الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




التبيان - الشيخ الطوسي ج 4

التبيان

الشيخ الطوسي ج 4


[ 1 ]

التبيان في تفسير القرآن تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي 385 - 460 ه‍. تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي المجلد الرابع

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على ما تفضل وأنعم وصلى الله على محمد وآله وسلم وبعد لقد نفدت الطبعة الاولى من هذا السفر النفيس ورأينا الطلب لم يزل كما هو فعزمنا على إعادته طبعة ثانية متكلين على الله تعالى وحده. وسوف نعتني بضبط ما فاتنا من الاخطاء إن شاء الله تعالى. وعلينا أن نبذل الجهد، وعلى الله التوفيق. أحمد حبيب قصير العاملي

[ 3 ]

قوله تعالى: وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (86) آية، بلا خلاف. هذا وصف للذين آمنوا من هؤلاء النصارى الذين ذكرهم الله أنهم أقرب مودة للمؤمنين بأنهم إذا سمعوا ما أنزل الله من القرآن يتلى " ترى أعينهم تفيض من الدمع " يعني من آمن من هؤلاء النصارى. قال الزجاج وأبو علي: تقديره ومنهم إذا سمعوا ولم يذكر (منهم) لدلالة الكلام عليه وما وصفهم به فيما بعده. وفيض العين من الدمع امتلاؤها منه سيلا ومنه فيض النهر من الماء وفيض الاناء، وهو سيلانه عن شدة امتلاء، ومنه قول الشاعر: ففاضت دموعي فظل الشؤو * ن إما وكيفا وإما انحدارا (1) وخبر مستفيض أي شائع، وفاض صدر فلان بسره، وأفاض القوم من عرفات إلى منى إذا دفعوا، وأفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه، والدمع الماء الجاري من العين ويشبه به الصافي، فيقال دمعة. والمدامع مجاري الدمع وشجة دامعة تسيل دما. وقوله " مما عرفوا من الحق " أي مما علموه من صدق النبي وصحة ما أتى به " يقولون ربنا " في موضع الحال، وتقديره قائلين " ربنا آمنا " أي صدقنا بما أنزلت " فاكتبنا مع الشاهدين " قيل في معناه قولان: أحدهما - فاجعلنا مع الشاهدين فيكون بمنزلة ما قد كتب ودون. الثاني - فاكتبنا معهم في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ. و (الشاهدين) قال ابن عباس وابن جريج: مع أمة محمد صلى الله عليه وآله الذين يشهدون بالحق من * (الهامش) * (1) قائله الاعشى. ديوانه: 35. (*)

[ 4 ]

قوله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس " (1) وقال الحسن: هم الذين يشهدون بالايمان. وقال أبو علي الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك. قوله تعالى: ومالنا لا نؤمن بالله وماجاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين (87) آية بلا خلاف. هذا إخبار عن هؤلاء الذين آمنوا من النصارى بأنهم قالوا: " ومالنا " قال الزجاج: وهو جواب لمن قال لهم من قومهم معنفين لهم: لم آمنتم. وقال غيره: قدروا في أنفسهم كأن سائلا يسألهم عنه، فأجابوا بذلك. وقوله " لا نؤمن " في موضع نصب على الحال، وتقديره أي شئ لنا تاركين للايمان أي في حال تركنا للايمان. والايمان هو التصديق عن ثقة، لان الصدق راجع إلى طمأنينة القلب بماصدق به. والحق هو الشئ الذي من عمل عليه نجا، ومن عمل على ضده من الباطل هلك. ومعنى (من) - هاهنا - قيل في معناه قولان: أحدهما - تبيين الاضافة التي تقوم مقام الصفة، كأنه قيل: والجائي لنا الذي هو حق. وقال آخرون: إنها للتبعيض لانهم آمنوا بالذي جاءهم على التفصيل. ووصف القرآن بأنه (جاء) مجاز، كما قيل: نزل، ومعناه نزل به الملك، فكذلك جاء به الملك. ويقال: جاء بمعنى حدث نحو " جاءت سكرت الموت " (2) وجاء البرد والحر. وقوله " ونطمع " فالطمع تعلق النفس بما يقوى أن يكون من معنى * (الهامش) * (1) سورة 2 البقرة آية 143 (2) سورة 50 ق آية 19 (*)

[ 5 ]

المحبوب، ونظيره الامل والرجاء فالطمع يكون معه الخوف أو لا يكون. " أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين " معناه أن يدخلنا معهم الجنة. والصالح هو الذي يعمل الصلاح في نفسه وإذا عمله في غيره فهو مصلح، فلذلك لم يوصف الله تعالى بأنه صالح ووصف بأنه مصلح. قوله تعالى: فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين (88) آية بلا خلاف. معنى " فأثابهم الله " جازاهم الله بالنعيم على العمل كما أن العقاب الجزاء بالعذاب على العمل وأصل الثواب الرجوع. ومنه قوله " هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون " (1) أي هل رجع إليهم جزاء عملهم. وقوله " بما قالوا " يعني قولهم " ربنا آمنا " وقوله " جنات تجري من تحتها الانهار " إنما ذكرها بلفظ الجمع وإن كانت هي جنة الخلد، لانها جنة فيها جنات أي بساتين، وتذكر بالجمع لتبين عن اختلاف صورها وأحوال أشجارها وأنهارها ووجوه الاستمتاع بها، ووجه آخر: هو أن يكون جمعها مضافا إليهم كما يقال لهم جنة الخلد إلا أنها مرة تذكر على طريق الجنس، ومرة على غير طريق الجنس. وقوله " وذلك جزاء المحسنين " (ذلك) إشارة إلى الثواب. والاحسان هو إيصال النفع الحسن إلى الغير، وضده الاساءة، وهي إيصال الضرر القبيح إليه، وليس كل من كان من جهته إحسان فهو محسن مطلقا، فالمحسن فاعل الاحسان الخالي مما يطلبه، كما أن المؤمن هو فاعل الايمان الخالص مما يحبطه، وعندنا لا يحتاج إلى شرط خلوه مما يبطله، لان الاحباط عندنا باطل، لكن يحتاج أن يشرط فيه أن يكون خاليا من وجوه * (الهامش) * (1) سورة 83 المطففين آية 36: (*)

[ 6 ]

القبح. وقوله " وذلك جزاء المحسنين " وإن كان مطلقا فهو مقيد في المعنى بالمحسنين الذين يجوز عليهم الوعد بالنفع، لانه وعد به، ألا ترى أن الله تعالى يفعل الاحسان وإن كان لا يصح عليه الثواب لانه مضمن بمن يجوز عليه المنافع والمضار فجزاؤه هذه المنافع العظام دون المضار، لانه خرج مخرج استدعاء العباد إلى فعل الاحسان. قوله تعالى: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك أصحاب الجحيم (89) آية بلا خلاف. لما كان أهل الكتاب فريقين أحدهما آمنوا، والثاني كفروا، وذكر الوعد للمؤمنين منهم اقتضى أن يذكر الوعيد لمن كفر منهم وأطلق اللفظ ليكون لهم ولكل من جرى مجراهم، وإنما شرط في الوعيد على الكفر بالتكذيب بالايات وإن كان كل واحد منهما يستحق به العقاب، لان صفة الكفار من أهل الكتاب أنهم يكذبون بالايات، فلم يصلح - هاهنا - لو كذبوا لانهم قد جمعوا الامرين، ولان دعوة الرسول صلى الله عليه وآله بوعيد الكفار ظاهرة مع مجئ القرآن به في نحو قوله " ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " (1) فلم يقع فيه اشكال لهذا. وقوله " أولئك " يعني هؤلاء الكفار. و " أصحاب الجحيم " يعني الملازمون لها، كقولك أصحاب الصحراء وليس كمثل أصحاب الاموال، لان معنى ذلك ملاك الاموال. وليس من شرط المكذب أن يكون عالما أن ما كذب به صحيح بل إذا اعتقد أن الخبر كذب سمي مكذبا، وإن لم يعلم أنه كذب، وإنما يستحق الذم، لانه جعل * (الهامش) * (1) سورة 4 النساء آية 47، 115. (*)

[ 7 ]

له طريق إلى أن يعلم صحة ما كذب به. و " الجحيم " النار الشديدة الايقاد وهو إسم من أسماء جهنم ويقال: جحم فلان النار إذا شدد ايقادها، ويقال أيضا لعين الاسد: جحمة لشدة ايقادها، ويقال ذلك للحرب أيضا قال الشاعر: والحرب لا تبقى لجا * حمها التخيل والمراح إلا الفتى الصبار في النج‍ * دات والفرس الوقاح (1) قوله تعالى: يا ايها الذين امنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (90) آية بلا خلاف. هذا خطاب للؤمنين خاصة نهاهم الله أن يحرموا طيبات ما أحل الله لهم. والتحريم هو العقد على ما لا يجوز فعله للعبد، والتحليل حل ذلك العقد، وذلك كتحريم السبت بالعقد على أهله، فلا يجوز لهم العمل فيه، وتحليله تحليل ذلك العقد بأنه يجوز لهم الان العمل فيه. والطيبات اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب. ويقال: طيب بمعنى حلال. وتقول: يطيب له كذا أي يحل له، ولا يليق ذلك بهذا الموضوع، لانه لا يقال: لا تحرموا حلال ما أحل الله لكم. والذي اقتضى ذكر النهي عن تحريم الطيبات - على ما قال ابن عباس ومجاهد وأبو مالك وقتادة وابراهيم - حال الرهبان الذين حرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة وحبسوا أنفسهم في الصوامع وساحوا في الارض، وحرموا النساء، فهم قوم من الصحابة أن يفعلوا مثل ذلك، فنهاهم الله عن ذلك. وقال أبو علي: نهوا أن يحرموا الحلال من الرزق بما يخلطه من الغصب. واختار الرماني الوجه الاول، لان أكثر المفسرين عليه. * (الهامش) * (1) انظر 2: 438 من هذا الكتاب. (*)

[ 8 ]

وقال السدي: نهاهم الله عما هم به عثمان بن مظعون من جب نفسه. وقال عكرمة: هو ما همت به الجماعة: من تحريم النساء والطعام واللباس والنوم. وقال الحسن: لا تعتدوا إلى ما حرم عليكم وهو أعم فائدة. والاعتداء مجاوزة حد الحكمة إلى ما نهى عنه الحكيم، وزجر عنه إما بالعقل أو السمع، وهو تجاوز المرء ماله إلى ما ليس له. وقوله " إن الله لا يحب المعتدين " معناه يبغضهم ويريد الانتقام منهم وانما ذكره على وجه النفي لدلالة هذا النفي على معنى الاثبات إذ ذكر في صفة المعتدين، وكأنه قيل يكفيهم في الهلاك ألا يحبهم الله. قوله تعالى: وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (91) آية اجماعا. سبب نزول هذه الاية والتي قبلها على ما قال عكرمة وأبو قلابة وأبو مالك وابراهيم وقتادة والسدي وابن عباس والضحاك: إن جماعة من الصحابة منهم علي (ع) وعثمان بن مظعون وابن مسعود وعبد الله بن عمر، هموا بصيام الدهر وقيام الليل، واعتزال الناس وجب أنفسهم وتحريم الطيبات عليهم. فروي أن عثمان بن مظعون قال أتيت النبي صلى الله عليه وآله فقلت: يارسول الله إئذن لي في الترهب فقال: (لا إنما رهبانية أمتي الجلوس في المسجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة) فقلت: يارسول الله أتأذن لي في السياحة قال: (سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله) فقلت: يارسول الله أتأذن لي في الاختصاء فقال: (ليس منا من خصا واختصا إنما اختصاء أمتي الصوم). وقوله " وكلوا " لفظه لفظ الامر والمراد به الاباحة أباح الله تعالي

[ 9 ]

للمؤمنين أن يأكلوا مما رزقهم حلالا طيبا، فالرزق هو ما للحي الانتفاع به وليس لغيره منعه منه. وقال الرماني: الرزق هو العطاء الجاري في الحكم ومن ذلك قيل: رزق السلطان الجند إذا جعل لهم عطاء جاريا في حكمه في كل شهر أو في كل سنة. قال الرماني: وكلما خلقه الله في الارض مما يملك، فهو رزق للعباد في الجملة بدلالة قوله " هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا " (1) ولولا ذلك لجوزنا أن يكون منه ما ليس للانس إلا أنه وإن كان رزقا لهم في الجملة فتفصيل قسمته على ما يصح ويجوز من الاملاك، ولا يجوز أن يكون الرزق حراما، لان الله منع منه بالنهي، فاما البغاة فيرزقون حراما إذا حكموا بأن المال للعبد، وهو مغصوب لا يحل، قال وما افترسه السبع رزق له بشرط غلبته عليه كما أن غنيمة المشركين رزق لنا بشرط غلبتنا عليها، لان المشرك يملك ما في يده، فإذا غلبنا عليه بطل ملكه، وصار رزقا لنا في هذه الحال، قال: وقد أمرنا بأن نمنعه من الانسان مع الامكان، وأذن لنا أن نمنعه من غيره من نحو الميتة والوحش إن شئنا ويسقط جميع ذلك في حال التعذر علينا. وعندي أنه لا يجب أن يطلق أن ما يغلب عليه السبع رزق له بل إنما نقول: إن رزقه ما ليس لنا منعه منه فأما ما لنا منعه منه إما بأن يكون ملكا لنا أو أذن لنا فيه، فلا يكون رزقا له بالاطلاق، وقد يسلط الله السبع على بعض المشركين فيكون رزقا له وعقابا للمشرك، والاصل فيه قوله تعالى " وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها " (2) فمفهوم هذا أنه رزقه بشرط الغلبة عليه. فان قيل: إذا كان الرزق لا يكون إلا حلالا فلم قال: (حلالا) ؟ قيل: ذكر ذلك على وجه التأكيد كما قال " وكلم الله موسى تكليما " (3) * (الهامش) * (1) سورة 2 البقرة آية 29 (2) سورة 11 هود آية 6 (3) سورة 4 النساء آية 163 (*)

[ 10 ]

وقد أطلق في موضع آخر على جهة المدح " ومما رزقناهم ينفقون " (1) وقوله: " واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " استدعاء إلى التقوى بألطف الاستدعاء وتقديره أيها المؤمنون بالله لا تضيعوا ايمانكم بالتقصير في التقوى فيكون عليكم الحسرة العظمى واتقوا تحريم ما أحله الله لكم في جميع معاصيه من أنتم به تؤمنون وهو الله تعالى. وأصل الصفة التعريف ثم يخرج إلى غير ذلك من المدح والذم وغير ذلك من المعاني التي تحسن في مخرج الصفة، فلذلك قال الذي " أنتم به مؤمنون " وفي هاتين الايتين دلالة على كراهة التخلي والتفرد والتوحش والخروج عما عليه الجمهور في التأهل وطلب الولد وعمارة الارض. قوله تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (92) آية بلا خلاف. قرأ " عاقدتم " بالالف ابن عامر، و " عقدتم " بلا ألف مع تخفيف القاف حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم. والباقون بالتشديد. ومنع من القراءة بالتشديد الطبري، قال: لانه لا يكون إلا مع تكرير اليمين والمؤاخذة تلزم من غير تكرير بلا خلاف. وهذا ليس بصحيح لان تعقيد * (الهامش) * (1) سورة 2 البقرة آية 3. (*)

[ 11 ]

اليمين إن يعقدها بقلبه ولفظه ولو عقد عليها في أحدهما دون الاخر لم يكن تعقيدا، وهو كالتعظيم الذي يكون تارة بالمضاعفة وتارة بعظم المنزلة. وقال أبو على الفارسي من شدد احتمل أمرين: أحدهما - أن يكون لتكثير الفعل القوله " ولكن يؤاخذكم " مخاطبا الكثرة، فهو مثل " وغلقت الابواب " (1). والاخر أن يكون (عقد) مثل (ضعف) لا يراد به التكثير، كما أن (ضاعف) لا يراد به فعل من اثنين. وقال الحسين بن علي المغربي: في التشديد فائدة، وهو أنه إذا كرر اليسين على محلوف واحد فإذا حنث لم يلزمه إلا كفارة واحدة. وفي ذلك خلاف بين الفقهاء. والذي ذكره قوي. ومن قرأ بالتخفيف جاز أن يريد به الكثير من الفعلل والقليل إلا ان فعل يختص بالكثير كما أن الركبة تختص بالحال التي يكون عليها الركوب، وقالوا: عقدت الحبل والعهد واليمين عقدا ألا ترى أنها تتلقى بما يتلقى به القسم، قال الشاعر: قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم (2) ويقال: أعقدت العسل فهو معقد وعقيد. وحكى أبو اسحاق عقدت العسل. والاول أكثر. فأما قراءة ابن عامر فيحتمل أمرين: أحدهما - ان يكون عاقدتم يراد به عقدتم كما أن (عافاه الله) و (عاقبت) (اللص) و (طارقت النعل) بمنزلة فعلت. ويحتمل أن يكون أراد فاعلت الذي يقتضي فاعلين فصاعدا، كأنه قال يؤاخذكم بما عاقدتم عليه اليمين، ولما كان عاقد في المعنى قريبا من عاهد ؟ ؟ ب‍ (على) كما يعدى عاهد بها. قال الله تعالى " ومن أوفي بما عاهد عليه الله " (3) والتقدير يؤاخذكم بالذي عاقدتم * (الهامش) * (1) سورة 12 يوسف آية 23 (2) اللسان (عقد) (3) سورة الفتح آية 10 (*)

[ 12 ]

عليه، ثم قال: عاقدتموه الايمان فحذف الراجع. ويجوز أن يجعل (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر فيمن قرأ عقدتم بالتخفيف والتشديد، فلا يقتضي راجعا كما لا يقتضيه في قوله " ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون " (1). وقيل في سبب نزول هذه الاية قولان: أحدهما - قال ابن عباس: إن القوم لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح والملابس حلفوا على ذلك فنزلت الاية. وقال ابن زيد نزلت في عبد الله بن رواحة كان عنده ضيف فأخرت زوجته عشاه فحلف لا يأكل من الطعام، وحلفت المرأة لا تأكل إن لم يأكل، وحلف الضيف لا يأكل ان لم يأكلا، فأكل عبد الله بن رواحة واكلا معه، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله بذلك فقال له: أحسنت. ونزلت هذه الاية. واللغو في اللغة هو ما لا يعتد به قال الشاعر: أو مائة تجعل أولادها * لغوا وعرض المائة الجلمد (2) أي الذي يعارضها في قوة الجلمد يعني بالمائة نوقا أي لا يعتد به بأولادها. ولغو اليمين هو الحلف على وجه الغلط من غير قصد مثل قول القائل: لا والله وبلى والله على سبق اللسان، هذا هو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) وهو قول أبي علي الجبائي. وقال الحسن وأبو مالك: هو اليمين على ما يرى صاحبها أنه على ما حلف ولا كفارة في يمين اللغو عند أكثر المفسرين والفقهاء. وروي عن ابراهيم أن فيها الكفارة بخلاف عنه. بين الله تعالى بهذه الاية أنه لا يؤآخذ على لغو الايمان وأنه يؤآخذ بما عقد عليه قلبه ونواه. وقوله " فكفارته " (الهاء) يحتمل رجوعها إلى أحد ثلاثة أشياء. أحدها - إلى (ما) من قوله بما عقدتم الايمان. الثاني - على اللغو. الثالث - على حنث اليمين لانه مدلول عليه. والاول هو الصحيح، وبه قال * (الهامش) * (1) سورة البقرة آية 10 (2) اللسان (جلمد). (*)

[ 13 ]

الحسن والشعبي وأبو مالك وعائشة. وقوله " إطعام عشرة مساكين " إنما ذكر بلفظ المذكر تغليبا للتذكير في كلامهم لانه لا خلاف أنه لو أطعم الاناث لاجزاه، ويحتاج أن يعطي قدر ما يكفيهم. وقد حده أصحابنا أن يعطي كل واحد مدين أو مدا، وقدره رطلان وربع منفردا، أو يجمعهم على ما هذا قدره ليألكوه. ولا يجوز أن يعطي خمسة ما يكفي عشرة، وهو قول أبي علي، وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. وهل يجوز اعطاء القيمة ؟ فيه خلاف، والظاهر يقتضي أنه لا يجزى والروايات تدل على إجزائه، وهو قول أبي علي وأهل العراق. وانما ذكر الكفارة في الاية ولم يذكر التوبة، لان المعنى فكفارته الشرعية كذا. واما العقاب فلانه يجوز أن تكون المعصية صغيرة أو كبيرة فلاجل ذلك لم يبين. وعندنا أن حكم التوبة معلوم من الشرع، فلذلك لم يذكر. وقوله " من أوسط ما تطعمون " قيل فيه قولان: أحدهما - الخبز والادم دون اللحم، لان أفضله الخبز واللحم والتمر، وأوسطه الخبز والزيت أو السمن، وأدونه الخبز والملح. وبه قال ابن عمر والاسود وعبيدة وشريح. الثاني - قيل: أوسطه في المقدار إن كنت تشبع أهلك أو لا تشبعهم، بحسب العسر واليسر، فبقدر ذلك - هذا قول ابن عباس والضحاك - وعندنا يلزمه أن يطعم كل مسكين مدين، وبه قال علي (ع) وعمر وابراهيم وسعيد بن جبير والشعبي ومجاهد. وقال: يكفيه مد - ذهب إليه زيد ابن ثابت والشافعي والطبري وغيرهم - وروي ذلك في أخبارنا. وقوله " أو كسوتهم " فالذي رواه أصحابنا أنه ثوبان لكل واحد مئزر وقميص، وعند الضرورة قميص، وقال الحسن ومجاهد وعطاء وطاوس وابراهيم: ثوب. وقوله " أو تحرير رقبة " فالرقبة التي تجزي في الكفارة

[ 14 ]

كل رقبة كانت سليمة من العاهة صغيرة كانت أو كبيرة مؤمنة كانت أو كافرة والمؤمنة أفضل، لان الاية مطلقة مبهمة. وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. وما قلناه قول أكثر المفسرين: الحسن وغيره، ومعنى فتحرير رقبة عتق رقبة. وقيل: تحرير من الحرية أي جعلها حرة قال الفرزدق: ابني عدانة انني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال (1) أي أعتقتكم من ذل الهجاء ولزوم العار. وهذه الثلاثة أشياء مخير فيها بلا خلاف وعندنا أنها واجبة على التخيير. وقال قوم إن الواجب منها واحد لا بعينه. والكفارة قبل الحنث لا تجزي وفيه خلاف. وقوله " فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام " يحتمل رفعه أن يكون بالابتداء وخبره فكفارته، ويجوز أن يكون رفعا بالخبر، ويكون تقديره فكفارته صيام. وحد من ليس بواجد هو (من ليس عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته) وهو قول قتادة والشافعي. وصوم الثلاثة أيام متتابعة، وبه قال ابن كعب وابن عباس ومجاهد وابراهيم وقتادة وسفيان وأكثر الفقهاء. ويقويه أنه في قراءة ابن مسعود وابي " صيام ثلاثة أيام متتابعات ". وقال مالك والحسن: التتابع أفضل والتفريق يجوز. فاما إذا قال القائل: إن فعلت كذا فلله علي أن أتصدق بمئة دينار، فان هذا نذر عندنا، وعند أكثر الفقهاء، - يلزمه به مئة دينار. وقال أبو علي عليه كفارة يمين - لقوله " ذلك كفارة أيمانكم " وهو عام في جميع الايمان. وهذا ليس بيمين عندنا بل هو نذر يلزمه الوفاء به لقوله " أوفوا بالعقود " (2) واليمين على ثلاثة أقسام: أحدها - عقدها طاعة وحلها معصية، فهذه يتعلق بحنثها كفارة بلا خلاف كقوله: والله لا شربت خمرا، ولا قتلت نفسا. الثاني - عقدها معصية وحلها طاعة كقوله: والله لا صليت ولا صمت، فإذا جاء بالصلاة والصوم، فلا كفارة عليه - عندنا - وخالف جميع الفقهاء * (الهامش) * (1) ديوانه: 726، والنقائض: 275 (2) سورة 6 الانعام آية 1 (*)

[ 15 ]

في ذلك واوجبوا عليها عليه الكفارة. الثالث - أن يكون عقدها مباحا كقوله: والله لا لبست هذا الثوب فمتى حنث تعلق به الكفارة بلا خلاف. وقوله " ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم " معناه حنثتم. وقوله " واحفظوا ايمانكم " قيل في معناه قولان: أحدهما - احفظوها أن تحلفوا بها، ومعناه لا تحلفوا. الثاني - احفظوها من الحنث، وهو الاقوى، لان الحلف مباح إلا في معصية بلا خلاف - وانما الواجب ترك الحنث، وذلك يدل على أن اليمين في المعصية غير منعقدة، لانها لو انعقدت للزم حفظها، وإذا لم تنعقد لم تلزمه كفارة على ما بيناه. وقوله " كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون " معناه إن الله يبين لكم آياته وفرائضه كما بين لكم أمر الكفارة لتشكروه على تبيينه لكم أموركم ونعمه عليكم وتسهيله عليكم المخرج من الاثم بالكفارة. فأما إقسام الايمان وما ينعقد منها وما لا ينعقد وشرائطها، فقد بيناها في كتب الفقه مشروحة لا نطول بذكرها الكتاب. قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (93) آية بلا خلاف. هذا خطاب للمؤمنين أخبرهم الله تعالى أن الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس، فالخمر عصير العنب المشتد، وهو العصير الذي يسكر كثيرة وقليله. والخمر حرام وتسمى خمر الانها بالسكر تغطي على العقل،

[ 16 ]

والاصل في الباب التغطية من قول أهل اللغة خمرت الاناء إذا غطيته، ومنه دخل في خمار الناس إذا خفي فيما بينهم بسترهم له والخمير العجين الذي يغطى حتى يختمر، وخمار المرأة، لانها تغطي رأسها به. وخامره الحزن إذا خالطه منتشرا في قلبه واستخمرت فلانا أي استعبدته. والاصل فيه أمرته أن يتخذ الخمر، ثم كثر حتى جرى في كل شئ يأمر به. وعلى هذا الاشتقاق يجب أن يسمى النبيذ وكل مسكر على اختلاف أنواعه خمرا، لاشتراكها في المعنى وان يجري عليها أجمع جميع أحكام الخمر. و " الميسر " القمار كله مأخوذ من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار فيه والذي يدخل فيه ييسر والذي لا يدخل فيه برم. قال أبو جعفر (ع) ويدخل فيه الشطرنج والنرد وغير ذلك حتى اللعب بالجوز. والاصل فيه اليسر خلاف العسر وسميت اليد اليسرى تفاؤلا بتيسير العمل بها. وقيل: بل لانها تعين اليمنى فيكون العمل أيسر، وذهب يسرة خلاف يمنة. " والانصاب " الاصنام واحدها نصب. وقيل لها أنصاب، لانها كانت تنصب للعبادة وأصله الانتصاب: القيام، نصب ينصب نصبا. ومنه النصب التعب عن العمل الذي ينتصب له، ونصاب السكين، لانها تنصب فيه، ومناصبة العدو: الانتصاب لعداوته قال الاعشى: وذا النصب المنصوب لا تنسكنه * ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا (1) و " الازلام " القداح، وهي سهام كانوا يجيلونها ويجعلون عليها علامات (إفعل، ولا تفعل ونحو ذلك على مايخرج من ذلك في سفر أو إقامة أو غير ذلك من الامور المهمة، وكانوا يجيلونها للقمار، واحدها زلم، وزلم. وقال الاصمعي: كان الجزور يقسمونه على ثمانية وعشرين جزءا. وقال أبو عمرو: كان عددها على عشرة. وقال أبو عبيدة: لا علم لي بمقدار عدتها، وقد ذكرت أسماؤها مفصلا، وهي عشرة: ذوات الحظوظ منها سبعة * (الهامش) * (1) ديوانه 46 وروايته (الاوثان) بدل (الشيطان). (*)

[ 17 ]

وأسماؤها: الفذ، والتوءم والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى. والاغفال التي لا حظوظ لها ثلاثة اسماؤها: السفيح، والمنيح، والوغد. ذكر القتيبي ذلك. وقوله " رجس " أي نجس " والرجز " العذاب. ومنه قوله " لئن كشفت عنا الزجر " (1) أي العذاب وقوله " والرجز فاهجر " (2) يعني الاوثان. ومعناه الرجس فاهجر، وأصل الرجز تتابع الحركات يقال ناقة رجزاء إذا كانت ترتعد قوائمها في ناحية. وقال الزجاج: يقال: رجس يرجس إذا عمل عملا قبيحا. والرجس بفتح الراء شدة الصوت، وسحاب الرجاس، ورعد رجاس إذا كان شديد الصوت قال الشاعر: وكل رجاس يسوق الرجسا (3) وقوله " من عمل الشيطان " إنما نسبها إلى عمل الشيطان وهي أجسام لما يأمر به فيها من الفساد فيأمر بالسكر ليزيل العقل، ويأمر بالقمار لاستعمال الاخلاق الدنيئة ويأمر بعبادة الاوثان لما فيها من الكفر بالله العظيم، ويأمر بالازلام لما فيها من ضعف الرأي والاتكال على الاتفاق. وقوله " فاجتنبوا " أمر بالاجتناب أي كونوا جانبا منه في ناحية " لعلكم تفلحون " ومعناه لكي تفوزوا بالثواب. وفي الاية دلالة على تحريم الخمر، وهذه الاشياء الاربعة من أربعة أوجه: أحدها - أنه وصفها بأنها رجس وهي النجس والنجس محرم بلا خلاف. الثاني - نسبها إلى عمل الشيطان وذلك لا يكون الا محرما. والثالث - أنه أمرنا باجتنابه. والامر يقتضي الايجاب. الرابع - أنه جعل الفوز والفلاح باجتنابه. * (الهامش) * (1) سورة 7 الاعراف آية 133 (2) سورة 74 المدثر آية 5 (3) اللسان (رجس). (*)

[ 18 ]

والهاء في قوله " فاجتنبوه " راجعة إلى عمل الشيطان، وتقديره اجتنبوا عمل الشيطان. قال ابن عباس: الرجس - هاهنا - معناه السخط. وقال ابن زيد: هو الشر. قوله تعالى: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر، والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة فهل أنتم منتهون (94) آية بلا خلاف. قيل في سبب نزول هذه الاية قولان: أحدهما - أنه لا حق سعد بن أبي وقاص رجلا من الانصار، وقد كانا شربا الخمر فضربه بلحي جمل ففزر أنف سعد بن ابي وقاص، فنزلت هذه الاية. الثاني - أنه لما نزل قوله " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " (1) قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت هذه الاية. والشيطان انما يريد إيقاع العداوة والبغضاء بينهم بالاغراء المزين لهم ذلك حتى إذا سكروا زالت عقولهم وأقدموا من المكاره والقبائح على ما كانت تمنعه منه عقولهم. وقال قتادة: كان الرجل يقامر في ماله وأهله فيقمر، ويبقى حزينا سليبا فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء. وقوله " ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة " أي يمنعكم من الذكر لله بالتعظيم له والشكر له على آلائه، لما في ذلك من الدعاء إلى الصلاح واستقامة الحال في الدين والدنيا بالرغبة فيما عنده، والتوسل إليه بالاجتهاد في طاعته التي تجمع محاسن الافعال ومكارم الاخلاق. وقوله " فهل أنتم منتهون " ؟ صيغته صيغة الاستفهام ومعناه النهي، وانما جاز ذلك، لانه إذا ظهر قبح الفعل للمخاطب صار في منزلة من نهي عنه، * (الهامش) * (1) سورة 4 النساء آية 42. (*)

[ 19 ]

فإذا قيل له: أتفعله ؟ بعد ما قد ظهر من أمره وصار في محل من عقد عليه باقراره. فان قيل: ما الفرق بين انتهوا عن شرب الخمر، وبين لا تشربوا الخمر، قلنا: لانه إذا قال: انتهوا دل ذلك على أنه مريد لامر ينافي شرب الخمر. وصيغة النهي إنما تدل على كراهة الشرب، لانه قد ينصرف عن الشرب إلى أخذ أشياء مباحة، وليس كذلك المأمور به، لانه لا ينصرف عنه إلا في محذور. والمنهي عنه قد ينصرف عنه إلى غير مفروض. قوله تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فان توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين (95) آية بلا خلاف. لما أمر الله تعالى باجتناب الخمر والميسر والانصاب والازلام أمر في هذه الاية بطاعته في ذلك وغيره من أوامر الله تعالى. والطاعة هي امتثال الامر، والانتهاء عن المنهي عنه، ولذلك يصح أن تكون الطاعة طاعة لاثنين بأن يوافق أمرهما وإرادتهما. وقوله " واحذروا " أمر منه تعالى بالحذر، وهو امتناع القادر من الشئ لما فيه من الضرر. والخوف هو توقع الضرر الذي لا يؤمن كونه. والجزع مفاجأة الضرر الذي يزعج النفس مثله. الفزع والرعب مثل الجزع. وقوله " فان توليتم فاعلموا انما على رسولنا البلاغ المبين " معناه الوعيد والتهديد كأنه قال: فاعلموا أنكم قد حق لكم العقاب لتوليكم عما أدى رسولنا من البلاغ المبين، يعني الاداء الظاهر الواضح، فوضح كلام موضع كلام للايجاز ولو كان على صيغته من غير هذا التقدير لم يصح، لان عليهم أن يعلموا ذلك تولوا أو لم يتولوا. و " ما " في قوله: " أنما " كافة

[ 20 ]

ل‍ " أن " عن عملها، وذلك أنها لما كانت من عوامل الاسماء خاصة ثم احتيج إلى ادخالها على غيرها زيد عليها (ما) ليعلم تغيرها عن حالها فصارت كافة لها. قوله تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين (96) آية. قال ابن عباس وابن مالك والبراء بن عازب ومجاهد، وقتادة والضحاك: إنه لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة كيف بمن مات من اخواننا وهو يشربها، فأنزل الله الاية وبين أنه ليس عليهم في ذلك شئ إذا كانوا مؤمنين عاملين للصالحات، ثم يتقون المعاصي وجميع ما حرم الله عليهم. فان قيل لم كرر الاتقاء ثلاث مرات في الاية ؟ قيل: الاول المراد به اتقاء المعاصي. الثاني - الاستمرار على الاتقاء. والثالث - اتقاء مظالم العباد، وضم الاحسان إلى الاتقاء على وجه الندب واعتبر أبو علي في الثالث الامرين. وقوله " والله يحب المحسنين " أي يريد ثوابهم واجلالهم واكرامهم. والاحسان النفع الحسن الواصل إلى الغير، ولا يقال لكل حسن إحسان، لانه لا يقال في العذاب بالنار أنه إحسان وان كان حسنا. والصلاح استقامة الحال وهو مما يفعله العبد، وقد يفعل الله تعالى له الصلاح في دينه باللطف فيه. والايمان هو الاطمئنان إلى الصواب بفعله مع الثقة به وهو من أفعال العباد. وعلى هذا يحمل قوله " وآمنوا " والاول على الايمان بالله الذي هو التصديق. وروي أن قدامة بن مظعون شرب الخمر في أيام عمر، فأراد

[ 21 ]

عمر أن يقيم عليه الحد فقال " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " فأراد عمر أن يدرأ عنه الحد حين لم يعلم تحريمها. فقال أمير المؤمنين (ع) أديروه على الصحابة، فان لم يسمع أحدا منهم قرأ عليه آية التحريم، فأدرؤا عنه، وان كان قد سمع فاستتيبوه، وأقيموا عليه الحد، فان لم يتب وجب عليه القتل. قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (97) آية واحدة بلا خلاف. هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين وقسم منه أنه يبلوهم بشئ من الصيد، لان اللام في قوله: " ليبونكم " لام القسم والواو مفتوحة لا لتقاء الساكنين في قول بعضهم مثل (واو) اغزون. وأما واو " ليبونكم " قال سيبويه هي مبنية على الفتح. وقال الزجاج: فتحت واو " ليبلونكم " لانها حرف الاعراب الذي تتعاقب عليه الحركات وضمت واو " لتبلون " لانها واو الجمع، فصح لالتقاء الساكنين نحو قوله " فلا تخشوا الناس واخشوني " (1) ومعنى " ليبلونكم " ليختبرن طاعتكم من معصيتكم " بشئ من الصيد " وأصله اظهار باطن الحال ومنه البلاء للنعمة لانه يظهر به باطن حال المنعم عليه في الشكر، والكفر. والبلاء النقمة، لانه يظهر به ما يوجبه كفر النعمة. والبلى الخلوقة لظهور تقادم العهد فيه. وقوله " بشئ من الصيد " قيل في معنى (من) ثلاثة أوجه: أحدها - صيد البر، دون البحر. والاخر صيد الاحرام دون الاحلال. * (الهامش) * (1) سورة 5 المائدة آية 47. (*)

[ 22 ]

الثالث - للتجنيس نحو اجتنبوا الرجس من الاوثان - في قول الزجاج - وقوله " تناله أيديكم ورماحكم " يعني به فراخ الطيور وصغار الوحش في قول ابن عباس ومجاهد، وزاد مجاهد: واليض. والذي تناله الرماح الكبار من الصيد. قال أبو علي: معنى " تناله أيديكم ورماحكم " إن صيد الحرم يقرب من الناس ولا ينفر منهم فيه كما ينفر في الحل، وذلك آية من آيات الله. وقال الحسن ومجاهد: حرم الله بهذه الاية صيد البر كله. وقال أبو علي: صيد الحرم هو المحرم بهذه الاية. وقال الزجاج: بين النبي صلى الله عليه وآله تحريم صيد الحرم على المحرم وغيره بهذه الاية، وهذا صحيح. وصيد غير المحرم إنما يحرم على المحرم دون المحل. وقوله " ليعلم الله من يخافه بالغيب " معناه لعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم، مظاهرة في العدل. ووجه آخر - ليظهر المعلوم، والاول أحسن. واختار البلخي الوجه الثاني، قال والله تعالى وان كان عالما ابما يفعلونه فيما لم يزل، فانه لا يجوز أن يثيبهم ولا يعاقبهم على ما يعلم منهم، وانما يستحقون ذلك إذا علمه واقعا منهم على وجه كلفهم، فإذا لابد من التكليف والابتلاء. وقوله " من يخافه بالغيب " يعني من يخشى عقابه إذا توارى بحيث لا يقع عليه الحس - في قول الحسن - تقول: غاب يغيب غيابا فهو غائب عن الحس، منه الغيبة وهي الذكر بظهر الغيب بالقبيح. وقال قوم: معناه من يخاف صيد الحرم في السر كما يخافه في العلانية، فلا يعرضون له على حال. وقوله " فمن اعتدى بعد ذلك " يعني من تجاوز حد الله بمخالفة أمره وارتكاب نهيه بالصيد في الحرم، وفي حال الاحرام " فله عذاب أليم " أي مؤلم. قال البلخي: يجوز أن يكون ذلك في النار، ويجوز أن يكون غير ذلك من صنوف الالام والعقوبات، قال سليمان " لاعذبنه عذابا شديدا " (1) يعني الهدهد ولم يرد عذاب النار. (1) سورة 27 النحل آية 21:

[ 23 ]

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (98) آية بلا خلاف. قرأ أهل الكوفة ويعقوب " فجزاء " منونا " مثل " رفع. الباقون بالاضافة. وقرأ ابن عامر وأهل المدينة " أو كفارة " بغير تنوين " طعام " بالخفض. الباقون بالتنوين وأجمعوا على جمع مساكين. وقرأ بعضهم (أو عدل ذلك بالكسر) قال الاخفش: وهو الوجه، لان العدل هو المثل. والعدل مصدر عدلت هذا بهذا عدلا حسنا. والعدل أيضا المثل " ولا يقبل منها عدل " (1) أي مثل. قال الفراء: العدل - بفتح العين - ما عدل الشئ من غير جنسه - وبكسر العين - المثل، تقول: عندي غلام عادل غلامك - بالكسر - لانه من جنسه وان أردت قيمته دراهم، قلت: عندي عدل غلامك، لانها من غير جنسه. قال أبو علي الفارسي: حجة من رفع المثل أنه صفة للجزاء والمعنى فعليه جزاء من النعم مماثل المقتول. والتقدير فعليه جزاء أي فاللازم له أو فالواجب عليه جزاء من النعم مماثل ما قتل من الصيد. وقوله " من النعم " على هذه القراءة صفة للنكرة التي هي (جزاء) وفيه ذكر، ويكون مثل صفة للجزاء لان المعنى عليه جزاء مماثل للمقتول من الصيد من النعم. والمماثلة في القيمة أو الخلقة على اختلاف الفقهاء في ذلك. ولا ينبغي * (الهامش) * (1) سورة 2 البقرة آية 123. (*)

[ 24 ]

إضافة (جزاء) إلى المثل ألا ترى انه ليس عليه جزاء مثل ما قتل في الحقيقة، وانما عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله، ولا جزاء عليه لمثل المقتول الذي لم يقتله. وإذا كان كذلك علمت ان الجزاء لا ينبغي أن يضاف إلى (مثل) ولا يجوز أن يكون قوله " من النعم " على هذه القراءة متعلقا بالمصدر كما جاز أن يكون الجار متعلقا به في قوله " وجزاء سيئة سيئة مثلها " (1) ب‍ (مثلها) لانك قد وصفت الموصول، وإذا وصفته لم يجز أن تعلق به بعد الوصف شيئا كما انك إذا عطفت عليه أو أكدته لم يجز أن تعلق به شيئا بعد العطف عليه والتأكيد له. فأما في قراءة من أضاف الجزاء إلى المثل، فان قوله " من النعم " يكون صفة للجزاء كما كان في قول من نون، ولم يضف صفة له. ويجوز فيه وجه آخر لا يجوز في قول من نون ووصف: وهو أن يقدره متعلقا بالمصدر. ولا يجوز على هذا القول أن يكون فيه ذكر كما تضمن الذكر لما كان صفة. وانما جاز تعلقه بالمصدر على قول من أضاف، لانك لم تصف الموصول كما وصفته في قول من نون، فيمتنع تعلقه به. وأما من أضاف الجزاء إلى (مثل) فانه وإن كان جزاء المقتول لا جزاء مثله فانهم مثل قد يقولون: أنا أكرم مثلك. يريدون أنا أكرمك، وكذلك إذا قال (فجزاء مثل) فالمراد ما قتل، فإذا كان كذلك كانت الاضافة في المعنى كغير الاضافة لان المعنى فعليه جزاء ما قتل. ولو قدرت الجزاء تقدير المصدر واضفته إلى المثل كما تضيف المصدر إلى المفعول به لكان في قول من جر (مثلا) على الاتساع الذي وصفناه ألا ترى أن المعنى " فجزاء مثل " أي يجازى مثل ما قتل، والواجب عليه في الحقيقة جزاء المقتول لا جزاء مثل المقتول. خاطب الله بهذه الاية المؤمنين ونهاهم عن قتل الصيد وهم حرم وقوله " وأنتم حرم " قيل فيه ثلاثة أوجه: أحدها - وانتم محرمون لحج أو عمرة. * (الهامش) * (1) سورة 42 الشورى آية 40. (*)

[ 25 ]

الثاني - وانتم في الحرم. يقال: أحرمنا أي دخلنا في الحرم كما يقال أنجدنا واتهمنا. الثالث - وأنتم في الشهر الحرام. يقال أحرم إذا دخل في الشهر الحرام. قال أبو علي: الاية تدل على تحريم قتل الصيد في حال الاحرام بالحج، والعمرة وحين الكون في الحرم. وقال الرماني: يدل على الاحرام بالحج أو العمرة فقط. والذي قاله أبو علي أعم فائدة، وأما القسم الثالث فلا خلاف أنه غير مراد. وقاتل الصيد إذا كان محرما لزمه الجزاء عامدا كان في القتل أو أخطأ أو ناسيا لاحرامه أو ذاكرا. وبه قال مجاهد، والحسن - بخلاف عنه - وابن جريج، وابراهيم، وابن زيد، وأكثر الفقهاء، واختاره البلخي والجبائي. وقال ابن عباس وعطاء والزهري واختاره الرماني: انه يلزمه إذا كان متعمدا لقتله ذاكرا لاحرامه، وهو أشبه بالظاهر. والاول يشهد به روايات أصحابنا. واختلفوا في مثل المقتول فقال الحسن وابن عباس والسدي ومجاهد وعطاء والضحاك: هو أشبه الاشياء به من النعم: إن قتل نعامة فعليه بدنة، حكم النبي صلى الله عليه وآله بذلك في البدنة. وان قتل أروى (1) فبقرة. وان قتل غزالا أو أرنبا، فشاة. وهذا هو الذي تدل عليه روايات أصحابنا. وقال قوم: يقوم الصيد بقيمة عادلة ثم يشترى بثمنه مثله من النعم ثم يهدى إلى الكعبة، فان لم يبلغ ثمن هدي كفر أو صام، وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف واختلف من قال بذلك في المكان الذي يقوم فيه الصيد، فقال ابراهيم، والنخعي وحماد، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: يقوم بالمكان الذي أصاب فيه إن كان بخراسان أو غيره. وقال ابن عامر والشعبي: يقوم بمكة أو منى. * (الهامش) * (1) " الاروى " اناث الوعل، وهو اسم جمعها وواحدها (أرية) بضم الهمزة وسكون الراء وكسر الواو وفتح الياء المشددة. (*)

[ 26 ]

وقوله: " يحكم به ذوا عدل منكم " يعني شاهدين عدلين فقيهين يحكمان بأنه جزاء مثل ما قتل من الصيد. وقوله: " هديا بالغ الكعبة " ف‍ (هديا) نصب على المصدر. ويحتمل ان يكون نصبا على الحال، و (بالغ الكعبة) صفة له وتقديره يهديه هديا يبلغ الكعبة وقوله " بالغ الكعبة " فهو وان كان مضافا إلى المعرفة فالنية فيه الانفصال، كما نقول هذا ضارب زيد، فيمن حذف النون ولم يكن قد فعل، فانه يكون نكرة، والهدي يجب أن يكون صحيحا بالصفة التي تجزي في الاضحية، وهو قول أبي علي. وقال الشافعي يجوز في الهدي ما لا يجوز في الاضحية. وان قتل طائرا أو نحوه قال أبو علي عليه دم شاة. وعندنا فيه دم. وقال قوم يجوز ان يهدي سخلة أو جديا. والنعم هي الابل والبقر والغنم. وقوله " أو كفارة طعام مسكين " فمن رفع (طعام مساكين) جعله عطفا على الكفارة عطف بيان لان الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة إلى الطعام، لانها ليست للطعام وانما هي لقتل الصيد، فلذلك لم يضف الكفارة إلى الطعام. ومن اضافها إلى الطعام، فلانه لما خير المكفر بين ثلاثة أشياء: الهدى، والطعام، والصيام اجاز الاضافة لذلك، فكأنه قال: كفارة طعام لا كفارة هدي، ولا كفارة صيام، فاستقامت الاضافة لكون الكفارة من هذه الاشياء وقيل في معناه قولان: أحدهما - يقوم عدله من النعم ثم يجعل قيمته طعاما في قول عطا. وهو مذهبنا. وقال قتادة: يقوم نفس الصيد المقتول حيا ثم يجعل طعاما. وقوله: " أو عدل ذلك صياما " نصب صياما على التمييز وفي معناه قولان: أحدهما - لكل مد يقوم من الطعام يوم في قول عطاء. وقال غيره:

[ 27 ]

عن كل مدين يوم وهو مذهبنا. وقال سعيد بن جبير: يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة أيام. وقوله " ليذوق وبال امره " يعني عقوبة ما فعله ونكاله. وقال المغربي: الوبال من الطعام الوبيل الذي لا يستمرى، أو لا يوافق، وهو قول الازهري قال كثير: فقد أصبح الراضون إذ أنتم بها * مشوم البلاد يشتكون وبالها وقوله: " عفا الله عما سلف " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن: عفا الله عما سلف من امر الجاهلية. وقال آخرون: عما سلف من الدفعة الاولى في الاسلام. وقوله: " ومن عاد فينتقم الله منه " اختلفوا في لزوم الجزاء بالمعاودة على قولين: أحدهما - قال عطاء وابراهيم وسعيد بن جبير ومجاهد: يلزمه الجزاء بالمعاودة وهو قول بعض أصحابنا. الثاني - قال ابن عباس، وشريح، والحسن، وابراهيم، بخلاف عنه: لا جزاء عليه وينتقم الله منه، وهو الظاهر من مذهب أصحابنا، واختار الرماني الاول. وبه قال أكثر الفقهاء، قال: لانه لا ينافي الانتقام منه. واختلفوا في (أو) في الاية هل هي على جهة التخيير أم لا ؟ على قولين: أحدهما - قال ابن عباس، والشعبي، وابراهيم، والسدي وهو الظاهر في رواياتنا انه ليس على التخيير لكن على الترتيب. وانما دخلت (أو) لانه لا يخرج حكمه على أحد الثلاثة، على انه إن لم يجد الجزاء فالاطعام وان لم يجد الاطعام فالصيام. وفي رواية أخرى عن ابن عباس، وعطاء والحسن وابراهيم - على خلاف عنه - واختاره الجبائي، وهو قول بعض أصحابنا انه على التخيير. وقوله " والله عزيز ذو انتقام " معناه قادر لا يغالب " ذو انتقام " معناه

[ 28 ]

ينتقم ممن يتعدا أمره ويرتكب نهيه. وليس في الاية دليل على العمل بالقياس، لان الرجوع إلى ذوي عدل في تقويم الجزاء مثل الرجوع إلى المقولين في قيم المتلفات، ولا تعلق لذلك بالقياس. قوله تعالى: أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (99) آية بلا خلاف. قال ابن عباس، وزيد بن ثابت، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وقتادة، والسدي، ومجاهد: الذي أحل من هذه الاية من صيد البحر الطري منه وأما العتيق فلا خلاف في كونه جلالا، وإذا حل صيد البحر حل صيد الانهار، لان العرب تسمى النهر بحرا. ومنه قوله " ظهر الفساد في البر والبحر " (1) والاغلب على البحر هو الذي يكون ماؤه ملحا لكن إذا اطلق دخل فيه الانهار بلا خلاف. وقوله " وطعامه " يعني طعام البحر وقيل في معناه قولان: أحدهما - قال أبو بكر وعمر، وابن عباس وابن عمر، وقتادة هو ما قذف به ميتا. الثاني - في رواية أخرى عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد وابراهيم بخلاف عنه انه المملوح، واختار الرماني الاول. وقال لانه بمنزلة ما صيد منه وما لم يصد منه فعلى هذا تصح الفائدة في الكلام والذي يقتضيه ويليق بمذهبنا القول الثاني، فيكون قوله " صيد البحر " المراد به ما أخذ طريا. * (الهامش) * (1) سورة 30 الروم آية 41. (*)

[ 29 ]

وقوله " وطعامه " ما كان منه مملوحا، لان ما يقذف به البحر ميتا لا يجوز عندنا أكله لغير المحرم ولا للمحرم. وقال قوم معنى " وطعامه " ما نبت بمائة من الزرع والثمار حكاه الزجاج. وقوله " متاعا لكم وللسيارة " نصب متاعا على المصدر لان قوله " أحل لكم " يدل على انه قد متعهم متاعا وقال ابن عباس والحسن وقتادة معناه منفعة للمقيم والمسافر. وقوله " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " يقتضي ظاهره تحريم الصيد في حال الاحرام وأكل ما صاده غيره، وبه قال علي (ع) وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير، وقال عمر وعثمان والحسن، لحم الصيد لا يحرم على المحرم إذا صاده غيره، ومنهم من فرق بين ما صيد وهو محرم وبين ما صيد قبل احرامه. وعندنا لا فرق بينهما والكل محرم، والصيد يعبر به عن الاصطياد فيكون مصدرا ويعبر به عن المصيد، فيكون اسما. ويجب أن تحمل الاية على تحرم الجميع. وقوله " واتقوا الله الذي إليه تحشرون " أمر منه تعالى بان يتقي جميع معاصيه ويجتنب جميع محارمه من الصيد في الاحرام وغيره، لان إليه الرجوع في الوقت الذي لا يملك أحد فيه الضرر والنفع سواه، وهو يوم القيامة فيجازي كلا بعمله: المحسن على إحسانه والمسئ على اساءته. قوله تعالى: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الارض وأن الله بكل شئ عليم (100) آية بلا خلاف. قرأ ابن عامر وحده " قيما للناس " بلا الف. الباقون قياما بالالف.

[ 30 ]

قال أبو علي الفارسي: قوله " جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس " تقديره جعل الله حج الكعبة أو نصب الكعبة قياما لمعايش الناس أو مكاسب الناس، لانه مصدر (قام) كأن المعنى قام بنصبه ذلك لهم، فاستتبت بذلك معايشهم، واستقامت أحوالهم به فالقيام كالعياذ والعيال. وعلى هذا لحقته تاء التأنيث في هذه المصادر فجاءت (فعالة) كالزيادة والسياسة والحياكة، فكما جاءت هذه المصادر على (فعال) أو (فعالة) كذلك حكم القيام أن يكون على (فعال). ووجه قراءة ابن عامر أحد أمرين: إما أن يكون جعله مصدرا كالشبع أو حذف الالف وهو يريدها كما يقصر الممدود، وهذا الوجه انما يجوز في الشعر دون الكلام. وانما أعلوا الواو فقلبوها ياءا لاعتلال الفعل، ولم يصححوها كما صحت في الحول والعوض، ألا ترى أنهم قالوا ديمة وديم، وحيلة وحيل فأعلوها في المجموع لاعتلال آحادها، فاعلال المصدر لاعتلال الفعل أولى. والقوام هو العماد تقول: هو قوام الامر وملاكه، وهو ما يستقيم به أمره وقلبت الواو ياءا لانكسار ما قبلها في مصدر (فعل، يفعل) وهو قام بالامر قياما كقولك صام صياما. فأما صحة الواو فمن قاومه قواما مثل حاوره حوارا قال الراجز: قوام دنيا وقوام دين (1) وتقدير الاية جعل الله حج الكعبة أو نصب الكعبة قياما لمعاش الناس ومصالحهم. وقوله " والشهر الحرام " معطوف على المفعول الاول ل‍ (جعل) كما تقول ظننت زيدا منطلقا وعمرا أي فعل ذلك ليعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السماوات والارض، وما يجري عليه شأنهم في معاشهم وغير ذلك مما يصلحهم * (الهامش) * (1) مجاز القرآن 1 / 177. (*)

[ 31 ]

" وأن الله بكل شئ عليم " بما يقيمهم، ويصلحهم عليه. وقيل في قوله " قياما للناس " ان معناه أمنا لهم وقيل انه مما ينبغي أن يقيموا به. والاول أقوى. وقال قوم لما كان في المناسك زجرا عن القبيح ودعا إلى الحق كان بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر أتباعه. وقال سعيد بن جبير " قياما للناس " صلاحا لهم. وقيل: يقوم به أبدانهم. وقيل " قياما " يقومون به في متعبداتهم قال مجاهد وعكرمة: سميت الكعبة كعبة لتربيعها. وقال أهل اللغة وانما قيل كعبة البيت واضيف لان كعبة تربع اعلاه والكعوبة: النتوء، فقيل للتربيع كعبة لنتوء زوايا المربع. ومنه كعب ثدي الجارية إذا نتأ ومنه كعب الانسان لنتوئه. وسميت الكعبة حراما لتحريم الله إياها ان يصاد صيدها أن يخلى خلاءها أو يعضد شجرها. وقوله " والشهر الحرام " قال الحسن: هي الاشهر الحرام الاربعة، فهذا على مخرج الواحد مذهب الجنس. وهي واحد فرد، وثلاثة سرد، فالفرد رجب، والسرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. و (القلائد) قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - ان الرجل من العرب كان ينتهي به الحال من الضرر والجوع إلى ان يأكل العصب فيلقى الهدي مقلدا فلا يعرض له. الثاني - أن من أراد الاحرام تقلد قلادة من شعر أو لحي الشجرة، فتمنعه من الناس حتى يأتي أهله. الثالث - قال الحسن: القلائد ان يقلد الابل والبقر النعالا أو الخفاف، تقور تقويرا، على ذلك مضت السنة، فهذا على صلاح التعبد بها، وهذا هو المعتمد عليه عندنا. فان قيل: ما معنى قوله " ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الارض " بعد قوله " جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس " وأي تعلق لها بذلك ؟ وما في ذلك مما يدل على أنه بكل شئ عليم ؟ قيل عن

[ 32 ]

ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها - أنه تعالى لما اخبر بما في هذه السورة من قصة موسى وعيسى وقومهما وبالتوراة والانجيل، وما فيهما من الاحكام واخبار الامم وفصله، وذلك كله مما لم يشاهده محمد صلى الله عليه وآله ولا قومه ولا أحد في عصره ولا وقفوا على شئ من ذلك، قال ذلك لتعلموا أن الله تعالى لولا أنه بكل شئ عليم لما جاز أن يخبركم عنهم، فاخباره بذلك يدل على أنه بكل شئ عليم. وأيضا فان ما جعله الله من البلد الحرام والشهر الحرام من الايات والاعاجيب دالا على أنه تعالى لا يخف عليه شئ، لانه جعل البيت الحرام والحرم أمنا، يأمن فيه كل شئ ويسكن قلبه فالظبي يأنس بالسبع والذئب مادام في الحرم، فإذا خرج عن الحرم خاف وطلب السبع وهرب منه الظبي حتى يرجع إلى الحرم، فإذا رجع إليه كف عنه السبع، وهذا من عظيم آيات الله وعجيب دلائله، وكذلك الطير والحمامة تأنس بالانسان، فإذا خرج من الحرم خافه ولم يدن من أحد حتى يعود إلى الحرم، والطير يستشفي بالبيت الحرام إذا مرض يسقط علم ؟ ؟ البيت استشفاء به، فإذا زال عنه المرض لم ير على سطح البيت ولا محاذيه في الهواء إجلالا له وتعظيما، مع أمور كثيرة يطول ذكرها، فيكون ما دبره الله من ذلك دالا على أنه عالم بمصالح الخلق وبكل شئ. وأيضا فانه أخبرهم بأنه قد علم قبل أن يخلقهم ماهم صائرون إليه من القتال والغارة والسبي والسلب فجعل من سنن ابراهيم واسماعيل ان من دخل الحرم لم يقتل. وكذلك من عاذ بالبيت. وأن أشهر الحرم لا يجوز فيها قتال وأن من أهدى أو قلد أمن على نفسه، وكل ذلك يدل على أن من دبره عالم بالعواقب ولا يخفى عليه شئ من الاشياء على وجه من الوجوه. قوله تعالى: إعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (101) آية

[ 33 ]

أمر الله تعالى أن يعلم المكلف أنه شديد العقاب، فالعلم ما اقتضى سكون النفس، وان شئت قلت هو اعتقاد الشئ على ما هو به مع سكون النفس إلى ما اعتقده، والاول أخص، ولا يجوز أن يحد العلم بأنه المعرفة، لان المعرفة هي العلم، ولا يحد الشئ بنفسه. والعلم يتناول الشئ على ما هو به وكذلك الرؤية. والفرق بينهما ان العلم يتعلق بالمعلوم على وجوه، والرؤية لا تتعلق إلا على وجه واحد. والعلم محله القلب. والرؤية ليست معنى على الحقيقة وانما تثبت للرائي بكونه رائيا صفة. ومن قال هو معنى قال محلها العين. وفي الاية دلالة على أن المعرفة بالله وبصفاته ليست ضرورية، لانها لو كانت ضرورية لما أمرنا بها. وليس لاحد أن يقول انما أمر على جهة التذكير، والتنبيه، لان ذلك ترك للظاهر. والعقاب هو الضرر المستحق على جهة الاهانة والمقارن بالاستخفاف، ولو اقتصرت على ان تقول هو الضرر المستحق أو الضرر الذي يقارنه استخفاف واهانة لكان كافيا لان ما ليس بعقاب ليس بمستحق ولا يقارنه استخفاف وإهانة وانما سمي عقابا لانه يستحق عقيب الذنب الواقع من صاحبه. وقوله " وان الله غفور رحيم " منصوب ب‍ (إعلموا) وتقديره واعلموا ان الله غفور رحيم، والمغفرة هي ستر الخطيئة برفع عقابها. وأصلها الستر ومنه المغفرة وضم ذكر الرحمة إلى المغفرة لبيان سبوغ نعم الله تعالى، وانه إذا أزال العقوبة بالتوبة أوجب الرحمة التي هي المغفرة. وذلك يدل على أن الغفران عند التوبة غير واجب وأنه تفضل وإلا لم يكن كذلك. قوله تعالى: ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (102) آية بلا خلاف.

[ 34 ]

لما أنذر تعالى في الاية الاولى شدة العقاب وبشر بالعفو والغفران ذكر في هذه أنه ليس على الرسول إلا البلاغ. وأما القبول والامتثال فانه متعلق بالمكلفين المبعوث إليهم. وأصل الرسول الاطلاق من قولهم أرسل الطير إرسالا إذا أطلقه ومنه قولهم: ترسل في القراءة ترسلا إذا تثبت. واسترسل الشئ إذا تسلل وانطلق. ورسله مراسلة، وتراسلوا تراسلا. والرسل اللبن لاسترساله من الضرع. وفي الحديث (اعطي من رسلها) وقوله: " والمرسلات عرفا " (1) قيل: هي الخيل. وقيل هي الرياح. والفرق بين الرسول والنبي أن النبي لا يكون الا صاحب المعجز الذي ينبئ عن الله أي يخبر، والرسول إذا كان رسول الله فهو بهذه الصفة، وقد يكون الرسول رسولا لغير الله، فلا يكون بهذه الصفة. والانباء عن الشئ قد يكون من غير تحميل النبأ. والارسال لا يكون الا بتحميل الرسالة. والبلاغ وصول المعنى إلى غيره، وهو هاهنا وصول الانذار إلى نفوس المكلفين. وأصل البلاغ البلوغ تقول: بلغ يبلغ بلوغا وأبلغه ابلاغا وتبلغ تبلغا وبالغ مبالغة وبلغه تبليغا، ومنه البلاغة لانها إيصال المعنى إلى النفس في حسن صورة من اللفظ. وتبالغ الرجل إذا تعاطى البلاغة وليس ببليغ، وفي هذا بلاغ أي كفاية لانه يبلغ مقدار الحاجة. " والله يعلم ما تبدون وما تكتمون " معناه أنه لا يخفى عليه شئ من احوالكم التي تظهرونها أو تخفونها وتكتمونها وفي ذلك غاية التهديد والزجر. قوله تعالى: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الالباب لعلكم تفلحون (103) آية معنى قوله " لا يستوى " لا يتساوى. والاستواء على أربعة اقسام: * (الهامش) * (1) سورة 77 المرسلات آية 1. (*)

[ 35 ]

استواء في المقدار. واستواء في المكان. واستواء في الذهاب. واستواء في الانفاق. والاستواء بمعنى الاستيلاء راجع إلى الاستواء في المكان، لانه تمكن واقتدار وقوله " الخبيث والطيب " قيل في معناهما قولان: أحدهما - الحرام، والحلال في قول الحسن وأبي علي. الثاني - قال السدي الكافر، والمؤمن. والخبيث الردي بالعاجلة ويسوى بالاجلة. ومنه خبث الحديد، وهو رديئه بعد ما يخلص بالنار جيدة ففي الخبيث امتزاج جيد بردئ ولذلك قال " ولو اعجبك كثرة الخبيث " والاعجاب سرور بما يتعجب منه. والعجب والاعجاب والتعجب من أصل واحد. وعجب يعجب عجبا والعجب مذموم، لانه كبر يدخل النفس بحال يتعجب منها. وعجب الذنب أصله عجوب الرمل أو آخره لانفراده عن جملته كانفراد ما يتعجب منه. ومعنى الاية أنه لا يتساوى الحرام والحلال وان أعجبك يا محمد كثرة ما تراه من الحرام والمراد به أمته. وقوله " فأتقوا الله " معناه أجتنبوا ما حرمه عليكم " يا اولي الالباب " يعني يا اولي العقول " لعلكم تفلحون " معناه لتفلحوا وتفوزوا بالثواب العظيم الدائم. قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (104) قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (105) آيتان بلا خلاف. قيل في سبب نزول هذه الاية قولان: أحدهما - قال ابن عباس وأنس وابو هريرة والحسن وقتادة وطاوس

[ 36 ]

والسدي: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله رجل يقال اله عبد الله وكان يطعن في نسبه فقال: يا رسول الله من أبي، فقال له حذافة. فنزلت الاية. وقال أبو هريرة ومجاهد: نزلت حين سألوا عن أمر الحج لما انزل " ولله على الناس حج البيت " فقالوا: في كل عام ؟ قال: لا ولو قلت نعم لوجب. وقال قوم وقع السؤال الاول والثاني في مجلس واحد، فخاطب الله تعالى بهذه الاية المؤمنين ونهاهم عن مسألة الاشياء التي إذا أبديت وأظهرت ساءت واحزنت من أظهرت له. يقال بدا يبدو بدوا. وابداه إبداء إذا أظهره وبدا له في الامر بدوا وبدا وبداء إذا تغير رأيه، لانه ظهر له. والبادية خلاف الحاضرة. والبدو خلاف الحضر من الظهور. وقيل في وزن (اشياء) ثلاثة أقوال: قال الكسائي: هو أفعال إلا انه لم يصرف، لانهم شبهوه بحمراء فالزمه الزجاج ألا يصرف اسماء ولا انباء. الثاني - قال الاخفش والفراءهي (فعلاء) كقولك هين وأهوناء فالزمه المازني وقال: سله كيف يصغرها ؟ فقال الاخفش (أشياء) فقال يجب ان يصغرها شيئات كما يصغر اصدقاء في المؤنث صديقات في المذكر صد يقون. قال الزجاج إنما قيل في هين: أهوناء لان هين أصله (هيين) على وزن فعيل فجمع على أفعلاء كنصب وانصباء. الثالث - قال الخليل وسيبويه: (افعاء) مقلوبة كما قلبوا (انيق) عن انوق، وقسمي عن قؤوس. وقوله " تسؤكم " معناه تحزنكم. وقوله " عفا الله عنها والله غفور رحيم " قيل فيما يعود الضمير إليه في (عنها) قولان: احدهما - قال قوم على المسألة، لان قوله " لا تسألوا " دليل عليها فيكون العفو عن مسألتهم التي سلفت منهم. الثاني - على الاشياء التي سألوا عنها من أمور الجاهلية، وما جرى مجراها مما يسؤهم تشديد المحنة فيها.

[ 37 ]

وقوله " قد سألها قوم من قبلكم " قال ابن عباس: سأل قوم عيسى (ع) إنزال المائدة ثم كفروا بها. وقال غيره: هو قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وكفروا بها. وقال السدي هذا حين سألوا أن يحول لهم الصفا ذهبا. وقال أبو علي: انما كانوا سألوا نبيهم عن مثل هذه الاشياء يعني من آيات ونحوها فلما أخبرهم النبي صلى الله عليه وآله قالوا: ليس الامر كذلك، فكفروا به وقال الرماني: السؤال هو طلب الشئ اما بايجاده واما باحضاره واما بالبيان عنه، والذي يجوز السؤال عنه هو ما يجوز العمل عليه من أمر دين أو دنيا. وما لا يجوز العمل عليه من أمر دين أو دنيا لا يجوز السؤال عنه ولا يجوز أن يسأل الله تعالى شيئا إلا بشرط انتقاء وجود القبح عن الاجابة، فعلى هذا لا يجوز أن يسأل الانسان: من أبي لان المصلحة اقتضت ان من ولد على فراش انسان حكم بأنه ولده. وإن لم يكن مخلوقا من مائه، فالمسألة بخلافه سفه لا يجوز. قوله تعالى: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيل ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون (106) آية بلا خلاف. هذه الاية من الادلة الواضحة على بطلان مذهب المجبرة من قولهم: من أن الله تعالى هو الخالق للكفر والمعاصي وعبادة الاصنام وغيرها من القبائح، لانه تعالى نفى أن يكون هو الذي جعل البحيرة أو السائبة أو الوصيلة أو الحام، وعندهم ان الله تعالى هو الجاعل له والخالق، تكذيبا لله تعالى وجرأة عليه. ثم بين تعالى أن هؤلاء بهذا القول قد كفروا بالله وأفتروا عليه بأن أضافوا إليه ما ليس بفعل له، وذلك واضح لا إشكال فيه.

[ 38 ]

ومعنى " ما جعل الله من بحيرة " أي ما حرمها على ما حرمها أهل الجاهلية، ولا أمر بها. و (البحيرة) هي الناقة التي تشق أذنها يقال بحرت الناقة أبحرها بحرا، والناقة مبحورة، وبحيرة: إذا شققتها شقا واسعا، ومنه البحر لسعته. وكانوا في الجاهلية إذا تنجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكرا بحروا أذنها أي شقوها، وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولم تطرد عن ماء، ولم تمنع من رعي. وإذا لقيها لمعيي لم يركبها. و (السائبة) المخلاة وهي المسيبة. وكانوا في الجاهلية إذا نذر إنسان نذرا لقدوم من سفر أو برء من مرض أو ما أشبه ذلك قال: ناقتي سائبة، فكانت كالبحيرة في التخلية، وكان إذا أعتق الانسان عبدا، فقال: هو سائبة لم يكن بينهما عقل، ولا ولاء، ولا ميراث. و (الوصيلة) الانثى من الغنم إذا ولدت انثى مع الذكر قالوا: أوصلت أخاها فلم يذبحوه. وقال أهل اللغة: كانت الشاة إذا ولدت انثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا ذبحوه لالهتهم في زعمهم، وإذا ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوه لالهتهم. و (الحام) الفحل من الابل الذي قد حمى ظهره من أن يركب بتتابع أولاد تكون من صلبه. وكانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: حمى ظهره فلا يحمل عليه شئ ولا يمنع من ماء ولا مرعى. وقال محمد ابن إسحاق: البحيرة بنت السائبة و (السائبة) هي الناقة إذا تابعت بين عشر أناث ليس فيهن ذكر سيبت فلم يركبوها ولم يجزوا وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف. فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم يخلي سبيلها مع أمها فلم يركب ظهرها ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمها. و (الوصيلة) هي الشاة إذا أتأمت عشر أناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيها ذكر جعلت وصيلة، وقالوا قد وصلت وكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الاناث.

[ 39 ]

وقوله " ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب " إخبار منه تعالى ؟ هؤلاء الذين كفروا يكذبون على الله بادعائهم أن هذه الاشياء من فعل الله أو بأمره. وقوله " واكثرهم لا يعقلون " خص الاكثر بأنهم لا يعقلون لانهم أتباع، فهم لا يعقلون أن ذلك كذب وافتراء كما يفعله الرؤساء - في قول قتادة والشعبي - وقال أبو علي " أكثرهم لا يعقلون " ما أحل لهم وما حرم عليهم، يعني أن المعاند هو الاقل منهم. قوله تعالى:، وإذا قيل لهم تعالوا إلي ما أنزل الله وإلي الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (107) آية بلا خلاف. أخبر الله تعالى عن الكفار الذين أخبر عنهم أنهم لا يعقلون، والذين جعلوا البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، و " الذين يفترون على الله الكذب " من كفار قريش وغيرهم من العرب بأنه " إذا قيل لهم تعالوا " أي هلموا " إلى ما أنزل الله " من القرآن واتباع ما فيه، والاقرار بصحته " والى الرسول " وتصديقه، والاقتداء به وبأفعاله " قالوا " في الجواب عن ذلك " حسبنا " أي كفانا " ما وجدنا عليه آباءنا " يعني مذاهب آبائنا. ثم اخبر تعالى منكرا عليهم فقال " أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون " أي إنهم يتبعون آباءهم في ما كانوا عليه من الشرك وعبادة الاوثان وإن كان آباؤهم لا يعلمون شيئا من الدين ولا يهتدون إليه. وقيل في معنى (لا يهتدون قولان احدهما - الذم بأنهم ضلال. والثاني - أنهم لا يهتدون إلى طريق العلم بمنزلة العمي عن الطريق. وفي الاية دلالة على فساد التقليد، لان الله تعالى أنكر عليهم تقليد الاباء فدل

[ 40 ]

ذلك على أنه لا يجوز لاحد أن يعمل على شئ من أمر الدين إلا بحجة. وفيها دلالة على وجوب المعرفة وأنها ليست ضرورية، لان الله تعالى بين الحجاج عليهم في هذه الاية ليعرفوا صحة مادعا الرسول إليه، ولو كانوا يعرفون الاحق ضرورة لم يكونوا مقلدين لابائهم وكان يجب أن يكون آباؤهم أيضا عارفين ضرورة، ولو كانوا كذلك لما صح الاخبار عنهم بأنهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون. وانما نفى عنهم الاهتداء والعلم معا لان بينهما فرقا، وذلك أن الاهتداء لا يكون إلا عن بيان وحجة. والعلم مطلق وقد يكون الاهتداء ضرورة. قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون (108) آية واحدة بلا خلاف. لما بين الله تعالى حكم الكفار الذين قلدوا آباءهم واسلافهم وركنوا إليهم في أديانهم، ذكر في هذه الاية أن المكلف انما يلزمه حكم نفسه وأنه لا يضره ضلال من ضل إذا كان هو مهتديا، حتى يعلم بذلك أنه لا يلزمهم من ضلال آبائهم شئ من الذم والعقاب. و " أنفسكم " نصب على الاغراء كأنه قال: احفظوا أنفسكم أن تزلوا كما زل غيركم. والعرب تغري ب‍ (عليك، واليك، ودونك، وعندك) فينصبون الاسماء بها، ولم يغروا ب‍ (منك) كما أغروا ب‍ (اليك)، لان (اليك) أحق بالتنبيه من (منك). والاغراء تنبيه على ما يجب أن يحذر، ولذلك لم يغروا ب (فيك) ونحوها من حروف الاضافة. وحكى المغربي: أنه سمع من يغري ب‍ (وراءك) و (قدامك).

[ 41 ]

وليس في الاية ما يدل على سقوط انكار المنكر. وإنما يجوز الاقتصار على الاهتداء بأتباع أمر الله في حال التقية، هذا قول ابن مسعود، على أن الانسان إنما يكون مهتديا إذا اتبع أمر الله في نفسه وفي غيره بالانكار عليه. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال (إذا رأوا الناس منكرا فلم يغيروه عمهم الله بالعقاب) وفي الاية دلالة على فساد مذهب المجبرة في تعذيب الاطفال، لانه لو كان الامر على ما قالوه لم يأمن المؤمنون أن يؤخذوا بذنوب آبائهم، وقد بين الله تعالى أن الامر بخلافه مؤكدا لما في العقل. وقوله " إلى الله مرجعكم جميعا " معناه إليه تعالى مالكم في الوقت الذي لا يملك أحد الضرر والنفع سواء بخلاف دار الدنيا التي مكن الله تعالى الخلق من الضرر والنفع فيها. وقوله " فينبئكم " معناه يخبركم بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا من الطاعات والمعاصي، ويجازيكم بحسبها، وفي ذلك غاية الزجر والتهديد. وقوله " لا يضركم " يحتمل أن يكون جزما لانه جواب الامر، وحرك الراء لانها ثقيلة وأولها ساكن، فلا يستقيم إسكان آخرها، فيلتقي ساكنان. قال الاخفش: والاجود أن يكون رفعا على الابتداء، لانه ليس بعلة لقوله " عليكم أنفسكم " وإنما أخبر أنه لا يضرهم. قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الارض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلوة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري

[ 42 ]

به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الاثمين (109) آية بلا خلاف. ذكر الواقدي وابو جعفر (ع) أن سبب نزول هذه الاية ما قال أسامة بن زيد عن أبيه قال: كان تميم الداري وأخوه عدي نصرانيين وكان متجرهما إلى مكة، فلما هاجر رسول الله (ع) إلى المدينة قدم ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص المدينة وهو يريد الشام تاجرا فخرج هو وتميم الداري وأخوه عدي حتى إذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية فكتب وصية بيده ودسها في متاعه وأوصى اليهما ودفع المال اليهما وقال أبلغنا هذا أهلي، فلما مات فتحا المتاع وأخذا ما أعجبهما مناه ثم رجعا بالمال إلى الورثة، فلما فتش القوم المال فقدوا بعض ماكان خرج به صاحبهم، ونظروا إلى الوصية فوجدوا المال فيما تاما وكلموا تميما وصاحبه، فقالا: لاعلم لنا به وما دفعه الينا أبلغناه كما هو، فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وآله فنزلة هذه الاية. قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " قيل في معنى الشهادة - هاهنا - ثلاثة أقوال: أحدها - الشهادة التي تقام بها الحقوق عند الحكام. الثاني - شهادة الحضور لوصيين. الثالث - شهادة أيمان بالله إذا ارتاب بالوصيين من قول القائل: أشهد بالله اني لمن الصادقين. والاول أقوى واليق بالقصة. وفي كيفية الشهادة قيل قولان: أحدهما - أن يقول صحيحا كان أو مريضا: إذا حضرني الموت فافعلوا كذا وكذا. ذكره الزجاج. الثاني - إذا حضرت أسباب الموت من المرض.

[ 43 ]

وقيل في رفع " شهادة " ثلاثة أقوال: أحدها - أن يكون رفعا بالابتداء وتقديره شهادة بينكم: شهادة اثنين، ويرتفع (اثنان) بأنه خبر الابتداء ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. قال أبو علي الفارسي: واتسع في (بين) وأضيف إليه المصدر، وذلك يدل على قول من يقول: ان الظرف الذي يستعمل يجوز أن يستعمل إسما في غير الشعر، كما قال تعالى " لقد تقطع بينكم " (1) فيمن رفع. وجاء في الشعر: فصادف بين عينيه الجبوبا (2) الثاني - على تقدير مخذوف وهو عليكم شهادة بينكم أو مما فرض عليكم شهادة بينكم، ويرتفع اثنان بالمصدر ارتفاع الفاعل بفعله. والثالث - ان يكون الخبر " إذا حضر " فعلى هذا لا يجوز أن يرتفع (اثنان) بالمصدر، لانه خارج عن الصلة بكونه بعد الخبر، لكن على تقدير ليشهد اثنان، ولا يجوز أن يتعلق إذا حضر بالوصية لامرين: أحدهما - ان المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، لانه لو عمل فيما قبله للزم أن يقدر وقوعه في موضعه فإذا قدر ذلك لزم تقديم المضاف عليه على المضاف، ومن ثم لم يجز (القتال زيدا) حين يأتي. والاخر ان الوصية مصدر، فلا يتعلق به ما يتقدم عليه. وقوله " إذا حضر أحدكم الموت " يعني قرب أحدكم من الموت كما قال " حتى إذا حضر أحدهم الموت قال اني تبت الان " (3) وقال " حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا " (4) وقال " حتى إذا جاء أحدكم الموت قال رب * (الهامش) * (1) 6 الانعام آية 94. (2) قائله أبو خراش الهذلي. اللسان (بين) وصدره: فلاقته ببلقعة براح يصف عقابا. والجبوب - بفتح الجيم - وجه الارض. والبلقع المكان الخالي، وبراح صفة له. والشاهد ضم النون في (بين). (3) سورة 4 النساء آية 17 (4) سورة 6 الانعام آية 61 (*)

[ 44 ]

ارجعون " (3) وكل ذلك يريد به المقاربة. ولولا ذلك لما أسند إليه القول بعد الموت. وقوله " حين الوصية " فلا يجوز أن يحمل على الشهادة، لانها إذا عملت في ظرف من الزمان لم تعمل في ظرف آخر منه، ويمكن حمله على أحد ثلاثة أشياء: أحدها - أن تعلقه بالموت كان الموت في ذلك الحين بمعنى قرب منه. الثاني - على حضر أي إذا حضر: هذا الحين. الثالث - أن يحمله على البدل من (إذا) لان ذلك الزمان في المعنى هو ذلك الزمان، فيبدله منه، ويكون بدل الشئ من الشئ إذا كان إياه. وقوله " اثنان ذوا عدل منكم " خبر المبتداء الذي هو (شهادة) وتقديره شهادة بينكم شهادة اثنين على ما بيناه، لان الشهادة لا تكون إلا من اثنين وقوله " منكم " صفة لقوله " اثنان " كما ان (ذواعدل) صفة لهما، وفي الظرف ضمير وفي معنى (منكم) قولان: أحدهما - قال سعيد بن المسيب وعبيدة ويحيى بن يعمر ومجاهد وقتادة وابن عباس: أي من المسلمين، وهو قول أبي جعفر وابي عبد الله (ع). الثاني - قال سعيد بن المسيب وعبيدة - في رواية اخرى - وعكرمة: إنهما من حي الموصي والاول أظهر وأصح، وهو اختيار الرماني، لانه لا حذف فيه. وقوله " أو آخران من غيركم " تقديره أو شهادة آخرين من غيركم، وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. و (من غيركم) صفة للاخرين. وقيل في معنى " من غيركم " قولان: أحدهما قال ابن عباس وأبو موسى الاشعري وسعيد بن المسيب وسعيد ابن جبير وشريح وابراهيم وابن سيرين ومجاهد وابن زيد واختاره أبو علي الجبائي، وهو قول أبي جعفر وابي عبد الله (ع) أنهما من غير أهل ملتكم. * (الهامش) * (1) سورة 23 المؤمنون آية 100 (*)

[ 45 ]

الثاني - قال عكرمة وعبيدة - بخلاف عنه - وابن شهاب والحسن: يعني من غير عشيرتكم. قال الحسن لان عشيرة الموصي أعلم بأحواله من غيرهم، وهو اختيار الزجاج. وقال: لانه لا يجوز قبول شهادة الكفار مع كفرهم وفسقهم وكذبهم على الله. ومعنى (أو) - هاهنا - للتفصيل لا للتخيير، لان المنى أو آخران من غيركم إن لم تجدوا منكم، وهو قول ابي عبيدة وشريح ويحيى بن يعمر وابن عباس وابراهيم وسعيد بن جبير والسدي، وهو قول أبي جعفر وابي عبد الله (ع). وقال قوم: هو بمعنى التخيير فيمن ائتمنه الموصي من مؤمن أو كافر. وقوله " ان أنتم ضربتم في الارض " يعني ان انتم سافرفتم كما قال " وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " (1). وقوله " فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة " فيه محذوف، وتقديره وقد اسنتم الوصية اليهما فارتاب الورثة بهما تحبسونهما. وقوله " تحبسونهما " خطاب للورثة والهاء في (به) تعود إلى القسم بالله. والصلاة المذكورة في هذه الاية قيل فيها ثلاثة أقوال: أولها - قال شريح وسعيد بن جبير وابراهيم وقتادة، وهو قول أبي جعفر (ع) أنها صلاة العصر. الثاني - قال الحسن: هي الظهر أو العصر، وكل هذا لتعظيم حرمت وقت الصلاة على غيره من الاوقات. وقيل: لكثرة اجتماع الناس كان بعد صلاة العصر. الثالث - قال: ابن عباس صلاة اهل دينهما يعني في الذميين لانهم لا يعظمون أوقات صلاتنا. وقوله " فيقسمان بالله " الفاء دخلت لعطف جملة (ان ارتبتم) في قول الاخرين الذين ليسا من أهل ملتنا أو من غير قبيلة الميت فغلب في ظنكم * (الهامش) * (1) سورة 4 النساء آية 100 (*)

[ 46 ]

خيانتهم، ولا خلاف أن الشاهد لا يلزمه اليمين إلا أن يكونا شاهدين على وصية مستندة اليهما فيلزمهما اليمين لانهما مدعيان. وقوله " لا نشتري به ثمنا " لا نشتري جواب ما يقتضيه قوله " فيقسمان " لان (أقسم) ونحوه يتلقى بما تتلقى به الايمان. ومعنى قوله " لا نشتري به ثمنا " لا نشتري بتحريف شهادتنا ثمنا، فحذف المضاف وذكر الشهادة، لان الشهادة قول كما قال " وإذا حضر القسمة أولوا القربى.. " ثم قال " فارزقوهم منه " (1) لما كانت القسمة يراد بها المقسوم، ألا ترى ان القسمة التي هي افراد الانصباء لا يرزق منه. وانما يرزق من التركة، وتقديره لا نشتري به ثمنا أي ذا ثمن، ألا ترى أن الثمن لا يشترى، وانما الذي يشترى المبيع دون ثمنه، وكذلك قوله " اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا " (2) أي ذا ثمن. والمعنى انهم آثروا الشئ القليل على الحق، فاعرضوا عنه وتركوه، ولا يكون (اشتروا) في الاية بمعنى (باعوا) لان بيع الشئ اخراج وانفاذ له من البائع، وليس المعنى - هاهنا - على الانفاذ وانما هو على التمسك به، والايثار له على الحق. وقوله " ولو كان ذا القربى " تقديره ولو كان المشهود له ذا قربى، وخص ذو القربى لميل الناس إلى قراباتهم، ومن يناسبونه. وقوله " ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الاثمين " معناه انا ان كتمناها لمن الاثمين. وقال (شهادة الله) فأضاف الشهادة إلى الله لامره بها وباقامتها والنهي عن كتمانها في قوله " ومن يكتمها فانه آثم قلبه " (3) وقوله " وأقيموا الشهادة لله " (4) قوله تعالى: فان عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما * (الهامش) * (1) سورة 4 النساء آية 7 (2) سورة 9 التوبة آية 10 (3) سورة 2 البقرة آية 283 (4) سورة 65 الطلاق آية 2 (*)

[ 47 ]

من الذين استحق عليهم الاوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين (110) آية بلا خلاف. قرأ حفص والاعشى الا النفار والكسائي عن ابي بكر " استحق " بفتح التاء والحاء. الباقون - بضم التاء وكسر الحاء - والابتداء على الاول بكسر الهمزة. وقرأ حمزة وأبو بكر إلا الاعشى - في غير رواية النفار - ويعقوب، وخلف (الاولين) بتشديد الواو، وكسر اللام وفتح النون على الجمع. والباقون بسكون الواو، وفتح اللام وكسر النون على التثنية. وقد ذكرنا سبب نزول الاية عمن رويناه عنه فذكروا أنها نزلت في أمر رسول الله صلى الله عليه وآله ان يستحلفوهما (والله ما قبضنا له غير هذا ولا كتمناه) ثم ظهر على إناء من فضة منقوش مذهب معهما، فقالوا: هذا عن متاعه، فقالا: اشتريناه منه، فارتفعوا إلى رسول الله فنزلت قوله تعالى: " فان عثر على انهما استحقا اثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق. " فامر رسول الله رجلين من أهل البيت أن يحلفا على ما كتما وغيبا، وفحلف عبد الله ابن عمر (1) والمطلب بن أبي وداعة (2) فاستحقا. ثم ان تميما اسلم وتابع رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يقول: صدق الله، وبلغ رسول الله، أنا أخذت الاناء. ومعنى (عثر) ظهر على، تقول: عثرت على خيانته وأعثرت غيري على خيانته أي أطلعته. ومنه قوله " وكذلك أعثرنا عليهم " (3) أي أطلعنا عليهم وأصله الوقوع بالشئ من قولهم: عثر الرجل يعثر عثورا إذا وقع اصبعه * (الهامش) * (1) وقد روي فقام عمربن العاص ورجل آخر فحلفا.. (2) في بعض النسخ (ابن ابي رفاعة) بدل (ابن ابي وداعة). (3) سورة 18 الكهف آية 21. (*)

[ 48 ]

بشئ صدمته، وعثر الفرس عثارا قال الشاعر: بذات لوث عفرناة إذا عثرت * فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا (4) وأعثر الرجل يعثر عثرا إذا أطلع على أمر كان خافيا عنه، لانه وقع عليه بعد خفائه، والعثير الغبار الساطع، ولانه يقع على الوجه وغيره، والعثير الاثر الخفي، لانه يوقع عليه من خفاء. وقوله: " على انهما " يعني على أن الوصيين المذكورين أولا في قوله " اثنان " في قول سعيد بن جبير. وقال ابن عباس: على أن الشاهدين استحقا اثما يعني خانا وظهر وعلم منهما ذلك " فآخران يقومان مقامهما " يعني من الورثة - في قول سعيد بن جبير وغيره - و " من الذين استحق عليهم والاوليان " قيل في قوله " الاوليان " ثلاثة أقوال: أحدها - قال سعيد بن جبير وابن زيد: الاوليان بالميت. الثاني قال ابن عباس وشريح: الاوليان بالشهادة وهي شهادة الايمان. الثالث قال الزجاج: الاوليان أن يحلفا غيرهما وهما النصرانيان. ويقال هو الاولى ؟ ؟ ثم يحذف ؟ ؟ فيقال: هو الاولى، وهذان الاوليان كما يقال هو الاكبر بمعنى الكبير وهذان الاكبر ان. وفي رفع الاوليان ثلاثة أقوال: أحدها - بانه اسم ما لم يسم فاعله والمعنى استحق عليه اثم الاولين أي استحق منهم، فحذف المضاف واقيم المضاف إليه مقامه. الثاني - بانه بدل من الضمير " في يقومان " على معنى فليقم الاوليان من الذين استحق عليه الوصية وهو اختيار الزجاج. الثالث - بدل من قوله " آخران ". وزعم بعض الكوفيين انه لا يجوز إبداله من " آخرين " لتأخر العطف في (فيقسمان)، لانه يصير بمنزلة * (الهامش) * (4) قائله الاعشى ديوانه: 3. (اللوث). القوة. و (عفرنات - بفتح العين والفاء - يصف بها النا ؟ بانها شبه المجنونة في السير. و (التعس) العثور. و (لعا) كلمة تقال للعاثر. (*)

[ 49 ]

(مررت برجل قام زيد وقعد) قال الرماني: يجوز على العطف بالفاء جملة على جملة. وقال أبو علي الفارسي: ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وقد أخر. وتقديره فالاوليان بأمر الميت آخران من أهله أو من أهل دينه يقومان مقام الخائنين اللذين عثر عليهما كقولك: تميمي أنا. ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، وتقديره فآخران يقومان مقامهما هما الاوليان. واختار أبو الحسن الاخفش أن يكون الاوليان صفة لقوله " فآخران " لانه لما وصف اختص. فوصف لاجل الاختصاص بما توصف به المعارف. واما الجمع فعلى اتباع " الذين " وموضعه الجر وتقديره من الاولين الذين استحق عليهم الايصاء والاثم. وانما قيل لهم الاولين من حيث كانوا أولين في الذكر ألا ترى أنه تقدم " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " وكذلك " اثنان ذوا عدل منكم " ذكرا في اللفظ، قيل قوله " أو آخران من غيركم " وحجتهم في ذلك أن قالوا: أرأيت ان كان الاوليان صغيرين أراد انهما إذا كانا صغيرين لم يقوما مقام الكبيرين في الشهادة ولم يكونا لصغرهما اولى بالميت، وان كانا لو كانا كبيرين كانا أولى به. وانما قال " استحقا اثما " لان آخذه انما يأخذه آثم فسمي (اثما) كما يسمى ما يؤخذ منك بغير حق مظلمة. قال سيبويه: المظلمة اسم ما أخذ منك قهرا، وكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر. وقيل: معناه استحقا عذاب إثم وحذف المضاف واقام المضاف إليه مقامه كما قال " اني أريد أن تبوء باثمي وإثمك " (1) بعقاب اثمي وعقاب اثمك. وقيل في معنى (عليهم) ثلاثة أقوال: أحدها - ان تكون (على) بمعنى (من) كأنه. قال من الذين استحق منهم الاثم كما قال " إذا اكتالوا على الناس " (2) أي من الناس. الثاني - ان يكون المعنى كما تقول: استحق على زيد مال بالشهادة أي * (الهامش) * (1) سورة 5 المائدة آية 32 (2) سورة 83 المطففين آية 2 (*)

[ 50 ]

لزمه ووجب عليه الخروج منه، لان الشاهدين لما عثر على خيانتهما استحق عليهما ماولياه من أمر الشهادة والقيام بها ووجب عليهما الخروج منها وترك الولاية لها فصار اخراجهما منها مستحقا عليهما كما يستحق على المحكوم عليه الخروج مما وجب عليه. الثالث - أن يكون (على) بمنزلة (في) كأنه استحق فيهم، وقام (على) مقام (في) كما قام (في) مقام (على) في قوله " ولاصلبنكم في جذوع النخل " (3) والمعنى من الذين استحق عليهم بشهادة الاخرين اللذين هما من غيرنا. فان قيل: هل يجوز أن يسند (استحق فيه) إلى الاوليان ؟ قلنا لا يجوز ذلك لان المستحق انما يكون الوصية أو شئ منها، ولا يجوز أن يستحق الاوليان وهما الاوليان بالميت، والاوليان بالميت لا يجوز أن يستحقا فيسند (استحق) اليهما. وقوله " فيقسمان بالله " أي يحلفان بالله. وقوله " لشهادتنا أحق من شهادتهما " جواب القسم في قوله " فيقسمان بالله " وقوله " وما اعتدينا " يعني فيما قلنا من أن شهادتنا أحق من شهادتهما " إنا إذا لمن الظالمين " تقديره إنا ان اعتدينا لمن الظالمين لنفوسنا. قال الزجاج: هذه الاية أصعب آية في القرآن اعرابا. فان قيل: كيف يجوز أن يقف أولياء الميت على كذب الشاهدين أو خيانتهما حتى حل لهما أن يحلفا ؟ قيل: يجوز ذلك بوجوه: أحدها - أن يسمعا اقرارهما بالخيانة من حيث لا يعلمان أو يشهد عندهم شهود عدول بأنهم سمعوهما يقر - ان بأنهما كذبا أو خانا ؟ أو تقوم البينة عندهما على أنه أوصى بغير ذلك أو على أن هذين لم يحضرا الوصية أو يعرفان بغير ذلك من الاسباب. * (الهامش) * (3) سورة 20 طه آية 71. (*)

[ 51 ]

قوله تعالى: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين (111) آية بلا خلاف. قوله " ذلك أدنى " معناه ذلك الاحلاف والاقسام أو ذلك الحكم أقرب إلى ان يأتوا بالشهادة على وجهها أي حقا وصدقها، لان اليمين يردع عن أمور كثيرة لا يرتدع عنها مع عدم اليمين. واختلفوا في ان اليمين هل تجب على كل شاهدين أم لا ؟ فقال ابن عباس: انما هي على الكافر خاصة وهو الصحيح. وقال غيره: هي على كل شاهدين وصيين إذا ارتيب بهما. واختلفوا في نسخ حكم الايتين المتقدمتين مع هذه على قولين: فقال ابن عباس وابراهيم وأبو علي الجبائي: هي منسوخة الحكم. وقال الحسن وغيره: هي غير منسوخة. وهو الذي يقتضيه مذهبنا واخبارنا. وقال البلخي: أكثر أهل العلم على أنه غير منسوخ، لانه لم ينسخ من سورة المائدة شئ، لانها آخر ما نزلت. ووجه قول من قال: هي منسوخة أن اليمين لا يجب اليوم على الشاهدين بالحقوق. وانما كان قبل الامر باشهاد العدول في قوله " واشهدوا ذوي عدل منكم " (1) فنسخت هذه الاية ودلت على أن شهادة الذمي لا تقبل إلا على الذمي إذا ارتفعا إلى حكام المسلمين لان الذمي ليس بعدل ولا ممن يرضى من الشهداء، وهو قول أبي علي الجبائي. ومن ذهب إلى انها منسوخة جعلها بمعنى شهادة الايمان على الوصيين فإذا ظهروا على خيانة منهما مما وجد في أيديهما صارا مدعيين وصار * (الهامش) * (1) سورة 65 الطلاق آية 2. (*)

[ 52 ]

الورثة في معنى المنكر فوجبت عليهما اليمين من حيث صارا مدعيين. وقوله " أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم " يعني أهل الذمة يخافوا أن ترد أيمان على أولياء الميت فيحلفوا على خيانتهم فيفتضحوا ويغرموا وينكشف بذلك للناس بطلان شهادتهم ويسترد منهم ما أخذوه بغير حق، حينئذ يؤدوا الشهادة على وجهها ويحذروا من الكذب. وقوله " واتقوا الله واسمعوا " يعني اجتنبوا معاصيه واحذروا ان تحلفوا ايمانا كاذبة أو تخونوا أمانة واسمعوا مواعظ الله " والله لا يهدي القوم الفاسقين " يعني لا يهدي الفاسقين - الذين خرجوا من طاعة الله إلى معصيته - إلى الجنة ء وقيل ان معنى " لا يهدي " لا يحكم للفاسقين بانهم مهتدين ولا يجري عليهم مثل هذه الصفة لانها صفة مدح. قوله تعالى: يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب (112) آية واحدة. في ما ينتصب به قوله " يوم " ؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - انه انتصب بمحذوف تقديره احذروا " يوم يجمع الله الرسل " الثاني - اذكروا يوم يجمع الله. الثالث - قال الزجاج: ينتصب بقوله " اتقوا الله ". وقال المغربي: يتعلق بقوله " لا يهدي القوم الفاسقين " إلى الجنة " يوم يجمع الله " ولا يجوز أن ينتصب على الظرف بهذا الفعل، لانهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم، لكن انتصب على انه مفعول به. واليوم لا يتقى ولا يحذر، وانما يتقى ما يكون فيه من العقاب والمحاسبة والمناقشة كأنه قال اتقوا عقاب يوم، وحذف المضاف واقام المضاف إليه مقامه.

[ 53 ]

وقوله " ماذا أجبتم " تقرير للرسل في صورة الاستفهام على وجه التوبيخ للمنافقين عند اظهار فضيحتهم وهتك أستارهم على رؤوس الاشهاد. وقول الرسل " لا علم لنا " قيل فيه ثلاثة أقوال: أولها - قال الحسن والسدي ومجاهد أنهم قالوا ذلك لذهولهم من هول ذلك المقام. فان قيل كيف يجوز ذهولهم مع انهم آمنون لا يخافون ؟ كما قال " لا يحزنهم الفزع الاكبر " (1) وقال " لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (2) قيل ان الفزع الاكبر دخول جهنم. وقوله " ولا خوف عليهم " هو كقولك للمريض لا خوف عليك، ولا بأس عليك، مما يدل على النجاة من تلك الحال، وخالف أبو علي في هذا ولم يجز الا ما نحكيه عنه. الثاني - قال ابن عباس، ومجاهد - في رواية أخرى - ان معناه لا علم لنا إلا ما علمتنا فحذف لدلالة الكلام عليه. الثالث - قال الحسن في رواية أخرى وابو علي الجبائي: ان معناه لا علم لنا بباطن ما أجاب به أممنالان ذلك هو الذي يقع على الجزاء. وقال بعضهم معناه لا علم لنا مع علمك أي ليس عندنا شئ مما نعلمه الا وانت عالم به وبكل ما غاب وحضر بدلالة قوله " إنك أنت علام الغيوب " وقيل في معنى قوله " انك أنت علام الغيوب " انه قال علام للبالغة هاهنا لا للتكثير المعلوم. قوله تعالى: إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتورية والانجيل وإذ * (الهامش) * (1) سورة 21 الانبياء آية 103 (2) سورة 3 آل عمران آية 70 (*)

[ 54 ]

تخلق من الطين كيئة الطير باذني فتنفخ فيها فتكون طيرا باذني وتبرئ الاكمه والابرص باذني وإذ تخرج الموتى باذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين (113) آية بلا خلاف. قرأ حمزة والكسائي وخلف " ساحر " بألف هاهنا وفي أول سورة يونس، وفي هود، وفي الصف. وأفقهم ابن عامر وعاصم في يونس. وجه اتصال هذه الاية بما قبلها أنه من صعفة يوم القيامة كما ان ما قبله من صفتها ومن خطاب الرسل بالمسألة والتذكير بالنعمة لتوبيخ من يستحق التوبيخ من اممهم وتبشير من يستحق البشارة منهم. العامل في (إذ) يحتمل أحد أمرين: أحدهما - الابتداء عطفا على قوله " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم " قال وذلك " إذ قال " فيكون موضعه رفعا كما يقول القائل كأنك بنا قد وردنا بلد كذا فصنعنا فيه وفعلنا إذ صاح بك صائح فاجبته وتركتني. الثاني - اذكر إذ قال الله. وقال بعضهم ان معناه ماذا أجبتم على عهد عيسى. قال الرماني: هذا غلط، لانه من صفة (يوم القيامة) وعندي لا يمتنع أن يكون المراد بذلك اخبار النبي صلى الله عليه وآله إذ قال الله لعيسى بن مريم إذكر، أي أخبر قومك ما أنعمت به عليك وعلى أمك، واشكر ذلك إذ أيدتك بروح القدس. وروح القدس هو جبرائيل وحسن قوله " إذ قال " ولم يقل (يقول) لانه عطف على ما قبله لانه قدم ذكر الوقت. وتأييد الله هو ما قواه به وأعانه على أمور دينه، وعلى رفع ظلم اليهود والكافرين عنه. ووزن " أيدتك " فعلتك من الايد على وزن قربتك. وقال الزجاج: يجوز أن يكون فاعلتك من الايد. وقرأ مجاهد: أيدتك على وزن أفعلتك من الايد. وروح القدس

[ 55 ]

جبرائيل قال الحسن والقدس هو الله. وقوله " تكلم الناس في المهد " أي انك تكلم الناس في حال ما كنت صبيا في المهد - والمهد حجر أمه، في قول الحسن - وفي حال ما كنت كهلا. قال أبو علي فكان كلم الناس في هذين الوقتين بتبليغه إياهم ما أرسله الله به إلى عباده، وما يدعوهم إليه من طاعة الله وتصديق رسله، لانه كان بين لهم عند كلامه في المهد " اني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا " (1) فبين لهم في هذا وفي وقت ما صار كهلا ان الله بعثه نبيا ولم يتكلم أحد من الانبياء في المهد سواه ولم يبعث أحد عندما ولد غيره، فذكره هذه النعمة التي خصه بها ليشكره على ذلك. ونصب قوله " كهلا " يحتمل أمرين: أحدهما - على ان يكون عطفا على موضع تكلم أي أيدتك صغيرا وكهلا. الثاني - أن يكون عطفا على موضع في المهد، أي وتكلمهم كهلا بالرسالة. وقوله " واذ علمتك الكتاب " يعني واذكر " إذ ". وقيل في معنى (الكتاب) قولان: أحدهما - انه اراد الخط الكتابة. الثاني - الكتب فيكون على طريق الجنس ثم فصله بذكر التوراة والانجيل. وقوله " والحكمة " يعني العلم بما في تلك الكتب. وقوله " واذ تخلق من الطين كهيئة الطير " أي واذكر ذلك أيضا كل ذلك تذكير له بنعمه عليه والخلق هو الفعل المقدر على مقدار يعرفه الفاعل، فعلى هذا جميع أفعاله تعالى توصف بأنها مخلوقة، لانه ليس فيها شئ على وجه السهو والغفلة، ولا على سبيل المجازفة. ومعنى ذلك أنه خلق من الطين كهيئة الطير أي تصور الطين بصورة الطير الذي تريد. وسماه خلقا لانه * (الهامش) * (1) سورة 19 مريم آية 30 - 32. (*)

[ 56 ]

كان يقدره. وقوله " باذني " أي تفعل ذلك باذني وأمري. وقوله " فتنفخ فيها فتكون طيرا باذني " معناه انه نفخ فيها الروح، لان الروح جسم ويجوز أن ينفخها المسيح بامر الله. والطير يؤنث ويذكر فمن أنث أراد الجمع ومن ذكر فعلى اللفظ. والطير واحده طائر مثل ضائن وضأن وراكب وركب. وقد قالوا (أطيار) مثل صاحب وأصحاب وشاهد وأشهاد، ويمكن أن يكون (أطيار) جمع طير مثل ثبت واثبات وبيت وابيات. قال أبو علي وقد ينفخها في الجسم على ما أخبر الله به جبرائيل، وعلى ماروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه يبعث إليه ملكا عند تمام مئة وعشرين يوما فينفخ فيه الروح ويكتب أجله ورزقه وشقي هو أم سعيد، وبين بقوله " فيكون طيرا باذني " أنه إذا نفخ المسيح (ع) فيها الروح قلبها الله لحما ودما، وخلق فيها الحياة فصارت طائرا باذن الله وإرادته لا بفعل المسيح (ع) فلذلك قال " فيكون طيرا باذني ". وقوله " وتبرئ الاكمه والابرص باذني " معناه إنك تدعوني حتى أبرئ الاكمه، وهو الذي خلق أعمى. وقال الخليل: يكون الذي عمي بعد ان كان بصيرا والاصل الاول. والابرص معروف ونسب ذلك إلى المسيح لما كان بدعائه وسؤاله. وقوله " وإذ تخرج الموتى باذني " أي اذكر إذ تدعوني فأحيي الموتى عند دعائك وأخرجهم من القبور حتى يشادهم الناس أحياء. وانما نسبه إلى عيسى لما بينا من أنه كان بدعائه. وقوله " واذ كففت بني اسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات " أي اذكر إذ كففت هؤلاء عن قتلك وإذ أيدتك حين جئتهم بالبينات مع كفرهم وعتوهم مع قولهم ان ماجئت به من الايات سحر مبين. ويجوز أن يكون كفهم بألطافه التي لا يقدر عليها غيره، ويجوز أن يكون كفهم بالمنع والقهر كما منع من أراد

[ 57 ]

قتل نبينا صلى الله عليه وآله وقيل لانه ألقى شبهه على غيره حتى قتلوه ونجا. ومن قرأ (ساحر) أراد أن عيسى ساحر مبين أي ظاهر بين. والسحر هو الباطل المموه بالحق. وقوله في أول الاية " اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك " إي اخبر بها قومك الذين كذبوا عليك ليكون حجة عليهم، لانهم ادعوا عليه أنه إله وأنه لم يكن عبدا منعما عليه، ثم عدد النعم نعمة نعمة على ما بينا. وقال الطبري: انما عدد الله تعالى هذه النعم على عيسى (ع) حين رفعه إليه فلذلك قال " إذ قال الله ". قوله تعالى: وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون (114) آية. التقدير واذكر إذ أوحيت إلى الحواريين. وفي معنى " أوحيت " قولان: أحدهما - أن معناه الهمتهم كما قال " وأوحى ربك إلى النحل " (1) أي ألهمها. وقيل أمرتهم. الثاني - القيت إليهم بالايات التي أريتهم إياها كما قال الشاعر: الحمد لله الذي استقلت * باذنه السماء واطمأنت أوحى لها القرار فاستقرت (2) أي القى إليها ويروى وحى لها. والفرق بين أوحى ووحى من وجهين: أحدهما - أن أوحى بمعنى جعلها على صفة كقولك جعلها مستقرة، ووحى جعل فيها معنى الصفة، لان أفعل أصله التعدية. وقال قوم: هما لغتان. وقال البلخي معنى " أوحيت إلى الحواريين " أي أوحيت اليك أن تبلغهم أو إلى رسول متقدم. وقوله (أوحيت إليهم) يعني أوحيت إلى الرسول الذي جاءهم. وفي معنى الاية قولان: * (الهامش) * (1) سورة 16 النحل آية 68 (2) انظر 2 / 59 (*)

[ 58 ]

أحدهما - قال أبو علي إذكر نعمتي عليك إذ أوحيت إلى الحواريين الذين هم أنصارك. الثاني - اذكر نعمتي على الحواريين لما في ذلك من العلم بنعم الله خاصة وعامة. وانما حسن الحذف في التذكير بالنعمة للشهرة وعظم المنزلة باجلال النعمة ولذلك يحسن الحذف في الافتخار كقول الاعشى: إن محلا وان مرتحلا * وإن في السفر إذ مضوا مهلا (3) أي لنا محلا. و (الحواريون) قال الحسن هم أنصار عيسى. وقيل: هم وزراؤه على أمره. وقيل: هم خاصة الرجل وخلصائه. ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله للزبير أنه حواري، ومعناه خالصتي من الناس، والرفيق الحواري، لانه أخلص إليه من كل ما يشوبه، وأصله الخلوص، ومنه حار يحور أي رجع إلى حال الخلوص، ثم كثر حتى قيل صار لكل راجع وقيل: انهم كانوا قصارين. قوله تعالى: إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (115) آية بلا خلاف. قرأ الكسائي والاعشى إلا النفار " هل تستطيع " بالتاء " ربك " بنصب الباء. الباقون بالياء وضم الباء. وأدغم الكسائي اللام في التاء. قيل في العامل في (إذ) قولان: أحدهما - أوحيت. الثاني - اذكر إذ قال الحواريون. وكلاهما يحتمل. وقيل في معنى قوله " هل يستطيع ربك " ثلاثة أقوال: * (الهامش) * (3) ديوانه القصيدة: 35 صفحة 155. (*)

[ 59 ]

أحدها. - هل يقدر وكان هذا في ابتداء أمرهم قبل أن تستحكم معرفتهم بالله تعالى، وما يجوز عليه وما لا يجوز من الصفات، ولذلك أنكر عليهم نبيهم، فقال " اتقوا الله ان كنتم مؤمنين "، لانه لم يستكمل ايمانهم في ذلك الوقت. الثاني - هل يفعل ذلك قاله الحسن، كما يقول القائل: هل تستطيع أن تنهض أي هل تفعل، لان المانع من جهة الحكمة أو الشهوة قد يجعل بمنزلة المنافي للاستطاعة. الثالث - هل يستجيب لك ربك. قال السدي هل يطيعك ربك ان سألته، فهذا على معنى استطاع وأطاع كقولهم استجاب بمعنى أجاب، وانما حكى سيبويه استطاع بمعنى أطاع على زيادة السين. ومعنى قراءة الكسائي " هل تستطيع " ان تستدعي اجابة ربك. وأصله هل تستدعي طاعته فيما قبله من هذا - هذا قول الزجاج وفيه وجه آخر وهو هل تقدر أن تسأل ربك. والفرق بين الاستطاعة والقدرة أن الاستطاعة انطياع الجوارح للفعل والقدرة هي ما أوجبت كون القادر قادرا ولذلك يوصف تعالى بأنه قادر، ولا يوصف بانه مستطيع. والمائدة الخوان لانها تميد بما عليها أي تحركه. قال أبو عبيدة: هي (مفعولة) في المعنى ولفظها (فاعلة) كقوله " عيشة راضية " (1) أي مرضية واصل المائدة الحركة من قولهم ماد يميد ميدا إذا تحرك، عن الزجاج. ومنه المائد المدار به في البحر مايميد ميدا. وماده إذا أعطاه ومنه قول رؤبة: نهدي رؤوس المترفين الانداد * إلى أمير المؤمنين الممتاد (2) أي المستعطي ومادهم يميدهم ميدا إذا اطعمهم على المائدة ثم كثر حتى * (الهامش) * (1) سورة 69 الحاقة آية 21 وسورة 101 القارعة آية 7 (2) ديوانه: 40 ومجاز القرآن 1: 183، واللسان (ميد). (*)

[ 60 ]

قيل لكل مطعم. وقوله " قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين " معناه اتقوا معاصيه وكثرة سؤال الايات، لانكم ان كنتم مؤمنين بالله وبصحة نبوة عيسى، فقد أغناكم ما عرفتموه عن الايات واتقوا سؤال نزول المائدة، فانكم لا تعلمون ما يفعل الله بكم عند هذا السؤال. قوله تعالى: قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين (116) آية. قبل في معنى (الارادة) هاهنا قولان: أحدهما - ان يكون بمعنى المحبة التي هي ميل الطباع. الثاني - ان تكون الارادة التي هي من أفعال القلوب، ويكون التقدير فيه نريد بسؤالنا هذا، كأنهم قالوا: نريد السؤال من أجل هذا الذي ذكرنا، وهذه الارادة وان تقدمت المراد بأوقات لا توصف بأنها عزم، لانها متعلقة بفعل الغير وقوله " تطمئن قلوبنا " يجوز أن يكونوا قالوه وهم مستبصرون في دينهم مؤمنون كما قال ابراهيم (ع) " أرني كيف تحيي الموتي قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " (1) تحقيقه لنزداد طمأنانية إلى ما نحن عليه من المعرفة، وان كانت المعرفة لا تكون إلا مع الثقة التامة، فان الدلائل كلما كثرت مكنت في النفس المعرفة. وقوله " ونعلم ان قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين " يعني الشاهدين له بتوحيده بالدليل الذي نراه في المائدة والشهادة لك بالنبوة من جهة ذلك الدليل. والصدق هو الاخبار بالشئ على ما هو به والكذب هو الاخبار بالشئ لا على ما هوبه. * (الهامش) * (1) سورة 2 البقرة آية 260 (*)

[ 61 ]

قوله تعالى: قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لاولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (117) آية بلا خلاف. أخبر الله تعالى عن عيسى (ع) أنه سأل ربه أن ينزل عليه مائدة من السماء تكون عيدا لهم لاولهم وآخرهم على ما يقترحه قومه. ورفع (تكون) لانه صفة للمائدة كما قال " فهب لي من لدنك وليا يرثني " (2) في قراءة من رفعه لانه جعله صفة. وفيه محذوف، لان تقديره عيدا لنا ولاولنا وآخرنا لتصح الفائدة في تكرير اللام في أولنا وآخرنا، وقيل في معناه قولان: أحدهما - نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيدا نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا - في قول السدي وقتادة وابن جريج - وهو قول أبي علي. الثاني - يكون ذلك عائدة فضل من الله ونعمة منه تعالى. والاول هو وجه الكلام. وقيل: إنها نزلت يوم الاحد. وقوله " وآية منك " فالاية هي الدلالة العظيمة الشأن في إزعاج قلوب العباد إلى الاقرار بمدلولها، والاعتراف بالحق الذي يشهد به ظاهرها، فهي دلالة على توحيدك وصحة نبوة نبيك. وقيل في طعام المائدة ثلاثة أقوال: أولها - قال ابن عباس وأبو عبد الرحمن: هو خبز وسمك، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) قال عطية كانوا يجدون في السمك طيب كل طعام. * (الهامش) * (2) سورة 19 مريم آية 4 - 5 (*)

[ 62 ]

الثاني - قال عمار بن ياسر: كان ثمرا من ثمار الجنة. الثالث - قال زادان وابو ميسرة: كان عليها من كل طعام إلا اللحم. وقوله: " وارزقنا " قيل في معناه - هاهنا - قولان: أحدهما - واجعل ذلك رزقا لنا. الثاني - وارزقنا الشكر عليها - ذكرهما الجبائي - وانما يكون الشكر رزقا منه لنا لانه لطف فيه ووفق له وإعانة عليه كما يكون المال رزقا لنا إذا ملكنا إياه لا بخلقه له. وفي الاية دلالة على أن العباد يرزق بعضهم بعضا بدلالة قوله " وأنت خير الرازقين " لانه لو لم يصح ذلك لم يجز (خير الرازقين) كما أنه لما لم يجز أن يكونوا آلهة لم يصح أن يقول أنت خير الالهة، وصح " أرحم الراحمين " (2) و " أحكم الحاكمين " (3) و " أسرع الحاسبين " (4). و " أحسن الخالقين " (5). قوله تعالى: قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فاني أعذبه عذابا لا أعذ به أحدا من العالمين (118) آية بلا خلاف. قرأ " منزلها " بالتشديد أهل المدينة وابن عامر، وعاصم. الباقون بالتخفيف. * (الهامش) * (2) سورة 7 الاعراف آية 150 وسورة 21 الانبياء آية 83 وسورة 12 يوسف آية 64 و 92. (3) سورة 11 هود آية 45 وسورة 95 التين آية 8. (4) سورة 6 الانعام آية 62. (5) سورة 23 المؤمنون آية 14 وسورة 37 الصافات آية 125 (*)

[ 63 ]

من خفف طابق بينه وبين قوله " أنزل علينا " ومن ثقل، فلان نزل وأنزل بمعنى قال تعالى " تبارك الذي نزل الفرقان " (1). وقال " الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب " (2) لما سئل الله عيسى (ع) أن ينزل عليه المائدة تكون عيدا لاولهم وآخرهم، قال تعالى مجيبا له إلى ما التمسه " اني منزلها عليكم " يعني المائدة " فمن يكفر بعد منكم " يعني بعد إنزالها عليكم " فاني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين " وقيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال قتادة: مسخوا قردة وخنازير، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام ولم يمسخ أحد خنازير سواهم. الثاني - أنه أراد به من عالمي زمانهم. الثالث - أنه أراد به جنسا من العذاب لا يعذب به أحدا غيرهم. وانما استحقوا هذا النوع من العذاب بعد نزول المائدة (3) لانهم كفروا بعدما رؤا الاية التي هي من أزجر الايات عن الكفر لم يرها غيرهم بعد سؤالهم لها وتعلق سببهم بها فاقتضت الحكمة اختصاصهم بضرب من العذاب عظيم الموقع. كما اختصت آيتهم بضرب من الزجر في عظيم الموقع. وقال الحسن ومجاهد: ان المائدة لم تنزل عليهم، لانهم استعفوا من نزولها لما سمعوا الوعيد المقرون بها. وقال قوم: هذا غلط من قائله، لانه تعالى وعد بانزالها ولا خلاف لقوله وأكثر أهل العلم على أنها أنزلت: منهم ابن عمر، وعمار بن ياسر وأبو عبد الرحمن السلمي، وقتادة والسدي، وهو ظاهر القرآن. وأيضا فلا يجوز أن يسأل نبي على رؤوس الملا آية لا يجاب إليها، لان ذلك ينفر عنه. وقال * (الهامش) * (1) سورة 25 الفرقان آية 1 (2) سورة 18 الكهف آية 1 (3) يقصد بعد نزول المائدة على بنى اسرائيل (الطعام) لا نزول سورة المائدة. (*)

[ 64 ]

الحسن: انما كان الوعد من الله با نزال المائدة بشرط أن يكون بتقدير اني منزلها عليكم ان تقبلتم الوعيد فيها " فمن يكفر بعد منكم.. " الاية، وهذا الشرط الذي ذكره لا دليل عليه. والمطلق لا يحمل على المقيد الا بقرينة وقال قوم: انها لو نزلت فكفروا لعذبوا وأنزل ذلك في القرآن ولو لم يكفروا لكانت المائدة قائمة للمسلمين إلى يوم القيامة. وهذا ليس بصحيح لانه يجوز أن يكون عنى بالعذاب ما يفعله بالاخرة. ويجوز أن يكون عنى عذاب الدنيا ولم يذكره، لانه ليس بواجب أن يكون كل من اختصه بضرب من العذاب لابد أن يخبرنا عنه في القرآن، لانه يكون تجويز ذلك على منازل عظيمة في الجملة أهول وأملا للصدر من ذكره بالتصريح على تفصيل أمره. وأما بقاؤها إلى يوم القيامة فلا يلزم لان وجه السؤال أن يكون يوم نزولها عيدا لهم ولمن بعدهم ممن كان على شريعتهم. قوله تعالى: وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (119) آية بلا خلاف قوله " واذ كففت بني اسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات " أي اذكر ويحتمل ثلاثة أوجه: أولها - أن يكون معطوفا على ما قبله، كأنه قال " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم " ثم قال: وذلك ؟ يقول يا عيسى اذكر نعمتي واذ يقول له أأنت قلت للناس.

[ 65 ]

الثاني - قال البلخي: يمكن أن يكون لما رفع الله عيسى إليه قال له ذلك، فيكون المقال ماضيا. والثالث - ذكره أيضا البلخي أن (إذ) استعملت بمعنى) إذا فيصح حينئذ أن يكون القول من الله يوم القيامة، ومثله " ولو ترى اذفزعوا فلا فوت " (1) كأنه قال إذ يفزعون، وقال " ولو ترى إذ الظالمون موقوفون " (2) كأنه قال إذا وقفوا لان هذا لم يقع بعد، وقال أبو النجم: ثم جزاه الله عنا إذ جزا * جنات عدن في العلالي العلا (3) والمعنى إذا جزى، وقال الاسود (أعشى بني نهشل) فالان إذ هازلتهن قائما * يقلن ألا لم يذهب المرء مذهبا (4) وقال أوس: الحافظ الناس في تحوط إذا * لم يرسلوا تحت مائذ ربعا وهبت الشامل البليل واذ * بات كميع الفتاة ملتفعا (5) يقال (إذا) و (إذ) بمعنى واحد، وقال بعض أهل اليمن: وندمان يزيد الكأس طيبا * سقيت إذا تغورت النجوم (6) فقال (إذا) والمعنى (إذ) لانه انما يخبر عما مضى. وقال أبو عبيدة (إذ) صلة. والمعنى قال الله: يا عيسى. وقد بينا فساد هذا القول فيما مضى فأما لفظ (قال) في معنى يقول فمستعمل كثيرا وان كان مجازا، قال الله تعالى * (الهامش) * (1) سورة 34 سبأ آية 51 (2) سورة 34 سبأ آية 31 (3) اللسان (إذ)، (طها). والاضداد لابن الانباري: 102 وتفسير القرطبي 6: 375 وتفسير الطبري 11: 235. (4) ديوان الاعشيين / 293 والاضداد لابن الانباري 101. (5) اللسان (إذ). (6) اللسان (ندم). قائله البرج بن مسهر اليمني. (*)

[ 66 ]

" ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار " (1) والمراد ينادي. وقد استعمل المستقبل بمعنى الماضي، قال زياد الاعجم في المغيرة بن المهلب يرثيه بعد موته: فإذا مررت بقبره فانحر به * خوص الركاب وكل طرف سابح وانضج جوانب قبره بدمائها * فلقد يكون أخادم وذبائح (2) فقال (يكون) ومعناه (كان) لدلالة الكلام عليه، لانه في مرثية له بعد موته. وقوله " يا عيسى بن مريم " يحتمل عيسى أن يكون منصوبا مثل ما تقول: يا زيد بن عبد الله، وهو الاكثر في كلام العرب. وانما يجوز ذلك إذا وقع الابن بين علمين، فأما إذا قلت يا زيد ابن الرجل لم يجز في زي‍ إلا الضم. ويحتمل أن يكون عيسى في موضع الضم ويكون نداء (ابن) كأنه قال يا عيسى يا ابن مريم. وقوله " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " تقريع في صورة الاستفهام والمراد بذلك تقريع وتهديد من ادعى ذلك، لانه تعالى كان عالما بذلك هل كان أو لم يكن. ويحتمل وجها آخر - ذكره البلخي ان الله تعالى أراد أن يعلم عيسى أن قومه اعتقدوا فيه وفي أمه أنهما إلهان كما أن الواحد منا إذا أرسل رسولا إلى قوم أن يفعلوا فعلا فأدى الرسالة وانصرف فخالفوا ذلك وعلم المرسل ولم يعلم الرسول جاز أن يقول المرسل للرسول: أأنت أمرتهم بذلك ؟ وغرضه أن يعلمه أنهم خالفوه. وانما قال (إلهين) تغليبا للذكر على الانثى. والغرض بالكلام أن النصارى يعتقدون في المسيح أنه صادق لا يكذب وأنه الذي أمرهم بأن يتخذوه وأمه إلهين، فإذا كذبهم الصادق عندهم الذي ينسبون الامر به إليه كان ذلك آكد في الحجة عليهم وأبلغ في التوبيخ لهم والتوبيخ ضرب من العقوبة. وقيل في قوله تعالى " الهين " * (الهامش) * (1) سورة 7 الاعراف آية 43 (2) الاغاني 15: 308 ورواية البيت الاول: فإذا مررت بقبره فاعقر به * كوم الهجان وكل طرف سابح (*)

[ 67 ]

ثلاجة أوجه: أحدها - أنهم لما عظموهما تعظيم الالهة أطلق ذلك عليهما كما قال " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " (1) وانما أراد تقريعهم على معصيتهم. والثاني - انهم جعلوه إلها وجعلوا مريم والدة له ميزوها من جميع البشر تمييزا شابهت الالهية وأطلق ذلك، لانه مستخرج من قصدهم. وان لم يكن صريح ألفاظهم، على طريقة الالزام لهم. الثالث - انهم لما سموه إلها وعظموها هي، وكانا مجتمعين سماهما إلهين على طريقة العرب كقولهم: القمران للشمس والقمر، والعمران لابي بكر وعمر قال الشاعر: جزاني الزهدمان جزاء سوء * وكنت المرء يجزى بالكرامة (2) يريد زهدما وقيسا ابني حزن القيسين، وهذا كثير، وذكر لي بعض النصارى الذي قرأ كتب النصارى عن جاثليق لهم لم يكن في زمانة مثله: أنه سأله عن هذا فقال: كنت شاكا في ذلك إلى أن قرأت في كتاب ذكره أن فيما مضى كان قوم يقال لهم المريمية كانوا يعتقدون في مريم أنها آلهة، فعلى هذا القول أقرب. وورد كما قلناه افي الحكاية عن اليهود أنهم قالوا: عزير ابن الله. وقد ذكرناه في سورة التوبة. وقوله " سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق " معناه أنزهك أن يكون معك الهة وأن يكون للاشياء إله غيرك، واعترف بأنه لم يكن لي أن أقول هذا القول. وقوله " إن كنت قلته فقد علمته " أي لم أقله لاني لو كنت قلته لما خفي عليك إذ كنت علام الغيوب. وقوله " تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك " أي تعلم غيبي ولا أعلم غيبك، لان ما في نفس عيسى وما * (الهامش) * (1) سورة 9 التوبة آية 33. (2) اللسان (زهدم) نسبة إلى قيس بن زهير. (*)

[ 68 ]

في قلبه هو ما يغيبه عن الخلق، وانما يعلمه الله، وسمي ما يختص الله بعلمه بأنه في نفسه على طريق الازدواج في الكلام كما قال " ومكروا ومكر الله " (1) " والله يستهزئ بهم " (2) " ويخادعون الله وهو خادعهم " (3) " وجزاء سيئة سيئة مثلها " (4) " وان عاقبتم فعاقبوا " (5) وكل ذلك وجه ازدواج الكلام، ويقوى هذا التأويل قوله " إنك أنت علام الغيوب " لانه علل أنه انما يعلم ما في نفس عيسى، لانه علام الغيوب، وعيسى ليس كذلك، فلذلك لم يعلم ما يختص الله بعلمه. والنفس في اللغة على ضروب: أحدها - نفس الانسان التي بهاحياته، يقولون خرجت نفسه أي روحه وفي نفسي أن افعل أي في روعي. وثانيها أن نفس الشئ ذات الشئ يقولون: قتل فلان نفسه أي ذاته، وعلى هذا حمل قوله " ويحذركم الله نفسه " (6) أي ذاته وقيل عذابه. والنفس الهم بالشئ كما يحكى أن سائلا سأل الحسن فقال: ان لي نفسين احداهما تقول لي حج، والاخر تزوج، فقال الحسن: النفس واحدة وانما لك هما هم بكذا وهم بكذا والنفس الانفة كقولهم: ليس لفلان نفس أي لا أنفة له، والنفس الارادة يقولون نفس فلان في كذا أي ارادته قال الشاعر: فنفساي نفس قالت ائت ابن بحدل * تجد فرجا من كل غمى تهابها ونفس تقول أجهد نجاءك ولا تكن * كخاضبة لم يغن عنها خضابها (7) والنفس أيضا العين التي تصيب الانسان يقال أصابت فلانا نفس أي عين ومنه قوله صلى الله عليه وآله في رقيا (بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل عاهة فيك من كل عين عاين ونفس نافس وحسد حاسد) وقال عبيد الله بن قيس الرقيات: * (الهامش) * (1) سورة 3 آل عمران آية 54 (2) سورة 2 البقرة آية 15 (3) سورة 4 النساء آية 141 (3) سورة 42 الشورى آية 40 (5) سورة 16 النحل آية 126 (6) سورة 3 آل عمران آية 28، 30 (7) اللسان (نفس). (*)

[ 69 ]

تنقي نفسها النفوس عليها * فعلى نحرها الرقى والتميم وقال ابن الاعرابي: النفوس التي تصيب الناس بالنفس، والنفس أيضا من الدباغ مقدار الدبغة. قوله تعالى: ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد (120) آية بلا خلاف هذا اخبار عن عيسى (ع) أنه يقول لله تعالى لله تعالى في جواب ما قرره عليه اني لم أقل للناس الا ما أمرتني به، من الاقرار لك بالعبودية وأنك ربي وربهم وإلهي والههم، وأمرتهم بأن يعبدوك وحدك ولا يشركوا معك في العبادة. وقال: اني كنت شهيدا أي شاهدا عليهم ما دمت فيهم بما شاهدته منهم وعلمته وبما بلغتهم من رسالتك التي حملتنيها وأمرتني بأدائها إليهم ما دمت حيا بينهم " فلما توفيتني " أي قبضتني اليك وأمتني " كنت أنت الرقيب عليهم " والرقيب هو الذي يشاهد القوم ويرقب ما يعملون ويعرف ذلك، ثم اعترف بأنه تعالى " على كل شئ شهيد " لانه عالم بجميع الاشياء لا يخفى عليه خافية ولا يغيب عنه شئ فهو يشهد على العباد بكل ما يعملونه. وفي اخباره تعالى عن المسيح أنه نفى القول الذي أدعوه عليه تأكيد لتبكيت النصارى وتكذيب لهم وتوبيخ على ما ادعوه من ذلك عليه. قال الجبائي وفي الاية دلالة على انه تعالى أمات عيسى (ع) وتوفاه عندما رفعه، لانه بين انه كان شهيدا عليهم. وتوفيه اياه بعدان كان بينهم انما كان عند رفعه اياه إلى السماء عندما أرادوا قتله. وعندي أن الذي ذكره لا يدل على أنه أماته، لان التوفي هو القبض إليه ولا يستفاد منه الموت الا بشاهد الحال. ولذلك قال تعالي " الله يتوفي الانفس حين موتها

[ 70 ]

والتي لم تمت في منامها " (1) فبين انه يتوفى التي لم تمت فنفس التوفي لا يفيد الموت بحال. وقوله " أن اعبدوا الله " يجوز أن تكون (أن) بمعنى (أي) مفسرة في قول سيبويه، كما قال " وانطلق الملا منهم أن أمشوا (2) أي أمشوا، لانها مفسرة لما قبلها. والمعنى ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله. ويجوز أن تكون (أن) في موضع خفض على البدل من الهاء وتكون (أن) موصولة ب‍ (أعبدوا الله). ومعناه الا ما أمرتني به بأن يعبدوا الله، ويجوز أن تكون موضعها نصبا على البدل من (ما) والمعنى ما قلت لهم شيئا الا أن أعبدوا الله، أي ما ذكرت لهم إلا عبادة الله. وقوله " أن اعبدوا الله ربي وربكم " شاهد بلفظ الانجيل فانه ذكر في الفصل الرابع من انجيل لوقا، قال المسيح:، مكتوب أن اسجد لله ربك وإياه وحده فأعبد، وهذا لفظه وهو صريح التوحيد. قوله تعالى: إن تعذبهم فانهم عبادك وإن تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم (121) آية بلا خلاف. ظاهر هذه الاية يدل على أن عيسى لم يكن أعلمه الله أن الشرك لا يغفر على كل حال، فلذلك قال " ان تعذبهم فانهم عبادك " الذين كفروا بك وجحدوا إلهيتك وكذبوا رسلك " وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم ". وقال البلخي: ان عيسى (ع) أخبر أنه لا علم له بما صنعوا بعده من الكفر به حتى قيل له: ماذا أجبت ؟ قال لا علم لي، ثم قال: ان كانوا كفروا فعذبتهم فهم عبادك وان كانوا ثبتوا على ما دعوتهم إليه أو تابوا من كفرهم * (الهامش) * (1) سورة 39 الزمر آية 42. (2) سورة 38 ص آية 6. (*)

[ 71 ]

فغفرت لهم فأنت العزيز الحكيم. ومن ذهب إلى أن قول الله " يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس " إخبار عما مضى وأن الله قال ذلك عندما رفعه إليه، قال: انما عنى عيسى ان تعذبهم بمقامهم على معصيتك فانهم عبادك وان تغفر لهم بتوبة تكون منهم، لان القوم كانوا في الدنيا لان عيسى لم يشك في الاخرة أنهم مشركون. وقد أنطقعت التوبة، وانما قال ذلك في الدنيا وجعل قول الله تعالى " هذا يوم ينفغ الصادقين صدقهم " جوابا للرسل حين سألهم ماذا أجبتم " قالوا لا علم لنا " فصدقهم الله في ذلك. ومثل ذلك قال عمرو ابن عبيد والجبائي والزجاج وكلهم شرط التوبة. وهذا الذي ذكروه ترك للظاهر وزيادة شرط في ظاهرها ليس عليه دليل. وقوله " ان الله لا يغفر ان يشرك به " (1) انما هو اخبار لامة نبينا بأن لا يغفر الشرك ولا نعلم ان مثل ذلك أخبر به الامم الماضية فلا متعلق بذلك. ويمكن أن يكون الوجه في الاية مع تسليم ان كان عارفا بأن الله لا يغفر أن يشرك به وانه أراد بذلك تفويض الامر إلى مالكه وتسليمه إلى مدبره والتبري من أن يكون له شئ من أمر قومه، كما يقول الواحد منا إذا تبرء من تدبير أمر من الامور ويريد تفويضه إلى غيره: هذا الامر لا مدخل لي فيه فان شئت أن تفعله وان شئت ان تتركه مع علمه ان أحدهما لا يكون منه. وقوله " فانك أنت العزيز الحكيم " معناه انك القادر الذي لا يغالب وأنت حكيم في جميع أفعالك فيما تفعله بعبادك و وقيل معناه " انك أنت العزيز " القدير الذي لا يفوتك مذنب ولا يمتنع من سطوتك مجرم " الحكيم " فلا تضع العقاب والعفو الا موضعهما. ولو قال: الغفور الرحيم كافيه معنى الدعاء لهم والتذكير برحمته، على أن العذاب والعفو قد يكونان غير صواب ولا حكمة فالاطلاق لا يدل على الحكمة والحسن. والوصف بالعزيز الحكيم يشتمل على العذاب والرحمة إذا كانا * (الهامش) * (1) سورة النساء آية 47، 151. (*)

[ 72 ]

صوابين. وقال الحسين بن علي المغربي رأيت على باب بمصر في موضع يقال له (بيطار بلال) معروف لوحا قديما من ساج عليه هذا العشر وفيه (فانك أنت الغفور الرحيم) وتأريخ الدار سنة سبعين من الهجرة أو نحوها ولعلها باقية إلى اليوم. فان قيل قول عيسى ان تعذبهم فأنهم عبادك يدل على ان الله تعالى له أن يعاقب عبيده من غير جرم كان منهم لانه علل حسن ذلك بكونهم عبيدا لا بكونهم عصاة، وذلك خلاف ما تذهبون إليه ؟ قلنا: لا يجوز ان يريد عيسى (ع) بكلامه ما يدل على أن الفعل على كونه غير جائز عليه تعالى. ولا يحسن منه تعالى أيضا أن يترك انكار ذلك فلما عملنا أن الله تعالى لا يجوز ان يعاقب خلقه من غير معصية سبقت منهم من حيث كان ذلك ظلما محضا، علمنا ان عيسى أراد بقوله ذلك " ان تعذبهم فانهم عبادك " الجاحدون لك المتخذون معك إلها غيرك لان ما تقدم من الكلام دل عليه فلم يحتج ان يذكره في اللفظ فبطل ما توهموه. قوله تعالى: قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (122) لله ملك السموات والارض وما فيهن وهو على كل شئ قدير (123) آيتان بلا خلاف. قرأ " يوم ينفع " بفتح الميم نافع. الباقون بضمها. من رفع (يوما) جعله خبر المبتدأ الذي هو (هذا) وأضاف (يوما) إلى (ينفع). والجملة التي هي من المبتدأ والخبر في موضع نصب بأنه مفعول القول، كما تقول: قال زيد عمر أخوك. ومن نصب احتمل أمرين:

[ 73 ]

أحدهما - ان يكون مفعول قال وتقديره قال الله هذا القصص، وهذا الكلام " يوم ينفع الصادقين " فيوم ظرف للقول (وهذا) اشارة إلى ما تقدم ذكره من قوله: " إذ قال الله يا عيسى بن مريم " وجاء على لفظ الماضي وان كان المراد به المستقبل، كما قال " ونادى أصحاب الجنة اصحاب النار " (1) ونحو ذلك على ما بيناه. وليس ما بعد (قال) حكاية في هذا الوجه كما كان إياها في الوجه الاخر. ويجوز ان يكون المعنى على الحكاية وتقديره قال الله تعالى " هذا يوم ينفع " أي هذا الذي أقتصصنا. به يقع أو يحدث يوم ينفع، ف‍ " يوم " خبر المبتدأ الذي هو (هذا) الامر إشارة إلى حدث. وظروف الزمان تكون اخبارا عن الاحداث. والجملة في موضع نصب بأنها في موضع مفعول، قال الفراء: (يوم) منصوب لانه مضاف إلى الفعل وهو في موضع رفع بمنزلة (يومئذ) مبني على الفتح في كل حال، قال الشاعر: على حين عاتبت المشيب على الصبا * فقلت ألما تصح والشيب وازع (2) قال الزجاج هذا خطأ عند البصريين، لانهم لا يجيزون هذا يوم آتيتك، يريدون هذا يوم اتيانك، لان (آتيتك) فعل مضارع فالاضافة إليه لا يزيل الاعراب عن جهته، ولكنهم يجيزون (ذلك يوم يقع زيد أصدقه) لان الفعل الماضي غير مضارع للمتمكن فهي اضافة إلى غير متمكن والى غير ماضارع المتمكن ويجوز (هذا يوم) منونا (ينفع الصادقين) على إضمار هذا يوم ينفع * (الهامش) * (1) سورة الاعراف آية 43. (2) قائله النابغة. ديوانه: 38 ومعاني القرآن 1: 327، وسيبويه 1: 369 فيه الصادقين صدقهم كقوله: " وأتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا " والمعني لا تجزي فيه، وقال الشاعر: (*)

[ 74 ]

وما الدهر الا تارتانا فمنهما * أموت وأخرى ابتغي العيش اكدح (1) والمعنى فمنهما تارة أموت فيها. وقوله " قال الله هذا يوم ينفع الصادقين " يعني يوم القيامة، ودل على أن قول الله للمسيح " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمى إلهين من دون الله " يكون يوم القيامة، ثم بين ان الصادقين ينفعهم صدقهم وهو ما صدقوا فيه في دار التكليف، لان يوم القيامة لا تكليف فيه على أحد، ولا يخبر أحد فيه الا بالصدق، ولا ينفع الكفار صدقهم الذي يقولونه يوم القيامة إذا أقروا على أنفسهم بسوء أعمالهم، ثم بين ان " لهم جنات تجري من تحتها الانهار "، وأنهم " خالدون فيها أبدا " في نعيم مقيم لا يزول، وان الله قد " رضى عنهم ورضوا " هم عن الله وبين ان ذلك " هو الفوز العظيم " وهو ما يحصلون فيه من الثواب والنجاة من النار، ثم قال تعالى: " لله ملك السماوات والارض وما فيهن " يعني ان ملك السماوات والارض وما بينهما له بالقدرة على التصرف فيهما وفيما بينهما على وجه ليس لاحد منعه منه ولا معارضته فيه خاصة، ثم بين انه تعالى: " على كل شئ قدير " مما كان ويكون مما يصح ان يكون مقدورا له. * (الهامش) * (1) قائله ابن مقبل. اللسان " كدح ". (*)

[ 75 ]

6 - سورة الانعام قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم: ان سورة الانعام مكية. وقال يزيد بن رومان بعضها مكي وبعضها مدني. وقال شهر بن خوشب: هي مكية إلا آيتين منها قوله تعالى: " قل تعالوا اتل عليكم ما حرم " والتي بعدها. وروى عن ابن عباس انه قال نزلت سورة الانعام جملة بمكة معها سبعون الف ملك محدقون حولها بالتسبيح والتهليل والتحميد وهي مئة وخمس وستون آية كوفى وست في البصري وسبع في المدنيين. وروي عن ابن عباس أيضا انه قال هي مكية غير ست آيات منها فانها مدنيات. " قل تعالوا اتل " وآيتان بعدها وقوله " وما قدروا الله حق قدره " إلى آخرها والاية التي بعدها " ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال اوحي.. " إلى آخرها. وروي عن أنس بن مالك انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما نزل علي سورة من القرآن جملة غير سورة الانعام وما جمعت الشياطين لسورة من القرآن جمعها لها ولقد بعث بها الي مع جبرائيل مع خمسين ملكا، أو قال خمسين الف ملك - شك الواقدي - نزل بها وتحفها حتى أقر - ها في صدري كما يقر الماء في الحوض وقد اعزني الله واياكم بهاعزا لا يذلنا بعده ابدا فيها دحض حجج المشركين ووعد من الله لا يخلفه. وروي عن كعب الاحبار انه قال: افتتحت التوراة بالحمد لله الذي خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. وختمت بالحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك إلى آخر الاية. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق السموات والارض وجعل الظلمات

[ 76 ]

والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (1) آية في الكوفي والبصري، وآيتان في المدنيين، قوله " والنور " آخر آية أخبر الله تعالى في هذه الاية أن المستحق للحمدمن خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور أي خلقهما لما أشتملا عليه من عجائب الخلق ومتقن الصنع. ثم عجب ممن جعل له شركاء مع ما تري في السماوات والارض من الدلالة على أنه الواحد الذي لا شريك له، وقد بينا فيما تقدم وجه دلالة ذلك على أنه واحد ليس باثنين. وقوله " بربهم يعدلون " أي يجعلون له مثلا يستحق العبادة مأخوذ من قولك: لا أعدل بفلان أحدا، أي لا نظير له عندي ولا أحد يستحق ما يستحقه. قال الكسائي: يقال عدلت الشئ بالشئ أعدله عدولا إذا ساويته، وعدل في الحكم يعدل عدلا. وقال الحسن ومجاهد: معنى يعدلون يشركون. وانما ابتدأ تعالى هذه السورة بالحمد احتجاجا على مشركي العرب، وعلى من كذب بالبعث والنشور فابتدأ، فقال " الحمدلله الذي خلق السماوات والارض " فذكر أعظم الاشياء المخلوقة، لان السماء بغير عمد ترونها، والارض غير مائدة بنا. ثم ذكر الظلمات والنور، وذكر الليل والنهار، وهما مما به قوام الخلق. فأعلم الله تعالى أن هذه خلق له، وأن خالقها لا شئ مثله. وروي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: ان الانعام نزلت جملة، وشيعها سبعون الف ملك حين أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله فعظموها، وبجلوها، فان اسم الله تعالى فيها في سبعين موضعا. ولو يعلم الناس ما في قراءتها من الفضل ما تركوها. قوله تعالى: هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده

[ 77 ]

ثم أنتم تمترون (2) آية بلا خلاف. معنى قوله " هو الذي خلقكم " أي انشأكم، وأخترعكم " من طين " ومعناه خلق أباكم - الذي هو آدم وانتم من ذريته، وهو بمنزلة الاصل لنا - من طين، فلما كان أصلنا من الطين جازان يقول " خلقكم من طين ". وقوله " ثم قضى " معناه حكم بذلك. والقضاء يكون حكما، ويكون أمرا ويكون الاتمام والاكمال. وقوله " أجلا وأجل مسمى عنده " قيل في معنام قولان: أحدهما - قال أبو علي: كتب للمرء أجلا في الدنيا، وحكم بأنه أجل لنا، وهو الاجل الذي يحيى فيه أهل الدنيا إلى أن يموتوا، وهو أوقات حياتهم، لان أجل الحياة، هو وقت الحياة، وأجل الموت هو وقت الموت " وأجل مسمى عنده " يعني آجالكم في الاخرة، وذلك أجل دائم ممدود لا آخر له، وانما قال له " مسمى عنده "، لانه مكتوب في اللوح المحفوظ، في السماء وهو الموضع الذي لا يملك فيه الحكم على الخلق سواه. وقال الزجاج: أحد الاجلين أجل الحياة، وهو الوقت الذي تحدث فيه الحياة، ويحيون فيه " وأجل مسمى عنده " يعني أمر الساعة والبعث. وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك. وقال بعضهم: " قضى أجلا " يعني أجل من مضى من الخلق " وأجل مسمى عنده " أجل الباقين والذي نقوله: " ان الاجل هو الوقت الذي تحدث فيه الحياة أو الموت ولا يجوز ان يكون المقدر أجلا، كما لا يجوز أن يكون ملكا، فان سمي - ما يعلم الله تعالى أنه لو لم يقتل فيه لعاش إليه - أجلا، كان ذلك مجازا، لان الحي لا يعيش إليه. ولا يمتنع أن يعلم الله من حال المقتول أنه لو لم يقتله القاتل لعاش إلى وقت آخر. وكذلك ما روي: أن الصدقة وصلة الرحم تزيد في الاجل، وما روي في قصة قوم يونس وأن الله صرف عنهم العذاب، وزاد

[ 78 ]

في آجالهم، لا يمنع منه مانع، وانما منع من التسمية لما قلناه. وقوله: " ثم أنتم تمترون " خطاب للكفار الذين يشكون في البعث والنشور. احتج الله بهذه الاية على الذين عدلوا به غيره، فأعلمهم انه خلقهم من طين، ونقلهم من حال إلى حال، وقضى عليهم الموت، فهم يشاهدون ذلك، ويقرون بأنه لا محيص منه. ثم عجبهم من امترائهم أي من شكهم في انه الواحد القهار على ما يشاء، وفي أنه لم يعبث بخلقهم وابقائهم واماتتهم بعد ذلك، وأنه لابد من جزاء المسيئ والمحسن، ومثله قوله: " يا أيها الناس ان كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم " (1) ان الذي قدر على ذلك قادر على أن يبعثكم بعد أن تكونوا ترابا. وقوله " وأجل مسمى عنده " رفع على الابتداء وتم الكلام عند قوله: " ثم قضى أجلا ". قوله تعالى: وهو الله في السموات وفي الارض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3) آية إجماعا. قوله " وهو الله في السماوات وفي الارض " يحتمل معنيين: أحدهما - قال الزجاج والبلخي، وغيرهما: انه المعبود في السماوات والارض، والمتفرد بالتدبير في السماوات وفي الارض، لان حلوله فيهما أو شئ منهما لا يجوز عليه. ولا يجوز أن تقول هو زيد في البيت، والدار، وأنت تريد أنه يدبرهما الا ان يكون في الكلام ما يدل على ان المراد به التدبير كقول القائل: فلان الخليفة في الشرق والغرب، لان المعنى في ذلك أنه المدبر فيهما. * (الهامش) * (1) سورة 22 الحج آية 5. (*)

[ 79 ]

ويجوز ان يكون خبرا بعد خبر، كأنه قال: انه هو الله وهو في السماوات وفي الارض. ومثل ذلك قوله " وهو الذي في السماء إله وفي الارض إله " (1) والوجه الثاني - قال أبو علي: ان قوله " وهو الله " قدتم الكلام، وقوله " في السماوات وفي الارض " يكون متعلقا بقوله " يعلم سركم وجهركم " في السماوات وفي الارض لان الخلق إما أن يكونوا ملائكة فهم في السماء أو البشر والجن، فهم في الارض، فهو تعالى عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه خافية، ويقويه قوله " ويعلم ما تكسبون " أي يعلم جميع ما تعملون من الخير والشر فيجازيكم على حسب أعمالكم، ولا يخفى عليه شئ منها، وفي ذلك غاية الزجر والتهديد. وفي الاية دلالة على فساد قول من قال: إنه تعالى في مكان دون مكان تعالى الله عن ذلك. قوله تعالى: وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) آية بلا خلاف. في هذه الاية اخبار من الله تعالى أنه لا يأتي هؤلاء الكفار - المذكورين في أول الاية - من آيات من ربهم، وهي المعجزات التي يظهرها على رسوله وآيات القرآن التي كان ؟ لها على نبيه صلى الله عليه وآله " الا كانوا عنها معرضين " لا يقبلونها، ولا يستدلون بها على ما دلهم الله عليه من توحيده وصدق رسوله محمد صلى الله عليه وآله. قوله تعالى: فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباؤ ما كانوا * (الهامش) * (1) سورة 10 يونس آية 22. (*)

[ 80 ]

به يستهزؤن (5) آية بلا خلاف. في هذه الاية اخبار منه تعالى أن الكفار قد كذبوا بالحق الذي أتاهم به محمد صلى الله عليه وآله لما جاءهم بالقرآن، وسائر أمور الدين، وانه سوف يأتيهم خبر العذاب الذي ينزله بهم عقوبة على كفرهم، وهذا العذاب هو الذي كانوا به يستهزؤن: بأخبار رسول الله إياهم به وبنزوله بهم. فبين أن ذلك سيحل بهم وسيقفون على صحته. ودل ذلك على أنهم كانوا يستهزؤن، وان كان لم يذكره ههنا وذكره في موضع آخر. ومثل ذلك قول القائل للجاني عليه: سيعلم عملك. وانما يريد ستجازى على عملك. وقال الزجاج: معنى " أنباء ما كانوا به يستهزؤن " أي تأويله. والمعنى سيعلمون ما يؤل إليه استهزاؤهم. قوله تعالى: ألم يرواكم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الارض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الانهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشانا من بعدهم قرنا آخرين (6) آية بلا خلاف. قوله " ألم يروا " خطاب للغائب وتقديره ألم ير هؤلاء الكفار: ألم يعلموا كم أهلكنا من قبلهم من قرن. ثم قال مكناهم في الارض ما لم نمكن لكم " فخاطب خطاب المواجه، فكأنه اخبر النبي صلى الله عليه وآله ثم خاطبه معهم، كما قال: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرينا بهم بربح طيبة " (1) فذكر لفظ الغائب بعد * (الهامش) * (1) سورة 10 يونس آية 22 (*)

[ 81 ]

خطاب المواجه. ومعنى " من قرن " من أمة. قال الحسن: القرن عشرون سنة. وقال ابراهيم: اربعون سنة. وقال أبو ميسرة: هو عشر سنين. وحكى الزجاج والفراء: أنه ثمانون سنة وقال قوم: هو سبعون سنة. وقال الزجاج: عندي القرن هو أهل كل مدة كان فيها نبي أو كان فيها طبقة من أهل العلم، قلت السنون أو كثرت، فيسمى ذلك قرنا، بدلالة قوله (ع): (خيركم قرني) يعني أصحابي (ثم الذين يلونهم) يعني التابعين (ثم الذين يلونهم) يعني تابعي التابعين. قال: وجائز أن يكون القرن جملة الامة، وهؤلاء قرن فيها. واشتقاق القرن من الاقتران. وكل طبقة مقترنين في وقت قرن، والذين يأتوا بعدهم ذووا اقتران: قرن آخر. وقوله " مكناهم في الارض " معناه جعلناهم ملوكا وأغنياء تقول مكنتك، ومكنت لك واحد. وقوله " وأرسلنا عليهم السماء مدرارا " معناه أرسلنا عليهم مطرا كثيرا من السماء يقول القائل أصابتنا هذه السماء، وما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، يعنون المطر. وقوله " مدرارا " يعني غزيرا دائما كثيرا. وهو قول ابن عباس وأبي روق. و (مفعال) من ألفاظ المبالغة، يقال ديمة مدرارا إذا كان مطرها غزيرا حادا، كقولهم امرأة مذكار: إذا كانت كثيرة الولادة للذكور، ومئناث في الاناث. ومفعال لايؤنث، يقال: امرأة معطار ومئناث ومذكار، بغير هاء. بين الله تعالى أن هؤلاء الذين آتاهم الله هذه المنافع وأجرى من تحتهم الانهار، ووسع عليهم، ومكنهم في الارض، لما كفروا بنعم الله وارتكبوا معاصيه أهلكهم الله بذنوبهم، وانه انشأ قوما آخرين بعدهم. يقال: انشأ فلان يفعل كذا أي ابتدأ فيه. وموضع (كم) نصب ب‍ (أهلكنا)، لان لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، فلذلك لا يجوز أن يكون منصوبا ب‍ (يروا). فان قيل: كيف قال: " أولم يروا) والقوم كانوا غير مقرين بما أخبروا

[ 82 ]

به من شأن الامم قبلهم ؟ قيل: كان الكثير منهم مقرا بذلك فأنه دعي بهذه الاية إلى النظر والتدبر ليعرف بذلك ما عرفه غيره. قوله تعالى: ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) آية بلا خلاف. أخبر الله تعالى في هذه الاية أنه لو نزل على نبيه كتابا يعني صحيفة مكتوبة في قرطاس حتى يلمسوه بأيديهم ويدركوه بحواسهم، لانهم سألوا النبي صلى الله عليه وآله ان يأتيهم بكتاب يقرؤونه من الله إلى فلان بن فلان أن آمن بمحمد، وانه لو أجابهم إلى ذلك لما آمنوا، ونسبوه إلى السحر لعظم عنادهم وقساوة قلوبهم وعزمهم على أن لا يؤمنون على كل حال. وعرفه أن التماسهم هذه الايات ضرب من العنت ومتى فعلوا ذلك أصطلمهم واستأصلهم، وليس تقتضي المصلحة ذلك، لما علم في بقائهم من مصلحة للمؤمنين، وعلمه بمن يخرج من أصلابهم من المؤمنين وأن فيهم من يؤمن فيما بعد، فلا يجوز أخترام من هذه صفته - عند ابي علي والبلخي. وقوله " ان هذا الا سحر مبين " معناه ليس هذا الا سحر مبين. واحتج أبو علي بهذه الاية على أنه متى كان في معلوم الله تعالى انه لو آتاهم الايات التي طلبوها لامنوا عندها وجب ان يفعلها بهم، قال: ولولا ذلك كذلك لم يحتج على العباد في منعه اياهم الايات التي طلبوها أي انما منعتهم اياها لانهم كانوا لا يؤمنون، ولو آتاهم إياها لكانوا يقولون انها سحر مبين. وبهذا تبين بطلان قول من قال اللطف ليس بواجب، وانه يجوز ان يمنعهم الله ما طلبوا وان كانوا يؤمنون لو آتاهم ذلك ويكفرون لو منعهم اياه. قوله تعالى: وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو انزلنا

[ 83 ]

ملكا لقضي الامر ثم لا ينظرون (8) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9). آيتان بلا خلاف. اخبر الله تعالى في هذه الاية عن هؤلاء الكفار أنهم قالوا (لولا) ومعناه: هلا " أنزل عليه " يعنون على محمد " ملك " يشاهدونه فيصدقه. ثم أخبر عن عظم عنادهم انه لو أنزل عليهم الملك على ما اقترحوه لما آمنوا به، واقتضت الحكمة استئصالهم وألا ينظرهم ولا يمهلهم. وذلك بخلاف ما علم الله تعالى من المصلحة على ما بيناه. ومعنى " لقضى الامر " أي أتم إهلاكهم وقضي على ضروب كلها ترجع إلى معنى تمام الشئ وانقطاعه في قول الزجاج. فمنه " قضى أجلا وأجل مسمى عنده " (1) معناه ثم ختم بذلك وأتمه، ومنه الامر كقوله " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا اياه " (2) الا أنه أمر قاطع ومنه الاعلام نحو قوله " وقضينا إلى بني اسرائيل " (3) أي أعلمناهم إعلاما قاطعا. ومنه الفصل في الحكم نحو قوله " ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم " (4) أي لفصل الحكم بينهم. ومنه قولهم قضى القاضي. ومن ذلك قضى فلان دينه، أي قطع ما لغريمه عليه وأداه إليه وقطع ما بينه وبينه وكلما أحكم فقد قضي، تقول قضيت هذا الثوب وهذه الدار، أي عملتها وأحكمت عملها، قال أبو ذؤيب وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أو صنع السوابغ تبع (5) وقال مجاهد معنى " وقالوا لولا أنزل عليه ملك " يريدون في صورته. قال الله تعالى " ولو أنزلنا ملكا " في صورته " لقضي الامر " أي لقامت الساعة أو * (الهامش) * (1) سورة 6 الانعام آية 2 (2) سورة 17 الاسرى آية 23 (3) سورة 17 الاسرى آية 4 (4) سورة 42 الشورى آية 14 (5) مر تخريجه في 1 / 429. (*)

[ 84 ]

وجب استئصالهم ثم قال " ولو جعلناه ملكا لجعلناه " في صورة رجل، لان أبصار البشر لا تقدر على النظر إلى صورة ملك على هيئته للطف الملك وقلة شعاع أبصارنا وكذلك كان جبرائيل (ع) يأتي النبي صلى الله عليه وآله في صورة دحية الكلبي، وكذلك الملائكة الذين دخلوا على ابراهيم في صورة الاضياف حتى قدم إليهم عجلا جسدا، لانه لم يعلم أنهم ملائكة، وكذلك لما تسور المحراب على داود الملكان كانا في صورة رجلين يختصمان إليه. وقال بعضهم: المعنى لو جعلنا مع النبي ملكا يشهد بتصديقه (لجعلناه رجلا) والاول أصح. وقوله " وللبسنا عليهم ما يلبسون " يقال: لبست الامر على القوم ألبسه إذا شبهته عليه، ولبست الثوب البسه، وكان رؤساء الكفار يلبسون على ضعفائهم أمر النبي (ع)، فيقولون: هو بشر مثلكم، فقال الله تعالى " ولو أنزلنا ملكا " فرأوا الملك رجلا ولم يعلمهم أنه ملك لكان يلحقهم من اللبس ما يلحق ضعفائهم منهم. واللبوس ما يلبس من الثياب واللباس الذي قد لبس واستعمل. فان قيل: قوله: انه لو جعل الملك رجلا للبس عليهم يدل على أن له أن يلبس بالاضلال والتلبيس ؟ قلنا: ليس ذلك في ظاهره، لانه لم يخبر أنه لبس عليهم وانما قال لو جعلته ملكا للبست ولم يجعله ملكا فإذا ما لبس، كما قال تعالى " لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء " (1) وليس يجوز عليه اتخاذ الولد ولا الاصطفاء له بحال، فسقط ما قالوه. قوله تعالى: ولقد استهزى برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (10) آية بلا خلاف. * (الهامش) * (1) سورة 39 الزمر آية 4. (*)

[ 85 ]

لما أخبر الله تعالى أنه لو أنزل الايات التي أقترحوها وامتنعوا عند ذلك من الاقرار بالله وتصديق نبيه اقتضت المصلحة استئصالهم كما اقتضت المصلحة استئصال من تقدم من الامم الماضية عند نزول الايات المقترحة، كما فعل بقوم صالح وغيرهم من أمم الانبياء، قال ذلك تسلية لنبيه (ع) من استمرارهم على الكفر. ومعنى (الحيق) ما يشتمل على الانسان من مكروه فعله كما قال: " ولا يحيق المكر السيئ الا بأهله " (1) أي لا ترجع عاقبة مكروهه الا عليهم. والمعنى فحاق بالساخرين منهم: " ما كانوا به يستهزؤن " من وعيد أنبيائهم بعاجل العقاب في الدنيا نحو ما نزل بقوم عاد وثمود وغيرهم من الامم. وقال أبو علي: حاق وحق بمعنى واحد. والمعنى انه لما نزل بهم العذاب حق بذلك الخبر عندهم: الخبر الذي كان أخبرهم به النبي صلى الله عليه وآله. قوله تعالى: قل سيروا في الارض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) آية بلا خلاف. أمر الله تعالى في هذه الاية نبيه (ع) ان يأمر هؤلاء الكفار ان يسيروا في الارض لينظروا إلى آثار تلك الامم فانها مشهورة ومتواتر خبرها معلوم مساكنها واراد بذلك زجر هؤلاء الكفار عن تكذيب محمد (ع) والتحذير لهم من ان ينزل بهم من العذاب ما نزل بالمكذبين للرسل من قبلهم. قوله تعالى: قل لمن ما في السموات والارض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيمة لا ريب * (الهامش) * (1) سورة 35 فاطر آية 43. (*)

[ 86 ]

فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) آيتان بلا خلاف. أمر الله تعالى نبيه (ع) ان يقول لهؤلاء الكفار مقرعا لهم وموبخا على كفرهم " لمن في السماوات والارض " ثم امره (ع) ان يقول لهم ان ذلك " لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم " واللام لام القسم وتقديره والله ليجمعنكم ولذلك نصب (لام) ليجمعنكم، لان معنى كتب اليمين. وقال الزجاج يجوز أن يكون (ليجمعنكم) بدلا من الرحمة مفسرا لها، لانه لما قال كتب على نفسه الرحمة فسر رحمته بأنه يمهلهم إلى يوم القيامة. وقال الفراء: يجوز أن يكون قوله " كتب على نفسه الرحمة " غاية ثم استأنف قوله " ليجمعنكم.. لا ريب فيه " تمام، ومعنى " كتب على نفسه الرحمة " أي كتب على نفسه ألا يستأصلكم ولا يعجل عقوبتكم بل يعذر وينذر ويجمع آخركم إلى أولكم قرنا بعد قرن إلى يوم القيامة، وهو الذي لا ريب فيه. وفي قوله " ليجمعنكم إلى يوم القيامة " احتجاج على من أنكر البعث والنشور فقال ليجمعنكم إلى اليوم الذي أنكرتموه كما تقول: جمعت هؤلاء إلى هؤلاء، أي ضممت بينهم في الجمع. وقوله " الذين خسروا أنفسهم " قال الاخفش (الذين) بدل من الكاف والميم. والمعنى ليجمعن هؤلاء المشركين الذين خسروا أنفسهم إلى هذا اليوم الذي يجحدونه ويكفرون به. وقال الزجاج: هو في موضع رفع على الابتداء وخبره " فهم لا يؤمنون " لان (ليجمعنكم) مشتمل على سائر الخلق على الذين خسروا أنفسهم وغيرهم. وقوله " وله ما سكن في الليل والنهار " أي ما اشتمل عليه الليل والنهار فجعل الليل والنهار كالمسكن لما اشتملا عليه، لانه ليس يخرج منهما شئ فجمع

[ 87 ]

كل الاشياء بهذا اللفظ القليل الحروف، وهذا من أفصح ما يكون من الكلام. وقال النابغة: فانك كالليل الذي هو مدركي * وان خلت ان المنتأى عنك واسع (1) فجعل الليل مدركا إذ كان مشتملا عليه. وفي هذه الاية وفي التي قبلها إحتجاج على الكفار الذين عبدوا من دون الله تعالى، فقال تعالى: " قل لمن ما في السماوات والارض " ؟ وكانوا لا يشركون بالله في خلق السماوات والارض وما بينهما احدا وانما كانوا يشركون في العبادة، ويقولون: آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى، لا أنها تخلق شيئا، ثم قال: " قل لله " فانهم لا ينكرون ذلك، وهو كقوله " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " (2) فذكرهم ما هم به مقرون ليتنبهوا ويشهدوا بالحق ويتركوا ما هم عليه، ومعنى " خسروا أنفسهم " أهلكوها باستحقاق المصير إلى العذاب الاليم الدائم، الذي لا ينتفعون معه بنفوسهم إذ كانوا لا يؤمنون. ومن أهلك نفسه فقد خسرها. وانما قال " وله ما سكن في الليل والنهار " لان في الحيوان ما يسكن في الليل، وفيه ما يسكن بالنهار وخص السكون بالذكر، لان الساكن أكثر من المتحرك، ولان الاية العجيبة في قيام الساكن بلا عمد أعظم. قوله تعالى: قل أغير الله أتخذ ولى فطر السموات والارض وهو يطعم ولا يطعم قل أني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) آية بلا خلاف. أجمع القراء على ضم الياء وفتح العين من قوله " ولا يطعم " وقرئ في الشواذ * (الهامش) * (1) سمط اللالي: 570 (2) سورة 43 الزخرف آية 87 (*)

[ 88 ]

بفتح الياء العين معا. فمن ضم الياء أراد أن غيره لا يطعمه في مقابلة قوله: " وهو يطعم ". ومن فتح الياء أراد أنه نفسه لا يطعم. والمعنى هو يرزق الخلق ولا يرزقه أحد. والطعمة والطعم والاطعام الرزق، قال امرؤ القيس: مطعم للصيد ليس له * غيرها كسب على كبره (1) وقال علقمة بن عدي: ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمة * أني توجه والمحروم محروم (2) ألا ترى أنه وضع الحرمان في مقابلة الاطعام، كما يوضع أبدا مقابلا للرزق. وقيل: إنه ذكر الاطعام، لان حاجة العباد إليه أشد، ولان نفيه عن الله أدل على نفي شبهه بالمخلوقين، لان الاطعام لا يجوز الاعلى الاجسام. والاختيار في " فاطر " الخفض لانه من صفة (الله). والرفع، والنصب جائزان على المدح. فمن رفع فعلى اضمار (هو)، وتقديره: هو فاطر السماوات والارض، وهو يطعم ولا يطعم. ومن نصب فعلى معنى: اذكروا عني. ومعنى: " فاطر السماوات والارض " خالقهما، كما قال: " ومالي لا أعبد الذي فطرني واليه ترجعون " (3) أي خلقني. قال ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى (فاطر) حتى اختصم الي اعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها. وأصل الفطر الشق، ومنه قوله تعالى: " إذا السماء انفطرت " (4) أي انشقت. ومعني " فطر السماوات والارض " خلقهما خلقا قاطعا. والانفطار، والفطور تقطع وتشقق وفي الاية دلالة وحجة على الكفار، لان من خلق السماوات والارض وأنشأ ما فيها، وأحكم تدبيرهما، واطعم من فيهما هو الذي ليس كمثله شئ * (الهامش) * (1) ديوانه: 104، واللسان (طعم). (2) اللسان: الالف اللينة تفسير (أنى). (3) سورة 36 يس آية 22 (4) سورة 82 الانفطار آية 1 (*)

[ 89 ]

وان الخلق فقراء إليه وهو الغني القادر القاهر، فلا يجوز لمن عرف ذلك أو جعل له السبيل إلى معرفته ان يعبد غيره. وقوله " وأمرت أن أكون أول من أسلم " معناه أن أكون اول من خضع، وآمن وعرف الحق من قومي، وأن اترك ما هم عليه من الشرك. ومثله قوله " قل ان كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين " (3) بأنه لم يكن للرحمان ولد، يعني من هذه الامة، لانه قد عبد الله النبيون والمؤمنون قبله، ومثله قوله " سبحانك تبت اليك وأنا أول المؤمنين " (4) ممن سألك أن تريه نفسك - بأنك لا ترى. وقول السحرة " إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا ان كنا أول المؤمنين (5) بأن هذا ليس بسحر، وأنه الحق، أي أول المؤمنين من السحرة، ومعنى الولي - هاهنا - الاله الذي أعبده ليتولاني، ويحفظني. وقوله: " وأمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين " أي أمرت بالامرين معا: أن أكون أول من أسلم من هذه الامة، وألا أكون من المشركين. والمعنى أمرت بذلك ونهيت عن الشرك، لان الامر لا يتناول ألا يكون الشئ، لانه لا يكون أمرا إلا بارادة المأمور، والارادة لا تتعلق بألا يكون الشئ. وانما المراد ما قلناه: أنه كره مني الشرك. قوله تعالى: قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) آية بلا خلاف. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بهذه الاية أن يقول لهؤلاء الكفار: إنه يخاف * (الهامش) * (3) سورة 43 الزخرف آية 81 (4) سورة 7 الاعراف آية 142 (5) سورة 26 الشعراء آية 52. (*)

[ 90 ]

- ان عصاه - عذابه وعقوبته في يوم عظيم وهو يوم القيامة. ومعنى العظيم - هاهنا - أنه شديد على العباد، وعظيم في قلوبهم. وفي الاية دلالة على ان من زعم أن من علم الله أنه لا يعصى فلا يجوز أن يتوعده بالعذاب. وعلى من زعم أنه لا يجوز أن يقال فيما قد علم الله أنه لا يكون أنه لو كان لوجب فيه كيت وكيت، لانه كان المعلوم لله تعالى أن النبي صلى الله عليه وآله لا يعصي معصية يستحق بها العقاب يوم القيامة، ومع هذا فقد توعده به. قوله تعالى: من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (16) آية بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة الا حفصا، ويعقوب " من يصرف " بفتح الياء وكسر الراء. الباقون بضم الياء وفتح الراء. وفاعل (يصرف) هو الضمير العائد إلى " ربي " من قوله: " إني أخاف ان عصيت ربي ". ويكون حذف الضمير العائد إلى العذاب، والمعنى من يصرف الله عنه، وكذلك هو في قراءة أبي. قال أبو علي: وليس حذف الضمير بالسهل لانه ليس بمنزلة الضمير الذي يحذف من الصلة إذا عاد إلى الموصول، نحو " أهذا الذي بعث الله رسولا " (1) و " سلام على عباده الذين اصطفى الله " (2) أي بعثهم الله واصطفاهم، ولا يعود الضمير المحذوف - هاهنا - إلى موصول ولا الى (من) التي المجزاء، وانما يرجع إلى العذاب من قوله " ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم "، وليس هذا بمنزلة قوله " والحافظين فروجهم " (3) لان هذا فعل واحد قد تكرر وعدي الاول فيهما * (الهامش) * (1) سورة 25 الفرقان آية 41 (2) سورة 27 النسل آية 59 (3) سورة 33 الاحزاب آية 35 (*)

[ 91 ]

إلى المفعول، فعلم بتقدير الاول أن الثاني بمنزلته. والذي يحسن قراءة من قرأ " يصرف " بفتح المياء أن ما بعده من قوله " فقد رحمه " فعل مسند إلى ضمير اسم الله. فقد اتفق الفعلان في الاسناد إلى هذا الضمير، فيمن قرأ " يصرف " بفتح الياء. ويقويه أيضا أن الهاء المحذوفة من (يصرفه) لما كان في حيز الجزاء، وكان ما في حيزه في أنه لا يتسلط على الموصول، حسن حذف الهاء منه كما حسن حذفها من الصلة. ومن ضم الياء فالمسند إليه الفعل المبني للمفعول ضمير العذاب المتقدم ذكره، ويقوي ذلك قوله " ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم " (4) ألا ترى أن الفعل بني للمفعول، وفيه ضمير العذاب. وقال الزجاج: التقدير من يصرف الله عنه العذاب فيمن فتح الياء. ومن ضم الياء، فتقديره من يصرف عنه العذاب. قوله تعالى: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير (17) وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) آيتان بلا خلاف. معنى الاية الاولى أنه لا يملك النفع والضرر الا الله تعالى أو من يملكه الله ذلك. فبين تعالى أنه مالك السوء من جهته " فلا كاشف له الا هو " ولا يملك كشفه سواه مما يعبده المشركون ولا أحد سوى الله، وأنه إن ناله بخير فهو على ذلك قادر. وقوله يمسسك بضر أو بخير، معناه يمسك ضره أو خيره. فجعل المس لله على وجه المجاز، وهو في الحقيقة الخير والضر، وهو مجاز في الخير والضر أيضا، لانهما عرضان لا تصح عليهما المماسة. وأراد * (الهامش) * (4) سورة 11 هود آية 8 (*)

[ 92 ]

تعالى بذلك الترغيب في عبادته، وحده، وترك عبادة سواه، لانه المالك للضر والنفع دون غيره، وأنه القادر عليهما. والقاهر هو القادر على أن يقهر غيره. فعلى هذا يصح وصفه فيما لم يزل بأنه قاهر. وفي الناس من قال: لا يسمى قاهرا الا بعد أن يقهر غيره، فعلى هذا لا يوصف تعالى فيما لم يزل بذلك. ومثل قوله " فوق عباده " قوله " يد الله فوق أيديهم " (1) والمراد أنه أقوى منهم، وأنه مقتدر عليهم، لان الارتفاع في المكان لا يجوز عليه تعالى، لانه من صفات الاجسام. فإذا المراد بذلك أنه مستعل عليهم، مقتدر عليهم. وكل شئ قهر شيئا فهو مستعل عليه، ولما كان العباد تحت تسخيره وتذليله وأمره ونهيه، وصف بأنه فوقهم. وقوله " وهو الحكيم الخبير " معناه أنه مع قدرته عليهم لا يفعل الا ما تقتضيه الحكمة، ولا يفعل ما فيه مفسدة، أو وجه قبح لكونه عالما بقبح الاشياء وبأنه غني عنها. قوله تعالى: قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لا نذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله الهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني برئ مما تشركون (19) آية بلا خلاف. اختلفوا في الهمزتين إذا كانت الاولى مفتوحة، والثانية مكسورة من كلمة واحدة نحو (أئنك) و (أاذا) و (أانا) و (أافكا) فقرأ ابن عامر وأهل الكوفة وروح بتحقيق الهمزتين حيث وقع إلا في قوله " أئنكم لتشهدون " * (الهامش) * (1) سورة 48 الفتح آية 10. (*)

[ 93 ]

هاهنا. وفي الاعراف " أئنكم لتأتون الرجال " (1) و " أان لنا لاجرا " (2) و (أاما) حيث وقع. و " أانك لانت يوسف " (3) و " أاذا ما مت " (4) وفي العنكبوت " أانكم لتأتون الفاحشة " (5) و " أانا لمغرمون " (6) في الواقعة. والاستفهامين في الرعد. وبني اسرائيل. والمؤمن. والنحل. وسجدة لقمان. والصافات. والواقعة. والنازعات. وسنذكر الخلاف فيها في مواضعها. الباقون بتحقيق: الاولى وتليين الثانية. وفصل بينهما بألف أهل المدينة. الا ورشا، وابو عمرو، والحلواني عن هشام، وافقهم الداجوني عن هشام على الفصل في قوله " أإنا لتاركوا آلهتنا ". و " أاذا متنا " في (ق). وأما قوله " أئنكم ". هاهنا فقرأه ابن عامر وأهل الكوفة الا الكسائي عن أبي بكر وروح بتحقيق الهمزتين إلا أن الحلواني عن هشام يفصل بينهما بألف الباقون بتحقيق الاولى وتليين الثانية. وفصل بينهما بألف أهل المدينة الا ورشا وأبو عمرو والكسائي عن أبي بكر. وقد روي عن الكسائي عن أبي بكر أنه لا يفصل. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء الكفار " أي شئ أكبر شهادة " لانهم كانوا مقرين بأنه لا شئ أكبر شهادة من الله، وإذا أقروا بأنه الله حينئذ أمره أن يقول لهم هو الشهيد بيني وبينكم على ما بلغتكم ونصحتكم وقررت عندكم من أن إلهكم إله واحد، وعلى براءتي من شرككم. والوقوف على قوله " قل الله " وقف تام. وفي الاية دلالة على من قال: لا يوصف تعالى بأنه شئ. لانه لو كان كما قال لما كان للاية معنى كما أنه لا يجوز أن يقول القائل: أي الناس أصدق ؟ فيجاب ب‍ (جبرائيل) لما لم يكن من جملة الناس بل كان من الملائكة. * (الهامش) * (1) سورة 7 الاعراف آية 80 (2) سورة 7 الاعراف آية 112 (3) سورة 12 يوسف آية 90 (4) سورة 19 مريم آية 66 (5) سورة 29 العنكبوت آية 28 (6) سورة 56 الواقعة آية 66 (*)

[ 94 ]

فان قيل قوله " أي شئ أكبر شهادة " تمام، وقوله " قل الله " ابتداء، وليس بجواب، ولو كان جوابا كان ما بعده من قوله " شهيد بيني وبينكم " لا ابتداء له ولا معنى له ؟ ! قيل: لسنا ننكر ذلك - الا أن هذا وان كان هكذا لولا أنه متقررا عند السائل والمسؤول - ان الله شهيد - ما كان للكلام معنى، ولكان قوله: " قل أي شئ أكبر شهادة " لغوا وحشوا، وذلك منزه عن كلامه تعالى. وقوله: " لا نذركم به ومن بلغ " وقف تام. أي من بلغه القرآن الذي أنذرتكم به، فقد انذرته كما انذرتكم، وهو قول الحسن رواه عن النبي صلى الله عليه وآله: انه قال: (من بلغه أني أدعو إلى لا إله إلا الله، فقد بلغه). يعني بلغته الحجة، وقامت عليه. وقال مجاهد: لانذركم به " يعني اهل مكة. " ومن بلغ " من أسلم من العجم وغيرهم. وقوله " آلهة أخرى " ولم يقل اخر، لان الالهة جمع والجمع يقع على التأنيث، كما قال: " ولله الاسماء الحسنى " (1) و " قال فما بال القرون الاولى " (2) ولم يقل الاول. والشاهد: هو المبين لدعوى المدعي. قال الحسن: قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وآله: من يشهد لك ؟ فنزلت هذه الاية. وهي قوله: " وأوحى إلى هذا القرآن لانذركم به " أي اني أخوفكم به، لان الانذار هو الاعلام على وجه التخويف. " ومن بلغ " يعني القرآن و (من) في موضع نصب بالانذار. ثم قال موبخا " أئنكم لتشهدون ان مع الله آلهة اخرى " ثم قال لنبيه: قل أنت يا محمد: لا أشهد بمثل ذلك بل اشهد انه إله واحد " واني برئ مما تشركون " بعبادته مع الله واتخاذه إلها. قوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم * (الهامش) * (1) سورة 7 الاعراف آية 179 (2) سورة 20 طه آية 51 (*)

[ 95 ]

الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) آية بلا خلاف. " الذين آتيناهم الكتاب " رفع بالابتداء. وقوله " يعرفونه " خبر. وقوله " الذين خسروا أنفسهم " أيضا رفع، ويحتمل رفعه وجهين: أحدهما - ان يكون نعتا ل‍ (الذين) الاولى - ويحتمل ان يكون رفعا على الابتداء وخبره " فهم لا يؤمنون. فان حملته على النعت كان المعني به أهل الكتاب وان حملته على الابتداء يتناول جميع الكفار. وقال بعض المفسرين: ما من كافر الا وله منزلة في الجنة وأزواج فان أسلم وسعد صار إلى منزله وأزواجه، وان كفر صار منزله وأزواجه إلى من أسلم، فذلك قوله " الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون " (1) وقوله: " الذين خسروا أنفسهم واهليهم يوم القيامة " وهذه الاية لابد أن تكون مخصوصة بجماعة من أهل الكتاب، وهم الذين عرفوا التوراة والانجيل فعرفوا صحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله بما كانوا عرفوه من صفاته المذكورة، ودلائله الموجودة في هذين الكتابين كما عرفوا ابناءهم في أنها صحيحة لا مرية فيها ولم يرد أنهم عرفوا بنبوته اضطرارا، كما عرفوا أبناءهم ضرورة على أن احدا لا يعرف أن من ولد على فراشه ابنه على الحقيقة، لانه يجوز ان يكون من غيره، وان حكم بأنه ولده لكونه مولودا على فراشه، فصار معرفتهم بالنبي صلى الله عليه وآله آكد من معرفتهم بابنائهم لهذا المعنى. ولم يكن جميع أهل الكتاب كذلك، فلذلك خصصنا الاية. فان قيل: كيف يصح - على مذهبكم في الموافاة - ان يكونوا عارفين بالله، وبنبيه ثم يموتون على الكفر ؟ ! قلنا عنه جوابان: احدهما - ان لا يكونوا عارفين بذلك بل يكونوا معتقدين أعتقاد تقليد، * (الهامش) * (1) سورة 23 المؤمنون آية 11. (*)

[ 96 ]

ويعتقدون مع ذلك انهم عالمون به، فقال الله تعالى " يعرفونه كما يعرفون ابناءهم " في اعتقادهم، لا انهم يعرفونه على الحقيقة كما قال " ذق إنك أنت العزيز الكريم " (1) يعني عند نفسك، وقومك. الثاني - ان يكونوا عرفوا ذلك على وجه لا يستحق به الثواب، لانهم يكونون نظروا في الادلة لا لوجه وجوب ذلك عليهم، فولد ذلك المعرفة لكن لا يستحق بها الثواب. وقد بينا مثل ذلك في عدة مواضع فيما مضى (2) فسقط السؤال. وقوله " الذين خسروا أنفسهم " يعني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وآله على وجه المعاندة " فهم لا يؤمنون " وخسرانهم أنفسهم اهلاكهم لها بهذا الكفر، وتصييرهم لها إلى ان لا ينتفعون بها. ومن جعل نفسه بحيث لا ينتفع بها فقد خسر نفسه. قوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون (21) آية. أخبر الله تعالى ان من أفترى على الله الكذب فوصفه بخلاف صفاته، واخبر عنه بخلاف ما اخبر به عن نفسه، وعن أفعاله أنه لا أحد أظلم لنفسه منه إذ كان بهذا الفعل قد أهلك نفسه وأوقعها في العذاب الدائم في النار. ثم أخبر أن الظالم لا يفلح أي لا يفور برحمة الله وثوابه ورضوانه، ولا بالنجاة من النار، لان الظلم - هاهنا هو الكفر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وذلك لا يغفر بلا خلاف. قوله تعالى: ويوم نحشرهم جميعا ث‍ * نقول للذين أشركوا أين * (الهامش) * (1) سورة 44 الدخان آية 49 (2) في 1 / 192 و 2 / 21 و 498 (*)

[ 97 ]

شركاؤكم الذين كنتم تزعمون (22) آية. قرأ يعقوب " ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول " بالياء فيهما. الباقون بالنون فيهما من قرأ بالياء رده إلى الله تعالى في قوله " على الله كذبا " وتقديره: يوم يحشرهم الله فيقول. ومن قرأ بالنون ابتدأ، وتقدير الاية إذكر يوم نحشرهم جميعا، يعني يوم القيامة، لانهم يحشرون فيه جميعا من قبورهم إلى موضع الحساب، وأنه يقول - للذين اشركوا بالله، وعبدوا معه الها غيره - في هذا اليوم: أين الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي ؟ ! وأين شركائي في زعمكم ؟ ! وإنما يقول هذا توبيخا لهم وتبكيتا على ما كانوا يدعون أنهم يعبدونه من الاصنام والاوثان، ويعتقدون أنها شركاء لله، وأنها تشفع لهم، يوم القيامة، فإذا لم يجدوا لما كانوا يدعونه صحة، ولم ينتفعوا بهذه الاوثان ولا بعبادتهم، فيعلمون أنهم كانوا كاذبين في أقوالهم. قوله تعالى: ثم لم يكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24) آيتان بلا خلاف. قرأ حمزة والكسائي والعليمي، ويقعوب " ثم لم يكن " بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحفص الا ابن شاهين " فتنتهم " بالرفع. الباقون بالنصب. وقرأ حمزة والكسائي وخلف " والله ربنا " بنصب الباء. الباقون بكسرها. من قرأ بالتاء ورفع الفتنة أثبت علامة التأنيث. وتكون (أن) في موضع نصب. وتقديره ثم لم تكن فتنتهم الا قولهم. وقد روى شبل عن ابن كثير " تكن " بالتاء " فتنتهم " نصبا مثل قراءة نافع وأبي عمرو عن عاصم. ووجهه

[ 98 ]

انه أنث " ان قالوا " لما كان الفتنة في المعنى، كما قال " فله عشر أمثالها " (1) فأنث لما كانت الامثال في المعنى الحسنات. ومثله كثير في الشعر، قال أبو علي والاول أجود من حيث كان الكلام محمولا على اللفظ. ويقوي قراءة من قرأ: (فتنتهم) بالنصب أن قوله (ان قالوا) أن يكون الاسم دون الخبر أولى لان (أن) إذا وصلت لم توصف، فأشبهت بامتناع وصفها المضمر، فكما أن المضمر إذا كان مع المظهر كان (أن يكون) الاسم أحسن، كذلك إذا كانت (أن) مع اسم غيرها كانت (أن يكون) الاسم أولى. ومن قرأ (والله ربنا) - بكسر الباء - فعلى جعل الاسم المضاف وصفا للمفرد، لان قوله (والله) جربوا ولا قسم. ولو أسقطت لقال: (الله) بالنصب ومثله قولهم: رأيت زيدا صاحبنا وبكرا جارك، ويكون قوله " ما كنا مشركين " جواب القسم. ومن نصب الباء يحتمل أمرين: احدهما - أن ينصبه بفعل مقدر، وتقديره: اعني ربنا. والثاني - على النداء. ويكون قد فصل بالاسم المنادى بين القسم والمقسم عليه بالنداء، وذلك غير ممتنع، لان النداء كثير في الكلام. وقد حال الفصل بين الفعل ومفعوله في قوله: " انك آتيت فرعون وملاه زينة وأمولا في الا حياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك " (2). والمعنى آتيتهم أموالا ليضلوا ولا يؤمنوا وقد جاء الفصل بين الصلة والموصول، وهو اشدها قال الشاعر: ذاك الذي وأبيك يعرف مالك * والحق يدفع ترهات الباطل (3) وقال أبو عبيدة: من قرأ بالتاء المعجمة من فوقها ونصب " فتنتهم " أضمر في (يكن) إسما مؤنثا ثم يجيئ بالتاء لذلك الاسم، وانما جعله مؤنثا لتأنيث (فتنة) قال لبيد: * (الهامش) * (1) سورة 6 الانعام آية 160 (2) سورة 10 يونس آية 88 (3) اللسان (تره). (*)

[ 99 ]

فمضى وقدمها وكانت عادة * منه إذا هي عودت أقدامها (2) فأنث الاقدام لتأنيث (عادة). وقوله: " ثم لم تكن فتنتهم " أي لم تكن بليتهم التي ألزمتهم الحجة وزادتهم لائمة الا قولهم. ومعنى الاية: أنه تعالى لما ذكر قصص هؤلاء المشركين الذين كانوا مفتنين بشركهم، أعلم النبي صلى الله عليه وآله أن افتتانهم بشركهم، وإقامتهم عليه لم يكن الا أن تبرءوا منه، وقالوا انهم ما كانوا مشركين، كما يقول القائل إذا رأى إنسان انسانا يحب غاويا فإذا وقع في هلكة تبرأ منه فيقول له ما كانت محبتك لفلان الا أن انتفيت منه. فان قيل: كيف قالوا وحلفوا أنهم ما كانوا مشركين - وقد كانوا مشركين - وهل هذا إلا كذب، والكذب قبيح ولا يجوز من أهل الاخرة أن يفعلوا قبيحا، لانهم ملجؤن إلى ترك القبيح، لانهم أو صح لم يكونوا ملجئين وكانوا مختارين، وجب أن يكونوا مزجورين عن فعل القبيح، وإلا أدى إلى اغرائهم بالقبيح وذلك لا يجوز، ولو زجروا بالوعيد عن القبائح لكانوا مكلفين ولوجب أن يتناولهم الوعد والوعيد، وذلك خلاف الاجماع، وقد وصفهم الله تعالى أيضا بأنهم كذبوا على انفسهم، فلا يمكن جحد أن يكونوا كاذبين، فكيف يمكن أن يرفع ذلك ؟ وما الوجه فيه ؟ والجواب عن ذلك من وجوه: احدها - ما قاله البلخي: إن القوم كذبوا على الحقيقة، لانهم كانوا يعتقدون أنهم على الحق، ولا يرون أنهم مشركون، كالنصارى ومن أشبههم، فقالوا في الموقف ذلك. وقيل: ان يقع بهم العذاب فيعلموا بوقوعه أنهم كانوا على باطل فيقولوا " والله ربنا ما كنا مشركين " وهم صادقون عند أنفسهم وكذبهم الله في ذلك، لان الكذب هو الاخبار بالشئ لا على ما هو به، علم المخبر بذلك أو لم يعلم، فلما كان قولهم " والله ربنا ما كنا مشركين " كذبا في * (الهامش) * (2) اللسان (قدم) وروايته (عردت) بدل (عودت). (*)

[ 100 ]

الحقيقة جاز أن يقال لهم " أنظر كيف كذبوا على أنفسهم. قال البلخي: ويدل على ذلك قوله " وضل عنهم ما كانوا يفترون " أي ذهب عنهم وأغفلوه، لانهم لم يكونوا نظروا نظرا صحيحا ولم يجاروا في نظرهم الالف والعادة، فيعلموا في هذا الوقت أن قولهم شرك، ولو صاروا إلى العذاب لعلموا أنهم كانوا مشركين، واستغنوا بذلك، لكن هذا القول يكون عند الحشر. وقيل: الجزاء بدلالة أول الاية. وقال مجاهد: قوله " أنظر كيف كذبوا على أنفسهم " تكذيب من الله إياهم. وقال الجبائي: قولهم " والله ربنا ما كنا مشركين " اخبار منهم أنهم لم يكونوا مشركين عند أنفسهم في دار الدنيا، لانهم كانوا يظنون انهم على الحق، فقال الله تعالى مكذبا لهم " أنظر " يا محمد " كيف كذبوا على أنفسهم " في دار الدنيا، لا أنهم كذبوا في الاخرة، لانهم كانوا مشركين على الحقيقة، وان اعتقدوا أنهم على الحق. وقوله: " وضل عنهم ما كانوا يفترون " أي ضلت عنهم أوثانهم التي كانوا يعبدونها ويفترون الكذب بقولهم: إنها شفعاؤنا عند الله غدا، فذهبت عنهم في الاخرة فلم يجدوها، ولم ينتفعوا بها. وقال قوم: انه يجوز أن يكذبوا يوم القيامة للذهول والدهش، لانهم يصيرون كالصبيان الذين لا تمييز لهم ولا تحصيل معهم - اختاره أحمد ابن علي بن الاخشاد. وأجاز النجار أن يكفروا في النار فضلا عن وقوعه قبل دخولهم فيها، وهذا بعيد. والوجهان الاولان أقرب. وقيل فيه وجه آخر، وهو أنهم أملوا أملا فخاب أملهم ولم يقع الامر على ما أرادوا، لان من عادة الناس أنهم إذا عوقبوا بعقوبة فتكلموا واستعانوا وصاحوا فان العذاب يسهل عليهم بعض السهولة، وظنوا أن عذاب الاخرة كذلك، فقالوا: " والله ربنا ما كنا مشركين " وقالوا " ربنا ظلمنا أنفسنا " (1) * (الهامش) * (1) سورة 7 الاعراف آية 22 (2) سورة 23 المؤمنون آية 107 (*)

[ 101 ]

الجن والانس نجعلهما تحت أقدامنا " (3) فأملوا أن يخف عنهم العذاب بمثل هذا الكلام على عادة الدنيا، فلم يخف ولم يكن لهم فيه راحة، فقال الله " انظر كيف كذبوا على أنفسهم " أي خابوا فيما أملوا من سهولة العذاب وذلك مشهور في كلام العرب، قال الشاعر: كذبتم وبيت الله لا تأخذونها * مراغمة ما دام للسيف قائم (4) وقال آخر: كذبتم وبيت الله لا تنكحونها * بني شاب قرناها تصرو تحلب (5) أي كذبكم أملكم. وقال أبو داود الازدي: قلت لما نصلا من فتنة * كذب العير وان كان برح (6) والمعنى أمل أنه يتخلص بشئ فكذبه أمله، لانه ظن أنه إذا مر بارحا وهو أن يأخذ في ناحية الشمال إلى ناحية اليمين لم يتهيأ لي طعنه، فلما قلب رمحه وطعنه قال: كذب العير أي كذب أمله. و (الفتنة) في الاية معناها المعذرة - في قول قتادة - لانها اعتذار عن الفتنة، فسميت بأسم الفتنة. وقال قوم: هي المحنة. وقال قوم: تقديره عاقبة فتنتهم. وفتنتهم يجوز أن تكون بمعنى اغترارهم أي اغتروا بهذا الكذب وظنوا أنه سينجيهم، وكذبوا على أنفسهم لما رجعت مضرته إليهم صار عليهم وان قصدوا أن يكون نهم. وفي الاية دلالة على بطلان قول من قال المعارف ضرورية، لان الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا " والله ربنا ما كنا مشركين " فلا يخلو أن يكونوا صادقين أوكاذبين، فان كانوا صادقين لانهم كا نوا عارفين في دار الدنيا فقد كذبهم الله في ذلك بقوله " أنظر كيف كذبوا " وان كانوا كاذبين لانهم كانوا عارفين، فقد وقع منهم القبيح في الاخرة، وذلك لا يجوز. ومعنى الاية على ما بيناه * (الهامش) * (3) سورة 41 حم السجدة آية 29 (4) مجمع البيان 2: 290 (5) قائله الاسدي. اللسان (قرن). (6) اللسان (كذب). (*)

[ 102 ]

من أنهم أخبروا أنهم لم يكونوا مشركين عند أنفسهم في دار الدنيا وان الله كذبهم وأنهم كانوا كاذبين على الحقيقة وان أعتقدوا خلافه في الدنيا. فأما معارفهم في الاخرة فضرورية عند البصريين، وعند البلخي ومن وافقه، حاصلة على وجه هم ملجؤن إليها، فعلى الوجهين معا لا يجوز أن يقع منهم القبيح لا محالة. قوله تعالى: ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يرواكل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الاولين (25) آية بلا خلاف. قال مجاهد قوله " ومنهم من يستمع اليك " يعني قريشا. وقال البلخي: أي من أهل الكتاب والمشركين من يجالسك ويريد الاستماع منك والاصغاء اليك " وجعلنا على قلوبهم أكنة " لانهم لا يفقهوه، لالفهم الكفر وشدة عداوتهم " حتى إذا جاؤك يجادلونك " أي حتى إذا صار الامر إلى الجدال ظهروا الكذب وعاندوا، فقالوا " ان هذا الا أساطير الاولين " أي ليس هذا إلا أساطير الاولين. وقال قوم: نزلت في النظر بن الحارث بن كلدة. وقال الضحاك: معنى أساطير الاولين أحاديث الاولين وكل شئ في القرآن أساطير، فهو أحاديث. و (الاكنة) جمع كنان - بكسر الكاف - وهو كالغطاء والاغطية " وفي آذانهم وقرأ " أي ثقلا، والوقر بكسر الواو الحمل، يقال وقرت الاذن لوقر قال الشاعر: وكلام سيئ قد وقرت * أذني منه وما بي من صمم ونخلة موقرة وموقر، ونخيل مواقير. قال يونس سألت رؤبة، فقال

[ 103 ]

وقرت أدنه - بضم الواو وكسر القاف - يوقر - بفتح الياء والقاف - إذا كان فيها الوقر. وقال أبو زيد: سمعت العرب تقول: أذن موقرة - بضم الميم وفتح القاف - ومن الحمل يقال: أوقرت الدابة فهي موقرة. ومن السمع وقرت سمعه - بتشديد القاف - فهو موقر، قال الشاعر: ولي هامة قد وقر الضرب سمعها (1) واساطير واحدها أسطورة، وإسطارة، مأخوذ من سطر الكتاب، قال الراجز: اني وأسطار سطرن سطرا * لقائل يانصر نصرا نصرا (2) وأسطار جمع سطر. ومن قال في واحده: سطر، قال في الجمع أسطر، وجمع الجمع أساطير، ومعناها الترهات البسابس يعني ليس له نظام. وقال الاخفش: أساطير جمع لا واحد له، نحو (مذاكير وأبابيل) وقال بعضهم: واحد الابابيل إبيل - بتشديد الباء وكسر الالف -. ومعنى قوله: " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه " قد مضى نظائره. في قوله: " وجعلنا قلوبهم قاسية " (3) أي منعناهم الالطاف التي تبسط المؤمنين وتبعثهم على الازدياد من الطاعة، لان الله تعالى لما أزاح علتهم علله بالدعاء والبيان والانذار والترغيب والترهيب فأبوا الا كفرا وعنادا وتمردا على الله وإعراضا عنه وعما دعاهم إليه، فمنعهم الطافه عقوبة لهم حيث علم أنهم لا ينتفعون بذلك ولا ينتهون إلى الحق، وألفوا الكفر وأحبوه حتى صاروا كالصم عن الحق وصارت قلوبهم كأنها في أكنة فجاز أن يقال في اللغة جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا، كما يقول القائل لغيره أفسدت سيفك إذا ترك استعماله حتى يصدي، وجعلت أظافيرك سلاحا إذا لم يقلمها. ويقال للرجل إذا آيس من عبده أو ولده بعد الاجتهاد في تأديبه فخلاه واقصاه قد جعلته بحيث لا يفلح * (الهامش) * (1) تفسير الطبري 11: 306 (2) قائله رؤبة ملحقات ديوانه 174 واللسان والصحاح (نصر). (3) سورة 5 المائدة آية 14. (*)

[ 104 ]

أبدا وتركته أعمى أصما، وجعلته ثورا وحمارا، وان كان لم يفعل به شيئا من ذلك ولم يرده بل هو مهموم به محب لخلافه، ولا يجوز أن يكون المراد بذلك أنه كلفهم ما لا يطيقونه، وذلك لا يليق بحكمته تعالى، ولكانوا غير ملومين في ترك الايمان حيث لم يمكنوا منه، وكانوا ممنوعين منه، وكانت الحجة لهم على الله تعالى دون أن تكون الحجة له، وذلك باطل، بل لله الحجة البالغة. قوله " وان يروا كل آية لا يؤمنون بها " أي كل علامة ومعجزة تدلهم على نبوة النبي صلى الله عليه وآله لا يؤمنون بها لعنادهم. قال الزجاج (أن يفقهوه) في موضع نصب لانه مفعول له، والمعنى جعلنا على قلوبهم أكنة لكراهة أن يفقهوه فلما حذفت اللام نصب الكراهة، ولما حذفت الكراهة أنتقل نصبها إلى (أن). قال أبو علي: كانوا إذا سمعوا القرآن من النبي آذوه ورجموه وشغلوه عن صلاته، فحال الله بينهم وبين استماع ذلك في تلك الحال التي كانوا عازمين فيها على ما ذكرناه بأن ألقى عليهم النوم إذا قعدوا يرصدونه فكانوا ينامون فلا يسمعون قراءته ولا يفقهون أنه قرآن، ولا يعرفون مكانه ليسلم النبي صلى الله عليه وآله من شرهم وأذاهم فجعل منعه إياهم عن استماع القرآن، وعن التعرف لمكان النبي صلى الله عليه وآله لئلا يرجموه ولا يؤذوه " أكنة أن يفقهوه " أنه قرآن وأن محمدا هو الذي يقرأه. وبين أن كل آية يرددها عليهم النبي صلى الله عليه وآله من قبل الله لا يؤمنون بها، فلهذا منعهم الله من إستماع القرآن، لانهم لم يكونوا يسمعونه ليستدلوا به على توحيد الله وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وانما كانوا يريدون بذلك تعرف مكانه ليؤذوه ويرجموه، فلهذا منعهم الله من استماع القرآن وفهمه ولو كانوا ممن يؤمن ويقبل ما يردد عليه من الايات من قبل الله ويستدلوا بها على نبوة محمد صلى الله عليه وآله ما كان الله يمنعهم من سماع ذلك وفهمه. وقوله " حتى إذا جاؤك يجادلونك " يعني أنهم إذا دخلوا إليه بالنهار انما يجيئون مجيئ مخاصمين مجادلين رادين مكذبين، ولم يكونوا يجيئون مجيئ من يريد الرشاد والنظر في الدلالة الدالة على توحيد الله ونبوة نبيه صلى الله عليه وآله

[ 105 ]

وكانوا يريدون ذلك بأن يقولوا هذا أساطير الاولين، يعنون إنه من كلام الاولين وحوادثهم. وفي معنى هذه الاية قوله تعالى في بني اسرائيل: " وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا. وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا " (1) فمعنى الايتين واحد وسبب نزولهما واحد، وانما أنزلت هذه الايات لئلا يمتنع النبي من قراءة القرآن خوفا من أذى الكفار فيفوت المؤمنين سماعه فيغتمون لذلك وتفوتهم مصلحته بل حثه الله على قراءته وضمن له المنع من أذاهم. وقوله: " وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها " كالتعليل لجعله قلوبهم في أكنة، والوقر في آذانهم، فقال: إنما فعلت هذا لعلمي بأنهم لا يؤمنون وأنه ليس في سماعهم ذلك الا تطرق الاذى به عليك منهم، وقولهم " ان هذا الا أساطير الاولين ". وتحتمل الاية وجها آخر وهو: أنه يعاقب الكفار الذين لا يؤمنون بعقوبات يجعلها في قلوبهم من نحو الضيق الذي ذكر أنه يخلقه فيها، ويجعل هذه العقوبات دلالة لمن شاهد قلوبهم واستماعهم من الملائكة، وشاهد منها هذه العقوبات، على أنهم لا يؤمنون من غير أن يكون ذلك حائلا بينهم وبين الايمان. ثم أخبر أنها بمنزلة الاكنة على قلوبهم عن فقه القرآن وبمنزلة الوقر في الاذان على وجه التمثيل له بذلك تجوزا واستعارة. ووجه الشبه بينهما أن من كانت في نفسه هذه العقوبات معلوم أنه لا يؤمن كما أن من على قلبه أكنة لا يؤمن، وكما سمي الكفر عما، سماه باسم العمى على وجه التشبيه. ويحتمل أيضا أن يكون الكفر الذي في قلوبهم من جحد توحيد الله وجحد نبوة نبيه، سماه كنا تشبيها ومجازا، وإعراضهم عن تفهم القرآن والاصغاء إليه على وجه الاستعارة وقرأ توسعا، لان مع الكفر والاعراض لا يحصل الايمان والفهم كما أن مع الكن - والوقر لا يحصلان، ونسب هذا * (الهامش) * (1) سورة 17 الاسراء آية 45 - 46 (*)

[ 106 ]

الجعل إلى نفسه، لانه الذي شبه أحدهما بالاخر وذلك سائغ في اللغة كما يقول القائل لغيره - إذا أثنى على إنسان وذكر فضائله ومناقبه - جعلته فاضلا خيرا عدلا، وان كان لم يفعل به ذلك. وبالعكس من ذلك إذا ذكر مقابحه ومخازيه وفسقه يحسن أن يقال له: جعلته فاسقا شريرا، وان لم يفعل في الحالين شيئا من ذلك وكل ذلك مجاز. ومنه قولهم: جعل القاضى فلانا عدلا وجعله ثقة وجعله ساقطا فاسقا، كل ذلك يراد به الحكم عليه بذلك والابانة عن حاله كما قال الشاعر. جعلتني باخلا كلاب ورب معنى * اني لاسمح كفا منك في اللزب (1) أي سمتني باخلا. وقوله " ومنهم من يستمع اليك.. " فكنى عنها بلفظ الواحد حملا له على اللفظ، فلما قال " وجعلنا على قلوبهم أكنة " رده إلى المعنى فعامله معاملة الجمع، لان لفظة (من) تقع على الواحد وعلى الجمع حقيقة. قوله تعالى: وهم ينهون عنه وينؤن عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون (26) آية بلا خلاف. وقوله " وهم " كناية عن الكفار الذين تقدم ذكرهم عند أكثر المفسرين: الجبائي والبلخي وغيرهم. وقال قوم: نزلت في أبي لهب، لانه كان يتبعه في المواسم فينهى الناس عن أذاه وينأى عن اتباعه. والاول أشبه بسياق الاية. وقيل: نزلت في أبي طالب، وهذا باطل عندنا، لانه دل الدليل على إيمانه بما ثبت عنه من شعره المعروف وأقاويله المشهورة الدالة على أعترافه بالنبي صلى الله عليه وآله. وقال مجاهد: نزلت في قريش. * (الهامش) * (1) مجمع البيان 2: 286. و (كلاب) اسم قبيلة. (*)

[ 107 ]

بين الله تعالى أن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم كانوا ينهون عن اتباع القرآن، وقبوله والتصديق بنبوة نبيه، ويبعدون عنه، لان معنى (ينأون) يبعدون إلى حيث لا يسمعونه خوفا من أن يسبق إلى قلوبهم الايمان به والعلم بصحته. وقوله " وان يهلكون الا أنفسهم " معناه ليس يهلكون إلا أنفسهم " وما يشعرون " انهم ما يهلكون بنهيهم عن قبوله، وبعدهم عنه " الا أنفسهم " لانهم لا يعلمون اهلاكهم اياها بذلك وإهلاكهم اياها هو ما يستحقون به الصيرورة إلى العذاب الابدي في النار. وهل هناك هلاك أعظم من ذلك ؟ !. والنأي: البعد " ينأون " أي يتباعدون عنه، تقول نأيت عن الشئ أنأى نأيا، إذا بعدت عنه. والنؤي حاجز يجعل حول البيت من الخوف لان لا يدخله الماء من خارج يحفر حفرة حول البيت فيجعل ترابها على شفير الحفيرة، فيمنع التراب الماء أن يدخل من خارج، وهو مأخوذ من النأي، أي تباعد الماء عن البيت. وفي الاية دلالة على بطلان قول من قال معرفة الله ضرورة، وأن من لا يعرف الله ولا يعرف نبيه لا حجة عليه، لان الله بين أن هؤلاء الكفار قد أهلكوا أنفسهم بنهيهم عن قبول القرآن وتباعدهم عنه وانهم لا يشعرون ولا يعلمون باهلاكهم أنفسهم بذلك، فلو كان من لا يعرف الله ولا نبيه ولا دينه لاحجة عليه، لكانوا هؤلاء معذورين ولم يكونوا هالكين وذلك خلاف ما نطق به القرآن. قوله تعالى: ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (27) آية بلا خلاف. قرأ حمزة ويعقوب وحفص " ولا نكذب.. وتكون " بالنصب فيهما،

[ 108 ]

وافقهم ابن عامر في " ونكون " الباقون بالرفع فيهما، فمن قرأ بالرفع أحتملت قراءته أمرين: أحدهما - ان يكون معطوفا على نرد، فيكون قوله: " نرد ولا نكذب.. ونكون " داخلا في التمني ويكون قد تمني الرد وألا يكذب وأن يكون من المؤمنين، وهو اختيار البلخي والجبائي والزجاج. والثاني - أن يكون مقطوعا عن الاول، ويكون تقديره يا ليتنا نرد ولا نكذب كما يقول القائل: دعني ولا أعود، أي فاني ممن لا يعود، فانما يسألك الترك، وقد أوجب على نفسه ألا يعود ترك أو لم يترك. ولم يقصد أن يسأل أن يجمع له الترك وأن لا يعود. وهذا الوجه الذي اختاره أبو عمرو في قراءة جميع ذلك بالرفع، فالاول الذي هو الرد داخل في التمني وما بعده على نحو دعني، ولا أعود، فيكونون قد أخبروا على النيات أن لا يكذبوا ويكونوا من المؤمنين. واستدل أبو عمرو على خروجه من المتمني بقوله " وإنهم لكاذبون " فقال ذلك يدل على أنهم أخبروا بذلك عن أنفسهم، ولم يتمنوا، لان التمنى لا يقع فيه الكذب وانما يقع في الخبر دون التمني. ومن نصب " نكذب.. ونكون " أدخلهما في التمني، لان التمني غير موجب، فهو كالاستفهام والامر والنهي والعرض، في إنتصاب ما بعد ذلك كله من الافعال إذا دخلت عليها الفاء أو الواو على تقدير ذكر المصدر من الفعل الاول، كأنه قال: يا ليتنا يكون لنا رد، وانتفاء للتكذيب وكون من المؤمنين. ومن نصب " ونكون " فحسب، ورفع " نرد ولا نكذب " يحتمل أيضا وجهين: احدهما - أن يكون داخلا في التمني، فيكون في المعنى كالنصب. والثاني - انه يخبر على النيات أن لا يكذب رد أولم يرد.

[ 109 ]

ومن نصب " ولا نكذب... ونكون " جعلهما جميعا داخلين في التمني كما أن من رفع وعطفه على التمني كان كذلك. فان قيل: كيف يجوز أن يتمنوا الرد إلى الدنيا وقد علموا عند ذلك انهم لا يردون ؟ قيل عن ذلك أجوبة: احدها - قال البلخي: إنا لا نعلم أن أهل الاخرة يعرفون جميع أحكام الاخرة، وانما نقول: انهم يعرفون الله بصفاته معرفة لا يتخالجهم فيها الشك لما يشاهدونه من الايات والعلامات الملجئة لهم إلى المعارف. وأما التوجع والتأوه التمني للخلاص والدعاء بالفرج يجوز أن يقع منهم وأن تدعوهم أنفسهم إليه. وقال أبو علي الجبائي والزجاج: يجوز أن يقع منهم التمني للرد، ولان يكونوا من المؤمنين، ولا مانع منه. وقال آخرون: التمني قد يجوز لما يعلم انه لا يكون ألا ترى أن المتمني يتمنى أن لا يكون فعل ما قد فعله ومضى وقته، وهذا لا حيلة فيه، فعلى هذا قوله في الاية الثانية " وانهم لكاذبون " يكون حكاية حال منهم في دار الدنيا، كما قال: " وكلبهم باسط ذراعيه " (1) وكما قال " وان ربك ليحكم بينهم يوم القيامة " (2) وانما هو حكاية للحالة الاتية. وقوله " ولو ترى إذ وقفوا على النار " أمال في الموضعين أبو عمرو وغيره وهي حسنة في أمثال ذلك، لان الراء بعده الالف مكسورة وهو حرف كأنه مكرر في اللسان فصارت الكسرة فيه كالكسرتين، فحسن لذلك الامالة. وقوله " إذ وقفوا " يحتمل ثلاثة أو جه: احدها - أن يكون عاينوها ووردوها قبل أن يدخلوها. ويجوز أن يكونوا أقيموا عليها نفسها. والثاني - أن يكونوا عليها وهي تحتهم. وثالثها - أن يكون معناه دخلوها فعرفوا مقدار عذابها كما يقول القائل: * (الهامش) * (1) سورة 18 الكهف آية 18 (2) سورة 16 النحل آية 124 (*)

[ 110 ]

قد وقفت على ما عند فلان، أي فهمته وتبينته. قال الكسائي: يقال: وقفت الدابة وغيرها إذا حبستها - بغير ألف وهي لغة القرآن، وهو الافصح، وكذلك وقفت الارض إذا جعلتها صدقة. وقال أبو عمرو ما سمعت احدا من العرب يقول: أوقفت الشئ بالالف الا أني لو رأيت رجلا بمكان، فقيل له ما أوقفك هاهنا لرأيته حسنا. وأستدل أبو علي بهذه الاية على ان القدرة قبل الفعل خلافا للمجبرة بأن قال تمنوا الرد إلى دار الدنيا إلى مثل الحالة التي كانوا عليها، ولا يجوز من عاقل أن يتمنى أن يرد إلى الدنيا ويخلق فيه القدرة الموجبة للكفر، لان ذلك لا يخلصه من العذاب بل يؤديه إلى حالته التي كان عليها. وهذا ضعيف، لان لقائل أن يقول: إنهم تمنوا الرد ورفع التكذيب وحصول الايمان بأن تحصل لهم قدرة الايمان، ولا تحصل لهم قدرة التكذيب، وليس في الاية أنهم سألوا الرد إلى الحالة التي كانوا عليها، فلا متعلق في ذلك. واستدل ايضا على أنه إذا كان المعلوم من حال الكافر أنه يؤمن وجب تبقيته بأن قال: أخبر الله أنه انما لم يردهم لانهم " لوردوا لعادوا لما نهو عنه " وظاهر ذلك يقتضى أنه لو علم أنه لو ردهم لامنوا، لوجب أن يردهم، وإذا وجب أن يردهم إذا علم أنهم يؤمنون بأن يجب تبقيتهم إذا علم أنهم يؤمنون أولى. وهذا أيضا ضعيف. لان الظاهر أفاد أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وليس فيه أنهم لو ردوا لامنوا أو ما حكمهم بل هو موقوف على الدلالة، لانه دليل الخطاب على أن غاية ما فيه أنه يفيد أنه لو علم من حالهم أنه متى ردهم آمنوا يردهم، فمن أين أن ذلك واجب عليه ؟ ! وهل هذا الا كقوله " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " في أنه لا خلاف بين أهل العدل أنه كان يجوز له أن يعذب وان لم يبعث رسولا بأن لا تقتضي المصلحة بعثته ويقتصر بهم على التكليف العقلي، فانهم متى عصوا كان له أن يعذبهم فلا شبهة في الاية. قوله تعالى: بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا

[ 111 ]

عنه وإنهم لكاذبون آية (28). قوله " بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل " معناه من عقاب الله فعرفوه معرفة من كانوا يسترونه عنه. وقال قوم: بدا لبعضهم من بعض ما كان علماؤهم يخفونه عن جهالهم وضعفائهم مما في كتبهم فبدا للضعفاء عنادهم. وقيل: معناه بل بدا من أعمالهم ما كانوا يخفونه، فأظهره الله وشهدت به جوارحهم. وقال الزجاج: ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفونه من أمر البعث والنشور، لان المتصل بهذا قوله " وقالوا إن هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين " لنجزى على المعاصي. وقوله: " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " قال بعضهم: لو ردوا ولم يعاينوا العذاب لعادوا كأنه ذهب إلى أنهم لم يشاهدوا ما يضطرهم إلى الارتداع، وهذا ضعيف، لان هذا القول يكون منهم بعد أن يبعثوا ويعلموا أمر القيامة ويعاينوا النار بدلالة قوله: " ولو ترى إذ وقفوا على النار " وهذه الايات كلها في المعاندين، لانه قال في أولها " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " ثم قال بعد ذلك " وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها " وقال أبو علي الجبائي: الاية مخصوصة بالمنافقين وظهر لهم ما كانوا يخفونه من كفرهم الذي كانوا يضمرونه. قال والاية الاولى وان كان ظاهرها يقتضي جميع الكفار والمنافقون داخلون فيهم فيجوز أن يخبر عنهم بهذا الحكم. قال: ويحتمل أن يكون أراد بها الكافرين الذين كان النبي يخوفهم بالعذاب على كفرهم فلم يؤمنوا بذلك لكن دخلهم الشك والخوف وأخفوه عن ضعفائهم وعوامهم، فإذا كان يوم القيامة ظهر ذلك وان أخفوه في الدنيا فيتمنون حينئذ الرد إلى حال الدنيا. وقيل: " بل بدالهم ما كانوا يخفون من قبل " معنى " يخفون " يجدونه خافيا. ومعنى " بل بدا " ليس تمنيهم الرجعة واظهار الانابة حقا للايمان الصحيح، بل لما شاهدوه من العذاب الاليم.

[ 112 ]

وقوله " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " معناه إنهم لو ردوا إلى حال التكليف والى مثل ما كانوا عليه في الدنيا من المهلة والتمكين من الايمان والتوبة والقدرة على ذلك، لعادوا لمثل ما كانوا عليه من الكفر الذي نهوا عنه. وقوله تعالى " وانهم لكاذبون " قد بينا ان المراد به الحكاية عن حالهم في الدنيا وأنهم كانوا فيها كاذبين في كفرهم وتكذيبهم رسول الله والقرآن. وقال البلخي هذا الكذب وقع منهم في الحال وان لم يعلموه كذبا، لانهم أخبروا عن عزمهم أنهم لو ردوا لكانوا مؤمنين. وقد علم الله أنهم لو عادوا إلى الدنيا لعادوا إلى كفرهم، وكان إخبارهم بذلك كذبا، وان لم يعلموه كذلك، لان مخبره على خلاف ما أخبروه وهذا الذي ذكروه ضعيف، لانهم إذا أخبروا عن عزمهم على الايمان ان ردوا أو كانوا عازمين عليه لا يكونون كاذبين، لان مخبر خبرهم العزم، وهو على ما أخبروا فكيف يكذبون فيه، والاول أقوى. فأما الكذب مع العلم بأنه ليس كذلك، فلا خلاف بين أبي علي وأبي القاسم أنه لا يجوز أن يقع منهم في الاخرة، لان أهل الاخرة ملجؤن إلى ترك القبيح، لانهم لو لم يكونوا ملجئين لوجب أن يكونوا مزجورين من القبيح بالامر والنهي والثواب والعقاب، وذلك يوجب أن يكون ذاك التكليف، ولا خلاف أنه ليس هناك تكليف. وإن لم يزجروا ولم يلجؤا إلى تركه كانوا مغريين بالقبيح وذلك فاسد. فإذا لا يجوز أن يقع منهم القبيح بحال. وقال بعض المفسرين سئل النبي صلى الله عليه وآله فقيل له: ما بال أهل النار عملوا في عمر قصير بعمل أهل النار فخلدوا في النار ؟ وأهل الجنة عملوا في عمر قصير بعمل أهل الجنة فخلدوا في الجنة ؟ ! فقال: (ان الفريقين كان كل واحد منهما عازما على أنه لو عاش أبدا عمل بذلك). قوله تعالى: وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29)

[ 113 ]

ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (30) آيتان بلا خلاف. اخبر الله تعالى في هذه الاية عن الكفار الذين ذكرهم في الاية الاولى، وبين أنهم قالوا لما دعاهم النبي صلى الله عليه وآله إلى الايمان والاقرار بالبعث والنشور وخوفهم من العقاب في خلافه، وحذرهم عذاب الاخرة والحشر والحساب على سبيل الانكار لقوله والتكذيب له " ماهي الا حياتنا الدنيا " وعنوا أنه لا حياة لنا في الاخرة على ما ذكرت، وانما هي هذه حياتنا التي حيينا بها في الدنيا وانا لسنا بمبعوثين إلى الاخرة بعد الموت. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال " ولو ترى اذوقفوا على ربهم " يعني على ما وعدهم ربهم من العذاب الذي يفعله بالكفار في الاخرة والثواب الذي يفعله بالمؤمنين، وعرفوا صحة ما كان اخبرهم به من الحشر والحساب. وقال لهم ربهم عند مشاهدتهم ووقوفهم عليه " أليس هذا بالحق ؟ قالوابلى وربنا " مقرين بذلك مذعنين له وان كانوا قبل ذلك في الدنيا ينكرونه، قال حينئذ " فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون " بذلك. ويحتمل أن يكون معنى " إذ وقفوا على ربهم " أنهم حبسوا ينتظر بهم ما يأمر كقول القائل: احبسه على أمره به. وقد ظن قوم من المشبهة أن قوله " إذ وقفوا على ربهم " أنهم يشاهدونه، وهذا فاسد، لان المشاهدة لا تجوز الا على الاجسام أو على ما هو حال في الاجسام، وقد ثبت حدوث ذلك أجمع، فلا يجوز أن يكون تعالى بصفة ما هو محدث. وقد بينا أن المراد بذلك: وقوفهم على عذاب ربهم وثوابه، وعلمهم بصدق ما أخبرهم به في دار الدنيا دون أن يكون المراد به رؤيته تعالى ومشاهدته، فبطل ما ظنوه، وايضا فلا خلاف أن الكفار لا يرون الله، والاية مختصة بالكافرين فكيف يجوز أن يكون

[ 114 ]

المراد بها الرؤية ! فلا بد للجمع من التأويل الذي بيناه. ويجوز ان يكون المراد بذلك اذاعرفوا ربهم، لانه سيعرفهم نفسه ضرورة في الاخرة، وتسمى المعرفة بالشئ وقوفا عليه يقول القائل: وقفت على معنى كلامك، والمعنى علمته، وإذا كان الكفار لا يعرفون الله في الدنيا وينكرونه، عرفهم الله نفسه ضرورة، فذلك يكون وقوفهم عليه، فاذاعرفوه قال لهم " أليس هذا بالحق " يعني ما وعدهم به، فيقولون " بلى " لانهم شاهدوا العقاب والثواب ولم يشكوا فيهما. قوله تعالى: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون (31) آية بلا خلاف. اخبر الله تعالى أنه خسر هؤلاء الكفار " الذين كذبوا بلقاء الله " يعني الذين كذبوا بما وعد الله به من الثواب والعقاب وجعل لقاءهم لذلك لقاء له تعالى مجازا، كما يقول المسلمون لمن مات منهم: قد لقي الله وصار إليه. وانما يعنون: لقي ما يستحقه من الله وصار إلى الموضع الذي لا يملك الامر فيه سواه، كما قال " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون " (1) والموت لا يشاهد، وانما أراد انكم كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوا أسبابه، فقد رأيتم أسبابه وانتم تنظرون، فجعل لقاء أسبابه لقاء ه. وقوله " حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة " كل شئ أتى فجأة، فقد بغت يقال: قد بغته الامر يبغته بغتا وبغتة إذا أتاه فجأة قال الشاعر: * (الهامش) * (1) سورة 3 آل عمران آية 143 (*)

[ 115 ]

ولكنهم ماتوا ولم أخش بغتة * وافظع شئ حين يفجؤك البغت (2) وقوله " قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها " قد علم أن الحسرة لا تدعى وانما دعاؤها تنبيه للمخاطبين. و (الحسرة) شدة الندم حتى يحسر النادم كما يحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد. قال الزجاج: العرب إذا اجتهدت في المبالغة في الاخبار عن أمر عظيم يقع فيه جعلته نداء، فلفظه لفظ ما ينبه، والمنبه به غيره، كقوله " يا حسرة على العباد " (3) وقوله " يا حسرتي على ما فرطت " (4) و " يا ويلتا أألد وأنا عجوز " (5) و " يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا " (6)، فهذا أبلغ من ان يقول: أنا اتحسر على العباد وابلغ من ان يقول: الحسرة علينا في تفريطنا. قال سيبويه: إذا قلت يا عجباه فكأنك قلت احضر وتعال يا عجب، فانه من أزمانك. وتأويل " يا حسرتنا " انتبهوا على أنا قد خسرنا. وقوله " على ما فرطنا فيها " يعني قدمنا العجز. وقيل معناه ما ضيعنا فيها يعني في الساعة. وانما يحسروا على تفريطهم في الايمان والتأهب لكونها بالاعمال الصالحة. وقوله " وهم يحملون أوزارهم " يعني ثقل ذنوبهم، وهذا مثل جائزان يكون جعل ما ينالهم من العذاب بمنزلة أثقل ما يتحمل، لان الثقل قد يستعمل في الوزن وقد يستعمل في الحال تقول في الحال: قد ثقل علي خطاب فلان، ومعناه كرهت خطابه كراهة اشتدت علي. ويحتمل أن يكون المراد بالاوزار العقوبات التي استحقوها بالذنوب والعقوبات قدتسمى اوزارا، فبين أنه لثقلها عليهم يحملونها على ظهورهم. وذلك يدل على عظمها. و (الوزر) الثقل في اللغة اشتقاقه من الوزر، وهو الجبل الذي يعتصم به. ومنه قيل: وزير، * (الهامش) * (2) قائله: يزيد بن ضبة الثقفي. اللسان (بغت) ومجاز القرآن 1: 193 (3) سورة 36 يس آية 30 (4) سورة 39 الزمر آية 56 (5) سورة 11 هود آية 72 (6) سورة 36 يس آية 52 (*)

[ 116 ]

كأنه يعتصم الملك به، ومنه قوله " واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي " (3) وقال " وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا " (4). وقوله " الاساء ما يزرون " يعني بئس الشئ شيئا يزرونه أي يحملونه، وقد بينا عمل (بئس، ونعم) فيما مضى. ومثله " ساء مثلا القوم " (5) ومعناه ساء مثلا مثل القوم. وقال بعضهم: معنى " يحملون أوزارهم على ظهورهم " وصف افتضاحهم في الموقف بما يشاهدونه من حالهم وعجزهم عن عبور الصراط كما يعبره المخفون من المؤمنين. ومعنى قوله " ألا ساء " ما ينالهم جزاء لذنوبهم واعمالهم الردية إذ كان ذلك عذابا ونكالا. وقوله " يزرون " من وزر يزر وزرا إذا أثم. وقيل أيضا، وزر، فهو موزور إذا فعل به ذلك. ومنه الحديث في النساء يتبعن جنازة قتيل لهن (أرجعن موزورات غير مأجورات) والعامة تقول ما زورات. قوله تعالى: وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الاخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (32) آية بلا خلاف. قرأ ابن عامر " ولدار الاخرة " بلام واحدة مع تخفيف الدال. وخفض (الاخرة) على الاضافة. الباقون بلامين وتشديد الدال وضم الاخرة. وقرأ اهل المدينة وابن عامر وحفص ويعقوب " تعقلون " بالتاء هاهنا وفي (الاعراف ويوسف) وافقهم يحيى والعليمي في (يوسف). ومن قرأ بلامين وشدد الدال جعل (الاخرة) صفة ل‍ (وللدار)، وأجراها في الاعراب مجراها. واستدل على كونها صفة (للدار) بقوله: " وللاخرة خير لك من الاولى " (6) فاقامتها مقامها يدل على أنها هي وليس غيرها. فيجوز أن يضيف إليها، وقووا ذلك * (الهامش) * (3) سورة 20 طه آية 29 - 30 (4) سورة 25 الفرقان آية 35 (5) سورة 7 الاعراف آية 176 (6) سورة 93 الضحى آية 4 (*)

[ 117 ]

بقوله " وإن الدار الاخرة لهي الحيوان " (2) وقوله " تلك الدار الاخرة " (3) ومن قرأ بلام واحدة وخفف الدال فانه لم يجعل " الاخرة " صفة (للدار) لان الشئ لا يضاف إلى نفسه لكنه جعلها صفة للساعة، وكأنه قال: ولدار الساعة الاخرة، وجاز وصف الساعة ب‍ (الاخرة) كما وصف اليوم بالاخر في قوله: " وارجوا اليوم الاخر " (4) وحسن اضافة (الدار) إلى الاخرة ولم يقبح من حيث استقبح اقامة الصفة مقام الموصوف، لان الاخرة صارت كالابطح والابرق، ألا ترى أنه قد جاء " وللاخرة خير لك من الاولى (5) واستعملت استعمال الاسماء ولم تكن مثل الصفات التي لم تستعمل استعمال الاخرة. ومثل (الاخرة) في انها استعملت استعمال الاسماء قولهم: الدنيا، لما استعملت استعمال الاسماء حسن أن لا تلحق لام التعريف في نحو قول الشاعر: في سعي دنيا طال ما قد مدت وقال الفراء: جعلت (الدار) هاهنا اسما و (الاخرة) صفتها، وأضيفت في غير هذا الموضع. ومثله مما يضاف إلى مثله قوله: " حق اليقين " (6) والحق هو اليقين، ومثله قولهم بارحة الاولى، ويوم الخميس، فيضاف الشئ إلى نفسه إذا اختلف اللفظ، وإذا اتفق لم يجز ذلك، لا يقولون حق الحق ولا يقين اليقين، لانهم يتوهمون إذا اختلفا في اللفظ أنهما مختلفان في المعنى. بين الله تعالى في هذه الاية أن ما يتمتع به في الدنيا بمنزلة اللعب واللهو، اللذين لا عاقبة لهما في المنفعة ويقتضي زوالهما عن أهلها في أدنى مدة وأسرع زمان، لانه لاثبات لهما ولا بقاء، فأما الاعمال الصالحات، فهي من أعمال الاخرة وليست بلهو ولا لعب. وبين ان الدار الاخرة وما فيها من أنواع النعيم والجنان خير للذين يتقون معاصي الله، لانها باقية دائمة لا يزول عنهم نعيمها * (الهامش) * (2، 4) سورة 29 العنكبوت آية 64، 36 (3) سورة 28 القصص آية 83 (5) سورة 93 الضحى آية 4 (6) سورة 56 الواقعة آية 5. (*)

[ 118 ]

ولا يذهب عنهم سرورها. وقوله " أفلا تعقلون " أن ذلك كما وصفت لهم فيزهدوا في شهوات الدنيا ويرغبوا في نعيم الاخرة بفعل ما يؤديهم إليه من الاعمال الصالحة. ومن قرأ (يعقلون) بالياء، فلانه قد تقدم ذكر الغيبة في قوله " للذين يتقون " والتقدير أفلا يعقل الذين يتقون ان الدار الاخرة خير لهم من هذه الدار فيعملوا بما ينالون به من النعيم الدائم. ومن قرأ بالتاء قصد خطاب جميع الخلق المواجهين به. والعقل هو الامساك عن القبيح وقصر النفس وحبسها على الحسن والحجا أيضا احتباس وتمكث، قال الشاعر: فهن يعكفن به إذا حجا (1) وانشد الاصمعي حيث يحجا مطرق بالفالق (2) حجا أقام بالمكاره، والحجا مصدر كالشبع، ومنه الحجيا اللغز للتمكث الذي يلقى عليه حتى يستخرجها. قال أبو زيد: جمع حجى حجيات، فجاءت الحجيا مصغرة كالثريا والجديا، والنهى يحتمل أن يكون جمعا بدلالة قوله " لاولي النهى " (3) لانه اضافه إلى الجمع. ويجوز ان يكون مفردا في موضع الجمع، وهو في معنى ثبات، وحسن. ومنه النهي، والنهى والتنهية للمكان الذي ينتهي إليه الماء فينتقع فيه لتسفله ويمنعه ارتفاع ما حوله من أن يسيح فيذهب على وجه الارض. قوله تعالى: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فانهم لا يكذبونك * (الهامش) * (1) قائله العجاج. اللسان (حجا) وعجزه (عكف النبيط يلعبون الفنزجا) (2) قائله عمار بن أيمن الرياني. اللسان (حجا). (3) سورة 20 طه آية 54، 128. (*)

[ 119 ]

ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (33) آية بلا خلاف. قرأ نافع والكسائي والاعشى الا النفار " لا يكذبوك " بسكون الكاف وتخفيف الدال، وهو المروي عن علي (ع) وعن ابي عبد الله (ع). الباقون بفتح الكاف وتشديد الذال من التكذيب. وقرأ نافع " انه ليحزنك " بضم الياء وكسر الزاي. الباقون بفتحها وضم الزاي. قال أبو علي الفارسى (فعل، وفعلته) جاء في حروف، والاستعمال في (حزنته) أكثر من (أحزنته) فالي كثرة الاستعمال ذهب عامة القراء. وقال تعالى " اني ليحزنني أن تذهبوا به " (1) ويقال حزن يحزن حزنا وحزنا، قال تعالى " ولا تحزن عليهم " (2) ثم قال: " ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (3) قال سيبويه: قالوا (حزن الرجل، وحزنته) قال وزعم الخليل: أنك حيث قلت (حزنته) لم ترد ان تقول جعلته حزينا كما أنك حيث قلت أدخلته اردت جعلته داخلا، ولكنك أردت ان تقول جعلت فيه حزنا كما قلت كحلته أي جعلت فيه كحلا، ودهنته جعلت فيه دهنا، ولم يرد ب‍ (فعلته) هذا تعدية قوله حزن، ولو أردت ذلك لقلت احزنته ومثل ذلك ستر الرجل وسترت عليه، فإذا اردت تغيير ستر الرجل قلت أسترت كما تقول فزع وافزعته. وحجة نافع أنه اراد تغيير (حزن) فنقله بالهمزة. وقال الخليل: إذا أردت تغيير (حزن) قلت (أحزنته) فدل ذلك على أن (أحزن) مستعمل وان كان (حزنته) اكثر. وحكى أبو زيد: أحزنني الامر احزانا، وهو يحزنني، ضموا الياء. وقال سيبويه: قال بعض العرب: افنيت الرجل وأحزنته وارجعته واعورت عينه، أي جعلته حزينا وفانيا، فغيروا ذلك كما فعلوا بالباب الاول. * (الهامش) * (1) سورة 12 يوسف آية 13. (2) سورة 15 الحجر آية 88 والنحل 16 آية 127 والنمل 27 آية 70 (3) سورة 2 البقرة آية 38، 62، 112، 262، 274، و 5 المائدة آية 72 و 6 الانعام آية 48 و 7 الاعراف آية 34 و 10 يونس آية 62 وغيرها. (*)

[ 120 ]

وقوله " قد نعلم انه " انما كسرت الهمزة، لان في خبرها لاما للتأكيد. لما علم الله تعالى أن النبي (ص) يحزنه تكذيب الكفار له وجحدهم نبوته سلاه عن ذلك بأن قال " فانهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ومن قرأ بالتخفيف قال: معناه لا يلفونك كاذبا، كما يقولون: سألته فما ابخلته، وقاتلته فما أجبنته أي ما وجدته بخيلا ولا جبانا. وقال أبو عبد الله (ع) معنى " لا يكذبونك " لا يأتون بحق يبطلون به حقك. وقال الفراء: معنى التخفيف لا يجعلونك كذابا، وانما يريدون أن ما جئت به باطل، لانهم لم يفتروا عليك كذبا، فيكذبوا لانهم لم يعرفوه (ص) وانما قالوا: ان ما جئت به باطل لا نعرفه من النبوة، فأما التكذيب بأن يقال له كذبت، وقال بعض اهل اللغة: هذا المعنى لا يجوز، لانه لا يجوز أن يصدقوه ويكذبوا ما جاء به، وهو ان الله ارسلني اليكم وأنزل علي هذا الكتاب وهو كلام ربي. ومن قرأ بالتشديد احتمل وجوها: احدها - انهم لا يكذبونك بحجة يأتون بها أو برهان يدل على كذبك، لان النبي صلى الله عليه وآله إذا كان صادقا فمحال أن يقوم على كذبه حجة، ولم يردأنهم لا يكذبونه سفها وجهلا به. والثاني - أنه اراد فانهم لا يكذبونك بل يكذبوني لانا من كذب النبي صلى الله عليه وآله فقد كذب الله، لان الله هو المصدق له كما يقول القائل لصاحبه: فلان ليس يكذبك، وانما يكذبني دونك، يريد ان تكذيبه اياك راجع إلى تكذيبي، لاني أنا المخبر لك وانت حال عني. وثالثها - ان يكون اراد انهم لا ينسبونك إلى الكذب لانك كنت معروفا عندهم بالامانة والصدق فانه صلى الله عليه وآله كان يدعى فيهم الامين قبل الوحي، وكان معروفا بينهم بذلك لكنهم لما أتيتهم بالايات جحدوها بقصدهم التكذيب بآيات الله وجحدها لا لتكذيبك، قال أبو طالب: ان ابن آمنة الامين محمدا

[ 121 ]

ورابعها - ان تكون الاية مخصوصة بقوم معاندين كانوا عارفين بصدقه ولكنهم يجحدونه عنادا وتمردا. وقال الحسن: معناه " نعلم انه ليحزنك الذي يقولون " انك ساحروانك مجنون فانهم لا يكذبونك، لان معرفة الله في قلوبهم بانه واحد " ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ". وخامسها - قال الزجاج: لا يكذبونك، لا يقدرون أن يقولوا لك فيما انبأت به بما في كتبهم كذبت. قال أبو علي: يجوز ان يكون المعنى - فيمن ثقل - قلت له كذبت، مثل زنيته وفسقته إذا نسبته إلى الزنا والفسق. و (فعلت) جاء على وجوه نحو خطأته أي نسبته إلى الخطأ، وسقيته ورعيته، أي قلت له سقاك الله ورعاك، وقد جاء في هذا المعنى أفعلته، قالوا: أسقيته، أي قلت له سقاك الله، قال الشاعر: وأسقيته حتى كاد مما أبثه * تكلمني أحجاره وملاعبه (1) فيجوز على هذا أن يكون معنى القراءتين واحدا، وان اختلف اللفظان، كما تقول: قللت وكثرت وأقللت وأكثرت بمعنى واحد حكاه سيبويه، وقال الكميت: فطائفة قد اكفروني بحبكم * وطائفة قالوا مسيئ ومذنب (2) وحكى الكسائي عن العرب أكذبت الرجل إذا أخبرت انه جاء بكذب، وكذبته إذا اخبرت انه كذاب بقوله كذبته إذا اخبرت انه جاء بكذب، كقولهم: اكفرته إذا نسبوه إلى الكفر، وكذبته اخبرته أنه كذاب مثل فسقته إذا اخبرت انه فاسق. وقوله " ولكن الظالمين " يعني هؤلاء الكفار " بآيات الله " يعني القرآن والمعجزات يجحدون ذلك بغير حجة، سفها وجهلا وعنادا. * (الهامش) * (1) مقاييس اللغة 1: 172. (2) قد مر هذا البيت في 1: 116. (*)

[ 122 ]

قوله تعالى: ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتيم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين (34) آية بلا خلاف. سلى الله تعالى بهذه الاية نبيه صلى الله عليه وآله بان اخبر ان الكفار قد كذبوا رسلا من قبلك، وصبر الرسل على تكذيبهم وعلى ما نالهم من أذاهم، وتكذيب الكفار لهم، حتى إذا جاء نصر الله اياهم على المكذبين، فمنهم من نصرهم عليهم بالحرب ومكنهم من الظفر بهم حتى قتلوهم، ومنهم من نصرهم عليهم بان أهلكهم واستأصلهم كما أهلك عادا وثمودا وقوم نوح ولوط، وغيرهم. فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله بالصبر على كفار قومه وأذاهم إلى ان يأتيه نصره كما صبرت الانبياء. وقوله " لا مبدل لكلمات الله " معناه لا أحد يقدر على تكذيب خبر الله على الحقيقة، ولا على إخلاف وعده فان ما أخبر الله به ان يفعل بالكفار، فلابد من كونه لا محالة، وما وعدك به من نصره فلابد من حصوله، لانه لا يجوز الكذب في اخباره، ولا الخلف في وعده. وقيل: معناه انه لا مبطل لحججه وبراهينه ولا مفسد لادلته. وقوله " ولقد جاءك من نبأ المرسلين " معناه انه لا تبديل لخبر الله ولا خلف لذلك ولا تكذيب، وان ما أخبر الله به ان ينزله بالكفار فانه سيفعل بهم كما فعل بأمم من تقدم من الانبياء الذين أنزل الله عليهم العذاب واستأصلهم بتكذيبهم أنبياءهم وعرفك أخبارهم على صحتها. قوله تعالى: وإن كان كبر عليك إعراضهم فان استطعت أن تبتغي نفقا في الارض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله

[ 123 ]

لجمعهم على ؟ ؟ فلا تكونن من الجاهلين (35) آية بلا خلاف خاطب الله تعالى بهذه الاية نبيه صلى الله عليه وآله فقال له " ان كان كبر عليك " وعظم عندك " اعراضهم " أي اعراض هؤلاء الكفار عما أتيتهم به من القرآن والمعجزات وامتناعهم من اتباعك والتصديق لك وكنت حزينا لذلك " فان استطعت " وقدرت أو تهيأ لك ان تبتغي نفقا ان تتخذ في جوف الارض مسكنا وهو النفق " في الارض " إذا كان له منفذ " أو سلما في السماء " أو ان تصعد إلى السماء بسلم " فتأتيهم بآية " يعني بآية تلجئهم إلى الايمان وتجمعهم عليه وعلى ترك الكفر فافعل ذلك. وحذف فافعل لدلالة الكلام عليه، كما تقول: ان رأيت ان تقوم ومعناه فقم، وان أرادغير ذلك لم يجز ان يسكت الا بعد ان يأتي بالجواب، لانه ان اراد ان أردت ان تقوم تصب خيرا فلابد من الجواب، ولم يرد بذلك آية يؤمنون عندها مختارين، لانه تعالى فعل بهم الايات التي تزاح علتهم بها ويتمكنون معها من فعل الايمان لانه لو علم تعالى أنه إذا فعل بهم آية من الايات يؤمنون عندها مختارين وجب ان يفعلها بهم. وبين انه فعل بهم جميع ما لا ينافي التكليف وهم لا يؤمنون كما قال " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة " (1) الاية، وكما قال " ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما اتبعوا قبلتك " (2) وانما لم يفعل ما يلجئهم إلى الايمان، لان ذلك ينافي التكليف ويسقط استحقاق الثواب الذي هو الغرض بالتكليف، وانما أراد الله تعالى ان يبين لنبيه صلى الله عليه وآله انه لا يستطيع هذا ولا يقدر عليه، فلا ينبغي ان يلزم نفسه الغم والجزع لكفرهم واعراضهم عن الايمان والتصديق به، وجعل ذلك عزاء لنبيه صلى الله عليه وآله وتسلية له ثم اخبر انه لو شاء ان يجمعهم على الايمان على وجه الالجاء لكان على ذلك قادرا لكنه ينافي ذلك الغرض بالتكليف، وجرى ذلك مجرى قوله " ان * (الهامش) * (1) سورة 6 الانعام آية 111 (2) سورة 2 البقرة آية 145 (*)

[ 124 ]

نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت اعناقهم لها خاضعين " (3) فانه أراد بذلك الاخبار عن قدرته وانه لو شاء الجاءهم إلى الايمان لكان عليه قادرا. ولا يدل ذلك على أنه لم يشأ منهم الايمان على وجه الاختيار منهم أو لم يشأ ان يفعل ما يؤمنون عنده مختارين، لان الله تعالى قد شاء منهم الايمان على هذا الوجه وانما أفاد نفي المشيئة لما يلجئهم إلى الايمان، لانه متى ألجأهم إليه لم يكن ذلك ايمانا يستحق عليه الثواب، والغرض بالاية ان يبين تعالى ان الكفار لم يغلبوا الله بكفرهم ولا قهروه بخلافه وانه لو أراد أن يحول بينهم وبينه لفعل، لكنه يريد ان يكون ايمانهم على وجه يستحقون به الثواب، ولا ينافي التكليف. وقوله " فلا تكونن من الجاهلين " انما هو نهي محض عن الجهل ولا يدل ذلك على ان الجهل كان جائزا منه صلى الله عليه وآله بل يفيد كونه قادرا عليه، لانه تعالى لا يأمر ولا ينهي الا بما يقدر المكلف عليه، ومثله قوله " لئن اشركت ليحبطن عملك " (4) وان كان الشرك لا يجوز عليه لكن لما كان قادرا عليه جاز أن ينهاه عنه. والمراد هاهنا فلا تجزع ولا تحزن لكفرهم واعراضهم عن الايمان، وانهم لم يجمعوا على التصديق بك فتكون في ذلك بمنزلة الجاهلين الذين لا يصبرن على المصائب، ويأثمون لشدة الجزع. والنفق: الطريق النافذ في الارض والنافقاء ممدودا وجر حجر اليربوع يحفره من باطن الارض إلى جلدة الارض فإذا بلغ الجلدة أرقها فإذا رابه ريب وقع برأسه هذا المكان وخرج منه، ومنه سمي المنافق منافق لانه أبطن غير ما أظهر، والسلم مشتق من السلامة لانه يسلمك إلى مصعدك. قوله تعالى: إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (36) آية بلا خلاف. * (الهامش) * (3) سورة الشعراء آية 4 (4) سورة 39 الزمر آية 65 (*)

[ 125 ]

الوقف عند قوله " الذين يسمعون " ومعنى الاية انما يستجيب إلى الايمان بالله وما أنزل اليك من يسمع كلامك ويصغي اليك، والى ما تقرأ عليه من القرآن وما تبين له من الحجج والايات ويفكر في ذلك لانه لا يتبين الحق من الباطل الا لمن تفكر فيه واستدل عليه بما يستمع أو يعرف من الايات والادلة على صحته، وجعل من لم يتفكر ولم ينتفع بالايات بمنزلة من لم يستمع كما قال الشاعر: لقد اسمعت لو ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن تنادي (1) وكما جعله الشاعر بمنزلة الاصم في قوله: اصم عما ساءه سميع (2) وقوله " والموتى يبعثهم الله " معناه ان الذين لا يصغون اليك من هؤلاء الكفار ولا يسمعون كلامك ان كلمتهم، ولا يسمعون ما تقرأه عليهم وتبينه لهم من حجج الله وآياته، وينفرون عنه إذا كلمتهم بمنزلة الموتى، فكما ان الموتى لا يستجيبون لمن يدعوهم إلى الحق والايمان، فكذلك هؤلاء الكفار لا يستجيبون لك إذا دعوتهم إلى الايمان، فكما آيست ان يسمع الموتى كلامك إلى ان يبعثهم الله والى ان يرجعوا إليه، فكذلك فآيس من هؤلاء أن يسمعوا كلامك وأن يستجيبوا لك. وبين أن الموتى إذا بعثهم الله بمعنى أحياهم انهم يرجعون بعد الحشر والبعث إلى الموضع الذي لا يملك الحكم فيه عليهم غير الله تعالى، ولا يملك محاسبتهم وضرهم ونفعهم غيره، فجعل رجوعهم إلى ذلك الموضع رجوعا إلى الله وذلك مستعمل في اللغة: وقال مجاهد: " انما يستجيب الذين يسمعون " يعني المؤمنين يسمعون الذكر " والموتى يبعثهم الله " يعني المشركين الصم يبعثهم الله فيحييهم من شركهم حتى يؤمنوا " ثم الينا يرجعون " يوم القيامة. * (الهامش) * (1) مر هذا البيت في 1: 64 وهو مشهور. (2) انظر 2: 80. (*)

[ 126 ]

قوله تعالى: وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون (37). قرأ ابن كثير " ينزل " بالتخفيف. الباقون بالتشديد. ومعنى " وقالوا " اخبار عما قاله الكفار من انهم قالوا " لولا " ومعناه: هلا " أنزل عليه آية " يعني الاية التي سألوها واقترحوا أن يأتيهم بها من جنس ما شاءوا لما قالوا " فليأتنا بآية كما أرسل الاولون " (1) يعنون فلق البحر واحياء الموتى. وانما قالوا ذلك حين أيقنوا بالعجز عن معارضته فيما أتى به من القرآن، فاستراحوا إلى أن يلتمسوا مثل آيات الاولين، فقال الله تعالى " أو لم يكفهم أنا نزلنا عليك الكتاب " (2) وقال هاهنا قل يا محمد " ان الله قادر على ان ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون " ما في إنزالها من وجوب الاستئصال لهم إذا لم يؤمنوا عند نزولها. وما في الاقتصار بهم على ما أوتوا من المصلحة لهم. وبين في آية أخرى انه لو أنزل عليهم ما أنزل لم يؤمنوا، وهو قوله " ولو أننانزلنا إليهم الملائكة " إلى قوله: " ما كانوا ليؤمنوا الا أن يشاء الله " (3) ان يكرههم. وقال " وما منعنا أن نرسل بالايات الا أن كذب بها الاولون " (4) يعني الايات التي اقترحوها انما لم نأتهم بها، لانا لو أتيناهم بها ولم يؤمنوا وجب استئصالهم، كما وجب استئصال من تقدمهم ممن كذب بآيات الله. وقال في سورة العنكبوت " وقالوا لا أنزل عليه آية من ربه قل انما الايات عند الله وانما أنا نذير مبين أو لم يكفهم انا أنزلنا عليك الكتاب " (5) الاية. فبين ان الايات لا يقدر عليها الا الله، وقد أتاهم بما فيه * (الهامش) * (1) سورة 21 الانبياء آية 5. (2) سورة 29 العنكبوت آية 51 (3) سورة 6 الانعام آية 111 (4) سورة 17 الاسرى آية 59 (5) سورة 29 العنكبوت آية 50 - 51 (*)

[ 127 ]

كفاية وإزاحة لعلتهم وهو القرآن، وغيره مما شاهدوه ومن المعجزات والايات، ولا يلزم اظهار المعجزات بحسب اقتراح المقترحين، لانه لو لزم ذلك لوجب اظهارها في كل حال ولكل مكلف وذلك فاسد. وقد طعن قوم من الملحدين، فقالوا: لو كان محمد قد أتى بآية لما قالوا له " لولا أنزل عليه آية " ولما قال " ان الله قادر على ان ينزل آية ". قيل: قيد بينا أنهم التمسوا آية مخصوصة وتلك لم يؤتوها وان كان الله تعالى قادرا عليها، وانما لم يؤتوها لان المصلحة منعت من انزالها، وانما اتى بالايات الاخر التي دلت على نبوته من القرآن وغيره على ما اقتضته المصلحة، ولذلك قال فيما تلوناه " أو لم يكفهم أنا انزلنا عليك الكتاب " فبين ان في انزال الكتاب كفاية ودلالة على صدقه وانه لا يحتاج معه إلى أمر آخر فسقط ما قالوه. قوله تعالى: وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون (38) آية بلا خلاف. الوقف عند قوله " أمم أمثالكم " وقف تام. ابتدأ الله تعالى بهذه الاية فأخبر بشأن سائر الخلق. وبازاحة علة عباده المكلفين في البيان ليعجب عباده في الاية التي بينها من الكفار وذهابهم عن الله تعالى فقال: " وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه " فجمع جميع الخلق بهذين اللفظين، لان جميع الحيوان لا يخلو من أن يكون مما يطير بجناحيه أويدب " الا امم أمثالكم " أي هم اجناس واصناف كل صنف يشتمل على العدد الكثير والانواع المختلفة وان الله خالقها ورازقها، وانه يعدل عليها فيما يفعله، كما خلقكم ورزقكم وعدل عليكم، وان جميعها دالة وشاهدة على مدبرها وخالقها وانتم بعد ذلك تموتون والى ربكم تحشرون. فبين بهذه العبارة أنه لا ينبغي

[ 128 ]

لهم ان يتعدوا في ظلم شئ منها، فان الله خالقها وهو الناهي عن ظلمها والمنتصف لها. وفي قوله: " يطير بجناحيه " أقوال: احدها - ان قوله بجناحيه تأكيد كما يقولون: رأيت بعيني، وسمعت باذني، وربما قالوا: رأت عيني وسمعت اذني، كل ذلك تأكيد. وقال الفراء: معنى ذلك انه اراد ما يطير بجناحيه دون ما يطير بغير جناحين، لانهم يقولون قدمر الفرس يطير طيرا وسارت السفينة تطير تطيرا، فلولم يقل (بجناحيه) لم يعلم انه قصد إلى جنس ما يطير بجناحيه دون سائر ما يطير بغير جناحين. وقال قوم: انما قال " بجناحيه " لان السمك عند اهل الطبع طائر في الماء، ولا أجنحة لها، وانما خرج السمك عن الطائر، لانه من دواب البحر، وانما أراد ما في الارض وما في الجو، ولا حيوان موجود غيرهما. وقال قوم: انما قال ذلك ليدل على الفرق بين طيران الطيور بأجنحتها وبين الطيران بالاسراع تقول: طرت في جناحين، إذا أسرعت، قال الشاعر: فلو أنها تجري على الارض أدركت * ولكنها تهفوا بتمثال طائر وانشد سيبويه: فطرت بمنصلي في يعملات * دوام الايد يحبطن السريحا (1) وقال المغربي: أراد ان يفرق بين الطائر الذي هو الفائز الفالج في القسم، وقال مزاحم العقيلي: وطير بمخراق أشم كأنه * سليل جيادلم تنله الزعانف (2) أي فوزي واغنمي. وقوله: " ما فرطنا في الكتاب من شئ " قيل " ما فرطنا " معناه ما تركنا. وقيل: ما قصرنا. وفي الكتاب قولان: احدهما - انه أراد الكتاب المحفوظ عنده من أجال الحيوان وأرزاقه وآثاره ليعلم ابن آدم ان عمله اولى بالاحصاء والاستقصاء، ذكره الحسن. الثاني - ما فرطنا في القرآن من شئ يحتاج إليه في أمور الدين والدنيا * (الهامش) * (1، 2) اللسان (طير). (*)

[ 129 ]

الا وقد بيناه اما مجملا أو مفصلا، فما هو صريح يفيد لفظا، وما هو مجمل بينه على لسان نبيه وأمر باتباعه في قوله " وما آتاكم الرسول فخذوه ومانها كم عنه فانتهوا " (1) ودل بالقرآن على صدق نبوته ووجوب أتباعه، فإذا لا يبقى أمر من امور الدين والدنيا الا وهو في القرآن - وهذا الوجه اختاره الجبائي - وقال البلخي: " ما فرطنا في الكتاب من شئ " أي لم ندع الاحتجاج بما يوضح الحق ويدعو إلى الطاعة والمعرفة ويزجر عن الجهل والمعصية، وتصريف الامثال وذكر أحوال الملائكة وبني آدم وسائر الخلق من أصناف الحيوان. وكل جنس من الحيوان أمة، لان الامة الجماعة ويقال للصبيان: أمة وان لم يجب عليهم التكليف. وقوله تعالى: " ثم إلى ربهم يحشرون " معناه يحشرون إلى الله بعد موتهم يوم القيامة كما يحشر العباد، فيعوض الله تعالى ما يستحق العوض وينتصف لبعضها من بعض، فإذا عوضهما، قال قوم: انها تصير ترابا فحينئذ يتمنى الكافر فيقول " ياليتني كنت ترابا " (2) وقال قوم: يديم الله أعواضها ويخلقها على أحسن ما يكون من الصور فيسر بها المثابون ويكون ذلك من جملة ما ينعمون به، ذكره البلخي. وقال قوم: " يحشرون " معناه يموتون ويفنون وهذا بعيد، لان الحشر في اللغة هو بعث من مكان إلى غيره، وهاهنا لا معنى للحشر الذي هو الفناء وانما معناه انهم يصيرون إلى ربهم ويبعثون إليه. واستدل قوم من التناسخية بهذه الاية على ان البهائم والطيور مكلفة، لانه قال " أمم امثالكم " وهذا باطل، لانا قد بينا من أي وجه قال: انها " أمم امثالكم " ولو وجب حملها على العموم لوجب ان تكون أمثالنا في كونها ناسا وفي مثل صورنا واخلاقنا، فمتى قالوا لم يقل امثالنا في كل شئ، قلنا: وكذلك الامتحان والتكليف، على انهم مقرون بان الاطفال غير مكلفين ولا ممتحنين، فما يحملون به أمتحان الصبيان بعينه نحمل بمثله امتحان البهائم، وكيف يصح * (الهامش) * (1) سورة 59 الحشر آية 7 (2) سورة 78 النبأ آية 40 (*)

[ 130 ]

تكليف البهائم والطيور وهي غير عاقلة. والتكليف لا يصح الا لعاقل، على ان الصبيان أعقل من البهائم ومع هذا فليسوا مكلفين، فكيف يصح تكليف البهائم ؟ ! واما قوله " وان من أمة الا خلا فيها نذير " (1) فانه مخصوص بالمكلفين العقلاء من البشر والجن، والملائكة بدلالة أن الاطفال أمم وليس فيها نذيره واستدل أبو القاسم البلخي بهذه الاية على ان العوض دائم بان قال: بين الله تعالى انه يحشر الحيوان كلها ويعوضها، فلو كان العوض منقطعا لكان إذا أماتها استحقت اعواضا أخر على الموت وذلك يتسلسل، فدل على انه دائم وهذا ليس بشئ، لانه يجوز ان يميت الله الحيوان على وجه لا يدخل عليهم الالم، فلا يستحقون عوضا ثانيا، فالاولى ان يقول: ان دام دام تفضلا منه تعالى. وقوله " ولا طائر " فانه جر، عطف على دابة وتقديره ولا من طائر، وكان يجوز ان يقرأ بالرفع حملا على المعنى، كما تقول: وما جاءني من رجل ولا امرأة، وتقديره ما جاءني رجل ولا امرأة ومثله قوله " ولا اصغر من ذلك ولا أكبر " (2) في موضع بالنصب وفى موضع آخر بالرفع على ما قلناه. قوله تعالى: والذين كذبوا باياتنا صم وبكم في الظلمات من يشا الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم (39) آية بلا خلاف. الوقف التام عند قوله " في الظلمات ". وقوله " صم وبكم في الظلمات " يحتمل امرين: احدهما - ان يراد ان هؤلاء الكفار الذين كذبوا بآيات الله صم وبكم في الظلمات في الاخرة على الحقيقة عقوبة لهم على كفرهم، لانه ذكرهم عند ذكر الحشر. * (الهامش) * (1) سورة 35 فاطر آية 24 (2) سورة 10 يونس آية 61 وسورة 34 سبأ آية 3 (*)

[ 131 ]

والثاني - ان يكون عنى انهم صم وبكم في الظلمات في الدنيا، فمتى أريد الاول كان ذلك حقيقة، لانه تعالى لا يمتنع ان يجعلهم صما بكما في الظلمات، ويضلهم بذلك عن الجنة وعن الصراط الذي يسلكه المؤمنون إليها ويصيرهم إلى النار. وان أريد به الوجه الثاني، فانه يكون مجازا وتوسعا. وانما شبههم بالصم والبكم الذين في الظمات، لان المكذبين بآيات الله لا يهتدون إلى شئ مما ناله المؤمنون من منافع الدين ولا يصلون إلى ذلك، كما أن الصم البكم الذين في الظلمات لا يهتدون إلى شئ من منافع الدنيا ولا يصلون إليها، فتشبيههم من هذا الوجه بالصم البكم. وقال البلخي " صم وبكم في الظلمات " معناه في الجهل والشرك والكفر وقوله " من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم " لا يجوز ان يكون على عمومه، لانا قد علمنا ان الله تعالى لا يشاء ان يضل الانبياء والمؤمنين ولا يهدي الكافرين، لكن قد بين تعالى في موضع آخر من الذي يشاء ان يضله، فقال " وما يضل به الا الفاسقين " (1) وقال " ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء " (2) وقال " والذين اهتدوا زادهم هدى " (3) وقال: " يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام " (4) وقال " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " (5). وقوله " ومن يشأ الله يضلله " هاهنا يحتمل امرين: احدهما - " من يشأ الله يضلله " أي من يشأ يخذله بأن يمنعه ألطافه وفوائده، وذلك إذا واتر عليه الادلة وأوضح له البراهين فأعرض عنها ولم يمعن النظر فيها، فصار كالاصم الاعمى، فحينئذ يشاء أن يضله بان يخذله. والثاني - من يشأ الله اضلاله عن طريق الجنة، ونيل ثوابها يضلله على * (الهامش) * (1) سورة 2 البقرة آية 26 (2) سورة 14 ابراهيم آية 27 (3) سورة 47 محمد آية 17 (4) سورة 5 المائدة آية 18 (5) سورة 29 العنكبوت آية 69. (*)

[ 132 ]

وجه العقوبة " ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم " ومعناه من يشأ ان يرحمه ويهديه إلى الجنة ونيل الثواب يجعله على الصراط الذي يسلكه المؤمنون إلى الجنة، ويعدل الكافرين عنه إلى النار ولا يلحق الاضلال الا الكفار والفساق المستحقين للعقاب وكذلك لا يفعل الثواب والخلود في الجنة الا بالمؤمنين، لانه ثواب لا يستحقه سواهم. قوله تعالى: قل أرأيتكم إن أتيكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون (41) آيتان بلا خلاف قرأ الكسائي وحده " أريتكم " وما جاء منه إذا كان استفهاما بحذف الهمزة التي بعد الراء. والباقون باثباتها، وتحفيفها الا أهل المدينة، فانهم جعلوها بين بين، فان كان غير استفهام اتفقوا على اثبات الهمزة وتخفيفها الا ما رواه ورش في تحقيقها في ستة مواضع ذكرت في باب الهمزة في القراءات. من حقق الهمزة، فلانه (فعلت) من الرؤية، فالهمزة عين الفعل، ومن خفف فانه جعلها بين بين، وهذا التخفيف على قياس التحقيق، ومن حذف الهمزة فعلى غير مذهب التخفيف، لان التخفيف القياس فيها أن تجعل بين بين، كما فعل نافع، وهذا حذف، كما قالوا، ويلمه، وكما أنشد احمد بن يحيى: ان لم أقاتل فالبسوني برقعا وقال أبو الاسود: يابا المغيرة رب أمر معضل وذكر أن عيسى كذلك كان يقرأها ويقوي ذلك قول الراجز: أريت ان جاءت به أملودا * مرجلا ويلبس البرودا وقال الفراء: العرب لها في (أرأيت) لغتان:

[ 133 ]

احدهما - ان يسأل الرجل الرجل أرأيت زيدا بعينك ؟ فهذه مهموزة، فإذا أوقعتها على الرجل منه قلت: أرأيتك على غير هذه الحال تريد هل رأيت نفسك على غير هذه الحال ثم يثنى ويجمع، فتقول للرجلين أرايتما كما، وللقوم أرايتموكم، وللنسوة أرأيتنكن، وللمرأة أرأيتك بخفض التاء ولا يجوز إلا ذلك. والاخر - ان تقول ارأيتك. وانت تريد اخبرني، فتهزمها وتنصب التاء منها وتترك الهمز ان شئت، وهو اكثر كلام العرب، وتترك التاء مفتوحة للواحد، وللجمع مؤنثه ومذكره، تقول للمرأة: أرايتك زيدا، وللنساء أرايتكن زيدا ما فعل. وانما تركت العرب التاء واحدة لانهم لم يريدوا أن يكون الفعل منها واقعا على نفسها، فاكتفوا بذكرها في الكاف ووجهوا التاء إلى المذكر والتوحيد، إذا لم يكن الفعل واقعا على نفسها. واختلفوا في هذه الكاف، فقال الفراء: موضعها نصب وتأويلها رفع، مثل قولك: دونك زيدا، فموضع الكاف خفض، ومعناه الرفع، لان المعنى خذ زيدا. قال الزجاج: هذا خطأ ولم يقله أحد قبله، قال: لان قولك أرايتك زيدا ما شأنه يصير أرايت قد تعدت إلى الكاف والى زيد، فنصب أرايت اسمين فيصير المعنى: أرايت نفسك زيدا ما حاله. وهذا محال. قال والصحيح الذي عليه النحويون ان الكاف لا موضع لها والمعنى أرايت زيدا ما حاله، والكاف زيادة في بيان الخطاب، وهو المعتمد عليه في الخطاب ولذلك تكون التاء مفتوحة في خطاب المذكر والمؤنث والواحد والجمع. فنقول للرجل أرايتك زيدا ما حاله بفتح التاء والكاف وللمرأة أرايتك بفتح التاء وكسر الكاف، لانها صارت آخر ما في الكلمة، وللاثنين أرايتكما، وللجمع أرايتكم، فتوحد التاء، فكما وجب ان توحدها في التثنية والجمع، كذلك وجب ان تذكرها مع المؤنث، فان عديت الفاعل إلى المفعول في هذا الباب صارت الكاف مفعوله تقول: رأيتني عالما بفلان، فإذا سألت علي هذا الشرط قلت للرجل: أريتك عالما ؟ وللاثنين أرأيتما كما

[ 134 ]

وللجمع أرأيتموكم، لان هذا في تأويل أرأيتم أنفسكم، وللمرأة ارأيتك، وللثنتين أرايتما كما، وللجماعة أرايتنكن، فعلى هذا قياس هذين البابين. قال أبو علي الفارسى: لا يخلو ان يكون الكاف للخطاب مجردا، ومعنى الاسم مخلوعا منه أو يكون دالا على الاسم مع دلالته على الخطاب، والدليل على انه للخطاب مجردا من علامة الاسم أنه لو كان اسما وجب ان يكون الاسم الذي بعده في نحو قوله " أرايتك هذا الذي كرمت علي " (1) وقولهم " أريتك زيدا ما صنع هو الكاف في المعنى، ألا ترى ان (رأيت) يتعدى إلى مفعولين يكون الاول منهما هو الثاني في المعنى وإذا لم يكن المفعول الذي بعده هو الكاف في المعنى، وإنما هو غيره وجب ان يدل ذلك على أنه ليس باسم، واذ لم يكن اسما كان حرفا للخطاب مجردا من معنى الاسمية، كما أن الكاف في (ذلك وهنالك) للخطاب ومثله التاء في (أنت) لانه للخطاب معرى من معنى الاسم فإذا ثبت انه للخطاب معرى من معنى الاسماء ثبت ان التاء لا يجوز أن تكون بمعنى الخطاب ألا ترى أنه لا ينبغي ان يلحق الكلمة علامتان للخطاب، كما لا يلحقها علامتان للتأنيث، ولا علامتان للاستفهام، فلما لم يجز ذلك افردت التاء في جميع الاحوال لما كان الفعل لابد له من فاعل وجعل في جميع الاحوال على لفظ واحد، لان ما يلحق الكاف من معنى الخطاب يبين الفاعلين، لتخصيص التأنيث من التذكير والتثنية من الجمع، فلو لحق علامة التأنيث والجمع التاء لاجتمع علامتان للخطاب بما كان يلحق التاء وما يلحق الكاف وذلك يؤدي إلى ما لا نظير له فرفض لذلك. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بهذه الاية ان يقول لهؤلاء الكفار الذين يعبدون الاصنام " أرايتكم ان أتاكم عذاب الله " كما اتى الكافرين من قبلكم كعاد وثمود، وغيرهم " أواتتكم الساعة " وهي القيامة. قال الزجاج: الساعة اسم للوقت الذي يصعق فيه العباد واسم للوقت الذي تبعث فيه، والمعنى أرأيتكم * (الهامش) * (1) سورة 17 الاسرى آية 62. (*)

[ 135 ]

الساعة التي وعدتم فيها بالبعث والفناء، لان قبل البعث يموت الخلق كلهم، اتدعون فيها - لكشف ذلك عنكم - هذه الاوثان التي تعلمون أنها لا تقدر أن تنفع أنفسها ولا غيرها ؟ ! أو تدعون لكشف ذلك عنكم الله تعالى الذي هو خالقكم وما لككم ومن يملك ضركم ونفعكم ؟ ودلهم بذلك على انه لا ينبغي لهم ان يعبدوا ما لا يملك لهم نفعا ولا يقدر أن يدفع عنهم ضرا وان يعبدوا الله وحده الذي هو خالقهم وما لكهم والقادر على نفعهم وضرهم. وقوله " ان كنتم صادقين " يعني في ان هذه الاوثان آلهة لكم، فبين الله لهم بذلك انها ليست آلهة وانهم في هذا القول غير صادقين. وقوله " بل اياه تدعون " معنى (بل) استدراك وايجاب بعد نفي تقول ما جاءني زيد بل عمرو. واعلمهم الله تعالى انهم لا يدعون في حال الشدائد الا إياه، لانه إذا لحقهم الشدائد والاهوال في البحار والبراري القفار، التجؤا فيه إليه وتضرعوا لديه، كما قال " وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين " (1) وفي ذلك أعظم الحجج عليهم، لانهم عبدوا الاصنام. وقوله " فيكشف ما تدعون إليه ان شاء " معناه يكشف الضر الذي من اجله دعوتم، وهو مجاز كقوله " واسأل القرية " ومعناه واسأل اهل القرية. وقوله " وتنسون ما تشركون " معنى تنسون يحتمل امرين: احدهما - ان يكون بمعنى ما تشركون بالله. الثاني - أنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من نسيهم، وهذا الذي أحتج الله به على الكفار دلالة على صحة الاحتجاج في الدين على كل من خالف الحق، لانه لو كان الاحتجاج لا يجوز ولا يفضي إلى الحق لما احتج به على عباده في كتابه. وانما قال: " ان شاء " لانه ليس كلما يدعون لكشفه يكشفه عنهم بل يكشف ما شاء من ذلك مما تقتضيه المصلحة وصواب التدبر، وتوجبه الحكمة. * (الهامش) * (1) سورة 10 يونس آية 22. (*)

[ 136 ]

والاستثناء راجع إلى العذاب دون الساعة، لانها لا تكشف ولا محيص عنها. قوله تعالى: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالباساء والضراء لعلهم يتضرعون (42) فلولا إذجاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون (43) آيتان اعلم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بهذه الاية انه قد ارسل الرسل قبله إلى اقوام بلغوا من القسوة إلى ان أخذوا بالشدة في أنفسهم واموالهم ليخضعوا ويذلوا لامر الله لان القلوب تخشع والنفوس تضرع عند ما يكون من أمر الله البأساء والضراء. وقال قوم: البأساء الجوع، والضراء النقص في الاموال والانفس. والبأساء: من البأس والخوف والضراء من الضر، وقد يكون البأساء من البؤس، فأعلمه الله انه ارسل إلى أمم واخذها بالبأساء والضراء، فلم تخشع ولم تضرع. وقال: " لعلهم يتضرعون " ومعناه لكي يتضرعوا. وقيل: معناها الترجي للعباد، كما قال: " لعله يتذكر أو يخشى " (1). قال سيبويه: المعنى اذهبا أنتما على رجائكما، والله عالم بما يكون من وراء ذلك. وقوله " فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا " معناه هلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا " ولكن قست قلوبهم " أي أقاموا على كفرهم. قال الفراء كلما رأيت في الكلام (لولا) ولم تر بعدها اسما، فهي بمعنى (هلا)، كقوله: " لولا اخرتني إلى أجل قريب " (2) و " فلولا أن كنتم غير مدينين " (3) وإذا كان بعدها اسم، فهي بمعنى (لو) التي تكون في جوابها اللام، و (لو ما) فيها ما في (لولا) من الاستفهام والخبر. وقد اخبر الله في هذه الاية ان الشيطان هو الذي يزين الكفر للكافر بخلاف * (الهامش) * (1) سورة 20 طه آية 44. (2) سورة 63 المنافقون آية 10 (3) سورة 56 الواقعة آية 86 (*)

[ 137 ]

ما يقول المجبرة من ان الله هو المزين لهم ذلك، وفيها حجة على من قال: ان الله لم يرد من الكافر الايمان، وانه ارسل الرسل بينة عليهم، وعلى من زعم ان أخذه الكافرين بالبأساء والضراء في الدين ليس لما أراد من صلاحهم، لانه بين الله انما فعل بهم ذلك ليتضرعوا، وهذه لام الغرض، لان الشك لا يجوز عليه تعالى " ويتضرعون " معناه يتذللون يقال ضرع فلان لفلان إذا بخع له وسأله أن يعطيه، وفلان ضارع أي نحيف. قوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (45) آيتان قرأ ابن عامر وابو جعفر، وورش " فتحنا " وفي الاعراف " لفتحنا " وفي الانبياء " فتحت " وفى القمر " فقتحنا أبواب السماء " بالتشديد فيهن، وافقهم روح في الانبياء والقمر. والباقون بالتخفيف فيهن. ومن ثقل أراد التكثير، ومن خفف أراد الفعل مرة واحدة. بين الله تعالى بهذه الاية ان هؤلاء الكفار لما لم ينتفعوا بالبأساء والضراء على ما اقتضت مصلحتهم، ونسوها أي تركوها فصارت في حكم المنسى ابتليناهم بالتوسعة في الرزق ليرغبوا بذلك في نعيم الاخرة، وينبهوا عليه، فيطيعوا ويرجعوا عما هم عليه، فلما لم ينجع ذلك فيهم ولم يرتدعوا عن الفرح بما أوتوا، ولم ينعظوا ولم ينفعهم الزجر بالضراء والسراء، ولا الترغيب بالتوسعة والرخاء احللنا بهم العقوبة بغتة أي مفاجأة من حيث لا يشعرون " فإذا هم مبلسون ". قال الزجاج: (المبلس) الشديد الحسرة و (البائس) الحزين. وقال البلخي: معنى مبلسون يعني: أذلة خاضعين. وقال الجبائي: معنى (مبلسون) آيسون، وقال الفراء المبلس: المنقطع الحجة، قال رؤبة:

[ 138 ]

وحضرت يوم خميس الاخماس * وفى الوجوه صفرة وابلاس (1) وقال مجاهد: الابلاس السكوت مع اكتآب. وقوله " كل شئ " المراد به التكثير دون العموم، وهو مثل قوله " وأوتيت من كل شئ " (2) وكقول القائل: أكلنا عنده كل شئ ورأينا منه كل خير، وكما يقال هذا قول اهل العراق، واهل الحجاز، ويراد به قول اكثرهم. وقال تعالى: " ولقد أريناه آياتنا كلها " (3) وكل ذلك يراد به الخصوص، وموضوعه التكثير، والتفخيم. وإذا علمنا في الجملة بالعقل ان هذه الايات مخصوصة، فلا ينبغي ان يعتقد فيها تخصيص شئ بعينه، وليس علينا اكثر من ان نعتقد أنهم أو توا خيرا كثيرا، وفتح عليهم أبواب أشياء كثيرة كانت متغلقة عليهم، وليس يلزمنا اكثر من ذلك. فان قيل الذي يسبق إلى القلوب غير ما تأولتم عليه وهو ان الله انما فتح عليهم أبواب كل شئ ليفرحوا ويمرحوا ليستحقوا العقاب. قلنا: الظاهر وان كان كذلك انصرفنا عنه بدليل، كما انصرفنا عنه قوله: " الرحمن على العرش أستوى " (4) وعن قوله " وجاء ربك " (5) وعن قوله: " أأمنتم من في السماء " (6) فكما يجب ان نترك ظاهر هذه الايات وان كان ظاهرها التشبيه فكذلك ترك ما ظاهره يوجب اضافة القبيح إليه، وينافى عدله ويعدل إلى ما يليق بحكمته وعدله. وقوله " فقطع دابر القوم الذين ظلموا " معناه أخذهم الذي يدبرهم ويدبرهم، لغتان - بضم الباء وكسرها - وهو الذي يكون في أعقابهم. وروي عن أبي عبد الله (ع) انه قال: من الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبريا - بضم الدال - يعني في آخر الوقت، هذا قول اصحاب الحديث. وقال * (الهامش) * (1) مجمع البيان 2: 300 واللسان (بلس). (2) سورة 27 النمل آية 23. (3) سورة 20 طه آية 56 (4) سورة 20 طه آية 5 (5) سورة 89 الفجر آية 22 (6) سورة 67 الملك آية 16، 17 (*)

[ 139 ]

أبو زيد الادبريا بفتح الدال والباء. ثم حمد الله تعالى نفسه بأن استأصل ساقتهم وقطع دابرهم بقوله " والحمد لله رب العالمين " لانه تعالى أرسل إليهم وانظر هم بعدكفرهم وأخذهم بالبأساء والضراء، والنعمة والرخاء، فبالغ في الانذار والامهال، فهو محمود على كل حال. قوله تعالى: قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به أنظر كيف نصرف الايات ثم هم يصدفون (46) آية بلا خلاف. روي عن ورش: " به انظر " بضم الهاء الباقون بكسرها. قال أبو علي: من كسر الهاء حذف الياء التي تلحق الهاء في نحو به انظر، لالتقاء الساكنين والالف من (انظر). ومن قرأ بضم الهاء فهو على قول من قال: " فخسفنا بهو بدار هو " (1)، فحذف الواو لالتقاء الساكنين، كما حذف الياء في (بهي) لذلك، فصار " به انظر " ومما يحسن هذا الوجه ان الضمة فيه مثل الضمة في (ان أقتلوا) أو (انقص) ونحو ذلك. وقوله: " أرايتم ان أخذ الله سمعكم وابصاركم وختم على قلوبكم " ثم قال: " يأتيكم به " قال أبو الحسن هو كناية عن السمع أو على ما أخذ منكم وقال الفراء: الهاء كناية عن الهدى. أمر الله تعالى نبيه (ع) ان يقول لهؤلاء الكفار " أرايتم ان اخذ الله سمعكم " أي أصمكم، " وأبصاركم " أي أعماكم، تقول العرب: أخذ الله سمع فلان وبصره، أي أصمه وأعماه " وختم على قلوبكم " بأن سلب ما فيها من العقول التي بها يتهيأ لكم ان تؤمنوا بربكم وتتوبوا من ذنوبكم ووسمها * (الهامش) * (1) سورة 28 القصص آية 81. (*)

[ 140 ]

بسمة من يكون خاتمة امره للصير إلى عذاب النار، فلو فعل بكم، هل من اله غيره يأتيكم بهذا الذي سلبكم الله اياه ؟ ! وهل يقدر على ذلك اله غير الله ؟ ! فبين بهذا انه كما لا يقدر على ذلك غير الله فكذلك يجب ان لا يعبدوا سواه: القادر على جميع ذلك. وقوله " انظر كيف نصرف الايات ثم هم يصدفون " تنبيه للعباد على هذه الاية وعلى أمثالها من الايات التي بين فيها انه لا يستحق العبادة سواه تعالى. ثم بين انهم مع ظهور هذه الايات يصدفون أي يعرضون عن تأملها، والتفكر فيها. يقال: صدف عنه، إذا أعرض. وفي الاية دليل على ان الله قد مكنهم من الاقبال على ما ورد عليهم من البيان وانه لم يخلق فيهم الاعراض عنه ولاحملهم عليه، ولا اراده منهم ولازينه لهم، لانه لو كان فعل شيئا من ذلك لم يكن لتعجيبه من ذلك معنى. قوله تعالى: قل أرأيتكم إن أتيكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون (47) آية. أمر الله تعالى نبيه (ع) ان يخاطب كفار قومه، ويقول لهم أرايتم " ان أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة " والبغتة المفاجأة وهو ان يأتيهم العذاب، وهم غافلون غير متوقعين لذلك " اوجهرة " أي وهم شاهدون له، ومعاينون نزوله. وقال الحسن: (البغتة) ان يأتيهم ليلا و (جهرة) نهارا. ثم قال: " هل يهلك " بهذا العذاب " الا القوم الظالمون " الكافرون الذين يكفرون بالله ويفسدون في الارض. وهل ينجو منه الا المؤمنون العابدون لربهم. ومتى هلك فيهم اطفال أو قوم مؤمنون فانما يهلكون امتحانا ويعوضهم الله على ذلك أعواضا كثيرة، يصغر ذلك في جنبها، فجعل ذلك تحذيرا من المقام على الكفر وترغيبا في الايمان والنجاة من العذاب.

[ 141 ]

قوله تعالى: وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (48) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (49) آيتان بلا خلاف. بين الله تعالى في هاتين الايتين انه لا يبعث الرسل أربابا يقدرون على كل شئ يسألون عنه من الايات أو يخترعونه بل انما يرسلهم لما في ذلك من المصلحة لهم ومنبهين على ما في عقولهم من توحيد الله، وعدله وحكمته مبشرين بثواب الله لمن آمن به وعرفه، ومخوفين لمن انكره وجحده. ثم اخبر ان المرسل إليهم مختارون غير مجبرين ولا مضطرين ودل على انه غير محدث لشئ من افعالهم فيهم، وان الافعال لهم، هم يكتسبونها بما خلق الله فيهم من القدرة، وانه قد هداهم، وبين لهم وبشرهم وانذرهم فمن آمن أثابه ومن عصاه عاقبه. ولو كانوا مجبورين على المعاصي مخلوقا فيهم الكفر ولم يجعل فيهم القدرة على الايمان لما كان للاية معنى. قوله تعالى: قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الاعمى والبصير أفلا تتكفرون (50) آية بلا خلاف. امر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وآله ان يقول لعباده: " لا اقول لكم عندي خزائن الله " اغنيكم منها " ولا اعلم الغيب " الذي يختص بعلم الله تعالى فاعرفكم مصالح دنياكم، وانما اعلم قدر ما يعلمني الله من امر البعث والجنة

[ 142 ]

والنار، وغير ذلك، ولا ادعي اني ملك، لاني انسان تعرفون نسبي، لا اقدر على ما يقدر عليه الملك، وما أتبع الا ما يوحي الله به إلي. وبين لهم ان الملك من عند الله، والوحي هو البيان الذي ليس بايضاح نحوالاشارة والدلالة، لان كلام الملك كا له على هذا الوجه. وانما امره بأن يقول ذلك لئلا يدعوا فيه ما أدعت النصارى في المسيح، ولئلا ينزلوه منزلة خلاف ما يستحقه. ثم امره بأن يقول لهم: " هل يستوي الاعمى والبصير " أي هل يستوي العارف بالله تعالى وبدينه العالم به مع الجاهل به وبدينه، فجعل الاعمى مثلا للجاهل والبصير مثلا للعارف بالله ونبيه، هذا قول الحسن والجبائي. وقال البلخي: معناه هل يستوي من صدق على نفسه واعترف بحاله التي هو عليها من الحاجة والعبودية لخالقه، ومن ذهب عن البيان وعمي عن الحق " افلا تتكفرون " فتنصفوا من أنفسكم وتعملوا بالواجب عليكم من الاقرار بوحدانيته تعالى ونفي الشركاء والتشبيه عنه، وهذا وان كان لفظه لفظ الاستفهام فالمراد به الاخبار أي انهما لا يستويان. وقال مجاهد: الاعمى الضال والبصير المهتدي. ثم قال: " افلا تتفكرون " تنبيها لهم على الفكر في ما يدعوهم إلى معرفته ويدلهم عليه من آياته وأمثاله التي بينها في كتابه، للفرق بين الحق والباطل، والكافر والمؤمن. وقال الحسن: " لا اقول لكم عندي خزائن الله " يعني خزائن الغيب الذي فيه العذاب لقولهم: ائتنا بعذاب الله، ولا اعلم الغيب متى يأتيكم العذاب " ولا أقول لكم اني ملك " من ملائكة الله. وانما أنا بشر تعرفون نسبي. ولكني رسول الله يوحى الي، ولا أتبع الا ما يوحى الي ولا أؤدي الا ما يأمرني بأدائه واستدل الجبائي والبلخي وغيرهما بهذه الاية على ان الملائكة افضل من الانبياء لانه قال " ولا أقول لكم اني ملك " فلولا ان الملائكة أفضل وأعلى منزلة ما جاز ذلك. وهذا ليس بشئ لان الفضل الذي هو كثرة الثواب لا معنى له هاهنا، وانما المراد " ولا أقول اني ملك " فاشاهد من امر الله وغيبته عن

[ 143 ]

العباد ما يشاهده الملائكة المقربون المختصون بملكوت السماوات وان لم يكن في ذلك استحقاق ثواب زائد. قوله تعالى: وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (51) آية بلا خلاف. امر الله تعالى نبيه (ع) ان ينذر بهذه الايات أي يخوف بها من هو مقر بالبعث والنشور من المؤمنين، ومن يقر بذلك من الكفار ويعتقد انه لا معونة عند الشركاء يومئذ، لان الامر هناك له تعالى وحده. وقد كان خلق من مشركي العرب يعتقدون ذلك، فأمر الله ان يخص هؤلاء بالانذار، لان الحجة لهم ألزم وان كانت لازمة للجميع. وقوله: " يخافون ان يحشروا إلى ربهم " أي يعلمون ذلك، فهم خائفون منه أي عاملون بما يؤديهم إلى السلام عنده. وقال الفراء: يخافون الحشر إلى ربهم علما بأنه سيكون فلذلك فسره المفسرون يخافون بمعنى يعلمون. وقال الجبائي: امر الله ان يخوف بالعقاب من هو خائف، لانه لما أعلمهم ان الله يعذبهم بكفرهم إذا حشروا، كانوا يخافون الحشر لكونهم شاكين فيما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وآله من الحشر والعذاب. وكانوا يخافون ذلك لشكهم فيه، وان كانوا غير مؤمنين. والاول قول البلخي والزجاج. وقوله: " ليس لهم من دونه ولي " أو من يدفع عنهم ما يريد الله إنزاله بهم من عذابه، وعقوباته، ولا شفيع يشفع يدفع بشفاعته عنهم ما يريد الله انزاله بهم من ذلك على ما قالت النصارى انهم ابناء الله واحباؤه. وقوله: " لعلهم يتقون " أي لكي يتقوا معاصيه. والهاء في قوله " به " قال الزجاج: راجعة إلى القرآن. وقال الجبائي: راجعة إلى العذاب. وقال

[ 144 ]

البلخي: راجعة إلى الانذار. قوله تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين (52) آية بلا خلاف. قرأ ابن عامر " بالغدوة " هنا وفى الكهف - بضم الغين واسكانا الدال واثبات واوبعدها. الباقون بفتح الغين والدال واثبات الف بعد الدال. سبب نزول هذه الاية ما رواه ابن مسعود وغيره: ان ملا من قريش - وقال الفراء: من الكفار، منهم عيينة بن حصين الغزاي - دخلوا على النبي صلى الله عليه وآله وعنده بلال وسلمان وصهيب وعمار، وغيرهم، فقال عيينة بن حصين يارسول الله لو نحيت هؤلاء عنك، لاتاك أشراف قومك، وأسلموا، وكان ذلك خديعة منهم له وكا الله تعالى عالما ببواطنهم. فأمر الله نبيه ان " لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " يعني انه نهاه عن طردهم لانهم يريدون باسلامهم ودعائهم وجه الله. قال الضحاك: " يدعون ربهم بالغداة والعشي " يعني بذلك الصلاة المفروضة في هذين الوقتين وقال ابراهيم هم اهل الذكر. وقال قوم: الدعاء هاهنا هو التحميد والتسبيح وقوله: " يريدون وجهه " شهادة للمعنيين بالاية بالاخلاص وانهم يريدون بعبادتهم الله خالصا. وقال البلخي: قراءة ابن عامر غلط، لان العرب إذا ادخلت الالف واللام قالوا: الغداة يقولون: رأيتك بالغداة، ولا يقولون بالغدوة، فإذا نزعوا الالف واللام قالوا رأيتك غدوة. وانما كتبت واو في المصحف، كما كتبوا الصلاة والزكاة والحياة كذلك.

[ 145 ]

قال أبو علي الفارسى: الوجه الغداة، لانها تستعمل نكرة وتتعرف باللام فأما غدوة فمعرفة أبدا، وهو علم صيغ له. قال سيبويه: غدوة وبكرة جعل كل واحد منهما اسما للجنس كما جعلوا أم حنين اسما لدابة معروفة، كذلك هذا ووجه قراءة ابن عامر أن سيبويه قال زعم الخليل أنه يجوز ان تقول أتيتك اليوم غدوة وبكرة، فجعلها بمنزلة ضحوة. وقوله " فتطردهم " نصب الدال، لانه جواب النفي في قوله: " ما عليك من حسابهم " ونصب فيكون لانه جواب لقوله: " ولا تطرد الذين.. فتكون من الظالمين.. ما عليك من حسابهم من شئ " قال قوم يعني من حساب رزقهم في الدنيا ليس رزقهم في يدك ولا رزقك في أيديهم، بل الله رازق الجميع. وقال الجبائي وهو الاظهر: ما عليك من اعمالهم، ولا عليهم من أعمالك، بل كل واحد يؤاخذ بعمله، ويجازي على فعله، لا على فعل غيره. وقوله " فتطردهم فتكون من الظالمين " اخبار منه تعالى انه لو طرد كل هؤلاء تقريبا إلى الكبراء منهم كان بذلك ظالما. والنبي صلى الله عليه وآله وان لم يقدم على القبيح جاز ان ينهى عنه، لانه قادر عليه وان كان النهي والزجر يمتنع منه، كما قال تعالى " لئن اشركت ليحبطن عملك " وان كان الشرك مأمونا منه. قوله تعالى: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (53) آية بلا خلاف. معنى الاية انه تعالى اخبر انه يمتحن (1) الفقراء بالاغنياء والاغنياء بالفقراء فيختبر صبر الفقراء على ما يرون من حال الاغنياء، واعراضهم عنهم إلى طاعة الرسل ويختبر شكر الاغنياء واقرارهم لمن يسبقهم من الفقراء، والموالي والعبيد * (الهامش) * (1) في المخطوطة " ابتلى " بدل " يمتحن ". (*)

[ 146 ]

إلى الايمان بالرياسة في الدين والتقدم فيه. وقوله: " ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا " فليس المراد باللام لام الغوص لان الله لو قصد ذلك لكان قد قصد بما فعل ان يقولوا هذا القول فيكفروا به ويعصوا ويتعالى الله عن ذلك فكيف يقصده ؟ ! وقد عابه من قولهم وهو يعاقبهم عليه وعابهم به ولكن اللام لام العاقبة. والمعنى اني فعلت ذلك بهم ليصبروا ويشكروا، فكان عاقبة أمرهم ان قالوا " أهؤلاء من الله عليهم من بيننا " ومثله قوله: " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " (1) وقال الشاعر: ام سماك فلا تجزعي * فللشكل ما تلد الوالداه (2) والذي قال " أهولاء من الله عليهم من بيننا " هو عيينة بن حصين واصحابه وقال الزجاج: أي ليقول الكبراء " أهؤلاء من الله عليهم من بيننا " أي ليكون ذلك آية بينة انهم اتبعوا الرسول وصبروا على الشدة في حال شديدة. وقال الجبائي: معنى قوله " فتنا بعضهم ببعض " أي شددنا التكليف على أشراف العرب وكبرائهم بأن امرناهم بالايمان برسول الله وبتقديم هؤلاء الضعفاء على نفوسهم لتقدمهم اياهم في الايمان، وكونهم افضل عند الله. وهذا أمر كان شاقا عليهم، فلذلك سماه الله فتنة. وقوله " ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا " أي فعلنا هذا بهم ليقول بعضهم لبعض على وجه الاستفهام منه لا على وجه الانكار " أهؤلاء من الله عليهم من بيننا " يعني بالايمان إذ رأوا النبي صلى الله عليه وآله يقدم هؤلاء عليهم ويفضلهم وليرضوا بذلك من فعل رسول الله، ولم يجعل هذه الفتنة والشدة في التكاليف ليقولوا ذلك على وجه الانكار، لان إنكارهم ذلك كفر بالله ومعصية له والله تعالى لا يريد ذلك ولا يرضاه، لانه لو أراد ذلك منهم، وفعلوه كانوا مطيعين * (الهامش) * (1) سورة 28 القصص آية 8 (2) مر هذا البيت في 3: 60 وسيأتي في 5: 43 (*)

[ 147 ]

له لا عاصين وقد ثبت خلافه. وقوله: " أليس الله بأعلم بالشاكرين " معناه ان الله تعالى أعلم بالشاكرين له ولنعمه من خلقه فيجازيهم على ذلك بما يستحقونه من الثواب والتعظيم والاجلال. والشاكرون المعنيون بالاية هم هؤلاء الضعفاء ويدخل معهم في ذلك سائر المؤمنين. فان قيل فعلى هذا الوجه الذي ذكرتموه قد وجد من الكفار القول على ما أراده فيجب ان يكونوا مطيعين. قلنا: ليس في الاية ذلك وأنهم على أي وجه قالوه على وجه الانكار أو على وجه الاستفهام ؟ وانما بين انه فعل بهم ليقولوا ذلك على وجه الاستفهام لا على وجه الانكار، فان كانوا قالوه على ما أراده الله فهم مطيعون وان قالوه منكرين فهم عصاة، فلما علمنا أن الله تعالى ذمهم بهذا القول علمنا أنهم لم يقولوه على وجه المراد منهم انما قالوه على خلاف ما أريد منهم. قوله تعالى: وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم (54) آية. قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب: " انه من عمل.. فانه غفور رحيم " بفتح الهمزة فيهما وافقهم اهل المدينة في الاولى منهما. الباقون بالكسر فيهما. قال أبو علي الفارسى من كسر (أنه) الاولى جعلها تفسير للرحمة كما أن قوله " لهم مغفرة واجركريم " تفسير للوعد. واما كسر (إن) في قوله " فانه غفور رحيم " فلان ما بعد الفاء حكمه الابتداء، ومن ثم حمل قوله " ومن عاد

[ 148 ]

فينتقم الله منه " (1) على أرادة المبتدأ بعد الفاء وحذفه. ومن فتح (أن) في قوله " انه " فانه جعل (ان) الاولى بدلا من الرحمة كأنه قال كتب ربكم على نفسه الرحمة انه من عمل منكم. واما فتحها بعد الفاء فانه غفور رحيم، فعلى انه أضمر له خبرا تقديره، فله انه غفور رحيم أي فله غفرانه. أو اضمر مبتدأ تكون (أن) خبره، كأنه قال فأمره انه غفور رحيم واما قراءة نافع: بفتح الاولى وكسر الثانية فالقول فيهما انه أبدل من الرحمة واستأنف ما بعد الفاء. قال سيبويه: بلغنا ان الاعرج قرأ " انه من عمل... فانه غفور رحيم ". ونظيره قول ابن مقبل: واني إذا ملت ركابي مناخها * فاني على حظي من الامر جامح يريد ان قوله: (واني إذا ملت ركابي) محمول على ما قبله كما ان قوله " انه من عمل " محمول على ما قبله. وقوله: فاني على حظي مستأنف مثل قوله " فانه غفور رحيم " مستأنف به منقطع عما قبله. قال الفراء: واختاره الزجاج ويجوز ان يحمل (فانه) على التكرار، قال: لان الكتاب يحتاج إلى (ان) مرة واحدة ولكن الخبر هو موضعها فلما دخلت في ابتداء الكلام أعيدت إلى موضعها، كما قال: " أيعدكم انكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما انكم مخرجون " (2) فلما كان موضع (ان) أيعدكم انكم مخرجون إذا متم دخلت في اول الكلام وآخره. ومثله " كتب عليه انه من تولاه فانه يضله " (3) ومثله " ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فان له " (4) قال ولك ان تكسر (ان) بعد الفاء في هذه الاحرف. قال أبو علي هذا غير صحيح، لان (من) لا يخلو من ان تكون للجزاء الجازم الذي بني اللفظ عليه أو تكون موصولة، ولا يجوز ان يقدر التكرير مع الموصولة فلو كانت موصولة * (الهامش) * (1) سورة 5 المائدة آية 98. (2) سورة 23 المؤمنون آية 35 (3) سورة 22 الحج آية 4 (4) سورة 9 التوبة آية 64. (*)

[ 149 ]

لبقي المبتدأ بلا خبر، ولا يجوز ذلك في الجزء الجازم، لان الشرط يبقى بلا جزاء على اثبات الفاء في قوله: (فان له) ويمتنع من ان يكون بدلا لانه لا يكون بين المبدل والمبدل منه الفاء العاطفة ولا التي للجزاء، فان قيل: هي زائدة بقى الشرط بلا جزاء، فإذا بطل الا مران ثبت ما قدمناه. واما من كسرهما فعلى مذهب الحكاية كأنه لما قال " كتب ربكم على نفسه الرحمة " قال: " انه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده واصلح فانه عفور رحيم " بالكسر، ودخلت الفاء جوابا للجزاء. هذه الاية متصلة بالاولى: نهى الله تعالى نبيه (ع) في الاولى عن ان يطردهم. ثم امره في هذه الاية ان يقول لمن ورد عليه منهم اعني المؤمنين المصدقين بآيات الله وحججه وبراهينه عربيا كان أو أعجميا ضعيفا كان أو قويا - " سلام عليكم " فيبدأهم بالتحية، ويبشرهم بالرحمة ويقوي قلوبهم ويعرفهم أن من اذنب منهم ثم تاب، فتوبته مقبولة كل ذلك خلافا على الكافرين فيما أرادوه عليه من طردهم والغلظة عليهم. وقال محمد بن يزيد: السلام في اللغة أربعة اشياء: احدها - سلمت سلاما مصدر. وثانيها - السلام جمع سلامة. وثالثها - السلام من أسماء الله. ورابعها - السلام شجر. ومعنى السلام الذي هو مصدر سلمت دعاء للانسان ان يسلم في دينه ونفسه، ومعناه التخلص. والسلام الذي هو اسم الله معناه ذو السلام أي الذي يملك السلام الذي هو تخليص من المكروه. والسلام الذي هو الشحر، فهوشجر عظيم سمي بذلك لسلامته من الافات. والسلام حجار صلبة لسلامتها من الرخاوة ويسمى الصلح: السلام والسلم والسلم، لان معناه السلامة من الشر. والسلام دلولها مروة واحدة نحو دلو السقائين. والسلم السبب إلى لشئ. والسلم الذي يرتقى عليه لانه يسلمك إلى حيث تريد وقوله " من عمل منكم سوءا بجهالة " ليس المراد أنهم يجهلون أنه سوء، لانه لو أتى

[ 150 ]

المسلم ما يجهل أنه سوء لكان كمن لم يتعمد سوءا. وتحتمل الاية أمرين: احدهما - انه عمله وهو جاهل بالمكروه فيه أي لم يعرف أن فيه مكروه. والاخر - انه أقدم مع علمه ان عاقبته مكروهة فآثر العاجل، فجعل جاهلا لانه آثر القليل على الراحة الكثيرة والعاقبة الدائمة ويحتمل عندي أن يكون أراد " من عمل منكم سوءا بجهالة " بمعنى أنه لا يعرفها سوءا، لكن لما كان له طريق إلى معرفته وجب عليه التوبة منه، فإذا تاب قبل الله توبته. فان قيل: قوله " وأصلح " هل فعل الصلاح شرط في قبول التوبة أولا ؟ فان لم يكن شرطا فلم علق الغفران بمجموعهما. قيل: لا خلاف أن التوبة متى حصلت على شرائطها التي قدمنا ذكرها في غير موضع، فانه يقبل التوبة ويسقط العقاب، وان لم يعمل بعدها عملا صالحا غير أنه إذا تاب وبقي بعد التوبة، فان لم يعمل الصالح عاد إلى الاصرار، لانه لا يخلو في كل حال من واجب عليه أو ندب من تجديد معرفة الله ومعرفة نبيه، وغير ذلك من المعارف وكثير من أفعال الجوارح، فاما ان قدرنا اختراعه عقيب التوبة من غير فعل صلاح، فان الرحمة باسقاط العقاب تلحقه بلا خلاف. قوله تعالى: وكذلك نفصل الايات ولتستبين سبيل المجرمين (55). آية بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة الاحفصا و " ليستبين " بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ اهل المدينة " سبيل " بالنصب. الباقون بالرفع. من قرأ بالتاء ورفع السبيل، فلان السبيل يذكر ويؤنث، فالتذكير لغة تميم، والتأنيث لغة أهل الحجاز فأنث - هاهنا - كما قال

[ 151 ]

" قل هذه سبيلي " (1). ومن قرأ بالياء فانه ذكر السبيل، لانه الطريق. وهو يذكر، كما قال " وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا " (2). ومن قرأ بالتاء، ونصب (السبيل) أراد أن يكون خطابا للنبي صلى الله عليه وآله كأنه قال: ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين. والنبي صلى الله عليه وآله وان كان مستبينا لطريق المجرمين عالما به فيجوز أن يكون ذلك على وجه التأكيد، ولان يستديم ذلك. ويحتمل أن يكون المراد به الامة، فكأنه قال ليزداد استبانة، ولم يحتج ان يقول: ولتستبين سبيل المؤمنين، لان سبيل المجرمين إذا بانت، فقد بان معها سبيل المؤمنين، لانها خلافها. ويجوز ان يكون المراد، ولتستبين سبيل المجرمين ولتستبين سبيل المؤمنين، وحذف أحدى الجملتين لدلالة الكلام عليه، كما قال " سرابيل تقيكم الحر " (3) ولم يقل تقيكم البرد، لان الساتر يستر من الحر والبرد، لكن جرى ذكر الحر، لانهم كانوا في مكانهم أكثر معاناة له من البرد، وكذلك سبيل المجرمين، خص بالذكر، لان الكلام في وصفهم، وترك ذكر المؤمنين لدلالة الكلام عليه. وهذه الاية معطوفة على الايات التي احتج الله بها على مشركي العرب، وغيرهم فلذلك قال " وكذلك " أي كما قدمنا " نفصل الايات " أي نميزها ونبينها ونشرحها لتلزمهم الحجة و " لتستبين سبيل " من عاند بعد البيان أو ذهب عن فهم ذلك بالاعراض عنه لمن أراد التفهم منهم، ومن المؤمنين ليجانبوها ويسلكوا غيرها. قوله تعالى: قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين (56) * (الهامش) * (1) سورة 12 يوسف آية 108 (2) سورة 7 الاعراف آية 145 (3) سورة 16 النحل آية 81. (*)

[ 152 ]

روي عن يحيى بن وثاب أنه قرأ " ضللت " بكسر اللام. والقراء كلهم على فتحها، وهما لغتان. فمن كسر اللام فتح الضاد من " يضل ". ومن فتح اللام كسر الضاد. فقال " يضل " وقال أبو عبيدة اللغة الغالبة بالفتح. وروى أبو العالية أن النبي صلى الله عليه وآله قرأ هذه الاية عند الكعبة وأظهر لهم المفارقة. وهذه الاية فيها خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وأمر له بأن يقول للكافرين: ان الله قد نهاني أن اعبد هذه الاوثان التي تعبدونها من دون الله وتدعونها آلهة وأنها تقربكم إلى الله زلفى، وأن يقول لهم اني لا أتبع أهواءكم في عبادة الاوثان، واني لو فعلت ذلك لكنت قد ضللت عن الصواب، وبعدت عن الرشد ولم أكن من المهتدين إلى الخير والصلاح. ومعناه معنى الشرط وتقديره قد ضللت ان عبدتها. وقال الزجاج: " وما انا من المهتدين " أي وما أنا من النبيين الذين سلكوا طريق الهدى. قوله تعالى: قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (57) آية بلا خلاف. قرأ اهل الحجاز وعاصم " يقص الحق " من القصص وهو المروي عن ابن عباس ومجاهد. الباقون - بالضاد - المعجمة من فوقها من القضاء. وكان أبو عمرو يقوي القراءة بالضاد بقوله " وهو خير الفاصلين ". ويقول الفصل في القضاء لا في القصص ويقوي ذلك بقوله " والله يقضى الحق وهو يهدي السبيل ". وحجة من قرأ بالصاد قوله: " نقص عليك أحسن القصص " (1) وقوله: " ان هذا لهو القصص " (2). وأما الفصل الذي قوى به أبو عمرو قراءته فقد * (الهامش) * (1) سورة 12 يوسف آية 3 (2) سورة 3 آل عمران آية 62 (*)

[ 153 ]

جاء الفصل في القول كما جاء في الحكم والقضاء في نحو قوله " انه لقول فصل " (3) وقال: " احكمت آياته ثم " فصلت " (4) وقال " نفصل الايات " (5) وقال " لقد كان في قصصهم عبرة لاولي الالباب ما كان حديثا يفتري ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شى " (6) فذكر في القصص انه تفصيل. والحق في قوله " يقض الحق " يحتمل امرين: احدهما - أن يكون صفة لمصدر محذوف وتقديره يقضي القضاء الحق أو يقص القصص الحق. والثاني - أن يكون مفعولا به يعجل الحق كقول الهذلي: وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أن صنع السوابغ تبع (7) أي صنعهما داود. وفي هذه الاية أمر من الله لنبيه ان يقول للكفار انه على بينة من ربه، أي على أمر بين من معرفة الله وصحة نبوته، لا متبع للهوى. وقوله " وكذبتم به " الهاء راجعة إلى البيان، لان البينة والبيان واحد، وتقديره وكذبتم بالبيان الذي هو القرآن. وقال قوم: بينة من ربي من نبوتي " وكذبتم به " يعني بالله. وعلى الاول يكون تقديره كذبتم بما أتيتكم، لانه هو البيان. وقوله: " ما عندي ما تستعجلون به " (ما) بمعنى ليس. والذي استعجلوا به يحتمل امرين: احدهما - العذاب، كما قال " ويستعجلونك بالعذاب " (8). والثاني - أن يكونوا استعجلوا الايات التي أقترحوها عليه فأعلمهم الله أن ذلك عند الله وأن الحكم له تعالى " يقض الحق وهو خير الفاصلين " وكتبت * (الهامش) * (3) سورة 86 الطارق آية 13 (4) سورة 11 هود آية 1 (5) سورة 10 يونس آية 24 (6) سورة 12 يوسف آية 111 (7) مر تخريجه في 1 / 429 وفي 4 / 88. (8) سورة 22 الحج آية 47 وسورة 29 العنكبوت آية 53 - 54 (*)

[ 154 ]

يقضى بغير ياء، لانها اسقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، كما كتبوا " سندع الزبانية " (3) بغير واو. ومن قرأ: بالصاد من القصص حمله على أن جميع ما أنبأ به وأمر به، فهو من أقاصيص الحق. وقال الحسن: (البنية) النبوة و (كذبتم به) بالنبوة التي جاءت من عند الله و " ما تستعجلون به " من العذاب جواب لقولهم: " أتنا بعذاب الله " (4) وفي قراءة ابن مسعود " يقص بالحق " ولم يقرأ به احد. وقوله " يقضى بالحق " يدل على بطلان قول من يقول: ان الظلم والجور بقضاء الله، لان ذلك كله ليس بحق. قوله تعالى: قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الامر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين (58) آية امر الله تعالى نبيه ان يقول للكفار لو كان " عندي ما تستعجلون به " من كون العذاب وأنزاله بكم برأيي وارادتي لفعلت ذلك بكم ولانزلته عليكم و " لقضي الامر بيني وبينكم " بذلك ولا نفصل ولا نقطع، ولكن ليس ذلك إلي وانما هو إلى الله " والله وأعلم بالظالمين " وبمن ينبغي امهاله منهم ومن يجب معالجته بالعقوبة فهو يدبر ذلك بحسب ما يعلم من وجه الحكمة والصواب قوله تعالى: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولاحبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين (59) آية بلا خلاف وهي تمام السبع المثاني. * (الهامش) * (3) سورة 96 العلق آية 18. (4) سورة 29 العنكبوت آية 29 (*)

[ 155 ]

" مفاتح الغيب " معناه الامور التي بها يستدل على الغائب فتعلم حقيقته، يقال: فتحت على الرجل، أي عرفته أولا، ويستدل به على آخر، وجملة يعرف بها التفصيل. ومنه قولهم أفتح علي أي عرفني. قال الزجاج: معناه وعنده الوصلة إلى علم الغيب وكل ما لا يعلم إذا استعلم. وروي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: مفاتح الغيب خمس لا يعلمها الا الله: ان الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الارحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت. ومعنى الاية أن الله تعالى عالم بكل شئ من مبتدءات الامور وعواقبها فهو يعجل ما تعجيله أصلح وأصوب، ويأخر ما تأخيره أصلح واصواب، وأنه الذي يفتح باب العلم لمن يريد إعلامه شيئا من ذلك من أنبيائه وعباده، لانه لا يعلم الغيب سواه، فلا يتهيأ لاحد ان يعلم العباد ذلك، ولا أن يفتح لهم باب العلم به الا الله، وبين أنه يعلم ما في البر والبحر من الحيوان والجماد. وبين أنه ما تسقط من ورقة من شجرة الا يعلمها ولا حبة في جوف الارض وفي ظلماتها الا ويعلمها ولا رطب ولا يابس جميع أصناف الاجسام، لانها أجمع لا تخلو من احدى هاتين الصفتين. وقوله: " وما تسقط من ورقة الا يعلمها " المعنى أنه يعلمها ساقطة وثابتة كما تقول: ما يجيئك من أحد الا وأنا أعرفه، معناه الا وانا أعرف في حال مجيئه. وقوله: " ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس " خبر على تقدير (من). ويجوز الرفع فيها على معنى ولا تسقط ورقة ولا حبة. ويجوز ان يرفعه على الابتداء ويقطعه عن الاول ويكون خبره " الا في كتاب مبين ". وقوله: " في كتاب مبين " يحتمل أمرين: احدهما - ان يكون معناه في علم الله مبين. وثانيهما - ان يكون " في كتاب مبين " ان يكون الله تعالي أثبت ذلك في

[ 156 ]

كتاب قبل أن يخلقه، كما قال " ما أصاب من مصيبة في الارض، ولا في انفسكم الا في كتاب من قبل أن نبرأها " (1) ويكون الغرض بذلك اعلام الملائكة أنه علام الغيوب ليدل على أنه عالم بالاشياء قبل كونها. ويجوز ان يكون المراد بذلك أنه كتب جميع ما يكون ثم امتحن الملائكة بكتبه وتعبدهم باحصائه، كما تعبد سائر خلقه بما يشاء مما فيه صلاحهم. وقال البلخي: " في كتاب مبين " أي هو محفوظ غير منسي ولا مغفول كما يقول القائل لصاحبه: ما تصنعه عندي مسطر مكتوب. وانما يريد بذلك أنه حافظ له يريد مكافأته عليه، قال الشاعر: ان لسلمى عندنا ديوانا ويجوز أن يكون المراد بذكر الورقة والحبة والرطب والياس التوكيد في الزجر عن المعاصي والحث على البر والتخويف لخلقه بأنه إذا كانت هذه الاشياء التي لا ثواب فيها ولا عقاب عليها محصاة عنده محفوظة مكتوبة، فأعمالكم التي فيها الثواب والعقاب أولى، وهو قول الحسن. وقال مجاهد: البر القفار والبحار كل قرية فيها ماء. وعن أبي عبد الله: الورقة السقط والحبة الولد. وظلمات الارض الارحام والرطب ما يبقى ويحيا واليابس ما تغيض. قوله تعالى: وهو الذي يتوفيكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) آية بلا خلاف. قوله: " وهو " كناية عن الله تعالى. و " الذي " صفة له " يتوفاكم بالليل " قيل في معناه قولان: احدهما - قال الجبائي: يقبضكم، وقال الزجاج: ينيمكم بالليل فيقبضكم * (الهامش) * (1) سورة 57 الحديد آية 22. (*)

[ 157 ]

الله إليه، كما قال: " الله يتوفى الانفس حين موتها " (1). وقال البلخي: " واختاره الحسين بن علي المغربي " يتوفاكم " بمعنى يحصيكم عند منامكم وأستقراركم، قال الشاعر: ان بني الادرم ليسوا من أحد * ليسوا من قيس وليسوا من أسد ولا توفاهم قريش في العدد (2) معناه لا تحصيهم في العدد. وقوله: " ويعلم ما جرحتم بالنهار " أي كسبتم، تقول فلان جارحة أهله أي كاسبهم، ومنه قوله: " وما علمتم من الجوارح مكلبين " (3) أي من الكواسب التي تكسب على أهلها، وهو قول مجاهد. وقوله: " ثم يبعثكم فيه " أي في النهار، فجعل أنتباههم من النوم بعثا " ليقضى أجل مسمى " ليستوفى الاجل المسمى للحياة إلى حين الموت. ثم " إليه مرجعكم " يعني يوم القيامة فيحشرهم الله إلى حيث لا يملك فيه الامر سواه. " ثم ينبئكم " يعني يخبركم ويعلمكم " بما كنتم تعملون " في الدنيا فيجازيكم على أعمالكم، وفيها دلالة على خزيهم وحاجتهم، واحتجاج عليهم أنه لا يستحق العبادة سواه إذ هو الفاعل لجميع ما يستحق به العبادة مما عدده والقادر عليه دون من يعبدونه من الاوثان والاصنام. قوله تعالى: وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون (61) ثم ردوا إلى الله موليهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين (62) آيتان * (الهامش) * (1) سورة 39 الزمر آية 42. (2) مقاييس اللغة 3: 270 واللسان (وفي) وروايته " الادرد " مع حذف البيت الثاني وجعل الثالث بعد الاول وكذلك في الطبري 11: 405. (3) سورة 5 المائدة آية 5. (*)

[ 158 ]

كلهم قرأ " توفته رسلنا " بالتاء الا حمزة فانه قرأ " توفاه ". وحجة من قرأ بالتاء قوله " كذبت رسل من قبلك " (1) وقوله " اذجاءتهم الرسل من بين أيديهم " (2) و " جاءتهم رسلهم بالبينات (3) و " قالت رسلهم " (4) وحجة حمزة انه فعل متقدم مسند إلى مؤنث غير حقيقي. وانما التأنيث للجمع، فهو مثل قوله " وقال نسوة في المدينة " (5) وما أشبه ذلك مما يأتيه تأنيث الجمع، قال وليس ذلك خلافا للمصحف، لان الالف الممالة تكتب ياء. وقوله " وهو القاهر " معناه والله المتقدر المستعلي على عباده الذين هو فوقهم لا على أنه في مكان مرتفع فوقهم وفوق مكانهم، لان ذلك لا يجوز عليه، لانه صفة للاجسام. ومثله في اللغة أمر فلان فوق أمر فلان، يراد به أنه أعلى امرا، وانفذ قولا. ومثله قوله تعالى " يد الله فوق أيديهم " (6) والمراد أنه أقوى واقدر منهم وانه القاهر لهم. وقوله: " ويرسل عليكم حفظة " يعني يرسل عليكم ملائكة يحفظون أعمالكم ويحصونها عليكم ويكتبونها ليعلموا بذلك أن عليهم رقيبا من عند الله ومحصيا عليهم فينزجروا من عن المعاصي. وبين ان هؤلاء الحفظة هم شهداء عليكم بهذه الاعمال يوم القيامة. وقوله " حتى إذا جاء احدكم الموت " يعني وقت الموت " توفته رسلنا " يعني قبضت الملائكة روح المتوفى، وهم رسل الله الذين عنا هم الله بهذه الاية. وقال الحسن: " توفته رسلنا " قال هو ملك الموت وأعوانه وأنهم لا يعلمون آجال العبادحتى يأتيهم علم ذلك من قبل الله بقبض أرواح العباد. وقوله: * (الهامش) * (1) سورة 6 الانعام آية 34 (2) سورة 41 حم السجدة آية 14 (3) سورة 7 الاعراف آية 100 ويونس 10 آية 13 وابراهيم 14 آية 9 الروم 30 آية 9 وسورة 35 فاطر آية 25 والمؤمن 40 آية 83. (4) سورة 14 ابراهيم آية 10 (5) سورة 12 يوسف آية 30 (6) سورة 48 الفتح آية 10. (*)

[ 159 ]

" توفته رسلنا " أي تقبضه، والتوفى هو القبض على ما بيناه. ثم إن هؤلاء الرسل " لا يفرطون " أي لا يقصرون - في قول الزجاج - ولا يغفلون، ولا يتوانون. وقال الجبائي: لا يأخذون روحه قبل أجله ويبادرون إلى ما أمروا به عن غير تقصير، ولا تفريط. والمعنى في التوفي ان يعلم العباد أنهم يحصون إذا ماتوا فلا يرون أنهم يهملون إذا ماتوا وأن احدا منهم لا يثبت ذكره ليجزى بعمله. ثم بين ان هؤلاء الذين تتوفاهم رسلنا يردون بعد الوفاة إلى الله فيردهم إلى الموضع الذي لا يملك الحكم عليهم فيه الا الله ولا يملك نفعهم ولا ضرهم سواه فجعل ردهم إلى ذلك الموضع ردا إلى الله، وبين أنه هو " مولاهم الحق " لانه خالقهم ومالكهم، والقاهر عليهم القادر على نفعهم وضرهم، ولا يجوز ان يوصف بهذه الصفة سواه، فلذلك كان مولاهم الحق. وقال البلخي: (الحق) اسم من اسماء الله وهو خفض، لانه نعت لله، ويجوز الرفع على معنى الله مولاهم الحق، ويجوز ان ينصب على معنى يعني مولاهم، والقراءة بالخفض. وقوله: " ألا له الحكم " معناه ألا يعلمون أو ألا يقرون ان الحكم يوم القيامة هو له وحده ؟، ولا يملك الحكم في ذلك اليوم سواه، كما قد يملك الحكم في الدنيا غيره بتمليك الله اياه. وقوله: " وهو أسرع الحاسبين " روي أنه تعالى يحاسب عباده على مقدار حلب شاة، وذلك يدل على أنه لا يحتاج ان يكلفهم مشقة وآلة على ما يقوله المشبهة، لانه لو كان كذلك لا يحتاج ان يتطاول زمان محاسبته أو أنه يشغله محاسبته عن محاسبة غيره. وروي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قيل له كيف يحاسب الله الخلق وهم لا يرونه ؟ قال: كما يرزقهم ولا يرونه والمعنى في الاية أنه تعالى أحصى الحاسبين لما أحصى الملائكة وتوفوا من الانفس لا يخفى عليه من ذلك خافية ولا يحتاج في عده إلى فكر ونظر.

[ 160 ]

قوله تعالى: قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجينا من هذه لنكونن من الشاكرين (63) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (64) آيتان بلا خلاف. قرأ يعقوب " قل من ينجيكم " مخففا. الباقون بالتشديد. وقرأ أبو بكر " وخفية " بكسر الخاء - هاهنا -، وفي الاعراف. وقرأ اهل الكوفة الا ابن شاهي " أنجانا " على لفظ الاخبار عن الواحد الغائب، وأماله حمزة والكسائي وخلف. الباقون " أنجيتنا " على وجه الخطاب. وقرأ اهل الكوفة الا العبسى وهشام وأبو جعفر " قل الله ينجيكم " بالتشديد. الباقون بالتخفيف. يقال: نجازيد ينجو، قال الشاعر: * نجاسالم والنفس منه لشدقه * (1) فإذا نقلت الفعل حسن ان تنقله بالهمزة فتقول انجيته، ويجوز أن ننقله بتضعيف العين، فتقول نجيته، ومثله فرحته وأفرحته وعرضته وأعرضته، قال الله تعالى " فأنجاه الله من النار " (2) " فأنجيناه والذين معه " (3) وقال " ونجينا الذين " (4) فلما أستوت اللغتان وجاء التنزيل بهما تساوت القراءتان. ووجه قراءة من قرأ " لئن أنجانا " أنه حمله على الغيبة كقوله " تدعونه... لئن أنجانا "، وكذلك ما بعده " قل الله ينجيكم " " قل هو القادر " فهذا كله أسماء غيبة ف‍ (أنجانا) أولى من (انجيتنا) لكونه على ما قبله، وما * (الهامش) * (1) اللسان " نجا " نسبه إلى الهذلي وروايته: نجا عامر والنفس منه بشدقه * ولم ينج الا جفن سيف ومئزرا (2) سورة 29 العنكبوت آية 4 (3) سورة 7 الاعراف آية 63، 71 (4) سورة 41 حم السجدة آية 18 (*)

[ 161 ]

بعده من لفظ الغيبة، وموضع (يدعونه) نصب على الحال، وتقديره قل من ينجيكم داعين وقائلين " لئن انجيتنا ". ومن قرأ من الكوفيين " لئن أنجانا " طلب المشاكلة. ومن قرأ بالتاء واجه بالخطاب ولم يراع المشاكلة. ويقوي ذلك قوله في أخرى " لئن انجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. قل الله ينجيكم " فجاء انجيتنا على الخطاب وبعده اسم غيبة. وأما إمالة حمزة والكسائي فحسنة، لان هذا النحو من الفعل إذا كان على أربعة أحرف أستمرت فيه الامالة، لانقلاب الالف ياء في المضارع. ومن قرأ " خفية " بكسر الخاء، فلان أبا عبيدة قال " خفية " تخفون في أنفسكم وخفي غيره خفية، وخفية لغتان، وحكي خفوة وخفوة بالواو، كما قالواحل حبوته وحبيته، ولا يقرأ بذلك. فأما قوله " تضرعا وخيفة " ففعلة من الخوف. وانقلبت الواو، للكسرة. والمعنى أدعوا خائفين خافيين، قال الشاعر: فلا تقعدن على زخة * وتضمر في القلب وجدا وخيفا (1) يريد جمع خيفة. أمر الله تعالى نبيه ان يخاطب الخلق ويقول لهم على وجه التقريع لمن يعبد الاصنام منهم - " من ينجيكم من ظلمات البر والبحر " ومعناه شدائد البر والبحر، تقول العرب لليوم الذي يلقى فيه الشدة: يوم مظلم حتى أنهم يقولون: يوم ذو كواكب أي قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل، قال الشاعر: ابني أسد هل تعلمون بلاءنا * إذا كان يوم ذو كواكب أشهب وقال آخر: فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي * إذا كان يوم ذو كواكب أشهب (2) فمعنا ظلمات البر والبحر شدائدهما. وقوله: " تدعونه... وخفية " أي مظهرين الضراعة، وهي شدة الفقر إلى الشئ والحاجة و " تدعونه... * (الهامش) * (1) قائله صخر الغي. اللسان " زخخ ". الزخ والزخة " بتشديد الخاء ": الحقد والغيظ. (2) اللسان " شهب " أنشده سيبويه. في المطبوعة " اشنع " بدل (اشهب) (*)

[ 162 ]

خفيه " أي تدعونه في أنفسكم بما تضمرون من حاجاتكم إليه كما تظهرون. وقوله " لئن أنجيتنا من هذه " أي في شدة وقعوا فيها، يقولون " لئن أنجيتنا من هذه " لنشكرنك، فأمر الله ان يسألهم على وجه التوبيخ لهم والتقرير بأنه ينجيهم وأنه القادر على نفعهم وضرهم. ثم أعلمهم ان الله الذي أقروا بأنه ينجيهم هو ينجيهم ثم هم يشركون معه الاصنام التي قد علموا أنها من صنعهم وأنها لا تضر ولا تنفع وأنه تعالى على تعذيبهم قادر. قوله تعالى: قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض أنظر كيف نصرف الايات لعلهم يفقهون (65) آية بلا خلاف هذا أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء الكفار: ان الله قادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم نحو الحجارة التي أمطرها على قوم لوط، والطوفان الذي غرق به قوم نوح " أو من تحت أرجلكم " نحو الخسف الذي نال قارون ومن خسف به " أو يلبسكم شيعا " معنى يلبسكم يخلط أمركم خلط اضطراب، لا خلط اتفاق يقال: لبست عليه الامر ألبسه إذا لم تبينه، وخلطت بعضه ببعض، ومنه قوله " وللبسنا عليهم ما يلبسون " (1) ويقال لبست الثوب ألبسه. ومعنى " شيعا " أي يجعلكم فرقا لا تكونون شيعة واحدة فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضا وهو معنى قوله " ويذيق بعضكم بأس بعض " وانما يلبسهم الله شيعا بأن يكلهم إلى أنفسهم ولا يلطف لهم اللطف الذي يؤمنون عنده ويخليهم من ألطافه بذنوبهم السالفة، فيلبس عند ذلك عليهم أمرهم، فيختلفوا حتى يذوق بعضهم بأس بعض. ثم أكد الاحتجاج عليهم، فقال: " انظر كيف نصرف الايات " لتفقهوا. * (الهامش) * (1) سورة 6 الانعام آية 9 (*)

[ 163 ]

وقال الحسن: الاية متناولة، لاهل الكتابين في التهديد بالخسف، وانزال العذاب " أو يلبسكم شيعا " يتناول أهل الصلاة. وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (سألت ربي أن لا يظهر على أمتي أهل دين غيرهم فأعطاني، وسألته ألا يهلكم جوعا فأعطاني، وسألته أن لا يجمعهم على ضلالة، فأعطاني، وسألته أن لا يلبسهم شيعا، فمنعني ذلك). وفي الاية دلالة على أنه تعالى أراد من الكفار الايمان، لانه قال: فعلت هذا بهم " لعلهم يفقهون " ومعناه لكي يفقهوا، لان معنى الشك لا يجوز عليه تعالى. وإذا ثبت أنها دخلت للغرض ثبت أنه أراد ان يؤمنوا به ويوحدوه، ويفقهوا أدلته ويعرفوها. وروي عن ابي عبد الله (ع) أنه قال معنى " عذابا من فوقكم " السلطان الجائر " ومن تحت أرجلكم " السفلة، ومن لا خير فيه " أو يلبسكم شيعا " قال: " العصبية " ويذيق بعضكم بأس بعض " قال سوء الجوار، ويكون معنى البعث على هذا الوجه التمكين ورفع الحيلولة دون أن يفعل ذلك أو يأمر به، يتعالى الله عن ذلك. قوله تعالى: وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون (67). آية في المدنيين والبصري وآيتان في الكوفي، آخر الاولى " بوكيل ". قوله تعالى " وكذب به قومك " أي بما صرف من الايات التي ذكرها في الاية الاولى - في قول البلخي والجبائي - وقال الازهري: الهاء راجعة إلى القرآن. ثم أخبر تعالى، فقال " وهو الحق " وأمره أن يقول لقومه " لست عليكم بوكيل " أي لم أؤمر بمنعكم من التكذيب بآيات الله وان أحفظكم من ذلك وان أحول بينكم وبينه، لان الوكيل على الشئ هو القائم بحفظه، والذي يدفع الضرر عنه.

[ 164 ]

وقال البلخي: هذه نزلت بمكة قبل أن يؤمر بالقتال، ثم امر فيما بعد ذلك. وأمره ان يخبرهم ان " لكل نباء " يخبرهم به " مستقر " وهو وقته الذي يعلمون فيه صحة ما وعدهم به وحقيقته، وذلك عند كون مخبره، اما في الدنيا، واما في الاخرة " وسوف تعلمون " فيه تهديد لهم بكون ما أخبرهم به من العذاب النازل بهم في الدنيا والاخرة، ووقت كون هذا العذاب هو مستقر الخبر. وقال بعضهم: أنبأه الله بالوقت الذي يظفره فيه بهم. وقال الزجاج يجوز أن يكون اراد وقت الاذن في محاربتهم حتى يدخلوا في الاسلام أو يقبلوا الجزية ان كانوا أهل كتاب. وقوله: " وكذب به قومك " المراد به الخصوص، لان في قومه جماعة صدقوا به، وهو كما يقول القائل: هؤلاء عشيرتي، يشير إلى جماعة وان لم يكونوا جميع عشيرته. قوله تعالى: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) آية بلا خلاف قرأ ابن عامر " وام ينسينك " بتشديد السين. الباقون بالتخفيف. خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بهذه الاية، فقال له " إذا رأيت " هؤلاء الكفار " الذين يخوضون في آياتنا ". قال الحسن، وسعيد بن جبير: معنى " يخوضون " يكذبون " بآياتنا " وديننا والخوض التخليط في المفاوضة على سبيل العبث واللعب، وترك التفهم واليقين. ومثله قول القائل: تركت القوم يخوضون، أي ليسوا على سداد، فهم يذهبون ويجيئون من غير تحقيق ولا قصد للواجب - أمره حينئذ ان يعرض عنهم " حتى يخوضوا في حديث غيره " لان من حاج من هذه حاله وأراد التبيين له فقد وضع الشئ في غير موضعه

[ 165 ]

وحط من قدر الدعاء، والبيان والحجاج. ثم قال له صلى الله عليه وآله ان انساك الشيطان ذلك " فلا تقعد بعد الذكرى " - والذكرى والذكر واحد - " مع القوم الظالمين " يعني هؤلاء الذين يخوضون في ذكر الله وآياته. ثم رخص للمؤمنين بقوله: " وما على الذين يتقون من حسابهم " (1) بأن يجالسوهم إذا كانوا مظهرين للتكبر عليهم غير خائفين منهم، ولكن ذكرى يذكرونهم أي ينبهونهم ان ذلك يسوءهم " لعلهم يتقون " ثم نسخ ذلك بقوله " وقد نزل عليكم في الكتاب ان إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها " إلى قوله: " انكم إذا مثلهم " (2) وبهذا قال سعيد بن جبير والسدي وجعفر بن مبشر، واختاره البلخي وقال: في أول الاسلام كان ذلك يخص النبي صلى الله عليه وآله ورخص المؤمنين فيه، ثم لما عز - الاسلام، وكثر المؤمنون نهوا عن مجالستهم ونسخت الاية. واستدل الجبائي بهذه الاية على انه لا يجوز على الائمة المعصومين على مذهبنا التقية. (وقال: لانهم إذا كانوا الحجة كانوا مثل النبي، وكما لا يجوز عليه التقية فكذا الامام - على مذهبكم -) ! وهذا ليس بصحيح، لانا لا نجوز على الامام التقية فيما لا يعرف الا من جهته، كالنبي وانما يجوز التقية عليه فيما يكون عليه دلالة قاطعة موصلة إلى العلم، لان المكلف علته مزاحة في تكليفه، وكذلك يجوز في النبي صلى الله عليه وآله أن لا يبين في الحال، لامته ما يقوم منه بيان منه أو من الله أو عليه دلالة عقلية، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله لعمر حين سأله عن الكلالة فقال (يكفيك آية الصيف) وأحال آخر في تعرف الوضوء على الاية، فأما ما لا يعرف الا من جهته، فهو والامام فيه سواء لا يجوز فيهما التقية في شئ من الاحكام. واستدل الجبائي أيضا بالاية على ان الانبياء يجوز عليهم السهو والنسيان قال بخلاف ما يقوله الرافضة بزعمهم من أنه لا يجوز عليهم شئ من ذلك. وهذا ليس بصحيح أيضا لانا نقول انما لا يجوز عليهم السهو والنسيان فيما يؤدونه عن الله، فأما غير ذلك فانه يجوز أن ينسوه أو يسهو عنه مما لم يؤد ذلك إلى * (الهامش) * (1) سورة 6 الانعام آية 69 (2) سورة 4 النساء آية 139 (*)

[ 166 ]

الاخلال بكمال العقل، وكيف لا يجوز عليهم ذلك وهم ينامون ويمرضون ويغشى عليهم، والنوم سهو وينسون كثيرا من متصرفاتهم أيضا وما جرى لهم فيما مضى من الزمان، والذي ظنه فاسد. وقال أيضا في الاية دلالة على وجوب انكار المنكر لانه تعالى أمره بالاعراض عنهم على وجه الانكار والازدراء لفعلهم وكل أحد يجب عليه ذلك اقتداء بالنبي. قوله تعالى: وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) آية بلا خلاف. لهذه الاية تأويلان: أحدهما - قال الجبائي والزجاج واكثر المفسرين ان المراد ليس على المتقين من حساب الكافرين وما يخوض فيه المشركون، ولا من مكروه عاقبته شئ " ولكن ذكرى " أي نهوا عن مجالستهم ليزدادوا تقى وأمروا ان يذكروهم وينبهوهم على خطأهم لكي يتقي المشركون إذا رأوا أعراض هؤلاء المؤمنين عنهم، وتركهم مجالستهم فلا يعودون لذلك. والثاني - قال البلخي: ليس على المتقين من الحساب يوم القيامة مكروه ولا تبعة ولكنه أعلمهم بأنهم محاسبون وحكم بذلك عليهم لكي يعلموا أن الله يحاسبهم، فيتقوا فعلى الاول الهاء والميم كناية عن الكفار وعلى الثاني عن المؤمنين. و (ذكرى) يحتمل ان يكون في موضع رفع ونصب، فالنصب على تقدير ذكرهم ذكرى والرفع على وجهين: احدهما - ولكن عليكم ان تذكروهم، كما قال: " ان عليك الا البلاغ " (1) والثاني - على تقدير ولكن الذي يأمرونهم * (الهامش) * (1) سورة 42 الشورى آية 48 (*)

[ 167 ]

به ذكرى ليتقوا عذاب الله. وقال أبو جعفر (ع): لما نزلت " فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " قال المسلمون كيف نصنع ان كان كلما استهزء المشركون بالقرآن قمنا وتركناهم فلا ندخل إذا المسجد الحرام ولا نطوف بالبيت الحرام، فأنزل الله تعالى " وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ " وامرهم بتذكيرهم وتبصيرهم ما أستطاعوا. قوله تعالى: وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحيوة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها اولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (70) آية عند الجميع. معنى قوله " ذر " دع يقال: وذر يذر مثل ودع يدع، فإذا أمرت منه قلت: ذركما قال " ذرهم يأكلوا ". وقوله " الذين أتخذوا دينهم لعبا ولهوا " يعني هؤلاء الكفار الذين وصفهم انهم أتخذوا دين الله لعبا ولهوا، لانه لا معنى لمحاجة من كانت هذه سبيله، لانه لاعب عابث، لا يصغي لما يقال له، فالمكلم له والمحتج عليه غير منتفع ولا نافع. وقد قطع الله عذر هؤلاء الذين يذهبون مذهب اللعب بما أدركوه بعقولهم، وما شاهدوه من آياته " وغرتهم الحياة الدنيا ". ثم امر نبيه صلى الله عليه وآله ان يذكر به، يعني القرآن. وقيل الحساب، لكي لا تبسل نفس بما كسبت أي تدفع إلى الهلكة على وجه الغفلة وتسلم لعملها غير قادرة على

[ 168 ]

التخلص، قال الشاعر في الغريب المضيف: وابسالي بني بغير جرم * بعوناه ولا بدم مراق (1) أي اسلامي اياهم. بعوناه اجترمناه، والبعو الجناية. وقيل: معنى تبسل ترهن ويسلم لعمله. قال الاخفش: معنى " تبسل " تجازى من ابسل ابسالا، ومنه قوله " اولئك الذين أبسلوا " (2) قال الكسائي: " تبسل تجزى يعني في الكلام. وقال الفراء: معناه يسلم ويقال اعط الراقي بسلته أي أجرته على رقيته. ويقال أسد باسل، معناه ان معه من الاقدام ما يستبسل له قرنه، ويقال هذا بسل أي حرام، وهو بسل أي حلال. وهذا من الاضداد. " شراب من حميم " قال الضحاك الحميم هو الماء الذي احمي حتى انتهى غليانه. وقوله: " وان تعدل كل عدل " قال بعضهم ان يفد كل فدية يريد ان يجعلها عدلا لها من قوله " لا يقبل منها عدل " (3) وقال غيره معناه وان تقسط كل قسط لا يقبل منها في ذلك اليوم لان التوبة انما هي في الحياة الدنيا. ثم أخبر تعالى انه ليس لهؤلاء الكفار " ولي ولا شفيع " أي لا ناصر لهم، ولا من يسأل فيهم واخبر أيضا أن هؤلاء في قوله " اولئك الذين أبسلوا " هم الذين يجازون بما كسبوا وان لهم شرابا من حميم وعقابا أليما بما كانوا يكفرون، نعوذ بالله منها. وقيل: ما من أمة الا ولهم عيد يلعبون فيه ويلهون، الاأمة محمدفان أعيادهم صلاة وتكبير ودعاء وعبادة. قوله تعالى: قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدينا الله كالذي استهوته الشياطين في الارض حيران له أصحاب يدعونه إلى * (الهامش) * (1) تفسير الطبري 11 / 445 ومجاز القرآن 1 / 149 واللسان " بعمل " (2) سورة 6 الانعام آية 70 (3) سورة 2 البقرة آية 123 (*)

[ 169 ]

الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين (71) آية بلا خلاف. قرأ حمزة " استهواه الشياطين " بألف ممالة، الباقون بالتاء المعجمة من فوق قال أبو عبيدة " كالذي استهوته الشياطين " أي استمالت به، ذهبت به، ومنه " فأزلهما الشيطان عنها " (1) وكذلك هوى وأهوى غيره، قال تعالى: " والمؤتفكة أهوى " (2) يقال أهويته واستهويته، كما قال " فأزلهما الشيطان " و " انما استزلهما الشيطان " (3)، فكما أن ازله بمعنى استزله كذلك استهواه بمنزلة أهواه، وكما أن معنى استجابه أجابه في قول الشاعر: فلم يستجبه عند ذاك مجيب (4) وقرأ حمزة هاهنا مثل قراءته " توفاه " وكلا المذهبين حسن. وقوله: " استهواه " انما هو من قولهم: هوى من حالق إذا تردى منه. ويشبه به الذي زل عن الطريق المستقيم، كما أن زل انما هو من العباد، والمكان أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله والمؤمنين أن يقولوا لهؤلاء الذين يدعونهم إلى عبادة الاوثان والاصنام " أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا " ان عبدناه، ولا يضرنا ان تركنا عبادته " ونرد على أعقابنا " بعد الهدى والرشاد وبعد معرفتنا بالله وتصديق رسله إلى الضلال، وذلك مثل يقال فيمن رجع عن خير إلى شر: رجع على عقبيه، وكذلك إذا خاب من مطلبه، يقال رد على عقبيه، ويصير في الحيرة " كالذي استهوته الشياطين في الارض حيران " لا يهتدي إلى طريق، ولا معرفة " له أصحاب يدعونه " إلى الطريق الواضح وهو الهدى ويقولون له " ائتنا " ولا يقبل منهم، ولا يصير إليهم غير انه لذهاب عقله من فعل الله، فيستولي الشيطان حينئذ عليه، ولا يقبل من أحد لحيرته. شبه الله به الكافر الذي يرجع * (الهامش) * (1) سورة 2 البقرة آية 36 (2) سورة 53 النجم آية 53 (3) سورة 3 آل عمران آية 155 (4) انظر / 131 (*)

[ 170 ]

عن ايمانه وهداه إلى الضلال. قال ولا يقدر أحد من الشياطين على اذهاب عقل أحد، لانهم لو قدروا على ذلك لسلبوا عقول العلماء من حيث انهم أعداؤهم، فلما لم يقدروا على ذلك دل على أنه لا يقدر على ذلك الا الله. ثم أمره الله أن يقول لهؤلاء الكفار " ان هدى الله هو الهدى " أي دلالة الله لنا على توحيده وأمر دينه هو الهدى الذي يؤدي المستدل به إلى الفلاح والرشاد في دينه وهو الذي يجب أن يعمل عليه ويستدل به دون ما يدل عليه غيره من سوى أمور الدين. وقوله " وأمرنا لنسلم لرب العالمين " معناه أمرنا أن نسلم امورنا لله رب العالمين وان نفوضها إليه ونتوكل عليه لا على غيره مما يعبده المشركون. و " حيران " نصب الحال، وتقديره كالذي استهونه الشياطين في حال حيرته. وقوله " له أصحاب يدعونه إلى الهدى " قيل: نزلت في عبد الرحمن ابن أبي بكر، كان أبواه يدعوانه إلى الايمان ويقولان له " ائتنا "، أي تابعنا في ايماننا " وأمرنا لنسلم لرب العالمين " تقول العرب: أمرتك ان تفعل وأمرتك لتفعل وأمرتك بأن تفعل، فمن قال: أمرتك بأن تفعل، فالباء للالصاق. والمعنى وقع الامر بهذا الفعل. ومن قال أمرتك أن تفعل حذف الباء، ومن قال أمرتك لتفعل المعنى أمرنا للاسلام. قال الزجاج: يكون اللام لام التعليل والتقدير أمرنا كي نسلم قال الشاعر: أريد لا نسى ذكرها فكأنما * تمثل لي ليلى بكل سبيل (1) أي كي أنسى. وقال الطبري: معناه وأمرنا لنخضع له بالذلة والطاعة ونخلص ذلك له دون ما سواه من الانداد والالهة. قوله تعالى: وأن أقيموا الصلوة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72) آية بلا خلاف. * (الهامش) * (1) مر هذا البيت في 3 / 174 وهو في مجمع البيان 2 / 319 (*)

[ 171 ]

تحتمل هذه الاية وجهين: احدهما - أن يكون التقدير أمرنا لان نسلم، ولان نقيم الصلاة. والثاني - ان يكون محمولا على المعنى، لان معناه أمرنا بالاسلام، واقامة الصلاة، وموضع (أن) نصب، لان الباء لما أسقطت أفضى الفعل، فنصب. ويحتمل أن يكون محمولا على قوله " يدعونه إلى الهدى ائتنا " وان " أقيموا الصلاة " أي ويدعونه أن أقيموا الصلاة. وهذه الاية موصولة بالتي قبلها أي " أمرنا لنسلم لرب العالمين " وقيل لنا " أقيموا الصلاة واتقوه " اي اتقوا رب العالمين بأن تجتنبوا معاصيه وتتقوا عقابه. ثم بين أنه " هو الذي إليه تحشرون " أن تجمعون إليه يوم القيامة فيجازي كل عامل منكم بعمله، وتوفى كل نفس بما كسبت. قوله تعالى: وهو الذي خلق السموات والارض بالحق ويوم يقول كن فيكون (*) قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير (72) آيتان في البصري والمدنيين وآية في الكوفي. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهؤلاء الكفار الذين يعبدون الاصنام، ويدعون المؤمنين إلى عبادتها " وامرنا لنسلم لرب العالمين " الذي خلق السماوات والارض بالحق، وفي معنى بالحق قولان: احدهما - قال الحسن والبلخي والجبائي والزجاج والطبري: ان معناه خلقهما للحق لا للباطل. ومعناه خلقهما حقا وصوابا لا باطلا وخطأ، كما قال تعالى: " وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا " (1) وادخلت الباء * (الهامش) * (1) سورة 38 ص آية 27 (*)

[ 172 ]

والالف واللام كما أدخلت في نظائرها يقولون: فلان يقول بالحق، بمعنى أنه يقول الحق، لا أن الحق معنى غير القول بل التقدير ان خلق الله السماوات والارض حكمة وصواب من حكم الله، وهو موصوف بالحكمة في خلقهما وخلق ما سواهما من جميع خلقه لا أن هناك حقا سوى خلقهما خلقهما به، وذلك يدل على بطلان ما يقوله المجبرة: ان هذا كله باطل وسفه، وما يخالف الحكمة هو من فعل الله، تعالى الله عن ذلك. والثاني - قال قوم: معنى ذلك أنه خلق السماوات والارض بكلامه، وهو قوله " ائتيا طوعا أو كرها " (2) قالوا: فالحق هو كلامه واستشهدوا على ذلك بقوله " ويوم يقول كن فيكون قوله الحق " (3) أن الحق هو قوله وكلامه. قالوا والله خالق الاشياء بكلامه، وذلك يوجب أن يكون كلامه قديما غير مخلوق، وقد بينا فساد هذا الوجه فيما تقدم، والمعتمد الاول. وقوله " ويوم يقول كن فيكون " نصب (يوم) على وجوه: احدها - على معنى واتقوا " يوم يقول كن فيكون " نسقا على الهاء كما قال: " واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا " (4). والثاني - أن يكون على معنى واذكر يوم يقول كن فيكون لان بعده " واذ قال ابراهيم " والمعنى واذكر " يوم يقول كن فيكون " واذكر " إذ قال ابراهيم " وهو الذي أختاره الزجاج. والثالث - أن يكون معطوفا على " السماوات والارض بالحق " وخلق " يوم يقول كن فيكون ". فان قيل: ان يوم القيامة لم يخلق بعد ؟ قيل: ما أخبر الله بكونه فحقيقة واقع له محالة وقال قول: التمام عند قوله " كن " وقوله " فيكون قوله الحق " ابتداء أي ما وعدوا به من الثواب وحذروا به من العقاب كائن حق قوله بذلك. * (الهامش) * (2) سورة 41 حم السجدة آية 11 (3) سورة 6 الانعام آية 73 (4) سورة 2 البقرة آية 48 (*)

[ 173 ]

وقوله " كن فيكون " قال قوم هو خطاب للصور. والمعنى ويوم يقول للصور كن فيكون. وقد بينا فيما مضى أن ذلك عبارة عن سرعة الفعل وتيسيره وانه لا يتعذر عليه شئ بمنزلة أن يقول كن فيكون، لا أن هناك أمر على الحقيقة وكيف يكون هناك أمر والامر لا يتوجه الا الى الحي القادر ؟ ! والمعدوما ت والجمادات لا يحسن أمرها ولا خطابها. والغرض بالاية الدلالة على سرعة أمر البعث والساعة، كأنه قال ويوم يقول للخلق: موتوا فيموتون وانتشروا فينتشرون الا يتعذور عليه ولا يتأخر عن وقت ارادته. وقيل " يوم يقول كن فيكون قوله الحق " أي يأمر فيقع امره. والحق من صفة قوله. كما يقول القائل قد قلت، فكان قولك. والمعنى ليس انك قلت فكان الكلام. وانما المعنى انه كان ما دل عليه القول وعلى القول الاول يرفع (قوله) بالابتداء و (الحق) خبر الابتداء. وحكي عن قوم من السلف " فيكون " بالنصب باضمار (ان). وتقديره كن فأن يكون، وهذا ضعيف. وقوله " وله الملك يوم ينفخ في الصور " يحتمل نصب " يوم ينفخ " ثلاثة أوجه: احدها - ان يكون متعلقا ب‍ (له الملك) والتقدير له الملك يوم ينفخ في الصور وانما خص ذلك اليوم بأن الملك له كما خصه في قوله " لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ". وقرأ بعضهم " ينفخ " بفتح الياء. و " عالم الغيب والشهادة " فاعل (ينفخ) وهو شاذ، روي عن ابن عباس ذلك، والوجه أنه لا يبقى ملك من ملكه الله في الدنيا أو يغلب عليه بل ينفرد هو تعالى بالملك. والثاني - ان يكون يوم ينفخ بيانا على قوله " يوم يقول كن فيكون " الثالث - ان يكون منصوبا ب‍ (قوله الحق). والمعنى وقوله الحق يوم ينفخ، الصور. والوجه في اختصاص ذلك اليوم بالذكر ما بيناه في الوجه الاول، لان قوله حق في جميع الاوقات. وفي معنى الصور قولان: احدهما - ما عليه اكثر المفسرين من انه اسم لقرن ينفخ فيه الملك

[ 174 ]

فيكون منه الصوت الذي يصعق له اهل السماوات واهل الارض، ثم ينفخ فيه نفخة أخرى للنشور، وهو الذي اختاره البلخي والجبائي والزجاج والطبري واكثر المفسرين. والثاني - أنه جمع صورة مثل قولهم سورة وسور اختاره أبو عبيدة. وقرأ بعضهم في الشواذ في الصور بفتح الواو وذلك يقوى ما قاله أبو عبيدة، ويكون تقديره يوم ينفخ في الاموات. ويقوي الاول قوله تعالى " ونفخ في الصور فصعق من في السماوات " ثم قال " ثم نفخ فيه اخرى " (1) ولم يقل فيها أخرى أو فيهن وذلك يدل على انه واحد. وروى أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كيف انعم وقد التقم صاحب القرن وحنا جنبيه وأصغا سمعه ينتظر ان يؤمر، فينفخ ؟ ! قالوا: فكيف نقول يارسول الله ؟ قال قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. والعرب تقول نفخ الصور ونفخ في الصور، قال الشاعر: لولا ابن جعدة لم يفتح فهندركم * ولا خراسان حتى ينفخ الصور (1) وروي عن ابن عباس ان الصور يعني به النفخة الاولى. ثم بين انه عالم الغيب والشهادة اي ما يشاهده الخلق وما لا يشاهدونه وما يعلمونه ومالا يعلمونه، ولا يخفى عليه شئ من ذلك. وبين انه الحكيم في أفعاله الخبير العالم بعباده وبأفعالهم، ورفع عالم الغيب لانه نعت للذي في قوله " وهو الذي خلق السماوات والارض بالحق عالم الغيب والشهادة " ويحتمل ان يكون اسم ما لم يسم فاعله كما يقولون اكل طعامك عبد الله، فيظهر اسم فاعل الاكل بعدان قد جرى الخبر بما لم يسم فاعله، والاول أجود، فأما من فتح الياء في ينفخ فانه جعل عالم الغيب فاعله مرتفعا به. قوله تعالى: وإذ قال إبرهيم لابيه آزر أتتخذ أصناما آلهة * (الهامش) * (1) سورة 39 الزمر آية 68. (*)

[ 175 ]

إني أريك وقومك في ضلال مبين (74) آية بلا خلاف. قرأ اكثر القراء (آزر) بنصب الراء. وقرأ أبو بريد المدني والحسن البصري ويعقوب بالضم. فمن قرأ بالنصب جعل (آزر) في موضع خفض بدلا من أبيه. ومن قرأ بالضم جعله منادى مفردا وتقديره يا آزر. وقال الزجاج: لا خلاف بين اهل النسب ان اسم ابي ابراهيم تارخ والذي في القرآن يدل على ان اسمه (آزر) وقيل (آزر) ذم في لغتهم كأنه قال: واذ قال ابراهيم لا بيه يامخطئ اتتخذ أصناما فعلى هذا قال الزجاج الاختيار الرفع. قال: ويجوز أن يكون وصفا له كأنه قال واذقال ابراهيم لابيه المخطئ. قال الزجاج: وقيل (آزر) اسم صنم، فموضعه نصب على اضمار الفعل، كأنه قال: واذ قال ابراهيم لابيه أتتخذ آزر، وجعل (أصناما) بدلا من آزر واشباهه. فقال بعد أن قال اتتخذ آزر الها اتتخذ اصناما آلهة. والذي قاله الزجاج يقوي ما قاله أصحابنا، ان آزر كان جده لامه أو كان عمه، لان أباه كان مؤمنا من حيث ثبت عندهم أن آباء النبي صلى الله عليه وآله إلى آدم كلهم كانوا موحدين لم يكن فيهم كافر، وحجتهم في ذلك اجماع الفرقة المحقة، وقد ثبت أن اجماعها حجة لدخول المعصوم فيها، ولا خلاف بينهم في هذه المسألة. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: نقلني الله من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات لم يدنسني بدنس الجاهلية، وهذا خبر لا خلاف في صحته، فبين النبي صلى الله عليه وآله أن الله نقله من أصلاب الطاهرين فلو كان فيهم كافر لما جاز وصفهم بأنهم طاهرون، لان الله وصف المشركين بأنهم أنجاس، فقال " انما المشركون نجس " (1) ولهم في ذلك أدلة لا نطول بذكرها الكتاب لئلا يخرج عن الغرض. واختلفوا في معنى (آزر) هل هو اسم أو صفة، فقال السدي ومحمد * (الهامش) * (1) سورة 9 التوبة آية 29. (*)

[ 176 ]

ابن اسحاق وسعيد بن عبد العزيز والجبائي والبلخي: انه اسم أبي ابراهيم، وهو تارخ كما قيل ليعقوب: اسرائيل، قالوا: ويجوز ان يكون لقبا غلب عليه. وقال مجاهد: ليس آزر أبا ابراهيم وانما هو اسم صنم. وقال قوم هو سب وعبث بكلامهم، ومعناه معوج. و (إذ) في الاية متعلقة بقوله واذكر " إذ قال ابراهيم لابيه آزر اتتخذ أصناما آلهة " والالف الف انكار لا استفهام وان كان قد خرج مخرج الاستفهام. وقوله " اني أراك في ضلال مبين " يعني في ضلال عن الصواب وقوله " مبين " يدل على انه قال ذلك منكرا، والمبين هو البين الظاهر، والغرض بالاية حث النبي صلى الله عليه وآله على محاجة قومه الذين يدعونه إلى عبادة الاصنام والازدراء على فعلهم والاقتداء في ذلك بأبيه ابراهيم صلى الله عليه وآله وصبره على محاجة قومه العابدين للاصنام ليتسلى بذلك ويقوي دواعيه إلى ذلك. والاصنام جمع صنم وهو مثال من حجر أو خشب اومن غير ذلك في صورة انسان وهو الوثن. وقد يقال للصورة المصورة على صورة الانسان في الحائط وغيره صنم ووثن. قوله تعالى: وكذلك نري إبرهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين (75) آية بلا خلاف. معنى قوله " وكذلك نري ابراهيم ملكوت " أي مثل ما وصفنا من قصة ابراهيم من قوله لابيه ما قال نريه " ملكوت السماوات " أي انا كما أريناه أن قومه في عبادة الاصنام ضالون كذلك نريه ملكوت السماوات والارض وقيل في معنى الملكوت أقوال: قال الزجاج، والفراء والبلخي والجبائي والطبري وهو قول عكرمة: ان الملكوت بمنزلة الملك غير أن هذه اللفظة ابلغ من الملك، لان الواو والتاء يزادان للمبالغة. ومثل الملكوت الرغبوت

[ 177 ]

والرهبوت ووزنه (فعلوت) وفى المثل (رهبوت خير من رغبوت) * ومن روى (رهبوتي خير من رحموتي) معناه أن يكون له هيبة يرهب بها خيرمن أن يرحم. وقال مجاهد (ملكوت السماوات والارض) ملكهما بالنبطية. وقال الضحاك: يعني خلقهما، وبه قال ابن عباس، وقتادة. وروي عن مجاهد أيضا أن معناه آيات السماوات والارض. وروي عن مجاهد وابن عباس أيضا أنه أراد بذلك ما أخبر الله عنه أنه أراه من النجوم والشمس والقمر، حين خرج من المغارة، وبه قال قتادة. وقال الجبائي: المعنى اناكنا نري ابراهيم ملكوت السماوات والارض والحوادث الدالة على أن الله مالك لها، ولكل شئ بنفسه، لا يملكه سواه، فأجرى الملكوت على المملوك الذي هو في السماوات والارض مجازا. وقوله " وليكون من الموقنين " أي اريناه ملكوت السماوات ليستدل به على الله وليكون من الموقنين أن الله هو خالق ذلك والمالك له. والموقن هو العالم الذي يتيقن الشئ بعدأن لم يكن مثبتا، ولهذا لا يوصف تعالى بأنه متيقن كما يوصف بأنه عالم، لانه تعالى عالم بها فيما لم يزل،. وقال أبو جعفر (ع): كشط الله له السموات والارض حتى رآهن وما عليهن من الملائكة وحملة العرش، وذلك قوله: " وكذلك نري ابراهيم ملكوت السماوات والارض ". فان قيل كيف يجوز أن يرى ما تحت الارضين والارض حجاب لماتحتها وكذلك السماء فوقها ؟ قلنا: لا يمتنع أن يجعل الله تعالى منها خروقا ومنافذ ويقوي شعاعه حتى ينفذ فيهافيرى ما فوقها وما تحتها ولا يمنع من ذلك مانع، ومثل هذا روي عن مجاهد والسدي وسعيد بن جبير وسلمان. قوله تعالى: فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل

[ 178 ]

قال لا أحب الافلين (76) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا وما أنا من المشركين (79) أربع آيات بلا خلاف. قرأ ابن ذكوان، وحمزة والكسائي وخلف، ويحيى والكسائي عن أبي بكر (رأى) بكسر الراء وامالة والهمزة منه ومن قوله " رأى أيديهم " (1) في هود، و " رآى قمصه " و " رأى برهان ربه " في يوسف (2) و " رأى نارا " في طه (3) و " لقد رأى " في النجم (4) سبعة مواضع. وهو ما لم يقله ساكن ولم يتصل بمكنى، وافقهم العليمي في " رأى كوكبا " حسب. وقرأ أبو عمرو - بفتح الراء - وإمالة الهمزة فيهن. الباقون بفتح الراء والهمزة. فأن لقي (رأى) ساكنا، وهو ستة مواضع هاهنا: " رأى القمر " و " رأى الشمس " وفي النحل " وإذا رأى الذين اشركوا " (5) وفي الكهف " ورأى المجرمون " (6) وفى الاحزاب " ولما رأى المؤمنون " (7) بكسر الراء وكسر الهمزة فيهن حمزة وخلف وبصير وابو بكر الا الاعشى. البرجمي. الباقون بفتح الراء والهمزة فان اتصل رأى بمكنى نحو (رآه ورآك ورآها) فكسر * (الهامش) * (1) سورة 11 هود آية 70 (2) آية 24 وآية 28. (3) آية 10 (4) آية 18. (5) آية 85، 86 (6) آية 54. (7) آية 22. (*)

[ 179 ]

الراء وامال الهمزة حيث وقع حمزة والكسائي وخلف ويحيى والكسائي عن أبي بكر. وقرأ أبو عمرو والداحوني عن ابن ذكوان - بفتح الراء وامالة الهمزة - الباقون (*) بفتحهما. قال أبو علي الفارسي: وجه قراءة من لم يملها انه ترك الامالة كما تركوا الامالة في قولهم: دعا، ورمى. فلما لم يمل الالف لم يمل الالف التي قبلها، كما أمالها من يرى الامالة ليميل الالف نحو الياء. ومن قرأ بين الفتح والكسر كما قرأ نافع، فلا يخلو أن يريد الفتحتين اللتين على الراء والهمزة، أو الفتحة التي على الهمزة وحدها، فان كان يريد فتحة الهمزة فانما أمالها نحو الكسرة ليميل الالف التي في " رأى " نحو الياء كما أمال الفتة التي عدل الدال من (هدى) والميم من (رمى). وان كان يريد أنه أمال الفتحتين جميعا التي على الراء والتي على الهمزة، فإمالة فتحة الهمزة على ما تقدم ذكره، واما امالة الفتحة التي على الراء فانما أمالها لاتباعه اياها امالة فتحة الهمزة، كأنه امال الفتحة كما أمال الالف في قولك: رأيت عمادا، إذ الفتحة الممالة بمنزلة الكسرة فكما أميلت الفتحة في قولك: من عامر، لكسرة الراء كذلك أميلت فتحة الراء من (رأى) لامالة الفتحة التي على الهمزة. والتقديم والتأخير في ذلك سواء. ومن كسر الراء والهمزة فالوجه فيه أنه كسر الراء من (رأى) لان المضارع منه على (يفعل) وإذا كان المضارع منه على (يفعل) كان الماضي على (فعل) ألا ترى ان المضارع في الامر العام إذا كان على (يفعل) كان الماضي على فعل. وعلى هذا قالوا: إيت بيتنا، فكسروا حرف المضارعة. كما كسروا في نحو يحيى، ويعلم، ويفهم. وكسروا الياء أيضا في هذه الحروف، فقالوا: إيتنا، ولم يكسروها في (يعلم ويفهم) إذا كان الماضي على فعل فيما يترك كسر الراء التي هي فاء، لان العين همزة. وحروف الحلق إذا جاءت في كلمة على زنة (فعل) كسرت فيها الفاء لكسر العين في الاسم والفعل، نحو قولهم: غير قعر،

[ 180 ]

ورجل حبر، وفحل، وفي الفعل نحو (شهد ولعب ونعم) فكسرة الياء على هذا كسرة مخلصة محضة، وليست بفتحة ممالة، واما كسرة الهمزة فأنه يراد به امالة فتحتها إلى الكسرة، لتميل الالف نحو الياء. ومن ترك الامالة إذا لقيها ساكن، فانهم كانوا يميلون الفتحة لميل الالف نحو الياء، فلما سقطت الالف بطلت امالتها بسقوطها، وبطلت بذلك امالة الفتحة نحو الكسرة لسقوط الالف التي كانت الفتحة الممالة لميلها نحو الياء في مثل (رأى الشمس) و (رأى القمر) ونحوهما في جميع القرآن. ومن وافق في بعض ذلك دون بعض أحب الاخذ باللبس. ووجه قراءة أبي بكر وحمزة في (رأى الشمس) ورأى القمر) بكسر الراء وفتح الهمزة في جميع القرآن، أن كسر الراء انما هو للتنزيل الذي ذكرناه، وهو معنى منفصل من إمالة فتحة الهمزة، ألا ترى انه يجوز ان يعمل هذا المعنى من لا يرى الامالة كما يجوز ان يعمله من يراها. وإذا كان كذلك كان انفصال أحدهما من الاخر سائغا غير ممتنع. فأما رواية يحيى عن أبي بكر - بكسر الراء والهمزة معا - فانما يريد بكسرة الهمزة إمالة فتحتها، فوجه كسر الراء قد ذكروا امالة فتحها مع زوال ما كان يوجب امالتها من حذف الالف، فلان الالف محذوفة لالتقاء الساكنين. وما يحذف لالتقاء الساكنين ينزل تنزيل المثبت. ألا ترى انهم أنشدوا: ولا ذاكر الله الا قليلا (1) فنصب الاسم بعد (ذاكر) وان كانت النون محذوفة لما كان الخذف لالتقاء الساكنين. والحذف لذلك في تقدير الاثبات، من حيث كان التقاؤهما غير لازم ولذلك لم تزد الالف في نحو (رمت المرأة) ويشهد لذلك أنهم قالوا: شهد، فكسروا الفاء لكسر العين، ثم أسكنوا فقالوا - شهد، فأبقوا الكسرة في الفاء مع زوال ما كان أصلها وانشد قول الاخطل: * (الهامش) * (1) مر تخريجه في 2 / 72 (*)

[ 181 ]

إذا غاب عنا غاب عنا فرأتنا * وان شهد أجدى فضله وجداوله (2) وقالوا: صعق، ثم نسبوا إليه فقالوا: صعقي، فأقروا كسرة الفاءمع زوال كسرة العين التي لها كسرت الفاء. وزعم أبو الحسن ان ذلك لغة مع ما فيه من وجوه التلبيس وأنها قراءة. يقال: جن عليه الليل، وجنه الليل، وأجنه، وأجن عليه، ومع حذف " على " فأجنه بالالف أفصح من جنه الليل. وكل ذلك مسموع، فلغة أسد جنه الليل، ولغة تميم أجنه، والمصدر من جن عليه جنا وجنونا وجنانا وأجن إجنانا. ويقال: أتانا فلان في جن الليل. والجن مشتق من ذلك، لانهم استجنوا عن أعين الناس، فلا يرون، وكلما توارى عن أبصار الناس، فان العرب تقول: قد جن. ومنه قول الهذلي: وماء وردت قبيل الكرى * وقد جنه السدف الادهم (3) وقال عبيد: وخرق تصيح الهام فيه مع الصدى * مخوف إذا ما جنه الليل مرهوب (4) وتقول: اجننت الميت إذا واريته في اللحد وجننته وهو مثل جنون الليل في معنى غطيته وسمي الترس مجنا لانه يجن اي يغطي، وقال الشاعر: فلما أجن الليل بتنا كأننا * على كثرة الاعداء محترسان قوله " فلما جن عليه الليل " أي أظلم. وقوله " فلما أفل " معناه غاب يقال: أفل يأفل أفولا، وتقول اين أفلت عنا، واين غبت عنا، قال ذو الرمة: مصابيح ليست باللواتي تقودها * نجوم ولا بالافات الد والك (5) * (الهامش) * (1) ديوانه 64 (3) هكذا في المطبوعة والمخطوطتين وتفسير الطبري 11 / 479 وروي " وماء وردت على خيفة " و " على جفنه " و " قبل الصباح ". ديوان الهذليين 3: 56 واللسان " سدف " " جنن ". (4) ديوانه 38 والطبري 11 / 479. (5) ديوانه: 245 ومجاز القرآن 1 / 199 واللسان والتاج " دلك " - (*)

[ 182 ]

وقوله " رأى القمر بازغا " أي طالعا، يقال: بزغت الشمس بزوغا إذا طلعت، وكذلك القمر، وقوله للشمس " هذا ربي " وهي مؤنثة معناه هذا الشئ الطالع ربي أو على أنه حين ظهرت الشمس وقد كانوا يذكرون الرب في كلامهم، فقال لهم هذا ربي ؟ ! وقيل في معنى هذه الاية وجوه أربعة: الوجه الاول - ما قاله الجبائي: ان ما حكى الله عن ابراهيم في هذه الاية كان قبل بلوغه، وقبل كمال عقله ولزوم التكليف له، غير انه لمقاربته كمال العقل خطرت له الخواطر وحركته الشبهات والدواعي على الفكر فيما يشاهده من هذه الحوادث، فلما رأى الكوكب - وقيل: انه الزهرة - وبان نوره مع تنبيهه بالخواطر على الفكر فيه وفي غيره ظن انه ربه، وأنه هو المحدث لما شاهده من الاجسام وغيرها " فلما أقل قال لا أحب الافلين " لانه صار منتقلا من حال إلى حال وذلك مناف لصفات القديم " فلما رأى القمر بازغا " عند طلوعه رأى كبره واشراق ما انبسط من نوره في الدنيا " قال هذا ربي " فلما راعاه وجده يزول ويأفل، فصار عنده بحكم الكوكب الذي لا يجوز ان يكون بصفة الاله، لتغيره وانتقاله من حال إلى حال، " فلما رأى الشمس بازغة " أي طالعة قد ملات الدنيا نورا ورأى عظمها وكبرها " قال هذا ربي هذا أكبرفلما أفلت " وزالت وغابت، فكانت شبيهة بالكوكب والقمر قال حينئذ لقومه " اني برئ مما تشركون " فلما أكمل الله عقله ضبط بفكره النظر في حدوث الاجسام بأن وجودها غير منفكة من المعاني المحدثة، وأنه لا بدلها من محدث، قال حينئذ لقومه " اني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض... " إلى آخرها. والوجه الثاني - ما قاله البلخي وغيره: من أن هذا القول كان من ابراهيم في زمان مهلة النظر، لان مهلة النظر مدة، الله العالم بمقدارها، وهي اكثر من * (الهامش) * والطبري 11: 485 والازمنة 49 وكتاب القرطين 1: 26. ويصف الابل بأنها مصابيح اي تصبح في مبركها فلا تقف في الطريق. (*)

[ 183 ]

ساعة. وقال البلخي: وأقل من شهر، ولا يدري ما بينهما الا الله، فلما أكمل الله عقله وخطر بباله ما يوجب عليه النظر وحركته الدواعي على الفكر والتأمل له. قال ما حكاه الله، لان ابراهيم (ع) لم يخلق عارفا بالله، وانما اكتسب المعرفة لما أكمل الله عقله، وخوفه من ترك النظر بالخواطر، فلما رأى الكوكب - وقيل هو الزهرة - رأى عظمها واشراقها وما هي عليه من عجيب الخلق، وكان قومه يعبدون الكواكب، ويزعمون أنها آلهة - قال هذا ربي ؟ ! على سبيل الفكر والتأمل لذلك، فلما غابت وأفلت، وعلم ان الافول لا يجوز على الله علم انها محدثة متغيرة لتنقلها، وكذلك كانت حاله في رؤية القمر والشمس، وأنه لما رأى افولهما قطع على حدوثهما واستحالة إلهيتهما، وقال في آخر كلامه " اني برئ مما تشركون اني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا وما أنا من المشركين " وكان هذا القول منه عقيب معرفته بالله وعلمه بأن صفات المحدثين لا تجوز عليه. فان قيل: كيف يجوز ان يقول: هذا ربي مخبرا، وهو يجوز أن يكون مخبره لا على ما اخبر، لانه غير عالم بذلك، وذلك قبيح في العقول، ومع كمال عقله لابد أن يلزمه التحرز من الكذب ؟ ! قلنا عن ذلك جوابان: احدهما - انه قال ذلك فارضا مقدرا، لا مخبرا بل على سبيل الفكر والتأمل، كما يقول الواحد منا لغيره إذا كان ناظرا في شئ ومحتملا بين كونه على إحدى صفتين: انا نفرضه على احداهما لننظر فيما يؤدي ذلك الفرض إليه من صحة أو فساد، ولا يكون بذلك مخبرا، ولهذا يصح من احدنا إذا نظر في حدوث الاجسام وقدمها ان يفرض كونها قديمة ليتبين ما يؤدي إليه ذلك الفرض من الفساد. والثاني - انه اخبر عن ظنه وقد يجوز ان يكون المفكر المتأمل ظانا في حال نظره وفكره ما لا اصل له ثم يرجع عنه بالادلة والعلم ولا يكون ذلك

[ 184 ]

منه قبيحا. فان قيل: ظاهر الايات يدل على ان ابراهيم ما كان رأى هذه الكواكب قبل ذلك، لان تعجبه منها تعجب من لم يكن رآها، فكيف يجوز ان يكون إلى مدة كمال عقله لم يشاهد السماء وما فيها من النجوم ؟ ! قلنا: لا يمتنع ان يكون ما رأى السماء الا في ذلك الوقت، لانه روي أن أمه ولدته في مغارة لا يرى السماء، فلما قارب البلوغ وبلغ حد التكليف خرج من المغارة ورأى السماء وفكر فيها. وقد يجوز أيضا ان يكون رآها غير انه لم يفكر فيها ولا نظر في دلائلها، لان الفكر لم يكن واجبا عليه، فلما كمل عقله وحركته الخواطر فكر في الشئ الذي كان يراه قبل ذلك ولم يكن مفكرا فيه. والوجه الثالث - ان ابراهيم لم يقل ما تضمنته الايات على وجه الشك ولا في زمان مهلة النظر بل كان في تلك الحال عالما بالله وبما يجوز عليه، فانه لا يجوز ان يكون بصفة الكوكب، وانما قال ذلك على سبيل الانكار على قومه والتنبيه لهم على ان ما يغيب وينتقل من حال إلى حال لا يجوز ان يكون إلها معبودا، لثبوت دلالة الحدث فيه. ويكون قوله " هذا ربي " محمولا على أحد وجهين. احدهما - أي هو كذلك عندكم وعلى مذهبكم كما يقول احدنا للمشبه على وجه الانكار عليه: هذا ربي جسم يتحرك ويسكن وان كان عالما بفساد ذلك. والثاني - أن يكون قال ذلك مستفهما وأسقط حرف الاستفهام للاستغناء عنه، كما قال الاخطل: كذبتك عينك أم رايت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا (1) وقال آخر: * (الهامش) * (1) ديوانه 41، وقد مر في 1: 403، 475 (*)

[ 185 ]

لعمرك ما أدري وان كنت داريا * بسبع رمين الجمر ام بثمانيا (1) وقال ابن أبي ربيعة: ثم قالوا تحبها قلت بهرا * عدد النجم والحصى والتراب (2) وقال أوس بن حجر: لعمرك ما أدري وان كنت داريا * شعيب بن سهم أم شعيب بن منقر (3) وانما أراد أشعيب بن سهم أم شعيب بن منقر. فان قيل: حذف حرف الاستفهام انما يجوز إذا كان في الكلام عوضا منه نحو (أم) للدلالة عليه، ولا يستعمل مع فقد العوض، وفى الابيات عوض عن حرف الاستفهام، وليس ذلك في الاية. قلنا: قد يحذف حرف الاستفهام مع ثبوت العوض تارة وأخرى مع فقده إذا زال اللبس، وبيت ابن أبي ربيعة ليس فيه عوض ولا فيه حرف الاستفهام، وانشد الطبري: رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع * فقلت وانكرت الوجوه هم هم (4) أي أهم هم ؟، وروي عن ابن عباس في قوله " فلا اقتحم العقبة " أنه قال معناه أفلا اقتحم العقبة، وحذف حرف الاستفهام. وإذا جاز ان يحذفوا حرف الاستفهام لدلالة الخطاب جاز أن يحذفوه لدلالة العقل، لان دلالة العقل أقوى من غيرها. والوجه الرابع - أن ابراهيم قال ذلك على وجه المحاجة لقومه بالنظر كما يقول القائل: إذا قلنا: ان لله ولدا لزمنا أن نقول له زوجة، وان يطأالنساء * (الهامش) * (1) تفسير القرطبي 7 / 27. (2) ديوانه: 117 " طبعة بيروت سنة 1311 ه‍ ". (3) شواهد المغني: 15 والكامل للمبرد 1 / 384، 2 / 115 والبيان والتبيين 4 / 40 وسيبويه 1 / 845 وتفسير الطبري 11 / 484 وغيرها. (4) قائله أبو خراش الهذلي، ديوان الهذليين 2: 144 واللسان (رفأ) (رفو) والقرطبي 7 / 26 و (رفوني) اي اسكنوني من الرعب. (*)

[ 186 ]

وأشباه ذلك، وليس هذا على * وجه الاقرار والاخبار والاعتقاد بذلك، بل على وجه المحاجة فيجعلها مذهبا ليرى خصمه المعتقد لها فسادها. وكل هذه الايات فيها تنبيه لمشركي العرب وزجر لهم عن عبادة الاصنام وحث على الاخذ بدين ابراهيم ابيهم وسلوك سبيله في النظر والفكر والتدين، لانهم كانوا قوما يعظمون أسلافهم وآباءهم فأعلمهم الله تعالى ان اتباع الحق من دين ابيهم الذي يقرون بفضله اوجب عليهم ان كان بهم تعظيم الاباء والكراهة لمخالفتهم. وفي الاية دلالة على ان معرفة الله ليست ضرورية، لانها لو كانت ضرورية لما احتاج ابراهيم إلى الاستدلال على ذلك، ولكان يقول لقومه: كيف تعبدون الكواكب وانتم تعلمون حدوثها وحدوث الاجسام ضرورة، وتعلمون ان لها محدثا على صفات مخصوصة ضرورة، وما كان يحتاج إلى تكلف الاستدلال والتنبيه على هذا. وقوله " لئن لم يهدني ربي " معناه لئن لم يلطف بي ويسددني ويوفقني لاصابة الحق في توحيده " لاكونن من القوم الضالين " الذين ضلوا عن الحق وأخطأوا طريقه، فلم يصيبوا الهدى. وليس الهداية - ههنا - الادلة، لان الادلة كانت سبقت حال زمان النظر، فان التكليف لا يحسن من دونها ولا يصح مع فقدها. وقوله في الشمس " هذا أكبر " يعني من الكواكب وحذف لدلالة الكلام عليه. وقوله " اني وجهت وجهي " معناه أخلصت عبادتي وقصدت بها إلى الله الذي خلق السماوات والارض. وفيه اخبار عن ابراهيم واقرار منه واعتراف بأنه (ع) خالف قومه أهل الشرك، ولم يأخذه في الله لومة لائم، ولم يستوحش من قول الحق لقلة تابعيه. وقال لهم " اني برئ مما تشركون " مع الله - الذي خلقني وخلقكم - في عبادته من آلهتكم بل " وجهت وجهي " في عبادتي إلى الذي خلق السماوات ولارض الذي يبقى ولا يفني، الحي

[ 187 ]

الذي لا يموت. واخبر انه يوجه عبادته ويخلصها له تعالى. والاستقامة في ذلك لربه على ما يجب من التوحيد لا على الوجه الذي توجه له من حيث ليس بحنيف. ومعنى الحنيف هو المائل إلى الاستقامة على وجه الرجوع فيه. وقوله " وما أنا من المشركين " اني لست منكم، ولا ممن يدين بدينكم، ويتبع ملتكم أيها المشركون. قوله تعالى: وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيئ علما أفلا تتذكرون (80) آية عند الجيع قرأ اهل المدينة وابن ذكوان " أتحاجوني " بتخفيف النون. الباقون بتشديدها. وقرأ الكسائي والعبسي " وقد هداني " بالامالة. الباقون بالتفخيم. قال أبو علي: من شدد فلا نظر في قوله. ومن خفف فانه حذف النون الثانية لالتقاء الساكنين. والتضعيف يكره، فيتوصل إلى ازالته تارة بالحذف نحو علم أني فلان، وتارة بالابدال نحو لا املاه عني تفارقا، ونحو ديوان وقيراط، فحذفوا الثانية منهما كراهية التضعيف. ولا يجوز ان يكون المحذوفة الاولى، لان الاستثقال يقع بالتكرير في الامر الاعم وفي الاولى أيضا أنها دلالة الاعراب ولذا حذفت الثانية كما حذف الشاعر في قوله: ليتي أصادفه وافقد بعض مالي (1). وقال بعضهم حذف هذه النون لغة غطفان. وحكى سيبويه هذه القراءة مستشهدا بها في حذف النونات كراهية التضعيف. اما إمالة (هداني) فحسنة، * (الهامش) * (1) قائله زيد الخيل، اللسان (ليت) وروايته. كمنية جابر إذ قال ليتي * أصادفه وأتلف جل مالي (*)

[ 188 ]

لانه من هدى يهدي، فهو من الياء. وإذا كانوا أما لوا (غزا، ودعا)، لانه قد يصير إلى الياء في غزي ودعي. فهذا لا اشكال في حسنه. قوله " وحاجة قومه " يعني في وجوب عبادة الله وترك عبادة آلهتهم وخوفوه من تركها وان لا يأمن ان تخبله آلهتهم من الاصنام وغيرها، فقال لهم ابراهيم (ع) " أتحاجوني في الله وقد هداني " بأن وفقني لمعرفته ولطف بي في العلم بتوحيده وترك الشرك واخلاص العبادة له " ولا اخاف ما تشركون به " أي لا اخاف منه ضررا ان كفرت به ولا أرجو نفعا إن عبدته، لانه بين صنم قد كسر، فلم يدفع عن نفسه أو نجم دل أفوله على حدوثه، فكيف تحاجوني وتدعونني إلى عبادة من لا يخاف ضرره ولا يرجا نفعه " الا أن يشاء ربي شيئا " فيه قولان: احدهما - الا أن يقلبها الله، فيحييها ويقدرها فتضر وتنفع، فيكون ضررها ونفعها إذ ذاك دليلا على حدوثها أيضا، وعلى توحيد الله وأنه المستحق للعبادة دون غيره وانه لا شريك له في ملكه، ثم أثنى عليه تعالى فأخبر بأنه عالم بكل شئ، وامرهم بالتذكر والتدبر لما أورده عليهم مما لا يدفعونه ولا يقدرون على انكاره ان انصفوا. الثاني - قال الحسن: قوله: " ولا أخاف ما تشركون به " أي لا اخاف الاوثان " الا أن يشاء ربي شيئا " استوجبه على الله تعالى، أو يشاء الله ان يدخلني في ملتكم بالكفر. والاول هو الاجود. (أتحاجوني) أصله (أتحاجونني) بنونين احداهما للجمع والاخرى لاسمه، فأدغمت احداهما في الاخرى، فشددت ومثله (تأمر ونني) وقد يخفف مثل هذا في بعض المواضع، قال الشاعر: أبا لموت الذي لابد أني * ملاق لا أباك تخوفيني فجاء بنون واحدة وخففها، والاول أجود واكثر في العربية.

[ 189 ]

قوله تعالى: وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالا من إن كنتم تعلمون (81) آية بلا خلاف. في هذه الاية احتجاج من ابراهيم (ع) على قومه وتأكيد لما قدم من الحجاج لانه قال لهم: وكيف تلزمونني ان اخاف ما أشركتم به من الاوثان المخلوقة وقد تبين حالهم، وانهم لا يضرون ولا ينفعون، وانتم لا تخافون من هو القادر على الضر والنفع بل تتجرؤن عليه وتتقدمون بين يديه بأن تجعلوا له شركاء في ملكه وتعبدونهم من دونه، فأي الفريقين احق بالامن: نحن المؤمنون الذين عرفنا الله بأدلته ووجهنا العبادة نحوه ؟ ام أنتم المشركون بعبادته غيره من الاصنام والاوثان ؟ ولو أطرحتم الميل والحمية والعصبية لما وجدتم لهذا الحجاج مدفعا. وقوله " ما لم ينزل به سلطانا " أي حجة لان السلطان هو الحجة في اكثر القرآن، وذلك يدل على ان كل من قال قولا واعتقد مذهبا بغير حجة مبطل. وقوله " ان كنتم تعلمون " معناه ان كنتم تستعملون عقولكم وعلومكم وتحكمونها على ما تهوونه وتميل إليه أنفسكم. وفي الاية دلالة على فساد قول من يقول بالتقليد وتحريم النظر والحجاج، لان الله تعالى مدح ابراهيم لمحاجته لقومه وامر نبيه بالاقتداء به في ذلك فقال " وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه " (1). ثم قال بعد ذلك: " اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " اي بأدلتهم اقتده. * (الهامش) * (1) آية 83 من هذه السورة. (*)

[ 190 ]

قوله تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون (82) آية عند الجميع. تحتمل هذه الاية ان تكون اخبارا عن الله تعالى دون الحكاية عن ابراهيم بأنه قال تعالى: ان من عرف الله تعالى وصدق به وبما أوجب عليه ولم يخلط ذلك بظلم، فان له الامن من الله بحصول الثواب والامان من العقاب وهو المحكوم له بالاهتداء - وهو قول ابن اسحاق وابن زيد والطبري والجبائي وابن جريج - وقال البلخي: ان ذلك من قول ابراهيم، لانه لما قطع خصمه والزمه الحجة أخبر ان الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم فانهم الامنون المهتدون. قال: وكذلك يفعل من وضحت حجته وانقطع بعد البيان خصمه. والظلم المذكور في الاية هو الشرك عند أكثر المفسرين: ابن عباس وسعيد ابن المسيب وقتادة ومجاهد وحماد بن زيد وأبي بن كعب وسلمان (رحمة الله عليه) قال أبي ألم تسمع قوله " ان الشرك لظلم عظيم " (1) وهو قول حذيفة. وروي عن عبد الله بن مسعود انه قال لما نزلت هذه الاية شق على الناس، وقالوا يارسول الله وأينا لا يظلم نفسه، فقال: انه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا إلى ما قال العبد الصالح " يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم " (2). وقال الجبائي والبلخي واكثر المعتزلة: انه يدخل فيه كل كبيرة تحبط ثواب الطاعة، قال فان من هذه صورته لا يكون آمنا ولا مهتديا. قال البلخي: ولو كان الامر على ما قالوه انه يختص بالشرك لوجب ان يكون مرتكب الكبيرة إذا كان مؤمنا يكون آمنا وذلك خلاف القول بالارجاء. وهذا الذي ذكروه خلاف أقاويل المفسرين من الصحابة والتابعين. وما * (الهامش) * (1، 2) سورة 31 لقمان آية 13. (*)

[ 191 ]

قاله البلخي لا يلزم لانه قول بدليل الخطاب لان المشرك غير آمن بل هو مقطوع على عقابه بظاهر الاية، ومرتكب الكبيرة غير آمن لانه يجوز العفو، ويجوز المؤاخذة وان كان ذلك معلوما بدليل، وظاهر قوله " ولم يلبسوا ايمانهم بظلم " وان كان عاما في كل ظلم، فلنا ان نخصه بدليل أقوال المفسرين وغير ذلك من الادلة الدالة على أنه يجوز العفو من غير توبة. وروي عن علي (ع): أن الاية مخصوصة بابراهيم. وقال عكرمة مختصة بالمهاجرين. واما الظلم في أصل اللغة فقد قال الاصمعي هو وضع الشئ في غير موضعه، قال الشاعر يمدح قوما: هرت الشقاشق ظلامون للجزر (1) فوصفهم انهم ظلامون للجزر، لانهم عرقبوها فوضعوا النحر في غير موضعه، وكذلك الارض المظلومة سميت بذلك لانه صرف عنها المطر، ومنه قول الشاعر: والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد (2) سماها مظلومة لانهم كانوا في سفر فتحوضوا حوضا لم يحكموا صنعته ولم يضعوه في موضعه. قوله تعالى: وتلك حجتنا آتيناها إبرهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم (83) آية بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة ويعقوب " درجات من نشاء " الباقون بالاضافة، من اضاف ذهب إلى ان المرفوعة هي الدرجات لمن نشاء ومن نون اراد ان المرفوع صاحب الدرجات، وتقديره نرفع من نشاء درجات، والدرجات معناها المراتب. * (الهامش) * (1) مقاييس اللغة 3: 469 وصدره: (عاد الاذلة في دار وكان بها). (2) اللسان " بين "، " ظلم ". (*)

[ 192 ]

وفي أصل اللغة هي المراقي فشبه علو المنازل بها. أخبر الله تعالى ان الحجج التي ذكرها ابراهيم لقومه آتاه الله اياها واعطاها اياه، بمعنى انه هداه لها فانه احتج بها بأمر الله ورضيها منه وصوبه فيها، ولهذا جعلها حجة على الكفار. وقوله " نرفع درجات من نشاء " من المؤمنين الذين يؤمنون بالله ويطيعونه ويبلغون من الايمان والدعاء إلى الله منزلة عظيمة وأعلا درجة ممن لم يبلغ من الايمان مثل منزلتهم، وبين انه حكيم فيما يدبره من أمور عباده عليم بهم وبأعمالهم، وفي ذلك دلالة على صحة المحاجة والمناظرة في الدين والدعاء إلى توحيد الله والاحتجاج على الكافرين، لانه تعالى مدح ذلك واستصوبه. ومن حرم الحجاج فقد رد - صريح القرآن. قوله تعالى: ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمن وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين (84) وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين (85) وإسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين (86) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم (87) ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون (88) أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا

[ 193 ]

بها بكافرين (89) أولئك الذين هدى الله فبهديهم اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين (90) سبع آيات قرأ حمزة والكسائي وخلف (اليسع) بتشديد اللام، وفتحها وسكون الياء هاهنا، وفي (ص). الباقون بسكون اللام وفتح الياء. قال الزجاج التشديد والتخفيف لغتان. وقال أبو علي الالف واللام ليستا للتعريف بل هما زائدتان وكان الكسائي يستصوب القراءة بلامين ويخطئ من قرأ بغيرهما كأن الاسم عنده (ليسع) ثم يدخل الالف واللام. قال ولو كانت (يسع) لم يجز أن يدخل الالف واللام، كما لا يدخل في (يزيد) و (يحيى). قال الاصمعي فقلت له، ف‍ (اليرصع) من الحجارة و (اليعمل) من الابل و (اليحمد) حي من اليمن، فكأنما ألقمته حجرا، وبعدها فانا قد سمعناهم يسمعون ب‍ (يسع) ولم نرهم يسمعون ب‍ (ليسع). وقال الفراء: القراءة بالتشديد اشبه بالاسماء العجمية التخفيف. قال لانهم لا يكادون يدخلون الالف واللام في ما لا يجر مثل (يزيد، ويعمر) الا في الشعر أنشدني بعضهم: وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا * شديدا بأعباء الخلافة كاهله (1) قال وانما أدخلوا الالف واللام في يزيد لدخولهما في الوليد، فإذا فعلوا ذلك فقد أمسوا الحرف مدحا. قوله (ووهبنا له اسحاق ويعقوب) الهاء في (له) كناية عن ابراهيم (ع) " كلا هدينا " نصب كلا ب‍ (هدينا) و (نوحا هدينا من قبل) معناه هديناه قبل ابراهيم. وقوله (ومن ذريته داود وسليمان) تقديره وهدينا داود وسليمان * (الهامش) * (1) معاني القرآن 1 / 342 وشواهد المغني 60 وخزانة الادب 1 / 327 وتفسير الطبري 11 / 511، وامالي ابن الشجري 1 / 154 و 2 / 252، 342. من شعر يمدح به الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان. (*)

[ 194 ]

نسقا على نوح. ويحتمل أن يكون قوله " ومن ذريته " الهاء راجعة إلى نوح لان الانبياء المذكورين كلهم من ذريته. قال الزجاج ويجوز أن يكون من ذريته ابراهيم لان ذكرهما جميعا قد جرى، وأسماء الانبياء التي جاءت بعد قوله " ونوحا هدينا من قبل " نسق على (نوح) نصب كلها، ولو رفعت على الابتداء كان صوابا. قال أبو علي الجبائي: الهاء لا يجوز أن تكون كناية عن ابراهيم، لان فيمن عدد من الانبياء لوطا وهو كان ابن اخته، وقيل ابن اخيه، ولم يكن من ذريته. وهذا الذي قاله ليس بشئ، لانه لا يمنع أن يكون غلب الاكثر. وجميع من ذكر من نسل ابراهيم، على أنه قال فيما روى عنه ابن مسعود أن الياس: إدريس، وهو جد نوح، ولم يكن من ذريته، ومع هذا لم يطعن على قول من قال: إنها كناية عن نوح. وقال ابن اسحاق: الياس هو ابن اخي موسى ويجوز أن تكون الهاء كناية عن ابراهيم ويكون من سماهم إلى قوله " وكل من الصالحين " من ذريته، ثم قال " واسماعيل واليسع ويونس ولوطا " فعطفهم على قوله " ونوحا هدينا ". وفي الاية دلالة على أن الحسن والحسين من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله، لان عيسى جعله الله من ذرية ابراهيم أو نوح، وإنما كانت أمه من ذريتهما، والوجه في الايات أن الله تعالى أخبر أنه رفع درجة ابراهيم بما جعل في ذريته من الانبياء وجزاه بما وصل إليه من السرور والابتهاج عندما أعلمه عن ذلك وبما أبقى له من الذكر الرفيع في الاعقاب، والجزاء على الاحسان لذة وسرور من أعظم السرور واكثر اللذات إذا علم الانسان بأنه يكون من عقبة وولده المنسوبين إليه أنبياء يدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله ويكونون ملوكا وخلفاء يطيعون الله ويحكمون بالحق في عباد الله. ثم اخبر انه جزى نوحا بمثل ذلك على قيامه في الدعاء إليه والجهاد في سبيله. والهداية في الايات كلها هو الارشاد إلى الثواب دون الهداية التي هي

[ 195 ]

نصب الادلة، لانه تعالى قال في آخر الايات: " وكذلك نجزي المحسنين " فبين أن ذلك جزاء ولا يليق إلا بالثواب الذي يختص به المحسنون دون الهداية التي هي الدلالة ويشترك فيها المؤمن والكافر، وهو قول أبي علي الجبائي والبلخي. وقوله: " أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة " إشارة إلى من تقدم ذكره من الانبياء. وقوله " فان يكفر بها هؤلاء " يعني الكفار الذين جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وآله في ذلك الوقت، " فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين " معنى (وكلنا بها) اي وكلنا بمراعاة أو النبوة وتعظيمها والاخذ بهدي الانبياء قوما ليسوا بها بكافرين. وإنما اضاف ذلك إلى المؤمنين وان كان قد فعل بالكافرين أيضا ازاحة العلة في التكليف من حيث أن المؤمنين هم الذين قاموا بذلك وعملوا به فأضافه إليهم، كما أضاف قوله " هدى للمتقين " وان كان هداية لغيرهم. وقيل في المعنيين بقوله " ليسوا بها بكافرين " ثلاثة اقوال: احدها - انه عنى بذلك الانبياء الذين جرى ذكرهم آمنوا بما أتى به النبي صلى الله عليه وآله في وقت مبعثهم وهو قول الحسن والزجاج والطبري والجبائي. قال الزجاج لقوله تعالى " اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " وذلك اشارة إلى الانبياء الذين ذكرهم ووصفهم وامر النبي صلى الله عليه وآله بالاقتداء بهداهم. والثاني - انه عنى به الملائكة، ذهب إليه أبو رجاء العطاردي. وقال قوم عنى به من آمن من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله في وقت مبعثه. وقال الفراء والضحاك: قوله " فان يكفر بها هؤلاء " يعني أهل مكة " فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين " يعني أهل المدينة، والاول أقوى. وفى الاية دلالة على ان الله تعالى يتوعد من يعلم انه لا يشرك ولا يفسق وان الوعد والوعيد قد يكونان بشرط. وقوله: " اولئك الذين هدى الله " معناه اولئك الذين حكم الله لهم

[ 196 ]

بالهدى والرشاد، وزادهم هدى حين اهتدوا. والمراد به الانبياء الذين تقدم ذكرهم ألثمانية عشر. وأمر النبي صلى الله عليه وآله بأن يسلك سبيلهم ويأخذ بهداهم في تبليغ الرسالة والصبر على المحن وان يقول لقومه " لا أسألكم عليه اجرا " يعني على الاداء والابلاغ، ولكنه يذكر به العالمين وينبههم على ما يلزمهم من عبادة الله والقيام بشكره. وقوله (فبهداهم اقتده) قرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب والكسائي عن ابي بكر بحذف الهاء في الوصل واثباتها في الوقف. الباقون باثباتها في الوصل والوقف وسكونها، إلا ابن ذكوان فانه كسرها، ووصلها بياء في اللفظ وإلا هشاما فانه كسرها من غير صلة بتاء، ولا خلاف في الوقف انها بالهاء ساكنة. قال أبو علي الفارسي الوجه الوقف بالهاء لاجتماع الكثرة، والجمهور على إثباته، ولا ينبغي أن يوصل والهاء ثابتة، لانه هذه الهاء في السكت بمنزلة همزة الوصل في الابتداء في أن الهاء للوقف كما أن همزة الوصل للابتداء بالساكن، فكما لا تثبت الهمزة في الوصل كذلك ينبغي أن لا تثبت الهاء. قال أبو علي وقراءة ابن عامر بكسر الهاء وإشمام الهاء الكسرة من غير بلوغ ياء ليس بغلط، ووجهها أن يجعل الهاء كناية عن المصدر لا التي تلحق للوقف. وحسن اضماره لذكر الفعل الدال عليه، ومثل ذلك قول الشاعر: فجال على وحشية وتخاله * على ظهره سبأ حديدا يمانيا كأنه قال تخال خيلا على ظهره سبأ حديدا، ومثل ذلك قول الشاعر: هذا سراقة للقرآن يدرسه * والمرؤ عند الرشا أن يلقها ذئب (1) فالهاء كناية عن المصدر، ويدل يدرسه على الدروس، ولا يجوز أن يكون ضمير القرآن، لان الفعل قد تعدى إليه باللام، فلا يجوز أن يتعدى إليه والى ضميره كما أنك إذا قلت أزيدا ضربته لم ينصب زيدا بضربت لتعديه * (الهامش) * (1) اللسان " سرق " (*)

[ 197 ]

إلى الضمير، وقياسه إذا وقف عليه أن يقول اقتده فيكسر (هاء) الضمير، كما تقول اشتره في الوقف. وفي الوصل اشتريه لنا يا هذا. واستدل قوم بقوله (فبهداهم اقتده) على ان النبي صلى الله عليه وآله كان متعبدا بشريعة من قبله من الانبياء وهذا لا دلالة فيه، لان قوله (فبهداهم اقتده) معناه فبأدلتهم اقتده. والدلالة ما اوجبت العلم ويجب الاقتاء بها، لكونها موجبة للعلم لا غير ولذلك قال تعالى (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده) فنسب الهدى إلى نفسه، فعلم بذلك أنه أراد ما قلناه. وقوله (ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) يدل على أن الهدى في قوله (واجتبيناهم وهديناهم) هداية الثواب على الاعمال الصالحة، لان الثواب على الاعمال هو الذي ينحبط تارة ويثبت اخرى دون الهداية التي هي الادلة الحاصلة للمؤمن والكافر. وقوله (وكلا فضلنا على العالمين) يعني على عالمي زمانهم الذين ليسوا أنبياء وإنما دخلت (من) في قوله " من آبائهم وذرياتهم " للتبعيض كأنه قال: وبعض آبائهم وبعض ذرياتهم وبعض اخوانهم هديناهم ولو لم تدخل (من) لاقتضى انه هدى جميعهم الهداية التي هي الثواب، والامر بخلافه. وقوله " اجتبيناهم " معناه اخترناهم. وقوله (ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) لا يدل على صحة ثواب طاعاتهم التي اشركوا في توجيهها إلى غير الله لانهم اوقعوها على خلاف الوجه الذي يستحق به الثواب، فأما ما تقدم فليس في الاية ما يقتضي بطلانه غير أنا قد عملنا أنه إذا أشرك لا ثواب معه أصلا، لاجماع الامة على أن المشرك لا يستحق الثواب، فلو كان معه ثواب وقد ثبت أن الاحباط باطل، لكان يؤدي إلى أن معه ثوابا وعقابا، لانا قد بينا بطلان القول بالتحابط في غير موضع وذلك خلاف الاجماع.

[ 198 ]

قوله تعالى: وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قرا طيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولاآباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون (91) آية بلا خلاف. قرأ ابن كثير وأبو عمرو " تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا " بالتاء فيهن. الباقون بالياء فيهن. ومن قرأ بالياء حمله على أنه للغيبة بدلالة قوله: " وما قدروا الله حق قدره إذقالوا ما انزل الله على بشر من شئ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى يجعلونه " فيحمله على الغيبة لان ما قبله غيبة. ومن قرأ بالتاء حمله على الخطاب يعني قل لهم: " تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا " ويقوي القراءة بالتاء، قوله " وعلمتم ما لم تعلموا فجاء على الخطاب، وكذلك ما قبله. ومعنى " تجعلونه قراطيس " تجعلونه ذوي قراطيس اي تودعونه إياها " وتخفون " أي تكتمونه، وموضع قوله " تبدونها وتخفون كثيرا " يحتمل أمرين: احدهما - ان يكون صفة القراطيس، لان النكرة توصف بالجمل. والاخر - أن نجعله حالا من ضمير الكتاب من قوله " تجعلونه قراطيس " على أن تجعل القراطيس الكتاب في المعنى، لانه مكتوب فيها. روي أن سبب نزول هذه الاية أن النبي صلى الله عليه وآله رأى حبرا من أحبار اليهود سمينا يقال له: مالك بن الضيف، وقيل: فنحاص، فقال له النبي صلى الله عليه وآله

[ 199 ]

أليس في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين ؟ فغضب، وقال: ما أنزل الله على بشر من شئ، فلعنته اليهود وتبرأت منه، فنزلت هذه الاية، ذكر ذلك عكرمة وقتادة، وقال محمد بن كعب القرطي: نزلت في جماعة من اليهود. وروي مثل ذلك عن ابن عباس. وقال مجاهد نزلت في مشركي قريش، وروي ذلك عن ابن عباس أيضا، وهو أشبه بسياق الاية، لانهم الذين أنكروا أن يكون الله أنزل كتابا على بشر، دون اليهود والنصارى. ومعنى قوله " وما قدروا الله حق قدره " أي ما عرفوه حق معرفته وما وصفوه بما هو أهل أن يوصف به " إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ " أي ما أرسل الله رسولا، ولم ينزل على بشر من شئ، مع أن المصلحة والحكمة يقتضيان ذلك ودلت المعجزات الباهرة على بعثة كثير منهم. ثم أمر الله نبيه أن يقول لهم " من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس " فانهم يقرون بذلك، وان الله أنزله وبعث موسى (ع) نبيا وإن لم يقروا بذلك فقد خرجوا من اليهودية إلى قول من ينكر النبوات. والكلام على من انكر ذلك أصلا مذكور في النبوات مستوفى لا نطول بذكره هاهنا. وعلى ما قلناه: من أن الاية متوجهة إلى مشركي قريش من حيث أن الله تعالى من أول السورة إلى هاهنا في الاخبار عن أوصاف المشركين وعن أحوالهم وكذلك أول الاية في قوله " وما قدروا الله حق قدره " لانهم كانوا لا يعتقدون التوحيد ويعبدون مع الله الاصنام، وأهل الكتاب كانوا بخلاف ذلك، لانهم كانوا يعتقدون التوحيد فلا يليق بهم ذلك، وإن كان اليهود عندنا أيضا غير عارفين بالله على وجه يستحقون به الثواب. والقول الاخر أيضا محتمل. فعلى ما اخترنا يكون قوله " قل من انزل الكتاب " متوجها الى اليهود والنصارى، لانهم المقرون بذلك دون قريش ومشركى العرب، ويجوز أن يكون متناولا للمشركين أيضا، ويكون على وجه الاحتجاج عليهم، والتنبيه لهم على ما ظهر من معجزات موسى وظهور نبوته، وهذا الذي اخترناه قول

[ 200 ]

مجاهد واختاره الطبري والجبائي. وقوله " تجعلونه قراطيس " أي تقطعونه فتجعلونه كتبا متفرقة وصحفا تبدون بعضها وتخفون بعضها، يعني ما في الكتب من صفات النبي صلى الله عليه وآله والبشارة به. ثم عطف على ما ابتدأ به من وصف الكتاب الذي جاء به موسى وانه نور وهدى، فقال " وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولاآباؤكم " على لسان النبي صلى الله عليه وآله، ثم أجاب عن الكلام الاول، فقال " قل الله " وهذا معروف في كلام العرب، لان الانسان إذا أراد البيان والاحتجاج بما يعلم أن الخصم مقربه ولا يستطيع دفعه ذكر ذلك. ثم تولى الجواب عنه بما قد علم أن لا جواب له غيره. وقوله " ثم ذرهم في خوضهم يلعبون " يقال مثل هذا لمن قامت عليه الحجة الواضحة التي لا يمكنه دفعها، وليس على إباحة ترك الدعاء والانذار بل على ضرب من الوعيد والتهديد، كأنه قال دعهم فسيعلمون عاقبة أمرهم. ويجوز أن يكون أراد: دعهم فلا تقاتلهم، ولا تعمل على قهرهم على قبول قولك إلى أن يؤذن لك في ذلك، فيكون إنما أباح ترك قتالهم لا ترك الدعاء والتحذير وترك البيان والاحتجاج " ويلعبون " رفعه لانه لم يجعله جوابا لقوله " ذرهم " ولوجعله جوابا لجزمه، كما قال " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا " (1) وكان ذلك جوابا وموضع " يلعبون " نصب على الحال، وتقديره ذرهم لاعبين في خوضهم. وقال قوم: إن هذه الاية مدنية مع الايتين اللتين ذكرناهما في أول السورة، ويجوز أن يكون ذلك بمكة أيضا. قوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالاخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (92) آية بلا خلاف. * (الهامش) * (1) سورة 15 الحجر آية 3 (*)

[ 201 ]

قرأ أبو بكر وحده " ولينذر " بالياء. الباقون بالتاء. من قرأ بالتاء، فلقوله " إنما أنت منذر من يخشاها " (1) وقوله " وانذر به الذين يخافون " (2) ومن قرأ بالياء جعل الكتاب هو المنذر، لان فيه إنذارا لانه قد خوف به في قوله " هذا بلاغ للناس ولينذروا به " (3) وقوله " إنما انذركم بالوحي " (4) فلا يمتنع أسناد الانذار إليه على وجه التوسع. وقوله " وهذا كتاب " إشارة إلى القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله فعطف هذه الاية على ذكره الكتاب الذي جاء به موسى (ع) فلما وصفه قال تعالى " وهذا كتاب أنزلناه مبارك ". وانه مصدق لما بين يديه يعني ما مضى من كتب الانبياء كالتوراة والانجيل وغيرهما، وبين انه انما انزله لتنذر به اهل مكة وهي ام القرى، ومن حولها. قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: ام القرى مكة، ومن حولها اهل الارض كلهم وانما خص اهل مكة بذلك لانها اعظم قدرا لان فيها الكعبة ولان الناس يقصدونها بالحج والعمرة من جميع الافاق. وإنذاره بالقرآن هو تخويفه إياهم بألوان عذاب الله وعقابه ان اقاموا على كفرهم بالله ولم يؤمنوا به وبرسوله. وقوله: " والذين يؤمنون بالاخرة يؤمنون به " يعني بالقرآن. ويحتمل ان يكون كناية عن محمد صلى الله عليه وآله لدلالة الكلام عليه، وهذا يقوي مذهبنا في انه لا يجوز ان يكون مؤمنا ببعض ما أوجب الله عليه دون بعض. وبين انهم " على صلاتهم " يعني على أوقات صلاتهم " يحافظون " بمعنى يراعون أوقاتها ليؤدوها في الاوقات ويقوموا باتمام ركوعها وسجودها وجميع فرائضها. وقيل سميت مكة ام القرى لانها اول موضع سكن في الارض، وقيل ان الارض كلها دحيت من تحتها فكانت اما لها. وقال الزجاج سميت بذلك لانها أعظم القرى شأنا. * (الهامش) * (1) سورة النازعات آية 45 (2) سورة 6 الانعام آية 51 (3) سورة 14 ابراهيم آية 52 (4) سورة 21 الانبياء آية 45 (*)

[ 202 ]

قوله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملئكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم أليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون (93) آية بلا خلاف. اختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الاية فقال اكثر المفسرين ان قوله " ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا " نزلت في مسيلمة الكذاب حيث ادعى النبوة. وقال انه يوحى إليه، وان قوله " من قال سأنزل مثل ما أنزل الله " نزلت في عبد الله بن سعد ابن ابي سرح، فانه كان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وآله وكان إذا قال له: اكتب عليما حكيما، كتب غفورا رحيما. وإذا قال: اكتب غفورا رحيما، كتب حكيما، وارتد ولحق بمكة. وقال إني انزل مثل ما أنزل الله، ذهب إليه عكرمة وابن عباس ومجاهد والسدي والجبائي والفراء والزجاج وغيرهم. وقال قوم: نزلت في مسيلمة خاصة. وقال آخرون: نزلت في ابن ابي سرح خاصة والاول هو المروى عن أبي جعفر (ع). وقال البلخي: قوله " ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا وقال اوحي الي " هم الذين ادعوا النبوة بغير برهان وكذبوا على الله " ومن قال سأنزل مثل ما انزل الله " هم الذين قالوا " لو نشاء لقلنا مثل هذا ان هذا الا أساطير الاولين " (1) فادعوا بما لم يفعلوا واعرضوا وبذلوا الانفس والاموال * (الهامش) * (1) سورة 8 الانفال آية 31 (*)

[ 203 ]

واستعملوا في اطفاء نور من جاء بالكتاب سائرالحيل. ثم اخبر تعالى عن حال من فعل ذلك، فقال: " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت " وحذف جواب (لو) وتقديره: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت لرأيت عذابا عظيما وكل من كان في شئ كثير يقال له: غمر فلانا ذلك. ويقال قد غمر فلانا الدين معناه كثر، فصار فيما يعلم بمنزلة ما يبصر قد غمر وغطى من كثرته وقوله " والملائكة باسطوا أيديهم " معناه باسطوا ايديهم بالعذاب وقيل بقبض ارواح الكفار. وقوله: " اخرجوا انفسكم اليوم " يحتمل امرين: احدهما - ان يكون تقديره يقولون: اخرجوا انفسكم، كما تقول للذي تعذبه لازهقن نفسك ولاخرجن نفسك، فهم يقولون لهم اخرجوا انفسكم على معنى الوعيد والتهديد، كما يدفع الرجل في ظهر صاحبه ويكرهه على المضي بأن يجره أو بغير ذلك، وهو في ذلك يقول امض الان لترى ما يحل بك. والغمرات جمع غمرة، وغمرة كل شئ كثرته ومعظمه، وأصله الشئ الذي يغمر الاشياء فيغطيها. وقال ابن عباس غمرات الموت سكراته، وبسط الملائكة ايديها فهومدها، وقال ابن عباس ايضا: البسط الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم وملك الموت يتوفاهم، وقال الضحاك: بسطها ايديها بالعذاب. والثاني - ان يكون معناه خلصوا انفسكم اي لستم تقدرون على الخلاص " اليوم تجزون عذاب الهون " اي العذاب الذي يقع به الهوان الشديد، والهون - بفتح الهاء وسكون الواو - من الرفق والدعة، كقوله " وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا " (1) وقال الشاعر: هونا كما لا يرد الدهر ما فاتا * لا تهلكن أسفا في أثر من ماتا (2) * (الهامش) * (1) سورة 25 الفرقان آية 63 (2) قائله ذوجدن الحميري. معجم البلدان (بينون واللسان (هون) والاغاني 16 / 70 وسيرة ابن هشام 1 / 39 وتاريخ الطبري 2 / 180 وتفسير الطبري 11 / 541 وغيرها. (*)

[ 204 ]

وقد روي فتح الهاء في معنى الهوان، قال عامر بن جوين: يهين النفوس وهون النفو * س عند الكريهة اغلى لها (3) والمعروف ضم الهاء إذا كان بمعنى الهوان. قال ذو الاصبع العدواني: اذهب اليك فما امي براعية ترعى المخاض ولا اغضي على الهون (4) يعني على الهوان، وعن ابي جعفر (ع) عذاب الهون يعني العطش. وقوله: " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " في موضع جر كأنه قال: ومن اظلم ممن قال ذلك. قوله تعالى: ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاء كم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون (94) آية بلا خلاف. قرأ أهل المدينة والكسائي وحفص " بينكم " بنصب النون. الباقون برفعها. والبين مصدر بان يبين إذا فارق قال الشاعر: بان الخليط برامتين فودعوا * اوكلما ظعنوا لبين تجرع (5) وقال أبو زيد: بان الحي بينونة وبينا إذا ضعنوا، وتباينوا تباينا إذا كانوا جميعا فتفرقوا، قال والبين ما ينتهي إليه بصرك من حائط أو غيره واستعمل هذا ا * (الهامش) * (3) وقيل أنه للخنساء. ديوان الخنساء: 215 والاغاني 13 / 136 واللسان " هون " وروايتهم " يوم الكريهة ابقى لها " والطبري 11 / 542 (4) أمالي القالي 1 / 366 واللسان " هون " وشرح المفضليات: 323 وتفسير الطبري 11 / 542. (5) لم أجده بهذه الرواية وفي اللسان (خلط) أبيات كثيرة تشبهه. (*)

[ 205 ]

الاسم على ضربين: احدهما - ان يكون اسما منصرفا كالافتراق. والاخر - ان يكون ظرفا فمن رفعه رفع ما كان ظرفا استعمله اسما ويدل على جواز كونه اسما قوله: " هذا فراق بيني وبينك " (6) وقوله " من بيننا وبينك حجاب " (7) فلما استعمل اسما في هذه المواضع جاز ان يسند إليه الفعل الذي هو تقطع في قراءة من رفع. ويدل على ان هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفا انه لا يخلو من ان يكون الذي هو ظرف اتسع فيه أو يكون الذي هو مصدر ولا يجوز ان يكون الذي هو مصدر، لان التقدير يصير لقد تقطع افتراقكم، وهذا خلاف المعنى المراد، لان المراد لقد تقطع وصلكم، وما كنتم تتألفون عليه. فان قيل كيف جاز ان يكون بمعنى الوصل واصله الافتراق والتباين وعلى هذا قالوا: بان الخليط إذا فارق، وفي الحديث مابان من الحي فهو ميتة ؟ !. قيل: انه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين نحو بيني وبينك شركة، وبيني وبينه صداقة ورحم صار لذلك بمنزلة الوصلة وعلى خلاف الفرقة فلذلك صار " لقد تقطع بينكم " بمعنى لقد تقطع وصلكم ومثل بين في انه يجري في الكلام ظرفا ثم يستعمل إسما بمعنى (وسط) ساكن العين ألا ترى أنهم يقولون: جلست وسط القوم، فيجعلونه ظرفا لا يكون الا كذلك، وقد استعملوه إسما كما قال الشاعر: من وسط جمع بني قريظة بعدما * هتفت ربيعة يا بني خوءات وحكى سيبويه: هو احمربين العينين. واما من نصب بينكم ففيه وجهان: احدهما - انه اضمر الفاعل في الفعل ودل عليه ما تقدم من قوله: وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء " لان هذا الكلام فيه دلالة على التقاطع والتهاجر وذلك المضمر هو الاصل، كأنه قال لقد تقطع وصلكم بينكم والثاني - ان يكون على مذهب ابي الحسن ان يكون لفظه منصوبا ومعناه مرفوعا، فلما جرى في كلامهم منصوبا ظرفا تركوه على ما يكون عليه * (الهامش) * (6) سورة 18 الكهف آية 79 (7) سورة 41 حم السجدة آية 5 (*)

[ 206 ]

في اكثر الكلام وكذلك تقول في قوله " يوم القيامة يفصل بينكم " (1) وكذلك قوله: " وإنا منا الصالحون ومنا دون ذلك " (2) فدون في موضع رفع عنده وان كان منصوب اللفظ، كما تقول منا الصالح ومنا الطالح فترفع. وقال الزجاج: الرفع أجود وتقديره لقد تقطع وصلكم. والنصب جائز على تقدير لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم. وقال الفراء في قراءة عبد الله " لقد تقطع ما بينكم ": وهو وجه الكلام إذا جعل الفعل ل‍ (بين) ترك نصبا في موضع رفع، لانه صفة، فإذا قالوا هذا دون من الرجال، فلم يضيفوه رفعوه في موضع الرفع. وكذلك تقول بين الرجلين بين بعيد وبون بعيد إذا افردته اجريته في العربية وأعطيته الاعراب. قال مهلهل: كأن رماحهم اشطان بئر * بعيد بين جاليها جرور (3) فرفع بين حيث كانت اسما. وقال مجاهد: معنى تقطع بينكم اي تواصلكم، وبه قال قتادة وابن عباس، فمعنى الاية الحكاية عن خطاب الله تعالى يوم القيامة لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا مع الله اندادا وشركاء، وانه يقول لهم عند ورودهم: " لقد جئتمونا فرادى " وهو جمع فرد، وفريد، وفرد، وفردان قال الازهري لا يجوز فرد على هذا المعنى. والعرب تقول: فرادى وفراد فلا يصرفونها يشبهونها بثلاث ورباع قال الشاعر: ترى النعرات الزرق تحت لبانه * فرادى ومثنى أضعفتها صواهله (4) وقال نابغة بني ذبيان: * (الهامش) * (1) سورة 60 الممتحنة آية 3 (2) سورة 72 الجن آية 11 (3) اللسان " بين " وأمالي القالي 2 / 132 وتفسير الطبري 11 / 549. " الاشطان " الحبال المحكمة الفتل وجالي البئر جوانبها. و " جرور " صفة للبئر البعيد القعر. (4) مر تخريجه في 3 / 106 تعليقة 2. (*)

[ 207 ]

من وحش وجرة موشي أكارعه * طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد (5) وكان يونس يقول: فرادى جمع فرد كما قيل: توآم وتوءم. ومثل الفرادى الردافى والعرابي، ورجل افرد وامرأة فرداء: إذا لم يكن لها اخ. وقد فرد الرجل فهو يفرد فرودا يراد به تفرد فهو فارد. فمعنى قوله " جئتمونا فرادى " اي وحدانا لا مال لكم ولا أثاث ولا رقيق ولا شئ مما كان الله خولكم في الدنيا " كما خلقناكم اول مرة ". وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: (يحشرون حفاة عراة عزلا) والعزل هم الغلف. وروي ان عايشة قالت لرسول الله حين سمعت ذلك واسوأتاه ينظر بعضهم إلى سوءة بعض من الرجال والنساء، فقال رسول الله: " لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " (6) فيشغل بعضهم عن بعض. قال الزجاج: يحتمل ان يكون المعنى كما بدأكم اول مرة، اي كان بعثكم كخلقكم من غير كلفة ولا مشقة. وقال الجبائي: معناه جئتم فرادى واحدا واحدا " كما خلقناكم اول مرة " اي بلا ناصر ولا معين كما خلقكم في بطون امهاتكم، ولا احد معكم. وقوله: " وتركتم ماخولناكم وراء ظهوركم " يعني ماملكناكم في الدنيا مما كنتم تتباهون به في الدنيا وهذا تعيير من الله لهم لمباهاتهم التي كانوا يتباهون في الدنيا باموالهم، يقال: خولته اي اعطيته. ويقال خال الرجل يخال أشد الخيال بكسر الخاء وهو خائل ومنه قول ابي النجم: اعطى فلم يبخل ولم يبخل * كوم الذرى من خول المخول (7) " وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء " يقول تعالى * (الهامش) * (5) ديوانه: 26 واللسان " فرد ". و (وجرة) اسم مكان بين مكة والبصرة قال الاصمعي: هي أربعون ميلا ليس فيها منزل فهي مرتع للوحوش وقد أكثر الشعراء ذكرها. و (موشى اكارعه) فيها سواد و (طاوي المصير) ضامر البطن. و (المصير) جمع مصران. (6) سورة 80 عبس آية 37. (7) تفسير الطبري 11 / 545 (*)

[ 208 ]

لهؤلاء الكفار: ما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء الذين كنتم تزعمون في الدنيا انهم يشفعون لكم عند ربكم يوم القيامة. وقال عكرمة: ان الاية نزلت في النظر بن الحارث بن كلدة حيث قال سوف يشفع في اللات والعزى، فنزلت الاية. وقوله " لقد تقطع بينكم " اي وصلكم " وضل عنكم ما كنتم تزعمون " اي جار عن طريقكم ما كنتم تزعمون من آلهتكم انه شريك لله تعالى وانه يشفع لكم عند ربكم فلا شفيع لكم اليوم. قوله تعالى: إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فانى تؤفكون (95) آية بلا خلاف. في هذه الاية تنبيه لهؤلاء الكفار الذين اتخذوا مع الله آلهة عبدوها، وحجة عليهم، وتعريف منه لهم خطأ ما هم عليه من عبادة الاصنام، بأن قال: إن الذي له العبادة ومستحقها هو الله الذي فلق الحب، يعني شقه من كل ما ينبت عن النبات، فأخرج منه الزروع على اختلافها، " والنوى " من كل ما يغرس مما له نواة فأخرج منه الشجر، والحب هو جمع حبة، والنوى جمع نواة وذلك لا يقدر عليه إلا الله تعالى القادر بنفسه، لان القادر بقدرة لا يقدر على شق ذلك الا بآلة، ولا يقدر على انبات شئ واخراج شئ منهما، فعلم انه من فعل ذلك هو الله الذي لا يشبه شيئا من الاجسام، ولا يشبهه شئ، القادر على اختراع الاعيان بلا معاناة ولا مزاولة. ثم أخبر أنه " يخرج الحي من الميت " لان الله تعالى يخلق الحي من النطفة، وهي موات، ويخلق النطفة، وهي موات من الحي، وهو قول الحسن وقتادة وابن زيد وغيرهم. وقال الضحاك وابن عباس: معنى " فالق الحب

[ 209 ]

والنوى " خالقهما. وقال مجاهد وابو مالك: هو الشق الذي في الحبة والنوى. والاول أقوى الاقوال. وقال قوم: أراد باخراج الحي من الميت إخراج السنبل وهي حي من الحب وهو ميت، ومخرج الحب الميت من السنبل الحي، والشجر الحي من النوى الميت، والنوى الميت من الشجر الحي. والعرب تسمي الشجر ما دام غضا قائما بانه حي، فإذا يبس أو قطع من أصله أو قلع سموه ميتا، ذهب إليه السدي والطبري والجبائي. وما ذكرناه أولا قول ابن عباس، وهو الاقوى، لانه الحقيقة. وما ذكروه مجاز، وان كان جائزا محتملا. وقوله " ذلكم الله فأنى تؤفكون " معناه أن فاعل ذلك كله الله تعالى فأنى وجوه الصد عن الحق أيها الجاهلون تصدون، وعن العذاب تصدفون، أفلا تتدبرون، فتعلمون أنه لا ينبغي أن يجعل لمن أنعم عليكم - فخلق الحب والنوى واخرج من الحي الميت، ومن الميت الحي، ومن الحب الزرع ومن النوى الشجر - شريك في عبادته مالا يضر ولا ينفع ولا يسمع ولا يبصر وفي الاية دلالة على بطلان قول من قال: إن الله تعالى يحول بين العبد وبين ما دعاه إليه إذ يخلق فيه ما نهاه عنه، لانه قال: فانى تؤفكون، ولو كان شيئا من ذلك لكان هو المؤفك لهم والصارف. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ومعنى قوله " فاني تؤفكون " اي تصرفون عقولكم، وهو قول الحسن وغيره والافك هو الكذب. قوله تعالى: فالق الاصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم (96) آية بلا خلاف. قرأ أهل الكوفة " جعل الليل " على الفعل. الباقون " جاعل " على الفاعل. من قرأ " جاعل " على وزن فاعل فلان قبله اسم فاعل، وهو قوله:

[ 210 ]

" فالق الحب والنوى... " و " فالق الاصباح " فقرأ " وجاعل الليل " ليكون (فاعل) المعطوف على (فاعل) المعطوف عليه، فيكون متشاكلا، لان من حكم الاسم ان يعطف على اسم مثله، لانه به أشبه من الفعل بالاسم، وهذه المشاكلة مراعاة في كلام العرب، ومثله " فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة " (1) وقوله " يدخل من يشاء في رحمته والظالمين " (2) وقوله " وكلا ضربنا له الامثال وكلا تبرنا تتبيرا " (3) نصبواهذا كاله ليكون القارئ بنصبها كالعاطف جملة من فعل وفاعل على جملة من فعل وفاعل، فكما أن الفعل أشبه من المبتدأ بالفعل، كذلك الاسم بالاسم أشبه من الفعل بالاسم، ويقوي ذلك قول الشاعر: للبس عباءة وتقر عيني * أحب الي من لبس الشفوف (4) ومن قرأ " وجعل " فلان اسم الفاعل الذي قبله بمعنى الماضي، فلما كان (فاعل) بمعنى (فعل) في المعنى عطف عليه بالفعل لموافقته له في المعنى ويدلك على أنه بمنزلة (فعل) أنه نزل منزلته فيما عطف عليه، وهو قوله " والشمس والقمر حسبانا " ألا ترى أنه لما كان المعنى (فعل) حمل المعطوف على ذلك فنصب الشمس والقمر على (فعل) لما كان فاعل كفعل. ويقوي ذلك قولهم: هذا معطي زيد درهما أمس، فالدرهم محمولا على (اعطى)، لان اسم الفاعل إذا كان لما مضى لم يعمل عمل الفعل، فإذا جعل (معطي) بمنزلة (أعطى) كذلك جعل (فالق) بمنزلة (فلق) لان اسم الفاعل لما مضى، فعطف على (فعل) لما كان بمنزلته، ولايجوز حمل (جاعل) على الليل، لان اسم الفاعل إذا كان لما مضى لا يعمل عمل الفعل، وقد أجازه بعض الكوفيين. * (الهامش) (1) سورة 7 الاعراف آية 29 (2) سورة 76 الدهر آية 31 (3) سورة الفرقان آية 39 (4) حاشية الصبان على الاشموني 3 / 313 الشاهد 827 ويروى " ولبس " بدل " للبس ". (*)

[ 211 ]

معنى قوله " فالق الاصباح " أي شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل، وذلك دال على القدرة العجيبة التي لا يقدر عليها غير الله، ويحتمل أن يكون معناه خالقه على ما حكيناه عن الضحاك وذكره الزجاج، ورفع " فالق " لانه خبر عن الله تعالى بعد خبر كأنه قال " ان الله فالق الحب والنوى " فالق الاصباح. ويحتمل أن يكون خبر أبتداء محذوف، فكأنه قال: هو فالق الاصباح. والاصباح مصدر أصبحنا إصباحا، والمراد أصبح كل يوم، فهو في معنى الاصباح. وروي عن الحسن أنه قرأ " فالق الاصباح " بفتح الالف وما قرأ به غيره. ومعنى " وجاعل الليل سكنا " أي تسكنون فيه وتتودعون فيه، وهو قول مجاهد والضحاك وقتادة وابن عباس وأكثر المفسرين. وروي عن ابن عباس أن معناه، خالق الليل والنهار. وقوله " والشمس والقمر حسبانا " نصبهما عطفا على موضع الليل، لان موضعه النصب بأنه مفعول جاعل. واختلفوا في معناه، فقال ابن عباس والسدي والربيع وقتادة، ومجاهد والجبائي: إنهما يجريان في أفلاكهما بحساب، تقطع الشمس الفلك في سنة ويقطعه القمر في شهر قدره الله تعالى به، فهو قوله " والشمس والقمر بحسبان " (1) وقوله: " وكل في فلك يسبحون " (2) وقال قتادة معناه انه جعل الشمس والقمر ضياء. والاول أجود لان الله تعالى ذكر بمثل هذا من اياديه عند خلقه وعظيم سلطانه بفلقه الاصباح لهم واخراج النبات والغراس من الحب والنوى، وعقب ذلك بذكر خلق النجوم للاهتداء بها في البر والبحر، وكان وصفه اجراء الشمس والقمر بمنافعهم أشبه، وأنها تجري بحسبان ما يحتاج الخلق إليه في معائشهم ومعاملاتهم: أما الشمس فللزرع والحرث، واما القمر فللمواعيد وآجال الديون في المعاملات، وفيها منافع لا يعرف تفصيلها الا الله تعالى، لانه قال " فالق الاصباح " ذكر * (الهامش) * (1) سورة 55 الرحمان آية 5. (2) سورة 36 يس آية 40 وسورة 21 الانبياء آية 33 (*)

[ 212 ]

الضياء ولا معنى لتكريره دفعة ثانية. والحسبان جمع حساب على وزن شهبان وشهاب. وقيل في هذا الموضع انه مصدر حسبت الحساب أحسبه حسابا. وحكي عن بعض العرب على ذلك حسبان فلان وحسبته أي حسابه. والحسبان - بكسر الحاء - جمع حسبانة، وهي وسادة صغيرة. ونصب حسبانا على تقدير بحسبان، فلما حذف الباء نصبه. وقال قوم: هو نصب لقوله " وجعل ". وقوله: " ذلك تقدير العزيز العليم " أي هذا الذي وصفه بأنه فعله من فلقه الاصباح، وجعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، تقدير الذي عز سلطانه فلا يقدر أحد أراده بسوء أو عقاب أو انتقام على الامتناع منه العليم بمصالح خلقه وتدبيرهم، لا تقدير الاصنام والاوثاق التي لا تسمع ولا تبصر ولا تفقه شيئا ولا تعقل. قوله تعالى: وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الايات لقوم يعلمون 97) آية هذه الاية موصولة بالتي قبلها، ومعناهما متقارب، وهو أن الله تعالى عددنعمه على خلقه وأن من جملتها أنه جعل لهم النجوم بمعنى خلقها ليهتدوا بها في اسفارهم في ظلمات البر والبحر، وأنه قد فصل آياته لقوم يعلمون. وانما أضاف الايات إلى الذين يعلمون وان كانت آيات لغيرهم، لانهم المنتفعون بها، كما قال " هدى للمتقين " وليس في قوله انه خلقها ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ما يدل على أنه لم يخلقها لغير ذلك. قال البلخي: بل يشهد أنه خلقها لامور جليلة عظيمة. ومن فكر في صغر الصغير منها وكبر الكبير، واختلاف مواقعها ومجاريها وسيرها، وظهور منافع الشمس والقمر في نشؤ الحيوان والنبات علم أن الامر كذلك. ولو لم يخلقها إلا للاهتداء لما كان

[ 213 ]

لخلقها صغارا وكبارا، ولاختلاف سيرها معنى. قال الحسين بن علي المغربي: هذا من البلخي اشارة منه إلى دلالتها على الاحكام. قوله تعالى: وهو الذي أنشاكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الايات لقوم يفقهون (98) آية بلا خلاف قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وروح " فمستقر " بكسر القاف. الباقون بفتحها. قال أبو علي النحوي: قال سيبويه: قالوا: قر في مكانه واستقر، كما قالوا: جلب وأجلب، يراد بهما شئ واحد، فكما بني هذا على (أفعلت) بني هذا على (استفعلت) فمن كسر القاف كان المستقر بمعنى القار، والخبر مضمر، وتقديره منكم مستقر كقولك: بعضكم مسقر أي مستقر في الارحام. وقال " يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق " (1) كما قال " وقد خلقكم أطوارا " ا (2) ومن فتح فليس على أنه مفعول، لان استقر لا يتعدى، وإذا لم يتعد لم يبن منه اسم مفعول، فإذا له يكن مفعولا كان اسم الفاعل مكانه، فالمستقر بمنزلة المقر كما أن المستقر بمعنى القار، وعلى هذا، لا يجوز أن يكون خبره المضمر (منكم) كما جاز في قول من كسر القاف، وإذا لم يجز ذلك جعلت الخبر المضمر (لكم) وتقديره: لكم مقر، ومستودع، فان استودع فعل يتعدى إلى مفعولين تقول: استودعت زيدا ألفا وأودعت زيدا الفا، فاستودع مثل أودع، ومثل استجاب واجاب، فالمستودع يجوز ان يكون الانسان الذي استودع ذلك المكان، ويجوز أن يكون المكان نفسه. فمن فتح القاف في (مستقر) جعل المستودع مكانا ليكون مثل المعطوف عليه أي فلكم مكان استقرار ومكان استيداع. ومن كسر القاف، فالمعنى منكم * (الهامش) * (1) سورة 39 الزمر آية 6 (2) سورة 71 نوح آية 14 (*)

[ 214 ]

مستقر في الارحام ومنكم مستقر في الاصلاب، فالمستودع اسم المفعول به ليكون مثل المستقر في أنه اسم لغير المكان. قال الزجاج: ويحتمل ان يكون مستقرا في الدنيا موجودا ومستودعا في الاصلاب لم يخلق بعد. ويحتمل مستقر - بكسر القاف - في الاحياء، ومنكم مستودع في الثرى. ورفع (مستقر ومستودع) على معنى فلكم مستقر ومستودع. ومن كسر فمعناه فمنكم مستقر ومنكم مستودع. وقال الفراء: تقديره ثم مستقر ومستودع. واختلف المفسرون في قوله " فمستقر ومستودع " فقال عبد الله بن مسعود: المستقر ما في الرحم، والمستودع حيث يموت، وبه قال ابراهيم ومجاهد. وقال سعيد ابن جبير: مستودع ما كان في أصلاب الرجال، فإذا قروا في أرحام النساء وعلى ظهر الارض وفى بطونها، فقد استقروا به. وقال ابن عباس، وروي عن مجاهد - في رواية أخرى - المستقر الارض، والمستودع عند ربك. وروي عن ابن مسعود - في رواية - ان مستقرها في الاخرة ومستودعها في الصلب. وقال عكرمة: مستقر في الاخرة ومستودع في صلب لم يخلق سيخلق. وبه قال قتادة والضحاك والسدي وابن زيد. وقال الحسن: المستقر في القبر والمستودع في الدنيا. ومعنى الاية أن الله تعالى هو الذي أنشأ الخلق ابتداء من نفس واحدة يعني آدم، منهم مستقر ومستودع، وإذا حمل على العموم، فانه يتناول كل أحد على تأويل من قال المستقر في القبر والمستودع في الحشر، وعلى تأويل من قال المستودع من كان في الاصلاب والمستقر من كان في الارحام، لان كل الخلائق داخلون فيه، فالاولى حمل الاية على عمومها وهو اختيار الطبري. وقوله " قد فصلنا الايات لقوم يفقهون " معناه قد بينا الحجج وميزنا الايات والادلة والاعلام، واحكمناها لقوم يفقهون مواقع الحجج ومواضع العبر، ويعرفون الايات والذكر، وهو قول قتادة والمفسرين.

[ 215 ]

قوله تعالى: وهو الذي أنزل من السماء ماء فاخر جنا به نبات كل شئ فاخر جنامنه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه أنظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لايات لقوم يؤمنون (99) آية. روى الاعشى والبرجمي " وجنات " بالرفع. الباقون " جنات " على النصب. وقرأ حمزة والكسائي وخلف " ثمره " و " كلوا من ثمره " وفي (يس) " لتأكلوا من ثمره " بضم الثاء والميم فيهن. الباقون بفتحها. من كسر التاء فلانها تاء جمع المؤنث في موضع النصب عطفا على قوله " فأخرجنا به نبات كل شئ " فأخرجنابه " جنات " ومن رفع عطفها على القنوان في الاعراب وإن لم يكن من جنسها، كما قال الشاعر: ورأيت زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا (1) أي وحاملا رمحا. ومن قرأ " ثمره " بالفتح فيهما فوجهه ان سيبويه يرى ان الثمر جمع ثمرة مثل بقرة وبقر وشجر وشجر وخرزة وخرز: ويقويه قوله ايضا " ومن ثمرات النخيل والاعناب " (2) وقد كسر على (فعال) فقالوا: ثمار كما قالوا أكمة واكام، وجذبة وجذاب ورقبة ورقاب. ومن جمعها احتمل امرين: أحدهما - أن يكون جمع ثمرة على ثمر، مثل خشبة وخشب في قوله " كأنهم خشب مسندة " (3) واكمة واكم في قول الشاعر: ترى الاكم منه سجدا للحوافر (4) * (الهامش) * (1) مر هذا البيت في 1: 6، 242، 3: 465 (2) سورة 16 النحل آية 67 (3) سورة 63 المنافقون آية 4 (4) انظر 1 / 11 تعليقة 5 (*)

[ 216 ]

ومن المعتل ساحة وسوح، وقارة وقور، ولابة ولوب وناقة ونوق. والثاني - أن يكون جمع ثمار على ثمر، فيكون ثمر جمع الجمع، وجمعوه على (فعل) كما جمعوه على (فعايل) في قولهم جمال وجمايل. ومعنى الاية أن الذي يستحق العبادة خالصة لا شريك له فيها سواه هو الذي أنزل من السماء ماء. وأصل الماء ماه إلا أن الهمزة ابدلت من الهاء بدلالة قولهم أمواه في الجمع ومويه في التصغير. وقوله " فاخرجنا به نبات كل شئ " معناه أخرج بالماء الذي أنزله من السماء من غذاء الانعام والبهائم والطير والوحش وارزاق بني آدم واقواتهم ما يتغذون به ويأكلونه فينبتون عليه وينمون، ويكون معنى قوله " فأخرجنابه نبات كل شئ " أخرجنا به ما ينبت كل شئ وينمو عليه ويصلح. ويحتمل أن يكون المراد أخرجنا به جميع أنواع النبات فيكون كل شئ هو اصناف النبات. والاول أحسن. وقوله " فأخرجنابه " يعني من الماء " خضرا " يعني أخضر رطبا من الزرع. والخضر والاخضر واحد يقال: خضرت الارض خضرا وخضارة. والخضرة رطب البقول يقال: نخلة خضرة إذا كانت ترمي ببسرها أخضرا قبل ان ينضج، وقد اختضر الرجل واغتضر إذا مات شابا مصححا، ويقال: هو لك خضرا مضرا أي هنيئا مريئا. وقوله " يخرج منه حبا متراكبا " يعني يخرج من الخضر حبا يعنى ما في السنبل من الحنطة والشعير والارز وغيرها من السنابل، لان حبها يركب بعضه بعضا. وقوله " ومن النخل من طلعها " إنما خص الطلع بالذكر لما فيه من المنافع العجيبة والاغذية الشريفة التي ليست في شئ من كمام الثمار. قوله " قنوان دانية " تقديره ومن النخل من طلعها ما قنوانه دانية، ولذلك رفع القنوان. والقنوان جمع قنو، كصنوان وصنو، وهو العذب، يقال لواحده قنو وقنو، وقني ويثنى قنوان على لفظ الجمع وقنيان وانما يميز بينهما

[ 217 ]

بأعراب النون، ويجمع قنوان وقنوان وفي الجمع القليل ثلاثة أقناء، فالقنوان لغة أهل الحجاز، والقنوان لغة قيس قال امرؤ القيس: فأتت اعياله وآدت اصوله * ومال بقنوان من البسر أحمر (1) وقنيان وقنوان لغة تميم وقوله " دانية " معناه قريبة متهدلة، وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك. وقال الجبائي دانية أي متدانية في حلوق النخل متكوربها. وقوله " وجنات " يعني وأخرجنا به أيضا جنات من أعناب يعني بساتين من اعناب. وقوله " والزيتون والرمان " عطف الزيتون على الجنات على تقدير وأخرجنا الزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه، قال قتادة متشابه ورقه مختلف ثمره. ويحتمل أن يكون المراد مشتبها في الخلق مختلفا في الطعم. وقال الجبائي مشتبها ما كان من جنس واحد، وغير متشابه إذا اختلف جنسه. والمعنى وشجر الرمان والزيتون، فاكتفى بذكر ثمره عن ذكر شجره، كما قال " واسأل القرية " فاكتفى بذكر القرية عن ذكر أهلها لدلالة الحال عليه. وقوله " انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه " الثمر جمع ثمرة، وهو ما انعقد على الشجر يقال: ثمر الثمر إذا نضج والمراد إذا أطلع ثمره. وقوله " وينعه " قال بعضهم: إذا فتحت ياؤه فهو جمع يانع مثل صاحب وصحب وتاجر وتجر. وقال آخرون: هو مصدر قولهم ينع الثمر فهو ينع ينعا. ويحكى في مصدره ثلاث لغات ينع وينع وينع، وكذلك نضج ونضج ونضج قال الشاعر: في قباب حول دسكرة * حولها الزيتون قد ينعا (2) * (الهامش) * (1) ديوانه 84 واللسان (قنا) والطبري 11 / 575 ورواية الديوان: سواحق جبار أثيث فروعه * وعالين قنوانا من البسر أحمرا (2) الحيوان للجاحظ 4 / 6 (طبع بيروت) والكامل للمبرد 1 / 226 ومجاز - (*)

[ 218 ]

وسمع أيضا أينعت الثمرة تونع إيناعا فمعنى " وينعه " نضجه وبلوغه حين يبلغ وفي ينعه لغتان: فتح الياء وضمها، فالفتح لغة اهل الحجاز والضم لغة نجد. وقال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك والطبري والزجاج وغيرهم: معنى وينعه ونضجه. وقوله " إن في ذلكم لايات لقوم يؤمنون " يعني في انزال الله الماء من السماء الذي أخرج به نبات كل شئ، والخضر الذي أخرج منه الحب المتراكب وسائر ما عدد في الاية " لايات " أي دلالات أيها الناس إذا نظرتم فيها أداكم إلى التصديق بتوحيده وخلع الانداد دونه، وأنه لا يستحق العبادة سواه، لان في ذلك بيانا وحججا وبرهانا لقوم يؤمنون، فتصدقون بوحدانية الله وقدرته على ما يشاء. وانما خص المؤمنين بالذكر، لانهم المنتفعون بذلك والمعتبرون به، كما قال " هدى للمتقين " وفي الاية دلالة على بطلان قول من يقول بالطبع، لان من الماء الواحد والتربة الواحدة يخرج الله ثمارا مختلفة وأشجارا متباينة ولا يقدر على ذلك غير الله تعالى. قوله تعالى: وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون (100) آية بلا خلاف قرأ أهل المدينة " خرقوا " بتشديد الراء. الباقون بتخفيفها، قال أبو عبيدة " وخرقوا له بنين وبنات " أي جعلوا له وأشركوه. يقال: خرق واخترق واختلق بمعنى، إذا افتعل وافترا وكذب، قال أحمد بن يحيى: خرق واخترق، وقال أبو الحسن الخفيفة أحب الي، لانها أكثر. * (الهامش) * (1) القرآن 1 / 202 واللسان والتاج (ينع)، (دسكر) وتفسير القرطبي 7 / 67 وقد روى (قد وقعا) بدل (قد ينعا). (*)

[ 219 ]

وقيل ان المعنى المشركين ادعوا أن الملائكة بنات الله، والنصارى المسيح ابن الله واليهود عزير ابن الله ومن شدد كأنه ذهب إلى التكثير. أخبر الله تعالى أن هؤلاء الكفار العادلين عن الحق المتخذين معه آلهة جعلوا له أندادا وشركاء الجن، كما قال " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا " (1) وقال " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن أناثا " (2) وقال " ويجعلون لله البنات " (3) ووصفهم بالجن لخفائهم عن الابصار وقوله " وجعلوا لله شركاء الجن " أراد به الكفار الذين جعلوا الملائكة بنات الله والنصارى الذين جعلوا المسيح ابن الله، واليهود الذين جعلوا عزيرا ابن الله، ولذلك قال " وخرقوا له بنين وبنات " ففصل أقوالهم. وقيل ان معنى " شركاء الجن " في استعاذتهم بهم. وقيل ان المعنى ان المجوس تنسب الشر إلى إبليس وتجعله بذلك شريكا. والهاء والميم في قوله " وخلقهم " يحتمل أن تكون عائدة إلى الكفار الذين جعلوا لله الجن شركاء. ويحتمل أن تكون عائدة على الجن، ويكون المعنى " وجعلوا لله شركاء الجن " والله خلق الجن فكيف يكونون شركاء له. وفي نصب الجن وجهان أحدهما - ان يكون تفسيرا للشركاء وبدلا منه. والاخر - ان يكون مفعولا به ومعناه وجعلوا لله الجن شركاء وهو خالقهم. وروي عن يحيى بن يعمر انه قرأ " وخلقهم " بسكون اللام بمعنى أن الجن شركاء لله في خلقه إيانا، وهذه القراءة ضعيفة. والقراءة المعروفة أجود، لان المعنى وخلقهم بمعنى أن الله خلقهم متفردا بخلقه اياهم. وقوله " وخرقوا له بنين وبنات " معناه تخرصوا، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم، فيتلخص الكلام أن هؤلاء الكفار جعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم اياه مع انه المتفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين * (الهامش) * (1) سورة 37 الصافات آية 158 (2) سورة 43 الزخرف آية 17 (3) سورة 16 النحل آية 57. (*)

[ 220 ]

ولا ظهير " وخرقوا له بنين وبنات " معناه تخرصوا له كذبا بنين وبنات " بغير علم " أي بغير حجة. ويحتمل أن يكون معناه بغير علم منهم بما عليهم عاجلا وآجلا ويحتمل ان يكون معناه بغير علم منهم بما قالوه على حقيقة ما يقولون، لكن جهلا منهم بالله وبعظمته، لانه لا ينبغي لمن كان الها أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة ولا أن يشركه في خلقه شريك، ثم نزه نفسه تعالى وأمرنا بتنزيهه عما أضافوه إليه، وأنه يجل عن ذلك ويتعالى عنه، فقال " سبحانه وتعالى عما يصفون " من ادعائهم له شركاء واختراقهم له بنين وبنات لان ذلك لا يليق بصفته ولا بوحدانيته. قوله تعالى: بديع السموات والارض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبه وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم (101) آية بلا خلاف. البديع هو المبدع وهي صفة معدولة عن (مفعل) إلى (فعيل) ولذلك تعدى (فعيل) لانه يعمل عمل ما عدل عنه، فاذالم يكن معدولا للمبالغة لم يتعد نحوطويل وقصير، وارتفع بديع، لانه خبر ابتداء محذوف، وتقديره هو بديع السموات والارض. ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره (انى) يكون له ولد). والفرق بين الابتداع والاختراع فعل ما لم يسبق إلى مثله، والاختراع فعل ما لم يوجد سبب له، ولذلك يقال: البدعة والسنة، فالبدعة احداث ما لم يسبق إليه مما خالف السنة، ولا يوصف بالاختراع غير الله، لان حد ما ابتدئ في غير محل القدرة عليه، ولا يقدر على ذلك الا القادر للنفس، لان القادر بقدرة اما ان يفعل مباشرا وحده ما ابتدئ في محل القدرة عليه أو متولد وحده ما وقع بحسب غيره، وهو على ضربين: احدهما تولده في محل القدرة عليه. والاخر انه يتعداه بسبب هو الاعتماد لا غير، ولا يقدر غير

[ 221 ]

الله على الاختراع أصلا. فاما الابتداع فقد يقع منه، لانه قد يفعل فعلا لم يسبق إليه. واما " بديع السماوات والارض " فلا يوصف به غير الله لانه خالقهما على غير مثال سبق. وقوله " اني يكون له ولد " معناه وكيف يكون له ولد. وقيل: معناه من اين يكون له ولد ؟ ولم تكن له صاحبة، فالولد هو الحيوان المتكون من حيوان، فعلى هذا آدم ليس بولد، لانه لم يتكون عن والد، والمسيح (ع) ولد، لان مريم ولدته فهو متكون عنها، وان لم يكن عن ذكر، والصاحب هو القرين اللازم، ولذلك يقال: اصحاب الصحراء وفي القرآن اصحاب النار وأصحاب الجنة. ومعناه المقارنون لها. وقد يكون المقارن لما هو من جنسه وما ليس من جنسه، فيوصف بانه صاحب الا انه لابد من مشاكلته ويقال: صاحب القرآن أي حافظه، وصاحب الدار مالكها. وقوله: " وخلق كل شئ " يحتمل امرين: احدهما - ان يكون اراد ب‍ (خلق) قدر، فعلى هذا تكون الاية عامة، لانه تعالى مقدر كل شئ. ويحتمل ان يكون احدث كل شئ، فعلى هذا يكون مخصوصا، لانه لم يحدث اشياء كثيرة من مقدورات غيره، ما هو معدوم لم يوجد على مذهب من يسميها أشياء. وكقديم آخر، لانه يستحيل. وقوله: " وهو بكل شئ عليم " عام، لان الله تعالى يعلم الاشياء كلها قديمها ومحدثها، موجودها ومعدومها، لا تخفى عليه خافية. قوله تعالى: ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ فاعبدوه وهو على كل شئ وكيل (102) آية بلا خلاف. " ذلك " اشارة إلى ما تقدم ذكره من وصف الله بانه " بديع السماوات

[ 222 ]

والارض " وغير ذلك من صفاته تعالى. وانما ادخل فيه الميم، لانه خطاب لجميع الخلق. " الله ربكم " صفة بعد صفة. وقوله: " لاإله إلا هو " اخبار بانه لا معبود سواه تحق له العبادة. وبين انه " خالق كل شئ " من اصناف الخلق. وحذف اختصارا - في المبالغة - لقيام الدلالة على انه لا يدخل فيه ما لم يخلقه من اصناف الاشياء من المعدوم، وافعال العباد والقبائح، ومثله في المبالغة قوله: " تدمر كل شئ بأمر ربها " (1). وقوله: " واوتيت من كل شئ " (2). ثم امر الخلق بعبادة من كان خالق الاشياء كلها، والمنعم على خلقه بما يستحق به العبادة: من خلق الحياة والقدرة والشهوة والبقاء، وغير ذلك. واخبر انه تعالى " على كل شئ وكيل " أي حافظ. والوكيل على الشئ هو الحافظ الذي يحوطه ويدفع الضرر عنه. وانما وصف بانه وكيل مع انه مالك الاشياء، لانه لما كانت منافعه لغيره لاستحالة المنافع عليه والمضار، صحة الصفة له من هذه الجهة بانه وكيل، وكان فيها تذكير بالنعمة مع كونه مالكا من جهة انه قادر عليه له ان يصرف اتم التصريف مما يريده بمنزلة ما يريده الوكيل في ان منافعه تعود على غيره، ولا يلزم على هذا ان يقال: هو وكيل على القبائح والفواحش، لانه يوهم انها عرض وانما تدخل في الجملة على طريق التبع، لانه يجازي عليها بالعذاب المستحق بها. ورفع " خالق كل شئ " بانه خبر ابتداء محذوف كأنه قيل هو خالق كل شئ، لانه تقدم ذكره فاستغني عن ذكره. ولا يجوز رفعه على ان خبره " فاعبدوه " لدخول الفاء. وكان يجوز نصبه على الحال لانه نكرة اتصل بمعرفة بعد التمام. * (الهامش) * (1) سورة 46 الاحقاف آية 25 (2) سورة 27 النمل آية 23 (*)

[ 223 ]

قوله تعالى: لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير (103) آية بلا خلاف. في هذه الاية دلالة واضحة على انه تعالى لا يرى بالابصار، لانه تمدح بنفي الادراك عن نفسه. وكلما كان نفيه مدحا غير متفضل به فاثباته لا يكون الانقصا، والنقص لا يليق به تعالى. فإذا ثبت انه لا يجوز ادراكه، ولا رؤيته، وهذه الجملة تحتاج إلى بيان اشياء: احدها - انه تعالى تمدح بالاية. والثاني - ان الادراك هو الرؤية. والثالث - ان كلما كان نفيه مدحا لا يكون اثباته الانقصا. والذي يدل على تمدحه شيآن: احدهما - اجماع الامة، فانه لا خلاف بينهم في انه تعالى تمدح بهذه الاية، فقولنا: تمدح بنفي الادراك عن نفسه لاستحالته عليه. وقال المخالف: تمدح لانه قادر على منع الابصار من رؤيته، فالاجماع حاصل على ان فيها مدحة. والثاني - ان جميع الاوصاف التي وصف بها نفسه قبل هذه الاية وبعدها مدحة، فلا يجوز ان يتخلل ذلك ما ليس بمدحة. والذي يدل على ان الادراك يفيد الرؤية ان اهل اللغة لا يفرقون بين قولهم: ادركت ببصري شخصا، وآنست، واحسست ببصري. وانه يراد بذلك اجمع الرؤية. فلو جاز الخلاف في الادراك، لجاز الخلاف فيما عداها من الاقسام. فاما الادراك في اللغة، فقد يكون بمعنى اللحوق، كقولهم: ادراك قتادة الحسن. ويكون بمعنى النضج، كقولهم ادركت الثمرة، وادركت القدر، وادرك الغلام إذا بلغ حال الرجال. وأيضا فان الادراك إذا اضيف

[ 224 ]

إلى واحد من الحواس أفاد ما تلك الحاسة آلة. فيه ألا ترى انهم يقولون: ادركته بأذني يريدون سمعته، وادركته بانفي يريدون شممته وادركته بفمي يريدون ذقته. وكذلك إذا قالوا: ادركته ببصري يريدون رأيته. واما قولهم ادركت حرارة الميل ببصري فغير معروف ولا مسموع، ومع هذا ليس بمطلق بل هو مقيد، لان قولهم حرارة الميل تقييد لان الحرارة تدرك بكل محل فيه حياة، ولو قال ادركت الميل ببصري لما استفيد به الا الرؤية. وقولهم ان الادراك هو الاحاطة باطل، لانه لو كان كذلك لقالوا: أدرك الجراب بالدقيق وأدرك الحب بالماء وأدرك السور بالمدينة لاحاطة جميع ذلك بما فيه، والامر بخلاف ذلك. وقوله " حتى إذا أدركه الغرق " (1) فليس المراد به الاحاطة بل المعنى حتى إذا لحقه الغرق، كما يقولون أدركت فلانا إذا لحقته، ومثله " فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون " (2) أي لملحقون، والذي يدل على أن المدح إذا كان متعلقا بنفي فاثباته لا يكون الا نقصا، قوله " لا تأخذه سنة ولا نوم (3) وقوله " ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله " (4) لما كان مدحا متعلقا بنفي فلو ثبت في حال لكان نقصا. فان قيل كيف يتمدح بنفي الرؤية ومع هذا يشاركه فيها ما ليس بممدوح من المعدومات والضمائر. ؟ قلنا: انما كان ذلك مدحا بشرط كونه مدركا للابصار وبذلك يميز من جميع الموجودات لانه ليس في الموجودات ما يدرك ولا يدرك. فان قيل: ولم إذا كان يدرك ولا يدرك يجب ان يكون ممدوحا ؟ قلنا: قد ثبت ان الاية مدحة بمادللنا عليه، ولابد فيها من وجه مدحة فلا يخلو من أحد وجهين: اما أن يكون وجه المدحة أنه يستحيل رؤيته مع كونه رائيا أو ما قالوه من أنه يقدر على منع الابصار من رؤيته بأن لا يفعل * (الهامش) * (1) سورة 10 يونس آية 90 (2) سورة 26 الشعراء آية 62 (3) سورة 2 البقرة آية 256. (4) سورة 23 المؤمنون آية 92 (*)

[ 225 ]

فيها الادراك، وما قالوه باطل لقيام الدلالة على أن الادراك ليس بمعنى الاحاطة، فإذا بطل ذلك لم يبق الا ما قلناه، والا خرجت الاية من كونها مدحة. وقد قيل: ان وجه المدحة في ذلك أن من حق المرئي أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل وذلك يدل على مدحته، وهذا دليل من أصل المسألة لا يمكن ان يكون جوابا في الاية. فان قيل: انه تعالى نفى أن تكون الابصار تدركه فمن أين ان المبصرين لا يدركونه ؟ قلنا: الابصار لا تدرك شيئا البتة فلا اختصاص لها به دون غيره، وأيضا فان العادة ان يضاف الادراك إلى الابصار ويراد به ذووا الابصار، كما يقولون: بطشت يدي وسمعت أذني وتكلم لساني ويراد به أجمع ذووا الجارحة فان قيل: انه تعالى نفى أن جميع المبصرين لا يدركونه، فمن أين أن البعض لا يدركونه وهم المؤمنون ؟ قلنا: إذا كان تمدحه في استحالة الرؤية عليه لما قدمناه فلا اختصاص لذلك براء دون رائي، ولك ان تستدل بأن تقول: هو تعالى نفى الادراك عن نفسه نفيا عاما كما أنه أثبت لنفسه ذلك عاما فلو جاز ان يخص ذلك بوقت دون وقت لجاز مثله في كونه مدركا. وإذا ثبت نفي ادراكه على كل حال فكل من قال بذلك قال الرؤية مستحيلة عليه. ومن أجاز الرؤية لم ينفها نفيا عاما فالقول بنفيها عموما مع جواز الروية عليه قول خارج عن الاجماع. فان عورضت هذه الاية بقوله " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " (1) فانا نبين انه لا تعارض بينهما وانه ليس في هذه الاية ما يدل على جواز الرؤية إذا انتهينا إليها ان شاء الله. وقوله " وهو اللطيف الخبير " قيل في معنى " اللطيف " قولان: أحدهما - أنه اللاطف لعباده بسبوغ الانعام، غير انه عدل من وزن * (الهامش) * (1) سورة 75 القيامة آية 23 (*)

[ 226 ]

(فاعل) إلى (فعيل) للمبالغة. الثاني - أنه لطيف التدبير، وحذف لدلالة الكلام عليه. والخبير هو العالم بالاشياء المتبين لها، وما ذكرناه من أن معنى الاية نفي الرؤية عن نفسه على كل حال قول جماعة منهم عائشة، روى مسروق عن عائشة انها قالت: من حدثك أن رسول الله رأى ربه فقد كذب " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار " و " ما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب (1) ولكن رأى جبرائيل في صورته مرتين. وفي رواية أخرى أن مسروقا لما قال لها: هل رأى محمد ربه ؟ قالت: سبحان الله، لقد وقف شعري مما قلت، ثم قرأت الاية. وقال الشعبي قالت عائشة من قال: ان أحدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، وقرأت الاية، وهو قول السدي وجماعة أهل العدل من المفسرين كالحسن والبلخي والجبائي والرماني وغيرهم. وقال أهل الحشو والمجبرة بجواز الرؤية على الله تعالي في الاخرة وتأولوا الاية على الاحاطة وقد بينا فساد ذلك. قوله تعالى: قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ (104) آية بلا خلاف. البصائر جمع بصيرة وهي الدلالة التي توجب العلم الذي يبصر به نفس الشئ على ما هو به والمراد ههنا قد جاءكم القرآن الذي فيه الحجج والبراهين، قال الشاعر: جاؤا بصائرهم على أكتافهم * وبصيرتي يعدو بها عتد وأي (2) * (الهامش) * (1) سورة 42 الشورى آية 51 (2) اللسان (بصر)، (عتد)، (وأي) وتفسير الطبري 12 / 24 والبصيرة الدم، والشاعر يعير أخوته لابيه لعدم أخذهم بثأر أبيهم وقد أخذ هو بدم ابيه ويروى (حملوا بصائرهم) و (راحوا بصائرهم). والعتد الحاضر المعد للكروب (*)

[ 227 ]

ونعني بالبصيرة الحجة البينة الظاهرة. وأما الابصار فهو الادراك ولذلك يوصف تعالى بأنه مبصر كما يوصف بأنه مدرك ويسمى بأنه بصير، لانه يجب أن يدرك المبصرات إذا وجدت وانما وصفت الدلالة بأنها جائية وان كان لا يجوز أن يقال جاءت الحركة، ولا جاء السكون ولا الاعتماد، وغير ذلك من الاعراض لتفخيم شأن الدلالة حيث كانت بمنزلة الغائب المتوقع حضوره للنفس كما يقال جاءت العافية وانصرف المرض وأقبل السعد وأدبر النحس. وقوله " فمن أبصر فلنفسه " يعني من تبين بهذه الحجج بأن نظر فيها حتى اوجبت له " العلم وتبين بها، فمنفعة ذلك تعود عليه ولنفسه بما نظر. ومن عمي فلم ينظر فيها وصدف عنها حتى جهل فعلى نفسه لان عقاب تفريطه لازم له وحال به، فسمي العلم والتبيين إبصارا مجازا، وسمي الجهل عمى توسعا. وفي ذلك دلالة على ان الخلق غير مجبرين بل هم مخيرون في أفعالهم. ثم خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وأمره بأن يقول لهم " وما أنا عليكم بحفيظ " يعني برقيب على أعمال العباد حتى يجازيهم بها، - في قول الحسن - بل هو شهيد عليهم، لانه يرجع إلى الحال الظاهرة التي تقع عليها المشاهدة. قال الزجاج: هذا قبل أن يؤمر بالقتال. ثم أمر أن يمنعهم بالسيف عن عبادة الاوثان. وهذه الاية فيها أمر من الله لنبيه أن يقول لهؤلاء الكفار: قد جاءكم حجج من الله وهو ما ذكره في قوله " فالق الحب والنوى " (1) إلى هاهنا. وما يبصرون به الهدى من الضلال، فمن نظر وعلم فلنفسه نفع، ومن جهل وعمي فلنفسه ضر. ولست أمنعكم منه ولا أحول بينكم وما تحتاجون، وهو قول قتادة وابن زيد. قوله تعالى: وكذلك نصرف الايات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون (105) آية بلا خلاف. * (الهامش) * (1) آية 95 من هذه السورة. (*)

[ 228 ]

قرأ ابن كثير وابو عمرو (دارست) بألف وفتح التاء. الباقون بلا الف " درست " بفتح التاء، الا ابن عامر فانه قرأ " درست " بسكون " التاء وفتح السين بمعنى (انمحت) وذكر الاخفش (درست) وهوأشد مبالغة في الامحاء وقيل (درست) على ما لم يسم فاعله. والمعاني متقاربة غير ان هذين لم يقرأ بهما أحد من المعروفين. وفي قراءة عبد الله (درس) أي ليقولوا درس محمد. قال أبو زيد: درست أدرس دراسة وهي القراءة. وانما يقال ذلك إذا قرأت على غيرك. قال الاصمعي أنشدني ابن ميادة: يكفيك من بعض إزديار الافاق * سمراء ممادرس ابن مخراق (1) يقال درس يدرس مثل داس يدوس. قال: وقال بعضهم: سمراء ناقته، ودرسها رياضها قال ودرس السورة من هذا أي يدرسها لتخف على لسانه، والدريس الثوب الخلق، وأصل الدرس استمرار التلاوة. وقال أبو علي النحوي: من قرأ " دارست " معناه أهل الكتاب وذاكرتهم، قال وقد يحذف الالف في مثل هذا في المصحف. قال ويقوي ذلك قوله " وقالوا اساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا " (2) وقالوا " ان هذا الا افك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون (3) ومن قرأ (درست) قال لان أبيا وابن مسعود قرءا به فاسندا الفعل فيه إلى الغيبة كما اسند إلى الخطاب ومعناه درست فتعلمت من أهل الكتاب. وقال المغربي: درست معناه علمت كما قال " ودرسوا ما فيه " (4) أي علموه فعلى هذا يكون اللام لام الغرض، كأنه قال فعلنا ذلك ليقولوا علمت. ووجه قراءة ابن عامر انه ذهب إلى الدرس الذي هو تعفية الاثر وإمحاء الرسم. واللام من قوله " وليقولوا درست " على ضربين: من قال (درست) بلا الف، فالمعنى لكراهة أن يقولوا أو لئلا يقولوا: درست، كما قال " يبين الله لكم أن تضلوا " (5) ومعناه لئلا تضلوا وكراهة * (الهامش) * (1) اللسان " سمر " (2) سورة 25 الفرقان آية 5 (3) سورة 25 الفرقان آية 4 (4) سورة 7 الاعراف آية 168 (5) سورة 4 النساء آية 175 (*)

[ 229 ]

ان تضلوا، والمعنى اني فصلت الايات وأحكمتها لئلا يقولوا: انها أخبار قد تقدمت وطال العهد بها وباد من كان يعرفها، كما قالوا " أساطير الاولين " (6) لان تلك الاخبار لا تخلو من خلل فإذا سلم الكتاب منه لم يكن لطاعن موضع طعن. والثاني - ليقولوا (درست) ذلك بحضرتنا أي ليقروا بورود الاية عليهم فتقوم الحجة عليهم. وقال الزجاج: اللام لام العاقبة ومن قرأ (دارست) فاللام على قوله كالتي في قوله " ليكون " لهم عدوا وحزنا " (7) ولم يلتقطوه لذلك لكن كان عاقبته كذلك كما أنه تعالى لم يفصل الايات ليقولوا دارست ودرست. لكن لما قالوا ذلك أطلق ذلك عليه اتساعا. وموضع الكاف في وكذلك نصب، لان المعنى نصرف الايات في غير هذه السورة مثل التصريف في هذه السورة، فهو في موضع صفة المصدر كأنه قال تصريفا مثل هذا التصريف. قال الرماني: التصريف اجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة ليجتمع فيه وجوه الفائدة. وقال الحسن ومجاهد والسدي وابن عباس وسعيد بن جبير (دارست) أي ذاكرت أهل الكتابين وقارأتهم، وقوله " ولنبينه لقوم يعلمون " معناه لنبين الذي هذه الايات دالة عليه لقوم يعلمون ما نورده عليهم من هذه الايات، ويعقلون ذلك وهم الذين يلزمهم الاستدلال بذلك على الله وعلى صحة دينه. وقال قوم " ليقولوا درست " معناه التهديد كما يقول القائل: قل لفلان: يوفينا حقنا وليصنع ما شاء، وقل للناس الحق وليقولوا ما شاؤا أي ذلك لا يضرك، ولان ضرره يعود عليهم من العقاب والذم. * (الهامش) * (6) سورة 16 النحل آية 24 (7) سورة 28 القصص آية 8. (*)

[ 230 ]

قوله تعالى: إتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) آية بلا خلاف. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يتبع ما أوحي إليه من ربه، والاتباع هو أن يتصرف الثاني بتصريف الاول، والنبي صلى الله عليه وآله كان يتصرف في الدين بتصريف الوحي فلذلك كان متبعا، وكذلك كل متدبر بتدبير غيره فهو متبع له والايحاء هو القاء المعنى إلى النفس من جهة يخفى، وانما أعاد قول " لا إله إلا هو " لان المعنى ادعهم إلى انه لا إله إلا هو، فعلى هذا ليس بتكرار، هذا قول الحسن. وقال الجبائي: لانه بمعنى الزمه وحده. وقال غيره: لان معناه اتبع ما أوحي اليك من أنه لا اله الا هو. وقوله " واعرض عن المشركين " أمر للنبي صلى الله عليه وآله بالاعراض عن المشركين، ولا ينافي ذلك أمره اياه بدعائهم إلى الحق وقتالهم على مخالفتهم لامرين: أحدهما - أنه أمره بالاعراض عنهم على وجه الاستجهال لهم فيما اعتقدوه من الاشراك بربهم. الثاني - قال ابن عباس: نسخ ذلك بقوله " اقتلوا المشركين " (1) وأصل الاعراض هو الانصراف بالوجه إلى جهة العرض. والعرض خلاف الطول، ومنه (واعرضت اليمامة). أي ظهرت كالظهور بالعرض ومنه العارضة لظهور المساواة بها كالظهور بالعرض، والاعتراض المنع من الشئ بحاجز عنه عرضا ومنه العرض الذي يظهر كالظهور بالعرض ثم لا يلبث. وحد أيضا بانه ما يظهر في الوجود ولا يكون له لبث كلبث الجواهر. * (الهامش) * (1) سورة 9 التوبة آية 6 (*)

[ 231 ]

قوله تعالى: ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل (107) آية. ان قيل: كيف قال تعالى " ولو شاء الله ما أشركوا " والمشيئة لا تتعلق الا بفعل يصح حدوثه، ولا تتعلق بأن لا يكون الشئ ؟ ! قلنا: التقدير لو شاء الله ان يكونوا على غير الشرك قسرا ما أشركوا فمتعلق المشيئة محذوف، فمراد هذه المشيئة حالهم التي تنافى الشرك قسرا بالاقتطاع عن الشرك عجزا أو منعا أو الجاء. وانما لا يشاء الله هذه الحال لانها تنافي التكليف. وانما لم يمنع العاصي من المعصية لانه انما اتى بها من قبل نفسه، والله تعالى فعل به جميع ما فعل بالمطيع من ازاحة العلة، فإذا لم يطع وعصى كانت الحجة عليه. وربما كان في بقائه لطف للمؤمن فيجب تبقيته وليس لاحد ان يقول الاية دالة على انه تعالى لم يرد هدايتهم لانه لو أراد ذلك لاهتدوا، وذلك أنه لو لم يرد أن يهتدوا لم يكونوا عصاة بمخالفة الاهتداء، لان المعاصي هو الذي خالف ما أريد منه ولما صح أمرهم أيضا بالاهتداء. والفرق بين الحفيظ والوكيل هو أن الحفيظ يحفظهم من أن يزلوا بمنعه لهم، والوكيل القيم بأمورهم في مصالحهم لدينهم أو دنياهم حتى يلطف لهم في تناول ما يجب عليهم، فليس بحفيظ في ذاك ولا وكيل في هذا، فذلك قال تعالى: انه لم يجعل نبيه حفيظا ولا جعله وكيلا عليهم، بل الله تعالى هو الرقيب الحافظ عليهم والمتكفل بأرزاقهم. وانما النبي صلى الله عليه وآله مبلغ منذر ومخوف. وقيل: ان ذلك كان بمكة قبل أن يؤمر بالقتال.

[ 232 ]

قوله تعالى: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) آية بلا خلاف. قرأ الحسن ويعقوب " عدوا " بضم العين والدال وتشديد الواو. والباقون بفتح العين وبسكون الدال. وأصل ذلك من العدوان. و " عدوا " مخففا و " عدوا " لغتان، يقال عدا علي عدوا وعدوانا وعداءا إذا ظلم مثل ضرب ضربا. وعدا فلان على فلان أي ظلمه. والاعتداء افتعال من عدا. فهى الله تعالى المؤمنين أن يسبوا الذين يدعون من دون الله. والسب الذكر بالقبيح ومثله الشتم والذم وهو الطعن فيه بمعنى قبيح، كما يطعن فيه بالسنان، وأصله السبب، فهو تسبب إلى ذكره بالعيب. والمعنى في الاية لا تخرجوا في مجادلتهم ودعائهم إلى الايمان ومحاجتهم إلى ان تسبوا ما يعبدونه من دون الله، فان ذلك ليس من الحجاج في شئ، وهو أيضا يدعوهم إلى أن يعارضوكم ويسبوا الله بجهلهم وحميتهم، فأنتم اليوم غير قادرين على معاقبتهم بما يستحقون، وهم أيضا لا يتقونكم، لان الدار دارهم ولم يؤذن لكم في القتال. وكان سبب نزول الاية - في قول الحسن - أن المسلمين كانوا يسبون آلهة المشركين من الاوثان، فإذا سبوها يسب المشركون الله تعالى، فأنزل الله تعالى الاية. وقال أبو جهل: والله يا محمد لتتركوا سب آلهتنا أو لنسبن الهك الذي بعثك، فنزلت الاية. وفي ذلك دلالة على ان المحق يلزمه الكف عن سب السفهاء الذين يسرعون إلى سبه مقابلة له، لانه بمنزلة البعث على المعصية والمفسدة فيها. وانما قال " يدعون من دون الله " بمعنى يعبدون،

[ 233 ]

لان معناه يدعونه إلها فلما قال " من دون الله " وهو من صفة الكفار دل على هذا المعنى فحذف اختصارا. وانما قال " من دون الله " مع انهم كانوا يشركون في العبادة بين الله وبين الاصنام لامرين: أحدهما - ان ما وجهوه من العبادة إلى الاوثان انما هو عبادة لها لا لله، وليس كالتوجه إلى القبلة عبادة لله. والثاني - أن ذلك غير معتد به، لانهم أوقعوا العبادة على خلاف الوجه المأمور به فما أطاعوا الله بحال. وقوله " كذلك زينا لكل أمة عملهم " قيل في معناه أربعة أقوال: أحدها - قال الحسن والجبائي والطبري والرماني: انا كما أمرناكم بحسن الدعاء إلى الله تعالى وتزيين الحق في قلوب المدعوين كذلك زينا للامم المتقدمين أعمالهم التي أمرناهم بها ودعوناهم إليها بأن رغبناهم في الثواب، وحذرناهم من العقاب ويسمى ما يجب على الانسان أن يعمله بأنه عمله كما يقول القائل لولده أو غلامه: اعمل عملك يريد به ما ينبغي له أن يفعله، لان ما وجد وتقضى لا يصح الامر بأن يفعله. الثاني - زينا الحجة الداعية إليها والشبهة التي من كمال العقل ان يكون المكلف عليها، لانه متى لم يفعل منى الشبهة لم يكن عاقلا. الثالث - التزيين المراد به ميل الطبع إلى الشئ فهو إلى الحسن ليفعل والى القبيح ليجتنب. والرابع - ذكره البلخي أيضا، وهو أن المعنى ان الله زين لكل امة عملهم من تعظيم من خلقهم ورزقهم وانعم عليهم، والمحامات عنه وعداوة من عاداه طاعة له، فلما كان المشركون يظنون شركاءهم هم الذين يفعلون ذلك أو أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، حاموا عنهم وتعصبوا لهم وعارضوا من شتمهم بشتم من يعز عليهم، فهم لم يعدوا فيما صنعوا ما زينه الله لهم في الحملة، لكن غلطوا فقصدوا بذلك من لم يجب ان يقصدوه فكفروا وضلوا.

[ 234 ]

وقوله " عدوا " نصب على المصدر، وقرئ " عدوا " والمعنى جماعة يعني أعداء وعلى هذا يكون نصبا على الحال. قوله تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليومنن بها قل إنما الايات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) آية. قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وأبو بكر الا يحيى ونصير وخلف " وما يشعركم انها " بكسر الهمزة. الباقون بفتحها. وقرأ ابن عامر وحمزة " لا تؤمنون " بالتاء. الباقون بالياء. و (ما) في قوله " وما يشعركم " استفهام وفاعل (يشعركم) ضمير (ما) ولا يجوز ان يكون نفيا، لان الفعل فيه يبقى بلا فاعل، ولا يجوز ان يكون نصبا ويكون الفاعل ضمير اسم الله، لان التقدير يصير، وما يشعركم الله انتفاء ايمانهم، وهذا ليس بصحيح، لان الله قد أعلمنا أنهم لا يؤمنون بقوله " ولو اننا نزلنا إليهم الملائكة. " آية (111) فالمعنى وما يدريكم ايمانهم إذا جاءت الايات، فحذف المفعول، وتقديره وما يدريكم ايمانهم إذا جاءت أي هم لا يؤمنون مع مجئ الاية. ومن كسر الالف فلانه استئناف على القطع بأنهم لا يؤمنون، ولو فتحت ب‍ " يشعركم " كان عدوا لهم، ويجوز فتحها على وجهين: الاول قال الخليل: بمعنى لعلها إذا جاءت لا يؤمنون، كما يقول القائل: ائت السوق انك تشتري لنا شيئا معناه لعلك، قال عدي بن زيد: أعاذل ما يدريك ان منيتي * إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد (1) وقال درى بن الصمة: * (الهامش) * (1) جمهرة اشعار العرب 103 واللسان (أنن) وتفسير الطبري 12 / 41 (*)

[ 235 ]

ذريتي أطوف في البلاد لانني * أرى ما ترين أوبخيلا مخلد (2) وقال آخر: هل أنتم عائجون بنا لانا * نرى العرصات أو أثر الخيام (3) وقال الفراء: انهم يقولون: لعلك، ولعنك، ورعنك، وعلك، ورأنك، ولانك بمعنى واحد. وقال أبو النجم: قلت لشيبان ادن من لقائه * انا نغدى اليوم من شوائه (4) الثاني - قال الفراء (لا) - ههنا - صلة كقوله " ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك " (5) والتقدير وما يشعركم انها إذا جاءت يؤمنون، والمعنى على هذا لو جاءت لم يؤمنوا ومثل زيادة (لا) قول الشاعر: أبا جوده لا النجل واستعجلت به * نعم من فتى لا يمنع الجود فاعله بنصب النجل وجره، فمن نصب جعلها زيادة، وتقديره أبا جوده النجل ومن جره أضاف (لا) إلى النجل) ومثله قوله تعالى " وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون " (6) وهو يحتمل أمرين: احدهما - ان تكون (لا) زائدة و (ان) في موضع رفع بأنه خبر المبتداء الذي هو (حرام) وتقديره وحرام على قرية مهلكة رجوعهم، كما قال " فلا يستطيعون توصية ولا الى أهلهم يرجعون " (7). والثاني - أن تكون (لا) غير زائدة بل تكون متصلة بأهلكنا، والتقدير بأنهم لا يرجعون أي أهلكناهم بالاستئصال، لانهم لا يرجعون إلى أهليهم * (الهامش) * (2) تفسير الطبري 3 / 78 و 12 / 42 والشعر والشعراء 210، 211 ومجاز القرآن 6 / 55 واللسان (أنن) (3) قائلة جرير، ومجمع البيان (صيدا) 2: 348 واللسان (أنن) (4) المعاني الكبير لابن قتيبة 393 وخزانة الاداب 3 / 951 والطبري 12 / 43 (5) سورة 7 الاعراف آية 11 (6) سورة 21 الانبياء آية 95 (7) سورة 36 يس آية 50 (*)

[ 236 ]

للاستئصال الواقع بهم. وخبر الابتداء محذوف وتقديره حرام على قرية أهلكناها بالاستئصال بقاؤهم أو حياتهم ونحو ذلك. من قرأ (يؤمنون) بالياء فلان قوله " وأقسموا " انما يراد به قوم مخصوصون بدلالة " ولو أننا انزلنا إليهم الملائكة.. " الاية (111)، وليس كل الناس بهذا الوصف، فالمعنى وما يشعركم ايها المؤمنون لعلهم اذاجات الايات التي اقترحوها لم يؤمنوا. ومن قرأ بالتاء فانه انصرف من الغيبة إلى الخطاب، ويكون المراد بالمخاطبين في " يؤمنون " هم القوم المقسمون الذين أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون، ومثله قوله " الحمدلله " ثم قال " اياك نعبد " ونحو ذلك مما ينصرف فيه إلى خطاب بعد الغيبة. وقوله " جهد أيمانهم " أي اجتهدوا في اليمين وبالغوا فيه. والاية التي سألوا النبي صلى الله عليه وآله اظهارها قيل فيها قولان: أحدهما - انهم سألوا تحول الصفا ذهبا. الثاني - ما ذكره في موضع آخر من قوله " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا " إلى قوله " كتابا نقرؤه " (1) والمعنى ان هؤلاء الكفار أقسموا متحكمين على النبي صلى الله عليه وآله وبالغوا في أيمانهم أنهم إذا جاءتهم الاية التي اقترحوها ليؤمنن بها أي عندها، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهم: إنما الايات عند الله. فان قيل: كيف قال " الايات عند الله " وذلك معلوم ؟ ! قيل: معناه من أجل أن الايات عند الله، ليس لكم أن تتحكموا في طلبها، لانه لا يجوز أن يتخلف عنكم ولا عن غيركم ما فيه المصلحة في الدين لانه تعالى لا يخل بذلك. قوله " وما يشعركم " فيه تنبيه على موضع الحجة عليهم من أنه ليس * (الهامش) * (1) سورة 17 الاسرى آية 90 - 94. (*)

[ 237 ]

لهم ان يدعوا ما لا سبيل لهم إلى علمه. وقال مجاهد وابن زيد: الخطاب متوجه إلى المشركين وقال الفراء وغيره: هو متوجه إلى المؤمنين، لانهم قالوا ظنا منهم أنهم لو اجيبوا إلى الايات لامنوا. قوله تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يومنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعملون (110) آية بلا خلاف. أخبر الله تعالى أنه يقلب الله أفئدة هؤلاء الكفار، وأبصارهم عقوبة لهم وفي كيفية تقليبها قيل قولان: قال أبو علي الجبائي: انه يقلبها في جهنم على لهب النار وحر الجمر، وجمع بين صفتهم في الدنيا وصفتهم في الاخرة، كما قال " هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية " (1) لان قوله " وجوه يومئذ خاشعة " يعني في الاخرة، و " عاملة ناصبة " في الدنيا. الثاني - انه يقلبها بالحسرة التي تغم وتزعج النفس. وقوله " كما لم يؤمنوا به أول مرة " قيل فيه قولان: أحدهما - أول مرة أنزلت الايات، فهم لا يؤمنون ثاني مرة بما طلبوا من الايات كما لم يؤمنوا أول مرة بما أنزل من الايات، وهو قول ابن عباس وابن زيد ومجاهد. الثاني - روي أيضا عن ابن عباس يعني أول مرة في الدنيا وكذلك لو اعيدوا ثانية، كما قال تعالى " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " (2) والكاف في قوله " كما لم يؤمنوا به أول مرة " قيل فيه قولان: أحدهما - انها دخلت على محذوف كأنه قيل: فلا يؤمنون به ثاني مرة كما لم يؤمنوا به أول مرة. * (الهامش) * (1) سورة 88 الغاشية آية 1 - 4 (2) سورة 6 الانعام آية 28 (*)

[ 238 ]

والثاني - انها دخلت على معنى الجزاء كما قال " وجزاء سيئة سيئة مثلها " (3). والهاء في قوله " به " يحتمل ان تكون عائدة على القرآن وما أنزل من الايات. ويحتمل أن تكون عائدة على النبي صلى الله عليه وآله. وقال بعضهم: انها عائدة على التقليب، لانه الحائل بينهم وبين الايمان. وهذا خطأ لانه لو حيل بينهم وبين الايمان لما كانوا مأمورين به، ولان تقليب الابصار لايمنع من الايمان كما لا يمنع الاعمى عماه من الايمان. وقوله " ونذرهم في طغيانهم يعمهون " لا يدل على أنه تركهم فيه ليطغوا لانه انما أراد انه خلى بينهم وبين اختيارهم وان لم يرد منهم الطغيان، كما ان الائمة والصالحين إذا خلوا بين اليهود والنصارى في دخولهم كنائسهم لا يدل على انهم خلوهم ليكفروا. وقال الحسين بن علي المغربي قوله " ونقلب أفئدتهم وابصارهم " معناه إنا نحيط علما بذات الصدور، وخائنة الاعين - وهو حشو بين الجملتين - وهو ان يختبر قلوبهم فيجد باطنها بخلاف الظاهر. قوله تعالى: ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليومنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (111) آية بلا خلاف. قرأ ابن عامر ونافع وابو جعفر " قبلا " بكسر القاف وفتح الباء. الباقون بضمها، قال أبو زيد: يقال لقيت فلا ناقبلا وقبلا وقبلا وقبيلا ومقابلة كله بمعنى المواجهة فعلى هذا المعنى واحد في اختلاف القراءات. * (الهامش) * (3) سورة 42 الشورى آية 40 (*)

[ 239 ]

وقال أبو عبيدة " قبلا " أي معاينة، فعلى هذا من كسر القاف وفتح الباء أراد معناه عيانا، ومن قرأ بالضم فيهما قيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: معناه مقابلة. الثاني - قال مجاهد وعبد الله بن زيد: معناه قبيلا قبيلا أي جماعة جماعة فيكون جمع قبيل، وقبيل جمع قبيلة نحو سفين وسفينة ويجمع أيضا سفنا. الثالث - قال الفراء انه جمع قبيل بمعنى كفيل نحو رغيف ورغف لقوله " أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (1) " أي يضمنون ذلك. قال أبو على الفارسي: وهذا الوجه ضعيف لانهم اذالم يؤمنوا مع انزال الملائكة عليهم وكلام الموتي لهم مع ظهوره وبهوره ومشاهدته والضرورة إليه، فألا يؤمنوا بالمقالة التي هي قول لا يبهر ولا يضطر أجدر، اللهم الا ان يقال موضع الاية الباهرة انه جمع القبيل الذى هو الكفيل هو حشر كل شئ، وفي الاشياء المحشورة ما ينطق وما لا ينطق، فإذا نطق بالكفالة من لا ينطق كان ذلك موضع بهر الاية وكان ذلك قويا. فاما إذا حملت قوله " قبلا " على جمع القبيل الذي هو الصنف، فان موضع الايات هوحشر جميع الاشياء جنسا جنسا، وليس في العادة ان يحشر جميع الاشياء إلى موضع واحد، فإذا اجتمعت كذلك كان ذلك باهرا وإذا حملت " قبلا " بمعنى مواجهة فانه يكون حالا من المفعول به، والمعنى حشرناه معاينة ومواجهة، فيكون في معنى قراءة نافع " قبلا " أي معاينة. فأما قوله " العذاب قبلا " فمعناه مواجهة أو جمع قبيل. والمعنى يأتيهم العذاب صنفا صنفا. وقيل فيمن نزلت هذه الاية قولان: احدهما - قال ابن عباس: نزلت في الكفار أهل الشقاء الذين علم الله انهم لا يؤمنون على حال. الثاني - قال ابن جريج: نزلت في المستهزئين الذين سألوا الايات. * (الهامش) * (1) سورة 17 الاسرى 92 (*)

[ 240 ]

أخبر الله تعالى بهذه الاية عن هؤلاء الكفار الذين سألوا الايات وعلم من حالهم أنهم لا يؤمنون ولو فعل بهم ما فعل حتى لو أنزل عليهم الملائكة وكلمهم الموتى بأن يحييهم الله حتى يكلموهم، وحشر عليهم كل شئ قبلا، على المعنى الذي فسرناه من ظهور خرق العادة فيه والمعجزة الباهرة فيه لم يؤمنوا لشدة عنادهم وعتوهم في كفرهم. ثم قال " الا ان يشاء الله " ومعناه احد أمرين: أحدهما - قال الحسن: إلا أن يشاء الله أن يجبرهم على الايمان بأن يمنعهم من اضداد الايمان كلها منهم الايمان. الثاني - قال أبو علي الجبائي: الا ان يشاء الله ان يلجئهم بأن يخلق فيهم العلم الضروري بانهم ان راموا خلافه منعوا منه كما ان الانسان ملجأالى ترك قتل بعض الملوك بمثل هذا العلم. وانما قلنا: ذلك، لان الله تعالى قد شاء منهم الايمان على وجه الاختيار، لانه أمرهم به وكلفهم اياه، وذلك لا يتم إلا بأن يشاء منهم الايمان، ولو أراد الله من الكفار الكفر للزم أن يكونوا مطيعين إذا كفروا، لان الطاعة هي فعل ما أريد من المكلف. وللزم أيضا أن يصح أن يأمرهم. ولجاز ان يأمرنا بأن نريد منهم الكفر كما أراد هو تعالى وفي الاية دلالة على ان ارادة الله محدثة، لان الاستثناء يدل على ذلك لانها لو كانت قديمة لم يجز هذا الاستثناء، كما لا يجوز ان يقول القائل: لا يدخل زيد الدار الا أن يقدر الله أو الا ان يعلم الله لحصول هذه الصفات فيما لم يزل. وقوله " ولكن اكثرهم يجهلون " انما وصف أكثرهم بالجهل مع أن الجهل يعمهم لان المعنى يجهلون انه لو أوتوا بكل آية ما آمنوا طوعا. وفي الاية دلالة على انه لو علم الله انه لو فعل بهم من الايات ما اقترحوها لامنوا أنه كان يفعل ذلك بهم وأنه يجب في حكمته ذلك، لانه لو لم يجب ذلك لما كان لهذا الاحتجاج معنى. وتعليله بأنه انما لم يظهر هذه الايات لعلمه بأنه لو

[ 241 ]

فعلها لم يؤمنوا، وذلك يبين ايضا فساد قول من يقول: يجوز ان يكون في معلوم الله ما إذا فعله بالكافر آمن، لانه لو كان ذلك معلوما لفعله ولامنوا والامر بخلافه. قوله تعالى: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) آية. التشبيه في قوله " وكذلك " يحتمل أن يرجع إلى أحد أمرين: أحدهما - أن يكون تقديره جعلنا لك عدوا كما جعلنا لمن قبلك من الانبياء. الثاني - جعلنا تمكين من يعادي الانبياء وتخليتنا بينهم وبين اختيارهم كتمكين غيرهم من السفهاء. وانما جعلهم اعداء على أحد معنيين: أحدهما - بأن حكم بأنهم أعداء، وهو قول ابي علي. الثاني - بأن خلى بينهم وبين اختيارهم ولم يمنعهم من العداوة. ويجوز ان يكون المراد بذلك أن الله تعالى لما أنعم على انبيائه بضروب النعم وبعثهم إلى خلقه وشرفهم بذلك، حسدهم على ذلك خلق، وعادوهم عليه، فجاز أن يقال على مجاز القول بأن الله جعل لهم اعداء كما يقول القائل إذا أنعم على غيره بنعم جزيلة فحسده عليها قوم وعادوه لاجلها: جعلت لك أعداء. وقيل المعنى أمرنا الانبياء بمعاداتهم فكأنما جعلناهم أعداء الانبياء. وهذا القول من الله تعالى تسلية للنبي صلى الله عليه وآله في أنه أجراه مجرى غيره من الانبياء، ولا يجوز على قياس ذلك أن يقول: جعلنا للكافر كفرا، لان فيه ايهاما. وقوله " شياطين الانس والجن " قيل في معناه قولان:

[ 242 ]

أحدهما - انه أراد مردة الكفار من الفريقين الانس والجن، وهو قول الحسن وقتادة ومجاهد. الثاني - قال السدي وعكرمة: شياطين الانس الذين يغوونهم، وشياطين الجن الذين هم من ولد ابليس. ويحتمل نصب (عدوا) وجهين: أحدهما - على انه مفعول (جعلنا) وشياطين الانس بدل منه. الثاني - على أنه خبر (جعلنا) في الاصل ويكون هنا مفعول (جعلنا) كأنه قال جعلنا شياطين الانس والجن عدوا. وقوله " يوحي بعضهم إلى بعض " معناه يلقي إليه بكلام خفي، وهو الدعاء والوسوسة. وقوله " زخرف القول " معناه هو المزين يقال زخرفه زخرفة إذا زينه و " غرورا " نصب على المصدر. ثم أخبر الله تعالى أنه لو شاء ربك أن يمنعهم من ذلك ويحول بينهم وبينه لقدر على ذلك، لكن ذلك ينافي التكليف، ولو حال بينهم وبين لما فعلوه. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يتركهم وما يفترون أي وما يكذبون بأن يخلي بينهم وبين ما يختارونه ولا يمنعهم منه بالقهر، فان الله تعالى سيجازيهم على ذلك. وهو تهديد لهم كقوله " اعملوا ما شئتم " (1) " دون أن يكون ذلك أمرا واجبا أو ندبا أو اباحة كما يقول القائل لصاحبه: دعني واياه، ويريد بذلك التهديد لا غير. وروي عن أبي جعفر عليه السلام في معنى قوله " يوحي بعضهم إلى بعض " ان الشياطين يلقى بعضهم بعضا فيلقي إليه ما يغوي به الخلق، حتى يتعلم بعضهم من بعض. قوله تعالى: ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون (113) آية بلا خلاف. * (الهامش) * (1) سورة 41 حم السجد (فصلت) آية 40 ()

[ 243 ]

العامل في قوله " ولتصغى " قوله " يوحي " وهي لام الغرض وتقديره يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغرونهم ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة، وتكون الهاء في قوله " إليه " عائدة إلى القول المزخرف، ولا يجوز أن يكون العامل فيها جعلنا، لان الله تعالى لا يجوز أن يريد منهم أن تصغي قلوبهم إلى الكفر ووحي الشياطين، اللهم الا ان يجعلها لام العاقبة كما قال " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " (2) غير ان هذا غير معلوم أن كل من أرادوا منه الصغو صغى، ولم يصح ذلك أيضا في قوله " وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون " لانه غير معلوم حصول جميع ذلك. وعلى ما قلناه يكون جميع ذلك معطوفا بعضه على بعض ويكون مرادا كله للشياطين. وقال الجبائي: ان هذه لام الامر، والمراد بها التهديد، كما قال " واستفزز " (3) وقال " اعملوا ما شئتم " (4) قال لان علامة النصب والجزم تتفق في سقوط النون في قوله " وليرضوه وليقترفوا " وهذا غير صحيح، لانها لو كانت لام الامر لقال " ولتصغ " بحذف الالف وما قاله انما يمكن ان يقال في قوله " وليرضوه وليقترفوا " فأما في قوله " ولتصغى " فلا يمكن، فبان بذلك أنها لام كي. وقال الزجاج والبلخي: اللام في " ولتصغى " لام العاقبة وما بعده لام الامر الذي يراد به التهديد، وهذا جائز غير أن فيه تعسفا. ومعنى (صغا) مال و " لتصغى " أي لتميل، وهو قول ابن عباس وابن زيد، تقول: صغوت إليه أصغى صغوا وصغوا وصغيت أصغي بالياء أيضا وأصغيت إليه اصغاء بمعنى قول الشاعر: ترى السفيه به عن كل محكمة * زيغ وفيه إلى التشبيه اصغاء (5) ويقال أصغيت الاناء إذا أملته لتجمع ما فيه فاصله الميل لغرض من الاغراض. * (الهامش) * (2) سورة 28 القصص آية 8 (3) سورة 17 الاسرى آية 64 (4) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 40 (5) اللسان (صغا) وتفسير القرطبي 7 / 69 وتفسير الطبري 12 / 58 (*)

[ 244 ]

وقوله " وليقترفوا " عطف على " ولتصغى " والاقتراف اكتساب الاثم، ومعناه وليكتسبوا الاثم - في قول ابن عباس وابن زيد والسدي - ويقال: خرج يقترف لاهله أي يكتسب لهم. وقارف فلان هذا الامر إذا واقعه وعمله وقرفتني بما ادعيت علي أي رميتني بالريبة، وقرف القرحة أي أقشر منها، واقترف كذبا قال رؤبة: أعيا أقتراف الكذب المقروف * يقوي البغي وعفة العفيف (6) وأصله اقتطاع قطعة من الشئ ولام كي تنصب باضمار (أن) مثل (حتى) غير أنها قد تظهر مع اللام، ولا تظهر مع (حتى) لان (حتى) محمولة على التأويل، ومعناها (إلى أن لمافى (حتى) من الاشتراك. وليس في اللام حمل على تأويل حرف آخر. وقال البلخي: الاقتراف الادعاء والتهمة، يقول الرجل لغيره: أنت قرفتني أي نسبتني إلى التهم. قوله تعالى: أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) آية بلا خلاف. قرأ ابن عامر وحفص " منزل " بتشديد الزاي. الباقون بالتخفيف من شدد حمله على التكرير بدلالة قوله " تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم " (7). ومن خفف فلقوله " انا انزلناه في ليلة مباركة " (8) وما أشبهها. امر الله تعالى نبيه أن يقول لهؤلاء الكفار الذين مضى ذكرهم " أفغير * (الهامش) * (6) مجاز القرآن 1 / 205 وتفسير الطبري 12 / 59. (7) سورة 39 الزمر آية 1، وسورة 45 الجاثية آية 1 وسورة 46 الاحقاف آية 2 (8) سورة 44 الدخان آية 3 (*)

[ 245 ]

الله ابتغي حكما " أي أطلب سوى الله حاكما، ونصب أفغير الله بفعل مقدر يفسره (أبتغي) تقديره أأبتغي غير الله أبتغي حكما، والحكم والحاكم بمعنى واحد، الا ان الحكم هو من كان أهلا أن يتحاكم إليه فهو أمدح من الحاكم، والحاكم جار على الفعل، وقد يحكم الحاكم بغير الحق، والحكم لا يقضي الا بالحق لانها صفة مدح وتعظيم. والمعنى هل يجوز لاحد ان يعدل عن حكم الله رغبة عنه، لانه لا يرضى به ؟ ! أو هل يجوز مع حكم الله حكم يساويه في حكمه ؟ ! وقوله " وهو الذي " يعني الله الذي " أنزل اليكم الكتاب مفصلا " وانما مدح الكتاب بأنه مفصل، لان التفصيل تبيين المعاني بما ينفي التخليط المعمي للمعنى، وينفى ايضا التداخل الذي يوجب نقصان البيان عن المراد. وانما فصل القرآن بالايات التي تفصل المعاني بعضها من بعض وتخليص الدلائل في كل فن. وقيل: معنى (مفصلا) أي بما يفصل بين الصادق والكاذب من أمور الدين. وقيل: فصل فيه الحرام من الحلال، والكفر من الايمان، والهدى من الضلال - في قول الحسن -. وقوله " والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق " لا يجوز ان يكون على عمومه، لان كثيرا من أهل الكتاب، بل أكثرهم جهال لا يعرفون. وقوله: أهل الكتاب، قد يستعمل تارة بمعنى العلم، وبمعنى الاقرار أخرى، كما يقال للعلماء بالقرآن: أهل القرآن. ويقال لجميع المسلمين أهل القرآن بمعنى أنهم مقرون به. وقوله " يعلمون أنه منزل من ربك بالحق " قيل في معناه قولان: احدهما - يعلمون ان كل ما فيه بيان عن الشئ على ما هو به، فترغيبه، وترهيبه، ووعده، ووعيده، وقصصه، وأمثاله، وغير ذلك مما فيه كله بهذه الصفة والثاني - أن معنى " بالحق " البرهان الذي تقدم لهم حتى علموه به.

[ 246 ]

فان قيل كيف يصح على أصلكم في الموافاة ونفي الاحباط وصف الكفار بأنهم يعلمون الحق وذلك مما يستحق به الثواب ولا خلاف أن الكافر لا ثواب معه ؟ !. قلنا عنه جوابان: أحدهما - أن تكون الاية مخصوصة بمن آمن منهم في المستقبل، فانا نجوز أن يكونوا في الحال عالمين بالله وبأن القرآن حق ثم يظهرون الاسلام فيما بعد فيتكامل الايمان، لان الايمان لا يحصل دفعة واحدة بل يحصل جزءا فجزءا، لان أوله العلم بحدوث الاجسام، ثم ان لها محدثا، ثم العلم بصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز، ثم العلم بالثواب والعقاب وما يتبعهما، وذلك يحصل في أوقات كثيرة. والثاني - أن يكونوا علموه على وجه لا يستحقون به الثواب لانهم يكونون نظروافي الادلة لا لوجه وجوب ذلك عليهم، بل لغير ذلك فحصل لهم العلم وان لم يستحقوا به ثوابا. ويحتمل أن يكون المراد بذلك أنهم يعلمون عند أنفسهم، لانهم إذا كانوا معتقدين بصحة التوراة وأنها من عند الله، وفيها دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله وهم يدعون أن اعتقادهم علم، فهم إذا على قولهم عالمون بأن القرآن منزل من ربك بالحق. ويحتمل أن يكون المراد بقوله " الذين آتيناهم الكتاب " المؤمنين المسلمين دون أهل الكتاب، ويكون المراد بالكتاب القرآن لانا قد بينا أن الله سماه كتابا بقوله " الركتاب احكمت " (1) وبقوله " هو الذي انزل عليك الكتاب " (2) فعلى هذا سقط السؤال، لان هذه صفة المؤمنين المستحقين للثواب وقوله " فلا تكونن من الممترين " معناه لا تكونن من الشاكين. والامتراء الشك وكذلك المرية ويكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به الامة. وقيل المراد بذلك " فلا تكونن من الممترين " يا محمد في أنهم يعلمون أن ذلك من ربك بالحق. * (الهامش) * (1) سورة 11 هود آية 1 (2) سورة 3 آل عمران آية 7 (*)

[ 247 ]

قوله تعالى: وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115) آية بلا خلاف. قرأ أهل الكوفة ويعقوب " كلمة " على التوحيد. الباقون " كلمات " جمع كلمة، والكلمة والكلمات ما ذكره الله من وعده ووعيده وثوابه وعقابه، فلا تبديل فيه، ولا تغيير له كما قال " ما يبدل القول لدي " (3)، وقال " لا تبديل لكلمات الله " (4) وكان التقدير، وتمت ذوات الكلمات، ولا يجوز أن يعني بالكلمات الشرائع ههنا كما عنى بقوله " وإذا ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن " (5) وقوله " وصدقت بكلمات ربها " (6) لانه قال لا مبدل لكلماته. والشرائع يدخلها النسخ. وقوله " صدقا وعدلا " مصدران ينتصبان في موضع الحال من الكلمة وتقديره صادقة عادلة، وقال قوم: هما نصبا على التمييز. فمن قرأ (كلمات) فلانه لما كان جمعا في المعنى جمعه. ومن أفرد فلان الكلمة قد يعنى بها الكثرة، كما قالوا: قال زهير في كلمته، يعني في قصيدته وقال قس في كلمته، يعني خطبته، فالمفرد يفع على الكثرة فاغنى عن الجمع ومثله " وتمت كلمة ربك الحسنى على بني اسرائيل " (7). وقيل انه أراد به بقوله " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا " (8) إلى آخر الاية فسمى هذا القصص كلمة. وقال مجاهد في قوله " كلمة التقوى " (9) قول لا إله إلا الله. ومعنى * (الهامش) * (3) سورة 50 ق آية 29 (4) سورة 10 يونس آية 64 (5) سورة 2 البقرة آية 124 (6) سورة 66 التحريم آية 12 (7) سورة 7 الاعراف آية 136 (8) سورة 28 القصص آية 5 (9) سورة 48 الفتح آية 26 (*)

[ 248 ]

" وتمت كلمات ربك " انها بتمامها موافقة لما توجبه المصلحة من غير زيادة ولا نقصان. والتمام والكمال والاستيفاء نظائر. وان جميعه صدق ولا كذب فيه كما يقال: كمل فلان إذا تمت محاسنه. وفي الاية دلالة على ان كلام الله محدث، لانه وصفه بالتمام والعدل وذلك لا يكون الا حادثا. والتبديل وضع شئ مكان شئ، فلا أحد يقدر ان يضع مكان كلمة الله يناقضها به. وقال قتادة: لا مبدل لها فيما حكم به لانه وان أمكن التغيير والتبديل في اللفظ كما بدل أهل الكتاب التوراة والانجيل، فانه لا يعتد بذلك، لانه لا يقلبه بحق ينقضه. ويجوز أن يكون المراد بقوله " وتمت كلمات ربك " أنها أتتك شيئا بعد شئ حتى كملت. وقوله " وهو السميع العليم " معناه أنه على صفة يجب ان يسمع المسموعات إذا وجدت عالم بما يكون ظاهرا وباطنا، فلا يظن ظان أن شيئا من ذلك يخفي عليه تعالى. قوله تعالى: وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (116) آية بلا خلاف. هذا خطاب من الله لنبيه ولجميع المؤمنين انه من يطع أكثر من في الارض من الكفار ويتبع ما يريدونه يضلوه عن سبيل الله، لانه كان في ذلك الوقت أكثر أهل الارض كفارا. والطاعة هي امتثال الامر واجابة ما أريد منه إذا كان المريد فوقه، والفرق بينه وبين الاجابة أن الاجابة عامة في موافقة الارادة الواقعة موقع المسألة، ولا تكون اجابة الا بأن يفعل لموافقة الدعاء بالامر، ومن أجله لا يراعي فيها الرتبة.

[ 249 ]

والفرق بين الاكثر والاعظم أن الاعظم قد يوصف به واحد، ولا يوصف بالاكثر واحد بحال، ولهذا يقال في الله تعالى انه عظيم وأعظم من كل شئ، ولا يقال أكثر وانما يقال أكبر بمعنى أعظم. وانما قال: ان تطعهم يضلوك وان كانت البدأة بالاغواء منهم لامرين: احدهما - ان المطيع يبتدأ باستشعار الطاعة، فإذا كان من الداعي أمر بشئ من الاشياء كان اطاعة وصدق بأنه مطيع. والثاني - ان دعاءهم لا يوصف بأنه اضلال لمن دعوه الا بعد الاجابة فكأنه قال: ان تجبهم تستحق الصفة بأنهم قد أضلوك، ثم أخبر تعالى عن هؤلاء الكفار انهم لا يتبعون الا الظن الذي يخطئ ويصيب " وان هم الا يخرصون " ومعناه وما هم الا كاذبين. والخرص الكذب يقال: خرص يخرص خرصا وخروصا وتخرص تخرصا واخترص اختراصا وأصله القطع قال الشاعر: ترى قصد المران تلقى كأنها تذرع خرصان بأيدي الشواطب (1) يعني جريدا يقطع طويلا ويتخذ منه الحصر، وهو جمع الخرص. ومنه خرص النخل يخرصه خرصا إذا جزره، والخريص الخليج ينقطع إليه الماء، والخريص حبة القرط إذا كانت منفردة، والخرص العود، لانقطاعه عن نظائره بطيب ريحه. وقيل معنى " وان تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله " يعني في أكل الميتة، لانهم قالوا للمسلمين: أتاكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم ؟ ! فهذا إضلالهم. وقال بعضهم قوله " ان يتبعون الا الظن وان هم الا يخرصون " مثل قوله " يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " (2) يعني المتعمدين المتردين. وفى الاية دلالة على بطلان قول أصحاب المعارف، وبطلان قولهم ان الله تعالى لا يتوعد من لا يعلم الحق، لان الله بين في هذه الاية أنهم يتبعون الظن ولا يعرفونه، وتوعدهم على ذلك. وذلك بخلاف مذهبهم. * (الهامش) * (1) قائلة قيس بن الخطيم اللسان (شطب) (2) سورة 6 الانعام آية 112 (*)

[ 250 ]

قوله تعالى: إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117) آية بلا خلاف. خاطب الله تعالى بهذه الاية نبيه صلى الله عليه وآله وان عنى به جميع الامة انه تعالى " أعلم من يضل عن سبيله " بمعنى أعرف، والمعنى انه أعلم به ممن يعلمه، لانه يعلمه من وجوه تخفى على غيره، لانه تعالى يعلم ما كان وما يكون، وما هو كائن إلى يوم القيامة، وعلى جميع الوجوه التي يصح ان تعلم الاشياء عليها وليس كذلك غيره، لان غيره لا يعلم جميع الاشياء، وما يعلمه لا يعلمه من جميع وجوهه. وأما من هو غير عالم أصلا، فلا يقال الله أعلم منه، لان لفظة أعلم تقتضي الاشتراك في العلم وزيادة لمن وصف بأنه أعلم، وهذا لا يصلح في من ليس بعالم أصلا الا مجازا، ولا يصح أن يقال: هو تعالى أعلم بأن الجسم حادث من كل من يعلم كونه حادثا، لان هذا قد ذكر الوجه الذي يعلم منه وهو انه حادث، فان أريد بذلك المبالغة في الصفة، وأن هذه الصفة فيه أثبت من غيره فجاز أن يقال ذلك. وذكروا في موضع (من) وجهين من الاعراب: قال بعضهم: موضعه نصب على حذف الباء وتقديره أعلم بمن يضل ليكون مقابلا لقوله " وهو أعلم بالمهتدين " وقال الفراء والزجاج: موضعها الرفع لانها بمعنى (أي) كقوله " لنعلم أي الحزبين " (1) وصفة (أفعل) من كذا لا تتعدى لانها غير جارية على الفعل، ولا معدولة عن الجارية كعدل ضروب عن ضارب ومنحار عن ناحر. وقال قوم: ان (اعلم) ههنا بمعنى يعلم كما قال حاتم الطائي: * (الهامش) * (1) سورة 18 الكهف آية 12 (*)

[ 251 ]

فخالفت طي من دوننا خلفا * والله أعلم ما كنا لهم خولا (2) وقالت الخنساء: القوم أعلم ان جفنته * تغدو غداة الريح أو تسري (3) قال الرماني: هذا لا يجوز لانه لا يطابق قوله " وهو أعلم بالمهتدين " فمعنى الاية ان الله تعالى أعلم بمن يملك سبيل الضلال المؤدي إلى الهلاك بالعقاب، ومن سلك سبيل الهدى المفضي به إلى النجاة والثواب. قوله تعالى: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118) آية بلا خلاف. قيل في دخول الفاء في قوله " فكلوا " قولان: أحدهما - انه جواب لقول المشركين لما قالوا للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم ؟ فكأنه قيل: اعرضواعن جهلكم فكلوا. والثاني - ان يكون عطفا على ما دل عليه أول الكلام، كأنه قال: كونوا على الهدى فكلوا مما ذكر اسم الله عليه. وقوله " فكلوا "، وان كان لفظه لفظ الامر، فالمراد به الاباحة، لان الاكل ليس بواجب ولا مندوب، اللهم الا ان يكون في الاكل استعانة على طاعة الله، فانه يكون الاكل مرغبا فيه، وربما كان واجبا، فأما ما يمسك الرمق فخارج عن ذلك، لانه عند ذلك يكون الانسان ملجأ إلى تناوله. ومثل هذه الاية في لفظ الامر والمراد به الاباحة قوله " وإذا حللتم فاصطادوا " (4) وقوله " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض " (5) والاصطياد والانتشار * (الهامش) * (2) تفسير القرطبي 7 / 72 وتفسير الطبري 12 / 66 (3) ديوانها: 104 وتفسير الطبري 2 / 66 (4) سورة 5 المائدة آية 3 (5) سورة 63 الجمعة آية 10 (*)

[ 252 ]

مباحان بلا خلاف. وقوله " ما ذكر اسم الله عليه " فالذكر المسنون هو قول بسم الله. وقيل كل اسم يختص الله تعالى به أو صفة مختصة كقوله بسم الله الرحمن الرحيم أو بسم القدير أو بسم القادر لنفسه أو العالم لنفسه، وما يجري مجرى ذلك. والاول مجمع على جوازه والظاهر يقتضي جوازه غيره، ولقوله " قل ادعو لله أو ادعو الرحمن أياما تدعوا فله الاسماء الحسنى ". (6) وقوله " فكلوا مماذكراسم الله عليه " خطاب للمؤمنين وفيه دلالة على وجوب التسمية على الذبيحة، لان الظاهر يقتضي أن ما لا يسمى عليه لا يجوز أكله بدلالة قوله " ان كنتم بآياته مؤمنين " لان هذا يقتضي مخالفة المشركين في أكلهم ما لم يذكر اسم الله عليه، فأما ما لم يذكر اسم الله عليه سهوا أو نسيانا فانه يجوز أكله على كل حال. والاية تدل على أن ذبائح الكفار لا يجوز أكلها، لانهم لا يسمون الله عليها. ومن سمى منهم لانه لا يعتقد وجوب ذلك بل يعتقد ان الذي يسميه هو الذي أبدى شرع موسى أو عيسى وكذب محمد بن عبد الله، وذلك لا يكون الله، فإذا هم ذاكرون اسم شيطان والاسم انما يكون المسمى مخصوص بالقصد. وذلك مفتقر إلى معرفته واعتقاده، والكفار على مذهبنا لا يعرفون الله تعالى، فكيف يصح منهم تسميته تعالى ؟ ! وفي ذلك دلالة واضحة على ما قلناه. ومعنى قوله " ان كنتم بآياته مؤمنين " ان كنتم عرفتم الله وعرفتم رسوله وصحة ما أتاكم به من عند الله، وهذا التحليل عام لجميع الخلق وان خص به المؤمنين بقوله " ان كنتم بآياته مؤمنين " لان ما حلل الله للمؤمنين، فهو حلال لجميع المكلفين وما حرم عليهم حرام على الجميع. قوله تعالى: ومالكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد * (الهامش) * (6) سورة 17 الاسرى آية 110 (*)

[ 253 ]

فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين (119) آية بلا خلاف. قرأ نافع وحفص عن عاصم " وقد فصل لكم ما حرم " بفتح الفاء والصاد والحاء والراء. وقرأ ابن كثير، وابو عمرو، وابن عامر (فصل) و (حرم) بضم الفاء والحاء. وقرأ حمزة والكسائي وابو بكر (فصل) بفتح الفاء و (حرم) بضم الحاء. وقرأ أهل الكوفة (ليضلون) بضم الياء وكسر الضاد. الباقون بفتح الياء. من ضم الفاء والحاء، فلقوله " حرمت عليكم الميتة والدم... " الاية (1) فهنا تفصيل هذا العام بقوله (حرم) وكذلك (فصل) لان هذا المفصل هو ذلك المحرم الذي حل في هذه الاية. ومن فتحهما فلقوله " اتل ما حرم ربكم " (2) وقوله " فصلنا الايات " (3) وكذلك قوله " الذين يشهدون أن الله حرم هذا " (4) ولانه قال " وما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر أسم الله عليه وقد فصل " فينبغي أن يكون الفعل مبنيا للفاعل لتقدم ذكر اسم الله. ومن فتح الفاء وضم الحاء، فلقوله " فصلنا الايات " وقوله " حرمت عليكم الميتة والدم " وقوله " ومالكم " خطاب للمؤمنين الذين ذكرهم في الاية الاولى ومعناه لم لا تأكلوا، وقيل بينهما فرق، لان (لم لا تفعل) أعم من حيث انه قد يكون لحال يرجع، إليه وقد يكون لحال يرجع إلى غيره، فأما (مالك أن لا تفعل) * (الهامش) * (1) سورة 5 المائدة آية 4 (2) سورة 6 الانعام آية 153 (3) سورة 6 الانعام آية 97، 98، 126 (4) سورة 6 الانعام آية 150 (*)

[ 254 ]

فلحال يرجع إليه. وقيل في معنى (لا) في قوله (أن لا تأكلوا) قولان: احدهما - انها للجحد، وتقديره أي شئ لكم في أن لا تأكلوا، اختاره الزجاج وغيره من البصريين. والثاني - أن يكون صلة، والمعنى ما منعكم ان تأكلوا، لان (مالك ان لا تفعل) (ومالك لا تفعل) بمعنى واحد. وقال قوم: معناه ليس لكم ان لا تأكلوا مما أمرناكم بأكله على الوصف الذي امرناكم بفعله، ويجوز حذف (في) من " مالكم الا تأكلوا " ولا يجوز حذفها من ما لكم في ترك الاكل لان (ان) تلزمها الصلة فهي أحق بالاستحقاق من المصدر، لان المصد - رلا تلزمه الصلد، كما حسن حذف الهاء من صلد (الذي) ولم يحسن من الصفة. وقوله " وقد فصل لكم ما حرم عليكم " يعني ما ذكره في مواضع من قوله " حرمت عليكم الميتة " (1) الاية وغيرها. وقوله " الا ما اضطررتم إليه " معناه الا إذا خفتم على أنفسكم الهلاك من الجوع وترك التناول، فحينئذ يجوز لكم تناول ما حرمه الله في قوله " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير " (2) وما حرمه في هذه الاية. واختلفوا في مقدار ما يسوغ له حينئذ تناوله، فعندنا لا يجوز له ان يتناول الا ما يمسك الرمق. وفي الناس من قال: يجوز له أن يشبع منه إذا اضطر إليه وان يحمل منها معه حتى يجد ما يأكله. وقال الجبائي: في الاية دلالة على أن ما يكره عليه من أكل هذه الاجناس أنه يجوز له أكله، لان المكره يخاف على نفسه مثل المضطر. ومن قرأ " ليضلون " بفتح الياء ذهب إلى ان المعنى ليضلون بأهوائهم أي يضلون باتباع أهوائهم، كما قال " واتبع هواه " (3) أي يضلون في انفسهم من غير أن يضلوا غيرهم من أتباعهم بامتناعهم من أكل ما ذكر اسم الله * (الهامش) * (1، 2) سورة 5 المائدة آية 4 (3) سورة 7 الاعراف آية 175، وسورة 18 الكهف آية 28 وسورة 20 طه آية 16 وسورة 28 القصص آية 50 (*)

[ 255 ]

عليه وغير ذلك. ومن قرأ بضم الياء اراد انهم يضلون أشياعهم، فحذف المفعول به، وحذف المفعول كثير، ويقوي ذلك قوله " وما أضلنا الا المجرمون " (4) وقوله " ربنا هؤلاء أضلونا " (5). وقوله " وان كثيرا " أوقع (ان) على النكرة، لان الكلام إذا طال احتمل ودل بعضه على بعض. قوله تعالى: وذروا ظاهر الاثم وباطنه إن الذين يكسبون الا ثم سيجزون بما كانوا يقترفون (120) آية بلا خلاف. الواو في قوله " وذروا "، واو العطف ولا يستعمل " وذر " لما مضى ولا " واذر " لاسم الفاعل واستغني عنه ب‍ (ترك) وانما يستعمل منه يذر و (ذر) وامثاله ومثله (يدع) لم يستعمل منه (فعل) ولا فاعل) استغنوا أيضا ب‍ (ترك) و (تارك) وأشعروا بذلك كراهية الواو في الابتداء حتى لم يزيدوها هناك أصلا مع زيادتهم أخواتها. والظاهر هو الكائن على وجه يمكن ادراكه. الباطن هو الكائن على وجه يتعذر ادراكه. أمر الله تعالى في هذه الاية بترك الاثم مع قيام الدلالة على كونه اثما، ونهى عن ارتكابه سرا وعلانية، وهو قول قتادة والربيع بن أنس ومجاهد، لان الجاهلية كانت ترى ان الزنا إذا أظهر واعلن كان فيه اثم، فإذا استسر به صاحبه لم يكن اثما - ذكره الضحاك - وقال الجبائي الظاهر أفعال الجوارح، والباطن أفعال القلوب. وقال غيره: الظاهر الطواف بالبيت عريانا والباطن الزنا. والاول أعم على ما قلناه - ذكره ابن زيد - وقال قوم: ظاهر الاثم الزنا، وباطنه اتخاذ الاخدان - ذكره السدي والضحاك - وقال سعيد * (الهامش) * (4) سورة 26 الشعراء آية 99 (5) سورة الاعراف آية 37 (*)

[ 256 ]

بن جبير ظاهر الاثم امرأة الاب وباطنه الزنا. أمر الله تعالى باجتناب الاثم على كل حال، ثم أخبر أن الذين يكسبون الاثم يعني المعاصي والقبائح وسيجازيهم الله يوم القيامة بما كانوا يرتكبونه. وقد بينا أن معنى الاقتراف هو معنى الاكتساب. والكسب هو فعل ما يجتلب به نفع إلى نفسه أو يدفع به ضرر، ولذلك يوصف الواحد منا بأنه مكتسب ولا يوصف الله تعالى به، والكواسب الجوارح من الطير، لانها تكسب ما ينتفع به. قوله تعالى: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) آية بلا خلاف. نهى الله تعالى في هذه الاية عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وذلك صريح في وجوب التسمية على الذبيحة، لانها لو لم تكن واجبة، لكان ترك التسمية غير محرم لها. فأما من ترك التسمية ناسيا، فمذهبنا أنه يجوز أن تؤكل ذبيحته بعد أن يكون معتقدا لوجوبها. وكان الحسن يقول: يجوز له أن يأكل منها. وقال ابن سيرين: لا يجوز أن يأكل منها. وبه قال الجبائي. فأما إذا تركها متعمدا فعندنا لا يجوز اكله بحال. وفيه خلاف بين الفقهاء فقال قوم: إذا كان تارك التسمية متعمدا من المسلمين جاز أكل ذبيحته. وقال آخرون لا يجوز أكلها كما قلنا. وذلك يدل على ان ما يذبحه ؟ ؟ الكتاب لا يجوز أكله، لانهم لا يعتقدون وجوب التسمية ولا يذكرونها، ومن ذكر اسم الله منهم فانما يقصد

[ 257 ]

به اسم من أبدى شرعهم، ولم يبعث محمدا صلى الله عليه وآله، بل كذبه، وذلك ليس هو الله، فلا يجوز اكل ذبيحتهم. ولانهم لا يعرفون الله، فلا يصح منهم القصد إلى ذكر اسمه. فأما من عدا أهل الكتابين فلا خلاف في تحريم ما يذبحونه. وليست الاية منسوخة ولا شئ منها، ومن ادعى نسخ شئ منها فعليه الدلالة. وقال الحسن وعكرمة: نسخ منها ذبائح الذين أوتوا الكتاب بقوله " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " (1) وعندنا ان ذلك مخصوص بالحبوب دون الذبائح. وقال قوم: ليس أهل الكتاب داخلين في جملة من يذكر اسم الله على ذبيحته، وليس واحد من هؤلاء معنيا بالاية، فلا يحتاج إلى النسخ. وقوله " وانه لفسق " يعني ما لم يذكر اسم الله عليه أي أكله فسق. وحذف لدلالة الكلام عليه. وقوله " وان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم " يعني بالشياطين علماءهم ورؤساءهم المتمردين في كفرهم يوحون ويشيرون إلى أوليائهم الذين اتبعوهم من الكفار بأن يجادلوا المسلمين في استحلال الميتة. وقال الحسن يجادلونهم بقولهم: ان ما قتل الله أولى بأن يؤكل مما قتله الناس وقال عكرمة: المراد بالشياطين مردة الكفار من مجوس فارس " إلى أوليائهم " من مشركي قريش. وقال ابن عباس: المراد بالشياطين ههنا ابليس وجنوده بأن يوسوسوا إليهم ويوحون إلى أهل الشرك بذلك، وبه قال قتادة. وقال قوم: الذين جادلوا بذلك كانوا قوما من اليهود جادلوا رسول الله صلى الله عليه وآله بأن ما قتله الله أولى بالاكل مما قتله الناس. ثم قال تعالى " وان أطعتموهم " ايها المؤمنون فيما يقولونه من استحلال أكل الميتة وغيره " انكم لمشركون " لان من استحل الميتة كافر بالاجماع. ومن اكلها محرما لها مختارا، فهو فاسق * (الهامش) * (1) سورة 5 المائدة آية 6 (*)

[ 258 ]

وهو قول الحسن وجماعة من المفسرين. والتقدير في قوله " انكم " فانكم، لان جواب الشرط لا يكون ب‍ (أن) بلا فاء. وانما يكون ذلك جواب القسم. واختلفوا في ما عناه الله تعالى بقوله " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " فقال عطاء: ذلك يختص بذبائح كانت في الجاهلية على الاوثان كانت العرب تذبحها وقريش. وقال ابن عباس ذلك الميتة. وقال قوم: عنى بذلك كل ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها. وهذا الوجه أقوى على ما بيناه. ومن حمل الاية على الميتة فقد أبعد، لان احدا من العرب ما كان يستحل الميتة. وانما ذلك مذهب قوم من المجوس، فالاية اما أن تكون مختصة بما كانت تذبح للاصنام على ما قاله عطاء، أو عامة في كل ما لم يذكر اسم الله عليه الا ما أخرجه الدليل. وقد بينا ان ذلك أعم وأولى بحمل الاية عليه. قوله تعالى: أو من كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122) آية بلا خلاف. قرأ أهل المدينة ويعقوب (ميتا) بالتشديد. الباقون بالتخفيف. قال أبو عبيدة الميتة مخففة ومثقلة معناهما واحد، وانما خفف إستثقالا، قال ابن الرعلاء الغساني: ليس من مات فاستراح بميت * انما الميت ميت الاحياء انما الميت من يعيش كئيبا * كاسفا باله قليل الرجاء (1) وقد وصف الله الكفار بأنهم أموات بقوله " أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون " (2) وكذلك " أو من كان ميتا فاحييناه " والمعنى من كان ميتا * (الهامش) * (1) مر تخريجه في 2 / 432، 84 و 3 / 428 (2) سورة 16 النحل آية 21 (*)

[ 259 ]

بالكفر فصارحيا بالاسلام بعد الكفر، كالمصر على كفره ؟ ! وقوله " وجعلنا له نورا يمشي به في الناس " يحتمل امرين: أحدهما - أن يراد به النور المذكور في قوله يسعى " نورهم بين أيديهم " (3) وقوله " يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم " (4) الثاني - أن يراد بالنور الاحكام التي يؤتاها المسلم باسلامه، لانه إذا جعل الكافر بكفره في الظلمات فالمؤمن بخلافه. ومن خفف حذف الياء الثانية المنقلبة عن الواو، أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب اختلفوا في من نزلت هذه الاية، فقال ابن عباس والحسن وغيرهما من المفسرين: نزلت في كل مؤمن وكافر. وقال عكرمة: نزلت في عمار بن ياسر وابي جهل، وهو قوله ابي جعفر (ع). وقال الضحاك: نزلت في عمربن الخطاب وقال الزجاج: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وأبي جهل. والاول أعم فائدة، لانه يدخل فيه جميع ما قالوه. بين الله تعالى أن " من كان ميتا " يعني كافرا " فأحييناه " يعني وفقناه للايمان، فآمن أو صادفناه مؤمنا بأن آمن، لان الاحياء بعد الاماتة - ههنا - هو الاخراج من الكفر إلى الايمان عند جميع أهل العلم: كابن عباس والحسن ومجاهد والبلخي والجبائي وغيرهم. وقوله " وجعلنا له نورا يمشي به في الناس " يعني جعلنا له علماء، فسمى العلم نورا وحياة، والجهل ظلمة وموتا، لان العلم يهتدى به إلى الرشاد، كما يهتدى بالنور في الظلمات، وتدرك به الامور كما تدرك بالحياة. والظلمة كالجهل لانه يؤدي إلى الحيرة والهلكة، والموت كالجهل في أنه لا تدرك به حقيقة. وانما قال " كمن مثله في الظلمات " ولم يقل كمن هو في الظلمات، لان التقدير كمن مثله مثل من في الظلمات ويجوز أن يدل بأن مثله في الظلمات على أنه في الظلمات الا انه يزيد فائدة أنه ممن يضرب به المثل في ذلك. * (الهامش) * (3، 4) سورة 57 الحديد آية 12 - 13 (*)

[ 260 ]

وقيل في المراد بالنور الذي يمشي به في الناس قولان: أحدهما - قال الحسن: وهو القرآنا. وقال غيره: هو الايمان الذي لطف له به. ووجه التشبيه في قوله " كذلك زين للكافرين " أي زين لهؤلاء الكفر، فعملوه كما زين لاولئك الايمان فعملوه، فشبهت حال هؤلاء في التزيين بحال أولئك فيه، كما قال " كل حزب بما لديهم فرحون " (1) وانما زين الله تعالى الايمان عند المؤمنين، وزين الغواة من الشياطين وغيرهم الكفر عند الكافرين وهو قول الحسن وأبي علي والرماني والبلخي وغيرهم. وفي الاية دلالة على وجوب طلب العلم، لانه تعالى رغب فيه بأن جعله كالحياة في الادراك بها والنور في الاهتداء به. قوله تعالى: وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرن (123) آية بلا خلاف معنى قوله " كذلك جعلنا " أي جعلنا ذا المكرمن المجرمين، كما جعلنا ذا النور من المؤمنين، فكلما فعلنا بهؤلاء فعلنا بأولئك الا أن أولئك اهتدوا بحسن اختيارهم وهؤلاء ضلوا بسوء اختيارهم، لان كل واحد منهما جعل بمعنى صار به كذا الا أن الاول باللطف، والثاني بالتمكين من المكر، فصار كأنه جعل كذا. وموضع الكاف في " وكذلك " نصب بالعطف على قوله " كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون " والمعنى مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين عملهم. ومثل ذلك " جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها " وانما خص أكابر المجرمين بهذا المعنى دون الاصاغر، لانه أحسن في الاقتدار على الجميع، لان الاكابر إذا كانوا في قبضة القادر فالاصاغر بذلك أجدر. * (الهامش) * (1) سورة 23 المؤمنون آية 54 وسورة 30 الروم آية 32 (*)

[ 261 ]

والاكابر جمع الاسماء، والكبر جمع الصفات تقول: كبير وأكابر ويجوز أن يكون جمع أكبر على أكابر. وقد قالوا: الاكابرة والاصاغرة، كما قالوا: الاساورة والاحامرة قال الشاعر: ان الاحامرة الثلاثة أهلكت * مالي وكنت بهن قدما مولعا الخمر واللحم السمين أحبه * والزعفران فقد أبيت مودعا (1) وقوله " ليمكروا فيها " اللام لام العاقبة ويسمى لام الصيرورة، كما قال " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وجزنا " (2) وقال الشاعر: فاقسم لو قتلوا مالكا * لكنت لهم حية راصدة وام سماك فلا تجزعي * فللموت ما تلد الوالدة (3) وليس المراد بها لام الغرض، لانه تعالى لا يريد أن يمكروا، وقد قال وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون " (4) وإرادة القبيح قبيحة. والتقدير وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليطيعوني ويمتثلوا أمري، وكان عاقبتهم أن مكروا بالمؤمنين وخدعوهم، فقال الله تعالى " وما يمكرون الا بأنفسهم " لان عقاب ذلك يحل بهم. والمكر هو فتل الشئ إلى خلاف الرشد على وجه الحيلة في الامر. والمكر والختل والغدر نظائر. وأصل المكر القتل. ومنه جارية ممكورة أي مفتولة البدن. ووجه مكر الانسان بنفسه أن وبال مكره يعود عليه، كأنه قال وما يضرون بذلك المكر الا أنفسهم، وما يشعرون انهم يمكرون بها، ولا يصح أن يمكر الانسان بنفسه على الحقيقة، لانه لا يصح أن يخفي عن نفسه معنى ما يحتال به عليها ويصح أن يخفي ذلك عن غيره. وفائدة الاية ان أكابر المجرمين لم يمكروا بالمؤمنين على وجه المغالبة لله، اذكأنه جعلهم ليمكروا مبالغة في انتفاء صفة المغالبة. * (الهامش) * (1) قائلة الاعشى. ديوان الاعشيين: 247 واللسان " حمر " وتفسير الطبري 12 / 94 وفيه اختلاف كثير في الرواية، وقد اثبتنا ما في مخطوطة التبيان (2) سورة 28 القصص آية 8 (3) مر تخريجه في 3 / 60 وسيأتي في 5 / 43 (4) سورة 51 الذاريات آية 56. (*)

[ 262 ]

قوله تعالى: وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون (124) قرأ ابن كثير وحفص رسالته على التوحيد ونصب التاء. الباقون على الجمع. ومن وحد، فلان الرسالة تدل على القلة والكثرة لكونها مصدرا. ومن جمع، فلما تكرر من رسل الله وتحميله اياهم رسالة بعد أخرى فاتى بلفظ الجمع. أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنه إذا جاءتهم آية ودلالة من عند الله تدل على توحيد الله وصدق انبيائه ورسله " قالوا لن نؤمن " اي لا نصدق بها " حتى نؤتي " أي نعطى آية مثل ما أعطي رسل الله حسدا منهم للانبياء (عليهم السلام). ثم أخبر تعالى على وجه الانكار عليهم بأنه تعالى أعلم منهم ومن جميع الخلق حيث يجعل رسالاته، لان الرسالة تابعة للمصلحة، ولا يبعث الله تعالى الا من يعلم ان مصلحة الخلق تتعلق ببعثه دون من لا يتعلق ذلك به. ومن يعلم انه يقوم بأعباء الرسالة دون من لا يقوم بها. وتوعدهم فقال: " سيصيب الذين أجرموا " أي سينال الذين انقطعوا إلى القبيح وأقدموا عليه " صغار عند الله " والصغار الذل الذي يصغر إلى الانسان نفسه يقال: صغر يصغر صغارا وصغرا، وقيل في معنى الصغار عند الله ثلاثة اقوال: اولها - صغار أي ذلة من عند الله، ولا يجوز على هذا أن يقال: زيد عند عمر بمعنى من عنده، لان حذف (من) تلبيس - ههنا -. الثاني - قال الفراء اكتسب من ترك اتباع الحق صغارا عند الله. الثالث - قال الزجاج يعني صغار في الاخرة، وهو أقواها، لقوله " وعذاب شديد بما كانوا يمكرون " في دار الدنيا، و " عند الله " يتعلق بقوله

[ 263 ]

" سيصيب الذين أجرموا صغار " ويجوز أن يكون متعلقا ب‍ " صغار "، وتقديره سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت لهم عند الله. ومعنى الاية الانكار لما طلبوا الاحتجاج عليهم فيما جهلوا، والوعيد على ما فعلوا. وقوله " رسل الله " اللام مفخمة في (الله) ولا تفخم من قوله " الله أعلم " لان ما وقع بعد فتح وضم صح تفخيمه، كقولك من الله، لانه بمنزلة تفخيم الالف مع هاتين الحركتين في نحوكامل وعالم وترك التفخيم في الثاني كما ترك في الالف مع الكسرة في نحو عائد، وانما فخمت اللام في تلك المواضع تعظيم الاسم من غير اخلال بالخروج عن نظيره. قوله تعالى: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (125) آية بلا خلاف. قرأ ابن كثير " ضيقا " بتخفيف الياء وسكونها - ههنا - وفي الفرقان. الباقون بتشديدها وكسرها. وقرأ أهل المدينة وأبو بكر " حرجا " بكسر الراء. الباقون بفتحها. وقرأ ابن كثير " يصعد " بتخفيف الصاد والعين وسكون الصاد من غير الف، ورواه أبو بكر بتشديد الصاد وألف بعدها وتخفيف العين. الباقون بتشديد الصاد والعين وفتح الصاد من غير الف. قال أبو علي النحوي: الضيق والضيق مثل الميت والميت في أن معناهما واحد. والياء والواو يشتركان في الحذف، وان لم تعل الياء بالقلب كما أعلت الواو به فاتبعت الياء الواو في هذا، كما اتبعتها في قولهم أيسر، قالوا في أيسار

[ 264 ]

الجزور اتسر، فجعلت بمنزلة اتعد. وقال غيره: يجوز أن يكون من ضاق الامر يضيق ضيقا. وقد قرأه من قرأ " ولا تك في ضيق ". ومن فتح الراء من (حرج) جعلها وصفا للمصدر، لان المصادر قد توصف بمثل ذلك، كقولهم رجل دنف أي ذو دنف ولا يكون كبطل لان اسم الفاعل في الاكثر من (فعل) انما يجئ على (فعل). ومن كسر الراء فهو مثل دنف، وفرق. قال أبو زيد وحرج عليه السحور والسحر: إذا أصبح قبل أن يتسحر وحرج عليه حرجا وهما واحد، وحرجت على المرأة الصلاة تحرج حرجا، وحرمت عليها الصلاة تحرم حرما بمعنى واحد، ويقال حرج فلان يحرج إذا هاب ان يتقدم على الامر أو قاتل فصبر وهو كاره. وقال غيره: هما بمعنى واحد كالدنف والدنف، والوحد والوحد، والفرد والفرد وقيل: الحرج الاثم والحرج الضيق الشديد. ومن قرأ " يصعد " من الصعود، فالمعنى أنه في نفوره عن الاسلام، وثقله عليه بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه، كما أن صعود السماء لا يستطاع. ومن قرأ " يصعد " بتشديد الصاد والعين بلا الف أراد يتصعد فادغم. والمعنى كأنه يتكلف ما يثقل عليه. وكأنه تكلف شيئا بعد شئ كقولك يتصرف ويتحرج وغير ذلك مما يتعاطى فيه الفعل شيئا بعد شئ ويصاعد مثل يصعد ومثل ضاعف وضعف وناعم ونعم. والضمير في قوله " يشرح صدره للاسلام " يحتمل ان يكون راجعا إلى (من) وتقديره ان المهدي يشرح صدر نفسه، وهو جيد ويكون تقديره: من أراد الله أن يثيبه ويهديه إلى طريق الجنة فليطعه. ومن أراد ان يعاقبه فليعصه فالارادة واقعة على فعل العبد بقلبه بالاحراج والضيق. ويقوي ذلك قوله " من كفر بالله من بعد ايمانه الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله " (1) فان الطمأنينة إلى الايمان فعلهم * (الهامش) * (1) سورة 16 النحل آية 106 (*)

[ 265 ]

لا محالة، لانه ايمان. ثم نسب تعالى شرح صدورهم بالكفر إليهم. والثاني - أن يكون الضمير فيه عائدا أبدا إلى اسم الله تعالى وهو الاقوى لقوله " أفمن شرح الله صدره للاسلام " وقوله " ألم نشرح لك صدرك " (2) وكذلك يكون الضمير في قوله " يشرح صدره للاسلام " عائدا لاسم الله تعالى. والمعنى ان الفعل مستند إلى اسم الله في اللفظ وفي المعنى للمشروح صدره، وانما نسبه إلى ضمير اسم الله لانه بقدرته كان وتوفيقه، كما قال " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " (3) ويدل على ان المعنى لفاعل الايمان اسناد هذا الفعل إلى الكافر في قوله " ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله " فكما اسند الفعل إلى فاعل الكفر كذلك يكون اسناده في المعنى إلى فاعل الايمان، ومعنى شرح الصدر اتساعه للايمان أو الكفر وأنقياده له وسهولته عليه، بدلالة وصف خلاف المؤمن بخلاف الشرح الذي هو اتساع. وقوله " ومن يرد أن يضله " يعني يعاقبه أو يعدل به عن طريق الجنة يجعل صدره ضيقا حرجا كانما يفعل ما يعجز عنه ولا يستطيعه لثقله عليه وتكاؤده عليه. وقوله " يصعد " ويصاعد من المشقة وصعوبة الشئ. ومن ذلك قوله " يسلكه عذابا صعدا " (4) وقوله " سأرهقه صعودا " (5) اي سأغشيه عذابا صعودا أي شاقا. ومن ذلك قول عمر: ما يصعدني شئ كما يصعدني خطبة النكاح أي ما يشق علي مشقتها، فكان معنى يصعد يتكلف مشقة في ارتقاء صعودا. وعلى هذا قالوا: عقبة عنوت وعنتوت، وعقبة كؤد، ولا يكون السماء في هذا الموضع - على هذا القول - هي المظلة للارض لكن كما قال سيبويه: القيدود الطويل في غير سمائه يريد في غير ارتفاع صعدا، ومثله " قد نرى تقلب وجهك في السماء " (6) واما قوله " يجعل صدره ضيقا " حرجا " * (الهامش) * (2) سورة 94 الانشراح آية 1 (3) سورة 8 الانفال آية 17. (4) سورة 72 الجن آية 17 (5) سورة 74 المدثر آية 17 (6) سورة 2 البقرة آية 144 (*)

[ 266 ]

فانه يحتمل امرين: احدهما - التسمية كقوله " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثا " (7) اي سموهم بذلك فلذلك يسمى القلب ضيقا لمحاولته الايمان وحرجا عنه والاخر - الحكم كقولهم اجعل البصرة بغداد، وجعلت حسني قبيحا أي حكمت بذلك ولا يكون هذا من الجعل الذي يراد به الخلق ولا الذي يراد به الالقاء كقولك جعلت متاعك بعضه على بعض. وقوله " ويجعل الخبيث بعضه على بعض " (8) وقيل في معنى الهداية والاضلال في الاية قولان: احدهما أنه يريد بالهدى تسهيل السبيل إلى الاسلام بالدلائل التي يشرح بها الصدر، والاضلال تصعيب السبيل إليه بالدلائل التي يضيق بها الصدر، لان حاله أوجبت تغليظ المحنة عليه من غير أن يكون هناك ما نع له ولا تدبير غيره أولى منه، وانما هو حض على الاجتهاد في طلب الحق حتى ينشرح بالدلائل الصدر، ولا يضيق بدعائها إلى خلاف ما سبق من العقد، والهدى إلى ما طلبه طالب الحق، والاضلال عما طلبه طالب تأكيد الكفر. والثاني - ان يراد بالهداية الهداية إلى الثواب وبالاضلال الاضلال عن الثواب والسلوك به إلى العقاب، ويكون التقدير من يرد الله أن يهديه للثواب في الاخرة فيشرح صدره للاسلام في الدنيا بأن يفعل له اللطف الذي يختار عنده الاسلام، ومن يرد أن يعاقبه ويعدل به عن الثواب إلى النار يجعل صدره ضيقا حرجا بما سبق من سوء اختياره الكفر جزاء على فعله ويخذله ويخلي بينه وبين ما يريده من الكفر أو يحكم على قلبه بالضيق والحرج، أو يسميه بذلك على ما فسرناه. وهذا الاضلال لا يكون الا مستحقا كما أن تلك الهداية لا تكون الا مستحقة، وقد سمى الله تعالى الثواب هداية في قوله " الحمدلله * (الهامش) * (7) سورة 43 الزخرف آية 19 (8) سورة 8 الانفال آية 38 (*)

[ 267 ]

الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لول أن هدانا الله " (1) وقال " والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم، سيهديهم ويصلح بالهم " (2) والهداية بعد القتل انما هي الثواب في الجنة، وقال تعالى " والذين اهتدوا زادهم هدى " (3) وقال " ومن يؤمن بالله يهدقلبه " (4) وقال يهدي به الله من اتبع رضوانه " (5) وقال " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " (6) وكل ذلك يراد به الثواب وقد سمى العقاب ضلال في قوله " ويضل الله الظالمين " (7) وقوله " وما يضل به الا الفاسقين " (8) وهذه الجملة معنى قول أبي علي الجبائي والبلخي، والاول قول الرماني وقيل أيضا: انما يشرح قلب المؤمن بالايات والدلائل لكونه طالب للحق، ولم يفعل ذلك بالكافر لكونه طالبا لتأكيد الكفر وفي هذا الوجه حض على طلب الحق. والحرج الضيق الشديد، وقال ابن عباس: أصله الحرجة، وهي الشجرة الملتفة بالشجر حولها، فلا يصل إليها الراعي، فكذلك قلب هذا لا يصل إليه خير - في قول عمر - وقال ابن عباس لا يصل إليه حكمة. وقوله " كأنما يصعد في السماء " قيل في معناه قولان: أحدهما - كأنما كلف الصعود إلى السماء بالدليل الذي يدعوه إلى خلاف مذهبه. وقال سعيد بن جبير: كأنه لا يجد مسلكا الا صعدا. والثاني - كأنما ينزع قلبه إلى السماء نبوا عن الحق بأن يتباعد في الهرب. وفى معنى الرجس قولان: احدهما - قال مجاهد: كلما لا خير فيه. وقال ابن زيد وغيره من أهل اللغة: هو العذاب. ويقال الرجس والنجس لما كان رجسا، ولقد رجس رجاسة ونجس نجاسة. ووجه التشبيه في قوله " كذلك يجعل الله الرجس على * (الهامش) * (1) سورة 7 الاعراف آية 42 (2) سورة 47 محمد آية 4 - 5 (3) سورة 47 محمد آية 17 (4) سورة 64 التغاين آية 11 (5) سورة 5 المائدة آية 18 (6) سورة 29 العنكبوت آية 69 (7) سورة 14 ابراهيم آية 27 (8) سورة 2 البقرة آية 26 (*)

[ 268 ]

الذين لا يؤمنون " أنه يجعل الرجس على هؤلاء كما يجعل ضيق الصدر في قلوب أولئك وان كل ذلك على وجه الاستحقاق. ولا يجوز أن يكون المراد بالاية ان الله تعالى يجعل سبب الايمان الذي يكون به الايمان، وسبب الكفر الذي يكون به الكفر، وانهما جميعا من فعل الله على ما يقوله المجبرة، وذلك أن الله تعالى أنزل القرآن حجة له على عباده، لا حجة للعباد عليه، فلو كان كما قالوه لكانت الحجة عليه لاله على انه لا يجوز أن يكون في كلام الله تعالى مناقضة، وقد ذكره الله تعالى في مواضع أنه هدى للكفار نحو قوله " وأما ثمود فهديناهم فاستحقوا العمى على الهدى " (1) وقال " وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة " (2) وقال " وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى " (3) وقال " قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها " (4) فبين بجميع ذلك انه تعالى هدى الكفار كما هدى المؤمنين، فكيف ينفي ذلك في موضع آخر، وهل ذلك الا مناقضة وكلام الله منزه عنها ؟ ! ومتى حملنا الايات على ما قلناه ووفقنا بينها لم يؤد إلى المناقضة ولا التضاد، ويقوي ذلك ان الله اخبر انه يجعل قلب الكافر ضيقا حرجا ونحن نجد كثيرا من الكفار غير ضيقي الصدر بما هم فيه من الكفر بل هم في غاية السرور والفرح بذلك، فكيف يقال ان الله تعالى ضيق صدورهم بالكفر ؟ ! ولا يلزمنا ذلك إذا قلنا ان الله يفعل ذلك بهم على وجه العقوبة لانه تعالى إذا كان يفعل بهم ذلك عقوبة يجوز أن يفعل بهم ذلك إذا أراد عقابهم لافي جميع الاحوال، ولا يلزم ان يجدوا نفوسهم على ذلك في كل وقت. وأيضا فان سبب القبيح لا يكون الا قبيحا فعلى هذا سبب الكفر يجب ان يكون قبيحا، لانه موجب له لا يصلح لضده من الايمان، لانه لوصلح لذلك لم يكن سببا، والله تعالى لا يفعل * (الهامش) * (1) سورة 41 حم السجدة آية 17 (2) سورة 90 البلد آية 10 - 11 (3) سورة 17 الاسرى آية 94 وسورة 18 الكهف آية 56 (4) سورة 6 الانعام آية 104 (*)

[ 269 ]

القبيح. وانما ذكر الله ضيق صدر الكافر، وهو مما يصح ان يدعا به إلى الايمان في بعض الاحوال، كما يصح ان يدعا بانشراحه في غير تلك الحال. ويقوي ما قلناه قوله " كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون " وانما أريد بذلك ما يفعله بهم من العقاب والبراءة واللعنة والشتم والاسماء القبيحة مع ما أعد لهم من العقاب. وقال الحسن: معناه انه يكون مقبول الايمان منشرح الصدر، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا، ومعناه انه يثقل عليه ما يدعا إليه من الايمان كانما يصعد إلى السماء، فبذلك صار ضيق الصدر عن الايمان. " ويجعل الله الرجس " يعني رجاسة الكفر على الذين لا يؤمنون. ووجه آخر في الاية، وهو أن نحملها على التقديم والتأخير كأنه قال: من يشرح الله صدره للاسلام يرد الله أن يهديه، ومن يجعل صدره ضيقا حرجا يرد الله أن يضله. ووجه آخر وهو أن يكون الله تعالى لما دعاهم إلى الايمان وأمرهم ففعلوه انشرحت صدورهم، فنسب شرح ذلك إلى الله تعالى، ولما ضاقت صدور الكفار عنددعاء الله واقامة الحجج عليهم وامره اياهم بذلك فضلوا عند ذلك، صح ان ينسب اضلالهم إليه، كما يقولون: أضل فلان بعيره إذا ضل عنه، وهو لم يرد ذلك. واللام في قوله " للاسلام " يحتمل أمرين: احدهما - أن يكون الله تعالى هداه بالالطاف التي ينشرح بها صدره للتمسك بالاسلام والاستبصار فيه، ولا يكون فعل ذلك بالكفار وان لم يخل بينهم وبين الايمان ولا منعهم منه، لانه تعالى قد اعطى الكافر الصحة والسلامة والقوة، وجميع ما يتمكن به من فعل ما أمره به، وانما لم يفعل بهم اللطف الذي يؤمنون عنده، لانهم لما عدلوا عن النظر في آيات الله وحججه خرجوا من أن يكون لهم لطف يختارون عنده الايمان وصاروا مخذولين،

[ 270 ]

فخلى الله تعالى بينهم وبين اختيارهم، فعبر عن ذلك بأنه جعل صدر الكافر ضيقا حرجا. والثاني - ان يكون اللام بمعنى لاجل الشئ وبسببه كما يقول القائل: انما قلت هذا الكلام لزيد ولمراعات عمرو، المعنى من أجله وبسببه، فيكون المعنى انه شرح صدره من أجل الاسلام، لانه فعل اسلاما استحق به شرح الصدر. قوله تعالى: وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الايات لقوم يذكرون (126) لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) آيتان بلا خلاف. الاشارة بقوله " وهذا صراط ربك مستقيما " يمكن ان تكون إلى أحد شيئين: احدهما - ما قال ابن عباس: انه راجع إلى الاسلام. والثاني - أن تكون اشارة إلى البيان الذي في القرآن، وأضيف الصراط إلى الله في قوله " صرط ربك مستقيما " لانه لما كانت الاضافة فيه انما هي على أنه الذي نصبه ودل به، وغلب عليه الاستعمال. ولم يجز قياسا على ذلك ان يقال: هذا طريق ربك، لانه لم تجر العادة باستعماله كما انهم استعملوا قولهم: هذا في سبيل الله، ولم يقولوا في طريق الله، لما قلناه. وقوله " مستقيما " نصب على الحال ومعناه الذي لا اعوجاج فيه. فان قيل كيف يقال: انه مستقيم مع اختلاف وجوه الادلة ؟ ! قلنا: لانها مع اختلافها يؤدي كل واحد منها إلى الحق، وكأنها طريق واحد لسلامة جميعها من التناقض والفساد، وكلها تؤدي من تمسك بها إلى الثواب وقوله " قد فصلنا الايات " أي بيناها " لقوم يذكرون " وانما أعيد ذكر تفصيل الايات للاشعار بأن هذا الذي تقدم من الايات التي فصلها الله عز

[ 271 ]

وجل للعباد. وقوله " يذكرون " أصله يتذكرون فقلبت التاء ذالا وأدغمت الاولى في الثانية، ولم يجز قلب الذال إلى الدال كما جازفي " فهل من مدكر " (1) لانهم لما لم يجيزوا ادغام التاء في الدال، لانها أفضل منها بالجهر، قلبت إلى الدال لتعديل الحروف وليس كذلك ادغام التاء في الذال. وانما خص الايات بقوم يتذكرون لانهم المنتفعون بها وان كانت آيات لغيرهم، كما قال " هدى للمتقين " وفي الاية دلالة على بطلان قول من قال: المعارف ضرورية لانها لو كانت ضرورية لم يكن لتفصيل الايات ليتذكر بها فائدة. وقوله " لهم دار السلام " هذه لام الاضافة وانما فتحت مع المضمر وكسرت مع الظاهر لامرين: احدهما - طلبا للتخفيف، لان الاضمار موضع تخفيف، وفتحت في الاستغاثة في (يالبكر) تشبيها بالكناية، ولانه موضع تخفيف بالترخيم وحذف التنوين. والثاني - أن اصلها الفتح، وانما كسرت مع الظاهر للفرق بينها وبين لام الابتداء. وقيل في معنا " السلام " ههنا قولان: احدهما - قال الحسن والسدي: انه الله وداره الجنة. والثاني - قال الزجاج والجبائي: انها دار السلامة الدائمة من كل آفة وبلية. وقوله " عند ربهم " قيل في معناه قولان: أحدهما - مضمون عند ربهم حتى يوصله إليهم. الثاني - في الاخرة يعطيهم اياه. وقوله " وهو وليهم " يعني الله. وفي معنى (الولي) قولان: احدهما - انه يتولى ايصال المنافع إليهم ودفع المضار عنهم. * (الهامش) * (1) سورة 54 القمر آية 15، 17، 22، 32، 40، 51 (*)

[ 272 ]

الثاني - ناصرهم على اعدائهم. وقوله " بما كانوا يعملون " يعني جزاء باعمالهم، وهو وان كان مطلقا فالمراد بما كانوا يعملونه من الطاعات، لان من المعلوم ان ما لم يكن طاعة فلا ثواب عليه. ويجوز ايضا ان يكون مقيدا لدلالة قوله " يذكرون " عليه. والموعود بهذا الوعد المتذكر لايات الله بحقها، وهو العامل بها. قوله تعالى: ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس وقال أولياؤهم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثويكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) آية بلا خلاف. قرأ حفص وروح " ويوم يحشرهم " بالياء. الباقون بالنون. من قرأ بالياء فلقوله " لهم دار السلام عند ربهم. ويوم يشحرهم " والنون كالياء في المعنى، ويقوي النون قوله " وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا " (1) وقوله " ونحشره يوم القيامة أعمى " (2) والذي يتعلق به (اليوم) هذا القول المضمر. والمعنى ويوم نحشرهم جميعا نقول " يا معشر الجن قد أستكثرتم من الانس " أي قد استكثرتم ممن أضللتموه من الانس بالاغواء والاضلال. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد: معناه استكثرتم من اغوائهم واضلالهم " وقال أولياؤهم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض ". وقيل في وجه الاستمتاع من بعضهم ؟ ؟ قولان: * (الهامش) * (1) سورة 18 الكهف آية 48 (2) سورة 20 طه آية 124 (*)

[ 273 ]

احدهما - بتزيين الامور التي يهوونها حتى يسهل عليهم فعلها. والثاني - قال الحسن وابن جريج والزجاج والفراء وغيرهم: انه إذا كان الرجل أراد ان يسافر فيخاف سلوك طريق من الجن فيقول: اعوذ بسيد هذا الوادي، ثم يسلك فلا يخاف، كما قال تعالى " وانه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا " (3) ووجه استمتاع الجن بالانس أنهم إذا اعتقدوا ان الانس يتعوذون بهم، ويعتقدون انهم ينفعونهم ويضرونهم أو أنهم يقبلون منهم إذا أغووهم كان في ذلك تعظيم لهم وسرور ونفع، ذكر ذلك الزجاج والبلخي والرماني. وقال البلخي: ويحتمل ان يكون قوله " استمتع بعضنا ببعض " مقصورا على الانس، فكأن الانس استمتع بعضهم ببعض دون الجن. وقوله " بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا " قيل في معناه قولان: احدهما - قال الحسن والسدي: انه الموت. الثاني - الحشر، لان كل واحد منهما اجل في الحكم، فالموت اجل استدراك ما مضى، والحشر أجل الجزاء. وقال أبو علي: في الاية دلالة على انه لااجل الا واحد، قال لانه لو كان له اجلان فكان إذا اقتطع دونه بأنه قتل ظلما لم يكن بلغ اجله، والاية تتضمن انهم اجمع يقولون: بلغنا اجلنا الذي اجلت لنا. وقال الرماني وغيره من البغداديين: لا تدل على ذلك، بل لا يمتنع ان يكون له أجلان: احدهما ما يقع فيه الموت، والاخر ما يقع فيه الحشر، وما كان يجوز أن يعيش إليه. وقوله " قال النار مثواكم " جواب من الله تعالى لهم بأن النار مثواهم، وهو المقام، يقال: ثوى يثوي ثواء، قال الشاعر: لقد كان في حول ثواء ثويته * تقضي ليانات ويسأم سائم (4) ومعنى الاية التقريع للغواة من الجن والانس مع إعترافهم بالخطيئة في * (الهامش) * (3) سورة 72 الجن آية 6 (4) قائله الاعشى ديوانه: 56 وسيبويه 1 / 123، وتأويل مشكل القرآن: 59. (*)

[ 274 ]

وقت لا ينفعهم الندم على ما سلف، وخاصة إذا كان الجواب لهم بأن مثواهم النار " خالدين فيها " أي مؤبدين فيها، وهو نصب على الحال. وقوله " الا ما شاء الله " قيل في معنى هذا الاستثناء ثلاثة اقوال: احدها - " الا ما شاء الله " من الفائت قبل ذلك من الاستحقاق من وقت الحشر إلى زمان المعاقبة، وتقديره: خالدين فيها على مقادير الاستحقاق الا ما شاء الله من الفائت قبل ذلك، لان ما فات يجوز اسقاطه بالعفو عنه. والفائت من الثواب لا يجوز تركه، لانه بخس لحقه، ذكره الرماني والبلخي والطبري والزجاج والجبائي. الثاني - " الا ما شاء الله " من تجديد الخلود بعد احتراقهم وتصريفهم في انواع العذاب فيها، والتقدير خالدين فيها على صفة واحدة الا ما شاء الله من هذه الامور. الثالث - ما حكي عن ابن عباس، حكاه الرماني والطبري عنه أنه قال: هذه الاية توجب الوقف في جميع الكفار، فانه ذهب إلى ان وعيدهم بالقطع يدل عليه فيما بعد، وهو قوله " ان الله لا يغفر ان يشرك به " (1) وقال قوم: معنى (ما) (من) وتقديره الا من شاء الله اخراجه من النار من المؤمنين الذين له ثواب بعد استيفاء عقابهم. وقوله " ان ربك حكيم عليم " أي هو حكيم فيما يفعله من جزائهم. وعالم بذلك وبغيره من المعلومات لا يخفى عليه شئ منها. قوله تعالى: وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129) آية بلا خلاف. قيل في معنى قوله " نولي بعض الظالمين بعضا " قولان: * (الهامش) * (1) سورة 4 النساء آية 47، 115. (*)

[ 275 ]

احدهما - انا نكل بعضهم إلى بعض في النصرة والمعونة في الحاجة، ولا نحول بينهم. الثاني - نجعل بعضهم يتولى القيام بأمر بعض. وقيل في كيفية تولية الله الظالمين بعضهم بعضا أقوال: أحدها - بأن حكم ان بعضهم يتولى بعضا فيما يعود عليه بالوبال من الاعمال التي يتفقون عليها. الثاني - بأن يخلي بينهم وبين ما يختارونه من غير نصرة لهم. وثالثها - ما قال قتادة: انه من الموالات والتتابع في النار، أي يدخل بعضهم عقيب بعض. ووجه التشبيه في قوله " وكذلك " قال الرماني: اي كذلك المهل بتخلية بعضهم مع بعض للامتحان الذي معه يصح الجزاء على الاعمال، بجعل بعضهم يتولى أمر بعض للعقاب الذي يجري على الاستحقاق. وقال الجبائي: المعنى إنا كما وكلنا هؤلاء الظالمين من الجن والانس بعضهم إلى بعض يوم القيامة وتبرأنا منهم كذلك نكل الظالمين بعضهم إلى بعض يوم القيامة ونكل الاتباع إلى المتبوعين، ونقول للاتباع قولوا للمتبوعين حتى يخلصوكم من العذاب. والغرض بذلك اعلامهم انه ليس لهم يوم القيامة ولي يدفع عنهم شيئا من العذاب. وقال غيره: لما حكى الله تعالى ما يجري بين الجن والانس من الخصام والجدال في الاخرة، قال الله لهم: النار مثواكم. ثم قال " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا " أي كما فعلنا بهؤلاء من الجمع بينهم في النار وتولية بعضهم بعضا وجعل بعضهم أولى ببعض، نفعل مثله بالظالمين جزاء على أعمالهم. والفرق بين (ذلك) و (ذاك) أن زيادة اللام في (ذلك) قامت مقام هاء التنبيه التي تدخل في ذاك فتقول هذاك ولا تقول هذلك. ولا يجوز إمالة (ذلك) لان (ذا) بمنزلة الحرف، والاصل في الحروف ألا تمال، لان التصريف انما هو للافعال والاسماء.

[ 276 ]

وقوله " بما كانوا يكسبون " معناه بما كانوا يكسبونه من المعاصي وان ما يفعله بهم من العقاب جزاء على أعمالهم القبيحة. قوله تعالى: يا معشر الجن والانس ألم ياتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحيوة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130) آية بلا خلاف. أخبر الله تعالى انه يخاطب الجن والانس يوم القيامة بأن يقول " يا معشر الجن والانس " والمعشر الجماعة. والفرق بينه وبين المجمع: أن المعشر يقع عليهم هذا الاسم مجتمعين كانوا أو مفترقين كالعشيرة، وليس كذلك المجمع، لانه مأخوذ من الجمع. والجن مشتق الاجتنان عن العيون وهو اسم علم لجنس مما يعقل متميز عن جنس الانسان والملك. والانس هم البشر. وقوله " الم يأتكم رسل منكم " احتجاج عليهم بأن الله بعث إليهم الرسل إعذارا وانذارا وتأكيدا للحجة عليهم، ولابد أن يكون خطابا لمن بعث الله إليهم الرسل، فأما اول الرسل فلا يمكن ان يكونوا داخلين فيه، لانه كان يؤدي إلى ما لا نهاية لهم من الرسل وذلك محال. وقوله " منكم " وان كان خطابا لجميعهم، الرسل من الانس خاصة، فانه يحتمل ان يكون لتغليب احدهما على الاخر، كما يغلب المذكر على المؤنث، وكما قال " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " بعد قوله " مرج البحرين يلتقيان " (1) وانما يخرج اللؤلؤ من الملح دون العذب. وكقولهم أكلت خبزا ولبنا وانما شرب اللبن. وكما يقولون: في هذه الدار سرو، وانما هو في بعضها. وهذا * (الهامش) * (1) سورة 55 الرحمن آية 19 (*)

[ 277 ]

قول أكثر المفسرين: منهم ابن جريج والفراء والزجاج والرماني والبلخي والطبري. وروي عن ابن عباس انه قال: هم رسل الانس إلى غيرهم من الجن كما قال تعالى " ولوا إلى قومهم منذرين " (2). وقال الضحاك: ذلك يدل على انه تعالى ارسل سلا من الجن. وبه قال الطبري واختاره البلخي أيضا، وهو الاقوى. وقال الجبائي والحسين بن علي المغربي: المعنى " ألم يأتكم " يعني معشر المكلفين والمخلوقين " رسل منكم " يعني من المكلفين. وهذا اخبار وحكاية عما يقال لهم في وقت حضورهم في الاخرة، وليس بخطاب لهم في دار الدنيا، وهم غير حضور، فيكون قبيحا، بل هو حكاية على ما قلناه. وقوله " يقصون عليكم آياتي " مثل يتلون عليكم دلائلي وبيناتي " وينذرونكم " يعني يخوفونكم " لقاء يومكم هذا " يعني لقاء ما تستحقونه من العقاب في هذا اليوم وحصولكم فيه. ثم أخبر تعالى عنهم انهم يشهدون على أنفسهم بالاعتراف بذلك والاقرار بأن الحياة الدنيا غرتهم، ويشهدون أيضا بانهم كانوا كافرين في دار الدنيا، فلذلك كرر الشهادة. ومعنى غرتهم الحياة الدنياأي غرتهم زينة الدنيا ولذتها وما يرون من زخرفها وبهجتها. واستدل بهذه الاية قوم على ان الله لا يجوز ان يعاقب الا بعد ان يرسل الرسل، وان التكليف لا يصح من دون ذلك، وهذا ينتقض بما قلناه من اول الرسل، وانه صح تكليفهم وان لم يكن لهم رسل، فالظاهر مخصوص بمن علم الله ان الشرع مصلحة له، فان الله لا يعاقبهم الا بعد ان يرسل إليهم الرسل ويقيم عليهم الحجة بتعريفهم مصالحهم، فإذا خالفوا بعد ذلك استحقوا العقاب. * (الهامش) * (2) سورة 46 الاحقاف آية 29 (*)

[ 278 ]

قوله تعالى: ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (131) آية بلا خلاف. موضع (ذلك) من الاعراب يحتمل أمرين: احدهما - أن يكون رفعا كأنه قال: الامر ذلك، لانه لم يكن (ذلك) إشارة إلى ما تقدم ذكره من العقاب والجواب بأن مثواهم النار. والثاني - ان يكون نصبا، وتقديره فعلناه ذلك لهذا. وانما جازت الاشارة بذلك إلى غير حاضر لان ما مضى صفة حاضرة للنفس فقام مقام حضوره، ويجوز الاشارة إلى هذا الذي تقدم ذكره. وقوله " ان لم يكن " ف‍ (ان) هي المخففة من الثقيلة. والمعنى لانه لم يكن ومثلها التي في قول الشاعر: في فتية كسيوف الهند قد علموا * أن هالك كل من يحفي وينتعل (1) ف‍ (أن) المفتوحة لابد فيها من إضمار الهاء، لانه لا معنى لها في الابتداء وانما هي بمعنى المصدر المبني على غيره. والمكسورة لا تحتاج إلى ذلك، لانها يصح ان تكون حرفا من حروف الابتداء فلا تحتاج إلى اضمار. وقوله " بظلم " قيل في معناه قولان: احدهما ما ذكره الفراء والجبائي: انه بظلم منه على غفلة من غير تنبيه وتذكير ومثله قوله " وما كان ربك ليهلك القرى بظلم واهلها مصلحون " (2). الثاني - بظلم منهم حتى يبعث إليهم رسلا يزجرونهم ويذكرونهم على وجه الاستظهار في الحجة دون ان يكون ذلك واجبا، لانهم بما فعلوه من الظلم * (الهامش) * (1) قائله الاعشى ديوانه: 45 القصيدة 6 وروايته: في فتية كسيوف الهند قد علموا أن ليس يدفع عن ذوي الحيلة الحيل (2) سورة 11 هود آية 118. (*)

[ 279 ]

قد اسحقوا العقاب. ومن استدل بذلك على انه لا يحسن العقاب الا بعد انفاذ الرسل، فقد أجبنا عن قوله في الاية الاولى. قوله تعالى: ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (132) آية بلا خلاف. قرأ ابن عامر " عما تعملون " بالتاء. الباقون بالياء. ومن قرأ بالياء حمله على الغيبة. ومن قرأ بالتاء حمله على الخطاب للمواجهة. وفي الاية حذف وتقديرها، ولكل عامل بطاعة الله أو معصيته منازل من عمله حتى يجازيه ان خيرا فخيرا، وان شرا فشرا. وما تقدم من ذكر الغافلين يدل على هذا الحذف. و (قبل. وبعد) بنيتاعند حذف المضاف في مثل قوله " لله الامر من قبل ومن بعد " (3) لانهما في حال الاعراب لم يكونا على التمكن التام، لانه لا يدخلهما الرفع في تلك الحال، فلما انضاف إلى هذا النقصان من التمكن بحذف المضاف إليه أخرجا إلى البنأ، وليس كذلك (كل) فاته متمكن على كل حال ولذلك لم يبن. و (الدرجات) يحتمل أمرين: احدهما - الجزاء. والثاني - الاعمال فإذا وجهت إلى الجزاء كان تقديره: ولكل درجات جزاء من اجل ما عملوا، وإذا حمل على الاعمال كان تقديره: ولكل درجات أعمال من اعمالهم. وانما مثل الاعمال بالدرجات ليبين انه وان عم احد قسميها صفة الحسن، وعم الاخر صفة القبيح، فليست في المراتب سواء، وانه بحسب ذلك يقع الجزاء، فالاعظم من العقاب للاعظم من المعاصي، والاعظم من الثواب للاعظم من الطاعات. * (الهامش) * (3) سورة 30 الروم آية 4 (*)

[ 280 ]

وقوله " وما ربك بغافل عما يعملون " انما ذكره ليعلموا انه لا يفوته شئ منهما ولا من مراتبهما حتى يجازي عليه بما يستحق من الجزاء، وفيه تنبيه وتذكير للخلق في كل امورهم. والغفلة ذهاب المعنى عمن يصح ان يدركه. والغفلة عن المعنى والسهو عنه والغروب عنه نظائر، وضد الغفلة اليقظة، وضد السهو الذكر، وضد الغروب الحضور. قوله تعالى: وربك الغني ذو الرحمة إن يشا يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (133) آية بلا خلاف. اخبر الله تعالى في هذه الاية بأنه الغني. والغني هو الحي الذي ليس بمحتاج. والغني عن الشئ هو الذي يكون وجود الشئ وعدمه وصحته وفساده عنده بمنزلة واحدة، في انه لا يلحقه صفة نقص. و " ذو الرحمة " يعني صاحب الرحمة، وهو تعالى بهذه الصفة لرحمته بعباده. ثم اخبره عن قدرته وانه لو شاء ان يذهب الخلق بأن يميتهم ويهلكهم ويستخلف من بعدهم ما يشاء بان ينشئ بعد هلاكهم كما أنشأهم في الاول من ذرية من تقدمهم. وكذلك ينشئ قوما آخرين من نسلهم وذريتهم، والجواب محذوف والكاف في (كما) في موضع نصب وتقديره ويستخلف من بعدكم ما يشاء مثل ما استخلفكم. وفي ذلك دلالة على انه يصح القدرة على ما علم انه لا يكون لانه بين انه لو شاء لذهب بهم وأتى بقوم آخرين ولم يفعل ذلك، فدل ذلك على انه يقدر على ما يعلم انه لا يفعله. و (من) في قوله " ويستخلف من بعدكم " للبدل كقول‍ ك: اعطيتك من

[ 281 ]

دينارك ثوبا اي مكان دينارك وبدله، ومعنى (من) في قوله " كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين " ابتداء الغاية لان التقدير، ان ابتداء غايتكم من قوم آخرين وقيل في وزن " ذرية " ثلاثة أقوال: اولها - فعلية من الذر. الثاني - فعيلة على وزن خليفة من ذرأ الخلق يذرأهم. الثالث - فعولة من (ذروة) الا أن الهمزة ابدلت واوا، ثم قلبت ياء، فيكون بمنزلة علية من علوة. وقرئ في الشواذ (ذرية) بكسر الذال وهما لغتان. وانشأ الله الخلق إذا خلقه وابتدأه وكل من ابتدأ شيئا فقد انشأه. ومنه قولهم: انشأ فلان قصيدة، والنشأة الاحداث من الاولاد، واحدها ناشئ مثل خادم وخدم، ويقال للجواري أنشاء، وللذكور نشاء، قال نصيب: ولولا أن يقال صبا نصيب * لقلت بنفسي النشأ الصغار (1) ويقال لهذا السحاب نشؤ حسن، وهو اول ظهوره في السماء. قوله تعالى: إن ما توعدون لات وما أنتم بمعجزين (134) آية بلا خلاف. اخبر الله تعالى في هذه الاية ان الذي أوعد الخلق به من عقابه على معاصيه والكفر به واقع بهم لان (ما) في قوله " انما " بمعني الذي، وليست كافة مثل قولك: انما قام زيد، لان خبرها جاء بعدها، وهو قوله " لات وهي في موضع نصب، والجنس في موضع رفع، والكافة لا خبر لها، واللام في قوله (للات) لام الابتداء ولا يجوز ان تكون لام القسم، لان لام القسم لا تدخل على الاسماء ولا الافعال المضارعة الا أن تكون معها النون الثقيلة، ولا تعلق الفعل في (قد علمت ان زيدا ليقومن). * (الهامش) * (1) اللسان (نشأ) النشأ: الشباب أو الشابات. (*)

[ 282 ]

ومعنى " توعدون " من الايعاد بالعقاب يقال: اوعدته اوعده إيعادا، وقال الحسن: انما توعدون من مجئ الساعة، لانهم كانوا يكذبون بالبعث، فعلى هذا يجوز ان يكون المصدر الوعد لاختلاط الخير والشر، فيكون على التغليب إذ مجئ الساعة خير للمؤمنين وشر على الكافرين. وقال الجبائي: ان معناه " ان ما توعدون " من الثواب والعقاب، فان الله يأتي به. وقوله " وما انتم بمعجزين " أي لستم معجزين الله عن الاتيان بالبعث والعقاب، وانما قيل ذلك لان من يعبد الوثن يتوهم انه ينفعه في صرف المكروه عنه جهلا منه ووضعا للامر في غير موضعه. وايضا فانهم يعملون عمل من كان يفوته العقاب لتأخره عنه وطول السلامة بالامهال فيه. قوله تعالى: قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (135) آية بلا خلاف. قرأ أبو بكر " مكاناتكم " على الجمع. الباقون على التوحيد، وقرأ حمزة والكسائي يكون بالياء. الباقون بالتاء المعجمة من فوق. ومن قرأ بالياء فلان المصدر المؤنث يجوز تأنيثه على اللفظ وتذكيره على المعنى. ومن قرأ بالتاء فعلى اللفظ، فمما جاء منها على اللفظ قوله " فأخذتهم الصيحة " (1) وقوله " قد جاءتكم موعظة من ربكم " (2) وعلى المعنى قوله " واخذ الذين * (الهامش) * (1) سورة 15 الحجر آية 73، 83 وسورة 23 المؤمنون آية 41 (2) سورة 10 يونس آية 57 (*)

[ 283 ]

ظلموا الصيحة " (3) وقوله " فمن جاءه موعظة " (4). ومن وحد " مكانتكم " فلانه مصدر، والمصادر في الاكثر لا تجمع. ومن جمع فلانها قد تجمع كقولهم: الحلوم والاحلام. قال أبو عبيدة " مكانتكم " أي على حيالكم. وقال أبو زيد: رجل مكين عند السلطان من قوم مكناء، وقد مكن مكانة، كأنه قال: اعملوا على قدر منزلتكم وتمكنكم من الدنيا، فانكم لن تضرونا بذلك شيئا. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يخاطب المكلفين من قومه ويأمرهم بأن يعملوا على مكانتهم، والمكانة الطريقة يقال: هو يعمل على مكانته ومكينته أي طريقته وجهته. وقال ابن عباس والحسن: على ناحيتكم. وقال الجبائي: على حالتكم. وقال الزجاج: يجوز ان يكون المراد على تمكنكم، وهذا وان كان صيغته صيغة الامر فالمراد به التهديد كما قال " اعملوا ما شئتم " (5) وانما جاء التهديد بصيغة الامر لشدة التحذير، أي لو امربهذا لكان يجوز قبول أمره. ووجه آخر - هو ان التقدير " اعملوا على مكانتكم " ان رضيتم بالعقاب أي انكم في منزلة من يؤمر به ان رضيتم بالعقاب، فهذا على التبعيد أن يقيموا عليه، كالتبعيد أن يرضوا. ووجه ثالث هو ان الضرر يخص المقيم على المنكر، لان غيره بمنزلة الامن في انه لا يأمره بما يضره. وقوله " اني عامل " إخبار من الرسول انه عامل بما امر الله تعالى به. وقوله " فسوف تعلمون " فيه تهديد، ومعناه فسوف تعلمون جزاء اعمالكم. وقوله " من تكون " يحتمل موضع (من) أمرين من الاعراب: احدهما - الرفع وتقديره أينا يكون له عاقبة الدار. والثاني - النصب بقوله " يعلمون " ويكون بمعنى الذي. * (الهامش) * (3) سورة 11 هود آية 67 (4) سورة 2 البقرة آية 275 (5) سورة 41 حم السجدة آية 40 (*)

[ 284 ]

وانما قال: ان عاقبة الدار للمؤمنين دون الكافرين وان كان الكفار أيضا لهم عاقبة من حيث يصيرون إلى العقاب المؤبد وهي للمؤمنين من حيث يصيرون إلى النعيم الدائم، كما يقول العرب: لهم الكرة، ولهم الحملة، لانه إذا فصل قيل: لهم وعلى اعدائهم. وقوله " انه لا يفلح الظالمون " أي لا يفوز الظالمون بشئ من الثواب والمنافع، وانما لم يقل (الكافرون) وان كان الكلام في ذكرهم لانه أعم واكثر فائدة، ولانه إذا لم يفلح الظالم، فالكافر بذلك اولى، على ان الكافر يسمى ظالما فيجوز ان يكون عنى به انه لا يفلح الظالمون الذين هم الكافرون، كما قال " والكافرون هم الظالمون " (6) وقال (ان الشرك لظلم عظيم " (7). قوله تعالى: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (136) آية بلا خلاف. قرأ الكسائي " بزعمهم " بضم الزاي في الموضعين. الباقون بفتحها. وفي الزعم ثلاث لغات: الفتح والضم، والكسر مثل فتك وفتك وفتك. وقبل وقبل وقبل. وود وود وود. ولم يقرأ بالكسر احد. فالفتح لغة اهل الحجاز، والضم لغة تميم، والكسر لغة بعض بني قيس. اخبر الله تعالى عن الكفار الذين تقدم وصفهم أنهم يجعلون شيئا من أموالهم لله وشيئا لشركائهم تقربا اليهما، من جملة ما خلقه الله واخترعه، لان الذرأ هو الخلق على وجه الاختراع، واصله الظهور، ومنه ملح ذرآني * (الهامش) * (6) سورة 2 البقرة آية 254 (7) سورة 31 لقمان آية 13 (*)

[ 285 ]

وذرآني، لظهور بياضة. والذرأة ظهور الشيب. قال الراجز: وقد علتني ذرأة بادي بدي * وريثة تنهض في تشددي (1) يقال: ذرأ الله الخلق يذرأهم ذرءا وذروا. ويقال: ذرئت لحيته ذرءا اذاشابت. ومنه طعنه فأذراه - غير مهموز - إذا ألقاه، وذرت الريح التراب تذروه ذروا إذا أبادته، وذروة كل شئ أعلاه. و (الحرث) الزرع و (الحرث) الارض التي تثار للزرع، ومنه حرثها يحرثها حرثا، ومنه قوله " نساؤكم حرث لكم " (2) لان المرأة للولد كالارض للزرع و (الانعام) المواشي من الابل والبقر والغنم، مأخوذ من نعمة الوطئ، ولا يقال لذوات الحافر: أنعام. وانما جعلوا الاوثان شركاءهم، لانهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ينفقونه عليها فشاركوها في نعمهم. وقوله " فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم " قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - قال ابن عباس وقتادة: انه إذا اختلط شئ مما جعلوه لاوثانهم بشئ مماجعلوه لله ردوه إلى ما لاوثانهم، وإذا اختلط بشئ مما جعلوه لله لم يردوه إلى ما لله. الثاني - قال الحسن والسدي: كان إذا هلك الذي لاوثانهم أخذوا بدله مما لله، ولا يفعلون مثل ذلك في ما لله (عز وجل). الثالث - قال أبو علي: انهم كانوا يصرفون بعض ما جعلوه لله في النفقة على اوثانهم، ولا يفعلون مثل ذلك فيما جعلوه للاوثان. وقوله " ساء ما يحكمون " فيه قولان: احدهما - قال الزجاج تقديره ساء الحكم حكمهم، فيكون على هذا موضع (ما) رفعا. وقال * (الهامش) * تفسير الطبري 12 / 17 واللسان والتاج (ذرأ) (بدا) (2) سورة 2 البقرة آية 223 (*)

[ 286 ]

الرماني: يجوز ان يكون موضع (ما) نصبا وتقديره ساء حكما حكمهم. قوله تعالى: وكذلك زين الكثير من المشركين قنل أولادهم شكركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (137) آية بلا خلاف. قرأ ابن عامر وحده " زين لكثير من المشركين قتل اولادهم شركائهم " بضم الزاي، ونصب (الاولاد) وخفض " شركائهم ". الباقون بفتح الزاي، " قتل " مفتوح اللام " أولادهم بجر الدال " شركاؤهم " بالرفع بالتزيين. فوجه قراءة ابن عامر انه فرق بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول. والتقدير: قتل شركائهم اولادهم، وشركاؤهم فاعل القتل، وانما جربا لاضافة ومن اضاف القتل إلى الاولاد في القراءة الاخرى يكون الاولاد في موضع النصب، وهو مفعول به بالقتل وانشدوا فيه بيتا على الشذوذ أنشده بعض الحجازيين ذكره أبو الحسن: فزججتها بمزجة * زج القلوص أبي مزاده (1) وذلك لا يجوز عند اكثر النحويين لان القراءة لا يجوز حملها على الشاذ القبيح، ولانه إذا ضعف الفصل بالظرف حتى لم يجز الا في ضرورة الشعر كقول الشاعر: كما خط الكتاب بكف يوما يهودي (2) فان لا يجوز في المفعول به أجدر، ولم يكن بعد الضعف الا الامتناع. * (الهامش) * (1) معاني القرآن 1 / 358 وتفسير الطبري 12 / 138 وخزانة الادب 2 / 251 (2) قائله أبو حية النمري ألفية ابن عقيل 2 / 68 والقرطبي 7 / 111 وتمامه: كما خط الكتاب بكف يوما * يهودي يقارب أو يزل (*)

[ 287 ]

وقيل انما حمل ابن عامر على هذه القراءة انه وجد (شركائهم) في مصاحف اهل الشام بالياء لا بالواو، وهذا يجوز فيه قتل اولادهم شركائهم على ايقاع الشرك للاولاد يعني شركائهم في النعم وفي النسب وفي الاولاد، ولو قيل أيضا زين لكثير من المشركين قتل اولادهم شركاؤهم على ذكر الفاعل بعد ما ذكر الفعل على طريقة ما لم يسم فاعله جاز كما قال الشاعر: ليبك يزيد ضارع لخصومة * ومختبط مما تطيح الطوائح (2) أي ليبكه ضارع. ومثله " يسبح له فيها بالغدو والاصال رجال " (3) وتقديره كأنه لما قال " زين لكثير من المشركين قتل اولادهم " قال قائل من زينه ؟ قيل زينه شركاؤهم. وقال الفراء تكون " شركائهم " على لغة من قال في عشاء عشاي كما قال الشاعر: إذا الثريا طلعت عشايا * فبع لراعي غنم كسايا وابو العباس يأبى هذا البيت، ويقول الرواية الصحيحة بالهمزة. ووجه التشبيه في قوله " وكذلك زين " أنه كما جعل اولئك في الاية الاولى ما ليس لهم كذلك زين هؤلاء ما ليس لهم ان يزينوه. والشركاء الذين زينوا قتل الاولاد قيل فيهم خمسة اقوال: احدها - قال الحسن ومجاهد والسدي: هم الشياطين زينوا لهم وأد البنات أحياء خوف الفقر والعار. والثاني - قال الفراء والزجاج: هم قوم كانوا يخدمون الاوثان. والثالث - انهم الغواة من الناس. والرابع - قيل: شركاؤهم في نعمهم. * (الهامش) * (2) قائله نهشل بن حرى النهشلي، وقيل الحارث بن نهيك النهشلي. وقيل ضرار النهشلي، وقيل مرزرد. وقيل المهلهل. وقيل غير ذلك. شواهد العيني على الاشموني في حاشية الصبان 2 / 49 الشاهد 75 وغيره. (3) سورة 24 النور آية 36 (*)

[ 288 ]

والخامس - شركاؤهم في الاشراك. وقوله " ليردوهم " فالارداء الاهلاك، تقول: أراده يرديه إرداء وردي يردي ردى إذا هلك، وتردي ترديا، ومنه قوله " وما يغني عنه ماله إذا تردى " (1) والمراد به الحجر يتردى من رأس جبل. واللام في قوله " ليردوهم " قال قوم هي لام العاقبة، كما قال " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " (2) لانهم لم يكونوا معاندين فيقصدوا أن يردوهم ويلبسوا عليهم دينهم، هذا قول أبي علي. وقال غيره: يجوز ان يكون فيهم المعاند، ويكون ذلك على التغليب. وقوله " ولو شاء الله ما فعلوه " معناه لو شاء ان يضطرهم إلى تركه، أو لو شاء ان يمنعهم منه لفعل، ولو فعل المنع والحيلولة لما فعلوه، لكن ذلك ينافي التكليف. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله ان يذرهم اي يتركهم ولا يمنعهم ويخلي بينهم وبين ما يكذبون وذلك غاية التهديد كما يقول القائل: دعني وإياه. قوله تعالى: وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون (138) آية بلا خلاف. اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار انهم " قالوا هذه انعام وحرث " يعني الانعام والزرع الذي جعلوهما لالهتهم وأوثانهم. وقوله " بزعمهم " يدل على أنهم فعلوا ذلك بغير حجة بل بقولهم العاري عن برهان. وقيل في الانعام الاولى قولان * (الهامش) * (1) سورة 92 الليل آية 11 (2) سورة 28 القصص آية 8 (*)

[ 289 ]

احدهما - قال الجبائي: التي ذكرها أولا فهو ما جعلوه لاوثانهم كما جعلوا الحرث للنفقة عليها في خدامها وما ينوب من أمرها. وقيل: قربانا للاوثان. وأما الانعام التي ذكرت ثانيا، فهي السائبة والبحيرة والحام، وهو الفحل الذي يخلونه ويقولون: حمى ظهره، وهو قول الحسن ومجاهد. وأما التي ذكرت ثالثا - قيل فيه قولان: أحدهما التي إذا ولدوها أو ذبحوها أو ركبوها لم يذكروا اسم الله عليها، وهو قول السدي وغيره. والثاني قال أبو وائل * هي التي لا يحجون عليها. وقوله " حجر " معناه حرام تقول: حجرت على فلان كذا أي منعته منه بالتحريم، ومنه قوله " حجرا محجورا " (1) والحجر لامتناعه بالصلابة، والحجر العقل للامتناع به من القبيح، قال المتلمس: حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها * حجر حرام ألا تلك الدهاريس (2) وقال رؤبة: وجارة البيت لها حجري (3) وقال الاخر: فبت مرتفقا والعين ساهرة * كأن نومي علي الليل محجور (4) وقيل: حجر وحرج مثل جذب وجبذ، وبه قرأ ابن عباس. وبضم الحاء قراءة الحسن وقتادة. ويقال: حجر وحجر وحجر بمعنى المنع بالتحريم، وحجر الانسان، وحجره بالكسر والفتح. وانما أعيبوا بتحريم ظهور الانعام، * (الهامش) * (1) سورة 25 الفرقان آية 22، 53 (2) قائله جرير بن عبد المسيح، وهو الملتمس. ديوانه القصيدة 4 ومجاز القرآن 1 / 207 واللسان (دهرس) ومعجم البلدان (نخلة القصوى) وتفسير الطبري 12 / 140 و " الدهاريس " الدواهي (3) وقيل انه للعجاج. ديوان العجاج: 68 واللسان " حجر " (4) نبسه ابن منظور في اللسان (رفق) إلى (أعشى بأهله). وهو في الطبري 12 / 141 غير منسوب. ومعنى (مرتفقا) أي متكئا على يده. (*)

[ 290 ]

والواجب تحريمها عقلا حتى يرد سمع باباحته، لانهم حرموا ذلك على وجه الكذب على الله، وانه اوجب ذلك إذا كانت على صفة مخصوصة. وانما أعيبوا بأكلها بعد ذبحها، وهي حينئذ تجري مجرى الميتة، وذلك لا يعلم تحريمه عقلا، لانهم ادعوا انه على وجه التذكية إفتراء على الله، فقصدوا به هذا القصد، ولذلك أعيبوا بتملكها وان كانوا سبقوا إليها، وانما وجب تحريم الانتفاع باستهلال الانعام، لان الايلام لا يحسن الا مع تضمن العوض الموافي عليه، وذلك مفتقر إلى السمع. وقوله " افتراء " يعني كذبا، وفي نصبه قولان: أحدهما - قالوا: إفتراء على الله، الثاني - لا يذكرون اسم الله افتراء على الله، كأنه قيل: افتروا بتركهم التسمية الذي أضافوه إلى الله إفتراء عليه. قوله تعالى: وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) آية بلا خلاف. قرأ ابن كثير " وان يكن " بالياء " ميتة " رفع. وقرأ ابن عامر الا الداحوني عن هشام، وابو جعفر " تكن " بالتاء " ميتة " رفع. وقرأ أبو بكر عن عاصم الا الكسائي " يكن " باليا " ميتة " نصب. الباقون بالتاء " ميتة " نصب. وجه قراءة الاكثر ان يحمل على (ما) وتقديره وان يكن ما في بطون الانعام ميتة. ووجه قراءة ابن عامر ان يضيف الفعل إلى الميتة فيرتفع الميتة به، فلذلك انث الفعل. ووجه قراءة ابي بكر ان ما في بطون الانعام مؤنث، لانها من الانعام. ويجوز ان يكون اراد ان تكون الاجنة ميتة. ووجه قراءة ابن كثير ان يضيف الفعل إلى الميتة، لكن لما لم يكن تأنيث الميتة

[ 291 ]

تأنيث ذوات الفروج، وتقدم الفعل جاز ان يذكر، كما قال " فمن جاءه موعظة " (1) و " أخذ الذين ظلموا الصيحة " (2) وتكون (كان) تامة، ومعناه وان وقع ميتة. اخبر الله تعالى في هذه الاية عن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم أنهم " قالوا ما في بطون هذه الانعام " التي تقدم ذكرها أحياء، فهو خالص لذكروهم، ومحرم على ازواجهم الاناث وبناتهم. وقال بعضهم انه يختص بالزوجات، والاولى عموم النساء تفضيلا للذكور على الاناث. وقيل ان الذكور كانوا القوام بخدمة الاوثان. والمراد بما في بطون الانعام قيل فيه ثلاثة أقوال: احدها - قال قتادة المراد به الالبان. والثاني - قال مجاهد والسدي: انه الاجنة. الثالث - ان المراد به الجميع، وهو أعم. وقوله " خالصة لذكورنا " معناه لا يشركهم فيها أحد من الاناث وليس المراد به تسوية تصفية شئ عن شئ كالذهب الخالص والفضة الخالصة، ومن ذلك إخلاص التوحيد واخلاص العمل لله. والهاء في قوله " خالصة " قيل فيها ثلاثة أقوال: احدها - أنها للمبالغة في الصفة كالعلامة والراوية الثاني - على تأنيث المصدر كالعاقبة والعافية، ومنه قوله " بخالصة ذكرى الدار " (3). الثالث - لتأنيث ما في بطونها من الانعام. ويقال فلان خالصة فلان ومن خلصائه. وحكى الزجاج والفراء: انه قرئ خالصة لذكورنا، والمعنى ما خلص منها. وقيل أصل (الذكور) من الذكر سمي الذكر بذلك، لانه أنبه واذكر * (الهامش) * (1) سورة 2 البقرة آية 275 (2) سورة 11 هود آية 67 (3) سورة 38 ص آية 46 (*)

[ 292 ]

من الانثى. وقوله " وان يكن ميتة " معناه ان كان جنين الانعام ميتة فالذكور والاناث فيه سواء، فقال الله تعالى " سيجزيهم وصفهم " يعني سيجزيهم جزاء وصفهم، وحذف المضاف واقام المضاف إليه مقامه. وقوله " انه حكيم عليم " معناه انه تعالى حكيم فيما يفعل بهم من العقاب آجلا، وفي امهالهم عاجلا " عليم " بما يفعلون لا يخفى عليه شئ منها. وقوله " خالصة " رفع بانه خبر الابتداء والمبتدأ قوله " ما في بطون " ولا يجوز عند البصريين النصب، لان العامل فيه لا يتصرف، فلا يتقدم عليه، وأجازه الفراء مع قوله انهم لا يكادون يتكلمون به، لا يقولون زيد قائما فيها، ولكنه قياس. وقد عاب الله على الكفار في هذه الاية من أربعة اوجه: أولها - ذبحهم الانعام بغير إذن الله. وثانيها - أكلهم على ادعاء التذكية افتراء على الله. وثالثها - تحليلهم للذكور وتحريمهم على الاناث تفرقة بين ما لا يفترق الا بحكم من الله. ورابعها - تسويتهم بينهم في الميتة من غير رجوع إلى سمع موثوق. قوله تعالى: قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (140) آية بلا خلاف. قرأ ابن كثير وابن عامر " قتلوا " بتشديد التاء. الباقون بالتخفيف. من شدد حمله على التكرار، كقوله " جنات عدن مفتحة " (1). ومن خفف * (الهامش) * (1) سورة 38 ص آية 50. (*)

[ 293 ]

فلانه يدل على الكثرة. اخبر الله تعالى ان هؤلاء الكفار الذين قتلوا أولادهم الاناث خوفا من الفقر وهربا من العار قد خسروا، ومعناه هلكت نفوسهم باستحقاقهم على ذلك عذاب الابد. والخسران هلاك رأس المال. وقوله " سفها بغير علم " نصب على انه مفعول له ويجوز ان يكون نصبا على المصدر، وتقديره سفهوا بما فعلوه سفها خوفا من الفقر وهربا من العار. والسفه خفة الحلم بالعجلة إلى ما لا ينبغي ان يعجل إليه. واصله الخفة. وضد السفيه الحليم. والفرق بين السفه والنزق ان السفه عجلة يدعو إليها الهوى، والنزق عجلة من جهة حدة الطبع والغيظ. وقوله " وحرموا ما رزقهم الله " يعني ما حرموه على نفوسهم من الحرث بزعمهم انه حجر. وقال الحسن: انه راجع إلى الانعام. وقال الرماني: لا يجوز ذلك لانها محرمة عليهم بحجة العقل حتى يأتي بسمع. والقتل نقض البنية التي تحتاج الحياة إليها والموت - عند من أثبته معنى ضد الحياة. وقوله " افتراء على الله " يعني كذبا. ونصبه على المصدر والعامل فيه قوله " وحرموا " لان ذلك قول منهم أضافوه إلى الله. ثم اخبر تعالى انهم قد ضلوا بما فعلوه وجازوا عن طريق الحق وأنهم لم يكونوا مهتدين إلى طريق الرشاد والحق. قوله تعالى: وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر واتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141) آية بلا خلاف.

[ 294 ]

قرأ اهل البصرة وابن عامر وعاصم (حصاده) - بفتح الحا - الباقون بكسرها. وهم لغتان. وقال سيبويه: جاءوا بالمصادر حين أرادوا أنتهاء الزمان على مثال (فعال) نحو الضرام الجزاز، والجداد والقطاف والحصاد. وربما دخلت اللغتان في بعض هذا، وكان فيه (فعال وفعال). لما اخبر الله عن هؤلاء الكفار وعن عظيم ما ابتدعوه وافتروا به على الله وشرعوا من الدين ما لم يأذن الله فيه، عقب ذلك البيان بأنه الخالق لجميع الاشياء فلا يجوز اضافة شئ منها إلى الاوثان، ولا تحليله، ولا تحريمه الا بأذنه، فقال " وهو الذي أنشأ جنات معروشات " والانشاء هو احداث الافعال ابتداء لا على مثال سبق، وهو كالابتداع. والاختراع هو أحداث الافعال في الغير من غير سبب، والخلق هو التقدير والترتيب. والجنات جمع جنة، وهي البساتين التي يجنها الشجر من النخل وغيره. والروضة هي الخضرة بالنبات والزهور المشرقة باختلاف الالوان الحسنة. وقوله " معروشات وغير معروشات " قيل في معناه قولان: احدهما - ما قال ابن عباس والسدي: المعروشات هو ما عرش الناس من الكروم ونحوها، وهو رفع بعض اغصانها على بعض " وغير معروشات " ما يكون من قبل نفسه في البراري والجبال. والثاني - قال أبو علي يعرشه أي يرفع له حظائر كالحائط. واصله الرفع ومنه قوله تعالى " خاوية على عروشها " (1) يعني على اعاليها، وما ارتفع منها لم يندك فيستوي " بالارض، ومنه العرش للسرير لارتفاعه. (ومعرشات) في موضع النصب، لانها صفة ل‍ (جنات) والنخل والزرع معناه وأنشأ النخل والزرع " مختلفا أكله " يعني طعمه، ونصب مختلفا على الحال، وانما نصبه على الحال، وهو يؤكل بعد ذلك بزمان، لامرين: احدهما - ان معناه مقدرا اختلاف أكله كقولهم: مررت برجل معه صقر * (الهامش) * (1) سورة 2 البقرة آية 259 وسورة 18 الكهف آية 43 وسورة 22 الحج آية 45 (*)

[ 295 ]

صايدا به غدا أي مقدرا الصيد به غدا. الثاني - ان يكون معنى (أكله) ثمره الذي يصلح ان يؤكل منه. " والزيتون والرمان " أي وانشأ الزيتون والرمان. وانما قرن الزيتون إلى الرمان، لانه لما ذكر الكرم والنخل والزرع اقتضى ذكر ما خرج عن ذلك، فقرنا لفضلهما بعدما ذكره. وقيل: لانهما يشتبهان باكتناف الاوراق في اغصانها " متشابها وغير متشابه " معناه متماثلا وغير متماثل. وقيل " متشابها " في النظر " وغير متشابه " في الطعم بل الطعم مختلف. وقوله " كلوا من ثمره إذا أثمر " المراد به الاباحة لا الامر. وقال الجبائي وجماعة: ان ذلك يدل على جواز الاكل من ثمره، وان كان فيه حق للفقراء. وقوله " وآتوا حقه يوم حصاده " أمر ايجاب بايتاء الحق يوم الحصاد على طريق الجملة، والحق الذي يجب اخراجه يوم الحصاد فيه قولان: احدهما - قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية وزيد بن أسلم والحسن وسعيد بن المسيب وطاووس وجابر بن عبد الله وبريد وقتادة والضحاك: انه الزكاة العشر، أو نصف العشر. الثاني - روي عن جعفر (ع) عن أبيه (ع) وعطاء ومجاهد وابن عامر وسعيد بن جبير والربيع بن أنس: انه ما ينثر مما يعطي المساكين. وروي أصحابنا أنه الضغث بعد الضغث والحفنة بعد الحفنة. وقال ابراهيم والسدي: الاية منسوخة بفرض العشر ونصف العشر، قالوا: لان الزكاة لا تخرج يوم الحصاد، وقالوا لان هذه الاية مكية وفرض الزكاة نزل بالمدينة. ولما روي بأن فرض الزكاة نسخ كل صدقة. قال الرماني: وهذا غلط، لان يوم حصاده ظرف لحقه، وليس بظرف الايتاء المأمور به. وقوله " ولا تسرفوا " قيل في المخاطبين به ثلاثة أقوال: احدها - قال أبو العالية وابن جريح انه يتوجه إلى ارباب الاموال،

[ 296 ]

لانهم كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة يسرفون فيه، فروي عن ثابت بن شماس انه كان له خمس مئة رأس نخلا فصرمها وتصديق بها، ولم يترك لاهله منها شيئا فنهى الله عن ذلك، وبين أنه مسرف، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله ابدأ بمن تعول. الثاني - قال ابن زيد انه خطاب للسلطان. الثالث - انه خطاب للجميع وهو أعم فائدة. وقيل: ان السرف يكون في التقصير، كما يكون في الزيادة قال الشاعر: اعطوا هنيدة يحدوها ثمانية * ما في عطائهم من ولا سرف (1) معناه ولا تقصير. وقيل ولا إفراط، لانه لا يستكثر كثيرهم. والاسراف هو مجاوزة حد الحق وهو افراط وغلو. وضده تقصير واقتار. ومسرف صفة ذم في العادة. وينبغي ان يؤدي الحق الذي في الغلات إلى امام المسلمين ليصرفه إلى اهل الصدقات ولهم ان يخرجوه إلى المساكين إذا لم يأخذهم الامام بذلك فأما مقدار ما يجب من الزكاة، والنصاب الذي يتعلق به وصفه الارض الزكوية فقد بيناه في كتب الفقه مستوفى لا نطول بذكره الكتاب. قوله تعالى: ومن الانعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (142) آية بلا خلاف. العامل في قوله " حمولة وفرشا " قوله " انشأ " المتقدم، كأنه قال وانشأ لكم من الانعام " حمولة وفرشا ". وقيل في معنى: " حمولة وفرشا " * (الهامش) * (1) قائله جرير ديوانه 389 وطبقات فحول الشعراء: 359 واللسان (هند)، " سرف " وتفسير الطبري 7 / 579 و 12 / 177 وتفسير القرطبي 7 / 111، وهنيدة: اسم لكل مئة من الابل، وهو ممنوع من الصرف. (*)

[ 297 ]

ثلاثة أقوال: أحدها - ما روي عن ابن مسعود، وابن عباس في احدى والروايتين، والحسن في رواية - ومجاهد: ان الحمولة كبارا الابل، والفرش الصغار. الثاني - ما روي عن الحسن - في رواية - وقتادة والربيع والسدي والضحاك وابن زيد: ان الحمولة ما حمل من الابل والبقر، والفرش الغنم. الثالث - ما روي عن ابن عباس - في رواية - ان الحمولة كل ما حمل من الابل والبقر والخيل والبغال والحمير، والفرش الغنم، كأنه ذهب إلى أنه يدخل في الانعام ذو الحافر على الاتباع. و (الحمولة) لا واحد لها من لفظها كالركوبة والجزورة. و (الحمولة) بضم الحاء هي الاحمال، وهي الحمول. وانما قيل للصغار: فرش، لامرين: احدهما - لاستواء اسنانها في الصغر والانحطاط، كاستواء ما يفترش. الثاني - من الفرش وهي الارض المستوية التي يتوطأها الناس. وقال الجبائي: في التفسير، وابو بكر الرازي في احكام القرآن: ان الفرش ما يفترش من البسط، والزرابي. وهذا غلط قبيح جدا في اللغة. وقوله " خطوات " يجوز فيه ثلاثة أوجه - بضم الخاء والطاء، وضم الخاء وسكون الطاء، وضم الخاء وفتح الطاء - وفي معناه قولان: احدهما - ما يتخطى بكم الشيطان إليه من تحليل إلى تحريم، ومن تحريم إلى تحليل. الثاني - طرق الشيطان، فانه لا يسعى الا في عصيان. وقوله " انه " الهاء كناية عن الشيطان " لكم عدو مبين " فيه اخبار من الله ان الشيطان عدو للبشر " مبين " أي ظاهر. وقيل في معنى " مبين " قولان: أحدهما - أنه أبان عداوته لكم بما كان منه إلى أبيكم آدم حين اخرجه من الجنة الثاني - بين العداوة أي لاظهاره ذلك في حزبه، وأوليائه من الشياطين هذا قول الحسسن.

[ 298 ]

قوله تعالى: ثمانية أزواج من الضان اثنين ومن المعز اثنين قل الذكرين حرم أم الانثيين أما اشتملت عليه أرحام الانثيين نبؤني بعلم إن كنتم صادقين (143) آية بلا خلاف قرأ ابن كثير الا ابن فليح وابن عامر الا الداحوني عن هشام واهل البصرة (المعز) بفتح العين. الباقون بسكونها. قال أبو علي من قرأ بالفتح اراد الجمع بدلالة قوله " من الضأن اثنين " ولو كان واحدا لم يسغ فيه هذا، ونصب اثنين على تقدير: وانشأ ثمانية ازواج: انشأ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين، ونظير معز جمع ماعز خادم وخدم وطالب وطلب، وحارس وحرس، وقال أبو الحسن: هو جمع على غير واحد، وكذلك المعزى، وحكى أبو زيد إمعوز وانشد: * كالتيس في إمعوزه المربل * وقالوا: المعيز كالكليب، ومن سكن العين، فهو أيضا جمع ماعز كصاحب وصحب وتاجر وتجر وراكب وركب. وابو الحسن: يرى هذا الجمع مستمرا، ومن يرده في التصغير إلى الواحد، فيقول في تحقير ركب رويكبون، وفي تجر: تويجرون، وسيبويه يراه اسما من أسماء الجمع، وانشد أبو عثمان حجة لقول سيبويه: بنيته بعصبة من ماليا * أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا (1) - بالعين والغين - عن غير ابي علي فتحقيره له على لفظه من غير ان يرده * (الهامش) * (1) البيت ل‍ (أحيحة بن الجلاح) وقدانشده أبو عثمان شاهدا على البيت الذي يأتي بعده من أنه يقال في تصغير (ركب) ركيب - بضم الراء وفتح الكاف وتسكين الياء. (*)

[ 299 ]

إلى الواحد الذي هو فاعل - والحاق الواو والنون أو الياء والنون، يدل على إنه اسم للجمع وأنشد أبو زيد: واين ركيب واضعون رحالهم * إلى أهل نار من أناس بأسود (2) وقال أبو عثمان البقرة عند العرب نعجة، والظبية عندهم ماعزة، الدليل على ذلك قول ذي الرمة: إذا ما رآها راكب الضيف لم يزل * يرى نعجة في مرتع فيثيرها مولعة خنساء ليست بنعجة * يدمن اجواف المياه وقيرها (3) قوله لم يزل يرى نعجة يريد بقرة، ألا ترى انه قال مولعة خنساء، والخنس والتوليع إنما يكونان في البقر دون الظباء. وقوله ليست بنعجة معناه انها ليست بنعجة أهلية، لانه لا يخلو من ان يريد أنها ليست بنعجة أهليه، أو ليست بنعجة، ولا يجوز ان يريد انها ليست بنعجة، لانك ان حملته على هذا فقد نفيت ما أوجبه من قوله: لم يزل يرى نعجة، وإذا لم يجز ذلك علمت انه اراد ليست بنعجة أهلية، والدليل على ان الظبية ماعزة قول أبي ذؤيب. وعادية تلقى الثياب كأنها * تيوس ظباء محصها وانبتارها (4) فقوله تيوس ظباء كقوله: تيوس معز، ولو كانت عندهم ضائنية لقال كأنها كباش ظباء، والوقير الشاة يكون فيها كلب وحمار في قوله الاصمعي. قوله " ثمانية ازواج " منصوب، لانه بدل من " حمولة وفرشا " لدخوله في الانشاء، وتقديره وأنشأ حمولة وفرشا ثمانية أزواج " من الضأن اثنين " نصب (اثنين) بتقدير انشأ من الضأن اثنين، ولو رفع على تقدير منها ماعز إثنان كما تقول رأيت القوم منهم قائم وقاعد كان جائزا، وانما أجمل ما فصله في الاثنين للتقدير علي شئ منه، لانه اشد في التوبيخ من ان يكون دفعة واحدة. (2) انشده شاهدا على ما تقدم على انه يقال في تصغير (راكب) ركيب، وذلك يدل على ان ركبا مفرد، وليس جمعا لراكب (3) اللسان (نعج) (4) اللسان " تيس "

[ 300 ]

وقوله " ثمانية ازواج " يريد ثمانية افراد، لان كل واحد من ذلك يسمى زوجا، والانثى زوج، وانما سمي بذلك، لانه لا يكون زوج الا ومعه آخر له مثل اسمه، فلما دل على الاثنين من اقرب الوجوه، وقع على طريقه، ومنه قول لبيد. من كل محفوف يظل عصيه * زوج عليه كلة وقرامها (5) ومثل ذلك قولهم: خصم للواحد والاثنين، وقوله " من الضأن اثنين " يعني ذكر وأنثى، فالضأن الغنم ذوات الاصواف والاوبار، والمعز الغنم ذوات الاشعار والاذناب القصار، وواحد الضأن ضائن، كقولهم تاجر وتجر في قول الزجاج. والانثى ضائنة. وقال غيره: هو جمع لا واحد له، ويجمع ضئين كقولهم: عبد وعبيد، ويقال فيه (ضئين) كما يقولون في شعر شعير، وكذلك ماعز ومعز، الا أنه يجوز فتحه لدخول حرف الحلق فيه ويجمع مواعز. وروي عن أبي عبد الله (ع) ان المراد بقوله " من الضأن اثنين " أهلي ووحشي وكذلك المعز والبقر " ومن الابل اثنين " العرابي والبخاتي. وانما خص هذه الثمانية أزواج، لانها جميع الانعام التي كانوا يحرمون منها ما يحرمونه مما تقدم ذكره. فان قيل: إذا كان ما حرموه معلوما فلم عدل بهم في السؤل إلى غيره ؟ قيل على وجه المعارضة لهم على طريقة الحجاج أي انكم بمنزلة من قال هذا، ولذلك وقع السؤال أعلى كذا أم كذا ؟ وان لم يتقدم دعوى أن أحدهما كذا، لانهم في حكم هذا المدعى. وقوله " آلذكرين حرم أم " منصوب ب‍ (حرم)، والمعنى في قوله " آلذكرين حرم أم الانثيين " اجاءكم التحريم فيما حرمتم من السائبة والبحيرة والوصيلة والحام من الذكرين أم من الانثيين، فالالف ألف استفهام والمراد به التوبيخ، فلو قالوا من قبل الذكر حرم عليهم كل ذكر، ولو قالوا من قبل (5) تفسير الطبري 11 / 143

[ 301 ]

الانثى حرمت عليهم كل أنثى. ثم قال " اما اشتملت عليه أرحام الانثيين " فلو قالوا ذلك حرم عليهم الذكر والانثى، لان الرحم يشتمل عليهما، قال الحسن معناه ما حملت الرحم. وقوله " نبئوني " بعلم ان كنتم صادقين " في ذلك. وقوله " آلذكرين " دخلت الف الاستفهام على الف الوصل لئلا يلتبس بالخبر، ولو اسقطت جاز، لان (أم) تدخل على الاستفهام، وعلى هذا أجاز سيبويه قول الشاعر ان يكون استفهاما: فو الله ما ادري وان كنت داريا شعيب بن سهم أم شعيب بن منقر (1) اجاز تقديره أشعيب. و (ما) في قوله " أما اشتملت " في موضع نصب عطفا على الانثيين، وانما قال: الانثيين مثنى، لانه اراد من الضأن والمعز. قوله تعالى: ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين قل الذكرين حرم أم الانثيين أما اشتملت عليه أرحام الانثيين أم كنتم شهداء إذ وصيكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (144) آية بلا خلاف. قوله " ومن الابل اثنين ومن البقر اثنين " تفصيل لتمام الثمانية أزواج التي أجملها في الاية الاولى. وقد بينا معنى قوله " آلذكرين حرم ام الانثيين اما اشتملت عليه أرحام الانثيين " واصل الاشتمال الشمول تقول: شملهم الامر يشملهم شمولا فهو شامل، ومنه الشمال لشمولها على ظاهر الشئ * (الهامش) * (1) مر تخريجه في 4 / 199 (*)

[ 302 ]

وباطنه بقوتها ولطفها والشمول الخمر لاشتمالها على العقل. وقيل: لان لها عصفة كعصفة الشمال. وقوله " ام كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا " ف‍ (أم) معادلة لقوله " آلذكرين " وانما قال " أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا " لان طرق العلم اما الدليل الذي يشترك العقل في ادراك الحق بها أو المشاهدة التي يختص بها بعضهم دون بعض، فإذا لم يكن واحد من الامرين سقط المذهب. والمعنى أعلمتم ذلك بالسمع والكتب المنزلة فأنتم لا تقرون بذلك أم شافهكم الله به فعلتموه ؟ ! فإذا لم يكن واحد منهما علم بطلان ما تذهبون إليه. والوصية مقدمة مؤكدة فيما يفعل أو يترك، يقال: وصاه يوصيه توصية وأوصاه يوصيه إيصاء، والوصي الموصى إليه. وقوله " فمن أظلم ممن افترى على الله " يعني من أظلم لنفسه ممن يكذب عليه فيضيف إليه تحريم ما لم يحرمه وتحليل ما لم يحلله " ليضل الناس بغير علم " أي عمل القاصد إلى إضلالهم من اجل دعائه إلى ما يشك بصحته مما لا يؤمن ان يكون فيه هلاكهم وان لم يقصد إضلالهم، فلذلك قال " ليضل الناس بغير علم ". ثم أخبر " ان الله لا يهدي " إلى الثواب " القوم الظالمين " لانهم مستحقون للعقاب الدائم بكفرهم وضلالهم. قوله تعالى: قل لا أجد في ما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا اهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان ربك غفور رحيم (145) آية بلا خلاف.

[ 303 ]

قرأ ابن كثير وحمزة " تكون " بالتاء " ميتة " بالنصب. وقرأ ابن عامر بالتاء والرفع. الباقون بالياء والنصب. من قرأ بالياء ونصب الميتة جعل في " تكون " ضميرا ونصب الميتة بأنه خبر كان وتقديره: الا ان يكون ذلك أو الموجود ميتة. ومن قرأ بالتاء ورفع الميتة رفعها ب‍ (يكون) ويكون من كان التامة دون الناقصة التي تدخل على المبتدأ والخبر، وهذه القراءة ضعيفة، لان ما بعده " أو دما مسفوحا أو لحم خنزير " بالعطف عليه، فلو كان مرفوعا لضعف ذلك. ومن قرأ بالتاء ونصب الميتة جعل في (يكون) ضمير العين أو النفس، وتقديره الا أن تكون النفس ميتة، ونصب الميتة بأنه خبر كان. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء الكفار انه لا يجد في ما أوحي إليه شيئا محرما الا نحو ما ذكره في المائدة (1) كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، لان جميع ذلك يقع عليه السم الميتة، وفي حكمها، فبين هناك على التفصيل، وههنا على الجملة وأجود من ذلك ان يقال: ان الله تعالى خص هذه الثلاثة أشياء تعظيما لتحريمها وبين ما عداها في موضع آخر. وقيل: انه خص هذه الاشياء بنص القرآن وما عداه بوحي غير القرآن. وقيل: ان ما عداه حرم فيما بعد بالمدينة والسورة مكية. والميتة عبارة عما كان فيه حياة فقدت من غير تذكية شرعية. والدم المسفوح هو المصبوب، يقال: سفحت الدمع وغيره أسفحه سفحا إذا صببته، ومنه السفاح الزنا، لصب الماء صب ما يسفح والسفح والصب والاراقة بمعنى وانما خص المسفوح بالذكر، لان ما يختلط بالدم منه مما لا يمكن تخليصه منه معفو مباح، وهو قول ابي محلز، وعكرمة وقتادة. وقوله " أو لحم خنزير " فانه وان خص لحم الخنزير بالذكر، فان جميع * (الهامش) * (1) آية 3 من سورة 5 المائدة 3 / 428 (*)

[ 304 ]

ما يكون منه من الجلد والشعر والشحم وغير ذلك محرم. وقوله " فانه رجس " يعني ما تقدم ذكره، فلذلك كناعنه بكناية المذكر، والرجس العذاب أيضا. وقوله " أو فسقا " عطف على قوله " أو لحم خنزير " فلذلك نصبه، والمراد بالفسق " ما أهل لغير الله به " يعني " ما لم يذكر أسم الله عليه " أو تذكر الاصنام والاوثان، وسمي ما ذكر عليه أسم الوثن: فسقا لخروجه عن أمر الله. وأصل الاهلال رفع الصوت بالشئ، ومنه اهل الصبي إذا صاح عند ولادته. وقوله " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " قيل فيه قولان: أحدهما - غير طالب بأكله التلذذ. والثاني - غير قاصد لتحليل ما حرم الله. وروى أصحابنا في قوله " غير باغ " ان معناه ان لا يكون خارجا على إمام عادل أي لا يعتدى بتجاوز ذلك إلى ما حرمه الله. وروى أصحابنا ان المراد به قطاع الطريق، فانهم غير مرخصين بذلك على حال. والضرورة التي تبيح أكل الميتة هي خوف التلف على النفس من الجوع. وانما قال عند التحليل للمضطر " ان ربك غفور رحيم " لان هذه الرخصة لانه " غفور رحيم " أي حكم بالرخصة كما حكم بالمغفرة. وفي ذلك بيان عن عظم موقع النعمة. وقد استدل قوم بهذه الاية على إباحة ما عدا هذه الاشياء المذكورة. وهذا ليس بصحيح، لان ههنا محرمات كثيرة غيرها كالسباع، وكل ذي ناب وكل ذي مخلب، وغير ذلك. وكذلك أشياء كثيرة اختص اصحابنا بتحريمها، كالجرى والمار ماهي، وغير ذلك، فلا يمكن التعلق بذلك. ويمكن ان يستدل بهذه الاية ؟ ؟ حريم الانتفاع بجلد الميتة فانه داخل تحت قوله " ان يكون ميتة " ويقويه قوله (عليه السلام) لا ينتفع من الميتة

[ 305 ]

بأهاب ولا عصب. فأما دلالته على ان الشعر والصوف والريش منها والناب والعظم محرم، فلا يدل عليه، لان ما لم تحله الحياة لا يسمى ميتة على ما مضى القول فيه. قوله تعالى: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمناعليه شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أوما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون (146) آية بلا خلاف. أخبر الله تعالى انه حرم على اليهود في أيام موسى كل ذي ظفر. واختلفوا في معنى " كل ذي ظفر " فقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والسدي: انه كل ما ليس بمنفرج الاصابع، كالابل، والنعام، والاوز، والبط. وقال أبو علي الجبائي: يدخل في ذلك جميع انواع السباع والكلاب والسنانير وسائر ما يصطاد بظفره من الطير. وقال البلخي: هو كل ذي مخلب من الطائر، وكل ذي حافر من الدواب. ويسمى الحافر ظفرا مجازا، كما قال الشاعر: فما رقد الولدان حتى رأيته * على البكريمريه بساق وحافر (1) فجعل الحافر موضع القدم. واخبر تعالى انه كان حرم عليهم شحوم البقر والغنم من الثرب، وشحم الكلى، وغير ذلك مما في أجوافها، واستثنى من ذلك بقوله " الا ما حملت ظهورها " ما حملته ظهورها فانه لم يحرمه، واستثنى أيضا ما على الحوايا من الشحم، فانه لم يحرمه. * (الهامش) * (1) قائله جبيها الاسدي. اللسان (حفر) (*)

[ 306 ]

واختلفوا في معنى الحوايا، فقال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد والسدي: هي المباعر. وقال ابن زيد: هن بنات اللبن. وقال الجبائي: الحوايا الامعاء التي عليها الشحم من داخلها. وحواياجمع حوية وحاوية. وقيل في واحده حاوياء - في قول الزجاج - على وزن راضعات ورواضع، وضاربة وضوارب، ومن قال: حوية قال وزنه فعائل مثل سفينة وسفائن في الصحيح، وهي ما يجري في البطن فاجتمع واستدار، ويسمى بنات اللبن والمباعر والمرابض وما فيها الامعاء بذلك. واستثنى أيضا من جملة ما حرم " ما اختلط بعظم " وهو شحم الجنب والالية، لانه على العصص - في قول ابن جريج والسدي - وقال الجبائي: الالية تدخل في ذلك، لانها لم تستثن وما اعتد بعظم العصص. وموضع (الحوايا) من الاعرا يحتمل أمرين: احدهما - قول اكثر اهل العلم: انه رفع عطفا على الظهور على تقدير: وما حملت الحوايا. الثاني - نصب عطفا على ما في قوله " الا ما حملت " فأما قوله " أو ما اختلط بعظم " فيكون نسقا على ما حرم لا على الاستثناء. والتقدير - على هذا القول - حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم الا ما حملت الظهور، فانه غير محرم. و (أو) دخلت على طريق الاباحة كقوله " ولا تطع منهم آثما أو كفورا " (1) والمعنى إعص هذا وأعص هذا، فان جميعهم اهل ان يعصى، ومثله جالس الحسن أو ابن سيرين اي جالس أيهما شئت. وهذه الاشياء وإن كان الله تعالى حرمها على اليهود في شرع موسى، فقد نسخ تحريمها على لسان محمد (صلى الله عليه وآله) وأباحها، وتدعي النصارى ان ذلك نسخ في شرع عيسى (ع) ولسنا نعلم صحة ما يقولونه. وقوله " ذلك جزيناهم ببغيهم " معناه اناحرمنا ذلك عليهم عقوبة لهم * (الهامش) * (1) سورة 76 الدهر آية 24 (*)

[ 307 ]

على بغيهم. فان قيل: كيف يكون التكليف عقابا، وهو تابع للمصلحة، ومع ذلك فهو تعريض للثواب ؟ ؟ قلنا: إنما سماه عقوبة، لان عظيم ما أتوه من الاجرام والمعاصي اقتضى تحريم ذلك وتغير المصلحة، وحصول اللطف فيه، فلذلك سماه عقوبة، ولولا عظم جرمهم لما اقتضت المصلحة ذلك. وقوله " وإنا لصادقون " يعني فيما أخبرنا به من تحريم ذلك على اليهود فيما مضى. وان ذلك عقوبة لاوائلهم ومصلحة لمن بعدهم إلى وقت النسخ. وحكي عن ابن علية أنه كان يقول: ان ما يذبحه اليهود لا يجوز أكل شحمه وان جاز أكل لحمه، لان الشحوم كانت حراما عليهم. وعندنا ان ما يذبحه اليهود لا يجوز استباحة شئ منه، وهم بمنزلة الميتة غير ان الذي ذكره غير صحيح، لانه يلزم عليه انه لو نحر اليهود جملا ان لا يجوز اكله، لانه كان حراما عليهم، وذلك باطل عنده. قوله تعالى: فان كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين (147) آيه بلا خلاف. المعنى بقوله " فان كذبوك " قيل فيه قولان: احدهما - قال مجاهد والسدي: انهم اليهود، لانهم زعموا أنهم حرموا الثروب، لان اسرائيل حرمها على نفسه، فحرموها هم اتباعا له دون ان يكون الله حرم ذلك على لسان موسى. الثاني - انه يرجع إلى جميع المشركين في قول الجبائي وغيره على ظاهر الاية، فقال الله لنبيه " فان كذبوك " يا محمد في اني حرمت ذلك على اليهود على لسان موسى " فقل " لهم " ربكم ذورحمة واسعة " واقتضى ذكر الرحمة

[ 308 ]

أحد امرين: الاول - انه برحمته أمهلهم مع تكذيبهم، بالمؤاخذة عاجلا - في قول أبي علي الجبائي -. الثاني - انه ذكر ذلك ترغيبا لهم في ترك التكذيب وتزهيدا في فعله وانما قابل بين لفظ الماضي في قوله " كذبوك " بالمستقبل في قوله " فقل " لتأكيد وقوع القول بعد التكذيب إذ كونه جوابا يدل على ذلك. و (ذو) بمعنى صاحب. والفرق بينهما ان احدهما يصح ان يضاف إلى المضمر، ولا يصح في الاخر، لان (ذو) وصلة إلى الصفة بالجنس، ولذلك جعل ناقصا لا يقوم بنفسه دون المضاف إليه، والمضمر ليس بجنس ولا يصح ان يوصف به. وقوله " لا يرد بأسه " معناه لا يمكن احدا أن يرده عنهم، وهو أبلغ من قوله بأسه نازل بالمجرمين، لانه دل على هذا المعنى وعلى ان أحدا لا يمكنه رده. وقوله " عن القوم المجرمين " معناه ان أحدا لا يتمكن من رد عقاب الله عن العصاة المستحقين للعقاب مع انه تعالى ذو رحمة واسعة. قوله تعالى: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسناقل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) آية بلا خلاف. اخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بأن هؤلاء المشركين سيحتجون في إقامتهم على شركهم، وعلى تحريمهم ما أحله الله من الانعام التي تقدم وصفها بأن يقولوا: لو شاء الله ان لا نفعل نحن ذلك ولا نعتقده ولا آباؤنا، أو أراد منا خلاف ذلك " ما أشركنا نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا " شيئا من ذلك. فكذبهم

[ 309 ]

الله تعالى بذلك في قوله " كذلك كذب الذين من قبلهم " ومعناه مثل هذا التكذيب الذي كان من هؤلاء - في انه منكر - " كذب الذين من قبلهم " وانما قال كذلك لتقضي الخبر، ولو قال (كذا) لجاز، لانه قريب بعد الاول، و (كذلك) أحسن، لان ما فيه من تأكيد الاشارة تغني عن الصفة. وحكي انه قرئ " كذب الذين " بالتخفيف، فمن خفف اراد ان هؤلاء كاذبون كما كذب الذين من قبلهم على الله بمثله. ومن قرأ بالتشديد، فلانهم بهذا القول كذبوا رسول الله لانهم قالواله: ان الله أراد منا ذلك وشاءه، ولو أراد غيره لما فعلناه، مكذبين للرسول (ص) كما كذب من تقدم انبياءهم فيما أتوا به من قبل الله. ثم بين بقوله " قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا " أن ما قالوه باطل وكذب على الله لانه لو كان صحيحا لما رده عليهم. ثم أكد تكذيبهم بقوله " ان تتبعون الا الظن " أي ليس يتبعون إلا ظنا من غير علم " وان انتم الا تخرصون " يعني تكذبون، والخرص الكذب كقوله " قتل الخراصون " (1) وفى هذه الاية أدل دلالة على ان الله تعالى لا يشاء المعاصي والكفر، وتكذيب ظاهر لمن أضاف ذلك إلى الله مع قيام ادلة العقل على انه تعالى لا يريد القبيح، لان إرادة القبيح قبيحة، وهو لا يفعل القبيح، ولان هذه صفة نقص، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقوله " حتى ذاقوا بأسنا " معناه حتى ذاقوا عذابنا، واراد به حلول العذاب بهم فجعل وجدانهم لذلك ذوقا مجازا. وجاز قوله " ما أشركنا ولا آباؤنا " ولم يجز ان يقال: قمنا وزيد، لان العطف على المضمر المتصل لا يحسن الا بفصل، فلما فصلت (لا) حسن، كما حسن: ما قد قمنا ولا زيد كان كذلك، لان الضمير المتصل يغير له الفعل في (فعلت) فيصير كجزء منه. * (الهامش) * (1) سورة 51 الذاريات آية 10 (*)

[ 310 ]

فان قيل: انما أنكر الله تعالى عليهم هذا القول، لانهم جعلوا هذا القول حجة في إقامتهم على شركهم، فأعلم الله عزوجل ان " كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا " ولم ينكر عليهم انهم قالوا الشرك بمشيئة الله، ولو كان منكرا لذلك، لقال: كذلك كذب الذين - يتخفيف الذال -. قلنا: لا يجوز ذلك، لانه تعالى بين انهم كذبوا في هذا القول بقوله " وان أنتم الا تخرصون " أي تكذبون، فاما كذبوا فقد حكيناأنه قرئ - بالتخفيف - ومن شدد الذال، فلان تكذيب الصادق كذب، وهو يدل على الامرين، فان قالوا: انما عابهم، لانهم كانوا متهزئين بهذا القول لا معتقدين ولا متدينين. قلنا: المعروف من مذهبهم خلافه، لانهم كانوا يعتقدون ان جميع ما يفعلونه قربة إلى الله، وان الله تعالى ارادة واخبر عنه، فكيف يكونون متهزئين، على ان الهازئ بالشئ لا يسمى كاذبا، فكيف سماهم الله كاذبين ؟ على انه إذا كان كل ما يجري بمشيئته فلا يجب ان ينكر على احد ما يعتقده، لانه اعتقد ما شاء الله. ومن فعل ما شاء كان مطيعا له، لان الطاعة هي امتثال الامر والمراد منه. وهذا باطل بالاجماع. فان قيل: انما عاب الله المشركين بهذه الاية، لانهم قالوا ذلك حدسا وظنا لاعن علم، وذلك لا يدل على انهم غير صادقين، وقديجوز ان يكون الانسان صادقا فيما يخبر به ويكون قوله صادرا عن حدس وعن ظن. قلنا: لو كان الامر على ما قلتم لما كانوا كاذبين إذا كان مخبر ما أخبروا به على ما أخبروا، وقد كذبهم الله في اخبارهم بقوله " كذلك كذب الذين من قبلهم " وبقوله " ان انتم الا تخرصون " على ان من ظن شيئا فاخبر عنه لا يوصف بأنه كاذب وان كان على خلاف ما ظنه فكيف إذا كان على ما ظنه. قوله تعالى: قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم أجمعين (149) آية بلا خلاف.

[ 311 ]

امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء الكفار الذين احتجوا بما قالوه ان الله لو شاءمنهم ذلك لما كان لله الحجة البالغة يعني الحجة التي احتج بها على الكافرين في الاية الاولى، وجميع ما احتج به على عباده في صحة دينه الذي كلفهم اياه. ومعنى (البالغة) التي تبلغ قطع عذر المحجوج وتزيل كل لبس وشبهة عمن نظر فيها واستدل أيضا بها. وانما كانت حجة الله صحيحة بالغة، لانه لا يحتج الا بالحق وما يؤدي إلى العلم. وقوله " ولو شاء لهداكم اجمعين " يحتمل امرين: احدهما - لو شاء لالجأ الجميع إلى الايمان غير ان ذلك ينافي التكليف. الثاني - انه لو شاء لهداهم إلى نيل الثواب ودخول الجنة، وبين بذلك قدرته على منافعهم ومضارهم. وبين انه لم يفعل ذلك، لانه يوجب زوال التكليف عنهم والله تعالى اراد بالتكليف تعريضهم للثواب الذي لا يحسن الابتداء به، ولو كان الامر على ما قالته المجبرة من ان الله تعالى شاء منهم الكفر لكانت الحجة للكفار على الله من حيث فعلوا ما شاء الله، وكان يجب ان يكونوا بذلك مطيعين له ولا تكون الحجة عليهم من حيث انه خلق فيهم الكفر وأراد منهم الكفر، فأي حجة مع ذلك. قوله تعالى: قل هلم شهداءكم الذى يشهدون أن الله حرم هذا فان شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالاخرة وهم بربهم يعدلون (150) آية بلا خلاف. معنى هذه الاية ان الحجاج بأن الطريق الموصل إلى صحة مذهبهم غير منسداذ لم يثبت من جهة حجة عقل ولا سمع. وما لم يصح ان يثبت من

[ 312 ]

أحد هذين الوجهين باطل لا محالة، لان ما لا يصح ان يعلم فاسد لا محالة. امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء الكفار الذين تقدم وصفهم " هلموا ومعناه هاتوا. وهلم كلمة موضوعة للجماعة بني مع (ها) فصار بمنزلة الصوت نحو (صه) قال الا عشى: وكان دعاقومه دعوة * هلم إلى أمركم قد صرم (1) ومن قال: هلموا، فانه لم يبنه مع (ها) بل قدره على الانفصال. والاول أفصح، لانها لغة القرآن، وهي لغة اهل الحجاز. واهل نجد يقولون: هلم وهلما وهلموا وهلمي وهلميا وهلمن، قال سيبويه أصله (ها) ضم إليه (لم) فبني فقيل: هلم، وهات فصل ولم يتصل بما يبنى معه، فلذلك لا بد ان يقال للجماعة: هاتوا. و (هلم) لفظ يتعدى تارة، واخرى لا يتعدى، فإذا كانت بمعنى (هاتوا) فانها تتعدى مثل قوله " هلم شهداءكم " وإذا كانت بمعنى (تعالوا) نحو " هلم الينا " (2) فانها لا تتعدى ونظيره: عليك زيدا يتعد إلى واحد، وعلي زيدا يتعدى إلى اثنين بمعنى أولني زيدا، ومثله من الفعل: رجع ورجعته، ولا يجوز في (هلم) الضم والكسر، كما يجوز في ورد: ورد. قال الزجاج: لانها لا تتصرف على طريقة: فعل يفعل، مع ما اتصلت بهامن هاء. ومعنى الاية هاتوا شهداءكم الذين يشهدون بصحة ما تدعون من ان الله حرم هذا الذي ذكرتموه. وقوله " فان شهدوا فلا تشهد معهم " فان قيل كيف دعاهم إلى الشهادة مع أنهم إذا شهدوا لم تقبل شهادتهم ؟ ؟ ! قلنا عنه جوابان أحدهما - قال أبو علي: لانهم لم يشهدوا على الوجه دعوا ان يشهدوا بينة عادلة تقوم بها الحجة. الثاني - شهداء من غيرهم، ولن يجدوا ذلك، ولو وجدوه ما وجب * (الهامش) * (1) ديوانه 34، ومجاز القرآن 1 / 208 وتفسير الطبري 12 / 150، واللسان والتاج (ربع) (2) سورة 33 الاحزاب آية 18 (*)

[ 313 ]

قبول شهاداتهم، لانها لا ترجع الا إلى دعوى مجردة. ولكن المذهب مع هذه الحال أبعد عن الصواب، لانهم لا يجدون من يشهدلهم. وهو قول الحسن. وقوله " ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا " نهى من الله لنبيه والمراد به أمته ان يعتقدوا مذهب من اعتقد مذهبه هوى، ويمكن اتخاذ المذهب هوى من وجوه. احدها - هوى من سبق إليه فقلده فيه. والثاني - ان يدخل عليه شبهة فيتخيله بصورة الصحيح مع ان في عقله ما يمنع منه. ومنها - ان يقطع النظر دون غايته، للمشقة التي تلحقه فيعتقد المذهب الفاسد. ومنها - ان يكون نشأ على شئ وألفه واعتاده فيصعب عليه مفارقته. وكل ذلك متميز مما استحسنه بعقله. وانما قال " الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالاخرة " وكلهم كفار ليفصل وجوه كفرهم، لان منه ما يكون مع الاقرار بالاخرة كحال اهل الكتاب، ومنه ما يكون مع الانكار كحال عبدة الاوثان. وقوله " وهم بربهم يعدلون " معناه يعدلون به عن الحق لاتخاذهم مع الله شركاء واضافتهم إليه ما لم يقله وافترائهم عليه. وفي الاية دلالة على فساد التقليد لانه لو كان التقليد جائزا لما طالب الله الكفار بالحجة على صحة مذهبهم، ولما كان عجزهم عن الايتان بها دلالة على بطلان ما ذهبوااليه. قوله تعالى: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن

[ 314 ]

ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصيكم به لعلكم تعقلون (151) آية بلا خلاف. لما حكى الله تعالى عن هؤلاء القوم انهم حرمواما لم يحرمه الله وأحلوا ما حرمه، قال لنبيه " قل " لهم " تعالوا " حتى أبين لكم ما حرمه الله. و (تعالوا) معناه أدنوا، وهو مشتق من العلو، وتقديره كأن الداعي في المكان العالي، وان كانا في مستوى من الارض كما يقال للانسان: ارتفع إلى صدر المجلس. وقوله " اتل " مشتق من التلاوة مثل القراءة. والمتلو مثل المقروء، فالمتلوا هو المقروء الاول، والتلاوة هي الثاني منه على طريق الاعادة، وهو مثل الحكاية والمحكي. وقوله " اتل " مجزوم بأنه جواب الامر، وعلامة الجزم فيه حذف الواو، ومن شأن الجازم أن يأخذ الحركة إذا كانت على الحرف، فان لم يكن هناك حركة أخذ نفس الحرف. وقوله " ما حرم ربكم " (ما) في موضع نصب ب‍ (أتل) وهي بمعنى الذي، وتقديره أتل الذي حرم ربكم عليكم: ان لا تشركوا به شيئا، ويجوز ان يكون نصبا ب‍ (حرم) وتقديره أي شئ حرم ربكم، لان (أتلو) بمنزلة أقول. وقوله " ان لا تشركوا به شيئا " يحتمل موضع (ان) ثلاثة اوجه من الاعراب: احدها - الرفع على تقدير ذلك ان لا تشركوا به شيئا. والثاني - النصب على تقدير أوصى ان لا تشركوا به شيئا. وقيل فيه وجه رابع - ان يكون نصبا ب‍ (حرم) وتكون (لا) زائدة، وتقديره حرم ربكم ان تشركوا به شيئا، كما قال " ما منعك ان لا تسجد " (1) ونظائر ذلك قد قدمنا طرفامنها. وموضع تشركوا يحتمل امرين، احدهما - * (الهامش) * (1) سورة 7 الاعراف آية 11 (*)

[ 315 ]

النصب ب‍ (ان). الثاني - الجزم ب‍ (لا) على النهي. وقال أبو جعفر عليه السلام: ادنى الشرك الرياء. وقوله " وبالوالدين احسانا " العامل فيه (أمر) أي امر بالوالدين إحسانا، واوصى بالوالدين احسانا. ودليله من وجهين: احدهما - ان في (حرم كذا) معنى اوصى بتحريمه، وامر بتجنبه. الثاني " ذلكم وصاكم به " وقوله " ولا تقتلوا اولادكم من املاق " عطف بالنهي على الخبر، لان قوله " ولا تقتلوا " نهي، وقوله اوصى ألا تشركوابه شيئا، وأوصى بالوالدين احسانا خبر، وجاز ذلك كما جاز في قوله " قل اني امرت ان اكون اول من أسلم ولا تكونن من المشركين (2) وقال الشاعر: حج وأوصى بسليمى الاعبد * ان لا قرى ولا تكلم أحدا ولا تمش بفضاء بعدا * ولا يزل شرابها مبردا (3) والاملاق: الافلاس من المال والزاد يقال: املق إملاقا ومنه الملق لانه اجتهاد في تقرب المفلس للطمع في العطية. وقال ابن عباس وقتادة والسدي وابن جريج والضحاك: الاملاق الفقر، نهاهم الله ان يقتلوا أولادهم خوفا من الفقر. وقال " نحن نرزقكم واياهم " وقوله " ولا تقربوا الفواحش " نهي عن الفواحش وهي القبائح. وقيل: الفاحش العظيم القبح، والقبيح يقع على الصغير والكبير، لانه يقال القرد قبيح الصورة ولا يقال فاحش الصورة. وضد القبيح الحسن وليس كذلك الفاحش. قال الرماني ويدخل في الاية النهي عن الصغير، لان قرب الفاحش عمل الصغير من القبيح. وقوله " ما ظهر منها وما بطن " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس والضحاك والسدي: كانوا لا يرون بالزنا بأساسرا، ويمنعون منه علانية، فنهى الله عنه في الحالتين. * (الهامش) * (2) سورة 6 الانعام آية 14 (3) مجاز القرآن 1 / 364 وتفسير الطبري 12 / 216 (*)

[ 316 ]

الثاني - لئلا يظن ويتوهم ان الاستبطان جائز. وقال أبو جعفر (عليه السلام) ما ظهر هو الزنا، وما بطن المخالة. وقيل معناه ما علن وما خفي يعني من جميع أنواع الفواحش وهو اعم فائدة. وقوله " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق " فالنفس المحرم قتلها هي نفس المسلم والمعاهد دون الكافر الحربي، والحق الذي يستباح به قتل النفس المحرمة ثلاثة اشياء: قود بالنفس الحرام، والزنا بعد احصان، والكفر بعد الايمان. وقوله " ذلكم وصاكم به " خطاب لجميع الخلق " لعلكم تعقلون " معناه لكي تعقلوا عنه ما وصاكم به فتعملوا به. قوله تعالى: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نسفا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصيكم به لعلكم تذكرون (152) آية بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة الا أبا بكر " تذكرون " بتخفيف الذال حيث وقع. الباقون بالتشديد. قال سيبويه: ذكرته ذكرا مثل شربا، قال أبو علي: (ذكر) فعل يتعدى إلى مفعول واحد، كقوله " فاذكروني اذكركم " (1) فإذا ضاعفت العين تعدى إلى مفعولين كقولك ذكرته اباه قال الشاعر: يذكر نيك حنين العجول * ونوح الحمامة تدعو هديلا فان نقله بالهمزة كان كنقله بالتشديد، وتقول: ذكرته فتذكر، لان تذكر مطاوع (فعل) كما تفاعل مطاوع فاعل، قال تعالى " إذا مسهم طائف * (الهامش) * (1) سورة 2 البقرة آية 152 (*)

[ 317 ]

من الشيطان تذكروا " (2) وقدتعدى تفعلت قال الشاعر: تذكرت أرضا بها أهلها * أخوا لها فيها وأعمامها وأنشد أبو زيد: تذكرت ليلى لات حين أذكارها * وقدحني الاضلال ضلا بتضلال فقال اذكارها، كما قال " وتبتل إليه تبتيلا " (3) ونحو ذلك مما لا يحصى مما لا يجئ المصدر على (فعلة)، وجاء المصدر على (فعلى) بالف التأنيث، فقالوا ذكرى وقالوا في الجمع الذكر، فجعلو بمنزلة (سدرة، وسدر) وقالوا: الدكر بالدال غير المعجمة حكاه سيبويه، والمشهور بالذال. فمن قرأ بتشديد الذال اراد يتذكرون ويأخذون به، ولا يطرحونه وادغم التاء في الذال، والمعنى يتذكرون، كما قال " والنهار خلفة لمن اراد ان يذكر " (4) أي يتفكر وقال " اولا يذكر الانسان " (5) معناه اولا يتفكر، وقال " ولقد صرفناه بينهم ليذكروا " (6) أي ليتفكروا فيه. ومن قرأ - بتخفيف الذال - أراد لكي يذكروه ولا ينسوه فيعملوابه. والقراءتان متقاربتان غير ان هذا حذف التاء الاولى، والاولون أدغموا التاء في الذال. والمعنى فيها لعلكم تتذكرون. هذه الاية عطف على ما حرم الله في الاية الاولى واوصى به، فنهى في هذه الاية ان تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي احسسن، والمراد بالقرب التصرف فيه، وانما خص اليتيم بذلك وان كان واجبا في كل احد، لان اليتيم لما كان لا يدفع عن نفسه ولا له والد يدفع عنه، فكان الطمع في ما له أقوى تأكد النهي في التصرف في ما له. وقوله " الا بالتي هي أحسن " قيل في معناه ثلاثة أقوال: * (الهامش) * (2) سورة 7 الاعراف آية 200 (3) سورة 73 المزمل آية 8 (4) سورة 25 الفرقان آية 62 (5) سورة 19 مريم آية 67 (6) سورة 25 الفرقان آية 50 (*)

[ 318 ]

احدها - حفظه عليه إلى ان يكبر فيسلم إليه. وقيل معناه تثميره بالتجارة في قول مجاهد والضحاك والسدي. والثالث - ما قاله ابن زيد: ان يأخذ القيم عليه بالمعروف دون الكسوة. وقوله " حتى يبلغ أشده " اختلفوا في حد الاشد، فقال ربيعة وزيدبن أسلم ومالك وعامر الشعبي: هو الحلم. وقال السدي: ثلاثون سنة. وقال قوم: ثماني عشرة سنة. لانه اكثر ما يقع عندهم البلوغ واستكمال العقل. وقال قوم قوم: انه لاحد له وانما المراد به حتى يكمل عقله ولا يكون سفيها يحجر عليه. والمعنى حتى يبلغ اشده فيسلم إليه ماله أو يأذن في التصرف في ماله، وحذف لدلالة الكلام عليه. هذا أقوى الوجوه. وواحد الاشد قيل فيه قولان: احدهما - شد مثل اضر جمع ضر، واشد جمع شد. والشد القوة، وهو استحكام قوة شبابه وسنه، كما شد النهار ارتفاعه. وحكى الحسين بن على المغربي عن أبي اسامة أن واحدة شدة. مثل نعمة وانعم. وقال بعض البصريين: الاشد واحد مثل الافك. ومن قال ان واحده شد استدل بقول عنترة: عهدي به شد النهار كأنما * خضب البنان ورأسه بالعظلم (1) هكذا رواه المفضل الضبي. وقال الاخر: يطيف به شد النهار ظعينه * طويلة انقاء اليدين سحوق (2) وقوله " واوفوا الكيل والميزان بالقسط " أمر من الله بتوفية كيل ما يكال وتوفية وزن ما يوزن بالقسط يعني بالعدل * وفاء من غير بخس. وقوله " لا نكلف نفسا الا وسعها " معناه هنا انه لما كانا لتعويل في الوزن والكيل على التحديد من اقل القليل يتعذر، بين انه لا يلزم في ذلك الاجتهاد في التحرز. * (الهامش) * (1) ديوانه 27 وتفسير الطبري 12: 222 (2) تفسير الطبري 12: 222 (*)

[ 319 ]

وقوله " وإذا قلتم فأعدلوا " يعني قولوا الحق. ولو كان على ذي قرابة لكم. وانما خص القول بالعدل دون الفعل، لان من جعل عادته العدل في القول دعاه ذلك إلى العدل في الفعل، لان ذلك من آكد الدواعي إليه والبواعث عليه. وقوله " وبعهد الله اوفوا " قيل في معنى العهد هاهنا قولان: احدهما - كل ما أوجبه على العبد فقد عهد إليه بايجابه عليه وتقديم القول فيه والدلالة عليه. الثاني - قال أبو علي عهد الله الحلف بالله، فإذا حلف في غير معصية الله وجب عليه الوفاء. وقوله " ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون " قيل في معناه قولان: احدهما - لئلا تغفلوا عنه فتتركوا العمل به والقيام بما يلزم منه. الثاني - لتتذكروا كل ما يلزمكم بتذكر هذا فتعملوا به. قوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصيكم به لعلكم تتقون (153) آية بلا خلاف. قرأ الكسائي وحمزة " وان هذا " بكسر الهمزة. الباقون بفتحها. وكلهم شدد النون الا ابن عامر فأنه خففها. وكلهم سكن الياء من (صراطي) الا ابن عامرفانه فتحها. وبه قرأيعقوب. وقرأ ابن كثير وابن عامر " سراطي " بالسين. الباقون بالصاد الا حمزة، فانه قرأ بين الصاد والزاي. وروى ابن فليح والبزي الا القواس " فتفرق " بتشديد التاء. ووجهه ان أصله (فتتفرق) فأدغم احدهما في الاخرى. ومن فتح (أن) احتمل ذلك وجهين:

[ 320 ]

احدهما - ان يكون عطفا على " ان لا تشركوا ". والثاني - ولان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه. ومن كسر (ان) احتمل ايضا وجهين: احدهما - عطفه على " اتل ما حرم ربكم " واتل " ان هذا " بمعنى اقول. والثاني - استأنف الكلام. ومن خفف (ان) فأن المخففة في قوله تتعلق بما تتعلق به المشددة. وموضع (هذا) رفع بالابتداء وخبره (صراطي) وفي (ان) ضمير القصة والشأن. وعلى هذه الشريطة تخفف، وليست المفتوحة كالمكسورة إذا خففت. والفاء في قوله " فاتبعوه " على قول من كسر (ان) عاطفة جملة على جملة. وعلى قول من فتح زائدة ونصب " مستقيما " على الحال. " والفائدة ان هذا صراطي وهو مستقيم، فاجتمع له الامران، ولو رفع مستقيم، لما أفاد ذك. وانما سمى الله تعالى ان ما بينه وذكره من الواجب والمحرم صراط وطريق لان امتثال ذلك على ما أمر به يؤدي إلى الثواب في الجنة، فهوطريق إليها، والى النعيم فيها قوله " فاتبعوه " أمر من الله تعالى باتباع صراطه وما شرعه للحق. وطريق اتباع الشرع - وفيه الحرام والحلال والمباح - هو اعتقاد ذلك فيه، والعمل على ما ورد الشرع به فيفعل الواجب والندب، ويجتنب القبيح، ويكون مخيرا في المباح. ولا يجب فعل جميعه، لان ذلك خلاف الاتباع. وانما قيل لاعتقاد صحة الشرع اتباع له، لانه تعالى إذا حظر شيئا أو حظر تركه كان حكمه، ووجب اتباعه في انه محرم وواجب، وكذلك الندب والمباح. وقوله " ولا تتبعوا السبل " يعني سبل الشيطان واتباع اهل البدع من اليهود والنصارى وغيرهم، فنهى تعالى عن اتباع ذلك فان اتباع غير سبيله تصرف عن اتباع سبيله، ولا يمكن ان يجتمعا " ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون " معناه امركم به وأوصاكم بأمتثاله لكي تتقوا عقابه بأجتناب معاصيه.

[ 321 ]

وانما اتى بلفظة (لعل) لان المعنى انكم تعاملون في التكليف والجزاء معاملة الشك للمظافرة في العدل. قوله تعالى: ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شئ وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) آية بلا خلاف قيل في معنى قوله " ثم آتينا موسى الكتاب " مع ان كتاب موسى قبل القرآن و (ثم) تقتضي التراخي قولان: احدهما - ان فيه خذفا، وتقديره: ثم اتل " آتينا موسى الكتاب " وقال أبو مسلم عطفه على المنن التي امتن بها على ابراهيم من قوله " ووهبنا له اسحاق " إلى قوله " إلى صراط مستقيم " واستحسنه المغربي. وقوله " تماما على الذي أحسن " قيل فيه خمسة أقوال: احدها - قال الربيع والفراء: تماما على احسانه اي احسان موسى كأنه قال ليكمل احسانه الذي يستحق به كمال ثوابه في الاخرة. الثاني - قال مجاهد: تماما على المحسنين. وقيل في قراءة عبد الله " تماما " على الذين احسنوا " كأنه قيل اتماما للعنة على المحسنين الذين هو أحدهم. الثالث قال ابن زيد: تماما على احسان الله إلى انبيائه. الرابع - قال الحسن وقتادة: لتمام كرامته في الجنة على احسانه في الدنيا. الخامس - قال أبو علي: تماما على احسان الله إلى موسى بالنبوة، وغيرها من الكرامة. وقال أبو مسلم تماما على الذي احسن ابراهيم، فجعل ما اعطى موسى منة على ابراهيم واجابة لدعوته بما تقدم من احسانه وطاعته، وذلك إذ يقول ابراهيم " واجعل لي لسان صدق في الاخرين " (1). وقوله " تماما على الذي " يقتضي مضاعفة (عليه). ولو قال: تماما، * (الهامش) * (1) سورة 26 الشعراء آية 84 (*)

[ 322 ]

لدل على نقصانه قبل تكميله. وقوله " أحسن " في موضع خفض عند الفراء، زعم ان العرب تقول مررت بالذي خير منك، وبالذي أخيك. ولا يقولون: بالذي قائم، لانه نكرة وأنشد عن الكسائي: ان الزبيري الذي مثل الحكم * مشى بأسلابك في اهل العلم (2) قال الزجاج: أجمع البصريون على انه لا يجوز ذلك، لان (الذي) يقتضي صلة، ولا يصح ان يوصف الا بعد تمام وصلته. وقوله " وهدى ورحمة " صفتان للكتاب الذي أنزله على موسى، ومعناه حجة ورحمة " وتفصيلا لكل شئ " مثل ذلك. وقوله " لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون " معناه لكي يؤمنوا بجزاء ربهم، فسمى الجزاء لقاء الله تفخيما لشأنه وتعظيما له مع الاختصار والايجاز. و (تماما) و (تفصيلا) نصب على انه مفعول له، وتقديره إنا فعلنا للتمام والتفصيل لكل ما شرعنا له. وروي في الشواذ (أحسن) رفعا وتقديره على الذي هو أحسن. قوله تعالى: وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155) آية بلا خلاف. قوله " وهذا " اشارة إلى القرآن، وصفه بأنه كتاب انزله الله وانما وصفه بأنه كتاب وان لم يكن قرآنامن اجل انه يكتب، لانه لما كان التقييد بالكتاب من اكثر ما يحتاج إليه في الدلائل والحكم، وصف بهذا الوصف. لبيان انه مما ينبغي ان يكتب، لانه اجل الحكم، وذكر في هذا الموضع بهذا الذكر ليقابل ما تقدم من ذكر كتاب موسى (ع). وقوله " مبارك " فالبركة ثبوت الخير بزيادته ونموه، واصله الثبوت، ومنه (تبارك) أي تعالى بصفة اثبات لا اول له ولا آخر، وهذا تعظيم. * (الهامش) * (2) معاني القرآن 1 / 365 وتفسير الطبري 12 / 234. (*)

[ 323 ]

لا يستحقه غير الله تعالى. ورفعه بأنه صفة للكتاب، ولو نصب على الحال كان جائزا غير ان الرفع يدل على لزوم الصفة للكتاب، والنصب يجوز ان يكون لحالة عارضة في وقت الفعل. وقوله " فاتبعوه " امر من الله باتباعه وتدبر وما فيه وامتثاله. وقوله " واتقوا " أمر منه تعالى باتقاء معاصيه، وتجنب مخالفة كتابه. وقوله " لعلكم ترحمون " أي لكي ترحموا، وانما قال " اتقوا لعلكم ترحمون " مع انهم إذا أتقوا رحموا لا محالة لامرين: احدهما - اتقوا على رجاء الرحمة، لانكم لا تدرون بما توافون في الاخرة. الثاني - أتقوا لترحموا، ومعناه ليكن الغرض بالتقوى منكم طلب ما عند الله من الرحمة والثواب. قوله تعالى: أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلناوإن كنا عن دراستهم لغافلين (156) آية بلا خلاف. العامل في (أن) قوله " أنزلناه " وتقديره لان لا تقولوا، فحذف (لا) لظهور المعنى في انه أنزله لئلا يكون لهم حجة بهذا، وحذف (لا) في قول الفراء، وقال الزجاج: تقديره كراهة ان تقولوا، ولم يجز حذف (لا) ههنا، وإذا كان يجوز حذف المضاف في غير (ان) فهو مع (أن) اجدر، لطولها بالصلة، و (ان) إذا كانت بمعنى المصادر تعمل، ولا تعمل إذا كانت بمعنى (أي) لان هذه تختص بالفعل، والاخرى تدخل للتفسير، فتارة تفسير جملة من ابتداء وخبر، وتارة جملة من فعل وفاعل. وقوله " انما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا " معنى (انما) الاختصاص، وانما كان كذلك، لان (أن) كانت تحقيقا بتخصيص المعنى مما خالفه، فلما صحبتها (ما) ممكنة لها ظهر هذا المعنى فيها.

[ 324 ]

والمعني " بالطائفتين من قبلنا " اليهود والنصارى - في قول ابن عباس والحسن ومجاهد وابن جريج وقتادة والسدي - وانما خصا بالذكر لشهرتهما ولظهور أمرهما. وقوله " وان كناعن دراستهم لغافلين " اللام في قوله " لغافلين " لام الابتداء، ولا يجوز ان يعمل ما قبلها فيما بعدها الا في باب (إن) خاصة لانها زحلقت معها عن الاسم إلى الخبر للفصل بين حرفين بمعنى واحد، وتقدير الاية: انا أنزلنا الكتاب الذي هو القرآن لئلا يقولوا: انما أنزل الكتاب على اليهود والنصارى، ولم ينزل علينا، ولو أريد مناما أريد ممن قبلنا لانزل الينا كتاب كما أنزل على من قبلنا " وان كنا عن دراستهم لغافلين " وتقديره وان كنا غافلين عن تلاوة كتبهم يعني الطائفتين اللتين أنزل عليهم الكتاب، لانهم كانوا أهله دوننا. قوله تعالى: أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنا سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (157) آية بلا خلاف. هذه الاية عطف على ما قبلها والتقدير: انا أنزلنا القرآن المبارك لئلا يقولوا: انه ما انزل علينا الكتاب، كما أنزل على من قبلنا، اويقولوا: لو أنزل علينا الكتاب لكناأهدى منهم في المبادرة إلى قبوله والتمسك به، كما يقول القائل: لو أتيت بدليل لقبلته منك. ومثل هذا يستبق إلى النفس. وقوله " أهدى منهم " فلا دلالهم بالاذهان والافهام. وقد يكون العارف بالشئ أهدى إليه من عارف آخر، بأن يعرفه من وجوه لا يعرفها الاخر، وبأن

[ 325 ]

يكون ما يعرفه به أثبت ممايعرفه به الاخر. قال الرماني: والفرق بين الهداية والدلالة ان الهداية مضمنة بأنها نصبت ليهتدي بها صاحبها، وليس كذلك الدلالة، قال: ولذلك كثر تصرفها في القرآن، كما كثر تصرف الرحمة، لانها على المحتاج. وهذا فرق غير صحيح لان الدلالة أيضا لا تسمى دلالة الا إذا نصبت ليستدل بها، ولذلك لا يقال: اللص دل على نفسه إذا فعل آثار امكن ان يستدل بها على مكانه، ولم يقصد ذلك. وقوله " لو أنا " فتحت (ان) بعد (لو) مع انه لا يقع فيه المصدر، لان الفعل مقدر بعد (لو) كأنه قيل: لو وقع الينا أنا أنزل هذا الكتاب علينا، الا أن هذا الفعل لا يظهر من اجل طول (ان) بالصلة، ولا يحذف مع المصدر الا في الشعر قال الشاعر: لو غيركم علق الزبير بحبله * أدى الجوار إلى بني العوام فقال الله لهم " فقد جاءكم بينة من ربكم " يعني حجة واضحة " وهدى ورحمة " وادلة مؤدية إلى الحق، ورحمة منه تعالى وانعام " فمن أظلم ممن كذب بآيات الله " يعني فمن أظلم لنفسه ممن كذب بآيات الله " وصدف عنها " أي اعرض عنها غير مستدل بها ولا مفكر فيها. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي. فان قيل كيف قال " فمن أظلم ممن كذب بآيات الله " بأن يجحدها، ولو فرضنا انه ضم إلى ذلك قتل النفوس وانتهاك المحارم كان اظلم ؟. قلنا عنه جوابان: احدهما - للمبالغة لخروجه إلى المنزلة الداعية إلى كل ضرب من الفاحشة. والاخر - انه لا خصلة ممن ظلم النفس اعظم من هذه الخصلة. ثم قال تعالى " سنجزي الذين يصدفون " أي يعرضون " عن آياتنا سوء العذاب " أي شديده " بما كانوا يصدفون " أي جزاء بما كانوا يعرضون

[ 326 ]

وهو ما أعد الله للكفار نعوذ بالله. فان قيل: فهل للذين ماتوا قبل من خوطب بهذه الاية ان يقولواهذا القول ؟ قيل: لا، ليس له ذلك، لان عذره كان مقطوعا بعقله، وبما تقدم من الاخبار والكتب وهؤلاء أيضا لو لم يأتهم الكتاب والرسول لم يكن لهم حجة، لكن فعل الله تعالى ما علم ان المصلحة تعلقت به لهؤلاء، ولو علم ذلك فيمن تقدم، لانزل عليهم مثل ذلك، لكن لما لم ينزل عليهم علمنا ان ذلك لم يكن من مصلحتهم. قوله تعالى: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملئكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون (158) آية. قرأ حمزة والكسائي " يأتيهم الملائكة " بالياء. الباقون بالتاء. وقد مضى الكلام في أمثال ذلك فيما مضى، فلا وجه للتطويل باعادته. قوله " هل ينظرون " ما ينتظرون، يعني هؤلاء الكفار الذين تقدم ذكرهم. وقال أبو علي: معناه هل تنتظر انت يا محمد واصحابك الا هذا ؟ وهم وان انتظروا غيره فذلك لا يعتد به في جنب ما تنتظرونه من الاشياء المذكورة لعظم شأنها، وهو مثل قوله " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " (1)، وتكلمت ولم تتكلم بما لا يعتد به. وقوله " الا أن يأتيهم الملائكة " يعني لقبض ارواحهم. وقال مجاهد وقتادة والسدي: تأتيهم الملائكة، لقبض ارواحهم " أو يأتي ربك " أي يوم * (الهامش) * (1) سورة 8 الانفال آية 17. (*)

[ 327 ]

القيامة " أو يأتي بعض آيات ربك "، كطلوع الشمس من مغربها. وقوله " أو يأتي ربك " قيل في معناه قولان: احدهما - أو يأتي امر ربك بالعذاب. وحذف المضاف واقام المضاف إليه مقامه، ومثله " وجاء ربك " (2) وقوله " ان الذين يؤذون الله ورسوله " (3) يعني يؤذون اولياء الله. الثاني - أو يأتي ربك بعظم آياته فيكون (يأتي) به على معنى الفعل المعتدي، ومثل ذلك قول الناس: اتانا الروم يريدون أتانا حكم الروم وسيرتهم. وقوله " يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل ". قيل في الايات التي تحجب من قبول التوبة ثلاثة أقوال: احدها - قال الحسن، وروي عن النبي (ص) انه قال (بادروا بالاعمال قبل ستة: طلوع الشمس من مغربها، والدابة، والدجال، والدخان، وخويصة احدكم - اي موته - وامر القيامة) يعني القيامة. الثاني - قال ابن معسود: طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الارض، وهو قول ابي هريرة. الثالث - طلوع الشمس من مغاربها رواها جماعة عن النبي (ص). وقوله " أو كسبت في ايمانها خيرا " قيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - الابهام في احد الامرين: الثاني - التغليب، لان الاكثر ممن ينتفع بايمانه حينئذ من كان كسب في ايمانه خيرا قبل. الثالث - انه لا ينفعه ايمانه حينئذ وان اكتسب فيه خيرا الا أن يكون ممن آمن قبل - في قول السدي - ومعنى كسب الخير في الايمان عمل النوافل والاستكثار من عمل البر بعد اداء الفرائض. والاول عندي أقواها، * (الهامش) * (2) سورة 89 الفجر آية 22 (3) سورة 33 الاحزاب آية 57 (*)

[ 328 ]

لان المعنى انه لا ينفع نفسا ايمانها الا إذا كانت آمنت قبل، فانها إذا آمنت قبل نفعها ايمانها بانفراده أو إذا ضمت إلى ايمانها افعال الخير، فان ذلك ينفعها أيضا، فانه ازداد خيرا. وقوله " قل انتظروا " خطاب للنبي صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء الكفار: انتظروا اتيان الملائكة وهذه الايات، فانا منتظرون حصولها. ومعنى الاية الحث على المبادرة إلى الايمان قبل الحال التي لا تقبل فيها التوبة، وهي ظهور الايات التي تقدم ذكرها، وفي ذلك غاية التهديد. قوله تعالى: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (159) آية. قرأ حمزة والكسائي " فارقوا " بألف، وهو المروي عن علي (ع) الباقون " فرقوا " بلا الف مع تشديد الراء. والمعنيان متقاربان، لان القراءتين يؤلان إلى شئ واحد، لان جميع ذلك مخالف لما يوجبه دينهم، فهم بتفريقه من جهة اكفار بعضهم بعضا على جهالة فيه مخالفون له، وهم بخروجهم عنه إلى غيره مفارقون له مخالفون. وقيل في المعنيين بهذه الاية اربعة أقوال: احدها - قال مجاهد: هم اليهود، لانهم كانوا يمالؤن عبدة الاوثان على المسلمين. الثاني - قال قتادة: هم اليهود والنصارى، لان بعض النصارى يكفر بعضا وكذلك اليهود. الثالث - قال الحسن هم جميع المشركين، لانهم جميعا بهذه الصفة. الرابع - قال أبو جعفر (ع): هم اهل الضلالة والبدع من هذه الامة. وهو قول ابي هريرة والمروي عن عائشة. حذرهم الله تعالى من تفرق الكلمة ودعاهم إلى الاجتماع على ما تقوم عليه

[ 329 ]

الحجة. والدين الذي فارقوه: قيل فيه قولان: الحجة. والدين الذي فارقوه. وقيل فيه قولان: قال أبو علي وغيره: هو الدين الذي امر الله باتباعه وجعله دينالهم. الثاني - الدين الذي هم عليه، لانكار بعضهم بعضا بجهالة فيه. ومعنى الشيع الفرق التي يمالئ بعضهم بعضا على امرواحد مع اختلافهم في غيره، وقيل اصله الظهور من قولهم: شاع الخبر يشيع إذا ظهر. وقال الزجاج: اصله الاتباع من قولك: شايعه على الامر إذا اتبعه. وقوله " لست منهم في شئ " خطاب للنبي صلى الله عليه وآله واعلام له انه ليس منهم في شئ، وانه على المباعدة التامة من ان يجتمع معهم في معنى من مذاهبهم الفاسدة، وليس كذلك بعضهم مع بعض، لانهم يجتمعون في معنى من الباطل وان افترقوافي غيره، فليس منهم في شئ، لانه برئ من جميعه وقال الفراء: معناه النهي عن قتالهم، ثم نسخ بقوله " فاقتلوا الشركين " (1) وهو قول السدي. اخبر الله تعالى ان الذين فرقوا دينهم - وخالفوه وباينوه وصاروا فرقا يمالئ بعضهم بعضا على أمر واحد مع أختلافهم في غيره - ليس النبي صلى الله عليه وآله منهم في شئ وانه مباين لهم لفساد ما هم عليه. ثم قال " انما امرهم الله. ثم ينبئهم بما كانوا يعملون " يعني ان الله تعالى هو الذي يخبرهم بأفعالهم ويجازيهم عليها دون غيره يعني يوم القيامة. قوله تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلهاوهم لا يظلمون (160) آية بلا خلاف. يجوز في قوله " فله عشر أمثالها " ثلاثة أوجه: الجربا لاضافة، وعليه جميع القراء الا يعقوب. ورفع (أمثالها) مع التنوين على الصفة، وبه قرأ * (الهامش) * (1) سورة 9 التوبة آية 6. (*)

[ 330 ]

الحسن ويعقوب. ونصبه على التمييز، كما تقول عندي خمسة أترابا ذكر ذلك الزجاج، والفراء. ومعنى القراءة الاولى، فله عشر حسنات أمثالها، ويجوز في العربية فله عشر مثلها، فيكون المثل في لفظ الواحد وفى معنى الجمع، كما قال " انكم إذا مثلهم " (2). ومن قال: أمثالها فهو كقوله " لا يكونوا اما لكم " (3) وانما جاز في (مثل) التوحيد في معنى الجمع، لانه على قدر ما يشبه به، تقول: مررت بقوم مثلكم وبقوم أمثالكم. وقال الرماني: كلما لم يتميز بالصورة فان جمعه يدل على الاختلاف، كقولك: رمال ومياه، فأما (رجال) فلا يدل على الاختلاف، لانه يتميز بالصورة، ويجوز ان يكون (المثل) في موضع الجمع ولا يجوز مثل ذلك في (العدل) لان (المثل) لا يضاف إلى الجماعة الاعلى معنى انه مثل لكل واحد منهم. وليس كذلك (العدل) لانه يكون لجماعتهم دون كل واحد منهم. وقال اكثر اهل العدل ان الواحد من العشرة مستحق وتسعة تفضل. وقال بعضهم: المعنى فله من الثواب ثواب عشر حسنات أمثالها، وهذا لا يجوز، لانه يقبح ان يعطي غير العامل مثل ثواب العامل كما يقبح ان يعطي الاطفال مثل ثواب الانبياء ومثل اجلالهم واكرامهم وان يرفع منزلتهم عليهم. وانما لم يتوعد على السيئة الا بمثلها، لان الزائد على ذلك ظلم. والله يتعالى عن ذلك، وزيادة الثواب على الجزاء تفضل واحسان فجاز ان يزيد عليه. قال الرماني: ولا يجوز على قياس عشرة أمثالها عشر صالحات بالاضافة لان المعنى ظاهر في ان المراد عشر حسنات امثالها، وقال غيره لان الصالحات لا تعد، لانها اسماء مشتقة. وانما تعد الاسماء. و (المثل) اسم فلذلك جاز العدد به، وقال الرماني: دخول الهاء في قوله (الحسنة) يدل على ان تلك الحسنة ما هو مباح لا يستحق عليه المدح والثواب. ولو قيل: دخول الالف * (الهامش) * (2) سورة 4 النساء آية 139 (3) سورة 47 محمد آية 38 (*)

[ 331 ]

واللام فيهايدل على ان الحسنة هي المأمور بها، ودخلا للعهد، والله لا يأمر بالمباح، لكان اقوى مماقاله، ويجوز أن يكون التفضل مثل الثواب في العدد والكثرة، ويتميز منه الثواب بمقارنة التعظيم والتبجيل اللذين لولاهما لما حسن التكليف. وانما قلنا: يجوز ذلك لان وجه حسن ذلك: الاحسان والتفضل، وذلك حاصل في كل قدر زائد. وفي الناس من منع من ان يساوي التفضل الثواب في باب الكثرة. والصحيح ما قلناه اولا. فان قيل: كيف تجمعون بين قوله " فله عشر أمثالها " وبين قوله " مثل الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة " (1) وقوله " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة " (2) ولان المجازاة بدخول الجنة مثابا فيها على وجه التأبيد، لا نهاية له، فكيف يكون ذلك عشر أمثالها، وهل هذا الا ظاهر التناقض ؟ ؟ ! قلنا: الجواب عن ذلك ما ذكره الزجاج وغيره: ان المعنى في ذلك ان جزاء الله على الحسنات على التضعيف للمثل الواحد الذي هو النهاية في التقيد في النفوس، ويضاعف الله عن ذلك بما بين عشرة اضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ففائدة ذلك انه لا ينقص من الحسنة عن عشر أمثالها، وفيما زاد على ذلك يزيد من يشاء من فضله واحسانه. وقال قوم: المعنى من جاء بالحسنة فله عشر أمثال المستحق عليها، والمستحق مقداره لا يعلمه الا الله وليس يريد بذلك عشر أمثالهافي العدد، كما يقول القائل للعامل الذي يعمل معه: لك من الاجر مثل ما عملت اي مثل ما تستحقه بعملك. وقال آخرون: المعنى في ذلك ان الحسنة لها مقدار من الثواب معلوم لله تعالى فأخبر الله تعالى انه لا يقتصر بعباده على ذلك بل يضاعف لهم الثواب حتى تبلغ ذلك ما أراد وعلم أنه أصلح لهم، ولم يرد العشرة بعينها لكن اراد الاضعاف * (الهامش) * (1) سورة 2 البقرة آية 261 (2) سورة 2 البقرة آية 245 (*)

[ 332 ]

كما يقول القائل: لئن اسديت الي معروفا لاكافينك بعشرة أمثاله، وعشرة اضعافه. وفي الوعيد لئن كلمتني واحدة لاكلمنك عشرة، وليس يريدون بذلك العدد المعين لا اكثر منها، وانما يريدون ما ذكرناه. وقال قوم: عني بهذه الاية الاعراب، واما المهاجرون فحسناتهم سمع مئة، ذهب إليه أبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر. وقال قوم: معنى " عشر أمثالها " لانه كان يؤخذ منهم العشر في الزكاة، وكانوا يصومون في كل شهر ثلاثة ايام والباقي لهم. وقال قوم " من جاء بالحسنة " يعني الايمان، فله يعني للايمان عشر أمثالها، وهو ما ذكره في قوله " ان المسلمين والمسلمات... " (1) إلى آخر الاية. وهذان الوجهان قريبان، والمعتمد ما قدمناه من الوجوه. وقال اكثر المفسرين: ان السيئة المذكورة في الاية هي الشرك، والحسنة المذكورة فيها هي التوحيد واظهار الشهادتين. فان قيل كيف يجوز الزيادة في نعم المثابين مع ان الثواب قد استغرق جميع مناهم وما يحتملونه ؟ قلنا عنه جوابان: احدهما - انه ليس للمنية نهاية مما يحتمله من اللذات. والثاني - ان يزاد في البنية والقوة مثل أن يزاد في قوة البصر حتى يرى الجزء الذي لا يتجزء وان لم يزد في اخفاء الانسان. قوله تعالى: قل إنني هديني ربي إلى صراط مستقيم (161) دينا قيما ملة إبرهيم حنيفا وما كان من المشركين (162) آيتان. قرأ ابن عامر واهل الكوفة " قيما " بكسر القاف وتخفيف الياء وفتحها. الباقون بفتح القاف مع تشديد الياء. * (الهامش) * (1) سورة 33 الاحزاب آية 35 (*)

[ 333 ]

من قرأ بتشديد الياء فحجته قوله " وذلك دين القيمة " (1) كأنه قال دين الملة القيمة، ويكون وصفا للدين إذا كان نكرة، كما كان وصفا للملة، لان الملة هي الدين. قال أبو الحسن: قال اهل المدينة " دينا قيما " وهي حسنة، ولم اسمعها من العرب. قال أبو الحسن: وهو في معنى المستقيم. فأما من قرأ بالتخفيف، فانه اراد المصدر، مثل الشبع، ولم يصحح (عوض وحول). قال الزجاج: لانه جاء على (فعل) معتل، وهو (قام) والاصل (قوم، اقوم قوما) قال أبو علي: وكان القياس يقتضى ان يصحح، لكنه شذ عن القياس، كما شذ (اشياء) ونحوه عن القياس نحو (ثيرة) في جمع (ثور) ونحو (جياد) في جم‍ (جواد) وكان القياس الواو، كما قالوا: طويل وطوال قال الاعشى: جيادك فالصيف في نعمة تصا * ن الجلال وتعطى الشعيرا (2) وقوله " دينا قيما " يحتمل نصبه ثلاثة اوجه: احدها - انه قال " انني هداني ربي إلى صراط مستقيم " واستغنى بجري ذكر الفعل عن ذكره، فقال " دينا قيما " كما قال " اهدنا الصراط المستقيم ". والثاني - نصبه على تقدير عرفني، لان هدايتهم إليه تعريف لهم فحمله على عرفني دينا قيما. وقال الزجاج: معناه عرفني دينا قيما. ان شئت حملته على الاتباع كما قال " اتبعوا ما أنزل " (3) وقال الفراء: هو نصب على المصدر، كأنه قال هداني اهتداء، ووضع (دينا) موضعه. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول للخلق وخاصة لهؤلاء الكفار " انني هداني ربي " وقيل في معنى الهداية قولان: * (الهامش) * (1) سورة 98 البينة آية 5 (2) ديوانه: 17 (3) سورة 2 البقرة آية 170 (*)

[ 334 ]

احدهما - قال أبو علي: اراد بالهداية الدلالة وأضافه إلى نفسه دونهم، وان كان قد هداهم أيضا، لانه اهتدى دونهم. وقال غيره: اراد به لطف لي ربي في الاهتداء. و " إلى صراط مستقيم " قد فسرناه في غير موضع. وانه الطريق الموصل إلى ثواب الله من غير اعوجاج، وانما قال " إلى صراط مستقيم " - ههنا - وقال في موضع آخر " ويهديك صراطا مستقيما " (4)، لانه إذا ضمن معنى النهاية دخلت (إلى) وإذا لم تضمن لم تدخل (إلى) وصار بمعنى عرفني. والاول بمنزلة ارشدني، وانما كرر (مستقيم، وقيم) للمبالغة، كأنه قال: هو مستقيم على نهاية الاستقامة. وقوله " ملة ابراهيم فالملة الشريعة وهي مأخوذة من الاملاء " كأنه ما يأتي به السمع ويورده الرسول من الشرائع المتجددة فيمله على امته ليكتب أو يحفظ. فأما التوحيد والعدل فواجبان بالعقل، ولا يكون فيهما اختلاف. والشرائع تختلف، ولهذا يجوز ان يقال ديني دين الملائكة. ولا يقال ملتي ملة الملائكة. والملة دين، وليس كل دين ملة. وانما وصف دين النبي صلى الله عليه وآله بأنه ملة ابراهيم ترغيبا فيه للعرب لجلالة ابراهيم في نفوسهم وغيرهم من أهل الاديان. وقوله " حنيفا " معناه مخلصا لعبادة الله في قول الحسن. واصله الميل من قولهم: رجل احنف إذا كان مائل القدم باقبال كل واحدة منهما على الاخرى من خلقة لا من عارض. وقال الزجاج: الحنيف هو المائل إلى الاسلام ميلا لازما لا رجوع معه. وقال أبو علي: اصله الاستقامة. وانما جاء أحنف) على التفاؤل " وما كان من المشركين " يعني ابراهيم (ع) و " حنيفا " نصب على الحال من (ابراهيم) و " ملة أبيكم " نصب على المصدر - في قول الفراء - وقال الزجاج: هو بدل من قوله " دينا قيما ". * (الهامش) * (4) سورة 48 الفتح آية 20 (*)

[ 335 ]

قوله تعالى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (163) آية. أسكن الياء من " محياي " أهل المدينة. قال أبو علي الفارسي: اسكان الياء من (محياي) شاذ خارج عن القياس والاستعمال، فشذوذه عن القياس ان فيه التقاء الساكنين، ولا يلتقيان على هذا الحد، وشذوذه عن الاستعمال انك لا تجده في نظم ولا نثر الا شاذا. ووجهه ما حكى بعض البغداديين انه سمع أو حكي له: التقت حلقتا البطان باسكان الالف مع سكون لام المعرفة، وحكى غيره: له ثلثا المال وليس هذا مثل قوله " حتى إذا أداركوا فيها (1) لان هذا في المنفصل مثل دأبه في المتصل. ومثل ما أجاز يونس من قوله: اضربان زيدا، وسيبويه ينكر هذا من قول يونس. قال الرماني: ولو وصله على نية الوقف جاز. امره ان يقول لهؤلاء الكفار " ان صلاتي ونسكي " وقد فسرنا معنى الصلاة فيما مضى. وقيل في معنى و " نسكي " ثلاثة أقوال: احدها - قال سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك: ذبيحتي في الحج والعمرة. وقال الحسن (نسكي) ديني. وقال الزجاج والجبائي " نسكي " عبادتي. قال الزجاج: والاغلب عليه امر الذبح الذي يتقرب به إلى الله. ويقولون: فلان ناسك بمعنى عابد. وانما ضم الصلاة إلى اصل الواجبات من التوحيد والعدل لان فيها التعظيم لله عند التكبير، وفيها تلاوة القرآن التي تدعو إلى كل بر، وقرر فيها الركوع والسجود وهما خضوع لله. وفيها التسبيح وهو تنزيه لله. * (الهامش) * (1) سورة 7 الاعراف آية 37. (*)

[ 336 ]

وقوله " ومحياي ومماتي " يقولون حيي يحيا حياة ومحيا، ومات يموت موتا ومماتا. وانما جعل للفعل الواحد مصادر في الثلاثي لقوته، ولانه الاكثر الاغلب. وانما جمع بين صلاته وحياته، واحدهما من فعله، والاخر من فعل الله، لانهما جميعا بتدبير الله تعالى وان كان احدهما من حيث ايجاده واعدامه لما فيه من الصلاح. ووجه ضم الموت إلى اصل الواجب الرغبة إلى من يقدر على كشفه إلى الحياة في النعيم الدائم بطاعته في اداء الواجبات. وقوله " لا شريك له " فالشركة هي تلك ؟ ؟، فلما كان عبدة الاوثان جعلوا العبادة على هذه الصفة كانوا مشركين في عبادة الله، فأمر الله ان ينفي عنه هذا الشرك ويقول " لا شريك له ". والمعنى لا يستحق العبادة سواه. ثم امره بأن يقول اني أمرت بذلك يعني بنفي الاشراك مع الله وتوجيه العبادة إليه تعالى وحده " وانااول المسلمين " قال الحسن: معناه اول المسلمين من هذه الامة. وبه قال قتادة وبين ذلك لوجوب اتباعه صلى الله عليه وآله ولبيان فضل الاسلام إذا كان اول مسارع إليه نبينا صلى الله عليه وآله ومعنى الاية وجوب نفي الشرك عن الله ووجوب اعتقاد بطلانه واخلاص العبادة إليه تعالى. قوله تعالى: قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شئ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (164) آية امر الله تعالى نبيه ان يخاطب هؤلاء الكفار، ويفون على وجه الانكار لفعلهم " أغير الله أبغي " أي أتخذ " ربا " معبودا ؟ ! فالكلام خرج مخرج الاستفهام، والمراد به الانكار، لانه ؟ ؟ لصاحبه الا بما هو قبيح، لان تقديره ايجوز أن اطلب الضر والنفع بعبادتي ممن هو مربوب مثلي ؟ !

[ 337 ]

عادلا بذلك عن رب كل شئ وليس بمربوب ؟ ! أم هذا قبيح في العقول ؟ وهو لازم لكم على عبادة الاوثان. والرب إذا أطلق افاد المالك لتصريف الشئ بأتم التصريف وإذا أضيف فقيل رب الدار، ورب الضيعة، فمعناه المالك لتصريفه بأتم تصريف العباد واصله التربية وهي تنشئة الشئ حالا بعد حال حتى يصير إلى الكمال. ثم صرف إلى معنى الملك لهذه الاحوال من الشئ وما جرى مجراها. والفرق بين الرب والسيد، أن السيد هو المالك لتدبير السواد الاعظم، والرب المالك لتدبير الشئ حتى يصير إلى الكمال مع اجرائه على تلك الحال. وقوله " ولا تكسب كل نفس الا عليها " معناه لا يكون جزاء عمل كل نفس الا عليها. ووجه اتصاله بما قبله أنه لا ينفعني في ابتغاء رب غيره ما أنتم عليه من ذلك، لانه ليس بعذر لي في اكتساب غيري له، لانه " لا تزر وازرة وزر أخرى " وقيل: ان الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وآله اتبعنا، وعلينا وزرك ان كان خطأ، فأنزل الله الاية. وفيها دلالة على فساد قول المجبرة من وجهين: احدهما - ان قوله " ولا تزر وازرة وزر أخرى " يدل على انه لا يعذب الطفل بكفر أبيه. والثاني - أنه لا يعذب احدا بغير ذنب كان منه، لانهما سواء في أن كل منهما مستحق. وتقول: وزر يزر وزرا، ووزر، يوزر، فهو موزور، وكله بمعنى الاثم. والوزر الملجأ. ومنه قوله " كلا لا وزر " (1) فحال الموزور كحال الملتجئ من غير ملجأ. ومنه الوزير لان الملك يلتجئ إليه في الامور. وقيل: أصله الثقل، ومنه قوله " ووضعنا عنك وزرك " (2) وكلاهما محتمل " ثم إلى ربكم مرجعكم " يعني ما لككم ومصيركم إلى الله في يوم لا يملك فيه الامر غيره تعالى. وقوله " فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون " معناه انه يخبركم بالحق فيما اختلفتم فيه من الباطل، فيظهر المحسن من المسئ بما يزول معه الشك، والارتياب * (الهامش) * (1) سورة 75 القيامة آية 11 (2) سورة 94 الانشراح آية 2 (*)

[ 338 ]

ويقع معه الندامة في وقت قد فات فيه استدراك الخطيئة، فمعنى الاية الحجة على ان كل شئ سوى الله فالله ربه من كل وجه يصح منه الربوبية، وفيها دلالة على فساد قول المجبرة: ان الله يعذب على غير ذنب. قوله تعالى: وهو الذي جعلكم خلائف الارض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتيكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم (165) آية. اخبر الله تعالى انه الذي جعل الخلق خلائف الارض، ومعناه ان كل اهل عصر يخلفون اهل العصر الذي قبله كلما مضى واحد خلفه آخر على انتظام واتساق وذلك يدل على مدبر أجراه على هذه الصفة قال الشماخ: تصيبهم وتخطيني المنايا * وأخلف في ربوع عن ربوع (3) وواحد الخلائف خليفة، مثل صحيفة وصحائف، وسفينة وسفائن، ووصيفة ووصائف، هذا قول الحسن والسدي. وقال قوم: معناه انه جعلهم خلفاء الجان قبل آدم. وقال آخرون معناه والمراد به امة نبينا صلى الله عليه وآله لان الله جعلهم خلفاء سائر الامم. وقوله " ورفع بعضكم فوق بعض درجات " وجه الحكمة في ذلك مع انه يخلقهم كذلك ابتداء من غير استحقاق بعمل يوجب التفاضل بينهم ما فيه من الالطاف الداعية إلى الواجبات والصارفة عن القبائح، لان من كان غنيا في ماله شريفا في نسبه قويا في جسمه ربما دعاه ذلك إلى طاعة من يملكها رغبة فيها. والحال في أضدادها ربما كان دعته إلى طاعته رهبة منها ومن أمثالها ورجاء أن ينقل عنها إلى حال جليلة يغتبط عليها وقال السدي: رفع بعضهم فوق * (الهامش) * (3) ديوانه 58 واللسان (ربع) وتفسير الطبري 12 / 288. (*)

[ 339 ]

بعض في الرزق وقوة الاجسام وحسن الصورة، وشرف الانسان. وغير ذلك بحسب ما علم من مصالحهم. وقوله " درجات " يحتمل نصبه ثلاثة أشياء: احدها - ان يقع موقع المصدر كأنه قال رفعة فوق رفعة. الثاني - إلى درجات، فحذفت (إلى) كما في قولهم: دخلت البيت، وتقديره دخلت إلى البيت. الثالث - أن يكون مفعولا من قولك: ارتفع درجة ورفعته درجة مثل اكتسى ثوبا وكسوته ثوبا. وقوله " ليبلوكم فيما آتاكم " معناه فعل بكم ذلك ليجزيكم فيما أعطاكم. والقديم تعالى لا يبتلي خلقه ليعلم ما لم يكن عالما به، لانه تعالى عالم بالاشياء قبل كونها. وانما قال ذلك، لانه يعامل معاملة الذي يبلو، مظاهرة في العدل. وانتفاء من الظلم. وقوله " ان ربك سريع العقاب " انما وصف نفسه بأنه سريع العقاب مع وصفه تعالى بالامهال ومع ان عقابه في الاخرة من حيث كان كل آت قريبا، فهو إذا سريع، كما قال " وما أمر الساعة الا كلمح البصر أو هو أقرب " (1) وقد يكون سريع العقاب بمن استحقه في دار الدنيا، فيكون تحذير الواقع في الخطيئة على هذه الجهة. وقيل معناه انه قادر على تعجيل العقاب، فاحذروا معاجلته. وانما قابل بين العقاب والغفران ولم يقابل بالثواب، لان ذلك ادعى إلى الاقلاع عما يوجب العقاب، لانه لو ذكر الثواب لجاز ان يتوهم انه لمن لم يكن فيه عصيان. * (الهامش) * (1) سورة 16 النحل آية 77. (*)

[ 340 ]

7 - سورة الاعراف قال قتادة سورة الاعراف مكية. وقال قوم: هي مكية إلا قوله " واسألهم عن القرية " (1) إلى آخر السورة. وقال قوم هي محكمة كلها. وقال آخرون حرفان منها منسوخان أحدهما قوله " خذ العفو ") يريد من أموالهم وذلك قبل الزكاة. والاخر قوله " واعرض عن الجاهلين " (3) نسخ بآية السيف (4). وقال قوم ليس واحد منهما منسوخابل لكل منهما موضع والسيف له موضع. وهو الاقوى، لان النسخ يحتاج إلى دليل. بسم الله الرحمن الرحيم. المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين (1) آيتان في الكوفي وآية فيما عداه قد بينا في أول سورة البقرة اختلاف المفسرين في أوائل السور بالحروف المقطعة، وقلنا: ان الاقوى من ذلك قول من قال: انها أسماء للسور، وهو قول الحسن والبلخي والجبائي، واكثر المحصلين. وروي عن ابن عباس أنه قال: هي اختصار من كلام لا يفهمه الا النبي صلى الله عليه وآله قال الشاعر: * (الهامش) * (1) آية 162 (2، 3) آية 198. (4) يريد الاية 6 من سورة التوبة. (*)

[ 341 ]

فادوهم أن الجمواألا تا * قالوا جميعا كلهم ألا فا (1) يريد ألا تركبون قالوا فاركبوا. وبني قوله " المص " على السكون في الوصل مع ان قبله ساكنا، لان حروف الهجاء توصل على نية الوقف، لانه يجزي على تفصيل الحروف، للفرق بينها وبين ما وصل للمعاني، وكأن مجموع الحروف يدل على معنى واحد، ومتى سميت رجلا ب‍ (المص)، وجبت الحكاية. فان سميته ب‍ (صاد) أو (قاف) لم يجب ذلك، لان صاد، وقاف، لهما نظير في الاسماء المفردة، مثل، باب، وناب، ونار. وليس كذلك (المص) لانه بمنزلة الجملة، وليس له نظير في المفرد. وانما عد الكوفيون " المص " آية، ولم يعدوا صلى الله عليه وآله لان " المص " بمنزلة الجملة مع ان آخره على ثلاثة أحرف بمنزلة المردف، فلما اجتمع هذان السببان، وكل واحد منهما يقتضي عده عدوه. ولم يعدوا (المر) لان آخره لا يشبه المردف. ولم يعدوا صلى الله عليه وآله لانه بمنزلة اسم مفرد، وكذلك (ق) و (ن). وانما سميت السورة بالحروف المعجمة، ولم تسم بالاسماء المنقولة لتضمنها معاني أخرى مضافة إلى التسمية، وهو أنها فاتحة لما هو منها، وأنها فاصلة بينها وبين ما قبلها، ولانه يأتي من التأليف بعدها ما هو معجز مع انه تأليف كتأليفها، فهذه المعاني من أسرارها. وقيل في موضع (المص) من الاعراب قولان: اولهما - انه رفع بالابتداء وخبره كتاب، أو ان يكون على هذه (المص) في قول الفراء. الثاني - لا موضع له، لانه في موضع جملة على قول ابن عباس، كأنه قال: أنا الله أعلم وافصل - اختاره الزجاج. وقوله " كتاب انزل اليك " قيل في العامل في قوله " كتاب " ثلاثة أقوال: أحدها - هذا كتاب، فحذف لانها حال اشارة وتنبيه. * (الهامش) * (1) مر في 1 / 470 وهو في تفسير القرطبي 1 / 135. (*)

[ 342 ]

الثاني - " المص كتاب " على أنه اسم للسورة وكتاب خبره. وقال الفراء: رفعه بحروف الهجاء، لانها قبله، كأنك قلت الالف واللام والميم والصاد، من الحروف المقطعة كتاب أنزل اليك مجموعا، فنابت (المص) عن جميع حروف المعجم، كما تقول: أ، ب، ت، ث ثمانية وعشرون حرفا. وكذلك تقول قرأت الحمد، فصار اسما لفاتحة الكتاب. وقوله " فلا يكن في صدرك حرج " يحتمل دخول الفاء وجهين: احدهما - أن يكون عطفا وتقديره إذا كان أنزل اليك لتنذر به، فلا يكن في صدرك حرج منه، فيكون محمولا على معنى إذا. والثاني - ان النهي وان كان متناولا للحرج، فالمعني به المخاطب، نهي عن التعرض للحرج، وجاز ذلك لظهور المعنى ان الحرج لا ينهى، وكان مخرج له برده إلى نهي المخاطب ابلغ، لما فيه من أن الحرج لو كان مما ينهي له لنهيناه عنك، فأنته انت عنه بترك التعرض له. وقيل في معنى الحرج في الاية ثلاثة أقوال: قال الحسن: معناه الضيق أي لا يضيق صدرك لتشعب الفكر بك خوفا ألا تقوم، بحقه، وانما أنزل اليك لتنذربه. الثاني - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: ان معناه الشك ههنا والمعنى لا تشك فيما يلزمك له فانما أنزل اليك لتنذر به. الثالث - قال الفراء: لا يضيق صدرك بأن يكذبوك، كما قال - عز وجل - " فلعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ". وقوله " لتنذر به " يعني لتخوف بالقرآن. وقال الفراء والزجاج واكثر أهل العلم: هو على التقديم والتأخير، وتقديره أنزل اليك لتنذر به وذكرى للمؤمنين، والذكرى مصدرذكر يذكر تذكيرا، فالذكرى اسم للتذكير وفيه مبالغة، ومثله الرجعى، وقيل في موضعه ثلاثة أقوال: أولها - النصب على أنزل، للانذار وذكرى، كما تقول جئتك للاحسان وشوقا اليك.

[ 343 ]

الثاني - الرفع بتقدير وهو ذكرى. الثالث - قال الزجاج: يجوز فيه الجر، لان المعنى، لان تنذر وذكرى. قال الرماني: هذا ضعيف، لانه لا يجوز ان يحمل الجر على التأويل، كما لا يجوز مررت به وزيد. قوله تعالى: إتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون (2) آية قرأ حمزة، والكسائي وحفص " تذكرون " بتخفيف الذال بتاء واحدة. الباقون بالتشديد الا ابن عامر، فانه قرأ يتذكرون بياء وتا، قال الزجاج: التخفيف على حذف التاء الثانية كراهة اجتماع ثلاثة أحرف متقاربة، كما قالوا استطاع يستطيع، فحذفوا أحدى الثلاثة المتقاربة دون الاول، لان الاول بمعنى الاستقبال، لا يجوز حذفها، والثانية يدل عليها تشديد العين. ومن قرأ بتشديد الذال، فأصله تتذكرون فأدغم التاء في الذال لقرب مخرجهما، لان التاء مهموسة والذال مجهورة. والمجهورة أزيد صوتا وأقوى من المهموس فحسن ادغام الانقص في الازيد. ولا يسوغ ادغام الازيد في الانقص، ألا ترى ان الصاد وأختيها لم يدغمن في مقاربهن لما فيهن من زيادة الصفير. وقراءة ابن عامر بالياء والتاء: انه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله أي قليلا ما يتذكرون هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب. قوله " اتبعوا " خطاب من الله للمكلفين وأمر منه بأن يتبعوا ما أنزل عليهم من القرآن. ويحتمل ان يكون المراد قل لهم يا محمد: اتبعوا ما أنزل اليكم، لا نه قال قبل ذلك " لتنذر به " وكان الخطاب متوجها إليه. والاتباع تصرف الثاني بتصريف الاول وتدبيره، فالاول امام والثاني مؤتم. والفرق

[ 344 ]

بين الاتباع والاتباع ان احدهما يتعدى إلى مفعول، والثاني يتعدى إلى مفعولين، تقول: اتبعت زيدا وأتبعت زيدا عمرا. ووجوب الاتباع فيما أنزل الله يدخل فيه الواجب والندب والمباح، لانه يجب ان يعتقد في كل جنس ما أمر الله به، كما يجب ان يعتقد في الحرام وجوب اجتنابه. وقوله " ولا تتبعوا من دونه أولياء " نهي من الله ان يتبعوامن دون الله ويتخذوا أولياء. وأولياء جمع ولي وهو ضد العدو، وهو يفيد الاولى ويفيد الناصر وغير ذلك مما بيناه فيما مضى (1). وقوله " قليلا ما تذكرون " معناه الاستبطاء في التذكر، وخرج مخرج الخبر وفيه معنى الامر، ومعناه تذكروا كثيرا مما يلزمكم من أمر دينكم، وما أوجبه الله عليكم. واخبر انهم قليلا ما يتذكرون و (ما) زائدة، وتذكر معناه أخذ في التذكر شيئا بعد شئ مثل تفقه وتعلم، ويقال: تقيس إذا انتمى إلى قيس، ولم يكن منهم، لانه يدخل نفسه فيهم شيئا بعد شئ. قوله تعالى: وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (3) آية بلا خلاف. (كم) لفظة موضوعة للتكثير و (رب) للتقليل. وانما كان كذلك، لان (رب) حرف، و (كم) اسم. والتقليل ضرب من النفي و (كم) تدخل في الخبر بمعنى التكثير. فأما في الاستفهام، فلا، لان الاستفهام موكول إلى بيان المجيب والخبر إلى بيان المخبر، وانما دخلها التكثير، لان استبهام العدد ان يظهر أو يضبط انما يكون لكثرته في غالب الامر، ف‍ (كم) مبهمة قال الفرزدق: * (الهامش) * (1) سورة البقرة آية 257 في 2 / 313 - 314 وفي سورة المائدة آية 58، في 3 / 549 وغيرهما كثير. (*)

[ 345 ]

كم عمة لك ياجرير وخالة * فدعاء قد حلبت علي عشاري (2) فدل ب‍ (كم) على كثرة العمات، وموضع (كم) في الاية رفع بالابتداء وخبرها (أهلكناها) ولو جعلت في موضع نصب جاز، كقوله " اناكل شئ خلقناه بقدر " (3)، والاول أجود. اخبر الله تعالى - على وجه الترهيب للكفار والايعاد لهم - أنه اهلك كثيرا من القرى، يعني أهلهابما ارتكبوه من معاصيه، والكفر به، وانه أنزل عليهم بأسه، يعني عذابه " بيانا " يعني في الليل " أو هم قائلون " يعني في وقت القيلولة، وهو نصف النهار. وأصله الراحة، فمعنى أقلته البيع أرحته منه باعفائي اياه من عقده، وقلت إذا استرحت إلى النوم، في وسط النهار: القائلة. والاخذ بالشدة في وقت الراحة أعظم في العقوبة فلذلك خص الوقتين بالذكر. وقيل في دخول الفاء في قوله " فجاءها بأسنا بياتا " ثلاثة أقوال: أحدها - أهلكناها في حكمنا " فجاءها بأسنا " وقد قيل: هو مثل زرني واكرمني فان نفس الاكرام هي الزيارة، قال الرماني: وليس هذا مثل ذلك، لان هذا انما جاز لانه قصد الزيارة. ثم الاكرام بها. والثاني - قال قوم " أهلكناها فجاءها بأسنا " أي فكان صفة اهلاكنا أن جاءهم بأسنا. والثالث - أهلكناها فصح انه جاءها بأسنا. وقال الفراء الفاء بمعنى الواو، وقال الرماني: هذا لا يجوز، لانه نقل للحرف عن معناه بغير دليل. وقال بعضهم: ان المعنى أهلكناها بخذلاننا لها عن الطاعة فجاءها بأسنا عقوبة على المعصية، وهذا لا يجوز لانه ليس من صفة الحكيم ان يمنع من طاعته حتى تقع المعصية، ثم يعاقب عليها. * (الهامش) * (2) ديوانه 451 وتفسير الطبري 12 / 300 وسيبويه 1 / 253، 293 (3) سورة 54 القمر آية 49. (*)

[ 346 ]

وقوله " أو هم قائلون " قال الفراء: واو الحال مقدرة فيه، وتقديره أو " وهم قائلون " وانما حذفت استخفافا. وقال الزجاج وجميع البصريين لا يحتاج إلى ذلك، لانه يستغني برجوع الذكر عن الواو، كما يقال: جاءني زيد راجلا أو هو فارس، أو جاءني زيد هو فارس لم يحتج إلى واو، لان الذكر قد عاد على الاول. فمعنى الاية ان الله اهلك اهل قريات كثيرة بتمردهم في المعاصي، وحذر من ان يعمل مثل عملهم فينزل بالعامل مثل ما نزل بهم. قول تعالى: فما كان دعويهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (4) آية بلا خلاف. اخبر الله تعالى انه لم يكن دعاء هؤلاء الذين أهلكهم عقوبة على معاصيهم وكفرهم في الوقت الذي جاءهم بأس الله، وهو شدة عذابه، ومنه البؤس شدة الكفر. والبئس الشجاع لشدة بأسه، وبئس من شدة الفساد الذي يوجب الذم. " الا أن قالوا انا كنا ظالمين " يعني اعترافهم بذلك على نفوسهم واقرارهم به، وكان هذا القول منهم عند معاينة البأس واليقين بأنه نازل بهم، ويجوز ان يكون قالوه حين لابسهم طرف منه، لم يهلكوا منه، و (دعواهم) خبر كان واسمها " ان قالوا " وهو بمعنى قولهم " وهما معرفتان يجوز ان يجعل كل واحد منهما اسما والاخر خبرا، كما قال " ما كان حجتهم الا ان قالوا " (1) بالرفع، والنصب، وانما قدالخبر على الاسم، لان الثاني وقع موقع الايجاب، والاول موقع النفي، والنفي احق بالخبر. والدعوى، والدعاء واحد. وفرق قوم بينهما بأن في الدعوى اشتراكا * (الهامش) * (1) سورة 45 الجاثية آية 24 (*)

[ 347 ]

بين الدعاء والادعاء المال وغيره، واصله الطلب قال الشاعر: ولت ودعواها كثير صخبه (2) أي دعاؤها، ويجوز ان يقال: اللهم اشركنا في دعوى المسلمين يريد دعاء المسلمين حكاه سيبويه، قال الشاعر: وان مذلت رجلي دعوتك اشتفي * بدعواك من مذل بها فيهون (3) معنى مذلت اي خدرت. قوله تعالى: فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين (5) فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين (6) آيتان بلا خلاف. الفاء في قوله " فلنسئلن الذين " عطف جملة على جملة، وقد يكون لهذا، وقد يكون لعطف مفرد على مفرد، وقد يكون للجواب. وانما دخلت الفاء وهي موجبة للتعقيب مع تراخي ما بين الاول والثاني، وذلك يليق ب‍ (ثم) لتقريب ما بينهما، كما قال " اقتربت الساعة " (4) وقال " وما أمر الساعة الا كلمح البصر أو هو أقرب " (5) وقال " أو لم ير الانسان اناخلقناه من نطفة فإذا هو خصيم " (6) وبينهما بعد. والنون في قوله " فلنسألن " نون التأكيد يتلقى بها القسم، وانما بني * (الهامش) * (2) اللسان (دعا)، وروايته " قالت " بدل (ولت) وفى رواية أخرى (ولت ودعواها شديد صخبه). (3) ديوانه 2 / 245 واللسان (مذل) وتفسير الطبري 12 / 304 ونهاية الارب 2 / 125. وكانوا يدعون ان الانسان إذا خدرت رجله ودعا باسم من يحب زال الخدر (4) سورة 54 القمر آية 1 (5) سورة 16 النحل آية 77 (6) سورة 36 يس آية 77. (*)

[ 348 ]

المضارع مع نون التأكيد، لانه انما دخلت عليه طلبا للتصديق، كما ان الامر طلب للفعل فأدخلت عليه نون التأكيد وتثبت مع الفعل، لان هذه الزيادة التي لا تكون للاسم باعدته كما باعدت الالف واللام مالا ينصرف من الفعل، فانصرف. أقسم الله تعالى في هذه الاية انه يسأل المكلفين الذين ارسل إليهم رسله واقسم أيضا انه ليسأل الصادقين المرسلين الذين بعثهم، فيسأل هؤلاء عن الا بلاغ ويسأل اولئك عن الامتثال، وهو تعالى وان كان عالما بما كان منهم، فانما أخرجه مخرج التهديد والزجر ليتأهب العباد ويحسنوا الاستعداد لذلك السؤال. وحقيقة السؤال طلب الجواب بأداته في الكلام، وحقيقة الاستخبار طلب الخبر بأداته في الكلام. وقوله " فلنقصن عليهم بعلم " قسم آخر، واخبار منه تعالى انه يقص عليهم بما عملوه فانه علم جميع ذلك. وانما ذكره بنون الجمع لاحد أمرين: احدهما - ان هذا على كلام العظماء من الملوك لان أفعالهم تضاف إلى أوليائهم. والثاني - ان الملائكة تقص عليهم بأمر الله. وقال ابن عباس نقص عليه بما نجده في كتاب عمله. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: (ان الله يسأل كل احد بكلامه له ليس بينه وبينه ترجمان) والقص ما يتلو بعضه بعضا. ومنه المقص، لان قطعه يتلو بعضه بعضا، ومنه القصة من الشعر، والقصة من الكتاب، ومنه القصاص لانه يتلو الجناية في الاستحقاق، ومنه المقاصة في الحق، لانه يسقط ما له قصاصا بما عليه. وانما دخلت نون التأكيد مع لام القسم في المضارع دون الماضي، لانها تؤذن بطلب الفعل الذي تدخل فيه نحو (لاكرمن زيدا) فان فيه طلب الاكرام بأداته، فالتصديق بالقسم، ولهذا ألزمت النون في طلب الفعل من جهتين، وفتحت هذه النون ما قبلها في جمع المتكلم، ولم تفتحه في

[ 349 ]

الغائب، لان الضمة يجب ان تبقى لتدل على الواو المحذوفة في (ليقصن) بالياء وليس كذلك المتكلم، لانه لا واو فيه. ومعنى قوله " بعلم " قيل فيه وجهان: احدهما بأنا عالمون، والاخر بمعلوم، كما قال " ولا يحيطون بشئ من علمه " (1) أي من معلومه، ووجه المسألة له والقصص عليهم أنه سؤال توبيخ وتقريع للضالين، وسؤال تذكير وتنبيه للمؤمنين، فبمقدار ما يغتم أولئك يسر هؤلاء. ثم يسأل الرسل لان من الامم من يجحد، فيقول ما جاءنا من بشير ولا نذير، ومنهم من يقول: والله ربنا ما كنا مشركين. فان قيل كيف يجمع بين قوله " ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون " (2) وقوله " فلنسألن الذين ارسل إليهم " ؟ قلنا فيه قولان: احدهما - انه نفى ان يسألهم سؤال استرشاد واستعلام وانما يسألهم سؤال توبيخ وتبكيت. الثاني - تنقطع المسألة عند حصولهم في العقوبة، كما قال " فيومئذ لا يسأل عن ذنبه انس ولا جان " (3) وقال في موضع آخر " وقفوهم انهم مسئولون " (4) والوجه ما قلناه انه يسألهم سؤال توبيخ قبل دخولهم في النار فإذا دخلوها انقطع سؤالهم. والسؤال في اللغة على اربعة اقسام: احدها - سؤال استرشاد واستعلام، كقولك ؟ اين زيد ؟، ومن عندك ؟ وهذا لا يجوز عليه تعالى. والثاني - سؤال توبيخ وتقريع، وهو خبر في المعنى، كقولك ألم احسن اليك فكفرت نعمتني ؟ ألم اعطيك فجحدك عطيتي ؟ !. ومنه قوله تعالى " ألم اعهد اليكم " (5) وقوله " ألم يأتكم رسل " (6) وقوله " ألم تكن * (الهامش) * (1) سورة 2 البقرة آية 256 (2) سورة 28 القصص آية 78. (3) سورة 55 الرحمن آية 9 (4) سورة 37 الصفافات آية 24. (5) سورة 36 يس آية 60 (6) سورة الانعام آية 130 وسورة 39 الزمر آية 71 (*)

[ 350 ]

آياتي تتلى عليكم " (7) وقال الشاعر: ألستم خير من ركب المطايا * واندى العالمين بطون راح (8) ولو كان سائلا لما كان مادحا، وقال العجاج: * اطربا وانت قنسري * (9) معنى قنسري كبير السن، وهذا توبيخ لنفسه أي كيف اطرب مع الكبر والشيب. الثالث - سؤال التحضيض وفيه معنى (ألا) كقولك: هلا تقوم، وألا تضرب زيدا أي قم واضرب زيدا. والرابع - سؤال تقرير بالعجز والجهل، كقولك للرجل: هل تعلم الغيب ؟ وهل تعرف ما يكون غدا ؟ وهل تقدر ان تمشي على الماء ؟ وكما قال الشاعر: * وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر * المعنى وليس يصلح العطار ما أفسد الدهر، فإذا ثبت ذلك فقوله " فيومئذ لا يسأل عن ذنبه انس ولا جان " (1) وقوله " ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون " (2) المراد به لا يسألون سؤال استعلام واستخبار ليعلم ذلك من قولهم، لانه تعالى عالم بأعمالهم قبل خلقهم. واما قوله " فنسألن الذي ارسل إليهم ولنسألن المرسلين " وقوله " فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون " (3) فهو مسألة توبيخ وتقريع، كقوله " ألم أعهد اليكم " (4). وسؤاله للمرسلين ليس بتوبيخ ولا تقريع لكنه توبيخ للكفار وتقريع لهم أيضا. واما قوله " فلا انساب بينهم يؤمئذ ولا يتسائلون " (5) فمعناه سؤال * (الهامش) * (7) سورة 23 المؤمنون آية 106 (8) قائله حسان وقد مر في 1 / 61، 132، 400 و 2 / 327 وسيأتي في 5 / 319 (9) اللسان (قنسر). (1) سورة 55 الرحمن آية 39 (2) سورة 28 القصص آية 78. (3) سورة 15 الحجر آية 92 (4) سورة 36 يس آية 60 (5) سورة 23 المؤمنون آية 102. (*)

[ 351 ]

تعاطي واستخبار عن الحال التي جهلها بعضهم لتشاغلهم عن ذلك، كما قال " لكل امرئ منهم يومنذ شأن يغنيه " (6) وقوله " واقبل بعضهم على بعض يتسألون " (7) فهو سؤال توبيخ وتقريع وتلاوم، كما قال " واقبل بعضهم على بعض يتلاومون " (8) وكقوله " انحن صددناكم عن الهدى بعداذ جاءكم " (9) وقوله " ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفافي النار " (10) وهذاكثير في القرآن، وليس في شئ من ذلك تضاد بين المسألتين، ولا تنافي بين الخبرين بل اثبات لسؤال عن شئ آخر ومثله قول الشاعر: فأصبحت والليل لي ملبس * واصبحت الارض بحر اطما فقوله: واصبحت والليل لي ملبس لم يرد به الصبح، لانه لو أراد لما نفاه ب‍ (والليل لي ملبس) وانما أراد اصبحت بمعنى اشعلت المصباح وهو السراج أي اسرجت في ظلمة الليل، فلم يكن خبراه متضادين. وقوله " وما كنا غائبين " فالغائب البعيد عن حضرة الشئ، ومعناه في الاية انه لا يخفى عليه شئ وذلك يدل على انه ليس بجسم، لانه لو كان جسما على العرش على ما يذهب إليه المجسمة لكان غائبا عما في الارضين السفلى، لان من كان دون هذا بكثير فهو غائب عنا. قوله تعالى: والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون (7) ومن خفت موازينه فاولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (8) آيتان * (الهامش) * (6) سورة 80 عبس آية 37. (7) سورة 37 الصافات آية 27، 50 وسورة 52 الطور آية 25. (8) سورة 68 القلم آية 30 (9) سورة 34 سبأ آية 32 (10) سورة 38 ص آية 61 (*)

[ 352 ]

ارتفع قوله " والوزن " بالابتداء، وخبره (الحق)، وهو الوجه المختار. وقال الفراء: يجوز ان يكون خبره (يومئذ) وينصب (الحق) على المصدر. وتقديره والوزن يومئذ - يعني في يوم القيامة - حقا، فينصب الحق وان كان فيه الالف واللام، كما قال " فالحق والحق أقول " (1) والوزن في اللغة هو مقابلة أحد الشيئين بالاخر حتى يظهر مقداره، وقد استعمل في غير ذلك تشبيهابه، منها وزن الشعر بالعروض، ومنها قولهم: فلان يزن كلامه وزنا قال الاخطل: وإذا وضعت أباك في ميزانهم * رجحواوشال أبوك في الميزان وقيل في معنى الوزن في الاية أربعة أقوال: قال الحسن: موازين الاخرة لها كفتان فالحسنات والسيئات توضعان فيهما وتوزنان. ثم اختلفوا، فقال بعضهم: انما توضع صحائف الاعمال فتوزن، وهو قول عبد الله بن عمر. وقال أبو علي: انما تتفضل كفة الحسنات من كفة السيئات بعلامة يراها الناس يومئذ، وذهب عبيد بن عمير إلى انه يوزن الانسان فيؤتى بالرجل العظيم الجثة، فلا يزن جناح بعوضة. وقال مجاهد: الوزن عبارة عن العدل في الاخرة وانه لا ظلم فيها على أحد، وهو قول البلخي وهو أحسن الوجوه، وبعده قول الجبائي. ووجه حسن ذلك - وان كان الله تعالى عالما بمقادير المستحقات - ما فيه من المصلحة في دار التكليف وحصول الترهيب به والتخويف. وقوله " يومئذ " يجوز في (يومئذ) الاعراب والبناء، لان اضافته إلى مبني اضافة غير محضة تقربه من الاسماء المركبة، واضافته إلى الجملة تقربه من الاضافة الحقيقة. ونون يومئذ لانه قد قطع عن الاضافة إذ شأن التنوين ان يعاقبها، وقد قطع (إذ) في هذا الموضع عنها. و (الحق) وضع الشئ موضعه على وجه تقتضيه الحكمة. وقد * (الهامش) * (1) سورة 38 ص آية 84. (*)

[ 353 ]

استعمل مصدرا على هذا المعنى وصفة، كما جرى ذلك في العدل، قال الله تعالى " ذلك بأن الله هو الحق " (1) فجرى على طريق الوصف. وقوله " فمن ثقلت موازينه " فالثقل عبارة عن الاعتماد اللازم سفلا ونقيضه الخفة، وهي اعتماد لازم علوا، ومثلت الاعمال بهما لما ذكر من المقارنة. والمعنى ان من كانت طاعاته أكثر، فهو من الفائزين بثواب الله. ومن قلت طاعاته " فأولئك الذين خسروا أنفسهم " بأن استحقوا عذاب الابد جزاء على ما كانوا يظلمون أنفسهم بجحود آياتنا وجحتنا. وقوله " موازينه " فالموازين جمع ميزان، وأصله من الواو، وقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. ولم يقلب في (خوان) لتحركها وأنها لم تجر على فعل لها. والخسران ذهاب رأس المال، ومن اعظم رأس المال النفس، فإذا أهلك نفسه بسوء عمله، فقد خسر نفسه. وظلمهم بآيات الله مثل كفرهم بها وجحدهم اياها. قوله تعالى: ولقد مكناكم في الارض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون (9) آية بلا خلاف. روى خارجة عن نافع همز (معايش) وروي ذلك عن الاعمش، وعبد الرحمن الاعرج. الباقون غير مهموز. وعند جميع النحويين أن (معايش) لا يهمز، ومتى همز كان لحنا، لان الياء فيها اصلية، لانه من عاش يعيش، ولم يعرض فيها علة كما عرض في (اوائل) وهي في مدينة) زائدة علة لا تدخلها الحركة كما لا تدخل الالف، ومثله (مسألة، ومسائل، ومنارة ومنائر، ومقام ومقاوم) قال الشاعر: واني لقوام مقاوم لم يكن * جرير ولا مولى جرير يقومها * (الهامش) * (1) سورة 22 الحج آية 6، 62 وسورة 31 لقمان آية 30. (*)

[ 354 ]

ووزنه (مفعلة) مثل مسورة ومساور، ومن همزها اعتقدها (فعلية) على وزن (صحيفة) فجمعه اعلى (فعائل) مثل (صحائف) وذلك غلط، لان الياء أصلها لقولهم عاش يعيش عيشا ومعيشة. قال أبو علي من همز (مدائن) لم يجعله (مفعلة) ولكنه (فعيلة) بدلالة قولهم: مدني، ولا يجوز ان يكون (مفعلة) من دان يدين، ومن أخذه من ذلك قال في الجمع مداين، بتصحيح الياء. واعتل (معيشة) لانه على وزن (يعيش) وزيادتها تختص بالاسم دون الفعل، فلم يحتج إلى الفصل بين الاسم والفعل، كما احتيج إليه فيما كان زيادته مشتركة، نحو الهمزة في (أجاد) و (هو أجودمنك)، وموافقة الاسم لبناء الفعل توجب في الاسم الاعتلال، ألا ترى انهم أعلوا (بابا) و (دارا) لما كانا على وزن الفعل. وصححوا نحو (حول) و (غيبة) و (لومة) لما لم تكن على مثال الفعل، ف‍ (معيشة) موافقة للفعل في البناء، مثل (يعيش) في الزنة، وتكسيرها يزيل مشابهتها في البناء، فقد علمت بذلك زوال المعنى الموجب للاعلال في الواحد وفى الجمع، فلزم التصحيح في التكسير لزوال المشابهة في اللفظ، لان التكسير معنى لا يكون في الفعل، وانما يختص الاسم به، فإذا زالت مشابهة الفعل وجب تصحيحه. ومن همز (مصايب) فانه غلط، كما غلط من همز (معايش) ومثله جاء في جمع (مسيل) أمسلة، جاء ذلك في الشعر لبني هذيل، فتوهموه (فعيلة) وانما هو (مفعلة) وحكى يعقوب: مسيل وميسل، فالميم على هذا فاء ومسيل (فعيل)، وعلى الاول (مفعل) من سال. قال الزجاج: من همز (مصايب) جعل الهمزة بدلا من الواو، كما قالوا: أقب في (وقب) وهذا ان وقع في أول الكلام. وقد قالوا في (أدور) أدأر، فهمزوه، فجاز على هذا ان يكونوا حملوا المكسورة على المضمومة. ويقال: عاش فلان بمعنى حيي، وطيب العيش طيب الحياة، فلهذا كانت المعيشة مضمنة بالحياة. وحد المعيشة الرماني: بأنها وصلة من جهة مكسب

[ 355 ]

المطعم والمشرب والملبس إلى ما فيه الحياة. اخبر الله تعالى على وجه الامتنان على خلقه بأصناف نعمه انه مكن عباده في الارض بمعنى مكنهم من التصرف فيها، والتمكين اعطاء ما يصح معه الفعل مع ارتفاع المنع، لان الفعل كما يحتاج إلى القدرة فقديحتاج إلى آلة والى سبب، كما يحتاج إلى رفع المنع، فالتمكين عبارة عن حصول جميع ذلك. والارض هذه الارض المعروفة، وفى الاصل عبارة عن قراريمكن أن يتصرف عليه الحيوان، فعلى هذا لو خلق مثلها، لكانت أرضا حقيقة. وقوله " وجعلنالكم فيها معايش " فالجعل وجود ما به يكون الشئ على خلاف ما كان، مثل ان تقول جعلت الساكن متحركا، لانك فعلت فيه الحركة، ونظيره التصيير والعمل،. وجعل الشئ أعم من حدوثه، لانه قد يكون بحدوث غيره فيه ممايتغير به. وقوله " قليلا ما تشكرون " نصب قليلا ب‍ (تشكرون)، وتقديره تشكرون قليلا. و (ما) زائدة. ويحتمل ان تكون مع ما بعدها بمنزلة المصدر، وتقديره قليلا شكركم. والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، والحمد مثله. وقيل: الفرق بينهما ان كل شكر حمد، وليس كل حمد شكرا، لان الانسان يحمد على احسانه إلى نفسه، ولا يشكر عليه، كما انه يذم على اساءته إلى نفسه، ولا يجوز ان يكفر من اجل اساءته إلى نفسه. قوله تعالى: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين (10) آية بلا خلاف. هذا خطاب من الله تعالى لخلقه بأنه خلقهم. والخلق هو احداث الشئ على تقدير تقتضيه الحكمة، لا زيادة على ما تقتضيه، فيخرج إلى الاسراف،

[ 356 ]

ولا ناقص عنه فيخرج إلى الاقتار. وقد استوفينا اختلاف الصور، والصورة بنية مقومة على هيئة ظاهرة. وقوله " ثم قلنا للملائكة اسجدوا لادم " فالسجود هو وضع الجبهة على الارض واصله الانخفاض من قول الشاعر: ترى الاكم فيها سجدا للحوافر (1) وقيل في معنى السجود لادم قولان: احدهما - انه كان تكرمة لادم وعبادة لله، لان عبادة غير الله قبيحة لا يامر الله بها. وعند اصحابنا كان ذلك دلالة على تفصيل آدم على الملائكة على ما بينا في سورة البقرة. (2) وقال أبو علي الجبائي: امروا ان يجعلوه قبلة، وأنكر ذلك أبو بكر بن أحمد بن علي الاخشاد بأن قال: هو تكرمة.، لان الله تعالى امتن به على عباده، وذكرهم بالنعمة فيه. فان قيل كيف قال " ثم قلنا للملائكة " مع أن القول للملائكة كان قبل خلقنا وتصويرنا ؟ قلنا عن ذلك ثلاثة أجوبة: احدها - قال الحسن وابو علي الجبائي: المراد به خلقنا اياكم ثم صورنا اياكم. ثم قلنا للملائكة، وهذا كما يذكر المخاطب ويراد به أسلافه، وذكرنا لذلك نظائر فيما مضى، منها قوله " واذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور " (3) أي ميثاق اسلافكم. قال الزجاج المعنى ابتدأنا خلقكم بأن خلقنا آدم، ثم صورناه، ثم قلنا. الثاني - قال ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة والضحاك والسدي: ان المعنى خلقناآدم ثم صورناكم في ظهره. ثم قلنا للملائكة. الثالث - خلقناكم ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة، كما تقول: اني راحل ثم اني معجل. وقال الاخفش (ثم) ههنابمعنى الواو، كما * (الهامش) * (1) مر في 1 / 263 (2) المجلد الاول صفحة 139. (3) سورة 2 البقرة آية 63، 93

[ 357 ]

(*) قال " ثم الله شهيد على ما تعملون " ومثله قوله " ثم كان من الذين آمنوا " (4) على قول بعض المتأخرين معناه وكان من الذين آمنوا، ومثله " استغفروا ربكم ثم توبوا إليه " (5) على بعض الاقوال معناه وتوبوا إليه، قال الزجاج هذا خطأ عند جميع النحويين. وقال الشاعر: سألت ربيعة من خيرها * اباثم اما فقالوا له (6) معناه سألت اولا عن الاب ثم الام. وقال بعضهم: معناه خلقناكم في ظهور آبائكم ثم صورناكم في بطون امهاتكم. وقال قوم: في الاية تقديم وتأخير، وتقديره خلقناكم بمعنى خلقنا أباكم أي قدرناكم. ثم قلنا للملائكة اسجدوا. ثم صورناكم. قوله تعالى: قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (11) آية بلا خلاف. هذا حكاية لما كان من خطاب الله لا بليس حين امتنع من السجود لادم، انه قال له " ما منعك " بمعنى اي شئ منعك " ان لا تسجد " وفيه ثلاثة أقوال: احدها - ان تكون (لا) صلة مؤكدة، كما قال " لئلا يعلم اهل الكتاب " (7) ومعناه ليعلم، كقوله " لا أقسم بيوم القيامة " وكقوله " فلا أقسم بمواقع النجوم " وكما قال الشاعر: أبى جوده لا البخل واستعجلت به * نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله (8) معناه أبى جوده البخل، وروى أبو عمرو بن العلا: أبى جوده لا البخل * (الهامش) * (4) سورة 90 البلد آية 17. (5) سورة 11 هود آية 3، 52، 90 (6) تفسير الطبري 12: 322. (7) سورة 57 الحديد آية 29 (8) اللسان (نعم) وتفسير الطبري 21 / 224 وأمالي ابن الشجرى 2 / 228، 221 وشرح شواهد المغني 217. وقد روي (فاعله) بدل (قاتله) وروي أيضا " قائله ". (*)

[ 358 ]

بالجر، كأنه قال ابى جوده كلمة البخل، ورواه كذا عن العرب. وقال الزجاج: فيه وجه ثالث لا البخل على النصب بدلا من (لا) كأنه قال ابى جوده ان يقول (لا) فقال نعم. وهي حكاية في كل هذا. الثاني - انه دخله معنى ما دعاك ان لا تسجد. الثالث - معنى " ألا تسجد " ما الحال ان لا تسجد أو ما أحوك. وقال الفراء لما تقدم الجحد في اول الكلام أكد بهذا، كما قال الشاعر: ما ان رأينا مثلهن لمعشر * سود الرؤوس فوالج وفيول (9) ف‍ (ما) للنفي وان) للنفي فجمع بينهما تأكيدا. فان قيل كيف قال " ما منعك " ولم يكن ممنوعا ؟ ! قلنا: لان الصارف عن الشئ بمنزلة المانع منه، كما ان الداعي إليه بمنزلة الحامل عليه. وقوله " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " حكاية لجواب ابليس حين ذمه تعالى على الامتناع من السجود، فأجاب بما قال، وهذا الجواب غير مطابق لانه كان يجب أن يقول معنى كذا، لان قوله " أنا خير منه " جواب لمن يقول أيكما خير، ولكن فيه معنى الجواب، ويجري ذلك مجرى أن يقول القائل لغيره: كيف كنت، فيقول أنا صالح، وكان يجب أن يقول كنت صالحا لكنه جاز ذلك، لانه أفاد انه صالح في الحال مع ما كان صالحا فيما مضى. ووجه دخول الشبهة عليه في أنه خلقه من نار وخلق آدم من طين أنه ظن أن النار إذا كانت أشرف لم يجز أن يسجد الاشرف للادون، وهذا خطأ، لان ذلك تابع لما يعلم الله من مصالح العباد، وما يتعلق به من اللطف * (الهامش) * (9) معاني القرآن 1 / 176، 374 وتفسير الطبري 12 / 325. (الفوالج) جمع (فالج) وهو الجمل ذو سنامين. و (الفيول) جمع (فيل). وكانت هذه الجمال تجلب من السند، وهي البلاد التي فيها الفيلة. (*)

[ 359 ]

لهم، ولم يكن ذلك استخفافا بهم بالاعمال. وقد قال الجبائي: إن الطين خير من النار، لانها أكثر منفعة للخلق من حيث أن الارض مستقر الخلق وفيها معايشهم، ومنها تخرج أنواع أرزاقهم لان الخيرية في الارض أو النار، إنما يراد بهما كثرة المنافع، دون كثرة الثواب، لان الثواب لا يكون إلا للمكلف المأمور، وهذان جمادان. وعلى ما يذهب إليه أصحابنا أن ذلك يدل على تفضيل آدم على الملائكة وكان ذلك مستحقا، فلذلك أسجدالله الملائكة له. فإن قيل: لم اعترض إبليس على الله مع علمه أنه لا يفعل إلا الحكمة ؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - أنه اعترض كما يعترض السفيه على الحكيم الحليم في تدبيره من غير فكر في العاقبة. والثاني - أن يكون جهل هذا بشبهة دخلت عليه. وعلى ما نذهب إليه من أنه لم يكن عرف الله قط سقطت الشبهة. واستدل أيضا بهذه الاية على أن الجواهر متماثلة بأن قيل: لا شئ أبعد إلى الحيوان من الجماد، فإذا جاز أن ينقلب الطين حيوانا وإنسانا جاز أن ينقلب إلى كل حال من أحوال الجواهر، لانه لا فرق بينهما في العقل. واستدل أيضا بهذه الاية على أن الامر من الله يقتضي الايجاب بأن الله تعالى ذم إبليس على امتناعه من السجود حين أمره، فلو كان الامر يقتضي الندب لما استحق العيب بالمخالفة وترك الامتثال، والامر بخلاف ذلك في الاية. قوله تعالى: قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (12) آية قوله " قال فاهبط منها " حكاية لقول الله تعالى لابليس وأمره إياه أن

[ 360 ]

يهبط منها، وما بعد القول وإن كان استئنافا والفاء لا يستأنف بها وانما يكون كذلك، لان ما قيل له بعدجوابه الذي أجاب به، فهو حكاية ما كان من الكلام له الثاني بعد الاول. والهبوط والنزول واحد. وفرق بينهما بأن النزول يقتضي تنزله إلى جهة السفل بمنزلة بعد منزلة، وليس كذلك الهبوط، لانه كالانحدار في المرور إلى جهة السفل، وكأن الانحدار دفعة واحدة، كما قال الشاعر: كل بني حرة مصيرهم * قل وإن أكثروا من العدد إن يغبطوا يهبطواوإن * أمروا يوما فهم للفناء والفند (1) وقيل في الضمير الذي في قوله " منها " قولان: احدهما - قال الحسن: إنه كناية عن السماء، لانه كان في السماء فاهبط منها. الثاني - قال أبو علي: كناية عن الجنة. فان قيل من أين علم ابليس أن الله تعالى قال له هذا القول ؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - قال أبو علي: إنه قال له على لسان بعض الملائكة. الثاني - أنه رأى معجزة تدله على ذلك. وقوله " فما يكون لك أن تتكبر فيها " معناه ليس لك أن تتكبر فيها، والتكبر إظهار كبر النفس على جميع الاشياء، فهو في صفة العبادذم، وفي صفة الله مدح، كما قال تعالى " الجبار المتكبر " (2) فالجبار القاهر لجميع الاشياء. والمتكبر الدال بذاته على أنه أكبر من جميع الاشياء. وقوله " فاخرج إنك من الصاغرين " أمر من الله لابليس بالخروج، لانه من الصاغرين. والصاغر هو الذليل بصغر القدر، صغر يصغر صغرا وصغارا، وتصاغرت إليه نفسه ذلا ومهانة، والاصل الصغر. * (الهامش) * (1) قائلة لبيد وقد مر في 1 / 73 (2) سورة 59 الحشر آية 23. (*)

[ 361 ]

قوله تعالى: قال أنظرني إلى يوم يبعثون (13) قال إنك من المنظرين (14) آيتان. في الاية الاولى حكاية عن إبليس أنه سأل الله تعالى أن ينظره. والانظار الامهال إلى مدة فيها النظر في الامر طال أمر قصر. والانظار والامهال والتأخير والتأجيل نظائر في اللغة، وبينها فرق. وضد الامهال الاعجال. وأصل الانظار المقابلة، وهي المناظرة. و (الجبلان يتناظران) أي يتقابلان، ونظر إليه بعينه أي قابله لينظر له ونظر إليه بيده، ليظهر له حال في اللين والخشونة أو الحرارة والبرودة. وقوله " إلى يوم يبعثون " مدة للانظار الذي طلبه. والبعث الاطلاق في الامر، والانبعاث الانطلاق. والبعث والحشر والنشر والجمع نظائر. ويجوز في " يوم يبعثون " ثلاثة أوجه من العربية: بالجر وترك التنوين على الاضافة، والجر مع التنوين على الصفة. والفتح وترك التنوين على البناء. وليس بالوجه، لان الفعل معرب. والوجه في مسألة إبليس الانظار - مع علمه أنه مطرود ملعون مسخوط عليه - علمه بأن الله يظاهر إلى عباده بالاحسان، ويعمهم بفضله وإنعامه، فلم يصرف ارتكابه المعصية وإصراره على الخطيئة عن المسألة طامعا في الاجابة، وعن انس من بلوغ المحبة. وقيل في قوله " قال إنك من المنظرين " هل فيه إجابة إلى ما التمسه أم لا ؟ فقال السدي وغيره: إنه لم يجبه " إلى يوم يبعثون " لانه يوم القيامة، وهو يوم بعث لا يوم موت، ولكن انظر إلى يوم الوقت المعلوم، كما ذكره في سورة اخرى (1). ويقوي ذلك قوله " إنك من المنظرين " وليس لاحد * (الهامش) * (1) سورة 38 ص آية 79 - 81. (*)

[ 362 ]

أن ينظر أحدا إلى يوم القيامة على هذا المعنى. الثاني - أنه سأل تأخير الجزاء بالعقوبة إلى يوم يبعثون. لما خاف من تعجيل العقوبة، فأنظر على هذا. وقال قوم: انظر إلى يوم القيامة، والاقوى الوجه الثاني، لانه لا يجوز أن يعلم الله أحدا من المكلفين الذين ليسوا بمعصومين أنه يبقيهم إلى وقت معين، لانه في ذلك إغراء له بالقبح من حيث أنه يعلم انه باق إلى ذلك الوقت فيرتكب القبيح، فإذا قارب الوقت جدد التوبة فيسقط عنه العقاب. وهل يجوز اجابة دعاء الكافر أم لا ؟ فيه خلاف: فذهب أبو علي إلى أنه لا يجوز، لما في ذلك في التعظيم والتبجيل لمجاب الدعوة في مجرى العادة، ألا ترى أنه إذا قيل: فلان مجاب الدعوة دل ذلك على أنه صالح المؤمنين. وأجاز ذلك أبو بكر بن الاخشاد على وجه الاستصلاح. وكان يقول: بتفصيل ذلك بحسب الوجه الذي يقع عليه. وكسرت " إن " لانها حكاية بعد القول، وهي تكسر في هذا الموضع، وفي الابتداء بها، وإذا كان في خبرها لام التأكيد. وانما عملت (إن) لشبهها بالفعل الماضي من حيث كانت على ثلاثة أحرف مفتوحة الاخر، فهي بمنزلة (كان) إلا أنه خولف بعملها لانها حرف. قوله تعالى: قال فبما أغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم (15) ثم لاتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (16) آيتان بلا خلاف. قوله " قال فبما " حكاية عن قول إبليس، لما لعنه الله، وطرده وحكى سؤاله الانظار، واجابة الله تعالى إلى شئ منه، قال حينئذ " فبما أغويتني " أي فبالذي أغويتني. وقيل في معنى هذه الباء ثلاثة أقوال:

[ 363 ]

احدهما - اني مع اغوائك إياي كما تقول بقيامك تناول هذا أي مع قيامك. الثاني - معناه اللام، والتقدير فلاغوائك إياي. الثالث - أنها بمعنى القسم كقولك بالله لافعلن. وقيل في معنى اغويتني ثلاثة أقوال: أحدها - قال أبو علي والبلخي: معناه بما خيبتني من جنتك، كما قال الشاعر: فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يعولا يعدم على الغي لائما (1) أي من يخب، وقال قوم: يجوز أن يكون أراد إنك امتحنتني بالسجود، لادم فغويت عنده، فقال (أغويتني) كما قال " فزادتهم رجسا إلى رجسهم " (2). الثاني - قال ابن عباس وابن زيد: معناه حكمت بغوايتي كقولك: أضللتني أي حكمت بضلالتي. الثالث - أغويتني بمعنى أهلكتني بلعنك إياي، كما قال الشاعر: معطفة الاثناء ليس فصيلها * برازئها درا ولاميت غوى (3) أي ولا ميت هلاكا بالقعود عن شرب اللبن. ومنه قوله " فسوف يلقون غيا " (4) أي هلاكا. ويقولون: غوى الفصيل إذا أنفذ اللبن فمات. والمصدر غوى مقصورا وقوله " لاقعدن لهم " جواب القسم. والقسم محذوف، لان غرضه بالكلام التأكيد، وهو ضد قوله " ص والقرآن ذي الذكر " (5) * (الهامش) * (1) مر هذا البيت في 2 / 312 وسيأتي في 5 / 548. (2) سورة 9 التوبة آية 126. (3) قائله (مدرج الريح الجرمي) وأسمه (عامر بن المجنون)، الشعر والشعراء: 713، والمعاني الكبير: 1047 والمخصص 7 / 41، 180 وتهذيب اصلاح المنطق 2 / 54 واللسان (غوى) وتفسير الطبري 12 / 333. (4) سورة 19 مريم آية 59. (5) سورة 38 ص آية 2. (*)

[ 364 ]

فانه حذف الجواب، وهي القسم، لان الغرض تعظيم المقسم به. وقعوده على الصراط معناه أنه يقعد على طريق الحق ليصد عنه بالاغواء حتى يصرفه إلى طريق الباطل عداوة له وكيدا. وقوله " صراطك " المستقيم " قيل في نصب (صراطك) أنه نصب على الحذف دون الظرف، وتقديره على صراطك، كما قيل ضرب زيد الظهر والبطن أي على الظهر والبطن قال الشاعر: لدن بهز الكف يعسل متنه * فيه كما عسل الطريق الثعلب (6) وقال آخر: كأني إذا أسعى لا ظفر طائرا * مع النجم في جو السماء يصوب (7) أي لا ظفر على طائر، وإغواء الله تعالى لابليس لم يكن سببا لضلاله، لانه تعالى علم أنه لو لم يغوه لوقع منه مثل الضلال الذي وقع أو أعظم، فأما قول من قال: إنه لو كان ما يفعل به الايمان هو ما يفعل به الكفر، لكان قوله " بما أغويتني " وبما أصلحتني بمعنى واحد، فكلام غير صحيح، لان صفة الالة التي يقع بها الايمان خلاف صفتها إذا وقع بها الكفر. وإن كانت واحدة كالسيف. ولا يجب من ذلك أن تكون صفتها واحدة من أجل أنها واحدة بل لا يمتنع أنه متى استعمل آلة الايمان في الضلال سمي إغواء، وإن استعمل في الايمان سمي هداية، وإن كان ما يصح به الايمان والكفر والضلال واحدا. وقوله " ثم لاتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم " قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس وقتادة وابراهيم بن الحكم والسدي وابن * (الهامش) * (6) قائله ساعدة بن جؤية الهذلي ديوانه 1 / 190 وسيبويه 1 / 16، 190 وخزانة الادب 1 / 474 وتفسير الطبري 12 / 337 وغيرها. (7) تفسير الطبري 12 / 337. (*)

[ 365 ]

جريج: من قبل دنياهم وآخرتهم. ومن جهة حسناتهم وسيئاتهم. الثاني - قال مجاهد: من حيث يبصرون ومن حيث لا يبصرون. الثالث - قال البلخي وأبو علي: من كل جهة يمكن الاحتيال عليهم بها. وقال ابن عباس: ولم يقل من فوقهم، لان رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم، ولم يقل من تحت أرجلهم، لان الاتيان منه موحش. وقال أبو جعفر (ع) " ثم لاتينهم من بين أيديهم " معناه أهون عليهم أمر الاخرة، ومن خلفهم آمرهم بجمع الاموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم " وعن أيمانهم " وأفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة " وعن شمائلهم " بتجيب اللذات إليهم وتغليب الشهوات على قلوبهم. وقال الزجاج: " من بين أيديهم " معناه أغوينهم حتى يكذبوا بالبعث والنشور، " ومن خلفهم " حتى يجحدوا ما كان من أخبار الامم الماضية والانبياء السالفة. وإنما دخلت (من) في الخلف والقدام، و (عن) في اليمين والشمال، لان في القدام والخلف معنى طلب النهاية، وفي اليمين والشمال الانحراف عن الجهة. ودخول (ثم) في الكلام: بيان أن هذا المعنى يكون بعد القعود في طريقهم. وقوله " ولا تجد أكثرهم شاكرين " إخبار من إبليس أن الله لا يجد أكثر خلقه شاكرين. وقيل: يمكن أن يكون علم ذلك من أحد وجهين: أحدهما - قال أبو علي: ذلك علمه من جهة الملائكة باخبار الله تعالى إياهم. الثاني - قال الحسن: يجوز أن يكون أخبر عن ظنه ذلك، كما قال تعالى " ولقد صدق عليهم أبليس ظنه " لانه لما أغوى آدم فاستزله، قال ذرية هذا أضعف منه، وظن أنهم سيجيبونه ويتابعونه. قوله تعالى: قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لاملان جهنم منكم أجمعين (17). آية بلا خلاف.

[ 366 ]

حكي عن عاصم في الشواذ " لمن تبعك " بكسر اللام، ويكون خبره محذوفا وتقديره لمن تبعك النار، وليس بمعروف. هذا خبر من الله تعالى أنه " قال أخرج منها " يعني من الجنة " مذؤما " قال ابن عباس: معناه معيبا. وقال ابن زيد: مذموما، يقال: ذأمه يذأمه ذأما وذامه يذيمه ذيما وذاما. وقيل الذأم والذيم أشد العيب. ومثله اللوم قال الشاعر: صحبتك إذ عيني عليها غشاوة * فلما انجلت قطعت نفسي أذيمها (1) وأكثر الرواية ألومها. وقوله " مدحورا " فالدحر الدفع على وجه الهوان والاذلال يقال: دحره يدحره دحرا ودحورا. وقيل الدحر الطرد - في قول مجاهد والسدي -. وقوله " لمن تبعك منهم " جواب القسم، وحذف جواب الجزاء في " لمن تبعك " لان جواب القسم أولى بالذكر من حيث أنه في صدر الكلام، ولو كان في حشو الكلام، لكان الجزاء أحق منه، كقولك: إن تأتني والله أكرمك، ولا يجوز أن تكون (من) ههنا بمعنى الذي، لانها لا تقلب الماضي إلى الاستقبال، ويجوز أن تقول: والله لمن جاءك أضربه بمعنى لاضربه، ولم يجز بمعنى لاضربنه، كما يجوز والله أضرب زيدا بمعنى لاضرب ولا يجوز بمعنى لاضربن، لان الايجاب لابد فيه من نون التأكيد مع اللام على قول الزجاج. وإنما قال " لاملان جهنم منكم " بلفظ الجمع وإن كان المخاطب واحدا على التغليب للخطاب على الغيبة، كما يغلب المذكر على المؤنث، وكما يغلب الاخف على الاثقل في قولهم: سنة العمرين، لان المفرد أخف من المضاف، لان المعنى لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين، كما ذكره في موضع آخر. وقوله " أجمعين " تأكيد لقوله " منكم " وهو وإن كان بلفظ الغائب أكد به المخاطب، لانه تابع للاول، فإن كان غائبا فهو غائب وإن كان مخاطبا، * (الهامش) * (1) قائله (الحارث بن خالد المخزومي) الاغاني (دار الثقافة) 3 / 313 وتفسير الطبري 1 / 265 و 12 / 343. (*)

[ 367 ]

فهو مخاطب وإن كان متكلما، فهو متكلم كقولك: نحن منطلق أجمعون عامدون، لان الاتباع قد دل على ذلك. قوله تعالى: ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (18) اية بلا خلاف. في هذه الاية حكاية خطاب الله تعالى لادم وأمره إياه أن يسكن هو وزوجه حواء الجنة. واختلفوا في الجنة التي أسكن الله آدم فيها. فقال قوم: إنها جنة الخلد، لان الجنة إذا أطلقت معرفة بالالف واللام لا يعقل منها في العرف إلا جنة الخلد، كما أن السموات والارض إذا أطلق لم يعقل منه إلا السموات المخصوصة دون سقف البيت. وقوله " وزوجك " إنما جاء به على لفظ التذكير، لان الاضافة أغنت عن ذلك وأبانت عن المعنى، فكان الحذف أحسن، لانه أوجز يقال: لصاحب المنزل ساكن فيه، وإن كان يتحرك فيه أحيانا للتغليب، لان سكونه فيه أكثر، بجلوسه ونومه في ليله. وغير ذلك من أوقاته، وأباح الله تعالى لهما أن يأكلا من حيث شاءا، وأين شاءا ما شاءا، ونهاهما على وجه الندب ألا تقربا هذه الشجرة. وعندنا إن ذلك لم يكن محرما عليهما بل نهاهما نهي تنزيه دون حظر وبالمخالفة فاتهما ثواب كثير، وإن لم يفعلا بذلك قبيحا، ولا أخلا بواجب. ومن خالفنا قال أخطأ في ذلك على خلاف بينهم بأن ذلك صغيرة أو كبيرة. ومن قال كانت صغيرة، منهم من قال: وقع ذلك منه سهوا ونسيانا. ومنهم من قال: وقع ذلك تأويلا من حيث نهي عن جنس الشجر، فحمله على شجرة بعينها، فأخطأ في التأويل. وقد بينا فساد ذلك فيما مضى (1). * (الهامش) * (1) في المجلد الاول ص 160 - 164. (*)

[ 368 ]

وقوله " فتكونا من الظالمين " يحتمل أن يكون نصبا على جواب النهي. والثاني - أن يكون جزما عطفا على النهي، فكأنه قال لا تقربا هذه الشجرة، ولا تكونا من الظالمين. ومعنى " الظالمين " على مذهبنا المراد به الباخسين نفوسهم ثوابا كثيرا، والمفوتين نعيما عظيما. ومن قال: إنهما ارتكبا قبيحا قال: ظلما أنفسهما بارتكاب القبيح. وعلى مذهب من يقول بأن ذلك كانت صغيرة وقعت مكفرة لابد أن يحمل الظلم ههنا على نقصان الثواب الذي انحبط بمقارنة الصغيرة له، فأبو علي: ذهب إلى أن ذلك وقع منه نسيانا. وقال البلخي وقع منه تأويلا، لانه نهي عن جنس الشجرة فتأوله على شجرة بعينها، وهذا خطأ، لان ما يقطع سهوا أو نسيانا لا يحسن المؤاخدة به. وأما الخطأ في التأويل فقد زاد من قال ذلك قبيحا آخر. أحدهما ارتكاب المنهي. والثاني الخطأ في التأويل به. قوله تعالى: فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهيكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (19) آية بلا خلاف. قرأ يحيى بن كثير ويعلى بن حكيم " إلا أن تكونا ملكين " بكسر اللام من قوله " هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " الباقون بفتح اللام. أخبر الله تعالى أنه لما نهى آدم وزوجته عن أكل الشجرة وسوس لهما الشيطان. والوسوسة الدعاء إلى أمر بضرب خفي كالهمهمة والخشخشة. قال رؤبة مراجعة: وسوس يدعو مخلصا رب الفلق * سرا وقد أون تأوين العقق (1) * (الهامش) * (1) ديوانه: 108 واللسان (؟ ؟) وهو من ارجوزة يصف بها صائدا مختفيا يرتقب حمر الوحش. (*)

[ 369 ]

وقال الاعشى: تسمع للحلى وسواسا إذا انصرفت * كما استعان بريح عشرق زجل (2) وقوله " ليبدي لهما " فالابداء الاظهار، وهو جعل الشئ على صفة ما يصح أن يدرك، وضده الاخفاء وكل شئ أزيل عن الساتر فقد أبدي. وقوله " ما ووري " فالمواراة جعل الشئ وراء ما يستره. ومثله المساترة، وضده المكاشفة، ولم يهمز، لان الثانية مدة، ولولا ذلك لوجب الهمز. وقيل للفرج سوأة، لانه يسوء صاحبه إظهاره، وكلما قبح إظهاره سوأة، والسوء من هذا المعنى. وإذا بالغوا قالوا: السوأة السوآء، ولم يقصد آدم وحواء (عليهما السلام) بالتناول من الشجرة القبول من إبليس والطاعة له بل إنما قصدا عند دعائه شهوة نفوسهما، ولو قصدا القبول منه لكان ذلك قبيحا لا محالة. وقال الحسن لو قصدا ذلك لكانا كافرين. وفرق بين وسوس إليه ووسوس له مثل قولك ألقى إليه المعنى، ووسوس له معناه أوهمه النصيحة له. فان قيل كيف وصل إبليس إلى آدم وحواء حتى وسوس لهما ؟ وهو خارج الجنة، وهما في الجنة، وهما في السماء وهو في الارض ؟ قلنا: فيه أقوال. أحدها - قال الحسن: كان يوسوس من الارض إلى السماء وإلى الجنة فوصلت وسوسته بالقوة التي خلقها الله له. الثاني - قال أبو علي إنهما كانا يخرجان من السماء فبلغهما وهما هناك. الثالث - قال أبو بكر بن الاخشيد إنه خاطبهما من باب الجنة وهما فيها. وقوله " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين " فيه قولان: أحدهما - أن فيه حذفا وتقديره إلا أن تكونا ملكين ولستما ملكين. ومعناه لئلا تكونا ملكين. * (الهامش) * (2) ديوانه: 42 القصيدة 6. (*)

[ 370 ]

الثاني - الاكراهة أن تكونا ملكين. فإن قيل كيف يموه عليهما أن الاكل من الشجرة يوجب الانقلاب من صورة البشرية إلى صورة الملائكة أو يوجب الخلود في الجنة ؟ ! قلنا: عن ذلك جوابان: احدهما - أنه أوهم أن ذلك في حكم الله في كل من أكل من تلك الشجرة. الثاني - أنه أراد إلا أن تكونا بمنزلة الملائكة في علو المنزلة. واستدل جماعة من المعتزلة بهذه الاية على أن الملائكة أفضل من البشر، والانبياء منهم. وهذا ليس بشئ، لانه لم يجر ههنا ذكر لكثرة الثواب وأن الملائكة أكثر ثوابا من البشر بل كان قصد إبليس أن يقول لادم ما نهاك الله عن أكل الشجرة إلا أن تكونا ملكين، فإن كنتما ملكين فقد نهاكما، وحيث لستما من الملائكة فما نهاكما الله عن أكلها، وتلخيص الكلام أن المنهي من أكل الشجرة هم الملائكة فقط، ومن ليس منهم فليس بمنهي، ولا تعلق لذلك بكثرة الثواب ولا بقلته وعلى قول من كسر اللام لام متعلق في الاية ولا شبهة. والشجرة التي نهي عنهاآدم، قال قوم هي الكرمة، وقال آخرون هي السنبلة. وقيل فيه أقوال غيرهما ذكرناها في سورة البقرة (1). قوله تعالى: وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (20) آية بلا خلاف. المقاسمة لا تكون إلا بين اثنين، والقسم كان من ابليس لادم، لان آدم مقسم له. وانما قال وقاسمهما كما يقال: عاقبت اللص طارقت النبل وناولت الرحل وعافاه الله، وكذلك قاسمته، لان في جميع ذلك معنى المقابلة، كأنه قابله في المنازعة باليمين والمعاقبة مقابلة بالجزاء وكذلك المعافاة، وقال الهذلي: وقاسمها بالله جهدا لانتم * ألذ من السلوى إذا ما نشورها (2) * (الهامش) * (1) في تفسير آية 35 المجلد 1 / 158، 162 (2) ديوان الهذليين 1 / 158 وتفسير الطبري 12 / 350 (*)

[ 371 ]

أي حالفها، وفي موضع آخر " قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه واهله " (3) أي تحالفوا - وسئل الحسن فقيل له: أليس الله خلق آدم ليكون خليفة في الارض قال: بلى، وقال وكان لابد له من ان يهبط الارض، قال: لا والله، ولكن لو هبط مطيعا لله كان خيرا له من ان يهبط عاصيا، ولم يعاتبه الله على الهبوط، وانما عاتبه على مخالفة الامر. وأصل القسم القسمة، قال أعشى بني ثعلبة: رضيعي لبان ثدي أم تقاسما * باسحم داج عوض لا نتفرق (1) والقسم تأكيد الخبر بطريقة والله، وبالله، وتالله. اخبر الله تعالى في هذه الاية ان ابليس حلف، لادم وحواء انه لهما ناصح في دعائهما إلى التناول من الشجرة ولذلك تأكدت الشبهة عندهما، وظنا ان أحدا لا يقدم على اليمين بالله إلا صادقا، فكان ذلك داعيا لهما إلى تناول الشجرة. ويجوز ان تقول: اني لك لناصح، ولا يجوز ان تقول: أنا لك لناصح، لان لام الابتداء موضعها صدر الكلام لا تؤخر عنه الا في باب (ان) خاصة لئلا يجتمع حرفا تأكيد في موضع واحد، فيوهم اختلاف المعنى، لان الاصل في اجتماع الحرفين في موضع انه لا ينوب احدهما عن الاخر، وتقدير الكلام، وقاسهما اني لكما ناصح، ثم فسر ذلك بقوله من الناصحين ليكون متعلقا بقوله لمن الناصحين فقدم الصلة على الموصول، ومثله قوله " وانا على ذلكم من الشاهدين " (2) وتقديره وأنا على ذلكم شاهد، وبينه بقوله من الشاهدين. قوله تعالى: فدليهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناديهما ربهما ألم أنهكما عن * (الهامش) * (3) سورة النمل آية 49. (1) ديوان: 150 واللسان (عوض)، (سحم) وتفسير الطبري 12 / 350 (2) سورة 21 الانبياء آية 56. (*)

[ 372 ]

تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (21) اية بلا خلاف. معنى قوله " فدلاهما " حطهما إلى الخطيئة بغرور، ومنه قولهم: فلان يتدلى إلى الشر، لان الشر سافل والخير عال. وقيل: دلاهما من الجنة إلى الارض بغرور. الغرور إظهار النصح مع ابطان الغش، وأصله الغر: طي الثوب يقال: اطوه على غره أي على كسر طيه، وقال الشاعر: كأن غر متنه إذ نجنبه * سير صناع في خريز تكلبه (1) فالغرور بمنزلة الغر لما فيه من اظهار حال واخفاء حال، ومنه الغرر لخفاء ما لا يؤمن فيه. والغر الذي لم يجرب الامور، لانها تخفى عليه. والغرة الاخذ على غفلة. والغرارة الوعاء، لانها تخفي ما فيها. والاغر الابيض لظهور الثوب في غره، ومنه الغرة في الجبهة. وقوله " فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما " أي ظهرت عورتاهما، ولم يكن ذلك على وجه العقوبة، لان الانبياء لا يستحقون العقوبة، وانما كان ذلك لتغير المصلحة، لانهما لما تناولا من الشجرة اقتضت المصلحة اخراجهما من الجنة ونزعهما لباسهما الذي كان عليهما، واهباطهما إلى الارض، وتكليفهما فيها. وقوله " وطفقا " قال ابن عباس: معنى طفق جعل يفعل، ومثله قولهم: ظل يفعل واخذ يفعل وابتدأ يفعل، فقد يكون ذلك بأول الفعل وقد يكون بالقصد إلى الفعل، ويقال: طفق يطفق وطفق يطفق طفقا. وقوله " يخصفان عليهما من ورق الجنة " معناه يقطفان من ورق الجنة ليستترا به، ويحوزان بعضه إلى بعض، ومنه المخصف: المثقب الذي يخصف به النعل، والخصاف الذي يرفع النعل قال الشاعر: * (الهامش) * (1) قائله (دكين بن رجاء الفقيمي) اللسان (كلب) و " غرمتنه " ما تثنى من جلده و (سير صناع) أي سير متصنع به من كثر الخرز فيه. (*)

[ 373 ]

واسعى للندى والثوب جرد * محاسرة وفى نعلي خصاف يعني ترقيع، وقال الاعشى: قالت أرى رجلا في كفه كتف * أو يخصف النعل لهفي آية صنعا (1) ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله (خاصف النعل في الحجرة) يعني عليا (ع). والاخصاف سرعة العدو، لانه يقطعه بسرعة. والخصف ثياب غلاظ جدا، لانه يعسر قطعها لغلظها. وكان الحسن يقرأ " يخصفان " بمعنى يختصفان. وقوله " من ورق الجنة " قيل: انه من ورق التين. واصل الورق ورق الشجرة، ومنه الورق اسم الدراهم. والورقة سواد في غبرة كأنه كلون الورق الذي بهذه الصفة، وحمامة ورقاء. وفي ذلك دلالة على ان ستر العورة كان واجبا في ذلك الوقت. وقوله " " وناداهما ربهما ألم انهكما عن تلكما الشجرة " حكاية عما قال الله تعالى لادم وحواء - بعد ان بدت سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الشجر - أليس كنت نهيتكما عن تلكما الشجرة، وانما قال " تلكما " لانه خاطب اثنين واشار إلى الشجرة، فلذلك قال (تلكما) و " أقل لكما " عطف على " أنهكما " فلذلك جزمه " ان الشيطان لكما عدو مبين " يعني ظاهر العداوة. وقد بينا ان آدم لم يرتكب قبيحا وان ما توجه إليه بصورة النهي كان المراد به ضربا من الكراهة دون الحظر، وانما قلنا ذلك لقيام الدلالة على عصمتهما من سائر القبائح صغائرها وكبائرها، فعلى هذا لا يحتاج ان نقول: انهما تأولا فأخطئا، على ما قال البلخي والرماني، أو وقع منهما سهو اعلى ماقاله الجبائي: قوله تعالى: قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (22) آية بلا خلاف. * (الهامش) * (1) ديوانه: 83 القصيدة 13. (*)

[ 374 ]

في هذه الاية حكاية عما قال آدم وحواء (ع) لما عاتبهما الله ووبخهما على ارتكابهما مانهاهما عنه، واخبار عن اعترافهما على أنفسهما بأن قالا " ربنا ظلمنا أنفسنا " ومعناه بخسناها الثواب بترك المندوب إليه. والظلم هو النقص. وعلى مذهب من يقول انهما فعلا صغيرة لابد ان يحمل قول