو صدره في الارض ، فلا يكون له تصرف ولا نهوض . ثم عاد إلى صفة الشخص المذكور . وقال : (بقية من بقايا حججه ، خليفة من خلائف أنبيائه) ، الضمير هاهنا يرجع إلى الله سبحانه وإن لم يجر ذكره للعلم به ، كما قال : (حتى توارت بالحجاب) (1) ، ويمكن أن يقال : إن الضمير راجع إلى مذكور وهو الاسلام ، أي من بقايا حجج الاسلام وخليفة من خلائف أنبياء الاسلام . فإن قلت : ليس للاسلام إلا نبى واحد . قلت : بل له أنبياء كثير ، قال تعالى : (ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل) (2) وقال سبحانه : (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) (3) ، وكل الانبياء دعوا إلى مادعا إليه محمد صلى الله عليه وآله من التوحيد والعدل ، فكلهم أنبياء للاسلام . فإن قلت : أليس لفظ (الحجة) ولفظ (الخليفة) مشعرا بما تقوله الامامية ؟ . قلت : لا ، فإن أهل التصوف يسمون صاحبهم حجة وخليفة ، وكذلك الفلاسفة


(1) سورة ص 32 . (2) سورة الحج 78 . (3) سورة النحل 123 . (*)

[ 99 ]

وأصحابنا لا يمتنعون من إطلاق هذه الالفاظ على العلماء المؤمنين في كل عصر ، لانهم حجج الله ، أي إجماعهم حجة ، وقد استخلفهم الله في أرضه ليحكموا بحكمه . وعلى ما اخترناه نحن فالجواب ظاهر . الاصل : ثم قال عليه السلام : أيها الناس ، إنى قد بثثت لكم المواعظ التى وعظ بها الانبياء أممهم ، وأديت إليكم ما أدت الاوصياء إلى من بعدهم ، وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا ، وحدوتكم بالزواجر فلم تستوسقوا . لله أنتم ! أتتوقعون إماما غيرى يطأ بكم الطريق ، ويرشدكم السبيل ! ألا إنه قد أدبر من الدنيا ماكان مقبلا ، وأقبل منها ما كان مدبرا ، وأزمع الترحال عباد الله الاخيار ، وباعوا قليلا من الدنيا لا يبقى ، بكثير من الاخرة لا يفنى ! ما ضر إخواننا الذين سفكت دماؤهم بصفين ألا يكونوا اليوم أحياء ، يسيغون الغصص ، ويشربون الرنق ! قد والله لقوا الله فوفاهم أجورهم ، وأحلهم دار الامن بعد خوفهم ! أين إخوانى الذين ركبوا الطريق ، ومضوا على الحق ! أين عمار ! وأين ابن التيهان ! وأين ذو الشهادتين ! وأين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة ! قال : ثم ضرب عليه السلام بيده على لحيته الشريفة الكريمة ، فأطال البكاء ، ثم قال عليه السلام : أوه على إخوانى الذين قرءوا القرآن فأحكموه ، وتدبروا الفرض فأقاموه !

[ 100 ]

أحيوا السنة ، وأماتوا البدعة ، دعوا للجهاد فأجابوا ، ووثقوا بالقائد فاتبعوه . ثم نادى بأعلى صوته : الجهاد الجهاد عباد الله ! ألا وإنى معسكر في يومى هذا ، فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج . قال نوف : وعقد للحسين عليه السلام في عشرة آلاف ، ولقيس بن سعد رحمه الله في عشرة آلاف ، ولابي أيوب الانصاري في عشرة آلاف ، ولغيرهم على أعداد أخر ، وهو يريد الرجعة إلى صفين فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن الملجم لعنه الله ، فتراجعت العساكر ، فكنا كأغنام فقدت راعيها ، تختطفها الذئاب من كل مكان ! الشرح : بثثت لكم المواعظ : فرقتها ونشرتها . والاوصياء : الذين يأتمنهم الانبياء على الاسرار الالهية ، وقد يمكن ألا يكونوا خلفاء بمعنى الامرة والولاية ، فإن مرتبتهم أعلى من مراتب الخلفاء . وحدوتكم : سقتكم كما تحدى الابل . فلم تستوسقوا ، أي لم تجتمعوا ، قال : مستوسقات لم يجدن سائقا (1) . قوله : (يطأ بكم الطريق) ، أي يحملكم على المنهاج الشرعي ، ويسلك بكم مسلك الحق ، كأنه جعلهم ضالين عن الطريق التى يطلبونها .


(1) اللسان (وسق) ، وقبله : إن لنا لابلا نقانقا . (*)

[ 101 ]

وقال : أتريدون إماما غيرى يوقفكم على الطريق التى تطلبونها حتى تطئوها وتسلكوها . ! ثم ذكر أنه قد أدبر من الدنيا ماكان مقبلا ، وهو الهدى والرشاد ، فإنه كان في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وخلفائه مقبلا ، ثم أدبر عند إستيلاء معاوية وأتباعه ، وأقبل منها ماكان مدبرا ، وهو الضلال والفساد ، ومعاوية عند أصحابنا مطعون في دينه ، منسوب إلى الالحاد ، قد طعن فيه صلى الله عليه وآله ، وروى فيه شيخنا أبو عبد الله البصري في كتاب (نقض السفيانية) على الجاحظ ، وروى عنه أخبارا كثيرة تدل على ذلك ، وقد ذكرناها في كتابنا في (مناقضة السفيانية) . وروى أحمد بن أبى طاهر في كتاب (أخبار الملوك) أن معاوية سمع المؤذن يقول (أشهد أن لا إله إلا الله) ، فقالها ثلاثا ، فقال : أشهد أن محمدا رسول الله ! فقال : لله أبوك يابن عبد الله ! لقد كنت عالى الهمة ، ما رضيت لنفسك إلا أن يقرن اسمك باسم رب العالمين ! . قوله عليه السلام : (وأزمع الترحال) أي ثبت عزمهم عليه ، يقال : أزمعت الامر ، ولا يقال : أزمعت على الامر ، هكذا يقول الكسائي ، وأجازه الخليل والفراء . ثم قال عليه السلام : إنه لم يضر إخواننا القتلى بصفين كونهم اليوم ليسوا بأحياء حياتنا المشوبة بالنغص والغصص . ويقال : ماء رنق ، بالتسكين ، أي كدر ، رنق الماء بالكسر ، يرنق رنقا فهو رنق ، وأرنقته ، أي كدرته ، وعيش رنق بالكسر ، أي كدر . ثم أقسم أنهم لقوا الله فوفاهم أجورهم ، وهذا يدل على ما يذهب إليه جمهور أصحابنا من نعيم القبر وعذابه . ثم قال عليه السلام : (أين إخوانى) ؟ ثم عددهم ، فقال : (أين عمار) .

[ 102 ]

(عمار بن ياسر ونسبه ونبذ من أخباره) وهو عمار بن ياسر بن عامر بن كنانة بن قيس العنسى (بالنون) المذحجي ، يكنى أبا اليقظان ، حليف بنى مخزوم . ونحن نذكر طرفا من أمره من كتاب الاستيعاب (1) لابي عمر بن عبد البر المحدث . قال أبو عمر : كان ياسر والد عمار عربيا قحطانيا ، من عنس في مذحج ، إلا أن ابنه عمارا كان مولى لبنى مخزوم ، لان أباه ياسرا قدم مكه مع أخوين له ، يقال لهما : مالك والحارث ، في طلب أخ لهم رابع ، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن ، وأقام ياسر بمكة ، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، فزوجه أبو حذيفة أمة يقال لها سمية ، فأولدها عمارا ، فأعتقه أبو حذيفة ، فمن هاهنا كان عمار مولى بنى مخزوم ، وأبوه عربي ، لا يختلفون في ذلك ، وللحلف والولاء الذى بين بنى مخزوم وعمار وأبيه ياسر ، كان احتمال بنى مخزوم على عثمان ، حين نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب ، حتى انفتق له فتق في بطنه ، زعموا ، وكسروا ضلعا من أضلاعه ، فاجتمعت بنو مخزوم ، فقالوا : والله لئن مات لا قتلنا به أحدا غير عثمان . ! قال أبو عمر : كان عمار بن ياسر ممن عذب في الله . ثم أعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه ، واطمأن الايمان بقلبه ، فنزل فيه : (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) (2) ، وهذا مما أجمع عليه أهل التفسير (3) .


(1) الاستيعاب 1 : 422 - 424 . (2) سورة النحل 106 . (3) في كتاب الجامع لاحكام القرآن للقرطبي 10 - 180 (هذه الاية نزلت في عمار بن ياسر ، في قول أهل التفسير ، لانه قارب بعض ماندبوه إليه) ، ثم قال : (وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها ، فشكى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كيف تجد قلبك ؟) قال : مطمئن بالايمان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فإن عادوا فعد) (*) .

[ 103 ]

وهاجر إلى أرض الحبشة ، وصلى إلى القبلتين ، وهو من المهاجرين الاولين ، ثم شهد بدرا والمشاهد كلها ، وأبلى بلاء حسنا ، ثم شهد اليمامة ، فأبلى فيها أيضا يومئذ ، وقطعت أذنه . قال أبو عمر : وقد روى الواقدي ، عن عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمر ، قال : رأيت عمارا يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف عليها يصيح : يا معشر المسلمين ، أمن الجنة تفرون ؟ أنا عمار بن ياسر ، هلموا إلي ! وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت ، فهى تذبذب (1) ، وهو يقاتل أشد القتال . قال أبو عمر : وكان عمار آدم طوالا مضطربا أشهل (2) العينين ، بعيد مابين المنكبين ، لا يغير شيبة . قال : وبلغنا أن عمارا قال : كنت تربا لرسول الله صلى الله عليه وآله في سنه ، لم يكن أحد أقرب إليه مني سنا . وقال ابن عباس في قوله تعالى : (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس) : إنه عمار بن ياسر ، (كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) (3) : إنه أبو جهل بن هشام . قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : (إن عمارا ملئ إيمانا إلى مشاشه) (4) . ويروى إلى أخمص (5) قدميه . وروى أبو عمر عن عائشة ، أنها قالت : مامن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله


(1) تذبذب : تتحرك . (2) الشهل ، محركة : أن يشوب سواد العين . (3) سورة الانعام 122 ، وفى تفسير القرطبى عن إبن عباس أيضا أنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب وأبى جهل . قال : (والصحيح أنها عامة في كل مؤمن وكافر) . (4) المشاشة : رأس العظم . (5) الاخمص : من باطن القدم ما لم يصب الارض . (*)

[ 104 ]

عليه وسلم أشاء أن أقول فيه إلا قلت ، إلا عمار بن ياسر ، فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إنه ملئ إيمانا إلى أخمص قدميه) . قال أبو عمر : وقال عبد الرحمن بن أبزى : شهدنا مع على عليه السلام صفين ثمانمائة ممن بايع بيعة الرضوان ، قتل منا ثلاثة وستون ، منهم عمار بن ياسر . قال أبو عمر : ومن حديث خالد بن الوليد ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : (من أبغض عمارا أبغضه الله) ، فما زلت أحبه من يومئذ . قال أبو عمر : ومن حديث على بن أبى طالب عليه السلام : إن عمارا جاء يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله يوما ، فعرف صوته ، فقال : (مرحبا بالطيب المطيب - يعنى عمارا - ائذنوا له) . قال أبو عمر : ومن حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله : (اشتاقت الجنة إلى أربعة : على ، وعمار ، وسلمان ، وبلال) . قال أبو عمر : وفضائل عمار كثيرة جدا يطول ذكرها . قال : وروى الاعمش ، عن أبى عبد الرحمن السلمى ، قال : شهدنا مع على عليه السلام صفين ، فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا واد من أودية صفين ، إلا رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله يتبعونه ، كأنه علم لهم ، وسمعته يقول يومئذ لهاشم بن عتبة : يا هاشم ، تقدم الجنة تحت البارقة . اليوم ألقى الاحبة محمدا وحزبة . والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق ، وأنهم على الباطل ، ثم قال : نحن ضربناكم على تنزيله فاليوم نضربكم على تأويله .

[ 105 ]

ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله أو يرجع الحق على سبيله . فلم أر أصحاب محمد صلى الله عليه وآله قتلوا في موطن ، ما قتلوا يومئذ . قال : وقد قال أبو مسعود البدرى وطائفة لحذيفة حين احتضر ، وقد ذكر الفتنة : إذا اختلف الناس فبمن تأمرنا ؟ قال : عليكم بابن سمية ، فإنه لن يفارق الحق حتى يموت - أو قال : فإنه يزول مع الحق حيث زال . قال أبو عمر : وبعضهم يجعل هذا الحديث عن حذيفة مرفوعا . قال أبو عمر : وروى الشعبى ، عن الاحنف ، أن عمارا حمل يوم صفين ، فحمل عليه ابن جزء السكسكى ، وأبو الغادية الفزارى ، فأما أبو الغادية ، فطعنه ، وأما ابن جزء فاحتز رأسه . قلت : هذا الموضع مما اختلف فيه قول أبى عمر رحمه الله ، فإنه ذكر في كتاب الكنى من الاستيعاب (1) أبا الغادية بالغين المعجمة ، وقال : إنه جهنى من جهينة ، وجهينة من قضاعة ، وقد نسبه هاهنا فزاريا . وقال في كتاب الكنى : إن اسم أبى الغادية يسار ، وقيل مسلم . وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب (المعارف) عن أبى الغادية أنه كان يحدث عن نفسه بقتل عمار ، ويقول : إن رجلا طعنه فانكشف المغفر عن رأسه ، فضربت رأسه ، فإذا رأس عمار قد ندر (2) . وكيفية هذا القتل تخالف الكيفية التى رواها ابن عبد البر . قال أبو عمر : وقد روى وكيع ، عن شعبة ، عن عبد بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ،


(1) الاستيعاب 680 . (2) المعارف 112 . (*)

[ 106 ]

قال : لكأنى أنظر إلى عمار يوم صفين وهو صريع ، فاستسقى ، فأتى بشربة من لبن ، فشرب ، فقال : اليوم ألقى الاحبة . إن رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلي أن آخر شربة أشربها في الدنيا شربة من لبن ، ثم استسقى ثانية فأتته امرأة طويلة اليدين بإناء ، فيه ضياح (1) من لبن ، فقال حين شربه : الحمد لله ، الجنة تحت الاسنة ، والله لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق ، وأنهم على الباطل ، ثم قاتل حتى قتل . قال أبو عمر : وقد روى حارثة بن المضراب : قرأت كتاب عمر إلى أهل الكوفة : أما بعد ، فإنى بعثت إليكم عمارا أميرا ، و عبد الله بن مسعود معلما ووزيرا ، وهما من النجباء ، من أصحاب محمد ، فاسمعوا لهما ، واقتدوا بهما ، فإنى قد آثرتكم بعبد الله على نفسي أثرة . قال أبو عمر : وإنما قال عمر : هما من النجباء ، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله : (إنه لم يكن نبى إلا أعطى سبعة من أصحابه نجباء وزراء فقهاء ، وإنى قد أعطيت أربعة عشر : حمزة ، وجعفرا ، وعليا ، وحسنا ، وحسينا ، وأبا بكر ، وعمر ، وعبد الله بن مسعود ، وسلمان ، وعمارا ، وأبا ذر ، وحذيفة ، والمقداد ، وبلالا) . قال أبو عمر : وتواترت الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : (تقتل عمارا الفئة الباغية) ، وهذا من إخباره بالغيب ، وأعلام نبوته صلى الله عليه وآله ، وهو من أصح الاحاديث . وكانت صفين في ربيع الاخر سنة سبع وثلاثين ، ودفنه على عليه السلام في ثيابه ولم يغسله .


(1) الضياح ، بالفتح : اللبن الرقيق الكثير الماء . (*)

[ 107 ]

وروى أهل الكوفة أنه صلى عليه ، وهو مذهبهم في الشهداء ، أنهم لا يغسلون ويصلى عليهم . قال أبو عمر : وكان سن عمار يوم قتل نيفا وتسعين ، سنة ، وقيل : إحدى وتسعين ، وقيل : اثنتين وتسعين ، وقيل : ثلاثا وتسعين . (ذكر أبى الهيثم بن التيهان وطرف من أخباره) ثم قال عليه السلام : (وأين ابن التيهان) ، هو أبو الهيثم بن التيهان ، بالياء المنقوطة ، باثنتين تحتها ، المشددة المكسورة ، وقبلها تاء منقوطة باثنتين فوقها ، واسمه مالك ، واسم أبيه مالك أيضا ، ابن عبيد بن عمرو بن عبد الاعلم بن عامر الانصاري ، أحد النقباء ليلة العقبة . وقيل : إنه لم يكن من أنفسهم ، وإنه من بلي بن أبي الحارث بن قضاعة ، وإنه حليف لبنى عبد الاشهل ، كان أحد النقباء ليلة العقبة ، وشهد بدرا . قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب (الاستيعاب) اختلف في وقت وفاته ، فذكر خليفة ، عن الاصمعي ، قال : سألت قومه ، فقالوا : مات في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله (1) . قال أبو عمر : وهذا لم يتابع عليه قائله . وقيل : إنه توفى سنة عشرين ، أو إحدى وعشرين . وقيل : إنه أدرك صفين ، وشهدها مع على عليه السلام ، وهو الاكثر . وقيل : إنه قتل بها . ثم قال أبو عمر : حدثنا خلف بن قاسم ، قال : حدثنا الحسن بن رشيق ، قال :


(1) الاستيعاب 696 . (*)

[ 108 ]

حدثنا الدولابى ، قال : حدثنا أبو بكر الوجيهى ، عن أبيه ، عن صالح بن الوجيه ، قال : وممن قتل بصفين عمار ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وعبد الله بن بديل ، وجماعة من البدريين رحمهم الله . ثم روى أبو عمر رواية أخرى ، فقال : حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال : حدثنا عثمان بن أحمد بن السماك ، قال : حدثنا حنبل بن إسحاق بن على ، قال : قال : أبو نعيم : أبو الهيثم بن التيهان ، اسمه مالك ، واسم التيهان عمرو بن الحارث ، أصيب أبو الهيثم مع على يوم صفين . قال أبو عمر : هذا قول أبى نعيم وغيره . قلت : وهذه الرواية أصح من قول ابن قتيبة في كتاب المعارف (1) ، وذكر قوم أن أبا الهيثم شهد صفين مع على عليه السلام ، ولا يعرف ذلك أهل العلم ولا يثبتونه فإن تعصب ابن قتيبة معلوم ، وكيف يقول : لا يعرفه أهل العلم ، وقد قاله أبو نعيم ، وقاله صالح بن الوجيه ، ورواه ابن عبد البر وهؤلاء شيوخ المحدثين ! (ترجمة ذى الشهادتين خزيمة بن ثابت) ثم قال عليه السلام : (وأين ذو الشهادتين) ، هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة الخطمى الانصاري من بنى خطمة (2) من الاوس جعل رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) المعارف 117 ، قال : (وليس يعرف ذلك أهل العلم ولا يثبتونه) . (2) بنو خطمة ، هم بنو عبد الله بن بن أوس . (*)

[ 109 ]

شهادته كشهادة رجلين ، لقصة مشهورة (1) ، يكنى أبا عمارة ، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد ، وكانت راية بنى خطمة بيده يوم الفتح . قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب (الاستيعاب) (2) : وشهد صفين مع على بن أبى طالب عليه السلام ، فلما قتل عمار قاتل حتى قتل . قال أبو عمر : وقد روى حديث مقتله بصفين من وجوه كثيرة ، ذكرناها في كتاب الاستيعاب عن ولد ولده ، وهو محمد بن عمارة بن خزيمة ذى الشهادة ، وأنه كان يقول في صفين : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : (تقتل عمارا الفئة الباغية) ، ثم قاتل حتى قتل . قلت : ومن غريب ما وقعت عليه من العصبية القبيحة ، أن أبا حيان التوحيدي قال في كتاب البصائر : إن خزيمة بن ثابت المقتول مع على عليه السلام بصفين ، ليس هو خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين ، بل آخر من الانصار صحابي اسمه خزيمة بن ثابت ، وهذا خطأ ، لان كتب الحديث والنسب تنطق بأنه لم يكن في الصحابة من الانصار ، ولا من غير الانصار خزيمة بن ثابت إلا ذو الشهادتين ، وإنما الهوى لا دواء له ، على أن الطبري صاحب التاريخ قد سبق أبا حيان بهذا القول ، ومن كتابه نقل أبو حيان ، والكتب الموضوعة لاسماء الصحابة تشهد بخلاف ما ذكراه ، ثم أي حاجة لناصري أمير المؤمنين أن يتكثروا بخزيمة ، وأبى الهيثم ، وعمار وغيرهم ! لو أنصف هذا الرجل


(1) ذكر ابن الاثير في أسد الغابة ، قال : (روى عنه إبنه عمارة أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى فرسا من سواء بن قيس المحاربي ، فجحده سواء ، فشهد خزيمة بن ثابت للنبى صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله : (ما حملك على الشهادة ، ولم تكن حاضرا معنا ؟ قال : صدقتك بما جئت به ، وعلمت أنك لا تقول إلا حقا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من شهد له خزيمة أو عليه فهو حسبه) . (2) الاستيعاب 157 ، 158 . (*)

[ 110 ]

ورأوه بالعين الصحيحة ، لعلموا أنه لو كان وحده ، وحاربه الناس كلهم أجمعون ، لكان على الحق ، وكانوا على الباطل . ثم قال عليه السلام : (وأين نظراؤهم من إخوانهم) ! يعنى الذين قتلوا بصفين معه من الصحابة ، كابن بديل ، وهاشم بن عتبة ، وغيرهما ممن ذكرناه في أخبار صفين . وتعاقدوا على المنية : جعلوا بينهم عقدا ، وروى (تعاهدوا) . وأبرد برؤوسهم إلى الفجرة : حملت رؤوسهم مع البريد إلى الفسقة للبشارة بها ، والفجرة هاهنا : أمراء عسكر الشام ، تقول : قد أبردت إلى الامير ، فأنا مبرد ، والرسول بريد ، ويقال للفرانق (1) البريد ، لانه ينذر قدام الاسد . قوله : (أوه على إخوانى) ، ساكنة الواو مكسورة الهاء ، كلمة شكوى وتوجع ، وقال الشاعر : فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها ومن بعد أرض دونها وسماء . (2) وربما قلبوا الواو ألفا ، فقالوا : آه من كذا ، آه على كذا ، وربما شددوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء ، فقالوا : أوه من كذا ، وربما حذفوا الهاء مع التشديد ، وكسروا الواو ، فقالوا : أو من كذا بلا مد ، وقد يقولون : آوه ، بالمد والتشديد وفتح الالف وسكون الهاء ، لتطويل الصوت بالشكاية ، وربما أدخلوا فيه الياء تارة يمدونه ، وتارة لا يمدونه ، فيقولون : (أوياه) و (آوياه) وقد أوه الرجل تأويها ، وتأوه تأوها ، إذا قال (أوه) ، الاسم منه (الاهه) بالمد ، قال المثقب العبدى : إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين (3) .


(1) ذكره صاحب اللسان ، واستشهد بقول إمرئ القيس : وإنى إذين إن رجعت مملكا بسير ترى منه الفرانق أزورا . (2) اللسان 17 : 365 . (3) اللسان 17 : 365 . (*)

[ 111 ]

قوله عليه السلام : (ووثقوا بالقائد فاتبعوه) ، يعنى نفسه ، أي وثقوا بأنى على الحق ، وتيقنوا ذلك ، فاتبعوني في حرب من حاربت ، وسلم من سالمت . قوله : (الجهاد الجهاد) ، منصوب بفعل مقدر . وإنى معسكر في يومى ، أي خارج بالعسكر إلى منزل يكون لهم معسكرا (ذكر سعد بن عبادة ونسبه) وقيس بن سعد بن عبادة بن دليم (1) الخزرجي ، صحابي ، يكنى أبا عبد الملك ، روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله أحاديث ، وكان طوالا جدا سباطا شجاعا ، جوادا ، وأبوه سعد رئيس الخزرج ، وهو الذى حاولت الانصار إقامته في الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولم يبايع أبا بكر حين بويع ، وخرج إلى حوران ، فمات بها ، قيل قتلته الجن لانه بال قائما في الصحراء ليلا ، ورووا بيتين من شعر ، قيل إنهما سمعا ليلة قتله ، ولم ير قائلهما : نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده . ويقول قوم : إن أمير الشام يومئذ كمن له من رماه ليلا ، وهو خارج إلى الصحراء بسهمين ، فقتله لخروجه عن طاعة الامام ، وقد قال بعض المتأخرين في ذلك : يقولون سعد شكت الجن قلبه ألا ربما صححت دينك بالغدر وما ذنب سعد أنه بال قائما ولكن سعدا لم يبايع أبا بكر وقد صبرت من لذة العيش أنفس وما صبرت عن لذة النهى والامر .


(1) في الاصول : (دلهم) وأثبت مافى الاستيعاب . (*)

[ 112 ]

وكان قيس بن سعد من كبار شيعة أمير المؤمنين عليه السلام ، وقائل بمحبته وولائه ، وشهد معه حروبه كلها ، وكان مع الحسن عليه السلام ، ونقم عليه صلحه معاوية ، وكان طالبي الرأى ، مخلصا في اعتقاده ووده ، وأكد ذلك عنده فوات الامر أباه وما نيل يوم السقيفة وبعده منه ، فوجد من ذلك في نفسه وأضمره ، حتى تمكن من إظهاره في خلافة أمير المؤمنين ، وكما قيل : (عدو عدوك صديق لك) . (ذكر أبى أيوب الانصاري ونسبه) وأما أبو أيوب الانصاري ، فهو خالد بن يزيد بن كعب بن ثعلبة الخزرجي ، من بنى النجار ، شهد العقبة وبدرا وسائر المشاهد ، وعليه نزل رسول الله صلى الله عليه وآله لما خرج عن بنى عمرو بن عوف ، حين قدم المدينة مهاجرا من مكة ، فلم يزل عنده حتى بنى مسجده ومساكنه ، ثم انتقل إليها ، ويوم المؤاخاة آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بينه وبين مصعب بن عمير . وقال أبو عمر في كتاب (الاستيعاب) (1) : إن أبا أيوب شهد مع على عليه السلام مشاهده كلها ، وروى ذلك عن الكلبى ، وابن إسحاق ، قالا : شهد معه يوم الجمل وصفين ، وكان مقدمته يوم النهروان . قوله (تختطفها الذئاب) ، الاختطاف : أخذك الشئ بسرعة ، ويروى (تتخطفها) ، قال تعالى : (تخافون أن يتخطفكم الناس) (2) ويقال : إن هذه الخطبة آخر خطبة ، خطبها أمير المؤمنين عليه السلام قائما .


(1) الاستيعاب 620 . (2) سورة الانفال 26 . (*)

[ 113 ]

الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : الحمد لله المعروف من غير رؤية ، الخالق من غير منصبة ، خلق الخلائق بقدرته ، واستعبد الارباب بعزته ، وساد العظماء بجوده ، وهو الذى أسكن الدنيا خلقه ، وبعث إلى الجن والانس رسله ، ليكشفوا لهم عن غطائها ، وليحذروهم من ضرائها ، وليضربوا لهم أمثالها ، وليبصروهم عيوبها ، وليهجموا عليهم بمعتبر من تصرف مصاحها وأسقامها ، وحلالها وحرامها ، وما أعد الله سبحانه للمطيعين منهم والعصاة ، من جنة ونار ، وكرامة وهوان . أحمده إلى نفسه ، كما استحمد إلى خلقه ، وجعل لكل شئ قدرا ، ولكل قدر أجلا ، ولكل أجل كتابا . الشرح : المنصبة ، بالفتح والنصب : التعب ، والماضي نصب بالكسرة ، وهم ناصب في قول النابغة : كلينى لهم يا أميمة ناصب (1) . ذو نصب ، مثل رجل تامر ولابن ، ويقال : هو (فاعل) بمعنى (مفعول فيه) لانه ينصب


(1) ديوانه 2 ، وبقيته : وليل أقاسيه بطئ الكواكب . (*)

[ 114 ]

فيه ويتعب ، كقولهم : ليل نائم ، أي ينام فيه ، ويوم عاصف ، أي تعصف فيه الريح . واستعبدت فلانا : اتخذته عبدا . والضراء : الشدة . ومعتبر (1) : مصدر بمعنى الاعتبار . ومصاحها : جمع مصحة (مفعلة) من الصحة ، كمضار جمع مضرة . وصفه سبحانه بأنه معروف بالادلة ، لا من طريق الرؤية كما تعرف المرئيات ، وبأنه يخلق الاشياء ولا يتعب كما يتعب الواحد منا فيما يزاوله ويباشر من أفعاله . خلق الخلائق بقدرته على خلقهم ، لا بحركة واعتماد ، وأسبغ النعمة عليهم : أوسعها . واستعبد الذين يدعون في الدنيا أربابا بعزه وقهره . وساد كل عظيم بسعة جوده ، وأسكن الدنيا خلقه ، كما ورد في الكتاب العزيز : (إنى جاعل في الارض خليفة) (2) . وبعث رسله إلى الجن والانس ، كما ورد في الكتاب العزيز : (يا معشر الجن والانس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا) (3) . قال : (ليكشفوا لهم عن غطاء الدنيا) ، أي عن عوراتها وعيوبها المستورة ، وليخوفوهم من مضرتها وغرورها المفضى إلى عذاب الابد . وليضربوا لهم أمثالها ، كالامثال الواردة في الكتاب العزيز ، نحو قوله تعالى : (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض . . .) الاية . (4) قوله : (وليهجموا عليهم) ، هجمت على الرجل : دخلت عليه بغتة ، يقول : ليدخلوا عليهم بما في تصاريف الدنيا ، من الامن (5) الصحة والسقم ، وما أحل وما حرم على طريق الابتلاء .


(1) د : (بمعتبر) . (2) سورة البقرة 30 . (3) سورة الانعام 130 . (4) سورة يونس 24 . (5) ساقطة من ب . (*)

[ 115 ]

ثم قال : (وما أعد الله سبحانه للمطيعين منهم والعصاة) ، يجوز أن تكون (ما) معطوفة على (عيوبها) ، فيكون موضعها نصبا ، ويجوز أن يكون موضعها جرا ، ويكون من تتمة أقسام ما يعتبر به ، والاول أحسن . ثم قال عليه السلام : إنى أحمد الله كما أستحمد (1) إلى خلقه ، استحمد (1) إليهم فعل ما يوجب عليهم حمده . ثم قال : إنه سبحانه جعل لكل شئ من أفعاله قدرا ، أي فعله مقدرا محدود الغرض ، اقتضى ذلك القدر وتلك الكيفية ، كما قال سبحانه : (وكل شئ عنده بمقدار) (2) . وجعل لكل شئ مقدر وقتا ينتهى إليه وينقطع عنده ، وهو الاجل . ولكل أجل كتابا ، أي رقوما تعرفها الملائكة ، فتعلم انقضاء عمر من ينقضى عمره ، وعدم ما ألطافهم في معرفة عدمه . الاصل : منها في ذكر القرآن : فالقرآن آمر زاجر ، وصامت ناطق ، حجة الله على خلقه ، أخذ عليه ميثاقهم ، وارتهن عليهم أنفسهم ، أتم نوره ، وأكرم به دينه ، وقبض نبيه صلى الله عليه وسلم وقد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به . فعظموا منه سبحانه ما عظم من نفسه ، فإنه لم يخف عنكم شيئا من دينه ، ولم يترك شيئا رضيه أو كرهه إلا وجعل له علما باديا ، وآية محكمة ، تزجر عنه ، أو تدعو إليه ، فرضاه فيما بقى واحد ، وسخطه فيما بقى واحد .


(1) ساقط من ب . (2) سورة الرعد 8 . (*)

[ 116 ]

واعلموا أنه لن يرضى عنكم بشئ سخطه على من كان قبلكم ، ولن يسخط عليكم بشئ رضيه ممن كان قبلكم ، وإنما تسيرون في أثر بين ، وتتكلمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم . قد كفاكم مؤونة دنياكم ، وحثكم على الشكر ، وافترض من ألسنتكم الذكر ، وأوصاكم بالتقوى ، وجعلها منتهى رضاه ، وحاجته من خلقه . فاتقوا الله الذى أنتم بعينه ، ونواصيكم بيده ، وتقلبكم في قبضته ، إن أسررتم علمه ، وأن أعلنتم كتبه ، قد وكل بكم حفظة كراما ، لا يسقطون حقا ، ولا يثبتون باطلا . واعلموا أنه من يتق الله يجعل له مخرجا من الفتن ، ونورا من الظلم ، ويخلده فيما اشتهت نفسه ، وينزله منزلة الكرامة عنده ، في دار اصطنعها لنفسه ، ظلها عرشه ، ونورها بهجته ، وزوارها ملائكته ، ورفقاؤها رسله . فبادروا المعاد ، وسابقوا الاجال ، فإن الناس يوشك أن ينقطع بهم الامل ، ويرهقهم الاجل ، ويسد عنهم باب التوبة ، فقد أصبحتم في مثل ما سأل (1) إليه الرجعة من كان قبلكم ، وأنتم بنو سبيل ، على سفر من دار ليست بداركم ، وقد أوذنتم منها بالارتحال ، وأمرتم فيها بالزاد . الشرح : جعل القرآن آمرا وزاجرا لما كان خالقه - وهو الله سبحانه - آمرا زاجرا به ، فأسند الامر والزجر إليه ، كما تقول : سيف قاتل ، وإنما القاتل الضارب به ، وجعله صامتا ناطقا ، لانه - من حيث هو حروف وأصوات - صامت ، إذ كان العرض يستحيل أن يكون ناطقا


(1) آ : (يسأل) . (*)

[ 117 ]

لان النطق حركة الاداة بالكلام ، والكلام يستحيل أن يكون ذا أداة ينطق بالكلام بها ، وهو من حيث يتضمن الاخبار والامر والنهى والنداء وغير ذلك من أقسام الكلام ، كالناطق ، لان الفهم يقع عنده ، وهذا من باب المجاز كما تقول : هذه الربوع الناطقة ، وأخبرتني الديار بعد رحيلهم بكذا . ثم وصفه بأنه حجة الله على خلقه ، لانه المعجزة الاصلية . أخذ سبحانه على الخلائق ميثاقه ، وارتهن عليه أنفسهم ، لما كان سبحانه قد قرر في عقول المكلفين أدلة التوحيد والعدل ، ومن جملة مسائل العدل النبوة ، ويثبت نبوة محمد صلى الله عليه وآله عقلا ، كان سبحانه بذلك كالاخذ ميثاق المكلفين بتصديق دعوته ، وقبول القرآن الذى جاء ، وجعل به نفسهم رهنا على الوفاء بذلك ، فمن خالف خسر نفسه ، وهلك هلاك الابد . هذا تفسير المحققين ، ومن الناس من يقول : المراد بذلك قصة الذرية قبل خلق آدم عليه السلام ، كما ورد في الاخبار ، وكما فسر قوم عليه الاية . ثم ذكر عليه السلام أن الله تعالى قبض رسوله صلى الله عليه وآله ، وقد فرغ إلى الخلق بالقرآن من الاكمال والاتمام ، كقوله تعالى : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) (1) ، وإذا كان قد أكمله لم يبق فيه نقص ينتظر إتمامه . قال : فعظموا من الله ما عظم من نفسه ، لانه سبحانه وصف نفسه بالعظمة والجلال في أكثر القرآن ، فالواجب علينا أن نعظمه على حسب ما عظم نفسه سبحانه . ثم علل وجوب تعظيمه ، وحسن أمره لنا بتعظيمه سبحانه بكونه لم يخف عنا شيئا من أمر ديننا ، وذلك لان الشرعيات مصالح المكلفين ، وإذا فعل الحكيم سبحانه بنا


(1) سورة المائدة 3 . (*)

[ 118 ]

ما فيه صلاحنا ، فقد أحسن إلينا ، ومن جملة صلاحنا تعريفنا من الشرعيات ما فعله لطف ومفض بنا إلى الثواب ، وهذا أبلغ ما يكون من الاحسان ، والمحسن يجب تعظيمه وشكره . قال : لم يترك شيئا إلا وجعل له نصا ظاهرا يدل عليه ، أو علما يستدل به عليه ، أي إما منصوص عليه صريحا ، أو يمكن أن يستنبط حكمه من القرآن ، إما بذكره أو بتركه ، فيبقى على البراءة الاصلية ، وحكم العقل . قوله : (فرضاه فيما بقى واحد) معناه أن ما لم ينص عليه صريحا ، بل هو في محل النظر ، ليس يجوز للعلماء أن يجتهدوا فيه ، فيحله بعضهم ، ويحرمه بعضهم ، بل رضا الله سبحانه أمر واحد ، وكذلك سخطه ، فليس يجوز أن يكون شئ من الاشياء يفتى فيه قوم بالحل وقوم بالحرمة ، وهذا قول منه عليه السلام بتحريم الاجتهاد ، وقد سبق منه عليه السلام مثل هذا الكلام مرارا . قوله : (واعلموا أنه ليس يرضى عنكم . . .) ، الكلام إلى منتهاه ، معناه أنه ليس يرضى عنكم بالاختلاف في الفتاوى والاحكام ، كما اختلف الامم من قبلكم ، فسخط اختلافهم قال سبحانه : (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ) (1) . وكذلك ليس يسخط عليكم بالاتفاق والاجتماع الذى رضيه ممن كان قبلكم من القرون . ويجوز أن يفسر هذا الكلام بأنه لا يرضى عنكم بما سخطه على الذين من قبلكم من الاعتقادات الفاسدة في التوحيد والعدل ، ولا يسخط عليكم بما تعتقدونه من الاعتقادات الصحيحة التى رضيها ممن كان قبلكم في التوحيد والعدل ، فيكون الكلام مصروفا إلى الاصول لا إلى الفروع .


(1) سورة الانعام 159 . (*)

[ 119 ]

قال : (وإنما تسيرون في أثر بين) ، أي أن الادلة واضحة ، وليس مراده الامر بالتقليد ، وكذلك قوله : (وتتكلمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم) ، يعنى كلمة التوحيد (لاإله إلا الله) ، قد قالها الموحدون من قبل هذه الملة ، لا تقليدا ، بل بالنظر والدليل ، فقولوها أنتم كذلك ! . ثم ذكر أنه سبحانه قد كفى الخلق مؤونة دنياهم ، قال الحسن البصري : إن الله تعالى كفانا مؤونة دنيانا ، وحثنا على القيام بوظائف ديننا ، فليته كفانا مؤونة ديننا ، وحثنا على القيام بوظائف دنيانا . قوله : (وافترض من ألسنتكم الذكر) ، افترض عليكم أن تذكروه وتشكروه بألسنتكم ، و (من) متعلقة بمحذوف دل عليه المصدر المتأخر ، تقديره : (وافترض عليكم الذكر من ألسنتكم الذكر) . ثم ذكر أن التقوى المفترضة هي رضا الله وحاجته من خلقه ، لفظة (حاجته) مجاز ، لان الله تعالى غنى غير محتاج ، ولكنه لما بالغ في الحث والحض عليها ، وتوعد على تركها جعله كالمحتاج إلى الشئ ، ووجه المشاركة أن المحتاج يحث ويحض على حاجته وكذلك الامر المكلف إذا أكد الامر . قوله : (أنتم بعينه) ، أي يعلم أحوالكم ، ونواصيكم بيده ، الناصية : مقدم شعر الرأس ، أي هو قادر عليكم قاهر لكم ، متمكن من التصرف فيكم ، كالانسان القابض على ناصية غيره . وتقلبكم في قبضته ، أي تصرفكم تحت حكمه ، لو شاء أن يمنعكم منعكم ، فهو كالشئ في قبضة الانسان ، إن شاء استدام القبض عليه ، وإن شاء تركه . ثم قال : إن أسررتم أمرا علمه ، وأن أظهرتموه كتبه ، ليس على أن الكتابة غير العلم ، بل هما شئ واحد ، ولكن اللفظ مختلف .

[ 120 ]

ثم ذكر أن الملائكة موكلة بالمكلف ، وهذا هو نص الكتاب العزيز ، وقد تقدم القول في ذلك . ثم انتقل إلى ذكر الجنة ، والكلام يدل على أنها في السماء ، وأن العرش فوقها . ومعنى قوله : (اصطنعها لنفسه) إعظامها وإجلالها ، كما قال لموسى : (واصطنعتك لنفسي) (1) ، ولانه لما تعارف الناس في تعظيم ما يصنعونه ، أن يقول الواحد منهم لصاحبه : قد وهبتك هذه الدار التى اصطنعتها لنفسي ، أي أحكمتها ، ولم أكن في بنائها متكلفا بأن أبنيها لغيري ، صح وحسن من البليغ الفصيح أن يستعير مثل ذلك فيما لم يصطنعه في الحقيقة لنفسه ، وإنما هو عظيم جليل عنده . قوله : (ونورها بهجته) ، هذا أيضا مستعار ، كأنه لما كان إشراق نورها عظيما جدا نسبه إلى بهجة الباري ، وليس هناك بهجة على الحقيقة ، لان البهجة حسن الخلقة ، قال تعالى : (وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) (2) ، أي من كل صنف حسن . قوله : (وزوارها ملائكته) قد ورد في هذا من الاخبار كثير جدا ، ورفقاؤها : رسله ، من قوله تعالى : (وحسن أولئك رفيقا) (3) . ويوشك ، بكسر الشين ، فعل مستقبل ، ماضيه (أوشك) ، أي أسرع . ورهقه الامر ، بالكسر : فاجأه . ويسد عنهم باب التوبة ، لانه لا تقبل عند نزول الموت بالانسان من حيث كان يفعلها خوفا فقط ، لالقبح القبيح ، قال تعالى : (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الان) (4) .


(1) سورة طه 49 . (2) سورة ق 7 . (3) سورة النساء 69 . (4) سورة النساء 18 . (*)

[ 121 ]

وإنما قال : في مثل ما سأل إليه الرجعة من كان قبلكم ، كقوله سبحانه : (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون ، لعلى أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) (1) . وبنو سبيل : أرباب طريق مسافرون . وأوذن فلان بكذا : أعلم . وآذنته : أعلمته . وقد تقدم لنا كلام بالغ في التقوى وماهيتها وتأكيد وصاة الخالق سبحانه والرسول عليه الصلاة والسلام بها . (نبذ وأقاويل في التقوى) روى المبرد في الكامل أن رجلا قال لعمر بن الخطاب : إتق الله يا أمير المؤمنين ، فقال له رجل : أتألت على أمير المؤمنين ! أي أتنتقصه ! (2) ، فقال عمر : دعه ، فلا خير فيهم إذا لم يقولوها ، ولا خير فينا إذا لم تقل لنا . وكتب أبو العتاهية إلى سهل بن صالح (3) - وكان مقيما بمكة : أما بعد ، فأنا أوصيك بتقوى الله الذى لا غناء بك عن تقاته ، وأتقدم إليك عن الله ، ونذكرك مكر الله فيما دبت به إليك ساعات الليل والنهار ، فلا تخدعن عن دينك ، فإن ساعاتك وأوقاتك إن ظفرت بذلك منك ، وجدت الله فيك أسرع مكرا ، وأنفذ فيك أمرا ، ووجدت ما مكرت به في غير ذات الله غير راد عنك يد الله ، ولا مانع لك من أمر الله ، ولعمري لقد ملات عينك الفكر واضطربت في سمعك أصوات العبر ، ورأيت آثار نعم الله نسختها آثار نقمه حين استهزئ بأمره ، وجوهر بمعاندته ، ألا إن في حكم الله أته من أكرمه الله ، فاستهان بأمره ، أهانه الله


(1) سورة المؤمنين 99 ، 100 . (2) وانظر النهاية لابن الاثير 1 : 38 . (3) د : (صاعد) . (*)

[ 122 ]

والسعيد من وعظ بغيره ، لاوعظك الله في نفسك ! وجعل عظتك في غيرك ، ولا جعل الدنيا عليك حسرة وندامة ، برحمته ! . ومن كلام رسول الله صلى الله عليه وآله : (لا كرم كالتقوى ، ولا مال أعود من العقل ، ولا وحدة أوحش من العجب ، ولا عقل كالتدبير ، ولا قرين كحسن الخلق ، ولا ميراث كالادب ، ولا فائدة كالتوفيق ، ولا تجارة كالعمل الصالح ، ولا ربح كثواب الله ، ولا ورع كالوقوف عند الشبهة ، ولا زهد كالزهد في الحرام ، ولاعلم كالتفكر ، ولا عبادة كأداء الفرائض ، ولا إيمان كالحياء والصبر ، ولا حسب كالتواضع ، ولا شرف كالعلم ، ولا مظاهرة أوفق من المشورة ، فاحفظ الرأس وما حوى ، والبطن وما وعى ، واذكر الموت وطول البلى) . الاصل : وعلموا أنه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار ، فارحموا نفوسكم ، فإنكم قد جربتموها في مصائب الدنيا ، فرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه ، والعثرة تدميه ، والرمضاء تحرقه ، فكيف إذا كان بين طابقين من نار ، ضجيع حجر ، وقرين شيطان ! أعلمتم أن مالكا إذا غضب على النار حطم بعضها بعضا لغضبه ، وإذا زجرها توثبت بين أبوابها جزعا من زجرته . أيها اليفن الكبير ، الذى قد لهزه القتير ، كيف أنت إذا التحمت أطواق النار بعظام الاعناق ، ونشبت الجوامع ، حتى أكلت لحوم السواعد ! فالله الله معشر العباد ! وأنتم سالمون في الصحة قبل السقم ، وفى الفسحة قبل الضيق ، فاسعوا في فكاك رقابكم من قبل أن تغلق رهائنها .

[ 123 ]

أسهروا عيونكم ، وأضمروا بطونكم ، واستعملوا أقدامكم ، وأنفقوا أموالكم ، وخذوا من أجسادكم فجودوا بها على أنفسكم ، ولا تبخلوا بها عنها ، فقد قال الله سبحانه : (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) (1) ، وقال تعالى : (من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم) (2) . فلم يستنصركم من ذل ، ولم يستقرضكم من قل ، استنصركم وله جنود السموات والارض وهو العزيز الحكيم ، واستقرضكم وله خزائن السموات والارض وهو الغنى الحميد ، وإنما أراد أن يبلوكم أيكم أحسن عملا . فبادروا بإعمالكم تكونوا مع جيران الله في داره ، رافق بهم رسله ، وأزارهم ملائكته ، وأكرم أسماعهم أن تسمع حسيس نار أبدا ، وصان أجسادهم أن تلقى لغوبا ونصبا : (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (3) . أقول ما تسمعون ، والله المستعان على نفسي وأنفسكم ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ! الشرح : الرمضاء : الارض الشديدة الحرارة ، والرمض ، بالتحريك : شدة وقع الشمس على الرمل وغيره ، وقد رمض يومنا بالكسر ، يرمض رمضا ، اشتد حره ، وأرض رمضة الحجارة ، ورمضت قدمه من الرمضاء : احترقت .


(1) سورة محمد 7 . (2) سورة البقرة 245 . (3) سورة الحديد 21 . (*)

[ 124 ]

والطابق ، بالفتح : الاجرة الكبيرة ، وهو فارسي معرب . وضجيع حجر : يومئ فيه إلى قوله تعالى : (وقودها الناس والحجارة) (1) ، قيل : إنها حجارة الكبريت . وقرين شيطان : يومئ فيه إلى قوله تعالى : (قال قرينه ربنا ما أطغيته) (2) . وحطم بعضها بعضا : كسره أو أكله ، والحطمة من أسماء النار ، لانها تحطم ما تلقى ، ومنه سمى الرجل الكثير الاكل : حطمة . واليفن : الشيخ الكبير . ولهزه : خالطه ، ويقال له حينئذ : ملهوز ، ثم أشمط ، ثم أشيب . ولهزت القوم : خالطتهم ودخلت بينهم . والقتير : الشيب ، وأصله رؤوس المسامير في الدروع تسمى قتيرا . والتحمت أطواق النار بالعظام : التفت عليها ، وانضمت إليها ، والتصقت بها . والجوامع : جمع جامعة ، وهى الغل لانها تجمع اليدين إلى العنق . ونشبت : علقت . والسواعد : جمع ساعد ، وهو الذراع . و (في) من قوله : (في الصحة قبل السقم) ، متعلقة بالمحذوف الناصب لله ، وهو اتقوا ، أي اتقوه سبحانه في زمان صحتكم ، قبل أن ينزل بكم السقم ، وفى فسحة أعماركم قبل أن تبدل بالضيق . وفكاك الرقاب : بفتح الفاء : عتقها قبل أن تغلق رهائنها ، يقال غلق الرهن ، بالكسر ، إذا استحقه المرتهن بألا يفكه الراهن في الوقت المشروط ، وكان ذلك من شرع الجاهلية ، فنهى عنه النبي صلى الله عليه وآله ، وقال : لا يغلق الرهن .


(1) سورة البقرة 24 . (2) سورة ق 23 . (*)

[ 125 ]

وخذوا من أجسادكم ، أي أتعبوها بالعبادة حتى تنحل . والقل : القلة . والذل : الذلة . وحسيس النار : صوتها . واللغوب . النصب . (طرف وأخبار) ونظير قوله عليه السلام : (استقرضكم وله خزائن السموات والارض) ، ما رواه المبرد في الكامل عن أبى عثمان المازنى ، عن أبى زيد الانصاري ، قال : وقف علينا أعرابي في حلقة يونس (النحوي) (1) ، فقال : الحمد لله كما هو أهله ، وأعوذ بالله أن أذكر به وأنساه ، خرجنا من المدينة ، مدينة الرسول صلى الله عليه وآله ، ثلاثين رجلا ممن أخرجته الحاجة ، وحمل على المكروه ، ولا يمرضون مرضاهم (2) ، ولا يدفنون ميتهم ، ولا ينتقلون من منزل إلى منزل وإن كرهوه ، والله يا قوم لقد جعت حتى أكلت النوى المحرق ، ولقد مشيت حتى انتعلت الدم ، وحتى خرج من قدمى بخص (3) ولحم كثير ، أفلا رجل يرحم ابن سبيل وفل (4) طريق ، ونضنو سفر ! فإنه لا قليل من الاجر ، ولا غنى عن (ثواب) (5) الله ، ولا عمل بعد الموت ، وهو سبحانه يقول : (من ذا الذى


(1) من الكامل . (2) الكامل : (مريضهم) . (3) قال أبو العباس المبرد : قوله : (بخص) ، يريد الذى يركب القدم ، هذا قول الاصمعي . وقال غيره : هو لحم يخلطه بياض من فساد يحل فيه . ويقال : بخصت عينه - بالصاد - ولايجوز إلا ذلك ، ويقال : بخسته حقه ، بالسين : إذا ظلمته ونقصته ، كما قال الله عزوجل : (ولا تبخسوا الناس أشيائهم) وفى المثل : تحسبها حمقاء وهى باخس . (4) قال أبو العباس : الفل في أكثر كلامهم المنهزم الذاهب ، وفى خبر بن معدان الاشقري : (إنا آثرنا الحد على الفل) . (5) من الكامل . (*)

[ 126 ]

يقرض الله قرضا حسنا) (1) ، ملي وفي ماجد واجد ، (جواد) (1) لا يستقرض من عوز (2) ، ولكنه يبلو (3) الاخيار (4) . قال المازنى : فبلغني إنه لم يبرح حتى أخذ ستين دينارا . ومن كلام على بن عبيدة الريحاني : الايام مستودعات الاعمال ، ونعم الارضون هي لمن بذر فيها الخير والعمل الصالح . وخطب الحجاج ، فقال : أيها الناس ، إنكم أغراض حمام ، وفرص هلكه . قد أنذركم القرآن ، ونادى برحيلكم الجديدان ! ها إن لكم موعدا لا تؤخر ساعته ، ولا تدفع هجمته ، وكان قد دلفت إليكم نازلته ، فتعلق بكم ريب المنون ، وعلقت بكم أم اللهيم الحيزبون ، فماذا هيأتم للرحيل ؟ وماذا أعددتم للنزيل ؟ من لم يأخذ أهبه الحذر ، نزل به مرهوب القدر ! (خطبة لابي الشحماء العسقلاني) قلت : وقد شغف الناس في المواعظ بكلام كاتب محدث ، يعرف بابن أبى الشحماء


(1) سورة البقرة 245 . (2) قال أبو العباس : (لا يستقرض من عوز) ، فالعوز تعذر المطلوب ، يقال : أعوز فلان ، فهو معوز إذا لم يجد . (3) قال أبو العباس : قوله : (ولكن ليبلو الاخيار) ، يقال : الله يبلوهم ويختبرهم في معنى وتأويله يمتحنهم العالم عزوجل بما يكون ، كعلمه بما كان ، قال الله جل ثناؤه : (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) . (4) الخبر في الكامل 1 : 451 - 455 . (*)

[ 127 ]

العسقلاني ، وأنا أورد هاهنا خطبة من مواعظه ، هي أحسن ما وجدته له ، ليعلم الفرق بين الكلام الاصيل والمولد : أيها الناس ، فكوا أنفسكم من حلقات الامال المتعبة ، وخففوا ظهوركم من الاصار المستحقبة ، ولا تسيموا أطماعكم في رياض الامانى المتشعبة ، ولا تميلوا صغوكم إلى زبارج الدنيا المحببة ، فتظل أجسامكم في هشائمها عاملة نصبة ! أما علمتم أن طباعها على الغدر مركبة ، وأنها لاعمار أهلها منتهبة ، ولما ساءهم منتظرة مرتقبة ، في هبتها راجعة متعقبة ! فانضوا رحمكم الله ركائب الاعتبار مشرقة ومغربة ، وأجروا خيول التفكر مصعدة ومصوبة ، هل تجدون إلا قصورا على عروشها خربة ، وديارا معطشة من أهلها مجدبة ! أين الامم السالفة المتشعبة ، والجبابرة الماضية المتغلبة ، والملوك المعظمة المرجبة ، أولو الحفدة والحجبة ، والزخارف المعجبة ، والجيوش الحرارة اللجبة ، والخيام الفضفاضة المطنبة ، والجياد الاعوجية المجنبة ، والمصاعب الشدقمية المصحبة ، والدان المثقفة المدربة ، والماذية الحصينة المنتخبة ، طرقت والله خيامهم غير منتهبة ، وأزارتهم من الاسقام سيوفا معطبة ، وسيرت إليهم الايام من نوبها كتائب مكتبة ، فأصبحت أظفار المنية من مهجهم قانية مختضبة ، وغدت أصوات النادبات عليهم مجلبة ، وأكلت لحومهم هوام الارض السغبة ، ثم إنهم مجموعون ليوم لا يقبل فيه عذر ولا معتبة ، وتجازى كل نفس بما كانت مكتسبة ، فسعيدة مقربة تجرى من تحتها الانهار مثوبة ، وشقية معذبة في النار مكبكبة . هذه أحسن خطبة خطبها هذا الكاتب ، وهى كما تراها ظاهرة التكلف ، بينة التوليد ، تخطب على نفسها ، وإنما ذكرت هذا ، لان كثيرا من أرباب الهوى يقولون : إن كثيرا من نهج البلاغة كلام محدث ، صنعه قوم من فصحاء الشيعة ، وربما عزوا بعضه إلى الرضى أبى الحسن وغيره ، وهؤلاء قوم أعمت العصبية أعينهم ، فضلوا عن النهج الواضح

[ 128 ]

وركبوا بنيات (1) الطريق ، ضلالا وقلة معرفة بأساليب الكلام ، وأنا أوضح لك بكلام مختصر مافى هذا الخاطر من الغلط فاقول : (رأى للمؤلف في كتاب نهج البلاغة) لا يخلو إما أن يكون كل نهج البلاغة مصنوعا منحولا ، أو بعضه . والاول باطل بالضرورة لانا نعلم بالتواتر صحة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد نقل المحدثون كلهم أو جلهم ، والمؤرخون كثيرا منه ، وليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك ، والثانى يدل على ما قلناه ، لان من قد أنس بالكلام والخطابة ، وشدا طرفا من علم البيان ، وصار له ذوق في هذا الباب ، لابد أن يفرق بين الكلام الركيك والفصيح ، وبين الفصيح والافصح ، وبين الاصيل والمولد ، وإذا وقف على كراس واحد يتضمن كلاما لجماعة من الخطباء ، أو لاثنين منهم فقط ، فلا بد أن يفرق بين الكلامين ، ويميز بين الطريقتين ، ألا ترى أنا مع معرفتنا بالشعر ونقده ، لو تصفحنا ديوان أبى تمام ، فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره ، لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبى تمام ونفسه ، وطريقته ومذهبه في القريض ، ألا ترى أن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه ، لمباينتها لمذهبه في الشعر ، وكذلك حذفوا من شعر أبى نواس شيئا كثيرا ، لما ظهر لهم أنه ليس من ألفاظه ، ولا من شعره ، وكذلك غيرهما من الشعراء ، ولم يعتمدوا في ذلك إلا على الذوق خاصة . وأنت إذا تأملت نهج البلاغة وجدته كله ماء واحدا ، ونفسا واحدا ، وأسلوبا واحدا ، كالجسم البسيط الذى ليس بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الابعاض في الماهية ، وكالقرآن العزيز ، أوله كأوسطه ، وأوسطه كآخره ، وكل سورة منه ، وكل آية مماثلة في


(1) يقال : ركب بنيات الطريق ، أي ضل ، وأصل البنيات الطرق الصغار ، ثم أطلقت على الترهات (*) .

[ 129 ]

المأخذ والمذهب والفن والطريق والنظم لباقي الايات والسور ، ولو كان بعض نهج البلاغة منحولا وبعضه صحيحا ، لم يكن ذلك كذلك ، فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أن هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين عليه السلام . واعلم أن قائل هذا القول يطرق على نفسه مالا قبل له به ، لانا متى فتحنا هذ الباب ، وسلطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو ، لم نثق بصحة كلام منقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله أبدا ، وساغ لطاعن أن يطعن ويقول : هذا الخبر منحول ، وهذا الكلام مصنوع ، وكذلك ما نقل عن أبى بكر وعمر من الكلام والخطب والمواعظ والادب وغير ذلك ، وكل أمر جعله هذا الطاعن مستندا له فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وآله ، والائمة الراشدين ، والصحابة والتابعين ، والشعراء والمترسلين ، والخطباء ، فلناصرى أمير المؤمنين عليه السلام أن يستندوا إلى مثله فيما يروونه عنه من نهج البلاغة وغيره ، وهذا واضح .

[ 130 ]

(185) الاصل : ومن كلام له عليه السلام : قاله للبرج بن مسهر الطائى ، وقد قال له بحيث يسمعه : (لا حكم إلا لله) ، وكان من الخوارج . اسكت قبحك (1) الله يا أثرم ! فو الله لقد ظهر الحق فكنت فيه ضئيلا شخصك ، خفيا صوتك ، حتى إذا نعر الباطل ، نجمت نجوم قرن الماعز . الشرح : البرج بن مسهر - بضم الميم وكسر الهاء - بن الجلاس بن وهب بن قيس بن عبيد بن طريف بن مالك بن جدعاء بن ذهل بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن قطرة بن طى بن داود بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب ابن قحطان ، شاعر مشهور من شعراء الخوارج ، نادى بشعارهم بحيث يسمعه أمير المؤمنين عليه السلام ، فزجره . وقبحك الله ، لفظة معناها كسرك ، يقال : قبحت الجوزة ، أي كسرتها ، وقيل : قبحه نحاه عن الخير ، وكان البرج ساقط الثنية ، فأهانه بأن دعاه به ، كما يهان الاعور بأن يقال له : يا أعور . والضئيل : الدقيق الخفى ، ضؤل الرجل ، بالضم ضآلة : نحف ، وضؤل رأيه : صغر ، ورجل متضائل ، أي شخت ، وكذلك : (ضؤله) .


(1) مخطوطة النهج : قبحك ، بالتشديد . (*)

[ 131 ]

ونعر الباطل : صاح ، والمراد أهل الباطل ، ونعر فلان في الفتنة : نهض فيها . ونجم : طلع ، أي طلع بلا شرف ولا شجاعة ولا قدم ، بل على غفلة ، كما ينبت قرن الماعز . وهذا من باب البديع ، وهو أن يشبه الامر يراد إهانته بالمهين ، ويشبه الامر يراد إعظامه بالعظيم ، ولو كان قد تكلم في شأن ناجم يريد تعظيمه ، لقال : نجم نجوم الكوكب من تحت الغمام ، نجوم نور الربيع من الاكمام ، ونحو ذلك .

[ 132 ]

(186) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : روى أن صاحبا لامير المؤمنين عليه السلام يقال له همام . كان رجلا عابدا ، فقال له : يا أمير المؤمنين : صف لى المتقين حتى كأنى أنظر إليهم ، فتثاقل عليه السلام عن جوابه ، ثم قال : يا همام اتق الله وأحسن : ف‍ (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) (1) . فلم يقنع همام بهذا القول حتى عزم عليه ، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله . ثم قال عليه السلام : أما بعد ، فأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق - حين خلقهم - غنيا عن طاعتهم آمنا من معصيتهم ، لانه لا تضره معصية من عصاه ، ولا تنفعه طاعة من أطاعه ، فقسم بينهم معايشهم ، ووضعهم من الدنيا مواضعهم ، فالمتقون فيها هم أهل الفضائل ، منطقهم الصواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع . غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم ، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم . نزلت أنفسهم منهم في البلاء ، كالذى نزلت في الرخاء . لولا الاجل الذى كتب الله عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ، شوقا إلى الثواب ، وخوفا من العقاب .


(1) سورة النحل 128 . (*)

[ 133 ]

عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن قد رآها ، فهم فيها منعمون ، وهم والنار كمن قد رآها ، فهم فيها معذبون ، قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة . صبروا أياما قصيرة ، أعقبتهم راحة طويلة . تجارة مربحة ، يسرها لهم ربهم . أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أما الليل فصافون أقدامهم ، تالين لاجزاء القرآن يرتلونها ترتيلا ، يحزنون به أنفسهم ، ويستثيرون به دواء دائهم ، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنوا أنها نصب أعينهم ، وإذا مروا بآية فيها تخويف ، أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم ، وأطراف أقدامهم ، يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم . وأما النهار فحلماء علماء ، أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف برى القداح ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى ، وما بالقوم من مرض ، ويقول : لقد خولطوا ، ولقد خالطهم أمر عظيم ، لا يرضون من أعمالهم القليل ، ولا يستكثرون الكثير ، فهم لانفسهم متهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إذا زكى أحد منهم خاف مما يقال له فيقول : أنا أعلم بنفسى من غيرى ، وربى أعلم بى منى بنفسى ! اللهم لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني أفضل مما يظنون ، واغفر لى مالا يعلمون !

[ 134 ]

الشرح : همام المذكور في هذه الخطبة : هو همام بن شريح بن يزيد بن عمرو بن جابر بن يحيى بن الاصهب بن كعب بن الحارث بن سعد بن عمرو بن ذهل بن مران بن صيفي بن سعد العشيرة . وكان همام هذا من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام وأوليائه ، وكان ناسكا عابدا ، قال له : يا أمير المؤمنين ، صف لى المتقين حتى أصير بوصفك إياهم ، كالناظر إليهم . فتثاقل عن جوابه ، أي أبطأ . فعزم عليه ، أي أقسم عليه ، وتقول لمن يكرر عليك الطلب والسؤال : قد عزم على ، أي أصر وقطع ، وكذلك تقول في الامر تريد فعله وتقطع عليه : عزمت عزما وعزمانا وعزيمة وعزيما . فإن قلت : كيف جاز له عليه السلام أن يتثاقل عن جواب المسترشد ؟ . قلت : يجوز أن يكون تثاقل عن جوابه ، لانه علم أن المصلحة في تأخير الجواب ، ولعله كان حضر المجلس من لا يحب أن يجيب وهو حاضر ، فلما انصرف أجاب ، ولعله رأى أن تثاقله عن الجواب يشد تشوق همام إلى سماعه ، فيكون أنجع في موعظته ، ولعله كان من باب تأخير البيان إلى وقت الحاجة ، لامن باب تأخير البيان عن وقت الحاجة ، ولعله تثاقل عن الجواب ليرتب المعاني التى خطرت له في ألفاظ مناسبة لها ، ثم ينطق بها كما يفعله المتروى في الخطبة والقريض . فإن قلت : فما معنى إجابته له أولا بقوله : يا همام ، اتق الله وأحسن ف‍ (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) ؟ وأى جواب في هذا عن سؤال همام ؟ .

[ 135 ]

قلت : كأنه لم ير في بادئ الحال شرح صفات المتقين على التفصيل ، فقال لهمام : ماهية التقوى معلومة في الجملة ، فاتق الله وأحسن ، فإن الله قد وعد في كتابه أن يكون وليا وناصرا لاهل التقوى والاحسان ، وهذا كما يقول لك قائل : ما صفات الله الذى أعبده أنا والناس ؟ فتقول له : لا عليك ألا تعرف صفاته مفصلة ، بعد أن تعلم أنه خالق العالم ، وأنه واحد لا شريك له ! فلما أبى همام إلا الخوض فيما سأله على وجه التفصيل ، قال له : إن الله تعالى خلق الخلق حين خلقهم ، ويروى : (حيث خلقهم) وهو غنى عن طاعتهم ، لانه ليس بجسم فيستضر بأمر أو ينتفع به . وقسم بين الخلق معايشهم ، كما قال سبحانه : (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا) (1) . وفى قوله : (وضعهم مواضعهم) معنى قوله : (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) (1) ، فكأنه عليه السلام أخذ الالفاظ ، فألغاها وأتى بمعناها . فلما فرغ من هذه المقدمة شرع في ذكر صفات المتقين ، فقال : إنهم أهل الفضائل . ثم بين ما هذه الفضائل ، فقال : (منطقهم الصواب) . فإن قلت : أي فائدة في تقديم تلك المقدمة ، وهى كون البارئ سبحانه غنيا لا تضره المعصية ، ولا تنفعه الطاعة ! . قلت : لانه لما تضمنت الخطبه مدح الله تعالى للمتقين وما أعده لهم من الثواب ، وذمه للعاصين وما أعده لهم من العقاب العظيم ، فربما يتوهم متوهم أن الله تعالى ما رغب في الطاعة


(1) سورة الزخرف 32 . (*)

[ 136 ]

هذا الترغيب البالغ ، وخوف من المعصية هذا التخويف البالغ ، إلا وهو منتفع بالاولى ، مستضر بالثانية ، فقد عليه السلام تلك المقدمة نفيا لهذا الوهم . (فصل في فضل الصمت والاقتصاد في المنطق) واعلم أن القول في خطر الكلام وفضل الصمت وفضل الاقتصار في المنطق وسيع جدا ، وقد ذكرنا منه طرفا فيما تقدم ، ونذكر الان منه طرفا آخر . قال النبي صلى الله عليه وآله : (من صمت نجا) . وقال أيضا : (الصمت حكم وقليل فاعله) . وقال له صلى الله عليه وآله بعض أصحابه : أخبرني عن الاسلام بأمر لا أسأل عنه أحدا بعدك ، فقال : (قل : آمنت بالله ثم استقم) قال فما أتقى ؟ فأومأ بيده إلى لسانه . وقال له عليه السلام عقبة بن عامر : يارسول الله ، ما النجاة ؟ قال : (املك عليك لسانك (1) ، وابك على خطيئتك ، وليسعك بيتك) . وروى سهل بن سعد الساعدي ، عنه صلى الله عليه وآله : (من يتوكل لى بما بين لحييه ورجليه أتوكل له بالجنة) . وقال : (من وقى شر قبقبه (2) وذبذبه (3) ولقلقه (4) فقد وقى) . وروى سعيد بن جبير مرفوعا : (إذا أصبح ابن آدم أصبحت الاعضاء كلها تشكو


(1) أملك عليك لسانك : أي لا تحركه إلا بما يكون لك لا عليك . (2) القبقب : البطن ، من القبقبة ، وهى صوت يسمع من البطن فكأنها حكاية ذلك الصوت . النهاية لابن الاثير 3 : 225 . (3) ذبذبه ، أي ذكره . وانظر النهاية لابن الاثير 2 : 43 . (4) اللقلق : اللسان . النهاية لابن الاثير 4 : 64 ، قال : ومنه حديث عمر : (ما لم يكن نقع ولا لقلقة) ، أراد الصياح والجلبة عند الموت ، وكأنها حكاية الاصوات الكثيرة . (*)

[ 137 ]

اللسان ، تقول : أي بنى آدم ، اتق الله فينا ، فإنك إن استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا) . وقد روى أن عمر رأى أبا بكر ويمد لسانه ، فقال : ما تصنع ؟ قال : هذا الذى أوردني الموارد ، إن رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال : (ليس شئ في الجسد إلا يشكو إلى الله تعالى اللسان على حدته) . وسمع ابن مسعود يلبى على الصفا ، ويقول : يالسان ، قل خيرا تغنم ، أو اصمت تسلم من قبل أن تندم ، فقيل له : يا أبا عبد الرحمن أهذا شئ سمعته ، أم تقوله من تلقاء نفسك ؟ قال : بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : (أكثر خطايا ابن آدم من لسانه) . وروى الحسن مرفوعا : (رحم الله عبدا تكلم فغنم ، أو سكت فسلم) . وقالت التلامذة لعيسى عليه السلام : دلنا على عمل ندخل به الجنة ، قال : لا تنطقوا أبدا . قالوا : لا نستطيع ذلك ، قال : فلا تنطقوا إلا بخير . وقال النبي صلى الله عليه وآله : (إن الله عند لسان كل قائل ، فاتقى الله امرؤ علم ما يقول) . وكان يقال : لا شئ أحق بطول سجن من لسان . وكان يقال : لسانك سبع ، إن أطلقته أكلك . في حكمة آل داود : حقيق على العاقل أن يكون عارفا بزمانه ، حافظا للسانه ، مقبلا على شأنه . وكان يقال : من علم أن كلامه من عمله ، أقل كلامه فيما لا ينفعه . وقال محمد بن واسع : حفظ اللسان أشد على الناس من حفظ الدينار والدرهم .

[ 138 ]

اجتمع أربعة حكماء : من الروم ، والفرس ، والهند ، والصين ، فقال أحدهم : أنا أندم على ما قلت ولا أندم على ما لم أقل : وقال الاخر : إذا تكلمت بالكلمة ملكتنى ، ولم أملكها ، وإذا لم أتكلم ملكتها ولم تملكني . وقال الاخر : عجبت للمتكلم ، إن رجعت عليه كلمته ضرته ، وإن لم ترجع لم تنفعه ، وقال الرابع : أنا على رد ما لم أقل ، أقدر منى على رد ما قلت . (ذكر الاثار الواردة في آفات اللسان) واعلم أن آفات اللسان كثيرة : فمنها الكلام فيما لا يعنيك ، وهو أهون آفات اللسان ، ومع ذلك فهو عيب ، قال النبي صلى الله عليه وآله : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) . وروى أنه عليه السلام مر بشهيد يوم أحد ، فقال أصحابه : هنيئا له الجنة ! قال : وما يدريكم لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ! وقال ابن عباس : خمس هي أحسن وأنفع من حمر النعم : لا تتكلم فيما لا يعنيك ، فإنه فضل لا آمن عليه الوزر . ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعا ، فرب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه فأساء . ولا تمار حليما ولا سفيها ، فإن الحليم يقليك ، والسفيه يؤذيك ، واذكر أخاك إذا تغيب عنك بما تحب أن يذكرك به ، وأعفه عما تحب أن يعفيك عنه . واعمل عمل رجل يرى أنه مجازى بالاحسان ، مأخوذ بالجرائم . ومنها فضول الكلام وكثرته ، وترك الاقتصار ، وكان يقال : فضول المنطق وزيادته نقص في العقل ، وهما ضدان متنافيان ، كلما زاد أحدهما نقص الاخر .

[ 139 ]

وقال عبد الله بن مسعود : إياكم وفضول الكلام ، حسب امرئ ما بلغ به حاجته . وكان يقال : من كثر كلامه كثر سقطه . وقال الحسن : فضول الكلام كفضول المال ، كلاهما مهلك . ومنها الخوض في الباطل ، والحديث فيما لا يحل ، كحديث النساء ومجالس الخمر ، ومقامات الفساق ، وإليه الاشارة بقوله تعالى : (وكنا نخوض مع الخائضين) (1) . ومنها المراء (2) والجدال ، قال عليه السلام : (دع المراء وإن كنت محقا) . وقال مالك بن أنس : المراء يقسى القلب ، ويورث الضغائن . وقال سفيان الثوري : لو خالفت أخى في رمانة فقال حلوة ، وقلت حامضة ، لسعى بى إلى السلطان . وكان يقال : صاف من شئت ثم أغصبه بالجدال والمراء ، فليرمينك بداهية تمنعك العيش . وقيل لميمون بن مهران مالك لا تفارق أخالك عن قلى ؟ قال : لانى لا أشاريه ، ولا أماريه . ومنها التقعر في الكلام بالتشدد ، والتكلف في الالفاظ ، قال النبي صلى الله عليه وآله


(1) سورة المدثر (45) (2) المراء ، وفعله مارى يمارى : كثرة المنازعة واللجاجة في القول . (*)

[ 140 ]

(أبغضكم إلي ، وأبعدكم منى مجالس يوم القيامة الثرثارون (1) المتفيهقون (2) المتشدقون (3) .) وقال عليه السلام : (هلك المتنطعون . . .) ، ثلاث مرات ، والتنطع : هو التعمق والاستقصاء . وقال عمر : إن شقاشق الكلام من شقاشق الشيطان . ومنها الفحش والسب والبذاء (4) قال النبي صلى الله عليه وآله : (إياكم والفحش ، فإن الله لا يحب الفحش ، ولا يرضى الفحش) . وقال عليه السلام : (ليس المؤمن بالطعان ، ولا باللعان ، ولا بالسباب ، ولا البذئ) . وقال عليه السلام : (لو كان الفحش رجلا لكان رجل سوء) . ومنه المزاح الخارج عن قانون الشريعة ، وكان يقال : من مزح استخف به . وكان يقال : المزاح فحل لا ينتج إلا الشر . ومنها الوعد الكاذب ، وقد قال النبي صلى اله عليه وآله : العدة دين ، وقد أثنى الله سبحانه على إسماعيل ، فقال : (إنه كان صادق الوعد) (5) وقال سبحانه : (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) (6) . (هامش) * (1) الثرثارون : الذين يكثرون الكلام تكلفا وتجاوزا وخروجا عن الحق ، وأصله من العين الواسعة من عيون الماء ، يقال : عين ثرثارة . (2) المتفيقهون ، أصله من قولهم : (فهق الغدير يفهق ، إذا امتلا ماء فلم يكن فيه موضع مزيد . (3) المتشدقون : المتوسعون في الكلام من غير احتياط واحتراز في اللسان : وقيل : (أراد بالمتشدق المستهزئ بالناس ، يلوى شدقه بهم وعليهم) . (4) البذاء ، بالفتح : السفة والفحش في المنطق . (5) سورة مريم 54 . (6) سورة المائدة (1) . (*)

[ 141 ]

ومنها الكذب في القول واليمين ، والامر فيهما مشهور . ومنها الغيبة وقد تقدم القول فيها . قوله عليه السلام : (وملبسهم الاقتصاد) ، أي ليس بالثمين جدا ، ولا بالحقير جدا ، كالخرق التى تؤخذ من على المزابل ، ولكنه أمر بين أمرين ، وكان عليه السلام يلبس الكرابيس ، وهو الخام الغليظ ، وكذلك كان عمر رضى الله عنه . وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يلبس اللين تارة ، والخشن أخرى . قوله عليه السلام : (ومشيهم التواضع) ، تقديره : وصفة مشيهم التواضع ، فحذف المضاف ، وهذا مأخوذ من قوله تعالى : (واقصد في مشيك واغضض من صوتك) (1) . رأى محمد بن واسع ابنا له يمشى ، وهو يتبختر ويميس في مشيته ، فصاح به ، فأقبل ، فقال له : ويلك ! لو عرفت نفسك لقصدت في مشيك ، أما أمك فأمة ابتعتها بمائة درهم ، وأما أبوك فلا أكثر الله في الناس من أمثاله . ! والاصل في هذا الباب ، قوله تعالى : (ولا تمش في الارض مرحا إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا) (2) . وقوله : (غضوا أبصارهم) أي خفضوها وغمضوها ، وغضضت طرفي عن كذا : احتملت مكروهه . وقوله : (وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم) أي لم يشغلوا سمعهم بشئ غير العلوم النافعة ، أي لم يشتغلوا بسماع شعر ولا غناء ولا أحاديث أهل الدنيا .


(1) سورة لقمان 19 . (2) سورة الاسراء 37 . (*)

[ 142 ]

قوله : (نزلت أنفسهم منهم في البلاء ، كالذى نزلت في الرخاء) ، يعنى أنهم قد طابوا نفسا في البلاء والشدة كطيب أنفسهم بأحوالهم في الرخاء والنعمة ، وذلك لقلة مبالاتهم بشدائد الدنيا ومصائبها ، وتقدير الكلام من جهة الاعراب : نزلت أنفسهم منهم في حال البلاء نزولا كالنزول الذى نزلته منهم في حال الرخاء ، فموضع (كالذى) نصب ، لانه صفة مصدر محذوف ، والموصول قد حذف العائد إليه ، وهو الهاء في (نزلته) كقولك : ضربت الذى ضربت ، أي ضربت الذى ضربته . ثم قال عليه السلام : إنهم من شدة شوقهم إلى الجنة ، ومن شدة خوفهم من النار ، تكاد أرواحهم أن تفارق أجساد هم ، لولا أن الله تعالى ضرب لهم آجالا ينتهون إليها . ثم ذكر أن الخالق لما عظم في أعينهم استصغروا كل شئ دونه ، وصاروا لشدة يقينهم ومكاشفتهم ، كمن رأى الجنة فهو يتنعم فيها ، وكمن رأى النار وهو يعذب فيها ، ولا ريب أن من يشاهد هاتين الحالتين ، يكون على قدم عظيمة من العبادة والخوف والرجاء ، وهذا مقام جليل ، ومثله قوله عليه السلام في حق نفسه : (لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا) . والواو في (والجنة) واو (مع) ، وقد روى بالعطف بالرفع على أنه معطوف على (هم) ، . الاول أحسن . ثم وصفهم بحزن القلوب ونحافة الاجسام ، وعفة الانفس وخفة الحوائج ، وأن شرورهم مأمونة على الناس ، وأنهم صبروا صبرا يسيرا أعقبهم نعيما طويلا . ثم ابتدأهم فقال : تجارة مربحة ، أي تجارتهم تجارة مربحة ، فحذف المبتدأ . وروى : (تجارة مربحة) ، بالنصب على أنه مصدر محذوف الفعل . قوله : (أما الليل) بالنصب على الظرفية ، وروى (أما الليل) على الابتداء . قوله : (تالين) ، منصوب على أنه حال ، إما من الضمير المرفوع بالفاعلية في (صافون) أو من الضمير المجرور بالاضافة في : (أقدامهم) . (*)

[ 143 ]

والترتيل : التبيين والايضاح ، وهو ضد الاسراع والعجل : ويروى : (يرتلونه) على أن الضمير يعود إلى القرآن ، والرواية الاولى يعود الضمير فيها إلى أجزاء القرآن . قوله : (يحزنون به أنفسهم) ، أي يستجلبون لها الحزن به ، ويستثيرون به دواء دائهم ، إشارة إلى البكاء ، فإنه دواء داء الحزين ، قال الشاعر : فقلت لها إن البكاء لراحة به يشتفى من ظن ألا تلاقيا وقال آخر : شجاك من ليلتك الطول فالدمع من عينيك مسدول وهو إذا أنت تأملته حزن على الخدين محلول ثم ذكر أنهم إذا مروا بآية فيها ذكر الثواب مالوا إليها ، واطمأنوا بها ، طمعا في نيله ، وتطلعت أنفسهم إليها شوقا ، أي اشرأبت . (ونصب أعينهم) منصوب على الظرفية ، وروى بالرفع ، على أنه خبر إن ، والظن هاهنا يمكن أن يكون على حقيقته ، ويمكن أن يكون بمعنى العلم ، كقوله تعالى : (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون) (1) وأصغى إلى الكلام : مال إليه بسمعه . وزفير النار : صوتها . وقد جاء في فضل قراءة القرآن شئ كثير ، روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : (من قرأ القرآن ثم رأى أن أحدا أوتى أفضل مما أوتى فقد استصغر ما عظمه الله) . وقال صلى الله وآله : (لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار) . وقال : (أفضل عبادة أمتى قراءة القرآن) .


(1) سورة المطففين 4 . (*)

[ 144 ]

وقال : (أهل القرآن أهل الله وخاصته) . وقال : (إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد) ، قيل : فما جلاؤها ؟ قال : (تلاوة القرآن وذكر الموت) . وقال عليه السلام : (إن الله سبحانه لاشد أذنا (1) إلى قارئ القرآن من صاحب القينة إلى قينته) . وقال الحسن رحمه الله : ما دون القرآن من غنى ، ولا بعد القرآن من فاقة . ثم ذكر عليه السلام صورة صلاتهم وركوعهم ، فقال : (حانون على أوساطهم) ، حنيت العود : عطفته ، يصف هيئة ركوعهم وإنحنائهم في الصلاة . مفترشون لجباههم : باسطون لها على الارض . ثم ذكر الاعضاء السبعة التى مباشرتها بالارض فروض في الصلاة ، وهى : الجبهة ، والكفان ، والركبتان ، والقدمان . قوله عليه السلام : (يطلبون إلى الله) ، أي يسألونه ، يقال : طلبت إليك في كذا ، أي سألتك ، والكلام على الحقيقة ، مقدر فيه حال محذوفة يتعلق بها حرف الجر ، أي يطلبون سائلين إلى الله في فكاك رقابهم ، لان (طلب) لا يتعدى بحرف الجر . ثم لما فرغ من ذكر الليل ، قال : (وأما النهار فحلماء علماء ، أبرار أتقياء) ، هذه الصفات هي التى يطلع عليها الناظرون لهم نهارا ، وتلك الصفات المتقدمة من وظائف الليل . ثم ذكر ما هم عليه من الخوف ، فقال عليه السلام : (إن خوفهم قد براهم برى


(1) الاذن : الاستماع . (*)

[ 145 ]

القداح) وهى السهام ، واحدها قدح ، فينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بهم من مرض ، نظير هذا قول الشاعر (1) : ومخرق عنه القميص تخاله بين البيوت من الحياء سقيما (2) حتى إذا رفع اللواء رأيته تحت اللواء على الخميس زعيما (3) . ويقال للمتقين لشدة خوفهم : كأنهم مرضى ، ولا مرض بهم . وتقول العرب للكرام من الناس ، القليلى المأكل والمشرب ، رافضي اللباس الرفيع ، ذوى (4) الاجسام النحيفة : مراض من غير مرض ، ويقولون أيضا للمرأة ذات الطرف الغضيض الفاتر ، ذات الكسل : مريضة من غير مرض ، قال الشاعر : ضعيفة كر الطرف تحسب أنها حديثة عهد بالافاقة من سقم (5)


(1) من أبيات لليلى الاخيلية ، ذكرها أبو تمام في الحماسة 4 : 1607 - بشرح التبريزي ، أولها : يأيها السدم الملوى رأسه ليقود من أهل الحجاز بريما أتريد عمرو بن الخليع ودونه كعب ، إذا لوجدته مرؤما وفى أمالى القالى 1 : 248 : (كان الاصمعي يرويها لحميد بن ثور الهلالي) . وانظر تنبيهات البكري 78 . (2) قال التبريزي : (أي لا يبالي كيف كان ثيابه لانه لا يزين نفسه ، إنما يزين حسبه ويصون كرمه ، وقيل : معناه أنه غليظ المناكب ، وإذا كان كذلك أسرع الخرق إلى قميصه ، وقيل : أرادت أنه كثير الغزوات متصل الاسفار ، فقميصه منخرق لذلك . وقولها : (من الحياء سقيما) ، تعنى أنه ينتقع لونه من شدة الحياء ، وإنما يستحى من ألا يكون قد بلغ من إكرام القوم مافى نفسه) . (3) الخميس : الجيش ، لانه يكون من خمس كتائب ، أو خمسة صفوف : المقدمة ، والميمنة ، الميسرة ، والقلب ، والساقة ، وسمى الرئيس زعيما ، لانه يزعم عن قومه ، أي يقول . (4) ب : (ذو) ، وصوابه من د . (*)

[ 146 ]

(ذكر الخوف وما ورد فيه من الاثار) واعلم أن الخوف مقام جليل من مقامات العارفين ، وهو أحد الاركان التى هي أصول هذا الفن ، وهو التقوى التى حث الله تعالى عليها ، وقال : إن أكرم الناس عنده أشدهم خوفا له ، وفى هذه الاية وحدها كفاية ، وإذا نظرت القرآن العزيز وجدت أكثره ذكر المتقين ، وهم الخائفون ، وقال النبي صلى الله عليه وآله : (من خاف الله خافه كل شئ ، ومن خاف غير الله خوفه الله من كل شئ) . وقال عليه السلام : (أتمكم عقلا أشدكم لله خوفا ، وأحسنكم فيما أمر به ونهى عنه نظرا) . وقال يحيى بن معاذ : مسكين ابن آدم ، لو خاف النار كما يخاف الفقر ، دخل الجنة . وقال ذو النون المصرى : ينبغى أن يكون الخوف أغلب من الرجاء ، فإن الرجاء إذا غلب تشوش القلب . وقيل لبعض الصالحين : من آمن الخلق غدا ؟ قال : أشدهم خوفا اليوم . وقيل للحسن : يا أبا سعيد ، كيف نصنع بمجالسة أقوام من أصحابك ، يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير ؟ فقال : إنك والله لان تصحب قوما يخوفونك حتى تدرك الامن ، خير لك من أن تصحب قوما يؤمنونك حتى يدركك الخوف . وقيل للنبى صلى الله عليه وآله في قوله تعالى : (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) (1) : هم الذين يعصون ويخافون المعصية ؟ قال : (لا ، بل الرجل يصوم ، ويتصدق ، ويخاف ألا يقبل منه) .


(1) سورة المؤمنون 60 . (*)

[ 147 ]

وقال صلى الله عليه وآله : (ما من قطرة أحب إلى الله تعالى من قطرة دمع من خشية الله ، أو قطرة دم أريقت في سبيل الله) . وقال عليه السلام : (سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله) ، وذكر منهم رجلا ذكر الله في خلوة ، ففاضت عيناه . قوله عليه السلام : (ويقول قد خولطوا) ، أي أصابتهم جنة . ثم قال : (ولقد خالطهم أمر عظيم) ، أي مازجهم خوف عظيم تولهوا لاجله ، فصاروا كالمجانين . ثم ذكر أنهم لا يستكثرون في كثير من أعمالهم ، ولا يرضيهم اجتهادهم ، وأنهم يتهمون أنفسهم ، وينسبونها إلى التقصير في العبادة ، وإلى هذا نظر المتنبي ، فقال : يستصغر الخطر الكبير لنفسه ويظن دجلة ليس تكفى شاربا (1) . قال : (ومن أعمالهم مشفقون) ، أي مشفقون من عباداتهم ألا تقبل ، وإلى هذا نظر أبو تمام ، فقال : يتجنب الاثام ثم يخافها فكأنما حسناته آثام . ومثل قوله : (أنا أعلم بنفسى من غيرى) . قوله عليه السلام لمن زكاه نفاقا : (أنا دون ما تقول ، وفوق ما في نفسك) . وقوله : (اللهم لا تؤاخذني بما يقولون . . .) إلى آخر الكلام مفرد مستقل بنفسه ، منقول عنه عليه السلام ، أنه قال لقوم مر عليهم وهم مختلفون في أمره ، فمنهم الحامد له ، ومنهم الذام ، فقال : (اللهم لا تؤاخذني . . .) الكلمات إلى آخرها ، ومعناه : اللهم


(1) ديوانه 21 : 125 (*) .

[ 148 ]

إن كان ما ينسبه الذامون إلي من الافعال الموجبة للذم حقا ، فلا تؤاخذني بذلك ، واغفر لى مالا يعلمونه من أفعالى ، وإن كان ما يقوله الحامدون حقا ، فاجعلني أفضل مما يظنونه في . الاصل : فمن علامة أحدهم ، أنك ترى له قوة في دين ، وحزما في لين ، وإيمانا في يقين ، وحرصا في علم ، وعلما في حلم ، وقصدا في غنى ، وخشوعا في عبادة ، وتجملا في فاقة ، وصبرا في شدة ، وطلبا في حلال ، ونشاطا في هدى ، وتحرجا عن طمع ، يعمل الاعمال الصالحة وهو على وجل . يمسى وهمه الشكر ، ويصبح وهمه الذكر . يبيت حذرا ، ويصبح فرحا ، حذرا لما حذر من الغفلة ، وفرحا بما أصاب من الفضل والرحمة . إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره ، لم يعطها سؤلها فيما تحب . قرة عينه فيما لا يزول ، وزهادته فيما لا يبقى ، يمزج الحلم بالعلم ، والقول بالعمل . تراه قريبا أمله ، قليلا زلله ، خاشعا قلبه ، قانعة نفسه ، منزورا أكله ، سهلا أمره ، حريزادينه ، ميتة شهوته ، مكظوما غيظه . الخير منه مأمول ، والشر منه مأمون ، إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين ، وإن كان في الذاكرين ، لم يكتب من الغافلين .

[ 149 ]

يعفو عمن ظلمه ، ويعطى من حرمه ، ويصل من قطعه ، بعيدا فحشه ، لينا قوله ، غائبا منكره ، حاضرا معروفه ، مقبلا خيره ، مدبرا شره . في الزلازل وقور ، وفى المكاره صبور ، وفى الرخاء شكور ، لا يحيف على من يبغض ، ولا يأثم فيمن يحب . يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه ، لا يضيع ما استحفظ ، ولا ينسى ما ذكر ، ولا ينابز بالالقاب ، ولا يضار بالجار ، ولا يشمت بالمصائب ، ولا يدخل في الباطل ، ولايخرمن الحق . إن صمت لم يغمه صمته ، وإن ضحك لم يعل صوته ، وإن بغى عليه صبر حتى يكون الله هو الذى ينتقم له . نفسه منه في عناء ، والناس منه في راحة ، أتعب نفسه لاخرته ، وأراح الناس من نفسه . بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة ، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة ، ليس تباعده بكبر وعظمة ، ولا دنوه بمكر وخديعة . قال : فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أما والله لقد كنت أخافها عليه . ثم قال : هكذا تصنع المواعظ البالغة بإهلها ! فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين ! فقال عليه السلام : ويحك ، إن لكل أجل وقتا لا يعدوه ، وسببا لا يتجاوزه ، فمهلا لاتعد لمثلها ، فإنما نفث الشيطان على لسانك ! (*)

[ 150 ]

الشرح : هذه الالفاظ التى أولها : (قوة في دين) ، بعضها يتعلق حرف الجر فيه بالظاهر ، فيكون موضعه نصبا بالمفعولية ، وبعضها يتعلق بمحذوف ، فيكون موضعه نصبا أيضا على الصفة ، ونحن نفصلها . فقوله : (قوة في دين) حرف الجر هاهنا متعلق بالظاهر ، وهو (قوة) ، تقول : فلان قوى في كذا وعلى كذا ، كما تقول : مررت بكذا ، وبلغت إلى كذا . و (حزما في لين) ، هاهنا لا يتعلق حرف الجر بالظاهر ، لانه لا معنى له ، ألا ترى أنك لا تقول : فلان حازم في اللين ، لان اللين ليس أمرا يحزم الانسان فيه ، وليس كما تقول : فلان حازم في رأيه أو في تدبيره ! فوجب أن يكون حرف الجر متعلقا بمحذوف ، تقديره : وحزما كائنا في لين . وكذلك قوله : (وإيمانا في يقين) ، حرف الجر متعلق بمحذوف : أي كائنا في يقين : أي مع يقين . فإن قلت : الايمان هو اليقين فكيف ، قال : (وإيمانا في يقين) ؟ قلت : الايمان هو الاعتقاد مضافا إلى العمل ، واليقين هو سكون القلب فقط ، فأحدهما غير الاخر . قوله : (وحرصا في علم) ، حرف الجر هاهنا يتعلق بالظاهر ، و (في) بمعنى (على) كقوله تعالى : (ولاصلبنكم في جذوع النخل) (1) . قوله : (وقصدا في غنى) حرف الجر متعلق بمحذوف : أي هو مقتصد مع كونه غنيا ، وليس يجوز أن يكون متعلقا بالظاهر ، لانه لا معنى لقولك : اقتصد في الغنى ، إنما يقال : اقتصد في النفقة ، وذلك الاقتصاد موصوف بأنه مقارن للغنى ومجامع له .


(1) سورة طه 71 . (*)

[ 151 ]

قوله : (وخشوعا في عبادة) حرف الجر هاهنا يحتمل الامرين معا . قوله : (وتجملا في فاقة) ، حرف الجر هاهنا متعلق بمحذوف ، ولا يصح تعلقه بالظاهر ، لانه إنما يقال : فلان يتجمل في لباسه ومروؤته ، مع كونه ذا فاقة ، ولا يقال : يتجمل في الفاقة ، على أن يكون التجمل متعديا إلى الفاقة . قوله : (وصبرا في شدة) ، حرف الجر هاهنا يحتمل الامرين . قوله : (وطلبا في حلال) حرف الجر هاهنا يتعلق بالظاهر ، و (في) بمعنى (اللام) . قوله : (ونشاطا في هدى) حرف الجر هاهنا يحتمل الامرين . قوله : (وتحرجا عن طمع) ، حرف الجر هاهنا يتعلق بالظاهر لاغير . قوله : (يعمل الاعمال الصالحة وهو على وجل) . قد تقدم مثله . قوله : (ويمسى وهمه الشكر) ، هذه درجة عظيمة من درجات العارفين ، وقد أثنى الله تعالى على الشكر والشاكرين في كتابه في مواضع كثيرة ، نحو قوله : (فاذكروني أذكركم واشكروا لى ولا تكفرون) (1) فقرن الشكر بالذكر . وقال تعالى : (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم) (2) . وقال تعالى : (وسيجزى الله الشاكرين) (3) . ولعلو مرتبة الشكر طعن إبليس في بنى آدم ، فقال : (ولا تجد أكثرهم شاكرين) (4) ، وقد صدقه الله تعالى في هذا القول فقال : (وقليل من عبادي الشكور) (5) .


(1) سورة البقرة 152 . (2) سورة النساء 147 . (3) سورة آل عمران 144 . (4) سورة الاعراف 17 . (5) سورة سبأ 13 . (*)

[ 152 ]

وقال بعض أصحاب المعاني : قد قطع الله تعالى بالمزيد مع الشكر ولم يستثن ، فقال : (لئن شكرتم لازيدنكم) (1) . واستثنى في خمسة أمور : وهى الاغناء ، والاجابة ، والرزق ، والمغفرة ، والتوبة . فقال : (فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء) (2) . وقال : (بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء) (3) . وقال : (يرزق من يشاء) (4) . وقال : (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (5) . وقال : (ويتوب الله على من يشاء) (6) . وقال بعضهم : كيف لا يكون الشكر مقاما جليلا ، وهو خلق من أخلاق الربوبيه ، قال تعالى في صفة نفسه : (والله شكور حليم) (7) . وقد جعل الله تعالى الشكر مفتاح كلام أهل الجنة ، فقال : (وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده) (8) ، وجعله خاتمة كلامهم أيضا فقال : (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين (9) . وقيل للنبى صلى الله عليه وآله : قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فلم تقوم الليل ، وتتعب نفسك ؟ قال : أفلا أكون عبدا شكورا .


(1) سورة إبراهيم 7 . (2) سورة التوبة 28 . (3) سورة الانعام 41 . (4) سورة الشورى 19 . (5) سورة النساء 48 . (6) سورة التوبة 15 . (7) سورة التغابن 17 . (8) سورة الزمر 74 . (9) سورة يونس 10 . (*)

[ 153 ]

قوله عليه السلام : (ويصبح وهمه الذكر) ، هذه أيضا درجة كبيرة عظيمة من درجات العارفين ، قال تعالى : (فاذكروني أذكركم) (1) قال بعض العارفين لاصحابه : أنا أعلم متى يذكرنى ربى . ففزعوا منه فقال : إذا ذكرته ذكرني ، وتلا الاية ، فسكتوا . وقال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا) (2) . وقال : (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) (3) . وقال : (فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا) (4) . وقال : (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) (5) . وقال : (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) (6) . وقال في ذم المنافقين : (ولا يذكرون الله إلا قليلا) (7) . وقال : (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة) (8) . وقال : (ولذكر الله أكبر) (9) . وقال النبي صلى الله عليه وآله : (ذاكر الله في الغافلين كالشجرة الخضراء في وسط الهشيم) . وقال صلى الله عليه وآله : (من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر من ذكر الله) .


(1) سورة البقرة 152 . (2) سورة الاحزاب 41 . (3) سورة البقرة 198 . (4) سورة البقرة 200 . (5) سورة النساء 103 . (6) سورة آل عمران 191 . (7) سورة النساء 142 . (8) سورة الاعراف 205 . (9) سورة العنكبوت 45 (*) .

[ 154 ]

وسئل عليه السلام : أي الاعمال أفضل ؟ قال : (أن تموت ولسانك رطب بذكر الله) . وقال صلى الله عليه وآله ، حكاية عن الله تعالى : (إذا ذكرني عبدى في نفسه ، ذكرته في نفسي ، وإذا ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير من ملئه ، وإذا تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا ، وإذا تقرب منى ذراعا تقربت منه باعا ، وإذا مشى إلي هرولت إليه) . وقال صلى الله عليه وآله : (ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله تعالى إلا حفت بهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، وذكرهم الله فيمن عنده) . قوله عليه السلام : (يبيت حذرا ويصبح فرحا ، حذرا لما حذر من الغفلة ، وفرحا بما أصاب من الفضل والرحمة . وقد تقدم ذكر الخوف . وقد عرض عليه السلام هاهنا بالرجاء المقابل للخوف ، فإن فرح العارف بما أصاب من الفضل والرحمة يمكن أن يحمل على أنه فرح بمجرد ما أصاب من فضل الله ورحمته . ويمكن أن يحمل على أنه فرح بما يرجوه من ثواب الله ونعيمه ، لذا استدل على وصوله إليه وقوى ظنه بظفره به ، بما عجل الله تعالى له من الفضل والرحمة في الدنيا ، ومقام الرجاء للعارفين مقام شريف ، وهو في مقابلة مقام الخوف ، وهو المقام الذى يوجد العارف فيه فرحا ، قال الله تعالى : (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور) (1) .


(1) سورة فاطر 29 (*) .

[ 155 ]

وقال النبي صلى الله عليه وآله ، حكاية عن الله تعالى (أنا عند ظن عبدى بى ، فليظن بى ما شاء) . ودخل صلى الله عليه وآله على رجل من أصحابه ، وهو يجود بنفسه ، فقال : كيف تجدك ؟ قال : أجدني أخاف ذنوبي ، وأرجو رحمة ربى . فقال صلى الله عليه وآله : (ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما رجاه ، وأمنه مما خافه) . قوله عليه السلام : (إن استصعبت عليه نفسه) ، أي صارت صعبة غير منقادة ، يقول : إذا لم تطاوعه نفسه إلى ماهى كارهة له لم يعطها مرادها فيما تحبه . قوله عليه السلام : (قرة عينه فيما لا يزول ، وزهادته فيما لا يبقى) ، يقال للفرح المسرور : إنه لقرير العين ، وقرت عينه تقر ، والمراد بردها ، لان دمعة السرور باردة ، ودمعة الحزن حارة . وهذا الكلام يحتمل أمرين : أحدهما أن يعنى بما لا يزول البارئ سبحانه ، وهذا مقام شريف جدا أعظم من سائر المقامات ، وهو حب العارف لله سبحانه ، وقد أنكره قوم فقالوا : لا معنى لمحبة البارئ إلا المواظبة على طاعته ، ونحوه قول أصحابنا المتكلمين : إن محبة الله تعالى للعبد هي إرادته لثوابه ، ومحبة العبد للبارئ هي إرادته لطاعته ، فليست المحبة عندهم شيئا زائدا على الارادة ، ولا يجوز أن تتعلق بذات الله سبحانه ، لان الارادة لا تتعلق إلا بالحدوث ، وخالفهم شيخنا أبو الحسن ، فقال : إن الارادة يمكن أن تتعلق بالباقي ، ذكر ذلك في الكلام في الاكوان في أول التصفح ، فأما إثبات الحب في الجملة فقد نطق به القرآن قال سبحانه : (يحبهم

[ 156 ]

ويحبونه) (1) . وقال أيضا : (والذين آمنوا أشد حبا لله) (2) وقال : (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) (3) . وفى الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله نظر إلى مصعب بن عمير مقبلا عليه إهاب كبش قد تمنطق به ، فقال : (انظروا إلى الرجل الذى قد نور الله قلبه ، لقد رأيته بين أبوين يغذوا نه بأطيب الطعام والشراب ، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون) . ويقال : أن عيسى عليه السلام مر بثلاثة نفر قد نحلت أبدانهم ، وتغيرت ألوانهم ، فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟ قالوا : الخوف من النار ، قال : حق على الله أن يؤمن من يخافه ، ثم جاوزهم إلى ثلاثة آخرين ، فإذا هم أشد نحولا وتغيرا ، فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟ قالوا : الشوق إلى الجنة ، فقال : حق على الله أن يعطى من رجاه . ثم مر إلى ثلاثة آخرين ، فإذا هم أشد نحولا ، وعلى وجوههم مثل المرائى من النور ، فقال : ما الذى بلغ بكم ما أرى ؟ قالوا : حب الله عزوجل ، فقال : أنتم المقربون ، ثلاثا . وقال بعض العارفين : أحبك حبين : حب الهوى وحبا لانك أهل لذاكا فأما الذى هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواكا وأما الذى أنت أهل له فكشفك لى الحجب حتى أراكا فلا الحمد من ذا ولا ذاك لى ولكن لك الحمد في ذا وذاكا .


(1) سورة المائدة 54 . (2) سورة البقرة 165 . (3) سورة آل عمران 131 (*) .

[ 157 ]

ليس يريد بكشف الحجب والرؤية ما يظنه الظاهريون من أنها الابصار العين ، بل المعرفة التامة ، وذلك لان المعارف النظرية يصح أن تصير ضرورية عند جمهور أصحابنا ، فهذا أحد محملى الكلام . وثانيهما : أن يريد بما لا يزول ، نعيم الجنة ، وهذا أدون المقامين ، لان الخلص من العارفين يحبونه ويعشقونه سبحانه لذاته ، لا خوفا من النار ، ولا شوقا إلى الجنة ، وقد قال بعضهم : لست أرضى لنفسي أن أكون كأجير السوء ، إن دفعت إليه الاجرة رضى وفرح ، وإن منعها سخط وحزن ، إنما أحبه لذاته . وقال بعض شعرائهم شعرا من جملته : فهجره أعظم من ناره ووصله أطيب من جنته . وقد جاء في كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، من هذا الكثير ، نحو قوله : (لم أعبده خوفا ولا طمعا ، لكنى وجدته أهلا للعبادة فعبدته . قوله عليه السلام : (يمزج الحلم بالعلم) ، أي لا يحلم إلا عن علم بفضل الحلم ليس كما يحلم الجاهلون . قوله : (والقول بالعمل) ، أي لا يقتصر على القول ، ومثل هذا قول الاحوص : وأراك تفعل ما تقول وبعضهم مذق اللسان يقول مالا يفعل . قوله عليه السلام (تراه قريبا أمله) ، أي ليست نفسه متعلقة بما عظم من آمال الدنيا ، وإنما قصارى أمره أن يؤمل القوت والملبس . قليلا زلله : أي خطؤه . قوله : (منزورا أكله) ، أي قليلا ، ويحمد من الانسان الاكل النزر ، قال أعشى باهله : (*)

[ 158 ]

تكفيه حرة فلذ إن ألم بها من الشواء ويكفى شربه الغمر (1) . وقال متمم بن نويرة : لقد كفن المنهال تحت ردائه فتى غير مبطان العشيات أروعا (2) . قوله عليه السلام : (مكظوما غيظه) كظم الغيظ من الاخلاق الشريفة ، قال زيد بن على عليه السلام : (ما سرنى بجرعة غيظ أتجرعها وأصبر عليها حمر النعم) . جاء رجل إلى الربيع بن زياد الحارثى ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إن فلانا يغتابك وينال منك ، فقال : والله لاغيظن من أمره بذلك ، قال الرجل : ومن أمره ؟ قال : الشيطان عدو الله ، استغواه ليؤثمه ، وأراد أن يغضبني عليه فأكافئه ، والله لا أعطيه ما أحب من ذلك . غفر الله لنا وله ! . وجهل (3) إنسان على عمر بن عبد العزيز ، فقال : أظنك أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان ، فأنال منك اليوم ما تناله منى غدا ! انصرف عافاك الله . وقال النبي صلى الله عليه وآله : (الغضب يفسد الايمان ، كما يفسد الصبر العسل) . وقال إنسان لرسول الله صلى الله عليه وآله : أوصني ، فقال : (لا تغضب) ، فأعاد عليه السؤال ، فقال : (لا تغضب) ، فقال : (4) زدنى ، فقال (4) : (لا أجد مزيدا) . ومن كلام بعض الحكماء : لا يفى عز الغضب بذله الاعتذار .


(1) من قصيدة له في ديوان الاعشى 268 ، الكامل 4 : 65 ، 66 ، أمالى المرتضى 1 : 96 الفلذ : قطعة من الكبد ، ولا يقال الا للبعير ، والغمر - كصرد - القدح الصغير ، والحزة : القطعة الصغيرة ورواية الكامل * تكفيه فلذة كبد إن ألم بها (2) من قصيدة له في الكامل 4 : 72 - 74 ، والمفضليات 265 - 270 . والمنهال ، هو إبن عصمة الرياحي ، كفن مالكا في ثوبيه . غير مبطان العشيات : لا يعجل بالعشاء ، وينتظر الضيفان . الاروع : الذى إذا رأيته راعك بجماله وحسنه . (3) الجهل هنا : السفاهة . (4 - 4) ساقط من ب (*) .

[ 159 ]

قوله : (إن كان من الغافلين) ، معناه أنه لا يزال ذاكر الله تعالى ، سواء كان جالسا مع الغافلين أو مع الذاكرين ، أما إذا كان مع الغافلين فإنه يذكر الله بقلبه ، وأما إذا كان مع الذاكرين فإنه يذكره بقلبه ولسانه . قوله عليه السلام : (يعفو عمن ظلمه ، ويعطى من حرمه ، ويصل من قطعة) ، من كلام المسيح عليه السلام في الانجيل : (أحبوا أعداءكم ، وصلوا قاطعيكم ، واعفوا عن ظالميكم ، وباركوا على لاعينكم ، لكى تكونوا أبناء أبيكم الذى في السماء ، الذى تشرق شمسه على الصالحين والفجرة ، وينزل مطره على المطيعين والاثمة . قوله عليه السلام : (بعيدا فحشه) ، ليس يعنى به أنه قد يفحش تارة ، ويترك الفحش تارات ، بل لا فحش له أصلا ، فكنى عن العدم بالبعد ، لانه قريب منه . قوله : (لينا قوله) العارف بسام طلق الوجه ، لين القول ، وفى صفات النبي صلى الله عليه وآله : (ليس بفظ ولا صخاب) . قوله : (في الزلازل وقور) ، أي لا تحركه الخطوب الطارقة ، ويقال : إن على بن الحسين عليه السلام كان يصلى ، فوقعت عليه حية ، فلم يتحرك لها ، ثم انسابت بين قدميه فما حرك إحداهم اعن مكانه ، ولا تغير لونه . قوله : (لا يحيف على من يبغض) ، هذا من الاخلاق الشريفة النبوية ، وفى كلام أبى بكر في صفات من يصلح للامامة : إن رضى لم يدخله رضاه في باطل ، وإن غضب لم يخرجه غضبه عن الحق . قوله : (يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه) ، لانه إن أنكر ثم شهد عليه فقد ثبت كذبه ، وإن سكت ثم شهد عليه فقد أقام نفسه في مقام الريبة (*) .

[ 160 ]

قوله : (ولا ينابز بالالقاب) ، هذا من قوله تعالى : (ولا تنابزوا بالالقاب) (1) . قوله : (ولا يضار بالجار) ، في الحديث المرفوع : (أوصاني ربى بالجار حتى ظننت أن يورثه) . قوله : (ولا يشمت بالمصائب) ، نظير قول الشاعر : فلست تراه شامتا بمصيبة ولا جزعا من طارق الحدثان . قوله : (إن صمت لم يغمه صمته) ، أي لا يحزن لفوات الكلام ، لانه يرى الصمت مغنما لا مغرما . قوله : (وإن ضحك لم يعل صوته) ، هكذا كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وآله ، أكثره التبسم ، وقد يفر أحيانا ، ولم يكن من أهل القهقهة والكركرة . قوله : (وإن بغى عليه صبر) ، هذا من قول الله تعالى : (ثم بغى عليه لينصرنه الله) (2) . قوله : (نفسه منه في عناء لانه يتعبها بالعبادة ، والناس لا يلقون منه عنتا ولا أذى) فحالهم بالنسبة إليه خلاف حال نفسه بالنسبة إليه . قوله : (فصعق همام) ، أغمى عليه ومات ، قال الله تعالى : (فصعق من في السموات ومن في الارض) (3) .


(1) سورة الحجرات 11 . (2) سورة الحج 60 . (3) سورة الزمر 68 (*) .

[ 161 ]

(ذكر بعض أحوال العارفين) واعلم أن الوجد أمر شريف ، قد اختلف الناس (1) فيه ، فقالت الحكماء فيه أقوالا ، وقالت الصوفية فيه أقوالا ، أما الحكماء فقالوا : الوجد (2) هو حالة تحدث للنفس عند انقطاع علائقها عن المحسوسات بغته ، إذا كان قد ورد عليها وارد مشوق . وقال بعضهم : الوجد هو اتصال النفس بمبادئها المجردة عند سماع ما يقتضى ذلك الاتصال . وأما الصوفية فقد قال بعضهم : الوجد رفع الحجاب ، ومشاهدة المحبوب ، وحضور الفهم ، وملاحظة الغيب ، ومحادثة السر ، وهو فناؤك من حيث أنت أنت . وقال بعضهم : الوجد سر الله عند العارفين ، ومكاشفة من الحق توجب الفناء عن الحق . والاقوال فيه متقاربة في المعنى وإن اختلفت (3) العبارة ، وقد مات كثير من الناس بالوجد عند سماع وعظ ، أو صفقه (4) مطرب ، والاخبار في هذا الباب كثيرة جدا ، وقد رأينا نحن في زماننا من مات بذلك فجأة . قوله : (كانت نفسه فيها) ، أي مات . ونفث الشيطان على لسانك ، أي تكلم بلسانك ، وأصله النفخ بالفم ، وهو أقل من التفل ، وإنما نهى أمير المؤمنين القائل : (فهلا أنت يا أمير المؤمنين !) لانه اعترض في غير موضع الاعتراض ، وذلك أنه لا يلزم من موت العامي عند وعظ العارف أن يموت العارف عند وعظ نفسه ، لان انفعال العامي ذى الاستعداد التام للموت عند سماع المواعظ البالغة أتم من استعداد العارف عند سماع كلام


(1) د : (قدامى الناس) (2) ساقطة من ب (3) الاصول : اختل . (4) صفقة مطرب من صفقة العود ، إذا حركت أوتاره فاصطفق (اللسان) (*) .

[ 162 ]

نفسه ، أو الفكر في كلام نفسه ، لان نفس العارف قوية جدا ، والالة التى يحفر بها الطين قد لا يحفر بها الحجر . فإن قلت : فإن جواب أمير المؤمنين عليه السلام للسائل غير هذا لجواب ! قلت : صدقت ، إنما أجابه من حيث يعلم هو والسامعون ، وتصل أفهامهم إليه ، فخرج معه إلى حديث الاجال ، وأنها أوقات مقدرة لا تتعداها ، وما كان يمكنه عليه السلام أن يذكر الفرق بين نفسه ونفوسهم ، ولا كانت الحال تقتضيه ، فأجابه بجواب مسكت ، وهو مع إسكاته الخصم حق وعدل عن جواب يحصل منه اضطراب ، ويقع فيه تشويش ، وهذا نهاية السداد وصحة القول (*) .

[ 163 ]

(187) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام يصف فيها المنافقين : نحمده على ما وفق له من الطاعة ، وذاد عنه من المعصية ، ونسأله لمنته تماما ، ولحبله اعتصاما . ونشهد أن محمدا عبده ورسوله ، خاض إلى رضوان الله كل غمرة ، وتجرع فيه كل غصة ، وقد تلون له الادنون ، وتألب عليه الاقصون ، وخلعت عليه (1) العرب أعنتها ، وضربت إلى محاربته بطون رواحلها ، حتى أنزلت بساحته عداوتها ، من أبعد الدار ، وأسحق المزار . أوصيكم عباد الله بتقوى الله ، وأحذركم أهل النفاق ، فإنهم الضالون المضلون ، والزالون المزلون ، يتلونون ألوانا ، يفتنون افتنانا ، ويعمدونكم بكل عماد ، ويرصدونكم بكل مرصاد . قلوبهم دوية ، وصفاحهم نقية . يمشون الخفاء ، ويدبون الضراء ، وصفهم دواء ، وقولهم شفاء ، وفعلهم الداء العياء ، حسدة الرخاء ، ومؤكدو البلاء ، ومقنطوا الرجاء . لهم بكل طريق صريع ، وإلى كل قلب شفيع ، ولكل شجو دموع . يتقارضون الثناء ، ويتراقبون الجزاء ، إن سألوا ألحفوا ، وإن عذلوا كشفوا ، وإن حكموا أسرفوا .


(1) د : (إليه) (*) .

[ 164 ]

قد أعدوا لكل حق باطلا ، ولكل قائم مائلا ، ولكل حى قاتلا ، ولكل باب مفتاحا ، ولكل ليل مصباحا ، يتوصلون إلى الطمع باليأس ليقيموا به أسواقهم ، وينفقوا به أعلاقهم ، يقولون فيشبهون ، ويصفون فيموهون . قد هونوا الطريق ، وأضلعوا المضيق ، فهم لمة الشيطان ، وحمة النيران : (أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) . (1) الشرح : الضمير في (له) وهو الهاء راجع إلى (ما) التى بمعنى (الذى) ، وقيل : بل هو راجع إلى الله سبحانه ، كأنه قال : (نحمده على ما وفق من طاعته) ، والصحيح هو الاول ، لان (له) في الفقرة الاولى بازاء (عنه) في الفقرة الثانية . والهاء في (عنه) ليست عائدة إلى (الله) . وذاد : طرد ، والمصدر الذياد . وخاض كل غمرة ، مثل قولك : ارتكب كل مهلكة ، وتقحم كل هول ، والغمرة : ما ازدحم وكثر من الماء ، وكذلك من الناس ، والجمع غمار . والغصة : الشجا ، والجمع غصص . وتلون له الادنون : تغير عليه أقاربه ألوانا . وتألب عليه الاقصون : تجمع عليه الابعدون عنه نسبا . وخلعت إليه العرب أعنتها ، مثل معناه أوجفوا إليه مسرعين لمحاربته ، لان الخيل أذا خلعت أعنتها كان أسرع لجريها . وضربت إلى محاربته بطون رواحلها ، كناية عن إسراع العرب نحوه للحرب


(1) سورة المجادلة 19 . (*)

[ 165 ]

لان الرواحل إذا ضربت بطونها لتساق كان أوحى لها ، ومراده أنهم كانوا فرسانا وركبانا . قوله : (حتى أنزلت بساحته عداوتها) ، أي حربها ، فعبر عنها بالعداوة ، لان العداوة سبب الحرب ، فعبر بالسبب عن المسبب ، كما قالوا : ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناك ، يعنون الماء ، لما كان اعتقادهم أن السماء سبب الماء . وأسحق المزار ، أبعده ، مكان سحيق ، أي بعيد ، والسحق بضم السين : البعد ، يقال : (سحقا له) ، ويجوز ضم الحاء ، كما قالوا : عسر وعسر ، وسحق الشئ ، بالضم ، أي بعد ، وأسحقه الله أبعده ، والمزار : المكان الذى يزار منه ، أو المكان الذى يزار فيه ، والمراد هاهنا هو الاول ، ومن قرأ كتب السيرة علم ما لاقى رسول الله صلى الله عليه وآله في ذات الله سبحانه من المشقة ، واستهزاء قريش به في أول الدعوة ، ورميهم إياه بالحجارة ، حتى أدموا عقبيه ، وصياح الصبيان به ، وفرث الكرش على رأسه ، وفتل الثوب في عنقه وحصره وحصر أهله في شعب بنى هاشم سنين عدة ، محرمة معاملتهم ومبايعتهم ومناكحتهم وكلامهم ، حتى كادوا يموتون جوعا ، لولا أن بعض من كان يحنوا عليهم لرحم أو لسبب غيره ، فهو يسرق الشئ القليل من الدقيق أو التمر فيلقيه إليهم ليلا ، ثم ضربهم أصحابه وتعذيبهم بالجوع والوثاق في الشمس ، وطردهم إياهم عن شعاب مكة ، حتى خرج من خرج منهم إلى الحبشة ، وخرج عليه السلام مستجيرا منهم تارة بثقيف ، وتارة ببنى عامر ، وتارة بربيعة الفرس ، وبغيرهم . ثم أجمعوا على قتله والفتك به ليلا ، حتى هرب منهم لائذا بالاوس والخزرج ، تاركا أهله وأولاده ، وما حوته يده ، ناجيا بحشاشة نفسه ، حتى وصل إلى المدينة ، فناصبوه الحرب ورموه بالمناسر (1) والكتائب ، وضربوا إليه آباط الابل ،


(1) المنسر : قطعة من الجيش تمر قدام الجيش الكبير . (*)

[ 166 ]

ولم يزل منهم في عناء شديد ، وحروب متصلة ، حتى أكرمه الله تعالى ونصره ، وأيد دينه وأظهره . ومن له أنس بالتواريخ يعلم من تفاصيل هذه الاحوال ما يطول شرحه . سمى النفاق نفاقا من النافقاء ، وهى بيت اليربوع ، له بابان يدخل من أحدهما ، ويخرج من الاخر ، وكذلك الذى يظهر دينا ويبطن غيره . والضالون المضلون : الذين يضلون أنفسهم ويضلون غيرهم ، وكذلك الزالون المزلون ، زل فلان عن الامر ، أي أخطأه ، وأزله غيره . قوله : (يفتنون) يتشعبون فنونا ، أي ضروبا . ويعمدونكم ، أي يهدونكم ويفدحونكم ، يقال : عمده المرض يعمده ، أي هده ، ومنه قولهم للعاشق عميد : القلب . قوله : (بعماد) ، أي بأمر فادح وخطب مؤلم ، وأصل العمد انشداخ سنام البعير ، وماضيه : عمد السنام بالكسر ، عمدا فهو عمد . ويرصدونكم : يعدون المكايد لكم ، أرصدت أعددت ، ومنه في الحديث : (إلا أن أرصده لدين على) . وقلب دو ، بالتخفيف أي فاسد ، من داء أصابه ، وامدوية ، فإذا قلت : رجل دوى ، بالفتح ، استوى فيه المذكر والمؤنث والجماعة ، لانه مصدر في الاصل ، ومن روى : (دوية) بالتشديد ، على بعده ، فإنما شدده ليقابل (نقية) . والصفاح : جمع صفحة الوجه وهى ظاهره ، يقول : باطنهم عليل ، وظاهرهم صحيح . يمشون الخفاء ، أي في الخفاء ، ثم حذف الجار فنصب ، وكذلك يدبون الضراء ،

[ 167 ]

والضراء : شجر الوادي الملتف ، وهذا مثل يضرب لمن يختل صاحبه ، يقال : هو يدب له الضراء ويمشى له الخمر ، وهو جرف الوادي . ثم قال : (وصفهم داء ، وقولهم شفاء ، وفعلهم الداء العياء) ، أي أقوالهم أقوال الزاهدين العابدين ، وأفعالهم أفعال الفاسقين الفاجرين . والداء العياء : الذى يعيى الاساة . ثم قال : (حسدة الرخاء) يحسدون على النعم . (ومؤكدوا البلاء) ، إذا وقع واحد من الناس في بلاء أكدوه عليه بالسعايات والنمائم ، وإغراء السلطان به ، ولقد أحسن أبو الطيب في قوله يذم البشر : وكأنا لم يرض فينا بريب الدهر حتى أعانه من أعانا (1) كلما أنبت الزمان قناة ركب المرء في القناة سنانا . (ومقنطوا الرجاء) ، أي أهل الرجاء ، أي يبدلون بشرورهم وأذاهم رجاء الراجى قنوطا . قوله : (وإلى كل قلب شفيع) ، يصف خلائد ألسنتهم وشدة ملقهم ، فقد استحوذوا على قلوب الناس بالرياء والتصنع . قوله : (ولكل شجو دموع) ، الشجو : الحزن ، أي يبكون تباكيا وتعملا لا حقا ، عند أهل كل حزن ومصاب . يتقارضون الثناء ، أي يثنى زيد على عمرو ، ليثنى عمرو عليه ، في ذلك المجلس ، أو يبلغه فيثنى عليه في مجلس آخر ، مأخوذ من القرض . ويتراقبون الجزاء : يرتقب كل واحد منهم على ثنائه ومدحه لصاحبه جزاء منه ،


(1) ديوانه 4 : 240 . (*)

[ 168 ]

إما بالمال أو بأمر آخر ، نحو ثناء يثنى عليه ، أو شفاعة يشفع له ، أو نحو ذلك . والالحاف في السؤال : الاستقصاء فيه ، وهو مذموم ، قال الله تعالى : (لا يسألون الناس إلحافا) (1) . قوله : (وإن عذلوا كشفوا) ، أي إذا عذلك أحدهم كشف عيوبك في ذلك اللوم والعذل ، وجبهك بها ، وربما لا يستحى أن يذكرها لك بمحضر ممن لا تحب ذكرها بحضرته ، وليسوا كالناصحين على الحقيقة ، الذين يعرضون عند العتاب بالذنب تعريضا لطيفا ليقلع الانسان عنه . وإن حكموا أسرفوا ، إذا سألك أحدهم ففوضته في مالك أسرف ولم يقنع بشئ ، وأحب الاستئصال . قد أعدوا لكل حق باطلا ، يقيمون الباطل في معارضة الحق ، والشبهة في مصادمة الحجة . ولكل دليل قائم وقول صحيح ثابت ، احتجاجا مائلا مضادا لذلك الدليل ، وكلاما مضطربا لذلك القول . ولكل باب مفتاحا ، أي ألسنتهم ذلقة قادرة على فتح المغلقات ، للطف توصلهم ، وظرف منطقهم . ولكل ليل مصباحا ، أي كل أمر مظلم فقد أعدوا له كلاما ينيره ويضيئه ، ويجعله كالمصباح الطارد لليل . ويتوصلون إلى مطامعهم بإظهار اليأس عما في أيدى الناس ، وبالزهد في الدنيا ، وفى الاثر : شركم من أخذ الدنيا بالدين . ثم قال : إنما فعلوا ذلك ليقيموا به أسواقهم ، أي لتنفق سلعتهم .


(1) سورة البقرة 273 . (*)

[ 169 ]

والاعلاق : جمع علق ، وهو السلعة الثمينة . يقولون فيشبهون ، يوقعون الشبه في القلوب . ويصفون فيموهون ، التمويه التزيين ، وأصله أن تطلى الحديدة بذهب يحسنها . قد هيئوا الطريق ، أي الطريق الباطل قد هيئوها لتسلك بتموياتهم . وأضلعوا المضيق : أمالوه ، وجعلوه ضلعا ، أي معوجا ، أي جعلوا المسلك الضيق معوجا بكلامهم وتلبيسهم ، فإذا أسلكوه انسانا اعوج لاعوجاجه . واللمة : بالتخفيف : الجماعة ، والحمة بالتخفيف أيضا : السم ، وكنى عن إحراق النار بالحمة للمشابهة في المضرة .

[ 170 ]

(188) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : الحمد لله الذى أظهر من آثار سلطانه ، وجلال كبريائه ، ماحير مقل العقول من عجائب قدرته ، وردع خطرات هماهم النفوس عن عرفان كنه صفته . وأشهد أن لا إله إلا الله ، شهادة إيمان وإيقان ، وإخلاص وإذعان . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله وأعلام الهدى دارسة ، ومناهج الدين طامسة ، فصدع بالحق ، ونصح للخلق ، وهدى إلى الرشد ، وأمر بالقصد ، صلى الله عليه وآله وسلم ! واعلموا عباد الله ، أنه لم يخلقكم عبثا ، ولم يرسلكم هملا ، علم مبلغ نعمه عليكم ، وأحصى إحسانه إليكم ، فاستفتحوه واستنجحوه ، واطلبوا إليه واستمنحوه ، فما قطعكم عنه حجاب ، ولا أغلق عنكم دونه باب . وإنه لبكل مكان ، وفى كل حين وأوان ، ومع كل إنس وجان ، لا يثلمه العطاء ، ولا ينقصه الحباء ، ولا يستنفده سائل ، ولا يستقصيه نائل ، ولا يلويه شخص عن شخص ، ولا يلهيه صوت عن صوت ، ولا تحجزه هبة عن سلب ، ولا يشغله غضب عن رحمة ، ولا تولهه رحمة عن عقاب ، ولا يجنه البطون عن الظهور ، ولا يقطعه الظهور عن البطون . قرب فنأى ، وعلا فدنا ، وظهر فبطن ، وبطن فعلن ، ودان ولم يدن . لم يذرإ الخلق باحتيال ، ولا استعان بهم لكلال .

[ 171 ]

أوصيكم عباد الله بتقوى الله ، فإنها الزمام والقوام ، فتمسكوا بوثائقها ، واعتصموا بحقائقها ، تؤل بكم إلى أكنان الدعة ، وأوطان السعة ، ومعاقل الحرز ، ومنازل العز ، في يوم تشخص فيه الابصار ، وتظلم له الاقطار ، وتعطل فيه صروم العشار ، وينفخ في الصور ، فتزهق كل مهجة ، وتبكم كل لهجة ، وتذل الشم الشوامخ ، والصم الرواسخ ، فيصير صلدها سرابا رقراقا ، ومعهدها قاعا سملقا ، فلا شفيع يشفع ، ولا حميم ينفع ، ولا معذرة تدفع . الشرح : أظهر سبحانه من آثار سلطانه ، نحو خلق الافلاك ودخول بعضها في بعض ، كالمميل الذى يشتمل على المائل ، وفلك التدوير وغيرهما ، ونحو خلق الانسان وما تدل كتب التشريح من عجيب الحكمة فيه ، ونحو خلق النبات والمعادن ، وترتيب العناصر وعلاماتها ، والاثار العلوية المتجددة ، حسب تجدد أسبابها ، ماحير عقول هؤلاء ، وأشعر بأنها إذا لم تحط بتفاصيل تلك الحكم مع أنها مصنوعة (1) ، فالاولى ألا تحيط بالصانع الذى هو برئ عن المادة وعلائق الحس . والمقل : جمع مقلة ، وهى شحمة العين التى تجمع السواد والبياض ، ومقلت الشئ : نظرت إليه بمقلتى ، وأضاف المقل إلى (العقول) مجازا ومراده البصائر . وردع : زجر ودفع . وهماهم النفوس : أفكارها وما يهمهم به عند التمثيل والروية في الامر ، وأصل الهمهمة ، صويت يسمع ، لا يفهم محصوله .


(1) د : (موضوعه) . (*)

[ 172 ]

والعرفان : المعرفة ، وكنه الشئ : نهايته وأقصاه . والايقان : العلم القطعي ، والاذعان : الانقياد ، والاعلام : المنار والجبال يستدل بها في الطرقات . والمناهج : السبل الواضحة ، والطامسة كالدارسة . وصدع بالحق : بين ، وأصله الشق يظهر ما تحته ، ويقال : نصحت لزيد ، وهو أفصح من قولك : نصحت زيدا . والقصد : العدل . والعبث : ما لاغرض فيه ، أو ما ليس فيه غرض مثله ، والهمل : الابل بلا راع ، وقد أهملت الابل : أرسلتها سدى . قوله : (علم مبلغ نعمه عليكم ، وأحصى إحسانه إليكم) أي هو عالم بكمية إنعامه عليكم علما مفصلا ، وكل من علم قدر نعمته على غيره كان أحرى أن تشتد نقمته عليه عند عصيانه له وجرأته عليه ، بخلاف من يجهل قدر نعمته على الغير ، فإنه لا يشتد غضبه ، لانه لا يعلم قدر نعمته المكفورة . قوله : (فاستفتحوه) ، أي اطلبوا منه الفتح عليكم والنصر لكم . واستنجحوه : اطلبوا منه النجاح والظفر . واطلبوا إليه ، أي اسألوه ، يقال : طلبت إلى زيد كذا وفى كذا . واستمنحوه ، بكسر النون : اطلبوا منه المنحة ، وهى العطية . ويروى : (واستميحوه) بالياء ، استمحت الرجل : طلبت عطاءه ، ومحت بالرجل : أعطيته . ثم ذكر عليه السلام أنه لاحجاب يمنع عنه ، ولا دونه باب يغلق ، وأنه بكل مكان موجود ، وفى كل حين وأوان ، والمراد بوجوده في كل مكان إحاطة علمه ، وهو معنى قوله

[ 173 ]

تعالى : (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) (1) ، وقوله سبحانه : (وهو معكم أينما كنتم) (2) . قوله : (لا يثلمه العطاء) بالكسر : لا ينقص قدرته . والحباء : النوال . ولا يستنفده ، أي لا يفنيه . ولا يستقصيه : لا يبلغ الجود أقصى مقدوره وإن عظم الجود ، لانه قادر على ما لا نهاية له . ولا يلويه شخص عن شخص : لا يوجب ما يفعله لشخص أو مع شخص إعراضا وذهولا عن شخص آخر ، بل هو عالم بالجميع ، لا يشغله شأن عن شأن . لوى الرجل وجهه ، أي أعرض وانحرف ، ومثل هذا أراد بقوله : (ولا يلهيه صوت عن صوت) ، ألهاه كذا ، أي شغله . ولا تحجزه - بالضم - هبة عن سلب ، أي لا تمنعه ، أي ليس كالقادرين بالقدرة مثلنا ، فإن الواحد منا يصرفه اهتمامه بعطية زيد عن سلب مال عمرو ، حالما يكون مهتما بتلك العطية ، لان اشتغال القلب بأحد الامرين يشغله عن الاخر . ومثل هذا قوله : (ولا يشغله غضب عن رحمة ، ولاتولهه رحمة عن عقاب) ، أي لا تحدث الرحمة لمستحقها عنده ولها ، وهو التحير والتردد ، وتصرفه عن عقاب المستحق ، وذلك لان الواحد منا إذا رحم إنسانا حدث عنده رقة ، خصوصا إذا توالت منه الرحمة لقوم متعددين ، فإنه تصير الرحمة كالملكة عنده ، فلا يطيق مع تلك الحال أن ينتقم ، والبارى تعالى بخلاف ذلك ، لانه ليس بذى مزاج سبحانه . ولا يجنه البطون عن الظهور ، ولا يقطعه الظهور عن البطون ، هذه كلها مصادر ، بطن


(1) سورة المجادلة 7 . (2) سورة الحديد 4 . (*)

[ 174 ]

بطونا أي خفى ، وظهر ظهورا ، أي تجلى ، يقول : لا يمنعه خفاؤه عن العقول أن تدركه عند ظهوره بأفعاله لها وإن لم يكن ظاهرا بذاته ، وكذلك لا يقطعه ظهوره بأفعاله عن أن يخفى كنهه عن إبصار العقول وإدراكها له . ويقال : اجتننت كذا ، أي سترته ، ومنه الجنين ، والجنة للترس ، وسمى الجن جنا لاستتارهم . ثم زاد المعنى تأكيدا فقال : (قرب فنأى) ، أي قرب فعلا فنأى ذاتا ، أي أفعاله قد تعلم ، ولكن ذاته لا تعلم . ثم قال : (وعلا فدنا) ، أي لما علا عن أن تحيط به العقول عرفته العقول ، لاأنها عرفت ذاته ، لكن عرفت أنه شئ لا يصح أن يعرف ، وذلك خاصته سبحانه ، فإن ماهيته يستحيل أن تتصور للعقل لا في الدنيا ولا في الاخرة ، بخلاف غيره من الممكنات . ثم أكد المعنى بعبارة أخرى ، قال : (وظهر فبطن ، وبطن فعلن) ، وهذا مثل الاول . ودان : غلب وقهر ، ولم يدن : لم يقهر ولم يغلب . ثم قال : (لم يذرأ الخلق باحتيال) ، أي لم يخلقهم بحيلة توصل بها إلى إيجادهم ، بل أوجدهم على حسب علمه بالمصلحة خلقا مخترعا من غير سبب ولا واسطة . قال : (ولا استعان بهم لكلال) ، أي لاعياء ، أي لم يأمر المكلفين بالجهاد لحاجته في قهر أعدائه ، وجاحدي نعمته إليهم ، وليس بكال ولا عاجز عن إهلاكهم ، ولكن الحكمة اقتضت ذلك . قال سبحانه : (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض) (1) أي لبطل التكليف . ثم ذكر أن التقوى قوام الطاعات التى تقوم بها ، وزمام العبادات لانها تمسك وتحصن ، كزمام الناقة المانع لها من الخبط .


(1) سورة البقرة 251 . (*)

[ 175 ]

والوثائق : جمع وثيقة ، وهى ما يوثق به . وحقائقها : جمع حقيقة ، وهى الراية ، يقال : فلان حامى الحقيقة . قوله : (تؤل) بالجزم ، لانه جواب الامر ، أي ترجع . والاكنان : جمع كن وهو الستر . والدعة : الراحة . والسعة : الجدة . والمعاقل : جمع معقل ، وهو الملجأ . والحرز : الحفظ . وتشخص الابصار : تبقى مفتوحة لا تطرف . والاقطار : الجوانب . والصروم : جمع صرم وصرمة ، وهى القطعة من الابل نحو الثلاثين . والعشار : النوق أنى عليها من يوم أرسل الفحل فيها عشرة أشهر فزال عنها اسم المخاض ، ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع ، والواحدة عشراء ، وهذا من قوله تعالى : (وإذا العشار عطلت) (1) ، أي تركت مسيبة مهملة لا يلتفت إليها أربابها ، ولا يحلبونها لاشتغالهم بأنفسهم . وتزهق كل مهجة : تهلك . وتبكم كل لهجة : أي تخرس . رجل أبكم وبكيم ، والماضي بكم بالكسر . والشم الشوامخ : الجبال العالية ، وذلها : تدكدكها ، وهى أيضا الصم الرواسخ ، فيصير صلدها - وهو الصلب الشديد الصلابة - سرابا ، وهو ما يتراءى في النهار فيظن ماء . والرقراق : الخفيف . ومعهدها : ما جعل منها منزلا للناس . قاعا : أرضا خالية . والسملق : الصفصف المستوى ، ليس بعضه أرفع وبعضه أخفض .

[ 176 ]

(189) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : بعثه حين لاعلم قائم ، ولا منار ساطع ، ولا منهج واضح . أوصيكم عباد الله بتقوى الله ، وأحذركم الدنيا ، فإنها دار شخوص ، ومحلة تنغيص ، ساكنها ظاعن ، وقاطنها بائن . تميد بأهلها ميدان السفينة ، تقصفها العواصف في لجج البحار ، فمنهم الغرق الوبق ، ومنهم الناجى على بطون الامواج ، تحفزه الرياح بأذيالها ، وتحمله على أهوالها ، فما غرق منها فليس بمستدرك ، وما نجا منها فإلى مهلك . عباد الله ، الان فاعلموا ، والالسن مطلقة ، والابدان صحيحة ، والاعضاء لدنة ، والمنقلب فسيح ، والمجال عريض ، قبل إرهاق الفوت ، وحلول الموت ، فحققوا عليكم نزوله ، ولا تنتظروا قدومه . الشرح : يقول : بعث الله سبحانه محمدا صلى الله عليه وآله لما لم يبق علم يهتدى به المكلفون ، لانه كان زمان الفترة وتبدل المصلحة ، واقتضاء وجوب اللطف عليه سبحانه تجديدا لبعثته ، ليعرف المبعوث المكلفين الافعال التى تقربهم من فعل الواجبات العقلية ، وتبعدهم عن المقبحات الفعلية .

[ 177 ]

والمنار الساطع : المرتفع . سطع الصبح سطوعا : ارتفع . ودار شخوص : دار رحلة ، شخص عن البلد : رحل عنه . والظاعن : المسافر . والقاطن : المقيم . والبائن : البعيد . يقول : ساكن الدنيا ليس بساكن على الحقيقة ، بل هو ظاعن في المعنى وإن كان في الصورة ساكنا ، والمقيم بها مفارق ، وإن ظن أنه مقيم . وتميد بأهلها : تتحرك وتميل . والميدان : حركة واضطراب . وتصفقها العواصف : تضربها بشدة ، ضربا بعد ضرب . والعواصف : الرياح القوية . اللجج : جمع لجة ، وهى معظم البحر . الوبق : الهالك ، وبق الرجل بالفتح ، يبق وبوقا : هلك ، والموبق منه كالموعد (مفعل) من وعد يعد ، ومنه قوله تعالى : (وجعلنا بينهم موبقا) (1) ، وفيه لغة أخرى : وبق الرجل يوبق وبقا ، وفيه لغة ثالثة : وبق الرجل ، بالكسر يبق بالسكر أيضا ، وأوبقه الله ، أي أهلكه . وتحفزه الرياح : تدفعه . ضرب عليه السلام لاهل الدنيا مثلا براكبى السفينة في البحر ، وقد مادت بهم ، فمنهم الهالك على الفور ، ومنهم من لا يتعجل هلاكه ، وتحمله الرياح ساعة أو ساعات ، ثم مآله إلى الهلاك أيضا . ثم أمر عليه السلام بالعمل وقت الامكان قبل ألا يمكن العمل ، فكنى عن ذلك بقوله : والالسن منطلقة ، لان المحتضر يعتقل لسانه ، والابدان صحيحة ، لان المحتضر سقيم البدن . والاعضاء لدنة ، أي لينة ، أي قبل الشيخوخة والهرم ويبس


(1) سورة الكهف 52 . (*)

[ 178 ]

الاعضاء والاعصاب . والمنقلب فسيح ، والمجال عريض ، أي أيام الشبيبة وفى الوقت والاجل مهلة ، قبل أن يضيق الوقت عليكم . قبل إرهاق الفوت ، أي قبل أن يجعلكم الفوت - وهو فوات الامر وتعذر استدراكه عليكم - مرهقين ، والمرهق : الذى أدرك ليقتل ، قال الكميت : تندى أكفهم وفى أبياتهم ثقة المجاور والمضاف المرهق (1) . قوله : (فحققوا عليكم نزوله ، ولا تنتظروا قدومه) ، أي اعملوا عمل من يشاهد الموت حقيقة ، لاعمل من ينتظره انتظارا ويطاول الاوقات مطاولة ، فإن التسويف داعية التقصير .


(1) الصحاح واللسان (رهق) . (*)

[ 179 ]

(190) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، أنى لم أرد على الله ولا على رسوله ساعة قط ، ولقد واسيته بنفسى في المواطن التى تنكص فيها الابطال ، وتتأخر الاقدام ، نجدة أكرمنى الله بها . ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن رأسه لعلى صدري ، ولقد سالت نفسه في كفى ، فأمررتها على وجهى . ولقد وليت غسله صلى الله عليه وسلم والملائكة أعواني ، فضجت الدار والافنية : ملا يهبط ، وملا يعرج ، وما فارقت سمعي هينمة منهم ، يصلون عليه ، حتى واريناه في ضريحه ، فمن ذا أحق به منى حيا وميتا ! فانفذوا على بصائركم ، ولتصدق نياتكم في جهاد عدوكم ، فو الذى لا إله إلا هو إنى لعلى جادة الحق ، وإنهم لعلى مزلة الباطل . أقول ما تسمعون ، وأستغفر الله لى ولكم . الشرح : يمكن أن يعنى بالمستحفظين الخلفاء الذين تقدموا ، لانهم الذين استحفظوا الاسلام ، أي جعلوا حافظين له ، وحارسين لشريعته ولحوزته ، ويجوز أن يعنى به العلماء والفضلاء من الصحابة ، لانهم استحفظوا الكتاب ، أي كلفوا حفظة وحراسته .

[ 180 ]

والظاهر أنه يرمز في قوله عليه السلام : (لم أرد على الله ، ولا على رسوله ساعة قط) إلى أمور وقعت من غيره ، كما جرى يوم الحديبية عند سطر كتاب الصلح ، فإن بعض الصحابة (1) أنكر ذلك ، وقال : يا رسول الله ، ألسنا المسلمين ؟ قال : بلى ، قال : أو ليسوا الكافرين ؟ قال : بلى ، قال : فكيف نعطى الدنية في ديننا ! فقال صلى الله عليه وآله : (إنما أعمل بما أومر به) فقام فقال لقوم من الصحابة : ألم يكن قد وعدنا بدخول مكة ! وها نحن قد صددنا عنها ثم ننصرف بعد أن أعطينا الدنية في ديننا ، والله لو أجد أعوانا لم أعط الدنية أبدا ، فقال أبو بكر لهذا القائل : ويحك ! الزم غرزه (2) ، فوالله إنه لرسول الله صلى الله عليه وآله ، وأن الله لا يضيعه . ثم قال له : أقال لك : إنه سيدخلها هذا العام ؟ قال : لا ، قال : فسيدخلها . فلما فتح النبي صلى الله عليه وآله مكة ، وأخذ مفاتيح الكعبة ، دعاه فقال : هذا الذى وعدتم به . واعلم أن هذا الخبر صحيح لاريب فيه ، والناس كلهم رووه ، وليس عندي بقبيح ولا مستهجن أن يكون سؤال هذا الشخص لرسول الله صلى الله عليه وآله عما سأله عنه على سبيل الاسترشاد ، والتماس الطمأنينة النفس ، فقد قال الله تعالى لخليله إبراهيم : (أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى) (3) . وقد كانت الصحابة تراجع رسول الله صلى الله عليه وآله في الامور ، وتسأله عما يستبهم عليها وتقول له : أهذا منك أم من الله ؟ وقال له السعدان (4) رحمهما الله يوم الخندق ، وقد عزم على مصالحة الاحزاب ببعض تمر المدينة : أهذا من الله أم رأى رأيته من نفسك ؟ قال : بل من نفسي ، قالا : لا ، والله لا نعطيهم منها تمرة واحدة وأيدينا في مقابض سيوفنا ! .


(1) هو عمر بن الخطاب ، وانظر سيرة ابن هشام 3 : 331 (طبعة الحلبي) . (2) الغرز في الاصل : ركاب كور الجمل ، والكلام هنا على المجاز ، أي أتبع قوله وفعله . (3) سورة البقرة 261 . (4) هما سعد بن معاذ ، وسعد بن عباده الانصاريان .

[ 181 ]

وقالت الانصار له يوم بدر ، وقد نزل بمنزل لم يستصلحوه : أنزلت هذا المنزل عن رأى رأيت أم بوحى أوحى إليك ؟ قال : بل عن رأى رأيته ، قالوا : إنه ليس لنا بمنزل ، ارحل عنه فانزل بموضع كذا . وأما قول أبى بكر له : (الزم غرزه ، فو الله إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم) فإنما هو تأكيد وتثبيت على عقيدته التى في قلبه ، ولا يدل ذلك على الشك ، فقد قال الله تعالى لنبيه : (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) (1) ، وكل أحد لا يستغنى عن زيادة اليقين والطمأنينة ، وقد كانت وقعت من هذا القائل أمور دون هذه القصة ، كقوله : دعني أضرب عنق أبى سفيان . وقوله : دعني أضرب عنق عبد الله بن أبى ، وقوله : دعني أضرب عنق حاطب بن أبى بلتعة . ونهى النبي صلى الله عليه وآله عن التسرع إلى ذلك ، وجذبه ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله حين قام على جنازة ابن سلول يصلى . وقوله : كيف تستغفر لرأس المنافقين ! وليس في ذلك جميعه ما يدل على وقوع القبيح منه ، وإنما الرجل كان مطبوعا على الشدة والشراسة والخشونة ، وكان يقول ما يقول على مقتضى السجية التى طبع عليها . وعلى أي حال كان ، فلقد نال الاسلام بولايته وخلافته خيرا كثيرا . قوله عليه السلام : (ولقد واسيته بنفسى) ، يقال : واسيته وآسيته ، وبالهمزة أفصح ، وهذا مما اختص عليه السلام بفضيلته غير مدافع ، ثبت معه يوم أحد وفر الناس ، وثبت معه يوم حنين وفر الناس ، وثبت تحت رايته يوم خيبر حتى فتحها وفر من كان بعث بها من قبله .


(1) سورة الاسراء 74 . (*)

[ 182 ]

وروى المحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما ارتث (1) يوم أحد ، قال الناس : قتل محمد ، رأته كتيبة من المشركين وهو صريع بين القتلى ، إلا أنه حى ، فصمدت له . فقال لعلى عليه السلام : اكفني هذه ، فحمل عليها عليه السلام وقتل رئيسها ، ثم صمدت له كتيبة أخرى ، فقال : يا على اكفني هذه ، فحمل عليها فهزمها ، وقتل رئيسها ، ثم صمدت له كتيبة ثالثة ، فكذلك ، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ذلك يقول : قال لى جبريل : يا محمد إن هذه للمواساة ، فقلت : وما يمنعه وهو منى وأنا منه ! فقال جبريل : وأنا منكما . وروى المحدثون أيضا أن المسلمين سمعوا ذلك اليوم صائحا من جهة السماء ينادى : (لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا على) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لمن حضره : (ألا تسمعون ! هذا صوت جبريل) . وأما يوم حنين فثبت معه في نفر يسير من بنى هاشم ، بعد أن ولى المسلمون الادبار ، وحامى عنه ، وقتل قوما من هوازن بين يديه ، حتى ثابت إليه الانصار ، وانهزمت هوازن وغنمت أموالها . وأما يوم خيبر فقصته مشهورة . قوله عليه السلام : (نجدة أكرمنى الله سبحانه بها) ، النجدة : الشجاعة ، وانتصابها هاهنا على أنها مصدر ، والعامل فيه محذوف . ثم ذكر عليه السلام وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال : (لقد قبض وإن رأسه لعلى صدري ، ولقد سالت نفسه في كفى ، فأمررتها على وجهى) ، يقال : إن رسول الله


(1) ارتث : حمل من المعركة جريحا وفيه رمق . (*)

[ 183 ]

صلى الله عليه وآله قاء دما يسيرا وقت موته ، وإن عليا عليه السلام مسح بذلك الدم وجهه . وقد روى أن أبا طيبة الحجام شرب دمه عليه السلام وهو حى ، فقال له : إذن لا يجع بطنك . قوله عليه السلام : (فضجت الدار والافنية) ، أي النازلون في الدار من الملائكة ، أي ارتفع ضجيجهم ولجبهم ، يعنى أنى سمعت ذلك ولم يسمعه غيرى من أهل الدار . والملا : الجماعة يهبط قوم من الملائكة ويصعد قوم . والعروج : الصعود . والهينمة : الصوت الخفى . والضريح : الشق في القبر . (ذكر خبر موت الرسول عليه السلام) وقد روى من قصة وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله أنه عرضت له الشكاة التى عرضت ، في أواخر صفر من سنة أحدى عشرة للهجرة ، فجهز جيش أسامة بن زيد ، فأمرهم بالمسير إلى البلقاء حيث أصيب زيد وجعفر عليهما السلام من الروم ، وخرج في تلك الليلة إلى البقيع ، وقال : إنى قد أمرت بالاستغفار عليهم ، فقال عليه السلام : السلام عليكم يا أهل القبور ، ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، يتبع أولها آخرها . ثم استغفر لاهل البقيع طويلا ، ثم قال لاصحابه : إن جبريل كان يعارضنى القرآن في كل عام مرة ، وقد عارضنى به العام مرتين ، فلا أراه إلا لحضور أجلى . ثم انصرف إلى بيته ، فخطب الناس في غده ، فقال (1) : معاشر الناس ، قد حان منى خفوق من بين أظهركم ، فمن كان له عندي عده ، فليأتني أعطه إياها ، ومن كان على دين ، فليأتني أقضه . أيها الناس ، إنه ليس بين الله وبين أحد نسب ولا أمر يؤتيه به خيرا ،


(1) ساقطه من ب . (*)

[ 184 ]

أو يصرف عنه شرا إلا العمل ، ألا لا يدعين مدع ولا يتمنين متمن . والذى بعثنى بالحق لا ينجى إلا عمل مع رحمه ، ولو عصيت لهويت . اللهم قد بلغت . ثم نزل فصلى بالناس صلاة خفيفة ، ثم دخل بيت أم سلمة ، ثم انتقل إلى بيت عائشة يعلله النساء والرجال ، أما النساء فأزواجه وبنته عليهما السلام ، وأما الرجال فعلى عليه السلام والعباس والحسن والحسين عليهما السلام ، وكانا غلامين يومئذ ، وكان الفضل بن العباس يدخل أحيانا إليهم ، ثم حدث الاختلاف بين المسلمين أيام مرضه ، فأول ذلك التنازع الواقع يوم قال صلى الله عليه وآله : (ائتونى بدواة وقرطاس) ، وتلا ذلك حديث التخلف عن جيش أسامة ، وقول عياش بن أبى ربيعة : أيولى هذا الغلام على جلة المهاجرين والانصار ! . ثم اشتد به المرض ، وكان عند خفة مرضه يصلى بالناس بنفسه ، فلما اشتد به المرض ، أمر أبا بكر أن يصلى بالناس . وقد اختلف في صلاته بهم ، فالشيعة تزعم أنه لم يصل بهم إلا صلاة واحدة ، وهى الصلاه التى خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فيها يتهادى بين على عليه السلام والفضل ، فقام في المحراب مقامه ، وتأخر أبو بكر . والصحيح عندي - وهو الاكثر الاشهر - أنها لم تكن آخر صلاة (1) في حياته صلى الله عليه وآله بالناس جماعة ، وأن أبا بكر صلى بالناس بعد ذلك يومين ، ثم مات صلى الله عليه وآله ، فمن قائل يقول : إنه توفى لليلتين بقيتا من صفر ، وهو القول الذى تقوله الشيعة ، والاكثرون أنه توفى في شهر ربيع الاول بعد مضى أيام منه . وقد اختلف الرواية في موته ، فأنكر عمر ذلك ، وقال : إنه لم يمت ، وإنه غاب وسيعود ، فثناه أبو بكر عن هذا القول ، وتلا عليه الايات المتضمنة أنه سيموت ، فرجع إلى قوله .


(1) ب : (الصلاة) . (*)

[ 185 ]

ثم اختلفوا في موضع دفنه ، فرأى قوم أن يدفنوه بمكة لانها مسقط رأسه ، وقال من قال : بل بالمدينة : ندفنه بالبقيع عند شهداء أحد . ثم اتفقوا على دفنه في البيت الذى قبض فيه ، وصلوا عليه أرسالا لا يؤمهم أحد . وقيل : أن عليا عليه السلام أشار بذلك فقبلوه . وأنا أعجب من ذلك ، لان الصلاة عليه كانت بعد بيعة أبى بكر ، فما الذى منع من أن يتقدم أبو بكر فيصلى عليه إماما . وتنازعوا في تلحيده وتضريحه ، فأرسل العباس عمه إلى أبى عبيدة بن الجراح - وكان يحفر لاهل مكة ويضرح (1) على عادتهم - رجلا ، وأرسل على رجلا إلى أبى طلحة الانصاري - وكان يلحد لاهل المدينة على عادتهم - وقال اللهم اختر لنبيك ، فجاء أبو طلحة فلحد له ، وأدخل في اللحد . وتنازعوا فيمن ينزل معه القبر ، فمنع على عليه السلام الناس أن ينزلوا معه ، وقال : لا ينزل قبره غيرى وغير العباس ، ثم أذن في نزول الفضل وأسامة بن زيد مولاهم ، ثم ضجت الانصار ، وسألت أن ينزل منها رجل في قبره ، فأنزلوا أوس بن خولى - وكان بدريا . فأما الغسل فإن عليا عليه السلام تولاه بيده ، وكان الفضل بن العباس يصب عليه الماء . وروى المحدثون عن على عليه السلام ، أنه قال : ما قلبت منه عضوا إلا وانقلب ، لا أجد له ثقلا ، كأن معى من يساعدنى عليه ، وما ذلك إلا الملائكة . وأما حديث الهينمة وسماع الصوت ، فقد رواه خلق كثير من المحدثين ، عن على


(1) يضرح : أي يشق ويحفر له ضريحا . (*)

[ 186 ]

عليه السلام ، وتروى الشيعة أن عليا عليه السلام عصب عينى الفضل بن العباس ، حين صب عليه الماء ، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله أوصاه بذلك ، وقال : إنه لا يبصر عورتى أحد غيرك إلا عمى . قوله عليه السلام : (فمن ذا أحق به منى حيا وميتا !) ، انتصابهما على الحال من الضمير المجرور في (به) ، أي أي شخص أحق برسول الله صلى الله عليه وآله حال حياته وحال وفاته منى ! ومراده من هذا الكلام ، أنه أحق بالخلافة بعده وأحق الناس بالمنزلة منه حيث كان بتلك المنزلة منه في الدنيا ، وليس يجوز أن يكونا حالين من الضمير المجرور في (منى) لانه لا يحسن أن يقول : أنا أحق به إذا كنت حيا من كل أحد ، وأحق به إذا كنت ميتا من كل أحد ، لان الميت لا يوصف بمثل ذلك ، ولانه لا حال ثبتت له من الاحقية إذا كان حيا إلا وهى ثابتة له إذا كان ميتا ، وإن كان الميت يوصف بالاحقية ، فلا فائدة في قوله : (وميتا) على هذا الفرض ، ولا يبقى في تقسيم الكلام إلى قسمين فائدة ، وأما إذا كان حالا من الضمير في (به) ، فإنه لا يلزم من كونه أحق بالمنزلة الرفيعة من رسول الله صلى الله عليه آله وهو حى أن يكون أحق بالخلافة بعد وفاته ، أي ليس أحدهما يلزم الاخر ، فاحتاج إلى أن يبين أنه أحق بالرسول صلى الله عليه وآله من كل أحد إن كان الرسول حيا ، وإن كان ميتا ، ولم يستهجن أن يقسم الكلام إلى القسمين المذكورين . قوله عليه السلام : (فانفذوا إلى بصائركم) ، أي أسرعوا إلى الجهاد على عقائدكم التى أنتم عليها ولا يدخلن الشك والريب في قلوبكم . قوله عليه السلام : (إنى لعلى جادة الحق ، وإنهم لعلى مزلة الباطل) ، كلام عجيب

[ 187 ]

على قاعدة الصناعة المعنوية ، لانه لا يحسن أن يقول : وإنهم لعلى جادة الباطل ، لان الباطل لا يوصف بالجادة ، ولهذا يقال لمن ضل : وقع في بنيات الطريق (1) ، فتعوض عنها بلفظ (المزلة) ، وهى الموضع الذى يزل فيه الانسان ، كالمزلقة : موضع الزلق ، والمغرقة : موضع الغرق ، والمهلكة : موضع الهلاك .


(1) بنيات الطريق في الاصل : الطرق الصغار تتشعب من الجادة . (*)

[ 188 ]

(191) الاصل : ومن خطبة له عليه السلام : يعلم عجيج الوحوش في الفلوات ، ومعاصي العباد في الخلوات ، واختلاف النينان في البحار الغامرات ، وتلاطم الماء بالرياح العاصفات . وأشهد أن محمدا نجيب الله ، وسفير وحيه ، ورسول رحمته . أما بعد ، فإنى أوصيكم بتقوى الله الذى ابتدأ خلقكم ، وإليه يكون معادكم ، وبه نجاح طلبتكم ، وإليه منتهى رغبتكم ، ونحوه قصد سبيلكم ، وإليه مرامي مفزعكم ، فإن تقوى الله دواء داء قلوبكم ، وبصر عمى أفئدتكم ، وشفاء مرض أجسادكم ، وصلاح فساد صدوركم ، وطهور دنس أنفسكم ، وجلاء غشاء أبصاركم ، وأمن فزع جأشكم ، وضياء سواد ظلمتكم . الشرح : العجيج : رفع الصوت ، وكذلك العج ، وفى الحديث : (أفضل الحج العج والثج ، أي التلبية وإراقة الدم) وعجيج ، أي صوت ، ومضاعفة اللفظ دليل على تكرير التصويت . والنينان : جمع نون ، وهو الحوت ، واختلافها هاهنا : هو إصعادها وانحدارها . ونجيب الله : منتجبه ومختاره . وسفير وحيه : رسول وحيه ، والجمع ، سفراء ، مثل فقيه وفقهاء .

[ 189 ]

وإليه مرامي مفزعكم : إليه تفزعون وتلجئون ، ويقال : فلان مرمى قصدي ، أي هو الموضع الذى أنحوه وأقصده . ويروى : (وجلاء عشى أبصاركم) ، بالعين المهملة والالف المقصورة ، والجأش : القلب ، وتقدير الكلام : وضياء سواد ظلمة عقائدكم ، ولكنه حذف المضاف للعلم به . الاصل : فاجعلوا طاعة الله شعارا دون دثاركم ، ودخيلا دون شعاركم ، ولطيفا بين أضلاعكم ، وأميرا فوق أموركم ، ومنهلا لحين ورودكم ، وشفيعا لدرك طلبتكم ، وجنة ليوم فزعكم ، ومصابيح لبطون قبوركم ، وسكنا لطول وحشتكم ، ونفسا لكرب مواطنكم ، فإن طاعة الله حرز من متالف مكتنفة ، ومخاوف متوقعة ، وأوار نيران موقدة . فمن أخذ بالتقوى عزبت عنه الشدائد بعد دنوها ، واحلولت له الامور بعد مرارتها ، وانفرجت عنه الامواج بعد تراكمها ، وأسهلت له الصعاب بعد إنصابها ، وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها . وتحدبت عليه الرحمة بعد نفورها ، وتفجرت عليه النعم بعد نضوبها ، ووبلت عليه البركة بعد إرذاذها . فاتقوا الله الذى نفعكم بموعظته ، ووعظكم برسالته ، وامتن عليكم بنعمته . فعبدوا أنفسكم لعبادته ، واخرجوا إليه من حق طاعته .

[ 190 ]

الشرح : الشعار : أقرب إلى الجسد من الدثار . والدخيل : ما خالط باطن الجسد ، وهو (1) أقرب من الشعار . ثم لم يقتصر على ذلك حتى أمر بأن يجعل التقوى لطيفا بين الاضلاع ، أي في القلب ، وذلك أمس بالانسان من الدخيل ، فقد يكون الدخيل في الجسد وإن لم يخامر القلب . ثم قال : (وأميرا فوق أموركم) ، أي يحكم على أموركم كما يحكم الامير في رعيته . والمنهل : الماء يرده الوارد من الناس وغيرهم . وقوله : (لحين ورودكم) ، أي لوقت ورودكم . والطلبة بكسر اللام : ما طلبته من شئ . قوله (ومصابيح لبطون قبوركم) ، جاء في الخبر : إن العمل الصالح يضئ قبر صاحبه كما يضئ المصباح الظلمة . والسكن : ما يسكن إليه . قوله : (ونفسا لكرب مواطنكم) ، أي سعة وروحا . ومكتنفة : محيطة . والاوار : حر النار والشمس . وعزبت : بعدت . واحلولت : صارت حلوة . وتراكمها : اجتماعها وتكاثفها . وأسهلت : صارت سهلة . بعد إنصابها ، أي بعد إتعابها لكم ، أنصبته : أتعبته . وهطلت : سالت . وقحوطها : قلتها ووتاحتها (2) . وتحدبت عليه : عطفت وحنت . نضوبها : انقطاعها ، كنضوب الماء : ذهابه .


(1) ب : (فهو) . (2) الوتاحة : القلة . (*)

[ 191 ]

ووبل المطر : صار وابلا ، وهو أشد المطر وأكثره . وإرذاذها : إتيانها بالرذاذ وهو ضعيف المطر . قوله : (فعبدوا أنفسكم) ، أي ذللوها . ومنه طريق معبد . واخرجوا إليه من حق طاعته ، أي أدوا المفترض عليكم من العبادة ، يقال : خرجت إلى فلان من دينه ، أي قضيته إياه . الاصل : ثم إن هذا الاسلام دين الله الذى اصطفاه لنفسه ، واصطنعه على عينه ، وأصفاه خيرة خلقه ، وأقام دعائمه على محبته . أذل الاديان بعزته ، ووضع الملل برفعه ، وأهان أعداءه بكرامته ، وخذل محاديه بنصره ، وهدم أركان الضلالة بركنه ، وسقى من عطش من حياضه ، وأتأق الحياض بمواتحه . ثم جعله لا انفصام لعروته ، ولا فك لحلقته ، ولا انهدام لاساسه ، ولا زوال لدعائمه ، ولا انقلاع لشجرته ، ولا انقطاع لمدته ، ولا عفاء لشرائعه ، ولا جذ لفروعه ، ولا ضنك لطرقه ، ولا وعوثة لسهولته ، ولا سواد لوضحه ، ولا عوج لانتصابه ، ولا عصل في عوده ، ولا وعث لفجه ، ولا انطفاء لمصابيحه ، ولا مرارة لحلاوته . فهو دعائم أساخ في الحق أسناخها ، وثبت لها آساسها ، وينابيع غزرت عيونها ، ومصابيح شبت نيرانها ، ومنار اقتدى بها سفارها ، وأعلام قصد بها فجاجها ، ومناهل روى بها ورادها .

[ 192 ]

جعل الله فيه منتهى رضوانه ، وذروة دعائمه ، وسنام طاعته ، فهو عند الله وثيق الاركان ، رفيع البنيان ، منير البرهان ، مضئ النيران ، عزيز السلطان ، مشرف المنار ، معوذ المثار . فشرفوه واتبعوه ، وأدوا إليه حقه ، وضعوه مواضعه . الشرح : اصطنعه على عينه ، كلمة تقال لما يشتد الاهتمام به ، تقول للصانع : اصنع لى كذا على عينى ، أي اصنعه صنعة كاملة كالصنعة التى تصنعها وأنا حاضر أشاهدها بعينى ، قال تعالى : (ولتصنع على عينى) (1) . وأصفاه خيره خلقه ، أي آثر به خيره خلقه ، وهم المسلمون ، وياء : (خيرة) مفتوحة . قال : وأقام الله دعائم الاسلام ، على حب الله وطاعته . والمحاد : المخالف ، قال تعالى : (من يحادد الله) (2) ، أي من يعاد الله كأنه يكون في حد وجهه ، وذلك الانسان في حد آخر وجهة أخرى ، وكذلك المشاق ، يكون في شق والاخر في شق آخر . وأتأق الحياض : ملاها ، وتئق السقاء نفسه يتأق تأقا ، وكذلك الرجل ، إذا امتلا غضبا . قوله : (بمواتحه) ، وهى الدلاء يمتح بها ، أي يسقى بها . والانفصام : الانكسار . والعفاء : الدروس . والجذ : القطع ، ويروى بالدال المهملة ، وهو القطع أيضا . والضنك : الضيق .


(1) سورة طه 39 . (2) سورة التوبه 9 . (*)

[ 193 ]

والوعوثة : كثرة في السهولة توجب صعوبة المشى ، لان الاقدام تعيث في الارض . والوضح : البياض . والعوج ، بفتح العين : فيما ينتصب كالنخلة والرمح ، والعوج بكسرها : فيما لا ينتصب ، كالارض والرأى والدين . والعصل : الالتواء والاعوجاج ، ناب أعصل وشجرة عصلة ، وسهام عصل . والفج : الطريق الواسع بين الجبلين ، يقول : لاوعث فيه ، أي ليس طريق الاسلام بوعث ، وقد ذكرنا أن الوعوثة ماهى . قوله : (فهو دعائم أساخ في الحق أسناخها) ، الاسناخ : جمع سنخ ، وهو الاصل ، وأساخها في الارض : أدخلها فيها ، وساخت قوائم فرسه في الارض تسوخ وتسيخ : دخلت وغابت . والاساس بالمد : جمع أسس ، مثل سبب وأسباب ، والاسس والاس والاساس واحد ، وهو أصل البناء . وغزرت عيونها ، بضم الزاى : كثرت . وشبت نيرانها بضم الشين : أوقدت ، والمنار : الاعلام في الفلاة . قوله : (قصد بها فجاجها) ، أي قصد بنصب تلك الاعلام اهتداء المسافرين في تلك الفجاج ، فأضاف القصد إلى الفجاج . وروى : (روادها) جمع رائد ، وهو الذى يسبق القوم فيرتاد لهم الكلا والماء . والذروة : أعلى السنام والرأس وغيرهما . قوله : (معوذ المثار) ، أي يعجز الناس إثارته وإزعاجه لقوته ومتانته .

[ 194 ]

الاصل : ثم إن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق ، حين دنا من الدنيا الانقطاع ، وأقبل من الاخرة الاطلاع ، وأظلمت بهجتها بعد إشراق ، وقامت بأهلها على ساق ، وخشن منها مهاد ، وأزف منها قياد ، في انقطاع من مدتها ، واقتراب من أشراطها ، وتصرم من أهلها ، وانفصام من حلقتها ، وانتشار من سببها ، وعفاء من أعلامها ، وتكشف من عوراتها ، وقصر من طولها . جعله الله سبحانه بلاغا لرسالته ، وكرامة لامته ، وربيعا لاهل زمانه ، ورفعه لاعوانه ، وشرفا لانصاره . ثم أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه ، وسراجا لايخبؤ توقده ، وبحرا لا يدرك قعره ، ومنهاجا لا يضل نهجه ، وشعاعا لا يظلم ضوءه ، وفرقانا لا يخمد برهانه ، وتبيانا لا تهدم أركانه ، وشفاء لا تخشى أسقامه ، وعزا لا تهزم أنصاره ، وحقا لا تخذل أعوانه . فهو معدن الايمان وبحبوحته ، وينابيع العلم وبحوره ، ورياض العدل وغدرانه ، وأثافى الاسلام وبنيانه ، وأودية الحق وغيطانه . وبحر لا ينزفه المستنزفون ، وعيون لا ينضبها الماتحون ، ومناهل لا يغيضها الواردون ، ومنازل لا يضل نهجها المسافرون ، وأعلام لا يعمى عنها السائرون ، وإكام لا يجوز عنها القاصدون .

[ 195 ]

(اختلاف الاقوال في عمر الدنيا) الشرح : قوله عليه السلام : (حين دنا من الدنيا الانقطاع) ، أي أزفت الاخرة وقرب وقتها . وقد اختلف الناس في ذلك اختلافا شديدا ، فذهب قوم إلى أن عمر الدنيا خمسون ألف سنة ، قد ذهب بعضها وبقى بعضها . واختلفوا في مقدار الذاهب والباقى ، واحتجوا لقولهم بقوله تعالى : (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) (1) ، قالوا : اليوم هو إشارة إلى الدنيا ، وفيها يكون عروج الملائكة والروح إليه ، واختلافهم بالامر من عنده إلى خلقه ، وإلى رسله ، قالوا : وليس قول بعض المفسرين أنه عنى يوم القيامة بمستحسن ، لان يوم القيامة لا يكون للملائكة والروح عروج إليه سبحانه ، لانقطاع التكليف ، ولان المؤمنين إما أن يطول عليهم ذلك اليوم بمقدار خمسين ألف سنة ، أو يكون هذا مختصا بالكافرين فقط ، ويكون قصيرا على المؤمنين ، والاول باطل ، لانه أشد من عذاب جهنم ، ولايجوز أن يلقى المؤمن هذه المشقة ، والثانى باطل ، لانه لا يجوز أن يكون الزمان الواحد طويلا قصيرا بالنسبة إلى شخصين ، اللهم إلا أن يكون أحدهما نائما ، أو ممنوا بعلة تجرى مجرى النوم ، فلا يحس بالحركة ، ومعلوم أن حال المؤمنين بعد بعثهم ، ليست هذه الحال . قالوا : وليست هذه الاية مناقضه للاية الاخرى وهى قوله تعالى : (يدبر الامر من السماء إلى الارض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) (2) ، وذلك لان سياق الكلام يدل على أنه أراد به الدنيا ، وذلك لانه قد ورد في الخبر أن


(1) سورة المعارج 4 . (2) سورة السجدة 5 . (*)

[ 196 ]

بين الارض والسماء مسيرة خمسمائة عام ، فإذا نزل الملك إلى الارض ، ثم عاد إلى السماء ، فقد قطع في ذلك اليوم مسيرة ألف عام ، ألا ترى إلى قوله : (يدبر الامر من السماء إلى الارض) ، أي ينزل الملك بالوحى والامر والحكم من السماء إلى الارض ، ثم يعود راجعا إليه وعارجا صاعدا إلى السماء ، فيجتمع من نزوله وصعوده مقدار مسير ألف سنة . وذكر حمزة بن الحسن الاصفهانى في كتابه المسمى تواريخ الامم : أن اليهود تذهب إلى أن عدد السنين من ابتداء التناسل إلى سنة الهجرة لمحمد صلى الله عليه وآله أربعة آلاف واثنتان وأربعون سنة وثلاثة أشهر . والنصارى تذهب إلى أن عدد ذلك خمسة آلاف وتسعمائة وتسعون سنة وثلاثة أشهر . وأن الفرس تذهب إلى أن من عهد كيومرث والد البشر عندهم إلى هلاك يزد جرد بن شهريار الملك أربعة آلاف ومائة واثنتين وثمانين سنة وعشرة أشهر وتسعة عشر يوما ، ويسندون ذلك إلى كتابهم الذى جاء به زردشت ، وهو الكتاب المعروف بأبستا . فأما اليهود والنصارى فيسندون ذلك إلى التوراة ويختلفون في كيفية استنباط المدة . وتزعم النصارى واليهود أن مدة الدنيا كلها سبعة آلاف سنة ، قد ذهب منها ما ذهب ، وبقى ما بقى . وقيل : إن اليهود إنما قصرت المدة ، لانهم يزعمون أن شيخهم الذى هو منتظرهم ، يخرج في أول الالف السابع ، فلولا تنقيصهم المدة وتقصيرهم أيامها لتعجل افتضاحهم ، ولكن سيفتضحون فيما بعد عند من يأتي بعدنا من البشر .

[ 197 ]

قال حمزة : وأما المنجمون فقد أتوا بما يغمز هذا كله ، فزعموا أنه قد مضى من الدنيا منذ أول يوم سارت فيه الكواكب ، من رأس الحمل إلى اليوم الذى خرج فيه المتوكل ابن معتصم بن الرشيد من سامراء إلى دمشق ، ليجعلها دار الملك ، وهو أول يوم من المحرم سنة أربع وأربعين ومائتين للهجرة المحمدية ، أربعة آلاف ألف ألف ألف - ثلاث لفظات - وثلاثمائة ألف وعشرون ألف سنة ، بسنى الشمس . قالوا : والذى مضى من الطوفان إلى صبيحة اليوم الذى خرج فيه المتوكل إلى دمشق ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وثلاثون سنة وعشرة أشهر واثنان وعشرون يوما . وذكر أبو الريحان البيرونى في كتاب الاثار الباقية عن القرون الخالية : أن الفرس والمجوس يزعمون أن عمر الدنيا اثنا عشر ألف سنة ، على عدد البروج وعدد الشهور ، وأن الماضي منها إلى وقت ظهور زردشت صاحب شريعتهم ثلاثة آلاف سنة ، وبين ابتداء ظهور زردشت وبين أول تاريخ الاسكندر مائتان وثمان وخمسون سنة ، وبين تاريخ الاسكندر وبين سنته التى كتبنا فيها شرح هذا الفصل - وهى سنة سبع وأربعين وستمائة للهجرة النبوية - ألف وخمسمائة وسبعون سنة ، فعلى هذا يكون الماضي إلى يومنا هذا من أصل اثنى عشر ألف سنة ، أربعة آلاف وثمانمائة وثماني عشرة سنة ، فيكون الباقي من الدنيا على قولهم أكثر من الماضي . وحكى أبو الريحان عن الهند في بعض كتبه ، أن مدة عمر الدنيا مقدار تضعيف الواحد من أول بيت في رقعة الشطرنج إلى آخر البيوت . فأما الاخباريون من المسلمين ، فأكثرهم يقولون : إن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة

[ 198 ]

ويقولون أننا في السابع ، والحق أنه لا يعلم أحد هذا إلا الله تعالى وحده ، كما قال سبحانه : (يسألونك عن الساعة أيان مرساها * فيم أنت من ذكراها * إلى ربك منتهاها) (1) ، وقال : (لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والارض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفى عنها قل إنما علمها عند الله) (2) . ونقول مع ذلك كما ورد به الكتاب العزيز : (اقتربت الساعة) (3) و (اقترب للناس حسابهم) (4) ، و (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) (5) . ولا نعلم كمية الماضي ولا كمية الباقي ، ولكنا نقول كما أمرنا ، ونسمع ونطيع كما أدبنا ، ومن الممكن أن يكون ما بقى قريبا عند الله ، وغير قريب عندنا ، كما قال سبحانه : (إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا) (6) . وبالجملة هذا موضع غامض يجب السكوت عنه . قوله عليه السلام : (وقامت بأهلها على ساق) ، الضمير الدنيا ، والساق الشدة ، أي انكشفت عن شدة عظيمة . وقوله تعالى : (والتفت الساق بالساق) (7) أي التفت آخر شدة الدنيا بأول شدة الاخرة . والمهاد : الفراش . وأزف منها قياد ، أي قرب انقيادها إلى التقضى والزوال . وأشراط الساعة : علاماتها ، وإضافتها إلى الدنيا لانها في الدنيا تحدث ، وإن كانت علامات للاخرى . والعفاء : الدروس .


(1) سورة النازعات 42 - 44 . (2) سورة الاعراف 87 . (3) سورة القمر 1 . (4) سور الانبياء 1 . (5) سورة النحل 1 . (6) سورة المعارج 6 . (7) سورة القيامة 29 . (*)

[ 199 ]

وروى : (من طولها) والطول : الحبل . ثم عاد إلى ذكر النبي صلى الله عليه وآله فقال : جعله الله سبحانه بلاغا لرسالته ، أي ذا بلاغ ، والبلاغ التبليغ ، فحذف المضاف . ولا تخبو : لا تنطفئ . والفرقان : ما يفرق به بين الحق والباطل . وأثافى الاسلام : جمع أثفية ، وهى الاحجار توضع عليها القدر ، شكل مثلث . والغيطان : جمع غائط ، وهو المطمئن من الارض . ولا يغيضها ، بفتح حرف المضارعة ، غاض الماء وغضته أنا ، يتعدى ولا يتعدى ، وروى (لا يغيضها) بالضم على قول من قال : أغضت الماء ، وهى لغة ليست بالمشهورة . والاكام : جمع أكم ، مثل جبال جمع جبل ، والاكم جمع إكمة ، مثل عنب جمع عنبة ، والاكمة : ما علا من الارض ، وهى دون الكثيب . الاصل : جعله الله ريا لعطش العلماء ، وربيعا لقلوب الفقهاء ، ومحاج لطرق الصلحاء ، ودواء ليس بعده داء ، ونورا ليس معه ظلمة ، وحبلا وثيقا عروته ، ومعقلا منيعا ذروته ، وعزا لمن تولاه ، وسلما لمن دخله ، وهدى لمن ائتم به ، وعذرا لمن انتحله ، وبرهانا لمن تكلم به ، وشاهدا لمن خاصم به ، وفلجا لمن حاج به ، وحاملا لمن حمله ، ومطية لمن أعمله ، وآية لمن توسم ، وجنة لمن استلام ، وعلما لمن وعى ، وحديثا لمن روى ، وحكما لمن قضى .

[ 200 ]

الشرح : الضمير يرجع إلى القرآن ، جعله الله ريا لعطش العلماء ، إذا ضل العلماء في أمر والتبس عليهم رجعوا إليه ، فسقاهم كما يسقى الماء العطش ، وكذا القول في (ربيعا لقلوب الفقهاء) ، والربيع هاهنا : الجدول ، ويجوز أن يريد المطر في الربيع ، يقال : ربعت الارض فهى مربوعة . والمحاج : جمع محجة ، وهى جادة الطريق . والمعقل : الملجأ . وسلما لمن دخله ، أي مأمنا ، وانتحله : دان به ، وجعله نحلته . والبرهان : الحجة ، والفلج : الظفر والفوز . وحاج به : خاصم . قوله عليه السلام : (وحاملا لمن حمله) ، أي أن القرآن ينجى يوم القيامة من كان حافظا له في الدنيا ، بشرط أن يعمل به . قوله عليه السلام : (ومطية لمن أعمله) ، استعارة ، يقول : كما أن المطية تنجي صاحبها إذا أعملها وبعثها على النجاء ، فكذلك القرآن إذا أعمله صاحبه أنجاه ، ومعنى إعماله ، اتباع قوانينه والوقوف عند حدوده . قوله : (وآية لمن توسم) ، أي لمن تفرس ، قال تعالى : (إن في ذلك لايات للمتوسمين) (1) . والجنة : ما يستتر به . واستلام : لبس لامة الحرب ، وهى الدرع . ووعى : حفظ . قوله : (وحديثا لمن روى) قد سماه الله تعالى حديثا فقال : (الله نزل أحسن


(1) سورة الحجر 75 . (*)

[ 201 ]

الحديث كتابا متشابها) (1) ، وأصحابنا يحتجون بهذه اللفظة على أن القرآن ليس بقديم ، لان الحديث ضد القديم . وليس للمخالف أن يقول : ليس المراد بقوله : (أحسن الحديث) ما ذكرتم ، بل المراد أحسن القول ، وأحسن الكلام ، لان العرب تسمى الكلام والقول حديثا ، لانا نقول : لعمري إنه هكذا ، ولكن العرب ما سمت القول والكلام حديثا إلا أنه مستحدث متجدد حالا فحالا ، ألا ترى إلى قول عمرو لمعاوية : (قد مللت كل شئ إلا الحديث) ، فقال : إنما يمل العتيق ، فدل ذلك على أنه فهم معنى تسميتهم الكلام والقول حديثا ، وفطن لمغزاهم ومقصدهم في هذه التسمية ، وإذا كنا قد كلفنا أن نجرى على ذاته وصفاته وأفعاله ما أجراه سبحانه في كتابه ، ونطلق ما أطلقه على سبيل الوضع والكيفية التى أطلقها وكان قد وصف كلامه بأنه حديث - وكان القرآن في عرف اللغة إنما سمى حديثا لحدوثه وتجدده - فقد ساغ لنا أن نطلق على كلامه أنه محدث ومتجدد ، وهذا هو المقصود .


(1) سورة الزمر 23 . (*)

[ 202 ]

(192) الاصل : ومن كلام له عليه السلام كان يوصى به أصحابه : تعاهدوا أمر الصلاة ، وحافظوا عليها ، واستكثروا منها ، وتقربوا بها ، فإنها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ! ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين شئلوا : (ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين) (1) . وإنها لتحت الذنوب حت الورق ، وتطلقها إطلاق الربق . وشبهها رسول الله صلى الله عليه وآله بالحمة ، تكون على باب الرجل ، فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات ، فما عسى أن يبقى عليه من الدرن . وقد عرف حقها رجال من المؤمنين الذين لا تشغلهم عنها زينة متاع ، ولا قرة عين ، من ولد ولا مال ، يقول الله سبحانه : (رجال لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) (2) . وكان رسول الله صلى الله عليه وآله نصبا بالصلاة بعد التبشير له بالجنة ، لقول الله سبحانه : (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) (3) ، فكان يأمر أهله ، ويصبر نفسه .


(1) سورة المدثر 42 ، 43 . (2) سورة النور 37 . (3) سورة طه 132 . (*)

[ 203 ]

ثم إن الزكاة جعلت مع الصلاة قربانا لاهل الاسلام ، فمن أعطاها طيب النفس بها ، فإنها تجعل له كفارة ، ومن النار حجازا ووقاية ، فلا يتبعنها أحد نفسه ، ولا يكثرن عليها لهفه ، فإن من أعطاها غير طيب النفس بها يرجو بها ما هو أفضل منها فهو جاهل بالسنة ، مغبون الاجر ، ضال العمل ، طويل الندم . ثم أداء الامانة ، فقد خاب من ليس من أهلها ، إنها عرضت على السموات المبنية ، والارضين المدحوة ، والجبال ذات الطول المنصوبة ، فلا أطول ولا أعرض ، ولا أعلى ولا أعظم منها . ولو امتنع شئ بطول ، أو عرض ، أو قوة ، أو عز ، لامتنعن ، ولكن أشفقن من العقوبة ، وعقلن ما جهل من هو أضعف منهن ، وهو الانسان ، (إنه كان ظلوما جهولا) (1) . إن الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه ما العباد مقترفون في ليلهم ونهارهم ، لطف به خبرا ، وأحاط به علما ، أعضاؤكم شهوده ، وجوارحكم جنوده ، وضمائركم عيونه ، وخلواتكم عيانه . الشرح : هذه الاية يستدل بها الاصوليون من أصحابنا على أن الكفار يعاقبون في الاخرة على ترك الواجبات الشرعية ، وعلى فعل القبائح ، لانها في الكفار وردت ، ألا ترى إلى قوله : (في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر) (2) فليس يجوز أن يعنى بالمجرمين هاهنا الفاسقين من أهل القبلة ، لانه قال : (قالوا لم نك من المصلين *


(1) سورة الاحزاب 72 . (2) سورة المدثر 42 - 47 . (*)

[ 204 ]

ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين (1) . قالوا : وليس لقائل أن يقول : معنى قوله : (لم نك من المصلين) لم نكن من القائلين بوجوب الصلاة ، لانه قد أغنى عن هذا التعليل قوله : (وكنا نكذب بيوم الدين) لان أحد الامرين هو الاخر ، وحمل الكلام على ما يفيد فائدة جديدة أولى من حمله على التكرار والاعادة ، فقد ثبت بهذا التقرير صحة احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على تأكيد أمر الصلاة ، وأنها من العبادات المهمة في نظر الشارع . قوله عليه السلام : (وإنها لتحت الذنوب) ، الحت : نثر الورق من الغصن ، وانحات ، أي تناثر ، وقد جاء هذا اللفظ في الخبر النبوى بعينه . والربق : جمع ربقة ، وهى الحبل أي تطلق الصلاة الذنوب كما تطلق الحبال المعقدة ، أي تحل ما انعقد على المكلف من ذنوبه . وهذا من باب الاستعارة . ويروى : (تعهدوا أمر الصلاة) بالتضعيف ، وهو لغة ، يقال : تعاهدت ضيعتي وتعهدتها وهو القيام عليها ، وأصله من تجديد العهد بالشئ ، والمراد المحافظة عليه ، وقوله تعالى : (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) (2) أي واجبا ، وقيل موقوتا ، أي منجما كل وقت لصلاة معينة ، وتؤدى هذه الصلاة في نجومها . وقوله : (كتابا) أي فرضا واجبا ، كقوله تعالى : (كتب ربكم على نفسه الرحمة) (3) أي أوجب . والحمة : الحفيرة فيها الحميم وهو الماء الحار ، وهذا الخبر من الاحاديث الصحاح ، قال صلى الله عليه وآله : أيسر أحدكم أن تكون على بابه حمة يغتسل منها كل يوم خمس


(1) . (2) سورة النساء 103 . (3) سورة الانعام 3 . (*)

[ 205 ]

مرات ، فلا يبقى عليه من درنه شئ ! قالوا نعم ، قال : (فإنها الصلوات الخمس) والدرن : الوسخ . والتجارة في الاية ، إما أن يراد بها : لا يشغلهم نوع من هذه الصناعة عن ذكر الله . ثم أفرد البيع بالذكر ، وخصه وعطفه على التجارة العامة ، لانه أدخل في الالهاء ، لان الربح في البيع بالكسب معلوم ، والربح في الشراء مظنون ، وإما أن يريد بالتجارة الشراء خاصة إطلاقا لاسم الجنس الاعم على النوع الاخص ، كما تقول رزق فلان تجارة رابحة ، إذا اتجه له شراء صالح ، فأما إقام الصلاة فإن التاء في (إقامة) عوض من العين الساقطة للاعلال ، فإن أصله (إقوام) مصدر أقام ، كقولك : أعرض إعراضا ، فلما أضيفت أقيمت الاضافة مقام حرف التعويض ، فأسقطت التاء . قوله عليه السلام : وكان رسول الله صلى الله عليه وآله نصبا بالصلاة أي تعبا ، قال تعالى : (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) (1) . وروى أنه عليه السلام قام حتى تورمت قدماه مع التبشير له بالجنة . وروى أنه قيل له في ذلك فقال : (أفلا أكون عبدا شكورا !) . ويصبر نفسه : من الصبر ، ويروى : (ويصبر عليها نفسه) أي يحبس ، قال سبحانه : (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم) (2) . وقال عنترة يذكر حربا كان فيها : فصبرت عارفة لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع (3) (فصل في ذكر الاثار الواردة في الصلاة وفضلها) واعلم أن الصلاة قد جاء في فضلها الكثير الذى يعجزنا حصره ، ولو لم يكن


(1) سورة طه 2 . (2) سورة الكهف 28 . (3) اللسان (صبر) . (*)

[ 206 ]

إلا ما ورد في الكتاب العزيز من تكرار ذكرها وتأكيد الوصاة بها والمحافظة عليها ، لكان بعضه كافيا . وقال النبي صلى الله عليه وآله : (الصلاة عمود الدين ، فمن تركها فقد هدم الدين) . وقال أيضا عليه السلام : (علم الايمان الصلاة ، فمن فرغ لها قلبه ، وقام بحدودها ، فهو المؤمن) . وقالت أم سلمة : كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحدثنا ونحدثه ، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه . وقيل للحسن رحمه الله : ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها ؟ قال : لانهم خلوا بالرحمن ، فألبسهم نورا من نوره . وقال عمر : إن الرجل ليشيب عارضاه في الاسلام ما أكمل الله له صلاة ، قيل له : وكيف ذلك ؟ قال : لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله على ربه فيها . وقال بعض الصالحين : إن العبد ليسجد السجدة عنده أنه متقرب بها إلى الله ، ولو قسم ذنبه في تلك السجدة على أهل مدينة لهلكوا ، قيل : وكيف ذلك ؟ قال : يكون ساجدا وقلبه عند غير الله ، إنما هو مصغ إلى هوى أو دنيا . صلى أعرابي في المسجد صلاة خفيفة ، وعمر بن الخطاب يراه ، فلما قضاها قال : اللهم زوجنى الحور العين . فقال عمر : يا هذا لقد أسأت النقد ، وأعظمت الخطبة ! . وقال على عليه السلام : لا يزال الشيطان ذعرا من المؤمن ما حافظ على الخمس ، فإذا ضيعهن تجرأ عليه ، وأوقعه في العظائم . وروى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : (الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ، ما اجتنبت الكبائر) .

[ 207 ]

وجاء في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة . وقال هشام بن عروة : كان أبى يطيل المكتوبة ويقول : هي رأس المال . قال يونس بن عبيد : ما استخف أحد بالنوافل إلا استخف بالفرائض . يقال : إن محمد بن المنكدر جزأ الليل عليه وعلى أمه وأخته أثلاثا ، فماتت أخته ، فجزأه عليه وعلى أمه نصفين ، فماتت أمه فقام الليل كله . كان مسلم بن يسار لا يسمع الحديث إذا قام يصلى ، ولا يفهمه ، وكان إذا دخل بيته سكت أهله فلا يسمع لهم كلام حتى يقوم إلى الصلاة ، فيتحدثون ويلغطون ، فهو لا يشعر بهم . ووقع حريق إلى جنبه وهو في الصلاة ، فلم يشعر به حتى حرق . كان خلف بن أيوب لا يطرد الذباب إذا وقع على وجهه وهو في الصلاة في بلاد كثيرة الذبان ، فقيل له : كيف تصبر ؟ فقال : بلغني أن الشطار يصبرون تحت السياط ليقال : فلان صبور ، أفلا أصبر وأنا بين يدى ربى على أذى ذباب يقع على ! . قال ابن مسعود : الصلاة مكيال ، فمن وفى وفى له ، ومن طفف ، فويل للمطففين . قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله : يا رسول الله ، ادع لى أن يرزقنى الله مرافقتك في الجنة ، فقال : (أعنى على إجابة الدعوة بكثرة السجود) . قوله عليه السلام : (قربانا لاهل الاسلام) ، القربان : اسم لما يتقرب به من نسيكة أو صدقة . وروى : (ومن النار حجازا) بالزاى أي مانعا . واللهف : الحسرة ، ينهى عليه السلام

[ 208 ]

عن إخراج الزكاة مع التسخط لاخراجها والتلهف والتحسر على دفعها إلى أربابها ، ويقول : إن من يفعل ذلك يرجو بها نيل الثواب ضال مضيع لماله ، غير ظافر بما رجاه من المثوبة . (ذكر الاثار الواردة في فضل الزكاة والتصدق) وقد جاء في فضل الزكاة الواجبة وفضل صدقة التطوع الكثير جدا ، ولو لم يكن إلا أن الله تعالى قرنها بالصلاة في أكثر المواضع التى ذكر فيها الصلاة لكفى . وروى بريدة الاسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : (ما حبس قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر) . وجاء في الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونهما في سبيل الله ما جاء في الذكر الحكيم ، وهو قوله تعالى : (يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم . . .) (1) الاية ، قال المفسرون : إنفاقها في سبيل الله إخراج الزكاة منها . وروى الاحنف قال : قدمت المدينة ، فبينا أنا في حلقة فيها ملا من قريش ، إذ جاء رجل خشن الجسد ، خشن الثياب ، فقام عليهم ، فقال : بشر الكانزين برضف (2) يحمى عليها في نار جهنم ، فتوضع على حلمة ثدى الرجل حتى تخرج من نغض (3) كتفه ، ثم توضع على نغض كتفه حتى تخرج من حلمة ثديه ، فسألت عنه فقيل : هذا أبو ذر الغفاري ، وكان يذكره ويرفعه . ابن عباس يرفعه : (من كان عنده ما يزكى فلم يزك ، وكان عنده ما يحج فلم يحج سأل الرجعة ، يعنى قوله : (رب ارجعون) .


(1) سورة التوبة 24 . (2) الرضف : الحجارة المحماة . (3) النغص : أعلى الكتف ، وقيل هو العظم الرقيق الذى على طرفه . (*)

[ 209 ]

أبو هريرة : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله : أي الصدقة أفضل ؟ فقال : أن تعطى وأنت صحيح ، شحيح ، تأمل البقاء ، وتخشى الفقر ، ولا تمهل ، (حتى إذ بلغت الحلقوم) قلت : لفلان كذا ولفلان كذا (1) . وقيل للشبلى : ما يجب في مائتي درهم ؟ قال : أما من جهة الشرع فخمسة ، وأما من جهة الاخلاص فالكل . أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بعض نسائه أن تقسم شاة على الفقراء فقالت : يا رسول الله ، لم يبق منها غير عنقها ، فقال عليه السلام : كلها بقى غير عنقها . أخذ شاعر هذا المعنى فقال : يبكى على الذاهب من ما له وإنما يبقى الذى يذهب السائب : كان الرجل من السلف يضع الصدقة ويمثل قائما بين يدى السائل الفقير ويسأله قبولها ، حتى يصير هو في صورة السائل . وكان بعضهم يبسط كفه ويجعلها تحت يد الفقير ، لتكون يد الفقير العليا . وعن النبي صلى الله عليه وآله : (ما أحسن عبد الصدقة إلا أحسن الله إليه في مخلفيه) . وعنه صلى الله عليه وآله : (الصدقة تسد سبعين بابا من الشر) . وعنه صلى الله عليه وآله : (أذهبوا مذمة السائل ولو بمثل رأس الطائر من الطعام) . كان النبي صلى الله عليه وآله لايكل خصلتين إلى غيره : لا يوضئه أحد ، ولا يعطى السائل إلا بيده . بعض الصالحين : الصلاة تبلغك نصف الطريق ، والصوم يبلغك باب الملك ، والصدقة تدخلك عليه بغير إذن . الشعبى : من لم ير نفسه أحوج إلى ثواب الصدقة من الفقير إلى صدقته ، فقد أبطل صدقته ، وضرب بها وجهه .


(1) ساقط من ب . (*)

[ 210 ]

كان الحسن بن صالح إذا جاءه سائل ، فإن كان عنده ذهب أو فضة أو طعام أعطاه ، فإن لم يكن ، أعطاه زيتا أو سمنا أو نحوهما مما ينتفع به ، فإن لم يكن ، أعطاه كحلا ، أو خرج بإبرة وخيط وخاط (1) بها ثوب السائل ، أو بخرقة يرقع بها ما تخرق من ثوبه . ووقف مرة على بابه سائل ليلا ، ولم يكن عنده ما يدفعه إليه ، فخرج إليه بقصبة في رأسها شعلة ، وقال : خذ هذه وتبلغ بها إلى أبواب ناس لعلهم يعطونك . قوله عليه السلام : (ثم أداء الامانة) هي العقد الذى يلزم الوفاء به ، وأصح ما قيل في تفسير الاية أن الامانة ثقيلة المحمل ، لان حاملها معرض لخطر عظيم ، فهى بالغة من الثقل وصعوبة المحمل مالو أنها عرضت على السموات والارض والجبال لامتنعت من حملها ، فأما الانسان فإنه حملها وألزم القيام بها . وليس المراد بقولنا : إنها عرضت على السموات والارض أي لو عرضت عليها وهى جمادات ، بل المراد تعظيم شأن الامانة ، كما تقول : هذا الكلام لا يحمله الجبال ، وقوله : امتلا الحوض وقال قطني ، وقوله تعالى : (قالتا أتينا طائعين) (2) . ومذهب العرب في هذا الباب وتوسعها ومجازاتها مشهور شائع .


(1) ا : (يخيط) . (2) سورة فصلت 11 . (*)

[ 211 ]

(193) الاصل : ومن كلام له عليه السلام : والله ما معاوية بأدهى منى ، ولكنه يغدر ويفجر ، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ، ولكن كل غدرة فجرة ، وكل فجرة كفرة ، ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة . والله ما استغفل بالمكيدة ، ولا أستغمز بالشديدة . الشرح : الغدرة ، على (فعلة) الكثير الغدر ، والفجرة والكفرة الكثير الفجور والكفر ، وكل ماكان على هذا البناء فهو للفاعل ، فإن سكنت العين فهو للمفعول ، تقول : رجل ضحكة أي يضحك ، وضحكة يضحك منه ، وسخرة يسخر ، وسخرة يسخر به ، يقول عليه السلام : كل غادر فاجر ، وكل فاجر كافر . ويروى : (ولكن كل غدرة فجره ، وكل فجرة كفرة) على (فعلة) للمرة الواحدة . وقوله : (لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة) ، حديث صحيح مروى عن النبي صلى الله عليه وآله . ثم أقسم عليه السلام أنه لا يستغفل بالمكيدة ، أي لا تجوز المكيدة علي ، كما تجوز على ذوى الغفلة ، وأنه لا يستغمز بالشديدة ، أي لا أهين وألين للخطب الشديد .

[ 212 ]

(سياسة علي وجريها على سياسة الرسول عليه السلام) واعلم أن قوما ممن لم يعرف حقيقة فضل أمير المؤمنين عليه السلام ، زعموا أن عمر كان أسوس منه ، وإن كان هو أعلم من عمر ، وصرح الرئيس أبو على بن سينا بذلك في (الشفاء) في الحكمة ، وكان شيخنا أبو الحسين (1) يميل إلى هذا ، وقد عرض به في كتاب (الغرر) ، ثم زعم أعداؤه ومباغضوه أن معاوية كان أسوس منه وأصح تدبيرا ، وقد سبق لنا بحث قديم في هذا الكتاب في بيان حسن سياسة أمير المؤمنين عليه السلام وصحة تدبيره ، ونحن نذكر هاهنا ما لم نذكره هناك مما يليق بهذا الفصل الذى نحن في شرحه . اعلم أن السائس لا يتمكن من السياسة البالغة إلا إذا كان يعمل برأيه ، وبما يرى فيه صلاح ملكه ، وتمهيد أمره ، وتوطيد قاعدته ، سواء وافق الشريعة أو لم يوافقها ، ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ما قلناه ، فبعيد أن يتنظم أمره ، أو يستوثق حاله ، وأمير المؤمنين كان مقيدا بقيود الشريعة ، مدفوعا إلى اتباعها ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير إذا لم يكن للشرع موافقا ، فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممن لم يلتزم بذلك ، ولسنا بهذا القول زارين على عمر بن الخطاب ، ولا ناسبين إليه ما هو منزه عنه ، ولكنه كان مجتهدا يعمل بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة ، ويرى تخصيص عمومات النص بالاراء وبالاستنباط من أصول تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النصوص ، ويكيد خصمه ، ويأمر أمراءه بالكيد والحيلة ، ويؤدب بالدرة والسوط من


(1) هو كتاب الغرر لابي الحسين البصري ، في أصول الكلام ، شرحه المؤلف ، وسماه (شرح مشكلات الغرر) ، ذكره صاحب روضات الجنات . (*)

[ 213 ]

يتغلب على ظنه أنه يستوجب ذلك ، ويصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستحقون به التأديب ، كل ذلك بقوة اجتهاده وما يؤديه إليه نظره ، ولم يكن أمير المؤمنين عليه السلام يرى ذلك ، وكان يقف مع النصوص والظواهر ، ولا يتعداها إلى الاجتهاد والاقيسة ، ويطبق أمور الدنيا على أمور الدين ، ويسوق الكل مساقا واحدا ، ولا يضيع ولا يرفع إلا بالكتاب والنص ، فاختلفت طريقتاهما في الخلافة والسياسة ، وكان عمر مع ذلك شديد الغلظة والسياسة ، وكان على عليه السلام كثير الحلم والصفح والتجاوز ، فازدادت خلافة ذاك قوة ، وخلافة هذا لينا ، ولم يمن عمر بما منى به على عليه السلام من فتنة عثمان ، التى أحوجته إلى مداراة أصحابه وجنده ومقاربتهم ، للاضطراب الواقع بطريق تلك الفتنة ، ثم تلا ذلك فتنة الجمل ، وفتنة صفين ثم فتنة النهروان ، وكل هذه الامور مؤثرة في اضطراب أمر الوالى وانحلال معاقد ملكه ، ولم يتفق لعمر شئ من ذلك ، فشتان بين الخلافتين فيما يعود إلى انتظام المملكة وصحة تدبير الخلافة . ! فإن قلت : فما قولك في سياسة الرسول صلى الله عليه وآله وتدبيره ؟ أليس كان منتظما سديدا مع أنه كان لا يعمل إلا بالنصوص والتوقيف من الوحى ! فهلا كان تدبير على عليه السلام وسياسته كذلك ! إذا قلتم : أنه كان لا يعمل إلا بالنص ، قلت : أما سياسة رسول الله صلى الله عليه وآله وتدبيره فخارج عما نحن فيه ، لانه معصوم لا تتطرق الغفلة إلى أفعاله ، ولا واحد من هذين الرجلين بواجب العصمة عندنا . وأيضا فإن كثيرا من الناس ذهبوا ألى أن الله تعالى أذن للرسول صلى الله عليه وآله أن يحكم في الشرعيات وغيرها برأيه ، وقال له : احكم بما تراه ، فإنك لا تحكم إلا بالحق ، وهذا مذهب يونس بن عمران ، وعلى هذا فقد سقط السؤال ، لانه صلى الله عليه وآله يعمل بما يراه من المصلحة ، ولا ينتظر الوحى . وأيضا فبتقدير فساد هذا المذهب ، أليس قد ذهب خلق كثير من علماء أصول الفقة إلى أن الرسول صلى الله عليه وآله كان يجوز (1) له أن يجتهد في الاحكام والتدبير ، كما يجتهد


(1) ساقط من ب . (*)

[ 214 ]

الواحد من العلماء ، وإليه ذهب القاضى أبو يوسف رحمه الله ، واحتج بقوله تعالى : (لتحكم بين الناس بما أراك الله) (1) . والسؤال أيضا ساقط على هذا المذهب ، لان اجتهاد على عليه السلام لا يساوى اجتهاد النبي صلى الله عليه وآله ، وبين الاجتهادين كما بين المنزلتين . وكان أبو جعفر بن أبى زيد الحسنى نقيب البصرة رحمه الله إذا حدثناه في هذا يقول : إنه لا فرق عند من قرأ السيرتين : سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسياسة أصحابه أيام حياته ، وبين سيرة أمير المؤمنين عليه السلام وسياسة أصحابه أيام حياته ، فكما أن عليا عليه السلام لم يزل أمره مضطربا معهم بالمخالفة والعصيان والهرب إلى أعدائه ، وكثرة الفتن والحروب ، فكذلك كان النبي صلى الله عليه وآله لم يزل ممنوا بنفاق المنافقين وأذاهم ، وخلاف أصحابه عليه وهرب بعضهم إلى أعدائه ، وكثرة الحروب والفتن . وكان يقول : ألست ترى القرآن العزيز مملوءا بذكر المنافقين والشكوى منهم ، والتألم من أذاهم له ، كما أن كلام على عليه السلام مملوء بالشكوى من منافقي أصحابه والتألم من أذاهم له ، والتوائهم عليه ! وذلك نحو قوله تعالى : (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالاثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير) (2) . وقوله : (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا . . .) (3) الاية . وقوله تعالى : (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ، والله يعلم إنك


(1) سورة النساء 105 . (2) سورة المجادلة 8 . (3) سورة المجادلة 10 (*) .

[ 215 ]

لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون * اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون . . .) السورة بأجمعها (1) . وقوله تعالى : (ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم) (2) . وقوله تعالى : (رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت فأولى لهم طاعة وقول معروف فإذا عزم الامر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم) (3) . وقوله تعالى : (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم * ولو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم) (4) . وقوله تعالى : (سيقول لك المخلفون من الاعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا * بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا) (5) . وقوله تعالى : (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل


(1) سورة المنافقين . (2) سورة محمد 16 . (3) سورة محمد 20 . (4) سورة محمد 29 ، 30 . (5) سورة الفتح 11 ، 12 (*) .

[ 216 ]

فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) (1) . وقوله : (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم) (2) . قال : وأصحابه هم الذين نازعوا في الانفال وطلبوها لانفسهم ، حتى أنزل الله تعالى : (قل الانفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) (3) . وهم الذين التووا عليه في الحرب يوم بدر ، وكرهوا لقاء العدو حتى خيف خذلانهم ، وذلك قبل أن تتراءى الفئتان ، وأنزل فيهم : (يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون . (4) وهم الذين كانوا يتمنون لقاء العير دون لقاء العدو ، حتى إنهم ظفروا برجلين في الطريق ، فسألوهما عن العير ، فقالا لاعلم لنا بها ، وإنما رأينا جيش قريش من وراء ذلك الكثيب ، فضربوهما ورسول الله صلى الله عليه وآله قائم يصلى ، فلما ذاقا مس الضرب قالا : بل العير أمامكم فاطلبوها ، فلما رفعوا الضرب عنهما ، قالا : والله ما رأينا العير ولا رأينا إلا الخيل والسلاح والجيش ، فأعادوا الضرب عليهما مرة ثانية ، فقالا وهما يضربان : العير أمامكم ، فخلوا عنا ، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله من الصلاة ، وقال : إذا صدقاكم ضربتموهما ، وإذا كذباكم خليتم عنهما ! دعوهما ، فما رأيا إلا جيش أهل مكة ، وأنزل قوله تعالى : (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع


(1) سورة الفتح 15 . (2) سورة الحجرات 4 ، 5 . (3) سورة الانفال 1 . (4) سورة الانفال 6 (*) .

[ 217 ]

دابر الكافرين) (1) . قال المفسرون : الطائفتان : العير ذات اللطيمة الواصلة إلى مكة من الشام صحبة أبى سفيان بن حرب ، وإليها كان خروج المسلمين ، والاخرى الجيش ذو الشوكة ، وكان عليه السلام قد وعدهم بإحدى الطائفتين ، فكرهوا الحرب ، وأحبوا الغنيمة . قال : وهم الذين فروا عنه صلى الله عليه وآله يوم أحد ، وأسلموه وأصعدوا في الجبل ، وتركوه حتى شج الاعداء وجهه ، وكسروا ثنيته ، وضربوه على بيضته ، حتى دخل جماجمه ، ووقع من فرسه إلى الارض بين القتلى ، وهو يستصرخ بهم ، ويدعوهم فلا يجيبه أحد منهم إلا من كان جاريا مجرى نفسه ، وشديد الاختصاص به ، وذلك قوله تعالى : (إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم) (2) أي ينادى فيسمع نداءه آخر الهاربين لا أولهم ، لان أولهم أو غلوا في الفرار ، وبعدوا عن أن يسمعوا صوته ، وكان قصارى الامر أن يبلغ صوته واستصراخه من كان على ساقة الهاربين منهم . قال : ومنهم الذين عصوا أمره في ذلك اليوم ، حيث أقامهم على الشعب في الجبل ، وهو الموضع الذى خاف أن تكر عليه منه خيل العدو من ورائه ، وهم أصحاب عبد الله ابن جبير ، فإنهم خالفوا أمره وعصوه فيما تقدم به إليهم ، ورغبوا في الغنيمة ، ففارقوا مركزهم : حتى دخل الوهن على الاسلام بطريقهم ، لان خالد بن الوليد كر في عصابة من الخيل ، فدخل من الشعب الذى كانوا يحرسونه ، فما أحس المسلمون بهم إلا وقد غشوهم بالسيوف من خلفهم ، فكانت الهزيمة ، وذلك قوله تعالى : (حتى إذا فشلتم


(1) سورة الانفال 7 . (2) سورة آل عمران 351 (*) .

[ 218 ]

وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الاخرة) (1) . قال : وهم الذين عصوا أمره في غزاة تبوك ، بعد أن أكد عليهم الاوامر ، وخذلوه وتركوه ولم يشخصوا معه ، فأنزل فيهم : (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الاخرة فما متاع الحياة الدنيا في الاخرة إلا قليل * إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير) (2) ، وهذه الاية خطاب مع المؤمنين لا مع المنافقين ، وفيها أوضح دليل على أن أصحابه وأولياءه المصدقين لدعوته كانوا يعصونه ، ويخالفون أمره ، وأكد عتابهم وتقريعهم وتوبيخهم بقوله تعالى : (لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون) (3) . ثم عاتب رسول الله صلى الله عليه وآله على كونه أذن لهم في التخلف ، وإنما أذن لهم لعلمه أنهم لا يجيبونه في الخروج ، فرأى أن يجعل المنة له عليهم في الاذن لهم ، وإلا قعدوا عنه ولم تصل له المنة ، فقال له : (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) (4) ، أي هلا أمسكت عن الاذن لهم حتى يتبين لك قعود من يقعد ، وخروج من يخرج ، صادقهم من كاذبهم ! لانهم كانوا قد وعدوه بالخروج معه كلهم ، وكان بعضهم ينوى الغدر ، وبعضهم يعزم على أن يخيس (5) بذلك الوعد ، فلو لم يأذن لهم لعلم من يتخلف ومن لا يتخلف ، فعرف الصادق منهم والكاذب .


(1) سورة آل عمران 152 . (2) سورة التوبة 38 ، 39 . (3) سورة التوبة 42 . (4) سورة التوبة 43 . (5) يخيس : يغدر (*) .

[ 219 ]

ثم بين سبحانه وتعالى أن الذين يستأذنونه في التخلف خارجون من الايمان ، فقال له : (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الاخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين * إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الاخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون) (1) . ولا حاجة إلى التطويل بذكر الايات المفصلة فيما يناسب هذا المعنى ، فمن تأمل الكتاب العزيز علم حاله صلوات الله عليه مع أصحابه كيف كانت ، ولم ينقله الله تعالى إلى جواره إلا وهو مع المنافقين له والمظهرين خلاف ما يضمرون من تصديقه في جهاد شديد ، حتى لقد كاشفوه مرارا ، فقال : لهم يوم الحديبية احلقوا وانحروا . . . مرارا ، فلم يحلقوا ولم ينحروا ، ولم يتحرك أحد منهم عند قوله ، وقال له بعضهم وهو يقسم الغنائم : (إعدل يا محمد فإنك لم تعدل) . وقالت الانصار له مواجهة يوم حنين : أتأخذ ما أفاء الله علينا بسيوفنا فتدفعه إلى أقاربك من أهل مكة ! حتى أفضى الامر إلى أن قال لهم في مرض موته : (ائتونى بدواة وكتف أكتب لكم مالا تضلون بعده) ، فعصوه ولم يأتوه بذلك ، وليتهم اقتصروا على عصيانه ولم يقولوا له ما قالوا ، وهو يسمع . وكان أبو جعفر رحمه الله يقول من هذا ما يطول شرحه ، والقليل منه ينبئ عن الكثير ، وكان يقول : إن الاسلام ماحلا عندهم ولا ثبت في قلوبهم إلا بعد موته ، حين فتحت عليهم الفتوح ، وجاءتهم الغنائم والاموال ، وكثرت عليهم المكاسب ، وذاقوا طعم الحياة ، وعرفوا لذة الدنيا ، ولبسوا الناعم ، وأكلوا الطيب ، وتمتعوا بنساء الروم ، وملكوا خزائن كسرى ، وتبدلوا بذلك القشف والشظف والعيش الخشن وأكل الضباب والقنافذ


(1) سورة التوبة 44 ، 45 (*) .

[ 220 ]

واليرابيع ولبس الصوف والكرابيس (1) ، وأكل اللوزينجات والفالوذجات ولبس الحرير والديباج ، فاستدلوا بما فتحه الله عليهم وأتاحه لهم على صحة الدعوة ، وصدق الرسالة ، وقد كان صلى الله عليه وآله وعدهم بأنه سيفتح عليهم كنوز كسرى وقيصر ، فلما وجدوا الامر قد وقع بموجب ما قاله عظموه وبجلوه ، وانقلبت تلك الشكوك وذاك النفاق وذلك الاستهزاء إيمانا ويقينا وإخلاصا ، وطاب لهم العيش ، وتمسكوا بالدين ، لانه زادهم طريقا إلى نيل الدنيا ، فعظموا ناموسه ، وبالغوا في إجلاله وإجلال الرسول الذى جاء به ، ثم انقرض الاسلاف وجاء الاخلاف على عقيدة ممهدة ، وأمر أخذوه تقليدا من أسلافهم الذين ربوا في حجورهم ، ثم انقرض ذلك القرن ، وجاء من بعدهم كذلك وهلم جرا . قال : ولولا الفتوح والنصر والظفر الذى منحهم الله تعالى إياه ، والدولة التى ساقها إليهم ، لانقرض دين الاسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكان يذكر في التواريخ ، كما تذكر الان نبوة خالد بن سنان العبسى ، حيث ظهر ودعا إلى الدين . وكان الناس يعجبون من ذلك ويتذاكرونه كما يعجبون ويتذاكرون أخبار من نبغ من الرؤساء والملوك والدعاة الذين انقرض أمرهم ، وبقيت أخبارهم . وكان يقول : من تأمل حال الرجلين وجدهما متشابهتين في جميع أمورهما أو في أكثرها ، وذلك لان حرب رسول الله صلى الله عليه وآله مع المشركين كانت سجالا ، انتصر يوم بدر ، وانتصر المشركون عليه يوم أحد ، وكان يوم الخندق كفافا خرج هو وهم سواء ، لا عليه ولا له ، لانهم قتلوا رئيس الاوس وهو سعد بن معاذ ، وقتل منهم فارس قريش وهو عمرو بن عبد ود ، وانصرفوا عنه بغير حرب بعد تلك الساعة التى كانت ، ثم حارب بعدها قريشا يوم الفتح ، فكان الظفر له . وهكذا كانت حروب على عليه السلام ، انتصر يوم الجمل ، وخرج الامر بينه وبين


(1) الكرابيس : جمع كرباس ، وهو الثوب من القطن الابيض (*) .

[ 221 ]

معاوية على سواء ، قتل من أصحابه رؤساء ، ومن أصحاب معاوية رؤساء ، وانصرف كل واحد من الفريقين عن صاحبه بعد الحرب على مكانه ، ثم حارب بعد صفين أهل النهروان ، فكان الظفر له . قال : ومن العجب أن أول حروب رسول الله صلى الله عليه وآله كانت بدرا ، وكان هو المنصور فيها ، وأول حروب على عليه السلام الجمل ، وكان هو المنصور فيها ، ثم كان من صحيفة الصلح والحكومة يوم صفين نظير ما كان من صحيفة الصلح والهدنة يوم الحديبية . ثم دعا معاوية في آخر أيام على عليه السلام إلى نفسه وتسمى بالخلافة ، كما أن مسيلمة والاسود العنسى دعوا إلى أنفسهما في آخر أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وتسميا بالنبوة ، واشتد على علي عليه السلام ذلك ، كما اشتد على رسول الله صلى الله عليه وآله أمر الاسود ومسيلمة ، وأبطل الله أمرهما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، وكذلك أبطل أمر معاوية وبنى أمية بعد وفاة على عليه السلام . ولم يحارب رسول الله صلى الله عليه وآله أحد من العرب إلا قريش ما عدا يوم حنين ، ولم يحارب عليا عليه السلام من العرب أحد إلا قريش ما عدا يوم النهروان ، ومات على عليه السلام شهيدا بالسيف ، ومات رسول الله صلى الله عليه وآله شهيدا بالسم ، وهذا لم يتزوج على خديجة أم أولاده حتى ماتت ، وهذا لم يتزوج على فاطمة أم أشرف أولاده حتى ماتت . ومات رسول الله صلى الله عليه وآله عن ثلاث وستين سنه ، ومات على عليه السلام عن مثلها . وكان يقول : انظروا إلى أخلاقهما وخصائصهما ، هذا شجاع وهذا شجاع ، وهذا فصيح وهذا فصيح ، وهذا سخى جواد وهذا سخى جواد ، وهذا عالم بالشرائع والامور الالهية ، وهذا عالم بالفقة والشريعة والامور الالهية الغامضة ، وهذا زاهد في الدنيا غير نهم ولا مستكثر منها ، وهذا زاهد في الدنيا تارك لها غير متمتع بلذاتها . وهذا مذيب (1) نفسه في الصلاة والعبادة ، وهذا مثله . وهذا غير محبب إليه شئ من الامور العاجلة


(1) آ : (مدئب) (*) .

[ 222 ]

إلا النساء ، وهذا مثله ، وهذا ابن عبد المطلب بن هاشم ، وهذا في قعدده (1) ، وأبواهما أخوان لاب واحد دون غيرهما من بنى عبد المطلب ، وربى محمد صلى الله عليه وآله في حجر والد هذا وهو أبو طالب ، فكان جاريا عنده مجرى أحد أولاده . ثم لما شب صلى الله عليه وآله وكبر استخلصه من بنى أبى طالب وهو غلام ، فرباه في حجره مكافأة لصنيع أبى طالب به ، فامتزج الخلقان ، وتماثلت السجيتان ، وإذا كان القرين مقتديا بالقرين ، فما ظنك بالتربية والتثقيف الدهر الطويل ! فواجب أن تكون أخلاق محمد صلى الله عليه وآله كأخلاق أبى طالب ، وتكون أخلاق على عليه السلام كأخلاق أبى طالب أبيه ، ومحمد عليه السلام مربيه ، وأن يكون الكل شيمة واحدة وسوسا (2) واحدا ، وطينة مشتركة ، ونفسا غير منقسمة ولا متجزئة ، وألا يكون بين بعض هؤلاء وبعض فرق ولا فضل ، لولا أن الله تعالى اختص محمدا صلى الله عليه وآله برسالته ، واصطفاه لوحيه ، لما يعلمه من مصالح البرية في ذلك ، ومن أن اللطف به أكمل ، والنفع بمكانه أتم وأعم ، فامتاز رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك عمن سواه ، وبقى ما عدا الرسالة على أمر الاتحاد ، وإلى هذا المعنى أشار صلى الله عليه وآله بقوله : (أخصمك (3) بالنبوة فلا نبوة بعدى ، وتخصم الناس بسبع) ، وقال له أيضا : (أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى) ، فأبان نفسه منه بالنبوة ، وأثبت له ما عداها من جميع الفضائل والخصائص مشتركا بينهما . وكان النقيب أبو جعفر رحمه الله ، غزير العلم ، صحيح العقل ، منصفا في الجدال ، غير متعصب للمذهب ، - وإن كان علويا - وكان يعترف بفضائل الصحابة ، ويثنى على الشيخين . ويقول : إنهما مهدا دين الاسلام ، وأرسيا قواعده ، ولقد كان شديد الاضطراب في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإنما مهداه بما تيسر للعرب من الفتوح والغنائم في دولتهما . وكان يقول في عثمان : إن الدولة في أيامه كانت على إقبالها وعلو جدها ، بل كانت الفتوح في أيامه أكثر ، والغنائم أعظم ، لولا أنه لم يراع ناموس الشيخين ، ولم يستطع أن يسلك (1) القعدد : القريب الاباء من الجد الاعلى . (2) أي أصلا واحدا . (3) أخصمك : أغلبك (*) .

[ 223 ]

مسلكهما ، وكان مضعفا في أصل القاعدة ، مغلوبا عليه ، وكثير الحب لاهله ، وأتيح له من مروان وزير سوء أفسد القلوب عليه ، وحمل الناس على خلعه وقتله . (كلام أبى جعفر الحسنى في الاسباب التى أوجبت محبة الناس لعلي) وكان أبو جعفر رحمه الله لا يجحد الفاضل فضله ، والحديث شجون . قلت له مرة : ما سبب حب الناس لعلى بن أبى طالب عليه السلام ، وعشقهم له ، وتهالكهم في هواه ؟ ودعني في الجواب من حديث الشجاعة والعلم والفصاحة ، وغير ذلك من الخصائص التى رزقه الله سبحانه الكثير الطيب منها ! . فضحك وقال لى : كم تجمع جراميزك على ! . ثم قال : هاهنا مقدمة ينبغى أن تعلم ، وهى أن أكثر الناس موتورون من الدنيا ، أما المستحقون فلا ريب في أن أكثرهم محرومون ، نحو عالم يرى أنه لا حظ له في الدنيا ، ويرى جاهلا غيره مرزوقا وموسعا عليه . وشجاع قد أبلى في الحرب ، وانتفع بموضعه ، ليس له عطاء يكفيه ، ويقوم بضروراته ، ويرى غيره وهو جبان فشل ، يفرق من ظله ، مالكا لقطر عظيم من الدنيا ، وقطعة وافرة من المال والرزق ، وعاقل سديد التدبير ، صحيح العقل ، قد قدر (1) عليه رزقه ، وهو يرى غيره أحمق مائقا تدر عليه الخيرات ، وتتحلب عليه أخلاف الرزق . وذى دين قويم ، وعبادة حسنة ، وإخلاص وتوحيد ، وهو محروم ضيق الرزق ، ويرى غيره يهوديا أو نصرانيا أو زنديقا ، كثير المال حسن الحال ، حتى إن هذه الطبقات المستحقة يحتاجون في أكثر الوقت إلى الطبقات التى لا استحقاق


(1) قدر عليه رزقه : ضيق (*) .

[ 224 ]

لها ، وتدعوهم الضرورة إلى الذل لهم ، والخضوع بين أيديهم . إما لدفع ضرر ، أو لاستجلاب نفع ، ودون هذه الطبقات من ذوى الاستحقاق أيضا ، ما نشاهده عيانا من نجار حاذق أو بناء عالم ، أو نقاش بارع ، أو مصور لطيف ، على غاية ما يكون من ضيق رزقهم ، وقعود الوقت بهم ، وقلة الحيلة لهم ، ويرى غيرهم ممن ليس يجرى مجراهم ، ولا يلحق طبقتهم ، مرزوقا مرغوبا فيه ، كثير المكسب طيب العيش ، واسع الرزق . فهذا حال ذوى الاستحقاق والاستعداد . وأما الذين ليسوا من أهل الفضائل ، كحشو العامة ، فإنهم أيضا لا يخلون من الحقد على الدنيا والذم لها ، والحنق والغيظ منها لما يلحقهم من حسد أمثالهم وجيرانهم ، ولا يرى أحد منهم قانعا بعيشه ، ولا راضيا بحاله ، بل يستزيد ويطلب حالا فوق حاله . قال : فإذا عرفت هذه المقدمة ، فمعلوم أن عليا عليه السلام كان مستحقا محروما ، بل هو أمير المستحقين المحرومين ، وسيدهم وكبيرهم ، ومعلوم أن الذين ينالهم الضيم ، وتلحقهم المذلة والهضيمة ، يتعصب بعضهم لبعض ، ويكونون إلبا ويدا واحدة على المرزوقين الذين ظفروا بالدنيا ، ونالوا مأربهم منها ، لاشتراكهم في الامر الذى آلمهم وساءهم ، وعضهم ومضهم ، واشتراكهم في الانفة والحمية والغضب والمنافسة لمن علا عليهم ، وقهرهم ، وبلغ من الدنيا ما لم يبلغوه ، فإذا كان هؤلاء - أعنى المحرومين - متساوين في المنزلة والمرتبة ، وتعصب بعضهم لبعض ، فما ظنك بما إذا كان منهم رجل عظيم القدر جليل الخطر كامل الشرف ، جامع للفضائل محتو على الخصائص والمناقب ، وهو مع ذلك محروم محدود ، وقد جرعته الدنيا علاقمها ، وعلته عللا بعد نهل من صابها وصبرها ، ولقى منها برحا بارحا ، وجهدا جهيدا ، وعلا عليه من هو دونه ، وحكم فيه وفى بنيه وأهله ورهطه من لم يكن ما ناله من الامرة والسلطان في حسابه ، ولا دائرا في خلده ، ولا خاطرا بباله ، ولا كان أحد من الناس يرتقب ذلك له ولا يراه له . ثم كان في آخر الامر أن قتل هذا الرجل الجليل في (*)

[ 225 ]

محرابه ، وقتل بنوه بعده ، وسبى حريمه ونساؤه ، وتتبع أهله وبنو عمه بالقتل والطرد والتشريد والسجون ، مع فضلهم وزهدهم وعبادتهم وسخائهم ، وانتفاع الخلق بهم . فهل يمكن ألا يتعصب البشر كلهم مع هذا الشخص ! وهل تستطيع القلوب ألا تحبه وتهواه ، وتذوب فيه وتفنى في عشقه ، انتصارا له ، وحمية من أجله ، وأنفة مما ناله ، وامتعاضا مما جرى عليه ! وهذا أمر مركوز في الطبائع ، ومخلوق في الغرائز ، كما يشاهد الناس على الجرف إنسانا قد وقع في الماء العميق ، وهو لا يحسن السباحة ، فإنهم بالطبع البشرى يرقون عليه رقة شديدة ، وقد يلقى قوم منهم أنفسهم في الماء نحوه ، يطلبون تخليصه ، لا يتوقعون على ذلك مجازاة منه بمال أو شكر ، ولا ثوابا في الاخرة ، فقد يكون منهم من لا يعتقد أمر الاخرة ، ولكنها رقة بشرية ، وكأن الواحد منهم يتخيل في نفسه أنه ذلك الغريق ، فكما يطلب خلاص نفسه لو كان هذا الغريق ، كذلك يطلب تخليص من هو في تلك الحال الصعبة ، للمشاركه الجنسية . وكذلك لو أن ملكا ظلم أهل بلد من بلاده ظلما عنيفا ، لكان أهل ذلك البلد يتعصب بعضهم لبعض في الانتصار من ذلك الملك ، والاستعداء عليه ، فلو كان من جملتهم رجل عظيم القدر ، جليل الشأن ، قد ظلمه الملك أكثر من ظلمه إياهم ، وأخذ أمواله وضياعه ، وقتل أولاده وأهله ، كان لياذهم به ، وانضواؤهم إليه ، واجتماعهم والتفافهم به أعظم وأعظم ، لان الطبيعة البشرية تدعو إلى ذلك على سبيل الايجاب الاضطراري ، ولا يستطيع الانسان منه امتناعا . محصول قول النقيب أبى جعفر رحمه الله ، قد حكيته والالفاظ لى والمعنى له ، لانى لا أحفظ الان ألفاظه بعينها ، إلا أن هذا هو كان معنى قوله وفحواه ، رحمه الله . وكان لا يعتقد في الصحابة ما يعتقده أكثر الامامية فيهم ، ويسفه رأى من يذهب فيهم إلى النفاق والتكفير . وكان يقول : حكمهم حكم مسلم مؤمن ، عصى في بعض الافعال وخالف الامر ، فحكمه إلى الله ، إن شاء آخذه ، وإن شاء غفر له (*) .

[ 226 ]

قلت له مرة : افتقول إنهما من أهل الجنة ؟ فقال : إى والله ! أعتقد ذلك ، لانهما إما أن يعفو الله تعالى عنهما ابتداء ، إو بشفاعة الرسول صلى الله عليه وآله ، أو بشفاعة على عليه السلام ، أو يؤاخذهما بعقاب أو عتاب ثم ينقلهما إلى الجنة ، لا أستريب في ذلك أصلا ، ولا أشك في إيمانهما برسول الله صلى الله عليه وآله وصحة عقيدتهما . فقلت له : فعثمان ؟ قال : وكذلك عثمان . ثم قال : رحم الله عثمان ! وهل كان إلا واحدا منا ، وغصنا من شجرة عبد مناف ! ولكن أهله كدروه علينا ، وأوقعوا العداوة والبغضاء بينه وبيننا . قلت له : فيلزمك (1) على ما تراه في أمر هؤلاء أن تجوز دخول معاوية الجنة ، لانه لم تكن منه إلا المخالفة وترك امتثال الامر النبوى ! . فقال : كلا ، إن معاوية من أهل النار ، لا لمخالفته عليا ، ولا بمحاربته إياه ، ولكن عقيدته لم تكن صحيحة ، ولا إيمانه حقا ، وكان من رؤوس المنافقين هو وإبوه ، ولم يسلم قلبه قط ، وإنما أسلم لسانه ، وكان يذكر من حديث معاوية ومن فلتات قوله ، وما حفظ عنه من كلام يقتضى فساد العقيدة شيئا كثيرا ، ليس هذا موضعه فأذكره . وقال لى مرة : حاش لله أن يثبت معاوية في جريدة الشيخين الفاضلين أبى بكر وعمر ! والله ما هما إلا كالذهب الابريز ، ولا معاوية إلا كالدرهم الزائف ، - أو قال : كالدرهم القسى (2) - ثم قال لى : فما يقول أصحابكم فيهما ؟ قلت : أما الذى استقر عليه رأى المعتزلة بعد اختلاف كثير بين قدمائهم في التفضيل وغيره ، أن عليا عليه السلام أفضل الجماعة ، وأنهم تركوا الافضل لمصلحة رأوها ، وأنه لم يكن هناك نص يقطع العذر ، وإنما كانت إشارة وإيماء لا يتضمن شئ منها صريح النص ، وإن عليا عليه السلام نازع ثم بايع ،


(1) ب : (فيلزم لك) . (2) درهم قسى ، وتخفف سينه ، أي ردئ (*) .

[ 227 ]

وجمح ثم استجاب . ولو أقام على الامتناع لم نقل بصحة البيعة ولا بلزومها ، ولو جرد السيف كما جرده في آخر الامر لقلنا بفسق كل من خالفه على الاطلاق ، كائنا من كان ، ولكنه رضى بالبيعة أخيرا ، ودخل في الطاعة . وبالجملة ، أصحابنا يقولون : إن الامر كان له ، وكان هو المستحق والمتعين ، فإن شاء أخذه لنفسه ، وإن شاء ولاه غيره ، فلما رأيناه قد وافق على ولاية غيره ، اتبعناه ورضينا بما رضى ، فقال : فبقى بينى وبينكم قليل ، أنا أذهب إلى النص وأنتم لا تذهبون إليه ! . فقلت له : إنه لم يثبت النص عندنا بطريق يوجب العلم ، وما تذكرونه أنتم صريحا فأنتم تنفردون بنقله ، وما عدا ذلك من الاخبار التى نشارككم فيها ، فلها تأويلات معلومة . فقال لى وهو ضجر : يا فلان ، لو فتحنا باب التأويلات ، لجاز أن يتناول قولنا : (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، دعني من التأويلات الباردة التى تعلم القلوب والنفوس أنها غير مرادة ، وأن المتكلمين تكلفوها وتعسفوها ، فإنما أنا وأنت في الدار ولا ثالث لنا ، فيستحيى أحدنا من صاحبه ويخافه . فلما بلغنا إلى هذا الموضع ، دخل قوم ممن كان يخشاه ، فتركنا ذلك الاسلوب من الحديث ، وخضنا في غيره . (سياسة علي ومعاوية وإيراد كلام للجاحظ في ذلك) فأما القول في سياسة معاوية ، وأن شنأة على عليه السلام ومبغضية زعموا أنها خير من سياسة أمير المؤمنين ، فيكفينا في الكلام على ذلك ماقاله شيخنا أبو عثمان ، ونحن نحكيه بألفاظه (*) .

[ 228 ]

قال أبو عثمان : وربما رأيت بعض من يظن بنفسه العقل والتحصيل والفهم والتمييز - وهو من العامة ويظن أنه من الخاصة - يزعم أن معاوية كان أبعد غورا ، وأصح فكرا ، وأجود روية ، وأبعد غاية ، وأدق مسلكا ، وليس الامر كذلك ، وسأرمى إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه ، والمكان الذى دخل عليه الخطا من قبله . كان على عليه السلام لا يستعمل في حربه إلا ما وافق الكتاب والسنة ، وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنة ، كما يستعمل الكتاب والسنة ، ويستعمل جميع المكايد ، حلالها وحرامها ، ويسير في الحرب بسيرة ملك الهند إذا لاقى كسرى ، وخاقان إذا لاقى رتبيل (1) ، وعلى عليه السلام يقول : لا تبدءوهم بالقتال حتى يبدءوكم ، ولا تتبعوا مدبرا ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تفتحوا بابا مغلقا ، هذه سيرته في ذى الكلاع ، وفى أبى الاعور السلمى ، وفى عمرو بن العاص ، وحبيب بن مسلمة ، وفى جميع الرؤساء ، كسيرته في الحاشية والحشو والاتباع والسفلة وأصحاب الحروب ، إن قدروا على البيات بيتوا ، وإن قدروا على رضخ الجميع بالجندل وهم نيام فعلوا ، وإن أمكن ذلك في طرفة عين لم يؤخروه إلى ساعة ، وإن كان الحرق أعجل من الغرق لم يقتصروا على الغرق ولم يؤخروا الحرق إلى وقت الغرق ، وإن أمكن الهدم لم يتكلفوا الحصار ، ولم يدعوا أن نصبوا المجانيق (2) ، والعرادات (3) ، والنقب ، والتسريب ، والدبابات (4) ، والكمين (5) ، ولم يدعوا دس السموم ، ولا التضريب بين الناس بالكذب وطرح


(1) رتبيل : صاحب الترك . (2) المنجنيق : آله ترمى بها الحجارة . (3) العرادات : جمع عرادة ، وهى من آلات الحرب ، ترمى بالحجارة المرمى البعيد ، إلا أنها أصغر من المنجنيق . (4) الدبابة : آله تتخذ في الحصار ، يدخل في جوفها الرجال ثم تدفع في أصل الحصن ، قينقبونه وهم في جوفها ، وجملها دبابات . (5) الكمين : القوم يكمنون في الحرب حيلة ، وهو أن يستخفوا في مكمن ، بحيث لا يفطن لهم ثم ينتهزوا غرة العدو فينهضوا عليهم (*) .

[ 229 ]

الكتب في عساكرهم بالسعايات ، وتوهيم الامور ، وإيجاش بعض من بعض ، وقتلهم بكل آله وحيلة ، كيف وقع القتل ، وكيف دارت بهم الحال ! فمن اقتصر - حفظك الله - من التدبير على ما في الكتاب والسنة كان قد منع نفسه الطويل العريض من التدبير ، وما لا يتناهى من المكايد والكذب - حفظك الله - أكثر من الصدق ، والحرام أكثر عددا من الحلال ، ولو سمى إنسان إنسانا باسمه لكان قد صدق ، وليس له اسم غيره ، ولو قال : هو شيطان أو كلب أو حمار أو شاة أو بعير أو كل ما خطر على البال ، لكان كاذبا في ذلك ، وكذلك الايمان والكفر ، وكذلك الطاعة والمعصية ، وكذلك الحق والباطل ، وكذلك السقم والصحة ، وكذلك الخطأ والصواب ، فعلى عليه السلام كان ملجما بالورع عن جميع القول إلا ما هو لله عزوجل رضا ، وممنوع اليدين من من كل بطش إلا ما هو لله رضا ، ولا يرى الرضا إلا فيما يرضاه الله ويحبه ، ولا يرى الرضا إلا فيما دل عليه الكتاب والسنة ، دون ما يعول عليه أصحاب الدهاء والنكراء (1) والمكايد والاراء ، فلما أبصرت العوام كثرة نوادر معاوية في المكايد ، وكثرة غرائبه في الخداع ، وما اتفق له وتهيأ على يده ، ولم يرو ذلك من على عليه السلام ، ظنوا بقصر عقولهم ، وقلة علومهم ، أن ذلك من رجحان عند معاوية ونقصان عند على عليه السلام ، فانظر بعد هذا كله ، هل يعد له من الخدع إلا رفع المصاحف ! ثم انظر هل خدع بها إلا من عصى رأى على عليه السلام وخالف أمره . ! فإن زعمت أنه قال ما أراد من الاختلاف فقد صدقت ، وليس في هذا اختلفنا ، ولا عن غرارة أصحاب على عليه السلام وعجلتهم وتسرعهم وتنازعهم دفعنا ، وإنما كان قولنا في التميز بينهما في الدهاء والنكراء وصحة العقل والرأى والبزلاء (2) ، على أنا لا نصف الصالحين


(1) النكراء : الدهاء والفطنة . (2) يقال : خطة بزلاء ، أي تفصل بين الحق والباطل (*) .

[ 230 ]

بالدهاء والنكراء ، لانقول : ماكان أنكر أبا بكر بن أبى قحافة ! وما كان أنكر عمر بن الخطاب ! ولا يقول أحد عنده شئ من الخير : كان رسول الله صلى الله عليه وآله أدهى العرب والعجم وأنكر قريش وأمكر كنانة ، لان هذه الكلمة إنما وضعت في مديح أصحاب الارب ومن يتعمق في الرأى في توكيد أمر الدنيا وزبرجها وتشديد أركانها ، فأما أصحاب الاخرة الذين يرون الناس لا يصلحون على تدبير البشر ، وإنما يصلحون على تدبير خالق البشر ، فإن هؤلاء لا يمدحون بالدهاء والنكراء ، ولم يمنعوا هذا إلا ليعطوا أفضل منه . ألا ترى أن المغيرة بن شعبة - وكان أحد الدهاة - حين رد على عمرو بن العاص قوله في عمر بن الخطاب - وعمرو بن العاص أحد الدهاة أيضا : أأنت كنت تفعل ، أو توهم عمر شيئا فيلقنه عنك ! ما رأيت عمر مستخليا بأحد إلا رحمته كائنا من كان ذلك الرجل ، كان عمر والله أعقل من أن يخدع ، وأفضل من أن يخدع . ولم يذكره بالدهاء والنكراء ، هذا مع عجبه بإضافة الناس ذلك إليه ، ولكنه قد علم أنه إذا أطلق على الائمة الالفاظ التى لا تصلح في أهل الطهارة ، كان ذلك غير مقبول منه ، فهذا هذا . وكذلك كان حكم قول معاوية للجميع : أخرجوا إلينا قتلة عثمان ، ونحن لكم سلم . فاجهد كل جهدك ، واستعن بمن شايعك إلى أن تتخلص إلى صواب رأى في ذلك الوقت أضله على ، حتى تعلم أن معاوية خادع ، وأن عليا عليه السلام كان المخدوع . فإن قلت : فقد بلغ ما أراد ، ونال ما أحب ، فهل رأيت كتابنا وضع إلا على أن عليا كان قد امتحن في أصحابه وفى دهره ، بما لم يمتحن إمام قبله من الاختلاف والمنازعة ، والتشاح من الرياسة والتسرع والعجلة ، ! وهل أتى عليه السلام إلا من هذا المكان ! أو لسنا قد فرغنا من هذا الامر ، وقد علمنا أن ثلاثة نفر تواطئوا على قتل ثلاثة نفر ، فانفرد ابن ملجم

[ 231 ]

بالتماس ذلك من على عليه السلام ، وانفرد البرك الصريمى بالتماس ذلك من عمرو بن العاص ، وانفرد الاخر - وهو عمرو بن بكر التميمي - بالتماس ذلك من معاوية ، فكان من الاتفاق أو من الامتحان ، أن كان علي من بينهم هو المقتول . وفى قياس مذهبكم أن تزعموا أن سلامة عمرو ومعاوية إنما كانت بحزم منهما وأن قتل على عليه السلام إنما هو من تضييع منه ، فإذ قد تبين لكم أنه من الابتلاء والامتحان في نفسه بخلاف الذى قد شاهدتموه في عدوه ، فكل شئ سوى ذلك ، فإنما هو تبع للنفس . هذا آخر كلام أبى عثمان في هذا الموضع ، ومن تأمله بعين الانصاف ، ولم يتبع الهوى علم صحة جميع ما ذكره ، وأن أمير المؤمنين دفع - من اختلاف أصحابه ، وسوء طاعتهم له ، ولزومه سنن الشريعة ، ومنهج العدل ، وخروج معاوية وعمرو بن العاص عن قاعدة الشرع في استمالة الناس إليهم بالرغبة والرهبة - إلى ما لم يدفع إليه غيره . فلولا أنه عليه السلام كان عارفا بوجوه السياسة وتدبير أمر السلطان والخلافة ، حاذقا في ذلك ، لم يجتمع عليه إلا القليل من الناس ، وهم أهل الاخرة خاصة ، الذين لا ميل لهم إلى الدنيا ، فلما وجدناه دبر الامر حين وليه ، واجتمع عليه من العساكر والاتباع ما يتجاوز العد والحصر ، وقاتل بهم أعداءه الذين حالهم حالهم ، فظفر في أكثر حروبه ، ووقف الامر بينه وبين معاوية على سواء ، وكان هو الاظهر والاقرب إلى الانتصار - علمنا أنه من معرفة تدبير الدول والسلطان بمكان مكين (*)

[ 232 ]

(ذكر أقوال من طعن في سياسة علي والرد عليها) وقد تعلق من طعن في سياسته بأمور : منها قولهم : لو كان حين بويع له بالخلافة في المدينة أقر معاوية على الشام إلى أن يستقر الامر له ويتوطد ، ويبايعه معاوية وأهل الشام ثم يعزله بعد ذلك ، لكان قد كفى ما جرى بينهما من الحرب . والجواب : أن قرائن الاحوال حينئذ ، قد كان علم أمير المؤمنين عليه السلام منها أن معاوية لا يبايع له وإن أقره على ولاية الشام ، بل كان إقراره له على إمرة الشام أقوى لحال معاوية ، وآكد في الامتناع من البيعة ، لانه لا يخلو صاحب السؤال إما أن يقول : كان ينبغى أن يطالبه بالبيعة ويقرن إلى ذلك تقليده بالشام ، فيكون الامران معا ، أو يتقدم منه إقراره على الشام وتتأخر المطالبة بالبيعة إلى وقت ثان . فإن كان الاول فمن الممكن أن يقرأ معاوية على أهل الشام تقليده بالامرة ، فيؤكد حاله عندهم ويقرر في أنفسهم ، لولا أنه أهل لذلك لما اعتمده على عليه السلام معه ، ثم يماطله بالبيعة ، ويحاجزه عنها . وإن كان الثاني فهو الذى فعله أمير المؤمنين عليه السلام . وإن كان الثالث فهو كالقسم الاول ، بل هو آكد فيما يريده معاوية من الخلاف والعصيان . وكيف يتوهم من يعرف السير أن معاوية كان يبايع له ، لو أقره على الشام وبينه وبينه ما لا تبرك الابل عليه ، من الترات القديمة ، والاحقاد ، وهو الذى قتل حنظلة أخاه والوليد خاله ، وعتبة جده في مقام واحد ، ثم ما جرى بينهما في أيام عثمان ، حتى أغلظ كل واحد منهما لصاحبه ، وحتى تهدده معاوية ، وقال له : إنى شاخص إلى الشام وتارك عندك هذا الشيخ - يعنى عثمان - والله لئن (*)

[ 233 ]

انحصت (1) منه شعرة واحدة لاضربنك بمائة ألف سيف . وقد ذكرنا شيئا مما جرى بينهما فيما تقدم . وأما قول ابن عباس له عليه السلام : وله شهرا واعزله دهرا ، وما أشار به المغيرة ابن شعبة ، فإنهما قالا ما توهماه ، وما غلب على ظنونها وخطر بقلوبهما ، وعلى عليه السلام كان أعلم بحاله مع معاوية ، وأنها لا تقبل العلاج والتدبير . وكيف يخطر ببال عارف بحال معاوية ونكره ودهائه ، وما كان في نفسه من على عليه السلام من قتل عثمان ومن قبل قتل عثمان ، أنه يقبل إقرار على عليه السلام له على الشام ، وينخدع بذلك ، ويبايع ويعطى صفقة (2) يمينه ! إن معاوية لادهى من أن يكاد بذلك ، وإن عليا عليه السلام لاعرف بمعاوية ممن ظن أنه لو استماله بإقراره لبايع له ، ولم يكن عند على عليه السلام دواء لهذا المرض إلا السيف ، لان الحال إليه كانت تئول لا محالة ، فجعل الاخر أولا . وأنا أذكر في هذا الموضع خبرا رواه الزبير بن بكار في (الموفقيات) ليعلم من يقف عليه ، أن معاوية لم يكن لينجذب إلى طاعة على عليه السلام أبدا ، ولا يعطيه البيعة ، وأن مضادته له ، ومباينته إياه كمضادة السواد للبياض ، لا يجتمعان أبدا ، وكمباينة السلب للايجاب ، فإنها مباينة لا يمكن زوالها أصلا ، قال الزبير : حدثنى محمد بن محمد زكريا بن بسطام ، قال : حدثنى محمد بن يعقوب بن أبى الليث ، قال : حدثنى أحمد بن محمد بن الفضل بن يحيى المكى ، عن أبيه ، عن جده الفضل بن يحيى ، عن الحسن بن عبد الصمد ، عن قيس بن عرفجة ، قال : لما حصر عثمان أبرد مروان بن الحكم بخبره بريدين : أحدهما إلى الشام ، والاخر إلى اليمن - وبها يومئذ يعلى بن منية - ومع كل واحد منهما كتاب ، فيه أن بنى أمية في الناس كالشامة الحمراء ،


(1) انحص شعره : انجرد وتناثر . (2) الصفقة هنا : المبايعة (*) .

[ 234 ]

وأن الناس قد قعدوا لهم برأس كل محجة ، وعلى كل طريق ، فجعلوهم مرمى العر والعضيهة (1) ، ومقذف القشب (2) والافيكة ، وقد علمتم أنها لم تأت عثمان إلا كرها ، تجبذ من ورائها . وإنى خائف إن قتل أن تكون من بنى أمية بمناط الثريا ، إن لم نصر كرصيف الاساس المحكم ، ولئن وهى عمود البيت لتتداعين جدرانه ، والذى عيب عليه إطعامكما الشام واليمن ، ولا شك إنكما تابعاه إن لم تحذرا ، وأما أنا فمساعف كل مستشير ، ومعين كل مستصرخ ، ومجيب كل داع ، أتوقع الفرصة فأثب وثبة الفهد أبصر غفلة مقتنصة ، ولولا مخافة عطب البريد ، وضياع الكتب ، لشرحت لكما من الامر مالاتفزعان معه إلى أن يحدث الامر ، فجدا في طلب ما أنتما ولياه ، وعلى ذلك فليكن العمل إن شاء الله . وكتب في آخره : وما بلغت عثمان حتى تخطمت رجال ودانت للصغار رجال لقد رجعت عودا على بدء كونها وإن لم تجدا فالمصير زوال سيبدئ مكنون الضمائر قولهم ويظهر منهم بعد ذاك فعال فإن تقعدا لا تطلبا ما ورثتما فليس لنا طول الحياة مقال نعيش بدار الذل في كل بلدة وتظهر منا كأبة وهزال . فلما ورد الكتاب على معاوية ، أذن في الناس : الصلاة جامعة ! ثم خطبهم خطبة المستنصر المستصرخ . وفى أثناء ذلك ورد عليه قبل أن يكتب الجواب ، كتاب مروان بقتل عثمان ، وكانت نسخته : وهب الله لك أبا عبد الرحمن قوة العزم ، وصلاح النية ، ومن عليك بمعرفة الحق واتباعه ، فإنى كتبت إليك هذا الكتاب بعد قتل عثمان أمير المؤمنين عليه السلام ،


(1) العضيهد : الافك والبهتان . (2) القشب من الكلام : الفرى ، وعن ابن الاعرابي : القاشب : الذى يعيب الناس بما فيه (*) .

[ 235 ]

وأى قتلة قتل ! نحر كما ينحر البعير الكبير عند اليأس من أن ينوء بالحمل ، بعد أن نقبت صفحته بطى المراحل وسير الهجير ، وإنى معلمك من خبره غير مقصر ولا مطيل : إن القوم استطالوا مدته ، واستقلوا ناصره ، واستضعفوه في بدنه ، وأملوا بقتله بسط أيديهم فيما كان قبضة عنهم ، واعصوصبوا (1) عليه ، فظل محاصرا ، قد منع من صلاة الجماعة ، ورد المظالم ، والنظر في أمور الرعية ، حتى كأنه هو فاعل لما فعلوه . فلما دام ذلك أشرف عليهم ، فخوفهم الله وناشدهم ، وذكرهم مواعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم له ، وقوله فيه ، فلم يجحدوا فضله ، ولم ينكروه ، ثم رموه بأباطيل اختلقوها ليجعلوا ذلك ذريعة إلى قتله ، فوعدهم التوبة مما كرهوا ، ووعدهم الرجعة إلى ما أحبوا . فلم يقبلوا ذلك ، ونهبوا داره ، وانتهكوا حرمته ، ووثبوا عليه ، فسفكوا دمه ، وانقشعوا عنه انقشاع سحابة قد أفرغت ماءها ، منكفئين قبل ابن أبى طالب ، انكفاء الجراد إذ أبصر المرعى . فأخلق ببنى أمية أن يكونوا من هذا الامر بمجرى العيوق إن لم يثأره ثائر ! فإن شئت أبا عبد الرحمن أن تكونه فكنه . والسلام . فلما ورد الكتاب على معاوية ، أمر بجمع الناس ، ثم خطبهم خطبة أبكى منها العيون ، وقلقل القلوب ، حتى علت الرنة ، وارتفع الضجيج ، وهم النساء أن يتسلحن ، ثم كتب إلى طلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام ، وسعيد بن العاص ، وعبد الله بن عامر بن كريز ، والوليد بن عقبة ، ويعلى بن منية - وهو اسم أمه - وإنما اسم أبيه أمية . فكان كتاب طلحة : أما بعد ، فإنك أقل قريش في قريش وترا ، مع صباحة وجهك وسماحة كفك ، وفصاحة لسانك . فأنت بإزاء من تقدمك في السابقة ، وخامس المبشرين بالجنة ، ولك يوم أحد وشرفه وفضله ، فسارع رحمك الله إلى ما تقلدك الرعية من أمرها مما لا يسعك التخلف عنه ، ولا يرضى الله منك إلا بالقيام به ، فقد أحكمت لك الامر


(1) اعصوصب القوم : اجتمعوا وصاروا عصائب (*) .

[ 236 ]

قبلى ، والزبير فغير متقدم عليك بفضل ، وأيكما قدم صاحبه فالمقدم الامام ، والامر من بعده للمقدم له ، سلك الله بك قصد المهتدين ، ووهب لك رشد الموفقين . والسلام . وكتب إلى الزبير : أما بعد ، فإنك الزبير بن العوام ، بن أبى خديجة وابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه ، وسلفه ، وصهر أبى بكر ، وفارس المسلمين ، وأنت الباذل في الله مهجته بمكة عند صيحة الشيطان ، بعثك المنبعث ، فخرجت كالثعبان المنسلخ . بالسيف المنصلت ، تخبط خبط الجمل الرديع (1) ، كل ذلك قوة إيمان ، وصدق يقين ، وسبقت لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم البشارة بالجنة ، وجعلك عمر أحد المستخلفين على الامة . واعلم يا أبا عبد الله ، أن الرعية أصبحت كالغنم المتفرقة لغيبة الراعى ، فسارع رحمك الله إلى حقن الدماء ولم الشعث ، وجمع الكلمة ، وصلاح ذات البين ، قبل تفاقم الامر وانتشار الامة ، فقد أصبح الناس على شفا جرف هار عما قليل ينهار إن لم يرأب . فشمر لتأليف الامة ، وابتغ إلى ربك سبيلا ، فقد أحكمت الامر على من قبلى لك ولصاحبك على أن الامر للمقدم ، ثم لصاحبه من بعده . جعلك الله من أئمة الهدى ، وبغاة الخير والتقوى . والسلام . وكتب إلى مروان بن الحكم : أما بعد ، فقد وصل إلي كتابك بشرح خبر أمير المؤمنين ، وما ركبوه به ، ونالوه منه ، جهلا بالله وجراءة عليه ، واستخفافا بحقه ، ولامانى لوح الشيطان بها في شرك الباطل ليدهدههم (2) في أهويات الفتن ، ووهدات الضلال ، ولعمري لقد صدق عليهم ظنه ، ولقد اقتنصهم بأنشوطة فخة . فعلى رسلك أبا عبد الله ، يمشى الهوينى ويكون أولا ، فإذا قرأت كتابي هذا فكن كالفهد لا يصطاد إلا غيلة ، ولا يتشازر (3) إلا عن حيلة ،


(1) الرديع ، أي المردوع ، من ردعه ، إذا كفه . (2) أي (ليرديهم) . (3) تشازر : نظر بمؤخر العين (*) .

[ 237 ]

وكالثعلب لا يفلت إلا روغانا . واخف نفسك منهم إخفاء القنفذ رأسه عند لمس الاكف ، وامتهن نفسك امتهان من ييأس القوم من نصره وانتصاره ، وابحث عن أمورهم بحث الدجاجة عن حب الدخن عند فقاسها ، وأنغل (1) الحجاز فإنى منغل الشام . والسلام . وكتب إلى سعيد بن العاص : أما بعد ، فإن كتاب مروان ورد على من ساعة وقعت النازلة ، تقبل به البرد بسير المطى الوجيف (2) ، تتوجس توجس الحية الذكر خوف ضربة الفأس ، وقبضة الحاوى (3) ، ومروان الرائد لا يكذب أهله ، فعلام الافكاك يابن العاص ، ولات حين مناص ! ذلك أنكم يا بنى أمية عما قليل تسألون أدنى العيش من أبعد المسافة ، فينكركم من كان منكم عارفا ، ويصد عنكم من كان لكم واصلا ، متفرقين في الشعاب تتمنون لمظة (4) المعاش ، إن أمير المؤمنين عتب عليه فيكم ، وقتل في سبيلكم ، ففيم القعود عن نصرته ، والطلب بدمه ، وأنتم بنو أبيه ، ذوو رحمه وأقربوه ، وطلاب ثأره ! أصبحتم متمسكين بشظف معاش زهيد ، عما قليل ينزع منكم عند التخاذل وضعف القوى . فإذا قرأت كتابي هذا فدب دبيب البرء في الجسد النحيف ، وسر سير النجوم تحت الغمام ، واحشد حشد الذرة (5) في الصيف لانجحارها في الصرد ، فقد أيدتكم بأسد وتيم . وكتب في الكتاب : تالله لا يذهب شيخي باطلا حتى أبير مالكا وكاهلا (6)


(1) أنغلهم ، أي أحملهم على الضغن . (2) الوجيف : السير السريع . (3) الحاوى : الذى يرقى الحية . (4) اللمظة في الاصل : اليسير من السمن ، تأخذه بإصبعك ، يقال : عنده لمظة من سمن ثم أطلق على كل شئ قليل . (5) الذر : صغار النمل . (6) لامرئ القيس ، ديوانه 134 . أبير : أهلك . ومالك وكاهل من بنى أسد (*) .

[ 238 ]

القاتلين الملك الحلاحلا (1) خير معد حسبا ونائلا (2) . وكتب إلى عبد الله بن عامر : أما بعد ، فإن المنبر مركب ذلول ، سهل الرياضة ، لا ينازعك اللجام . وهيهات ذلك إلا بعد ركوب أثباج المهالك ، واقتحام أمواج المعاطب . وكأني بكم يا بنى أمية شعارير (3) كالاوارك ، تقودها الحداة ، أو كرخم الخندمة (4) تذرق (5) خوف العقاب ، فثب الان رحمك الله قبل أن يستشرى الفساد وندب (6) السوط جديد ، والجرح لما يندمل ، ومن قبل استضراء الاسد ، والتقاء لحييه ، على فريسته وساور الامر مساورة الذئب الاطلس كسيرة القطيع . ونازل الرأى ، وانصب الشرك ، وارم عن تمكن ، وضع الهناء مواضع النقب (7) ، واجعل أكبر عدتك الحذر ، وأحد سلاحك التحريض . واغض عن العوراء ، وسامح اللجوج ، واستعطف الشارد ، ولاين الاشوس ، وقو عزم المريد ، وبادر العقبة ، وازحف زحف الحية . واسبق قبل أن تسبق ، وقم قبل أن يقام لك . واعلم أنك غير متروك ولا مهمل ، فإنى لكم ناصح أمين . والسلام . وكتب في أسفل الكتاب :


(1) الحلاحل : السيد الشريف ، يعنى أباه . (2) قال شارح ديوانه : قوله : (خير معد) ، هو راجع إلى قوله : (مالكا وكاهلا) ، لان بنى أسد من معد ، وإنما يريد : حتى أهلك أشرف معد وخيرهم ، انتصارا لابي . النائل : العطاء . (3) شعارير : متفرقون . والاوراك : جمع أركة ، وهى الناقة التى تلزم الاراك وترعاه ، وشأنها التفرق لتتبع الاراك . (4) الخندمة : موضع . (5) ذرق الطائر : سلح . (6) ندب السوط : أثره . (7) هنأ البعير : طلاه بالهناء ، وهو القطران ، والنقب جمع نقبة ، وهى أول ما يبدو من الجرب ، وأصله قول دريد بن الصمة : متبذلا لا تبدو محاسنه يضع الهناء مواضع النقب وانظر اللسان (نقب) (*) .

[ 239 ]

عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما (1) تحية من أهدى السلام لاهله إذا شط دارا عن مزارك سلما فما كان قيس هلكة هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما وكتب إلى الوليد بن عقبة : يابن عقبه ، كن الجيش ، وطيب العيش أطيب من سفع سموم الجوزاء عند اعتدال الشمس في أفقها ، إن عثمان أخاك أصبح بعيدا منك فاطلب لنفسك ظلا تستكن به ، إنى أراك على التراب رقود ا ، وكيف بالرقاد بك ! لارقاد لك ، فلو قد استتب هذا الامر لمريده ألفيت كشريد النعام ، يفزع من ظل الطائر ، وعن قليل تشرب الرنق ، وتستشعر الخوف . أراك فسيح الصدر ، مسترخى اللبب ، رخو الحزام ، قليل الاكتراث ، وعن قليل يجتث أصلك . والسلام . وكتب في آخر الكتاب : اخترت نومك أن هبت شآمية عند الهجير وشربا بالعشيات على طلابك ثأرا من بنى حكم هيهات من راقد طلاب ثارات . وكتب إلى يعلى بن أميه : حاطك الله بكلاءته ، وأيدك بتوفيقه . كتبت إليك صبيحة ورد على كتاب مروان بخبر قتل أمير المؤمنين ، وشرح الحال فيه . وإن أمير المؤمنين طال به العمر حتى نقصت قواه ، وثقلت نهضته ، وظهرت الرعشة في أعضائه ، فلما رأى ذلك أقوام لم يكونوا عنده موضعا للامامة والامانة وتقليد الولاية ، وثبوا به ، وألبوا عليه ، فكان أعظم ما نقموا عليه وعابوه به ، ولايتك اليمن وطول مدتك عليها . ثم ترامى بهم الامر حالا بعد حال ، حتى


(1) لعبدة بن الطبيب يرثى قيس بن عاصم . الشعر والشعراء 707 (*) .

[ 240 ]

ذبحوه ذبح النطيحة (1) مبادرا بها الفوت ، وهو مع ذلك صائم معانق المصحف ، يتلو كتاب الله . فيه عظمت مصيبة الاسلام بصهر الرسول ، والامام المقتول . على غير جرم سفكوا دمه ، وانتهكوا حرمته ، وأنت تعلم أن بيعته في أعناقنا ، وطلب ثأره لازم لنا ، فلا خير في دنيا تعدل بنا عن الحق ، ولا في إمرة توردنا النار . وإن الله جل ثناؤه لا يرضى بالتعذير في دينه ، فشمر لدخول العراق . فأما الشام فقد كفيتك أهلها ، وأحكمت أمرها ، وقد كتبت إلى طلحة بن عبيد الله أن يلقاك بمكة ، حتى يجتمع رأيكما على إظهار الدعوة ، والطلب بدم عثمان أمير المؤمنين المظلوم ، وكتبت إلى عبد الله بن عامر يمهد لكم العراق ، ويسهل لكم حزونة عقابها (2) . واعلم يابن أمية أن القوم قاصدوك بادئ بدء لاستنطاف ما حوته يداك من المال ، فاعلم ذلك واعمل على حسبه إن شاء الله . وكتب في أسفل الكتاب : ظل الخليفه محصورا يناشدهم بالله طورا ، وبالقرآن أحيانا وقد تألف أقوام على حنق عن غير جرم وقالوا فيه بهتانا فقام يذكرهم وعد الرسول له وقوله فيه إسرارا وإعلانا فقال كفوا فإنى معتب لكم وصارف عنكم يعلى ومروانا فكذبوا ذاك منه ثم ساوره من حاض لبته ظلما وعدوانا (3) . قال : فكتب إليه مروان جوابا عن كتابه : أما بعد ، فقد وصل كتابك ، فنعم كتاب زعيم العشيرة ، وحامى الذمار ! وأخبرك


(1) النطيحة : الشاة المنطوحة . (2) العقاب ، بالكسر : جمع عقبة ، وهى في الاصل : المرقى الصعب من الجبال (*) .

[ 241 ]

أن القوم على سنن استقامة إلا شظايا شعب ، شتت بينهم مقولى على غير مجابهة ، حسب ما تقدم من أمرك ، وإنما كان ذلك رسيس (1) العصاة ، ورمى أخدر من أغصان الدوحة ، ولقد طويت أديمهم على نغل يحلم (2) منه الجلد . كذبت نفس الظان بنا ترك المظلمة ، وحب الهجوع ، إلا تهويمة الراكب العجل ، حتى تجذ جماجم ، وجماجم جذ العراجين المهدلة حين إيناعها ، وأنا على صحة نيتى ، وقوة عزيمتي وتحريك الرحم لى ، وغليان الدم منى ، غير سابقك بقول ، ولا متقدمك بفعل ، وأنت ابن حرب ، طلاب الترات ، وآبى الضيم . وكتابي إليك وأنا كحرباء السبسب في الهجير ترقب عين الغزالة (3) ، وكالسبع المفلت من الشرك يفرق من صوت نفسه ، منتظرا لما تصح به عزيمتك ، ويرد به أمرك ، فيكون العمل به ، والمحتذى عليه . وكتب في أسفل الكتاب : أيقتل عثمان وترقا دموعنا ونرقد هذا الليل لانتفزع ! ونشرب برد الماء ريا وقد مضى على ظمأ يتلو القرآن ويركع فإنى ومن حج الملبون بيته وطافوا به سعيا ، وذو العرش يسمع سأمنع نفسي كل ما فيه لذة من العيش حتى لا يرى فيه مطمع وأقتل بالمظلوم من كان ظالما وذلك حكم الله ما عنه مدفع . وكتب إليه عبد الله بن عامر :


(1) الرسيس : الشئ الثابت ، يريد أن ذلك دأبهم وعادتهم . (2) حلم الجلد ، إذا فسد . (3) السبسب : المفازة ، أو الارض المستوية البعيدة . والهجير : شدة الحر ، والغزالة : الشمس (*) .

[ 242 ]

أما بعد ، فإن أمير المؤمنين كان لنا الجناح الحاضنة تأوى إليها فراخها تحتها ، فلما أقصده (1) السهم صرنا كالنعام الشارد . ولقد كنت مشترك الفكر ، ضال الفهم ، ألتمس دريئة أستجن بها من خطأ الحوادث ، حتى وقع (2) إلي كتابك ، فانتبهت من غفلة طال فيها رقادي ، فأنا كواجد المحجة كان إلى جانبها حائرا وكأني أعاين ما وصفت من تصرف الاحوال . والذى أخبرك به أن الناس في هذا الامر تسعة لك وواحد عليك ، ووالله للموت في طلب العز أحسن من الحياة في الذلة ، وأنت ابن حرب فتى الحروب ، ونضار (3) بنى عبد شمس ، والهمم بك منوطة وأنت منهضها ، (فإذا نهضت فليس حين قعود) وأنا اليوم على خلاف ما كانت عليه عزيمتي من طلب العافية ، وحب السلامة قبل قرعك سويداء القلب بسوط الملام ، ولنعم مؤدب العشيرة أنت ! وإنا لنرجوك بعد عثمان ، وهأنا متوقع ما يكون منك لامتثله ، وأعمل عليه إن شاء الله . وكتب في أسفل الكتاب : لا خير في العيش في ذل ومنقصة * والموت أحسن من ضيم ومن عار إنا بنو عبد شمس معشر أنف * غرجحاجحة طلاب أوتار والله لو كان ذميا مجاورنا ليطلب العزلم نقعد عن الجار فكيف عثمان لم يدفن بمزبلة * على القمامة مطروحا بها عار ! فازحف إلي فإنى زاحف لهم بكل أبيض ماضى الحد بتار وكتب إليه الوليد بن عقبه : أما بعد ، فإنك أسد قريش عقلا ، وأحسنهم فهما ، وأصوبهم رأيا ، معك حسن


(1) أقصده : أصابه . (2) د : (دفع) . (3) ب : (نصار) (*) .

[ 243 ]

السياسة ، وأنت موضع الرياسة ، تورد بمعرفة ، وتصدر عن منهل روى . مناوئك كالمنقلب من العيوق (1) يهوى به عاصف الشمال إلى لجة البحر . كتبت إلي تذكر طيب الخيش ، ولين العيش ، فملء بطني علي حرام إلا مسكة الرمق (2) حتى أفرى (3) أوداج قتلة عثمان فرى الاهب (4) بشباة الشفار . وأما اللين فهيهات إلا خيفة المرتقب يرتقب غفلة الطالب ، إنا على مداجاة ، ولما تبدو صفحاتنا بعد ، وليس دون الدم بالدم مزحل . إن العار منقصة ، والضعف ذل ، أيخبط قتلة عثمان زهرة الحياة الدنيا ، ويسقون برد المعين ، ولما يمتطوا الخوف ، ويستحلسوا الحذر بعد مسافة الطرد وامتطاء العقبة الكئود في الرحلة ! لادعيت لعقبة إن كان ذلك حتى أنصب لهم حربا تضع الحوامل لها أطفالها ! قد ألوت بنا المسافة ، ووردنا حياض المنايا ، وقد عقلت نفسي على الموت عقل البعير ، واحتسبت أنى ثانى عثمان أو اقتل قاتله ! فعجل علي ما يكون من رأيك ، فإنا منوطون بك ، متبعون عقبك ، ولم أحسب الحال تتراخى بك إلى هذه الغاية ، لما أخافه من إحكام القوم أمرهم . وكتب في أسفل الكتاب : نومى علي محرم إن لم أقم بدم ابن أمي من بنى العلات قامت على إذا قعدت ولم أقم بطلاب ذاك مناحة الاموات عذبت حياض الموت عندي بعد ما كانت كريهة مورد النهلات . وكتب إليه يعلى بن أمية :


(1) العيوق : نجم أحمر مضئ في طرف المجرة الايمن ، يتلو الثريا ، لا يتقدمها ، يضرب مثلا للبعد . (2) الرمق : بقية الروح . (3) فرى الجد : شقه . (4) الاهب : جمع إهاب ، وهو الجلد ما لم يدبغ (*) .

[ 244 ]

إنا وأنتم يا بنى أمية كالحجر لا يبنى بغير مدر ، وكالسيف لا يقطع إلا بضاربه . وصل كتابك بخبر القوم وحالهم ، فلئن كانوا ذبحوه ذبح النطيحة بودر بها الموت لينحرن ذابحه نحر البدنة وافى بها الهدى الاجل ! ثكلتني من أنا ابنها إن نمت عن طلب وتر عثمان ، أو يقال : لم يبق فيه رمق ! إنى أرى العيش بعد قتل عثمان مرا ، إن أدلج القوم فإنى مدلج ، وأما قصدهم ما حوته يدى من المال ، فالمال أيسر مفقود إن دفعوا إلينا قتلة عثمان ، وإن أبوا ذلك أنفقنا المال على قتالهم ، وإن لنا ولهم لمعركة نتناحر فيها نحر القدار النقائع (1) ، عن قليل تصل لحومها . وكتب في أسفل الكتاب : لمثل هذا اليوم أوصى الناس لا تعط ضيما أو يخر الراس . قال : فكل هؤلاء كتبوا إلى معاوية يحرضونه ، ويغرونه ، ويحركونه ، ويهيجونه ، إلا سعيد بن العاص ، فإنه كتب بخلاف ما كتب به هؤلاء ، كان كتابه : أما بعد ، فإن الحزم في التثبت ، والخطأ في العجلة ، والشؤم في البدار ، والسهم سهمك ما لم ينبض به الوتر ، ولن يرد الحالب في الضرع اللبن . ذكرت حق أمير المؤمنين علينا ، وقرابتنا منه ، وأنه قتل فينا ، فخصلتان ذكرهما نقص ، والثالثة تكذب ، وأمرتنا بطلب دم عثمان ، فأى جهة تسلك فيها أبا عبد الرحمن ! ردمت الفجاج ، وأحكم الامر عليك ، وولى زمامه غيرك ، فدع مناوأة من لو كان افترش فراشه صدر الامر لم يعدل به غيره . وقلت : كأنا عن قليل لا نتعارف ، فهل نحن إلا حى من قريش ، إن لم تنلنا الولاية لم يضق عنا الحق ، إنها خلافة منافية ، وبالله أقسم قسما مبرورا ، لئن صحت عزيمتك على


(1) القدار : الجزار ، والنقائع : جمع نقيعة ، وهيما نحر من إبل النهب . (*)

[ 245 ]

ما ورد به كتابك ، لا لفينك بين الحالين ، طليحا . وهبني أخالك بعد خوض الدماء تنال الظفر ، هل في ذلك عوض من ركوب المأثم ، ونقص الدين . ! أما أنا فلا على بنى أمية ولا لهم ، أجعل الحزم دارى ، والبيت سجنى ، وأتوسد الاسلام ، واستشعر العافية . فاعدل أبا عبد الرحمن زمام راحلتك إلى محجة الحق ، واستوهب العافية لاهلك ، واستعطف الناس على قومك ، وهيهات من قبلوك ما أقول حتى يفجر مروان ينابيع الفتن تأجج في البلاد ، وكأني بكما عند ملاقاة الابطال تعتذران بالقدر ، ولبئس العاقبة الندامة ! وعما قليل يضح لك الامر . والسلام . هذا آخر ما تكاتب القوم به ، ومن وقف عليه علم أن الحال لم يكن حالا يقبل العلاج والتدبير ، وأنه لم يكن بد من السيف ، وأن عليا عليه السلام كان أعرف بما عمل . وقد أجاب ابن سنان في كتابه الذى سماه (العادل) عن هذا السؤال ، فقال : قد علم الناس كافة أنه عليه السلام في قصة الشورى عرض عليه عبد الرحمن بن عوف ، أن يعقد له الخلافة على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبى بكر وعمر ، فلم يستجب إلى ذلك ، وقال : بل علي أن أعمل بكتاب الله وسنة رسوله ، وأجتهد رأيى . وقد اختلف الناس في ذلك ، فقالت الشيعة : إنما لم يدخل تحت الشرط ، لانه لم يستصوب سيرتهما . وقال غيرهم : إنما امتنع لانه مجتهد ، والمجتهد لا يقلد المجتهد ، فأيهما أقرب على القولين جميعا إثما ، وأيسر وزرا ! أن يقر معاوية على ولاية الشام مدة إلى أن تتوطد خلافته ، مع ما ظهر من جور معاوية وعداوته ، ومد يده إلى الاموال والدماء أيام سلطانه ، أو أن يعاهد عبد الرحمن على العمل بسيرة أبى بكر وعمر ، ثم يخالف بعض أحكامها إذا استقر الامر له ، ووقع العقد ! ولا ريب أن أحدا لا يخفى عليه فضل ما بين

[ 246 ]

الموضعين ، وفضل ما بين الاثمين ، فمن لا يجيب إلى الخلافة والاستيلاء على جميع بلاد الاسلام إذا تسمح بلفظة يتلفظ بها ، يجوز أن يتأولها أو يورى فيها ، كيف يستجيب إلى إقرار الجائر ، وتقوية يده مع تمكينه في سلطانه ، لتحصل له طاعة أهل الشام واستضافة طرف من الاطراف ! وكأن معنى قول القائل : هلا أقر معاوية على الشام ، هو هلا كان عليه السلام متهاونا بأمر الدين راغبا في تشديد أمر الدنيا . والجواب عن هذا ظاهر ، وجهل السائل عنه واضح . واعلم أن حقيقة الجواب هو أن عليا عليه السلام ، كان لا يرى مخالفة الشرع ، لاجل السياسة ، سواء أكانت تلك السياسة دينية أو دنيوية ، أما الدنيوية فنحو أن يتوهم الامام في إنسان أنه يروم فساد خلافته من غير أن يثبت ذلك عليه يقينا ، فإن عليا عليه السلام لم يكن يستحل قتله ، ولا حسبه ، ولا يعمل بالتوهم وبالقول غير المحقق ، وأما الدينية فنحو ضرب المتهم بالسرقة ، فإنه أيضا لم يكن يعمل به ، بل يقول : إن يثبت عليه بإقرار أو بينة ، أقمت عليه الحد ، وإلا لم أعترضه . وغير على عليه السلام قد كان منهم من يرى خلاف هذا الرأى ، ومذهب مالك بن أنس العمل على المصالح المرسلة ، وأنه يجوز للامام أن يقتل ثلث الامة لاصلاح الثلثين ، ومذهب أكثر الناس أنه يجوز العمل بالرأى وبغالب الظن ، وإذا كان مذهبه عليه السلام ما قلناه ، وكان معاوية عنده فاسقا ، وقد سبق عنده مقدمة أخرى يقينية ، هي أن استعمال الفاسق لا يجوز ولم يكن ممن يرى تمهيد قاعدة الخلافة بمخالفة الشريعة ، فقد تعين مجاهرته بالعزل ، وإن أفضى ذلك إلى الحرب . فهذا هو الجواب الحقيقي ، ولو لم يكن هذا هو الجواب الحقيقي ، لكان لقائل أن

[ 247 ]

يقول لابن سنان القول في عدوله عن الدخول تحت شرط عبد الرحمن ، كالقول في عدوله عن إقرار معاوية على الشام ، فإن من ذهب إلى تغليطه في أحد الموضعين ، له أن يذهب إلى تغليطه في الموضع الاخر . قال ابن سنان : وجواب آخر ، وهو أنا قد علمنا أن أحد الاحداث التى نقمت على عثمان ، وأفضت بالمسلمين إلى حصاره وقتله ، تولية معاوية الشام ، مع ما ظهر من جوره وعدوانه ، ومخالفة أحكام الدين في سلطانه ، وقد خوطب عثمان في ذلك ، فاعتذر بإن عمر ولاه قبله ، فلم يقبل المسلمون عذره ، ولاقنعوا منه إلا بعزله ، حتى أفضى الامر إلى ما أفضى ، وكان على عليه السلام من أكثر المسلمين لذلك كراهية ، وأعرفهم بما فيه من الفساد في الدين . فلو أنه عليه السلام افتتح عقد الخلافة له بتوليته معاوية الشام ، وإقراره فيه ، أليس كان يبتدئ في أول أمره بما انتهى إليه عثمان في آخره ، فأفضى إلى خلعه وقتله ! ولو كان ذلك في حكم الشريعة سائغا ، والوزر فيه مأمونا ، لكان غلطا قبيحا في السياسة ، وسببا قويا للعصيان والمخالفة ، ولم يكن يمكنه عليه السلام أن يقول للمسلمين : إن حقيقة رأيى عزل معاوية عند استقرار الامر ، وطاعة الجمهور لى ، وإن قصدي بإقراره على الولاية ، مخادعته ، وتعجيل طاعته ، ومبايعة الاجناد الذين قبله ، ثم استأنف بعد ذلك فيه ما يستحقه من العزل ، وأعمل فيه بموجب العدل ، لان إظهاره عليه السلام لهذا العزم كان يتصل خبره بمعاوية فيفسد التدبير الذى شرع فيه ، وينتقض الرأى الذى عول عليه . ومنها قولهم : إنه ترك طلحة والزبير حتى خرجا إلى مكة ، وأذن لهما في العمرة ، وذهب عنه الرأى في ارتباطهما قبله ، ومنعهما من البعد عنه .

[ 248 ]

والجواب عنه ، أنه قد اختلف الرواة في خروج طلحة والزبير من المدينة : هل كان بإذن على عليه السلام أم لا ! فمن قال : إنهما خرجا عن غير إذنه ولا علمه ، فسؤاله ساقط ، ومن قال : إنهما استأذناه في العمرة ، وأذن لهما ، فقد روى أنه قال : والله ما تريدان العمرة ، وإنما تريدان الغدرة ! وخوفهما بالله من التسرع إلى الفتنة ، وما كان يجوز له في الشرع أن يحبسهما ، ولا في السياسة . أما في الشرع فلانه محظور أن يعاقب الانسان بما لم يفعل ، وعلى ما يظن منه ، ويجوز ألا يقع ، وأما في السياسة ، فلانه لو أظهر التهمة لهما - وهما من أفاضل السابقين ، وجلة المهاجرين - لكان في ذلك من التنفير عنه مالا يخفى ، ومن الطعن عليه ما هو معلوم ، بإن يقال : إنه ليس من إمامته على ثقة ، فلذلك يتهم الرؤساء ، ولا يأمن الفضلاء ، لا سيما وطلحة كان أول من بايعه ، والزبير لم يزل مشتهرا بنصرته ، فلو حبسهما ، وأظهر الشك فيهما لم يسكن أحد إلى جهته ، ولنفر الناس كلهم عن طاعته . فإن قالوا : فهلا استصلحهما وولاهما ، وارتبطهما بالاجابة إلى أغراضهما ؟ . قيل لهم : فحوى هذا أنكم تطلبون من أمير المؤمنين عليه السلام أن يكون في الامامة مغلوبا على رأيه ، مفتاتا عليه في تدبيره ، فيقر معاوية على ولاية الشام غصبا ، ويولى طلحة والزبير مصر والعراق كرها ، وهذا شئ ما دخل تحته أحد ممن قبله ، ولا رضوا أن يكون لهم من الامامة الاسم ، ومن الخلافة اللفظ ، ولقد حورب عثمان وحصر على أن يعزل بعض ولاته فلم يجب إلى ذلك ، فكيف تسومون عليا عليه السلام أن يفتتح أمره بهذه الدنية ويرضى بالدخول تحت هذه الخطة ! وهذا ظاهر . ومنها تعلقهم بتولية أمير المؤمنين عليه السلام محمد بن أبى بكر مصر ، وعزله قيس بن سعد عنها ، حتى قتل محمد بها ، واستولى معاوية عليها .

[ 249 ]

والجواب أنه ليس يمكن أن يقال : إن محمدا رحمه الله لم يكن بأهل لولاية مصر ، لانه كان شجاعا زاهدا فاضلا ، صحيح العقل والرأى ، وكان مع ذلك من المخلصين في محبة أمير المؤمنين عليه السلام ، والمجتهدين في طاعته ، وممن لا يتهم عليه ، ولا يرتاب بنصحه ، وهو ربيبه وخريجه ، ويجرى مجرى أحد أولاده عليه السلام ، لتربيته له ، وإشفاقه عليه . ثم كان المصريون على غاية المحبة له ، والايثار لولايته ، ولما حاصروا عثمان وطالبوه بعزل عبد الله بن سعد بن أبى سرح عنهم ، اقترحوا تأمير محمد بن أبى بكر عليهم ، فكتب له عثمان بالعهد على مصر وصار مع المصريين حتى تعقبه كتاب عثمان إلى عبد الله بن سعد في أمره وأمر المصريين بما هو معروف ، فعادوا جميعا ، وكان من قتل عثمان ما كان ، فلم يكن ظاهر الرأى ووجة التدبير إلا تولية محمد بن أبى بكر على مصر ، لما ظهر من ميل المصريين إليه ، وإيثارهم له ، واستحقاقه لذلك بتكامل خصال الفضل فيه ، فكان الظن قويا باتفاق الرعية على طاعته ، وانقيادهم إلى نصرته ، واجتماعهم على محبته ، فكان من فساد الامر واضطرابه عليه حتى كان ما كان ، وليس ذلك يعيب على أمير المؤمنين عليه السلام ، فإن الامور إنما يعتمدها الامام على حسب ما يظن فيها من المصلحة ، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى . وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وآله في مؤتة جعفرا فقتل ، وولى زيدا فقتل ، وولى عبد الله بن رواحة فقتل ، وهزم الجيش ، وعاد من عاد منهم إلى المدينة بأسوأ حال ، فهل لاحد أن يعيب رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا ، ويطعن في تدبيره . ! ومنها قولهم : إن جماعة من أصحابه عليه السلام فارقوه ، وصاروا إلى معاوية ، كعقيل بن أبى طالب أخيه ، والنجاشى شاعره ، ورقبة بن مصقلة أحد الوجوه من أصحابه ، ولولا أنه

[ 250 ]

كان يوحشهم ولا يستميلهم لم يفارقوه ويصيروا إلى عدوه ، وهذا يخالف حكم السياسة ، وما يجب من تألف قلوب الاصحاب والرعية . والجواب : إنا أولا لاننكر أن يكون كل من رغب في حطام الدنيا وزخرفها ، وأحب العاجل من ملاذها وزينتها يميل إلى معاوية الذى يبذل منها كل مطلوب ، ويسمح بكل مأمول ، ويطعم خراج مصر عمرو بن العاص ، ويضمن لذى الكلاع وحبيب بن مسلمة ما يوفى على الرجاء والاقتراح ، وعلى عليه السلام لا يعدل فيما هو أمين عليه من مال المسلمين عن قضية الشريعة وحكم الملة ، حتى يقول خالد بن معمر السدوسى لعلباء بن الهيثم ، وهو يحمله على مفارقة على عليه السلام ، واللحاق بمعاوية : اتق الله يا علباء في عشيرتك ، وانظر لفنسك ولرحمك ، ماذا تؤمل عند رجل أردته على أن يزيد في عطاء الحسن الحسين دريهمات يسيرة ريثما يرأبان بها ظلف عيشهما ، فأبى وغضب فلم يفعل . فأما عقيل ، فالصحيح الذى اجتمع ثقات الرواة عليه أنه لم يجتمع مع معاوية إلا بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام ، ولكنه لازم المدينة ، ولم يحضر حرب الجمل وصفين ، وكان ذلك بإذن أمير المؤمنين عليه السلام ، وقد كتب عقيل إليه بعد الحكمين يستأذنه في القدوم عليه الكوفة بولده وبقية أهله ، فأمره عليه السلام بالمقام ، وقد روى في خبر مشهور ، أن معاوية وبخ سعيد بن العاص على تأخيره عنه في صفين ، فقال سعيد : لو دعوتني لوجدتني قريبا ، ولكني جلست مجلس عقيل وغيره من بنى هاشم ، ولو أوعبنا لاوعبوا (1) . وأما النجاشي ، فإنه شرب الخمر في شهر رمضان ، فأقام على عليه السلام الحد عليه ،


(1) أوعب عليه ، إذا خرجوا جميعهم للغزر . (*)

[ 251 ]

وزاده عشرين جلدة فقال النجاشي : ما هذه العلاوة (1) ؟ قال : لجرأتك على الله في شهر رمضان . فهرب النجاشي إلى معاوية . وأما رقبة بن مصقلة ، فإنه ابتاع سبى بنى ناجية وأعتقهم ، وألط بالمال (2) وهرب إلى معاوية ، فقال عليه السلام : فعل فعل السادة ، وأبق إباق العبيد ، وليس تعطيل الحدود وإباحة حكم الدين وإضاعة مال المسلمين من التألف والسياسة لمن يريد وجه الله تعالى ، والتلزم بالدين ، ولا يظن بعلى عليه السلام التساهل والتسامح في صغير من ذلك ولا كبير . ومنها شبهة الخوارج وهى التحكيم ، وقد يحتج به على أنه اعتمد مالا يجوز في الشرع ، وقد يحتج به على أنه اعتمد ما ليس بصواب في تدبير الامر ، أما الاول فقولهم : إنه حكم الرجال في دين الله ، والله سبحانه يقول : (إن الحكم إلا لله) (3) وأما الثاني فقولهم : إنه كان قد لاح له النصر ، وظهرت أمارات الظفر بمعاوية ، ولم يبق إلا أن يأخذ برقبته فترك التصميم على ذلك ، وأخلد إلى التحكيم ، وربما قالوا : إن تحكيمه يدل على شك منه في أمره ، وربما قالوا : كيف رضى بحكومة أبى موسى وهو فاسق عنده بتثبيطه أهل الكوفة عنه في حرب البصرة ؟ وكيف رضى بتحكيم عمرو بن العاص وهو أفسق الفاسقين ؟ . والجواب : أما تحكيم الرجال في الدين فليس بمحظور ، فقد أمر الله تعالى بالتحكيم بين المرأة وزوجها ، فقال : (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما


(1) العلاوة ، بالكسر : ما زاد على الشئ . (2) ألط بالمال ، أي أخذه وجحده . (3) سورة الانعام 57 . (*)

[ 252 ]

من أهلها) (1) . وقال في جزاء الصيد : (يحكم به ذوا عدل منكم) (2) . وأما قولهم : كيف ترك التصميم بعد ظهور أمارات النصر ؟ فقد تواتر الخبر بأن أصحابه لما رفع أهل الشام المصاحف عند ظهور أهل العراق عليهم ، ومشارفة هلاك معاوية وأصحابه ، انخدعوا برفع المصاحف ، وقالوا : لا يحل لنا التصميم على حربهم ، ولايجوز لنا إلا وضع السلاح ورفع الحرب والرجوع إلى المصاحف وحكمها . فقال لهم : إنها خديعة ، وإنها كلمة حق يراد بها باطل ، وأمرهم بالصبر ولو ساعة واحدة ، فأبوا ذلك ، وقالوا : أرسل إلى الاشتر فليعد ، فأرسل إليه ، فقال : كيف أعود وقد لاحت أمارات النصر والظفر ! فقالوا له : ابعث إليه مرة أخرى ، فبعث إليه ، فأعاد الجواب بنحو قوله الاول ، وسأل أن يمهل ساعة من النهار ، فقالوا : إن بينك وبينه وصية ألا يقبل ، فإن لم تبعث إليه من يعيده ، وإلا قتلناك بسيوفنا كما قتلنا عثمان ، أو قبضنا عليك وأسلمناك إلى معاوية فعاد الرسول إلى الاشتر ، فقال : أتحب أن تظفر أنت هاهنا وتكسر جنود الشام ، ويقتل أمير المؤمنين عليه السلام في مضربه ! قال : أو قد فعلوها ! لابارك الله فيهم ! أبعد أن أخذت بمخنق (3) معاوية ، ورأى الموت عيانا أرجع ! ثم عاد فشتم أهل العراق وسبهم ، وقال لهم وقالوا له ، ما هو منقول مشهور ، وقد ذكرنا الكثير منه فيما تقدم . فإذا كانت الحال وقعت هكذا ، فأى تقصير وقع من أمير المؤمنين عليه السلام ! وهل ينسب المغلوب على أمره ، المقهور على رأيه إلى تقصير أو فساد تدبير ! . وبهذا نجيب عن قولهم : إن التحكيم يدل على الشك في أمره ، لانه إنما يدل على ذلك لو ابتدأ هو به ، فأما إذا دعاه إلى ذلك غيره ، واستجاب إليه أصحابه ، فمنعهم وأمرهم


(1) سورة النساء 35 . (2) سورة المائدة 95 . (3) المخنق : موضع الخنق من العنق . (*)

[ 253 ]

أن يمروا على وتيرتهم وشأنهم ، فلم يفعلوا ، وبين لهم أنها مكيدة فلم يتبينوا ، وخاف أن يقتل أو يسلم إلى عدوه ، فإنه لا يدل تحكيمه على شكه ، بل يدل على أنه قد دفع بذلك ضررا عظيما عن نفسه ، ورجا أن يحكم الحكمان بالكتاب ، فتزول الشبهة عمن طلب التحكيم من أصحابه . وأما تحكيمه عمرا مع ظهور فسقه ، فإنه لم يرض به ، وإنما رضى به مخالفة ، وكرهه هو فلم يقبل منه . وقد قيل : إنه أجاب ابن عباس رحمه الله عن هذا ، فقال للخوارج : أليس قد قال الله تعالى : (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) (1) ! أرأيتم لو كانت المرأة يهودية فبعثت حكما من أهلها ، أكنا نسخط ذلك ! وأما أبو موسى فقد كرهه أمير المؤمنين عليه السلام ، وأراد أن يجعل بدله عبد الله ابن عباس ، فقال أصحابه : لا يكون الحكمان من مضر ، فقال : فالاشتر . فقالوا : وهل أضرم النار إلا الاشتر ! وهل جر ما ترى إلا حكومة الاشتر ! ولكن أبا موسى ، فأباه فلم يقبلوا منه ، وأثنوا عليه ، وقالوا : لا نرضى إلا به ، فحكمه على مضض . ومنها قولهم : ترك الرأى لما دعاه العباس وقت وفاة الرسول صلى الله عليه وآله إلى البيعة ، وقال له : امدد يدك أبا يعك ، فيقول الناس : عم رسول الله صلى الله عليه وآله بايع ابن عمه ، فلا يختلف عليك اثنان ، فلم يفعل ، وقال : وهل يطمع فيها طامع غيرى ! فما راعه إلا الضوضاء واللغط في باب الدار ، يقولون : قد بويع أبو بكر بن أبى قحافة . الجواب : إن صواب الرأى وفساده فيما يرجع إلى مثل هذه الواقعة ، يستندان إلى


(1) سورة النساء 35 . (*)

[ 254 ]

ما قد كان غلب على الظن ، ولا ريب أنه عليه السلام لم يغلب على ظنه أن أحدا يستأثر عليه بالخلافة لاحوال قد كان مهدها له رسول الله صلى الله عليه وآله ، وما توهم إلا أنه ينتظر ويرتقب خروجه من البيت وحضوره ، ولعله قد كان يخطر له أنه إما أن يكون هو الخليفة أو يشاور في الخلافة إلى من يفوض . وما كان يتوهم أنه يجرى الامر على ما جرى من الفلتة عند ثوران تلك الفتنة ، ولا يشاور هو ولا العباس ولا أحد من بنى هاشم ، وإنما كان يكون تدبيره فاسدا لو كان يحاذر خروج الامر عنه ، ويتوهم ذلك ، ويغلب على ظنه إن لم يبادر تحصيله بالبيعة المعجلة في الدار من وراء الابواب والاغلاق ، وإلا فاته ، ثم يهمل ذلك ولا يفعله . وقد صرح هو بما عنده ، فقال : وهل يطمع فيها طامع غيرى ! ثم قال : إنى أكره البيعة هاهنا وأحب أن أصحر (1) بها ، فبين أنه يستهجن أن يبايع سرا خلف الحجب والجدران ، ويحب أن يبايع جهرة بمحضر من الناس كما قال ، حيث طلبوا منه بعد قتل عثمان أن يبايعهم في داره ، فقال : لا ، بل في المسجد ، ولا يعلم ولا خطر له ما في ضمير الايام ، وما يحدث الوقت من وقوع مالا يتوهم العقلاء وأرباب الافكار وقوعه . ومنها قولهم : إنه قصر في طلب الخلافة عند بيعة أبى بكر ، وقد كان اجتمع له من بنى هاشم وبنى أمية وغيرهم من أفناء الناس من يتمكن بهم من المنازعة وطلب الخلافة ، فقصر عن ذلك ، لا جبنا ، لانه كان أشجع البشر ، ولكن قصور تدبير وضعف رأى ، ولهذا أكفرته الكاملية (2) وأكفرت الصحابة ، فقالوا : كفرت الصحابة لتركهم بيعته ، وكفر هو بترك المنازعة لهم ! .


(1) أصحر بالامر : أظهره . (2) الكاملية : أتباع رجل من الرافضة كان يعرف بأبى كامل ، وكان يزعم أن الصحابة كفروا بتركهم بيعة علي ، وكفر علي بتركه قتالهم ، وكان يلزمه قتالهم كما لزم قتال أصحاب صفين . الفرق بين الفرق 39 . (*)

[ 255 ]

والجواب : أما على مذهبنا ، فإنه لم يكن عليه السلام منصوصا عليه وإنما كان يدعيها بالافضلية والقرابة والسابقة والجهاد ونحو ذلك من الخصائص ، فلما وقعت بيعة أبى بكر رأى هو على عليه السلام أن الاصلح للاسلام ترك النزاع ، وأنه يخاف من النزاع حدوث فتنة تحل معاقد الملة وتزعزع أركانها ، فحضر وبايع طوعا ، ووجب علينا بعد مبايعته ورضاه أن نرضى بمن رضى هو عليه السلام ، ونطيع من أطاعه ، لانه القدوة ، وأفضل من تركه صلى الله عليه وآله بعده . وأما الامامية ، فلهم عن ذلك جواب آخر معروف من قواعدهم . ومنها قولهم : إنه قصر في الرأى حيث دخل في الشورى ، لانه جعل نفسه بدخوله فيها نظيرا لعثمان وغيره من الخمسة ، وقد كان الله تعالى رفعه عنهم وعلى من كان قبلهم ، فوهن بذلك قدره ، وطأطأ من جلالته ، ألا ترى أنه يستهجن ويقبح من أبى حنيفة والشافعي رحمهما الله أن يجعلا أنفسهما نظراء لبعض من بدا (1) طرفا من الفقه ، ويستهجن ويقبح من سيبويه والاخفش أن يوازيا أنفسهما بمن يعلم أبوابا يسيرة من النحو ! . الجواب : إنه عليه السلام وإن كان أفضل من أصحاب الشورى ، فإنه كان يظن أن ولى الامر أحدهم بعد عمر ، لا يسير سيرة صالحة ، وأن تضطرب بعض أمور الاسلام ، وقد كان يثنى على سيرة عمر ويحمدها ، فوجب عليه بمقتضى ظنه أن يدخل معهم فيما أدخله عمر فيه ، توقعا لان يفضى الامر إليه ، فيعمل بالكتاب والسنة ، ويحيى معالم رسول الله صلى الله عليه وآله ، وليس اعتماما يقتضيه الشرع مما يوجب نقصا في الرأى ، فلا تدبير أصح ولا أسد من تدبير الشرع .

[ 256 ]

ومنها قولهم : إنه ما أصاب حيث أقام بالمدينة وعثمان محصور ، وقد كان يجب في الرأى أن يخرج عنها بحيث لا تنوط بنو أمية به دم عثمان ، فإنه لو كان بعيدا عن المدينة لكان من قذفهم إياه بذلك أبعد ، وعنه أنزه . والجواب : إنه لم يكن يخطر له مع براءته من دم عثمان ، أن أهل الفساد من بنى أمية يرمونه بأمره ، والغيب لا يعلمه إلا الله ، وكان يرى أن مقامه بالمدينة أدعى إلى انتصار عثمان على المحاصرين له ، فقد حضر هو بنفسه مرارا ، وطرد الناس عنه ، وأنفذ إليه ولديه وابن أخيه عبد الله ، ولولا حضور على عليه السلام بالمدينة لقتل عثمان قبل أن يقتل بمدة ، وما تراخى أمره وتأخر قتله ، إلا لمراقبة الناس له حيث شاهدوه ينتصر له ، ويحامى عنه . ومنها قولهم : كان يجب في مقتضى الرأى حيث قتل عثمان ، أن يغلق بابه ، ويمنع الناس من الدخول إليه ، فإن العرب كانت تضطرب اضطرابة ثم تئول إليه ، لانه تعين للامر بحكم الحال الحاضرة . فلم يفعل ، وفتح بابه ، وترشح للامر ، وبسط له يده ، فلذلك انتقضت عليه العرب من أقطارها . والجواب : إنه عليه السلام كان يرى أن القيام بالامر يومئذ فرض عليه لا يجوز له الاخلال به ، لعدم من يصلح في ظنه للخلافة ، فما كان يجوز له أن يغلق بابه ويمتنع ، وما الذى كان يؤمنه أن يبايع الناس طلحة أو الزبير أو غيرهما ممن لا يراه أهلا للامر ! فقد كان عبد الله بن الزبير يومئذ يزعم أن عثمان عهد إليه بالخلافة وهو محصور . وكان مروان يطمع أن ينحاز إلى طرف من الاطراف فيخطب لنفسه بالخلافة ، وله من بنى أمية شيعة وأصحاب ، بشبهة أنه ابن عم عثمان ، وأنه كان يدبر أمر الخلافة على عهده . وكان معاوية يرجو أن ينال الخلافة ، لانه من بنى أمية وابن عم عثمان ، وأمير الشام عشرين سنة ، وقد كان قوم من بنى أمية يتعصبون لاولاد عثمان المقتول ، ويرومون إعادة الخلافة فيهم

[ 257 ]

وما كان يسوغ لعلى عليه السلام في الدين إذا طلبه المسلمون للخلافة أن يمتنع عنها ، ويعلم أنها ستصير إذا امتنع إلى هؤلاء ، فلذلك فتح بابه ، وامتنع امتناع من يحاول أن يعلم ما في قلوب الناس ، هل لرغبتهم إليه حقيقة أم لا ! فلما رأى منهم التصميم وافق لوجوب الموافقة عليه ، قد قال في خطبته : (لولا حضور الحاضر ووجوب الحجة بوجود الناصر . . . لالقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أولها (1)) ، وهذا تصريح بما قلناه . ومنها قولهم : هلا إذ ملك شريعة الفرات على معاوية ، بعد أن كان معاوية ملكها عليه ، ومنعه وأهل العراق منها ، منع معاوية وأهل الشام منها ، فكان يأخذهم قبضا بالايدي ! فإنه لم يصبر على منعهم عن الماء ، بل فسح لهم في الورود ، وهذا يخالف ما يقتضيه تدبير الحرب . الجواب ، أنه عليه السلام لم يكن يستحل ما استحله معاوية من تعذيب البشر بالعطش ، فإن الله تعالى ما أمر في أحد من العصاة الذين أباح دماءهم بذلك ، ولا فسح فيه في نحو القصاص أو حد الزانى المحصن أو قتل قاطع الطريق ، أو قتال البغاة والخوارج ، وما كان أمير المؤمنين ممن يترك حكم الله وشريعته ، ويعتمد ما هو محرم فيها لاجل الغلبة والقهر والظفر بالعدو ، ولذلك لم يكن يستحل البيات (2) ولا الغدر ولا النكث . وأيضا فمن الجائز أن يكون عليه السلام غلب على ظنه أن أهل الشام إن منعوا من الماء كان ذلك أدعى لهم إلى الحملات الشديدة المنكرة على عسكرة ، وأن يضعوا فيهم السيوف ، فيأتوا عليهم ويكسروهم بشدة حنقهم وقوة دواعيهم إلى ورود الماء ، فإن ذلك من أشد الدواعى إلى أن يستميت القوم ويستقتلوا . ومن الذى يقف بين يدى جيش عظيم عرمرم حنق قد اشتد بهم العطش ، وهم يرون الماء كبطون الحيات ، لا يحول بينهم وبينه إلا قوم


(1) من الخطبة الشقشقية ، وقد تقدمت في الجزء الاول ص 151 - 203 . (2) يقال : بيت العدو ، إذا أوقع به ليلا .

[ 258 ]

مثلهم ، بل أقل منهم عدة وأضعف عدة ، ولذلك لما حال معاوية بين أهل العراق وبين الماء وقال : لامنعنهم وروده فأقتلهم بشفار الظمأ ، قال له عمرو بن العاص : خل بين القوم وبين الماء ، فليسوا ممن يرى الماء ويصبر عنه ، فقال : لا والله لا أخلى لهم عنه . فسفه رأيه وقال : أتظن أن ابن أبى طالب وأهل العراق يموتون بإزائك عطشا ، والماء بمقعد الازر ، وسيوفهم في أيديهم ! فلج معاوية ، وقال : لا أسقيهم قطرة كما قتلوا عثمان عطشا . فلما مس أهل العراق العطش ، أشار على عليه السلام إلى الاشعث أن احمل ، وإلى الاشتر أن احمل ، فحملا بمن معهما فضربا أهل الشام ضربا أشاب الوليد ، وفر معاوية ومن رأى رأيه وتابعه على قوله عن الماء كما تفر الغنم خالطتها السباع ، وكان قصارى أمره ، ومنتهى همته أن يحفظ رأسه ، وينجو بنفسه . وملك أهل العراق عليهم الماء ودفعوهم عنه ، فصاروا في البر القفر ، وصار على عليه السلام وأصحابه على شريعة الفرات ، مالكين لها ، فما الذى كان يؤمن عليا عليه السلام لو أعطش القوم أن يذوق هو وأصحابه منهم مثل ما أذاقهم ! وهل بعد الموت بالعطش أمر يخافه الانسان ! وهل يبقى له ملجأ إلا السيف يحمل به فيضرب خصمه إلى أن يقتل أحدهما ! . ومنها قولهم : أخطا حيث محا اسمه بالخلافة من صحيفة الحكومة ، فإن ذلك مما وهنه عند أهل العراق ، وقوى الشبهة في نفوس أهل الشام . والجواب ، أنه عليه السلام احتذى في ذلك - لما دعى إليه واقترحه الخصم عليه - فعل رسول الله صلى الله عليه وآله في صحيفة الحديبية ، حيث محا اسمه من النبوة لما قال له سهيل بن عمرو : علمنا أنك رسول الله صلى اله عليه وسلم لما حاربناك ، ولا منعناك عن البيت ، وقد قال له صلى الله عليه وآله وهو يومئذ كاتب تلك الصحيفة : ستدعى إلى مثلها فتجيب . وهذا من أعلام نبوته صلوات الله عليه ، ومن دلائل صدقه ، ومثله جرى له حذو القذة بالقذة .

[ 259 ]

ومنها قولهم : إنه كان غير مصيب في ترك الاحتراس ، فقد كان يعلم كثرة أعدائه ، ولم يكن يحترس منهم ، وكان يخرج ليلا في قميص ورداء وحده ، حتى كمن له ابن ملجم في المسجد فقتله ، ولو كان احترس وحفظ نفسه ولم يخرج إلا في جماعة . ولو خرج ليلا كانت معه أضواء وشرطة ، لم يوصل إليه . والجواب ، أن هذا إن كان قادحا في السياسة والتدبير ، فليكن قادحا في تدبير عمر وسياسته ، وهو عند الناس في الطبقة العليا في السياسة وصحة التدبير ، وليكن قادحا في تدبير معاوية ، فقد ضربه الخارجي بالسيف ليلة ضرب أمير المؤمنين عليه السلام فجرحه ، ولم يأت على نفسه ، ومعاوية عند هؤلاء سديد التدبير ، وليكن قادحا في صحة تدبير رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقد كان يخرج وحده في المدينة ليلا ونهارا مع كثرة أعدائه ، وقد كان يأكل ما دعى إليه ولا يحترس ، حتى أكل من يهودية شاة مشوية قد سمته فيها فمرض ، وخيف عليه التلف ، ولما برأ لم تزل تنتقض عليه حتى مات منها ، وقال عند موته : إنى ميت من تلك الاكلة ، ولم تكن العرب في ذلك الزمان تحترس ، ولا تعرف الغيلة والفتك ، وكان ذلك عندهم قبيحا يعير به فاعله ، لان الشجاعة غير ذلك ، والغيلة فعل العجزة من الرجال ، ولان عليا عليه السلام كانت هيبته قد تمكنت في صدور الناس ، فلم يكن يظن أن أحدا يقدم عليه غيلة أو مبارزة في حرب ، فقد كان بلغ من الذكر بالشجاعة مبلغا عظيما لم يبلغه أحد من الناس ، لا من تقدم ولا من تأخر ، حتى كانت أبطال العرب تفزع باسمه ، ألا ترى إلى عمرو بن معدى كرب وهو شجاع العرب ، الذى تضرب به الامثال ، كتب إليه عمر بن الخطاب في أمر أنكره عليه ، وغدر تخوفه منه : أما والله لئن أقمت على ما أنت عليه ، لابعثن إليك رجلا تستصغر معه نفسك ، يضع سيفه على هامتك فيخرجه من بين فخذيك ! فقال عمرو لما وقف على الكتاب : هددني بعلى والله ! ولهذا قال شبيب بن بجرة لابن ملجم ، لما رآه يشد الحرير على بطنه وصدره : ويلك ! ما تريد

[ 260 ]

أن تصنع ! قال : أقتل عليا ، قال هبلتك الهبول ، لقد جئت شيئا إدا ! كيف تقدر على ذلك ! فاستبعد أن يتم لابن ملجم ما عزم عليه ، ورآه مراما وعرا . والامر في هذا وأمثاله مسند إلى غلبات الظنون ، فمن غلبت على ظنه السلامة مع الاسترسال لم يجب عليه الاحتراس ، وإنما يجب الاحتراس على من يغلب على ظنه العطب إن لم يحترس . فقد بان بما أوضحناه فساد قول من قال : إن تدبيره عليه السلام وسياسته لم تكن صالحة ، وبان أنه أصح الناس تدبيرا وأحسنهم سياسة ، وإنما الهوى والعصبية لا حيلة فيهما !

[ 261 ]

(194) الاصل : ومن كلام له عليه السلام : أيها الناس ، لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله ، فإن الناس اجتمعوا على مائدة شبعها قصير ، وجوعها طويل . أيها الناس ، إنما يجمع الناس الرضا والسخط ، وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضا ، فقال سبحانه : (فعقروها فأصبحوا نادمين) ، فما كان إلا أن خارت أرضهم بالخسفة خوار السكة المحماة في الارض الخوارة . أيها الناس ، من سلك الطريق الواضح ورد الماء ، ومن خالف وقع في التيه ! الشرح : الاستيحاش : ضد الاستئناس ، وكثيرا ما يحدثه التوحد وعدم الرفيق ، فنهى عليه السلام عن الاستيحاش في طريق الهدى لاجل قلة أهله ، فإن المهتدى ينبغى أن يأنس بالهداية ، فلا وحشة مع الحق . وعنى بالمائدة الدنيا ، لذتها قليلة ، ونغصتها كثيرة ، والوجود فيها زمان قصير جدا ، والعدم عنها زمان طويل جدا . ثم قال : ليست العقوبة لمن اجترم ذلك الجرم بعينه ، بل لمن اجترمه ومن رضى به ، وإن لم يباشره بنفسه ، فإن عاقر ناقة صالح إنما كان إنسانا واحدا ، فعم الله ثمود بالسخط

[ 262 ]

لما كانوا راضين بذلك الفعل كلهم ، واسم (كان) مضمر فيها ، أي ماكان الانتقام منهم إلا كذا . وخارت أرضهم بالخسفة : صوتت كما يخور الثور ، شبه عليه السلام ذلك بصوت السكة المحماة في الارض الخوارة ، وهى اللينة ، وإنما جعلها محماة لتكون أبلغ في ذهابها في الارض . ومن كلامه عليه السلام يوم خيبر ، يقوله لرسول الله صلى الله عليه وآله ، وقد بعثه بالراية : أكون في أمرك كالسكة المحماة في الارض ، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال له : بل يرى الشاهد مالا يرى الغائب . وقال له أيضا هذه اللفظة لما بعثه في شأن مارية القبطية ، وما كانت اتهمت به من أمر الاسود القبطى ، ولهذا عله في العلم الطبيعي ، وذلك أن السكة المحماة تخرق الارض بشيئين : أحدهما تحدد رأسها ، والثانى حرارته ، فإن الجسم المحدد الحار إذا اعتمد عليه في الارض اقتضت الحرارة إعانة ذلك الطرف المحدد على النفوذ بتحليلها ما تلاقى من صلابة الارض ، لان شأن الحرارة التحليل ، فيكون غوص ذلك الجسم المحدد في الارض أوحى وأسهل . والتيه : المفازة يتحير سالكها . (قصة صالح وثمود) قال المفسرون : إن عادا لما أهلكت عمرت ثمود بلادها وخلفوهم في الارض ، وكثروا وعمروا أعمارا طوالا ، حتى إن الرجل كان يبنى المسكن المحكم فينهدم في حياته ، فنحتوا البيوت في الجبال ، وكانوا في سعة ورخاء من العيش فعتوا على الله ، وأفسدوا في الارض ، وعبدوا الاوثان ، فبعث الله إليهم صالحا ، وكانوا قوما عربا ، وصالح من أوسطهم

[ 263 ]

نسبا ، فما آمن به إلا قليل منهم مستضعفون ، فحذرهم وأنذرهم ، فسألوه آية ، فقال : أية آية تريدون ؟ قالوا : تخرج معنا إلى عيدنا - في يوم معلوم لهم من السنة - فتدعو إلهك وندعو إلهنا ، فإن استجيب لك اتبعناك ، وإن استجيب لنا اتبعتنا . قال : نعم ، فخرج معهم ، ودعوا أوثانهم ، وسألوها الاستجابة فلم تجب ، فقال سيدهم جندع بن عمرو - وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يسمونها الكاثبة : أخرج لنا في هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء - والمخترجة : التى شاكلت البخت (1) - . فإن فعلت صدقناك وأجبناك ، فأخذ عليهم المواثيق ، لئن فعلت ذلك لتؤمنن ولتصدقن ؟ قالوا : نعم ، فصلى ودعا ربه ، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها ، فانصدعت عن ناقة عشراء (2) جوفاء وبراء كما وصفوا ، لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله ، وعظماؤهم ينظرون . ثم نتجت ولدا مثلها في العظم ، فآمن به جندع ورهط من قومه ، ومنع أعقابهم ناس من رؤوسهم أن يؤمنوا ، فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء ، وكانت ترد غبا ، فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر ، فما ترفعه حتى تشرب كل ماء فيها ثم تتفجح ، فيحتلبون ما شاءوا حتى تمتلئ أوانيهم ، فيشربون ويدخرون فإذا وقع الحر تصيفت بظهر الوادي ، فتهرب منها أنعامهم ، فتهبط إلى بطنه ، وإذا وقع البرد تشتت ببطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره ، فشق ذلك عليهم ، وزينت عقرها لهم امرأتان : عنيزة أم غنم وصدفة بنت المختار ، لما أضرت به من مواشيهما ، وكانتا كثيرتى المواشى ، فعقروها ، عقرها قدار الاحمر ، واقتسموا لحمها وطبخوه .


(1) البخت : الابل الخراسانية . (2) االعشراء من النوق : التى مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية ، وجمعها عشار ، بكسر العين . (*)

[ 264 ]

فانطلق سقبها (1) حتى رقى جبلا اسمه قارة ، فرغا ثلاثا ، وكان صالح قال لهم : أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب ، فلم يقدروا عليه ، وانفجت الصخرة بعد رغائه فدخلها ، فقال لهم صالح : تصبحون غدا ووجوهكم مصفرة وبعد غد وجوهكم محمرة ، واليوم الثالث وجوهكم مسودة ، ثم يغشاكم العذاب . فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه ، فأنجاه الله سبحانه إلى أرض فلسطين ، فلما كان اليوم الرابع ، وارتفعت الضحوة ، تحنطوا بالصبر ، وتكفنوا بالانطاع ، فأتتهم صيحة من السماء وخسف شديد وزلزال ، فتقطعت قلوبهم فهلكوا . وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله مر بالحجر في غزوة تبوك ، فقال لاصحابه : لا يدخلن أحد منكم القرية ، ولا تشربوا من مائها ، ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تمروا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم . وروى المحدثون أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلى عليه السلام : أتدرى من أشقى الاولين ؟ قال : نعم ، عاقر ناقة صالح قال : أفتدرى من أشقى الاخرين ؟ قال : الله ورسوله أعلم ، قال : من يضربك على هذه ، حتى تخضب هذه .


(1) السقب : ولد الناقة ، خاص بالذكر . (*)

[ 265 ]

(195) الاصل : ومن كلام له عليه السلام : روى عنه أنه قاله عند دفن سيدة النساء فاطمة عليها السلام ، كالمناجي به رسول الله صلى الله عليه وآله عند قبره . السلام عليك يارسول الله عنى ، وعن ابنتك النازلة في جوارك ، والسريعة اللحاق بك ! قل يارسول الله عن صفيتك صبرى ، ورق عنها تجلدي ، إلا أن في التأسي لى بعظيم فرقتك ، وفادح مصيبتك موضع تعز . فلقد وسدتك في ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحرى وصدري نفسك ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ! فلقد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرهينة ! أما حزنى فسرمد ، وأما ليلى فمسهد ، إلى أن يختار الله لى دارك التى أنت بها مقيم . وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها ، فاحفها السؤال ، واستخبرها الحال ، هذا ولم يطل العهد ، ولم يخل منك الذكر . والسلام عليكما سلام مودع ، لاقال ولا سئم ، فإن أنصرف فلا عن ملالة ، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين ! الشرح : أما قول الرضى رحمه الله : (عند دفن سيدة النساء) ، فلانه قد تواتر الخبر عنه صلى الله عليه وآله أنه قال : (فاطمة سيدة نساء العالمين) إما هذا اللفظ بعينه ، أو لفظ يؤدى هذا

[ 266 ]

المعنى ، روى أنه قال وقد رآها تبكى عند موته : (ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الامة !) . وروى أنه قال : (سادات نساء العالمين أربع : خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، وآسية بنت مزاحم ، ومريم بنت عمران) . قوله عليه السلام : (وسريعة اللحاق بك) جاء في الحديث ، أنه رآها تبكى عند موته فأسر إليها : (أنت أسرع أهلى لحوقا بى) ، فضحكت . قوله : (عن صفيتك) أجله صلى الله عليه وآله عن أن يقول : (عن ابنتك) ، فقال : (صفيتك) ، وهذا من لطيف عبارته ، ومحاسن كنايته ، يقول عليه السلام : ضعف جلدى وصبرى عن فراقها ، لكنى أتأسى بفراقي لك فأقول : كل عظيم بعد فراقك جلل ، وكل خطب بعد موتك يسير . ثم ذكر حاله معه وقت انتقاله صلوات الله عليه إلى جوار ربه ، فقال : لقد وسدتك في ملحودة قبرك ، أي في الجهة المشقوقة من قبرك ، واللحد : الشق في جانب القبر ، وجاء بضم اللام في لغة غير مشهورة . قال : (وفاضت بين نحرى وصدري نفسك) ، يروى أنه صلى الله عليه وآله قذف دما يسيرا وقت موته ، ومن قال بهذا القول زعم أن مرضه كان ذات الجنب ، وأن القرحة التى كانت في الغشاء المستبطن للاضلاع انفجرت في تلك الحال ، وكانت فيها نفسه صلى الله عليه وآله . وذهب قوم إلى أن مرضه إنما كان الحمى والسرسام الحار ، وأن أهل داره ظنوا أن به ذات الجنب ، فلدوه وهو مغمى عليه ، وكانت العرب تداوى باللدود (1) من به ذات الجنب ، فلما أفاق علم أنهم قد لدوه ، فقال : (لم يكن الله ليسلطها على ، لدوا كل من في الدار) فجعل بعضهم يلد بعضا .


(1) في اللسان عن الفراء : (اللد أن يؤخذ بسان الصبى فيمد إلى أحد شقيه ، ويوجر في الاخر الدواء ، في الصدف بين اللسان وبين الشدق ، وفى الحديث أنه لد في مرضه . (*)

[ 267 ]

واحتج الذاهبون إلى أن مرضه كان ذات الجنب بما روى من انتصابه وتعذر الاضطجاع والنوم عليه قال سلمان الفارسى : دخلت عليه صبيحة يوم قبل اليوم الذى مات فيه ، فقال لى : يا سلمان ، ألا تسأل عما كابدته الليلة من الالم والسهر أنا وعلى ! فقلت : يارسول الله ، ألا أسهر الليلة معك بدله ؟ فقال : لا هو أحق بذلك منك . وزعم آخرون أن مرضه كان أثرا لاكلة السم التى أكلها عليه السلام ، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وآله : (مازالت أكلة خيبر تعاودني ، فهذا أوان قطعت أبهرى) (1) . ومن لم يذهب إلى ذات الجنب ، فأولوا قول على عليه السلام : (وفاضت بين نحرى وصدري نفسك) ، فقالوا : أراد بذلك آخر الانفاس التى يخرجها الميت ولا يستطيع إدخال الهواء إلى الرئة عوضا عنها ولابد لكل ميت من نفخة تكون آخر حركاته . ويقول قوم : إنها الروح ، وعبر على عليه السلام عنها بالنفس ، لما كانت العرب لا ترى بين الروح والنفس فرقا . واعلم أن الاخبار مختلفة في هذا المعنى ، فقد روى كثير من المحدثين عن عائشة أنها قالت : توفى رسول الله صلى الله عليه وآله بين سحري (2) ونحرى . وروى كثير منهم اللفظ عن على عليه السلام ، أنه قال عن نفسه وقال في رواية أخرى : ففاضت نفسه في يدى ، فأمررتها على وجهى) .


(1) الابهر : عرق إذا انقطع مات صاحبه ، وهما أبهران يخرجان من القلب ، ثم يتشعب منهما سائر الشرايين (2) السحر هنا : الرئة . (*)

[ 268 ]

والله أعلم بحقيقة هذه الحال ، ولا يبعد عندي أن يصدق الخبران معا ، بأن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وقت الوفاة مستندا إلى على وعائشة جميعا ، فقد وقع الاتفاق على أنه مات وهو حاضر لموته ، وهو الذى كان يقلبه بعد موته ، وهو الذى كان يعلله ليالى مرضه ، فيجوز أن يكون مستندا إلى زوجته وابن عمه ومثل هذا لا يبعد وقوعه في زماننا هذا ، فكيف في ذلك الزمان الذى كان النساء فيه والرجال مختلطين لا يستتر البعض عن البعض ! فإن قلت : فكيف تعمل بآية الحجاب ، وما صح من استتار أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله عن الناس بعد نزولها ؟ . قلت : قد وقع اتفاق المحدثين كلهم على أن العباس كان ملازما للرسول الله صلى الله عليه وآله أيام مرضه في بيت عائشة ، وهذا لا ينكره أحد ، فعلى القاعدة التى كان العباس ملازمه صلى الله عليه وآله كان على عليه السلام ملازمه ، وذلك يكون بأحد الامرين : أما بإن نساءه لا يستترن من العباس وعلى لكونهما أهل الرجل وجزء منه ، أو لعل النساء كن يختمرن بأخمرتهن ، ويخالطن الرجال فلا يرون وجوههن ، وما كانت عائشة وحدها في البيت عند موته ، بل كان نساؤه كلهن في البيت ، وكانت ابنته فاطمة عند رأسه صلى الله عليه وآله . فأما حديث مرضه صلوات الله عليه ووفاته ، فقد ذكرناه فيما تقدم . قوله : (إنا لله) إلى آخره ، أي عبيده ، كما تقول : هذا الشئ لزيد ، أي يملكه . ثم عقب الاعتراف بالملكية بالاقرار بالرجعة والبعث ، وهذه الكلمة تقال عند المصيبة ، كما أدب الله تعالى خلقه وعباده . والوديعة والرهينة ، عبارة عن فاطمة ، ومن هذا الموضع أخذ ابن ثوابة الكاتب قوله عن قطر الندى بنت خماروية بن أحمد بن طولون ، لما حملت من مصر إلى المعتضد أحمد بن

[ 269 ]

طلحة بن المتوكل : (وقد وصلت الوديعة سالمة ، والله المحمود ، وكيف يوصى الناظر بنوره ، أم كيف يحض القلب على حفظ سروره) ! وأخذ الصابى هذه اللفظة أيضا ، فكتب عن عز الدولة بختيار بن بويه ، إلى عدة الدولة أبى تغلب بن حمدان ، وقد نقل إليه ابنته : (قد وجهت الوديعة يا سيدي ، وإنما تقلب من وطن إلى سكن ، ومن مغرس إلى مغرس ، ومن مأوى بر وانعطاف ، إلى مثوى كرامة وإلطاف) . فأما الرهينة فهى المرتهنة ، يقال للمذكر : هذا رهين عندي على كذا ، وللانثى : هذه رهينة عندي على كذا ، كأنها عليها السلام كانت عنده عوضا من رؤية رسول الله صلى الله عليه وآله ، كما تكون الرهينة عوضا عن الامر الذى أخذت رهينة عليه . ثم ذكر عليه السلام أن حزنه دائم ، وأنه يسهر ليله ولا ينام إلى أن يلتحق برسول الله صلى الله عليه وآله ويجاوره في الدار الاخرة ، وهذا من باب المبالغة كما يبالغ الخطباء والكتاب والشعراء في المعاني ، لانه عليه السلام ما سهر منذ ماتت فاطمة ودام سهره إلى أن قتل عليه السلام ، وإنما سهر ليلة أ وشهرا أو سنة ، ثم استمر مريره ، وارعوى وسنة ، فأما الحزن فإنه لم يزل حزينا إذا ذكرت فاطمة ، هكذا وردت الرواية عنه . قوله عليه السلام : (وستنبئك ابنتك) أي ستعلمك . فأحفها السؤال ، أي استقص في مسألتها ، واستخبرها الحال ، أحفيت إحفاء في السؤال : استقصيت ، وكذلك في الحجاج والمنازعة قال الحارث بن حلزة : إن إخواننا الاراقم يغلون علينا في قيلهم إحفاء (1) . ورجل حفى ، أي مستقص في السؤال .


(1) المعلقات بشرح التبريزي 245 . يغلون ، أي يرتفعون . والاحفاء : الاستقصاء . (*)

[ 270 ]

واستخبرها الحال ، أي عن الحال ، فحذف الجار ، كقولك : اخترت الرجال زيدا ، أي من الرجال ، أي سلها عما جرى بعدك من الاستبداد بعقد الامر دون مشاورتنا ، ولا يدل هذا على وجود النص ، لانه يجوز أن تكون الشكوى والتألم من اطراحهم وترك إدخالهم في المشاورة ، فإن ذلك مما تكرهه النفوس وتتألم منه ، وهجا الشاعر قوما ، فقال : ويقضى الامر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود (1) . قوله : (هذا ولم يطل العهد ، ولم يخلق الذكر) أي لم ينس . فإن قلت : فما هذا الامر الذى لم ينس ولم يخلق ، إن لم يكن هناك نص ؟ . قلت : قوله صلى الله عليه وآله : (إنى مخلف فيكم الثقلين) ، وقوله : (اللهم أدر الحق معه حيث دار) ، وأمثال ذلك من النصوص الدالة على تعظيمه وتبجيله ومنزلته في الاسلام ، فهو عليه السلام كان يريد أن يؤخر عقد البيعة إلى أن يحضر ويستشار ، ويقع الوفاق بينه وبينهم ، على أن يكون العقد لواحد من المسلمين بموجبه ، إما له أو لابي بكر ، أو لغيرهما ، ولم يكن ليليق أن يبرم الامر وهو غير حاضر له ، مع جلالته في الاسلام ، وعظيم أثره ، وما ورد في حقه من وجوب موالاته والرجوع إلى قوله وفعله ، فهذا هو الذى كان ينقم عليه السلام ، ومنه كان يتألم ويطيل الشكوى ، وكان ذلك في موضعه . وما أنكر إلا منكرا . فأما النص فإنه لم يذكره عليه السلام ، ولا احتج به ، ولما طال الزمان صفح عن ذلك الاستبداد الذى وقع منهم ، وحضر عندهم فبايعهم ، وزال ما كان في نفسه .


(1) لجرير ، من قصيدة له في ديوانه 160 - 166 ، يهجو فيها التيم ، قبيل عمر بن لجأ . وشهود ، أي حاضرين . (*)

[ 271 ]

فإن قلت : فهل كان يسوغ لابي بكر ، وقد رأى وثوب الانصار على الامر أن يؤخره إلى أن يخرج عليه السلام ويحضر المشورة ؟ . قلت : إنه لم يلم أبا بكر بعينه ، وإنما تألم من استبداد الصحابة بالامر دون حضوره ومشاورته . ويجوز أن يكون أكثر تألمه وعتابه مصروفا إلى الانصار الذين فتحوا باب الاستبداد ، والتغلب . (رسالة أبى بكر لعلي في شأن الخلافة ، رواية أبى حامد المروروذى) وروى القاضى أبو حامد أحمد بن بشير المروروذى العامري فيما حكاه عنه أبو حيان التوحيدي ، قال أبو حيان : سمرنا عند القاضى أبى حامد ليلة ببغداد بدار ابن جيشان ، في شارع الماذيان ، فتصرف الحديث بنا كل متصرف ، وكان الله معنا (1) مزيلا مخلطا (2) عزيز (3) الرواية ، لطيف الدراية (له) في كل جو متنفس ، وفى كل نار مقتبس ، فجرى حديث السقيفة ، وتنازع القوم الخلافة ، فركب كل منا فنا ، وقال قولا ، وعرض بشئ ونزع إلى مذهب ، فقال أبو حامد : هل فيكم من يحفظ رسالة أبى بكر إلى على ، وجواب على له ومبايعته إياه عقيب تلك الرسالة ؟ فقالت الجماعة : لا والله ، فقال : هي والله من درر الحقاق المصونة (4) ، ومخبآت الصناديق في الخزائن المحوطة ، ومنذ حفظتها ما رويتها إلا للمهلبي (5) في وزارته ، فكتبها عنى في خلوة بيده ، وقال : لا أعرف في الارض رسالة


(1) المعن : الخطيب المتصرف . (2) يقال : رجل مزيل مخلط : أي فائق رائق . (3) في صبح الاعشى : (غزير) . (4) صبح الاعشى : (من بنات الحقائق) . والحقائق هنا : حمع حق ، بالضم ، وهو الوعاء . (5) صبح الاعشى : (لابي محمد المهلبى) . (*)

[ 272 ]

أعقل منها ، ولا أبين ، وإنها لتدل على علم وحكم ، وفصاحة وفقاهة ، في دين ودهاء ، وبعد غور ، وشدة غوص . فقال له واحد من القوم : أيها القاضى ، فلو أتممت المنة علينا بروايتها سمعناها ورويناه عنك ، فنحن أوعى لها من المهلبى ، وأوجب ذماما عليك . فقال (1) : هذه الرسالة رواها عيسى بن دأب ، عن صالح بن كيسان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير ، عن أبى عبيدة بن الجراح (1) . قال أبو عبيدة : لما استقامت الخلافة لابي بكر بين المهاجرين والانصار ، ولحظ بعين الوقار والهيبة - بعد هنة (2) كاد الشيطان بها يسر فدفع الله شرها ، وأدحض عسرها ، فركد كيدها ، وتيسر خيرها ، وقصم ظهر النفاق والفسق بين أهلها - بلغ أبا بكر عن على عليه السلام تلكؤ وشماس ، وتهمهم (3) ونفاس ، فكره أن يتمادى الحال وتبدو له العورة ، وتنفرج (4) ذات البين ، ويصير ذلك دريئة لجاهل مغرور ، أو عاقل ذى دهاء ، أو صاحب سلامة ضعيف القلب ، خوار العنان ، دعاني في خلوة فحضرته ، وعنده عمر وحده - وكان عمر قبسا له وظهيرا معه ، يستضئ بناره ، ويستملى من لسانه - فقال لى : يا أبا عبيدة ، ما أيمن ناصيتك ، وأبين الخير بين عارضيك ! لقد كنت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمكان المحوط ، والمحل المغبوط ، ولقد قال فيك في يوم مشهود : (أبو عبيدة أمين هذه الامة) ، وطالما أعز الله الاسلام بك ، وأصلح ثلمه على يديك ، ولم تزل للدين ناصرا وللمؤمنين روحا ، ولاهلك ركنا ، ولاخوانك مردا ! قد أردتك


(1) في صبح الاعشى : (حدثنا خزاعي بمكة ، عن أبى ميسرة ، قال : حدثنا محمد بن أبى فليح ، عن عيسى بن دأب المتاح ، قال : سمعت مولاى أبا عبيدة يقول :) . (2) صبح الاعشى : (بعد فتنة) . (3) همهم الرجل : تكلم كلام خفيا ، والنفاس : مصدر نافس ، أي رغب في الشئ وفى نهاية الارب وصبح الاعشى : (تهمم) (4) نهاية الارب : (وتفرق) . (*)

[ 273 ]

لامر له ما بعده ، خطره (1) مخوف ، وصلاحه معروف . ولئن لم يندمل جرحه بمسبارك (2) ورفقك ، ولم تجب حيته (3) برقيتك ، لقد وقع اليأس ، وأعضل البأس ، واحتيج بعدك إلى ما هو أمر من ذلك وأعلق ، وأعسر منه وأغلق ، والله أسأل تمامه بك ، ونظامه على (4) يدك . فتأت (5) له يا أبا عبيدة ، وتلطف فيه ، وانصح لله ولرسوله ، ولهذه العصابة ، غير آل جهدا ، ولا قال حمدا ، والله كالئك وناصرك ، وهاديك ومبصرك . أمض إلى على ، واخفض جناحك له ، واغضض من صوتك عنده ، واعلم إنه سلالة أبى طالب ، ومكانه ممن فقدناه بالامس مكانه ، قل له : البحر مغرقة ، والبر مفرقة ، والجو أكلف ، والليل أغلف ، والسماء جلواء ، والارض صلعاء ، والصعود متعذر ، والهبوط متعسر ، والحق عطوف رؤوف ، والباطل نسوف عصوف ، والعجب مقدحة الشر ، والضغن رائد البوار ، والتعريض شجار (6) الفتنة ، والقحة مفتاح العداوة ، والشيطان متكئ على شماله ، باسط ليمينه ، نافج (7) حضنيه لاهله ، ينتظر الشتات والفرقة ، ويدب بين الامة بالشحناء العداوة ، (8 عنادا لله ولرسوله ولدينه ، يوسوس بالفجور 8) ، ويدلى بالغرور ويمنى أهل الشرور ، ويوحى إلى أوليائه بالباطل ، دأبا له منذ كان على عهد أبينا


(1) د : (خطره مخوف) . صبح االاعشى : (لامر خطر مخوف) . (2) المسبار : الميل الذى يسبر به الجرح . وفى صبح الاعشى : بيسارك . (3) الجب : القطع عامة (4) صبح الاعشى : (يديك) (5) تأت : تهيأ للامر برفق وحسن حيلة . وفى ب : (تأن) ، (6) الشجار : مركب أصغر من الهودج ، ضربه مثلا . (7) في اللسان : (كل ما ارتفع فقد نفج وانتفج وتنفج ، ونفجه هو . . . ونفجت الشئ فانتفج ، أي رفعته وعظمته . . . وفى حديث على نافجا حضنيه ، كنا به عن التعاظم والتكبر والخيلات . والحضن : الجنب ، وهما حضنتان . (8 - 8) صبح الاعشى : (عنادا لله عزوجل أولا ، ولادم ثانيا ، ولنبيه صلى الله عليه وسلم ولدينه ثالثا ، يوسوس بالفجور . (*)

[ 274 ]

آدم ، وعادة منه منذ أهانه الله في سالف الدهر ، لا ينجى (1) منه إلا بعض الناجذ على الحق ، وغض الطرف عن الباطل ، ووطئ هامة عدو الله والدين بالاشد فالاشد ، والاجد فالاجد ، وإسلام النفس لله فيما حاز رضاه ، وجنب سخطه . ولا بد من قول ينفع إذ قد أضر السكوت وخيف غبه ، ولقد أرشدك من أفاء ضالتك ، وصافاك من أحيا مودته لك بعتابك ، وأراد الخير بك من آثر البقيا معك . ماهذا الذى تسول لك نفسك ، ويدوى (2) به قلبك ، ويلتوى عليه رأيك ، ويتخاوص (3) دونه طرفك ، ويستشرى به ضغنك ، ويتراد معه نفسك ، وتكثر لاجله صعداؤك ، ولا يفيض به لسانك ! اعجمة بعد إفصاح ، ألبسا بعد إيضاح ! أدينا غير دين الله ! أخلقا غير خلق القرآن ! أهديا غير هدى محمد ! أمثلى يمشى له الضراء ويدب له (4) الخمر ! أم مثلك يغص عليه الفضاء ، ويكسف في عينه القمر ! ما هذه القعقعة بالشنان (5) ، والوعوعة باللسان ! إنك لجد عارف (6) باستجابتنا لله ولرسوله ، وخروجنا من أوطاننا وأولادنا وأحبتنا ، وهجرة إلى الله ونصرة لدينه ، في زمان أنت منه في كن الصبا وخدر الغرارة ، غافل ، تشبب وتربب ، لا تعى مايشاد ويراد ، ولا تحصل ما يساق ويقاد ، سوى ما أنت جار عليه من أخلاق الصبيان أمثالك ، وسجايا الفتيان أشكالك ، حتى بلغت إلى غايتك هذه التى إليها أجريت (7) ، وعندها حط رحلك ، غير مجهول القدر


(1) صبح الاعشى : (لامنجى) (2) دوى الصدر يدوى ، من باب علم ، ضغن . (3) تخاوص : غض بصره عن الامر شيئا . (4) مثل يضرب للرجل يختل صاحبه ويمكر به . ويقال : ماوارك من أرض فهو الضراء ، وما واراك من مشجر فهو الخمر . (5) يقال فلان لا يقعقع له بالشنان ، أي لا يخدع ولا يروع ، وأصله من تحريك الجلد اليابس للبعير ليفزع (6) صبح الاعشى : (إنك والله) . (7) صبح الاعشى : (التى إليها عدل بك) . (*)

[ 275 ]

ولا مجحود الفضل ، ونحن في أثناء ذلك نعاني أحوالا تزيل الرواسى ، ونقاسى أهوالا تشيب النواصي ، خائضين غمارها ، راكبين تيارها ، نتجرع صلبها ، ونشرج (1) عيابها ، ونحكم أساسها ، ونبرم أمراسها ، والعيون تحدج (2) بالحسد ، والانوف تعطس بالكبر ، والصدور تستعر بالغيظ ، والاعناق تتطاول بالفخر ، والاسنة (3) تشحذ بالمكر ، والارض تميد بالخوف ، لا ننتظر عند المساء صباحا ، ولا عند الصباح مساء ، ولا ندفع في نحر أمر إلا بعد أن نحسو الموت دونه ، ولا نبلغ إلى شئ إلا بعد تجرع العذاب قبله ، ولا نقوم منادا إلا بعد اليأس من الحياة عنده ، فأدين في كل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاب والام ، والخال والعم ، والمال والنشب ، والسبد (4) واللبد ، والهلة والبلة (5) ، بطيب أنفس وقرة أعين ، ورحب أعطان ، وثبات عزائم ، وصحة عقول ، وطلاقة أوجه ، وذلاقة ألسن . هذا إلى خبيئات أسرار ، ومكنونات أخبار كنت عنها غافلا ، ولولا سنك لم تك عن شئ منها ناكلا . كيف وفؤادك مشهوم (6) وعودك معجوم ، وغيبك مخبور ، والخير منك كثير ! فالان قد بلغ الله بك ، وأرهص (7) الخير لك ، (وجعل مرادك بين يديك (8)) ، فاسمع ما أقول لك (9) ، واقبل ما يعود قبوله عليك (10) ، ودع التحبس والتعبس (11)


(1) أشرج العيبة : شد عراها . (2) تحدج : تحدق . (3) صبح الاعشى : (والشفار) . (4) في اللسان : (السبد : الوبر ، وقيل : الشعر ، والعرب تقول : (ماله سبد ولا لبد) ، أي ماله ذو وبر ولا صوف متلبد ، يكنى بهما عن الابل والغنم ، وقيل : يكنى به عن المعز والضأن . . . وقال لاصمعي : ماله سبد ولا لبد ، أي ماله قليل ولا كثير (5) في اللسان : (ما جاء بهلة ولا بلة ، الهلة من الفرح والاستهلال ، والبلة : أدنى بلل من الخير ، وحكاهما كراع جميعا بالفتح . ويقال : مأصاب عنده هلة ولا بلاه ، أي شيئا) . (6) مشهوم ، أي ذكى متوقد . (7) أرهص الخير لك : هيأه ، وجعله دانيا منك . (8) من صبح الاعشى . (9) في صبح الاعشى : (وعن علم أقول ما تسمع) . (10) في صبح الاعشى : (فارتقب زمانك ، وقلص أردانك) (11) نهاية الارب : (التقاعس) . (*)

[ 276 ]

لمن لا يضلع (1) لك إذا خطأ ، ولا يتزحزح عنك إذا عطا ، فالامر غض ، وفى النفوس مض ، وأنت أديم هذه الامة فلا تحلم لجاجا ، وسيفها العضب فلا تنب اعوجاجا ، وماؤها العذب فلا تحل أجاجا ، والله لقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا لمن هو ؟ فقال : هو لمن يرغب عنه ، لا لمن يجاحش (2) عليه ، ولمن يتضاءل له لا لمن يشمخ (3) إليه ، وهو لمن يقال له : هو لك ، لا لمن يقول : هو لى . ولقد شاورني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصهر ، فذكر فتيانا من قريش ، فقلت له : أين أنت من على ! فقال : إنى لاكره لفاطمة ميعة شبابه (4) ، وحدة سنه . فقلت : متى كنفته يدك ، ورعته عينك ، حفت بهما البركة ، وأسبغت عليهما النعمة ، مع كلام كثير خطبت به رغبته فيك ، وما كنت عرفت منك في ذلك حوجاء ولا لوجاء (5) ، ولكني قلت ما قلت ، وأنا أرى مكان غيرك ، وأجد رائحة سواك ، وكنت لك إذ ذاك خيرا منك الان لى ولئن كان عرض بك رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الامر ، فقد كنى عن غيرك (6) ، وإن قال فيك ، فما سكت عن سواك ، وإن اختلج في نفسك شئ ، فهلم فالحكم مرضى ، والصواب مسموع ، والحق مطاع . ولقد نقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما عند الله (7) وهو عن هذه العصابة راض وعليها حدب ، يسره ما سرها ، ويكيده ماكادها ، ويرضيه ما أرضاها ، ويسخطه


(1) الضلع : الاعوجاج ، وفى صبح الاعشى ونهاية الارب : (يظلع) . (2) يجاحش ، أي يدفع الناس عنه ليختص به لنفسه . (3) صبح الاعشى : (يتنفج إليه) . وفى نهاية الارب : (يتنفج) (4) ميعة الشباب : أوله . (5) في اللسان : (الحوجاء : الحاجة ، ويقال : مافى صدري به حوجاء ولا لوجاء ، ولاشك ولا مرية بمعنى واحد) . (6) صبحى الاعشى ونهاية الارب : (فلم يكن معرضا عن غيرك) . (7) صبحى الاعشى : (إلى الله عزوجل) . (*)

[ 277 ]

ما أسخطها . ألم تعلم (1) أنه لم يدع أحدا من أصحابه وخلطائه ، وأقاربه وسجرائه (2) ، إلا أبانه بفضيلة ، وخصه بمزية ، وأفرده بحالة ، لو أصفقت الامة عليه لاجلها لكان عنده إيالتها وكفالتها . أتظن أنه عليه السلام ترك الامة سدى (3) بددا ، عدا (4) مباهل عباهل (5) طلاحى (6) مفتونة بالباطل ، ملوية (7) عن الحق ، لاذائد ولا رائد ، ولا ضابط ولا خابط ولا رابط ، ولا سافى ولا واقى ، ولا حادى ولا هادى ، كلا والله ما اشتاق إلى ربه ، ولا سأله المصير إلى رضوانه ، إلا بعد أن أقام الصوى ، وأوضح الهدى ، وأمن المهالك (8) وحمى المطارح والمبارك . وإلا بعد أن شدخ يافوخ الشرك بإذن الله ، وشرم وجه النفاق لوجه الله ، وجدع أنف الفتنة في دين الله ، وتفل في عين الشيطان بعون الله ، وصدع بملء فيه ويده بأمر الله . وبعد ، فهؤلاء المهاجرون والانصار عندك ومعك في بقعة جامعة ، ودار واحدة ، إن استقادوا لك (9) وأشاروا بك ، فأنا واضع يدى في يدك ، وصائر إلى رأيهم فيك ، وإن تكن الاخرى ، فادخل في صالح مادخل فيه المسلمون ، وكن العون على مصالحهم ، والفاتح لمغالقهم ، والمرشد لضالهم ، والرادع لغاويهم ، فقد أمر الله بالتعاون على البر وأهاب إلى التناصر على الحق . ودعنا نقض هذه الحياة الدنيا بصدور برئية من الغل ، ونلقى الله بقلوب سليمة من الضغن .


(1) صبح الاعشى : (أما تعلم) (2) السجراء : جمع سجير ، وهو الصديق . (3) سدى : مهملون . (4) بددا : متفرقون ، وعدا : متباعدون . (5) عباهل مباهل : مهملون أيضا . (6) الطلاحى : الابل التى تشكو بطونا من أكل الطلح ، أراد به هاهنا القوم الذين لاراعى لهم يصدهم عما يضرهم . (7) صبحى الاعشى : (مغبونة) . (8) صبحى الاعشى : (وأمن المسالك) . (9) صبحى الاعشى : (إن استقاتلوني لك ، وأشاروا عندي بك) . (*)

[ 278 ]

وإنما الناس (1) ثمامة (2) فارفق بهم ، وأحن عليهم ، ولن لهم ، ولا تسول لك نفسك فرقتهم ، واختلاف كلمتهم ، واترك ناجم الشر حصيدا ، وطائر الحقد واقعا ، وباب الفتنة مغلقا ، لا قال ولا قيل ، ولا لوم ولا تعنيف ، ولا عتاب ولا تثريب ، والله على ما أقول وكيل ، وبما نحن عليه بصير . قال أبو عبيدة : فلما تهيأت للنهوض ، قال لى عمر : كن على الباب هنيهة فلى معك ذرو (3) من الكلام . فوقفت وما أدرى ما كان بعدى ، إلا أنه لحقني بوجه يندى تهللا ، وقال لى : قل لعلى : الرقاد محلمة ، واللجاج ملحمة ، والهوى مقحمة ، وما منا أحد إلا له مقام معلوم ، وحق مشاع أو مقسوم ، وبناء ظاهر أو مكتوم ، وإن أكيس الكيسى من منح الشارد تألفا ، وقارب البعيد تلطفا ، ووزن كل أمر بميزانه ، ولم يجعل خبره كعيانه ، ولا قاس فتره بشبره ، دينا كان أو دنيا ، وضلالا كان أو هدى ، ولا خير في علم معتمل (4) في جهل ، ولا في معرفة مشوبة بنكر ، ولسنا كجلدة رفع البعير بين العجان وبين الذنب (5) ، وكل صال فبناره يصلى ، وكل سيل فإلى قراره يجرى ، وما كان سكوت هذه العصابة إلى هذه الغاية لعى وحصر ، ولا كلامها اليوم لفرق أو حذر ، فقد جدع الله بمحمد عليه السلام أنف كل متكبر ، وقصم به ظهر كل جبار ، وسل لسان كل كذوب ، فماذا بعد الحق إلا الضلال ! ما هذه الخنزوانة (6) التى في فراش رأسك ؟ وما هذا الشجا المعترض في مدارج أنفاسك ، وما هذه الوحرة (7) التى أكلت شرا سيفك (8) ، والقذاة التى أعشت ناظرك ؟ وما هذا الدحس (9)


(1) صبح الاعشى : (وبعد فإنما الناس) . (2) الثمامة : واحد الثمام ، نبت ضعيف ، يضرب به المثل لما هو هين . (3) ذرو من الكلام : طرف منه ، وفى صبح الاعشى : (دور) تحريف . (4) صبحى الاعشى ونهاية الارب : (مستعمل) . (5) الرثغ : أصول الفخذين من باطن . (6) الخنزوانة : كبر . (7) الوحرة : العداوة ، وأصلها دويبة يشبه بها (8) الشراسيف في الاصل : جمع شرسوف ، وهو غضروف معلق بكل ضلع ، مثل غضروف الكتف . (9) الدحس : التدسيس في الامر . (*)

[ 279 ]

والدس اللذان يدلان على ضيق الباع ، وخور الطباع ! وما هذا الذى لبست بسببه جلد النمر ، واشتملت عليه بالشحناء والنكر ! لشدما استسعيت لها ، وسريت سرى ابن أنقد (1) إليها ، إن العوان لاتعلم (2) الخمرة . ما أحوج الفرعاء إلى فالية ، وما أفقر الصلعاء إلى حالية ، ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم والامر معبد (3) مخيس ، ليس لاحد فيه ملمس ، لم يسير فيك قولا ، ولم يستنزل لك قرآنا ، ولم يجزم في شأنك حكما ، لسنا في كسروية كسرى ، ولا قيصرية قيصر ، (تأمل لاخوان فارس وأبناء الاصفر ، قد جعلهم الله جزرا لسيوفنا ، ودريئة لرماحنا ، ومرمى لطعاننا ! بل) (4) نحن في نور نبوة ، وضياء رسالة ، وثمرة حكمة وأثر رحمة ، وعنوان نعمة ، وظل عصمة ، بين أمة مهدية بالحق والصدق ، مأمونة على الرتق والفتق ، لها من الله تعالى قلب أبى ، وساعد قوى ، ويد ناصرة ، وعين ناظرة . أتظن ظنا أن أبا بكر وثب على هذا الامر مفتاتا على الامة ، خادعا لها ، ومتسلطا عليها ! أتراه امتلخ أحلامها (5) ، وأزاغ أبصارها ، وحل عقودها ، وأحال عقولها ، واستل من صدورها حميتها ، وانتكث رشاءها ، وانتضب ماءها ، وأضلها عن هداها ، وساقها إلى رداها ، وجعل نهارها ليلا ، ووزنها كيلا ، ويقظتها رقادا ، وصلاحها فسادا ! إن كان هكذا ، إن سحره لمبين ، وإن كيده لمتين . كلا والله ، بأى خيل ورجل ، وبأى سنان ونصل ، وبأى منة وقوة ، وبأى مال وعدة ، وبأى أيد وشدة ، وبأى عشيرة وأسرة ، وبأى قدرة ومكنة ، وبأى تدرع وبسطة ! لقد أصبح بما وسمته منيع الرقبة ، رفيع العتبة . لا والله لكن سلا عنها فولهت نحوه ، وتطامن لها فالتفت به ، ومال عنها ، فمالت إليه ، واشمأز (6) دونها فاشتملت عليه ، حبوة حباه الله بها ، وغاية بلغه الله إليها ، ونعمة سربله جمالها ، ويد لله أوجب عليه شكرها ، وأمة نظر الله به


(1) إبن أنقد : القنفذ . (2) إن العوان لاتعلم الخمرة ، مثل ، والعوان : المرأة التى أسنت ولما تهرم . (3) المعبد : المذلل ، ومثله المخيس . (4) تكملة من صبح الاعشى . (5) امتلخ أحلامها : اجتذبها ، يريد أمال عقولها نحوه . (6) إشمأز : إنقبض . (*)

[ 280 ]

لها (1) . وطالما حلقت فوقه في أيام النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت لفتها ، ولا يرتصد وقتها ، والله أعلم بخلقه ، وأرأف بعباده ، يختار ما كان لهم الخيرة . وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، وكهف الحكمة ، ولا يجحد حقك فيما آتاك ربك من العلم ، ومنحك من الفقه في الدين ، هذا إلى مزايا خصصت بها ، وفضائل اشتملت عليها ، ولكن لك (2) من يزاحمك بمنكب أضخم من منكبك ، وقربى أمس من قرباك ، وسن أعلى من سنك ، وشيبة أروع من شيبتك ، (3 وسيادة معروفة في الاسلام والجاهلية 3) ومواقف ليس لك فيها جمل ولا ناقة ، ولا تذكر فيها في مقدمة ولا ساقة ، ولا تضرب فيها بذراع ولا اصبع ، ولا تعد (4) منها ببازل ولا هبع (5) . إن أبا بكر كان حبة قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلاقة (6) همه ، وعيبة سره ، ومثوى حزنه ، وراحة باله ، ومرمق طرفه (7) ، شهرته مغنية عن الدلالة عليه (8) . ولعمري إنك لاقرب منه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة ، ولكنه أقرب منك قربة ، والقرابة لحم ودم ، والقربة روح ونفس ، وهذا فرق يعرفه المؤمنون ، ولذلك صاروا إليه أجمعون . ومهما شككت فلا تشك في أن يد الله مع الجماعة ، ورضوانه لاهل الطاعة ، فادخل فيما هو خير لك اليوم وأنفع غدا ، والفظ من فيك ما هو متعلق (9) بلهاتك ، وانفث


(1) صبحى الاعشى : (إليها) . (2) في الاصول : (كل) ، واثبت مافى صبحى الاعشى . (3 - 3) صبحى الاعشى : (وسيادة لها أصل في الجاهلية وفرع في الاسلام) . (4) صبحى الاعشى : (ولا تخرج منها) . (5) البازل من الابل : مادخل في التاسعة . والهبع : البعير ينتج في الصيف ، يريد : ليس لك فيها شئ (6) صبحى الاعشى : (علاقة نفسه) . (7) بعدها في صبحى الاعشى : (وذلك كله بمحضر الصادر والوارد من المهاجرين والانصار) . (8) صبحى الاعشى : (الدليل) . (9) صبحى الاعشى : (يعلق) . (*)

[ 281 ]

سخيمة صدرك ، فإن يكن في الامد طول ، وفى الاجل فسحة ، فستأكله مريئا أو غير مرئ ، وستشربه هنيئا أو غير هنئ ، حين لا راد لقولك إلا من كان آيسا منك ، ولا تابع لك إلا من كان طامعا فيك ، حين يمض أهابك ، ويفرى أديمك ، ويزري على هديك ، هناك تقرع السن من ندم ، وتشرب الماء ممزوجا بدم ، حين (1) تأسى على ما مضى من عمرك ، وانقضى وانقرض من دارج قومك ، وتود أن لو سقيت بالكأس التى سقيتها غيرك ، ورددت إلى الحال التى كنت تكرهها في أمسك ، ولله فينا وفيك أمر هو بالغه ، وعاقبه هو المرجو لسرائها وضرائها ، وهو الولى الحميد الغفور الودود . قال أبو عبيدة : فمشيت إلى على مثبطا متباطئا ، كأنما أخطو على أم رأسي فرقا من الفتنة ، وإشفاقا على الامة ، وحذرا من الفرقة حتى وصلت إليه في خلاء فابثثته بثى كله ، وبرئت إليه منه ، ودفعته له . فلما سمعها ووعاها ، وسرت في أوصاله حمياها قال : حلت معلوطة ، وولت مخروطة (2) ، ثم قال : أحدى لياليك فهيسى هيسى لا تنعمي الليلة بالتعريس (3) . يا أبا عبيدة ، أهذا كله في أنفس القوم يستبطنونه (4) ويضطغنون عليه ! فقلت : لا جواب عندي ، إنما جئتك قاضيا حق الدين ، وراتقا فتق الاسلام (5) ، وسادا ثلمة الامة ، يعلم الله ذلك من جلجلان (6) قلبى ، وقرارة نفسي .


(1) صبحى الاعشى : (حينئذ) . (2) المعلوطة : من الاعلواط ، وهو ركوب الرأس ، والتفحم على الامور من غير روية ، والمخروطة : السريعة . (3) في اللسان 8 : 139 : (الهيس : السير ، أي ضرب كان ، وهاس يهيس هيسا : سار أي سير كان ، حكاه أبو عبيدة) ، وروى البيت . (4) صبحى الاعشى : (ويحسون به) . (5) صبحى الاعشى : المسلمين) . (6) الجلجلان : حبة القلب . (*)

[ 282 ]

فقال : ماكان قعودي في كسر هذا البيت قصدا لخلاف ، ولا إنكارا لمعروف ، ولا زراية على مسلم ، بل لما وقذنى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من فراقه ، وأودعني من الحزن لفقده ، فإنى لم أشهد بعده مشهدا إلبا جدد على حزنا ، وذكرني شجنا ، وإن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره ، وقد عكفت على عهد الله أنظر فيه ، وأجمع ما تفرق منه ، رجاء ثواب معد لمن أخلص لله عمله ، وسلم لعلمه ومشيئته أمره ، على إنى أعلم إن التظاهر على واقع ، ولى عن الحق الذى سيق إلى دافع ، وإذ قد أفعم الوادي لى ، وحشد النادى على ، فلا مرحبا بما ساء أحدا من المسلمين ، وفى النفس كلام لولا سابق قول ، وسالف عهد ، لشفيت غيضي بخنصري وبنصرى ، وخضت لجته بأخمصى ومفرقي ، ولكني ملحم إلى أن ألقى الله تعالى ، عنده أحتسب ما نزل بى وأنا غاد إن شاء الله إلى جماعتكم ، ومبايع لصاحبكم ، وصابر على ما ساءني وسركم ، ليقضى الله أمرا كان مفعولا ، وكان الله على كل شئ شهيدا ، قال أبو عبيدة : فعدت إلى أبى بكر وعمر ، فقصصت القول على غرة ، ولم أترك شيئا من حلوه ومره ، ذكرت (1) غدوه إلى المسجد ، فلما كان صباح يومئذ (2 وافى على ، فخرق الجماعة إلى أبى بكر وبايعه 2) ، وقال خيرا ، ووصف جميلا ، وجلس زميلا (3) ، واستأذن للقيام ونهض ، فتبعه عمر إكراما له ، وأجلالا لموضعه ، وإستنباطا (4) لما في نفسه ، وقام أبو بكر فأخذ بيده ، وقال : إن عصابة أنت منها يا أبا الحسن لمعصومة ، وإن أمة أنت فيها لمرحومة ، ولقد أصبحت عزيزا علينا ، كريما لدينا ، نخاف الله إذا سخطت ، ونرجوه إذا رضيت ، ولولا إنى شدهت لما أجبت إلى ما دعيت إليه ، ولكني خفت


(1) صبحى الاعشى : (وبكرت) . (2 - 2) صبحى الاعشى : (وإذا على مخترق الجماعة إلى أبى بكر رضى الله عنه ، فبايعه) . (3) صبحى الاعشى : (زميتا) ، أي حليما وقورا . (4) صبحى الاعشى : (مستأثرا بما عنده) . (*)

[ 283 ]

الفرقة ، واستئثار الانصار بالمر على قريش ، وأعجلت عن حضورك ومشاورتك ، ولو كنت حاضرا لبايعتك ولم أعدل بك ، ولقد حط الله عن ظهرك ما أثقل كاهلى به ، وما أسعد (1) من ينظر الله إليه بالكفاية ! وإنا إليك لمحتاجون ، وبفضلك عالمون ، وإلى رأيك وهديك في جميع الاحوال راغبون ، وعلى حمايتك وحفيظتك معولون . ثم انصرف وتركه مع عمر . فالتفت على إلى عمر فقال : يا أبا حفص ، والله ما قعدت عن صاحبك جزعا على ما صار إليه ، ولا أتيته خائفا منه ، ولا أقول ما أقول بعلة (2) ، وإنى لاعرف مسمى طرفي ومخطى (3) قدمى ، ومنزع قوسى ، وموقع سهمي ، ولكني تخلفت إعذارا إلى الله ، وإلى من يعلم الامر الذى جعله لى رسول الله ، وأتيت فبايعت ، حفظا للدين ، وخوفا من انتشار أمر الله . فقال له عمر : يا أبا الحسن ، كفكف من غربك ، ونهنه (4) من شرتك ، ودع العصا بلحائها ، والدلو برشائها ، فإنا من خلفها وورائها . إن قدحنا أورينا ، وإن متحنا أروينا ، وإن قرحنا أدمينا ، وقد سمعت أمثالك التى ألغزت بها صادرة عن صدر دو ، وقلب جو زعمت أنك قعدت في كسر بيتك لما وقذك به فراق ، أفراق رسول الله صلى الله عليه ، وقذك وحدك ولم يقذ سواك ! إن مصابه لاعز وأعظم من ذاك ، وإن من حق مصابه ألا تصدع شمل الجماعة بكلمة لاعصام لها ، فإنك لترى الاعراب حول المدينة لو تداعت علينا في صبح يوم لم نلتقي في ممساه . وزعمت أن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره ، فمن الشوق إليه نصرة دينه ، وموازرة المسلمين عليه ، ومعاونتهم فيه .


(1) كذا في د ، وفى ب : (أسد) . (2) صبح الاعشى : (تعله) . (3) صبح الاعشى : (منتهى طرفي ومحط قدمى) . (4) صبح الاعشى : (واستوقف من سربك) .

[ 284 ]

وزعمت أنك مكب على عهد الله تجمع ما تفرق منه ، فمن العكوف على عهده النصيحة لعباده ، والرأفة على خلقه ، وأن تبذل من نفسك ما يصلحون به ويجتمعون عليه . وزعمت أن التظاهر عليك واقع ، أي تظاهر وقع عليك ! وأى حق استؤثر به دونك ! لقد علمت ما قالت الانصار أمس سرا وجهرا ، وما تقلبت عليه ظهرا وبطنا ، فهل ذكرتك أو أشارت بك ، أو طلبت رضاها من عندك ! وهؤلاء المهاجرون ، من الذى قال منهم إنك صاحب هذا الامر ، أو أومأ إليك ، أو همهم بك في نفسك ! أتظن أن الناس ضلوا من أجلك ، أو عادوا كفارا زهدا فيك ، أو باعوا الله تعالى بهواهم بغضا لك ! (1 ولقد جاءني قوم من الانصار ، فقالوا : إن عليا ينتظر الامامة 1) ، ويزعم أنه أولى بها من أبى بكر ، فأنكرت عليهم ، ورددت القول في نحورهم ، حتى قالوا : إنه ينتظر الوحى ويتوكف (2) مناجاة الملك ! فقلت : ذاك أمر طواه الله بعد محمد عليه السلام . ومن أعجب شأنك قولك : (لولا سابق قول لشفيت غيضي بخنصري وبنصرى) ! وهل ترك الدين لاحد أن يشفى غيضه بيده أو لسانه ! تلك جاهلية استئصل الله شأفتها ، واقتلع جرثومها ، ونور ليلها ، وغور سيلها ، وأبدل منها الروح والريحان ، والهدى والبرهان ! وزعمت أنك ملجم ، فلعمري إن من اتقى ، وآثر رضاه ، وطلب ما عنده ، أمسك لسانه ، وأطبق فاه ، وغلب عقله ودينه على هواه ، وأما قولك : (إنى لاعرف منزع قوسى) ، فإذا عرفت منزع قوسك عرف غيرك مضرب سيفه ، ومطعن رمحه . وأما ما تزعمه من الامر الذى جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ، فتخلفت إعذارا إلى الله ، وإلى العارفة من المسلمين ، فلو عرفه المسلمون


(1 - 1) صبح الاعشى : (لقد جاءني عقيل بن زياد الخزرجي في نفر من أصحابه ، ومعهم شرحبيل بن يعقوب الخزرجي ، وقالوا : إن عليا ينتظر الامامة) . (2) يتوكف : ينتظر . (*)

[ 285 ]

لجنحوا إليه ، وأصفقوا عليه ، وما كان الله ليجمعهم على العمى ، ولا ليضربهم بالضلال بعد الهدى ، ولو كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيك رأى ، وعليك عزم ، ثم بعثه الله ، فرأى اجتماع أمته على أبى بكر ، لما سفه آراءهم ، ولاضلل أحلامهم ، ولا آثرك عليهم ، ولا أرضاك بسخطهم ، ولامرك باتباعهم ، والدخول معهم فيما ارتضوه لدينهم . فقال على : مهلا أبا حفص أرشدك الله ! خفض عليك ، ما بذلت ما بذلت وأنا أريد عنه حولا ، وإن أخسر الناس صفقة عند الله من استبطن النفاق ، واحتضن الشقاق ، وفى الله خلف عن كل فائت ، وعوض من كل ذاهب ، وسلوة عن كل حادث ، وعليه التوكل في جميع الحوادث . ارجع أبا حفص إلى مجلسك ناقع القلب ، مبرود الغليل ، فصيح اللسان ، رحب الصدر ، متهلل الوجه ، فليس وراء ما سمعته منى إلا ما يشد الازر ، ويحبط الوزر ، ويضع الاصر ، ويجمع الالفة ، ويرفع الكلفة ، إن شاء الله . فانصرف عمر إلى مجلسه . قال أبو عبيدة : فلم أسمع ولم أر كلاما ولا مجلسا كان أصعب من ذلك الكلام والمجلس (1) . قلت : الذى يغلب على ظنى أن هذه المراسلات والمحاورات والكلام كله مصنوع موضوع ، وأنه من كلام أبى حيان التوحيدي ، لانه بكلامه ومذهبه في الخطابة والبلاغة أشبه ، وقد حفظنا كلام عمر ورسائله ، وكلام أبى بكر وخطبه ، فلم نجدهما يذهبان هذا المذهب ، ولا يسلكان هذا السبيل في كلامهما ، وهذا كلام عليه أثر التوليد ليس بخفى ، وأين أبو بكر وعمر من البديع وصناعة المحدثين ! ومن تأمل كلام أبى حيان عرف أن


(1) الخبر في صبح الاعشى 1 : 237 - 247 ونهاية الارب 7 : 213 - 229 ، ومحاضرة الابرار 2 : 102 - 115 ، ونشره إبراهيم الكيلاني مع رسالتين لابي حيان في دمشق 1951 . (*)

[ 286 ]

هذا الكلام من ذلك المعدن خرج ، ويدل عليه أنه أسنده إلى القاضى أبى حامد المروروذى (1) ، وهذه عادته في كتاب البصائر يسند إلى القاضى أبى حامد كل ما يريد أن يقوله هو من تلقاء نفسه ، أذا كان كارها لان ينسب إليه ، وأنما ذكرناه نحن في هذا الكتاب ، لانه وإن كان عندنا موضوعا منحولا ، فإنه صورة ما جرت عليه حال القوم ، فهم وإن لم ينطقوا به بلسان المقال ، فقد نطقوا به بلسان الحال . ومما يوضح لك أنه مصنوع ، أن المتكلمين على اختلاف مقالاتهم من المعتزلة والشيعة والاشعرية وأصحاب الحديث ، وكل من صنف في علم الكلام والامامة لم يذكر أحد منهم كلمة واحدة من هذه الحكاية ، ولقد كان المرتضى رحمه الله يلتقط من كلام أمير المؤمنين عليه السلام اللفظة الشاذة ، والكلمة المفردة الصادرة عنه عليه السلام ، في معرض التألم والتظلم ، فيحتج بها ، ويعتمد عليها ، نحو قوله : (مازلت مظلوما مذ قبض رسول الله حتى يوم الناس هذا) . وقوله : (لقد ظلمت عدد الحجر والمدر) . وقوله : (إن لنا حقا إن نعطه نأخذه ، وإن نمنعه نركب أعجاز الابل ، وإن طال السرى) . وقوله : (فصبرت وفى الحلق شجا ، وفى العين قذى) . وقوله : (اللهم إنى أستعديك على قريش فإنهم ظلموني حقى ، وغصبوني إرثى) . وكان المرتضى إذا ظفر بكلمة من هذه ، فكأنما ظفر بملك الدنيا ويودعها كتبه وتصانيفه ، فأين كان المرتضى عن هذا الحديث ! وهلا ذكر في كتاب الشافي في الامامة


(1) هو أحمد بن عامر بن بشر بن حامد أبو حامد المروروذى ، أحد فقهاء الشافعية ، ترجم له إبن خلطان 1 : 18 ، 19 توفى سنة 362 .

[ 287 ]

كلام أمير المؤمنين عليه السلام هذا ، وكذلك من قبله من الامامية كابن النعمان ، وبنى نوبخت ، وبنى بابويه وغيرهم ، وكذلك من جاء بعده من متأخرى متكلمي الشيعة وأصحاب الاخبار والحديث منهم إلى وقتنا هذا ! وأين كان أصحابنا عن كلام أبى بكر وعمر له عليه السلام ! وهلا ذكره قاضى القضاة في المغنى مع احتوائه على كل ما جرى بينهم ، حتى إنه يمكن أن يجمع منه تاريخ كبير مفرد في أخبار السقيفة ! وهلا ذكره من كان قبل قاضى القضاة من مشايخنا وأصحابنا ومن جاء بعده من متكلمينا ورجالنا ! وكذلك القول في متكلمي الاشعرية وأصحاب الحديث كابن الباقلانى وغيره ، وكان ابن الباقلانى شديدا على الشيعة ، عظيم العصبية على أمير المؤمنين عليه السلام ، فلو ظفر بكلمة من كلام أبى بكر وعمر في هذا الحديث لملا الكتب والتصانيف بها ، وجعلها هجيراه ودأبه . والامر في ما ذكرناه في وضع هذه القصة ظاهر لمن عنده أدنى ذوق من علم البيان ، ومعرفة كلام الرجال ، ولمن عنده أدنى معرفة بعلم السير ، وأقل أنس بالتواريخ . وقوله عليه السلام : (مودع لا قال ولا مبغض ولا سئم) ، أي لاملول ، سئمت من الشئ أسأم سأما وسآما وسامه ، سئمته إذا مللته ، ورجل سؤوم . ثم أكد عليه السلام هذا المعنى ، فقال : (إن انصرفت فلا عن ملالة ، وإن أقمت كلام أبى بكر وعمر في هذا الحديث لملا الكتب والتصانيف بها ، وجعلها هجيراه ودأبه . والامر في ما ذكرناه في وضع هذه القصة ظاهر لمن عنده أدنى ذوق من علم البيان ، ومعرفة كلام الرجال ، ولمن عنده أدنى معرفة بعلم السير ، وأقل أنس بالتواريخ . وقوله عليه السلام : (مودع لا قال ولا مبغض ولا سئم) ، أي لاملول ، سئمت من الشئ أسأم سأما وسآما وسامه ، سئمته إذا مللته ، ورجل سؤوم . ثم أكد عليه السلام هذا المعنى ، فقال : (إن انصرفت فلا عن ملالة ، وإن أقمت فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين) ، أي ليست إقامتى على قبرك وجزعي عليك ، إنكارا منى لفضيلة الصبر والتجلد والتعزي والتأسى ، وما وعد الله به الصابرين من الثواب ، بل أنا عالم بذلك ، ولكن الجزع يغلبنى بالطبع البشرى . وروى أن فاطمة بنت الحسين عليهما السلام ضربت فسطاطا على قب بعلها الحسن

[ 288 ]

ابن الحسن عليه السلام سنة ، فلما انقضت السنة قوضت الفسطاط راجعة إلى بيتها ، فسمعت هاتفا يقول : هل بلغوا ما طلبوا ! فأجابه هاتف آخر ، بل يئسوا وانصرفوا . وذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في كتابه الكامل أن عليا عليه السلام تمثل عند قبر فاطمة : ذكرت أبا أروى فبت كأننى برد الهموم الماضيات وكيل (1) لكل اجتماع خليلين فرقة وكل الذى دون الفراق قليل وإن افتقادي واحدا بعد واحد دليل على أن لا يدوم خليل والناس يروونه : وإن افتقادي فاطما بعد أحمد تم الجزء العاشر من شرح نهج البذية لابن أبى الحديد ويليه الجزء الحادي عشر


(1) الكامل 4 : 30 (طبعة نهضة مصر) ، ولم يذكر هناك البيت الاول

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية