زاد المسير في علم التفسير أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي المتوفى سنة 597 ه حققه وكتب هوامشه محمد بن عبد الرحمن عبد الله خرج أحاديثه أبو هاجر السعيد بن بسيوني زغلول الجزء الخامس سورة الاسراء - سورة النور دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
[ 2 ]
الطبعة الاولى جمادى الاولى 1407 ه - كانون الثاني 1987 م
[ 3 ]
فصل في نزولها هي مكية في قول الجماعة الا ان بعضهم يقول فيها مدني فروي عن ابن عباس انه قال هي مكية الا ثمان آيات من قوله كادوا ليفتنونك الى قوله الاسراء 75 73 وهذا قول قتادة وقال مقاتل فيها من المدني صلى رب أدخلني مدخل صدق الاسراء 80 وقوله الذين أوتوا العلم من قبله الاسراء 107 وقوله ربك أحاط بالناس الاسرا 60 وقوله كادوا ليفتنونك الاسراء 73 وقوله كادوا ليستفزونك أبي الاسراء 76 وقوله ولو لا ان ثبتناك والتي تليها الاسراء 7475
(بسم الله الرحمن الرحيم سبحن الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصا ما الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير
[ 4 ]
قوله تعالى سبحان روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه سئل عن تفسير سبحان الله فقال تنزيه لله عن كل سوء وقد ذكرنا هذا المعنى في البقرة 4 32 قال الزجاج واسري بمعنى سير عبده يقال أسريت وسريت لا إذا سرت ليلا وقد جاءت اللغتان في القرآن قال الله تعالى إذا يسر الفجر 4 معنى التسبيح هاهنا قولان ان العرب تسبح عند الامر المعجب فكأن الله تعالى عجب العباد مما أسدى الى رسوله من النعمة ان يكون خرج مخرج الرد عليهم لأنه لما حدثهم بالاسراء كذبوه فيكون المعنى تنزه الله ان يتخذ رسولا كذابا ولا خلاف ان المراد بعبده هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم قوله من المسجد الحرام قولان انه اسري به من نفس المسجد قاله الحسن وقتاده ويسنده حديث مالك بن صعصعة وهو في الصحيحين بينا ان في الحطيم وربما قال بعض الرواة في الحجر انه اسري به من بيت ام هانئ وهو قول اكثر المفسرين فعلى هذا يعني بالمسجد الحرام الحرم والحرم كله مسجد ذكره القاضي أبو يعلى وغيره المسجد الاقصى فهو بيت المقدس وقيل له الاقصى لبعد المسافة بين المسجدين ومعنى باركنا حوله ان الله اجرى حوله الانهار وانبت الثمار وقيل لأنه مقر الانبياء ومهبط الملائكة
العلماء هل دخل بيت المقدس ام لا فروى أبو هريرة انه دخل بيت المقدس وصلى فيه بالانبياء ثم عرج به الى السماء وقال حذيفبن اليمان لم يدخل بيت المقدس ولم يصل فيه ولا نزل عن البراق حتى عرج به فان قيل ما معنى قوله الى المسجد الاقصى وانتم تقولون صعد الى السماء ان الاسراء كان الى هنالك والمعراج كان من هنالك ان الحكمة في ذكر ذلك انه لو اخبر بصعوده الى السماء في بدء الحديث لاشتد
[ 5 ]
انكارهم فلم اخبر ببيت المقدس وبان لهم صدقه فيما اخبرهم به من العلامات الصادقة اخبر بمعراجه تعالى من آياتنا يعني ما رأى أي تلك الليلة من العجائب التي اخبر بها الناس هو السميع لمقالة قريش أن بها وقد ذكرنا في كتابنا المسمى ب الحدائق احاديث المعراج وكرهنا الاطالة هاهنا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني اسرائيل الا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح انه كان عبدا شكورا قوله تعالى موسى الكتاب لما ذكر في الاية الاولى اكرام محمد صلى الله عليه وسلم ذكر في هذه كرامة موسى والكتاب التوراة هدى لبني اسرائيل أي دللناهم به على الهدى تتخذوا قرأ أبو عمرو يتخذوا بالياء والمعنى هديناهم لئلا يتخذوا وقرأ الباقون بالتاء قال أبو علي وهو على الانصراف الى الخطاب بعد الغيبة مثل الحمد لله ثم قال اياك نعبد تعالى على قال مجاهد شريكا وقال الزجاج ربا قال ابن الانباري وانما قيل للرب وكيل لكفايته وقيامه بشأن عباده من اجل ان الوكيل عند الناس قد علم انه يقوم
بشؤون اصحابه وتفقد امورهم فكان الرب وكيلا من هذه الجهة لا على معنى ارتفاع منزلة الموكل وانحطاط امر الوكيل قوله تعالى من حملنا قال مجاهد هو نداء يا ذرية من حملنا قال ابن الانباري من قرأ تتخذوا بالتاء فانه يقول بعد الذرية مضمر حذف اعتمادا على دلالة ما سبق تلخيصه يا ذرية من حملنا مع نوح لا تتخذوا وكيلا ويجوز ان يستغني عن الاضمار بقوله كان عبدا شكورا لأنه بمعنى اشكروني كشكره الله ومن قرأ لا يتخذوا بالياء جعل النداء متصلا بالخطاب والذرية تنتصب بالنداء ويجوز نصبها بالاتخاذ على انها مفعول ثان تلخيص الكلام ان لا يتخذوا ذرية من حملنا مع نوح وكيلا قال قتادة الناس كلهم ذرية من انجى الله في تلك السفينة
[ 6 ]
العلماء ووجه الانعام على الخلق بهذا القول أنهم كانوا في صلب من نجا تعالى كان عبدا شكورا قال سلمان الفارسي كان إذا اكل قال لله وإذا شرب قال لله وقال غيره كان إذا لبس ثوبا قال لله فسماه الله عبدا شكورا قال إلى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد اولهما بعثنا عليكم عباد لنا اولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وامددناكم عن بأموال وبنين وجعلناكم اكثر نفيرا تعالى الى بني اسرائيل فيه قولان اخبرناهم من رواه الضحاك عن ابن عباس قضينا عليهم رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة فعلى الأول تكون الى على اصلها ويكون الكتاب التوراة وعلى الثاني تكون إلى بمعنى على
ويكون الكتاب الذكر الاول تعالى في في الارض يعني ارض مصر بن بالمعاصي ومخالفة التوراة من قتلوه من الانبياء في الفساد الاول قولان زكريا قاله السدي عن اشياخه
[ 7 ]
والثاني شعيا قاله ابن اسحاق فأما المقتول من الانبياء في الفساد الثاني فهو يحيى بن زكريا قال مقاتل كان بين الفسادين مائتا سنة وعشر سنين فأما السبب في قتلهم زكريا فانهم اتهموه بمريم وقالوا منه حملت فهرب منهم فانفتحت له شجرة فدخل فيها وبقي من ردائه هدب فجاءهم الشيطان فدلهم عليه فقطعوا الشجرة بالمنشار وهو فيها وأما السبب في قتلهم شعيا فهو انه قافيهم برسالة من الله ينهاهم عن المعاصي وقيل هو الذي هرب منهم فدخل في الشجرة حتى قطعوه بالمنشار وان زكريا مات حتف انفه واما السبب في قتلهم يحيى بن زكريا ففيه قولان ان ملكهم اراد نكاح امرأة لا تحل له فنهاه عنها يحيى ثم فيها اربعة أقوال احدها انها ابنة اخيه قال ابن عباس والثاني ابنته قاله عبد الله بن الزبير والثالث انها امرأة أخيه وكان ذلك لا يصلح عندهم قاله الحسين بن علي عليهما السلام والرابع ابنة أمرأته قاله السدي عن اشياخه وذكر ان السبب في ذلك ان ملك بني اسرائيل هوي بنت امرأته فسأل يحيى عن نكاحها فنهاه فحنقت هذه امه على يحيى حين نهاه ان يتزوج ابنتها وعمدت الى ابنتها فزينتها وارسلتها سنة الملك حين جلس على شرابه وأمرتها ان تسقيه وان تعرض له فان ارادها على نفسها ابت حتى يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طست
ففعلت ذلك فقال ويحك سليني غير هذا فقالت ما اريد الا هذا فأمر فأتي برأسه والراس يتكلم ويقول لا تحل لك لا تحلك الثاني ان امرأة الملك رأت يحيى عليه السلام وكان قد اعطي حسنا وجمالا فأرادته على نفسه فأبى فقالت لابنتها سلي اباك رأس يحيى فأعطاها ما سألت قاله الربيع بن انس قال العلماء بالسير ما زال دم يحيى يغلي حتى قتل عليه من بني اسرائيل سبعون الفا فسكن وقيل لم يسكن حتى جاء قاتله فقال انا قتلته فقتل فسكن تعالى عمرو علوا كبيرا أي لتعظمن قبل عن الطاعة ولتبغن تعالى جاء وعدأولاهما يحيى أي عقوبة أولى المرتين بعثنا أي ارسلنا عليكم عبادا لنا وفيهم خمسة اقوال
[ 8 ]
انهم جالوت وجنوده قاله ابن عباس وقتادة والثاني بختنصر قاله سعيد بن المسيب واختاره الفراء والزجاج والثالث العمالقة وكانوا كفارا قاله الحسن والرابع سنحاريب قاله سعيد بن جبير والخامس قوم من اهل فارس قاله مجاهد وقال ابن زيد سلط الله عليهم سابور ذا الأكتاف من ملوك فارس قوله تعالى بأس شديد أي ذوي عدد وقوة في القتال وفي قوله خلال الديار ثلاثة اقوال مشوا بين منازلهم قاله ابن ابي طلحة عن ابن عباس وقال مجاهد يتجسسون اخبارهم ولم يكن قتال وقال الزجاج طافوا خلال الديار ينظرون هل بقي احد لم يقتلوه والجوس طلب الشئ باستقصاء قتلوهم بين بيوتهم قاله الفراء وابو عبيدة الرحمن عاثوا وافسدوا يقال جاسوا وحاسوا وكان فهم يجوسون روى ويحوسون ولم إذا فعلوا ذلك
قاله ابن قتيبة الخلال فهي جمع خلل وهو الانفراج بين الشيئين وقرأ أبو رزين والحسن وابن جبير وابو المتوكل خلل الديار بفتح الخاء واللام من غير الف وعدا مفعولا أي لا بدمن كونه تعالى رددنا لكم الكرة عليهم أي اظفرناكم بين بهم والكرة معناها الرجعة والدولة وذلك حين قتل داود جالوت وعاد ملكهم إليهم وحكى القراء ان رجلا دعى على بختنصر فقتله الله وعاد ملكهم إليهم وقيل غزوا ملك بابل فأخذوا ما كان في يده من المال والأسرى تعالى اكثر نفيرا أي اكثر عددا وأنصارا منهم قال ابن قتيبة النفير والنافر واحد كما يقال قدير وقادر واصله من ينفر مع الرجل من عشيرته واهل بيته
[ 9 ]
احسنتم احسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم ان يرحمكم وان عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا أهل تعالى احسنتم حديث أي وقلنا لكم ان فأطعتم الله احسنتم لأنفسكم أي عاقبة الطاعة لكم وان أسأتم بالفساد والمعاصي فلها وفيه قولان انه بمعنى فإليها والثاني فعليها جاء وعد الاخرة جواب فإذا محذوف تقديره فإذا جاء وعد عقوبة المرة الاخرة من افسادكم بعثناهم ليسوؤوا وجوهكم وهذا الفساد الثاني هو قتلهم يحيى بن زكريا وقصدهم قتل عيسى فرفع وسلط الله عليهم ملوك فارس والروم فقتلوهم وسبوهم فذلك قوله ليسوؤوا وجوهكم قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وحفص عن عاصم ليسوؤوا بالياء على الجميع والهمز بين الواوين والإشارة الى المبعوثين وقرأ ابن عامر وحمزة وابو بكر عن عاصم ليسوء وجوهكم على التوحيد قال أبو علي فيه وجهان
احدهما ليسوء الله عز وجل والثاني ليسوء البعث وقرأ الكسائي لنسوء بالنون وذلك راجع الى الله تعالى بعث عليهم في المرة الثانية قولان بختنصر قاله مجاهد وقتادة وكثير من الرواة يأبى هذا القول يقولون كان بين تخريب بختنصر بيت المقدس وبين مولد يحيى بن زكريا زمان طويل انطياخوس عند الرومي قاله مقاتل ومعنى لأنه وجوهكم ليدخلوا عليكم الحزن بما يفعلون من قتلكم وسبيكم وخصت المساءاة أخبرنا بالوجوه والمراد اصحاب الوجوه لما يبدو عليها من اثر الحزن والكآبة قوله تعالى وليدخلوا المسجد يعني بيت المقدس كما دخلوه في المرة الأولى وليتبروا أي ليدمروا ويخربوا قال الزجاج يقال لكل شئ ينكسر من الزجاج والحديد والذهب تبر ومعنى ما علوا أي ليدمروا في حال علوهم عليكم تعالى ربكم ان يرحمكم هذا مما وعدوا به في التوراة وعسى من الله واجبة فرحمهم اله بعد انتقامه منهم وعمر بلادهم واعاد نعمهم بعد سبعين سنة وان
[ 10 ]
عدتم الى معصيتنا عدنا الى عقوبتكم قال المفسرون ثم إنهم عادوا إلى المعصية نبعث الله عليهم ملوكا من ملوك فارسي والروم قال قتادة ثم كان اخر ذلك أن بعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم فهم في عذاب الى يوم القيامة فيعطون الجزية عن يد وهم صاغرون تعالى جهنم للكافرين حصيرا فيه قولان سجنا قاله ابن عباس والضحاك وقتادة وقال مجاهد يحصرون فيها وقال أبو عبيدة وابن قتيبة محبسا وقال الزجاج حصيرا حبسا أخذ من قولك حصرت الرجل إذا حبسته فهو محصور وهذا حصيره أي محبسه والحصير المنسوج سمي حصير لأنه حصرت طاقاته بعضها مع بعض ويقال للجنب حصير لأن
بعض الاضلاع محصور مع بعض وقال ابن الانباري حصيرا بمعنى حاصرة فصرف من حاصرة الى حصير كما صرف مؤلم الى أليم فراشا ومهادا قاله الحسن قال أبو عبيدة ويجوز أن تكون جهنم لهم مهاد بمنزلة الحصير والحصير البساط الصغير هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم اجرا كبيرا وان الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما تعالى هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم يا قال ابن الانباري التي وصف للجمع والمعنى يهدي الى الخصال التي هي اقوم الخصال قال المفسرون وهي توحيد الله والايمان به وبرسله والعمل بطاعته ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أي بأن لهم اجرا وهو الجنة وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أي ويبشرهم بالعذاب لأعدائهم وذلك أن المؤمنين كانوا في أذى من المشركين فعجل الله لهم البشرى في الدنيا بعقاب الكافرين
[ 11 ]
والإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا تعالى يكون الإنسان بالشر وذلك ان الإنسان يدعو في حال الضجر والغضب على نفسه وأهله بما لا يحب ان يستجاب له كما يدعو لنفسه بالخير الانسان عجولا يعجل بالدعاء بالشر عند الغضب والضجر عجلته بالدعاء بالخير المراد بالإنسان هاهنا ثلاثة اقوال انه اسم جنس يراد به الناس قال الزجاج وغيره آدم فاكتفى بذكره من ذكر ولده ذكره ابن الأنباري والثالث انه النضر بن الحارث حين قال مع علينا حجارة من السماء الانفال 32 قاله مقاتل وقال سلمان الفارسي أول ما خلق الله من آدم رأسه فجعل ينظر الى جسده كيف يخلق قال فبقيت رجلاه فقال يا رب عجل فذلك قوله الانسان عجولا
سعيد الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شئ فصلناه تفصيلا قوله تعالى الليل والنهار آيتين بكر أي علامتين يدلان على قدرة خالقهما فمحونا آية الليل فيه قولان أن آية الليل القمر ومحوها ما في بعض القمر من الاسوداد والى هذا المعنى ذهب علي عليه السلام وابن عباس في آخرين آية الليل محيت بالظلمة التي جعلت ملازمة لليل فنسب المحوالى الظلمة إذ كانت تمحو الانوار وتبطلها ذكره ابن الانباري ويروى ان الشمس والقمر كانا في النور والضوء سواء فأرسل الله جبريل فأمر جناحه على وجه القمر وطمس عنه الضوء تعالى آية النهار يعني الشمس مبصرة فيه ثلاثة أقوال منيرة قاله قتادة قال ابن الانباري وانما صلح وصف الاية بالابصار على جهة المجاز كما يقال لعب الدهر ببني فلان ان معنى مبصرة مبصرا بها قاله ابن قتيبة
[ 12 ]
والثالث ان معنى مبصرة مبصرة فجرى مفعل مجرى مفعل والمعنى انها تبصر الناس أي تريهم الأشياء قاله ابن الأنباري ومعاني الأقوال تتقارب تعالى فضلا من ربكم أي لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم وتطلبون رزقكم بالنهار قد عدد السنين والحساب بمحو آية الليل ولولا ذلك لم يعرف الليل من النهار ولم يتبين العدد وكل شئ أي ما يحتاج إليه وفي تفصيلا بيناه تبينا لا يلتبس معه بغيره انسان الزمنا طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقه منشورا إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا
تعالى انسان وقرأ ابن ابي عبلة وكل برفع اللام وقرأ ابن مسعود وأبي والحسن ألزمناه طيره بياء ساكنة من غير الف الطائر أربعة أقوال شقاوته وسعادته قاله أبو صالح عن ابن عباس قال مجاهد ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد عمله قاله الفراء وعن الحسن كالقولين انه ميصيبه قاله خصيف وقال أبو عبيدة حظه ابن قتيبة والمعنى فيما أرى والله اعلم ان لكل امرئ حظا من الخير والشر قد قضاه الله عليه فهو لازم عنقه والعرب تقول لكل ما لزم الانسان قد لزم عنقه وهذا لك علي وفي عنقي حتى اخرج منه وانما قيل للحظمن الخير والشر طائر لقول العرب جرى له الطائر بكذا من الخير وجرى له الطائر بكذا من الشر على طريق الفأل والطيرة فخاطبهم الله بما يستعملون واعلمهم ان ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر هو الذي يلزمه أعناقهم الازهري الأصل في هذا أن الله تعالى لما خلق آدم علم المطيع من ذريته والعاصي فكتب ما علمه منهم اجمعين وقضى سعادة من علمه مطيعا وشقاوة من علمه عاصيا فصار لكل منهم ما هو صائر إليه عند خلقه وانشائه فذلك قوله الزمناه طائره في عنقه انه ما يتطير من مثله من شئ عمله وذكر العنق عبارة عن اللزوم كل كلزوم القلادة العنق من بين ما يلبس هذا قول الزجاج وقال ابن الانباري الاصل في تسميتهم العمل طائرا
[ 13 ]
انهم كانوا يتطيرون من بعض الاعمال تعالى ونخرج له قرأ أبو جعفر ويخرج بياء مضمومة وفتح الراء وقرأ يعقوب وعبد الوارث بالياء مفتوحة وضم الراء وقرأ قتادة وابو المتوكل ويخرج بياء مرفوعة وكسر الراء
وقرأ أبو الجوزاء والأعرج وتخرج بتاء مفتوحة ورفع الراء يوم القيامة كتابا وقرأ ابن عباس وعكرمة والضحاك كتاب بالرفع يلقاه وقرأ ابن عامر وابو جعفر يلقاه بضم الياء وتشديد القاف وامال حمزة والكسائي القاف قال المفسرون هذا كتابه الذي فيه ما عمل وكان أبو السوار العدوي إذا قرأ هذه الآية قال نشرتان وطية اما ما حييت يا ابن آدم فصحيفتك منشورة فأمل فيها ما شئت فإذا مت طويت ثم إذا بعثت نشرت تعالى كتابك وقرأ أبو جعفر اقرأ بتخفيف الهمزة وفيه اضمار تقديره فيقال له اقرأ كتابك قال الحسن يقرؤه أميا كان أو غير أمي ولقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك معنى حسيبا ثلاثة اقوال محاسبا والثاني شاهدا والثالث كافيا والمعنى ان الانسان يفوض إليه حسابه ليعلم عدل الله بين العباد ويرى وجوب حجة الله عليه واستحقاقه العقوبة ويعلم انه ان دخل الجنة فبفضل الله لا بعمله وان دخل النار فبذنبه قال ابن الانباري وانما قال حسيبا والنفس مؤنثة لأنه يعني بالنفس الشخص أو لأنه لا علامة للتأنيث في لفظ النفس فشبهت بالسماء والارض قال تعالى منفطر به المزمل 18 قال الشاعر فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض ابقل ابقالها فلا اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر اخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا تعالى اهتدى فانما يهتدي لنفسه أي له ثواب اهتدائه وعليه عقاب ضلاله تعالى تزر وازرة أي نفس وازرة وزر اخرى قال ابن عباس االوليد بن
[ 14 ]
المغير قال اتبعوني وانا احمل اوزاركم منه فقال الله تعالى تزر وازرة وزر اخرى قال أبو عبيدة والمعنى ولا تأثم آثمة إثم أخرى قال الزجاج يقال وزيزر فهو وازر وزرا ووزرا ووزرة ومعناه اثم إثما تأويل هذه الآية وجهان أن الآثم لا يؤخذ بذنب غيره أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم لأن غيره عمله كما الكفار وجدنا آباءنا على امة: الزخرف 22 غير ومعنى حتى نبعث رسولا أي حتى نبين ما به نعذب وما من اجله ندخل الجنة القاضي أبو يعلى في هذا دليل على ان معرفة الله لا تجب عقلا وإنما تجب بالشرع وهو بعثة الرسل وانه لو مات الإنسان قبل ذلك لم يقطع عليه بالنار قال وقيل معناه انه لا يعذب في ما طريقه السمع الا بقيام حجة السمع من جهة الرسول ولهذا قالوا لو أسلم بعض اهل الحرب في دار الحرب ولم يسمع بالصلاة والزكاة ونحوها لم يلزمه قضاء شئ منها لأنها لم تلزمه إلابعد قيام حجة السمع والأصل فيه قصة أهل قباء حين استداروا الى الكعبة ولم يستأنفوا ولو أسلم في دار الإسلام ولم يعلم بفرض الصلاة فالواجب عليه القضاء لأنه قد رأى الناس يصلون في المساجد بأذان وإقامة وذلك دعاء إليها أحمد أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا وكم اهكلنا بعد من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا قوله تعالى اردنا ان نهلك قرية في سبب ارادته لذلك قولان ما سبق لهم في قضائه من الشقاء والثاني عنادهم الانبياء وتكذيبهم اياهم تعالى امرنا مترفيها قرأ الاكثرون أمرنا مخففة على وزن فعلنا وفيها ثلاثة اقوال انه من الأمر وفي الكلا اضمار تقديره امرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا هذا
[ 15 ]
مذهب سعيد بن جبير قال الزجاج ومثله في الكلام امرتك فعصيتني فقد علم ان المعصية مخالفة الأمر كثرنا يقال أمرت الشئ وآمرته يقول أي كثرته ومنه قولهم مهرة مأمورة أي كثيرة النتاج يقا أمر بنو فلان يأمرون أمرا إذا كثروا هذا قول ابي عبيدة وابن قتيبة ان معنى امرن امرنا يقال امرت الرجل بمعنى امرته والمعنى سلطنا مترفيها بالإمارة ذكره ابن الانباري وروى خارجة عن نافع أمرنا ممدودة مثل آمنا وكذلك روى حماد بن سلمة عن ابن كثير وهي قراءة ابن عباس وابي الدرداء وابي رزين والحسن والضحاك ويعقوب قال ابن قتيبة وهي اللغة العالية المشهورة ومعناه كثرنا ايضا وروى ابن مجاهد ان أبا عمرو قرأ امرنا مشددة الميم وهي رواية أبان عن عاصم وهي قراءة ابي العالية والنخعي والجحدري قال ابن قتيبة المعنى جعلناهم أمراء وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وابن يعمر أمرنا بفتح الهمزة مكسورة الميم مخففة فأما المترفون فهم المتنعمون الذين قد أبطرتهم النعمة وسعة العيش والمفسرون يقولون هم الجبارون والمسلطون الذي والملوك وانما خص المترفين بالذكر لأنهم الرؤساء ومن عداهم تبع لهم تعالى ففسقوا فيها أي تمردوا في كفرهم لأن الفسق في الكفر الخروج الى افحشه لأن وقد شرحنا معنى الفسق في البقرة تعالى فحق عليها القول قال مقاتل وجب عليها العذاب وقد ذكرنا معنى التدمير في الاعراف 137 قوله تعالى وكم اهلكنا من القرون وهو جمع قرن وقد ذكرنا اختلاف الناس فيه في الانعام 6 وشرحنا معنى الخبير والبصير في البقرة قال مقاتل وهذه الاية تخويف لأهل مكة كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلها
مذموما مدحورا ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا
[ 16 ]
تعالى من كان يريد العاجلة يعني من كان يريد بعمله الدنيا فعبر بالنعت عن الاسم عجلنا له فيها منشاء من عرض الدنيا وقيل من البسط والتقتير لمن نريد فيه قولان لمن نريد هلكته قاله أبو اسحاق الفزاري لمن نريد ان نعجل له شيئا وفي هذا ذم لمن اراد بعمله الدنيا وبيان انه لا ينال مع ما يقصده منها الا ما قدر له ثم يدخل النار في الاخرة وقال ابن جرير هذه الاية لمن لا يوقن بالمعاد وقد ذكرنا معنى جنهم في البقرة 206 ومعنى يصلاها في سورة النساء 10 ومعنى مذموما مدحورا في الاعراف 18 تعالى ومن اراد الاخرة يعني الجنة وسعى لها سعيها أي عمل لها العمل الذي يصلح لها وانما قال وهو مؤمن لأن الايمان شرط في صحة الاعمال فأولئك كان سعيهم مشكورا أي مقبولا وشك الله عز وجل لهم ثوابه إياهم وثناؤه عليهم نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما اعطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة وقد درجات واكبر تفضيلا لا تجعل مع الله الها آخر فتقعد مذموما مخذولا تعالى كلا نمد هؤلاء قال الزجاج كلا منصوب ب نمد هؤلاء بدل من كل والمعنى نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك قال المفسرون كلا نعطي من الدنيا البر والفاجر والعطاء هاهنا الرزق والمحظور الممنوع والمعنى ان الرزق يعم المؤمن والكافر
[ 17 ]
والآخرة للمتقين خاصة علي يا محمد كيف فضلنا بعضهم على بعض وفيما وفضلوا فيه
قولان الرزق منهم مقل ومنهم مكثر الرزق والعمل فمنهم موفق لعمل صالح ومنهم ممنوع من ذلك قوله تعالى لا تجعل مع الله الها اخر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى عام لجميع المكلفين والمخذول الذي لا ناصر له والخذلان ترك العون قال مقاتل نزلت حين دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى ملة آبائه حتى ربك الا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ربكم اعلم بما في نفوسكم ان تكونوا صالحين فانه كان للأوابين غفورا تعالى وقضى ربك روى ابن ابي طلحة عن ابن عباس قال امر ربك ونقل عنه الضحاك انه قال انما هو وصى ربك فالتصقت احدى الواوين ب الصاد وكذلك قرأ أبي بن كعب وأبو المتوكل وسعيد ابن جبير ووصى وهذا على خلاف ما انعقد عليه الاجماع فلا يلتفت إليه وقرأ أبو عمران وعاصم الجحدري ومعاذ القارئ وقضاء ربك بقاف وضاد بالمد والهمز والرفع وخفض اسم الرب قال ابن الانباري هذا القضاء من باب الحتم والوجوب لكنه من باب الامر والفرض وأصل القضاء في اللغة قطع الشئ باحكام واتقان قال الشاعر يرثي عمر قضيت تعالى أمورا ثم غادرت بعدها فإن بوائق في اكمامها لم تفتق عمر النبي قطعتها محكما لها
[ 18 ]
تعالى وبالوالدين احسانا أي وأمر بالوالدين إحسانا وهوالبر وإن والإكرام وقد ذكرنا هذا في البقرة 83 تعالى إما يبلغن قرا ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر يبلغن
على التوحيد وقرأ حمزة والكسائي وخلف يبلغان على التثنية قال الفراء جعلت يبلغن فعلا لأحدهما وكرت عليهما كلاهما ومن قرا يبلغان فانه ثنى لأن الوالدين قد ذكرا قبل هذا فصار الفعل على عددهما ثم قال أحدهما أو كلاهما على الاستئناف كقوله فعموا وصموا المائدة 71 ثم استأنف فقال كثير منهم تعالى فلا تقل لهما اف قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم أف بالكسر من غير تنوين وقرا ابن كثير وابن عامر ويعقوب والمفضل اف بالفتح من غير تنوين وقرأ نافع وحفص عن عاصم أن بالكسر والتنوين وقرأ أبو الجوزاء وابن يعمر أف بالرفع والتنوين وتشديد الفاء وقرأ معاذ القارئ وعاصم الجحدري وحميد بن قيس أفا مثل تعسا وقرأ أبو عمران الجوني وأبو السماك العدوي أف بالرفع من غير تنوين مع تشديد الفاء وهي رواية الاصمعي عن ابي عمرو وقرأ عكرمة وابو المتوكل وابو رجاء وابو الجوزاء اف باسكان الفاء وتخفيفها قال الاخفش وهذا لأن بعض العرب يقول اف لك على الحكاية والرفع قبيح لأنه لم يجئ بعده لام وقرأ أبو العالية وابو حصين الاسدي افي بتشديد الفاء وياء وروى ابن الانباري ان بعضهم قرأها إف بكسر الهمزة وقال الزجاج فيها سبع لغات الكسر بلا تنوين وبتنوين والضم بلا تنوين وبتنوين والفتح بلا تنوين وبتنوين واللغة السابعة لا تجوز في القراءة أفي بالياء هكذا قال الزجاج وقال ابن الانباري في أف عشرة أوجه أف لك بفتح الفاء وأف بكسرها وأف وأفا لك بالنصب والتنوين على مذهب الدعاء كما تقول ويلا للكافرين وأف لك بالرفع والتنوين وهو رفع باللام كقوله تعالى ويل للمطففين المطففون 1 كما وأفه لك بالخفض والتنوين تشبيها بالأصوات كقولك صه ومه وأفهأ هو لك على مذهب الدعاء ايضا وأفي لك على الإضافة الى النفس وأف لك بسكون الفاء تشبيها بالأدوات مثل كم وهل وبل وإف لك بكسر الألف وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال وتقول أف منه وأف وأفوأف وأفا وأف وأفي مضاف وأفها وسلم وأفا بالألف
ولا تقل أفي بالياء فانه خط معنى أف ففيه خمسة اقوال
[ 19 ]
انه وسخ الظفر قاله الخليل والثاني وسخ الأذن قاله الاصمعي والثالث قلامة الظفر قاله ثعلب والرابع ان الأف الاحتقار والاستصغار عنه من الأفف والأفف إن عند العرب القلة ذكره ابن الأنباري والخامس ان الأف مرفعته من الأرض من عود أو قصبة حكاه ابن فارس اللغوي وقرأت على شيخنا أبي منصور قال معنى الأف النتن والتضجر وأصلها نفخك الشئ يسقط عليك من تراب ورماد وللمكان تريد اماطة الأذى عنه فقيلت لكل مستثقل قال المصنف واما قولهم فقد جعلها قوم بمعنى أف فروي عن أبي عبيد أنه قال اصل الأف والتف الوسخ على الأصابع إذا فتلته وحكى ابن الأنباري فرقا قال اللغويون أصل الأف في اللغة وسخ الأذن والتف وسخ الأظفار فاستعملتهما إلا العرب فيما يكره ويستقذر ويضجر فيهه وحكى الزجاج فرقا آخر فقال قد قيل إن أف وسخ الأظفار والتف الشئ الحقير نحو وسخ الأذن أو الشظية تؤخذ من الارض ومعنى أف النتن ومعنى الآية لا تقل لهما كلاما تتبرم فيه بهما إذا كبرا وأسنا فينبغي ان تتولى من خدمتهما مثل الذي توليا من القيام بشأنك وخدمتك ولا تنهرهما أي لا تكلمهما ضجرا صائحا في وجوههما وقال عطاء بن ابي رباح لا تنقضي يدك عليهما يقال نهرته فيه انهره صلى نهرا وانتهرته انتهارا بمعنى واحد وقال ابن فارس نهرت الرجل وانتهرته مثل زجرته قال المفسرون وانما نهى عن اذاهما في الكبر وإن كان منهيا عنه على كل حالة لأن حالة الكبر يظهر فيها منهما ما يضجر ويؤذي وتكثر خدمتهما تعالى وقل لهما قولا كريما أي لينا لطيفا أحسن ما تجد وقال سعيد بن المسيب
قول العبد المذنب للسى الفظ تعالى واخفض لهما جناح الذل من الرحمة أي ألن لهما جانبك متذللا لهما من رحمتك إياهما وخفض الجناح قد شرحناه في الحجر 88 قال عطاء جناحك يداك فترفعهما على والديك والجمهور يضمون الذال من الذل وقرا أبو رزين والحسن وسعيد بن جبير وقتادة وعاصم الجحدري وابن ابي عبلة بكسر الذال قال الفراء الذل ان تتذلل لهما من الذل والذل أن تتذلل ولست بذليل في الخدمة والذل والذلة مصدر الذليل والذل بالكسر مصدر الذلول مثل الدابة والأرض قال ابن الانباري من قرأ الذل بكسر الذال جعله بمعنى
[ 20 ]
الذل بضم الذال والذي عليه كبراء اهل اللغة ان الذل من الرجل الذليل والذل من الدابة الذلول تعالى وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا أي مثل رحمتهما إياي في صغري حتى ربياني وقد ذهب قوم الى ان هذا الدعاء المطلق نسخ منه الدعاء لأهل الشرك بقوله كان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين التوبة 113 وهذا المعنى منقول عن ابن عباس والحسن وعكرمة ومقاتل قال المصنف ولا أرى هذا نسخا عند الفقهاء لأنه عام دخله التخصيص وقد ذكر قريبا ممقلته ابن جرير تعالى ربكم اعلم بما في نفوسكم أي بما تضمرون من البر والعقوق فمبدرت منه بادرة وهو لا يضمر العقوق غفر له ذلك وهو قوله ان تكونوا صالحين أي طائعين لله وقيل بارين وقيل توابين فانه كان للأوابين غفورا في الأواب عشرة أقوال أحدها انه المسلم رواه الضحاك عن ابن عباس انه التواب رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وابو عبيدة وقال ابن قتيبة هو التائب مرة بعد مرة وقال الزجاج هو التواب المقلع عن جميع ما نهاه الله عنه يقال قد آب يؤوب أوبا إذا رجع
انه المسبح رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس انه المطيع لله تعالى رواه علي بن ابي طلحة عن ابن عباس انه الذي يذكر ذنبه في الخلاء فيستغفر الله منه قاله عبيد بن عمير والسادس انه المقبل الى الله تعالى بقلبه وعمله قاله الحسن المصلي قاله قتادة هو الذي يصلي بين المغرب والعشاء قاله ابن المنكدر والتاسع الذي يصلي صلاة الضحى قاله عون العقيلي انه الذي يذنب سرا ويتوب سرا قاله السدي
[ 21 ]
وقال ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان ربه كفورا وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا تعالى وآت ذا القربى حقه فيه قولان انه قرابة الرجل من قبل ابيه وامه قاله ابن عباس والحسن فعلى هذا في حقهم ثلاثة أقوال احدها ان المراد به برهم وصلتهم والثاني النفقة الواجبة لهم وقت الحاجة والثالث الوصية لهم عند الوفاة انهم قرابة الرسول قال علي بن الحسين عليهما السلام والسدي فعلى هذا يكون حقهم إعطاؤهم من الخمس ويكو الخطاب للولاة تعالى والمسكين وابن السبيل قال القاضي أبو يعلى يجوز ان يكون المراد الصدقات الواجبة يعني الزكاة ويجوز ان يكون الحق الذي يلزمه اعطاؤه عند الضرور إليه
وقيل حق المسكين من الصدقة وابن السبيل من الضيافة تعالى ولا تبذر تبذيرا في التبذير قولان انه انفاق المال في غير حق قاله ابن مسعود وابن أنه وقال مجاهد لو انفق الرجل ماله كله في حق ما كان مبذرا ولو انفق مدا في غير حق كان مبذرا قال الزجاج التبذير النفقة في غير طاعة الله وكانت الجاهلية تنحر الابل وتبذر الاموال تطلب بذلك الفخر والسمعة فأمر الله عز وجل بالنفقة في وجهها فيما يقرب منه انه الإسراف المتلف للمال ذكره الماوردي وقال أبو عبيدة المبذر هو المسرف المفسد العائث وهو تعالى ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين لأنهم يوافقونهم فيما يدعونهم إليه ويشا كلونهم صلى الله عليه وسلم في معصية الله وكان الشيطان لربه كفورا أي جاحدا لنعمه وهذا يتضمن أن المسرف كفور للنعم تعالى واما تعرضن عنهم في المشار إليهم اربعة اقوال
[ 22 ]
انهم الذين تقدم ذكرهم من الاقار ب والمساكين وابناء السبيل قاله الاكثرون فعلى هذا في علة هذا الاعراض قولان احدهما الاعسار قاله الجمهور والثاني خوف انفاقهم ذلك في معصية الله قاله ابن زيد وعلى هذا في الرحمة قولان احدهما الرزق قاله الاكثرون والثاني انه الصلاح والتوبة هذا على قول ابن زيد انهم المشركون فالمعنى واما تعرضن عنهم لتكذيبهم قاله سعيد بن جبير فتحتمل إذا الرحمة وجهين احدهما انتظار النصر عليهم
والثاني الهداة لهم انهم ناس من مزينة جاؤوا يستحملون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا اجد من أحملكم عليه فبكوا فنزلت هذه الاية قاله عطاء الخراساني إذا انها نزلت في خباب وبلال وعمار ومهجع ونحوهم من الفقراء كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجد ما يعطيهم فيعرض عنهم ويسكت قاله مقاتل فعلى هذا القول والذي قبله تكون الرحمة بمعنى الرزق تعالى فقل لهم قولا ميسورا قال أبو عبيدة لينا هينا وهو من اليسر وللمفسرين فيه ثلاثة أقوال انه العدة الحسنة قاله ابن عباس والحسن ومجاهد انه القول الجميل مثل ان يقول رزقنا الله واياك قاله ابن زيد وهذا على ما تقدم من قوله والثالث انه المداراة لهم باللسان على قول من قال هم المشركون قاله أبو سليمان الدمشقي وعلى هذا القول تحتمل الآية النسخ تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ان
[ 23 ]
ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدرانه كان بعباده خبيرا بصيرا ولا تقتلو اولادكم خشية املاق نحن نرزقهم واياكم ان قتلهم كان خطأ كبيرا تعالى ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك سبب نزولها ان غلام جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ان امي تسألك كذا وكذا قال ما عندنا اليوم شئ قال فتقول لك اكسني قميصك قال فخلع قميصه فدفعه إليه وجلس في البيت حاسرا فنزلت هذه الاية قاله ابن مسعود وروى جابر فقال عبد الله نحو هذا فزاد فيه فأذن بلال للصلاة وانتظروه فلم يخرج فشغل قلوب الصحابة فدخل عليه بعضه فرأوه عريانا فنزلت هذه الاية والمعنى لا تمسك
يدك عن البذل كل الامساك حتى كأنها مقبوضة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط في الاعطاء والنفقة فتقعد ملوما تلوم نفسك ويلومك الناس محسورا قال ابن قتيبة تحسرك أي العطية وتقطعك كما يحسر السفر البعير فيبقى منقطعا به قال الزجاج المحسور الذي قد بلغ الغاية في التعب والإعياء فالمعنى فتقعد وقد بلغت في الحمل على نفسك وحالك حتى صرت بمنزلة من قد حسر قال القاضي أبو يعلى وهذا الخطاب اريد به غير رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن يدخر شيئا لغد وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه وقد كان كثير من فضلاء الصحابة ينفقون جميع ما يملكون فلم ينههم الله لصحة يقينهم وانما نهى من خيف عليه التحسر على ما خرج من يده فأما من وثق بوعد الله تعالى فهو غير مراد بالاية تعالى ان ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي يوسع على من يشاء ويضيق انه كان بعباده خبيرا بصيرا حيث أجرى أرزاقهم على ما علم فيه صلاحهم تعالى ولا تقتلوا اولادكم خشية املاق قد فسرناه في الانعام 151 تعالى كان خطءا كبيرا قرأ نافع وابو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي خطءا مكسورة الخاء ساكنة الطاء مهموزة مقصورة وقرأ ابن كثير وعطاء خطاء مكسورة الخاء ممدودة مهموزة وقرأ ابن عامر خطأ بنصب الخاء والطاء وبالهمز من غير مد وقرأ أبو رزين كذلك إلا أنه مد وقرأ الحسن وقتادة خطءا بفتح الخاء وسكون الطاء مهموز مقصور وقرأ الزهري وحميد بن قيس خطا بكسر الخاء وتنوين الطاء من غير همز ولا مد قال الفراء الخطء الإثم وقد يكون في معنى خطأ كما قالوا قتب وقتب وحذر وحذر ونجس ونجس والخط والخطاء والخطاء ممدود لغات وقال أبو عبيده خطئت وأخطأت لغتان وقال أبو علي قراءة ابن كثير خطاء يجوز أن تكون مصدر خاطأ وان لم يسمع خاطأ ولكن قد جاء ما يدل عليه انشد أبو عبيدة
[ 24 ]
والخطء والخطاء الاخفش خطئ يخطأ بمعنى أذنب وليس بمعنى أخطأ لأن اخطأ فيما لم
يصنعه عمدا تقول فيما اتيته عمدا خطئت وفيما لم تتعمده أخطأت وقال ابن الانباري الخطء الإثم يقال قد خطئ يخطأ إذا أثم وأخطأ يخطئ إذا فارق الصواب وقد شرحنا هذا في يوسف 91 عند قوله وان كنا لخاطئين تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل انه كان منصورا تعالى ولا تقربو الزنا وقرأ أبو رزين وابو الجوزاء والحسن بالمد قال أبو عبيدة وقد يمد الزنا في كلام اهل نجد قال الفرزدق ابا ثنا حاضر من يزن يعرف زناؤه به ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا هذا ثم ايضا أخضبت رسول فعلك للزناء ولم تكن يوم اللقاء لتخضب الأبطالا ولا اخر كانت فريضة ما نقول كما كان الزناء فريضة الرجم تعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قد ذكرناه في الانعام 151 تعالى فقد جعلنا قال الزجاج الأجود إدغام الدال مع الجيم والإظهار جيد بالغ إلا أن الجيم من وسط اللسان والدال من طرف اللسان والإدغام جائز لأن حروف وسط اللسان تقرب من حروف طرف اللسان ووليه الذي بينه وبينه قرابة توجب المطالبة بدمه فان لم يكن له ولي فالسلطان وليه في السلطان قولان انه الحجة قاله ابن عباس
[ 25 ]
والثاني انه الوالي والمعنى فقد جعلنا لوليه سلطانا ينصره وينصفه في حقه، قاله ابن زيد:
قولى: فلا يسرف في القتل قرا ابن كثير وابو عمر وعاصم فلا يسرف بالياء وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء وفي المشار إليه في الاية قولان احدهما انه ولي المقتول وفي المراد باسرافه لم خمسة اقوال احدها ان يقتل غير القاتل قاله بن عباس والحسن والثاني أن يقتل اثنين بواحد قاله سعيد بن بن جبير والثالث ان يقتل اشرف من الذي قتل قاله ابن زيد والرابع ان يمثل قاله قتادة والخامس ان يتولى هو قتل القاتل دون السلطان ذكره الزجاج ان الإشارة الى القاتل الأول والمعنى فلا يسرف القاتل بالقتل تعديا وظلما قاله مجاهد تعالى إن كان منصورا أي معانا عليه هاء الكناية اربعة اقوال انها ترجع إلى الولي فالمعنى انه كان منصورا بتمكينه من القود قال قتادة والجمهور انها ترجع الى المقتول فالمعنى انه كان منصورا بقتل قاتله قاله مجاهد انها ترجع الى الدم فالمعنى ان دم المقتول كان منصورا أي مطلوبا به انها ترجع الى القتل ذكر القولين الفراء تقربو مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن حدثنا ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا
[ 26 ]
تعالى ولا تقربوا ما ل اليتيم قد شرحناه في الانعام 152 تعالى وأوفوا بالعهد وهو عام فيما بين العبد وبين ربه وفيما بينه وبين الناس قال الزجاج كل ما أمر اللبه ونهى عنه فهو من العهد تعالى كان مسؤولا قال ابن قتيبة أي مسؤولا عنه تعالى وأوفوا الكيل إذا كلتم أي أتموه ولا تبخسوا منه تعالى وزنوا بالقسطاس فيه خمس لغات أحدها قسطاس بضم القاف وسينين وهذه قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وأبن عامر وأبي بكر عن عاصم هاهنا وفي الشعراء 182 والثانية كذلك إلا أن القاف مكسورة وهذه قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم قال الفراء هما لغتان والثالثة قصطاص ابن بصادين والرابعة قصطاس قوله بصاد قبل الطاء وسين بعدها وهاتا مرويتان عن حمزة والخامسة قسطان بالنون قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن دريد قال القسطاس الميزان رومي معرب ويقال قسطاس وقسطاس تعالى ذلك خير أي ذلك الوفاء خير عند الله وأقرب إليه وأحسن تأويلا أي عاقبة في الجزاء تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم قال الفراء أصل تقف من القيافة وهي تتبع الأثر وفيه لغتان قفا يقفو وقاف يقوف واكثر القراء يجعلونها من قفوت فيحرك الفاء الى الواو ويجزم القاف كما تقول لا تدع وقرأ معاذ القارئ لا تقف مثل تقل والعرب تقول قفت أثره وقفوت ومثله عاث وعثا وقاع الجمل الناقة وقعاها له إذا ركبها قال الزجاج من قرأ باسكان الفاء وضم القاف من قاف يقوف فكأنه مقلوب من قفا يقفو والمعنى واحد تقول
قفوت الشئ أقفوه قفوا إذا تبعت أثره وقال ابن قتيبة لا تقف أي لا تتبعه الظنون والحدس وهو من القفاء مأخوذ كأنك تقفوا الأمور أي تكون في أقفائها وأواخرها تتعقبها والقائف الذي يعرف الآثار ويتبعها فكأنه مقلوب عن القافي في المراد به أربعة أقوال لا ترم أحدا بما ليس لك به علم رواه العوفي عن ابن عباس لا تقل رأيت ولم تر ولا سمعت ولم تسمع رواه عثمان بن عطا عن ابيه
[ 27 ]
ابن عباس وبه قال قتادة لا تشرك بالله شيئا رواه عطاء أيضا عن ابن عباس لا تشهد بالزور قاله محمد بن الحنفية تعالى ان السمع والبصر والفؤاد كأولئك قال الزجاج إنما قال كل ثم قال كان لأن كلا في لفظ الواحد وإنما قال أولئك لغير الناس لأن كل جمع أشرت إليه من الناس وغيرهم من الموات تشير إليه بلفظ أولئك قال جرير ذم المنازل بعد منزلة اللوى ذلك والعيش بعد أولئك الأيام المفسرون الإشارة الى الجوارح المذكورة يسأل العبد يوم القيامة فيما إذا محمد وفي هذا زجر عن النظر الى ما لا يحل والاستماع الى ما يحرم والعزم على مالا يجوز تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله الها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا قوله تعالى ولا تمش في الأرض مرحا وقرأ الضحاك وابن يعمر مرحا بكسر الراء قال الأخفش والكسر أجود لأن مرحا اسم الفاعل قال الزجاج وكلاهما في الجودة سواء غير أن المصدر أوكد في الاستعمال تقول جاء زيد ركضا وجاء زيد راكضا ف ركضا أوكد في الاستعمال لأنه يدل على توكيد الفعل وتأويل الاية لا تمش في الأرض مختالا فخورا والمرح
الأشر والبطر وقال ابن فارس المرح شدة الفرح تعالى إنك لن تخرق الأرض فيه قولان لن تقطعها إلى آخرها والثاني لن تنفذها وتنقبها إلى قال ابن عباس لن تخرق الأرض بكبرك ولن تبلغ الجبال طولا بعظمتك قال ابن قتيبة والمعنى لا ينبغي للعاجز ان يبذخ ويستكبر تعالى كل ذلك كان سيئه قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو سيئه منونا غير مضاف على معنى كان خطيئة فعلى هذا يكون قوله كل ذلك إشارة الى المنهي عنه من المذكور فقط وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي سيئه مضافا مذكرا فتكون
[ 28 ]
لفظة كل يشار بها الى سائر ما تقدم ذكره وكان أبو عمرو لا يرى هذه القراءة قال الزجاج وهذا غلط من أبي عمرو لأن في هذه الأقاصيص سيئا وحسنا وذلك أن فيها الامر ببر الوالدين وإيتاء ذي القربى والوفاء بالعهد ونحو ذلك فهذه القراءة أحسن من قراءة من نصب السيئة وكذلك قال أبو عبيدة تدبرت الآيات من قوله تعالى وقضى ربك فوجدت فيها أمورا حسنة وقال أبو علي من قرأ سيئة رأى أن الكلام انقطع عند قوله وأحسن تأويلا وأن قوله ولا تقف لا حسن فيه تعالى ذلك مما أوحى اليك ربك يشير الى ما تقدم من الفرائض والسنن من الحكمة أي من الأمور المحكمة والأدب الجامع لكل خير وقد سبق معنى المدحور الاعراف أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما قوله تعالى أفأصفاكم ربكم بالبنين قال مقاتل نزلت في مشركي العرب الذين قالوا الملائكة بنات الرحمن وقال أبو عبيدة ومعنى أفأصفاكم اختصكم وقال المفضل أخلصكم وقال الزجاج أختار لكم صفوة الشئ وهذا توبيخ للكفار والمعنى أختار لكم البنين دونه وجعل البنات مشتركة بينكم وبينه فاختصكم كان بالأعلى وجعل لنفسه الأدون
صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا تعالى ولقد صرفنا معنى التصريف هاهنا التبيين وذلك انه أبو يصرف القول ليبين وقال ابن قتيبة صرفنا بمعنى وجهنا وهو من قولك صرفت إليك كذا أي عدلت به اليك كذا وشدد للتكثير كما تقول فتحت الأبواب تعالى ليذكروا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ليذكروا مشدد وقرأ حمزة والكسائي وخلف ليذكروا مخفف وكذلك قرؤوا في الفرقان 50 والتذكر والتدبر وما يزيدهم تصريفنا وتذكيرنا أو إلا نفورا قال ابن عباس ينفرون من الحق ويتبعون الباطل
[ 29 ]
لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا تعالى قل لو كان معه آلهة كما يقولون قرأ نافع وأبو عمرو وأبن عامر وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم تقولون بالتاء وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم يقولون بالياء تعالى إذالابتغوا إلى ذي العرش سبيلا فيه قولان لابتغوا سبيلا الى ممانعته وإزالة ملكه قاله الحسن وسعيد بن جبير لابتغوا سبيلا الى رضاه لأنهم دونه قاله قتادة تعالى عما يقولون قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر وحفص عن عاصم يقولون بالياء وقرأ حمزة والكسائي بالتاء قوله تعالى تسبح له السموات السبع قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم تسبح بالتاء وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم يسبح بالياء قال الفراء وإنما حسنت الياء هاهنا لأنه عدد قليل وإذا قل العدد من المؤنث والمذكر كانت الياء فيه أحسن
من التاء قال عز وجل في المؤنث القليل وقال نسوة يوسف 30 وقال في المذكر فإذا انسلخ الاشهر الحرم التوبه 5 قال العلماء والمراد بهذا التسبيح الدلالة على أنه الخالق القادر تعالى وإن من شئ الا يسبح بحمده إن بمعنى ما وهل هذا على إطلاقه ام لا فيه قولان أنه على إطلاقه فكل شئ يسبحه حتى الثوب والطعام وصرير الباب قاله إبراهيم النخعي انه عام يراد به الخاص ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه كل شئ فيه الروح قاله الحسن وقتادة والضحاك والثاني أنه كل ذي روح وكل نام من شجر أو نبات قال عكرمة الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح وجلس الحسن على طعام فقدموا الخوان فقيل أيسبح هذا الخوان فقال قد كان يسبح مرة والثالث أنه كل شئ لم يغير عن حاله فإذا تغير انقطع تسبيحه روى خالد بن معدان عن
[ 30 ]
لمقدام بن معدي كرب قال إن التراب ليسبح ما لم يبتل فإذا ابتل ترك التسبيح وإن الورقة تسبح ما دامت على الشجرة فإذا سقطت تركت التسبيح وان الثوب ليسبح ما دام جديدا فإذا توسخ ترك التسبيح تسبيح الحيوان الناطق فمعلوم وتسبيح الحيوان غير الناطق فجائز ان يكون بصوته وجائز ان يكون بدلالته على صانعه تسبيح الجمادات ثلاثة أقوال انه تسبيح لا يعلمه الا الله والثاني أنه خضوعه وخشوعه لله والثالث أنه دلالته على صانعه فيوجب ذلك تسبيح مبصره عبد فان قلنا إنه تسبيح حقيقة كان
قوله ولكن لا تفقهون تسبيحهم لجميع الخلق وإن قلنا إنه دلالته على صانعه كان الخطاب للكفار لأنهم لا يستدلون ولا يعتبرون وقد شرحنا معنى الحليم والغفور في البقرة 225 قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين ل يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا وقالواء إذا كنا عظاما ورفاتاء إنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم الا قليلا
[ 31 ]
تعالى حجابا مستورا فيه ثلاثة أقوال ان الحجاب هو الأكنة على قلوبهم قاله قتادة أنه حجاب يستره فلا ترونه وقيل إنها نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن قال الكلبي وهم أبو سفيان والنضر ابن الحارث وابو جهل وأم جميل امرأة أبي لهب فحجب الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن فكانوا يأتونه ويمرون به ولا يرونه انه منع الله عز وجل إياهم عن أذاه حكاه الزجاج معنى مستورا قولان أنه بمعنى ساتر قال الزجاج وهذا قول أهل اللغة قال الأخفش وقد يكون الفاعل في لفظ المفعول كما تقول إنك مشؤوم علينا وميمون علينا وإنما هو شائم ويامن لأنه من شأمهم ويمنهم
أن المعنى حجابا مستورا عنكم لا ترونه ذكره الماوردي وقال ابن الأنباري إذا قيل الحجاب هو الطبع على قلوبهم فهو مستور عن الأبصار فيكون مستورا باقيا على لفظه تعالى وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه قد شرحناه في الأنعام 25 تعالى وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده يعني قلت لا إله إلا الله وأنت تتلو لقرآن ولوا على أدبارهم قال أبو عبيدة أي على أعقابهم نفورا وهو جمع نافر بمنزلة قاعد وقعود وجالس وجلوس وقال الزجاج تحتمل مذهبين أحدهما المصدر فيكون المعنى ولوا نافرين نفورا والثاني ان يكون نفورا جمع نافر المشار إليهم قولان أحدهما أنهم الشياطين قاله ابن عباس والثاني انهم المشركون وهذا مذهب ابن زيد تعالى نحن أعلم بما يستمعون به قال المفسرون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه عليه السلام ان يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ففعل ذلك ودخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهم القرآن ودعاهم الى التوحيد وكانوا يستمعون ويقولون فيما بينهم هو ساحر هو مسحور فنزلت هذه الآية نحن أعلم بما يستمعون به أي يستمعونه والباء زائدة إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى قال أبو عبيدة هي مصدر من
[ 32 ]
ناجيت واسم منها فوصف القوم بها والعرب تفعل ذلك كقولهم انما هو عذاب وانتم غم فجاءت في موضع متناجين وقال الزجاج والمعنى وإذ هم ذوو نجوى وكانوا يستمعون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون بينهم هو ساحر وهو مسحور وما أشبه ذلك من القول تعالى إذ يقول الظالمون يعني أولئك المشركون إن تتبعون أي ما تتبعون الا رجلا مسحورا وفيه ثلاثة أقوال
أنه الذي سحر فذهب بعقله قاله أبو صالح نع ابن عباس مخدوعا مغرورا قاله مجاهد له سحر أي رئة وكل دابة أو طائر أو بشر يأكل فهو مسحور ومسحر لأن له سحرا قال لبيد فان تسألينا فيم نحن فاننا أبي عصافير (من هذا الأنام المسحر ما امرؤ القيس أرانا لا مرصدين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب أي نغذى لأن أهل السماء يأكلون فأراد أن يكون ملكا فعلى هذا يكون المعنى إن تتبعون إلا رجلا له سحر خلقه الله كخلقكم وليس بملك وهذا قول ابي عبيدة ابن قتيبة والقول قول مجاهد أي مخدوعا لأن السحر حيلة وخديعة ومعنى قول لبيد المسحر المعلل وقول امرئ القيس ونسحر أي نعلل وكأنا نخدع والناس يقولون سحرتني بكلامك أي خدعتني ويدل عليه قوله انظر كيف ضربوا لك الأمثال لانهم لو أرادوا رجلا ذا رئة لم يكن في ذلك مثل ضربوه فلما أرادوا مخدوعا كأنه بالخديعة سحر كان مثلا ضربوه وكأنهم ذهبوا الى اقوما يعلمونه ويخدعونه قال المفسرون ومعنى ضربوا لك الأمثال بينوا لك الأشباه حتى شبهوك بالساحر والشاعر والمجنون فضلوا عن الحق فلا يستطيعون سبيلا فيه ثلاثة اقوال لا يجدون سبيلا الى تصحيح ما يعيبونك أن به لا يستطيعون سبيلا الى الهدى لأنا طبعنا على قلوبهم لا يأتون سبيل الحق لثقله عليهم ومثله قولهم لا أستطيع أن انظر الى فلان يعنون أنا مبغض له فنظري على إليه يثقل ذكرهن ابن الأنباري تعالى أئذا كنا عظاما قرأ ابن كثير أيذا بهمزة ثم يأتي بياء ساكنة من غير مد أينا مثله وكذلك في كل القرآن وكذلك روى قالون عن نافع الا ان نافعا كان لا يستفهم في
أينا كان يجعل الثاني الله في كل القرآن وكذلك مذهب الكسائي غير أنه يهمز الأولى
[ 33 ]
همزتين وقرأ عاصم وحمزة بهمزتين في الحرفين جميعا وقرأ ابن عامر إذا كنا بغير استفهام بهمزة واحدة آئنا بهمزتين يمد بينهما مدة تعالى ورفاتا فيه قولان أنه التراب ولا واحد له فهو بمنزلة الدقاق والحطام قاله الفراء وهو مذهب مجاهد أنه العظام ما لم تتحطم والرفات الحطام قاله أبو عبيدة وقال الزجاج الرفات التراب والرفات كل شئ حطم وكسر وخلقا جديدا في معنى مجددا تعالى أو خلقا مما يكبر في صدوركم فيه ثلاثة أقوال أنه الموت قاله ابن عمر وابن عباس والحسن والاكثرون انه السماء والارض والجبال قاله مجاهد انه ما يكبر في طصدوركم من كل ما استعظموه من خلق الله تعالى قاله قتادة قيل كيف قيل لهم كونوا حجارة أو حديداوهم لا يقدرون على ذلك فعنه جوابان إن قدرتم على تغير حالاتكم فكونوا حجارة أاشد منها فانا نميتكم وننفذ أحكامنا فيكم ومثل هذا قولك للرجل اصعد الى السماء فاني لاحقك تصوروا أنفسكم حجارة أو اصلب منها فانا سنبيدكم قال قال الاحوص إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبى فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا عن فتصور نفسك حجرا وهؤلاء قوم اعترفوا ان الله خالقهم وجحدوا البعث فأعلموا االذي ابتدأ خلقهم هو الذي يحييهم تعالى فسينغضون إليك رؤوسهم قال قتادة يحر كونها تكذيبا واستهزاء قال
الفراء يقال أنغض رأسه إذا حركه إلى فوق وإلى أسفل وقال ابن قتيبة المعنى يحر كونها كما يحرك الآيس من الشئ والمستبعد من له رأسه يقال نغضت سنه إذا تحركت تعالى ويقولون متى هو يعنون البعث قل عسى ان يكون قريبا أي هو قريب ثم بين متى يكون فقال يوم يدعوكم يعني من القبور بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة
[ 34 ]
الأخيرة فتستجيبون أي تجيبون قال مقاتل يقوم إسرافيل على صخرة بيت المقدس يدعو أهل القبور في قرن فيقول أيتها العظام البالية وأيتها اللحوم المتمزقة وأيتها الشعور المتفرقة وأيتها العروق المتقطعة اخرجوا الى فصل القضاء لتجزوا في بأعمالكم فيسمعون الصوت فيسعون إليه معنى بحمده اربعة أقوال بأمره قاله ابن عباس وابن جريج وابن زيد يخرجون من القبور وهم يقولون سبحانك وبحمدك قاله سعيد بن جبير بن ان معنى بحمده بمعرفته وطاعته قاله قتادة قال الزجاج تستجيبون مقرين انه خالقكم تجيبون بحمد الله لا بحمد أنفسكم ذكره الماوردي تعالى وتظنون إن لبثتم إلا قليلا في هذا الظن قولان انه بمعنى اليقين انه على اصله وأين يظنون أنهم لبثوا قليلا فيه ثلاثة أقوال أحدها بين النفختين ومقداره أربعون سنة ينقطع في ذلك العذاب عنهم فيرون لبثهم في زمان الراحة قليلا رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني في الدنيا لعلمهم بطول اللبث في الآخرة قاله الحسن والثالث في القبور قاله مقاتل فعلى هذا انما قصر اللبث في القبور عندهم لأنهم خرجوا الى ما هو أعظم عذابا من عذاب القبور وقد ذهب بعض المفسرين الى أن هذه الآية خطاب
للمؤمنين لأنهم يجيبون المنادي وهم يحمدون الله على إحسانه إليهم ويستقلون مدة اللبث في القبور لأنهم كانوا غير معذبين هذه لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا إ تعالى وقل عبادي يقولوا التي هي أحسن في سبب نزولها قولان أن المشركين كانوا يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بالقول والفعل فشكوا
[ 35 ]
ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الاية قاله أبو صالح عن ابن عباس أن رجلا من الكفار شتم عمر بن الخطاب فهم به عمر رضي الله عنه فنزلت هذه الاية قاله مقاتل والمعنى وقل لعبادي المؤمنين يقولوا الكلمة التي هي احسن واختلفوا فيمن تقال له هذه الكلمة على قولين أنهم المشركون قال الحسن تقول له يهديك الله وما ذكرنا من سبب نزول الآية يؤيد هذا القول وذهب بعضهم الى انهم امروا بهذه الآية بتحسين خطاب المشركين قبل الأمر بقتالهم ثم نسخت هذه الآية بآية السيف أنهم المسلمون قاله ابن جرير والمعنى وقل لعبادي يقول بعضهم لبعض التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة وقد روى مبارك عن الحسن قال التي هي أحسن أن يقول له مثل قوله ولكن يقول له يرحمك الله ويغفر الله لك قال الأخفش وقوله يقولوا مثل قوله يقيموا الصلاة وقد شرحنا ذلك في سورة ابراهيم 31 تعالى إن الشيطان ينزع بينهم أي يفسد ما بينهم والعدو المبين الظاهر العداوة سنة أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا تعالى ربكم أعلم بكم فيمن خوطب بهذا قولان أنهم المؤمنون ثم في معنى الكلام قولان أحدهما إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أهل مكة وإن يشأ يعذبكم فيسلطهم عمرو عليكم رواه أبو صالح عن ابن عباس
والثاني إن يشأ يرحمكم بالتوبة أو يعذبكم بالإقامة على الذنوب قاله الحسن قبل انهم المشركون ثم في معنى الكلام قولان أحدهما ان يشأ يرحكم فيهديكم يحيى للإيمان أو إن يشأ يعذبكم فيميتكم على الكفر قاله مقاتل والثاني انه لما نزل القحط بالمشركين فقالوا ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون الدخان 12 قال الله تعالى ربكم أعلم بكم من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن إن يشأ يرحمكم فيكشف القحط عنكم أو إن يشأ يعذبكم فيتركه عليكم ذكره أبو سليمان الدمشقي قال ابن الأنباري
[ 36 ]
وأو هاهنا دخلت لسعة الأمرين عند الله تعالى وأنه لا يرد عنهما فكانت ملحقة ب أو المبيحة فقولهم جالس الحسن أو ابن سيرين يعنون قد وسعنا لك الأمر تعالى وما أرسلناك عليهم وكيلا فيه ثلاثة أقوال كفيلا تؤخذ بهم قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني حافظا وربا قاله الفراء والثالث كفيلا بهدايتهم وقادرا على إصلاح قلوبهم ذكره ابن الأنباري وذهب بعض المفسرين الى أن هذا منسوخ بآية السيف الرحمن أعلم بمن السموات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا تعالى وربك أعلم بمن في السموات والارض لأنه خالقهم فهدى من شاء وأضل من شاء وكذلك فضل بعض النبيين على بعض وذلك عن حكمة منه وعلم فخلق آدم بيده ورفع إدريس وجعل الذرية لنوح واتخذ ابراهيم خليلا وموسى كليما وجعل عيسى روحا وأعطى سليمان ملكا جسيما ورفع محمدا صلى الله عليه وسلم فوق السموات وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ويجوز أن يكون المفضلون أصحاب الكتب لأنه ختم الكلام بقوله وآتينا داود
زبورا وقد شرحنا معنى الزبور في سورة النساء 163 ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا وكان قوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه في سبب نزولها قولان أن نفرا من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم الجن والنفر من العرب لا يشعرون فنزلت هذه الآية والتي بعدها روي عن ابن مسعود والثاني أن المشركين كانوا يعبدون الملائكة ويقولون هي تشفع لنا عند الله فلما ابتلوا
[ 37 ]
بالقحط سبع سنين قيل لهم ادعوا الذين زعمتم قاله مقاتل والمعنى قل ادعوا الذين زعمتم انهم آلهة فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا له الى غيركم تعالى أولئك الذين يدعون في المشار إليهم ب أولئك ثلاثة أقوال أحدها أنهم الجن الذين أسلموا والثاني الملائكة وقد سبق بيان روى والثالث أنهم المسيح وعزير والملائكة والشمس والقمر قاله ابن عباس وفى معنى يدعون قولان يعبدون أي يدعونهم آلهة وهذا قول الأكثرين أنه بمعنى يتضرعون الى الله في طلب الوسيلة وعلى هذا يكون قوله يدعون راجعا الى أولئك ويكون قوله يبتغون تماما للكلام وعلى القول الأول يكون يدعون راجعا الى المشركين ويكون قوله يبتغون وصفا ل أولئك مستأنفا وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو عبد الرحمن تدعون بالتاء قال ابن الأبناري ولم فعلى هذا الفعل مردود إلى قوله فلا يملكون كشف الضرعنكم ومن قرأ يدعون بالياء قال العرب تنصرف من الخطاب الى الغيبة إذا أمن اللبس ومعنى يدعون يدعونهم ألهة وقد فسرنا معنى الوسيلة في
المائدة 35 قوله أيهم أقرب قولان ذكرهما الزجاج أن يكون أيهم مرفوعا بالابتداء وخبره أقرب ويكون المعنى يطلبون إليه فيتوسلون الى الله به أن يكون أيهم أقرب بدلا من الواو فيبتغون فيكون المعنى يبتغي أيهم هو أقرب الوسيلة إلى الله أي يتقرب إليه بالعمل الصالح من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيمة أو معذبوها عذابا شديد اكان ذلك في الكتاب مسطورا تعالى وإن من قرية إلا نحن مهلكوها إن بمعنى ما والقرية الصالحة هلاكها بالموت والعاصية بالعذاب والكتاب اللوح المحفوظ والمسطور المكتوب
[ 38 ]
بين منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون آتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا تعالى وما منعنا أن نرسل بالآيات سبب نزولها فيه قولان ان أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا فقيل له إن شئت أتستأني بهم لعلنا نجتبي منهم وإن شئت نؤتيهم الذي سألوا فان كفروا أهلكوا كما أهلك من كان قبلهم قال لا بل أستأني بهم فنزلت هذه الآية رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قد ذكرناه عن الزبير في قوله ولو أن قرآنا سيرت به الجبال الرعد 31 ومعنى الآية وما منعنا إرسال الآيات التي سألوها الا تكذيب الأولين يعني أن هؤلاء سألوا الآيات التي استوجب بتكذيبها الأولون العذاب فلم يرسلها لئلا يكذب بها هؤلاء فيهلكوا كما هلك اولئك وسنة الله في الأمم أنهم إذا سألوا الآيات ثكذبوا بها عذبهم تعالى وآتينا ثمود الناقة مبصرة قال ابن قتيبة أي بينة يريد مبصرا بها قال
ابن الأنباري ويجوز أن تكون مبصرة ويصلح أن يكون المعنى مبصر مشاهدوها أهل فنسب إليها فعل غيرها تجوزا كما يقال لا أرينك هاهنا فأدخل حرف النهي على غير المنهي عنه إذ المعنى لا تحضر هاهنا حتى حديث جئت لم أرك فيه ومن قرأ مبصرة بفتح الميم والصاد فمعناه المبالغة في وصف الناقة بالتبيان كقولهم الولد مجبنة تعالى فظلموا بها قال ابن عباس فجحدوا بها وقال الأخفش بها كان ظلمهم تعالى وما نرسل بالآيات إلا تخويفا أي نخوف العباد ليتعظوا وللمفسرين في المراد بهذه الآيات أربعة أقوال أنها الموت الذريع قاله الحسن والثاني معجزات الرسل جعلها الله تعالى تخويفا للمكذبين إ والثالث آيات الانتقام تخويفا من المعاصي والرابع تقلب أحوال الإنسان من صغر إلى شباب ثم إلى كهولة ثم إلى مشيب ليعتبر بتقلب أحواله فيخاف عاقبة أمره ذكر هذه الأقوال الثلاثة الماوردي ونسب القول الأخير منها إلى إمامنا أحمد رضي الله عنه
[ 39 ]
قلنا لك إن ربك أحاطب الناس وما جعلنا الرءيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا تعالى وإذ قلنا لك إن ربك أحاب الناس فيه ثلاثة أقوال أحاط علمه بالناس قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الربيع ابن انس وقال مقاتل أحاط علمه بالناس يعني أهل مكة أن يفتحها لرسوله صلى الله عليه وسلم والثاني أحاطت قدرته بالناس فهم في قبضته قاله مجاهد حال بينك وبين الناس أن يقتلوك لتبلغ رسالته قاله الحسن وقتادة تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس في هذه الرؤيا قولان أنها رؤيا عين وهي ما رأى ليلة أسري به من العجائب والآيات روى عكرمة
عن ابن عباس قال هي رؤيا عين رآها ليلة أسري به وإلى هذا المعنى ذهب الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة ومسروق والنخعي وقتادة وأبو مالك وأبو صالح وابن جريج وابن زيد في آخرين فعلى هذا يكون معنى الفتنة الاختبار فان قوما آمنوا بما قال وقوما كفروا قال ابن الأنباري المختار في هذه الرؤية أن تكون يقظة ولا فرق بين أن يقول القائل رأيت فلانا رؤية ورأيته رؤيا إلا أن الرؤية يقل استعمالها في المنام والرؤيا يكثر استعمالها في المنام ويجوز كل واحد منهما في المعنيين أنها رؤيا منام ثم فيها قولان أحدهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قد أرى انه يدخل مكة هو وأصحابه وهو يومئذ بالمدينة فعجل قبل الأجل فرده المشركون فقال أناس قد رد وكاحدثنا أنه سيدخلها فكان رجوعهم فتنتهم رواه العوفي عن ابن عباس وهذا لا ينافي حديث المعراج لأن هذا كان بالمدينة والمعراج كان بمكة قال أبو سليمان الدمشقي وإنما ذكره ابن عباس على وجه الزيادة في الإخبار لنا أن المشركين بمكة افتتنوا برؤيا عينه والمنافقين بالمدينة افتتنوا برؤيا نومه والثاني أنه أري بني أمية على المنابر فساءه ذلك فقيل له إنها الدنيا يعطونها فسري عنه فالفتنة هاهنا البلاء رواه علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب وإن كان مثل هذا لا يصح ولكن قد ذكره عامة المفسرين
[ 40 ]
ابن الأنباري أن سعيد بن المسيب قال رآى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما على منابر فشق ذلك عليه وفيه نزل والشجرة الملعونة في القرآن قال ومعنى قوله إلا فتنة للناس إلا بلاء للناس قال ابن الأنباري فمن ذهب الى أن الشجرة رجال رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في منامه يصعدون على المنابر احتج بأن الشجرة يكنى بها عن المرأة لتأنيثها وعن الجماعة لاجتماع أغصانها قالوا ووقعت اللعنة بهؤلاء الذين كنى عنهم بالشجرة قال المفسرون وفي الآية تقديم وتأخير تقديره وما جعلنا الرؤيا والشجرة إلا فتنة للناس
هذه الشجرة ثلاثة أقوال أنها شجرة الزقوم رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومسروق والنخعي والجمهور وقال مقاتل لما ذكر الله تعالى شجرة الزقوم قال أبو جهل يا معشر قريش ان محمدا يخوفكم بشجرة الزقوم ألستم تعلمون ان النار تحرق الشجر ومحمد يزعم ان النار تنبت الشجر فهل تدرون ما الزقوم فقال عبد الله بن الزبعرى إن الزقوم بلسان بربر التمر والزبد فقال أبو جهل يا جارية ابغينا لأنه تمرا وزبدا فجاءته به فقال لمن حوله تزقموا من هذا الذي يخوفكم به محمد فأنزل الله تعالى ونخوفهم فما يزيدهم الا طغيانا كبيرا قال ابن قتيبة كانت فتنتهم بالرؤيا قولهم كيف يذهب الى بيت المقدس ويرجع في ليلة وبالشجرة قولهم كيف يكون في النار شجرة أخبرنا في معنى الملعونة ثلاثة اقوال احدها المذمومة قاله ابن عباس والثاني الملعون آكلها ذكره الزجاج وقال ان لم يكن في القرآن ذكر لعنها ففيه لعن أكليها قال والعرب تقول لكل طعام مكروه وضار ملعون فأما قوله في القرآن فالمعنى التي ذكرت في القرآن وهي مذكورة في قوله إن شجرة الزقوم طعام الأثيم الدخان 4344 والثالث أن معنى الملعونة المبعدة عن منازل اهل الفضل ذكره ابن الانباري يا الثاني ان الشجرة الملعونة هي التي تلتوي على الشجر يعني الكشوثى وهذا مروي عن ابن عباس ايضا ان الشجرة كناية عن الرجال على ما ذكرنا عن سعيد بن المسيب تعالى ونخوفهم قال ابن الأنباري مفعول نخوفهم محذوف تقديره
[ 41 ]
ونخوفهم العذاب فما يزيدهم أي فما يزيدهم التخويف إلا طغيانا وقد ذكرنا معنى الطغيان في البقرة 15 وذكرنا هناك تفسير قوله قلنا للملائكة اسجدوا لآدم
فسجدوا إلا إبليس البقرة 34 قلنا للملئكة اسجددوا لو لآدم فسجدوا إلا إبليس قال ءأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا الذي كرمت على لئن اخرتن يكون الى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا قال اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا تعالى آسجد قرأه الكوفيون بهمزتين وقرأه الباقون بهمزة مطولة وهذا استفهام انكار يعني به لم أكن لأفعل تعالى لمن خلقت طينا قال الزجاج طينا منصوب على وجهين أحدهما التمييز المعنى لمن خلقته من طين والثاني على الحال المعنى أنشأته في حال كونه من طين ولفظ قال أرأيتك جاء هاهنا بغير حرف عطف لأن المعنى قال آسجد لمن خلقت طينا وأرأيتك وهي في معنى أخبرني والكاف ذكرت في المخاطبة توكيدا والجواب محذوف والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمت علي لم كرمته علي وقد خلقتني من نار وخلقته من طين فحذف هذا لأن في الكلام دليلا عليه تعالى لئن أخرتن الى يوم القيامة قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر أخرتني بياء في الوصل وقف أبن كثير بالياء وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بغير ياء في وصولا في وقف
[ 42 ]
تعالى لأحتنكن ذريته فيه ثلاثة أقوال لأستولين عليهم قاله ابن عباس والفراء والثاني لأضلنهم قاله ابن زيد
والثالث لأستأصلنهم يقال احتنك الجراد ما على الأرض إذا أكله واحتنك فلان ما عند فلان من العلم إذا استقصاه فالمعنى لأقودنهم كيف شئت هذا قول ابن قتيبة قيل من أين علم الغيب فقد اجبنا عنه في سورة النساء 119 تعالى إلا قليلا قال ابن عباس هم أولياء الله الذين عصمهم تعالى قال اذهب هذا اللفظ يتضمن إنظاره فمن تبعك أي تبع أمرك منهم يعني ذرية آدو الموفور الموفر قال ابن قتيبة يقال وفرت ماله عليه ووفرته بالتخفيف والتشديد مع تعالى واستفزز من استطعت منهم قال ابن قتيبة استخف ومنه تقول استفزني فلان وفي المراد بصوته قولان أحدهما انه كل داع دعا الى معصية الله قاله ابن عباس والثاني انه الغناء والمزامير قاله مجاهد تعالى وأجلب عليهم أي صح بخيلك ورجلك واحثثهم عليهم بالإغراء يقال أجلب القوم وجلبوا إذا صاحوا وقال الزجاج المعنى اجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك فعلى هذا تكون الباء زائدة قال ابن قتيبة والرجل الرجالة يقال راجل ورجل مثل تاجر وتجر وصاحب وصحب قال ابن عباس كل خيل تسير في معصية الله وكل رجل يسير في معصية الله وقال قتادة ان له خيلا ورجلا من الجن والانس وروى حفص عن عاصم بخيلك ورجلك بكسر الجيم وهي قراءة ابن عباس وابي رزين وأبي عبد الرحمن السلمي قال أبو زيد يقال رجل رجل للراجل ويقال جاءنا حافيا رجلا وقرأ ابن السميفع والجحدري بخيلك ورجالك برفع الراء وتشديد الجيم مفتوحة وبألف بعدها وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وعكرمة ور جالك سعيد بكسر الراء وتخفيف الجيم مع ألف قوله تعالى وشاركهم في الأموال فيه اربعة أقوال
[ 43 ]
انها ما كانوا يحرمونه من انعامهم رواه عطية عن ابن عباس والثاني الأموال التي اصيبت من حرام قاله مجاهد والثالث التي انفقوها في معاصي الله قال الحسن والرابع ما كانوا يذبحون لألهتهم قاله الضحاك مشاركته إياهم في الأولاد ففيها أربعة أقوال أنهم أولاد الزنا رواه عطية عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك الموؤودة من أولادهم رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس انه تسمية اولادهم عبيدا لأوثانهم كعبد شمس وعبد العزى وعبد مناف رواه أبو صالح عن ابن عباس ما مجسوا وهودوا ونصروا وصبغوا من أولادهم غير صبغة الإسلام قاله الحسن وقتادة تعالى وعدهم قد ذكرناه في قوله يعدهم ويمنيهم الى آخر الآية النساء 120 وهذه الآية لفظها لفظ الأمر ومعناها التهديد ومثلها في الكلام أن تقول للإنسان أجهد جهدك فسترى ما ينزل بك قال الزجاج إذا تقدم الأمر نه عما يؤمر به فمعناه التهديد والوعيد تقول للرجل لا تدخلن هذه الدار فإذا حاول ان يدخلها قلت ادخلها وانت رجل فلست تأمره بدخولها ولكنك توعده وتهدده ومثله اعملوا ما شئتم فصلت 40 وقد نهوا ان يعملوا بالمعاصي وقال ابن الانباري هذا أمر معناه التهديد تقديره إن فعلت هذا عاقبناك وعذبناك بكر فنقل الى لفظ الأمر عن الشرط كقوله فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر الكهف تعالى ان عبادي ليس لك عليم سلطان قد شرحناه في الحجر 42 قوله تعالى وكفى بربك وكيلا قال الزجاج كفى به وكيلا لأوليائه يعصمهم من القبول من إبليس
ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما وإذا
[ 44 ]
مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجكم قد إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا أفامنتم وفي أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوالكم علينا به تبيعا ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا قوله تعالى ربكم الذي يزجي لكم الفلك أي يسيرها قال الزجاج يقال زجيت كل الشئ أي قدمته قوله تعالى من فضله في طلب التجارة وفي من ثلاثة أقوال أحدها أنها زائدة والثاني أنها للتبعيض والثالث أن المفعول محذوف والتقدير لتبتغوا من فضله الرزق والخير ذكرهن ابن الأنباري قوله تعالى إنه كان بكم رحيما هذا الخطاب خاص للمؤمنين ثم خاطب المشركين فقال وإذا مسكم الضر في البحر يعني خوف الغرق يضل من تدعون أي يضل من يدعون من الآلهة إلا الله تعالى ويقال ضل بمعنى غاب يقال ضل الماء في اللبن إذا غاب والمعنى أنكم أخلصتم الدعاء لله ونسيتم الأنداد وقرأ مجاهد وأبو المتوكل ضل من يدعون بالياء فلما نجاكم إلى البر اعرضتم عن الإيمان والإخلاص وكان الإنسان يعني الكافر كفورا بنعمة ربه أفأمنتم إذا خرجتم من البحر أن يخسف بكم قرأ ابن كثير وأبو عمرو نخسف بكم أو نرسل أن نعيدكم فنرسل فنغرقكم بالنون في الكل وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالياء في الكل ومعنى نخسف بكم جانب
البر أي نغيبكم ونذهبكم في ناحية البر والمعنى إن حكمي نافذ في البنفوذه في البحر أو نرسل عليكم حاصبا فيه ثلاثة أقوال أحدها أن الحاصب حجارة من السماء قاله قتادة
[ 45 ]
والثاني أنه الريح العاصف تحصب قاله أبو عبيدة وأنشد للفرزدق مستقبلين شمال الريح تضربهم فلا بحاصب منه كنديف القطن منثور وقال ابن قتيبة الحاصب الريح سميت بذلك لأنها تحصب أي ترمي بالحصباء وهي الحصى الصغار وقال ابن الأنباري قال اللغويون الحاصب الريح التي فيها الحصى وإنما قال في الريح حاصبا ولم يقل حاصبة لأنه وصف لزم الريح ولم يكن لها مذكر تنتقل إليه في حال فكان بمنزلة قولهم حائض للمرأة حين لم يقل رجل حائض قال وفيه جواب آخر وهو أن نعت الريح عري من علامة التأنيث فأشبهت بذلك أسماء المذكر كما قالوا السماء أمطر والأرض أنبت أن الحاصب التراب الذي فيه حصباء قاله الزجاج قوله تعالى ثم لا تجدوا لكم وكيلا أي مانعا وناصرا قوله تعالى أم أمنتم أن يعيدكم فيه أي في البحر تارة أخرى أي مرة أخرى والجمع تارات فيرسل عليكم قاصفا من الريح قال أبو عبيدة هي التي تقصف كل شئ قال ابن قتيبة القاصف الريح التي تقصف الشجر أي تكسره قوله تعالى فيغرقكم وقرأ أبو المتوكل وأبو جعفر وشيبة ورويس فتغرقكم بالتاء وسكون الغين وتخفيف الراء وقرا أبو الجوزاء وأيوب فيغرقكم بالياء وفتح الغين وتشديدها وقرأ أبو رجاء مثله إلا انه بالتاء بما كفرت أي بكفركم حيث نجوتم في المرة الأولى ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا قال ابن قتيبة أي من يتبع بدمائكم أي يطالبنا قال عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما العذاب أربع اثنتان في البر واثنتان ف
البحر فاللتان في البر الصرصر والعقيم واللتان في البحر العاصف والقاصف قوله تعالى ولقد كرمنا بني آدم أي فضلناهم قال أبو عبيدة وكرمنا اشد مبالغة من أكرمنا وللمفسرين فيما فضلوا به أحد عشر قولا أنهم فضلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة جبريل وميكائيك: وإسرافيل وملك الموت وأشباههم قاله أبو صالح عن ابن عباس فعلى هذا يكون المراد المؤمنين منهم ويكون تفضيلهم بالإيمان والثاني أن سائر الحيوان يأكل بفيه إلا ابن آدم فانه يأكل بيده رواه ميمون بن مهران
[ 46 ]
عن ابن عباس وقال بعض المفسرين المراد بهذا التفضيل أكلهم بأيديهم ونظافة ما يقتاتونه إذ الجن يقتاتون العظام والروث والثالث فضلوا بالعقل روي عن ابن عباس والرابع بالنطق والتمييز قاله الضحاك والخامس بتعديل القامة وامتدادها قاله عطاء والسادس بأن جعل محمدا صلى الله عليه وسلم منهم قاله محمد بن كعب والسابع فضلوا بالمطاعم واللذات في الدنيا قاله زيد بن أسلم والثامن بحسن الصورة قاله يمان والتاسع بتسليطهم على غيرهم من الخلق وتسخير سائر الخلق لهم قاله محمد بن جرير والعاشر بالأمر والنهي ذكره الماوردي والحادي عشر بأن جعلت اللحى للرجال والذوائب للنساء ذكره الثعلب قيل كيف أطلق ذكر الكرامة على الكل وفيهم الكافر المهان
فالجواب من وجهين احدهما أنه عامل الكل معاملة المكرم بالنعم الوافرة والثاني غير انه لما كان فيهم من هو بهذه الصفة أجرى الصفة على جماعتهم كقوله كنتم خيرة أمة أخرجت للناس آل عمران 110 تعالى وحملناهم في البر على أكباد رطبة وهي الإبل والخيل والبغال والحمير وفي البحر على أعواد يابسة وهي السفن ورزقناهم من الطيبات فيه قولان الحلال والثاني المستطاب في الذوق تعالى وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا فيه قولان انه على لفظه وأنهم لم يفضلوا على سائر المخلوقات وقد ذكرنا أحمد ابن عباس انهم فضلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة وقال غيره بل الملائكة أفضل أن معناه وفضلناهم على جميع من خلقنا والعرب تضع الأكثر والكثير في موضع الجمع كقوله يلقون السمع وأكثرهم كاذبون الشعراء 223 وقد روى أبو هريرة عن رسول الله
[ 47 ]
صلى الله عليه وسلم انه قال المؤمن أكرم على الله عز وجل من الملائكة الذين عنده ندعوا كل اناس بامامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا قوله تعالى ندعو قال الزجاج هو منصوب على معنى اذكر يوم ندعو كل اناس بامامهم والمراد به يوم القيامة وقرا الحسن البصري يوم يدعو بالياء كل بالنصب وقرأ أبو عمران الجوني يوم يدعى بياء مرفوعة وفتح العين وبعدها ألف كل بالرفع وفي المراد بامامهم أربعة أقوال أنه رئيسهم قاله أبو صالح عن بن عباس وروى عنه سعيد بن جبير أنه قال
إمام هدى أو إمام ضلالة والثاني عملهم رواه عطية عن ابن عباس وبه قال الحسن وأبو العالية نبيهم قاله أنس بن مالك وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد في رواية والرابع كتابهم قاله عكرمة ومجاهد في رواية ثم فيه قولان أحدهما انه كتابهم الذي فيه أعمالهم قاله قتادة ومقاتل والثاني كتابهم الذي أنزل عليهم قاله الضحاك وابن زيد فعلى القول الأول يقال يا متبعي موسى يا متبعي عيسى يا متبعي محمد ويقال يا متبعي رؤساء الضلالة وعلى الثاني يا من عمل كذا وكذا وعلى الثالث يا أمة موسى يا امة عيسى يا أمة محمد وعلى الرابع يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل يا أهل القرآن أو يا صاحب الكتاب الذي فيه عمل كذا وكذا تعالى فأولئك يقرؤون كتابهم معناها يقرؤون حسناتهم لأنهم أخذوا كتبهم بأيمانهم تعالى ولا يظلمون فتيلا أي لا ينقصون من ثوابهم بقدر الفتيل وقد بيناه في سورة النساء 49
[ 48 ]
تعالى ومن كان في هذه اعمى قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر أعمى فهو في الآخرة أعمى مفتوحتي الميم وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بكسر الميمين وقرأ أبو عمرو في هذه أعمى بكسر الميم فهو في الأخرة أعمى بفتحها المشار إليها ب هذه قولان أنها الدنيا قاله مجاهد ثم في معنى الكلام خمسة أقوال أحدها من كان في الدنيا أعمى عن معرفة قدرة الله في خلق الأشياء فهو عما وصف له
في الآخرة أعمى رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني من كان في الدنيا أعمى بالكفر فهو في الآخرة أعمى لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل قاله الحسن والثالث من عمي عن آيات الله في الدنيا فهو عن الذي غيب عنه من أمور الآخرة أشد عمى والرابع من عمي عن نعم الله التي بينها في قوله ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر إلى قوله تفضيلا فهو في الآخرة أعمى عن رشاده وصلاحه ذكرهما ابن الأنباري والخامس من كان فيها أعمى عن الحجة فهو في الآخرة أعمى عن الجنة قاله أبو بكر الوراق أنها النعم ثم في الكلام قولان أحدهما من كان أعمى عن النعم التي ترى وتشاهد فهو في الآخرة التي لم تر أعمى رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني من كان أعمى عن معرفة حق الله في هذه النعم المذكورة في قوله ولقد كرمنا بني آدم ولم يؤد شكرها فهو فيما بينه وبين الله مما يتقرب به إليه أعمى وأضل سبيلا قاله السدي قال أبو علي الفارسي ومعنى قوله في الآخرة أعمى أي أشد عمى لأنه كان في الدنيا يمكنه الخروج عن عماه بالاستدلال ولا سبيل له في الآخرة الى الخروج من عماه وقيل معنى العمى في الآخرة أنه لا يهتدي إلى طريق الثواب وهذا كله من عمى القلب قيل لم قال فهو في الآخرة أعمى ولم يقل أشد عمى لأن العمى خلقة بمنزلة الحمرة والزرقة والعرب تقول ما أشد سواد زيد وما أبين زرقة عمرو وقلما يقولون ما أسود زيدا وما أزرق عمرا
[ 49 ]
أن المراد بهذا العمى عمى القلب وذلك يتزايد ويحدث منه شئ بعد شئ فيخاف الخلق اللازمة التي لا تزيد نحو عمى العين والبياض والحمرة ذكره ابن الأنباري كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحيوة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا تعالى وان كادوا ليفتنونك في سبب نزولها أربعة أقوال أن وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا متعنا باللات سنة وحرم وادينا كما حرمت مكة فأبى ذلك فأقبلوا يكثرون مسألتهم وقالوا إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم فان خشيت أن يقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل الله أمرني بذلك فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وداخلهم الطمع فنزلت هذه الآية رواه عطاء عن ابن عباس وروى عطية عن ابن عباس أنهم قالوا أجلنا سنة ثم نسلم ونكسر أصنامنا فهم أن يؤجلهم فنزلت هذه الآية أن المشركين قالوا للنبي صل الله عليه وسلم لا نكف عنك إلا بأن تلم بآلهتنا ولو بأطراف أصابعك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علي لو فعلت والله يعلم إني لكاره فنزلت هذه الآية قاله سعيد بن جبير وهذا باطل لا يجوز ان يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ما ذكرنا عن عطية من أنه هم أن ينظرهم سنة وكل ذلك محال في حقه وفي حق الصحابة أنهم رووا عنه أن قريشا خلوا برسول الله ليلة الى الصباح يكلمونه ويفخمونه ويقولون أنت سيدنا وابن سيدنا وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون ثم عصمه الله من ذلك ونزلت هذه الآية قاله قتادة
أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم اطرد عنك سقاط الناس ومواليهم وهؤلاء الذين رائحتها رائحة الضأن وذلك أنهم كانوا يلبسون الصوف حتى نجالسك ونسمع منك فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ما يستدعي به إسلامهم فنزلت هذه الآيات حكاه الزجاج قال
[ 50 ]
ومعنى الكلام كادوا يفتنونك ودخلت إن واللام للتوكيد قال المفسرون وإنما قال إ ليفتنونك لأن في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن قوله تعالى لتفتري أي لتختلق علينا غيره وهو قولهم قل الله أمرني بذلك وإذا لو فعلت ذلك لاتخذوك خليلا أي والوك وصافوك تعالى ولولا أن ثبتناك على الحق لعصمتنا إياك لقد كدت تركن إليهم أي هممت وقاربت أن تميل الى مرادهم شيئا قليلا قال ابن عباس وذلك حين سكت عن جوابهم والله أعلم بنيته وقال ابن الأنباري الفعل في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم وفي الباطن للمشركين وتقديره لقد كادوا يركنونك بعد إليهم وينسبون إليك كما يقول الرجل للرجل كدت تقتل نفسك اليوم يريد كدت تفعل فعلا يقتلك غيرك من اجله فهذا من المجاز والاتساع وشبيه بهذا قوله فلا تموتن إلا وانتم مسلمون البقرة 132 وقول القائل لا أرينك في هذا الموضع تعالى إذا لأذقناك المعنى لو فعلت ذلك الشئ القليل لأذقناك ضعف الحياة أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات ومثله قول الشاعر نبئت أن النار بعدك أوقدت يقول واستب الذي بعدك يا كليب المجلس أهل المجلس وقال ابن عباس ضعف عذاب الدنيا والآخرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما ولكنه تخويف لأمته لئلا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركى في شئ من أحكام الله وشرائعه قوله تعالى وان كادوا ليستفزونك من الارض في سبب نزولها قولان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة حسدته اليهود على مقامه بالمدينة وكرهوا قربه فأتوه فقالوا يا محمد أنبي أنت قال نعم قالوا فوالله لقد علمت ما هذه
بأرض الأنبياء وان أرض الأنبياء الشام فان كنت نبيا فائت الشام فنزلت هذه الآية قاله أبو
[ 51 ]
صالح عن ابن عباس وقال سعيد بن جبير هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشخص عن المدينة فنزلت هذه الآية لأن عبد الرحمن بن غنم لما قالت له اليهود هذا صدق ما قالوا وغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام فلما بلغ تبوك نزلت هذه الاية أنهم المشركون أهل مكة هموا باخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فأمره الله بالخروج وأنزل هذه الآية إخبارا عما هموا به قاله الحسن ومجاهد وقال قتادة هم أهل مكة باخراجه من مكة ولو فعلوا ذلك ما نرظروا وقد ولكن الله كفهم عن اخراجه حتى أمره بالخروج وقيل ما لبثوا حتبعث الله عليهم القتل ببدر فعلى القول الأول المشار إليهم والأرض المدينة وعلى الثاني هم المشركون والأرض مكة وقد ذكرنا معنى الاستفزاز آنفا الاسراء 64 وقيل المراد به هاهنا القتل ليخرجوه من الأرض كلها روي عن الحسن تعالى وإذا لا يلبثون خلفك قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم خلفك وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم خلافك قال الأخفش خلافك في معنى خلفك والمعنى لا يلبثون بعد خروجك الا قليلا أي لو أخرجوك لاستأصلناهم علي بعد خروجك بقليل وقد جازاهم الله على ما هموا به فقتل صناديد المشركين ببدر وقتل من اليهود بني قريظة وأجلى النضير وقال ابن الأنباري معنى الكلام لا يلبثون على خلافك ومخالفتك حتى فسقط حرف الخفض وقرأ أبو رزين وأبو المتوكل خلافك بضم الخاء وتشديد اللام ورفع الفاء تعالى سنة من قد أرسلنا قال الفراء نصب السنة على العذاب المضمر أي يعذبون كسنتنا فيمن أرسلنا وقال الأخفش المعنى سنها سنة وقال الزجاج النصب بمعنى لا يلبثون وتأويله إنا سننا هذه السنة فيمن أرسلنا قبلك أنهم إذا اخرجوا نبيهم أو قتلوه لم
يلبث العذاب أن ينزل بهم الصلوة لدلوك الشمس الى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان
[ 52 ]
مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا تعالى أقم الصلاة أي أدها لدلوك الشمس أي عند دلوكها وذكر أبن الأنباري في اللام قولين أحدهما أنها بمعنى في والثاني أنها مؤكدة كقوله ردف لكم النمل 72 وقال أبو عبيدة دلوكها من عند زوالها الى أن تغيب وقال الزجاج ميلها وقت الظهيرة دلوك وميلها للغروب دلوك وقال الأزهري معنى الدلوك في كلام العرب الزوال ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة وإذا أفلت دالكة لأنها في الحالين زائلة وللمفسرين في المراد بالدلوك هاهنا قولان أنه زوالها نصف النهار روى جابر بن عبد الله قال دعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء من اصحابه فطعموا عندي ثم خرجوا حين زالت الشمس فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اخرج يا أبا بكر فهذا حيث دلكت الشمس وهذا قول ابن عمر وأبي برزة وأبي هريرة والحسن والشعبي وسعيد بن جبير وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعبيد بن عمير وقتادة والضحاك ومقاتل وهو اختيار الأزهري قال الأزهري لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس فيكون المعنى أقم الصلاة من وقت زوال الشمس الى غسق الليل فيدخل فيها الأولى والعصر وصلاتا غسق الليل وهما العشاءان ثم قال وقرآن الفجر فهذه خمس صلوات أنه غروبها قاله ابن مسعود والنخعي وابن زيد وعن ابن عباس كالقولين
قال الفراء ورأيت العرب تذهب في الدلوك الى غيبوبة الشمس وهذا اختيار ابن قتيبة قال لأن العرب تقول دلك النجم إذا غاب قال ذو الرمة مصابيح تعالى ليست باللواتي تقودها فإن نجوم ولا بالآفلات الدوالك عمر وتقول في الشمس دلكت براح يريدون غربت والناظر قد وضع كفه على حاجبه ينظر
[ 53 ]
إليها قال الشاعر والشمس قد كادت تكون دنفا النبي أدفعها وإن بالراح كي تزحلفا كما هو بالمريض في الدنف لأنها قد همت بالغروب كما قارب الدنف الموت وانما ينظر إليها من تحت الكف ليعلم كم بقي لها الى ان تغيب ويتوقى الشعاع بكفه فعل هذا المراد بهذه الصلاة المغرب فأما غسق الليل فظلامه وسلم المراد بالصلاة المتعلقة بغسق الليل ثلاثة أقوال العشاء قاله ابن مسعود والثاني المغرب قاله ابن عباس قال القاضي أبو يعلى فيحتمل ان يكون المراد بيان وقت المغرب انه من غروب الشمس الى غسق الليل والثالث المغرب والعشاء قاله الحسن تعالى وقرآن الفجر المعنى وأقم قراءة الفجر قال المفسرون المراد به صلاة الفجر قال الزجاج وفي هذا فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة حين سميت الصلاة قرآنا قوله تعالى إن قرآن الفجر كان مشهودا روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار قوله تعالى ومن الليل فتهجد به قال ابن عباس فصل بالقرآن قال مجاهد وعلقمة والأسود التهجد بعد النوم قال ابن قتيبة تهجدت سهرت وهجدت عنه نمت
وقال ابن الانباري التهجد هاهنا بمعنى التيقظ والسهر واللغويون يقولون هو من حروف الاضداد يقال للنائم هاجد ومتهجد إن وكذلك للساهر قال النابغة ولو انها عرضت لأشمط راهب عبد الآله صرورة متهجد إلا لرنا فيه لبهجتها وحسن حديثها صلى ولخاله رشدا وإن لم يرشد بالمجتهد الساهر وقال لبيد قال هجدنا فقد طال السرى وقدرنا إن خنا الدهر غفل وقال أي نومنا وقال الأزهري المتهجد القائم الى الصلاة من النوم وقيل له متهجد
[ 54 ]
لإلقائه الجود عن نفسه كما يقال تحرج وتأئم أنه تعالى نافلة نافلة لك النافلة في اللغة ما كان زائدا على الأصل معنى هذه الزيادة في حقه قولان أنها زائدة فيما فرض عليه فيكون المعنى فريضة عليك وكان قد فرض عليه قيام الليل هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير أنها زائدة على الفرض وليست فرضا فالمعنى تطوعا وفضيلة قال أبو أمامة والحسن ومجاهد انما النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة قال مجاهد وذلك أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فما زاد على فرضه فهو نافلة له وفضيلة وهو لغيره كفارة وذكر أهل العلم أن صلاة الليل كانت فرضا عليه في الابتداء ثم رخص له في تركها فصارت نافلة وذكر ابن الأنباري في هذا قولين يقارب ما قاله مجاهد فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تنفل لا يقدر له أن يكون بذلك ماحيا للذنوب لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وغيره إذا تنفل كان راجيا ومقدرا محو السيئات عنه بالتنفل فالنافلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زيادة على الحاجة وهي لغيره مفتقر إليها
ومأمول بها دفع المكروه والثاني ان النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته والمعنى ومن الليل فتهجدوا وهو به نافله لكم فخوطب النبي صلى الله عليه وسلم بخطاب امته تعالى عسى أن يبعثك ربك عسى من الله واجبه ومعنى يبعثك يقيمك مقاما محمودا وهو الذي يحمده لأجله جميع أهل الموقف وفيه قولان انه الشفاعة للناس يوم القيامة قاله ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عمر وسلمان الفارسي وجابر بن عبد الله والحسن وهي رواية بن أبي نجيح عن مجاهد يجلسه على العرش يوم القيامة روى أبو وائل عن عبد الله انه قرأ هذه الآية وقال يقعده على العرش وكذلك روى الضحاك عن ابن عباس وليث عن مجاهد تعالى وقل رب ادخلني مدخل صدق وقرأ الحسن وعكرمة والضحاك وحميد بن قيس وابن أبي عبلة بفتح الميم في مدخل ومخرج قال الزجاج المدخل بضم الميم مصدر أدخلته مدخلا ومن قال مدخل صدق فهو على أدخلته فدخل مدخل صدق وكذلك شرح مخرج مثله
[ 55 ]
في المراد بهذا المدخل والمخرج احد عشر قولا أدخلني المدينة مدخل صدق وأخرجني من مكة مخرج صدق روى أبو ظبيان عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة فنزلت عليه هذه الآية وإلى هذا المعنى ذهب الحسن في رواية سعيد بن جبير وقتادة وابن زيد أدخلني القبر مدخل صدق وأخرجني منه مخرج صدق رواه العوفي عن ابن عباس أدخلني المدينة واخرجني الى مكة يعني لفتحها رواه أبو صالح عن ابن عباس أدخلني مكة مدخل صدق وأخرجني منها مخرج صدق فخرج منها آمنا من المشركين ودخلها ظاهرا عليها يوم الفتح قاله الضحاك
أدخلني مدخل صدق الجنة وأخرجني مخرج صدق من مكة الى المدينة رواه قتادة عن الحسن أدخلني في النبوة والرسالة وأخرجني منها مخرج صدق قاله مجاهد يعني أخرجني مما يجب علي فيها أدخلني في الإسلام وأخرجني منه قاله أبو صالح يعني من أداء ما وجب علي فيه إذا جاء الموت والثامن أدخلني في طاعتك وأخرجني منها أي سالما غير مقصر في أدائها قاله عطاء أدخلني الغار وأخرجني منه قاله محمد بن المنكدر أدخلني في الدين وأخرجني من الدنيا وأنا على الحق ذكره الزجاج عشر أدخلني مكة وأخرجني إلى حنين ذكره أبو سليمان الدمشقي اضافة الصدق الى المدخل والمخرج فهو مدح لهما وقد شرحنا هذا المعنى في سورة يونس 2
[ 56 ]
قوله تعالى وأجعل لي من لدنك أي من عندك سلطانا وفيه ثلاثة أقوال انه التسلط على الكافرين بالسيف وعلى المنافقين بإقامة الحدود قاله الحسن والثاني انه الحجة البينة قاله مجاهد والثالث الملك العزيز الذي يقهر به العصاة قاله قتادة وقال ابن الأنباري وقوله نصيرا يجوز أن يكون بمعنى منصرا صلى الله عليه وسلم ويصلح أن يكون تأويله ناصرا تعالى وقل جاء الحق وزهق الباطل فيه اربعة أقوال ان الحق الإسلام والباطل الشرك قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني ان الحق القرآن والباطل الشيطان قاله قتادة والثالث أن الحق الجهاد والباطل الشرك قاله بن جريج
والرابع الحق عبادة الله والباطل عبادة الأصنام قاله مقاتل ومعنى زهق بطل واضمحل وكل شئ هلك وبطل فقد زهق وزهقت نفسه تلفت ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها ويقول جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقا قيل كيف قلتم ان زهق بمعنى بطل والباطل موجود معمول عليه عند اهله أن المراد من بطلانه وهلكته إذا وضوح عيبه فيكون هالكا عند المتدبر الناظر فقال من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا تعالى وننزل من القرآن ما هو شفاء من هاهنا لبيان الجنس فجميع القرآن شفاء وفي هذا الشفاء ثلاثة أقوال شفاء من الضلال لما فيه من الهدى والثاني شفاء من السقم لما فيه من البركة والثالث شفاء من البيان للفرائض والأحكام وفي الرحمة قولان أحدهما النعمة
[ 57 ]
والثاني سبب الرحمة تعالى ولا يزيد الظالمين يعني المشركين إلا خسارا لأنهم يكفرون به ولا ينتفعون بمواعظه فيزيد خسرانهم أنعمنا على الإنسان أعرض ونآ بجانبه وإذ مسه الشر كان يؤسا قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا قوله تعالى وإذا انعمنا على الإنسان قال ابن عباس الانسان هاهنا الكافر والمراد به الوليد بن المغيرة قال المفسرون وهذا الإنعام سعة الرزق وكشف البلاء ونأى بجانبه قرأ
ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم ونأى على وزن نعى بفتح النون والهمزة وقرأ ابن عامر ناء مثل باع وقرأ الكسائي وخلف عن سليم عن حمزة وناء باماله النون والهمزة وروى خلاد عن سليم نئي بفتح النون وكسر الهمزة والمعنى تباعد عن القيام بحقوق النعم وقيل تعظم وتكبر وإذا مسه الشر أي نزل به البلاء والفقر كان يؤوسا أي قنوطا شديد اليأس لا يرجو فضل الله تعالى قل كل يعمل على شاكلته فيها ثلاثة أقوال على ناحيته قاله ابن عباس وسعيد بن جبير قال الفراء الشاكلة الناحية والجديلة أي والطريقة سمعت بعض العرب يقول وعبد الملك إذ ذاك على جديلته وابن الزبير على جديلته يريد على ناحيته وقال أبو عبيدة على ناحيته وخليقته وقال ابن قتيبة على خليقته وطبيعته وهو من الشكل يقال لست على شكلي ولا شاكلتي وقال الزجاج على طريقته وعلى مذهبه على نيته قاله الحسن ومعاوية بن قرة وقال الليث الشاكلة من الأمور ما وافق فاعله على دينه قاله ابن زيد وتحرير المعنى أن كل واحد يعمل على طريقته التي تشاكل أخلاقه فالكافر يعمل ما يشبه طريقته من الإعراض عند النعم واليأس عند الشدة والمؤمن يعمل ما يشبه طريقته من الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء والله يجازي الفريقين وذكر أبو صالح عن ابن عباس ان هذه الآية منسوخة بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتمهوهم التوبة 5 وليس بشئ
[ 58 ]
عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا تعالى ويسألونك عن الروح في سبب نزولها قولان ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بناس من اليهود فقالوا سلوه عن الروح فقال بعضهم لا
تسألوه فيستقبلكم ثنا بما تكرهون فأتاه نفر منهم فقالوا يا أبا القاسم ما تقول في الروح فسكت ونزلت هذه الآية قاله ابن مسعود والثاني ان اليهود قالت لقريش سلوا محمدا عن ثلاث فان اخبركم عن اثنتين وامسك عن الثالثة فهو نبي سلوه عن فتية فقدوا وسلوه عن ذي القرنين وسلوه عن الروح فسألوه عنها ففسر لهم أمر الفتية في الكهف وفسر لهم قصة ذي القرنين وأمسك عن قصة الروح فنزلت هذه الآية رواه عطاء عن ابن عباس وفي المراد بالروح هاهنا ستة أقوال انه الروح الذي يحيا به البدن روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس وقد اختلف الناس في ماهية الروح ثم اختلفوا هل الروح النفس ام هما شيئان فلا يحتاج الى ذكر اختلافهم لأنه لا برهان على شئ من ذلك وإنما هو شئ أخذوه عن الطب والفلاسفة فأما السلف فانهم أمسكوا عن ذلك لقوله تعالى قل الروح من أمر ربي فلما رأوا أن القوم سألوا عن الروح فلم يجابوا ولوحي ينزل والرسول حي علموا أن السكوت عما لم يحط بحقيقة علمه أولى أن المراد بهذا الروح ملك من الملائكة على خلقه هائلة روي عن علي عليه السلام وابن عباس ومقاتل ان الروح خلق من خلق الله عز وجل صورهم على صور بني آدم رواه مجاهد عن ابن عباس أنه جبريل عليه السلام قاله الحسن وقتادة أنه القرآن روي عن الحسن ايضا أنه عيسى بن مريم حكاه الماوردي قال أبو سليمان الدمشقي قد ذكر الله تعالى الروح في مواضع من القرآن فغالب ظني أن الناقلين نقلوا تفسيره من موضعه إلى موضع لا يليق ظنوه مثله وإنما هو الروح الذي يحيى به ابن آدم وقوله أمر ربي من عمله الذي منع إيعرفه أحد
قوله تعالى أوتيتم من العلم إلا قليلا في المخاطبين بهذا قولان
[ 59 ]
أنها اليهود قاله الأكثرون والثاني أنهم جميع الخلق علمهم قليل بالإضافة إلى علم الله عز وجل ذكره الماوردي قيل كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا البقرة 269 أن ما أوتيه الناس من العلوان كان كثيرا فهو بالإضافة الى علم الله قليل به شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا قوله تعالى ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك قال الزجاج المعنى لو شئنا لمحوناه من القلوب والكتب حتى لا يوجد له أثر ثم لا تجد لك به علينا وكيلا أي لا تجد من يتوكل علينا في رد شئ منه الا رحمة من ربك هذا استنثاء ليس من الأول والمعنى لكن الله رحمك فأثبت ذلك في قلبك وقلوب المؤمنين وقال ابن الأنباري المعنى لكن رحمة من ربك تمنع من أن تسلب القرآن وكان المشركون قد خاطبو نساءهم من المسلمين في الرجوع الى دين آبائهم فهددهم الله عز وجل بسلب النعمة فكان ظاهر الخطاب للرسول ومعنى التهدد للأمة وقال أبو سليمان ثم لا تجد لك به أي بما نفعله بك من إذهاب ما عندك وكيلا يدفعنا عما نريده بك وروي عن عبد الله ابن مسعود انه قال يسرى على القرآن في ليلة واحدة فيجئ جبريل من جوف الليل فيذهب به من صدورهم ومن بيوتهم فيصبحون لا يقرؤون آية ولا يحسونها ورد أبو سليمان الدمشقي صحة هذا الحديث بقوله عليه الصلاة والسلام ان الله لا يقبض العلى انتزاعا وحديث ابن مسعود مروي من طرق حسان فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أراد بالعلم ما سوى القرآن فان العلم ما يزال ينقرض حتى يكون رفع القرآن آخر الأمر لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان
بعضهم لبعض ظهيرا
[ 60 ]
تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن قال المفسرو هذا تكذيب للنضر بن الحارث حين قال لو شئنا لقلنا مثل هذا والمثل الذي طلب منهم كلام له نظم كنظم القرآن في أعلى طبقات البلاغة والظهير المعين صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا تعالى ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن قد فسرناه في هذه السورة الاسراء 41 والمعنى من كل مثل من الأمثال التي يكون بها الاعتبار فأبى أكثر الناس يعني أهل مكة الا كفورا أي جحودا للحق وانكارا تعالى وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا سبب نزول هذه الآية وما يتبعها أن رؤساء قريش كعتبة وشيبة وأبي جهل وعبد الله بن أبي أمية والنضر بن الحارث في آخرين اجتمعوا عند الكعبة فقال بعضهم لبعض ابعثوا الى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذورا هذا فيه فبعثوا إليه ان أشراف قومك قد اجتمعوا ليكلموك فجاءهم سريعا وكان حريصا على رشدهم فقالوا محمد إنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة فان كنت انما جئت بهذا لتطلب مالا جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثرنا مالا وان كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا وإن كان هذا الرئي الذي يأتيك قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن تقبلوا ثم ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم قالوا يا محمد فان
كنت غير قابل منا ما عرضنا فقد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلادا ولا أشد عيشا منا سل لنا ربك يسير لنا هذه الجبال التي ضيقت علينا ويجري لنا أنهارا ويبعث من مضى من آبائنا
[ 61 ]
وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلام فانه كان شيخا صدوقا فنسائله عما تقول أحق هو فان فعلت صدقناك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهذا بعثت وقد أبلغتكم ما ارسلت به قالوا فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك وسله أن يجعل لك جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة تغنيك قال ما أنا بالذي يسأل ربه هذا قالوا فأسقط السماء علينا كما زعمت بأن ربك إن شاء فعل فقال ذلك إلى الله عز وجل فقال قائل منهم لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا وقال عبد الله بن أبي أمية لا أؤمن لك حتى تتخذ الى السماء سلما وترقى فيه وأنا أنظر وتأتي بنسخة منشورة معك وتفر من الملائكة يشهدون لك فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حزينا لما رأى من مباعدتهم إياه فأنزل الله تعالى وقالوا لن نؤمن لك الآيات رواه عكرمة عن ابن عباس تعالى حتى تفجر قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر حتى تفجر بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم مع الكسرة وقرأ عاصم وحمزة والكسائي حتى تفجر بفتح التاء وتسكين الفاء وضم الجيم مع التخفيف فمن ثقل أراد كثرة الانفجار من الينبوع ومن خفف فلأن لينبوع واحد فأما الينبوع فهو عين ينبع الماء منها قال أبو عبيدة هو يفعول من نبع الماء أي ظهر وفار تعالى أو تكون لك جنة أي بستان فتفجر الأنهار أي تفتحها وتجريها خلالها أي وسط تلك الجنة تعالى أو تسقط السماء وقرأ مجاهد وأبو مجلز وأبو رجاء وحميد والجحدري أو تسقط بفتح التاء ورفع القاف السماء بالرفع تعالى كسفا قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي كسفا بتسكين
السين في جميع القرآن إلا في الروم 48 فانهم حركوا السين وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم بتحريك السين في الموضعين وفي باقي القرآن بالتسكين وقرأ ابن عامر هاهنا بفتح السين وفي باقي القرآن بتسكينها قال الزجاج من قرأ كسفا بفتح السين جعلها جمع كسفة وهي القطعة ومن قرأ كسفا بتسكين السين فكأنهم قالوا أسقطها طبقا علينا واشتقاقه من كسفت الشئ إذا غطيته يعنون أسقطها علينا قطعة واحدة وقال ابن الأنباري من سكن قال تأويله سترا وتغطية من قولهم قد انكسفت الشمس إذا غطاهاما يحول بين الناظرين إليها وبين أنوارها قوله تعالى أو تأتي بالله والملائكة قبيلا فيه ثلاثة أقوال
[ 62 ]
عيانا رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال قتادة وابن جريج ومقاتل وقال أبو عبيدة معناه مقابلة أي معاينة وأنشد للأعشى نصالحكم رسول حتى تبوؤوا بمثلها ولا كصرخة حبلى يسرتها قبيلها لم أي قابلتها ويروى وجهتها يعني بدل يسرتها كفيلا أنك رسول الله قاله أبو صالح عن ابن عباس واختاره الفراء قال القبيل والكفيل والزعيم سواء تقول قبلت وكفلت وزعمت والثالث قبيلة قبيلة كل قبيلة على حدتها قاله الحسن ومجاهد فأما الزخرف فالمراد بالذهب وقد شرحنا أصل هذه الكلمة في يونس 24 وترقى حدثنا بمعنى تصعد يقال رقيت أرقي رقيا تعالى حتى تنزل علينا كتابا قال ابن عباس كتابا من رب العالمين الى فلان بن فلان يصبح عند كل واحد منا يقرؤه تعالى قل سبحان ربي قرأ نافع وعاصم وأب عمرو وحمزة والكسائي قل وقرأ ابن كثير وابن عامر قال وكذلك هي في مصاحف اهل مكة والشام هل كنت الا بشرا رسولا أي أن هذه الأشياء ليست في قوى البشر قيل لم اقتصر على حكاية قالوا من غير إيضاح الرد
فالجواب أنه لما خصهم بقوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن فلم يكن في وسعهم عجزهم فكأنه يقول قد أوضحت لكم بما سبق من الآيات ما يدل على بنوتي ابن ومن ذلك التحدي بمثل هذا القرآن فأما عنتكم فليس في وسعي ولأنهم الحوا عليه في هذه الأشياء ولم يسألوه أن يسأل ربه فرد قولهم بكونه بشرا فكفى ذلك في الرد منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث ألله بشرا رسولا قل لو كافي الأرض ملئكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا نصيرا
[ 63 ]
قوله تعالى وما منع الناس أن يؤمنوا قال ابن عباس يريد أهل مكة قال المفسرون ومعنى الآية وما منعهم من الإيمان إذ جاءهم الهدى وهو البيان والإرشاد في القرآن إلا أن قالوا أي إلا قولهم في التعجب والإنكار أبعث الله بشرا رسولا وفي الآية اختصار تقديره هلا بعث الله ملكا رسولا فأجيبوا على ذلك بقوله تعالى قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين أي مستوطنين الأرض ومعنى الطمأنينة السكون والمراد من الكلام أن رسول كل جنس ينبغي أن يكون منهم تعالى قل كفى بالله شهيدا قد فسرناه في الرعد 43 إنه كان بعباده خبيرا بصيرا قال مقاتل حين اختص الله محمدا بالرسالة يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا ءإذا كنا عظاما ورفاتاء إنا لمبعوثون خلقا جديدا أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا
تعالى من يهدي الله فهو المهتدي قوله قرأ نافع وأبو عمرو بالياء في الوصل وحذفاها في الوقف وأثبتها يعقوب في الوقف وحذفها الأكثرون في له من يهد الله قال ابن عباس من يرد الله هداه فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه يهدونهم تعالى ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم فيه ثلاثة أقوال أنه يمشيهم على وجوههم وشاهده ما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة قال إن الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة
[ 64 ]
أن المعنى ونحشرهم مسحوبين على وجوههم قاله ابن عباس والثالث نحشرهم مسرعين مبادرين فعبر بقوله على وجوههم عن الإسراع كما تقول العرب قد مر القوم على وجوههم إذا أسرعوا قاله ابن الأنباري تعالى عميا وبكما وصما فيه قولان عميا لا يرون شيئا يسرهم وبكما لا ينطقون بحجة وصما لا يسمعون شيئا يسرهم قاله ابن عباس وقال في رواية عميا عن النظر الى ما جعل لأوليائه وبكما عن مخاطبة الله وصما عما مدح به اولياءه وهذا قول الأكثرين أن هذا الحشر في بعض أحوال القيامة بعد الحشر الأول قال مقاتل هذا يكون حين يقال لهم اخسؤوا فيها المؤمنون 108 فيصيرون عميا بكما صما لا يرون ولا يسمعون ولا ينطقون بعد ذلك تعالى كلما خبت قال ابن عباس أي سكنت قال المفسرون وذلك أنها تأكلهم فإذا لم تبق منهم يئا وصاروا فحما ولم تجد شيئا تأكله سكنت فيعادون ذلك خلقا جديدا فتعود لهم وقال ابن قتيبة يقال خبت النار إذا سكن لهبها فالهلب محمد يسكن والجمر يعمل فان سكن اللهب ولم يطفأ الجمر قيل خمدت تخمد خمودا فان طفئت ولم يبق منها شئ قيل
همدت تهمد همودا ومعنى زدناهم سعيرا نارا تتسعر أي تتلهب وما بعد هذا قد سبق تفسيره الاسراء 49 الى قوله قادر على أن يخلق مثلهم أي على أن يخلقهم مرة ثانية وأراد مثلهم إياهم وذلك أن مثل الشئ مساو له فجاز أن يعبر به عن نفس الشئ يقال مثلك لا يفعل هذا أي أنت ومثله قوله فان آمنوا بمثل ما آمنتم به البقرة 137 وقدتم الكلام عند قوله مثلهم ثم قال وجعل لهم أجلا لا ريب فييعني أجل البعث فابى الظالمون إلا كفورا أي جحودا بذلك الأجل قوله تعالى قل لو انتم تملكون خزائن رحمة ربي قال الزجاج المعنى لو تملكون انتم قال الملمس ولغير أخوالي أرادوا نقيصتي إلى نصبت لهم فوق العرانين ميسما كان لو أراد غير أخوالي هذه الخزائن قولان
[ 65 ]
خزائن الأرزاق والثاني خزائن النعم فيخرج في الرحمة قولان أحدهما الرزق والثاني النعمة وتحرير الكلام لو ملكتم ما يملكه الله عز وجل لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفاقة وكان الإنسان يعني الكافر قتورا أي بخيلا ممسكا يقال قتر يقتر وقتر يقتر إذا قصر في الإنفاق وقال الماوردي لو ملك أحد من المخلوقين من خزائن الله تعالى لما جاد أبو الله تعالى لأمرين أحدهما أنها لا بد أن يمسك منه لنفقته ومنفعته والثاني أنه يخاف الفقر والله تعالى منزه في جوده عن الحالين إن الله تعالى ذكر إنكار فرعون آيات موسى تشبيها بحال هؤلاء المشركين فقال ولقد
آتينا موسى تسع آيات وفيها قولان أنها بمعنى المعجزات والدلالات ثم اتفق جمهور المفسرين على سبع آيات منها وهي يده والعصا والطوفان والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وا في الآيتين الآخرتين على ثمانية أقوال أحدها أنهما لسانه والبحر الذي فلق له رواه العوفي عن ابن عباس يعني بلسانه أنه كان فيه عقدة فحلها الله تعالى له والثاني البحر والجبل الذي نتق فوقهم رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث السنون ونقص الثمرات رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال مجاهد والشعبي وعكرمة وقتادة وقال الحسن السنون ونقص الثمرات آية واحدة والرابع البحر والموت أرسل عليهم قاله الحسن ووهب والخامس الحجر والبحر قاله سعيد بن جبير والسادس لسانه وإلقاء العصا مرتين عند فرعون قاله الضحاك والسابع البحر والسنون قاله محمد بن كعب والثامن ذكره محمد بن اسحاق عن محمد بن كعب ايضا فذكر السبع الآيات الأولى إلا أنه جعل مكان يده البحر وزاد الطمسة والحجر يعني قوله اطمس على أموالهم يونس 88 أنها آيات الكتاب روى أبو داود السجستاني من حديث صفوان ابن عسال أن يهوديا قال لصاحبه تعال حتى نسأل هذا النبي فقال الآخر لا تقل انه نبي فانه لو سمع ذلك
[ 66 ]
صارت له أربعة أعين فأتياه فسالاه عن تسع آيات بينات فقال لا تشركوا بالله شيئا وتقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا بالبرئ الى السلطان ليقتله ولا تسحروا ولا تقذفوا المحصنات ولا تفروا من الزحف وعليكم خاصة يهود ألا تعدوا في السبت قال فقبلا يده وقالا نشهد أنك نبي
آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والار ض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معجميعا وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الاخرة جئنا بكم لفيفا أو تعالى فاسال بني اسرائيل قرأ الجمهور فاسأل على معنى الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أمر أن يسأل من آمن منهم عما اخبر به عنهم ليكون حجة) من لم يؤمن منهم وقرا ابن عباس فسأل بني أسرائيل على معنى الخبر عن موسى أنه سأل فرعون أن يرسل معه بني اسرائيل فقال له فرعون إني لأظنك أي لأحسبك يا موسى مسحورا وفيه ثلاثة أقوال مخدوعا قاله ابن عباس والثاني مسحورا قد سحرت قاله ابن السائب والثالث ساحرا فوضع مفعولا في موضع فاعل هذا مروي عن الفراء وأبي عبيدة فقال موسى لقد علمت قرأ الجمهور بفتح التاء وقرأ علي عليه السلام بضمها وقال والله ما علم عدو الله ولكن موسى هو الذي علم فبلغ ذلك ابن عباس فاحتج بقوله تعالى وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم النمل 14 واختار الكسائي وثعلب قراءة علي عليه السلام وقد رويت عن ابن عباس وأبي رزين وسعيد بن جبير وأبن يعمر واحتج من نصرها بأنه لما نسب موسى إلى أنه مسحور أعلمه بصحة عقله بقوله لقد علمت والقراءة الأولى أصح لاختيار الجمهور ولأنه قد أبان موسى من المعجزات ما أوجب علم فرعون بصدقه فلم يرد عليه الا
[ 67 ]
بالتعلل عبد والمدافعة فكأنه قال لقد علمت بالدليل والحجة ما أنزل هؤلاء يعني الآيات وقد شرحنا معنى البصائر في الأعراف 203 تعالى وإني لأظنك قال أكثر المفسرين الظن هاهنا بمعنى العلم على خلاف
ظن فرعون في موسى وسوى بينهما بعضهم فجعل الأول بمعنى العلم أيضا المثبور ستة أقوال أنه الملعون روه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الضحاك والثاني المغلوب رواه العفوي عن ابن عباس والثالث الناقص العقل رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس والرابع المهلك رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال أبو عبيدة وابن قتيبة قال الزجاج يقال ثبر الرجل فهو مثبور إذا أهلك والخامس الهالك قاله مجاهد والسادس الممنوع من الخير تقول العرب ما ثبرك عن هذا أي ما منعك قاله الفراء تعالى فأراد أن يستفزهم من الأرض يعني فرعون أراد أن يستفز بني أسرائيل من أرض مصر وفي معنى يستفزهم قولان يستأصلهم قاله ابن عباس يستخفهم حتى يخرجوا قاله ابن قتيبة وقال الزجاج جائز أن يكون استفزازهم اخراجهم منها بالقتل أو بالتنحية قال العلماء وفي هذه الآية تنبيه على نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لما خرج موسى فطلبه فرعون هلك فرعون وملك موسى كذلك أظهر الله نبيه بعد خروجه من مكة حتى رجع إليها ظاهرا عليها تعالى وقلن من بعده أي من بعد هلاك فرعون لبني أسرائيل اسكنوا الأرض وفيها ثلاث أقوال فلسطين والأردن قاله ابن عباس والثاني أرض وراء الصين قال مقاتل والثالث أرض مصر والشام
[ 68 ]
تعالى فإذا جاء وعد الآخرة يعني القيامة جئنا بكم لفيفا أي جميعا قاله
ابن عباس ومجاهد وابن قتيبة وقال الفراء لفيفا أي من هاهنا ومن هاهنا وقال الزجاج اللفيف الجماعات من قبائل شتى عليه أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للاذقان يبكون ويزيدهم خشوعا تعالى وبالحق أنزلناه الهاء كناية عن القرآن والمعنى أنزلنا القرآن بالأمر الثابت والدين المستقيم فهو حق ونزوله حق وما تضمنه حق وقال أبو سليمان الدمشقي وبالحق أنزلناه أي بالتوحيد وبالحق نزل يعني بالوعد والوعيد والأمر والنهي تعالى وقرآنا فرقناه قرأ علي عليه السلام وسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وأبو رزين ومجاهد والشعبي وقتادة والأعرج وأبو رجاء وابن محيصن فرقناه بالتشديد وقرأ الجمهور بالتخفيف قراءة التخفيف ففي معتاها ثلاثة أقوال بينا حلاله وحرامه رواه الضحاك عن ابن عباس فرقنا فيه بين الحق والباطل قاله الحسن أحكمناه وفصلناه كقوله تعالى فيها يفرق كل أمر حكيم الدخان 4 قاله الفراء وأما المشددة فمعناها أنه أنزل متفرقا ولم ينزل جملة واحدة وقد بينا في أول كتابنا هذا مقدار المدة التي نزل فيها قوله تعالى لتقرأه على الناس على مكث قرأ أنس والشعبي والضحاك وقتادة رجاء وأبان عن عاصم وابن محيصن بفتح الميم والمعنى على تؤدة وترسل ليتدبروا معناه تعالى قل آمنوا به أو لا تؤمنوا هذا تهديد لكفار أهل مكة والهاء كناية عن القرآن إن الذين أوتوا العلم وفيهم ثلاثة أقوال
[ 69 ]
أنهم ناس من أهل الكتاب قاله مجاهد أنهم الأنبياء عليهم السلام قاله ابن زيد طلاب الدين كأبي ذر وسلمان وورقة بن نوفل وزيد ابن عمرو قاله الواحدي هاء الكناية في قوله من قبله قولان أنها ترجع إلى القرآن والمعنى من قبل نزوله ترجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ابن زيد فعلى الأول إذا يتلى عليهم القرآن وعلى قول ابن زيد إذا يتلى عليهم ما انزل إليهم من عند الله تعالى يخرون للأذقان اللام هاهنا بمعنى على قال ابن عباس قوله للأذقان أي للوجوه قال الزجاج الذي خير وهو قائم إنما يخر لوجهه والذقن مجتمع اللحيين وهو عضو من أعضاء الوجه فإذا ابتدأ يخر فأقرب الأشياء من وجهه الى الأرض الذقن وقال ابن الأنباري أول ما يلقى الأرض من الذي يخر قبل ان يصوب جبتهه أبي ذقنه فلذلك قال (ويجوز أن يكون المعنى يخرون للوجوه فاكتفى بالذقن من الوجه كما يكتفى بالبعض من الكل وبالنوع من الجنس تعالى ويقولون سبحان ربنا نزهوا الله تعالى عن تكذيب المكذبين بالقرآن وقالوا ان كان وعد ربنا بانزال القرآن وبعث محمد صلى الله عليه وسلم لمفعولا واللام دخلت للتوكيد وهؤلاء قوم كانوا يسمعون أن الله باعث نبيا من العرب ومنزل عليه كتابا فلما عاينوا ذلك حمدوا الله تعالى على انجاز الوعد ويخرون للأذقان كرر القول ليدل على تكرار الفعل منهم ويزيدهم خشوعا أي يزيدهم القرآن تواضعا وكان عبد الأعلى التيمي يقول من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق أن لا يكون أوتي علما ينفعه لأن الله تعالى نعت العلماء فقال ان الذين اوتوا العلم إلى قوله يبكون
ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ما تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن الآية هذه الأية نزلت على سببين نزل أولها
[ 70 ]
إلى قوله الحسنى على سبب وفيه ثلاثة أقوال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تهجد ذات ليلة بمكة فجعل يقول في سجوده يا رحمن يا رحيم فقال المشركون كان محمد يدعو إلها واحدا فهو الآن يدعو إلهين اثنين الله والرحمن ما نعرف الرحمن الا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة فأنزل الله هذه الآية قاله ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلكان يكتب في أول ما أوحي إليه باسمك اللهم حتى نزل إنه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم النمل 30 فكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال مشركو العرب هذا الرحيم نعرفه فما الرحمن فنزلت هذه الاية قاله ميمون بن مهران أن اهل الكتاب قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت هذه الآية قاله الضحاك قوله ولا تجهر بصلاتك فنزل على سبب وفيه ثلاثة أقوال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع صوته بالقرآن بمكة فيسب المشركون القرآن ومن أتى به فخفض رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته بعد ذلك حتى لم يسمع المشركون فيسبوا القرآن ولا تخافت بها عن أصحابك فلا يسمعون قاله ابن عباس أن الأعرابي كان يجهر في التشهد ويرفع صوته فنزلت هذه الآية هذا قول عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة عند الصفا فجهر بالقرآن في صلاة الغداة فقال أبو جهل لاتفتر على الله فخفض النبي صلى الله عليه وسلم صوته فقال أبو جهل للمشركين الا ترون ما
فعلت بابن ابي كبشة رددته عن قراءته فنزلت هذه الآية قاله مقاتل التفسير فقوله قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن المعنى إن شئتم فقولوا يا ألله وإن شئتم فقولوا يا رحمن فانهما يرجعان إلى واحد أيا ما تدعوا المعنى أي أسماء الله تدعوا قال الفراء وماقد تكون صلة كقوله عما قليل ليصبحن نادمين المؤمنون 40 وتكون في معنى أي معادة لما اختلف لفظهما تعالى ولا تجهر بصلاتك فيه قولان أنها الصلاة الشرعية ثم في المراد بالكلام ستة أقوال
[ 71 ]
لا تجهر بقراءتك ولا تخافت بها فكأنه نهي عن شدة الجهر بالقراءة وشدة المخافتة قاله ابن عباس فعلى هذا في تسمية القراءة بالصلاة قولان ذكرهما ابن الأنباري أحدهما أن يكون المعنى فلا تجهر بقراءة صلاتك والثاني أن القراءة بعض الصلاة فنابت عنها كما قيل لعيسى كلمة الله لأنه بالكلمة كان لا تصل مراءاة للناس ولا تدعها مخافة الناس قاله ابن عباس ايضا لا تجهر بالتشهد في صلاتك روي عن عائشة في رواية وبه قال ابن سيرين لا تجهر بفعل صلاتك ظاهرا ولا تخافت بها شديد الاستتار قاله عكرمة لا تحسن علانيتها وتسئ سريرتها قاله الحسن لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بجميعها فاجهر في صلاة الليل وخافت في صلاة النهار على ما أمرناك به ذكره القاضي أبو يعلى والقول الثاني أن المراد بالصلاة الدعاء وهو قول عائشة وأبي هريرة ومجاهد تعالى ولا تخافت بها المخافتة الإخفاء يقال صوت خفيت وابتغ بين ذلك سبيلا أي اسلك بين الجهر والمخافتة طريقا وقد روي عن ابن عباس انه قال نسخت هذه الآية بقوله واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية ودون الجهر من القول الأعراف 205 وقال ابن
السائب نسخت بقوله فاصدع بما تؤمر الحجر 94 وعلى التحقيق وجود النسخ هاهنا بعيد تعالى ولم يكن له شريك في الملك وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وطلحة بن مصرف في الملك بكسر الميم ولم يكن له ولي من الذل قال مجاهد لم يحالف أحدا ولم يبتغ نصر أحد والمعنى أنه لا يحتاج الى موالاة أحد لذل يلحقه فهو مستغن عن الولي والنصير وكبره تكبيرا أي عظمه تعظيما تاما
[ 72 ]
الكهف في نزولها وقال أبو صالح عن ابن عباس أن سورة الكهف مكية وكذلك قال الحسن ومجاهد وقتادة وهذا اجماع المفسرين من غير خلاف نعلمه إلا أنه قد روي عن ابن عباس وقتادة أن منها آية مدنية وهي قوله واصبر نفسك الكهف 28 وقال مقاتل من أولها الى قوله تعالى صعيدا جرزا الكهف 8 مدني وقوله تعالى ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات الكهف 107108 الآيتان مدنية وباقيها مكي وروى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من حفظ عشر آيات من أول الكهف ثم أدرك الدجال لم يضره ومن حفظ خواتيم سورة الكهف كانت له نورا يوم القيامة بسم الله الرحمن الرحيم لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم اجرا حسنا ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا مالهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا تعالى الحمد لله قد شرحناه في أول الفاتحة والمراد بعبده هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم وبالكتاب القرآن تمدح بانزاله لأنه انعام على الرسول خاصة وعلى الناس عامة قال العلماء
[ 73 ]
باللغة والتفسير في هذه الآية تقديم وتأخير تقديرها أنزل على عبده الكتاب قيما أي مستقيما عدلا وقرأ أبو رجاء وابو المتوكل وأبو الجوزاء وابن يعمر والنخعي والأعمش قيما بكسر القاف وفتح الياء وقد فسرناه في الأنعام 161 تعالى ولم يجعل له عوجا أي لم يجعل فيه اختلافا وقد سبق بيان العوج في آل عمران 99 تعالى لينذر بأسا شديدا أي عذابا شديدا من لدنه أي من عنده ومن قبله والمعنى لينذر الكافرين ويبشر المؤمنين الذين يعلمون الصالحات أن لهم أي بأن لهم اجرا حسنا وهو الجنة ماكثين لا مقيمين وهو منصوب على الحال وينذر بعذاب الله الذين قالوا اتخذ الله ولدا وهم اليهود حين قالوا عزير ابن الله والنصارى حين قالوا المسيح ابن الله والمشركون حين قالوا الملائكة بنات الله ما لهم به أي بذلك القول من علم لأنهم قالوا أفترى على الله ولا لآبائهم الذين قالوا ذلك كبرت أي عظمت كلمة الجمهور على النصب وقرأ ابن مسعود والحسن ومجاهد وأبو رزين وأبو رجاء ويحيى بن يعمر وابن محيصن وابن أبي عبلة كلمة بالرفع قال الفراء من نصب أضمر كبرت تلك الكلمة كلمة ومن رفع لم يضمر شيئا كما تقول عظم قولك وقال الزجاج من نصب فالمعنى كبرت مقالتهم اتخذ الله ولدا كلمة وكلمة منصوب على التمييز ومن رفع فالمعنى عظمت كلمة هي قولهم اتخذ الله ولدا تعالى تخرج من أفواههم أي إنها قول بالفم لا صحة لها ولا دليل عليها ان يقولون أي ما يقولون إلا كذبا ثم عاتبه على حزنه لفوت ما كان يرجو من اسلامهم فقال فلعلك باخنفسك وقرأ سعيد ابن جبير وابو الجوزاء وقتادة باخع نفسك بكسر السين على الإضافة قال المفسرون واللغويون فلعلك مهلك نفسك وقاتل نفسك وانشد أبو عبيدة لذي الرمة ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه لشئ أن نحته عن يديه المقادر
تحته فان قيل كيف قال فلعلك والغالب عليها الشك والله عالم بالأشياء قبل كونها أنها ليست بشك إنما هي مقدرة تقدير الاستفهام الذي يعني به التقرير فالمعنى
[ 74 ]
هل أنت قاتل نفسك لا ينبغي أن يطول أساك على على إعراضهم فان من حكمنا عليه بالشقوة لا تجدي عليه الحسرة ذكره ابن الأنباري تعالى على آثارهم أي من بعد توليهم عنك إن لم يؤمنوا بهذا الحديث يعني القرآن أسفا وفيه اربعة أقوال حزن قاله ابن عباس وابن قتيبة والثاني جزعا قاله مجاهد والثالث غضبا قاله قتادة و الرابع ندما قاله السدي وقال أبو عبيدة ندما وتلهفا وأسى قال الزجاج الأسف المبالغة في الحزن أو الغضب يقال قد أسف الرجل فهو أسيف قال الشاعر أرى رجمنهم أسيفا كأنهما يضم الله إلى كشحيه كفا مخضبا قال الآية يشير بها الى نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثرة الحرص على إيمان قومه لئلا يؤدي ذلك إلى هلاك نفسه بالأسف جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم احسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها فيه أربعة أقوال أنهم الرجال رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني العلماء عن مجاهد عن ابن عباس فعلى هذين القولين تكون ما في موضع من لأنها في موضع إبهام قاله ابن الانباري
والثالث أنه ما عليها من شئ قاله مجاهد والرابع النبات والشجر قالاه مقاتل وقول مجاهد أعم يدخل فيه النبات والماء والمعادن وغير ذلك قيل قد نرى بعض ما على الأرض سمجا وليس بزينة أنا إن قلنا إن المراد به شئ مخصوص فالمعنى إنا جعلنا بعض ما على
[ 75 ]
الأرض زينة لها فخرج مخرج العموم ومعناه الخصوص وإن قلنا هم الرجال أو العلماء فلعبادتهم من أو لدلالتهم في على خالقهم وإن قلنا النبات والشجر فلأنه زينة لها تجري مجرى الكسوة والحلية وإن قلنا إنه عام في كل ما عليها فلكونه دالا على خالقه فكأنه زينة الأرض من هذه الجهة تعالى لنبلوهم أي لنختبر الخلق والمعنى لنعاملهم معاملة المبتلى قال ابن الأنباري من قال إن ما على الأرض يعني به النبات قال الهاء والميم ترجع إلى سكان الأرض المشاهدين للزينة ومن قال ما على الأرض الرجال رد الهاء والميم على ما لأنها بتأويل الجميع ومعنى الآية لنبلوهم فنرى أيهم أحسن عملا هذا أم هذا قال الحسن أيهم أزهد في الدنيا وقد ذكرنا في هذه الآية أربعة أقوال في سورة هود 7 ثم أعلم الخلق أنه يفني جميع ذلك فقال تعالى وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا قال الزجاج الصعيد الطريق الذي لا نبات فيه وقال ابن الأنباري قال اللغويون الصعيد التراب ووجه الأرض فأما الجرز فقال الفراء أهل الحجاز يقولون أرض جرز وجرز وأسد تقول جرز وجرز وتميم تقول أرض جرز وجرز وبالتخفيف وقال أبو عبيدة الصعيد الجرز الغليظ الذي لا ينبت شيئا ويقال للسنة المجدبة جرز وسنون أجراز لجدوبتها بن وقلة مطرها وأنشد جرفتهن السنون الأجراز الزجاج الجرز الأرض التي لا ينبت فيها شئ كأنها تأكل النبت أكلا وقال ابن الأنباري قال اللغويون الجرز الأرض التي لا يبقى بها نبات تحرق كل نبات يكون بها وقال
المفسرون وهذا يكون يوم القيامة يجعل الله الأرض مستوية لا نبات فيها ولا ماء حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا إذ أوى الفتية الى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا امدا هذه تعالى أم حسبت أن اصحاب الكهف والرقيم نزلت على سبب قد ذكرناه عند قوله تعالى ويسألونك عن الروح الاسراء 85 وقال ابن قتيبة ومعنى أم حسبت أحسبت فأما الكهف
[ 76 ]
فقال المفسرون هو المغارة في الجبل إلا أنه واسع فإذا صغر فهو غار قال ابن الأنباري قال اللغويون الكهف بمنزلة الغار في الجبل الرقيم ففيه ستة أقوال أنه لوح من رصاص كانت فيه أسماء الفتية مكتوبة ليعلم من اطلع عليهم يوما من الدهر ما قصتهم قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال سنة بن منبه وسعيد بن جبير في رواية ومجاهد في رواية وقال السدي الرقيم صخرة كتب فيها اسماء الفتية وجعلت في سور المدينة وقال مقاتل الرقيم كتاب كتبه رجلان صالحان وكانا يكتمان إيمانهما من الملك الذي فر منه الفتية كتبا أمر الفتية في لوح من رصاص ثم جعلاه في تابوت من نحاس جعلاه في البناء الذي سدوا به باب الكهف فقالا لعل الله أن يطلع على هؤلاء الفتية احدا فيعلمون أمرهم إذا قرؤوا الكتاب وقال الفراء كتب في اللوح اسماؤهم وانسابهم ودينهم وممن كانوا قال أبو عبيدة وابن قتيبة الرقيم الكتاب وهو فعيل بمعنى مفعول ومنه كتاب مرقوم أي مكتوب والثاني أنه اسم القرية ألتي خرجوا منها قاله كعب والثالث اسم الجبل قاله الحسن وعطية والرابع ان الرقيم الدواة بلسان الروم قاله عكرمة ومجاهد في رواية
والخامس اسم الكلب قاله سعيد بن جبير والسادس اسم الوادي الذي فيه الكهف قاله قتادة والضحاك تعالى كانوا من آياتنا عجبا قال المفسرون معنى الكلام أحسبت أنهم كانوا أعجب آياتنا قد كان في آياتنا ما هو أعجب منهم فان خلق السموات والأرض وما بينهما أعجب من قصتهم وقال ابن عباس الذي آتيتك من الكتاب والسنة والعلم أفضل من شأنهم قوله تعالى إذ أوى الفتية قال الزجاج معنى أووا إليه صاروا إليه وجعلوه مأواهم والفتية جمع فتى مثل غلام وغلمة وصبي وصبية وفعلة من أسماء الجمع وليس ببناء يقاس عليه لا يجوز غراب وغربة ولا غني وغنية وقال بعض المفسرين الفتية بمعنى الشبان وقد ذكرنا عن القتيبي أن الفتى بمعنى الكامل من الرجال وبيناه في قوله تعالى من فتياتكم المؤمنات
[ 77 ]
النساء 25 تعالى فقالوا ربنا آتنا من لدنك أي من عندك رحمة أي رزقا وهيئ لنا أي أصلح لنا من أمرنا رشدا أي ارشدنا إلى ما يقربنا منك والمعنى هيلنا من أمرنا ما نصيب به الرشد والرشد والرشد والرشاد نقيض الضلال عمرو قصة أصحاب الكهف العلماء في بدو امرهم وسبب مصيرهم الى الكهف على ثلاثة أقوال أنهم هربوا ليلا من ملكهم حين دعاهم الى عبادة الأصنام الأصنام فمروا براع له فتبعهم على دينهم فأووا الى الكهف يتعبدون ورجل منهم يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة إلى أن جاءهم يوما فأخبرهم أنهم قد ذكروا فبكوا وتعوذوا بالله من الفتنة فضرب الله تعالى على آذانهم وأمر الملك فسد عليهم الكهف وهو يظنهم أيقاظا وقد توفى الله ارواحهم وفاة النوم وكلبهم قد غشيه ما غشيهم ثم إن الرجلين مؤمنين يكتمان إيمانهما كتبا أسماءهم وأنسابهم وخبرهم
في لوح من رصاص وجعلاه في تابوت من نحاس في البنيان وقالا لعل الله يطلع عليهم قوما مؤمنين فيعلمون خبرهم هذا قول ابن عباس وقال عبيد بن عمير فقدهم قومهم فطلبوهم فعمى الله عليهم أمرهم فكتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح فلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا في سنة كذا في مملكة فلان ووضعوا اللوح في خزانة الملك وقالوا ليكونن لهذا شأن والثاني أن أحد الحواريين جاء الى مدينة أصحاب الكهف فأراد أن يدخلها فقيل له إن على بابها صنما لا يدخلها أحد الا سجد له فكره أن يدخلها فأتى حماما قريبا من المدينة فكان يعمل فيه بالأجر وعلقه فتية من أهل المدينة فجعل يخبرهم عن خبر السماء والأرض وخبر الآخرة فآمنوا به وصدقوه حتى جاء ابن الملك يوما بامرأة فدخل معها الحمام فأنكر عليه الحواري ذلك فسبه ودخل فمات وماتت المرأة في الحمام فأتى الملك فقيل له إن صاحب الحمام قتل ابنك فالتمس فهرب فقال من كان يصحبه فسمي له الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا على صاحب لهم في زرع وهو على مثل أمرهم فانطلق معهم ومعه كلب حتى آواهم الليل الى الكهف فدخلوه فقالوا نبيت هاهنا ثم نصبح ان شاء الله فترون رأيكم فضرب الله على آذانهم فناموا وخرج الملك وأصحابه يتبعونهم فوجدوهم قد دخلوا الكهف فكلما أراد رجل أن يدخل الكهف ارعب فقال قائل للملك أليس قلت إن قدرت عليهم قتلتهم قال بلى قال فابن عليهم باب الكهف حتى يموتوا جوعا وعطشا ففعل هذا قول وهب بن منبه أنهم كانوا ابناء عظماء المدينة وأشرافهم خرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد فقال رجل منهم هو اسنهم اني لأجد في نفسي شيئا ما أظن أحدا يجده فقالوا ما تجد
[ 78 ]
قال أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض فقاموا جميعا فقالوا ربنا رب السموات ولأرض فأجمعوا أن يدخلوا الكهف فدخلوا فلبثوا ما شاء الله هذا قول مجاهد وقال قتادة كانوا أبناء ملوك الروم فتفردوا بدينهم في الكهف فضرب الله على آذانهم
فصل سبب بعث أصحاب الكهف من نومهم فقال عكرمة جاءت أم مسلمة وكان ملكهم مسلما فاختلفوا في الروح والجسد فقال قائل يبعث الروح والجسد وقال قائل يبعث الروح وحده والجسد تأكله الأرض فلا يكون شيئا فشق اختلافهم على الملك فانطلق فلبس المسوح وقعد على الرماد ودعا الله أن يبعث لهم آية تبين لهم فبعث الله اصحاب الكهف وقال وهب ابن منبه جاء راع قد أدركه المطر الى الكهف فقال لو فتحت هذا الكهف وأدخلته غنمي من المطر فلم يزل يعالجه حتى فتحه ورد الله إليهم ارواحهم حين اصبحوا من الغد وقال ابن السائب احتاج صاحب الأرض التي فيها الكهف أن يبني حظسرة قبل لغنمه فهدم ذلك السد فبنى به فانفتح باب الكهف وقال ابن اسحاق ألقى الله في نفس رجل من أهل البلد أن يهدم ذلك البنيان فيبني به حظيرة لغنمه فاستأجر عاملين ينزعان تلك الحجارة فنزعاها وفتحا باب الكهف فجلسوا فرحين فسلم بعضهم على بعض لا يرون في وجوهم ولا أجسادهم شيئا يكرهونه إنما هم على هيئتين حيث رقدوا وهم يرون أن ملكهم أن ملكهم في طلبهم فصلوا وقالوا ليمليخا صاحب نفقتهم انطلق فاستمع ما نذكر به وابتغ لنا طعاما فوضع ثيابه واخذ الثياب التي كان يتنكر فيها وخرج فرأى الحجارة قد نزعت عن باب الكهف فعجب ثم مر مستخفيا متخوفا أن يراه احد فيذهب به الى الملك فلما رأى باب المدينة رآى عليه علامة تكون لأهل الإيمان وخيل إليه أنها ليست بالمدينة لتي يعرف ورأى ناسا لا يعرفهم فجعل يتعجب ويقول لعلي نائم فلما دخلها رأى قوما يحلفون باسم عيسى فقام مسندا ظهره إلى جدار وقال في نفسه والله ما أدري ما هذا عشية أمس لم يكن وجه الأرض من يذكر عيسى إلا قتل واليوم أسمعهم يذكرونه لعل هذه ليست المدينة التي أعرف والله ما أعرف مدينة قرب مدينتنا فقام كالحيران وأخرج ورقا فأعطاه رجلا وقال بعني طعاما فنظر الرجل إلى نقشه فعجب ثم ألقاه إلى آخر فجعلوا يتطارحونه يحيى بينهم ويتعجبون ويتشاورون وقالوا إن هذا قد اصاب كنزا ففرق منهم وظنهم قد عرفوه فقال أمسكوا طعامكم فلا حاجة بي إليه فقالوا له من أنت يا فتى والله لقد وجدت كنزا وأنت
تريد أن تخفيه شاركنا فيه وإلا أتينا بك إلى السلطان فيقتلك فلم يدر ما يقول فطرحوا كساءه في عنقه وهو يبكي ويقول فرق بيني وبين إخوتي يا ليتهم يعلمون ما لقيت فأتوا به إلى رجلين كانا يدبران أمر المدينة فقالا أين الكنز الذي وجدت قال ما وجدت كنزا ولكن هذه ورق آبائي
[ 79 ]
ونقش هذه المدينة وضربها ولكن والله ما أدري ما شأني ولا ما أقول لكم قال مجاهد وكان ورق أصحاب الكهف مثل أخفاف الإبل فقالوا من أنت وما اسم أبيك فأخبرهم فلم يجدوا من يعرفه فقال له أحدهما أتظن أنك تسخر منا وخزائن هذه البلدة بأيدينا وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار إني سامر بك فتعذب عذابا شديدا ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز فقال يمليخا أنبؤني عن شئ اسالكم عنه فان فعلتم صدقتكم قالوا سل قال ما فعل الملك دقيانوس قالوا لا نعرف اليوم على وجه الارض ملكا يسمى دقيانوس وإنما هذا ملك كان منذ زمان طويل وهلكت بعده قرون كثيرة فقال والله ما يصدقني أحد بما اقوله لقد كنا فتية وأكرهنا الملك على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت فهربنا منه عشية أمس فنمنا فلما انتبهنا خرجت أشتري لأصحابي طعاما فإذا أنا كما ترون فانطلقوا معي إلى الكهف أريكم أصحابي فانطلقوا معه وسائر أهل المدينة وكان أصحابه قد ظنوا لإبطائه عليهم أنه قد أخذ فبينما هم يتخوفون ذلك إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل فظنوا أنهم رسل دقيانوس فقاموا إلى الصلاة وسلم بعضهم على بعض فسبق يمليخا إليهم وهو يبكي فبكوا معه وسألوه عن شأنه فأخبرهم خبره وقص عليهم النبأ كله فعرفوا أنهم كانوا نياما بأمر الله تعالى وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس وتصديقا للبعث ونظر الناس في المسطور الذي فيه أسماؤهم وقصتهم فعجبوا وأرسلوا إلى ملكهم فجاء واعتنق القوم وبكى فقالوا له نستودعك الله ونقرأ عليك السلام حفظك وحفظ ملكك فبينا الملك قائم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله عز وجل أنفسهم فامر الملك أن يجعل لكل واحد منهم تابوت من ذهب فلما أمسوا رآهم في المنام فقالوا إنا لم نخلق من ذهب وقضة ولكن خلقنا من تراب فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله عز وجل من
وحجبهم الله عز وجل حين خرجوا من عندهم بالرعب فلم يقدر أحد أن يدخل عليهم وأمر الملك فجعل على باب الكهف مسجد يصلى فيه وجعل لهم عيدا عظيما يؤتى كل سنة وقيل إنه لما جاء يمليخا ومعه الناس قادعوني أدخل إلى أصحابي فأبشرهم فانهم إن رأوكم معي أرعبتموهم فدخل فبشرهم وقبض الله روحه وأرواحهم فدخل الناس فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا غير أنها لاأرواح فيها فقال الملك هذه آية بعثها الله لكم تعالى فضربنا على آذانهم قال الزجاج المعنى أنمناهم ومنعناهم السمع لأن النائم إذا سمع انتبه وعددا منصول الرحمن على ضربين على المصدر المعنى تعد عددا أن يكون نعتا للسنين المعنى سنين ذات عدد والفائدة في ذكر العدد في الشئ
[ 80 ]
المعدود توكيد كثرة الشئ لأنه إذا قفهم مقداره وإذا كثر احتيج الى أن يعد العدد الكثير ثم بعثناهم من نومهم يقال كل من خرج من الموت الى الحياة أو من النوم إلى الانتباه مبعوث لانه قد زال عنه ما كان يحبسه عن التصرف والانبعاث وقيل معنى سنين عددا أنه لم يكن فيها شهور ولا أيام إنما هي كاملة ذكره الماوردي تعالى لنعلم أي الحزبين قال المفسرون أي لذى وقال بعضهم المعنى لتعلموا أنتم وقرأ أبو الجوزاء وأبو عمران والنخعي ليعلم بضم الياء على ما لم يسم فاعله أي الحزبين ويعني بالحزبين المؤمنين والكافرين من قول أصحاب الكهف أحصى لما لبثوا أي لنعلم أهؤلاء أحصى للأمد أو هؤلاء فكأنه وقع بينهم تنازع في مدة لبثهم في الكهف بعد خروجهم من بينهم فبعثهم الله ليبين ذلك ويظهر قال قتادة لم يكن للفريقين علم بلبثهم وكان لا لمؤمنيهم ولا لكافريهم روى قال مقاتل لما بعثوا زال الشك وعرفت حقيقة اللبث وقال القاضي أبو يعلى معنى الكلام بعثناهم ليظهر المعلوم في اختلاف الحزبين في مدة لبثهم لما في ذلك من العبرة ولم
نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه الهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا تعالى نحن نقص عليك نبأهم أي خبر الفتية بالحق أي بالصدق تعالى وزدناهم هدى أي ثبتناهم على الإيمان وربطنا على قلوبهم أي ألهمناها الصبر إذ قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس فقالوا ربنا رب السموات والأرض وذلك أنه كان يدعو الناس إلى عبادة الأصنام فعصم الله هؤلاء حتى عصوا ملكهم وقال الحسن قاموا في قومهم فدعوهم الى التوحيد وقيل هذا قولهم بينهم لما اجتمعوا خارج المدينة على ما ذكرنا في أول القصة فأما الشطط فهو الجور قال الزجاج يقال شط الرجل وأشط إذا جار ثم قال الفتية هؤلاء قومنا يعنون الذين كانوا في زمن دقيانوس اتخذوا من دونه آلهة أي عبدوا الأصنام لولا أي هلا يأتون عليهم أي على عبادة الأصنام بسلطان بين أي بحجة
[ 81 ]
وإنما قال عليهم والأصنام مؤنثة لأن الكفار نحلوها العقل والتمييز فجرت مجرى المذكرين من الناس تعالى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا فزعم أن له شريكا وإذ اعتزلوهم يعبدون إلا الله فأوا بين إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزوار عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا تعالى وإذ اعزلتموهم أهل قال ابن عباس هذا قول يمليخا وهو رئيس اصحاب الكهف قال لهم وإذ اعتزلتموهم أي فارقتموهم يريد عبدة الأصنام وما يعبدون إلا الله
فيه قولان واعتزلتم ما يعبدون إلا الله فان القوم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه آلهة فاعتزل الفتية عبادة الآلهة ولم يعتزلوا عبادة الله هذا قول عطاء الخراساني والفراء وما يعبدون غير الله قال قتادة هي في مصحف عبد الله وما يعبدون من دون الله وهذا تفسيرها تعالى فأووا إلى الكهف أي اجعلوه مأواكم ينشر لكم ربكم من رحمته أي يبسط عليكم من رزقه ويهيئ لكم من أمركم مرفقا قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي مرفقا بكسر الميم وفتح الفاء وقرأ نافع وابن عامر مرفقا بفتح الميم وكسر الفاء حديث قال الفراء أهل الحجاز يقولون مرفقا بفتح الميم وكسر الفاء في كل مرفق ارتفقت به ويكسرون مرفق الإنسان والعرب قد يكسرون الميم منهما جميعا قال ابن الأنباري معنى الآية ويهيئ لكم بدلا من أمركم الصعب مرفقا قال الشاعر فليت لنا من ماء زمزم شربة عند مبردة باتت على طهيان لأنه معناه فليت لنا بدلا من ماء زمزم قال ابن عباس ويهيئ لكم يسهل عليكم ما تخافون من الملك وظلمه ويأتكم باليسر والرفق واللطف
[ 82 ]
تعالى وترى الشمس إذا طلعت المعنى لو رأيتها لرايت ما وصفنا تزاور قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو تزاور بتشديد الزاي وقرأ عاصم وحمزة والكسائي تزاور خفيفة وقرأ أبو عامر تزور مثل تحمر وقرأ أبي بن كعب وأبو مجلز وابو رجاء والجحدري تزوار باسكان الزاي وبألف ممدودة بعد الواو من غير همزة مشددة الراء وقرأ ابن مسعدو أخبرنا وأبو المتوكل وابن السميفع تزوئر بهمزة قبل الراء مثل تزوعر يا وقرأ أبو الجوزاء وأبو السماك تزور بفتح التاء والزاي وتشديد الواو المفتوحة خفيفة الراء مثل تكور أي تميل وتعدل قال الزجاج أصل تتزاور فأدغمت التاء في الزاي وتقرضهم أي تعدل عنهم وتتركهم وقال ذو الرمة
إلى طغن لو يقرضن أجواز مشرف يكون شمالا وعن أيمانهن الفوراس مع سعيد يتركن واصل القرض القطع والتفرقة بين الأشياء ومنه قولك أقرضني درهما أي اقطع لي من مالك درهما قال المفسرون كان كهفهم بازاء بنات نعش في أرض الروم فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة لا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرها وتغير ألوانهم ثم أخبر أنهم كانوا في متسع من الكهف ينالهم فيه برد الريح ونسيم الهواء فقال وهم في فجوة منه قال أبو عبيدة أي في متسع والجميع فجوات وفجاء بكسر الفاء وقال الزجاج إنما صرف الشمس عنهم آية من الآيات ولم يرض قول من قال كان كهفهم بازاء بنت نعش تعالى ذلك من آيات الله يشير الى ما صنعه بهم من اللطف في هدايتهم وصرف أذى الشمس عنهم والرعب الذي ألقى علهم حتى لم يقدر الملك الظالم ولا غيره على أذاهم من آيات الله أي من دلائله على قدرته ولطفه من يهد الله فهو المهتد هذا بيان أنه هو الذي تولى هداية القوم ولولا ذلك لم يهتدوا وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذارعيه بالوصيد لو اطعلت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا تعالى وتحسبهم أيقاظا أي لو رأيتهم لحسبتهم بكر أيقاظا قال الزجاج الأيقاظ المنتبهون واحدهم يقط ويقظان والجميع أيقاظ والرقود النيام قال الفراء واحد الأيقاظ يقظ ويقظ قال ابن السائب وإنما يحسبون أيقاظا لأن أعينهم مفتحة وهم نيام وقيل لتقلبهم قد يمينا وشمالا وذكر بعض أهل العلم أن وجه الحكمة في فتح أعينهم أنه لو دام طبقها لذابت
[ 83 ]
تعالى ونقلبهم وقرأ أبو رجاء وتقلبهم بتاء مفتوحة وسكون القاف وتخفيف اللام المكسورة وقرأ أبو الجوزاء وعكرمة ونقلبهم مثلها إلا أنه بالنون ذات اليمين أي على ايمانهم وعلى شمائلهم قال ابن عباس كانوا يقلبون في كل
عام مرتين ستة أشهر على هذا الجنب وستة أشهر على هذا الجنب لئلا تأكل الأرض لحومهم وقال مجاهد كانوا ثلاثمائة عام على شق واحد ثم قلبوا تسع سنين قوله تعالى وكلبهم باسط ذارعيه بالوصيد أخبر أن الكلب كان على مثل حالهم في النوم وهو في راي العين منتبه وفي الوصيد أربعة أقوال أنه الفناء فناء الكهف رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وقتادة والفراء قال الفراء يقال الوصيد والأصيد وفي لغتان مثل الإكفاف كل والوكاف وأرخت الكتاب وورخت ووكدت الأمر وأكدت وأهل الحجاز يقولون الوصيد وأهل نجد يقولون الأصيد وهو الحظيرة والفناء أنه الباب رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال السدي وقال ابن قتيبة فيكون المعنى وكلبهم باسط ذارعيه بالباب قال الشاعر بأرض فضاء لا يسد وصيدها على ومعروفي بها غير منكر فلا أنه الصعيد وهو التراب رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد في رواية عنهما أنه عتبة الباب قاله عطاء قال ابن قتيبة وهذا أعجب إلي لأنهم يقولون أوصد بابك أي أغلقه ومنه قوله إنها عليهم مؤصدة الهمزة 8 أي مطبقة مغلقة وأصله أن تلصق الباب بالعتبة إذا أغلقته ومما يوضح هذا أنك إذا جعلت الكلب بالفناء كان خارجا من الكهف وإن جعلته بعتبة الباب أمكن أن يكون داخل الكهف والكهف وإن لم يكن له باب وعتبة فانما أراد أن الكلب موضع العتبة من البيت فاستعير تعالى لو اطلعت عليهم وقرأ الأعمش وأبو حصين لو أطلعت بضم الواو لوليت منهم فرارا رهبة لهم ولملئات منه قرأ عاصم وابن عامر وابو عمرو وحمزة والكسائي ولملئت خفيفة مهموزة وقرأ ابن كثير ونافع ولملئت مشددة مهموزة رعبا أي فزعا وخوفا وذلك أن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يدخل إليهم
[ 84 ]
أحد وقيل انهم طالت شعورهم وأظفارهم جدا فلذلك كان الرائي لهم لو رآهم هرب مرعوبا حكاه الزجاج وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها ازكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تلفحوا إذا أبدا تعالى وكذلك بعثناهم أي وكما فعلنا بهم ما ذكرناه بعثناهم من تلك النومة ليتساءلوا أي ليكون بينهم تساؤل وتنازع واختلاف في مدة لبثهم فيفيد تساؤلهم اعتبار المعتبرين بحالهم قال قائل منهم كم لبثتم أي كم مر علينا منذ دخلنا هذا الكهف قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم وذلك أنهم دخلوا غدوة وبعثهم الله في آخر النهار فلذلك قالوا يوما فلما رأوا الشمس قالوا أبو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم قال ابن عباس القائل لهذا يمليخا رئيسهم رد علم ذلك الى الله تعالى وقال في رواية أخرى انما قاله مكسلمينا وهو أكبرهم قال أبو سليمان وهذا يوجب ان تكون نفوسهم قد حدثتهم أنهم قد لبثوا أكثر مما ذكروا وقيل إنما قالوا ذلك لأنهم رأوا أظفارهم وأشعارهم قد طالت جدا تعالى فابعثوا أحدكم قال ابن الأنباري إنما قال أحدكم ولم يقل واحد كم لئلا يلتبس البعض بالممدوح المعظم فان العرب تقول رأيت أحد القوم ولا يقولون رأيت واحد القوم إلا إذا أرادوا المعظم فأراد بأحدهم بعضهم ولم يرد شريفهم تعالى بورقكم قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم بورقكم الراء مكسورة خفيفة وقرا أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم ساكنة الراء وعن أبي عمرو بورقكم مدغمة يشمها شيئا من التثقيل قال الزجاج يقولون الورق وبعض العرب يكسرون الواو فيقولون الورق قال ابن قتيبة الورق الفضة دراهم كانت أو غير دراهم يدلك
على ذلك حديث عرفجة انه اتخذ أنفا من ورق تعالى إلى المدينة يعنون التي خرجوا منها واسمها دقسوس ويقال هي اليوم طرسوس
[ 85 ]
تعالى فلينظر ايها قال الزجاج المعنى أي أهلها أزكى طعاما وللمفسرين في معناه ستة أقوال أحل ذبيحة قاله ابن عباس وعطاء وذلك أن عامة أهل بلدهم كانوا كفارا فكانوا يذبحون للطواغيت وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم والثاني أحل طعاما قاله سعيد بن جبير قال الضحاك وكانت أكثر أموالهم غصوبا وقال مجاهد قالوا لصاحبهم لا تبتع طعاما فيه ظلم ولا غصب والثالث أكثر قاله عكرمة والرابع خير أي أجود قاله قتادة والخامس أطيب قاله ابن السائب ومقاتل والسادس ارخص قاله سليمان بن رياب قال ابن قتيبة واصل الزكاء النماء والزيادة تعالى فلياتكم: برزق منه أي بما تأكلونه وليتلطف أي ليدقق غير النظر فيه وليحتل لئلا يطلع عليه ولا يشعرن بكم أي ولا يخبرن أحدا بمكانكم إنهم إن يظهروا أي يطلعوا ويشرفوا عليكم يرجموكم وفيه ثلاثة أقوال يقتلوكم قاله ابن عباس وقال الزجاج يقتلوكم بالرجم والثاني يرجموكم بأيديهم استنكارا لكم قاله الحسن والثالث بألسنتهم شتما لكم قاله مجاهد وابن جريج تعالى أو يعيدوكم في ملتهم أي يردوكم في دينهم ولن تفلحوان إذا ابدا أي إن رجعتم في دينهم لم تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة
أحمد أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا تعالى وكذلك أعثرنا عليهم أي وكما أنمناهم وبعثناهم أطعلنا بعد وأظهرنا عليهم قال ابن قتيبة وأصل هذا أن من عثر بشئ وهو غافل نظر إليه حتى يعرفه فاستعير
[ 86 ]
لعثار مكان التبين والظهور ومنه قول الناس ما عثرت على فلان بسوء قط أي ما ظهرت على ذلك منه تعالى ليعلموا في المشار إليهم بهذا العلم قولان أنهم اهل بلدهم حين اختصموا في البعث فبعث الله أهل الكهف ليعلموا أن وعد الله بالبعث والجزاء حق وأن القيامة لا شك فيها هذا قول الاكثرين أنهم أهل الكهف بعثناهم ليروا بعد علمهم أن وعد الله حق ذكره الماوردي تعالى إذ يتنازعون يعني أهل ذلك الزمان قال ابن الأنباري المعنى إذ كانوا يتنازعون ويجوز ان يكون المعنى إذ تنازعوا ما تنازعوا فيه خمسة أقوال أنهم تنازعوا في البنيان والمسجد فقال المسلمون نبني عليهم مسجدا لأنهم على ديننا وقال المشركون نبني عليهم بنيانا لأنهم من أهل سنتنا قاله ابن عباس والثني أنهم تنازعوا في البعث فقال المسلمون تبعث الأجساد والأرواح وقال بعضهم تبث الأرواح دون الأجساد فأراهم الله تعالى بعث الأرواح والأجساد ببعثه أهل الكهف قاله عكرمة والثالث أنهم تنازعوا ما يصنعون بالفتية قاله مقاتل والرابع أنهم تنازعوا في قدر مكثهم والخامس تنازعوا في عددهم ذكرهما الثعلبي تعالى ابنوا عليهم بنيانا أي استروهم من الناس بأن تجعلوهم وراء ذلك
البنيان وفي القائلين لهذا قولان أنهم مشركو ذلك الزمان وقد ذكرناه عن ابن عباس أنهم الذين أسلموا حين رأوا أهل الكهف قاله ابن السائب تعالى قال الذين غلبوا على أمرهم قال ابن قتيبة يعني المطاعين والرؤساء قال المفسرون وهم الملك وأصحابه المؤمنون أتخذوا عليهم مسجدا قال سعيد بن جبير بني عليهم الملك بيعه يقول ثلثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون
[ 87 ]
سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا ولا تقولون لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا قوله تعالى سيقولون ثلاثة قال الزجاج ثلاثة مرفوع بخبر الابتداء المعنى سيقول الذين تنازعوا في أمرهم هم ثلاثة وفي هؤلاء القائلين قولان أنهم نصارى نجران ناظروا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة أهل الكهف فقالت الملكية هم ثلاثة رابعهم كلبهم وقالت اليعقوبية هم خمسة سادسهم كلبهم وقالت النسطورية هم سبعة وثامنهم كلهم فنزلت هذه الآية رواه الضحاك عن ابن عباس أنهم أهل مدينتهم قبل ظهورهم عليهم ذكره الماوردي تعالى رجما بالغيب أي ظنا غير يقين قال زهير وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم الذي وما هو عنها بالحديث المرجم لأن دخول الواو في قوله وثامنهم كلبهم ولم تدخل فيما قبل هذا ففيه أربعة أقوال أحدها أن دخولها وخروجها واحد قاله الزجاج
أن ظهور الواو في الجملة الثامنة دلالة على على أنها مرادة في الجملتين المتقدمتين فأعلم بذكرها هاهنا أنها مرادة فيما قبل وإنما حذفت تخفيفا ذكره أبو نصر في شرح اللمع أن دخولها يدل على انقطاع القصة وان الكلام قد تم ذكره الزجاج أيضا وهو قول مقاتل بسليمان فان الواو تدل على تمام الكلام قبلها واستئناف ما بعدها قال الثعلبي فهذه واو الحكم والتحقيق كأن الله تعالى حكى اختلافهم فتم الكلام عند قوله ويقولون سبعة ثم حكم أن ثامنهم كلبهم وجاء في بعض التفسير ان المسلمين قالوا عند اختلاف النصارى هم سبعة فحقق الله قول المسلمين أن العرب تعطف بالواو على السبعة فيقولون ستة سبعة وثمانية لأن العقد عندهم سبعة كقوله التائبون العابدون إلى أن قال في الصفة الثامنة والناهون عن
[ 88 ]
المنكر التوبة 112 وقوله في صفة الجنة وفتحت أبوابها وفي صفة النار فتحت أبوابها الزمر 73 71 لأن أبواب النار سبعة وابواب الجنة ثمانية ذكر هذا المعنى أبو اسحاق الثعلبي صلى اختلف العلماء في عددهم على قولين أنهم كانوا سبعة قاله ابن عباس ثمانية قاله ابن جريج وابن اسحاق وقال ابن الأنباري وقيل معنى قوله وثامنهم كلبهم صاحب كلبهم كما يقال السخاء حاتم والشعر زهير أي السخاء سخاء حاتم والشعر شعر زهير وأما أسماؤهم فقال هشيم مكسلمينا ويمليخا وطرينوس وقد وسدينوس علي وسرينوس حتى ونواسس تعالى ويرانوس فإن وفي التفسير خلاف في أسمائهم فلم أطل به في كلبهم لمن كان على ثلاثة أقوال أنه كان لراع مروا به فتبعهم الراعي والكلب قاله ابن عباس انه كان لهم يتصيدون عليه قاله عبيد بن عمير أنهم مروا بكلب فتبعهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك به مرارا فقال لهم
الكلب ما تريدون مني لا تخشوا جانبي انا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم قاله كعب الأحبار اسم كلبهم أربعة أقوال قطمير قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني اسمه الرقيم وقد ذكرناه عن سعيد بن جبير والثالث قطمور قاله عبد الله بن كثير والرابع حمران قاله شعيب الجبائي وفي صفته ثلاثة أقوال أحمر حكاه الثوري والثاني أصفر حكاه ابن اسحاق والثالث أحمر الرأس أسود الظهر أبيض البطن أبلق الذنب ذكره ابن السائب تعالى ربي أعلم بعدتهم حرك الياء ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأسكنها الباقون
[ 89 ]
تعالى ما يعلمهم إلا قليل أي ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس قال عطاء يعني بالقليل أهل الكتاب قال ابن عباس أنا من ذلك القليل هم سعبة إن الله عدهم حتى أنتهى الى السبعة تعالى فلا تمار فيهم إلا مراء ظهرا قال ابن عباس وقتادة لا تمار أحدا حسبك ما قصصت عليك من أمرهم وقال ابن زيد لا تمار في عدتهم إلا مراء ظاهرا أن تقول لهم ليس كما تقولون ليس كما تعلمون وقيل إلا مراء ظاهرا بحجة واضحة حكاه الماوردي والمراء في اللغة الجدال يقال مارى يماري مماراة ومراء أي جادل قال ابن الأنباري معنى الآية لا تجادل إلا جدال متيقن عالم بحقيقة الخبر إذ الله تعالى ألقى إليك مالا يشوبه باطل وتفسير المراء في اللغة استخراج غضب المجادل من قولهم مريت الشاة
إذا استخرجت لبنها تعالى ولا تستفت فيهم أي في أصحاب الكهف منهم قال ابن عباس يعني من أهل الكتاب قال الفراء أتاه فريقان من النصارى نسطوري ويعقوبي فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن عددهم فنهي عن ذلك تعالى ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا أن يشاء الله سبب نزولها أن قريشا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين وعن الروح وعن أصحاب الكهف فقال غدا أخبركم بذلك ولم يقل إن شاء الله فأبطأ عليه جبريل خسمة عشر يوما لتركه الاستثناء فشق ذلك عليه ثم نزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس ومعنى الكلام ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن تقول إن شاء الله فحذف لقول تعالى واذكر ربك إذا نسيت قال ابن الأنباري معناه واذكر ربك بعد تفضي النسيان كما تقول أذكر لعبدالله إذا صلى حاجتك أي بعد انقضاء الصلاة في معنى الآية ثلاثة أقوال أحدها ان المعنى إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فقل إن شاء الله ولو كان بعد يوم أو شهر أو سنة قاله سعيد بن جبير والجمهور أن معنى إذا نسيت إذا غضبت قاله عكرمة قال ابن الأنباري وليس ببعيد لأن الغضب ينتج النسيان إذا نسيت الشئ فاذكر الله ليذكرك إياه حكاه الماوردي
[ 90 ]
الاستثناء أن يخرج الحالف من الكذب إذا لم يفعل حلف عليه كقوله في قصة موسى ستجدني إن شاء الله صابرا الكهف 70 ولم يصبر فسلم من الكذب لوجود الاستثناء في حقه ولا تختلف الرواية عن أحمد أنه لا يصح الاستثناء في الطلاق والعتاق وأنه إذا قال انت طالق ان شاء الله وانت حر إن شاء الله أن ذلك يقع وهو قول مالك وقال أبو حنيفة
والشافعي لا يقع شئ من ذلك وأما اليمين بالله تعالى فان الاستثناء فيها يصح بخلاف الطلاق وكذلك الاستثناء في كل ما يكفر كالظهار والنذر لأن الطلاق والعتاق لفظه لفظ إيقاع وإذا علق به المشيئة علمنا وجودها لوجود لفظ الإيقاع من جهته بخلاف سائر الايمان لأنها ليست بموجبات للحكم وإنما تتعلق بأفعال مستقبلة صلى اختلف في الوقت الذي يصح فيه الاستثناء على ثلاثة أقوال انه لا يصح الاستثناء الا موصولا بالكلام وقد روي عن أحمد نحو هذا وبه قال أكثر الفقهاء والثاني انه يصح ما دام في المجلس قاله الحسن وطاووس وعن أحمد نحوه انه لو أستثنى بعد سنة جاز قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد ابن جبير وأبو العالية وقال ابن جرير الطبري الصواب للإنسان أن يستثني ولو بعد حنثه في يمينه فيقول إن شاء الله ليخرج بذلك مما ألزمه الله في هذه الآية فيسقط عنه الحرج فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال الا ان يكون الاستثناء موصولا بيمينه ومن قال له ثنياه ولو بعد سنة أراد سقوط الحرج الذي يلزمه بترك الاسثتناء دون الكفارة تعالى وقل عسى أن يهديني ربي قرأ نافع وأبو عمرو يهديني ربي بياء في الوصل دون الوقف وقرأ ابن كثير بياء في الحالين وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بغير ياء في الحالين معنى الكلام قولان عسى أن يعطيني ربي من الايات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب في الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف ففعل الله له ذلك وآتاه من علم غيوب
[ 91 ]
المرسلين ما هو أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف هذا قول الزجاج أن قريشا لما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم خبر أصحال الكهف قال غدا
أخبركم كما شرحنا في سبب نزول الآية فقال الله تعالى له وقل عسى أن يهديني ربي أي عسى أن يعرفني جواب مسائلكم قبل الوقت الذي حددته لكم ويعجل لي من جهته الرشاد هذا قول ابن الأنباري في كهفهم ثلث مائة سنين وازدادوا تسعا قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض أبصر به وأسمع مالهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا تعالى ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ثلاثمائة سنين منون وقرأ حمزة والكسائي ثلاثمائة سنين مضافا غير منون قال أبو علي العدد المضاف الى الآحاد قد جاء مضافا الى الجميع قال الشاعر وما زودوني عمر غير سحق عمامة النبي وخمسمئ وإن منها قسي وزائف كما هذا الكلام قولان أنه حكاية عما قال الناس في حقهم وليس بمقدار لبثهم قاله ابن عباس واستدل عليه فقال لو كانوا لبثوا ذلك لما قال الله أعلم بما لبثوا وكذلك قال قتادة وهذا قول أهل الكتاب أنه مقدار ما لبثوا قاله عبيد بن عمير ومجاهد والضحاك وابن زيد والمعنى لبثوا هذا القدر من يوم دخلوه إلى أن بعثهم الله وأطلع الخلق عليهم تعالى سنين قال الفراء وأبو عبيدة والكسائي والزجاج التقدير سنين
[ 92 ]
ثلاثمائة وقال ابن قتيبة المعنى أنها لم تكن شهورا ولا أياما وإنما كانت سنين وقال أبو علي الفارسي سنين بدل من قوله ثلاثمائة قال الضحاك نزلت ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة فقالوا أياما أو شهورا أو سنين فنزلت سنين فلذلك قال سنين ولم يقل سنة
قوله تعالى وازدادوا تسعا يعني تسع سنين فاستغنى عن ذكر السنين بما تقدم من ذكرها ثم أعلم أنه أعلم بقدر مدة لبثهم من أهل الكتاب المختلفين فيها فقال قل الله أعلم بما لبثوا قال ابن السائب قالت نصارى نجران أما الثلاثمائة فقد عرفناها وأما التسع فلا علم لنا بها فنزل قوله تعالى قل الله أعلم بما لبثوا وقيل إن أهل الكتاب قالوا إن للفتية منذ دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة وتسع سنين فرد الله تعالى عليهم ذلك وقال قل الله أعلم بما لبثوا بعد أن قبض أرواحهم الى يومكم هذا لا يعلم ذلك غير الله وقيل إنما زاد التسع لأنه تفاوت ما بين السنين الشمسية والسنين القمرية حكاه الماوردي تعالى أبصر به واسمع فيه قولان أنه على مذهب التعجب فالمعنى ما أسمع الله به وأبصر أي هو عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم هذا قول الزجاج وذكر انه اجماع العلماء أنه في معنى الأمر فالمعنى أبصر بدين الله واسمع أي بصر بهدى الله وسمع فترجع الهاء اما على الهدى واما على الله عز وجل ذكره ابن الأنباري تعالى ما لهم من دونه أي ليس لأهل السموات والارض من دون الله من ناصر ولا يشرك في حكمه أحدا ولا يجوز أن يحكم حاكم بغير ما حكم به وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون شريكا لله عز وجل في حكمه وقرأن ابن عامر ولا تشرك جزما بالتاء والمعنى لا تشرك أيها الإنسان هو ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحيوة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هوايه وسلم وكان امره فرطا
[ 93 ]
تعالى واتل ما اوحي إليكم في هذه التلاوة قولان أنها بمعنى القراءة
والثاني بمعنى الاتباع فيكون المعنى على الاول اقرأ القرآن وعلى الثاني اتبعه واعمل به وقد شرحنا في الانعام 115 معنى لا مبدل لكلماته تعالى ولن تجد من دونه ملتحدا قال مجاهد والفراء ملجأ وقال الزجاج معدلا عن أمره ونهيه وقال غيرهم موضعا تميل إليه في الالتجاء تعالى واصبر نفسك سبب نزولها أن المؤلفة قلوبهم جاؤوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وذووهم فقالوا يا رسول الله لو أنك جلست في صدر المجلس ونحيت هؤلاء عنا يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين وكانت عليهم جباب الصوف جلسا اليك واخذنا عنك فنزلت هذه الآية الى قوله إنا اعتدنا للظالمين نارا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسهم حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله قال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مرجال من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات هذا قول سلمان الفارسي ومعنى قوله واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم أي احبسها معهم على أداء الصلوات بالغداة والعشي وقد فسرنا هذه الآية في الأنعام 52 إلى قوله تعالى ولا تعد عيناك عنهم أي لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الغنى والشرف وكان عليه السلام حريصا على إيمان الرؤساء ليؤمن أتباعهم ولم يكن مريدا لزينة الدنيا قط فأمر أن يجعل إقباله على فقراء المؤمنين تعالى ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا سبب نزولها أن أمية بن خلف الجمحي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة فنزلت هذه الآية رواه الضحاك عن ابن عباس وفي رواية أخرى عنه أنه قال هو عيينه وأشباهه ومعنى اغفلنا قلبه جعلناه غافلا وقرأ أبو مجلز من أغفلنا بفتح اللام ورفع باء القلب عن ذكرنا عن التوحيد والقرآن والإسلام واتبع هواه في الشرك وكان أمره فرطا فيه أربعة أقوال أنه أفرط في قوله لأنه قال إن رؤوس مضر وإن نسلم يسلم الناس بعدنا قاله أبو صالح عن ابن عباس
والثاني ضياعه قاله مجاهد وقال أبو عبيدة سرفا وتضييعا
[ 94 ]
والثالث ندما حكاه ابن قتيبة عن أبي عبيدة والرابع كان أمره التفريط والتفريط تقديم العجز قاله الزجاج وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إن أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا عنه تعالى وقل الحق من ربكم قال الزجاج المعنى وقل الذي أتيتكم به الحق من ربكم قوله تعالى فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فيه ثلاثة أقوال فمن شاء الله فليؤمن روي عن ابن عباس أنه وعيد وإنذار وليس بأمر قاله الزجاج أن معناه لا تنفعون الله بايمانكم ولا تضرونه بكفركم قاله الماوردي وقال بعضهم هذا اظهار للغنى لا إطلاق في الكفر تعالى إنا أعتدنا أي هيأنا وأعددنا وقد شرحناه في قوله وأعتدت لهن متكأ يوسف 31 فأما الظالمون فقال المفسرون هم الكافرون وأما السرادق فقال الزجاج السرادق كل ما أحاط بشئ نحو الشقة في المضرب أو الحائط المشتمل على الشئ وقال ابن قتيبة السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال السرادق فارسي معرب وأصله بالفارسية سرادار وهو الدهليز قال الفرزدق تمنيتهم إن حتى إذا ما لقيتهم إلا تركت لهم قبل الضراب السرادقا فيه وفي المراد بهذا السرادق قولان أنه سرادق من نار قاله ابن عباس روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
انه قال لسرادق النار أربعة جدر كثف كل جدار منها مسيرة أربعين سنة وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس قال السرادق لسان من النار يخرج من النار فيحيط بهم حتى يفرغ من حسابهم
[ 95 ]
أنه دخان يحيط بالكفار يوم القيامة وهو الظل ذو ثلاث شعب الذي ذكره الله تعالى في المرسلات 30 قاله ابن قتيبة تعالى وإن يستغيثوا أي مما هم فيه من العذاب وشدة العطش يغاثوا بماء كالمهل وفيه سبعة أقوال أنه ماء غليظ كدردي الزيت رواالعوفي عن ابن عباس أنه كل شئ أذيب حتى أنماع قاله ابن مسعود وقال أبو عبيدة والزجاج 4 كل شئ أذبته من نحاس أو رصاص أو نحو ذلك فهول مهل قيح ودم أسود كعكر الزيت قاله مجاهد أنه الفضة والرصاص يذابان صلى روي عن مجاهد أيضا أنه الذي انتهى حره قاله سعيد بن جبير أنه الصديد ذكره ابن الأنباري قال مغيب بن سمي هذا الماء هو ما يسيل من عرق أهل الموقف في الآخرة وبكائهم وقال وما يجري منهم من دم وقيح يسيل ذلك لى واد في جهنم فتطبخه جهنم فيكون أول ما يغاث بأهل النار والسابع أنه الرماد الذي ينفض عن الخبزة إذا خرجت من التنور حكاه ابن الأنباري قوله تعالى يشوي الوجوه قال المفسرون إذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه ثم ذمه فقال بئس الشراب وساءت النار مرتفقا وفيه خمسة أقوال منزلا قاله ابن عباس والثاني مجتمعا قاله مجاهد
والثالث متكأ قاله أبو عبيدة وأنشد لابي ذؤيب إني أرقت فبت الليل مرتفقا كأن عيني فيها الصاب مذبوح أنه وذبحه انفجاره قال الزجاج مرتفقا منصوب على التمييز ومعنى مرتفقا متكأ على المرفق والرابع ساءت مجلسا قاله ابن قتيبة والخامس ساءت مطلبا للرفق لأن من طلب رفقا من جهتها عدمه ذكره ابن الأنباري ومعاني هذه الأقوال تتقارب وأصل المرفق في اللغة ما يرتفق به
[ 96 ]
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاا أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات قال الزجاج خبر إن هاهنا على ثلاثة أوجه وهو أن يكون على إضمار إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم ولم يحتج إلى ذكر منهم لأن الله تعالى قد أعلمنا أنه محبط عمل غير المؤمنين أن يكون خبر إن أولئك لهم جنات عدن فيكون قوله إنا لا نضيع قد فصل به بين الأسم وخبره لأنه يحتوي على معنى الكلام الأول لأن من أحسن عملا بمنزلة الذين آمنوا أن يكون الخبر إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا بمعنى إنا لا نضيع أجرهم المفسرون ومعنى نضيع أجر من أحسن عملا أي لا نترك أعماله تذهب ضياعا بل نجازيه عليها بالثواب الأساور فقال الفراء في الواحد منها ثلاث لغات إسوار وسوار وسوار فمن قال إسوار جمعه أساور ومن
قال سوار أو سوار جمعه أسورة وقد يجوز أن يكون واحد أساورة وأساور وقال الزجاج الأساور جمع أسورة وأسورة جمع سوار يقال سوار اليد بالكسر وقد حكي سوار قال المفسرون لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور في اليد والتيجان على الرؤوس جعل الله ذلك لأهل الجنة قال سعيد بن جبير يحلى كل واحد منهم بثلاثة من الأساور واحد من فضة وواحد من ذهب وواحد من لؤلؤ ويواقيت السندس والإستبرق فقال ابن قتيبة السندس رقيق الديباج والإستبرق ثخينه وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال السندس رقيق الديباج لم يختلف أهل اللغة في أنه معرب قال الراجز وليلة من الليالي حندس صلى الله عليه وسلم لون حواشيها كلون السندس إذا والاستبرق غليظ الديباج فارسي معرب وأصله استفره وقال ابن دريد استروه
[ 97 ]
ونقل من العجمية الى العربية فلوا حقر استبرق أو كسر لكان في التحقير أبيرق وفي التكسير أبارق بحذف السين والتاء جميعا قوله تعالى متكئين فيها الاتكاء التحامل على الشئ قال أبو عبيدة والأرائك الفرش فالحجال ولا تكون الأريكة إلا بحجلة وسرير وقال ابن قتيبة الأرائك السرر في الحجال واحدها أريكة وقال ثعلب لا تكون الأريكة إلا سريرا في قبة عليه شوراه ومتاعه قال ابن قتيبة الشوار مفتوح الشين وهو متاع البيت وقال الزجاج الأرائك الفرش في الحجال قال وقيل إنها الفرش وقيل الأسرة وهي على الحقيقة الفرش كانت في حجال لهم لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت
إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا فقال تعالى واضرب لهم مثلا رجلين روى عطاء عن ابن عباس قال هما ابنا ملك كان في بني اسرائيل توفي وتركهما فاتخذ أحدهما الجنان والقصور وكان الآخر زاهدا في الدنيا فكان إذا عمل اخوه شيئا من زينة الدنيا اخذ مثل ذلك فقدمه لآخرته حتى نفد ماله فضربهما الله عز وجل مثلا للمؤمن والكافر الذي ابطرته أي النعمة وروى أبو صالح عن ابن عباس ان المسلم لما احتاج تعرض لأخيه الكافر فقال الكافر اين ما ورثت عن ابيك فقال انفقته في سبيل الله فقال الكافر لكني ابتعت به جنانا وغنما وبقرا والله لاأعطيتك شيئا أبدا حتى تتبع ديني ثم أخذ بيد المسلم فأدخله جنانه يطوف به فيها ويرغبه في دينه وقال مقاتل اسم المؤمن يمليخا واسم الكافر قرطس وقيل قطرس وقيل هذا المثل ضرب لعيينة بن حصن واصحابه ولسلمان واصحابه تعالى وحففناهما بنخل الحف الاحاطة بالشئ ومنه قول حافين
[ 98 ]
من حول العرش الزمر 75 والمعنى جعلنا النخل مطيفا بها وقوله وجعلنا بينهما زرعا إعلام أن عمارتهما كاملة تعالى كلتا الجنتين آتت أكلها قال الفراء لم يقل آتتا لأن كلتا ثنتان لا تفرد واحدتهما وأصله كل كما تقول للثلاثة كل فكان القضاء أن يكون للثنتين ما كان للجمع وجاز توحيده على مذهب كل وتأنيثه جائز للتأنيث الذي ظهر في كلتا وكذلك فافعل ب كلا وكلتا وكل إذا اضفتهن ثنا الى معرفة وجاء الفعل بعدهن فوحد واجمع فمن التوحيد قوله تعالى وكلهم آتيه يوم القيامة فردا مريم 96 ومن الجمع وكل أتوه داخرين النمل 87 والعرب قد تفعل أيضا في أي فيؤنثون ويذكرون قال الله تعالى وما تدري نفس بأي أرض تموت لقمان 34 ويجوز في الكام بأيت أرض وكذلك في أي صورة ما شاء ركبك الانفطار 8 ويجوز في الكلام في أيت قال الشاعر
باي به بلاء أم بأية نعمة هذا تقدم قبلي مسلم والمهلب ثم ابن الأنباري كلتا وإن كان واقعا في المعنى على اثنتين فان لفظه لفظ واحدة مؤنثة فغلب اللفظ ولم يستعمل المعنى ثقة بمعرفة المخاطب به ومن العرب من يؤثر المعنى على اللفظ فيقول كلتا الجنتين آتتا أكلها ويقول أخرون كلتا الجنتين آتى أكله لأن كلتا تفيد معنى كل قال الشاعر وكلتاهما قد خط لي في صحيفتي رسول فلا الموت أهواه ولا العيش أروح ولا يعني وكلهما قد خط لي وقد قالت العرب كلكم ذاهب وكلكم ذاهبون فوحدوا للفظ كل وجمعوا لتأويلها وقال الزجاج لم يقل آتتا لأن لفظ كلتا لفظ واحدة والمعنى كل واحدة منهما آتت أكلها ولم تظلم أي لم تنقص منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا فأعلمنا أن شربهما كان من ماء نهر وهو من أغزر الشرب وقال الفراء إنما قال فجرنا بالتشديد وهو نهر واحد لأن النهر يمتد فكان التفجر فيه كله قرأ أبو رزين وأبو مجلز وأبو العالية وابن يعم وابن أبي عبلة وفجرنا بالتخفيف وقرأ أبو مجلز وأبو المتوكل خللهما وقرأ أبو العالية وأبو عمران نهرا بسكون الهاء تعالى وكان له يعني للأخ الكافر ثمر قر ابن كثير ونافع وابن عامر
[ 99 ]
وحمزة والكسائي وكان له ثمر وأحيط بثمره بضمتين وقرأ عاصم وكان لهم ثمر وأحيط بثمره بفتح التاء والميم فيهما لم أبو عمرو ثمر وثمره بضمة واحدة وسكون الميم قال الفراء الثمر بفتح التاء والميم المأكول وبضمها المال وقال ابن الانباري الثمر بالفتح الجمع الاول والثمر بالضم جمع الثمر يقال ثمر وثمر كما يقال أسد واسد ويصلح أن يكون الثمر جمع الثمار كما يقال حمار وحمر وكتاب وكتب فمن ضم قال الثمر أعم لأنها تحتمل الثمار المأكولة والأموال المجموعة قال أبو علي الفارسي وقراءة أبي عمرو ثمر يجوز أن تكون جمع ثمار ككتاب وكتب فتخفف
فيقال كتب ويجوز أن يكون ثمر جمع ثمرة كبدنة وبدن وخشبة وخشب ويجوز أن يكون ثمر واحدا كعنق وطنب صلى ذكر المفسرون في قراءة من ضم ثلاثة أقوال أنه المال الكثير من صنوف الأموال قاله ابن عباس أنه الذهب والفضة قاله مجاهد أنه جمع ثمرة قال الزجاج يقال ثمرة وثمار وثمر قيل ما الفائدة في ذكر الثمر بعد ذكر الجنتين وقد علم ان صاحب الجنة لا يخلو من ثمر فعنه ثلاثة اجوبة أنه لم يكن أصل الأرض ملكا له وإنما كانت له الثمار قاله ابن عباس أن ذكر الثمر دليل على كثرة ما يملك من الثمار في الجنتين وغيرهما ذكره ابب حدثنا الأنباري إنا قدذكرنا أن المراد بالمثر ابن الأموال من الأنواع وذكرنا قوله الذهب والفضة وذلك يخالف الثمر المأكول قال أبو علي الفارسي من قال هو الذهب والورق فانما قيل لذلك ثمر على التفاؤول له لأن الثمر نماء في ذي الثمر وكونه هاهنا بالجنى أشبه من الذهب والفضة ويقوي ذلك وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها والإنفاق من الورق لا من الشجر تعالى فقال يعني الكافر لصاحبه المؤمن وهو يحاوره أي يراجعه الكلام ويجاوبه تحوارا ذلك فيه قولان أنه الايمان والكفر طلب الدنيا وطلب الآخرة فأما النفر فهم الجماعة ومثلهم القوم والرهط ولا واحد لهذه الألفاظ من لفظها وقال ابن فارس اللغوي النفر عدة رجال من ثلاثة إلى العشرة
[ 100 ]
أراد بنفره محمد ثلاثة أقوال
عبيده قاله ابن عباس والثاني ولده قاله مقاتل والثالث عشيرته ورهطه قاله أبو سليمان تعالى ودخل جنته يعني الكافر وهو ظالم لنفسه بالكفر وكان قد أخذ بيد أخيه فأدخله معه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا أنكر فناء الدنيا وفناء جنته وأنكر البعث والجزاء بقوله وما أظن الساعة قائمة وهذا شك منه في البعث ثم قال ولئن رددت الى ربي أي كما تزعم أنت قال ابن عباس يقول ان كان البعث حقا لأجدن خيرا منها قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي خير منها وكذلك هي في مصاحف أهل البصرة والكوفة وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر خيرا منهما بزيادة ميم على التثنية وكذلك هي في مصاحف أهل مكة والمدينة والشام قال أبو علي الإفراد أولى لأنه أقرب الى الجنة المفردة في قوله ودخل جنته والتثنية لا تمتنع لتقدم ذكر الجنتين تعالى منقلبا أي كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني في الآخرة أفضل منه له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفه ثم سواك رجلا لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة الا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا إلى تعالى قال له صاحبه يعني المؤمن وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب يعني خلق أباك آدم ثم من نطفة يعني ما أنشى هو منه فلما شك في البعث كان كافرا تعالى لكنا هو الله ربي قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وقالون عن نافع لكن هو الله ربي باسقاط الألف في الوصل واثباتها في الوقف وقرأ نافع في رواية المستيي كان باثبات الألف وصلاو وصفا وأثبت الألف ابن عامر في الحالين وقرأ أبو رجاء
[ 101 ]
لكن باسكان النون خفيف من غير ألف في الحالين وقرأ ابن يعمر لكن بتشديد النون من غير ألف في الحالين وقرأ الحسن لكن أنا هو الله ربي باسكان نون لكن واثبات أنا قال الفراء فيها ثلاث لغات لكنا ولكن ولكنه بالهاء أنشدني أبو ثروان وترمينني أبو بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقلي أو وقال أبو عبيدة مجازه لكن أنا هو الله ربي ثم حذفت الألف الأولى وأدغمت احدى النونين في الأخرى فشددت قال الزجاج وهذه الألف تحذف في الوصل وتثبت في الوقف فأما من أثبتها في الوصل كما تثبت في الوقف فهو على لغة من يقول أنا قمت فأثبت الألف قال الشاعر أنا سيف العشيرة فأعرفوني) حميدا قد تذريت السناما عبد القراءة جيدة لأن الهمزة قد حذفت من أنا فصار إثبات الألف عوضا من الهمزة تعالى ولولا إذ دخلت جنتك أي وهلا ومعنى الكلام التوبيج قال الفراء ما شاء الله في موضع رفع إن شئت رفعته باضمار هو يريد هو ما شاء الله وإن شئت أضمرت فيه ما شاء الله كان وجاز طرح جواب الجزاء كما جاز في قوله فان استطعت ان تبتغي نفقا في الأرض الانعام 35 ليس له جواب لأنه معروف قال الزجاج وقوله لا قوة الا بالله الاختيار النصب بغير تنوين على النفي كقوله لا ريب فيها الكهف 21 ويجوز لا قوة إلا بالله على الرفع بالابتداء والخبر بالله المعنى لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله تعالى ولا يكون له إلا ما شاء الله عليه قوله تعالى إن ترن قرأ ابن كثير إن ترني أنا ويؤتيني خيرا بياء في الوصل والوقف وقرأ نافع وأبو عمرو بياء في الوصل وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بحذف الياء فيهما وصلا ووقفا أنا أقل وقرأ ابن أبي عبلة أنا أقل برفع اللام قال الفراء أنا هاهنا عماد إن نصبت أقل واسم إذا رفعت أقل والقراءة بهما جائز
تعالى فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك أي في الآخرة ويرسل عليها حسبانا وفيه أربعة أقوال أنه العذاب رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة والضحاك وقال أبو صالح عن ابن عباس نارا من السماء
[ 102 ]
قضاء من الله يقضيه قاله ابن زيد مرامي من السماء واحدها حسبانة قاله أبو عبيدة وابن قتيبة قال النضر بن شميل الحسبان سهام يرمي بها الرجل في جوف قصبة تنزع في القوس ثم يرحي أبي بعشرين منها دفعة فعلى هذا القول يكون المعنى ويرسل عليها مرامي من عذابه إما حجارة أو بردا أو غيرهما مما يشاء من أنواع العذاب أن الحسبان الحساب كقوله الشمس والقمر بحسبان الرحمن 5 أي بحساب فيكون المعنى ويرسل عيها عذاب حساب ما كسبت يداه هذه قول الزجاج تعالى فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا قال ابن قتيبة الصعيد الأملس المستوى والزلق الذي تزل عنه الأقدام والغور الغائر فجعل المصدر صفة يقال ماء غور ومياه غور ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث كما يقال رجل نوم ورجل صوم ورجل فطر ورجال نوم ونساء نوم ونساء صوم ويقال للنساء إذا نحن نوح والمعنى يذهب ماؤها غائرا في الأرض أي ذاهبا فيها فلن تسطيع له طلبا فلا يبقى له أثر تطلبه به ولا تناله الأيدي ولا الأرشية وقال ابن الأنباري غورا إذا غور فسقط المضاف وخلفه المضاف إليه والمراد بالطلب هاهنا الوصول فقام الطلب مقامه لأنه سببه وقرأ أبو الجوزاء وأبو المتوكل غؤورا برفع الغين والواو الأولى جميعا وواو بعدها (بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحداولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان
منتصرا هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا تعالى وأحيط بثمره أي أحاط الله العذاب بثمره وقد سبق معنى الثمر فأصبح يقلب كفيه أي يضرب يد على يد وهذا فعل النادم على ما أنففيها أي في جنته وفي هاهنا بمعنى على وهي خاوية أي خالية ساقطة على عروشها والعروش السقوف والمعنى أن حيطانها قائمة والسقوف قد تهدمت فصارت في قرارها فصارت الحيطان كأنها على السقوف ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحدا فأخبر الله تعالى أنه لما سلبه ما انعم به عليه وحقق ما أنذره به أخوه في الدنيا ندم على شركة حين لا تنفعه الندامة وقيل إنما يقول هذا في القيامة ولم تكن له فئة قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وعاصم ولم تكن بالتاء
[ 103 ]
وقرأ حمزة والكسائي وخلف ولم يكن بالياء والفئة الجماعة ينصرونه أي يمنعونه من عذاب الله تعالى هنالك الولاية قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم الولاية بفتح الواو ولله الحق خفضا وقرأ حمزة الولاية بكسر الواو ولله الحق بكسر القاف أيضا وقرأ أبو عمرو بفتح الواو ورفع الحق ووافقه الكسائي في رفع القاف لكنه كسر الولاية قال الزجاج معنى الولاية في مثل تلك الحال تبيين نصرة ولي الله وقال غيره هذا الكلام عائد الى ما قبل قصة الرجلين فأما من فتح واو الولاية فأنه أراد الموالاة والنصرة ومن كسر أراد السلطان والملك على ما شرحناه في آخر الأنفال 72 فعلى قراءة الفتح في معنى الكلام قولان أنهم يتولون الله تعالى في القيامة ويؤمنون به ويتبرؤون مما كانوا يعبدون قاله ابن قتيبة هنالك يتولى الله أمر الخلائق فينصر المؤمنين ويخذل الكافرين وعلى قراءة الكسر يكون المعنى هنالك السلطان لله قال أبو علي من كسر قاف الحق جعله من وصف الله عز وجل ومن رفعه جعله صفة للولاية
قيل لم نعتت الولاية وهي مؤنثة بالحق وهو مصدر فعنه جوابان ذكرهما ابن الانباري أن تأنيثها ليس حقيقيا فحملت على معنى النصر والتقدير هنالك النصر لله الحق كما حملت الصيحة على معنى الصياح في قوله وأخذ الذين ظلموا الصيحة هود 67 أن الحق مصدر يستوي في لفظه المذكر والمؤنث والاثنان ما فيقال قولك حق وكلمتك حق وأقوالكم حق ويجوز ارتفاع الحق على المدح للولاية وعلى المدح لله تعالى باضمار هو تعالى هو خير ثوابا أي هو أفضل ثوابا ممن يرجى ثوابه وهذا على تقدير أنه لو كان غيره يثيب لكان ثوابه أفضل تعالى وخير عقبا قرا ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابو عامر والكسائي عقبا مضمومة القاف وقرأ عاصم وحمزة عقبا ساكنة القاف قال أبو علي ما كان على فعل جاز تخفيفه كالعنق والطنب قال أبو عبيدة العقب والعقب والعقبى والعاقبة بمعنى وهي الآخرة والمعنى عاقبة طاعة الله خير من عاقبة طاعه غيره
[ 104 ]
لهم مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا لا تعالى واضرب لهم مثل الحياة الدنيا أي في سرعة نفادها وذهابها وقيل في تصرف احوالها إذ مع كل فرحة ترحة وهذا مفسر في سورة يونس 24 إلى قوله فأصبح هشيما قال الفراء الهشيم كل شئ كان رطبا فيبس وقال الزجاج الهشيم النبات الجاف وقال ابن قتيبة الهشيم من النبت المتفتت وأصله من هشمت الشئ إذا كسرته ومنه سمي الرجل هاشما وتذروه الرياح تنسفه وقرأ أبي وابن عباس وابن أبي عبلة تذريه برفع التاء وكسر الراء بعدها ياء ساكنة وهاء مكسورة وقرأ ابن مسعود كذلك إلا أنه فتح التاء والمقتدر مفتعل من قدرت قال المفسرون وكان الله على كل شئ من الإنشاء والإفناء مقتدرا
والبنون زينة الحيوة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا تعالى المال والبنون زينة الحياة الدنيا هذا رد على المشركين الذين كانوا يفتخرون بالأموال والأولاد فأخبر الله تعالى أن ذلك مما يتزين به في الدنيا لا مما ينفع في الآخرة تعالى والباقيات الصالحات فيها خمسة اقوال أنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن عجزتم عن الليل أن تكابدوه وعن العدو أن تجاهدوه فلا تعجزوا قول سبحان الله والحمد الله ولا إلا الله والله اكبر فقولوها فانهن الباقيات الصالحات وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء وبه قال مجاهد وعطاء وعكرمة والضحاك وسئل عثمان ابن عفان رضي الله عنه عن الباقيات الصالحات فقال هذه الكلمات وزاد فيها ولا حول ولا قوة إلا بالله وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب القزطي أن مثله سواء أنها لا إله إلا الله والله اكبر والحمد لله ولا قوة الا بالله رواه علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها الصلوات الخمس رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال ابن مسعود ومسروق وابراهيم والرابع الكلام الطيب رواه العوفي عن ابن عباس هي جميع أعمال الحسنات وراه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة
[ 105 ]
وابن زيد تعالى خير عند ربك ثوابا أي أفضل جزاء وخير أملا أي خير مما تؤملون لأن آمالكم كواذب وهذا أمل لا يكذب نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم
موعدا ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياوليتنا على ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا وإذا قلنا للملئكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ما اشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا تعالى ويوم تسير الجبال قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويوم تسير بالتاء الجبال رفعا وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي نسير بالنون الجبال نصبا وقرأن ابن محيصن ويوم تسيبفتح التاء وكسر السين وتكسين الياء الجبال بالرفع قال الزجاج ويوم منصوب على معنى اذكر ويجوز أن يكون منصوبا على والباقيات الصالحات خير يوم تسى الجبال قال ابن عباس تسير الجبال عن وجه الارض كما يسير السحاب في الدنيا ثم تكسر فتكون في الأرض كما خرجت منها
[ 106 ]
تعالى وترى الأرض بارزة وقرأ عمرو بن العاص وابن السميفع وأبو العالية وترى الأرض بارزة برفع التاء والضاد وقرأ أبو رجاء العطاردي كذلك إلا أنه فتح ضاد الأرض معنى بارزة قولان أحدهما ظاهرة فليس عليها شئ من جبل أو شجر أو بناء قاله الأكثرون والثاني بارزا أهلها من بطنها قاله الفراء تعالى وحشرناهم يعني المؤمنين والكافرين فلم نغادر قال ابن قتيبة أي فلم نخلف يقال غادرت كذا إذا خلفته ومنه سمي الغدير لأنه ماء تخلفه السيول وروى أبان فلم نغادر بالتاء تعالى وعرضوا على ربك صفا إن قيل هذا أمر مستقبل فكيف عبر عنه بالماضي
فالجواب أن ما قد علم الله وقوعه يجري مجرى المعاين كقوله ونادى اصحاب الجنة الاعرف 43 معنى قوله صفا أربعة أقوال أنه بمعنى جميعا كقوله ثم أئتوا صفا طه 64 قاله مقاتل أن المعنى وعرضوا على ربك مصفوفين هذا مذهب البصريين أن المعنى وعرضوا على ربك صفوفا فناب الواحد عن الجميع كقوله ثم نخرجكم طفلا الحج 5 أنه لم يغب عن الله منهم أحد فكانوا كالصف الذي تسهل الإحاطة بجملته ذكر هذه لاقوال ابن الانباري وقد قيل إن كل أمة وزمرة صف قوله تعالى لقد جئتمونا فيه اضمار فيقال لهم المخاطبين بهذا قولان احدهما أنهم الكل والثاني الكفار فيكون اللفظ عاما والمعنى خاصا وقوله كما خلقناكم أول مرة مفسر في الأنعام 94 وقوله بل زعمتم خطاب الكفار خاصة والمعنى زعمتم في الدنيا أن لن نجعل لكم موعدا للبعث والجزاء تعالى ووضع الكتاب فيه ثلاثة أقوال انه الكتاب الذي سطر فيه ما تعمل الخلائق قبل وجودهم قاله ابن عباس
[ 107 ]
والثاني انه الحساب قاله ابن السائب والثالث كتاب الأعمال قاله مقاتل وقال ابن جرير وضكتاب أعمال العباد في أيديهم فعلى هذا الكتاب اسم جنس تعالى فترى المجرمين قال مجاهد هم الكافرون وذكر بعض أهل العلم أن كل مجرم ذكر في القرآن فالمراد به الكافر تعالى مشفقين أي خائفين مما فيه من الأعمال السيئة ويقولون يا ويلتنا الله هذا
قول كل واقع في هلكة وقد شرحنا هذا المعنى في قوله يا حسرتنا الانعام 31 تعالى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها هذا على ظاهره في صغير الأمور وكبيرها وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة وقد يتوهم أن المراد بذلك صغائر الذنوب وكبائرها وليس كذلك إذ ليس الضحك والتبسم مجردهما قال من الذنوب وإنما المراد أن التبسم من صغار الأفعال والضحك فعل كبير وقد روى الضحاك عن ابن عباس قال الضغيرة عن التبسم والاستهزاء بالمؤمنين والكبيرة القهقهة بذلك فعلى هذا يكون ذنبا من الذنوب لمقصود فاعله لا لنفسه ومعنى أحصاها عدها وأثبتها والمعنى وجدت محصاة ووجدوا ما عملوا حاضرا أي مكتوبا مثبتا في الكتاب وقيل رأوا جزاءه حاضرا وقال أبو سليمان الصحيح عند المحققين ان صغائر المؤمنين الذين وعدوا العفو عنها إذا اجتنبوا الكبائر إنما يعفى عنها في الآخرة بعد أن يراها صاحبها تعالى ولا يظلم ربك أحدا قال أبو سليمان لا تنقص حسنات المؤمن ولا يزاد في سيئات الكافر وقيل إن كان للكافر فعل خير كعتق رقبة وصدقة خفف عنه به من عذابه وان ظلمة مسلم أخذ الله من المسلم فصار الحق لله إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر هؤلاء المتكبرين عن مجالسة الفقراء قصة إبليس وما أورثه الكبر فقال وإذ قلنا أي اذكر ذلك قوله كان من الجن قولان انه من الجن حقيقة لهذا النص واحتج قائلوا هذا بأن له ذرية وليس للملائكة ذرية وانه كفر والملائكة رسل الله فهم معصومون من الكفر أنه كان من الملائكة وإنما قيل من الجن لأنه كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن قاله ابن عباس وقد شرحنا هذا في البقرة 34 تعالى ففسق عن أمر ربه فيه ثلاثة أقوال
[ 108 ]
خرج عن طاعة ربه تقول العرب فسقت الرطبة من قشرها إذا خرجت منه قاله الفراء وابن قتيبة والثاني أتاه الفسق لما أمر فعصى فكان سبب فسقه عن أمر ربه قال الزجاج وهذا مذهب الخليل وسيبويه وهو الحق عندنا ففسق عن رد أمر ربه حكاه الزجاج عن قطرب تعالى أفتخذونه من وذريته اولياء من دوني أي توالونهم بالاستجابة لهم قال الحسن وقتادة ذريته أولاده وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم قال مجاهد ذريته الشياطين ومن ذريته زلنبور صاحب راية ابليس بكل سوق وثبر وهو صاحب المصائب والأعور صاحب الرياء ومسوط صاحب الأخبار يأتي بها فيطرحها على أفواه الناس فلا يوجد لها اصل وداسم صاحب الإنسان إذا دخل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله فهو يأكل معه إذا أكل قال بعض أهل العلم إذا كانت خطئية الانسان في كبر فلا ترجه وإن كانت في شهوة فارجه فان معصية إبليس كانت بالكبر ومعصية آدم بالشهوة تعالى بئس للظالمين بدلا فيه ثلاثة أقوال بئس الاتخاذ للظالمين بدلا والثاني بئس الشيطان والثالث بئس الشيطان والذرية ذكرهن ابن الانباري قوله تعالى ما اشهدتهم خلق السموات والأرض وقرأ أبو جعفر وشيبة ما أشهدناهم بالنون والالف المشار إليهم اربعة اقوال ابليس وذريته والثاني الملائكة والثالث جميع الكفار
والرابع جميع الخلق والمعنى أني لم أشاورهم في خلقهن وفي هذا بيان للغناء عن الأعوان وإظهار كمال القدرة قوله تعالى ولا خلق أنفسهم أي ما أشهدت بعضهم خلق بعض ولا استعنت ببعضهم على إيجاد بعض تعالى وما كنت متخذ المضلين يعني الشياطين عضدا أي أنصارا وأعوانا والعضد يستعمل كثيرا في معنى العون لأنه قوام اليد قال الزجاج والاعتضاد التقوي وطلب
[ 109 ]
المعونة يقال اعتضدت بفلان أي استعنت به ما نفى اتخاذهم عضدا فيه قولان أنه الولايات والمعنى ما كنت لأولي المضلين قاله مجاهد والثاني أنه خلق السموات والأرض قاله مقاتل وقرأ الحسن والجحدري وأبو جعفر وما كنت بفتح التاء يقول نادوا شركاءي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا ورأ المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا في تعالى ويوم يقول وقرأ حمزة نقول بالنون يعني يوم القيامة نادوا شركائي أضاف الشركاء إليه على زعمهم والمراد نادوهم لدفع العذاب عنكم أو الشفاعة لكم الذين زعمتم أي زعمتموهم شركاء فدعوهم فلم يستجيبوا لهم أي لم يجيبوهم وجعلنا بينهم في المشار إليهم قولان انهم المشركون والشركاء والثاني أهل الهدى وأهل الضلالة معنى موبقا ستة أقوال مهلكا قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وقال ابن قتيبة مهلكا بينهم وبين
آلهتهم في جهنم ومنه يقال أوبقته ذنوب أي أهلكته قال الزجاج المعنى جعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم بن أي يهلكهم فالموبق المهلك يقال وبق ييبق هذه ويابق وبقا ووبق يبق وبوقا فهو وابق وقال الفراء جعلنا تواصلهم في الدنيا موبقا أي مهلكا لهم في الآخرة فالبين على هذا القول بمعنى التواصل كقوله تعالى لقد تقطع بينكم الأنعام 94 على قراءة من ضمن النون أن الموبق واد عميق يفرق به بين أهل الضلالة وأهل الهدى قاله عبد الله بن عمرو أنه واد في جهنم قاله انس بن مالك ومجاهد ان معنى الموبق العدواة قاله الحسن أنه المحبس قاله الربيع بن أنس أنه الموعد قاله أبو عبيدة
[ 110 ]
ابن الأنباري إن قيل لم قال موبقا ولم يقل موبقا بضم الميم إذ كان معناه عذابا موبقا أنه اسم موضوع لمحبس سنة في النار والأسماء لا تؤخذ بالقياس فيعلم أن موبقا مفعل من أوبقه الله إذا أهلكه فتفتح الميم كما تنفتح في موعد ومولد ومحتد إذا سميت الشخوص بهن تعالى ورأى المجرمون النار أي عاينوها وهي تتغيظ حنقا عليهم والمراد بالمجرمين الكفار فظنوا أي ايقنوا أنهم مواقعوها أي داخلوها ومعنى المواقعة ملابسة الشئ بشدة ولم يجدوا عنها مصرفا أي معدلا والمصرف الموضع الذيصرف إليه وذلك أنها احاطت بهم من كل جانب فلم يقدروا على الهرب صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شئ جدلا وما منع الناس أن يؤمنو إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو
يأتيهم العذاب قبلا تعالى ولقد صرفنا في هذا القرآن قد فسرناه في بني اسرائيل 41 تعالى وكان الإنسان أكثر شئ جدلا فيمن نزلت قولان انه النضر بن الحارث وكان جداله في القرآن قاله ابن عباس أبي بن خلف وكان جداله في البعث حين أتى بعظم قد رم فقال أيقدر الله على إعادة هذا قاله ابن السائب قال الزجاج كل ما يعقل من الملائكة والجيجادل والإنسان أكثر هذه الأشياء جدلا تعالى وما منع الناس أن يؤمنوا قال المفسرون يعني أهل مكة إذ جاءهم الهدى وهو محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن والإسلام إلا أن تأتيهم سنة الأولين وهو أنهم إذا لم يؤمنوا عذبوا معنى الكلام ثلاثة أقوال ما منعهم من الإيمان إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين قاله الزجاج
[ 111 ]
وما من الشيطان الناس أن يؤمنوا إلا لأن تأتيهم سنة الأولين أي منعهم رشدهم لكي يقع العذاب بهم ذكره ابن الأنباري عمرو والثالث ما منعهم إلا أني قد قدرت عليهم العذاب وهذه الآية فيمن قتل ببدر وأحد من المشركين قاله الواحدي تعالى أو يأتيهم العذاب ذكر ابن الأنباري في أو هاهنا ثلاثة أقوال انها بمعنى الواو أنها لوقوع احد الشيئين إذ لا فائدة في بيانه أنها دخلت للتبعيض أي أن بعضهم يقع به هذا وهذه الأقوال الثلاثة قد أسلفنا بيانها في قوله عز وجل أو كصيب من السماء
البقرة 19 تعالى قبلا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر قبلا بكسر القاف وفتح الباء وقرأ عاصم وحمزة والكسائي قبلا بضم القاف والباء وقد بينا علة القراءتين في الأنعام 111 وقرأ أبي ابن كعب قبلا بفتح القاف من غير ياء قال ابن قتيبة أراد استئنافا قيل إذا كان المراد بسنة الأولين العذاب فما فائدة التكرار بقوله أو يأتيهم العذاب أن سنة الأولين أفادت عذابا مبهما يمكن أن يتراخى وقته وتختلف أنواعه وإتيان العذاب قبلا أفاد القتل يوم بدر قال مقاتل سنة الأولين عذاب الأمم السالفة أو يأتيهم العذاب قبلا أي عيانا قتلا بالسيف يوم بدر نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرأ وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا
[ 112 ]
لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا تعالى ويجادل الذين كفرا بالباطل قال ابن عباس يريد المستهزئين والمقتسمين وأتباعهم وجدالهم بالباطل أنهم الزموه أن يأتي بالآيات على أهوائهم ليدحضوا به الحق أي ليبطلوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وقيل جدالهم قولهم أإذا كنا عظاما ورفاتا الاسراء 49 أإذا ضللنا في الأرض السجدة 0 ونحو ذلك ليبطلوا به ما جاء في القرآن من ذكر البعث والجزاء قال أبو عبيدة ومعنى ليدحضوا ليزيلوا ويذهبوا يقال مكان دحض أي مزل لا يثبت فيه قدم ولا حافر تعالى واتخذوا آياتي يعني القرآن وما أنذروا أي خوفوا به من النار والقيامة هزوا أي مهزوءا به
تعالى ومن أظلم قد شرحنا هذه الكلمة في البقرة 114 وذكر بمعنى وعظ وآيات ربه القرآن وأعراضه عنها تهاونه بها ونسي ما قدمت يداه أي ما سلف من ذنوبه وقد شرحنا ما بعد هذا في الأنعام 21 إلى قوله وإن تدعهم إلى الهدى وهو الإيمان والقرآن فلن يهتدوا هذا اخبار عن علمه فيهم تعالى وربك الغفور ذو الرحمة إذ لم يعاجلهم بالعقوبة بل لهم قبل للبعث والجزاء لن يجدوا من دونه موئلا قال الفراء الموئل المنجى وهو الملجأ في المعنى لأن المنجي ملجأ والعرب تقول إنه ليوائل يحيى إلى موضعه أي يذهب الى موضعه قال الشاعر لاواءلت الرحمن نفسك خليتها وكان للعامريين ولم تكلم أي ما ينجو وقال ابن قتيبة الموئل الملجأ يقال وآل فلان إلى كذا إذا لجأ قيل ظاهر هذه الاية يقتضي أن تأخير العذاب عن الكفار برحمة الله ومعلوم أنه لا نصيب لهم في رحمته جوابان أحدهما أن الرحمة هاهنا بمعنى النعمة ونعمة الله لا يخلو منها مؤمن ولا كافر
[ 113 ]
الرحمة التي هي الغفران والرضى فليس للكافر فيها نصيب والثاني أن رحمة اله محظورة على الكفار يوم القيامة فأما في الدنيا فانهم ينالون منها العافية والرزق تعالى وتلك القرى يريد التي قصصنا عليكم ذكرها والمراد أهلها ولذلك قال أهلكناهم والمراد قوم هود وصالح ولوط وشعيب قال الفراء قوله لما ظلموا معناه بعدما ظلموا قوله تعالى وجعلنا لمهلكهم قرأ الأكثرون بضم الميم وفتح اللام قال الزجاج وفيه وجهان
أن يكون مصدرا فيكون المعنى وجعلنا لإهلاكهم أن يكون وقتا فالمعنى لوقت هلاكهم أبو بكر عن عاصم بفتح الميم واللام وهو مصدر مثل الهلاك وقرأ حفص عن عاصم بفتح الميم وكسر اللام ومعناه لوقت اهلاكهم قال موسى لفته لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو امضي حقبا فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا فلما جاوزا قال لفته آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فاني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن اذكره واتخذ سبيكه في البحر عجبا قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما تعالى وإذ قال موسى لفتاه الآية سبب خروج موسى عليه السلام في هذا السفر ما روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن موسى قام خطيبا في بني اسرائيل فسئل أي الناس أعلم فقال أنا فعتب الله عز وجل عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى يا رب فكيف لي به قال تأخذ
[ 114 ]
معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم فانطلق روى فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به فقال فتاه أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة إلى قوله عجبا قال فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا فقال موسى ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا قال رجعا
يقصان آثارهما حتى انتهيا الى الصخرة فإذا هو مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر وأنى بأرضك السلام من أنت قال أنا موسى قال موسى بني اسرائيل قال نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى إني على علم من علم الله لا تعلمه علمنيه وأنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه فقال موسى ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك امرا فقال له الخضر فان اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا يمشيان عل الساحل فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما ركبا في السفينة لم يفجأ الا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى قوم قد حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها إلى قوله عسرا قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت الأولى من موسى نسيانا وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ما علم وعلمك من علم الله تعالى إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه فقتله فقال له موسى أقتلت نفسا زاكية الى قوله يريد أن ينقض فقال الخضر بيده هكذا فاقامه فقال موسى قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا لو شئت لاتخذت عليه اجرا قال هذا فراق بيني وبينك الآية هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين وقد ذكرنا إسناده في كتاب الحدائق فأثرنا الاختصار هاهنا التفسير فقوله تعالى وإذ قال موسى المعنى واذكر ذلك وفي موسى قولان أنه موسى بن عمران قاله الأكثرون ويدل عليه ما روي في الصحيحين من حديث سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس إن نوفا البكالي يزعم أن موسى بني اسرائيل هو موسى صاحب الخضر قال ولم عدو الله أخبرني ابي بن كعب فذكر الحديث الذي قدمناه آنفا
[ 115 ]
أنه موسى بن ميشا قاله ابن اسحاق وليس بشئ للحديث الصحيح الذي ذكرناه فأما فتاه فهو يوشع بن نون من غير خلاف وإنما سمي فتاه لأنه كايلازمه وياخذ عنه العلم ويخدمه لا أبرح لا أزال وليس المراد به لا أزول لأنه إذا ليزل لم يقطع أرضا فهو مثل قولك ما برحت أناظر عبد الله أي ما زلت قال الشاعر إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة بين وتحمل أخرى أفرحتك الوادائع أهل أي أثقلتك والمعنى لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين أي ملتقاهما وهو الموضع الذوعده الله بلقاء الخضر فيه قال قتادة بحر فارس وبحر الروم فبحر الروم نحو المغرب وبحر فارس نحو المشرق اسم البلد الذي بمجمع البحرين قولان إفريقية قاله أبي بن كعب وقرأ أبو رزين والحسن وابو مجلز وقتادة والجحدري وابن يعمر حقبا باسكان الكاف قال ابن قتيبة الحقب الدهر والحقب السنون واحدتها حقبة ويقال حقب وحقب كما يقال قفل وقفل وهزؤ وهزؤ وكفؤ وكفؤ وأكل وأكل وسحت وسحت ورعب ورعب ونكر ونكر وأذن وأذن وسحق وسحق وبعد وبعد وشغل وشغل وثلث وثلث وعذر وعذر ونذر ونذر وعمر وعمر في المراد بالحقب هاهنا ثمانية أقوال أنه الدهر قاله ابن عباس والثاني ثمانون سنة قاله عبد الله ابن عمرو وابو هريرة والثالث سبعون ألف سنة قاله الحسن والرابع سبعون سنة قاله مجاهد
والخامس سبعة عشر ألف سنة قاله مقاتل بن حيان والسادس أنه ثمانون ألف سنة كل يوم ألف سنة من عدد الدنيا والسابع أنه سنة بلغة قيس ذكرهما الفراء والثامن الحقب عند العرب وقت غير محدود قاله أبو عبيدة ومعنى كلام لأ ازال
[ 116 ]
اسير ولو احتجت أن اسير حقبا تعالى فلما بلغا يعني موسى وفتاه مجمع بينهما يعني البحرين نسيا حوتهما وكانا قد تزودا حوتا مالحا في زبيل فكانا يصيبان منه عند الغداء والعشاء فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر وضع فتاه المكتل فأصاب الحوت بلل البحر وقيل توضأ يوشع من عين الحياة فانتضنح حديث على الحوت الماء فعاش فتحرك في المكتل فانسرب عند في البحر وقد كان قيل لموسى تزود حوتا مالحا فإذا فقدته وجدت الرجل وكان موسى حين ذهب الحوت في البحر قد مضى لحاجة فعزم فتاه أن يخبره بما جرى فنسي وإنما قيل نسيا حوتهما توسعا في الكلام لأنهما جميعا تزوداه كما يقال نسي القوم زادهم وإنما نسيه أحدهم قال الفراء ومثله قوله يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان الرحمن 22 وإنما يخرج ذلك من الملح لا من العذب وقيل نسي يوشع أن يحمل الحوت ونسي موسى أن يأمره فيه بشئ فلذلك اضيف النسيان إليهما تعالى فاتخذ سبيله في البحر سربا أي مسلكا ومذهبا قال ابن عباس جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر الا يبس حتى يكون صخرة وقال قتادة جعل لا يسلك طريقا إلا صار الماء جامدا وقد ذكرنا في حديث أبي بن كعب أن الماء صار مثل الطاق على الحوت تعالى فلما جاوزا ذلك المكان الذي ذهب فيه الحوت أصابهما ما يصيب المسافر من النصب فدعا موسى بالطعام فقال آتنا غداءنا وهو الطعام الذي يؤكل بالغداة والنصب الإعياء وهذا يدل على إباحة إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من الأذى والتعب ولا يكون ذلك شكوى قال يوشع لموسى أرأيت إذ أوينا الى الصخرة أي حين نزلنا هناك
فاني نسيت الحوت فيه قولان نسيت أن أخبرك خبر الحوت والثاني نسيت حمل الحوت تعالى وما أنسانيه قرأ الكسائي أنسانيه باماله السين مع كسر الهاء وقرأ ابن كثير أنسانيهي لأنه باثبات ياء في الوصل بعد الهاء وروى حفص عن عاصم أنسانيه إلا بضم الهاء في الوصل تعالى واتخذ سبيله في البحر عجبا الهاء في السبيل ترجع الى الحوت وفي المتخذ قولان أنه الحوت ثم في المخبر عنه قولان أنه الله عز وجل ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال أحدها فاتخذ سبيله في البحر يرى عجبا ويحدث عجبا
[ 117 ]
والثاني أنه لما قال الله تعالى واتخذ سبيله في البحر قا اعجبوا لذلك عجبا وتنبهوا لهذه الآية والثالث أن إخبار الله تعالى انقطع عند قوله في البحر فقال موسى عجبا لما شوهد من الحوت ذكر هذه الأقوال ابن الأنبار ان المخبر عن الحوت يوشع وصف لموسى ما فعل الحوت الثاني أن المتخذ موسى اتخذ سبيل الحوت في البحر عجبا فدخل في المكان الذي مر فيه الحوت فرأى الخضر وروى عطية عن ابن عباس قال رجع موسى الى الصخرة فوجد الحوت فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى حتى انتهى به الى جزيرة من جزائر البحر فلقي الخضر تعالى قال يعني موسى ذلك ما كنا نبغي أي ذلك الذي نطلب من العلامة الدالة على مطلوبنا قرأ ابن كثير نبغي بياء في الوصل والوقف وقرأ نافع وأبو عمرو
والكسائي بياء في الوصل وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بحذف الياء في الحالين تعالى فارتدا على آثارهما قال الزجاج أي رجعا في الطريق الذي سلكاه يقصان الأثر والقصص اتباع الأثر تعالى فوجدا عبدا من عبادنا يعني الخضر اسمه أربعة أقوال اليسع قاله وهب ومقاتل والثاني الخضر بن عاميا والثالث أرميا بن حلفيا ذكرهما ابن المنادي والرابع بليا بن ملكان ذكره علي بن احمد النيسابوري تسميته بالخضر ففيه قولان أحدهما أنه جلس في فروة بيضاء فاخضرت رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والفروة الأرض اليابسة أنه كان إذا جلس اخضر ما حوله قاله عكرمة وقال مجاهد كان إذا صلى أخضر ما حوله وهل كان الخضر نبيا أم لا فيه قولان ذكرهما أبو بكر بن الأنباري وقال كثير من
[ 118 ]
الناس يذهب الى أنه كان نبيا وبعضهم يقول كان عبدا صالحا واختلف العلماء هل هو باق الى يومنا هذا على قولين حكاهما الماوردي وكان الحسن يذهب الى أنه مات وكذلك كان ابن المنادي من أصحابنا يقول ويقبح قول من يرى بقاءه ويقول لا يثبت حديث في بقائه وروى أبو بكر النقاش أمحمد بن اسماعيل البخاري سئل عن الخضر وإلياس هل هما في الأحياء فقال كيف يكون ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو اليوعلى ظهر الأرض أحد تعالى آتينا رحمة من عندنا في هذه الرحمة ثلاثة أقوال أنها النبوة قاله مقاتل
والثاني الرقة والحنو على من يستحقه ذكره ابن الأنباري والثالث النعمة قاله أبو سليمان الدمشقي تعالى وعلمناه من لدنا أي من عندنا علما قال ابن عباس أعطاه علما من علم الغيب له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرأ وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قوله تعالى أن تعلمني قرأ ابن كثير تعلمني مما باثبات الياء في الوصل والوقف وقرأ نافع وأبو عمرو بياء في الوصل وقرأ ابن عامر وعاصم بحذف الياء في الحالين تعالى مما علمت رشدا قرأ ابكثير ونافع وعاصم وحمزة والسكائي رشدا بضم الراء واسكان الشين خفيفة وقرأ أبو عمرو رشدا بفتح الراء والشين وعن ابن عامر بضمهما والرشد والرشد لغتان كالنخل والنخل والعجم والعجم والعرب والعرب والمعنى أن تعلمني علما ذا رشد وهذه القصة قد حرضت على الرحلة في طلب العلم واتباع المفضول للفاضل طلبا للفضل وحثت على الأدب والتواضع للمصحوب تعالى إنك لن تستطيع معي صبرا قال ابن عباس لن تصبر على صنعي لأني علمت من غيب علم ربي
[ 119 ]
هذا الصبر وجهان على الإنكار والثاني عن السؤال قوله تعالى وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا الخبر علمك بالشئ والمعنى كيف تصبر على أمر ظاهره منكر وأنت لا تعلم باطنه تعالى ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال ابن الأنباري نفي
العصيان منسوق على الصبر والمعنى ستجدني صابرا ولا أعصي إن شاء الله فان ابتعتني فلا تسئلني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفهوهما أخبرا فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطيع عليه صبرا تعالى فلا تسألني قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي فلا تسألني ساكنة اللام وقرأ نافع فلا تسألني مفتوحة اللام مشددة النون وقرأ ابن عامر في رواية الداجوني فلا تسألن عن شئ بتحريك اللام من غير ياء والنون مكسورة والمعنى لا تسألني عن شئ مما أفعله حتى أحدث لك منه ذكرا أي حتى أكون أنا الذي أبينه لك لأن علمه قد غاب عنك تعالى خرقها أي شقها قال المفسرون قلع منها لوحا وقيل لوحين مما يلي الما فحشاها موسى بثوبه وأنكر عليه ما فعل بقوله أخرقتها لتغرق أهلها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر لتغرق بالتاء أهلها بالنصب وقرأ حمزة والكسائي
[ 120 ]
ليغرق بالياء أهلها برفع اللام لقد جئت شيئا إمرا وفيه ثلاثة أقوال أحدها منكرا قاله مجاهد وقال الزجاج عظيما من المنكر والثاني عجبا قاله قتادة وابن قتيبة
والثالث داهية قاله أبو عبيدة تعالى لا تؤاخذني بما نسيت في هذا النسيان ثلاثة أقوال أنه على حقيقته وأنه نسي روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأولى كانت نسيانا من موسى والثاني أنه لم ينس ولكنه من معاريض الكلام قاله ابي بن كعب وابن عباس والثالث أنه بمعنى الترك فالمعنى لا تؤاخذني بما تركته مما عاهدتك عليه ذكره ابن الأنباري تعالى ولا ترهقني قال الفراء لا تعجلني وقال أبو عبيدة وابن قتيبة والزجاج لا تغشني قال أبو زيد يقال أرهقته عسرا إذا كلفته ذلك قال الزجاج والمعنى عاملني باليسر لا بالعسر يا تعالى فانطلقا يعني موسى والخضر قال الماوردي يحتمل أن يوشع تأخر عنهما لأن الإخبار عن اثنين ويحتمل أن يكون معهما ولم يذكر لأنه تبع لموسى فاقتصر على حكم المتبوع تعالى حتى إذا لقيا غلاما اختلفوا في هذا الغلام هل كان بالغا ام لا على قولين أنه لم يكن بالغا قاله ابن عباس ومجاهد والأكثرون أنه كان شابا قد قبض على لحيته حكاه الماوردي عن ابن عباس أيضا واحتج بأن غير البالغ لم يجر عليه قلم فلم يستحب القتل وقد يسمى الرجل غلاما قالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج لو من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز الفتاة سقاها يكون صفة قتله له ثلاثة أقوال
أنه اقتلع رأسه وقد ذكرناه في حديث أبي والثاني كسر عنقه قاله ابن عباس
[ 121 ]
والثالث أضجعة مع وذبحه بالسكين قاله سعيد بن جبير تعالى أقتلت نفسا زاكية قرأ الكوفيون وابن عامر زكية بغير ألف والياء مشددة وقر الباقون بالألف من غير تشديد قال الكسائي هما لغتان بمعنى واحد وهما بمنزلة القاسية والقسية فيها ستة اقوال أنها التائبة روي عن ابن عباس انه قال الزكية التائبة وبه قال الضحاك سعيد أنها المسلمة روي عن ابن عباس أيضا أنها الزكية التي لم تبلغ الخطايا قاله سعيد بن جبير أنها الزكية النامية قاله قتادة وقال ابن الأنباري القويمة في تركيبها أن الزكية المطهرة قاله أبو عبيدة ان الزكية البريئة التي لم يظهر ما يوجب قتلها قاله الزجاج صلى فرق بعضهم بين الزاكية والزكية فروي عن ابي عمرو بن العلاء أنه قال الزاكية التي لم تذنب قط والزكية التي أذنبت ثم تابت وروي عن أبي عبيدة أنه قال الزاكية في البدن والزكية في الدين تعالى بغير نفس أي بغير قتل نفس لقد جئت شيئا نكرا قرأ ابن كثير وابو عمرو وحمزة والكسائي نكرا خفيفة في كل القرآن إلا قوله الى شئ نكر القمر 6 وخفف ابن كثير أيضا الى شئ نكر وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم نكرا والى نكر مثقل والمخفف إنما هو من المثقل كالعنق والعنق النكر والنكر قال الزجاج والمعنى لقد أتيت شيئا نكرا ويجوز أن يكون معناه جئت بشئ نكر فلما حذف الباء أفضى الفعل فنصب نكرا ونكرا أقل منكرا من قوله إمرا لأن تغريق من في السفينة كان عنده أذكر من قتل نفس
واحدة تعالى قال ألم أقل لك قيل لم ذكر لك هاهنا واختزله بكر من الموضع الذي قبله أن اثباته للتوكيد واختزاله قد لوضوح المعنى وكلاهما معروف عند الفصحاء تقول العرب قد قلت لك أتق الله وقد قلت لك يا فلان اتق الله وانشد ثعلب قد كنت حذرتك آل المصطلق وفي وقلت يا هذا أطعني وانطلق
[ 122 ]
كل فقوله يا هذا توكيد لا يختل الكلام بسقوطه وسمعت الشيخ أبا محمد الخشاب يقول وقره في الأول فلم يواجهه بكاف الخطاب فلما خالف في الثاني واجهه بها تعالى إن سألتك عن شئ أي سؤال توبيخ وإنكار بعدها أي بعد هذه المسألة فلا تصاحبني وقرأ كذلك معاذ القارئ وأبو نهيك وأبو المتوكل والأعرج إلا أنهم شددوا النون قال الزجاج ومعناه إن طلبت صحبتك فلا تتابعني على ذلك وقرأ أبي بن كعب وابن أبي عبلة ويعقوب لا تصحبني بفتح التاء من غير ألف وقرأ ابن مسعود وأبو العالية والأعمش كذلك إلا أنهم شددوا النون وقرأ أبو رجاء وأبو عثمان النهدي والنخعي والجحدري تصحبني بضم التاء وكسر الحاء وسكون الصاد والباء قال الزجاج فيهما وجهان لا تتابعني في شئ ألتمسه منك يقال قد أصحب المهر إذا انقاد لا تصحبني علما من علمك بلغت من لدني قرا ابن كثير وابو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي من لدني مثقل وقرأ نافع من لدني بضم الدال مع تخفيف النون وروى أبو بكر عن عاصم من لدني بفتح اللام مع تسكين الدال وفي رواية أخرى عن عاصم لدني بضم اللام وتسكين الدال قال الزجاج وأجودها تشديد النون لأن أصل لدن الإسكان فإذا أضفتها إلى
نفسك زدت نونا ليسلم سكون النون الأولى تقول من لدن زيد فتسكن النون ثم تضيف الى نفسك فتقول من لدني كما تقول عن زي وعني فأما إسكان دال لدني فانهم أسكنوها كما تقول في عضد عضد فيحذفون الضم قال ابن عباس يريد إنك قد أعذرت فيما بيني وبينك يعني أنك قد أخبرتني أني لا أستطيع معك صبرا تعالى فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية فيها ثلاثة أقوال أنها أنطاكية قاله ابن عباس والثاني الأبلة قاله ابن سيرين والثالث باجروان قاله مقاتل تعالى استطعما أهلها أي سألاهم الضيافة فأبوا أن يضيفوهما رو المفضل عن عاصم يضيفوهما بضم الياء الأولى وكسر الضاد وتخفيف الياء الثانية وقرأ أبو الجوزاء كذلك إلا أنه فتح الياء الأولى وقرأ الباقون يضيفوها بفتح الضاد وتشديد الياء الثانية وكسرها قال أبو عبيدة ومعنى يضيفوهما ينزلوهما منزل الأضياف يقال ضفت أنا وأضافي فلا الذي
[ 123 ]
ينزلني وقال الزجاج يقال ضفت الرجل إذا نزلت عليه وأضفته إذا أنزلته وقريته وقال ابن قتيبة يقال ضيفت الرجل إذا أنزلته منزلة الأضياف ومنه هذه الآية وأضفته أنزلته وضفته نزلت عليه وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كانوا أهل قرية لئاما تعالى فوجدا فيها جدارا أي حائطا قال ابن فارس وجمعه منه والجدر أصل الحائط ومنه حديث الزبير ثم دع الماء يرجع الى الجدر والجيدر القصير تعالى يريد أن ينقض وقرأ أبي بن كعب وأبو رجاء ينقاض بألف ممدودة وضاد معجمة وقرأ ابن مسعود وأبو العالية وأبو عثمان النهدي ينقاص بألف ومدة وصاد غير معجمة وكله بلا تشديد قال الزجاج فمعنى ينقض يسقط بسرعة وينقاص: غير معجمة ينشق طولا يقال انقاضت سنة إذا انشقت قال ابن مقسم انقاصت سنه وانقاضت غير
بالصاد والضاد على معنى واحد قيل كيف نسبت الإرادة الى ما لا يعقل أن هذا على وجه المجاز تشبيها بمن يقعل ويريد لأن هيأته في التهيؤ للوقوع قد ظهرت كما يظهر من أفعال المريدين القاصدين فوصف بالإرادة إذ كانت الصورتان واحدة وقد أضافت العرب الأفعال الى مالا يعقل ت جوزا قال الله عز وجل ولما سكت عن موسى الغضب الأعراف 154 والغضب لا يسكت وإنما يسكت صاحبه وقال فإذا عزم الأمر محمد 21 وانشدوا من ذلك إن دهرا يلف شملي بجمل أحمد لزمان يهم بالإحسان عد أخر يريد الرمح صدر أبي براء ويرغب عن دماء بني عقيل يقول اخر ضحكوا الذي والدهر عنهم ساكت لأن ثم أبكاهم دما لما نطق وقد اخر يشكو إلي جملي طول السرى صبرا جميلا فكلانا مبتلى علي كثير في أشعارهم
[ 124 ]
تعالى فأقامه أي سواه لأنه وجده مائلا كيفية ما فعل قولان أحدهما انه دفعه بيده فقام والثاني هدمه ثم قعد يبنيه روي القولان عن ابن عباس تعالى لو شئت لتخذت عليه اجرا قرأ ابن كثير وابو عمرو لتخذت بكسر الخاء حتى غير أن ابا عمرو كان يدغم الذال ابن كثير يظهرها وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي لاتخذت وكلهم أدغموا إلا حفصا عن عاصم فانه لم يدغم مثل ابن
كثير قال الزجاج يقال تخذ يتخذ في معنى اتخذ يتخذ وإنما قال له هذا لأنهم لم يضيفوهما تعالى قال يعني الخضر هذا يعني الإنكار علي فراق بيني وبينك أي هو المفرق بيننا قال الزجاج المعنى هذا فراق بيننا تعالى فراق اتصالنا وكر بين توكيدا ومثله في الكلام أخزى الله الكاذب مني ومنك وقرأ أبو رزين وابن السميفع وأبو العالية وابن أبي عبلة هذا فراق بالتنوين بني وبينك بنصب النون قال ابن عباس كان قول موسى في السفينة والغلام لربه وكان قوله في الجدار لنفسه لطلب شئ من الدنيا فإن السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكوة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا تعالى فكانت لمساكين في المراد بمسكنتهم قولان أنهم كانوا ضعفاء في أكسابهم والثاني في أبدانهم وقال كعب كانت لعشرة إخوة خمسة زمنى وخمسة يعلمون في البحر
[ 125 ]
تعالى فأردت أن اعيبها أي اجعلها ذات عيب يعني بخرقها وكان وراءهم فيه قولان أمامهم قاله ابن عباس وقتادة وابو عبيدة وابن قتيبة وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود وكان أمامهم ملك خلفهم قال الزجاج وهو أجود الوجهين فيجوز أن يكون رجوعهم في طريقهم
كان عليه ولم يعلموا بخبره فأعلم الله تعالى الخضر خبره قوله تعالى يأخذ كل سفينة غصبا أي كل سفينة صالحة وفي قراءة أبي بن كعب كل سفينة صحيحة قال الخضر إنما خرقتها لأن الملك إذا رآها منخرقة تركها ورقعها أهلها فانتفعوا بها تعالى وأما الغلام روعي عن ابن عباس أنه كان يقرأ وأما الغلام فكان كافرا وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا قال الربيع بن أنس كان الغلام على الطريق لا يمر به أحد إلا قتله أو غصبه فيدعو ذلك عليه وعلى أبويه وقال ابن السائب كان الغلام لصا فإذا جاء من يطلبه حلف أبواه أنه لم يفعل تعالى فخشينا في القائل لهذا قولان الله عزوجل ثم في معنى الخشية المضافة إليه قولان أحدهما أنها بمعنى العلم قال الفراء معناه فعلمنا وقال ابن عقيل المعنى فعلنا فعل الخاشي والثاني الكراهة قاله الأخفش والزجاج أنه الخضر فتكون الخشية بمعنى الخوف للأمر المتوهم قاله ابن الأنباري وقد استدل بعضهم على أنه من كلام الخضر بقوله فأردنا أن يبدلهما ربهما قال الزجاج المعنى فأراد الله لأن لفظ الخبر عن الله تعالى هكذا أكثر من أن يحصى ومعنى يرهقهما يحملهما على الرهق وهو الجهل قال أبو عبيدة يرهقهما يغشيهما قال سعيد بن جبير خشينا أن يمحلهما عمر حبه على أن يدخلا في دينه وقال الزجاج فرحا به حين ولد وحزنا عليه حين قتل ولو بقي كان فيه هلاكهما فرضي امروء بقضاء الله فان قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب تعالى فأردنا أن يبدلهما ربهما قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم أن يبدلهما
[ 126 ]
بالتخفيف وقرأ نافع وأبو عمرو بالتشديد تعالى خيرا منه زكاة فيه ثلاثة أقوال دينا قاله ابن عباس والثاني عملا قاله مقاتل والثالث صلاحا قاله الفراء تعالى وأقرب رحما قرأ أبو كثير ونافع وعاصم وحمزة والكسائي رحما ساكنة الحاء وقرأ ابن عامر رحما مثقلة أبي عمرو كالقراءتين وقرأ ابن عباس وابن جبير وابو رجاء رحما بفتح الراء وكسر الحاء معنى الكلام قولان أوصل للرحم وأبر للوالدين قاله ابن عباس وقتادة وقال الزجاج أقرب عطفا وأمس بالقرابة ومعنى الرحم والرحم في اللغة العطف والرحما قال الشاعر وكيف بظلم جارية النبي ومنها اللين والرحم وإن أقرب أن يرحما به قاله الفراء وفيما بدلا به قولان حدهما جارية قاله الأكثرون وروى عطاء عن ابن عباس قال أبدلهما به جارية ولدت سبعين نبيا والثاني غلام مسلم قاله ابن جريج تعالى وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة يعني القرية المذكورة في قوله أتيا أهل قرية قال مقاتل واسمهما أصرم وصريم تعالى وكان تحته كنز لهما فيه ثلاثة أقوال أنه كان ذهبا وفضة رواه أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الحسن وعكرمة وقتادة كان مالا
انه كان لوحا من ذهب فيه مكتوب عجبا لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب عجبا لمن ايقن بالنار كيف يضحك عجبا لمن يؤمن بالموت كيف يفرح عجبا لمن يوقن بالرزق كيف يتعب عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف ى غفل عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها أنا الله الذي لاإله إلا أنا محمد عبدي ورسولي وفي الشق الآخر أنا الله لا إلا إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه
[ 127 ]
رواه عطاء عن ابن عباس قال ابن الأنباري فسمي كنزا من جهة الذهب وجعل اسمه هو المغلب كنز علم رواه العوفي عن ابن عباس وقال مجاهد صحف فيها علم وبه قال سعيد بن جبير والسدي قال ابن الأنباري فيكون المعنى على هذا القول كان تحته مثل الكنز لأنه يتعجل من نفعه أفضل مما ينال من الأموال قال الزجاج والمعروف في اللغة أن الكنز إذا أفرد فمعناه المال المدفون المدخر فإذا لم يكن المال قيل عنده كنز علم وله كنز فهم والكنز هاهنا بالمال اشبه وجائز أن يكون الكنز كان مالا مكتوب فيه علم على ما روي فهو مال وعلم عظيم تعالى وكان أبوهما صالحا قال ابن عباس حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاحا وقال جعفر بن محمد عليه السلام كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة آباء وقال مقاتل كان أبوهما ذا أمانة تعالى فأراد ربك قال ابن الأنباري لما كان قوله فأردت وأردنا كل واحد منهما يصلح أن يكون خبرا عن الله عز وجل وعن الخضر أتبعهما بما يحصر الإرادة عليه ويزيلها عن غيره ويكشف البغية من اللفظتين الأولين وإنما قال فأردت فأردنا فأراد ربك لأن العرب تؤثر اختلاف الكلام على اتفاقه مع تساوي المعاني لأنه أعذب على الألسن وأحسن موقعا في الأسماع فيقول الرجل قال لي فلان كذا وأنبأني بما كان وخبرني
بما نال فأما الأشد فقد سبق ذكره في مواضع الأنعام 152 ويوسف 22 والاسراء 34 ولو أن الخضر لم يقل الحائط لنقض وأخذ ذلك الكنز قبل بلوغهما تعالى رحمة من ربك أي رحمهما الله بذلك وما فعلته عن أمري قال قتادة كان عبدا مأمورا قوله تسطع فان استطاع واسطاع بمعنى واحد عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شئ سببا فأتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال
[ 128 ]
أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا تعلى ويسألونك عن ذا القرنين قد ذكرنا سبب نزولها عند قوله تعالى ويسألونك عن الروح الاسراء 85 في اسم ذي القرنين على اربعة أقوال عبد الله قاله علي عليه السلام وروي عن ابن عباس أنه عبد الله ابن الضحاك والثاني الاسكندر قاله وهب والثالث عياش قاله محمد بن علي ابن الحسين والرابع الصعب بن جابر بن القلمس ذكره ابن أبي خيثمة علة تسميته بذي القرنين عشرة أقوال أنه دعا قومه الى الله تعالى فضربوه على قرنه فهلك فغبر زمانا ثم بعثه الله فدعاهم الى الله فضربوه على قرنه الآخر فهلك فذانك قرناه قاله علي عليه السلام
والثاني أنه سمي بذي القرنين لأنه سار الى مغرب الشمس وإلى مطلعها رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس والرابع لأنه رأى في المنام كأنه امتد من السماء الى الأرض وأخذ بقرني الشمس فقص ذلك على قومه فسمي بذي القرنين الخامس لأنه ملك الروم وفارس والسادس لأنه كان في رأسه شبه القرنين رويت هذه الأقوال الأربعة عن وهب بن منبه والسابع لأنه كانت له غديرتان من شعر قاله الحسن قال ابن الأنباري والعرب تسمي الضفيرتين من الشعر غديرتين وجميرتين هو وقرنين قال ومن قال سمي بذلك لأنه ملك فارس والروم قال لأنهما عاليان على جانبين من الأرض يقال لهما قرنان والثامن لأنه كان كريم الطرفين من اهل بيت ذوي شرف والتاسع لأنه انقرض في زمانه قرنان من الناس وهو حي والعاشر لأنه سلك الظلمة والنور ذكر هذه الأقوال الثلاثة أبو اسحاق الثعلبي
[ 129 ]
هل كان نبيا ام لا على قولين أنه كان نبيا قاله عبد الله بن عمرو والضحاك بن مزاحم أنه كان عبدا صالحا ولم يكن نبيا ولا ملكا قاله علي عليه السلام وقال وهب كان ملكا ولم يوح إليه زمان كونه ثلاثة أقوال أنه من القرون الأول من ولد يافث بن نوح قاله علي عليه السلام أنه كان بعد ثمود قاله الحسن ويقال كان عمره ألفا وستمائة سنة أنه كان في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم قاله وهب
تعالى سأتلو عليكم منه ذكرا أي خبرا يتضمن ذكره إنا مكنا له في الارض أي سهلنا عليه السير فيها قال علي عليه السلام إنه أطاع الله فسخر له السحاب فحمله عليه ومد له في الأسباب وبسط له النور فكان الليل والنهار عليه سواء وقال مجاهد ملك الأرض أربعة مؤمنان وكافران فالمؤمنان سليمان بن دواد وذو القرنين والكافران النمرود وبختنصر تعالى وآتيناه من كل شئ سببا قال ابن عباس علما يتسبب به الى ما يريد وقيل هو العلم بالطرق والمسالك تعالى فأتبع سببا قرا ابن كثير ونافع وابو عمرو فاتبع سببا ثم اتبع سببا ثم اتبع سببا مشددات وسلم التاء وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي فأتبع سببا ثم أتبع سببا ثم أتبع سببا مقطوعات قال ابن الأنباري من قرأ فاتبع سببا فمعناه قفا الأثر ومن قرأ فأتبع فمعناه لحق يقال اتبعني فلان أي تبعني كما يقال ألحقني فلان بمعنى لحقني وقال أبو علي أتبع تقديره أتبع سببا سببا فأتبع ما هو عليه سببا والسبب الطريق والسبب الطريق والمعنى تبع طريقا يؤديه الى مغرب الشمس وكان إذا ظهر على قوم أخذ منهم جيشا فسار بهم الى غيرهم تعالى وجدها تغرب في عين حمئة قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن وعاصم حمئة وهي قرأ ابن عباس وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم حامية وهي قراءة عمرو وعلي وابن مسعود والزبير ومعاوية وأبي عبد الرحمن والحسن وعكرمة والنخعي وقتادة وأبي جعفر وشيبة وابن محيصن والأعمش كلهم لم يهمز قال الزجاج فمن قرأ حمئة أراد في عين ذات حمأة يقال حمأت البئر إذا أخرجت حمأتها وأحمأتها إذا ألقيت فيها الحمأة وحمئت فهي حمئة إذا
[ 130 ]
صارت فيها الحمأة ومن قرأ حامية بغير همز أراد حارة وقد تكون حارة ذات حمأة
وروى قتادة عن الحسن قال وجدها تغرب في ماء يغلي كغليان القدور ووجد عندها قوما لباسهم جلود السباع وليس لهم طعام إلأ ما أحرقت الشمس من الدواب إذا غربت نحوها وما لفظت العين من الحيتان إذا وقعت فيها الشمس وقال ابن السائب وجد عندها قوما مؤمنين وكافرين يعني عند العين وربما توهم متوهم أن هذه الشمس على عظم قدرها تغوص بذاتها في عين ماء وليس كذلك فانها أكبر من الدنيا مرارا فكيف تسعها عين ماء وقيل إن الشمس بقدر الدنيا مائة وخمسين مرة وقيل بقدر الدنيا مائة وعشرين مرة والقمر بقدر الدنيا ثمانين مرة وإنما وجدها تغرب في العين كما يرى راكب البحر الذي لا يرى طرفه ان الشمس تغيب في الماء وذلك لأن ذا القرنين أنتهى الى آخر البنيان فوجد عينا حمئة ليس بعدها أحد تعالى قلنا يا ذا القرنين فمن قال إنه نبي قال هذا القول وحي ومن قال ليس بنبي قال هذا إلهام تعالى إما أن تعذب قال المفسرون إما أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه وإما أن تأسرهم فتبصرهم عنه الرشد قال أما من ظلم أشرك فسوف نعذبه بالقتل إذا لم يرجع عن الشرك وقال الحسن كان يطبخهم إن في القدور ثم يرد الى ربه بعد العذاب فيعذبه عذابا نكرا بالنار تعالى فله جزاء الحسنى قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم جزاء الحسنى برفع مضاف قال الفراء الحسنى الجنة وأضيف الجزاء إليها وهي الجزاء كقوله إنه لحق اليقين الحاقة 51 ودين القيمة البينة 5 ولدار الآخرة النحل 30 قال أبو علي الفارسي المعنى فله جزاء الخلال الحسنى لأن الإيمان والعمل الصالح خلال وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف ويعقوب جزاء بالنصب والتنوين قال الزجاج وهو مصدر منصوب على الحال المعنى فله الحسنى مجزيا بها جزاء وقال ابن الأنباري وقد يكون الجزاء غير الحسنى إذا تأول الجزاء بأنه الثواب والحسنى الحسنة المكتسبة في الدنيا فيكون المعنى فله ثواب ما قدم من الحسنات
تعالى وسنقول له من أمرنا يسرا أي نقول له قولا جميلا ثم اتبع سببا إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم
[ 131 ]
من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا تعالى ثم اتبع سببا أي طريقا آخر يوصله الى المشرق قال قتادة مضى يفتح المدائن ويجمع الكنوز ويقتل الرجال إلا من آمن حتى أتى مطلع الشمس فاصاب قوما في أسراب عراة ليس لهم طعام إلا ما أحرقت الشمس إذا طلعت فإذا توسطت السماء خرجوا من أسرابهم إلا في طلب معايشهم مما أحرقته الشمس وبلغنا أنهم كانوا في مكان لا يثبت عليه بنيان فيقال أنهم الزنج قال الحسن كانوا إذا غربت الشمس خرجوا يتراعون كما يتراعى الوحش وقرأ الحسن ومجاهد وأبو مجلز وأبو رجاء وابن محيصن مطلع الشمس بفتح اللام قال ابن الانباري ولا خلاف بين اهل العربية في أن المطلع والمطلع كلاهما يعنى بهما المكان الذي تطلع منه الشمس ويقولون ما كان على فعل يفعل فالمصدر واسم الموضع يأتيان على المفعل كقولهم المدخل للدخول والموضع الذي يدخل منه إلا أحد عشر حرفا جاءت مكسورة إذا أريد بها الموضع الذي يدخل منه إلا أحد عشر حرفا جاءت مكسورة إذا أريد بها المواضع وهي المطلع والمسكن والمنسك والمشرق والمغرب والمسجد والمنبت والمجزر والمفرق والمسقط فيه الموضع الذي تضع فيه الناقة وخمسة من هؤلاء الأحد عشر حرفا سمع فيهن الكسر والفتح المطلع والمطلوب المنسك والمنسك والمجزر والمجزر والمسكن والمسكن والمنبت والمنبت فقرا الحسن على الأصل من احتمال المفعل الوجهين الموصوفين بفتح العين وكسرها وقراء العامة على اختيار العرب وما كثر على ألسنتها وخصت الموضع بالكسر وآثرت المصدر بالفتح قال أبو عمرو المطلع بالكسر الموضع الذي تطلع فيه والمطلع بالتفح الطلوع قال ابن الأنباري هذا هو إ الأصل ثم إن العرب تتسع فتجعل الاسم نائبا عن المصدر فيقرؤون حتى مطلع الفجر القدر 5 بالكسر وهم يعنون الطلوع ويقرأ من قرأ مطلع الشمس بالفتح على أنه موضع بمنزلة المدخل
الذي هو اسم للموضع الذي يدخل منه تعالى كذلك فيه أربعة أقوال كما بلغ مغرب الشمس بلغ مطلعها اتبع سببا كما اتبع سببا كما وجد أولئك عند مغرب الشمس وحكم فيهم كذلك وجد هؤلاء عند مطلعها وحكم فيهم أن المعنى كذلك أمرهم كما قصصنا عليك ثم استأنف فقال وقد أحطنا
[ 132 ]
بما لديه بما عنده ومعه من الجيوش والعدد وحكى أبو سليمان الدمشقي بما لديه أي بما عند مطلع الشمس وقد سبق معنى الخبر الكهف 68 ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لكم خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجمل بينكم وبينهم ردما آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني افرغ عليه قطرا فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا تعالى ثم أتبع سببا أي طريقا ثالثا بين المشرق والمغرب حتى إذا بلغ بين السدين قال وهب بن منبه هما جبلان منيفان في السماء من ورائهما البحر من أمامهما البلدان وهما بمنقطع أرض الترك مما يلي بلاد أرمينية وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قال الجبلان من قبل أرمينية وأذربيجان واختلف القراء في السدين فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم بفتح السين وقرأ نافع وابن عامر وابو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي
بضمها المعنى واحد أم لا فيه قولان أنه واحد قال ابن الاعرابي كل ما قابلك فسد ما وراءه فهو سد وسد نحو الضعف والضعف والفقر والفقر قال الكسائي وثعلب السد والسد لغتان بمعنى واحد وهذا مذهب الزجاج أنهما يختلفان الفرق بينهما قولان أن ما هو من فعل الله تعالى فهو مضموم وما هو ما من فعل الآدميين فهو مفتوح قاله
[ 133 ]
ابن عباس وعكرمة وأبو عبيدة قال الفراء وعلى هذا رأيت المشيخة وأهل العلم من النحويين السد بفتح السين الحاجز بين الشيئين والسد بضمها الغشاوة في العين قاله أبو عمر وبن العلاء تعالى وجد من دونهما يعني أمام السدين قوما لا يكادون يفقهون قولا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر يفقهون قولا بفتح الياء أي لا يكادون يفهمونه قال ابن الأنباري قال اللغويون معناه أنهم يفهمون بعد إبطاء وهو كقوله وما كادوا يفعلون البقرة 71 قال المفسرون وإنما كانوا كذلك لأنهم لا يعرفون غير لغتهم وقرأ حمزة والكسائي يفقهون بضم الياء أراد يفهمون غيرهم وقيل كلهم ذا القرنين عنهم مترجمون ترجموا تعالى إن ياجوج وماجوج هما اسمان أعجميان وقد همزهما عاصم قال الليث الهمز لغة رديئة قال ابن عباس يأجوج رجل ومأجوج رجل وهما ابنا يافث بن نوح عليه السلام فيأجوج ومأجوج عشرة أجزاء وولد آدم كلهم جزء وهم شبر وشبران وثلاثة اشبار وقال علي عليه السلام منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول ولهم من الشعر ما يواريهم من الحر والبرد وقال الضحاك هم جيل من الترك وقال السدي الترك سرية من يأجوج ومأجوج
خرجت تغير فجاء ذو القرنين فضرب السد فبقيت خارجة وروى شقيق عن حذيفة قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج فقال يأجوج أمه ومأجوج أمه كل أمة أربعمائة ألف أمة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر الى ألف ذكر بين يديه من صلبه كل قد حمل السلاح قلت يا رسول الله صفهم لنا قال هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز قلت يا رسول الله وما الأرز قال شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع وهؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد وصنف منهم يفترش أحدهم أذنه ويلتحف بالآخرى ولا يمرون بفيل ولا وحش ولاجمل ولا خنزير إلا أكلوه ومن مات منهم أكلوه مقدمتهم بالشام وساقهم بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية تعالى مفسدون في الأرض في هذا الفساد أربعة أقوال أنهم كانوا يفعلون فعل قوم لوط قاله وهب بن منبه أنهم كانوا يأكلون الناس قاله سعيد بن عبد العزيز يخرجون الى الأرض الذين شكوا منهم أيام الربيع فلا يدعون شيئا أخضر إلا
[ 134 ]
أكلوه ولا يابسا الا أحتملوه الى ارضهم قاله ابن السائب كانوا يقتلون الناس قاله مقاتل تعالى فهل نجعل لك خرجا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم خرجا بغير ألف وقرأ حمزة والكسائي خراجا بألف وهل بينهما فرق فيه قولان أنهما لغتان بمعنى واحد قاله أبو عبيدة والليث أن الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك أداؤه قاله أبو عمرو بن العلاء قال المفسرون المعنى هل نخرج اليك من اموالنا شيئا كالجعل لك قوله تعالى ما مكني وقرأ ابن كثير مكنني بنونين وكذلك هي في مصاحف مكة
قال الزجاج من قرأ مكني بالتشديد أدغم النون في النون لاجتماع النونين ومن قرأ مكنني أظهر النونين لأنهما من كلمتين الاولى من الفعل والثانية تدخل مع الاسم المضمر إلذي أراد بتمكينه منه قولان أنه العلم بالله وطلب ثوابه ما ملك من الدنيا والمعنى الذي أعطاني الله خير مما تبذلون لي تعالى فأعينوني بقوة فيها قولان أنها الرجال قاله مجاهد ومقاتل الآلة قاله ابن السائب فأما الردم فهو الحاجز قال الزجاج والردم في اللغة أكبر من السد لأن الردم ما جعل بعضه على بعض يقال ثوب مردم إذا كان قد رقع رقعة فوق رقعة تعالى آتوني زبر الحديد قرأ الجمهور ردما آتوني أي أعطوني وروى أبو بكر عن عاصم ردم ايتوني بكسر التنوين أي جيئوني بها قال ابن عباس احملوها الي وقال مقاتل أعطوني وقال الفراء المعنى إيتوني بها فلما ألقيت الياء زيدت ألف فأما الزبر فهي القطع واحدتها زبرة والمعنى فأتوه بها فبناه حتى إذا ساوى ورى أبان إذا سوى بتشديد الواو من غير ألف قال الفراء ساوى وسوى سواء واختلف القراء في الصدفين فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر الصدفين بضم الصاد والدال وهي لغة حمير وروى أبو بكر والمفضل عن عاصم الصدفين بضم الصاد وتسكين الدال وقرأ نافع
[ 135 ]
وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بفتح الصاد والدال جمعيا وهي لغة تميم واختارها ثعلب وقرأ أبو مجلز وأبو رجاء وابن يعمر الصدفين بفتح الصاد ورفع الدال وقرأ أبو الجوزاء وأبو عمران والزهري والجحدري برفع الصاد وفتح الدال قال ابن الانباري
ويقال صدف على مثال نغر وكل هذه لغات في الكلمة قال أبو عبيدة الصدفان جنبا الجبل قال الأزهري يقال لجانبي الجبل صدفان إذا تحاذيا لتصادفهما أي لتلاقيهما قال المفسرون حشا ما بين الجبلين بالحديد ونسج بين طبقات الحديد الحطب والفحم ووضع عليها المنافيخ صلى ثم قال انفخوا فنفخوا حتى إذا جعله يعني الحديد وقيل الهاء ترجع الى ما بين الصدفين نارا أي كالنار لأن الحديد إذا أحمي بالفحم والمنافيخ وقال صار كالنار قال آتوني قرا ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي آتوني ممدودة والمعنى أعطوني وقرا حمزة وأبو بكر عن عاصم إيتوني مقصورة والمعنى جيئوني به أفرغه عليه القطر أربعة أقوال انه النحاس قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والفراء والزجاج والثاني أنه الحديد الذائب قاله أبو عبيدة والثالث الصفر المذاب قاله مقاتل والرابع الرصاص حكاه ابن الأنباري قال المفسرون أذاب القطر ثم صبه عليه فاختلط والتصق بعضه ببعض حتى صار جبلا صلدا من حديد وقطر قال قتادة فهو كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء تعالى فما اسطاعوا أصله فما استطاعوا فلما كانت التاء والطاء من مخرج واحد أحبوا التخفيف فحذفوا قال ابن الأنباري إنما تقول العرب اسطاع تخفيفا كما قالوا سوف يقوم وسيقوم فأسقطوا الفاء أنه تعالى أن يظهروه أي يعلوه يقال ظهر فلان فوق البيت إذا علاه والمعنى ما قدروا أن يعلوه لارتفاعه واملاسه وما استطاعوا له نقبا من أسفله لشدته وصلابته وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعدون إليه فيرونه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم واراد الله عز وجل أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون
شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون إليه فيرونه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم واراد الله عز وجل ان يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يردو شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا ان شاء الله ويستثني فيعودون إليه وهو
[ 136 ]
كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس وذكر باقي الحديث وقد ذكرت هذا الحديث بطوله وأشباهه في كتاب الحدائق فكرهت التطويل هاهنا تعالى قال هذا رحمة من ربي لما فرغ ذو القرنين من بنيانه قال هذا وفيما أشار إليه قولان أحدهما أنه الردم قاله مقاتل قال فالمعنى هذا نعمة من ربي على المسلمين لئلا يخرجوا إليهم أنه التمكين الذي أدرك به عمل السد قاله الزجاج تعالى فإذا جاء وعد ربي فيه قولان القيامة والثاني وعده لخروج يأجوج ومأجوج تعالى جعله دكا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر دكا منونا غير مهموز ولا ممدود وقرأ عاصم وحمزة والكسائي دكاء ممدودة مهموزة بلا تنوين وقد شرحنا معنى الكلمة في الأعراف تعالى وكان وعد ربي حقا أي الثواب والعقاب وهو بعضهم يؤمئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا تعالى وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض في المشار إليهم ثلاثة أقوال أنهم يأجوج ومأجوج ثم في المراد ب يومئذ قولان
احدهما أنه يوم انقضى أمر السد تركوا يموج بعضهم في بعض من ورائه مختلطين لكثرتهم وقيل ماجوا صلى الله عليه وسلم متعجبين من السد والثاني أنه يوم يخرجون من السد تركوا يموج بعضهم في بعض
[ 137 ]
أنهم الكفار أنهم جميع الخلائق الجن والإنس يموجون حيارى فعلى هذين القولين المراد باليوم المكذور يوم القيامة قول تعالى ونفخ في الصور هذه نفخة البعث وقد شرحنا معنى الصور في الأنعام 73 تعالى وعرضنا جهنم أي أظهرناها لهم حتى شاهدوها تعالى الذين كانت أعينهم يعني أعين قلوبهم في غطاء أي في غفلة عن ذكري أي عن توحيدي والإيمان بي وبكتابي وكانوا يستطيعون سمعا هذا لعداوتهم وعنادهم وكراهتهم ما ينذرون به كما تقول لمن يكره قولك ما تقدر أن تسمع كلامي أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياءإنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا أنهم الشياطين قاله ابن عباس والثاني الأصنام قاله مقاتل والثالث الملائكة والمسيح وعزير وسائر المعبودات من دونه قاله أبو سليمان الدمشقي تعالى من دوني فتح هذه الياء نافع وأبو عمرو وجواب الاستفهام في هذه الآية محذوف وفي تقديره قولان أفحسبوا أن يتخذوهم أولياء كلا بل هم أعداء لهم يتبرؤون منهم والثاني
أن يتخذوهم أولياء ولا أغضب ولا أعاقبهم وروى أبان عن عاصم وزيد عن يعقوب أفحسب بتسكين السين وضم الباء وهي قراءة علي عليه السلام وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وابن يعمر وابن محيصن ومعناها أفيكفيهم إذ أن يتخذوهم أولياء
[ 138 ]
فأما النزل فقيه قولان أنه ما يهيأ للضيف والعسكر قاله ابن قتيبة أنه المنزل قاله الزجاج قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفرو بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا وانخذوا فقال آياتي ورسلي هزوا تعالى قل هل ننبئكم بالأخسرين اعمالا فيهم قولان أنهم القسيسون والرهبان قاله علي عليه السلام والضحاك اليهود والنصارى قاله سعد بن أبي وقاص تعالى أعمالا منصوب على التمييز لأنه لما قال بالأخسرين كان ذلك مبهما لا يدل على ما خسروه فبين ذلك في أي نوع وقع تعالى الذين ضل سعيهم أبطل عملهم واجتهادهم ف الدنيا وهم يظنون أنهم محسنون بأفعالهم فرؤساؤهم يعلمون الصحيح ويؤثرون الباطل لبقاء رئاستهم وأتباعهم مقلدون بغير دليل أولئك الذين كفروا بآيات ربهم جحدوا دلائل توحيده وكفروا بالبعث والجزاء وذلك أنهم بكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن صاروا كافرين بهذه الأشياء فحبطت أعمالهم أي بطل اجتهادهم لأنه خلا عن الإيمان فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا وقرأ ابن مسعود والجحدري فلا يقيم بالياء
وفي معناه ثلاثة أقوال أنه إنما يثقل الميزان بالطاعة وانما توزن الحسنات والسيئات والكافر لا طاعة له والثاني ان المعنى لا نقيم لهم قدرا قال ابن الأعرابي في تفسير هذه الآية يقال ما لفلان عندنا وزن أي قدر لخسته فالمعنى أنهم لا يعتد بهم ولا يكون لهم عند الله قدر ولا منزل وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يؤتى بالرجل الطويل الأكول الشروب فلا يزن
[ 139 ]
جناح بعوضة اقرؤوا إن شئتم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا أنه قال فلا نقيم لهم لأن الوزن عليهم لا لهم ذكره ابن الأنباري تعالى ذلك جزاؤهم أي الأمر ذلك الذي ذكرت من بطلان عملهم وخسة قدرهم ثم ابتدأ فقال جزاؤهم جهنم وقيل المعنى ذلك التصغير لهم وجزاؤهم جهنم فأضمرت واو الحال تعالى بما كفروا أي بكفرهم واتخاذهم آياتي الي أنزلتها ورسلي هزوا أي مهزوءا به الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنهم حولا قوله تعالى كانت لهم جنات الفردوس قال ابن الأنباري كانت لهم في علم الله قبل أن يخلقوا وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال جنان الفردوس اربع ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيها وليس بين القوم وبين ان ينظروا الى ربهم الا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن وروى عبادة بن الصامت عن رسول الله ص = انه قال الجنة مائة درجة مابين كل درجتين كما بين السماء والأرض الفردوس أعلاها ومنها تفجر أنهار الجنة فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس
قال أبو أمامة الفردوس سره الجنة قال مجاهد الفردوس البستان بالرومية وقال كعب والضحاك جنات الفردوس جنات الأعناب قال الكلبي والفراء الفردوس البستان الذي
[ 140 ]
فيه الكرم وقال المبرد الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر المتلف والأغلب عليه العنب وقال ثعلب كل بستان يحوط عليه فهو فردوس قال عبد الله بن رواحة في جنات الفردوس ليس يخافو أي ن خروجا عنها ولا تحويلا وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال قال الزجاج الفردوس أصله رومي أعرب وهو البستان كذلك جاء في الفسير وقد قيل الفردوس تعرفه العرب وتسمي الموضع الذي فيه كرم فردوسا وقال أهل اللغة الفردوس مذكر وإنما أنث في قوله تعالى يرثون الفردوس هم فيها خالدون 11 لأنه عني به الجنة وقال الزجاج وقيل الفردوس الأودية التي تنبت ضروبا من النبت وقيل هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية قال والفردوس أيضا بالسريانية كذا لفظه فردوس قال ولم نجده في أشعار العرب إلا في شعر حسان وحقيقته أنه البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين لأنه عند أهل كل لغة كذلك وبيت حسان فان ثواب الله كل موحد جنان من الفردوس فيها يخلد وقال ابن الكلبي باسناده الفردوس البستان بلغة الروم وقال الفراء وهو عربي أيضا والعرب تسمي البستان الذي فيه الكرم فردوسا وقال السدي الفردوس أصله بالنبطية فرداسا وقال عبد الله بن الحارث الفردوس الأعناب وقد شرحنا معنى قوله نزلا آنفا تعالى لا يبغون عنها حولا قال الزجاج لا يريدون عنها تحولا يقال قد حال من مكانه حولا كما قالوا في المصادر صغر صغرا وعظم عظما وعادني حبها عودا قال وقد قيل أيضا إن الحول الحيلة فيكون المعنى لا يحتالون ثنا منزلا غيرها قيل قد علم أن الجنة كثيرة الخير فما وجه مدحها بأنهم لا يبغون عنها حولا أن الإنسان قد يجد في الدار الأنيقة معنى لا يوافقه فيحب أن ينتقل إلى دار
أخرى وقد يمل والجنة على خلاف ذلك قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل ان تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا
[ 141 ]
تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي سببب نزولها أنه لما مزل قوله تعالى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا الاسراء 85 قالت اليهود كيف وقد أوتينا التوراة وفيها علم كل شئ فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس ومعنى الآية لو كان ماء البحر مدادا يكتب به قال مجاهد والمعنى لو كان البحر مداد للقلم والقلم يكتب قال ابن الأنباري سمي المداد مدادا إ لإمداده الكاتب وأصله من الزيادة ومجئ الشئ بعد الشئ وقرأ الحسن والأعمش مددا لكلمات ربي بغير ألف تعالى قبل أن تنفد كلمات ربي قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم تنفد بالتاء وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ينفد بالياء قال أبو علي التأنيث أحسن لأن المسند إليه الفعل مؤنث والتذكير حسن لأن التأنيث ليس بحقيقي وإنما لم تنفد كلمات الله لأن كلامه صفة من صفات به ولا يتطرق على صفاته النفاد ولو جئنا بمثله أي بمثل البحر مددا أي زيادة والمدد كل شئ زاد في شئ قيل لم قال في أول الآية مدادا وفي آخرها مددا وكلاهما بمعنى واحد اشتقاقهما غير مختلف أجاب عنه ابن الأنباري فقال لما كان الثاني آخر آية وأواخر الايات هاهنا أتت على الفعل والفعل كقوله نزلا هزوا حولا كان قوله مددا أشبه بهؤلاء الألفاظ من المداد واتفاق المقاطع عند أواخر الآي وانقضاء الأبيات وتمام السجع والنثر أخف على الألسن وأحلى موقعا في الأسماع فاختلفت اللفظتان لهذه العلة وقد قرا ابن عباس وسعيد ابن جبير ومجاهد وأبو رجاء وقتادة وابن محيصن ولو جئنا بمثله مدادا فحملوها على الأولى ولم ينظروا الى المقاطع وقراءة الأولين أبين حجة وأوضح منهاجا
إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي انما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم قال ابن عباس علم الله تعالى رسوله التواضع لئلا يزهى على خلقه فأمره أن يقر على نفسه بأنه آدمي كغير إلا أنه أكرم بالوحي تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه سبب نزولها أن جندب بن زهير الغامدي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني أعمل العمل لله تعالى فإذا طلع عليه سرني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله طيب لا يقبل إلا
[ 142 ]
الطيب ولا يقبل ماروئي هذا فيه فنزلت فيه هذه الآية قاله ابن عباس وقال طاووس جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أحب الجهاد في سبيل الله وأحب أن يرى مكاني فنزلت هذه الآية وقال مجاهد جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أتصدق وأصل الرحم ولا اصنع ذلك إلا لله تعالى فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية قوله فمن كان يرجو قولان أحدهما يخاف قاله ابن قتيبة والثاني يأمل وهو اختيار الزجاج وقال ابن الأنباري المعنى فمن كان يرجو لقاء ثواب ربه قال المفسرون وذلك يوم البعث والجزاء فليعمل عملا صالحا لا يرائي به ولا يشرك بعبادة ربه أحداص قال سعيد ابن جبير لا يرائي قال معاوية بن أبي سفيان هذه آخر آية نزلت من القرآن
[ 143 ]
مريم مكية باجماعهم من غير خلاف علمناه وقال مقاتل هي مكية غير سجدتها فانها مدنية وقال هبة الله المفسر هي مكية غير آيتين منها قوله فخلف من بعدهم خلف والتي تليها مريم 59 60 بسم الله الرحمن الرحيم
كهيعص ذكر رحمت ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا وتعالى كهيعص قرأ ابن كثير كهيعص ذكر بفتح الهاء والياء وتبيين الدال التي في هجاء صاد وقرأ أبو عمرو كهيعص بكسر الهاء وفتح الياء ويدغم الدال في الذال وكا نافع بالهاء يلفظ والياء بين الكسر والفتح ولا يدغم الدال التي في هجاء صاد في الذال من ذكر وقرأ أبو بكر عن عاصم والكسائي بكسر الهاء والياء إلا أن الكسائي لا يبين الدال وعاصم يبينها وقرأ ابن عامر وحمزة بفتح الهاء وكسر الياء ويدغمان وقرأ أبي بن كعب إ كهيعص برفع الهاء وفتح الياء وقد ذكرنا في أول البقرة ما يشتمل على بيان هذا الجنس وقد خص المفسرون هذه الحروف المذكورة هاهنا بأربعة أقوال
[ 144 ]
أنها حروف من أسماء الله تعالى قاله الأكثرون ثم أختلف هؤلاء في الكاف من أي اسم هو على أربعة أقوال أحدها أنه من اسم الله الكبير والثاني من الكريم والثالث من الكافي روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن جبير عن ابن عباس والرابع أنه من الملك قاله محمد بن كعب فأما الهاء فكلهم قالوا هي من اسمه الهادي إلا القرظي فانه قال من اسمه الله وأما الياء ففيها ثلاثة أقوال أحدها أنها من حكيم والثاني من رحيم والثالث من أمين روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن جبير عن ابن عباس فأما العين ففيها أربعة أقوال
أحدها أنها من حكيم والثاني من رحيم والثالث من أمين روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن جبير عن ابن عباس فأما العين ففيها أربعة أقوال أحدها أنها من عليم والثاني من عالم والثالث من عزيز رواها أيضا سعيد بن جبير عن ابن عباس والرابع أنها من عدل قاله الضحاك وأما الصاد ففيها ثلاثة أقوال أحدها أنها من صادق والثاني من صدوق رواهما سعيد بن جبير أيضا عن ابن عباس والثالث من الصمد قاله محمد بن كعب الثاني ان كهيعص قسم أقسم الله به وهو من أسمائه رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وروي عن علي عليه السلام أنه قال هو اسم من اسماء الله تعالى وروي عنه أنه كان يقول يا كهيعص اغفر لي قال الزجاج والقسم بهذا والدعاء لا يدل على أنه اسم واحد لأن الداعي إذا على أن الدعاء بهذه الحروف يدل على صفات الله فدعا بها فكأنه قال يا كافي يا هادي يا عالم يا صادق وإذا أقسم بها فكأنه قال والكافي الهادي العالم الصادق واسكنت هذه الحروف لأنها حروف تهج النية فيها الوقف أنه اسم للسورة قاله الحسن ومجاهد اسم من اسماء القرآن قاله قتادة قيل لم قالوا هايا ولم يقولوا في الكاف كا وفي العين عا وفي الصاد صا لتتفق المباني كما اتفقت العلل
[ 145 ]
أجاب عنه ابن الأنباري فقال حروف المعجم التسعة والعشرون تجري مجرى الرسالة والخطبة فيستقبحون فيها اتفاق الألفاظ واستواء الأوزان كما يستقبحون ذلك في خطبهم ورسائلهم فيغيرون بعض الكلم ليختلف الوزن وتتغير المباني فيكون ذلك أعذب على الألسن وأحلى في الاسماع تعالى ذكر رحمة ربك قال الزجاج الذكر مرفوع بالمضمر المعنى هذا الذي نتلو عليك ذكر رحمة ربك عبده قال الفراء وفي الكلام تقديم وتأخير المعنى ذكر ربك عبده بالرحمة وزكريا في موضع نصب تعالى إذ نادى ربه النداء هاهنا بمعنى الدعاء علة إخفائه لذلك ثلاثة أقوال ليبعد عن الرياء قاله ابن جريج لئلا يقول الناس انظروا الى هذا الشيخ يسأل الولد على الكبر قاله مقاتل لئلا يعاديه بنو عمه ويظنوا أنه كره أن يلوا مكانه بعده ذكره أبو سليمان الدمشقي وهذه القصة تدل على أن المستحب إسرار الدعاء ومنه الحديث إنكم لا تدعون أصم تعالى قال رب إني وهن العظم مني وقرأ معاذ القارئ والضحاك وهن بضم الهاء أي ضعف قال الفراء وغيره وهن العظم ووهن بفتح الهاء وكسرها والمستقبل على الحالين كليهما يهن وأراد أن قوة عظامه قد ذهبت لكبره وإنما خص العظم لأنه الأصل في التركيب وقال قتادة شكا ذهاب أضراسه تعالى واشتعل الراس شيبا يعني انتشر الشيب فيه كما ينتشر شعاع النار في الحطب وهذا من أحسن الاستعارات ولكن بدعائك أي بدعائي إياك رب شقيا أي لم أكن أتعب بالدعاء ثم أخيب لأنك قد عودتني الإجابة يقال شقي فلان بكذا إذا تعب بسببه ولم ينل مراده تعالى وإني خفت الموالي يعني الذين يلونه في النسب وهم بنو العم والعصبة
من ورائي أي مبعد موتي ما خافهم عليه قولان أنه خاف أن يرثوه قاله ابن عباس فان اعترض عليه معترض فقال كيف يجوز لنبي أن ينفس على قراباته بالحقوق المفروضة
[ 146 ]
لهم بعد موته جوابان أحدهما أنه لما كان نبيا والنبي لا يورث خاف أن يرثوا ماله فيأخذوا مالا يجوز لهم والثاني أنه غلب عليه طبع البشر فأحب أن يتولى ماله ولده ذكرهما ابن الأنباري وبيان هذا أنه لا بد أن يتولى ماله وإن ولم يكن ميراثا فأحب أن يتولاه ولده إ الثاني أنه خاف تضييعهم للدين ونبذهم إياه ذكره جماعة من المفسرين عثمان وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو وابن جبير ومجاهد وابن أبي شريح عن الكسائي خفت بفتح الخاء وتشديد الفاء على معنى قلت فعلى هذا يكون إنما خاف على علمه ونبوته ألا يورثا فيموت العلم وأسكن ابن شهاب الزهري ياء الموالي تعالى من ورائي أسكن الجمهور أسكن الجهور هذه الياء وفتحها ابن كثير في رواية قنبل وروى عنه شبل وراي مثل عصاي تعالى فهب لي من لدنك أي من عندك وليا أي ولدا صالحا يتولاني تعالى يرثني ويرث من آل يعقوب قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة يرثني ويرث برفعهما وقرا أبو عمرو والكسائي يرثني ويرث بالجزم فيهما قال أبو عبيدة من قرأ بالرفع فهو على الصفة للولي فالمعنى هب لي وليا وارثا ومن جزم فعلى الشرط والجزاء كقولك ان وهبته إن وهبته لي ورثني المراد بهذا الميرث أربعة اقوال يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال أبو
صالح يرثي العلم ويرث من آل يعقوب الملك فأجابه الله تعالى إلى وراثة العلم دون الملك وهذا مروي عن ابن عباس أيضا يرثني نبوتي وعلمي ويرث من آل يعقوب النبوة أيضا قاله الحسن يرثني النبوة ويرث من آل يعقوب الأخلاق قاله عطاء قال مجاهد كان زكريا
[ 147 ]
من ذرية يعقوب وزعم الكلبي أن آل يعقوب كانوا أخواله وأنه ليس بيعقوب أبي يوسف وقال مقاتل هو يعقوب بن ما ثان وكان يعقوب هذا وعمران أبو مريم أخوين أنه لم يرد ميراث المال لوجوه أنه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة أنه لا يجوز أن يتاسف نبي الله على مصير ماله بعد موته إذا وصل إلى ورائه المستحق له شرعا أنه لم يكن ذا مال وقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن زكريا كان نجارا تعالى واجعله رب رضيا قال اللغويون أي مرضيا فصرف عن مفعول إلى فعيل كما قالوا مقتول وقتيل زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امراتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلث ليال سويا فخرج علي قومه من المحراب فأوحى إليهم ان سبحوا بكرة وعشيا تعالى يا زكريا إنا نبشرك في الكلام إضمار تقديره فاستجاب الله له فقال يا
زكريا إنا نبشرك وقرأ حمزة نبشرك بالتخفيف وقد شرحنا هذا في آل عمران 39 تعالى لم نجعل له من قبل سميا فيه ثلاثة أقوال لم يسم يحيى قبله رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال عكرمة وقتادة وابن
[ 148 ]
زيد والأكثرون اعترض معترض فقال ما وجه المدحة باسم ليسم به احد قبله ونرى كثيرا من الأسماء لم يسبق إليها فالجواب أن وجه الفضيلة أن الله تعالى تولى تسميته ولم يكل ذلك إلى أبويه فسماه باسم لم يسبق إليه لم تلد العواقر مثله ولدا رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس فعلى هذا يكون المعمنى لم لم نجعل له نظيرا لم نجعل له من قبل مثلا وشبها قاله مجاهد فعلى هذا يكون عدم الشبه من حيث أنه لم يعيص حدثنا ولم يهم بمعصية وما بعد هذا مفسر في آل عمران 39 إلى قوله وكانت امرأتي عاقرا معنى كانت قولان انه توكيد للكلام فالمعنى وهي عاقر كقوله كنتم خير أمة آل عمران 110 أي أنتم أنها كانت منذ كانت عاقرا لم يحدث ذلك بها ذكرهما ابن الأنباري واختار الأول تعالى وقد بلغت من الكبر عتيا قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر وابو بكر عن عاصم ابن عتيا قوله وبكيا مريم 58 وصليا مريم 70 بضم أوائلها وقرأ حمزة والكسائي بكسر أوائلها وافقهما حفص عن عاصم إلا في قوله بكيا فانه ضم أوله وقرأ ابن عباس ومجاهد عسيا بالسين قال مجاهد عتيا هو قحول له العظم وقال ابن قتيبه أي يبسا يقال عتا وعسا بمعنى واحد قال الزجاج كل شئ انتهى فقد عتا يعتوعتيا ذلك وعتوا وعسوا
وعسيا تعالى قال كذلك أي الأمر كما قيل لك من هبة الولد على الكب قال ربك هو علي هين أي خلق يحيى علي سهل محمد معاذ القارئ وعاصم الجحدري هين باسكان الياء وقد خلقتك من قبل أي أوجدتك قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر خلقتك وقرأ حمزة والكسائي خلقناك بالنون والألف ولم تك شيئا المعنى
[ 149 ]
فخلق الولد كخلقك وما بعد هذا مفسر في آل عمران 39 الى قوله ثلاث ليال سويا قال الزجاج سويا منصوب على الحال والمعنى تمنع عن الكلام وأنت سوي قال ابن قتيبة أي سليما غير أخرس تعالى فخرج على قومه وهذا في صبيحة الليلة التي حملت فيها أمرأته من المحراب أي من مصلاه وقد ذكرناه في آل عمران 39 تعالى فأوحى إليهم فيه قولان أنه كتب إليهم في كتاب قاله ابن عباس أومأ برأسه ويديه قاله مجاهد تعالى أن سبحوا أي صلوا بكرة وعشيا قد شرحناه في آل عمران 39 والمعنى أنه كان يخرج الى قومه فيأمرهم بالصلاة بكرة وعشيا فلما حملت امرأته أمرهم بالصلاة إشارة يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكوة وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا تعالى يا يحيى قال الزجاج المعنى فوهبنا له يحيى وقلنا له يا يحيى خذ الكتاب يعني التوراة وكان مأمورا بالتمسك بها وقال ابن الأنباري
المعنى اقبل كتب الله كلها ايمانا بها واستعمالا لأحكامها وقد شرحنا في البقرة 63 معنى قوله بقوة تعالى وآتيناه الحكم فيه أربعة أقوال أنه الفهم قاله مجاهد والثاني اللب قاله الحسن وعكرمة والثالث العلم قاله ابن السائب والرابع حفظ التوراة وعلمها قاله أبو سليمان الدمشقي وقد زدنا هذا شرحا في سورة
[ 150 ]
يوسف 23 وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال من قرأ القرآن من قبل أن يحتلم فهو ممن أو الحكم صبيا قوله صبيا ففي سنه يوم أوتي الحكم قولان أنه سبع سنين رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين قاله قتادة ومقاتل تعالى وحنانا من لدنا قال الزجاج أي وآتيناه حنانا وقال ابن الأنباري المعنى وجعلناه حنانا لأهل زمانه الحنان ستة أقوال أنه الرحمة رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وعكرمة وقتادة والضحاك والفراء وأبو عبيدة وأنشد تحنن إلى علي هداك المليك كان فان لكل مقام مقالا أبو وعامة ما يستعمل في المنطق على لفظ الاثنين قال طرفة أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا أو حنانيك بعض الشر أهون من بعض ابن قتيبة ومنه يقال تحنن علي وأصله من حنين الناقة على ولدها وقال ابن الأنباري لم يختلف اللغويون أن الحنان الرحمة والمعنى فعلنا ذلك رحمة لأبويه وتزكية له
والثاني أنه التعطف من ربه عليه قاله مجاهد والثالث أنه اللين قاله سعيد بن جبير والرابع البركة وروي عن ابن جبير أيضا والخامس المحبة قاله عكرمة وابن زيد والسادس التعظيم قاله عطاء بن أبي رباح وفي قوله وزكاة أربعة أقوال أنها العمل الصالح قاله الضحاك وقتادة أن معنى الزكاة الصدقة فالتقدير إن الله تعالى جعله صدقة تصدق بها على أبويه قاله اب السائب والثالث أن الزكاة التطهير قاله الزجاج
[ 151 ]
أن الزكاة الزيادة فالمعنى وآتيناه زيادة في الخير على ما وصف وذكر قاله ابن الأنباري تعالى وكان تقيا قال ابن عباس جعلته يتقيني لا يعدل بي غيري تعالى وبرا بوالديه أي وجعلناه برا بوالديه والبر بمعنى البار والمعنى لطيفا بهما محسنا اليهما والعصي بمعنى العاصي وقد شرحنا معنى الجبار في هود 59 تعالى وسلام عليه فيه قولان أنه السلام المعروف من الله تعالى قال عطاء سلام عليه مني في هذه الأيام وهذا اختيار أبي سليمان أنه بمعنى السلامة قاله ابن السائب قيل كيف خص التسليم عليه بالأيام وقد يجوز ان يولد ليلا ويموت ليلا أن المراد باليوم الحين والوقت على ما بينا في قوله اليوم أكملت لكم دينكم) قال ابن عباس وسلام عليه حين ولد وقال الحسن البصري التقى يحيى وعيسى فقال يحيى لعيسى انت خير مني فقال عيسى ليحيى بل أنت خير مني سلم الله عليك وانا
سلمت على نفسي وقال سعيد بن جبير مثله الا انه قال اثنى الله عليك وأنا أثنيت على نفسي وقال سفيان بن عيينه أوحش ما يكون الإنسان في ثلاثة مواطن يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم يره فخص الله تعالى يحيى فيها بالكرامة والسلامة في المواطن الثلاثة عبد في الكتاب مريم إذ نتبذت عليه من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكياقالت أنى أبي لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله
[ 152 ]
آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا تعالى واذكر في الكتاب يعني القرآن مريم إذ انتبذت قال أبو عبيدة تنحت واعتزلت مكانا شرقيا مما يلي المشرق وهو عند العرب خير من الغربي تعالى فاتخذت من دونهم يعني أهلها حجابا أي سترا وحاجزا وفيه ثلاثة أقوال أنها ضربت شترا (قاله أبو صالح عن ابن عباس ان الشمس أظلتها فلم يرها أحد منهم وذلك مما سترها الله به وروي هذا المعنى عن ابن عباس ايضا أنها اتخذت حجابا من الجدران قاله السدي عن أشياخه سبب انفرادها عنهم قولان أنها انفردت لتطهر من الحيض وتمتشط قاله ابن عباس لتفلي رأسها قاله عطاء تعالى فأرسلنا إليها روحنا وهو جبريل في قول الجمهور وقال ابن الأنباري
صاحب روحنا وهو جبريل والروح بمعنى الروح والفرح ثم تضم الراء لتحقيق مذهب الاسم وابطال طريق المصدر ويجوز أن يراد بالروح هاهنا الوحي وجبريل صاحب الوحي وقت مجيئه إليها ثلاثة أقوال وهي تغتسل والثاني بعد فراغها ولبسها الثياب والثالث بعد دخولها بيتها وقد قيل المراد بالروح هاهنا الروح الذي خلق منه عيسى حكاه الزجاج والماوردي وهو مضمون كلام أبي بن كعب فيما سنذكره عند قوله فحملته قال ابن الأنباري وفيه بعد لقوله فتمثل لها بشرا سويا والمعنى تصور لها في صورة البشر التام الخلقة وقال ابن عباس جاءها في صورة شاب أبيض الوجه جعد قطط حين طر شاربه وقرأ أبو نهيك فأرسلنا إليها روحنا بفتح الراء من الروح تعالى قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا المعنى إن كنت تتقي الله
[ 153 ]
فستنتهي بتعوذي منك هذا هو القول عند المحققين وحكي عن ابن عباس أنه كان في زمانها رجل اسمه تقي وكان فاجرا فظنته إياه ذكره ابن الأنباري والماوردي وفقراءة علي عليه السلام وابن مسعود وابي رجاء إلا أن تكون تقيا تعالى قال إنما أنا رسول ربك أي فلا تخافي ليهب لك قرا ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي لأهب لك بالهمز وقرأ أبو عمرو وورش عن نافع ليهب لك بغير همز قال الزجاج من قرأ ليهب فالمعنى أرسلني ليهب ومن قرأ لأهب فالمعنى أرسلت اليك لأهب لك وقال ابن الأنباري المعنى أرسلني يقول لك أرسلت رسولي إليك لأهب لك تعالى غلاما زكيا أي طاهرا من الذنوب والبغي الفاجرة الزانية قال ابن الانباري وإنما لم يقل بغية لأنه وصف يغلب على النساء فقلما تقول العرب رجل بغي
فيجري مجرى حائض وعاقر وقال غيره إنما لم يقل بغية لأنه مصروف عن وجهه فهو فعيل بمعنى فاعل ومعنى الآية ليس لي زوج ولست بزانية وإنما يكون الولد من هاتين الجهتين قال كذلك قال ربك قد شرحناه في قصة زكريا والمعنى أنه يسير علي أن أهب لك غلاما من غير أب ولنجعله آية للناس أي دلالة على قدرتنا كونه من غير أب قال ابن الأنباري إنما دخلت الواو في قوله ولنجعله لأنها عاطفة لما بعدها على كلام مضمر محذوف تقديره قال ربك خلقه علي هين لننفعك ما به ولنجعله عبرة تعالى ورحمة منا أي لمن تبعه وآمن به وكان أمرا مقضيا أي وكان خلق أمرا محكوما به مفروغا عنه سابقا في علم الله تعالى كونه إ فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض الى جذع النخلة قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فنادها لا من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينان فاما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم انسيا أن تعالى فحملته يعني عيسى
[ 154 ]
كيفية حملها له قولان أن جبريل نفخ في جيب درعها فاستمر بها حملها رواه سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال السدي نفخ في جيب درعها وكان مشقوقا من قدامها فدخلت النفخة في صدرها فحملت من وقتها الذي خاطبها هو الذي حملته ودخل من فيها قاله ابي بن عب وفي مقدار حملها سبعة أقوال أحدها انها حين حملت وضعت قاله ابن عباس والمعنى أنه ما طال حملها وليس المراد أنها وضعته في الحال لأن الله تعالى يقول فحملته فانتبذت به وهذا يدل على أن بين
الحمل والوضع وقتا يحتمل الانتباذ به أنها حملته تسع ساعات ووضعت من يومها قاله الحسن تسعة أشهر قاله سعيد بن جير وابن السائب ثلاث ساعات حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعت في ساعة قاله مقاتل بن سليمان ثمانية أشهر فعاش ولم يعش مولود قط لثمانية أشهر فكان في هذا آية حكاه الزجاج والسادس في ستة اشهر حكاه الماوردي في ساعة واحدة حكاه الثعلبي تعالى فانتبذت به يعني بالحمل مكانا قصيا أي بعيدا وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة قاصيا قال ابن اسحاق مشت ستة أميال قال الفراء القصي والقاصي بمعنى واحد وقال غير الفراء القصي والقاصي بمنزلة الشهيد والشاهد وإنما بعدت فرارا من قومها أن يعيروها على بولادتها من غير زوج تعالى فأجاءها المخاض وقرأ عكرمة وابراهيم النخعي وعاصم الجحدري المخاص بكسر الميم قال الفراء المعنى فجاء بها المخاص فلما القيت الباء جعلت في الفعل ألفا ومثله آتنا غداءنا الكهف 63 أي الله ومثله آتوني زبر الحديد الكهف 96 أي بزبر الحديد قال أبو عبيدة أفعلها من جاءت هي وأجاءها غيرها وقال ابن قتيبة المعنى جاء بها وألجأها وهو من حيث يقال جاءت بي الحاجة اليك وأجاءتني قال الحاجة اليك والمخاض الحمل وقال
[ 155 ]
غيره المخاض وجع الولادة الى جذع النخلة وهو ساق النخلة وكانت نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا سعف قالت يا ليتني مت قبل هذا اليوم أو هذا الأمر وقرأ نافع وحمزة والكسائي وخلف وحفص مت بكسر الميم
سبب قولها هذا قولان أنها قالته حياء من الناس والثاني لئلا يأثموا بقذفها تعالى وكنت نسيا منسيا قرا ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم بكسر النون وقرأ حمزة وحفص عن عاصم نسيا بفتح النون قال الفراء وأصحاب عبد الله يقرؤون نسيا بفتح النون وسائر العرب عن بكسرها وهما لغتان مثل الجسر والجسر والوتر والوتر والفتح أحب الي قال أبو علي الفارسي الكسر على اللغتين وقال ابن الأنباري من كسر النون قال النسي اسم لما ينسى بمنزلة البغض اسم لما يبغض والسب اسم لما يسب والنسي بفتح النون اسم لما ينسى أيضا على أنه مصدر ناب عن الاسم كما يقال الرجل دنف ودنف فالمكسور من هو الوصف الصحيح والمفتوح مصدر سد مسد الوصف ويمكن أن يكون النسي والنسي اسمين لمعنى كما يقال الرطل والرطل في قوله تعالى نسيا منسيا خمسة أقوال أحدها يا ليتني لما أكن شيئا قاله الضحاك عن ابن عباس وبه قال عطاء وابن زيد وكنت نسيا منسيا أي دم حيضة ملقاة قاله مجهد وسعيد ابن جبير وعكرمة قال الفراء النسي ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها وقال ابن الأنباري هي خرق الحيض تلقيها المرأة فلا تطلبها ولا تذكرها أنه من السقط قاله أبو العالية والربيع أن المعنى يا ليتني لا يدري من أنا قاله قتادة أنه الشئ التافه يرتحل عنه القوم فيهون عليهم فلا يرجعون إليه قاله ابن السائب وقال أبو عبيدة النسي والمنسي ما ينسى من إدارة وعصا يعني أنه ينسى في المنزل فيرجع إليه لاحتقار صاحبه اياه وقال الكسائي معنى الآية ليتني كنت ما إذا ذكر لم يطلب تعالى فناداها من تحتها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وابو بكر عن عاصم
من تحتها بفتح الميم والتاء قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم من تحتها بكسر الميم والتاء فمن قرأ بكسر الميم ففيه وجهان
[ 156 ]
أحدهما ناداها الملك من تحت النخلة وقيل كانت على نشز فناداها الملك أسفل منها والثاني ناداها عيسى لما خرج من بطنها قال ابن عباس كل ما رفعت في إليه طرفك فهو فوقك وكل ما خفضت إليه طرفك فهو تحتك ومن قأ بن بفتح الميم ففيه الوجهان المذكوران وكا الفراء يقول ما خاطبها الا الملك على القراءتين جميعا تعالى قد جعل ربك تحتك سريا فيه قولان أحدهما أنه النهر الصغير قاله جمهور المفسرين واللغويون قال أبو صالح وابن جريج هو الجدول بالسريانية انه عيسى كان سريا من الرجال قاله الحسن وعكرمة وابن زيد قال ابن الانباري وقد رجع الحسن عن هذا القول الى القول الأول ولو كان وصفا لعيسى كان غلاما سريا أو سويا من الغلمان وقلما تقول العرب رأيت عندك نبيلا حتى يقولوا رجلا نبيلا قيل كيف ناسب تسليتها هذه أن قيل لا تحزني فهذا نهر يجري من وجهين احدهما انها حزت لجدب مكانها الذي ولدت فيه وعدم الطعام والشراب والماء الذي تتطهر به فقيل لا تحزني قد أجرينا لك نهرا وأطلعنا لك رطبا قاله أبو صالح عن ابن عباس أنها حزنت لما جرى عليها من ولادة ولد عن غير زوج فأجرى الله تعالى لها نهرا فجاءها من الاردن واخرج لها الرطب من الشجرة اليابسة فكان ذلك آية تدل على قدرة الله تعالى في إيجاد عيسى قاله مقاتل تعالى وهزي اليك الهز التحريك في قوله تعالى بجذع النخلة فيها قولان
انها زائدة مؤكدة كقوله تعالى بسبب الى السماء الحج 15 قال الفراء معناه فليمدد سببا والعرب تقول هزه وهز به وخذ الخطام وخذ بالخطام وتعلق زيدا وتعلق به وقال أبو عبيدة هي مؤكدة كقول الشاعر نضرب سنة بالسيف ونرجو بالفرج والثاني أنها دخلت على الجذع لتلصقه عمرو بالهز فهي مفيدة للالصاق قاله ابن الأنباري تعالى تساقط قرا ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر والسكائي وابو بكر عن عاصم تساقط بالتاء مشددة السين وقرأ حمزة وعبد الوارث تساقط بالتاء مفتوحة مخففة
[ 157 ]
السين وقرأ حفص عن عاصم تساقط بضم التاء وكسر القاف مخففة السين وقرأ يعقوب وابو زيد عن المفضل يساقط بالياء مفتوجة قبل وتشديد السين وفتح القاف فهذه القراآت المشاهير وقرأ ابي بن كعب وأبو حيوة تسقط بفتح التاء وسكون السين ورفع القاف وقرأ عبد الله بن عمرو وعائشة والحسن يسقاط يحيى بألف وتخفيف السين ورفع الياء وكسر القاف وقرأ الضحاك عمرو بن دينار يسقط برفع الياء وكسر القاف مع سكون السين وعدم الألف وقرأ عاصم الجحدري وأبو عمران الجوني مثله إلا أنه بالتاء وقرا معاذ القارئ وابن يعمر مثله إلا أنه بالنون وقرأ أبو زرين العقيلي وابن ابي عبلة يسقط بالياء مفتوحة مع سكون السين ورفع القاف وقرأ أبو السماك العدوي وابن حزام تتساقط بتاءين مفتوحين وبألف وقال الزجاج من قرأ يساقط فالمعنى يتساقط فأدغمت التاء في السين ومن قرأ تساقط بالتاء والتخفيف فانه حذف من تتساقط اجتماع يؤنث ومن قرأ تساقط بالتاء والتخفيف فانه حذف من تتساقط اجتماع التاءين ومن قرأ تساقط بالتاء والخفيف فانه حذف من تتساقط اجتماع التاءين ومن قرأ يساقط ذهب إلى معنى يساقط الجذع عليك ومن قرأ نساقط بالنون فالمعنى نحن نساقط عليك فنجعله لك آية والنحويون يقولون الرحمن رطبا منصوب على التمييز إذا قلت يساقط أو يتساقط المعنى يتساقط الجزع رطب وإذا قلت تساقط بالتاء فالمعنى تتساقط النخلة رطبا تعالى جنيا قال الفراء الجني المجتنى وقال ابن الأنباري هو الطري والأصل مجنو صرف من مفعول الى فعيل كمايقال قديد وطبيخ وقال غيره هو الطري
بغباره ولم يكن لتلك النخلة راس فأنبته الله تعالى فلما وضعت يدها عليها سقط الرطب رطبا وكان السلف يستحبون للنفساء الرطب من أجل مريم عليها السلام قوله تعالى فكلي أي من الرطب واشربي من النهر وقري عينا بولادة عيسى عليه السلام قال الزجاج يقال قررت به عينا أقر بفتح القاف في المستقبل وقررت في المكان أقر بكسر القاف وعينا منصوب على التمييز وروى ابن الأنباري عن الأصمعي أنه قال معنى وقري عينا ولتبرد وكان دمعتك روى لأن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة واشتقاق قري من القرور ولم وهو الماء البارد وقال لنا أحمد بن يحيى تفسير قري عينا بلغت غاية أملك حتى تقر عينك من الاستشراف إلى غيره واحتج بقول عمرو بن كلثوم بيوم بين كريهة ضربا وطعنا أهل أقر به مواليك العيونا حديث ظفروا وبلغوا منتهى أمنيتهم فقرت عينهم من تطلع الى غيره تعالى فاما ترين وقرأ ابن عباس وأبو مجلز وابن السميفع والضحاك وأبو العالية وعاصم الجحدري ترئن بهمزة مكسورة من غير ياء أي إن رأيت من البشر أحدا
[ 158 ]
فقولي وفيه إضمار تقديره فسألك عن أمر ولدك فقولي إني نذرت للرحمن صوما فيه قولان أحدهما صمتا قاله ابن عباس وأنس بن مالك والضحاك وكذلك قرأ أبي بن كعب وأنس بن مالك وأبو رزين العقيلي صمتا مكان قوله صوما وقرأ ابن عباس صياما صوما عن الطعام والشراب والكلام قاله قتادة وقال ابن زيد كان المجتهد من بني اسرائيل يصوم عن الكلام كما يصوم عن الطعام الا من ذكر الله عز وجل قال السدي فأذن لها أن تتكلم بهذا القدر ثم تسكت قال ابن مسعود أمرت بالصمت لأنها لم تكن لها حجة عند الناس فأمرت بالكف عن الكلام ليكفيها الكلام ولدها مما يبرئ بها ساحتها فأمرت بالكف عن الكلام ليكفيها الكلام ولدها مما يبرئ به ساحتها وقيل كانت تكلم الملائكة ولا تكلم الإنس قال ابن الأنباري الصوم في لغة العرب على أربعة معان يقال يوم لترك الطعام والشراب وصوم للصمت صوم لضرب من الشجر وصوم لذرق عند النعام
العلماء في مقدار سن مريم يوم ولادتها على ثلاثة أقوال أنها ولدت وهي بنت خمس عشرة سنة قاله وهب بن منبه بن ت اثنتي عشرة سنة قاله زيد بن أسلم بنت ثلاث عشرة سنة قاله مقاتل لأنه به قومها تحمله قالوا يا مرى لقد جئت شيئا فريا يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيف أشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصني بالصلوة والزكوة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا تعالى فأتت به قومها تحمله قال ابن عباس في رواية أبي صالح أتتهم به بعد أربعين يوما حين طهرت من نفاسها وقال في رواية الضحاك انطلق قومها يطلبونها فلما رأتهم حملت عيسى فتلقتهم به فذلك قوله تعالى فأتت به قومها تحمله قيل أتت به يغني عن تحمله فلا فائدة للتكرير أنه لما ظهرت منه آيات جاز أن يتوهم السامع فأتت به أن يكون ساعيا على
[ 159 ]
قدميه فيكون سعية آية كنطقه فقطع ذلك التوهم وأعلم أنه كسائر الأطفال وهذا مثل قول العرب نظرت إلفلان بعيني فنفوا بذلك نظر العطف والرحمة وأثبتوا أنه نظر عين وقال ابن السائب لم دخلت على قومها بكوا وكانوا قوما صالحين وقالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا وفيه ثلاثة أقوال شيئا عظيما قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة قال الفراء الفري العظيم والعرب تقول تركته يفري الفري إذا عمل فأجاد العمل ففضل الناس قيل هذا فيه قال النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت عبقريا يفري فري عمر
عجبا فائقا قاله أبو عبيدة شيئا مصنوعا ومنه يقال فريت الكذب وافتريته قاله اليزيدي قو له تعالى يا أخت هارون في المراد بهارون هذا خمسة أقوال أنه أخ لها من أمها وكان من أمثل فتى في بني اسرائيل قاله أبو صالح عن ابن عباس وقال الضحاك كان من ابيها وامها انها كانت من بني هارون قاله الضحاك عن ابن عباس وقال السدي كانت من بني هارون أخي موسى عليهما أخبرنا السلام فنسبت إليه لأنها من ولده أنه رجل صالح كان في بني اسرائيل فشبهوها به في الصلاح وهذا مروي عن ابن عباس أيضا وقتادة ويدل عليه ما روى المغيرة بن شعبة قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أهل نجران فقالوا ألستم تقرؤون يا أخت هارون وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى فلم أدر ما أجيبهم فرجعت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمعون بأنبيائهم والصالحين قبلهم أن قوم هارون كان فيهم فساق وزناه فنسبوها إليهم قاله سعيد بن جبير أنه رجل من فساق بني اسرائيل شبهوها به قاله وهب بن منبه يا هذا يخرج في معنى الأخت قولان أنها الأخت حقيقة والثاني المشابهة لا المناسبة كقوله تعالى وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها الزخرف 48 تعالى ما كان أبوك يعنون عمران امرأ سوء أي زانيا وما كانت أمك حنة بغيا أي زانية فمن أين لك هذا الولد تعالى فأشارت أي أومأت إليه أي إلى عيسى فتكلم وقيل المعنى أشارت
[ 160 ]
إليه أن كلموه وكان عيسى قد كلمها حين أتت قومها وقال يا أماه أبشري فاني عبد الله ومسيحه فلما أشارت أن كلموه تعجبوا من ذلك وقالوا كيف نكلم من كان وفيها أربعة أقوال
أنها زائدة فالمعنى كيف نكلم صبيا في المهد أنها في معنى وقع وحدث أنها في معنى الشرط والجزاء فالمعنى من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه حكاها الزجاج واختار الأخير منها قال ابن الأنباري وهذا كما تقول كيف أعظ من كان لا يقبل موعظتي أي من يكن لا يقبل والماضي يكون بمعنى المستقبل في الجزاء أن كان بمعنى صار قاله قطرب المراد بالمهد قولان أحدهما حجرها قاله نوف وقتادة والكلبي والثاني سرير الصبي المعروف حكاه الكلبي أيضا السدي فلما سمع عيسى كلامهم لم يزد على أن ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه فقال إني عبد الله قال المفسرون إنما قدم ذكر العبودية ليبطل قول من ادعى فيه الربوبية لو وفي قوله آتاني الكتاب أسكن هذه الياء حمزة وفي معنى الآية قولان أنه آتاه الكتاب وهو في بطن أمه قاله أبو صالح عن ابن عباس وقيل علم التوراة والإنجيل وهو في بطن امه قضى أن يؤيتني يكون الكتاب قاله عكرمة الكتاب قولان أحدهما أنه التوراة والثاني الأنجيل تعالى وجعلني نبيا هذا وما بعده اخبار عما قضى الله له وحكم له به ومنحه إياه مما سيظهر ويكون قيل المعنى يؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا إذا بلغت فحل الماضي محل المستقبل كقوله تعالى وإذ قال الله يا عيسى المائدة 116 أنه كلمهم بعد أربعين يوما
والثاني في يومه وهو مبني على ما ذكرنا من الزمان الذي غابت عنهم فيه مريم
[ 161 ]
تعالى وجعلني مباركا أينما كنت روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال نفاعا حيثما توجهت وقال مجاهد معلما للخير وفي المراد بالزكاة قولان زكاة الأموال قاله ابن السائب والثاني الطهارة قاله الزجاج قوله تعالى وبرا بوالدتي قال ابن عباس لما قال هذا ولم يقل بوالدي علموا أنه ولد من غير بشر تعالى ولم يجعلني جبارا أي متعظما شقيا عاصيا لربه والسلام علي يوم ولدت قال المفسرون السلامة علي من الله يوم ولدت حتى لم يضرني شيطان وقد سبق تفسير الآية مريم 15 قيل لم ذكر هاهنا السلام بألف ولام وذكره في قصة يحيى بلا ألف ولام فعنه جوابان أنه لما جرى ذكر السلام قبل هذا الموضع بغير ألف ولام كان الأحسن أن يرد ثانية بألف ولام هذا قول الزجاج صلى اعترض على هذا القول فقيل كيف يجوز أن يعطف هذا وهو قول عيسى على الأول وهو قول الله عز وجل صلى أجاب عنه ابن الأنباري فقال عيسى إنما يتعلم من ربه فيجوز أن يكون سمع قول الله في يحيى فبنى عليه وألصقه بنفسه ويجوز أن يكون الله عز وجل عرف السلام الثاني لأنه أتى بعد سلام قد ذكره وأجراه عليه غير قاصد به اتباع اللفظ المحكي لأن المتكلم له أن يغير بعض الكلام الذي يحكيه فيقول قال عبد الله أنا رجل منصف يريد قال لي عبد الله أنت رجل
منصف الثاني أن سلاما والسلام لغتان بمعنى واحد ذكره ابن الأنباري مع عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحان
[ 162 ]
إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم تعالى ذلك عيسى بن مريم قال الزجاج أي ذلك الذي قال إني عبد الله هو ابن مريم لا ما تقول النصارى إنه ابن الله وإنه إله تعالى قول الحق قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي قول الحق برفع اللام وقر أ عاصم وابن عامر ويعقوب بنصب اللام قال الزجاج من رفع قول الحق فالمعنى هو قول الحق يعني هذا الكلام ومن نصب فالمعنى أقول قول الحق وذكر ابن الأنباري في الآية وجهين أنه لما وصف بالكلمة جاز أن ينعت بالقول أن في الكلام إضمارا تقديره ذلك نبأ عيسى ذلك النبأ قول الحق تعالى الذي فيه يمترون أي يشكون قال قتاة امترت اليهود فيه والنصارى فزعم اليهود أنه ساحر وزعم النصارى أنه ابن الله وثالث ثلاثة قرأ أبو مجلز ومعاذ القارئ وابن يعمر وأبو رجاء تمترون بالتاء تعالى ما كان لله أن يتخذ من ولد قال الزجاج المعنى أن يتخذ ولدا ومن مؤكدة تدل على نفي الواحد والجماعه أن للقائل أن يقول ما اتخذت فرسا يريد أتخذت أكثر من ذلك وله أن يقول سعيد اتخذت فرسين ولا أكثر يريد اتخذت فرسا واحدا فإذا قال ما اتخذت من فرس فقد دل على نفي الواحد والجميع قوله تعالى كن فيكون وقرأ أبو عمران الجوني وابن أبي عبلة فيكون بالنصب وقد ذكرنا وجهه في البقرة 117
تعالى وإن الله ربي وربكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأن الله بنصب الألف وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وإن الله بكسر الألف وهذا من قول عيسى فمن فتح عطفه على قوله وأوصاني بالصلاة والزكاة وبأن الله ربي ومن كسر ففيه وجهان أن يكون معطوفا على قوله إني عبد الله إ والثاني أن يكون مستأنفا
[ 163 ]
بكر الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم أسمع بهم وأبصر بوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون تعالى فاختلف الأحزاب من بينهم قال المفسرون من زائدة والمعنى اختلفوا بينهم وقال ابن الأنباري لما تمسك المؤمنون بالحق كان اختلاف الأحزاب بين المؤمنين مقصورا عليهم الأحزاب قولان أنهم اليهود والنصارى فكانت اليهود تقول إنه لغير رشدة والنصارى تدعي فيه ما لا يليق به والثاني أ نهم فرق النصارى قال بعضهم هو الله وقال بعضهم ابن الله وقال بعضهم ثالث ثلاثة قوله تعالى فويل للذين كفروا بقولهم في المسيح من مشهد يوم عظيم أي من حضورهم ذلك اليوم للجزاء تعالى أسمع بهم وأبصر فيه قولان أن لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر فالمعنى ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة سمعوا وأبصروا حين لم ينفعهم ذلك
لأنهم شاهدوا من أمر الله ما لا يحتاجون معه الى نظر وفكر فعلموا الهدى وأطاعوا هذا قول الأكثرين أسمع بحديثهم اليوم وأبصر كيف يصنع بهم يوم يأتوننا قاله أبو العالية تعالى لكن الظالمون يعني المشركين والكفار اليوم يعني في الدنيا في ضلال مبين تعالى وانذرهم أي خوف كفار مكة يوم الحسرة يعني يوم القيامة يتحسر المسئ إذ لم يحسن والمقصر إذ لم يزدد من الخير
[ 164 ]
قد الحسرة يوم القيامة كثيرة فمن ذلك ما روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قيل يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون وقيل يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيجاء بالموت كأنه كبش أملح فيقال لهم هل تعرفون هذا وفي هذا الموت فيذبح ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون المفسرون فهذه هي الحسرة إذا ذبح الموت فلو مات أحد فرحا مات أهل الجنة ولو مات أحد حزنا مات اهل النار من وجبات الحسرة ما روى عدي بن حاتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يؤتى يوم القيامة بناس الى الجنة حتى إذا دنوا منها واستنشقوا ريحها ونظروا الى قصورها نودوا أن أصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون بمثلها فيقولون يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون علينا قال ذلك أردت بكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين تراؤون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم هبتم الناس ولم تهابوني وأجللتم الناس ولم تجلوني تركتم للناس ولم تتركوا لي فاليوم أذيقكم العذاب مع ما حرمتكم من الثواب
موجبات الحسرة ما روي عن ابن مسعود قال ليس من نفس يوم القيامة الا وهي تنظر الى بيت في الجنة وبيت في النار ثم يقال يعنل هؤلاء لو عملتم ولأهل الجنة لولا أن من الله عليكم ومن موجبات الحسرة قطع الرجاء عند اطباق النار على أهلها تعالى إذ قضي الأمر قال ابن الأنباري قضي في اللغة بمعنى أتقن وأحكم وإنما سمي الحاكم قاضيا لإتقانه وإحكامه ما ينفذ وفي الآية اختصار والمعنى إذ قضي الأمر الذي فيه هلاكهم في الأمر قولان انه ذبح الموت قاله ابن جريج والسدي والثاني أن المعنى قضي العذاب لهم قاله مقاتل تعالى وهم في غفلة أي هم في الدنيا في غفلة عما يصنع بهم ذلك اليوم وهم لا يؤمنون بما يكون في الآخرة
[ 165 ]
تعالى إنا نحن نرث الارض أي نميت سكانها فنرثها ومن عليها وإلينا يرجعون بعد الموت قيل ما الفائدة في نحن وقد كفت عنها إنا أنه لما جاز في قول المعظم إنا نفعل أن يوهم أن أتباعه قعلوا كل أبانت نحن بأن الفعل مضاف إليه حقيقة قيل فلم قال ومن عليها وهو يرث الآدميين وغيرهم أن من تختص أهل التمييز وغير المميزين يدخلون في معنى الأرض ويجرون مجراها ذكر الجوابين عن السؤالين ابن الأنباري في الكتاب ابراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني
أهدك صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك وأهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهو بنا له اسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا تعالى واذكر في الكتاب ابراهيم أي اذكر لقومك قصته وقد سبق معنى الصديق في النساء 69 تعالى ولا يغني عنك شيئا أي لا يدفع عنك ضرا تعالى إني قد جاءني من العلم بالله والمعرفة ما لم يأتك تعالى لا تعبد الشيطان أي لا تطعه فيما يأمر به من الكفر والمعاصي وقد شرحنا
[ 166 ]
معنى كان آنفا وعصيا اي عاصيا فهو فعيل بمعنى فاعل تعالى إني أخاف ان يمسك عذاب من الرحمن قال مقاتل في الآخرة وقال غيره في الدنيا فتكون للشيطان وليا أي قرينا في عذاب الله فجرت المقارنة مجرى الموالاة وقيل إنما طمع ابراهيم في إيمان ابيه لأنه حين خرج من النار قال له نعم الإله إلهك يا إبراهيم فحينئذ أقبل يعظه فأجابه أبوه أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم أي أتارك بادتها انت لئن لم تنته عن عيبها وشتمها لأرجمنك وفيه قولان بالشتم والقول قاله ابن عباس ومجاهد بالحجارة حتى تتباعد عني قاله الحسن تعالى واهجرني مليا فيه قولان اهجرني طويلا رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس وبه قال الحسن والفراء والأكثرون قال ابن قتيبة اهجرني حينا طويلا ومنه يقال تمليت حبيبك أجتنبني فلا سالما قبل أن تصيبك عقوبتي رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة والضحاك فعلى هذا يكون من قولهم فلام ملي بكذا وكذا إذا كان مضطلعا به
فالمعنى اهجرني وعرضك وافر وأنت سليم من أذاي قاله ابن جرير تعالى قال سلام عليك أي سلمت من أن أصيبك بمكروه وذلك أنه لم يؤمر بقتاله على كفره سأستغفلك ربي فيه قولان أن المعنى سأسأل الله لك توبة تنال بها مغفرته أنه وعده الاستغفار وهو لا يعلم أن ذلك محظور في حق المصرين على الكفر ذكرهما ابن الأنباري تعالى إنه كان بي حفيا فيه ثلاثة أقوال أحدها لطيفا رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال ابن زيد والزجاج رحيما رواه الضحاك عن ابن عباس بارا عودني منه الإجابة إذا دعوته قاله ابن قتيبة تعالى وأعتزلكم أي وأتنحى منه عنكم وأعتزل ما تدعون من دون الله يعني الأصنام وفي معنى تدعون قولان تعبدون أن المعنى وما تدعونه ربا وأدعو ربي أي وأعبده عسى ألا أكون بدعاء
[ 167 ]
ربي شقيا أي أرجو أن لا أشقى بعبادته كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام لأنها لا تنفعهم ولا تجيب دعاءهم فلما اعتزلهم قال المفسرون هاجر عنهم الى ارض الشام فوهب الله له اسحاق ويعقوب فآنس الله وحشته عن فراق قومه بأولاد كرام قال أبو سليمان وإنما وهب له اسحاق ويعقوب بعد اسماعيل تعالى وكلا أي وكلا من هذين وقال مقاتل وكلا يعني ابراهيم واسحاق ويعقوب جعلناه نبيا
تعالى ووهبنا لهم من رحمتنا قال المفسرون المال والولد والعلم والعمل وجعلنا لهم لسان صدق عليا قال ابن قتيبة أي ذكرا حسنا في الناس مرتفعا فجميع أهل الأديان يتولون إبراهيم وذريته ويثنون عليهم فوضع اللسان مكان القول لأن القول يكون باللسان في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا: تعالى إنه كان مخلصا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والمفضل عن عاصم بكسر اللام وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بفتح اللام قال الزجاج المخلص بكسر اللام الذي وحد الله وجعل نفسه خالصة في طاعة الله غير دنسه والمخلص بفتح اللام الذي أخلصه الله وجعله مختارا خالصا من الدنس تعالى وكان رسولا قال ابن الأنباري إنما أعاد كان لتفخيم شأن النبي المذكور تعالى وناديناه من جانب الطور أي من ناحية الطور وهو جبل بين مصر ومدين اسمه زبير قال ابن الأنباري إنما خاطب الله العرب بما يستعملون في لغتهم ومن كلامهم عن يمين القبلة وشمالها يعنون مما يلي يمين المستقبل لها وشماله فنقلوا الوصف الى ذلك اتساعا عند انكشاف المعنى لأن الوادي لا يد له فيكون له يمين وقال المفسرون جاء النداء عن يمين موسى فلهذا قال الأيمن ولم يرد به يمين الجبل تعالى وقربناه نجيا قال ابن الأنباري معناه مناجيا فعبر فعيل عن مفاعل كما قالوا فلان خليطي غير وعشيري أحمد يعنون مخالطي ومعاشري بعد وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله وقربناه قال حتى سمع صريف القلم حين كتب له في الألواح
[ 168 ]
تعالى ووهبنا له من رحمتنا أي من نعمتنا عليه إذ أجبنا دعاءه حين سأل أن نجعل معه أخاه وزيرا له
في الكتاب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلوة والزكوة وكان عند ربه مرضيا واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا قوله تعالى إنه كان صادق الوعد هذا عام فيما بينه وبين الله وفيما بينه وبين الناس وقال مجاهد لم يعد ربه بوعد قط الا وفي له به قيل كيف خص بصدق الوعد اسماعيل وليس في الأنبياء من ليس كذلك أن إسماعيل عانى في الوفاء بالوعد ما لم يعانه غيره من الأنبياء فأثني عليه بذلك وذكر المفسرون أنه كان بينه وبين رجل ميعاد فأقام ينتظره مدة فيها لهم ثلاثة أقوال انه أقام حولا قاله ابن عباس والثاني اثنين وعشرين يوما قاله الرقاشي والثالث ثلاثة أيام قاله مقاتل تعالى وكان رسولا الى قومه وهم جرهم وكان يأمر أهله قال مقاتل يعني قومه وقال الزجاج أهله جميع أمته فأما الصلاة والزكاة فهما العبادتان المعروفتان قوله تعالى ورفعناه مكانا عليا فيه أربعة أقوال أنه في السماء الرابعة روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج أنه رأى إدريس في السماء الرابعة وبهذا قال أبو سعيد الخدري ومجاهد وأبو العالية انه في السماء السادسة رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الضحاك أنه في الجنة قاله زيد بن أسلم وهذا يرجع إلى الأول لأنه قد روي أن الجنة في السماء الرابعة أنه في السماء السابعة حكاه أبو سليمان الدمشقي سبب صعوده الى السماء ثلاثة أقوال
[ 169 ]
أنه كان يصعد له من العمل مثل ما يصعد لجميع بني آدم فأحبه ملك الموت فاستأذن الله في خلته فأذن له فهبط إليه في صورة آدمي يقول يصحبه فلما عرفه قال إني أسألك حاجة قال ما هي قال تذيقني الموت فلعلي أعلم ما شدته فأكون له أشد استعدادا فأوحى الله إليه أن اقبض روحة ساعة ثم أرسله ففعل ثم قال كيف رأيت قال كان أشد مما بلغني عنه وإني أحب أن تريني النار قال فحمله فأراه إياها قال إني أحب أن تريني الجنة فأراه إياها فلما دخلها طاف فيها قال له ملك الموت اخرج فقال والله لا أخرج حتى يكون الله تعالى يخرجني فبعث الله ملكا فحكم بينهما فقال ما تقول يا ملك الموت فقص عليه ما جرى فقال ما تقول يا إدريس قال إن الله تعالى قال كل نفس ذائقة الموت آل عمران 185 وقد ذقته وقال منكم إلا واردها مريم 71 وقد وردتها وقال لأهل الجنة هم منها بمخرجين الحجر 48 فوالله لا أخرج حتى يكون الله يخرجني فسمع هاتفا من فوقه يقول باذني دخل وبأمري فعل فخل سبيله هذا معنى ما رواه زيد بن أسلم مرفوعا الى النبي صلى الله عليه وسلم سأل سائل فقال من أين لإدريس هذه الآيات وهي في كتابنا فقد ذكر ابن الأنباري عن بعض العلماء قال كان الله تعالى قد أعلم إدريس بما ذكر في القرآن من وجوب الورود وامتناع الخروج من الجنة وغير ذلك فقال ماقاله بعلم أن ملكا من الملائكة استأذن ربه أن يهبط إلى إدريس فأذن له فلما عرفه إدريس قال هل بينك وبين ملك الموت قرابة قال ذاك اخي من الملائكة قال هل تستطيع أن تنفعني عند ملك الموت قال سأكلمه فيك الذي بك اركب ببن جناحي فركب إدريس فصعد به الى السماء فلقي ملك الموت فقال إن لي إليك حاجة قال أعلم ما حاجتك تكلمني في إدريس وقد محي اسمه من الصحيفة ولم يبق من أجله الا نصف طرفة عين فمات إدريس بين جناحي الملك رواه عكرمة عن ابن عباس وقال أبو صالح عن ابن عباس فقبض ملك الموت روح ادريس في السماء السادسة
أن ادريس مشى يوما في الشمس فأصباه لأن وهجها فقال اللهم خفف ثقلها عمن يحملها يعني به الملك الموكل بالشمس فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها مالا يعرف فسأل الله عز وجل عن ذلك فقال إن عبدي إدريس سألني أن اخفف عنك حملها وحرها فأجبته فقال يا رب أجمع بيني وبينه وأجعل بيننا خلة فأذن له فأتاه فكان مما قال له إدريس اشفع لي الى ملك الموت ليؤخر أجلي فقال إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها ولكن أكلمه فيك فما كان مستطيعا أن يفعل بأحد من بني آدم فعل بك ثم حمله الملك على جناحه فرفعه
[ 170 ]
الى السماء فوضعه عند مطلع الشمس ثم أتى ملك الموت فقال إن لي إليك حاجة صديق لي من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله قال ليس ذاك إلي ولكن إن أحببت أعلمته متى يموت فنظر في ديوانه فقال إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا ولا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس فقال إني أتيتك وتركته هناك قال انطلق فما أراك تجده إلا ميتا فوالله ما بقي من أجله شئ فرجع الملك فرآه ميتا وهذا المعنى مروي عن الله عباس وكعب في آخرين فهذا القول والذي قبله يدلان على أنه ميت والقول الأول يدل على انه حي وقد الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح من ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا وما نتنزل الا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا تعالى أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين يعني الذين ذكرهم من الأنبياء في هذه السورة من ذرية آدم يعني
إدريس وممن حملنا مع نوح يعني ابراهيم لأنه من ولد سام بن نوح ومن ذرية إبراهيم يريد اسماعيل واسحاق ويعقوب واسرائيل يعني ومن ذرية اسرائيل وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى تعالى وممن هدينا أي هؤلاء كانوا ممن أرشدنا واجتبينا أي واصطفينا تعالى خروا سجدا قال الزجاج سجدا حال مقدرة المعنى خروا مقدرين السجود لأن الإنسان في حال خروره لا يكون ساجدا علي سجدا منصوب على الحال وهو جمع ساجد وبكيا معطوف عليه وهو جمع باك فقد بين الله تعالى أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا آيات الله سجدوا وبكوا من خشية الله
[ 171 ]
تعالى فخلف من بعدهم خلف قد شرحناه في الأعراف 169 وفي المراد بهذا الخلف ثلاثة أقوال أنهم اليهود رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني اليهود والنصارى قاله السدي والثالث أنهم من هذه الأمة يأتون عند ذهاب صالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلم يتبارون بالزنا ينزو بعضهم على بعض في الأزقة زناة قاله مجاهد وقتادة تعالى أضاعوا الصلاة وقرأ ابن مسعود وأبو رزين العقيلي والحسن البصري الصلوات على الجمع المراد باضاعتهم حتى إياها قولان أنهم أخروها عن وقتها قاله ابن مسعود والنخعي وعمر بن عبد العزيز والقاسم بن مخيمرة تركوها قاله الفرظشي تعالى واختاره الزجاج تعالى واتبعوا الشهوات قال أبو سليمان الدمشقي وذلك مثل استماع الغناء وشرب الخمر والزنا واللهو وما شاكل ذلك مما يقطع عن أداء فرائض الله عز وجل
تعالى فسوف يلقون غيا ليس معنى هذا اللقاء مجرد الرؤية وإنما المراد به الاجتماع والملابسة مع الرؤية وفي المراد بهذا الغي ستة اقوال أنه واد في جهنم روراه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه قال كعب والثاني أنه نهر في جهنم قاله ابن مسعود والثالث أنه الخسران رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والرابع أنه العذاب قاله مجاهد والخامس أنه الشر قاله ابن زيد وابن السائب والسادس أن المعنى فسوف يلقون مجازاة الغي كقوله يلق أثاما الفرقان 68 أي مجازاة الآثام قاله الزجاج تعالى إلا من تاب وآمن فيه قولان تاب من الشرك وآمن محمد صلى الله عليه وسلم قاله مقاتل
[ 172 ]
تاب من التقصير في الصلاة وآمن من اليهود والنصارى تعالى جنات عدن وقرأ أبو رزين العقيلي والضحاك وابن يعمر وابن أبو عبلة جنات برفع التاء وقرأ الحسن البصري والشعبي وابن السميفع جنة عدن على التوحيد مع رفع التاء وقرأ أبو مجلز وأبو المتوكل الناجي جنة عدن على التوحيد مع نصب التاء وقوله التي وعد الرحمن عبادة بالغيب أي وعدهم بها ولم يروها فهي غائبة عنهم تعالى إنه كان وعده مأتيا فيه قولان آتيا قال ابن قتيبة وهو مفعول في معنى فاعل وهو قليل أن يأتي الفاعل على لفظ المفعول به وقال الفراء إنما لم يقل آتيا أن ل ما أتاك فأنت تأتيه ألا ترى أنك قول أتيت على خمسين سنة وأتت على خمسون
مبلوغا فإن إليه قاله ابن الأنباري وقال ابن جريج وعده هاهنا موعوده وهو الجنة ومأتيا عمر يأتيه أولياؤه تعالى لا يسمعون فيها لغوا فيه قولان أنه التخالف عند شرب الخمر قاله مقاتل ما يلغى من الكلام ويؤثم النبي فيقاله الزجاج وقال ابن الأنباري اللغو في العربية الفاسد المطرح قوله تعالى إلا سلاما قال أبو عبيدة السلام ليس من اللغو والعرب تستثني الشئ بعد الشئ وليس من وذلك أنها تضمر فيه فالمعنى إلا أنها يسمعون فيها سلاما وقال ابن الأنباري استثناء السلام من غير جنسه وفي ذلك توكيد للمعنى المقصود لأنهم إذا لم يسمعوا من اللغواإلا السلام فليس يسمعون لغوا البتة وكذلك قوله فانهم عدو لي إلا رب العالمين الشعراء 77 إذا لم يخرج من عداوتهم لي غير رب العالمين فكلهم عدو معنى هذا لسلام قولان أنه تسليم الملائكة عليهم قاله مقاتل أنهم لا يسمعون الا ما يسلمهم ولا يسمعون ما يؤثمهم قاله الزجاج تعالى ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا قال المفسرون ليس في الجنة بكرة ولا عشية ولكنهم يؤتون برزقهم على مقدار ما كانوا يعرفون في الغداة والعشي قال الحسن كانت العرب لا تعرف شيئا من العيش أفضل من الغداء والعشاء فذكر الله لهم ذلك وقال قتادة كانت العرب
[ 173 ]
إذا أصاب أحدهم وإن والعشاء أعجب به فأخبر الله أن لهم في الجنة رزقهم بكرة وعشيا على قدر ذلك الوقت وليس ثم ليل ولا نهار وانما هو ضوء ونور وروى الوليد ابن مسلم قال سألت زهير بن محمد عن قوله تعالى بكرة وعشيا فقال ليس في الجنة ليل ولا نهار هم في نور أبدا ولهم مقدار الليل والنهار يعرفون مقدار الليل بارخاء الحجب وإغلاق الأبواب ويعرفون
مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب تعالى تلك الجنة الإشارة إلى قوله فأولئك يدخلون الجنة تعالى نورث وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن والشعبي وقتادة وابن أبي عبلة بفتح الواو وتشديد الراء قال المفسرون ومعنى نورث نعطي المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا للمؤمنين ويجوز أن يكون معنى نورث نعطي فيكون كالميراث لهم من جهة أنها تمليك متسأنف وقد شرحنا هذا في الأعراف 43 تعالى وما نتنزل إلا بأمر ربك وقرأ ابن السميفع وابن يعموما يتنزل بياء مفتوحة سبب نزولها ثلاثة أقوال أن رسول الله صلى الله عليه وسلقال يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت هذه الآية رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني أن الملك أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه فقال لعلي أبطأت قال قد فعلت قال وما لي لا أفعل وأنتم لا تتسوكون كما ولا تقصون أظفاركم ولا تنقون براجمكم فنزلت الآية قاله مجاهد قال ابن الأنباري البراجم عند العرب الفصوص التي في فصول ظهور الأصابع تبدو إذا جمعت وتغمض إذا بسطت والرواجب ما بين البراجم بين كل برجمتين هو راجبة أن جبريل احتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فلم يدر ما يجيبهم ورجا ان يأتيه جبريل بجواب فأبطأ عليه فشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم مشقة شديدة فلما نزل جبريل قال له أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت اليك فقال جبريل إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست فنزلت هذه الآية قاله عكرمة وقتادة والضحاك سبب احتباس جبريل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولان
لامتناع أصحابه من كمال النظافة كما ذكرنا في حديث مجاهد
[ 174 ]
لأنهم سألوه عن قصة أصحاب الكهف فقال غداأخبركم ولم يقل إن شاء الله وقد سبق هذا في سورة الكهف 24 مقدار احتباسه عنه خمسة اقوال خمسة عشر يوما وقد ذكرناه في الكهف عن ابن عباس والثاني أربعون يوما قاله عكرمة ومقاتل والثالث اثنتا عشرة ليلة قاله مجاهد والرابع ثلاثة ايام حكاه مقاتل والخامس خمسة وعشرون يوما وسلم الثعلبي وقيل إن سورة الضحى نزلت في هذا السبب والمفسرون على أن قوله وما نتنزل الا بأمر ربك قول جبريل وحكى الماوردي أنه قول أهل الجنة إذا دخلوها فالمعنى ما ننزل هذ الجنان الا بأمر الله وقيل ما ننزل موضعا من الجنة إلا بأمر الله قوله ما بين أيدينا وما خلفنا قولان ما بين أيدينا الآخرة وما خلفنا الدنيا رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل ما بين أيدينا ما مضى من الدنيا وما خلفنا من الآخرة فهو عكس الاول قاله مجهد وقال الأخفش ما بين أيدينا قبل ان نخلق وما خلفتا بعد الفناء قوله تعالى وما بين ذلك ثلاثة اقوال ما بين الدنيا والآخرة قاله سعيد بن جبير ما بين النفختين قاله مجاهد وعكرمة وأبو العالية حين كوننا قاله الأخفش قال ابن الأنباري وإنما وحد ذلك والإشارة الى
شيئين أحدهما ما بين أيدينا والثاني ما خلفتا لأن العرب توقع ذلك على الاثنين والجمع تعالى وما كان ربك نسيا النسي بمعنى الناسي معنى الكلام قولان ما كان تاركا لك منذ أبطأ الوحي عنك قاله ابن عباس قال مقاتل ما نسيك عند انقطاع الوحي عنك
[ 175 ]
والثاني أنه عالم بما كان ويكون لا ينسى شيئا قاله الزجاج قوله تعالى فاعبده أي وحده لأن عبادته بالشرك ليست عبادة واصطبر لعبادته أي اصبر على توحيده وقيل على أمره ونهيه تعالى هل تعلم له سميا روى هارون عن أبي عمرو أنه كان يدغم هل تعلم ووجهه أن سيبويه يجيز إدغام اللام في التاء والثاء والدال والزاي والسين والصاد والطاء لأن آخر مخرج من اللام وقريب من مخارجهن عنه قال أبو عبيدة إذا كان بعد هل تاء ففيه لغتان بعضهم يبين لام هل وبعضهم يدغمها معنى الكلام ثلاثة أقوال مثلا وشبهارواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة هل تعلم أحدا يسمى الله غيره رواه عطاء عن ابن عباس هل تعلم أحدا يستحق أن يقال له خالق وقادر الا هو قاله الزجاج إن الإنسان إذا مامت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم
جثيا ثم لننزعن من كل شيعة ايهم أشد على الرحمن عتيا ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا قوله تعالى ويقول الإنسان سبب نزولها ان ابي بخلف أخذ عظما إلا فجعل يفته بيده ويذريه في الريح ويقول زعم لكم محمد أن الله يبعثنا بعد أن نكون مثل هذا العظم البالي فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس وروى عطاء عن ابن عباس أنه الوليد بن المغيرة تعالى لسوف أخرج حيا إن قيل ظاهره ظاهر سؤال فأين جوابه فعنه ثلاثة أجوبة ذكرها ابن الأنباري
[ 176 ]
أن ظاهر الكلام استفهام ومعناه معنى جحد وإنكار تلخيصه لست مبعوثا بعد الموت فيه أنه لما استفهم بهذا الكلام عن البعث أجابه الله عز وجل بقوله أولا يذكر الإنسان فهو مشتمل على معنى نعم وأنت مبعوث أن جواب سؤال هذا الكافر في يس 78 عند قوله تعالى لنا مثلا ولا ينكر بعد الجواب لأن القرآن كله بمنزلة الرسالة الواحدة والسورتان مكيتان تعالى أولا يذكر الإنسان قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بفتح الذال مشددة الكاف وقرأ نافع وعاصم وابن عامر يذكر ساكنة الذال خفيفة وقرأ أبي بن كعب وأبو المتوكل الناجي أولا يتذكر الإنسان بياء وتاء وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن يذكر بياء من غير تاء ساكنة الذال مخففة مرفوعة الكاف والمعنى أولا يتذكر هذا الجاحد أول خلقه فيستدل بالابتداء على الإعادة فوربك لنحشرنهم يعني المكذبين بالبعث والشياطين أي مع الشياطين وذلك أن كل كافر يحشر مع شيطانه في سلسلة ثم
لنحصرنهم صلى حول جهنم قال مقاتل أي في جهنم وذلك أن حول الشئ يجوز أن يكون داخله تقول جلس القوم حول البيت إذا جلسوا داخله مطيفين به وقيل يجثون حولها قبل أن يدخلوها قوله جثيا فقال الزجاج هو جمع جاث مثل قاعد وقعود وهو منصوب على الحال والاصل ضم الجيم وجاء كسرها اتباعا لكسرة الثاء في معناه خمسة أقوال قعودا رواه العوفي عن ابن عباس والثاني جماعات جماعات روي عن ابن عباس أيضا فعلى هذا هو جمع جثوة وهي المجموع من التراب والحجارة والثالث جثيا على الركب قاله الحسن ومجاهد والزجاج والرابع قياما قاله أبو مالك والخامس قياما على ركبهم قاله السدي وذلك لضيق المكان بهم تعالى لننزعن من كل شيعة أي لنأخذن من كل فرقة وأمة وأهل دين أيهم أشد
[ 177 ]
على الرحمن عتيا أي أعظمهم له معصية والمعنى أنه يبدأ بتعذيب الأعتى فالأع وقال وبالأكابر أنه جرما والرؤوس القادة في الشر قال الزجاج وفي رفع أيهم ثلاثة أقوال أنه على الاستئناف ولم تعمل لننزعن شيئا هذا قول يونس أنه على معنى الذي يقال لهم أيهم أشد على الرحمن عتيا قاله الخليل واختاره الزجاج وقال التأويل لننزعن الذي من أجل عتوة يقال أي هؤلاء أشد عتيا وأنشد وهو أبيت عن الفتاة بمنزل فأبيت لاحرج ولا محروم صلى الله عليه وسلم أبيت بمنزلة الذي يقال له لا هو حرج ولا محروم
أن أيهم مبنية على الضم لأنه خالفت أخواتها فالمعنى أيهم هو أفضل وبيان خلافها لأخواتها أنك تقول اضرب أيهم أفضل ولا يحسن اضرب من أفضل حتى تقول من هو أفضل ولا يحسن كل ما أطيب حتى تقول ما هو أطيب ولا خذ ما أفضل حتى تقول الذي هو أفضل فلما خالفت ما ومن والذي بنيت على الضم قاله سيبويه تعالى هم أولى بها صليا يعني أن الأولى بها صليا الذين هم أشد عتيا فيبتدأ بهم قبل أتباعهم وصليا منصوب على التفسير يقال صلي النار يصلاها إذا دخلها وقاسى حرها تعالى وإن منكم إلا واردها في الكلام إضمار تقديره وما منكم أحد إلا وهو واردها عني بهذا الخطاب قولان أنه عام في حق المؤمن والكافر هذا قول الأكثرين وروي عن ابن عباس أنه قال هذه الآية للكفار وأكثر الروايات عنه كالقول الأول قال ابن الأنباري ووجه هذا أنه لما قال لنحضرنهم وقال أيهم أشد على الرحمن عتيا كان التقدير وإن منهم فأبدلت الكاف من الهاء كما فعل في قوله هذا كان لكم جزاء إذا 22 المعنى كان لهم لأنه مردود على قوله ربهم الانسان 21 وقال الشاعر شطت مزار العاشقين فأصبحت فقال عسرا علي طلابك ابنة مخرم أي أراد طلابها وفي هذا الورود خمسة أقوال أنه الدخول روى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخله فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على ابراهيم حتى إن
[ 178 ]
للنار أو قال لجهنم ضجيجا من بردهم وروي عن ابن عباس أنه سأله نافع بن الأزرق عن هذه الآية فقال له أما أنا وأنت فسندخلها فانظر أيخرجنا الله عز وجل منها أم لا فاحتج بقوله تعالى فأوردهم النار هود 98 وبقوله تعالى ذلك لها واردون الانبياء 98 وكان عبد الله بن رواحة
يبكي ويقول أنبئت أني وارد ولم أنبأ أني صادر وحكى الحسن البصري أن رجلا قال لأخيه يا أخي هل أتاك أنك وارد النار قال نعم قال فهل أتاك أنك خارج منها قال لا قال ففيم الضحك وقال خالد بن معدان إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا ألم يعدنا ربنا أن نرد النار فيقال لهم بلى ولكن مررتم بها وهي خامدة ذهب الى انه الدخول الحسن في رواية وأبو مالك وقد اعترض على أرباب هذا القول بأشياء فقال الزجاج العرب تقول وردت بلد كذا ووردت ماء كذا إذا أشرفوا عليه وإن لم يدخلوا ومنه قوله تعالى ورد ماء مدين القصص 33 والحجة القاطعة في هذا القول قوله تعالى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها ثنا 101102 به وقال زهير فلما وردن الماء زرقا جمامة هذا وضعن عصي الحاضر المتخيم ثم لما بلغن الماء قمن عليه إ وقد أجاب بعضهم عن هذه الحجج فقال أما الآية الأولى فان موسى لما أقام حتى استقى الماء وسقى الغنم كان بلبثه ومباشرته كأنه دخل وأما الآية الأخرى فانها تضمنت الأخبار عن أهل الجنة حين كونهم فيها وحينئذ لا يسمعون حسيسها وقد روينا آنفا عن خالد بن معدان أنهم يمرون بها ولا يعلمون أن الورود الممر عليها قاله عبد الله بن مسعود وقتادة وقال ابن مسعود يرد الناس النار ثم يصدرون عنها بأعمالهم فأولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحله ثم كشد الرحل ثم كمشية أو ورودها حضورها قاله عبيد بن عمير أو ورود المسلمين المرور على الجسر وورود المشركين دخولها قاله ابن زيد أن ورود المؤمن إليها ما يصيبه من الحمى في الدنيا روى عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه قال الحمى حظ كل مؤمن من النار ثم قرأ وإن منكم إلا واردها فعلى هذا
[ 179 ]
من حم من المسلمين فقد وردها تعالى كان على ربك يعني الورود حتما والحتم ايجاب القضاء والقطع
بالأمر والمقضي الذي قضاه الله تعالى والمعنى إنه حتم ذلك وقضاه على الخلق تعالى ثم ننجي الذين اتقوا وقرأ ابن عباس وأبو مجلز وابن يعمر وابن أبي ليلى وعاصم الجحدري ثم بفتح الثاء وقرأ الكسائي ويعقوب ننجي مخففة وقرأت عائشة وأبو بحرية وأبو الجوزاء الربعي ثم ينجي بياء مرفوعة قبل النون خفيفة الجيم مكسورة وقرأ أبي بن كعب وأبو مجلز وابن السميفع وأبو رجاء ننحي بحاء غير معجمة مشددة وهذه الآية يحتج بها القائلون بدخول جميع الخلق لأن النجاة تخليص الواقع في الشئ ويؤكده قوله تعالى ونذر الظالمين فيها ولم يقل وندخلهم وإنما يقال نذر ونترك لمن قد حصل في مكانه ومن قال إن الورود للكفار خاصة قال معنى هذا الكلام نخرج المتقين من جملة من يدخل النار والمراد بالمتقين الذين اتقوا الشرك وبالظالمين الكفار وقد سبق معنى قوله تعالى جثيا مريم 68 تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا رسول قوله تعالى وإذا تتلى عليهم يعني المشركين آياتنا يعني القرآن قال الذين كفرا يعني المشركي قريش للذين آمنوا أي لفقراء المؤمنين أي الفريقين خير مقاما قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر وحفص عن عاصم مقاما بفتح الميم وقرأ ابن كثير بضم الميم قال أبو علي الفارسي المقام اسم المثوى إن فتحت الميم أو ضمت تعالى وأحسن نديا والندي والنادي مجلس القوم ومجتمعهم وقال الفراء الندي والنادي لغتان ومعنى الكلام أنحن خير أم أنتم فافتخروا عليهم بالمساكن والمجالس فأجابهم الله تعالى فقال وكم أهلكنا قبلهم من قرن وقد بينا معنى القرن في
[ 180 ]
الأنعام 6 وشرحنا الاثاث في النحل 80 قوله
تعالى ورئيا فقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي ورئيا بهمزة بين الراء والياء في وزن رعيا قال الزجاج ومعناها منظرا من رأيت نافع وابن عامر ريا بياء مشددة من غير همز قال الزجاج لها تفسيران أحدهما أنها بمعنى الأولى والثاني أنها من الري فالمعنى منظرهم مرتو ولا من النعمة كأن النعيم بين فيهم ابن عباس وأبو المتوكل وأبو الجوزاء وابن أبي سريج عن الكسائي زيا بالزاي المعجمة مع تشديد الياء من غير همز قال الزجاج ومعناها حسن هيئتهم من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ويزيد الله الذين أمتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا لم حدثنا قوله تعالى قل من كان في الضلالة أي في الكفر والعمى عن التوحيد فليمدد له الرحمن قال الزجاج وهذا لفظ أمر ومعناه الخبر والمعنى أن الله تعالى جعل جزاء ضلالته أن يتركه فيها قال ابن الأنباري خاطب الله العرب بلسانها وهي تقصد التوكيد للخبر بذكر الأمر يقول أحدهم إن زارنا عبد الله فلنكرمه ابن يقصد التوكيد وينبه على أني ألزم نفسي إكرامه ويجوز أن تكون اللام لام الدعاء على معنى قل يا محمد من كان في الضلالة فاللهم مد له في النعم مدا قال المفسرون ومعنى مد الله تعالى له إمهاله في الغي حتى إذا رأوا يعني الذين مدهم في الضلالة وإنما اخبر عن الجماعة لأن لفظ من يصلح للجماعة ثم ذكر ما يوعدون فقال إما العذاب يعني القتل والأسر وإما الساعة يعني القيامة وما وعدوا فيها من الخلود في النار فسيعلمون من هو شر مكانا في الآخرة أهم أم المؤمنون لأن مكان هؤلاء الجنة ومكان هؤلاء النار ويعلمون بالنصر والقتل من أضعف جندا جندهم أم جند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا رد عليهم في قولهم الفريقين خير مقاما
وأحسن نديا
[ 181 ]
قوله تعالى ويزيد الله الذين اهتدوا هدى فيه خمسة أقوال ويزيد الله الذين أمتدوا بالتوحيد إيمانا والثاني يزبدهم له بصيرة في دينهم والثالث يزيدهم بزيادة الوحي إيمانا فكلما نزلت سورة زاد إيمانهم والرابع يزيدهم إيمانا بالناسخ والمنسوخ والخامس يزيد الذين اهتدوا بالمنسوخ هدى بالناسخ قال الزجاج المعنى إن الله تعالى يجعل جزاءهم أن يزيدهم يقينا كما جعل جزاء الكافر أن يمده في ضلالته تعالى والباقيات الصالحات قد ذكرناها في سورة الكهف 46 قوله تعالى وخير مردا المرد هاهنا مصدر مثل الرد والمعنى وخير ردا للثواب على عامليها ذلك فليست كأعمال الكفار التي خسروها فبطلت أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا تعالى أفرأيت الذي كفر بآياتنا في سبب نزولها قولان ما روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث مسروق عن خباب بن الأرت قال كنت رجلا قينا أي حدادا وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته الأصح أنقاضاه محمد فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت لا والله لا أكفر بمحمد ص = حتى تموت ثم تبعث قال فاني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيتك فنزلت فيه هذه الآية إلى قوله تعالى فردا أنها نزلت في الوليد بن المغيرة وهذا مروي عن الحسن والمفسرون على
الأول تعالى لأوتين مالا وولدا قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر بفتح الواو وقرأ حمزة والكسائي بضم الواو وقال الفراء وهما لغتان كالعدم
[ 182 ]
والعدم وليس يجمع وقيس تجعل الولد جمعا والولد بفتح الواو واحدا زعم هذا الكافر أن يؤتى المال والولد فيه قولان أحدهما أنه أرادفي الجنة على زعمكم والثاني في الدنيا قال ابن الأنباري وتقدير الآية أرأيته مصيبا تعالى أطلع الغيب قال ابن عباس في رواية أعلم ما غاب عنه حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا وقال في رواية أخرى أنظر في اللوح المحفوظ تعالى أم أتخذ عند الرحمن عهدا فيه ثلاثة أقوال أم قال لا إله إلا الله فأرحمه بها قاله ابن عباس والثاني أم قدم عملا صالحا فهو يرجوه قاله قتادة والثالث أم عهد إليه أنه يدخله الجنة قاله ابن السائب تعالى كلا أي ليس الأمر على ما قال من أنه يؤتى المال والولد ويجوز أن يكون معنى كلا أي إنه لم يطلع الغيب ولم يتخذ عند الله عهدا سنكتب ما يقول أي سنأمر الحفظة باثبات قوله عليه لنجازيه به ونمد له من العذاب مدا أي نجعل بعض العذاب على إثر بعض وقرأ أبو العالية الرياحي وأبو رجاء العطاردي سيكتب ويرثه بياء مفتوحة تعالى ونرثه ما يقول فيه قولان نرثه ما يقول انه له في الجنة فنجعله لغيره من المسلمين قاله أبو صالح عن ابن عباس واختاره الفراء نرث ما عنده من المال والولد باهلاكنا إلى إياه وإبطال ملكه وهو مروي عن ابن عباس ايضا وبه قال قتادة قال الزجاج المعنى سنسلبه كان المال والولد ونجعله لغيره
تعالى ويأتينا فردا أي بلا مال ولا ولد أبو من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا الم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا
[ 183 ]
تعالى واتخذوا من دون الله آلهة يعني المشركين عابدي الأصنام ليكونوا لهم عزا قال الفراء ليكونوا لهم شفعاء في الآخرة تعالى كلا أي ليس الأمر كما قدروا سيكفرون يعني الأصنام بجحد عبادة المشركين كقوله تعالى كانوا إيانا يعبدون القصص 63 لأنها كانت جمادا لا تعقل العبادة ويكونون يعني الاصنام عليهم يعني المشركين ضدا أي أعوانا عليهم في القيامة يكذبونهم ويلعنونهم تعالى ألم تر أنا أرسلنا الشياطين قال الزجاج في معنى هذا الإرسال وجهان خلينا بين الشياطين وبين الكافرين فلم نعصمهم من القبول منهم وهو المختار سلطانهم عليهم وقيضناهم أو لهم بكفرهم تؤزهم أزا أي تزعجهم ازعاجا حتى يركبوا المعاصي وقال الفراء تزعجهم الى المعاصي وتغريهم بها قال ابن فارس يقال أزه على كذا إذا أغراه به وأزت) القدر غلت تعالى فلا تعجل عليهم أي لا تعجل بطلب عذابهم وزعم بعضهم أن هذا منسوخ آية بآية السيف وليس بصحيح إنما نعد لهم عدا في هذا المعدود ثلاثة أقوال أنه أنفاسم عبد رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال طاووس ومقاتل والثاني الأيام والليالي والشهور والسنون والساعات رواه أبو صالح عن ابن عباس أنها أعمالهم قاله قطرب
عليه نحشر المتقين الى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين الى جهنم وردا لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا تعالى يوم نحشر المتقين قال بعضهم هذا متعلق بقوله ويكونون عليهم ضدا يوم نحشر المتقين وقال بعضهم تقديره اذكر لهم يوم نحشر المتقين وهم الذين اتقوا الله بطاعته واجتناب معصيته وقرأ ابن مسعود وأبو عمران الجوني يوم يحشر بياء مفتوحة ورفع الشين ويسوق بياء مفتوحة ورفع السين وقرأ ابي بن كعب والحسن البصري ومعاذ القارئ وأبو المتوكل الناجي يوم يحشر بياء مرفوعة وفتح الشين المتقون رفعا ويساق بألف وياء مرفوعة المجرمون بالواو على الرفع والوفد جمع
[ 184 ]
وافد مثل ركب وراكب وصحب وصاحب قال ابن عباس وعكرمة والفراء الوفد الركبان قال ابن الأنباري الركبان عند العرب ركاب الإبل زمان هذا الحشر قولان أنه من قبورهم الى الرحمن قاله علي بن أبي طالب أنه بعد الحساب قاله أبو سليمان الدمشقي تعالى ونسوق المجرمين يعني الكافرين الى جهنم وردا قال ابن عباس وأبو هريرة والحسن عطاشا قال أبو عبيدة الورد مصدر الورود وقال ابن قتيبة الورد جماعة يردون الماء يعني أنهم عطاش لأنه لا يرد الماء الا العطشان وقال ابن الأنباري معنى قوله وردا واردين تعالى لا يملكون الشفاعة أي لا يشفعون ولا يشفع لهم تعالى إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا قال الزجاج جائز أن يكون من في مومضع رفع على البدل من الواو والنون فيكون المعنى لا يملك الشفاعة الا من اتخذ عن الرحمن عهدا وجائز أن يكون في موضع نصب على استثناء ليس من الأول فالمعنى لا يملك الشفاعة المجرمون ثم قال إلا على معنى لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا فانه
يملك الشفاعة والعهد هاهنا توحيد الله والإيمان به وقال ابن الأنباري تفسير العهد في اللغة تقدمة أمر يعلم ويحفظ من قولك عهدت فلانا في المكان أي عرفته وشهدته اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصهم وعدهم عدا وكلهم آتية يوم القيمة فردا تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا يعني اليهود والنصارى ومن زعم من المشركين أن الملائكة بنات الله لقد جئتم شيئا إدا أي شيئا عظيما من الكفر قال أبو عبيدة الإد والنكر الأمر المتناهي العظم تعالى تكاد السموات والأرض يتفطرن قرا ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة
[ 185 ]
وابو بكر عن عاصم تكاد بالتاء وقرأ نافع والكسائي يكاد بالياء وقرءا جميعا يتفطرن بالياء والتاء مشددة الطاء وافقهما ابن كثير وحفص عن عاصم في يتفطرن وقرأ أبو عمرو وابو بكر عن عاصم ينفطرن بالنون وقرأ حمزة وابن عامر في مريم مثل ابي عمرو وفي عسق 5 مثل أبن كثير ومعنى يتفطرن منه يقاربن الانشقاق من قولكم ال ابن قتيبة وقوله تعالى هدا أي سقوطا تعالى أن دعوا قال الفراء من أن دعوا ولأن دعوا وقال أبو عبيدة معناه ان جعلوا وليس هو من دعاء الصوت وأنشد ألا رب من تدعو نصيحا وإن تغب تجده بغيب غير منتصح الصدر تعالى وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا أي ما يصلح له ولا يليق به اتخاذ الولد لأن الولد يقتضي مجانسة وكل متخذ ولدا يتخذه من جنسه والله تعالى منزه عن أن يجانس شيئا أو يجانسه فمحال في حقه اتخاذ الولد إن كل أي ما كل من في
السموات والأرض إلا آتي الرحمن يوم القيامة عبد ذليلا خاضعا والمعنى أن عيسى وعزيرا والملائكة عبيد له قال القاضي أبو يعلى وفي هذا دلالة على أن الوالد إذا اشترى ولده لم يبق ملكه عليه وإنما يعتق بنفس الشراء لأن الله تعالى نفى البنوة لأجل العبودية فدل على أنه لا يجتمع بنوة ورق تعالى لقد أحصاهم أي علم عددهم وعدهم عدا فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم من كثرتهم وكلهم آتية يوم القيامة فردا بلا مال ولا نصير يمنعه قيل لاية علة وحد في الرحمن وآتية وجمع في العائد في أحصاهم وعدهم أن لكل لفظ توحيد وتأويل جمع فالتوحيد محمول على اللفظ والجمع مصروف الى التأويل الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا فانما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد
[ 186 ]
أو تسمع لهم ركزا تعالى سيجعل لهم الرحمن ودا قال ابن عباس نزلت في علي عليه السلام وقال معناه يحببهم ويجبهم أبي الى المؤمنين قال قتادة يجعل لهم ودا في قلوب المؤمنين ومن هذا حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أحب الله عبدا قال يا جبريل إني أحب فلانا فأحبوه فينادي جبريل في السموات إن الله يحب فلانا فأحبوه فيلقى حبه على أهل الأرض فيحب وذكر في البغض مثل ذلك وقال هرم بن حيان ما اقبل عبد بقلبه الى الله عز وجل إلا أقبل الله عز وجل بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم تعالى فانما يسرناه بلسانك يعني القرآن قال ابن قتيبة أي سهلناه وأنزلناه بلغتك واللد جمع ألد وهو الخصم الجدل
تعالى وكم أهلكنا قبلهم هذا تخويف لكفار مكة هل تحس منهم من أحد قال الزجاج أي هل ترى يقال هل أحسست صاحبك أي هل رأيته والركز الصوت الخفي وقال ابن قتيبة الصوت الذي لا يفهم وقال أبو صالح حركة والله تعالى أعلم
[ 187 ]
طه الله الرحمن الرحيم ما انزلناه عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن على العرش استوى له ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فانه يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى مكية كلها باجماعهم وفي سبب نزول طه ثلاث أقوال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرواح بين قدمية يقوم على رجل حتى نزلت هذه الآية قاله علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه القرآن صلى هو وأصحابه فأطال القيام فقالت قريش ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى فنزلت هذه الآية قاله الضحاك أن أبا جهل والنضر بن الحارث والمطعم بن عدي قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لتشقى بترك ديننا فنزلت هذه الآية قاله مقاتل طه قراءات قرأ ابن كثير وأبن عامر طه بفتح الطاء والهاء وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بكسر الطاء والهاء وقرأ نافع طه بين الفتح والكسر وهو إلى الفتح أقرب كذلك قال خلف عن المسيبي وقرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء وروى عنه عباس مثل حمزة وقرأ ابن مسعود وأبو رزين العقيلي وسعيد بن المسيب وابو العالية بكسر
[ 188 ]
الطاء وفتح الهاء وقرأ الحسن طه بفتح الطاء وسكون الهاء وقرأ الضحاك ومورق طه بكسر الطاء وسكون الهاء في معناها على أربعة أقوال أن معناها يا رجل رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة واختلف هؤلاء باي لغة هي على أربعة أقوال أحدها بالنبطية رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير في رواية والضحاك والثاني بلسان عك رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث بالسريانية قاله عكرمة في رواية وسعيد بن جبير في رواية وقتادة والرابع بالحبشية قاله عكرمة في رواية قال ابن الأنباري ولغة قريش وافقت هذه اللغة في المعنى أنها حروف من أسماء ثم فيها قولان أحدهما أنها من اسماء الله تعالى ثم فيها قولان أحدهما أن الطاء من اللطيف والهاء من الهادي قاله ابن مسعود وأبو العالية والثاني أن الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب ما افتتاح اسمه هادي قاله سعيد بن جبير والقول الثاني أنها من غير اسماء الله تعالى ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها أن الطاء من طابة وهي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم والهاء من مكة حكاه أبو سليمان الدمشقي والثاني أن الطاء طرب أهل الجنة والهاء هو أن اهل النار والثالث ان الطاء في حساب الجمل تسعة والهاء خمسة فتكون اربعة عشر فالمعنى يا أيها البدر ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى حكى القولين الثعلبي أنه قسم أقسم الله به وهو من اسمائه رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وقد شرحناه معنى كونه اسما في فاتحة مريم وقال القرظي أقسم الله بطوله وهدايته وهذا القول قريب المعنى من الذي قبله
أن معناه طأ الأرض بقدميك قاله مقاتل بن حيان ومعنى قوله لتشقى لتتعب وتبلغ من الجهد ما قد بلغت وذلك أنه اجتهد في العبادة وبالغ حتى إنه كان يرواح بين قدميه لطول القيام فأمر بالتخفيف تعالى إلا تذكرة قال الأخفش هو بدل من قوله لتشقى ما أنزلناه إلا
[ 189 ]
تذكرة أي عظة تعالى تنزيلا قال الزجاج المعنى أنزلناه تنزيلا والعلى جمع العليا تقول سماء عليه وسماوات لا على مثل الكبرى والكبر فأما الثرى فهو التراب الندي والمفسرو يقولون أراد الثرى الذي تحت الأرض السابعة قوله تعالى وإن تجهر بالقول أي ترفع صوتك فانه يعلم السر والمعنى لا تجهد نفسك برفع الصوت فان اللع يعلم السر وفي المراد ب السر وأخفى خمسة أقوال أن السر ما أسره الإنسان في نفس وأخفى ما لم يكن بعد وسيكون رواه جماعة عن ابن عباس وبه قال الضحاك أن السر ما حدثت به نفسك واخفى ما لم تلفظ به قاله سعيد بن جبير أن السر العمل الذي يسره الإنسان من الناس وأخفى منه الوسوسة قاله مجاهد أن معنى الكلام يعلم إسرار عباده وقد أخفى سره عنهم فلا يعلم قاله زيد بن أسلم وابنه يعلم ما أسره الإنسان الى غيره وما أخفاه في نفسه قاله الفراء تعالى له الأسماء الحسنى قد شرحناه في الأعراف 180 أن أتك حديث موسى إذ را نارا فقال لأهله أمكثوا إني آنست نارا لعلي
آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى فلما أتها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى
[ 190 ]
إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلوة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزكل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى على تعالى وهل أتاك حديث موسى هذا استفهام تقرير ومعناه قد أتاك قال ابن الأنباري وهذا معروف عند اللغويين أن تأتي هل معبرة عن قد فقد قال رسول الله ص = وهو أفصح العرب اللهم هل بلغت يريد قد بلغت قال وهب بن منبه استأذن موسى شعيبا عليهما السلام في الرجوع الى والدته فإذن له فخرج بأهله فولد له في الطريق في ليلة شاتية فقدح فلم يرو الزناد فبينا هو في مزاولة ذلك ابصرا نارا من بعيد عن يسار الطريق وقد ذكرنا هذا الحديث بطولة في كتاب الحدائق فكر هنا اطالة التفسير بالقصص لأن غرضنا الاقتصار على التفسير ليسهل حفظه قال المفسرون رأى نورا ولكن اخبر بما كان في ظن موسى فقال لأهله يعنى امرأته امكثوا اي اقيموا مكانكم وقرأ حمزة لأهله امكثوا بضم الهاء ها هنا وفي اني آنست نارا قال الفراء اني وجدت يقال هل آنست احدا اي وجدت وقال ابن قتيبة الله بمعنى أبصرت فأما القبس فقال الزجاج هو ما أخذته من النار في رأس عود أو في رأس فتيلة قوله تعالى أو اجد على النار هدى قال الفراء اراد هاديا فذكره بلفظ المصدر قال ابن ألنبارى قال يجوز ان تكون على ها هنا بمعنى وبمعنى مع وبمعنى الباء وذكر أهل التفسير أنه كان قد ضل الطريق فعلم أن النار لا تخلوا من موقد وحكى الزجاج أنه ضل عن الماء فرجا أن يجد من يهديه الطريق أو يدله على الماء تعالى فلما أتاها يعني النار نودي يا موسى إني أنا ربك إنما كرر الكناية
لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإزالة الشبهة ومثله إني انا النذير المبين الحجر 89 قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر أني بفتح الألف والياء وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي إني بكسر والألف إلا أن نافعا فتح الياء قال الزجاج من قرأ أني انا بالفتح
[ 191 ]
فالمعنى نودي بأني أنا ربك ومن قرا بالكسر فالمعنى نودي يا موسى فقال الله إني أنا ربك تعالى فاخلع نعليك في سبب أمره بخلعهما قولان انهما كانا من جلد حمار ميت رواه ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وعكرمة أنهما كانا من جلد بقرة ذكيت ولكنه أمر بخلعهما ليباشر تراب الأرض المقدسة فتناله بركتها قاله الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة تعاى إنك بالواد المقدس فيه قولان قد ذكرناهما في المائدة 21 عند قوله الارض المقدسة قوله تعالى طوى قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو طوى وأنا غير مجراه وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي طوى مجراة وكلهم ضم الطاء وقرأ الحسن وأبو حيوة طوى بكسر الطاء مع التنوين وقرأ علي بن نصر عن أبي عمرو طوى بكسر الطاء من غير تنوين قال الزجاج في طوى اربعة أوجه طوى بضم أوله من غير تنوين وبتنوين فمن نونه فهو اسم للوادي وهو مذكر سمي بمذكر على فعل نحو حطم وصرد ومن لم ينونه ترك صرفه من جهتين أن يكون معدولا عن طاو فيصير مثل عمر المعدول عن عامر فلا ينصرف كما لا ينصرف عمر عن الثانية أن يكون اسما للبقعة كقوله في البقعة المباركة من القصص 30 وإذا كسر ونون فهو مثل معى والمعنى المقدس مرة بعد مرة كما قال عدي بن زيد أعاذل إن اللوم في غير كنهه في علي طوى من غيك المتردد
بن اللوم المكرر علي ومن لم ينون جعله اسما للبقعة في معنى طوى ثلاثة أقوال أنه اسم الوادي رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس أن معنى طوى طأ الوادي رواه عكرمة عن ابن عباس وعن مجاهد كالقولين
[ 192 ]
والثالث أنه قدس قاله الحسن وقتادة تعالى وأنا اخترتك أي اصطفيتك وقرأ حمزة والمفضل وأنا بالنون المشددة اخترناك بألف فاستمع لما يوحى أي للذي يوحى قال ابن الأنباري الاستماع هاهنا محمول على الإنصات المعنى فأنصت لوحيي والوحي هاهنا قوله إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني أي وحدني واقم الصلاة لذكري فيه قولان أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة سواء كنت في وقتها أو لم تكن هذا قول الأكثرين وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها غير ذلك وقرأ أقم الصلاة لذكري أقم الصلاة لتذكرني فيها قاله مجاهد وقيل إن الكلام مردود على قوله فاستمع فيكون المعنى فاستمع لما يوحى واستمع لذكري وقرأ ابن مسعود وابي بن كعب وابن السميفع وأقم الصلاة للذكرى بلامين وتشديد الذال تعالى أكاد أخفيها أكثر القراء على ضم الألف ي معنى الكلام ثلاثة أقوال أكاد أخفيها من نفسي قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد في آخرين وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب ومحمد بن علي أكاد أخفيها من نفسي هذه الفراء المعنى فكيف أظهركم عليها قال المبرد وهذا على عادة العرب فانهم يقولون إذا بالغوا في كتمان الشئ كتمته حتى من نفسي أي لم أطلع عليه أحدا
أن الكلام تم عند قوله أكاد وبعده مضمر تقديره أكادآتي بها والابتداء أخفيها قال ضابئ البرجمي هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله سنة أراد كدت أفعل أن معنى أكاد أريد قا الشاعر كادت كدت وتلك خير إرادة عمرو لو عاد من لهو الصبابة ما مضى أرادت وأردت ذكرهما ابن الأنباري قيل فما فائدة هذا الأخفاء الشديد أنه للتحذير والتخويف ومن لم يعلم متى يهجم عليه عدوه كان أشد حذرا وقرأ
[ 193 ]
سعيد بن جبير وعروة بن الزبير وأبو رجاء العطاردي وحميد بن قيس أخفيها بفتح الألف قال الزجاج ومعناه أكاد اظهرها قال امرؤ القيس فان تدفنوا الداء لا نخفه وإن تبعثوا الحرب لا نقعد قبل أي إن تدفنوا الداء لا نظهره قال وهذه القراءة أبين في المعنى لأن معنى أكاد أظهرها قد أخفيتها يحيى وكدت أظهرها لتجزى كل نفس بما تسعى أي بما تعمل ولتجزى متعلق بقوله إن الساعة آتية لتجزى ويجوز أن يكون على أقم الصلاة لذكري لتجزى تعالى فلا يصدنك عنها أي عن الإيمان بها من لا يؤمن بها أي من لا يؤمن بكونها والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خطاب لجميع أمته واتبع هواه أي مراده وخالف أمر الله عز وجل فتردى أي فتهلك قال الزجاج يقال ردي يردى إذا هلك وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكؤا الرحمن عليها واهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى قال ألقها يا موسى فألقها فإذا هي حية تسعى قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى واضمم يدك الى جناحك تخرج بيضاء من غير
سوء آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى تعالى وما تلك بيمينك قال الزجاج تلك اسم مبهم يجري مجرى التي والمعنى ما التي بيمينك تعالى أتوكأ عليه التوكؤ التحامل على الشئ وأهش بها قال الفراء أضرب بها الشجر اليابس ليسقط ورقه فترعاه غنمي قال الزجاج واشتقاقه من أني احيل الشئ إلى الهشاشه وكان والإمكان والمآرب الحاجات واحدها مأربه ومأربه وروى قتيبة وورش مآرب بامالة الهمزة روى قيل ما الفائدة في سؤال الله تعالى له وما تلك بيمينك وهو يعلم فعنه جوابان أن لفظه لفظ الاستفهام ومجراه مجرى السؤال ليجيب المخاطب بالإقرار به فتثبت عليه الحجة باعترافه فلا يمكنه الجحد ومثله في الكلاأن تقول لمن تخاطبه وعندك ماء ما هذا فيقول ماء فتضع عليه شيئا من الصبغ فان قال لم يزل هكذا قلت له ألست قد
[ 194 ]
اعترفت بأنه ماء فتثبت عليه الحجة هذا قول الزجاج فعلى هذا تكون الفائدة أنه قرر موسى أنها عصا لما أراد أن يريه من قدرتفي انقلابها حية فوقع المعجز بها بعد التثبت في أمرها أنه لما أطلع الله تعالى على ما في قلب موسى من الهيبة والإجلال حين التكليم أراد أن يؤانسه ويخفف عن ثقل ما كان فيه من الخوف فأجرى هذا الكلام للاستئناس حكاه أبو سليمان الدمشقي قيل قد كان يكفي في الجواب أن يقول هي عصاي فما الفائدة في قوله أتوكأ عليها إلى آخر الكلام وإنما يشرح هذا لمن لا يعلم فوائدها فعنه ثلاثة أجوبة أنه أجاب بقوله هي عصاي فقيل له ما تصنع بها فذكر باقي الكلام جوابا عن سؤال ثان قاله ابن عباس ووهب أنه انما أظهر فوائدها وبين حاجته إليها خوفا من أن يأمره بالقائها كالنعلين قاله
سعيد بن جبير أنه بين منافعها لئلا يكون عابثا بحملها قاله الماوردي قيل فلم اقتصر على ذكر بعض منافعها ولم يطل الشرح فعنه ثلاثة أجوبة أنه كره أن يشتغل عن كلام الله بتعداد منافعها استغنى بعلم الله فيها عن كثرة التعداد أنه اقتصر على اللازم دون العارض كانت تضئ له بالليل وتدفع عنه الهوام وتثمر له إذا اشتهى الثمار وفي جنسها قولان أنها كات من آس الجنة قاله ابن عباس والثاني أنها كانت من عوسج قيل المآرب جمع فكيف قال أخرى ولم يقر اخر فالجواب أن المآرب في معنى جماعة فكأنه قال جماعة من الحاجات أخرى قاله الزجاج تعالى قال ألقها يا موسى قال المفسرون ألقاها ظنا منه أنه قد أمر برفضها فسمع حسا فالتفت فإذا هي كأعظم ثعبان تمر بالصخرة العظيمة فتبتلعها ولم فهرب منها وجه الفائدة في إظهار هذه الآية ليلة المخطابة بين قولان لئلا يخاف منها إذا ألقاها بين يدي فرعون
[ 195 ]
ليريه أن الذي أبعثك إليه دون ما أريتك فكما ذللت لك الأعظم وهو الحية أذلل أهل لك الأدنى حديث ثم إن الله تعالى أمره باخذها وهي على حالها حية فوضع يده عليها فعادت عصا فذلك قوله سنعيدها سيرتها الأولى قال الفراء طريقتها يقول تردها عصى كما كانت قال
الزجاج وسيرتها منصوبة على اسقاط الخافض وافضاء الفعل إليها المعنى سنعيدها الى سيرتها قيل إنما كانت العصا واحدة وكان القاؤها مرة فما وجه اختلاف الأخبار عنها فانه يقول في الأعراف 107 فإذا هي ثعبان مبين وهاهنا حية وفي مكان آخر كأنها جان النمل 10 الأصح والجان ليست بالعظيمة والثعبان أعظم الحيات أن صفتها بالجان عبارة عن ابتداء حالها وبالثعبان عند اخبار عن انتهاء حالها والحية اسم يقع على الصغير والكبير والذكر والأنثى وقال الزجاج خلقها خلق الثعبان العظيم واهتزازها وحركتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته تعالى واضنم لأنه يدك الى جناحك قال الفراء الجناح من اسفل العضد الى الابط أبو عبيدة الجناح ناحية الجنب وانشد أضمه أخبر ناللصدر والجناح يا تعالى تخرج بيضاء من غير سوء أي من غير برص آية أخرى أ دلالة على صدقك سوى العصا قال الزجاج ونصب آية عل معنى آتيناك آية أو نؤتيك آية تعالى لنريك من آياتنا الكبرى إن قيل لم لم يقل الكبر فعنه ثلاثة أجوبة انه كقوله مآرب اخرى وقد شرحناه هذا قول الفراء أن فيه إضمارا تقديره لنريك من آياتنا الآية الكبرى وقال أبو عبيدة فيه تقديم وتأخير تقديره لنريك الكبرى من آياتنا إنما كان ذلك لوفاق رأس الآي حكى القولين الثعلبي
[ 196 ]
لو الى فرعون إنه طغى قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من اهلي هرون
أخي أشدد به أزري واشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا تعالى إنه طغى أي جاوز الحد في العصيان قوله تعالى اشرح لي صدري قال المفسرون ضاق موسى صدر بما كلف من مقاومة فرعون وجنوده فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه للحق حتى لا يخاف فرعون وجنوده ومعنى قوله يسر لي أمري سهل علي ما بعثتني له واحلل عقدة من لساني قال ابن قتيبة فيه رته يكون قال المفسرون كان فرعون قد وضع موسى في حجره وهو صغير فجر لحية فرعون بيده فهم بقتله فقالت له آسية إنه لا يعقل وسأريك مع بيان ذلك قدم إليه جمرتين ولؤلؤتين فان اجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل فأخذ موسى جمرة فوضعها في فيه فأحرقت لسانه وصار فيه عقدة فسأل حلها ليفهموا كلامه الوزير فقال ابن قتيبة أصل الوزارة من الوزر وهو الحمل كان الوزير قد حمل عن السلطان الثقل وقال الزجاج اشتقاقه من الوزر والوزر الجبل الذي يعتصم به لينجى سعيد من الهلكة وكذلك وزير الخليفة معناه الذي يعتمد عليه في أموره ويلتجئ الى بكر رأيه ونصب هارون من جهتين إحداهما أن تكون أجعل تتعدى الى مفعولين فيكون المعنى اجعل هارون اخي وزيري فينتصب وزيرا على أنه مفعول ثان ويجوز أن يكون هارون بدلا من قوله وزيرا فيكون المعنى لجعل لي وزيرا من أهلي [ ثم ] أبدل هارون من وزير والاول أجود قال الماوردي وإنما سأل الله تعالى أن يجعل له وزيرا لأنه لم يرد أن يكون مقصورا على الوزراة حتى يكون شريكا في النبوة ولولا ذلك لجاز ان يستوزر من غير مسألة وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح ياء أخي تعالى أشدد به أزري قال الفراء هذا دعاء من موسى والمعنى اشدد به يا رب ازري واشركه يا رب في أمري وقرأ ابن عامر أشدد بالألف مقطوعة مفتوحة وأشركة قد بضم الألف وكذلك يبتدئ بالألفين قال أبو علي هذه القراءة على الجواب
والمجازاة والوجه الدعاء دون الإخبار لأن ما قبله دعاء ولان الاشراك في النبوة لا يكون إلا من الله عز وجل قال ابن قتيبة والأزر الظهر يقال آزرت فلانا على الأمر أي قويته عليه
[ 197 ]
وكنت له فيه ظهرا تعالى واشركه في أمري أي في النبوة معي كي نسبحك أي نصلي لك ونذكرك بألسنتنا حامدين لك على ما أوليتنا من نعمك إنك كنت بنا نصيرا أي عالما إذ خصصتنا بهذه النعم قد أوتيت سوء لك وفي يا موسى ولقد مننا عليك مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقدفيه كل في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك الى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى واصطنعتك لنفسي إذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري قوله تعالى قال قد أوتيت سؤلك قال ابن قتيبة أي طلبتك وهو فعل من سألت أي أعطيت ما سألت تعالى ولقد مننا عليك أي أنعمنا عليك مرة أخرى قبل هذه المرة ثم بين متى كانت بقوله إذ أوحينا الى أمك ما يوحى أي ألهمناها ما يلهم مما كان سببا لنجاتك ثم فسر ذلك بقوله أن اقذفيه في التابوت وقذف الشئ الرمي به قيل ما فائدة قوله ما يوحى وقد علم ذلك فقد ذكر عنه ابن الأنباري جوابين أن المعنى أوحينا إليها الشئ الذي يجوز أن يوحى إليها إذ ليس كل الامور يصلح وحيه إليها لأنها ليست بنبي وذلك أنها ألهمت أن ما يوحى أفاد توكيدا كقوله فغشاها ما غشى النجم 54
قوله تعالى فليلقه اليم قال ابن الأنباري ظاهر هذا الأمر ومعناه معنى الخبر
[ 198 ]
تأويله يلقيه اليم ويجوز أن يكون البحر مأمورا بآلة ركبها الله تعالى فيه فسمع وعقل كما فعل ذلك بالحجارة والأشجار فأما الساحل فهو شط البحر يأخذه عدو لي وعدو له يعني فرعون قال المفسرون اتخذت أمه تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا ووضعت فيه موسى وأحكمت بالقار شقوق التابوت ثم ألقته في النيل وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بالتابوت فأمر الغلمان والجواري بأخذه فلما فتحوه رأوا صبيا من أصبح الناس وجها فلما رآه فرعون أحبه حبا شديدا فذلك قوله وألقيت عليك محبة مني قال أبو عبيدة ومعنى ألقيت عليك أي جعلت لك محبة مني قال ابن عباس أحبه وحببه الى خلقه فلا يلقاه أحد إلا أحبه من مؤمن وكافر وقال قتادة كانت في عينيه ملاحة فما رآه أحد إلا حبه تعالى ولتصنع على عيني وقرأ أبو جعفر ولتصنع بسكون اللام والعين والإدغام قال قتادة لتغذى على محبتي وإرادتي قال أبو عبيدة على ما أريد وأحب قال ابن الأنباري هو من قول العرب غذي فلان على عيني أي على المحبة مني وقال غيره لتربى فلا وتغذى بمرأى مني يقال صنع الرجل جاريته إذا رباها وصنع فرسه إذا داوم على علفه ومراعاته والمعنى ولتصنع على عليني منه قدرنا مشي أختك وقولها هل أدلكم على من يكفله لأن هذا كان من أسباب تربيته على ما أراد الله عز وجل فأما أخته فقال مقاتل اسمها مريم قال الفراء وإنما اقتصر على ذكر المشي ولم يذكر أنها مشت حتى دخلت على آل فرعون فدلتهم على الظئر لأن العرب تجتزئ بحذف كثير من الكلام وبقليله إذا كان المعنى معروفا ومثله قوله أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون: يوسف 45 ولم يقل فأرسل حتى دخل على يوسف المفسرون سبب مشي أخته أن أمه قالت لها قصيه فاتبعت موسى على أثر الماء فلما التقطه آل فرعون جعل لا يقبل ثدي امرأة فقالت لهم أخته هل أدلكم على من يكفله
أي يرضعه ويضمه إليه فقيل لها ومن هي فقالت أمي قالوا وهل لها لبن قال لبن أخي هارون وكان هارون أسن من موسى بثلاث سنين فأرسلوها فجاءت بالأم فقبل ثديها فذلك قوله فرجعناك الى أمك أي رددناك إليها كي تقر عينها بك وبرؤيتك غير وقتلت نفسا يعني القبطي الذي وكزه فقضى عليه وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى فنجيناك من الغم وكان مغموما مخافة أن يقتل به فنجاه الله بأن هرب الى مدين وفتناك فتونا فيه ثلاث أقوال
[ 199 ]
اختبرناك اختبارا رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أخلصناك اخلاصا رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد ابتليناك ابتلا رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة وقال الفراء ابتليناك بغم القتيل ابتلاء وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الفتون وقوعه في محنة بعد محنة خلصه اللمنها أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال ثم إلقاؤه في البحر ثم منعه الرضاع الا من ثدي أمه ثم جره لحية فرعون حتى هم بقتله ثم تناوله الجمرة بدل أحمد ثم قتله القبطي ثم خروجه الى مدين خائفا وكان ابن عباس يقص هذه القصص على سعيد بن جبير ويقول له عند كل ثلاثة وهذا من الفتون يا ابن جبير فعلى هذا يكون فتناك خلصناك من تلك المحن كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبث والفتون مصدر تعالى فلبثت سنين تقدير الكلام فخرجت إلى أهل مدين ومدين بلد شعيب وكان على ثمان مراحل من مصر فهرب إليه موسى وقيل مدين اسم رجل وقد سبق هذا الأعراف 86 قدر لبثه هناك قولان عشر سنين قاله ابن عباس ومقاتل ثمان وعشرون سنة عشر منهن مهر امرأته وثمان عشرة أقام حتى ولد له قاله
وهب تعالى ثم جئت على قدر أي جئت لميقات قدرته لمجيئك قبل خلقك وكان ذلك على رأس أربعين سنة وهو الوقت الذي يوحى فيه الى الأنبياء هذا قول الأكثرين وقال الفراء على قدر أي على ما أراد الله به من تكليمه تعالى واصطنعتك لنفسي أي اصطفيتك واختصصتك بعد والاصطناع اتخاذ الصنيعة وهو الخير تسديه الى إنسان وقال ابن عباس اصطفيتك لرسالتي ووحيي اذهب أنت وأخوك بآياتي وفيها ثلاثة أقوال أنها العصا واليد وقد يذكر الاثنان بلفظ الجمع
[ 200 ]
العصا واليد وحل العقدة التي ما زال فرعون وقومه يعرفونها ذكره ابن الأنباري والثالث الآيات التسع والأول أصح تعالى ولا تنيا قال ابن قتيبة لا تضعفا ولا تفترا يقال ونى يني في الأمر وفيه لغة أخرى وني يونى المراد بالذكر هاهنا قولان أنه الرسالة الى فرعون والثاني أنه القيام بالفرائض والتسبيح والتهليل يقول الى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى فاتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى إنا قد أوحي الينا أن العذاب على من كذب وتولى تعالى اذهبا الى فرعون فائدة تكرار الأمر بالذهاب التوكيد وقد فسرناه
قوله طغى طه 24 تعالة فقولا له قولا لينا وقرأ أبو عمران الجوني وعاصم الجحدري لينا باسكان الياء أي لطفيا رفيقا فيه خمسة أقوال قولا له قل لا اله إلا الله وحده لا شريك له رواه خالد ابن معدان عن معاذ والضحاك عن ابن عباس انه قوله لك إلى أن تزكى وأهديك الى ربك فتخشى الذي النازعات 1819 قاله أبو
[ 201 ]
صالح عن ابن عباس وبه قال مقاتل والثالث كنياه رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال السدي فأما اسمه فقد ذكرناه في البقرة 49 وفي كنيته أربعة أقوال أحدها أبو مرة رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني أبو مصعب ذكره أبو سليمان الدمشقي والثالث أبو العباس والرابع أبو الوليد حكاهما الثعلبي الرابع قولا له إن لك ربا وإن لك معادا وإن بين يديك جنة ونارا قاله الحسن أن القول اللين أن موسى أتاه فقال له تؤمن بما جئت به وتعبد رب العالمين على أن لك شبابك فلا تهرم وتكون ملكا لا ينزع منك حتى تموت فإذا مت دخلت الجنة فأعجبه ذلك فلما جاء هامان أخبره بما قال موسى فقال قد كنت أرى أن لك رأيا أنت رب أردت أن تكون مربوبا فقلبه عن رأيه قاله السدي وحكي عن يحيى بن معاذ أنه قرأ هذه الآية فقال إلهي هذا رفقك بمن يقول أنا إله فكيف رفقك بمن يقول أنت إله تعالة لعله يتذكر أو يخشى قال الزجاج لعل في اللغة ترج وطمع تقول لعلي أصير إلى خير فخاطب الله عز وجل العباد بما يعقلون والمعنى عند سيبويه اذهبا على رجائكما وطمعكما والعلم من الله تعالى من وراء ما يكون وقد علم لأن أنه لا يتذكر ولا
يخشى إلا أن الحجة إنما تجب عليه بالآية والبرهان وإنما تبعث الرسل وهي لا تعلم الغيب ولا تدري ايقبل منها أم لا وهم يرجون ويطمعون أن يقبل منهم ومعنى لعل متصور في أنفسهم وعلى تصور ذلك تقوم الحجة قال ابن الأنباري ومذهب الفراء في هذا كي يتذكر وروى خالد بن معدان عن معاذ قال والله ما كان فرعون ليخرج من الدنيا حتى يتذكر أو يخشى لهذه الآية وإنه تذكر وخشي لما أدركه الغرق وقال كعب والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب في التوراة فقولا له قولا لينا وسأقسي قلبه فلا يؤمن قال المفسرون كان هارون يؤمئذ غائبا بمصر فأوحى الله تعالى إلى هارون أن يتلقى موسفت لقاه على مرحلة فقال له موسى إن الله تعالى أمرني أن آتي فرعون فسألته أن يجعلك معي فعلى هذا يحتمل أن يكونا حين التقيا قالا ربنا إننا نخاف قال ابن الأنباري ويجوز أن يكون القائل لذلك موسى وحده واخبر الله عنه بالتثنية لما ضم إليه هارون فان العرب قد توقع التثنية على الواحد فتقول يا زيد قوما يا حرسي اضربا عنقه
[ 202 ]
تعالى أن يفرط علينا وقرأ عبد الله بن عمرو وابن السميفع وابن يعمر وأبو العالية أن يفرط برفع الياء وكسر الراء وقرأ عكرمة وإبراهيم النخعي أن يفرط بفتح الياء والرء وقرأ أبو رجاء العطاردي وابن محيصن أن يفرط برفع الياء وفتح الراء قال الزجاج المعنى أن يبادر بعقوبتنا يقال قد فرط منه أمر أي قد بدر وقد أفرط في الشئ إذا اشتط فيه وفرط في الشئ إذا قصر ومعناه كله التقدم في الشئ لأن الفرط في اللغة المتقدم ومنه قوله عليه الصلاة والسلام أنا فرطكم على الحوض قوله تعالى أو أن يطغى فيه قولان يستعصي قاله مقاتل والثاني يجاوز الحد في الإساءة الينا قال ابن زيد نخاف أن يعجل علينا قبل أن نبلغه كلامك وأمرك تعالى إنني معكما أي بالنصرة والعون أسمع أقوالكم وأرى أفعالكم قال الكلبي أسمع جوابه لكما وأرى ما يفعل بكما تعالى فارسل معنا بني اسرائيل أي خل عنهم ولا تعذبهم وكان يستعملهم
في الأعمال الشاقة قد جئناك بآية من ربك قال ابن عباس هي العصا قال مقاتل أظهر اليد في مقام والعصا في مقام تعالى والسلام على من اتبع الهدى قال مقاتل على من آمن بالله قال الزجاج وليس يعني به التحية وإنما معناه أن من اتبع الهدى سلم من عذاب الله وسخطه والدليل على أنه ليس بسلام أنه ليس بابتداء لقاء وخطاب تعالى على من كذب أي بما جئنا به وأعرض عنه فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى الذي جعل
[ 203 ]
لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهي منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى قوله تعالى قال فمن ربكما في الكلام محذوف معناه معلوم وتقديره فأتياه فأديا الرسالة قال الزجاج وإنما لم يقل فأتياه لأن في الكلام دليلا على ذلك لأن قوله فمن ربكما يدل على أنهما أتياه وقالا له تعالى أعطي كل شئ خلقه فيه ثلاثة أقوال أعطى كل شئ صورته فخلق كل جنس من الحيوان على غير صورة جنسه فصوره أبن آدم لا كصورة البهائم وصورة البعير لا كصورة الفرس روى هذا المعنى الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير أعطى كل ذكر زوجه رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال السدي فيكون المعنى أعطى كل حيوان ما يشاكله أعطى كل شئ ما يصلح قاله قتادة
قوله ثم هدى ثلاثة أقوال هدى كيف يأتي الذكر الأنثى رواه الضحاك عن أبو عباس وبه قال ابن جبير هدى للمنكح والمطعم والمسكن رواه ابن أبي طلحة عن أبو عباس هدى كل شئ إلى معيشته قاله مجاهد وقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس والأعمش وابن السميفع ونصير عن الكسائي أعطى كل شئ خلقه بفتح اللام قيل ما وجه الاحتجاج على فرعون من هذا أنه قد ثبت وجود خلق وهداية فلا بد من خالق وهاد تعالى قال فما بال القرون الأولى اختلفوا فيما سأل عنه من حال القرون الأولى على ثلاثة أقوال أنه سأله عن أخبارها وأحاديثها ولم يكن له بذلك علم إذ التوراة إنما نزلت عليه بعد هلاك فرعون فقال علمها عند ربي هذا مذهب مقاتل وقال غيره أراد إني رسول وأخبار الأمم علم غيب فلا علم لي بالغيب
[ 204 ]
أن مراده من السؤال عنها لم عبدت الأصنام ولم لم يعبد الله إن كان الحق ما وصفت أن مراده ما لها لا تبعث ولا تحاسب ولا تجازى فقال علمها عند الله أي علم أعمالها وقيل الهاء في علمها كناية عن القيامة لأنه سأله عن بعث الأمم فأجابه بذلك في كتاب أراد اللوح المحفوظ تعالى لا يضل ربي ولا ينسى وقرأ عبد الله بن عمرو وعاصم الجحدري وقتادوابن محيصن لا يضل بضم الياء وكسر الضاد أي لا يضيعه وقرأ أبو المتوكل وابن السميفع لا يضل بضم الياء وفتح الضاد وفي هذه الآية توكيد للجزاء على الأعمال
والمعنى لا يخطئ ربي ولا ينسى ما كان من أمرهم حتى يجازيهم بأعمالهم وقيل أراد لم يجعل ذلك في كتاب لأنه يضل وينسى تعالى الذي جعل لكم الأرض مهادا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر مهادا وقرأ عاصم وحمزة والكسائي مهدا بغير ألف والمهاد الفراش والمهد الفرش وسلك لكم أي أدخل لأجلكم في الأرض طرقا تسلكونها وأنزل من السماء ماء يعني المطر وقد آخر الإخبار عن موسى ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بقوله فأخرجنا به يعني بالماء أزواجا من نبات شتى أي أصنافا مختلفة في الألوان والطعوم كل صنف منها زوج وشتى لا واحد له من لفظه كلوا أي مما أخرجنا لكم من الثمار وارعوا أنعامكم يقال رعى الماشية يرعاها إذا سرحها في المرعى ومعنى هذا الأمر التذكير بالنعم إن في ذلك لآيات أي لعبرا في اختلاف الألوان والطعوم لأولي النهى قال الفراء لذوي العقول يقال للرجل إنه لذو نهية إذا كان ذا عقل قال الزجاج واحد النهى نهية يقال فلان ذو نهية أي ذو عقل ينتهي به عن المقابح ويدخل به في المحاسن قال وقال بعض أهل اللغة ذو النهية الذي ينتهى الى رأيه وعقله وهذا حسن أيضا تعالى منها خلقناكم يعني الأرض المذكورة في قوله جعل لكم الأرض مهادا والإشارة بقوله خلقناكم إلى آدم والبشر كلهم منه وفيها نعيدكم بعد الموت ومنها نخرجكم تارة أي مرة أخرى بعد البعث يعني كما أخرجناكم منها أولا عند خلق آدم من الأرض
[ 205 ]
أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى قال موعدكم يوم الزينة وان يحشر الناس ضحى فتولى فرعون فجمع
كيده ثم أتى قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قالوا إن هذان علي يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى فأجمعوا كيدكم ثم أتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى حتى تعالى ولقد أريناه يعني فرعون آياتنا كلها يعني التسع الآيات ولم ير كل آية الله لأنها لا تحصى فكذب أي نسب الآيات الى الكذب وقال هذا سحر وأبى أن يؤمن قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا يعني مصر بسحرك أي تريد أن تغلب على ديارنا بسحرك فتملكها وتخرجنا منها فلنأتينك بسحر مثله أي فلنقابلن تعالى ما جئت به من السحر بمثله فاجعل بيننا وبينك موعدا أي اضرب بيننا وبينك اجلا وميقاتا لا نخلفه أي لا نجاوزه نحن ولا أنت مكانا وقيل المعنى أجعل بيننا وبينك موعدا مكانا نتواعد فإن لحضورنا ذلك المكان ولا يقع منا خلاف في حضوره سوى قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو والكسائي بكسر السين وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة وخلف ويعقوب سوى بضمها وقرأ أبي بن كعب وابو المتوكل وابن أبي عبلة مكانا سواء بالمد والهمز والنصب والتنوين وفتح السين وقرأ ابن مسعود مثله إلا أنه كسر السين قال أبو عبيدة هو اسم للمكان النصف فيما بين الفريقين والمعنى مكانا تستوي مسافته على الفريقين فتكون مسافة كل فريق إليه كمسافة الفريق الآخر قال موعدكم يوم الزينة قرأ الجمهور برفع الميم وقرأ الحسن ومجاهد وقتادة وابن أبي عبلة وهبيرة عن حفص بنصب الميم وفي هذا اليوم أربعة أقوال يوم عيد لهم رواه أبو صالح عن ابن عباس والسدي عن أشياخه وبه قال مجاهد وقتادة وابن زيد والثاني يوم عاشوراء رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس
[ 206 ]
يوم النيروز ووافق ذلك يوم السبت أقول يوم من السنة رواه الضحاك عن ابن عباس
يوم سوق لهم قاله سعيد بن جبير رفع اليوم فقال البصريون التقدير وقت موعدكم يو الزينة فناب الموعد عن الوقت وارتفع به ما كان يرتفع بالوقت إذا ظهر فأما نصبه فقال الزجاج المعنى موعدكم يقع يوم الزينة وان يحشر الناس موضع أن رفع المعنى موعدكم حشر الناس ضحى أي إذا رأيتم الناس قد حشروا ضحى ويجوز أن تكون أن في موضع خفض عطفا على الزينة المعنى موعدكم يوم الزينة ويوم حشر الناس ضحى وقرأ ابن مسعود وابن يعمر وعاصم الجحدري وأن تحشر بتاء مفتوحة ورفع الشين ونصب الناس وعن ابن مسعود والنخعي وان يحشر بالياء المفتوحة ورفع الشين ونصب الناس المفسرون أراد بالناس أهل مصر وبالضحى ضحى اليوم وإنما علقه بالضحى ليتكامل ضوالشمس واجتماع الناس فيكون أبلغ في الحجة وأبعد من الريبة عمر فرعون فيه قولان أن المعنى تولى عن الحق الذي أمر به أنه انصرف إلى منزله لاستعداد ما يلقى به موسى فجمع كيده أي مكره وحيلته ثم أتى أي حضر الموعد قال لهم موسى أي للسحرة وقذكرنا عددهم في الأعراف قوله تعالى ويلكم قال الزجاج هو منصوب على ألزمكم الله ويلا ويجوز أن يكون على النداء كقوله تعالى يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا يس 52 تعالى لا تفتروا على الله كذبا قال ابن عباس لا تشركوا معه احدا تعالى فيسحتكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وابو بكر عن عاصم فيسحتكم بفتح الياء من سحت وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم فيسحتكم بضم الياء من اسحت قال الفراء ويسحت النبي أكثر وهو الاستئصال والعرب تقول سحته الله وأسحته قال الفرزدقز وإن وعض زمان يا بن مروان لم يدع كما من المال إلا مسحتا أو مجلف
[ 207 ]
هو أنشد البيت الفراء والزجاج ورواه أبو عبيدة الا مسحت أو مجلف بالرفع قوله تعالى فتنازعوا أمرهم بينهم يعني السحرة تناظروا فيما بينها في أمر موسى وتشاوروا وأسروا النجوى أي أخفوا كلامهم من فرعون وقومه وقيل من موسى وهارون وقيل أسروا هاهنا بمعنى أظهروا ذلك الكلام الذي جرى بينهم ثلاثة أقوال أنهم قالوا إن كان هذا ساحرا فانا سنغلبه وإن يكن من السماء كما زعمتم فله أمره قاله قتادة أنهم لما سمعوا كلام موسى قالوا ما هذا بقول ساحر ولكن هذا كلام الرب الأعلى فعرفوا الحق ثم نظروا الى فرعون وسلطانه والى موسى وعصاه فنكسوا على رؤوسهم وقالو إن هذان لساحران قاله الضحاك ومقاتل أنه قالوا إن هذان لساحرن الآيات قاله السدي القراء في قوله تعالى إن هذان لساحران فقرأ أبو عمرو ابن العلاء إن هذين على إعمال إن وقال إني لأستحيي من الله أن أقرأ إن هذان وقرأ ابن كثير إن خفيفه هذان بتشديد النون وقرأ عاصم في رواية حفص إن خفيفة هذان خفيفه أيضا وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي إن بالتشديد هاذان بألف ونون خفيفة فأما قراءة ابي عمرو فاحتجاجه في مخالفة المصحف بما روى عن عثمان وعائشة أن هذا من غلط الكاتب على ما حكيناه في قوله تعالى الصلاة في سورة النساء 162 وأما قراءة عاصم فمعناها ما هذان الا ساحران كقوله تعالى نظنك لمن الكاذب الشعراء 186 أي ما نظنك إلا من الكاذبين وأنشدوا في ذلك ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما وسلم حلت عليه عقوبة المتعمد عنه ما قتلت إلا مسلما قال الزجاج ويشهد لهذه القراءة ما روي عن أبي ابن كعب أنه قرأ ما هذان الا ساحران وروي عنه إن هذان إلا ساحران ورويت عن الخليل إن هذان بالتخفيف والإجماع على أنه لم يكن
أحد أعلم بالنحو من الخليل فأما قراءة الأكثرين بتشديد إن وإثبات الألف في قوله هاذان فروى عطاء عن ابن عباس أنه قال هي لغة بلحارث بن كعب وقال ابن الأنباري هي لغة لبني الحارث بن كعب وافقتها لغة قريش قال الزجاج وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب وهو راس من رؤوس الرواة أنها لغة لكنانة يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد يقولون أتاني الزيدان ورايت الزيدان ومررت بالزيدان وأنشدوا
[ 208 ]
فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى مساغا لناباه الشجاع لصمما إن ويقول هؤلاء ضربته بين أدناه وقال النحويون القدماء هاهنا هاء مضمرة المعنى إنه هذان لساحران وقالوا أيضا إن معنى أن نعم هذان لساحران وينشدون ويقلن إلا شيب قد علا فيه ك وقد كبرت فقلت إنه صلى قال الزجاج والذي عندي وكنت عرضته على عالمنا محمد بن يزيد وعلى أسماعيل ابن اسحاق بن حماد بن زيد فقبلاه وذكرا أنه أجود ما سمعناه في هذا وهو أن إن قد وقعت موقع نعم والمعنى نعم هذان لهما الساحران وقال ويلي هذا في الجودة مذهب بني كنانة واستحسن هذه القراءة لأنها مذهب أكثر القراء وبها يقرأ واستحسن قراءة عاصم والخليل لأنهما إمامان ولأنهما وافقا أبي بن كعب في المعنى ولا أجيز قراءة أبي عمرو لخلاف المصحف وحكى ابن الأنباري عن الفراء قال الف هذان هي ألف هذا والنون فرقت بين الواحد والتثنية كما فرقت نون الذين بين الواحد والجمع تعالى ويذهبا بطريقتكم وقرأ أبان عن عاصم ويذهبا بضم الياء وكسر الهاء وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو وأبو رجاء العطاردي ويذهبا بالطريقة بألف ولام مع حذف الكاف والميم وفي الطريقة قولان بدينكم المستقيم رواه الضحاك عن ابن عباس وقال أبو عبيدة بسنتكم
ودينكم وما أنتم عليه يقال فلا حسن الطريقة أنه بأمثلكم وهو رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وقال مجاهد بأولي العقل والاشراف والأسنان وقال الشعبي يصرفان وجوه الناس اليهما قال الفراء الطريقة الرجال الاشراف تقول العرب للقوم الأشراف هؤلاء طريقة قومهم وطرائق قومهم المثلى فقال أبو عبيدة هي تأنيث الأمثل تقول في الإناث خذ المثلى منهما وفي الذكور خذ الأمثل وقال الزجاج ومعنى المثلى والأمثل ذو الفضل الذي به يستحق أن يقال هذا أمثل قومه قال والذي عندي أن في الكلام محذوفا والمعنى يذهبا بأهل طريقتكم المثلى وقول العرب هذا طريقة قومه أي صاحب طريقتهم تعالى فأجمعوا كيدكم قرأ الأكثرون فأجمعوا بقطع الألف من أجمعت والمعنى يكون عزمكم مجمعا عليه لا تختلفوا فيختل أمركم قال الفراء والإجماع الإحكام
[ 209 ]
والعزيمة على الشئ تقول أجمعت على الخروج وأجمعت الخروج تريد أزمعت قال الشاعر يا ليت شعري والمنى لا تنفع هل أغدون يوما وأمري مجمع صلى الله عليه وسلم يريد قد أحكم وعزم عليه وقرأ أبو عمرو فاجمعوا بفتح الميم من جمعت يريد لا تدعوا من كيدكم شيئا الا جئتم به فأما كيدهم فالمراد به سحرهم ومكرهم تعالى ثم ائتوا صفا أي مصطفين مجتمعين ليكون أنظم لأموركم وأشد لهيبتكم قال أبو عبيدة صفا أي صفوفا وقال ابن قتيبة صفا بمعنى جمعا قال الحسن كانوا خمسة وعشرين صفا كل الف ساحر صف قوله تعالى وقد أفلح من استعلى قال ابن عباس فاز من غلب يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى
قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هرون وموسى قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وارجلكم من خلاف ولاصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحيوة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى تعالى بل ألقوا قال ابن الأنباري دخلت بل لمعنى جحد في الأية الأولى لأن الآية الأولى إذا تؤملت وجدت مشتملة على إما أن تلقي وإما أن لا تلقي تعالى وعصيهم قرأ الحسن وأبو رجاء العطاردي وأبو عمران الجوني وابو
[ 210 ]
الجوزاء وعصيم برفع العين تعالى يخيل إليه وقرأ أبو رزين العقيلي وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وقتادة والزهري وابن أبي عبلة تخيل بالتاء إليه أي الى موسى يقال خيل إليه إذا شبه له وقد استدل قوم بهذه الآية على أن السحر ليس بشئ وقال إنما خيل الى موسى فالجواب أنا لا ننكر أن يكون ما رآه موسى تخييلا وليس بحقيقة فانه من الجائز أن يكونو تركوا الزئبق في سلوخ الحيات حتى جرت وليس ذلك بحيات فأما السحر فانه يؤثر وهو أنواع وقد سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أثر فيه ولعن العاضهة وهي الساحرة تعالى فأوجس في نفسه خيفة موسى قال ابن قتيبة أضمر في نفسه خوفا وقال الزجاج أصلها خوفه ولكن الواو قلبت ياء لانكسار ما قبلها خوفه قولان
أنه خوف الطبع البشري والثاني أنه لما رأى سحرهم من جنس ما أراهم في العصى خاف أن يلتبس على الناس أمره ولا يؤمنوا فقيل له لا تخف إنك أنت الأعلى عليهم بالظفر والغلبة وهذا أصح من الأول تعالى وألق ما في يمينك يعني العصا تلقف وقرأ ابن عامر تلقف ما برفع الفاء وتشديد القاف وروى حفص عن عاصم تلقف خفيفة وكان ابن كثير يشدد التاء من تلقف يريد تتلقف وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وسعيد بن جبير وأبو رجاء تلقم بالميم وقد شرحناها في الأعراف 117 إنما صنعوا كيد ساحر قرأ حمزة والكسائي وخلف كيد السحر وقرأ الباقون كيد سحر إذا بألف والمعنى إن الذي صنوا يد ساحر أي عمل ساحر وقرأ ابن مسعود وأبو عمران الجوني إنما صنعوا كيد بنصب الدال ولا يفلح الساحر قال ابن عباس لا يسعد حيثما كان وقيل لا يفوز وروى جندب بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أخذتم الساحر فاقتلوه ثم قرأ ولا يفلح الساحر حيث أتى قال لا يأمن حيث وجد تعالى قال آمنتم له قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم وورش عن نافع آمنتم له على لفظ الخبر وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر آمنتم له بهمزة ممدودة وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم أآمنتم له بهمزتين الثانية ممدودة قوله تعالى إنه لكبيركم قال ابن عباس يريد معلمكم قال الكسائي الصبي بالحجاز إذا
[ 211 ]
جاء من عند معلمه قال جئت من عند كبيري تعالى ولأصلبنكم في جذوع النخل في بمعنى عومثله أم لهم سلم يستمعون فيه الطور 38 ولتعلمن أيها السحرة اينا أشد عذابا لكم وأبقى أي أدوم أنا على إيمانكم أو رب موسى على تركهم الايمان به قالوا لن نؤثرك أي لن نختارك على ما جاءنا من
البينات يعنون اليد والعصى قيل لم نسبو الآيات إلى أنفسهم بقولهم جاءنا وإنما جاءت عامة لهم ولغيرهم أنهم لما كانوا بأبواب السحر ومذاهب الاحتيال أعرف من غيرهم وقد علموا أن ما جاء به موسى ليس بسحر كان ذلك في حق غيرهم أبين وأوضح وكانوا هم لمعرفته أخص قوله تعالى والذي فطرنا وجهان ذكرهما الفراء والزجاج أن المعنى لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات وعلى الذي فطرنا أنه قسم تقديره وحق الذي فطرنا تعالى فاقض ما أنت قاض أي فاصنع ما أنت صانع واصل القضاء عمل باحكام إنما تقضي هذه الحياة الدنيا قال الفراء إنما حرف واحد فلهذا نصب الحياة الدنيا ولو قرأ قارئ برفع الحياة لجاز على أن يجعل ما في مذهب الذي كقولك إن الذي تقضي هذه الحياة الدنيا وقرأ ابن أبي عبلة وأبو المتوكل إنما تقضى بضم التاء على ما لم يسم فاعله الحياة برفع التاء قال المفسرون والمعنى إنما سلطانك وملكك في هذه الدنيا لا في الآخرة فقال تعالى ليغفر لنا يعنون الشرك وما أكرهتنا عليه أي والذي أكرهتنا عليه أي ويغفر لنا إكراهك إيانا على السحر قيل كيف قالوا أكرهتنا وقد قالوا أإن لنا لأجرا وفي هذا دليل على أنهم فعلوا السحر غير مكرهين فعنه أربعة أجوبة أن فرعون كان يكره الناس على تعلم السحر قال ابن عباس قال ابن الأنباري كان يطالب بعض أهل مملكته بأن يعلموا أولادهم السحر وهم لذلك كارهون وذلك لشغفه بالسحر ولما خامر قلبه من خوف موسى فالإكراه على السحر هو الإكراه على تعلمه في أول الأمر أن السحرة لما شاهدوا موسى بعد قولهم أئن لنا لأجرا ورأوا ذكره الله تعالى
وسلوكه منهاج المتقين جزعوا من ملاقاته بالسحر وحذروا أن يظهر عليهم فيطلع على الضعف
[ 212 ]
صناعتهم فتفسد معيشتهم فلم يقنع فرعون منهم الا بمعارضة موسى فكان هذا هو الإكراه على السحر أنهم خافوا أن يغلبوا في ذلك الجمع فيقدح ذلك في صنعتهم عند الملوك والسوق وأكرههم فرعون على فعل السحر أن فرعون أكرههم على مفارقة أوطانهم وكان سبب ذلك السحر ذكره هذه الأقوال ابن الأنباري تعالى والله خير أي خير منك ثوابا إذا أطبع وأبقى عقابا إذا عصي وهذا جواب قوله ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى وهذا آخر الإخبار عن السحرة أي من يأت ربه مجرما فان له جهنم لا يمو ت فيها ولا يحيى ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيه وذلك جزاؤا من تزكى تعالى إنه من يأت ربه مجرما يعني مشركا فان له جهنم لا يموت فيها فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه ابن الأنباري في مثل هذا المعنى قوله ألا من لنفس لا تموت فينقضي شقاها ولا تحيا حياة لها طعم ثنا تعالى قد عمل الصالحات قال ابن عباس قد أدى الفرائض فأولئك لهم الدرجات العلى يعني درجات الجنة وبعضها أعلى من بعض والعلى جمع العليا وهو تأنيث الأعلى قال ابن الأنباري وإنما قال فأولئك لأن متقع بلفظ التوحيد على تأويل الجمع فإذا غلب لفظها وحد الراجع إليها وإذا بيتأويلها جمع المصروف إليها تعالى وذلك يعني الثواب جزاء من تزكى أي تطهر من الكفر والمعاصي أوحينا الى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا تخاف
دركا ولا تخشى فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضل فرعو قومه وما هدى يا بني اسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن
[ 213 ]
ونزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم به ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى تعالى أن اسر بعبادي أي سر بهم ليلا من أرض مصر فاضرب لهم طريقا أي اجعل لهم طريقا في البحر يبسا قرأ أبو المتوكل والحسن والنخعي يبسا باسكان الياء وقرأ الشعبي وأبو رجاء وابن السميفع يابسا بألف قال أبو عبيدة اليبس متحرك الحروف بمعنى اليابس يقال شاة يبس أي يابسة ليس لها لبن وقال ابن قتيبة يقال لليابس يبس ويبس تعالى لا تخاف قرأ الأكثرون بألف وقرأ أبان وحمزة عن عاصم لا تخف قال الزجاج من قرأ لا تخاف فالمعنى لست تخاف ومن قرأ لا تخف فهو نهي عن الخوف قال الفراء قرأ حمزة لا تخف بالجزم ورفع ولا تخشى على الاستئناف كقوله تعالى هذا الأدبار ثم لا ينصرون آل عمران 111 استأنف ب ثم فهذا مثله ولو نوى حمزة بقوله ولا تخش الجزم وإن كانت فيه الياء كان صوابا قال ابن قتيبة ومعنى دركا لحاقا قال المفسرون قال أصحاب موسى هذا فرعون قد أدركنا وهذا البحر بين أيدينا فأنزل الله على موسى لا تخاف دركا أي من فرعون ولا تخشى غرقا في البحر تعالى فأتبعهم فرعون قال ابن قتيبة لحقهم وروى هارون عن أبي عمرو فاتبعهم بالتشديد وقال الزجاج تبع الرجل الشئ وأتبعه بمعنى واحد ومن قرأ بالتشديد ففيه دليل على أنه اتبعهم ومعه الجنود ومن قرأ فاتبعهم فمعناه ألحق جنوده بهم وجائز أن يكون معهم على هذا اللفظ وجائز أن لا يكون إلا انه قد كان معهم فغشيهم من اليم ما
غشيهم أي فغشيهم من ماء البحر ما غرقهم وقال ابن الأنباري ويعني بقوله ما غشيهم البعض الذي غشيهم لأنه لم يغشهم كل مائه وقرأ ابن مسعود وعكرمة وابو رجاء والأعمش فغشاهم من اليم ما غشاهم بألف فيهما مع تشديد الشين وحذف الياء تعالى واضل فرعون قومه أي دعاهم الى عبادته وما هدى أي ما أرشدهم حين أوردهم موارد الهلكة وهذا تكذيب له في قوله وما أهديكم الا سبيل الرشاد غافر 29 تعالى وواعدناكم جانب الطور الأيمن لأخذ التوارة وقد ذكرناه في مريم 52 معنى
[ 214 ]
الأيمن وذكرناه في البقرة 57 المن والسلوى تعالى كلوا أي وقلنا لهم كلوا تعالى ولا تطغوا فيه ثلاثة أقوال لا تبطروا في نعمي فتظلموا والثاني لا تجحدوا نعمي فتكونوا طاغين والثالث لا تدخروا منه لأكثر من يوم وليلة تعالى فيحل عليكم غضبي أي فتحب لكم عقوبتي والجمهور قرؤوا فيحل بكسر الحاء ومن يحلل بكسر اللام وقرأ الكسائي فيحل بضم الحاء ومن يحلل بضم اللام قال الفراء والكسر أحب الي لأن الضم من الحلول ومعناه الوقوع ويحل بالكسر يجب وجاء التفسير بالوجوب لا بالوقوع تعالى فقد هوى أي هلك تعالى وإني لغفار الغفار الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد أخرى فكلما تكررت ذنوبهم تكررت مغفرته وأصل الغفر الستر وبه سمي زئبر الثوب ثم لأنه يستر سداه فالغفار رسول الستار لذنوب عبادة المسبل عليهم ثوب عطفه
تعالى لمن تاب قال ابن عباس لمن تاب من الشرك وآمن أي وحد الله وصدقه وعمل صالحا أدى الفرائض قوله تعالى ثم اهتدى ثمانية أقوال علم أن لعمله هذا ثوابا رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني لم شكك رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس والثالث علم أن ذلك توفيق من الله له رواه عطاء عن ابن عباس والرابع لزم السنة والجماعة قاله سعيد ابن جبير والخامس استقام قاله الضحاك والسادس لزم الإسلام حتى يموت عليه قاله قتادة والسابع اهتدى كيف يعمل قاله زيد بن أسلم والثامن اهتدى إلى ولاية بيت النبي صلى الله عليه وسلم قاله ثابت البناني
[ 215 ]
أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت اليك رب لترضى قال فاناقد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فرجع موسى الى قومه غضبان اسفا قال يا قوم الم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري فاخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا تعالى وما أعجلك عن قومك يا موسى قال المفسرون لما نجى الله تعالى بني اسرائيل وأغرق فرعون قالوا يا موسى لو أتيتنا بكتاب من ولا الله فيه الحلال والحرام والفرائض فأوحى الله إليه يعده أنه ينزل عليه ذلك في الموضع الذي كلمه فيه فاختار
سبعين فذهبوا معه الى الطور لأخذ التوارة فعجل موسى من بينم شوقا الى ربه وأمرهم بلحاقه فقال الله تعالى له ما الذي حملك على العجلة عن قومك قال هم أولاء أي هؤلاء على أثري وقرأ أبو رزين العقيلي وعاصم الجحدري على إثري بكسر الهمزة وسكون الثاء وقرأ عكرمة وأبو المتوكل وابن يعمر برفع الهمزة وسكون الثاء وقرأ أبو رجاء وابو العالية بفتح الهمزة وسكون الثاء والمعنى هم بالقرب مني يأتون بعدي وعجلت اليك رب لترضى أي لتزداد رضى قال فانا قد فتنا قومك قال الزجاج ألقيناهم في فتنة ومحنة واختبرناهم قوله تعالى من بعدك أي من بعد انطلاقك من بينهم وأضلهم السامري أي كان سببا لإضلالهم وقرأ معاذ القارئ وأبو المتوكل وعاصم الجحدري وابن السميفع واضلهم برفع اللام وقد شرحناه في البقرة 52 سبب اتخاذ السامري العجل وشرحنا في الأعراف 150 معنى قوله تعالى غضبان أسفا تعالى ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أي صدقا وفيه ثلاثة أقوال إعطاء التوراة والثاني قوله أقمتم الصلاة إلى قوله لأكفرن عنكم سيأتكم المائدة 13 وقوله
[ 216 ]
ما لغفار لمن تاب 82 والثالث النصر والظفر تعالى أفطال عليكم العهد أي مدة مفارقتي إياكم أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم أن تصنعوا صنيعا يكون سبب لغضب ربكم فأخلفتم موعدي أي عهدي وكانوا قد عاهدوه أنه إن فكهم الله م ملكة آل فرعون أن يعبدوا لله ولا يشركوا به ويقيموا الصلاة وينصروا الله ورسله قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر الميم وقرأ نافع وعاصم بفتح الميم وقرا حمزة والكسائي بضم الميم قال أبو علي وهذه لغات وقال الزجاج الملك بالضم السلطان والقدرة والملك بالكسر ما حوته اليد والملك بالفتح المصدر يقال
ملكت الشئ أملكه ملكا في معنى الكلام أربعة أقوال ما كنا نملك الذي اتخذ منه العجل ولكنها كانت زينة آل فرعون فقذفناها قاله ابن عباس والثاني بطاقتنا قاله قتادة والسدي لم نملك أنفسنا عند الوقوع في البلية قال ابن زيد لم يملك مؤمنونا سفهاءنا ذكره الماوردي فيمن قال هذا لموسى قولان أحدهما أنهم الذين لم يعبدوا العجل والثاني عابدوه لم تعالى ولكنا حملنا أوزارا قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم حملنا بضم الحاء وتشديد الميم وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم حملنا خفيفة والأوزار الاثقال والمراد بها حل آل فرعون الذي كانوا استعاروه منهم قبل خروجهم من مصر فمن قرأ حملنا بالتشديد فالمعنى حملناها موسى أمرنا باستعارتها من آل فرعون فقذفناها أي طرحناها في الحفيرة وقد ذكرنا سسب حدثنا قذفهم إياها في سورة البقرة 52 تعالى فكذلك ألقى السامري فيه قولان أحدهما أنه ألقى حليا كما ألقوا ألقى ما كان معه من تراب حافر فرس جبريل وقد سبق شرح القصة في البقرة 52 وذكرناه في الأعراف 148 معنى قوله تعالى عجلا جسدا له خوار
[ 217 ]
تعالى فقالوا هذ إلهكم هذا قول السامري ومن وافقه من الذين افتتنوا تعالى فنسي في المشار إليه بالنسيان قولان أنه موسى ثم في المعنى ثلاثة أقوال
أحدها هذا آلهكم ابن وآله موسى فنسي موسى أن يخبركم أن هذآلهه رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني فنسي موسى الطريق الى ربه روي عن ابن عباس ايضا والثالث فنسي موسى الهه عندكم وخالفه في طريق اخر قاله قتادة أنه السامري والمعنى فنسي السامري إيمانه وإسلامه قاله ابن عباس وقال مكحول فنسي أي فترك السامري ما كان عليه من الدين وقيل فنسي أن العجل لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا فعلى هذا القول يكون قوله تعالى فنسي من إخبار الله عز وجل عن السامري وعلى ما قبله فيمن قاله قولان أنه السامري والثاني بنو اسرائيل تعالى أفلا يرون ألا يرجع قال الزجاج المعنى أفلا يرون أنه لا يرجع إليهم قولا قال لهم هرون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني واطيعوا أمري قالوا لن نبرح قوله عاكفين حتى يرجع الينا موسى قال يا فرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري قال يا بنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قولي تعالى ولقد قال لهم هارون من قبل أي من قبل أن يأتي موسى يا قوم إنما فتنتم به أي ابتليتم وإن ربكم الرحمن لا العجل قالوا لن نبرح عليه عاكفين أي لن نزال مقيمين على عبادة العجل حتى يرجع الينا موسى فلما رجع موسى قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا بعبادة العجل ألا تتبعني قرأ ابن كثير وأبو عمرو ألا تتبعني بياء في الوصل ساكنة ويقف ابن كثير بالياء وأبو عمرو بغير ياء وروى اسماعيل بن جعفر عن نافع ألا تتبعني أفعصيت بياء منصوبة وروى قالون عن نافع مثل أبي عمرو سواء وقرأ عاصم وابن
[ 218 ]
عامر وحمزة والكسائي بغير ياء في الوصل والوقف والمعنى ما منعك من اتباعي ولا كلمة
زائدة المعنى ثلاثة أقوال تسير ورائي بمن معك من المؤمنين وتفارقهم له رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس أن تناجزهم القتال رواه أبو صالح عن ابن عباس في الإنكار عليهم قاله مقاتل تعالى أفعصيت أمري وهو قوله في وصيته إياه أخلفني في قومي وأصلح قال المفسرون ثم أخذ برأس اخيه ولحيته غضبا منه عليه وهذا وإن لم بذكر هاهنا فقد ذكر في الأعراف 150 فاكتفي بذلك وقد شرحناه هناك معنى يا ابن ام واختلاف القراء فيها تعالى ولا برأسي أي بشعر رأسي وهذا الغضب كان لله عز وجل لا لنفسه لأنه وقع في نفسه أن هارون عصى الله بترك اتباع موسى تعالى إني خشيت أي إن فارقتهم واتبعتك أن تقول فرقت بين بني اسرائيل وفيه قولان باتباعي اياك ومن معي من المؤمنين والثاني بقتالي ذلك لبعضهم ببعض قوله تعالى ولم ترقب قولي قولان لم ترقب قولي لك أخلفني في قومي واصلح لم تنتظر امري فيهم فما خطبك يا سامري قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فان لك في الحيوة ان تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر الى الهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا إنما الهكم الله الذي لا إله الا هو وسع كل شي علما
[ 219 ]
تعالى فما خطب يا سامري أي ما أمرك وشأنك الذي دعاك الى ما صنعت قال ابن الأنباري وبعض اللغويين يقول الخطب مشتق من الخطاب المعنى ما أمرك الذي تخاطب فيه في اسم السامري على قولين موسى ايضا قاله وهب بن منبه وقال كان ابن عم موسى بن عمران محمميخا قاله ابن السائب كان من بني اسرائيل أم لا فيه قولان لم يكن منهم قاله اب عباس كان من عظمائهم وكان من قبيلة تسمى سامرة قاله قتادة وفي بلده قولان كرمان قاله سعيد بن جبير والثاني باجرما قاله وهب تعالى بصرت بما لم يبصروا به وقرأ حمزة والكسائي تبصروا بالتاء فعلى قراءة الجمهور أشار الى بني اسرائيل وعلى هذه إلى القراءة خاطب الجميع قال أبو عبيدة علمت ما لم علموا قال وقوم يقولون بصرت وأبصرت سواء بمنزلة اسرعت وسرعت وقال الزجاج يقال بصر الرجل يبصر إذا صار عليما بالشئ وأبصر يبصر إذا نظر قال المفسرون فقال له موسى وما ذاك قال رأيت جبريل على فرس فألقي في نفسي أن اقبض من أثرها فقبضت قبضة وقر أبي بن كعب والحسن ومعاذ القارئ قبصة بالصاد وقال الفراء والقبضة بالكف كلها والقبصة بالصاد بأطراف الاصابع قال ابن قتيبه ومثل هذا الخضم بالفم كله والقضم بأطراف الاسنان والنضخ أكثر من النضح والرجز العذاب والرجس النتن والهلاس كان في البدن والسلاس أبو في العقل والغلط في الكلام والغلت في الحساب والخصر الذي يجد البرد والخرص الذي يجد البرد والجوع والنار
الخامدة التي قد سكن لهبها ولم يطفا جمرها والهامدة التي طفئت فذهبت البتة والشكد
[ 220 ]
أو العطاء ابتداء فان كان جزاء فهو شكم والمائج) الذي يدخل البئر فيملأ الدلو والماتح عبد الذي ينزعها تعالى فنبذتها أي فقذفتها في العجل وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف فنبذتها بالإدعام عليه وكذلك أي وكما حدثتك سولت لي نفسي أي زينت لي قال موسى اذهب أي من بيننا فان لك في الحياة أي ما دمت حيا أن تقول لا مساس أي لا أمس ولا امس فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحدا ولا يمسه احد عاقبه الله بذلك وألهمه أن يقول لا مساس وكان إذا لقي أحدا يقول لا مساس أي لا تقربني ولا تمسني وصار ذلك عقوبة لولده حتى إن بقاياهم اليوم فيما ذكر أهل التفسير بأرض الشام يقولون ذلك وحكي أنه إن مس واحد من غيرهم واحدا منهم أخذتهما الحمى في الحال تعالى وإن لك موعدا أي لعذابك يوم القيامة لن تخلفه أي لن يتأخر عنك ومن كسر لام تخلف أراد لن تغيب عنه تعالى وانظر الى إلهك يعني العجل الذي ظلت قال ابن عباس معناه أقمت عليه وقال الفراء معنى ظلت فعلته نهارا وقرأ أبي بن كعب وابو الجوزاء وابن يعمر ظلت برفع الظاء وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء والأعمش وابن أبي عبلة ظلت بكسر الظاء وقال الزجاج ظلت وظلت بفتح الظاء وكسرها فمن فتح فالأصل فيه ظللت ولكن اللام حذفت لثقل التضعيف والكسر وبقيت الظاء على فتحها ومن قرأ ظلت بالكسر حول كسرة اللام على الظاء ومعنى عاكفا مقيما لنحرقنه قرأ الجمهور لنحرقنه بضم النون وفت الحاء وتشديد الراء وقرأ علي بن أبي طالب وأبو رزين وابن معمر لنحرقنه بفتح النون وسكون الحاء ورفع الراء مخففة وقرأ أبو هريرة والحسن وقتادة لنحرقنه برفع النون وإسكان الحاء وكسر الراء أبي قال الزجاج إذا شدد فالمعنى نحرقه مره بعد مرة وتأويل لنحرقنه
لنبردنه يقال حرقت أحرق وأحرق إذا بردت الشئ والنسف التذرية وجاء في التفسير أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم لأنه كان قد صار لحما ودما ثم أحرقه بالنار ثم أحرقه بالنار ثم ذراه في البحر ثم أخبرهم موسى عن إلههم فقال إنما إلهكم الله الذي لا اله إلا هو أي هو الذي يستحق العبادة لا العجل (وسع كل شئ علما أي وسع علمه كل شئ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا يوم
[ 221 ]
ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعبما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما تعالى كذلك نقص عليك أي كما قصصنا عليك يا محمد من نبأ موسى وقومه نقص عليك من أنباء ما قد سبق أي من اخبار من مضى والذكر هاهنا القرآن من أعرض عنه فلم يؤمن ولم يعمل بما فيه فانه يحمل يوم القيامة وقرأ عكرمة وأبو المتوكل وعاصم الجحدري يحمل برفع الياء وفت الحاء وتشديد الميم وزرا أي إثما خالدين فيه أي في عذاب ذلك الوزر وساء لهم قال الزجاج المعنى وساء الوزر لهم يوم القيامة حملا وحملا منصوب على التمييز تعالى يوم ينفخ في الصور قرأ أبو عمرو ننفخ بالنون وقرأ الباقون من السبعة ينفخ بالياء على ما لم يسم فاعله وقرأ أبو عمران الجوني ما ينفخ بياء مفتوحة ورفع الفاء وقد سبق بيانه ونحشر المجرمين وقرأ أبي بن كعب وأبو الجوزاء وطلحة بن مصرف ويحشر بياء مفتوحة ورفع الشين وقرأ ابن مسعود والحسن وأبو عمران ويحشر بياء مرفوعة وفتح الشين المجرمون بالواو قال المفسرون والمراد بالمجرمين المشركون يومئذ زرقا وفيه قولان عميا رواه أبو صالح عن ابن عباس وقال ابن قتيبة بيض العيون من العمى قد
ذهب السواد والناظر زرق العيون من شدة العطش قاله الزهري والمراد أنه يشوه خلقهم بسواد الوجوه وزرق العيون تعالى يتخافتون بينهم أي يسار بعضهم بعضا إن لبثتم أي ما لبثتم إلا عشر ليال وهذا على طريق التقليل لاعلى وجه التحديد وفي مرادهم بمكان هذا اللبث قولان القبور ثم فيه قولان أحدهما أنهم عنوا طول ما لبثوا فيها روى أبو صالح عن ابن عباس إن لبثتم بعد الموت إلا عشرا والثاني ما بين النفختين وهو أربعون سنة فانه يخفف عنهم العذاب حينئذ فيستقلون مدة لبثهم لهول ما يعاينون حكاه علي بن أحمد النيسابوري
[ 222 ]
الثاني أنهم عنوا لبثهم في الدنيا قاله الحسن وقتادة تعالى إذ يقول أمثلهم طريقة أي أعقله وأعدلهم قولا إن لبثتم إلا يوما فنسي القوم مقدار لبثهم لهول ما عاينوا ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا وأمتا يومئذ يتبعون الداعي لاعوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقران من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما قوله تعالى ويسألونك عن الجبال سبب نزولها أن رجالا من ثقيف أتوا رسول الله ص =
فقالوا يا محمد كيف تكون الجبال يوم القيامة فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس تعالى فقينسفها ربي نسفا قال المفسرون النسف التذرية والمعنى يصيرها رمالا تسيل سيلا ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح فتستأصلها لا فيذرها أي يدع أماكنها من الأرض إذا نسفها قاعا قال ابن قتيبة القاع من الأرض المستوي الذي يعلوه الماء والصفصف المستوي أيضا يريد أنه لا نبت فيها تعالى لا ترى فيها عوجا ولا أمتا في ذلك ثلاثة أقوال أحدها ان المراد بالعوج الأودية وبالأمت الروابي رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وكذلك قال مجاهد العوج الانخفاض والأمت الارتفاع وهذا مذهب الحسن وقال ابن قتيبة الأمت النبك
[ 223 ]
أن العوج الميل والأمت الأثر مثل الشراك رواه العوفي عن ابن عباس أن العوج الصدع والأمت الأكمة تعالى يومئذ يتبعون الداعي قال الفراء أي يتبعون صوت الداعي للحشر لا عوج لهم عن دعائه لا يقدرون أن لا يتبعوا تعالى وخشعت الأصوات أي سكنت وخفيت فلا تسمع إلا همس وفيه ثلاثة أقوال وطء الأقدام رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وعكرمه ومجاهد في رواية واختاره الفراء والزجاج تحريك الشفاه بغير نطق رواه سعيد بن جيير عن ابن عباس الكلام الخفي روى عن مجاهد وقال أبو عبيدة الصوت الخفي تعالى يومئذ لا تنفع الشفاعة يعني لا تنفع أحدا إلا من أذن له الرحمن أي إلا شفاعة من أذن له الرحمن أي أذن أن يشفع له ورضي له قولا أي ورضي للمشفوع
فيه قولا وهو الذي كان في الدنيا من أهل لا إله إلا الله يعلم ما بين أيديهم الكناية راجعه إلى الذين يتبعون الداعي وقد شرحنا هذه الآية في سورة البقرة 255 هاء به قولان أحدهما أنها ترجع إلى الله تعالى قاله مقاتل والثاني إلى ما بين أيديهم وما خلفهم قاله ابن السائب أن تعالى وعنت الوجوه قال الزجاج عنت في اللغة خضعت يقال عنا يعنو إذا خضع ومنه قيل أخذت البلاد عنوة إذا أخذت غلبة وأخذت بخضوع من اهلها والمفسرون على أن هذا في يوم القيامة إلا ما روي عن طلق بن حبيب هو وضع الجبهة والأنف والكفين والركبتين وأطراف القدمين على الأرض للسجود وقد شرحنا في آية الكرسي معنى الحي القيوم البقرة 255 تعالى وقد خاب من حمل ظلما قال ابن عباس خسر من أشرك بالله تعالى ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن من هاهنا للجنس وإنما شرط
[ 224 ]
الإيمان لأن غير المؤمن لا يقبل عمله ولا يكون صالحا فلا يخاف أي فهو لا يخاف وقرأ ابن كثير فلا يخف على النهي تعالى ظلما ولا هضما فيه أربعة أقوال لا يخاف أن يظلم فيزاد في سيئاته ولا أن يهضم من حسناته رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس لا يخاف أن يظلم فيزاد من ذنب غيره ولا أن يهضم من الأصح حسناته قاله قتادة أن لا يخاف أن يؤاخذ بما لم يعمل ولا ينتقص من عمله الصالقاله الضحاك لا يخاف أن لا يجزى بعمله ولا أن ينقص من حقه قاله ابن زيد قال اللغويون الهضم النقص تقول العرب هضمت لك من حقي أي حططت ومنه فلان هضيم
الكشحين أي ضامر الجنبين ويقال هذا شئ يهضم الطعام أي ينقص ثقله وفرق بعض المفسرين بين الظلم والهضم فقال الظلم منع الحق كله والهضم منع البعض وإن كان ظلما أيضا تعالى وكذلك أنزلناه أي وكما بينا في هذه السورة أنزلناه أي أنزلناه هذا الكتاب قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد أي بينا فيه ضروب الوعيد قال قتادة يعني وقائعه في الأمم المكذبة تعالى لعلهم يتقون أي ليكون سببا لاتقائهم الشرك بالاتعاظ بمن قبلهم أو يحدث لهم أي يجدد لهم القرآن وقيل الوعيد ذكرا أي اعتبارا فيتذكروا به عقاب الأمم فيعتبروا وقرأ ابن مسعود وعاصم الجحدري أو نحدث بنون مرفوعة تعالى فتعالى الله أي جل عن إلحاد الملحدين وقول المشركين في صفاته الملك الذي بيده كل شئ الحق وقد ذكرناه في يونس 32 تعالى ولا تعجل بالقرآن في سبب نزولها قولان أن جبريل كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بالسورة الآي فيتلوها عليه فلا يفرغ جبريل من آخرها حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولها مخافة أن ينساها فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس أن رجلا لطم امرأته فجاءت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم تطلب القصاص فجعل رسول
[ 225 ]
الله صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص فنزلت هذه الآية فوقف على الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى الرجال قوامون على النساء النساء 34 قاله الحسن البصري تعالى من قبل أن يقضى اليك وحيه وقرأ ابن مسعود والحسن ويعقوب نقضي بالنون وكسر الضاد وفتح الياء وحيه بنصب الياء معنى الكلام ثلاثة أقوال
لا تعجل بتلاوته قبل ان يفرغ جبريل من تلاوته تخاف نسيانه هذا على القول الأول لا تقرئ أصحابك حتى نبين لك معاينة قاله مجاهد وقتادة لا تسأل إنزاله قبل أن يأتيك الوحي ذكره الماوردي تعالى وقل رب زدني علما فيه ثلاثة أقوال زدني قرآنا قاله مقاتل والثاني فهما والثالث حفظا ذكرهما الثعلبي عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لت تظمؤا فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا هذه منها فبدت لهم سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتبه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فاما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيمة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك آتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم
[ 226 ]
تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى تعالى ولقد عهدنا الى آدم أي أمرناه وأوصيناه الله أن لا يأكل من الشجر من قبل أي من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا قال في وهم الذين ذكرهم في قوله لعلهم يتقون والمعنى أنهم إن نقضوا العهد فان آدم قد عهدنا إليه فنسي هذا النسيان قولان
أنه الترك قاله ابن عباس ومجاهد والمعنى ترك ما أمر به أنه من النسيان الذي يخالف الذكر حكاه الماوردي معاذ القارئ وعاصم الجحدري وابن السميفع فنسي برفع النون وتشديد السين تعالى ولم نجد له عزما العزم في اللغة توطين النفس على الفعل وفي المعنى أربعة اقوال لم نجد له حفظا رواه العوفي عن ابن عباس والمعنى لم يحفظ ما أمر به صبرا قاله قتادة ومقاتل والمعنى لم يصبر عما نهي عنه حزما قاله ابن السائب قال ابن الأنباري وهذا لا يخرج آدم من أولي العزم وإنما لم يكن له عزم في الأكل فحسب عزما في العود الى الذنب ذكره الماوردي وما بعد هذا قد تقدم تفسيره البقرة 34 الى قوله تعالى فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى قال المفسرون المراد به نصب الدنيا وتعبها من تكلف الحرث والزرع والعجن والخبز وغير ذلك قال سعيد بن جبير أهبط الى آدم ثور أحمر فكان يعتمل عليه ويمسح العرق عن جبينه فذلك شقاؤه قال العلماء والمعنى فتشقيا وإنما لم يقل فتشقيا لوجهين أن آدم هو المخاطب فاكتفى به مثله عن اليمين وعن الشماقعيد ق 17 عن قاله الفراء أنه لما كان آدم هو الكاسب كان التعب في حقه أكثر ذكره الماوردي تعالى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى قرأ ابي بن كعب لا تجاع ولاتعرى بالتاء المضمومة
[ 227 ]
والألف وأنك لا تظمأ قر أابن من كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وأنك مفتوحة الألف وقرأ نافع وابو بكر عن عاصم وإنك بكسر الألف قال أبو علي من فتح حمله على أن لك أن لا تجوع وأن لك أن لا تظمأ ومن كسر استأنف
تعالى لا تظمأ فيها أي لا تعطش يقال ظمئ الرجل ظمأ فهو ظمآن أي عطشان ومعنى لا تضحى لا تبرز للشمس فيصيبك حرها لأنه ليس في الجنة شمس تعالى هل أدلك عل شجرة الخلد أي على شجرة من أكل منها لم يمت وملك لا يبلى جديده ولا يفنى وما بعد هذا مفسر في الأعرف 22 قوله تعالى فغوى قولان ضل طريق الخلود حيث أراده من قبل المعصية فسد عليه عيشه لأن معنى الغي الفساد قال ابن الأنباري وقد غلط بعض المفسرين فقال معنى غوى أكثر مما أكل من الشجرة حتى بشم كما يقال غوى الفصيل إذا أكثر من لبن أمه فبشم فكاد يهلك وهذا خطأ من وجهين في أنه لا يقال من البشم غوى يغوي وإنما يقال غوي يغوى أن قوله تعالى فلما ذاقا الشجرة الأعراف 22 يدل على أنهما لم يكثرا ولم تتأخر عنهما العقوبة حتى يصلا الى الإكثار قال ابن قتيبة فنحن نقول في حق آدم عصى وغوى كما قال الله عز وجل ولا نقول آدم عاص وغاو كما تقول لرجل قطع ثوبه وخاطه قد قطعه وخاطه ولا تقول هذا خياط حتى يكون معاودا لذلك الفعل معروفا به تعالى ثم اجتباه ربه قد بينا الاجتباء في الأنعام 87 فتاب عليه وهدى أي هداه للتوبة قال اهبطا في المشار اليهما قولان آدم وإبليس قاله مقاتل آدم وحواء قاله أبو سليمان الدمشقي ومعنى قوله تعالى بعضكم لبعض عدو آدم وذريته وإبليس وذريته والحية أيضا وقد شرحنا هذا في البقرة 36 تعالى فمن اتبع هداي أي رسولي وكتابي فلا يضل ولا يشقى قال ابن عباس
[ 228 ]
من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه سوء الحساب ولقد ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية تعالى ومن أعرض عن ذكري قال عطاء عن موعظتي وقال ابن السائب عن القرآن
ولم يؤمن به ولم يتبعه تعالى فان له معيشة ضنكا قال أبو عبيدة معناه معيشة ضيقة والضنك يوصف به الأنثى والذكر بغير هاء وكل عيش أو مكان أو منزل ضيق فهو ضنك وأنشد وإن نزلوا بضنك فانزل الزجاج الضنك أصله في اللغة الضيق والشدة في المراد بهذه المعيشة خمسة أقوال أنها عذاب القبر روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أتدرون ما المعيشة الضنك قالوا الله ورسوله أعلم قال عذاب الكافر في قبره والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا ينفخون في جسمه ويلسعونه ويخدشونه الى يوم القيامة وممن ذهب الى أنه عذاب القبر ابن مسعود وأبو سعيد الخدري والسدي أنه ضغطة القبر حتى تختلف أضلاعه فيه رواه عطاء عن ابن عباس شدة عيشه في النار رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة وابن زيد قال ابن السائب وتلك المعيشة من الضريع والزقو أن المعيشة الضنك كسب الحرام روى الضحاك عن ابن عباس قال المعيشة الضنك أن تضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدى لشئ منها وله معيشة حرام يركض فيها قال الضحاك فهذه المعيشة هي الكسب الخبيث وبه قال عكرمة أن المعيشة الضنك المال الذي لا يتقي الله صاحبه فيه رواه العوفي عن ابن عباس في مكان المعيشة ثلاثة أقوال القبر والثاني الدنيا والثالث جهنم
[ 229 ]
قوله تعالى ونحشره يوم القيامة أعمى قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم أعمى حشترتني بن أعمى بفتح الميمين وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بكسرهما وقرأ نافع بين الكسر والفتح ثم في هذا العمى للمفسرين قولان أعمى البصر روى أبو صالح عن ابن عباس قال إذا أخرج من القبر خرج بصيرا فإذا سيق الى المحشر عمي أعمى عن الحجة قاله مجاهد وأبو صالح قال الزجاج معناه فلا حجة له يهتدي بها لأنه ليس للناس على الله حجة بعد الرسل تعالى كذلك أي الأمر كذلك كما ترى أتتك آياتنا فنسيتها أي فتركتها ولم تؤمن بها وكما تركتها في الدنيا تترك اليوم في النار وكذلك أي وكما ذكرناه نجزي من أسرف أي اشرك ولعذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا ومن عذاب القبر وابقى لأنه يدوم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهي ولولا كلمة هذه من ربك لكان لزاما وأجل مسمى فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنائي سنة الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى تعالى أفلم يهد لهم أي أفلم يتبين لكفار مكة إذا نظروا آثار من أهلكنا من الأمم وكانت قريش تتجر وترى مساكن عاد وثمود وفيها علامات الهلاك فذلك قوله تعالى يمشون في مساكنهم وروى زيد عن يعقوب أفلم نهد بالنون قوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب عن هؤلاء الكفار الى يوم القيامة وقيل إلى يوم بدر وقيل إلى انقضاء أجالهم لكان لزاما أي لكان العذاب لزاما أي لازما لهم واللزام مصدر وصف به العذاب قال الفراء وابن قتيبة في هذه الآية تقديم
وتأخير والمعنى ولولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاما تعالى فاصبر على ما يقولون أمر الله تعالى نبيه بالصبر على ما يسمع من أذاهم
[ 230 ]
إلى أن يحكم الله فيهم ثم حكم فيهم بالقتل ونسخ بآية السيف إطلاق الصبر تعالى وسبح بحمد ربك أي صل له بالحمد له والثناء عليه قبل طلوع الشمس يريد الفجر وقبل غروبها يعني العصر ومن آناء الليل الآناء الساعات وقد بيناها في آل عمران 113 فسبح أي فصل المراد بهذه الصلاة أربعة أقوال المغرب والعشاء رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال قتادة جوف الليل رواه العوفي عن ابن عباس عمرو العشاء قاله مجاهد وابن زيد أول الليل وأوسطه وأخره قاله الحسن تعالى وأطراف النهار المعنى وسب أطراف النهار قال الفراء إنما هم طرفان فخرجا مخرج الجمع كقوله تعالى إن تتوب الى الله فقد صغت قلوبكما الترحيم 4 في المراد بهذه الصلاة ثلاثة أقوال أنها الظهر قاله قتادة فعلى هذا إنما قيل لصلاة الظهر أطراف النهار لأن وقتها عند الزوال فهو طرف النصف الأول وطرف النصف الثاني انها صلاة المغرب وصلاة الصبح قاله ابن زيد وهذا على ان الفجر في ابتداء الطرف الأول والمغرب في انتهاء الطرف الثاني أنها الفجر والظهر والعصر فعلى هذا يكون الفحر من الطرف الأول والظهر والعصر من الطرف الثاني حكاه الفراء تعالى لعلك ترضى قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم ترضى بفتح التاء وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم بضمها فمن فتح فالمعنى لعلك ترضى ثواب الله الذي يعطيك ومن ضمها ففيه وجهان
لعلك ترضى بما تعطى والثاني لعل الله أن يرضاك
[ 231 ]
قبل يحيى تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وابقى وامر أهلك بالصلوة واصطبر عليها لانسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى الرحمن تعالى ولا تمدن عينيك سبب نزولها ما روى أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نزل ضيف برسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني فأرسلني الى رجل من اليهود يبيع طعاما فقال قل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعني كذا وكذا من الدقيق أو اسلفني الى هلال رجب فأتيته فقلت له ذلك فقال اليهودي والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال والله لو باعني أو أسلفني لقضيته وإني لأمين في السماء أمين في الأرض اذهب بدرعي الحديد إليه فنزلت هذه الآية تعزية له عن الدنيا قال أبي بن كعب من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه حسرات على الدنيا وقد مضى تفسير هذه الآية في آخر الحجر 88 تعالى زهرة الحياة الدنيا وقرأ ابن مسعود والحسن والزهري ويعقوب زهرة بفتح الهاء قال الزجاج وهو منصوب بمعنى متعنا لأن معنى متعنا جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة لنفتنهم فيه أي لنجعل ذلك فتنة لهم وقال ابن قتيبة لنختبرهم قال المفسرون زهرة الدنيا بهجتها وغضارتها وما يروق الناظر منها عند رؤيته وهو من زهرة النبات وحسنه تعالى ورزق ربك خير وأبقى فيه قولان أنه ثوابه في الآخرة والثاني القناعة تعالى وأمر أهلك بالصلاة قال المفسرون المراد بأهله قومه ومن كان على
دينه ويدخل في هذا اهل بيته تعالى واصطبر عليها أي واصبر على الصلاة لا نسألك رزقا وكان لا نكلفك رزقا لنفسك ولا لخلقنا إنما نأمرك بالعبادة ورزقك علينا والعاقبة للتقوى أي وحسن العاقبة لأهل التقوى وكان بكر بن عبد الله المزني إذا أصاب أهله خصاصة قال قوموا فصلوا ثم يقول بهذا أمر الله تعالى ورسوله ويتلو هذه الآية
[ 232 ]
لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينه ما في الصحف الأولى ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى تعالى وقالوا يعني المشركين لولا أي هلا يأتينا محمد بآية من ربه أي كآيات الأنبياء نحو الناقة والعصا أو لم يأتهم قرأ نافع وابو عمرو وحفص عن عاصم تأتهم بالتاء وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم يأتهم بالياء تعالى بينه ما في الصحف الأولى أي أولم يأتهم في القرآن بيان وما في الكتب من أخبار الأمم التي أهلكناها لما سألوا الآيات ثم كفروا بها فما يؤمنهم أن تكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك ولو انا أهلكناهم يعني مشركي مكة بعذاب من قبله في الهاء قولان أنها ترجع الى الكتاب قاله مقاتل والثاني الى الرسول قاله الفراء تعالى لقالوا يوم القيامة ربنا لولا أي هلا ارسلت الينا رسولا يدعونا الى طاعتك فنتبع آياتك أي نعمل بمقتضاها من قبل أن نذل بالعذاب ونخزى في
جهنم وقرأ ابن عباس وابن السميفع وأبو حاتم عن يعقوب نذل ونخزى برفع النون فيهما وفتح الذال قل لهم يا محمد كل منا ومنكم متربص أي نحن نتربص بكم العذاب في الدنيا وأنتم تتربصون بنا الدوائر فتربصوا أي فانتظروا فستعلمون إذا جاء امر الله روى من اصحاب الصراط السوي أي الدين المستقيم ومن اهتدى من الضلالة أنحن أم أنتم وقيل هذه منسوخة بآية السيف وليس بشئ
[ 233 ]
الأنبياء الله الرحمن الرحيم ولم للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وانتم تبصرون قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين لقد أنزلنا اليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون مكية باجماعهم من غير خلاف نعلمه عز وجل اقترب افتعل من القرب يقال قرب الشئ واقترب وهذه الآية نزلت في كفار مكة وقال الزجاج اقترب للناس وقت حسابهم وقيل اللام في قوله للناس بمعنى من والمراد بالحساب محاسبة الله لهم على أعمالهم معنى قربه قولان
[ 234 ]
أنه آت وكل آت قريب
لأن الزمان لكثرة ما مضى وقله ما بقي قريب تعالى وهم في غفلة أي عما يفعل الله بهم ذلك اليوم معرضون عن التأهب له وقيل اقترب للناس عام والغفلة والإعراض خاص في الكفار بدلالة قوله تعالى ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث وفي هذا الذكر ثلاثة أقوال أنه القرآن قاله ابن عباس فعلى هذا تكون الإشارة بقوله محدث إلى إنزاله له لأنه أنزل شيئا بعد شئ أنه ذكر من الأذكار وليس بالقرآن حكاه أبو سليمان الدمشقي وقال النقاش هو ذكر من رسول الله وليس بالقرآن أنه رسول الله بدليل قوله في سياق الآية هل هذا الا بشر مثلكم قاله الحسن بن الفضل تعالى إلا استمعوه وهم يلعبون قال ابن عباس يستمعون القرآن مستهزئين تعالى لاهية قلوبهم أي غافلة عما يراد بهم قال الزجاج المعنى إلا استمعوه لاعبين لاهية قلوبهم ويجوز أن يكون منصوبا بقوله بين وقرأ عكرمة وسعيد بن جبير وابن أبي عبلة لاهية بالرفع تعالى وأسروا النجوى أي تناجوا فيما بينهم يعني المشركين ثم بين من هم فقال الذين ظلموا أي اشركوا بالله والذين في موضع رفع على البدل من الضمير في وأسروا ثم بين سرهم الذي تناجوا به فقال هل هذا إلا بشر مثلكم أي آدمي فليس بملك وهذا إنكار لنبوته وبعضهم يقول اسروا هاهنا بمعنى أظهروا لأنه من الأضداد تعالى أفتأتون السحر أي أفتقبلون السحر وأنت تعلمون أنه سحر يعنون أنه متابعة محمد صلى الله عليه وسلم متابعة السحر قل ربي قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر وابو بكر عن عاصم قل ربي وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم قال ربي وكذلك هي في مصاحف الكوفيين وهذا على الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يعلم القو أي لا يخفى
عليه شئ يقال في السماء والأرض فهو عالم بما أسررتم بل قالوا قال الفراء رد ب بل على معنى تكذيبهم وإن لم يظهر قبله الكلام بجحودهم لأن معناه الأخبار عن الجاحدين
[ 235 ]
وأعلم أن المشركين كانوا قد تحيروا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختلفت أقوالهم فيه فبعضهم يقول هذا الذي يأتي به سحر وبعضهم يقول أضغاث أحلام وهي الأشياء المختلطة ترى في المنام وقد شرحناها في يوسف 44 وبعضهم يقول افتراه أي اختلقه وبعضهم يقول هو شاعر فليأتنا بآية كالناقة والعصا فاقترحوا الآيات التي لا أمهال بعدها تعالى ما آمنت قبلهم يعني مشركي مكة من قرية وصف القرية والمراد أهلها والمعنى أن الأمم التي أهلكت بتكذيب الآيات لم يؤمنوا أهل لما أتتهم فكيف يؤمن هؤلاء وهذه إشارة إلى أن الآية لا تكون سببا للإيمان إلا أن يشاء الله تعالى وما أرسلنا قبلك الا رجالا هذا جواب قولهم هل هذا الا بشر مثلكم تعالى نوحي إليهم قرأ الاكثرون يوحى بالياء وروى حفص عن عاصم نوحي بالنون وقد شرحناه هذه الآية في النحل 43 تعالى وما جعلناهم يعني الرسل جسدا قال الفراء لم يقل اجسادا لأنه اسم الجنس قال مجاهد وما جعلناهم جسدا ليس فيهم روح قال ابن قتيبة ما جعلنا الانبياء قبله أجسادا لا تأكل الطعام لا تموت فنجعله كذلك قال المبرد وثعلب جميعا العرب إذا جاءت بين الكلام بجحدين كان الكلام إخبارا فمعنى الآية إنما جعلناهم جسدا ليأكلوا الطعام قال قتادة المعنى وما جعلناهم جسدا إلا ليأكلوا الطعام تعالى ثم صدقناهم الوعد يعني الأنبياء أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم بانجائهم وإهلاك مكذبيهم فأنجيناهم ومن نشاء وهم الذين صدقوهم وأهلكنا المسرفين يعني أهل الشرك وهذا تخويف لأهل مكة ثم ذكر منته عليهم بالقرآن فقال لقد أنزلناه اليكم كتابا فيه ذكركم وفيه ثلاثة أقوال
فيه شرفكم قاله أبو صالح عن ابن عباس فيه دينكم قاله الحسن يعني فيه متحتاجون إليه من امر دينكم فيه تذكرة لكم لما تلقونه من رجعة أو عذاب قاله الزجاج تعالى أفلا تعقلون ما فضلتكم به على غيركم حديث قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين فلما أحسوا
[ 236 ]
بأسنا إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا الى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعولهم عند حتى جعلناهم حصيدا خامدين لأنه خوفهم فقال وكما قصمنا قال المفسرون واللغويون معناه وكم أهلكنا وأصل القصم الكسر وقوله كانت ظالمة أي كافرة والمراد أهلها فلما أحسوا بأسنا أي رأوا عذابنا بحاسة البصر إذا هم منها يركضون أي يعدون وأصل الركض تحريك الرجلين يقال ركضت الفرس إذا أعديته بتحريك رجليك فعدا تعالى لا تركضوا قال المفسرون هذا قول الملائكة لهم وارجعوا الى ما أترفتم فيه أي الى نعمكم التي اترفتكم أخبرنا وهذا توبيخ لهم قوهل لعلكم تسألون قولان تسألون من دنياكم شيئا استهزاء بهم قاله قتادة تسألون عن قتل نبيكم قاله ابن السائب فلما أيقنوا بالعذاب قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين بكفرنا وقيل بتكذيب نبينا فما زالت تلك دعواهم أي ما زالت تلك الكلمة التي هي يا ويلنا إنا كنا ظالمين قولهم يرددونها حتى جعلناهم حصيدا بالعذاب وقيل بالسيوف خامدين أي ميتين كخمود النار إذا طفئت خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من
لدنا إن كنا فاعلين بل نقدف يا لو على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يتسحسرون يكون يسبحون الليل والنهار لا يفترون أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا
[ 237 ]
برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون تعالى وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين أي لم نخلق ذلك عبثا إنا خلقناهما دلالة على قدرتنا ووحدانيتنا ليعتب الناس بخلقه فيعلموا أن العبادة لا تصلح إلا لخالقه لنجازي أولياءنا ونعذب ما أعداءنا تعالى لو أردنا أن نتخذ لهوا في سبب نزولها قولان أن المشركين لما قالوا الملائكة بنات الله والآلهة بناته نزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أن نصارى نجران قالوا إن عيسى ابن الله فنزلت هذه الآية مقاتل المراد باللهو ثلاثة أقوال الولد رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال السدي قال الزجاج المعنى لو أردنا أن نتخذ ولدا ذا لهو نلهى سعيد به المرأة رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة بكر اللعب رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس تعالى لاتخذناه من لدنا قال ابن جريج لا تخذنا نساء أو ولدا من اهل السماء لا من اهل الأرض قال ابن قتيبة وأصل اللهو الجماع فكني عنه باللهو كما كني عنه بالسر
والمعنى لو فعلنا ذلك لاتخذناه من عندنا لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره قوله إن كنا فاعلين قولان أن إن بمعنى ما قاله ابن عباس والحسن وقتادة
[ 238 ]
أنها بمعنى الشرط قال الزجاج والمعنى إن كنا نفعل ذلك ولسنا ممن يفعله قال والقول الأول قول المفسرين والثاني قول النحويين وهم يستجيدون القول الأول أيضا لأن إن تكون في موضع النفي إلا أن أكثر ما تأتي مع اللام تقول إن كنت لصالحا قد معناه ما كنت إلا صالحا تعالى بل أي دع ذاك الذي قالوا فانه باطل نقذف بالحق أي نسلط الحق وهو القرآن على الباطل وهو كذبهم فيدمغه قال ابن قتيبة أي يكسره واصل هذا إصابة الدماع بالضرب وهو مقتل فإذا هو زاهق أي زائل ذاهب قال المفسرون والمعنى إنا نبطل كذبهم بما نثبين وفي من الحق حتى يضمحل ولكم الويل مما تصفون أي من وصفكم الله بما لا يجوز وله من في السموات والأرض يعني هم عبيده وملكه ومن عنده يعني الملائكة قوله ولا يستحسرون ثلاثة أقوال لا يرجعون رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس كل لا ينقطعون قاله مجاهد وقال ابن قتيبة لا يعيون والحسر المنقطع الواقف إعياء وكلالا لا يملون قاله ابن يزيد تعالى لا يفترون قال قتادة لا يسأمون وسئل كعب أما يشلغهم شأن أما تشغلهم حاجة فقال للسائل يا ابن أخي جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس ألست تأكل وتشرب وتقوم
وتجلس وتجئ وتذهب وتتكلم وأنت تتنفس فكذلك جعل هلم التسبيح ثم إن الله تعالى عاد الى توبيخ المشركين فقال أم اتخذوا آلهة من الأرض لأن أصنامهم من الأرض هي سواء كانت من ذهب أو فضة أو خشب أو حجارة هم يعني الآلهة ينشرون أي يحيون الموتى وقرا الحسن ينشرون بفتح الياء وضم الشين وهذا استفهام بمعنى الجحد والمعنى ما اتخذوا آلهة تنشر ميتا لو كان فيهما يعني السماء والارض آلهة يعن معبودين إلا الله قال الفراء سوى الله وقال الزجاج غير الله تعالى لفسدتا أي لخربتا وبطلتا وهلك من فيهما لوجود التمانع بين الآلهة فلا يجري أمر العالم على النظام لأن كل أمر صدر عن اثنين فصاعدا لم يسلم من الخلاف تعالى لا يسأل عما يفعل أي عما يحكم في عباده من هدي وإضلال وإعزاز
[ 239 ]
وإذلال لأنه المالك للخلق والخلق يسألون عن أعمالهم لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم ولما أبطل عز وجل أن يكون إله سواه من حيث العقل بقوله لفسدتا أبطل ذلك من حيث الأمر فقال أم اتخذوا من دونه آلهة وهذا استفهام إنكار وتوبيخ قل برهانكم على ما تقولون هذا ذكر من معي يعني القرآن خبر من معي على ديني ممن يتبغني فلا الى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية وذكر من قبلي يعني الكتب المنزلة والمعنى هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت قبله فانظروا هل في واحد منها أن الله أمر باتخاذ إله سواه فبطل بهذا البيان جواز اتخاذ معبود غيره من حيث الأمر به قال الزجاج قيل لهم هاتوا برهانكم بأن رسولا من الرسل أخبر أمته بأن لهم إلها غير الله تعالى بل أكثرهم يعني كفار مكة لا يعلمون الحق وفيه قولا انه القرآن قاله ابن عباس والثاني التوحيد قاله مقاتل فهم معرضون عن التفكر والتأمل وما يجب عليهم من الإيمان
أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لاإله إلا انا فاعبدون وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقون بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين تعالى من رسول الا بوحي قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم الا نوحي بالنون والباقون بالياء تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا في القائلين لهذا قولان أنهم مشركوا قريش قاله ابن عباس وقال ابن اسحاق القائل لهذا النضر بن الحارث
[ 240 ]
أنهم اليهود قالوا إن الله صاهر الجن فكانت منهم الملائكة قاله قتادة فعلى القولين المراد بالولد الملائكة وكذلك المراد بقوله بل عباد مكرمون والمعنى بل عباد أكرمهم الله واصطفاهم لا يسبقونه بالقول أي لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به وقال ابن قتيبة لا يقولون حتى يقول ثم يقولون عنه ولا يعملون حتى يأمرهم تعالى يعلم ما بين أيديهم أي ما قدموا من الأعمال وما خلفهم ما هم عاملون ولا يشفعون يوم القيامة وقيل لا يستغفرون في الدنيا إلا لمن ارتضى أي لمن رضي عنه وهم من خشيته أي من خشيتهم منه فأضيف المصدر الى المفعول مشفقون أي خائفون وقال الحسن يرتعدون ومن يقل منهم أي من الملائكة قال الضحاك في آخرين هذه خاصة لإبليس لم يدع أحد من الملائكة إلى عبادة نفسه سواه قال أبو سليمان الدمشقي وهذا قول من قال إنه من الملائكة فان ابليس قال ذلك للملائكة الذين هبطوا معه الى الأرض ومن قال إنه ليس
من الملائكة قال هذا على وجه التهديد وما قال أحد من الملائكة ذلك عمرو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون قوله تعالى أولم ير الذين كفروا أي أولم يعلموا وقرأ ابن كثير ألم ير الذين كفروا بغير واو بين الألف واللام وكذلك هي في مصاحف أهل مكة أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما قال أبو عبيدة السموات جمع والأرض واحدة فخرجت صفة لفظ الجمع على لفظ صفة الواحد والعرب تفعل هذا إذا أشركوا بين جمع وبين واحد والرتق مصدر يوصف به الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث سواء ومعنى الرتق الذي ليس فيه ثقب قال الزجاج المعنى كانتا ذواتي رتق فجعلهما ذوات فتق وإنما لم يقل رتقين لأن الرتق مصدر في المراد به ثلاثة أقوال أن السموات كانت رتقا لا تمطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت ففتق هذه بالمطر
[ 241 ]
وهذه بالنبات رواه عبد الله بن دينار عن ابن عباس وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد في رواية والضحاك في آخرين أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين ففتقهما الله تعالى رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة أنه فتق من الأرض ست أرضين فصارت سبعا ومن السماء ست سموات فصارت سبعا رواه السدي عن أشياخه وابن أبي نجيح عن مجاهد تعالى وجعلنا من الماء كل شئ حي وقرا معاذ القارئ وابن أبي عبلة وحميد بن قيس كل شئ حيا بالنصب
هذا الماء قولان أنه الماء المعروف والمعنى جعلنا الماء سببا لحياة كل حي قاله الأكثرون والثاني أنه النطفة قاله أبو العالية
[ 242 ]
تعالى وجعلنا في الأرض رواسي قد فسرناه في النحل 15 تعالى وجعلنا فيها أي في الرواسي فجاجا قال أبو عبيدة هي المسالك قال الزجاج الفجاج جمع فج وهو كل منخرق بين جبلين ومعنى سبلا طرقا قال ابن عباس جعلنا من الجبال طرقا كي تهتدوا الى مقاصدكم في الأسفار قال المفسرون وقوله سبلا تفسير للفجاج وبيان أن تلك الفجاج نافذة مسلوكة فقد يكون الفج غير نافذ وجعلنا السماء سقفا أي هي الأرض كالسقف معنى محفوظا قولان بالنجوم من الشياطين قاله أبو صالح عن ابن عباس محفوظا من الوقوع إلا باذن الله قاله الزجاج تعالى وهم يعني كفار مكة عن آياتها أي شمسها وقمرها ونجومها قال الفراء وقرا مجاهد عن آيتها فوحده فجعل السماء بما فيها آية وكل صواب تعالى كل يعني الطوالع في فلك قال ابن قتيبة الفلك مدار النجوم الذي يضمها وسماه فلكا لاستدارته ومنه قيل فلكه المغزل وقد فلك ثدي المرأة قال أبو سليمان وقيل إن الفلك كهيئة الساقية من ماء مستديرة دون السماء وتحت الأرض فالأرض وسطها والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار يجرون في الفلك وليس الفلك يديرها ومعنى يسبحون يجرون قال الفراء لما كانت السباحة من أفعال الآدميين ذكرت بالنون كقوله لي ساجدين يوسف 40 لأن السجود من أفعال الآدميين: جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفائن مت فهم الخالدون كل نفس ذائقة الموت
ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون تعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد سبب نزولها أن ناسا قالوا إن محمدا لا يموت فنزلت هذه الآية قاله مقاتل ومعنى الآية ما خلدنا قبلك أحدا من بني آدم والخلد البقاء الدائم أفان مت فهم الخالدون يعني مشركي مكة لأنهم قالوا غير به ريب المنون الطور 30
[ 243 ]
تعالى ونبلوكم بالشر والخير قال ابن زيد نختبركم بما تحبون لننظر كيف شكركم وبما تكرهون لننظر كيف صبركم تعالى وإلينا يرجعون قرأ ابن عامر ترجعون بتاء مفتوحة وروى ابن عباس عن ابي عمرو يرجعون بياء مضمومة وقرأ الباقون بتاء مضمومة تعالى وإذا رآك الذين كفروا قال ابن عباس يعني المستهزئين وقال السدي نزلت في أبي جهل مر به رسول الله فضحك وقال هذا نبي نبي عبد مناف وإن بمعنى ما ومعنى هزوا مهزوءا به أهذا الذي يذكر آلهتكم أي يعيب أصنامكم وفيه أضمار يقولون وهم بذكر الرحمن هم كافرون وذلك أنهم قالوا ما نعرف الرحمن فكفروا بالرحمن الإنسان من عجل سأوريكم آياتي فلا تستعجلون ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين لو يعلم الذين أحمد حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن تعالى خلق الإنسان من عجل وقرأ أبو رزين العقيلي ومجاهد والضحاك خلق الإنسان بفتح الخاء واللام ونصب النون وهذه الآية نزلت حين استعجلت قريش بالعذاب
المراد بالإنسان هاهنا ثلاثة أقوال النضر بن الحارث وهو الذي قال إن كان هذا هو الحق من عندك الآية الانفال 32 رواه عطاء عن ابن عباس آدم عليه السلام قاله سعيد بن جبير والسدي في آخرين أنه اسم جنس قاله علي بن أحمد النيسابوري فعلى هذا يدخل النضر بن الحارث وغيره في هذا وإن كانت الآية نزلت فيه
[ 244 ]
من قال أريد به آدم ففي معنى الكلام قولان أنه خلق عجولا قاله الأكثرون فعلى هذا يقول لما طبع آدم على هذا المعنى وجد في أولاده وأورثهم العجل خلق بعجل استعجل بخلقه قبل غروب الشمس من يوم الجمعة وهو آخر الأيام الستة قاله مجاهد من قال هو اسم جنس ففي معنى الكلام قولان خلق عجولا قال الزجاج خوطبت العرب بما تعقل بعد تقول للذي يكثر منه اللعب إنما خلقت من لعب يريدون المبالغة في وصفه بذلك أن في الكلام تقديما وتأخيرا والمعنى خلقت العجلة في الإنسان قاله ابن قتيبة تعالى سأريك آياتي فيه قولان ما أصاب الأمم المتقدمة والمعنى إنكم تسافرون يقول فترون آثار الهلاك في الماضين قاله ابن السائب أنها القتل ببدر قاله مقاتل تعالى فلا تستعجلون اثبت الياء في الحالين يعقوب تعالى ويقولون متى هذا الوعد يعنون القيامة لم يعلم الذين كفروا جوابه
محذوف والمعنى لو علموا صدق الوعد ما استعجلوا حين لا يكفون أي لا يدفعون عن وجوههم النار إذا دخلوا ولا عن ظهورهم لإحاطتها بهم ولا هم ينصرون أي يمنعون مما نزل بهم بل تأتيهم يعني الساعة بغتة فجأة فتبهتهم تحيرهم وقد شرحنا هذا عند قوله الذي كفر البقرة 258 فلا يستطيعون ردها أي صرفها عنهم ولا هم يمهلون لتوبة أو معذرة ثم عزى نبيه فقال ولقد استهزئ برسل من قبلك أي كما فعل بك قومك فحاق أي نزل بالذين سخروا منهم أي من الرسل ما كانوا به يستهزؤون يعني العذاب الذي كانوا استهزؤوا به من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون أم لهم
[ 245 ]
آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون الذي تعالى قل من يكلؤكم المعنى قل لهؤلاء المستعجلين بالعذاب من يحفظكم من بأس الرحمن إن أراد إنزاله بكم وهذا استفهام إنكار أي لا أحد يفعل ذلك بل هم عن ذكر ربهم أي عن كلامه ومواعظه معرضون لا يتفكرون ولا يعتبرون أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا فيه تقديم وتأخير وتقديره أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم وهاهنا تم الكلام ثم وصف آلهتهم بالضعف فقال لا يستطيعون نصر أنفسهم والمعنى من لا يقدر عل نصر نفسه عما يراد به فكيف ينصر غيره تعالى ولا هم في المشار إليهم قولان أنهم الكفار وهو قول ابن عباس والثاني أنهم الأصنام قاله قتادة معنى يصحبون أربعة أقوال
يجارون رواه العوفي عن ابن عباس قال ابن قتيبة والمعنى لا يجيرهم منا احد لأن المجير صاحب لجاره والثاني يمنعون رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثالث ينصرون قاله مجاهد والرابع لا يصحبون بخير قاله قتادة بين اغترارهم بالإمهال فقال بل متعنا هؤلاء وآباءهم يعني أهل مكة حتى طال عليهم العمر فاغتروا بذلك أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها لأن أطرافها قد شرحناه في الرعد 41 أفهم الغالبون أي هذه الحال وهو نقص الأرض والمعنى ليسوا بغالبين ولكنهم المغلوبون قل إنما أنذركم أي أخوفكم بالوحي أي بالقرآن والمعنى إنني ما جئت به من تلقاء نفسي إنما أمرت فبلغت ولا يسمع الصم الدعاء وقرأ ابن عامر ولا تسمع بالتاء مضمومة الصم نصبا وقرأ ابن يعمر والحسن ولا يسمع بضم الياء وفتح الميم الصم بضم الميم شبه الكفار بالصم الذين لا يسمعون نداء مناديهم ووجه التشبيه أن هؤلاء لم
[ 246 ]
ينتفعوا بمسمعوا كالصم لا يفيدهم صوت مناديهم ولئن مستهم أي أصابتهم نفحة قال ابن عباس طرف وقال الزجاج المراد أدنى شئ من العذاب ليقولن يا ويلنا والويل ينادي به كل من وقع في هلكة وقد مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين تعالى ونضع الموازين القسط قال الزجاج المعنى ونضع الموازين ذوات القسط والقسط العدل وهو مصدر يوصف به يقال ميزان قسط وميزانا قسط وموازين قسط قال الفراء القسط من صفة الموازين وإن كان موحدا كما تقول أنت عدل وأنتم رضى وقوله
ليوم القيامة وفي يوم القيامة سواء وقد ذكرنا الكلام في الميزان في أول الأعراف 8 قيل إذا كان الميزان واحدا فما المعنى بذكر الموازين علي أنه لما كانت أعمال الخلائق توزن وزنة بعد وزنة سميت موازين تعالى فلا تظلم نفس شيئا أي لا ينقص محسن من إحسانه ولا يزاد مسئ على إساءته وإن كان مثقال حبة أي وزن حبة وقرأ نافع مثقال برفع اللام قال الزجاج ونصب مثقال على معنى وإن كان العمل مثقال حبة وقال أبو علي الفارسي وإن كان الظلامة مثقال حبة لقوله تعالى فلا تظلم نفس شيئا قال ومن رفع أسند الفعل الى المثقال كما اسند في قوله تعالى كان ذو عسرة البقرة 280 تعالى أتينا بها أي جئنا بها وقرأ ابن عباس ومجاهد وحميد آتينا ممدودة أي جازينا بها تعالى بنا حاسبين قال الزجاج هو منصوب على وجهين احدهما التمييز والثاني الحال
[ 247 ]
آتينا موسى وهرون الفرقا وضياء وذكرا للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون تعالى ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان فيه ثلاثة أقوال أنه التوارة التي فرق بها الحلال والحرام قاله مجاهد وقتادة البرهان الذي فرق به بين حق موسى وباطل فرعون قاله پابن زيد النصر والنجاة لموسى وإهلاك فرعون قاله ابن السائب تعالى وضياء روى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يرى الواو زائدة قال الزجاج وكذلك قال بعض النحويين أن المعنى الفرقان ضياء وعند حتى أن الواو لا تزاد ولا تأتي إلا بمعنى العطف فهي هاهنا مثل قوله تعالى هدى ونور تعالى المائدة 44 قال المفسرون والمعنى
أنهم استضاؤوا فإن بالتوراة حتى اهتدوا بها في دينهم ومعنى قوله تعالى وذكرا للمتقين أنهم يذكرونه ويعملون بما فيه الذين يخشون ربهم بالغيب فيه أربعة أقوال يخافونه ولم يروه قاله الجمهور والثاني يخشون عذابه ولم يروه قاله مقاتل والثالث يخافونه من حيث لا يراهم أحد قاله الزجاج والرابع يخافونه إذا غابوا عن أعين الناس كخوفهم عمر إذا كانوا بين الناس قاله أبو سليمان الدمشقي ثم عاد إلى ذكر القرآن فقال وهذا يعني القرآن ذكر لمن تذكر به وعظه لمن اتعظ مبارك أي كثير الخير أفأنتم يا أهل مكة له منكرون أي جاحدون وهذا استفهام توبيخ آتينا ابرهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين وتالله
[ 248 ]
لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون تعالى ولقد آتينا ابراهيم رشده أي هداه من قبل وفيه ثلاثة أقوال من قبل بلوغه قاله أبو صالح عن ابن عباس آتيناه ذلك في العلم السابق قاله الضحاك عن ابن عباس والثالث من قبل موسى وهارون قال الضحاك وقد أشرنا الى قصة ابراهيم في الأنعام 75 تعالى وكنا به عالمين أي علمنا أنه موضع لإيتاء الرشد ثم بين متى آتاه فقال إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل يعني الاصنام والتمثال اسم للشئ المصنوع مشبها بخلق
من خلق الله تعالى وأصله من مثلث الشئ بالشئ إذا شبهته به وقوله التي أنتم لها أي على عبادتها عاكفون أي مقيمون فأجابوه أنهم رأوا آباءهم يعبدونها فاقتدوا بهم فأجابهم بأنهم فيما فعلوا وآباءهم في ضلال مبين قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين يعنون أجاد انت أم لاعب تعالى لأكيدن أصنامكم الكيد احتيال الكائد في ضر المكيد النبي والمفسرون يقولون لأكيدنها وإن بالكسر بعد أن تولوا أي تذهبوا عنها وكان لهم عيد في كل سنة يخرجون إليه ولا يخلفون بالمدينة أحدا فقالوا لإبراهيم لو خرجت معنا الى عيدنا أعجبك ديننا فخرج معهم فلما كان ببعض الطريق قال إني سقيم وألقى نفسه وقال سرامنهم وتالله لأكيدن أصنامكم فسمعه رجل منهم فأفشاه عليه فرجع إلى بيت الأصنام وكانت فيما ذكره مقاتل بن سليمان اثنين وسبعين صنما من ذهب وفضة ونحاس وحديد وخشب فكسرها ثم وضع الفأس في عنق الصنم الكبير فذلك قوله فجعلهم جذاذا قرأ الأكثرون جذاذا بضم الجيم وقرأ أبو بكر الصديق وابن مسعود وأبو رزين وقتادة وابن محيصن والأعمش والكسائي جذاذا بكسر الجيم وقرأ أبو رجاء العطاردي وأيوب السختياني وعاصم الجحدري جذاذا بفتح الجيم وقرأ الضحاك وابن يعمر جذذا كما الجيم من غير الف وقرأ معاذ القارئ وأبو حيوة وابن وثاب جذذا بضم الجيم من غير ألف قال أبو عبيدة أي مستأصلين هو قال جرير بني المهلب جذ الله دابرهم وسلم أمسوا رمادا فلا اصل ولا طرف عنه أي لم يبق منهم شئ ولفظ جذاذ يقع على الواحد والاثنين والجميع من المذكر
[ 249 ]
والمؤنث وقال ابن قتيبة جذاذا أي فتاتا وكل شئ كسرته فقد جذذته ومنه قيل للسويق الجذيذ إن وقرأ الكسائي جذاذا بكسر الجيم على أنه جمع جذيذ مثل ثقيل وثقال وخفيف وخفاف والجذيذ بمعنى المجذوذ وهو المكسور إلا كبيرا لهم أي كسر الأصنام إلا أكبرها قال الزجاج جائز أن يكون أكبرها في ذاته وجائز أن يكون أكبرها عندهم في تعظيمهم
إياه لعلهم إليه يرجعون في هاء الكناية قولان أنها ترجع الى الصنم ثم فيه قولان أحدهما لعلهم يرجعون إليه فيشاهدونه إلا هذا قول مقاتل والثاني لعلهم يرجعون إليه بالتهمة حكاه أبو سليمان الدمشقي أنها ترجع الى ابراهيم والمعنى لعلهم يرجعون الى دين ابراهيم بوجوب الحجة عليهم قاله الزجاج من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم قالوا فاتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون قالوء أنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبرهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون فيه رجعوا من عيدهم ونظروا الى آلهتهم قالو من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين أي قد فعل ما لم يكن له فعله فقال الذي سمع ابراهيم يقول لأكيدن أصنامكم سمعنا فتى يذكرهم قال الفراء أي يعيبهم نقول للجرل صلى لئن ذكرتني لتندمن تريد بسوء تعالى فأتوا به على أعين الناس أي بمرأى منهم لا تأتوا به خفية قال أبو عبيدة تقول العرب إذا أظهر الأمر وشهر كن ذلك على أعين الناس تعاللعلهم يشهدون فيه ثلاثة أقوال يشهدون أنه قال لآلهتنا ما قال رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة يشهدون أنه فعل ذلك قاله السدي يشهدون عقابه وما يصنع به قاله محمد بن اسحاق
[ 250 ]
المفسرون فانطلقوا به الى نمرود فقال له أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ابراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا غضب أن تعبد معه الصغار فكسرها فاسألوهم إن كانوا ينطقون من فعله بهم وهذا إلزام للحجة عليهم بأنهم جمادلا يقدرون على النطق العلماء في وجه هذا القول من ابراهيم عليه السلام على قولى أنه
وإن كان في صورة الكذب إلا أن المراد به التنبيه على أن من لا قدرة له لا يصلح أن يكون إلها ومثله قول الملكين لدواد هذا أخي ولم يكن أخاه له تسع وتسعون نعجة ص 23 وقال ولم كن له شئ أنه هذا مجرى التنبيه لداود على ما فعل وأنه هو المراد بالفعل والمثل المضروب ومثل هذا لا تسميه العرب كذبا أنه من معاريض الكلام فروي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله تعالى بل فعله ويقول معناه فعله مفعله ثم يبتدئ كبيرهم هذا قال الفراء وقرأ بعضهم بل فعله بتشديد اللام يريد فعله كبيرهم هذا قال الفراء وقرأ بعضهم بل فعلته بتشديد اللام يريد فلعله كبيرهم هذ وقال ابن قتيبة هذا من المعاريض ومعناه إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم وكذلك قوله إني سقيم الصافات 89 أي سأسقم ومثله إنك ميت الزمر 30 أي ستموت وقوله تؤاخذني بما نسيت الكهف 74 قال ابن عباس لم ينس ولكنه من معاريض الكلام والمعنى لا تؤاخذني بنسياني ومن هذا قصة الخصمين إذ تسوروا المحراب ص 21 وهمثله وإنا أو إياكم لعلى هدى سبأ 24 والعرب تستعمل التعريض في كلامها كثيرا فتبلغ إرادتها بوجه هو ألطف من الكشف واحسن من التصريح وروي أن قوما من الأعراب خرجوا يمتارون فلما صدروا خالف رجل في بعض الليل إلى عكم صاحبه فأخذ منه برا وجعله في عكمه فلما أراد الرحلة وقاما يتعاكمان صلى الله عليه وسلم رأى عكمه يشول وعكم صاحبه يثقل فأنشأ يقول
[ 251 ]
عكم إذا تغشى بعض أعكام القوم فقال لم أر عكما سارقا قبل اليوم أي صاحبه بوجه هو ألطف من التصريح قال ابن الأنباري كلام ابراهيم كان صدقا عند البحث ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم كذب إبراهيم ثلاثة كذبات ثنا قولا يشبه الكذب في الظاهر وليس بكذب قال المصنف وقد ذهب جماعة من العلماء إلى هذا الوجه وأنه من المعاريض والمعاريض لا تذم خصوصا إذا احتيج إليها روى عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يسرني أن به بما
أعلم من معاريض القول مثل أهلي ومالي وقال النخعي لهم كلام يتكلمون به إذا خشوا من شئ يدرؤون به عن أنفسهم وقال ابن سيرين الكلام أوسع من أن يكذب ظريف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعجوز إن الجنة لا تدخلها العجائز أراد قوله تعالى إنا أنشأناهن إنشاء الواقعة 35 وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يمازح بلالا فيقول ما أخت خالك منك وقال لامرأة من زوجك فسمته له فقال الذي في عينيه بياض وقال لرجل إنا حاملوك على ولد ناقة وقال له العباس ما ترجو لأبي طالب فقال كل خير أرجوه من ربي وكان أبو بكر حين خرج من الغار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سأله أحد من هذا بين يديك يقول هاد يهديني وكانت امرأة ابن رواحة قد رأته مع جارية له فقالت له وعلى فراشي أيضا فجحد فقالت له فاقرأ القرآن فقال وفينا هذا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق مشهور من الصبح طالع ثم يبيت يجافي جنبه عن فراشه رسول إذا استثقلت بالكافرين المضاجع ولا آمنت بالله وكذبت بصري فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فضحك وأعجبه ما صنع وعرض شريح ناقة ليبيعها فقال له المشتري كيف لبناه لم قال احلب في أي اناء شئت قال كيف الوطاء قال افرش ونم قال كيف نجاؤها قال إذا رأتيها في الإبل عرفت مكانها علق سوطك وسر قال كيف قونها حدثنا قال احمل على الحائط ما شئت فاستصراها ابن فلم ير شيئا مما وصف فرجع إليه فقال لما أر فيها شيئا مما وصفتها به قال ما كذبتك قال أقلني قال نعم وخرج شريح من عند زياد وهو مريض فقيل له كيف وجدت الأمير قال تركته يأمر وينهى فقيل له ما معنى يأمر وينهى قال يأمر بالوصية وينهى عن النوح وأخذ محمد بن يوسف حجرا المدري فقال العن عليا فقال إن الأمير أمرني أن ألعن عليا محمد بن يوسف فالعنوه لعنه الله وأمر بعض الأمراء صعصعة بن صوحان بلعن علي فقال لعن الله من لعن الله
[ 252 ]
ولعن علي ثم قال إن هذا الأمير قد أبى إلا أن ألعن عليا فالعنوه لعنه الله وامتحنت الخوارج
رجلا من الشيعة فجعل يقول أنا من علي ومن عثمان برئ وخطب رجل امرأة وتحته أخرى فقالوا لا نزوجك حتى تطلق امرأتك فقال اشهدوا أني قد طلقت ثلاثا فزوجوه فأقام مع المرأة الأولى فادعوا أنه قد طلق فقال أما تعلمون أنه كان تحتي فلانة فطلقتها ثم فلانة فطلقتها ثم فلانة فطلقتها قالو بلى قال فقد طلقت ثلاثا وحكي أن رجلا عثر به الطائف ليلة فقال له من أنت فقال أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره وإن نزلت يوما فسوف تعود قوله ترى الناس أفوجا له إلى ضوء ناره فمنهم قيام حولها وقعود ذلك محمد الطائف أنه ابن بعض الأشراف بالبصرة فلما أصبح سأل عنه فإذا هو ابن باقلائي إلى ومثل هذا كثير كان الى انفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون تعالى فرجعوا الى أنفسهم فيه قولان رجع بعضهم الى بعض والثاني رجع كل منهم الى نفسه متفكرا تعالى فقالوا إنكم أنتم الظالمون فه خمسة أقوال حين عبدتم من لا يتكلم قاله ابن عباس حين تتركون آلهتكم وحدها وتذهبون قاله وهب بن منبه في عبادة هذه الأصاغر مع هذا الكبير روي عن وهب أيضا لإبراهيم حين اتهمتموه والفأس في يد كبير الأصنام قاله ابن اسحاق ومقاتل أنتم ظالمون لإبراهيم حين سألتموه وهذه أصنامكم حاضرة فاسألوها ذكره ابن جرير تعالى ثم نكسوا على رؤوسهم وقرأ أبو رزين العقيلي وابن أبي عبلة وأبو حيوة
نكسوا برفع النون وكسر الكاف مشددة وقرأ سعيد ابن جبير وابن يعمر وعاصم الجحدري
[ 253 ]
نكسوا بفتح النون والكاف أبو قال أبو عبيدة نكسوا قلبوا تقول نكست فلانا على راسه إذا قهرته وعلوته أو في المراد بهذا الانقلاب ثلاثة أقوال أدركتهم حيرة فقالوا لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قاله مقتادة رجعوا الى أول ما كانوا يعرفونها به من انها لا تنطق قاله ابن قتيبة انقلبوا على ابراهيم يحتجون عليه بعد أن اقروا له ولاموا أنفسهم في تهمته قاله أبو سليمان الدمشقي وفي قوله لقع علمت إضمار قالوا وفي هذا إقرار منهم بعجز ما يعبدونه عن النطق فحينئذ توجهت لإبراهيم الحجة فقال موبخا لهم أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم أي لا يرزقكم ولا يعطيكم شيئا ولا يضركم إذا لم تعبدوه وفي هذا حث لهم على عبادة من يملك النفع والضر أف لكم قال الزجاج معناه النتن لكم فلم الزمهم الحجة غضبوا فقالوا حرقوه وذكر في التفسير أن نمرود استشارهم بأي عذاب أعذبه فقال رجل حرقوه فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها الى يوم القيامة حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ووهبنا له اسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا واوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة وكانا لنا عابدين تعالى وانصروا آلهتكم أي بتحريقه لأنه يعيبها إن كنتم فاعلين أي ناصريها الى القصة
أهل التفس أنهم حبسوا ابراهيم عليه السلام في بيت ثم بنوا له حيرا طول جداره ستون ذراعا الى سفح جبل منيف ونادى منادي الملك أيها الناس احتطبوا لابراهيم ولا يتخلفن عن ذلك صغير ولا كبير فمن تخلف ألقي في تلك النار ففعلوا ذلك أربعين ليلة حتى إن كانت