الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تاريخ ابن خلدون - ابن خلدون ج 1

تاريخ ابن خلدون

ابن خلدون ج 1


[ 1 ]

مقدمة العلامة ابن خلدون الطبعة الرابعة كتاب قد حوى درر المعاني * وبحر فوائد للمقتنيه فلا تعجب لهاتيك المباني * فان البحر كل الدر فيه دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان

[ 2 ]

الجزء الاول من كتاب العبر وديوان المبتدا والخبر في ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر - وهو تاريخ وحيد عصره العلامة عبد الرحمن ابن خلدون المغربي

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم يقول العبد الفقير إلى الله تعالى الغني بلطفه عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي وفقه الله الحمد لله الذي له العزة والجبروت * وبيده الملك والملكوت * وله الاسماء الحسنى والنعوت * العالم فلا يغرب عنه ما تظهره النجوى أو يخفيه السكوت * القادر فلا يعجزه شئ في السموات والارض ولا يفوت * أنشأنا من الارض نسما * واستعمرنا فيها أجيالا وأمما ويسر لنا منها أرزاقا وقسما * تكنفنا الارحام والبيوت * ويكفلنا الرزق والقوت * وتبلينا الايام والوقوت * وتعتورنا الآجال التي خط علينا كتابها الموقوت وله البقاء والثبوت * وهو الحي الذي لا يموت * والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد النبي العربي المكتوب في التوراة والانجيل المنعوت * الذي تمحض لفصاله الكون قبل أن تتعاقب الآحاد والسبوت * ويتباين زحل واليهموت (1) * وعلى آله وأصحابه الذين لهم في صحبته وأتباعه الاثر البعيد والصيت * والشمل الجميع في مظاهرته ولعدوهم الشمل الشتيت * صلى الله عليه وعليهم ما اتصل بالاسلام جده المبخوت * وانقطع بالكفر حبله المبتوت * وسلم كثيرا أما بعد فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الامم والاجيال وتشد إليه الركائب والرحال * وتسمو إلى معرفته السوقة والاغفال * وتتنافس فيه الملوك والاقيال * وتتساوى في فهمه العلماء والجهال * إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار


(1) قوله اليهموت هو النون اي الحوت الذي على ظهره الارض السابقة ويسمى ايضا لوتيا كما في المزهر وروح البيان واللهجة ومعلوم ان بينه وبين زحل الذي هو في الفلك السابع بونا بعيدا وقال الشهاب الحفاجي في حاشيته على البيضاوي اه‍ في اول سورة نون اليهموت بفتح المثناة التحنية وسكون الهاء وما لشهر من انه بالباء الموحدة غلط على ما ذكره الفاضل المحشى ومثله في روح البيان قاله نصر الهوريني اقره المصحح الثاني (*)

[ 4 ]

عن الايام والدول * والسوابق من القرون الاول * تنمو فيها الاقوال * وتضرب فيها الامثال * وتطرف بها الاندية إذا غصها الاحتفال * وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الاحوال * واتسع للدول فيها النطاق والمجال * وعمروا الارض حتى نادى بهم الارتحال * وحان منهم الزوال * وفي باطنه نظر وتحقيق * وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق * وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق * فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق * وجدير بأن يعد في علومها وخليق * وإن فحول المؤرخين في الاسلام قد استوعبوا أخبار الايام وجمعوها * وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها * وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها وابتدعوها * وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها * واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم واتبعوها * وأدوها إلينا كما سمعوها * ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والاحوال ولم يراعوها * ولا رفضوا ترهات الاحاديث ولا دفعوها * فالتحقيق قليل * وطرف التنقيح في الغالب كليل * والغلط والوهم نسيب للاخبار وخليل * والتقليد عريق في الآدميين وسليل * والتطفل على الفنون عريض طويل * ومرعى الجهل بين الانام وخيم وبيل * والحق لا يقاوم سلطانه * والباطل يقذف بشهاب النظر شيطانه * والناقل إنما هو يملي وينقل * والبصيرة تنقد الصحيح إذا تمقل * والعلم يجلو لها صفحات القلوب ويصقل هذا وقد دون الناس في الاخبار وأكثروا * وجمعوا تواريخ الامم والدول في العالم وسطروا * والذين ذهبوا بفضل الشهرة والامامة المعتبرة * واستفرغوا دواوين من قبلهم في صحفهم المتأخرة * هم قليلون لا يكادون يجاوزون عدد الانامل * ولا حركات العوامل * مثل ابن إسحق والطبري وابن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الاسدي وغيرهم من المشاهير * المتميزين عن الجماهير * وإن كان في كتب المسعودي والواقدي من المطعن والمغمز ما هو معروف عند الاثبات * ومشهور بين الحفظة الثقات * إلا أن الكافة اختصتهم بقبول أخبارهم * واقتفاء سننهم في التصنيف واتباع آثارهم * والناقد البصير قسطاس نفسه في تزييفهم فيما ينقلون أو اعتبارهم * فللعمران طبائع في أحواله ترجع إليها الاخبار * وتحمل عليها الروايات

[ 5 ]

والآثار * ثم إن أكثر التواريخ لهؤلاء عامة المناهج والمسالك * لعموم الدولتين صدر الاسلام في الآفاق والممالك * وتناولها البعيد من الغايات في المآخذ والمتارك ومن هؤلاء من استوعب ما قبل الملة من الدول والامم * والامر العمم * كالمسعودي ومن نحا منحاه وجاء من بعدهم من عدل عن الاطلاق إلى التقييد ووقف في العموم والاحاطة عن الشأ والبعيد * فقيد شوارد عصره * واستوعب أخبار أفقه وقطره * واقتصر على تاريخ دولته ومصره * كما فعل أبو حيان مؤرخ الاندلس والدولة الاموية بها وابن الرفيق مؤرخ أفريقية والدولة التي كانت بالقيروان ثم لم يأت من بعد هؤلاء إلا مقلد * وبليد الطبع والعقل أو متبلد * ينسج على ذلك المنوال * ويحتذي منه بالمثال * ويذهل عما أحالته الايام من الاحوال * واستبدلت به من عوائد الامم والاجيال * فيجلبون الاخبار عن الدول * وحكايات الوقائع في العصور الاول * صورا قد تجردت عن موادها * وصفاحا انتضيت من أغمادها * ومعارف تستنكر للجهل بطارفها وتلادها * إنما هي حوادث لم تعلم أصولها * وأنواع لم تعتبر أجناسها ولا تحققت فصولها * يكررون في موضوعاتها الاخبار المتداولة بأعيانها * اتباعا لمن عني من المتقدمين بشأنها * ويغفلون أمر الاجيال الناشئة في ديوانها * بما أعوز عليهم من ترجمانها * فتستعجم صحفهم عن بيانها * ثم إذا تعرضوا لذكر الدولة نسقوا أخبارها نسقا * محافظين على نقلها وهما أو صدقا * لا يتعرضون لبدايتها * ولا يذكرون السبب الذي رفع من رايتها * وأظهر من آيتها * ولا علة الوقوف عند غايتها * فيبقى الناظر متطلعا بعد إلى افتقاد أحوال مبادئ الدول ومراتبها * مفتشا عن أسباب تزاحمها أو تعاقبها * باحثا عن المقنع في تباينها أو تناسبها * حسبما نذكر ذلك كله في مقدمة الكتاب ثم جاء آخرون بإفراط الاختصار * وذهبوا إلى الاكتفاء بأسماء الملوك والاقتصار * مقطوعة عن الانساب والاخبار * موضوعة عليها أعداد أيامهم بحروف الغبار * كما فعله ابن رشيق في ميزان العمل * ومن اقتفى هذا الاثر من الهمل * وليس يعتبر لهؤلاء مقال * ولا يعد لهم ثبوت ولا انتقال * لما أذهبوا من الفوائد * وأخلوا بالمذاهب المعروفة للمؤرخين والعوائد ولما طالعت كتب القوم * وسبرت غور الامس واليوم * نبهت عين القريحة من

[ 6 ]

سنة الغفلة والنوم * وسمت التصنيف من نفسي وأنا المفلس أحسن السوم * فأنشأت في التاريخ كتابا * رفعت به عن أحوال الناشئة من الاجيال حجابا * وفصلته في الاخبار والاعتبار بابا بابا * وأبديت فيه لاولية الدول والعمران عللا وأسبابا * وبنيته على أخبار الامم الذين عمروا المغرب في هذه الاعصار * وملاوا أكناف الضواحي منه والامصار * وما كان لهم من الدول الطوال أو القصار * ومن سلف لهم من الملوك والانصار * وهما العرب والبربر * إذ هما الجيلان اللذان عرف بالمغرف مأواهما وطال فيه على الاحقاب مثواهما * حتى لا يكاد يتصور فيه ما عداهما * ولا يعرف أهله من أجيال الآدميين سواهما * فهذبت مناحيه تهذيبا * وقربته لافهام العلماء والخاصة تقريبا * وسلكت في ترتيبه وتبويبه مسلكا غريبا * واخترعته من بين المناحي مذهبا عجيبا * وطريقة مبتدعة وأسلوبا * وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن وما يعرض في الاجتماع الانساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها * ويعرفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها * حتى تنزع من التقليد يدك * وتقف على أحوال ما قبلك من الايام والاجيال وما بعدك ورتبته على مقدمة وثلثة كتب المقدمة في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والالماع بمغالط المؤرخين الكتاب الاول في العمران وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم وما لذلك من العلل والاسباب الكتاب الثاني في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ مبدإ الخليقة إلى هذا العهد وفيه من الالماع ببعض من عاصرهم من الامم المشاهير ودولهم مثل النبط والسريانيين والفرس وبني إسرائيل والقبط واليونان والروم والترك والافرنجة الكتاب الثالث في أخبار البربر ومواليهم من زناتة وذكر أوليتهم وأجيالهم وما كان بديار المغرب خاصة من الملك والدول ثم كانت الرحلة إلى المشرق لاجتناء أنواره * وقضاء الفرض والسنة في مطافه ومزاره * والوقوف على آثاره في دواوينه وأسفاره * فزدت ما نقص من أخبار ملوك العجم بتلك الديار * ودول الترك فيما ملكوه من الاقطار * وأتبعت بها ما كتبته في تلك الاسطار * وأدرجتها في ذكر المعاصرين لتلك الاجيال من أمم النواحي * وملوك الأمصار والضواحي * سالكا سبيل

[ 7 ]

الاختصار والتلخيص * مفتديا بالمرام السهل من العويص * داخلا من باب الاسباب على العموم إلى الاخبار على الخصوص فاستوعب أخبار الخليقة استيعابا * وذلل من الحكم النافرة صعابا * وأعطى لحوادث الدول عللا وأسبابا * فأصبح للحكمة صوانا * وللتاريخ جوابا ولما كان مشتملا على أخبار العرب والبربر * من أهل المدر والوبر * والالماع بمن عاصرهم من الدول الكبر * وأفصح بالذكرى والعبر * في مبتدإ الاحوال ومما بعدها من الخبر * سميته كتاب العبر * وديوان المبتدإ والخبر * في أيام العرب والعجم والبربر * ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر * ولم أترك شيئا في أولية الاجيال والدول * وتعاصر الامم الاول * وأسباب التصرف والحول * في القرون الخالية والملل * وما يعرض في العمران من دولة وملة * ومدينة وحلة * وعزة وذلة * وكثرة وقلة * وعلم وصناعة * وكسب وإضاعة * وأحوال متقلبة مشاعة * وبدو وحضر * وواقع ومنتظر * إلا واستوعبت جمله * وأوضحت براهينه وعلله * فجاء هذا الكتاب فذا بما ضمنته من العلوم الغريبة * والحكم المحجوبة القريبة * وأنا من بعدها موقن بالقصور * بين أهل العصور * معترف بالعجز عن المضاء * في مثل هذا القضاء * راغب من أهل اليد البيضاء * والمعارف المتسعة الفضاء * في النظر بعين الانتقاد لا بعين الارتضاء * والتغمد لما يعثرون عليه بالاصلاح والاغضاء * فالبضاعة بين أهل العلم مزجاة * والاعتراف من اللوم منجاة * والحسنى من الاخوان مرتجاة * والله اسأل أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم وهو حسبي ونعم الوكيل وبعد أن استوفيت علاجه * وأنرت مشكاته للمستبصرين وأذكيت سراجه * وأوضحت بين العلوم طريقه ومنهاجه * وأوسعت في فضاء المعارف نطاقه وأدرت سياجه * أتحفت بهذه النسخة منه (1) خزانة مولانا السلطان الامام المجاهد * الفاتح


(1) قوله انحفت بهذه النسخة منه الخ وجد في نسخة بخط بعض فضلاء المغاربة زيادة قبل قوله تحفت وبعد قوله وادرت سياجة ونصها التميت له الكف الذي بلح بعين الاستبصار فنونه. وبلخط بمداركه الشريفة معياره الصحيح وقانونه. ويميز رقبته في المعارف عما دونه فسرحت فكري في فضا الموجود. واجلت نظري ليل النمام والهجود. بين التهائم والنجود. في العلماء الركع والسجود. والخلفا اهل الكرم والجود. حتى وقف الاختيار بساحة الكمال. وطافت الافكار بموقف الامال. وظفرت ايدي المساعي والاعتمال. (*)

[ 8 ]

الماهد * المتحلي منذ خلع التمائم * ولوث العمائم * بحلى القانت الزاهد * المتوشح بزكاء المناقب والمحامد * وكرم الشمائل والشواهد * بأجمل من القلائد * في نحور الولائد * المتناول بالعزم القوي الساعد * والجد المواتي المساعد * والمجد الطارف والتالد * ذوائب ملكهم الراسي القواعد * الكريم المعالي والمصاعد * جامع أشتات العلوم والفوائد * وناظم شمل المعارف والشوارد * ومظهر الآيات الربانية * في فضل المدارك الانسانية * بفكره الثاقب الناقد * ورأيه الصحيح المعاقد * النبر المذاهب والعقائد * نور الله الواضح المراشد * ونعمته العذبة الموارد * ولطفه الكامن بالمراصد للشدائد * ورحمته الكريمة المقالد * التي وسعت صلاح الزمان الفاسد * واستقامة المائد من الاحوال والعوائد * وذهبت بالخطوب الاوابد * وخلعت على الزمان رونق الشباب العائد * وحجته التي لا يبطلها إنكار الجاحد ولا شبهات المعاند * (أمير للمؤمنين) أبي فارس عبد العزيز ابن مولانا السلطان المعظم الشهير الشهيد أبي سالم إبراهيم ابن مولانا السلطان المقدس أمير المؤمنين * أبي الحسن ابن السادة الاعلام من ملوك بني مرين * الذين جددو الدين * ونهجوا السبيل للمهتدين * ومحوا آثار البغاة المفسدين * أفاء الله على الامة ظلاله * وبلغه في نصر دعوة الاسلام آماله * وبعثته إلى خزانتهم الموقفة لطلبة العلم بجامع القرويين من مدينة فاس حاضرة ملكهم وكرسي سلطانهم * حيث مقر الهدى * ورياض المعارف خضلة الندى * وفضاء الاسرار


بمنندي المعارف مشرفة فيه غرر الجمال. وحدائق العلوم الوارفة الظلال. عن اليمين والشمال. فاتخت مطي الافكار في عرصاتها * وجلوت محاسن الانطار على منصاتها. واتحفت بديوانها مقاصير ايوانها. واطلعته كوكبا وقادا في افق خزانتها وصوانها. ليكون آية للعقلاء يهتدون بمناره. ويعرفون فضل المدارك الانسانية في اثاره. وهي خزانة مولانا السلطان الامام المجاهد. الفاتح الماهد. إلى اخر النعوت المذكورة هنا ثم قال الخليفة أمير المؤمنين المتوكل على رب العالمين أبو العباس احمد ابن مولانا الامير الطاهر المقدس ابي عبد الله محمد ابن مولانا الخليفة المقدس أمير المؤمنين. ابي يحيى ابي بكر ابن الخلفاء الراشدين. من ائمة الموجدين الذين جددوا الدين. ونهجوا السبل للمهتدين. ومحوا اثار البغاه المفسدين من المجسمسة والمعتدين. سلالة ابى الحفص والفاروق. والنبعة النامية على تلك المفارس الزاكية والعروق. والنور المتلالي من تلك الاشعة والبروق. فاوردنه من مودعها إلى العلي بحيث مقر الهدى. ورياض المعارف خضلة الندي إلى اخر ما ذكر هنا الا انه لم يقيد الامامة بالفارسية لكن النسخة المذكورة مختصرة عن هذه النسخة المنقولة من خزانة الكتب الفارسية ولم يقل فيها ثم كانت الرحلة إلى المشرق الخ (*)

[ 9 ]

الربانية فسيح المدى * والامامة الفارسية الكريمة (1) العزيزة إن شاء الله بنظرها الشريف * وفضلها الغني عن التعريف * تبسط له من العناية مهادا * وتفسح له في جانب القبول آمادا * فتوضح بها أدلة على رسوخه وأشهادا * ففي سوقها تنفق بضائع الكتاب وعلى حضرتها تعكف ركائب العلوم والآداب * ومن مدد بصائرها المنيرة نتائج القرائح والالباب * والله يوزعنا شكر نعمتها * ويوفر لنا حظوظ المواهب من رحمتها ويعيننا على حقوق خدمتها * ويجعلنا من السابقين في ميدانها المحلين في حومتها * ويضفي على أهل إيالتها * وما أوي من الاسلام إلى حرم عمالتها * لبوس حمايتها وحرمتها * وهو سبحانه المسئول أن يجعل أعمالنا خالصة في وجهتها * بريئة من شوائب الغفلة وشبهتها * وهو حسبنا ونعم الوكيل المقدمة في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والالماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط وذكر شئ من اسبابها إعلم أن فن التأريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الامم في أخلاقهم. والانبياء في سيرهم. والملوك في دولهم وسياستهم. حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط لان الاخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والاحوال في الاجتماع الانساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأيمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثما أو سمينا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الاخبار فضلوا عن الحق


(1) قوله الفارسية اي المنسوبة إلى ابي فارس لمتقدم ذكره اه‍ (*)

[ 10 ]

وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ولا سيما في إحصاء الاعداد من الاموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر ولا بد من ردها إلى الاصول وعرضها على القواعد وهذا كما نقل المسعودي وكثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل بأن موسى عليه السلام أحصاهم في التيه بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح خاصة من ابن عشرين فما فوقها فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون ويذهل في ذلك عن تقدير مصر والشام واتساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش لكل مملكة من الممالك حصة من الحامية تتسع لها وتقوم بوظائفها وتضيق عما فوقها تشهد بذلك العوائد المعروفة والاحوال المألوفة ثم إن مثل هذه الجيوش البالغة إلى مثل هذا العدد يبعد أن يقع بينها زحف أو قتال لضيق ساحة الارض عنها وبعدها إذا اصطفت عن مدى البصر مرتين أو ثلاثا أو أزيد فكيف يقتتل هذان الفريقان أو تكون غلبة أحد الصفين وشئ من جوانبه لا يشعر بالجانب الآخر والحاضر يشهد لذلك فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء. ولقد كان ملك الفرس ودولتهم أعظم من ملك بني إسرائيل بكثير يشهد لذلك ما كان من غلب بختنصر لهم والتهامه بلادهم واستيلائه على أمرهم وتخريب بيت المقدس قاعدة ملتهم وسلطانهم وهو من بعض عمال مملكة فارس يقال إنه كان مرزبان المغرب من تخومها وكانت ممالكهم بالعراقين وخراسان وما وراء النهر والابواب أوسع من ممالك بني إسرائيل بكثير ومع ذلك لم تبلغ جيوش الفرس قط مثل هذا العدد ولا قريبا منه وأعظم ما كانت جموعهم بالقادسية مائة وعشرين ألفا كلهم متبوع على ما نقله سيف قال وكانوا في أتباعهم أكثر من مائتي ألف وعن عائشة والزهري فإن جموع رستم الذين زحف بهم سعد بالقادسية إنما كانوا ستين ألفا كلهم متبوع وأيضا فلو بلغ بنو إسرائيل مثل هذا العدد لا تسع نطاق ملكهم وانفسح مدى دولتهم فإن العمالات والممالك في الدول على نسبة الحامية والقبيل القائمين بها في قلتها وكثرتها حسبما نبين في فصل الممالك من الكتاب الاول والقوم لم تتسع ممالكهم إلى غير الاردن وفلسطين من الشام وبلاد يثرب وخيبر من الحجاز على ما هو المعروف وايضا فالذي بين موسى وإسرائيل إنما هو أربعة آباء على ما ذكره المحققون فإنه موسى بن عمران بن يصهر

[ 11 ]

بن قاهت بفتح الهاء وكسرها ابن لاوي بكسر الواو وفتحها ابن يعقوب وهو إسرائيل الله هكذا نسبه في التوراة والمدة بينهما على ما نقله المسعودي قال دخل إسرائيل مصر مع ولده الاسباط وأولادهم حين أتوا إلى يوسف سبعين نفسا وكان مقامهم بمصر إلى أن خرجوا مع موسى عليه السلام إلى التيه مائتين وعشرين سنة تتداولهم ملوك القبط من الفراعنة ويبعد أن يتشعب النسل في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد وإن زعموا أن عدد تلك الجيوش إنما كان في زمن سليمان ومن بعده فبعيد أيضا إذ ليس بين سليمان وإسرائيل إلا أحد عشر أبا فإنه سليمان بن داود بن يشا بن عوفيمذ ويقال ابن عوفذ ابن باعز ويقال بوعز بن سلمون بن نحشون بن عمينوذب ويقال حميناذاب بن رم بن حصرون ويقال حسرون بن بارس ويقال بيرس بن يهوذا بن يعقوب ولا يتشعب النسل في أحد عشر من الولد إلى إلى مثل هذا العدد الذي زعموه اللهم إلى المئتين والآلاف فربما يكون وأما أن يتجاوز إلى ما بعدهما من عقود الاعداد فبعيد واعتبر ذلك في الحاضر المشاهد والقريب المعروف تجد زعمهم باطلا ونقلهم كاذبا والذي ثبت في الاسرائيليات أن جنود سليمان كانت اثني عشر ألفا خاصة وأن مقرباته كانت ألفا وأربعمائة فرس مرتبطة على أبوابه هذا هو الصحيح من أخبارهم ولا يلتفت إلى خرافات العامة منهم وفي أيام سليمان (عليه السلام) وملكه كان عنفوان دولتهم واتساع ملكهم هذا وقد نجد الكافة من أهل العصر إذا أفاضوا في الحديث عن عساكر الدول التي لعهدهم أو قريبا منه وتفاوضوا في الاخبار عن جيوش المسلمين أو النصارى أو أخذوا في إحصاء أموال الجبايات وخراج السلطان ونفقات المترفين وبضائع الاغنياء الموسرين توغلوا في العدد وتجاوزوا حدود العوائد وطاوعوا وساوس الاغراب فإذا استكشف أصحاب الدواوين عن عساكرهم واستنبطت أحوال أهل الثروة في بضائعهم وفوائدهم واستجليت عوائد المترفين في نفقاتهم لم تجد معشار ما يعدونه وما ذلك إلا لولوع النفس بالغرائب وسهولة التجاوز على اللسان والغفلة على المتعقب والمنتقد حتى لا يحاسب نفسه على خطإ ولا عمد ولا يطالبها في الخبر بتوسط ولا عدالة ولا يرجعها إلى بحث وتفتيش فيرسل عنانه ويسيم في مراتع الكذب لسانه ويتخذ آيات الله هزا ويشتري لهو الحديث ليضل عن

[ 12 ]

سبيل الله وحسبك بها صفقة خاسرة ومن الاخبار الواهية للمؤرخين ما ينقلونه كافة في أخبار التبابعة ملوك اليمن وجزيرة العرب أنهم كانوا يغزون من قراهم باليمن إلى أفريقية والبربر من بلاد المغرب وأن أفريقش بن قيس بن صيفي من أعاظم ملوكهم الاول وكان لعهد موسى عليه السلام أو قبله بقليل غزا أفريقية وأثخن في البربر وأنه الذي سماهم بهذا الاسم حين سمع رطانتهم وقال ما هذه البربرة فأخذ هذا الاسم عنه ودعوا به من حينئذ وأنه لما انصرف من المغرب حجز هنالك قبائل من حمير فأقاموا بها واختلطوا بأهلها ومنهم صنهاجة وكتامة ومن هذا ذهب الطبري والجرجاني والمسعودي وابن الكلبي والبيلي إلى أن صنهاجة وكتامة من حمير وتأباه نسابة البربر وهو الصحيح وذكر المسعودي أيضا أن ذا الاذعار من ملوكهم قبل أفريقش وكان على عهد سليمان (عليه السلام) غزا المغرب ودوخه وكذلك ذكر مثله عن ياسر ابنه من بعده وأنه بلغ وادي الرمل في بلاد المغرب ولم بجد فيه مسلكا لكثرة الرمل فرجع وكذلك يقولون في تبع الآخر وهو أسعد أبو كرب وكان على عهد يستاسف من ملوك الفرس الكيانية أنه ملك الموصل وأذربيجان ولقي الترك فهزمهم وأثخن ثم غزاهم ثانية وثالثة كذلك وأنه بعد ذلك أغزى ثلاثة من بنيه بلاد فارس وإلى بلاد الصغد من بلاد أمم الترك وراء النهر وإلى بلاد الروم فملك الاول البلاد إلى سمرقند وقطع المفازة إلى الصين فوجد أخاه الثاني الذي غزا إلى سمرقند قد سبقه إليها فأثخنا في بلاد الصين ورجعا جميعا بالغنائم وتركوا ببلاد الصين قبائل من حمير فهم بها إلى هذا العهد وبلغ الثالث إلى قسطنطينية فدرسها ودوخ بلاد الروم ورجع وهذه الاخبار كلها بعيدة عن الصحة عريقة في الوهم والغلط وأشبه بأحاديث القصص الموضوعة وذلك أن ملك التبابعة إنما كان بجزيرة العرب وقرارهم وكرسيهم بصنعاء اليمن. وجزيرة العرب يحيط بها البحر من ثلاث جهاتها فبحر الهند من الجنوب وبحر فارس الهابط منه إلى البصرة من المشرق وبحر السويس الهابط منه إلى السويس من أعمال مصر من جهة المغرب كما تراه في مصور الجغرافيا فلا يجد السالكون من اليمن إلى المغرب طريقا من غير السويس والمسلك هناك ما بين بحر السويس والبحر الشامي قدر مرحلتين فما دونهما ويبعد أن يمر بهذا المسلك

[ 13 ]

ملك عظيم في عساكر موفورة من غير أن يصير من أعماله هذه ممتنع في العادة. وقد كان بتلك الاعمال العمالقة وكنعان بالشام والقبط بمصر ثم ملك العمالقة مصر وملك بنو إسرائيل الشام ولم ينقل قط أن التبابعة حاربوا أحدا من هؤلاء الامم ولا ملكوا شيئا من تلك الاعمال وأيضا فالشقة من البحر إلى المغرب بعيدة والازودة والعلوفة للعساكر كثيرة فإذا ساروا في غير أعمالهم احتاجوا إلى انتهاب الزرع والنعم وانتهاب البلاد فيما يمرون عليه ولا يكفي ذلك للازودة وللعلوفة عادة وإن نقلوا كفايتهم من ذلك من أعمالهم فلا تفي لهم الرواحل بنقله فلا بد وأن يمروا في طريقهم كلها بأعمال قد ملكوها ودوخوها لتكون الميرة منها وإن قلنا إن تلك العساكر تمر بهؤلاء الامم من غير أن تهيجهم فتحصل لهم الميرة بالمسالمة فذلك أبعد وأشد امتناعا فدل على أن هذه الاخبار واهية أو موضوعة وأما وادي الرمل الذي يعجز السالك فلم يسمع قط ذكره في المغرب على كثرة سالكه ومن يقص طرقه من الركاب والقرى في كل عصر وكل جهة وهو على ما ذكروه من الغرابة تتوفر الدواعي على نقله. وأما غزوهم بلاد الشرق وأرض الترك وإن كان طريقه أوسع من مسالك السويس إلا أن الشقة هنا أبعد وأمم فارس والروم معترضون فيها دون الترك ولم ينقل قط أن التبابعة ملكوا بلاد فارس ولا بلاد الروم وإنما كانوا يحاربون أهل فارس على حدود بلاد العراق وما بين البحرين والحيرة والجزيرة بين دجلة والفرات وما بينهما في الاعمال وقد وقع ذلك بين ذي الاذعار منهم وكيكاوس من ملوك الكيانية وبين تبع الاصغر أبي كرب ويستاسف منهم أيضا ومع ملوك الطوائف بعد الكيانية والساسانية من بعدهم بمجاوزة أرض فارس بالغزو إلى بلاد الترك والتبت وهو ممتنع عادة من أجل الامم المعترضة منهم والحاجة إلى الازودة والعلوفات مع بعد الشقة كما مر فالاخبار بذلك واهية مدخولة وهي لو كانت صحيحة النقل لكان ذلك قادحا فيها فكيف وهي لم تنقل من وجه صحيح وقول ابن إسحاق في خبر يثرب والاوس والخزرج أن تبعا الآخر سار إلى المشرق محمولا على العراق وبلاد فارس وأما بلاد الترك والتبت فلا يصح غزوهم إليها بوجه لما تقرر فلا تثقن بما يلقى إليك من ذلك وتأمل الاخبار واعرضها على القوانين

[ 14 ]

الصحيحة يقع لك تمحيصها باحسن وجه والله الهادي إلى الصواب فصل وأبعد من ذلك وأعرق في الوهم ما يتناقله المفسرون في تفسير سورة الفجر في قوله تعالى ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد فيجعلون لفظة إرم اسما لمدينة وصفت بأنها ذات عماد أي أساطين وينقلون أنه كان لعاد بن عوص بن إرم ابنان هما شديد وشداد ملكا من بعده وهلك شديد فخلص الملك لشداد ودانت له ملوكهم وسمع وصف الجنة فقال لا بنين مثلها فبنى مدينة إرم في صحارى عدن في مدة ثلثمائة سنة وكان عمره تسعمائة سنة وأنها مدينة عظيمة قصورها من الذهب وأساطينها من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الشجر والانهار المطردة ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته حتى إذا كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا كلهم ذكر ذلك الطبري والثعالبي والزمخشري وغيرهم من المفسرين وينقلون عن عبد الله بن قلابة من الصحابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها وحمل منها ما قدر عليه وبلغ خبره معاوية فأحضره وقص عليه فبحث عن كعب الاحبار وسأله عن ذلك فقال هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال يخرج في طلب إبل له ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال هذا والله ذلك الرجل وهذه المدينة لم يسمع لها خبر من يومئذ في شئ من بقاع الارض وصحارى عدن التي زعموا أنها بنيت فيها هي في وسط اليمن ومازال عمرانه متعاقبا والادلاء تقص طرقه من كل وجه ولم ينقل عن هذه المدينة خبر ولاذكرها أحد من الاخباريين ولامن الامم ولو قالوا إنها درست فيما درس من الاثار لكان أشبه إلا ان ظاهر كلامهم أنها موجودة وبعضهم يقول إنها دمشق بناء على أن قوم عاد ملكوها وقد ينتهي الهذيان ببعضهم إلى أنها غائبة وإنما يعثر عليها أهل الرياضة والسحر مزاعم كلها أشبه بالخرافات والذي حمل المفسرين على ذلك ما اقتضته صناعة الاعراب في لفظة ذات العماد أنها صفة إرم وحملوا العماد على الاساطين فتعين أن يكون بناء ورشج لهم ذلك قراءة ابن الزبير عاد إرم على الاضافة من غير تنوين ثم وقفوا على تلك الحكايات التي هي أشبه بالاقاصيص الموضوعة التي هي أقرب إلى الكذب المنقولة

[ 15 ]

في عداد المضحكات وإلا فالعماد هي عماد الاخبية بل الخيام وإن أريد بها الاساطين فلا بدع في وصفهم بأنهم أهل بناء وأساطين على العموم بما اشتهر من قوتهم لانه بناء خاص في مدينة معينة أو غيرها وإن اضيفت كما في قراءة ابن الزبير فعلى إضافة الفصيلة إلى القبيلة كما تقول قريش كنانة وإلياس مضر وربيعة نزار وأي ضرورة إلى هذا المحمل البعيد الذي تمحلت لتوجيهه لامثال هذه الحكايات الواهية التي ينزه كتاب الله عن مثلها لبعدها عن الصحة ومن الحكايات المدخولة للمؤرخين ما ينقلونه كافة في سبب نكبة الرشيد للبرامكة من قصة العباسة أخته مع جعفر بن يحيى بن خالد مولاه وأنه لكلفه بمكانهما من معاقرته إياهما الخمر أذن لهما في عقد النكاح دون الخلوة حرصا على اجتماعهما في مجلسه وأن العباسة تحيلت عليه في التماس الخلوة به لما شغفها من حبه حتى واقعها (زعموا في حالة السكر) فحملت ووشي بذلك للرشيد فاستغضب وهيهات ذلك من منصب العباسة في دينها وأبويها وجلالها وأنها بنت عبد الله بن عباس ليس بينها وبينه إلا أربعة رجال هم أشراف الدين وعظماء الملة من بعده والعباسة بنت محمد المهدي ابن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد السجاد ابن علي أبي الخلفاء ابن عبد الله ترجمان القرآن ابن العباس عم النبي (صلعم) ابنة خليفة أخت خليفة محفوفة بالملك العزيز والخلافة النبوية وصحبة الرسول وعمومته وإقامة الملة ونور الوحي ومهبط الملائكة من سائر جهاتها قريبة عهد ببداوة العروبية وسذاجة الدين البعيدة عن عوائد الترف ومراتع الفواحش فأين يطلب الصون والعفاف إذا ذهب عنها أو أين توجد الطهارة والذكاء إذا فقدا من بيتها أو كيف تلحم نسبها بجعفر بن يحيى وتدنس شرفها العربي بمولى من موالي العجم بملكة جده من الفرس أو بولاء جدها من عمومة الرسول وأشراف قريش وغايته أن جذبت دولتهم بضبعه وضبع أبيه واستخلصتهم ورقتهم إلى منازل الاشراف وكيف يسوغ من الرشيد أن يصهر إلى موالي الاعاجم على بعد همته وعظم آبائه ولو نظر المتأمل في ذلك نظر المنصف وقاس العباسة بابنة ملك من عظماء ملوك زمانه لاستنكف لها عن مثله مع مولى من موالي دولتها وفي سلطان قومها واستنكره ولج في تكذيبه وأين قدر العباسة والرشيد من الناس وإنما نكب البرامكة ما كان من استبدادهم على الدولة واحتجافهم

[ 16 ]

أموال الجباية حتى كان الرشيد يطلب اليسير من المال فلا يصل إليه فغلبوه على أمره وشاركوه في سلطانه ولم يكن له معهم تصرف في أمور ملكه فعظمت آثارهم وبعد صيتهم وعمروا مراتب الدولة وخططها بالرؤساء من ولدهم وصنائعهم واحتازوها عمن سواهم من وزارة وكتابة وقيادة وحجابة وسيف وقلم يقال إنه كان بدار الرشيد من ولد يحيى بن خالد خمسة وعشرون رئيسا من بين صاحب سيف وصاحب قلم زاحموا فيها أهل الدولة بالمناكب ودفعوهم عنها بالراح لمكان أبيهم يحيى من كفالة هارون ولي عهد وخليفة حتى شب في حجره ودرج من عشه وغلب على أمره وكان يدعوه يا أبت فتوجه الايثار من السلطان إليهم وعظمت الدالة منهم وانبسط الجاه عندهم وانصرفت نحوهم الوجوه وخضعت لهم الرقاب وقصرت عليهم الامال وتخطت إليهم من أقصى التخوم هدايا الملوك وتحف الامراء وتسربت إلى خزائنهم في سبيل التزلف والاستمالة أموال الجباية وأفاضوا في رجال الشيعة وعظماء القرابة العطاء وطوقوهم المنن وكسبوا من بيوتات الاشراف المعدم وفكوا العاني ومدحوا بما لم يمدح به خليفتهم وأسنوا لعفاتهم الجوائز والصلات واستولوا على القرى والضياع من الضواحي والامصار في سائر الممالك حتى أسفوا البطانة وأحقدوا الخاصة وأغصوا أهل الولاية فكشفت لهم وجوه المنافسة والحسد ودبت إلى مهادهم الوثير من الدولة عقارب السعاية حتى لقد كان بنو قحطبة أخوال جعفر من أعظم الساعين عليهم لم تعطفهم لما وقرفي نفوسهم من الحسد عواطف الرحم ولا وزعتهم أواصر القرابة وقارن ذلك عند مخدومهم نواشئ الغيرة والاستنكاف من الحجر والانفة وكان الحقود التي بعثتها منهم صغائر الدالة وانتهى بها الاصرار على شأنهم إلى كبائر المخالفة كقصتهم في يحيى بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أخي محمد المهدي الملقب بالنفس الزكية الخارج على المنصور ويحيى هذا هو الذي استنزله الفضل بن يحيى من بلاد الديلم على أمان الرشيد بخطه وبذل لهم فيه ألف ألف درهم على ما ذكره الطبري ودفعه الرشيد إلى جعفر وجعل اعتقاله بداره وإلى نظره فحبسه مدة ثم حملته الدالة على تخلية سبيله والاستبداد بحل عقاله حرما لدماء أهل البيت بزعمه ودالة على السلطان في حكمه. وسأله الرشيد عنه لما وشي به إليه ففطن وقال أطلقته فأبدى له وجه

[ 17 ]

الاستحسان وأسرها في نفسه فأوجد السبيل بذلك على نفسه وقومه حتى ثل عرشهم وألقيت عليهم سماؤهم وخسفت الارض بهم وبدارهم وذهبت سلفا ومثلا للاخرين أيامهم. ومن تأمل أخبارهم واستقصى سير الدولة وسيرهم وجد ذلك محقق الاثر ممهد الاسباب وانظر ما نقله ابن عبد ربه في مفاوضة الرشيد عم جده داود بن علي في شأن نكبتهم وما ذكره في باب الشعراء في كتاب العقد في محاورة الاصمعي للرشيد وللفضل بن يحيى في سمرهم تتفهم أنه إنما قتلتهم الغيرة والمنافسة في الاستبداد من الخليفة فمن دونه وكذلك ما تحيل به أعداؤهم من البطانة فيما دسوه للمغنين من الشعر احتيالا على إسماعه للخليفة وتحريك حفائظه لهم وهو قوله ليت هندا أنجزتنا ما تعد * وشفت أنفسنا مما نجد واستبدت مرة واحدة * إنما العاجز من لا يستبد وإن الرشيد لما سمعها قال إي والله إني عاجز حتى بعثوا بأمثال هذه كامن غيرته وسلطوا عليهم بأس انتقامه نعوذ بالله من غلبة الرجال وسوء الحال وأما ما تموه له الحكاية من معاقرة الرشيد الخمر واقتران سكره بسكر الندمان فحاشا الله ما علمنا عليه من سوء وأين هذا من حال الرشيد وقيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة وما كان عليه من صحابة العلماء والاولياء ومحاورته للفضيل بن عياض وابن السماك والعمري ومكاتبته سفيان الثوري وبكائه من موعظهم ودعائه بمكة في طوافه وما كان عليه من العبادة والمحافظة على أوقات الصلوات وشهود الصبح لاول وقتها * حكى الطبري وغيره أنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة وكان يغزو عاما ويحج عاما ولقد زجر ابن ابي مريم مضحكه في سمره حين تعرض له بمثل ذلك في الصلاة لما سمعه يقرأ ومالي لا أعبد الذي فطرني وقال والله ما أدري لم فما تمالك الرشيد أن ضحك ثم التفت إليه مغضبا وقال يا ابن ابي مريم في الصلاة أيضا إياك وإياك والقرآن والدين ولك ما شئت بعدهما وأيضا فقد كان من العلم والسذاجة بمكان لقرب عهده من سلفه المنتحلين لذلك ولم يكن بينه وبين جده أبي جعفر بعيد زمن إنما خلفه غلاما وقد كان أبو جعفر بمكان من العلم والدين قبل الخلافة وبعدها وهو القائل لمالك حين أشار عليه بتأليف الموطإ يا أبا عبد الله

[ 18 ]

إنه لم يبق على وجه الارض أعلم مني ومنك وإني قد شغلتني الخلافة فضع أنت للناس كتابا ينتفعون به تجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر ووطئه للناس توطئة قال مالك فوالله لقد علمني التصنيف يومئذ ولقد أدركه ابنه المهدي أبو الرشيد هذا وهو يتورع عن كسوة الجديد لعياله من بيت المال ودخل عليه يوما وهو بمجلسه وباشر الخياطين في إرقاع الخلقان من ثياب عياله فاستنكف المهدي من ذلك وقال يا أمير المؤمنين علي كسوة هذه العيال عامنا هذا من عطائي فقال له لك ذلك ولم يصده عنه ولا سمح بالانفاق فيه من أموال المسلمين فكيف يليق بالرشيد على قرب العهد من هذا الخليفة وأبوته وما ربي عليه من أمثال هذه السير في أهل بيته والتخلق بها أن يعاقر الخمر أو يجاهر بها وقد كانت حالة الاشراف من العرب الجاهلية في اجتناب الخمر معلومة ولم يكن الكرم شجرتهم وكان شربها مذمة عند الكثير منهم والرشيد وآباؤه كانوا على ثبج من اجتناب المذمومات في دينهم ودنياهم والتخلق بالمحامد وأوصاف الكمال ونزعات العرب وانظر ما نقله الطبري والمسعودي في قصة جبريل بن بختيشوع الطبيب حين أحضر له السمك في مائدته فحماه عنه ثم أمر صاحب المائدة بحمله إلى منزله وفطن الرشيد وارتاب به ودس خادمه حتى عاينه يتناوله فأعد ابن بختيشوع للاعتذار ثلاث قطع من السمك في ثلاثة أقداح خلط إحداها باللحم المعالج بالتوابل والبقول والبوارد والحلوى وصب على الثانية ماء مثلجا وعلى الثالثة خمرا صرفا وقال في الاول والثاني هذا طعام أمير المؤمنين إن خلط السمك بغيره أو لم يخلطه وقال في الثالث هذا طعام ابن بختيشوع ودفعها إلى صاحب المائدة حتى إذا انتبه الرشيد وأحضره للتوبيخ أحضر ثلاثة الاقداح فوجد صاحب الخمر قد اختلط وأماع وتفتت ووجد الاخرين قد فسدا وتغيرت رائحتهما فكانت له في ذلك معذرة وتبين من ذلك أن حال الرشيد في اجتناب الخمر كانت معروفة عند بطانته وأهل مائدته ولقد ثبت عنه أنه عهد بحبس أبي نواس لما بلغه من أنهما كه في المعاقرة حتى تاب وأقلع وإنما كان الرشيد يشرب نبيذ التمر على مذهب أهل العراق وفتاويهم فيها معروفة وأما الخمر الصرف فلا سبيل إلى اتهامه بها ولا تقليد الاخبار الواهية فيها فلم يكن الرجل بحيث يواقع محرما من أكبر الكبائر عند أهل الملة ولقد كان

[ 19 ]

أولئك القوم كلهم بمنحاة من ارتكاب السرف والترف في ملابسهم وزينتهم وسائر متناولاتهم لما كانوا عليه من خشونة البداوة وسذاجة الدين التي لم يفارقوها بعد فمما ظنك بما يخرج عن الاباحة إلى الحظر وعن الحلة إلى الحرمة ولقد اتفق المؤرخون الطبري والمسعودي وغيرهم على أن جميع من سلف من خلفاء بني أمية وبني العباس إنما كانوا يركبون بالحلية الخفيفة من الفضة في المناطق والسيوف واللجم والسروج وأن أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب هو المعتز بن المتوكل ثامن الخلفاء بعد الرشيد وهكذا كان حالهم أيضا في ملابسهم فما ظنك بمشاربهم ويتبين ذلك بأتم من هذا إذا فهمت طبيعة الدولة في أولها من البداوة والغضاضة كما نشرح في مسائل الكتاب الاول إن شاء الله والله الهادي إلى الصواب. ويناسب هذا أو قريب منه ما ينقلونه كافة عن يحيى بن أكثم قاضي المأمون وصاحبه وأنه كان يعاقر الخمر وأنه سكر ليلة مع شربه فدفن في الريحان حتى أفاق وينشدون على لسانه يا سيدي وأمير الناس كلهم * قد جار في حكمه من كان يسقيني إني غفلت عن الساقي فصيرني * كما تراني سليب العقل والدين وحال ابن أكثم والمأمون في ذلك من حال الرشيد وشرابهم إنما كان النبيذ ولم يكن محظورا عندهم وأما السكر فليس من شأنهم وصحابته للمأمون إنما كانت خلة في الدين ولقد ثبت أنه كان ينام معه في البيت ونقل في فضائل المأمون وحسن عشرته أنه انتبه ذات ليلة عطشان فقام يتحسس ويلتمس الاناء مخافة أن يوقظ يحيى بن أكثم وثبت أنهما كانا يصليان الصبح جميعا فأين هذا من المعاقرة وأيضا فإن يحيى بن أكثم كان من علية أهل الحديث وقد أثنى عليه الامام أحمد بن حنبل وإسماعيل القاضي وخرج عنه الترمذي كتابه الجامع وذكر المزني الحافظ أن البخاري روى عنه في غير الجامع فالقدح فيه قدح في جميعهم وكذلك ما ينبزه المجان بالميل إلى الغلمان بهتانا على الله وفرية على العلماء ويستندون في ذلك إلى أخبار القصاص الواهية التي لعلها من افتراء أعدائه فإنه كان محسودا في كماله وخلته للسلطان وكان مقامه من العلم والدين منزها عن مثل ذلك وقد ذكر لابن حنبل ما يرميه به الناس فقال سبحان الله سبحان الله ومن يقول هذا وأنكر ذلك إنكارا شديدا وأثنى

[ 20 ]

عليه إسماعيل القاضي فقيل له ما كان يقال فيه فقال معاذ الله أن تزول عدالة مثله بتكذيب باغ وحاسد وقال أيضا يحيى بن أكثم أبرأ إلى الله من أن يكون فيه شئ مما كان يرمى به من أمر الغلمان ولقد كنت أقف على سرائره فأجده شديد الخوف من الله لكنه كانت فيه دعابة وحسن خلق فرمي بما رمي به ابن حبان في الثقات وقال لا يشتغل بما يحكى عنه لان أكثرها لا يصح عنه ومن أمثال هذه الحكايات ما نقله ابن عبد ربه صاحب العقد من حديث الزنبيل في سبب إصهار المأمون إلى الحسن بن سهل في بنته بوران وأنه عثر في بعض الليالي في تطوافه بسكك بغداد في زنبيل مدلى من بعض السطوح بمعالق وجدل مغارة الفتل من الحرير فاعتقده وتناول المعالق فاهتزت وذهب به صعدا إلى مجلس شأنه كذا ووصف من زينة فرشه وتنضيد ابنيته وجمال رؤيته ما يستوقف الطرف ويملك النفس وأن امرأة برزت له من خلل الستور في ذلك المجلس رائقة الجمال فتانة المحاسن فحيته ودعته إلى المنادمة فلم يزل يعاقرها الخمر حتى الصباح ورجع إلى أصحابه بمكانهم من انتظاره وقد شغفته حبا بعثه على الاصهار إلى أبيها وأين هذا كله من حال المأمون المعروفة في دينه وعلمه واقتفائه سنن الخلفاء الراشدين من آبائه وأخذه بسير الخلفاء الاربعة أركان الملة ومناظرته العلماء وحفظه لحدود الله تعالى في صلواته وأحكامه فكيف تصح عنه أحوال الفساق المستهترين (1) في التطواف بالليل وطروق المنازل وغشيان السمر سبيل عشاق الاعراب وأين ذلك من منصب ابنة الحسن بن سهل وشرفها وما كان بدار أبيها من الصون والعفاف وأمثال هذه الحكايات كثيرة وفي كتب المؤرخين معروفة وإنما يبعث على وضعها والحديث بها الانهماك في اللذات المحرمة وهتك قناع المخدرات ويتعللون بالتأسي بالقوم فيما يأتونه من طاعة لذاتهم فلذلك تراهم كثيرا ما يلهجون بأشباه هذه الاخبار وينقرون عنها عند تصفحهم لاوراق الدواوين ولو ائتسوابهم في غير هذا من أحوالهم وصفات الكمال اللائقة بهم المشهورة عنهم لكان خيرا لهم لو كانوا يعلمون ولقد عذلت يوما بعض الامراء من أبناء الملوك في كلفه بتعلم الغناء وولوعه بالاوتار وقلت له ليس هذا من شأنك ولا يليق بمنصبك فقال لي أفلا * (هامش *) (1) المستهنر: لشئ بالفتح المولع به لا يبالي بما فعل فيه وشتم له والذي كثرت اباطيله اه قاموس (*)

[ 21 ]

ترى إلى إبراهيم بن المهدي كيف كان إمام هذه الصناعة ورئيس المغنين في زمانه فقلت له يا سبحان الله وهلا تأسيت بأبيه أو أخيه أو ما رأيت كيف قعد ذلك بإبرهيم عن مناصبهم فصم عن عذلي وأعرض والله يهدي من يشاء. ومن الاخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرخين والاثبات في العبيديين خلفاء الشيعة بالقيروان والقاهرة من نفيهم عن أهل البيت صلوات الله عليهم والطعن في نسبهم إلى إسماعيل الامام ابن جعفر الصادق يعتمدون في ذلك على أحاديث لفقت للمستضعفين من خلفاء بني العباس تزلفا إليهم بالقدح فيمن ناصبهم وتفننا في الشمات بعدوهم حسبما نذكر بعض هذه الاحاديث في أخبارهم ويغفلون عن التفطن لشواهد الواقعات وأدلة الاحوال التي اقتضت خلاف ذلك من تكذيب دعواهم والرد عليهم فإنهم متفقون في حديثهم عن مبدإ دولة الشيعة أن أبا عبد الله المحتسب لما دعي بكتامة للرضى من آل محمد واشتهر خبره وعلم تحويمه على عبيد الله المهدي وابنه أبي القاسم خشيا على أنفسهما فهربا من المشرق محل الخلافة واجتازا بمصر وأنهما خرجا من الاسكندرية في زي التجار ونمي خبرهما إلى عيسى النوشري عامل مصر والاسكندرية فسرح في طلبهما الخيالة حتى إذا أدركا خفي حالهما على تابعهما بما لبسوا به من الشارة والزي فأفلتوا إلى المغرب وأن المعتضد أو عز إلى الاغالبة أمراء أفريقيا بالقيروان وبني مدرار أمراء سجلماسة بأخذ الافاق عليهما وإذ كاء العيون في طلبهما فعثر أليشع صاحب سجلماسة من آل مدرار على خفي مكانهما ببلده واعتقلهما مرضاة للخليفة هذا قبل أن تظهر الشيعة على الاغالبة بالقيروان ثم كان بعد ذلك ما كان من ظهور دعوتهم بالمغرب وأفريقية ثم باليمن ثم بالاسكندرية ثم بمصر والشام والحجاز وقاسموا بني العباس في ممالك الاسلام شق الابلمة وكادوا يلجون عليهم مواطنهم ويزايلون من أمرهم ولقد أظهر دعوتهم ببغداد وعراقها الامير البسا سيري من موالي الديلم المتغلبين على خلفاء بني العباس في مغاضبة جرت بينه وبين أمراء العجم وخطب لهم على منابرها حولا كاملا وما زال بنو العباس يغصون بمكانهم ودولتهم وملوك بني أمية وراء البحر ينادون بالويل والحرب منهم وكيف يقع هذا كله لدعي في النسب يكذب في انتحال الامر واعتبر حال القرمطي إذ كان دعيا في

[ 22 ]

انتسابه كيف تلاشت دعوته وتفرقت أتباعه وظهر سريعا على خبثهم ومكرهم فساءت عاقبتهم وذاقوا وبال أمرهم ولو كان أمر العبيديين كذلك لعرف ولو بعد مهلة ومهما يكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على الناس تعلم فقد اتصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة وملكوا مقام إبراهيم عليه السلام ومصلاه وموطن الرسول صلى الله عليه وسلم ومدفنه وموقف الحجيج ومهبط الملائكة ثم انقرض امرهم وشيعتهم في ذلك كله على أتم ما كانوا عليه من الطاعة لهم والحب فيهم واعتقادهم بنسب الامام إسماعيل بن جعفر الصادق ولقد خرجوا مرارا بعد ذهاب الدولة ودروس أثرها داعين إلى بدعتهم هاتفين بأسماء صبيان من أعقابهم يزعمون استحقاقهم للخلافة ويذهبون إلى تعيينهم بالوصية ممن سلف قبلهم من الايمة ولو ارتابوا في نسبهم لما ركبوا أعناق الاخطار في الانتصار لهم فصاحب البدعة لا يلبس في أمره ولا يشبه في بدعته ولا يكذب نفسه فيما ينتحله والعجب من القاضي أبي بكر الباقلاني شيخ النظار من المتكلمين كيف بجنح إلى هذه المقالة المرجوحة ويرى هذا الرأي الضعيف فإن كان ذلك لما كانوا عليه من الالحاد في الدين والتعمق في الرافضية فليس ذلك بدافع في صدر دعوتهم وليس إثبات منتسبهم بالذي يغني عنهم من الله شيئا في كفرهم فقد قال تعالى لنوح عليه السلام في شأن ابنه إنه ليس من أهلك أنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة يعظها يا فاطمة اعملي فلن أغبي عنك من الله شيئا ومتى عرف امروء قضية أو استيقن أمرا وجب عليه أن يصدع به والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والقوم كانوا في مجال لظنون الدول بهم وتحت رقبة من الطغاة لتوفر شيعتهم وانتشارهم في القاصية بدعوتهم وتكرر خروجهم مرة بعد أخرى فلاذت رجالاتهم بالاختفاء ولم يكادوا يعرفون كما قيل فلو تسأل الايام ما اسمي ما درت * وأين مكاني ما عرفن مكانيا حتى لقد سمي محمد بن إسماعيل الامام جد عبيدالله المهدي بالمكتوم سمته بذلك شيعتهم لما اتفقوا عليه من إخفائه حذرا من المتغلبين عليهم فتوصل شيعة بن العباس بذلك عند ظهورهم إلى الطعن في نسبهم وازدلفوا بهذا الرأي القائل للمستضعفين

[ 23 ]

من خلفائهم وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم المتولون لحروبهم مع الاعداء يدفعون به عن أنفسهم وسلطانهم معرة العجز عن المقاومة والمدافعة لمن غلبهم على الشام ومصر والحجاز من البربر الكتامين شيعة العبيديين وأهل دعوتهم حتى لقد أسجل القضاة ببغداد بنفيهم عن هذا النسب وشهد بذلك عندهم من أعلام الناس جماعة منهم الشريف الرضي وأخوه المرتضى وابن البطحاوي ومن العلماء أبو حامد الاسفراييني والقدوري والصيمري وابن الاكفاني والابيوردي وأبو عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة وغيرهم من أعلام الامة ببغداد في يوم مشهود وذلك سنة ستين وأربعمائة في أيام القادر وكانت شهادتهم في ذلك على السماع لما اشتهر وعرف بين الناس ببغداد وغالبها شيعة بني العباس الطاعنون في هذا النسب فنقله الاخباريون كما سمعوه ورووه حسبما وعوه والحق من ورائه وفي كتاب المعتضد في شأن عبيد الله إلى ابن الاغلب بالقيروان وابن مدرار بسجلماسة أصدق شاهد وأوضح دليل على صحة نسبهم فالمعتضد أقعد بنسب أهل البيت من كل أحد والدولة والسلطان سوق للعالم تجلب إليه بضائع العلوم والصنائع وتلتمس فيه ضوال الحكم وتحدى إليه ركائب الروايات والاخبار وما نفق فيها نفق عند الكافة فإن تنزهت الدولة عن التعسف والميل والافن والسفسفة وسلكت النهج الامم ولم تجر (1) عن قصد السبيل نفق في سوقها الا بريز الخالص واللجين المصفى وإن ذهبت مع الاغراض والحقود وماجت بسماسرة العرب البغي والباطل نفق البهرج والزائف والناقد البصير نظره قسطاس بحثه وميزان وملتمسه ومثل هذا وأبعد منه كثيرا ما يتناجى به الطاعنون في نسب أدريس بن ادريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن ابن علي بن ابي طالب (رضوان الله عليهم) الامام بعد أبيه بالمغرب الاقصى ويعرضون تعريض الحد بالتظنن في الحمل المخلف عن أدريس الاكبر إنه لراشد مولاهم قبحهم الله وأبعدهم ما أجهلهم أما يعلمون أن أدريس الاكبر كان إصهاره في البربر وأنه منذ دخل المغرب إلى أن توفاه الله عزوجل عريق في البدو وأن حال البادية في مثل ذلك غير خافية إذ لا مكامن لهم يتأتى فيها الريب وأحوال حرمهم أجمعين بمرأى من جاراتهن ومسمع من جيرانهن لتلاصق الجدران وتطامن البنيان وعدم الفواصل بين المساكن وقد كان راشد يتولى


(1) قوله ولم تجر بضم الجيم مضارع جاراي لم تمل اه (*)

[ 24 ]

خدمة الحرم أجمع من بعد مولاه بمشهد من أوليائهم وشيعتهم ومراقبة من كافتهم وقد اتفق برابرة المغرب الاقصى عامة على بيعة أدريس الاصغر من بعد أبيه وآتوه طاعتهم عن رضى وإصفاق وبايعوه على الموت الاحمر وخاضوا دونه بحار المنايا في حروبه وغزواته ولو حدثوا أنفسهم بمثل هذه الريبة أو قرعت أسماعهم ولو من عدو كاشح أو منافق مرتاب لتخلف عن ذلك ولو بعضهم كلا والله إنما صدرت هذه الكلمات من بني العباس أقتالهم ومن بني الاغلب عمالهم كانوا بأفريقية وولاتهم وذلك أنه لما فر أدريس الاكبر إلى المغرب من وقعة بلخ أو عز الهادي إلى الاغالبة أن يقعدوا له بالمراصد ويذكوا عليه العيون فلم يظفروا به وخلص إلى المغرب فتم امره وظهرت دعوته وظهر الرشيد من بعد ذلك على ماكان من واضح مولاهم وعاملهم على الاسكندرية من دسيسة التشيع للعلوية وإدهانه في نجاة أدريس إلى المغرب فقتله ودس الشماخ من موالي المهدي أبيه للتحيل على قتل أدريس فأظهر اللحاق به والبراءة من بني العباس مواليه فاشتمل عليه أدريس وخلطه بنفسه وناوله الشماخ في بعض خلواته سما استهلكه به ووقع خبر مهلكه من بني العباس أحسن المواقع لما رجوه من قطع أسباب الدعوة العلوية بالمغرب واقتلاع جرثومتها ولما تأدى إليهم خبر الحمل المخلف لادريس فلم يكن لهم إلا كلا ولا وإذا بالدعوة قد عادت والشيعة بالمغرب قد ظهرت ودولتهم بأدريس بن أدريس قد تجددت فكان ذلك عليهم أنكى من وقع السهام وكان الفشل والهرم قد نزلا بدولة العرب عن أن يسموا إلى القاصية فلم يكن منتهى قدرة الرشيد على أدريس الاكبر بمكانه من قاصية المغرب واشتمال البربر عليه إلا التحيل في إهلاكه بالسموم فعند ذلك فزعوا إلى أوليائهم من الاغالبة بأفريقية في سد تلك الفرجة من ناحيتهم وحسم الداء المتوقع بالدولة من قبلهم واقتلاع تلك العروق قبل أن تشج منهم يخاطبهم بذلك المأمون ومن بعده من خلفائهم فكان الاغالبة عن برابرة المغرب الاقصى أعجز ولمثلها من الزبون على ملوكهم أحوج لما طرق الخلافة من انتزاء ممالك العجم على سدتها وامتطائهم صهوة التغلب عليها وتصريفهم أحكامها طوع أغراصهم في رجالها وجبايتها وأهل خططها وسائر نقضها وإبرامها كما قال شاعرهم

[ 25 ]

خليفة في قفص * بين وصيف وبغا يقول ما قالا له * كما تقول الببغا فخشي هؤلاء الامراء الاغالبة بوادر السعايات وتلوا بالمعاذير فطورا باحتقار المغرب وأهله وطورا بالارهاب بشأن أدريس الخارج به ومن قام مقامه من أعقابه يخاطبونهم بتجاوزه حدود التخوم من عمله وينفذون سكته في تحفهم وهداياهم ومرتفع جباياتهم تعريضا باستفحاله وتهويلا باشتداد شوكته وتعظيما لما دفعوا إليه من مطالبته ومراسه وتهديدا بقلب الدعوة إن ألجئوا إليه وطورا يطعنون في نسب أدريس بمثل ذلك الطعن الكاذب تخفيضا لشأنه لا يبالون بصدقه من كذبه لبعد المسافة وأفن عقول من خلف من صبية بني العباس وممالكهم العجم في القبول من كل قائل والسمع لكل ناعق ولم يزل هذا دأبهم حتى انقضى أمر الاغالبة فقرعت هذه الكلمة الشنعاء أسماع الغوغاء وصر عليها بعض الطاعنين أذنه واعتدها ذريعة إلى النيل من خلفهم عند المنافسة ومالهم قبحهم الله والعدول عن مقاصد الشريعة فلا تعارض فيها بين المقطوع والمظنون وأدريس ولد على فراش أبيه والولد للفراش على أن تنزيه أهل البيت عن مثل هذا من عقائد أهل الايمان فالله سبحانه قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ففراش أدريس طاهر من الدنس ومنزه عن الرجس بحكم القرآن ومن اعتقد خلاف هذا فقد باء بإثمه وولج الكفر من بابه وإنما أطنبت في هذا الرد سدا لابواب الريب ودفعا في صدر الحاسد لما سمعته أذناي من قائله المعتدي عليهم القادح في نسبهم بفريته وينقله بزعمه عن بعض مؤرخي المغرب ممن انحرف عن أهل البيت وارتاب في الايمان بسلفهم وإلا فالمحل منزه عن ذلك معصوم منه ونفي العيب حيث يستحيل العيب عيب لكني جادلت عنهم في الحياة الدنيا وأرجو أن يجادلوا عني يوم القيامة ولتعلم أن أكثر الطأعنين في نسبهم إنما هم الحسدة لاعقاب أدريس هذا من منتم إلى أهل البيت أو دخيل فيهم فإن ادعاء هذا النسب الكريم دعوى شرف عريضة على الامم والاجيال من أهل الافاق فتعرض التهمة فيه ولما كان نسب بني أدريس هؤلاء بمواطنهم من فارس وسائر ديار المغرب قد بلغ من الشهرة والوضوح مبلغا لا يكاد يلحق ولا يطمع أحد في

[ 26 ]

دركه إذ هو نقل الامة والجيل من الخلف عن الامة والجيل من السلف وبيت جدهم أدريس مختط فاس ومؤسسها من بيوتهم ومسجده لصق محلتهم ودروبهم وسيفه منتضى برأس المأذنة العظمى من قرار بلدهم وغير ذلك من آثاره التي جاوزت أخبارها حدود التواتر مرات وكادت تلحق بالعيان فإذات نظر غيرهم من أهل هذا النسب إلى ما اتاهم الله من أمثالها وما عضد شرفهم النبوي من جلال الملك الذي كان لسلفهم بالمغرب واستيقن أنه بمعزل عن ذلك وأنه لا يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه وأن غاية أمر المنتمين إلى البيت الكريم ممن لم يحصل له أمثال هذه الشواهد أن يسلم لهم حالهم لان الناس مصدقون في أنسابهم وبون ما بين العلم والظن واليقين والتسليم فإذا علم بذلك من نفسه غص بريقه وود كثير منهم لو يردونهم عن شرفهم ذلك سوقة ووضعاء (1) حسدا من عند أنفسهم فيرجعون إلى العناد وارتكاب اللجاج والبهت بمثل هذا الطعن الفائل والقول المكذوب تعللا بالمساواة في الظنة والمشابهة في تطرق الاحتمال وهيهات لهم ذلك فليس في المغرب فيما نعلمه من أهل هذا البيت الكريم من يبلغ في صراحة نسبه ووضوحه مبالغ أعقاب أدريس هذا من آل الحسن وكبراؤهم لهذا العهد بنو عمران بفاس من ولد يحيى الحوطي بن محمد بن يحيى العوام بن القاسم بن أدريس بن أدريس وهم نقباء أهل البيت هناك والساكنون ببيت جدهم أدريس ولهم السيادة على أهل المغرب كافة حسبما نذكرهم عند ذكر الادارسة إن شاء الله تعالى ويلحق بهذه المقالات الفاسدة والمذاهب الفائلة ما يتناوله ضعفة الرأي من فقهاء المغرب من القدح في الامام المهدي صاحب دولة الموحدين ونسبته إلى الشعوذة والتلبيس فيما أتاه من القيام بالتوحيد الحق والنعي على أهل البغي قبله وتكذيبهم لجميع مدعياته في ذلك حتى فيما يزعم الموحدون اتباعه من انتسابه في أهل البيت وإنما حمل الفقهاء على تكذيبه ما كمن في نفوسهم من حسده على شأنه فإنهم لما رأوا من أنفسهم مناهضته في العلم والفتيا وفي الدين بزعمهم ثم امتاز عنهم بأنه متبوع الرأي مسموع القول موطؤ العقب نفسوا ذلك عليه وغضوا منه بالقدح في مذاهبه والتكذيب لمدعياته وأيضا فكانوا يؤنسون من


(1) قوله ووضعا بضم الواو جمع وضيع اه (*)

[ 27 ]

ملوك المتونة أعدائه تجلة وكرامة لم تكن لهم من غيرهم لما كانوا عليه من السذاجة وانتحال الديانة فكان لحملة العلم بدولتهم مكان من الوجاهة والانتصاب للشورى كل في بلده وعلى قدره في قومه فأصبحوا بذلك شيعة لهم وحربا لعدوهم ونقموا على المهدي ما جاء به من خلافهم والتثريب عليهم والمناصبة لهم تشيعا للمتونة وتعصبا لدولتهم ومكان الرجل غير مكانهم وحاله على غير معتقداتهم وما ظنك برجل نقم على أهل الدولة ما نقم من أحوالهم وخالف اجتهاده فقهاؤهم فنادى في قومه ودعا إلى جهادهم بنفسه فاقتلع الدولة من أصولها وجعل عاليها سافلها أعظم ما كانت قوة وأشد شوكة وأعز أنصارا وحامية وتساقطت في ذلك من أتباعه نفوس لا يحصيها إلا خالقها قد بايعوه على الموت ووقوه بأنفسهم من الهلكة وتقربوا إلى الله تعالى بإتلاف مهجهم في إظهار تلك الدعوة والتعصب لتلك الكلمة حتى علت على الكلم ودالت بالعدوتين من الدول وهو بحالة من التقشف والحصر والصبر على المكاره والتقلل من الدنيا حتى قبضه الله وليس على شئ من الحظر والمتاع في دنياه حتى الولد الذي ربما تجنح إليه النفوس وتخادع عن تمنيه فليت شعري ما الذي قصد بذلك إن لم يكن وجه الله وهو لم يحصل له حظ من الدنيا في عاجله ومع هذا فلو كان قصده غير صالح لما تم أمره وانفسحت دعوته سنة الله التي قد خلت في عباده وأما إنكارهم نسبه في أهل البيت فلا تعضده حجة لهم مع أنه إن ثبت أنه ادعاه وانتسب إليه فلا دليل يقوم على بطلانه لان الناس مصدقون في أنسابهم وإن قالوا إن الرئاسة لا تكون على قوم في غير أهل جلدتهم كما هو الصحيح حسبما يأتي في الفصل الاول من هذا الكتاب والرجل قد رأس سائر المصامدة ودانوا باتباعه والانقياد إليه وإلى عصابته من هرغة حتى تم أمر الله في دعوته فاعلم أن هذا النسب الفاطمي لم يكن أمر المهدي يتوقف عليه ولا اتبعه الناس بسببه وإنما كان اتباعهم له بعصبية الهرغية والمصمودية ومكانه منها ورسوخ شجرته فيها وكان ذلك النسب الفاطمي خفيا قد درس عند الناس وبقي عنده وعند عشيرته يتناقلونه بينهم فيكون النسب الاول كأنه انسلخ منه وليس جلدة هؤلاء وظهر فيها فلا يضره الانتساب الاول في عصبيته إذ هو مجهول عند أهل العصابة ومثل هذا واقع كثيرا إذا كان النسب الاول خفيا وانظر

[ 28 ]

قصة عرفجة وجرير في رئاسة بجيلة وكيف كان عرفجة من الازد ولبس جلدة بجيلة حتى تنازع مع جرير رئاستهم عند عمر رضي الله عنه كما هو مذكور تتفهم منه وجه الحق والله الهادي للصواب وقد كدنا أن نخرج عن غرض الكتاب بالاطناب في هذه المغالط فقد زلت أقدام كثير من الاثبات والمؤرخين الحفاظ في مثل هذه الاحاديث والآراء وعلقت أفكارهم ونقلها عنهم الكافة من ضعفة النظر والغفلة عن القياس وتلقوها هم أيضا كذلك من غير بحث ولا روية واندرجت في محفوظاتهم حتى صار فن التاريخ واهيا مختلطا وناظره مرتبكا وعد من مناحي العامة فإذا يحتاج صاحب هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الامم والبقاع والاعصار في السير والاخلاق والعوائد والنحل والمذاهب وسائر الاحوال والاحاطة بالحاضر من ذلك ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو بون ما بينهما من الخلاف وتعليل المتفق منها والمختلف والقيام على أصول الدول والملل ومبادئ ظهورها وأسباب حدوثها ودواعي كونها وأحوال القائمين بها وأخبارهم حتى يكون مستوعبا لاسباب كل خبره وحينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد والاصول فإن وافقها وجرى على مقتضاها كان صحيحا وإلا زيفه واستغنى عنه وما استكبر القدماء علم التاريخ إلا لذلك حتى انتحله الطبري والبخاري وابن إسحاق من قبلهما وأمثالهم من علماء الامة وقد ذهل الكثير عن هذا السر فيه حتى صار انتحاله مجهلة واستخف العوام ومن لا رسوخ له في المعارف مطالعته وحمله والخوض فيه والتطفل عليه فاختلط المرعي بالهمل واللباب بالقشر والصادق بالكاذب وإلى الله عاقبة الامور ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الاحوال في الامم والاجيال بتبدل الاعصار ومرور الايام وهو داء دوى شديد الخفاء إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة وذلك أن أحوال العالم والامم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر إنما هو اختلاف على الايام والازمنة وانتقال من حال إلى حال وكما يكون ذلك في الاشخاص والاوقات والامصار فكذلك يقع في الآفاق والاقطار والازمنة والدول سنة الله التي قد خلت في عباده وقد كانت في العالم أمم الفرس الاولى والسريانيون

[ 29 ]

والنبط والتبابعة وبنو إسرائيل والقبط وكانوا على أحوال خاصة بهم في دولهم وممالكهم وسياستهم وصنائعهم ولغاتهم واصطلاحاتهم وسائر مشاركاتهم مع ابناء جنسهم وأحوال اعتمارهم للعالم تشهد بها آثارهم ثم جاء من بعدهم الفرس الثانية والروم والعرب فتبدلت تلك الاحوال وانقلبت بها العوائد إلى ما يجانسها أو يشابهها وإلى ما يباينها أو يباعدها ثم جاء الاسلام بدولة مضر فانقلبت تلك الاحوال أجمع انقلابة أخرى وصارت إلى ما أكثره متعارف لهذا العهد يأخذه الخلف عن السلف ثم درست دولة العرب وأيامهم وذهبت الاسلاف الذين شيدوا عزهم ومهدوا ملكهم وصار الامر في أيدي سواهم من العجم مثل الترك بالمشرق والبربر بالمغرب والفرنجة بالشمال فذهبت بذهابهم أمم وانقلبت أحوال وعوائد نسي شأنها وأغفل أمرها والسبب الشائع في تبدل الاحوال والعوائد أن عوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه كما يقال في الامثال الحكمية الناس على دين الملك وأهل الملك والسلطان إذا استولوا على الدولة والامر فلا بد من أن يفزعوا إلى عوائد من قبلهم ويأخذون الكثير منها ولا يغفلون عوائد جيلهم مع ذلك فيقع في عوائد الدولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الاول فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم ومزجت من عوائدهم وعوائدها خالفت أيضا بعض الشئ وكانت للاولى أشد مخالفة ثم لا يزال التدريج في المخالفة حتى ينتهي إلى المباينة بالجملة فما دامت الامم والاجيال تتعاقب في الملك والسلطان لا تزال المخالفة في العوائد والاحوال واقعة والقياس والمحاكاة للانسان طبيعة معروفة ومن الغلط غير مأمونة تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده وتعوج به عن مرامه فربما يسمع السامع كثيرا من أخبار الماضين ولا يتفطن لما وقع من تغير الاحوال وانقلابها فيجريها لاول وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد وقد يكون الفرق بينهما كثيرا فيقع في مهواة من الغلط فمن هذا الباب ما ينقله المؤرخون من أحوال الحجاج وأن أباه كان من المعلمين مع أن التعليم لهذا العهد من جملة الصنائع المعاشية البعيدة من اعتزاز أهل العصبية والمعلم مستضعف مسكين منقطع الجذم (1) فيتشوف الكثير من المستضعفين أهل الحرف والصنائع


(1) الجذم الاصل اه قاموس (*)

[ 30 ]

المعاشية إلى نيل الرتب التي ليسوا لها بأهل ويعدونها من الممكنات لهم فتذهب بهم وساوس المطامع وربما انقطع حبلها من أيديهم فسقطوا في مهواة الهلكة والتلف ولا يعلمون استحالتها في حقهم وأنهم أهل حرف وصنائع للمعاش وأن التعليم صدر الاسلام والدولتين لم يكن كذلك ولم يكن العلم بالجملة صناعة إنما كان نقلا لما سمع مع الشارع وتعليما لما جهل من الدين على جهة البلاغ فكان أهل الانساب والعصبية الذين قاموا بالملة هم الذين يعلمون كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على معنى التبليغ الخبرى لا على وجه التعليم الصناعي إذ هو كتابهم المنزل على الرسول منهم وبه هداياتهم والاسلام دينهم قاتلوا عليه وقتلوا واختصوا به من بين الامم وشرفوا فيحرصون على تبليغ ذلك وتفهيمه للامة لا تصدهم عنه لائمة الكبر ولا يزعهم عاذل الانفة ويشهد لذلك بعث النبي صلى الله عليه وسلم كبار أصحابه مع وفود العرب يعلمونهم حدود الاسلام وما جاء به من شرائع الدين بعث في ذلك من أصحابه العشرة فمن بعدهم فما استقر الاسلام ووشجت عروق الملة حتى تناولها الامم البعيدة من أيدي أهلها واستحالت بمرور الايام أحوالهما وكثر استنباط الاحكام الشرعية من النصوص لتعدد الوقائع وتلاحقها فاحتاج ذلك لقانون يحفظه من الخطإ وصار العلم ملكة يحتاج إلى التعلم فأصبح من جملة الصنائع والحرف كما يأتي ذكره في فصل العلم والتعليم واشتغل أهل العصبية بالقيام بالملك والسلطان فدفع لعلم من قام به من سواهم وأصبح حرفة للمعاش وشمخت أنوف المترفين وأهل السلطان عن التصدي للتعليم واختص انتحاله بالمستضعفين وصار منتحله محتقرا عند أهل العصبية والملك والحجاج بن يوسف كان أبوه من سادات ثقيف وأشرافهم ومكانهم من عصبية العرب ومناهضة قريش في الشرف ما علمت ولم يكن تعليمه للقرآن على ما هو الامر عليه لهذا العهد من أنه حرفة للمعاش وإنما كان على ما وصفناه من الامر الاول في الاسلام ومن هذا الباب أيضا ما يتوهمه المتصفحون لكتب التاريخ إذا سمعوا أحوال القضاة وما كانوا عليه من الرئاسة في الحروب وقود العساكر فتترامى بهم وساوس الهمم إلى مثل تلك الرتب يحسبون أن الشأن خطة القضاء لهذا العهد على ما كان عليه من قبل ويظنون بابن أبي عامر صاحب

[ 31 ]

هشام المستبد عليه وابن عباد من ملوك الطوائف بإشبيلية إذا سمعوا أن آباءهم كانوا قضاة أنهم مثل القضاة لهذا العهد ولا يتفطنون لما وقع في رتبة القضاء من مخالفة العوائد كما نبينه في فصل القضاء من الكتاب الاول وابن أبي عامر وابن عباد كانا من قبائل العرب القائمين بالدولة الاموية بالاندلس وأهل عصبيتها وكان مكانهم فيها معلوما ولم يكن نيلهم لما نالوه من الرئاسة والملك بخطة القضاء كما هي لهذا العهد لل إنما كان القضاء في الامر القديم لاهل العصبية من قبيل الدولة ومواليها كما هي الوزارة لعهدنا بالمغرب وانظر خروجهم بالعساكر في الطوائف وتقليدهم عظائم الامور التي لا تقلد إلا لمن له الغنى فيها بالعصبية فيغلط السامع في ذلك ويحمل الاحوال على غير ما هي وأكثر ما يقع في هذا الغلط ضعفاء البصائر من أهل الاندلس لهذا العهد لفقدان العصبية في مواطنهم منذ أعصار بعيدة بفناء العرب ودولتهم بها وخروجهم عن ملكة أهل العصبيات (1) من البربر فبقيت أنسابهم العربية محفوظة والذريعة إلى العز من العصبية والثناصر مفقودة بل صاروا من جملة الرعايا المتخاذلين الذين تعبدهم القهر ورئموا للمذلة يحسبون أن أنسابهم مع مخالطة الدولة هي التي يكون لهم بها الغلب والتحكم فتجد أهل الحرف والصنائع منهم متصدين لذلك ساعين في نيله فأما من باشر أحوال القبائل والعصبية ودولهم بالعدوة الغربية وكيف يكون التغلب بين الامم والعشائر فقلما يغلطون في ذلك ويخطئون في اعتباره ومن هذا الباب أيضا ما يسلكه المؤرخون عند ذكر الدول ونسق ملوكها فيذكرون اسمه ونسبه وأباه وأمه ونساءه ولقبه وخاتمه وقاضية وحاجبه ووزيره كل ذلك تقليد لمؤرخي الدولتين من غير تفطن لمقاصدهم والمؤرخون لذلك العهد كانوا يضعون


(1) العصبية بفتحتين التعصب وهو ان يذب الرجل عن حريم صاحبه ويشهر عن ساق الجد في نصره منسوبة إلى العصبة محركة وهم اقارب الرجل من قبل ابيه لانهم هم الذابون عن حريم من هو منتهاهم وهي بهذا المعنى ممدوحة واما العصبية المذمومة في الحديث الجامع الصغير ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية فهي تعصب رجال لقبيلة على رجال لقبيلة اخرى لغير ديانة كما كان يقع من قيام سعد على حرام نسبة إلى العصبة بمعنى قوم الرجل الذين ينعصبون له ولو من غير اقاربه ظالما كان أو مظلوما وفي الفتاوي الخيرية من موانع قبول الشهادة العصبية وهي ان يبغض الرجل الرجل لانه من بني فلان أو من قبيله كذا والوجه في ذلك ظاهر وهو ارتكاب المحرم ففي الحديث ليس منا من دعي إلى عصبية وهو موجب للفسق ولا شهاده لمرتكبه. قاله الاستاذ أبو الوفا اه‍ (*)

[ 32 ]

تواريخهم لاهل الدولة وأبناؤها متشوفون إلى سير أسلافهم ومعرفة أحوالهم ليقتفوا آثارهم وينسجوا على منوالهم حتى في اصطناع الرجال من خلف دولتهم وتقليد الخطط والمراتب لابناء صنائعهم وذويهم والقضاة أيضا كانوا من أهل عصبية الدولة وفي عداد الوزراء كما ذكرناه لك فيحتاجون إلى ذكر ذلك كله واما حين تباينت الدول وتباعد ما بين العصور ووقف الغرض على معرفة الملوك بأنفسهم خاصة ونسب الدول بعضها من بعض في قوتها وغلبتها ومن كان يناهضها من الامم أو يقصر عنها فما الفائدة للمصنف في هذا العهد في ذكر الابناء والنساء ونقش الخاتم واللقب والقاضي والوزير والحاجب من دولة قديمة لا يعرف فيها أصولهم ولا أنسابهم ولا مقاماتهم إنما حملهم على ذلك التقليد والغفلة عن مقاصد المؤلفين الاقدمين والذهول عن تحري الاغراض من التاريخ اللهم إلا ذكر الوزراء الذين عظمت آثارهم وعفت عن الملوك أخبارهم كالحجاج وبني المهلب والبرامكة وبني سهل بن نوبخت وكافور الاخشيدي وابن أبي عامر وأمثالهم فغير نكير الالماع بآبائهم والاشارة إلى أحوالهم لانتظامهم في عداد الملوك. ولنذكر هنا فائدة نختم كلامنا في هذا الفصل بها وهي أن التاريخ إنما هو ذكر الاخبار الخاصة بعصر أو جيل فأما ذكر الاحوال العامة للآفاق والاجيال والاعصار فهو أس للمؤرخ تنبني عليه أكثر مقاصده وتتبين به أخباره وقد كان الناس يفردونه بالتأليف كما فعله المسعودي في كتاب مروج الذهب شرح فيه أحوال الامم والآفاق لعهده في عصر الثلاثين والثلاثمائة غربا وشرقا وذكر نحلهم وعوائدهم ووصف البلدان والجبال والبحار والممالك والدول وفرق شعوب العرب والعجم فصار إماما للمؤرخين يرجعون إليه وأصلا يعولون في تحقيق الكثير من أخبارهم عليه ثم جاء البكري من بعده ففعل مثل ذلك في المسالك والممالك خاصة دون غيرها من الاحوال لان الامم والاجيال لعهده لم يقع فيها كثير انتقال ولا عظيم تغير وأما لهذا العهد وهو آخر المائة الثامنة فقد انقلبت أحوال المغرب الذي نحن شاهدوه وتبدلت بالجملة واعتاض من أجيال البربر أهله على القدم بما طرأ فيه من لدن المائة الخامسة من أجيال العرب بما كسروهم وغلبوهم وانتزعوا منهم عامة الاوطان وشاركوهم فيما بقي من البلدان لملكهم هذا إلى ما نزل بالعمران

[ 33 ]

شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف الذي تحيف الامم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها فقلص من ظلالها وفل من حدها وأوهن من سلطانها وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها وانتقض عمران الارض بانتقاض البشر فخربت الامصار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل الساكن وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب لكن على نسبته ومقدار عمرانه وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالاجابة والله وارث الارض ومن عليها وإذا تبدلت الاحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث فاحتاج لهذا العهد من يدون أحوال الخليقة والآفاق وأجيالها والعوائد والنحل التي تبدلت لاهلها ويقفو مسلك المسعودي لعصره ليكون أصلا يقتدي به من يأتي من المؤرخين من بعده وأنا ذاكر في كتابي هذا ما أمكنني منه في هذا القطر المغربي إما صريحا أو مندرجا في أخباره وتلويحا لاختصاص قصدي في التأليف المغرب وأحوال أجياله وأممه وذكر ممالكه ودوله دون ما سواه من الاقطار لعدم اطلاعي على أحوال المشرق وأممه وأن الاخبار المتناقلة لا تفي كنه ما أريده منه والمسعودي إنما استوفى ذلك لبعد رحلته وتقلبه في البلاد كما ذكر في كتابه مع أنه لما ذكر المغرب قصر في استيفاء أحواله وفوق كل ذي علم عليم ومرد العلم كله إلى الله والبشر عاجز قاصر والاعتراف متعين واجب ومن كان الله في عونه تيسرت عليه المذاهب وأنجحت له المساعي والمطالب ونحن آخذون بعون الله فيما رمناه من أغراض التأليف والله المسدد والمعين وعليه التكلان وقد بقي علينا أن نقدم مقدمة في كيفية وضع الحروف التي ليست من لغات العرب إذا عرضت في كتابنا هذا إعلم أن الحروف في النطق كما يأتي شرحه بعد هي كيفيات الاصوات الخارجة من الحنجرة تعرض من تقطيع الصوت بقرع اللهاة وأطراف اللسان مع الحنك والحلق والاضراس أو بقرع الشفتين أيضا فتتغاير كيفيات الاصوات بتغاير ذلك القرع

[ 34 ]

وتجئ الحروف متمايزة في السمع وتتركب منها الكلمات الدالة على ما في الضمائر وليست الامم كلها متساوية في النطق بتلك الحروف فقد يكون لامة من الحروف ما ليس لامة أخرى والحروف التي نطقت بها العرب هي ثمانية وعشرون حرفا كما عرفت ونجد للعبرانيين حروفا ليست في لغتنا وفي لغتنا أيضا حروف ليست في لغتهم وكذلك الافرنج والترك والبربر وغير هؤلاء من العجم ثم إن أهل الكتاب من العرب اصطلحوا في الدلالة على حروفهم المسموعة بأوضاع حروف مكتوبة متميزة بأشخاصها كوضع ألف وباء وجيم وراء وطاء إلى آخر الثمانية والعشرين وإذا عرض لهم الحرف الذي ليس من حروف لغتهم بقي مهملا عن الدلالة الكتابية مغفلا عن البيان وربما يرسمه بعض الكتاب بشكل الحرف الذي يكتنفه من لغتنا قبله أو بعده وليس بكاف في الدلالة بل هو تغيير للحرف من أصله. ولما كان كتابنا مشتملا على أخبار البربر وبعض العجم وكانت تعرض لنا في أسمائهم أو بعض كلماتهم حروف ليست من لغة كتابتنا ولا اصطلاح أوضاعنا اضطررنا إلى بيانه ولم نكتف برسم الحرف الذي يليه كما قلناه لانه عندنا غير واف بالدلالة عليه فاصطلحت في كتابي هذا على أن أضع ذلك الحرف العجمي بما يدل على الحرفين اللذين يكتنفانه ليتوسط القارئ بالنطق به بين مخرجي ذينك الحرفين فتحصل تأديته وإنما اقتبست ذلك من رسم أهل المصحف حروف الاشمام كالصراط في قراءة خلف فإن النطق بصاده فيها معجم متوسط بين الصاد والزاي فوضعوا الصاد ورسموا في داخلها شكل الزاي ودل ذلك عندهم على التوسط بين الحرفين فكذلك رسمت أنا كل حرف يتوسط بين حرفين من حروفنا كالكاف المتوسطة عند البربر بين الكاف الصريحة عندنا والجيم أو القاف مثل اسم بلكين فأضعها كافا وأنقطها بنقطة الجيم واحدة من أسفل أو بنقطة القاف واحدة من فوق أو اثنتين فيدل ذلك على أنه متوسط بين الكاف والجيم أو القاف وهذا الحرف أكثر ما يجئ في لغة البربر وما جاء من غيره فعلى هذا القياس أضع الحرف المتوسط بين حرفين من لغتنا بالحرفين معا ليعلم القارئ أنه متوسط فينطق به كذلك فنكون قد دللنا عليه ولو وضعناه برسم الحرف الواحد عن جانبه لكنا قد صرفناه من مخرجه إلى مخرج الحرف الذي من لغتنا وغيرنا

[ 35 ]

لغة القوم فاعلم ذلك والله الموفق للصواب بمنه وفضله الكتاب الاول في طبيعة العمران في الخليقة وما يعرض فيها من البدو والحضر والتغلب والكسب والمعاش والصنائع والعلوم ونحوها وما لذلك من العلل والاسباب إعلم أنه لما كانت حقيقة التأريخ أنه خبر عن الاجتماع الانساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الاحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الاحوال. ولما كان الكذب متطرقا للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه. فمنها التشيعات للآراء والمذاهب فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الاخبار لاول وهلة وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله. ومن الاسباب المقتضية للكذب في الاخبار ايضا الثقة بالناقلين وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح. ومنها الذهول عن المقاصد فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في الكذب. ومنها توهم الصدق وهو كثير وإنما يجئ في الاكثر من جهة الثقة بالناقلين ومنها الجهل بتطبيق الاحوال على الوقائع لاجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع فينقلها المخبر كما رآها وهي بالتصنع على غير الحق في نفسه. ومنها تقرب الناس في الاكثر لاصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح وتحسين الاحوال وإشاعة الذكر بذلك فيستفيض الاخبار بها على غير حقيقة فالنفوس مولعة بحب الثناء والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة وليسوا في الاكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها. ومن الاسباب المقتضية له أيضا وهي سابقة على جميع ما تقدم الجهل بطبائع الاحوال في العمران فإن كل حادث من الحوادث

[ 36 ]

ذاتا كان أو فعلا لا بدله من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله فإذا كان السامع عارفا بطبائع الحوادث والاحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض وكثيرا ما يعرض للسامعين قبول الاخبار المستحيلة وينقلونها وتؤثر عنهم كما نقله المسعودي عن الاسكندر لما صدته دواب البحر عن بناء الاسكندرية وكيف اتخذ صندوق الزجاج وغاص فيه إلى قعر البحر حتى صور تلك الدواب الشيطانية التي رآها وعمل تماثيلها من أجساد معدنية ونصبها حذاء البنيان ففرت تلك الدواب حين خرجت وعاينتها وتم بناؤها في حكاية طويلة من أحاديث خرافة مستحيلة من قبل اتخاذه التابوت الزجاجي ومصادمة البحر وأمواجه بجرمه ومن قبل أن الملوك لا تحمل أنفسها على مثل هذا الغرور ومن اعتمده منهم فقد عرض نفسه للهلكة وانتقاض العقدة واجتماع الناس إلى غيره وفي ذلك إتلافه ولا ينتظرون به رجوعه من غروره ذلك طرفة عين ومن قبل أن الجن لا يعرف لها صور ولا تماثيل تختص بها إنما هي قادرة على التشكل وما يذكر من كثرة الرؤوس لها فإنما المراد به البشاعة والتهويل لا أنه حقيقة. وهذه كلها قادحة في تلك الحكاية والقادح المحيل لها من طريق الوجود أبين من هذا كله وهو أن المنغمس في الماء ولو كان في الصندوق يضيق عليه الهواء للتنفس الطبيعي وتسخن روحه بسرعة لقلته فيفقد صاحبه الهواء البارد المعدل لمزاج الرئة والروح القلبي ويهلك مكانه وهذا هو السبب في هلاك أهل الحمامات إذا أطبقت عليهم عن الهواء البارد والمتدلين في الآبار والمطامير العميقة المهوى إذا سخن هواؤها بالعفونة ولم تداخلها الزياح فتخلخلها فإن المتدلي فيها يهلك لحينه وبهذا السبب يكون موت الحوت إذا فارق البحر فإن الهواء لا يكفيه في تعديل رئته إذ هو حار بإفراط والماء الذي يعد له بارد والهواء الذي خرج إليه حار فيستولي الحار على روحه الحيواني ويهلك دفعة ومنه هلاك المصعوقين وأمثال ذلك ومن الاخبار المستحيلة ما نقله المسعودي أيضا في تمثال الزرزور الذي برومة تجتمع إليه الزرازير في يوم معلوم من السنة حاملة للزيتون ومنه يتخذون زيتهم وانظر ما أبعد ذلك عن المجرى الطبيعي في اتخاذ الزيت. ومنها ما نقله البكري

[ 37 ]

في بناء المدينة المسماة ذات الابواب تحيط بأكثر من ثلاثين مرحلة وتشتمل على عشرة آلاف باب والمدن إنما اتخذت للتحصن والاعتصام كما يأتي وهذه خرجت عن أن يحاط بها فلا يكون فيها حصن ولا معتصم وكما نقله المسعودي أيضا في حديث مدينة النحاس وأنها مدينة كل بنائها نحاس بصحراء سجلماسة ظفر بها موسى بن نصير في غزوته إلى المغرب وأنها مغلقة الابواب وأن الصاعد إليها من أسوارها إذا أشرف على الحائط صفق ورمى بنفسه فلا يرجع آخر الدهر في حديث مستحيل عادة من خرافات القصاص وصحراء سجلماسة قد نفضها الركاب والادلاء ولم يقفوا لهذه المدينة على خبر ثم إن هذه الاحوال التي ذكروا عنها كلها مستحيل عادة مناف للامور الطبيعية في بناء المدن واختطاطها وأن المعادن غاية الموجود منها أن يصرف في الآنية والخرثي (1) وأما تشييد مدينة منها فكما تراه من الاستحالة والبعد وأمثال ذلك كثيرة وتمحيصه إنما هو بمعرفة طبائع العمران وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الاخبار وتمييز صدقها من كذبها وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة ولا يرجع إلى تعديل الرواة حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع وأما إذا كان مستحيلا فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح ولقد عد أهل النظر من المطاعن في الخبر استحالة مدلول اللفط وتأويله بما لا يقبله العقل وإنما كان التعديل والتجريح هو المعتبر في صحة الاخبار الشرعية لان معظمها تكاليف إنشائية أوجب الشارع العمل بها حتى حصل الظن بصدقها وسبيل صحة الظن الثقة بالرواة بالعدالة والضبط. وأما الاخبار عن الواقعات فلا بد في صدقها وصحتها من أعتبار المطابقة فلذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعه وصار فيها ذلك أهم من التعديل ومقدما عليه إذ فائدة الانشاء مقتبسة منه فقط وفائدة الخبر منه ومن الخارج بالمطابقة وإذا كان ذلك فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الاخبار بالامكان والاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران ونميز ما يلحقه من الاحوال لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون عارضا لا يعتد به وما لا يمكن أن يعرض له وإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانونا في تمييز الحق من الباطل في الاخبار والصدق


(1) الخرثى بالضم اثاث البيت اه‍ قاموس (*)

[ 38 ]

من الكذب بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه وحينئذ فإذا سمعنا عن شئ من الاحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله مما نحكم بتزييفه وكان ذلك لنا معيارا صحيحا يتحرى به المؤرخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه وهذا هو غرض هذا الكتاب الاول من تأليفنا وكأن هذا علم مستقل بنفسه فإنه ذو موضوع وهو العمران البشري والاجتماع الانساني وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والاحوال لذاته واحدة بعد أخرى وهذا شأن كل علم من العلوم وضعيا كان أو عقليا. واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة عزيز الفائدة اعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص وليس من علم الخطابة إنما هو الاقوال المقنعة النافعة في استمالة الجمهور إلى راي أو صدهم عنه ولا هو أيضا من علم السياسة المدنية إذ السياسة المدنية هي تدبير المنزل أو المدينة بما يجب بمقتضى الاخلاق والحكمة ليحمل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النوع وبقاؤه فقد خالف موضوعه موضوع هذين الفنين اللذين ربما يشبهانه وكأنه علم مستنبط النشأة ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لاحد من الخليقة ما أدري ألغفلتهم عن ذلك وليس الظن بهم أو لعلهم كتبوا في هذا الغرض واستوفوه ولم يصل إلينا فالعلوم كثيرة والحكماء في أمم النوع الانساني متعددون وما لم يصل إلينا من العلوم أكثر مما وصل فأين علوم الفرس التي أمر عمر رضي الله عنه بمحوها عند الفتح وأين علوم الكلدانيين والسريانيين وأهل بابل وما ظهر عليهم من آثارها ونتائجها وأين علوم القبط ومن قبلهم وإنما وصل إلينا علوم أمة واحدة وهم يونان خاصة لكلف المأمون بإخراجها من لغتهم واقتداره على ذلك بكثرة المترجمين وبذل الاموال فيها ولم نقف على شئ من علوم غيرهم وإذا كانت كل حقيقة متعلقة طبيعية يصلح أن يبحث عما يعرض لها من العوارض لذاتها وجب أن يكون باعتبار كل مفهوم وحقيقة علم من العلوم يخصه لكن الحكماء لعلهم إنما لا حظوا في ذلك العناية بالثمرات وهذا إنما ثمرته في الاخبار فقط كما رأيت وإن كانت مسائله في ذاتها وفي اختصاصها شريفة لكن ثمرته تصحيح الاخبار وهي ضعيفة فلهذا هجروه والله أعلم وما أوتيتم من العلم إلا قليلا. وهذا الفن الذي لاح لنا النظر فيه نجد منه مسائل تجري بالعرض

[ 39 ]

لاهل العلوم في براهين علومهم وهي من جنس مسائله بالموضوع والطلب مثل ما يذكره الحكماء والعلماء في إثبات النبوة من أن البشر متعاونون في وجودهم فيحتاجون فيه إلى الحاكم والوازع ومثل ما يذكر في أصول الفقه في باب إثبات اللغات أن الناس محتاجون إلى العبازة عن المقاصد بطبيعة التعاون والاجتماع وتبيان العبارات أخف ومثل ما يذكره الفقهاء في تعليل الاحكام الشرعية بالمقاصد في أن الزنا مخلط للانساب مفسد للنوع وأن القتل أيضا مفسد للنوع وأن الظلم مؤذن بخراب العمران المفضي لفساد النوع وغير ذلك من سائر المقاصد الشرعية في الاحكام فإنها كلها مبنية على المحافظة على العمران فكان لها النظر فيما يعرض له وهو ظاهر من كلامنا هذا في هذه المسائل الممثلة وكذلك أيضا يقع إلينا القليل من مسائله في كلمات متفرقة لحكماء الخليقة لكنهم لم يستوفوه فمن كلام الموبذان بهرام بن بهرام في حكاية البوم التي نقلها المسعودي. أيها الملك إن الملك لايتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أمره ونهيه ولا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عزللملك إلا بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل للمال إلا بالعمارة ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة نصبه الرب وجعل له قيما وهو الملك. ومن كلام أنوشروان في هذا المعنى بعينه الملك بالجند والجند بالمال والمال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل والعدل بإصلاح العمال وإصلاح العمال باستقامة الوزراء ورأس الكل بافتقاد الملك حال رعيته بنفسه واقتداره على تأديبها حتى يملكها ولا تملكه. وفي الكتاب المنسوب لارسطو في السياسة المتداول بين الناس جزء صالح منه إلا أنه غير مستوف ولا معطى حقه من البراهين ومختلط بغيره وقد أشار في ذلك الكتاب إلى هذه الكلمات التي نقلناها عن الموبذان وأنوشروان وجعلها في الدائرة القريبة التي أعظم القول فيها هو قوله. العالم بستان سياجه الدولة الدولة سلطان تحيا به السنة السنة سياسة يسوسها الملك الملك نظام يعضده الجند الجند أعوان يكفلهم المال المال رزق تجمعه الرعية الرعية عبيد يكنفهم العدل العدل مألوف وبه قوام العالم العالم بستان ثم ترجع إلى أول الكلام. فهذه ثمان

[ 40 ]

كلمات حكمية سياسية ارتبط بعضها ببعض وارتدت أعجازها إلى صدورها واتصلت في دائرة لا يتعين طرفها فخر بعثوره علهيا وعظم من فوائدها. وأنت إذا تأملت كلامنا في فصل الدول والملك وأعطيته حقه من التصفح والتفهم عثرت في أثنائه على تفسير هذه الكلمات وتفصيل إجمالها مستوفى بينا بأوعب بيان وأوضح دليل وبرهان أطلعنا الله عليه من غير تعليم أرسطو ولا إفادة. موبذان وكذلك تجد في كلام ابن المقفع وما يستطرد في رسائله من ذكر السياسات الكثير من مسائل كتابنا هذا غيره برهنة كما برهناه إنما يجليها في الذكر على منحى الخطابة في أسلوب الترسل وبلاغة الكلام وكذلك حوم القاضي أبو بكر الطرطوشي في كتاب سراج الملوك وبوبه على أبواب تقرب من أبواب كتابنا هذا ومسائله لكنه لم يصادف فيه الرمية ولا أصاب الشاكلة ولا استوفى المسائل ولا أوضح الادلة إنما يبوب الباب للمسألة ثم يستكثر من الاحاديث والآثار وينقل كلمات متفرقة لحكماء الفرس مثل بزرجمهر والموبذان وحكماء الهند والمأثور عن دازال وهرمس وغيرهم من أكابر الخليقة ولا يكشف عن التحقيق قناعا ولا يرفع البراهين الطبيعية حجابا إنما هو نقل وتركيب شبيه بالمواعظ وكأنه حوم على الغرض ولم يصادفه ولا تحقق قصده ولا استوفى مسائله ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاما وأعثرنا على علم جعلنا بين نكرة وجهينة خبره فإن كنت قد استوفيت مسائله وميزت عن سائر الصنائع أنظاره وأنحاءه فتوقيق من الله وهداية وإن فاتني شئ في إحصائه واشتبهت بغيره فللناظر المحقق إصلاحه ولي الفضل لاني نهجت له السبيل وأوضحت له الطريق والله يهدي بنوره من يشاء. ونحن الآن نبين في هذا الكتاب، ما يعرض للبشر في اجتماعهم من أحوال العمران في الملك والكسب والعلوم والصنائع بوجوه برهانية يتضح بها التحقيق في معارف الخاصة والعامة وتندفع بها الاوهام وترفع الشكوك. ونقول لما كان الانسان متميزا عن سائر الحيوانات بخواص اختص بها فمنها العلوم والصنائع التي هي نتيجة الفكر الذي تميز به عن الحيوانات وشرف بوصفه على المخلوقات ومنها الحاجة إلى الحكم الوازع والسلطان القاهر إذ لا يمكن وجوده دون ذلك من بين الحيوانات كلها إلا ما يقال عن النحل والجراد وهذه وإن كان لها

[ 41 ]

مثل ذلك فبطريق إلهامي لا بفكر وروية ومنها السعي في المعاش والاعتمال في تحصيله من وجوهه واكتساب أسبابه لما جعل الله فيه من الافتقار إلى الغذاء في حياته وبقائه وهداه إلى التماسه وطلبه قال تعالى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى ومنها العمران وهو التساكن والتنازل في مصر أو حلة للانس بالعشير واقتضاء الحاجات لما في طباعهم من التعاون على المعاش كما نبينه ومن هدا العمران ما يكون بدو يا وهو الذي يكون في الضواحي وفي الجبال وفي الحلل المنتجعة في القفار وأطراف الرمال ومنه ما يكون حضريا وهو الذي بالامصار والقرى والمدن والمدر للاعتصام بها والتحصن بجدرانها وله في كل هذه الاحوال أمور تعرض من حيث الاجتماع عروضا ذاتيا له فلا جرم انحصر الكلام في هذا الكتاب في ستة فصول. الأول في العمران البشري على الجملة وأصنافه وقسطه من الارض. والثاني في العمران البدوي وذكر القبائل والامم الوحشية. والثالث في الدول والخلافة والملك وذكر المراتب السلطانية والرابع في العمران الحضري والبلدان والامصار. والخامس في الصنائع والمعاش والكسب ووجوهه. والسادس في العلوم واكتسابها وتعلمها. وقد قدمت العمران البدوي لانه سابق على جميعها كما نبين لك بعد وكذا تقديم الملك على البلدان والامصار وأما تقديم المعاش فلان المعاش ضروري طبيعي وتعلم العلم كمالي أو حاجي والطبيعي أقدم من الكمالي وجعلت الصنائع مع الكسب لانها منه ببعض الوجوه ومن حيث العمران كما نبين لك بعد والله الموفق للصواب والمعين عليه الفصل الاول من الكتاب الاول في العمران البشري على الجملة وفيه مقدمات الأولى في أن الاجتماع الانساني ضروري ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم الانسان مدني بالطبع أي لا بدله من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم وهو معنى العمران وبيانه أن الله سبحانه خلق الانسان وركبه على صورة لا يصح

[ 42 ]

حياتها وبقاؤها إلا بالغذاء وهداه إلى التماسه بفطرته وبما ركب فيه من القدرة على تحصيله إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء غير موفية له بمادة حياته منه ولو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه وهو قوت يوم من الحنطة مثلا فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ وكل واحد من هذه الاعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري وهب أنه يأكله حبا من غير علاج فهو أيضا يحتاج في تحصيله أيضا حبا إلى اعمال أخرى أكثر من هذه من الزراعة والحصاد والدراس الذي يخرج الحب من غلاف السنبل ويحتاج كل واحد من هذه آلات متعددة وصنائع كثيرة أكثر من الاولى بكثير ويستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد فلا بد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لاكثر منهم بأضعاف وكذلك يحتاج كل واحد منهم أيضا في الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه لان الله سبحانه لما ركب الطباع في الحيوانات كلها وقسم القدر بينها جعل حظوظ كثير من الحيوانات العجم من القدرة أكمل من حظ الانسان فقدرة الفرس مثلا أعظم بكثير من قدرة الانسان وكذا قدرة الحمار والثور وقدرة الاسد والفيل أضعاف من قدرته. ولما كان العدوان طبيعيا في الحيوان جعل لكل واحد منها عضوا يختص بمدافعته ما يصل إليه من عادية غيره وجعل للانسان عوضا من ذلك كله الفكر واليد فاليد مهيئة للصنائع بخدمة الفكر والصنائع تحصل له الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدة في سائر الحيوانات للدفاع مثل الرماح التي تنوب عن القرون الناطحة والسيوف النائبة عن المخالب الجارحة والتراس النائبة عن البشرات الجاسية إلى غير ذلك وغيره مما ذكره جالينوس في كتاب منافع الاعضاء فالواحد من البشر لا تقاوم قدرته قدرة واحد من الحيوانات العجم سيما المفترسة فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة ولا تفي قدرته أيضا باستعمال الآلات المعدة لها فلابد في ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاء ولا تثم حياته لما ركبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته ولا يحصل له أيضا

[ 43 ]

دفاع عن نفسه لفقدان السلاح فيكون فريسة للحيوانات ويعاجله الهلاك عن مدى حياته ويبطل نوع البشر وإذا كان التعاون حصل له القوت للغذاء والسلاح للمدافعة وتمت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه فإذن هذا الاجتماع ضروري للنوع الانساني وإلا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم وهذا هو معنى العمران الذي جعلناه موضوعا لهذا العلم وفي هذا الكلام نوع إثبات للموضوع في فنه الذي هو موضوع له وهذا وإن لم يكن واجبا على صاحب الفن لما تقرر في الصناعة المنطقية أنه ليس على صاحب علم إثبات الموضوع في ذلك العلم فليس أيضا من الممنوعات عندهم فيكون إثباته من التبرعات والله الموفق بفضله. ثم إن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه وتم عمران العالم بهم فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم وليست السلاح التي جعلت دافعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية في دفع العدوان عنهم لانها موجودة لجميعهم فلا بد من شئ آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم فيكون ذلك الوازع واحدا منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان وهذا هو معنى الملك وقد تبين لك بهذا أن للانسان خاصة طبيعية ولا بد لهم منها وقد يوجد في بعض الحيوانات العجم على ما ذكره الحكماء كما في النحل والجراد لما استقرئ فيها من الحكم والانقياد والاتباع لرئيس من أشخاصها متميز عنهم في خلقه وجثمانه إلا أن ذلك موجود لغير الانسان بمقتضى الفطرة والهداية لا بمقتضى الفكرة والسياسة أعطى كل شئ خلقه ثم هدى وتزيد الفلاسفة على هذا البرهان حيث يحاولون إثبات النبوة بالدليل العقلي وأنها خاصة طبيعية للانسان فيقر رون هذا البرهان إلى غاية وأنه لا بد للبشر من الحكم الوازع ثم يقولون بعد ذلك وذلك الحكم يكون بشرع مفروض من عند الله يأتي به واحد من البشر وأنه لا بد أن يكون متميزا عنهم بما يودع الله فيه من خواص هدايته ليقع التسليم له والقبول منه حتى يتم الحكم فيهم وعليهم من غير إنكار ولا تزيف وهذه القضية للحكماء غير برهانية كما تراه إذ الوجود وحياة البشر قد تتم من

[ 44 ]

دون ذلك بما يفرضه الحاكم لنفسه أو بالعصبية التي يقتدر بها على قهرهم وحملهم على جادته فأهل الكتاب والمتبعون للانبياء قليلون بالنسبة إلى المجوس الذين ليس لهم كتاب فإنهم أكثر أهل العالم ومع ذلك فقد كانت لهم الدول والآثار فضلا عن الحياة وكذلك هي لهم لهذا العهد في الاقاليم المنحرفة في الشمال والجنوب بخلاف حياة البشر فوضى دون وازع لهم البتة فإنه يمتنع وبهذا يتبين لك غلطهم في وجوب النبوات وأنه ليس بعقلي وإنما مدركه الشرع كما هو مذهب السلف من الامة والله ولي التوفيق والهداية المقدمة الثانية في قسط العمران من الارض والاشارة إلى بعض ما فيه من الاشجار والانهار والاقاليم إعلم أنه قد تبين في كتب الحكماء الناظرين في أحوال العالم أن شكل الارض كروي وأنها محفوفة بعنصر الماء كأنها عنبة طافية عليه فانحسر الماء عن بعض جوانبها لما أراد الله من تكوين الحيوانات فيها وعمرانها بالنوع البشري الذي له الخلافة على سائرها وقد يتوهم من ذلك أن الماء تحت الارض وليس بصحيح وإنما التحت الطبيعي قلب الارض ووسط كرتها الذي هو مركزها والكل يطلبه بما فيه من الثقل وما عدا ذلك من جوانبها وأما الماء المحيط بها فهو فوق الارض وإن قيل في شئ منها إنه تحت الارض فبا لاضافة إلى جهة أخرى منه. وأما الذي انحسر عنه الماء من الارض فهو النصف من سطح كرتها في شكل دائرة احاط العنصر الماءي تها من جميع جهاتها بحرا يسمى البحر المحيط ويسمى أيضا لبلايه بتفخيم اللام الثانية ويسمى أو قيانوس أسماء أعجمية ويقال له البحر الاخضر والاسود ثم إن هذا المنكشف من الارض للعمران فيه القفار والخلاء أكثر من عمرانه والخالي من جهة الجنوب منه أكثر من جهة الشمال وإنما المعمور منه أميل إلى الجانب الشمالي على شكل مسطح كروي ينتهي من جهة الجنوب إلى خط الاستواء ومن جهة الشمال إلى خط كروي ووراءه الجبال الفاصلة بينه وبين الماء العنصري الذي

[ 45 ]

بينهما سد يأجوج ومأجوج وهذه الجبال مائلة إلى جهة المشرق وينتهي من المشرق والمغرب إلى عنصر الماء أيضا بقطعتين من الدائرة المحيطة وهذا المنكشف من الارض قالوا هو مقدار النصف من الكرة أو أقل والمعمور منه مقدار ربعه وهو المنقسم بالاقاليم السبعة وخط الاستواء يقسم الارض بنصفين من المغرب إلى المشرق وهو طول الارض وأكبر خط في كرتها كما أن منطقة فلك البروج ودائرة معدل النهار أكبر خط في الفلك ومنطقة البروج منقسمة بثلثمائة وستين درجة والدرجة من مسافة الارض خمسة وعشرون فرسخا والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع والذراع أربعة وعشرون إصبعا والاصبع ست حبات شعير مصفوفة ملصق بعضها إلى بعض ظهرا لبطن وبين دائرة معدل النهار التي تقسم الفلك بنصفين وتسامت خط الاستواء من الارض وبين كل واحد من القطبين تسعون درجة لكن العمارة في الجهة الشمالية من خط الاستواء أربع وستون درجة والباقي منها خلاء لا عمارة فيه لشدة البرد والجمود كما كانت الجهة الجنوبية خلاء كلها لشدة الحر كما نبين ذلك كله إن شاء الله تعالى. ثم إن المخبرين عن هذا المعمور وحدوده وعما فيه من الامصار والمدن والجبال والبحار والانهار والقفار والرمال مثل بطليموس في كتاب الجغرافيا وصاحب كتاب زخار من بعده قسموا هذا المعمور بسبعة أقسام يسمونها الاقاليم السبعة بحدود وهمية بين المشرق والمغرب متساوية في العرض مختلفة في الطول فالاقليم الاول أطول مما بعده وهكذا الثاني إلى آخرها فيكون السابع أقصر لما اقتضاه وضع الدائرة الناشئة عن انحسار الماء عن كرة الارض وكل واحد من هذه الاقاليم عندهم منقسم بعشرة أجزاء من المغرب إلى المشرق على التوالي وفي كل جزء الخبر عن أحواله وأحوال عمرانه. وذكروا أن هذا البحر المحيط يخرج منه من جهة المغرب في الاقليم الرابع البحر الرومي المعروف يبدأ في خليج متضايق في عرض اثني عشر ميلا أو نحوها ما بين طنجة وطريق ويسمى الزقاق ثم يذهب مشرقا وينفسح إلى عرض ستمائة ميل ونهايته في آخر الجزء الرابع من الاقليم الرابع على ألف فرسخ ومائة وستين فرسخا من مبدإه وعليه هنالك سواحل الشام وعليه من جهة الجنوب سواحل المغرب أولها طنجة عند الخليج ثم

[ 46 ]

افريقية ثم برقة إلى الاسكندرية ومن جهة الشمال سواحل القسطنطينية عند الخليج ثم البنادقة ثم رومة ثم الافرنجة ثم الاندلس إلى طريف عند الزقاق قبالة طنجة ويسمى هذا البحر الرومي والشامي وفيه جزر كثيرة عامرة كبار مثل أقريطش وقبرص وصقلية وميورقة وسردانية قالوا ويخرج منه في جهة الشمال بحران آخران من خليجين. أحدهما مسامت للقسطنطينية يبدأ من هذا البحر متضايقا في عرض رمية السهم ويمر ثلاثة بحار فيتصل بالقسطنطينية ثم ينفسح في عرض أربعة أميال ويمر في جريه ستين ميلا ويسمى خليج القسطنطينية ثم يخرج من فوهة عرضها ستة اميال فيمد بحر نيطش وهو بحر ينحرف من هنالك في مذهبه إلى ناحية الشرق فيمر بأرض هرقلة وينتهي إلى بلاد الخزرية على ألف وثلثمائة ميل من فوهته وعليه من الجانبين أمم من الروم والترك وبرجان والروس. والبحر الثاني من خليجي هذا البحر الرومي وهو بحر البنادقة يخرج من بلاد الروم على سمت الشمال فإذا انتهى إلى سمت الجبل انحرف في سمت المغرب إلى بلاد البنادقة وينتهي إلى بلاد إنكلاية على ألف ومائة ميل من مبدإه وعلى حافتيه من البنادقة والروم وغيرهم أمم ويسمى خليج البنادقة. قالوا وينساح من هذا البحر المحيط أيضا من الشرق وعلى ثلاث عشرة درجة في الشمال من خط الاستواء بحر عظيم متسع يمر في الجنوب قليلا حتى ينتهي إلى الاقليم الاول ثم يمر فيه مغربا إلى أن ينتهي في الجزء الخامس منه إلى بلاد الحبشة والزنج وإلى بلاد باب المندب منه على أربعة آلاف فرسخ من مبدإه ويسمى البحر الصيني والهندي والحبشي وعليه من جهة الجنوب بلاد الزنج وبلاد بربر التي ذكرها امرؤ القيس في شعره وليسوا من البربر الذين هم قبائل المغرب ثم بلد مقدسو ثم بلد سفالة وأرض الوقواق وأمم أخر ليس بعدهم إلا القفار والخلاء وعليه من جهة الشمال الصين من عند مبدإه ثم الهند ثم السد ثم سواحل اليمن من الاحقاف وزبيد وغيرها ثم بلاد الزنج عند نهايته وبعدهم الحبشة. قالوا ويخرج من هذا البحر الحبشي بحران آخران أحدهما يخرج من نهايته عند باب المندب فيبدأ متضايقا ثم يمر مستجرا إلى ناحية الشمال ومغربا قليلا إلى أن ينتهي إلى القلزم في الجزء الخامس من الاقليم الثاني على ألف وأربعمائة ميل من مبدإه ويسمى بحر

[ 47 ]

القلزم وبحر السويس وبينه وبين فسطاط مصر من هنالك ثلاث مراحل وعليه من جهة الشرق سواحل اليمن ثم الحجاز وجدة ثم مدين وأيلة وفاران عند نهايته ومن جهة الغرب سواحل الصعيد وعيذاب وسواكن وزيلع ثم بلاد الحبشة عند مبدإه وآخره عند القلزم يسامت البحر الرومي عند العريش وبينهما نحو ست مراحل وما زال الملوك في الاسلام وقبله يرومون خرق ما بينهما ولم يتم ذلك والبحر الثاني من هذا البحر الحبشي ويسمى الخليج الاخضر يخرج ما بين بلاد السند والاحقاف من اليمن ويمر إلى ناحية الشمال مغربا قليلا إلى أن ينتهي إلى الابلة من سواحل البصرة في الجزء السادس من الاقليم الثاني على أربعمائة فرسخ وأربعين فرسخا من مبدإه ويسمى بحر فارس وعليه من جهة الشرق سواحل السند ومكران وكرمان وفارس والابلة وعند نهايته من جهة الغرب سواحل البحرين واليمامة وعمان والشحر والاحقاف عند مبدإه وفيما بين بحر فارس والقلزم وجزيرة العرب كأنها داخلة من البر في البحر يحيط بها البحر الحبشي من الجنوب وبحر القلزم من الغرب وبحر فارس من الشرق وتفضي إلى العراق بين الشام والبصرة على ألف وخمسمائة ميل بينهما وهنا لك الكوفة والقادسية وبغداد وإيوان كسرى والحيرة ووراء ذلك أمم الاعاجم من الترك والخزر وغيرهم وفي جزيرة العرب بلاد الحجاز في جهة الغرب منها وبلاد اليمامة والبحرين وعمان في جهة الشرق منها وبلاد اليمن في جهة الجنوب منها وسواحله على البحر الحبشي. قالوا وفي هذا المعمور بحر آخر منقطع من سائر البحار في ناحية الشمال بأرض الديلم يسمى بحر جرجان وطبرستان طوله ألف ميل في عرض ستمائة ميل في غربيه أذربيجان والديلم وفي شرقيه أرض الترك وخوارزم وفي جنوبيه طبرستان وفي شماليه أرض الخزر واللان. هذه جملة البحار المشهورة التي ذكرها أهل الجغرافيا. قالوا وفي هذا الجزء المعمور أنهار كثيرة أعظمها أربعة أنهار وهي النيل والفرات ودجلة ونهر بلخ المسمى جيحون. فأما النيل فمبدأه من جبل عظيم وراء خط الاستواء بست عشرة درجة على سمت الجزء الرابع من الاقليم الاول ويسمى جبل القمر ولا يعلم في الارض جبل أعلى منه تخرج منه عيون كثيرة فيصب بعضها في بحيرة هناك وبعضها في أخرى ثم تخرج أنهار من البحيرتين فتصب كلها في بحيرة

[ 48 ]

واحدة عند خط الاستواء على عشر مراحل من الجبل ويخرج من هذه البحيرة نهران تذهب أحدهما إلى ناحية الشمال على سمته ويمر ببلاد النوبة ثم بلاد مصر فإذا جاوزها تشعب في شعب متقاربة يسم كل واحد منها خليجا وتصب كلها في البحر الرومي عند الاسكندرية ويسمى نيل مصر وعليه الصعيد من شرقيه والواحات من غربيه ويذهب الآخر منعطفا إلى المغرب ثم يمر على سمته إلى أن يصب في البحر المحيط وهو نهر السودان وأممهم كلهم على ضفتيه. وأما الفرات فمبدأه من بلاد أرمينية في الجزء السادس من الاقليم الخامس ويمر جنوبا في أرض الروم وملطية إلى منبج ثم يمر بصفين ثم بالرقة ثم بالكوفة إلى أن ينتهي إلى البطحاء التي بين البصرة وواسط ومن هناك يصب في البحر الحبشي وتنجلب إليه في طريقه أنهار كثيرة ويخرج منه أنهار أخرى تصب في دجلة. وأما دجلة فمبدأها عين ببلاد خلاط من أرمينية أيضا وتمر على سمت الجنوب بالموصل وأذربيجان وبغداد إلى واسط فتتفرق إلى خلجان كلها تصب في بحيرة البصرة وتفضي إلى بحر فارس وهو في الشرق على يمين الفرات وينجلب إليه أنها كثيرة عظيمة من كل جانب وفيما بين الفرات ودجلة من أوله جزيرة الموصل قبالة الشام من عدوتي الفرات وقبالة اذربيجان من عدوة دجلة. وأما نهر جيحون فمبدأه من بلخ في الجزء الثامن من الاقليم الثالث من عيون هناك كثيرة وتنجلب إليه أنهار عظام ويذهب من الجنوب إلى الشمال فيمر ببلاد خراسان ثم يخرج منها إلى بلاد خوارزم في الجزء الثامن من الاقليم الخامس فيصب في بحيرة الجرجانية التي بأسفل مدينتها وهي مسيرة شهر في مثله وإليها ينصب نهر فرغانة والشاش الآتي من بلاد الترك وعلى غربي نهر جيحون بلاد خراسان وخوارزم وعلى شرقيه بلاد بخارى وترمذ وسمرقند ومن هنالك إلى ما وراءه بلاد الترك وفرغانة والخزلجية وأمم الاعاجم وقد ذكر ذلك كله بطليموس في كتابه والشريف في كتاب زخار وصوروا في الجغرافيا جميع ما في المعمور من الجبال والبحار والاودية واستوفوا من ذلك ما لا حاجة لنابه لطوله ولان عنايتنا في الاكثر إنما هي بالمغرب الذي هو وطن البربر وبالاوطان التي للعرب من المشرق والله الموفق

[ 49 ]

تكملة لهذه المقدمة الثانية في ان الربع الشمالي من الارض اكثر عمرانا من الربع الجنوبي وذكر السبب في ذلك ونحن نرى بالمشاهدة والاخبار المتواترة أن الاول والثاني من الاقاليم المعمورة أقل عمرانا مما بعدهما وما وجد من عمرانه فيتخلله الخلاء والقفار والرمال والبحر الهندي الذي في الشرق منهما وأمم هذين الا قليمين وأناسيهما ليست لهم الكثلرة البالغة وأمصاره ومدنه كذلك والثالث والرابع وما بعدهما بخلاف ذلك فالقفار فيها قليلة والرمال كذلك أو معدومة وأممها وأناسيها تجوز الحد من الكثرة وأمصارها ومدنها تجاوز الحد عددا والعمران فيها مندرج ما بين الثالث والسادس والجنوب خلاء كله وقد ذكر كثير من الحكماء أن ذلك لافراط الحر وقلة ميل الشمس فيها عن سمت الرؤوس فلنوضح ذلك ببرهانه ويتبين منه سبب كثرة العمارة فيما بين الثالث والرابع من جانب الشمال إلى الخامس والسابع. فنقول إن قطبي الفلك الجنوبي والشمالي إذا كانا على الافق فهنالك دائرة عظيمة تقسم الفلك بنصفين هي أعظم الدوائر المارة من المشرق إلى المغرب وتسمى دائرة معدل النهار وقد تبين في موضعه من الهيئة أن الفلك الاعلى متحرك من المشرق إلى المغرب حركة يومية يحرك بها سائر الافلاك في جوفه قهرا وهذه الحركة محسوسة وكذلك تبين أن للكواكب في أفلاكها حركة مخالفة لهذه الحركة وهي من المغرب إلى المشرق وتختلف آمادها باختلاف حركة الكواكب في السرعة والبطء وممرات هذه الكواكب في أفلاكها تؤازيها كلها دائرة عظيمة من الفلك الاعلى تقسمه بنصفين وهي دائرة فلك البروج منقسمة باثني عشر برجا وهي على ما تبين في موضعه مقاطعة لدائرة معدل النهار على نقطتين متقابلتين من البروج هما أول الحمل وأول الميزان فتقسمها دائرة معدل النهار بنصفين نصف مائل عن معدل النهار إلى الشمال وهو من أول الحمل إلى آخر السنبلة ونصف مائل عنه إلى الجنوب وهومن أول الميزان إلى آخر الحوت وإذا وقع القطبان على الافق في جميع نواحي الارض كان

[ 50 ]

على سطح الارض خط واحد يسامت دائرة معدل النهار يمر من المغرب إلى المشرق ويمسى خط الاستواء ووقع هذا الخط بالرصد على ما زعموا في مبدإ الاقليم الاول من الاقاليم السبعة والعمران كله في الجهة الشمالية يرتفع عن آفاق هذا المعمور بالتدريج إلى أن ينتهي ارتفاعه إلى أربع وستين درجة وهنالك ينقطع العمران وهو آخر الاقليم السابع وإذا ارتفع على الافق تسعين درجة وهي التي بين القطب ودائرة معدل النهار على الافق وبقيت ستة من البروج فوق الافق وهي الشمالية وستة تحت الافق وهي الجنوبية والعمارة فيما بين الاربعة والستين إلى التسعين ممتنعة لان الحر والبرد حينئذ لا يحصلان ممتزجين لبعد الزمان بينهما فلا يحصل التكوين فإذا الشمس تسامت الرؤوس على خط الاستواء في رأس الحمل والميزان ثم تميل عن المسامتة إلى رأس السرطان ورأس الجدي ويكون نهاية ميلها عن دائرة معدل النهار أربعا وعشرين درجة ثم إذا ارتفع القطب الشمالي عن الافق مالت دائرة معدل النهار عن سمت الرؤوس بمقدار ارتفاعه وانخفض القطب الجنوبي كذلك بمقدار متساو في الثلاثة وهو المسمى عند أهل المواقيت عرض البلد وإذا مالت دائرة معدل النهار عن سمت الرؤوس علت عليها البروج الشمالية مندرجة في مقدار علوهما إلى رأس السرطان وانخفضت البروج الجنوبية من الافق كذلك إلى رأس الجدي لانحرافها إلى الجانبين في أفق الاستواء كما قلناه فلا يزال الافق المشالي يرتفع حتى يصير أبعد المشالية وهو رأس السرطان في سمت الرؤوس وذلك حيث يكون عرض البلد أربعا وعشرين في الحجاز وما يليه وهذا هو الميل الذي إذا مال رأس السرطان عن معدل النهار في أفق الاستواء ارتفع بارتفاع القطب الشمالي حتى صار مسامتا فإذا ارتفع القطب أكثر من أربع وعشرين نزلت الشمس عن المسامتة ولا تزال في انخفاض إلى أن يكون ارتفاع القطب أربعا وستين ويكون انخفاض الشمس عن السمامتة كذلك وانخفاض القطب الجنوبي عن الافق مثلها فينقطع التكوين لافراط البرد والجمد وطول زمانه غير ممتزج بالحر. ثم إن الشمس عند المسامتة وما يقاربها تبعث الاشعة قائمة وفيما دون المسامتة على زوايا منفرجة وحادة وإذا كانت زوايا الاشعة قائمة عظم الضوء وتنشر بخلافه في المنفرجة والحادة فلهذا يكون

[ 51 ]

الحر عند المسامتة وما يقرب منها أكثر منه فيما بعد لان الضوء سبب الحر والتسخين ثم إن المسامتة في خط الاستواء تكون مرتين في السنة عند نقطتي الحمل والميزان وإذا مالت فغير بعيد ولا يكاد الحر يعتدل في آخر ميلها عند رأس السرطان والجدي إلا إن صعدت إلى المسامتة فتبقى الاشعة القائمة الزوايا تلح على ذلك الافق ويطول مكثها أو يدوم فيشتعل الهواء حرارة ويفرط في شدتها وكذا ما دامت الشمس تسامت مرتين فيما بعد خط الاستواء إلى عرض أربع وعشرين فإن الاشعة ملحة على الافق في ذلك بقريب من إلحاحها في خط الاستواء وإفراط الحر يفعل في الهواء تجفيفا ويبسا يمنع ما التكوين لانه إذا أفرط الحر جفت المياه والرطوبات وفسد التكوين في المعدن والحيوان والنبات إذ التكوين لا يكون إلا بالرطوبة ثم إذا مال رأس السرطان عن سمت الرؤوس في عرض خمس وعشرين فما بعده نزلت الشمس عن المسامته فيصير الحر إلى الاعتدال أو يميل عنه ميلا قليلا فيكون التكوين ويتزايد على التدريج إلى أن يفرط البرد في شدته لقلة الضوء وكون الاشعة منفرجة الزوايا فينقص التكوين ويفسد بيد أن فساد التكوين من جهة شدة الحر أعظم منه من جهة شدة البرد لان الحر أسرع تأثيرا في التجفيف من تأثير البرد في الجمد فلذلك كان العمران في الاقليم الاول والثاني قليلا وفي الثالث والرابع والخامس متوسطا لاعتدال الحر بنقصان الضوء وفي السادس والسابع كثيرا لنقصان الحر وأن كيفية البرد لا تؤثر عند أولها في فساد التكوين كما يفعل الحر إذ لا تجفيف فيها إلا عند الافراط بما يعرض لها حينئذ من اليبس كما بعد السابع فلهذا كان العمران في الربع الشمالي أكثر وأوفر والله أعلم. ومن هنا أخذ الحكماء خلاء خط الاستواء وما وراءه وأورد عليهم أنه معمور بالمشاهدة والاخبار المتواترة فكيف يتم البرهان على ذلك والظاهر أنهم لم يريدوا امتناع العمران فيه بالكلية إنما أداهم البرهان إلى أن فساد التكوين فيه قوى بإفراط الحر والعمران فيه إما ممتنع أو ممكن أقلي وهو كذلك فإن خط الاستواء والذي وراءه وإن كان فيه عمران كما نقل فهو قليل جدا. وقد زعم ابن رشد أن خط الاستواء معتدل وأن ما وراءه في الجنوب بمثابة ما وراءه في الشمال فيعمر منه ما

[ 52 ]

عمر من هذا والذي قاله غير ممتنع من جهة فساد التكوين وإنما امتنع فيما وراء خط الاستواء في الجنوب من جهة أن العنصر الماءي غمر وجه الارض هنالك إلى الحد الذي كان مقابله من الجهة الشمالية قابلا للتكوين ولما امتنع المعتدل لغيبة الماء تبعه ما سواه لان العمران متدرج وياخذ في التدريج من جهة الوجود لامن جهة الامتناع وأما القول بامتناعه في خط الاستواء فيرده النقل المتواتر والله أعلم ولنرسم بعد هذا الكلام صورة الجغرافيا كما رسمها صاحب كتاب زخار ثم ناخذ في تفصيل الكلام عليها إلى آخره تفصيل الكلام على هذه الجغرافيا إعلم أن الحكماء قسموا هذا المعمور كما تقدم ذكره على سبعة اقسام من الشمال إلى الجنوب يسمون كل قسم منها إقليما فانقسم المعمور من الارض كله على هذه السبعة الاقاليم كل واحد منها آخذ من الغرب إلى الشرق على طوله. فالاول منها مار من المغرب إلى المشرق مع خط الاستواء بحده من جهة الجنوب وليس وراءه هنالك إلا القفار والرمال وبعض عمارة إن صحت فهي كلا عمارة ويليه من جهة شماليه الاقليم الثاني ثم الثالث كذلك ثم الرابع والخامس والسادس والسابع وهو آخر العمران من جهة الشمال وليس وراء السابع إلا الخلاء والقفار إلى أن ينتهي إلى البحر المحيط كالحال فيما وراء الاقليم الاول في جهة الجنوب إلا أن الخلاء في جهة الشمال أقل بكثير من الخلاء الذي في جهة الجنوب. ثم إن أزمنة الليل والنهار تتفاوت في هذه الاقاليم بسبب ميل الشمس عن دائرة معدل النهار وارتفاع القطب الشمالي عن آفاقها فيتفاوت قوس الليل والنهار لذلك وينتهي طول الليل والنهار في آخر الاقليم الاول وذلك عند حلول الشمس برأس الجدي لليل وبرأس السرطان للنهار كل واحد منهما إلى ثلاث عشرة ساعة وكذلك في آخر الاقليم الثاني مما يلي الشمال فينتهي طول النهار فيه عند حلول الشمس برأس السرطان وهو منقلبها الصيفي إلى ثلاث عشرة ساعة ونصف ساعة ومثله أطول الليل عند منقلبها الشتوي برأس الجدي ويبقى للاقصر من الليل والنهار ما يبقى بعد الثلاث عشرة ونصف من جملة أربع وعشرين الساعات الزمانية لمجموع الليل والنهار وهي دورة الفلك الكاملة

[ 53 ]

وكذلك في آخر الاقليم الثالث مما يلي الشمال أيضا ينتهيان إلى أربع عشرة ساعة وفي آخر الرابع إلى أربع عشرة ساعة ونصف ساعة وفي آخر الخامس إلى خمس عشرة ساعة وفي آخر السادس إلى خمس عشرة ساعة ونصف وإلى آخر السابع إلى ست عشرة ساعة وهنالك ينقطع العمران فيكون تفاوت هذه الاقاليم في الاطول من ليلها ونهارها بنصف ساعة لكل إقليم يتزايد من أوله في ناحية الجنوب إلى آخره في ناحية الشمال موزعة على أجزاء هذا البعد. وأما عرض البلدان في هذه الاقاليم وهو عبارة عن بعد مابين سمت رأس البلد ودائرة معدل النهار الذي هو سمت رأس خط الاستواء وبمثله سواء ينخفض القطب الجنوبي عن أفق ذلك البلد ويرتفع القطب الشمالي عنه وهو ثلاثة أبعاد متساوية تسمى عرض البلد كما مر ذلك قبل. والمتكلمون على هذه الجغرافيا قسموا كل واحد من هذه الاقاليم السبعة في طوله من المغرب إلى المشرق بعشرة أجزاء متساوية ويذكرون ما اشتمل عليه كل جزء منها من البلدان والامصار والجبال والانهار والمسافات بينها في المسالك ونحن الان نوجز القول في ذلك ونذكر مشاهير البلدان والانهار والبحار في كل جزء منها ونحاذي بذلك ما وقع في كتاب نزهة المشتاق الذي ألفه العلوي الادريسي الحمودي لملك صقلية من الافرنج وهو زخار بن زخار عند ماكان نازلا عليه بصقلية بعد خروج صقلية من إمارة مالقة وكان تأليفه للكتاب في منتصف المائة السادسة وجمع له كتبا جمة للمسعودي وابن خرداذيه والحوقلي والقدري وابن إسحاق المنجم وبطليموس وغيرهم ونبدأ منها بالاقليم الاول إلى آخرها والله سبحانه وتعالى يعصمنا بمنه وفضله الأقليم الاول * وفيه من جهة غربيه الجزائر الخالدات التي منها بدأ بطليموس بأخذ أطوال البلاد وليست في بسيط الاقليم وإنما هي في البحر المحيط جزر متكثرة أكبرها وأشهرها ثلاث ويقال إنها معمورة وقد بلغنا أن سفائن من الافرنج مرت بها في أواسط هذه المائة وقاتلوهم فغنموا منهم وسبوا وباعوا بعض أسراهم بسواحل المغرب الاقصى وصاروا إلى خدمة السلطان فلما تعلموا اللسان العربي أخبروا عن حال جزائرهم وأنهم يحثفرون الارض للزراعة بالقرون وأن

[ 54 ]

الحديد مفقود بأرضهم وعيشهم من الشعير وماشيتهم المعز وقتالهم بالحجارة يرمونها إلى خلف وعبادتهم السجود للشمس إذا طلعت ولا يعرفون دينا ولم تبلغهم دعوة ولا يوقف على مكان هذه الجزائر إلا بالعثور لا بالقصد إليها لان سفر السفن في البحر إنما هو بالرياح ومعرفة جهات مهابها وإلى أين يوصل إذا مرت على الاستقامة من البلاد التي في ممر ذلك المهب وإذا اختلف المهب وعلم حيث يوصل على الاستقامة حوذي به القلع محاذاة يحمل السفينة بها على قوانين في ذلك محصلة عند النواتية والملاحين الذين هم رؤساء السفن في البحر والبلاد التي في حافات البحر ضالرومي وفي عدوته مكتوبة كلها في صحيفة على شكل ما هي عليه في الوجود وفي وضعها في سواحل البحر على ترتيبها ومهاب الرياح وممراتها على اختلافها مرسوم معها في تلك الصحيفة ويسمونها الكنباص وعليها يعتمدون في أسفارهم وهذا كله مفقود في البحر المحيط فلذلك لا تلج فيه السفن لانها إن غابت عن مرأى السواحل فقل أن تهتدي إلى الرجوع إليها مع ما ينعقد في جو هذا البحر وعلى سطح مائه من الابخرة الممانعة للسفن في مسيرها وهي لبعدها لا تدركها أضواء الشمس المنعكسة من سطح الارض فتحللها فلذلك عسر الاهتداء إليها وضعب الوقوف على خبرها. وأما الجزء الاول من هذا الاقليم ففيه مصب النيل الاتي من مبدإه عند جبل القمر كما ذكرناه ويسمى نيل السودان ويذهب إلى البحر المحيط فيصب فيه عند جزيرة أولئك وعلى هذا النيل مدينة سلا وتكرور وغانة وكلها لهذا العهد في مملكة ملك مالي من أمم السودان وإلى بلادهم تسافر تجار المغرب الاقصى وبالقرب منها من شماليها بلاد لمتونة وسائر طوائف الملشمين ومفاوز يجولون فيها وفي جنوبي هذا النيل قوم من السودان يقال لهم لملم وهم كفار ويكتوون في وجوههم وأصداغهم وأهل غانة والتكرور يغيرون عليهم ويسبونهم ويبيعونهم للتجار فيجلبونهم إلى المغرب وكلهم عامة رقيقهم وليس وراءهم في الجنوب عمران يعتبر إلا أناسي أقرب إلى الحيوان العجم من الناطق يسكنون الفيافي والكهوف ويأكلون العشب والحبوب غير مهيأة وربما يأكل بعضهم بعضا وليسوا في عداد البشر. وفواكه بلاد السودان كلها من قصور صحراء المغرب مثل توات وتكدرارين ووركلان. فكان في غانة فيما يقال ملك ودولة لقوم من العلويين

[ 55 ]

يعرفون ببني صالح وقال صاحب كتاب زخار إنه صالح بن عبد الله بن حسن بن الحسن ولا يعرف صالح هذا في ولد عبد الله بن حسن وقد ذهبت هذه الدولة لهذا العهد وصارت غانة لسلطان مالي وفي شرقي هذا البلد في الجزء الثالث من الاقليم بلد كوكوعلى نهر ينبع من بعض الجبال هنالك ويمر مغربا فيغوص في رمال الجزء الثاني وكان ملك كوكو قائما بنفسه ثم استولى عليها سلطان مالي وأصبحت في مملكته وخربت لهذا العهد من أجل فتنة وقعت هناك نذكرها عند ذكر دولة مالي في محلها من تاريخ البربر وفي جنوبي بلد كوكو بلاد كاتم من أمم السودان وبعدهم ونغارة على ضفة النيل من شماليه وفي شرقي بلاد ونغارة وكاتم بلاد زغاوة وتاجرة المتصلة بأرض النوبة في الجزء الرابع من هذ الاقليم وفيه يمر نيل مصر ذاهبا من مبدإه عند خط الاستواء إلى البحر الرومي في الشمال ومخرج هذا النيل من جبل القمر الذي فوق خط الاستواء بست عشرة درجة واختلفوا في ضبط هذه اللفظة فضبطها بعضهم بفتح القاف والميم نسبة إلى قمر السماء لشدة بياضه وكثرة ضوءه وفي كتاب المشترك لياقوت بضم القاف وسكون الميم نسبة إلى قوم من أهل الهند وكذا ضبطه ابن سعيد فيخرج من هذا الجبل عشر عيون تجتمع كل خمسة منها في بحيرة وبينهما ستة أميال ويخرج من كل واحدة من البحيرتين ثلاثة أنهار تجتمع كلها في بطيحة واحدة في أسفلها جبل معترض يشق البحيرة من ناحية الشمال وينقسم ماؤهما بقسمين فيمر الغربي منه إلى بلاد السودان مغربا حتى يصب في البحر المحيط ويخرج الشرقي منه ذاهبا إلى الشمال على بلاد الحبشة والنوبة وفيما بينهما وينقسم في أعلى أرض مصر فيصب ثلاثة من جداوله في البحر الرومي عند الاسكندرية ورشيد ودمياط ويصب واحد في بحيرة ملحة قبل أن يتصل بالبحر في وسط هذا الاقليم الاول وعلى هذا النيل بلاد النوبة والحبشة وبعض بلاد الواحات إلى أسوان وحاضرة بلاد النوبة مدينة دنقلة وهي في غربي هذا النيل وبعدها علوة وبلاق وبعدهما جبل الجنادل على ستة مراحل من بلاق في الشمال وهو جبل عال من جهة مصر ومنخفض من جهة النوبة فينفذ فيه النيل ويصب في مهوى بعيد صبأ هائلا فلا يمكن أن تسلكه المراكب بل يحول الوسق من مراكب السودان فيحمل على الظهر إلى بلد

[ 56 ]

أسوان قاعدة الصعيد إلى فوق الجنادل وبين الجنادل وأسوان اثنتا عشرة مرحلة والواحات في غربيها عدوة النيل وهي الان خراب وبها آثار العمارة القديمة. وفي وسط هذا الاقليم في الجزء الخامس منه بلاد الحبشة على واد يأتي من وراء خط الاستواء ذاهبا إلى أرض النوبة فيصب هناك في النيل الهابط إلى مصر وقدوهم فيه كثير من الناس وزعموا أنه من نيل القمر وبطليموس ذكره في كتاب الجغرافيا وذكر أنه ليس من هذا النيل. وإلى وسط هذا الاقليم في الجزء الخامس ينتهي بحر الهند الذي يدخل من ناحية الصين ويغمر عامة هذا الاقليم إلى هذا الجزء الخامس فلا يبقى فيه عمران إلا ماكان في الجزائر التي في داخله وهي متعددة يقال تنتهي إلى ألف جزيرة أو فيما على سواحله من جهة الشمال وليس منها في هذا الاقليم الاول إلا طرف من بلاد الصين في جهة الشرق وفي بلاد اليمن وفي الجزء السادس من هذا الاقليم فيما بين البحرين الهابطين من هذا البحر الهندي إلى جهة الشمال وهما بحر قلزم وبحر فارس وفيما بينهما جزيرة العرب وتشتمل على بلاد اليمن وبلاد الشحر في شرقيها على ساحل هذا البحر الهندي وعلى بلاد الحجاز واليمامة وما إليهما كما نذكره في الاقليم الثاني وما بعده فأما الذي على ساحل هذا البحر من غربيه فبلد زالع من اطراف بلاد الحبشة ومجالات البجة (1) في شمالي الحبشة مابين جبل العلاقي في أعالي الصعيد وبين بحر القلزم الهابط من البحر الهندي وتحت بلاد زالع من جبة الشمال في هذا الجزء خليج باب المندب يضيق البحر الهابط هنالك بمزاحمة جبل المندب المائل في وسط البحر الهندي ممتدا مع ساحل اليمن من الجنوب إلى الشمال في طول اثني عشر ميلا فيضيق البحر بسبب ذلك إلى أن يصير في عرض ثلاثة أميال أو نحوها ويسمى باب المندب وعليه تمر مراكب اليمن إلى ساحل السويس قريبا من مصر وتحت باب المندب جزيرة سواكن ودهلك وقبالته من غربيه مجالات البجة من امم السودان كما ذكرناه ومن شرقيه في هذا الجزء تهائم اليمن ومنها على ساحله بلد على بن يعقوب وفي جهة الجنوب من بلد زالع وعلى ساحل هذا البحر من غربيه قرى بربر يتلو بعضها بعضا وينعطف من جنوبيه إلى آخر الجزء السادس ويليها هنالك من


(1) ويقال ايضا النجاة واما زالع فهي ز يلع. اه (*)

[ 57 ]

جهة شرقيها بلاد الزنج ثم بلاد سفالة من ساحله الجنوبي بلاد الوقواق متصلة إلى آخر الجزء العاشر من هذا الاقليم عند مدخل هذا البحر من البحر المحيط. وأما جزائر هذا البحر فكثيرة. من أعظمها جزيرة سرنديب مدورة الشكل. وبها الجبل المشهور يقال ليس في الارض أعلى منه وهي قبالة سفالة. ثم جزيرة القمر وهي جزيرة مستطيلة تبدأ من قبالة أرض سفالة وتذهب إلى الشرق منحرفة بكثير إلى أن تقرب من سواحل أعالي الصين ويحتف بها في هذا البحر من جنوبيها جزائر الوقواق ومن شرقيها جزائر السيلان إلى جزائر أخر في هذا البحر كثيرة العدد وفيها أنواع الطيب والافاويه وفيها يقال معادن الذهب والزمرد وعامة أهلها على دين المجوسية وفيهم ملوك متعددون وبهذه الجزائر من أحوال العمران عجائب ذكرها أهل الجغرافيا وعلى الضفة الشمالية من هذا البحر في الجزء السادس من هذا الاقليم بلاد اليمن كلها فمن وجهة بحر القلزم بلد زبيد والمهجم وتهامة اليمن وبعدها بلد صعدة مقر الامامة الزيدية وهي بعيدة عن البحر الجنوبي وعن البحر الشرقي وفيما بعد ذلك مدينة عدن وفي شماليها صنعاء وبعدهما إلى المشرق أرض الاحقاف وظفار وبعدها أرض حضر موت ثم بلاد الشحر ما بين البحر الجنوبي وبحر فارس. وهذه القطعة من الجزء السادس هي التي انكشف عنها البحر من أجزاء هذا الاقليم الوسطى وينكشف بعدها قليل من الجزء التاسع وأكثر منه من العاشر فيه أعالي بلاد الصين ومن مدنه الشهيرة خانكو وقبالتها من جهة الشرق جزائر السيلان وقد تقدم ذكرها وهذا آخر الكلام في الاقليم الاول والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بمنه وفضله ألا قليم الثاني * وهو متصل بالاول من جهة الشمال وقبالة المغرب منه في البحر المحيط جزيرتان من الجزائر الخالدات التي مر ذكرها وفي الجزء الاول والثاني منه في الجانب الاعلى منهما أرض قنورية وبعدها في جهة الشرق أعالي أرض غانة ثم مجالات زغاوة من السودان وفي الجانب الاسفل منهما صحراء نستر متصلة من الغرب إلى الشرق ذات مفاوز تسلك فيها التجار ما بين بلاد المغرب وبلاد السودان وفيها مجالات الملثمين من صنهاجة وهم شعوب كثيرة ما بين كزولة ولمتونة ومسراتة ولمطة ووريكة وعلى سمت هذه المفاوز شرقا أرض فزان ثم مجالات أركار من قبائل

[ 58 ]

البربر ذاهبة إلى أعالي الجزء الثالث على سمتها في الشرق وبعدها من هذا الجزء الثالث وهي جهة الشمال منه بقية أرض وذان وعلى سمتها شرقا أرض سنترية وتسمى الواحات الداخلة وفي الجزء الرابع من أعلاه بقية أرض الباحويين ثم يعترض في وسط هذا الجزء بلاد الصعيد حافات النيل الذاهب من مبدإه في الاقليم الاول إلى مصبه في البحر فيمر في هذا الجزء بين الجبلين الحاجزين وهما جبل الواحات من غربيه وجبل المقطم من شرقيه وعليه من أعلاه بلد أسنا وأرمنت ويتصل كذلك حافاته إلى أسيوط وقوص ثم إلى صول ويفترق النيل هنالك على شعبين ينتهي الايمن منهما في هذا الجزء عند اللاهون والايسر عند دلاص وفيما بينهما أعالي ديار مصر وفي الشرق من جبل المقطم صحارى عيذاب ذاهبة في الجزء الخامس إلى أن تنتهي إلى بحر السويس وهو بحر القلزم الهابط من البحر الهندي في الجنوب إلى جهة الشمال وفي عدوته الشرقية من هذا الجزء أرض الحجاز من جبل يلملم إلى بلاد يثرب في وسط الحجاز مكة شرفها الله وفي ساحلها مدينة جدة تقابل بلد عيذاب في العدوة الغربية من هذا البحر وفي الجزء السادس من غربية بلاد نجد أعلاها في الجنوب وتبالة وجرش إلى عكاظ من الشمال وتحت نجد من هذا الجزء بقية أرض الحجاز وعلى سمتها في الشرق بلاد نجران وخيبر وتحتها أرض اليمامة وعلى سمت نجران في الشرق أرض سبا ومأرب ثم أرض الشحر وينتهي إلى بحر فارس وهو البحر الثاني الهابط من البحر الهندي إلى الشمال كما مر ويذهب في هذا الجزء بانحراف إلى الغرب فيمر ما بين شرقيه وجوفيه قطعة مثلثة عليها من أعلاه مدينة قلهات وهي ساحل الشحر ثم تحتها على ساحله بلاد عمان ثم بلاد البحرين وهجر منها في آخر الجزء وفي الجزء السابع في الاعلى من غربيه قطعة من بحر فارس تتصل بالقطعة الاخرى في السادس ويغمر بحر الهند جانبه الاعلى كله وعليه هنالك بلاد السند إلى بلاد مكران ويقابلها بلاد الطوبران وهي من السند أيضا فيتصل السند كله في الجانب الغربي من هذا الجزء وتحول المفاوز بينه وبين أرض الهند ويمر فيه نهره الاتي من ناحية بلاد الهند ويصب في البحر الهندي في الجنوب وأول بلاد الهند على ساحل البحر الهندي وفي سمتها شرقا بلاد بلهرا وتحتها في الجانب الاسفل أرض كابل وبعدها شرقا إلى البحر المحيط بلاد القنوج مابين

[ 59 ]

قشمير الداخلة وقشمير الخارجة عند آخر الاقليم وفي الجزء التاسع ثم في الجانب الغربي منه بلاد الهند الاقصى ويتصل فيه إلى الجانب الشرقي فيتصل من أعلاه إلى العاشر وتبقى في أسفل ذلك الجانب قطعة من بلاد الصين فيها مدينة شيغون ثم تتصل بلاد الصين في الجزء العاشر كله إلى البحر المحيط والله ورسوله أعلم وبه سبحانه التوفيق وهو ولي الفضل والكرم الأقليم الثالث * وهو متصل بالثاني من جهة الشمال ففي الجزء الاول منه وعلى نحو الثلث من أعلاه جبل درن معترض فيه من غربيه عند البحر المحيط إلى الشرق عند آخره ويسكن هذا الجبل من البربر أمم لا يحصيهم إلا خالقهم حسبما ياتي ذكره وفي القطعة التي بين هذا الجبل والاقليم الثاني وعلى البحر المحيط منها رباط مماسة ويتصل به شرقا بلاد سوس ونول وعلى سمتها شرقا بلاد درعة ثم بلاد سجلماسة ثم قطعة من صحراء نستر المفازة التي ذكرناها في الاقليم الثاني وهذا الجبل مطل على هذه البلاد كلها في هذا الجزء وهو قليل الثنايا والمسالك في هذه الناحية الغربية إلى أن يسامت وادي ملوية فتكثر ثناياه ومسالكه إلى أن ينتهي وفي هذه الناحية منه امم المصامدة ثم هنتانة ثم تينملك ثم كدميوه ثم مشكورة وهم آخر المصامدة فيه ثم قبائل صنهاكة وهم صنهاجة وفي آخر هذا الجزء منه بعض قبائل زناتة ويتصل به هنالك من جوفيه جبل أوراس وهو جبل كتامة وبعد ذلك أمم أخرى من البرابرة نذكرهم في أماكنهم. ثم إن جبل درن هذا من جهة غربيه مطل على بلاد المغرب الاقصى وهي في جوفيه ففي الناحية الجنوبية منها بلاد مراكش وأغمات وتدلا وعلى البحر المحيط منها رباط أسفى ومدينة سلا وفي الجوف عن بلاد مراكش بلاد فاس ومكناسة وتازا وقصر كتامة وهذه هي التي تسمى المغرب الاقصى في عرف أهلها وعلى ساحل البحر المحيط منها بلدان أصيلا والعرايش وفي سمت هذه البلاد شرقا بلاد المغرب الاوسط وقاعدتها تلمسان وفي سواحلها على البحر الرومي بلد هنين ووهران والجزائر لان هذا البحر الرومي يخرج من البحر المحيط من خليج طنجة في الناحية الغربية من الاقليم الرابع ويذهب مشرقا فينتهي إلى بلاد الشام فإذا خرج من الخليج المتضايق غير بعيد انفسح جنوبا وشمالا فدخل في الاقليم الثالث والخامس

[ 60 ]

فلهذا كان على ساحله من هذا الاقليم الثالث الكثير من بلاده ثم يتصل ببلاد الجزائر من شرقيها بلاد بجاية في ساحل البحر ثم قسطنطينية في الشرق منها وفي آخر الجزء الاول وعلى مرحلة من هذا البحر في جنوبي هذه البلاد ومرتفعا إلى جنوب المغرب الاوسط بلد أشير ثم بلد المسيلة ثم الزاب وقاعدته بسكرة تحت جبل أوراس المتصل بدرن كما مر وذلك عند آخر هذا الجزء من جهة الشرق والجزء الثاني من هذا الاقليم على هيئة الجزء الاول ثم جبل درن على نحو الثلث من جنوبه ذاهبا فيه من غرب إلى شرق فيقسمه بقطعتين ويغمر البحر الرومي مسافة من شماله فالقطعة الجنوبية عن جبل درن غربيها كله مفاوز وفي الشرق منها بلد عذامس وفي سمتها شرقا ارض ودان التي بقيتها في الاقليم الثاني كما مر والقطعة الجوفية عن جبل درن ما بينه وبين البحر الرومي في الغرب منها جبل أوراس وتبسة والاوبس وعلى ساحل البحر بلد بونة ثم في سمت هذه البلاد شرقا بلاد أفريقية فعلى ساحل البحر مدينة تونس ثم السوسة ثم المهدية وفي جنوب هذه البلاد تحت جبل درن بلاد الجريد توزر وقفصة ونفزاوة وفيما بينها وبين السواحل مدينة القيروان وجبل وسلات وسبيطلة وعلى سمت هذه البلاد كلها شرقا بلد طرابلس على البحر الرومي وبإزائها في الجنوب جبل دمر ونقرة من قبائل هوارة متصلة بجبل درن وفي مقابلة غذامس التي مر ذكرها في آخر القطعة الجنوبية وآخر هذا الجزء في الشرق سويقة ابن مشكورة على البحر وفي جنوبها مجالات العرب في أرض ودان وفي الجزء الثالث من هذا الاقليم يمر أيضا فيه جبل درن إلا أنه ينعطف عند آخره إلى الشمال ويذهب على سمته إلى أن يدخل في البحر الرومي ويسمى هنالك طرف أوثان والبحر الرومي من شماليه يغمر طائفة منه إلى أن يضايق ما بينه وبين جبل درن فالذي وراء الجبل في الجنوب وفي الغرب منه بقية أرض ودان ومجالات العرب فيها ثم زويلة ابن خطاب ثم رمال وقفار إلى آخر الجزء في الشرق وفيما بين الجبل والبحر في الغرب منه بلد سرت على البحر ثم خلاء وقفار تجول فيها العرب ثم أجد ابية ثم برقة عند منعطف الجبل ثم طلمسة على البحر هنالك ثم في شرق المنعطف من الجبل مجالات هيب ورواحة إلى آخر الجزء وفي الجزء الرابع من هذا الاقليم وفي الاعلى من غربيه صحارى برقيق وأسفل منها

[ 61 ]

بلاد هيب ورواحة ثم يدخل البحر الرومي في هذا الجزء فيغمر طائفة منه إلى الجنوب حتى يزاحم طرفه الاعلى ويبقى بينه وبين آخر الجزء قفار تجول فيها العرب وعلى سمتها شرقا بلاد الفيوم وهي على مصب أحد الشعبين من النيل الذي يمر على اللاهون من بلاد الصعيد في الجزء الرابع من الاقليم الثاني ويصب في بحيرة فيوم وعلى سمته شرقا أرض مصر ومدينتها الشهيرة على الشعب الثاني الذي يمر بدلاص من بلاد الصعيد عند آخر الجزء الثاني ويفترق هذا الشعب افتراقة ثانية من تحت مصر على شعبين آخرين من شطنوف وزفتي وينقسم الايمن منهما من قرمط بشعبين آخرين ويصب جميعها في البحر الرومي فعلى مصب الغربي من هذا الشعب بلد الاسكندرية وعلى مصب الوسط بلد رشيد وعلى مصب الشرقي بلد دمياط وبين مصر والقاهرة وبين هذه السواحل البحرية أسافل الديار المصرية كلها محشوة عمرانا وفلجا وفي الجزء الخامس من هذا الاقليم بلاد الشام وأكثرها على ما أصف وذلك لان بحر القلزم ينتهي من الجنوب وفي الغرب منه عند السويس لانه في ممره مبتدئ من البحر الهندي إلى الشمال ينعطف آخذا إلى جهة الغرب فتكون قطعة من انعطافه في هذا الجزء طويلة فينتهي في الطرف الغربي منه إلى السويس وعلى هذه القطعة بعد السويس فاران ثم جبل الطور ثم أيلة مدين ثم الحوراء في آخرها ومن هنالك ينعطف بساحله إلى الجنوب في أرض الحجاز كما مر في الاقليم الثاني في الجزء الخامس منه وفي الناحية الشمالية من هذا الجزء قطعة من البحر الرومي غمرت كثيرا من غربيه عليها الفرما والعريش وقارب طرفها بلد القلزم فيضايق ما بينهما من هنالك وبقي شبه الباب مفضيا إلى أرض الشام وفي غربي هذا الباب فحص التيه أرض جرداء لا تنبت كانت مجالا لنبي إسرائيل بعد خروجهم من مصر وقبل دخولهم إلى الشام أربعين سنة كما قصه القرآن وفي هذه القطعة من البحر الرومي في هذا الجزء طائفة من جزيرة قبرص وبقيتها في الاقليم الرابع كما نذكره وعلى ساحل هذه القطعة عند الطرف المتضايق لبحر السويس بلد العريش وهو آخر الديار المصرية وعسقلان وبينهما طرف هذا البحر ثم تنحط هذه القطعة في انعطافها من هنالك إلى الاقليم الرابع عند طرابلس وغزة وهنالك ينتهي البحر الرومي في جهة الشرق وعلى هذه

[ 62 ]

القطعة أكثر سواحل الشام ففي شرقه غزة ثم عسقلان وبانحراف يسير عنها إلى الشمال بلد قيسارية ثم كذلك بلد عكاء ثم صور ثم صيداء ثم ينعطف البحر إلى الشمال في الاقليم الرابع ويقابل هذه البلاد الساحلية من هذه القطعة في هذا الجزء جبل عظيم يخرج من ساحل أيلة من بحر القلزم ويذهب في ناحية الشمال منحرفا إلى الشرق إلى أن يجاوز هذا الجزء ويسمى جبل اللكام وكأنه حاجز بين أرض مصر والشام ففي طرفه عند أيلة العقبة التي يمر عليها الحجاج من مصر إلى مكة ثم بعدها في ناحية الشمال مدفن الخليل عليه الصلاة والسلام عند جبل السراة يتصل من عند جبل اللكام المذكور من شمال العقبة ذاهبا على سمت الشرق ثم ينعطف قليلا وفي شرقه هنالك بلد الحجر وديار ثمود وتيماء ودومة الجندل وهي أسافل الحجاز وفوقها جبل رضوى وحصون خيبر في جهة الجنوب عنها وفيما بين جبل السراة وبحر القلزم صحراء تبوك وفي شمال جبل السراة مدينة القدس عند جبل اللكام ثم الاردن ثم طبرية وفي شرقيها بلاد الغور إلى أذرعات وفي سمتها شرقا دومة الجندل آخر هذا الجزء وهي اخر الحجاز وعند منعطف جبل اللكام إلى الشمال من آخر هذا الجزء مدينة دمشق مقابلة صيدا وبيروت من القطعة البحرية وجبل اللكام يعترض بينها وبينها وعلى سمت دمشق في الشرق مدينة بعلبك ثم مدينة حمص في الجهة الشمالية آخر الجزء عند منقطع جبل اللكام وفي الشرق عن بعلبك وحمص بلد تدمر ومجالات البادية إلى آخر الجزء وفي الجزء السادس من أعلاه مجالات الاعراب تحت بلاد نجد واليمامة مابين جبل العرج والصمان إلى البحرين وهجر على بحر فارس وفي أسافل هذا هذا الجزء تحت المجالات بلد الحيرة والقادسية ومغايض الفرات. وفيما بعدها شرقا مدينة البصرة وفي هذا الجزء ينتهي بحر فارس عند عبادان والابلة من أسافل الجزء من شماله ويصب فيه عند عبادان نهر دجلة بعد أن ينقسم بجداول كثيرة وتختلط به جداول أخرى من الفرات ثم تجتمع كلها عند عبادان وتصب في بحر فارس وهذه القطعة من البحر متسعة في أعلاه متضايقة في آخره في شرقيه وضيقة عند منتهاه مضايقة للحد الشمالي منه وعلى عدوتها الغربية منه أسافل البحرين وهجر والاحساء وفي غربها أخطب والصمان وبقية أرض اليمامة وعلى عدوته الشرقية سواحل فارس من

[ 63 ]

أعلاها وهو من عند آخر الجزء من الشرق على طرف قد امتد من هذا البحر مشرقا ووراءه إلى الجنوب في هذا البحر جبال القفص من كرمان وتحت هرمز بلاد فارس مثل سابور ودار أبجرد ونسا وإصطخر والشاهجان وشيراز وهي قاعدتها كلها وتحت بلاد فارس إلى الشمال عند طرف البحر بلاد خوذستان ومنها الاهواز وتستر وصدى وسابور والسوس ورام هرمز وغيرها وأرجان وهي حد ما بين فارس وخوذستان جبال الاكراد متصلة إلى نواحي أصبهان وبها مساكنهم ومجالاتهم وراءها في أرض فارس وتسمى الرسوم وفي الجزء السابع في الاعلى منه من المغرب بقية جبال القفص ويليها من الجنوب والشمال بلاد كرمان ومكران ومن مدنها الرودن والشيرجان وجيرفت ويزد شير والبهرج وتحت أرض كرمان إلى الشمال بقية بلاد فارس إلى حدود أصبهان ومدينة أصبهان في طرف هذا الجزء ما بين غربه وشماله ثم في المشرق عن بلاد كرمان وبلاد فارس أرض سجستان وكوهستان في الجنوب وأرض كوهستان في الشمال غربا ويتوسط بين كرمان وفارس وبين سجستان وكوهستان وفي وسط هذا الجزء المفاوز العظمى القليلة المسالك لصعوبتها ومن مدن سجستان بست والطاق وأما كوهستان فهي من بلاد خراسان ومن مشاهير بلادها سرخس وقوهستان آخر الجزء وفي الجزء الثامن من غربه وجنوبه مجالات الجلح من أمم الترك متصلة بأرض سجستان من غربها وبأرض كابل الهند من جنوبها. وفي الشمال عن هذه المجالات جبال الغور وبلادها وقاعدتها غزنة فرضة الهند وفي آخر الغور من الشمال بلاد أستراباذ ثم في الشمال غربا إلى آخر الجزء بلاد هرات أوسط خراسان وبها أسفراين وقاشان وبوشنج ومرو الروذ والطالقان والجوزجان وتنتهي خراسان هنالك إلى نهر جيحون وعلى هذا النهر من بلاد خراسان من غربيه مدينة بلخ وفي شرقيه مدينة ترمذ ومدينة بلخ كانت كرسي مملكة الترك وهذا النهر نهر جيحون مخرجه من بلاد وجار في حدود بدخشان مما يلي الهند ويخرج من جنوب هذا الجزء وعند آخره من الشرق فينعطف عن قرب مغربا إلى وسط الجزء ويسمى هنالك نهر خرناب ثم ينعطف إلى الشمال حتى يمر بخراسان ويذهب على سمته إلى أن يصب في بحيرة خوارزم في الاقليم الخامس كما نذكره ويمده عند انعطافه في وسط الجزء من الجنوب إلى الشمال خمسة أنهار عظيمة من بلاد الختل والوخش

[ 64 ]

من شرقيه وأنهار أخرى من جبال البتم من شرقيه أيضا وجوفي الجبل حتى يتسع ويعظم بما لا كفاء له ومن هذه الانهار الخمسة الممدة له نهر وخشاب يخرج من بلاد التبت وهي بين الجنوب والشرق من هذا الجزء فيمر مغربا بانحراف إلى الشمال إلى أن يخرج إلى الجزء التاسع قريبا من شمال هذا الجزء يعترضه في طريقه جبل عظيم يمر من وسط الجنوب في هذا الجزء مشرقا بانحراف إلى الشمال إلى أن يخرج إلى الجزء التاسع قريبا من شمال هذا الجزء فيجوز بلاد التبت إلى القطعة الشرقية الجنوبية من هذا الجزء ويحول بين الترك وبين بلاد الختل وليس فيه إلا مسلك واحد في وسط الشرق من هذا الجزء جعل فيه الفضل بن يحيى سدا وبنى فيه بابا كسد ياجوج وماجوج فإذا خرج نهر وخشاب من بلاد التبت واعترضه هذا الجبل فيمر تحته في مدى بعيد إلى أن يمر في بلاد الوخش ويصب في نهر جيحون عند حدود بلخ ثم يمر هابطا إلى الترمذ في الشمال إلى بلاد الجوزجان وفي الشرق عن بلاد الغور فيما بينها وبين نهر جيحون بلاد الناسان من خراسان وفي العدوة الشرقية هنالك من النهر بلاد الختل وأكثرها جبال وبلاد الوخش ويحدها من جهة الشمال جبال البتم تخرج من طرف خراسان غربي نهر جيحون وتذهب مشرقة إلى أن يتصل طرفها بالجبل العظيم الذي خلفه بلاد التبت ويمر تحته نهر وخشاب كما قلناه فيتصل عند باب الفضل بن يحيى ويمر نهر جيحون بين هذه الجبال وأنهار أخرى تصب فيه منها نهر بلاد الوخش يصب فيه من الشرق تحت الترمذ إلى جهة الشمال ونهر بلخ يخرج من جبال البتم مبدإه عند الجوزجان ويصب فيه من غربيه وعلى هذا النهر من غربيه بلاد آمد من خراسان وفي شرقي النهر من هنالك أرض الصغد وأسر وشنة من بلاد الترك وفي شرقها أرض فرغانة أيضا إلى آخر الجزء شرقا وكل بلاد الترك تحوزها جبال البتم إلى شمالها وفي الجزء التاسع من غربه أرض التبت إلى وسط الجزء وفي جنوبيها بلاد الهند وفي شرقيها بلاد الصين إلى آخر الجزء وفي أسفل هذا الجزء شمالا عن بلاد التبت بلاد الخزلجية من بلاد الترك إلى آخر الجزء شرقا وشمالا ويتصل بها من غربيها أرض فرغانة أيضا إلى آخر الجزء شرقا ومن شرقيها أرض التغرغر من الترك إلى الجزء شرقا وشمالا. وفي الجزء العاشر في الجنوب منه جميعا بقية الصين وأسافله وفي الشمال بقية

[ 65 ]

بلاد التغرغر ثم شرقا عنهم بلاد خرخير من الترك أيضا إلى آخر الجزء شرقا وفي الشمال من أرض خرخير بلاد كتمان من الترك وقبالتها في البحر المحيط جزيرة الياقوت في وسط جبل مستدير لا منفذ منه إليها ولا مسلك والصعود إلى أعلاه من خارجه صعب في الغاية وفي الجزيرة حيات قتالة وحصى من الياقوت كثيرة فيحتال أهل تلك الناحية بما يلهمهم الله إليه وأهل هذه البلاد في هذا الجزء التاسع والعاشر فيما وراء خراسان والجبال كلها مجالات للترك أمم لا تحصى وهم ظواعن رحالة أهل إبل وشاء وبقر وخيل للنتاج والركوب والاكل وطوائفهم كثيرة لا يحصيهم إلا خالقهم وفيهم مسلمون مما يلي بلاد النهر نهر جيحون ويغزون الكفار منهم الدائنين بالمجوسية فيبيعون رقيقهم لمن يليهم ويخرجون إلى بلاد خراسان والهند والعراق الأقليم الرابع * يتصل بالثالث من جهة الشمال. والجزء الاول منه في غربيه قطعة من البحر المحيط مستطيلة من أوله جنوبا إلى آخره شمالا وعليها في الجنوب مدينة طنجة ومن هذه القطعة تحت طنجة من البحر المحيط إلى البحر الرومي في خليج متضايق بمقدار اثني عشر ميلا ما بين طريف والجزيرة الخضراء شمالا وقصر المجاز وسبتة جنوبا ويذهب مشرقا إلى أن ينتهي إلى وسط الجزء الخامس من هذا الاقليم وينفسح في ذهابه بتدريج إلى أن يغمر الاربعة الاجزاء وأكثر الخامس من هذا الاقليم الثالث والخامس كما سنذكره ويسمى هذا البحر البحر الشامي أيضا وفيه جزائر كثيرة أعظمها في جهة الغرب يابسة ثم ما يرقة ثم منرقة ثم سردانية ثم صقلية وهي أعظمها ثم بلونس ثم أقريطش ثم قبرص كما نذكرها كلها في أجزائها التي وقعت فيها ويخرج من هذا البحر الرومي عند آخر الجزء الثالث منه وفي الجزء الثالث من الاقليم الخامس خليج البنادقة يذهب إلى ناحية الشمال ثم ينعطف عند وسط الجزء من جوفه ويمر مغربا إلى أن ينتهي في الجزء الثاني من الخامس ويخرج منه أيضا في اخر الجزء الرابع شرقا من الاقليم الخامس خليج القسطنطينية يمر في الشمال متضايقا في عرض رمية السهم إلى آخر الاقليم ثم يفضي إلى الجزء الرابع من الاقليم السادس وينعطف إلى بحر نيطش ذاهبا إلى الشرق في الجزء الخامس كله ونصف السادس من الاقليم السادس كما نذكر ذلك في أماكنه وعندما يخرج هذا البحر

[ 66 ]

الرومي من البحر المحيط في خليج طنجة وينفسح إلى الاقليم الثالث يبقى في الجنوب عن الخليج قطعة صغيرة من هذا الجزء فيها مدينة طنجة على مجمع البحرين وبعدها مدينة سبتة على البحر الرومي ثم قطاون ثم باديس ثم يغمر هذا البحر بقية هذا الجزء شرقا ويخرج إلى الثالث وأكثر العمارة في هذا الجزء في شماله وشمال الخليج منه وهي كلها بلاد الاندلس الغربية منها ما بين البحر المحيط والبحر الرومي أولها طريف عند مجمع البحرين وفي الشرق منها على ساحل البحر الرومي الجزيرة الخضراء ثم مالقة ثم المنقب ثم المرية وتحت هذه من لدن البحر المحيط غربا وعلى مقربة منه شريش ثم لبلة وقبالتها فيه جزيرة فادس وفي الشرق عن شريش ولبلة إشبيلية ثم أستجة وقرطبة ومديلة ثم غرناطة وجيان وأبدة ثم وادياش وبسطة وتحت هذه شنتمرية وشلب على البحر المحيط غربا وفي الشرق عنهما بطليوس وماردة ويابرة ثم غافق وبزجالة ثم قلعة رياح وتحت هذه أشبونة على البحر المحيط غربا وعلى نهر باجة وفي الشرق عنها شنترين وموزية على النهر المذكور ثم قنطرة السيف ويسامت اشبونة من جهة الشرق جبل الشارات يبدأ من المغرب هنالك ويذهب مشرقا مع اخر الجزء من شماليه فينتهي إلى مدينة سالم فيما بعد النصف منه وتحت هذا الجبل طلبيرة في الشرق من فورنة ثم طليطلة ثم وادي الحجارة ثم مدينة سالم وعند أول هذا الجبل فيما بينه وبين أشبونة بلد قلمرية وهذه غربي الاندلس. وأما شرقي الاندلس فعلى ساحل البحر الرومي منها بعد المرية قرطاجنة ثم لفتة ثم دانية ثم بلنسية إلى طرطوشة آخر الجزء في الشرق وتحتها شمالا ليورقة وشقورة تثاخمان بسطة وقلعة رياح من غرب الاندلس ثم مرسية شرقا ثم شاطبة تحت بلنسية شمالا ثم شقر ثم طرطوشة ثم طركونة آخر الجزء ثم تحت هذه شمالا أرض منجالة وريدة متاخمان لشقورة وطليطلة من الغرب ثم أفراغة شرقا تحت طرطوشة وشمالا عنها ثم في الشرق عن مدينة سالم قلعة أيوب ثم سرقسطة ثم لاردة آخر الجزء شرقا وشمالا. والجزء الثاني من هذا الاقليم غمر الماء جميعه إلا قطعة من غربيه في الشمال فيها بقية جبل البرنات ومعناه جبل الثنايا والسالك يخرج إليه من آخر الجزء الاول من الاقليم الخامس يبدأ من الطرف المنتهي من البحر المحيط عند آخر ذلك الجزء جنوبا وشرقا ويمر في الجنوب

[ 67 ]

بانحراف إلى الشرق فيخرج في هذا الاقليم الرابع منحرفا عن الجزء الاول منه إلى هذا الجزء الثاني فيقع فيه قطعة منه تفضي ثناياها إلى البر المتصل وتسمى أرض غشكونية وفيه مدينة خريدة وقرقشونة وعلى ساحل البحر الرومي من هذه القطعة مدينة برسلونة ثم أربونة وفي هذا البحر الذي غمر الجزء جزائر كثيرة والكثير منها غير مسكون لصغرها ففي غربيه جزيرة سردانية وفي شرقيه جزيرة صقلية متسعة الاقطار يقال إن دورها سبعمائة ميل وبها مدن كثيرة من مشاهيرها سرقوسة وبلرم وطرابغة ومازر ومسيني وهذه الجزيرة تقابل أرض أفريقية وفيما بينهما جزيرة أعدوش ومالطة. والجزء الثالث من هذا الاقليم مغمور أيضا بالبحر إلا ثلاث قطع من ناحية الشمال الغربية منها أرض قلورية والوسطى من أرض أبكيردة والشرقية من بلاد البنادقة. والجزء الرابع من هذا الاقليم مغمور أيضا بالبحر كما مر وجزائره كثيرة وأكثرها غير مسكون كما في الثالث والمغمور منها جزيرة بلونس في الناحية الغربية الشمالية وجزيرة أقريطش مستطيلة من وسط الجزء إلى ما بين الجنوب والشرق منه. والجزء الخامس من هذا الاقليم غمر البحر منه مثلثة كبيرة بين الجنوب والغرب ينتهي الضلع الغربي منها إلى آخر الجزء في الشمال وينتهي الضلع الجنوبي منها إلى نحو الثلثين من الجزء ويبقى في الجانب الشرقي من الجزء قطعة نحو الثلث يمر الشمالي منها إلى الغرب منعطفا مع البحر كما قلناه وفي النصف الجنوبي منها أسافل الشام ويمر في وسطها جبل اللكام إلى أن ينتهي إلى آخر الشام في الشمال فينعطف من هنالك ذاهبا إلى القطر الشرقي الشمالي ويسمى بعد انعطافه جبل السلسلة ومن هنالك يخرج إلى الاقليم الخامس ويجوز من عند منعطفه قطعة من بلاد الجزيرة إلى جهة الشرق ويقوم من عند منعطفه من جهة المغرب جبال متصلة بعضها ببعض إلى أن ينتهي إلى طرف خارج من البحر الرومي متأخر إلى آخر الجزء من الشمال وبين هذه الجبال ثنايا تسمى الدروب وهي التي تفضي إلى بلاد الارمن وفي هذا الجزء قطعة منها بين هذه الجبال وبين جبل السلسلة فأما الجهة الجنوبية التي قدمنا أن فيها اسافل الشام وأن جبل اللكام معترض فيها بين البحر الرومي وآخر الجزء من الجنوب إلى الشمال فعلى ساحل البحر بلد أنطرطوس في أول الجزء من الجنوب متاخمة

[ 68 ]

لغزة وطرابلس على ساحله من الاقليم الثالث وفي شمال أنطرطوس جبلة ثم اللاذقية ثم إسكندرونة ثم سلوقية وبعدها شمالا بلاد الروم وأما جبل اللكام المعترض بين البحر وآخر الجزء بحافاته فيصاقبه من بلاد الشام من أعلى الجزء جنوبا من غربيه حصن الحواني وهو للحشيشة الاسماعيلية ويعرفون لهذا العهد بالفداوية ويسمى مصيات وهو قبالة أنطرطوس وقبالة هذا الحصن في شرق الجبل بلد سلمية في الشمال عن حمص وفي الشمال وفي مصيات بين الجبل والبحر بلد أنطاكية ويقابلها في شرق الجبل المعرة وفي شرقها المراغة وفي شمال أنطاكية المصيصة ثم أذنة ثم طرسوس آخر الشام ويحاذيها من غرب الجبل قنسرين ثم عين زربة وقبالة قنسرين في شرق الجبل حلب ويقابل عين زربة منبج آخر الشام. وأما الدروب فعن يمينها ما بينها وبين البحر الرومي بلاد الروم التي هي لهذا العهد للتركمان وسلطانها ابن عثمان وفي ساحل البحر منها بلد أنطاكية والعلايا. وأما بلاد الارمن التي بين جبل الدروب وجبل السلسلة ففيها بلد مرعش وملطية والمعرة إلى آخر الجزء الشمالي ويخرج من الجزء الخامس في بلاد الارمن نهر جيحان ونهر سيحان في شرقيه فيمر بها جيحان جنوبا حتى يتجاوز الدروب ثم يمر بطرسوس ثم بالمصيصة ثم ينعطف هابطا إلى الشمال ومغربا حتى يصب في البحر الرومي جنوب سلوقية ويمر نهر سيحان مؤازيا لنهر جيحان فيحاذي المعرة ومرعش ويتجاوز جبال الدروب إلى أرض الشام ثم يمر بعين زربة ويجوز عن نهر جيحان ثم ينعطف إلى الشمال مغربا فيختلط بنهر جيحان عند المصيصة ومن غربها وأما بلاد الجزيرة التي يحيط بها منعطف جبل اللكام إلى جبل السلسلة ففي جنوبها بلد الرافضة والرقة ثم حران ثم سروج والرها ثم نصيبين ثم سميساط وآمد تحت جبل السلسلة وآخر الجزء من شماله وهو أيضا آخر الجزء من شرقيه ويمر في وسط هذه القطعة نهر الفرات ونهر دجلة يخرجان من الاقليم الخامس ويمران في بلاد الارمن جنوبا إلى أن يتجاوزا جبل السلسلة فيمر نهر الفرات من غربي سميساط وسروج وينحرف إلى الشرق فيمر بقرب الرافضة والرقة ويخرج إلى الجزء السادس ويمر دجلة في شرق آمد وينعطف قريبا إلى الشرق فيخرج قريبا إلى الجزء السادس وفي الجزء السادس من هذا الاقليم من غربيه بلاد الجزيرة وفي

[ 69 ]

الشرق منها بلاد العراق متصلة بها تنتهي في الشرق إلى قرب آخر الجزء ويعترض من آخر العراق هنالك جبل أصبهان هابطا من جنوب الجزء منحرفا إلى الغرب فإذا انتهى إلى وسط الجزء من آخره في الشمال يذهب مغربا إلى أن يخرج من الجزء السادس ويتصل على سمته بجبل السلسلة في الجزء الخامس فينقطع هذا الجزء السادس بقطعتين غربية وشرقية ففي الغربية من جنوبيها مخرج الفرات من الخامس وفي شماليها مخرج دجلة منه أما الفرات فأول ما يخرج إلى السادس يمر بقرقيسيا ويخرج من هنالك جدول إلى الشمال ينساب في أرض الجزيرة ويغوص في نواحيها ويمر من قرقيسيا غير بعيد ثم ينعطف إلى الجنوب فيمر بقرب الخابور إلى غرب الرحبة ويخرج منه جداول من هنالك يمر جنوبا ويبقى صفين في غربيه ثم ينعطف شرقا وينقسم بشعوب فيمر بعضها بالكوفة وبعضها بقصر ابن هبيرة وبالجامعين وتخرج جميعا في جنوب الجزء إلى الاقليم الثالث فيغوص هنالك في شرق الحيرة والقادسية ويخرج الفرات من الرحبة مشرقا على سمته إلى هيت من شمالها يمر إلى الزاب والانبار من جنوبهما ثم يصب في دجلة عند بغداد. وأما نهر دجلة فإذا دخل من الجزء الخامس إلى هذا الجزء يمر بجزيرة ابن عمر على شمالها ثم بالموصل كذلك وتكريت وينتهي إلى الحديثة فينعطف جنوبا وتبقى الحديثة في شرقه والزاب الكبير والصغير كذلك ويمر على سمته جنوبا وفي غرب القادسية إلى أن ينتهي إلى بغداد ويختلط بالفرات ثم يمر جنوبا على غرب جرجرايا إى أن يخرج من الجزء إلى الاقليم الثالث فتنتشر هنالك شعوبه وجداوله ثم يجتمع ويصب هنالك في بحر فارس عند عبادان وفيما بين نهر الدجلة والفرات قبل مجمعهما ببغداد هي بلاد الجزيرة ويختلط بنهر دجلة بعد مفارقته ببغداد نهر آخر يأتي من الجهة الشرقية الشمالية منه وينتهي إلى بلاد النهروان قبالة بغداد شرقا ثم ينعطف جنوبا ويختلط بدجلة قبل خروجه إلى الاقليم الثالث ويبقى ما بين هذا النهر وبين جبل العراق والاعاجم بلد جلولاء وفي شرقها عند الجبل بلد حلوان وصيمرة. وأما القطعة الغربية من الجزء فيعترضها جبل يبدأ من جبل الاعاجم مشرقا إلى آخر الجزء ويسمى جبل شهرزور ويقسمها بقطعتين في الجنوب من هذه القطعة الصغرى بلد خونجان من الغرب والشمال عن أصبهان وتسمى هذه القطعة بلد الهلوس

[ 70 ]

وفي وسطها بلد نهاوند وفي شمالها بلد شهرزور غربا عند ملتقى الجبلين والدينور شرقا عند آخر الجزء وفي القطعة الصغرى الثانية طرف من بلاد أرمينية قاعدتها المراغة والذي يقابلها من جبل العراق يسمى باريا وهو مساكن للاكراد والزاب الكبير والصغير الذي على دجلة من ورائه وفي آخر هذه القطعة من جهة الشرق بلاد أذربيجان ومنها تبريز والبيدقان وفي الزاوية الشرقية الشمالية من هذا الجزء قطعة من بحر نيطش وهو بحر الخزر وفي الجزء السابع من هذا الاقليم من غربه وجنوبه معظم بلاد الهلوس وفيها همذان وقزوين وبقيتها في الاقليم الثالث وفيها هنالك أصبهان ويحيط بها من الجنوب جبل يخرج من غربها ويمر بالاقليم الثالث ثم ينعطف من الجزء السادس إلى الاقليم الرابع ويتصل بجبل العراق في شرقيه الذي مر ذكره هنالك وإنه محيط ببلاد الهلوس في القطعة الشرقية ويهبط هذا الجبل المحيط بأصبهان من الاقليم الثالث إلى جهة الشمال ويخرج إلى هذا الجزء السابع فيحيط ببلاد الهلوس من شرقها وتحته هنالك قاشان ثم قم وينعطف في قرب النصف من طريقه مغربا بعض الشئ ثم يرجع مستديرا فيذهب مشرقا ومنحرفا إلى الشمال حتى يخرج إلى الاقليم الخامس ويشتمل على منعطفه واستدارته على بلد الري في شرقيه ويبدأ من منعطفه جبل آخر يمر غربا إلى آخر هذا الجزء ومن جنوبه من هنالك قزوين ومن جانبه الشمالي وجانب جبل الري المتصل معه ذاهبا إلى الشرق والشمال إلى وسط الجزء ثم إلى الاقليم الخامس بلاد طبرستان فيما بين هذه الجبال وبين قطعة من بحر طبرستان ويدخل من الاقليم الخامس في هذا الجزء في نحو النصف من غربه إلى شرقه ويعترض عند جبل الري وعند انعطافه إلى الغرب جبل متصل يمر على سمته مشرقا وبانحراف قليل إلى الجنوب حتى يدخل في الجزء الثامن من غربه ويبقى بين جبل الري وهذا الجبل من عند مبدإهما بلاد جرجان فيما بين الجبلين ومنها بسطام ووراء هذا الجبل قطعة من هذا الجزء فيها بقية المفازة التي بين فارس وخراسان وهي في شرقي قاشان وفي آخرها عند هذا الجبل بلد أستراباذ وحافات هذا الجبل من شرقية إلى آخر الجزء بلاد نيسابور من خراسان ففي جنوب الجبل وشرق المفازة بلد نيسابور ثم مرو الشاهجان آخر الجزء وفي شماله وشرقي جرجان بلد مهرجان وخازرون وطوس آخر الجزء شرقا

[ 71 ]

وكل هذا تحت الجبل وفي الشمال عنها بلاد نسا ويحيط بها عند زاوية الجزئين الشمال والشرق مفاوز معطلة. وفي الجزء الثامن من هذا الاقليم وفي غربيه نهر جيحون ذاهبا من الجنوب إلى الشمال ففي عدوته الغربية رمم وآمل من بلاد خراسان والظاهرية والجرجانية من بلاد خوارزم ويحيط بالزاوية الغربية الجنوبية منه جبل أستراباذ المعترض في الجزء السابع قبله ويخرج في هذا الجزء من غربيه ويحيط بهذه الزاوية وفيها بقية بلاد هراة والجوزخان حتى يتصل بجبل البتم كما ذكرناه هنالك وفي شرقي نهر جيحون من هذا الجزء وفي الجنوب منه بلاد بخارى ثم بلاد الصغد وقاعدتها سمرقند ثم سردارا وأشنه ومنها خجندة آخر الجزء شرقا وفي الشمال عن سمرقند وسردار وأشنه أرض إيلاق (1) ثم في الشمال عن إيلاق أرض الشاش إلى آخر الجزء شرقا ويأخذ قطعة من الجزء التاسع في جنوب تلك القطعة بقية أرض فرغانة ويخرج من تلك القطعة التي في الجزء التاسع نهر الشاش يمر معترضا في الجزء الثامن إلى أن ينصب في نهر جيحون عند مخرجه من هذا الجزء الثامن في شماله إلى الاقليم الخامس ويختلط معه في أرض إيلاق نهر ياتي من الجزء التاسع من الاقليم الثالث من تخوم بلاد التبت ويختلط معه قبل مخرجه من الجزء التاسع نهر فرغانة وعلى سمت نهر الشاش جبل جبراغون يبدأ من الاقليم الخامس وينعطف شرقا ومنحرفا إلى الجنوب حتى يخرج إلى الجزء التاسع محيطا بأرض الشاش ثم ينعطف في الجزء التاسع فيحيط بالشاش وفرغانة هناك إلى جنوبه فيدخل في الاقليم الثالث وبين نهر الشاش وطرف هذا الجبل في وسط هذا الجزء بلاد فاراب وبينه وبين أرض بخارى وخوارزم مفاوز معطلة وفي زاوية هذا الجزء من الشمال والشرق أرض خجندة وفيها بلد إسبيجاب وطراز. وفي الجزء التاسع من هذا الاقليم في غربيه بعد أرض فرغانة والشاش أرض الخزلجية في الجنوب وأرض الخليجة في الشمال وفي شرق الجزء كله أرض الكيماكية ويتصل في الجزء العاشر كله إلى جبل قوقيا آخر الجزء شرقا وعلى قطعة من البحر المحيط هنالك وهو جبل يأجوج ومأجوج وهذه الامم كلها من شعوب الترك. انتهى الأقليم الخامس * الجزء الاول منه أكثره مغمور بالماء إلا قليلا من جنوبه وشرقه لان البحر المحيط بهذه الجهة الغربية دخل في الاقليم الخامس والسادس


(1) في المشترك اقليم ايلاق متصل باقليم الشاش لا فصل بينهما وهو بكسر الهمزة وسكون اليا بعدها. ا ه‍ (*)

[ 72 ]

والسابع عن الدائرة المحيطة بالاقليم فأما المنكشف من جنوبه فقطعة على شكل مثلث متصلة من هنالك بالاندلس وعليها بقيتها ويحيط بها البحر من جهتين كأنهما ضلعان محيطان بزاوية المثلث ففيها من بقية غرب الاندلس سعيور على البحر عند أول الجزء من الجنوب والغرب وسلمنكة شرقا عنها وفي جوفها سمورة وفي الشرق عن سلمنكة أيلة آخر الجنوب وأرض قستالية شرقا عنها وفيها مدينة شقونية وفي شمالها أرض ليون وبرغشت ثم وراءها في الشمال أرض جليقية إلى زاوية القطعة وفيها على البحر المحيط في آخر الضلع الغربي بلد شنتياقو ومعناه يعقوب وفيها من شرق بلاد الاندلس مدينة شطلية عند آخر الجزء في الجنوب وشرقا عن قستالية وفي شمالها وشرقها وشقة وبنبلونة على سمتها شرقا وشمالا وفي غرب بنبلونة قسطالة ثم ناجزة فيها بينها وبين برغشت ويعترض وسط هذه القطعة جبل عظيم محاذ للبحر وللضلع الشمالي الشرقي منه وعلى قرب ويتصل به وبطرف البحر عند بنبلونة في جهة الشرق الذي ذكرنا من قبل أن يتصل في الجنوب بالبحر الرومي في الاقليم الرابع ويصير حجرا على بلاد الاندلس من جهة الشرق وثناياه لها أبواب تفضي إلى بلاد غشكونية من أمم الفرنج فمنها من الاقليم الرابع برشلونة وأربونة على ساحل البحر الرومي وخريدة وفرقشونة وراءهما في الشمال ومنها من الاقليم الخامس طلوشة شمالا عن خريدة. وأما المنكشف في هذا الجزء من جهة الشرق فقطعة على شكل مثلث مستطيل زاويته الحادة وراء البرنات شرقا وفيها على البحر المحيط على رأس القطعة التي يتصل بها جبل البرنات بلد نيونة وفي اخر هذه القطعة في الناحية الشرقية الشمالية من الجزء أرض بنطو من الفرنج إلى آخر الجزء. وفي الجزء الثاني من الناحية الغربية منه أرض غشكونية وفي شمالها أرض بنطو وبرغشت وقد ذكرناهما وفي شرق بلاد غشكونية في شمالها قطعة أرض من البحر الرومي دخلت في هذا الجزء كالضرس مائلة إلى الشرق قليلا وصارت بلاد غشكونية في غربها داخلة في جون من البحر وعلى رأس هذه القطعة شمالا بلاد جنوة وعلى سمتها في الشمال جبل نيت جون وفي شماله وعلى سمته أرض برغونة وفي الشرق عن طرف جنوة الخارج من البحر الرومي طرف آخر خارج منه يبقى بينهما جون داخل من البر في البحر في غربيه نيش وفي شرقيه مدينة رومة

[ 73 ]

العظمى كرسي ملك الافرنجة ومسكن البابا بطركهم الاعظم وفيها من المباني الضخمة والهياكل الهائلة والكنائس العادية ما هو معروف الاخبار ومن عجائبها النهر الجاري في وسطها من المشرق إلى المغرب مفروش قاعه ببلاط النحاس وفيها كنيسة بطرس وبولس من الحواريين وهما مدفونان بها وفي الشمال عن بلاد رومة بلاد أقرنصيصة إلى آخر الجزء وعلى هذا الطرف من البحر الذي في جنوبه رومة بلاد نابل في الجانب الشرقي منه متصلة ببلد قلورية من بلاد الفرنج وفي شمالها طرف من خليج البنادقة دخل في هذا الجزء من الجزء الثالث مغربا ومحاذيا للشمال من هذا الجزء وانتهى إلى نحو الثلث منه وعليه كثير من بلاد البنادقة دخل في هذا الجزء من جنوبه فيما بينه وبين البحر المحيط ومن شماله بلاد إنكلاية في الاقليم السادس. وفي الجزء الثالث من هذا الاقليم في غربيه بلاد قلورية بين خليج البنادقة والبحر الرومي يحيط بها من شرقيه يصل من برها في الاقليم الرابع في البحر الرومي في جون بين طرفين خرجا من البحر على سمت الشمال إلى هذا الجزء في شرقي بلاد قلورية بلاد أنكيردة في جون بين خليج البنادقة والبحر الرومي ويدخل طرف من هذا الجزء في الجون في الاقليم الرابع وفي البحر الرومي ويحيط به من شرقيه خليج البنادقة من البحر الرومي ذاهبا إلى سمت الشمال ثم ينعطف إلى الغرب محاذيا لآخر الجزء الشمالي ويخرج على سمته من الاقليم الرابع جبل عظيم يؤازيه ويذهب معه إلى الشمال ثم يغرب معه في الاقليم السادس إلى أن ينتهي قبالة خليج في شماليه في بلاد إنكلاية من أمم اللمانيين كما نذكر وعلى هذا الخليج وبينه وبين هذا الجبل ما داما ذاهبين إلى الشمال بلاد البنادقة فإذا ذاهبا إلى المغرب فبينهما بلاد حروايا ثم بلاد الالمانيين عند طرف الخليج. وفي الجزء الرابع من هذا الاقليم قطعة من البحر الرومي خرجت إليه من الاقليم الرابع مضرسة كلها بقطع من البحر ويخرج منها إلى الشمال وبين كل ضرسين منها طرف من البحر في الجون بينهما وفي آخر الجزء شرقا قطع من البحر ويخرج منها إلى الشمال خليج القسطنطينية يخرج من هذا الطرف الجنوبي ويذهب على سمت الشمال إلى أن يدخل في الاقليم السادس وينعطف من هنالك عن قرب مشرقا إلى بحر نيطش في الجزء الخامس وبعض الرابع

[ 74 ]

قبله والسادس بعده من الاقليم السادس كما نذكر وبلد القسطنطينية في شرقي هذا الخليج عند آخر الجزء من الشمال وهي المدينة العظيمة التي كانت كرسي القياصرة وبها من آثار البناء والضخامة ما كثرت عنه الاحاديث والقطعة التي ما بين البحر الرومي وخليج القسطنطينية من هذا الجزء وفيها بلاد مقدونية التي كانت لليونانيين ومنها ابتداء ملكهم وفي شرقي هذا الخليج إلى آخر الجزء قطعة من أرض باطوس وأظنها لهذا العهد مجالات للتركمان وبها ملك ابن عثمان وقاعدته بها برصة وكانت من قبلهم للروم وغلبهم عليها الامم إلى أن صارت للتركمان. وفي الجزء الخامس من هذا الاقليم من غربيه وجنوبيه أرض باطوس وفي الشمال عنها إلى آخر الجزء بلاد عمورية وفي شرقي عمورية نهر قباقب الذي يمد الفرات ويخرج من جبل هنالك ويذهب في الجنوب حتى يخالط الفرات قبل وصوله من هذا الجزء إلى ممره في الاقليم الرابع وهنالك في غربيه آخر الجزء في مبدإ نهر سيحان ثم نهر جيحان غربيه الذاهبين على سمته وقد مر ذكرهما وفي شرقه هنالك مبدأ نهر دجلة الذاهب على سمته وفي مؤازرته حتى يخالطه عند بغداد وفي الزاوية التي بين الجنوب والشرق من هذا الجزء وراء الجبل الذي يبدأ منه نهر دجلة بلد ميافارقين ونهر قباقب الذي ذكرناه يقسم هذا الجزء بقطعتين إحداهما غربية جنوبية وفيها أرض باطوس كما قلناه وأسافلها إلى آخر الجزء شمالا ووراء الجبل الذي يبدأ منه نهر قباقب أرض عمورية كما قلناه والقطعة الثانية شرقية شمالية على الثالث في الجنوب منها مبدأ دجلة والفرات وفي الشمال بلاد البيلقان متصلة بأرض عمورية من وراء جبل قباقب وهي عريضة وفي اخرها عند مبدإ الفرات بلد حرشنة وفي الزاوية الشرقية الشمالية قطعة من بحر نيطش الذي يمده خليج القسطنطينية. وفي الجزء السادس من هذا الاقليم في جنوبه وغربه بلاد أرمينية متصلة إلى أن يتجاوز وسط الجزء إلى جانب الشرق وفيها بلدان أردن في الجنوب والغرب وفي شمالها تفليس ودبيل وفي شرق أردن مدينة خلاط ثم بردعة في جنوبها بانحراف إلى الشرق مدينة أرمينية ومن هنالك مخرج بلاد أرمينية إلى الاقليم الرابع وفيها هنالك بلد المراغة في شرقي جبل الاكراد المسمى بأرمى وقد مر ذكره في الجزء السادس منه ويتاخم بلاد أرمينية في هذا الجزء وفي الاقليم

[ 75 ]

الرابع قبله من جهة الشرق فيها بلاد أدربيجان وآخرها في هذا الجزء شرقا بلاد اردبيل على قطعة من بحر طبرستان دخلت في الناحية الشرقية من الجزء السابع ويسمى بحر طبرستان وعليه من شماله في هذا الجزء قطعة من بلاد الخزر وهم التركمان ويبدا من عند آخر هذه القطعة البحرية في الشمال جبال يتصل بعضها ببعض على سمت الغرب إلى الجزء الخامس فتمر فيه منعطفة ومحيطة ببلد ميافارقين ويخرج إلى الاقليم الرابع عند آمد ويتصل بجبل السلسلة في أسافل الشام ومن هنالك يتصل بجبل اللكام كما مر وبين هذه الجبال الشمالية في هذا الجزء ثنايا كالابواب تفضي من الجانبين ففي جنوبيها بلاد الابواب متصلة في الشرق إلى بحر طبرستان وعليه من هذه البلاد مدينة باب الابواب وتتصل بلاد الابواب في الغرب من ناحية جنوبيها ببلد أرمينية وبينهما في الشرق وبين بلاد أذربيجان الجنوبية بلاد الزاب متصلة إلى بحر طبرستان وفي شمال هذه الجبال قطعة من هذا الجزء في غربها مملكة السرير في الزاوية الغربية الشمالية منها وفي زاوية الجزء كله قطعة أيضا من بحر نيطش الذي يمده خليج القسطنطينية وقد مر ذكره ويحف بهذه القطعة من نيطش بلاد السرير وعليها منها بلد أطرابزيدة وتتصل بلاد السرير بين جبل الابواب والجهة الشمالية من الجزء إلى أن ينتهي شرقا إلى جبل حاجز بينها وبين أرض الخزر وعند آخرها مدينة صول ووراء هذا الجبل الحاجز قطعة من أرض الخزر تنتهي إلى الزاوية الشرقية الشمالية من هذا الجزء من بحر طبرستان وآخر الجزء شمالا. والجزء السابع من هذا الاقليم غربيه كله مغمور ببحر طبرستان وخرج من جنوبه في الاقليم الرابع القطعة التي ذكرنا هنالك أن عليها بلاد طبرستان وجبال الديلم إلى قزوين وفي غربي تلك القطعة متصلة بها القطعة التي في الجزء السادس من الاقليم الرابع ويتصل بها من شمالها القطعة التي في الجزء السادس من شرقه أيضا وينكشف من هذا الجزء قطعة عند زاويته الشمالية الغربية يصب فيها نهر أثل في هذا البحر ويبقى من هذا الجزء في ناحية الشرق قطعة منكشفة من البحر هي مجالات للغز من أمم الترك يحيط بها جبل من جهة الجنوب داخل في الجزء الثامن ويذهب في الغرب إلى ما دون وسطه فينعطف إلى الشمال إلى أن يلاقي بحر طبرستان فيحتف به ذاهبا معه إلى بقيته في الاقليم السادس

[ 76 ]

ثم ينعطف مع طرفه ويفارقه ويسمى هنالك جبل سياه ويذهب مغربا إلى الجزء السادس من الاقليم السادس ثم يرجع جنوبا إلى الجزء السادس من الاقليم الخامس وهذا الطرف منه وهو الذي اعترض في هذا الجزء بين أرض السرير وأرض الخزر واتصلت بأرض الخزر في الجزء السادس والسابع حافات هذا الجبل المسمى جبل سياه كما سيأتي. والجزء الثامن من هذا الاقليم الخامس كله مجالات للغز من أمم الترك وفي الجهة الجنوبية الغربية منه بحيرة خوارزم التي يصب فيها نهر جيحون دورها ثلاثمائة ميل ويصب فيها أنهار كثيرة من أرض هذه المجالات وفي الجهة الشمالية الشرقية منه بحيرة عرعون دورها أربعمائة ميل وماؤها حلو وفي الناحية الشمالية من هذا الجزء جبل مرغار ومعناه جبل الثلج لانه لا يذوب فيه وهو متصل بآخر الجزء وفي الجنوب عن بحيرة عرعون جبل من الحجر الصلد لا ينبت شيئا يسمى عرعون وبه سميت البحيرة وينجلب منه ومن جبل مرغار شمالي البحيرة أنهار لا تنحصر عدتها فتصب فيها من الجانبين. وفي الجزء التاسع من هذا الاقليم بلاد أركس من أمم الترك في غرب بلاد الغز وشرق بلاد الكيماكية ويحف به من جهة الشرق آخر الجزء جبل قوقيا المحيط بيأجوج ومأجوج يعترض هنالك من الجنوب إلى الشمال حتى ينعطف أول دخوله من الجزء العاشر وقد كان دخل إليه من آخر الجزء العاشر من الاقليم الرابع قبله واحتف هنالك بالبحر المحيط إلى آخر الجزء في الشمال ثم انعطف مغربا في الجزء العاشر من الاقليم الرابع إلى ما دون نصفه وأحاط من اوله إلى هنا ببلاد الكيما كية ثم خرج إلى الجزء العاشر من الاقليم الخامس فذهب فيه مغربا إلى آخره وبقيت في جنوبيه من هذا الجزء قطعة مستطيلة إلى الغرب قبل آخر بلاد الكيماكية ثم خرج إلى الجزء التاسع في شرقيه وفي الاعلى منه وانعطف قريبا إلى الشمال وذهب على سمته إلى الجزء التاسع من الاقليم السادس وفيه السد هنالك كما نذكره وبقيت منه القطعة التي أحاط بها جبل قوقيا عند الزاوية الشرقية الشمالية من هذا الجزء مستطيلة إلى الجنوب وهي من بلاد يأجوج ومأجوج وفي الجزء العاشر من هذا الاقليم أرض يأجوج متصلة فيه كله إلا قطعة من البحر غمرت طرفا في شرقيه من جنوبه إلى شماله إلا القطعة التي يفصلها إلى جهة الجنوب والغرب جبل قوقيا حين مر فيه وما

[ 77 ]

سوى ذلك فأرض يأجوج ومأجوج والله سبحانه وتعالى أعلم الأقليم السادس. فالجزء الاول منه غمر البحر أكثر من نصفه واستدار شرقا مع الناحية الشمالية ثم ذهب مع الناحية الشرقية إلى الجنوب وانتهى قريبا من الناحية الجنوبية فانكشف قطعة من هذه الارض في هذا الجزء داخلة بين الطرفين وفي الزاوية الجنوبية الشرقية من البحر المحيط كالجون فيه وينفسح طولا وعرضا وهي كلها أرض بريطانية وفي بابها بين الطرفين وفي الزاوية الجنوبية الشرقية من هذا الجزء بلاد صاقس متصلة ببلاد بنطو التي مر ذكرها في الجزء الاول والثاني من الاقليم الخامس. والجزء الثاني من هذا الاقليم دخل البحر المحيط من غربه وشماله فمن غربه قطعة مستطيلة أكبر من نصفه الشمالي من شرق أرض بريطانية في الجزء الاول واتصلت بها القطعة الاخرى في الشمال من غربه إلى شرقه وانفسحت في النصف الغربي منه بعض الشئ وفيه هنالك قطعة من جزيرة أنكلترا وهي جزيرة عظيمة مشتملة على مدن وبها ملك ضخم وبقيتها في الاقليم السابع وفي جنوب هذه القطعة وحزيرتها في النصف الغربي من هذا الجزء بلاد أرمندية وبلاد أفلادش متصلين بها ثم بلاد إفرنسية جنوبا وغربا من هذا الجزء وبلاد برغونية شرقا عنها وكلها لامم الافرنجة وبلاد اللمانيين في النصف الشرقي من الجزء فجنوبه بلاد أنكلاية ثم بلاد برغونية شمالا ثم أرض لهويكة وشطونية وعلى قطعة البحر المحيط في الزاوية الشمالية الشرقية أرض أفريرة وكلها لامم اللمانيين. وفي الجزء الثالث من هذا الاقليم في الناحية الغربية بلاد مراتية في الجنوب وبلاد شطونية في الشمال وفي الناحية الشرقية بلاد أنكوية في الجنوب وبلاد بلونية في الشمال يعترض بينهما جبل بلواط داخلا من الجزء الرابع ويمر مغربا بانحراف إلى الشمال إلى أن يقف في بلاد شطونية آخر النصف الغربي. وفي الجزء الرابع في ناحية الجنوب أرض جثولية وتحتها في الشمال بلاد الروسية ويفصل بينهما جبل بلواط من أول الجزء غربا إلى أن يقف في النصف الشرقي وفي شرق أرض جثولية بلاد جرمانية وفي الزاوية الجنوبية الشرقية أرض القسطنطينية ومدينتها عند آخر الخليج الخارج من البحر الرومي وعند مدفعه في بحر نيطش فيقع قطيعة من بحر نيطش في أعالي الناحية الشرقية من هذا

[ 78 ]

الجزء ويمدها الخليج وبينهما في الزاوية بلد مسيناه وفي الجزء الخامس من الاقليم السادس ثم في الناحية الجنوبية عند بحر نيطش يتصل من الخليج في آخر الجزء الرابع ويخرج من سمته مشرقا فيمر في هذا الجزء كله وفي بعض السادس على طول ألف وثلاثمائة ميل من مبدإه في عرض ستمائة ميل ويبقى وراء هذا البحر في الناحية الجنوبية من هذا الجزء في غربها إلى شرقها بر مستطيل في غربه هرقلية على ساحل بحر نيطش متصلة بأرض البيلقان من الاقليم الخامس وفي شرقه بلاد اللانية وقاعدتها سوتلي على بحر نيطش وفي شمال بحر نيطش في هذا الجزء غربا أرض ترخان وشرقا بلاد الروسية وكلها على ساحل هذا البحر وبلاد الروسية محيطة ببلاد ترخان من شرقها في هذا الجزء من شمالها في الجزء الخامس من الاقليم السابع ومن غربها في الجزء الرابع من هذا الاقليم. وفي الجزء السادس في غربيه بقية بحر نيطش وينحرف قليلا إلى الشمال ويبقى بينه هنالك وبين آخر الجزء شمالا بلاد قمانية وفي جنوبه منفسحا إلى الشمال بما انحرف هو كذلك بقية بلاد اللانية التي كانت آخر جنوبه في الجزء الخامس وفي الناحية الشرقية من هذا الجزء متصل أرض الخزر وفي شرقها أرض برطاس وفي الزاوية الشرقية الشمالية أرض بلغار وفي الزاوية الشرقية الجنوبية أرض بلجر يجوزها هناك قطعة من جبل سياكوه المنعطف مع بحر الخزر في الجزء السابع بعده ويذهب بعد مفارقته مغربا فيجوز في هذه القطعة ويدخل إلى الجزء السادس من الاقليم الخامس فيتصل هنالك بجبل الابواب وعليه من هنالك ناحية بلاد الخزر. وفي الجزء السابع من هذا الاقليم في الناحية الجنوبية ما جازه جبل سياه بعد مفارقته بحر طبرستان وهو قطعة من أرض الخزر إلى آخر الجزء غربا وفي شرقها القطعة من بحر طبرستان التي يجوزها هذا الجبل من شرقها وشمالها ووراء جبل سياه في الناحية الغربية الشمالية أرض برطاس وفي الناحية الشرقية من الجزء أرض شحرب ويخناك وهم أمم الترك. وفي الجزء الثامن والناحية الجنوبية منه كلها أرض الجولخ من الترك في الناحية الشمالية غربا والارض المنتنة وشرق الارص التي يقال إن ياجوج وماجوج خرباها قبل بناء السد وفي هذه الارض المنتنة مبدأ نهر الاثل من أعظم أنهار العالم وممره في بلاد الترك ومصبه في بحر طبرستان في الاقليم

[ 79 ]

الخامس في الجزء السابع منه وهو كثيرا لانعطاف يخرج من جبل من الارض المنتنة من ثلاثة ينابيع تجتمع في نهر واحد ويمر على سمت الغرب إلى آخر السابع من هذا الاقليم فينعطف شمالا إلى الجزء السابع من الاقليم السابع فيمر في طرفه بين الجنوب والمغرب فيخرج في الجزء السادس من السابع ويذهب مغربا غير بعيد ثم ينعطف ثانية إلى الجنوب ويرجع إلى الجزء السادس من الاقليم السادس ويخرج منه جدول يذهب مغربا ويصب في بحر نيطش في ذلك الجزء ويمر هو في قطعة بين الشمال والشرق في بلاد بلغار فيخرج في الجزء السابع من الاقليم السادس ثم ينعطف ثالثة إلى الجنوب وينفذ في جبل سياه ويمر في بلاد الخزر ويخرج إلى الاقليم الخامس في الجزء السابع منه فيصب هنالك في بحر طبرستان في القطعة التي انكشفت من الجزء عند الزاوية الغربية الجنوبية. والجزء التاسع من هذا الاقليم في الجانب الغربي منه بلاد خفشاخ من الترك وهم قفجاق وبلاد السركس منهم أيضا وفي الشرق منه بلاد ياجوج يفصل بينهما جبل قوقيا المحيط وقد مر ذكره يبدأ من البحر المحيط في شرق الاقليم الرابع ويذهب معه إلى آخر الاقليم في الشمال ويفارقه مغربا وبانحراف إلى الشمال حتى يدخل في الجزء التاسع من الاقليم الخامس فيرجع إلى سمته الاول حتى يدخل في هذا الجزء التاسع من الاقليم من جنوبه إلى شماله بانحراف إلى المغرب وفي وسطه ههنا السد الذي بناه الاسكندر ثم يخرج على سمته إلى الاقليم السابع وفي الجزء التاسع منه فيمر فيه إلى الجنوب إلى أن يلقى البحر المحيط في شماله ثم ينعطف معه من هنالك مغربا إلى الاقليم السابع إلى الجزء الخامس منه فيتصل هنالك بقطعة من البحر المحيط في غربيه وفي وسط هذا الجزء التاسع هو السد الذي بناه الاسكندر كما قلناه والصحيح من خبره في القرآن وقد ذكر عبد الله بن خرداذبة في كتابه في الجغرافيا أن الواثق رأى في منامه كأن السد انفتح فانتبه فزعا وبعث سلاما الترجمان فوقف عليه وجاء بخبره ووصفه في حكاية طويلة ليست من مقاصد كتابنا هذا وفي الجزء العاشر من هذا الاقليم بلاد ماجوج متصلة فيه إلى آخره على قطعة من هنالك من البحر المحيط أحاطت به من شرقه وشماله مستطيلة في الشمال وعريضة بعض الشئ في الشرق

[ 80 ]

الاقليم السابع * والبحر المحيط قد غمر عامته من جهة الشمال إلى وسط الجزء الخامس حيث يتصل بجبل قوقيا المحيط بيإجوج ومأجوج. فالجزء الاول والثاني مغموران بالماء إلا ما انكشف من جزيرة أنكلترا التي معظمها في الثاني وفي الاول منها طرف انعطف بانحراف إلى الشمال وبقيتها مع قطعة من البحر مستديرة عليه في الجزء الثاني من الاقليم السادس وهي مذكورة هناك والمجاز منها إلى البر في هذه القطعة سعة اثني عشر ميلا ووراء هذه الجزيرة في شمال الجزء الثاني جزيرة رسلاندة مستطيلة من الغرب إلى الشرق. والجزء الثالث من هذا الاقليم مغمور أكثره بالبحر إلا قطعة مستطيلة في جنوبه وتتسع في شرقها وفيها هنالك متصل أرض فلونية التي مر ذكرها في الثالث من الاقليم السادس وأنها في شماله وفي القطعة من البحر التي تغمر هذا الجزء ثم في الجانب الغربي منها مستديرة فسيحة وتتصل بالبر من باب في جنوبها يفضي إلى بلاد فلونية وفي شمالها جزيرة برعاقبة (وفي نسخة بوقاعة) مستطيلة مع الشمال من المغرب إلى المشرق. والجزء الرابع من هذا الاقليم شماله كله مغمور بالبحر المحيط من المغرب إلى المشرق وجنوبه منكشف وفي غربه أرض قيمازك من الترك وفي شرقها بلادطست ثم أرض رسلان إلى آخر الجزء شرقا وهي دائمة الثلوج وعمرانها قليل ويتصل ببلاد الروسية في الاقليم السادس وفي الجزء الرابع والخامس منه وفي الجزء الخامس من هذا الاقليم في الناحية الغربية منه بلاد الروسية وينتهي في الشمال إلى قطعة من البحر المحيط التي يتصل بها جبل قوقيا كما ذكرناه من قبل وفي الناحية الشرقية منه متصل أرض القمانية التي على قطعة بحر نيطش من الجزء السادس من الاقليم السادس وينتهي إلى بحيرة طرمى من هذا الجزء وهي عذبة تنجلب إليها أنهار كثيرة من الجبال عن الجنوب والشمال وفي شمال الناحية الشرقية من هذا الجزء أرض التتارية من الترك (وفي نسخة التركمان) إلى آخره. وفي الجزء السادس من الناحية الغربية الجنوبية متصل بلاد القمانية وفي وسط الناحية بحيرة عثور عذبة تنجلب إليها الانهار من الجبال في النواحي الشرقية وهي جامدة دائما لشدة البرد إلا قليلا في زمن الصيف وفى شرق بلاد القمانية بلاد

[ 81 ]

الروسية التي كان مبدأها في الاقليم السادس في الناحية الشرقية الشمالية من الجزء الخامس منه وفي الزاوية الجنوبية الشرقية من هذا الجزء بقية أرض بلغر التي كان مبدأها في الاقليم السادس وفي الناحية الشرقية الشمالية من الجزء السادس منه وفي وسط هذه القطعة من أرض بلغر منعطف نهر أثل القطعة الاولى إلى الجنوب كما مرو في آخر هذا الجزء السادس من شماله جبل قوقيا متصل من غربه إلى شرقه وفي الجزء السابع من هذا الاقليم في غربه بقية أرض يخناك من أمم الترك وكان مبدأها من الناحية الشمالية الشرقية من الجزء السادس قبله وفي الناحية الجنوبية الغربية من هذا الجزء ويخرج إلى الاقليم السادس من فوقه وفي الناحية الشرقية بقية أرض سحرب ثم بقية الارض المنتنة إلى آخر الجزء شرقا وفي آخر الجزء من جهة الشمال جبل قوقيا المحيط متصلا من غربه إلى شرقه. وفي الجزء الثامن من هذا الاقليم في الجنوبية الغربية منه متصل الارض المنتنة وفي شرقها الارض المحفورة وهي من العجائب خرق عظيم في الارض بعيد المهوى فسيح الافطار ممتنع الوصول إلى قعره يستدل على عمرانه بالدخان في النهار والنيران في الليل تضئ وتخفى وربما رئي فيها نهر يشقها من الجنوب إلى الشمال وفي الناحية الشرقية من هذا الجزء البلاد الخراب المتاخمة للسد وفي آخر الشمال منه جبل قوقيا متصلا من الشرق إلى الغرب وفي الجزء التاسع من هذا الاقليم في الجانب الغربي منه بلاد خفشاخ وهم قفجق يجوزها جبل قوقيا حين ينعطف من شماله عنه البحر المحيط ويذهب في وسطه إلى الجنوب بانحراف إلى الشرق فيخرج في الجزء التاسع من الاقليم السادس ويمر معترضا فيه وفي وسطه هنالك سد ياجوج وماجوج وقد ذكرناه وفي الناحية الشرقية من هذا الجزء أرض ياجوج وراء جبل قوقيا على البحر قليلة العرض مستطيلة أحاطت به من شرقه وشماله. والجزء العاشر غمر البحر جميعه. هذا آخر الكلام على الجغرافيا وأقاليمها السبعة وفي خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات للعالمين

[ 82 ]

المقدمة الثالثة في المعتدل من الاقاليم والمنحرف وتاثير الهواء في الوان البشر والكثير في احوالهم قد بينا أن المعمور من هذا المنكشف من الارض إنما هو وسطه لافراط الحر في الجنوب منه والبرد في الشمال. ولما كان الجانبان من الشمال والجنوب متضادين من الحر والبرد وجب أن تتدرج الكيفية من كليهما إلى الوسط فيكون معتدلا فالاقليم الرابع أعدل العمران والذي حافاته من الثالث والخامس أقرب إلى الاعتدال والذي يليهما والثاني والسادس بعيدان من الاعتدال والاول والسابع أبعد بكثير فلهذا كانت العلوم والصنائع والمباني والملابس والاقوات والفواكه بل والحيوانات وجميع ما يتكون في هذه الاقاليم الثلاثة المتوسطة مخصوصة بالاعتدال وسكانها من البشر أعدل أجساما وألوانا وأخلاقا وأديانا حتى النبؤات فإنما توجد في الاكثر فيها ولم نقف على خبر بعثة في الاقاليم الجنوبية ولا الشمالية وذلك أن الانبياء والرسل إنما يختص بهم أكمل النوع في خلقهم وأخلاقهم. قال تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس وذلك ليتم القبول بما يأتيهم به الانبياء من عند الله وأهل هذه الاقليم أكمل لوجود الاعتدال لهم فتجدهم على غاية من التوسط في مساكنهم وملابسهم وأقواتهم وصنائهم يتخذون البيوت المنجدة بالحجارة المنمقة بالصناعة ويتناغون في استجادة الآلات والمواعين ويذهبون في ذلك إلى الغاية وتوجد لديهم المعادن الطبيعية من الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والقصدير ويتصرفون في معاملاتهم بالنقدين العزيزين ويبعدون عن الانحراف في عامة احوالهم وهؤلاء أهل المغرب والشام والحجاز واليمن والعراقين والهند والسند والصين وكذلك الاندلس ومن قرب منها من الفرنجة والجلالقة والروم واليونانيين ومن كان مع هؤلاء أو قريبا منهم في هذه الاقاليم المعتدلة ولهذا كان العراق والشام أعدل هذه كلها لانها وسط من جميع الجهات وأما الاقاليم البعيدة من الاعتدال مثل الاول والثاني والسادس والسابع فأهلها أبعد من الاعتدال في جميع أحوالهم فبناؤهم بالطين

[ 83 ]

والقصب وأقواتهم من الذرة والعشب وملابسهم من أوراق الشجر يخصفونها عليهم أو الجلود وأكثرهم عرايا من اللباس وفواكه بلادهم وأدمها غريبة التكوين مائلة إلى الانحراف ومعاملاتهم بغير الحجرين الشريفين من نحاس أو حديد أو جلود يقدرونها للمعاملات وأخلاقهم مع ذلك قريبة من خلق الحيوانات العجم حتى لينقل عن الكثير من السودان أهل الاقليم الاول أنهم يسكنون الكهوف والغياض وياكلون العشب وأنهم متوحشون غير مستأنسين يأكل بعضهم بعضا وكذا الصقالبة والسبب في ذلك أنهم لبعدهم عن الاعتدال يقرب عرض أمزجتهم وأخلاقهم من عرض الحيوانات العجم ويبعدون عن الانسانية بمقدار ذلك وكذلك أحوالهم في الديانة أيضا فلا يعرفون نبؤة ولا يدينون بشريعة إلا من قرب منهم من جوانب الاعتدال وهو في الاقل النادر مثل الحبشة المجاورين لليمن الدائنين بالنصرانية فيما قبل الاسلام وما بعده لهذا العهد ومثل أهل مالي وكوكوو التكرور المجاورين لارض المغرب الدائنين بالاسلام لهذا العهد يقال إنهم دانوا به في المائة السابعة ومثل من دان بالنصرانية من أمم الصقالبة والافرنجة والترك من الشمال ومن سوى هؤلاء من أهل تلك الاقاليم المنحرفة جنوبا وشمالا فالدين مجهول عندهم والعلم مفقود بينهم وجميع أحوالهم بعيدة من أحوال الاناسي قريبة من أحوال البهائم ويخلق ما لا تعلمون. ولا يعترض على هذا القول بوجود اليمن وحضرموت والاحقاف وبلاد الحجاز واليمامة وما يليها من جزيرة العرب في الاقليم الاول والثاني فإن جزيرة العرب كلها أحاطت بها البحار من الجهات الثلاث كما ذكرنا فكان لرطوبتها أثر في رطوبة هوائها فنقص ذلك من اليبس والانحراف الذي يقتضيه الحر وصار فيها بعض الاعتدال بسبب رطوبة البحر. وقد توهم بعض النسابين ممن لا علم لديه بطبائع الكائنات أن السودان هم ولد حام بن نوح اختصوا بلون السواد لدعوة كانت عليه من أبيه ظهر أثرها في لونه وفيما جعل الله من الرق في عقبه وينقلون في ذلك حكاية من خرافات القصاص ودعاء نوح على ابنه حام قد وقع في التوراة وليس فيه ذكر السواد وإنما دعا عليه بأن يكون ولده عبيدا لولد إخوته لاغير وفي القول بنسبة السواد إلى حام غفلة عن طبيعة الحر والبرد وأثرهما في الهواء وفيما يتكون فيه

[ 84 ]

من الحيوانات وذلك أن هذا اللون شمل أهل الاقليم الاول والثاني من مزاج هوائهم للحرارة المتضاعفة بالجنوب فإن الشمس تسامت رؤوسهم مرتين في كل سنة قريبة إحداهما من الاخرى فتطول المسامتة عامة الفصول فيكثر الضوء لاجلها ويلح القيظ الشديد عليهم وتسود جلودهم لافراط الحر ونظير هذين الاقليمين مما يقابلهما من الشمال الاقليم السابع والسادس شمل سكانهما أيضا البياض من مزاج هوائهم للبرد المفرط بالشمال إذ الشمس لا تزال بأفقهم في دائرة مرأى العين أو ما قرب منها ولا ترتفع إلى المسامتة ولا ما قرب منها فيضعف الحر فيها ويشند البرد عامة الفصول فتبيض ألوان أهلها وتنتهي إلى الزعورة ويتبع ذلك ما يقتضيه مزاج البرد المفرط من زرقة العيون وبرش الجلود وصهوبة الشعور وتوسطت بينهما الاقاليم الثلاثة الخامس والرابع والثالث فكان لها في الاعتدال الذي هو مزاج المتوسط حظ وافر والرابع ابلغها في الاعتدال غاية لنهايته في التوسط كما قدمناه فكان لاهله من الاعتدال في خلقهم وخلقهم ما اقتبضاه مزاج أهويتهم وتبعه من جانبيه الثالث والخامس وإن لم يبلغا غاية التوسط لميل هذا قليلا إلى الجنوب الحار وهذا قليلا إلى الشمال البارد إلا أنهما لم ينتهيا إلى الانحراف وكانت الاقاليم الاربعة منحرفة وأهلها كذلك في خلقهم وخلقهم فالاول والثاني للحر والسواد والسابع للبرد والبياض ويسمى سكان الجنوب من الاقليمين الاول والثاني باسم الحبشة والزنج والسودان أسماء مترادفة على الامم المتغيرة بالسواد وإن كان اسم الحبشة مختصا منهم بمن تجاه مكة واليمن والزنج بمن تجاه بحر الهند وليست هذه الاسماء لهم من أجل انتسابهم إلى آدمى أسود لاحام ولاغيره وقد نجد من السودان أهل الجنوب من يسكن الربع المعتدل أو السابع المنحرف إلى البياض فتبيض ألوان أعقابهم على التدريج مع الايام وبالعكس فيمن يسكن من أهل الشمال أو الرابع بالجنوب فتسود ألوان أعقابهم وفي ذلك دليل على أن اللون تابع لمزاج الهواء قال ابن سينا في أرجوزته في الطب بالزنج حر غير الاجسادا * حتى كسا جلودها سوادا والصقلب اكتسب البياضا * حتى غدت جلودها بصاضا

[ 85 ]

وأما أهل الشمال فلم يسموا باعتبار ألوانهم لان البياض كان لونا لاهل تلك اللغة الواضعة للاسماء فلم يكن فيه غرابة تحمل على اعتباره في التسمية لموافقته واعتياده ووجدنا سكانه من الترك والصقالبة والطغر غر والخزر واللان والكثير من الافرنجة وياجوج وماجوج أسماء متفرقة وأجيالا متعددة مسمين بأسماء متنوعة وأما أهل الاقاليم الثلاثة المتوسطة أهل الاعتدال في خلقهم وخلقهم وسيرهم وكافة الاحوال الطبيعية للاعتمار لديهم من المعاش والمساكن والصنائع والعلوم والرئاسات والملك فكانت فيهم النبؤات والملك والدول والشرائع والعلوم والبلدان والامصار والمباني والفراسة والصنائع الفائقة وسائر الاحوال المعتدلة وأهل هذه الاقاليم التي وقفنا على أخبارهم مثل العرب والروم وفارس وبني اسرائيل واليونان وأهل السند والهند والصين. ولما رأى النسابون اختلاف هذه الامم بسماتها وشعارها حسبوا ذلك لاجل الانساب فجعلوا أهل الجنوب كلهم السودان من ولد حام وارتابوا في ألوانهم فتكلفوا نقل تلك الحكاية الواهية وجعلوا أهل الشمال كلهم أو أكثرهم من ولد يافث وأكثر الامم المعتدلة وأهل الوسط المنتحلين للعلوم و الصنائع والملل والشرائع والسياسة والملك من ولد سام وهذا الزعم وإن صادف الحق في انتساب هؤلاء فليس ذلك بقياس مطرد إنما هو اخبار عن الواقع لا أن تسمية أهل الجنوب بالسودان والحبشان من أجل انتسابهم إلى حام الاسود. وما أداهم إلى هذا الغلط إلا اعتقادهم أن التمييز بين الامم إنما يقع بالانساب فقط وليس كذلك فإن التمييز للجيل أو الامة يكون بالنسب في بعضهم كما للعرب وبني إسرائيل والفرس ويكون بالجهة والسمة كما للزنج والحبشة والصقالبة والسودان ويكون بالعوائد والشعار والنسب كما للعرب. ويكون بغير ذلك من أحوال الامم وخواصهم ومميزاتهم فتعميم القول في أهل جهة معينة من جنوب أو شمال بأنهم من ولد فلان المعروف لما شملهم من نحلة أو لون أو سمة وجدت لذلك الاب إنما هو من الاغاليط التي اوقع فيها الغفلة عن طبائع الاكوان والجهات وإن هذه كلها تتبدل في الاعقاب ولا يجب استمرارها سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا والله ورسوله أعلم بغيبه وأحكم وهو المولى المنعم الرؤوف الرحيم

[ 86 ]

المقدمة الرابعة في اثر الهواء في اخلاق البشر قد رأينا من خلق السودان على العموم الخفة والطيش وكثرة الطرب فتجدهم مولعين بالرقص على كل توقيع موصوفين بالحمق في كل قطر والسبب الصحيح في ذلك أنه تقرر في موضعه من الحكمة أن طبيعة الفرح والسرور هي انتشار الروح الحيواني وتفشيه وطبيعة الحزن بالعكس وهو انقباضه وتكاثفه. وتقرر أن الحرارة مفشية للهواء والبخار مخلخلة له زائدة في كميته ولهذا يجد المنتشي من الفرح والسرور ما لا يعبر عنه وذلك بما يداخل بخار الروح في القلب من الحرارة الغريزية التي تبعثها سورة الخمر في الروح من مزاجه فيتفشى الروح وتجئ طبيعة الفرح وكذلك نجد المتنعمين بالحمامات إذا تنفسوا في هوائها واتصلت حرارة الهواء في أرواحهم فتسخنت لذلك حدث لهم فرح وربما انبعث الكثير منهم بالغناء الناشئ عن السرور. ولما كان السودان ساكنين في الاقليم الحار واستولى الحر على أمزجتهم وفي أصل تكوينهم كان في أرواحهم من الحرارة على نسبة أبدانهم وإقليمهم فتكون أرواحهم بالقياس إلى أرواح أهل الاقليم الرابع أشد حرا فتكون أكثر تفشيا فتكون أسرع فرحا وسرورا وأكثر انبساطا ويجئ الطيش على أثر هذه وكذلك يلحق بهم قليلا أهل البلاد البحرية لما كان هواؤها متضاعف الحرارة بما ينعكس عليه من أضواء بسيط البحر وأشعته كانت حصتهم من توابع الحرارة في الفرح والخفة موجودة أكثر من بلاد التلول والجبال الباردة وقد نجد يسيرا من ذلك في أهل البلاد الجزيرية من الاقليم الثالث لتوفر الحرارة فيها وفي هوائها لانها عريقة في الجنوب عن الارياف والتلول واعتبر ذلك أيضا باهل مصر فإنها مثل عرض البلاد الجزيرية أو قريبا منها كيف غلب الفرح عليهم والخفة والغفلة عن العواقب حتى انهم لا يدخرون أقوات سنتهم ولا شهرهم وعامة مأكلهم من أسواقهم. ولما كانت فاس من بلاد المغرب بالعكس منها في التوغل في التلول الباردة كيف ترى أهلها مطرقين إطراق الحزن وكيف أفرطوا في نظر العواقب حتى إن الرجل منهم ليدخر قوت سنتين من حبوب

[ 87 ]

الحنطة ويباكر الاسواق لشراء قوته ليومه مخافة أن يرزأ شيئا من مدخره وتتبع ذلك في الاقاليم والبلدان تجد في الاخلاق أثرا من كيفيات الهواء والله الخلاق العليم وقد تعرض المسعودي للبحث عن السبب في خفة السودان وطيشهم وكثرة الطرب فيهم وحاول تعليله فلم يأت بشئ أكثر من أنه نقل عن جالينوس ويعقوب بن إسحاق الكندي أن ذلك لضعف ادمغتهم وما نشأ عنه من ضعف عقولهم وهذا كلام لا محصل له ولا برهان فيه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم المقدمة الخامسة في اختلاف احوال العمران في الخصب والجوع وما ينشأ عن ذلك من الآثار في ابدان البشر واخلاقهم إعلم أن هذه الاقاليم المعتدلة ليس كلها يوجد بها الخصب ولا كل سكانها في رغد من العيش بل فيها ما يوجد لاهله خصب العيش من الحبوب والادم والحنطة والفواكه لزكاء المنابت واعتدال الطينة ووفور العمران وفيها الارض الحرة التي لا تنبت زرعا ولا عشبا بالجملة فسكانها في شظف من العيش مثل أهل الحجاز وجنوب اليمن ومثل الملثمين من صنهاجة الساكنين بصحراء المغرب وأطراف الرمال فيما بين البربر والسودان فإن هؤلاء يفقدون الحبوب والادم جملة وإنما أغذيتهم وأقواتهم الالبان واللحوم ومثل العرب أيضا الجائلين في القفار فإنهم وإن كانوا يأخذون الحبوب والادم من التلول إلا أن ذلك في الاحايين وتحت ربقة من حاميتها وعلى الاقلال لقلة وجدهم فلا يتوصلون منه إلى سد الخلة أو دونها فضلا عن الرغد والخصب وتجدهم يقتصرون في غالب أحوالهم على الالبان وتعوضهم من الحنطة احسن معاض وتجد مع ذلك هؤلاء الفاقدين للحبوب والادم من أهل القفار أحسن حالا في جسومهم وأخلاقهم من أهل التلول المنغمسين في العيش فألوانهم أصفى وأبدانهم أنقى وأشكالهم أتم وأحسن وأخلاقهم أبعد من الانحراف وأذهانهم اثقب في المعارف والادراكات هذا أمر تشهد له التجربة في كل جيل منهم فكثير ما بين العرب والبربر فيما وصفناه وبين الملثمين وأهل التلول يعرف ذلك من خبره

[ 88 ]

والسبب في ذلك والله أعلم أن كثرة الاغذية وكثرة الاخلاط الفاسدة العفنة ورطوباتها تولد في الجسم فضلات رديئة تنشأ عنها بعد إقطارها في غير نسبة ويتبع ذلك انكساف الالوان وقبح الاشكال من كثرة اللحم كما قلناه وتغطي الرطوبات على الاذهان والافكار بما يصعد إلى الدماغ من أبخرتها الردية فتجئ البلادة والغفلة والانحراف عن الاعتدال بالجملة واعتبر ذلك في حيوان القفر ومواطن الجدب من الغزال والنعام والمها والزرافة والحمر الوحشية والبقر مع أمثالها من حيوان التلول والارياف والمراعي الخصبة كيف تجد بينها بونا بعيدا في صفاء أديمها وحسن رونقها وأشكالها وتناسب أعضائها وحدة مداركها فالغزال أخو المعز والزرافة أخو البعير والحمار والبقر أخو الحمار والبقر والبون بينها ما رأيت وماذاك إلا لاجل أن الخصب في التلول فعل في أبدان هذه من الفضلات الردية والاخلاط الفاسدة ما ظهر عليها أثره والجوع لحيوان القفر حسن في خلقها وأشكالها ما شاء واعتبر ذلك في الآدميين أيضا فإنا نجد أهل الاقاليم المخصبة العيش الكثيرة الزرع والضرع والادم والفواكه يتصف أهلها غالبا بالبلادة في أذهانهم والخشونة في أجسامهم وهذا شان البربر المنغمسين في الادم والحنطة مع المتقشفين في عيشهم المقتصرين على الشعير أو الذرة مثل المصامدة منهم وأهل غمارة والسوس فتجد هؤلاء أحسن حالا في عقولهم وجسومهم وكذا أهل بلاد المغرب على الجملة المنغمسين في الادم والبر مع أهل الاندلس المفقود بأرضهم السمن جملة وغالب عيشهم الذرة فتجد لاهل الاندلس من ذكاء العقول وخفة الاجسام وقبول التعليم ما لا يوجد لغيرهم وكذا أهل الضواحي من المغرب بالجملة مع أهل الحضر والامصار فإن الامصار وإن كانوا مكثرين مثلهم من الادم ومخصبين في العيش إلا أن استعمالهم إياها بعد العلاج بالطبخ والتلطيف بما يخلطون معها فيذهب لذلك غلظها ويرق قوامها وعامة ما كلهم لحوم الضأن والدجاج ولا يغبطون السمن من بين الادم لتفاهته فتقل الرطوبات لذلك في أغذيتهم ويخف ما تؤديه إلى أجسامهم من الفضلات الردية فلذلك تجد جسوم أهل الامصار ألطف من جسوم البادية المخشنين في العيش وكذلك تجد المعودين بالجوع من أهل البادية لا فضلات في جسومهم غليظة ولا لطيفة. واعلم

[ 89 ]

أن أثر هذا الخصب في البدن وأحواله يظهر حتى في حال الدين والعبادة فنجد المتقشفين من أهل البادية أو الحاضرة ممن يأخذ نفسه بالجوع والتجا في عن الملاذ أحسن دينا وإقبالا على العبادة من أهل الترف والخصب بل نجد أهل الدين قليلين في المدن والامصار لما يعمها من القساوة والغفلة المتصلة بالاكثار من اللحمان والادم ولباب البر ويختص وجود العباد والزهاد لذلك بالمتقشفين في غذائهم من أهل البوادي وكذلك نجد هؤلاء المخصبين في العيش المنغمسين في طيباته من أهل البادية ومن أهل الحواضر والامصار إذا نزلت بهم السنون وأخذتهم المجاعات يسرع إليهم الهلاك أكثر من غيرهم مثل برابرة المغرب وأهل مدينة فاس ومصر فيما يبلغنا لا مثل العرب أهل القفر والصحراء ولا مثل أهل بلاد النخل الذين غالب عيشهم التمر ولا مثل أهل أفريقية لهذا العهد الذين غالب عيشهم الشعير والريت وأهل الاندلس الذين غالب عيشهم الذرة والزيت فإن هؤلاء وإن أخذتهم السنون والمجاعات فلا تنال منهم ما تنال من أولئك ولا يكثر فيهم الهلاك بالجوع بل ولا يندر والسبب في ذلك والله أعلم أن المنغمسين في الخصب المتعودين للادم والسمن خصوصا تكتسب من ذلك أمعاؤهم رطوبة فوق رطوبتها الاصلية المزاجية حتى تجاوز حدها فإذا خولف بها العادة بقلة الاقوات وفقدان الادم واستعمال الخشن غير المألوف من الغذاء أسرع إلى المعا اليبس والانكماش وهو ضعيف في الغاية فيسرع إليه المرض ويهلك صاحبه دفعة لانه من المقاتل فالهالكون في المجاعات إنما قتلهم الشبع المعتاد السابق لا الجوع الحادث اللاحق. وأما المتعودون لقلة الادم والسمن فلا تزال رطوبتهم الاصلية واقفة عند حدها من غير زيادة وهي قابلة لجميع الاغذية الطبيعية فلا يقع في معاهم بتبدل الاغذية يبس ولا انحراف فيسلمون في الغالب من الهلاك الذي يعرض لغيرهم بالخصب وكثرة الادم في المآكل وأصل هذا كله أن تعلم أن الاغذية وائتلافها أو تركها إنما هو بالعادة فمن عود نفسه غذاء ولاءمه تناوله كان له مألوفا وصار الخروج عنه والتبدل به داء ما لم يخرج عن غرض الغذاء بالجملة كالسموم واليتوع (1) وما أفرط في الانحراف


(1) قال في القاموس اليتوع كصور أو تنور نبات له لبن دار مسهل محرق مقطع والمشهور منه سبعة (*)

[ 90 ]

فأما ما وجد فيه التغذي والملاءمة فيصير غذاء مألوفا بالعادة فإذا أخذ الانسان نفسه باستعمال اللبن والبقل عوضا عن الحنطة حتى صار له ديدنا فقد حصل له ذلك غذاء واستغنى به عن الحنطة والحبوب من غير شك وكذا من عود نفسه الصبر على الجوع والاستغناء عن الطعام كما ينقل عن أهل الرياضيات فإنا نسمع عنهم في ذلك أخبارا غريبة يكاد ينكرها من لا يعرفها والسبب في ذلك العادة فإن النفس إذا ألفت شيئا صار من جبلتها وطبيعتها لانها كثيرة التلون فإذا حصل لها اعتياد الجوع بالتدريج والرياضة فقد حصل ذلك عادة طبيعية لها وما يتوهمه الاطباء من أن الجوع مهلك فليس على ما يتوهمونه إلا إذا حملت النفس عليه دفعة وقطع عنها الغذاء بالكلية فإنه حينئذ ينحسم المعاء ويناله المعرض الذي يخشى معه الهلاك وأما إذا كان ذلك القدر تدريجا ورياضة بإقلال الغذاء شيئا فشيئا كما يفعله المتصوفة فهو بمعزل عن الهلاك وهذا التدريج ضروري حتى في الرجوع عن هذه الرياضة فإنه إذا رجع به إلى الغذاء الاول دفعة خيف عليه الهلاك وإنما يرجع به كما بدأ في الرياضة بالتدريج ولقد شاهدنا من يصبر على الجوع أربعين يوما وصالا وأكثر. وحضر أشياخنا بمجلس السلطان أبي الحسن وقد رفع إليه امرأتان من أهل الجزيرة الخضراء ورندة حبستا أنفسهما عن الاكل جملة منذ سنين وشاع أمرهما ووقع اختبارهما فصح شأنهما واتصل على ذلك حالهما إلى أن ماتتا ورأينا كثيرا من أصحابنا أيضا من يقتصر على حليب شاة من المعز يلتقم ثديها في بعض النهار أو عند الافطار ويكون ذلك غذاءه واستدام على ذلك خمس عشرة سنة وغيرهم كثير ولا يستنكر ذلك. واعلم أن الجوع أصلح للبدن من إكثار الاغذية بكل وجه لمن قدر عليه أو على الاقلال منها وإن له أثرا في الاجسام والعقول في صفائها وصلاحهما كما قلناه واعتبر ذلك بآثار الاغذية التي تحصل عنها في الجسوم فقد رأينا المتغذين بلحوم الحيوانات الفاخرة العظيمة الجثمان تنشأ أجيالهم كذلك وهذا مشاهد في أهل البادية مع أهل الحاضرة وكذا المتغذون بألبان الابل ولحومها أيضا مع ما يؤثر في


الشبرم واللاعية والعرطنشيا والماهودانة والمازربون والفلجلشت والعشر وكل اليتوعات إذا استعملت في غير وجهها هلكت. اه‍ (*)

[ 91 ]

أخلاقهم من الصبر والاحتمال والقدرة على حمل الاثقال الموجود ذلك للابل وتنشأ أمعاؤهم أيضا على نسبة أمعاء الابل في الصحة والغلظ فلا يطرقها الوهن ولا ينالها من مدار الاغذية ما ينال غيرهم فيشربون اليتوعات لاستطلاق بطونهم غير محجوبة كالحنظل قبل طبخه والدرياس والقربيون ولا ينال أمعاءهم منها ضرر وهي لو تناولها أهل الحضر الرقيقة أمعاؤهم بما نشأت عليه من لطيف الاغذية لكان الهلاك أسرع إليهم من طرفة العين لما فيها من السمية ومن تأثير الاغذية في الابدان ما ذكره أهل الفلاحة وشاهده أهل التجربة أن الدجاج إذا غذيت بالحبوب المطبوخة في بعر الابل واتخذ بيضها ثم حضنت عليه جاء الدجاج منها أعظم ما يكون وقد يستغنون عن تغذيتها وطبخ الحبوب بطرح ذلك البعر مع البيض المحضن فيجئ دجاجها في غاية العظم وأمثال ذلك كثيرة فإذا رأينا هذه الآثار من الاغذية في الابد ان فلا شك أن للجوع أيضا آثارا في الابدان لان الضدين على نسبة واحدة في التأثير وعدمه فيكون تأثير الجوع في نقاء الابدان من الزيادات الفاسدة والرطوبات المختلطة المخلة بالجسم والعقل كما كان الغذاء مؤثرا في وجود ذلك الجسم والله محيط بعلمه المقدمة السادسة في اصناف المدركين من البشر بالفطرة أو الرياضة ويتقدمه الكلام في الوحي والرؤيا إعلم أن الله سبحانه اصطفى من البشر أشخاصا فضلهم بخطابه وفطرهم على معرفته وجعلهم وسائل بينهم وبين عباده يعرفونهم بمصالحهم ويحرضونهم على هدايتهم ويأخذون بحجزانهم عن النار ويدلونهم على طريق النجاة وكان فيما يلقيه إليهم من المعارف ويظهره على ألسنتهم من الخوارق والاخبار الكائنات المغيبة عن البشر التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من الله بوساطتهم ولا يعلمونها إلا بتعليم الله إياهم قال صلى الله عليه وسلم ألا وأني لا أعلم إلا ما علمني الله واعلم أن خبرهم في ذلك من خاصيته وضرورته الصدق لما يتبين لك عند بيان حقيقة النبؤة وعلامة هذا الصنف

[ 92 ]

من البشر أن توجد لهم في حال الوحي غيبة عن الحاضرين معهم مع غطيط كأنها غشي أو إغماء في رأي العين وليست منهما في شئ وإنما هي في الحقيقة استغراق في لقاء الملك الروحاني بإدراكهم المناسب لهم الخارج عن مدارك البشر بالكلية ثم يتنزل إلى المدارك البشرية إما بسماع دوي من الكلام فيتفهمه أو يتمثل له صورة شخض يخاطبه بما جاء به من عند الله ثم تنجلي عنه تلك الحال وقد وعى ما القي إليه قال صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن الوحي أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ويدركه أثناء ذلك من الشدة والغط ما لا يعبر عنه ففي الحديث كان مما يعالج من التنزيل شدة وقالت عائشة كل ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا وقال تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ولاجل هذه الغاية في تنزل الوحي كان المشركون يرمون الانبياء بالجنون ويقولون له رئي أو تابع من الجن وإنما لبس عليهم بما شاهدوه من ظاهر تلك الاحوال ومن يضلل الله فما له من هاد. ومن علاماتهم أيضا أنه يوجد لهم قبل الوحي خلق الخير والزكاء ومجانبة المذمومات والرجس أجمع وهذا هو معنى العصمة وكأنه مفطور على التنزه عن المذمومات والمنافرة لها وكأنها منافية لجبلته وفي الصحيح أنه حمل الحجارة وهو غلام مع عمه العباس لبناء الكعبة فجعلها في إزاره فانكشف فسقط مغشيا عليه حتى استتر بإزاره ودعي إلى مجتمع وليمة فيها عرس ولعب فأصابه غشي النوم إلى أن طلعت الشمس ولم يحضر شيئا من شأنهم بل نزهه الله عن ذلك كله حتى إنه بجبلته يتنزه عن المطعومات المستكرهة فقد كان صلى الله عليه وسلم لا يقرب البصل والثوم فقيل له في ذلك فقال إني أناجي من لا تناجون وانظر لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها بحال الوحي أول ما فجأته وأرادت اختباره فقالت اجعلني بينك وبين ثوبك فلما فعل ذلك ذهب عنه فقالت إنه ملك وليس بشيطان ومعناه أنه لا يقرب النساء وكذلك سألته عن أحب الثياب إليه أن يأتيه فيها فقال البياض والخضرة فقالت إنه الملك يعني أن البياض والخضرة من الوان الخير والملائكة والسواد من ألوان الشر والشياطين وأمثال ذلك.

[ 93 ]

ومن علاماتهم أيضا دعاؤهم إلى الدين والعبادة من الصلاة والصدقة والعفاف وقد استدلت خديجة على صدقه صلى الله عليه وسلم بذلك وكذلك أبو بكر ولم يحتاجا في أمره إلى دليل خارج عن حاله وخلقه وفي الصحيح أن هرقل حين جاءه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الاسلام أحضر من وجد ببلده من قريش وفيهم أبو سفيان ليسألهم عن حاله فكان فيما سأل أن قال بم يأمركم فقال أبو سفيان بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف إلى آخر ما سأل فأجابه فقال إن يكن ما تقول حقا فهو نبي وسيملك ما تحت قدمي هاتين والعفاف الذي أشار إليه هرقل (1) هو العصمة فانظر كيف أخذ من العصمة والدعاء إلى الدين والعبادة دليلا على صحة نبؤته ولم يحتج إلى معجزة فدل على أن ذلك من علامات النبؤة. ومن علاماتهم أيضا أن يكونوا ذوي حسب في قومهم وفي الصحيح ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه وفي رواية أخرى في ثروة من قومه استدركه الحاكم على الصحيحين وفي مسألة هرقل لابي سفيان كما هو في الصحيح قال كيف هو فيكم فقال أبو سفيان هو فينا ذو حسب فقال هرقل والرسل تبعث في أحساب قومها ومعناه أن تكون له عصبة وشوكة تمنعه عن أذى الكفار حتى يبلغ رسالة ربه ويتم مراد الله من إكمال دينه وملته. ومن علاماتهم أيضا وقوع الخوارق لهم شاهدة بصدقهم وهي أفعال يعجز البشر عن مثلها فسميت بذلك معجزة وليست من جنس مقدور العباد وإنما تقع في غير محل قدرتهم وللناس في كيفية وقوعها ودلالتها على تصديق الانبياء خلاف فالمتكلمون بناء على القول بالفاعل المختار قائلون بأنها واقعة بقدرة الله لا بفعل النبي وإن كانت أفعال العباد عند المعتزلة صادرة عنهم إلا أن المعجزة لا تكون من جنس أفعالهم وليس للنبي فيها عند سائر المتكلمين إلا التحدي بها بإذن الله وهو أن يستدل بها النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعها على صدقه في مدعاه فإذا وقعت تنزلت منزلة القول الصريح من الله بأنه صادق وتكون دلالتها حينئذ على الصدق قطعية فالمعجزة الدالة بمجموع الخارق والتحدي ولذلك كان التحدي جزأ منها وعبارة المتكلمين صفة نفسها وهو واحد لانه معنى الذاتي عندهم والتحدي هو الفارق بينها وبين الكرامة


(1) قوله الذي اشار إليه هرقل الظاهر أبو سفيان (*)

[ 94 ]

والسحر إذ لا حاجة فيهما إلى التصديق فلا وجود للتحدي إلا إن وجد اتفاقا وإن وقع التحدي في الكرامة عند من يجيزها وكانت لها دلالة فإنما هي على الولاية وهي غير النبؤة ومن هنا منع الاستاذ أبو إسحق وغيره وقوع الخوارق كرامة فرارا من الالتباس بالنبؤة عند التحدي بالولاية وقد أريناك المغايرة بينهما وإنه يتحدى يغير ما يتحدى به النبي فلا لبس على أن النقل عن الاستاذ في ذلك ليس صريحا وربما حمل على إنكار لان تقع خوارق الانبياء لهم بناء على اختصاص كل من الفريقين بخوارقه. وأما المعتزلة فالمانع من وقوع الكرامة عندهم أن الخوارق ليست من أفعال العباد وأفعالهم معتادة فلا فرق وأما وقوعها على يد الكاذب تلبيسا فهو محال أما عند الاشعرية فلان صفة نفس المعجزة التصديق والهداية فلو وقعت بخلاف ذلك انقلب الدليل شبهة والهداية ضلالة والتصديق كذبا واستحالت الحقائق وانقلبت صفات النفس وما يلزم من فرض وقوعه المحال لا يكون ممكنا وأما عند المعتزلة فلان وقوع الدليل شبهة والهداية ضلالة قبيح فلا يقع من الله. وأما الحكماء فالخارق عندهم من فعل النبي ولو كان في غير محل القدرة بناء على مذهبهم في الايجاب الذاتي ووقوع الحوادث بعضها عن بعض متوقف على الاسباب والشروط الحادثة مستندة أخيرا إلى الواجب الفاعل بالذات لا بالاختيار وإن النفس النبوية عندهم لها خواص ذاتية منها صدور هذه الخوارق بقدرته وطاعة العناصر له في التكوين والنبي عندهم مجبول على التصريف في الاكوان مهما توجه إليها واستجمع لها بما جعل الله له من ذلك والخارق عندهم يقع للنبي سواء كان للتحدي أم لم يكن وهو شاهد بصدقه من حيث دلالته على تصرف النبي في الاكوان الذي هو من خواص النفس النبوية لا بأنه يتنزل منزلة القول الصريح بالتصديق فلذلك لا تكون دلالتها عندهم قطعية كما هي عند المتكلمين ولا يكون التحدي جزأ من المعجزة ولم يصح فارقا لها عن السحر والكرامة وفارقها عندهم عن السحر أن النبي مجبول على أفعال الخير مصروف عن أفعال الشر فلا يلم الشر بخوارقه والساحر على الضد فأفعاله كلها شر وفي مقاصد الشر وفارقها عن الكرامة أن خوارق النبي مخصوصة كالصعود إلى السماء والنفوذ في الاجسام الكثيفة وإحياء الموتى وتكليم الملائكة والطيران

[ 95 ]

في الهواء وخوارق الولي دون ذلك كتكثير القليل والحديث عن بعض المستقبل وأمثاله مما هو قاصر عن تصريف الانبياء ويأتي النبي بجميع خوارقه ولا يقدر هو على مثل خوارق الانبياء وقد قرر ذلك المتصوفة فيما كتبوه في طريقتهم ولقنوه عمن أخبرهم وإذا تقرر ذلك فاعلم أن أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة القرآن الكريم المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه والقرآن هو بنفسه الوحي المدعى وهو الخارق المعجز فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ما من نبي من الانبياء إلا وأتي من الآيات ما مثله امن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحي إلي فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة يشير إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوة الدلالة وهو كونها نفس لوحي كان الصدق لها أكثر لوضوحها فكثر المصدق المؤمن وهو التابع ولامة ولنذكر الان تفسير حقيقة النبؤة على ما شرحه كثير من المحققين ثم نذكر حقيقة الكهانة ثم الرؤيا ثم شان العرافين وغير ذلك من مدارك الغيب فنقول إعلم. أرشدنا الله وإياك أنا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والاحكام وربط الاسباب بالمسببات واتصال الاكوان بالاكوان واستحالة بعض الموجودات إلى بعض لا تنقضي عجائبه في ذلك ولا تنتهي غاياته وأبدأ من ذلك بالعالم المحسوس الجثماني وأولا عالم العناصر المشاهدة كيف تدرج صاعدا من الارض إلى الماء ثم إلى الهواء ثم إلى النار متصلا بعضها ببعض وكل واحد منها مستعد إلى أن يستحيل إلى ما يليه صاعدا وهابطا ويستحيل بعض الاوقات والصاعد منها ألطف مما قبله إلى أن ينتهي إلى عالم الافلاك وهو ألطف من الكل على طبقات اتصل بعضها ببعض على هيئة لا يدرك الحس منها إلا الحركات فقط وبها

[ 96 ]

يهتدي بعضهم إلى معرفة مقاديرها وأوضاعها وما بعد ذلك من وجود الذوات التي لها هذه الآثار فيها ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد الغريب لان يصير أول افق الذي بعده واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدريج الكوين إلى الانسان صاحب الفكر والروية ترتفع إليه من عالم القدرة الذي اجتمع فيه الحس والادراك ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل وكان ذلك أول أفق من الانسان بعده وهذا غاية شهودنا ثم إنا نجد في العوالم على اختلافها آثارا متنوعة ففي عالم الحس آثار من حركات الافلاك والعناصر وفي عالم التكوين آثار من حركة النمو والادراك تشهد كلها بأن لها مؤثرا مباينا للاجسام فهو روحاني ويتصل بالمكونات لوجود اتصال هذا العالم في وجودها ولذلك هو النفس المدركة والمحركة ولا بد فوقها من وجود آخر يعطيها قوى الادراك والحركة ويتصل بها أيضا ويكون ذاته إدراكا صرفا وتعقلا محضا وهو عالم الملائكة فوجب من ذلك أن يكون للنفس استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الملكية ليصير بالفعل من جنس الملائكة وقتا من الاوقات في لمحة من اللمحات وذلك بعد أن تكمل ذاتها الروحانية بالفعل كما نذكره بعد ويكون لها اتصال بالافق الذي بعدها شأن الموجودات المرتبة كما قدمناه فلها في الاتصال جهتا العلو والسفل وهي متصلة بالبدن من أسفل منها وتكتسب به المدارك الحسية التي تستعد بها للحصول على التعقل بالفعل ومتصلة من جهة الاعلى منها بأفق الملائكة ومكتسبة به المدارك العلمية والغيبية فإن عالم الحوادث موجود في تعقلاتهم من غير زمان وهذا على ما قدمناه من الترتيب المحكم في الوجود باتصال ذواته وقواه بعضها ببعض ثم إن هذه النفس الانسانية غائبة عن العيان وآثارها ظاهرة في البدن فكأنه وجميع أجزائه مجتمعة ومفترقة آلات للنفس ولقواها اما الفاعلية فالبطش باليد والمشي بالرجل والكلام باللسان والحركة الكلية

[ 97 ]

بالبدن متدافعا وأما المدركة وإن كانت قوى الادراك مرتبة ومرتقية إلى القوة العليا منها ومن المفكرة التي يعبر عنها بالناطقية فقوى الحس الظاهرة بآلاته من السمع والبصر وسائرها يرتقي إلى الباطن وأوله الحس المشترك وهو قوة تدرك المحسوسات مبصرة ومسموعة وملموسة وغيرها في حالة واحدة وبذلك فارقت قوة الحس الظاهر لان المحسوسات لا تزدحم عليها في الوقت الواحد ثم يؤديه الحس المشترك إلى الخيال وهي قوة تمثل الشئ المحسوس في النفس كما هو مجرد عن المواد الخارجة فقط وآلة هاتين القوتين في تصريفهما البطن الاول من الدماغ مقدمه للاولى ومؤخره للثانية ثم يرتقي الخيال إلى الواهمة والحافظة فالواهمة لادراك المعاني المتعلقة بالشخصيات كعداوة زيد وصداقة عمرو ورحمة الاب وافتراس الذئب والحافظة لا يداع المدركات كلها متخيلة وهي لها كالخزانة تحفظها لوقت الحاجة إليها وآلة هاتين القوتين في تصريفهما البطن المؤخر من الدماغ أوله للاولى ومؤخره للاخرى ثم ترتقي جميعها إلى قوة الفكر وآلته البطن الاوسط من الدماغ وهي القوة التي يقع بها حركة الرؤية والتوجه نحو التعقل فتحرك النفس بها دائما لما ركب فيها من النزوع للتخلص من درك القوة والاستعداد الذي للبشرية وتخرج إلى الفعل في تعقلها متشبهة بالملا الاعلى الروحاني وتصير في أول مراتب الروحانيات في إدراكها بغير الآلات الجسمانية فهي متحركة دائما ومتوجهة نحو ذلك وقد تنسلخ بالكلية من البشرية وروحانيتها إلى الملكية من الافق الاعلى من غير اكتساب بل بما جعل الله فيها من الجبلة والفطرة الاولى في ذلك والنفوس البشرية على ثلاثة اصناف صنف عاجز بالطبع عن الوصول فينقطع بالحركة إلى الجهة السفلى نحو المدارك الحسية والخيالية وتركيب المعاني من الحافظة والواهمة على قوانين محصورة وترتيب خاص يستفيدون به العلوم التصورية والتصديقية التي للفكر في البدن وكلها خيالي منحصر نطاقه إذ هو من جهة مبدإه ينتهي إلى الاوليات ولا يتجاوزها وإن فسد فسد ما بعدها وهذا هو في الاغلب نطاق الادراك البشري الجسماني وإليه تنتهي مدارك العلماء وفيه ترسخ أقدامهم وصنف متوجه بتلك الحركة الفكرية نحو العقل الروحاني والادراك الذي لا يفتقر إلى الآلات البدنية بما جعل فيه من الاستعداد

[ 98 ]

لذلك فيتسع نطاق إدراكه عن الاوليات التي هي نطاق الادراك الاول البشري ويسرح في فضاء المشاهدات الباطنية وهي وجدان كلها نطاق لها من مبدإها ولا من منتهاها وهذه مدارك العلماء الاولياء أهل العلوم الدينية والمعارف الربانية وهي الحاصلة بعد الموت لاهل السعادة في البرزخ وصنف مفطور على الانسلاخ من البشرية جملة جسمانيتها وروحانيتها إلى الملائكة من الافق الاعلى ليصير في لمحة من اللمحات ملكا بالفعل ويحصل له شهود الملا الاعلى في أفقهم وسماع الكلام النفساني والخطاب الالهي في تلك اللمحة وهؤلاء الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم جعل الله لهم الانسلاخ من البشرية في تلك اللمحة وهي حالة الوحي فطرة فطرهم الله عليها وجبلة صورهم فيها ونزههم عن موانع البدن وعوائقه مادا موا ملابسين لها بالبشرية بما ركب في غرائزهم من القصد والاستقامة التي يحاذون بها تلك الوجهة وركز في طبائعهم رغبة في العبادة تكشف بتلك الوجهة وتسيغ نحوها فهم يتوجهون إلى ذلك الافق بذلك النوع من الانسلاخ متى شاءوا بتلك الفطرة التي فطروا عليها لا باكتساب ولا صناعة فلذا توجهوا وانسلخوا عن بشريتهم وتلقوا في ذلك الملا الاعلى ما يتلقونه عاجوا به على المدارك البشرية منزلا في قواها لحكمة التبليغ للعباد فتارة يسمع أحدهم دويا كأنه رمز من الكلام يأخذ منه المعنى الذي ألقي إليه فلا ينقضي الدوي إلا وقد وعاه وفهمه وتارة يتمثل له الملك. الذي يلقي إليه رجلا فيكلمه ويعي ما يقوله والتلقي من الملك والرجوع إلى المدارك البشرية وفهمه ما ألقي عليه كله كأنه في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر لانه ليس في زمان بل كلها تقع جميعا فيظهر كأنها سريعة ولذلك سميت وحيا لان الوحي في اللغة الاسراع واعلم أن الاولى وهي حالة الدوي هي رتبة الانبياء غير المرسلين على ما حققوه والثانية وهي حالة تمثل الملك رجلا يخاطب هي رتبة الانبياء المرسلين ولذلك كانت أكمل من الاولى وهذا معنى الحديث الذي فسر فيه النبي صلى الله عليه وسلم الوحي لما سأله الحارث بن هشام وقال كيف يأتيك الوحي فقال أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك فيكلمني فأعي ما يقول وإنما كانت الاولى أشد لانها مبدأ الخروج في ذلك الاتصال من القوة إلى الفعل

[ 99 ]

فيعسر بعض العسر ولذلك لما عاج فيها على المدارك البشرية اختصت بالسمع وصعب ما سواه وعند ما يتكرر الوحي ويكثر التلقي يسهل ذلك الاتصال فعند ما يعرج إلى المدرك البشرية يأتي على جميعها وخصوصا الاوضح منها وهو إدراك البصر وفي العبارة عن الوعي في الاولى بصيغة الماضي وفي الثانية بصيغة المضارع لطيفة من البلاغة وهي أن الكلام جاء مجئ التمثيل لحالتي الوحي فمثل الحالة الاولى بالدوي الذي هو في المتعارف غير كلام وأخبر أن الفهم والوعي يتبعه غب انقضائه فناسب عند تصوير انقضائه وانفصاله العبارة عن الوعي بالماضي المطابق للانقضاء والانقطاع ومثل الملك في الحالة الثانية برجل يخاطب ويتكلم والكلام يساوقه الوعي فناسب العبارة بالمضارع المقتضي للتجدد. واعلم أن في حالة الوحي كلها صعوبة على الجملة وشدة قد أشار إليها القرآن قال تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا وقالت عائشة كان مما يعاني من التنزيل شدة وقالت كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا. ولذلك كان يحدث عنه في تلك الحالة من الغيبة والغطيط ما هو معروف وسبب ذلك أن الوحي كما قررنا مفارقة البشرية إلى المدارك الملكية وتلقي كلام النفس فيحدث عنه شدة من مفارقة الذات ذاتها وانسلاخها عنها من أفقها إلى ذلك الافق الاخر وهذا هو معنى الغط الذي عبر به في مبدإ الوحي في قوله فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ وكذا ثانية وثالثة كما في الحديث وقد يفضي الاعتياد بالتدريج فيه شيئا فشيئا إلى بعض السهولة بالقياس إلى ما قبله ولذلك كان تنزل نجوم القرآن وسوره وآيه حين كان بمكة أقصر منها وهو بالمدينة وانظر إلى ما نقل في نزول سورة براءة في غزوة تبوك وأنها نزلت كلها أو أكثرها عليه وهو يسير على ناقته بعد أن كان بمكة ينزل عليه بعض السورة من قصار المفصل في وقت وينزل الباقي في حين آخر وكذلك كان آخر ما نزل بالمدينة آية الدين وهي ماهي في الطول بعد أن كانت الاية تنزل بمكة مثل آيات الرحمن والذاريات والمدثر والضحى والفلق وأمثالها واعتبر من ذلك علامة تميز بها بين المكي والمدني من السور والايات والله المرشد إلى الصواب. هذا محصل أمر النبؤة وأما الكهانة فهي أيضا

[ 100 ]

من خواص النفس الانسانية وذلك أنه قد تقدم لنا في جميع ما مر أن للنفس الانسانية استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الروحانية التي فوقها وأنه يحصل من ذلك لمحة للبشر في صنف الانبياء بما فطروا عليه من ذلك وتقرر أنه يحصل لهم من غير اكتساب ولا استعانة بشئ من المدارك ولا من التصورات ولا من الافعال البدنية كلاما أو حركة ولا بأمر من الامور إنما هو انسلاخ من البشرية إلى الملكية بالفطرة في لحظة أقرب من لمح البصر وإذا كان كذلك وكان ذلك الاستعداد موجودا في الطبيعة البشرية فيعطى التقسيم العقلي وإن هنا صنفا آخر من البشر ناقصا عن رتبة الصنف الاول نقصان الضد عن ضده الكامل لان عدم الاستعانة في ذلك الادراك ضد الاستعانة فيه وشتان ما بينهما فإذا أعطي تقسيم الوجود إلى هنا صنفا آخر من البشر مفطورا على أن تتحرك قوته العقلية حركتها الفكرية بالارادة عندما يبعثها النزوع لذلك وهي ناقصة عنه بالجبلة عندما يعوقها العجز عن ذلك تشبث بأمور جزئية محسوسة أو متخيلة كالاجسام الشفافة وعظام الحيوانات وسجع الكلام وما سنح من طير أو حيوان فيستديم ذلك الاحساس أو التخيل مستعينا به في ذلك الانسلاخ الذي يقصده ويكون كالمشيع له وهذه القوة التي فيهم مبدأ لذلك الادراك هي الكهانة ولكون هذه النفوس مفطورة على النقص والقصور عن الكمال كان إدراكها في الجزئيات أكثر من الكليات ولذلك تكون المخيلة فيهم في غاية القوة لانها آلة الجزئيات فتنفذ فيها نفوذا تاما في نوم أو يقظة وتكون عندها حاضرة عتيدة تحضرها المخيلة وتكون لها كالمرآة تنظر فيها دائما ولا يقوى الكاهن على الكمال في إدراك المعقولات لان وحيه من وحي الشيطان وأرفع أحوال هذا الصنف أن يستعين بالكلام الذي فيه السجع والموازنة ليشتغل به عن الحواس ويقوى بعض الشئ على ذلك الاتصال الناقص فيهجس في قلبه عن تلك الحركة والذي يشيعها من ذلك الاجنبي ما يقذفه على لسانه فربما صدق ووافق الحق وربما كذب لانه يتمم نقصه بأمر أجنبي عن ذاته المدركة ومباين لها غير ملائم فيعرض له الصدق والكذب جميعا ولا يكون موثوقا به وربما يفزع إلى الظنون والتخمينات حرصا على الظفر بالادراك بزعمه وتمويها على السائلين وأصحاب هذا السجع هم

[ 101 ]

المخصوصون باسم الكهان لانهم أرفع سائر أصنافهم وقد قال صلى الله عليه وسلم في مثله هذا من سجع الكهان فجعل السجع مختصا بهم بمقتضى الاضافة وقد قال لابن صياد حين سأله كاشفا عن حاله بالاخبار كيف يأتيك هذا الامر قال يأتيني صادقا وكاذبا فقال خلط عليك الامر يعني أن النبؤة خاصتها الصدق فلا يعتريها الكذب بحال لانها اتصال من ذات النبي بالملا الاعلى من غير مشيع ولا استعانة بأجنبي والكهانة لما احتاج صاحبها بسبب عجزه إلى الاستعانة بالتصورات الاجنبية كانت داخلة في إدراكه والتبست بالادراك الذي توجه إليه فصار مختلطا بها وطرقه الكذب من هذه الجهة فامتنع أن تكون نبؤة وإنما قلنا إن أرفع مراتب الكهانة حالة السجع لان معنى السجع أخف من سائر المغيبات من المرئيات والمسموعات وتدل خفة المعنى على قرب ذلك الاتصال والادراك والبعد فيه عن العجز بعض الشئ وقد زعم بعض الناس أن هذه الكهانة قد انقطعت منذ زمن النبؤة بما وقع من شأن رجم الشياطين بالشهب بين يدي البعثة وأن ذلك كان لمنعهم من خير السماء كما وقع في القرآن والكهان إنما يتعرفون أخبار السماء من الشياطين فبطلت الكهانة من يومئذ ولا يقوم من ذلك دليل لان علوم الكهان كما تكون من الشياطين تكون من نفوسهم أيضا كما قررناه وأيضا فالاية إنما دلت على منع الشياطين من نوع واحد من أخبار السماء وهو ما يتعلق بخبر البعثة ولم يمنعوا مما سوى ذلك وأيضا فإنما كان ذلك الانقطاع بين يدي النبؤة فقط ولعلها عادت بعد ذلك إلى ما كانت عليه وهذا هو الظاهر لان هذه المدارك كلها تخمد في زمن النبؤة كما تخمد الكواكب والسرج عند وجود الشمس لان النبؤة هي النور الاعظم الذي يخفى معه كل نور ويذهب. وقد زعم بعض الحكماء أنها إنما توجد بين يدي النبؤة ثم تنقطع وهكذا كل نبؤة وقعت لان وجود النبؤة لابد له من وضع فلكي يقتضيه وفي تمام ذلك الوضع تمام تلك النبؤة التي دل عليها ونقص ذلك الوضع عن التمام يقتضي وجود طبيعة من ذلك النوع الذي يقتضيه ناقصة وهو معنى الكاهن على ما قررناه فقبل أن يتم ذلك الوضع الكامل يقع الوضع الناقص ويقتضي وجود الكاهن إما واحدا أو متعددا فإذا تم ذلك الوضع تم وجود النبي بكماله وانقضت الاوجاع

[ 102 ]

الدالة على مثل تلك الطبيعة فلا يوجد منها شئ بعد وهذا بناء على أن بعض الوضع الفلكي يقتضي بعض أثره وهو غير مسلم فلعل الوضع إنما يقتضي ذلك الاثر بهيئته الخالصة ولو نقص بعض أجزائها فلا يقتضي شيئا لا إنه يقتضي ذلك الاثر ناقصا كما قالوه ثم إن هؤلاء الكهان إذا عاصروا زمن النبؤة فإنهم عارفون بصدق النبي ودلالة معجزته لان لهم بعض الوجدان من أمر النبؤة كما لكل إنسان من أمر اليوم ومعقوبية تلك النسبة موجودة للكاهن بأشد مما للنائم ولا يصدهم عن ذلك ويوقعهم في التكذيب إلا قوة المطامع في أنها نبؤة لهم فيقعون في العناد كما وقع لامية بن أبي الصلت فإنه كان يطمع أن يتنبأ وكذا وقع لابن صياد ولمسيلمة وغيرهم فإذا غلب الايمان وانقطعت تلك الاماني آمنوا أحسن إيمان كما وقع لطليحة الاسدي وسواد بن قارب وكان لهما في الفتوحات الاسلامية من الاثار الشاهدة بحسن الايمان. وأما الرؤيا فحقيقتها مطالعة النفس الناصقة في ذاتها الروحانية لمحة من صور الواقعات فإنها عندما تكون روحانية تكون صور الواقعات فيها موجودة بالفعل كما هو شأن الذوات الروحانية كلها وتصير روحانية بأن تتجرد عن المواد الجسمانية والمدارك البدنية وقد يقع لها ذلك لمحة بسبب النوم كما نذكر فتقتبس بها علم ما تتشوف إليه من الامور المستقبلة وتعود به إلى مداركها فإن كان ذلك الاقتباس ضعيفا وغير جلي بالمحاكاة والمثال في الخيال لتخلصه فيحتاج من أجل هذه المحاكاة إلى التعبير وقد يكون الاقتباس قويا يستغنى فيه عن المحاكاة فلا يحتاج إلى تعبير لخلوصه من المثال والخيال والسبب في وقوع هذه اللمحة للنفس أنها ذات روحانية بالقوة مستكملة بالبدن ومداركه حتى تصير ذاتها تعقلا محضا ويكمل وجودهما بالفعل فتكون حينئذ ذاتا روحانية مدركة بغير شئ من الالات البدنية إلا أن نوعها في الروحانيات دون نوع الملائكة أهل الافق الاعلى على الذين لم يستكملوا ذواتهم بشئ من مدارك البدن ولا غيره فهذا الاستعداد حاصل لها مادامت في البدن ومنه خاص كالذي للاولياء ومنه عام للبشر على العموم وهو أمر الرؤيا. وأما الذي للانبياء فهو استعداد بالانسلاخ من البشرية إلى الملكية المحضة التي هي أعلى الروحانيات ويخرج هذا الاستعداد فيهم متكررا في حالات الوحي وهو عندما

[ 103 ]

يعرج على المدارك البدنية ويقع فيها ما يقع من الادراك شبيها بحال النوم شبها بينا وإن كان حال النوم أدون منه بكثير فلاجل هذا الشبه عبر الشارع عن الرؤيا بأنها جزء من ستة وأربعين جزأ من النبؤة وفي رواية ثلاثة وأربعين وفي رواية سبعين وليس العدد في جميعها مقصودا بالذات وإنما المراد الكثرة في تفاوت هذه المراتب بدليل ذكر السبعين في بعض طرقه وهو للتكثير عند العرب وما ذهب إليه بعضهم في رواية ستة وأربعين من أن الوحي كان في مبدإه بالرؤيا ستة أشهر وهي نصف سنة ومدة النبؤة كلها بمكة والمدينة ثلاث وعشرون سنة فنصف السنة منها جزء من ستة وأربعين فكلام بعيد من التحقيق لانه إنما وقع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ومن أين لنا أن هذه المدة وقعت لغيره من الانبياء مع أن ذلك إنما يعطي نسبة زمن الرؤيا من زمن النبؤة ولا يعطى حقيقتها من حقيقة النبؤة وإذا تبين لك هذا مما ذكرناه أولا علمت أن معنى هذا الجزء نسبة الاستعداد الاول الشامل للبشر إلى الاستعداد القريب الخاص بصنف الانبياء الفطري لهم صلوات الله عليهم إذ هو الاستعداد البعيد وإن كان عاما في البشر ومعه عوائق وموانع كثيرة من حصوله بالفعل ومن أعظم تلك الموانع الحواس الظاهرة ففطر الله البشر على ارتفاع حجاب الحواس بالنوم الذي هو جبلي لهم فتتعرض النفس عند ارتفاعه إلى معرفة ما تتشوف إليه في عالم الحق فتدرك في بعض الاحيان منه لمحة يكون فيها الظفر بالمطلوب ولذلك جعلها الشارع من المبشرات فقال لم يبق من النبؤة إلا المبشرات قالوا وما المبشرات يا رسول الله قال الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له واما سبب ارتفاع حجاب الحواس بالنوم فعلى ما أصفه لك وذلك أن النفس الناطقة إنما إدراكها وأفعالها بالروح الحيواني الجسماني وهو بخار لطيف مركزه بالتجويف الايسر من القلب على ما في كتب التشريح لجالينوس وغيره وينبعث مع الدم في الشريانات والعروق فيعطي الحس والحركة وسائر الافعال البدنية ويرتفع لطيفه إلى الدماغ فيعدل من برده وتتم أفعال القوى التي في بطونه فالنفس الناطقة إنما تدرك وتعقل بهذا الروح البخاري وهي متعلقة به لما اقتضته حكمة التكوين في أن اللطيف لا يؤثر في الكثيف ولما لطف هذا الروح الحيواني من بين المواد البدنية

[ 104 ]

صار محلا لاثار الذات المباينة له في جسمانيته وهي النفس الناطقة وصارت آثارها حاصلة في البدن بواسطته وقد كنا قدمنا أن إدراكها على نوعين إدراك بالظاهر وهو الحواس الخمس وإدراك بالباطن وهو القوى الدماغية وأن هذا الادراك كله صارف لها عن إدراكها ما فوقها من ذواتها الروحانية التي هي مستعدة له بالفطرة ولما كانت الحواس الظاهرة جسمانية كانت معرضة للوسن والفشل بما يدركها من التعب والكلال وتغشى الروح بكثرة التصرف فخلق الله لها طلب الاستجمام لتجرد الادراك على الصورة الكاملة وإنما يكون ذلك بانخناس الروح الحيواني من الحواس الظاهرة كلها ورجوعه إلى الحس الباطن ويعين على ذلك ما يغشى البدن من البرد بالليل فتطلب الحرارة الغريزية أعماق البدن وتذهب من ظاهره إلى باطنه فتكون مشيعة مركبها وهو الروح الحيواني إلى الباطن ولذلك كان النوم للبشر في الغالب إنما هو بالليل فإذا انخنس الروح عن الحواس الظاهرة ورجع إلى القوى الباطنة وخفت عن النفس شواغل الحس وموانعه ورجعت إلى الصورة التي في الحافظة تمثل منها بالتركيب والتحليل صور خيالية وأكثر ما تكون معتادة لانها منتزعة من المدركات المتعاهدة قريبا ثم ينزلها الحس المشترك الذي هو جامع الحواس الظاهرة فيدركها على أنحاء الحواس الخمس الظاهرة وربما التفتت النفس لفتة إلى ذاتها الروحانية مع منازعتها القوى الباطنية فتدرك بإدراكها الروحاني لانها مفطورة عليه وتقتبس من صور الاشياء التي صارت متعلقة في ذاتها حينئذ ثم يأخذ الخيال تلك الصور المدركة فيمثلها بالحقيقة أو المحاكاة في القوالب المعهودة والمحاكاة من هذه هي المحتاجة للتعبير وتصرفها بالتركيب والتحليل في صور الحافظة قبل أن تدرك من تلك اللمحة ما تدركه هي أضغاث أحلام في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرؤيا ثلاث رؤيا من الله ورؤيا من الملك ورؤيا من الشيطان وهذا التفصيل مطابق لما ذكرناه فالجلي من الله والمحاكاة الداعية إلى التعبير من الملك وأضغاث الاحلام من الشيطان لانها كلها باطل والشيطان ينبوع الباطل هذه حقيقة الرؤيا وما يسببها ويشيعها من النوم وهي خواص للنفس الانسانية موجودة في البشر على العموم لا يخلو عنها أحد منهم بل كل واحد من الانساني رأى في نومه ما صدر

[ 105 ]

له في يقظته مرارا غير واحدة وحصل له على القطع أن النفس مدركة للغيب في النوم ولا بد وإذا جاز ذلك في عالم النوم فلا يمتنع في غيره من الاحوال لان الذات المدركة واحدة وخواصها عامة في كل حال والله الهادي إلى الحق بمنه وفضله فصل * ووقوع ما يقع للبشر من ذلك غالبا إنما هو من غير قصد ولا قدرة عليه وإنما تكون النفس متشوفة لذلك الشئ فيقع لها بتلك اللمحة في النوم لانها تقصد إلى ذلك فتراه وقد وقع في كتاب الغاية وغيره من كتب أهل الرياضيات ذكر اسماء تذكر عند النوم فتكون عنها الرؤيا فيما يتشوف إليه ويسمونها الحالومية وذكر منها مسلمة في كتاب الغاية حالومة سماها حالومة الطباع التام وهو أن يقال عند النوم بعد فراغ السر وصحة التوجه هذه الكلمات الاعجمية وهي تماغس بعد ان يسواد وغداس نوفنا غادس ويذكر حاجته فإنه يرى الكشف عما يسأل عنه في النوم * وحكي إن رجلا فعل ذلك بعد رياضة ليال في مأكله وذكره فتمثل له شخص يقول له أنا طباعك التام فسأله وأخبره عما كان يتشوف إليه وقد وقع لي أنا بهذه الاسماء مراء عجيبة واطلعت بها على أمور كنت أتشوف عليها من أحوالي وليس ذلك بدليل على أن القصد للرؤيا يحدثها وإنما هذه الحالومات تحدث استعدادا في النفس لوقوع الرؤيا فإذا قوي الاستعداد كان أقرب إلى حصول ما يستعد له وللشخص أن يفعل من الاستعداد ما أحب ولا يكون دليلا على إيقاع المستعد له فالقدرة على الاستعداد غير القدرة على الشئ فاعلم ذلك وتدبره فيما تجد من أمثاله والله الحكيم الخبير فصل * ثم إنا نجد في النوع الانساني أشخاصا يخبرون بالكائنات قبل وقوعها بطبيعة فيهم يتميز بها صنفهم عن سائر الناس ولا يرجعون في ذلك إلى صناعة ولا يستدلون عليه بأثر من النجوم ولا من غيرها إنما نجد مداركهم في ذلك بمقتضى فطرتهم التي فطروا عليها وذلك مثل العرافين والناظرين في الاجسام الشفافة كالمرايا وطساس الماء والناظرين في قلوب الحيوانات وأكبادها وعظامها وأهل الزجر في الطير والسباع وأهل الطرق بالحصى والحبوب من الحنطة والنوى وهذه كلها موجودة في عالم الانسان لا يسع أحدا جحدها ولا إنكارها وكذلك المجانين يلقى على ألسنتهم

[ 106 ]

كلمات من الغيب فيخبرون بها وكذلك النائم والميت لاول موته أو نومه يتكلم بالغيب وكذلك أهل الرياضيات من المتصوفة لهم مدارك في الغيب على سبيل الكرامة معروفة. ونحن الان نتكلم عن هذه الادراكات كلها ونبتدئ منها بالكهانة ثم نأتي عليها واحدة واحدة إلى آخرها ونقدم على ذلك مقدمة في أن النفس الانسانية كيف تستعد لادراك الغيب في جميع الاصناف التي ذكرناها وذلك أنها ذات روحانية موجودة بالقوة إلى الفعل بالبدن وأحواله وهذا أمر مدرك لكل أحد وكل ما بالقوة فله مادة وصورة. وصورة هذه النفس التي بها يتم وجودها هو عين الادراك والتعقل فهي توجد أولا بالقوة مستعدة للادراك وقبول الصور الكلية والجزئية ثم يتم نشؤها ووجودها بالفعل بمصاحبة البدن وما يعودها بورود مدركاتها المحسوسة عليها وما تنتزع من تلك الادراكات من المعاني الكلية فتتعقل الصور مرة بعد أخرى حتى يحصل لها الادراك والتعقل بالفعل فتتم ذاتها وتبقى النفس كالهيولى والصور متعاقبة عليها بالادراك واحدة بعد واحدة ولذلك نجد الصبي في أول نشأته لا يقدر على الادراك الذي لها من ذاتها لا بنوم ولا بكشف ولا بغيرهما وذلك ان صورتها التي هي عين ذاتها وهي الادراك والتعقل لم تتم بعد بل لم يتم لها انتزاع الكليات ثم إذا تمت ذاتها بالفعل حصل لها مادامت مع البدن نوعان من الادراك إدراك بالات الجسم تؤديه إليها المدارك البدنية وإدراك بذاتها من غير واسطة وهي محجوبة عنه بالانغماس في البدن والحواس وبشواغلها لان الحواس أبدا جاذبة لها إلى الظاهر بما فطرت عليه أولا من الادراك الجسماني وربما تنغمس من الظاهر إلى الباطن فيرتفع حجاب البدن لحظة إما بالخاصية التي هي للانسان على الاطلاق مثل النوم أو بالخاصية الموجودة لبعض البشر مثل الكهانة والطرق أو بالرياضة مثل أهل الكشف من الصوفية فتلتفت حينئذ إلى الذوات التي فوقها من الملا لما بين أفقها وأفقهم من الاتصال في الوجود كما قررنا قبل وتلك الذوات روحانية وهي إدراك محض وعقول بالفعل وفيها صور الموجودات وحقائقها كما مر فيتجلى فيها شئ من تلك الصور وتقتبس منها علوما وربما دفعت تلك الصور المدركة إلى الخيال فيصرفه في القوالب المعتادة ثم يراجع الحس بما أدركت إما مجردا أو في

[ 107 ]

قوالبه فتخبر به. هذا هو شرح استعداد النفس لهذا الادراك الغيبي. ولنرجع إلى ما وعدنا به من بيان أصنافه. فأما الناظرون في الاجسام الشفافة من المرايا وطساس المياه وقلوب الحيوان وأكبادها وعظامها وأهل الطرق بالحصى والنوى فكلهم من قبيل الكهان إلا أنهم أضعف رتبة فيه في أصل خلقهم لان الكاهن لا يحتاج في رفع حجاب الحس إلى كثير معاناة وهؤلاء يعانونه بانحصار المدارك الحسية كلها في نوع واحد منها وأشرفها البصر فيعكف على المرئي البسيط حتى يبدو له مدركه الذي يخبر به عنه وربما يظن أن مشاهدة هؤلاء لما يرونه هو في سطح المرآة وليس كذلك بل لا يزالون ينظرون في سطح المرآة إلى أن يغيب عن البصر ويبدو فيما بينهم وبين سطح المرآة حجاب كأنه غمام يتمثل فيه صور هي مداركهم فيشيرون إليهم المقصود لما يتوجهون إلى معرفته من نفي أو إثبات فيخبرون بذلك على نحو ما ادركوه وأما المرآة وما يدرك فيها من الصور فلا يدركونه في تلك الحال وإنما ينشأ لهم بها هذا النوع الاخر من الادراك وهو نفساني ليس من إدراك البصر بل يتشكل به المدرك النفساني للحس كما هو معروف ومثل ذلك ما يعرض للناظرين في قلوب الحيوانات وأكبادها وللناظرين في الماء والطساس وأمثال ذلك. وقد شاهدنا من هؤلاء من يشغل الحس بالبخور فقط ثم بالعزائم للاستعداد ثم يخبر كما أدرك ويزعمون أنهم يرون الصور متشخصة في الهواء تحكي لهم أحوال ما يتوجهون إلى إدراكه بالمثال والاشارة وغيبة هؤلاء عن الحس أخف من الاولين والعالم أبو الغرائب. وأما الزجر وهو ما يحدث من بعض الناس من التكلم بالغيب عند سنوح طائر أو حيوان والفكر فيه بعد مغيبه وهي قوة في النفس تبعث على الحرص والفكر فيما زجر فيه من مرئي أو مسموع وتكون قوته المخيلة كما قدمناه قوية فيبعثها في البحث مستعينا بما رآه أو سمعه فيؤديه ذلك إلى إدراك ما كما تفعله القوة المتخيلة في النوم وعند ركود الحواس تتوسط بين المحسوس المرئي في يقظته وتجمعه مع ما عقلته فيكون عنها الرؤيا. وأما المجانين فنفوسهم الناطقة ضعيفة التعلق بالبدن لفساد أمزجتهم غالبا وضعف الروح الحيواني فيها فتكون نفسه غير مستغرقة في الحواس ولا منغمسة فيها بما شغلها في نفسها من ألم النقص ومرضه وربما زاحمها على

[ 108 ]

التعلق به روحانية أخرى شيطانية تتشبث به وتضعف هذه عن ممانعتها فيكون عنه التخبط فإذا أصابه ذلك التخبط إما لفساد مزاجه من فساد في ذاتها أو لمزاحمة من النفوس الشيطانية في تعلقه غاب عن حسه جملة فأدرك لمحة من عالم نفسه وانطبع فيها بعض الصور وصرفها الخيال وربما نطق عن لسانه في تلك الحال من غير إرادة النطق وإدراك هؤلاء كلهم مشوب فيه الحق بالباطل لانه لا يحصل لهم الاتصال وإن فقدوا الحس إلا بعد الاستعانة بالتصورات الاجنبية كما قررناه ومن ذلك يجئ الكذب في هذه المدارك وأما العرافون فهم المتعلقون بهذا الادراك وليس لهم ذلك الاتصال فيسلطون الفكر على الامر الذي يتوجهون إليه ويأخذون فيه بالظن والتخمين بناء على ما يتوهمونه من مبادئ ذلك الاتصال والادراك ويدعون بذلك معرفة الغيب وليس منه على الحقيقة هذا تحصيل هذه الامور وقد تكلم عليها المسعودي في مروج الذهب فما صادف تحقيقا ولا إصابة ويظهر من كلام الرجل أنه كان بعيدا عن الرسوخ في المعارف فينقل ما سمع من أهله ومن غير أهله وهذه الادراكات التي ذكرناها موجودة كلها في نوع البشر فقد كان العرب يفزعون إلى الكهان في تعرف الحوادث ويتنافرون إليهم في الخصومات ليعرفوهم بالحق فيها من إدراك غيبهم وفي كتب أهل الادب كثير من ذلك واشتهر منهم في الجاهلية شق بن أنمار بن نزار وسطيح بن مازن بن غسان وكان يدرج كما يدرج الثوب ولا عظم فيه إلا الجمجمة ومن مشهور الحكايات عنهما تأويل رؤيا ربيعة بن مضر وما أخبراه به ملك الحبشة لليمن وملك مضر من بعدهم وظهور النبؤة المحمدية في قريش ورؤيا الموبذان التي أولها سطيح لما بعث إليه بها كسرى عبد المسيح فأخبره بشأن النبؤة وخراب ملك فارس وهذه كلها مشهورة وكذلك العرافون كان في العرب منهم كثير وذكروهم في أشعارهم قال فقلت لعراف اليمامة داوني * فإنك إن داويتني لطبيب وقال الاخر جعلت لعراف اليمامة حكمه * وعراف نجد إن هما شفياني فقالا شفاك الله والله ما لنا * بما حملت منك الضلوع يدان

[ 109 ]

وعراف اليمامة هو رباح بن عجلة وعراف نجد الابلق الاسدي. ومن هذه المدارك الغيبية ما يصدر لبعض الناس عند مفارقة اليقظة والتباسه بالنوم من الكلام على الشئ الذي يتشوف إليه بما يعطيه غيب ذلك الامر كما يريد ولا يقع ذلك إلا في مبادئ النوم عند مفارقة اليقظة وذهاب الاختبار في الكلام فيتكلم كأنه مجبول على النطق وغايته أن يسمعه ويفهمه وكذلك يصدر عن المقتولين عند مفارقة رؤوسهم وأوساط أبدانهم كلام بمثل ذلك. ولقد بلغنا عن بعض الجبابرة الظالمين أنهم قتلوا من سجونهم أشخاصا ليتعرفوا من كلامهم عند القتل عوقب أمورهم في أنفسهم فأعلموهم بما يستشبع. وذكر مسلمة في كتاب الغاية له في مثل ذلك أن آدميا إذا جعل في دن مملوء بدهن السمسم ومكث فيه أربعين يوما يغذى بالتين والجوز حتى يذهب لحمه ولا يبقى منه إلا العروق وشؤون رأسه فيخرج من ذلك الدهن فحين يجف عليه الهواء يجيب عن كل شئ يسال عنه من عواقب الامور الخاصة والعامة وهذا فعل من مناكير أفعال السحرة لكن يفهم منه عجائب العالم الانساني ومن الناس من يحاول حصول هذا المدرك الغيبي بالرياضة فيحاولون بالمجاهدة موتا صناعيا بإماتة جميع القوى البدنية ثم محو آثارها التي تلونت بها النفس ثم تغذيتها بالذكر لتزداد قوة في نشئها ويحصل ذلك بجمع الفكر وكثرة الجوع ومن المعلوم على القطع أنه إذا نزل الموت بالبدن ذهب الحس وحجابه واطلعت النفس على المغيبات ومن هؤلاء أهل الرياضة السحرية يرتاضون بذلك ليحصل لهم الاطلاع على المغيبات والتصرفات في العوالم وأكثر هؤلاء في الاقاليم المنحرفة جنوبا وشمالا خصوصا بلاد الهند ويسمون هنالك الحوكية ولهم كتب في كيفية هذه الرياضة كثيرة والاخبار عنهم في ذلك غريبة. وأما المتصوفة فرياضتهم دينية وعرية عن هذه المقاصد المذمومة وإنما يقصدون جمع الهمة والاقبال على الله بالكلية ليحصل لهم أذواق أهل العرفان والتوحيد ويزيدون في رياضتهم إلى الجمع والجوع التغذية بالذكر فبها تتم وجهتهم في هذه الرياضة لانه إذا نشأت النفس على الذكر كانت أقرب إلى العرفان بالله وإذا عريت عن الذكر كانت شيطانية وحصول ما يحصل من معرفة الغيب والتصرف لهؤلاء المتصوفة إنما هو بالعرض ولا يكون مقصودا من أول

[ 110 ]

الامر لانه إذا قصد ذلك كانت الوجهة فيه لغير الله وإنما هي لقصد التصرف والاطلاع على الغيب وأخسر بها صفقة فإنها في الحقيقة شرك قال بعضهم من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني فهم يقصدون بوجهتهم المعبود لا لشئ سواه وإذا حصل في أثناء ذلك ما يحصل فبالعرض وغير مقصود لهم وكثير منهم يفر منه إذا عرض له ولا يحفل به وإنما يريد الله لذاته لا لغيره وحصول ذلك لهم معروف ويسمون ما يقع لهم من الغيب والحديث على الخواطر فراسة وكشفا وما يقع لهم من التصرف كرامة وليس شئ من ذلك بنكير في حقهم وقد ذهب إلى إنكاره الاستاذ أبو إسحق الاسفرايني وأبو محمد بن أبي زيد المالكي في آخرين فرارا من التباس المعجزة بغيرها والمعول عليه عند المتكلمين حصول التفرقة بالتحدي فهو كاف. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن فيكم محدثين وإن منهم عمر وقد وقع للصحابة من ذلك وقائع معروفة تشهد بذلك في مثل قول عمر رضي الله عنه يا سارية الجبل وهو سارية بن زنيم كان قائدا على بعض جيوش المسلمين بالعراق أيام الفتوحات وتورط مع المشتركين في معترك وهم بالانهزام وكان بقربه جبل يتحيز إليه فرفع لعمر ذلك وهو يخطب على المنبر بالمدينة فناداه يا سارية الجبل وسمعه سارية وهو بمكانه ورأى شخصه هنالك والقصة معروفة ووقع مثله أيضا لابي بكر في وصيته عائشة ابنته رضي الله عنهما في شأن ما نحلها من أوسق التمر من حديقته ثم نبهها على جذاذه لتحوزه عن الورثة فقال في سياق كلامه وإنما هما أخواك وأختاك فقالت إنما هي أسماء فمن الاخرى فقال إن ذا بطن بنت خارجة أراها جارية فكانت جارية وقع في الموطإ في باب ما لا يجوز من النحل ومثل هذه الوقائع كثيرة لهم ولمن بعدهم من الصالحين وأهل الاقتداء إلا أن أهل التصوف يقولون إنه يقل في زمن النبؤة إذ لا يبقى للمريد حالة بحضرة النبي حتى إنهم يقولون إن المريد إذا جاء للمدينة النبوية يسلب حاله مادام فيها حتى يفارقها والله يرزقنا الهداية ويرشدنا إلى الحق. ومن هؤلاء المريدين من المتصوفة قوم بها ليل معتوهون أشبه بالمجانين من العقلاء وهم مع ذلك قد صحت لهم مقامات الولاية وأحوال الصديقين وعلم ذلك من

[ 111 ]

أحوالهم من يفهم عنهم من أهل الذوق مع أنهم غير مكلفين ويقع لهم من الاخبار عن المغيبات عجائب لانهم لا يتقيدون بشئ فيطلقون كلامهم في ذلك ويأتون منه بالعجائب وربما ينكر الفقهاء أنهم على شئ من المقامات لما يرون من سقوط التكليف عنهم والولاية لا تحصل إلا بالعبادة وهو غلط فإن فضل الله يؤتيه من يشاء ولا يتوقف حصول الولاية على العبادة ولا غيرها وإذا كانت النفس الانسانية ثابتة الوجود فالله تعالى يخصها بما شاء من مواهبه وهؤلاء القوم لم تعدم نفوسهم الناطقة ولا فسدت كحال المجانين وإنما فقد لهم العقل الذي يناط به التكليف وهي صفة خاصة للنفس وهي علوم ضرورية للانسان يشتد بها نظره ويعرف أحوال معاشه واستقامة منزله وكأنه إذا ميز أحوال معاشه واستقامة منزله لم يبق له عذر في قبول التكاليف لاصلاح معاده وليس من فقد هذه الصفة بفاقد لنفسه ولا ذاهل عن حقيقته فيكون موجود الحقيقة معدوم العقل التكليفي الذي هو معرفة المعاش ولا استحالة في ذلك ولا يتوقف اصطفاء الله عباده للمعرفة على شئ من التكاليف وإذا صح ذلك فاعلم أنه ربما يلتبس حال هؤلاء بالمجانين الذين تفسد نفوسهم الناطقة ويلتحقون بالبهائم ولك في تمييزهم علامات منها أن هؤلاء البهاليل لا تجد لهم وجهة أصلا ومنها أنهم يخلقون على البله من أول نشأتهم والمجانين يعرض لهم الجنون بعد مدة من العمر لعوارض بدنية طبيعية فإذا عرض لهم ذلك وفسدت نفوسهم الناطقة ذهبوا بالخيبة ومنها كثرة تصرفهم في الناس بالخير والشر لانهم لا يتوقفون على إذن لعدم التكليف في حقهم والمجانين لا تصرف لهم وهذا فصل انتهى بنا الكلام إليه والله المرشد للصواب وقد يزعم بعض الناس أن هنا مدارك للغيب من دون غيبة عن الحس فمنهم المنجمون القائلون بالدلالات النجومية ومقتضى أوضاعها في الفلك وآثارها في العناصر وما يحصل من الامتزاج بين طباعها بالتناظر ويتأدي من ذلك المزاج إلى الهواء وهؤلاء المنجمون ليسوا من الغيب في شئ إنما هي ظنون حدسية وتخمينات مبنية على التأثير النجومية وحصول المزاج منه للهواء مع مزيد حدس يقف به الناظر على تفصيله في الشخصيات في العالم كما قاله بطليموس ونحن نبين بطلان ذلك في محله

[ 112 ]

إن شاء الله وهو لو ثبت فغايته حدس وتخمين وليس مما ذكرناه في شئ. ومن هؤلاء قوم من العامة استنبطوا لاستخراج الغيب وتعرف الكائنات صناعة سموها خط الرمل نسبة إلى المادة التي يضعون فيها عملهم ومحصول هذه الصناعة أنهم صيروا من النقط أشكالا ذات أربع مراتب تختلف باختلاف مراتبها في الزوجية والفردية واستوائها فيهما فكانت ستة عشر شكلا لانها إن كانت أزواجا كلها أو أفرادا كلها فشكلان وإن كان الفرد فيهما في مرتبة واحدة فقط فأربعة أشكال وإن كان الفرد في مرتبتين فستة أشكال وإن كان في ثلاث مراتب فأربعة أشكال جاءت ستة عشر شكلا ميزوها كلها بأسمائها وأنواعها إلى سعود ونحوس شأن الكواكب وجعلوا لها ستة عشر بيتا طبيعية بزعمهم وكأنها البروج الاثنا عشر التي للفلك والاوتاد الاربعة وجعلوا لكل شكل منها بيتا وخطوطا ودلالة على صنف من موجودات عالم العناصر يختص به واستنبطوا من ذلك فنا حاذوا به فن النجامة ونوع فضائه إلا أن أحكام النجامة مستندة إلى أوضاع طبيعية كما يزعم بطليموس وهذه إنما مستندها أوضاع تحكيمية وأهواء اتفاقية ولا دليل يقوم على شئ منها ويزعمون أن أصل ذلك من النبؤات القديمة في العالم وربما نسبوها إلى دانيال أو إلى أدريس صلوات الله عليهما شأن الصنائع كلها وربما يدعون مشروعيتها ويحتجون يقوله صلى الله عليه وسلم كان نبي يخط فمن وافق خطه فذاك وليس في الحديث دليل على مشروعية خط الرمل كما يزعمه بعض من لا تحصيل لديه لان معنى الحديث كان نبي يخط فيأتيه الوحي عند ذلك الخط ولا استحالة في أن يكون ذلك عادة لبعض الانبياء فمن وافق خطه ذلك النبي فهو ذاك أي فهو صحيح من بين الخط بما عضده من الوحي لذلك النبي الذي كانت عادته أن يأتيه الوحي عند الخط وأما إذا أخذ ذلك من الخط مجردا من غير موافقة وحي فلا وهذا معنى الحديث والله أعلم. فإذا أرادوا استخراج مغيب بزعمهم عمدوا إلى قرطاس أو رمل أو دقيق فوضعوا النقط سطورا على عدد المراتب الاربع ثم كرروا ذلك أربع مرات فتجئ ستة عشر سطرا ثم يطرحون النقط أزواجا ويضعون ما بقي من كل سطر زوجا كان أو فردا في مرتبته على الترتيب فتجئ أربعة أشكال يضعونها في سطر متتالية ثم يولدون منها

[ 113 ]

أربعة أشكال أخرى من جانب العرض باعتبار كل مرتبة وما قابلها من الشكل الذي بإزائه وما يجتمع منهما من زوج أو فرد فتكون ثمانية أشكال موضوعة في سطر ثم يولدون من كل شكلين شكلا تحتهما باعتبار ما يجتمع في كل مرتبة من مراتب الشكلين أيضا من زوج أو فرد فتكون أربعة أخرى تحتها ثم يولدون من الاربعة شكلين كذلك تحتها من الشكلين شكلا كذلك تحتهما ثم من هذا الشكل الخامس عشر مع الشكل الاول شكلا يكون آخر الستة عشر ثم يحكمون على الخط كله بما اقتضته أشكاله من السعودة والنحوسة بالذات والنظر والحلول والامتزاج والدلالة على أصناف الموجودات وسائر ذلك تحكما غريبا وكثرت هذه الصناعة في العمران ووضعت فيها التآليف واشتهر فيها الاعلام من المتقدمين والمتأخرين وهي كما رأيت تحكم وهوى والتحقيق الذي ينبغي أن يكون نصب فكرك أن الغيوب لا تدرك بصناعة البتة ولا سبيل إلى تعرفها إلا للخواص من البشر المفطورين على الرجوع من عالم الحس إلى عالم الروح ولذلك يسمي المنجمون هذا الصنف كلهم بالزهريين نسبة إلى ما تقتضيه دلالة الزهرة بزعمهم في أصل مواليدهم على إدراك الغيب فالخط وغيره من هذه إن كان الناظر فيه من أهل هذه الخاصية وقصد بهذه الامور التي ينظر فيها من النقط أو العظام أو غيرها إشغال الحس لترجع النفس إلى عام الروحانيات لحظة ما فهو من باب الطرق بالحصى والنظر في قلوب الحيوانات والمرايا الشفافة كما ذكرناه وإن لم يكن كذلك وإنما قصد معرفة الغيب بهذه الصناعة وأنها تفيده ذلك فهذر من القول والعمل والله يهدي من يشاء. والعلامة لهذه الفطرة التي فطر عليها أهل هذا الادراك الغيبي أنهم عند توجههم إلى تعرف الكائنات يعتريهم خروج عن حالتهم الطبيعية كالتثاؤب والتمطط ومبادئ الغيبة عن الحس ويختلف ذلك بالقوة والضعف على اختلاف وجودها فيهم فمن لم توجد له هذه العلامة فليس من إدراك الغيب في شئ وإنما هو ساع في تنفيق كذبه ومنهم طوائف يضعون قوانين لاستخراج الغيب ليست من الطور الاول الذي هو من مدارك النفس الروحانية ولا من الحدس المبني على تأثيرات النجوم كما

[ 114 ]

زعمه بطليموس ولا من الظن والتخمين الذي يحاول عليه العرافون وإنما هي مغالط بجعلونها كالمصائد لاهل العقول المستضعفة ولست أذكر من ذلك إلا ما ذكره المصنفون وولع به الخواص فمن تلك القوانين الحساب الذي يسمونه حساب النيم وهو مذكور في آخر كتاب السياسة المنسوب لارسطو يعرف به الغالب من المغلوب في المتحاربين من الملوك وهو أن تحسب الحروف التي في اسم أحدهما بحساب الجمل المصطلح عليه في حروف أبجد من الواحد إلى الالف آحادا وعشرات ومئين وألوفا فإذا حسبت الاسم وتحصل لك منه عدد فاحسب اسم الآخر كذلك ثم اطرح من كل واحد منهما تسعة تسعة واحفظ بقية هذا وبقية هذا ثم انظر بين العددين الباقيين من حساب الاسمين فإن كان العددان مختلفين في الكمية وكانا معا زوجين أو فردين معا فصاحب الاقل منهما هو الغالب وإن كان أحدهما زوجا والآخر فردا فصاحب الاكثر هو الغالب وإن كانا متساويين في الكمية وهما معا زوجان فالمطلوب هو الغالب وإن كانا معا فردين فالطالب هو الغالب ويقال هنالك بيتان في هذا العمل اشتهرا بين الناس وهما أرى الزوج والافراد يسمو أقلها * وأكثرها عند التحالف غالب ويغلب مطلوب إذا الزوج يستوي * وعند استواء الفرد يغلب طالب ثم وضعوا لمعرفة ما بقي من الحروف بعد طرحها بتسعة قانونا معروفا عندهم في طرح تسعة وذلك أنهم جمعوا الحروف الدالة على الواحد في المراتب الاربع وهي (ا) الدالة على الواحد و (ي) الدالة على العشرة وهي واحد في مرتبة العشرات و (ق) الدالة على المائة لانها واحد في مرتبة المئين و (ش) الدالة على الالف لانها واحد في مرتبة الآلاف وليس بعد الالف عدد يدل عليه بالحروف لان الشين هي آخر حروف أبجد ثم رتبوا هذه الاحرف الاربعة على نسق المراتب فكان منها كلمة رباعية وهي (ايقش) ثم فعلوا ذلك بالحروف الدالة على اثنين في المراتب الثلاث وأسقطوا مرتبة الآلاف منها لانها كانت آخر حروف أبجد فكان مجموع حروف الاثنين في المراتب الثلاث ثلاثة حروف وهي (ب) الدالة على اثنين في الآحاد و (ك) الدالة على اثنين في العشرات وهي عشرون و (ر) الدالة على اثنين في المئين

[ 115 ]

وهي مائتان وصيروها كلمة واحدة ثلاثية على نسق المراتب وهي بكر ثم فعلوا ذلك بالحروف الدالة على ثلاثة فنشأت عنها كلمة جلس وكذلك إلى آخر حروف أبجد وصارت تسع كلمات نهاية عدد الآحاد وهي ايقش بكر جلس دمت هنث وصخ زعد حفظ طضغ مرتبة على توالي الاعداد ولكل كلمة منها عددها الذي هي في مرتبته فالواحد لكلمة ايقش والاثنان لكلمة بكر والثلاثة لكلمة جلس وكذلك إلى التاسعة التي هي طضغ فتكون لها التسعة فإذا أرادوا طرح الاسم بتسعة نظروا كل حرف منه في أي كلمة هو من هذه الكلمات وأخذوا عددها مكانه ثم جمعوا الاعداد التي يأخذونها بدلا من حروف الاسم فإن كانت زائدة على التسعة أخذوا ما فضل عنها وإلا أخذوه كما هو ثم يفعلون كذلك بالاسم الآخر وينظرون بين الخارجين بما قدمناه والسر في هذا بين وذلك أن الباقي من كل عقد من عقود الاعداد بطرح تسعة إنما هو واحد فكأنه يجمع عدد العقود خاصة من كل مرتبة فصارت أعداد العقود كأنها آحاد فلا فرق بين الاثنين والعشرين والمائتين والالفين وكلها اثنان وكذلك الثلاثة والثلاثون والثلاثمائة والثلاثة الآلاف كلها ثلاثة ثلاثة فوضعت الاعداد على التوالي دالة على أعداد العقود لا غير وجعلت الحروف الدالة على أصناف العقود في كل كلمة من الآحاد والعشرات والمئين والالوف (1) وصار عدد الكلمة الموضوع عليها نائبا عن كل حرف فيها سواء دل على الآحاد أو العشرات أو المئين فيؤخذ عدد كل كلمة عوضا من الحروف التي فيها وتجمع كلها إلى آخرها كما قلناه هذا هو العمل المتداول بين الناس منذ الامر القديم وكان بعض من لقيناه من شيوخنا ترى أن الصحيح فيها كلمات أخرى تسعة مكان هذه ومتوالية كتواليها ويفعلون بها في الطرح بتسعة مثل ما يفعلونه بالاخرى سواء وهي هذه ارب يسقك جزلط مدوص هف تحذن عش خع ثضظ تسع كلمات على توالي العدد ولكل كلمة منها عددها الذي في مرتبته فيها الثلاثي والرباعي والثنائي وليست جارية على أصل مطرد كما تراه لكن كان شيوخنا ينقلونها عن شيخ المغرب في هذه المعارف من السيمياء وأسرار الحروف والنجامة وهو أبو العباس بن البناء ويقولون عنه أن العمل بهذه


(1) قوله. الالوف فيه نظر لان الحروف ليس فيها ما يزيد عن الالف كما سبق في كلامه (*)

[ 116 ]

الكلمات في طرح حساب النيم أصج من العمل بكلمات ايقش والله يعلم كيف ذلك وهذه كلها مدارك للغيب غير معزو إلى أرسطو عند المحققين لما فيه من الآراء البعيدة عن التحقيق والبرهان يشهد لك بذلك تصفحه إن كنت من أهل الرسوخ اه‍. ومن هذه القوانين الصناعية لاستخراج الغيوب فيما يزعمون الزايرجة المسماة بزايرجة العالم المعزوة إلى أبي العباس سيدي أحمد السبتي من أعلام المتصوفة بالمغرب كان في آخر المائة السادسة بمراكش ولعهد أبي يعقوب المنصور من ملوك الموحدين وهي غريبة العمل صناعة وكثير من الخواض يولعون بإفادة الغيب منها بعملها المعروف الملغوز فيحرضون بذلك على حل رمزه وكشف غامضه وصورتها التي يقع العمل عندهم فيها دائرة عظيمة في داخلها دوائر متوازية للافلاك والعناصر والمكونات والروحانيات وغير ذلك من أصناف الكائنات والعلوم وكل دائرة مقسومة بأقسام فلكها إما البروج وإما العناصر أو غيرهما وخطوط كل قسم مارة إلى المركز ويسمونها الاوتار وعلى كل وتر حروف متتابعة موضوعة فمنها برشوم (1) الزمام التي هي أشكال الاعداد عند أهل الدواوين والحساب بالمغرب لهذا العهد ومنها برشوم الغبار المتعارفة في داخل الزايرجة وبين الدوائر أسماء العلوم ومواضع الاكوان وعلى ظاهر الدوائر جدول متكثر البيوت المتقاطعة طولا وعرضا يشتمل على خمسة وخمسين بيتا في العرض ومائة وواحد وثلاثين في الطول جوانب منه معمورة البيوت تارة بالعدد وأخرى بالحروف وجوانب خالية البيوت ولا تعلم نسبة تلك الاعداد في أوضاعها ولا القسمة التي عينت البيوت العامرة من الخالية وحافات الزايرجة أبيات من عروض الطويل على روي اللام المنصوبة تتضمن صورة العمل في استخراج المطلوب من تلك الزايرجة إلا أنها من قبيل الالغاز في عدم الوضوح والجلاء وفي بعض جوانب الزايرجة بيت من الشعر منسوب لبعض أكابر أهل الحدثان بالمغرب وهو مالك بن وهيب من علماء أشبيلية كان في الدولة اللمتونية ونص البيت سؤال عظيم الخلق حزت فصن إذن * غرائب شك ضبطه الجد مثلا وهو البيت المتداول عندهم في العمل لاستخراج الجواب من السؤال في هذه الزايرجة


(1) قوله برشوم اي موضوعة بضم الراء جمع رشم باشين المعجمة اه‍ (*)

[ 117 ]

وغيرها فإذا أرادوا استخراج الجواب عما يسأل عنه من المسائل كتبوا ذلك السؤال وقطعوه حروفا ثم أخذوا الطالع لذلك الوقت من بروج الفلك ودرجها وعمدوا إلى الزايرجة ثم إلى الوتر المكتنف فيها بالبرج الطالع من أوله مارا إلى المركز ثم إلى محيط الدائرة قبالة الطالع فيأخذون جميع الحروف المكتوبة عليه من أوله إلى آخره والاعداد المرسومة بينهما ويصيرونها حروفا بحساب الجمل وقد ينقلون آحادها إلى العشرات وعشراتها إلى المئين وبالعكس فيهما كما يقتضيه قانون العمل عندهم ويضعونها مع حروف السؤال ويضيفون إلى ذلك جميع ما على الوتر المكتنف بالبرج الثالث من الطالع من الحروف والاعداد من أوله إلى المركز فقط لا يتجاوزونه إلى المحيط ويفعلون بالاعداد ما فعلوه بالاول ويضيفونها إلى الحروف الاخرى ثم يقطعون حروف البيت الذي هو أصل العمل وقانونه عندهم وهو بيت مالك بن وهيب المتقدم ويضعونها ناحية ثم يضربون عدد درج الطالع في أس البرج وأسه عندهم هو بعد البرج عن آخر المراتب عكس ما عليه الاس عند أهل صناعة الحساب فإنه عندهم البعد عن أول المراتب ثم يضربونه في عدد آخر يسمونه الاس الاكبر والدور الاصلي ويدخلون بما تجمع لهم من ذلك في بيوت الجدول على قوانين معروفة وأعمال مذكورة وأدوار معدودة ويستخرجون منها حروفا ويسقطون أخرى ويقابلون بما معهم في حروف البيت وينقلون منه ما ينقلون إلى حروف السؤال وما معها ثم يطرحون تلك الحروف بأعداد معلومة يسمونها الادوار ويخرجون في كل دور الحرف الذي ينتهي عنده الدور ويعاودون ذلك بعدد الادوار المعينة عندهم لذلك فيخرج آخرها حروف متقطعة وتؤلف على التوالي فتصير كلمات منظومة في بيت واحد على وزن البيت الذي يقابل به العمل ورويه وهو بيت مالك ابن وهيب المتقدم حسبما نذكر ذلك كله في فصل العلوم عند كيفية العمل بهذه الزايرجة وقد رأينا كثيرا من الخواص يتهافتون على استخراج الغيب منها بتلك الاعمال ويحسبون أن ما وقع من مطابقة الجواب للسؤال في توافق الخطاب دليل على مطابقة الواقع وليس ذلك بصحيح لانه قد مر لك أن الغيب لا يدرك بأمر صناعي البتة وإنما المطابقة التي فيها بين الجواب والسؤال من حيث الافهام والتوافق في الخطاب حتى يكون

[ 118 ]

الجواب مستقيما أو موافقا للسؤال ووقوع ذلك في هذه الصناعة في تكسير الحروف المجتمعة من السؤال والاوتار والدخول في الجدول بالاعداد المجتمعة من ضرب الاعداد المفروضة واستخراج الحروف من الجدول بذلك وطرح أخرى ومعاودة ذلك في الادوار المعدودة ومقابلة ذلك كله بحروف البيت على التوالي غير مستنكر وقد يقع الاطلاع من بعض الاذكياء على تناسب بين هذه الاشياء فيقع له معرفة المجهول فالتناسب بين الاشياء هو سبب الحصول على المجهول من المعلوم الحاصل للنفس وطريق لحصوله سيما من أهل الرياضة فإنها تفيد العقل قوة على القياس وزيادة في الفكر وقد مر تعليل ذلك غير مرة ومن أجل هذا المعنى ينسبون هذه الزايرجة في الغالب لاهل الرياضة فهي منسوبة للسبتي ولقد وقفت على أخرى منسوبة لسهل بن عبد الله ولعمري إنها من الاعمال الغريبة والمعاناة العجيبة والجواب الذي يخرج منها فالسر في خروجه منظوما يظهر لي إنما هو المقابلة بحروف ذلك البيت ولهذا يكون النظم على وزنه ورويه ويدل عليه أنا وجدنا أعمالا أخرى لهم في مثل ذلك أسقطوا فيها المقابلة بالبيت فلم يخرج الجواب منظوما كما تراه عند الكلام على ذلك في موضعه وكثير من الناس تضيق مداركهم عن التصديق بهذا العمل ونفوذه إلى المطلوب فينكر صحتها ويحسب أنها من التخيلات والايهامات وأن صاحب العمل بها يثبت حروف البيت الذي ينظمه كما يريد بين أثناء حروف السؤال والاوتار ويفعل تلك الصناعات على غير نسبة ولا قانون ثم يجئ بالبيت ويوهم أن العمل جاء على طريقة منضبطة وهذا الحسبان توهم فاسد حمل عليه القصور عن فهم التناسب بين الموجودات والمعدومات والتفاوت بين المدارك والعقول ولكن من شأن كل مدرك إنكار ما ليس في طوقه إدراكه ويكفينا في رد ذلك مشاهدة العمل بهذه الصناعة والحدس القطعي فإنها جاءت بعمل مطرد وقانون صحيح لا مرية فيه عند من يباشر ذلك ممن له ذكاء وحدس وإذا كان كثير من المعاياة في العدد الذي هو أوضح الواضحات يعسر على الفهم إدراكه لبعد النسبة فيه وخفائها فما ظنك بمثل هذا مع خفاء النسبة فيه وغرابتها فلنذكر مسألة من المعاياة يتضح لك بها شئ مما ذكرنا مثاله لو قيل لك خذ عددا من الدراهم واجعل بإزاء كل درهم ثلاثة من

[ 119 ]

الفلوس ثم اجمع الفلوس التي أخذت واشتر بها طائرا ثم اشتر بالدراهم كلها طيورا بسعر ذلك الطائر فكم الطيور المشتراة بالدراهم فجوابه أن تقول هي تسعة لانك تعلم أن فلوس الدراهم أربعة وعشرون وأن الثلاثة ثمنها وأن عدة أثمان الواحد ثمانية فإذا جمعت الثمن من الدراهم إلى الثمن الآخر فكان كله ثمن طائر فهي ثمانية طيور عدة أثمان الواحد وتزيد على الثمانية طائرا آخر وهو المشترى بالفلوس المأخوذة أولا وعلى سعره اشتريت بالدراهم فتكون تسعة فأنت ترى كيف خرج لك الجواب المضمر بسر التناسب الذي بين أعداد المسألة والوهم أول ما يلقي إليك هذه وأمثالها إنما يجعله من قبيل الغيب الذي لا يمكن معرفته وظهر أن التناسب بين الامور هو الذي يخرج مجهولها من معلومها وهذا إنما هو في الواقعات الحاصلة في الوجود أو العلم وأما الكائنات المستقبلة إذا لم تعلم أسباب وقوعها ولا يثبت لها خبر صادق عنها فهو غيب لا يمكن معرفته وإذا تبين لك ذلك فالاعمال الواقعة في الزايرجة كلها إنما هي في استخراج الجواب من ألفاظ السؤال لانها كما رأيت استنباط حروف على ترتيب من تلك الحروف بعينها على ترتيب آخر وسر ذلك إنما هو من تناسب بينهما يطلع عليه بعض دون بعض فمن عرف ذلك التناسب تيسر عليه استخراج ذلك الجواب بتلك القوانين والجواب يدل في مقام آخر من حيث موضوع ألفاظه وتراكيبه على وقوع أحد طرفي السؤال من نفي أو إثبات وليس هذا من المقام الاول بل إنما يرجع لمطابقة الكلام لما في الخارج ولا سبيل إلى معرفة ذلك من هذه الاعمال بل البشر محجوبون عنه وقد استأثر الله بعلمه والله يعلم وأنتم لا تعلمون

[ 120 ]

الفصل الثاني في العمران البدوي والامم الوحشية والقبائل وما يعرض في ذلك من الاحوال وفيه فصول وتمهيدات الفصل الاول في ان اجيال البدو والحضر طبيعية إعلم أن اختلاف الاجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش فإن اجتماعهم إنما هو للتعاون على تحصيله والابتداء بما هو ضروري منه ونشيط قبل الحاجي والكمالي فمنهم من يستعمل الفلح من الغراسة والزراعة ومنهم من ينتحل القيام على الحيوان من الغنم والبقر والمعز والنحل والدود لنتاجها واستخراج فضلاتها وهؤلاء القائمون على الفلح والحيوان تدعوهم الضرورة ولا بد إلى البدو لانه متسع لما لا يتسع له الحواضر من المزارع والفدن والمسارح للحيوان وغير ذلك فكان اختصاص هؤلاء بالبدو أمرا ضروريا لهم وكان حينئذ اجتماعهم وتعاونهم في حاجاتهم ومعاشهم وعمرانهم من القوت والكن والدف ء إنما هو بالمقدار الذي يحفظ الحياة ويحصل بلغة العيش من غير مزيد عليه للعجز عما وراء ذلك ثم إذا اتسعت أحوال هؤلاء المنتحلين للمعاش وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفه دعاهم ذلك إلى السكون والدعة وتعاونوا في الزائد على الضرورة واستكثروا من الاقوات والملابس والتأنق فيها وتوسعة البيوت واختطاط المدن والامصار للتحضر ثم تزيد أحوال الرفه والدعة فتجئ عوائد الترف البالغة مبالغها في التأنق في علاج القوت واستجادة المطابخ وانتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها من الحرير والديباج وغير ذلك ومعالاة البيوت والصروح وإحكام وضعها في تنجيدها والانتهاء في الصنائع في الخروج من القوة إلى الفعل إلى غايتها فيتخذون القصور والمنازل ويجرون فيها المياه ويعالون في صرحها ويبالغون في تنجيدها ويختلفون في استجادة ما يتخذونه لمعاشهم من ملبوس أو فراش أو آنية أو ماعون وهؤلاء هم الحضر ومعناه الحاضرون أهل الامصار والبلدان ومن هؤلاء من ينتحل في معاشه الصنائع ومنهم من ينتحل التجارة

[ 121 ]

وتكون مكاسبهم أنمى وأرفه من أهل البدو لان أحوالهم زائدة على الضروري ومعاشهم على نسبة وجدهم فقد تبين أن أجيال البدو والحضر طبيعية لا بد منها كما قلناه الفصل الثاني في ان جيل العرب في الخلقة طبيعي قد قدمنا في الفصل قبله أن أهل البدو هم المنتحلون للمعاش الطبيعي من الفلح والقيام على الانعام وأنهم مقتصرون على الضروري من الاقوات والملابس والمساكن وسائر الاحوال والعوائد ومقصرون عما فوق ذلك من حاجي أو كمالي يتخذون البيوت من الشعر والوبر أو الشجر أو من الطين والحجارة غير منجدة إنما هو قصد الاستظلال والكن لا ما وراءه وقد ياوون إلى الغيران والكهوف وأما أقواتهم فيتناولون بها يسيرا بعلاج أو بغير علاج البتة إلا ما مسته النار فمن كان معاشه منهم في الزراعة والقيام بالفلح كان المقام به أولى من الظعن وهؤلاء سكان المدر والقرى والجبال وهم عامة البربر والاعاجم ومن كان معاشه في السائمة مثل الغنم والبقر فهم ظعن في الاغلب لارتياد المسارح والمياه لحيواناتهم فالتقلب في الارض أصلح بهم ويسمون شاوية ومعناه القائمون على الشاء والبقر ولا يبعدون في القفر لفقدان المسارح الطيبة وهؤلاء مثل البربر والترك وإخوانهم من التركمان والصقالبة وأما من كان معاشهم في الابل فهم أكثر ظعنا وأبعد في القفر مجالا لان مسارح التلول ونباتها وشجرها لا يستغني بها الابل في قوام حياتها عن مراعي الشجر بالقفر وورود مياهه الملحة والتقلب فصل الشتاء في نواحيه فرارا من أذى البرد إلى دف ء هوائه وطلبا لماخض النتاج في رماله إذ الابل أصعب الحيوان فصالا ومخاضا وأحوجها في ذلك إلى الدف ء فاضطروا إلى إبعاد النجعة وربما زادتهم الحامية عن التلول أيضا فأوغلوا في القفار نفرة عن الضعة منهم فكانوا لذلك أشد الناس توحشا وينزلون من أهل الحواضر منزلة الوحش غير المقدور عليه والمفترس من الحيوان العجم وهؤلاء هم العرب وفي معناهم ظعون البربر وزناتة بالمغرب والاكراد والتركمان والترك بالمشرق إلا أن العرب أبعد نجعة وأشد بداوة لانهم مختصون بالقيام على

[ 122 ]

الابل فقط وهؤلاء يقومون عليها وعلى الشياه والبقر معها فقد تبين لك أن جيل العرب طبيعي لا بد منه في العمران والله سبحانه وتعالى أعلم الفصل الثالث في ان البدو اقدم من الحضر وسابق عليه وان البادية اضل العمران والامصار مدد لها قد ذكرنا أن البدو هم المقتصرون على الضروري في أحوالهم العاجزون عما فوقه وأن الحضر المعتنون بحاجات الترف والكمال في أحوالهم وعوائدهم ولا شك أن الضروري أقدم من الحاجي والكمالي وسابق عليه ولان الضروري أصل والكمالي فرع ناشئ عنه فالبدو أصل للمدن والحضر وسابق عليهما لان أول مطالب الانسان الضروري ولا ينتهي إلى الكمال والترف إلا إذا كان الضروري حاصلا فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة ولهذا نجد التمدن غاية للبدوي يجري إليها وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها ومتى حصل على الرياش الذي يحصل له به أحوال الترف وعوائده عاج إلى الدعة وأمكن نفسه إلى قياد المدينة وهكذا شأن القبائل المتبدية كلهم والحضري لا يتشوف إلى أحوال البادية إلا لضرورة تدعوه إليها أو لتقصير عن أحوال أهل مدينته ومما يشهد لنا أن البدو أصل للحضر ومتقدم عليه أنا إذا فتشنا أهل مصر من الامصار وجدنا أولية أكثرهم من أهل البدو الذين بناحية ذلك المصر وعدلوا إلى الدعة والترف الذي في الحضر وذلك يدل على أن أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البداوة وأنها أصل لها فتفهمه. ثم إن كل واحد من البدو والحضر متفاوت الاحوال من جنسه فرب حي أعظم من حي وقبيلة أعظم من قبيلة ومصر أوسع من مصر ومدينة أكثر عمرانا من مدينة فقد تبين أن وجود البدو متقدم على وجود المدن والامصار وأصل لها بما أن وجود المدن والامصار من عوائد الترف والدعة التي هي متأخرة عن عوائد الضرورة المعاشية والله أعلم

[ 123 ]

الفصل الرابع في ان اهل البدو اقرب إلى الخير من اهل الحضر وسببه أن النفس إذا كانت على الفطرة الاولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شر قال صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه وبقدر ما سبق إليها من أحد الخلقين تبعد عن الآخر ويصعب عليها اكتسابه فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير وحصلت لها ملكته بعد عن الشر وصعب عليه طريقه وكذا صاحب الشر إذا سبقت إليه أيضا عوائده وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والاقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها وقد تلوثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم وبين كبرائهم وأهل محارمهم لا يصدهم عنه وازع الحشمة لما أخذتهم به عوائد السوء في التظاهر بالفواحش قولا وعملا وأهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنه في المقدار الضروري لا في الترف ولا في شئ من أسباب الشهوات واللذات ودواعيها فعوائدهم في معاملاتهم على نسبتها وما يحصل فيهم من مذاهب السوء ومذمومات الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقل بكثير فهم أقرب إلى الفطرة الاولى وأبعد عما ينطبع في النفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها فيسهل علاجهم عن علاج الحضر وهو ظاهر وقد يتوضح فيما بعد أن الحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشر والبعد عن الخير فقد تبين أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر والله يحب المتقين ولا يعترض على ذلك بما ورد في صحيح البخاري من قول الحجاج لسلمة بن الاكوع وقد بلغه أنه خرج إلى سكنى البادية فقال له ارتددت على عقبيك تعربت فقال لا ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لي في البدو فأعلم أن الهجرة افترضت أول الاسلام على أهل مكة ليكونوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث حل من المواطن ينصرونه ويظاهرونه على أمره ويحرسونه ولم تكن واجبة على الاعراب

[ 124 ]

اهل البادية لان أهل مكة يمسهم من عصبية النبي صلى الله عليه وسلم في المظاهرة والحراسة ما لا يمس غيرهم من بادية الاعراب وقد كان المهاجرون يستعيذون بالله من التعرب وهو سكنى البادية حيث لا تجب الهجرة وقال صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص عند مرضه بمكة اللهم أمض لاصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ومعناه أن يوفقهم لملازمة المدينة وعدم التحول عنها فلا يرجعوا عن هجرتهم التي ابتدأوا بها وهو من باب الرجوع على العقب في السعي إلى وجه من الوجوه وقيل أن ذلك كان خاصا بما قبل الفتح حين كانت الحاحة داعية إلى الهجرة لقلة المسلمين وأما بعد الفتح وحين كثر المسلمون واعتزوا وتكفل الله لنبيه بالعصمة من الناس فإن الهجرة ساقطة حينئذ لقوله صلى الله عليه وسلم لاهجرة بعد الفتح وقيل سقط إنشاؤها عمن يسلم بعد الفتح وقيل سقط وجوبها عمن أسلم وهاجر قبل الفتح والكل مجمعون على أنها بعد الوفاة ساقطة لان الصحابة افترقوا من يومئذ في الآفاق وانتشروا ولم يبق إلا فضل السكنى بالمدينة وهو هجرة فقول الحجاج لسلمة حين سكن البادية ارتددت على عقبيك تعربت نعى عليه في ترك السكنى بالمدينة بالاشارة إلى الدعاء المأثور الذي قدمناه وهو قوله لا تردهم على أعقابهم وقوله تعربت إشارة إلى أنه صار من الاعراب الذين لا يهاجرون وأجاب سلمة بإنكار ما ألزمه من الامرين وأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له في البدو ويكون ذلك خاصا به كشهادة خزيمة وعناق أبي بردة أو يكون الحجاج إنما نعى عليه ترك السكنى بالمدينة فقط لعلمه بسقوط الهجرة بعد الوفاة وأجابه سلمة بأن اغتنامه لاذن النبي صلى الله عليه وسلم أولى وأفضل فما آثره به واختصه إلا لمعنى علمه فيه وعلى كل تقدير فليس دليلا على مذمة البدو الذي عبر عنه بالتعرب لان مشروعية الهجرة إنما كانت كما علمت لمظاهرة النبي صلى الله عليه وسلم وحراسته لا لمذمة البدو فليس في النعي على ترك هذا الواجب دليل على مذمة التعرب والله سبحانه أعلم وبه التوفيق

[ 125 ]

الفصل الخامس في ان اهل البدو اقرب إلى الشجاعة من اهل الحضر والسبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة وانغمسو في النعيم والترف ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تولت حراستهم واستناموا إلى الاسوار التي تحوطهم والحرز الذي يحول دونهم فلا تهيجهم هيعة ولا ينفر لهم صيد فهم غارون آمنون قد ألقوا السلاح وتوالت على ذلك منهم الاجيال وتنزلوا منزلة النساء والولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم حتى صار ذلك خلقا يتنزل منزلة الطبيعة وأهل البدو لتفردهم عن المجتمع وتوحشهم في الضواحي وبعدهم عن الحامية وانتباذهم عن الاسوار والابواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها إلى سواهم ولا يثقون فيها بغيرهم فهم دائما يحملون السلاح ويتلفتون عن كل جانب في الطرق ويتجافون عن الهجوع إلا غرارا في المجالس وعلى الرحال وفوق الاقتاب ويتوجسون للنبآت والهيعات ويتفردون في القفر والبيداء مدلين ببأسهم واثقين بأنفسهم قد صار لهم البأس خلقا والشجاعة سجية يرجعون إليها متى دعاهم داع أو استنفرهم صارخ وأهل الحضر مهما خالطوهم في البادية أو صاحبوهم في السفر عيال عليهم لا يملكون معهم شيئا من أمر أنفسهم وذلك مشاهد بالعيان حتى في معرفة النواحي والجهات وموارد المياه ومشارع السبل وسبب ذلك ما شرحناه وأصله أن الانسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه فالذي ألفه في الاحوال حتى صار خلقا وملكة وعادة تنزل منزلة الطبيعة والجبلة واعتبر ذلك في الآدميين تجده كثيرا صحيحا والله يخلق ما يشاء الفصل السادس في ان معاناة اهل الحضر للحكام مفسدة للباس فيهم ذاهبة بالمنفعة منهم وذلك أنه ليس كل احد مالك أمر نفسه إذ الرؤساء والامراء المالكون لامر الناس قليل بالنسبة إلى غيرهم فمن الغالب أن يكون الانسان في ملكة غيره ولابد فإن كانت الملكة رفيقة وعادلة لا يعاني منها حكم ولامنع وصد كان الناس من تحت

[ 126 ]

يدها مدلين بما في أنفسهم من شجاعة أو جبن واثقين بعدم الوازع حتى صار لهم الا دلال جبلة لا يعرفون سواها وأما إذا كانت الملكة وأحكامها بالقهر والسطوة والاخافة فتكسر حينئذ من سورة بأسهم وتذهب المنعة عنهم لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدة كما نبينه وقد نهى عمر سعدا رضي الله عنهما عن مثلها لما أخذ زهرة بن حوبة سلب الجالنوس وكانت قيمته خمسة وسبعين ألفا من الذهب وكان اتبع الجالنوس يوم القادسية فقتله وأخذ سلبه فانتزعه منه سعد وقال له هلا انتظرت في اتباعه إذني وكتب إلى عمر يستأذنه فكتب إليه عمر تعمد إلى مثل زهرة وقد صلى بما صلى به وبقي عليك ما بقي من حربك وتكسر فوقه وتفسد قلبه وأمضى له عمر سلبه وأما إذا كانت الاحكام بالعقاب فمذهبة للباس بالكلية لان وقوع العقاب به ولم يدافع عن نفسه يكسبه المذلة التي تكسر من سورة بأسه بلا شك وأما إذا كانت الاحكام تأديبية وتعليمية وأخذت من عهد الصبا أثرت في ذلك بعض الشئ لمرباه على المخافة والانقياد فلا يكون مدلا ببأسه ولهذا نجد المتوحشين من العرب أهل البدو أشد بأسا ممن تأخذه الاحكام ونجد أيضا الذين يعانون الاحكام وملكتها من لدن مرباهم في التأديب والتعليم في الصنائع والعلوم والديانات ينقص ذلك من بأسهم كثيرا ولا يكادون يدفعون عن أنفسهم عادية بوجه من الوجوه وهذا شأن طلبة العلم المنتحلين للقراءة والاخذ عن المشايخ والايمة الممارسين للتعليم والتاديب في مجالس الوقار والهيبة فيهم هذه الاحوال وذهابها بالمنعة والبأس ولا تستنكر ذلك بما وقع في الصحابة من أخذهم بأحكام الدين والشريعة ولم ينقص دلك من بأسهم بل كانوا أشد الناس بأسا لان الشارع صلوات الله عليه لما أخذ المسلمون عنه دينهم كان وازعهم فيه من أنفسهم لما تلي عليهم من الترغيب والترهيب ولم يكن بتعليم صناعي ولا تأديب تعليمي إنما هي أحكام الدين وآدابه المتلقاة نقلا يأخذون أنفسهم بها بما رسخ فيهم من عقائد الايمان والتصديق فلم تزل سورة بأسهم مستحكمة كما كانت ولم تخدشها أظفار التأديب والحكم قال عمر رضي الله عنه من لم يؤدبه الشرع لا أدبه الله حرصا على أن يكون الوازع لكل أحد من نفسه ويقينا بأن الشارع أعلم بمصالح العباد

[ 127 ]

ولما تناقص الدين في الناس وأخذوا بالاحكام الوازعة ثم صار الشرع علما وصناعة يؤخذ بالتعليم والتأديب ورجع الناس إلى الحضارة وخلق الانقياد إلى الاحكام نقصت بذلك سورة البأس فيهم فقد تبين أن الاحكام السلطانية والتعليمية مفسدة للبأس لان الوازع فيها ذاتي ولهذا كانت هذه الاحكام السلطانية والتعليمية مما تؤثر في أهل الحواضر في ضعف نفوسهم وخضد الشوكة منهم بمعاناتهم في وليدهم وكهولهم والبدو بمعزل من هذه المنزلة لبعدهم عن أحكام السلطان والتعليم والآداب ولهذا قال محمد بن ابي زيد في كتابه في أحكام المعلمين والمتعلمين أنه لا ينبغي للمؤدب أن يضرب أحدا من الصبيان في التعليم فوق ثلاثة أسواط نقله عن شريح القاضي واحتج له بعضهم بما وقع في حديث بدء الوحي من شأن الغط وأنه كان ثلاث مرات وهو ضعيف ولا يصلح شأن الغط أن يكون دليلا على ذلك لبعده عن التعليم المتعارف والله الحكيم الخبير الفصل السابع في ان سكنى البدو لا تكون لا للقبائل اهل العصبية إعلم أن الله سبحانه ركب في طبائع البشر الخير والشر كما قال تعالى وهديناه النجدين وقال فألهمها فجورها وتقواها والشر أقرب الخلال إليه إذا أهمل في مرعى عوائده ولم يهذبه الاقتداء بالدين وعلى ذلك الجم الغفير إلا من وفقه الله ومن أخلاق البشر فيهم الظلم والعدوان بعض على بعض فمن امتدت عينه إلى متاع أخيه فقد امتدت يده إلى أخذه إلا أن يصده وازع كما قال والظلم من شيم النفوس فإن تجد * ذا عفة فلعلة لا يظلم فأما المدن والامصار فعدوان بعضهم على بعض تدفعه الحكام والدولة بما قبضوا على أيدي من تحتهم من الكافة أن يمتد بعضهم على بعض أو يعدوعليه فهم مكبوحون بحكمة القهر والسلطان عن التظالم إلا إذا كان من الحاكم بنفسه وأما العدوان الذي من خارج المدينة فيدفعه سياج الاسوار عند الغفلة أو الغرة ليلا أو العجز عن المقاومة نهارا أو يدفعه ازدياد الحامية من أعوان الدولة عند الاستعداد والمقاومة وأما أحياء البدو فيزع بعضهم عن بعض مشائخهم وكبراؤهم بما وفر في

[ 128 ]

نفوس الكافة لهم من الوقار والتجلة وأما حللهم فإنما يذود عنها من خارج حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم المعروفين بالشجاعة فيهم ولا يصدق دفاعهم وذيادهم إلا إذا كانوا عصبية وأهل نسب واحد لانهم بذلك تشتد شوكتهم ويخشى جانبهم إذ نعرة كل أحد على نسبه وعصبيته أهم وما جعل الله في قلوب عباده من الشفقة والنعرة (1) على ذوي أرحامهم وقرباهم موجودة في الطبائع البشرية وبها يكون التعاضد والتناصر وتعظم رهبة العدو لهم واعتبر ذلك فيما حكاه القرآن عن إخوة يوسف عليه السلام حين قالوا لابيه لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون والمعنى أنه لا يتوهم العدوان على أحد مع وجود العصبة له وأما المتفردون في أنسابهم فقل أن تصيب أحدا منهم نعرة على صاحبه فإذا أظلم الجو بالشر يوم الحرب تسلل كل واحد منهم يبغي النجاة لنفسه خيفة واستيحاشا من التخاذل فلا يقدرون من أجل ذلك على سكنى القفر لما أنهم حينئذ طعمة لمن ينتهمهم من الامم سواهم وإذا تبين ذلك في السكنى التي تحتاج للمدافعة والحماية فبمثله يتبين لك في كل أمر يحمل الناس عليه من نبؤة أو إقامة ملك أو دعوة إذ بلوغ الغرض من دلك كله إنما يتم بالقتال عليه لما في طبائع البشر من الاستعصاء ولا بد في القتال من العصبية كما ذكرناه آنفا فاتخذه إماما تقتدي به فيما نورده عليك بعد والله الموفق للصواب الفصل الثامن في ان العصبية انما تكون من الالتحام بالنسب أو ما في معناه وذلك أن صلة الرحم طبيعي في البشر إلا في الاقل ومن صلتها النعرة على ذوي القربى وأهل الارحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا فإذا كان النسب المتواصل بين المتناصرين قريبا جدا بحيث حصل به الاتحاد والالتحام كانت الوصلة ظاهرة فاستدعت ذلك بمجردها ووضوحها وإذا بعد النسب بعض الشئ فربما تنوسي بعضها ويبقى منها شهرة


(1) النعرة والنعار بالضم فيهما والعبر الصراخ والصياح في حرب أو شر كما في القاموس (*)

[ 129 ]

فتحمل على النصرة لذوي نسبه بالامر المشهور منه فرارا من الغضاضة التي يتوهمها في نفسه من ظلم من هو منسوب إليه بوجه ومن هذا الباب الولاء والحلف إذ نعرة كل أحد على أهل ولائه وحلفه للالفة التي تلحق النفس من اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها بوجه من وجوه النسب وذلك لاجل اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريبا منها ومن هذا تفهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم بمعنى أن النسب إنما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الارام حتى تقع المناصرة والنعرة وما فوق ذلك مستغنى عنه إذ النسب أمر وهمي لاحقيقة له ونفعه إنما هو في هذه الوصلة والالتحام فإذا كان ظاهرا واضحا حمل النفوس على طبيعتها من النعرة كما قلناه وإذا كان إنما يستفاد من الخبر البعيد ضعف فيه الوهم وذهبت فائدته وصار الشغل به مجانا ومن أعمال اللهو المنهي عنه ومن هذا الاعتبار معنى قولهم النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر بمعنى أن النسب إذا خرج عن الوضوح وصار من قبيل العلوم ذهبت فائدة الوهم فيه عن النفس وانتفت النعرة التي تحمل عليها العصبية فلا منفعة فيه حينئذ والله سبحانه وتعالى أعلم الفصل التاسع في ان الصريح من النسب انما يوجد للمتوحشين في القفر من العرب ومن في معناهم وذلك لما اختصوا به من نكد العيش وشظف الاحوال وسوء المواطن حملتهم عليها الضرورة التي عينت لهم تلك القسمة وهي لما كان معاشهم من القيام على الابل ونتاجها ورعايتها والابل تدعوهم إلى التوحش في القفر لرعيها من شجره ونتاجها في رماله كما تقدم والقفر مكان الشظف والسغب فصار لهم إلفا وعادة وربيت فيه أجيالهم حتى تمكنت خلقا وجبلة فلا ينزع إليهم أحد من الامم أن يساهمهم في حالهم ولا يأنس بهم أحد من الاجيال بل لو وجد واحد منهم السبيل إلى الفرار من حاله وأمكنه ذلك لما تركه فيؤمن عليهم لاجل ذلك من اختلاط أنسابهم وفسادها ولا تزال بينهم محفوظة صريحة واعتبر ذلك في مضر من قريش وكنانة وثقيف وبني أسد وهذيل ومن جاورهم من خزاعة لما كانوا أهل شظف ومواطن غير ذات زرع

[ 130 ]

ولا ضرع وبعدوا من أرياف الشأم والعراق ومعادن الادم والحبوب كيف كانت أنسابهم صريحة محفوظة لم يدخلها اختلاط ولا عرف فيها شوب. وأما العرب الذين كانوا بالتلول وفي معادن الخصب للمراعي والعيش من حمير وكهلان مثل لخم وجذام وغسان وطي وقضاعة وإياد فاختلطت أنسابهم وتداخلت شعوبهم ففي كل واحد من بيوتهم من الخلاف عند الناس ما تعرف وإنما جاءهم ذلك من قبل العجم ومخالطتهم وهم لا يعتبرون المحافظة على النسب في بيوتهم وشعوبهم وإنما هذا للعرب فقط. قال عمر رضي الله تعالى عنه تعلموا النسب ولا تكونوا كنبط السواد إذا سئل أحدهم عن أصله قال من قرية كذا هذا أي ما لحق هؤلاء العرب أهل الارياف من الازدحام مع الناس على البلد الطيب والمراعي الخصيبة فكثر الاختلاط وتداخلت الانساب وقد كان وقع في صدر الاسلام الانتماء إلى المواطن فيقال جند قنسرين جند دمشق جند العواصم وانتقل ذلك إلى الاندلس ولم يكن لاطراح العرب أمر النسب وإنما كان لاختصاصهم بالمواطن بعد الفتح حتى عرفوا بها وصارت لهم علامة زائدة على النسب يتميزون بها عند أمرائهم ثم وقع الاختلاط في الحواضر مع العجم وغيرهم وفسدت الانساب بالجملة وفقدت ثمرتها من العصبية فاطرحت ثم ثلاشت القبائل ودثرت فدثرت العصبية بدثورها وبقي ذلك في البدو كما كان والله وارث الارض ومن عليها الفصل العاشر في اختلاط الانساب كيف يقع إعلم أنه من البين أن بعضا من أهل الانساب يسقط إلى أهل نسب آخر بقرابة إليهم أو حلف أو ولاء أو لفرار من قومه بجناية أصابها فيدعي بنسب هؤلاء ويعد منهم في ثمراته من النعرة والقود وحمل الديات وسائر الاحوال وإذا وجدت ثمرات النسب فكأنه وجد لانه لا معنى لكونه من هؤلاء ومن هؤلاء إلا جريان أحكامهم وأحوالهم عليه وكأنه التحم بهم ثم إنه قد يتناسى النسب الاول بطول الزمان ويذهب أهل العلم به فيخفى على الاكثر وما زالت الانساب تسقط من شعب إلى شعب ويلتحم قوم بآخرين في الجاهلية والاسلام والعرب والعجم. وانظر خلاف الناس في نسب

[ 131 ]

آل المنذر وغيرهم يتبين لك شئ من ذلك ومنه شأن بجيلة في عرفجة بن هرثمة لما ولاه عمر عليهم فسألوه الاعفاء منه وقالوا هو فينا لزيق أي دخيل ولصيق وطلبوا أن يولي عليهم جريرا فسأله عمر عن ذلك فقال عرفجة صدقوا يا أمير المؤمنين أنما رجل من الازد أصبت دما في قومي ولحقت بهم وانظر منه كيف اختلط عرفجة بجبيلة ولبس جلدتهم ودعي بنسبهم حتى ترشح للرئاسة عليهم لولا علم بعضهم بوشائجه ولو غفلوا عن ذلك وامتد الزمن لتنوسي بالجملة وعد منهم بكل وجه ومذهب فافهمه واعتبر سرا لله في خليقته ومثل هذا كثير لهذا العهد ولما قبله من العهود والله الموفق للصواب بمنه وفضله وكرمه الفصل الحادي عشر (1) في ان الرئاسة لا تزال في نصابها المخصوص من اهل العصبية إعلم أن كل حي أو بطن من القبائل وإن كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام ففيهم أيضا عصبيات أخرى لانساب خاصة هي أشد التحاما من النسب العام لهم مثل عشير واحد أو أهل بيت واحد أو إخوة بني أب واحد لا مثل بني العم الاقربين أو الابعدين فهؤلاء أقعد بنسبهم المخصوص ويشاركون من سواهم من العصائب في النسب العام والنعرة تقع من أهل نسبهم المخصوص ومن أهل النسب العام إلا أنها في النسب الخاص أشد لقرب اللحمة والرئاسة فيهم إنما تكون في نصاب واحد منهم ولا تكون في الكل ولما كانت الرئاسة إنما تكون بالغلب وجب أن تكون عصبية ذلك النصاب أقوى من سائر العصائب ليقع الغلب بها وتتم الرئاسة لاهلها فإذا وجب ذلك تعين أن الرئاسة عليهم لا تزال في ذلك النصاب المخصوص بأهل الغلب عليهم إذ لو خرجت عنهم وصارت في العصائب الاخرى النازلة عن عصابتهم في الغلب لما تمت لهم الرئاسة فلا تزال في ذلك النصاب متناقلة من فرع منهم إلى فرع ولا تنتقل إلا إلى الاقوى من فروعه لما قلناه من سر الغلب لان الاجتماع والعصبية بمثابة المزاج للمتكون والمزاج في المتكون لا يصلح إذا تكافأت


(1) هذا الفصل ساقط من النسخ الفارسية وموجود في النسخة الفرنسية واثباته اولى ليطابق كلام اول الفصل 12 اه‍ قاله نصر الهوريني (*)

[ 132 ]

العناصر فلا بد من غلبة أحدها وإلا لم يتم التكوين فهذا هو سر اشتراط الغلب في العصبية ومنه تعين استمرار الرئاسة في النصاب المخصوص بها كما قررناه الفصل الثاني عشر في ان الرئاسة على اهل العصبية لا تكون في غير نسبهم وذلك أن الرئاسة لا تكون إلا بالغلب والغلب إنما يكون بالعصبية كما قدمناه فلا بد في الرئاسة على القوم أن تكون من عصبية غالبة لعصبياتهم واحدة واحدة لان كل عصبية منهم إذا أحست بغلب عصبية الرئيس لهم أقروا بالاذعان والاتباع والساقط في نسبهم بالجملة لا تكون له عصبية فيهم بالنسب إنما هو ملصق لزيق وغاية التعصب له بالولاء والحلف وذلك لا يوجب له غلبا عليهم البتة وإذا فرضنا أنه قد التحم بهم واختلط وتنوسي عهده الاول من الالتصاق ولبس جلدتهم ودعي بنسبهم فكيف له الرئاسة قبل هذا الالتحام أو لاحد من سلفه والرئاسة على القوم إنما تكون متناقلة في منبت واحد. تعين له الغلب بالعصبية فالاولية التي كانت لهذا الملصق قد عرف فيها التصاقه من غير شك ومنعه ذلك الالتصاق من الرئاسة حينئذ فكيف تنوقلت عنه وهو على حال الالصاق والرئاسة لا بد وأن تكون موروثة عن مستحقها لما قلناه من التغلب بالعصبية وقد يتشوف كثير من الرؤساء على القبائل والعصائب إلى أنساب يلهجون بها إما لخصوصية فضيلة كانت في أهل ذلك النسب من شجاعة أو كرم أو ذكر كيف اتفق فينزعون إلى ذلك النسب ويتورطون بالدعوى في شعوبه ولا يعلمون ما يوقعون فيه أنفسهم من القدح في رئاستهم والطعن في شرفهم وهذا كثير في الناس لهذا العهد فمن ذلك ما يدعيه زناتة جملة أنهم من العرب ومنه ادعاء أولاد رباب المعروفين بالحجازيين من بني عامر أحد شعوب زغبة أنهم من بني سليم ثم من الشريد منهم لحق جدهم ببني عامر نجارا يصنع الحرجان (1) واختلط بهم والتحم بنسبهم حتى رأس عليهم ويسمونه الحجازي. ومن ذلك ادعاء بني عبد القوي بن العباس بن توجين أنهم من ولد العباس بن عبد المطلب رغبة في هذا النسب الشريف وغلطا باسم العباس بن عطية أبي عبد القوي ولم يعلم دخول أحد


(1) قوله الحرجان بكسر الحاء جمع حرج بفتحتين نعش الموتى. ا ه‍ (*)

[ 133 ]

من العباسيين إلى المغرب لانه كان منذ أول دولتهم على دعوة العلويين أعدائهم من الادارسة والعبيديين فكيف يكون من سبط العباس أحد من شيعة العلويين. وكذلك ما يدعيه أبناء زيان ملوك تلمسان من بني عبد الواحد أنهم من ولدا لقاسم بن أدريس ذهابا إلى ما اشتهر في نسبهم أنهم من ولد القاسم فيقولون بلسانهم الزناتي أنت القاسم أي بنو القاسم ثم يدعون أن القاسم هذا هو القاسم بن أدريس أو القاسم بن محمد بن أدريس ولو كان ذلك صحيحا فغاية القاسم هذا أنه فر من مكان سلطانه مستجيرا بهم فكيف تتم له الرئاسة عليهم في باديتهم وإنما هو غلط من قبل اسم القاسم فانه كثير الوجود في الادارسة فتوهموا أن قاسمهم من ذلك النسب وهم غير محتاجين لذلك فإن منالهم للملك والعزة إنما كان بعصبيتهم ولم يكن بادعاء علوية ولا عباسية ولا شئ من الانساب وإنما يحمل على هذا المتقربون إلى الملوك بمنازعهم ومذاهبهم ويشتهر حتى يبعد عن الرد ولقد بلغني عن يغمرا سن بن زيان مؤثل سلطانهم أنه لما قيل له ذلك أنكره وقال بلغته الزناتية ما معناه أما الدنيا والملك فنلناهما بسيوفنا لا بهذا النسب وأما نفعهما في الآخرة فمردود إلى الله وأعرض عن التقرب إليهما بذلك. ومن هذا الباب ما يدعيه بنو سعد شيوخ بني يزيد من زغبة أنهم من ولد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبنو سلامة شيوخ بني يدللتن من توجين أنهم من سليم والزواودة شيوخ رياح أنهم من أعقاب البرامكة وكذا بنو مهنا أمراء طيئ بالمشرق يدعون فيما بلغنا أنهم من أعقابهم وامثال ذلك كثير ورئاستهم في قومهم مانعة من ادعاء هذه الانساب كما ذكرناه بل تعين أن يكونوا من صريح ذلك النسب وأقوى عصبياته فاعتبره واجتنب المغالط فيه ولا تجعل من هذا الباب إلحاق مهدي الموحدين بنسب العلوية فإن المهدي لم يكن من منبت الرئاسة في هرثمة قومه وإنما رأس عليهم بعد اشتهاره بالعلم والدين ودخول قبائل المصامدة في دعوته وكان مع ذلك من أهل المنابت المتوسطة فيهم والله عالم الغيب والشهادة

[ 134 ]

الفصل الثالث عشر في ان البيت والشرف بالاصالة والحقيقة لاهل العصبية ويكون لغيرهم بالمجاز والشبه وذلك أن الشرف والحسب إنما هو بالخلال ومعنى البيت أن يعد الرجل في آبائه أشرافا مذكورين يكون له بولادتهم إياه والانتساب إليهم تجلة في أهل جلدته لما وقر في نفوسهم من تجلة سلفه وشرفهم بخلالهم. والناس في نشأتهم وتناسلهم معادن قال صلى الله عليه وسلم الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام إذا فقهوا فمعنى الحسب راجع إلى الانساب وقد بينا أن ثمرة الانساب وفائدتها إنما هي العصبية للنعرة والتناصر فحيث تكون العصبية مرهوبة والمنبت فيها زكي محمي تكون فائدة النسب أوضح وثمرتها أقوى وتعديد الاشراف من الآباء زائد في فائدتها فيكون الحسب والشرف أصليين في أهل العصبية لوجود ثمرة النسب وتفاوت البيوت في هذا الشرف بتفاوت العصبية لانه سرها ولايكون للمنفردين من أهل الامصار بيت إلا بالمجاز وإن توهموه فزخرف من الدعاوى وإذا اعتبرت الحسب في أهل الامصار وجدت معناه أن الرجل منهم يعد سلفا في خلال الخير ومخالطة أهله مع الركون إلى العافية ما استطاع وهذا مغاير لسر العصبية التي هي ثمرة النسب وتعديد الآباء لكنه يطلق عليه حسب وبيت بالمجاز لعلاقة ما فيه من تعديد الآباء المتعاقبين على طريقة واحدة من الخير ومسالكه وليس حسبا بالحقيقة وعلى الاطلاق وإن ثبت أنه حقيقة فيهما بالوضع اللغوي فيكون من المشكك الذي هو في بعض مواضعه أولى وقد يكون للبيت شرف أول بالعصبية والخلال ثم ينسلخون منه لذهابها بالحضارة كما تقدم ويختلطون بالغمار ويبقى في نفوسهم وسواس ذلك الحسب يعدون به أنفسهم من أشراف البيوتات أهل العصائب وليسوا منها في شئ لذهاب العصبية جملة وكثير من اهل الامصار الناشئين في بيوت العرب أو العجم لاول عهدهم موسوسون بذلك وأكثر ما رسخ الوسواس في ذلك لبني إسرائيل فإنه كان لهم بيت من أعظم بيوت العالم بالمنبت أولا لما تعدد في سلفهم من الانبياء والرسل من لدن إبرهيم عليه السلام إلى موسى صاحب ملتهم وشريعتهم ثم بالعصبية ثانيا وما

[ 135 ]

أتاهم الله بها من الملك الذي وعدهم به ثم أنسلخوا من ذلك أجمع وضربت عليهم الذلة والمسكنة وكتب عليهم الجلاء في الارض وانفردوا بالاستعباد للكفر آلافا من السنين ومازال هذا الوسواس مصاحبا لهم فتجدهم يقولون هذا هاروني هذا من نسل يوشع هذا من عقب كالب هذا من سبط يهوذا مع ذهاب العصبية ورسوخ الذل فيهم منذ أحقاب متطاولة وكثير من أهل الامصار وغيرهم المنقطعين في أنسابهم عن العصبية يذهب إلى هذا الهذيان. وقد غلط أبو الوليد بن رشد في هذا لما ذكر الحسب في كتاب الخطابة من تلخيص كتاب المعلم الاول والحسب هو أن يكون من قوم قديم نزلهم بالمدينة ولم يتعرض لما ذكرناه وليت شعري ما الذي ينفعه قدم نزلهم بالمدينة إن لم تكن له عصابة يرهب بها جانبه وتحمل غيرهم على القبول منه فكأنه أطلق الحسب على تعديد الآباء فقط مع أن الخطابة إنما هي استمالة من تؤثر استمالته وهم أهل الحل والعقد وأما من لا قدرة له البتة فلا يلتفت إليه ولا يقدر على استمالة أحد ولا يستمال هو وأهل الامصار من الحضر بهذه المثابة إلا ان ابن رشد ربا في جبل وبلد ولم يمارسوا العصبية ولا أنسوا أحوالها فبقي في أمر البيت والحسب على الامر المشهور من تعديد الآباء على الاطلاق ولم يراجع فيه حقيقة العصبية وسرها في الخليقة والله بكل شئ عليم الفصل الرابع عشر في ان البيت والشرف للموالي واهل الاصطناع انما هو بمواليهم لا بانسابهم وذلك أنا قدمنا أن الشرف بالاصالة والحقيقة إنما هو لاهل العصبية فإذا اصطنع أهل العصبية قوما من غير نسبهم أو استرقوا العبدان والموالي والتحموا به كما قلناه ضرب معهم أولئك الموالي والمصطنعون بنسبهم في تلك العصبية ولبسوا جلدتها كأنها عصبتهم وحصل لهم من الانتظام في العصبية مساهمة في نسبها كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم مولى القوم منهم وسواء كان مولى رق أو مولى اصطناع وحلف وليس نسب ولادته بنافع له في تلك العصبية إذ هي مباينة لذلك النسب وعصبية ذلك النسب مفقودة لذهاب سرها عند التحامه بهذا النسب الآخر وفقدانه أهل عصبيتها فيصير من هؤلاء ويندرج فيهم فإذا تعددت له الآباء في هذه العصبية كان له بينهم

[ 136 ]

شرف وبيت على نسبته في ولائهم واصطناعهم لا يتجاوزه إلى شرفهم بل يكون أدون منهم على كل حال وهذا شأن الموالي في الدول والخدمة كلهم فانهم إنما يشرفون بالرسوخ في ولاء الدولة وخدمتها وتعدد الآباء في ولايتها ألا ترى إلى موالي الاتراك في دولة بني العباس وإلى بني برمك من قبلهم وبني نوبخت كيف أدركوا البيت والشرف وبنوا المجد والاصالة بالرسوخ في ولاء الدولة فكان جعفر بن يحيى بن خالد من أعظم الناس بيتا وشرفا بالانتساب إلى ولاء الرشيد وقومه لا بالانتساب في الفرس وكذا موالي كل دولة وخدمها إنما يكون لهم البيت والحسب بالرسوخ في ولائها والاصالة في اصطناعها ويضمحل نسبه الاقدم من غير نسبها ويبقى ملغى لا عبرة به في أصالته ومجده وإنما المعتبر نسبة ولائه واصطناعه إذ فيه سر العصبية التي بها البيت والشرف فكان شرفه مشتقا من شرف مواليه وبناؤه من بنائهم فلم ينفعه نسب ولادته وإنما بنى مجده نسب الولاء في الدولة ولحمة الاصطناع فيها والتربية وقد يكون نسبه الاول في لحمة عصبيته ودولته فإذا ذهبت وصار ولاؤه واصطناعه في أخرى لم تنفعه الاولى لذهاب عصبيتها وانتفع بالثانية لوجودها وهذا حال بني برمك إذ المنقول أنهم كانوا أهل بيت في الفرس من سدنة بيوت النار عندهم ولما صاروا إلى ولاء بني العباس لم يكن بالاول اعتبار وإنما كان شرفهم من حيث ولايتهم في الدولة واصطناعهم وما سوى هذا فوهم توسوس به النفوس الجامحة ولا حقيقة له والوجود شاهد بما قلناه وإن أكرمكم عند الله أتقاكم والله ورسوله أعلم الفصل الخامس عشر في ان نهاية الحسب في العقب الواحد اربعة اباء إعلم أن العالم العنصري بما فيه كائن فاسد لا من ذواته ولا من أحواله بالمكونات من المعدن والنبات وجميع الحيوانات الانسان وغيره كائنة فاسدة بالمعاينة وكذلك ما يعرض لها من الاحوال وخصوصا الانسانية فالعلوم تنشأ ثم تدرس وكذا الصنائع وأمثالها والحسب من العوارض التي تعرض للآدميين فهو كائن فاسد لا محالة وليس يوجد لاحد من أهل الخليقة شرف متصل في آبائه من لدن آدم إليه إلا ما كان من ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم كرامة به وحياطة على السر فيه

[ 137 ]

وأول كل شرف خارجية كما قيل وهي الخروج عن الرئاسة والشرف إلى الضعة والابتذال وعدم الحسب ومعناه أن كل شرف وحسب فعدمه سابق عليه شأن كل محدث ثم إن نهايته في أربعة آباء وذلك أن باني المجد عالم بما عاناه في بنائه ومحافظ على الخلال التي هي أسباب كونه وبقائه وابنه من بعده مباشر لابيه فقد سمع منه ذلك وأخذه عنه إلا أنه مقصر في ذلك تقصير السامع بالشئ عن المعاني له ثم إذا جاء الثالث كان حظه الاقتفاء والتقليد خاصة فقصر عن الثاني تقصير المقلد عن المجتهد ثم إذا جاء الرابع قصر عن طريقتهم جملة وأضاع الخلال الحافظة لبناء مجدهم واحتقرها وتوهم أن ذلك البنيان لم يكن بمعاناة ولا تكلف وإنما هو أمر وجب لهم منذ أول النشأة بمجرد انتسابهم وليس بعصابة ولا بخلال لما يرى من التجلة بين الناس ولا يعلم كيف كان حدوثها ولا سببها ويتوهم أنه النسب فقط فيربأ بنفسه عن أهل عصبيته ويرى الفضل له عليهم وثوقا بما ربي فيه من استتباعهم وجهلا بما أوجب ذلك الاستتباع من الخلال التي منها التواضع لهم والاخذ بمجامع قلوبهم فيحتقرهم بذلك فينغصون عليه ويحتقرونه ويديلون منه سواه من أهل ذلك المنبت ومن فروعه في غير ذلك العقب للاذعان لعصبيتهم كما قلناه بعد الوثوق بما يرضونه من خلاله فتنمو فروع هذا وتذوي فروع الاول وينهدم بناء بيته هذا في الملوك وهكذا في بيوت القبائل والامراء وأهل العصبية أجمع ثم في بيوت أهل الامصار إذا انحطت بيوت نشأت بيوت أخرى من ذلك النسب إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز واشتراط الاربعة في الاحساب إنما هو في الغالب وإلا فقد يدثر البيت من دون الاربعة ويتلاشى وينهدم وقد يتصل أمرها إلى الخامس والسادس إلا أنه في انحطاط وذهاب واعتبار الاربعة من قبل الاجيال الاربعة بان ومباشر له ومقلد وهادم وهو أقل ما يمكن وقد اعتبرت الاربعة في نهاية الحسب في باب المدح والثناء قال صلى الله عليه وسلم إنما الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم إشارة إلى أنه بلغ الغاية من المجد وفي التوراة ما معناه إن الله ربك طائق غيور مطالب بذنوب الآباء للبنين على الثوالث والروابع وهذا يدل على أن الاربعة الاعقاب غاية

[ 138 ]

في الانساب والحسب. وفي كتاب الاغاني في أخبار عزيف الغواني أن كسرى قال للنعمان هل في العرب قبيلة تتشرف على قبيلة قال نعم قال بأي شئ قال من كان له ثلاثة آباء متوالية رؤساء ثم اتصل ذلك بكمال الرابع فالبيت من قبيلته وطلب ذلك فلم يجده إلا في آل حذيفة بن بدر الفزاري وهم بيت قيس وآل ذي الجدين بيت شيبان وآل الاشعث بن قيس من كندة وآل حاجب بن زرارة وآل قيس بن عاصم المنقري من بني تميم فجمع هؤلاء الرهط ومن تبعهم من عشائرهم وأقعد لهم الحكام والعدول فقام حذيفة بن بدر ثم الاشعث بن قيس لقرابته من النعمان ثم بسطام بن قيس بن شيبان ثم حاجب بن زرارة ثم قيس بن عاصم وخطبوا ونثروا فقال كسرى كلهم سيد يصلح لموضعه وكانت هذه البيوتات هي المذكورة في العرب بعد بني هاشم ومعهم بيت بني الذبيان من بني الحرث بن كعب اليمني وهذا كله يدل على أن الاربعة الآباء نهاية في الحسب والله أعلم الفصل السادس عشر في ان الامم الوحشية اقدر على التغلب ممن سواها إعلم أنه لما كانت البداوة سببا في الشجاعة كما قلناه في المقدمة الثالثة لا جرم كان هذا الجيل الوحشي أشد شجاعة من الجيل الآخر فهم أقدر على التغلب وانتزاع ما في أيدي سواهم من الامم بل الجيل الواحد تختلف أحواله في ذلك باختلاف الاعصار فكلما نزلوا الارياف وتفنقوا النعيم وألفوا عوائد الخصب في المعاش والنعيم نقص من شجاعتهم بمقدار ما نقص من توحشهم وبداوتهم واعتبر ذلك في الحيوانات العجم بدواجن الظباء والبقر الوحشية والحمر إذا زال توحشها بمخالطة الآدميين وأخصب عيشها كيف يختلف حالها في الانتهاض والشدة حتى في مشيتها وحسن أديمها وكذلك الآدمي المتوحش إذا أنس وألف وسببه أن تكون السجايا والطبائع إنما هو عن المألوفات والعوائد وإذا كان الغلب للامم إنما يكون بالاقدام والبسالة فمن كان من هذه الاجيال أعرق في البداوة وأكثر توحشا كان أقرب إلى التغلب على سواه إذا تقاربا في العدد وتكافأ في القوة العصبية وانظر في ذلك شأن مضر مع من قبلهم من حمير وكهلان السابقين إلى الملك والنعيم ومع

[ 139 ]

ربيعة المتوطنين أرياف العراق ونعيمه لما بقي مضر في بداوتهم وتقدمهم الآخرون إلى خصب العيش وغضارة النعيم كيف أرهفت البداوة حدهم في التغلب فغلبوهم على ما في أيديهم وانتزعوه منهم وهذا حال بني طئ وبني عامر بن صعصعة وبني سليم بن منصور ومن بعدهم لما تأخروا في باديتهم عن سائر قبائل مضر واليمن ولم يتلبسوا بشئ من دنياهم كيف أمسكت حال البداوة عليهم قوة عصبيتهم ولم تخلفها مذاهب الترف حتى صاروا أغلب على الامر منهم وكذا كل حي من العرب يلي نعيما وعيشا خصبا دون الحي الآخر فإن الحي المبتدئ يكون أغلب له وأقدر عليه إذا تكافأا في القوة والعدد سنة الله في خلقه الفصل السابع عشر في ان الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك وذلك لانا قدمنا أن العصبية بها تكون الحماية والمدافعة والمطالبة وكل أمر يجتمع عليه وقدمنا أن الآدميين بالطبيعة الانسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض فلا بد أن يكون متغلبا عليهم بتلك العصبية وإلا لم تتم قدرته على ذلك وهذا التغلب هو الملك وهو أمر زائد على الرئاسة لان الرئاسة إنما هي سؤدد وصاحبها متبوع وليس له عليهم قهر في أحكامه وأما الملك فهو التغلب والحكم بالقهر وصاحبها متبوع وليس له عليهم قهر في أحكامه وأما الملك فهو التغلب والحكم بالقهر وصاحب العصبية إذا بلغ إلى رتبة طلب ما فوقها فإذا بلغ رتبة السؤدد والاتباع ووجد السبيل إلى التغلب والقهر لا يتركه لانه مطلوب للنفس ولا يتم اقتدارها عليه إلا بالعصبية التي يكون بها متبوعا فالتغلب الملكي غاية للعصبية كما رأيت ثم إن القبيل الواحد وإن كانت فيه بيوتات مفترقة وعصبيات متعددة فلا بد من عصبية تكون أقوى من جميعها تغلبها وتستتبعها وتلتحم جميع العصبيات فيها وتصير كأنها عصبية واحدة كبرى وإلا وقع الافتراق المفضي إلى الاختلاف والتنازع ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ثم إذا حصل التغلب بتلك العصبية على قومها طلبت بطبعها التغلب على أهل عصبية أخرى بعيدة عنها فإن كافأتها أو مانعتها كانوا أقتالا وأنظارا ولكل واحدة منهما التغلب على حوزنها

[ 140 ]

وقومها شأن القبائل والامم المفترقة في العالم وإن غلبتها واستتبعتها التحمت بها أيضا وزادت قوة في التغلب إلى قوتها وطلبت غاية من التغلب والتحكم أعلى من الغاية الاولى وأبعد وهكذا دائما حتى تكافئ بقوتها قوة الدولة في هرمها ولم يكن لها ممانع من أولياء الدولة أهل العصبيات استولت عليها وانتزعت الامر من يدها وصار الملك أجمع لها وإن انتهت قوتها ولم يقارن ذلك هرم الدولة وإنما قارن حاجتها إلى الاستظهار بأهل العصبيات انتظمتها الدولة في أوليائها تستظهر بها على ما يعن من مقاصدها وذلك ملك آخر دون الملك المستبد وهو كما وقع للترك في دولة بني العباس ولصنهاجة وزناتة مع كتامة ولبني حمدان مع ملوك الشيعة من العلوية والعباسية فقد ظهر أن الملك هو غاية العصبية وأنها إذا بلغت إلى غايتها حصل للقبيلة الملك إما بالاستبداد أو بالمظاهرة على حسب ما يسعه الوقت المقارن لذلك وإن عاقهم عن بلوغ الغاية عوائق كما نبينه وقفت في مقامها إلى أن يقضي الله بأمره الفصل الثامن عشر في ان من عوائق الملك حصول الترف وانغماس القبيل في النعيم وسبب ذلك أن القبيل إذا غلبت بعصبيتها بعض الغلب استولت على النعمة بمقداره وشاركت أهل النعم والخصب في نعمتهم وخصبهم وضربت معهم في ذلك بسهم وحصة بمقدار غلبها واستظهار الدولة بها فإن كانت الدولة من القوة بحيث لا يطمع أحد في انتزاع أمرها ولا مشاركتها فيه أذعن ذلك القبيل لولايتها والقنوع بما يسوغون من نعمتها ويشركون فيه من جبايتها ولم تسم آمالهم إلى شئ من منازع الملك ولا أسبابه إنما همتهم النعيم والكسب وخصب العيش والسكون في ظل الدولة إلى الدعة والراحة والاخذ بمذاهب الملك في المباني والملابس والاستكثار من ذلك والتأنق فيه بمقدار ما حصل من الرياش والترف وما يدعو إليه من توابع ذلك فتذهب خشونة البداوة وتضعف العصبية والبسالة ويتنعمون فيما أتاهم الله من البسطة وتنشأ بنوهم وأعقابهم في مثل ذلك من الترفع عن خدمة أنفسهم وولاية حاجاتهم ويستنكفون عن سائر الامور الضرورية في العصبية حتى يصير ذلك خلقا لهم وسجية فتنقص عصبيتهم وبسالتهم في الاجيال بعدهم يتعاقبها إلى أن تنقرض العصبية

[ 141 ]

فيأذنون بالانقراض وعلى قدر ترفهم ونعمتهم يكون إشرافهم على الفناء فضلا عن الملك فإن عوارض الترف والغرق في النعيم كاسر من سورة العصبية التي بها التغلب وإذا انقرضت العصبية قصر القبيل عن المدافعة والحماية فضلا عن المطالبة والتهمتهم الامم سواهم فقد تبين أن الترف من عوائق الملك والله يؤتي ملكه من يشاء الفصل التاسع عشر في ان من عوائق الملك المذلة للقبيل والانقياد إلى سواهم وسبب ذلك أن المذلة والانقياد كاسران لسورة العصبية وشدتها فإن انقيادهم ومذلتهم دليل على فقدانها فما رئموا للمذلة حتى عجزوا عن المدافعة فأولى أن يكون عاجزا عن المقاومة والمطالبة واعتبر ذلك في بني إسرائيل لما دعاهم موسى عليه السلام إلى ملك الشام وأخبرهم بأن الله قد كتب لهم ملكها كيف عجزوا عن ذلك وقالوا إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها أي يخرجهم الله تعالى منها بضرب من قدرته غير عصبيتنا وتكون من معجزاتك يا موسى ولما عزم عليهم لجوا وارتكبوا العصيان وقالوا له اذهب أنت وربك فقاتلا وما ذلك إلا لما أنسوا من أنفسهم من العجز عن المقاومة والمطالبة كما تقتضيه الآية وما يؤثر في تفسيرها وذلك بما حصل فيهم من خلق الانقياد وما رئموا من الذل للقبط أحقابا حتى ذهبت العصبية منهم جملة مع أنهم لم يؤمنوا حق الايمان بما اخبرهم به موسى من أن الشام لهم وأن العمالقة الذين كانوا بأريحا فريستهم بحكم من الله قدره لهم فأقصروا عن ذلك وعجزوا تعويلا على ما في أنفسهم من العجز عن المطالبة لما حصل لهم من خلق المذلة وطعنوا فيما أخبرهم به نبيهم من ذلك وما أمرهم به فعاقبهم الله بالتيه وهو أنهم تاهوا في قفر من الارض ما بين الشام ومصر أربعين سنة لم يأووا فيها العمران ولا نزلوا مصرا ولا خالطوا بشرا كما قصه القرآن لغلظة العمالقة بالشام والقبط بمصر عليهم لعجزهم عن مقاومتهم كما زعموه ويظهر من مساق الآية ومفهومها أن حكمة ذلك التيه مقصودة وهي فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر والقوة وتخلقوا به وأفسدوا من عصبيتهم حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف الاحكام والقهر ولا يسام بالمذلة فنشأت بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها

[ 142 ]

على المطالبة والتغلب ويظهر لك من ذلك أن الاربعين سنة أقل ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر سبحان الحكيم العليم وفي هذا أوضح دليل على شأن العصبية وأنها هي التي تكون بها المدافعة والمقاومة والحماية والمطالبة وأن من فقدها عجز عن جميع ذلك كله ويلحق بهذا الفصل فيما يوجب المذلة للقبيل شأن المغارم والضرائب فإن القبيل الغارمين ما أعطوا اليد من ذلك حتى رضوا بالمذلة فيه لان في المغارم والضرائب ضيما ومذلة لا تحتملها النفوس الابية إلا إذا استهونته عن القتل والتلف وأن عصبيتهم حينئذ ضعيفة عن المدافعة والحماية ومن كانت عصبيته لا تدفع عنه الضيم فكيف له بالمقاومة والمطالبة وقد حصل له الانقياد للذل والمذلة عائقة كما قدمناه. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم شأن الحرث لما رأى سكة المحراث في بعض دور الانصار ما دخلت هذه دار قوم إلا دخلهم الذل فهو دليل صريح على أن المغرم موجب للذلة هذا إلى ما يصحب ذل المغارم من خلق المكر والخديعة بسبب ملكة القهر فإذا رأيت القبيل بالمغارم في ربقة من الذل فلا تطمعن لها بملك آخر الدهر ومن هنا يتبين لك غلط من يزعم أن زناتة بالمغرب كانوا شاوية يؤدون المغارم لمن كان على عهدهم من الملوك وهو غلط فاحش كما رأيت إذ لو وقع ذلك لما استتب لهم ملك ولا تمت لهم دولة وانظر فيما قاله شهر براز ملك الباب لعبد الرحمن ابن ربيعة لما أطل عليه وسأل شهر براز أمانه على أن يكون له فقال أنا اليوم منكم يدي في أيديكم وصعري معكم فمرحبا بكم وبارك الله لنا ولكم وجزيتنا إليكم النصر لكم والقيام بما تحبون ولا تذلونا بالجزية فتوهونا لعدوكم فاعتبر هذا فيما قلناه فإنه كاف الفصل العشرون في ان من علامات الملك التنافس في الخلال الحميدة وبالعكس لما كان الملك طبيعيا للانسان لما فيه من طبيعة الاجتماع كما قلناه وكان الانسان أقرب إلى خلال الخير من خلال الشر بأصل فطرته وقوته الناطقة العاقلة لان الشر إنما جاءه من قبل القوى الحيوانية التي فيه وأما من حيث هو إنسان فهو إلى الخير وخلاله أقرب والملك والسياسة إنما كانا له من حيث هو إنسان لانهما

[ 143 ]

للانسان خاصة لا للحيوان فإذا خلال الخير فيه هي التي تناسب السياسة والملك إذ الخير هو المناسب للسياسة وقد ذكرنا أن المجد له أصل يبنى عليه وتتحقق به حقيقته وهو العصبية والعشير وفرع يتمم وجوده ويكمله وهو الخلال وإذا كان الملك غاية للعصبية فهو غاية لفروعها ومتمماتها وهي الخلال لان وجوده دون متمماته كوجود شخص مقطوع الاعضاء أو ظهوره عريانا بين الناس وإذا كان وجود العصبية فقط من غير انتحال الخلال الحميدة نقصا في أهل البيوت والاحساب فما ظنك بأهل الملك الذي هو غاية لكل مجد ونهاية لكل حسب وأيضا فالسياسة والملك هي كفالة للخلق وخلافة لله في العباد لتنفيذ أحكامه فيهم وأحكام الله في خلقه وعباده إنما هي بالخير ومراعاة المصالح كما تشهد به الشرائع وأحكام البشر إنما هي من الجهل والشيطان بخلاف قدرة الله سبحانه وقدره فإنه فاعل للخير والشر معا ومقدرهما إذ لا فاعل سواه فمن حصلت له العصبية الكفيلة بالقدرة وأونست منه خلال الخير المناسبة لتنفيذ أحكام الله في خلقه فقد تهيأ للخلافة في العباد وكفالة الخلق ووجدت فيه الصلاحية لذلك وهذا البرهان أوثق من الاول وأصح مبنى فقد تبين أن خلال الخير شاهدة بوجود الملك لمن وجدت له العصبية فإذا نظرنا في أهل العصبية ومن حصل لهم من الغلب على كثير من النواحي والامم فوجدناهم يتنافسون في الخير وخلاله من الكرم والعفو عن الزلات والاحتمال من غير القادر والقرى للضيوف وحمل الكل وكسب المعدم والصبر على المكاره والوفاء بالعهد وبذل الاموال في صون الاعراض وتعظيم الشريعة وإجلال العلماء الحاملين لها والوقوف عند ما يحددونه لهم من فعل أو ترك وحسن الظن بهم واعتقاد أهل الدين والتبرك بهم ورغبة الدعاء منهم والحياء من الاكابر والمشايخ وتوقيرهم وإجلالهم والانقياد إلى الحق مع الداعي إليه وإنصاف المستضعفين من أنفسهم والتبذل في أحوالهم والانقياد للحق والتواضع للمسكين واستماع شكوى المستغيثين والتدين بالشرائع والعبادات والقيام عليها وعلى أسبابها والتجافي عن الغدر والمكر والخديعة ونقض العهد وأمثال ذلك علمنا أن هذه خلق السياسة قد حصلت لديهم واستحقوا بها أن يكونوا ساسة لمن تحت ايديهم أو على العموم وأنه خير ساقه الله تعالى إليهم

[ 144 ]

مناسب لعصبيتهم وغلبهم وليس ذلك سدى فيهم ولا وجد عبثا منهم والملك أنسب المراتب والخيرات لعصبيتهم فعلمنا بذلك أن الله تأذن لهم بالملك وساقه إليهم وبالعكس من ذلك إذا تأذن الله بانقراض الملك من أمة حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل وسلوك طرقها فتفقد الفضائل السياسية منهم جملة ولا تزال في انتقاص إلى أن يخرج الملك من أيديهم ويتبدل به سواهم ليكون نعيا عليهم في سلب ما كان الله قد أتاهم من الملك وجعل في أيديهم من الخير وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا واستقرئ ذلك وتتبعة في الامم السابقة تجد كثيرا مما قلناه ورسمناه والله يخلق ما يشاء ويختار واعلم أن من خلال الكمال التي يتنافس فيها القبائل ألو العصبية وتكون شاهدة لهم بالملك إكرام العلماء والصالحين والاشراف وأهل الا حساب وأصناف التجار والغرباء وإنزال الناس منازلهم وذلك أن إكرام القبائل وأهل العصبيات والعشائر لمن يناهضهم في الشرف ويجاذبهم حبل العشير والعصبية ويشاركهم في اتساع الجاه أمر طبيعي يحمل عليه في الاكثر الرغبة في الجاة أو المخافة من قوم المكرم أو التماس مثلها منه وأما أمثال هؤلاء ممن ليس لهم عصبية تتقى ولا جاه يرتجى فيندفع الشك في شأن كرامتهم ويتمحض القصد فيهم أنه للمجد وانتحال الكمال في الخلال والاقبال على السياسة بالكلية لان إكرام أقتاله وأمثاله ضروري في السياسة الخاصة بين قبيله ونظرائه وإكرام الطارئين من أهل الفضائل والخصوصيات كمال في السياسة العامة فالصالحون للدين والعلماء للجاءي إليهم في إقامة مراسم الشريعة والتجار للترغيب حتى تعم المنفعة بما في أيديهم والغرباء من مكارم الاخلاق وإنزال الناس منازلهم من الانصاف وهو من العدل فيعلم بوجود ذلك من أهل عصبيته انتماؤهم للسياسة العامة وهي الملك وأن الله قد تأذن بوجودها فيهم لوجود علاماتها ولهذا كان أول ما يذهب من القبيل أهل الملك إذا تأذن الله تعالى بسلب ملكهم وسلطانهم إكرام هذا الصنف من الخلق فإذا رأيته قد ذهب من أمة من الامم فاعلم أن الفضائل قد أخذت في الذهاب عنهم وارتقب زوال الملك منهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له والله تعالى أعلم

[ 145 ]

الفصل الحادي والعشرون في انه إذا كانت الامة وحشية كان ملكها اوسع وذلك لانهم أقدر على التغلب والاستبداد كما قلناه واستعباد الطوائف لقدرتهم على محاربة الامم سواهم ولانهم يتنزلون من الاهلين منزلة المفترس من الحيوانات العجم وهؤلاء مثل العرب وزناتة ومن في معناهم من الاكراد والتركمان وأهل اللثام من صنهاجة وأيضا فهؤلاء المتوحشون ليس لهم وطن يرتافون منه ولا بلد يجنحون إليه فنسبة الاقطار والمواطن إليهم على السواء فلهذا لا يقتصرون على ملكة قطرهم وما جاورهم من البلاد ولا يقفون عند حدود أفقهم بل يظفرون إلى الاقاليم البعيدة ويتغلبون على الامم النائية وانظر ما يحكى في ذلك عن عمر رضي الله عنه لما بويع وقام يحرض الناس على العراق فقال إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النجعة ولا يقوى عليه أهله إلا بذلك أين القراء المهاجرون عن موعد الله سيروا في الارض التي وعدكم الله في الكتاب أن يورثكموها فقال ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون واعتبر ذلك أيضا بحال العرب السالفة من قبل مثل التبابعة وحمير كيف كانوا يخطون من اليمن إلى المغرب مرة وإلى العراق والهند أخرى ولم يكن ذلك لغير العرب من الامم وكذا حال الملثمين من المغرب لما نزعوا إلى الملك طفروا من الاقليم الاول ومجالاتهم منه في جوار السودان إلى الاقليم الرابع والخامس في ممالك الاندلس من غير واسطة وهذا شأن هذه الامم الوحشية فلذلك تكون دولتهم أوسع نطاقا وأبعد من مراكزها نهاية والله يقدر الليل والنهار وهو الواحد القهار لا شريك له الفصل الثاني والعشرون في ان الملك إذا ذهب عن بعض الشعوب من امة فلا بد من عوده إلى شعب آخر منها ما دامت لهم العصبية والسبب في ذلك أن الملك إنما حصل لهم بعد سورة الغلب والاذعان لهم من سائر الامم سواهم فيتعين منهم المباشرون للامر الحاملون سرير الملك ولا يكون

[ 146 ]

ذلك لجميعهم لما هم عليه من الكثرة التي يضيق عنها نطاق المزاحمة والغيرة التي تجدع أنوف كثير من المتطاولين للرتبة فإذا تعين أولئك القائمون بالدولة انغمسوا في النعيم وغرقوا في بحر الترف والخصب واستعبدوا إخوانهم من ذلك الجيل وأنفقوهم في وجوه الدولة ومذاهبها وبقي الذين بعدوا عن الامر وكبحوا عن المشاركة في ظل من عز الدولة التي شاركوها بنسبهم وبمنجاة من الهرم لبعدهم عن الترف وأسبابه فإذا استولت على الاولين الايام وأباد غضراءهم الهرم فطبختهم الدولة وأكل الدهر عليهم وشرب بما أرهف النعيم من حدهم واستقت غريزة الترف من مائهم وبلغوا غايتهم من طبيعة التمدن الانساني والتغلب السياسي (شعر) كدود القز ينسج ثم يفنى * بمركز نسجه في الانعكاس كانت حينئذ عصبية الآخرين موفورة وسورة غلبهم من الكاسر محفوظة وشارتهم في الغلب معلومة فتسمو آمالهم إلى الملك الذي كانوا ممنوعين منه بالقوة الغالبة من جنس عصبيتهم وترتفع المنازعة لما عرف من غلبهم فيستولون على الامر ويصير إليهم وكذا يتفق فيهم مع من بقي أيضا منتبذا عنه من عشائر أمتهم فلا يزال الملك ملجئا في الامة إلى أن تنكسر سورة العصبية منها أو يفنى سائر عشائرها سنة الله في الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين واعتبر هذا بما وقع في العرب لما انقرض ملك عاد قام به من بعدهم إخوانهم من ثمود ومن بعدهم إخوانهم العمالقة ومن بعدهم إخوانهم من حمير أيضا ومن بعدهم إخوانهم التبابعة من حمير أيضا ومن بعدهم الاذواء كذلك ثم جاءت الدولة لمضر وكذا الفرس لما انقرض أمر الكينية ملك من بعدهم الساسانية حتى تأذن الله بانقراضهم أجمع بالاسلام وكذا اليونانيون انقرض أمرهم وانتقل إلى إخوانهم من الروم وكذا البربر بالمغرب لما انقرض أمر مغراوة وكتامة الملوك الاول منهم رجع إلى صنهاجة ثم الملثمين من بعدهم ثم من بقي من شعوب زناتة وهكذا سنة الله في عباده وخلقه وأصل هذا كله إنما يكون بالعصبية وهي متفاوتة في الاجيال والملك يخلقه الترف ويذهبه كما سنذكره بعد فإذا انقرضت دولة فإنما يتناول الامر منهم من له عصبية مشاركة لعصبيتهم التي عرف لها التسليم والانقياد وأونس منها الغلب لجميع العصبيات وذلك إنما يوجد

[ 147 ]

في النسب القريب منهم لان تفاوت العصبية بحسب ما قرب من ذلك النسب التي هي فيه أو بعد حتى إذا وقع في العالم تبديل كبير من تحويل ملة أو ذهاب عمران أو ما شاء الله من قدرته فحينئذ يخرج عن ذلك الجيل إلى الجيل الذي يأذن الله بقيامه بذلك التبديل كما وقع لمضر حين غلبوا على الامم والدول وأخذوا الامر من أيدي أهل العالم بعد أن كانوا مكبوحين عنه احقابا الفصل الثالث والعشرون في ان المغلوب مولع ابدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر احواله وعوائده والسبب في ذلك أن النفس أبدا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه إما لنظره بالكمال بما وفر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب فإذا غالطت بذلك واتصل لها اعتقادا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء أو لما تراه والله أعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس وإنما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب تغالط أيضا بذلك عن الغلب وهذا راجع للاول ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله وانظر ذلك في الابناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائما وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم وانظر إلى كل قطر من الاقطار كيف يغلب على أهله زي الحامية وجند السلطان في الاكثر لانهم الغالبون لهم حتى أنه إذا كانت أمة تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير كما هو في الاندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم حتى في رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء والامر لله. وتأمل في هذا سر قولهم العامة على دين الملك فإنه من بابه إذ الملك غالب لمن تحت يده والرعية مقتدون به لاعنقاد الكمال فيه اعتقاد الابناء بآبائهم والمتعلمين بمعلميهم والله العليم الحكيم وبه سبحانه وتعالى التوفيق

[ 148 ]

الفصل الرابع والعشرون في ان الامة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها اسرع إليها الفناء والسبب في ذلك والله أعلم ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك امرها عليها وصارت بالاستعباد آلة لسواها وعالة عليهم فيقصر الامل ويضعف التناسل والاعتمار إنما هو عن جدة الامل وما يحدث عنه من النشاط في القوى الحيوانية فإذا ذهب الامل بالتكاسل وذهب ما يدعو إليه من الاحوال وكانت العصبية ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم تناقص عمرانهم وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم وعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم بما خضد الغلب من شوكتهم فأصبحوا مغلبين لكل متغلب وطعمة لكل آكل وسواء كانوا حصلوا على غايتهم من الملك أم لم يحصلوا. وفيه والله أعلم سر آخر وهو أن الانسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له والرئيس إذا غلب على رئاسته وكبح عن غاية عزه تكاسل حتى عن شبع بطنه وري كبده وهذا موجود في أخلاق الاناسي. ولقد يقال مثله في الحيوانات المفترسة وإنها لا تسافد إلا إذا كانت في ملكة الآدميين فلا يزال هذا القبيل المملوك عليه أمره في تناقص واضمحلال إلى أن يأخذهم الفناء والبقاء لله وحده واعتبر ذلك في أمة الفرس كيف كانت قد ملات العالم كثرة ولما فنيت حاميتهم في أيام العرب بقي منهم كثير وأكثر من الكثير يقال إن سعدا أحصى ما وراء المدائن فكانوا مائة ألف وسبعة وثلاثين ألفا منهم سبعة وثلاثون ألفا رب بيت ولما تحصلوا في ملكة العرب وقبضة القهر لم يكن بقاؤهم إلا قليلا ودثروا كأن لم يكونوا ولا تحسبن أن ذلك لظلم نزل بهم أو عدوان شملهم فملكة الاسلام في العدل ما علمت وإنما هي طبيعة في الانسان إذا غلب على أمره وصار آلة لغيره ولهذا إنما تذعن للرق في الغالب أمم السودان لنقص الانسانية فيهم وقربهم من عرض الحيوانات العجم كما قلناه أو من يرجو بانتظامه في ربقة الرق حصول رتبة أو إفادة مال أو عز كما يقع لممالك الترك بالمشرق والعلوج من ألجلالقة والافرنجة فإن العادة جارية باستخلاص الدولة لهم فلا يأنفون من الرق لما يأملونه من الجاه والرتبة باصطفاء الدولة وألله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق

[ 149 ]

الفصل الخامس والعشرون في ان العرب لا يتغلبون الا على البسائط وذلك أنهم بطبيعة التوحش الذي فيهم أهل انتهاب وعيث ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر ويفرون إلى منتجعهم بالقفر ولا يذهبون إلى المزاحفة والمحاربة إلا إذا دفعوا بذلك عن أنفسهم فكل معقل أو مستصعب عليهم فهم تاركوه إلى ما يسهل عنه ولا يعرضون له والقبائل الممتنعة عليهم بأوعار الجبال بمنجاة من عيثهم وفسادهم لانهم لا يتسنمون إليهم الهضاب ولا يركبون الصعاب ولا يحاولون الخطر وأما البسائط فمتى اقتدروا عليها بفقدان الحامية وضعف الدولة فهي نهب لهم وطعمة لآكلهم يرددون عليها الغارة والنهب والزحف لسهولتها عليهم إلى أن يصبح أهلها مغلبين لهم ثم يتعاورونهم باختلاف الايدي وانحراف السياسة إلى أن ينقرض عمرانهم والله قادر على خلقه وهو الواحد القهار لا رب غيره الفصل السادس والعشرون في ان العرب إذا تغلبوا على اوطان اسرع إليها الخراب والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم خلقا وجبلة وكان عندهم ملذوذا لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم وعدم الانقياد للسياسة وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له فغاية الاحوال العادية كلها عندهم الرحلة والتغلب وذلك مناقض للسكون الذي به العمران ومناف له فالحجر مثلا إنما حاجتهم إليه لنصبه أثافي القدر فينقلونه من المباني ويخربونها عليه ويعدونه لذلك والخشب أيضا إنما حاجتهم إليه ليعمروا به خيامهم ويتخذوا الاوتاد منه لبيوتهم فيخربون السقف عليه لذلك فصارت طبيعة وجودهم منافية للبناء الذي هو أصل العمران هذا في حالهم على العموم وأيضا فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس وأن رزقهم في ظلال رماحهم وليس عندهم في أخذ أموال الناس حد ينتهون إليه بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعون انتهبوه فإذا ثم اقتدارهم على ذلك بالتغلب والملك بطلت السياسة في حفظ أموال الناس وخرب العمران وأيضا فلانهم

[ 150 ]

يكلفون على أهل الاعمال من الصنائع والحرف أعمالهم لا يرون لها قيمة ولا قسطا من الاجر والثمن والاعمال كما سنذكره هي أصل المكاسب وحقيقتها وإذا فسدت الاعمال وصارت مجانا ضعفت الآمال في المكاسب وانقبضت الايدي عن العمل وابذعر الساكن وفسد العمران وأيضا فإنهم ليست لهم عناية بالاحكام وزجر الناس عن المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض إنما همهم ما يأخذونه من أموال الناس نهبا أو غرامة فإذا توصلوا إلى ذلك وحصلوا عليه أعرضوا عما بعده من تسديد أحوالهم والنظر في مصالحهم وقهر بعضهم عن أغراض المفاسد وربما فرضوا العقوبات في الاموال حرصا على تحصيل الفائدة والجباية والاستكثار منها كما هو شأنهم وذلك ليس بمغن في دفع المفاسد وزجر المتعرض لها بل يكون ذلك زائدا فيها لاستسهال الغرم في جانب حصول الغرض فتبقى الرعايا في ملكتهم كلنها فوضى (1) دون حكم والفوضى مهلكة للبشر مفسدة للعمران بما ذكرناه من أن وجود الملك خاصة طبيعية للانسان لا يستقيم وجودهم واجتماعهم إلا بها وتقدم ذلك أول الفصل وأيضا فهم متنافسون في الرئاسة وقل أن يسلم أحد منهم الامر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الاقل وعلى كره من أجل الحياء فيتعدد الحكام منهم والامراء وتختلف الايدي على الرعية في الجباية والاحكام فيفسد العمران وينتقض قال الاعرابي الوافد على عبد الملك لما سأله عن الحجاج وأراد الثناء عليه عنده بحسن السياسة والعمران فقال تركته يظلم وحده وانظر إلى ما ملكوه وتغلبوا عليه من الاوطان من لدن الخليفة كيف تقوض عمرانه واقفر ساكنه وبدلت الارض فيه غير الارض فاليمن قرارهم خراب إلا قليلا من الامصار وعراق العرب كذلك قد خرب عمرانه الذي كان للفرس أجمع والشام لهذا العهد كذلك وأفريقية والمغرب لما جاز إليها بنو هلال وبنو سليم منذ أول المائة الخامسة وتمرسوا بها لثلاثمائة وخمسين من السنين قد لحق بها وعادت بسائطه خرابا كلها بعد أن كان ما بين السودان والبحر الرومي كله عمرانا تشهد بذلك آثار العمران فيه من المعالم وتماثيل البناء وشواهد القرى والمدر والله


ومما يعزى إلى سيدنا علي لا تصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا (*)

[ 151 ]

يرث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين الفصل السابع والعشرون في ان العرب لا يحصل لهم الملك الا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو اثر عظيم من الدين على الجملة والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الامم انقيادا بعضهم لبعض للغلظة والانفة وبعد الهمة والمنافسة في الرئاسة فقلما تجتمع أهواؤهم فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم فسهل انقيادهم واجتماعهم وذلك بما يشملهم من الدين المذهب للغلظة والانفة الوازع عن التحاسد والتنافس فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بامر الله يذهب عنهم مذمومات الاخلاق ويأخذهم بمحمودها ويؤلف كلمتهم لاظهار الحق تم اجتماعهم وحصل لهم التغلب والملك وهم مع ذلك أسرع الناس قبولا للحق والهدى لسلامة طباعهم من عوج الملكات وبراءتها من ذميم الاخلاق إلا ماكان من خلق التوحش القريب المعاناة المتهئ لقبول الخير ببقائه على الفطرة الاولى وبعده عما ينطبع في النفوس من قبيح العوائد وسوء الملكات فإن كل مولود يولد على الفطرة كما ورد في الحديث وقد تقدم الفصل الثامن والعشرون في ان العرب ابعد الامم عن سياسة الملك والسبب في ذلك أنهم أكثر بداوة من سائر الامم وأبعد مجالا في القفر وأغنى عن حاجات التلول وحبوبها لاعتيادهم الشظف وخشونة العيش فاستغنوا عن غيرهم فصعب انقياد بعضهم لبعض لايلافهم ذلك وللتوحش ورئيسهم محتاج إليهم غالبا للعصبية التي بها المدافعة فكان مضطرا إلى إحسان ملكتهم وترك مراغمتهم لئلا يختل عليه شأن عصبيته فيكون فيها هلاكه وهلاكهم وسياسة الملك والسلطان تقتضي أن يكون السائس وازعا بالقهر وإلا لم تستقم سياسته وأيضا فإن من طبيعتهم كما قدمناه أخذ ما في أيدي الناس خاصة والتجافي عما سوى ذلك من

[ 152 ]

الاحكام بينهم ودفاع بعضهم عن بعض فإذا ملكوا أمة من الامم جعلوا غاية ملكهم الانتفاع بأخذ ما في أيديهم وتركوا ما سوى ذلك من الاحكام بينهم وربما جعلوا العقوبات على المفاسد في الاموال حرصا على تكثير الجبايات وتحصيل الفوائد فلا يكون ذلك وازعا وربما يكون باعثا بحسب الاغراض الباعثة على المفاسد واستهانة ما يعطي من ماله في جانب غرضه فتنمو المفاسد بذلك ويقع تخريب العمران فتبقى تلك الامة كأنها فوضى مستطيلة أيدي بعضها على بعض فلا يستقيم لها عمران وتخرب سريعا شأن الفوضى كما قدمناه فبعدت طباع العرب لذلك كله عن سياسة الملك وإنما يصيرون إليها بعد انقلاب طباعهم وتبدلها بصبغة دينية تمحو ذلك منهم وتجعل الوازع لهم من أنفسهم وتحملهم على دفاع الناس بعضهم عن بعض كما ذكرناه واعتبر ذلك بدولتهم في الملة لما شيد لهم الدين أمر السياسة بالشريعة تو أحكامها المراعية لمصالح العمران ظاهرا وباطنا وتتابع فيها الخلفاء عظم حنيئذ ملكهم وقوي سلطانهم كان رستم إذا رأى المسلمين يجتمعون للصلاة يقول أكل عمر كبدي يعلم الكلاب الآداب ثم إنهم بعد ذلك انقطعت منهم عن الدولة أجيال نبذوا الدين فنسوا السياسة ورجعوا إلى قفرهم وجهلوا شأن عصبيتهم مع أهل الدولة ببعدهم عن الانقياد وإعطاء النصفة فتوحشوا كما كانوا ولم يبق لهم من اسم الملك إلا أنهم من جنس الخلفاء ومن جيلهم ولما ذهب أمر الخلافة وامحي رسمها انقطع الامر جملة من أيديهم وغلب عليهم العجم دونهم وأقاموا في بادية قفارهم لا يعرفون الملك ولا سياسته بل قد يجهل الكثير منهم أنهم قد كان لهم ملك في القديم وما كان في القديم لاحد من الامم في الخليقة ما كان لاجيالهم من الملك ودول عاد وثمود والعمالقة وحمير والتبابعة شاهدة بذلك ثم دولة مضر في الاسلام بني امية وبني العباس لكن بعد عهدهم بالسياسة لما نسوا الدين فرجعوا إلى أصلهم من البداوة وقد يحصل لهم في بعض الاحيان غلب على الدول المستضعفة كما في المغرب لهذا العهد فلا يكون ماله وغايته إلا تخويب ما يستولون عليه من العمران كما قدمناه والله يؤتي ملكه من يشاء

[ 153 ]

الفصل التاسع والعشرون في ان البوادي من القبائل والعصائب مغلوبون لاهل الامصار قد تقدم لنا أن عمران البادية ناقص عن عمران الحواضر والامصار لان الامور الضرورية في العمران ليس كلها موجودة لاهل البدو وإنما توجد لديهم في مواطنهم أمور الفلح وموادها معدومة ومعظمها الصنائع فلا توجد لديهم في الكلية من نجار وخياط وحداد وأمثال ذلك مما يقيم لهم ضروريات معاشهم في الفلح وغيره وكذا الدنانير والدراهم مفقودة لديهم وإنما بأيديهم أعواضها من مغل الزارعة وأعيان الحيوان أو فضلاته ألبانا وأوبارا وأشعارا وإهابامما يحتاج إليه أهل الامصار فيعوضونهم عنه بالدنانير والدراهم إلا أن حاجتهم إلى الامصار في الضروري وحاجة أهل الامصار إليهم في الحاجي والكمالي فهم محتاجون إلى الامصار بطبيعة وجودهم فما داموا في البادية ولم يحصل لهم ملك ولا استيلاء على الامصار فهم محتاجون إلى أهلها ويتصرفون في مصالحهم وطاعتهم متى دعوهم إلى ذلك وطالبوهم به وإن كان في المصر ملك كان خضوعهم وطاعتهم لغلب الملك وإن لم يكن في المصر ملك فلا بد فيه من رئاسة ونوع استبداد من بعض أهله على الباقين وإلا انتقض عمرانه وذلك الرئيس يحملهم على طاعته والسعي في مصالحه إما طوعا ببذل المال لهم ثم يبدي لهم ما يحتاجون إليه من الضروريات في مصره فيستقيم عمرانهم وإما كرها إن تمت قدرته على ذلك ولو بالتغريب بينهم حتى يحصل له جانب منهم يغالب به الباقين فيضطر الباقون إلى طاعته بما يتوقعون لذلك من فساد عمرانهم وربما لا يسعهم مفارقة تلك النواحي إلى جهات أخرى لان كل الجهات معمور بالبدو الذين غلبوا عليها ومنعوها من غيرها فلا يجد هؤلاء ملجأ إلا طاعة المصر فهم بالضرورة مغلو بون لاهل الامصار والله قاهر فوق عباده وهو الواحد الاحد القهار

[ 154 ]

الفصل الثالث من الكتاب الاول في الدول العامة والملك والخلافة والمراتب السلطانية وما يعرض في ذلك كله من الاحوال وفيه قواعد ومتممات الفصل الاول في ان الملك والدولة العامة انما يحصلان بالقبيل والعصبية وذلك أنا قررنا في الفصل الاول أن المغالبة والممانعة إنما تكون بالعصبية لما فيها من النعرة والتذامر واستماتة كل واحد منهم دون صاحبه. ثم إن الملك منصب شريف ملذوذ يشتمل على جميع الخيرات الدنيوية والشهوات البدنية والملاذ النفسانية فيقع فيه التنافس غالبا وقل أن يسلمه أحد لصاحبه إلا إذا غلب عليه فتقع المنازعة وتفضي إلى الحرب والقتال والمغالبة وشئ منها لا يقع إلا بالعصبية كما ذكرناه آنفا وهذا الامر بعيد عن أفهام الجمهور بالجملة ومتناسون له لانهم نسوا عهد تمهيدا لدولة منذ أولها وطال أمد مرباهم في الحضارة وتعاقبهم فيها جيلا بعد جيل فلا يعرفون ما فعل الله أول الدولة إنما يدركون أصحاب الدولة وقد استحكمت صبغتهم ووقع التسليم لهم والاستغناء عن العصبية في تمهيد أمرهم ولا يعرفون كيف كان الامر من أوله وما لقي أولهم من المتاعب دونه وخصوصا أهل الاندلس في نسيان هذه العصبية واثرها لطول الامد واستغنائهم في الغالب عن قوة العصبية بما تلاشى وطنهم وخلا من العصائب والله قادر على ما يشاء وهو بكل شئ عليم وهو حسبنا ونعم الوكيل الفصل الثاني في انه إذا استقرت الدولة وتمهدت فقد تستغني عن العصبية والسبب في ذلك أن الدول العامة في أولها يصعب على النفوس الانقياد لها إلا بقوة قوية من الغلب للغرابة وأن الناس لم يألفوا ملكها ولا اعتادوه فإذا استقرت الرئاسة في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة وتوارثوه واحدا بعد آخر في أعقاب كثيرين ودول متعاقبة نسيت النفوس شأن الاولية واستحكمت لاهل ذلك النصاب صبغة الرئاسة ورسخ في العقائد دين الانقياد لهم والتسليم وقاتل الناس معهم

[ 155 ]

على أمرهم قتالهم على العقائد الايمانية فلم يحتاجوا حينئذ في أمرهم إلى كبير عصابة بل كان طاعتها كتاب من الله لا يبدل ولا يعلم خلافه ولامر ما يوضع الكلام في الامامة آخر الكلام على العقائد الايمانية كانه من جملة عقودها ويكون استظهارهم حينئذ على سلطانهم ودولتهم المخصوصة إما بالموالي والمصطنعين الذين نشأوا في ظل العصبية وغيرها وإما بالعصائب الخارجين عن نسبها الداخلين في ولايتها ومثل هذا وقع لبني العباس فإن عصبية العرب كانت فسدت لعهد دولة المعتصم وابنه الواثق واستظهارهم بعد ذلك إنما كان بالموالي من العجم والترك والديلم والسلجوقية وغيرهم ثم تغلب العجم الاولياء على النواحي وتقلص ظل الدولة فلم تكن تعدوأ عمال بغداد حتى زحف إليها الديلم وملكوها وصار الخلائق في حكمهم ثم انقرض أمرهم وملك السلجوقية من بعدهم فصاروا في حكمهم ثم انقرض أمرهم وزحف آخر التثار فقتلوا الخليفة ومحوا رسم الدولة وكذا صنهاجة بالمغرب فسدت عصبيتهم منذ المائة الخامسة أو ما قبلها واستمرت لهم الدولة متقلصة الظل بالمهدية وبجاية والقلعة وسائر ثغور أفريقية وربما انتزى بتلك الثغور من نازعهم الملك واعتصم فيها والسلطان والملك مع ذلك مسلم لهم حتى تأذن الله بانقراض الدولة وجاء الموحدون بقوة قوية من العصبية في المصامدة فمحوا آثارهم وكذا دولة بني أمية بالاندلس لما فسدت عصبيتها من العرب استولى ملوك الطوائف على أمرها واقتسموا خطتها وتنافسوا بينهم وتوزعوا ممالك الدولة وانتزى كل واحد منهم علي ما كان في ولايته وشمخ بانفه وبلغهم شان العجم مع الدولة العباسية فتلقبوا بالقاب ولبسوا شارته وأمنوا ممن ينقض ذلك عليهم أو يغيره لان الاندلس ليس بدار عصائب ولا قبائل كما سنذكره واستمر لهم ذلك كما قال ابن شرف مما يزهدني في أرض أندلس * أسماء معتصم فيها ومعتضد ألقاب مملكة في غير موضعها * كالهر يحكي انتفاخا صورة الاسد فاستظهروا على أمرهم الموالي والمصطنعين والطراء على الاندلس من أهل العدوة من قبائل البربر وزناتة وغيرهم اقتداء بالدولة في اخر أمرها في الاستظهار بهم حين ضعفت عصبية العرب واستبد ابن أبي عامر على الدولة فكان لهم دول عظيمة

[ 156 ]

استبدت كل واحدة منها بجانب من الاندلس وحظ كبير من الملك على نسبة الدولة التي اقتسموها ولم يزالوا في سلطانهم ذلك حتى جاز إليهم البجر المرابطون أهل العصبية القوية من لمتونة فاستبدلوا بهم وأزالوهم عن مراكزهم ومحوا آثارهم ولم يقتدروا على مدافعتهم لفقدان العصبية لديهم فبهذه العصبية يكون تمهيد الدولة وحمايتها من أولها وقد ظن الطرطوشي أن حامية الدول باطلاق هم الجند أهل العطاء المفروض مع الآهلة ذكر ذلك في كتابه الذي سماه سراج الملوك وكلامه لا يتناول تأسيس الدول العامة في أولها وإنما هو مخصوص بالدول الاخيرة بعد التمهيد واستقرار الملك في النصاب واستحكام الصبغة لاهله فالرجل إنما أدرك الدولة عند هرمها وخلق جدتها ورجوعها إلى الاستظهار بالموالي والصنائع ثم إلى المستخدمين من ورائهم بالاجر على المدافعة فانه إنما أدرك دول الطوائف وذلك عند اختلال بني امية وانقراض عصبيتها من العرب واستبداد كل أمير بقطره وكان في إيالة المستعين من هود وابنه المظفر أهل سرقسطة ولم يكن بقي لهم من أمر العصبية شئ لاستيلاء الترف على العرب منذ ثلاثمائة من السنين وهلاكهم ولم يرإلا سلطانا مستبدا بالملك عن عشائره ققد استحكمت له صبغة الاستبداد منذ عهد الدولة وبقية العصبية فهو لذلك لا ينازع فيه ويستعين على أمره بالاجراء من المرتزقة فاطلق الطرطوشي القول في ذلك ولم يتفطن لكيفية الامر منذ أول الدولة وإنه لا يتم إلا لاهل العصبية فتفطن أنت له وافهم سر الله فيه والله يؤتي ملكه من يشاء الفصل الثالث في انه قد يحدث لبعض اهل النصاب الملكي دولة تستغني عن العصبية وذلك أنه إذا كان لعصبية غلب كثير على الامم والاجيال وفي نفوس القائمين بامره من أهل القاصبة إذعان لهم وانقياد فإذا نزع إليهم هذا الخارج وانتبذ عن مقر ملكه ومنبت عزه اشتملوا عليه وقاموا بأمره وظاهروه على شانه وعنوا بتمهيد دولته يرجون استقراره في نصابه وتناوله الامر من يد أعياصه وجزاءه لهم على مظاهرته باصطفائهم لرتب الملك وخططه من وزارة أو قيادة أو ولاية ثغر ولا يطمعون في مشاركته في شئ من سلطانه تسليما لعصبيته وانقيادا لما استحكم له ولقومه من

[ 157 ]

صبغة الغلب في العالم وعقيدة إيمانية استقرت في الاذعان لهم فلو راموها معه أو دونه لزلزلت الارض زلزالها وهذا كما وقع للاد ارسة بالمغرب الاقصى والعبيديين بافريقية ومصر لما انتبذ الطالبيون من المشرق إلى القاصية وابتعدوا عن مقر الخلافة وسموا إلى طلبها من أيدي بني العباس بعد أن استحكمت الصبغة لبني عبد مناف لبني أمية أولا ثم لبني هاشم من بعدهم فخرجوا بالقاصية من المغرب ودعوا لانفسهم وقام بامرهم البرابرة مرة بعد أخرى فأوربة ومغيلة للادارسة وكتامة وصنهاجة وهوارة للعبيديين فشيدوا دولتهم ومهدوا بعصائبهم أمرهم واقتطعوا من ممالك العباسيين المغرب كله ثم أفريقية ولم يزل ظل الدولة يتقلص وظل العبيديين يمتد إلى أن ملكوا مصر والشام والحجاز وقاسموهم في الممالك الاسلامية شق الابلمة وهؤلاء البرابرة القائمون بالدولة مع ذلك كلهم مسلمون للعبيد يين أمرهم مذعنون لملكهم وإنما كانوا يتنافسون في الرتبة عندهم خاصة تسليما لما حصل من صبغة الملك لبني هاشم ولما استحكم من الغلب لقريش ومضر على سائر الامم فلم عزل الملك في أعقابهم إلى أن انقرضت دولة العرب باسرها والله يحكم لا معقب لحكمه الفصل الرابع في ان الدول العامة الاستيلاء العظيمة الملك اصلها الدين اما من نبوة أو دعوة حق وذلك لان الملك إنما يحصل بالتغلب والتغلب إنما يكون بالعصبية واتفاق الاهواء على المطالبة وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه قال تعالى لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم وسره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا حصل التنافس وفشا الخلاف وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله اتحدت وجهتها فذهب التنافس وقل الخلاف وحسن التعاون والتعاضد واتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة كما نبين لك بعد إن شاء الله سبحانه وتعالى وبه التوفيق لارب سواه

[ 158 ]

الفصل الخامس في ان الدعوة الدينية تزيد الدولة في اصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها والسبب في ذلك كما قدمناه أن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية وتفرد الوجهة إلى الحق فإذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شئ لان الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم وهم مستميتون عليه وأهل الدولة التي هم طالبوها وإن كانوا أضعافهم فأغراضهم متباينة بالباطل وتخاذلهم لتقية الموت حاصل فلا يقاومونهم وإن كا نوا أكثر منهم بل يغلبون عليهم ويعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف والذل كما قدمناه وهذا كما وقع للعرب صدر الاسلام في الفتوحات فكانت جيوش المسلمين بالقادسية واليرموك بضعة وثلاثين ألفا في كل معسكر وجموع فارس مائة وعشرين ألفا بالقادسية وجموع هرقل على ماقاله الواقدي أربعمائة ألف فلم يقف للعرب أحد من الجانبين وهزموهم وغلبوهم على ما بأيديهم واعتبر ذلك أيضا في دولة لمتونة ودولة الموحدين كان فقد بالمغرب من القبائل كثير ممن يقاومهم في العدد والعصبية أو يشف عليهم إلا أن الاجتماع الديني ضاعف قوة عصبيتهم بالاستبصار والاستماتة كما قلناه فلم يقف لهم شئ واعتبر ذلك إذا حالت صبغة الدين وفسدت كيف ينتقض الامر ويصير الغلب على نسبة العصبية وحدها دون زيادة الدين فتغلب الدولة من كان تحت يدها من العصائب المكافئة لها أو الزائدة القوة عليها الذين غلبتهم بمضاعفة الدين لقوتها ولو كانوا أكثر عصبية منها وأشد بداوة واعتبر هذا في الموحدين مع زناتة لما كانت زناتة أبدى من المصامدة وأشد توحشا وكان للمصامدة الدعوة الدينية باتباع المهدي فلبسوا صبغتها وتضاعفت قوة عصبيتهم بها فغلبوا على زناتة أولا واستتبعوهم وإن كانوا من حيث العصبية والبداوة أشد منهم فلما خلوا من تلك الصبغة الدينية انتقضت عليهم زناتة من كل جانب وغلبوهم على الامر وانتزعوه منهم والله غالب على أمره

[ 159 ]

الفصل السادس في ان الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم وهذا لما قدمناه من أن كل أمر تحمل عليه الكافة فلا بد له من العصبية وفي الحديث الصحيح كما مر ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه وإذا كان هذا في الانبياء وهم أولى الناس بخرق العوائد فما ظنك بغيرهم أن لا تخرق له العادة في الغلب بغير عصبية وقد وقع هذا لابن قسي شيخ الصوفية وصاحب كتاب خلع النعلين في التصوف ثار بالاندلس داعيا إلى الحق وسمي أصحابه بالمرابطين قبيل دعوة المهدي فاستتب له الامر قليلا لشغل لمتونة بما دهمهم من أمر الموحدين ولم تكن هناك عصائب ولا قبائل يدفعونه عن شأنه فلم يلبث حين استولى الموحدون على المغرب أن أذعن لهم ودخل في دعوتهم وتابعهم من معقله بحصن أركش وأمكنهم من ثغره وكان أول داعية لهم بالاندلس وكانت ثورته تسمى ثورة المرابطين ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء فان كثيرا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الامراء داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه والامر بالمعروف رجاء في الثواب عليه من الله فيكثر أتباعهم والمتلثلثون بهم من الغوغاء والدهماء ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك وأكثرهم يهلكون في هذا السبيل مأزورين غير ماجورين لان الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم وإنما أمر به حيث تكون القدرة عليه قال صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وأحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزحها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر كما قدمناه وهكذا كان حال الانبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوتهم إلى الله بالعشائر والعصائب وهم المؤيدون من الله بالكون كله لو شاء لكنه إنما أجرى الامور على مستقر العادة والله حكيم عليم فإذا ذهب أحد من الناس هذا المذهب وكان فيه محقا قصر به الانفراد عن العصبية فطاح في هوة الهلاك وأما إن كان من المتلبسين بذلك في

[ 160 ]

طلب الرئاسة فاجدر أن تعوقه العوائق وتنقطع به المهالك لانه أمر الله لا يتم إلا برضاه وإعانته والاخلاص له والنصيحة للمسلمين ولا يشك في ذلك مسلم ولا يرتاب فيه ذو بصيرة وأول ابتداء هذه النزعة في الملة ببغداد حين وقعت فتنة طاهر وقتل الامين وأبطأ المأمون بخراسان عن مقدم العراق ثم عهد لعلي بن موسى الرضى من آل الحسين فكشف بنو العباس عن وجه النكير عليه وتداعوا للقيام وخلع طاعة المأمون والاستبدال منه وبويع إبراهيم بن المهدي فوقع الهرج ببغداد وانطلقت أيدي الزعرة بها من الشطار والحربية على أهل العافية والصون وقطعوا السبيل وامتلات أيديهم من نهاب الناس وباعوها علانية في الاسواق واستعدى أهلها الحكام فلم يعدوهم فتوافر أهل الدين وا لصلاح على منع الفساق وكف عاديتهم وقام ببغداد رجل يعرف بخالد الدريوس ودعا الناس إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فاجابه خلق وقاتل أهل الزعارة فغلبهم وأطلق يده فيهم بالضرب والتنكيل ثم قام من بعده رجل آخر من سواد أهل بغداد يعرف بسهل ابن سلامة الانصاري ويكنى أبا حاتم وعلق مصحفا في عنقه ودعا الناس إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فاتبعه الناس كافة من بين شريف ووضيع من بني هاشم فمن دونهم ونزل قصر طاهر واتخذ الديوان وطاف ببغداد ومنع كل من أخاف المارة ومنع الخفارة لاولئك الشطار وقال له خالد الدريوس أنا لا أعيب على السلطان فقال له سهل لكني أقاتل كل من خالف الكتاب والسنة كائنا من كان وذلك سنة إحدى ومائتين وجهزله إبراهيم بن المهدي العساكر فغلبه وأسره وانحل أمره سريعا وذهب ونجا بنفسه ثم اقتدى بهذا العمل بعد كثير من الموسوسين ياخذون أنفسهم بإقامة الحق ولا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته من العصبية ولا يشعرون بمغبة أمرهم ومآل أحوالهم والذي يحتاج إليه في أمر هؤلاء إما المداواة إن كانوا من أهل الجنون وإما التنكيل بالقتل أو الضرب إن أحدثوا هرجا وإما إذاعة السخرية منهم وعدهم من جملة الصفاعين وقد ينتسب بعضهم إلى الفاطمي المنتظر إما بأنه هو أو بإنه داع له وليس مع ذلك على علم من أمر الفاطمي ولا ما هو وأكثر المنتحلين لمثل هذا

[ 161 ]

تجدهم موسوسين أو مجانين أو ملبسين يطلبون بمثل هذه الدعوة رئاسة امتلات بها جوانحهم وعجزوا عن التوصل إليها بشئ من أسبابها العادية فيحسبون أن هذا من الاسباب البالغة بهم إلى ما يؤملونه من ذلك ولا يحسبون ما ينالهم فيه من الهلكة فيسرع إليهم القتل بما يحدثونه من الفتنة وتسوء عاقبة مكرهم وقد كان لاول هذه المائة خرج بالسوس رجل من المتصوفة يدعى التوبذري عمد إلى مسجد ماسة بساحل البحر هناك وزعم أنه الفاطمي المنتظر تلبيسا على العامة هنالك بماملا قلوبهم من الحدثان بانتظاره هنا لك وأن من ذلك المسجد يكون أصل دعوته فتهافتت عليه طوائف من عامة البربر تهافت الفراش ثم خشي رؤساوهم اتساع نطاق الفتنة فدس إليه كبير المصامدة يومئذ عمر السكسيوي من قتله في فراشه وكذلك خرج في غماره أيضا لاول هذه المائة رجل يعرف بالعباس وادعى مثل هذه الدعوة واتبع نعيقه الارذلون من سفهاء تلك القبائل وأغمارهم وزحف إلى بادس من أمصارهم ودخلها عنوة. ثم قتل لاربعين يوما من ظهور دعوته ومضى في الهالكين الاولين وأمثال ذلك كثير والغلط فيه من الغفلة عن اعتبار العصبية في مثلها وأما إن كان التلبيس فاحرى أن لا يتم له أمر وأن يبوء بإثمه وذلك جزاء الظالمين والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق لارب غيره ولا معبود سواه الفصل السابع في ان كل دولة لها حصة من الممالك والاوطان لا تزيد عليها والسبب في ذلك أن عصابة الدولة وقومها القائمين بها الممهدين لها لابد من توزيعهم حصصا على الممالك والثغور التي تصير إليهم ويستولون عليها لحمايتها من العدو وإمضاء أحكام الدولة فيها من جباية وردع وغير ذلك فإذا توزعت العصائب كلها على الثغور والممالك فلا بد من نفاد عددها وقد بلغت الممالك حينئذ إلى حد يكون ثغرا للدولة وتخما لوطنها ونطاقا لمركز ملكها فان تكفلت الدولة بعد ذلك زيادة على ما بيدها بقي دون حامية وكان موضعا لانتهاز الفرصة من العدو والمجاور ويعود وبال ذلك على الدولة بما يكون فيه من التجاسر وخرق سياج الهيبة

[ 162 ]

وما كانت العصابة موفورة ولم ينفد عددها في توزيع الحصص على الثغور والنواحي بقي في الدولة قوة على تناول ما وراء الغاية حتى ينفسح نطاقها إلى غايته والعلة الطبيعية في ذلك هي قوة العصبية من سائر القوى الطبيعية وكل قوة يصدر عنها فعل من الافعال فشأنها ذلك في فعلها والدولة في مركزها أشد مما يكون في الطرف والنطاق وإذا انتهت إلى النطاق الذي هو الغاية عجزت وأقصرت عما وراءه شأن الاشعة والانوار إذا انبعثت من المراكز والدوائر المنفسحة على سطح الماء من النقر عليه ثم إذا أدركها الهرم والضعف فإنما تأخذ في التناقص من جهة الاطراف ولا يزال المركز محفوظا إلى أن يتأذن الله بانقراض الامر جملة فحينئذ يكون انقراض المركز وإذا غلب على الدولة من مركزها فلا ينفعها بقاء الاطراف والنطاق بل تضمحل لوقتها فان المركز كالقلب الذي تنبعث منه الروح فإذا غلب على القلب وملك انهزم جميع الاطراف وانظر هذا في الدولة الفارسية كان مركزها المدائن فلما غلب المسلمون على المدائن انقرض أمر فارس أجمع ولم ينفع يزدجرد ما بقي بيده من أطراف ممالكه وبالعكس من ذلك الدولة الرومية بالشام لما كان مركزها القسطنطينية وغلبهم المسلمون بالشام تحيزوا إلى مركزهم بالقسطنطينية ولم يضرهم انتزاع الشام من أيديهم فلم يزل ملكهم متصلا بها إلى أن تأذن الله بانقراضه وانظر أيضا شان العرب اول الاسلام لما كانت عصائبهم موفورة كيف غلبوا على ما جاورهم من الشام والعراق ومصر لاسرع وقت ثم تجاوزوا ذلك إلى ما وراءه من السند والحبشة وأفريقية والمغرب ثم إلى الاندلس فلما تفرقوا حصصا على الممالك والثغور ونزلوها حامية ونفد عددهم في تلك التوزيعات أقصروا عن الفتوحات بعد وانتهى أمر الاسلام ولم يتجاوز تلك الحدود ومنها تراجعت الدولة حتى تأذن الله بانقراضها وكذا كان حال الدول من بعد ذلك كل دولة على نسبة القائمين بها في القلة والكثرة وعند نفاد عددهم بالتوزيع ينقطع لهم الفتح والاستيلاء سنة الله في خلقه

[ 163 ]

الفصل الثامن في ان عظم الدولة واتساع نطاقها وطول امدها على نسبة القائمين بها في القلة والكثرة والسبب في ذلك أن الملك إنما يكون بالعصبية وأهل العصبية هم الحامية الذين ينزلون بممالك الدولة وأقطارها وينقسمون عليها فما كان من الدولة العامة قبيلها وأهل عصابتها أكثر كانت أقوى وأكثر ممالك وأوطانا وكان ملكها أوسع لذلك واعتبر ذلك بالدولة الاسلامية لما ألف الله كلمة العرب على الاسلام وكان عدد المسلمين في غزوة تبوك آخر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم مائة ألف وعشرة آلاف من مضر وقحطان ما بين فارس وراجل إلى من أسلم منهم بعد ذلك إلى الوفاة فلما توجهوا لطلب ما في أيدي الامم من الملك لم يكن دونه حمى ولاوزر فاستبيح حمى فارس والروم أهل الدولتين العظيمتين في العالم لعهدهم والترك بالمشرق والافرنجة والبربر بالمغرب والقوط بالاندلس وخطوا من الحجاز إلى السوس الاقصى ومن اليمن إلى الترك بأقصى الشمال واستولوا على الاقاليم السبعة ثم انظر بعد ذلك دولة صنهاجة والموحدين مع العبيديين قبلهم لما كان كتامة القائمين بدولة العبيديين أكثر من صنهاجة ومن المصامدة كانت دولتهم أعظم فملكوا أفريقية والمغرب والشام ومصر والحجاز ثم انظر بعد ذلك دولة زناتة لما كان عددهم أقل من المصامدة قصر ملكهم عن ذلك الموحدين لقصور عددهم عن عدد المصامدة منذ أول أمرهم ثم اعتبر بعد ذلك حال الدولتين لهذا العهد لزناتة بني مرين وبني عبد الواد كانت دولتهم أقوى منها وأوسع نطاقا وكان لهم عليهم الغلب مرة بعد أخرى. يقال إن عدد بني مرين لاول ملكهم كان ثلاثة آلاف وإن بني عبد الواد كانوا ألفا إلا أن الدولة بالرفه وكثرة التابع كثرت من أعدادهم وعلى هذه النسبة في أعداد المتغلبين لاول الملك يكون اتساع الدولة وقوتها وأما طول أمدها أيضا فعلى تلك النسبة لان عمر الحادث من قوة مزاجه ومزاج الدول إنما هو بالعصبية فإذا كانت العصبية قوية كان المزاج تابعا لها وكان أمد العمر طويلا والعصبية إنما هي بكثرة العدد ووفوره كما قلناه والسبب الصحيح في ذلك أن النقص إنما يبدو في الدولة من

[ 164 ]

الاطراف فإذا كانت ممالكها كثيرة كانت أطرافها بعيدة عن مركزها وكثيرة وكل نقص يقع فلا بدله من زمن فتكثر أزمان النقص لكثرة الممالك واختصاص كل واحد منها بنقص وزمان فيكون أمدها أطول الدول لا بنو العباس أهل المركز ولا بنو أمية المستبدون بالاندلس ولم ينقص أمر جميعهم إلا بعد الاربعمائة من الهجرة ودولة العبيديين كان أمدها قريبا من مائتين وثمانين سنة ودولة صنهاجة دونهم من لدن تقليد معز الدولة أمر أفريقية لبلكين بن زيري في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة إلى حين استيلاء الموحدين على القلعة وبجاية سنة سبع وخمسين وخمسمائة ودولة الموحدين لهذا العهد تناهز مائتين وسبعين سنة وهكذا نسب الدول في أعمارها على نسبة القائمين بها سنة الله التي قد خلت في عباده الفصل التاسع في ان الاوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل ان تستحكم فيها دولة والسبب في ذلك اختلاف الاراء والاهواء وأن وراء كل رأي منها وهوى عصبية تمانع دونها فيكثر الانتقاض على الدولة والخروج عليها في كل وقت وإن كانت ذات عصبية لان كل عصبية ممن تحت يدها تطن في نفسها منعة وقوة وانظر ما وقع من ذلك بأفريقية والمغرب منذ أول الاسلام ولهذا العهد فإن ساكن هذه الاوطان من البربر أهل قبائل وعصبيات فلم يغن فيهم الغلب الاول الذي كان لابن أبي سرح عليهم وعلى الافرنجة شيئا وعاودوا بعد ذلك الثورة والردة مرة بعد أخرى وعظم الاثخان من المسلمين فيهم ولما استقر الدين عندهم عادوا إلى الثورة والخروج والاخذ بدين الخوارج مرات عديدة قال ابن أبي زيد ارتدت البرابرة بالمغرب اثنتي عشرة مرة ولم تستقر كلمة الاسلام فيهم إلا لعهد ولاية موسى بن نصير فما بعده وهذا معنى ما ينقل عن عمر أن أفريقة مفرقة لقلوب أهلها إشارة إلى ما فيها من كثرة العصائب والقبائل الحاملة لهم على عدم الاذعان والانقياد ولم يكن العراق لذلك العهد بتلك الصفة ولا الشام إنما كانت حاميتها من فارس والروم والكافة دهماء أهل مدن وأمصار فلما غلبهم المسلمون على الامر وانتزعوه من أيديهم لم يبق فيها ممانع ولا مشاق والبربر قبائلهم بالمغرب أكثر من أن

[ 165 ]

تحصى وكلهم بادية وأهل عصائب وعشائر وكلما هلكت قبيلة عادت الاخرى مكانها وإلى دينها من الخلاف والردة فطال أمر العرب في تمهيد الدولة بوطن أفريقية والمغرب وكذلك كان الامر بالشام لعهد بني إسرائيل كان فيه من قبائل فلسطين وكنعان وبني عيصووبني مدين وبني لوط والروم واليونان والعمالقة وأكريكش والنبط من جانب الجزيرة والموصل مالا يحصى كثرة وتنوعا في العصبية فصعب على بني إسرائيل تمهيد دولتهم ورسوخ أمرهم واضطرب عليهم الملك مرة بعد أخرى وسرى ذلك الخلاف إليهم فاختلفوا على سلطانهم وخرجوا عليه ولم يكن لهم ملك موطد سائر أيامهم إلى أن غلبهم الفرس ثم يونان ثم الروم آخر أمرهم عند الجلاء والله غالب على أمره وبعكس هذا أيضا الاوطان الخالية من العصبيات يسهل تمهيد الدولة فيها ويكون سلطانها وازعا لقلة الهرج والانتقاض ولا تحتاج الدولة فيها إلى كثير من العصبية كما هو الشأن في مصر والشام لهذا العهد إذ هي خلو من القبائل والعصبيات كأن لم يكن الشام معدنا لهم كما قلناه فملك مصر في غاية الدعة والرسوخ لقلة الخوارج وأهل العصائب إنما هو سلطان ورعية ودولتها قائمة بملوك الترك وعصائبهم يغلبون على الامر واحدا بعد واحد وينتقل الامر فيهم من منبت إلى منبت والخلافة مسماة للعباسي من أعقاب الخلفاء ببغداد وكذا شأن الاندلس لهذا العهد فإن عصبية ابن الاحمر سلطانها لم تكن لاول دولتهم بقوية ولا كانت كرات إنما يكون أهل بيت من بيوت العرب أهل الدولة الاموية بقوا من ذلك القلة وذلك أن أهل الاندلس لما انقرضت الدولة العربية منهم وملكهم البربر من لمتونة والموحدين سئموا ملكتهم وثقلت وطأتهم عليهم فأشربت القلوب بغضاءهم وأمكن الموحدون والسادة في آخر الدولة كثيرا من الحصون للطاغية في سبيل الاستظهار به على شأنهم من تملك الحضرة مراكش فاجتمع من كان بقي بها من أهل العصبية القديمة معادن من بيوت العرب تجافى بهم المنبت عن الحاضرة والامصار بعض الشئ ورسخوا في العصبية مثل ابن هود وابن الاحمر وابن مردنيش وأمثالهم فقام ابن هود بالامر ودعا بدعوة الخلافة العباسية بالمشرق وحمل الناس على الخروج على الموحدين فنبذوا إليهم العهد وأخرجوهم واستقل ابن هود بالامر في الاندلس ثم سما ابن

[ 166 ]

الاحمر للامر وخالف ابن هود في دعوته فدعا هؤلاء لابن أبي حفص صاحب أفريقية من الموحدين وقام بالامر وتناوله بعصابة قريبة من قرابته كانوا يسمون الرؤساء ولم يحتج لاكثر منهم لقلة العصائب بالاندلس وإنها سلطان ورعية ثم استظهر بعد ذلك على الطاغية بمن يجيز إليه البحر من أعياص زناتة فصاروا معه عصبة على المثاغرة والرياط ثم سما لصاحب من ملوك زناتة أمل في الاستيلاء على الاندلس فصار أولئك الاعياص عصابة ابن الاحمر على الامتناع منه إلى أن تأثل أمره ورسخ وألفته النفوس وعجز الناس عن مطالبته وورثه أعقابه لهذا العهد فلا تظن أنه بغير عصابة فليس كذلك وقد كان مبدأه بعصابة إلا أنها قليلة وعلى قدر الحاجة فإن قطر الاندلس لقلة العصائب والقبائل فيه يغني عن كثرة العصبية في التغلب عليهم والله غني عن العالمين الفصل العاشر في ان من طبيعة الملك الانفراد بالمجد وذلك أن الملك كما قدمناه إنما هو بالعصبية والعصبية متألفة من عصبات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الاخرى كلها فتغلبها وتستولي عليها حتى تصيرهما جميعا في ضمنها وبذلك يكون الاجتماع والغلب على الناس والدول وسره أن العصبية العامة للقبيل هي مثل المزاج للمتكون والمزاج إنما يكون عن العناصر وقد تبين في موضعه أن العناصر إذا اجتمعت متكافئة فلا يقع منها مزاج أصلا بل لابد من أن تكون واحدة منها هي الغالبة على الكل حتى تجمعها وتؤلفها وتصيرها عصبية واحدة شاملة لجميع العصائب وهي موجودة في ضمنها وتلك العصبية الكبرى إنما تكون لقوم أهل بيت ورئاسة فيهم ولابد من أن يكون واحد منهم رئيسا لهم غالبا عليهم فيتعين رئيسا للعصبيات كلها لغلب منبته لجميعها وإذا تعين له ذلك فمن الطبيعة الحيوانية خلق الكبر والانفة فيأنف حينئذ من المساهمة والمشاركة في استتباعهم والتحكم فيهم ويجئ خلق التأله الذي في طباع البشر مع ما تقتضيه السياسة من انفراد الحاكم لفساد الكل باختلاف الحكام لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدت فتجدع حينئذ أنوف العصبيات وتفلح شكائمهم عن أن يسموا إلى مشاركته في التحكم

[ 167 ]

وتقرع عصبيتهم عن ذلك وينفرد به ما استطاع حتى لا يترك لاحد منهم في الامر لا ناقة ولا جملا فينفرد بذلك المجد بكليته ويدفعهم عن مساهمته وقد يتم ذلك للاول من ملوك الدولة وقد لايتم إلا للثاني والثالث على قدر ممانعة العصبيات وقوتها إلا أنه أمر لابد منه في الدول سنة الله التي قد خلت في عباده والله تعالى أعلم الفصل الحادي عشر في ان من طبيعة الملك الترف وذلك أن الامة إذا تغلبت وملكت ما بأيدي أهل الملك قبلها كثر رياشها ونعمتها فتكثر عوائدهم ويتجاوزون ضرورات العيش وخشونته إلى نوافله ورقته وزينته ويذهبون إلى اتباع من قبلهم في عوائدهم وأحوالهم وتصير لتلك النوافل عوائد ضرورية في تحصيلها وينزعون مع ذلك إلى رقة الاحوال في المطاعم والملابس والفرش والآنية ويتفاخرون في ذلك ويفاخرون فيه غيرهم من الامم في أكل الطيب ولبس الانيق وركوب الفاره ويناغي خلفهم في ذلك سلفهم إلى آخر الدولة وعلى قدر ملكهم يكون حظهم من ذلك وترفهم فيه إلى أن يبلغوا من ذلك الغاية التي للدولة إلى أن تبلغها بحسب قوتها وعوائد من قبلها سنة الله في خلقه والله تعالى أعلم الفصل الثاني عشر في ان من طبيعة الملك الدعة والسكون وذلك أن الامة لا يحصل لها الملك إلا بالمطالبة والمطالبة غايتها الغلب والملك وإذا حصلت الغاية انقضى السعي إليها (قال الشاعر) عجبت لسعي الدهر بيني وبينها * فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر فإذا حصل الملك أقصروا عن المتاعب التي كانوا يتكلفونها في طلبه وآثروا الراحة والسكون والدعة ورجعوا إلى تحصيل ثمرات الملك من المباني والمساكن والملابس فيبنون القصور ويجرون المياه ويغرسون الرياض ويستمتعون بأحوال الدنيا ويؤثرون الراحة على المتاعب ويتأنقون في أحوال الملابس والمطاعم والآنية والفرش ما استطاعوا ويألفون ذلك ويورثونه من بعدهم من أجيالهم ولا يزال ذلك يتزايد فيهم

[ 168 ]

إلى أن يتأذن الله بأمره وهو خير الحاكمين والله تعالى أعلم الفصل الثالث عشر في انه إذا تحكمت طبيعة الملك من الانفراد بالمجد وحصول الترف والدعة اقبلت الدولة على الهرم وبيانه من وجوه. الأول أنها تقتضي الانفراد بالمجد كما قلناه ومهما كان المجد مشتركا بين العصابة وكان سعيهم له واحدا كانت هممهم في التغلب على الغير والذب عن الحوزة أسوة في طموحها وقوة شكائمها ومرماهم إلى العز جميعا يستطيبون الموت في بناء مجدهم ويؤثرون الهلكة على فساده وإذا انفرد الواحد منهم بالمجد قرع عصبيتهم وكبح من أعنتهم واستأثر بالاموال دونهم فتكاسلوا عن الغزو وفشل ربحهم ورئموا المذلة والاستعباد ثم ربي الجيل الثاني منهم على ذلك يحسبون ما ينالهم من العطاء اجرا من السلطان لهم عن الحماية والمعونة لا يجري في عقولهم سواه وقل أن يستأجر أحد نفسه على الموت فيصير ذلك وهنا في الدولة وخضدا من الشوكة وتقبل به على مناحي الضعف والهرم لفساد العصبية بذهاب البأس من أهلها. والوجه الثاني أن طبيعة الملك تقتضي الترف كما قدمناه فتكثر عوائدهم وتزيد نفقاتهم على أعطياتهم ولايفي دخلهم بخرجهم فالفقير منهم يهلك والمترف يستغرق عطاءه بترفه ثم يزداد ذلك في أجيالهم المتأخرة إلى أن يقصر العطاء كله عن الترف وعوائده وتمسهم الحاجة وتطالبهم ملوكهم بحصر نفقاتهم في الغزو والحروب فلا يجدون وليجة عنها فيوقعون بهم العقوبات وينتزعون ما في أيدي الكثير منهم يستأثرون به عليهم أو يؤثرون به أبناءهم وصنائع دولتهم فيضعفونهم لذلك عن إقامة أحوالهم ويضعف صاحب الدولة بضعفهم وأيضا إذا كثر الترف في الدولة وصار عطاؤهم مقصرا عن حاجاتهم ونفقاتهم احتاج صاحب الدولة الذي هو السلطان إلى الزيادة في أعطياتهم حتى يسد خللهم ويزيح عللهم والجباية مقدارها معلوم ولا تزيد ولا تنقص وإن زادت بما يستحدث من المكوس فيصير مقدارها بعد الزيادة محدودا فإذا وزعت الجباية على الاعطيات وقد حدثت فيها الزيادة لكل واحد بما حدث من ترفهم وكثرة نفقاتهم نقص عدد الحامية حينئذ عما كان قبل زيادة الاعطيات ثم

[ 169 ]

يعظم الترف وتكثر مقادير الاعطيات لذلك فينقص عدد الحامية وثالثا ورابعا إلى أن يعود العسكر إلى أقل الاعداد فتضعف الحماية لذلك وتسقط قوة الدولة ويتجاسر عليها من يجاورها من الدول أو من هو تحت يديها من القبائل والعصائب ويأذن الله فيها بالفناء الذي كتبه على خليقته وأيضا فالترف مفسد للخلق بما يحصل في النفس من ألوان الشر والسفسفة وعوائدها كما يأتي في فصل الحضارة فتذهب منهم خلال الخير التي كانت علامة على الملك ودليلا عليه ويتصفون بما يناقضها من خلال الشر فيكون علامة على الادبار والانقراض بما جعل الله من ذلك في خليقته وتأخذ الدولة مبادئ العطب وتتضعضع أحوالها وتنزل بها أمراض مزمنة من الهرم إلى أن يقضى عليها. الوجه الثالث أن طبيعة الملك تقتضي الدعة كما ذكرناه وإذا اتخذوا الدعة والراحة مألفا وخلقا صار لهم ذلك طبيعة وجبلة شأن العوائد كلها وإيلافها فتربى أجيالهم الحادثة في غضارة العيش ومهاد الترف والدعة وينقلب خلق التوحش وينسون عوائد البداوة التي كان بها الملك من شدة البأس وتعود الافتراس وركوب البيداء وهداية القفر فلا يفرق بينهم وبين السوقة من الحضر إلا في الثقافة والشارة فتضعف حمايتهم ويذهب بأسهم وتنخضد شوكتهم ويعود وبال ذلك على الدولة بما تلبس من ثياب الهرم ثم لا يزالون يتلونون بعوائد الترف والحضارة والسكون والدعة ورقة الحاشية في جميع أحوالهم وينغمسون فيها وهم في ذلك يبعدون عن البداوة والخشونة وينسلخون عنها شيئا فشيئا وينسون خلق البسالة التي كانت بها الحماية والمدافعة حتى يعودوا عيالا على حامية أخرى إن كانت لهم واعتبر ذلك في الدول التي أخبارها في الصحف لديك تجد ما قلته لك من ذلك صحيحا من غير ريبة وربما يحدث في الدولة إذا طرقها هذا الهرم بالترف والراحة أن يتخير صاحب الدولة أنصارا وشيعة من غير جلدتهم ممن تعود الخشونة فيتخذهم جندا يكون أصبر على الحرب وأقدر على معاناة الشدائد من الجوع والشظف ويكون ذلك دواء للدولة من الهرم الذي عساه أن يطرقها حتى يأذن الله فيها بأمره وهذا كما وقع في دولة الترك بالمشرق فإن غالب جندها الموالي من الترك فتتخير ملوكهم من أولئك المماليك المجلوبين إليهم فرسانا وجندا فيكونون أجرا على الحرب وأصبر على الشظف من أبناء المماليك الذين

[ 170 ]

كانوا قبلهم وربوا في ماء النعيم والسلطان وظله وكذلك في دولة الموحدين بأفريقية فإن صاحبها كثيرا ما يتخذ أجناده من زنانة والعرب ويستكثر منهم ويترك أهل الدولة المتعودين للترف فتستجد الدولة بذلك عمرا آخر سالما من الهرم والله وارث الارض ومن عليها الفصل الرابع عشر في ان الدولة لها اعمار طبيعية كما للاشخاص إعلم أن العمر الطبيعي للاشخاص على ما زعم الاطباء والمنجمون مائة وعشرون سنة وهي سنو القمر الكبرى عند المنجمين ويختلف العمر في كل جيل بحسب القرانات فيزيد عن هذا وينقص منه فتكون أعمار بعض أهل القرانات مائة تامة وبعضهم خمسين أو ثمانين أو سبعين على ما تقتضيه أدلة القرانات عند الناظرين فيها وأعمار هذه الملة ما بين الستين إلى السبعين كما في الحديث ولا يزيد على العمر الطبيعي الذي هو مائة وعشرون إلا في الصور النادرة وعلى الاوضاع الغريبة من الفلك كما وقع في شأن نوح عليه السلام وقليل من قوم عاد وثمود وأما أعمار الدول أيضا وإن كانت تختلف بحسب القرانات إلا أن الدولة في الغالب لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال والجيل هو عمر شخص واحد من العمر الوسط فيكون أربعين الذي هو انتهاء النمو والنشوء إلى غايته قال تعالى حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ولهذا قلنا إن عمر الشخص الواحد هو عمر الجيل ويؤيده ما ذكرناه في حكمة التيه الذي وقع في بني إسرائيل وأن المقصود بالاربعين فيه فناء الجيل الاحياء ونشأة جيل آخر لم يعهدوا الذل ولا عرفوه فدل على اعتبار الاربعين في عمر الجيل الذي هو عمر الشخص الواحد وإنما قلنا إن عمر الدولة لا يعدو في الغالب ثلاثة أجيال لان الجيل الاول لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها وتوحشها من شظف العيش والبسالة والافتراس والاشتراك في المجد فلا تزال بذلك سورة العصبية محفوظة فيهم فحدهم مرهف وجانبهم مرهوب والناس لهم مغلوبون والجيل الثاني تحول حالهم بالملك والترفه من البداوة إلى الحضارة ومن الشظف إلى الترف والخصب ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به وكسل الباقين عن

[ 171 ]

السعي فيه ومن عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة فتنكسر سورة العصبية بعض الشئ وتؤنس منهم المهانة والخضوع ويبقى لهم الكثير من ذلك بما أدركوا الجيل الاول وباشروا أحوالهم وشاهدوا اعتزازهم وسعيهم إلى المجد ومراميهم في المدافعة والحماية فلا يسعهم ترك ذلك بالكلية وإن ذهب منه ما ذهب ويكونون على رجاء من مراجعة الاحوال التي كانت للجيل الاول أو على ظن من وجودها فيهم وأما الجيل الثالث فينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن ويفقدون حلاوة العز والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر ويبلغ فيهم الترف غايته بما تبنقوه من النعيم وغضارة العيش فيصيرون عيالا على الدولة ومن جملة النساء والولدان المحتاجين للمدافعة عنهم وتسقط العصبية بالجملة وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة ويلبسون على الناس في الشارة والزي وركوب الخيل وحسن الثقافة يموهون بها وهم في الاكثر أجبن من النسوان على ظهورها فإذا جاء المطالب لهم لم يقاوموا مدافعته فيحتاج صاحب الدولة حينئذ إلى الاستظهار بسواهم من أهل النجدة ويستكثر بالموالي ويصطنع من يغني عن الدولة بعض الغناء حتى يتأذن الله بانقراضها فتذهب الدولة بما حملت فهذه كما تراه ثلاثة أجيال فيها يكون هرم الدولة وتخلفها ولهذا كان انقراض الحسب في الجيل الرابع كما مر في أن المجد والحسب إنما هو أربعة آباء وقد أتيناك فيه ببرهان طبيعي كاف ظاهر مبني على ما مهدناه قبل من المقدمات فتأمله فلن تعدو وجه الحق إن كنت من أهل الانصاف وهذه الاجيال الثلاثة عمرها مائة وعشرون سنة على ما مر ولا تعدو الدول في الغالب هذا العمر بتقريب قبله أو بعده إلا إن عرض لها عارض آخر من فقدان المطالب فيكون الهرم حاصلا مستوليا والطالب لم يحضرها ولو قد جاء الطالب لما وجد مدافعا فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون فهذا العمر للدولة بمثابة عمر الشخص من التزيد إلى سن الوقوف ثم إلى سن الرجوع ولهذا يجري على ألسنة الناس في المشهور أن عمر الدولة مائة سنة وهذا معناه فاعتبره واتخذ منه قانونا يصحح لك عدد الآباء في عمود النسب الذي تريده من قبل معرفة السنين الماضية إذا كنت قد استربت في عددهم وكانت السنون الماضية منذ أولهم محصلة لديك فعد لكل مائة من السنين

[ 172 ]

ثلاثة من الآباء فإن نفدت على هذا القياس مع نفود عددهم فهو صحيح وإن نقصت عنه بجيل فقد غلط عددهم بزيادة واحد في عمود النسب وإن زادت بمثله فقد سقط واحد وكذلك تأخذ عدد السنين من عددهم إذا كان محصلا لديك فتأمله تجده في الغالب صحيحا والله يقدر الليل والنهار الفصل الخامس عشر في انتقال الدولة من البداوة إلى الحضارة إعلم أن هذه الاطوار طبيعية للدول فإن الغلب الذي يكون به الملك إنما هو بالعصبية وبما يتبعها من شدة البأس وتعود الافتراس ولا يكون ذلك غالبا إلا مع البداوة فطور الدولة من أولها بداوة ثم إذا حصل الملك تبعه الرفه واتساع الاحوال والحضارة إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والابنية وسائر عوائد المنزل وأحواله فلكل واحد منها صنائع في استجادته والتأنق فيه تختص به ويتلو بعضها بعضا وتتكثر باختلاف ما تنزع إليه النفوس من الشهوات والملاذ والتنعم بأحوال الترف وما تتلون به من العوائد فصار طور الحضارة في الملك يتبع طور البداوة ضرورة لضرورة تبعية الرفه للملك وأهل الدول أبدا يقلدون في طور الحضارة وأحوالها للدولة السابقة قبلهم فأحوالهم يشاهدون ومنهم في الغالب يأخذون ومثل هذا وقع للعرب لما كان الفتح وملكوا فارس والروم واستخدموا بناتهم وأبناءهم ولم يكونوا لذلك العهد في شئ من الحضارة فقد حكي أنه قدم لهم المرقق فكانوا يحسبونه رقاعا وعثروا على الكافور في خزائن كسرى فاستعملوه في عجينهم ملحا ومثال ذلك كثير فلما استعبدوا أهل الدولة قبلهم واستعملوهم في مهنهم وحاجات منازلهم واختاروا منهم المهرة في أمثال ذلك والقومة عليهم أفادوهم علاج ذلك والقيام على عمله والتفنن فيه مع ما حصل لهم من اتساع العيش والتفنن في أحواله فبلغوا الغاية في ذلك وتطوروا بطور الحضارة والترف في الاحوال واستجادة المطاعم والمشارب والملابس والمباني والاسلحة والفرش والآنية وسائر الماعون والخرثي وكذلك أحوالهم في أيام المباهاة والولائم وليالي الاعراس فأتوا من ذلك وراء الغاية وانظر

[ 173 ]

ما نقله المسعودي والطبري وغيرهما في أعراس المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل وما بذل أبوها لحاشية المأمون حين وافاه في خطبتها إلى داره بفم الصلح وركب إليها في السفين وما أنفق في أملاكها وما نحلها المأمون وأنفق في عرسها تقف من ذلك على العجب فمنه أن الحسن بن سهل نثر يوم الاملاك في الصنيع الذي حضره حاشية المأمون فنثر على الطبقة الاولى منهم بنادق المسك ملثوثة على الرقاع بالضياع والعقار مسوغة لمن حصلت في يده يقع لكل واحد منهم ما أداه إليه الاتفاق والبخت وفرق على الطبقة الثانية بدر الدنانير في كل بدرة عشرة آلاف وفرق على الطبقة الثالثة بدر الدراهم كذلك بعد أن أنفق على مقامة المأمون بداره اضعاف ذلك ومنه أن المأمون أعطاها في مهرها ليلة زفافها ألف حصاة من الياقوت وأوقد شموع العنبر في كل واحدة مائة من وهو رطل وثلثان (1) وبسط لها فرشا كان الحصير منها منسوجا بالذهب مكللا بالدر والياقوت وقال المأمون حين رآه قاتل الله أبا نواس كأنه أبصر هذا حيث يقول في صفة الخمر كأن صغرى وكبرى من فواقعها * حصباء در على أرض من الذهب وأعد بدار الطبخ من الحطب لليلة الوليمة نقل مائة وأربعين بغلا مدة عام كامل ثلاث مرات في كل يوم وفني الحطب لليلتين وأوقدوا الجريد يصبون عليه الزيت وأو عز إلى النواتية بإحضار السفن لاجازة الخواص من الناس بدجلة من بغداد إلى قصور الملك بمدينة المأمون لحضور الوليمة فكانت الحراقات (2) المعدة لذلك ثلاثين ألفا أجازوا الناس فيها أخريات نهارهم وكثير من هذا وأمثاله وكذلك عرس المأمون بن ذي النون بطليطلة نقله ابن سام في كتاب الذخيرة وابن حيان بعد أن كانوا كلهم في الطور الاول من البداوة عاجزين عن ذلك جملة لفقدان أسبابه والقائمين على صنائعه في غضاضتهم وسذاجتهم يذكر أن الحجاج أولم في اختتان بعض ولده فاستحضر بعض الدهاقين يسأله عن ولائم الفرس وقال أخبرني بأعظم صنيع شهدته فقال له نعم أيها الامير شهدت بعض مرازبة كسرى وقد صنع لاهل * (الهامش) * (1) قوله وثلثان الذي كتب في اللغة ان المن رطل وقيل رطلان ولم يوجد في النسخة التونسية ثلاثن (2) الحراقات بالفتح جمع حرافة سفينة فيها مرامي نار يرمي بها العدو اه‍ مختار (*)

[ 174 ]

فارس صنيعا أحضر فيه صحاف الذهب على أخونة الفضة أربعا على كل واحد وتحمله أربع وصائف ويجلس عليه أربعة من الناس فإذا طعموا أتبعوا أربعتهم المائدة بصحافها ووصفائها فقال الحجاج يا غلام انحر الجزر وأطعم الناس وعلم أنه لا يستقل بهذه الابهة وكذلك كانت ومن هذا الباب أعطية بني أمية وجوائزهم فإنما كان أكثرها الابل أخذا بمذاهب العرب وبداوتهم ثم كانت الجوائز في دولة بني العباس والعبيديين من بعدهم ما علمت من أحمال المال وتخوت الثياب وإعداد الخيل بمراكبها وهكذا كان شأن كتامة مع الاغالبة بأفريقية وكذا بني طفج بمصر وشأن لمتونة مع ملوك الطوائف بالاندلس والموحدين كذلك وشأن زناتة مع الموحدين وهلم جرا تنتقل الحضارة من الدول السالفة إلى الدول الخالفة فانتقلت حضارة الفرس للعرب بني أمية وبني العباس وانتقلت حضارة بني أمية بالاندلس إلى ملوك المغرب من الموحدين وزناتة لهذا العهد وانتقلت حضارة بني العباس إلى الديلم ثم إلى الترك ثم إلى السلجوقية ثم إلى الترك المماليك بمصر والتتر بالعراقين وعلى قدر عظم الدولة يكون شأنها في الحضارة إذا أمور الحضارة من توابع الترف والترف من توابع الثروة والنعمة والثروة والنعمة من توابع الملك ومقدار ما يستولي عليه أهل الدولة فعلى نسبة الملك يكون ذلك كله فاعتبره وتفهمه وتأمله تجده صحيحا في العمران والله وارث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين الفصل السادس عشر في ان الترف يزيد الدولة في اولها قوة إلى قوتها والسبب في ذلك أن القبيل إذا حصل لهم الملك والترف كثر التناسل والولد والعمومية فكثرت العصابة واستكثروا أيضا من الموالي والصنائع وربيت أجيالهم في جو ذلك النعيم والرفه فازدادوا به عددا إلى عددهم وقوة إلى قوتهم بسبب كثرة العصائب حينئذ بكثرة العدد فإذا ذهب الجيل الاول والثاني وأخذت الدولة في الهرم لم تستقل أولئك الصنائع والموالي بأنفسهم في تأسيس الدولة وتمهيد ملكها لانهم ليس لهم من الامر شئ إنما كانوا عيالا على أهلها ومعونة لها فإذا ذهب الاصل لم يستقل الفرع بالرسوخ فيذهب ويتلاشى ولا تبقى الدولة على حالها

[ 175 ]

من القوة واعتبر هذا بما وقع في الدولة العربية في الاسلام كان عدد العرب كما قلنا لعهد النبؤة والخلافة مائة وخمسين ألفا وما يقاربها من مضر وقحطان ولما بلغ الترف مبالغة في الدولة وتوفر نموهم بتوفر النعمة واستكثر الخلفاء من الموالي والصنائع بلغ ذلك العدد إلى أضعافه يقال إن المعتصم نازل عمورية لما افتتحها في تسعمائة ألف ولا يبعد مثل هذا العدد أن يكون صحيحا إذا اعتبرت حاميتهم في الثغور الدانية والقاصية شرقا وغربا إلى الجند الحاملين سرير الملك والموالي والمصطنعين وقال المسعودي أحصى بنو العباس ابن عبد المطلب خاصة أيام المأمون للانفاق عليهم فكانوا ثلاثين ألف بين ذكران وإناث فانظر مبالغ هذا العدد لاقل من مائتي سنة واعلم أن سببه الرفه والنعيم الذي حصل للدولة وربي فيه أجيالهم وإلا فعدد العرب لاول الفتح لم يبلغ هذا ولا قريبا منه والله الخلاق العليم الفصل السابع عشر في اطوار الدولة واختلاف احوالها وخلق اهلها باختلاف الاطوار إعلم أن الدولة تنتقل في أطوار مختلفة وحالات متجددة ويكتسب القائمون بها في كل طور خلقا من أحوال ذلك الطور لا يكون مثله في الطور الاخر لان الخلق تابع بالطبع لمزاج الحال الذي هو فيه وحالات الدولة وأطوارها لا تعدو في الغالب خمسة أطوار الطور الاول طور الظفر بالبغية وغلب المدافع والممانع والاستيلاء على الملك وانتزاعه من أيدي الدولة في هذا الطور أسوة قومه في اكتساب المجد وجباية المال والمدافعة عن الحوزة والحماية لا ينفرد دونهم بشئ لان ذلك هو مقتضى العصبية التي وقع بها الغلب وهي لم تزل بعد بحالها الطور الثاني طور الاستبداد على قومه والانفراد دونهم بالملك وكبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة ويكون صاحب الدولة في هذا الطور معنيا باصطناع الرجال واتخاذ الموالي والصنائع والاستكثار من ذلك لجدع أنوف أهل عصبيته وعشيرته المقاسمين له في نسبة الضاربين في الملك بمثل سهمه فهو يدافعهم عن الامر ويصدهم عن موارده ويردهم على أعقابهم أن يخلصوا إليه حتى يقر الامر في نصابه ويفرد أهل بيته بما يبني من مجده فيعاني من مدافعتهم ومغالبتهم مثل ما عاناه الاولون في طلب

[ 176 ]

الامر أو أشد لان الاولين دافعوا الاجانب فكان ظهراؤهم على مدافعتهم أهل العصبية باجمعهم وهذا يدافع الاقارب لا يظاهره على مدافعتهم إلا الاقل من الاباعد فيركب صعبا من الامر. الطور الثالث طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر إليه من تحصيل المال وتخليد الآثار وبعد الصيت فيستفرغ وسعه في الجباية وضبط الدخل والخرج وإحصاء النفقات والقصد فيها وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة والامصار المتسعة والهيا كل المرتفعة وإجازة الوفود من أشراف الامم ووجوه القبائل وبث المعروف في أهله هذا مع التوسعة على صنائعه وحاشيته في أحوالهم بالمال والجاه واعتراض جنوده وإدرار أرزاقهم وإنصافهم في أعطياتهم لكل هلال حتى يظهر أثر ذلك عليهم في ملابسهم وشكبهم وشاراتهم يوم الزينة فيباهي بهم الدول المسالمة ويرهب الدول المحاربة وهذا الطور آخر أطوار الاستبداد من أصحاب الدولة لانهم في هذه الاطوار كلها مستقلون بآرائهم بانون لعزهم موضحون الطرق لمن بعدهم. الطور الرابع طور القنوع والمسالمة ويكون صاحب الدولة في هذا قانعا بما بنى أولوه سلما لانظاره من الملوك وأقتاله مقلدا للماضين من سلفه فيتبع آثارهم حذو النعل بالنعل ويقتفي طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء ويرى أن في الخروج عن تقليدهم فساد أمره وأنهم أبصر بما بنوا من مجده. الطور الخامس طور الاسراف والتبذير ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفا لما حمع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه واصطناع أخدان السوء وخضراء الدمن وتقليدهم عظيمات الامور التي لا يستقلون بحملها ولا يعرفون ما يأتون ويذرون منها مستفسد الكبار الاولياء من قومه وصنائع سلفه حتى يضطغنوا عليه ويتخاذلوا عن نصرته مضيعا من جنده بما أنفق من أعطياتهم في شهواته وحجب عنهم وجه مباشرته وتفقده فيكون مخربا لما كان سلفه يؤسسون وهادما لما كانوا يبنون وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه ولا يكون لها معه برء إلى أن تنقرض كما نبينه في الاحوال التي نسردها والله خير الوارثين

[ 177 ]

الفصل الثامن عشر في ان آثار الدولة كلها على نسبة قوتها في اصلها والسبب في ذلك أن الآثار إنما تحدث عن القوة التي بها كانت أولا وعلى قدرها يكون الاثر فمن ذلك مباني الدولة وهيا كلها العظيمة فانما تكون على نسبة قوة الدولة في أصلها لانها لا تتم إلا بكثرة الفعلة واجتماع الايدي على العمل بالتعاون فيه فإذا كانت الدولة عظيمة فسيحة الجوانب كثيرة الممالك والرعايا كان الفعلة كثيرين جدا وحشروا من آفاق الدولة وأقطارها فتم العمل على أعظم هياكله ألا ترى إلى مصانع قوم عاد وثمود وما قصه القرآن عنهما وانظر المشاهدة إيوان كسرى وما اقتدر فيه الفرس حتى إنه عزم الرشيد على هدمه وتخريبه فتكاءد عنه وشرع فيه ثم أدركه العجز وقصة استشارته ليحيى ابن خالد في شأنه معروفة فانظر كيف تقتدر دولة على بناء لا تستطيع أخرى على هدمه مع بون مابين الهدم والبناء في السهولة تعرف من ذلك بون ما بين الدولتين وانظر إلى بلاط الوليد بدمشق وجامع بني أمية بقرطبة والقنطرة التي على واديها وكذلك بناء الحنايا لجلب الماء إلى قرطاجنة في القناة الراكبة عليها وآثار شرشال بالمغرب والاهرام بمصر وكثير من هذه الآثار الماثلة للعيان يعلم منه اختلاف الدول في القوة والضعف وأعلم أن تلك الافعال للاقدمين إنما كانت بالهندام واجتماع الفعلة وكثرة الايدي عليها فبذلك شيدت تلك الهياكل والمصانع ولا تتوهم ما تتوهمه العامة أن ذلك لعظم أجسام الاقدمين عن أجسامنا في أطرافها وأقطارها فليس بين البشر في ذلك كبير بون كما نجد بين الهياكل والآثار ولقد ولع القصاص بذلك وتغالوا فيه وسطروا عن عاد وثمود والعمالقة في ذلك أخبارا عربقة في الكذب من أغربها ما يحكون عن عوج بن عناق (1) رجل من العمالقة الذين قاتلهم بنو إسرائيل في الشام زعموا أنه كان لطوله يتناول السمك من البحر ويشويه إلى الشمس ويزيدون إلى جهلهم بأحوال البشر الجهل بأحوال الكواكب لما اعتقدوا أن للشمس حرارة وأنها شديدة فيما قرب منها ولا يعلمون


(1) قوله ابن عناق الذي في القاموس في باب الجيم موج بن عوق بالواو والمشهور على السنة الناس عنق بالنون قله نصر الهوريني (*)

[ 178 ]

ان الحر هو الضوء وأن الضوء فيما قرب من الارض أكثر لانعكاس الاشعة من سطح الارض بمقابلة الاضواء فتتضاعف الحرارة هنا لاجل ذلك وإذا تجاوزت مطارح الاشعة المنعكسة فلا حر هنالك بل يكون فيه البرد حيث مجاري السحاب وأن الشمس في نفسها لاحارة ولا باردة وإنما هي جسم بسيط مضئ لا مزاج له وكذلك عوج بن عناق هو فيما ذكروه من العمالقة أو من الكنعانيين الذين كانوا فريسة بني إسرائيل عند فتحهم الشام وأطوال بني إسرائيل وجسمانهم لذلك العهد قريبة من هياكلنا يشهد لذلك أبواب بيت المقدس فإنها وإن خربت وجددت لم تزل المحافظة على أشكالها ومقادير أبوابها وكيف يكون التفاوت بين عوج وبين أهل عصره بهذا المقدار وإنما مثار غلطهم في هذا أنهم استعظموا آثار الامم ولم يفهموا حال الدول في الاجتماع والتعاون وما يحصل بذلك وبالهندام من الآثار العظيمة فصرفوه إلى قوة الاجسام وشدتها بعظم هياكلها وليس الامر كذلك وقد زعم المسعودي ونقله عن الفلاسفة مزعما لامستند له إلا التحكم وهو أن الطبيعة التي هي جبلة للاجسام لما برأ الله الخلق كانت في تمام الكرة ونهاية القوة والكمال وكانت الاعمار أطول والاجسام أقوي لكمال تلك الطبيعة فإن طروء الموت إنما هو بانحلال القوى الطبيعية فإذا كانت قوية كانت الاعمار أزيد فكان العالم في أولية نشأته تام الاعمار كامل الاجسام ثم لم يزل يتناقص لنقصان المادة إلى أن بلغ إلى هذه الحال التي هو عليها ثم لا يزال يتناقص إلى وقت الانحلال وانقراض العالم وهذا رأي لاوجه له إلا التحكم كما تراه وليس له علة طبيعية ولا سبب برهاني ونحن نشاهد مساكن الاولين وأبوابهم وطرقهم فيما أحدثوه من البنيان والهياكل والديار والمساكن كديار ثمود المنحوتة في الصلد من الصخر بيوتا صغارا وأبوابها ضيقة وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى أنها ديارهم ونهى عن استعمال مياههم وطرح ما عجن به وأهرق وقال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم وكذلك أرض عاد ومصر والشام وسائر بقاع الارض شرقا وغربا والحق ما قررناه ومن آثار الدول أيضا حالها في الاعراس والولائم كما ذكرناه في وليمة بوران وصنيع الحجاج وابن ذي النون وقد مر

[ 179 ]

ذلك كله ومن آثارها أيضا عطايا الدول وأنها تكون على نسبتها ويظهر ذلك فيها ولو أشرفت على الهرم فإن الهمم التي لاهل الدولة تكون على نسبة قوة ملكهم وغلبهم للناس والهمم لا تزال مصاحبة لهم إلى انقراض الدولة واعتبر ذلك بجوائز ابن ذي يزن لوفد قريش كيف أعطاهم من أرطال الذهب والفضة والاعبد والوصائف عشرا عشرا ومن كرش العنبر واحدة وأضعف ذلك بعشرة أمثاله لعبد المطلب وإنما ملكه يومئذ قرارة اليمن خاصة تحت استبداد فارس وإنما حمله على ذلك همة نفسه بما كان لقومه التبابعة من الملك في الارض والغلب على الامم في العراقين والهند والمغرب وكان الصنهاجيون بأفريقية أيضا إذا أجازوا الوفد من أمراء زناتة الوافدين عليهم فإنما يعطونهم المال أحمالا والكساء تخوتا مملوءة والحملات جنائب عديدة وفي تأريخ ابن الرقيق من ذلك أخبار كثيرة وكذلك كان عطاء البرامكة وجوائزهم ونفقاتهم وكانوا إذا كسبوا معدما فإنما هو الولاية والنعمة آخر الدهر لا العطاء الذي يستنفده يوم أو بعض يوم وأخبارهم في ذلك كثيرة مسطورة وهي كلها على نسبة الدول جارية هذا جوهر الصقلبي الكاتب قائد جيش العبيديين لما ارتحل إلى فتح مصر استعد من القيروان بألف حمل من المال و لا تنتهي اليوم دولة إلى مثل هذا وكذلك وجد بخط أحمد بن محمد بن عبد الحميد عمل بما يحمل إلى بيت المال ببغداد أيام المأمون من جميع النواحي نقلته من جراب الدولة (غلات السواد) سبع وعشرون ألف ألف درهم مرتين وثمانمائة ألف درهم ومن الحلل النجرانية مائتا حلة ومن طين الختم مائتان وأربعون رطلا (كنكر) أحد عشر ألف ألف درهم مرتين وستمائة ألف درهم (كورد حلة) عشرون ألف ألف درهم وثمانية دراهم (حلوان) أربعة آلاف ألف درهم مرتين وثمانمائة ألف درهم (الاهواز) خمسة وعشرون ألف درهم مرة ومن السكر ثلاثون ألف رطل (فارس) سبعة وعشرون ألف ألف درهم ومن ماء الورد ثلاثون الف قارورة ومن الزيت الاسود عشرون ألف رطل (كرمان) أربعة آلاف ألف درهم مرتين ومائتا ألف درهم ومن المتاع اليماني خمسمائة ثوب ومن التمر عشرون الف رطل (مكران) أربعمائة ألف درهم مرة (السند وما يليه) أحد عشر ألف

[ 180 ]

ألف درهم مرتين وخمسمائة ألف درهم ومن العود الهندي مائة وخمسون رطلا (سجستان) أربعة آلاف ألف درهم مرتين ومن الثياب المعينة ثلثمائة ثوب ومن الفانيد عشرون رطلا (خراسان) ثمانية وعشرون ألف ألف درهم مرتين ومن نقر الفضة ألفانقرة ومن البراذين أربعة آلاف ومن الرقيق ألف رأس ومن المتاع عشرون ألف ثوب ومن الاهليلج ثلاثون ألف رطل (جرجان) اثنا عشر ألف ألف درهم مرتين ومن الابريسم ألف شقة (قومس) ألف ألف مرتين وخمسمائة من نقر الفضة (طبرستان والروبان ونهاوند) ستة آلاف ألف مرتين وثلاثمائة ألف ومن الفرش الطبري ستمائة قطعة ومن الاكسية مائتان ومن الثياب خمسمائة ثوب ومن المناديل ثلاثمائة ومن الجامات ثلاثمائة (الري) اثنا عشر ألف ألف درهم مرتين ومن العسل عشرون ألف رطل (همذان) أحد عشر ألف ألف درهم مرتين وثلاثمائة ألف ومن رب الرمان ألف رطل ومن العسل اثنا عشر ألف رطل (ما بين البصرة والكوفة) عشرة آلاف ألف درهم مرتين وسبعمائة ألف درهم (ماسبذان والدينار (1) أربعة آلاف ألف درهم مرتين (شهرزور) ستة آلاف ألف درهم مرتين وسبعمائة ألف درهم (الموصل وما يليها) أربعة وعشرون ألف ألف درهم مرتين ومن العسل الابيض عشرون ألف ألف رطل (اذربيجان) أربعة آلاف ألف درهم مرتين (الجزيرة وما يليها من اعمال الفرات) أربعة وثلاثون ألف ألف درهم مرتين ومن الرقيق ألف راس ومن العسل اثنا عشر ألف زق ومن البزاة (2) عشرة ومن الاكسية عشرون (ارمينية) ثلاثة عشر ألف ألف درهم مرتين ومن البسط (3) المحفور عشرون ومن الزقم خمسمائة وثلاثون رطلا ومن المسايج السور ماهي عشرة آلاف رطل ومن الصونج عشرة آلاف رطل ومن البغال مائتان ومن المهرة ثلاثون (قنسرين) أربعمائة ألف دينار ومن الزيت الف حمل (دمشق) أربعمائة ألف دينار وعشرون ألف دينار (الاردن) سبعة وتسعون ألف دينار (فلسطين) ثلاثمائة ألف دينار وعشرة آلاف دينار ومن


(1) قوله والدينار والظاهر انها الدينور وفي الترجمة التركية ماسندان وريان اه‍ (2) قوله ومن اربزاة في التركية ومن السكر عشرة صناديق اه‍ (3) وفي نسخة الفسط (*)

[ 181 ]

الزيت ثلاثمائة ألف رطل (مصر) ألف ألف دينار وتسعمائة ألف دينار وعشرون ألف دينار (برقة) ألف ألف درهم مرتين (افريقية) ثلاثة عشر ألف ألف درهم مرتين ومن البسط مائة وعشرون (اليمن) ثلاثمائة الف دينار وسبعون ألف دينار سوى المتاع (الحجاز) ثلاثمائة الف دينار انتهى. وأما الاندلس فالذي ذكره الثقات من مؤرخيها أن عبد الرحمن الناصر خلف في بيوت أمواله خمسة آلاف ألف الف دينار مكررة ثلاث مرات يكون جملتها بالقناطير خمسمائة ألف قنطار. ورأيت في بعض تواريخ الرشيد أن المحمول إلى بيت المال في أيامه سبعة آلاف قنطار وخمسمائة قنطار في كل سنة فاعتبر ذلك في نسب الدول بعضها من بعض ولا تنكرن ما ليس بمعهود عندك ولا في عصرك شئ من أمثاله فتضيق حوصلتك عند ملتقط الممكنات فكثير من الخواص إذا سمعوا أمثال هذه الاخبار عن الدول السالفة بادر بالانكار وليس ذلك من الصواب فإن أحوال الوجود والعمران متفاوتة ومن أدرك منها رتبة سفلى أو وسطى فلا يحصر المدارك كلها فيها ونحن إذا اعتبرنا ما ينقل لنا عن دولة بني العباس وبني أمية والعبيديين وناسبنا الصحيح من ذلك والذي لا شك فيه بالذي نشاهده من هذه الدول التي هي أقل بالنسبة إليها وجدنا بينها بونا وهو لما بينها من التفاوت في أصل قوتها وعمران مما لكها فالآثار كلها جارية على نسبة الاصل في القوة كما قدمناه ولا يسعنا إنكار ذلك عنها إذ كثير من هذه الاحوال في غاية الشهرة والوضوح بل فيها ما يلحق بالمستفيض والمتواتر وفيها المعاين والمشاهد من آثار البناء وغيره فخذ من الاحوال المنقولة مراتب الدول في قوتها أو ضعفها وضخامتها أو صغرها واعتبر ذلك بما نقصه عليك من هذه الحكاية المستظرفة وذلك أنه ورد بالمغرب لعهد السلطان أبي عنان من ملوك بني مرين رجل من مشيخة طنجة يعرف بابن بطوطة (1) كان رحل منذ عشرين سنة قبلها إلى المشرق وتقلب في بلاد العراق واليمن والهند ودخل مدينة دهلي حاضرة ملك الهند وهو السلطان محمد شاه واتصل بملكها لذلك العهد وهو فيروز جوه وكان له منه مكان واستعمله في خطة القضاء بمذهب المالكية في عمله ثم انقلب إلى المغرب


(1) كان ابتداء رحلة ابن بطوطة سنة 725 وانتها وهاسنة 754 وهي عجيبة ومختصرها 7 كرار يس اه‍ (*)

[ 182 ]

واتصل بالسلطان أبي عنان وكان يحدث عن شأن رحلته وما رأى من العجائب بممالك الارض وأكثرما كان يحدث عن دولة صاحب الهند ويأتي من أحواله بما يستغربه السامعون مثل أن ملك الهند إذا خرج إلى السفر أحصى أهل مدينته من الرجال والنساء والولدان وفرض لهم رزق ستة أشهر تدفع لهم من عطائه وأنه عند رجوعه من سفره يدخل في يوم مشهود يبرز فيه الناس كافة إلى صحراء البلد ويطوفون به وينصب أمامه في ذلك الحقل منجنيقات على الظهر ترمى بها شكائر الدراهم والدنانير على الناس إلى أن يدخل إيوانه وأمثال هذه الحكايات فتناحى الناس بتكذيبه ولقيت أيامئذ وزير السلطان فارس بن وردار البعيد الصيت ففاوضته في هذا الشأن وأريته إنكار أخبار ذلك الرجل لما استفاض في الناس من تكذيبه فقال لي الوزير فارس إياك أن تستنكر مثل هذا من أحوال الدول بما أنك لم تره فتكون كابن الوزير الناشئ في السجن وذلك أن وزيرا اعتقله سلطانه ومكث في السجن سنين ربي فيها ابنه في ذلك المجلس فلما أدرك وعقل سأل عن اللحمان التي كان يتغذى بها فقال له أبوه هذا لحم الغنم فقال وما الغنم فيصفها له أبوه بشياتها ونعوتها فيقول يا أبت تراها مثل الفار فينكر عليه ويقول أين الغنم من الفأر وكذا في لحم الابل والبقر إذ لم يعاين في محبسه من الحيوانات إلا الفار فيحسبها كلها أبناء جنس الفأر ولهذا كثيرا ما يعتري الناس في الاخبار كما يعتريهم الوسواس في الزيادة عند قصد الاغراب كما قدمناه أول الكتاب فليرجع الانسان إلى أصوله وليكن مهيمنا على نفسه ومميزا بين طبيعة الممكن والممتنع بصريح عقله ومستقيم فطرته فما دخل في نطاق الامكان قبله وما خرج عنه رفضه وليس مرادنا الا مكان العقلي المطلق فإن نطاقه أوسع شئ فلا يفرض حدا بين الواقعات وإنما مرادنا الا مكان بحسب المادة التي للشئ فانا إذا نظرنا أصل الشئ وجنسه وصنفه ومقدار عظمه وقوته أجرينا الحكم من نسبة ذلك على أحواله وحكمنا بالامتناع على ما خرج من نطاقه وقل رب زدني علما وأنت أرحم الراحمين والله سبحانه وتعالى أعلم

[ 183 ]

الفصل التاسع عشر في استظهار صاحب الدولة على قومه واهل عصبيته بالموالي والمصطنعين إعلم أن صاحب الدولة إنما يتم أمره كما قلناه بقومه فهم عصابته وظهراؤه على شأنه وبهم يقارع الخوارج على دولته ومنهم يقلد أعمال مملكته ووزارة دولته. وجباية أمواله لانهم أعوانه على الغلب وشركاؤه في الامر ومساهموه في سائر مهماته هذا ما دام الطور الاول للدولة كما قلناه فإذا جاء الطور الثاني وظهر الاستبداد عنهم والانفراد بالمجد ودافعهم عنه بالمراح صاروا في حقيقة الامر من بعض أعدائه واحتاج في مدافعتهم عن الامر وصدهم عن المشاركة إلى اولياء آخرين من غير جلدتهم يستظهر بهم عليهم ويتولاهم دونهم فيكونون أقرب إليه من سائرهم وأخص به قربا واصطناعا وأولى إيثارا وجاها لما أنهم يستميتون دونه في مدافعة قومه عن الامر الذي كان لهم والرتبة التي ألفوها في مشاركتهم فيستخلصهم صاحب الدولة ويخصهم بمزيد التكرمة والايثار ويقسم لهم مثل ما للكثير من قومه ويقلدهم جليل الاعمال والولايات من الوزارة والقيادة والجباية وما يختص به لنفسه وتكون خالصة له دون قومه من ألقاب المملكة لانهم حينئذ أولياؤه الاقربون ونصحاؤه المخلصون وذلك حينئذ مؤذن بأهتضام الدولة وعلامة على المرض المزمن فيها لفساد العصبية التي كان بناء الغلب عليها ومرض قلوب أهل الدولة حينئذ من الامتهان وعداوة السلطان فيضطغنون عليه ويتربصون به الدوائر ويعود وبال ذلك على الدولة ولا يطمع في برئها من هذا الداء لانه ما مضى يتأكد في الاعقاب إلى أن يذهب رسمها واعتبر ذلك في دولة بني أمية كيف كانوا إنما يستظهرون في حروبهم وولاية أعمالهم برجال العرب مثل عمرو بن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن زياد بن أبي سفيان والحجاج بن يوسف والمهلب بن أبي صفرة وخالد بن عبد الله القسري وابن هبيرة وموسى بن نصير وبلال بن أبي بردة بن أبي موسى الاشعري ونصر بن سيار وأمثالهم من رجالات العرب وكذا صدر من دولة بني العباس كان الاستظهار فيها أيضا برجالات العرب فلما صارت الدولة للانفراد بالمجد وكبح العرب عن التطاول للولايات صارت الوزارة للعجم والصنائع من البرامكة وبني سهل بن نوبخت وبني

[ 184 ]

طاهر ثم بني بويه وموالي الترك مثل بغا ووصيف وأنلمش وباكناك وابن طولون وأبنائهم وغير هؤلاء من موالي العجم فتكون الدولة لغير من مهدها والعز لغير من اجتلبه سنة الله في عباده والله تعالى أعلم الفصل العشرون في احوال الموالي والمصطنعين في الدول إعلم أن المصطنعين في الدول يتفاوتون في الالتحام بصاحب الدولة بتفاوت قديمهم وحديثهم في الالتحام بصاحبها والسبب في ذلك أن المقصود في العصبية من المدافعة والمغالبة إنما يتم بالنسب لاجل التناصر في ذوي الارحام والقربى والتخاذل في الاجانب والبعداء كما قدمناه والولاية والمخالطة بالرق أو بالحلف تتنزل منزلة ذلك لان أمر النسب وإن كان طبيعيا فإنما هو وهمي والمعنى الذي كان به الالتحام إنما هو العشرة والمدافعة وطول الممارسة والصحبة بالمربى والرضاع وسائر أحوال الموت والحياة وإذا حصل الالتحام بذلك جاءت النعرة والتناصر وهذا مشاهد بين الناس واعتبر مثله في الاصطناع فإنه يحدث بى المصطنع ومن اصطنعه نسبة خاصة من الوصلة تتنزل هذه المنزلة وتؤكد اللحمة وإن لم يكن نسب فثمرات النسب موجودة فإذا كانت هذه الولاية بين القبيل وبين أوليائهم قبل حصول الملك لهم كانت عروقها أوشج وعقائدها أصح ونسبها أصرح لوجهين أحدهما أنهم قبل الملك أسوة في حالهم فلا يتميز النسب عن الولاية إلا عند الاقل منهم فيتنزلون منهم منزلة ذوي قرابتهم وأهل أرحامهم وإذا اصطنعوهم بعد الملك كانت مرتبة الملك مميزة للسيد عن المولى ولاهل القرابة عن اهل الولاية والاصطناع لما تقتضيه أحوال الرئاسة والملك من تميز الرتب وتفاوتها فتتميز حالتهم ويتنزلون منزلة الاجانب ويكون الالتحام بينهم أضعف والتناصر لذلك أبعد وذلك أنقص من الاصطناع قبل الملك. الوجه الثاني أن الاصطناع قبل الملك يبعد عهده عن أهل الدولة بطول الزمان ويخفي شأن تلك اللحمة ويظن بها في الاكثر النسب فيقوى حال العصبية وأما بعد الملك فيقرب العهد ويستوي في معرفته الاكثر فتتبين اللحمة وتتميز عن النسب فتضعف العصبية بالنسبة إلى الولاية التي كانت قبل

[ 185 ]

الدولة واعتبر ذلك في الدول والرئاسات تجده فكل من كان اصطناعه قبل حصول الرئاسة والملك لمصطنعه تجده أشد التحاما به وأقرب قرابة إليه ويتنزل منه منزلة أبنائه وإخوانه وذوي رحمه ومن كان اصطناعه بعد حصول الملك والرئاسة لمصطنعه لا يكون له من القرابة واللحمة ما للاولين وهذا مشاهد بالعيان حتى إن الدولة في آخر عمرها ترجع إلى استعمال الاجانب واصطناعهم ولا يبنى لهم مجد كما بناه المصطنعون قبل الدولة لقرب العهد حينئذ بأوليتهم ومشارفة الدولة على الانقراض فيكونون منحطين في مهاوي الضعة وإنما يحمل صاحب الدولة على أصطناعهم والعدول إليهم عن أوليائها الاقدمين وصنائعها الاولين ما يعتريهم في أنفسهم من العزة على صاحب الدولة وقلة الخضوع له ونظره بما ينظره به قبيله وأهل نسبه لتأكد اللحمة منذ العصور المتطاولة بالمربى والاتصال بآبائه وسلف قومه والانتظام مع كبراء أهل بيته فيحصل لهم بذلك دالة عليه واعتزاز فينافرهم بسببها صاحب الدولة ويعدل عنهم إلى استعمال سواهم ويكون عهد استخلاصهم واصطناعهم قريبا فلا يبلغون رتب المجد ويبقون على حالهم من الخارجية وهكذا شأن الدول في أواخرها وأكثر ما يطلق اسم الصنائع والاولياء على الاولين وأما هؤلاء المحدثون فخدم وأعوان والله ولي المؤمنين وهو على كل شئ وكيل الفصل الحادي والعشرون فيما يعرض في الدول من حجر السلطان والاستبداد عليه إذا استقر الملك في نصاب معين ومنبت واحد من القبيل القائمين بالدولة وانفردوا به ودفعوا سائر القبيل عنه وتداوله بنوهم واحدا بعد واحد بحسب الترشيح فربما حدث التغلب على المنصب من وزرائهم وحاشيتهم وسببه في الاكثر ولاية صبي صغير أو مضعف من أهل المنبت يترشح للولاية بعهد أبيه أو بترشيح ذويه وخوله ويؤنس منه العجز عن القيام بالملك فيقوم به كافله من وزراء أبيه وحاشيته ومواليه أو قبيله ويوري بحفظ أمره عليه حتى يؤنس منه الاستبداد ويجعل ذلك ذريعة للملك فيححب الصبي عن الناس ويعوده إليها ترف أحواله ويسيمه في مراعيها متى أمكنه وينسيه النظر في الامور السلطانية حتى يستبد عليه وهو بما عوده يعتقد

[ 186 ]

أن حظ السلطان من الملك إنما هو جلوس السرير وإعطاء الصفقة وخطاب التهويل والقعود مع النساء خلف الحجاب وأن الحل والربط والامر والنهي ومباشرة الاحوال الملوكية وتفقدها من النظر في الجيش والمال والثغور إنما هو للوزير ويسلم له في ذلك إلى أن تستحكم له صبغة الرئاسة والاستبداد ويتحول الملك إليه ويؤثر به عشيرته وأبناءه من بعده كما وقع لبني بويه والترك وكافور الاخشيدي وغيرهم بالمشرق وللمنصور بن أبي عامر بالاندلس وقد يتفطن ذلك المحجور المغلب لشأنه فيحاول على الخروج من ربقة الحجر والاستبداد ويرجع الملك إلى نصابه ويضرب على أيدي المتغلبين عليه إما بقتل أو برفع عن الرتبة فقط إلا أن ذلك في النادر الاقل لان الدولة إذا أخذت في تغلب الوزراء والاولياء استمر لها ذلك وقل أن تخرج عنه لان ذلك إنما يوجد في الاكثر عن أحوال الترف ونشأة أبناء الملك منغمسين في نعيمه قد نسوا عهد الرجولة وألفوا أخلاق الدايات والاظآر وربوا عليها فلا ينزعون إلى رئاسة ولا يعرفون استبدادا من تغلب إنما همهم في القنوع بالابهة والتنفس في اللذات وأنواع الترف وهذا التغلب يكون للموالي والمصطنعين عند استبداد عشير الملك على قومهم وانفرادهم به دونهم وهو عارض للدولة ضروري كما قدمناه وهذان مرضان لابرء للدولة منهما إلا في الاقل النادر والله يؤتي ملكه من يشاء وهو على كل شئ قدير الفصل الثاني والعشرون في ان المتغلبين على السلطان لا يشاركونه في اللقب الخاص بالملك وذلك أن الملك والسلطان حصل لاوليه مذ أول الدولة بعصبية قومه وعصبيته التي استتبعتهم حتى استحكمت له ولقومه صبغة الملك والغلب وهي لم تزل باقية وبها انحفظ رسم الدولة وبقاؤها وهذا المتغلب وإن كان صاحب عصبية من قبيل الملك أو الموالي والصنائع فعصبيته مندرجة في عصبية أهل الملك وتابعة لها وليس له صبغة في الملك وهو لا يحاول في استبداده انتزاع ثمراته من الامر والنهي والحل والعقد والابرام والنقض يوهم فيها أهل الدولة أنه متصرف عن سلطانه منفذ في ذلك من وراء الحجاب لاحكامه فهو يتجافى عن سمات الملك وشاراته

[ 187 ]

وألقابه جهده ويبعد نفسه عن التهمة بذلك وإن حصل له الاستبداد لانه مستتر في استبداده ذلك بالحجاب الذي ضربه السلطان وأولوه على أنفسهم عن القبيل منذ اول الدولة ومغالط عنه بالنيابة ولو تعرض لشئ من ذلك لنفسه (1) عليه أهل العصبية وقبيل الملك وحاولوا الاستئثار به دونه لانه لم تستحكم له في ذلك صبغة تحملهم على التسليم له والانقياد فيهلك لاول وهلة وقد وقع مثل هذا لعبد الرحمن بن الناصر بن منصور بن أبي عامر حين سما إلى مشاركة هشام وأهل بيته في لقب الخلافة ولم يقنع بما قنع به أبوه وأخوه من الاستبداد بالحل والعقد والمراسم المتتابعة فطلب من هشام خليفته أن يعهد له بالخلافة فنفس ذلك عليه بنو مروان وسائر قريش وبايعوا لابن عم الخليفة هشام محمد بن عبد الجبار بن الناصر وخرجوا عليهم وكان في ذلك خراب دولة العامريين وهلاك المؤيد خليفتهم واستبدل منه سواه من أعياص الدولة إلى آخرها واختلت مراسم ملكهم والله خير الوارثين الفصل الثالث والعشرون في حقيقة الملك واصنافه الملك منصب طبيعي للانسان لانا قد بينا أن البشر لا يمكن حياتهم ووجودهم إلا باجتماعهم وتعاونهم على تحصيل قوتهم وضرورياتهم وإذا اجتمعوا دعت الضرورة إلى المعاملة واقتضاء الحاجات ومدكل واحد منهم يده إلى حاجته يأخذها من صاحبه لما في الطبيعة الحيوانية من الظلم والعدوان بعضهم على بعض ويمانعه الآخر عنها بمقتضى الغضب والانفة ومقتضى القوة البشرية في ذلك فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة وهي تؤدي إلى الهرج وسفك الدماء وإذهاب النفوس المفضي ذلك إلى انقطاع النوع وهو مما خصه الباري سبحانه بالمحافظة فاستحال بقاؤهم فوضى دون حاكم يزع بعضهم عن بعض واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم عليهم وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم ولا بد في ذلك من العصبية لما قدمناه من أن المطالبات كلها والمدافعات لا تتم إلا بالعصبية وهذا الملك كما تراه منصب شريف تتوجه نحوه الطالبات ويحتاج إلى المدافعات ولا يتم شئ


(1) قوله لنفسه بفتح اللام والنون وكسر الفاء يقال نفس عليه الشئ كفرح لم يره اهلا له كما في القاموس (*)

[ 188 ]

من ذلك إلا بالعصبيات كما مر والعصبيات متفاوتة وكل عصبية فلها تحكم وتغلب على من يليها من قومها وعشيرها وليس الملك لكل عصبية وإنما الملك على الحقيقة لمن يستعبد الرعية ويجبي الاموال ويبعث البعوث ويحمي الثغور ولا تكون فوق يده يد قاهرة وهذا معنى الملك وحقيقته في المشهور فمن قصرت به عصبيته عن بعضها مثل حماية الثغور أو جباية الاموال أو بعث البعوث فهو ملك ناقص لم تتم حقيقته كما وقع لكثير من ملوك البربر في دولة الا غالبة بالقيروان ولملوك العجم صدر الدولة العباسية ومن قصرت به عصبيته أيضا عن الاستعلاء على جميع العصبيات والضرب على سائر الايدي وكان فوقه حكم غيره فهو أيضا ملك ناقص لم تتم حقيقته وهؤلاء مثل أمراء النواحي ورؤساء الجهات الذين تجمعهم دولة واحدة وكثيرا ما يوجد هذا في الدولة المتسعة النطاق أعني توجد ملوك على قومهم في النواحي القاصية يدينون بطاعة الدولة التي جمعتهم مثل صنهاجة مع العبيديين وزناتة مع الامويين تارة و العبيديين تارة أخرى ومثل ملوك العجم في دولة بني العباس ومثل ملوك الطوائف من الفرس مع الاسكندر وقومه اليونانيين وكثير من هؤلاء فاعتبره تجده والله القاهر فوق عباده الفصل الرابع والعشرون في ان ارهاف الحد مضر بالملك ومفسد له في الاكثر إعلم أن مصلحة الرعية في السلطان ليست في ذاته و جسمه من حسن شكله أو ملاحة وجهه أو عظم جثمانه أو اتساع علمه أو جودة خطه أو ثقوب ذهنه وإنما مصلحتهم فيه من حيث إضافته إليهم فإن الملك والسلطان من الامور الاضافية وهي نسبة بين منتسبين فحقيقة السلطان أنه المالك للرعية القائم في أمورهم عليهم فالسلطان من له رعية والرعية من لها سلطان والفة التي له من حيث إضافته إليهم هي التي تسمى الملكة وهي كونه يملكهم فإذا كانت هذه الملكة وتوابعها من الجودة بمكان حصل المقصود من السلطان على أتم الوجوه فإنها إن كانت جميلة صالحة كان ذلك مصلحة لهم وإن كانت سيئة متعسفة كان ذلك ضررا عليهم وألا كالهم ويعود حسن الملكة إلى الرفق فإن الملك إذا كان قاهرا باطشا بالعقوبات منقبا عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم شملهم الخوف والذل ولاذوا منه بالكذب والمكر

[ 189 ]

والخديعة فتخلقوا بها وفسدت بصائرهم وأخلاقهم وربما خذلوه في مواطن الحروب والمدافعات ففسدت الحماية بفساد النيات وربما أجمعوا على قتله لذلك فتفسد الدولة ويخرب السياج وإن دام أمره عليهم وقهره فسدت العصبية لما قلناه أولا وفسد السياج من أصله بالعجز عن الحماية وإذا كان رفيقا بهم متجاوزا عن سيئاتهم استناموا إليه ولاذوا به وأشربوا محبته واستماتوا دونه في محاربة أعدائه فاستقام الامر من كل جانب وأما توابع حسن الملكة فهي النعمة عليهم والمدافعة عنهم فالمدافعة بها تتم حقيقة الملك وأما النعمة عليهم والاحسان لهم من جملة الرفق بهم والنظر لهم في معاشهم وهي أصل كبير من التحبب إلى الرعية واعلم أنه قلما تكون ملكة الرفق في من يكون يقظا شديد الذكاء من الناس وأكثر ما يوجد الرفق في الغفل والمتغفل وأقل ما يكون في اليقظ لانه يكلف الرعية فوق طاقتهم لنفوذ نظره فيما وراء مداركهم واطلاعه على عواقب الامور في مبادئها بالمعية فيهلكون لذلك قال صلى الله عليه وسلم سيروا على سيرأ ضعفتكم ومن هذا الباب اشترط الشارع في الحاكم قلة الافراط في الذكاء ومأخذه من قصة زياد ابن أبي سفيان لما عزله عمر عن العراق وقال له لم عزلتني يا أمير المؤمنين العجز أم لخيانة فقال عمر لم أعز لك لواحدة منهما ولكني كرهت أن أحمل فضل عقلك عن الناس فأخذ من هذ أن الحاكم لا يكون مفرط الذكاء والكيس مثل زياد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص لما يتبع ذلك من التعسف وسوء الملكة وحمل الوجود على ما ليس في طبعه كما يأتي في آخر هذا الكتاب والله خير المالكين وتقرر من هذا أن الكيس والذكاء عيب في صاحب السياسة لانه إفراط في الفكر كما أن البلادة إفراط في الجمود والطرفان مذمومان من كل صفة إنسانية والمحمود هو التوسط كما في الكرم مع التبذير والبخل وكما في الشجاعة مع الهوج والجبن وغير ذلك من الصفات الانسانية ولهذا يوصف الشديد الكيس بصفات الشيطان فيقال شيطان ومتشيطن وأمثال ذلك والله يخلق ما يشاء وهو العليم القدير

[ 190 ]

الفصل الخامس والعشرون في معنى الخلافة والامامة لما كانت حقيقة الملك أنه الاجتماع الضروري للبشر ومقتضاه التغلب والقهر اللذان هما من آثار الغضب والحيوانية كانت أحكام صاحبه في الغالب جائزة عن الحق مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم لحمله إياهم في الغالب على ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته ويختلف ذلك باختلاف المقاصد من الخلف والسلف منهم فتعسر طاعته لذلك وتجئ العصبية المفضية إلى الهرج والقتل فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة ينقادون إلى أحكامها كما كان ذلك للفرس وغيرهم من الامم وإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها ولم يتم استيلاؤها سنة الله في الذين خلوا من قبل. فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها كانت سياسة عقلية وإذا كانت مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة وذلك أن الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط فإنها كلها عبث وباطل إذ غايتها الموت والفناء والله يقول أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا فالمقصود بهم إنما هو دينهم المفضي بهم إلى السعادة في آخرتهم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الارض فجاءت الشرائع بحملهم على ذلك في جميع أحوالهم من. عبادة ومعاملة حتى في الملك الذي هو طبيعي للاجتماع الانساني فأجرته على منهاج الدين ليكون الكل محوطا بنظر الشارع فما كان منه بمقتضى القهر والتغلب وإهمال القوة العصبية في مرعاها فجور وعدوان ومذموم عنده كما هو مقتضي الحكمة السياسية وما كان منه بمقتضى السياسة وأحكامها فمذموم أيضا لانه نظر بغير نور الله ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور لان الشارع أعلم بمصالح الكافة فيما هو مغيب عنهم من امور آخرتهم وأعمال البشر كلها عائدة عليهم في معادهم من ملك أو غيره قال صلى الله عليه وسلم إنما هي أعمالكم ترد عليكم وأحكام السياسة إنما تطلع على مصالح الدنيا فقط يعلمون ظاهرا من حياة الدنيا ومقصود الشارع بالناس صلاح آخرتهم فوجب بمقتضى الشرائع حمل الكافة

[ 191 ]

على الاحكام الشرعية في أحوال دنياهم وآخرتهم وكان هذا الحكم لاهل الشريعة وهم الانبياء ومن قام فيه مقامهم وهم الخلفاء فقد تبين لك من ذلك معنى الخلافة وأن الملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة والسياسي هو حمل الكافة علي مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الاخروية والدنيوية الراجعة إليها إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به فافهم ذلك واعتبره فيما نورده عليك من بعد والله الحكيم العليم الفصل السادس والعشرون في اختلاف الامة في حكم هذا المنصب وشروطه وإذ قد بينا حقيقة هذا المنصب وأنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا به تسمى خلافة وإمامة والقائم به خليفة وإماما فأما تسميته إماما فتشبيها بامام الصلاة في اتباعه والاقتداء به ولهذا يقال الامامة الكبرى وأما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي في أمته فيقال خليفة باطلاق وخليفة رسول الله واختلف في تسميته خليفة الله فأجازه بعضهم اقتباسا من الخلافة العامة التي للآدميين في قوله تعالى إني جاعل في الارض خليفة وقوله جعلكم خلائف الارض ومنع الجمهور منه لان معنى الآية ليس عليه وقد نهى أبو بكر عنه لما دعي به وقال لست خليفة الله ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولان الاستخلاف إنما هو في حق الغائب وأما الحاضر فلا ثم إن نصب الامام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين لان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه وتسليم النظر إليه في أمورهم وكذا في كل عصر من بعد ذلك ولم تترك الناس فوضى في عصر من الاعصار واستقر ذلك إجماعا دالا على وجوب نصب الامام وقد ذهب بعض الناس إلى أن مدرك وجوبه العقل وأن الاجماع الذي وقع إنما هو قضاء بحكم العقل فيه قالوا وإنما وجب بالعقل لضرورة الاجتماع للبشر واستحالة حياتهم ووجودهم منفردين ومن ضرورة

[ 192 ]

الاجتماع التنازع لازدحام الاغراض فما لم يكن الحاكم الوازع أفضى ذلك إلى الهرج المؤذن بهلاك البشر وانقطاعهم مع أن حفظ النوع من مقاصد الشرع الضرورية وهذا المعنى بعينه هو الذي لحظه الحكماء في وجوب النبؤات في البشر وقد نبهنا على فساده وأن إحدى مقدماته أن الوازع إنما يكون بشرع من الله تسلم له الكافة تسليم إيمان واعتقاد وهو غير مسلم لان الوازع قد يكون بسطوة الملك وقهر أهل الشوكة ولو لم يكن شرع كما في أمم المجوس وغيرهم ممن ليس له كتاب أو لم تبلغه الدعوة أو نقول يكفي في رفع التنازع معرفة كل واحد بتحريم الظلم عليه بحكم العقل فادعاؤهم أن ارتفاع التنازع إنما يكون بوجود الشرع هناك ونصب الامام هنا غير صحيح بل كما يكون بنصب الامام يكون بوجود الرؤساء أهل الشوكة أو بامتناع الناس عن التنازع والتظالم فلا ينهض دليلهم العقلي المبني على هذه المقدمة فدل على أن مدرك وجوبه إنما هو بالشرع وهو الاجماع الذي قدمناه وقد شذ بعض الناس فقال بعدم وجوب هذا النصب رأسا لا بالعقل ولا بالشرع منهم الاصم من المعتزلة وبعض الخوارج وغيرهم والواجب عند هؤلاء إنما هو إمضاء الحكم الشرع فإذا تواطأت الامة على العدل وتنفيذ أحكام الله تعالى لم يحتج إلى إمام ولا يجب نصبه وهؤلاء محجوجون بالاجماع والذي حملهم على هذا المذهب إنما هو الفرار عن الملك ومذاهبه من الاستطالة والتغلب ولاستمتاع بالدنيا لما رأوا الشريعة ممتلئة بذم ذلك والنعي على أهله ومرغبة في رفضه واعلم أن الشرع لم يذم الملك لذاته ولاحظر القيام به وإنما ذم المفاسد الناشئة عنه من القهر والظلم والتمتع باللذات ولا شك أن في هذه مفاسد محظورة وهي من توابعه كما أثنى على العدل والنصفة وإقامة مراسم الدين والذب عنه وأوجب بإزائها الثواب وهي كلها من توابع الملك فإذا إنما وقع الذم للملك على صفة وحال دون حال أخرى ولم يذمه لذاته ولا طلب تركه كما ذم الشهوة والغضب من المكلفين وليس مراده تركهما بالكلية لدعاية الضرورة إليها وأما المراد تصريفهما على مقتضى الحق وقد كان لداود وسليمان صلوات الله وسلامه عليهما الملك الذي لم يكن لغير هما وهما من أنبياء الله تعالى وأكرم الخلق عنده

[ 193 ]

ثم نقول لهم إن هذا الفرار عن الملك بعدم وجوب هذا النصب لا يغنيكم شيئا لانكم موافقون على وجوب إقامة أحكام الشريعة وذلك لا يحصل إلا بالعصبية والشوكة والعصبية مقتضية بطبعها للملك فيحصل الملك وإن لم ينصب إمام وهو عين ما قررتم عنه وإذا تقرر أن هذا النصب واجب باجماع فهو من فروض الكفاية وراجع إلى اختيار أهل العقد والحل فيتعين عليهم نصبه ويجب على الخلق جميعا طاعته لقوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم وأما شروط هذا المنصب فهي أربعة ألعلم والعدالة والكفاية وسلامة الحواس والاعضاء مما يؤثر في الرأي والعمل واختلف في شرط خامس وهو النسب القرشي فاما اشتراط العلم فظاهر لانه إنما يكون منفذا لاحكام الله تعالى إذا كان عالما بها وما لم يعلمها لا يصح تقديمه لها ولا يكفي من العلم إلا أن يكون مجتهدا لان التقليد نقص والامامة تستدعي الكمال في الاوصاف والاحوال وأما العدالة فلانه منصب ديني ينظر في سائر المناصب التي هي شرط فيها فكان أولى باشتراطها فيه ولا خلاف في انتفاء العدالة فيه بفسق الجوارح من ارتكاب المحظورات وأمثالها وفي انتفائها بالبدع الاعتقادية خلاف وأما الكفاية فهو أن يكون جريئا على إقامة الحدود واقتحام الحروب بصيرا بها كفيلا يحمل الناس عليها عارفا بالعصبية وأحوال الدهاء قويا على معاناة السياسة ليصح له بذلك ما جعل إليه من حماية الدين وجهاد العدو وإقامة الاحكام وتدبير المصالح وأما سلامة الحواس والاعضاء من النقص والعطلة كالجنون والعمى والصمم والخرس وما يؤثر فقده من الاعضاء في العمل كفقد اليدين والرجلين والانثيين فتشرط السلامة منها كلها لتأثير ذلك في تمام عمله وقيامه بما جعل إليه وإن كان إنما يشين في المنظر فقط كفقد إحدى هذه الاعضاء فشرط السلامة منه شرط كمال ويلحق بفقدان الاعضاء المنع من التصرف وهو ضربان ضرب يلحق بهذه في اشتراط السلامة منه شرط وجوب وهو القهر والعجز عن التصرف جملة بالاسر وشبهه وضرب لا يلحق بهذه وهو الحجر باستيلاء بعض أعوانه عليه من غير عصيان ولا مشاقة فينتقل النظر في حال هذا المستولي فإن جرى على حكم الدين والعدل وحميد السياسة جاز قراره وإلا استنصر المسلمون بمن يقبض يده عن ذلك ويدفع علته

[ 194 ]

حتى ينفذ فعل الخليفة وأما النسب القرشي فلاجماع الصحابة يوم السقيفة على ذلك واحتجت قريش على الانصار لما هموا يومئذ ببيعة سعد بن عيادة وقالوا منا أمير ومنكم أمير بقوله صلى الله عليه وسلم الائمة من قريش وبأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصانا بان نحسن إلى محسنكم ونتجاوز عن مسيئكم ولو كانت الامارة فيكم لم تكن الوصية بكم فحجوا الانصار ورجعوا عن قولهم منا أمير ومنكم أمير وعدلوا عما كانوا هموا به من بيعة سعد لذلك وثبت أيضا في الصحيح لا يزال هذا الامر في هذا الحي من قريش وأمثال هذه الادلة كثيرة إلا أنه لما ضعف أمر قريش وتلاشت عصبيتهم بما نالهم من الترف والنعيم وبما أنفقتهم الدولة في سائر أقطار الارض عجزوا بذلك عن جمل الخلافة وتغلبت عليهم الاعاجم وصار الحل والعقد لهم فاشتبه ذلك على كثير من المحققين حتى ذهبوا إلى نفي اشتراط القرشية وعولوا على ظواهر في ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم اسمعوا وأطيعوا وإن ولي عليكم عبد حبشي ذو زبيبة وهذا لا تقوم به حجة في ذلك فإنه خرج مخرج التمثيل والغرض للمبالغة في إيجاب السمع والطاعة ومثل قول عمر لو كان سالم مولى حذيفة حيا لوليته أو لما دخلتني فيه الظنة وهو ايضا لا يفيد ذلك لما علمت أن مذهب الصحابي ليس بحجة وأيضا فمولى القوم منهم وعصبية الولاء حاصلة لسالم في قريش وهي الفائدة في اشتراط النسب ولما استعظم عمر أمر الخلافة ورأى شروطها كأنها مفقودة في ظنه عدل إلى سالم لتوفر شروط الخلافة عنده فيه حتى من النسب المفيد للعصبية كما نذكر ولم يبق إلا صراحة النسب فرآه غير محتاج إليه إذ الفائدة في النسب إنما هي العصبية وهي حاصلة من الولاء فكان ذلك حرصا من عمر رضي الله عنه على النظر للمسلمين وتقليد أمرهم لمن لا تلحقه فيه لائمة ولا عليه فيه عهدة ومن القائلين بنفي اشتراط القرشية القاضي أبو بكر الباقلاني لما أدرك عليه عصبية قريش من التلاشي والاضمحلال واستبداد ملوك العجم من الخلفاء فاسقط شرط القرشية وإن كان موافقا لرأي الخوارج لما رأى عليه حال الخلفاء لعهده وبقي الجمهور على القول باشتراطها وصحة الامامة للقرشي ولو كان عاجزا عن القيام بأمور المسلمين ورد عليهم سقوط شرط الكفاية التي يقوى بها على أمره لانه إذا ذهبت

[ 195 ]

الشوكة بذهاب العصبية فقد ذهبت الكفاية وإذا وقع الاخلال بشرط الكفاية تطرق ذلك أيضا إلى العلم والدين وسقط اعتبار شروط هذا المنصب وهو خلاف الاجتماع. ولنتكلم الآن في حكمة اشتراط النسب ليتحقق به الصواب في هذه المذاهب فنقول. إن الاحكام الشرعية كلها لا بدلها من مقاصد وحكم تشتمل عليها وتشرع لاجلها ونحن إذا بحثنا عن الحمة في اشتراط النسب القرشي ومقصد الشارع منه لم يقتصر فيه على التبرك بوصلة النبي صلى الله عليه وسلم كما هو في المشهور وإن كانت تلك الوصلة موجودة والتبرك بها حاصلا لكن التبرك ليس من المقاصد الشرعية كما علمت فلا بد إذن من المصلحة في اشتراط النسب وهي المقصودة من مشروعيتها وإذا سبرنا وقسمنا لم نجدها إلا اعتبار العصبية التي تكون بها الحماية والمطالبة ويرتفع الخلاف والفرقة بوجودها لصاحب المنصب فتسكن إليه الملة وأهلها وينتظم حبل الالفة فيها وذلك أن قريشا كانوا عصبة مضر وأصلهم وأهل الغلب منهم وكان لهم على سائر مضر العزة بالكثرة والعصبية والشرف فكان سائر العرب يعترف لهم بذلك ويستكينون لغلبهم فلو جعل الامر في سواهم لتوقع افتراق الكلمة بمخالفتهم وعدم انقيادهم ولا يقدر غيرهم من قبائل مضر أن يردهم عن الخلاف ولا يحملهم على الكرة فتتفرق الجماعة وتختلف الكلمة والشارع محذر من ذلك حريص على اتفاقهم ورفع الننازع والشتات بينهم لتحصل اللحمة والعصبية وتحسن الحماية بخلاف ما إذا كان الامر في قريش لانهم قادرون على سوق الناس بعصا الغلب إلى ما يراد منهم فلا يخشى من أحد من خلاف عليهم ولافرقة لانهم كفيلون حينئذ بدفعها ومنع الناس منها فاشترط نسبهم القرشي في هذا المنصب وهم أهل العصبية القوية ليكون أبلغ في انتظام الملة واتفاق الكلمة وإذ انتظمت كلمتهم انتظمت بانتظامها كلمة مضرأجمع فأذغن لهم سائر العرب وانقادت الامم سواهم إلى أحكام الملة ووطئت جنودهم قاصية البلاد كما وقع في أيام الفتوحات واستمر بعدها في الدولتين إلى أن اضمحل أمر الخلافة وتلاشت عصبية العرب ويعلم ماكان لقريش من الكثرة والتغلب على بطون مضر من مارس أخبار العرب وسيرهم وتفطن لذلك في أحوالهم. وقد ذكر ذلك ابن إسحاق

[ 196 ]

في كتاب السير وغيره فإذ ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع الننازع بما كان لهم من العصبية والغلب وعلمنا أن الشارع لا يخص الاحكام بجيل ولاعصر ولا أمة علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه إليها وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهي وجود العصبية فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية غالبة على من معها لعصرها ليستتبعوا من سواهم وتجتمع الكلمة على حسن الحماية ولا يعلم ذلك في الاقطار والآفاق كما كان في القرشية إذ الدعوة الاسلامية التي كانت لهم كانت عامة وعصبية العرب كانت وافية بها فغلبوا سائر الامم وإنما يخص لهذا العهد كل قطر بمن تكون له فيه العصبية الغالبة وإذا نظرت سر الله في الخلافة لم تعد هذا لانه سبحانه إنما جعل الخليفة نائبا عنه في القيام بأمور عباده ليحملهم على مصالحهم ويردهم عن مضارهم وهو مخاطب بذلك ولا يخاطب بالامر إلا من له قدرة عليه ألا ترى ما ذكره الامام ابن الخطيب (1) في شأن النساء وأنهن في كثير من الاحكام الشرعية جعلن تبعا للرجال ولم يدخلن في الخطاب بالوضع. وإنما دخلن عنده بالقياس وذلك لما لم يكن لهن من الامر شئ وكان الرجال قوامين عليهن اللهم إلا في العبادات التي كل أحد فيها قائم على نفسه فخطابهن فيها بالوضع لا بالقياس ثم إن الوجود شاهد بذلك فإنه لا يقوم بأمر أمة أو جيل إلا من غلب عليهم وقل أن يكون الآمر الشرعي مخالفا للامر الوجودي والله تعالى أعلم الفصل السابع والعشرون في مذاهب الشيعة في حكم الامامة إعلم أن الشيعة لغة هم الصحب والاتباع ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على اتباع علي وبنيه رضي الله عنهم ومذهبهم جميعا متفقين عليه أن الامامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الامة ويتعين القائم بها بتعيينهم بل هي ركن الدين وقاعدة الاسلام ولايجوز لنبي إغفاله ولا تفويضه إلى الامة بل يجب عليه تعيين الامام لهم ويكون معصوما من الكبائر والصغائر وإن


(1) قوله الامام ابن الخطيب هو الفخر الرازي قاله نصر (*)

[ 197 ]

عليا رضي الله عنه هو الذي عينه صلوات الله وسلامه عليه بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنة ولانقلة الشريعة بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة وتنقسم هذه النصوص عندهم إلى جلي وخفي فالجلي مثل قوله من كنت مولاه فعلي مولاه قالوا ولم تطرد هذه الولاية إلا في علي ولهذا قال له عمر أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة ومنها قوله أقضاكم علي ولا معنى للامامة إلا القضاء بأحكام الله وهو المراد بأولي الامر الواجبة طاعتهم. بقوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم والمراد الحكم والقضاء ولهذا كان حكما في قضية الامامة يوم السقيفة دون غيره ومنها قوله من يبايعني على روحه وهو وصي وولي هذا الامر من بعدي فلم يبايعه إلا علي ومن الخفي عندهم بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا لقراءة سورة براءة في الموسم حين أنزلت فإنه بعث بها أولا أبا بكر ثم أوحي إليه ليبلغه رجل منك أو من قومك فبعث عليا ليكون القارئ المبلغ قالوا وهذا يدل على تقديم علي وأيضا فلم يعرف أنه قدم أحدا على علي وأما أبو بكر وعمر فقدم عليهما في غزاتين أسامة بن زيد مرة وعمر بن العاص اخرى وهذه كلها أدلة شاهدة بتعيين علي للخلافة دون غيره فمنها ما هو غير معروف ومنها ما هو بعيد عن تأويلهم ثم منهم من يرى أن هذه النصوص تدل على تعيين علي وتشخيصه وكذلك تنتقل منه إلى من بعده وهؤلاء هم الامامية ويتبرأون من الشيخين حيث لم يقدموا عليا ويبايعوه بمقتضى هذه النصوص ويغمصون في إمامتهما ولا يلتفت إلى نقل القدح فيهما من غلاتهم فهو مردود عندنا وعندهم ومنهم من يقول إن هذه الادلة إنما اقتضت تعيين علي بالوصف لا بالشخص والناس مقصرون حيث لم يضعوا الوصف موضعه ولاهم الزيدية ولا يتبرأون من الشيخين ولا يغمصون في إمامتهما مع قولهم بأن عليا أفضل منهما لكنهم يجوزون إمامة المفضول مع وجود الافضل ثم اختلفت نقول هؤلاء الشيعة في مساق الخلافة بعد علي فمنهم من ساقها في ولد فاطمة بالنص عليهم واحدا بعد واحد على ما يذكر بعد وهؤلاء يسمون الامامية نسبة إلى مقالتهم باشتراط معرفة الامام وتعيينه في الايمان وهي أصل عندهم ومنهم من ساقها في ولد فاطمة لكن بالاختيار مع الشيوخ ويشترط أن يكون الامام عنهم عالما

[ 198 ]

زاهدا جوادا شجاعا ويخرج داعيا إلى إمامته وهؤلاء هم الزيدية نسبة إلى صاحب المذهب وهو زيد بن علي بن الحسين السبط وقد كان يناظر أخاه محمدا الباقر على اشتراط الخروج في الامام فيلزمه الباقر أن لا يكون أبوهما زين العابدين إماما لانه لم يخرج ولا تعرض للخروج وكان مع ذلك ينعى عليه مذاهب المعتزلة وأخذه إياها عن واصل بن عطاء ولما ناظر الامامية زيدا في إمامة الشيخين ورأوه يقول بإمامتهما ولا يتبرأ منهما رفضوه ولم يجعلوه من الائمة وبذلك سموا رافضة ومنهم من ساقها بعد علي وابنيه السبطين على اختلافهم في ذلك إلى أخيهما محمد بن الحنفية ثم إلى ولده وهم الكيسانية نسبة إلى كيسان مولاه وبين هذه الطوائف اختلافات كثيرة تركناها اختصارا ومنهم طوائف يسمون الغلاة تجاوزوا حد العقل والايمان في القول بالوهية هؤلاء الائمة إما على أنهم بشر اتصفوا بصفات الالوهية أو أن الاله حل في ذاته البشرية وهو قول بالحلول يوافق مذهب النصارى في عيسى صلوات الله عليه ولقد حرق علي رضي الله عنه بالنار من ذهب فيه إلى ذلك منهم وسخط محمد بن الحنفية المختار بن أبي عبيد لما بلغه مثل ذلك عنه فصرح بلعنته والبراءة منه وكذلك فعل جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه بمن بلغه مثل هذا عنه ومنهم من يقول إن كمال الامام لا يكون لغيره فإذا مات انتقلت روحه إلى إمام آخر ليكون فيه ذلك الكمال وهو قول بالتناسخ ومن هؤلاء الغلاة من يقف عند واحد من الائمة لا يتجاوزه إلى غيره بحسب من يعين لذلك عندهم وهؤلاء هم الواقفية فبعضهم يقول هو حي لم يمت إلا أنه غائب عن أعين الناس ويستشهدون لذلك بقصة الخضر قيل مثل ذلك في علي رضي الله عنه وإنه في السحاب والرعد صوته والبرق في صوته وقالوا مثله في محمد بن الحنفية وإنه في جبل رضوى من أرض الحجاز وقال شاعرهم ألا إن الائمة من قريش * ولاه الحق أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه * هم الاسباط ليس بهم خفاء فسبط سبط إيمان وبر * وسبط غيبته كربلاء وسبط لا يذوق الموت حتى * يقود الجيش يقدمه اللواء

[ 199 ]

تغيب لا يرى فيهم زمانا * برضوى عنده عسل وماء وقال مثله غلاة الامامية وخصوصا الاثنا عشرية منهم يزعمون أن الثاني عشر من ائمتهم وهو محمد بن الحسن العسكري ويلقبونه المهدي دخل في سرداب بدارهم في الحلة وتغيب حين اعتقل مع أمه وغاب هنالك وهو يخرج آخر الزمان فيملا الارض عدلا يشيرون بذلك إلى الحديث الواقع في كتاب الترمذي في المهدي وهم إلى الآن ينتظرونه ويسمونه المنتظر لذلك ويقفون في كل ليلة بعد صلاة المغرب بباب هذا السرداب وقد قدموا مركبا فيهتفون باسمه ويدعونه للخروج حتى تشتبك النجوم ثم ينفضون ويرجئون الامر إلى الليلة الآتية وهم علي ذلك لهذا العهد وبعض هؤلاء الواقفية يقول إن الامام الذي مات يرجع إلى حياته الدنيا ويستشهدون لذلك بما وقع في القرآن الكريم من قصة أهل الكهف والذي مر على قرية وقتيل بني إسرائيل حين ضرب بعظام البقرة التي أمرو ا بذبحها ومثل ذلك من الخوارق التي وقعت على طريق المعجزة ولا يصح الاستشهاد بها في غير مواضعها وكان من هؤلاء السيد الحميري ومن شعره في ذلك إذا ما المرء شاب له قذال * وعلله المواشط بالخضاب فقد ذهبت بشاشته وأودى * فقم يا صاح نبك على الشباب إلى يوم تثوب الناس فيه * إلى دنياهم قبل الحساب فليس بعائد ما فات منه * إلى أحد إلى يوم الاياب أدين بأن ذلك دين حق * وما أنا في النشور بذي ارتياب كذاك الله أخبر عن أناس * حيوا من بعد درس في التراب وقد كفانا مؤونة هؤلاء الغلاة أئمة الشيعة فانهم لا يقولون بها ويبطلون احتجاجاتهم. عليها وأما الكيسانية فساقوا الامامة من بعد محمد بن الحنفية إلى ابنه أبي هاشم وهؤلاء هم الهاشمية ثم افترقوا فمنهم من ساقها بعده إلى أخيه علي ثم إلى ابنه الحسن ابن علي وآخرون يزعمون أن أبا هاشم لما مات بأرض السراة منصرفا من الشام أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وأوصى محمد إلى ابنه إبراهيم المعروف بالامام وأوصى إبراهيم إلى أخيه عبد الله بن الحارثية الملقب بالسفاح وأوصى هو

[ 200 ]

إلى أخيه عبد الله أبي جعفر الملقب بالمنصور وانتقلت في ولده بالنص والعهد واحدا بعد واحد إلى آخرهم وهذا مذهب الهاشمية القائمين بدولة بني العباس وكان منهم أبو مسلم وسليمان بن كثير وأبو سلمة الخلال وغيرهم من شيعة العباسية وربما يعضدون ذلك بان حقهم في هذا الامر يصل إليهم من العباس لانه كان حيا وقت الوفاة وهو أولى بالوراثة بعصبية العمومة وأما الزيدية فساقوا الامامة على مذهبهم. فيها وإنها باختيار أهل الحل والعقد لا بالنص فقالوا بامامة علي ثم ابنه الحسن ثم أخيه الحسين ثم ابنه زيد بن علي وهو صاحب هذا المذهب وخرج بالكوفة داعيا إلى الامامة فقتل وصلب بالكناسة وقال الزيدية بامامة ابنه يحيى من بعده فمضى إلى خراسان وقتل بالجوزجان بعد أن أوصى إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن السبط ويقال له النفس الزكية فخرج بالحجاز وتلقب بالمهدي وجاءته عساكر المنصور فقتل وعهد إلى أخيه إبراهيم فقام بالبصرة ومعه عيسى بن زيد بن علي فوجه إليهم المنصور عساكره فهزم وقتل إبراهيم وعيسى وكان جعفر الصادق أخبرهم بذلك كله وهي معدودة في كراماته وذهب آخرون منهم إلى أن الامام بعد محمد ابن عبد الله النفس الزكية هو محمد بن القاسم بن علي بن عمر وعمر هو أخو زيد ابن علي فخرج محمد بن القاسم بالطالقان فقبض عليه وسيق إلى المعتصم فحبسه ومات في حبسه وقال آخرون من الزيدية إن الامام بعد يحيى بن زيدهو أخوه عيسى الذي حضر مع إبراهيم بن عبد الله في قتاله مع منصور ونقلوا الامامة في عقبه وإليه انتسب دعي الزنج كما نذكره في أخبارهم وقال آخرون من الزيدية إن الامام بعد محمد بن عبد الله أخوه أدريس الذي فر إلى المغرب ومات هنالك وقام بأمره ابنه أدريس واختط مدينة فاس وكان من بعده عقبه ملوكا بالمغرب إلى أن انقرضوا كما نذكره في أخبارهم وبقي أمر الزيدية بعد ذلك غير منتظم وكان منهم الداعي الذي ملك طبرستان وهو الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل ابن الحسن بن زيد بن علي بن الحسين السبط وأخوه محمد بن زيد ثم قام بهذه الدعوة في الديلم الناصر الاطروش منهم وأسلموا على يده وهو الحسن بن علي بن الحسن ابن علي بن عمرو وعمر أخو زيد بن علي فكانت لبنيه بطبرستان دولة وتوصل

[ 201 ]

الديلم من نسبهم إلى الملك والاستبداد على الخلفاء ببغداد كما نذكر في أخبارهم وأما الامامية فساقوا الامامة من علي الرضي إلى ابنه الحسن بالوصية ثم إلى أخيه الحسين ثم إلى ابنه علي زين العابدين ثم إلى ابنه محمد الباقر ثم إلى ابنه جعفر الصادق ومن هنا افترقوا فرقتين فرقة ساقوها إلى ولده إسماعيل ويعرفونه بينهم بالامام وهم الاسماعيلية وفرقة ساقوها إلى ابنه موسى الكاظم وهم الاثنا عشرية لوقوفهم عند الثاني عشر من الائمة وقولهم بغيبته إلى آخر الزمان كما مر فأما الاسماعيلية فقالوا بإمامة إسماعيل الامام بالنص من أبيه جعفر وفائدة النص عليه عندهم وإن كان قد مات قبل أبيه إنما هو بقاء الامامة في عقبه كقصة هارون مع موسى صلوات الله عليهما قالوا ثم انتقلت الامامة من إسماعيل إلى أبنه محمد المكتوم وهو أول الائمة المستورين لان الامام عندهم قد لا يكون له شوكة فيستتر وتكون دعاته ظاهرين إقامة للحجة على الخلق وإذا كانت له شوكة ظهر وأظهر دعوته قالوا وبعد محمد المكتوم ابنه جعفر الصادق وبعده ابنه محمد الحبيب وهو آخر المستورين وبعده ابنه عبد الله المهدي الذي أظهر دعوته أبو عبد الله الشيعي في كتامة وتتابع الناس على دعوته ثم أخرجه من معتقله بسجلماسة وملك القيروان والمغرب وملك بنوه من بعد مصر كما هو معروف في أخبارهم ويسمى هؤلاء نسبة إلى القول بإمامة إسماعيل ويسمون أيضا بالباطنية نسبة إلى قولهم بالامام الباطن أي المسنور ويسمون ايضا الملحدة لما في ضمن مقالتهم من الالحاد ولهم مقالات قديمة ومقالات جديدة دعا إليها الحسن بن محمد الصباح في آخر المائة الخامسة وملك حصونا بالشام والعراق ولم تزل دعوته فيها إلى أن توزعها الهلاك بين ملوك الترك بمصر وملوك التتر بالعراق فانقرضت ومقالة هذا الصباح في دعوته مذكورة في كتاب الملل والنحل للشهرستاني * وأما الاثنا عشرية فربما خصوا باسم الامامية عند المتأخرين منهم فقالوا بإمامة موسى الكاظم بن جعفر الصادق لوفاة أخيه الاكبر إسماعيل الامام في حياة أبيهما جعفر فنص على إمامة موسى هذا ثم ابنه علي الرضا الذي عهد إليه المأمون ومات قبله فلم يتم له أمر ثم ابنه محمد التقي ثم ابنه علي الهادي ثم ابنه محمد الحسن العسكري ثم ابنه محمد المهدي المنتظر الذي قدمناه قبل وفي كل واحدة من

[ 202 ]

هذه المقالات للشيعة اختلاف كثير إلا أن هذه أشهر مذاهبهم ومن اراد استيعابها ومطالعتها فعليه بكتاب الملل والنحل لابن حزم والشهرستاني وغيرهما ففيها بيان ذلك والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وهو العلي الكبير الفصل الثامن والعشرون في انقلاب الخلافة إلى الملك إعلم أن الملك غاية طبيعية للعصبية ليس وقوعه عنها باختيار إنما هو بضرورة الوجود وترتيبه كما قلناه من قبل وأن الشرائع والديانات وكل أمر يحل عليه الجمهور فلا بد فيه من العصبية إذ المطالبة لا تتم إلا بها كما قدمناه. فالعصبية ضرورية للملة وبوجودها يتم أمر الله منها وفي الصحيح ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه ثم وجدنا الشارع قد ذم العصبية وندب إلى اطراحها وتركها فقال إن الله أذهب عنكم عبية (1) الجاهلية وفخرها بالاباء أنتم بنو آدم وآدم من تراب وقال تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم ووجدناه أيضا قد ذم الملك وأهله ونعى على أهله أحوالهم من الاستمتاع بالخلاف والاسراف في غير القصد والتنكب عن صراط الله وإنما حض على الالفة في الدين وحذر من الخلاف والفرقة * واعلم أن الدنيا كلها وأحوالها مطية للاخرة ومن فقد المطية فقد الوصول وليس مراده فيما ينهى عنه أو يذمه من أفعال البشر أو يندب إلى تركه إهماله بالكلية أو اقتلاعه من أصله وتعطيل القوى التي ينشأ عليها بالكلية إنما قصده تصريفها في أغراض الحق جهد الاستطاعة حتى تصير المقاصد كلها حقا وتتحد الوجهة كما قال صلى الله عليه وسلم من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه فلم يذم الغضب وهو يقصد نزعه من الانسان فإنه لو زالت منه قوة الغضب لفقد منه الانتصار للحق وبطل الجهاد وإعلاء كلمة الله وإنما يذم الغضب للشيطان وللاغراض الذميمة فإذا كان الغضب لذلك كان مذموما وإذا كان الغضب في الله ولله كان ممدوحا وهو من شمائله صلى الله عليه وسلم وكذا ذم الشهوات أيضا ليس المراد إبطالها بالكلية فإن من بطلت شهوته كان نقصا في حقه وإنما المراد تصريفها فيما أبيح له باشتماله


(1) عبة بضم العين وكسرها وكسر الموحدة مشددة وتشديد المثناة التحتية الكبر والفخر والنخوة اه‍ قاموس (*)

[ 203 ]

على المصالح ليكون الانسان عبدا متصرفا طوع الاوامر الالهية وكذا العصبية حيث ذمها الشارع وقال لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم فإنما مراده حيث تكون العصبية على الباطل وأحواله كما كانت في الجاهلية وأن يكون لاحد فخر بها أو حق على أحد لان ذلك مجان من أفعال العقلاء وغير نافع في الاخرة التي هي دار القرار فأما إذا كانت العصبية في الحق وإقامة أمر الله فأمر مطلوب ولو بطل لبطلت الشرائع إذ لايتم قوامها إلا بالعصبية كما قلناه من قبل وكذا الملك لما ذمه الشارع لم يذم منه الغلب بالحق وقهر الكافة على الدين ومراعاة المصالح وإنما ذمة لما فيه من التغلب بالباطل وتصريف الادميين طوع الاغراض والشهوات كما قلناه فلو كان الملك مخلصا في غلبه للناس أنه لله ولحملهم على عبادة الله وجهاد عدوه لم يكن ذلك مذموما وقد قال سليمان صلوات الله عليه رب هب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي لما علم من نفسه أنه بمعزل عن الباطل في النبؤة والملك * ولما لقي معاوية عمربن الخطاب رضي الله عنهما عند قدومه إلى الشام في أبهة الملك وزيه من العديد والعدة استنكر ذلك وقال أكسروية يا معاوية نقال يا أمير المؤمنين أنا في ثغر تجاه العدو وبنا إلى مباهاتهم بزينة الحرب والجهاد حاجة فسكت ولم يخطئه لما احتج عليه بمقصد من مقاصد الحق والدين فلو كان القصد رفض الملك من أصله لم يقنعه الجواب في تلك الكسروية وانتحالها بل كان يحرض على خروجه عنها بالجملة وإنما أراد عمر بالكسروية ما كان عليه أهل فارس في ملكهم من ارتكاب الباطل والظلم والبغي وسلوك سبله والغفلة عن الله وأجابه معاوية بأن القصد بذلك ليس كسروية فارس وباطلهم وإنما قصده بها وجه الله فسكت * وهكذا كان شأن الصحابة في رفض الملك وأحواله ونسيان عوائده حذرا من التباسها بالباطل فلما استحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر على الصلاة إذ هي أهم أمور الدين وارتضاه الناس للخلافة وهي حمل الكافة على أحكام الشريعة ولم يجر للملك ذكر لما أنه مظنة للباطل ونحلة يومئذ لاهل الكفر وأعداء الدين فقام بذلك أبو بكر ما شاء الله متبعا سنن صاحبه وقاتل أهل الردة حتى اجتمع العرب على الاسلام ثم عهد إلى عمر فاقتفي أثره وقاتل الامم فغلبهم وأذن للعرب بانتزاع

[ 204 ]

ما بأيديهم من الدنيا والملك فغلبوهم عليه وانتزعوه منهم ثم صارت إلى عثمان بن عفان ثم إلى علي رضي الله عنهما والكل متبرئون من الملك منكبون عن طرقه وأكد ذلك لديهم ما كانوا عليه من غضاضة الاسلام وبداوة العرب فقد كانوا أبعد الامم عن أحوال الدنيا وترفها لامن حيث دينهم الذي يدعوهم إلى الزهد في النعيم ولا من حيث بداوتهم ومواطنهم وما كانوا عليه من خشونة العيش وشظفه الذي ألفوه فلم تكن أمة من الامم أسغب عيشا من مضر لما كانوا بالحجاز في أرض غير ذات زرع ولاضرع وكانوا ممنوعين من الارياف وحبوبها لبعدها واختصاصها بمن وليها من ربيعة واليمن فلم يكونوا يتطاولون إلى خصبها ولقد كانوا كثيرا ما يأكلون العقارب والخنافس ويفخرون بأكل العلهز وهو وبر الابل يمهونه بالحجارة في الدم ويطبخونه وقريبا من هذا كانت حال قريش في مطاعمهم ومساكنهم حتى إذا اجتمعت عصبية العرب على الدين بما أكرمهم الله من نبؤة محمد صلى الله عليه وسلم زحفوا إلى امم فارس والروم وطلبوا ما كتب الله لهم من الارض بوعد الصدق فابتزوا ملكهم واستباحوا دنياهم فزخرت بحار الرفه لديهم حتى كان الفارس الواحد يقسم له في بعض الغزوات ثلاثون ألفا من الذهب أو نحوها فاستولوا من ذلك على مالا يأخذه الحصر وهم مع ذلك على خشونة عيشهم فكان عمر يرقع ثوبه بالجلد وكان علي يقول يا صفراء ويا بيضاء غري غيري وكان أبو موسى يتجافى عن أكل الدجاج لانه لم يعهدها للعرب لقلتها يومئذ وكانت المناخل مفقودة عندهم بالجملة وإنما يأكلون الحنطة بنخالها ومكاسبهم مع هذا أتم ما كانت لاحد من أهل العالم قال المسعودي في أيام عثمان اقتنى الصحابة الضياع والمال فكان له يوم قتل عند خازنه خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائتا ألف دينار وخلف إبلا وخيلا كثيرة وبلغ الثمن الواحد من متروك الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار وخلف ألف فرس وألف أمة وكانت غلة طلحة من العراق ألف دينار كل يوم ومن ناحية السراة أكثر من ذلك وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف ألف فرس وله ألف بعير وعشرة آلاف من الغنم وبلغ الربع من متروكه بعد وفاته أربعة وثمانين ألفا وخلف زيد بن ثابت من الفضة والذهب ماكان يكسر

[ 205 ]

بالفؤوس غير ما خلف من الاموال والضياع بمائة ألف دينار وبنى الزبير داره بالبصرة وكذلك بنى بمصر والكوفة والاسكندرية وكذلك بنى طلحة داره بالكوفة وشيد داره بالمدينة وبناها بالجص والاجر والساج وبنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق ورفع سمكها وأوسع فضاءها وجعل على أعلاها شرفات وبنى المقداد داره بالمدينة وجعلها مجصصة الظاهر والباطن وخلف لعلي بن منبه خمسين ألف دينار وعقارا وغير ذلك ما قيمته ثلاثمائة ألف درهم اه‍ كلام المسعودي فكانت مكاسب القوم كما تراه ولم يكن ذلك منعيا عليهم في دينهم إذ هي أموال حلال لانها غنائم وفيوء ولم يكن تصرفهم فيها بإسراف إنما كانوا على قصد في أحوالهم كما قلناه فلم يكن ذلك بقادح فيهم وإن كان الاستكثار من الدنيا مذموما فإنما يرجع إلى ما أشرنا إليه من الاسراف والخروج به عن القصد وإذا كان حالهم قصدا ونفقاتهم في سبل الحق ومذاهبه كان ذلك الاستكثار عونا لهم على طرق الحق واكتساب الدار الاخرة فلما تدرجت البداوة والغضاضة إلى نهايتها وجاءت طبيعة الملك التي هي مقتضى العصبية كما قلناه وحصل التغلب والقهر كان حكم ذلك الملك عندهم حكم ذلك الرفه والاستكثار من الاموال فلم يصرفوا ذلك التغلب في باطل ولا خرجوا به عن مقاصد الديانة ومذاهب الحق * ولما وقعت الفتنة بين علي ومعاوية وهي مقتضى العصبية كان طريقهم فيها الحق والاجتهاد ولم يكونوا في محاربتهم لغرض دنيوي أو لايثار باطل أو لاستشعار حقد كما قد يتوهمه متوهم وينزع إليه ملحد وإنما اختلف اجتهادهم في الحق وسفه كل واحد نظر صاحبه باجتهاده في الحق فاقتتلوا عليه وإن كان المصيب عليا فلم يكن معاوية قائما فيها بقصد الباطل إنما قصد الحق وأخطأ والكل كانوا في مقاصدهم على حق ثم اقتضت طبيعة الملك الانفراد بالمجد واستئثار الواحد به ولم يكن لمعاوية أن يدفع عن نفسه وقومه فهو أمر طبيعي ساقته العصبية بطبيعتها واستشعرته بنو أمية ومن لم يكن على طريقة معاوية في اقتفاء الحق من اتباعهم فاعصوصبوا عليه واستماتوا دونه ولو حملهم معاوية على غير تلك الطريقة وخالفهم في الانفراد بالامر لوقوع في افتراق الكلمة التي كان جمعها وتأليفها أهم عليه من أمر ليس وراءه كبير مخالفة

[ 206 ]

وقد كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول إذا رأى القاسم بن محمد بن أبي بكر لو كان لي من الامر شئ لوليته الخلافة ولو أراد أن يعهد إليه لفعل ولكنه كان يخشى من بني أمية أهل الحل والعقد لما ذكرناه فلا يقدر أن يحول الامر عنهم لئلا تقع الفرقة وهذا كله إنما حمل عليه منازع الملك التي هي مقتضى العصبية فالمك إذا حصل وفرضنا أن الواحد انفرد به وصرفه في مذاهب الحق ووجوهه لم يكن في ذلك نكير عليه ولقد انفرد سليمان وأبوه داود صلوات الله عليهما بملك بني إسرائيل لما اقتضته طبيعة الملك من الانفراد به وكانوا ما علمت من النبؤة والحق وكذلك عهد معاوية إلى يزيد خوفا من افتراق الكلمة بما كانت بنو أمية لم يرضوا تسليم الامر إلى من سواهم فلو قد عهد إلى غيره اختلفوا عليه مع أن ظنهم كان به صالحا ولا يرتاب أحد في ذلك ولا يظن بمعاوية غيره فلم يكن ليعهد إليه وهو يعتقد ما كان عليه من الفسق حاشا الله لمعاوية من ذلك وكذلك كان مروان ابن الحكم وابنه وإن كانوا ملوكا لم يكن مذهبهم في الملك مذهب أهل البطالة والبغي إنما كانوا متحرين لمقاصد الحق جهدهم إلا في ضرورة تحملهم على بعضها مثل خشية افتراق الكلمة الذي هو أهم لديهم من كل مقصد يشهد لذلك ما كانوا عليه من الاتباع والاقتداء وما علم السلف من أحوالهم ومقاصدهم فقد احتج مالك في الموطإ بعمل عبد الملك وأما مروان فكان من الطبقة الاولى من التابعين وعدالتهم معروفة ثم تدرج الامر في ولد عبد الملك وكانوا من الدين بالمكان الذي كانوا عليه وتوسطهم عمربن عبد العزيز فنزع إلى طريقة الخلفاء الاربعة والصحابة جهده ولم يهمل ثم جاء خلفهم واستعملوا طبيعة الملك في أغراضهم الدنيوية ومقاصدهم ونسوا ما كان عليه سلفهم من تحري القصد فيها واعتماد الحق في مذاهبها فكان ذلك مما دعا الناس إلى أن نعوا عليهم أفعالهم وأدالوا بالدعوة العباسية منهم وولي رجالها الامر فكانوا من العدالة بمكان وصرفوا الملك في وجوه الحق ومذاهبه ما استطاعوا حتى جاء بنو الرشيد من بعده فكان منهم الصالح والطالح ثم أفضى الامر إلى بنيهم فأعطوا الملك والترف حقه وانغمسوا في الدنيا وباطلها ونبذوا الدين وراءهم ظهريا فتأذن الله بحربهم وانتزاع الامر من أيدي العرب جملة وأمكن سواهم والله لا

[ 207 ]

يظلم مثقال ذرة ومن تأمل سير هؤلاء الخلفاء والملوك واختلافهم في تحري الحق من الباطل علم صحة ما قلناه وقد حكاه المسعودي مثله في أحوال بني أمية عن أبي جعفر المنصور وقد حضر عمومته وذكروا بني أمية فقال أما عبد الملك فكان جبارا لا يبالي بما صنع وأما سليمان فكان همه بطنه وفرجه وأما عمر فكان أعور بين عميان وكان رجل القوم هشام قال ولم يزل بنو أمية ضابطين لما مهد لهم من السلطان يحوطونه ويصونون ما وهب الله لهم منه مع تسنمهم معالي الامور ورفضهم دنياتها حتى أفضى الامر إلى أبنائهم المترفين فكانت همتهم قصد الشهوات وركوب اللذات من معاصي الله جهلا باستدراجه وأمنا لمكره مع اطراحهم صيانة الخلافة واستخفافهم بحق الرئاسة وضعفهم عن السياسة فسلبهم الله العز وألبسهم الذل ونفى عنهم النعمة ثم استحضر عبد الله (1) بن مروان فقص عليه خبره مع ملك النوبة لما دخل أرضهم فارا أيام السفاح قال أقمت مليا ثم أتاني ملكهم فقعد على الارض وقد بسطت لي فرش ذات قيمة فقلت ما منعك عن القعود على ثيابنا فقال إني ملك وحق لكل ملك أن يتواضع لعظمة الله إذ رفعه الله ثم قال لي لم تشربون الخمر وهي محرمة عليكم في كتابكم فقلت اجترأ على ذلك عبيدنا وأتباعنا قال فلم تطئون الزرع بدوا بكم والفساد محرم عليكم قلت فعل ذلك عبيدنا وأتباعنا بجهلهم قال فلم تلبسون الديباج والذهب والحرير وهو محرم عليكم في كتابكم قلت ذهب منا الملك وانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا فأطرق ينكث بيده في الارض ويقول عبيدنا وأتباعنا وأعاجم دخلوا في ديننا ثم رفع رأسه إلي وقال ليس كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرم الله عليكم وأتيتم ماعنه نهيتم وظلمتم فيما ملكتم فسلبكم الله العز وألبسكم الذل بذنوبكم ولله نقمة لم تبلغ غايتها فيكم وأنا خائف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي فينالني معكم وإنما الضيافة ثلاث فتزود ما احتجت إليه وارتحل عن أرضي فتعجب المنصور وأطرق فقد تبين لك كيف انقلبت الخلافة إلى الملك وأن الامر كان في أوله خلافة ووازع كل أحد فيها من نفسه وهو الدين وكانوا يؤثرونه على أمور دنياهم وإن أفضت إلى


(1) قوله عبد الله كذا في النسخة التونسية وبعض الفارسية وفي بعضها عبد الملك واظنه تصحيفا قاله نصر (*)

[ 208 ]

هلاكهم وحدهم دون الكافة فهذا عثمان لما حصر في الدار جاءه الحسن والحسين وعبد الله بن عمر وابن جعفر وأمثالهم يريدون المدافعة عنه فأبى ومنع من سل السيوف بين المسلمين مخافة الفرقة وحفظا للالفة التي بها حفظ الكلمة ولو أدى إلى هلاكه وهذا علي أشار عليه المغيرة لاول ولايته باستبقاء الزبير ومعاوية وطلحة على أعمالهم حتى يجتمع الناس على بيعته وتتفق الكلمة وله بعد ذلك ما شاء من أمره وكان ذلك من سياسة الملك فأبى فرارا من الغش الذي ينافيه الاسلام وغدا عليه المغيرة من الغداة فقال لقد أشرت عليك بالامس بما أشرت ثم عدت إلى نظري فعلمت أنه ليس من الحق والنصيحة وأن الحق فيما رأيته أنت فقال علي لا والله بل أعلم أنك نصحتني بالامس وغششتني اليوم ولكن منعني مما أشرت به زائد الحق وهكذا كانت أحوالهم في إصلاح دينهم بفساد دنياهم ونحن نرقع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع فقد رأيت كيف صار الامر إلى الملك وبقيت معاني الخلافة من تحري الدين ومذاهبه والجري على منهاج الحق ولم يظهر التغير إلا في الوازع الذي كان دينا ثم انقلب عصبية وسيفا وهكذا كان الامر لعهد معاوية ومروان وابنه عبد الملك والصدر الاول من خلفاء بني العباس إلى الرشيد وبعض ولده ثم ذهبت معاني الخلافة ولم يبق إلا اسمها وصار الامر ملكا بحتا وجرت طبيعة التغلب إلى غايتها واستعملت في أغراضها من القهر والتقلب في الشهوات والملاذ وهكذا كان الامر لولد عبد الملك ولمن جاء بعد الرشيد من بني العباس واسم الخلافة باقيا فيهم لبقاء عصبية العرب والخلافة والملك في الطورين ملتبس بعضهما ببعض ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب وفناء جيلهم وتلاشي أحوالهم وبقي الامر ملكا بحتا كما كان الشان في ملوك العجم بالمشرق يدينون بطاعة الخليفة تبركا والملك بجميع ألقابه ومناحيه لهم وليس للخليفة منه شئ وكذلك فعل ملوك زناتة بالمغرب مثل صنهاجة مع العبيديين ومغراوة وبني يفرن أيضا مع خلفاء بني أمية بالاندلس والعبيديين بالقيروان فقد تبين أن الخلافة قد وجدت بدون الملك أولا ثم التبست معانيهما واختلطت ثم انفرد الملك حيث افترقت عصبيته من عصبية الخلافة والله

[ 209 ]

مقدر الليل والنهار وهو الواحد القهار الفصل التاسع والعشرون في معنى البيعة (1) إعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شئ من ذلك ويطيعه فيما يكلفه به من الامر على المنشط والمكره وكانوا إذا بايعوا الامير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري فسمي بيعة مصدر باع وصارت البيعة مصافحة بالايدي هذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع وهو المراد في الحديث في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وعند الشجرة وحيثما ورد هذا اللفظ ومنه بيعة الخلفاء ومنه أيمان البيعة كان الخلفاء يستحلفون على العهد ويستوعبون الايمان كلها لذلك فسمي هذا الاستيعاب أيمان البيعة وكان الاكراه فيها أكثر وأغلب ولهذا لما أفتى مالك رضي الله عنه بسقوط يمين الاكراه أنكرها الولاة عليه ورأوها قادحة في أيمان البيعة ووقع ما وقع من محنة الامام رضي الله عنه وأما البيعة المشهورة لهذا العهد فهي تحية الملوك الكسروية من تقبيل الارض أو اليد أو الرجل أو الذيل أطلق عليها اسم البيعة التي هي العهد على الطاعة مجازا لما كان هذا الخضوع في التحية والتزام الاداب من لوازم الطاعة وتوابعها وغلب فيه حتى صارت حقيقية عرفية واستغنى بها عن مصافحة أيدي الناس التي هي الحقيقة في الاصل لما في المصافحة لكل أحد من التنزل والابتذال المنافيين للرئاسة وصون المنصب الملوكي إلا في الاقل ممن يقصد التواضع من الملوك فيأخذ به نفسه مع خواصه ومشاهير أهل الدين من رعيته فافهم معنى البيعة في العرف فإنه أكيد على الانسان معرفته لما يلزمه من حق سلطانه وإمامه ولا تكون أفعاله عبثا ومجانا واعتبر ذلك من أفعالك مع الملوك والله القوي العزيز


(1) البيعة بفتح الموحدة اما بكسرها على وزن شيعة بسكون الياء فيهما فهي معبد النصارى. اه‍ (*)

[ 210 ]

الفصل الثلاثون في ولاية العهد إعلم أنا قدمنا الكلام في الامامة ومشروعيتها لما فيها من المصلحة وأن حقيقتها للنظر في مصالح الامة لدينهم ودنياهم فهو وليهم والامين عليهم ينظر لهم ذلك في حياته ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته ويقيم لهم من يتولى أمورهم كما كان هو يتولاها ويثقون بنظره لهم في ذلك كما وثقوا به فيما قبل وقد عرف ذلك من الشرع بإجماع الامة على جوازه وانعقاده إذ وقع بعهد أبي بكر رضي الله عنه لعمر بمحضر من الصحابة وأجازوه وأوجبوا على أنفسهم به طاعة عمر ضي الله عنه وعنهم وكذلك عهد عمر في الشورى إلى الستة بقية العشرة وجعل لهم أن يختاروا للمسلمين ففوض بعضهم إلى بعض حتى أفضى ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف فاجتهد وناظر المسلمين فوجدهم متفقين على عثمان وعلى علي فآثر عثمان بالبيعة على ذلك لموافقته إياه على لزوم الاقتداء بالشيخين في كل ما يعن دون اجتهاده فانعقد أمر عثمان لذلك وأوجبوا طاعته والملا من الصحابة حاضرون للاولى والثانية ولم ينكره أحد منهم فدل على أنهم متفقون على صحة هذا العهد عارفون بمشروعيته والاجماع حجة كما عرف ولايتهم الامام في هذا الامر وإن عهد إلى أبيه أو ابنه لانه مأمون على النظر لهم في حياته فأولى أن لا يحتمل فيها تبعة بعد مماته خلافا لمن قال باتهامه في الولد والوالد أو لمن خصص التهمة بالولد دون الوالد فإنه بعيد عن الظنة في ذلك كله لاسيما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه من إيثار مصلحة أو توقع مفسدة فتنتفي الظنة في ذلك رأسا كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد وإن كان فعل معاوية مع وفاق الناس له حجة في الباب والذي دعا معاوية لايثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم وهم عصابة قريش وأهل الملة أجمع وأهل الغلب منهم فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصا على الاتفاق واجتماع الاهواء الذي شأنه أهم عند الشارع وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته

[ 211 ]

وصحبته مانعة من سوى ذلك وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق فإنهم كلهم أجل من ذلك وعدالتهم مانعة منه وفرار عبد الله ابن عمر من ذلك إنما هو محمول على تورعه من الدخول في شئ من الامور مباحا كان أو محظورا كما هو معروف عنه ولم يبق في المخالفة لهذا العهد الذي اتفق عليه الجمهور إلا ابن الزبير وندور المخالف معروف ثم إنه وقع مثل ذلك من بعد معاوية من الخلفاء الذين كانوا يتحرون الحق ويعملون به مثل عبد الملك وسليمان من بني أمية والسفاح والمنصور والمهدي والرشيد من بني العباس وأمثالهم ممن عرفت عدالتهم وحسن رأيهم للمسلمين والنظر لهم ولا يعاب عليهم إيثار أبنائهم وإخوانهم وخروجهم عن سنن الخلفاء الاربعة في ذلك فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء فإنهم كانوا على حين لم تحدث طبيعة الملك وكان الوازع دينيا فعند كل أحد وازع من نفسه فعهدوا إلى من يرتضيه الدين فقط وآثروه على غيره ووكلوا كل من يسمو إلى ذلك إلى وازعه وأما من بعدهم من لدن معاوية فكانت العصبية قد أشرفت على غايتها من الملك والوازع الديني قد ضعف واحتيج إلى الوازع السلطاني والعصباني فلو عهد إلى غير من ترتضيه العصبية لردت ذلك العهد وانتقض أمره سريعا وصارت الجماعة إلى الفرقة والاختلاف. سأل رجل عليا رضي الله عنه ما بال المسلمين اختلفوا عليك ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر فقال لان أبا بكر وعمر كانا واليين على مثلي وأنا اليوم وال على مثلك يشير إلى وازع الدين أفلا ترى إلى المأمون لما عهد إلى علي بن موسى بن جعفر الصادق وسماه الرضا كيف أنكرت العباسية ذلك ونقضوا بيعته وبايعوا لعمه إبراهيم بن المهدي وظهر من الهرج والخلاف وانقطاع السبل وتعدد الثوار والخوارج ما كاد أن يصطلم الامر حتى بادر المأمون من خراسان إلى بغداد ورد أمرهم لمعاهده فلابد من اعتبار ذلك في العهد فالعصور تختلف باختلاف ما يحدث فيها من الامور والقبائل والعصبيات وتختلف باختلاف المصالح ولكل واحد منها حكم يخصه لطفا من الله بعباده وأما أن يكون القصد بالعهد حفظ التراث على الابناء فليس من المقاصد الدينية إذ هو أمر

[ 212 ]

من الله يخص به من يشاء من عباده ينبغي أن تحسن فيه النية ما أمكن خوفا من العبث بالمناصب الدينية والملك لله يؤتيه من يشاء * وعرض هنا أمور تدعو الضرورة إلى بيان الحق فيها * فالاول منها ما حدث في يزيد من الفسق أيام خلافته فإياك أن تظن بمعاوية رضي الله عنه أنه علم ذلك من يزيد فإنه أعدل من ذلك وأفضل بل كان يعذله أيام حياته في سماع الغناء وينهاه عنه وهو أقل من ذلك وكانت مذاهبهم فيه مختلفة ولما حدث في يزيد ما حدث من الفسق اختلف الصحابة حينئذ في شأنه فمنهم من رأى الخروج عليه ونقض بيعته من أجل ذلك كما فعل الحسين وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ومن اتبعهما في ذلك ومنهم من أباه لما فيه من إثارة الفتنة وكثرة القتل مع العجز عن الوفاء به لان شوكة يزيد يومئذ هي عصابة بني أمية وجمهور أهل الحل والعقد من قريش وتستتبع عصبية مضر أجمع وهي أعظم من كل شوكة ولا تطاق مقاومتهم فأقصروا عن يزيد بسبب ذلك وأقاموا على الدعاء بهدايته والراحة منه وهذا كان شأن جمهور المسلمين والكل مجتهدون ولا ينكر على أحد من الفريقين فمقاصدهم في البر وتحري الحق معروفة وفقنا الله للاقتداء بهم * والامر الثاني هو شأن العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم وما تدعيه الشيعة من وصيته لعلي رضي الله عنه وهو أمر لم يصح ولا نقله أحد من أئمة النقل والذي وقع في الصحيح من طلب الدواة والقرطاس ليكتب الوصية وأن عمر منع من ذلك فدليل واضح على أنه لم يقع وكذا قول عمر رضي الله عنه حين طعن وسئل في العهد فقال إن أعهد فقد عهد من هو خير مني يعني أبا بكر وإن أترك فقد ترك من هو خير مني يعني النبي صلى الله عليه وسلم لم يعهد وكذلك قول علي للعباس رضي الله عنهما حين دعاه للدخول إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألانه عن شأنهما في العهد فأبي علي من ذلك وقال إنه إن منعنا منها فلا نطمع فيها آخر الدهر وهذا دليل على أن عليا علم أنه لم يوص ولا عهد إلى أحد وشبهة الامامية في ذلك إنما هي كون الامامة من أركان الدين كما يزعمون وليس كذلك وإنما هي من المصالح العامة المفوضة إلى نظر الخلق ولو كانت من أركان الدين لكان شأنها شأن الصلاة ولكان يستخلف فيها كما استخلف أبا بكر في الصلاة ولكان يشتهر

[ 213 ]

كما اشتهر أمر الصلاة واحتجاج الصحابة على خلافة أبي بكر بقياسها على الصلاة في قولهم ارتضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا دليل على ان الوصية لم تقع ويدل ذلك أيضا على أن أمر الامامة والعهد بها لم يكن مهما كما هو اليوم وشأن العصبية المراعاة في الاجتماع والافتراق في مجاري العادة لم يكن يومئذ بذلك الاعتبار لان أمر الدين والاسلام كان كله بخوارق العادة من تأليف القلوب عليه واستماتة الناس دونه وذلك من أجل الاحوال التي كانوا يشاهدونها في حضور الملائكة لنصرهم وتردد خبر السماء بينهم وتجدد خطاب الله في كل حادثة تتلى عليهم فلم يحتج إلى مراعاة العصبية لما شمل الناس من صبغة الانقياد والاذعان وما يستفزهم من تتابع المعجزات الخارقة والاحوال الالهية الواقعة والملائكة المترددة التي وجموا منها ودهشوا من تتابعها فكان أمر الخلافة والملك والعهد والعصبية وسائر هذه الانواع مندرجا في ذلك القبيل كما وقع فلما انحصر ذلك المدد بذهاب تلك المعجزات ثم بفناء القرون الذين شاهدوها فاستحالت تلك الصبغة قليلا قليلا وذهبت الخوارق وصار الحكم للعادة كما كان فاعتبر أمر العصبية ومجاري العوائد فيما ينشأ عنها من المصالح والمفاسد وأصبح الملك والخلافة والعهد بهما مهما من المهمات الاكيدة كما زعموا ولم يكن ذلك من قبل فانظر كيف كانت الخلافة لعهد النبي صلى الله عليه وسلم غير مهمة فلم يعهد فيها ثم تدرجت الاهمية زمان الخلافة بعض الشئ بما دعت الضرورة إليه في الحماية والجهاد وشأن الردة والفتوحات فكانوا بالخيار في الفعل والترك كما ذكرناه عن عمر رضي الله عنه ثم صارت اليوم من أهم الامور للالفة على الحماية والقيام بالمصالح فاعتبرت فيها العصبية التي هي سر الوازع عن الفرقة والتخاذل ومنشأ الاجتماع والتوافق الكفيل بمقاصد الشريعة وأحكامها * والامر الثالث شأن الحروب الواقعة في الاسلام بين الصحابة والتابعين فاعلم أن اختلافهم إنما يقع في الامور الدينية وينشأ عن الاجتهاد في الادلة الصحيحة والمدارك المعتبرة والمجتهدون إذا اختلفوا فان قلنا إن الحق في المسائل الاجتهادية واحد من الطرفين ومن لم يصادفه فهو مخطئ فان جهته لاتتعين باجماع فيبقى الكل على احتمال الاصابة ولا يتعين المخطئ

[ 214 ]

منها والتاثيم مدفوع عن الكل إجماعا وإن قلنا إن الكل حق وإن كل مجتهد مصيب فاحرى بنفي الخطا والتاثيم وغاية الخلاف الذي بين الصحابة والتابعين أنه خلاف اجتهادي في مسائل دينية ظنية وهذا حكمه والذي وقع من ذلك في الاسلام إنما هو واقعة علي مع معاوية ومع الزبير وعائشة وطلحة وواقعة الحسين مع يزيد وواقعة ابن الزبير مع عبد الملك فاما واقعة علي فإن الناس كانوا عند مقتل عثمان مفترقين في الامصار فلم يشهدوا بيعة علي والذين شهدوا فمنهم من بايع ومنهم من توقف حتى يجتمع الناس ويتفقوا على إمام كسعد وسعيد وابن عمر وأسامة بن زيد والمغيرة بن شعبة وعبد الله بن سلام وقدامة بن مظعون وأبي سعيد الخدري وكعب بن مالك والنعمان بن بشير وحسان بن ثابت ومسلمة بن مخلد وفضالة بن عبيد وأمثالهم من أكابر الصحابة والذين كانوا في الامصار عدلوا عن بيعته أيضا إلى الطلب بدم عثمان وتركوا الامر فوضى حتى يكون شورى بين المسلمين لمن يولونه وظنوا بعلي هوادة في السكوت عن نصر عثمان من قاتله لا في الممالاة عليه فحاش لله من ذلك ولقد كان معاوية إذا صرح بملامته إنما يوجهها عليه في سكوته فقط ثم اختلفوا بعد ذلك فرأى علي أن بيعته قد انعقدت ولزمت من تأخر عنها باجتماع من اجتمع عليها بالمدينة دار النبي صلى الله عليه وسلم وموطن الصحابة وأرجأ الامر في المطالبة بدم عثمان إلى اجتماع الناس واتفاق الكلمة فيتمكن حينئذ من ذلك ورأى الاخرون أن بيعته لم تنعقد لافتراق الصحابة أهل الحل والعقد بالآفاق ولم يحضر إلا قليل ولا تكون البيعة إلا باتفاق أهل الحل والعقد ولا تلزم بعقد من تولاها من غيرهم أن من القليل منهم وإن المسلمين حينئذ فوضى فيطالبون أولا بدم عثمان ثم يجتمعون على إمام وذهب إلى هذا معاوية وعمروبن العاص وأم المؤمنين عائشة والزبير وابنه عبد الله وطلحة وابنه محمد وسعد وسعيد والنعمان بن بشير ومعاوية بن خديج ومن كان على رأيهم من الصحابة الذين تخلفوا عن بيعة علي بالمدينة كما ذكرنا إلا أن أهل العصر الثاني من بعدهم اتفقوا على انعقاد بيعة علي ولزومها للمسلمين أجمعين وتصويب رأيه فيما ذهب إليه وتعيين الخطإ من جهة معاوية ومن كان على رأيه وخصوصا طلحة

[ 215 ]

والزبير لانتقاضهما على علي بعد البيعة له فيما نقل مع دفع التأثيم عن كل من الفريقين كالشان في المجتهدين وصار ذلك إجماعا من أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الاول كما هو معروف ولقد سئل علي رضي الله عنه عن قتلى الجمل وصفين فقال والذي نفسي بيده لا يموتن أحد من هؤلاء وقلبه نقي إلا دخل الجنة يشير إلى الفريقين نقله الطبري وغيره فلا يقعن عندك ريب في عدالة أحد منهم ولا قدح في شئ من ذلك فهم من علمت وأقوالهم وأفعالهم إنما هي عن المستندات وعدالتهم مفروغ منها عند أهل السنة إلا قولا للمعتزلة فيمن قاتل عليا لم يلتفت إليه أحد من أهل الحق ولا عرج عليه وإذا نظرت بعين الانصاف عذرت الناس أجمعين في شأن الاختلاف في عثمان واختلاف الصحابة من بعد وعلمت أنها كانت فتنة ابتلى الله بها الامة بينما المسلمون قد أذهب الله عدوهم وملكهم أرضهم وديارهم ونزلوا الامصار على حدودهم بالبصرة والكوفة والشام ومصر وكان أكثر العرب الذين نزلوا هذه الامصار جفاة لم يستكثروا من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ولا ارتاضوا بخلقه مع ما كان فيهم من الجاهلية من الجفاء والعصبية والتفاخر والبعد عن سكينة الايمان وإذا بهم عند استفحال الدولة قد أصبحوا في ملكة المهاجرين والانصار من قريش وكنانة وثقيف وهذيل وأهل الحجاز ويثرب السابقين الاولين إلى الايمان فاستنكفوا من ذلك وغصوا به لما يرون لانفسهم من التقدم بانسابهم وكثرتهم ومصادمة فارس والروم مثل قبائل بكر بن وائل وعبد القيس بن ربيعة وقبائل كندة والازد من اليمن وتميم وقيس من مضر فصاروا إلى الغض من قريش والانفة عليهم. والتمريض في طاعتهم والتعلل في ذلك بالتظلم منهم والاستعداء عليهم والطعن فيهم بالعجز عن السوية والعدل في القسم عن السوية وفشت المقالة بذلك وانتهت إلى المدينة وهم من علمت فاعظموه وأبلغوه عثمان فبعث إلى الامصار من يكشف له الخبر بعث ابن عمر ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وأمثالهم فلم ينكروا على الامراء شيئا ولا رأوا عليهم طعنا وأدوا ذلك كما علموه فلم ينقطع الطعن من أهل الامصار وما زالت الشناعات تنمو ورمي الوليد بن عقبة وهو على الكوفة بشرب الخمر وشهد عليه جماعة منهم وحده عثمان وعزلة ثم جاء إلى المدينة

[ 216 ]

من أهل الامصار يسألون عزل العمال وشكوا إلى عائشة وعلي والزبير وطلحة وعزل لهم عثمان بعض العمال فلم تنقطع بذلك ألسنتهم بل وفد سعيد بن العاصي وهو على الكوفة فلما رجع اعترضوه بالطريق وردوه معزولا ثم انتقل الخلاف بين عثمان ومن معه من الصحابة بالمدينة ونقموا عليه امتناعه من العزل فأبى إلا أن يكون على جرحة ثم نقلوا النكير إلى غير ذلك من أفعاله وهو متمسك بالاجتهاد وهم أيضا كذلك ثم تجمع قوم من الغوغاء وجاءوا إلى المدينة يظهرون طلب النصفة من عثمان وهم يضمرون خلاف ذلك من قتله وفيهم من البصرة والكوفة ومصر وقام معهم في ذلك علي وعائشة والزبير وطلحة وغيرهم يحاولون تسكين الامور ورجوع عثمان إلى رأيهم وعزل لهم عامل مصر فانصرفوا قليلا ثم رجعوا وقد لبسوا بكتاب مدلس يزعمون أنهم لقوه في يد حامله إلى عامل مصر بان يقتلهم وحلف عثمان على ذلك فقالوا مكنا من مروان فإنه كاتبك فحلف مروان فقال ليس في الحكم أكثر من هذا فحاصروه بداره ثم بيتوه على حين غفلة من الناس وقتلوه وانفتح باب الفتنة فلكل من هؤلاء عذر فيما وقع وكلهم كانوا مهتمين بامر الدين ولا يضيعون شيئا من تعلقاته ثم نظروا بعد هذا الواقع واجتهدوا والله مطلع على أحوالهم وعالم بهم ونحن لا نظن بهم إلا خيرا لما شهدت به أحوالهم ومقالات الصادق فيهم وأما الحسين فانه لما ظهر فسق يزيد عند الكافة من أهل عصره بعثت شيعة أهل البيت بالكوفة للحسين أن يأتيهم فيقوموا بامره فراى الحسين أن الخروج على يزيد متعين من أجل فسقه لا سيما من له القدرة على ذلك وظنها من نفسه باهليته وشوكته فاما الاهلية فكانت كما ظن وزيادة وأما الشوكة فغلط يرحمه الله فيها لان عصبية مضر كانت في قريش وعصبية عبد مناف إنما كانت في بني أمية تعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس ولا ينكرونه وإنما نسي ذلك أول الاسلام لما شغل الناس من الذهول بالخوارق وأمر الوحي وتردد الملائكة لنصرة المسلمين فاغفلوا أمور عوائدهم وذهبت عصبية الجاهلية ومنازعها ونسيت ولم يبق إلا العصبية الطبيعية في الحماية والدفاع ينتفع بها في إقامة الدين وجهاد المشركين والدين فيها محكم والعادة معزولة حتى إذا انقطع أمر النبؤة والخوارق المهولة تراجع الحكم بعض الشئ للعوائد

[ 217 ]

فعادت العصبية كما كانت ولمن كانت وأصبحت مضر أطوع لبني أمية من سواهم بما كان لهم من ذلك قبل فقد تبين لك غلط الحسين إلا أنه في أمر دنيوي لا يضره الغلط فيه وأما الحكم الشرعي فلم يغلط فيه لانه منوط بظنه وكان ظنه القدرة على ذلك ولقد عذله ابن العباس وابن الزبير وابن عمر وابن الحنفية أخوه وغيره في مسيره إلى الكوفة وعلموا غلطه في ذلك ولم يرجع عما هو بسبيله لما أراده الله وأما غير الحسين من الصحابة الذين كانوا بالحجاز ومع يزيد بالشام والعراق ومن التابعين لهم فرأوا أن الخروج على يزيد وإن كان فاسقا لا يجوز لما ينشأ عنه من الهرج والدماء فاقصروا عن ذلك ولم يتابعوا الحسين ولا أنكروا عليه ولا أثموه لانه مجتهد وهو أسوة المجتهدين ولا يذهب بك الغلط أن تقول بتأثيم هؤلا بمخالفة الحسين وقعودهم عن نصره فانهم أكثر الصحابة وكانوا مع يزيد ولم يروا الخروج عليه وكان الحسين يستشهد بهم وهو بكربلاء على فصله وحقه ويقول سلوا جابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدري وأنس بن مالك وسهل بن سعيد وزيد بن أرقم أمثالهم ولم ينكر عليهم قعودهم عن نصره ولا تعرض لذلك لعلمه أنه عن اجتهاد وإن كان هو على اجتهاد ويكون ذلك كما يحد الشافعي والمالكي والحنفي على شرب النبيذ وأعلم أن الامر ليس كذلك وقتاله لم يكن عن اجتهاد هؤلاء وإن كان خلافه عن اجتهادهم وإنما انفرد بقتاله يزيد وأصحابه ولا تقولن إن يزيد وإن كان فاسقا ولم يجز هؤلاء الخروج عليه فافعاله عندهم صحيحة واعلم أنه إنما ينفذ من أعمال الفاسق ما كان مشروعا وقتال البغاة عندهم من شرطه أن يكون مع الامام العادل وهو مفقود في مسئلتنا فلا يجوز قتال الحسين مع يزيد ولا ليزيد بل هي من فعلاته المؤكدة لفسقه والحسين فيها شهيد مثاب وهو على حق واجتهاد والصحابة الذين كانوا مع يزيد على حق أيضا واجتهاد وقد غلط القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في هذا فقال في كتابه الذي سماه بالعواصم والقواصم ما معناه. إن الحسين قتل بشرع جده وهو غلط حملته عليه الغفلة عن اشتراط الامام العادل ومن أعدل من الحسين في زمانه في إمامته وعدالته في قتال أهل الآراء وأما ابن الزبير فانه رأى في منامه ما رآه الحسين وظن كما ظن وغلطه في أمر الشوكة أعظم لان بني أسد

[ 218 ]

لا يقاومون بني أمية في جاهلية ولا إسلام والقول بتعين الخطاء في جهة معاوية مع علي لا سبيل إليه لان الاجماع هنالك قضى لنا به ولم نجده ها هنا. وأما يزيد فعين خطأه فسقه وعبد الملك صاحب ابن الزبير أعظم الناس عدالة وناهيك بعدالته احتجاج مالك بفعله وعدول ابن عباس وابن عمر إلى بيعته عن ابن الزبير لم تنعقد لانه لم يحضرها أهل العقد والحل كبيعة مروان وابن الزبير علي خلاف ذلك والكل مجتهدون محمولون على الحق في الظاهر وإن لم يتعين في جهة منهما والقتل الذي نزل به بعد تقرير ما قررناه يجئ على قواعد الفقه وقوانينه مع أنه شهيد مثاب باعتبار قصده وتحريه الحق هذا هو الذي ينبغي أن تحمل عليه أفعال السلف من الصحابة والتابعين فهم خيار الامة وإذا جعلناهم عرضة للقدح فمن الذي يختص بالعدالة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول خير الناس قرني ثم الذين يلونهم مرتين أو ثلاثا ثم يفشو الكذب فجعل الخيرة وهي العدالة مختصة بالقرن الاول والذي يليه فإياك أن تعود نفسك أو لسانك التعرض لاحد منهم ولا يشوش قلبك بالريب في شئ مما وقع منهم والتمس لهم مذاهب الحق وطرقه ما استطعت فهم أولى الناس بذلك وما اختلفوا إلا عن بينة وما قاتلوا أو قتلوا إلا في سبيل جهاد أو إظهار حق واعتقد مع ذلك أن اختلافهم رحمة لمن بعدهم من الامة ليقتدي كل واحد بمن يختاره منهم ويجعله إمامه وهاديه ودليله فافهم ذلك وتبين حكمة الله في خلقه وأكوانه واعلم أنه على كل شئ قدير وإليه الملجأ والمصير والله تعالى أعلم الفصل الحادي والثلاثون في الخطط الدينية الخلافية لما تبين أن حقيقة الخلافة نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا فصاحب الشرع متصرف في الامرين أما في الدين فبمقتضى التكاليف الشرعية الذي هو مأمور بتبليغها وحمل الناس عليها وأما سياسة الدنيا فبمقتضى رعايته لمصالحهم في العمران البشري وقد قدمنا أن هذا العمران ضروري للبشر وأن رعاية مصالحه كذلك لئلا يفسد إن أهملت وقدمنا أن الملك وسطوته كاف في حصول هذه المصالح نعم إنما تكون أكمل إذا كانت بالاحكام الشرعية لانه أعلم بهذه

[ 219 ]

المصالح فقد صار الملك يندرج تحت الخلافة إذا كان إسلاميا ويكون من توابعها وقد ينفرد إذا كان في غير الملة وله على كل حال مراتب خادمة ووظائف تابعة تتعين خططا وتتوزع على رجال الدولة وظائف فيقوم كل واحد بوظيفته حسبما يعينه الملك الذي تكون يده عالية عليهم فيتم بذلك أمره ويحسن قيامه بسلطانه وأما المنصب الخلافي وإن كان الملك يندرج تحته بهذا الاعتبار الذي ذكرناه فتصرفه الديني يختص بخطط ومراتب لا تعرف إلا للخلفاء الاسلاميين فلنذكر الآن الخطط الدينية المختصة بالخلافة ونرجع إلى الخطط الملوكية السلطانية فاعلم أن الخطط الدينية الشرعية من الصلاة والفتيا والقضاء والجهاد والحسبة كلها مندرجة تحت الامامة الكبرى التي هي الخلافة فكأنها الامام الكبير والاصل الجامع وهذه كلها متفرعة عنها وداخلة فيها لعموم نظر الخلافة وتصرفها في سائر أحوال الملة الدينية والدنيوية وتنفيذ أحكام الشرع فيها على العموم فأما إمامة الصلاة فهي أرفع هذه الخطط كله وأرفع من الملك بخصوصه المندرج معها تحت الخلافة ولقد يشهد لذلك استدلال الصحابة في شأن أبي بكر رضي الله عنه باستخلافه في الصلاة على استخلافه في السياسة في قولهم ارتضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا فلو لا أن الصلاة أرفع من السياسة لما صح القياس وإذا ثبت ذلك فاعلم أن المساجد في المدينة صنفان مساجد عظيمة كثيرة الغاشية معدة للصلوات المشهودة وأخرى دونها مختصة بقوم أو محلة وليست للصلوات العامة فاما المساجد العظيمة فأمرها راجع إلى الخليفة أو من يفوض إليه من سلطان أو من وزير أو قاض فينصب لها الامام في الصلوات الخمس والجمعة والعيدين والخسوفين والاستسقاء وتعين ذلك إنما هو من طريق الاولى والاستحسان ولئلا يفتات الرعايا عليه في شئ من النظر في المصالح العامة وقد يقول بالوجوب في ذلك من يقول بوجوب إقامة الجمعة فيكون نصب الامام لها عنده واجبا وأما المساجد المختصة بقوم أو محلة فأمرها راجع إلى الجيران ولا تحتاج إلى نظر خليفة ولا سلطان وأحكام هذه الولاية وشروطها والمولى فيها معروفة في كتب الفقه ومبسوطة في كتب الاحكام السلطانية للماوردي وغيره

[ 220 ]

فلا نطول بذكرها ولقد كان الخلفاء الاولون لا يقلدونها لغيرهم من الناس وانظر من طعن من الخلفاء في المسجد عند الاذان بالصلاة وترصدهم لذلك في أوقاتها يشهد لك ذلك بمباشرتهم لها وأنهم لم يكونوا مستخلفين فيها وكذا كان رجال الدولة الاموية من بعدهم استئثارا بها واستعظاما لرتبتها يحكى عن عبد الملك أنه قال لحاجبه قد جعلت لك حجابة يأبى إلا عن ثلاثة صاحب الطعام فانه يفسد بالتأخير والاذان بالصلاة فانه داع إلى الله والبريد فان في تأخيره فساد القاصية فلما جاءت طبيعة الملك وعوارضه من الغلظة والترفع عن مساواة الناس في دينهم ودنياهم استنابوا في الصلاة فكانوا يستأثرون بها في الاحيان وفي الصلوات العامة كالعيدين والجمعة إشارة وتنويها فعل ذلك كثير من خلفاء بني العباس والعبيديين صدر دولتهم وأم الفتيا فللخليفة تصفح أهل العلم والتدريس ورد الفتيا إلى من هو أهل لها وإعانته على ذلك ومنع من ليس أهلا لها وزجره لانها من مصالح المسلمين في أديانهم فتجب عليه مراعاتها لئلا يتعرض لذلك من ليس له باهل فيضل الناس وللمدرس الانتصاب لتعليم العلم وبثه والجلوس لذلك في المساجد فان كانت من المساجد العظام التي للسلطان الولاية عليها والنظر في أئمتها كما مر فلا بد من استئذانه في ذلك وإن كانت من مساجد العلامة فلا يتوقف ذلك على إذن على أنه ينبغي أن يكون لكل أحد من المفتين والمدرسين زاجر من نفسه يمنعه عن التصدي لما ليس له باهل فيضل به المستهدي ويضل به المسترشد وفي الاثر أجرأكم على الفتيا أجرأ كم على جراثيم جهنم فللسلطان فيهم لذلك من النظر ما توجبه المصلحة من إجازة أورد وأما القضاء فهو من الوظائف الداخلة تحت الخلافة لانه منصب الفصل بين الناس في الخصومات حسما للتداعي وقطعا للتنازع إلا أنه بالاحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة فكان لذلك من وظائف الخلافة ومندرجا في عمومها وكان الخلفاء في صدر الاسلام يباشرونه بانفسهم ولا يجعلون القضاء إلى من سواهم وأول من دفعه إلى غيره وفوضه فيه عمر رضي الله عنه فولى أبا الدرداء معه بالمدينة وولى شريحا بالبصرة وولى أبا موسى الاشعري بالكوفة وكتب له في ذلك الكتاب المشهور الذي تدور عليه أحكام القضاة

[ 221 ]

وهي مستوفاة فيه يقول أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم وإذا أدلي إليك فانه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له وآس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك البينة على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق فان الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل الفهم فيما يتلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولاسنة ثم اعرف الامثال والاشباه وقس الامور بنظائرها واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه فان أحضر بينته أخذت له بحقه وإلا استحللت القضاء عليه فان ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجرى عليه شهادة زور أو ظنينا في نسب أو ولاء فان الله سبحانه عفا عن الايمان ودرأ بالبينات وإياك والقلق والضجر والتأفف بالخصوم فان استقرار الحق في مواطن الحق يعظم الله به الاجر ويحسن به الذكر والسلام. إنتهى كتاب عمر وإنما كانوا يقلدون القضاء لغيرهم وإن كان مما يتعلق بهم لقيامهم بالسياسة العامة وكثرة أشغالها من الجهاد والفتوحات وسد الثغور وحماية البيضة ولم يكن ذلك مما يقوم به غيرهم لعظم العناية فاستحقوا القضاء في الواقعات بين الناس واستخلفوا فيه من يقوم به تخفيفا على أنفسهم وكانوا مع ذلك إنما يقلدونه أهل عصبيتهم بالنسب أو الولاء ولا يقلدونه لمن بعد عنهم في ذلك وأما أحكام هذا المنصب وشروطه فمعروفة في كتب الفقه وخصوصا كتب الاحكام السلطانية إلا أن القاضي إنما كان له في عصر الخلفاء الفصل بين الخصوم فقط ثم دفع لهم بعد ذلك أمور أخرى على التدريج بحسب اشتغال الخلفاء والملوك بالسياسة الكبرى واستقر منصب القضاء آخر الامر على أنه يجمع مع الفصل بين الخصوم استيفاء بعض الحقوق العامة للمسلمين بالنظر في أموال المحجور عليهم من المجانين واليتامى والمفلسين وأهل السفه وفي وصايا المسلمين وأوقافهم وتزويج الايامى عند فقد الاولياء على رأي من رآه والنظر في مصالح الطرقات والابنية وتصفح الشهود والامناء والنواب واستيفاء

[ 222 ]

العلم والخبرة فيهم بالعدالة والجرح ليحصل له الوثوق بهم وصارت هذه كلها من تعلقات وظيفته وتوابع ولايته وقد كان الخلفاء من قبل يجعلون للقاضي النظر في المظالم وهي وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة ونصفة القضاء وتحتاج إلى علو يد وعظيم رهبة تقمع الظالم من الخصمين وتزجر المتعدي وكانه يمضي ما عجز القضاة أو غيرهم عن إمضائه ويكون نظره في البينات والتقرير واعتماد الامارات والقرائن وتأخير الحكم إلى استجلاء الحق وحمل الخصمين على الصلح واستحلاف الشهور وذلك أوسع من نظر القاضي * وكان الخلفاء الاولون يباشرونها بانفسهم إلى أيام المهتدي من بني العباس وربما كانوا يجعلونها لقضاتهم كما فعل عمر رضي الله عنه مع قاضيه أبي أدريس الخولاني وكما فعله المأمون ليحيى بن أكثم والمعتصم لاحمد بن أبي داود وربما كانوا يجعلون للقاضي قيادة الجهاد في عساكر الطوائف وكان يحيى بن أكثم يخرج أيام المأمون بالطائفة إلى أرض الروم وكذا منذر بن سعيد قاضي عبد الرحمن الناصر من بني أمية بالاندلس فكانت تولية هذه الوظائف إنما تكون للخلفاء أو من يجعلون ذلك له من وزير مفوض أو سلطان متغلب وكان أيضا النظر في الجرائم وإقامة الحدود في الدولة العباسية والاموية بالاندلس والعبيد يين بمصر والمغرب راجعا إلى صاحب الشرطة وهي وظيفة أخرى دينية كانت من الوظائف الشرعية في تلك الدول توسع النظر فيها عن أحكام القضاء قليلا فيجعل للتهمة في الحكم مجالا ويفرض العقوبات الزاجرة قبل ثبوت الجرائم ويقيم الحدود الثابتة في محالها ويحكم في القود والقصاص ويقيم التعزيز والتاديب في حق من لم ينته عن الجريمة ثم تنوسي شان هاتين الوظيفتين في الدول التي تنوسي فيها أمر الخلافة فصار أمر المظالم راجعا إلى السلطان كان له تفويض من الخليفة أو لم يكن وانقسمت وظيفة الشرطة قسمين منها وظيفة التهمة على الجرائم وإقامة حدودها ومباشرة القطع والقصاص حيث يتعين ونصب لذلك في هذه الدول حاكم يحكم فيها بموجب السياسة دون مراجعة الاحكام الشرعية ويسمى تارة باسم الوالي وتارة باسم الشرطة وبقي قسم التعازير وإقامة الحدود في الجرائم الثابتة شرعا فجمع ذلك للقاضي مع ما تقدم وصار

[ 223 ]

ذلك من توابع وظيفة ولايته واستقر الامر لهذا العهد على ذلك وخرجت هذه الوظيفة عن أهل عصبية الدولة لان الامر لما كان خلافة دينية وهذه الخطة من مراسم الدين فكانوا لا يولون فيها إلامن أهل عصبيتهم من العرب ومواليهم بالحلف أو بالرق أو بالاصطناع ممن يوثق بكفايته أو غنائه فيما يدفع إليه * ولا انقرض شان الخلافة وطورها وصار الامر كله ملكا أو سلطانا صارت هذه الخطط الدينية بعيدة عنه بعض الشئ لانها ليست من ألقاب الملك ولا مراسمه ثم خرج الامر جملة من العرب وصار الملك لسواهم من أمم الترك والبربر فازدادت هذه الخطط الخلافية بعدا عنهم بمنحاها وعصبيتها وذلك أن العرب كانوا يرون أن الشريعة دينهم وأن النبي صلى الله عليه وسلم منهم وأحكامه وشرائعه نحلتهم بين الامم وطريقهم وغيرهم لا يرون ذلك إنما يولونها جانبا من التعظيم لما دانوا بالملة فقط فصاروا يقلدونها من غير عصابتهم ممن كان تأهل لها في دول الخلفاء السالفة وكان أولئك المتأهلون بما أخذهم ترف الدول منذ مئين من السنين قد نسوا عهد البداوة وخشونتها والتبسوا بالحضارة في عوائد ترفهم ودعتهم وقلة الممانعة عن أنفسهم وصارت هذه الخطط في الدول الملوكية من بعد الخلفاء مختصة بهذا الصنف من المستضعفين في أهل الامصار ونزل أهلها عن مراتب العز لفقد الاهلية بانسابهم وما عليه من الحضارة قلحقهم من الاحتقار ما لحق الحضر المنغمسين في الترف والدعة البعداء عن عصبية الملك الذين هم عيال على الحامية وصار اعتبارهم في الدولة من أجل قيامها بالملة وأخذها باحكام الشريعة لما أنهم الحاملون للاحكام المقتدون بها ولم يكن إيثارهم في الدولة حينئذ إكراما لذواتهم وإنما هو لما يتلمج من التجمل بمكانهم في مجالس الملك لتعظيم الرتب الشرعية ولم يكن لهم فيها من الحل والعقد شئ وإن حضروه فحضور رسمي لا حقيقة وراءه إلى حقيقة الحل والعقد إنما هي لاهل القدرة عليه فمن لا قدرة له عليه فلاحل له ولا عقد لديه أللهم إلا أخذ الاحكام الشرعية عنهم وتلقي الفتاوى منهم فنعم والله الموفق وربما يظن بعض الناس أن الحق فيما وراء ذلك وأن فعل الملوك فيما فعلوه من إخراج الفقهاء والقضاة من الشورى مرجوح وقد قال صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة الانبياء فاعلم أن

[ 224 ]

ذلك ليس كما ظنه وحكم الملك والسلطان إنما يجري على ما تقتضيه طبيعة العمران وإلا كان بعيدا عن السياسة فطبيعة العمران في هؤلاء لا تقتضي لهم شيئا من ذلك لان الشورى والحل والعقد لا تكون إلا لصاحب عصبية يقتدر بها على حل أو عقد أو فعل أو ترك وأما من لاعصبية له ولا يملك من أمر نفسه شيئا ولا من حمايتها وإنما هو عيال على غيره فاي مدخل له في الشورى أو أي معنى يدعو إلى اعتباره فيها اللهم إلا شوراه يفيما يعلمه من الاحكام الشرعية فموجودة في الاستفتاء خاصة وأما شوراه في السياسة فهو بعيد عنها لفقدانه العصبية والقيام على معرفة أحوالها وأحكامها وإنما إكرامهم من تبرعات الملوك والامراء الشاهدة لهم بجميل الاعتقاد في الدين وتعظيم من ينتسب إليه باي جهة انتسب وأما قوله صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة الانبياء فاعلم أن الفقهاء في الاغلب لهذا العهد وما احتف به إنما حملوا الشريعة أقوالا في كيفية الاعمال في العبادات وكيفية القضاء في المعاملات ينصونها على من يحتاج إلى العمل بها هذه غاية أكابرهم ولا يتصفون إلا بالاقل منها وفي بعض الاحوال والسلف رضوان الله عليهم واهل الدين والورع من المسلمين حملوا الشريعة اتصافا بها وتحققا بمذاهبها فمن حملها اتصافا وتحققا دون نقل فهو من الوارثين مثل أهل رسالة القشيري ومن اجتمع له الامر ان فهو العالم وهو الوارث على الحقيقة مثل فقهاء التابعين والسلف والائمة الاربعة ومن اقتفى طريقهم وجاء على أثرهم وإذا انفرد واحد من الامة باحد الامرين فالعابد أحق بالوراثة من الفقيه الذي ليس بعابد لان العابد ورث بصفة والفقيه الذي ليس بعابد لم يرث شيئا إنما هو صاحب أقوال ينصها علينا في كيفيات العمل وهؤلاء أكثر فقهاء عصرنا إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ماهم (العدالة) * وهي وظيفة دينية تابعة للقضاء ومن مواد تصريفه وحقيقة هذه الوظيفة القيام عن إذن القاضي بالشهادة بين الناس فيما لهم وعليهم تحملا عند الاشهاد وأداء عند التنازع وكتبا في السجلات تحفظ به حقوق الناس وأملاكهم وديونهم وسائر معاملاتهم وشرط هذه الوظيفة الاتصاف بالعدالة الشرعية والبراءة من الجرح ثم القيام بكتب السجلات والعقود من جهة عباراتها وانتظام فصولها ومن

[ 225 ]

جهة إحكام شروطها الشرعية وعقودها فيحتاج حينئذ إلى ما يتعلق بذلك من الفقه ولاجل هذه الشروط وما يحتاج إليه من المران (1) على ذلك والممارسة له اختص ذلك ببعض العدول وصار الصنف القائمون به كأنهم مختصون بالعدالة وليس كذلك وإنما العدالة من شروط اختصاصهم بالوظيفة ويجب على القاضي تصفح أحوالهم والكشف عن سيرهم رعاية لشرط العدالة فيهم وأن لا يهمل ذلك لما يتعين عليه من حفظ حقوق الناس فالعهدة عليه في ذلك كله وهو ضامن دركه وإذا تعين هؤلاء لهذه الوظيفة عمت الفائدة في تعيين من تخفى عدالته على القضاة بسبب اتساع الامصار واشتباه الاحوال واضطرار القضاة إلى الفصل بين المتنازعين بالبينات الموثوقة فيعولون غالبا في الوثوق بها على هذا الصنف ولهم في سائر الامصار دكاكين ومصاطب يختصون بالجلوس عليها فيتعاهدهم أصحاب المعاملات للاشهاد وتقييده بالكتاب وصار مدلول هذه اللفظة مشتركا بين هذه الوظيفة التي تبين مدلولها وبين العدالة الشرعية التي هي أخت الجرح وقد يتواردان ويفترقان والله تعالى أعلم الحسبة والسكة إما الحسبة فهي وظيفة دينية من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين يعين لذلك من يراه أهلاله فيتعين فرضه عليه ويتخذ الاعوان على ذلك ويبحث عن المنكرات ويعزر ويؤدب على قدرها ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة مثل المنع من المضايقة في الطرقات ومنع الحمالين وأهل السفن من الاكثار في الحمل والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة والضرب على أيدي المعلمين في المكاتب وغيرها في الابلاغ في ضربهم للصبيان المتعلمين ولا يتوقف حكمه على تنازع أو استعداد بل له النظر والحكم فيما يصل إلى علمه من ذلك ويرفع إليه وليس له إمضاء الحكم في الدعاوي مطلقا بل فيما يتعلق بالغش والتدليس في المعايش وغيرها في المكاييل والموازين وله أيضا حمل المماطلين على الانصاف وأمثال ذلك مما ليس فيه سماع بينة ولا إنفاذ حكم وكأنها أحكام


(1) المران بكسر الميم التمرن والاعتياد على الشئ اه‍ (*)

[ 226 ]

ينزه القاضي عنها لعمومها وسهولة أغراضها فتدفع إلى صاحب هذه الوظيفة ليقوم بها فوضعها على ذلك أن تكون خادمة لمنصب القضاء وقد كانت في كثير من الدول الاسلامية مثل العبيديين بمصر والمغرب والامويين بالاندلس داخلة في عموم ولاية القاضي بولي فيها باختياره ثم لما انفردت وظيفة السلطان عن الخلافة وصار نظره عاما في أمور السياسة اندرجت في وظائف الملك وأفردت بالولاية وأما السكة فهي النظر في النقود المتعامل بها بين الناس وحفظها مما يداخلها من الغش أو النقص إن كان يتعامل بها عددا أو ما يتعلق بذلك ويوصل إليه من جميع الاعتبارات ثم في وضع علامة السلطان على تلك النقود بالاستجادة والخلوص برسم تلك العلامة فيها من خاتم حديد اتخذ لذلك ونقش فيه نقوش خاصة به فيوضع على الدينار بعد أن يقدر ويضرب عليه بالمطرقة حتى ترسم فيه تلك النقوش وتكون علامة على جودته بحسب الغاية التي وقف عندها السبك والتخليص في متعارف أهل القطر ومذاهب الدولة الحاكمة فإن السبك والتخليص في النقود لا يقف عند غاية وإنما ترجع غايته إلى الاجتهاد فإذا وقف أهل أفق أو قطر على غاية من التخليص وقفوا عندها وسموها إماما وعيارا يعتبرون به نقودهم وينتقدونها بمماثلته فإن نقص عن ذلك كان زيفا والنظر في ذلك كله لصاحب هذه الوظيفة وهي دينية بهذا الاعتبار فتندرج تحت الخلافة وقد كانت تندرج في عموم ولاية القاضي ثم أفردت لهذا العهد كما وقع في الحبشة هذا آخر الكلام في الوظائف الخلافية وبقيت منها وظائف ذهبت بذهاب ما ينظر فيه وأخرى صارت سلطانية فوظيفة الامارة والوزارة والحرب والخراج صارت سلطانية نتكلم عليها في أماكنها بعد وظيفة الجهاد ووظيفة الجهاد بطلت ببطلانه إلا في قليل من الدول يمارسونه ويدرجون أحكامه غالبا في السلطانيات وكذا نقابة الانساب التي يتوصل بها إلى الخلافة أو الحق في بيت المال قد بطلت لدثور الخلافة ورسومها وبالجملة قد اندرجت رسوم الخلافة ووظائفها في رسوم الملك والسياسة في سائر الدول لهذا العهد والله مصرف الامور كيف يشاء

[ 227 ]

الفصل الثاني والثلاثون في اللقب بامير المؤمنين وانه من سمات الخلافة وهو محدث منذ عهد الخلفاء وذلك أنه لما بويع أبو بكر رضي الله عنه وكان الصحابة رضي الله عنهم وسائر المسلمين يسمونه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يزل الامر على ذلك إلى أن هلك فلما بويع لعمر بعهده إليه كانوا يدعونه خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنهم استثقلوا هذا اللقب بكثرته وطول إضافته وأنه يتزايد فيما بعد دائما إلى أن ينتهي إلى الهجنة ويذهب منه التمييز بتعدد الاضافات وكثرتها فلا يعرف فكانوا يعدلون عن هذا اللقب إلى ما سواه مما يناسبه ويدعى به مثله وكانوا يسمون قواد البعوث باسم الامير وهو فعيل من الامارة وقد كان الجاهلية يدعون النبي صلى الله عليه وسلم أمير مكة وأمير الحجاز وكان الصحابة أيضا يدعون سعد بن أبي وقاص أمير المؤمنين لامارته على جيش القادسية وهم معظم المسلمين يومئذ واتفق أن دعا بعض الصحابة عمر رضي الله عنه يا أمير المؤمنين فاستحسنه الناس واستصوبوه ودعوه به يقال إن أول من دعاه بذلك عبد الله بن جحش وقيل عمر بن العاصي والمغيرة بن شعبة وقيل بريد جاء بالفتح من بعض البعوث ودخل المدينة وهو يسأل عن عمر ويقول أين أمير المؤمنين وسمعها أصحابه فاستحسنوه وقالوا أصبت والله اسمه إنه والله أمير المؤمنين حقا فدعوه بذلك وذهب لقبا له في الناس وتوارثه الخلفاء من بعده سمة لا يشاركهم فيها احد سواهم إلا سائر دولة بني أمية ثم إن الشيعة خصوا عليا باسم الامام نعتا له بالامامة التي هي اخت الخلافة وتعريضا بمذهبهم في أنه أحق بإمامة الصلاة من أبي بكر لما هو مذهبهم وبدعتهم فخصوه بهذا اللقب ولمن يسوقون إليه منصب الخلافة من بعده فكانوا كلهم يسمون بالامام ما داموا يدعون لهم في الخلفاء حتى إذا يستولون على الدولة يحولون اللقب فيما بعده إلى أمير المؤمنين كما فعله شيعة بني العباس فإنهم ما زالوا يدعون أئمتهم بالامام إلى إبراهيم الذي جهروا بالدعاء له وعقدوا الرايات للحرب على أمره فلما هلك دعي أخوه السفاح بأمير المؤمنين وكذا الرافضة بأفريقيا فإنهم ما زالوا يدعون أئمتهم من ولد إسماعيل بالامام حتى

[ 228 ]

انتهى الامر إلى عبيدالله المهدي وكانوا أيضا يدعونه بالامام ولابنه أبي القاسم من بعده فلما استوثق لهم الامر دعوا من بعدهما بأمير المؤمنين وكذا الا دارسة بالمغرب كانوا يلقبون أدريس بالامام وابنه أدريس الاصغر كذلك وهكذا شأنهم وتوارث الخلفاء هذا اللقب بأمير المؤمنين وجعلوه سمة لمن يملك الحجاز والشام والعراق والمواطن التي هي ديار العرب ومراكز الدولة وأهل الملة والفتح وازداد لذلك في عنفوان الدولة وبذخها لقب آخر للخفاء يتميز به بعضهم عن بعض لما في أمير المؤمنين من الاشتراك بينهم فاستحدث لذلك بنو العباس حجابا لاسمائهم الاعلام عن امتهانها في ألسنة السوقة وصونا لها عن الابتذال فتلقبوا بالسفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد إلى آخر الدولة واقتفى أثرهم في ذلك العبيديون بأفريقية ومصر وتجافى بنو أمية عن ذلك بالمشرق قبلهم مع الغضاضة والسذاجة لان العروبية ومنازعها لم تفارقهم حينئذ ولم يتحول عنهم شعار البداوة إلى شعار الحضارة وأما بالاندلس فتلقبوا كسلفهم مع ما عملوه من أنفسهم من القصور عن ذلك بالقصور عن ملك الحجاز أصل العرب والملة والبعد عن دار الخلافة التي هي مركز العصبية وأنهم إنما منعوا بإمارة القاصية أنفسهم من مهالك بني العباس حتى إذا جاء عبد الرحمن الداخل الاخر منهم وهو الناصر بن محمد ابن الامير عبد الله بن محمد ابن عبد الرحمن الاوسط لاول المائة الرابعة واشتهر ما نال الخلافة بالمشرق من الحجر واستبداد الموالي وعيثهم في الخلفاء بالعزل والاستبدال والقتل والسمل ذهب عبد الرحمن هذا إلى مثل مذاهب الخلفاء بالمشرق وأفريقية وتسمى بأمير المؤمنين وتلقب بالناصر لدين الله وأخذت من بعده عادة ومذهب لقن عنه ولم يكن لابائه وسلف قومه واستمر الحال على ذلك إلى أن انقرضت عصبية العرب أجمع وذهب رسم الخلافة وتغلب الموالي من العجم على بني العباس والصنائع على العبيديين بالقاهرة وصنهاجة على أمراء أفريقية وزناتة على المغرب وملوك الطوائف بالاندلس على أمر بني أمية وأقتسموه وافترق أمر الاسلام فاختلفت مذاهب الملوك بالمغرب والمشرق في الاختصاص بالالقاب بعد أن تسموا جميعا باسم السلطان. فأما ملوك المشرق من العجم فكان الخلفاء يخصونهم بألقاب

[ 229 ]

تشريفية حتى يستشعر منها انقيادهم وطاعتهم وحسن ولايتهم مثل شرف الدولة وعضد الدولة وركن الدولة ومعز الدولة ونصير الدولة ونظام الملك وبهاء الدولة وذخيرة الملك وأمثال هذه وكان العبيديون أيضا يخصون بها أمراء صنهاجة فلما استبدوا على الخلافة قنعوا بهذه الالقاب وتجافوا عن ألقاب الخلافة أدبا معها وعدولا عن سماتها المختصة بها شأن المتغلبين المستبدين كما قلناه ونزع المتأخرون أعاجم المشرق حين قوي استبدادهم على الملك وعلاكعبهم في الدولة والسلطان وتلاشت عصبية الخلافة واضمحلت بالجملة إلى انتحال الالقاب الخاصة بالملك مثل الناصر والمنصور وزيادة على ألقاب يختصون بها قبل هذا الانتحال مشعرة بالخروج عن ربقة الولاء والاصطناع بما أضافوها إلى الدين فقط فيقولون صلاح الدين أسد الدين نور الدين. وأما ملوك الطوائف بالاندلس فاقتسموا ألقاب الخلافة وتوزعوها لقوة استبدادهم عليها بما كانوا من قبيلها وعصبيتها وفتلقبوا بالناصر والمنصور والمعتمد والمظفر وأمثالها كما قال ابن أبي شرف ينعى عليهم مما يزهدني في أرض أندلس * أسماء معتمد فيها ومعتضد ألقاب مملكة في غير موضعها * كالهر يحكي انتفاخا صورة الاسد وأما صنهاجة فاقتصروا عن الالقاب التي كان الخلفاء العبيديون يلقبون بها للتنويه مثل نصير الدولة ومعز الدولة واتصل لهم ذلك لما أدالوا من دعوة العبيديين بدعوة العباسيين ثم بعدت الشقة بينهم وبين الخلافة ونسوا عهدها فنسوا هذه الالقاب واقتصروا على اسم السلطان وكذا شأن ملوك مغراوة بالمغرب لم ينتحلوا شيئا من هذه الالقاب إلا اسم السلطان جريا على مذاهب البداوة والغضاضة ولما محي رسم الخلافة وتعطل دستها وقام بالمغرب من قبائل البربر يوسف بن ناشفين ملك لمتونة فملك العدوتين وكان من أهل الخير والاقتداء نزعت به همته إلى الدخول في طاعة الخليفة تكميلا لمراسم دينه فخاطب المستظهر العباسي وأوفد عليه بيعته عبد الله بن العربي وابنه القاضي أبا بكر من مشيخة إشبيلية يطلبان توليته إياها على المغرب وتقليده ذلك فانقلبوا إليه بعهد الخلافة له على المغرب واستشعار زيهم في لبوسه ورتبته وخاطبه فيه يا أمير المؤمنين تشريفا واختصاصا فاتخذها لقبا ويقال إنه كان دعي له بأمير

[ 230 ]

المؤمنين من قبل أدبا مع رتبة الخلافة لما كان عليه هو وقومه المرابطون من انتحال الدين واتباع السنة وجاء المهدي على أثرهم داعيا إلى الحق آخذا بمذاهب الاشعرية ناعيا على أهل المغرب عدولهم عنها إلى تقليد السلف في ترك التأويل لظواهر الشريعة وما يؤول إليه ذلك من التجسيم كما هو معروف في مذهب الاشعرية وسمى أتباعه الموحدين تعريضا بذلك النكير وكان يرى رأي أهل البيت في الامام المعصوم وأنه لابد منه في كل زمان يحفظ بوجوده نظام هذا العالم فسمي بالامام لما قلناه أولا من مذهب الشيعة في ألقاب خلفائهم وأردف بالمعصوم إشارة إلى مذهبه في عصمة الامام وتنزه عند اتباعه عن أمير المؤمنين أخذا بمذاهب المتقدمين من الشيعة ولما فيها من مشاركة الاغمار والولدان من أعقاب أهل الخلافة يومئذ بالمشرق ثم انتحل عبد المؤمن ولي عهده اللقب بأمير المؤمنين وجرى عليه من بعده خلفاء بني عبد المؤمن وآل أبي حفص من بعدهم استئثارا به عمن سواهم لما دعا إليه شيخهم المهدي من ذلك وأنه صاحب الامر وأولياؤه من بعده كذلك دون كل أحد لانتفاء عصبية قريش وتلاشيها فكان ذلك دأبهم ولما انتقض الامر بالمغرب وانتزعه زناتة ذهب أولهم مذاهب البداوة والسذاجة وأتباع لمتونة في انتحال اللقب بأمير المؤمنين أدبا مع رتبة الخلافة التي كانوا على طاعتها لبني عبد المؤمن أولا ولبني أبي حفص من بعدهم ثم نزع المتأخرون منهم إلى اللقب بأمير المؤمنين وانتحلوه لهذا العهد استبلاغا في منازع الملك وتتميما لمذاهبه وسماته والله غالب على أمره الفصل الثالث والثلاثون في شرح اسم البابا والبطرك في الملة النصرانية واسم الكوهن عند اليهود إعلم أن الملة لابد لها من قائم عند غيبة النبي يحملهم على أحكامها وشرائعها ويكون كالخليفة فيهم للنبي فيما جاء به من التكاليف والنوع الانساني أيضا بما تقدم من ضرورة السياسة فيهم للاجتماع البشري لابد لهم من شخص يحملهم على مصالحهم ويزعهم عن مفاسدهم بالقهر وهو المسمى بالملك والملة الاسلامية لما كان الجهاد فيها مشروعا لعموم الدعوة وحمل الكافة على دين الاسلام طوعا أو

[ 231 ]

كرها اتخذت فيها الخلافة والملك لتوجه الشوكة من القائمين بها إليهما معا وأما ما سوى الملة الاسلامية فلم تكن دعوتهم عامة ولا الجهاد عندهم مشروعا إلا في المدافعة فقط فصار القائم بأمر الدين فيها لا يعنيه شئ من سياسة الملك وإنما وقع الملك لمن وقع منهم بالعرض ولامر غير ديني وهو ما اقتضته لهم العصبية لما فيها من الطلب للملك بالطبع لما قدمناه لانهم غير مكلفين بالتغلب على الامم كما في الملة الاسلامية وإنما هو مطلوبون بإقامة دينهم في خاصتهم ولذلك بقي بنو إسرائيل من بعد موسى ويوشع صلوات الله عليهما نحو أربعمائة سنة لا يعتنون بشئ من أمر الملك إنما همهم إقامة دينهم فقط وكان القائم به بينهم يسمى الكوهن كأنه خليفة موسى صلوات الله عليه يقيم لهم أمر الصلاة والقربان ويشترطون فيه أن يكون من ذرية هارون صلوات الله عليه لان موسى لم يعقب ثم اختاروا لاقامة السياسة التي هي للبشر بالطبع سبعين شيخا كانوا يتلون أحكامهم العامة والكوهن أعظم منهم رتبة في الدين وأبعد عن شغب الاحكام واتصل ذلك فيهم إلى أن استحكمت طبيعة العصبية وتمحضت الشوكة للملك فغلبوا الكنعانيين على الارض التي أورثهم الله بيت المقدس وما جاورها كما بين لهم على لسان موسى صلوات الله عليه فحاربتهم أمم الفلسطين والكنعانيين والارمن وأردن وعمان وما رب ورئاستهم في ذلك راجعة إلى شيوخهم وأقاموا على ذلك نحوا من أربعمائة سنة ولم تكن بهم صولة الملك وضجر بنو طالوت وغلب الامم وقتل جالوت ملك الفلسطين ثم ملك بعده داود ثم سليمان صلوات الله عليهما واستفحل ملكه وامتد إلى الحجاز ثم أطراف اليمن ثم إلى أطراف بلاد الروم ثم افترق الاسباط من بعد سليمان صلوات الله عليه بمقتضى العصبية في الدول كما قدمناه إلى دولتين كانت إحداهما بالجزيرة والموصل للاسباط العشرة والاخرى بالقدس والشام لبني يهوذا وبنيامين ثم غلبهم بخت نصر ملك بابل على ما كان بأيديهم من الملك أولا الاسباط العشرة ثم ثانيا بني يهوذا وبيت المقدس بعد اتصال ملكهم نحو ألف سنة وخرب مسجدهم وأحرق توارتهم وأمات دينهم ونقلهم إلى أصبهان وبلاد العراق إلى أن ردهم بعض ملوك الكيانية من الفرس إلى بيت المقدس من بعد سبعين سنة من

[ 232 ]

خروجهم فبنوا المسجد وأقاموا أمر دينهم على الرسم الاول للكهنة فقط والملك للفرس ثم غلب الاسكندر وبنو يونان على الفرس وصار اليهود في ملكتهم ثم فشل أمر اليونانيين فاعتز اليهود عليهم بالعصبية الطبيعية ودفعوهم عن الاستيلاء عليهم وقام بملكهم الكهنة الذين كانوا فيهم من بني حشمناي وقاتلوا يونان حتى انقرض أمرهم وغلبهم الروم فصاروا تحت أمرهم ثم رجعوا إلى بيت المقدس وفيها بنو هيرودس أصهار بني حشمناي وبقيت دولتهم فحاصروهم مدة ثم افتتحوها عنوة وأفحشوا في القتل والهدم والتحريق وخربوا بيت المقدس وأجلوهم عنها إلى رومة وما وراءها وهو الخراب الثاني للمسجد ويسميه اليهود بالجلوة الكبرى فلم يقم لهم بعدها ملك لفقدان العصبية منهم وبقوا بعد ذلك في ملكة الروم من بعدهم يقيم لهم أمر دينهم الرئيس عليهم المسمى بالكوهن * ثم جاء المسيح صلوات الله وسلامه عليه بما جاءهم به من الدين والنسخ لبعض أحكام التوراة وظهرت على يديه الخوارق العجيبة من إبراء الاكمه والابرص وإحياء الموتى واجتمع عليه كثير من الناس وآمنوا به وأكثرهم الحواريون من أصحابه وكانوا اثني عشر وبعث منهم رسلا إلى الافاق داعين إلى ملته وذلك أيام أوغسطس أول ملوك القياصرة وفي مدة هيرودس ملك اليهود الذي انتزع الملك من بني حشمناي أصهاره فحسده اليهود وكذبوه وكاتب هيرودس ملكهم ملك القياصرة أوغسطس يغريه به فأذن لهم في قتله ووقع ما تلاه القرآن من أمره وافترق الحواريون شيعا ودخل أكثرهم بلاد الروم داعين إلى دين النصرانية وكان بطرس كبيرهم فنزل برومة دار ملك القياصرة ثم كتبوا الانجيل الذي أنزل على عيسى صلوات الله عليه في نسخ أربع على اختلاف رواياتهم فكتب متى إنجيله في بيت المقدس بالعبرانية ونقله يوحنا بن زبدي منهم إلى اللسان اللاتيني وكتب لوقا منهم إنجيله باللاتيني إلى بعض أكابر الروم وكتب يوحنا بن زبدي منهم إنجيله برومة وكتب بطرس إنجيله باللاتيني ونسبه إلى مرقاص تلميذه واختلفت هذه النسخ الاربع من الانجيل مع أنها ليست كلها وحيا صرفا بل مشوبة بكلام عيسى عليه السلام وبكلام الحواريين وكلها مواعظ وقصص والاحكام فيها قليلة جدا واجتمع الحواريون الرسل لذلك العهد برومة

[ 233 ]

ووضعوا قوانين الملة النصرانية وصيروها بيد أقليمنطس تلميذ بطرس وكتبوا فيها عدد الكتب التي يجب قبولها والعمل بها فمن شريعة اليهود القديمة الثوراة وهي خمسة أسفار وكتاب يوشع وكتاب القضاة وكتاب راعوث وكتاب يهوذا وأسفار الملوك أربعة وسفر بنيامين وكتب المقابيين لابن كريون ثلاثة وكتاب عزرا الامام وكتاب أو شير وقصة هامان وكتاب أيوب الصديق ومزامير داود عليه السلام وكتب ابنه سليمان عليه السلام خمسة ونبؤات الانبياء الكبار والصغار ستة عشر وكتاب يشوع بن شارخ وزير سليمان ومن شريعة عيسى صلوات الله عليه المتلقاة من الحواريين نسخ الانجيل الاربع وكتب القتاليقون سبع رسائل وثامنها الابر يكسيس في قصص الرسل وكتاب بولس أربع عشرة رسالة وكتاب أقليمنطس وفيه الاحكام وكتاب أبو غالمسيس وفيه رؤيا يوحنا بن زبدي واختلف شان القياصرة في الاخذ بهذه الشريعة تارة وتعظيم أهلها ثم تركها أخرى والتسلط عليهم بالقتل والبغي إلى أن جاء قسطنطين وأخذ بها واستمروا عليها وكان صاحب هذا الدين والمقيم لمراسيمه يسمونه البطرك وهو رئيس الملة عندهم وخليفة المسيح فيهم يبعث نوابه وخلفاءه إلى ما بعد عنه من أمم النصرانية ويسمونه الاسقف أي نائب البطرك ويسمون الامام الذي يقيم الصلوات ويفتيهم في الدين بالقسيس ويسمون المنقطع الذي حبس نفسه في الخلوة للعبادة بالراهب وأكثر خلواتهم في الصوامع وكان بطرس الرسول رأس الحواريين وكبير التلاميذ برومة يقيم بها دين النصرانية إلى أن قتله نيرون خامس القياصرة فيمن قتل من البطارق والاساقفة ثم قام بخلافته في كرسي رومة آريوس وكان مرقاس الانجيلي بالاسكندرية ومصر والمغرب داعيا سبع سنين فقام بعده حنانيا وتسمى بالبطرك وهو أول البطاركة فيها وجعل معه اثني عشر قسا على أنه إذا مات البطرك يكون واحد من الاثني عشر مكانه ويختار من المؤمنين واحدا مكان ذلك الثاني عشر فكان أمر البطاركة إلى القسوس ثم لما وقع الاختلاف بينهم في قواعد دينهم وعقائده واجتمعوا بنيقية أيام قسطنطين لتحرير الحق في الدين واتفق ثلاثمائة وثمانية عشر من أساقفتهم على رأي واحد في الدين فكتبوه وسموه الامام و صيروه أصلا يرجعون إليه وكان فيما كتبوه أن

[ 234 ]

البطرك القائم بالدين لا يرجع في تعيينه إلى اجتهاد الاقسة كما قرره حنانيا تلميذ مرقاس وأبطلوا ذلك الرأي وإنما يقدم عن بلاء واختبار من أئمة المؤمنين ورؤسائهم فبقي الامر كذلك ثم اختلفوا بعد ذلك في تقرير قواعد الدين وكانت لهم مجتمعات في تقريره ولم يختلفوا في هذه القاعدة فبقي الامر فيها على ذلك واتصل فيهم نيابة الاساقفة عن البطاركة وكان الاساقفة يدعون البطرك بالاب أيضا تعظيما له فاشتبه الاسم في أعصار متطاولة يقال آخرها بطركية هرقل بإسكندرية فارادوا أن يميزوا البطرك عن الاسقف في التعظيم فدعوه البابا ومعناه أبو الاباء وظهر هذا الاسم أول ظهوره بمصر على ما زعم جرجيس بن العميد في تأريخه ثم نقلوه إلى صاحب الكرسي الاعظم عندهم وهو كرسي بطرس الرسول كما قدمناه فلم يزل سمة عليه حتى الان ثم اختلفت النصارى في دينهم بعد ذلك وفيما يعتقدونه في المسيح وصاروا طوائف وفرقا واستظهروا بملوك النصرانية كل على صاحبه فاختلف الحال في العصور في ظهور فرقة دون فرقة إلى أن استقرت لهم ثلاث طوائف هي فرقهم ولا يلتفتون إلى غيرها وهم الملكية واليعقوبية والنسطورية ثم اختصت كل فرقة منهم ببطرك فبطرك رومة اليوم المسمى بالبابا على راي الملكية ورومة للافرنجة وملكهم قائم بتلك الناحية وبطرك المعاهدين بمصر على رأي اليعقوبية وهو ساكن بين ظهرانيهم والحبشة يدينون بدينهم ولبطرك مصر فيهم أساقفة ينوبون عنه في إقامة دينهم هنالك واختص اسم البابا ببطرك رومة لهذا العهد ولا تسمي اليعاقبة بطركهم بهذا الاسم وضبط هذه اللفظة بباءين موحدتين من أسفل والنطق بها مفخمة والثانية مشددة ومن مذاهب البابا عند الافرنجة أنه يحضهم على الانقياد لملك واحد يرجعون إليه في اختلافهم واجتماعهم تحرجا من افتراق الكلمة ويتحرى به العصبية التي لا فوقها منهم لتكون يده عالية على جميعهم ويسمونه الانبرذور (1) وحرفه الوسط بين الذال والظاء المعجمتين ومباشره يضع التاج على رأسه للتبرك فيسمي المتوج ولعله معنى لفظة الانبرذور وهذا


(1) المشهور قديما ايمبراطور بالطاء المهملة والفرنسيس تقول ايمبرور ومعناها عندهم ملك الملوك (*)

[ 235 ]

ملخص ما أوردناه من شرح هذين الاسمين اللذين هما البابا والكوهن والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء الفصل الرابع والثلاثون في مراتب الملك والسلطان والقابها إعلم أن السلطان في نفسه ضعيف يحمل أمرا ثقيلا فلا بد له من الاستعانة بأبناء جنسه وإذا كان يستعين بهم في ضرورة معاشه وسائر مهنه (1) فما ظنك بسياسة نوعه ومن استرعاه الله من خلقه وعباده وهو محتاج إلى حماية الكافة من عدوهم بالمدافعة عنهم وإلى كف عدوان بعضهم على بعض في أنفسهم بإمضاء الاحكام الوازعة فيهم وكف العدوان عليهم في أموالهم بإصلاح سابلتهم وإلى حملهم على مصالحهم وماتعمهم به البلوى في معاشهم ومعاملاتهم من تفقد المعايش والمكاييل والموازين حذرا من التطفيف وإلى النظر في السكة بحفظ النقود التي يتعاملون بها من الغش وإلى سياستهم بما يريده منهم من الانقياد له والرضى بمقاصده منهم وانفراده بالمجد دونهم فيتحمل من ذلك فوق الغاية من معاناة القلوب قال بعض الاشراف من الحكماء لمعاناة نقل الجبال من أماكنها أهون علي من معاناة قلوب الرجال ثم إن الاستعانة إذا كانت بأولي القربى من أهل النسب أو التربية أو الاصطناع القديم للدولة كانت أكمل لما يقع في ذلك من مجانسة خلقهم لخلقه فتتم المشاكلة في الاستعانة قال تعالى واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري وهو إما أن يستعين في ذلك بسيفه أو قلمه أو رأيه أو معارفه أو بحجابه عن الناس أو يزدحموا عليه فيشغلوه عن النظر في مهماتهم أو يدفع النظر في الملك كله ويعول على كفايته في ذلك واضطلاعه فلذلك قد توجد في رجل واحد وقد تفترق في أشخاص وقد يتفرع كل واحد منها إلى فروع كثيرة كالقلم يتفرع إلى قلم الرسائل والمخاطبات وقلم الصكوك والاقطاعات وإلى قلم المحاسبات وهو صاحب الجباية والعطاء وديوان الجيش وكالسيف يتفرع إلى صاحب الحرب


(1) المهنة الخدمة وجمعها مهن بكسر الميم (*)

[ 236 ]

وصاحب الشرطة وصاحب البريد وولاية الثغور ثم أعلم أن الوظائف السلطانية في هذه الملة الاسلامية مندرجة تحت الخلافة لاحتمال منصب الخلافة على الدين والدنيا كما قدمناه فالاحكام الشرعية متعلقة بجميعها وموجودة لكل واحدة منها في سائر وجوهها لعموم تعلق الحكم الشرعي بجميع أفعال العباد والفقيه ينظر في مرتبة الملك والسلطان وشروط تقليدها استبدادا على الخلافة وهو معنى السلطان أو تعويضا منها وهو معنى الوزارة عندهم كما يأتي وفي نظره في الاحكام والاموال وسائر السياسات مطلقا أو مقيدا وفي موجبات العزل إن عرضت وغير ذلك من معاني الملك والسلطان وكذا في سائر الوظائف التي تحت الملك والسلطان من وزارة أو جباية أو ولاية لابد للفقيه من النظر في جميع ذلك كما قدمناه من انسحاب حكم الخلافة الشرعية في الملة الاسلامية على رتبة الملك والسلطان إلا أن كلامنا في وظائف الملك والسلطان ورتبته إنما هو بمقتضى طبيعة العمران ووجود البشر لا بما يخصها من أحكام الشرع فليس من غرض كتابنا كما علمت فلا نحتاج إلى تفصيل أحكامها الشرعية مع أنها مستوفاة في كتب الاحكام السلطانية مثل كتاب القاضي أبي الحسن الماوردي وغيره من أعلام الفقهاء فإن أردت استيفاءها فعليك بمطالعتها هنالك وإنما تكلمنا في الوظائف الخلافية وأفردناها لنميز بينها وبين الوظائف السلطانية فقط لا لتحقيق أحكامها الشرعية فليس من غرض كتابنا وإنما نتكلم في ذلك بما تقتضيه طبيعة العمران في الوجود الانساني والله الموفق الوزارة * وهي أم الخطط السلطانية والرتب الملوكية لان أسمها يدل على مطلق الاعانة فإن الوزارة مأخوذة إما من المؤازرة وهي المعاونة أو من الوزر وهو الثقل كأنه يحمل مع مفاعله أوزاره وأثقاله وهو راجع إلى المعاونة المطلقة وقد كنا قدمنا في أول الفصل أن أحوال السلطان وتصرفاته لا تعدو أربعة لانها إما أن تكون في أمور حماية الكافة وأسبابها من النظر في الجد والسلاح والحروب وسائر امور الحماية والمطالبة وصاحب هذا هو الوزير المتعارف في الدول القديمة بالمشرق ولهذا العهد بالمغرب وإما أن تكون في أمور مخاطباته لمن بعد عنه في

[ 237 ]

أمور جباية المال وإنفاقه وضبط ذلك من جميع وجوهه أن يكون بمضبطة وصاحب هذا هو صاحب المال والجباية وهو المسمى بالوزيز لهذا العهد بالمشرق وإما أن يكون في مدافعة الناس ذوي الحاجات عنه أن يزدحموا عليه فيشغلوه عن فهمه وهذا راجع لصاحب الباب الذي يحجبه فلا تعدو أحواله هذه الاربعة بوجه وكل خطة أو رتبة من رتب الملك والسلطان فإليها يرجع إلا أن الا رفع منها ما كانت الاعانة فيه عامة فيما تحت يد السلطان من ذلك الصنف إذ هو يقتضي مباشرة السلطان دائما ومشاركته في كل صنف من أحوال ملكه وأما ما كان خاصا ببعض الناس أو ببعض الجهات فيكون دون الرتبة الاخرى كقيادة ثغر أو ولاية جباية خاصة أو النظر في أمر خاص كحسبة الطعام أو النظر في السكة فإن هذه كلها نظر في أحوال خاصة فيكون صاحبها تبعا لاهل النظر العام وتكون رتبته مرؤوسة لاولئك وما زال الامر في الدول قبل الاسلام هكذا حتى جاء الاسلام وصار الامر خلافة فذهبت تلك الخطط كلها بذهاب رسم الملك إلى ما هو طبيعي من المعاونة بالرأي والمفاوضة فيه فلم يمكن زواله إذ هو أمر لا بد منه فكان صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه ويفاوضهم في مهماته العامة والخاصة ويخص مع ذلك أبا بكر بخصوصيات أخرى حتى كان العرب الذين عرفوا الدول وأحوالها في كسرى وقيصر والنجاشي يسمون أبا بكر وزيره ولم يكن لفظ الوزير يعرف بين المسلمين لذهاب رتبة الملك بسذاجة الاسلام وكذا عمر مع أبي بكر وعلي وعثمان مع عمر وأما حال الجباية والانفاق والحسبان فلم يكن عندهم برتبة لان القوم كانوا عربا أميين لا يحسنون الكتاب والحساب فكانوا يستعملون في الحساب أهل الكتاب أو أفرادا من موالي العجم ممن يجيده وكان قليلا فيهم وأما أشرافهم فلم يكونوا يجيدونه لان الامية كانت صفتهم التي امتازوا بها وكذا حال المخاطبات وتنفيذ الامور لم تكن عندهم رتبة خاصة للامية التي كانت فيهم والامانة العامة في كتمان القول وتأديته ولم تخرج السياسة إلى اختياره لان الخلافة إنما هي دين ليست من السياسة الملكية في شئ وأيضا فلم تكن الكتابة صناعة فيستجاد لخليفة أحسنها لان الكل كانوا يعبرون عن مقاصدهم بأبلغ العبارات ولم يبق إلا الخط فكان الخليفة

[ 238 ]

يستنيب في كتابته متى عن له من يحسنه وأما مدافعة ذوي الحاجات عن أبوابهم فكان محظورا بالشريعة فلم يفعلوه فلما انقلبت الخلافة إلى الملك وجاءت رسوم السلطان وألقابه كان أول شئ بدئ به في الدولة شأن الباب وسده دون الجهور بما كانوا يخشون عن أنفسهم من اغتيال الخوارج وغيرهم كما وقع بعمر وعلي ومعاوية وعمر بن العاصي وغيرهم مع ما في فتحه من ازدحام الناس عليهم وشغلهم بهم عن المهمات فاتخذوا من يقوم لهم بذلك وسموه الحاجب وقد جاء أن عبد الملك لما ولى حاجبه قال له قد وليتك حجابة بابي إلا عن ثلاثة المؤذن للصلاة فانه داعي الله وصاحب البريد فامر ما جاء به وصاحب الطعام لئلا يفسد ثم استفحل الملك بعد ذلك فظهر المشاور والمعين في أمور القبائل والعصائب واستئلافهم واطلق عليه اسم الوزير وبقي أمر الحسبان في الموالي والذميين واتخذ للسجلات كاتب مخصوص حوطة على أسرار السلطان أن تشتهر فتفسد سياسته مع قومه ولم يكن بمثابة الوزير لانه إنما احتيج له من حيث الخط والكتاب لامن حيث اللسان الذي هو الكلام إذ اللسان لذلك العهد على حاله لم يفسد فكانت الوزارة لذلك أرفع رتبهم يومئذ في سائر دولة بني أمية فكان النظر للوزير عاما في أحوال التدبير والمفاوضات وسائر أمور الحمايات والمطالبات وما يتبعها من النظر في ديوان الجند وفرض العطاء بالاهلية وغير ذلك فلما جاءت دولة بني العباس واستفجل الملك وعظمت مراتبه وارتفعت وعظم شأن الوزير وصارت إليه النيابة في إنفاذ الحل والعقد تعينت مرتبته في الدولة وعنت لها الوجوه وخضعت لها الرقاب وجعل لها النظر في ديوان الحسبان لما تحتاج إليه خطته من قسم الاعطيات في الجند فاحتاج إلى النظر في جمعه وتفريقه وأضيف إليه النظر فيه ثم جعل له النظر في القلم والترسيل لصون أسرار السلطان ولحفظ البلاغة لما كان اللسان قد فسد عند الجمهور وجعل الخاتم لسجلات السلطان ليحفظها من الذياع والشياع ودفع إليه فصار اسم الوزير جامعا لخطتي السيف والقلم وسائر معاني الوزارة والمعاونة حتى لقد دعي جعفر بن يحيى بالسلطان أيام الرشيد إشارة إلى عموم نظره وقيامه بالدولة ولم يخرج عنه من الرتب السلطانية كلها إلا الحجابة التي هي القيام على الباب فلم تكن له لاستنكافه عن مثل ذلك ثم جاء في

[ 239 ]

الدولة العباسية شان الاستبداد على السلطان وتعاور فيها استبداد الوزارة مرة والسلطان أخرى وصار الوزير إذا استبد محتاجا إلى استنابة الخليفة إياه لذلك لتصح الاحكام الشرعية وتجئ على حالها كما تقدمت فانقسمت الوزارة حينئذ إلى وزارة تنفيذ وهي حال ما يكون السلطان قائما على نفسه وإلى وزارة تفويض وهي حال ما يكون الوزير مستبدا عليه ثم استمر الاستبداد وصار الامر لملوك العجم وتعطل رسم الخلافة ولم يكن لاولئك المتغلبين أن ينتحلوا ألقاب الخلافة واستنكفوا من مشاركة الوزراء في اللقب لانهم خول لهم فتسموا بالامارة والسلطان وكان المستبد على الدولة يسمى أمير الامراء أو بالسلطان إلى ما يحليه به الخليفة من ألقابه كما تراه في ألقابهم وتركوا اسم الوزارة إلى من يتولاها للخليفة في خاصته ولم يزل هذا الشأن عندهم إلى آخر دولتهم وفسد اللسان خلال ذلك كله وصارت صناعة ينتحلها بعض الناس فامتهنت وترفع الوزراء عنها لذلك ولانهم عجم وليست تلك البلاغة هي المقصودة من لسانهم فتخير لها من سائر الطبقات واختصت به وصارت خادمة للوزير واختص اسم الامير بصاحب الحروب والجند وما يرجع إليها ويده مع ذلك عالية على أهل الرتب وأمره نافذ في الكل إما نيابة أو استبدادا واستمر الامر على هذا ثم جاءت دولة الترك آخرا بمصر فرأوا أن الوزارة قد ابتذلت بترفع أولئك عنها ودفعها لمن يقوم بها للخليفة المحجور ونظره مع ذلك متعقب بنظر الامير فصارت مرؤوسة ناقصة فاستنكف أهل هذه الرتبة العالية في الدولة عن اسم الوزارة وصار صاحب الاحكام والنظر في الجند يسمى عندهم بالنائب لهذا العهد وبقي اسم الحاجب في مدلوله واختص اسم الوزير عندهم بالنظر في الجباية. وأما دولة بني أمية بالاندلس فأنفوا اسم الوزير في مدلوله أول الدولة ثم قسموا خطته أصنافا وأفردوا لكل صنف وزيرا فجعلوا لحسبان المال وزيرا وللترسيل وزيرا وللنظر في حوائج المتظلمين وزيرا وللنظر في أحوال أهل الثغور وزيرا وجعل لهم بيت يجلسون فيه على فرش منضدة لهم وينفذون أمر السلطان هناك كل فيما جعل له وأفرد للتردد بينهم وبين الخليفة واحد منهم ارتفع عنهم بمباشرة السلطان في كل وقت فارتفع مجلسه عن

[ 240 ]

مجالسهم وخصوه باسم الحاجب ولم يزل الشأن هذا إلى آخر دولتهم فارتفعت خطة الحاجب ومرتبته على سائر الرتب حتى صار ملوك الطوائف ينتحلون لقبها فأكثرهم يومئذ يسمى الحاجب كما نذكره ثم جاءت دولة الشيعة بأفريقية والقيروان وكان للقائمين بها رسوخ في البداوة فأغفلوا أمر هذه الخطط أولا وتنقيح أسمائها كما تراه في أخبار دولتهم * ولما جاءت دولة الموحدين من بعد ذاك أغفلت الامر أولا للبداوة ثم صارت إلى انتحال الاسماء والالقاب وكان اسم الوزير في مدلوله ثم اتبعوا دولة الامويين وقلدوها في مذاهب السلطان واختاروا اسم الوزير لمن يحجب السلطان في مجلسه ويقف بالوفود والداخلين على السلطان عند الحدود في تحيتهم وخطابهم والآداب التي تلزم في الكون بين يديه ورفعوا خطة الحجابة عنه ما شاءوا ولم يزل الشأن ذلك إلى هذا العهد وأما في دولة الترك بالمشرق فيسمون هذا الذي يقف بالناس على حدود الآداب في اللقاء والتحية في مجالس السلطان والتقدم بالوفود بين يديه الدويدار ويضيفون إليه استتباع كاتب السر وأصحاب البريد المتصرفين في حاجات السلطان بالقاصية وبالحاضرة وحالهم على ذلك لهذا العهد والله مولي الامور لمن يشاء (الحجابة) * قد قدمنا أن هذا اللقب كان مخصوصا في الدولة الاموية والعباسية بمن يحجب السلطان عن العامة ويغلق بابه دونهم أو يفتحه لهم على قدره في مواقيته وكانت هذه منزلة يوما عن الخطط مرؤوسة لها إذ الوزير متصرف فيها بما يراه وهكذا كانت سائر أيام بني العباس وإلى هذا العهد فهي بمصر مرؤوسة لصاحب الخطة العليا المسمى بالنائب * وأما في الدولة الاموية بالاندلس فكانت الحجابة لمن يحجب السلطان عن الخاصة والعامة ويكون واسطة بينه وبين الوزراء فمن دونهم فكانت في دولتهم رفيعة غاية كما تراه في أخبارهم كابن حديد وغيره من حجابهم ثم لما جاء الاستبداد على الدولة اختص المستبد باسم الحجابة لشرفها فكان المنصور بن أبي عامر وأبناؤه كذلك ولما بدوا في مظاهر الملك وأطواره جاء من بعدهم من ملوك الطوائف فلم يتركوا لقبها وكانوا يعدونه شرفا لهم وكان أعظمهم ملكا بعد انتحال ألقاب الملك وأسمائه لا بد له من ذكر الحاجب وذي الوزارتين

[ 241 ]

يعنون به السيف والقلم ويدلون بالحجابة على حجابة السلطان عن العامة والخاصة وبذي الوزارتين عن جمعه لخطتي السيف والقلم ثم لم يكن في دول المغرب وأفريقية ذكر لهذا الاسم للبداوة التي كانت فيهم وربما يوجد في دولة العبيديين بمصر عند استعظامها وحضارتها إلا أنه قليل * ولما جاءت دولة الموحدين لم تستمكن فيها الحضارة الداعية إلى انتحال الالقاب وتمييز الخطط وتعيينها بالاسماء إلا آخرا فلم يكن عندهم من الرتب إلا الوزير فكانوا أولا يخصون بهذا الاسم الكاتب المتصرف المشارك للسلطان في خاص أمره كابن عطية وعبد السلام الكومي وكان له مع ذلك النظر في الحساب والاشغال المالية ثم صار بعد ذلك اسم الوزير لاهل نسب الدولة من الموحدين كابن جامع وغيره ولم يكن اسم الحاجب معروفا في دولتهم يومئذ * وأما بنو أبي حفص بافريقية فكانت الرئاسة في دولتهم أولا والتقدم لوزير والراي والمشورة وكان يخص باسم شيخ الموحدين وكان له النظر في الولايات والعزل وقود العساكر والحروب واختص الخسبان والديوان برتبة اخرى ويسمى متوليها بصاحب الاشغال ينظر فيها النظر المطلق في الدخل والخرج ويحاسب ويستخلص الاموال ويعاقب على التفريط وكان من شرطه أن يكون من الموحدين وأختص عندهم القلم أيضا بمن يجيد الترسيل ويؤتمن على الاسرار لان الكتابة لم تكن من منتحل القوم ولا الترسيل بلسانهم فلم يشترط فيه النسب واحتاج السلطان لاتساع ملكه وكثرة المرتزقين بداره إلى قهرمان خاص بداره في أحواله يجريها على قدرها وترتيبها من رزق وعطاء وكسوة ونفقة في المطابخ والاصطبلات وغيرهما وحصر الذخيرة وتنفيذ ما يحتاج إليه في ذلك على أهل الجباية فخصوه باسم الحاجب وربما أضافوا إليه كتابة العلامة على السجلات إذا اتفق أنه يحسن صناعة الكتابة وربما جعلوه لغيره واستمر الامر على ذلك وحجب السلطان نفسه عن الناس فصار هذا الحاجب واسطة بين الناس وبين أهل الرتب كلهم ثم جمع له آخر الدولة السيف والحرب ثم الرأي والمشورة فصارت الخطة أربع الرتب وأوعبها للخطط ثم جاء الاستبداد والحجر مدة من بعد السلطان الثاني عشر منهم ثم استبد بعد ذلك حفيده السلطان أبو العباس على نفسه وأذهب آثار الحجر

[ 242 ]

والاستبداد باذهاب خطة الحجابة التي كانت سلما إليه وباشر أموره كلها بنفسه من غير استعانة بأحد والامر على ذلك لهذا العهد وأما دولة زناتة بالمغرب وأعظمها دولة بني مرين فلا أثر لاسم الحاجب عندهم وأما رئاسة الحرب والعساكر فهي للوزير ورتبة القلم في الحسبان والرسائل راجعة إلى من يحسنها من أهلها وإن اختصت ببعض البيوت المصطنعين في دولتهم وقد تجمع عندهم وقد تفرق وأما باب السلطان وحجبه عن العامة فهي رتبة عندهم فيسمى صاحبها عندهم بالمزوار ومعناه المقدم على الجنادرة المتصرفين بباب السلطان في تنفيذ أوامره وتصريف عقوباته وإنزال سطواته وحفظ المعتقلين في سجونه والعريف عليهم في ذلك فالباب له وأخذ الناس بالوقوف عند الحدود في دار العامة راجع إليه فكأنها وزارة صغرى. وأما دولة بني عبد الواد فلا أثر عندهم لشئ من هذه الالقاب ولا تمييز الخطط لبداوة دولتهم وقصورها وإنما يخصون باسم الحاجب في بعض الاحوال منفذ الخاص بالسلطان في داره كما كان في دولة بني أبي حفص وقد يجمعون له الحسبان والسجل كما كان فيها حملهم على ذلك تقليد الدولة بما كانوا في تبعتها وقائمين بدعوتها منذ أول أمرهم وأما أهل الاندلس لهذا العهد فالمخصوص عندهم بالحسبان وتنفيذ حال السلطان وسائر الامور المالية يسمونه بالوكيل وأما الوزير فكالوزير إلا أنه يجمع له الترسيل والسلطان عندهم يضع خطه على السجلات كلها فليس هناك خطة العلامة كما لغيرهم من الدول وأما دولة الترك بمصر فاسم الحاجب عندهم موضوع لحاكم من أهل الشوكة وهم الترك ينفذ الاحكام بين الناس في المدينة وهم متعددون وهذه الوظيفة عندهم تحت وظيفة النيابة التي لها الحكم في أهل الدولة وفي العامة على الاطلاق وللنائب التولية والعزل في بعض الوظائف علي الاحيان ويقطع القليل من الارزاق ويبتها وتنفذ أوامره كما تنفذ المراسم السلطانية وكان له النيابة المطلقة عن السلطان وللحجاب الحكم فقط في طبقات العامة والجند عند الترافع إليهم وإجبار من أبى الانقياد للحكم وطورهم تحت طور النيابة والوزير في دولة الترك هو صاحب جباية الاموال في الدولة على اختلاف أصنافها من خراج أو مكس أو جزية ثم في تصريفها في الانفاقات السلطانية

[ 243 ]

أو الجرايات المقدرة وله مع ذلك التولية والعزل في سائر العمال المباشرين لهذه الجباية والتنفيذ على اختلاف مراتبهم وتباين أصنافهم ومن عوائدهم أن يكون هذا الوزير من صنف القبط القائمين على ديوان الحسبان والجباية لاختصاصهم بذلك في مصر منذ عصور قديمة وقد يوليها السلطان بعض الاحيان لاهل الشوكة من رجالات الترك أو أبنائهم على حسب الداعية لذلك والله مدبر الامور ومصرفها بحكمته لا إله إلا هو رب الاولين والآخرين ديوان الاعمال والجبايات إعلم أن هذه الوظيفة من الوظائف الضرورية للملك وهي القيام على أعمال الجبايات وحفظ حقوق الدولة في الدخل والخرج وإحصاء العساكر باسمائهم وتقدير ارزاقهم وصرف أعطياتهم في إباناتها والرجوع في ذلك إلى القوانين التي يرتبها قومة تلك الاعمال وقهارمة الدولة وهي كلها مسطورة في كتاب شاهد بتفاصيل ذلك في الدخل والخرج مبني على جزء كبير من الحساب لا يقوم به إلا المهرة من أهل تلك الاعمال ويسمى ذلك الكتاب بالديوان وكذلك مكان جلوس العمال المباشرين لها * ويقال إن أصل هذه التسمية أن كسرى نظر يوما إلى كتاب ديوانه وهم يحسبون على أنفسهم كأنهم يحادثون فقال ديوانه أي مجانين بلغة الفرس فسمي موضعهم بذلك وحذفت الهاء لكثرة الاستعمال تخفيفا فقيل ديوان ثم نقل هذا الاسم إلى كتاب هذه الاعمال المتضمن للقوانين والحسبانات وقيل إنه اسم للشياطين بالفارسية سمي الكتاب بذلك لسرعة نفوذهم في فهم الامور ووقوفهم على الجلي منها والخفي وجمعهم لما شذ وتفرق ثم نقل إلى مكان جلوسهم لتلك الاعمال وعلى هذا فيتناول اسم الديوان كتاب الرسائل ومكان جلوسه بباب السلطان على ما يأتي بعد وقد تفرد هذه الوظيفة بناظر واحد ينظر في سائر هذه الاعمال وقد يفرد كل صنف منها بناظر كما يفرد في بعض الدول النظر في العساكر وإقطاعاتهم وحسبان أعطياتهم أو غير ذلك على حسب مصطلح الدولة وما قرره أولوها. واعلم أن هذه الوظيفة إنما تحدث في الدول عند تمكن الغلب والاستيلاء والنظر في أعطاف الملك وفنون التمهيد وأول من وضع الديوان في الدولة الاسلامية عمر

[ 244 ]

رضي الله عنه يقال لسبب مال أتى به أبو هريرة رضي الله عنه من البحرين فاستكثروه وتعبوا في قسمه فسموا إلى إحصاء الاموال وضبط العطاء والحقوق فاشار خالد بن الوليد بالديوان وقال رأيت ملوك الشام يدونون فقبل منه عمر وقيل بل أشار عليه به الهرمزان لما رآه يبعث البعوث بغير ديوان فقيل له ومن يعلم بغيبة من يغيب منهم فان من تخلف أخل بمكانه وإنما يضبط ذلك الكتاب فأثبت لهم ديوانا وسأل عمر عن اسم الديوان فعبر له ولما اجتمع ذلك أمر عقيل بن أبي طالب ومخرمة ابن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من كتاب قريش فكتبوا ديوان العساكر الاسلامية على ترتيب الانساب مبتدأ من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بعدها الاقرب فالاقرب هكذا كان ابتداء ديوان الجيش وروى الزهري بن سعيد بن المسيب أن ذلك كان في المحرم سنة عشرين وأما ديوان الخراج والجبايات فبقي بعد الاسلام على ما كان عليه من قبل ديوان العراق بالفارسية وديوان الشام بالرومية وكتاب الدواوين من أهل العهد من الفريقين ولما جاء عبد الملك بن مروان واستحال الامر ملكا وانتقل القوم من غضاضة البداوة إلى رونق الحضارة ومن سذاجة الامية إلى حذق الكتابة وظهر في العرب ومواليهم مهرة في الكتاب والحسبان فامر عبد الملك سليمان بن سعد والي الاردن لعهده أن ينقل ديوان الشام إلى العربية فأكمله لسنة من يوم ابتدائه ووقف عليه سرحون كاتب عبد الملك فقال لكتاب الروم اطلبوا العيش في غير هذه الصناعة فقد قطعها الله عنكم. وأما ديوان العراق فامر الحجاج كاتبه صالح بن عبد الرحمن وكان يكتب بالعربية والفارسية ولقن ذلك عن زادان فروخ كاتب الحجاج قبله ولما قتل زادان في حرب عبد الرحمن ابن الاشعث استخلف الحجاج صالحا هذا مكانه وأمره أن ينقل الديوان من الفارسية إلى العربية ففعل ورغم لذلك كتاب الفرس وكان عبد الحميد بن يحيى يقول الله در صالح ما أعظم منته على الكتاب ثم جعلت هذه الوظيفة في دولة بني العباس مضافة إلى من كان له النظر فيه كما كان شان بني برمك وبني سهل بن نوبخت وغيرهم من وزراء الدولة. وأما ما يتعلق بهذه الوظيفة من الاحكام الشرعية مما يختص بالجيش أو بيت المال في الدخل والخرج وتمييز النواحي بالصلح والعنوة وفي تقليد

[ 245 ]

هذه الوظيفة لمن يكون وشروط الناظر فيها والكاتب وقوانين الحسبانات فامر راجع إلى كتب الاحكام السلطانية وهي مسطورة هنالك وليست من غرض كتابنا وإنما نتكلم فيها من حيث طبيعة الملك الذي نحن بصدد الكلام فيه وهذه الوظيفة جزء عظيم من الملك بل هي ثالثة أركانه لان الملك لابد له من الجند والمال والمخاطبة لمن غاب عنه فاحتاج صاحب الملك إلى الاعوان في أمر السيف وأمر القلم وأمر المال فينفرد صاحبها لذلك بجزء من رئاسة الملك وكذلك كان الامر في دولة بني أمية بالاندلس والطوائف بعدهم وأما في دولة الموحدين فكان صاحبها إنما يكون من الموحدين يستقل بالنظر في استخراج الاموال وجمعها وضبطها وتعقب نظر الولاة والعمال فيها ثم تنفيذها على قدرها وفي مواقيتها وكان يعرف بصاحب الاشغال وكان ربما يليها في الجهات غير الموحدين ممن يحسنها. ولما استبد بنو أبي حفص بأفريقية وكان شان الجالية من الاندلس فقدم عليهم أهل البيوتات وفيهم من كان يستعمل ذلك في الاندلس مثل بني سعيد أصحاب القلعة جوار غرناطة المعروفين ببني أبي الحسن فاستكفوا بهم في ذلك وجعلوا لهم النظر في الاشغال كما كان لهم بالاندلس ودالوا فيها بينهم وبين الموحدين ثم استقل بها أهل الحسبان والكتاب وخرجت عن الموحدين ثم لما استغلظ أمر الحاجب ونفذ أمره في كل شأن من شؤون الدولة تعطل هذا الرسم وصار صاحبه مرؤوسا للحاجب وأصبح من جملة الجباة وذهبت تلك الرئاسة التي كانت له في الدولة. وأما دولة بني مرين لهذا العهد فحسبان العطاء والخراج مجموع لواحد وصاحب هذه الرتبة هو الذي يصحح الحسبانات كلها ويرجع إلى ديوانه ونظره معقب بنظر السلطان أو الوزير وخطه معتبر في صحة الحسبان في الخارج والعطاء هذه أصول الرتب والخطط السلطانية وهي الرتب العالية التي هي عامة النظر ومباشرة للسلطان. وأما هذه الرتبة في دولة الترك فمتنوعة وصاحب ديوان العطاء يعرف بناظر الجيش وصاحب المال مخصوص باسم الوزير وهو الناظر في ديوان الجباية العامة للدولة وهو أعلى رتب الناظرين في الاموال لان النظر في الاموال عندهم يتنوع إلى رتب كثيرة لانفساح دولتهم وعظمة سلطانهم واتساع الاموال والجبايات عن أن يستقل بضبطها الواحد من الرجال ولو بلغ في الكفاية مبالغه فتعين للنظر العام

[ 246 ]

منها هذا المخصوص باسم الوزير وهو مع ذلك رديف لمولى من موالي السلطان وأهل عصبيته وأرباب السيوف في الدولة يرجع نظر الوزير إلى نظره ويجتهد جهده في متابعته ويسمى عندهم أستاذ الدولة وهو أحد الأمراء الاكابر في الدولة من الجند وأرباب السيوف ويتبع هذه الخطة خطط عندهم أخرى كلها راجعة إلى الاموال والحسبان مقصورة النظر إلى أمور خاصة مثل ناظر الخاص وهو المباشر لاموال السلطان الخاصة به من إقطاعاته أو سهمانه من أموال الخراج وبلاد الجباية مما ليس من أموال المسلمين العامة وهو تحت يد الامير أستاذ الدار وإن كان الوزير من الجند فلا يكون لاستاذ الدار نظر عليه ونظر الخاص تحت يد الخازن لاموال السلطان من مماليكه المسمى خازن الدار لاختصاص وظيفتهما بمال السلطان الخاص. هذا بيان هذه الخطة بدولة الترك بالمشرق بعدما قدمناه من أمرها بالمغرب والله مصرف الامور لا رب غيره ديوان الرسائل والكتابة هذه الوظيفة غير ضرورية في الملك لاستغناء كثير من الدول عنها رأسا كما في الدول العريقة في البداوة التي لم يأخذها تهذيب الحضارة ولا استحكام الصنائع وإنما أكد الحاجة إليها في الدولة الاسلامية شأن اللسان العربي والبلاغة في العبارة عن المقاصد فصار الكتاب يؤدي كنه الحاجة بابلغ من العبارة اللسانية في الاكثر وكان الكاتب للامير يكون من أهل نسبه ومن عظماء قبيله كما كان للخلفاء وأمراء الصحابة بالشام والعراق لعظم أمانتهم وخلوص أسرارهم فلما فسد اللسان وصار صناعة اختص بمن يحسنه وكانت عند بني العباس رفيعة وكان الكاتب يصدر السجلات مطلقة ويكتب في آخرها اسمه ويختم عليها بخاتم السلطان وهو طابع منقوش فيه اسم السلطان أو شارته يغمس في طين أحمر مذاب بالماء ويسمى طين الختم ويطبع به على طرفي السجل عند طيه وإلصاقه ثم صارت السجلات من بعدهم تصدر باسم السلطان ويضع الكاتب فيها علامته أولا أو آخرا على حسب الاختيار في محلها وفي لفظها ثم قد تنزل هذه الخطة بارتفاع المكان عند السلطان لغير صاحبها من أهل المراتب في الدولة أو استبداد وزير عليه فتصير علامة هذا الكتاب ملغاة الحكم

[ 247 ]

بعلامة الرئيس عليه يستدل بها فيكتب صورة علامته المعهودة والحكم لعلامة ذلك الرئيس كما وقع آخر الدولة الحفصية لما ارتفع شأن الحجابة وصار أمرها إلى التفويض ثم الاستبداد صار حكم العلامة التي للكاتب ملغى وصورتها ثابتة إتباعا لما سلف من أمرها فصار الحاجب يرسم للكاتب إمضاء كتابه ذلك بخط يصنعه ويتخير له من صيغ الانفاذ ما شاء فيأتمر الكاتب له ويضع العلامة المعتادة وقد يختص السلطان لنفسه بوضع ذلك إذا كان كان مستبدا بأمره قائما على نفسه فيرسم الامر للكاتب ليضع علامته * ومن خطط الكتابة التوقيع وهو أن يجلس الكاتب بين يدي السلطان في مجالس حكمه وفصله ويوقع على القصص المرفوعة إليه أحكامها والفصل فيها متلقاة من السلطان بأوجز لفظ وأبلغه فإما أن تصدر كذلك وإما أن يحذو الكتاب على مثالها في سجل يكون بيد صاحب القصة ويحتاج الموقع إلى عارضة من البلاغة يستقيم بها توقيعه وقد كان جعفر بن يحيى يوقع في القصص بين يدي الرشيد ويرمي بالقصة إلى صاحبها فكانت توقيعاته يتنافس البلغاء في تحصيلها للوقوف فيها على أساليب البلاغة وفنونها حتى قيل إنها كانت تباع كل قصة منها بدينار وهكذا كان شأن الدول * واعلم أن صاحب هذه الخطة لابد من أن يتخير أرفع طبقات الناس وأهل المرؤة والحشمة منهم وزيادة العلم وعارضة البلاغة فإنه معرض للنظر في أصول العلم لما يعرض في مجالس الملوك ومقاصد أحكامهم من أمثال ذلك ما تدعوا إليه عشرة الملوك من القيام على الآداب والتخلق بالفضائل مع ما يضطر إليه في الترسيل وتطبيق مقاصد الكلام من البلاغة وأسرارها وقد تكون الرتبة في بعض الدول مستندة إلى أرباب السيوف لما يقتضيه طبع الدولة من البعد عن معاناة العلوم لاجل سذاجة العصبية فيختص السلطان أهل عصبيته بخطط دولته وسائر رتبه فيقلد المال والسيف والكتابة منهم فاما رتبة السيف فتستغني عن معاناة العلم وأما المال والكتابة فيضطر إلى ذلك البلاغة في هذه والحسبان في الاخرى فيختارون لها من هذه الطبقة ما دعت إليه الضرورة ويقلدونه إلا أنه لا تكون يد آخر من أهل العصبية غالبة على يده ويكون نظره منصرفا عن نظره كما هو في دولة الترك لهذا العهد بالمشرق فإن الكتابة عندهم وإن كانت لصاحب الانشاء إلا أنه تحت يد أمير من أهل

[ 248 ]

عصبية السلطان يعرف بالدويدار وتعويل السلطان ووثوقه به واستنامته في غالب أحواله إليه وتعويله على الآخر في أحوال البلاغة وتطبيق المقاصد وكتمان الاسرار وغير ذلك من توابعها * وأما الشروط المعتبرة في صاحب هذه الرتبة التي يلاحظهما السلطان في اختياره وانتقائه من أصناف الناس فهي كثيرة وأحسن من استوعبها عبد الحميد الكاتب في رسالته إلى الكتاب وهي أما بعد حفظكم الله يا أهل صناعة الكتابة وحاطكم ووفقكم وأرشدكم فان الله عزوجل جعل الناس بعد الانبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ومن بعد الملوك المكرمين أصنافا وإن كانوا في الحقيقة سواء وصرفهم في صنوف الصناعات وضروب المحاولات إلى أساب معاشهم وأبواب أرزاقهم فجعلكم معشر الكتاب في أشرف الجهات أهل الادب والمرؤات والعلم والرزانة بكم ينتظم للخلافة محاسنها وتستقيم أمورها وبنصحائكم يصلح الله للخلق سلطانهم وتعمر بلدانهم لا يستغني الملك عنكم ولا يوجد كاف إلا منكم فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التي بها يسمعون وأبصارهم التي بها يبصرون وألسنتهم التي بها ينطقون وأيديهم التي بها يبطشون فامتعكم الله بما خصكم من فضل صناعتكم ولا نزع عنكم ما أضفاه من النعمة علكيم وليس أحد من أهل الصناعات كلها أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة وخصال الفضل المذكورة المعدودة منكم أيها الكتاب إذا كنتم على ما يأتي في هذا الكتاب من صفتكم فان الكاتب يحتاج في نفسه ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات أموره أن يكون حليما في موضع الحلم فهيما في موضع الحكم مقداما في موضع الاقدام محجما في موضع الاحجام مؤثرا للعفاف والعدل والانصاف كتوما للاسرار وفيا عند الشدائد عالما بما ياتي من النوازل يضع الامور مواضعها والطوارق في أماكنها قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكمه وإن لم يحكمه أخذ منه بمقدار ما يكتفي به يعرف بغريزة عقله وحسن أدبه وفضل تجربته ما يرد عليه قبل وروده وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدوره فيعد لكل أمر عدته وعتاده ويهيئ لكل وجه هيئته وعادته فتنافسوا يا معشر الكتاب في صنوف الآداب وتفقهوا في الدين وابدأوا بعلم كتاب الله عزوجل والفرائض ثم العربية فإنها ثقاف ألسنتكم ثم أجيدوا الخط فإنه حلية

[ 249 ]

كتبكم وارووا الاشعار واعرفوا غريبها ومعانيها وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها فإن ذلك معين لكم على ما تسمواليه هممكم ولا تضيعوا النظر في الحساب فإنه قوام كتاب الخراج وارغبوا بأنفسكم عن المطامع سنيها ودنيها وسفساف الامور ومحاقرها فانها مذلة للرقاب مفسدة للكتاب ونزهوا صناعتكم عن الدناءة واربأوا بانفسكم عن السعاية والنميمة وما فيه أهل الجهالات وإياكم والكبر والسخف والعظمة فإنها عداوة مجتلبة من غير إحنة وتحابوا في الله عزوجل في صناعتكم وتواصوا عليها بالذي هو أليق لاهل الفضل والعدل والنبل من سلفكم وإن نباالزمان برجل منكم فاعطفوا عليه وآسوه حتى يرجع إليه حاله ويثوب إليه أمره وإن أقعد أحدا منكم الكبر عن مكسبه ولقاء إخوانه فزوروه وعظموه وشاوروه واستظهروا بفضل تجربته وقديم معرفته وليكن الرجل منكم على من اصطنعه واستظهر به ليوم حاجته إليه أحوط منه على ولده وأخيه فان عرضت في الشغل محمدة فلا يصفها إلا إلى صاحبه وإن عرضت مذمة فليحملها هو من دونه وليحذر السقطة والزلة والملل عند تغير الحال فان العيب إليكم معشر الكتاب أسرع منه إلى القراء وهو لكم أفسد منه لهم فقد علمتم أن الرجل منكم إذا صحبه من يبذل له من نفسه ما يجب له عليه من حقه فواجب عليه أن يعتقد له من وفائه وشكره واحتماله وخيره ونصيحته وكتمان سره وتدبير أمره ما هو جزاء لحقه ويصدق ذلك بفعاله عند الحاجة إليه والاضطرار إلى ما لديه فاستشعروا ذلك وفقكم الله من أنفسكم في حالة الرخاء والشدة والحرمان والمؤاساة والاحسان والسراء والضراء فنعمت السيمة هذه من وسم بها من أهل هذه الصناعة الشريفة وإذا ولي الرجل منكم أوصير إليه من أمر خلق الله وعياله أمر فليراقب الله عزوجل وليؤثر طاعته وليكن على الضعيف رفيقا وللمظلوم منصفا فان الخلق عيال الله وأحبهم إليه أرفقهم بعياله ثم ليكن بالعدل حاكما وللاشراف مكرما وللفئ موفرا وللبلاد عمرا وللرعية متالفا وعن أذاهم متخلفا وليكن في مجلسه متواضعا حليما وفي سجلات خراجه واستقضاء حقوقه رفيقا وإذا صحب أحدكم رجلا فليختبر خلائقه فإذا عرف حسنها وقبحها أعانه على ما يوافقه من الحسن واحتال على صرفه عما يهواه من القبح بألطف حيلة وأجمل وسيلة وقد علمتم أن سائس البهيمة إذا كان بصيرا بسياستها

[ 250 ]

التمس معرفة أخلاقها فان كانت رموحا لم يهجها إذا ركبها وإن كانت شبوبا اتقاها من بين يديها وإن خاف منها شرودا توقاها من ناحية رأسها وإن كانت حرونا قمع برفق هواها في طرقها فإن استمرت عطفها يسيرا فيسلس له قيادها وفي هذا الوصف من السياسة دلائل لمن ساس الناس وعاملهم وجربهم وداخلهم والكاتب بفضل أدبه وشريف صنعته ولطيف حيلته ومعاملته لمن يحاوره من الناس ويناظره ويفهم عنه أو يخاف سطوته أولى بالرفق لصاحبه ومداراته وتقويم أوده من سائس البهيمة التي لا تحير جوابا ولا تعرف صوابا ولا تفهم خطابا إلا بقدر ما يصيرها إليه صاحبها الراكب عليها ألا فارفقوا رحمكم الله في النظر واعملوا ما أمكنكم فيه من الروية والفكر تأمنوا بإذن الله ممن صحبتموه النبوة والاستثقال والجفوة ويصير منكم إلى الموافقة وتصيروا منه إلى المؤاخاة والشفقة إن شاء الله ولا يجاوزن الرجل منكم في هيئة مجلسه وملبسه ومركبه ومطعمه ومشربه وبنائه وخدمه وغير ذلك من فنون أمره قدر حقه فإنكم مع ما فضلكم الله به من شرف صنعتكم خدمة لا تحملون في خدمتكم على التقصير وحفظة لا تحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير واستعينوا على عفافكم بالقصد في كل ما ذكرته لكم وقصصته عليكم واحذروا متالف السرف وسوء عاقبة الترف فإنهما يعقبان الفقر ويذلان الرقاب ويفضحان أهلهما وسيما الكتاب وأرباب الاداب وللامور أشباه وبعضها دليل على بعض فاستدلوا على مؤتنف أعمالكم بما سبقت إليه تجربتكم ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجة وأصدقها حجة وأحمدها عاقبة واعلموا أن للتدبير آفة متلفة وهو الوصف الشاغل لصاحبه عن إنفاذ علمه ورويته فليقصد الرجل منكم في مجلسه قصد الكافي من منطقه وليوجز في ابتدائه وجوابه وليأخذ بمجامع حججه فإن ذلك مصلحة لفعله ومدفعة للتشاغل عن إكثاره وليضرع إلى الله في صلة توفيقه وإمداده بتسديده مخافة وقوعه في الغلط المضر ببدنه وعقله وأدبه فإنه إن ظن منكم ظان أو قال قائل إن الذي برز من جميل صنعته وقوة حركته إنما هو بفضل حيلته وحسن تدبيره فقد تعرض بظنه أو مقالته إلى أن يكله الله عزوجل إلى نفسه فيصير منها إلى غير كاف وذلك على من تأمله غير خاف ولا يقل أحد منكم إنه أبصر بالامور وأحمل

[ 251 ]

لعب ء التدبير من مرافقه في صناعته ومصاحبه في خدمته فإن أعقل الرجلين عند ذوي الالباب من رمى بالعجب وراء ظهره ورأى أن أصحابه أعقل منه وأحمد في طريقته وعلى كل واحد من الفريقين أن يعرف فضل نعم الله جل ثناؤه من غير اغترار برأيه ولا تزكية لنفسه ولا يكاثر على أخيه أو نظيره وصاحبه وعشيره وحمد الله واجب على الجميع وذلك بالتواضع لعظمته والتذلل لعزته والتحدث بنعمته وأنا أقول في كتابي هذا ما سبق به المثل من تلزمه النصيحة يلزمه العمل وهو جوهر هذا الكتاب وغرة كلامه بعد الذي فيه من ذكر الله عزوجل فلذلك جعلته آخره وتممته به تولانا الله وإياكم يا معشر الطلبة والكتبة بما يتولى به من سبق علمه بإسعاده وإرشاده فإن ذلك إليه وبيده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (الشرطة) * ويسمى صاحبها لهذا العهد بأفريقية الحاكم وفي دولة أهل الاندلس صاحب المدينة وفي دولة الترك الوالي وهي وظيفة مرؤوسة لصاحب السيف في الدولة وحكمه نافذ في صاحبها في بعض الاحيان وكان أصل وضعها في الدولة العباسية لمن يقيم أحكام الجرائم في حال استبدادها أولا ثم الحدود بعد استيفائها فإن التهم التي تعرض في الجرائم لانظر للشرع إلا في استيفاء حدودها وللسياسة النظر في استيفاء موجباتها بإقرار يكرهه عليه الحاكم إذا احتفت به القرائن لما توجبه المصلحة العامة في ذلك فكان الذي يقوم بهذا الاستبداد وباستيفاء الحدود بعده إذا تنزه عنه القاضي يسمى صاحب الشرطة وربما جعلوا إليه النظر في الحدود والدماء بإطلاق وأفردوها من نظر القاضي ونزهوا هذه المرتبة وقلدوها كبار القواد وعظماء الخاصة من مواليهم ولم تكن عامة التنفيذ في طبقات الناس إنما كان حكمهم على الدهماء وأهل الريب والضرب على أيدي الرعاع والفجرة ثم عظمت نباهتها في دولة بني أمية بالاندلس ونوعت إلى شرطة كبرى وشرطة صغرى وجعل حكم الكبرى على الخاصة والدهماء وجعل له الحكم على أهل المراتب السلطانية والضرب على أيديهم في الظلامات وعلى أيدي أقاربهم ومن إليهم من أهل الجاه وجعل صاحب الصغرى مخصوصا بالعامة ونصب لصاحب الكبرى كرسي بباب دار السلطان ورجال يتبوؤون المقاعد بين يديه فلا يبرحون عنها إلا في تصريفه وكانت

[ 252 ]

ولايتها للاكابر من رجالات الدولة حتى كانت ترشيحا للوزارة والحجابة وأما في دولة الموحدين بالمغرب فكان لها حظ من التنويه وإن لم يجعلوها عامة وكان لايليها إلا رجالات الموحدين وكبراؤهم ولم يكن له التحكم على أهل المراتب السلطانية ثم فسد اليوم منصبها وخرجت عن رجال الموحدين وصارت ولايتها لمن قام بها من المصطنعين. وأما في دولة بني مرين لهذا العهد بالمشرق فولايتها في بيوت مواليهم وأهل اصطناعهم وفي دولة الترك بالمشرق في رجالات الترك أو أعقاب أهل الدولة قبلهم من الترك يتخيرونهم لها في النظر بما يظهر منهم من الصلابة والمضاء في الاحكام لقطع مواد الفساد وحسم أبواب الذعارة وتخريب مواطن الفسوق وتفريق مجامعه مع إقامة الحدود الشرعية والسياسية كما تقتضيه رعاية المصالح العامة في المدينة والله مقلب الليل والنهار وهو العزيز الجبار والله تعالى أعلم (قيادة الاساطيل) * وهي من مراتب الدولة وخططها في ملك المغرب وأفريقية ومرؤسة لصاحب السيف وتحت حكمه في كثير من الاحوال ويسمى صاحبها في عرفهم البلمند بتفخيم اللام منقولا من لغة الافرنجة فإنه اسمها في اصطلاح لغتهم وإنما اختصت هذه المرتبة بملك أفريقية والمغرب لانهما جميعا على ضفة البحر الرومي من جهة الجنوب وعلى عدوته الجنوبية بلاد البربر كلهم من سبتة إلى الشام وعلى عدوته الشمالية بلاد الاندلس والافرنجة والصقالبة والروم إلى بلاد الشام أيضا ويسمى البحر الرومي والبحر الشامي نسبة إلى أهل عدوته والساكنون بسيف هذا البحر وسواحله من عدوتيه يعانون من أحواله مالا تعانيه أمة من أمم البحار فقد كانت الروم والافرنجة والقوط بالعدوة الشمالية من هذا البحر الرومي وكانت أكثر حروبهم ومتاجرهم في السفن فكانوا مهرة في ركوبه والحرب في أساطيله ولما أسف من اسف منهم إلى ملك العدوة الجنوبية مثل الروم إلى أفريقية والقوط إلى المغرب أجازوا في الاساطيل وملكوها وتغلبوا على البربر بها وانتزعوا من أيديهم أمرها وكان لها بها المدن الحافلة مثل قرطاجنة وسبيطلة وجلولاء ومرناق وشرشال وطنجة وكان صاحب قرطاجنة من قبلهم يحارب صاحب رومة ويبعث الاساطيل لحربه مشحونة بالعساكر والعدد فكانت هذه عادة لاهل هذا البحر

[ 253 ]

الساكنين حفافيه معروفة في القديم والحديث ولما ملك المسلمون مصر كتب عمر ابن الخطاب إلى عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن صف لي البحر نكتب إليه إن البحر خلق عظيم يركبه خلق ضعيف دود على عود فأوعز حينئذ بمنع المسلمين من ركوبه ولم يركبه أحد من العرب إلا من افتات على عمر في ركوبه ونال من عقابه كما فعل بعرفجة بن هرثمة الازدي سيد بجيلة لما أعزاه عمان فبلغه غزوه في البحر فأنكر عليه وعنفه أنه ركب البحر للغزو ولم يزل الشأن ذلك حتى إذا كان لعهد معاوية أذن للمسلمين في ركوبه والجهاد على أعواده والسبب في ذلك أن العرب لبداوتهم لم يكونوا مهرة في ثقافته وركوبه والروم والافرنجة لممارستهم أحواله ومرباهم في التقلب على أعواده مرنوا عليه وأحكموا الدراية بثقافته فلما استقر الملك للعرب وشمخ سلطانهم وصارت أمم العجم خولا لهم وتحت أيديهم وتقرب كل ذي صنعة إليهم بمبلغ صناعته واستخدموا من النواتية في حاجاتهم البحرية أمما وتكررت ممارستهم للبحر وثقافته واستحدثوا بصراء بها فشرهوا إلى الجهاد فيه وأنشأوا السفن فيه والشواني وشحنوا الاساطيل بالرجال والسلاح وأمطوها العساكر والمقاتلة لمن وراء البحر من أمم الكفر واختصوا بذلك من ممالكهم وثغورهم ماكان أقرب لهذا البحر وعلى حافته مثل الشام وأفريقية والمغرب والاندلس وأوعز الخليفة عبد الملك إلى حسان بن النعمان عامل أفريقية باتخاذ دار صناعة بتونس لانشاء الالات البحرية حرصا على مراسم الجهاد ومنها كان فتح صقلية أيام زيادة الله الاول ابن إبراهيم بن الاغلب على يد أسد بن الفرات شيخ الفتيا وفتح قوصرة أيضا في أيامه بعد أن كان معاوية بن حديج أغزى صقلية أيام معاوية بن أبي سفيان فلم يفتح الله على يديه وفتحت على يد ابن الاغلب وقائده أسد بن الفرات وكانت من بعد ذلك أساطيل أفريقية والاندلس في دولة العبيديين والامويين تتعاقب إلى بلادهما في سبيل الفتنة فتجوس خلال السواحل بالافساد والتخريب وانتهى أسطول الاندلس أيام عبد الرحمن الناصر إلى مائتي مركب أو نحوها وأسطول أفريقية كذلك مثله أو قريبا منه وكان قائد الاساطيل بالاندلس ابن دماحس ومرفأها للحط والاقلاع بجاية والمرية وكانت أساطيلها مجتمعة من سائر الممالك

[ 254 ]

من كل بلد تتخذ فيه السفن أسطول يرجع نظره إلى قائد من النواتية يدبر أمر حربه وسلاحه ومقاتلته ورئيس يدبر أمر جريته بالريح أو بالمجاذيف وأمر إرسائه في مرفئه فإذا اجتمعت الاساطيل لغزو محتفل أو غرض سلطاني مهم عسكرت بمرفئها المعلوم وشحنها السلطان برجاله وأنجاد عساكره ومواليه وجعلهم لنظر أمير واحد من أعلى طبقات أهل مملكته يرجعون كلهم إليه ثم يسرحهم لوجههم وينتظر إيابهم بالفتح والغنيمة وكان المسلمون لعهدة الدولة الاسلامية قد غلبوا على هذا البحر من جميع جوانبه وعظمت صولتهم وسلطانهم فيه فلم يكن للامم النصرانية قبل بأساطيلهم بشئ من جوانبه وامتطوا ظهره للفتح سائر أيامهم فكانت لهم المقامات المعلومة من الفتح والغنائم وملكوا سائر الجزائر المنقطعة عن السواحل فيه مثل ميورقة ومن ورقة ويابسة وسردانية وصقلية وقوصرة ومالطة وأقريطش وقبرس وسائر ممالك الروم والافرنج وكان أبو القاسم الشيعي وأبناؤه يغزون أساطيلهم من المهدية جزيرة جنوة فتنقلب بالظفر والغنيمة وافتتح مجاهد العامري صاحب دانية من ملوك الطوائف جزيرة سردانية في أساطيله سنة خمس وأربعمائة وارتجعها النصارى لوقتها والمسلمون خلال ذلك كله قد تغلبوا على كثير من لجة هذا البحر وصارت أساطيلهم فيهم جائية وذاهية والعساكر الاسلامية تجيز البحر في الاساطيل من صقلية إلى البر الكبير المقابل لها من العدوة الشمالية فتوقع بملوك الافرنج وتثخن في ممالكهم كما وقع في أيام بني الحسين ملوك صقلية القائمين فيها بدعوة العبيديين وانحازت أمم النصرانية بأساطيلهم إلى الجانب الشمالي الشرقي منه من سواحل الافرنجة والصقالبة وجزائر الرومانية لايعدونها وأساطيل المسلمين قد ضربت عليهم ضراء الاسد على فريسته وقد ملات الاكثر من بسيط هذا البحر عدة وعددا واختلفت في طرقه سلما وحربا فلم تظهر للنصرانية فيه ألواح حتى إذا أدرك الدولة العبيدية والاموية الفشل والوهن وطرقها الاعتلال مد النصارى أيديهم إلى جزائر البحر الشرقية مثل صقلية وإقريطش ومالطة فملكوها ثم الحواعلى سواحل الشام في تلك الفترة وملكوا طرابلس وعسقلان وصور وعكاء واستولوا على جميع الثغور بسواحل الشام وغلبوا على بيت المقدس وبنوا عليه كنيسة لمظهر دينهم وعبادتهم وغلبوا

[ 255 ]

بني خزرون على طرابلس ثم على قابس وصفاقس ووضعوا عليهم الجزية ثم ملكوا المهدية مقر ملوك العبيديين من يد أعقاب بلكين بن زيري وكانت لهم في المائة الخامسة الكرة بهذا البحر وضعف شأن الاساطيل في دولة مصر والشام إلى أن انقطع ولم يعتنوا بشئ من أمره لهذا العهد بعد أن كان لهم به في الدولة العبيدية عناية تجاوزت الحد كما هو معروف في أخبارهم فبطل رسم هذه الوظيفة هنالك وبقيت بأفريقية والمغرب فصارت مختصة بها وكان الجانب الغربي من هذا البحر لهذا العهد موفور الاساطيل ثابت القوة لم يتحيفه عدو ولا كانت لهم به كرة فكان قائد الاسطول به لعهد لمتونة بني ميمون رؤساء جزيرة قادس ومن أيديهم أخذها عبد المؤمن بتسليمهم وطاعتهم وانتهى عدد أساطيلهم إلى المائة من بلاد العدوتين جميعا * ولما استفحلت دولة الموحدين في المائة السادسة وملكوا العدوتين أقاموا خطة هذا الاسطول على أتم ما عرف وأعظم ما عهد وكان قائد أسطولهم أحمد الصقلي أصله من صد غيار الموطنين بجزيرة سرويكش أسره النصارى من سواحلها وربي عندهم واستخلصه صاحب صقلية واستكفاه ثم هلك وولي ابنه فأسخطه ببعض النزعات وخشي على نفسه ولحق بتونس ونزل على السيد بها من بني عبد المؤمن وأجاز مراكش فتلقاه الخليفة يوسف بن عبد المؤمن بالمبرة والكرامة وأجزل الصلة وقلده أمر أساطيله فجلى في جهاد أمم النصرانية وكانت له آثار وأخبار ومقامات مذكورة في دولة الموحدين * وانتهت أساطيل المسلمين على عهده في الكثرة والاستجادة إلى ما لم تبلغه من قبل ولا بعد فيما عهدناه ولما قام صلاح الدين يوسف بن أيوب ملك مصر والشام لعهده باسترجاع ثغور الشام من يد أمم النصرانية وتطهير بيت المقدس تتابعت أساطيلهم بالمدد لتلك الثغور من كل ناحية قريبة لبيت المقدس الذي كانوا قد استولوا عليه فأمدوهم بالعدد والافوات ولم تقاومهم أساطيل الاسكندرية لاستمرار الغلب لهم في ذلك الجانب الشرقي من البحرية وتعدد أساطيلهم فيه وضعف المسلمين منذ زمان طويل عن ممانعتهم هناك كما أشرنا إليه قبل فأوفد صلاح الدين على أبي يعقوب المنصور سلطان المغرب لعهده من الموحدين رسوله عبد الكريم بن منقذ من بيت بني منقذ

[ 256 ]

ملوك شيزر وكان ملكها من أيديهم وأبقى عليهم في دولته فبعث عبد الكريم منهم هذا إلى ملك المغرب طالبا مدد الاساطيل لتحول في البحر بين أساطيل الاجانب وبين مرامهم من أمداد النصرانية بثغور الشام وأصحبه كتابه إليه في ذلك من إنشاء الفاضل البيساني يقول في افتتاحه فتح الله لسيدنا أبواب المناجح والميامن حسبما نقله العماد الاصفهاني في كتاب الفتح القيسي فنقم عليهم المنصور تجافيهم عن خطابه بأمير المؤمنين وأسرها في نفسه وحملهم على مناهج البر والكرامة وردهم إلى مرسلهم ولم يجبه إلى حاجته من ذلك وفي هذا دليل على اختصاص ملك المغرب بالاساطيل وما حصل للنصرانية في الجانب الشرقي من هذا البحر من الاستطالة وعدم عناية الدول بمصر والشام لذلك العهد وما بعده لشأن الاساطيل البحرية والاستعداد منها للدولة ولما هلك أبو يعقوب المنصور واعتلت دولة الموحدين واستولت أمم الجلالقة على الاكثر من بلاد الاندلس والجأوا المسلمين إلى سيف البحر وملكوا الجزائر التي بالجانب الغربي من البحر الرومي قويت ريحهم في بسيط هذا البحر واشتدت شوكتهم وكثرت فيه أساطيلهم وتراجعت قوة المسلمين فيه إلى المساواة معهم كما وقع لعهد السلطان أبي الحسن ملك زناتة بالمغرب فإن أساطيله كانت عند مرامه الجهاد مثل عدة النصرانية وعديدهم ثم تراجعت عن ذلك قوة المسلمين في الاساطيل لضعف الدولة ونسيان عوائد البحر بكثرة العوائد البدوية بالمغرب وانقطاع العوائد الاندلسية ورجع النصارى فيه إلى دينهم المعروف من الدربة فيه والمران عليه والبصر بأحواله وغلب الامم في لجته على أعواده وصار المسلمون فيه كالاجانب إلا قليلا من أهل البلاد الساحلية لهم المران عليه لو وجدوا كثرة من الانصار والاعوان أو قلة من الدولة تستجيش لهم أعوانا وتوضح لهم في هذا الغرض مسلكا وبقيت الرتبة لهذا العهد في الدولة الغربية محفوظة والرسم في معاناة الاساطيل بالانشاء والركوب معهودا لما عساه أن تدعو إليه الحاجة من الاغراض السلطانية في البلاد البحرية والمسلمون يستهبون الريح على الكفر وأهله فمن المشتهر بين أهل المغرب عن كتب الحدثان أنه لابد للمسلمين من الكرة على النصرانية وافتتاح ما وراء البحر من بلاد الافرنجة وأن ذلك يكون في الاساطيل والله ولي المؤمنين وهو

[ 257 ]

حسبنا ونعم الوكيل الفصل الخامس والثلاثون في التفاوت بين مراتب السيف والقلم في الدول إعلم أن السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بها على أمره إلا أن الحاجة في أول الدولة إلى السيف مادام أهلها في تمهيد أمرهم أشد من الحاجة إلى القلم لان القلم في تلك الحال خادم فقط منفذ للحكم السلطاني والسيف شريك في المعونة وكذلك في آخر الدولة حيث تضعف عصبيتهما كما ذكرناه ويقل أهلها بما ينالهم من الهرم الذي قدمناه فتحتاج الدولة إلى الاستظهار بأرباب السيوف وتقوى الحاجة إليهم في حماية الدولة والمدافعة عنها كما كان الشأن أول الامر في تمهيدها فيكون للسيف مزية على القلم في الحالتين ويكون أرباب السيف حينئذ أوسع جاها وأكثر نعمة واسنى إقطاعا وأما في وسط الدولة فيستغني صاحبها بعض الشئ عن السيف لانه قد تمهد أمره ولم ييق همه إلا في تحصيل ثمرات الملك من الجباية والضبط ومباهاة الدول وتنفيذ الاحكام والقلم هو المعين له في ذلك فتعظم الحاجة إلى تصريفه وتكون السيوف مهملة في مضاجع أغمادها إلا إذا أنابت نائبة أو دعيت إلى سد فرجة ومما سوى ذلك فلا حاجة إليها فتكون أرباب الاقلام في هذه الحاجة أوسع جاها وأعلى رتبة وأعظم نعمة وثروة وأقرب من السلطان مجلسا وأكثر إليه ترددا وفي خلواته نجيا لانه حينئذ آلته التي بها يستظهر على تحصيل ثمرات ملكه والنظر إلى أعطافه وتثقيف أطرافه والمباهاة بأحواله ويكون الوزراء حينئذ وأهل السيوف مستغنى عنهم مبعدين عن باطن السلطان حذرين على أنفسهم من بوادره * وفي معنى ذلك ما كتب به أبو مسلم للمنصور حين أمره بالقدوم أما بعد فإنه مما حفظناه من وصايا الفرس أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهما سنة الله في عباده والله سبحانه وتعالى أعلم الفصل السادس والثلاثون في شارات الملك والسلطان الخاصة به إعلم أن للسلطان شارات وأحوالا تقتضيها الابهة والبذخ فيختص بها ويتميز

[ 258 ]

بانتحالها عن الرعية والبطانة وسائر الرؤساء في دولته فلنذكر ما هو مشتهر منها بمبلغ المعرفة وفوق كل ذي علم عليم الآلة * فمن شارات الملك اتخاذ الالة من نشر الالوية والرايات وقرع الطبول والنفخ في الابواق والقرون وقد ذكر أرسطو في الكتاب المنسوب إليه في السياسة أن السر في ذلك إرهاب العدو في الحرب فإن الاصوات الهائلة لها تأثير في النفوس بالروعة ولعمري إنه أمر وجداني في مواطن الحرب يجده كل أحد من نفسه وهذا السبب الذي ذكره أرسطو إن كان ذكره فهو صحيح ببعض الاعتبارات * وأما الحق في ذلك فهو أن النفس عند سماع النغم والاصوات يدركها الفرح والطرب بلا شك فيصيب مزاج الروح نشوة يستسهل بها الصعب ويستميت في ذلك الوجه الذي هو فيه وهذا موجود حتى في الحيوانات العجم بانفعال الابل بالحداء والخيل بالصفير والصريح كما علمت ويزيد ذلك تأثيرا إذا كانت الاصوات متناسبة كما في الغناء وأنت تعلم ما يحدث لسامعه من مثل هذا المعنى لاجل ذلك تتخذ العجم في مواطن حروبهم الالات الموسيقية (1) لا طبلا ولا بوقا فيحدق المغنون بالسلطان في موكبه بالاتهم ويغنون فيحركون نفوس الشجعان بضربهم إلى الاستماتة ولقد رأينا في حروب العرب من يتغنى أمام الموكب بالشعر ويطرب فتجيش همم الابطال بما فيها ويسارعون إلى مجال الحرب وينبعث كل قرن إلى قرنه وكذلك زناتة من أمم المغرب يتقدم الشاعر عندهم أمام الصفوف ويتغنى فيحرك بغنائه الجبال الرواسي ويبعث على الاستماتة من لا يظن بها ويسمون ذلك الغناء تاصوكايت وأصله كله فرح يحدث في النفس فثنبعث عنه الشجاعة كما ننبعث عن نشوة الخمر بما حدث عنها من الفرح والله أعلم وأما تكثير الرايات وتلوينها وإطالتها فالقصد به التهويل لا أكثر وربما تحدث في النفوس من التهويل زيادة في الاقدام وأحوال النفوس وتلويناتها غريبة والله الخلاق العليم * ثم إن الملوك والدول يختلفون في اتخاذ هذه الشارات فمنهم مكثر ومنهم مقلل بحسب اتساع الدولة وعظمها فأما الرايات فإنها شعار الحروب من عهد الخليقة


(1) قوله موسيقية وفي نسخة الموسيقار: وهي صحيحة لان الموسيقى بكسر القاف بين التحتيتين اسم للنغم والالحان وتوقيعها ويقال فيها موسيقير ويقال لضارب الالة موسيقار انظر اول سفينة الشيخ محمد شهاب (*)

[ 259 ]

ولم تزل الامم تعقدها في مواطن الحروب والغزوات لعهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الخلفاء * وأما قرع الطبول والنفخ في الابواق فكان المسلمون لاول الملة متجافين عنه تنزها عن غلظة الملك ورفضا لاحواله واحتقارا لابهته التي ليست من الحق في شئ حتى إذا انقلبت الخلافة ملكا وتبجحوا بزهرة الدنيا ونعيمها ولابسهم الموالى من الفرس والروم أهل الدول السالفة وأروهم ما كان أولئك ينتحلونه من مذاهب البذخ والترف فكان مما استحسنوه اتخاذ الالة فأخذوها وأذنوا لعمالهم في اتخاذها تنويها بالملك وأهله فكثيرا ماكان العامل صاحب الثغر أو قائد الجيش يعقد له الخليفة من العباسيين أو العبيديين لواءه ويخرج إلى بعثه أو عمله من دار الخليفة أو داره في موكب من أصحاب الرايات والالات فلا يميز بين موكب العامل والخليفة إلا بكثرة الالوية وقلتها أو بما اختص به الخليفة من الالوان لرايته كالسواد في رايات بني العباس فإن راياتهم كانت سودا حزنا على شهدائهم من بني هاشم ونعيا على بنى أمية في قتلهم ولذلك سموا المسودة * ولما افترق أمر الهاشميين وخرج الطالبيون على العباسيين من كل جهة وعصر ذهبوا إلى مخالفتهم في ذلك فاتخذوا الرايات بيضا وسموا المبيضة لذلك سائر أيام العبيديين ومن خرج من الطالبيين في ذلك العهد بالمشرق كالداعي بطبرستان وداعي صعدة أو من دعا إلى بدعة الرافضة من غيرهم كالقرامطة ولما نزع المأمون عن لبس السواد وشعاره في دولته عدل إلى لون الخضرة فجعل رايته خضراء وأما الاستكثار منها فلا ينتهي إلى حد وقد كانت آلة العبيديين لما خرج العزيز إلى فتح الشام خمسمائة من البنود وخمسمائة من الابواق وأما ملوك البربر بالمغرب من صنهاجة وغيرها فلم يختصوا بلون واحد بل وشوها بالذهب واتخذوها من الحرير الخالص ملونة واستمروا على الاذن فيها لعمالهم حتى إذا جاءت دولة الموحدين ومن بعدهم من زناتة قصروا الالة من الطبول والبنود على السلطان وحظروها على من سواه من عماله وجعلوا لها موكبا خاصا يتبع أثر السلطان في مسيره يسمى الساقة وهم فيه بين مكثر ومقل باختلاف مذاهب الدول في ذلك فمنهم من يقتصر على سبعة من العدد تبركا بالسبعة كما هو في دولة الموحدين وبني الاحمر بالاندلس ومنهم من يبلغ العشرة والعشرين كما هو عند زناتة وقد بلغت في

[ 260 ]

أيام السلطان أبي الحسن فيما أدركناه مائة من الطبول ومائة من البنود ملونة بالحرير منسوجة بالذهب ما بين كبير وصغير وياذنون للولاة والعمال والقواد في اتخاذ راية واحدة صغيرة من الكتان بيضاء وطبل صغير أيام الحرب لا يتجاوزون ذلك وأما دولة الترك لهذا العهد بالمشرق فيتخذون راية واحدة عظيمة وفي رأسها خصلة كبيرة من الشعر يسمونها الشالش والجتر وهي شعار السلطان عندهم ثم تتعدد الرايات ويسمونها السناجق واحدها سنجق وهي الراية بلسانهم. وأما الطبول فيبالغون في الاستكثار منها ويسمونها الكوسات ويبيحون لكل أمير أو قائد عسكر أن يتخذ من ذلك ما يشاء إلا الجتر فإنه خاص بالسلطان. وأما الجلالقة لهذا العهد من أمم الافرنجة بالاندلس فأكثر شأنهم اتخاذ الالوية القليلة ذاهبة في الجو صعدا ومعها قرع الاوتار من الطنابير ونفخ الغيطات يذهبون فيها مذهب الغناء وطريقه في مواطن حروبهم هكذا يبلغنا عنهم وعمن وراءهم من ملوك العجم ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لايات للعالمين (السرير). وأما السرير والمنبر والتخت والكرسي فهي أعواد منصوبة أو أرائك منضدة لجلوس السلطان عليها مرتفعا عن أهل مجلسه أن يساويهم في الصعيد ولم يزل ذلك من سنن الملوك قبل الاسلام وفي دول العجم وقد كانوا يجلسون على أسرة الذهب وكان لسليمان بن داود صلوات الله عليهما وسلامه كرسي وسرير من عاج مغشى بالذهب إلا أنه لا تأخذ به الدول إلا بعد الاستفحال والترف شأن الابهة كلها كما قلناه وأما في أول الدولة عند البداوة فلا يتشوقون إليه. وأول من اتخذه في الاسلام معاوية واستأذن الناس فيه وقال لهم إني قد بدنت فأذنوا له فاتخذه واتبعه الملوك الاسلاميون فيه وصار من منازع الابهة ولقد كان عمرو بن العاصي بمصر يجلس في قصره على الارض مع العرب ويأتيه المقوقس إلى قصره ومعه سرير من الذهب محمولا علي الايدي لجلوسه شأن الملوك فيجلس عليه وهو أمامه ولا يغيرون عليه وفاء له بما اعتقد معهم من الذمة واطراحا لابهة الملك ثم كان بعد ذلك لبني العباس والعبيديين وسائر ملوك الاسلام شرقا وغربا من الاسرة والمنابر والتخوت ما عفا عن الاكاسرة والقياصرة والله مقلب الليل والنهار

[ 261 ]

(السكة) * وهي الختم على الدنانير والدراهم المتعامل بها بين الناس بطابع حديد ينقش فيه صور أو كلمات مقلوبة ويضرب بها على الدينار أو الدرهم فتخرج رسوم تلك النقوش عليها ظاهرة مستقيمة بعد أن يعتبر عيار النقد من ذلك الجنس في خلوصه بالسبك مرة بعد أخرى وبعد تقدير اشخاص الدراهم والدنانير بوزن معين صحيح يصطلح عليه فيكون التعامل بها عددا وإن لم تقدر أشخاصها يكون التعامل بها وزنا ولفظ السكة كان أسما للطابع وهي الحديدة المتخذة لذلك ثم نقل إلى أثرها وهي النقوش الماثلة على الدنانير والدراهم ثم نقل إلى القيام على ذلك والنظر في استيفاء حاجاته وشروطه وهي الوظيفة فصار علما عليها في عرف الدول وهي وظيفة ضرورية للملك إذ بها يتميز الخالص من المغشوش بين الناس في النقود عند المعاملات ويتقون في سلامتها الغش بختم السلطان عليها بتلك النقوش المعروفة وكان ملوك العجم يتخذونها وينقشون فيها تماثيل تكون مخصوصة بها مثل تمثال السلطان لعهدها أو تمثيل حصن أو حيوان أو مصنوع أو غير ذلك ولم يزل هذا الشأن عند العجم إلى آخر أمرهم. ولما جاء الاسلام أغفل ذلك لسذاجة الدين وبداوة العرب وكانوا يتعاملون بالذهب والفضة وزنا وكانت دنانير الفرس ودراهمهم بين أيديهم ويردونها في معاملتهم إلى الوزن ويتصارفون بها بينهم إلى أن تفاحش الغش في الدنانير والدراهم لغفلة الدولة عن ذلك وأمر عبد الملك الحجاج على ما نقل سعيد بن المسيب وأبو الزناد بضرب الدراهم وتمييز المغشوش من الخالص وذلك سنة أربع وسبعين وقال المدائني سنة خمس وسبعين ثم أمر بصرفها في سائر النواحي سنة ست وسبعين وكتب عليها الله أحد الله الصمد ثم ولي ابن هبيرة العراق أيام يزيد بن عبد الملك فجود السكة ثم بالغ خالد القسري في تجويدها ثم يوسف بن عمر بعده وقيل أول من ضرب الدنانير والدراهم مصعب بن الزبير بالعراق سنة سبعين بأمر أخيه عبد الله لما ولي الحجاز وكتب عليها في أحد الوجهين بركة الله وفي الاخر اسم الله ثم غيرها الحجاج بعد ذلك بسنة وكتب عليها اسم الحجاج وقدر وزنها على ما كانت استقرت أيام عمر وذلك أن الدرهم كان وزنه أول الاسلام ستة دوانق والمثقال وزنه درهم وثلاثة أسباع درهم فتكون عشرة دراهم بسبعة مثاقيل وكان السبب في ذلك أن أوزان الدرهم

[ 262 ]

أيام الفرس كانت مختلفة وكان منها على وزن المثقال عشرون قيراطا ومنها اثنا عشر ومنها عشرة فلما احتيج إلى تقديره في الزكاة أخذ الوسط وذلك اثنا عشر قيراطا فكان المثقال درهما وثلاثة أسباع درهم وقيل كان منها البغلي بثمانية دوانق والطبري أربعة دوانق والمغربي ثمانية دوانق واليمني ستة دوانق فأمر عمر أن ينظر الاغلب في التعامل فكان البغلي والطبري اثني عشر دانقا وكان الدرهم ستة دوانق وإن زدت ثلاثة أسباعه كان مثقالا وإذا أنقصت ثلاثة أعشار المثقال كان درهما فلما رأى عبد الملك اتخاذ السكة لصيانة النقدين الجاريين في معاملة المسلمين من الغش عين مقدارها على هذا الذي استقر لعهد عمر رضي الله عنه واتخذ فيه كلمات لا صورا لان العرب كان الكلام والبلاغة أقرب مناحيهم وأظهرها مع أن الشرع ينهى عن الصور فلما فعل ذلك استمر بين الناس في أيام الملة كلها وكان الدينار والدرهم على شكلين مدورين والكتابة عليهما في دوائر متوازية يكتب فيها من أحد الوجهين أسماء الله تهليلا وتحميدا وصلاة على النبي وآله وفي الوجه الثاني التأريخ واسم الخليفة وهكذا أيام العباسيين والعبيديين والامويين وأما صنهاجة فلم يتخذوا سكة إلا آخر الامر اتخذها منصور صاحب بجاية ذكر ذلك ابن حماد في تاريخه ولما جاءت دولة الموحدين كان مما سن لهم المهدي اتخاذ سكة الدرهم مربع الشكل وأن يرسم في دائرة الدينار شكل مربع في وسطه ويملا من أحد الجانبين تهليلا وتحميدا ومن الجانب الآخر كتبا في السطور باسمه واسم الخلفاء من بعده ففعل ذلك الموحدون وكانت سكتهم على هذا الشكل لهذا العهد ولقد كان المهدي فيما ينقل ينعت قبل ظهوره بصاحب الدرهم المربع نعته بذلك المتكلمون بالحدثان من قبله المخبرون في ملاحمهم عن دولته وأما أهل المشرق لهذا العهد فسكتهم غير مقدرة وإنما يتعاملون بالدنانير والدراهم وزنا بالصنجات المقدرة بعدة منها ولا يطبعون عليها بالسكة نقوش الكلمات بالتهليل والصلاة واسم السلطان كما يفعله أهل المغرب ذلك تقدير العزيز العليم ولنختم الكلام في السكة بذكر حقيقة الدرهم والدينار الشرعيين وبيان حقيقة مقدارهما

[ 263 ]

وذلك أن الدينار والدرهم مختلفا السكة في المقدار والموازين بالآفاق والامصار وسائر الاعمال والشرع قد تعرض لذكرهما وعلق كثيرا من الاحكام بهما في الزكاة والانكحة والحدود وغيرها فلا بد لهما عنده من حقيقة ومقدار معين في تقدير تجري عليهما أحكامه دون غير الشرعي منهما فاعلم أن الاجماع منعقد منذ صدر الاسلام وعهد الصحابة والتابعين أن الدرهم الشرعي هو الذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب والاوقية منه أربعين درهما وهو على هذا سبعة أعشار الدينار ووزن المثقال من الذهب اثنتان وسبعون حبة من الشعير فالدرهم الذي هو سبعة أعشاره خمسون حبة وخمسا حبة وهذه المقادير كلها ثابتة بالاجماع فإن الدرهم الجاهلي كان بينهم على أنواع أجودها الطبري وهو أربعة دوانق والبغلي وهو ثمانية دوانق فجعلوا الشرعي بينهما وهو ستة دوانق فكانوا يوجبون الزكاة في مائة درهم بغلية ومائة طبرية خمسة دراهم وسطا وقد اختلف الناس هل كان ذلك من وضع عبد الملك أو إجماع الناس بعد عليه كما ذكرناه. ذكر ذلك الخطام في كتاب معالم السنن والماوردي في الاحكام السلطانية وأنكره المحققون من المتأخرين لما يلزم عليه أن يكون الدينار والدرهم الشرعيان مجهولين في عهد الصحابة ومن بعدهم مع تعلق الحقوق الشرعية بهما في الزكاة والانكحة والحدود وغيرها كما ذكرناه والحق أنهما كانا معلومي المقدار في ذلك العصر لجريان الاحكام يومئذ بما يتعلق بهما من الحقوق وكان مقدارهما غير مستخص في الخارج وإنما كان متعارفا بينهم بالحكم الشرعي على المقدار في مقدارهما وزنتهما حتى استفحل الاسلام وعظمت الدولة ودعت الحال إلى تشخيصهما في المقدار والوزن كما هو عند الشرع ليستريحوا من كلفة التقدير وقارن ذلك أيام عبد الملك فشخص مقدارهما وعينهما في الخارج كما هو في الذهن ونقش عليهما السكة باسمه وتأريخه أثر الشهادتين الايمانيتين وطرح النقود الجاهلية رأسا حتى خلصت ونقش عليها سكة وتلاشى وجودها فهذا هو الحق الذي لا محيد عنه ومن بعد ذلك وقع اختيار أهل السكة في الدول على مخالفة المقدار الشرعي في الدينار والدرهم واختلفت في كل الاقطار والآفاق ورجع الناس إلى تصور مقاديرهما

[ 264 ]

الشرعية ذهنا كما كان في الصدر الاول وصار أهل كل أفق يستخرجون الحقوق الشرعية من سكتهم بمعرفة النسبة التي بينهما وبين مقاديرها الشرعية وأما وزن الدينار باثنتين وسبعين حبة من الشعير الوسط فهو الذي نقله المحققون وعليه الاجماع إلا ابن حزم خالف ذلك وزعم أن وزنه أربع وثمانون حبة. نقل ذلك عنه القاضي عبد الحق ورده المحققون وعدوه وهما وغلطا وهو الصحيح والله يحق الحق بكلماته وكذلك تعلم أن الاوقية الشرعية ليست هي المتعارفة بين الناس لان المتعارفة مختلفة باختلاف الاقطار والشرعية متحدة ذهنا لا اختلاف فيها والله خلق كل شئ فقدره تقديرا (الخاتم) وأما الخاتم فهو من الخطط السلطانية والوظائف الملوكية والختم على الرسائل والصكوك معروف للملوك قبل الاسلام وبعده وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب إلى قيصر فقيل له إن العجم لا يقبلون كتابا إلا أن يكون مختوما فاتخذ خاتما من فضة ونقش فيه. محمد رسول الله. قال البخاري جعل الثلاث الكلمات ثلاثة أسطر وختم به وقال لا ينقش أحد مثله قال وتختم به أبو بكر وعمر وعثمان ثم سقط من يد عثمان في بئر أريس وكانت قليلة الماء فلم يدرك قعرها بعد واغتم عثمان وتطير منه وصنع آخر على مثله وفي كيفية نقش الخاتم والختم به وجوه وذلك أن الخاتم يطلق على الآلة التي تجعل في الاصبع ومنه تختم إذا لبسه ويطلق على النهاية والتمام ومنه ختمت الامر إذا بلغت اخره وختمت القرآن كذلك ومنه خاتم النبيين وخاتم الامر ويطلق على السداد الذي يسد به الاواني والدنان ويقال فيه ختام ومنه قوله تعالى ختامه مسك وقد غلط من فسر ذلك بالنهاية والتمام قال لان آخر ما يجدونه في شرابهم ريح المسك وليس المعنى عليه وإنما هو من الختام الذي هو السداد لان الخمر يجعل لها في الدن سداد الطين أو القار يحفظها ويطيب عرفها وذوقها فبولغ في وصف خمر الجنة بأن سدادها من المسك وهو أطيب عرفا وذوقا من القار والطين المعهودين في الدنيا فإذا صح إطلاق الخاتم على هذه كلها صح إطلاقه على أثرها الناشئ عنها وذلك أن الخاتم إذا نقشت به كلمات أو أشكال ثم غمس في مداف من الطين أو مداد ووضع على صفح القرطاس بقي أكثر الكلمات

[ 265 ]

في ذلك الصفح وكذلك إذا طبع به على جسم لين كالشمع فإنه يبقى نقش ذلك المكتوب مرتسما فيه وإذا كانت كلمات وارتسمت فقد يقرأ من الجهة اليسرى إذا كان النقش على الاستقامة من اليمنى وقد يقرأ من الجهة اليمنى إذا كان النقش من الجهة اليسرى لان الختم يقلب جهة الخط في الصفح عما كان في النقش من يمين أو يسار فيحتمل أن يكون الختم بهذا الخاتم بغمسه في المداد أو الطين ووضعه في الصفح فتنتقش الكلمات فيه ويكون هذا من معنى النهاية والتمام بمعنى صحة ذلك المكتوب ونفوذه كأن الكتاب إنما يتم العمل به بهذه العلامات وهو من دونها ملغى ليس بتمام وقد يكون هذا الختم بالخط آخر الكتاب أو أوله بكلمات منتظمة من تحميد أو تسبيح أو باسم السلطان أو الامير أو صاحب الكتاب من كان أو شئ من نعوته يكون ذلك الخط علامة على صحة الكتاب ونفوذه ويسمى ذلك في المتعارف علامة ويسمى ختما تشبيها له بأثر الخاتم الآصفي في النقش ومن هذا خاتم القاضي الذي يبعث به للخصوم أي علامته وخطه الذي ينفذ بهما أحكامه ومنه خاتم السلطان أو الخليفة أي علامته قال الرشيد ليحيى بن خالد لما أراد ان يستوزر جعفرا ويستبدل به من الفضل أخيه فقال لابيهما يحيى يا أبت إني أردت ان أحول الخاتم من يميني إلى شمالي فكنى له بالخاتم عن الوزارة لما كانت العلامة على الرسائل والصكوك من وظائف الوزارة لعهدهم ويشهد لصحة هذا الاطلاق ما نقله الطبري أن معاوية أرسل إلى الحسن عند مراودته إياه في الصلح صحيفة بيضاء ختم على أسفلها وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك ومعنى الختم هنا علامة في آخر الصحيفة بخطه أو غيره ويحتمل أن يختم به في جسم لين فتنتقش فيه حروفه ويجعل على موضع الحزم من الكتاب إذا حزم وعلى المودوعات وهو من السداد كما مر وهو في الوجهين آثار الخاتم فيطلق عليه خاتم وأول من أطلق الختم على الكتاب أي العلامة معاوية لانه أمر لعمر بن الزبير عند زياد بالكوفة بمائة ألف ففتح الكتاب وصير المائة مائتين ورفع زياد حسابه فأنكرها معاوية وطلب بها عمر وحبسه حتى قضاها عنه أخوه عبد الله واتخذ معاوية عند ذلك ديوان الخاتم ذكره الطبري وقال آخرون وحزم الكتب ولم تكن

[ 266 ]

تحزم أي جعل لها السداد وديوان الختم عبارة عن الكتاب القائمين على إنفاذ كتب السلطان والختم عليها إما بالعلامة أو بالحزم وقد يطلق الديوان على مكان جلوس هؤلاء الكتاب كما ذكرناه في ديوان الاعمال والحزم للكتب يكون إما بدس الورق كما في عرف كتاب المغرب وإما بإلصاق رأس الصحيفة على ما تنطوي عليه من الكتاب كما في عرف أهل المشرق وقد يجعل على مكان الدس أو الالصاق علامة يؤمن معها من فتحه والاطلاع على ما فيه فأهل المغرب يجعلون على مكان الدس قطعة من الشمع ويختمون عليها بخاتم نقشت فيه علامة لذلك فيرتسم النقش في الشمع وكان في المشرق في الدول القديمة يختم على مكان اللصق بخاتم منقوش أيضا قد غمس في مداف من الطين معد لذلك صبغه أحمر فيرتسم ذلك النقش عليه وكان هذا الطين في الدولة العباسية يعرف بطين الختم وكان يجلب من سيراف فيظهر أنه مخصوص بها فهذا الخاتم الذي هو العلامة المكتوبة أو النقش للسداد والحزم للكتب خاص بديوان الرسائل وكان ذلك للوزير في الدولة العباسية ثم اختلف العرف وصار لمن إليه الترسيل وديوان الكتاب في الدولة ثم صاروا في دول المغرب يعدون من علامات الملك وشاراته الخاتم للاصبع فيستجيدون صوغه من الذهب ويرصعونه بالفصوص من الياقوت والفيروزج والزمرد ويلبسه السلطان شارة في عرفهم كما كانت البردة والقضيب في الدولة العباسية والمظلة في الدولة العبيدية والله مصرف الامور بحكمه (الطراز) * من أبهة الملك والسلطان ومذاهب الدول أن ترسم أسماؤهم أو علامات تختص بهم في طراز أثوابهم المعدة للباسهم من الحرير أو الديباج أو الابريسم تعتبر كتابة خطها في نسج الثوب ألحاما وإسداء بخيط الذهب أو ما يخالف لون الثوب من الخيوط الملونة من غير الذهب على ما يحكمه الصناع في تقدير ذلك ووضعه في صناعة نسجهم فتصير الثياب الملوكية معلمة بذلك الطراز قصد التنويه بلابسها من السلطان فمن دونه أو التنويه بمن يختصه السلطان بملبوسه إذا قصد تشريفه بذلك أو ولايته لوظيفة من وظائف دولته وكان ملوك العجم من قبل الاسلام يجعلون ذلك الطراز بصور الملوك وأشكالهم أو أشكال وصور معينة لذلك ثم

[ 267 ]

اعتاض ملوك الاسلام عن ذلك بكتب أسمائهم مع كلمات أخرى تجري مجرى الفأل أو السجلات وكان ذلك في الدولتين من أبهة الامور وأفخم الاحوال وكانت الدور المعدة لنسح أثوابهم في قصورهم تسمى دور الطراز لذلك وكان القائم على النظر فيها يسمى صاحب الطراز ينظر في أمور الصباغ والآلة والحاكة فيها وإجراء أرزاقهم وتسهيل آلاتهم ومشارفة أعمالهم وكانوا يقلدون ذلك لخواص دولتهم وثقات مواليهم وكذلك كان الحال في دولة بني أمية بالاندلس والطوائف من بعدهم وفي دولة العبيديين بمصر ومن كان على عهدهم من ملوك العجم بالمشرق ثم لما ضاق نطاق الدول عن الترف والتفنن فيه لضيق نطاقها في الاستيلاء وتعددت الدول تعطلت هذه الوظيفة والولاية عليها من أكثر الدول بالجملة ولما جاءت دولة الموحدين بالمغرب بعد بني أمية أول المائة السادسة لم يأخذوا بذلك أول دولتهم لما كانوا عليه من منازع الديانة والسذاجة التي لقنوها عن إمامهم محمد بن تومرت المهدي وكانوا يتورعون عن لباس الحرير والذهب فسقطت هذه الوظيفة من دولتهم واستدرك منها أعقابهم آخر الدولة طرفا لم يكن بتلك النباهة وأما لهذا العهد فأدركنا بالمغرب في الدولة المرينية لعنفوانها وشموخها رسما جليلا لقنوه من دولة ابن الاحمر معاصرهم بالاندلس واتبع هو في ذلك ملوك الطوائف فأتى منه بلمحة شاهدة بالاثر. وأما دولة الترك بمصر والشام لهذا العهد ففيها من الطراز تحرير آخر على مقدار ملكهم وعمران بلادهم إلا أن ذلك لا يصنع في دورهم وقصورهم وليست من وظائف دولتهم وإنما ينسج ما تطلبه الدولة من ذلك عند صناعه من الحرير ومن الذهب الخالص ويسمونه المزركش لفظة أعجمية ويرسم اسم السلطان أو الامير عليه ويعده الصناع لهم فيما يعدونه للدولة من طرف الصناعة اللائقة بها والله مقدر الليل والنهار والله خير الوارثين الفساطيط والسياج إعلم أن من شارات الملك وترفه اتخاذ الاخبية والفساطيط والفازات من ثياب الكتان والصوف والقطن فيباهي بها في الاسفار وتنوع منها الالوان ما بين كبير وصغير على نسبة الدولة في الثروة واليسار وإنما يكون الامر في أول الدولة في بيوتهم التي جرت عادتهم باتخاذها قبل الملك وكان العرب لعهد الخلفاء الاولين من بني امية

[ 268 ]

إنما يسكنون بيوتهم التي كانت لهم خياما من الوبر والصوف ولم تزل العرب لذلك العهد بادين إلا الاقل منهم فكانت أسفارهم لغزواتهم وحروبهم بظعونهم وسائر حللهم وأحيائهم من الاهل والولد كما هو شأن العرب لهذا العهد وكانت عساكرهم لذلك كثيرة الحلل بعيدة ما بين المنازل متفرقة الاحياء يغيب كل واحد منها عن نظر صاحبه من الاخرى كشأن العرب ولذلك ما كان عبد الملك يحتاج إلى ساقة تحشد الناس على أثره أن يقيموا إذا ظعن ونقل أنه استعمل في ذلك الحجاج حين أشار به روح بن زنباغ وقصتهما في إحراق فساطيط روح وخيامه لاول ولايته حين وجدهم مقيمين في يوم رحيل عبد الملك قصة مشهورة ومن هذه الولاية تعرف رتبة الحجاج بين العرب فإنه لا يتولى إرادتهم على الظعن إلا من يأمن بوادر السفهاء من أحيائهم بما له من العصبية الحائلة دون ذلك ولذلك اختصه عبد الملك بهذه الرتبة ثقة بغنائه فيها بعصبيته وصرامته فلما تفننت الدولة العربية في مذاهب الحضارة والبذخ ونزلوا المدن والامصار وانتقلوا من سكنى الخيام إلى سكنى القصور ومن ظهر الخف إلى ظهر الحافر اتخذوا للسكنى في أسفارهم ثياب الكتان يستعملون منها بيوتا مختلفة الاشكال مقدرة الامثال من القوراء والمستطيلة والمربعة ويحتفلون فيها بأبلغ مذاهب الاحتفال والزينة ويدير الامير والقائد للعساكر على فساطيطه وفازاته من بينهم سياجا من الكتان يسمى في المغرب بلسان البربر الذي هو لسان أهله أفراك بالكاف والقاف ويختص به السلطان بذلك القطر لا يكون لغيره. وأما في المشرق فيتخذه كل أمير وإن كان دون السلطان ثم جنحت الدعة بالنساء والولدان إلى المقام بقصورهم ومنازلهم فخف لذلك ظهرهم وتقاربت السياج بين منازل العسكر واجتمع الجيش والسلطان في معسكر واحد يحصره البصر في بسيطة زهوا أنيقا لاختلاف ألوانه واستمر الحال على ذلك في مذاهب الدول في بذخها وترفها وكذا كانت دولة الموحدين وزناتة التي أظلتنا كان سفرهم أول أمرهم في بيوت سكناهم قبل الملك من الخيام والقياطين حتى إذا أخذت الدولة في مذاهب الترف وسكنى القصور وعادوا إلى سكنى الاخبية والفساطيط بلغوا من ذلك فوق ما أرادوه وهو من الترف بمكان إلا أن العساكر به تصير عرضة للبيات لاجتماعهم في مكان واحد تشملهم

[ 269 ]

فيه الصيحة ولخفتهم من الاهل والولد الذين تكون الاستماتة دونهم فيحتاج في ذلك إلى تحفظ آخر والله القوي العزيز المقصورة للصلاة والدعاء في الخطبة وهما من الامور الخلافية ومن شارات الملك الاسلامي ولم يعرف في غير دول الاسلام. فأما البيت المقصورة من المسجد لصلاة السلطان فيتخذ سياجا على المحراب فيحوزه وما يليه فأول من اتخذها معاوية بن أبي سفيان حين طعنه الخارجي والقصة معروفة وقيل أول من اتخذها مروان بن الحكم حين طعنه اليماني ثم اتخذها الخلفاء من بعدهما وصارت سنة في تمييز السلطان عن الناس في الصلاة وهي إنما تحدث عند حصول الترف في الدول والاستفحال شأن أحوال الابهة كلها وما زال الشان ذلك في الدول الاسلامية كلها وعند افتراق الدولة العباسية وتعدد الدول بالمشرق وكذا بالاندلس عند انقراض الدولة الاموية وتعدد ملوك الطوائف وأما المغرب فكان بنو الاغلب يتخذونها بالقيروان ثم الخلفاء العبيديون ثم ولاتهم على المغرب من صنهاجة بنو باديس بفاس وبنو حماد بالقلعة ثم ملك الموحدون سائر المغرب والاندلس ومحوا ذلك الرسم على طريقة البداوة التي كانت شعارهم ولما استفحلت الدولة وأخذت بحظها من الترف وجاء أبو يعقوب المنصور ثالث ملوكهم فاتخذ هذه المقصورة وبقيت من بعده سنة لملوك المغرب والاندلس وهكذا كان الشأن في سائر الدول سنة الله في عباده. وأما الدعاء على المنابر في الخطبة فكان الشأن أولا عند الخلفاء ولاية الصلاة بأنفسهم فكانوا يدعون لذلك بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والرضى عن أصحابه وأول من اتخذ المنبر عمرو بن العاص لما بنى جامعه بمصر وأول من دعا للخليفة على المنبر ابن عباس دعا لعلي رضي الله عنهما في خطبته وهو بالبصرة عامل له عليها فقال اللهم انصر عليا على الحق واتصل العمل على ذلك فيما بعد وبعد أخذ عمرو بن العاص المنبر بلغ عمر بن الخطاب ذلك فكتب إليه عمر بن الخطاب أما بعد فقد بلغني أنك اتخذت منبرا ترقى به على رقاب المسلمين أو ما يكفيك أن تكون قائما والمسلمون تحت عقبك فعزمت عليك إلا ما كسرته فلما حدثت الابهة وحدث في الخلفاء المانع من الخطبة والصلاة استنابوا

[ 270 ]

فيهما فكان الخطيب يشيد بذكر الخليفة على المنبر تنويها باسمه ودعاء له بما جعل الله مصحة العالم فيه ولان تلك الساعة مظنة للاجابة ولما ثبت عن السلف في قولهم من كانت له دعوة صالحة فليضعها في السلطان وكان الخليفة يفرد بذلك فلما جاء الحجر والاستبداد صار المتغلبون على الدول كثيرا ما يشاركون الخليفة في ذلك ويشاد باسمهم عقب اسمه وذهب ذلك بذهاب تلك الدول وصار الامر إلى اختصاص السلطان بالدعاء له على المنبر دون من سواه وحظر أن يشاركه فيه أحد أو يسمو إليه وكثيرا ما يغفل المعاهدون من أهل الدول هذا الرسم عند ما تكون الدولة في اسلوب الغضاضة ومناحي البداوة في التغافل والخشونة ويقنعون بالدعاء على الابهام والاجمال لمن ولي أمور المسلمين ويسمون مثل هذه الخطبة إذا كانت على هذا المنحى عباسية يعنون بذلك أن الدعاء على الاجمال إنما يتناول العباسي تقليدا في ذلك لما سلف من الامر ولا يحفلون بما وراء ذلك من تعيينه والتصريح باسمه يحكى أن يغمراسن بن زيان عاهد دولة بني عبد الواد لما غلبه الامير أبوزكرياء يحيى بن أبي حفص على تلمسان ثم بدا له في إعادة الامر إليه على شروط شرطها كان فيها ذكر اسمه على منابر عمله فقال يغمراسن تلك أعوادهم يذكرون عليها من شاءوا وكذلك يعقوب بن عبد الحق عاهد دولة بني مرين حضره رسول المنتصر الخليفة بتونس من بني أبي حفص وثالث ملوكهم وتخلف بعض أيامه عن شهود لجمعة فقيل له لم يحضر هذا الرسول كراهية لخلو الخطبة من ذكر سلطانه فأذن في الدعاء له وكان ذلك سببا لاخذهم بدعوته وهكذا شأن الدول في بدايتها وتمكنها في الغضاضة والبداوة فإذا انتبهت عيون سياستهم ونظروا في أعطاف ملكهم واستتموا شيات الحضارة ومفاني البذخ والابهة انتحلوا جميع هذه السمات وتفننوا فيها وتجاروا إلى غايتها وأنفوا من المشاركة فيها وجزعوا من افتقادها وخلو دولتهم من آثارها والعالم بستان والله على كل شئ رقيب الفصل السابع والثلاثون في الحروب ومذاهب الامم وترتيبها إعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ براها الله وأصلها

[ 271 ]

إرادة انتقام بعض البشر من بعض ويتعصب لكل منها أهل عصبيته فإذا تذامروا لذلك وتوافقت الطائفتان إحداهما تطلب الانتقام والاخرى تدافع كانت الحرب وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل وسبب هذا الانتقام في الاكثر إما غيرة ومنافسة وإما عدوان وإما غضب الله ولدينه وإما غضب للملك وسعي في تمهيده فالاول أكثر ما يجري بين القبائل المتجاورة والعشائر المتناظرة والثاني وهو العدوان أكثر ما يكون من الامم الوحشية الساكنين بالقفر كالعرب والترك والتركمان والاكراد وأشباههم لانهم جعلوا أرزاقهم في رماحهم ومعاشهم فيما بأيدي غيرهم ومن دافعهم عن متاعه آذنوه بالحرب ولا بغية لهم فيما وراء ذلك من رتبة ولا ملك وإنما همهم ونصب أعينهم غلب الناس على ما في أيديهم والثالث هو المسمى في الشريعة بالجهاد والرابع هو حروب الدول مع الخارجين عليها والمانعين لطاعتها فهذه أربعة أصناف من الحروب الصنفان الاولان منها حروب بغي وفتنة والصنفان الاخيران حروب جهاد وعدل وصفة الحروب الواقعة بين أهل الخليقة منذ أول وجودهم على نوعين نوع بالزحف صفوفا ونوع بالكر والفر أما الذي بالزحف فهو قتال العجم كلهم على تعاقب أجيالهم وأما الذي بالكر والفر فهو قتال العرب والبربر من أهل المغرب وقتال الزحف أوثق وأشد من قتال الكر والفر وذلك لان قتال الزحف ترتب فيه الصفوف وتسوى كما تسوى القداح أو صفوف الصلاة ويمشون بصفوفهم إلى العدو قدما فلذلك تكون أثبت عند المصارع وأصدق في القتال وأرهب للعدو. لانه كالحائط الممتد والقصر المشيد لا يطمع في إزالته وفي التنزيل إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص إي يشد بعضهم بعضا بالثبات وفي الحديث الكريم المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ومن هنا يظهر لك حكمة إيجاب الثبات وتحريم التولي في الزحف فإن المقصود من الصف في القتال حفظ النظام كما قلناه فمن ولى العدو ظهره فقد أخل بالمصاف وباء بإثم الهزيمة إن وقعت وصار كأنه جرها على المسلمين وأمكن منهم عدوهم فعظم الذنب لعموم المفسدة وتعديها إلى الدين بخرق سياجه فعد من الكبائر ويظهر من هذه الادلة أن قتال الزحف أشد عند الشارع وأما قتال الكر والفر فليس فيه

[ 272 ]

من الشدة والامن من الهزيمة ما في قتال الزحف إلا أنهم قد يتخذون وراءهم في القتال مصافا ثابتا يلجأون إليه في الكر والفر ويقوم لهم مقام قتال الزحف كما نذكره بعد. ثم إن الدول القديمة الكثيرة الجنود المتسعة الممالك كانوا يقسمون الجيوش والعساكر أقساما يسمونها كراديس ويسوون في كل كردوس صفوفه وسبب ذلك أنه لما كثرت جنودهم الكثرة البالغة وحشدوا من قاصية النواحي استدعى ذلك أن يجهل بعضهم بعضا إذا اختلطوا في مجال الحرب واعتوروا مع عدوهم الطعن والضرب فيخشى من تدافعهم فيما بينهم لاجل النكراء وجهل بعضهم ببعض فلذلك كانوا يقسمون العساكر جموعا ويضمون المتعارفين بعضهم لبعض ويرتبونها قريبا من الترتيب الطبيعي في الجهات الاربع ورئيس العساكر كلها من سلطان أو قائد في القلب ويسمون هذا الترتيب التعبئة وهو مذكور في أخبار فارس والروم والدولتين وصدر الاسلام فيجعلون بين يدي الملك عسكرا منفردا بصفوفه متميزا بقائده ورايته وشعاره ويسمونه المقدمة ثم عسكرا آخر ناحية اليمين عن موقف الملك وعلى سمته يسمونه الميمنة ثم عسكرا آخر من ناحية الشمال كذلك يسمونه الميسرة ثم عسكرا آخر من وراء العسكر يسمونه الساقة ويقف الملك وأصحابه في الوسط بين هذه الاربع ويسمون موقفه القلب فإذا تم لهم هذا الترتيب المحكم إما في مدى واحد للبصر أو على مسافة بعيدة أكثرها اليوم واليومان بين كل عسكرين منها أو كيفما أعطاه حال العساكر في القلة والكثرة فحينئذ يكون الزحف من بعد هذه التعبئة وانظر ذلك في أخبار الفتوحات وأخبار الدولتين بالمشرق وكيف كانت العساكر لعهد عبد الملك تتخلف عن رحيله لبعد المدى في التعبئة فاحتيج لمن يسوقها من خلفه وعين لذلك الحجاج ابن يوسف كما أشرنا إليه وكما هو معروف في أخباره وكان في الدولة الاموية بالاندلس أيضا كثير منه وهو مجهول فيما لدينا لانا إنما أدركنا دولا قليلة العساكر لا تنتهي في مجال الحرب إلى التناكر بل أكثر الجيوش من الطائفتين معا يجمعهم لدينا حلة أو مدينة ويعرف كل واحد منهم قرنه ويناديه في حومة الحرب باسمه ولقبه فاستغنى عن تلك التعبئة ومن مذاهب أهل الكر والفر في الحروب ضرب المصاف وراء عسكرهم من

[ 273 ]

الجمادات والحيوانات العجم فيتخذونها ملجأ للخيالة في كرهم وفرهم يطلبون به ثبات المقاتلة ليكون أدوم للحرب وأقرب إلى الغلب وقد يفعله أهل الزحف أيضا ليزيدهم ثباتا وشدة فقد كان الفرس وهم أهل الزحف يتخذون الفيلة في الحروب ويحملون عليها أبراجا من الخشب أمثال الصروح مشحونة بالمقاتلة والسلاح والرايات ويصفونها وراءهم في حومة الحرب كأنها حصون فتقوى بذلك نفوسهم ويزداد وثوقهم وانظر ما وقع من ذلك في القادسية وإن فارس في اليوم الثالث اشتدوا بهم على المسلمين حتى اشتدت رجالات من العرب فخالطوهم وبعجوها بالسيوف على خراطيمها فنفرت ونكصت على أعقابها إلى مرابطها بالمدائن فجفا معسكر فارس لذلك وانهزموا في اليوم الرابع * وأما الروم وملوك القوط بالاندلس وأكثر العجم فكانوا يتخذون لذلك الاسرة ينصبون للملك سريره في حومة الحرب ويحف به من خدمه وحاشيته وجنوده من هو زعيم بالاستماتة دونه وترفع الرايات في أركان السرير ويحدق به سياج آخر من الرماة والرجالة فيعظم هيكل السرير ويصير فئة للمقاتلة وملجأ للكر والفر وجعل ذلك الفرس أيام القادسية وكان رستم جالسا على سرير نصبه لجلوسه حتى اختلفت صفوف فارس وخالطه العرب في سريره ذلك فتحول عنه إلى الفرات وقتل * وأما أهل الكر والفر من العرب وأكثر الامم البدوية الرحالة فيصفون لذلك إبلهم والظهر الذي يحمل ظعائنهم فيكون فئة لهم ويسمونها المجبودة وليس أمة من الامم إلا وهي تفعل ذلك في حروبها وتراه أوثق في الجولة وآمن من الغرة والهزيمة وهو أمر مشاهد وقد أغفلته الدول لعهدنا بالجملة واعتاضوا عنه بالظهر الحامل للاثقال والفساطيط يجعلونها ساقة من خلفهم ولا تغني غناء الفيلة والابل فصارت العساكر بذلك عرضة للهزائم ومستشعرة للفرار في المواقف * وكان الحرب أول الاسلام كله زحفا وكان العرب إنما يعرفون الكر والفر لكن حملهم على ذلك أول الاسلام أمران أحدهما أن أعداءهم كانوا يقاتلون زحفا فيضطرون إلى مقاتلتهم بمثل قتالهم الثاني أنهم كانوا مستميتين في جهادهم لما رغبوا فيه من الصبر ولما رسخ فيهم من الايمان والزحف إلى الاستماتة أقرب * وأول من أبطل الصف في الحروب وصار إلى التعبئة كراديس مروان بن الحكم في قتال الضحاك الخارجي والجبيري بعده

[ 274 ]

قال الطبري لما ذكر قتال الجبيري فولى الخوارج عليهم شيبان بن عبد العزيز اليشكري ويلقب أبا الذلفاء قاتلهم مروان بعد ذلك بالكراديس وأبطل الصف من يومئذ انتهى. فتنوسي قتال الزحف بإبطال الصف ثم تنوسي الصف وراء المقاتلة بما داخل الدول من الترف وذلك أنها حينما كانت بدوية وسكناهم الخيام كانوا يستكثرون من الابل وسكنى النساء والولدان معهم في الاحياء فلما حصلوا على ترف الملك وألفوا سكنى القصور والحواضر وتركوا شأن البادية والقفر نسوا لذلك عهد الابل والظعائن وصعب عليهم اتخاذها فخلفوا النساء في الاسفار وحملهم الملك والترف على اتخاذ الفساطيط والاخبية فاقتصروا على الظهر الحامل للاثقال (1) والابنية وكان ذلك صفتهم في الحرب ولا يغني كل الغناء لانه لا يدعو إلى الاستماتة كما يدعو إليها الاهل والمال فيخف الصبر من أجل ذلك وتصرفهم الهيعات وتخرم صفوفهم. ولما ذكرناه من ضرب المصاف وراء العساكر وتأكده في قتال الكر والفر صار ملوك المغرب يتخذون طائفة من الافرنج في جندهم واختصوا بذلك لان قتال أهل وطنهم كله بالكر والفر والسلطان يتاكد في حقه ضرب المصاف ليكون ردءا للمقاتلة أمامه فلا بد من أن يكون أهل ذلك الصف من قوم متعودين للثبات في الزحف وإلا أجفلوا على طريقة أهل الكر والفر فانهزم السلطان والعساكر باجفالهم فاحتاج الملوك بالمغرب أن يتخذوا جندا من هذه الامة المتعودة الثبات في الزحف وهم الافرنج ويرتبون مصافهم المحدق بهم منها هذا على ما فيه من الاستعانة باهل الكفر وإنهم استخفوا ذلك للضرورة التي أريناكها من تخوف الاجفال على مصاف السلطان والافرنج لا يعرفون غير الثبات في ذلك لان عادتهم في القتال الزحف فكانوا أقوم بذلك من غيرهم مع أن الملوك في المغرب إنما يفعلون ذلك عند الحرب مع أمم العرب والبربر وقتالهم على الطاعة وأما في الجهاد فلا يستعينون بهم حذرا من ممالاتهم على المسلمين هذا هو الواقع لهذا العهد وقد أبدينا سببه والله بكل شئ عليم * وبلغنا أن أمم الترك لهذا العهد قتالهم مناضلة بالسهام وأن تعبئة الحرب عندهم بالمصاف وأنهم يقسمون بثلاثة صفوف يضربون صفا وراء صف ويترجلون عن خيولهم ويفرغون سهامهم بين أيديهم ثم يتناضلون


1 قوله للاثقال والابنية مراده بالابنية الخيام كما يدل عليه قوله في فصل الخندق الآتي قريبا إذا نزلوا ضربوا ابنيتهم اه‍ (*)

[ 275 ]

جلوسا وكل ردء للذي أمامه أن يكبسهم العدو إلى أن يتهيأ النصر لاحدى الطائفتين على الاخرى وهي تعبئة محكمة غريبة * وكان من مذاهب الاول في حروبهم حفر الخنادق على معسكرهم عندما يتقاربون للزحف حذرا من معرة البيات والهجوم على العسكر بالليل لما في ظلمته ووحشته من مضاعفة الخوف فيلوذ الجيش بالفرار وتجد النفوس في الظلمة سترا من عاره فإذا تساووا في ذلك أرجف العسكر ووقعت الهزيمة فكانوا لذلك يحتفرون الخنادق على معسكرهم إذا نزلوا وضربوا أبنيتهم ويديرون الحفائر نطاقا عليهم من جميع جهاتهم حرصا أن يخالطهم العدو بالبيات فيتخاذلوا وكان للدول في أمثال هذا قوة وعليه اقتدار باحتشاد الرجال وحمع الايدي عليه في كل منزل من منازلهم بما كانوا عليه من وفور العمران وضخامة الملك فلما خرب العمران وتبعه ضعف الدول وقلة الجنود وعدم الفعلة نسي هذا الشأن جملة كانه لم يكن والله خير القادرين وانظر وصية علي رضي الله عنه وتحريضه لاصحابه يوم صفين تجد كثيرا من علم الحرب ولم يكن أحد أبصر بها منه قال في كلام له فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص وقدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا على الاضراس فانه أنبى للسيوف عن الهام والتووا على أطراف الرماح فانه أصون للاسنة وغضوا الابصار فانه أربط للجأش وأسكن للقلوب واخفتوا الاصوات فإنه أصون للفشل وأولى بالوقار وأقيموا راياتكم فلا تميلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم واستعينوا بالصدق والصبر فانه بقدر الصبر ينزل النصر وقال الاشتر يومئذ يحرض الازد عضوا على النواجذ من الاضراس واستقبلوا القوم بهامكم وشدوا شدة قوم موتورين يثأرون بآبائهم وإخوانهم حناقا على عدوهم وقد وطنوا على الموت أنفسهم لئلا يسبقوا بوتر ولا يلحقهم في الدنيا عار وقد أشار إلى كثير من ذلك أبو بكر الصيرفي شاعر لمتونة وأهل الاندلس في كلمة يمدح بها تاشفين بن علي بن يوسف ويصف ثباته في حرب شهدها ويذكره بامور الحرب في وصايا تحذيرات تنبهك على معرفة كثير من سياسة الحرب يقول فيها يا أيها الملا الذي يتقنع * من منكم الملك الهمام الاروع ومن الذي غدر العدو به دجى * فانفض كل وهو لا يتزعزع

[ 276 ]

تمضي الفوارس والطعان يصدها * عنه ويدمرها الوفاء فترجع والليل من وضح الترائك إنه * صبح على الجيوش يلمع أنى فزعتم يا بني صنهاجة * وإليكم في الروع كان المفزع إنسان عين لم يصبها منكم * حضن وقلب أسلمته الاضلع وصددتم عن تاشفين وإنه * لعقابه لو شاء فيكم موضع ما أنتم إلا أسود خفية * كل لكل كريهة مستطلع يا تاشفين أقم لجيشك عذرة * بالليل والعذر الذي لا يدفع ومنها في سياسة الحرب أهديك من أدب السياسة ما به * كانت ملوك الفرس قبلك تولع لا إنني أدري بها لكنها * ذكرى تحض المؤمنين وتنفع والبس من الحلق المضاعفة التي * وصى بها صنع الصنائع تبع والهندواني الرقيق فانه * أمضى على حد الدلاص وأقطع واركب من الخيل السوابق عدة * حصنا حصينا ليس فيه مدفع خندق عليك إذا ضربت محلة * سيان تتبع ظافرا أو تتبع والواد لا تعبره وانزل عنده * بين العدو وبين جيشك يقطع واجعل مناجزة الجيوش عشية * ووراءك الصدق الذي هو أمنع وإذا تضايقت الجيوش بمعرك * ضنك فأطراف الرماح توسع واصدمه أول وهلة لاتكثرت * شيئا فاظهار النكول يضعضع واجعل من الطلاع أهل شهامة * للصدق فيهم شيمة لا تخدع لا تسمع الكذاب جاءك مرجفا * لا رأي للكذاب فيما يصنع قوله واصدمه أول وهلة لا تكثرت البيت مخالف لما عليه الناس في أمر الحرب فقد قال عمر لابي عبيد بن مسعود الثقفي لما ولاه حرب فارس والعراق فقال له اسمع وأطع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأشركهم في الامر ولا تجيبن مسرعا حتى تتبين فانها الحرب ولا يصلح لها إلا الرجل المكيث الذي يعرف الفرصة والكف وقال له في أخرى إنه لن يمنعني أن أؤمر سليطا إلا سرعته في الحرب

[ 277 ]

وفي التسرع في الحرب إلا عن بيان ضياع والله لولا ذلك لامرته لكن الحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث هذا كلام عمر وهو شاهد بأن التثاقل في الحرب أولى من الخفوف حتى يتبين حال تلك الحرب وذلك عكس ما قاله الصيرفي إلا أن يريد أن الصدم بعد البيان فله وجه والله تعالى أعلم * ولا وثوق في الحر بالظفر وإن حصلت أسبابه من العدة والعديد وإنما الظفر فيها والغلب من قبيل البحث والاتفاق وبيان ذلك أن أسباب الغلب في الاكثر مجتمعة من أمور ظاهرة وهي الجيوش ووفورها وكمال الاسلحة واستجادتها وكثرة الشجعان وترتيب المصاف ومنه صدق القتال وما جرى مجرى ذلك ومن أمور خفية وهي إما من خداع البشر وحيلهم في الارجاف والتشانيع التي يقع بها التخذيل وفي التقدم إلى الاماكن المرتفعة ليكون الحرب من أعلى فيتوهم المنخفض لذلك وفي الكمون في الغياض ومطمئن الارض والتواري بالكدى حول العدو حتى يتداولهم العسكر دفعة وقد تورطوا فيتلممون إلى النجاة وأمثال ذلك وإما أن تكون تلك الاسباب الخفية أمورا سماوية لا قدرة للبشر على اكتسابها تلقى في القلوب فيستولي الرهب عليهم لاجلها فتختل مراكزهم فتقع الهزيمة وأكثر ما تقع الهزائم عن هذه الاسباب الخفية لكثرة ما يعتمل لكل واحد من الفريقين فيها حرصا على الغلب فلا بد من وقوع التأثير في ذلك لاحدهما ضرورة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم الحرب خدعة ومن أمثال العرب رب حيلة أنفع من قبيلة فقد تبين أن وقوع الغلب في الحروب غالبا عن أسباب خفية غير ظاهرة ووقوع الاشياء عن الاسباب الخفية هو معنى البخت كما تقرر في موضعه فاعتبره وتفهم من وقوع الغلب عن الامور السماوية كما شرحناه معنى قوله صلى الله عليه وسلم نصرت بالرعب مسيرة شهر وما وقع من غلبه للمشركين في حياته بالعدد القليل وغلب المسلمين من بعده كذلك في الفتوحات فان الله سبحانه وتعالى تكفل لنبيه بالقاء الرعب في قلوب الكافرين حتى يستولي على قلوبهم فينهزموا معجزة لرسوله صلى الله عليه وسلم فكان الرعب في قلوبهم سببا للهزائم في الفتوحات الاسلامية كلها إلا أنه خفي عن العيون * وقد ذكر الطرطوشي أن من أسباب الغلب في الحرب أن تفضل عدة الفرسان المشاهير من الشجعان في أحد الجانبين على عدتهم في الجانب

[ 278 ]

الآخر مثل أن يكون أحد الجانبين فيه عشرة أو عشرون من الشجعان المشاهير وفي الجانب الآخر ثمانية أو ستة عشر فالجانب الزائد ولو بواحد يكون له الغلب وأعاد في ذلك وأبدى وهو راجع إلى الاسباب الظاهرة التي قدمنا وليس بصحيح وإنما الصحيح المعتبر في الغلب حال العصبية أن يكون في أحد الجانبين عصبية واحدة جامعة لكلهم وفي الجانب الآخر عصائب متعدة لان العصائب إذا كانت متعددة يقع بينها من التخاذل ما يقع في الوحدان المتفرقين الفاقدين للعصبية تنزل كل عصابة منهم منزلة الواحد ويكون الجانب الذي عصابته متعددة لا يقاوم الجانب الذي عصبته واحدة لاجل ذلك فتفهمه واعلم أنه أصح في الاعتبار مما ذهب إليه الطرطوشي ولم يحمله على ذلك الانسيان شان العصبية في حلة وبلدة وأنهم إنما يرون ذلك الدفاع والحماية والمطالبة إلى الوحدان والجماعة الناشئة عنهم لا يعتبرون في ذلك عصبية ولا نسبا وقد بينا ذلك أول الكتاب مع أن هذا وأمثاله على تقدير صحته إنما هو من الاسباب الظاهرة مثل اتفاق الجيش في العدة وصدق القتال وكثرة الاسلحة وما أشبهها فكيف يجعل ذلك كفيلا بالغلب ونحن قد قررنا لك الآن أن شيئا منها لا يعارض الاسباب الخفية من الحيل والخداع ولا الامور السماوية من الرعب والخذلان الالهي فافهمه وتفهم أحوال الكون والله مقدر الليل والنهار * ويلحق بمعنى الغلب في الحروب وأن أسبابه خفية وغير طبيعية حال الشهرة والصيت فقل أن تصادف موضعها في أحد من طبقات الناس من الملوك والعلماء والصالحين والمنتحلين للفضائل على العموم وكثير ممن اشتهر بالشر وهو بخلافه وكثير ممن تجاوزت عنه الشهرة وهو أحق بها وأهلها وقد تصادف موضعها وتكون طبقا على صاحبها والسبب في ذلك أن الشهرة والصيت إنما هما بالاخبار والاخبار يدخلها الذهول عن المقاصد عند التناقل ويدخلها التعصب والتشييع ويدخلها الاوهام ويدخلها الجهل بمطابقة الحكايات للاحوال لخفائها بالتلبيس والتصنع أو لجهل الناقل ويدخلها التقرب لاصحاب التجلة والمراتب الدنيوية بالثناء والمدح وتحسين الاحوال وإشاعة الذكر بذلك والنفوس مولعة بحب الثناء والناس متطاولون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة وليسوا من الاكثر براغبين في الفضائل ولا منافسين في أهلها وأين مطابقة الحق مع هذه كلها فتختل الشهرة عن

[ 279 ]

أسباب خفية من هذه وتكون غير مطابقة وكل ما حصل بسبب خفي فهو الذي يعبر عنه بالبخت كما تقرروالله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق الفصل الثامن والثلاثون في الجباية وسبب قلتها وكثرتها إعلم أن الجباية أول الدولة تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة وآخر الدولة تكون كثيرة الوزائع قليلة الجملة والسبب في ذلك أن الدولة إن كانت على سنن الدين فليست تقتضي إلا المغارم الشرعية من الصدقات والخراج والجزية وهي قليلة الوزائع لان مقدار الزكاة من المال قليل كما علمت وكذا زكاة الحبوب والماشية وكذا الجزية والخراج وجميع المغارم الشرعية وهي حدود لا تتعدي وإن كانت على سنن التغلب والعصبية فلا بد من البداوة في أولها كما تقدم والبداوة تقتضي المسامحة والمكارمة وخفض الجناح والتجافي عن أموال الناس والغفلة عن تحصيل ذلك إلا في النادر فيقل لذلك مقدار الوظيفة الواحدة والوزيعة التي تجمع الاموال من مجموعها وإذا قلت الوزائع والوظائف على الرعايا نشطوا للعمل ورغبوا فيه فيكثر الاعتمار ويتزايد لحصول الاغتباط بقلة المغرم وإذا كثر الاعتمار كثرت أعداد تلك الوظائف والوزائع فكثرت الجباية التي هي جملتها فإذا استمرت الدولة واتصلت وتعاقب ملوكها واحدا بعد واحد واتصفوا بالكيس وذهب سر البداوة والسذاجة وخلقها من الاغضاء والتجافي وجاء الملك العضوض والحضارة الداعية إلى الكيس وتخلق أهل الدولة حينئذ بخلق التحذلق وتكثرت عوائدهم وحوائجهم بسبب ما أنغمسوا فيه من النعيم والترف فيكثرون الوظائف والوزائع حينئذ على الرعايا والاكرة والفلاحين وسائر أهل المغارم ويزيدون في كل وظيفة ووزيعة مقدار اعظيما لتكثر لهم الجباية ويضعون المكوس على المبايعات وفي الابواب كما نذكر بعد ثم تتدرج الزيادات فيها بمقدار بعد مقدار لتدرج عوائد الدولة في الترف وكثرة الحاجات والانفاق بسببه حتى تثقل المغارم على الرعايا وتهضمهم وتصير عادة مفروضة لان تلك الزيادة تدرجت قليلا قليلا ولم يشعر أحد بمن زادها على التعيين ولا من هو واضعها إنما ثبت على الرعايا في الاعتمار لذهاب الامل من نفوسهم بقلة النفع إذا قابل بين نفعه ومغارمه وبين

[ 280 ]

ثمرته وفائدته فتنقبض كثير من الايدي عن الاعتمار جملة الجباية حينئذ بنقصان تلك الوزائع منها وربما يزيدون في مقدار الوظائف إذا رأوا ذلك النقص في الجباية ويحسبونه جبرا لما نقص حتى تنتهي كل وظيفة ووزيعة إلى غاية ليس وراءها نفع ولا فائدة لكثرة الانفاق حينئذ في الاعتمار وكثرة المغارم وعدم وفاء الفائدة المرجوة به فلا تزال الجملة في نقص ومقدار الوزائع والوظائف في زيادة لما يعتقدونه من جبر الجملة بها إلى أن ينتقص العمران بذهاب الآمال من الاعتمار ويعود وبال ذلك على الدولة لان فائدة الاعتمار عائدة إليها وإذا فهمت ذلك علمت أن أقوى الاسباب في الاعتمار تقليل مقدار الوظائف على المعتمرين ما أمكن فبذلك تنبسط النفوس إليه لثقتها بادراك المنفعة فيه والله سبحانه وتعالى مالك الامور كلها وبيده ملكوت كل شئ الفصل التاسع والثلاثون في ضرب المكوس اواخر الدولة إعلم أن الدولة تكون في أولها بدوية كما قلنا فتكون لذلك قليلة الحاجات لعدم الترف وعوائده فيكون خرجها وإنفاقها فيكون في الجباية حينئذ وفاء بأزيد منها كثير عن حاجاتهم ثم لا تلبث أن تأخذ بدين الحضارة في الترف وعوائدها وتجري على نهج الدول السابقة قبلها فيكثر لذلك خراج أهل الدولة ويكثر خراج السلطان خصوصا كثرة بالغة بنفقته في خاصته وكثرة عطائه ولا تفي بذلك الجباية فتحتاج الدولة إلى الزيادة في الجباية لما تحتاج إليه الحامية من العطاء والسلطان من النفقة فيزيد في مقدار الوظائف والوزائع أولا كما قلناه ثم يزيد الخراج والحاجات والتدريج في عوائد الترف وفي العطاء للحامية ويدرك الدولة الهرم وتضعف عصابتها عن جباية الاموال من الاعمال والقاصية فتقل الجباية وتكثر العوائد ويكثر بكثرتها أرزاق الجند وعطاؤهم فيستحدث صاحب الدولة أنواعا من الجباية يضربها على البياعات ويفرض لها قدرا معلوما على الاثمان في الاسواق وعلى أعيان السلع في أموال المدينة وهومع هذا مضطر لذلك بما دعاه إليه طرق الناس من كثرة العطاء من زيادة الجيوش والحامية وربما يزيد ذلك في أواخر الدولة زيادة بالغة فتكسد

[ 281 ]

الاسواق لفساد الآمال ويؤذن ذلك باختلال العمران ويعود على الدولة ولا يزال ذلك يتزايد إلى أن تضمحل وقد كان وقع منه بامصار المشرق في أخريات الدولة العباسية والعبيدية كثير وفرضت المغارم حتى على الحاج في الموسم وأسقط صلاح الدين أيوب تلك الرسوم جملة وأعاضها بآثار الخير وكذلك وقع بالاندلس لعهد الطوائف حتى محى رسمه يوسف بن تاشفين أمير المرابطين وكذلك وقع بامصار الجريد بافريقية لهذا العهد حين استبد بها رؤساؤها والله تعالى أعلم الفصل الاربعون في ان التجارة من السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة للجباية إعلم أن الدولة إذا ضاقت جبايتها بما قدمناه من الترف وكثرة العوائد والنفقات وقصر الحاصل من جبايتها على الوفاء بحاجاتها ونفقاتها واحتاجت إلى مزيد المال والجباية فتارة توضع المكوس على بياعات الرعايا وأسواقهم كما قدمنا ذلك في الفصل قبله وتارة بالزيادة في ألقاب المكوس إن كان المكوس قد استحدث من قبل وتارة بمقاسمة العمال والجباة وامتكاك عظامهم لما يرون أنهم قد حصلوا على شئ طائل من أموال الجباية لا يظهره الحسبان وتارة باستحداث التجارة والفلاحة للسلطان على تسمية الجباية لما يرون التجار والفلاحين يحصلون على الفوائد والغلات مع يسارة أموالهم وأن الارباح تكون على نسبة رؤوس الاموال فيأخذون في اكتساب الحيوان والنبات لاستغلاله في شراء البضائع والتعرض بها لحوالة الاسواق ويحسبون ذلك من إدرار الجباية وتكثير الفوائد وهو غلط عظيم وإدخال الضرر على الرعايا من وجوه متعددة فاولا مضايقة الفلاحين والتجار في شراء الحيوان والبضائع وتيسير أسباب ذلك فان الرعايا متكافئون في اليسار متقاربون ومزاحمة بعضهم بعضا تنتهي إلى غاية موجودهم أو تقرب وإذا رافقهم السلطان في ذلك وماله أعظم كثيرا منهم فلا يكاد أحد منهم يحصل على غرضه في شئ من حاجاته ويدخل على النفوس من ذلك غم ونكد ثم إن السلطان قد ينتزع الكثير من ذلك إذا تعرض له غضا أو بأيسر ثمن أو لا يجد من يناقشه في شرائه فيبخس ثمنه على بائعه ثم إذا حصل فوائد الفلاحة ومغلها كله من زرع أو حرير أو عسل أو سكر أوغير ذلك من أنواع

[ 282 ]

الغلات وحصلت بضائع التجارة من سائر الانواع فلا ينتظرون به حوالة الاسواق ولا نفاق البياعات لما يدعوهم إليه تكاليف الدولة فيكلفون أهل تلك الاصناف من تاجر أو فلاح بشراء تلك البضائع ولا يرضون في أثمانها إلا القيم وأزيد فيستوعبون في ذلك ناض أموالهم وتبقى تلك البضائع بايديهم عروضا جامدة ويمكثون عطلا من الادارة التي فيها كسبهم ومعاشهم وربما تدعوهم الضرورة إلى شئ من المال فيبيعون تلك السلع على كساد من الاسواق بابخس ثمن وربما يتكرر ذلك على التاجر والفلاح منهم بما يذهب رأس ماله فيقعد عن سوقه ويتعدد ذلك ويتكرر ويدخل به على الرعايا من العنت والمضايقة وفساد الارباح ما يقبض آمالهم عن السعي في ذلك جملة ويؤدي إلى فساد الجباية فان معظم الجباية إنما هي من الفلاحين والتجار ولا سيما بعد وضع المكوس ونمو الجباية بها فإذا انقبض الفلاحون عن الفلاحة وقعد التجار عن التجارة وذهبت الجباية جملة أو دخلها النقص المتفاحش وإذا قايس السلطان بين ما يحصل له من الجباية وبين هذه الارباح القليلة وجدها بالنسبة إلى الجباية أقل من القليل ثم إنه ولو كان مفيدا فيذهب له بحظ عظيم من الجباية فيما يعانيه من شراء أو بيع فانه من البعيد أن يوجد فيه من المكس ولو كان غيره في تلك الصفقات لكان تكسبها كلها حاصلا من جهة الجباية ثم فيه التعرض لاهل عمرانه واختلال الدولة بفسادهم ونقصهم فان الرعايا إذا قعدوا عن تثمير أموالهم بالفلاحة والتجارة نقصت وتلاشت بالنفقات وكان فيها تلاف أحوالهم فافهم ذلك وكان الفرس لا يملكون عليهم إلا من أهل بيت المملكة ثم يختارونه من أهل الفضل والدين والادب والسخاء والشجاعة والكرم ثم يشترطون عليه مع ذلك العدل وأن لا يتخذ صنعة فيضر بجيرانه ولا يتاجر فيحب غلاء الاسعار في البضائع وأن لا يستخدم العبيد فإنهم لا يشيرون بخير ولا مصلحة. واعلم أن السلطان لا ينمي ماله ولايدر موجوده إلا الجباية وإدرارها إنما يكون بالعدل في أهل الاموال والنظر لهم بذلك فبذلك تنبسط آمالهم وتنشرح صدورهم للاخذ في تثمير الاموال وتنميتها فتعظم منها جباية السلطان وأما غير ذلك من تجارة أو فلح فانما هو مضرة عاجلة للرعايا وفساد للجباية ونقص للعمارة وقد ينتهي الحال بهؤلاء المنسلخين للتجارة

[ 283 ]

والفلاحة من الامراء والمتغلبين في البلدان أنهم يتعرضون لشراء الغلات والسلع من أربابها الواردين على بلدهم ويفرضون لذلك من الثمن ما يشاءون ويبيعونها في وقتها لمن تحت أيديهم من الرعايا بما يفرضون من الثمن وهذه أشد من الاولى وأقرب إلى فساد الرعية واختلال أحوالهم وربما يحمل السلطان على ذلك من يداخله من هذه الاصناف أعني التجار والفلاحين لما هي صناعته التي نشأ عليها فيحمل السلطان على ذلك ويضرب معه بسهم لنفسه ليحصل على غرضه من جمع المال سريعا ولاسيما مع ما يحصل له من التجارة بلا مغرم ولا مكس فانها أجدر بنمو الاموال وأسرع في تثميره ولا يفهم ما يدخل على السلطان من الضرر بنقص جبايته فينبغي للسلطان أن يحذر من هؤلاء ويعرض عن سعايتهم المضرة بجبايته وسلطانه والله يلهمنا رشد أنفسنا وينفعنا بصالح الاعمال والله تعالى أعلم الفصل الواحد والاربعون في ان ثروة السلطان وحاشيته انما تكون في وسط الدولة والسبب في ذلك أن الجباية في أول الدولة تتوزع على أهل القبيل والعصبية بمقدار غنائهم وعصبيتهم ولان الحاجة إليهم في تمهيد الدولة كما قلناه من قبل فرئيسهم في ذلك متجاف لهم عما يسمون إليه من الاستبداد عليهم فله عليهم عزة وله إليهم حاجة فلا يطير في سهمانه من الجباية إلا الاقل من حاجته فتجد حاشيته لذلك وأذياله من الوزراء والكتاب والموالي متملقين في الغالب وجاههم متقلص لانه من جاه مخدومهم ونطاقه قد ضاق بمن يزاحمه فيه من أهل عصبيته فإذا استفحلت طبيعة الملك وحصل لصاحب الدولة الاستبداد على قومه قبض أيديهم عن الجبايات إلا ما يطير لهم بين الناس في سهمانهم وتقل حظوظهم إذ ذاك لقلة غنائهم في الدولة بما انكبح من أعنتهم وصار الموالي والصنائع مساهمين لهم في القيام بالدولة وتمهيد الامر فينفرد صاحب الدولة حينئذ بالجباية أو معظمها ويحتوي على الاموال ويحتجنها للنفقات في مهمات الاحوال فتكثر ثروته وتمتلئ خزائنه ويتسع نطاق جاهه ويعتز على سائر قومه فيعظم حال حاشيته وذويه من وزير وكاتب وحاجب ومولى وشرطي ويتسع جاههم ويقتنون الاموال ويتأثلونها ثم إذا أخذت الدولة في

[ 284 ]

الهرم بتلاشي العصبية وفناء القليل المعاهدين للدولة احتاج صاحب الامر حينئذ إلى الاعوان والانصار لكثرة الخوارج والمنازعين والثوار وتوهم الانتفاض فصار خراجة لظهرائه وأعوانه وهم أرباب السيوف وأهل العصبيات وأنفق خزائنه وحاصله في مهمات الدولة وقلت مع ذلك الجباية لما قدمناه من كثرة العطاء والانفاق فيقل الخراج وتشتد حاجة الدولة إلى المال فيتقلص ظل النعمة والترف عن الخواص والحجاب والكتاب بتقلص الجاه عنهم وضيق نطاقه على صاحب الدولة ثم تشتد حاجة صاحب الدولة إلى المال وتنفق أبناء البطانة والحاشية ما تأثله آباؤهم من الاموال في غير سبيلها من إعانة صاحب الدولة ويقبلون على غير ما كان عليه آباؤهم وسلفهم من المناصحة ويرى صاحب الدولة أنه أحق بتلك الاموال التي اكتسبت في دولة سلفه وبجاههم فيصطلمها وينتزعها منهم لنفسه شيئا فشيئا وواحدا بعد واحد على نسبة رتبهم وتنكر الدولة لهم ويعود وبال ذلك على الدولة بفناء حاشيتها ورجالاتها وأهل الثروة والنعمة من بطانتها ويتقوض بذلك كثير من مباني المجد بعد أن يدعمه أهله ويرفعوه. وانظر ما وقع من ذلك لوزراء الدولة العباسية في بني قحطبة وبني برمك وبني سهل وبني طاهر وأمثالهم ثم في الدولة الاموية بالاندلس عند انحلالها أيام الطوائف في بني شهيد وبني أبي عبدة وبني حدير وبني برد وأمثالهم وكذا في الدولة التي أدركناها لعهدنا سنة الله التي قد خلت في عباده فصل * ولما يتوقعه أهل الدولة من أمثال هذه المعاطب صار الكثير منهم ينزعون إلى الفرار عن الرتب والتخلص من ربقة السلطان بما حصل في أيديهم من مال الدولة إلى قطر آخر ويرون أنه أهنأ لهم وأسلم في إنفاقه وحصول ثمرته وهو من الاغلاط الفاحشة والاوهام المفسدة لاحوالهم ودنياهم واعلم أن الخلاص من ذلك بعد الحصول فيه عسير ممتنع فان صاحب هذا الغرض إذا كان هو الملك نفسه فلا تمكنه الرعية من ذلك طرفة عين ولا أهل العصبية المزاحمون له بل في ظهور ذلك منه هدم لملكه وإتلاف لنفسه بمجاري العادة بذلك لان ربقة الملك يعسر الخلاص منها ولا سيما عند استفحال الدولة وضيق نطاقها وما يعرض فيها من البعد عن المجد والخلال والتخلق بالشر وأما إذا كان صاحب هذا الغرض من بطانة السلطان

[ 285 ]

وحاشيته وأهل الرتب في دولته فقل أن يخلى بينه وبين ذلك أما أولا فلما يراه الملوك أن ذويهم وحاشيتهم بل وسائر رعاياهم مماليك لهم مطلعون على ذات صدورهم فلا يسمحون بحل ربقته من الخدمة ضنا باسرارهم وأحوالهم أن يطلع عليها أحد وغيرة من خدمته لسواهم ولقد كان بنو أمية بالاندلس يمنعون أهل دولتهم من السفر لفريضة الحج لما يتوهمونه من وقوعهم بايدي بني العباس فلم يحج سائر أيامهم أحد من أهل دولتهم وما أبيح الحج لاهل الدول من الاندلس إلا بعد فراغ شأن الاموية ورجوعها إلى الطوائف وأما ثانيا فلانهم وإن سمحوا بحل ربقته فلا يسمحون بالتجافي عن ذلك المال لما يرون أنه جزء من مالهم كما يرون أنه جزء من دولتهم إذ لم يكتسب إلا بها وفي ظل جاهها فتحوم نفوسهم على انتزاع ذلك المال والتقامه كما هو جزء من الدولة ينتفعون به ثم إذا توهمنا أنه خلص بذلك المال إلى قطر آخر وهو في النادر الاقل فتمتد إليه أعين الملوك بذلك القطر وينتزعونه بالارهاب والتخويف تعريضا أو بالقهر ظاهرا لما يرون أنه مال الجباية والدول وأنه مستحق للانفاق في المصالح وإذا كانت أعينهم تمتد إلى أهل الثروة واليسار المتكسبين من وجوه المعاش فاحرى بها أن تمتد إلى أموال الجباية والدول التي تجد السبيل إليه بالشرع والعادة ولقد حاول السلطان أبو يحيى زكريا بن أحمد اللحياني تاسع أو عاشر ملوك الحفصيين بافريقة الخروج عن عهدة الملك واللحاق بمصر فرارا من طلب صاحب الثغور الغربية لما استجمع لغزو تونس فاستعمل اللحياني الرحلة إلى ثغر طرابلس يوري بتمهيده وركب السفين من هنا لك وخلص إلى الاسكندرية بعد أن حمل جميع ما وجده ببيت المال من الصامت والذخيرة وباع كل ما كان بخزائنهم من المتاع والعقار والجوهر حتى الكتب واحتمل ذلك كله إلى مصر ونزل على الملك الناصر محمد بن قلاون سنة سبع عشرة من المائة الثامنة فاكرم نزله ورفع مجلسه ولم يزل يستخلص ذخيرته شيئا فشيئا بالتعريض إلى أن حصل عليها ولم يبق معاش ابن اللحياني إلا في جرايته التي فرض له إلى أن هلك سنة ثمان وعشرين حسبما نذكره في أخباره فهذا وأمثاله من جملة الوسواس الذي يعتري أهل الدول لما يتوقعونه من ملوكهم من المعاطب وإنما يخلصون إن اتفق لهم الخلاص بانفسهم

[ 286 ]

وما يتوهمونه من الحاجة فغلط ووهم والذي حصل لهم من الشهرة بخدمة الدول كاف في وجدان المعاش لهم بالجرايات السلطانية أو بالجاه في انتحال طرق الكسب من التجارة والفلاحة والدول أنساب لكن النفس راغبة إذا رغبتها * وإذا ترد إلى قليل تقنع والله سبحانه هو الرزاق وهو الموفق بمنه وفضله والله أعلم الفصل الثاني والاربعون في ان نقص العطاء من السلطان نقص في الجباية والسبب في ذلك أن الدولة والسلطان هي السوق الاعظم للعالم ومنه مادة العمران فإذا استجن السلطان الاموال أو الجبايات أو فقدت فلم يصرفها في مصارفها قل حينئذ ما بأيدي الحاشية والحامية وانقطع أيضا ما كان يصل منهم لحاشيتهم وذويهم وقلت نفقاتهم جملة وهم معظم السواد ونفقاتهم أكثر مادة للاسواق ممن سواهم فيقع الكساد حينئذ في الاسواق وتضعف الارباح في المتاجر فيقل الخراج لذلك لان الخراج والجباية إنما تكون من الاعتمار والمعاملات ونفاق الاسواق وطلب الناس للفوائد والارباح ووبال ذلك عائد على الدولة بالنقص لقلة أموال السلطان حينئذ بقلة الخراج فإن الدولة كما قلناه هي السوق الاعظم أم الاسواق كلها وأصلها ومادتها في الدخل والخرج فان كسدت وقلت مصارفها فاجدر بما بعدها من الاسواق أن يلحقها مثل ذلك وأشد منه وأيضا فالمال إنما هو متردد بين الرعية والسطان منهم إليه ومنه إليهم فإذا حبسه السلطان عنده فقدته الرعية سنة الله في عباده الفصل الثالث والاربعون في ان الظلم موذن بخراب العمران إعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك وعلي قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب فإذا كان الاعتداء كثيرا عاما في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه بالآمال جملة بدخوله

[ 287 ]

من جميع أبوابها وإن كان الاعتداء يسيرا كان الانقباض عن الكسب على نسبته والعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنما هو بالاعمال وسعي الناس في المصالح والمكاسب ذاهبين وجائين فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران وانتقضت الاحوال وابذعر الناس في الآفاق من غير تلك الايالة في طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها فخف ساكن القطر وخلت دياره وخرجت أمصاره واختل باختلاله حال الدولة والسلطان لما أنها صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة وانظر في ذلك ما حكاه المسعودي في أخبار الفرس عن الموبذان صاحب الدين عندهم أيام بهرام بن بهرام وما عرض به للملك في إنكار ما كان عليه من الظلم والغفلة عن عائدته على الدولة بضرب المثال في ذلك على لسان البوم حين سمع الملك أصواتها وسأله عن فهم كلامها فقال له إن بوما ذكرا يروم نكاح بوم أنثى وإنها شرطت عليه عشرين قرية من الخراب في أيام بهرام فقبل شرطها وقال لها إن دامت أيام الملك أقطعتك ألف قرية وهذا أسهل مرام فتنبه الملك من غفلته وخلا بالموبذان وسأله عن مراده فقال له أيها الملك إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أمره ونهيه ولاقوام للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال ولاقوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة نصبه الرب وجعل له قيما وهو الملك وأنت أيها الملك عمدت إلى الضياع فانتزعتها من أربابها وعمارها وهم أرباب الخراج ومن تؤخذ منهم الاموال وأقطعتها الحاشية والخدم وأهل البطالة فتركوا العمارة والنظر في العواقب وما يصلح الضياع وسومحوا في الخراج لقربهم من الملك ووقع الحيف على من بقي من أرباب الخراج وعمار الضياع فانجلوا عن ضياعهم وخلوا ديارهم وأووا إلى ما تعذر من الضياع فسكنوها فقلت العمارة وخربت الضياع وقلت الاموال وهلكت الجنود والرعية وطمع في ملك فارس من جاورهم من الملوك لعلمهم بانقطاع المواد التي لا تستقيم دعائم الملك إلا بها فلما سمع الملك ذلك أقبل على النظر في ملكه وانتزعت الضياع من أيدي الخاصة وردت على أربابها وحملوا على رسومهم السالفة وأخذوا في العمارة وقوي

[ 288 ]

من ضعف منهم فعمرت الارض وأخصبت البلاد وكثرت الاموال عند جباة الخراج وقويت الجنود وقطعت مواد الاعداء وشحنت الثغور وأقبل الملك على مباشرة أموره بنفسه فحسنت أيامه وانتظم ملكه فتفهم من هذه الحكاية أن الظلم مخرب للعمران وأن عائدة الخراب في العمران على الدولة بالفساد والانتفاض ولا تنظر في ذلك إلى أن الاعتداء قد يوجد بالامصار العظيمة من الدول التي بها ولم يقع فيها خراب واعلم أن ذلك إنما جاء من قبل المناسبة بين الاعتداء وأحوال أهل المصر فلما كان المصر كبيرا وعمرانه كثيرا وأحواله متسعة بما لا ينحصر كان وقوع النقص فيه بالاعتداء والظلم يسيرا لان النقص إنما يقع بالتدريج فإذا خفي بكثرة الاحوال واتساع الاعمال في المصر لم يظهر أثره إلابعد حين وقد تذهب تلك الدولة المعتدية من أصلها قبل خراب المصر وتجئ الدولة الاخرى فترقعه بجدتها وتجبر النقص الذي كان خفيا فيه فلا يكاد يشعر به إلا أن ذلك في الاقل النادر والمراد من هذا أن حصول النقص في العمران عن الظلم والعدوان أمر واقع لابد منه لما قدمناه ووباله عائد على الدول ولا تحسبن الظلم إنما هو أخذ المال أو الملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب كما هو المشهور بل الظلم أعم من ذلك وكل من أخذ ملك أحد أو غصبه في عمله أو طالبه بغير حق أو فرض عليه حقا لم يفرضه الشرع فقد ظلمه فجباة الاموال بغير حقها ظلمة والمعتدون عليها ظلمة والمنتهبون لها ظلمة والمانعون لحقوق الناس ظلمة وخصاب الاملاك على العموم ظلمة ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران الذي هو مادتها لاذهابه الآمال من أهله واعلم أن هذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري وهي الحكمة العامة المراعية للشرع في جميع مقاصده الضرورية الخمسة من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال فلما كان الظلم كما رأيت مؤذنا بانقطاع النوع لما أدى إليه من تخريب العمران كانت حكمة الخطر فيه موجودة فكان تحريمه مهما وأدلته من القرآن والسنة كثيرة أكثر من أن يأخذها قانون الضبط والحصر ولو كان كل واحد قادرا على الظلم لوضع بإزائه من العقوبات الزاجرة ما وضع بإزاء غيره من المفسدات للنوع التي يقدر كل أحد على

[ 289 ]

اقترافها من الزنا والقتل والسكر إلا أن الظلم لا يقدر عليه إلا من يقدر عليه لانه إنما يقع من أهل القدرة والسلطان فبولغ في ذمه وتكرير الوعيد فيه عسى أن يكون الوازع فيه للقادر عليه في نفسه وما ربك بظلام للعبيد. ولا تقولن إن العقوبة قد وضعت بازاء الحرابة في الشرع وهي من ظلم القادر لان المحارب زمن حرابته قادر فان في الجواب عن ذلك طريقين. أحدهما أن تقول العقوبة على ما يقترفه من الجنايات في نفس أموال على ما ذهب إليه كثير وذلك إنما يكون بعد القدرة عليه والمطالبة بجنايته وأما نفس الحرابة فهي خلو من العقوبة. الطريق الثاني أن تقول المحارب لا يوصف بالقدرة لانا إنما نعني بقدرة الظالم اليد المبسوطة التي لا تعارضها قدرة فهي المؤذنة بالخراب وأما قدرة المحارب فانما هي إخافة يجعلها ذريعة لاخذ الاموال والمدافعة عنها بيد الكل موجودة شرعا وسياسة فليست من القدر المؤذن بالخراب والله قادر على ما يشاء. ومن أشد الظلامات وأعظمها في إفساد العمران تكليف الاعمال وتسخير الرعايا بغير حق وذلك أن الاعمال من قبيل المتمولات كما سنبين في كتاب الرزق لان الرزق والكسب إنما هو قيم أعمال أهل العمران فإذا مساعيهم وأعمالهم كلها متمولات ومكاسب لهم بل لا مكاسب لهم سواها فان الرعية المعتملين في العمارة إنما معاشهم ومكاسبهم من اعتمالهم ذلك فإذا كلفوا العمل في غير شأنهم واتخذوا سخريا في معاشهم بطل كسبهم واغتصبوا قيمة عملهم ذلك وهو متمولهم فدخل عليهم الضرر وذهب لهم حظ كيبرمن معاشهم بل هو معاشهم بالجملة وإن تكرر ذلك عليهم أفسد آمالهم في العمارة وقعدوا عن السعي فيها جملة فأدى ذلك إلى انتقاض العمران وتخريبه والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق وأعظم من ذلك في الظلم وإفساد العمران والدولة التسلط على أموال الناس بشراء مابين أيديهم بابخس الاثمان ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الاثمان على وجه الغصب والاكراه في الشراء والبيع وربما تفرض عليهم تلك الاثمان على التواحي والتعجيل فيتعللون في تلك الخسارة التي تلحقهم بما تحدثهم المطامع من جبر ذلك بحوالة الاسواق في تلك البضائع التي فرضت عليهم بالغلاء إلى بيعها بأبخس الاثمان وتعود خسارة ما بين الصفقتين على رؤوس أموالهم وقد يعم ذلك أصناف

[ 290 ]

التجار المقيمين بالمدينة والواردين من الآفاق في البضائع وسائر السوقة وأهل الدكاكين في المآكل والفواكه وأهل الصنائع فيما يتخذ من الآلات والمواعين فتشمل الخسارة سائر الاصناف والطبقات وتتوالى على الساعات وتجحف برؤوس الاموال ولا يجدون عنها وليجة إلا القعود عن الاسواق لذهاب رؤوس الاموال في جبرها بالارباح ويتثاقل الواردون من الآفاق لشراء البضائع وبيعها من أجل ذلك فتكسد الاسواق ويبطل معاش الرعايا لان عامته من البيع والشراء وإذا كانت الاسواق عطلا منها بطل معاشهم وتنقص جباية السلطان أو تفسد لان معظمها من أوسط الدولة وما بعدها إنما هو من المكوس على البياعات كما قدمناه ويؤول ذلك إلى تلاشي الدولة وفساد عمران المدينة ويتطرق هذا الخلل على التدريج ولا يشعر به هذا ما كان بأمثال هذه الذرائع والاسباب إلى أخذ الاموال وأما أخذها مجانا والعدوان على الناس في أموالهم وحرمهم ودمائهم وأسرارهم وأعراضهم فهو يفضي إلى الخلل والفساد دفعة وتنتقض الدولة سريعا بما ينشأ عنه من الهرج المفضي إلى الانتقاض ومن أجل هذه المفاسد حظر الشرع ذلك كله وشرع المكايسة في البيع والشراء وحظرأ كل أموال الناس بالباطل سدا لابواب المفاسد المفضية إلى انتقاض العمران بالهرج أو بطلان المعاش واعلم أن الداعي لذلك كله إنما هو حاجة الدولة والسلطان إلى الاكثار من المال بما يعرض لهم من الترف في الاحوال فتكثر نفقاتهم ويعظم الخرج ولايفي به الدخل على القوانين المعتادة يستحدثون ألقابا ووجوها يوسعون بها الجباية ليفي لهم الدخل بالخرج ثم لا يزال الترف يزيد والخرج بسببه يكثر والحاجة إلى أموال الناس تشتد ونطاق الدولة بذلك يزيد إلى أن تمحي دائرتها ويذهب برسمها ويغلبها طالبها والله أعلم الفصل الرابع والاربعون في ان الحجاب كيف يقع في الدول وفي انه يعظم عند الهرم إعلم أن الدولة في أمرها تكون بعيدة عن منازع الملك كما قدمناه لانه لا بد لها من العصبية التي بها يتم أمرها ويحصل استيلاؤها والبداوة وهي شعار العصبية والدولة إن كان قيامها بالدين فانه بعيد عن منازع الملك وإن كان قيامها

[ 291 ]

بعز الغلب فقط فالبداوة التي بها يحصل الغلب بعيدة أيضا عن منازع الملك ومذاهبه فإذا كانت الدولة في أول أمرها بدوية كان صاحبها على حال الغضاضة والبداوة والقرب من الناس وسهولة الاذن فإذا رسخ عزه وصار إلى الانفراد بنفسه عن الناس للحديث مع أوليائه في خواص شؤونه لما يكثر حينئذ بحاشيته فيطلب الانفراد من العامة ما استطاع ويتخذ الاذن ببابه على من لا يأمنه من أوليائه وأهل دولته ويتخذ حاجبا له عن الناس يقيمه ببابه لهذه الوظيفة ثم إذا استفحل الملك وجاءت مذاهبه ومنازعه استحالت أخلاق صاحب الدولة إلى أخلاق الملك وهي أخلاق غريبة مخصوصة يحتاج مباشرها إلى مداراتها ومعاملتها بما يجب لها وربما جهل تلك الاخلاق منهم بعض من يباشرهم فوقع فيما لا يرضيهم فسخطوا وصاروا إلى حالة الانتقام منه فانفرد بمعرفة هذه الآداب الخواص من أوليائهم وحجبوا غير أولئك الخاصة عن لقائهم في كل وقت حفظا على أنفسهم من معاينة ما يسخطهم على الناس من التعرض لعقابهم فصار لهم حجاب آخر أخص من الحجاب الاول يفضي إليهم منه خواصهم من الاولياء ويحجب دونه من سواهم من العامة والحجاب الثاني يفضي إلى مجالس الاولياء ويحجب دونه من سواهم من العامة والحجاب الاول يكون في أول الدولة كما ذكرنا كما حدث لايام معاوية وعبد الملك وخلفاء بني أمية وكان القائم على ذلك الحجاب يسمى عندهم الحاجب جريا على مذهب الاشتقاق الصحيح ثم لما جاءت دولة بني العباس وجدت الدولة من الترف والعز ما هو معروف وكملت خلق الملك على ما يجب فيها فدعا ذلك إلى الحجاب الثاني وصار اسم الحاجب أخض به وصار بباب الخلفاء داران للعباسية دار الخاصة ودار العامة كما هو مسطور في أخبارهم ثم حدث في الدول حجاب ثالث أخص من الاولين وهو عند محاولة الحجر على صاحب الدولة وذلك أن أهل الدولة وخواص الملك إذا نصبوا الابناء من الاعقاب وحاولوا الاستبداد عليهم فأول ما يبدأ به ذلك المستبد أن يحجب عنه بطانة ابنه وخواص اوليائه يوهمه أن في مباشرتهم إياه خرق حجاب الهيبة وفساد قانون الادب ليقطع بذلك لقاء الغير ويعوده ملابسة أخلاقه هو حتى لا يتبدل به سواه إلى أن يستحكم الاستيلاء عليه فيكون هذا الحجاب من دواعيه وهذا الحجاب لا يقع في

[ 292 ]

الغالب إلا أواخر الدولة كما قدمناه في الحجر ويكون دليلا على هرم الدولة ونفاد قوتها وهو مما يخشاه أهل الدول على أنفسهم لان القائمين بالدولة يحاولون على ذلك بطباعهم عند هرم الدولة وذهاب الاستبداد من أعقاب ملوكهم لما ركب في النفوس من محبة الاستبداد بالملك وخصوصا مع الترشيح لذلك وحصول دواعيه ومباديه الفصل الخامس والاربعون في انقسام الدولة الواحدة بدولتين إعلم أن أول ما يقع من آثار الهرم من الدولة انقسامها وذلك أن الملك عند ما يستفحل ويبلغ من أحوال الترف والنعيم إلى غايتها ويستبد صاحب الدولة بالمجد وينفرد به ويأنف حينئذ عن المشاركة ويصير إلى قطع أسبابها ما استطاع باهلاك من استراب به من ذوي قرابته المرشحين لمنصبه فربما ارتاب المساهمون له في ذلك بانفسهم ونزعوا إلى القاصية إليهم من يلحق بهم مثل حالهم من الاغترار والاسترابة ويكون نطاق الدولة قد أخذ في التضايق ورجع عن القاصية فيستبد ذلك النازع من القرابة فيها ولا يزال أمره يعظم بتراجع نطاق الدولة حتى يقاسم الدولة أو يكاد وانظر ذلك في الدولة الاسلامية العربية حين كان أمرها حريزا مجتمعا ونطاقا ممتدا في الاتساع وعصبية بني عبد مناف واحدة غالبة على سائر مضر فلم ينبض عرق من الخلافة سائر أيامه إلا ما كان من بدعة الخوارج المستميتين في شان بدعتهم لم يكن ذلك لنزعة ملك ولا رئاسة ولم يتم أمرهم لمزاحمتهم العصبية القوية ثم لما خرج الامر من بني أمية واستقل بنو العباس بالامر وكانت الدولة العربية قد بلغت الغاية من الغلب والترف وآذنت بالتقلص عن القاصية نزع عبد الرحمن الداخل إلى الاندلس قاصية دولة الاسلام فاستحدث بها ملكا واقتطعها عن دولتهم وصير الدولة دولتين ثم نزع أدريس إلى المغرب وخرج به وقام بامره وأمر ابنه من بعده البرابرة من أوربة ومغيلة وزناتة واستولى على ناحية المغربين ثم ازدادت الدولة تقلصا فاضطرب الاغالبة في الامتناع عليهم ثم خرج الشيعة وقام بامرهم كتامة وصنهاجة واستولوا على أفريقية والمغرب ثم مصر والشام والحجاز وغلبوا على الادارسة وقسموا الدولة دولتين أخريين وصارت الدولة العربية ثلاث دول دولة بني العباس

[ 293 ]

مركز العرب وأصلهم ومادتهم الاسلام ودولة بني أمية المجددين بالاندلس ملكهم القديم وخلافتهم بالمشرق ودولة العبيديين بافريقية ومصر والشام والحجاز ولم تزل هذه الدولة إلى أن أصبح انقراضها متقاربا أو جميعا وكذلك انقسمت دولة بني العباس بدول أخرى وكان بالقاصية بنو ساسان فيما وراء النهر وخراسان والعلوية في الديلم وطبرستان وآل ذلك إلى استيلاء الديلم على العراقين وعلى بغداد والخلفاء ثم جاء السلجوقية فملكوا جميع ذلك ثم انقسمت دولتهم أيضا بعد الاستفحال كما هو معروف في أخبارهم وكذلك اعتبره في دولة صنهاجة بالمغرب وأفريقية لما بلغت إلى غايتها أيام باديس بن المنصور خرج عليه عمه حماد واقتطع ممالك العرب لنفسه ما بين جبل أوراس إلى تلمسان وملوية واختط القلعة بجبل كتامة حيال المسيلة ونزلها واستولى على مركزهم أشير بجبل تيطرى واستحدث ملكا آخر قسيما لملك آل باديس وبقي آل باديس بالقيروان وما إليها ولم يزل ذلك إلى أن انقرض أمرهما جميعا وكذلك دولة الموحدين لما تقلص ظلها ثار بافريقية بنو أبي حفص فاستقلوا بها واستحدثوا ملكا لاعقابهم بنواحيها ثم لما استفحل أمرهم واستولى على الغاية خرج على الممالك الغربية من أعقابهم الامير أبوزكرياء يحيى ابن السلطان أبي اسحق إبراهيم رابع خلفائهم واستحدث ملكا بجباية وقسنطينة وما إليها أورثه بنيه وقسموا به الدولة قسمين ثم استولوا على كرسي الحضرة بتونس ثم انقسم الملك ما بين أعقابهم ثم عاد الاستيلاء فيهم وقد ينتهي الانقسام إلى أكثر من دولتين وثلاث وفي غير أعياص الملك من قومه كما وقع في ملوك الطوائف بالاندلس وملوك العجم بالمشرق وفي ملك صنهاجة بافريقية فقد كان لآخر دولتهم في كل حصن من حصون أفريقية ثائر مستقل بامره كما تقدم ذكره وكذا حال الجريد والزاب من أفريقية قبيل هذا العهد كما نذكره وهكذا شان كل دولة لابد وأن يعرض فيها عوارض الهرم بالترف والدعة وتقلص ظل الغلب فينقسم أعياصها أو من يغلب من رجال دولتها الامر ويتعدد فيها الدول والله وارث الارض ومن عليها الفصل السادس والاربعون في ان الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع قد قدمنا ذكر العوارض المؤذنة بالهرم وأسبابه واحدا بعد واحد وبينا أنها

[ 294 ]

تحدث للدولة بالطبع وأنها كلها أمور طبيعية لها وإذا كان الهرم طبيعيا في الدولة كان حدوثه بمثابة حدوث الامور الطبيعية كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني والهرم من الامراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها ولا ارتفاعها لما أنه طبيعي والامور الطبيعية لا تتبدل وقد يتنبه كثير من أهل الدول ممن له يقظة في السياسة فيرى ما نزل بدولتهم من عوارض الهرم ويظن أنه ممكن الارتفاع فيأخذ نفسه بتلافي الدولة وإصلاح مزاجها عن ذلك الهرم ويحسبه أنه لحقها بتقصير من قبله من أهل الدولة وغفلتهم وليس كذلك فإنها أمور طبيعية للدولة والعوائد هي المانعة له من تلافيها والعوائد منزلة طبيعية أخرى فإن من أدرك مثلا أباه وأكثر أهل بيته يلبسون الحرير والديباج ويتحلون بالذهب في السلاح والمراكب ويحتجبون عن الناس في المجالس والصلوات فلا يمكنه مخالفة سلفه في ذلك إلى الخشونه في اللباس والزي والاختلاط بالناس إذ العوائد حينئذ تمنعه وتقبح عليه مرتكبه ولو فعله لرمي بالجنون والوسواس في الخروج عن العوائد دفعة وخشي عليه عائدة ذلك وعاقبته في سلطانه وانظر شأن الانبياء في إنكار العوائد ومخالفتها لولا التأييد الالهي والنصر السماوي وربما تكون العصبية قد ذهبت فتكون الابهة تعوض عن موقعها من النفوس فإذا أزيلت تلك الابهة مع ضعف العصبية تجاسرت الرعايا على الدولة بذهاب أوهام الابهة فتتدرع الدولة بتلك الابهة ما أمكنها حتى ينقضي الامر وربما يحدث عند آخر الدولة قوة توهم أن الهرم قد ارتفع عنها ويومض ذبالها إيماضة الخمود كما يقع في الذبال المشتعل فانه عند مقاربة انطفائه يومض إيماضة توهم أنها اشتعال وهي انطفاء فاعتبر ذلك ولا تغفل سر الله تعالى وحكمته في اطراد وجوده على ما قدر فيه ولكل أجل كتاب الفصل السابع والاربعون في كيفية طروق الخلل للدولة إعلم أن مبنى الملك على أساسين لا بد منهما فالاول الشوكة والعصبية وهو المعبر عنه بالجند والثاني المال الذي هو قوام أولئك الجند وإقامة ما يحتاج إليه الملك من الاحوال والخلل إذا طرق الدولة طرقها في هذين الاساسين فلنذكر أولا طروق

[ 295 ]

الخلل في الشوكة والعصبية ثم نرجع إلى طروقه في المال والجباية واعلم أن تمهيد الدولة وتأسيسها كما قلناه إنما يكون بالعصبية وأنه لابد من عصبية كبرى جامعة للعصائب مستتبعة لها وهي عصبية صاحب الدولة الخاصة من عشيرة وقبيلة فإذا جاءت الدولة طبيعة الملك من الترف وجدع أنوف أهل العصبية كان أول ما يجدع أنوف عشيرته وذوي قرباه المقاسمين له في اسم الملك فيستبد في جدع أنوفهم بما بلغ من سوادهم لمكانهم من الملك والعز والغلب فيحيط بهم هادمان وهما الترف والقهر ثم يصير القهر آخرا إلى القتل لما يحصل من مرض قلوبهم عند رسوخ الملك لصاحب الامر فيقلب غيرته منهم إلى الخوف على ملكه فيأخذهم بالقتل والاهانة وسلب النعمة والترف الذي تعودوا الكثير منه فيهلكون ويقلون وتفسد عصبية صاحب الدولة منهم وهي العصبية الكبرى التي كانت تجمع بها العصائب وتستتبعها فتنحل عروتها وتضعف شكيمتها وتستبدل عنها بالبطانة من موالي النعمة وصنائع الاحسان وتتخذ منهم عصبية إلا أنها ليست مثل تلك الشدة الشكيمية لفقدان الرحم والقرابة منها وقد كنا قدمنا أن شان العصبية وقوتها إنما هي بالقرابة والرحم لما جعل الله في ذلك فينفرد صاحب الدولة عن العشير والانصار الطبيعية ويحس بذلك أهل العصائب الاخرى فيتجاسرون عليه وعلى بطانته تجاسرا طبيعيا فيهلكهم صاحب الدولة ويتبعهم بالقتل واحدا بعد واحد ويقلد الآخر من أهل الدولة في ذلك الاول مع ما يكون قد نزل بهم من مهلكة الترف الذي قدمنا فيستولي عليهم الهلاك بالترف والقتل حتى يخرجوا عن صبغة تلك العصبية ويفشوا بعزتها وثورتها ويصيروا أوجز على الحماية ويقلون لذلك فتقل الحماية التي تنزل بالاطراف والثغور فتتجاسر الرعايا على بعض الدعوة في الاطراف ويبادر الخوارج على الدولة من الاعياص وغيرهم إلى تلك الاطراف لما يرجون حينئذ من حصول غرضهم بمبايعة أهل القاصية لهم وأمنهم من وصول الحامية إليهم ولا يزال ذلك يتدرج ونطاق الدولة يتضايق حتى تصير الخوارج في أقرب الاماكن إلى مركز الدولة وربما انقسمت الدولة عند ذلك بدولتين أو ثلاث على قدر قوتها في الاصل كما قلناه ويقوم بامرها غير أهل عصبيتها لكن إذعانا لاهل عصبيتها ولغلبهم المعهود واعتبر هذا في دولة العرب في

[ 296 ]

الاسلام كيف انتهت أولا إلى الاندلس والهند والصين وكان أمر بني أمية نافذا في جميع العرب بعصبية بني عبد مناف حتى لقد أمر سليمان بن عبد الملك بدمشق بقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير بقرطبة فقتل ولم يرد أمره ثم تلاشت عصبية بني أمية بما أصابهم من الترف فانقرضوا وجاء بنو العباس فغضوا من أعنة بني هاشم وقتلوا الطالبيين وشردوهم فانحلت عصبية عبد مناف وتلاشت وتجاسر العرب عليهم فاستبد عليهم أهل القاصية مثل بني الاغلب بافريقية وأهل الاندلس وغيرهم وانقسمت الدولة ثم خرج بنو أدريس بالمغرب وقلم البربر بامرهم إذعانا للعصبية التي لهم وأمنا أن تصلهم مقاتلة أو حامية للدولة فإذا خرج الدعاة آخرا فيتغلبون على الاطراف والقاصية وتحصل لهم هناك دعوة وملك تنقسم به الدولة وربما يزيد ذلك متى زادت الدولة تقلصا إلى أن ينتهي إلى المركز وتضعف البطانة بعد ذلك بما أخذ منها الترف فتهلك وتضمحل وتضعف الدولة المنقسمة كلها وربما طال أمدها بعد ذلك فتستغني عن العصبية بما حصل لها من الصبغة في نفوس أهل إيالتها وهي صبغة الانقياد والتسليم منذ السنين الطويلة التي لا يعقل أحد من الاجيال مبدأها ولا أوليتها فلا يعقلون إلا التسليم لصاحب الدولة فيستغني بذلك عن قوة العصائب ويكفي صاحبها بما حصل لها في تمهيد أمرها الاجراء على الحامية من جندي ومرتزق ويعضد ذلك ما وقع في النفوس عامة من التسليم فلا يكاد أحد يتصور عصيانا أو خروجا إلا والجمهور منكرون عليه مخالفون له فلا يقدر على التصدي لذلك ولو جهد جهده وربما كانت الدولة في هذا الحال أسلم من الخوارج والمنازعة لاستحكام صبغة التسليم والانقياد لهم فلا تكاد النفوس تحدث سرها بمخالفة ولا يختلج في ضميرها انحراف عن الطاعة فيكون أسلم من الهرج والانتقاض الذي يحدث من العصائب والعشائر ثم لا يزال أمر الدولة كذلك وهي تتلاشى في ذاتها شان الحرارة الغريزية في البدن العادم للغذاء إلى أن تنتهي إلى وقتها المقدور ولكل أجل كتاب ولكل دولة أمد والله يقدر الليل والنهار وهو الواحد القهار. وأما الخلل الذي يتطرق من جهة المال فاعلم أن الدولة في أولها تكون بدوية كما مر فيكون خلق الرفق بالرعايا والقصد في النفقات والتعفف عن الاموال فتتجافى عن الامعان في الجباية والتحذلق

[ 297 ]

والكيس في جمع الاموال وحسبان العمال ولاداعية حينئذ إلى الاسراف في النفقة فلا تحتاج الدولة إلى كثرة المال ثم يحصل الاستيلاء ويعظم ويستفحل الملك فيدعو إلى الترف ويكثر الانفاق بسببه فتعظم نفقات السلطان وأهل الدولة على العموم بل يتعدى ذلك إلى أهل المصر ويدعو ذلك إلى الزيادة في أعطيات الجند وأرزاق أهل الدولة ثم يعظم الترف فيكثر الاسراف في النفقات وينتشر ذلك في الرعية لان الناس على دين ملوكها وعوائدها ويحتاج السلطان إلى ضرب المكوس على أثمان البياعات في الاسواق لادرار الجباية لما يراه من ترف المدينة الشاهد عليهم بالرفه ولما يحتاج هو إليه من نفقات سلطانه وأرزاق جنده ثم تزيد عوائد الترف فلا تفي بها المكوس وتكون الدولة قد استفحلت في الاستطالة والقهر لمن تحت يدها من الرعايا فتمتد أيديهم إلى جمع المال من أموال الرعايا من مكس أو تجارة أو نقد في بعض الاحوال بشبهة أو بغير شبهة ويكون الجند في ذلك الطور قد تجاسر على الدولة بما لحقها من الفشل والهرم في العصبية فتتوقع ذلك منهم وتداوى بسكينة العطايا وكثرة الانفاق فيهم ولا تجد عن ذلك وليجة وتكون جباة الاموال في الدولة قد عظمت ثروتهم في هذا الطور بكثرة الجباية وكونها بايديهم وبما اتسع لذلك من جاههم فيتوجه إليهم باحتجان الاموال من الجباية وتفشو السعاية فيهم بعضهم من بعض للمنافسة والحقد فتعمهم النكبات والمصادرات واحدا واحدا إلى أن تذهب ثروتهم وتتلاشى أحوالهم ويفقد ما كان للدولة من الابهة والجمال بهم وإذا اصطلمت نعمتهم تجاوزتهم الدولة إلى أهل الثروة من الرعايا سواهم ويكون الوهن في هذا الطور قد لحق الشوكة وضعفت عن الاستطالة والقهر فتنصرف سياسة صاحب الدولة حينئذ إلى مداراة الامور ببذل المال ويراه أرفع من السيف لقلة غنائه فتعظم حاجته إلى الاموال زيادة على النفقات وأرزاق الجند ولا يغنى فيما يريد ويعظم الهرم بالدولة ويتجاسر عليها أهل النواحي والدولة تنحل عراها في كل طور من هذه إلى أن تفضي إلى الهلاك وتتعوض من الاستيلاء الكلل فان قصدها طالب انتزعها من ايدي القائمين بها وإلابقيت وهي تتلاشى إلى أن تضمحل كالذبال في السراج إذا فني زيته وطفئ والله مالك الامور ومدبر الاكوان لا إله إلا هو

[ 298 ]

الفصل الثامن والاربعون في حدوث الدولة وتجددها كيف يقع إعلم أن نشأة الدول وبدائتها إذا أخذت الدولة المستقرة في الهرم والانتقاص تكون على نوعين إما بأن يستبد ولاة الاعمال في الدولة بالقاصية عندما يتقلص ظلها عنهم فيكون لكل واحد منهم دولة يستجدها لقومه وما يستقر في نصابه يرثه عنه أبناؤه أو مواليه ويستفحل لهم الملك بالتدريج وربما يزدحمون على ذلك الملك ويتقارعون عليه ويتنازعون في الاستئثار به ويغلب منهم من يكون له فضل قوة على صاحبه وينتزع ما في يده كما وقع في دولة بني العباس حين أخذت دولتهم في الهرم وتقلص ظلها عن القاصية واستبد بنو ساسان بما وراء النهر وبنو حمدان بالموصل والشام وبنو طولون بمصر وكما وقع بالدولة الاموية بالاندلس وافترق ملكها في الطوائف الذين كانوا ولاتها في الاعمال وانقسمت دولا وملوكا أورثوها من بعدهم من قرابتهم أو مواليهم وهذا النوع لا يكون بينهم وبين الدولة المستقرة حربا لانهم مستقرون في رئاستهم ولا يطمعون في الاستيلاء على الدولة المستقرة بحرب وإنما الدولة أدركها الهرم وتقلص ظلها عن القاصية وعجزت عن الوصول إليها والنوع الثاني بان يخرج على الدولة خارج ممن يجاورها من الامم والقبائل إما بدعوة يحمل الناس عليها كما أشرنا إليه أو يكون صاحب شوكة وعصبية كبيرا في قومه قد استفحل أمره فيسموبهم إلى الملك وقد حدثوا به أنفسهم بما حصل لهم من الاعتراز على الدولة المستقرة وما نزل بها من الهرم فيتعين له ولقومه الاستيلاء عليها ويمارسونها بالمطالبة إلى أن يظفروا با ويزنون (1) كما يتبين والله سبحانه وتعالى أعلم الفصل التاسع والاربعون في ان الدولة المستجدة انما تستولي على الدولة المستقرة بالمطاولة لا بالمناجزة قد ذكرنا أن الدول الحادثة المتجددة نوعان نوع من ولاية الاطراف إذا تقلص ظل الدولة عنهم وانحسر تيارها وهؤلاء لا يقع منهم مطالبة للدولة في الاكثر كما قدمناه لان قصاراهم القنوع بما في أيديهم وهو نهاية قوتهم والنوع الثاني نوع


(1) قوله ويزنون وفي نسخه ويرفون من الرفو بالراء والفاء. اه‍ (*)

[ 299 ]

الدعاة والخوارج على الدولة وهؤلاء لابد لهم من المطالبة لان قوتهم وافية بها فإن ذلك إنما يكون في نصاب يكون له من العصبية والاعتزاز ما هو كفاء ذلك وواف به فيقع بينهم وبين الدولة المستقرة حروب سجال تتكور وتتصل إلى أن يقع لهم الاستيلاء والظفر بالمطلوب ولا يحصل لهم في الغالب ظفر بالمناجزة والسبب في ذلك أن الظفر في الحروب إنما يقع كما قدمناه بامور نفسانية وهمية وإن كان العدد والسلاح وصدق القتال كفيلا به لكنه قاصر مع تلك الامور الوهمية كما مر ولذلك كان الخداع من أرفع ما يستعمل في الحرب وأكثر ما يقع الظفر به وفي الحديث الحرب خدعة والدولة المستقرة قد صيرت العوائد المألوفة طاعتها ضرورية واجبة كما تقدم في غير موضع فكثر بذلك العوائق لصاحب الدولة المستجدة ويكثر من همم أتباعه وأهل شوكته وإن كان الاقربون من بطانته على بصيرة في طاعته ومؤازرته إلا أن الآخرين أكثر وقد داخلهم الفشل بتلك العقائد في التسليم للدولة المستقرة فيحصل بعض الفتور منهم ولا يكاد صاحب الدولة المستقرة يرجع إلى الصبر والمطاولة حتى يتضح هرم الدولة المستقرة فتضمحل عقائد التسليم لها من قومه وتنبعث منهم الهمم لصدق المطالبة معه فيقع الظفر والاستيلاء وأيضا فالدولة المستقرة كثيرة الرزق بما استحكم لهم من الملك وتوسع من النعيم واللذات واختصوا به دون غيرهم من أموال الجباية فيكثر عندهم ارتباط الخيول واستجادة الاسلحة وتعظم فيهم الابهة الملكية ويفيض العطاء بينهم من ملوكهم اختيارا واضطرارا فيرهبون بذلك كله عدوهم وأهل الدولة المستجدة بمعزل عن ذلك لما هم فيه من البداوة وأحوال الفقر والخصاصة فيسبق إلى قلوبهم أوهام الرعب بما يبلغهم من أحوال الدولة المستقرة ويحرمون عن قتالهم من أجل ذلك فيصير أمرهم إلى المطاولة حتى تأخذ المستقرة مأخذها من الهرم ويستحكم الخلل فيها في العصبية والجباية فينتهز حينئذ صاحب الدولة المستجدة فرصته في الاستيلاء عليها بعد حين منذ المطالبة سنة الله في عباده وأيضا فأهل الدولة المستجدة كلهم مباينون للدولة المستقرة بأنسابهم وعوائدهم وفي سائر مناحيهم ثم هم مفاخرون لهم ومنابذون بما وقع من هذه المطالبة وبطمعهم في الاستيلاء عليه فتتمكن

[ 300 ]

المباعدة بين اهل الدولتين سرا وجهرا ولا يصل إلى أهل الدولة المستجدة خبر عن أهل الدولة المستقرة يصيبون منه غرة (1) باطنا وظاهرا لانقطاع المداخلة بين الدولتين فيقيمون على المطالبة وهم في إحجام وينكلون عن المناجزة حتى يأذن الله بزوال الدولة المستقرة وفناء عمرها ووفور الخلل في جميع جهاتها واتضح لاهل الدولة المستجدة مع ما كان يخفى منهم من هرمها وتلاشيها وقد عظمت قوتهم بما اقتطعوه من أعمالها ونقصوه من أطرافها فتنبعث هممهم يدا واحدة للمناجزة ويذهب ما كان بث في عزائمهم من التوهمات وتنتهي المطاولة إلى حدها ويقع الاستيلاء آخرا بالمعاجلة واعتبر ذلك في دولة بني العباس حين ظهورها حين قام الشيعة بخراسان بعد انعقاد الدعوة واجتماعهم على المطالبة عشر سنين أو تزيد وحينئذ تم لهم الظفر واستولوا على الدولة الاموية وكذا العلوية بطبرستان عند ظهور دعوتهم في الديلم كيف كانت مطاولتهم حتى استولوا على تلك الناحية ثم لما انقضى أمر العلوية وسما الديلم إلى ملك فارس والعراقين فمكثوا سنين كثيرة يطاولون حتى اقتطعوا أصبهان ثم استولوا على الخليفة ببغداد وكذا العبيديون أقام داعيتهم بالمغرب أبو عبد الله الشيعي ببني كتامة من قبائل البربر عشر سنين ويزيد تطاول بني الاغلب بأفريقية حتى ظفر بهم واستولوا على المغرب كله وسموا إلى ملك مصر فمكثوا ثلاثين سنة أو نحوها في طلبها يجهزون إليها العساكر والاساطيل في كل وقت ويجئ المدد لمدافعتهم برا وبحرا من بغداد والشام وملكوا الاسكندرية والفيوم والصعيد وتخطت دعوتهم من هنالك إلى الحجاز وأقيمت بالحرمين ثم نازل قائدهم جوهر الكاتب بعساكره مدينة مصر واستولى عليها واقتلع دوله بني طغج من أصولها واختط القاهرة فجاء الخليفة بعد المعز لدين الله فنزلها لستين سنة أو نحوها منذ استيلائهم على الاسكندرية وكذا السلجوقية ملوك الترك لما استولوا على بني ساسان وأجازوا من وراء النهر مكثوا نحوا من ثلاثين سنة يطاولون بني سبكتكين بخراسان حتى استولوا على دولته ثم زحفوا إلى بغداد فاستولوا عليها وعلى الخليفة بها بعد أيام من الدهر وكذا التتر من بعدهم خرجوا من المفازة عام سبعة عشر وستمائة فلم يتم لهم الاستيلاء إلا بعد أربعين سنة وكذا أهل المغرب خرج به المرابطون من


(1) قوله غرة بكسر الغين اي غفلة (*)

[ 301 ]

لمتونة على ملوكه من مغراوة فطاولوهم سنين ثم استولوا عليه ثم خرج الموحدون بدعوتهم على لمتونة فمكثوا نحوا من ثلاثين سنة يحاربونهم حتى استولوا على كرسيهم بمراكش وكذا بنو مرين من زناتة خرجوا على الموحدين فمكثوا يطاولونهم نحوا من ثلاثين سنة واستولوا على فاس واقتطعوها وأعمالها من ملكهم ثم أقاموا في محاربتهم ثلاثين أخرى حتى استولوا على كرسيهم بمراكش حسبما نذكر ذلك كله في تواريخ هذه الدول فهكذا حال الدول المستجدة مع المستقرة في المطالبة والمطاولة سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا يعارض ذلك بما وقع في الفتوحات الاسلامية وكيف كان استيلاؤهم على فارس والروم لثلاث أو أربع من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم واعلم أن ذلك إنما كان معجزة من معجزات نبينا سرها استماتة المسلمين في جهاد عدوهم استبعادا بالايمان وما أوقع الله في قلوب عدوهم من الرعب والتخاذل فكان ذلك كله خارقا للعادة المقررة في مطاولة الدول المستجدة للمستقرة وإذا كان ذلك خارقا فهو من معجزات نبينا صلوات الله عليه المتعارف ظهورها في الملة الاسلامية والمعجزات لا يقاس عليها الامور العادية ولا يعترض بها والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق الفصل الخمسون في وفور العمران اخر الدولة وما يقع فيها من كثرة الموتان والمجاعات إعلم أنه قد تقرر لك فيما سلف أن الدولة في أول أمرها لابد لها من الرفق في ملكتها والاعتدال في إيالتها إما من الدين إن كانت الدعوة دينية أو من المكارمة والمحاسنة التي تقتضيها البداوة الطبيعية للدول وإذا كانت الملكة رفيقة محسنة انبسطت آمال الرعايا وانتشطوا للعمران وأسبابه فتوفر ويكثر التناسل وإذا كان ذلك كله بالتدريج فإنما يظهر أثره بعد جيل أو جيلين في الاقل وفي انقضاء الجيلين تشرف الدولة على نهاية عمرها الطبيعي فيكون حينئذ العمران في غاية الوفور والنماء ولا تقولن إنه قد مر لك أن أواخر الدولة يكون فيها الاحجاف بالرعايا وسوء الملكة فذلك صحيح ولا يعارض ما قلناه لان الاحجاف وإن حدث حينئذ وقلت الجبايات فإنما يظهر أثره في تناقص العمران بعد حين من أجل التدريج

[ 302 ]

في الامور الطبيعية ثم إن المجاعات والموتان تكثر عند ذلك في أواخر الدول والسبب فيه إما المجاعات فلقبض الناس أيديهم عن الفلح في الاكثر بسبب ما يقع في آخر الدولة من العدوان في الاموال والجبايات أو الفتن الواقعة في انتقاص الرعايا وكثرة الخوارج لهرم الدولة فيقل احتكار الزرع غالبا وليس صلاح الزرع وثمرته بمستمر الوجود ولا على وتيرة واحدة فطبيعة العالم في كثرة الامطار وقلتها مختلفة والمطر يقوى ويضعف ويقل ويكثر والزرع والثمار والضرع على نسبته إلا أن الناس واثقون في أقواتهم بالاحتكار فإذا فقد الاحتكار عظم توقع الناس للمجاعات فغلا الزرع وعجز عنه أولو الخصاصة فهلكوا وكان بعض السنوات الاحتكار مفقودا فشمل الناس الجوع وأما كثرة الموتان فلها أسباب من كثرة المجاعات كما ذكرناه أو كثرة الفتن لاختلال الدولة فيكثر الهرج والقتل أو وقوع الوباء وسببه في الغالب فساد الهواء بكثرة العمران لكثرة ما يخالطه من العفن والرطوبات الفاسدة وإذا فسد الهواء وهو غذاء الروح الحيواني وملابسه دائما فيسري الفساد إلى مزاجه فإن كان الفساد قويا وقع المرض في الرئة وهذه هي الطواعين وأمراضها مخصوصة بالرئة وإن كان الفساد دون القوي والكثير فيكثر العفن ويتضاعف فتكثر الحميات في الامزجة وتمرض الابدان وتهلك وسبب كثرة العفن والرطوبات الفاسدة في هذا كله كثرة العمران ووفوره آخر الدولة لما كان في أوائلها من حسن الملكة ورفقها وقلة المغرم وهو ظاهر ولهذا تبين في موضعه من الحكمة أن تخلل الخلاء والقفر بين العمران ضروري ليكون تموج الهواء يذهب بما يحصل في الهواء من الفساد والعفن بمخالطة الحيوانات ويأتي بالهواء الصحيح ولهذا أيضا فإن الموتان يكون في المدن الموفورة العمران أكثر من غيرها بكثير كمصر بالمشرق وفاس بالمغرب والله يقدر ما يشاء الفصل الحادي والخمسون في ان العمران البشري لا بد له من سياسة ينتظم بها امره إعلم أنه قد تقدم لنا في غير موضع أن الاجتماع للبشر ضروري وهو معنى العمران الذي نتكلم فيه وأنه لا بد لهم في الاجتماع من وازع حاكم يرجعون

[ 303 ]

إليه وحكمه فيهم تارة يكون مستندا إلى شرع منزل من عند الله يوجب انقيادهم إليه إيمانهم بالثواب والعقاب عليه الذي جاء به مبلغه وتارة إلى سياسة عقلية يوجب انقيادهم إليها ما يتوقعونه من ثواب ذلك الحاكم بعد معرفته بمصالحهم فالاولى يحصل نفعها في الدنيا والآخرة لعلم الشارع بالمصالح في العاقبة ولمراعاته نجاة العباد في الآخرة والثانية إنما يحصل نفعها في الدنيا فقط وما تسمعه من السياسة المدنية فليس من هذا الباب وإنما معناه عند الحكماء ما يجب أن يكون عليه كل واحد من أهل ذلك المجتمع في نفسه وخلقه حتى يستغنوا عن الحكام رأسا ويسمون المجتمع الذي يحصل فيه ما يسمى من ذلك بالمدينة الفاصلة والقوانين المراعاة في ذلك بالسياسة المدنية وليس مرادهم السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع بالمصالح العامة فإن هذه غير تلك وهذه المدينة الفاصلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع وإنما يتكلمون عليها على جهة الفرض والتقدير ثم إن السياسة العقلية التي قدمناها تكون على وجهين أحدهما يراعى فيها المصالح على العموم ومصالح السلطان في استقامة ملكه على الخصوص وهذه كانت سياسة الفرس وهي على جهة الحكمة وقد أغنانا الله تعالى عنها في الملة ولعهد الخلافة لان الاحكام الشرعية مغنية عنها في المصالح العامة والخاصة وأحكام الملك مندرجة فيها. الوجه الثاني أن يراعى فيها مصلحة السلطان وكيف يستقيم له الملك مع القهر والاستطالة وتكون المصالح العامة في هذه تبعا وهذه السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع التي لسائر الملوك في العالم من مسلم وغيره إلا أن ملوك المسلمين يجرون منها على ما تقتضيه الشريعة الاسلامية بحسب جهدهم فقوانينها إذا مجتمعة من أحكام شرعية واداب خلقية وقوانين في الاجتماع طبيعية وأشياء من مراعاة الشوكة والعصبية ضرورية والاقتداء فيها بالشرع أولا ثم الحكماء في آدابهم والملوك في سيرهم ومن أحسن ما كتب في ذلك وأودع كتاب طاهر بن الحسين لابنه عبد الله بن طاهر لما ولاه المأمون الرقة ومصر وما بينهما فكتب إليه أبوه طاهر كتابه المشهور عهد إليه فيه ووصاه بجميع ما يحتاج إليه في دولته وسلطانه من الآداب الدينية والخلقية والسياسة الشرعية والملوكية وحثه على مكارم الاخلاق ومحاسن الشيم بما لا يستغني عنه ملك

[ 304 ]

ولا سوقة. ونص الكتاب (بسم الله الرحمن الرحيم) أما بعد فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له وخشيته ومراقبته عز وجل ومزايلة سخطه واحفظ رعيتك في الليل النهار والزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك وما أنت صائر إليه وموقوف عليه ومسئول عنه والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله عز وجل وينجيك يوم القيامة من عقابه وأليم عذابه فإن الله سبحانه قد أحسن إليك وأوجب الرأفة عليك بمن استرعاك أمرهم من عباده وألزمك العدل فيهم والقيام بحقه وحدوده عليهم والذب عنهم والدفع عن حريمهم ومنصبهم والحقن لدمائهم والامن لسربهم وإدخال الراحة عليهم ومؤاخذك بما فرض عليك وموقفك عليه وسائلك عنه ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت ففرغ لذلك فهمك وعقلك وبصرك ولا يشغلك عنه شاغل وإنه رأس أمرك وملاك شأنك وأول ما يوقفك الله عليه وليكن أول ما تلزم به نفسك وتنسب إليه فعلك المواظبة على ما فرض الله عزوجل عليك من الصلوات الخمس والجماعة عليها بالناس قبلك وتوابعها على سننها من إسباغ الوضوء لها وافتتاح ذكر الله عز وجل فيها ورتل في قراءتك وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك ولتصرف فيه رأيك ونيتك واحضض عليه جماعة ممن معك وتحت يدك وادأب عليها فإنها كما قال الله عزوجل تنهى عن الفحشاء والمنكر ثم اتبع ذلك بالاخذ بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمثابرة على خلائقه واقتفاء أثر السلف الصالح من بعده وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة الله عز وجل وتقواه وبلزوم ما أنزل الله عز وجل في كتابه من أمره ونهيه وحلاله وحرامه وائتمام ما جاءت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قم فيه بالحق لله عز وجل ولا تميلن عن العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس أو لبعيد وآثر الفقه وأهله والدين وحملته وكتاب الله عز وجل والعاملين به فإن أفضل ما يتزين به المرء الفقه في الدين والطلب له والحث عليه والمعرفة بما يتقرب به إلى الله عزوجل فإنه الدليل على الخير كله والقائد إليه والآمر به والناهي عن المعاصي والموبقات كلها ومع توفيق الله عز وجل يزداد المرء معرفة وإجلالا له ودركا للدرجات العلى في المعاد مع ما في ظهوره للناس من التوقير لامرك والهيبة لسلطانك والانسة بك والثقة بعد لك وعليك بالاقتصاد في الامور كلها فليس شئ أبين

[ 305 ]

نفعا ولا أخص أمنا ولا أجمع فضلا منه والقصد داعية إلى الرشد والرشد دليل على التوفيق والتوفيق قائد إلى السعادة وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد وكذا في دنياك كلها ولا تقصر في طلب الآخرة والاجر والاعمال الصالحة والسنن المعروفة ومعالم الرشد والاعانة والاستكثار من البر والسعي له إذا كان يطلب به وجه الله تعالى ومرضاته ومرافقة أولياء الله في دار كرامته أما تعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العز ويمحص من الذنوب وأنك لن تحوط نفسك من قائل ولا تنصلح أمورك بأفضل منه فاته واهتد به تتم أمورك وتزد مقدرتك وتصلح عامتك وخاصتك وأحسن ظنك بالله عز وجل تستقم لك رعيتك والتمس الوسيلة إليه في الامور كلها تستدم به النعمة عليك ولا تتهمن أحدا من الناس فيما توليه من عملك قبل أن تكشف أمره فإن إيقاع التهم بالبراء والظنون السيئة بهم آثم إثم فاجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك واطرد عنك سوء الظن بهم وارفضه فيهم يعنك ذلك على استطاعتهم ورياضتهم ولا يجدن عدو الله الشيطان في أمرك مغمزا فإنه يكتفي بالقليل من وهنك ويدخل عليك من الغم بسوء الظن بهم ما ينقص لذاذة عيشك واعلم أنك تجد بحسن الظن قوة وراحة وتكتفي به ما أحببت كفايته من أمورك وتدعو به الناس إلى محبتك والاستقامة في الامور كلها ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك والرأفة برعيتك أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك والمباشرة لامور الاولياء وحياطة الرعية والنظر في حوائجهم وحمل مؤوناتهم أيسر عندك مما سوى ذلك فإنه أقوم للدين وأحيا للسنة وأخلص نيتك في جميع هذا وتفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم أنه مسئول عما صنع ومجزي بما أحسن ومؤاخذ بما أساء فإن الله عز وجل جعل الدين حرزا وعزا ورفع من اتبعه وعززه واسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين وطريقة الهدى وأقم حدود الله تعالى في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه ولا تعطل ذلك ولا تتهاون به ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة فإن في تفريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك واعتزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة وجانب البدع والشبهات يسلم لك دينك وتقم لك مرؤتك وإذا عاهدت عهدا فأوف به وإذا وعدت خيرا فأنجزه واقبل الحسنة وادفع بها وأغمض عن عيب

[ 306 ]

كل ذي عيب من رعيتك واشدد لسانك عن قول الكذب والزور وأبغض أهل النميمة فإن أول فساد أمورك في عاجلها وآجلها تقريب الكذوب والجراءة على الكذب لان الكذب رأس المآثم والزور والنميمة خاتمتها لان النميمة لا يسلم صاحبها وقائلها لا يسلم له صاحب ولا يستقيم له أمر وأحبب أهل صلاح والصدق وأعز الاشراف بالحق وآس الضعفاء وصل الرحم وابتغ بذلك وجه الله تعالى وإعزاز أمره والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة واجتنب سوء الاهواء والجور واصرف عنهما رايك وأظهر براءتك من ذلك لرعيتك وأنعم بالعدل في سياستهم وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى واملك نفسك عند الغضب وآثر الحلم والوقار وإياك والحدة والطيش والغرور فيما أنت بسيله وإياك أن تقول أنا مسلط أفعل ما أشاء فإن ذلك سريع إلى نقص الرأي وقلة اليقين بالله عزوجل وأخلص لله وحده النية فيه واليقين به واعلم أن الملك لله سبحانه وتعالى يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء ولن تجد تغير النعمة وحلول النقمة على أحد أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة إذا كفروا نعم الله وإحسانه واستطالوا بما أعطاهم الله عزوجل من فضله ودع عنك شره نفسك ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدخر وتكنز البر والتقوى واستصلاح الرعية وعمارة بلادهم والتفقد لامورهم والحفظ لدمائهم والاغاثة لملهوفهم واعلم أن الاموال إذا اكتنزت وادخرت في الخزائن لا تنمو وإذا كانت في صلاح الرعية وإعطاء حقوقهم وكف الاذية عنهم نمت وزكت وصلحت بها العامة وترتبت بها الولاية وطاب بها الزمان واعتقد فيها العز والمنفعة فليكن كنز خزائنك تفريق الاموال في عمارة الاسلام وأهله ووفر منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم وأوف من ذلك حصصهم وتعهد ما يصلح أمورهم ومعاشهم فإنك إذا فعلت ذلك قرت النعمة عليك واستوجبت المزيد من الله تعالى وكنت بذلك على جباية خراجك وجمع أموال رعيتك وعملك أقدر وكان الجميع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتك وأطيب أنفسا بكل ما أردت وأجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب وليعظم حقك فيه وإنما يبقى من المال ما أنفق في سبيل الله واعرف للشاكرين حقهم وأثبهم عليه وإياك أن

[ 307 ]

تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة فتتهاون بما يحق عليك فإن التهاون يورث التفريط والتفريط يورث البوار وليكن عملك لله عزوجل وارج الثواب فيه فإن الله سبحانه قد أسبغ عليك فضله واعتصم بالشكر وعليه فاعتمد يزدك الله خيرا وإحسانا فإن الله عزوجل يثيب بقدر شكر الشاكرين وإحسان المحسنين ولا تحقرن ذنبا ولا تمالان حاسدا ولا ترحمن فاجرا ولا تصلن كفورا ولا تداهنن عدوا ولا تصدقن نماما ولا تأمنن غدارا ولا توالين فاسقا ولا تتبعن غاويا ولا تحمدن مرائيا ولا تحقرن إنسانا ولا تردن سائلا فقيرا ولا تحسنن باطلا ولا تلاحظن مضحكا ولا تخلفن وعدا ولا تزهون فخرا ولا تظهرن غضبا ولا تباينن رجاء ولا تمشين مرحا ولا تفرطن في طلب الآخرة ولا ترفع للنمام عينا ولا تغمضن عن ظالم رهبة منه أو محاباة ولا تطلبن ثواب الآخرة في الدنيا وأكثر مشاورة الفقهاء واستعمل نفسك بالحلم وخذ عن أهل التجارب وذوي العقل والرأي والحكمة ولا تدخلن في مشورتك أهل الرقة والبخل ولا تسمعن لهم قولا فإن ضررهم أكثر من نفعهم وليس شئ أسرع فسادا لما استقبلت فيه أمر رعيتك من الشح واعلم أنك إذا كنت حريصا كنت كثير الاخذ قليل العطية وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلا فإن رعيتك إنما تعقد على محبتك بالكف عن أموالهم وترك الجور عليهم وابتدئ من صافاك من أوليائك بالافضال عليهم وحسن العطية لهم واجتنب الشح واعلم أنه أول ما عصى الانسان به ربه وإن العاصي بمنزلة خزي وهو قول الله عزوجل ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون فسهل طريق الجود بالحق واجعل للمسلمين كلهم من فيئك حظا ونصيبا وأيقن أن الجود أفضل أعمال العباد فأعده لنفسك خلقا وارض به عملا ومذهبا وتفقد الجند في دواوينهم ومكانتهم وأدر عليهم أرزاقهم ووسع عليهم في معايشهم يذهب الله عزوجل بذلك فاقتهم فيقوى لك أمرهم وتزيد قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصا وانشراحا وحسب ذي السلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته ذا رحمة في عدله وحيطته وإنصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسعته فزايل مكروه احد البابين باستشعار فضيلة الباب الآخر ولزوم العمل به نلق إن شاء الله تعالى نجاحا وصلاحا وفلاحا واعلم أن القضاء من الله تعالى بالمكان

[ 308 ]

الذي ليس فوقه شئ من الامور لانه ميزان الله الذي تعدل عليه أحوال الناس في الارض وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح أحوال الرعية وتأمن السبل وينتصف المظلوم وتأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة ويؤدى حق الطاعة ويرزق الله العافية والسلامة ويقيم الدين ويجري السنن والشرائع في مجاريها واشتد في أمر الله عزوجل وتورع عن النطف وامض لاقامة الحدود وأقل العجلة وابعد عن الضجر والقلق واقنع بالقسم وانتفع بتجربتك وانتبه في صمتك واسدد في منطقك وأنصف الخصم وقف عند الشبهة وأبلغ في الحجة ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة ولا مجاملة ولا لومة لائم وتثبت وتأن وراقب وانظر وتفكر وتدبر واعتبر وتواضع لربك وارفق بجميع الرعية وسلط الحق على نفسك ولا تسرعن إلى سفك دم فإن الدماء من الله عزوجل بمكان عظيم انتها كا لها بغير حقها وانظر هذا الخراج الذي استقامت عليه الرعية وجعله الله للاسلام عزا ورفعة ولاهله توسعة ومنعة ولعدوه وعدوهم كبتا وغيظا ولاهل الكفر من معاديهم ذلا وصغارا فوزعه بين أصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم ولا تدفعن شيئا منه عن شريف لشرفه ولا عن غني لغناه ولا عن كاتب لك ولا عن أحد من خاصتك ولا حاشيتك ولا تأخذن منه فوق الاحتمال ولا تكلف أمرا فيه شطط واحمل الناس كلهم على أمر الحق فإن ذلك أجمع لانفسهم وألزم لرضاء العامة واعلم أنك جعلت بولايتك خازنا وحافظا وراعيا وإنما سمي أهل عملك رعيتك لانك راعيهم وقيمهم فخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ونفذه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم واستعمل عليهم أولي الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعلم والعمل بالسياسة والعفاف ووسع عليهم في الرزق فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت وأسند إليك فلا يشغلك عنه شاغل ولا يصرفك عنه صارف فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الاحدوثة في عملك واجتررت به المحبة من رعيتك وأعنت على الصلاح فدرت الخيرات ببلدك وفشت العمارة بناحيتك وظهر الخصب في كورك وكثر خراجك وتوفرت أموالك وقويت بذلك على ارتياض جندك وإرضاء العامة بإفاضة العطاء فيهم من نفسك وكنت محمود السياسة

[ 309 ]

مرضي العدل في ذلك عند عدوك وكنت في أمورك كلها ذا عدل وآلة وقوة وعدة فنافس في ذلك ولا تقدم عليه شيئا تحمد عاقبة أمرك إن شاء الله تعالى واجعل في كل كورة من عملك أمينا يخبرك أخبار عمالك ويكتب إليك بسيرهم وأعمالهم حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لاموره كلها فإن أردت أن تأمرهم بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك فإن رأيت السلامة فيه والعافية ورجوت فيه حسن الدفاع والصنع فأمضه وإلا فتوقف عنه وراجع أهل البصر والعلم به ثم خذ فيه عدته فإنه ربما نظر الرجل في أمره وقدره وأتاه على ما يهوى فأغواه ذلك وأعجبه فإن لم ينظر في عواقبه أهلكه ونقض عليه أمره فاستعمل الحزم في كل ما أردت وباشره بعد عون الله عزوجل بالقوة وأكثر من استخارة ربك في جميع أمورك وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره لغدك وأكثر مباشرته بنفسك فإن للغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه وإذا أخرت عمله اجتمع عليك عمل يومين فيثقلك ذلك حتى تمرض منه وإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت بدنك ونفسك وجمعت أمر سلطانك وانظر أحرار الناس وذوي الفضل منهم ممن بلوت صفاء طويتهم وشهدت مودتهم لك ومظاهرتهم بالنصح والمحافظة على أمرك فاستخلصهم وأحسن إليهم وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة واحتمل مؤونتهم وأصلح حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مسا وأفرد نفسك للنظر في أمور الفقراء والمساكين ومن لا يقدر على رفع مظلمته إليك والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه فسل عنه أحفى مسألة ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك لتنظر فيما يصلح الله به أمرهم وتعاهد ذوي البأساء وأيتامهم وأراملهم واجعل لهم أرزاقا من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين أعزه الله تعالى في العطف عليهم والصلة لهم ليصلح الله بذلك عيشهم ويرزقك به بركة وزيادة وأجر للاضراء من بيت المال وقدم حملة القرآن منهم والحافظين لاكثره في الجراية على غيرهم وانصب لمرضى المسلمين دورا تأويهم وقواما يرفقون بهم وأطباء يعالجون أسقامهم وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إلى إسراف في بيت المال واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيهم

[ 310 ]

لم يرضهم ذلك ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم طمعا في نيل الزيادة وفضل الرفق منهم وربما تبرم المتصفح لامور الناس لكثرة ما يرد عليه ويشغل فكره وذهنه فيها ما يناله به من مؤونة ومشقة وليس من يرغب في العدل ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الآجل كالذي يستقبل ما يقربه إلى الله تعالى ويلتمس رحمته وأكثر الاذن للناس عليك وأبرز لهم وجهك وسكن لهم حواسك واخفض لهم جناحك وأظهر لهم بشرك ولن لهم في المسألة والنطق واعطف عليهم بجودك وفضلك وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس والتماس للصنيعة والاجر من غير تكدير ولا امتنان فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله تعالى واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى قبلك من أهل السلطان والرئاسة في القرون الخالية والامم البائدة ثم اعتصم في أحوالك كلها بالله سبحانه وتعالى والوقوف عند محبته والعمل بشريعته وسنته وبإقامة دينه وكتابه واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ودعا إلى سخط الله عزوجل واعرف ما يجمع عمالك من الاموال وما ينفقون منها ولا تجمع حراما ولا تنفق إسرافا وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها وإيثار مكارم الاخلاق ومعاليها وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيبا فيك لم تمنعه هيبتك عن إنهاء ذلك إليك في سرك وإعلانك بما فيه من النقص فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهرون لك وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتا يدخل فيه عليك بكتبه ومؤامراته وما عنده من حوائج عمالك وأمور الدولة ورعيتك ثم فرغ لما يورد عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك وكرر النظر فيه والتدبر له فما كان موافقا للحق والحزم فأمضه واستخر الله عزوجل فيه وما كان مخالفا لذلك فاصرفه إلى المسألة عنه والتثبت فيه ولا تمتن على رعيتك ولا غيرهم بمعروف تؤتيه إليهم ولا تقبل من أحد إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور أمير المسلمين ولا تضعن المعروف إلا على ذلك وتفهم كتابي اليك وأنعم النظر فيه والعمل به واستعن بالله على جميع أمورك واستخره فإن الله عزوجل مع الصلاح وأهله وليكن أعظم سيرتك وأفضل رغبتك ما كان لله عز

[ 311 ]

وجل رضى ولدينه نظاما ولاهله عزا وتمكينا وللملة والذمة عدلا وصلاحا وأنا أسأل الله أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك والسلام. وحدث الاخباريون أن هذا الكتاب لما ظهر وشاع أمره أعجب به الناس واتصل بالمأمون فلما قرئ عليه قال ما أبقى أبو الطيب يعني طاهرا شيئا من أمور الدنيا والدين والتدبير والرأي والسياسة وصلاح الملك والرعية وحفظ السلطان وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه وأوصى به ثم أمر المأمون فكتب به إلى جميع العمال في النواحي ليقتدوا به ويعملوا بما فيه هذا أحسن ما وقفت عليه في هذه السياسة والله أعلم الفصل الثاني والخمسون في امر الفاطمي وما يذهب إليه الناس في شانه وكشف الغطاء عن ذلك إعلم أن في المشهور بين الكافة من أهل الاسلام على ممر الاعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الاسلامية ويسمى بالمهدي ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال أو ينزل معه فيساعده على قتله ويأتم بالمهدي في صلاته ويحتجون في الشان بأحاديث خرجها الائمة وتكلم فيها المنكرون لذلك وربما عارضوها ببعض الاخبار وللمتصوفة المتأخرين في أمر هذا الفاطمي طريقة أخرى ونوع من الاستدلال وربما يعتمدون في ذلك على الكشف الذي هو أصل طرائقهم. ونحن الان نذكر هنا الاحاديث الواردة في هذا الشان وما للمنكرين فيها من المطاعن ومالهم في إنكارهم من المستند ثم نتبعه بذكر كلام المتصوفة ورأيهم ليتبين لك الصحيح من ذلك إن شاء الله تعالى فنقول إن جماعة من الائمة خرجوا أحاديث المهدي منهم الترمذي وأبو داود والبزاز ابن ماجة والحاكم والطبراني وأبو يعلى الموصلي وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل علي وابن عباس وابن عمر وطلحة وابن مسعود وابي هريرة وأنس وأبي سعيد الخدري وأم حبيبة وام سلمة وثوبان وقرة ابن إياس وعلي الهلالي وعبد الله بن الحارث بن جزء بأسانيد ربما يعرض لها

[ 312 ]

المنكرون كما نذكره إلا أن المعروف عند أهل الحديث أن الجرح مقدم على التعديل فإذا وجدنا طعنا في بعض رجال الاسانيد بغفلة أو بسوء حفظ أو ضعف أو سوء رأي تطرق ذلك إلى صحة الحديث وأوهن منها ولا تقولن مثل ذلك ربما يتطرق إلى رجال الصحيحين فإن الاجماع قد اتصل في الامة على تلقيهما بالقبول والعمل بما فيهما وفي الاجماع أعظم حماية وأحسن دفعا وليس غير الصحيحين بمثابتهما في ذلك فقد تجد مجالا للكلام في أسانيدها بما نقل عن أئمة الحديث في ذلك. ولقد توغل أبو بكر بن ابي خيثمة على ما نقل السهيلي عنه في جمعه للاحاديث الواردة في المهدي فقال ومن أغربها إسنادا ما ذكره أبو بكر الاسكاف في فوائد الخبار مستندا إلى مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كذب بالمهدي فقد كفر ومن كذب بالدجال فقد كذب وقال في طلوع الشمس من مغربها مثل ذلك فيما أحسب وحسبك هذا غلوا والله أعلم بصحة طريقه إلى مالك بن أنس على أن أبا بكر الاسكاف عندهم متهم وضاع. وأما الترمذي فخرج هو وابو داود بسنديهما إلى ابن عباس من طريق عاصم بن أبي النجود أحد القراء السبعة إلى زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا مني أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي. هذا لفظ أبي داود وسكت عليه وقال في رسالته المشهورة إن ما سكت عليه في كتابه فهو صالح ولفظ الترمذي لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي وفي لفظ آخر حتى يلي رجل من أهل بيتي وكلاهما حديث حسن صحيح ورواه أيضا من طريق موقوفا على ابي هريرة وقال الحاكم رواه الثوري وشعبة وزائدة وغيرهم من أئمة المسلمين عن عاصم قال وطرق عاصم عن زر عن عبد الله كلها صحيحة على ما أصلته من الاحتجاج بأخبار عاصم إذ هو إمام من أئمة المسلمين (إنتهى) إلا أن عاصما قال فيه أحمد بن حنبل كان رجلا صالحا قارئا للقرآن خيرا ثقة والاعمش أحفظ منه وكان شعبة يختار الاعمش عليه في تثبيت الحديث وقال العجلي كان يختلف عليه في زر وأبي وائل يشير بذلك إلى ضعف روايته عنهما وقال محمد بن سعد

[ 313 ]

كان ثقة إلا أنه كثير الخطإ في حديثه وقال يعقوب بن سفيان في حديثه اضطراب وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم قلت لابي إن أبا زرعة يقول عاصم ثقة فقال ليس محله هذا وقد تكلم فيه ابن عليه فقال كل من اسمه عاصم سئ الحفظ وقال أبو حاتم محله عندي محل الصدق صالح الحديث ولم يكن بذلك الحافظ واختلف فيه قول النسائي وقال ابن حراش في حديثه نكرة وقال أبو جعفر العقيلي لم يكن فيه إلا سوء الحفظ وقال الدار قطني في حفظه شئ وقال يحيى القطان ما وجدت رجلا اسمه عاصم إلا وجدته ردئ الحفظ وقال أيضا سمعت شعبة يقول حدثنا عاصم بن أبي النجود وفي الناس ما فيها وقال الذهبي ثبت في القراءة وهو حسن الحديث وإن احتج أحد بأن الشيخين أخرجا له فنقول أخرجا له مقرونا بغيره لا أصلا والله أعلم وخرج أبو داود في الباب عن علي رضي الله عنه من رواية قطن بن خليفة عن القاسم بن أبي مرة عن أبي الطفيل عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملاها عدلا كما ملئت جورا وقطن بن خليفة وإن وثقه أحمد ويحيى ابن القطان وابن معين والنسائي وغيرهم إلا أن العجلي قال حسن الحديث وفيه تشيع قليل وقال ابن معين مرة ثقة شيعي وقال أحمد بن عبد الله بن يونس كنا نمر على قطن وهو مطروح لا نكتب عنه وقال مرة كنت أمر به وأدعه مثل الكلب وقال الدارقطني لا يحتج به وقال أبو بكر بن عياش ما تركت الرواية عنه إلا لسوء مذهبه وقال الجرجاني زائغ غير ثقة انتهى وخرج أبو داود أيضا بسنده إلى علي رضي الله عنه عن مروان ابن المغيرة عن عمر بن أبي قيس عن شعيب بن أبي خالد عن أبي إسحاق النسفي قال قال علي ونظر إلى ابنه الحسن إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملا الارض عدلا وقال هارون حدثنا عمربن أبي قيس عن مطرف بن طريف عن أبي الحسن عن هلال بن عمر سمعت عليا يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم يخرج رجل من وراء النهر يقال له الحارث على مقدمته رجل يقال له منصور يوطئ أو يمكن لال محمد كما مكنت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجب

[ 314 ]

على كل مؤمن نصره أو قال إجابته سكت أبو داود عليه وقال في موضع اخر في هارون هو من ولد الشيعة وقال السليماني فيه نظر وقال أبو داود في عمر بن أبي قيس لا بأس في حديثه خطأ وقال الذهبي صدق له أوهام وأما أبو إسحاق الشيعي وإن خرج عنه في الصحيحين فقد ثبت أنه اختلط آخر عمره وروايته عن علي منقطعة وكذلك رواية أبي داود عن هارون بن المغيرة. وأما السند الثاني فأبو الحسن فيه وهلال بن عمر مجهولان ولم يعرف أبو الحسن إلا من رواية مطرف بن طريف عنه انتهى وخرج أبو داود أيضا عن أم سلمة قالت سمعت في المستدرك من طريق علي ابن نفيل عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول المهدي من ولد فاطمة ولفظ الحاكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر المهدي فقال نعم هو حق وهو من بني فاطمة ولم يتكلم عليه بالصحيح ولا غيره وقد ضعفه أبو جعفر العقيلي وقال لا يتابع علي بن نفيل عليه ولا يعرف إلا به وخرج أبو داود أيضا عن أم سلمة من رواية صالح أبي الخليل عن صاحب له عن أم سلمة قال يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام فيبعث إليه بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال أهل الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثا فيظهرون عليهم وذلك بعث كلب والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب فيقسم المال ويعمل في الناس بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ويلقي الاسلام بجرانه على الارض فيلبث سبع سنين وقال بعضهم تسع سنين ثم رواه أبو داود من رواية أبي الخليل عن عبد الله بن الحارث عن أم سلمة فتبين بذلك المبهم في الاسناد الاول ورجاله رجال الصحيحين لا مطعن فيهم ولا مغمز وقد يقال إنه من رواية قتادة عن أبي الخليل وقتادة مدلس وقد عنعنه والمدلس لا يقبل من حديثه إلا ما صرح فيه بالسماع مع أن الحديث ليس فيه تصريح بذكر المهدي نعم ذكره أبو داود في أبوابه وخرج أبو داود أيضا وتابعه الحاكم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المهدي مني أجلى الجبهة اقنى

[ 315 ]

الانف يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا يملك سبع سنين هذا لفظ أبي داود وسكت عليه ولفظ الحاكم المهدي منا أهل البيت أشم الانف أقنى أجلى يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يعيش هكذا ويبسط يساره وإصبعين من يمينه السبابة والابهام وعقد ثلاث قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. اه‍ وعمران القطان مختلف في الاحتجاج به إنما أخرج له البخاري استشهادا لا أصلا وكان يحيى القطان لا يحدث عنه وقال يحيى بن معين ليس بالقوي وقال مرة ليس بشئ وقال أحمد بن حنبل أرجو أن يكون صالح الحديث وقال يزيد بن زريع كان حروريا وكان يرى السيف على أهل القبلة وقال النسائي ضعيف وقال أبو عبيد الاجري سألت أبا داود عنه فقال من أصحاب الحسن وما سمعت إلا خيرا وسمعته مرة أخرى ذكره فقال ضعيف أفتى في إبراهيم بن عبد الله بن حسن بفتوى شديدة فيها سفك الدماء وخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم عن أبي سعيد الخدري من طريق زيد العمي عن أبي صديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال خشينا أن يكون بعض شئ حدث فسألنا نبي الله صلى الله عليه وسلم إن في أمتي المهدي يخرج ويعيش خمسا أو سبعا أو تسعا زيد الشاك قال قلنا وما ذاك قال سنين قال فيجئ إليه فيقول يا مهدي أعطني قال فيحثوله في ثوبه ما استطاع أن يحمله لفظ الترمذي وقال هذا حديث حسن وقد روى من غير وجه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظ ابن ماجة والحاكم يكون في أمتي المهدي إن قصر فسبع وإلا فتسع فتنعم أمتي فيه نعمة لم يسمعوا بمثلها قط تؤتى الارض أكلها ولا يدخر منه شئ والمال يومئذ كدوس فيقوم الرجل فيقول يا مهدي أعطني فيقول خذ. إنتهى وزيد العمي وإن قال فيه الدار قطني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين إنه صالح وزاد أحمد إنه فوق يزيد الرقاشي وفضل ابن عيسى إلا أنه قال فيه أبو حاتم ضعيف يكتب حديثه ولا يحتج به وقال يحيى بن معين في رواية أخرى لا شئ وقال مرة يكتب حديثه وهو ضعيف وقال الجرجاني متماسك وقال أبو زرعة ليس بقوي واهي الحديث ضعيفا وقال أبو حاتم ليس بذاك وقد حدث عنه شعبة وقال النسائي ضعيف وقال ابن عدي عامة ما يرويه ومن يروى عنهم ضعفاء على أنه شعبة قد روى عنه ولعل

[ 316 ]

شعبة لم يرو عن أضعف منه وقد يقال إن حديث الترمذي وقع تفسيرا لما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثوا لا يعده عدا ومن حديث أبي سعيد قال من خلفائكم خليفة يحثو المال حثوا ومن طريق أخرى عنهما قال يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده انتهى وأحاديث مسلم لم يقع فيها ذكر المهدي ولا دليل يقوم على أنه المراد منها ورواه الحاكم أيضا من طريق عوف الاعرابي عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تملا الارض جورا وظلما وعدوانا ثم يخرج من أهل بيني رجل يملاها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا وقال فيه الحاكم هذا صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ورواه الحاكم أيضا عن طريق سليمان بن عبيد عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يخرج في آخر أمتي المهدي يسقيه الله الغيث وتخرج الارض نباتها ويعطي المال صحاحا وتكثر الماشية وتعظم الامة يعيش سبعا أو ثمانيا يعني حججا وقال فيه حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه مع أن سليمان بن عبيد لم يخرج له أحد من الستة لكن ذكره ابن حبان في الثقات ولم يرد أن أحدا تكلم فيه ثم رواه الحاكم أيضا من طريق أسد بن موسى عن حماد بن سلمة عن مطر الوراق وأبي هارون العبدي عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تملا الارض جورا وظلما فيخرج رجل من عترتي فيملك سبعا أو تسعا فيملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما وقال الحاكم فيه هذا حديث صحيح على شرط مسلم لانه أخرج عن حماد بن سلمة وعن شيخه مطر الوراق وأما شيخه الاخر وهو أبو هارون العبدي فلم يخرج له وهو ضعيف جدا متهم بالكذب ولا حاجة إلى بسط أقوال الائمة في تضعيفه. وأما الراوي له عن حماد بن سلمة فهو أسد بن موسى يلقب أسد السنة وإن قال البخاري مشهور الحديث واستشهد به في صحيحه واحتج به أبو داود والنسائي إلا أنه قال مرة اخرى ثقة لو لم يصنف كان خيرا له وقال فيه محمد بن حزم منكر الحديث ورواه الطبراني في معجمه الاوسط من رواية أبي الواصل عبد الحميد بن واصل عن ابي الصديق

[ 317 ]

الناجي عن الحسن بن يزيد السعدي أحد بني بهدلة عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج رجل من أمتي يقول بسنتي ينزل الله عز وجل له القطر من السماء وتخرج الارض بركتها وتملا الارض منه قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما يعمل على هذه الامة سبع سنين وينزل على بيت المقدس وقال الطبراني فيه رواه جماعة عن أبي الصديق ولم يدخل أحد منهم بينه وبين أبي سعيد أحدا إلا أبا الواصل فإنه رواه عن الحسن بن يزيد عن أبي سعيد انتهى وهذا الحسن بن يزيد ذكره ابن أبي حاتم ولم يعرفه بأكثر مما في هذا الاسناد من روايته عن أبي سعيد ورواية أبي الصديق عنه وقال الذهبي في الميزان إنه مجهول لكن ذكره ابن حبان في الثقات وأما أبو الواصل الذي رواه عن أبي الصديق فلم يخرج له أحد من الستة وذكره ابن حبان في الثقات في الطبقة الثانية وقال فيه يروى عن أنس روى عنه شعبة وعتاب بن بشر وخرج ابن ماجة في كتاب السنن عن عبد الله بن مسعود من طريق يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل فتية من بني هاشم فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذرفت عيناه وتغير لونه قال فقلت ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه فقال إنا أهل البيت اختار الله لنا الاخرة على الدنيا وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريدا وتطريدا حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخبر فلا يعطونه فيقاتلون وينصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي فيملاها قسطا كما ملاؤها جورا فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبوا على الثلج انتهى. وهذا الحديث يعرف عند المحدثين بحديث الرايات ويزيد بن أبي زياد راويه قال فيه شعبة كان رفاعا يعني يرفع الاحاديث التي لا تعرف مرفوعة وقال محمد بن الفضيل من كبار أئمة الشيعة وقال أحمد بن حنبل لم يكن بالحافظ وقال مرة حديثه ليس بذلك وقال يحيى ابن معين ضعيف وقال العجلي جائز الحديث وكان بآخره يلقن وقال أبو زرعة لين يكتب حديثه ولا يحتج به وقال أبو حاتم ليس بالقوي وقال الجرجاني سمعتهم يضعفون حديثه وقال أبو داود لا أعلم أحدا ترك حديثه وغيره أحب إلي منه وقال

[ 318 ]

ابن عدي هو من شيعة أهل الكوفة ومع ضعفه يكتب حديثه وروى له مسلم لكن مقرونا بغيره وبالجملة فالاكثرون على ضعفه وقد صرح الائمة بتضعيف هذا الحديث الذي رواه عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله وهو حديث الرايات وقال وكيع بن الجراح فيه ليس بشئ وكذلك قال أحمد بن حنبل وقال أبو قدامة سمعت أبا أسامة يقول في حديث يزيد عن إبراهيم في الرايات لو حلف عندي خمسين يمينا أسامة ما صدقته أهذا مذهب إبراهيم أهذا مذهب علقمة أهذا مذهب عبد الله وأورد العقيلي هذا الحديث في الضعفاء وقال الذهبي ليس بصحيح وخرج ابن ماجة عن علي رضي الله عنه من رواية ياسين العجلي عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المهدي منا أهل البيت يصلح الله به في ليلة وياسين العجلي وإن قال فيه ابن معين ليس به بأس فقد قال البخاري فيه نظر وهذه اللفظة من اصطلاحه قوية في التضعيف جدا وأورد له ابن عدي في الكامل والذهبي في الميزان هذا الحديث على وجه الاستنكار له وقال هو معروف به وخرج الطبراني في معجمه الاوسط عن علي رضي الله عنه أنه قال قال للنبي صلى الله عليه وسلم أمنا المهدي أم من غيرنا يارسول الله فقال بل منا بنا يختم الله كما بنا فتح وبنا يستنقذون من الشرك وبنا يؤلف الله قلوبهم بعد عداوة بينة كما بنا ألف بين قلوبهم بعد عداوة الشرك قال علي أمؤمنون أم كافرون قال مفتون وكافر انتهى. وفيه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف معروف الحال وفيه عمر بن جابر الحضرمي وهو أضعف منه قال أحمد بن حنبل روي عن جابر منا كير وبلغني أنه كان يكذب وقال النسائي ليس بثقة وقال كان ابن لهيعة شيخا أحمق ضعيف العقل وكان يقول علي في السحاب وكان يجلس معنا فيبصر سحابة فيقول هذا علي قد مر في السحاب وخرج الطبراني عن علي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يكون في آخر الزمان فتنة يحصل الناس فيها كما يحصل الذهب في المعدن فلا تسبوا أهل الشام ولكن سبوا أشرارهم فإن فيهم الابدال يوشك أن يرسل على أهل الشام صيب من السماء فيفرق جماعتهم حتى لو قاتلتهم الثعالب غلبتهم فعند ذلك يخرج خارج من أهل بيتي في ثلاث رايات المكثر يقول بهم خمسة عشر ألفا والمقل يقول بهم اثنا عشر ألفا وأمارتهم امت امت يلقون

[ 319 ]

سبع رايات تحت كل راية منها رجل يطلب الملك فيقتلهم الله جميعا ويرد الله إلى المسلمين إلفتهم ونعمتهم وقاصيتهم ورأيهم. اه. وفيه عبد الله ابن لهيعة وهو ضعيف معروف الحال ورواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الاسناد ولم يخرجاه في روايته ثم يظهر الهاشمي فيرد الله الناس إلى إلفتهم الخ وليس في طريقه ابن لهيعة وهو إسناد صحيح كما ذكر وخرج الحاكم في المستدرك عن علي رضي الله عنه من رواية أبي الطفيل عن محمد بن الحنفية قال كنا عند علي رضي الله عنه فسأله رجل عن المهدي فقال له هيهات ثم عقد بيده سبعا فقال ذلك يخرج في آخر الزمان إذا قال الرجل الله الله قتل ويجمع الله له قوما قزعا كقزع السحاب يؤلف الله بين قلوبهم فلا يستوحشون إلى أحد ولا يفرحون بأحد دخل فيهم عدتهم على عدة أهل بدر لم يسبقهم الاولون ولا يدركهم الاخرون وعلى عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر قال أبو الطفيل قال ابن الحنفية أتريده قلت نعم قال فإنه يخرج من بين هذين الاخشبين قلت لاجرم والله ولا أدعها حتى أموت ومات بها يعني مكة قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين انتهى وإنما هو على شرط مسلم فقط فإن فيه عمارا الذهبي ويونس بن أبي إسحاق ولم يخرج لهما البخاري وفيه عمرو بن محمد العبقري ولم يخرج له البخاري احتجاجا بل استشهادا مع ما ينضم إلى ذلك من تشيع عمار الذهبي وهو وإن وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم النسائي وغيرهم فقد قال علي بن المدني عن سفيان أن بشر بن مروان قطع عرقوبيه قلت في أي شئ قال في التشيع وخرج ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه في رواية سعد بن عبد الحميد بن جعفر عن علي بن زياد اليمامي عن عكرمة بن عمار عن إسحاق ابن عبد الله عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول نحن ولد عبد المطلب سادات أهل الجنة أنا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي انتهى وعكرمة بن عمار وإن أخرج له مسلم فإنما أخرج له متابعة وقد ضعفه بعض ووثقه آخرون وقال أبو حاتم الرازي هو مدلس فلا يقبل إلى أن يصرح بالسماع علي بن زياد قال الذهبي في الميزان لا ندري من هو ثم قال الصواب فيه عبد الله ابن زياد وسعد بن عبد الحميد وإن وثقه يعقوب بن أبي شيبة وقال فيه يحيى بن

[ 320 ]

معين ليس به بأس فقد تكلم فيه الثوري قالوا لانه رآه يفتي في مسائل ويخطى فيها وقال ابن حبان كان ممن فحش عطاؤه فلا يحتج فيه وقال أحمد بن حنبل سعيد ابن عبد الحميد يدعي أنه سمع عرض كتب مالك والناس ينكرون عليه ذلك وهو ههنا ببغداد لم يحتج فكيف سمعها وجعله الذهبي ممن لم يقدح فيه كلام من تكلم فيه وخرج الحاكم في مستدركه من رواية مجاهد عن ابن عباس موقوفا عليه قال مجاهد قال لي ابن عباس لو لم أسمع أنك مثل أهل البيت ما حدثتك بهذا الحديث قال فقال مجاهد فإنه في ستر لا أذكره لمن يكره قال فقال ابن عباس منا أهل البيت أربعة منا السفاح ومنا المنذر ومنا المهدي قال فقال مجاهد بين لي هؤلاء الاربعة فقال ابن عباس أما السفاح فربما قتل أنصاره وعفا عن عدوه وأما المنذر أراه قال فإنه يعطي المال الكثير ولا يتعاظم في نفسه ويمسك القليل من حقه وأما المنصور فإنه يعطى النصر على عدوه الشطر مما كان يعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرهب منه عدؤه على مسيرة شهرين والمنصور يرهب منه عدؤه على مسيرة شهر وأما المهدي الذي يملا الارض عدلا كما ملئت جورا وتأمن البهائم السباع وتلقي الارض أفلاذ كبدها قال قلت وما أفلاذ كبدها قال أمثال الاسطوانة من الذهب والفضة وقال الحاكم هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه وهو من رواية إسماعيل ابن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه وإسماعيل ضعيف وإبراهيم أبوه وإن خرج له مسلم فالاكترون على تضعيفه. اه. وخرج ابن ماجة عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتتل عند كبركم ثلاثة كلهم ابن خليفة ثم لا يصير إلى واحد منهم ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونهم قتلا لم يقتله قوم ثم ذكر شيئا لا أحفظه قال فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي. اه. ورجاله رجال الصحيحين إلا أن فيه أبا قلابة الجرمي وذكر الذهبي وغيره أنه مدلس وفيه سفيان الثوري وهو مشهور بالندليس وكل واحد منهما عنعن ولم يصرح بالسماع فلا يقبل وفيه عبد الرزاق بن همام وكان مشهورا بالتشيع وعمي في آخر وقته فخلط قال بن عدي حدث بأحاديث في الفضائل لم يوافقه عليها أحد ونسبوه إلى التشيع إنتهى. وخرج ابن ماجة عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي من طريق ابن

[ 321 ]

لهيعة عن أبي زرعة عن عمر بن جابر الحضرمي عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي يعني سلطانه قال الطبراني تفرد به ابن لهيعة وقد تقدم لنا في حديث علي الذي خرجه الطبراني في معجمه الاوسط أن ابن لهيعة ضعيف وأن شيخه عمر بن جابر أضعف منه وخرج البزار في مسنده والطبراني في معجمه الاوسط واللفظ للطبراني عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يكون في امتي المهدي إن قصر فسبع وإلا فثمان وإلا فتسع تنعم فيها أمتي نعمة لم ينعموا بمثلها ترسل السماء عليهم مدارا ولا تذخر الارض شيئا من النبات والمال كدوس يقوم الرجل يقول يا مهدي اعطني فيقول خذ قال الطبراني والبزار تفرد به محمد بن مروان العجلي زاد البزار ولا نعلم أنه تابعه عليه أحد وهو وإن وثقه أبو داود وابن حبان أيضا بما ذكره في الثقات وقال فيه يحيى بن معين صالح وقال مرة ليس به بأس فقد اختلفوا فيه وقال أبو زرعة ليس عندي بذلك وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل رأيت محمد بن مروان العجلي حدث بأحاديث وأنا شاهد لم نكتبها تركتها على عمد وكتب بعض أصحابنا عنه كأنه ضعفه وخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي هريرة وقال حدثني خليلي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى يخرج عليهم رجل من أهل بيتي فيضربهم حتى يرجعوا إلى الحق قال قلت وكم يملك قال خمسا واثنتين قال قلت وما خمسا واثنتين قال لا أدري. اه. وهذا السند غير محتج به وإن قال فيه بشير بن نهيك وقال فيه أبو حاتم لا يحتج به فقد احتج به الشيخان ووثقه الناس ولم يلتفتوا إلى قول أبي حاتم لا يحتج به إلا أنه قال فيه رجاء ابن ابي رجاء اليشكري وهو مختلف فيه قال أبو زرعة ثقة وقال يحيى بن معين ضعيف وقال أبو داود ضعيف وقال مرة صالح وعلق له البخاري في صحيحه حديثا واحدا وخرج أبو بكر البزار في مسنده والطبراني في معجمه الكبير والاوسط عن قرة بن إياس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتملان الارض جورا وظلما فإذا ملئت جورا وظلما بعث الله رجلا من أمتي اسمه اسمي واسم ابيه اسم أبي يملاها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما فلا تمنع السماء من قطرها شيئا ولا تذخر الارض شيئا من نباتها يلبث فيكم سبعا أو ثمانيا أو تسعا

[ 322 ]

يعني سنين اه‍. وفيه داود بن المحبى بن المحرم عن أبيه وهما ضعيفان جدا وخرج الطبراني في معجمه الاوسط عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المهاجرين والانصار وعلي بن ابي طالب عن يساره والعباس عن يمينه إذ تلاحى العباس ورجل من الانصار فاغلظ الانصاري للعباس فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد العباس وبيد علي وقال سيخرج من صلب هذا حتى يملا الارض جورا وظلما وسيخرج من صلب هذا حتى يملا الارض قسطا وعدلا فإذا رأيتم ذلك فعليكم بالفتى التميمي فإنه يقبل من قبل المشرق وهو صاحب راية المهدي. انتهى. وفيه عبد الله بن عمر وعبد الله بن لهيعة وهما ضعيفان. اه‍. وخرج الطبراني في معجمه الاوسط عن طلحة بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ستكون فتنة لا يسكن منها جانب إلا تشاجر جانب حتى ينادي مناد من السماء إن أميركم فلان. اه‍. وفيه المثنى بن الصباح وهو ضعيف جدا وليس في الحديث تصريح بذكر المهدي وإنما ذكروه في أبوابه وترجمته استئناسا فهذه جملة الاحاديث التي خرجها الائمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل والاقل منه وربما تمسك المنكرون لشأنه بما رواه محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح بن أبي عياش عن الحسن البصري عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا مهدي إلا عيسى بن مريم وقال يحيى بن معين في محمد بن خالد إنه ثقة وقال البيهقي تفرد به محمد بن خالد وقال الحاكم فيه إنه رجل مجهول واختلف عليه في إسناده فمرة يروونه كما تقدم وينسب ذلك لمحمد بن إدريس الشافعي ومرة يروونه عن محمد بن خالد عن أبان عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم ومرسلا قال البيهقي فرجع إلى رواية محمد بن خالد وهو مجهول عن ابان بن أبي عياش وهو متروك عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو منقطع وبالجملة فالحديث ضعيف مضطرب وقد قيل أن لا مهدي إلا عيسى أي لا يتكلم في المهد إلا عيسى يحاولون بهذا التأويل رد الاحتجاج به أو الجمع بينه وبين الاحاديث وهو مدفوع بحيث جريج ومثله من الخوارق. وأما المتصوفة فلم يكن المتقدمون منهم يخوضون في شئ من هذا وإنما كان كلامهم في المجاهدة

[ 323 ]

بالاعمال وما يحصل عنها من نتائج المواجد والاحوال وكان كلام الامامية والرافضة من الشيعة في تفصيل علي رضي الله تعالى عنه والقول بإمامته وادعاء الوصية له بذلك من النبي صلى الله عليه وسلم والتبرى من الشيخين كما ذكرناه في مذاهبهم ثم حدث فيهم بعد ذلك القول بالامام المعصوم وكثرت التآليف في مذاهبهم وجاء الاسماعيلية منهم يدعون الوهية الامام بنوع من الحلول وآخرون يدعون رجعة من مات من الائمة بنوع التناسخ وآخرون منتظرون مجئ من يقطع بموته منهم وآخرون منتظرون عود الامر في أهل البيت مستدلين على ذلك بما قدمناه من الاحاديث في المهدي وغيرها ثم حدث أيضا عند المتأخرين من الصوفية الكلام في الكشف وفيما وراء الحس وظهر من كثير منهم القول على الاطلاق بالحلول والوحدة فشاركوا فيها الامامية والرافضة لقولهم بألوهية الائمة وحلول الاله فيهم وظهر منهم أيضا القول بالقطب والابدال وكانه يحاكي مذهب الرافضة في الامام والنقباء وأشربوا أقوال الشيعة وتوغلوا في الديانة بمذاهبهم حتى جعلوا مستند طريقهم في لبس الخرقة أن عليا رضي الله عنه ألبسها الحسن البصري وأخذ عليه العهد بالتزام الطريقة واتصل ذلك عنهم بالجنيد من شيوخهم ولا يعلم هذا عن علي من وجه صحيح ولم تكن هذه الطريقة خاصة بعلي كرم الله وجهه بل الصحابة كلهم أسوة في طريق الهدى وفي تخصيص هذا بعلي دونهم رائحة من التشيع قوية يفهم منها ومن غيرها من القوم دخلهم في التشيع وانخراطهم في سلكه وظهر منهم أيضا القول بالقطب وامتلات كتب الاسماعيلية من الرافضة وكتب المتأخرين من المتصوفة بمثل ذلك في الفاطمي المنتظر وكان بعضهم يمليه على بعض ويلقنه بعضهم عن بعض وكأنه مبني على أصول واهية من الفريقين وربما يستدل بعضهم بكلام المنجمين في القرانات وهومن نوع الكلام في الملاحم ويأتي الكلام عليها في الباب الذي يلي هذا وأكثر من تكلم من هؤلاء المتصوفة المتأخرين في شأن الفاطمي ابن العربي الحاتمي في كتاب عنقاء مغرب وابن قسي في كتاب خلع النعلين وعبد الحق بن سبعين وابن أبي واصل تلميذه في شرحه لكتاب خلع النعلين وأكثر كلماتهم في شأنه ألغاز وأمثال وربما يصرحون في الاقل أو يصرح مفسرو

[ 324 ]

كلامهم وحاصل مذهبهم فيه على ما ذكر ابن أبي واصل أن النبوة بها ظهر الحق والهدى بعد الضلال والعمى وأنها تعقبها الخلافة ثم يعقب الخلافة الملك ثم يعود تجبرا وتكبرا وباطلا قالوا ولما كان في المعهود من سنة الله رجوع الامور إلى ما كانت وجب أن يحيا أمر النبوة والحق بالولاية ثم بخلافتها ثم يعقبها الدجل مكان الملك والتسلط ثم يعود الكفر بحاله يشيرون بهذا لما وقع من شأن النبؤة والخلافة بعدها والملك بعد الخلافة هذه ثلاث مراتب وكذلك الولاية التي هي لهذا الفاطمي والدجل بعدها كناية عن خروج الدجال على أثره والكفر من بعد ذلك فهي ثلاث مراتب على نسبة الثلاث المراتب الاولى قالوا ولما كان أمر الخلافة لقريش حكما شرعيا بالاجماع الذي لا يوهنه إنكار من لم يزاول علمه وجب أن تكون الامامة فيمن هو أخص من قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم إما ظاهرا كبني عبد المطلب وإما باطنا ممن كان من حقيقة الآل والآل من إذا حضر لم يلقب من هو آله وابن العربي الحاتمي سماه في كتابه عنقاء مغرب من تأليفه خاتم الاولياء وكنى عنه بلبنة الفضة إشارة إلى حديث البخاري في باب خاتم النبيين قال صلى الله عليه وسلم مثلي فيمن قبلي من الانبياء كمثل رجل ابتنى بيتا وأكمله حتى إذا لم يبق منه إلا موضع لبنة فأنا تلك اللبنة فيفسرون خاتم النبيين باللبنة حتى أكملت البنيان ومعناه النبي الذي حصلت له النبؤة الكاملة ويمثلون الولاية في تفاوت مراتبها بالنبؤة ويجعلون صاحب الكمال فيها خاتم الاولياء أي حائز الرتبة التي هي خاتمة الولاية كما كان خاتم الانبياء حائزا للمرتبة التي هي خاتمة النبؤة فكنى الشارح عن تلك المرتبة الخاتمة بلبنة البيت في الحديث المذكور وهما على نسبة واحدة فيهما فهي لبنة واحدة في التمثيل ففي النبؤة لبنة ذهب وفي الولاية لبنة فضة للتفاوت بين الرتبتين كما بين الذهب والفضة فيجعلون لبنة الذهب كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم ولبنة الفضة كناية عن هذا الولي الفاطمي المنتظر وذلك خاتم الانبياء وهذا خاتم الاولياء وقال ابن العربي فيما نقل ابن أبي واصل عنه وهذا الامام المنتظر هو من أهل البيت من ولد فاطمة وظهوره يكون من بعد مضي خ ف ج من الهجرة ورسم حروفا ثلثة يريد عددها بحساب الجمل وهو الخاء المعجمة بواحدة من

[ 325 ]

فوق ستمائة والفاء أخت القاف بثمانين والجيم المعجمة بواحدة من أسفل ثلاثة وذلك ستمائة وثلاث وثمانون سنة وهي آخر القرن السابع ولما انصرم هذا العصر ولم يظهر حمل ذلك بعض المقلدين لهم على أن المراد بتلك المدة مولده وعبر بظهوره عن مولده وأن خروجه يكون بعد العشر والسبع المائة فإنه الامام الناجم من ناحية المغرب قال وإذا كان مولده كما زعم ابن العربي سنة ثلاث وثمانين وستمائة فيكون عمره عند خروجه ستا وعشرين سنة قال وزعموا أن خروج الدجال يكون سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة من اليوم المحمدي وابتداء اليوم المحمدي عندهم من يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى تمام ألف سنة قال ابن أبي واصل في شرحه كتاب خلع النعلين الولي المنتظر القائم بامر الله المشار إليه بمحمد المهدي وخاتم الاولياء وليس هو بنبي وإنما هو ولي ابتعثه روحه وحبيبه قال صلى الله عليه وسلم العالم في قومه كالنبي في أمته وقال علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ولم تزل البشرى تتابع به من أول اليوم المحمدي إلى قبيل الخمسمائة نصف اليوم وتأكدت وتضاعفت بتباشير المشايخ بتقريب وقته وازدلاف زمانه منذ انقضت إلى هلم جرا قال وذكر الكندي أن هذا الولي هو الذي يصلي بالناس صلاة الظهر ويجدد الاسلام ويظهر العدل ويفتح جزيرة الاندلس ويصل إلى رومية فيفتحها ويسير إلى المشرق فيفتحه ويفتح القسطنطينية ويصير له ملك الارض فيتقوى المسلمون ويعلو الاسلام ويطهر دين الحنيفية فإن من صلاة الظهر إلى صلاة العصر وقت صلاة قال عليه الصلاة والسلام ما بين هذين وقت وقال الكندي أيضا الحروف العربية غير المعجمة يعني المفتتح بها سور القرآن جملة عددها سبعمائة وثلاث وأربعون وسبع دجالية ثم ينزل عيسى في وقت صلاة العصر فيصلح الدنيا وتمشي الشاة مع الذئب ثم مبلغ ملك العجم بعد إسلامهم مع عيسى مائة وستون عاما عدد حروف المعجم وهي ق ي ن دولة العدل منها أربعون عاما قال ابن أبي واصل وما ورد من قوله لا مهدي إلا عيسى فمعناه لا مهدي تساوي هدايته هدايته وقيل لا يتكلم في المهد إلا عيسى وهذا مدفوع بحديث جريح وغيره وقد جاء في الصحيح أنه قال لا يزال هذا الامر قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليهم اثنا عشر خليفة

[ 326 ]

يعني قرشيا وقد أعطى الوجود أن منهم من كان في أول الاسلام ومنهم من سيكون في آخره وقال الخلافة بعدي ثلاثون أو إحدى وثلاثون أو ست وثلاثون وانقضاؤها في خلافة الحسن وأول أمر معاوية فيكون أول أمر معاوية خلافة أخذا بأوائل الاسماء فهو سادس الخلفاء وأما سابع الخلفاء فعمر بن عبد العزيز والباقون خمسة من أهل البيت من ذرية علي يؤيده قوله إنك لذو قرنيها يريد الامة أي إنك لخليفة في أولها وذريتك في آخرها وربما استدل بهذا الحديث القائلون بالرجعة فالاول هو المشار إليه عندهم بطلوع الشمس من مغربها وقد قال صلى الله عليه وسلم إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله وقد أنفق عمر بن الخطاب كنوز كسرى في سبيل الله والذي يهلك قيصر وينفق كنوزه في سبيل الله هو هذا المنتظر حين يفتح القسطنطينية فنعم الامير أميرها ونعم الجيش ذلك الجيش كذا قال صلى الله عليه وسلم ومدة حكمه بضع والبضع من ثلاث إلى تسع وقيل إلى عشر وجاء ذكر أربعين وفي بعض الروايات سبعين وأما الاربعون فانها مدته ومدة الخلفاء الاربعة الباقين من أهله القائمين بامره من بعده على جميعهم السلام قال وذكر أصحاب النجوم والقرانات أن مدة بقاء أمره وأهل بيته من بعده مائة وتسعة وخمسون عاما فيكون الامر على هذا جاريا على الخلافة والعدل أربعين أو سبعين ثم تختلف الاحوال فتكون ملكا انتهى كلام ابن أبي واصل وقال في موضع آخر نزول عيسى يكون في وقت صلاة العصر من اليوم المحمدي حين تمضي ثلاثة أرباعه قال وذكر الكندي يعقوب بن إسحاق في كتاب الجفر الذي ذكر فيه القرانات أنه إذا وصل القرآن إلى الثور على رأس ضح بحرفين الضاد (1) المعجمة والحاء المهملة يريد ثمانية وتسعين وستمائة من الهجرة ينزل المسيح فيحكم في الارض ما شاء الله تعالى قال وقد ورد في الحديث أن عيسى ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق ينزل بين مهرودتين يعني حلتين مزعفرتين صفراوين ممصرتين واضعا كفيه على أجنحة الملكين له لمة كانما خرج من ديماس إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان


(1) الضاد عند المغاربة بتسعين والصاد لستين. ا ه‍ قاله نصر (*)

[ 327 ]

كاللؤلؤ كثير خيلان الوجه وفي حديث آخر مربوع الخلق وإلى البياض والحمرة وفي آخر أنه يتزوج في الغرب والغرب دلو البادية يريد أنه يتزوج منها وتلد زوجته وذكر وفاته بعد أربعين عاما وجاء أن عيسى يموت بالمدينة ويدفن إلى جانب عمر ابن الخطاب وجاء أن أبا بكر وعمر يحشران بين نبيين قال ابن ابي واطيل والشيعة تقول إنه هو المسيح مسيح المسائح من آل محمد قلت وعليه حمل بعض المتصوفة حديث لا مهدي إلا عيسى أي لا يكون مهدي إلا المهدي الذي نسبته إلى الشريعة المحمدية نسبة عيسى إلى الشريعة الموسوية في الاتباع وعدم النسخ إلى كلام من أمثال هذا يعينون فيه الوقت والرجل والمكان بأدلة واهية وتحكمات مختلفة فينقضي الزمان ولا أثر لشئ من ذلك فيرجعون إلى تجديد رأي آخر منتحل كما تراه من مفهومات لغوية وأشياء تخييلية وأحكام نجومية في هذا انقضت أعمار الاول منهم والآخر. وأما المتصوفة الذين عاصرناهم فأكثرهم يشيرون إلى ظهور رجل مجدد لاحكام الملة ومراسم الحق ويتحينون ظهوره لما قرب من عصرنا فبعضهم يقول من ولد فاطمة وبعضهم يطلق القول فيه سمعناه من جماعة أكبرهم أبو يعقوب البادسي كبير الاولياء بالمغرب كان في أول هذه المائة الثامنة وأخبرني عنه حافده صاحبنا أبو يحيى زكرياء عن أبيه أبي محمد عبد الله عن أبيه الولي أبي يعقوب المذكور هذا آخر ما اطلعنا عليه أو بلغنا من كلام هؤلاء المتصوفة وما أورده أهل الحديث من أخبار المهدي قد استوفينا جميعه بمبلغ طاقتنا والحق الذي ينبغي أن يتقرر لديك أنه لا تتم دعوة من الدين والملك إلا بوجود شوكة عصبية تظهره وتدافع عنه من يدفعه حتى يتم أمر الله فيه وقد قررنا ذلك من قبل بالبراهين القطعية التي أريناك هناك وعصبية الفاطميين بل وقريش أجمع قد تلاشت من جميع الآفاق ووجد امم آخرون قد استعلت عصبيتهم على عصبية قريش الاما بقي بالحجاز في مكة وينبع بالمدينة من الطالبين من بني حسن وبني حسين وبني جعفر وهم منتشرون في تلك البلاد وغالبون عليها وهم عصائب بدوية متفرقون في مواطنهم وإماراتهم وآرائهم يبلغون آلافا من الكثرة فان صح ظهور هذا المهدي فلا وجه لظهور دعوته إلا بان يكون منهم ويؤلف الله بين قلوبهم في اتباعه حتى تتم له شوكة وعصبية وافية باظهار

[ 328 ]

كلمته وحمل الناس عليها وأما على غير هذا الوجه مثل أن يدعو فاطمي منهم إلى مثل هذا الامر في أفق من الآفاق من غير عصبية ولا شوكة إلا مجرد نسبة في أهل البيت فلا يتم ذلك ولا يمكن لما أسلفناه من البراهين الصحيحة وأما ما تدعيه العامة والاغمار من الدهماء ممن لا يرجع في ذلك إلى عقل يهديه ولا علم يفيده فيجيبون ذلك على غير نسبة وفي غير مكان تقليدا لما اشتهر من ظهور فاطمي ولا يعلمون حقيقة الامر كما بيناه وأكثر ما يجيبون في ذلك القاصية من الممالك وأطراف العمران مثل الزاب بافريقية والسوس من المغرب ونجد الكثير من ضعفاء البصائر يقصدون رباطا بماسة لما كان ذلك الرباط بالمغرب من الملثمين من كدالة واعتقادهم أنه منهم أو قائمون بدعوته زعما لا مستند لهم إلا غرابة تلك الامم وبعدهم عن يقين المعرفة بأحوالها من كثيرة أو قلة أو ضعف أو قوة ولبعد القاصية عن منال الدولة وخروجها عن نطاقها فتقوى عندهم الاوهام في ظهوره هناك بخروجه عن ربقة الدولة ومنال الاحكام والقهر ولا محصول لديهم في ذلك إلا هذا وقد يقصد ذلك الموضع كثير من ضعفاء العقول للتلبيس بدعوة يميه تمامها وسواسا وحمقا وقتل كثير منهم اخبرني شيخنا محمد بن إبراهيم الابلي قال خرج برباط ماسة لاول المائة الثامنة وعصر السلطان يوسف بن يعقوب رجل من منتحلي التصوف يعرف بالتويزري نسبة إلى توزر مصغرا وادعى أنه الفاطمي المنتظر واتبعه الكثير من اهل السوس من ضالة وكزولة وعظم أمره وخافه رؤساء المصامده على أمرهم فدس عليه السكسوي من قتله بتاتا وانحل أمره وكذلك ظهر في غمارة في آخر المائة السابعة وعشر التسعين منها رجل يعرف بالعباس وادعى أنه الفاطمي واتبعه الدهماء من غمارة ودخل مدينة فاس عنوة وحرق أسواقها وارتحل إلى بلد المزمة فقتل بها غيلة ولم يتم أمره وكثير من هذا النمط وأخبرني شيخنا المذكور بغريبة في مثل هذا وهو أنه صحب في حجه في رباط العباد وهو مدفن الشيخ أبي مدين في جبل تلمسان المطل عليها رجلا من أهل البيت من سكان كربلاء كان متبوعا معظما كثير التلميذ والخادم قال وكان الرجال من موطنه يتلقونه بالنفقات في أكثر البلدان قال وتاكدت الصحبة بيننا في ذلك الطريق فانكشف لي أمرهم وأنهم إنما جاءوا

[ 329 ]

من موطنهم بكربلاء لطلب هذا الامر وانتحال دعوة الفاطمي بالمغرب فلما عاين دولة بني مرين ويوسف بن يعقوب يومئذ منازل تلمسان قال لاصحابه ارجعوا فقد أزرى بنا الغلط وليس هذا الوقت وقتنا ويدل هذا القول من هذا الرجل على أنه مستبصر في أن الامر لا يتم إلا بالعصبية المكافئة لاهل الوقت فلما علم أنه غريب في ذلك الوطن ولا شوكة له وأن عصبية بني مرين لذلك العهد لا يقاومها أحد من أهل المغرب استكان ورجع إلى الحق وأقصر عن مطامعه وبقي عليه أن يستيقن أن عصبية الفواطم وقريش أجمع قد ذهبت لا سيما في المغرب إلا أن التعصب لشأنه لم يتركه لهذا القول والله يعلم وأنتم لا تعلمون وقد كانت بالمغرب لهذه العصور القريبة نزعة من الدعاة إلى الحق والقيام بالسنة لا ينتحلون فيها دعوة فاطمي ولا غيره وإنما ينزع منهم في بعض الاحيان الواحد فالواحد إلى إقامة السنة وتغيير المنكر ويعتني بذلك ويكثر تابعه وأكثر ما يعنون باصلاح السابلة لما أن أكثر فساد الاعراب فيها لما قدمناه من طبيعة معاشهم فيأخذون في تغيير المنكر بما استطاعوا إلا أن الصبغة الدينية فيهم لم تستحكم لما أن توبة العرب ورجوعهم إلى الدين إنما يقصدون بها الاقصار عن الغارة والنهب لا يعقلون في توبتهم وإقبالهم إلى مناحي الديانة غير ذلك لانها المعصية التي كانوا عليها قبل المقربة ومنها توبتهم فتجد ذلك المنتحل للدعوة والقائم بزعمه بالسنة غير متعمقين في فروع الاقتداء والاتباع إنما دينهم الاعراض عن النهب والبغي وإفساد السابلة ثم الاقبال على طلب الدنيا والمعاش باقصى جهدهم وشتان بين هذا الاجر من إصلاح الخلق ومن طلب الدنيا فاتفاقهما ممتنع لا تستحكم له صبغة في الدين ولا يكمل له نزوع عن الباطل على الجملة ولا يكثرون ويختلف حال صاحب الدعوة معهم في استحكام دينه وولايته في نفسه دون تابعه فإذا هلك انحل أمرهم وتلاشت عصبيتهم وقد وقع ذلك بافريقية لرجل من كعب من سليم يسمى قاسم بن مرة بن أحمد في المائة السابعة ثم من بعده لرجل آخر من بادية رياح من بطن منهم يعرفون بمسلم وكان يسمى سعادة وكان أشد دينا من الاول وأقوم طريقة في نفسه ومع ذلك فلم يستتب أمر تابعه كما ذكرناه حسبما يأتي ذكر ذلك في موضعه عند ذكر قبائل

[ 330 ]

سليم ورياح وبعد ذلك ظهر ناس بهذه الدعوة يتشبهون بمثل ذلك ويلبسون فيها وينتحلون اسم السنة وليسوا عليها إلا الاقل فلا يتم لهم ولا لمن بعدهم شئ من أمرهم. انتهى الفصل الثالث والخمسون في ابتداء الدول والامم وفي الكلام على الملاحم والكشف عن مسمى الجفر إعلم أن من خواص النفوس البشرية التشوق إلى عواقب أمورهم وعلم ما يحدث لهم من حياة وموت وخير وشر سيما الحوادث العامة كمعرفة ما بقي من الدنيا ومعرفة مدد الدول أو تفاوتها والتطلع إلى هذا طبيعة مجبولون عليها ولذلك تجد الكثير من الناس يتشوقون إلى الوقوف على ذلك في المنام والاخبار من الكهان لمن قصدهم بمثل ذلك من الملوك والسوقة معروفة ولقد نجد في المدن صنفا من الناس ينتحلون المعاش من ذلك لعلمهم بحرص الناس عليه فينتصبون لهم في الطرقات والدكاكين يتعرضون لمن يسألهم عنه فتغدو عليهم وتروح نسوان المدينة وصبيانها وكثير من ضعفاء العقول يستكشفون عواقب أمرهم في الكسب والجاه والمعاش والمعاشرة والعداوة وأمثال ذلك ما بين خط في الرمل ويسمونه المنجم وطرق بالحصي والحبوب ويسمونه الحاسب ونظر في المرايا والمياه ويسمونه ضارب المندل وهو من المنكرات الفاشية في الامصار لما تقرر في الشريعة من ذم ذلك وإن البشر محجوبون عن الغيب إلا من أطلعه الله عليه من عنده في نوم أو ولاية وأكثر ما يعتني بذلك ويتطلع إليه الامراء والملوك في آماد دولتهم ولذلك انصرفت العناية من أهل العلم إليه وكل أمة من الامم يوجد لهم كلام من كاهن أو منجم أو ولي في مثل ذلك من ملك يرتقبونه أو دولة يحدثون انفسهم بها وما يحدث لهم من الحرب والملاحم ومدة بقاء الدولة وعدد الملوك فيها والتعرض لاسمائهم ويسمى مثل ذلك الحدثان وكان في العرب الكهان والعرافون يرجعون إليهم في ذلك وقد أخبروا بما سيكون للعرب من الملك والدولة كما وقع لشق وسطيح في تأويل رؤيا ربيعة بن نصر من ملوك اليمن أخبرهم بملك الحبشة بلادهم ثم رجوعها إليهم ثم ظهر الملك والدولة للعرب من بعد ذلك وكذا

[ 331 ]

تأويل سطيح لرؤيا الموبذان حيث بعث إليه كسرى بها مع عبدالمسيح وأخبرهم. بظهور دولة العرب وكذا كان في جيل البربر كهان من أشهرهم موسى بن صالح من بني يفرن ويقال من غمرة له كلمات حدثانية على طريقة الشعر برطانتهم وفيها حدثان كثير ومعظمه فيما يكون لزناتة من الملك والدولة بالمغرب وهي متداولة بين أهل الجيل وهم يزعمون تارة أنه ولي وتارة أنه كاهن وقد يزعم بعض مزاعمهم أنه كان نبيا لان تأريخه عندهم قبل الهجرة بكثير والله أعلم وقد يستند الجيل إلى خبر الانبياء إن كان لعهدهم كما وقع لبني إسرائيل فان أنبياءهم المتعاقبين فيهم كانوا يخبرونهم بمثله عندما يعنونهم في السؤال عنه. وأما في الدولة الاسلامية فوقع منه كثير فيما يرجع إلى بقاء الدنيا ومدتها على العموم وفيما يرجع إلى الدولة وأعمارها على الخصوص وكان المعتمد في ذلك في من صدر الاسلام لآثار منقولة عن الصحابة وخصوصا مسلمة بني إسرائيل مثل كعب الاحبار ووهب بن منبه وأمثالهما وربما اقتبسوا بعض ذلك من ظواهر مأثورة وتأويلات محتملة ووقع لجعفر وأمثاله من أهل البيت كثير من ذلك مستندهم فيه والله اعلم الكشف بما كانوا عليه من الولاية وإذا كان مثله لا ينكر من غيرهم من الاولياء في ذويهم وأعقابهم وقد قال صلى الله عليه وسلم إن فيكم محدثين فهم أولى الناس بهذه الرتب الشريفة والكرامات الموهوبة وأما بعد صدر الملة وحين علق الناس على العلوم والاصطلاحات وترجمت كتب الحكماء إلى اللسان العربي فاكثر معتمدهم في ذلك كلام المنجمين في الملك والدول وسائر الامور العامة من القرانات وفي المواليد والمسائل وسائر الامور الخاصة من الطوالع لها وهي شكل الفلك عند حدوثها فنذكر الان ما وقع لاهل الاثر في ذلك ثم نرجع إلى كلام المنجمين. أما أهل الاثر فلهم في مدة الملل وبقاء الدنيا على ما وقع في كتاب السهيلي فانه نقل عن الطبري ما يقتضي أن مدة بقاء الدنيا منذ الملة خمسمائة سنة ونقض ذلك بظهور كذبه ومستند الطبري في ذلك أنه نقل عن ابن عباس أن الدنيا جمعة من جمع الآخرة ولم يذكر لذلك دليلا وسره والله أعلم تقدير الدنيا بايام خلق السماوات والارض وهي سبعة ثم اليوم بالف سنة لقوله وإن يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون وقد ثبت في

[ 332 ]

الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أجلكم في أجل من كان قبلكم من صلاة العصر إلى غروب الشمس وقال بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى وقدر ما بين صلاة العصر وغروب الشمس حين صيرورة ظل كل شئ مثليه يكون على التقريب نصف سبع وكذلك وصل الوسطى على السبابة فتكون هذه المدة نصف سبع الجمعة كلها وهو خمسمائة سنة ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم لن يعجز الله أن يؤخر هذه الامة نصف يوم فدل ذلك على أن مدة الدنيا قبل الملة خمسة آلاف وخمسمائة سنة وعن وهب بن منبه أنها خمسة الاف وستمائة سنة أعني الماضي وعن كعب أن مدة الدنيا كلها ستة الاف سنة قال السهيلي وليس في الحديثين ما يشهد لشئ مما ذكره مع وقوع الوجود بخلافه فاما قوله لن يعجز الله ان يؤخر هذه الامة نصف يوم فلا يقتضي نفي الزيادة على النصف وأما قوله بعثت أنا والساعة كهاتين فانما فيه الاشارة إلى القرب وأنه ليس بينه وبين الساعة نبي غيره ولا شرع غير شرعه ثم رجع السهيلي إلى تعيين أمد الملة من مدرك آخر لو ساعده التحقيق وهو أنه جمع الحروف المقطعة في أوائل السور بعد حذف المكرر قال وهي أربعة عشر حرفا يجمعها قولك (الم يسطع نص حق كره) فاخذ عددها بحساب الجمل فكان سبعمائة وثلاثة (1) أضافه إلى المنقضي من الالف الآخر قبل بعثته فهذه هي مدة الملة قال ولا يبعد ذلك أن يكون من مقتضيات هذه الحروف وفوائدها قلت وكونه لا يبعد لا يقتضي ظهوره ولا التعويل عليه والذي حمل السهيلي على ذلك إنما هو ما وقع في كتاب السير لابن إسحاق في حديث ابني أخطب من أحبار اليهود وهما أبو ياسر وأخوه حي حين سمعا من الاحرف المقطعة ألم وتاولاها على بيان المدة بهذا الحساب فبلغت إحدى وسبعين فاستقلا المدة وجاء حي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله هل مع هذا غيره فقال المص ثم استزاد الرثم ثم استزاد المر فكانت إحدى وسبعين ومائتين فاستطال المدة وقال قد لبس علينا أمرك يا محمد حتى لا ندري أقليلا أعطيت أم كثير ثم ذهبوا عنه وقال لهم أبو ياسر ما يدريكم لعله أعطى عددها كلها تسعمائة وأربع سنين قال ابن إسحاق فنزل قوله تعالى منه


(1) هذا العدد غير مطابق كما ان المترجم التركي لم يطابق في قوله 930 وانما المطابق للحروف المذكورة 693 (*)

[ 333 ]

آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات. ا ه. ولا يقوم من القصة دليل على تقدير الملة بهذا العدد لان دلالة هذه الحروف على تلك الاعداد ليست طبيعية ولا عقلية وإنما هي بالتواضع والاصطلاح الذي يسمونه حساب الجمل نعم إنه قديم مشهور وقد الاصطلاح لا يصير حجة وليس أبو ياسر وأخوه حي ممن يؤخذ رأيه في ذلك دليلا ولا من علماء اليهود لانهم كانوا بادية بالحجاز غفلا عن الصنائع والعلوم حتى عن علم شريعتهم وفقه كتابهم وملتهم وإنما يتلقفون مثل هذا الحساب كما تتلقفه العوام في كل ملة فلا ينهض للسهيلي دليل على ما ادعاه من ذلك ووقع في الملة في حدثان دولتها على الخصوص مسند من الاثر إجمالي في حديث خرجه أبو داود عن حذيفة بن اليمان من طريق شيخه محمد بن يحيى الذهبي عن سعيد ابن أبي مريم عن عبد الله بن فروخ عن أسامة بن زيد الليثي عن أبي قبيصة بن ذؤيب عن أبيه قال قال حذيفة بن اليمان والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قائد فئة إلى أن تنقضي الدنيا لا يبلغ من معه ثلثمائة فصاعدا إلا قد سماه باسمه واسم أبيه وقبيلته وسكت عليه أبو داود وقد تقدم أنه قال في رسالته ما سكت عليه في كتابه فهو صالح وهذا الحديث إذا كان صحيحا فهو مجمل ويفتقر في بيان إجماله وتعيين مبهماته إلى آثار أخرى يجود أسانيدها وقد وقع إسناد هذا الحديث في غير كتاب السنن على غير هذا الوجه فوقع في الصحيحين من حديث حذيفة أيضا قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا فما ترك شيئا يكون في مقامه ذاك إلى قيام الساعة إلا حدث عنه حفظه من حفظه ونسيه من نسيه قد علمه أصحابه هؤلاء. ا ه. ولفظ البخاري ما ترك شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره وفي كتاب الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما صلاة العصر بنهار ثم قام خطيبا فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه اه وهذه الاحاديث كلها محمولة على ما ثبت في الصحيحين من أحاديث الفتن والاشتراط لا غير لانه المعهود من الشارع صلوات الله وسلامه عليه في أمثال هذه العمومات وهذه الزيادة التي تفرد بها أبو داود في هذه الطريق شاذة منكرة مع أن الائمة اختلفوا في رجاله فقال ابن أبي مريم في

[ 334 ]

ابن فروخ أحاديثه مناكير وقال البخاري يعرف منه وينكر وقال ابن عدي أحاديثه غير محفوظة وأسامة بن زيد وإن خرج له في الصحيحين ووثقه ابن معين فانما خرج له البخاري استشهادا وضعفه يحيى بن سعيد وأحمد بن حنبل وقال ابن حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به وأبو قبيصة ابن ذؤيب مجهول فتضعف هذه الزيادة التي وقعت لابي داود في هذا الحديث من هذه الجهات مع شذوذها كما مر. وقد يستندون في حدثان الدول على الخصوص إلى كتاب الجفر ويزعمون أن فيه علم ذلك كله من طريق الآثار والنجوم لا يزيدون على ذلك ولا يعرفون أصل ذلك ولا مستنده واعلم أن كتاب الجفر كان أصله أن هارون بن سعيد العجلي وهو رأس الزيدية كان له كتاب يرويه عن جعفر الصادق وفيه علم ما سيقع لاهل البيت على العموم ولبعض الاشخاص منهم على الخصوص وقع ذلك لجعفر ونظائره من رجالاتهم على طريق الكرامة والكشف الذي يقع لمثلهم من الاولياء وكان مكتوبا عند جعفر في جلد ثور صغير فرواه عنه هارون العجلي وكتبه وسماه الجفر باسم الجلد الذي كتب فيه لان الجفر في اللغة هو الصغير وصار هذا الاسم علما على هذا الكتاب عندهم وكان فيه تفسير القرآن وما في باطنه من غرائب المعاني مروية عن جعفر الصادق وهذا الكتاب لم تتصل روايته ولاعرف عينه وإنما يظهر منه شواذ من الكلمات لا يصحبها دليل ولو صح السند إلى جعفر الصادق لكان فيه نعم المستند من نفسه أو من رجال قومه فهم أهل الكرامات وقد صح عنه أنه كان يحذر بعض قرابته بوقائع تكون لهم فتصح كما يقول وقد حذر يحيى ابن عمه زيد من مصرعه وعصاه فخرج وقتل بالجوزجان كما هو معروف وإذا كانت الكرامة تقع لغيرهم فما ظنك بهم علما ودينا وآثارا من النبؤة وعناية من الله بالاصل الكريم تشهد لفروعه الطيبة وقد ينقل بين أهل البيت كثير من هذا الكلام غير منسوب إلى أحد وفي أخبار دولة العبيديين كثير منه وانظر ما حكاه ابن الرقيق في لقاء أبي عبد الله الشيعي لعبيد الله المهدي مع ابنه محمد الحبيب وما حدثاه به وكيف بعثاه إلى ابن حوشب داعيتهم باليمن فأمره بالخروج إلى المغرب وبث الدعوة فيه على علم لقنه أن دعوته تتم هناك وأن عبيد الله لما بنى المهدية بعد استفحال

[ 335 ]

دولتهم بافريقية قال بنيتها ليعتصم بها الفواطم ساعة من نهار وأراهم موقف صاحب الحمار أبي يزيد بالهدية وكان يسأل عن منتهى موقفه حتى جاءه الخبر ببلوغه إلى المكان الذي عينه جده أبو عبيد الله فايقن بالظفر وبرز من البلد فهزمه وواتبعه إلى ناحية الزاب فظفر به وقتله ومثل هذه الاخبار كثيرة. وأما المنجمون فيستندون في حدثان الدول إلى الاحكام النجومية أما في الامور العامة مثل الملك والدول فمن القرانات وخصوصا بين العلويين وذلك أن العلويين زحل والمشتري يقترنان في كل عشرين سنة مرة ثم يعود القران إلى برج آخر في تلك المثلثة من التثليث الايمن ثم بعده إلى آخر كذلك إلى أن يتكرر في المثلثة الواحدة ثنتي عشرة مرة تستوي بروجه الثلاثة في ستين سنة ثم يعود فيستوي بها في ستين سنة ثم يعود ثالثة ثم رابعة فيستوي في المثلثة بثنتي عشرة مرة وأربع عودات في مائتين وأربعين سنة ويكون انتقاله في كل برج على التثليث الايمن وينتقل من المثلثة إلى المثلثة التي تليها أعني البرج الذي يلي البرج الاخير من القران الذي قبله في المثلثة وهذا القران الذي هو قران العلويين ينقسم إلى كبير وصغير ووسط فالكبير هو اجتماع العلويين في درجة واحدة من الفلك إلى أن يعود إليها بعد تسعمائة وستين سنة مرة واحدة والوسط هو اقتران العلويين في كل مثلثة اثنتي عشرة مرة وبعد مئتين وأربعين سنة ينتقل إلى مثلثة أخرى والصغير هو اقتران العلويين في درجة برج وبعد عشرين سنة يقترنان في برج آخر على تثليثه الايمن في مثل درجة أو دقائقه مثال ذلك وقع القران يكون أول دقيقة من الحمل وبعد عشرين يكون في أول دقيقة من الاسد وهذه كلها نارية وهذا كله قران صغير ثم يعود إلى أول الحمل بعد ستين سنة ويسمى دور القران وعود القران وبعد مائتين وأربعين ينتقل من النارية إلى الترابية لانها بعدها وهذا قران وسط ثم ينتقل إلى الهوائية ثم المائية ثم يرجع إلى أول الحمل في تسعمائة وستين سنة وهو الكبير والقران الكبير يدل على عظام الامور مثل تغيير الملك والدولة وانتقال الملك من قوم إلى قوم والوسط على ظهور المتغلبين والطالبين للملك والصغير على ظهور الخوارج والدعاة وخراب المدن أو عمرانها ويقع في أثناء هذه القرانات قران النحسين في برج السرطان في كل ثلاثين

[ 336 ]

سنة مرة ويسمى الرابع وبرج السرطان هو طالع العالم وفيه وبال زحل وهبوط المريخ فتعظم دلالة هذا القران في الفتن والحروب وسفك الدماء وظهور الخوارج وحركة العساكر وعصيان الجند والوباء والقحط ويدوم ذلك أو ينتهي على قدر السعادة والنحوسة في وقت قرانهما على قدر تيسير الدليل فيه قال جراس بن أحمد الحاسب في الكتاب الذي ألفه لنظام الملك ورجوع المريخ إلى العقرب له أثر عظيم في الملة الاسلامية لانه كان دليلها فالمولد النبوي كان عند قران العلويين ببرج العقرب فلما رجع هنالك حدث التشويش على الخلفاء وكثر المرض في أهل العلم والدين ونقصت أحوالهم وربما انهدم بعض بيوت العبادة وقد يقال إنه كان عند قتل علي رضي الله عنه ومروان من بني أمية والمتوكل من بني العباس فإذا روعيت هذه الاحكام مع أحكام القرانات كانت في غاية الاحكام وذكر شاذان البلخي أن الملة تنتهي إلى ثلاثمائة وعشرين وقد ظهر كذب هذا القول وقال أبو معشر يظهر بعد المائة والخمسين منها اختلاف كثير ولم يصح ذلك وقال خراش رأيت في كتب القدماء أن المنجمين أخبروا كسرى عن ملك العرب وظهور النبؤة فيهم وأن دليلهم الزهرة وكانت في شرفها فيبقى الملك فيهم أربعين سنة وقال أبو معشر في كتاب القرانات القسمة إذا انتهت إلى السابعة والعشرين من الحوت فيها شرف الزهرة ووقع القران مع ذلك ببرج العقرب وهو دليل العرب ظهرت حينئذ دولة العرب وكان منهم نبي ويكون قوة ملكه ومدته على ما بقي من درجات شرف الزهرة وهي إحدى عشرة درجة بتقريب من برج الحوت ومدة ذلك ستمائة وعشر سنين وكان ظهور أبي مسلم عند انتقال الزهرة ووقوع القسمة أول الحمل وصاحب الجد المشتري وقال يعقوب بن إسحاق الكندي إن مدة الملة تنتهي إلى ستمائة وثلاث وتسعين سنة قال لان الزهرة كانت عند قران الملة في ثمان وعشرين درجة وثلاثين دقيقة من الحوت فالباقي إحدى عشرة درجة وثمان عشرة دقيقة ودقائقها ستون فيكون ستمائة وثلاثا وتسعين سنة قال وهذه مدة الملة باتفاق الحكماء ويعضده الحروف الواقعة في أول السور بحذف المكرر واعتباره بحساب الجمل قلت وهذا هو الذي ذكره السهيلي والغالب أن الاول هو مستند السهيلي فيما نقلناه

[ 337 ]

عنه قال خراش سأل هرمز إفريد الحكيم عن مدة أردشير وولده ملوك الساسانية فقال دليل ملكه المشتري وكان في شرفه فيعطى أطول السنين وأجودها أربعمائة وسبعا وعشرين سنة ثم تزيد الزهرة وتكون في شرفها وهي دليل العرب فيملكون لان طالع القران الميزان وصاحبه الزهرة وكانت عند القران في شرفها فدل أنهم يملكون ألف سنة وسنين سنة وسأل كسرى أنوشروان وزيره بزرجمهر الحكيم عن خروج الملك من فارس إلى العرب فأخبره أن القائم منهم يولد لخمس وأربعين من دولته ويملك المشرق والمغرب والمشتري يغوص إلى الزهرة وينتقل القران من الهوائية إلى العقرب وهو مائي وهو دليل العرب فهذه الادلة تفضي للملة بمدة دور الزهرة وهي ألف وستون سنة وسأل كسرى أبرويز أليوس الحكيم عن ذلك فقال مثل قول بزرجمهر وقال توفيل الرومي المنجم في أيام بني أمية إن ملة الاسلام تبقى مدة القران الكبير تسعمائة وستين سنة فإذا عاد القران إلى برج العقرب كما كان في ابتداء الملة وتغير وضع الكواكب عن هيئتها في قران الملة فحينئذ إما أن يفتر العمل به أو يتجدد من الاحكام ما يوجب خلاف الظن قال خراش واتفقوا على أن خراب العالم يكون باستيلاء الماء والنار حتى تهلك سائر المكونات وذلك عند ما يقطع قلب الاسد أربعا وعشرين درجة وهي حد المريخ وذلك بعد مضي تسعمائة وستين سنة وذكر خراش أن ملك زابلستان بعث إلى المأمون بحكيمه ذوبان أتحفه به في هدية وأنه تصرف للمأمون في الاختيارات بحروب أخيه وبعقد اللواء لطاهر وأن المأمون أعظم حكمته فسأله عن مدة ملكهم فأخبره بانقطاع الملك من عقبه واتصاله في ولد أخيه وأن العجم يتغلبون على الخلافة من الديلم في دولة سنة خمسين ويكون ما يريده الله ثم يسوء حالهم ثم تظهر الترك من شمال المشرق فيملكون إلى الشام والفرات وسيحون وسيملكون بلاد الروم ويكون ما يريده الله فقال له المأمون من أين لك هذا فقال من كتب الحكماء ومن أحكام صصه بن داهر الهندي الذي وضع الشطرنج قلت والترك الذين أشار إلى ظهورهم بعد الديلم هم السلجوقية وقد انقضت دولتهم أول القرن السابع قال خراش وانتقال القران إلى المثلثة المائية من برج الحوت يكون سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة

[ 338 ]

ليزدجرد وبعدها إلى برج العقرب حيث كان قران الملة سنة ثلاث وخمسين قال والذي في الحوت هو أول الانتقال والذي في العقرب يستخرج منه دلائل الملة قال وتحويل السنة الاولى من القران الاول في المثلثات المائية في ثاني رجب سنة ثمان وستين وثمانمائة ولم يستوف الكلام على ذلك. وأما مستند المنجمين في دولة على الخصوص فمن القران الاوسط وهيئة الفلك عند وقوعه لان له دلالة عندهم على حدوث الدولة وجهاتها من العمران والقائمين بها من الامم وعدد ملوكهم وأسمائهم وأعمارهم ونحلهم وأديانهم وعوائدهم وحروبهم كما ذكر أبو معشر في كتابه في القرانات وقد توجد هذه الدلالة من القران الاصغر إذا كان الاوسط دالا عليه فمن هذا يوجد الكلام في الدول وقد كان يعقوب ابن إسحاق الكندي منجم الرشيد والمأمون وضع في القرانات الكائنة في الملة كتابا سماه الشيعة بالجفر باسم كتابهم المنسوب إلى جعفر الصادق وذكر فيه فيما يقال حدثان دولة بني العباس وأنها نهايته وأشار إلى انقراضها والحادثة على بغداد أنها تقع في انتصاف المائة السابعة وأنه بانقراضها يكون انقراض الملة ولم نقف على شئ من خبر هذا الكتاب ولا رأينا من وقف عليه ولعله غرق في كتبهم التي طرحها هلاكو ملك التتر في دجلة عند استيلائهم على بغداد وقتل المستعصم آخر الخلفاء وقد وقع بالمغرب جزء منسوب إلى هذا الكتاب يسمونه الجفر الصغير والظاهر أنه وضع لبني عبد المؤمن لذكر الاولين من ملوك الموحدين فيه على التفصيل ومطابقة من تقدم عن ذلك من حدثانه وكذب ما بعده وكان في دولة بني العباس من بعد الكندي منجمون وكتب في الحدثان وانظر ما نقله الطبري في أخبار المهدي عن أبي بديل من أصحاب صنائع الدولة قال بعث إلي الربيع والحسن في غزاتهما مع الرشيد أيام أبيه فجئتهما جوف الليل فإذا عندهما كتاب من كتب الدولة يعني الحدثان وإذا مدة المهدي فيه عشر سنين فقلت هذا الكتاب لا يخفي على المهدي وقد مضى من دولته ما مضى فإذا وقف عليه كنتم قد نعيتم إليه نفسه قالا فما الحيلة فاستدعيت عنبسة الوراق مولى آل بديل وقلت له انسخ هذه الورقة واكتب مكان عشر أربعين ففعل فوالله لولا أني رأيت العشرة في تلك الورقة والاربعين في هذه ماكنت أشك أنها هي ثم كتب الناس من بعد ذلك في حدثان الدول منظوما ومنثورا ورجزا ما شاء الله أن يكتبوه

[ 339 ]

وبأيدي الناس متفرقة كثير منها وتسمى الملاحم وبعضها في حدثان الملة على العموم وبعضها في دولة على الخصوص وكلها منسوبة إلى مشاهير من أهل الخليقة وليس منها أصل يعتمد على روايته عن واضعه المنسوب إليه فمن هذه الملاحم بالمغرب قصيدة ابن مرانة من بحر الطويل على روي الراء وهي متداولة بين الناس وتحسب العامة أنها من الحدثان العام فيطلقون الكثير منها على الحاضر والمستقبل والذي سمعناه من شيوخنا أنها مخصوصة بدولة لمتونة لان الرجل كان قبيل دولتهم وذكر فيها استيلاءهم على سبتة من يد موالي بني حمود وملكهم لعدوة الاندلس ومن الملاحم بيد أهل المغرب أيضا قصيدة تسمى التبعية أولها طربت وما ذاك مني طرب * وقد يطرب الطائر المغتصب وما ذاك مني للهو أراه * ولكن لتذكار بعض السبب قريبا من خمسمائة بيت أو ألف فيما يقال ذكر فيها كثيرا من دولة الموحدين وأشار فيها إلى الفاطمي وغيره والظاهر أنها مصنوعة ومن الملاحم بالمغرب أيضا ملعبة من الشعر الزجلي منسوبة لبعض اليهود ذكر فيها أحكام القرانات لعصره العلويين والنحسين وغيرهما وذكر ميتته قتيلا بفاس وكان كذلك فيما زعموه وأوله في صبغ ذا الازرق لشرفه خيارا * فافهموا يا قوم هذي الاشارا نجم زحل اخبر بذي العلاما * وبدل الشكلا وهي سلاما شاشية زرقا بدل العماما * وشاش ازرق بدل الغرارا يقول في آخره قد تم ذا التجنيس لانسان يهودي * يصلب في بلدة فاس في يوم عيد حتى يجيه الناس من البوادي * وقتله يا قوم على الفراد وأبياته نحو الخمسمائة وهي في القرانات التي دلت على دولة الموحدين ومن ملاحم المغرب أيضا قصيدة من عروض المتقارب على روي الباء في حدثان دولة بني أبي حفص بتونس من الموحدين منسوبة لابن الابار وقال لي قاضي قسنطينية الخطيب الكبير أبو علي بن باديس وكان بصيرا بما يقوله وله قدم في التنجيم فقال لي إن هذا ابن الابار ليس هو الحافظ الاندلسي الكاتب مقتول المستنصر وإنما هو رجل خياط من أهل

[ 340 ]

تونس تواطأت شهرته مع شهرة الحافظ وكان والدي رحمه الله تعالى ينشد هذه الابيات من هذه الملحمة وبقي بعضها في حفظي مطلعها عذيري من زمن قلب * يغر ببارقه الاشنب ومنها ويبعث من جيشه قائدا * ويبقى هناك على مرقب فتأتي إلى الشيخ أخباره * فيقبل كالجمل الاجرب ويظهر من عدله سيرة * وتلك سياسة مستجلب ومنها في ذكر احوال تونس على العموم فإما (1) رأيت الرسوم امحت * ولم يرع حق لذي منصب فخذ في الترحل عن تونس * وودع معالمها واذهب فسوف تكون بها فتنة * تضيف البرئ إلى المذنب ووقفت بالمغرب على ملحمة أخرى في دولة بني أبي حفص هؤلاء بتونس فيها بعد السلطان أبي يحيى الشهير عاشر ملوكهم ذكر محمد أخيه من بعده يقول فيها وبعد أبي عبد الاله شقيقه * ويعرف بالوثاب في نسخة الاصل إلا أن هذا الرجل لم يملكها بعد أخيه وكان يمني بذلك نفسه إلى أن هلك ومن الملاحم في المغرب أيضا الملعبة المنسوبة إلى الهوثني على لغة العامة في عروض البلد دعني بدمعي الهتان * فترت الامطار ولم تفتر واستقت كلها الويدان * وانى تملى وتغدر وهي طويلة ومحفوظة بين عامة المغرب الاقصى والغالب عليها الوضع لانه لم يصح منها قول إلا على تأويل تحرفه العامة أو الحارف فيه من ينتحلها من الخاصة ووقفت بالمشرق على ملحمة منسوبة لابن العربي الحاتمي في كلام طويل شبه الالغاز لا يعلم تأويله إلا الله لتحلله إلى أوفاق عددية ورموز ملغوزة وأشكال حيوانات تامة ورؤوس مقطعة وتماثيل من حيوانات غريبة وفي آخرها قصيدة على روي اللام والغالب أنها كلها غير صحيحة لانها لم تنشأ عن أصل علمي من نجامة ولاغيرها وسمعت أيضا أن هناك


(1) قوله فاما رايت اصله فان رايت زبدت ما وادغمت في ان الشرطية المحذوف نوعها خطا وفي نسخة فلما رايت والاولى هي الموجودة في النسخة التونسية. اه‍ قاله نصر (*)

[ 341 ]

ملاحم أخرى منسوبة لابن سيناء وابن عقاب وليس في شئ منها دليل على الصحة لان ذلك إنما يؤخذ من القرانات ووقفت بالمشرق أيضا على ملحمة من حدثان دولة الترك منسوبة إلى رجل من الصوفية يسمى الباجر بقي وكلها إلغاز بالحروف أولها إن شئت تكشف سر الجفر يا سؤلي * من علم جفر وصي والد الحسن فافهم وكن واعيا حرفا وجملته * والوصف فافهم كفعل الحاذق الفطن أما الذي قبل عصري لست أذكره * لكنني أذكر الآتي من الزمن بشهر بيبرس يبقى بعد خمستها * بحاء ميم بطيش نام في الكنن شين له أثر من تحت سرته * له القضاء قضى أي ذلك المنن فمصر والشام مع أرض العراق له * وأذربيجان في ملك إلى اليمن وأبياتها كثيرة والغالب أنها موضوعة ومثل صنعتها كان في القديم كثير ومعروف الانتحال حكى المؤرخون لاخبار بغداد أنه كان بها أيام المقتدر وراق ذكي يعرف بالدانالي يبل الاوراق ويكتب فيها بخط عتيق يرمز فيه بحروف من أسماء أهل الدولة ويشير بها إلى ما يعرف ميلهم إليه من أحوال الرفعة والجاه كأنها ملاحم ويحصل على ما يريده منهم من الدنيا وإنه وضع في بعض دفاتره ميما مكررة ثلاث مرات وجاء به إلى مفلح مولى المقتدر فقال له هذا كناية عنك وهو مفلح مولى المقتدر وذكر عنه ما يرضاه ويناله من الدولة ونصب لذلك علامات يموه بها عليه فبذل له ما أغناه به ثم وضعه للوزير ابن القاسم بن وهب على مفلح هذا وكان معزولا فجاءه بأوراق مثلها وذكر اسم الوزير بمثل هذه الحروف وبعلامات ذكرها وأنه يلي الوزارة للثاني عشر من الخلفاء وتستقيم الامور على يديه ويقهر الاعداء وتعمر الدنيا في أيامه وأوقف مفلحا هذا على الاوراق وذكر فيها كوائن أخرى وملاحم من هذا النوع مما وقع ومما لم يقع ونسب جميعه إلى دانال فأعجب به مفلح ووقف عليه المقتدر واهتدى من تلك الامور والعلامات إلى ابن وهب وكان ذلك سببا لوزارته بمثل هذه الحيلة العريقة في الكذب والجهل بمثل هذه الالغاز والظاهر أن هذه الملحمة التي ينسبونها إلى الباجربقي من هذا النوع. ولقد سألت أكمل الدين ابن

[ 342 ]

شيخ الحنفية من العجم بالديار المصرية عن هذه الملحمة وعن هذا الرجل الذي تنسب إليه من الصوفية وهو الباجر بقي وكان عارفا بطرائقهم فقال كان من القلندرية المبتدعة في حلق اللحية وكان يتحدث عما يكون بطريق الكشف ويومي إلى رجال معينين عنده ويلغز عليهم بحروف يعينها في ضمنها لمن يراه منهم وربما يظهر نظم ذلك في أبيات قليلة كان يتعاهدها فتنوقلت عنه وولع الناس بها وجعلوها ملحمة مرموزة وزاد فيها الخراصون من ذلك الجنس في كل عصر وشغل العامة بفك رموزها وهو أمر ممتنع إذ الرمز إنما يهدي إلى كشفه قانون يعرف قبله ويوضع له وأما مثل هذه الحروف فدلالتها على المراد منها مخصوصة بهذا النظم لا يتجاوزه فرأيت من كلام هذا الرجل الفاضل شفاء لما كان في النفس من أمر هذه الملحمة وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق الفصل الرابع من الكتاب الاول في البلدان والامصار وسائر العمران وما يعرض في ذلك من الاحوال وفيه سوابق ولواحق الفصل الاول في ان الدول من المدن والامصار وانها انما توجد ثانية عن الملك وبيانه أن البناء واختطاط المنازل إنما هو من منازع الحضارة التي يدعو إليها الترف والدعة كما قدمناه وذلك متأخر عن البداوة ومنازعها وأيضا فالمدن والامصار ذات هياكل وأجرام عظيمة وبناء كبير وهي موضوعة للعموم لا للخصوص فتحتاج إلى اجتماع الا يدي وكثرة التعاون وليست من الامور الضرورية للناس التي تعم بها البلوى حتى يكون نزوعهم إليها اضطرارا بل لابد من إكراههم على ذلك وسوقهم إليه مضطهدين بعصا الملك أو مرغبين في الثواب والاجر الذي لا يفي بكثرته إلا

[ 343 ]

الملك والدولة فلابد في تمصير الامصار واختطاط المدن من الدولة والملك ثم إذا بنيت المدينة وكمل تشييدها بحسب نظر من شيدها وبما اقتضته الاحوال السماوية والارضية فيها فعمر الدولة حينئذ عمر لها فإن كان عمر الدولة قصيرا وقف الحال فيها عند انتهاء الدولة وتراجع عمرانها وخربت وإن كان أمد الدولة طويلا ومدتها منفسحة فلا تزال المصانع فيها تشاد والمنازل الرحيبة تكثر وتتعدد ونطاق الاسواق يتباعد وينفسح إلى أن تتسع الخطة وتبعد المسافة وينفسح ذرع المساحة كما وقع ببغداد وأمثالها. ذكر الخطيب في تأريخه أن الحمامات بلغ عددها ببغداد لعهد المأمون خمسة وستين ألف حمام وكانت مشتملة على مدن وأمصار متلاصقة ومتقاربة تجاوز الاربعين ولم تكن مدينة وحدها يجمعها سور واحد لافراط العمران وكذا حال القيروان وقرطبة والمهدية في الملة الاسلامية وحال مصر القاهرة بعدها فيما بلغنا لهذا العهد وأما بعد انقراض الدولة المشيدة للمدينة فإما أن يكون لضواحي تلك المدينة وما قاربها من الجبال والبسائط بادية يمدها العمران دائما فيكون ذلك حافظا لوجودها ويستمر عمرها بعد الدولة كما تراه بفاس وبجاية من المغرب وبعراق العجم من المشرق الموجود لها العمران من الجبال لان أهل البداوة إذا انتهت أحوالهم إلى غاياتها من الرفه والكسب تدعو إلى الدعة والسكون الذي في طبيعة البشر فينزلون المدن والامصار ويتأهلون وأما إذا لم يكن لتلك المدينة المؤسسة مادة تفيدها العمران بترادف الساكن من بدوها فيكون انقراض الدولة خرقا لسياجها فيزول حفظها ويتناقص عمرانها شيئا فشيئا إلى أن يبذعر ساكنها وتخرب كما وقع بمصر وبغداد والكوفة بالمشرق والقيروان والمهدية وقلعة بني حماد بالمغرب وأمثالها فتفهمه وربما ينزل المدينة بعد انقراض مختطيها الاولين ملك اخر ودولة ثانية يتخذها قرارا وكرسيا يستغني بها عن اختطاط مدينة ينزلها فتحفظ تلك الدولة سياجها وتتزايد مبانيها ومصانعها بتزايد أحوال الدولة الثانية وترفها وتستجد بعمرانها عمرا آخر كما وقع بفاس والقاهرة لهذا العهد والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق

[ 344 ]

الفصل الثاني في ان الملك يدعو إلى نزول الامصار وذلك أن القبائل والعصائب إذا حصل لهم الملك اضطروا للاستيلاء على الامصار لامرين أحدهما ما يدعو إليه الملك من الدعة والراحة وحط الاثقال واستكمال ما كان ناقصا من أمور العمران في البدو والثاني دفع ما يتوقع على الملك من أمر المنازعين والمشاغبين لان المصر الذي يكون في نواحيهم ربما يكون ملجأ لمن يروم منازعتهم والخروج عليهم وانتزاع ذلك الملك الذي سموا إليه من أيديهم فيعتصم بذلك المصر ويغالبهم ومغالبة المصر على نهاية من الصعوبة والمشقة والمصر يقوم مقام العساكر المتعددة لما فيه من الامتناع ونكاية الحرب من وراء الجدران من غير حاجة إلى كثير عدد ولا عظيم شوكة لان الشوكة والعصابة إنما احتيج إليهما في الحرب للثبات لما يقع من بعد كرة القوم بعضهم على بعض عند الجولة وثبات هؤلاء بالجدران فلا يضطرون إلى كبير عصابة ولا عدد فيكون حال هذا الحصن ومن يعتصم به من المنازعين مما يفت في عضد الامة التي تروم الاستيلاء ويخضد شوكة استيلائها فإذا كانت بين أجنابهم أمصار انتظموها في استيلائهم للامن من مثل هذا الانخرام وإن لم يكن هناك مصر استحدثوه ضرورة لتكميل عمرانهم أولا وحط اثقالهم وليكون شجا في حلق من يروم العزة والامتناع عليهم من طوائفهم وعصائبهم فتعين أن الملك يدعو إلى نزول الامصار والاستيلاء عليها والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق لارب سواه الفصل الثالث في ان المدن العظيمة والهياكل المرتفعة انما يشيدها الملك الكثير قد قدمنا ذلك في آثار الدولة من المباني وغيرها وأنها تكون على نسبتها وذلك أن تشييد المدن إنما يحصل باجتماع الفعلة وكثرتهم وتعاونهم فإذا كانت الدولة عظيمة متسعة الممالك حشر الفعلة من أقطارها وجمعت أيديهم على عملها وربما استعين في ذلك في أكثر الامر بالهندام الذي يضاعف القوي والقدر في حمل أثقال البناء

[ 345 ]

لعجز القوة البشرية وضعفها عن ذلك كالمخال وغيره وربما يتوهم كثير من الناس إذا نظر إلى آثار الاقدمين ومصانعهم العظيمة مثل إيوان كسرى وأهرام مصر وحنايا المعلقة وشرشال بالمغرب إنما كانت بقدرهم متفرقين أو مجتمعين فيتخيل لهم أجساما تناسب ذلك أعظم من هذه بكثير في طولها وقدرها لتناسب بينها وبين القدر التي صدرت تلك المباني عنها ويغفل عن شأن الهندام والمخال وما اقتضته في ذلك الصناعة الهندسية وكثير من المتغلبين في البلاد يعاين في شأن البناء واستعمال الحيل في نقل الاجرام عند أهل الدولة المعتنين بذلك من العجم ما يشهد له بما قلناه عيانا وأكثر آثار الاقدمين لهذا العهد تسميها العامة عادية نسبة إلى قوم عاد لتوهمهم أن مباني عاد ومصانعهم إنما عظمت لعظم أجسامهم وتضاعف قدرهم وليس كذلك فقد نجدا آثارا كثيرة من آثار الذين تعرف مقادير أجسامهم من الامم وهي في مثل ذلك العظم أو أعظم كإيوان كسرى ومباني العبيديين من الشيعة بأفريقية والصنهاجيين وأثرهم باد إلى اليوم في صومعة قلعة بني حماد وكذلك بناء الاغالبة في جامع القيروان وبناء الموحدين في رباط الفتح ورباط السلطان أبي سعيد لعهد أربعين سنة في المنصورة بإزاء تلمسان وكذلك الحنايا التي جلب إليها أهل قرطاجنة الماء في القناة الراكبة عليها ماثلة لهذا العهد وغير ذلك من المباني والهياكل التي نقلت إلينا أخبار أهلها قريبا وبعيدا وتيقنا أنهم لم يكونوا بإفراط في مقادير أجسامهم وإنما هذا رأي ولع به القصاص عن قوم عاد وثمود والعمالقة ونجد بيوت ثمود في الحجز منحوتة إلى هذا العهد وقد ثبت في الحديث الصحيح أنها بيوتهم يمر بها الركب الحجازي أكثر السنين ويشاهدونها لا تزيد في جوها ومساحتها وسمكها على المتعاهد وإنهم ليبالغون فيما يعتقدون من ذلك حتى إنهم ليزعمون أن عوج بن عناق من جيل العمالقة كان يتناول السمك من البحر طريئا فيشويه في الشمس يزعمون بذلك أن الشمس حارة فيما قرب منها ولا يعلمون أن الحر فيما لدينا هو الضوء لانعكاس الشعاع بمقابلة سطح الارض والهواء وأما الشمس في نفسها فغير حارة ولا باردة وإنما هي كوكب مضئ لا مزاج له وقد تقدم شئ من هذا في الفصل الثاني حيث ذكرنا أن آثار الدولة على نسبة قوتها في أصلها والله يخلق ما يشاء ويحكم ما يريد

[ 346 ]

الفصل الرابع في ان الهياكل العظيمة جدا لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة والسبب في ذلك ما ذكرناه من حاجة البناء إلى التعاون ومضاعفة القدر البشرية وقد تكون المباني في عظمها أكثر من القدر مفردة أو مضاعفة بالهندام كما قلناه فيحتاج إلى معاودة قدر أخرى مثلها في أزمنة متعاقبة إلى أن تتم فيبتدئ الاول منهم بالبناء ويعقبه الثاني والثالث وكل واحد منهم قد استكمل شأنه في حشر الفعلة وجمع الايدي حتى يتم القصد من ذلك ويكمل ويكون ماثلا للعيان يظنه من يراه من الاخرين أنه بناء دولة واحدة وانظر في ذلك ما نقله المؤرخون في بناء سد مارب وأن الذي بناه سبا بن يشجب وساق إليه سبعين واديا وعاقه الموت عن إتمامه فأتمه ملوك حمير من بعده ومثل هذا ما نقل في بناء قرطاجنة وقناتها الراكبة على الحنايا العادية وأكثر المباني العظيمة في الغالب هذا شأنها ويشهد لذلك أن المباني العظيمة لعهدنا نجد الملك الواحد يشرع في اختطاطها وتأسيسها فإذا لم يتبع أثره من بعده من الملوك في إتمامها بقيت بحالها ولم يكمل القصد فيها ويشهد لذلك أيضا أنا نجد آثارا كثيرة من المباني العظيمة تعجز الدول عن هدمها وتخريبها مع أن الهدم أيسر من البناء بكثير لان الهدم رجوع إلى الاصل الذي هو العدم والبناء على خلاف الاصل فإذا وجدنا بناء تضعف قوتنا البشرية عن هدمه مع سهولة الهدم علمنا أن القدرة التي أسسته مفرطة القوة وأنها ليست أثر دولة واحدة وهذا مثل ما وقع للعرب في إيوان كسرى لما اعتزم الرشيد على هدمه وبعث إلى يحيى بن خالد وهو في محبسه يستشيره في ذلك فقال يا أمير المؤمنين لا تفعل واتركه ماثلا يستدل به على عظم ملك آبائك الذين سلبوا الملك لاهل ذلك الهيكل فاتهمه في النصيحة وقال أخذته النعرة للعجم والله لاصر عنه وشرع في هدمه وجمع الا يدي عليه واتخذ له الفؤس وحماه بالنار وصب عليه الخل حتى إذا أدركه العجز بعد ذلك كله وخاف الفضيحة بعث إلى يحيى يستشيره ثانيا في التجافي عن الهدم فقال لا تفعل واستمر على ذلك لئلا يقال عجز أمير المؤمنين وملك العرب عن هدم مصنع من مصانع العجم فعرفها الرشيد وأقصر عن هدمه وكذلك اتفق للمأمون في هدم الاهرام التي بمصر

[ 347 ]

وجمع الفعلة لهدمها فلم يحل بطائل وشرعوا في نقبه فانتهوا إلى جوبين الحائط والظاهر وما بعده من الحيطان وهنالك كان منتهى هدمهم وهو إلى اليوم فيما يقال منفذ ظاهر ويزعم الزاعمون أنه وجد ركازا بين تلك الحيطان والله أعلم وكذلك حنايا المعلقة إلى هذا العهد تحتاج أهل مدينة تونس إلى انتخاب الحجارة لبنائهم وتستجيد الصناع حجارة تلك الحنايا فيحاولون على هدمها الايام العديدة ولا يسقط الصغير من جدرانها إلا بعد عصب الريق وتجتمع له المحافل المشهورة شهدت منها في أيام صباي كثيرا والله خلقكم وما تعلمون الفصل الخامس فيما تجب مراعاته في اوضاع المدن وما يحدث إذا غفل عن المراعاة إعلم أن المدن قرار يتخذه الامم عند حصول الغاية المطلوبة من الترف ودواعيه فتؤثر الدعة والسكون وتتوجه إلى اتخاذ المنازل للقرار ولما كان ذلك القرار والمأوى وجب أن يراعى فيه دفع المضار بالحماية من طوارقها وجلب المنافع وتسهيل المرافق لها فأما الحماية من المضار فيراعى لها أن يدار على منازلها جميعا سياج الاسوار وأن يكون وضع ذلك في متمنع من الامكنة إما على هضبة متوعرة من الجبل وإما باستدارة بحر أو نهر بها حتى لا يوصل إليها إلا بعد العبور على جسر أو قنطرة فيصعب منالها على العدو ويتضاعف امتناعها وحصنها ومما يراعى في ذلك للحماية من الافات السماوية طيب الهواء للسلامة من الامراض فإن الهواء إذا كان راكدا خبيثا أو مجاورا للمياه الفاسدة أو مناقع متعفنة أو مروج خبيثة أسرع إليها العفن من مجاورتها فأسرع المرض للحيوان الكائن فيه لا محالة وهذا مشاهد والمدن التي لم يراع فيها طيب الهواء كثيرة الامراض في الغالب وقد اشتهر بذلك في قطر المغرب بلد قابس من بلاد الجريد بأفريقية فلا يكاد ساكنها أو طارقها يخلص من حمى العفن بوجه ولقد يقال إن ذلك حادث فيها ولم تكن كذلك من قبل ونقل البكري في سبب حدوثه أنه وقع فيها حفر ظهر فيه إناء من نحاس مختوم بالرصاص فلما فض ختامه صعد منه دخان إلى الجو وانقطع وكان ذلك مبدأ أمراض الحميات فيه وأراد بذلك أن الاناء كان مشتملا على بعض أعمال الطلسمات لوبائه وأنه

[ 348 ]

ذهب سره بذهابه فرجع إليها العفن والوباء وهذه الحكاية من مذاهب العامة ومباحثهم الركيكة والكبري لم يكن من نباهة العلم واستنارة البصيرة بحيث يدفع مثل هذا أو يتبين خرفه فنقله كما سمعه والذي يكشف لك الحق في ذلك أن هذه الاهوية العفنة أكثر ما يهيئها لتعفين الاجسام وأمراض الحميات ركودها فإذا تخللتها الريح وتفشت وذهبت بها يمينا وشمالا خف شأن العفن والمرض البادي منها للحيوانات والبلد إذا كان كثير الساكن وكثرت حركات أهله فيتموج الهواء ضرورة وتحدث الريح المتخللة للهواء الراكد ويكون ذلك معينا له على الحركة والتموج وإذا خف الساكن لم يجد الهواء معينا على حركته وتموجه وبقي ساكنا راكدا وعظم عفنه وكثر ضرره وبلد قابس هذه كانت عندما كانت أفريقية مستجدة العمران كثيرة الساكن تموج بأهلها موجا فكان ذلك معينا على تموج الهواء واضطرابه وتخفيف الاذى منه فلم يكن فيها كثير عفن ولا مرض وعندما خف ساكنها ركد هواؤها المتعفن بفساد مياهها فكثر العفن والمرض فهذا وجهه لا غير وقد رأينا عكس ذلك في بلاد وضعت ولم يراع فيها طيب الهواء وكانت أولا قليلة الساكن فكانت أمراضها كثيرة فلما كثر سكانها انتقل حالها عن ذلك وهذا مثل دار الملك بفاس لهذا العهد المسمى بالبلد الجديد وكثير من ذلك في العالم فتفهمه تجد ما قلته لك وأما جلب المنافع والمرافق للبلد فيراعى فيه أمور منها الماء بأن يكون البلد على نهر أو بإزائها عيون عذبة ثرة فإن وجود الماء قريبا من البلد يسهل على الساكن حاجة الماء وهي ضرورية فيكون لهم في وجوده مرفقة عظيمة عامة ومما يراعى من المرافق في المدن طيب المراعي لسائمتهم إذ صاحب كل قرار لابد له من دوجن الحيوان للنتاج والضرع والركوب ولا بد لها من المرعى فإذا كان قريبا طيبا كان ذلك أرفق بحالهم لما يعانون من المشقة في بعده ومما يراعى أيضا المزارع فإن الزروع هي الافوات فإذا كانت مزارع البلد بالقرب منها كان ذلك اسهل في اتخاذه وأقرب في تحصيله ومن ذلك الشجر للحطب والبناء فإن الحطب مما تعم البلوى في اتخاذه لوقود النيران للاصطلاء والطبخ والخشب أيضا ضروري لسقفهم وكثير مما يستعمل فيه الخشب من ضرورياتهم وقد يراعى أيضا قربها من

[ 349 ]

البحر لتسهيل الحاجات القاصية من البلاد النائية إلا أن ذلك ليس بمثابة الاول وهذه كلها متفاوتة بتفاوت الحاجات وما تدعو إليه ضرورة الساكن وقد يكون الواضع غافلا عن حسن الاختيار الطبيعي أو إنما يراعي ما هو أهم على نفسه وقومه ولا يذكر حاجة غيرهم كما فعله العرب لاول الاسلام في المدن التي اختطوها بالعراق وأفريقية فإنهم لم يراعوا فيها إلا الاهم عندهم من مراعي الابل وما يصلح لها من الشجر والماء الملح ولم يراعوا الماء ولا المزارع ولا الحطب ولا مراعي السائمة من ذوات الظلف ولا غير ذلك كالقيروان والكوفة والبصرة وأمثالها ولهذا كانت أقرب إلى الخراب ما لم تراع فيها الامور الطبيعية ومما يراعى في البلاد الساحلية التي على البحر أن تكون في جبل أو تكون بين أمة من الامم موفورة العدد تكون صريخا للمدينة متى طرقها طارق من العدو والسبب في ذلك أن المدينة إذا كانت حاضرة البحر ولم يكن بساحتها عمران للقبائل أهل العصبيات ولا موضعها متوعر من الجبل كانت في غرة للبيات وسهل طروقها في الاساطيل البحرية على عدوها وتحيفه لها لما يأمن من وجود الصريخ لها وأن الحضر المتعودين للدعة قد صاروا عيالا وخرجوا عن حكم المقاتلة وهذه كالاسكندرية من المشرق وطرابلس من المغرب وبونة وسلا ومتى كانت القبائل والعصائب موطنين بقربها بحيث يبلغهم الصريخ والنعير وكانت متوعرة المسالك على من يرومها باختطاطها في هضاب الجبال وعلى أسنمتها كان لها بذلك منعة من العدو ويئسوا من طروقها لما يكابدونه من وعرها وما يتوقعونه من إجابة صريخها كما في سبتة وبجاية وبلد القل على صغرها فافهم ذلك واعتبره في اختصاص الاسكندرية باسم الثغر من لدن الدولة العباسية مع أن الدعوة من ورائها ببرقة وأفريقية وإنما اعتبر في ذلك المخافة المتوقعة فيها من البحر لسهولة وضعها ولذلك والله أعلم كان طروق العدو للاسكندرية وطرابلس في الملة مرات متعددة والله تعالى أعلم الفصل السادس في المساجد والبيوت العظيمة في العالم إعلم أن الله سبحانه وتعالى فضل من الارض بقاعا اختصها بتشريفه وجعلها مواطن

[ 350 ]

لعبادته يضاعف فيها الثواب وينمو بها الاجور وأخبرنا بذلك على ألسن رسله وأنبيائه لطفا بعباده وتسهيلا لطرق السعادة لهم. وكانت المساجد الثلاثة هي أفضل بقاع الارض حسبما ثبت في الصحيحين وهي مكة والمدينة وبيت المقدس أما البيت الحرام الذي بمكة فهو بيت إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أمره الله ببنائه وأن يؤذن في الناس بالحج إليه فبناه هو وابنه إسماعيل كما نصه القرآن وقام بما أمره الله فيه وسكن إسماعيل به مع هاجر ومن نزل معهم من جرهم إلى أن قبضهما الله ودفنا بالحجر منه. وبيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام أمرهما الله ببناء مسجده ونصب هياكله ودفن كثير من الانبياء من ولد إسحاق عليه السلام حواليه. والمدينة مهاجر نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه أمره الله تعالى بالهجرة إليها وإقامة دين الاسلام بها فبنى مسجده الحرام بها وكان ملحده الشريف في تربتها فهذه المساجد الثلاثة قرة عين المسلمين ومهوى أفئدتهم وعظمة دينهم وفي الآثار من فضلها ومضاعفة الثواب في مجاورتها والصلاة فيها كثير معروف فلنشر إلى شئ من الخبر عن أولية هذه المساجد الثلاثة وكيف تدرجت أحوالها إلى أن كمل ظهورها في العالم فأما مكة فأوليتها فيما يقال أن آدم صلوات الله عليه بناها قبالة البيت المعمور ثم هدمها الطوفان بعد ذلك وليس فيه خبر صحيح يعول عليه وإنما اقتبسوه من محمل الآية في قوله وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ثم بعث الله إبراهيم وكان من شأنه وشان زوجته سارة وغيرتها من هاجر ما هو معروف وأوحى الله إليه أن يترك ابنه إسماعيل وأمه هاجر بالفلاة فوضعهما في مكان البيت وسار عنهما وكيف جعل الله لهما من اللطف في نبع ماء زمزم ومرور الرفقة من جرهم بها حتى احتملوهما وسكنوا إليهما ونزلوا معهما حوالي زمزم كما عرف في موضعه فاتخذ إسماعيل بموضع الكعبة بيتا يأوي إليه وأدار عليه سياجا من الردم وجعله زربا لغنمه وجاء إبراهيم صلوات الله عليه مرارا لزيارته من الشام أمر في آخرها ببناء الكعبة مكان ذلك الزرب فبناه واستعان فيه بابنه إسماعيل ودعا الناس إلى حجه وبقي إسماعيل ساكنا به ولما قبضت أمه هاجر وقام بنوه من بعده بأمر البيت مع أخوالهم من جرهم ثم العماليق من بعدهم واستمر الحال على ذلك والناس يهرعون

[ 351 ]

إليها من كل أفق من جميع أهل الخليقة لا من بني إسماعيل ولا من غيرهم ممن دنا أو نأى فقد نقل أن التبايعة كانت تحج البيت وتعظمه وأن تبعا كساها الملاء والوصائل وأمر بتطهيرها وجعل لها مفتاحا ونقل أيضا أن الفرس كانت تحجه وتقرب إليه وأن غزالي الذهب اللذين وجدهما عبد المطلب حين احتفر زمزم كانا من قرا بينهم ولم يزل لجرهم الولاية عليه من بعد ولد إسماعيل من قبل خؤولتهم حتى إذا خرجت خزاعة وأقاموا بها بعدهم ما شاء الله ثم كثر ولد إسماعيل وانتشروا وتشعبوا إلى كنانة ثم كنانة إلى قريش وغيرهم وساءت ولاية خزاعة فغلبتهم قريش على أمره وأخرجوهم من البيت وملكوا عليهم يومئذ قصي بن كلاب فبنى البيت وسقفه بخشب الدوم وجريد النخل وقال الاعشى خلفت بثوبي راهب الدور والتي * بناها قصي والمضاض بن جرهم ثم أصاب البيت سيل ويقال حريق وتهدم وأعادوا بناءه وجمعوا النفقة لذلك من أموالهم وانكسرت سفينة بساحل جدة فاشتروا خشبها للسقف وكانت جدرانه فوق القامة فجعلوها ثماني عشرة ذراعا وكان الباب لاصقا بالارض فجعلوه فوق القامة لئلا تدخله السيول وقصرت بهم النفقة عن إتمامه فقصروا عن قواعده وتركوا منه ست أذرع وشبرا أداروها بجدار قصير يطاف من ورائه وهو الحجر وبقي البيت على هذا البناء إلى أن تحصن ابن الزبير بمكة حين دعا لنفسه وزحفت إليه جيوش يزيد بن معاوية مع الحصين بن نمير السكوني ورمى البيت سنة أربع وستين فأصابه حريق يقال من النفط الذي رموا به على ابن الزبير فأعاد بناءه أحسن مما كان بعد أن اختلفت عليه الصحابة في بنائه واحتج عليهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها لولا قومك حديثو عهد بكفر لرددت البيت على قواعد إبراهيم ولجعلت له بابين شرقيا وغربيا فهدمه وكشف عن أساس إبراهيم عليه السلام وجمع الوجوه والاكابر حتى عاينوه وأشار عليه ابن عباس بالتحري في حفظ القبلة على الناس فأدار على الاساس الخشب ونصب من فوقها الاستار حفظا للقبلة وبعث إلى صنعاء في الفضة والكلس فحملها وسأل عن مقطع الحجارة الاول فجمع منها ما احتاج إليه ثم شرع في البناء على أساس إبراهيم عليه السلام ورفع جدرانها سبعا وعشرين

[ 352 ]

ذراعا وجعل لها بابين لاصقين بالارض كما روى في حديثه وجعل فرشها وإزرها بالرخام وصاغ لها المفاتيح وصفائح الابواب من الذهب. ثم جاء الحجاج لحصاره أيام عبد الملك ورمى على المسجد بالمنجنيقات إلى أن تصدعت حيطانها ثم لما ظفر بابن الزبير شاور عبد الملك فيما بناه وزاده في البيت فأمره بهدمه ورد البيت على قواعد قريش كما هي اليوم ويقال إنه ندم على ذلك حين علم صحة رواية ابن الزبير لحديث عائشة وقال وددت أني كنت حملت أبا حبيب في أمر البيت وبنائه ما تحمل فهدم الحجاج منها ست أذرع وشبرا مكان الحجر وبناها على أساس قريش وسد الباب الغربي وما تحت عتبة بابها اليوم من الباب الشرقي وترك سائرها لم يغير منه شيئا فكل البناء الذي فيه اليوم بناء ابن الزبير وبناء الحجاج في الحائط صلة ظاهرة للعيان لحمة ظاهرة بين البناءين والبناء متميز عن البناء بمقدار إصبع شبه الصدع وقد لحم. ويعرض ههنا إشكال قوي لمنافاته لما يقوله الفقهاء في أمر الطواف ويحذر الطائف أن يميل على الشاذروان الدائر على أساس الجدر من أسفلها فيقع طوافه داخل البيت بناء على أن الجدر إنما قامت على بعض الاساس وترك بعضه وهو مكان الشاذروان وكذا قالوا في تقبيل الحجر الاسود لا بد من رجوع الطائف من التقبيل حتى يستوي قائما لئلا يقع بعض طوافه داخل البيت وإذا كانت الجدران كلها من بناء ابن الزبير وهو إنما بني على أساس إبراهيم فكيف يقع هذا الذي قالوه ولا مخلص من هذا إلا بأحد أمرين أحدهما أن يكون الحجاج هدم جميعه وأعاده وقد نقل ذلك جماعة إلا أن العيان في شواهد البناء بالتحام ما بين البناءين وتمييز أحد الشقين من أعلاه على الآخر في الصناعة يرد ذلك وإما أن يكون ابن الزبير لم يرد البيت على أساس إبراهيم مع جميع جهاته وإنما فعل ذلك في الحجر فقط ليدخله فهي الآن مع كونها من بناء ابن الزبير ليست على قواعد إبراهيم وهذا بعيد ولا محيص من هذين والله تعالى أعلم. ثم إن مساحة البيت وهو المسجد كان فضاء للطائفين ولم يكن عليه جدر أيام النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر من بعده ثم كثر الناس فاشترى عمر رضي الله عنه دورا هدمها وزادها في المسجد وأدار عليها جدارا دون القامة وفعل مثل ذلك عثمان ثم ابن الزبير ثم الوليد بن عبد الملك وبناه بعمد

[ 353 ]

الرخام ثم زاد فيه المنصور وابنه المهدي من بعده ووقفت الزيادة واستقرت على ذلك لعهدنا. وتشريف الله لهذا البيت وعنايته به أكثر من أن يحاط به وكفى بذلك أن جعله مهبطا للوحي والملائكة ومكانا للعبادة وفرض شرائع الحج ومناسكه وأوجب لحرمه من سائر نواحيه من حقوق التعظيم والحق ما لم يوجبه لغيره فمنع كل من خالف دين الاسلام من دخول ذلك الحرم وأوجب على داخله أن يتجرد من المخيط إلا إزارا يستره وحمى العائذ به والراتع في مسارحه من مواقع الآفات فلا يرام فيه خائف ولا يصاد له وحش ولا يحتطب له شجر. وحد الحرم الذي يختص بهذه الحرمة من طريق المدينة ثلاثة أميال إلى التنعيم ومن طريق العراق سبعة أميال إلى الثنية من جبل المنقطع ومن طريق الطائف سبعة أميال إلى بطن نمرة ومن طريق جدة سبعة أميال إلى منقطع العشائر. هذا شأن مكة وخبرها وتسمى أم القرى وتسمى الكعبة لعلوها من اسم الكعب ويقال لها أيضا بكة قال الاصمعي لان الناس يبك بعضهم بعضا إليها أي يدفع وقال مجاهد باء بكة أبدلوها ميما كما قالوا لازب ولازم لقرب المخرجين وقال النخعي بالباء وبالميم البلد وقال الزهري بالباء للمسجد كله وبالميم للحرم وقد كانت الامم منذ عهد الجاهلية تعظمه والملوك تبعث إليه بالاموال والذخائر مثل كسرى وغيره وقصة الاسياف وغزالي الذهب اللذين وجدهما عبد المطلب حين احتفر زمزم معروفة وقد وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة في الجب الذي كان فيها سبعين ألف أوقية من الذهب مما كان الملوك يهدون للبيت فيها ألف ألف دينار مكررة مرتين بمائتي قنطار وزنا وقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه يا رسول الله لو استعنت بهذا المال على حربك فلم يفعل ثم ذكر لابي بكر فلم يحركه هكذا قال الازرقي وفي البخاري يسنده إلى أبي وائل قال جلست إلى شيبة بن عثمان وقال جلس إلي عمر بن الخطاب فقال هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين قلت ما أنت بفاعل قال ولم قلت فلم يفعله صاحباك فقال هما اللذان يقتدى بهما وخرجه أبو داود وابن ماجة وأقام ذلك المال إلى أن كانت فتنة الافطس وهو الحسن بن الحسين ابن علي بن علي زين العابدين سنة تسع وتسعين ومائة حين غلب مكة عمد إلى

[ 354 ]

الكعبة فأخذ ما في خزائنها وقال ما تصنع الكعبة بهذا المال موضوعا فيها لا ينتفع به نحن أحق به نستعين به على حربنا وأخرجه وتصرف فيه وبطلت الذخيرة من الكعبة من يومئذ. (واما بيت المقدس) وهو المسجد الاقصى فكان أول أمره ايام الصابئة موضع الزهرة وكانوا يقربون إليه الزيت فيما يقربونه يصبونه على الصخرة التي هناك ثم دثر ذلك الهيكل واتخذها بنو إسرائيل حين ملكوها قبلة لصلاتهم. وذلك أن موسى صلوات الله عليه لما خرج ببني إسرائيل من مصر لتمليكهم بيت المقدس كما وعد الله أباهم إسرائيل وأباه إسحق من قبله وأقاموا بأرض التيه أمره الله باتخاذ قبة من خشب السنط عين بالوحي مقدارها وصفتها وهياكلها وتماثيلها وأن يكون فيها التابوت ومائدة بصحافها ومنارة بقناديلها وأن يصنع مذبحا للقربان وصف ذلك كله في التوراة أكمل وصف فصنع القبة ووضع فيها تابوت العهد وهو التابوت الذي فيه الالواح المصنوعة عوضا عن الالواح المنزلة بالكلمات العشر لما تكسرت ووضع المذبح عندها. وعهد الله إلى موسى بأن يكون هارون صاحب القربان ونصبوا تلك القبة بين خيامهم في التيه يصلون إليها ويتقربون في المذبح أمامها ويتعرضون للوحي عندها. ولما ملكوا الشام وبقيت تلك القبة قبلتهم ووضعوها على الصخرة ببيت المقدس وأراد داود عليه السلام بناء مسجده على الصخرة مكانها فلم يتم له ذلك وعهد به إلى ابنه سليمان فبناه لاربع سنين من ملكه ولخمسمائة سنة من وفاة موسى عليه السلام واتخذ عمده من الصفر وجعل به صرح الزجاج وغشى أبوابه وحيطانه بالذهب وصاغ هياكله وتماثيله وأوعيته ومنارته ومفتاحه من الذهب وجعل في ظهره قبرا ليضع فيه تابوت العهد وهو التابوت الذي فيه الالواح وجاء به من صهيون بلد أبيه داود تحمله الاسباط والكهنوتية حتى وضعه في القبر ووضعت القبة والاوعية والمذبح كل واحد حيث أعد له من المسجد وأقام كذلك ما شاء الله ثم خربه بخت نصر بعد ثمانمائة سنة من بنائه وأحرق التوراة والعصا وصاغ الهياكل ونثر الاحجار ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز نبي بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبني إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودا دون بناء سليمان بن داود عليهما السلام فلم يتجاوزوها ثم تداولتهم

[ 355 ]

ملوك يونان والفرس والروم واستفحل الملل لبني إسرائيل في هذه المدة ثم لبني حشمناي من كهنتهم ثم لصهرهم هيرودس ولبنيه من بعده وبنى هيرودس بيت المقدس على بناء سليمان عليه السلام وتأنق فيه حتى أكمله في ست سنين فلما جاء طيطش من ملوك الروم وغلبهم وملك أمرهم خرب بيت المقدس ومسجدها وأمر أن يزرع مكانه ثم أخذ الروم بدين المسيح عليه السلام ودانوا بتعظيمه ثم اختلف حال ملوك الروم في الاخذ بدين النصارى تارة وتركه أخرى إلى أن جاء قسطنطين وتنصرت أمه هيلانة وارتحلت إلى القدس في طلب الخشبة التي صلب عليها المسيح بزعمهم فأخبرها القساوسة بأنه رمى بخشبته على الارض وألقى عليها القمامات والقاذورات فاستخرجت الخشبة وبنت مكان تلك القمامات كنيسة القمامة كأنها على قبره بزعمهم وهربت ما وجدت من عمارة البيت وأمرت بطرح الزبل والقمامات على الصخرة حتى غطاها وخفي مكانها جزاء بزعمها لما فعلوه بقبر المسيح ثم بنوا بإزاء القمامة بيت لحم وهو البيت الذي ولد فيه عيسى عليه السلام وبقي الامر كذلك إلى أن جاء الاسلام وحضر عمر لفتح بيت المقدس وسأل عن الصخرة فأري مكانها وقد علاها الزبل والتراب فكشف عنها وبنى عليها مسجدا على طريق البداوة وعظم من شأنه ما أذن الله من تعظيمه وما سبق من أم الكتاب في فضله حسبما ثبت ثم احتفل الوليد بن عبد الملك في تشييد مسجده على سنن مساجد الاسلام بما شاء الله من الاحتفال كما فعل في المسجد الحرام وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وفي مسجد دمشق وكانت العرب تسميه بلاط الوليد وألزم ملك الروم أن يبعث الفعلة والمال لبناء هذه المساجد وأن ينمقوها بالفسيفساء فاطاع لذلك وتم بناؤها على ما اقترحه ثم لما ضعف أمر الخلافة أعوام الخمسمائة من الهجرة في آخرها وكانت في ملكة العبيديين خلفاء القاهر من الشيعة واختل أمرهم زحف الفرنجة إلى بيت المقدس فملكوه وملكوا معه عامة ثغور الشام وبنوا على الصخرة المقدسة منه كنيسة كانوا يعظمونها ويفتخرون ببنائها حتى إذا استقل صلاح الدين بن أيوب الكردي بملك مصر والشام ومحا أثر العبيديين وبدعهم زحف إلى الشام وجاهد من كان به من الفرنجة حتى غلبهم على بيت المقدس وعلى ما كانوا ملكوه

[ 356 ]

من ثغور الشام وذلك لنحو ثمانين وخمسمائة من الهجرة وهدم تلك الكنيسة وأظهر الصخرة وبنى المسجد على النحو الذي هو عليه اليوم لهذا العهد ولا يعرض لك الاشكال المعروف في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أول بيت وضع فقال بين مكة وبين بناء بيت المقدس قيل فكم بينهما قال أربعون سنة فإن المدة بين بناء مكة وبين بناء بيت المقدس بمقدار ما بين إبراهيم وسليمان لان سليمان بانيه وهو ينيف على الالف بكثير. واعلم أن المراد بالوضع في الحديث ليس البناء وإنما المراد أول بيت عين للعبادة ولا يبعد أن يكون بيت المقدس عين للعبادة قبل بناء سليمان بمثل هذه المدة وقد نقل أن الصابئة بنوا على الصخرة هيكل الزهرة فلعل ذلك أنها كانت مكانا للعبادة كما كانت الجاهلية تضع الاصنام والتماثيل حوالي الكعبة وفي جوفها والصابئة الذين بنوا هيكل الزهرة كانوا على عهد إبراهيم عليه السلام فلا تبعد مدة الاربعين سنة بين وضع مكة للعبادة ووضع بيت المقدس وإن لم يكن هناك بناء كما هو المعروف وأن أول من بنى بيت المقدس سليمان عليه السلام فتفهمه ففيه حل هذا الاشكال. وأما المدينة وهي المسماة بيثرب فهي من بناء يثرب بن مهلائيل من العمالقة وملكها بنو إسرائيل من أيديهم فيما ملكوه من أرض الحجاز ثم جاورهم بنو قيلة من غسان وغلبوهم عليها وعلى حصونها. ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إليها لما سبق من عناية الله بها فهاجر إليها ومعه أبو بكر وتبعه أصحابه ونزل بها وبنى مسجده وبيوته في الموضع الذي كان الله قد أعده لذلك وشرفه في سابق أزله وأواه أبناء قيلة ونصروه فلذلك سموا الانصار وتمت كلمة الاسلام من المدينة حتى علت على الكلمات وغلب على قومه وفتح مكة وملكها وظن الانصار أنه يتحول عنهم إلى بلده فأهمهم ذلك فخاطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرهم أنه غير متحول حتى إذا قبض صلى الله عليه وسلم كان ملحده الشريف بها وجاء في فضلها من الاحاديث الصحيحة ما لا خفاء به ووقع الخلاف بين العلماء في تفضيلها على مكة وبه قال مالك رحمه الله لما ثبت عنده في ذلك من النص الصريح عن رفيع بن مخدج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المدينة خير من مكة نقل ذلك أبو الوهاب في المعونة إلى أحاديث أخرى

[ 357 ]

تدل بظاهرها على ذلك وخالف أبو حنيفة والشافعي. وأصبحت على كل حال ثانية المسجد الحرام وجنح إليها الامم بأفئدتهم من كل أوب فانظر كيف تدرجت الفضيلة في هذه المساجد المعظمة لما سبق من عناية الله لها وتفهم سر الله في الكون وتدريجه على ترتيب محكم في أمور الدين والدنيا. وأما غير هذه المساجد الثلاثة فلا نعلمه في الارض إلا ما يقال من شأن مسجد آدم عليه السلام بسرنديب من جزائر الهند لكنه لم يثبت فيه شئ يعول عليه وقد كانت للامم في القديم مساجد يعظمونها على جهة الديانة بزعمهم منها بيوت النار للفرس وهياكل يونان وبيوت العرب بالحجاز التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهدمها في غزواته وقد ذكر المسعودي منها بيوتا لسنا من ذكرها في شئ إذ هي غير مشروعة ولا هي على طريق ديني ولا يلتفت إليها ولا إلى الخبر عنها ويكفي في ذلك ما وقع في التواريخ فمن أراد معرفة الاخبار فعليه بها والله يهدي من يشاء سبحانه الفصل السابع في ان المدن والامصار بافريقية والمغرب قليلة والسبب في ذلك أن هذه الاقطار كانت للبربر منذ آلاف من السنين قبل الاسلام وكان عمرانها كله بدويا ولم تستمر فيهم الحضارة حتى تستكمل أحوالها والدول التي ملكتهم من الافرنجة والعرب لم يطل أمد ملكهم فيهم حتى ترسخ الحضارة منها فلم تزل عوائد البداوة وشؤونها فكانوا إليها أقرب فلم تكثر مبانيهم وأيضا فالصنائع بعيدة عن البربر لانهم أعرق في البدو والصنائع من توابع الحضارة وإنما تتم المباني بها فلا بد من الحذق في تعلمها فلما لم يكن للبربر انتحال لها لم يكن لهم تشوق إلى المباني فضلا عن المدن وأيضا فهم أهل عصبيات وأنساب لا يخلو عن ذلك جمع منهم والانساب والعصبية أجنح إلى البدو وإنما يدعو إلى المدن الدعة والسكون ويصير ساكنها عيالا على حاميتها فتجد أهل البدو لذلك يستنكفون عن سكنى المدينة أو الاقامة بها فلا يدعو إلى ذلك إلا الترف والغنى وقليل ما هو في الناس فلذلك كان عمران أفريقية والمغرب كله أو أكثره بدويا أهل خيام وظواعن وقياطن وكنن في الجبال وكان عمران بلاد العجم كله أو أكثره قرى

[ 358 ]

وأمصارا ورساتيق من بلاد الاندلس والشام ومصر وعراق العجم وأمثالها لان العجم ليسوا بأهل أنساب يحافظون عليها ويتباهون في صراحتها والتحامها إلا في الاقل وأكثر ما يكون سكنى البدو لاهل الانساب لان لحمة النسب أقرب وأشد فتكون عصبيته كذلك وتنزع بصاحبها إلى سكنى البدو والتجا في عن المصر الذي يذهب بالبسالة ويصيره عيالا على غيره فافهمه وقس عليه والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق الفصل الثامن في ان المباني والمصانع في الملة الاسلامية قليلة بالنسبة إلى قدرتها والى من كان قبلها من الدول والسبب في ذلك ما ذكرنا مثله في البربر بعينه إذ العرب أيضا أعرق في البدو وأبعد عن الصنائع وأيضا فكانوا أجانب من الممالك التي استولوا عليها قبل الاسلام ولما تملكوها لم ينفسح الامد حتى تستوفى رسوم الحضارة مع أنهم استغنوا بما وجدوا من مباني غيرهم وأيضا فكان الذين أول الامر مانعا من المغالاة أو البنيان والاسراف فيه في غير القصد كما عهد لهم عمر حين استأذنوه في بناء الكوفة بالحجارة وقد وقع الحريق في القصب الذي كانوا بنوا به من قبل فقال افعلوا ولا يزيدن أحد على ثلاثة أبيات ولا تطالوا في البنيان والزموا السنة تلزمكم الدولة وعهد إلى الوفد وتقدم إلى الناس أن لا يرفعوا بنيانا فوق القدر قالوا وما القدر قال لا يقربكم من السرف ولا يخرجكم عن القصد فلما بعد العهد بالدين والتحرج في أمثال هذه المقاصد وغلبت طبيعة الملك والترف واستخدم العرب أمة الفرس وأخذوا عنهم الصنائع والمباني ودعتهم إليها أحوال الدعة والترف فحينئذ شيدوا المباني والمصانع وكان عهد ذلك قريبا بانقراض الدولة ولم ينفسح الامد لكثرة البناء واختطاط المدن والامصار إلا قليلا وليس كذلك غيرهم من الامم فالفرس طالت مدتهم آلافا من السنين وكذلك القبط والنبط والروم وكذلك العرب الاولى من عاد وثمود والعمالقة والتبابعة طالت آمادهم ورسخت الصنائع فيهم فكانت مبانيهم وهياكلهم أكثر عددا وأبقى على الايام أثرا واستبصر في هذا تجده كما قلت والله وارث الارض ومن عليها

[ 359 ]

الفصل التاسع في ان المباني التي كانت تختطها العرب يسرع إليها الخراب الا في الاقل والسبب في ذلك شأن البداوة والبعد عن الصنائع كما قدمناه فلا تكون المباني وثيقة في تشييدها وله والله أعلم وجه آخر وهو أمس به وذلك قلة مراعاتهم لحسن الاختيار في اختطاط المدن كما قلناه في المكان وطيب الهواء والمياه والمزارع والمراعي فإنه بالتفاوت في هذا تتفاوت جودة المصر ورداءته من حيث العمران الطبيعي والعرب بمعزل عن هذا وإنما يراعون مراعي إبلهم خاصة لا يبالون بالماء طاب أو خبث ولا قل أو كثر ولا يسألون عن زكاء المزارع والمنابت والا هوية لانتقالهم في الارض ونقلهم الحبوب من البلد البعيد وأما الرياح فالقفر مختلف للمهاب كلها والظعن كفيل لهم بطيبها لان الرياح إنما تخبث مع القرار والسكنى وكثرة الفضلات وانظر لما اختطوا الكوفة والبصرة والقيروان كيف لم يراعوا في اختطاطها إلا مراعي إبلهم وما يقرب من القفر ومسالك الظعن فكانت بعيدة عن الوضع الطبيعي للمدن ولم تكن لها مادة تمد عمرانها من بعدهم كما قدمنا أنه يحتاج إليه في العمران فقد كانت مواطنها غير طبيعية للقرار ولم تكن في وسط الامم فيعمرها الناس فلاول وهلة من انحلال أمرهم وذهاب عصبيتهم التي كانت سياجا لها أتى عليها الخراب والانحلال كأن لم تكن والله يحكم لا معقب لحكمه الفصل العاشر في مبادي الخراب في الامصار إعلم أن الامصار إذا اختطت أولا تكون قليلة المساكن وقليلة آلات البناء من الحجر والجير وغيرهما مما يعالى على الحيطان عند التأنق كالزلح والرخام والربج والزجاج والفسيفساء والصدف فيكون بناؤها يومئذ بدويا وآلاتها فاسدة فإذا عظم عمران المدينة وكثر ساكنها كثرت الآلات بكثرة الاعمال حينئذ وكثرت الصناع إلى أن تبلغ غايتها من ذلك كما سبق بشأنها فإذا تراجع عمرانها وخف ساكنها قلت الصنائع لاجل ذلك وفقدت الاجادة في البناء والاحكام والمعالاة عليه بالتنميق ثم تقل الاعمال لعدم الساكن فيقل جلب الآلات من الحجر والرخام وغيرهما

[ 360 ]

فتفقد ويصير بناؤهم وتشييدهم من الآلات التي في مبانيهم فينقلونها من مصنع إلى مصنع لاجل خلاء أكثر المصانع والقصور والمنازل بقلة العمران وقصوره عما كان أولا ثم لا تزال تنقل من قصر إلى قصر ومن دار إلى دار إلى أن يفقد الكثير منها جملة فيعودون إلى البداوة في البناء واتخاذ الطوب عوضا عن الحجارة والقصور عن التنميق بالكلية فيعود بناء المدينة مثل بناء القرى والمدر وتظهر عليها سيماء البداوة ثم تمر في التناقص إلى غايتها من الخراب إن قدر لها به سنة الله في خلقه الفصل الحادي عشر في ان تفاضل الامصار والمدن في كثرة الرزق لاهلها ونفاق الاسواق انما هو في تفاضل عمرانها في الكثرة والقلة والسبب في ذلك أنه قد عرف وثبت أن الواحد من البشر غير مستقل بتحصيل حاجاته في معاشه وأنهم متعاونون جميعا في عمرانهم على ذلك والحاجة التي تحصل بتعاون طائفة منهم تشتد ضرورة الاكثر من عددهم أضعافا فالقوت من الحنطة مثلا لا يستقل الواحد بتحصيل حصته منه وإذا انتدب لتحصيله الستة أو العشرة من حداد ونجار للآلات وقائم على البقر وإثارة الارض وحصاد السنبل وسائر مؤن الفلح وتوزعوا على تلك الاعمال أو اجتمعوا وحصل بعملهم ذلك مقدار من القوت فانه حينئذ قوت لاضعافهم مرات فالاعمال بعد الاجتماع زائدة على حاجات العاملين وضروراتهم فاهل مدينة أو مصر إذا وزعت أعمالهم كلها على مقدار ضروراتهم وحاجاتهم اكتفي فيها بالاقل من تلك الاعمال وبقيت الاعمال كلها زائدة على الضرورات فتصرف في حالات الترف وعوائده وما يحتاج إليه غيرهم من أهل الامصار ويستجلبونه منهم باعواضه وقيمه فيكون لهم بذلك حظ من الغنى وقد تبين لك في الفصل الخامس في باب الكسب والرزق أن المكاسب إنما هي قيم الاعمال فإذا كثرت الاعمال كثرت قيمها بينهم فكثرت مكاسبهم ضرورة ودعتهم أحوال الرفه والغنى إلى الترف وحاجاته من التأنق في المساكن والملابس واستجادة الآنية والماعون واتخاذ الخدم والمراكب وهذه كلها أعمال تستدعى بقيمها ويختار المهرة في صناعتها والقيام عليها فتنفق أسواق الاعمال والصنائع ويكثر دخل المصر

[ 361 ]

وخرجه ويحصل اليسار لمنتحلي ذلك من قبل أعمالهم ومتى زاد العمران زادت الاعمال ثانية ثم زاد الترف تابعا للكسب وزادت عوائده وحاجاته واستنبطت الصنائع لتحصيلها فزادت قيمها وتضاعف الكسب في المدينة لذلك ثانية ونفقت سوق الاعمال بها أكثر من الاول وكذا في الزيادة الثانية والثالثة لان الاعمال الزائدة كلها تختص بالترف والغنى بخلاف الاعمال الاصلية التي تختص بالمعاش فالمصر إذا فضل بعمران واحد ففضله بزيادة كسب ورفه بعوائد من الترف لا توجد من الآخر فما كان عمرانه من الامصار أكثر وأوفر كان حال أهله في الترف أبلغ من حال المصر الذي دونه على وتيرة واحدة في الاصناف القاضي مع القاضي والتاجر مع التاجر والصانع مع الصانع والسوقي مع السوقي والامير مع الامير والشرطي مع الشرطي * واعتبر ذلك في المغرب مثلا بحال فاس مع غيرها من أمصاره مثل بجاية وتلمسان وسبتة تجد بينهما بونا كثيرا على الجملة ثم على الخصوصيات فحال القاضي بفاس أوسع من حال القاضي بتلمسان وهكذا كل صنف مع صنف أهله وكذا أيضا حال تلمسان مع وهران أو الجزائر وحال وهران والجزائر مع ما دونهما إلى أن تنتهي إلى المدر الذين اعتمالهم في ضروريات معاشهم فقط ويقصرون عنها وما ذلك إلا لتفاوت الاعمال فيها فكأنها كلها أسواق للاعمال والخرج في كل سوق على نسبته فالقاضي بفاس دخله كفاء خرجه وكذا القاضي بتلمسان وحيث الدخل والخرج أكثر تكون الاحوال أعظم وهما بفاس أكثر لنفاق سوق الاعمال بما يدعو إليه الترف فالاحوال أضخم ثم كذا حال وهران وقسنطينية والجزائر وبسكرة حتى تنتهي كما قلناه إلى الامصار التي لا توفي أعمالها بضروراتها ولا تعد في الامصار إذ هي من قبيل القرى والمدر فلذلك تجد أهل هذه الامصار الصغيرة ضعفاء الاحوال متقاربين في الفقر والخصاصة لما أن أعمالهم لا تفي بضروراتهم ولا يفضل ما يتأثلونه كسبا فلا تنمو مكاسبهم وهم لذلك مساكين محاويج إلا في الاقل النادر واعتبر ذلك حتى في أحوال الفقراء والسؤال فان السائل بفاس أحسن حالا من السائل بتلمسان أو وهران ولقد شاهدت بفاس السؤال يسألون أيام الاضاحي أثمان ضحاياهم ورأيتهم يسألون كثيرا من أحوال الترف واقتراح المآكل مثل سؤال اللحم والسمن

[ 362 ]

وعلاج الطبخ والملابس والماعون كالغربال والآنية ولو سأل سائل مثل هذا بتلمسان أو وهران لاستنكر وعنف وزجر ويبلغنا لهذا العهد عن أحوال القاهرة ومصر من الترف والغنى في عوائدهم ما يقضى منه العجب حتى أن كثيرا من الفقراء بالمغرب ينزعون من الثقلة إلى مصر لذلك ولما يبلغهم من أن شأن الرفه بمصر أعظم من غيرها ويعتقد العامة من الناس أن ذلك لزيادة إيثار في أهل تلك الآفاق على غيرهم أو أموال مختزنة لديهم وأنهم أكثر صدقة وإيثارا من جميع أهل الامصار وليس كذلك وإنما هو لما تعرفه من أن عمران مصر والقاهرة أكثر من عمران هذه الامصار التي لديك فعظمت لذلك أحوالهم. وأما حال الدخل والخرج فمتكافئ في جميع الامصار ومتى عظم الدخل عظم الخرج وبالعكس ومتى عظم الدخل والخرج اتسعت أحوال الساكن ووسع المصر كل شئ يبلغك من مثل هذا فلا تنكره واعتبره بكثرة العمران وما يكون عنه من كثرة المكاسبة التي يسهل بسببها البذل والايثار على مبتغيه ومثله بشأن الحيوانات العجم مع بيوت المدينة الواحدة وكيف تختلف أحوالها في هجرانها أو غشيانها فان بيوت أهل النعم والثروة والموائد الخصبة منها تكثر بساحتها وأقنيتها بنثر الحبوب وسواقط الفتات فيزدحم عليها غواشي النمل والخشاش ويلحق فوقها عصائب الطيور حتى تروح بطانا وتمتلئ شبعا وريا وبيوت أهل الخصاصة والفقراء الكاسدة أرزاقهم لا يسري بساحتها دبيب ولا يحلق بجوها طائر ولا تأوي إلى زوايا بيوتهم فأرة ولاهرة كما قال الشاعر تسقط الطير حيث تلتقط الحب م وتغشى * منازل الكرماء فتأمل سر الله تعالى في ذلك واعتبر غاشية الاناسي بغاشية العجم من الحيوانات وفتات الموائد بفضلات الرزق والترف وسهولتها على من يبذلها لاستغنائهم عنها في الاكثر لوجود أمثالها لديهم واعلم أن اتساع الاحوال وكثرة النعم في العمران تابع لكثرته والله سبحانه وتعالى أعلم وهو غني عن العالمين الفصل الثاني عشر في اسعار المدن إعلم أن الاسواق كلها تشتمل على حاجات الناس فمنها الضروري وهي الاقوات

[ 363 ]

من الحنطة وما في معناها كالباقلاء والبصل والثوم وأشباهه ومنها الحاجي والكمالي مثل الادم والفواكه والملابس والماعون والمراكب وسائر المصانع والمباني فإذا استبحر المصر وكثر ساكنه رخصت أسعار الضروري من القوت وما في معناه وغلت أسعار الكمالي من الادم والفواكه وما يتبعها وإذا قل ساكن المصر وضعف عمرانه كان الامر بالعكس. والسبب في ذلك أن الحبوب من ضرورات القوت فتتوفر الدواعي على اتخاذها إذ كل أحد لا يهمل قوت نفسه ولاقوت منزله لشهره أو سنته فيعم اتخاذها أهل المصر أجمع أو الاكثر منهم في ذلك المصر أو فيما قرب منه لا بد من ذلك وكل متخذ لقوته فتفضل عنه وعن أهل بيته فضلة كبيرة تسد خلة كثيرين من أهل ذلك المصر فتفضل الاقوات عن أهل المصر من غير شك فترخص أسعارها في الغالب إلاما يصيبها في بعض السنين من الآفات السماوية ولولا احتكار الناس لها لما يتوقع من تلك الآفات لبذلت دون ثمن ولا عوض لكثرتها بكثرة العمران. وأما سائر المرافق من الادم والفواكه وما إليها فانها لا تعم بها البلوى ولا يستغرق اتخاذها أعمال أهل المصر أجمعين ولا الكثير منهم ثم إن المصر إذا كان مستبحرا موفور العمران كثير حاجات الترف توفرت حينئذ الدواعي على طلب تلك المرافق والاستكثار منها كل بحسب حاله فيقصر الموجود منها على الحاجات قصورا بالغا ويكثر المستامون لها وهي قليلة في نفسها فتزدحم أهل الاغراض ويبذل أهل الرفه والترف أثمانها باسراف في الغلاء لحاجتهم إليها أكثر من غيرهم فيقع فيها الغلاء كما تراه. وأما الصنائع والاعمال أيضا في الامصار الموفورة العمران فسبب الغلاء فيها أمور ثلاثة الاول كثرة الحاجة لمكان الترف في المصر بكثرة عمرانه والثاني اعتزاز أهل الاعمال لخدمتهم وامتهان أنفسهم لسهولة المعاش في المدينة بكثرة أقواتها والثالث كثرة المترفين وكثرة حاجاتهم إلى امتهان غيرهم وإلى استعمال الصناع في مهنهم فيبذلون في ذلك لاهل الاعمال أكثر من قيمة أعمالهم مزاحمة ومنافسة في الاسنئثار بها فيعتز العمال والصناع وأهل الحرف وتغلو أعمالهم وتكثر نفقات أهل المصر في ذلك. وأما الامصار الصغيرة والقليلة الساكن فاقواتهم قليلة لقلة العمل فيها وما يتوقعونه لصغر مصرهم من عدم القوت

[ 364 ]

فيتمسكون بما يحصل منه في أيديهم ويحتكرونه فيعز وجوده لديهم ويغلو ثمنه على مستامه وأما مرافقهم فلا تدعو إليها أيضا حاجة بقلة الساكن وضعف الاحوال فلا تنفق لديهم سوقه فيختص بالرخص في سعره وقد يدخل أيضا في قيمة الاقوات قيمة ما يعرض عليها من المكوس والمغارم للسلطان في الاسواق وباب الحفر والحياة في منافع وصولها عن البيوعات لما يمسهم وبذلك كانت الاسعار في الامصار اغلى من الاسعار في البادية إذ المكوس والمغارم والفرائض قليلة لديهم أو معدومة وكثرتها في الامصار لا سيما في آخر الدولة وقد تدخل أيضا في قيمة الاقوات قيمة علاجها في التاريخ ويحافظ على ذلك في أسعارها كما وقع بالاندلس لهذا العهد وذلك أنهم بما الجأهم النصارى إلى سيف البحر وبلاده المتوعرة الخبيثة الزارعة النكدة النبات وملكوا عليهم الارض الزاكية والبلد الطيب فاحتاجوا إلى علاج المزارع والفدن لاصلاح نباتها وفلحها وكان ذلك العلاج باعمال ذات قيم ومواد من الزبل وغيره لها مؤنة وصارت في فلحهم نفقات لها خطر فاعتبروها في سعرهم واختص قطر الاندلس بالغلاء منذ اضطرهم النصارى إلى هذا المعمور بالاسلام مع سواحلها لاجل ذلك ويحسب الناس إذا سمعوا بغلاء الاسعار في قطرهم أنها لقلة الاقوات والحبوب في أرضهم وليس كذلك فهم أكثر أهل المعمور فلحا فيما علمناه وأقومهم عليه وقل أن يخلو منهم سلطان أو سوقة عن فدان أو مزرعة أو فلح إلا قليل من أهل الصناعات والمهن أو الطراء على الوطن من الغزاة المجاهدين ولهذا يختصهم السلطان في عطائهم بالعولة وهي أقواتهم وعلوفاتهم من الزرع وإنما السبب في غلاء سعر الحبوب عندهم ما ذكرناه. ولما كانت بلاد البربر بالعكس من ذلك في زكاء منابتهم وطيب أرضهم ارتفعت عنهم المؤن جملة في الفلح مع كثرته وعمومته فصار ذلك سببا لرخص الاقوات ببلدهم والله مقدر الليل والنهار وهو الواحد القهار لارب سواه الفصل الثالث عشر في قصور اهل البادية عن سكنى المصر الكثير العمران والسبب في ذلك أن المصر الكثير العمران يكثر ترفه كما قدمناه وتكثر

[ 365 ]

حاجات ساكنه من أجل الترف وتعتاد تلك الحاجات لما يدعو إليها فتنقلب ضرورات وتصير فيه الاعمال كلها مع ذلك عزيزة والمرافق غالبة بازدحام الاغراض عليها من أجل الترف وبالمغارم السلطانية التي توضع على الاسواق والبياعات وتعتبر في قيم المبيعات ويعظم فيها الغلاء في المرافق والاوقات والاعمال فتكثر لذلك نفقات ساكنه كثرة بالغة على نسبة عمرانه ويعظم خرجه فيحتاج حنئذ إلى المال الكثير للنفقة على نفسه وعياله في ضرورات عيشهم وسائر مؤونتهم والبدوي لم يكن دخله كثيرا ساكنا بمكان كاسد الاسواق في الاعمال التي هي سبب الكسب فلم يتأثل كسبا ولا مالا فيتعذر عليه من أجل ذلك سكنى المصر الكبير لغلاء مرافقه وعزة حاجاته وهو في بدوه يسد خلته بأقل الاعمال لانه قلل عوائد الترف في معاشه وسائر مؤونته فلا يضطر إلى المال وكل من يتشوف إلى المصر وسكناه من البادية فسريعا ما يظهر عجزه ويفتضح في استيطانه إلا من يقدم منهم تأثل المال ويحصل له منه فوق الحاجة ويجري إلى الغاية الطبيعية لاهل العمران من الدعة والترف فحينئذ ينتقل إلى المصر وينتظم حاله مع أحوال أهله في عوائدهم وترفهم وهكذا شأن بداءة عمران الامصار والله بكل شئ محيط الفصل الرابع عشر في ان الاقطار في اختلاف احوالها بالرفه والفقر مثل الامصار إعلم أن ما توفر عمرانه من الاقطار وتعددت الامم في جهاته وكثر ساكنه اتسعت أحوال أهله وكثرت أموالهم وأمصارهم وعظمت دولهم وممالكهم والسبب في ذلك كله ما ذكرناه من كثرة الاعمال وما سيأتي ذكره من أنها سبب للثروة بما يفضل عنها بعد الوفاء بالضروريات في حاجات الساكن من الفضلة البالغة على مقدار العمران وكثرته فيعود على الناس كسبا يتأثلونه حسبما نذكر ذلك في فصل المعاش وبيان الرزق والكسب فيتزيد الرفه لذلك وتتسع الاحوال ويجئ الترف والغنى وتكثر الجباية للدولة بنفاق الاسواق فيكثر مالها ويشمخ سلطانها وتتفنن في اتخاذ المعاقل والحصون واختطاط المدن وتشييد الامصار. واعتبر ذلك باقطار المشرق مثل مصر والشام وعراق العجم والهند والصين وناحية الشمال كلها

[ 366 ]

وأقطارها وراء البحر الرومي لما كثر عمرانها كيف كثر المال فيهم وعظمت دولتهم وتعددت مدنهم وحواضرهم وعظمت متاجرهم وأحوالهم فالذي نشاهده لهذا العهد من أحوال تجار الامم النصرانية الواردين على المسلمين بالمغرب في رفههم واتساع أحوالهم أكثر من أن يحيط به الوصف وكذا تجار أهل المشرق الاقصى من عراق العجم والهند والصين فانه يبلغنا عنهم في باب الغنى والرفه غرائب تسير الركبان بحديثها وربما تتلقى بالانكار في غالب الامر ويحسب من يسمعها من العامة أن ذلك لزيادة في أموالهم أو لان المعادن الذهبية والفضة أكثر بأرضهم أو لان ذهب الاقدمين من الامم استأثروا به دون غيرهم وليس كذلك فمعدن الذهب الذي نعرفه في هذه الاقطار إنما هو من بلاد السودان وهي إلى المغرب أقرب وجميع ما في أرضهم من البضاعة فانما يجلبونه إلى غير بلادهم للتجارة فلو كان المال عتيدا موفورا لديهم لما جلبوا بضائعهم إلى سواهم يبتغون بها الاموال ولا استغنوا عن أموال الناس بالجملة. ولقد ذهب المنجمون لما رأوا مثل ذلك واستغربوا ما في المشرق من كثرة الاحوال واتساعها ووفور أموالها فقالوا بان عطايا الكواكب والسهام في مواليد المشرق أكثر منها حصصا في مواليد أهل المغرب وذلك صحيح من جهة المطابقة بين الاحكام النجومية والاحوال الارضية كما قلناه وهم إنما أعطوا في ذلك السبب النجومي وبقي عليهم أن يعطوا السبب الارضي وهو ما ذكرناه من كثرة العمران واختصاصه بارض المشرق وأقطاره وكثرة العمران تفيد كثرة الكسب بكثرة الاعمال التي هي سببه فلذلك اختص المشرق بالرفه من بين الآفاق لا إن ذلك لمجرد الاثر النجومي فقد فهمت مما أشرنا لك أولا أنه لا يستقل بذلك وأن المطابقة بين حكمه وعمران الارض وطبيعتها أمر لا بد منه. واعتبر حال هذا الرفه من العمران في قطر أفريقية وبرقة لما خف سكنها وتناقص عمرانها كيف تلاشت أحوال أهلها وانتهوا إلى الفقر والخصاصة وضعفت جباياتها فقلت أموال دولها بعد أن كانت دول الشيعة وصنهاجة بها على ما بلغك من الرفه وكثرة الجبايات واتساع الاحوال في نفقاتهم وأعطياتهم حتى لقد كانت الاموال ترفع من القيروان إلى صاحب مصر لحاجاته ومهماته وكانت أموال الدولة بحيث حمل

[ 367 ]

جوهر الكاتب في سفره إلى فتح مصر ألف حمل من المال يستعد بها لارزاق الجنود وأعطياتهم ونفقات الغزاة وقطر المغرب وإن كان في القديم دون أفريقية فلم يكن بالقليل في ذلك وكانت أحواله في دول الموحدين متسعة وجباياته موفورة وهو لهذا العهد قد أقصر عن ذلك لقصور العمران فيه وتناقصه فقد ذهب من عمران البربر فيه أكثره ونقص عن معهوده نقصا ظاهرا محسوسا وكاد أن يلحق في أحواله بمثل أحوال أفريقية بعد أن كان عمرانه متصلا من البحر الرومي إلى بلاد السودان في طول ما بين السوس الاقصى ورقة وهي اليوم كلها أو أكثرها قفار وخلاء وصحارى إلا ما هو منها بسيف البحر أو ما يقاربه من التلول والله وارث الارض ومن عليها وهو خير الوارثين الفصل الخامس عشر في تاثل العقار والضياع في الامصار وحال فوئدها ومستغلاتها إعلم أن تأثل العقار والضياع الكثيرة لاهل الامصار والمدن لا يكون دفعة واحدة ولا في عصر واحد إذ ليس يكون لاحد منهم من الثروة ما يملك به الاملاك التي تخرج قيمتها عن الحد ولو بلغت أحوالهم في الرفه ما عسى أن تبلغ وإنما يكون ملكهم وتأثلهم لها تدريجا إما بالوراثة من آبائه وذوي رحمه حتى تتأدى أملاك الكثيرين منهم إلى الواحد وأكثر لذلك أو أن يكون بحوالة الاسواق فان العقار في آخر الدولة وأول الاخرى عند فناء الحامية وخرق السياج وتداعي المصر إلى الخراب تقل الغبطة به لقلة المنفعة فيها بتلاشي الاحوال فترخص قيمها وتتملك بالاثمان اليسيرة وتتخطى بالميراث إلى ملك آخر وقد استجد المصر شبابه باستفحال الدولة الثانية وانتظمت له أحوال رائقة حسنة تحصل معها الغبطة في العقار والضياع لكثرة منافعها حينئذ فتعظم قيمها ويكون لها خطر لم يكون في الاول وهذا معنى الحوالة فيها ويصبح مالكها من أغنى أهل المصر وليس ذلك بسعيه واكتسابه إذ قدرته تعجز عن مثل ذلك. وأما فوائد العقار والضياع فهي غير كافية لمالكها في حاجات معاشه إذ هي لا تفي بعوائد الترف وأسبابه وإنما هي في الغالب لسد الخلة وضرورة المعاش والذي سمعناه من مشيخة البلدان أن القصد باقتناء الملك من العقار والضياع

[ 368 ]

إنما هو الخشية على من يترك خلفه من الذرية الضعفاء ليكون مرباهم به ورزقه فيه ونشؤهم بفائدته ما داموا عاجزين عن الاكتساب فإذا اقتدروا على تحصيل المكاسب سعوا فيها بانفسهم وربما يكون من الولد من يعجز عن التكسب لضعف في بدنه أو آفة في عقله المعاشي فيكون ذلك العقار قواما لحاله هذا قصد المترفين في اقتنائه وأما التمول منه وإجراء أحوال المترفين فلا وقد يحصل ذلك منه للقليل أو النادر بحوالة الاسواق وحصول الكثرة البالغة منه والعالي في جنسه وقيمته في المصر إلا أن ذلك إذا حصل ربما امتدت إليه أعين الامراء والولاة واغتصبوه في الغالب أو أرادوه على بيعه منهم ونالت أصحابه منه مضار ومعاطب والله غالب على أمره وهو رب العرش العظيم الفصل السادس عشر في حاجات المتمولين من اهل الامصار إلى الجاه والمدافعة وذلك أن الحضري إذا عظم تموله وكثر للعقار والضياع تأثله وأصبح أغنى أهل المصر ورمقته العيون بذلك وانفسحت أحواله في الترف والعوائد زاحم عليها الامراء والملوك وغصوا به ولما في طباع البشر من العدوان تمتد أعينهم إلى تملك ما بيده وينافسونه فيه ويتحيلون على ذلك بكل ممكن حتى يحصلوه في ربقة حكم سلطاني وسبب من المؤاخذة ظاهر ينتزع به ماله وأكثر الاحكام السلطانية جائرة في الغالب إذ العدل المحض إنما هو في الخلافة الشرعية وهي قليلة اللبث قال صلى الله عليه وسلم الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تعود ملكا عضوضا فلا بد حينئذ لصاحب المال والثروة الشهيرة في العمران من حامية تذود عنه وجاه ينسحب عليه من ذي قرابة للملك أو خالصة له أو عصبية يتحاماها السلطان فيستظل بظلها ويرتع في أمنها من طوارق التعدي وإن لم يكن له ذلك أصبح نهبا بوجوه التخيلات وأسباب الحكام والله يحكم لا معقب لحكمه الفصل السابع عشر في ان الحضارة في الامصار من قبل الدول وانها ترسخ باتصال الدولة ورسوخها والسبب في ذلك أن الحضارة هي أحوال عادية زائدة على الضروري من أحوال

[ 369 ]

العمران زيادة تتفاوت بتفاوت الرفه وتفاوت الامم في القلة والكثرة تفاوتا غير منحصر وتقع فيها عند كثرة التفنن في أنواعها وأصنافها فتكون بمنزلة الصنائع ويحتاج كل صنف منها إلى القومة عليه والمهرة فيه وبقدر ما يتزيد من أصنافها تتزيد أهل صناعتها ويتلون ذلك الجيل بها ومتى اتصلت الايام وتعاقبت تلك الصناعات حذق أولئك الصناع في صناعتهم ومهروا في معرفتها والاعصار بطولها وانفساح أمدها وتكرير أمثالها تزيدها استحكاما ورسوخا وأكثر ما يقع ذلك في الامصار لاستبحار العمران وكثرة الرفه في أهلها وذلك كله إنما يجئ من قبل الدولة لان الدولة تجمع أموال الرعية وتنفقها في بطانتها ورجالها وتتسع أحوالهم بالجاه أكثر من اتساعها بالمال فيكون دخل تلك الاموال من الرعايا وخرجها في أهل الدولة ثم في من تعلق بهم من أهل المصر وهم الاكثر فتعظم لذلك ثروتهم ويكثر غناهم وتتزيد عوائد الترف ومذاهبه وتستحكم لديهم الصنائع في سائر فنونه وهذه هي الحضارة. ولهذا تجد الامصار التي في القاصية ولو كانت موفورة العمران تغلب عليها أحوال البداوة وتبعد عن الحضارة في جميع مذاهبها بخلاف المدن المتوسطة في الاقطار التي هي مركز الدولة ومقرها وما ذاك إلا لمجاورة السلطان لهم وفيض أمواله فيهم كالماء يخضر ما قرب منه فما قرب من الارض إلى أن ينتهي إلى الجفوف على البعد وقد قدمنا أن السلطان والدولة سوق للعالم فالبضائع كلها موجودة في السوق وما قرب منه وإذا أبعدت عن السوق أفتقدت البضائع جملة ثم إنه إذا اتصلت تلك الدولة وتعاقب ملوكها في ذلك المصر واحدا بعد واحد استحكمت الحضارة فيهم وزادت رسوخا واعتبر ذلك في اليهود لما طال ملكهم بالشام نحوا من ألف وأربعمائة سنة رسخت حضارتهم وحذقوا في أحوال المعاش وعوائده والتفنن في صناعاته من المطاعم والملابس وسائر أحوال المنزل حتى إنها لتؤخذ عنهم في الغالب إلى اليوم ورسخت الحضارة أيضا وعوائدها في الشام منهم ومن دولة الروم بعدهم ستمائة سنة فكانوا في غاية الحضارة. وكذلك أيضا القبط دام ملكهم في الخليقة ثلاثة آلاف من السنين فرسخت عوائد الحضارة في بلدهم مصر وأعقبهم بها ملك اليونان والروم ثم ملك الاسلام الناسخ للكل فلم تزل عوائد الحضارة بها متصلة وكذلك أيضا رسخت

[ 370 ]

عوائد الحضارة باليمن لاتصال دولة العرب بها منذ عهد العمالقة والتبابعة آلافا من السنين وأعقبهم ملك مصر وكذلك الحضارة بالعراق لاتصال دولة النبط والفرس بها من لدن الكلدانيين والكيانية والكسروية والعرب بعدهم آلافا من السنين فلم يكن على وجه الارض لهذا العهد أحضر من أهل الشام والعراق ومصر وكذا أيضا رسخت عوائد الحضارة واستحكمت بالاندلس لاتصال الدولة العظيمة فيها للقوط ثم ما أعقبها من ملك بني أمية آلافا من السنين وكلتا الدولتين عظيمة فاتصلت فيها عوائد الحضارة واستحكمت. وأما أفريقية والمغرب فلم يكن بها قبل الاسلام ملك ضخم إنما قطع الافرنجة إلى أفريقية البحر وملكوا الساحل وكانت طاعة البربر أهل الضاحية لهم طاعة غيره مستحكمة فكانوا على قلعة وأوفاز وأهل المغرب لم تجاورهم دولة وإنما كانوا يبعثون بطاعتهم إلى القوط من وراء البحر ولما جاء الله بالاسلام وملك العرب أفريقية والمغرب لم يلبث فيهم ملك العرب إلا قليلا أول الاسلام وكانوا لذلك العهد في طور البداوة ومن استقر منهم بافريقية والمغرب لم يجد بهما من الحضارة ما يقلد فيه من سلفه إذ كانوا برابر منغمسين في البداوة ثم انتقض برابرة المغرب الاقصى لاقرب العهود على يد ميسرة المطفري أيام هشام ابن عبد الملك ولم يراجعوا أمر العرب بعد واستقلوا بامر أنفسهم وإن بايعوا لادريس فلا تعد دولته فيهم عربية لان البرابر هم الذين تولوها ولم يكن من العرب فيها كثير عدد وبقيت أفريقية للاغالبة ومن إليهم من العرب فكان لهم من الحضارة بعض الشئ بما حصل لهم من ترف الملك ونعيمه وكثرة عمران القيروان وورث ذلك عنهم كتامة ثم صنهاجة من بعدهم وذلك كله قليل لم يبلغ أربعمائة سنة وانصرمت دولتهم واستحالت صبغة الحضارة بما كانت غير مستحكمة وتغلب بدو العرب الهلاليين عليها وخربوها وبقي أثر خفي من حضارة العمران فيها وإلى هذا العهد يونس فيمن سلف له بالقلعة أو القيروان أو المهدية سلف فتجد له من الحضارة في شؤن منزله وعوائد أحواله آثارا ملتبسة بغيرها يميزها الحضري البصير بها وكذا في أكثر أمصار أفريقية وليس كذلك في المغرب وأمصاره لرسوخ الدولة بافريقية أكثر أمدا منذ عهد الاغالبة والشيعة وصنهاجة وأما المغرب فانتقل إليه منذ دولة

[ 371 ]

الموحدين من الاندلس حظ كبير من الحضارة واستحكمت به عوائدها بما كان لدولتهم من الاستيلاء على بلاد الاندلس وانتقل الكثير من أهلها إليهم طوعا وكرها وكانت من اتساع النطاق ما علمت فكان فيها حظ صالح من الحضارة واستحكامها ومعظمها من أهل الاندلس ثم انتقل أهل شرق الاندلس عند جالية النصارى إلى أفريقية فابقوا فيها وبامصارها من الحضارة آثارا ومعظمها بتونس امتزجت بحضارة مصر وما ينقله المسافرون من عوائدها فكان بذلك للمغرب وأفريقية حظ صالح من الحضارة عفي عليه الخلاء ورجع إلى أعقابه وعاد البربر بالمغرب إلى أديانهم من البداوة والخشونة وعلى كل حال فآثار الحضارة بافريقية أكثر منها بالمغرب وأمصاره تداول فيها من الدول السالفة أكثر من المغرب ولقرب عوائدهم من عوائد أهل مصر بكثرة المترددين بينهم. فتفطن لهذا السر فانه خفي عن الناس واعلم أنها أمور متناسبة وهي حال الدولة في القوة والضعف وكثرة الامة أو الجيل وعظم المدينة أو المصر وكثرة النعمة واليسار وذلك أن الدولة والملك صورة الخليقة والعمران وكلها مادة لها من الرعايا والامصار وسائر الاحوال وأموال الجباية عائدة عليهم ويسارهم في الغالب من أسواقهم ومتاجرهم وإذا أفاض السلطان عطاءه وأمواله في أهلها انبثت فيهم ورجعت إليه ثم إليهم منه فهي ذاهبة عنهم في الجباية والخراج عائدة عليهم في العطاء فعلى نسبة حال الدولة يكون يسار الرعايا وعلى نسبة يسار الرعايا وكثرتهم يكون مال الدولة وأصله كله العمران وكثرته فاعتبره وتأمله في الدول تجده والله يحكم ولا معقب لحكمه الفصل الثامن عشر في ان الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره وانها موذنة بفساده قد بينا لك فيما سلف أن الملك والدولة غاية للعصبية وأن الحضارة غاية للبداوة وأن العمران كله من بداوة وحضارة وملك وسوقة له عمر محسوس كما أن للشخص الواحد من اشخاص المكونات عمرا محسوسا وتبين في المعقول والمنقول أن الاربعين للانسان غاية في تزايد قواه ونموها وأنه إذا بلغ سن الاربعين وقفت الطبيعة عن أثر النشوء والنمو برهة ثم تأخذ بعد ذلك في الانحطاط فلتعلم أن الحضارة في العمران أيضا

[ 372 ]

كذلك لانه غاية لا مزيد وراءها وذلك أن الترف والنعمة إذا حصلا لاهل العمران دعاهم بطبعه إلى مذاهب الحضارة والتخلق بعوائدها والحضارة كما علمت هي التفنن في الترف واستجادة أحواله والكلف بالصنائع التي تؤنق من أصنافه وسائر فنونه من الصنائع المهيئة للمطابخ أو السلابس أو المباني أو الفرش أو الآنية ولسائر أحوال المنزل وللتأنق في كل واحد من هذه صنائع كثيرة لا يحتاج إليها عند البداوة وعدم التأنق فيها وإذا بلغ النأفق في هذه الاحوال المنزلية الغاية تبعه طاعة الشهوات فتتلون النفس من تلك العوائد بألوان كثيرة لا يستقيم حالها معها في دينها ولا دنياها أما دينها فلاستحكام صبغة العوائد التي يعسر نزعها وأما دنياها فلكثرة الحاجات والمؤنات التي تطالب بها العوائد ويعجز وينكب عن الوفاء بها. وبيانه أن المصر بالتفنن في الحضارة تعظم نفقات أهله والحضارة تتفاوت بتفاوت العمران فمتى كان العمران أكثر كانت الحضارة أكمل وقد كنا قدمنا أن المصر الكثير العمران يختص بالغلاء في أسواقه وأسعار حاجته ثم تزيدها المكوس غلاء لان الحضارة إنما تكون عند انتهاء الدولة في استفحالها وهو زمن وضع المكوس في الدول لكثرة خرجها حينئذ كما تقدم والمكوس تعود إلى البياعات بالغلاء لان السوقة والتجار كلهم يحتسبون على سلعهم وبضائعهم جميع ما ينفقونه حتى في مؤنة أنفسهم فيكون المكس لذلك داخلا في قيم المبيعات وأثمانها فتعظم نفقات أهل الحضارة وتخرج عن القصد إلى الاسراف ولا يجدون وليجة عن ذلك لما ملكهم من أثر العوائد وطاعتها وتذهب مكاسبهم كلها في النفقات ويتتابعون في الاملاق والخاصة ويغلب عليهم الفقر ويقل المستامون للمبائع فتكسد الاسواق ويفسد حال المدينة وداعية ذلك كله إفراط الحضارة والترف وهذه مفسدات في المدينة على العموم في الاسواق والعمران وأما فساد أهلها في ذاتهم واحدا واحدا على الخصوص فمن الكد والتعب في حاجات العوائد والتلون بالوان الشر في تحصيلها وما يعود على النفس من الضرر بعد تحصيلها بحصول لون آخر من ألوانها فلذلك يكثر منهم الفسق والشر والسفسفة والتحيل على تحصيل المعاش من وجهه ومن غير وجهه وتنصرف النفس إلى الفكر في ذلك والغوص عليه واستجماع الحيلة له فتجدهم أجرياء على

[ 373 ]

الكذب والمقامرة والغش والخلابة والسرقة والفجور في الايمان والربا في البياعات ثم تجدهم أبصر بطرق الفسق ومذاهبه والمجاهرة به وبدواعيه واطراح الحشمة في الخوض فيه حتى بين الاقارب وذوي المحارم الذين تقتضي البداوة الحياء منهم في الاقذاع بذلك وتجدهم أيضا أبصر بالمكر والخديعة يدفعون بذلك ما عساه أن ينالهم من القهر وما يتوقعونه من العقاب على تلك القبائح حتى يصير ذلك عادة وخلقا لاكثرهم إلا من عصمه الله ويموج بحر المدينة بالسفلة من أهل الاخلاق الذميمة ويجاريهم فيها كثير من ناشئة الدولة وولدانهم ممن أهمل عن التأديب وغلب عليه خلق الجوار وإن كانوا أهل أنساب وبيوتات وذلك أن الناس بشر متماثلون وإنما تفاضلوا وتميزوا بالخلق واكتساب الفضائل واجتناب الرذائل فمن استحكمت فيه لم ينفعه زكاء نسبه ولا طيب منبته ولهذا تجد كثيرا من أعقاب البيوت وذوي الاحساب والاصالة وأهل الدول منطرحين في الغمار منتحلين للحرف الدنيئة في معاشهم بما فسد من أخلاقهم وما تلونوا به من صبغة الشر والسفسفة وإذا كثر ذلك في المدينة أو الامة تأذن الله بخرابها وانقراضها وهو معنى قوله تعالى وإذا أردنا ان نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمر ناها تدميرا. ووجهه حينئذ ان مكاسبهم حنيئذ لا تفي بحاجاتهم لكثرة العوائد ومطالبة النفس بها فلا تستقيم أحوالهم وإذا فسدت أحوال الاشخاص واحدا واحدا اختل نظام المدينة وخربت وهذا معنى ما يقوله بعض أهل الخواص أن المدينة إذا كثر فيها غرس النارنج تاذنت بالخراب حتى أن كثيرا من العامة يتحامى غرس النارنج بالدور وليس المراد ذلك ولا أنه خاصية في النارنج وإنما معناه أن البساتين وإجراء المياه هو من توابع الحضارة ثم إن النارنج واللية والسرو وأمثال ذلك مما لا طعم فيه ولا منفعة هو من غاية الحضارة إذ لا يقصد بها في البساتين إلا أشكالها فقط ولا تغرس إلا بعد التفنن في مذاهب الترف وهذا هو الطو الذي يخشى معه هلاك المصر وخرابه كما قلناه ولقد قيل مثل ذلك في الدفلى وهو من هذا الباب إذ الدفلى لا يقصد بها إلا تلون البساتين بنورها ما بين أحمر وأبيض وهومن مذاهب الترف. ومن مفاسد الحضارة الانهماك في الشهوات والاسترسال فيها لكثرة الترف فيقع التفنن في شهوات

[ 374 ]

البطن من المآكل والملاذ فيفضي ذلك إلى فساد النوع فافهم ذلك واعتبر به أن غاية العمران هي الحضارة والترف وأنه إذا بلغ غايته انقلب إلى الفساد وأخذ في الهرم كالاعمار الطبيعية للحيوانات بل نقول إن الاخلاق الحاصلة من الحضارة والترف هي عين الفساد لان الانسان إنما هو إنسان باقتداره على جلب منافعه ودفع مضاره واستقامة خلقه للسعي في ذلك والحضري لا يقدر على مباشرته حاجاته إما عجزا لما حصل له من الدعة أو ترفعا لما حصل له من المربى في النعيم والترف وكلا الامرين ذميم وكذا لا يقدر على دفع المضار واستقامة خلقه للسعي في ذلك والحضري بما قد فقد من خلق الانسان بالترف والنعيم في قهر التاديب فهو بذلك عيال على الحامية التي تدافع عنه ثم هو فاسد أيضا غالبا بما فسدت منه العوائد وطاعتها وما تلونت به النفس من مكانتها كما قررناه إلا في الاقل النادر وإذا فسد الانسان في قدرته على أخلاقه ودينه فقد فسدت إنسانيته وصار مسخا على الحقيقة وبها الاعتبار كأن الذين يتربون على الحضارة وخلقها موجودون في كل دولة فقد تبين أن احضارة هي سن الوقوف لعمر العالم في العمران والدولة والله سبحانه وتعالى كل يوم هو في شأن لا يشغله شان عن شان الفصل التاسع عشر في ان الامصار التي تكون كراسي للملك تخرب بخراب الدولة وانقراضها قد استقرينا في العمران أن الدولة إذا اختلت وانتقضت فان المصر الذي يكون كرسيا لسلطانها بنتقض عمرانه وربما ينتهي في انتفاضه إلى الخراب ولا يكاد ذلك يتخلف والسبب فيه أمور. الاول أن الدولة لا بد في أولها من البداوة المقتضية للتجافي عن أموال الناس والبعد عن التحذلق ويدعو ذلك إلى تخفيف الجباية والمغارم التي منها مادة الدولة فتقل النفقات ويقل الترف فإذا صار المصر الذي كان كرسيا للملك في ملكة هذه الدولة المتجددة ونقصت أحوال الترف فيها نقص الترف فيمن تحت أيديها من أهل المصر لان الرعايا تبع للدولة فيرجعون إلى خلق الدولة إما طوعا لما في طباع البشر من تقليد متبوعهم أو كرها لما يدعو إليه خلق الدولة من الانقباض عن الترف في جميع الاحوال وقلة الفوائد التي هي مادة العوائد فتقصر

[ 375 ]

لذلك حضارة المصر ويذهب منه كثير من عوائد الترف وهو معنى ما نقول في خراب المصر. الأمر الثاني أن الدولة إنما يحصل لها الملك والاستيلاء بالغلب وإنما يكون بعد العداوة والحروب والعداوة تقتضي منافاة بين أهل الدولتين وتكثر إحداهما على الاخرى في العوائد والاحوال وغلب أحد المتنافيين يذهب المنافي الآخر فتكون أحوال الدولة السابقة منكرة عند أهل الدولة ومستبشعة وقبيحة وخصوصا أحوال الترف فتفقد في عرفهم بنكير الدولة لها حتى تنشأ لهم بالتدريج عوائد أخرى من الترف فتكون عنها حضارة مستأنفة وفيما بين ذلك قصور الحضارة الاولى ونقصها وهو معنى اختلال العمران في المصر. الأمر الثالث أن كل أمة لا بدلهم من وطن وهو منشأهم ومنه أولية ملكهم وإذا ملكوا ملكا آخر صار تبعا للاول وأمصاره تابعة لامصار الاول واتسع نطاق الملك عليهم ولا بد من توسط الكرسي تخوم الممالك التي للدولة لانه شبه المركز للنطاق فيبعد مكانه عن مكان الكرسي الاول وتهوى أفئدة الناس من أجل الدولة والسلطان فينتقل إليه العمران ويخف من مصر الكرسي الاول والحضارة إنما هي توفر العمران كما قدمناه فتنقص حضارته وتمدنه وهو معنى اختلاله وهذا كما وقع للسلجوقية في عدولهم بكرسيهم عن بغداد إلى أصبهان وللعرب قبلهم في العدول عن المدائن إلى الكوفة والبصرة ولبني العباس في العدول عن دمشق إلى بغداد ولبني مرين بالغرب في العدول عن مراكش إلى فاس وبالجملة فاتخاذ الدولة الكرسي في مصر يخل بعمران الكرسي الاول. الأمر الرابع أن الدولة الثانية لابد فيها من تبع أهل الدولة السابقة وأشياعها بتحويلهم إلى قطر آخر يؤمن فيه غائلتهم على الدولة وأكثر أهل المصر الكرسي أشياع الدولة إما من الحامية الذين نزلوا به أول الدولة أو أعيان المصر لان لهم في الغالب مخالطة للدولة على طبقاتهم وتنوع أصنافهم بل أكثرهم ناشئ في الدولة فهم شيعة لها وإن لم يكونوا بالشوكة والعصبية فهم بالميل والمحبة والعقيدة وطبيعة الدولة المتجددة محو آثار الدولة السابقة فينقلهم من مصر الكرسي إلى وطنها المتمكن في ملكتها فبعضهم على نوع التغريب والحبس وبعضهم على نوع الكرامة والتلطف بحيث لا يؤدي إلى النفرة حتى لا يبقى في

[ 376 ]

مصر الكرسي إلا الباعة والهمل من أهل الفلح والعيارة وسواد العامة وينزل مكانهم حاميتها وأشياعها من يشتد به المصر وإذا ذهب من المصر أعيانهم على طبقاتهم نقص ساكنه وهو معنى اختلال عمرانه ثم لابد من أن يستجد عمران آخر في ضل الدولة الجديدة وتحصل فيه حضارة أخرى على قدر الدولة وإنما ذلك بمثابة من له بيت على أوصاف مخصوصة فأظهر من قدرته على تغيير تلك الاوصاف وإعادة بنائها على ما يختاره ويقترحه فيخرب ذلك البيت ثم يعيد بناءه ثانيا وقد وقع من ذلك كثير في الامصار التي هي كراسي للملك وشاهدناه وعلمناه والله يقدر الليل والنهار. والسبب الطبيعي الاول في ذلك على الجملة أن الدولة والملك للعمران بمثابة الصورة للمادة وهو الشكل الحافظ بنوعه لوجودها وقد تقرر في علوم الحكمة أنه لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر فالدولة دون العمران لا تتصور والعمران دون الدولة والملك متعذر لما في طباع البشر من العدوان الداعي إلى الوازع فتتعين السياسة لذلك إما الشرعية أو الملكية وهو معنى الدولة وإذا كانا لا ينفكان فاختلال أحدهما مؤثر في اختلال الآخر كما أن عدمه مؤثر في عدمه والخلل العظيم إنما يكون من خلل الدولة الكلية مثل دولة الروم أو الفرس أو العرب على العموم أو بني أمية أو بني العباس كذلك وأما الدولة الشخصية مثل دولة أنوشروان أو هرقل أو عبد الملك بن مروان أو الرشيد فاشخاصها متعاقبة على العمران حافظة لوجوده وبقائه وقريبة الشبه بعضها من بعض فلا تؤثر كثير اختلال لان الدولة بالحقيقة الفاعلة في مادة العمران إنما هي العصبية والشوكة وهي مستمرة على أشخاص الدولة فإذا ذهبت تلك العصبية ودفعتها عصبية أخرى مؤثرة في العمران ذهبت أهل الشوكة باجمعهم وعظم الخلل كما قررناه أولا والله سبحانه وتعالى أعلم الفصل العشرون في اختصاص بعض الامصار ببعض الصنائع دون بعض وذلك أنه من البين أن أعمال أهل المصر يستدعي بعضها بعضا لما في طبيعة العمران من التعاون وما يستدعي من الاعمال يختص ببعض أهل المصر فيقومون عليه ويستبصرون في صناعته ويختصون بوظيفته ويجعلون معاشهم فيه ورزقهم منه لعموم

[ 377 ]

البلوى به في المصر والحاجة إليه وما لا يستدعي في المصر يكون غفلا إذ لا فائدة لمنتحله في الاحتراف به وما يستدعي من ذلك لضرورة المعاش فيوجد في كل مصر كالخياط والحداد والنجار وأمثالها وما يستدعي لعوائد الترف وأحواله فانما يوجد في المدن المستجرة في العمارة الآخذة في عوائد الترف والحضارة مثل الزجاج والصائغ والدهان والطباخ والصفار والفراش والذباح وأمثال هذه وهي متفاوتة وبقدر ما تزيد عوائد الحضارة وتستدعي أحوال الترف تحدث صنائع لذلك النوع فتوجد بذلك المصر دون غيره ومن هذا الباب الحمامات لانها إنما توجد في الامصار المستحضرة المستبحرة العمران لما يدعو إليه الترف والغنى من التنعم ولذلك لا تكون في المدن المتوسطة وإن نزع بعض الملوك والرؤساء إليها فيختطها ويجري أحوالها إلا أنها إذا لم تكن لها داعية من كافة الناس فسرعان ما تهجر وتخرب وتفر عنها القومة لقلة فائدتهم ومعاشهم منها والله يقبض ويبسط. الفصل الحادى والعشرون في وجود العصبية في الامصار وتغلب بعضهم على بعض من البين أن الالتحام والاتصال موجود في طباع البشر وإن لم يكونوا أهل نسب واحد إلا أنه كما قدمناه أضعف مما يكون بالنسب وأنه تحصل به العصبية بعضا مما تحصل بالنسب وأهل الامصار كثير منهم ملتحمون بالصهر يجذب بعضهم بعضا إلى أن يكونوا لحما لحما وقرابة قرابة وتجد بينهم من العداوة والصداقة ما يكون بين القبائل والعشائر مثله فيفترقون شيعا وعصائب فإذا نزل الهرم بالدولة وتقلص ظل الدولة عن القاصية احتاج أهل أمصارها إلى القيام على أمرهم والنظر في حماية بلدهم ورجعوا إلى الشورى وتميز العلية عن السفلة والنفوس بطباعها متطاولة إلى الغلب وألرئاسة فتطمح المشيخة لخلاء الجو من السلطان والدولة القاهرة إلى الاستبداد وينازع كل صاحبه ويستوصلون بالاتباع من الموالي والشيع والاحلاف ويبذلون ما في أيديهم للاوغاد والاوشاب فيعصوصب كل لصاحبه ويتعين الغلب لبعضهم فيعطف على أكفائه ليقص من أعنتهم ويتتبعهم بالقتل أو التغريب حتى يخضد منهم الشوكات النافذة ويقلم الاظفار الخادشة ويستبد بمصره أجمع ويرى أنه قد استحدث ملكا

[ 378 ]

يورثة عقبه فيحدث في ذلك الملك الاصغر ما يحدث في الملك الاعظم من عوارض الجدة والهرم وربما يسمو بعض هؤلاء إلى منازع الملوك الاعاظم أصحاب القبائل والعشائر والعصبيات والزحوف والحروب والاقطار والممالك فينتحلون بها من الجلوس على السرير واتخاذ الآلة وإعداد المواكب للسير في أقطار البلد والتختم والحسبية والخطاب بالتمويل ما يسخر منه من يشاهد أحوالهم لما انتحلوه من شارات الملك التي ليسوا لها باهل إنما دفعهم إلى ذلك تقلص الدولة والتحام بعض القرابات حتى صارت عصبية وقد يتنزه بعضهم عن ذلك ويجري على مذهب السذاجة فرار من التعريض بنفسه للسخرية والعبث وقد وقع هذا بأفريقية لهذا العهد في آخر الدولة الحفصية لاهل بلاد الجريد من طرابلس وقابس وتؤز ونفطة وقفصة وبسكرة والزاب وما إلى ذلك سموا إلى مثلها عند تقلص ظل الدولة عنهم منذ عقود من السنين فاستغلبوا على أمصارهم واستبدوا بامرها على الدولة في الاحكام والجباية وأعطوا طاعة معروفة وصفقة ممرضة وأقطعوها جانبا من الملاينة والملاطفة والانقياد وهم بمعزل عنه وأورثوا ذلك أعقابهم لهذا العهد وحدث في خلفهم من الغلظة والتجبر ما يحدث لاعقاب الملوك وخلفهم ونظموا أنفسهم في عداد السلاطين على قرب عهدهم بالسوقة حتى محا ذلك مولانا أمير المؤمنين أبو العباس وانتزع ما كان بايديهم من ذلك كما نذكره في أخبار الدولة وقد كان مثل ذلك وقع في آخر الدولة الصنهاجية واستقل بامصار الجريد أهلها واستبدوا على الدولة حتى انتزع ذلك منهم شيخ الموحدين وملكهم عبد المؤمن بن علي ونقلهم كلهم من إماراتهم بها إلى المغرب ومحا من تلك البلاد آثارهم كما نذكر في أخباره وكذا وقع بسبتة لآخر دولة بني عبد المؤمن وهذا التغلب يكون غالبا في أهل السروات والبيوتات المرشحين للمشيخة والرئاسة في المصر وقد يحدث التغلب لبعض السفلة من الغوغاء والدهماء وإذا حصلت له العصبية والالتحام بالاوغاد لاسباب يجرها له المقدار فيتغلب على المشيخة والعلية إذا كانوا فاقدين للعصابة والله سبحانه وتعالى غالب على أمره

[ 379 ]

الفصل الثاني والعشرون في لغات اهل الامصار إعلم أن لغات أهل الامصار إنما تكون بلسان الامة أو الجيل الغالبين عليها أو المختطين لها ولذلك كانت لغات الامصار الاسلامية كلها بالمشرق والمغرب لهذا العهد عربية وإن كان اللسان العربي المضري قد فسدت ملكته وتغير إعرابه والسبب في ذلك ما وقع للدولة الاسلامية من الغلب على الامم والدين والعلة صورة للوجود وللملك وكلها مواد له والصورة مقدمة على المادة والدين إنما يستفاد من الشريعة وهي بلسان العرب لما أن النبي صلى الله عليه وسلم عربي فوجب هجر ما سوى اللسان العربي من الالسن في جميع ممالكها واعتبر ذلك في نهي عمر رضي الله عنه عن بطانة الاعاجم وقال إنها خب أي مكر وخديعة فلما هجر الدين اللغات الاعجمية وكان لسان القائمين بالدولة الاسلامية عربيا هجرت كلها في جميع ممالكها لان الناس تبع للسلطان وعلى دينه فصار استعمال اللسان العربي من شعائر الاسلام وطاعة العرب وهجر الامم لغاتهم وألسنتهم في جميع الامصار والممالك وصار اللسان العربي لسانهم حتى رسخ ذلك لغة في جميع أمصارهم ومدنهم وصارت الالسنة العجمية دخيلة فيها وغريبة ثم فسد اللسان العربي بمخالطتها في بعض أحكامه وتغير أواخره وإن كان بقي في الدلالات على أصله وسمي لسانا حضريا في جميع أمصار الاسلام وأيضا فاكثر أهل الامصار في الملة لهذا العهد من أعقاب العرب المالكين لها الهالكين في ترفها بما كثروا العجم الذين كانوا بها وورثوا أرضهم وديارهم واللغات متوارثة فبقيت لغة الاعقاب على حيال لغة الآباء وإن فسدت أحكامها بمخالطة الاعجام شيئا فشيئا وسميت لغتهم حضرية منسوبة إلى أهل الحواضر والامصار بخلاف لغة البدو من العرب فانها كانت أعرق في العروبية ولما تملك العجم من الديلم والسلجوقية بعدهم بالمشرق وزناتة والبربر بالمغرب وصار لهم الملك والاستيلاء على جميع الممالك الاسلامية فسد اللسان العربي لذلك وكاد يذهب لولا ما حفظه من عناية المسلمين بالكتاب والسنة اللذين بهما حفظ الدين وسار ذلك مرجحا لبقاء اللغة العربية المضرية من الشعر والكلام إلا قليلا بالامصار فلما ملك التتر

[ 380 ]

والمغول بالمشرق ولم يكونوا على دين الاسلام ذهب ذلك المرجح وفسدت اللغة العربية على الاطلاق ولم يبق لها رسم في الممالك الاسلامية بالعراق وخراسان وبلاد فارس وأرض الهند والسند وما وراء النهر وبلاد الشمال وبلاد الروم وذهبت أساليب اللغة العربية من الشعر والكلام إلا قليلا يقع تعليمه صناعيا بالقوانين المتدارسة من كلام العرب وحفظ كلامهم لمن يسره الله تعالى لذلك وربما بقيت اللغة العربية المضرية بمصر والشام والاندلس بالمغرب لبقاء الدين طلبا لها فانحفظت ببعض الشئ وأما في ممالك العراق وما وراءه فلم يبق له أثر ولاعين حتى إن كتب العلوم صارت نكتب باللسان العجمي وكذا تدريسه في المجالس والله أعلم بالصواب الفصل الخامس من الكتاب الاول في المعاش ووجوبه من الكسب والصنائع وما يعرض في ذلك كله من الاحوال وفيه مسائل الفصل الاول في حقيقة الرزق والكسب وشرحهما وان الكسب هو قيمة الاعمال البشرية إعلم أن الانسان مفتقر بالطبع إلى ما يقوته ويمونه في حالاته وأطواره من لدن نشوءه إلى اشده إلى كبره والله الغني وأنتم الفقراء والله سبحانه خلق جميع ما في العالم للانسان وامتن به عليه في غير ما آية من كتابه فقال خلق لكم ما في السماوات وما في الارض جميعا منه وسخر لكم البحر وسخر لكم الفلك وسخر لكم الانعام وكثير من شواهده ويد الانسان مبسوطة على العالم وما فيه بما جعل الله له من الاستخلاف وأيدي البشر منتشرة فهي مشتركة في ذلك وما حصل عليه يد هذا امتنع عن الآخر إلا بعوض فالانسان متى اقتدر على نفسه وتجاوز الضعف سعى في اقتناء المكاسب لينفق ما آتاه الله منها في تحصيل حاجاته وضروراته بدفع الاعواض عنها قال الله تعالى فابتغوا عند الله

[ 381 ]

الرزق وقد يحصل له ذلك بغير سعي كالمطر المصلح للزراعة وأمثاله إلا أنها إنما تكون معينة ولا بد من سعيه معها كما ياتي فتكون له تلك المكاسب معاشا إن كانت بمقدار الضرورة والحاجة ورياشا ومتمولا إن زادت على ذلك ثم إن ذلك الحاصل أو المقتنى إن عادت منفعته على العبد وحصلت له ثمرته من إنفاقه في مصالحه وحاجاته سمي ذلك رزقا قال صلى الله عليه وسلم إنما لك من مالك ما أكلت فافنيت أو لبست فابليت أو تصدقت فامضيت وإن لم ينتفع به في شئ من مصالحه ولا حاجاته فلا يسمى بالنسبة إلى المالك رزقا والمتملك منه حينئذ بسعي العبد وقدرته يسمى كسبا وهذا مثل التراث فانه يسمى بالنسبة إلى الهالك كسبا ولا يسمى رزقا إذ لم يحصل به منتفع وبالنسبة إلى الوارثين متى انتفعوا به يسمى رزقا هذا حقيقة مسمى الرزق عند أهل السنة وقد اشترط المعتزل في تسميته رزقا أن يكون بحيث يصح تملكه وما لا يتملك عندهم لا يسمى رزقا وأخرجوا الغصوبات والحرام كله عن أن يسمى شئ منها رزقا والله تعالى يرزق الغاصب والظالم والمؤمن والكافر برحمته وهدايته من يشاء ولهم في ذلك حجج ليس هذا موضع بسطها ثم اعلم أن الكسب إنما يكون بالسعي في الافتناء والقصد إلى التحصيل فلا بد في الرزق من سعي وعمل ولو في تناوله وابتغائه من وجوهه قال تعالى فابتغوا عند الله الرزق والسعي إليه إنما يكون باقدار الله تعالى وإلهامه فالكل من عند الله فلا بد من الاعمال الانسانية في كل مكسوب ومتمول لانه إن كان عملا بنفسه مثل الصنائع فظاهر وإن كان مقتنى من الحيوان والنبات والمعدن فلا بد فيه من العمل الانساني كما تراه وإلا لم يحصل ولم يقع به انتفاع ثم إن الله تعالى خلق الحجرين المعدنيين من الذهب والفضة قيمة لكل متمول وهما الذخيرة والقنية لاهل العالم في الغالب وإن اقتنى سواهما في بعض الاحيان فانما هو لقصد تحصيلهما بما يقع في غيرهما من حوالة الاسواق التي هما عنها بمعزل فهما أصل المكاسب والقنية والذخيرة وإذا تقرر هذا كله فاعلم أن ما يفيده الانسان ويقتنيه من المتمولات إن كان من النصائع فالمفاد المقتنى منه قيمة عمله وهو القصد بالقنية إذ ليس هناك إلا العمل وليس بمقصود بنفسه للقنية وقد يكون مع الصنائع في بعضها غيرها مثل النجارة والحياكة

[ 382 ]

معهما الخشب والغزل إلا أن العمل فيهما أكثر فقيمته أكثر وإن كان من غير الصنائع فلابد من قيمة ذلك المفاد والقنية من دخول قيمة العمل الذي حصلت به إذ لولا العمل لم تحصل قنيتها وقد تكون ملاحظة العمل ظاهرة في الكثير منها فتجعل له حصة من القيمة عظمت أو صغرت وقد تخفى ملاحظة العمل كما في أسعار الاقوات بين الناس فان اعتبار الاعمال والنفقات فيها ملاحظ في أسعار الحبوب كما قدمناه لكنه خفي في الاقطار التي علاج الفلح فيها ومؤنته يسيرة فلا يشعر به إلا القليل من أهل الفلح فقد تبين أن المفادات والمكتسبات كلها أو أكثرها إنما هي قيم الاعمال والانسانية وتبين مسمى الرزق وأنه المنتفع به فقد بان معنى الكسب والرزق وشرح مسماهما واعلم أنه إذا فقدت الاعمال أو قلت بانتقاص العمران تأذن الله برفع الكسب ألا ترى إلى الامصار القليلة الساكن كيف يقل الرزق والكسب فيها أو يفقد لقلة الاعمال الانسانية وكذلك الامصار التي يكون عمرانها أكثر يكون أهلها أوسع أحوالا وأشد رفاهية كما قدمناه قبل ومن هذا الباب تقول العامة في البلاد إذا تناقص عمرانها إنها قد ذهب رزقها حتى أن الانهار والعيون ينقطع جريها في القفر لما أن فور العيون إنما يكون بالانباط والامتراء الذي هو بالعمل الانساني كالحال في ضروع الانعام فما لم يكن إنباط ولا امتراء نضبت وغارت بالجملة كما يجف الضرع إذا ترك امتراؤه وانظره في البلاد التي تعهد فيها العيون لايام عمرانها ثم ياتي عليها الخراب كيف تغور مياهها جملة كأنها لم تكن والله مقدر الليل والنهار الفصل الثاني في وجوه المعاش واصنافه ومذاهبه إعلم أن المعاش هو عبارة عن ابتغاء الرزق والسعي في تحصيله وهو مفعل من العيش كانه لما كان العيش الذي هو الحياة لا يحصل إلا بهذه جعلت موضعا له على طريق المبالغة ثم إن تحصيل الرزق وكسبه إما أن يكون باخذه من يد الغير وانتزاعه بالاقتدار عليه على قانون متعارف ويسمى مغرما وجباية وإما أن يكون من الحيوان الوحشي بافتراسه وأخذه برميه من البر أو البحر ويسمى اصطيادا

[ 383 ]

وإما أن يكون من الحيوان الداجن باستخراج فضوله المنصرفة بين الناس في منافعهم كاللبن من الانعام والحرير من دوده والعسل من نحله أو يكون من النبات في الزرع والشجر بالقيام عليه وإعداده لاستخراج ثمرته ويسمى هذا كله فلحا وإما ان يكون الكسب من الاعمال الانسانية إما في مواد معينة وتسمى الصنائع من كتابة ونجارة وخياطة وحياكة وفروسية وأمثال ذلك أو في مواد غير معينة وهي جميع الامتهانات والتصرفات وإما أن يكون الكسب من البضائع وإعدادها للاعواض إما بالتقلب بها في البلاد واحتكارها وارتقاب حوالة الاسواق فيها ويسمى هذا تجارة فهذه وجوه المعاش وأصنافه وهي معنى ما ذكره المحققون من أهل الادب والحكمة كالحريري وغيره فانهم قالوا المعاش إمارة وتجارة وفلاحة وصناعة فاما الامارة فليست بمذهب طبيعي للمعاش فلا حاجة بنا إلى ذكرها وقد تقدم شئ من أحوال الجبايات السلطانية وأهلها في الفصل الثاني وأما الفلاحة والصناعة والتجارة فهي وجوه طبيعية للمعاش أما الفلاحة فهي متقدمة عليها كلها بالذات إذ هي بسيطة وطبيعية فطرية لا تحتاج إلى نظر ولاعلم ولهذا تنسب في الخليقة إلى آدم أبي البشر وأنه معلمها والقائم عليها إشارة إلى أنها أقدم وجوه المعاش وأنسبها إلى الطبيعة وأما النصائع فهي ثانيتها ومتأخرة عنها لانها مركبة وعلمية تصرف فيها الافكار والانظار ولهذا لا يوجد غالبا إلا في أهل الحضر الذي هو متاخر عن البدو وثان عنه ومن هذا المعنى نسبت إلى أدريس الاب الثاني للخليقة فانه مستنبطها لمن بعده من البشر بالوحي من الله تعالى وأما التجارة وإن كانت طبيعية في الكسب فالاكثر من طرقها ومذاهبها إنما هي تحيلات في الحصول على ما بين القيمتين في الشراء والبيع لتحصل فائدة الكسب من تلك الفضلة ولذلك أباح الشرع فيه المكاسبة لما أنه من باب المقامرة إلا أنه ليس أخذا لمال الغير مجانا فلهذا اختص بالمشروعية الفصل الثالث في ان الخدمة ليست من الطبيعي إعلم أن السلطان لابد له من اتخاذ الخدمة في سائر أبواب الامارة والملك الذي هو بسبيله من الجندي والشرطي والكاتب ويستكفي في كل باب بمن يعلم

[ 384 ]

غناءه فيه ويتكفل بارزاقهم من بيت ماله وهذا كله مندرج في الامارة ومعاشها إذ كلهم ينسحب عليهم حكم الامارة والملك الاعظم هو ينبوع جداولهم وأماما دون ذلك من الخدمة فسببها أن أكثر المترفين يترفع عن مباشرة حاجاته أو يكون عاجزا عنها لما ربي عليه من خلق التنعم والترف فيتخذ من يتولى ذلك له ويقطعه عليه أجرا من ماله وهذه الحالة غير محمودة بحسب الرجولية الطبيعية للانسان إذ الثقة بكل أحد عجز ولانها تزيد في الوظائف والخرج وتدل على العجز والخنث الذي ينبغي في مذاهب الرجولية التنزه عنهما إلا أن العوائد تقلب طباع الانسان إلى مألوفها فهو ابن عوائده لا ابن نسبه ومع ذلك فالخديم الذي يستكفى به ويوثق بغنائه كالمفقود إذ الخديم القائم بذلك لا يعدو أربع حالات إما مضطلع بامره ولا موثوق فيما يحصل بيده وإما بالعكس في إحداهما فقط مثل أن يكون مضطلعا غير موثوق أو موثوقا غير مضطلع فاما الاول وهو المضطلع الموثوق فلا يمكن أحدا استعماله بوجه إذ هو باضطلاعه وثقته غني عن أهل الرتب الدنيئة ومحتقر لمثال الاجر من الخدمة لاقتداره على أكثر من ذلك فلا يستعمله إلا الامراء أهل الجاه العريض لعموم الحاجة إلى الجاه وأما الصنف الثاني وهو ممن ليس بمضطلع ولا موثوق فلا ينبغي لعاقل استعماله لانه يجحف بمخدومه في الامرين معا فيضيع عليه لعدم الاصطناع تارة ويذهب ماله بالخيانة أخرى فهو على كل حال كل على مولاه فهذان الصنفان لا يطمع أحد في استعمالهما ولم يبق إلا استعمال الصنفين الآخرين موثوق غير مضطلع ومضطلع غير موثوق وللناس في الترجيح بينهما مذهبان ولكل من الترجيحين وجه إلا أن المضطلع ولو كان غير موثوق أرجح لانه يؤمن من تضييعه ويحاول على التحرز من خيانته جهد الاستطاعة وأما المضيع ولو كان مأمونا فضرره بالتضييع أكثر من نفعه فاعلم ذلك واتخذه قانونا في الاستكفاء بالخدمة والله سبحانه وتعالى قادر على كل شئ الفصل الرابع في ان ابتغاء الاموال من الدفائن والكنوز ليس بمعاش طبيعي إعلم أن كثيرا من ضعفاء العقول في الامصار يحرصون على استخراج الاموال من

[ 385 ]

تحت الارض ويبتغون الكسب من ذلك ويعتقدون أن أموال الامم السالفة مختزنة كلها تحت الارض مختوم عليها كلها بطلاسم سحرية لا يفض ختامها ذلك إلا من عثر على علمه واستحضر ما يحله من البخور والدعاء والقربان فاهل الامصار بافريقية يرون أن الافرنجة الذين كانوا قبل الاسلام بها دفنوا أموالهم كذلك وأودعوها في الصحف بالكتاب إلى أن يجدوا السبيل إلى استخراجها وأهل الامصار بالمشرق يرون مثل ذلك في أمم القبط والروم والفرس ويتناقلون في ذلك أحاديث تشبه حديث خرافة من انتهاء بعض الطالبين لذلك إلى حفر موضع المال ممن لم يعرف طلسمه ولا خبره فيجدونه خاليا أو معمورا بالديدان أو يشاهد الاموال والجواهر موضوعة والحرس دونها منتضين سيوفهم أو تميد به الارض حتى يظنه خسفا أو مثل ذلك من الهذر ونجد كثيرا من طلبة البربر بالمغرب العاجزين عن المعاش الطبيعي وأسبابه يتقربون إلى أهل الدنيا بالاوراق المتحزمة الحواشي إما بخطوط عجمية أو بما ترجم بزعمهم منها من خطوط أهل الدفائن باعطاء الامارات عليها في أماكنها يبتغون بذلك الرزق منهم بما يبعثونه على الحفر والطلب ويموهون عليهم بانهم إنما حملهم على الاستعانة بهم طلب الجاه في مثل هذا من منال الحكام والعقوبات وربما تكون عند بعضهم نادرة أو غريبة من الاعمال السحرية يموه بها على تصديق ما بقى من دعواه وهو بمعزل عن السحر وطرقه فتولع كثير من ضعفاء العقول بجمع الايدي على الاحتفار والتستر فيه بظلمات الليل مخافة الرقباء وعيون أهل الدول فإذا لم يعثروا على شئ ردوا ذلك إلى الجهل بالطلسم الذي ختم به على ذلك المال يخادعون به أنفسهم عن إخفاق مطامعهم والذي يحمل على ذلك في الغالب زيادة على ضعف العقل إنما هو العجز عن طلب المعاش بالوجوه الطبيعية للكسب من التجارة والفلح والصناعة فيطلبونه بالوجوه المنحرفة وعلى غير المجرى الطبيعي من هذا وأمثاله عجزا عن السعي في المكاسب وركونا إلى تناول الرزق من غير تعب ولا نصب في تحصيله واكتسابه ولا يعلمون أنهم يوقعون أنفسهم بابتغاء ذلك من غير وجهه في نصب ومتاعب وجهد شديد أشد من الاول ويعرضون أنفسهم مع ذلك لمنال العقوبات وربما يحمل على ذلك في الاكثر زيادة الترف وعوائده وخروجها

[ 386 ]

عن حد النهاية حتى تقصر عنها وجوه الكسب ومذاهبه ولا تفي بمطالبها فإذا عجز عن الكسب بالمجرى الطبيعي لم يجد وليجة في نفسه إلا التمني لوجود المال العظيم دفعة من غير كلفة ليفي له ذلك بالعوائد التي حصل في أسرها فيحرص على ابتغاء ذلك ويسعى فيه جهده ولهذا فأكثر من تراهم يحرصون على ذلك هم المترفون من أهل الدولة ومن سكان الامصار الكثيرة الترف المتسعة الاحوال مثل مصر وما في معناها فنجد الكثير منهم مغرمين بابتغاء ذلك وتحصيله ومسألة الركبان عن شواذه كما يحرصون على الكيمياء هكذا بلغني عن أهل مصر في مفاوضة من يلقونه من طلبة المغاربة لعلهم يعثرون منه على دفين أو كنز ويزيدون على ذلك البحث عن تغوير المياه لما يرون أن غالب هذه الاموال الدفينة كلها في بحاري النيل وأنه أعظم ما يستر دفينا أو مختزنا في تلك الآفاق ويموه عليهم أصحاب تلك الدفاتر المفتعلة في الاعتذار عن الوصول إليها بجرية النيل تسترا بذلك من الكذب حتى يحصل على معاشه فيحرص سامع ذلك منهم على نضوب الماء بالاعمال السحرية لتحصيل مبتغاه من هذه كلفا بشأن السحر متوارثا في ذلك القطر عن أوليه فعلومهم السحرية وآثارها باقية بأرضهم في البراري وغيرها وقصة سحرة فرعون شاهدة باختصاصهم بذلك وقد تناقل أهل المغرب قصيدة ينسبونها إلى حكماء المشرق تعطى فيها كيفية العمل بالتغوير بصناعة سحرية حسبما تراه فيها وهي هذه يا طالبا للسر في التغوير * إسمع كلام الصدق من خبير دع عنك ما قد صنفوا في كتبهم * من قول بهتان ولفظ غرور واسمع لصدق مقالتي ونصيحتي * إن كنت ممن لا يرى بالزور فإذا أردت تغور البئر التي * حارت لها الاوهام في التدبير صور كصورتك التي أوقفتها * والرأس رأس الشبل في التقوير ويداه ما سكتان للحبل الذي * في الدلو ينشل من قرار البير وبصدره هاء كما عاينتها * عدد الطلاق احذر من التكرير ويطا على الطاءات غير ملامس * مشي اللبيب الكيس النحرير ويكون حول الكل خط دائر * تربيعه أولى من التكوير

[ 387 ]

واذبح عليه الطير والطخه به * واقصده عقب الذبح بالتبخير بالسندروس وباللبان وميعة * والقسط والبسه بثوب حرير من أحمر أو أصفر لا أزرق * لا أخضر فيه ولا تكدير ويشده خيطان صوف أبيض * أو أحمر من خالص التحمير والطالع الاسد الذي قد بينوا * ويكون بدء الشهر غير منير والبدر متصل بسعد عطارد * في يوم سبت ساعة التدبير يعني أن تكون الطاءات بين قدميه كأنه يمشي عليها وعندي أن هذه القصيدة من تمويهات المتخرفين فلهم في ذلك أحوال غريبة واصطلاحات عجيبة وتنتهي التخرفة والكذب بهم إلى أن يسكنوا المنازل المشهورة والدور المعروفة لمثل هذه ويحتفرون الحفر ويضعون المطابق فيها والشواهد التي يكتبونها في صحائف كذبهم ثم يقصدون ضعفاء العقول بأمثال هذه الصحائف ويعثون على كبراء ذلك المنزل وسكناه ويوهمون أن به دفينا من المال لا يعبر عن كثرته ويطالبون بالمال لاشتراء العقاقير والبخورات لحل الطلاسم ويعدونه بظهور الشواهد التي قد أعدوها هنالك بأنفسهم ومن فعلهم فينبعث لما يراه من ذلك وهو قد خدع ولبس عليه من حيث لا يشعر وبينهم في ذلك اصطلاح في كلامهم يلبسون به عليهم ليخفى عند محاورتهم فيما يتلونه من حفر وبخور وذبح حيوان وأمثال ذلك وأما الكلام في ذلك على الحقيقة فلا اصل له في علم ولا خبر واعلم أن الكنوز وإن كانت توجد لكنها في حكم النادر وعلى وجه الاتفاق لا على وجه القصد إليها وليس ذلك بأمر تعم به البلوى حتى يدخر الناس أموالهم تحت الارض ويختمون عليها بالطلاسم لا في القديم ولا في الحديث والركاز الذي ورد في الحديث وفرضه الفقهاء وهو دفين الجاهلية إنما يوجد بالعثور والانفاق لا بالقصد والطلب وأيضا فمن اختزن ماله وختم عليه بالاعمال السحرية فقد بالغ في إخفائه فكيف ينصب عليه الادلة والامارات لمن يبتغيه ويكتب ذلك في الصحائف حتى يطلع على ذخيرته أهل الامصار والآفاق هذا يناقض قصد الاخفاء وأيضا فأفعال العقلاء لا بد وأن تكون لغرض مقصود في الانتفاع ومن اختزن المال فإنه يختزنه لولده أو قريبه أو من يؤثره وأما أن

[ 388 ]

يقصد إخفاءه بالكلية عن كل أحد وإنما هو للبلاء والهلاك أو لمن لا يعرفه بالكلية ممن سيأتي من الامم فهذا ليس من مقاصد العقلاء بوجه وأما قولهم أين أموال الامم من قبلنا وما علم فيها من الكثرة والوفور فاعلم أن الاموال من الذهب والفضة والجواهر والامتعة إنما هي معادن ومكاسب مثل الحديد والنحاس والرصاص وسائر العقارات والمعادن والعمران يظهرها بالاعمال الانسانية ويزيد فيها أو ينقصها وما يوجد منها بأيدي الناس فهو متناقل متوارث وربما انتقل من قطر إلى قطر ومن دولة إلى أخرى بحسب أغراضه والعمران الذى يستدعي له فإن نقص المال في المغرب وأفريقية فلم ينقص ببلاد الصقالبة والافرنج وإن نقص في مصر والشام فلم ينقص في الهند والصين وإنما هي الآلات والمكاسب والعمران يوفرها أو ينقصها مع أن المعادن يدركها البلاء كما يدرك سائر الموجودات ويسرع إلى اللؤلؤ والجوهر أعظم مما يسرع إلى غيره وكذا الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والقصدير ينالها من البلاء والفناء ما يذهب بأعيانها لاقرب وقت وأما ما وقع في مصر من أمر المطالب والكنوز فسببه أن مصر في ملكة القبط منذ آلاف أو يزيد من السنين وكان موتاهم يدفنون بموجودهم من الذهب والفضة والجوهر واللآلئ على مذهب من تقدم من أهل الدول فلما انقضت دولة القبط وملك الفرس بلادهم نقروا على ذلك في قبورهم فكشفوا عنه فأخذوا من قبورهم ما لا يوصف كالاهرام من قبور الملوك وغيرها وكذا فعل اليونانيون من بعدهم وصارت قبورهم مظنة لذلك لهذا العهد ويعثر على الدفين فيها كثيرا من الاوقات أما ما يدفنونه من أموالهم أو ما يكرمون به موتاهم في الدفن من أوعية وتوابيت من الذهب والفضة معدة لذلك فصارت قبور القبط منذ آلاف من السنين مظنة لوجود ذلك فيها فلذلك عني أهل مصر بالبحث عن المطالب لوجود ذلك فيها واستخراجها حتى إنهم حين ضربت المكوس على الاصناف آخر الدولة ضربت على أهل المطالب وصدرت ضريبة على من يشتغل بذلك من الحمقى والمهوسين فوجد بذلك المتعاطون من أهل الاطماع الذريعة إلى الكشف عنه والذرع باستخراجه وما حصلوا إلا على الخيبة في جميع مساعيهم نعوذ بالله من الخسران فيحتاج من وقع له شئ من هذا الوسواس وابتلي به أن

[ 389 ]

يتعوذ بالله من العجز والكسل في طلب معاشه كما تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وينصرف عن طرق الشيطان ووسواسه ولا يشغل نفسه بالمحالات والمكاذب من الحكايات والله يرزق من يشاء بغير حساب الفصل الخامس في ان الجاه مفيد للمال وذلك أنا نجد صاحب المال والحظوة في جميع أصناف المعاش أكثر يسارا وثروة من فاقد الجاه. والسبب في ذلك أن صاحب الجاه مخدوم بالاعمال يتقرب بها إليه في سبيل التزلف والحاجة إلى جاهه فالناس معينون له بأعمالهم في جميع حاجاته من ضروري أو حاجي أو كمالي فتحصل قيم تلك الاعمال كلها من كسبه وجميع معاشاته أن تبذل فيه الاعواض من العمل يستعمل فيها الناس من غير عوض فتتوفر قيم تلك الاعمال عليه فهو بين قيم للاعمال يكتسبها وقيم أخرى تدعوه الضرورة إلى إخراجها فتتوفر عليه والاعمال لصاحب الجاه كثيرة فتفيد الغنى لاقرب وقت ويزداد مع الايام يسارا وثروة ولهذا المعنى كانت الامارة أحد أسباب المعاش كما قدمناه وفاقد الجاه بالكلية ولو كان صاحب مال فلا يكون يساره إلا بمقدار ماله وعلى نسبة سعيه وهؤلاء هم أكثر التجار ولهذا تجد أهل الجاه منهم يكونون أيسر بكثير ومما يشهد لذلك أنا نجد كثيرا من الفقهاء وأهل الدين والعبادة إذا اشتهروا حسن الظن بهم واعتقد الجمهور معاملة الله في إرفادهم فأخلص الناس في إعانتهم على أحوال دنياهم والاعتمال في مصالحهم وأسرعت إليهم الثروة وأصبحوا مياسير من غير مال مقتنى إلا ما يحصل لهم من قيم الاعمال التي وقعت المعونة بها من الناس لهم رأينا من ذلك أعدادا في الامصار والمدن وفي البدو يسعى لهم الناس في الفلح والتجر وكل هو قاعد بمنزله لا يبرح من مكانه فينمو ماله ويعظم كسبه ويتأثل الغني من غير سعي ويعجب من لا يفطن لهذا السر في حال ثروته وأسباب غناه ويساره والله سبحانه وتعالى يرزق من يشاء بغير حساب

[ 390 ]

الفصل السادس في ان السعادة والكسب انما يحصل غالبا لاهل الخضوع والتملق وان هذا الخلق من اسباب السعادة قد سلف لنا فيما سبق أن الكسب الذي يستفيده البشر إنما هو قيم أعمالهم ولو قدر أحد عطل عن العمل جملة لكان فاقد الكسب بالكلية وعلى قدر عمله وشرفه بين الاعمال وحاجة الناس إليه يكون قدر قيمته وعلى نسبة ذلك نمو كسبه أو نقصانه وقد بينا آنفا أن الجاه يفيد المال لما يحصل لصاحبه من تقرب الناس إليه بأعمالهم وأموالهم في دفع المضار وجلب المنافع وكان ما يتقربون به من عمل أو مال عوضا عما يحصلون عليه بسبب الجاه من الاغراض في صالح أو طالح وتصير تلك الاعمال في كسبه وقيمها أموال وثروة له فيستفيد الغنى واليسار لاقرب وقت ثم إن الجاه متوزع في الناس ومترتب فيهم طبقة بعد طبقة ينتهي في العلو إلى الملوك الذين ليس فوقهم يد عالية وفي السفل إلى من لا يملك ضرا ولا نفعا بين أبناء جنسه وبين ذلك طبقات متعددة حكمة الله في خلقه بما ينتظم معاشهم وتتيسر مصالحهم ويتم بقاؤهم لان النوع الانساني لا يتم وجوده إلا بالتعاون وإنه وإن ندر فقد ذلك في صورة مفروضة لا يصح بقاؤه ثم إن هذا التعاون لا يحصل إلا بالاكراه عليه لجهلهم في الاكثر بمصالح النوع ولما جعل لهم من الاختيار وأن أفعالهم إنما تصدر بالفكر والروية لا بالطبع وقد يمتنع من المعاونة فيتعين حمله عليها فلا بد من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم لتتم الحكمة الالهية في بقاء هذا النوع وهذا معنى قوله تعالى ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون فقد تبين أن الجاه هو القدرة الحاملة للبشر على التصرف في من تحت أيديهم من أبناء جنسهم بالاذن والمنع والتسلط بالقهر والغلبة ليحملهم على دفع مضارهم وجلب منافعهم في العدل بأحكام الشرائع والسياسة وعلى أغراضه فيما سوى ذلك ولكن الاول مقصود في العناية الربانية بالذات والثاني داخل فيها بالعرض كسائر الشرور الداخلة في القضاء الالهي لانه قد لا يتم وجود الخير الكثير إلا بوجود شر يسير من أجل المواد فلا يفوت الخير بذلك بل يقع

[ 391 ]

على ما ينطوي عليه من الشر اليسير وهذا معنى وقوع الظلم في الخليقة فتفهم ثم إن كل طبقة من طباق أهل العمران من مدينة أو إقليم لها قدرة على من دونها من الطباق وكل واحدة من الطبقة السفلى يستمد بذي الجاه من أهل الطبقة التي فوقه ويزداد كسبه تصرفا فيمن تحت يده على قدر ما يستفيد منه والجاه على ذلك داخل على الناس في جميع أبواب المعاش ويتسع ويضيق بحسب الطبقة والطور الذي فيه صاحبه فإن كان الجاه متسعا كان الكسب الناشئ عنه كذلك وإن كان ضيقا قليلا فمثله وفاقد الجاه وإن كان له مال فلا يكون يساره إلا بمقدار عمله أو ماله ونسبة سعيه ذاهبا وآيبا في تنميته كأكثر التجار وأهل الفلاحة في الغالب وأهل الصنائع كذلك إذا فقدوا الجاه واقتصروا على فوائد صنائعهم فإنهم يصيرون إلى الفقر والخصاصة في الاكثر ولا تسرع إليهم ثروة وإنما يرمقون العيش ترميقا ويدافعون ضرورة الفقر مدافعة وإذا تقرر ذلك وأن الجاه متفرع وأن السعادة والخير مقترنان بحصوله علمت أن بذله وإفادته من أعظم النعم وأجلها وأن باذله من اجل المنعمين وإنما يبذله لمن تحت يديه فيكون بذله بيد عالية عزة فيحتاج طالبه ومبتغيه إلى خضوع وتملق كما يسأل أهل العز والملوك وإلا فيتعذر حصوله فلذلك قلنا إن الخضوع والتملق من أسباب حصول هذا الجاه المحصل للسعادة والكسب وإن أكثر أهل الثروة والسعادة بهذا التملق ولهذا نجد الكثير ممن يتخلق بالترفع والشمم لا يحصل لهم غرض الجاه فيقتصرون في التكسب على أعمالهم ويصيرون إلى الفقر والخصاصة. واعلم أن هذا الكبر والترفع من الاخلاق المذمومة إنما يحصل من توهم الكمال وأن الناس يحتاجون إلى بضاعته من علم أو صناعة كالعالم المتبحر في علمه والكاتب المجيد في كتابته أو الشاعر البليغ في شعره وكل محسن في صناعته يتوهم أن الناس محتاجون لما بيده فيحدث له ترفع عليهم بذلك وكذا يتوهم أهل الانساب ممن كان في آبائه ملك أو عالم مشهور أو كامل في طور يعبرون به بما رأوه أو سمعوه من حال آبائهم في المدينة ويتوهمون أنهم استحقوا مثل ذلك بقرابتهم إليهم ووراثتهم عنهم فهم متمسكون في الحاضر بالامر المعدوم وكذلك أهل الحيلة والبصر والتجارب بالامور قد يتوهم بعضهم كمالا في نفسه بذلك واحتياجا

[ 392 ]

إليه وتجد هؤلاء الاصناف كلهم مترفعين لا يخضعون لصاحب الجاه ولا يتملقون لمن هو أعلى منهم ويستصغرون من سواهم لاعتقادهم الفضل على الناس فيستنكف أحدهم عن الخضوع ولو كان للملك ويعده مذلة وهوانا وسفها ويحاسب الناس في معاملتهم إياه بمقدار ما يتوهم في نفسه ويحقد على من قصر له في شئ مما يتوهمه من ذلك وربما يدخل على نفسه الهموم والاحزان من تقصيرهم فيه ويستمر في عناء عظيم من إيجاب الحق لنفسه أو إباية الناس له من ذلك ويحصل له المقت من الناس لما في طباع البشر من التأله وقل أن يسلم أحد منهم لاحد في الكمال والترفع عليه إلا أن يكون ذلك بنوع من القهر والغلبة والاستطالة وهذا كله في ضمن الجاه فإذا فقد صاحب هذا الخلق الجاه وهو مفقود له كما تبين لك مقته الناس بهذا الترفع ولم يحصل له حظ من إحسانهم وفقد الجاه لذلك من أهل الطبقة التي هي أعلى منه لاجل المقت وما يحصل له بذلك من القعود عن تعاهدهم وغشيان منازلهم ففسد معاشه وبقي في خصاصة وفقر أو فوق ذلك بقليل وأما الثروة فلا تحصل له أصلا ومن هذا اشتهر بين الناس أن الكامل في المعرفة محروم من الحظ وأنه قد حوسب بما رزق من المعرفة واقتطع له ذلك من الحظ وهذا معناه ومن خلق لشئ يسر له والله المقدر لا رب سواه ولقد يقع في الدول أضراب في المراتب من أهل الخلق ويرتفع فيها كثير من السفلة وينزل كثير من العلية بسبب ذلك وذلك أن الدول إذا بلغت نهايتها من التغلب والاستيلاء انفرد منها منبت الملك بملكهم وسلطانهم ويئس من سواهم من ذلك وإنما صاروا في مراتب دون مرتبة الملك وتحت يد السلطان وكأنهم خول له فإذا استمرت الدولة وشمخ الملك تساوى حينئذ في المنزلة عند السلطان كل من انتمى إلى خدمته وتقرب إليه بنصيحة واصطنعه السلطان لغنائه في كثير من مهماته فتجد كثيرا من السوقة يسعى في التقرب من السلطان بجده ونصحه ويتزلف إليه بوجوه خدمته ويستعين على ذلك بعظيم من الخضوع والتملق له ولحاشيته وأهل نسبه حتى يرسخ قدمه معهم وينظمه السلطان في جملته فيحصل له بذلك حظ عظيم من السعادة وينتظم في عدد أهل الدولة وناشئة الدولة حينئذ من أبناء قومها الذين ذللوا أضغانهم ومهدوا أكنافهم مغترين بما كان لآبائهم في ذلك من الآثار لم

[ 393 ]

تسمح به نفوسهم على السلطان ويعتدون بآثاره ويجرون في مضمار الدولة بسبه فيمقتهم السلطان لذلك ويباعدهم ويميل إلى هؤلاء المصطنعين الذين لا يعتدون بقديم ولا يذهبون إلى دالة ولا ترفع إنما دأبهم الخضوع له والتملق والاعتمال في غرضه متى ذهب إليه فيتسع جاههم وتعلو منازلهم وتنصرف إليهم الوجوه والخواطر بما يحصل لهم من قبل السلطان والمكانة عنده ويبقى ناشئة الدولة فيما هم فيه من الترفع والاعتداد بالقديم لا يزيدهم ذلك إلا بعدا من السلطان ومقتا وإيثارا لهؤلاء المصطنعين عليهم إلى أن تنقرض الدولة وهذا أمر طبيعي في الدولة ومنه جاء شأن المصطنعين في الغالب والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق لا رب سواه الفصل السابع في ان القائمين بامور الدين من القضاء والفتيا والتدريس والامامة والخطابة والاذان ونحو ذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب والسبب لذلك أن الكسب كما قدمناه قيمة الاعمال وأنها متفاوتة بحسب الحاجة إليها فإذا كانت الاعمال ضرورية في العمران عامة البلوى به كانت قيمتها أعظم وكانت الحاجة إليها أشد وأهل هذه الصنائع الدينية لا تضطر إليهم عامة الخلق وإنما يحتاج إلى ما عندهم الخواص ممن أقبل على دينه وإن احتيج إلى الفتيا والقضاء في الخصومات فليس على وجه الاضطرار والعموم فيقع الاستغناء عن هؤلاء في الاكثر وإنما يهتم بإقامة مراسمهم صاحب الدولة بما ناله من النظر في المصالح فيقسم لهم حظا من الرزق على نسبة الحاجة إليهم على النحو الذي قررناه لا يساويهم بأهل الشوكة ولا بأهل الصنائع من حيث الدين والمراسم الشرعية لكنه يقسم بحسب عموم الحاجة وضرورة أهل العمران فلا يصح في قسمهم إلا القليل وهم أيضا لشرف بضائعهم أعزة على الخلق وعند نفوسهم فلا يخضعون لاهل الجاه حتى ينالوا منه حظا يستدرون به الرزق بل ولا تفرغ أوقاتهم لذلك لما هم فيه من الشغل بهذه البضائع الشريفة المشتملة على إعمال الفكر والبدن بل ولا يسعهم ابتذال أنفسهم لاهل الدنيا لشرف بضائعهم فهم بمعزل عن ذلك فلذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب ولقد باحثت بعض الفضلاء فأنكر ذلك علي فوقع بيدي أوراق مخزقة من حسابات الدواوين

[ 394 ]

بدار المأمون تشتمل على كثير من الدخل والخرج وكان فيما طالعت فيه أرزاق القضاة والائمة والمؤذنين فوقفته عليه وعلم منه صحة ما قلته ورجع إليه وقضينا العجب من أسرار الله في خلقه وحكمته في عوالمه والله الخالق القادر لا رب سواه الفصل الثامن في ان الفلاحة من معاش المتضعين واهل العافية من البدو وذلك لانه أصيل في الطبيعة وبسيط في منحاه ولذلك لا تجده ينتحله أحد من أهل الحضر في الغالب ولا من المترفين ويختص منتحله بالمذلة قال صلى الله عليه وسلم وقد رأى السكة ببعض دور الانصار ما دخلت هذه دار قوم إلا دخله الذل وحمله البخاري على الاستكثار منه وترجم عليه باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو تجاوز الحد الذي أمر به والسبب فيه والله أعلم ما يتبعها من المغرم المفضي إلى التحكم واليد العالية فيكون الغارم ذليلا بائسا بما تتناوله أيدي القهر والاستطالة قال صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تعود الزكاة مغرما إشارة إلى الملك العضوض القاهر للناس الذي معه التسلط والجور ونسيان حقوق الله تعالى في المتمولات واعتبار الحقوق كلها مغرم للملوك والدول والله قادر على ما يشاء والله سبحانه وتعالى اعلم وبه التوفيق الفصل التاسع في معنى التجارة ومذاهبها واصنافها إعلم أن التجارة محاولة الكسب بتنمية المال بشراء السلع بالرخص وبيعها بالغلاء أيام كانت السلعة من دقيق أو زرع أو حيوان أو قماش وذلك القدر النامي يسمى ربحا فالمحاول لذلك الربح إما أن يختزن السلعة ويتحين بها حوالة الاسواق من الرخص إلى الغلاء فيعظم ربحه وإما بأن ينقله إلى بلد آخر تنفق فيه تلك السلعة أكثر من بلده الذي اشتراها فيه فيعظم ربحه ولذلك قال بعض الشيوخ من التجار لطلب الكشف عن حقيقة التجارة أنا أعلمها لك في كلمتين اشتراء الرخيص وبيع الغالي فقد حصلت التجارة إشارة منه بذلك إلى المعنى الذي قررناه والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق لا رب سواه

[ 395 ]

الفصل العاشر في اي اصناف الناس يحترف بالتجارة وايهم ينبغي له اجتناب حرفها قد قدمنا أن معنى التجارة تنمية المال بشراء البضائع ومحاولة بيعها بأغلى من ثمن الشراء إما بانتظار حوالة الاسواق أو نقلها إلى بلد هي فيه أنفق وأغلى أو بيعها بالغلاء على الآجال وهذا الربح بالنسبة إلى أصل المال يسير إلا أن المال إذا كان كثيرا عظم الربح لان القليل في الكثير كثير ثم لا بد في محاولة هذه التنمية من حصول هذا المال بأيدي الباعة في شراء البضائع وبيعها ومعاملتهم في تقاضي أثمانها وأهل النصفة قليل فلا بد من الغش والتطفيف المجحف بالبضائع ومن المطل في الاثمان المجحف بالربح كتعطيل المحاولة في تلك المدة وبها نماؤه ومن الجحود والانكار المسحت لرأس المال إن لم يتقيد بالكتاب والشهادة وغنى الحكام في ذلك قليل لان الحكم إنما هو على الظاهر فيعاني التاجر من ذلك أحوالا صعبة ولا يكاد يحصل على ذلك التافه من الربح إلا بعظم العناء والمشقة أو لا يحصل أو يتلاشى رأس ماله فإن كان جريئا على الخضومة بصيرا بالحسبان شديد المماحكة مقداما على الحكام كان ذلك أقرب له إلى النصفة بجراءته منهم ومماحكته وإلا فلا بد له من جاه يدرع به يوقع له الهيبة عند الباعة ويحمل الحكام على إنصافه من معامليه فيحصل له بذلك النصفة في ماله طوعا في الاول وكرها في الثاني وأما من كان فاقدا للجراءة والاقدام من نفسه فاقد الجاه من الحكام فينبغي له أن يجتنب الاحتراف بالتجارة لانه يعرض ما له للضياع والذهاب ويصير مأكلة للباعة ولا يكاد ينتصف منهم لان الغالب في الناس وخصوصا الرعاع والباعة شرهون إلى ما في أيدي الناس سواهم متوثبون عليه ولولا وازع الاحكام لاصبحت أموال الناس نهبا ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين الفصل الحادي عشر في ان خلق التجار نازلة عن خلق الاشراف والملوك وذلك أن التجار في غالب أحوالهم إنما يعانون البيع والشراء ولا بد فيه من

[ 396 ]

المكايسة ضرورة فإن اقتصر عليها اقتصرت به على خلقها وهي أعني خلق المكايسة بعيدة عن المرؤة التي تتخلق بها الملوك والاشراف وأما إن استرذل خلقه بما يتبع ذلك في أهل الطبقة السفلى منهم من المماحكة والغش والخلابة وتعاهد الايمان الكاذبة على الاثمان ردا وقبولا فأجدر بذلك الخلق أن يكون في غاية المذلة لما هو معروف ولذلك تجد أهل الرئاسة يتحامون الاحتراف بهذه الحرفة لاجل ما يكسب من هذا الخلق وقد يوجد منهم من يسلم من هذا الخلق ويتحاماه لشرف نفسه وكرم جلاله إلا أنه في النادر بين الوجود والله يهدي من يشاء بفضله وكرمه وهو رب الاولين والآخرين الفصل الثاني عشر في نقل التاجر للسلع التاجر البصير بالتجارة لا ينقل من السلع إلا ما تعم الحاجة إليه من الغني والفقير والسلطان والسوقة إذ في ذلك نفاق سلعته وأما إذا اختص نقله بما يحتاج إليه البعض فقط فقد يتعذر نفاق سلعته حينئذ بإعواز الشراء من ذلك البعض لعارض من العوارض فتكسد سوقه وتفسد أرباحه وكذلك إذا نقل السلعة المحتاج إليها فإنما ينقل الوسط من صنفها فإن العالي من كل صنف من السلع إنما يختص به أهل التروة وحاشية الدولة وهم الاقل وإنما يكون الناس أسوة في الحاجة إلى الوسط من كل صنف فليتحر ذلك جهده ففيه نفاق سلعة أو كسادها وكذلك نقل السلع من البلد البعيد المسافة أو في شدة الخطر في الطرقات يكون أكثر فائدة للتجار وأعظم أرباحا وأكفل بحوالة الاسواق لان السلعة المنقولة حينئذ تكون قليلة معوزة لبعد مكانها أو شدة الغرر في طريقها فيقل حاملوها ويعز وجودها وإذا قلت وعزت غلت أثمانها وأما إذا كان البلد قريب المسافة والطريق سابل بالامن فإنه حينئذ يكثر ناقلوها فتكثر وترخص أثمانها ولهذا تجد التجار الذين يولعون بالدخول إلى بلاد السودان أرفه الناس وأكثرهم أموالا لبعد طريقهم ومشقته واعتراض المفازة الصعبة المخطرة بالخوف والعطش لا يوجد فيها الماء إلا في أماكن معلومة يهتدي إليها أدلاء الركبان فلا يرتكب خطر هذا الطريق وبعده إلا الافل من الناس فتجد

[ 397 ]

سلع بلاد السودان قليلة لدينا فتختص بالغلاء وكذلك سلعنا لديهم فتعظم بضائع التجار من تناقلها ويسرع إليهم الغنى والثروة من أجل ذلك وكذلك المسافرون من بلادنا إلى المشرق لبعد الشقة أيضا وأما المترددون في أفق واحد ما بين أمصاره وبلدانه ففائدتهم قليلة وأرباحهم تافهة لكثرة السلع وكثرة ناقليها والله هو الرزاق ذو القوة المتين الفصل الثالث عشر في الاحتكار ومما اشتهر عند ذوي البصر والتجربة في الامصار أن احتكار الزرع لتحين أوقات الغلاء مشؤم وأنه يعود على فائدته بالتلف والخسران وسببه والله أعلم أن الناس لحاجتهم إلى الاقوات مضطرون إلى ما يبذلون فيها من المال اضطرارا فتبقى النفوس متعلقة به وفي تعلق النفوس بما لها سر كبير في وباله على من يأخذه مجانا ولعله الذي اعتبره الشارع في أخذ أموال الناس بالباطل وهذا وإن لم يكن مجانا فالنفوس متعلقة به لاعطائه ضرورة من غير سعة في العذر فهو كالمكره وما عدا الاقوات والمأكولات من المبيعات لا اضظرار للناس إليها وإنما يبعثهم عليها التفنن في الشهوات فلا يبذلون أموالهم فيها إلا باختيار وحرص ولا يبقى لهم تعلق بما أعطوه فلهذا يكون من عرف بالاحتكار تجتمع القوى النفسانية على متابعته لما يأخذه من أموالهم فيفسد ربحه والله تعالى أعلم. وسمعت فيما يناسب هذا حكاية ظريفة عن بعض مشيخة المغرب أخبرني شيخنا أبو عبد الله الابلي قال حضرت عند القاضي بفاس لعهد السلطان أبي سعيد وهو الفقيه أبو الحسن المليلي وقد عرض عليه أن يختار بعض الالقاب المخزنية لجرايته قال فأطرق مليا ثم قال من مكس الخمر فاستضحك الحاضرون من أصحابه وعجبوا وسألوه عن حكمة ذلك فقال إذا كانت الجبايات كلها حراما فأختار منها ما لا تتابعه نفس معطيه والخمر قل أن يبذل فيها أحد ماله إلا وهو طرب مسرور بوجوداته غير أسف عليه ولا متعلقة به نفسه وهذه ملاحظة غريبة والله سبحانه وتعالى يعلم ما تكن الصدور

[ 398 ]

الفصل الرابع عشر في ان رخص الاسعار مضر بالمحترفين بالرخص وذلك أن الكسب والمعاش كما قدمناه إنما هو بالصنائع أو التجارة والتجارة هي شراء البضائع والسلع وادخارها يتحين بها حوالة الاسواق بالزيادة في أثمانها ويسمى ربحا ويحصل منه الكسب والمعاش للمحترفين بالتجارة دائما فإذا استديم الرخص في سلعة أو عرض من مأكول أو ملبوس أو متمول على الجملة ولم يحصل للتاجر حوالة الاسواق فسد الربح والنساء بطول تلك المدة وكسدت سوق ذلك الصنف فقعد التجار عن السعي فيها وفسدت رؤوس أموالهم واعتبر ذلك أولا بالزرع فإنه إذا استديم رخصه يفسد به حال المحترفين بسائر أطواره من الفلح والزراعة لقلة الربح فيه وندارته أو فقده فيفقدون النماء في أموالهم أو يجدونه على قلة ويعودون بالانفاق على رؤوس أموالهم وتفسد أحوالهم ويصيرون إلى الفقر والخصاصة ويتبع ذلك فساد حال المحترفين أيضا بالطحن والخبز وسائر ما يتعلق بالزراعة من الحرث إلى صيرورته مأكولا وكذا يفسد حال الجند إذا كانت أرزاقهم من السلطان على أهل الفلح زرعا فإنها تقل جبايتهم من ذلك ويعجزون عن إقامة الجندية التي هي بسببها ومطالبون بها ومنقطعون لها فتفسد أحوالهم وكذا إذا استديم الرخص في السكر أو العسل فسد جميع ما يتعلق به وقعد المحترفون عن التجارة فيه وكذا الملبوسات إذا استديم فيها الرخص فإذا الرخص المفرط يجحف بمعاش المحترفين بذلك الصنف الرخبص وكذا الغلاء المفرط أيضا وإنما معاش الناس وكسبهم في التوسط من ذلك وسرعة حوالة الاسواق وعلم ذلك يرجع إلى العوائد المتقررة بين أهل العمران وإنما يحمد الرخص في الزرع من بين المبيعات لعموم الحاجة إليه واضطرار الناس إلى الاقوات من بين الغني والفقير والعالة من الخلق هم الاكثر في العمران فيعم الرفق بذلك ويرجح جانب القوت على جانب التجارة في هذا الصنف الخاص والله الرزاق ذو القوة المتين والله سبحانه وتعالى رب العرش العظيم

[ 399 ]

الفصل الخامس عشر في ان خلق التجارة نازلة عن خلق الرؤوساء وبعيدة من المروءة قد قدمنا في الفصل قبله أن التاجر مدفوع إلى معاناة البيع والشراء وجلب الفوائد والارباح ولا بد في ذلك من المكايسة والمماحكة والتحذلق وممارسة الخصومات واللجاج وهي عوارض هذه الحرفة وهذه الاوصاف نقص من الذكاء والمروءة وتجرح فيها لان الافعال لا بد من عود آثارها على النفس فأفعال الخير تعود بآثار الخير والزكاء وأفعال الشر والسفسفة تعوذ بضد ذلك فتتمكن وترسخ إن سبقت وتكررت وتنقص خلال الخير إن تأخرت عنها بما ينطبع من آثارها المذمومة في النفس شأن الملكات الناشئة عن الافعال وتتفاوت هذه الآثار بتفاوت أصناف التجار في أطوارهم فمن كان منهم سافل الطور محالفا لاشرار الباعة أهل الغش والخلابة والفجور في الاثمان إقرارا وإنكارا كانت رداءة تلك الخلق عنه أشد وغلبت عليه السفسفة وبعد عن المروءة واكتسابها بالجملة وإلا فلا بد له من تأثير المكايسة والمماحكة في مروءته وفقدان ذلك منهم في الجملة ووجود الصنف الثاني منهم الذي قدمناه في الفصل قبله أنهم يدرعون بالجاه ويعوض لهم من مباشرة ذلك فهم نادر وأقل من النادر وذلك أن يكون المال قد يوجد عنده دفعة بنوع غريب أو ورثه عن أحد من أهل بيته فحصلت له ثروة تعينه على الاتصال بأهل الدولة وتكسبه ظهورا وشهرة بين أهل عصره فيرتفع عن مباشرة ذلك بنفسه ويدفعه إلى من يقوم له به من وكلائه وحشمه ويسهل له الحكام النصفة في حقوقهم بما يؤنسونه من بره وإتحافه فيبعدونه عن تلك الخلق بالبعد عن معاناة الافعال المقتضية لها كما مر فتكون مروءتهم أرسخ وأبعد عن تلك المحاجاة إلا ما يسري من آثار تلك الافعال من وراء الحجاب فإنهم يضطرون إلى مشارفة أحوال أولئك الوكلاء ورفاقهم أو خلافهم فيما يأتون أو يذرون من ذلك إلا أنه قليل ولا يكاد يظهر أثره والله خلقكم وما تعملون الفصل السادس عشر في ان الصنائع لا بد لها من العلم إعلم أن الصناعة هي ملكة في أمر عملي فكري وبكونه عمليا هو جسماني

[ 400 ]

محسوس والاحوال الجسمانية المحسوسة فنقلها بالمباشرة أوعب لها وأكمل لان المباشرة في الاحوال الجسمانية المحسوسة أتم فائدة والملكة صفة راسخة تحصل عن استعمال ذلك الفعل وتكرره مرة بعد أخرى حتى ترسخ صورته وعلى نسبة الاصل تكون الملكة ونقل المعاينة أوعب وأتم من نقل الخبر والعلم فالملكة الحاصلة عن الخبر على قدر جودة التعليم وملكة المتعلم في الصناعة وحصول ملكته ثم إن الصنائع منها البسيط ومنها المركب والبسيط هو الذي يختص بالضروريات والمركب هو الذي يكون للكماليات والمتقدم منها في التعليم هو البسيط لبساطته أولا ولانه مختص بالضروري الذي تتوفر الدواعي على نقله فيكون سابقا في التعليم ويكون تعليمه ناقصا ولا يزال الفكر يخرج أصنافها ومركباتها من القوة إلى الفعل بالاستنباط شيئا فشيئا على التدريج حتى تكمل ولا يحصل ذلك دفعة وإنما يحصل في أزمان وأجيال إذ خروج الاشياء من القوة إلى الفعل لا يكون دفعة لا سيما في الامور الصناعية فلا بد له إذن من زمان ولهذا تجد الصنائع في الامصار الصغيرة ناقصة ولا يوجد منها إلا البسيط فإذا تزايدت حضارتها ودعت أمور الترف فيها إلى استعمال الصنائع خرجت من القوة إلى الفعل وتنقسم الصنائع أيضا إلى ما يختص بأمر المعاش ضروريا كان أو غير ضروري وإلى ما يختص بالافكار التي هي خاصية الانسان من العلوم والصنائع والسياسة ومن الاول الحياكة والجزارة والنجارة والحدادة وأمثالها ومن الثاني الوراقة وهي معاناة الكتب بالانتساخ والتجليد والغناء والشعر وتعليم العلم وأمثال ذلك ومن الثالث الجندية وأمثالها والله أعلم الفصل السابع عشر في ان الصنائع انما تكمل بكمال العمران الحضري وكثرته والسبب في ذلك أن الناس ما لم يستوف العمران الحضري وتتمدن المدينة إنما همهم في الضروري من المعاش وهو تحصيل الاقوات من الحنطة وغيرها فإذا تمدنت المدينة وتزايدت فيها الاعمال ووفت بالضروري وزادت عليه صرف الزائد حينئذ إلى الكمالات من المعاش ثم إن الصنائع والعلوم إنما هي للانسان من حيث فكره الذي يتميز به عن الحيوانات والقوت له من حيث الحيوانية والغذائية فهو

[ 401 ]

مقدم لضروريته على العلوم والصنائع وهي متأخرة عن الضروري وعلى مقدار عمران البلد تكون جودة الصنائع للتأنق فيها حينئذ واستجادة ما يطلب منها بحيث تتوفر دواعي الترف والثروة وأما العمران البدوي أو القليل فلا يحتاج من الصنائع إلا البسيط خاصة المستعمل في الضروريات من نجار أو حداد أو خياط أو حائك أو جزار وإذا وجدت هذه بعد فلا توجد فيه كاملة ولا مستجادة وإنما يوجد منها بمقدار الضرورة إذ هي كلها وسائل إلى غيرها وليست مقصودة لذاتها وإذا زخر بحر العمران وطلبت فيه الكمالات كان من جملتها التأنق في الصنائع واستجادتها فكملت بجميع متمماتها وتزايدت صنائع أخرى معها مما تدعو إليه عوائد الترف وأحواله من جزار ودباغ وخراز وصائغ وأمثال ذلك وقد تنتهي هذه الاصناف إذا استجر العمران إلى أن يوجد منها كثير من الكمالات والتأنق فيها في الغاية وتكون من وجوه المعاش في المصر لمنتحلها بل تكون فائدتها من أعظم فوائد الاعمال لما يدعو إليه الترف في المدينة مثل الدهان والصفار والحمامي والطباخ والشماع والهراس ومعلم الغناء والرقص وقرع الطبول على التوقيع ومثل الوراقين الذين يعانون صناعة انتساخ الكتب وتجليدها وتصحيحها فإن هذه الصناعة إنما يدعو إليها الترف في المدينة من الاشتغال بالامور الفكرية وأمثال ذلك وقد تخرج عن الحد إذا كان العمران خارجا عن الحد كما بلغنا عن أهل مصر أن فيهم من يعلم الطيور العجم والحمر الانسية ويتخيل أشياء من العجائب بإيهام قلب الاعيان وتعليم الحداء والرقص والمشي على الخيوط في الهواء ورفع الاثقال من الحيوان والحجارة وغير ذلك من الصنائع التي لا توجد عندنا بالمغرب لان عمران أمصاره لم يبلغ عمران مصر والقاهرة أدام الله عمرانها بالمسلمين الفصل الثامن عشر في ان رسوخ الصنائع في الامصار انما هو برسوخ الحضارة وطول امده والسبب في ذلك ظاهر وهو أن هذه كلها عوائد للعمران والاوان والعوائد إنما ترسخ بكثرة التكرار وطول الامد فتستحكم صبغة ذلك وترسخ في الاجيال وإذا استحكمت الصبغة عسر نزعها ولهذا نجد في الامصار التي كانت استجرت في

[ 402 ]

الحضارة لما تراجع عمرانها وتناقص بقيت فيها آثار من هذه الصنائع ليست في غيرها من الامصار المستحدثة العمران ولو بلغت مبالغها في الوفور والكثرة وماذاك إلا لان أحوال تلك القديمة العمران مستحكمة راسخة بطول الاحقاب وتداول الاحوال وتكررها وهذه لم تبلغ الغاية بعد وهذا كالحال في الاندلس لهذا العهد فإنا نجد فيها رسوم الصنائع قائمة وأحوالها مستحكمة راسخة في جميع ما تدعو إليه عوائد أمصارها كالمباني والطبخ وأصناف الغناء واللهو من الالات والاوتار والرقص وتنضيد الفرش في القصور وحسن الترتيب والاوضاع في البناء وصوغ الانية من المعادن والخزف وجميع المواعين وإقامة الولائم والاعراس وسائر الصنائع التي يدعو إليها الترف وعوائده فنجدهم أقوم عليها وأبصر بها ونجد صنائعها مستحكمة لديهم فهم على حصة موفورة من ذلك وحظ متميز بين جميع الامصار وإن كان عمرانها قد تناقص والكثير منه لا يساوي عمران غيرها من بلاد العدوة وما ذاك إلا لما قدمناه من رسوخ الحضارة فيهم برسوخ الدولة الاموية وما قبلها من دولة القوط وما بعدها من دولة الطوائف وهلم جرا فبلغت الحضارة فيها مبلغا لم تبلغه في قطر إلا ما ينقل عن العراق والشام ومصر أيضا لطول آماد الدول فيها فاستحكمت فيها الصنائع وكملت جميع أصنافها على الاستجادة والتنميق وبقيت صبغتها ثابتة في ذلك العمران لا تفارقه إلى أن ينتقض بالكلية حال الصبغ إذا رسخ في الثوب وكذا أيضا حال تونس فيما حصل فيها بالحضارة من الدول الصنهاجية والموحدين من بعدهم وما استكمل لها في ذلك من الصنائع في سائر الاحوال وإن كان ذلك دون الاندلس إلا أنه متضاعف برسوم منها تنقل إليها من مصر لقرب المسافة بينهما وتردد المسافرين من قطرها إلى قطر مصر في كل سنة وربما سكن أهلها هناك عصورا فينقلون من عوائد ترفهم ومحكم صنائعهم ما يقع لديهم موقع الاستحسان فصارت أحوالها في ذلك متشابهة من أحوال مصر لما ذكرناه ومن أحوال الاندلس لما أن أكثر ساكنها من شرق الاندلس حين الجلاء لعهد المائة السابعة ورسخ فيها من ذلك أحوال وإن كان عمرانها ليس بمناسب لذلك لهذا العهد إلا أن الصبغة إذا استحكمت فقليلا ما تحول إلا بزوال محلها وكذا نجد بالقيروان ومراكش وقلعة

[ 403 ]

ابن حماد أثرا باقيا من ذلك وإن كانت هذه كلها اليوم خرابا أو في حكم الخراب ولا يتفطن لها إلا البصير من الناس فيجد من هذه الصنائع آثارا تدله على ما كان بها كأثر الخط الممحو في الكتاب والله الخلاق العليم الفصل التاسع عشر في ان الصنائع انما تستجاد وتكثر إذا كثر طالبها والسبب في ذلك ظاهر وهو أن الانسان لا يسمح بعمله أن يقع مجانا لانه كسبه ومنه معاشه إذ لا فائدة له في جميع عمره في شئ مما سواه فلا يصرفه إلا فيما له قيمة في مصره ليعود عليه بالنفع وإن كانت الصناعة مطلوبة وتوجه إليها النفاق كانت حينئذ الصناعة بمثابة السلعة التي تنفق سوقها وتجلب للبيع فتجتهد الناس في المدينة لتعلم تلك الصناعة ليكون منها معاشهم وإذا لم تكن الصناعة مطلوبة لم تنفق سوقها ولا يوجه قصد إلى تعلمها فاختصت بالترك وفقدت للاهمال ولهذا يقال عن علي رضي الله عنه قيمة كل أمرى ما يحسن بمعنى أن صناعته هي قيمته أي قيمة عمله الذي هو معاشه وأيضا فهنا سر آخر وهو أن الصنائع وإجادتها إنما تطلبها الدولة فهي التي تنفق سوقها وتوجه الطالبات إليها وما لم تطلبه الدولة وإنما يطلبها غيرها من أهل المصر فليس على نسبتها لان الدولة هي السوق الاعظم وفيها نفاق كل شئ والقليل والكثير فيها على نسبة واحدة فما نفق منها كان أكثريا ضرورة والسوقة وإن طلبوا الصناعة فليس طلبهم بعام ولا سوقهم بنافقة والله سبحانه وتعالى قادر على ما يشاء الفصل العشرون في ان الامصار إذا قاربت الخراب انتقضت منها الصنائع وذلك لما بينا أن الصنائع إنما تستجاد إذا احتيج إليها وكثر طالبها وإذا ضعفت أحوال المصر وأخذ في الهرم بانتقاض عمرانه وقلة ساكنه تناقص فيه الترف ورجعوا إلى الاقتصار على الضروري من أحوالهم فتقل الصنائع التي كانت من توابع الترف لان صاحبها حينئذ لا يصح له بها معاشه فيفر إلى غيرها أو يموت ولايكون خلف منه

[ 404 ]

فيذهب رسم تلك الصنائع جملة كما يذهب النقاشون والصواغ والكتاب والنساخ وأمثالهم من الصنائع لحاجات الترف ولا تزال الصناعات في التناقص إلى أن تضمحل والله الخلاق العليم وسبحانه وتعالى الفصل الحادي والعشرون في ان العرب ابعد الناس عن الصنائع والسبب في ذلك أنهم أعرق في البدو وأبعد عن العمران الحضري وما يدعو إليه من الصنائع وغيرها والعجم من أهل المشرق وأمم النصرانية عدوة البحر الرومي أقوم الناس عليها لانهم أعرق في العمران الحضري وأبعد عن البدو وعمرانه حتى إن الابل التي أدانت العرب على التوحش في القفر والاعراق في البدو مفقودة لديهم بالجملة ومفقودة مراعيها والرمال المهيئة لنتاجها ولهذا نجد أوطان العرب وما ملكوه في الاسلام قليل الصنائع بالجملة حتى تجلب إليه من قطر آخر وانظر بلاد العجم من الصين والهند وأرض الترك وأمم النصرانية كيف استكثرت فيهم الصنائع واستجلبها الامم من عندهم وعجم المغرب من البربر مثل العرب في ذلك لرسوخهم في البداوة منذ أحقاب من السنين ويشهد لك بذلك قلة الامصار بقطرهم كما قدمناه فالصنائع بالمغرب لذلك قليلة وغير مستحكمة الاماكن من صناعة الصوف من نسجه والجلد في خرزه ودبغه فإنهم لما استحضروا بلغوا فيها المبالغ لعموم البلوى بها وكون هذين أغلب السلع في قطرهم لما هم عليه من حال البداوة وأما المشرق فقد رسخت الصنائع فيه منذ ملك الامم الاقدمين من الفرس والنبط والقبط وبني إسرائيل ويونان والروم أحقابا متطاولة فرسخت فيهم أحوال الحضارة ومن جملتها الصنائع كما قدمناه فلم يمح رسمها وأما اليمن والبحران وعمان والجزيرة وإن ملكه العرب إلا أنهم تداولوا ملكه آلافا من السنين في أمم كثيرين منهم واختطوا أمصاره ومدنه وبلغوا الغاية من الحضارة والترف مثل عاد وثمودو العمالقة وحمير من بعدهم والتبابعة والاذواء فطال أمد الملك والحضارة واستحكمت صبغتها وتوفرت الصنائع ورسخت فلم تبل ببلى الدولة كما قدمناه فبقيت مستجدة حتى الان واختصت بذلك الوطن كصناعة الوشي والعصب وما يستجاد من حوك الثياب والحرير فيها والله وارث

[ 405 ]

الارض ومن عليها وهو خير الوارثين الفصل الثاني والعشرون فيمن حصلت له ملكة في صناعة فقل ان يجيد بعد في ملكة اخرى ومثال ذلك الخياط إذا أجاد ملكة الخياطة وأحكمها ورسخت في نفسه فلا يجيد من بعدها ملكة النجارة أو البناء إلا أن تكون الاولى لم تستحكم بعد ولم ترسخ صبغتها والسبب في ذلك أن الملكات صفات للنفس وألوان فلا تزدحم دفعة ومن كان على الفطرة كان أسهل لقبول الملكات وأحسن استعدادا لحصولها فإذا تلونت النفس بالملكة الاخرى وخرجت عن الفطرة ضعف فيها الاستعداد باللون الحاصل من هذه الملكة فكان قبولها للملكة أضعف وهذا بين يشهد له الوجود فقل أن تجد صاحب صناعة يحكمها ثم يحكم من بعدها أخرى ويكون فيهما معا على رتبة واحدة من الاجادة حتى أن أهل العلم الذين ملكتهم فكرية فهم بهذه المثابة ومن حصل منهم على ملكة علم من العلوم وأجادها في الغاية فقل أن يجيد ملكة علم آخر عل نسبته بل يكون مقصرا فيه إن طلبه إلا في الاقل النادر من الاحوال ومبني سببه على ما ذكرناه من الاستعداد وتلوينه بلون الملكة الحاصلة في النفس والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق لا رب سواه الفصل الثالث والعشرون في الاشارة إلى امهات الصنائع إعلم أن الصنائع في النوع الانساني كثيرة لكثرة الاعمال المتداولة في العمران فهي بحيث تشذ عن الحصر ولا يأخذها العد إلا أن منها ما هو ضروري في العمران أو شريف بالموضع فنخصها بالذكر ونترك ما سواها فأما الضروري فالفلاحة والبناء والخياطة والنجارة والحياكة وأما الشريفة بالموضع فكالتوليد والكتابة والوراقة والغناء والطب فأما التوليد فإنها ضرورية في العمران وعامة البلوى إذ بها تحصل حياة المولود وتتم غالبا وموضوعها مع ذلك المولودون وأمهاتهم وأما الطب فهو حفظ الصحة للانسان ودفع المرض عنه ويتفرع

[ 406 ]

عن علم الطبيعة وموضوعة مع ذلك بدن الانسان وأما الكتابة وما يتبعها من الوراقة فهي حافظة على الانسان حاجته ومقيدة لها عن النسيان ومبلغة ضمائر النفس إلى البعيد الغائب ومخلدة نتائج الافكار والعلوم في الصحف ورافعة رتب الوجود للمعاني وأما الغناء فهو نسب الاصوات ومظهر جمالها للاسماع وكل هذه الصنائع الثلاث داع إلى مخالطة الملوك الاعاظم في خلواتهم ومجالس أنسهم فلها بذلك شرف ليس لغيرها وما سوى ذلك من الصنائع فتابعة وممتهنة في الغالب وقد يختلف ذلك باختلاف الاغراض والدواعي والله أعلم بالصواب الفصل الرابع والعشرون في صناعة الفلاحة هذه الصناعة ثمرتها اتخاذ الاقوات والحبوب بالقيام على إثارة الارض لها ازدراعها وعلاج نباتها وتعهده بالسقي والتنمية إلى بلوغ غايته ثم حصاد سنبله واستخراج حبه من غلافه وإحكام الاعمال لذلك وتحصيل أسبابه ودواعيه وهي أقدم الصنائع لما أنها محصلة للقوت المكمل لحياة الانسان غالبا إذ يمكن وجوده من دون القوت ولهذا اختصت هذه الصناعة بالبدو إذ قدمنا أنه أقدم من الحضر وسابق عليه فكانت هذه الصناعة لذلك بدوية لا يقوم عليها الحضر ولا يعرفونها لان أحوالهم كلها ثانية على البداوة فصنائعهم ثانية عن صنائعها وتابعة لها والله سبحانه وتعالى مقيم العباد فيما أراد الفصل الخامس والعشرون في صناعة البناء هذه الصناعة أول صنائع العمران الحضري وأقدمها وهي معرفة العمل في اتخاذ البيوت والمنازل للكن والمأوى للابدان في المدن وذلك أن الانسان لما جبل عليه من الفكر في عواقب أحواله لا بد أن يفكر فيما يدفع عنه الاذى من الحر والبرد كاتخاذ البيوت المكتنفة بالسقف والحيطان من سائر جهاتها والبشر مختلف في هذه الجبلة الفكرية فمنهم المعتدلون فيها فيتخذون ذلك باعتدال أهالي الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس وأما أهل البدو فيبعدون عن اتخاذ ذلك لقصور

[ 407 ]

أفكارهم عن إدراك الصنائع البشرية فيبادرون للغيران والكهوف المعدة من غير علاج ثم المعتدلون المتخذون للمأوى قد يتكاثرون في البسيط الواحد بحيث يتناكرون ولا يتعارفون فيخشون طرق بعضهم بعضا فيحتاجون إلى حفظ مجتمعهم بإدارة ماء أو أسوار تحوطهم ويصير جميعا مدينة واحدة ومصرا واحدا ويحوطهم الحكم من داخل يدفع بعضهم عن بعض وقد يحتاجون إلى الانتصاف ويتخذون المعاقل والحصون لهم ولمن تحت أيديهم مثل الملوك ومن في معناهم من الامراء وكبار القبائل في المدن كل مدينة على ما يتعارفون ويصطلحون عليه ويناسب مزاج هوائهم واختلاف أحوالهم في الغنى والفقر وكذا حال أهل المدينة الواحدة فمنهم من يتخذ القصور والمصانع العظيمة الساحة المشتملة على عدة الدور والبيوت والغرف الكبيرة لكثرة ولده وحشمه وعياله وتابعه ويؤسس جدرانها بالحجارة ويلحم بينها بالكلس ويعالي عليها بالاصبغة والجص ويبالغ في ذلك بالتنجيد والتنميق إظهارا للبسطة بالعناية في شأن المأوى ويهيئ مع ذلك الاسراب والمطامير للاختزان لاقواته والاسطبلات لربط مقرباته إذا كان من أهل الجنود وكثرة التابع والحاشية كالامراء ومن في معناهم ومنهم من يبني الدويرة والبيوت لنفسه وسكنه وولده لا يبتغي ما وراء ذلك لقصور حاله عنه واقتصاره على الكن الطبيعي للبشر وبين ذلك مراتب غير منحصرة وقد يحتاج لهذه الصناعة أيضا عند تأسيس الملوك وأهل الدول المدن العظيمة والهياكل المرتفعة ويبالغون في إتقان الاوضاع وعلو الاجرام مع الاحكام لتبلغ الصناعة مبالغها وهذه الصناعة هي التي تحصل الدواعي لذلك وأكثر ما تكون هذه الصناعة في الاقاليم المعتدلة من الرابع وما حواليه إذ الاقاليم المنحرفة لابناء فيها وإنما يتخذون البيوت حظائر من القصب والطين وإنما يوجد في الاقاليم المعتدلة له وأهل هذه الصناعة القائمون عليها متفاوتون فمنهم البصير الماهر ومنهم القاصر ثم هي تتنوع أنواعا كثيرة فمنها البناء بالحجارة المنجدة يقام بها الجدران ملصقا بعضها إلى بعض بالطين والكلس الذي يعقد معها ويلتحم كأنها جسم واحد ومنها البناء بالتراب خاصة يتخذ لها لوحان من الخشب مقدران طولا وعرضا باختلاف العادات في التقدير وأوسطه أربع أذرع في ذراعين فينصبان على أساس وقد بوعد

[ 408 ]

ما بينهما بما يراه صاحب البناء في عرض الاساس ويوصل بينهما بإذرع من الخشب يربط عليها بالحبال والجدر ويسد الجهتان الباقيتان من ذلك الخلاء بينهما بلوحين آخرين صغيرين ثم يوضع فيه التراب مخلطا بالكلس ويركز بالمراكز المعدة حتى ينعم ركزه ويختلط أجزاؤه ثم يزاد التراب ثانيا وثالثا إلى أن يمتلي ذلك الخلاء بين اللوحين وقد تداخلت أجزاء الكلس والتراب وصارت جسما واحدا ثم يعاد نصب اللوحين على صورة ويركز كذلك إلى أن يتم وينظم الالواح كلها سطرا من فوق سطر إلى أن ينتظم الحائط كله ملتحما كأنه قطعة واحدة ويسمى الطابية وصانعه الطواب ومن صنائع البناء أيضا أن تجلل الحيطان بالكلس بعد أن يحل بالماء ويخمر أسبوعا أو أسبوعين على قدر ما يعتدل مزاجه عن إفراط النارية المفسدة للالحام فإذا تم له ما يرضاه من ذلك علاه من فوق الحائط وذلك إلى أن يلتحم ومن صنائع البناء عمل السقف بأن يمد الخشب المحكمة النجارة أو الساذجة على حائطي البيت ومن فوقها الالواح كذلك موصولة بالدسائر ويصب عليها التراب والكلس ويبسط بالمراكز حتى تتداخل أجزاؤها وتلتحم ويعالى عليها الكلس كما يعالى على الحائط ومن صناعة البناء ما يرجع إلى التنميق والتزيين كما يصنع من فوق الحيطان الاشكال المجسمة من الجص يخمر بالماء ثم يرجع جسدا وفيه بقية البلل فيشكل على التناسب تخريما بمثاقب الحديد إلى أن يبقى له رونق ورؤاء وربما عولي على الحيطان أيضا بقطع الرخام والاجر والخزف أو بالصدف أو السبج يفصل أجزاء متجانسة أو مختلفة وتوضع في الكلس على نسب وأوضاع مقدرة عندهم يبدو به الحائط للعيان كأنه قطع الرياض المنمنمة إلى غير ذلك من بناء الجباب والصهاريج لسفح الماء بعد أن تعد في البيوت قصاع الرخام القوراء المحكمة الخرط بالفوهات في وسطها لنبع الماء الجاري إلى الصهريج يجلب إليه من خارج القنوات المفضية إلى البيوت وأمثال ذلك من أنواع البناء وتختلف الصناع في جميع ذلك باختلاف الحذق والبصر ويعظم عمران المدينة ويتسع فيكثرون وربما يرجع الحكام إلى نظر هؤلاء فيماهم أبصر به من أحوال البناء وذلك أن الناس في المدن لكثرة الازدحام والعمران يتشاحون حتى في الفضاء والهواء الاعلى

[ 409 ]

والاسفل ومن الانتفاع بظاهر البناء مما يتوقع معه حصول الضرر في الحيطان فيمنع جاره من ذلك إلا ماكان له فيه حق ويختلفون أيضا في استحقاق الطرق والمنافذ للمياه الجارية والفضلات المسربة في القنوات وربما يدعي بعضهم حق بعض في حائطه أو علوه أو قناته لتضايق الجوار أو يدعي بعضهم على جاره اختلال حائطه خشية سقوطه ويحتاج إلى الحكم عليه بهدمه ودفع ضرره عن جاره عند من يراه أو يحتاج إلى قسمة دار أو عرصة بين شريكين بحيث لا يقع معها فساد في الدار ولا اهمال لمنفعتها وأمثال ذلك ويخفى جميع ذلك إلا على أهل البصر العارفين بالبناء وأحواله المستدلين عليها بالمعاقد والقمط ومراكز الخشب وميل الحيطان واعتدالها وقسم المساكن على نسبة أوضاعها ومنافعها وتسريب المياه في القنوات مجلوبة ومرفوعة بحيث لا تضر بما مرت عليه من البيوت والحيطان وغير ذلك فلهم بهذا كله البصر والمخبرة التي ليست لغيرهم وهم مع ذلك يختلفون بالجودة والقصود في الاجيال باعتبار الدول وقوتها فإنا قدمنا أن الصنائع وكمالها إنما هو بكمال الحضارة وكثرتها بكثرة الطالب لها فلذلك عند ما تكون الدولة بدوية في أول أمرها تفتقر في أمر البناء إلى غير قطرها كما وقع للوليد ابن عبد الملك حين أجمع على بناء مسجد المدينة والقدس ومسجده بالشام فبعث إلى ملك الروم بالقسطنطينية في الفعلة المهرة في البناء فبعث إليه منهم من حصل له غرضه من تلك المساجد وقد يعرف صاحب هذه الصناعة أشياء من الهندسة مثل تسوية الحيطان بالوزن وإجراء المياه بأخذ الارتفاع وأمثال ذلك فيحتاج إلى البصر بشئ من مسائله وكذلك في جر الاثقال بالهندام فإن الاجرام العظيمة إذا شيدت بالحجارة الكبيرة يعجز قدر الفعلة عن رفعها إلى مكانها من الحائط فيتحيل لذلك بمضاعفة قوة الحبل بإدخاله في المعالق من أثقاب مقدرة على نسب هندسية تصير الثقيل عند معاناة الرفع خفيفا فيتم المراد من ذلك بغير لمفة وهذا إنما يتم بأصول هندسية معروفة متداولة بين البشر وبمثلها كان بناء الهياكل الماثلة لهذا العهد التي يحسب أنها من بناء الجاهلية وأن أبدانهم كانت على نسبتها في العظم الجسماني وليس كذلك وإنما تم لهم ذلك بالحيل الهندسية كما ذكرناه فتفهم ذلك والله يخلق ما يشاء سبحانه

[ 410 ]

الفصل السادس والعشرون في صناعة النجارة هذه الصناعة من ضروريات العمران ومادتها الخشب وذلك أن الله سبحانه وتعالى جعل للادمي في كل مكون من المكونات منافع تكمل بها ضروراته أو حاجاته وكان منها الشجر فإن له فيه من المنافع ما لا ينحصر مما هو معروف لكل أحد ومن منافعها اتخاذها خشبا إذا يبست وأول منافعه أن يكون وقودا للنيران في معاشهم وعصيا للاتكاء والذود وغيرهما من ضرورياتهم ودعائم لما يخشى ميله من أثقالهم ثم بعد ذلك منافع أخرى لاهل البدو والحضر فأما أهل البدو فيتخذون منها العمد والاوتاد لخيامهم والحدوج لظعائنهم والرماح والقسي والسهام لسلاحهم وأما أهل الحضر فالسقف لبيوتهم والاغلاق لابوابهم والكراسي لجلوسهم وكل واحدة من هذه فالخشبة مادة لها ولا تصير إلى الصورة الخاصة بها إلا بالصناعة والصناعة المتكفلة بذلك المحصلة لكل واحد من صورها هي النجارة على اختلاف رتبها فيحتاج صاحبها إلى تفصيل الخشب أولا إما بخشب أصغر منه أو ألاوح ثم تركب تلك الفصائل بحسب الصور المطلوبة وهو في كل ذلك يحاول بصنعته إعداد تلك الفصائل بالانتظام إلى أن تصير أعضاء لذلك الشكل المخصوص والقائم على هذه الصناعة هو النجار وهو ضروري في العمران ثم إذا عظمت الحضارة وجاء الترف وتأنق الناس فيما يتخذونه من كل صنف من سقف أو باب أو كرسي أو ماعون حدث التأنق في صناعة ذلك واستجادته بغرائب من الصناعة كمالية ليست من الضروري في شئ مثل التخطيط في الابواب والكراسي ومثل تهيئة القطع من الخشب بصناعة الخرط يحكم بريها وتشكيلها ثم تؤلف على نسب مقدرة وتلحم بالدسائر فتبدو لرأي العين ملتحمة وقد أخذ منها اختلاف الاشكال على تناسب يصنع هذا في كل شئ يتخذ من الخشب فيجئ آنق ما يكون وكذلك في جميع ما يحتاج إليه من الالات المتخذة من الخشب من أي نوع كان وكذلك قد يحتاج إلى هذه الصناعة في إنشاء المراكب البحرية ذات الالواح والدسر وهي أجرام هندسية صنعت على قالب الحوت واعتبار سبحه في الماء بقوادمه وكلكله ليكون ذلك الشكل أعون

[ 411 ]

لها في مصادمة الماء وجعل لها عوض الحركة الحيوانية التي للسمك تحريك الرياح وربما أعينت بحركة المقاذيف كما في الاساطيل وهذه الصناعة من أصلها محتاجة إلى أصل كبير من الهندسة في جميع أصنافها لان إخراج الصور من القوة إلى الفعل على وجه الاحكام محتاج إلى معرفة التناسب في المقادير إما عموما أو خصوصا وتناسب المقادير لابد فيه من الرجوع إلى المهندس ولهذا كانت أئمة الهندسة اليونانيون كلهم أئمة في هذه الصناعة فكان أو قليدوس صاحب كتاب الاصول في الهندسة نجارا وبها كان يعرف وكذلك أبلونيوس صاحب كتاب المخروطات وميلاوش وغيرهم وفيما يقال أن معلم هذه الصناعة في الخليقة هو نوح عليه السلام وبها أنشأ سفينة النجاة التي كانت بها معجزته عند الطوفان وهذا الخبر وإن كان ممكنا أعني كونه نجارا إلا أن كونه أول من علمها أو تعلمها لا يقوم دليل من النقل عليه لبعد الاماد وإنما معناه والله أعلم الاشارة إلى قدم النجارة لانه لم يصح حكاية عنها قبل خبر نوح عليه السلام فجعل كأنه أول من تعلمها فتفهم أسرار الصنائع في الخليفة والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق الفصل السابع والعشرون في صناعة الحياكة والخياطة هاتان الصناعتان ضروريتان في العمران لما يحتاج إليه البشر من الرفه فالاولى لنسج الغزل من الصوف والكتان والقطن إسداء في الطول وإلجاما في العرض لذلك النسج بالالتحام الشديد فيتم منها قطع مقدرة فمنها الاكسية من الصوف للاشتمال ومنها الثياب من القطن والكتان للباس والصناعة الثانية لتقدير المنسوجات على اختلاف الاشكال والعوائد تفصل بالمقراض قطعا مناسبة للاعضاء البدنية ثم تلحم تلك القطع بالخياطة المحكمة وصلا أو تنبيتا أو تفسحا على حسب نوع الصناعة وهذه الصناعة مختصة بالعمران الحضري لما أن أهل البدو يستغنون عنها وإنما يشتملون الاثواب اشتمالا وإنما تفصيل الثياب وتقديرها وإلحامها بالخياطة للباس من مذاهب الحضارة وفنونها وتفهم هذه في سر تحريم المخيط في الحج لما أن مشروعية الحج مشتملة على نبذ العلائق الدنيوية كلها والرجوع إلى الله تعالى

[ 412 ]

كما خلقنا أول مرة حتى لا يعلق العبد قلبه بشئ من عوائد ترفه لا طيبا ولا نساء ولا مخيطا ولا خفا ولا يتعرض لصيد ولا لشئ من عوائده التي تلونت بها نفسه وخلقه مع أنه يفقدها بالموت ضرورة وإنما يجئ كأنه وارد إلى المحشر ضارعا بقلبه مخلصا لربه وكان جزاؤه إن تم له إخلاصه في ذلك أن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه سبحانك ما أرفقك بعبادك وأرحمك بهم في طلب هدايتهم إليك. وهاتان الصنعتان قديمتان في الخليقة لما أن الدف ء ضرروي للبشرفي العمران المعتدل وأما المنحرف إلى الحر فلا يحتاج أهله إلى دف ء ولهذا يبلغنا عن أهل الاقليم الاول من السودان أنهم عراة في الغالب ولقدم هذه الصنائع ينسبها العامة إلى أدريس عليه السلام وهو أقدم الانبياء وربما ينسبونها إلى هرمس وقد يقال إن هرمس هو إدريس والله سبحانه وتعالى هو الخلاق العليم الفصل الاثمن والعشرون في صناعة التوليد وهي صناعة يعرف بها العمل في استخراج المولود الآدمي من بطن أمه من الرفق في إخراجه من رحمها وتهيئة أسباب ذلك ثم ما يصلحه بعد الخروج على ما نذكر وهي مختصة بالنساء في غالب الامر لما أنهن الظاهرات بعضهن على عورات بعض وتسمى القائمة على ذلك منهن القابلة استعير فيها معنى الاعطاء والقبول كان النفساء تعطيها الجنين وكانها تقبله وذلك أن الجنين إذا استكمل خلقه في الرحم وأطواره وبلغ إلى غايته والمدة التي قدرها الله لمكثه هي تسعة أشهر في الغالب فيطلب الخروج بما جعل الله في المولود من النزوع لذلك ويضيق عليه المنفذ فيعسر وربما مزق بعض جوانب الفرج بالضغط وربما انقطع بعض ما كان من الاغشية من الالتصاق والالتحام بالرحم وهذه كلها آلام يشتد بها الوجع وهو معنى الطلق فتكون القابلة معينة في ذلك بعض الشئ بغمز الظهر والوركين وما يحاذي الرحم من الاسافل تساوق بذلك فعل الدافعة في إخراج الجنين وتسهيل ما يصعب منه بما يمكنها وعلى ما تهتدي إلى معرفة عسرة ثم إن أخرج الجنين بقيت بينه وبين الرحم الوصلة حيث كان يتغذى منها متصلة من سرته بمعاه وتلك

[ 413 ]

الوصلة عضو فضلي لتغذية المولود خاصة فتقطعها القابلة من حيث لا تتعدى مكان الفضلة ولا تضر بمعاه ولا برحم أمه ثم تدمل مكان الجراحة منه بالكي أو بما تراه من وجوه الاندمال ثم إن الجنين عند خروجه من ذلك المنفذ الضيق وهو رطب العظام سهل الانعطاف والانثناء فربما تتغير أشكال أعضائه وأوضاعها لقرب التكوين ورطوبة المواد فتتناوله القابلة بالغمز والاصلاح حتى يرجع كل عضو إلى شكله الطبيعي ووضعه المقدر له ويرتد خلقه سويا ثم بعد ذلك تراجع النفساء وتحاذيها بالغمز والملاينة لخروج أغشية الجنين لانها ربما تتأخر عن خروجه قليلا ويخشى عند ذلك أن تراجع الماسكة حالها الطبيعية قبل استكمال خروج الاغشية وهي فضلات فتعفن ويسري عفنها إلى الرحم فيقع الهلاك فتحاذر القابلة هذا وتحاول في إعانة الدفع إلى أن تخرج تلك الاغشية التي كانت قد تأخرت ثم ترجع إلى المولود فتمرخ أعضاءه بالادهان والذرورات القابضة لتشده وتجفف رطوبات الرحم وتحنكه لرفع لهاته وتسعطه لاستفراغ نطوف دماغه وتغرغره باللعوق لدفع السدد من معاه و تجويفها عن الالتصاق ثم تداوي النفساء بعد ذلك من الوهن الذي أصابها بالطلق و مالحق رحمها من ألم الانفصال إذ المولود إن لم يكن عضوا طبيعيا فحالة التكوين في الرحم صيرته بالالتحام كالعضو المتصل فلذلك كان في انفصاله ألم يقرب من ألم القطع وتداوي مع ذلك ما يلحق الفرج من ألم من جراحة التمزيق عند الضغط في الخروج وهذه كلها أدواء نجد هؤلاء القوابل أبصر بدوائها وكذلك ما يعرض للمولود مدة الرضاع من أدواء في بدنه إلى حين الفصال نجدهن أبصر بها من الطبيب الماهر وما ذاك إلا لان بدن الانسان في تلك الحالة إنما هو بدن إنساني بالقوة فقط فإذا جاوز الفصال صار بدنا إنسانيا بالفعل فكانت حاجته حينئذ إلى الطبيب أشد فهذه الصناعة كما تراه ضرورية في العمران للنوع الانساني لا يتم كون أشخاصه في الغالب دونها وقد يعرض لبعض أشخاص النوع الاستغناء عن هذه الصناعة إما بخلق الله ذلك لهم معجزة وخرقا للعادة كما في حق الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم أو بالهام وهداية يلهم لها المولود ويفطر عليها فيتم وجودهم من دون هذه الصناعة فاما شان المعجزة من ذلك فقد وقع كثيرا ومنه ماروي أن

[ 414 ]

النبي صلى الله عليه وسلم ولد مسرورا مختونا واضعا يديه على الارض شاخصا ببصره إلى السماء وكذلك شان عيسى في المهد وغير ذلك وأما شان الالهام فلا ينكر وإذا كانت الحيوانات العجم تختص بغرائب الالهامات كالنحل وغيرها فما ظنك بالانسان المفضل عليها وخصوصا بمن اختص بكرامة الله. ثم الالهام العام للمولودين في الاقبال على الثدي أوضح شاهد على وجود الالهام العام لهم فشان العناية الالهية أعظم من أن يحاط به ومن هنا يفهم بطلان رأي الفارابي وحكماء الاندلس فيما احتجوا به لعدم انقباض الانواع واستحالة انقطاع المكونات وخصوصا في النوع الانساني وقالوا لو انقطعت أشخاصه لاستحال وجودها بعد ذلك لتوقفه على هذه الصناعة التي لا يتم كون الانسان إلا بها إذ لو قدرنا مولودا دون هذه الصناعة وكفالتها إلى حين الفصال لم يتم بقاؤه أصلا ووجود الصنائع دون الفكر ممتنع لانها ثمرته وتابعة له وتكلف ابن سينا في الرد على هذا الرأي لمخالفته إياه وذهابه إلى إمكان انقطاع الانواع وخراب عالم التكوين ثم عوده ثانيا لاقتضاءات فلكية وأوضاع غريبة تندر في الاحقاب بزعمه فتقتضي تخمير طينة مناسبة لمزاجه بحرارة مناسبة فيتم كونه إنسانا ثم يقيض له حيوان يخلق فيه إلهاما لتربيته والحنو عليه إلى أن يتم وجوده وفصاله وأطنب في بيان ذلك في الرسالة التي سماها رسالة حي بن يقظان وهذا الاستدلال غير صحيح وإن كنا نوافقه على انقطاع الانواع لكن من غير ما استدل به فان دليلة مبني على إسناد الافعال إلى العلة الموجبة ودليل القول بالفاعل المختار يرد عليه ولا واسطة على القول بالفاعل المختار بين الافعال والقدرة القديمة ولا حاجة إلى هذا الكلف ثم لو سلمناه جدلا فغاية ما ينبني عليه اطراد وجود هذا لشخص بخلق الالهام لترتيبه في الحيوان الاعجم وما الضرورة الداعية لذلك وإذا كان الالهام يخلق في الحيوان الاعجم فما المانع من خلقه للمولود نفسه كما قررناه أولا وخلق الالهام في شخص لمصالح نفسه أقرب من خلقه فيه لمصالح غيره فكلا المذهبين شاهدان على أنفسهما بالبطلان في مناحيهما لما قررته لك والله تعالى أعلم

[ 415 ]

الفصل التاسع والعشرون في صناعة الطب وانها محتاج إليها في الحواضر والامصار دون البادية هذه الصناعة ضرورية في المدن والامصار لما عرف من فائدتها فان ثمرتها حفظ الصحة للاصحاء ودفع المرض عن المرضي بالمداواة حتى يحصل لهم البرء من أمراضهم واعلم أن أصل الامراض كلها إنما هو من الاغذية كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الجامع للطب وهو قوله المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وأصل كل داء البردة فأما قوله المعدة بيت الداء فهو ظاهر وأما قوله الحمية راس الدواء فالحمية الجوع وهو الاحتماء من الطعام والمعنى أن الجوع هو الدواء العظيم الذي هو أصل الادوية وأما قوله أصل كل داء البردة فمعنى البردة إدخال الطعام على الطعام في المعدة قبل أن يتم هضم الاول وشرح هذا أن الله سبحانه خلق الانسان وحفظ حياته بالغذاء يستعمله بالاكل وينفذ فيه القوى الهاضمة والغاذية إلى أن يصير دما ملائما لاجزاء البدن من اللحم والعظم ثم تأخذه النامية فينقلب لحما وعظما ومعنى الهضم طبخ الغذاء بالحرارة الغريزية طورا بعد طور حتى يصير جزءا بالفعل من البدن وتفسيره أن الغذاء إذا حصل في الفم ولا كته الاشداق أثرت فيه حرارة الفم طبخا يسيرا وقلبت مزاجه بعض الشئ كما تراه في اللقمة إذا تناولتها طعاما ثم أجدتها مضغا فترى مزاجها غير مزاج الطعام ثم يحصل في المعدة فتطبخه حرارة المعدة إلى أن يصير كيموسا وهو صفو ذلك المطبوخ وترسله إلى الكبد وترسل ما رسب منه في المعى ثفلا ينفذ إلى المخرجين ثم تطبخ حرارة الكبد ذلك الكيموس إلى أن يصير عبيطا وتطفو عليه رغوة من الطبخ هي الصفراء وترسب منه أجزاء يابسة هي السوداء ويقصر الحار الغريزي بعض الشئ عن طبخ الغليظ منه فهو البلغم ثم ترسلها الكبد كلها في العروق والجداول ويأخذها طبخ الحال الغريزي هناك فيكون عن الدم الخالص بخار حار رطب يمد الروح الحيواني وتاخذ النامية ماخذها في الدم فيكون لحما ثم غليظه عظاما ثم يرسل البدن ما يفضل عن حاجاته من ذلك فضلات مختلفة من العرق واللعاب والمخاط والدمع هذه صورة الغذاء وخروجه من القوة إلى الفعل لحما ثم إن أصل الامراض ومعظمها هي

[ 416 ]

الحميات وسببها أن الحار الغريزي قد يضعف عن تمام النضج في طبخه في كل طور من هذه فيبقى ذلك الغذاء دون نضج وسببه غالبا كثرة الغذاء في المعدة حتى يكون أغلب على الحار الغريزي أو إدخال الطعام إلى المعدة قبل أن تستوفي طبخ الاول فيستقل به الحار الغريزي ويترك الاول بحالة أو يتوزع عليهما فيقصر عن تمام الطبخ والنضج وترسله المعدة كذلك إلى الكبد فلا تقوى حرارة الكبد أيضا على إنضاجه وربما بقي في الكبد من الغذاء الاول فضلة غير ناضجة وترسل الكبد جميع ذلك إلى العروق غير ناضج كما هو فإذا أخذ البدن حاجته الملائمة أرسله مع الفضلات الاخرى من العرق والدمع واللعاب إن اقتدر على ذلك وربما يعجز عن الكثير منه فيبقى في العروق والكبد والمعدة وتتزايد مع الايام وكل ذي رطوبة من الممتزجات إذا لم يأخذه الطبخ والنضج يعفن فيتعفن ذلك الغذاء غير الناضج وهو المسمى بالخلط وكل متعفن ففيه حرارة غريبة وتلك هي المسماة في بدن الانسان بالحمى واختبر ذلك بالطعام إذا ترك حتى يتعفن وفي الزبل إذا تعفن أيضا كيف تنبعث فيه الحرارة وتاخذ مأخذها فهذا معنى الحميات في الابدان وهي رأس الامراض وأصله كما وقع في الحديث وهذه الحميات علاجها بقطع الغذاء عن المريض أسابيع معلومة ثم يتناول الاغذية الملائمة حتى يتم برؤه وذلك في حال الصحة علاج في التحفظ من هذا المرض وأصله كما وقع في الحديث وقد يكون ذلك العفن في عضو مخصوص فيتولد عنه مرض في ذلك العضو ويحدث جراحات في البدن إما في الاعضاء الرئيسية أو في غيرها وقد يمرض العضو ويحدث عنه مرض القوى الموجودة له هذه كلها جماع الامراض وأصلها في الغالب من الاغذية وهذا كله مرفوع إلى الطبيب ووقوع هذه الامراض في أهل الحضر والامصار أكثر لخصب عيشهم وكثرة ماكلهم وقلة اقتصارهم على نوع واحد من الاغذية وعدم توقيتهم لتناولها وكثيرا ما يخلطون بالاغذية من التوابل والبقول والفواكه رطبا ويابسا في سبيل العلاج بالطبخ ولا يقتصرون في ذلك على نوع أو أنواع فربما عددنا في اليوم الواحد من ألوان الطبخ أربعين نوعا من النبات والحيوان فيصير للغذاء مزاج غريب وربما يكون غريبا عن ملاءمة البدن وأجزائه ثم إن الاهوية في الامصار

[ 417 ]

تفسد بمخالطة الا بخرة العفنة من كثرة الفضلات والاهوية منشطة للارواح ومقوية بنشاطها الاثر الحار الغريزي في الهضم ثم الرياضة مفقودة لاهل الامصار إذ هم في الغالب وادعون ساكنون لا تأخذ منهم الرياضة شيئا ولا تؤثر فيهم أثرا فكان وقوع الامراض كثيرا في المدن والامصار وعلى قدر وقوعه كانت حاجتهم إلى هذه الصناعة وأما أهل البدو فما كولهم قليل في الغالب والجوع أغلب عليهم لقلة الحبوب حتى صار لهم ذلك عادة وربما يظن أنها جبلة لاستمرارها ثم الادم قليلة لديهم أو مفقودة بالجملة وعلاج الطبخ بالتوابل والفواكه إنما يدعو إلى ترف الحضارة الذين هم بمعزل عنه فيتناولون أغذيتهم بسيطة بعيدة عما يخالطها ويقرب مزاجها من ملاءمة البدن وأما أهويتهم فقليلة يالعفن لقلة الرطوبات والعفونات إن كانوا ظواعن ثم إن الرياضة موجودة فيهم لكثرة الحركة في ركض الخيل أو الصيد أو طلب الحاجات لمهنة أنفسهم في حاجاتهم فيحسن بذلك كله الهضم ويجود ويفقد إدخال الطعام على الطعام فتكون أمزجتهم أصلح وأبعد من الامراض فتقل حاجتهم إلى الطب ولهذا لا يوجد الطبيب في البادية بوجه وما ذاك إلا للاستغناء عنه إذ لو احتيج إليه لوجد لانه يكون له بذلك في البدو معاش يدعوه إلى سكناه سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا الفصل الثلاثون في ان الخط والكتابة من عداد الصنائع الانسانية وهو رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس فهو ثاني رتبة من الدلالة اللغوية وهو صناعة شريفة إذ الكتابة من خواص الانسان التي يميز بها عن الحيوان وأيضا فهي تطلع على ما في الضمائر وتتأدى بها الاغراض إلى البلاد البعيدة فتقضي الحاجات وقد دفعت مؤنة المباشرة لها ويطلع بها على العلوم والمعارف وصحف الاولين وما كتبوه من علومهم وأخبارهم فهي شريفة بهذه الوجوه والمنافع وخروجها في الانسان من القوة إلى الفعل إنما يكون بالتعليم وعلى قدر الاجتماع والعمران والتناغي في الكمالات والطلب لذلك تكون جودة الخط في المدينة إذ هو من جملة الصنائع وقد قدمنا أن هذا شانها وأنها تابعة للعمران ولهذا

[ 418 ]

نجد أكثر البدو أميين لا يكتبون ولا يقرأون ومن قرأ منهم أو كتب فيكون خطه قاصرا أو قراءته غير نافذة ونجد تعليم الخط في الامصار الخارج عمرانها عن الحد أبلغ وأحسن وأسهل طريقا لاستحكام الصنعة فيها كما يحكى لنا عن مصر لهذا العهد وأن بها معلمين منتصبين لتعليم الخط يلقون على المتعلم قوانين وأحكاما في وضع كل حرف ويزيدون إلى ذلك المباشرة بتعليم وضعه فتعتضد لديه رتبة العلم والحس في التعليم وتأتي ملكته على أتم الوجوه وإنما أتى هذا من كمال النصائع ووفورها بكثرة العمران وانفساح الاعمال وقد كان الخط العربي بالغا مبالغه من الاحكام والاتقان والجودة في دولة التبابعة لما بلغت من الحضارة والترف وهو المسمى بالخط الحميري وانتقل منها إلى الحيرة لما كان بها من دولة آل المنذر نسباء التبابعة في العصبية والمجددين لملك العرب بارض العراق ولم يكن الخط عندهم من الاجادة كما كان عند التبابعة لقصور ما بين الدولتين وكانت الحضارة وتوابعها من الصنائع وغيرها قاصرة عن ذلك ومن الحيرة لقنه أهل الطائف وقريش فيما ذكر ويقال إن الذي تعلم الكتابة من الحيرة هو سفيان بن أمية ويقال حرب بن أمية وأخذها من أسلم بن سدرة وهو قول ممكن وأقرب ممن ذهب إلى أنهم تعلموها من إياد أهل العراق لقول شاعرهم قوم لهم ساحة العراق إذا * ساروا جميعا والخط والقلم وهو قول بعيد لان إياد وإن نزلوا ساحة العراق فلم يزالوا على شانهم من البداوة والخط من الصنائع الحضرية وإنما معنى قول الشاعر أنهم أقرب إلى الخط والقلم من العرب لقربهم من ساحة الامصار وضواحيها فالقول بأن أهل الحجاز إنما لقنوها من الحيرة ولقنها الحيرة من التبابعة وحمير هو الاليق من الاقوال وكان لحمير كتابة تسمى المسند حروفها منفصلة وكانوا يمنعون من تعلمها إلا باذنهم ومن حمير تعلمت مصر الكتابة العربية إلا أنهم لم يكونوا مجيدين لها شان الصنائع إذا وقعت بالبدو فلا تكون محكمة المذاهب ولا مائلة إلى الاتقان والتنميق لبون ما بين البدو والصناعة واستغناء البدو عنها في الاكثر وكانت كتابة العرب بدوية مثل كتابتهم أو قريبا من كتابتهم لهذا العهد أو نقول إن كتابتهم لهذا العهد أحسن صناعة لان هؤلاء

[ 419 ]

أقرب إلى الحضارة ومخالطة الأمصار والدول وأما مضر فكانوا أعرق في البدو وأبعد عن الحضر من أهل اليمن وأهل العراق وأهل الشام ومصر فكان الخط العربي لاول الاسلام غير بالغ إلى الغاية من الاحكام والاتقان والاجادة ولا إلى التوسط لمكان العرب من البداوة والتوحش وبعدهم عن الصنائع وانظر ما وقع لاجل ذلك في رسمهم المصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم وكانت غير مستحكمة في الاجادة فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها ثم اقتفي التابعون من السلف رسمهم فيها تبركا بما رسمة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وخير الخلق من بعده المتلقون لوحيه من كتاب الله وكلامه كما يقتفى لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا ويتبع رسمه خطأ أو صوابا وأين نسبة ذلك من الصحابة فيما كتبوه فاتبع ذلك وأثبت رسما ونبه العلماء بالرسم على مواضعه ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط وأن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لاصول الرسم ليس كما يتخيل بل لكلها وجه يقولون في مثل زيادة الالف في لا أذبحنه إنه تنبيه على أن الذبح لم يقع وفي زيادة الياء في باييد إنه تنبيه على كمال القدرة الربانية وأمثال ذلك مما لا أصل له إلا التحكم المحض وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة عن توهم النقص في قلة إجادة الخط وحسبوا أن الخط كمال فنزهوهم عن نقصه ونسبوا إليهم الكمال باجادته وطلبوا تعليل ما خالف الاجادة من رسمه وذلك ليس بصحيح. واعلم أن الخط ليس بكمال في حقهم إذ الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية كما رأيته فيما مر والكمال في الصنائع إضافي بكمال مطلق إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ولا في الخلال وإنما يعود على أسباب المعاش وبحسب العمران والتعاون عليه لاجل دلالته على ما في النفوس. وقد كان صلى الله عليه وسلم أميا وكان ذلك كمالا في حقه وبالنسبة إلى مقامه لشرفه وتنزهه عن الصنائع العملية التي هي أسباب المعاش والعمران كلها وليست الامية كمالا في حقنا نحن إذ هو منقطع إلى ربه ونحن متعاونون على الحياة الدنيا شان الصنائع كلها حتى العلوم الاصطلاحية فان الكمال في حقه هو تنزهه عنها جملة بخلافنا ثم لما جاء الملك للعرب وفتحوا

[ 420 ]

الامصار وملكوا الممالك ونزلوا البصرة والكوفة واحتاجت الدولة إلى الكتابة استعملوا الخط وطلبوا صناعته وتعلمه وتداولوه فترقت الاجادة فيه واستحكم وبلغ في الكوفة والبصرة رتبة من الاتقان إلا أنها كانت دون الغاية والخط الكوفي معروف الرسم لهذا العهد ثم انتشر العرب في الاقطار والممالك وافتتحوا أفريقية والاندلس واختط بنو العباس بغداد وترقت الخطوط فيها إلى الغاية لما استجرت في العمران وكانت دار الاسلام ومركز الدولة العربية وكان الخط البغدادي معروف الرسم وتبعه الافريقي المعروف رسمه القديم لهذا العهدو يقرب من أوضاع الخط المشرقي وتحيز ملك الاندلس بالامويين فتميزوا باحوالهم من الحضارة والصنائع والخطوط فتميز صنف خطهم الاندلسي كما هو معروف الرسم لهذا العهد وطما بحر العمران والحضارة في الدول الاسلامية في كل قطر وعظم الملك ونفقت أسواق العلوم وانتسخت الكتب وأجيد كتبها وتجليدها وملئت بها القصور والخزائن الملوكية بما لاكفاء له وتنافس أهل الاقطار في ذلك وتناغوا فيه ثم لما انحل نظام الدولة الاسلامية وتناقصت تناقص ذلك أجمع ودرست معالم بغداد بدروس الخلافة فانتقل شانها من الخط والكتابة بل والعلم إلى مصر والقاهرة فلم تزل أسواقه بها نافقة لهذا العهد وله بها معلمون يرسمون لتعليم الحروف بقوانين في وضعها وأشكالها متعارفة بينهم فلا يلبث المتعلم أو يحكم أشكال تلك الحروف على تلك الاوضاع وقد لقنها حسنا وحذق فيها دربة وكتابا وأخذها قوانين علمية فتجئ أحسن ما يكون وأما أهل الاندلس فافترقوا في الاقطار عند تلاشي ملك العرف بها ومن خلفهم من البربر وتغلبت عليهم أمم النصرانية فانتشروا في عدوة المغرب وأفريقية من لدن الدولة اللمتونية إلى هذا العهد وشاركوا أهل العمران بما لديهم من الصنائع وتعلقوا بأذيال الدولة فغلب خطهم على الخط الافريقي وعفى عليه ونسي خط القيروان والمهدية بنسيان عوائدهما وصنائعهما وصارت خطوط أهل أفريقية كلها على الرسم الاندلسي بتونس وما إليها لتوفر أهل الاندلس بها عند الجالية من شرق الاندلس وبقي منه رسم ببلاد الجريد الذين لم يخالطوا كتاب الاندلس ولا تمرسوا بجوارهم إنما كانوا يغدون على دار الملك بتونس فصار خط أهل أفريقية من أحسن خطوط

[ 421 ]

أهل الاندلس حتى إذا تقلص ظل الدولة الموحدية بعض الشئ وتراجع أمر الحضارة والترف بتراجع العمران نقص حينئذ حال الخط وفسدت رسومه وجهل فيه وجه التعليم بفساد الحضارة وتناقص العمران وبقيت فيه آثار الخط الاندلسي تشهد بما كان لهم من ذلك لما قدمناه من أن الصنائع إذا رسخت بالحضارة فيعسر محوها وحصل في دولة بني مرين من بعد ذلك بالمغرب الاقصى لون من الخط الاندلس لقرب جوارهم وسقوط من خرج منهم إلى فارس قريبا واستعمالهم إياهم سائر الدولة ونسي عهد الخط فيما بعد عن سدة الملك وداره كانه لم يعرف فصارت الخطوط بافريقية والمغربيين مائلة إلى الرداءة بعيدة عن الجودة وصارت الكتب إذا انتسخت فلا فائدة تحصل لمتصفحها منها إلا العناء والمشقة لكثرة ما يقع فيها من الفساد والتصحيف وتغيير الاشكال الخطية عن الجودة حتى لاتكاد تقرأ إلابعد عسر ووقع فيه ما وقع في سائر الصنائع بنقص الحضارة وفساد الدول والله أعلم الفصل الحادي والثلاثون في صناعة الوراقة كانت العناية قديما بالدواوين العلمية والسجلات في نسخها وتجليدها وتصحيحها بالرواية والضبط وكان سبب ذلك ما وقع من ضخامة الدولة وتوابع الحضارة وقد ذهب ذلك لهذا العهد بذهاب الدولة وتناقص العمران بعد أن كان منه في الملة الاسلامية بحر زاخر بالعراق والاندلس إذ هو كله من توابع العمران واتساع نطاق الدولة ونفاق أسواق ذلك لديهما فكثرت التآليف العلمية والدواوين وحرص الناس على تناقلهما في الآفاق والاعصار فانتسخت وجلدت وجاءت صناعة الوراقين المعانين للانتساخ والتصحيح والتجليد وسائر الامور الكتبية والدواوين واختصت بالامصار العظيمة العمران وكانت السجلات أولا لانتساخ العلوم وكتب الرسائل السلطانية والاقطاعات والصكوك في الرقوق المهيأة بالصناعة من الجلد لكثرة الرفه وقلة الرسائل السلطانية والصكوك مع ذلك فاقتصروا على الكتاب في الرق تشريفا للمكتوبات وميلا بها إلى الصحة والاتقان ثم طما بحر التآليف والتدوين وكثر ترسيل السلطان وصكوكه وضاق الرق عن ذلك فاشار الفضل بن يحيى بصناعة

[ 422 ]

الكاغد وصنعه وكتب فيه رسائل السلطان وصكوكه واتخذه الناس من بعده صحفا لمكتوباتهم السلطانية والعلمية وبلغت الاجادة في صناعته ما شاءت ثم وقفت عناية أهل العلوم وهمم أهل الدول على ضبط الدواوين العلمية وتصحيحها بالرواية المسندة إلى مؤلفيها وواضعيها لانه الشان الاهم من التصحيح والضبط فبذلك تسند الاقوال إلى قائلها والفتيا إلى الحاكم بها المجتهد في طريق استنباطها وما لم يكن تصحيح المتون باسنادها إلى مدونها فلا يصح إسناد قول لهم ولا فتيا وهكذا كان شان أهل العلم وحملته في العصور والاجيال والآفاق حتى لقد قصرت فائدة الصناعة الحديثية في الرواية على هذه فقط إذ ثمرتها الكبرى من معرفة صحيح الاحاديث وحسنها و مسندها ومرسلها ومقطوعها وموقوفها من موضوعها قد ذهبت وتمخضت زبدة في ذلك الامهات المتلقاة بالقبول عند الأمة وصار القصد إلى ذلك لغوا من العمل ولم تبق ثمرة الرواية والاشتغال بها إلا في تصحيح تلك الامهات الحديثية وسواها من كتب الفقه للفتيا وغير ذلك من الدواوين والتآليف العلمية واتصال سندها بمؤلفيها ليصح النقل عنهم والاسناد إليهم وكانت هذه الرسوم بالمشرق والاندلس معبدة الطرق واضحة المسالك ولهذا نجد الدواوين المنتسخة لذلك العهد في أقطارهم على غاية من الاتقان والاحكام والصحة ومنها لهذا العهد بأيدي الناس في العالم أصول عتيقة تشهد ببلوغ الغاية لهم في ذلك وأهل الآفاق يتناقلونها إلى الآن ويشدون عليها يد الضنانة ولقد ذهبت هذه الرسوم لهذا العهد جملة بالمغرب وأهله لانقطاع صناعة الخط والضبط والرواية منه بانتقاص عمرانه وبداوة أهله وصارت الامهات والدواوين تنسخ بالخطوط اليدوية تنسخها طلبة البربر صحائف مستعجمة برداءة الخط وكثرة الفساد والتصحيف فتستغلق على متصفحها ولا يحصل منها فائدة إلا في الاقل النادر وأيضا فقد دخل الخلل من ذلك في الفتيا فان غالب الاقوال المعزوة غير مروية عن أئمة المذهب وإنما تتلقى من تلك الدواوين على ما هي عليه وتبع ذلك أيضا ما يتصدى إليه بعض أئمتهم من التآليف لقلة بصرهم بصناعته وعدم الصنائع الوافية بمقاصده ولم يبق من هذا الرسم بالاندلس إلا إثارة خفية بالامحاء وهي الاضمحلال فقد كاد العلم ينقطع بالكلية من المغرب والله غالب على أمره ويبلغنا لهذا العهد

[ 423 ]

أن صناعة الرواية قائمة بالمشرق وتصحيح الدواوين لمن يرومه بذلك سهل على مبتغيه لنفاق أسواق العلوم والصنائع كما نذكره بعد إلا أن الخط الذي بقي من الاجادة في الانتساخ هنالك إنما هو للعجم وفي خطوطهم وأما النسخ بمصر ففسد كما فسد بالمغرب وأسد والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق الفصل الثاني والثلاثون في صناعة الغناء هذه الصناعة هي تلحين الاشعار الموزونة بتقطيع الاصوات على نسب منتظمة معروفة يوقع كل صوت منها توقيعا عند قطعه فيكون نغمة ثم تؤلف تلك النغم بعضها إلى بعض على نسب متعارفة فيلذ سماعها لاجل ذلك التناسب وما يحدث عنه من الكيفية في تلك الاصوات وذلك أنه تبين في علم الموسيقى أن الاصوات تتناسب فيكون صوت نصف صوت وربع آخر وخمس أخر وجزء من أحد عشر من آخر واختلاف هذه النسب عند تأديتها إلى السمع بخروجها من البساطة إلى التركيب وليس كل تركيب منها ملذوذا عند السماع بل للملذوذ تراكيب خاصة وهي التي حصرها أهل علم الموسيقى وتكلموا عليها كما هو مذكور في موضعه وقد يساوق ذلك التلحين في النغمات الغنائية بتقطيع أصوات أخرى من الجمادات إما بالقرع أو بالنفخ في الآلات تتخذ لذلك فترى لها لذة عند السماع فمنها لهذا العهد أصناف منها ما يسمونه الشبابة وهي قصبة جوفاء بأبخاش في جوانبها معدودة ينفخ فيها فتصوت فيخرج الصوت من جوفها على سداده من تلك الابخاش ويقطع الصوت بوضع الاصابع من اليدين جميعا على تلك الابخاش وضعا متعارفا حتى تحدث النسب بين الاصوات فيه وتتصل كذلك متناسبة فيلتذ السمع بإدراكها للتناسب الذي ذكرناه ومن جنس هذه الالة المزمار الذي يسمى الزلامي وهو شكل القصبة منحوتة الجانبين من الخشب جوفاء من غير تدوير لاجل ائتلافها من قطعتين منفردتين كذلك بابخاش معدودة ينفخ فيها بقصبة صغيرة توصل فينفذ النفخ بواسطتها إليها وتصوت بنغمة حادة يجرى فيها من تقطيع الاصوات من تلك الابخاش بالاصابع مثل ما يجري في الشبابة ومن أحسن آلات الزمر لهذا العهد البوق وهو بوق من نحاس أجوف في مقدار

[ 424 ]

الذراع يتسع إلى أن يكون انفراج مخرجه في مقدار دون الكف في شكل بري القلم وينفخ فيه بقصبة صغيرة تؤدي الريح من الفم إليه فيخرج الصوت ثخينا دويا وفيه أبخاش أيضا معدودة وتقطع نغمة منها كذلك بالاصابع على التناسب فيكون ملذوذا ومنها آلات الاوتار وهي جوفاء كلها إما عيل شكل قطعة من الكرة مثل المربط والرباب أو على شكل مربع كالقانون توضع الاوتار على بسائطها مشدودة في رأسها إلى دسر جائلة لياتي شد الاوتار ورخوها عند الحاجة إليه بادارتها ثم تقرع الاوتار إما بعود آخر أو بوتر مشدود بين طرفي قوس يمر عليها بعد أن يطلى بالشمع والكندر ويقطع الصوت فيه بتخفيف اليد في إمراره أو نقله من وتر إلى وتر واليد اليسرى مع ذلك في جميع آلات الاوتار توقع بأصابعها على أطراف الاوتار فيما يقرع أو يحك بالوتر فتحدث الاصوات متناسبة ملذوذة وقد يكون القرع في الطسوت بالقضبان أوفي الاعواد بعضها ببعض على توقيع مناسب يحدث عنه التذاذ بالمسموع ولنبين لك السبب في اللذة الناشئة عن الغناء وذلك أن اللذة كما تقرر في موضعه هي إدراك الملائم والمحسوس إنما تدرك منه كيفية فإذا كانت مناسبة للمدرك وملائمة كانت ملذوذة وإذا كانت منافية له منافرة كانت مؤلمة فالملائم من الطعوم ما ناسبت كيفيته حاسة الذوق في مزاجها وكذا الملائم من الملموسات وفي الروائح ما ناسب مزاج الروح القلبي البخاري لانه المدرك وإليه تؤديه الحاسة ولهذا كانت الرياحين والازهار العطريات أحسن رائحة وأشد ملاءمة للروح لغلبة الحرارة فيها التي هي مزاج الروح القلبي وأما المرئيات والمسموعات فالملائم فيها تناسب الاوضاع في أشكالها وكيفياتها فهو أنسب عند النفس وأشد ملاءمة لها فإذا كان المرئي متناسبا في أشكاله وتخاطيطه التي له بحسب مادته بحيث لا يخرج عما تقتضيه مادته الخاصة من كمال المناسبة والوضع وذلك هو معنى الجمال والحسن في كل مدرك كان ذلك حينئذ مناسبا للنفس المدركة فتلتذ بإدراك ملائمها ولهذا تجد العاشقين المستهترين في المحبة يعبرون عن غاية محبتهم وعشقهم بامتزاج أرواحهم بروح المحبوب وفي هذا سر تفهمه إن كنت من أهله وهو اتحاد المبدإ وإن كان ما سواك إذا نظرته وتأملته

[ 425 ]

رأيت بينك وبينه اتحادا في البداءة يشهد لك به اتحاد كما في الكون ومعناه من وجه آخر أن الوجود يشرك بين الموجودات كما تقوله الحكماء فتود أن يمتزج بمشاهدات فيه الكمال لتتحد به بل تروم النفس حينئذ الخروج عن الوهم إلى الحقيقة التي هي اتحاد المبدإ والكون ولما كان أنسب الاشياء إلى الانسان وأقربها إلى أن يدرك الكمال في تناسب موضوعها هو شكله الانساني كان إدراكه للجمال والحسن في تخاطيطه وأصواته من المدرك التي هي أقرب إلى فطرته فيلهج كل إنسان بالحسن من المرئي أو المسموع بمقتضى الفطرة والحسن في المسموع أن تكون الاصوات متناسبة لا متنافرة وذلك أن الاصوات لها كيفيات من الهمس والجهر والرخاوة والشدة والقلقلة والضغط وغير ذلك والتناسب فيها هو الذي يوجب لها الحسن فاولا أن لا يخرج من الصوت إلى مدة دفعة بل بتدريج ثم يرجع كذلك وهكذا إلى المثل بل لابد من توسط المغاير بين الصوتين وتأمل هذا من افتتاح أهل اللسان التراكيب من الحروف المتنافرة أو المتقاربة المخارج فانه من بابه وثانيا تناسبها في الاجزاء كما مر أول الباب فيخرج من الصوت إلى نصفه أو ثلثه أو جزء من كذا منه على حسب ما يكون التنقل متناسبا على ما حصره أهل الصناعة فإذا كانت الاصوات على تناسب في الكيفيات كما ذكره أهل تلك الصناعة كانت ملائمة ملذوذة ومن هذا التناسب ما يكون بسيطا ويكون الكثير من الناس مطبوعا عليه لا يحتاجون فيه إلى تعليم ولا صناعة كما نجد المطبوعين على الموازين الشعرية وتوقيع الرقص وأمثال ذلك وتسمي العامة هذه القابلية بالمضمار وكثير من القراء بهذه المثابة يقرأون القرآن فيجيدون في تلاحين أصواتهم كأنها المزامير فيطربون بحسن مساقهم وتناسب نغماتهم ومن هذا التناسب ما يحدث بالتركيب وليس كل الناس يستوي في معرفته ولاكل الطباع توافق صاحبها في العمل به إذا علم وهذا هو التلحين الذي يتكفل به علم الموسيقى كما نشرحه بعد عند ذكر العلوم وقد أنكر مالك رحمه الله تعالى القراءة بالتلحين وأجازها الشافعي رضي الله تعالى عنه وليس المراد تلحين الموسيقى الصناعي فانه لا ينبغي أن يختلف في حظره إذ صناعة الغناء مباينة للقرآن بكل وجه لان القراءة والاداء تحتاج إلى مقدار من الصوت لتعين أداء الحروف لا

[ 426 ]

من حيث اتباع الحركات في موضعها ومقدار المد عند من يطلقه أو يقصره وأمثال ذلك والتلحين أيضا يتعين له مقدار من الصوت لايتم إلا به من أجل التناسب الذي قلناه في حقيقة التلحين واعتبار أحدهما قد يخل بالآخر إذا تعارضا وتقديم الرواية متعين من تغيير الرواية المنقولة في القرآن فلا يمكن اجتماع التلحين والاداء المعتبر في القرآن بوجه وإنما مرادهم التلحين البسيط الذي يهتدي إليه صاحب المضمار بطبعه كما قدمناه فيردد أصواته ترديدا على نسب يدركها العالم بالغناء وغيره ولا ينبغي ذلك بوجه كما قاله مالك هذا هو محل الخلاف والظاهر تنزيه القرآن عن هذا كله كما ذهب إليه الامام رحمه الله تعالى لان القرآن محل خشوع بذكر الموت وما بعده وليس مقام التذاذ بادراك الحسن من الاصوات وهكذا كانت قراءد الصحابة رضي الله عنهم كما في أخبارهم وأما قوله صلى الله عليه وسلم لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود فليس المراد به الترديد والتلحين إنما معناه حسن الصوت وأداء القراءة والابانة في مخارج الحروف والنطق بها وإذ قد ذكرنا معنى الغناء فاعلم أنه يحدث في العمران إذا توفر وتجاوز حد الضروري إلى الحاجي ثم إلى الكمالي وتفننوا فتحدث هذه الصناعة لانه لا يستدعيها إلا من فرغ من جميع حاجاته الضرورية والمهمة من المعاش والمنزل وغيره فلا يطلبها إلا الفارغون عن سائر أحوالهم تفننا في مذاهب الملذوذات وكان في سلطان العجم قبل الملة منها بحر زاخر في أمصارهم ومدنهم وكان ملوكهم يتخذون ذلك ويولعون به حتى لقد كان لملوك الفرس اهتمام باهل هذه الصناعة ولهم مكان في دولتهم وكانوا يحضرون مشاهدهم ومجامعهم ويغنون فيها وهذا شان العجم لهذا العهد في كل أفق من آفاقهم ومملكة من ممالكهم وأما العرب فكان لهم أولا فن الشعر يؤلفون فيه الكلام أجزاء متساوية على تناسب بينها في عدة حروفها المتحركة والساكنة ويفصلون الكلام في تلك الاجزاء تفصيلا يكون كل جزء منها مستقلا بالافادة لا ينعطف على الآخر ويسمونه البيت فتلائم الطبع بالتجزئة أولاثم بتناسب الاجزاء في المقاطع والمبادئ ثم بتادية المعنى المقصود وتطبيق الكلام عليها فلهجوا به فامتاز من بين كلامهم بحظ من الشرف ليس لغيره لاجل اختصاصه بهذا التناسب وجعلوه ديوانا لاخبارهم

[ 427 ]

وحكمهم وشرفهم ومحكا لقرائحهم في إصابة المعاني وإجادة الاساليب واستمروا على ذلك وهذا التناسب الذي من أجل الاجزاء والمتحرك والساكن من الحروف قطرة من بحر من تناسب الاصوات كما هو معروف في كتب الموسيقى إلا أنهم لم يشعروا بما سواه لانهم حينئذ لم ينتحلوا علما ولاعرفوا صناعة وكانت البداوة أغلب نحلهم ثم تغنى الحداة منهم في حداء إبلهم والفتيان في فضاء خلواتهم فرجعوا الاصوات وترنموا وكانوا يسمون الترنم إذا كان بالشعر غناء وإذا كان بالتهليل أو نوع القراءة تغبيرا بالغين المعجمة والباء الموحدة وعللها أبو إسحاق الزجاج بانها تذكر بالغابر وهو الباقي أي باحوال الآخرة وربما ناسبوا في غنائهم بين النغمات مناسبة بسيطة كما ذكره ابن رشيق آخر كتاب العمدة وغيره وكانوا يسمونه السناد وكان أكثر ما يكون منهم في الخفيف الذي يرقص عليها ويمشى بالدف والمزمار فيضطرب ويستخف الحلوم وكانوا يسمون هذا الهزج وهذا البسيط كله من التلاحين هو من أوائلها ولا يبعد أن تتفطن له الطباع من غير تعليم شان البسائط كلها من الصنائع ولم يزل هذا شان العرب في بداوتهم وجاهليتهم فلما جاء الاسلام واستولوا على ممالك الدنيا وحازوا سلطان العجم وغلبوهم عليه وكانوا من البداوة والغضاضة على الحال التي عرفت لهم مع غضارة الدين وشدته في ترك أحوال الفراغ وما ليس بنافع في دين ولا معاش فهجروا ذلك شيئا ما ولم يكن الملذوذ عندهم إلا ترجيع القراءة والترنم بالشعر الذي هو ديدنهم ومذهبهم فلما جاءهم الترف وغلب عليهم الرفه بما حصل لهم من غنائم الامم صاروا إلى نضارة العيش ورقة الحاشية واستحلاء الفراغ وافترق المغنون من الفرس والروم فوقعوا إلى الحجاز وصاروا موالي للعرب وغنوا جميعا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير وسمع العرب تلحينهم للاصوات فلحنوا عليها أشعارهم وظهر بالمدينة نشيط الفارسي وطويس وسائب بن جابر مولى عبيد الله ابن جعفر فسمعوا شعر العرب ولحنوه وأجادوا فيه وطارلهم ذكر ثم أخذ عنهم معبد وطبقته وابن شريح وأنظاره وما زالت تتدرج إلى أن كملت أيام بني العباس عند إبراهيم بن المهدي وإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق وابنه حماد وكان من ذلك في دولتهم ببغدد ما تبعه الحديث بعده به بمجالسه لهذا العهد وأمعنوا في اللهو

[ 428 ]

واللعب واتخذت آلات الرقص في الملبس والقضبان والاشعار التي يترنم بها عليه وجعل صنفا وحده واتخذت آلات أخرى للرقص تسمى بالكرج وهي تماثيل خيل مسرجة من الخشب معلقة باطراف أقبية يلبسها النسوان ويحاكين بها امتطاء الخيل فيكرون ويفرون ويثاقفون وأمثال ذلك من اللعب المعد للولائم والاعراس وأيام الاعياد ومجالس الفراغ واللهو وكثر ذلك ببغداد وأمصار العراق وانتشر منها إلى غيرها وكان للموصليين غلام اسمه زرياب أخذ عنهم الغناء فاجاد فصرفوه إلى المغرب غيره منه فلحق بالحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل أمير الاندلس فبالغ في تكرمته وركب للقائه وأسنى له الجوائز والاقطاعات والجرايات وأحله من دولته وندمائه بمكان فأورث بالاندلس من صناعة الغناء ما تناقلوه إلى أزمان الطوائف وطمامنها بأشبيلية بحر زاخر وتنافل منها بعد ذهاب غضارتها إلى بلاد العدوة بافريقية والمغرب وانقسم على أمصارها وبها الآن منها صبابة على تراجع عمرانها وتناقص دولها وهذه الصناعة آخر ما يحصل في العمران من الصنائع لانها كمالية في غير وظيفة من الوظائف إلا وظيفة الفراغ والفرح وهو أيضا أول ما ينقطع من العمران عند اختلاله وتراجعه والله أعلم الفصل الثالث والثلاثون في ان الصنائع تكسب صاحبها عقلا وخصوصا الكتابة والحساب قد ذكرنا في الكتاب أن النفس الناطقة للانسان إنما توجد فيه بالقوة وأن خروجها من القوة إلى الفعل إنما هو بتجدد العلوم والادراكات عن المحسوسات أولا ثم ما يكتسب بعدها بالقوة النظرية إلى أن يصير إدراكا بالفعل وعقلا محضا فتكون ذاتا روحانية ويستكمل حينئذ وجودها فوجب لذلك أن يكون كل نوع من العلم والنظر يفيدها عقلا فريدا والصنائع أبدا يصحل عنها وعن ملكتها قانون علمي مستفاد من تلك الملكة فلهذا كانت الحنكة في التجربة تفيد عقلا والحضارة الكاملة تفيد عقلا لانها مجتمعة من صنائع في شان تدبير المنزل ومعاشرة أبناء الجنس وتحصيل الآداب في مخالطتهم ثم القيام بأمور الدين واعتبار آدابها وشرائطها وهذه كلها قوانين تنتظم علوما فيحصل منها زيادة عقل والكتابة من بين الصنائع

[ 429 ]

أكثر إفادة لذلك لانها تشتمل على العلوم والانظار بخلاف الصنائع وبيانه أن في الكتابة انتقالا من الحروف الخطية إلى الكلمات اللفظية في الخيال ومن الكلمات اللفظية في الخيال إلى المعاني التي في النفس ذلك دائما فيحصل لها ملكة الانتقال من الادلة إلى المدلولات وهو معنى النظر العقلي الذي يكسب العلوم المجهولة فيكسب بذلك ملكة من التعقل تكون زيادة عقل ويحصل به قوة فطنة وكيس في الامور لما تعودوه من ذلك الانتقال ولذلك قال كسرى في كتابه لما رآهم بتلك الفطنة والكيس فقال ديوانه أي شياطين وجنون قالوا وذلك أصل اشتقاق الديوان لاهل الكتابة ويلحق بذلك الحساب فان في صناعة الحساب نوع تصرف في العدد بالضم والتفريق يحتاج فيه إلى استدلال كثير فيبقي متعودا للاستدلال والنظر وهو معنى العقل والله أعلم الفصل السادس من الكتاب الاول في العلوم واصنافها والتعليم وطرقه وسائر وجوهه وما يعرض في ذلك كله من الاحوال وفيه مقدمة ولواحق الفصل الاول في ان العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري وذلك أن الانسان قد شاركته جميع الحيوانات في حيوانيته من الحس والحركة والغذاء والكن وغير ذلك وإنما تميز عنها بالفكر الذي يهتدي به لتحصيل معاشه والتعاون عليه بأبناء جنسه والاجتماع المهئ لذلك التعاون وقبول ما جاءت به الانبياء عن الله تعالى والعمل به واتباع صلاح أخراه فهو مفكر في ذلك كله دائما لا يفتر عن الفكر فيه طرفة عين بل اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر وعن هذا الفكر تنشأ العلوم وما قدمناه من الصنائع ثم لاجل هذا الفكر وما جبل عليه الانسان بل الحيوان من تحصيل ما تستدعيه الطباع فيكون الفكر راغبا في تحصيل ما ليس

[ 430 ]

عنده من الادراكات فيرجع إلى من سبقه بعلم أو زاد عليه بمعرفة أو إدراك أو أخذه ممن تقدمه من الانبياء الذين يبلغونه لمن تلقاه فيلقن ذلك عنهم ويحرص على أخذه وعلمه ثم إن فكره ونظره يتوجه إلى واحد واحد من الحقائق وينظر ما يعرض له لذاته واحدا بعد آخر ويتمرن على ذلك حتى يصير إلحاق العوارض بتلك الحقيقة ملكة له فيكون حينئذ علمه بما يعرض لتلك الحقيقة علما مخصوصا وتتشوف نفوس أهل الجيل الناشئ إلى تحصيل ذلك فيفزعون إلى أهل معرفته ويجئ التعليم من هذا فقد تبين بذلك أن العلم والتعليم طبيعي في البشر الفصل الثاني في ان التعليم للعلم من جملة الصنائع وذلك أن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الاحاطة بمبائه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفن المتناول حاصلا وهذه الملكة هي في غير الفهم والوعي لانا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها مشتركا بين من شدا في ذلك الفن وبين من هو مبتدئ فيه وبين العامي الذي لم يعرف علما وبين العالم النحرير والملكة إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون دون من سواهما فدل على أن هذه الملكة غير ألفهم والوعي والملكات كلها جسمانية سواء كانت في البدن أو في الدماغ من الفكر وغيره كالحساب والجسمانيات كلها محسوسة فتفتقر إلى التعليم ولهذا كان السند في التعليم في كل علم أو صناعة إلى مشاهير المعلمين فيها معتبرا عند كل أهل أفق وجيل ويدل أيضا على أن تعليم العلم صناعة اختلاف الاصطلاحات فيه فلكل إمام من الائمة المشاهير اصطلاح في التعليم يختص به شان الصنائع كلها فدل على أن ذلك الاصطلاح ليس من العلم وإلا لكان واحدا عند جميعهم ألا ترى إلى علم الكلام كيف تخالف في تعليمه اصطلاح المتقدمين والمتأخرين وكذا أصول الفقه وكذا العربية وكذا كل علم يتوجه إلى مطالعته تجد الاصطلاحات في تعليمه متخالفة فدل على أنها صناعات في التعليم والعلم واحد في نفسه وإذا تقرر ذلك فاعلم أن سند تعليم العلم لهذا العهد قد كاد ينقطع عن أهل المغرب

[ 431 ]

باختلال عمرانه وتناقص الدول فيه وما يحدث عن ذلك من نقص الصنائع وفقدانها كما مرو ذلك أن القيران وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والاندلس واستجر عمرانهما وكان فيهما للعلوم والصنائع أسواق نافقة وبحور زاخرة ورسخ فيهما التعليم لامتداد عصورهما وما كان فيهما من الحضارة فلما خربتا انقطع التعليم من المغرب إلا قليلا كان في دولة الموحدين بمراكش مستفادا منها ولم ترسخ الحضارة بمراكش لبداوة الدولة الموحدية في أولها وقرب عهد انقراضها بمبدإها فلم تتصل أحول الحضارة فيها إلا في الاقل وبعد انقراض الدولة بمراكش ارتحل إلى المشرق من أفريقية القاضي أبو القاسم بن زيتون لعهد أواسط المائة السابعة فادرك تلميذ الامام ابن الخطيب فاخذ عنهم ولقن تعليمهم وحذق في العقليات والنقليات ورجع إلى تونس بعلم كثير وتعليم حسن وجاء على أثره من المشرق أبو عبد الله بن شعيب الدكالي كان ارتحل إليه من المغرب فاخذ عن مشيخة مصر ورجع إلى تونس واستقر بها وكان تعليمه مفيدا فاخذ عنهما أهل تونس واتصل سند تعليمهما في تلاميذهما جيلا بعد جيل حتى انتهى إلى القاضي محمد بن عبد السلام شارح بن الحاجب وتلميذه وانتقل من تونس إلى تلمسان في ابن الامام وتليمذه فانه قرأ مع ابن عبد السلام على مشيخة واحدة في مجالس باعيانها وتلميذ ابن عبد السلام بتونس وابن الامام بتلمسان لهذا العهد إلا أنهم من القلة بحيث يخشى انقطاع سندهم ثم ارتحل من زواوة في آخر المائة السابعة أبو علي ناصر الدين المشدالي وأدرك تلميذ أبي عمرو بن الحاجب وأخذ عنهم ولقن تعليمهم وقرأ مع شهاب الدين القرافي في مجالس واحدة وحذق في العقليات والنقليات ورجع إلى المغرب بعلم كثير وتعليم مفيد ونزل ببجاية واتصل سند تعليمه في طلبتها وربما انتقل إلى تلمسان عمران المشدالي من تلميذه وأوطنها وبث طريقته فيها وتلميذه لهذا العهد ببجاية وتلمسان قليل أو أقل من القليل وبقيت فاس وسائر أقطار المغرب خلوا من حسن التعليم من لدن انقراض تعليم قرطبة والقيروان ولم يتصل سند التعليم فعسر عليهم حصول الملكة والحذق في العلوم وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية فهو الذي يقرب شانها ويحصل مرامها فتجد طالب العلم منهم بعد

[ 432 ]

ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضون وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة فلا يحصلون على طائل من ملكة التصرف في العلم والتعليم ثم بعد تحصيل من يرى منهم أنه قد حصل تجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر أو علم وما أتاهم القصور إلا من قبل التعليم وانقطاع سنده وإلا فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم لشدة عنايتهم به وظنهم أنه المقصود من الملكة العلمية وليس كذلك ومما يشهد بذلك في المغرب أن المدة المعينة لسكني طلبة العلم بالمدارس عندهم ست عشرة سنة وهي بتونس خمس سنين وهذه المدة بالمدارس على المتعارف هي أقل ما يتأتى فيها لطالب العلم حصول مبتغاه من الملكة العلمية أو اليأس من تحصيلها فطال أمدها في المغرب لهذه المدة لاجل عسرها من قلة الجودة في التعليم خاصة لا مما سوى ذلك وأما أهل الاندلس فذهب رسم التعليم من بينهم وذهبت عنايتهم بالعلوم لتناقص عمران المسلمين بها منذ مئين من السنين ولم يبق من رسم العلم فيهم إلا فن العربية والادب اقصروا عليه وانحفظ سند تعليمه بينهم فانحفظ بحفظه وأما الفقه بينهم فرسم خلو وأثر بعد عين وأما العقليات فلا أثر ولا عين وما ذاك إلا لانقطاع سند التعليم فيها بتناقص العمران وتغلب العدو على عامتها إلا قليلا بسيف البحر شغلهم بمعايشهم أكثر من شغلهم بما بعدها والله غالب على أمره. وأما المشرق فلا ينقطع سند التعليم فيه بل أسواقه نافقة وبحوره زاخرة لاتصال العمران الموفورو اتصال السند فيه وإن كانت الامصار العظيمة التي كانت معادن العلم قد خربت مثل بغداد والبصرة والكوفة إلا أن الله تعالى قد أدال منها بامصار أعظم من تلك وانتقل العلم منها إلى عراق العجم بخراسان وما وراء النهر من المشرق ثم إلى القاهرة وما إليها من المغرب فلم تزل موفورة وعمرانها متصلا وسند التعليم بها قائما فاهل المشرق على الجملة أرسخ في صناعة تعليم العلم وفي سائر الصنائع حتى إنه ليظن كثير من رحالة أهل المغرب إلى المشرق في طلب العلم أن عقولهم على الجملة أكمل من عقول أهل المغرب وأنهم أشد نباهة وأعظم كيسا بفطرتهم الاولى وأن نفوسهم الناطقة أكمل بفطرتها من نفوس أهل المغرب ويعتقدون التفاوت بيننا وبينهم في حقيقة الانسانية ويتشيعون لذلك

[ 433 ]

ويولعون به لما يرون من كيسهم في العلوم والصنائع وليس كذلك وليس بين قطر المشرق والمغرب تفاوت بهذا المقدار الذي هو تفاوت في الحقيقة الواحدة أللهم إلا الاقاليم المنحرفة مثل الاول والسابع فان الامزجة فيها منحرفة والنفوس على نسبتها كما مر وإنما الذي فضل به أهل المشرق أهل المغرب هو ما يحصل في النفس من آثار الحضارة من العقل المزيد كما تقدم في الصنائع ونزيده الآن تحقيقا وذلك أن الحضر لهم آداب في أحوالهم في المعاش والمسكن والبناء وأمور الدين والدنيا وكذا سائر أعمالهم وعاداتهم ومعاملاتهم وجميع تصرفاتهم فلهم في ذلك كله آداب يوقف عندها في جميع ما يتناولونه ويتلبسون به من أخذ وترك حتى كأنها حدود لا تتعدى وهي مع ذلك صنائع يتلقاها الآخر عن الاول منهم ولاشك أن كل صناعة مرتبة يرجع منها إلى النفس أثر يكسبها عقلا جديدا تستعد به لقبول صناعة أخرى ويتهيا بها العقل بسرعة الادراك للمعارف ولقد بلغنا في تعليم الصنائع عن أهل مصر غايات لا تدرك مثل أنهم يعلمون الحمر الانسية والحيوانات العجم من الماشي والطائر مفردات من الكلام والافعال يستغرب ندورها ويعجز أهل المغرب عن فهمها وحسن الملكات في التعليم والصنائع وسائر الاحوال العادية يزيد الانسان ذكاء في عقله وإضاءة في فكره بكثرة الملكات الحاصلة للنفس إذ قدمنا أن النفس إنما تنشأ بالادراكات وما يرجع إليها من الملكات فيزدادون بذلك كيسا لما يرجع إلى النفس من الآثار العلمية فبظنه العامي تفاوتا في الحقيقة الانسانية وليس كذلك ألا ترى إلى أهل الحضر مع أهل البدو كيف تجد الحضري متحليا بالذكاء ممتلئا من الكيس حتى إن البدوي ليظنه أنه قد فاته في حقيقة إنسانيته وعقله وليس كذلك وما ذاك إلا لاجادته في ملكات الصنائع والآداب في العوائد والاحوال الحضرية مالا يعرفه البدوي فلما امتلا الحضري من الصنائع وملكاتها وحسن تعليمها ظن كل من قصر عن تلك الملكات أنها لكمال في عقله وأن نفوس أهل البدو قاصرة بفطرتها وجبلتها عن فطرته وليس كذلك فانا نجد من أهل البدو من هو في أعلى رتبة من الفهم والكمال في عقله وفطرته إنما الذي ظهر على أهل الحضر من

[ 434 ]

ذلك هو رونق الصنائع والتعليم فان لها آثارا ترجع إلى النفس كما قدمناه وكذا أهل المشرق لما كانوا في التعليم والصنائع أرسخ رتبة وأعلى قدما وكان أهل المغرب أقرب إلى البداوة لما قدمناه في الفصل قبل هذا ظن المغفلون في بادئ الرأي أنه لكمال في حقيقة الانسانية اختصوا به عن أهل المغرب وليس ذلك بصحيح فتفهمه والله يزيد في الخلق ما يشاء وهو إله السموات والارض الفصل الثالث في ان العلوم انما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة والسبب في ذلك أن تعليم العلم كما قدمناه من جملة الصنائع وقد كنا قدمنا أن الصنائع إنما تكثر في الامصار وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة لانه أمر زائد على المعاش فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الانسان وهي العلوم والصنائع ومن تشوف بفطرته إلى العلم ممن نشأ في القرى والامصار غير المتمدنة فلا يجد فيها التعليم الذي هو صناعي لفقدان الصنائع في أهل البدو كما قدمناه ولابدله من الرحلة في طلبه إلى الامصار المستبحرة شان الصنائع كلها واعتبر ما قررناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة لما كثر عمرانها صدر الاسلام واستوت فيها الحضارة كيف زخرت فيها بحار العلم وتفننوافي اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم واستنباط المسائل والفنون حتى أربوا على المتقدمين وفاتوا المتأخرين ولما تناقص عمرانها وابذعر سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة وفقد العلم بها والتعليم وانتقل إلى غيرها من أمصار الاسلام ونحن لهذا العهد نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر لما أن عمرانها مستجر وحضارتها مستحكمة منذ آلاف من السنين فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت ومن جملتها تعليم العلم وأكد ذلك فيها وحفظه ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السنين في دولة الترك من أيام صلاح الدين بن أيوب وهلم جرا وذلك أن أمراء الترك في دولتهم يخشون عادية سلطانهم على من يتخلفونه من ذريتهم لما له عليهم من الرق أو الولاء ولما يخشى من معاطب الملك ونكباته فاستكثروا من بناء المدارس

[ 435 ]

والزوايا والربط ووقفوا عليها الاوقاف المغلة يجعلون فيها شركا لولدهم ينظر عليها أو يصيب منها مع ما فيهم غالبا من الجنوح إلى الخير والتماس الاجور في المقاصد والافعال فكثرت الاوقاف لذلك وعظمت الغلات والفوائد وكثر طالب العلم ومعلمه بكثرة جرايتهم منها وارتحل إليها الناس في طلب العلم من العراق والمغرب ونفقت بها أسواق العلوم وزخرت بحارها والله يخلق ما يشاء الفصل الرابع في اصناف العلوم الواقعة في العمران لهذا العهد إعلم أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الامصار تحصيلا وتعليما هي على صنفين صنف طبيعي للانسان يهتدي إليه بفكره وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه والاول هي العلوم الحكمية الفلسفية وهي التي يمكن أن يقف عليها الانسان بطبيعة فكره ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها حتى يقفه (1) نظره ويحثه على الصواب من الخطا فيها من حيث هو إنسان ذوفكر والثاني هي العلوم النقلية الوضعية وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالاصول لان الجزئيات الحادثة المتعاقبة لا تندرج تحت النقل الكلي بمجرد وضعه فتحتاج إلى الالحاق بوجه قياسي إلا أن هذا القياس يتفرع عن الخبر بثبوت الحكم في الاصل وهو نقلي فرجع هذا القياس إلى النقل لتفرعه عنه وأضل هذه العلوم النقلية كلها هي الشرعيات من الكتاب والسنة الي هي مشروعة لنامن الله ورسوله وما يتعلق بذلك من العلوم التي تهيئوها للافادة ثم يستتبع ذلك علوم اللسان العربي الذي هو لسان الملة وبه نزل القرآن وأصناف هذه العلوم النقلية كثيرة لان المكلف يجب عليه أن يعرف أحكام الله تعالى المفروضة عليه وعلى أبناء جنسه وهي مأخوذة من الكتاب والسنة بالنص أو بالاجماع أو بالالحاق فلا بد من النظر بالكتاب ببيان ألفاظه أولا وهذا هو علم التفسير ثم باسناد نقله وروايته إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء به من عند الله واختلاف


(1) قوله حتى يقفه نظره يستعمل وقف متعديا فتقول وقفته على كذا اي اطلعته عليه قاله نصر (*)

[ 436 ]

روايات القرء في قراءته وهذا هو علم القراءات ثم باسناد السنة إلى صاحبها والكلام في الرواة الناقلين لها ومعرفة أحوالهم وعدالتهم ليقع الوثوق باخبارهم بعلم ما يجب العمل بمقتضاه من ذلك وهذه هي علوم الحديث ثم لا بد في استنباط هذه الاحكام من أصولها من وجه قانوني يفيد العلم بكيفية هذا الاستنباط وهذا هو أصول الفقه وبعد هذا تحصل الثمرة بمعرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين وهذا هو الفقه ثم إن التكاليف منها بدني ومنها قلبي وهو المختص بالايمان وما يجب أن يعتقد مما لا يعتقد وهذه هي العقائد الايمانية في الذات والصفات وأمور الحشر والنعيم والعذاب والقدر والحجاج عن هذه بالادلة العقلية هو علم الكلام ثم النظر في القرآن والحديث لا بد أن تتقدمه العلوم اللسانية لانه متوقف عليها وهي أصناف فمنها علم اللغة وعلم النحو وعلم البيان وعلم الآداب حسبما نتكلم عليها كلها وهذه العلوم النقلية كلها مختصة بالملة الاسلامية وأهلها وإن كانت كل ملة على الجملة لا بد فيها من مثل ذلك فهي مشاركة لها في الجنس البعيد من حيث إنها العلوم الشرعية المنزلة من عند الله تعالى على صاحب الشريعة المبلغ لها وأما على الخصوص فمباينة لجميع الملل لانها ناسخة لها وكل ما قبلها من علوم الملل فمهجورة والنظر فيها محظور فقد نهى الشرع عن النظر في الكتب المنزلة غير القرآن قال صلى الله عليه وسلم لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل علينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في يد عمر رضي الله عنه ورقة من التوراة فغضب حتى تبين الغضب في وجهه ثم قال ألم آتكم بها بيضاء نقية والله لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي ثم إن هذه العلوم الشرعية النقلية قد نفقت أسواقها في هذه الملة بما لا مزيد عليه وانتهت فيها مدارك الناظرين إلى الغاية التي لا شئ فوقها وهذبت الاصطلاحات ورتبت الفنون فجاءت من وراء الغاية في الحسن والتنميق وكان لكل فن رجال يرجع إليهم فيه وأوضاع يستفاد منها التعليم واختص المشرق من ذلك والمغرب بما هو مشهور منها حسبما نذكره الآن عند تعديد هذه الفنون وقد كسدت لهذا العهد أسواق العلم بالمغرب لتناقص العمران فيه وانقطاع سند العلم والتعليم كما قدمناه في الفصل قبله وما أدري ما فعل الله

[ 437 ]

بالمشرق والظن به نفاق العلم فيه واتصال التعليم في العلوم وفي سائر الصنائع الضرورية والكمالية لكثرة عمرانه والحضارة ووجود الاعانة لطالب العلم بالجراية من الاوقاف التي اتسعت بها أرزاقهم والله سبحانه وتعالى هو الفعال لما يريد وبيده التوفيق والاعانة الفصل الخامس في علوم القرآن من التفسير والقراءات القرآن هو كلام الله المنزل على نبيه المكتوب بين دفتي المصحف وهو متواتر بين الامة إلا أن الصحابة رووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على طرق مختلفة في بعض ألفاظه وكيفيات الحروف في أدائها وتنوقل ذلك واشتهر إلى أن استقرت منها سبع طرق معينة تواتر نقلها أيضا بأدائها واختصت بالانتساب إلى من اشتهر بروايتها من الجم الغفير فصارت هذه القراءات السبع أصولا للقراءة وربما زيد بعد ذلك قراءات أخر لحقت بالسبع إلا أنها عند أئمة القراءة لا تقوى قوتها في النقل وهذه القراءات السبع معروفة في كتبها وقد خالف بعض الناس في تواتر طرقها لانها عندهم كيفيات للاداء وهو غير منضبط وليس ذلك عندهم بقادح في تواتر القرآن وأباه الاكثر وقالوا بتواترها وقال آخرون بتواتر غير الاداء منها كالمد والتسهيل لعدم الوقوف على كيفيته بالسمع وهو الصحيح ولم يزل القراء يتداولون هذه القراءات وروايتها إلى أن كتبت العلوم ودونت فكتبت فيما كتب من العلوم وصارت صناعة مخصوصة وعلما منفردا وتناقله الناس بالمشرق والاندلس في جيل بعد جيل إلى أن ملك بشرق الاندلس مجاهد من موالي العامريين وكان معتنيا بهذا الفن من بين فنون القرآن لما أخذه به مولاه المنصور بن أبي العامر واجتهد في تعليمه وعرضه على من كان من أئمة القراء بحضرته فكان سهمه في ذلك وافرا واختص مجاهد بعد ذلك بامارة دانية والجزائر الشرقية فنفقت بها سوق القراءة لما كان هو من أئمتها وبما كان له من العناية بسائر العلوم عموما وبالقراءات خصوصا فظهر لعهده أبو عمر والداني وبلغ الغاية فيها ووقفت عليه معرفتها وانتهت إلى روايته أسانيدها وتعددت تآليفه فيها وعول الناس عليها وعدلوا عن غيرها واعتمدوا

[ 438 ]

من بينها كتاب التيسير له ثم ظهر بعد ذلك فيما يليه من العصور والاجيال أبو القاسم ابن فيره من أهل شاطبة فعمد إلى تهذيب ما دونه أبو عمرو وتلخيصه فنظم ذلك كله في قصيدة لغز فيها أسماء القراء بحروف اب ج د ترتيبا أحكمه ليتيسر عليه ما قصده من الاختصار وليكون أسهل للحفظ لاجل نظمها فاستوعب فيها الفن استيعابا حسنا وعني الناس بحفظها وتلقينها للولدان المتعلمين وجرى العمل على ذلك في أمصار المغرب والاندلس وربما أضيف إلى فن القراءات فن الرسم أيضا وهي أوضاع حروف القرآن في المصحف ورسومه الخطية لان فيه حروفا كثيرة وقع رسمها على غير المعروف من قيال الخط كزيادة الياء في بابيد وزيادة الالف في لا أذبحنه ولا أوضعوا والواو في جزاء والظالمين وحذف الالفات في مواضع دون أخرى وما رسم فيه من التاءات ممدودا والاصل فيه مربوط على شكل الهاء وغير ذلك وقد مر تعليل هذا الرسم المصحفي عند الكلام في الخط فلما جاءت هذه المخالفة لاوضاع الخط وقانونه احتيج إلى حصرها فكتب الناس فيها أيضا عند كتبهم في العلوم وانتهت بالمغرب إلى أبي عمر الداني المذكور فكتب فيها كتبا من أشهرها كتاب المقنع وأخذ به الناس وعولوا عليه ونظمه أبو القاسم الشاطبي في قصيدته المشهورة على روي الراء وولع الناس بحفظها ثم كثر الخلاف في الرسم في كلمات وحروف أخرى ذكرها أو داود سليمان بن نجاح من موالي مجاهد في كتبه وهومن تلاميذ أبي عمرو الداني والمشتهر بحمل علومه ورواية كتبه ثم نقل بعده خلاف آخر فنظم الخراز من المتأخرين بالمغرب أرجوزة أخرى زاد فيها على المقنع خلافا كثيرا وعزاه لناقليه واشتهرت بالمغرب واقتصر الناس على حفظها وهجروا بها كتب أبي داود وأبي عمرو والشاطبي في الرسم (واما التفسير). فاعلم أن القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه وكان ينزل جملا جملا وآيات آيات لبيان التوحيد والفروض الدينية بحسب الوقائع ومنها ما هو في العقائد الايمانية ومنها ما هو في أحكام الجوارح ومنها ما يتقدم ومنها ما يتأخر ويكون ناسخا له وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين المجمل ويميز الناسخ من المنسوخ

[ 439 ]

ويعرفه أصحابه فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منها منقولا عنه كما علم من قوله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح إنها نعي النبي صلى الله عليه وسلم وأمثال ذلك ونقل ذلك عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وتداول ذلك التابعون من بعدهم ونقل ذلك عنهم ولم يزل متناقلا بين الصدر الاول والسلف حتى صارت المعارف علوما ودونت الكتب فكتب الكثير من ذلك ونقلت الآثار الواردة فيه عن الصحابة والتابعين وانتهى ذلك إلى الطبري والواقدي والثعالبي وأمثال ذلك من المفسرين فكتبوا فيه ما شاء الله أن يكتبوه من الآثار ثم صارت علوم اللسان صناعية من الكلام في موضوعات اللغة وأحكام الاعراب والبلاغة في التراكيب فوضعت الدواوين في ذلك بعد أن كانت ملكات للعرب لا يرجع فيها إلى نقل ولا كتاب فتنوسي ذلك وصارت تتلقى من كتب أهل اللسان فاحتيج إلى ذلك في تفسير القرآن لانه بلسان العرب وعلى منهاج بلاغتهم وصار التفسير على صنفين تفسير نقلي مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف وهي معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ومقاصد الآي وكل ذلك لا يعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين والمقبول والمردود والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والامية وإذا تشوقوا إلى معرفة شئ مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فانما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لاتعلق له بالاحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك وهؤلاء مثل كعب الاحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم فامتلات التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الاغراض أخبار موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الاحكام فتتحرى في الصحة التي يجب بها العمل وتساهل المفسرون في

[ 440 ]

مثل ذلك وملاوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك إلا أنهم بعد صيتهم وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة فتلقيت بالقبول من يومئذ فلما رجع الناس إلى التحقيق والتمحيص وجاء أبو محمد بن عطية من المتأخرين بالمغرب فلخص تلك التفاسير كلها وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة منها ووضع ذلك في كتاب متداول بين أهل المغرب والاندلس حسن المنحى وتبعه القرطبي في تلك الطريقة على منهاج واحد في كتاب آخر مشهور بالمشرق. والصنف الآخر من التفسير وهو ما يرجع إلى اللسان من معرفة اللغة والاعراب والبلاغة في تأدية المعنى بحسب المقاصد والاساليب وهذا الصنف من التفسير قل أن ينفرد عن الاول إذ الاول هو المقصود بالذات وإنما جاء هذا بعد أن صار اللسان وعلومه صناعة نعم قد يكون في بعض التفاسير غالبا ومن أحسن ما اشتمل عليه هذا الفن من التفاسير كتاب الكشاف للزمخشري من أهل خوارزم العراق إلا أن مؤلفه من أهل الاعتزال في العقائد فيأتي بالحجاج على مذاهبهم الفاسدة حيث تعرض في آي القرآن من طرق البلاغة فصار ذلك للمحققين من أهل السنة انحراف عنه وتحذير للجمهور من مكامنه مع إقرارهم برسوخ قدمه فيما يتعلق باللسان والبلاغة وإذا كان الناظر فيه واقفا مع ذلك على المذاهب السنية محسنا للحجاج عنها فلا جرم إنه مأمون من غوائله فلتغتنم مطالعته لغرابة فنونه في اللسان ولقد وصل إلينا في هذه العصور تأليف لبعض العراقيين وهو شرف الدين الطيبي من أهل توزير من عراق العجم شرح فيه كتاب الزمخشري هذا وتتبع ألفاظه وتعرض لمذاهبه في الاعتزال بأدلة تزيفها ويبين أن البلاغة إنما تقع في الآية على ما يراه أهل السنة لاعلى ما يراه المعتزلة فاحسن في ذلك ما شاء مع إمتاعه في سائر فنون البلاغة وفوق كل ذي علم عليم الفصل السادس في علوم الحديث وأما علوم الحديث فهي كثيرة ومتنوعة لان منها ما ينظر في ناسخه ومنسوخه

[ 441 ]

وذلك بما ثبت في شريعتنا من جواز النسخ ووقوعه لطفا من الله بعباده وتخفيفا عنهم باعتبار مصالحهم التي تكفل لهم بها قال تعالى ما تنسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها فإذا تعارض الخبران بالنفي والاثبات وتعذر الجمع بينهما ببعض التأويل وعلم تقدم أحدهما تعين أن المتأخر ناسخ ومعرفة الناسخ والمنسوخ من أهل علوم الحديث وأصعبها قال الزهري أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من منسوخه وكان للشافعي رضي الله عنه فيه قدم راسخة ومن علوم الا اديث النظر في الاسانيد ومعرفة ما يجب العمل به من الاحاديث بوقوعه على السند الكامل الشروط لان العمل إنما وجب بما يغلب على الظن صدقه من اخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجتهد في الطريق التي تحصل ذلك الظن وهو بمعرفة رواة الحديث بالعدالة والضبط وإما يثبت ذلك بالنقل عن أعلام الدين بتعديلهم وبراءتهم من الجرح والغفلة ويكون لنا ذلك دليلا على القبول أو الترك وكذلك مراتب هؤلاء النقلة من الصحابة والتابعين وتفاوتهم في ذلك وتميزهم فيه واحدا واحدا وكذلك الاسانيد تتفاوت باتصالها وانقطاعها بأن يكون الراوي لم يلق الراوي الذي نقل عنه وبسلامتها من العلل الموهنة لها وتنتهي بالتفاوت إلى طرفين فحكم بقبول الاعلى ورد الاسفل ويختلف في المتوسط بحسب المنقول عن أئمة الشأن ولهم في ذلك ألفاظ اصطلحوا على وضعها لهذه المراتب المرتبة مثل الصحيح والحسن والضعيف والمرسل والمنقطع والمعضل والشاذ والغريب وغير ذلك من ألقابه المتداولة بينهم وبوبوا على كل واحد منها ونقلوا ما فيه من الخلاف لائمة اللسان أو الوفاق ثم النظر في كيفية أخذ الرواية بعضهم عن بعض بقراءة أو كتابة أو مناولة أو إجازة وتفاوت رتبها وما للعلماء في ذلك من الخلاف بالقبول والرد ثم اتبعوا ذلك بكلام في ألفاظ تقع في متون الحديث من غريب أو مشكل أو تصحيف أو مفترق منها أو مختلف وما يناسب ذلك هذا معظم ما ينظر فيه أهل الحديث وغالبه وكانت أحوال نقلة الحديث في عصور السلف من الصحابة والتابعين معروفة عند أهل بلده فمنهم بالحجاز ومنهم بالبصرة والكوفة من العراق ومنهم بالشام ومصر بالجميع معروفون مشهورون في أعصارهم وكانت طريقة أهل الحجاز

[ 442 ]

في أعصارهم في الاسانيد أعلى ممن سواهم وأمتن في الصحة لاستبدادهم في شروط النقل من العدالة والضبط وتجافيهم عن قبول المجهول الحال في ذلك وسند الطريقة الحجازية بعد السلف الامام مالك عالم المدينة رضي الله تعالى عنه ثم أصحابه مثل الامام محمد بن أدريس الشافعي والامام أحمد بن حنبل وأمثالهم وكان علم الشريعة في مبدإ هذا الامر نقلا صرفا شمر لها السلف وتحروا الصحيح حتى أكملوها وكتب مالك رحمه الله كتاب الموطإ أودعه أصول الاحكام من الصحيح المتفق عليه ورتبه على أبواب الفقه ثم عني الحافظ بمعرفة طرق الاحاديث وأسانيدها المختلفة وربما يقع إسناد الحديث من طرق متعددة عن رواة مختلفين وقد يقع الحديث أيضا في أبواب متعددة باختلاف المعاني التي اشتمل عليها وجاء محمد بن إسماعيل البخاري إمام المحدثين في عصره فخرج أحاديث السنة على أبوابها في مسنده الصحيح بجميع الطرق التي للحجازيين والعراقيين والشاميين واعتمدوا منها ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه وكرر الاحاديث يسوقها في كل باب بمعنى ذلك الباب الذي تضمنه الحديث فتكررت لذلك أحاديثه حتى يقال إنه اشتمل على تسعة (1) آلاف حديث ومائتين منها ثلاثة آلاف متكررة وفرق الطرق والاسانيد عليها مختلفة في كل باب ثم جاء الامام مسلم بن الحجاج القشيري رحمه الله تعالى فالف مسنده الصحيح. حذا فيه حذو البخاري في نقل المجمع عليه وحذف المتكرر منها وجمع الطرق والاسانيد وبوبه على أبواب الفقه وتراجمه ومع ذلك فلم يستوعبا الصحيح كله وقد استدرك الناس عليهما في ذلك ثم كتب أبو داود السجستاني وأبو عيسى الترمذي وأبو عبد الرحمن النسائي في السنن باوسع من الصحيح وقصدوا ما توفرت فيه شروط العمل إما من الرتبة العالية في الاسانيد وهو الصحيح كما هو معروف وإما من الذي دونه من الحسن وغيره ليكون ذلك إماما للسنة والعمل وهذه هي المسانيد المشهورة في الملة وهي أمهات كتب الحديث في السنة فانها وإن تعددت ترجع إلى هذه في الاغلب ومعرفة هذه الشروط والاصطلاحات كلها هي علم الحديث وربما يفرد عنها الناسخ والمنسوخ فيجعل فنا برأسه وكذا الغريب وللناس فيه تآليف مشهورة


(1) قوله تسعة الذي في النووي على مسلم انها سبعة بتقديم السين فحرره (*)

[ 443 ]

ثم المؤتلف والمختلف وقد ألف الناس في علوم الحديث وأكثروا ومن فحول علمائه وأئمتهم أبو عبد الله الحاكم وتآليفه فيه مشهورة وهو الذي هذبه وأظهر محاسنه وأشهر كتاب للمتأخرين فيه كتاب أبي عمرو بن الصلاح كان لعهد أوائل المائة السابعة وتلاه محيي الدين النووي بمثل ذلك والفن شريف في مغزاه لانه معرفة ما يحفظ به السنن المنقولة عن صاحب الشريعة وقد انقطع لهذا العهد تخريج شئ من الاحاديث واستدراكها على المتقدمين إذ العادة تشهد بان هؤلاء الائمة على تعددهم وتلاحق عصورهم وكفايتهم واجتهادهم لم يكونوا ليغفلوا شيئا من السنة أو يتركوه حتى يعثر عليه المتأخر هذا بعيد عنهم وإنما تنصرف العناية لهذا العهد إلى تصحيح الامهات المكتوبة وضبطها بالرواية عن مصنفيها والنظر في أسانيدها إلى مؤلفها وعرض ذلك على ما تقرر في علم الحديث من الشروط والاحكام لتتصل الاسانيد محكمة إلى منتهاها ولم يزيدوا في ذلك على العناية باكثر من هذه الامهات الخمس إلا في القليل. فاما البخاري وهو أعلاها رتبة فاستصعب الناس شرحه واستغلقوا منحاه من أجل ما يحتاج إليه من معرفة الطرق المتعددة ورجالها من أهل الحجاز والشام والعراق ومعرفة أحوالهم واختلاف الناس فيهم ولذلك يحتاج إلى إمعان النظر في التفقه في تراجمه لانه يترجم الترجمة ويورد فيها الحديث مسند أو طريق ثم يترجم أخرى ويورد فيها ذلك الحديث بعينه لما تضمنه من المعنى الذي ترجم به الباب وكذلك في ترجمة وترجمة إلى أن يتكرر الحديث في أبواب كثيرة بحسب معانيه واختلافها ومن شرحه ولم يستوف هذا فيه فلم يوف حق الشرح كابن بطال وابن المهلب وابن التين ونحوهم ولقد سمعت كثيرا من شيوخنا رحمهم الله يقولون شرح كتاب البخاري دين على الامة يعنون أن أحدا من علماء الامة لم يوف ما يجب له من الشرح بهذا الاعتبار. وأما صحيح مسلم فكثرت عناية علماء المغرب به وأكبوا عليه وأجمعوا على تفضيله على كتاب البخاري من غير الصحيح مما لم يكن على شرطه وأكثر ما وقع له في التراجم وأملى الامام المارزي من فقهاء المالكية عليه شرحا وسماه المعلم بفوائد مسلم اشتمل على عيون من علم الحديث وفنون من الفقه ثم أكمله القاضي عياض من بعده وتممه وسماه إكمال

[ 444 ]

المعلم وتلاهما محيى الدين النووي بشرح أستوفى ما في الكتابين وزاد عليهما فجاء شرحا وافيا. وأما كتب السنن الاخرى وفيها معظم مآخذ الفقهاء فاكثر شرحها في كتب الفقه إلا ما يختص بعلم الحديث فكتب الناس عليها واستوفوا من ذلك ما يحتاج إليه من علم الحديث وموضوعاتها والاسانيد التي اشتملت على الاحاديث المعمول بها من السنة. واعلم أن الاحاديث قد تميزت مراتبها لهذا العهد بين صحيح وحسن وضعيف ومعلول وغيرها تنزلها أئمة الحديث وجها بذته وعرفوها ولم يبق طريق في تصحيح ما يصح من قبل ولقد كان الائمة في الحديث يعرفون الاحاديث بطرقها وأسانيدها بحيث لو روي حديث بغير سنده وطريقه يفطنون إلى أنه قد قلب عن وضعه ولقد وقع مثل ذلك للامام محمد بن إسماعيل البخاري حين ورد على بغداد وقصد المحد ثون امتحانه فسألوه عن أحاديث قبلوا أسانيدها فقال لا أعرف هذه ولكن حدثني فلان ثم أتى بجميع تلك الاحاديث على الوضع الصحيح ورد كل متن إلى سنده وأقروا له بالامامة. واعلم أيضا أن الائمة المجتهدين تفاوتوا في الاكثار من هذه الصناعة والاقلال فأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يقال بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثا أو نحوها ومالك رحمه الله إنما صح عنده ما في كتاب الموطإ (1) وغايتها ثلثمائة حديث أو نحوها. وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في مسنده خمسون ألف حديث ولكل ما أداه إليه اجتهاده في ذلك وقد تقول بعض المبغضين المتعسفين إلى أن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث فلهذا قلت روايته ولا سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الائمة لان الشريعة إنما تؤخذ من الكتاب والسنة ومن كان قليل البضاعة من الحديث فيتعين عليه طلبه وروايته والجد والتشمير في ذلك ليأخذ الدين عن أصول صحيحة ويتلقى الاحكام عن صاحبها المبلغ لها وإنما قلل منهم من قلل الرواية لاجل المطاعن التي تعترضه فيها والعلل التي تعرض في طرقها سيما والجرح مقدم عند الاكثر فيؤديه الاجتهاد إلى ترك الاخذ بما يعرض مثل ذلك فيه من الاحاديث وطرق الاسانيد ويكثر ذلك فتقل روايته


(1) الذي في شرح الزرقاني على الموطا حكاية اقوال خمسة في عدة احاديثه اولها 500 ثانيها 700 ثالثها الف ونيف رابعها 1720 خامسها 666 وليس فيه قول بما في هذه النسخة قاله نصر الهوربني (*)

[ 445 ]

لضعف في الطرق هذا مع أن أهل الحجاز أكثر رواية للحديث من أهل العراق لان المدينة دار الهجرة ومأوى الصحابة ومن انتقل منهم إلى العراق كان شغلهم بالجهاد أكثر والامام أو حنيفة إنما قلت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل وضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي وقلت من أجلها رواية فقل حديثه لانه ترك رواية الحديث متعمدا فحاشاه من ذلك ويدل على أنه من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم والتعويل عليه واعتباره ردا وقبولا وأما غيره من المحدثين وهم الجمهور فتوسعوا في الشروط وكثر حديثهم والكل عن اجتهاد وقد توسع أصحابه من بعده في الشروط وكثرت روايتهم وروى الطحطاوي فاكثر وكتب مسنده وهو جليل القدر إلا أنه لا يعدل الصحيحين لان الشروط التي اعتمدها البخاري ومسلم في كتابيهما مجمع عليها بين الامة كما قالوه وشروط الطحطاوي غير متفق عليها كالرواية عن المستور الحال وغيره فلهذا قدم الصحيحان بل وكتب السنن المعروفة عليه لتأخر شرطه عن شروطهم ومن أجل هذا قيل في الصحيحين بالاجماع على قبولهما من جهة الاجماع على صحة ما فيهما من الشروط المتفق عليها فلا تأخذك ريبة في ذلك فالقوم أحق الناس بالظن الجميل بهم والتماس المخارج الصحيحة لهم والله سبحانه وتعالى أعلم بما في حقائق الامور الفصل السابع في علم الفقه وما يتبعه من الفرائض ألفقه معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين بالوجوب والحذر والندب والكراهة والاباحة وهي متلقاة من الكتاب والسنة وما نصبه الشارع لمعرفتها من الادلة فإذا استخرجت الاحكام من تلك الادلة قيل لها فقه وكان السلف يستخرجونها من تلك الادلة على اختلاف فيما بينهم ولا بد من وقوعه ضرورة أن الادلة غالبها من النصوص وهي بلغة العرب وفي اقتضاءات ألفاظها لكثير من معانيها اختلاف بينهم معروف وأيضا فالسنة مختلفة الطرق في الثبوت وتتعارض في الاكثر أحكامها فتحتاج إلى الترجيح وهو مختلف أيضا فالادلة من غير النصوص مختلف فيها وأيضا فالوقائع المتجددة لاتوفى بها النصوص وما كان منها غير ظاهر في المنصوص

[ 446 ]

فيحمل على المنصوص لمشابهة بينهما وهذه كلها إشارات للخلاف ضرورية الوقوع ومن هنا وقع الخلاف بين السلف والائمة من بعدهم ثم إن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم وإنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه وسائر دلالته بما تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم أو ممن سمعه منهم ومن عليتهم وكانوا يسمون لذلك القراء أي الدين يقرأون الكتاب لان العرب كانوا أمة أمية فاختص من كان منهم قارئا للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ وبقي الامر كذلك صدر الملة ثم عظمت أمصار الاسلام وذهبت الامية من العرب بممارسة الكتاب وتمكن الاستنباط وكمل الفقه وأصبح صناعة وعلما فبدلوا باسم الفقهاء والعلماء من القراء وانقسم الفقه فيهم إلى طريقتين طريقة أهل الرأي والقياس وهم أهل العراق وطريقة أهل الحديث وهم أهل الحجاز وكان الحديث قليلا في أهل العراق لما قدمناه فاسنكثروا من القياس ومهروا فيه فلذلك قيل أهل الرأي ومقدم جماعتهم الذي استقر المذهب فيه وفي أصحابه أبو حنيفة وإمام أهل الحجاز مالك بن أنس والشافعي من بعده ثم أنكر القياس طائفة من العلماء وأبطلوا العمل به وهم الظاهرية وجعلوا المدارك كلها منحصرة في النصوص والاجماع وردوا القياس الجلي والعلة المنصوصة إلى النص لان النص على العلة نص على الحكم في جميع محالها وكان إمام هذا المذهب داود ابن علي وابنه وأصحابهما وكانت هذه المذاهب الثلاثة هي مذاهب الجمهور المشتهرة بين الامة وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح وعلى قولهم بعصمة الائمة ورفع الخلاف عن أقوالهم وهي كلها أصول واهية وشذ بمثل ذلك الخوارج ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم بل أوسعوها جانب الانكار والقدح فلا نعرف شيئا من مذاهبهم ولا نروي كتبهم ولا أثر لشئ منها إلا في مواطنهم فكتب الشيعة في بلادهم وحيث كانت دولتهم قائمة في المغرب والمشرق واليمن والخوارج كذلك ولكل منهم كتب وتآليف وآراء في الفقه غريبة ثم درس مذهب أهل الظاهر اليوم بدروس أئمته وإنكار الجمهور على منتحله ولم يبق إلا في الكتب المجلدة وربما يعكف كثير من الطالبين

[ 447 ]

ممن تكلف بانتحال مذهبهم على تلك الكتب يروم أخذ فقههم منها ومذهبهم فلا يخلو بطائل ويصير إلى مخالفة الجمهور وإنكارهم عليه وربما عد بهذه النحلة من أهل البدع بنقله العلم من الكتب من غير مفتاح المعلمين وقد فعل ذلك ابن حزم بالاندلس على علو رتبته في حفظ الحديث وصار إلى مذهب أهل الظاهر ومهر فيه باجتهاد زعمه في أقوالهم وخالف إمامهم داود وتعرض للكثير من الائمة المسلمين فنقم الناس ذلك عليه وأوسعوا مذهبه استهجانا وإنكارا وتلقوا كتبه بالاغفال والترك حتى إنها ليحصر بيعها بالاسواق وربما تمزق في بعض الاحيان ولم يبق إلا مذهب أهل الرأي من العراق وأهل الحديث من الحجاز. فاما أهل العراق فامامهم الذي استقرت عنده مذاهبهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت ومقامه في الفقه لا يلحق شهد له بذلك أهل جلدته وخصوصا مالك والشافعي. وأما أهل الحجاز فكان إمامهم مالك ابن أنس الاصبحي إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى واختص بزيادة مدرك آخر للاحكام غير المدارك المعتبرة عند غيره وهو عمل أهل المدينة لانه رأى أنهم فيما ينفسون عليه من فعل أو ترك متابعون لمن قبلهم ضرورة لدينهم واقتدائهم وهكذا إلى الجيل المباشرين لفعل النبي صلى الله عليه وسلم الآخذين ذلك عنه وصار ذلك عنده من اصول الادلة الشرعية وظن كثير أن ذلك من مسائل الاجماع فانكره لان دليل الاجماع لا يخص أهل المدينة من سواهم بل هو شامل للامة. واعلم أن الاجماع إنما هو الاتفاق على الامر الديني عن اجتهاد ومالك رحمه الله تعالى لم يعتبر عمل أهل المدينة من هذا المعنى وإنما اعتبره من حيث اتباع الجيل بالمشاهدة للجيل إلى أن ينتهي إلى الشارع صلوات الله وسلامه عليه وضرورة اقتدائهم بعين ذلك يعم الملة ذكرت في باب الاجماع والابواب بها من حيث ما فيها من الاتفاق الجامع بينها وبين الاجماع إلا أن اتفاق أهل الاجماع عن نظر واجتهاد في الادلة واتفاق هؤلاء في فعل أو ترك مستندين إلى مشاهدة من قبلهم ولو ذكرت المسألة في باب فعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره أو مع الادلة المختلف فيها مثل مذهب الصحابي وشرع من قبلنا والاستصحاب لكان أليق ثم كان من بعد مالك بن أنس محمد بن أدريس المطلبي الشافعي رحمهما الله تعالى رحل إلى العراق

[ 448 ]

من بعد مالك ولقي أصحاب الامام أبي حنيفة وأخذ عنهم ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق واختص بمذهب وخالف مالكا رحمه الله تعالى في كثير من مذهبه وجاء من بعدهما أحمد بن حنبل رحمه الله وكان من عليه المحدثين وقرأ أصحابه على أصحاب الامام أبي حنيفة مع وفور بضاعتهم من الحديث فاختصوا بمذهب آخر ووقف التقليد في الامصار عند هؤلاء الاربعة ودرس المقلدون لمن سواهم وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه فصرحوا بالعجز والاعواز وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء كل من اختص به من المقلدين وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب ولم يبق إلا نقل مذاهبهم وعمل كل مقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الاصول واتصال سندها بالرواية لا محصول اليوم للفقه غير هذا ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده وقد صار أهل الاسلام اليوم على تقليد هؤلاء الائمة الاربعة فاما أحمد بن حنبل فمقلده قليل لبعد مذهبه عن الاجتهاد وأصالته في معاضدة الرواية وللاخبار بعضها ببعض وأكثرهم بالشام والعراق من بغداد ونواحيها وهم أكثر الناس حفظا للسنة ورواية الحديث وأما أبو حنيفة فقلده اليوم أهل العراق ومسلمة الهند والصين وما وراء النهر وبلاد العجم كلها لما كان مذهبه أخص بالعراق ودار السلام وكان تلميذه صحابة الخلفاء من بني العباس فكثرت تآليفهم ومناظراتهم مع الشافعية وحسنت مباحثهم في الخلافيات وجاءوا منها بعلم مستظرف وأنظار غريبة وهي بين أيدي الناس وبالمغرب منها شئ قليل نقله إليه القاضي بن العربي وأبو الوليد الباجي في رحلتهما وأما الشافعي فمقلدوه بمصر أكثر مما سواها وقد كان انتشر مذهبه بالعراق وخراسان وما وراء النهر وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الامصار وعظمت مجالس المناظرات بينهم وشحنت كتب الخلافيات بانواع استدلالاتهم ثم درس ذلك كله بدروس المشرق وأقطاره وكان الامام محمد بن أدريس الشافعي لما نزل على بني عبد الحكم بمصر أخذ عنه جماعة من بني عبد الحكم وأشهب وابن القاسم

[ 449 ]

وابن المواز وغيرهم ثم الحارس بن مسكين وبنوه ثم انقرض فقه أهل السنة من مصر بظهور دولة الرافضة وتداول بها فقه أهل البيت وتلاشى من سواهم إلى أن ذهبت دولة العبيديين من الرافضة على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب ورجع إليهم فقه الشافعي وأصحابه من أهل العراق والشام فعاد إلى أحسن ما كان ونفقت سوقه واشتهر منهم محيي الدين النووي من الحلبة التي ربيت في ظل الدولة الايوبية بالشام وعز الدين بن عبد السلام أيضا ثم ابن الرقعة بمصر وتقي الدين بن دقيق العيد ثم تقي الدين السبكي بعدهما إلى أن انتهى ذلك إلى شيخ الاسلام بمصر لهذا العهد وهو سراج الدين البلقيني فهو اليوم أكبر الشافعية بمصر كبير العلماء بل أكبر العلماء من أهل العصر. وأما مالك رحمه الله تعالى فاختص بمذهبه أهل المغرب والاندلس وإن كان يوجد في غيرهم إلا أنهم لا يقلدوا غيره إلا في القليل لما أن رحلتهم كانت غالبا إلى الحجاز وهو منتهى سفرهم والمدينة يومئذ دار العلم ومنها خرج إلى العراق ولم يكن العراق في طريقهم فاقتصروا عن الاخذ عن علماء المدينة وشيخهم يومئذ وإمامهم مالك وشيوخه من قبله وتلميذه من بعده فرجع إليه أهل المغرب والاندلس وقلدوه دون غيره ممن لم تصل إليهم طريقته وأيضا فالبداوة كانت غالبة على أهل المغرب والاندلس ولم يكونوا يعانون الحضارة التي لاهل العراق فكانوا إلى أهل الحجاز أميل لمناسبة البداوة ولهذا لم يزل المذهب المالكي غضا عندهم ولم يأخذه تنقيح الحضارة وتهذيبها كما وقع في غيره من المذاهب ولما صار مذهب كل إمام علما مخصوصا عند أهل مذهبه ولم يكن لهم سبيل إلى الاجتهاد والقياس فاحتاجوا إلى تنظير المسائل في الالحاق وتفريقها عند الاشتباه بعد الاستناد إلى الاصول المقررة من مذاهب إمامهم وصار ذلك كله يحتاج إلى ملكة راسخة يقتدر بها على ذلك النوع من التنظير أو التفرقة واتباع مذهب إمامهم فيهما ما استطاعوا وهذه الملكة هي علم الفقه لهذا العهد وأهل المغرب جميعا مقلدون لمالك رحمه الله وقد كان تلاميذه افترقوا بمصر والعراق فكان بالعراق منهم القاضي إسماعيل وطبقته مثل ابن خويز منداد وابن اللبان والقاضي وأبي بكر الابهري والقاضي أبي حسين بن القصار والقاضي عبد الوهاب ومن بعدهم وكان

[ 450 ]

بمصر ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم والحارث بن مسكين وطبقتهم ورحل من الاندلس عبد الملك بن حبيب فاخذ عن ابن القاسم وطبقته وبث مذهب مالك في الاندلس ودون فيه كتاب الواضحة ثم دون العتبي من تلامذته كتاب العتبية ورحل من أفريقية أسد بن الفرات نكتب عن أصحاب أبي حنيفة أولا ثم انتقل إلى مذهب مالك وكتب على ابن القاسم في سائر أبواب الفقه وجاء إلى القيروان بكتابه وسمي الاسدية نسبة إلى أسد بن الفرات فقرأ بها سحنون على أسد ثم ارتحل إلى المشرق ولقي ابن القاسم وأخذ عنه وعارضه بمسائل الاسدية فرجع عن كثير منها وكتب سحنون مسائلها ودونها وأثبت ما رجع عنه وكتب لاسد أن يأخذ بكتاب سحنون فانف من ذلك فترك الناس كتابه واتبعوا مدونة سحنون على ما كان فيها من اختلاط المسائل في الابواب فكانت تسمى المدونة والمختلطة وعكف أهل القيروان على هذه المدونة وأهل الاندلس على الواضحة والعتبية ثم اختصر ابن أبي زيد المدونة والمختلطة في كتابه المسمى بالمختصر ولخصه أيضا أبو سعيد البرادعي من فقهاء القيروان في كتابه المسمى بالتهذيب واعتمده المشيخة من اهل أفريقية وأخذوا به وتركوا ما سواه وكذلك اعتمد أهل الاندلس كتاب العتبية وهجروا الواضحة وما سواهاو لم تزل علماء المذهب يتعاهدون هذه الامهات بالشرح والايضاح والجمع فكتب أهل أفريقية على المدونة ما شاء الله أن يكتبوا مثل ابن يونس واللخمي وابن محرز التونسي وابن بشير وأمثالهم وكتب أهل الاندلس على العتبية ما شاء الله أن يكتبوا مثل ابن رشد وأمثاله وجمع ابن أبي زيد جميع ما في الامهات من المسائل والخلاف والاقوال في كتاب النوادر فاشتمل على جميع أقوال المذاهب وفرع الامهات كلها في هذا الكتاب ونقل ابن يونس معظمه في كتابه على المدونة وزخرت بحار المذهب المالكي في الافقين إلى انقراض دولة قرطبة والقيروان ثم تمسك بهما أهل المغرب بعد ذلك إلى أن جاء كتاب أبي عمرو بن الحاجب لخص فيه طرق أهل المذهب في كل باب وتعديد أقوالهم في كل مسألة فجاء كالبرنامج للمذهب وكانت الطريقة المالكية بقيت في مصر من لدن الحارث بن مسكين وابن المبشر وابن اللهيت وابن الرشيق وابن شاس وكانت بالاسكندرية في بني عوف

[ 451 ]

وبني سند وابن عطاء الله ولم أدر عمن أخذها أبو عمرو بن الحاجب لكنه جاء بعد انقراض دولة العبيديين وذهاب فقه أهل البيت وظهور فقهاء السنة من الشافعية والمالكية ولما جاء كتابه إلى المغرب آخر المائة السابعة عكف عليه الكثير من طلبة المغرب وخصوصا أهل بجاية لما كان كبير مشيختهم أبو علي ناصر الدين الزواوي هو الذي جلبه إلى المغرب فانه كان قرأ على أصحابه بمصر ونسخ مختصره ذلك فجاء به وانتشر بقطر بجاية في تلميذه ومنهم انتقل إلى سائر الامصار المغربية وطلبة الفقه بالمغرب لهذا العهد يتداولون قراءته ويتدارسونه لما يؤثر عن الشيخ ناصر الدين من الترغيب فيه وقد شرحه جماعة من شيوخهم كابن عبد السلام وابن رشد وابن هارون وكلهم من مشيخة أهل تونس وسابق حلبتهم في الاجادة في ذلك ابن عبد السلام وهم مع ذلك يتعاهدون كتاب التهذيب في دروسهم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم الفصل الثامن في علم الفرائض وهو معرفة فروض الوراثة وتصحيح سهام الفريضة مما تصح باعتبار فروضها الاصول أو مناسختها وذلك إذا هلك أحد الورثة وانكسرت سهامه على فروض ورثته فانه حينئذ يحتاج إلى حسب تصحيح الفريضة الاولى حتى يصل أهل الفروض جميعا في الفريضتين إلى فروضهم من غير تجزئة وقد تكون هذه المناسخات أكثر من واحد واثنين وتتعدد لذلك بعدد أكثر وبقدر ما تحتاج إلى الحسبان وكذلك إذا كانت فريضة ذات وجهين مثل أن يقر بعض الورثة بوارث وينكره الآخر فتصحح على الوجهين حينئذ وينظر مبلغ السهام ثم تقسم التركة على نسب سهام الورثة من أصل الفريضة وكل ذلك يحتاج إلى الحسبان وكان غالبا فيه وجعلوه فنا مفردا وللناس فيه تآليف كثيرة أشهر ما عند المالكية من متأخري الاندلس كتاب ابن ثابت ومختصر القاضي أبي القاسم الخوفي ثم الجعدي ومن متأخري أفريقية ابن النمر الطرابلسي وأمثالهم وأما الشافعية والحنفية والحنابلة فلهم فيه تآليف كثيرة وأعمال عظيمة صعبة شاهدة لهم باتساع الباع في الفقه والحساب

[ 452 ]

وخصوصا أبا المعالي رضي الله تعالى عنه وأمثاله من أهل المذاهب وهو فن شريف لجمعه بين المعقول والمنقول والوصول به إلى الحقوق في الوراثات بوجوه صحيحة يقينية عند ما تجهل الحظوظ وتشكل على القاسمين وللعلماء من أهل الامصار بها عناية ومن المصنفين من يحتاج فيها إلى الغلو في الحساب وفرض المسائل التي تحتاج إلى استخراج المجهولات من فنون الحساب كالجبر والمقابلة والتصرف في الجذور وأمثال ذلك فيملاون بها تآليفهم وهو وإن لم يكن متداولا بين الناس ولا يفيد فيما يتداولونه من وراثتهم لغرابته وقلة وقوعه فهو يفيد المران وتحصيل الملكة في المتداول على أكمل الوجوه وقد يحتج الاكثر من أهل هذا الفن على فضله بالحديث المنقول عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الفرائض ثلث العلم وأنها أول ما ينسى وفي رواية نصف العلم خرجه أبو نعيم الحافظ واحتج به أهل الفرائض بناء على أن المراد بالفرائض فروض الوراثة والذي يظهر أن هذا المحل بعيد وأن المراد بالفرائض إنما هي الفرائض التكليفية في العبادات والعادات والمواريث وغيرها وبهذا المعنى يصح فيها النصفية والثلثية وأما فروض الوراثة فهي أقل من ذلك كله بالنسبة إلى علم الشريعة كلها ويعين هذا المراد أن حمل لفظ الفرائض على هذا الفن المخصوص أو تخصيصه بفروض الوراثة إنما هو اصطلاح ناشئ للفقهاء عند حدوث الفنون والاصطلاحات ولم يكن صدر الاسلام يطلق على هذا إلا على عمومه مشتقا من الفرض الذي هو لغة التقدير أو القطع وما كان المراد به في إطلاقه إلا جميع الفروض كما قلناه وهي حقيقته الشرعية فلاينبغي أن يحمل إلا على ما كان يحمل في عصرهم فهو أليق بمرادهم منه والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق الفصل التاسع في اصول الفقه وما يتعلق به من الجدل والخلافيات إعلم أن أصول الفقه من أعظم العلوم الشرعية وأجلها قدرا وأكثرها فائدة وهو النظر في الادلة الشرعية من حيث تؤخذ منها الاحكام والتآليف وأصول الادلة الشرعية هي الكتاب الذي هو القرآن ثم السنة المبنية له فعلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت الاحكام تتلقى بما يوحى إليه من القرآن ويبينه بقوله وفعله

[ 453 ]

بخطاب شفاهي لا يحتاج إلى نقل ولا إلى نظر وقياس ومن بعده صلوات الله وسلامه عليه تعذر الخطاب الشفاهي وانحفظ القرآن بالتواتر وأما السنة فاجمع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على وجوب العمل بما يصل إلينا منها قولا أو فعلا بالنقل الصحيح الذي يغلب على الظن صدقه وتعينت دلالة الشرع في الكتاب والسنة بهذا الاعتبار ثم ينزل الاجماع منزلتهما لاجماع الصحابة على النكير على مخالفيهم ولا يكون ذلك إلا عن مستند لان مثلهم لا يتفقون من غير دليل ثابت مع شهادة الادلة بعصمة الجماعة فصار الاجماع دليلا ثابتا في الشرعيات ثم نظرنا في طرق استدلال الصحابة والسلف بالكتاب والسنة فإذا هم يقيسون الاشباه بالاشباه منهما ويناظرون الامثال بالامثال باجماع منهم وتسليم بعضهم لبعض في ذلك فان كثيرا من الواقعات بعده صلوات الله وسلامه عليه لم تندرج في النصوص الثابتة فقاسوها بما ثبت وألحقوها بما نص عليه بشروط في ذلك الالحاق تصحيح تلك المساواة بين الشبيهين أو المثلين حتى يغلب على الظن أن حكم الله تعالى فيهما واحد وصار ذلك دليلا شرعيا باجماعهم عليه وهو القياس وهو رابع الادلة واتفق جمهور العلماء على أن هذه هي أصول الادلة وإن خالف بعضهم في الاجماع والقياس إلا أنه شذوذ وألحق بعضهم بهذه الاربعة أدلة أخرى لا حاجة بنا إلى ذكرها لضعف مداركها وشذوذ القول فيها فكان أول مباحث هذا الفن النظر في كون هذه أدلة فاما الكتاب فدليله المعجزة القاطعة في متنه والتواتر في نقله فلم يبق فيه مجال للاحتمال وأما السنة وما نقل إلينا منها فالاجماع على وجوب العمل بما يصح منها كما قلناه معتضدا بما كان عليه العمل في حياته صلوات الله وسلامه عليه من إنفاذ الكتب والرسل إلى النواحي بالاحكام والشرائع آمرا وناهيا وأما الاجماع فلا تفاقهم رضوان الله عليهم على إنكار مخالفتهم مع العصمة الثابتة للامة وأما القياس فبإجماع الصحابة رضي الله عنهم عليه كما قدمناه هذه أصول الادلة ثم إن المنقول من السنة محتاج إلى تصحيح الخبر بالنظر في طرق النقل وعدالة الناقلين لتتميز الحالة المحصلة للظن بصدقه الذي هو مناط وجوب العمل وهذه أيضا من قواعد الفن ويلحق بذلك عند التعارض بين الخبرين وطلب المتقدم منهما

[ 454 ]

معرفة الناسخ والمنسوخ وهي من فصوله أيضا وأبوابه ثم بعد ذلك يتعين النظر في دلالة الالفاظ وذلك أن استفادة المعاني على الاطلاق من تراكيب الكلام على الاطلاق يتوقف على معرفة الدلالات الوضعية مفردة ومركبة والقوانين اللسانية في ذلك هي علوم النحو والتصريف والبيان وحين كان الكلام ملكة لاهله لم تكن هذه علوما ولا قوانين ولم يكن الفقه حينئذ يحتاج إليها لانها جبلة وملكة فلما فسدت الملكة في لسان العرب قيدها الجهابذة المتجردون لذلك بنقل صحيح ومقايس مستنبطة صحيحة وصارت علوما يحتاج إليها الفقيه في معرفة أحكام الله تعالى ثم إن هناك استفادات أخرى خاصة من تراكيب الكلام وهي استفادة الاحكام الشرعية بين المعاني من أدلتها الخاصة من تراكيب الكلام وهو الفقه ولا يكفي فيه معرفة الدلالات الوضعية على الاطلاق بل لابد من معرفة أمور أخرى تتوقف عليها تلك الدلالات الخاصة وبها تستفاد الاحكام بحسب ما أصل أهل الشرع وجهابذة العلم من ذلك وجعلوه قوانين لهذه الاستفادة مثل أن اللغة لا تثبت قياسا والمشترك لا يراد به معناه معا والواو لا تقتضي الترتيب والعام إذا اخرجت أفراد الخاص منه هل يبقى حجة فيما عداها والامر للوجوب أو الندب وللفور أو التراخي والنهي يقتضي الفساد أو الصحة والمطلق هل يحمل على المقيد والنص على العلة كاف في التعدد أم لا وأمثال هذه فكانت كلها من قواعد هذا الفن ولكونها من مباحث الدلالة كانت لغوية ثم إن النظر في القياس من أعظم قواعد هذا الفن لان فيه تحقيق الاصل والفرع فيما يقاس ويماثل من الاحكام وينفتح الوصف الذي يغلب على الظن أن الحكم علق به في الاصل من تبين أوصاف ذلك المحل أو وجود ذلك الوصف والفرع من معارض يمنع من ترتيب الحكم عليه في مسائل أخرى من توابع ذلك كلها قواعد لهذا الفن. (واعلم) أن هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملة وكان السلف في غنية عنه بما أن استفادة المعاني من الالفاظ لا يحتاج فيها إلى أزيد مما عندهم من الملكة اللسانية وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الاحكام خصوصا فمنهم أخذ معظمها وأما الاسانيد فلم يكونوا يحتاجون إلى النظر فيها لقرب العصر وممارسة النقلة وخبرتهم بهم فلما انقرض السلف وذهب

[ 455 ]

الصدر الاول وانقلبت العلوم كلها صناعة كما قررناه من قبل احتاج الفقهاء والمجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الاحكام من الادلة فكتبوها فنا قائما برأسه سموه أصول الفقه وكان أول من كتب فيه الشافعي رضي الله تعالى عنه أملى فيه رسالته المشهورة تكلم فيها في الاوامر والنواهي والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة من القياس ثم كتب فقهاء الحنفية فيه وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها وكتب المتكلمون أيضا كذلك إلا أن كتابة الفقهاء فيها أمس بالفقه وأليق بالفروع لكثرة الامثلة ومنها والشواهد وبناء المسائل فيها على النكت الفقهية والمتكلمون يجردون صور تلك المسائل على الفقه ويميلون إلى الاستدلال العقلي ما أمكن لانه غالب فنونهم ومقتضى طريقتهم فكان لفقهاء الحنفية فيها اليد الطولى من الغوص على النكت الفقهية والتقاط هذه القوانين من مسائل الفقه ما أمكن وجاء أبو زيد الدبوسي من أئمتهم فكتب في القياس باوسع من جميعهم وتمم الابحاث والشروط التي يحتاج إليها فيه وكملت صناعة أصول الفقه بكماله وتهذبت مسائله وتمهدت قواعده وعني الناس بطريقة المتكلمين فيه وكان من أحسن ما كتب فيه المتكلمون كتاب البرهان لامام الحرمين والمستصفى للغزالي وهما من الاشعرية وكتاب العهد لعبد الجبار وشرحه المعتمد لابي الحسين البصري وهما من المعتزلة وكانت الاربعة قواعد هذا الفن وأركانه ثم لخص هذه الكتب الاربعة فحلان من المتكلمين المتأخرين وهما الامام فخر الدين بن الخطيب في كتاب المحصول وسيف الدين الآمدي في كتاب الاحكام واختلفت طرائقهما في الفن بين التحقيق والحجاج فابن الخطيب أميل إلى الاستكثار من الادلة والاحتجاج والآمدي مولع بتحقيق المذاهب وتفريع المسائل وأما كتاب المحصول فاختصره تلميذ الامام سراج الدين الارموي في كتاب التحصيل وتاج الدين الارموي في كتاب الحاصل واقتطف شهاب الدين القرافي منهما مقدمات وقواعد في كتاب صغير سماه التنقيحات وكذلك فعل البيضاوي في كتاب المنهاج وعني المبتدئون بهذين الكتابين وشرحهما كثير من الناس. وأما كتاب الاحكام للآمدي وهو أكثر تحقيقا في المسائل فلخصه أبو عمر بن الحاجب في كتابه

[ 456 ]

المعروف بالمختصر الكبير ثم اختصره في كتاب آخر تداوله طلبه العلم وعني أهل المشرق والمغرب به وبمطالعته وشرحه وحصلت زبدة طريقة المتكلمين في هذا الفن في هذه المختصرات. وأما طريقة الحنفية فكتبوا فيها كثيرا وكان من أحسن كتابة فيها للمتقدمين تأليف أبي زيد الدبوسي وأحسن كتابة المتأخرين فيها تأليف سيف الاسلام البزدوي من أئمتهم وهو مستوعب وجاء ابن الساعاتي من فقهاء الحنفية فجمع بين كتاب الاحكام وكتاب البزدوي في الطريقتين وسمي كتابه بالبدائع فجاء من أحسن الاوضاع وأبدعها وأئمة العلماء لهذا العهد يتداولونه قراءة وبحثا وأولع كثير من علماء العجم بشرحه والحال على ذلك لهذا العهد هذه حقيقة هذا الفن وتعيين موضوعاته وتعديد التآليف المشهورة لهذا العهد فيه والله ينفعنا بالعلم ويجعلنا من أهله بمنه وكرمه إنه على كل شئ قدير (واما الخلافات). فاعلم أن هذا الفقه المستنبط من الادلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مدراكهم وأنظارهم خلافا لا بد من وقوعه لما قدمناه واتسع ذلك في الملة اتساعا عظيما وكان للمقلدين أن يقلدوا من شاءوا منهم ثم لما انتهى ذلك إلى الائمة الاربعة من علماء الامصار وكانوا بمكان من حسن الظن بهم اقتصر الناس على تقليدهم ومنعوا من تقليد سواهم لذهاب الاجتهاد لصعوبته وتشعب العلوم التي هي مواده باتصال الزمان وافتقاد من يقوم على سوى هذه المذاهب الاربعة فاقيمت هذه المذاهب الاربعة اصول الملة وأجري الخلاف بين المتمسكين بها والآخذين باحكامها مجرى الخلاف في النصوص الشرعية والاصول الفقهية وجرت بينهم المناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه تجري على اصول صحيحة وطرائق قويمة يحتج بها كل على مذهبه الذي قلده وتمسك به وأجريت في مسائل الشريعة كلها وفي كل باب من أبواب الفقه فتارة يكون الخلاف بين الشافعي ومالك وأبو حنيفة يوافق أحدهما وتارة بين مالك وأبي حنيفة والشافعي يوافق أحدهما وتارة بين الشافعي وأبي حنيفة ومالك يوافق أحدهما وكان في هذه المناظرات بيان مآخذ هؤلاء الائمة ومثارات اختلافهم ومواقع اجتهادهم كان هذا الصنف من العلم يسمى بالخلافيات ولابد لصاحبه من معرفة القواعد التي يتوصل بها

[ 457 ]

إلى استنباط الاحكام كما يحتاج إليها المجتهد إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته وهو لعمري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الائمة وأدلتهم ومران المطالعين له على الاستدلال عليه وتآليف الحنفية والشافعية فيه أكثر من تآليف المالكية لان القياس عند الحنفية أصل للكثير من فروع مذهبهم كما عرفت فهم لذلك أهل النظر والبحث. وأما المالكية فالاثر أكثر معتمدهم وليسوا بأهل نظر وأيضا فأكثرهم أهل الغرب وهم بادية غفل من الصنائع إلا في الاقل وللغزالي رحمه الله تعالى فيه كتاب المآخذ ولابي زيد الدبوسي كتاب التعليقة ولابن القصار من شيوخ المالكية عيون الادلة وقد جمع ابن الساعاتي في مختصره في أصول الفقه جميع ما ينبني عليها من الفقه الخلافي مدرجا في كل مسألة ما ينبني عليها من الخلافيات (واما الجدل) وهو معرفة آداب المناظرة التي تجري بين أهل المذاهب الفقهية وغيرهم فانه لما كان باب المناظرة في الرد والقبول متسعا وكل واحد من المتناظرين في الاستدلال والجواب يرسل عنانه في الاحتجاج ومنه ما يكون صوابا ومنه ما يكون خطأ فاحتاج الائمة إلى أن يضعوا آدابا وأحكاما يقف المتناظران عند حدودها في الرد والقبول وكيف يكون حال المستدل والمجيب وحيث يسوغ له أن يكون مستدلا وكيف يكون مخصوصا منقطعا ومحل اعتراضه أو معارضته وأين يجب عليه السكوت ولخصمه الكلام والاستدلال ولذلك قيل فيه إنه معرفة بالقواعد من الحدود والآداب في الاستدلال التي يتوصل بها إلى حفظ رأي وهدمه سواء كان ذلك الرأي من الفقه أو غيره وهي طريقتان طريقة البزدوي وهي خاصة بالادلة الشرعية من النص والاجماع والاستدلال وطريقة العميدي وهي عامة في كل دليل يستدل به من أي علم كان وأكثره استدلال وهو من المناحي الحسنة والمغالطات فيه في نفس الامر كثيرة وإذا اعتبرنا النظر المنطقي كان في الغالب أشبه بالقياس المغالطي والسوفسطائي إلا أن صور الادلة والاقيسة فيه محفوظة مراعاة تتحرى فيها طرق الاستدلال كما ينبغي وهذا العميدي هو أول من كتب فيها ونسبت الطريقة إليه وضع الكتاب المسمى بالارشاد مختصرا وتبعه من بعده

[ 458 ]

من المتأخرين كالنسفي وغيره جاءوا على أثره وسلكوا مسلكه وكثرت في الطريقة التآليف وهي لهذا العهد مهجورة لنقص العلم والتعليم في الامصار الاسلامية وهي مع ذلك كمالية وليست ضرورية والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق الفصل العاشر في علم الكلام هو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الايمانية بالادلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة وسر هذه العقائد الايمانية هو التوحيد فلنقدم هنا لطيفة في برهان عقلي يكشف لناعن التوحيد على أقرب الطرق والماخذ ثم نرجع إلى تحقيق علمه وفيما ينظر ويشير إلى حدوثه في الملة وما دعا إلى وضعه فنقول إن الحوادث في عالم الكائنات سواء كانت من الذوات أو من الافعال البشرية أو الحيوانية فلا بدلها من أسباب متقدمة عليها بها تقع في مستقر العادة وعنها يتم كونه وكل واحد من هذه الاسباب حادث أيضا فلا بدله من أسباب أخر ولا تزال تلك الاسباب مرتقية حتى تنتهي إلى مسبب الاسباب وموجدها وخالقها سبحانه لا إله إلا هو وتلك الاسباب في ارتقائها تتفسح وتتضاعف طولا وعرضا ويحار العقل في إدراكها وتعديدها فإذا لا يحصرها إلا العلم المحيط سيما الافعال البشرية والحيوانية فان من جملة أسبابها في الشاهد القصود والارادات إذ لا يتم كون الفعل إلا بارادته والقصد إليه والقصود والارادات أمور نفسانية ناشئة في الغالب عن تصورات سابقة يتلو بعضها بعضا وتلك التصورات هي أسباب قصد الفعل وقد تكون أسباب تلك التصورات تصورات أخرى وكل ما يقع في النفس من التصورات مجهول سببه إذ لا يطلع أحد على مبادئ الامور النفسانية ولا على ترتيبها إنما هي أشياء يلقيها الله في الفكر يتبع بعضها بعضا والانسان عاجز عن معرفة مبادئها وغاياتها وإنما يحيط علما في الغالب بالاسباب التي هي طبيعة ظاهرة ويقع في مداركها على نظام وترتيب لان الطبيعة محصورة للنفس وتحت طورها وأما التصورات فنطاقها أوسع من النفس لانها للعقل الذي هو فوق طور النفس فلا تدرك الكثير منها فضلا عن الاحاطة وتأمل من ذلك حكمة الشارع في نهيه عن النظر

[ 459 ]

إلى الاسباب والوقوف معها فانه واد يهيم فيه الفكر ولا يحلو منه بطائل ولا يظفر بحقيقة قال الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وربما انقطع في وقوفه عن الارتقاء إلى ما فوقه فزلت قدمه وأصبح من الضالين الهالكين نعوذ بالله من الحرمان والخسران المبين ولا تحسبن أن هذا الوقوف أو الرجوع عنه في قدرتك واختيارك بل هو لون يحصل للنفس وصبغة تستحكم من الخوض في الاسباب على نسبة لا نعلمها إذ لو علمناها لتحرزنا منها فلنتحرز من ذلك بقطع النظر عنها جملة وأيضا فوجه تأثير هذه الاسباب في الكثير من مسبباتها مجهول لانها إنما يوقف عليها بالعادة لاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر وحقيقة التأثير وكيفيته مجهولة وما أوتيتم من العلم إلا قليلا فلذلك أمرنا بقطع النظر عنها وإلغائها جملة والتوجه إلى مسبب الاسباب كلها وفاعلها وموجدها لترسخ صفة التوحيد في النفس على ما علمنا الشارع الذي هو أعرف بمصالح ديننا وطرق سعادتنا لاطلاعه على ما وراء الحس قال صلى الله عليه وسلم من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة فان وقف عند تلك الاسباب فقد انقطع وحقت عليه كلمة الكفر وأن سبح في بحر النظر والبحث عنها وعن أسبابها وتأثيراتها واحدا بعد واحد فانا الضامن له أن لا يعود إلا بالخيبة فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الاسباب وأمرنا بالتوحيد المطلق قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفأ أحد ولا تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على الاحاطة بالكائنات وأسبابها والوقوف على تفصيل الوجود كله وسفه رأيه في ذلك واعلم أن الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه منحصر في مداركه لا يعدوها والامر في نفسه بخلاف ذلك والحق من ورائه ألا ترى الاصم كيف ينحصر الوجود عنده في المحسوسات الاربع والمعقولات ويسقط من الوجود عنده صنف المسموعات وكذلك الاعمى أيضا يسقط عنده صنف المرئيات ولولا ما يردهم إلى ذلك تقليد الآباء والمشيخة من أهل عصرهم والكافة لما أقروا به لكنهم يتبعون الكافة في إثبات هذه الاصناف لا بمقتضى فطرتهم وطبيعة إدراكهم ولو سئل الحيوان الاعجم ونطق لوجدناه منكرا للمعقولات وساقطة لديه بالكلية فإذا علمت هذا فلعل هناك ضربا من الادراك مدركاتنا لان إدراكاتنا مخلوقة

[ 460 ]

محدثة وخلق الله أكبر من خلق الناس والحصر مجهول والوجود أوسع نطاقا من ذلك والله من ورائهم محيط فاتهم إدراكك ومدركاتك في الحصر واتبع ما أمرك الشارع به من اعتقادك وعملك فهو أحرص على سعادتك وأعلم بما ينفعك لانه من طور فوق إدراكك ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه بل العقل ميزان صحيح فاحكامه يقينية لاكذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبؤة وحقائق الصفات الالهية وكل ما وراء طوره فان ذلك طمع في محال ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال وهذا لا يدرك على أن الميزان في أحكامه غير صادق لكن العقل قد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته فانه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه وتفطن في هذا الغلط ومن يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا وقصور فهمه واضمحلال رأيه فقد تبين لك الحق من ذلك وإذ تبين ذلك فلعل الاسباب إذا تجاوزت في الارتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا خرجت عن أن تكون مدركة فيضل العقل في بيداء الاوهام ويحار وينقطع فإذا التوحيد أو العجز عن إدراك الاسباب وكيفيات تأثيرها وتفويض ذلك إلى خالقها المحيط بها إذ لا فاعل غيره وكلها ترتقي إليه وترجع إلى قدرته وعلمنا به إنما هو من حيث صدورنا عنه وهذا معنى ما نقل عن بعض الصديقين العجز عن الادراك إدراك ثم إن المعتبر في هذا التوحيد ليس هو الايمان فقط الذي هو تصديق حكمي فان ذلك من حديث النفس وإنما الكمال فيه حصول صفة منه تتكيف بها النفس كما أن المطلوب من الاعمال والعبادات أيضا حصول ملكة الطاعة والانقياد وتفريغ القلب عن شواغل ما سوى المعبود حتى ينقلب المريد السالك ربانيا والفرق بين الحال والعلم في العقائد فرق ما بين القول والاتصاف وشرحه أن كثيرا من الناس يعلم أن رحمة اليتيم والمسكين قربة إلى الله تعالى مندوب إليها ويقول بذلك ويعترف به ويذكر مأخذه من الشريعة وهو لو رأى يتيما أو مسكينا من أبناء المستضعفين لفر عنه واستنكف أن يباشره فضلا عن التمسح عليه للرحمة وما بعد ذلك من مقامات العطف والحنو والصدقة فهذا إنما حصل له

[ 461 ]

من رحمة اليتيم مقام العلم ولم يحصل له مقام الحال والاتصاف ومن الناس من يحصل له مع مقام العلم والاعتراف بأن رحمة المسكين قربة إلى الله تعالى مقام آخر أعلى من الاول وهو الاتصاف بالرحمة وحصول ملكتها فمتى رأى يتيما أو مسكينا بادر إليه ومسح عليه والتمس الثواب في الشفقة عليه لا يكاد يصبر عن ذلك ولو دفع عنه ثم يتصدق عليه بما حضره من ذات يده وكذا علمك بالتوحيد مع اتصافك به والعلم حاصل عن الاتصاف ضرورة وهو أوثق مبنى من العلم الحاصل قبل الاتصاف وليس الاتصاف بحاصل عن مجرد العلم حتى يقع العمل ويتكرر مرارا غير منحصرة فترسخ الملكة ويحصل الاتصاف والتحقيق ويجئ العلم الثاني النافع في الآخرة فإن العلم الاول المجرد عن الاتصاف قليل الجدوى والنفع وهذا علم أكثر النظار والمطلوب إنما هو العلم الحالي الناشئ عن العادة. واعلم أن الكمال عند الشارع في كل ما كلف به إنما هو في هذا فما طلب اعتقاده فالكمال فيه في العلم الثاني الحاصل عن الاتصاف وما طلب عمله من العبادات فالكمال فيها في حصول الاتصاف والتحقق بها ثم إن الاقبال على العبادات والمواظبة عليها هو المحصل لهذه الثمرة الشريفة قال صلى الله عليه وسلم في رأس العبادات جعلت قرة عيني في الصلاة فإن الصلاة صارت له صفة وحالا يجد فيها منتهى لذاته وقرة عينه وأين هذا من صلاة الناس ومن لهم بها فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون اللهم وفقنا واهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقد تبين لك من جميع ما قررناه أن المطلوب في التكاليف كلها حصول ملكة راسخة في النفس يحصل عنها علم اضطراري للنفس هو التوحيد وهو العقيدة الايمانية وهو الذي تحصل به السعادة وأن ذلك سواء في التكاليف القلبية والبدنية ويتفهم منه أن الايمان الذي هو أصل التكاليف وينبوعها هو بهذه المثابة ذو مراتب أولها التصديق القلبي الموافق للسان وأعلاها حصول كيفية من ذلك الاعتقاد القلبي وما يتبعه من العمل مستولية على القلب فيستتبع الجوارح وتندرج في طاعتها جميع التصرفات حتى تنخرط الافعال كلها في طاعة ذلك التصديق الايماني وهذا أرفع مراتب الايمان وهو الايمان الكامل الذي لا يقارف المؤمن

[ 462 ]

معه صغيرة ولا كبيرة إذ حصول الملكة ورسوخها مانع من الانحراف عن مناهجه طرفة عين قال صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وفي حديث هرقل لما سأل أبا سفيان بن حرب عن النبي صلى الله عليه وسلم وأحواله فقال في أصحابه هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه قال لا قال وكذلك الايمان حين تخالط بشاشته القلوب ومعناه أن ملكة الايمان إذا استقرت عسر على النفس مخالفتها شأن الملكات إذا استقرت فإنها تحصل بمثابة الجبلة والفطرة وهذه هي المرتبة العالية من الايمان وهي في المرتبة الثانية من العصمة لان العصمة واجبة للانبياء وجوبا سابقا وهذه حاصلة للمؤمنية حصولا تابعا لاعمالهم وتصديقهم وبهذه الملكة ورسوخها يقع التفاوت في الايمان كالذي يتلى عليك من أقاويل السلف وفي تراجم البخاري رضي الله عنه في باب الايمان كثير منه مثل أن الايمان قول وعمل ويزيد وينقص وأن الصلاة والصيام من الايمان وأن تطوع رمضان من الايمان والحياء من الايمان والمراد بهذا كله الايمان الكامل الذي أشرنا إليه وإلى ملكته وهو فعلي وأما التصديق الذي هو أول مراتبه فلا تفاوت فيه فمن اعتبر أوائل الاسماء وحمله على التصديق منع من التفاوت كما قال أئمة المتكلمين ومن اعتبر أواخر الاسماء وحمله على هذه الملكة التي هي الايمان الكامل ظهر له التفاوت وليس ذلك بقادح في اتحاد حقيقته الاولى التي هي التصديق إذ التصديق موجود في جميع رتبه لانه أقل ما يطلق عليه اسم الايمان وهو المخلص من عهدة الكفر والفيصل بين الكافر والمسلم فلا يجزي أقل منه وهو في نفسه حقيقة واحدة لا تتفاوت وإنما التفاوت في الحال الحاصلة عن الاعمال كما قلناه فافهم واعلم أن الشارع وصف لنا هذا الايمان الذي في المرتبة الاولى الذي هو تصديق وعين أمورا مخصوصة كلفنا التصديق بها بقلوبنا واعتقادها في أنفسنا مع الاقرار بألسنتنا وهي العقائد التي تقررت في الدين قال صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الايمان فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره وهذه هي العقائد الايمانية المقررة في علم الكلام. ولنشر إليها مجملة لتتبين لك حقيقة هذا الفن وكيفية حدوثه فنقول. إعلم أن الشارع لما أمرنا بالايمان بهذا الخالق الذي رد

[ 463 ]

الافعال كلها إليه وأفرده به كما قدمناه وعرفنا أن في هذا الايمان نجاتنا عند الموت إذا حضرنا لم يعرفنا بكنه حقيقة هذا الخالق المعبود وهو إذ ذاك متعذر على إدراكنا ومن فوق طورنا فكلفنا أولا اعتقاد تنزيهه في ذاته عن مشابهة المخلوقين وإلا لما صح أنه خالق لهم لعدم الفارق على هذا التقدير ثم تنزيهه عن صفات النقص وإلا لشابه المخلوقين ثم توحيده بالاتحاد وإلا لم يتم الخلق للتمانع ثم اعتقاد أنه عالم قادر فبذلك تتم الافعال شاهد قضيته لكمال الاتحاد والخلق ومريد وإلا لم يخصص شئ من المخلوقات ومقدر لكل كائن وإلا فالارادة حادثة وأنه يعيدنا بعد الموت تكميلا لعنايته بالايجاد ولو كان لامر فإن كان عبثا فهو للبقاء السرمدي بعد الموت ثم اعتقاد بعثة الرسل للنجاة من شقاء هذا المعاد لاختلاف أحواله بالشقاء والسعادة وعدم معرفتنا بذلك وتمام لطفه بنا في الايتاء بذلك وبيان الطريقين وأن الجنة للنعيم وجهنم للعذاب هذه أمهات العقائد الايمانية معللة بأدلتها العقلية وأدلتها من الكتاب والسنة كثير وعن تلك الادلة أخذها السلف وأرشد إليها العلماء وحققها الائمة إلا أنه عرض بعد ذلك خلاف في تفاصيل هذه العقائد أكثر مثارها من الآي المتشابهة فدعا ذلك إلى الخصام والناظر والاستدلال بالعقل وزيادة إلى النقل فحدث بذلك علم الكلام ولنبين لك تفصيل هذا المجمل وذلك أن القرآن ورد فيه وصف المعبود بالتنزيه المطلق الظاهر الدلالة من غير تأويل في آي كثيرة وهي سلوب كلها وصريحة في بابها فوجب الايمان بها ووقع في كلام الشارع صلوات الله عليه وكلام الصحابة والتابعين تفسيرها على ظاهرها ثم وردت في القرآن آي أخرى قليلة توهم التشبيه وقضوا بأن الآيات من كلام الله فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل وهذا معنى قول الكثير منهم إقرأوها كما جاءت أي آمنوا بأنها من عند الله ولا تتعرضوا لتأويلها ولا تفسيرها لجواز أن تكون ابتلاء فيجب الوقف والاذعان له وشذ لعصرهم مبتدعة اتبعوا ما تشابه من الآيات وتوغلوا في التشبيه ففريق أشبهوا في الذات باعتقاد اليد والقدم والوجه عملا بظواهر وردت بذلك فوقعوا في التجسيم الصريح ومخالفة آي التنزيه المطلق التي هي أكثر موارد وأوضح دلالة لان معقولية الجسم تقتضي النقص والافتقار وتغليب

[ 464 ]

آيات السلوب في التنزيه المطلق التي هي أكثر موارد وأوضح دلالة أولى من التعلق بظواهر هذه التي لنا عنها غنية وجمع بين الدليلين بتأويلهم ثم يفرون من شناعة ذلك بقولهم جسم لا كالاجسام وليس ذلك بدافع عنهم لانه قول متناقض وجمع بين نفي وإثبات إن كان بالمعقولية واحدة من الجسم وإن خالفوا بينهما ونفوا المعقولية المتعارفة فقد وافقونا في التنزيه ولم يبق إلا جعلهم لفظ الجسم اسما من أسمائه ويتوقف مثله على الاذن وفريق منهم ذهبوا إلى التشبيه في الصفات كإثبات الجهة والاستواء والنزول والصوت والحرف وأمثال ذلك وآل قولهم إلى التجسيم فنزعوا مثل الاولين إلى قولهم صوت لا كالاصوات جهة لا كالجهات نزول لا كالنزول يعنون من الاجسام واندفع ذلك بما اندفع به الاول ولم يبق في هذه الظواهر إلا اعتقادات السلف ومذاهبهم والايمان بها كما هي لئلا يكرالنفي على معانيها بنفيها مع أنها صحيحة ثابتة من القرآن ولهذا تنظر ما تراه في عقيدة الرسالة لابن أبي زيد وكتاب المختصر له وفي كتاب الحافظ ابن عبد البر وغيرهم فإنهم يحومون على هذا المعنى ولا تغمض عينك عن القرائن الدالة على ذلك في غضون كلامهم ثم لما كثرت العلوم والصنائع وولع الناس بالتدوين والبحث في سائر الانحاء وألف المتكلمون في التنزيه حدثت بدعة المعتزلة في تعميم هذا التنزيه في آي السلوب فقضوا بنفي صفات المعاني من العلم والقدرة والارادة والحياة زائدة على أحكامها لما يلزم على ذلك من تعدد القديم بزعمهم وهو مردود بأن الصفات ليست عين الذات ولا غيرها وقضوا بنفي السمع والبصر لكونهما من عوارض الاجسام وهو مردود لعدم اشتراط البنية في مدلول هذا اللفظ وإنما هو إدراك المسموع أو المبصر وقضوا بنفي الكلام لشبه ما في السمع والبصر ولم يعقلوا صفة الكلام التي تقوم بالنفس فقضوا بأن القرآن مخلوق بدعة صرح السلف بخلافها وعظم ضرر هذه البدعة ولقنها بعض الخلفاء عن أئمتهم فحمل الناس عليها وخالفهم أئمة السلف فاستحل لخلافهم إيسار كثير منهم ودماؤهم وكان ذلك سببا لانتهاض أهل السنة بالادلة العقلية على هذه العقائد دفعا في صدور هذه البدع وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الاشعري إمام المتكلمين فتوسط بين الطرق ونفى التشبيه وأثبت الصفات

[ 465 ]

المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف وشهدت له الادلة المخصصة لعمومه فأثبت الصفات الاربع المعنوية والسمع والبصر والكلام القائم بالنفس بطريق النقل والعقل ورد على المبتدعة في ذلك كله وتكلم معهم فيما مهدوه لهذه البدع من القول بالصلاح والاصلح والتحسين والتقبيح وكمل العقائد في البعثة وأحوال الجنة والنار والثواب والعقاب وألحق بذلك الكلام في الامامة لما ظهر حينئذ من بدعة الامامية من قولهم إنها من عقائد الايمان وإنه يجب على النبي تعيينها والخروج عن العهدة في ذلك لمن هي له وكذلك على الامة وقصارى أمر الامامة أنها قضية مصلحية إجماعية ولا تلحق بالعقائد فلذلك ألحقوها بمسائل هذا الفن وسموا مجموعة علم الكلام إما لما فيه من المناظرة على البدع وهي كلام صرف وليست براجعة إلى عمل وإما لان سبب وضعه والخوض فيه هو تنازعهم في إثبات الكلام النفسي وكثر أتباع الشيخ أبي الحسن الاشعري واقتفى طريقته من بعده تلميذه كابن مجاهد وغيره وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني فتصدر للامامة في طريقتهم وهذبها ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الادلة والانظار وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد والخلاء وأن العرض لا يقوم بالعرض وأنه لا يبقى زمانين وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم وجعل هذه القواعد تبعا للعقائد الايمانية في وجوب اعتقادها لتوقف تلك الادلة عليها وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول وجملت هذه الطريقة وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية إلا أن صور الادلة تعتبر بها الاقيسة ولم تكن حينئذ ظاهرة في الملة ولو ظهر منها بعض الشئ فلم يأخذ به المتكلمون لملابستها للعلوم الفلسفية المباينة للعقائد الشرعية بالجملة فكانت مهجورة عندهم لذلك ثم جاء بعد القاضي أبي بكر الباقلاني إمام الحرمين أبو المعالي فأملى في الطريقة كتاب الشامل وأوسع القول فيه ثم لخصه في كتاب الارشاد واتخذه الناس إماما لعقائدهم ثم انتشرت من بعد ذلك علوم المنطق في الملة وقرأه الناس وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية بأنه قانون ومعيار للادلة فقط يسبر به الادله منها كما يسبر من سواها ثم نظروا في تلك القواعد المقدمات في فن الكلام للاقدمين فخالفوا الكثير منها بالبراهين التي

[ 466 ]

أدلت إلى ذلك وربما أن كثيرا منها مقتبس من كلام الفلاسفة في الطبيعيات والالهيات فلما سبروها بمعيار المنطق ردهم إلى ذلك فيها ولم يعتقدوا بطلان المدلول من بطلان دليله كما صار إليه القاضي فصارت هذه الطريقة من مصطلحهم مباينة للطريقة الاولى وتسمى طريقة المتأخرين وربما أدخلوا فيها الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه من العقائد الايمانية وجعلوهم من خصوم العقائد لتناسب الكثير من مذاهب المبتدعة ومذاهبهم وأول من كتب في طريقة الكلام على هذا المنحى الغزالي رحمه الله وتبعه الامام ابن الخطيب وجماعة قفوا أثرهم واعتمدوا تقليدهم ثم توغل المتأخرون من بعدهم في مخالطة كتب الفلسفة والتبس عليهم شأن الموضوع في العلمين فحسبوه فيهما واحدا من اشتباه المسائل فيهما. واعلم أن المتكلمين لما كانوا يستدلون في أكثر أحوالهم بالكائنات وأحوالها على وجود الباري وصفاته وهو نوع استدلالهم غالبا والجسم الطبيعي ينظر فيه الفيلسوف في الطبيعيات وهو بعض من هذه الكائنات إلا أن نظره فيها مخالف لنظر المتكلم وهو ينظر في الجسم من حيث يتحرك ويسكن والمتكلم ينظر فيه من حيث يدل على الفاعل وكذا نظر الفيلسوف في الالهيات إنما هو نظر في الوجود المطلق وما يقتضيه لذاته ونظر المتكلم في الوجود من حيث إنه يدل على الموجد وبالجملة فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الايمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالادلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك ولشبيه عن تلك العقائد وإذا تأملت حال الفن في حدوثه وكيف تدرج كلام الناس فيه صدرا بعد صدر وكلهم يفرض العقائد صحيحة ويستنهض الحجج والادلة علمت حينئذ ما قررناه لك في موضوع الفن وأنه لا يعدوه ولقد اختلطت الطريقتان عند هؤلاء المتأخرين والتبست مسائل الكلام بمسائل الفلسفة بحيث لا يتميز أحد الفنين من الآخر ولا يحصل عليه طالبه من كتبهم كما فعله البيضاوي في الطوالع ومن جاء بعده من علماء العجم في جميع تآليفهم إلا أن هذه الطريقة قد يعنى بها بعض طلبة العلم للاطلاع على المذاهب والاغراق في معرفة الحجاج لوفور ذلك فيها وأما محاذاة طريقة السلف بعقائد علم الكلام فإنما هو للطريقة القديمة

[ 467 ]

للمتكلمين وأصلها كتاب الارشاد وما حذا حذوه ومن أراد إدخال الرد على الفلاسفة في عقائده فعليه بكتب الغزالي والامام ابن الخطيب فإنها وإن وقع فيها مخالفة للاصلاح القديم فليس فيها من الاختلاط في المسائل والالتباس في الموضوع ما في طريقة هؤلاء المتأخرين من بعدهم وعلى الجملة فينبغي أن يعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا والائمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا والادلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا وأما الآن فلم يبق منها إلا كلام تنزه البارئ عن كثير إيهاماته وإطلافه ولقد سئل الجنيد رحمه الله عن قوم مر بهم بعض المتكلمين يفيضون فيه فقال ما هؤلاء فقيل قوم ينزهون الله بالادلة عن صفات الحدوث وسمات النقص فقال نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب لكن فائدته في آحاد الناس وطلبة العلم فائدة معتبرة إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها والله ولي المؤمنين الفصل الحادي عشر في علم التصوف هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الامة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والاعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف فلما فشا الاقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة وقال القشيري رحمه الله ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس والظاهر أنه لقب ومن قال اشتقاقه من الصفا أو من الصفة فبعيد من جهة القياس اللغوي قال وكذلك من الصوف لانهم لم يختصوا بلبسه. قلت والاظهر إن قيل بالاشتقاق أنه من الصوف وهم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف

[ 468 ]

فلما اختص هؤلاء بمذهب الزهد والانفراد عن الخلق والاقبال على العبادة اختصوا بمأخذ مدركة لهم وذلك أن الانسان بما هو إنسان إنما يتميز عن سائر الحيوان بالادراك وإدراكه نوعان إدراك للعلوم والمعارف من اليقين والظن والشك والوهم وإدراك للاحوال القائمة من الفرح والحزن والقبض والبسط والرضى والغضب والصبر والشكر وأمثال ذلك فالروح العاقل والمتصرف في البدن تنشأ من إدراكات وإرادات وأحوال وهي التي يميز بها الانسان وبعضها ينشأ من بعض كما ينشأ العلم من الادلة والفرح والحزن عن إدراك المؤلم أو المتلذذ به والنشاط عن الحمام والكسل عن الاعياء وكذلك المريد في مجاهدته وعبادته لا بد وأن ينشأ له عن كل مجاهدة حال نتيجة تلك المجاهدة وتلك الحال إما أن تكون نوع عبادة فترسخ وتصير مقاما للمريد وإما أن لا تكون عبادة وإنما تكون صفة حاصلة للنفس من حزن أو سرور أو نشاط أو كسل أو غير ذلك من المقامات ولا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة قال صلى الله عليه وسلم من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة فالمريد لا بد له من الترقي في هذه الاطوار وأصلها كلها الطاعة والاخلاص ويتقدمها الايمان ويصاحبها وتنشأ عنها الاحوال والصفات نتائج وثمرات ثم تنشأ عنها أخرى وأخرى إلى مقام التوحيد والعرفان وإذا وقع تقصير في النتيجة أو خلل فنعلم أنه إنما أتى من قبل التقصير في الذي قبله وكذلك في الخواطر النفسانية والواردات القلبية فلهذا يحتاج المريد إلى محاسبة نفسه في سائر أعماله وينظر في حقائقها لان حصول النتائج عن الاعمال ضروري وقصورها من الخلل فيها كذلك والمريد يجد ذلك بذوقه ويحاسب نفسه على أسبابه ولا يشاركهم في ذلك إلا القليل من الناس لان الغفلة عن هذا كأنها شاملة وغاية أهل العبادات إذا لم ينتهوا إلى هذا النوع أنهم يأتون بالطاعات مخلصة من نظر الفقه في الاجزاء والامتثال وهؤلاء يبحثون عن نتائجها بالاذواق والمواجد ليطلعوا على أنها خالصة من التقصير أو لا فظهر أن أصل طريقتهم كلها محاسبة النفس على الافعال والتروك والكلام في هذه الاذواق والمواجد التي تحصل عن المجاهدات ثم تستقر للمريد

[ 469 ]

مقاما يترقى منها إلى غيرها ثم لهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم إذ الاوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا عن التعبير عنه بلفظ يتيسر فهمه منه فلهذا اختص هؤلاء بهذا النوع من العلم الذي ليس لواحد غيرهم من أهل الشريعة الكلام فيه وصار علم الشريعة على صنفين صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا وهي الاحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات وصنف مخصوص بالقوم في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام في الاذواق والمواجد العارضة في طريقها وكيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك فلما كتبت العلوم ودونت وألف الفقهاء في الفقه وأصوله والكلام والتفسير وغير ذلك كتب رجال من أهل هذه الطريقة في طريقهم فمنهم من كتب في الورع ومحاسبة النفس على الاقتداء في الاخذ والترك كما فعله القشيري في كتاب الرسالة والسهروردي في كتاب عوارف المعارف وأمثالهم وجمع الغزالي رحمه الله بين الامرين في كتاب الاحياء فدون فيه أحكام الورع والاقتداء ثم بين آداب القوم وسننهم وشرح اصطلاحاتهم في عباراتهم وصار علم التصوف في الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط وكانت أحكامها إنما تتلقى من صدور الرجال كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتاب من التفسير والحديث والفقه والاصول وغير ذلك. ثم إن هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالبا كشف حجاب الحس والاطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب الحس إدراك شئ منها والروح من تلك العوالم وسبب هذا الكشف أن الروح إذا رجع عن الحس الظاهر إلى الباطن ضعفت أحوال الحس وقويت أحوال الروح وغلب سلطانه وتجدد نشؤه وأعان على ذلك الذكر فإنه كالغذاء لتنمية الروح ولا يزال في نمو وتزيد إلى أن يصير شهودا بعد أن كان علما ويكشف حجاب الحس ويتم وجود النفس الذي لها من ذاتها وهو عين الادراك فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية والعلوم اللدنية والفتح الالهي وتقرب ذاته في تحقيق حقيقتها من الافق الاعلى أفق الملائكة وهذا الكشف كثيرا ما يعرض لاهل المجاهدة فيدركون من حقائق

[ 470 ]

الوجود ما لا يدرك سواهم وكذلك يدركون كثيرا من الواقعات قبل وقوعها ويتصرفون بهممهم وقوى نفوسهم في الموجودات السفلية وتصير طوع إرادتهم فالعظماء منهم لا يعتبرون هذا الكشف ولا يتصرفون ولا يخبرون عن حقيقة شئ لم يؤمروا بالتكلم فيه بل يعدون ما يقع لهم من ذلك محنة ويتعوذون منه إذا هاجمهم وقد كان الصحابة رضي الله عنهم على مثل هذه المجاهدة وكان حظهم من هذه الكرامات أوفر الحظوظ لكنهم لم يقع لهم بها عناية وفي فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كثير منها وتبعهم في ذلك أهل الطريقة ممن اشتملت رسالة القشيري على ذكرهم ومن تبع طريقتهم من بعدهم. ثم إن قوما من المتأخرين انصرفت عنايتهم إلى كشف الحجاب والمدارك التي وراءه واختلفت طرق الرياضة عنهم في ذلك باختلاف تعليمهم في إماتة القوى الحسية وتغذية الروح العاقل بالذكر حتى يحصل للنفس إدراكها الذي لها من ذاتها بتمام نشوتها وتغذيتها فإذا حصل ذلك زعموا أن الوجود قد انحصر في مداركها حينئذ وأنهم كشفوا ذوات الوجود وتصوروا حقائقها كلها من العرش إلى الطش هكذا قال الغزالي رحمه الله في كتاب الاحياء بعد أن ذكر صورة الرياضة. ثم أن هذا الكشف لا يكون صحيحا كاملا عندهم إلا إذا كان ناشئا عن الاستقامة لان الكشف قد يحصل لصاحب الجوع والخلوة وإن لم يكن هناك استقامة كالسحرة وغيرهم من المرتاضين وليس مرادنا إلا الكشف الناشئ عن الاستقامة ومثاله أن المرآة الصقيلة إذا كانت محدبة أو مقعرة وحوذي بها جهة المرئي فإنه يشكل فيه معوجا على غير صورته وإن كانت مسطحة تشكل فيها المرئي صحيحا فالاستقامة للنفس كالانبساط للمرآة فيما ينطبع فيها من الاحوال ولما عني المتأخرون بهذا النوع من الكشف تكلموا في حقائق الموجودات العلوية والسفلية وحقائق الملك والروح والعرش والكرسي وأمثال ذلك وقصرت مدارك من لم يشاركهم في طريقهم عن فهم أذواقهم ومواجدهم في ذلك وأهل الفتيا بين منكر عليهم ومسلم لهم وليس البرهان والدليل بنافع في هذا الطريق ردا وقبولا إذ هي من قبيل الوجدانيات وربما قصد بعض المصنفين بيان مذهبهم في كشف الوجود وترتيب حقائقه فأتى بالاغمض

[ 471 ]

فالاغمض بالنسبة إلى أهل النظر والاصطلاحات والعلوم كما فعل الفرغاني شارح قصيدة ابن الفارض في الديباجة التي كتبها في صدر ذلك الشرح فإنه ذكر في صدور الوجود عن الفاعل وترتيبه أن الوجود كله صادر عن صفة الوحدانية التي هي مظهر الاحدية وهما معا صادران عن الذات الكريمة التي هي عين الوحدة لا غير ويسمون هذا الصدور بالتجلي وأول مراتب التجليات عندهم تجلي الذات على نفسه وهو يتضمن الكمال بإفاضة الايجاد والظهور لقوله في الحديث الذي يتناقلونه كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ليعرفوني وهذا الكمال في الايجاد المتنزل في الوجود وتفصيل الحقائق وهو عندهم عالم المعاني والحضرة الكمالية والحقيقة المحمدية وفيها حقائق الصفات واللوح والقلم وحقائق الانبياء والرسل أجمعين والكمل من أهل الملة المحمدية وهذا كله تفصيل الحقيقة المحمدية ويصدر عن هذه الحقائق حقائق أخرى في الحضرة الهبائية وهي مرتبة المثال ثم عنها العرش ثم الكرسي ثم الافلاك ثم عالم العناصر ثم عالم التركيب هذا في عالم الرتق فإذا تجلت فهي في عالم الفتق ويسمى هذا المذهب مذهب أهل التجلي والمظاهر والحضرات وهو كلام لا يقتدر أهل النظر إلى تحصيل مقتضاه لغموضه والغلاقه وبعد ما بين كلام صاحب المشاهدة والوجدان وصاحب الدليل وربما أنكر بظاهر الشرع هذا الترتيب وكذلك ذهب آخرون منهم إلى القول بالوحدة المطلقة وهو رأي أغرب من الاول في تعقله وتفاريعه يزعمون فيه أن الوجود له قوى في تفاصيله بها كانت حقائق الموجودات وصورها وموادها والعناصر إنما كانت بما فيها من القوى وكذلك مادتها لها في نفسها قوة بها كان وجودها ثم إن المركبات فيها تلك القوى متضمنة في القوة التي كان بها التركيب كالقوة المعدنية فيها قوى العناصر بهيولاها وزيادة القوة المعدنية ثم القوة الحيوانية تتضمن القوة المعدنية وزيادة قوتها في نفسها وكذا القوة الانسانية مع الحيوانية ثم الفلك يتضمن القوة الانسانية وزيادة وكذا الذوات الروحانية والقوة الجامعة للكل من غير تفصيل هي القوة الالهية التي انبثت في جميع الموجودات كلية وجزئية وجمعتها وأحاطت بها من كل وجه لا من جهة الظهور ولا من جهة الخفاء ولا من جهة الصورة ولا من

[ 472 ]

جهة المادة فالكل واحد وهو نفس الذات الالهية وهي في الحقيقة واحدة بسيطة والاعتبار هو المفصل لها كالانسانية مع الحيوانية ألا ترى أنها مندرجة فيها وكائنة بكونها فتارة يمثلونها بالجنس مع النوع في كل موجود كما ذكرناه وتارة بالكل مع الجزء على طريقة المثال وهم في هذا كله يفرون من التركيب والكثرة بوجه من الوجوه وإنما أوجبها عندهم الوهم والخيال والذي يظهر من كلام ابن دهقان في تقرير هذا المذهب أن حقيقة ما يقولونه في الوحدة شبيه بما تقوله الحكماء في الالوان من أن وجودها مشروط بالضوء فإذا عدم الضوء لم تكن الالوان موجودة بوجه وكذا عندهم الموجودات المحسوسة كلها مشروطة بوجود المدرك العقلي فإذا الوجود المفصل كله مشروط بوجود المدرك البشري فلو فرضنا عدم المدرك البشري جملة لم يكن هناك تفصيل الوجود بل هو بسيط واحد فالحر والبرد والصلابة واللين بل والارض والماء والنار والسماء والكواكب إنما وجدت لوجود الحواس المدركة لها لما جعل في المدرك من التفصيل الذي ليس في الموجود وإنما هو في المدارك فقط فإذا فقدت المدارك المفصلة فلا تفصيل إنما هو إدراك واحد وهو أنا لا غيره ويعتبرون ذلك بحال النائم فإنه إذا نام وفقد الحس الظاهر فقد كل محسوس وهو في تلك الحالة إلا ما يفصله له الخيال قالوا فكذا اليقظان إنما يعتبر تلك المدركات كلها على التفصيل بنوع مدركه البشري ولو قدر فقد مدركه فقد التفصيل وهذا هو معنى قولهم الموهم لا الوهم الذي هو من جملة المدارك البشرية هذا ملخص رأيهم على ما يفهم من كلام ابن دهقان وهو في غاية السقوط لانا نقطع بوجود البلد الذي نحن مسافرون عنه وإليه يقينا مع غيبته عن أعيننا وبوجود السماء المظلة والكواكب وسائر الاشياء الغائبة عنا والانسان قاطع بذلك ولا يكابر أحد نفسه في اليقين مع أن المحققين من المتصوفة المتأخرين يقولون إن المريد عند الكشف ربما يعرض له توهم هذه الوحدة ويسمى ذلك عندهم مقام الجمع ثم يترقى عنه إلى التمييز بين الموجودات ويعبرون عن ذلك بمقام الفرق وهو مقام العارف المحقق ولا بد للمريد عندهم من عقبة الجمع وهي عقبة صعبة لانه يخشى على المريد من وقوفه عندها فتخسر صفقته فقد تبينت مراتب أهل هذه الطريقة ثم

[ 473 ]

إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه وملاوا الصحف منه مثل الهروي في كتاب المقامات له وغيره وتبعهم ابن العربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم الاسرائيلي في قصائدهم وكان سلفهم مخالطين للاسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الائمة مذهبا لم يعرف لاولهم فاشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم وظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب الاشارات في فصول التصوف منها فقال جل جناب الحق أن يكون شرعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية ولا دليل شرعي وإنما هو من أنواع الخطابة وهو بعينه ما تقوله الرافضة ودانوا به ثم قالوا بترتيب وجود الابدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء حتى إنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم وتخليهم رفعوه إلى على رضي الله عنه وهو من هذا المعنى أيضا وإلا فعلي رضي الله عنه لم يختص من بين الصحابة بتخلية ولا طريقة في لباس ولا حال بل كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما أزهد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم عبادة ولم يختص أحد منهم في الدين بشئ يؤثر عنه في الخصوص بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين والزهد والمجاهدة يشهد لذلك من كلام هؤلاء المتصوفة في أمر الفاطمي وما شحنوا كتبهم في ذلك مما ليس لسلف المتصوفة فيه كلام بنفي أو إثبات وإنما هو مأخوذ من كلام الشيعة والرافضة ومذاهبهم في كتبهم والله يهدي إلى الحق ثم إن كثيرا من الفقهاء وأهل الفتيا انتدبوا للرد على هؤلاء المتأخرين في هذه المقالات وأمثالها وشملوا بالنكير سائر ما وقع لهم في الطريقة والحق أن كلامهم معهم فيه تفصيل فان كلامهم في أربعة مواضع أحدها الكلام على المجاهدات وما يحصل من الاذواق والمواجد ومحاسبة النفس على الاعمال لتحصل تلك الاذواق التي

[ 474 ]

تصير مقاما ويترقى منه إلى غيره كما قلناه وثانيها الكلام في الكشف والحقيقة المدركة من عالم الغيب مثل الصفات الربانية والعرش والكرسي والملائكة والوحي والنبؤة والروح وحقائق كل موجود غائب أو شاهد وتركيب الاكوان في صدورها عن موجودها وتكونها كما مر وثالثها التصرفات في العوالم والاكوان بانواع الكرامات وورابعها ألفاظ موهمة الظاهر صدرت من الكثير من أئمة القوم يعبرون عنها في اصطلاحهم بالشطحات تستشكل ظواهرها فمنكر ومحسن ومتأول فاما الكلام في المجاهدات والمقامات وما يحصل من الاذواق والمواجد في نتائجها ومحاسبة النفس على التقصير في أسبابها فامر لامدفع فيه لاحد وأذواقهم فيه صحيحة والتحقق بها هو عين السعادة وأما الكلام في كرامات القوم وأخبارهم بالمغيبات وتصرفهم في الكائنات فامر صحيح غير منكر وإن مال بعض العلماء إلى إنكارها فليس ذلك من الحق وما احتج به الاستاذ أبو إسحاق الاسفرائني من أئمة الاشعرية على إنكارها لالتباسها بالمعجزة فقد فرق المحققون من أهل السنة بينهما بالتحدي وهو دعوى وقوع المعجزة على وفق ما جاء به قالوا ثم إن وقوعها على وفق دعوى الكاذب غير مقدور لان دلالة المعجزة على الصدق عقلية فان صفة نفسها التصديق فلو وقعت مع الكاذب لتبدلت صفة نفسها وهو محال هذا مع أن الوجود شاهد بوقوع الكثير من هذه الكرامات وإنكارها نوع مكابرة وقد وقع للصحابة وأكابر السلف كثير من ذلك وهو معلوم مشهور وأما الكلام في الكشف وإعطاء حقائق العلويات وترتيب صدور الكائنات فأكثر كلامهم فيه نوع من المتشابه لما أنه وجداني عندهم وفاقد الوجدان عندهم بمعزل عن أذواقهم فيه واللغات لا تعطى له دلالة على مرادهم منه لانها لم توضع للمتعارف وأكثره من المحسوسات فينبغي أن لا نتعرض لكلامهم في ذلك ونتركه فيما تركناه من المتشابه ومن رزقه الله فهم شئ من هذه الكلمات على الوجه الموافق لظاهر الشريعة فاكرم بها سعادة وأما الالفاظ الموهمة التي يعبرون عنها بالشطحات ويوآخذهم بها أهل الشرع فاعلم أن الانصاف في شان القوم أنهم أهل غيبة عن الحس والواردات تملكهم حتى ينطقوا عنها بما لا يقصدونه وصاحب الغيبة غير مخاطب والمجبور معذور فمن

[ 475 ]

علم منهم فضله واقتداؤه حمل على القصد الجميل من هذا وأن العبارة عن المواجد صعبة لفقدان الوضع لها كما وقع لابي يزيد وأمثاله ومن لم يعلم فضله ولا اشتهر فموآخذ بما صدر عنه من ذلك إذا لم يتبين لناما يحملنا على تأويل كلامه وأما من تكلم بمثلها وهو حاضر في حسه ولم يملكه الحال فموآخذ أيضا ولهذا أفتى الفقهاء وأكابر المتصوفة بقتل الحلاج لانه تكلم في حضور وهو مالك لحاله والله أعلم وسلف المتصوفة من أهل الرسالة أعلام الملة الذين أشرنا إليهم من قبل لم يكن لهم حرص على كشف الحجاب ولا هذا النوع من الادراك إنما همهم الاتباع والاقتداء ما استطاعوا ومن عرض له شئ من ذلك أعرض عنه ولم يحفل به بل يفرون منه ويرون أنه من العوائق والمحن وأنه إدراك من إدراكات النفس مخلوق حادث وأن الموجودات لا تنحصر في مدارك الانسان وعلم الله أوسع وخلقه أكبر وشريعته بالهداية أملك فلا ينطقون بشئ مما يدركون بل حظروا الخوض في ذلك ومنعوا من يكشف له الحجاب من أصحابهم من الخوض فيه والوقوف عنده بل يلتزمون طريقتهم كما كانوا في عالم الحس قبل الكشف من الاتباع والاقتداء ويامرون أصحابهم بالتزامها وهكذا ينبغي أن يكون حال المريد والله الموفق للصواب الفصل الثاني عشر في علم تعبير الرؤيا هذا لعلم من العلوم الشرعية وهو حادث في الملة عندما صارت العلوم صنائع وكتب الناس فيها وأما الرؤيا والتعبير لها فقد كان موجودا في السلف كما هو في الخلف وربما كان في الملوك والامم من قبل إلا أنه لم يصل إلينا للاكتفاء فيه بكلام المعبرين من أهل الاسلام وإلا فالرؤيا موجودة في صنف البشر على الاطلاق ولا بد من تعبيرها فلقد كان يوسف الصديق صلوات الله علهى يعبر الرؤيا كما وقع في القرآن وكذلك ثبت عن الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر رضي الله عنه والرؤيا مدرك من مدارك الغيب وقال صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبؤة وقال لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا

[ 476 ]

الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له وأول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انفتل من صلاة الغداة يقول لاصحابه هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا يسألهم عن ذلك ليستبشر بما وقع من ذلك مما فيه ظهور الدين وإعزازه وأما السبب في كون الرؤيا مدركا للغيب فهو أن الروح القلبي وهو البخار اللطيف المنبعث من تجويف القلب اللحمي ينتشر في الشريانات ومع الدم في سائر البدن وبه تكمل أفعال القوى الحيوانية وإحساسها فإذا أدركه الملال بكثرة التصرف في الاحساس بالحواس الخمس وتصريف القوى الظاهرة وغشي سطح البدن ما يغشاه من برد الليل انحبس الروح من سائر أقطار البدن إلى مركزه القلبي فيستحم بذلك لمعاودة فعله فتعطلت الحواس الظاهرة كلها وذلك هو معنى النوم كما تقدم في أول الكتاب ثم إن هذا الروح القلبي هو مطية للروح العاقل من الانسان والروح العاقل مدرك لجميع ما في عالم الامر بذاته إذ حقيقته وذاته عين الادراك وإنما يمنع من تعلقه للمدارك الغيبية ما هو فيه من حجاب الاشتغال بالبدن وقواه وحواسه فلو قد خلا من هذا الحجاب وتجرد عنه لرجع إلى حقيقته وهو عين الادراك فيعقل كل مدرك فإذا تجرد عن بعضها خفت شواغله فلا بد له من إدراك لمحة من عالمه بقدر ما تجرد له وهو في هذه الحالة قد خفت شواغل الحس الظاهر كلها وهي الشاغل الاعظم فاستعد لقبول ما هنالك من المدارك اللائقة من عالمه وإذا أدرك ما يدرك من عوالمه رجع إلى بدنه إذ هو مادام في بدنه جسماني لا يمكنه التصرف إلا بالمدارك الجسمانية والمدارك الجسمانية للعلم إنما هي الدماغية والمتصرف منها هو الخيال فانه ينتزع من الصور المحسوسة صورا خيالية ثم يدفعها إلى الحافظة تحفظها له إلى وقت الحاجة إليها عند النظر والاستدلال وكذلك تجرد النفس منها صورا أخرى نفسانية عقلية فيترقى التجريد من المحسوس إلى المعقول والخيال واسطة بينهما ولذلك إذا أدركت النفس من عالمها ما تدركه ألقته إلى الخيال فيصوره بالصورة المناسبة له ويدفعه إلى الحس المشترك فيراه النائم كأنه محسوس فيتنزل المدرك من الروح العقلي إلى الحسي والخيال أيضا واسطة هذه حقيقة

[ 477 ]

الرؤيا ومن هذا التقرير يظهر لك الفرق بين الرؤيا الصالحة وأضغاث الاحلام الكاذبة فانها كلها صور في الخيال حالة النوم ولكن إن كانت تلك الصور متنزلة من الروح العقلي المدرك فهو رؤيا وإن كانت مأخوذة من الصور التي في الحافظة التي كان الخيال أودعها إياها منذ اليقظة فهي أضغاث أحلام وأما معنى التعبير فاعلم أن الروح العقلي إذا أدرك مدركه وألقاه إلى الخيال فصوره فإنما يصوره في الصور المناسبة لذلك المعنى بعض الشئ كما يدرك معنى السلطان الاعظم فيصوره الخيال بصورة البحر أو يدرك العداوة فيصورها الخيال في صورة الحية فإذا استيقظ وهو لم يعلم من أمره إلا أنه رأى البحر أو الحية فينظر المعبر بقوة التشبيه بعد أن يتيقن أن البحر صورة محسوسة وأن المدرك وراءها وهو يهتدي بقرائن أخرى تعين له المدرك فيقول مثلا هو السلطان لان البحر خلق عظيم يناسب أن يشبه بها السلطان وكذلك الحية يناسب أن تشبه بالعدو لعظم ضررها وكذا الاواني تشبه بالنساء لانهن أوعية وأمثال ذلك ومن المرئي ما يكون صريحا لا يفتقر إلى تعبير لجلائها ووضوحها أو لقرب الشبه فيها بين المدرك وشبهه ولهذا وقع في الصحيح الرؤيا ثلاث رؤيا من الله ورؤيا من الملك ورؤيا من الشيطان فالرؤيا التي من الله هي الصريحة التي لا تفتقر إلى تأويل والتي من الملك هي الرؤيا الصادقة تفتقر إلى التعبير والرؤيا التي من الشيطان هي الاضغاث واعلم أن الخيال إذا ألقى إليه الروح مدركه فانما يصوره في القوالب المعتادة للحس وما لم يكن الحس أدركه قط فلا يصور فيه فلا يمكن من ولد أعمى أن يصور له السلطان بالبحر ولا العدو بالحية ولا النساء بالاواني لانه لم يدرك شيئا من هذه وإنما يصور له الخيال أمثال هذه في شبهها ومناسبها من جنس مداركه التي هي المسموعات والمشمومات وليتحفظ المعبر من مثل هذا فربما اختلط به التعبير وفسد قانونه ثم إن علم التعبير علم بقوانين كلية يبني عليه المعبر عبارة ما يقص عليه وتأويله كما يقولون البحر يدل على السلطان وفي موضع آخر يقولون البحر يدل على الغيظ وفي موضع آخر يقولون البحر يدل على الهم والامر الفادح ومثل ما يقولون الحية تدل على العدو وفي موضع آخر يقولون البحر يدل على الهم والامر الفادح ومثل ما يقولون الحية تدل على العدو وفي موضع آخر يقولون هي كاتم سر وفي موضع آخر يقولون تدل على

[ 478 ]

الحياة وأمثال ذلك فيحفظ المعبر هذه القوانين الكلية ويعبر في كل موضع بما تقتضيه القرائن التي تعين من هذه القوانين ما هو أليق بالرؤيا وتلك القرائن منها في اليقظة ومنها في النوم ومنها ما ينقدح في نفس المعبر بالخاصية التي خلقت فيه وكل ميسر لما خلق له ولم يزل هذا العلم متناقلا بين السلف وكان محمد بن سيرين فيه من أشهر العلماء وكتب عنه في ذلك القوانين وتناقلها الناس لهذا العهد وألف الكرماني فيه من بعده ثم ألف المتكلمون المتأخرون وأكثروا والمتداول بين أهل المغرب لهذا العهد كتب ابن أبي طالب القيرواني من علماء القيروان مثل الممتع وغيره وكتاب الاشارة للسالمي وهو علم مضئ بنور النبؤة للمناسبة التي بينهما كما وقع في الصحيح والله علام الغيوب الفصل الثالث عشر في العلوم العقلية واصنافها وأما العلوم العقلية التي هي طبيعية للانسان من حيث أنه ذو فكر فهي غير مختصة بملة بل بوجه النظر فيها إلى أهل الملل كلهم ويستوون في مداركها ومباحثها وهي موجودة في النوع الانساني منذ كان عمران الخليقة وتسمى هذه العلوم علوم الفلسفة والحكمة وهي مشتملة على أربعة علوم الاول علم المنطق وهو علم يعصم الذهن عن الخطإ في اقتناص المطالب المجهولة من الامور الحاصلة المعلومة وفائدته تمييز الخطإ من الصواب فيما يلتمسه الناظر في الموجودات وعوارضها ليقف على تحقيق الحق في الكائنات بمنتهى فكره ثم النظر بعد ذلك عندهم إما في المحسوسات من الاجسام العنصرية والمكونة عنها من المعدن والنبات والحيوان والاجسام الفلكية والحركات الطبيعية والنفس التي تنبعث عنها الحركات وغير ذلك ويسمى هذا الفن بالعلم الطبيعي وهو الثاني منها وإما أن يكون النظر في الامور التي وراء الطبيعة من الروحانيات ويسمونه العلم الالهي وهو الثالث منها والعلم الرابع وهو الناظر في المقادير ويشتمل على أربعة علوم وتسمى التعاليم أولها علم الهندسة وهو النظر في المقادير على الاطلاق إما المنفصلة من حيث كونها معدودة أو المتصلة وهي إما ذو بعد واحد وهو الخط أو ذو بعدين وهو السطح أو ذو أبعاد ثلاثة وهو

[ 479 ]

الجسم التعليمي ينظر في هذه المقادير وما يعرض لها إما من حيث ذاتها أو من حيث نسبة بعضها إلى بعض وثانيها علم الارتماطيقي وهو معرفة ما يعرض للكم المنفصل الذي هو العدد ويؤخذ له من الخواص والعوارض اللاحقة وثالثها علم الموسيقى وهو معرفة نسب الاصوات والنغم بعضها من بعض وتقديرها بالعدد وثمرته معرفة تلاحين الغناء ورابعها علم الهيئة وهو تعيين الاشكال للافلاك وحصر أوضاعها وتعددها لكل كوكب من السيارة والقيام على معرفة ذلك من قبل الحركات السماوية المشاهدة الموجودة لكل واحد منها ومن رجوعها واستقامتها وإقبالها وإدبارها فهذه أصول العلوم الفلسفية وهي سبعة المنطق وهو المقدم منها وبعده التعاليم فالارتماطيقي أولا ثم الهندسة ثم الهيئة ثم الموسيقى ثم الطبيعيات ثم الالهيات ولكل واحد منها فروع تتفرع عنه فمن فروع الطبيعيات الطب ومن فروع علم العدد علم الحساب والفرائض والمعاملات ومن فروع الهيئة الازياح وهي قوانين لحساب حركات الكواكب وتعديلها للوقوف على مواضعها متى قصد ذلك ومن فروعها النظر في النجوم على الاحكام النجومية ونحن نتكلم عليها واحدا بعد واحد إلى آخرها واعلم أن أكثر من عني بها في الاجيال الذين عرفنا أخبارهم الامتان العظيمتان في الدولة قبل الاسلام وهما فارس والروم فكانت أسواق العلوم نافقة لديهم على ما بلغنا لما كان العمران موفورا فيهم والدولة والسلطان قبل الاسلام وعصره لهم فكان لهذه العلوم بحور زاخرة في آفاقهم وأمصارهم وكان للكلدانيين ومن قبلهم من السريانيين ومن عاصرهم من القبط عناية بالسحر والنجامة وما يتبعها من الطلاسم وأخذ ذلك عنهم الامم من فارس ويونان فاختص بها القبط وطمى بحرها فيهم كما وقع في المتلومن خبر هاروت وماروت وشأن السحرة وما نقله أهل العلم من شان البراري بصعيد مصر ثم تتابعت الملل بحظر ذلك وتحريمه فدرست علومه وبطلت كان لم تكن إلا بقايا يتناقلها منتحلو هذه الصنائع والله أعلم بصحتها مع أن سيوف الشرع قائمة على ظهورها مانعة من اختبارها وأما الفرس فكان شان هذه العلوم العقلية عندهم عظيما ونطاقها متسعا لما كانت عليه دولتهم من الضخامة واتصال الملك ولقد يقال إن هذه العلوم إنما وصلت إلى يونان منهم

[ 480 ]

حين قتل الاسكندر دارا وغلب على مملكة الكينية فاستولى على كتبهم وعلومهم ممالا يأخذه الحصر ولما فتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتبا كثيرة كتب سعد ابن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذنه في شانها وتنقيلها للمسلمين فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء فان يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله باهدى منه وإن يكن ضلالا فقد كفانا الله فطرحوها في الماء أو في النار وذهبت علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا. وأما الروم فكانت الدولة منهم ليونان أولا وكان لهذه العلوم بينهم مجال رحب وحملها مشاهير من رجالهم مثل أساطين الحكمة وغيرهم واختص فيها المشاءون منهم أصحاب الرواق بطريقة حسنة في التعليم كانوا يقرأون في رواق يظلهم من الشمس والبرد على ما زعموا واتصل فيها سند تعليمهم على ما يزعمون من لدن لقمان الحكيم في تلميذه بقراط الدن ثم إلى تلميذه أفلاطون ثم إلى تلميذه أرسطو ثم إلى تلميذه الاسكندر الافردوسي وتامسطيون وغيرهم وكان أرسطو معلما للاسكندر ملكهم الذي غلب الفرس على ملكهم وانتزع الملك من أيديهم وكان أرسخهم في هذه العلوم قدما وأبعدهم فيه صيتا وكان يسمى المعلم الاول فطار له في العالم ذكر. ولما انقرض أمر اليونان وصار الامر للقياصرة وأخذوا بدين النصرانية هجروا تلك العلوم كما تقتضيه الملل والشرائع فيها وبقيت في صحفها ودواوينها مخلدة باقية في خزائنهم قدملكوا الشام وكتب هذه العلوم باقية فيهم ثم جاء الله بالاسلام وكان لاهله الظهور الذي لاكفاء له وابتزوا الروم ملكهم فيما ابتزوه للامم وابتدأ أمرهم بالسذاجة والغفلة عن الصنائع حتى إذا تبحبح من السلطان والدولة وأخذ الحضارة بالحظ الذي لم يكن لغيرهم من الامم وتفننوا في الصنائع والعلوم تشوقوا إلى الاطلاع على هذه العلوم الحكمية بما سمعوا من الاساقفة والاقسة المعاهدين بعض ذكر منها وبما تسمو إليه أفكار الانسان فيها فبعث أبو جعفر المنصور إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعاليم مترجمة فبعث إليه بكتاب أو قليدس وبعض كتب الطبيعيات فقرأها المسلمون واطلعوا على ما فيها وازدادوا حرصا على الظفر بما بقي منها وجاء المأمون بعد ذلك وكانت له في العلم رغبة بما كان ينتحله فانبعث لهذه العلوم حرصا وأوفد الرسل على ملوك الروم

[ 481 ]

في استخراج علوم اليونانيين وانتساخها بالخط العربي وبعث المترجمين لذلك فأوعى منه واستوعب وعكف عليها النظار من أهل الاسلام وحذقوا في فنونها وانتهت إلى الغاية أنظارهم فيها وخالفوا كثيرا من آراء المعلم الاول واختصوه بالرد والقبول لوقوف الشهرة عنده ودونوا في ذلك الدواوين وأربوا على من تقدمهم في هذه العلوم وكان من أكابرهم في الملة أبو نصر الفارابي وأبو علي بن سينا بالمشرق وا لقاضي أبو الوليد بن رشد والوزير أبو بكر بن الصائغ بالاندلس إلى آخرين بلغوا الغاية في هذه العلوم واختص هؤلاء بالشهرة والذكر واقتصر كثيرون على انتحال التعاليم وما ينضاف إليها من علوم النجامة والسحر والطلسمات ووقفت الشهرة في هذا المنتحل على مسلمة بن أحمد المجريطي من أهل الاندلس وتلميذه ودخل على الملة من هذه العلوم وأهلها داخلة واستهوت الكثير من الناس بما جنحوا إليها وقلدوا آراءها والذنب في ذلك لمن ارتكبه ولو شاء الله ما فعلوه. ثم إن المغرب والاندلس لما ركدت ريح العمران بهما وتناقصت العلوم بتناقصه اضمحل ذلك منهما إلا قليلا من رسومه تجدها في تفاريق من الناس وتحت رقبة من علماء السنة ويبلغنا عن أهل المشرق أن بضائع هذه العلوم لم تزل عندهم موفورة وخصوصا في عراق العجم وما بعده فيما وراء النهر وأنهم على بح من العلوم العقلية لتوفر عمرانهم واستحكام الحضارة فيهم ولقد وقفت بمصر على تآليف متعددة لرجل من عظماء هراة من بلاد خراسان يشهر بسعد الدين التفتازاني منها في علم الكلام وأصول الفقه والبيان تشهد بان له ملكة راسخة في هذه العلوم وفي أثنائها ما يدل على أن له اطلاعا على العلوم الحكمية وقدما عالية في سائر الفنون العقلية والله يؤيد بنصره من يشاء كذلك بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد الافرنجة من أرض رومة وما إليها من العدوة الشمالية نافقة الاسواق وأن رسومها هناك متجددة ومجالس تعليمها متعددة ودواوينها جامعة متوفرة وطلبتها متكثرة والله أعلم بما هنالك وهو يخلق ما يشاء ويختار

[ 482 ]

الفصل الرابع عشر في العلوم العددية وأولها الارتماطيقي وهو معرفة خواص الاعداد من حيث التأليف إما على التوالي أو بالتضعيف مثل أن الاعداد إذا توالت متفاضلة بعدد واحد فان جمع الطرفين منها مساو لجمع كل عددين بعدهما من الطرفين بعد واحد ومثل ضعف الواسطة إن كانت عدة تلك الاعداد فردا مثل الافراد على تواليها والازواج على تواليها ومثل أن الاعداد إذا توالت على نسبة واحدة يكون أولها نصف ثانيها وثانيها نصف ثالثها الخ أو يكون أولها ثلث ثانيها وثانيها ثلث ثالثها الخ فان ضرب الطرفين أحدهما في الآخر كضرب كل عددين بعدهما من الطرفين بعد واحد أحدهما في الآخر ومثل مربع الواسطة إن كانت العدة فردا وذلك مثل أعداد زوج الزوج المتوالية من اثنين فأربعة فثمانية فستة عشر ومثل ما يحدث من الخواص العددية في وضع المثلثات العددية والمربعات والمخمسات والمسدسات إذا وضعت متتالية في سطورها بان يجمع من الواحد إلى العدد الاخير فتكون مثلثة وتتوالى المثلثات هكذا في سطر تحت الاضلاع ثم تزيد على كل مثلث ثلث الضلع الذي قبله فتكون مربعة وتزيد على كل مربع مثلث الضلع الذي قبله فتكون مخمسة وهلم جرا وتتوالى الاشكال على توالي الاضلاع ويحدث جدول ذو طول وعرض ففى عرضه الاعداد على تواليها ثم المثلثات على تواليها ثم المربعات ثم المخمسات الخ وفي طوله كل عدد وأشكاله بالغا ما بلغ وتحدث في جمعها وقسمة بعضها على بعض طولا وعرضا خواص غريبة استقريت منها وتقررت في دواوينهم مسائلها كذلك ما يحدث للزوج والفرد وزوج الزوج وزوج الفرد وزوج الزوج والفرد فان لكل منها خواص مختصة به تضمنها هذا الفن وليست في غيره وهذا الفن أول أجزاء التعاليم وأثبتها ويدخل في براهين الحساب وللحكماء المتقدمين والمتأخرين فيه تآليف وأكثرهم يدرجونه في التعاليم ولا يفردونه بالتأليف فعل ذلك ابن سينا في كتاب الشفاء والنجا وغيره من المتقدمين وأما المتأخرون فهو عندهم مهجور إذ هو غير متداول ومنفعته في البراهين لافي الحساب فهجروه لذلك بعد أن استخلصوا زبدته في البراهين الحسابية

[ 483 ]

كما فعله ابن البناء في كتاب رفع الحجاب والله سبحانه وتعالى أعلم. (ومن فروع علم العدد صناعة الحساب). وهي صناعة علمية في حساب الاعداد بالضم والتفريق فالضم يكون في الاعداد بالافراد وهو الجمع وبالتضعيف تضاعف عددا بآحاد عدد آخر وهذا هو الضرب والتفريق أيضا يكون في الاعداد إما بالافراد مثل إزالة عدد من عدد ومعرفة الباقي وهو الطرح أو تفصيل عدد بأجزاء متساوية تكون عدتها محصلة وهو القسمة وسواء كان هذا الضم والتفريق في الصحيح من العدد أو الكسر ومعنى الكسر نسبة عدد إلى عدد وتلك النسبة تسمى كسرا وكذلك يكون بالضم والتفريق في الجذور ومعناها العدد الذي يضرب في مثله فيكون منه العدد المربع فان تلك الجذور أيضا يدخلها الضم والتفريق وهذه الصناعة حادثة احتيج إليها للحساب في المعاملات وألف الناس فيها كثيرا وتداولوها في الامصار بالتعليم للولدان ومن أحسن التعليم عندهم الابتداء بها لانها معارف متضحة وبراهين منتظمة فينشأ عنها في الغالب عقل مضئ درب على الصواب وقد يقال من أخذ نفسه بتعليم الحساب أول أمره إنه يغلب عليه الصدق لما في الحساب من صحة المباني ومناقشة النفس فيصير ذلك خلقا ويتعود الصدق ويلازمه مذهبا ومن أحسن التآليف المبسوطة فيها لهذا العهد بالمغرب كتاب الحصار الصغير ولابن البناء المراكشي فيه تلخيص ضابط لقوانين أعماله مفيد ثم شرحه بكتاب سماه رفع الحجاب وهو مستغلق على المبتدئ بما فيه من البراهين الوثيقة المباني وهو كتاب جليل القدر أدركنا المشيخة تعظمه وهو كتاب جدير بذلك وإنما جاءه الاستغلاق من طريق البرهان ببيان علوم التعاليم لان مسائلها وأعمالها واضحة كلها وإذا قصد شرحها فانما هو إعطاء العلل في تلك الاعمال وفي ذلك من العسر على الفهم ما لا يوجد في أعمال المسائل فتأمله والله يهدي بنوره من يشاء وهو القوي المتين. (ومن فروعه الجبر والمقابلة). وهي صناعة يستخرج بها العدد المجهول من قبل المعلوم المفروض إذا كان بينهما نسبة تقتضي ذلك فاصطلحوا فيها على أن جعلوا للمجهولات مراتب من طريق التضعيف بالضرب أولها العدد لانه به يتعين المطلوب المجهول باستخراجه من نسبة المجهول إليه وثانيها الشئ لان كل مجهول فهو من جهة إبهامه شئ وهو أيضا جذر لما يلزم من تضعيفه

[ 484 ]

في المرتبة الثانية وثالثها المال وهو أمر مبهم وما بعد ذلك فعلى نسبة الاس في المضروبين ثم يقع العمل المفروض في المسألة فتخرج إلى معادلة بين مختلفين أو أكثر من هذه الاجناس فيقابلون بعضها ببعض ويجبرون ما فيها من الكسر حتى يصير صحيحا ويحطون المراتب إلى أقل الاسوس إن أمكن حتى يصير إلى الثلاثة التي عليها مدار الجبر عندهم وهي العدد والشئ والمال فان كانت المعادلة بين واحد واحد تعين فالمال والجذر يزول إبهامه بمعادلة العدد ويتعين والمال وإن عادل الجذور فيتعين بعدتها وإن كانت المعادلة بين واحد واثنين أخرجه العمل الهندسي من طريق تفصيل الضرب في الاثنين وهي مبهمة فيعينها ذلك الضرب المفصل ولا يمكن المعادلة بين اثنين واثنين وأكثرما انتهت المعادلة بينهم إلى ست مسائل لان المعادلة بين عدد وجذر ومال مفردة أو مركبة تجئ ستة وأول من كتب في هذا الفن أبو عبد الله الخوارزمي وبعده أبو كامل شجاع بن أسلم وجاء الناس على أثره فيه وكتابه في مسائله الست من أحسن الكتب الموضوعة فيه وشرحه كثير من أهل الاندلس فأجادوا ومن أحسن شروحاته كتاب القرشي وقد بلغنا أن لعض أئمة التعاليم من أهل المشرق أنهى المعاملات إلى أكثر من هذه الستة الاجناس وبلغها إلى فوق العشرين واستخرج لها كلها أعمالا وأتبعه ببراهين هندسية والله يزيد في الخلق ما يشاء سبحانه وتعالى. (ومن فروعه ايضا المعاملات). وهو تصريف الحساب في معاملات المدن في البياعات والمساحات والزكوات وسائر ما يعرض فيه العدد من المعاملات يصرف في صناعتنا ذلك الحساب في المجهول والمعلوم والكسر والصحيح والجذور وغيرها والغرض من تكثير المسائل المفروضة فيها حصول المران والدربة بتكرار العمل حتى ترسخ الملكة في صناعة الحساب ولاهل الصناعة الحسابية من أهل الاندلس تآليف فيها متعددة من أشهرها معاملات الزهراوي وابن السمح وأبي مسلم بن خلدون من تلميذ مسلمة المجريطي وأمثالهم (ومن فروعه ايضا الفرائض). وهي صناعة حسابية في تصحيح السهام لذوي الفروض في الوراثات إذا تعددت وهلك بعض الوارثين وانكسرت سهامه على ورثته أو زادت الفروض عند اجتماعها وتزاحمها على المال كله أو كان في الفريضة إقرار

[ 485 ]

وإنكار من بعض الورثة فتحتاج في ذلك كله إلى عمل يعين به سهام الفريضة من كم تصح وسهام الورثة من كل بطن مصححا حتى تكون حظوظ الوارثين من المال على نسبة سهامهم من جملة سهام الفريضة فيدخلها من صناعة الحساب جزء كبير من صحيحه وكسره وجذره ومعلومه ومجهوله وترتب على ترتيب أبواب الفرائض الفقهية ومسائلها فتشتمل حينئذ هذه الصناعة على جزء من الفقه وهو أحكام الوراثة من الفروض والعول والاقرار والانكار والوصايا والتدبير وغير ذلك من مسائلها وعلى جزء من الحساب وهو تصحيح السهمان باعتبار الحكم الفقهي وهي من أجل العلوم وقد يورد أهلها أحاديث نبوية تشهد بفضلها مثل الفرائض ثلث العلم وأنها أول ما يرفع من العلوم وغير ذلك وعندي أن ظواهر تلك الاحاديث كلها إنما هي في الفرائض العينية كما تقدم لا فرائض الوراثات فانها أقل من أن تكون في كميتها ثلث العلم وأما الفرائض العينية فكثيرة وقد ألف الناس في هذا الفن قديما وحديثا وأوعبوا ومن أحسن التآليف فيه على مذهب مالك رحمه الله كتاب ابن ثابت ومختصر القاضي أبي القاسم الحوفي وكتاب ابن المنمر والجعدي والصردي وغيرهم لكن الفضل للحوفي فكتابه مقدم على جميعها وقد شرحه من شيوخنا أبو عبد الله سليمان الشطي كبير مشيخة فاس فاوضح وأوعب ولامام الحرمين فيها تآليف على مذهب الشافعي تشهد باتساع باعه في العلوم ورسوخ قدمه وكذا للحنفية والحنابلة ومقامات الناس في العلوم مختلفة والله يهدي من يشاء بمنه وكرمه لارب سواه الفصل الخامس عشر في العلوم الهندسية هذا العلم هو النظر في المقادير إما المتصلة كالخط والسطح والجسم وإما المنفصلة كالاعداد وفيما يعرض لها من العوارض الذاتية مثل أن كل مثلث فزواياه مثل قائمتين ومثل أن كل خطين متوازيين لا يلتقيان في وجه ولو خرجا إلى غير نهاية ومثل أن كل خطين متقاطعين فالزاويتان المتقابلتان منهما متساويتان ومثل أن الاربعة مقادير المتناسبة ضرب الاول منها في الثالث كضرب الثاني في الرابع وأمثال ذلك والكتاب المترجم لليونايين في هذه الصناعة كتاب أو قليدس ويسمى

[ 486 ]

كتاب الاصول وكتاب الاركان وهو أبسط ما وضع فيها للمتعلمين وأول ما ترجم من كتاب اليونايين في الملة أيام أبي جعفر المنصور ونسخه مختلفة باختلاف المترجمين فمنها لحنين بن إسحاق ولثابت بن قرة وليوسف بن الحجاج ويشتمل على خمس عشرة مقالة أربع في السطوح وواحدة في الاقدار المتناسبة وأخرى في نسب السطوح بعضها إلى بعض وثلاث في العدد والعاشرة في المنطقات والقوى على المنطقات ومعناه الجذور وخمس في المجسمات وقد اختصره الناس اختصارات كثيرة كما فعله ابن سينا في تعاليم الشفاء أفرد له جزءا منها اختصه به وكذلك ابن الصلت في كتاب الاقتصار وغيرهم وشرحه آخرون شروحا كثيرة وهو مبدأ العلوم الهندسية باطلاق واعلم أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله واستقامة في فكره لان براهينها كلها بينة الانتظام جلية الترتيب لا يكاد الغلط يدخل أقيستها لترتيبها وانتظامها فيبعد الفكر بممارستها عن الخطإ وينشأ لصاحبها عقل على ذلك المهيع وقد زعموا أنه كان مكتوبا على باب أفلاطون من لم يكن مهندسا فلا يدخلن منزلنا وكان شيوخنا رحمهم الله يقولون ممارسة علم الهندسة للفكر بمثابة الصابون للثوب الذي يغسل منه الاقذار وينقيه من الاوضار والادران وإنما ذلك لما أشرنا إليه من ترتيبه وانتظامه. (ومن فروع هذا الفن الهندسة المخصوصة بالاشكال الكروية والمخروطات). أما الاشكال الكروية ففيها كتابان من كتب اليونانيين لثاود وسيوس وميلاوش في سطوحها وقطوعها وكتاب ثاود وسيوس مقدم من التعليم على كتاب ميلاوش لتوقف كثير من براهينه عليه ولا بد منهما لمن يريد الخوض في علم الهيئة لان براهينها متوقفة عليه فالكلام في الهيئة كله كلام في الكرات السماوية وما يعرض فيها من القطوع والدوائر باسباب الحركات كما نذكره فقد يتوقف على احكام الاشكال الكروية سطوحها وقطوعها وأما المخروطات فهو من فروع الهندسة أيضا وهو علم ينظر فيما يقع في الاجسام المخروطة من الاشكال والقطوع ويبرهن على ما يعرض لذلك من العوارض ببراهين هندسية متوقفة على التعليم الاول وفائدتها تظهر في الصنائع العملية التي موادها الاجسام مثل النجارة والبناء وكيف تصنع التماثيل الغريبة والهياكل النادرة وكيف يتحيل على جر الاثقال ونقل الهياكل

[ 487 ]

بالهندام والميخال وأمثال ذلك وقد أفرد بعض المؤلفين في هذا الفن كتابا في الحيل العلمية يتضمن من الصناعات الغريبة والحيل المستظرفة كل عجيبة وربما استغلق على الفهوم لصعوبة براهينه الهندسية وهو موجود بأيدي الناس ينسبونه إلى بني شاكر والله تعالى أعلم (ومن فروع الهندسة المساحة) وهو فن يحتاج إليه في مسح الارض ومعناه استخراج مقدار الارض المعلومة بنسبة شبر أو ذراع أو غيرهما ونسبة أرض من أرض إذ قويست بمثل ذلك ويحتاج إلى ذلك في توظيف الخراج على المزارع والفدن وبساتين الغراسة وفي قسمة الحوائط والاراضي بين الشركاء أو الورثة وأمثال ذلك وللناس فيها موضوعات حسنة وكثيرة والله الموفق للصواب بمنه وكرمه. (المناظرة من فروع الهندسة) وهو علم يتبين به أسباب الغلط في الادراك البصري بمعرفة كيفية وقوعها بناء على أن إدراك البصر يكون بمخروط شعاعي رأسه يقطعه الباصر وقاعدته المرئي ثم يقع الغلط كثيرا في رؤية القريب كبيرا والبعيد صغيرا وكذا رؤية الاشباح الصغيرة تحت الماء ووراء الاجسام الشفافة كبيرة ورؤية النقطة النازلة من المطر خطا مستقيما والسلقة دائرة وأمثال ذلك فيتبين في هذا ألعلم أسباب ذلك وكيفياته بالبراهين الهندسية ويتبين به أيضا اختلاف المنظر في القمر باختلاف العروض الذي ينبني عليه معرفة رؤية الاهلة وحصول الكسوفات وكثير من أمثال هذا وقد ألف في هذا الفن كثير من اليونانيين وأشهر من ألف فيه من الاسلاميين ابن الهيثم ولغيره أيضا تآليف وهو من هذه الرياضة وتفاريعها الفصل السادس عشر في علم الهيئة وهو علم ينظر في حركات الكواكب الثابتة والمتحركة والمتحيزة ويستدل من تلك الحركات على أشكال وأوضاع للافلاك لزمت عنها لهذه الحركات المحسوسة بطرق هندسية كما يبرهن على أن مركز الارض مباين لمركز فلك الشمس بوجود حركة الاقبال والادبار وكما يستدل بالرجوع والاستقامة للكواكب على وجود أفلاك صغيرة حاملة لها متحركة داخل فلكها الاعظم وكما يبرهن على وجود الفلك الثامن بحركة الكواكب الثابتة وكما يبرهن على تعدد الافلاك للكوكب

[ 488 ]

الواحد بتعداد الميول له وأمثال ذلك و إدراك الموجود من الحركات وكيفياتها وأجناسها إنما هو بالرصد فانا إنما علمنا حركة الاقبال والادبار به وكذا تركيب الافلاك في طبقاتها وكذا الرجوع والاستقامة وأمثال ذلك وكان اليونانيون يعتنون بالرصد كثيرا ويتخذون له الآلات التي توضع ليرصد بها حركة الكوكب المعين وكانت تسمى عندهم ذات الحلق وصناعة عملها والبراهين عليه في مطابقة حركتها بحركة الفلك منقول بأيدي الناس وأما في الاسلام فلم تقع به عناية إلا في القليل وكان في أيام المأمون شئ منه وصنع الآلة المعروفة للرصد المسماة ذات الحلق وشرع في ذلك فلم يتم ولما مات ذهب رسمه وأغفل واعتمد من بعده على الارصاد القديمة وليست بمغنية لاختلاف الحركات باتصال الاحقاب وأن مطابقة حركة الآلة للرصد بحركة الافلاك والكواكب إنما هو بالتقريب وهذه الهيئة صناعة شريفة وليست على ما يفهم في المشهور أنها تعطي صورة السماوات وترتيب الافلاك والكواكب بالحقيقة بل إنما تعطي أن هذه الصور والهيئات للافلاك لزمت عن هذه الحركات وأنت تعلم أنه لا يبعد أن يكون الشئ الواحد لازما لمختلفين وإن قلنا إن الحركات لازمة فهو استدلال باللازم. على وجود الملزوم ولا يعطي الحقيقة بوجه على أنه علم جليل وهو أحد أركان التعاليم ومن أحسن التآليف فيه كتاب المجسطي منسوب لبطليموس وليس من ملوك اليونان الذين أسماؤهم بطليموس على ما حققه شراح الكتاب وقد اختصره الائمة من حكماء الاسلام كما فعله ابن سينا وأدرجه في تعاليم الشفاء ولخصه ابن رشد أيضا من حكماء الاندلس وابن السمح وابن الصلت في كتاب الاقتصار ولابن الفرغاني هيئة ملخصة قربها وحذف براهينها الهندسية والله علم الانسان ما لم يعلم سبحانه لا إله إلا هو رب العالمين. (ومن فروعه علم الازياج). وهي صناعة حسابية على قوانين عددية فيما يخص كل كوكب من طريق حركته وما أدى إليه برهان الهيئة في وضعه من سرعة وبطئ واستقامة ورجوع وغير ذلك يعرف به مواضع الكواكب في أفلاكها لاي وقت فرض من قبل حسبان حركاتها على تلك القوانين المستخرجة من كتب الهيئة ولهذه الصناعة قوانين كالمقدمات والاصول لها في معرفة الشهور والايام

[ 489 ]

والتواريخ الماضية وأصول متقررة من معرفة الاوج والحضيض والميول وأصناف الحركات واستخراج بعضها من بعض يضعونها في جداول مرتبة تسهيلا على المتعلمين وتسمى الازياج ويسمى استخراج مواضع الكواكب للوقت المفروض لهذه الصناعة تعديلا وتقويما وللناس فيه تآليف كثيرة للمتقدمين والمتأخرين مثل البتاني (1) وابن الكماد وقد عول المتأخرون لهذا العهد بالمغرب على زيج منسوب لابن إسحق من منجمي تونس في أول المائة السابعة ويزعمون أن ابن إسحاق عول فيه على الرصد وأن يهوديا كان بصقلية ماهرا في الهيئة والتعاليم وكان قد عني بالرصد وكان يبعث إليه بما يقع في ذلك من أحوال الكواكب وحركاتها فكان أهل المغرب لذلك عنوا به لوثاقة مبناه على ما يزعمون ولخصه ابن البناء في آخر سماه المنهاج قولع به الناس لما سهل من الاعمال فيه وإنما يحتاج إلى مواضع الكواكب من الفلك لتنبني عليها الاحكام النجومية وهو معرفة الآثار التي تحدث عنها باوضاعها في عالم الانسان من الملك والدول والمواليد البشرية كما نبينه بعد ونوضح فيه أدلتهم إن شاء الله تعالى والله الموفق لما يحبه ويرضاه لا معبود سواه الفصل السابع عشر في علم المنطق وهو قوانين يعرف بها الصحيح من الفاسد في الحدود المعرفة للماهيات والحجج المفيدة للتصديقات وذلك أن الاصل في الادراك إنما هو المحسوسات بالحواس الخمس وجميع الحيوانات مشتركة في هذا الادراك من الناطق وغيره وإنما يتميز الانسان عنها بادراك الكليات وهي مجردة من المحسوسات وذلك بان يحصل في الخيال من الاشخاص المتفقة صورة منطبقة على جميع تلك الاشخاص المحسوسة وهي الكلي ثم ينظر الذهن بين تلك الاشخاص المتفقة وأشخاص أخرى توافقها في بعض فيحصل له صورة تنطبق أيضا عليهما باعتبار ما اتفقا فيه ولا يزال يرتقي في التجريد إلى الكل الذي لا يجد كليا آخر معه يوافقه فيكون لاجل ذلك بسيطا وهذا مثل ما يجرد من أشخاص الانسان صورة النوع المنطبقة عليها ثم ينظر بينه


1 قوله البتانى بفتح الموحدة وتشديد المثناة كما ضبطه ابن خلكان في ترجمته قبيل اخر المحمدين (*)

[ 490 ]

وبين الحيوان ويجرد صورة الجنس المنطبقة عليها ثم بينهما وبين النبات إلى ان ينتهي إلى الجنس العالي وهو الجوهر فلا يجد كليا يوافقه في شئ فيقف العقل هنالك عن التجريد ثم إن الانسان لما خلق الله له الفكر الذي به يدرك العلوم والصنائع وكان العلم إما تصورا للماهيات ويعنى به إدراك ساذج من غير حكم معه وإما تصديقا أي حكما بثبوت أمر لامر فصار سعي الفكر في تحصيل المطلوبات إما بان تجمع تلك الكليات بعضها إلى بعض على جهة التأليف فتحصل صورة في الذهن كلية منطبقة على أفراد في الخارج فتكون تلك الصورة الذهنية مفيدة لمعرفة ماهية تلك الاشخاص وإما بان يحكم بامر على أمر فيثبت له ويكون ذلك تصديقا وغايته في الحقيقة راجعة إلى التصور لان فائدة ذلك إذا حصل إنما هي معرفة حقائق الاشياء التي هي مقتضى العلم وهذا السعي من الفكر قد يكون بطريق صحيح وقد يكون بطريق فاسد فاقتضى ذلك تمييز الطريق الذي يسعى به الفكر في تحصيل المطالب العلمية ليتميز الصحيح من الفاسد فكان ذلك قانون المنطق وتكلم فيه المتقدمون أول ما تكلموا به جملا جملا ومفترقا ولم تهذب طرقه ولم تجمع مسائله حتى ظهر في يونان أرسطو فهذب مباحثه ورتب مسائله وفصوله وجعله أول العلوم الحكمية وفاتحتها ولذلك يسمى بالمعلم الاول وكتابه المخصوص بالمنطق يسمى النص وهو يشتمل على ثمانية كتب أربعة منها في صورة القياس وأربعة في مادته وذلك أن المطالب التصديقية على أنحاء. فمنها ما يكون المطلوب فيه اليقين بطبعه ومنها ما يكون المطلوب فيه الظن وهو على مراتب فينظر في القياس من حيث المطلوب الذي يفيده وما ينبغي أن تكون مقدماته بذلك الاعتبار ومن أي جنس يكون من العلم أو من الظن وقد ينظر في القياس لا باعتبار مطلوب مخصوص بل من جهة إنتاجه خاصة ويقال للنظر الاول إنه من حيث المادة ونعني به المادة المنتجة للمطلوب المخصوص من يقين أو ظن ويقال للنظر الثاني إنه من حيث الصورة وإنتاج القياس على الاطلاق فكانت لذلك كتب المنطق ثمانية. الاول في الاجناس العالية التي ينتهي إليها تجريد المحسوسات وهي التي ليس فوقها جنس ويسمى كتاب المقولات. والثاني في القضايا التصديقية وأصنافها ويسمى كتاب العبارة. والثالث في القياس وصورة إنتاجه على

[ 491 ]

الاطلاق ويسمى كتاب القياس وهذا آخر النظر من حيث الصورة. ثم الرابع كتاب البرهان وهو النظر في القياس المنتج لليقين وكيف يجب أن تكون مقدماته يقينية ويختص بشروط أخرى لافادة اليقين مذكورة فيه مثل كونها ذاتية و أولية وغير ذلك وفي هذا الكتاب الكلام في المعرفات والحدود إذ المطلوب فيها إنما هو اليقين لوجوب المطابقة بين الحد والمحدود لا تحتمل غيرها فلذلك اختصت عند المتقدمين بهذا الكتاب. والخامس كتاب الجدل وهو القياس المفيد قطع المشاغب وإفحام الخصم وما يجب أن يستعمل فيه من المشهورات ويختص أيضا من جهة إفادته لهذا الغرض بشروط أخرى من حيث إفادته لهذا الغرض وهي مذكورة هناك وفي هذا الكتاب يذكر المواضع التي يستنبط منها صاحب القياس قياسه وفيه عكوس القضايا. والسادس كتاب السفسطة وهو القياس الذي يفيد خلاف الحق ويغالط به المناظر صاحبه وهو فاسد وهذا إنما كتب ليعرف به القياس المغالطئ فيحذر منه. والسابع كتاب الخطابة وهو القياس المفيد ترغيب الجمهور وحملهم على المراد منهم وما يجب أن يستعمل في ذلك من المقالات. والثامن كتاب الشعر وهو القياس الذي يفيد التمثيل والتشبيه خاصة للاقبال على الشئ أو النفرة عنه وما يجب أو يستعمل فيه من القضايا التخيلية هذه هي كتب المنطق الثمانية عند المتقدمين ثم إن حكماء اليونانيين بعد أن تهذبت الصناعة ورتبت رأوا أنه لابد من الكلام في الكليات الخمس المفيدة للتصور فاستدركوا فيها مقالة تختص بها مقدمة بين يدي الفن فصارت تسعا وترجمت كلها في الملة الاسلامية وكتبها وتداولها فلاسفة الاسلام بالشرح والتلخيص كما فعله الفارابي وابن سينا ثم ابن رشد من فلاسفة الاندلس ولابن سينا كتاب الشفاء استوعب فيه علوم الفلسفة السبعة كلها ثم جاء المتأخرون فغيروا اصطلاح المنطق وألحقوا بالنظر في الكليات الخمس ثمرته وهي الكلام في الحدود والرسوم نقلوها من كتاب البرهان وحذفوا كتاب المقولات لان نظر المنطقي فيه بالعرض لا بالذات والحقوا في كتاب العبارة الكلام في العكس لانه من توابع الكلام في القضايا ببعض الوجوه ثم تكلموا في القياس من حيث إنتاجه للمطالب على العموم لا بحسب مادة وحدقوا النظر فيه

[ 492 ]

بحسب المادة وهي الكتب الخمسة البرهان والجدل والخطابة والشعر والسفسطة وربما يلم بعضهم باليسير منها إلماما وأغفلوها كأن لم تكن هي المهم المعتمد في الفن ثم تكلموا فيما وضعوه من ذلك كلاما مستبحرا ونظروا فيه من حيث إنه فن برأسه لامن حيث إنه آلة للعلوم فطال الكلام فيه واتسع وأول من فعل ذلك الامام فخر الدين بن الخطيب ومن بعده أفضل الدين الخونجي وعلى كتبه معتمد المشارقة لهذا العهد وله في هذه الصناعة كتاب كشف الاسرار وهو طويل واختصر فيها مختصر الموجز وهو حسن في التعليم ثم مختصر الجمل في قدر أربعة أوراق أخذ بمجامع الفن وأصوله فتداوله المتعلمون لهذا العهد فينتفعون به وهجرت كتب المتقدمين وطرقهم كأن لم تكن وهي ممتلئة من ثمرة المنطق وفائدته كما قلناه والله الهادي للصواب الفصل الثامن عشر في الطبيعيات وهو علم يبحث عن الجسم من جهة ما يلحقه من الحركة والسكون فينظر في الاجسام السماوية والعنصرية وما يتولد عنها من حيوان وإنسان ونبات ومعدن وما يتكون في الارض من العيون والزلازل وفي الجو من السحاب والبخار والرعد والبرق والصواعق وغير ذلك وفي مبدإ الحركة للاجسام وهو على تنوعها في الانسان والحيوان والنبات وكتب أرسطو فيه موجودة بين أيدي الناس ترجمت مع ما ترجم من علوم الفلسفة أيام المأمون وألف الناس على حذوها وأوعب من ألف في ذلك ابن سينا في كتاب الشفاء جمع فيه العلوم السبعة للفلاسفة كما قدمنا ثم لخصه في كتاب النجا وفي كتاب الاشارات وكانه يخالف أرسطو في الكثير من مسائلها ويقول برأيه فيها وأما ابن رشد فلخص كتب أرسطو وشرحها متبعا له غير مخالف وألف الناس في ذلك كثيرا لكن هذه هي المشهورة لهذا العهد والمعتبرة في الصناعة ولاهل المشرق عناية لكتاب الاشارات لابن سينا وللامام ابن الخطيب عليه شرح حسن وكذا الآمدي وشرحه أيضا نصير الدين الطوسي المعروف بخواجه من أهل المشرق وبحث مع الامام في كثير من مسائله فأوفى على أنظاره وبحوثه وفوق كل ذي علم عليم

[ 493 ]

والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم الفصل التاسع عشر في علم الطب ومن فروع الطبيعيات صناعة الطب وهي صناعة تنظر في بدن الانسان من حيث يمرض ويصح فيحاول صاحبها حفظ الصحة وبرء المرض بالادوية والاغذية بعد أن يتبين المرض الذي يخص كل عضو من أعضاء البدن وأسباب تلك الامراض التي تنشأ عنها وما لكل مرض من الادوية مستدلين على ذلك بامزجة الادوية وقواها وعلى المرض بالعلامات المؤذنة بنضجه وقبوله الدواء أولا في السجية والفضلات والنبض محاذين لذلك قوة الطبيعة فانها المدبرة في حالتي الصحة والمرض وإنما الطبيب يحاذيها ويعينها بعض الشئ بحسب ما تقتضيه طبيعة المادة والفصل والسن ويسمى العلم الجامع لهذا كله علم الطب وربما أفردوا بعض الاعضاء بالكلام وجعلوه علما خاصا كالعين وعللها وأكحالها وكذلك ألحقوا بالفن من منافع الاعضاء ومعناها المنفعة التي لاجلها خلق كل عضو من أعضاء البدن الحيواني وإن لم يكن ذلك من موضوع علم الطب إلا أنهم جعلوه من لواحقه وتوابعه وإمام هذه الصناعة التي ترجمت كتبه فيها من الاقدمين جالينوس يقال إنه كان معاصرا لعيسى عليه السلام ويقال إنه مات بصقلية في سبيل تغلب ومطاوعة اغتراب وتآليفه فيها هي الامهات التي اقتدى بها جميع الاطباء بعده وكان في الاسلام في هذه الصناعة أئمة جاءوا من وراء الغاية مثل الرازي والمجوسي وابن سينا ومن أهل الاندلس أيضا كثير وأشهرهم ابن زهر وهي لهذا العهد في المدن الاسلامية كأنها نقصت لوقوف العمران وتناقصه وهي من الصنائع التي لا تستدعيها إلا الحضارة والترف كما نبينه بعد. وللبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب الامر على تجربة قاصرة على بعض الاشخاص متوارثا عن مشايخ الحي وعجائزه وربما يصح منه البعض إلا أنه ليس على قانون طبيعي ولا على موافقة المزاج وكان عند العرب من هذا الطب كثير وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره والطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل وليس من الوحي في شئ وإنما هو أمر كان عاديا للعرب ووقع في

[ 494 ]

ذكر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل فانه صلى الله عليه وسلم إنما بعث ليعلمنا الشرائع ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات وقد وقع له في شان تلقيح النخل ما وقع فقال أنتم أعلم بامور دنياكم فلاينبغي أن يحمل شئ من الطب الذي وقع في الاحاديث المنقولة على أنه مشروع فليس هناك ما يدل عليه اللهم إلا إذا استعمل على جهة التبرك وصدق العقد الايماني فيكون له أثر عظيم في النفع وليس ذلك في الطب المزاجي وإنما هو من آثار الكلمة الايمانية كما وقع في مداواة المبطون بالعسل والله الهادي إلى الصواب لارب سواه الفصل العشرون في الفلاحة هذه الصناعة من فروع الطبيعيات وهي النظر في النبات من حيث تنميته ونشؤه بالسقي والعلاج وتعهده بمثل ذلك وكان للمتقدمين بها عناية كثيرة وكان النظر فيها عندهم عاما في النبات من جهة غرسه وتنميته ومن جهة خواصه وروحانيته ومشاكلتها لروحانيات الكواكب والهياكل المستعمل ذلك كله في باب السحر فعظمت عنايتهم به لاجل ذلك وترجم من كتب اليونانيين كتاب الفلاحة النبطية منسوبة لعلماء النبط متشتملة من ذلك على علم كبير ولما نظر أهل الملة فيما اشتمل عليه هذا الكتاب وكان باب السحر مسدودا والنظر فيه محظورا فاقتصروا منه على الكلام في النبات من جهة غرسه وعلاجه وما يعرض له في ذلك وحذفوا الكلام في الفن الآخر منه جملة واختصر ابن العوام كتاب الفلاحة النبطية على هذا المنهاج وبقي الفن الآخر منه مغفلا نقل منه مسلمة في كتبه السحرية أمهات من مسائله كما نذكره عند الكلام على السحر إن شاء الله تعالى وكتب المتأخرين في الفلاحة كثيرة ولا يعدون فيها الكلام في الغراس والعلاج وحفظ النبات من حوائجه وعوائقه وما يعرض في ذلك كله وهي موجودة

[ 495 ]

الفصل الحادي والعشرون في علم الالهيات وهو علم ينظر في الوجود المطلق فاولا في الامور العامة للجسمانيات والروحانيات من الماهيات والوحدة والكثرة والوجوب والامكان وغير ذلك ثم ينظر في مبادئ الموجودات وأنها روحانيات ثم في كيفية صدور الموجودات عنها ومراتبها ثم في أحوال النفس بعد مفارقة الاجسام وعودها إلى المبدإ وهو عندهم علم شريف يزعمون أنه يوقفهم على معرفة الوجود على ما هو عليه وأن ذلك عين السعادة في زعمهم وسيأتي الرد عليهم وهوتال للطبيعيات في ترتيبهم ولذلك يسمونه علم ما وراء الطبيعة وكتب المعلم الاول فيه موجودة بين أيدي الناس ولخصه ابن سينا في كتاب الشفاء والنجا وكذلك لخصه ابن رشد من حكماء الاندلس ولما وضع المتأخرون في علوم القوم ودونوا فيها ورد عليهم الغزالي ما رد منها ثم خلط المتأخرون من المتكلمين مسائل علم الكلام بموضوع الالهيات ومسائله بمسائلها فصارت كأنها فن واحد ثم غيروا ترتيب الحكماء في مسائل الطبيعيات والالهيات وخلطوهما فنا واحدا قدموا الكلام في الامور العامة ثم أتبعوه بالجسمانيات وتوابعها ثم بالروحانيات وتوابعها إلى اخر العلم كما فعله الامام ابن الخطيب في المباحث المشرقية وجميع من بعده من علماء الكلام وصار علم الكلام مختلطا بمسائل الحكمة وكتبه محشوة بها كأن الغرض من موضوعهما ومسائلهما واحد والتبس ذلك على الناس وهو صواب لان مسائل علم الكلام إنما هي عقائد متلقاة من الشريعة كما نقلها السلف من غير رجوع فيها إلى العقل ولا تعويل عليه بمعنى أنها لا تثبت إلا به فإن العقل معزول عن الشرع وأنظاره وما تحدث فيه المتكلمون من إقامة الحجج فليس بحثا عن الحق فيها فالتعليل بالدليل بعد أن لم يكن معلوما هو شأن الفلسفة بل إنما هو التماس حجة عقلية تعضد عقائد الايمان ومذاهب السلف فيه وتدفع شبه أهل البدع عنها الذين زعموا أن مداركهم فيها عقلية وذلك بعد أن تفرض صحيحة بالادلة النقلية كما تلقاها السلف واعتقدوها وكثير ما بين المقامين وذلك أن مدارك صاحب الشريعة أوسع لاتساع نطاقها عن مدارك الانظار العقلية

[ 496 ]

فهي فوقها ومحيطة بها لاستمدادها من الانوار الالهية فلا تدخل تحت قانون النظر الضعيف والمدارك المحاط بها فإذا هدانا الشارع إلى مدرك فينبغي أن نقدمه على مداركنا ونثق به دونها ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل ولو عارضه بل نعتمد ما أمرنا به اعتقادا وعلما ونسكت عما لم نفهم من ذلك ونفوضه إلى الشارع ونعزل العقل عنه والمتكلمون إنما دعاهم إلى ذلك كلام أهل الالحاد في معارضات العقائد السلفية بالبدع النظرية فاحتاجوا إلى الرد عليهم من جنس معارضاتهم واستدعى ذلك الحجج النظرية ومحاذاة العقائد السلفية بها وأما النظر في مسائل الطبيعيات والالهيات بالتصحيح والبطلان فليس من موضوع علم الكلام ولا من جنس أنظار المتكلمين فاعلم ذلك لتميز به بين الفنين فانهما مختلطان عند المتأخرين في الوضع والتأليف والحق مغايرة كل منهما لصاحبه بالموضوع والمسائل وإنما جاء الالتباس من اتحاد المطالب عند الاستدلال وصار احتجاج أهل الكلام كانه إنشاء لطلب الاعتداد بالدليل وليس كذلك بل إنما هو رد على الملحدين والمطلوب مفروض الصدق معلومه وكذا جاء المتأخرون من غلاة المتصوفة المتكلمين بالمواجد أيضا فخلطوا مسائل الفنين بفنهم وجعلوا الكلام واحدا فيها كلها مثل كلامهم في النبوءات والاتحاد والحلول والوحدة وغير ذلك والمدارك في هذه الفنون الثلاثة متغايرة مختلفة وأبعدها من جنس الفنون والعلوم مدارك المتصوفة لانهم يدعون فيها الوجدان ويفرون عن الدليل والوجدان بعيد عن المدارك العلمية وأبحاثها وتوابعها كما بيناه ونبينه والله يهدي من يشاء إلى طريق مستقيم والله أعلم بالصواب الفصل الثاني والعشرون في علوم السحر والطلسمات وهي علوم بكيفية استعدادات تقتدر النفوس البشرية بها على التأثيرات في عالم العناصر إما بغير معين أو بمعين من الامور السماوية والاول هو السحر والثاني هو الطلسمات ولما كانت هذه العلوم مهجورة عند الشرائع لما فيها من الضرر ولما يشترط فيها من الوجهة إلى غير الله من كوكب أو غيره كانت كتبها كالمفقودة بين الناس

[ 497 ]

إلا ما وجد في كتب الامم الاقدمين فيما قبل نبؤة موسى عليه السلام مثل النبط والكلدانيين فان جميع من تقدمه من الانبياء لم يشرعوا الشرائع ولا جاءوا بالاحكام إنما كانت كتبهم مواعظ وتوحيد الله وتذكيرا بالجنة والنارو كانت هذه العلوم في أهل بابل من السريانيين والكلدانيين وفي أهل مصر من القبط وغيرهم وكان لهم فيها التآليف والآثار ولم يترجم لنا من كتبهم فيها إلا القليل مثل الفلاحة النبطية من أوضاع أهل بابل فاخذ الناس منها هذا العلم وتفننوا فيه ووضعت بعد ذلك الاوضاع مثل مصاحف الكواكب السبعة وكتاب طمطم الهندي في صور الدرج والكواكب وغيرها ثم ظهر بالمشرق جابر بن حيان كبير السحرة في هذه الملة فتصفح كتب القوم واستخرج الصناعة وغاص في زبدتها واستخرجها ووضع فيها غيرها من التآليف وأكثر الكلام فيها وفي صناعة السيمياء لانها من توابعها لان إحالة الاجسام النوعية من صورة إلى أخرى إنما يكون بالقوة النفسية لا بالصناعة العملية فهو من قبيل السحر كما نذكره في موضعه. ثم جاء مسلمة بن أحمد المجريطي إمام أهل الاندلس في التعاليم والسحريات فلخص جميع تلك الكتب وهذبها وجمع طرقها في كتابه الذي سماه غاية الحكيم ولم يكتب أحد في هذا العلم بعده. ولنقدم هنا مقدمة يتبين بها حقيقة السحر وذلك أن النفوس البشرية وإن كانت واحدة بالنوع فهي مختلفة بالخواص وهي أصناف كل صنف مختص بخاصية واحدة بالنوع لا توجد في الصنف الآخر وصارت تلك الخواص فطرة وجبلة لصنفها فنفوس الانبياء عليهم الصلاة والسلام لها خاصية تستعد بها للمعرفة الربانية ومخاطبة الملائكة عليهم السلام عن الله سبحانه وتعالى كما مر وما يتسع في ذلك من التأثير في الاكوان واستجلاب روحانية الكواكب للتصرف فيها والتاثير بقوة نفسانية أو شيطانية فاما تأثير الانبياء فمدد إلهي وخاصية ربانية ونفوس الكهنة لها خاصية الاطلاع على المغيبات بقوى شيطانية وهكذا كل صنف مختص بخاصية لا توجد في الآخر والنفوس الساحرة على مراتب ثلاث يأتي شرحها فاولها المؤثرة بالهمة فقط من غير آلة ولا معين وهذا هو الذي تسميه الفلاسفة السحر والثاني بمعين من مزاج الافلاك أو العناصر أو خواص الاعداد ويسمونه

[ 498 ]

الطلسمات وهو أضعف رتبة من الاول والثالث تأثير في القوى المتخيلة يعمد صاحب هذا التأثير إلى القوى المتخيلة فيتصرف فيها بنوع من التصرف ويلقى فيها أنواعا من الخيالات والمحاكاة وضورا مما يقصده من ذلك ثم ينزلها إلى الحس من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيه فينظر الراؤن كأنها في الخارج وليس هناك شئ من ذلك كما يحكى عن بعضهم أنه يري البساتين والانهار والقصور وليس هناك شئ من ذلك ويسمى هذا عند الفلاسفة الشعوذة أو الشعبذة. هذا تفصيل مراتبه ثم هذه الخاصية تكون في الساحر بالقوة شان القوى البشرية كلها وإنما تخرج إلى الفعل بالرياضة ورياضة السحر كلها إنما تكون بالتوجه إلى الافلاك والكواكب والعوالم العلوية والشياطين بانواع التعظيم والعبادة والخضوع والتذلل فهي لذلك وجهة إلى غير الله وسجود له والوجهة إلى غير الله كفر فلهذا كان السحر كفرا والكفر من مواده وأسبابه كما رأيت ولهذا اختلف الفقهاء في قتل الساحر هل لكفره السابق على فعله أو لتصرفه بالافساد وما ينشأ عنه من الفساد في الاكوان والكل حاصل منه ولما كانت المرتبتان الاوليان من السحر لها حقيقة في الخارج والمرتبة الاخيرة الثالثة لا حقيقة لها اختلف العلماء في السحر هل هو حقيقة أو إنما هو تخييل فالقائلون بان له حقيقة نظروا إلى المرتبتين الاوليين والقائلون بان لاحقيقة له نظروا إلى المرتبة الثالثة الاخيرة فليس بينهم اختلاف في نفس الامر بل إنما جاء من قبل اشتباه هذه المراتب والله أعلم. واعلم أن وجود السحر لامرية فيه بين العقلاء من أجل التأثير الذي ذكرناه وقد نطق به القرآن قال الله تعالى ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله وسحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشئ ولا يفعله وجعل سحره في مشط ومشاقة وجف طلعة ودفن في بئر ذروان فانزل الله عزوجل عليه في المعوذتين ومن شر النفاثات في العقد قالت عائشة رضي الله عنها كان لايقرأ على عقدة من تلك العقد التي سحر فيها إلا انحلت وأما وجود السحر في أهل بابل وهم الكلدانيون من النبط والسريانيين

[ 499 ]

فكثير ونطق به القرآن وجاءت به الاخبار وكان للسحر في بابل ومصر أزمان بعثة موسى عليه السلام أسواق نافقة ولهذا كانت معجزة موسى من جنس ما يدعون ويتناغون فيه وبقي من آثار ذلك في البراري بصعيد مصر شواهد دالة على ذلك ورأينا بالعيان من يصور صورة الشخص المسحور بخواص أشياء مقابلة لما نواه وحاوله موجودة بالمسحور وأمثال تلك المعاني من أسماء وصفات في التأليف والتفريق ثم يتكلم على تلك الصورة التي أقامها مقام الشخص المسحور عينا أو معنى ثم ينفث من ريقه بعد اجتماعه في فيه بتكرير مخارج تلك الحروف من الكلام السوء ويعقد على ذلك المعنى في سبب أعده لذلك تفاؤلا بالعقد واللزام وأخذ العهد على من أشرك به من الجن في نفثه في فعله ذلك استشعارا للعزيمة بالعزم ولتلك البنية والاسماء السيئة روح خبيثة تخرج منه مع النفخ متعلقة بريقه الخارج من فيه بالنفث فتنزل عنها أرواح خبيثة ويقع عن ذلك بالمسحور ما يحاوله الساحر وشاهدنا أيضا من المنتحلين للسحر وعمله من يشير إلى كساء أو جلد ويتكلم عليه في سره فإذا هو مقطوع متخرق ويشير إلى بطون الغنم كذلك في مراعيها بالبعج فإذا أمعاؤها ساقطة من بطونها إلى الارض وسمعنا أن بارض الهند لهذا العهد من يشير إلى إنسان فيتحتت قلبه ويقع ميتا وينقلب عن قلبه فلا يوجد في حشاه ويشير إلى الرمانة وتفتح فلا يوجد من حبوبها شئ وكذلك سمعنا أن بارض السودان وأرض الترك من يسحر السحاب فيمطر الارض المخصوصة وكذلك رأينا من عمل الطلسمات عجائب في الاعداد المتحابة وهي رك ر ف د أحد العددين مائتان وعشرون والآخر مائتان وأربعة وثمانون ومعنى المتحابة أن أجزاء كل واحد التي فيه من نصف وثلث وربع وسدس وخمس وأمثالها إذا جمع كان متساويا للعدد الآخر صاحبه فتسمى لاجل ذلك المتحابة ونقل أصحاب الطلسمات أن لتلك الاعداد أثرا في الالفة بين المتحابين واجتماعهما إذا وضع لهما مثالان أحدهما بطالع الزهرة وهي في بيتها أو شرفها ناظرة إلى القمر نظر مودة وقبول ويجعل طالع الثاني سابع الاول ويضع على أحد التمثالين أحد العددين والآخر على الآخر ويقصد بالاكثر الذي يراد ائتلافه أعني المحبوب ما أدري الاكثر كمية أو الاكثر أجزاء فيكون لذلك

[ 500 ]

من التألف العظيم بين المتحابين ما لا يكاد ينفك أحدهما عن الآخر قاله صاحب الغاية وغيره من أئمة هذا الشان وشهدت له التجربة وكذا طابع الاسد ويسمى أيضا طابع الحصى وهو أن يرسم في قالب هند اصبع صورة أسد شائلا ذنبه عاضا على حصاة فد قسمها بنصفين وبين يديه صورة حية منسابة من رجليه إلى قبالة وجهه فاغرة فاها فيه وعلى ظهره صورة عقرب تدب ويتحين برسمه حلول الشمس بالوجه الاول أو الثالث من الاسد بشرط صلاح النيرين وسلامتهما من النحوس فإذا وجد ذلك وعثر عليه طبع في ذلك الوقت في مقدار المثقال فما دونه من الذهب وغمس بعد في الزعفران محلولا بماء الورد ورفع في خرقة حرير صفراء فانهم يزعمون أن. لممسكه من العز على السلاطين في مباشرتهم وخدمتهم وتسخيرهم له مالا يعبر وكذلك للسلاطين فيه من القوة والعز على من تحت أيديهم ذكر ذلك أيضا أهل هذا الشان في الغاية وغيرها وشهدت له التجربة وكذلك وفق المسدس المختص بالشمس ذكروا أنه يوضع عند حلول الشمس في شرفها وسلامتها من النحوس وسلامة القمر بطالع ملوكي يعتبر فيه نظر صاحب العاشر لصاحب الطالع نظر مودة وقبول ويصلح فيه ما يكون من مواليد الملوك من الادلة الشريفة ويرفع في خرقة حرير صفراء بعد أن يغمس في الطيب فزعموا أن له أثرا في صحابة الملوك وخدمتهم ومعاشرتهم وأمثال ذلك كثير وكتاب الغاية لمسلمة بن أحمد المجريطي هو مدونة هذه الصناعة وفيه استيفاؤها وكمال مسائلها وذكر لنا أن الامام الفخر بن الخطيب وضع كتابا في ذلك وسماه بالسر المكتوم وأنه بالمشرق يتداوله أهله ونحن لم نقف عليه والامام لم يكن من أئمة هذا الشان فيما نظن ولعل الامر بخلاف ذلك وبالمغرب صنف من هؤلاء المنتحلين لهذه الاعمال السحرية يعرفون بالبعاجين وهم الذين ذكرت أولا أنهم يشيرون إلى الكساء أو الجلد فيتخرق ويشيرون إلى بطون الغنم بالبعج فتنبعج ويسمى أحدهم لهذا العهد باسم البعاج لان أكثر ما ينتحل من السحر بعج الانعام يرهب بذلك أهلها ليعطوه من فضلها وهم مستترون بذلك في الغاية خوفا على أنفسهم من الحكام لقيت منهم جماعة وشاهدت من أفعالهم هذه بذلك وأخبروني أن لهم وجهة ورياضة

[ 501 ]

خاصة بدعوات كفرية وإشراك الروحانيات الجن والكواكب سطرت فيها صحيفة عندهم تسمى الخزيرية يتدارسونها وأنهم بهذه الرياضة والوجهة يصلون إلى حصول هذه الافعال لهم وأن التأثير الذي لهم إنما هو فيما سوى الانسان الحر من المتاع والحيوان والرقيق ويعبرون عن ذلك بقولهم إنما نفعل فيما تمشي فيه الدراهم أي ما يملك ويباع ويشترى من سائر المتملكات هذا ما زعموه وسالت بعضهم فاخبرني به وأما أفعالهم فظاهرة موجودة وقفنا على الكثير منها وعاينتها من غير ريبة في ذلك هذا شان السحر والطلسمات وأثارهما في العالم فاما الفلاسفة ففرقوا بين السحر والطلسمات بعد أن أثبتوا أنهما جميعا أثر للنفس الانسانية واستدلوا على وجود الاثر للنفس الانسانية بان لها آثارا في بدنها على غير المجرى الطبيعي وأسبابه الجسمانية بل آثار عارضة من كيفيات الارواح تارة كالسخونة الحادثة عن الفرح والسرور ومن جهة التصورات النفسانية أخرى كالذي يقع من قبل التوهم فان الماشي على حرف حائط أو على حبل منتصب إذا قوي عنده توهم السقوط سقط بلا شك ولهذا تجد كثيرا من الناس يعودون أنفسهم ذلك حتى يذهب عنهم هذا الوهم فتجدهم يمشون على حرف الحائط والحبل المنتصب ولا يخافون السقوط فثبت أن ذلك من آثار النفس الانسانية وتصورها للسقوط من أجل الوهم وإذا كان ذلك أثرا للنفس في بدنها من غير الاسباب الجسمانية الطبيعية فجائز أن يكون لها مثل هذا الاثر في غير بدنها إذ نسبتها إلى الابدان في ذلك النوع من التأثير واحدة لانها غير حالة في البدن ولا منطبعة فيه فثبت أنها مؤثرة في سائر الاجسام وأما التفرقة عندهم بين السحر والطلسمات فهو أن السحر لا يحتاج الساحر فيه إلى معين وصاحب الطلسمات يستعين بروحانيات الكواكب وأسرار الاعداد وخواص الموجودات وأوضاع الفلك المؤثرة في عالم العناصر كما يقوله المنجمون ويقولون السحر اتحاد روح بروح والطلسم اتحاد روح بجسم ومعناه عندهم ربط الطبائع العلوية المساوية بالطبائع السفلية والطبائع العلوية هي روحانيات الكواكب ولذلك يستعين صاحبه في غالب الامر بالنجامة والساحر عندهم غير مكتسب لسحره بل هو مفطور عندهم على تلك الجبلة المختصة بذلك النوع من التأثير والفرق عندهم

[ 502 ]

بين المعجزة والسحر أن المعجزة قوة إلهية تبعث على النفس ذلك التأثير فهو مؤيد بروح الله على فعله ذلك والساحر إنما يفعل ذلك من لدن نفسه وبقوته النفسانية وبامداد الشياطين في بعض الاحوال فبينهما الفرق في المعقولية والحقيقة والذات في نفس الامر وإنما نستدل نحن على التفرقة بالعلامات الظاهرة وهي وجود المعجزة لصاحب الخير وفي مقاصد الخير وللنفوس المتمحصة للخير والتحدي بها على دعوى النبؤة والسحر إنما يوجد لصاحب الشر وفي أفعال الشر في الغالب من التفريق بين الزوجين وضرر الاعداء وأمثال ذلك وللنفوس المتمحصة للشر. هذا هو الفرق بينهما عند الحكماء الالهيين وقد يوجد لبعض المتصوفة وأصحاب الكرامات تأثير أيضا في أحوال العالم وليس معدودا من جنس السحر وإنما هو بالامداد الالهي لان طريقتهم ونحلتهم من آثار النبؤة وتوابعها ولهم في المدد الالهي حفظ على قدر حالهم وإيمانهم وتمسكهم بكلمة الله وإذا اقتدر أحد منهم على أفعال الشر لا يأتيها لانه متقيد فيما ياتيه يذره للامر الالهي فما لا يقع لهم فيه الاذن لا ياتونه بوجه ومن أتاه منهم فقد عدل عن طريق الحق وربما سلب حاله ولما كانت المعجزة بامداد روح الله والقوى الالهية فلذلك لا يعارضها شئ من السحر وانظر شان سحرة فرعون مع موسى في معجزة العصا كيف تلقفت ما كانوا به يافكون وذهب سحرهم واضمحل كأن لم يكن وكذلك لما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم في المعوذتين ومن شر النفاثات في العقد قالت عائشة رضي الله عنها فكان لا يقرأها على عقدة من العقد التي سحر فيها إلا انحلت فالسحر لا يثبت مع اسم الله وذكره وقد نقل المؤرخون أن زركش كاويان وهي راية كسرى كان فيها الوفق المئيني العددي منسوجا بالذهب في أوضاع فلكية رصدت لذلك الوفق ووجدت الراية يوم قتل رستم بالقادسية واقعة على الارض بعد انهزام أهل فارس وشتاتهم وهو فيما تزعم أهل الطلسمات والاوفاق مخصوص بالغلب في الحروب وأن الراية التي يكون فيها أو معها لا تنهزم أصلا إلا أن هذه عارضها المدد الالهي من إيمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمسكهم بكلمة الله فانحل معها كل عقد سحري ولم يثبت وبطل ما كانوا يعملون وأما الشريعة فلم تفرق بين السحر والطلسمات وجعلته كله بابا واحدا محظورا

[ 503 ]

لان الافعال إنما أباح لنا الشارع منها ما يهمنا في ديننا الذي فيه صلاح آخرتنا أو في معاشنا الذي فيه صلاح دنيانا وما لا يهمنا في شئ منهما فان كان فيه ضرر أو نوع ضرر كالسحر الحاصل ضرره بالوقوع ويلحق به الطلسمات لان أثرهما واحد وكالنجامة التي فيها نوع ضرر باعتقاد التأثير فتفسد العقيدة الايمانية برد الامور إلى غير الله فيكون حينئذ ذلك الفعل محظورا على نسبته في الضرر وإن لم يكن مهما علينا ولا فيه ضرر فلا أقل من تركه قربة إلى الله فان من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه فجعلت الشريعة باب السحر والطلسمات والشعوذة بابا واحدا لما فيها من الضرر وخصته بالحظر والتحريم وأما الفرق عندهم بين المعجزة والسحر فالذي ذكره المتكلمون أنه راجع إلى التحدي وهو دعوى وقوعها على وفق ما ادعاه قالوا والساحر مصروف عن مثل هذا التحدي فلا يقع منه ووقوع المعجزة على وفق دعوى الكاذب غير مقدور لان دلالة المعجزة على الصدق عقلية لان صفة نفسها التصديق فلو وقعت مع الكذب لاستحال الصادق كاذبا وهو محال فإذا لا تقع المعجزة مع الكاذب باطلاق وأما الحكماء فالفرق بينهما عندهم كما ذكرناه فرق مابين الخير والشر في نهاية الطرفين فالساحر لا يصدر منه الخير ولا يستعمل في أسباب الخير وصاحب المعجزة لا يصدر منه الشر ولا يستعمل في أسباب الشر وكانهما على طرفي النقيض في أصل فطرتهما والله يهدي من يشاء وهو القوي العزيز لارب سواه ومن قبيل هذه التأثيرات النفسية الاصابة بالعين وهو تأثير من نفس المعيان عندما يستحسن بعينه مدركا من الذوات أو الاحوال ويفرط في استحسانه وينشأ عن ذلك الاستسحان حينئذ أنه يروم معه سلب ذلك الشئ عمن اتصف به فيؤثر فساده وهو جبلة فطرية أعني هذه الاصابة بالعين والفرق بينها وبين التأثيرات وإن كان منها ما لا يكتسب فصدورها راجع إلى اختيار فاعلها والفطري منها قوة صدورها ولهذا قالوا القاتل بالسحر أو بالكرامة يقتل والقاتل بالعين لا يقتل وما ذلك إلا أنه ليس مما يريده ويقصده أو يتركه وإنما هو مجبور في صدوره عنه والله أعلم بما في الغيوب ومطلع على ما في السرائر

[ 504 ]

الفصل الثالث والعشرون في علم الكيمياء وهو علم ينظر في المادة التي يتم بها كون الذهب والفضة بالصناعة ويشرح العمل الذي يوصل إلى ذلك فيتصفحون المكونات كلها بعد معرفة أمزجتها وقواها لعلهم يعثرون على المادة المستعدة لذلك حتى من العضلات الحيوانية كالعظام والريش والبيض والعذرات فضلا عن المعادن ثم يشرح الاعمال التي تخرج بها تلك المادة من القوة إلى الفعل مثل حل الاجسام إلى أجزائها الطبيعية بالتصعيد والتقطير وجمد الذائب منها بالتكليس وإمهاء الصلب بالقهر والصلابة وأمثال ذلك وفي زعمهم أنه يخرج بهذه الصناعات كلها جسم طبيعي يسمونه الاكسير وأنه يلقى منه على الجسم المعدني المستعد لقبول صورة الذهب أو الفضة بالاستعداد القريب من الفعل مثل الرصاص والقصدير والنحاس بعد أن يحمي بالنار فيعود ذهبا إبريزا ويكنون عن ذلك الاكسير إذا ألغزوا في اصطلاحاتهم بالروح وعن الجسم الذي يلقى عليه بالجسد فشرح هذه الاصطلاحات وصورة هذا العمل الصناعي الذي يقلب هذه الاجساد المستعدة إلى صورة الذهب والفضة هو علم الكيمياء ومازال الناس يؤلفون فيها قديما وحديثا وربما يعزى الكلام فيها إلى من ليس من أهلها وإمام المدونين فيها جابر بن حيان حتى إنهم يخصونها به فيسمونها علم جابر وله فيها سبعون رسالة كلها شبيهة بالالغاز وزعموا انه لا يفتح مقفلها إلا من أحاط علما بجميع ما فيها والطغراءي من حكماء المشرق المتأخرين له فيها دواوين ومناظرات مع أهلها وغيرهم من الحكماء وكتب فيها مسلمة المجريطي من حكماء الاندلس كتابه الذي سماه رتبة الحكيم وجعله قرينا لكتابه الآخر في السحر والطلسمات الذي سماه غاية الحكيم وزعم أن هاتين الصناعتين هما نتيجتان للحكمة وثمرتان للعلوم ومن لم يقف عليهما فهو فاقد ثمرة العلم والحكمة أجمع وكلامه في ذلك الكتاب وكلامهم أجمع في تآليفهم هي ألغاز يتعذر فهمها على من لم يعان اصطلاحاتهم في ذلك. ونحن نذكر سبب عدولهم إلى هذه الرموز والالغاز ولابن المغيربي من أئمة هذا الشأن كلمات شعرية على حروف المعجم من أبدع ما يجئ

[ 505 ]

في الشعر ملغوزة كلها لغز الاحاجي والمعاياة فلا تكاد تفهم وقد ينسبون للغزالي رحمه الله بعض التآليف فيها وليس بصحيح لان الرجل لم تكن مداركه العالية لتقف عن خطإ ما يذهبون إليه حتى ينتحله وربما نسبوا بعض المذاهب والاقوال فيها لخالد بن يزيد بن معاوية ربيب مروان بن الحكم ومن المعلوم البين أن خالدا من الجيل العربي والبداوة إليه أقرب فهو بعيد عن العلوم والصنائع بالجملة فكيف له بصناعة غريبة المنحى مبنية على معرفة طبائع المركبات وأمزجتها وكتب الناظرين في ذلك من الطبيعيات والطب لم تظهر بعد ولم تترجم أللهم إلا أن يكون خالد بن يزيد آخر من أهل المدارك الصناعية تشبه باسمه فممكن. وأنا أنقل لك هنا رسالة أبي بكر بن بشرون لابي السمح في هذه الصناعة وكلاهما من تلاميذ مسلمة فيستدل من كلامه فيها على ما ذهب إليه في شانها إذا أعطيته حقه من التأمل قال ابن بشرون بعد صدر من الرسالة خارج عن الغرض والمقدمات التي لهذه الصناعة الكريمة قد ذكرها الاولون واقتص جميعها أهل الفلسفة من معرفة تكوين المعادن وتخلق الاحجار والجواهر وطباع البقاع والاماكن فمنعنا اشتهارها من ذكرها ولكن بين لك من هذه الصنعة ما يحتاج إليه فتبدأ بمعرفته فقد قالوا ينبغي لطلاب هذ العلم أن يعلموا أولا ثلاث خصال أولها هل تكون والثانية من أي تكون والثالثة من أي كيف تكون فإذا عرف هذه الثلاثة وأحكمها فقد ظفر بمطلوبه وبلغ نهايته من هذا العلم وأما البحث عن وجودها والاستدلال عن تكونها فقد كفينا كه بما بعثنا به إليك من الاكسير وأما من أي شئ تكون فانما يريدون بذلك البحث عن الحجر الذي يمكنه العمل وإن كان العمل موجودا من كل شئ بالقوة لانها من الطبائع الاربع منها تركبت ابتداء وإليها ترجع انتهاء ولكن من الاشياء ما يكون فيه بالقوة ولايكون بالفعل وذلك أن منها ما يمكن تفصيلها تعالج وتدبر وهي التي تخرج من القوة إلى الفعل والتي لا يمكن تفصيلها لا تعالج ولا تدبر لانها فيها بالقوة فقط وإنما لم يمكن تفصيلها لاستغراق بعض طبائعها في بعض وفضل قوة الكبير منها على الصغير فينبغي لك وفقك الله أن تعرف أوفق الاحجار المنفصلة التي يمكن فيها العمل وجنسه وقوته وعمله وما يدبر من الحل والعقد

[ 506 ]

والتنقية والتكليس والتنشيف والتقليب فان من لم يعرف هذه الاصول التي هي عماد هذه الصنعة لم ينجح ولم يظفر بخير أبدا وينبغي لك أن تعلم هل يمكن أن يستعان عليه بغيره أو يكتفى به وحده وهل هو واحد في الابتداء أو شاركه غيره فصار في التدبير واحدا فسمي حجرا وينبغي لك أن تعلم كيفية عمله وكمية أوزانه وأزمانه وكيف تركيب الروح فيه وإدخال النفس عليه وهل تقدر النار على تفصيلها منه بعد تركيبها فان لم تقدر فلاي علة وما السبب الموجب لذلك فان هذا هو المطلوب فافهم واعلم أن الفلاسفة كلها مدحت النفس وزعمت أنها المدبرة للجسد والحاملة له والدافعة عنه والفاعلة فيه وذلك أن الجسد إذا خرجت النفس منه مات وبرد فلم يقدر على الحركة والامتناع من غيره لانه لاحياة فيه ولانور وإنما ذكرت الجسد والنفس لان هذه الصفات شبيهة بجسد الانسان الذي تركيبه على الغذاء والعشاء وقوامه وتمامه بالنفس الحية النورانية التي بها يفعل العظائم والاشياء المتقابلة التي لا يقدر عليها غيرها بالقوة الحية التي فيها وإنما انفعل الانسان لاختلاف تركيب طبائعه ولو اتفقت طبائعه لسلمت من الاعراض والتضاد ولم تقدر النفس على الخروج من بدنه ولكان خالدا باقيا فسبحان مدبر الاشياء تعالى. واعلم أن الطبائع التي يحدث عنها هذا العمل كيفية دافعة في الابتداء فيضية محتاجة إلى الانتهاء وليس لها إذا صارت في هذا الحد أن تستحيل إلى ما منه تركبت كما قلناه آنفا في الانسان لان طبائع هذا الجوهر قد لزم بعضها بعضا وصارت شيئا واحدا شبيها بالنفس في قوتها وفعلها وبالجسد في تركيبه ومجسته بعد أن كانت طبائع مفردة باعيانها فيا عجبا من أفاعيل الطبائع إن القوة للضعيف الذي يقوى على تفصيل الاشياء وتركيبها وتمامها فلذلك قلت قوي وضعيف وإنما وقع التغيير والفناء في التركيب الاول للاختلاف وعدم ذلك في الثاني للاتفاق. وقد قال بعض الاولين التفصيل والتقطيع في هذا العمل حياة وبقاء والتركيب موت وفناء وهذا الكلام دقيق المعنى لان الحكيم أراد بقوله حياة وبقاء خروجه من العدم إلى الوجود لانه ما دام على تركيبه الاول فهو فان لا محالة فإذا ركب التركيب الثاني عدم الفناء والتركيب الثاني لا يكون إلا بعد التفصيل والتقطيع فإذا التفصيل والتقطيع في هذا العمل خاصة فإذا بقي الجسد

[ 507 ]

المحلول انبسط فيه لعدم الصورة لانه قد صار في الجسد بمنزلة النفس التي لا صورة لها وذلك أنه لا وزن له فيه وستري ذلك إن شاء الله تعالى وقد ينبغي لك أن تعلم أن اختلاط اللطيف باللطيف أهون من اختلاط الغليظ بالغليظ وإنما أريد بذلك التشاكل في الارواح والاجساد لان الاشياء تتصل باشكالها وذكرت لك ذلك لتعلم أن العمل أوفق وأيسر من الطبائع اللطائف الروحانية منها من الغليظة الجسمانية وقد يتصور في العقل أن الاحجار أقوى وأصبر على النار من الارواح كما ترى الذهب والحديد والنحاس أصبر على النار من الكبريت والزئبق وغيرهما من الارواح فاقول إن الاجساد قد كانت أرواحا في بدنها فلما أصابها حر الكيان قلبها أجسادا لزجة غليظة فلم تقدر النار على أكلها لافراط غلظها وتلزجها فإذا أفرطت النار عليها صيرتها أرواحا كما كانت أول خلقها وإن تلك الارواح اللطيفة إذا أصابتها النار أبقت ولم تقدر على البقاء عليها فينبغي لك أن تعلم ما صير الاجساد في هذه الحالة وصير الارواح في هذا الحال فهو أجل ما تعرفه. أقول إنما أبقت تلك الارواح لاشتعالها ولطافتهاو إنما اشتعلت لكثرة رطوبتها ولان النار إذا أحست بالرطوبة تعلقت بها لانها هوائية تشاكل النار ولا تزال تغتذي بها إلى أن تفنى وكذلك الاجساد إذا أحست بوصول النار إليها لقلة تلزجها وغلظها وإنما صارت تلك الاجساد لا تشتعل لانها مركبة من أرض وماء صابر على النار فلطيفه متحد بكثيفه لطول الطبخ اللين المازج للاشياء وذلك أن كل متلاش إنما يتلاشى بالنار لمفارقة لطيفه من كثيفه ودخول بعضه في بعض على غير التحليل والموافقة فصار ذلك الانضمام والتداخل مجاورة لا ممازجة فسهل بذلك افتراقهما كالماء والدهن وما أشبههما وإنما وصفت ذلك لتستدل به على تركيب الطبائع وتقابلها فإذا علمت ذلك علما شافيا فقد أخذت حظك منها وينبغي لك أن تعلم أن الاخلاط التي هي طبائع هذه الصناعة موافقة بعضها لبعض مفصلة من جوهر واحد يجمعها نظام واحد بتدبير واحد لايدخل عليه غريب من الجزء منه ولا في الكل كما قال الفيلسوف إنك إذا أحكمت تدبير الطبائع وتآليفها ولم تدخل عليها غريبا فقد أحكمت ما أردت إحكامه وقوامه إذ الطبيعة واحدة لا غريب فيها فمن أدخل عليها غريبا

[ 508 ]

فقد زاغ عنها ووقع في الخطإ. واعلم أن هذه الطبيعة إذا حل لها جسد من قرائنها على ما ينبغي في الحل حتى يشاكلها في الرقة واللطافة انبسطت فيه وجرت معه حيثما جرى لان الاجساد ما دامت غليظة جافية لا تنبسط ولا تتزاوج وحل الاجساد لا يكون بغير الارواح فافهم هداك الله هذا القول واعلم هداك الله أن هذا الحل في جسد الحيوان هوالحق الذي لا يضمحل ولا ينقص وهو الذي يقلب الطبائع ويمسكها ويظهر لها ألوانا وأزهارا عجيبة وليس كل جسد يحل خلاف هذا هو الحل التام لانه مخالف للحياة وإنما حله بما يوافقه ويدفع عنه حرق النار حتى يزول عن الغلظ وتنقلب الطبائع عن حالاتها إلى مالها أن تنقلب من اللطافة والغلظ فإذا بلغت الاجساد نهايتها من التحليل والتلطيف ظهرت لها هنالك قوة تمسك وتغوص وتقلب وتنفذ وكل عمل لا يرى له مصداق في أوله فلا خير فيه. واعلم أن البارد من الطبائع هو ييبس الاشياء ويعقد رطوبتها والحار منها يظهر رطوبتها ويعقد يبسها وإنما أفردت الحر والبرد لانهما فاعلان والرطوبة واليبس منفعلان وعلى انفعال كل واحد منهما لصاحبه تحدث الاجسام وتتكون وإن كان الحر أكثر فعلا في ذلك من البردلان البرد ليس له نقل الاشياء ولا تحوكها والحر هو غلة الحركة ومتى ضعفت علة الكون وهو الحرارة لم يتم منها شئ أبدا كما أنه إذا أفرطت الحرارة على شئ ولم يكن ثم برد أحرقته وأهلكته فمن أجل هذه العلة احتيج إلى البارد في هذه الاعمال ليقوى به كل ضد على ضده ويدفع عنه حر النار ولم يحذر الفلاسفة أكبر شئ إلا من النيران المحرقة وأمرت بتطهير الطبائع والانفاس وإخراج دنسها ورطوبتها ونفي آفاتها وأوساخها عنها على ذلك استقام رأيهم وتدبيرهم فانما عملهم إنما هو مع النار أولا وإليها يصير أخيرا فلذلك قالوا إياكم والنيران المحرقات وإنما أرادوا بذلك نفي الآفات التي معها فتجمع على الجسد آفتين فتكون أسرع لهلاكه وكذلك كل شئ إنما يتلاشى ويفسد من ذاته لتضاد طبائعه واختلافه فيتوسط بين شيئين فلم يجد ما يقويه ويعينه إلا قهرته الآفة وأهلكته واعلم أن الحكماء كلها ذكرت ترداد الارواح على الاجساد مرارا ليكون ألزم إليها وأقوى على قتال النار إذا هي باشرتها عند الالفة أعني بذلك النار العنصرية فاعلمه. ولنقل الآن على الحجر الذي

[ 509 ]

يمكن منه العمل على ما ذكرته الفلاسفة فقد اختلفوا فيه فمنهم من زعم أنه في الحيوان ومنهم من زعم أنه في النبات ومنهم من زعم أنه في المعادن ومنهم من زعم أنه في الجميع وهذه الدعاوى ليست بناحاجة إلى استقصائها ومناظرة أهلها عليها لان الكلام يطول جدا وقد قلت فيما تقدم إن العمل يكون في كل شئ بالقوة لان الطبائع موجودة في كل شئ فهو كذلك فنريد أن تعلم من أي شئ يكون العمل بالقوة والفعل فنقصد إلى ماقاله الحراني إن الصبغ كله أحد صبغين إما صبغ جسد كالزعفران في الثوب الابيض حتى يحول فيه وهو مضمحل منتقض التركيب والصبغ الثاني تقليب الجوهر من جوهر نفسه إلى جوهر غيره ولونه كتقليب الشجر بل التراب إلى نفسه وقلب الحيوان والنبات إلى نفسه حتى يصير التراب نباتا والنبات حيوانا ولايكون إلا بالروح الحي والكيان الفاعل الذي له توليد الاجرام وقلب الاعيان فإذا كان هذا هكذا فنقول إن العمل لابد أن يكون إما في الحيوان وإما في النبات وبرهان ذلك أنهما مطبوعان على الغذاء وبه قوامهما وتمامهما فاما النبات فليس فيه ما في الحيوان من اللطافة والقوة ولذلك قل خوض الحكماء فيه وأما الحيوان فهو آخر الاستحالات الثلاث ونهايتها وذلك أن المعدن يستحيل نباتا والنبات يستحيل حيوانا والحيوان لا يستحيل إلى شئ هو الطف منه إلا أن ينعكس راجعا إلى الغلظ وأنه أيضا لا يوجد في العالم شئ تتعلق فيه الروح الحية غيره والروح الطف ما في العالم ولم تتعلق الروح بالحيوان إلا بمشاكلته إياها فأما الروح التي في النبات فإنها يسيرة فيها غلظ وكثافة وهي مع ذلك مستغرقة كامنة فيه لغلظها وغلظ جسد النبات فلم يقدر على الحركة لغلظه وغلظ روحه والروح المتحركة ألطف من الروح الكامنة كثيرا وذلك أن المتحركة لها قبول الغذاء والتنقل والتنفس وليس للكامنة غير قبول الغذاء وحده ولا تجري إذا قيست بالروح الحية إلا كالارض عند الماء كذلك النبات عند الحيوان فالعمل في الحيوان أعلى وأرفع وأهون وأيسر فينبغي للعاقل إذا عرف ذلك أن يجرب ما كان سهلا ويترك ما يخشى فيه عسرا. واعلم أن الحيوان عند الحكماء ينقسم أقساما من الامهات التي هي الطبائع والحديثة التي هي المواليد وهذا معروف متيسر الفهم فلذلك قسمت

[ 510 ]

الحكماء العناصر والمواليد أقساما حية وأقساما ميتة فجعلوا كل متحرك فاعلا حيا وكل ساكن مفعولا ميتا وقسموا ذلك في جميع الاشياء وفي الاجساد الذائبة وفي العقاقير المعدنية فسموا كل شئ يذوب في النار ويطير ويشتعل حيا وما كان على خلاف ذلك سموه ميتا فأما الحيوان والنبات فسموا كل ما انفصل منها طبائع أربعا حيا وما لم ينفصل سموه ميتا ثم إنهم طلبوا جميع الاقسام الحية فلم يجدوا لوفق هذه الصناعة مما ينفصل فصولا أربعة ظاهرة للعيان ولم يجدوا غير الحجر الذي في الحيوان فبحثوا عن جنسه حتى عرفوه وأخذوه ودبروه فتكيف لهم منه الذي أرادوا وقد يتكيف مثل هذا في المعادن والنبات بعد جمع العقاقير وخلطها ثم تفصل بعد ذلك فأما النبات فمنه ما ينفصل ببعض هذه الفصول مثل الاشنان وأما المعادن ففيها أجساد وأرواح وأنفاس إذا مزجت ودبرت كان منها ما له تأثير وقد دبرنا كل ذلك فكان الحيوان منها أعلى وأرفع وتدبيره أسهل وأيسر فينبغي لك أن تعلم ما هو الحجر الموجود في الحيوان وطريق وجوده إنا بينا أن الحيوان أرفع المواليد وكذا ما تركب منه فهو ألطف منه كالنبات من الارض وإنما كان النبات ألطف من الارض لانه إنما يكون من جوهره الصافي وجسده اللطيف فوجب له بذلك اللطافة والرقة وكذا هذا الحجر الحيواني بمنزلة النبات في التراب وبالجملة فانه ليس في الحيوان شئ ينفصل طبائع أربعا غيره فافهم هذا القول فانه لا يكاد يخفى إلا على جاهل بين الجهالة ومن لا عقل له فقد أخبرتك ماهية هذا الحجر وأعلمتك جنسه وأنا أبين لك وجوه تدبيره حتى يكمل الذي شرطناه على أنفسنا من الانصاف إن شاء الله سبحانه (التدبير على بركة الله) خذ الحجر الكريم فاودعه القرعة والانبيق وفصل طبائعه الاربع التي هي النار والهواء والارض والماء وهي الجسد والصبغ فإذا عزلت الماء عن التراب والهواء عن النار فارفع كل واحد في إنائه على حدة وخذ الهابط أسفل الاناء وهو والثفل فاغسله بالنار الحارة حتى تذهب النار عنه سواده ويزول غلظه وجفاؤه وبيضه تبييضا محكما وطير عنه فضول الرطوبات المستجنة فيه فانه يصير عند ذلك ماء أبيض لاظلمة فيه ولاوسخ ولا تضاد ثم اعمد إلى تلك الطبائع الاول الصاعدة منه فطهرها أيضا من السواد والتضاد وكرر عليها الغسل والتصعيد

[ 511 ]

حتى تلطف وترق وتصفو فإذا فعلت ذلك فقد فتح الله عليك فابدا بالتركيب الذي عليه مدارا العمل وذلك أن التركيب لا يكون إلا بالتزويج والتعفين فاما التزويج فهو اختلاط اللطيف بالغليظ وأما التعفين فهو التمشية والسحق حتى يختلط بعضه ببعض ويصير شيئا واحدا لااختلاف فيه ولا نقصان بمنزلة الامتزاج بالماء فعند ذلك يقوى الغليظ على إمساك اللطيف وتقوى النفس على الغوص في الاجساد والدبيب فيها وإنما وجد ذلك بعد التركيب لان الجسد المحلول لما ازدوج بالروح مازجه بجميع أجزائه ودخل بعضها في بعض لتشاكلها فصار شيئا واحدا ووجب من ذلك أن يعرض للروح من الصلاح والفساد والبقاء والثبوت وما يعرض للجسد لموضع الامتزاج وكذلك النفس إذا امتزجت بهما ودخلت فيهما بخدمة التدبير اختلطت أجزاؤها بجميع أجزاء الآخرين أعني الروح والجسد وصارت هي وهما شيئا واحدا لااختلاف فيه بمنزلة الجزء الكلي الذي سلمت طبائعه واتفقت أجزاؤه فإذا ألقى هذا المركب الجسد المحلول وألح عليه النار وأظهر ما فيه من الرطوبة على وجهه ذاب في الجسد المحلول ومن شأن الرطوبة الاشتعال وتعلق النار بها فإذا أرادت النار التعلق بها منعها من الاتحاد بالنفس ممازجة الماء لها فان النار لا تتحد بالدهن حتى يكون خالصا وكذلك الماء من شانه النفور من النار فإذا الحت عليه النار وأرادت تطييره حبسه الجسد اليابس الممازج له في جوفه فمنعه من الطيران فكان الجسد علة لامساك الماء والماء علة لبقاء الدهن والدهن علة لثبات الصبغ والصبغ علة لظهور الدهن وإظهار الدهنية في الاشياء المظلمة التي لا نور لها ولا حياة فيها فهذا هو الجسد المستقيم وهكذا يكون العمل وهذه التصفية التي سالت عنها وهي التي سمتها الحكماء بيضة وإياها يعنون لا بيضة الدجاج واعلم أن الحكماء لم تسمها بهذا الاسم لغير معنى بل أشبهتها ولقد سألت مسلمة عن ذلك يوما وليس عنده غيري فقلت له أيها الحكيم الفاضل أخبرني لاي شئ سمت الحكماء مركب الحيوان بيضة اختيارا منهم لذلك أم لمعنى دعاهم إليه فقال بل لمعنى غامض فقلت أيها الحكيم وما ظهر لهم من ذلك من المنفعة والاستدلال على الصناعة حتى شبهوها وسموها بيضة فقال لشبهها وقرابتها من المركب ففكر فيه فانه سيظهر لك معناه

[ 512 ]

فبقيت بين يديه مفكرا لا أقدر على الوصول إلى معناه فلما رأى ما بي من الفكر وأن نفسي قد مضت فيها أخذ بعضدي وهزني هزة خفيفة وقال لي يا أبا بكر ذلك للنسبة التي بينهما في كمية الالوان عند امتزاج الطبائع وتاليفها فلما قال ذلك انجلت عني الظلمة وأضاء لي نور قلبي وقوي عقلي على فهمه فنهضت شاكرا الله عليه إلى منزلي وأقمت على ذلك شكلا هندسيا يبرهن به على صحة ما قاله مسلمة وأنا واضعه لك في هذا الكتاب. مثال ذلك أن المركب إذا تم وكمل كان نسبة ما فيه من طبيعة الهواء كنسبة ما في المركب من طبيعة النار إلى ما في البيضة من طبيعة النار وكذلك الطبيعتان الاخريان الارض والماء فاقول إن كل شيئين متناسبين على هذه الصفة هما متشابهان ومثال ذلك أن تجعل لسطح البيضة هزوح فإذا أردنا ذلك فانا ناخذ أقل طبائع المركب وهي طبيعة اليبوسة ونضيف إليها مثلها من طبيعة الرطوبة وندبرهما حتى تنشف طبيعة اليبوسة طبيعة الرطوبة وتقبل قوتها وكأن في هذا الكلام رمزا ولكنه لا يخفى عليك ثم تحمل عليهما جميعا مثليهما من الروح وهو الماء فيكون الجميع ستة أمثال ثم تحمل على الجميع بعد التدبير مثلا من طبيعة الهواء التي هي النفس وذلك ثلاثة أجزاء فيكون الجميع تسعة أمثال اليبوسة بالقوة وتجعل تحت كل ضلعين من المركب الذي طبيعته محيطة بسطح المركب طبيعتين فتجعل أولا الضلعين المحيطين بسطحه طبيعة الماء وطبيعة الهواء وهما ضلعا اح د وسطح ابجد وكذلك الضلعان المحيطان بسطح البيضة اللذان هما الماء والهواء ضلعا هزوح فاقول إن سطح ابجد يشبه سطح هزوح طبيعة الهواء التي تسمى نفسا وكذلك ابجد من سطح المركب والحكماء لم تسم شيئا باسم شئ الا لشبهه به والكلمات التي سألت عن شرحها الارض المقدسة وهي المنعقدة من الطبائع العلوية والسفلية والنحاس هو الذي أخرج سواده وقطع حتى صار هباء ثم حمر بالزاج حتى صار نحاسيا والمغنيسيا حجرهم الذي تجمد فيه الارواح وتخرجه الطبيعة العلوية التي تستجن فيها الارواح لتقابل عليها النار والفرفرة لون أحمر قان يحدثه الكيان والرصاص حجر له ثلاث قوى مختلفة الشخوص ولكنها متشاكلة ومتجانسة فالواحدة روحانية نيرة صافية وهي الفاعلة والثانية نفسانية وهي متحركة حساسة

[ 513 ]

غير أنها أغلظ من الاولى ومركزها دون مركز الاولى والثالثة قوة أرضية حاسة فابضة منعكسة إلى مركز الارض لثقلها وهي الماسكة الروحانية والنفسانية جميعا والمحيطة بهما أما سائر الباقية فمبتدعة ومخترعة إلباسا على الجاهل ومن عرف المقدمات استغنى عن غيرها. فهذا جميع ما سألتني عنه وقد بعثت به إليك مفسرا ونرجو بتوفيق الله أن تبلغ أملك والسلام انتهى كلام ابن بشرون وهو من كبار تلاميذ مسلمة المجريطي شيخ الاندلس في علوم الكيمياء والسيمياء والسحر في القرن الثالث ومابعده وأنت ترى كيف صرف ألفاظهم كلها في الصناعة إلى الرمز والا لغاز التي لا تكاد تبين ولا تعرف وذلك دليل على أنها ليست بصناعة طبيعية. والذي يجب أن يعتقد في أمر الكيمياء وهو الحق الذي يعضده الواقع أنها من جنس آثار النفوس الروحانية وتصرفها في عالم الطبيعة إما من نوع الكرامة إن كانت النفوس خيرة أو من نوع السحر إن كانت النفوس شريرة فاجرة فاما الكرامة فظاهرة وأما السحر فلان الساحر كما ثبت في مكان تحقيقه يقلب الاعيان المادية بقوته السحرية ولابد له مع ذلك عندهم من مادة يقع فعله السحري فيها كتخليق بعض الحيوانات من مادة التراب أو الشجر والنبات وبالجملة من غير مادتها المخصوصة بها كما وقع لسحرة فرعون في الحبال والعصي وكما ينقل عن سحرة السودان الهنود في قاصية الجنوب والترك في قاصية الشمال أنهم يسحرون الجو للامصار وغير ذلك. ولما كانت هذه تخليقا للذهب في غير مادته الخاصة به كان من قبيل السحر والمتكلمون فيه من أعلام الحكماء مثل جابر ومسلمة ومن كان قبلهم من حكماء الامم إنما نحوا هذا المنحى ولهذا كان كلامهم فيه ألغازا حذرا عليها من إنكار الشرائع على السحر وأنواعه لا أن ذلك يرجع إلى الضنانة بها كما هو رأي من لم يذهب إلى التحقيق في ذلك وانظر كيف سمى مسلمة كتابه فيها رتبة الحكيم وسمى كتابه في السحر والطلسمات غاية الحكيم إشارة إلى عموم موضوع الغاية وخصوص موضوع هذه لان الغاية أعلى من الرتبة فكأن مسائل الرتبة بعض من مسائل الغاية وتشاركها في الموضوعات ومن كلامه في الفنين يتبين ما قلناه ونحن نبين فيما بعد غلط من يزعم أن مدارك هذا الامر بالصناعة

[ 514 ]

الطبيعية والله العليم الخبير الفصل الرابع والعشرون في ابطال الفلسفة وفساد منتحمها هذا الفصل وما بعده مهم لان هذه العلوم عارضة في العمران كثيرة في المدن وضررها في الدين كثير فوجب أن يصدع بشأنها ويكشف عن المعتقد الحق فيها وذلك أن قوما من عقلاء النوع الانساني زعموا أن الوجود كله الحسي منه وما وراء الحسي تدرك أدواته وأحواله باسبابها وعللها بالانظار الفكرية والاقيسة العقلية وأن تصحيح العقائد الايمانية من قبل النظر لامن جهة السمع فانها بعض من مدارك العقل وهؤلاء يسمون فلاسفة جمع فيلسوف وهو باللسان اليوناني محب الحكمة فبحثوا عن ذلك وشمروا له وحوموا على إصابة الغرض منه ووضعوا قانونا يهندي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق والباطل وسموه بالمنطق ومحصل ذلك أن النظر الذي يفيد تمييز الحق من الباطل إنما هو للذهن في المعاني المنتزعة من الموجودات الشخصية فيجرد منها أولا صور منطبقة على جميع الاشخاص كما ينطبق الطابع على جميع النقوش التي ترسمها في طين أو شمع وهذه مجردة من المحسوسات تسمى المعقولات الاوائل ثم تجرد من تلك المعاني الكلية إذا كانت مشتركة مع معان أخرى وقد تميزت عنها في الذهن فتجرد منها معان أخرى وهي التي اشتركت بها ثم تجرد ثانيا إن شاركها غيرها وثالثا إلى أن ينتهي التجريد إلى المعاني البسيطة الكلية المنطبقة على جميع المعاني والاشخاص ولا يكون منها تجريد بعد هذا وهي الاجناس العالية وهذه المجردات كلها من غير المحسوسات هي من حيث تأليف بعضها مع بعض لتحصيل العلوم منها تسمى المعقولات الثواني فإذا نظر الفكر في هذه المعقولات المجردة وطلب تصور الوجود كما هو فلا بد للذهن من إضافة بعضها إلى بعض ونفي بعضها عن بعض بالبرهان العقلي اليقيني ليحصل تصور الوجود تصورا صحيحا مطابقا إذا كان ذلك بقانون صحيح كما مر وصنف التصديق الذي هو تلك الاضافة والحكم متقدم عندهم على صنف التصور في النهاية والتصور متقدم عليه في البداءة والتعليم لان التصور التام عندهم هو غاية الطلب الادراكي وإنما

[ 515 ]

التصديق وسيلة له وما تسمعه في كتب المنطقيين من تقدم التصور وتوقف التصديق عليه فبمعنى الشعور لا بمعنى العلم التام وهذا هو مذهب كبيرهم أرسطو ثم يزعمون أن السعادة في إدراك الموجودات كلها ما في الحس وما وراء الحس بهذا النظر وتلك البراهين. وحاصل مداركهم في الوجود على الجملة وما آلت إليه وهو الذي فرعوا عليه قضايا أنظارهم أنهم عثروا أولا على الجسم السفلي بحكم الشهود والحس ثم ترقى إدراكهم قليلا فشعروا بوجود النفس من قبل الحركة والحس في الحيوانات ثم أحسوا من قوى النفس بسلطان العقل ووقف إدراكهم فقضوا على الجسم العالي السماوي بنحو من القضاء على أمر الذات الانسانية ووجب عندهم أن يكون للفلك نفس وعقل كما للانسان ثم أنهوا ذلك نهاية عدد الآحاد وهي العشر تسع مفصلة ذواتها جمل وواحد أول مفرد وهو العاشر ويزعمون أن السعادة في إدراك الوجود على هذا النحو من القضاء مع تهذيب النفس وتخلقها بالفضائل وأن ذلك ممكن للانسان ولو لم يرد شرع لتمييزه بين الفضيلة والرذيلة من الافعال بمقتضى عقله ونظره وميله إلى المحمود منها وإجتنابه للمذموم بفطرته وأن ذلك إذا حصل للنفس حصلت لها البهجة واللذة وأن الجهل بذلك هو الشقاء السرمدي وهذا عندهم هو معنى النعيم والعذاب في الآخرة إلى خبط لهم في تفاصيل ذلك معروف في كلماتهم وإمام هذه المذاهب الذي حصل مسائلها ودون علمها وسطر حججها فيما بلغنا في هذه الاحقاب هو أرسطو المقدوني من أهل مقدونية من بلاد الروم من تلاميذ أفلاطون وهو معلم الاسكندر ويسمونه المعلم الاول على الاطلاق يعنون معلم صناعة المنطق إذ لم تكن قبله مهذبة وهو أول من رتب قانونها واستوفى مسائلها وأحسن بسطها ولقد أحسن في ذلك القانون ما شاء لو تكفل له بقصدهم في الالهيات ثم كان من بعده في الاسلام من أخذ بتلك المذاهب واتبع فيها رأية حذو النعل بالنعل إلا في القليل وذلك أن كتب أولئك المتقدمين لما ترجمها الخلفاء من بني العباس من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي تصفحها كثير من أهل الملة وأخذ من مذاهبهم من أضله الله من منتحلي العلوم وجادلوا عنها واختلفوا في مسائل من تفاريعها وكان من أشهرهم أبو نصر الفارابي في المائة الرابعة لعهد سيف الدولة وأبو علي بن سينا في المائة الخامسة لعهد نظام

[ 516 ]

الملك من بني بويه باصبهان وغيرهما. واعلم هذ الرأي الذي ذهبوا إليه باطل بجميع وجوهه فاما إسنادهم الموجودات كلها إلى العقل الاول واكتفاؤهم به في الترقي إلى الواجب فهو قصور عما وراء ذلك من رتب خلق الله فالوجود أوسع نطاقا من ذلك ويخلق ما لا تعلمون وكانهم في اقتصارهم على إثبات العقل فقط والغفلة عما وراءه بمثابة الطبيعيين المقتصرين على إثبات الاجسام خاصة المعرضين عن النقل والعقل المعتقدين أنه ليس وراء الجسم في حكمة الله شئ وأما البراهين التي يزعمونها على مدعياتهم في الموجودات ويعرضونها على معيار المنطق وقانونه فهي قاصرة وغير وافية بالغرض أماماكان منها في الموجودات الجسمانية ويسمونه العلم الطبيعي فوجه قصوره أن المطابقة بين تلك النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود والاقيسة كما في زعمهم وبين ما في الخارج غير يقيني لان تلك أحكام ذهنية كلية عامة والموجودات الخارجية متشخصة بموادها ولعل في المواد ما يمنع مطابقة الذهني الكلي للخارجي الشخصي اللهم إلاما لا يشهد له الحس من ذلك فدليله شهوده لا تلك البراهين فاين اليقين الذي يجدونه فيها وربما يكون تصرف الذهن أيضا في المعقولات الاول المطابقة للشخصيات بالصور الخيالية لا في المعقولات الثواني التي تجريدها في الرتبة الثانية فيكون الحكم حينئذ يقينيا بمثابة المحسوسات إذ المعقولات الاول أقرب إلى مطابقة الخارج لكمال الانطباق فيها فنسلم لهم حينئذ دعاويهم في ذلك إلا أنه ينبغي لنا الاعراض عن النظر فيها إذ هو من ترك المسلم لما لا يعنيه فان مسائل الطبيعيات لا تهمنا في ديننا ولا معاشنا فوجب علينا تركها. وأماماكان منها في الموجودات التي وراء الحس وهي الروحانيات ويسمونه العلم الالهي وعلم ما بعد الطبيعة فان ذواتها مجهولة رأسا ولا يمكن التوصل إليها ولا البرهان عليها لان تجريد المعقولات من الموجودات الخارجية الشخصية إنما هو ممكن فيما هو مدرك لنا ونحن لا ندرك الذوات الروحانية حتى نجرد منها ماهيات أخرى بحجاب الحس بيننا وبينها فلا يأتي لنا برهان عليها ولا مدرك لنا في إثبات وجودها على الجملة إلا ما نجده بين جنبينا من أمر النفس الانسانية وأحوال مداركها وخصوصا في الرؤيا التي هي وجدانية لكل أحد وما وراء ذلك من حقيقتها وصفاتها

[ 517 ]

فامر غامض لاسبيل إلى الوقوف عليه وقد صرح بذلك محققوهم حيث ذهبوا إلى أن مالا مادة له لا يمكن البرهان عليه لان مقدمات البرهان من شرطها أن تكون ذاتية وقال كبيرهم أفلاطون إن الالهيات لا يوصل فيها إلى أينين وإنما يقال فيها بالاخلق والاولى يعني الظن وإذا كنا إنما نحصل بعد التعب والنصب على الظن فقط فيكفينا الظن الذي كان أولا فاي فائدة لهذه العلوم والاشتغال بها ونحن إنما عنايتنا بتحصيل اليقين فيما وراء الحس من الموجودات وهذه هي غاية الافكار الانسانية عندهم وأما قولهم إن السعادة في إدراك الموجودات على ما هي عليه بتك البراهين فقول مزيف مردود وتفسيره أن الانسان مركب من جزءين أحدهما جسماني والآخر روحاني ممتزج به ولكل واحد من الجزءين مدارك مختصة به والمدرك فيهما واحد وهو الجزء الروحاني يدرك تارة مدارك روحانية وتارة مدارك جسمانية إلا أن المدارك الروحانية يدركها بذاته بغير واسطة والمدارك الجسمانية بواسطة آلات الجسم من الدماغ والحواس وكل مدرك فله ابتهاج بما يدركه واعتبره بحال الصبي في أول مداركه الجسمانية التي هي بواسطة كيف يبتهج بما يبصره من الضوء وبما يسمعه من الاصوات فلا شك أن الابتهاج بالادراك الذي للنفس من ذاتها بغير واسطة يكون أشد وألذ فالنفس الروحانية إذا شعرت بادراكها الذي لها من ذاتها بغير واسطة حصل لها ابتهاج ولذة لا يعبر عنهما وهذا الادراك لا يحصل بنظر ولا علم وإنما يحصل بكشف حجاب الحس ونسيان المدارك الجسمانية بالجملة والمتصوفة كثيراما يعنون بحصول هذا الادراك للنفس بحصول هذه البهجة فيحاولون بالرياضة إماتة القوى الجسمانية ومداركها حتى الفكر من الدماغ وليحصل للنفس إدراكها الذي لها من ذاتها عند زوال الشواغب والموانع الجسمانية يحصل لهم بهجة ولذة لا يعبر عنهما وهذا الذي زعموه بتقدير صحته مسلم لهم وهو مع ذلك غير واف بمقصودهم فاما قولهم إن البراهين والادلة العقلية محصلة لهذا النوع من الادراك والابتهاج عنه فباطل كما رأيته إذ البراهين والادلة من جملة المدارك الجسمانية لانها بالقوى الدماغية من الخيال والفكر والذكر ونحن نقول إن أول شئ نعنى به في تحصيل هذا الادراك إماتة هذه القوى الدماغية كلها لانها منازعة له قادحة فيه وتجد الماهر منهم عاكفا

[ 518 ]

على كتاب الشفاء والاشارات والنجاء وتلاخيص ابن رشد للقص من تأليف أرسطو وغيره يبعثر أوراقها ويتوثق من براهينها ويلتمس هذا القسط من السعادة فيها ولا يعلم أنه يستكثر بذلك من الموانع عنها ومستندهم في ذلك ما ينقلونه عن أرسطو والفارابي وابن سينا أن من حصل له إدراك العقل الفعال واتصل به في حياته فقد حصل حظه من السعادة والعقل الفعال عندهم عبارة عن أول رتبة ينكشف عنها الحس من رتب الروحانيات ويحملون الاتصال بالعقل الفعال على الادراك العلمي وقد رأيت فساده وإنما يعني أرسطو وأصحابه بذلك الاتصال والادراك إدراك النفس الذي لها من ذاتها وبغير واسطة وهو لا يحصل إلا بكشف حجاب الحس وأما قولهم إن البهجة الناشئة عن هذا الادراك هي عين السعادة الموعود بها فباطل أيضا لانا إنما تبين لنا بما قرروه أن وراء الحس مدركا آخر للنفس من غير واسطة وأنها تبتهج بادراكها ذلك ابتهاجا شديدا وذلك لا يعين لنا أنه عين السعادة الاخروية ولا بد بل هي من جملة الملاذ التي لتلك السعادة وأما قولهم إن السعادة في إدراك هذه الموجودات على ما هي عليه فقول باطل مبني على ما كنا قدمناه في أصل التوحيد من الاوهام والاغلاط في أن الوجود عندكل مدرك منحصر في مداركه وبينا فساد ذلك وإن الوجود أوسع من إن يحاط به أو يستوفى إدراكه بجملته روحانيا أو جسمانيا والذي يحصل من جميع ما قررناه من مذاهبهم أن الجزء الروحاني إذا فارق القوى الجسمانية أدرك إدراكا ذاتيا له مختصا بصنف من المدارك وهي الموجودات التي أحاط بها علمنا وليس بعام الادراك في الموجودات كلها إذ لم تنحصر وأنه يبتهج بذلك النحو من الادراك ابتهاجا شديدا كما يبتهج الصبي بمداركه الحسية في أول نشوءه ومن لنا بعد ذلك بادراك جميع الموجودات أو بحصول السعادة التي وعدنا بها الشارع إن لم نعمل لها هيهات هيهات لما توعدون. وأما قولهم إن الانسان مستقل بتهذيب نفسه وإصلاحها بملابسة المحمود من الخلق ومجانبة المذموم فامر مبني على أن ابتهاج للنفس بادراكها الذي لها من ذاتها هو عين السعادة الموعود بها لان الرذائل عائقة للنفس عن تمام إدراكها ذلك بما يحصل لها من الملكات الجسمانية وألوانها وقد بينا أن أثر السعادة والشقاوة من وراء الادراكات الجسمانية والروحانية

[ 519 ]

فهذا التهذيب الذي توصلوا إلى معرفته إنما نفعه في البهجة الناشئة عن الادراك الروحاني فقط الذي هو على مقاييسر وقوانين وأما ما وراء ذلك من السعادة التي وعدنا بها الشارع على امتثال ما أمر به من الاعمال والاخلاق فامر لا يحيط به مدارك المدركين وقد تنبه لذلك زعيمهم أبو علي ابن سينا فقال في كتاب المبدإ والمعاد ما معناه إن المعاد الروحاني وأحواله هو ما يتوصل إليه بالبراهين العقلية والمقاييس لانه على نسبة طبيعية محفوظة ووتيرة واحدة فلنا في البراهين عليه سعة وأما المعاد الجسماني وأحواله فلا يمكن إدراكه بالبرهان لانه ليس على نسبة واحدة وقد بسطته لنا الشريعة الحقة المحمدية فلينظر فيها وليرجع في أحواله إليها فهذا العلم كما رأيته غير واف بمقاصدهم التي حوموا عليها مع ما فيه من مخالفة الشرائع وظواهرها وليس له فيما علمنا إلا ثمرة واحدة وهي شحذ الذهن في ترتيب الادلة والحجج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين وذلك أن نظم المقاييس وتركيبها على وجه الاحكام والاتقان هو كما شرطوه في صناعتهم المنطقية وقولهم بذلك في علومهم الطبيعية وهم كثيرا ما يستعملونها في علومهم الحكمية من الطبيعيات والتعاليم وما بعدها فيستولي الناظر فيها بكثرة استعمال البراهين بشروطها على ملكة الاتقان والصواب في الحجج والاستدلالات لانها وإن كانت غير وافية بمقصودهم فهي أصح ما علمناه من قوانين الانظار هذه ثمرة هذه الصناعة مع الاطلاع على مذاهب أهل العلم وآرائهم ومضارها ما علمت فليكن الناظر فيها متحرزا جهده من معاطبها وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه ولا يكبن أحد عليها وهو خلو من علوم الملة فقل أن يسلم لذلك من معاطبها والله الموفق للصواب وللحق والهادي إليه وما كنالنهتدي لولا أن هدانا الله الفصل الخامس والعشرون في ابطال صناعة النجوم وضعف مداركها وفساد غايتها هذه الصناعة يزعم أصحابها أنهم يعرفون بها الكائنات في عالم العناصر قبل حدوثها من قبل معرفة قوى الكواكب وتاثيرها في المولدات العنصرية مفردة ومجتمعة فتكون لذلك أوضاع الافلاك والكواكب دالة على ما سيحدث من نوع من أنواع

[ 520 ]

الكائنات الكلية والشخصية فالمتقدمون منهم يرون أن معرفة قوى الكواكب وتاثيراتها بالتجربة وهو أمر تقصر الاعمار كلها لو اجتمعت عن تحصيله إذ التجربة إنما تحصل في المرات المتعددة بالتكرار ليحصل عنها العلم أو الظن وأدوار الكواكب منها ما هو طويل الزمن فيحتاج تكرره إلى آماد وأحقاب متطاولة يتقاصر عنها ما هو طويل من أعمار العالم وربما ذهب ضعفاء منهم إلى أن معرفة قوى الكواكب وتاثيراتها كانت بالوحي وهو رأي فائل وقد كفونا مؤنة إبطاله ومن أوضح الادلة فيه أن تعلم أن الانبياء عليهم الصلاة والسلام أبعد الناس عن الصنائع وأنهم لا يتعرضون للاخبار عن الغيب إلا أن يكون عن الله فكيف يدعون استنباطه بالصناعة ويشيرون بذلك لتابعيهم من الخلق وأما بطليمس ومن تبعه من المتأخرين فيرون أن دلالة الكواكب على ذلك دلالة طبيعية من قبل مزاج يحصل للكواكب في الكائنات العنصرية قال لان فعل النيرين وأثرهما في العنصريات ظاهر لا يسع أحدا جحده مثل فعل الشمس في تبدل الفصول وأمزجتها ونضج الثمار والزرع وغير ذلك وفعل القمر في الرطوبات والماء وإنضاج المواد المتعفنة وفواكه القناء وسائر أفعاله ثم قال ولنا فيما بعدها من الكواكب طريقان الاولى التقليد لمن نقل ذلك عنه من أئمة الصناعة إلا أنه غير مقنع للنفس الثانية الحدس والتجربة بقياس كل واحد منها إلى النير الاعظم الذي عرفنا طبيعته وأثره معرفة ظاهرة فننظر هل يزيد ذلك الكواكب عند القران في قوته ومزاجه فتعرف موافقته له في الطبيعة أو ينقص عنها فتعرف مضادته ثم إذا عرفنا قواها مفردة عرفناها مركبة وذلك عند تناظرها بأشكال التثليث والتربيع وغيرهما ومعرفة ذلك من قبل طبائع البروج بالقياس أيضا إلى النير الاعظم وإذا عرفنا قوى الكواكب كلها فهي مؤثرة في الهواء وذلك ظاهر والمزاج الذي يحصل منها للهواء يحصل لما تحته من المولدات وتتخلق به النطف والبزر فتصير حالا للبدن المثكون عنها وللنفس المتعلقة به الفائضة عليه المكتسبة لما لها منه ولما يتبع النفس والبدن من الاحوال لان كيفيات البرزة والنطفة كيفيات لما يتولد عنهما وينشا منهما قال وهو مع ذلك ظني وليس هو أيضا من القضاء الالهي يعني القدر إنما هو من جملة الاسباب

[ 521 ]

الطبيعية للكائن والقضاء الالهي سابق على كل شئ هذا محصل كلام بطليمس وأصحابه وهو منصوص في كتابه الاربع وغيره ومنه يتبين ضعف مدرك هذه الصناعة وذلك أن العلم الكائن أو الظن به إنما يحصل عن العلم بجملة أسبابه من الفاعل والقابل والصورة والغاية على ما يتبين في موضعه والقوى النجومية على ما قرروه إنما هي فاعلة فقط والجزء العنصري هو القابل ثم إن القوى النجومية ليست هي الفاعل بجملتها بل هناك قوى أخرى فاعلة معها في الجزء المادي مثل قوة التوليد للاب والنوع التي في النطفة وقوى الخاصة التي تميز بها صنف من النوع وغير ذلك فالقوى النجومية إذا حصل كمالها وحصل العلم فيها إنما هي فاعل واحد من جملة الاسباب الفاعلة للكائن ثم إنه يشترط مع العلم بقوى النجوم وتأثيراتها مزيد حدس وتخمين وحينئذ يحصل عنده الظن بوقوع الكائن والحدس والتخمين قوى للناظر في فكره وليس من علل الكائن ولا من أصول الصناعة فإذا فقد هذا الحدس والتخمين رجعت أدراجها عن الظن إلى الشك هذا إذا حصل العلم بالقوى النجومية على سداده ولم تعترضه آفة وهذا معوز لما فيه من معرفة حسبانات الكواكب في سيرها لتتعرف به أوضاعها ولما أن اختصاص كل كوكب بقوة لا دليل عليه ومدرك بطليمس في إثبات القوى للكواكب الخمسة بقياسها إلى الشمس مدرك ضعيف لان قوة الشمس غالبة لجميع القوى من الكواكب ومستولية عليها فقل أن يشعر بالزيادة فيها أو النقصان منها عند المقارنة كما قال وهذه كلها قادحة في تعريف الكائنات الواقعة في عالم العناصر بهذه الصناعة ثم إن تأثير الكواكب فيما تحتها باطل إذ قد تبين في باب التوحيد أن لا فاعل إلا الله بطريق استدلالي كما رأيته واحتج له أهل علم الكلام بما هو غني عن البيان من أن إسناد الاسباب إلى المسببات مجهول الكيفية والعقل منهم على ما يقضى به فيما يظهر بادئ الرأي من التأثير فلعل استنادها على غير صورة التأثير المتعارف والقدرة الالهية رابطة بينهما كما ربطت جميع الكائنات علوا وسفلا سيما والشرع يرد الحوادث كلها إلى قدرة الله تعالى ويبرا مما سوى ذلك والنبؤات أيضا منكرة لشأن النجوم وتأثيراتها واستقراء الشرعيات شاهد بذلك في مثل قوله إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا

[ 522 ]

لحياته وفي قوله أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب الحديث الصحيح فقد بان لك بطلان هذه الصناعة من طريق الشرع وضعف مداركها مع ذلك من طريق العقل مع ما لها من المضار في العمران الانساني بما تبعث من عقائد العوام من الفساد إذا اتفق الصدق من أحكامها في بعض الاحايين اتفاقا لا يرجع إلى تعليل ولا تحقيق فيلهج بذلك من لا معرفة له ويظن اطراد الصدق في سائر أحكامها وليس كذلك فيقع في رد الاشياء إلى غير خالقها ثم ما ينشأ عنها كثيرا في الدول من توقع القواطع وما يبعث عليه ذلك التوقع من تطاول الاعداء والمتربصين بالدولة إلى الفتك والثورة وقد شاهدنا من ذلك كثيرا فينبغي أن تحظر هذه الصناعة على جميع أهل العمران لما ينشأ عنها من المضار في الدين والدول ولا يقدح في ذلك كون وجودها طبيعيا للبشر بمقتضى مداركهم وعلومهم فالخير والشر طبيعتان موجودتان في العالم لا يمكن نزعهما وإنما يتعلق التكليف بأسباب حصولهما فيتعين السعي في اكتساب الخير بأسبابه ودفع أسباب الشر والمضار هذا هو الواجب على من عرف مفاسد هذا العلم ومضاره وليعلم من ذلك أنها وإن كانت صحيحة في نفسها فلا يمكن أحدا من أهل الملة تحصيل علمها ولا ملكتها بل إن نظر فيها ناظر وظن الاحاطة بها فهو في غاية القصور في نفس الامر فإن الشريعة لما حظرت النظر فيها فقد الاجتماع من أهل العمران لقراءتها والتحليق لتعليمها وصار المولع بها من الناس وهم الاقل وأقل من الاقل إنما يطالع كتبها ومقالاتها في كسر بيته متسترا عن الناس وتحت ربقة الجمهور مع تشعب الصناعة وكثرة فروعها واعتياصها على الفهم فكيف يحصل منها على طائل ونحن تجد الفقه الذي عم نفعه دينا ودنيا وسهلت مآخذه من الكتاب والسنة وعكف الجمهور على قراءته وتعليمه ثم بعد التحقيق والتجميع وطول المدارسة وكثرة المجالس وتعددها إنما يحذق فيه الواحد بعد الواحد في الاعصار والاجيال فكيف يعلم مهجور للشريعة مضروب دونه سد الخطر والتحريم مكتوم عن الجمهور صعب المآخذ محتاج بعد الممارسة والتحصيل لاصوله وفروعه إلى مزيد حدس وتخمين

[ 523 ]

يكتنفان به من الناظر فأين التحصيل والحذق فيه مع هذه كلها ومدعى ذلك من الناس مردود على عقبه ولا شاهد له يقوم بذلك لغرابة الفن بين أهل الملة وقلة حملته فاعتبر ذلك يتبين لك صحة ما ذهبنا إليه والله أعلم بالغيب فلا يظهر على غيبه احدا. ومما وقع في هذا المعنى لبعض أصحابنا من أهل العصر عند ما غلب العرب عساكر السلطان أبي الحسن وحاصروه بالقيروان وكثر إرجاف الفريقين الاولياء والاعداء وقال في ذلك أبو القاسم الروحي من شعراء أهل تونس أستغفر الله كل حين * قد ذهب العيش والهناء اصبح في تونس وأمسي * والصبح لله والمساء الخوف والجوع والمنايا * يحدثها الهرج والوباء والناس في مرية وحرب * وما عسى ينفع المراء فأحمدي يرى عليا * حل به الهلك والتواء وآخر قال سوف يأتي * به إليكم صبا رخاء والله من فوق ذا وهذا * يقضي لعبديه ما يشاء يا راصد الخنس الجواري * ما فعلت هذه السماء مطلتمونا وقد زعمتم * أنكم اليوم أملياء مر خميس على خميس * وجاء سبت وأربعاء ونصف شهر وعشر ثان * وثالث ضمه القضاء ولا نرى غير زور قول * أذاك جهل أم ازدراء إنا إلى الله قد علمنا * أن ليس يستدفع القضاء رضيت بالله لي إلها * حسبكم البدر أو ذكاء ما هذه الانجم السواري * إلا عباديد أو إماء يقضى عليها وليس تقضي * وما لها في الورى اقتضاء ضلت عقول ترى قديما * ما شأنه الجرم والفناء وحكمت في الوجود طبعا * يحدثه الماء والهواء لم تر حلوا إزاء مر * تغذوهم تربة وماء

[ 524 ]

ألله ربي ولست أدري * ما الجوهر الفرد والخلاء ولا الهيولى التي تنادي * ما لي عن صورة عراء ولا وجود ولا انعدام * ولا ثبوت ولا انتفاء والكسب لم أدر فيه إلا * ما جلب البيع والشراء وإنما مذهبي وديني * ما كان للناس أولياء إذ لا فصول ولا أصول * ولا جدال ولا رياء ما تبع الصدر واقتفينا * يا حبذا كان الاقتفاء كانوا كما يعلمون منهم * ولم يكن ذلك الهذاء يا أشعري الزمان إني * أشعرني الصيف والشتاء لم أجز بالشر غير شر * والخير عن مثله جزاء وإنني إن أكن مطيعا * فلست أعصى ولي رجاء وإنني تحت حكم بار * أطاعه العرش والثراء ليس انتصار بكم ولكن * أتاحه الحكم والقضاء لو حدث الاشعري عمن * له إلى رأيه انتماء لقال أخبرهم بأني * مما يقولونه براء الفصل السادس والعشرون في انكار ثمرة الكيميا واستحالة وجودها وما ينشأ من المفاسد عن انتحالها إعلم أن كثيرا من العاجزين عن معاشهم تحملهم المطامع على انتحال هذه الصنائع ويرون أنها أحد مذاهب المعاش ووجوهه وأن اقتناء المال منها أيسر واسهل على مبتغيه فيرتكبون فيها من المتاعب والمشاق ومعاناة الصعاب وعسف الحكام وخسارة الاموال في النفقات زيادة على النيل من غرضه والعطب آخرا إذا ظهر على خيبة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وإنما أطمعهم في ذلك رؤية أن المعادن تستحيل وينقلب بعضها إلى بعض للمادة المشتركة فيحاولون بالعلاج صيرورة الفضة ذهبا والنحاس والقصدير فضة ويحسبون أنها من ممكنات عالم الطبيعة ولهم في علاج ذلك طرق مختلفة لاختلاف مذاهبهم في التدبير وصورته

[ 525 ]

وفي المادة الموضوعة عندهم للعلاج المسماة عندهم بالحجر المكرم هل هي العذرة أو الدم أو الشعر أو البيض أو كذا أو كذا مما سوى ذلك وجملة التدبير عندهم بعد تعين المادة أن تمهى بالفهر على حجر صلد أملس وتسقى أثناء إمهائها بالماء وبعد أن يضاف إليها من العقاقير والادوية ما يناسب القصد منها ويؤثر في انقلابها إلى المعدن المطلوب ثم تجفف بالشمس من بعد السقي أو تطبخ بالنار أو تصعد أو تكلس لاستخراج مائها أو ترابها فإذا رضي بذلك كله من علاجها وتم تدبيره على ما اقتضته أصول صنعته حصل من ذلك كله تراب أو مائع يسمونه الاكسير ويزعمون أنه إذا ألقي على الفضة المحماة بالنار عادت ذهبا أو النحاس المحمى بالنار عاد فضة على ما قصد به في عمله ويزعم المحققون منهم أن ذلك الاكسير مادة مركبة من العناصر الاربعة حصل فيها بذلك العلاج الخاص والتدبير مزاج ذو قوى طبيعية تصرف ما حصلت فيه إليها وتقلبه إلى صورتها ومزاجها وتبث فيه ما حصل فيها من الكيفيات والقوى كالخميرة للخبز تقلب العجين إلى ذاتها وتعمل فيه ما حصل لها من الانفشاش والهشاشة ليحسن هضمه في المعدة ويستحيل سريعا إلى الغذاء وكذا إكسيد الذهب والفضة فيما يحصل فيه من المعادن يصرفه إليهما ويقلبه إلى صورتهما هذا محصل زعمهم على الجملة فتجدهم عاكفين على هذا العلاج يبتغون الرزق والمعاش فيه ويتناقلون أحكامه وقواعده من كتب لائمة الصناعة من قبلهم يتداولونها بينهم ويتناظرون في فهم لغوزها وكشف أسرارها إذ هي في الاكثر تشبه المعمى كتأليف جابر بن حيان في رسائله السبعين ومسلمة المجريطي في كتابة رتبة الحكيم والطغرائي والمغيربي في قصائده العريقة في إجادة النظم وأمثالها ولا يحلون من بعد هذا كله بطائل منها. ففاوضت يوما شيخنا أبا البركات التلفيقي كبير مشيخة الاندلس في مثل ذلك ووقفته على بعض التآليف فيها فتصفحه طويلا ثم رده إلي وقال لي وأنا الضامن له أن لا يعود إلى بيته إلا بالخيبة ثم منهم من يقتصر في ذلك على الدلسة فقط إما الظاهرة كتمويه الفضة بالذهب أو النحاس بالفضة أو خلطهما على نسبة جزء أو جزءين أو ثلاثة أو الخفية كإلقاء الشبه بين المعادن بالصناعة مثل تبييض النحاس وتلبيسه بالزوق المصعد فيجئ جسما معدنيا

[ 526 ]

شبيها بالفضة ويخفى إلا على النقاد المهرة فيقدر أصحاب هذه الدلس مع دلستهم هذه سكة يسربونها في الناس ويطبعونها بطابع السلطان تمويها على الجمهور بالخلاص وهؤلاء أخس الناس حرفة وأسوأهم عاقبة لتلبسهم بسرقة أموال الناس فإن صاحب هذه الدلسة إنما هو يدفع نحاسا في الفضة وفضة في الذهب ليستخلصها لنفسه فهو سارق أو شر من السارق ومعظم هذا الصنف لدينا بالمغرب من طلبة البربر المنتبذين بأطراف البقاع ومساكن الاغمار يأوون إلى مساجد البادية ويموهون على الاغنياء منهم بأن بأيديهم صناعة الذهب والفضة والنفوس مولعة بحبهما والاستهلاك في طلبهما فيحصلون من ذلك على معاش ثم يبقى ذلك عندهم تحت الخوف والرقبة إلى أن يظهر العجز وتقع الفضيحة فيفرون إلى موضع آخر ويستجدون حالا أخرى في استهواء بعض أهل الدنيا بأطماعهم فيما لديهم ولا يزالون كذلك في ابتغاء معاشهم وهذا الصنف لا كلام معهم لانهم بلغوا الغاية في الجهل والرداءة والاحتراف بالسرقة ولا حاسم لعلتهم إلا اشتداد الحكام عليهم وتناولهم من حيث كانوا وقطع أيديهم متى ظهروا على شأنهم لان فيه إفسادا للسكة التي تعم بها البلوى وهي متمول الناس كافة والسلطان مكلف بإصلاحها والاحتياط عليها والاشتداد على مفسديها وأما من انتحل هذه الصناعة ولم يرض بحال الدلسة بل استنكف عنها ونزه نفسه عن إفساد سكة المسلمين ونقودهم وإنما يطلب إحالة الفضة للذهب والرصاص والنحاس والقصدير إلى الفضة بذلك النحو من العلاج وبالاكسير الحاصل عنده فلنا مع هؤلاء متكلم وبحث في مداركهم لذلك مع أنا لا نعلم أن أحدا من أهل العالم تم له هذا الغرض أو حصل منه على بغية إنما تذهب أعمارهم في التدبير والفهر والصلابة والتصعيد والتكليس واعتيام الاخطار بجمع العقاقير والبحث عنها ويتناقلون في ذلك حكايات وقعت لغيرهم ممن تم له الغرض منها أو وقف على الوصول يقنعون باستماعها والمفاوضات فيها ولا يستريبون في تصديقها شأن الكلفين المغرمين بوساوس الاخبار فيما يكلفون به فإذا سئلوا عن تحقيق ذلك بالمعاينة أنكروه وقالوا إنما سمعنا ولم نر هكذا شأنهم في كل عصر وجيل واعلم أن انتحال هذه الصنعة قديم في العالم وقد تكلم الناس فيها من المتقدمين والمتأخرين فلننقل مذاهبهم في ذلك

[ 527 ]

ثم نتلوه بما يظهر فيها من التحقيق الذي عليه الامر في نفسه فنقول إن مبنى الكلام في هذه الصناعة عند الحكماء على حال المعادن السبعة المتطرقة وهي الذهب والفضة والرصاص والقصدير والنحاس والحديد والخارصين هل هي مختلفات بالفصول وكلها أنواع قائمة بأنفسها أو إنها مختلفة بخواص من الكيفيات وهي كلها أصناف لنوع واحد فالذي ذهب إليه أبو النصر الفارابي وتابعه عليه حكماء الاندلس أنها نوع واحد وأن اختلافها إنما هو بالكيفيات من الرطوبة واليبوسة واللين والصلابة والالوان من الصفرة والبياض والسواد وهي كلها أصناف لذلك النوع الواحد والذي ذهب إليه ابن سينا وتابعه عليه حكماء المشرق أنها مختلفة بالفصول وأنها أنواع متباينة كل واحد منها قائم بنفسه متحقق بحقيقته له فصل وجنس شان سائر الانواع وبنى أبو نصر الفارابي على مذهبه في اتفاقها بالنوع إمكان انقلاب بعضها إلى بعض لامكان تبدل الاعراض حينئذ وعلاجها بالصنعة فمن هذا الوجه كانت صناعة الكيمياء عنده ممكنة سهلة المأخذ وبنى أبو علي بن سينا على مذهبه في اختلافها بالنوع إنكار هذه الصنعة واستحالة وجودها بناء على أن الفصل لا سبيل بالصناعة إليه وإنما يخلقه خالق الاشياء ومقدرها وهو الله عزوجل والفصول مجهولة الحقائق رأسا بالتصور فكيف يحاول انقلابها بالصنعة وغلطه الطغرائي من أكابر أهل هذه الصناعة في هذا القول ورد عليه بأن التدبير والعلاج ليس في تخليق الفصل وإبداعه وإنما هو في إعداد المادة لقبوله خاصة والفصل يأتي من بعد الاعداد من لدن خالقه وبارئه كما يفيض النور على الاجسام بالصقل والامهاء ولا حاجة بنا في ذلك إلى تصوره ومعرفته قال وإذا كنا قد عثرنا على تخليق بعض الحيوانات مع الجهل بفصولها مثل العقرب من التراب والنتن ومثل الحيات المتكونة من الشعر ومثل ما ذكره أصحاب الفلاحة من تكوين النحل إذا فقدت من عجاجيل البقر وتكوين القصب من قرون ذوات الظلف وتصييره سكرا بحشو القرون بالعسل بين يدي ذلك الفلح للقرون فما المانع إذا من العثور على مثل ذلك في الذهب والفضة فتتخذ مادة تضيفها للتدبير بعد أن يكون فيها استعداد أول لقبول صورة الذهب والفضة ثم تحاولها بالعلاج إلى أن يتم فيها الاستعداد لقبول فصلها انتهى كلام الطغرائي بمعناه وهو

[ 528 ]

الذي ذكره في الرد على ابن سينا صحيح لكن لنا في الرد على أهل هذه الصناعة مأخذا آخر يتبين منه استحالة وجودها وبطلان مزعمهم أجمعين لا الطغرائي ولا ابن سينا وذلك أن حاصل علاجهم أنهم بعد الوقوف على المادة المستعدة بالاستعداد الاول يجعلونها موضوعا ويحاذون في تدبيرها وعلاجها تدبير الطبيعة في الجسم المعدني حتى أحالته ذهبا أو فضة ويضاعفون القوى الفاعلة المنفعلة ليتم في زمان أقصر لانه تبين في موضوعه أن مضاعفة قوة الفاعل تنقص من زمن فعله وتبين أن الذهب إنما يتم كونه في معدنه بعد ألف وثمانين من السنين دورة الشمس الكبرى فإذا تضاعفت القوى والكيفيات في العلاج كان زمن كونه أقصر من ذلك ضرورة على ما قلناه أو يتحرون بعلاجهم ذلك حصول صورة مزاجية لتلك المادة تصيرها كالخميرة فتفعل في الجسم المعالج الافاعيل المطلوبة في إحالته وذلك هو الاكسير على ما تقدم. واعلم أن كل متكون من المولدات العنصرية فلا بد فيه من اجتماع العناصر الاربعة على نسبة متفاوتة إذ لو كانت متكافئة في النسبة لما تم امتزاجها فلا بد من الجزء الغالب على الكل ولا بد في كل ممتزج من المولدات من حرارة غريزية هي الفاعلة لكونه الحافظة لصورته ثم كل متكون في زمان فلابد من اختلاف أطواره وانتقاله في زمن التكوين من طور إلى طور حتى ينتهي إلى غايته وانظر شان الانسان في طور النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم التصوير ثم الجنين ثم المولود ثم الرضيع ثم إلى نهايته ونسب الاجزاء في كل طور تختلف في مقاديرها وكيفياتها وإلا لكان الطور الاول بعينه هو الآخر وكذا الحرارة الغريزية في كل طور مخالفة لها في الطور الآخر فانظر إلى الذهب ما يكون له في معدنه من الاطوار منذ ألف سنة وثمانين وما ينتقل فيه من الاحوال فيحتاج صاحب الكيمياء إلى أن يساوق فعل الطبيعة في المعدن ويحاذيه بتدبيره وعلاجه إلى أن يتم ومن شرط الصناعة أبدا تصور ما يقصد إليه بالصنعة فمن الامثال السائرة للحكماء أول العمل آخر الفكرة وآخر الفكرة أول العمل فلا بد من تصور هذه الحالات للذهب في أحواله المتعددة ونسبها المتفاوتة في كل طور واختلاف الحار الغريزي عند اختلافها ومقدار الزمان في كل طور وما ينوب عنه من مقدار القوى المضاعفة ويقوم

[ 529 ]

مقامه حتى يحاذي بذلك كله فعل الطبيعة في المعدن أو تعد لبعض المواد صورة مزاجية كصورة الخميرة للخبز وتفعل في هذه المادة بالمناسبة لقواها ومقاديرها وهذه كلها إنما يحصرها العلم المحيط والعلوم البشرية قاصرة عن ذلك وإنما حال من يدعي حصوله على الذهب بهذه الصنعة بمثابة من يدعي بالصنعة تخليق إنسان من المني ونحن إذا سلمنا له الاحاطة بأجزائه ونسبته وأطواره وكيفية تخليقه في رحمه وعلم ذلك علما محصلا بتفاصيله حتى لا يشذ منه شئ عن علمه سلمنا له تحليق هذا الانسان وأنى له ذلك ولنقرب هذا البرهان بالاختصار ليسهل فهمه فنقول. حاصل صناعة الكيمياء وما يدعونه بهذا التدبير أنه مساوقة الطبيعية المعدنية بالفعل الصناعي ومحاذاتها به إلى أن يتم كون الجسم المعدني أو تخليق مادة بقوى وأفعال وصورة مزاجية تفعل في الجسم فعلا طبيعيا فتصيره وتقبله إلى صورتها والفعل الصناعي مسبوق بتصورات أحوال الطبيعة المعدنية التي يقصد مساوقتها أو محاذاتها أو فعل المادة ذات القوى فيها تصورا مفصلا واحدة بعد أخرى وتلك الاحوال لا نهاية لها والعلم البشري عاجز عن الاحاطة بما دونها وهو بمثابة من يقصد تخليق إنسان أو حيوان أو نبات هذا محصل هذا البرهان وهو اوثق ما علمته وليست الاستحالة فيه من جهة الفصول كما رأيته ولا من الطبيعة إنما هو من تعذر الاحاطة وقصور البشر عنها وما ذكره ابن سينا بمعزل عن ذلك وله وجه آخر في الاستحالة من جهة غايته وذلك أن حكمة الله في الحجرين وندورهما أنهما قيم لمكاسب الناس ومتمولاتهم فلو حصل عليهما بالصنعة لبطلت حكمة الله في ذلك وكثر وجودهما حتى لا يحصل أحد من اقتنائهما على شئ وله وجه آخر من الاستحالة أيضا وهو أن الطبيعة لا تترك أقرب الطرق في أفعالها وترتكب الاعوص وألا بعد فلو كان هذا الطريق الصناعي الذي يزعمون أنه صحيح وأنه أقرب من طريق الطبيعة في معدنها أو أقل زمانا لما تركته الطبيعة إلى طريقها الذي سلكته في كون الفضة والذهب وتخلقهما وأما تشبيه الطغراءي هذا التدبير بما عثر عليه من مفردات لامثاله في الطبيعة كالعقرب والنحل والحية وتخليقها فأمر صحيح في هذه أدى إليه العثور كما زعم. وأما الكيمياء فلم ينقل عن أحد من أهل العالم أنه عثر عليها ولا على طريقها وما زال منتحلوها يخبطون

[ 530 ]

فيها عشواء إلى هلم جرا ولا يظفرون إلا بالحكايات الكاذبة ولو صح ذلك لاحد منهم لحفظه عنه أولاده أو تلميذه وأصحابه وتنوقل في الاصدقاء وضمن تصديقه صحة العمل بعده إلى أن ينتشر ويبلغ إلينا وإلى غيرنا. وأما قولهم إن الاكسير بمثابة الخميرة وإنه مركب يحيل ما يحصل فيه ويقلبه إلى ذلك فاعلم أن الخميرة إنما تقلب العجين وتعده للهضم وهو فساد والفساد في المواد سهل يقع بأيسر شئ من الافعال والطبائع والمطلوب بالاكسير قلب المعدن إلى ما هو أشرف منه وأعلى فهو تكوين وصلاح والتكوين أصعب من الفساد فلا يقاس الاكسير بالخميرة وتحقيق الامر في ذلك أن الكيمياء إن صح وجودها كما تزعم الحكماء المتكلمون فيها مثل جابر بن حيان ومسلمة بن أحمد المجريطي وأمثالهم فليست من باب الصنائع الطبيعية ولا تتم بأمر صناعي وليس كلامهم فيها من منحى الطبيعيات إنما هو من منحى كلامهم في الامور السحرية وسائر الخوارق وما كان من ذلك للحلاج وغيره وقد ذكر مسلمة في كتاب الغاية ما يشبه ذلك وكلامه فيها في كتاب رتبة الحكيم من هذا المنحى وهذا كلام جابر في رسائله ونحو كلامهم فيه معروف ولا حاجه بنا إلى شرحه وبالجملة فأمرها عندهم من كليات المواد الخارجة عن حكم الصنائع فكما لا يتدبر ما منه الخشب والحيوان في يوم أو شهر خشبا أو حيوانا فيما عدا مجرى تخليقه كذلك لا يتدبر ذهب من مادة الذهب في يوم ولا شهر ولا يتغير طريق عادته إلا بإرفاد ما وراء عالم الطبائع وعمل الصنائع فكذلك من طلب الكيمياء طلبا صناعيا ضيع ماله وعمله ويقال لهذا التدبير الصناعي التدبير العقيم لان نيله إن كان صحيحا فهو واقع مما وراء الطبائع والصنائع كالمشي على الماء وامتطاء الهواء والنفوذ في كثائف الاجساد ونحو ذلك من كرامات الاولياء الخارقة للعادة أو مثل تخليق الطير ونحوها من معجزات الانبياء قال تعالى وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيه فتكون طيرا بإذني وعلى ذلك فسبيل تيسيرها مختلف بحسب حال من يؤتاها فربما أوتيها الصالح ويؤتيها غيره فتكون عنده معارة وربما أوتيها الصالح ولا يملك إيتاءها فلا تتم في يد غيره ومن هذا الباب يكون عملها سحريا فقد تبين أنها إنما تقع بتأثيرات النفوس وخوارق العادة إما معجزة أو

[ 531 ]

سحرا ولهذا كان كلام الحكماء كلهم فيها إلغازا لا يظفر بحقيقته إلا من خاض لجة من علم السحر واطلع على تصرفات النفس في عالم الطبيعة وأمور خرق العادة غير منحصرة ولا يقصد أحد إلى تحصيلها والله بما يعملون محيط وأكثر ما يحمل على التماس هذه الصناعة وانتحالها هو كما قلناه العجز عن الطرق الطبيعية للمعاش وابتغاؤه من غير وجوهه الطبيعية كالفلاحة والتجارة والصناعه فيستصعب العاجز ابتغاءه من هذه ويروم الحصول على الكثير من المال دفعة بوجوه غير طبيعية من الكيمياء وغيرها وأكثر من يعنى بذلك الفقراء من أهل العمران حتى في الحكماء المتكلمين في إنكارها واستحالتها فإن ابن سينا القائل باستحالتها كان علية الوزراء فكان من أهل الغنى والثروة والفارابي القائل بإمكانها كان من أهل الفقر الذين يعوزهم أدنى بلغة من المعاش وأسبابه وهذه تهمة ظاهرة في أنظار النفوس المولعة بطرقها وانتحالها والله الرازق ذو القوة المتين لا رب سواه الفصل السابع والعشرون في ان كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل إعلم أنه مما أضر بالناس في تحصيل العلم والوقوف على غاياته كثرة التآليف واختلاف الاصطلاحات في التعاليم وتعدد طرقها ثم مطالبة المتعلم والتلميذ باستحضار ذلك وحينئذ يسلم له منصب التحصيل فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلها أو أكثرها ومراعاة طرقها ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرد لها فيقع القصور ولا بد دون رتبة التحصيل ويمثل ذلك من شأن الفقه في المذهب المالكي بالكتب المدونة مثلا وما كتب عليها من الشروحات الفقهية مثل كتاب ابن يونس واللخمي وابن بشير والتنبيهات والمقدمات والبيان والتحصيل على العتبية وكذلك كتاب ابن الحاجب وما كتب عليه ثم إنه يحتاج إلى تمييز الطريقة القيروانية من القرطبية والبغدادية والمصرية وطرق المتأخرين عنهم والاحاطة بذلك كله وحينئذ يسلم له منصب الفتيا وهي كلها متكررة والمعنى واحد والمتعلم مطالب باستحضار جميعها وتمييز ما بينها والعمر ينقضي في واحد منها ولو اقتصر المعلمون بالمتعلمين على المسائل المذهبية فقط لكان الامر دون ذلك بكثير وكان التعليم سهلا ومأخذه

[ 532 ]

قريبا ولكنه داء لا يرتفع لاستقرار العوائد عليه فصارت كالطبيعة التي لا يمكن نقلها ولا تحويلها ويمثل أيضا علم العربية من كتاب سيبويه وجميع ما كتب عليه وطرق البصريين والكوفيين والبغداديين والاندلسيين من بعدهم وطرق المتقدمين والمتأخرين مثل ابن الحاجب وابن مالك وجميع ما كتب في ذلك كيف يطالب به المتعلم وينقضي عمره دونه ولا يطمع أحد في الغاية منه إلا في القليل النادر مثل ما وصل إلينا بالمغرب لهذا العهد من تآليف رجل من أهل صناعة العربية من أهل مصر يعرف بابن هاشم ظهر من كلامه فيها أنه استولى على غاية من ملكة تلك الصناعة لم تحصل إلا لسيبويه وابن جني وأهل طبقتهما لعظم ملكته وما أحاط به من أصول ذلك الفن وتفاريعه وحسن تصرفه فيه ودل على أن الفضل ليس منحصرا في المتقدمين سيما مع ما قدمناه من كثرة الشواغب بتعدد المذاهب والطرق والتآليف ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء وهذا نادر من نوادر الوجود وإلا فالظاهر أن المتعلم ولو قطع عمره في هذا كله فلا بقي له بتحصيل علم العربية مثلا الذي هو آلة من الآلات ووسيلة فكيف يكون في المقصود الذي هو الثمرة ولكن الله يهدي من يشاء الفصل الثامن والعشرون في ان كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم ذهب كثير من المتأخرين إلى اختصار الطرق والانحاء في العلوم يولعون بها ويدونون منها برنامجا مختصرا في كل علم يشتمل على حصر مسائله وأدلتها باختصار في الالفاظ وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلك الفن وصار ذلك مخلا بالبلاغة وعسرا على الفهم وربما عمدوا إلى الكتب الامهات المطولة في الفنون للتفسير والبيان فاختصروها تقريبا للحفظ كما فعله ابن الحاجب في الفقه وابن مالك في العربية والخونجي في المنطق وأمثالهم وهو فساد في التعليم وفيه إخلال بالتحصيل وذلك لان فيه تخليطا على المبتدئ بإلقاء الغايات من العلم عليه وهو لم يستعد لقبولها بعد وهو من سوء التعليم كما سيأتي ثم فيه مع ذلك شغل كبير على المتعلم بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم بتزاحم المعاني عليها وصعوبة استخراج المسائل

[ 533 ]

من بينها لان ألفاظ المختصرات تجدها لاجل ذلك صعبة عويصة فينقطع في فهمها حظ صالح عن الوقت ثم بعد ذلك فالملكة الحاصلة من التعليم في تلك المختصرات إذا تم على سداده ولم تعقبه آفة فهي ملكة قاصرة عن الملكات التي تحصل من الموضوعات البسيطة المطولة بكثرة ما يقع في تلك من التكرار والاحالة المفيدين لحصول الملكة التامة وإذا اقتصر على التكرار قصرت الملكة لقلته كشأن هذه الموضوعات المختصرة فقصدوا إلى تسهيل الحفظ على المتعلمين فأركبوهم صعبا يقطعهم عن تحصيل الملكات النافعة وتمكنها ومن يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له والله سبحانه وتعالى أعلم الفصل التاسع والعشرون في وجه الصواب في تعليم العلوم وطريق افادته إعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا وقليلا قليلا يلقى عليه أولا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب ويقرب له في شرحها على سبيل الاجمال ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم إلا أنها جزئية وضعيفة وغايتها أنها هيأتها لفهم الفن وتحصيل مسائله ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها ويستوفي الشرح والبيان ويخرج عن الاجمال ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته ثم يرجع به وقد شد فلا يترك عويصا ولا مهما ولا مغلقا إلا وضحه وفتح له مقفله فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته هذا وجه التعليم المفيد وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يخلق له ويتيسر عليه وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفاداته ويحضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلها ويحسبون ذلك مرانا على التعليم وصوابا فيه ويكلفونه رعي ذلك وتحصيله ويخلطون عليه بما يلقون له من غايات الفنون في مبادئها وقبل أن يستعد لفهمها فإن قبول العلم والاستعدادات

[ 534 ]

لفهمه تنشأ تدريجا ويكون المتعلم أول الامر عاجزا عن الفهم بالجملة إلا في الاقل وعلى سبيل التقريب والاجمال والامثال الحسية ثم لا يزال الاستعداد فيه يتدرج قليلا قليلا بمخالفة مسائل ذلك الفن وتكرارها عليه والاستعداد ثم في التحصيل ويحيط هو بمسائل الفن وإذا ألقيت عليه الغايات في البداءات وهو حينئذ عاجز عن الفهم والوعي وبعيد عن الاستعداد له كل ذهنه عنها وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه فتكاسل عنه وانحرف عن قبوله وتمادى في هجرانه وإنما أتى ذلك من سوء التعليم ولا ينبغي للمعلم أن يزيد متعلمه على فهم كتابه الذي أكب على التعليم منه بحسب طاقته وعلى نسبة قبوله للتعليم مبتدئا كان أو منتهيا ولا يخلط مسائل الكتاب بغيرها حتى يعيه من أوله إلى آخره ويحصل أغراضه ويستولي منه على ملكة بها ينفذ في غيره لان المتعلم إذا حصل ملكة ما في علم من العلوم استعد بها لقبول ما بقي وحصل له نشاط في طلب المزيد والنهوض إلى ما فوق حتى يستولي على غايات العلم وإذا خلط عليه الامر عجز عن الفهم وأدركه الكلال وانطمس فكره ويئس من التحصيل وهجر العلم والتعليم والله يهدي من يشاء وكذلك ينبغي لك أن لا تطول على المتعلم في الفن الواحد بتفريق المجالس وتقطيع ما بينها لانه ذريعة إلى النسيان وانقطاع مسائل الفن بعضها من بعض فيعسر حصول الملكة بتفريقها وإذا كانت أوائل العلم وأواخره حاضرة عند الفكرة مجانبة للنسيان كانت الملكة أيسر حصولا وأحكم ارتباطا وأقرب صبغة لان الملكات إنما تحصل بتتابع الفعل وتكراره وإذا تنوسي الفعل تنوسيت الملكة الناشئة عنه والله علمكم ما لم تكونوا تعلمون ومن المذاهب الجميلة والطرق الواجبة في التعليم أن لا يخلط على المتعلم علمان معا فإنه حينئذ قل أن يظفر بواحد منهما لما فيه من تقسيم البال وانصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهم الآخر فيستغلقان معا ويستصعبان ويعود منهما بالخيبة وإذا تفرغ الفكر لتعليم ما هو بسبيله مقتصرا عليه فربما كان ذلك أجدر لتحصيله والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب. واعلم أيها المتعلم أني أتحفك بفائدة في تعلمك فإن تلقيتها بالقبول وأمسكتها بيد الصناعة ظفرت بكنز عظيم وذخيرة شريفة وأقدم لك مقدمة تعينك في فهمها وذلك أن الفكر

[ 535 ]

الانساني طبيعة مخصوصة فطرها الله كما فطر سائر مبتدعاته وهو وجدان حركة للنفس في البطن الاوسط من الدماغ تارة يكون مبدأ للافعال الانسانية على نظام وترتيب وتارة يكون مبدأ لعلم ما لم يكن حاصلا بأن يتوجه إلى المطلوب وقد يصور طرفيه يروم نفيه أو إثباته فيلوح له الوسط الذي يجمع بينهما أسرع من لمح البصر إن كان واحدا أو ينتقل إلى تحصيل آخر إن كان متعددا ويصير إلى الظفر بمطلوبه هذا شأن هذه الطبيعة الفكرية التي تميز بها البشر من بين سائر الحيوانات ثم الصناعة المنطقية هي كيفية فعل هذه الطبيعة الفكرية النظرية تصفه لتعلم سداده من خطائه وأنها وإن كان الصواب لها ذاتيا إلا أنه قد يعرض لها الخطأ في الاقل من تصور الطرفين على غير صورتهما من اشتباه الهيئات في نظم القضايا وترتيبها للنتاج فتعين المنطق للتخلص من ورطة هذا الفساد إذا عرض فالمنطق إذا أمر صناعي مساوق للطبيعة الفكرية ومنطبق على صورة فعلها ولكونه أمرا صناعيا استغني عنه في الاكثر ولذلك تجد كثيرا من فحول النظار في الخليقة يحصلون على المطالب في العلوم دون صناعة المنطق ولا سيما مع صدق النية والتعرض لرحمة الله فإن ذلك أعظم معنى ويسلكون بالطبيعة الفكرية على سدادها فيفضي بالطبع إلى حصول الوسط والعلم بالمطلوب كما فطرها الله عليه ثم من دون هذا الامر الصناعي الذي هو المنطق مقدمة أخرى من التعلم وهي معرفة الالفاظ ودلالتها على المعاني الذهنية تردها من مشافهة الرسوم بالكتاب ومشافهة اللسان بالخطاب فلا بد أيها المتعلم من مجاوزتك هذه الحجب كلها إلى الفكر في مطلوبك فأولا دلالة الكتابة المرسومة على الالفاظ المقولة وهي أخفها ثم دلالة الالفاظ المقولة على المعاني المطلوبة ثم القوانين في ترتيب المعاني للاستدلال في قوالبها المعروفة في صناعة المنطق ثم تلك المعاني مجردة في الفكر اشتراطا يقتنص بها المطلوب بالطبيعة الفكرية بالتعرض لرحمة الله ومواهبه وليس كل أحد يتجاوز هذه المراتب بسرعة ولا يقطع هذه الحجب في التعليم بسهولة بل ربما وقف الذهن في حجب الالفاظ بالمناقشات أو عثر في اشتراك الادلة بشغب الجدال والشبهات وقعد عن تحصيل المطلوب ولم يكد يتخلص من تلك الغمرة إلا قليل ممن هداه الله فإذا ابتليت بمثل ذلك وعرض لك ارتباك في فهمك أو

[ 536 ]

تشغيب بالشبهات في ذهنك فاطرح ذلك وانتبذ حجب الالفاظ وعوائق الشبهات واترك الامر الصناعي جملة واخلص إلى فضاء الفكر الطبيعي الذي فطرت عليه وسرح نظرك فيه وفرغ ذهنك فيه للغوص على مرامك منه واضعا لها حيث وضعها أكابر النظار قبلك مستعرضا للفتح من الله كما فتح عليهم من ذهنهم من رحمته وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون فإذا فعلت ذلك أشرقت عليك أنوار الفتح من الله بالظفر بمطلوبك وحصل الامام الوسط الذي جعله الله من مقتضيات هذا الفكر ونظره عليه كما قلناه وحيئنذ فارجع به إلى قوالب الادلة وصورها فأفرغه فيها ووفه حقه من القانون الصناعي ثم اكسه صور الالفاظ وأبرزه إلى عالم الخطاب والمشافهة وثيق العرى صحيح البنيان. وأما إن وقفت عند المناقشة والشبهة في الادلة الصناعية وتمحيص صوابها من خطائها وهذه أمور صناعية وضعية تستوي جهاتها المتعددة وتتشابه لاجل الوضع والاصطلاح فلا تتميز جهة الحق منها إذ جهة الحق إنما تستبين إذا كانت بالطبع فيستمر ما حصل من الشك والارتياب وتسدل الحجب على المطلوب وتقعد بالناظر عن تحصيله وهذا شأن الاكثرين من النظار والمتأخرين سيما من سبقت له عجمة في لسانه فربطت عن ذهنه ومن حصل له شغب بالقانون المنطقي تعصب له فاعتقد أنه الذريعة إلى إدراك الحق بالطبع فيقع في الحيرة بين شبه الادلة وشكوكها ولا يكاد يخلص منها والذريعة إلى إدراك الحق بالطبع إنما هو الفكر الطبيعي كما قلناه إذا جرد عن جميع الاوهام وتعرض الناظر فيه إلى رحمة الله تعالى وأما المنطق فإنما هو واصف لفعل هذا الفكر فيساوقه في الاكثر فاعتبر ذلك واستمطر رحمة الله تعالى متى أعوزك فهم المسائل تشرق عليك انواره بالالهام إلى الصواب والله الهادي إلى رحمته وما العلم إلا من عند الله الفصل الثلاثون في ان العلوم الالهية لا توسع فيها الانظار ولا تفرع المسائل إعلم أن العلوم المتعارفة بين أهل العمران على صنفين علوم مقصودة بالذات كالشرعيات من التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام وكالطبيعيات والالهيات

[ 537 ]

من الفلسفة وعلوم هي وسيلة آلية لهذه العلوم كالعربية والحساب وغيرهما للشرعيات كالمنطق للفلسفة وربما كان آلة لعلم الكلام ولاصول الفقه على طريقة المتأخرين فأما العلوم التي هي مقاصد فلا حرج في توسعة الكلام فيها وتفريع المسائل واستكشاف الادلة والانظار فإن ذلك يزيد طالبها تمكنا في ملكته وإيضاحا لمعانيها المقصودة وأما العلوم التي هي آلة لغيرها مثل العربية والمنطق وأمثالها فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط ولا يوسع فيها الكلام ولا تفرع المسائل لان ذلك مخرج لها عن المقصود إذ المقصود منها ما هي آلة له لا غير فكلما خرجت عن ذلك خرجت عن المقصود وصار الاشتغال بها لغوا مع ما فيه من صعوبة الحصول على ملكتها بطولها وكثرة فروعها وربما يكون ذلك عائقا عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات لطول وسائلها مع أن شأنها أهم والعمر يقصر عن تحصيل الجميع على هذه الصورة فيكون الاشتغال بهذه العلوم الآلية تضييعا للعمر وشغلا بما لا يعني وهذا كما فعل المتأخرون في صناعة النحو وصناعة المنطق وأصول الفقه لانهم أوسعوا دائرة الكلام فيها وأكثروا من التفاريع والاستدلالات بما أخرجها عن كونها آلة وصيرها من المقاصد وربما يقع فيها أنظار لا حاجة بها في العلوم المقصودة فهي من نوع اللغو وهي أيضا مضرة بالمتعلمين على الاطلاق لان المتعلمين اهتمامهم بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد فلهذا يجب على المعلمين لهذه العلوم الآلية أن لا يستبحروا في شأنها وينبهوا المتعلم على الغرض منها ويقفوا به عنده فمن نزعت به همته بعد ذلك إلى شئ من التوغل فليرق له ما شاء من المراقي صعبا أو سهلا وكل ميسر لما خلق له الفصل الواحد والثلاثون في تعليم الولدان واختلاف مذاهب الامصار الاسلامية في طرقه إعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار الدين أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الايمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الاحاديث وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه

[ 538 ]

ما يحصل بعد من الملكات وسبب ذلك أن التعليم في الصغر أشد رسوخا وهو أصل لما بعده لان السابق الاول للقلوب كالاساس للملكات وعلى حسب الاساس وأساليبه يكون حال من ينبني عليه واختلفت طرقهم في تعليم القرآن للولدان واختلافهم باعتبار ما ينشأ عن ذلك التعليم من الملكات فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله واختلاف حملة القرآن فيه لا يخلطون ذلك بسواه في شئ من مجالس تعليمهم لا من حديث ولا من فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعا عن العلم بالجملة وهذا مذهب أهل الامصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر أمم المغرب في ولدانهم إلى أن يجاوز واحد البلوغ إلى الشبيبة وكذا في الكبير إذا رجع مدارسة القرآن بعد طائفة من عمره فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم وأما أهل الاندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو وهذا هو الذي يراعونه في التعليم إلا أنه لما كان القرآن أصل ذلك وأسه ومنبع الدين والعلوم جعلوه أصلا في التعليم فلا يقتصرون لذلك عليه فقط بل يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب والترسل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجويد الخط والكتاب ولا تختص عنايتهم فيه بالخط أكثر من جميعها إلى أن يخرج الولد عن عمر البلوغ إلى الشبيبة وقد شدا بعض الشئ في العربية والشعر والبصر بهما وبرز في الخط والكتاب وتعلق بأذيال العلم على الجملة لو كان فيها سند لتعليم العلوم لكنهم ينقطعون عن ذلك لانقطاع سند التعليم في آفاقهم ولا يحصل بأيديهم إلا ما حصل من ذلك التعليم الاول وفيه كفاية لمن أرشده الله تعالى واستعداد إذا وجد المعلم وأما أهل أفريقية فيخلطون في تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في الغالب ومدارسة قوانين العلوم وتلقين بعض مسائلها إلا أن عنايتهم بالقرآن واستنظار الولدان إياه ووقوفهم على اختلاف رواياته وقراءاته أكثر مما سواه وعنايتهم بالخط تبع لذلك وبالجملة فطريقهم في تعليم القرآن أقرب إلى طريقة أهل الاندلس واستقروا بتونس وعنهم أخذ ولدانهم بعد ذلك وأما أهل المشرق فيخلطون في التعليم كذلك على ما يبلغنا

[ 539 ]

ولا أدري بم عنايتهم منها والذي ينقل لنا أن عنايتهم بدراسة القرآن وصحف العلم وقوانينه في زمن الشبيبة ولا يخلطون بتعليم الخط بل لتعليم الخط عندهم قانون ومعلمون له على انفراده كما تتعلم سائر الصنائع ولا يتداولونها في مكاتب الصبيان وإذا كتبوا لهم الالواح فبخط قاصر عن الاجادة ومن أراد تعلم الخط فعلى قدر ما يسنح له بعد ذلك من الهمة في طلبه ويبتغيه من أهل صنعته فأما أهل أفريقية والمغرب فأفادهم الاقتصار على القرآن القصور عن ملكة اللسان جملة وذلك أن القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة لما أن البشر مصروفون عن الاتيان بمثله فهم مصروفون لذلك عن الاستعمال على أساليبه والاحتذاء بها وليس لهم ملكة في غير أساليبه فلا يحصل لصاحبه ملكة في اللسان العربي وحظه الجمود في العبارات وقلة التصرف في الكلام وربما كان أهل أفريقية في ذلك أخف من أهل المغرب لما يخلطون في تعليمهم القرآن بعبارات العلوم في قوانينها كما قلناه فيقتدرون على شئ من التصرف ومحاذاة المثل بالمثل إلا أن ملكتهم في ذلك قاصرة عن البلاغة كما سيأتي في فصله وأما أهل الاندلس فأفادهم التفنن في التعليم وكثرة رواية الشعر والترسل ومدارسة العربية من أول العمر حصول ملكة صاروا بها أعرف في اللسان العربي وقصروا في سائر العلوم لبعدهم عن مدارسة القرآن والحديث الذي هو أصل العلوم وأساسها فكانوا لذلك أهل حظ وأدب بارع أو مقصر على حسب ما يكون التعليم الثاني من بعد تعليم الصبي ولقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب رحلته إلى طريقة غريبة في وجه التعليم وأعاد في ذلك وأبدأ وقدم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم كما هو مذهب أهل الاندلس قال لان الشعر ديوان العرب ويدعو على تقديمه وتعليم العربية في التعليم ضرورة فساد اللغة ثم ينتقل منه إلى الحساب فيتمرن فيه حتى يرى القوانين ثم ينتقل إلى درس القرآن فإن يتيسر عليك بهذه المقدمة ثم قال ويا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أوامره يقرأ ما لا يفهم وينصب في أمر غيره أهم ما عليه ثم قال ينظر في أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الجدل ثم الحديث وعلومه ونهى مع ذلك أن يخلط في التعليم علمان إلا أن يكون المتعلم قابلا لذلك بجودة الفهم والنشاط هذا ما أشار إليه القاضي

[ 540 ]

أبو بكر رحمه الله وهو لعمري مذهب حسن إلا أن العوائد لا تساعد عليه وهي أملك بالاحوال ووجه ما اختصت به العوائد من تقدم دراسة القرآن إيثارا للتبرك والثواب وخشية ما يعرض للولد في جنون الصبي من الآفات والقواطع عن العلم فيفوته القرآن لانه مادام في الحجر منقاد للحكم فإذا تجاوز البلوغ وانحل من ربقة القهر فربما عصفت به رياح الشبيبة فألقته بساحل البطالة فيغتنمون في زمان الحجر وربقة الحكم تحصيل القرآن لئلا يذهب خلوا منه ولو حصل اليقين باستمراره في طلب العلم وقبوله التعليم لكان هذا المذهب الذي ذكره القاضي أولى ما أخذ به أهل المغرب والمشرق ولكن الله يحكم ما يشاء لا معقب لحكمه الفصل الثاني والثلاثون في ان الشدة على المتعلمين مضرة بهم وذلك أن إرهاف الحد بالتعليم مضر بالتعليم سيما في أصاغر الولد لانه من سوء الملكة ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيق عن النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الايدي بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا وفسدت معاني الانسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله وصار عيالا على غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل السافلين وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف واعتبره في كل من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به وتجد ذلك فيهم استقراء وانظره في اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلق السوء حتى إنهم يوصفون في كل أفق وعصر بالحرج ومعناه في الاصطلاح المشهور التخابث والكيد وسببه ما قلناه فينبغي للمعلم في متعلمه والوالد في ولده أن لا يستبدا عليهما في التأديب وقد قال محمد بن أبي زيد في كتابه الذي ألفه في حكم المعلمين والمتعلمين لا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في ضربهم إذا احتاجوا إليه على ثلاثة أسواط شيئا ومن

[ 541 ]

كلام عمر رضي الله عنه من لم يؤد به الشرع لا أدبه الله حرصا على صون النفوس عن مذلة التأديب وعلما بأن المقدار الذي عينه الشرع لذلك أملك له فإنه أعلم بمصلحته ومن أحسن مذاهب التعليم ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده محمد الامين فقال يا أحمر إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه فصير يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة وكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين أقرئه القرآن وعرفه الاخبار وروه الاشعار وعلمه السنن وبصره بمواقع الكلام وبدئه وامنعه من الضحك إلا في أوقاته وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه ولا تمعن في مسامحته فيستجلي الفراغ ويألفه وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة انتهى الفصل الثالث والثلاثون في ان الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعلم والسبب في ذلك أن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ينتحلون به من المذاهب والفضائل تارة علما وتعليما وإلقاء وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكاما وأقوى رسوخا فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها والاصطلاحات أيضا في تعليم العلوم مخلطة على المتعلم حتى لقد يظن كثير منهم أنها جزء من العلم ولا يدفع عنه ذلك إلا مباشرته لاختلاف الطرق فيها من المعلمين فلقاء أهل العلوم وتعدد المشايخ يفيده تمييز الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها فيجرد العلم عنها ويعلم أنها أنحاء تعليم وطرق توصل وتنهض قواه إلى الرسوخ والاستحكام في المكان وتصحح معارفه وتميزها عن سواها مع تقوية ملكته بالمباشرة والتلقين وكثرتهما من المشيخة عند تعددهم وتنوعهم وهذا لمن يسر الله عليه طرق العلم والهداية فالرحلة لا بد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم

[ 542 ]

الفصل الرابع والثلاثون في ان العلماء من بين البشر ابعد عن السياسة ومذاهبها والسبب في ذلك أنهم معتادون النظر الفكري والغوص على المعاني وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها في الذهن أمورا كلية عامة ليحكم عليها بأمر العموم لا بخصوص مادة ولا شخص ولا جيل ولا أمة ولا صنف من الناس ويطبقون من بعد ذلك الكلي على الخارجيات وأيضا يقيسون الامور على أشباهها وأمثالها بما اعتادوه من القياس الفقهي فلا تزال أحكامهم وأنظارهم كلها في الذهن ولا تصير إلى المطابقة إلا بعد الفراغ من البحث والنظر ولا تصير بالجملة إلى المطابقة وإنما يتفرع ما في الخارج عما في الذهن من ذلك كالاحكام الشرعية فإنها فروع عما في المحفوظ من أدلة الكتاب والسنة فتطلب مطابقة ما في الخارج لها عكس الانظار في العلوم العقلية التي تطلب في صحتها مطابقتها لما في الخارج فهم متعودون في سائر أنظارهم الامور الذهنية والانظار الفكرية لا يعرفون سواها والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الاحوال ويتبعها فإنها خفية ولعل أن يكون فيها ما يمنع من إلحاقها بشبه أو مثال وينافي الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها ولا يقاس شئ من أحوال العمران على الاخر كما اشتبها في أمر واحد فلعلهما اختلفا في أمور فتكون العلماء لاجل ما تعودوه من تعميم الاحكام وقياس الامور بعضها على بعض إذا نظروا في السياسة افرغوا ذلك في قالب أنظارهم ونوع استدلالاتهم فيقعون في الغلط كثيرا ولا يؤمن عليهم ويلحق بهم أهل الذكاء والكيس من أهل العمران لانهم ينزعون بثقوب أذهانهم إلى مثل شأن الفقهاء من الغوص على المعاني والقياس والمحاكاة فيقعون في الغلط والعامي السليم الطبع المتوسط الكيس لقصور فكره عن ذلك وعدم اعتياده إياه يقتصر لكل مادة على حكمها وفي كل صنف من الاحوال والاشخاص على ما اختص به ولا يعدي الحكم بقياس ولا تعميم ولا يفارق في أكثر نظره المواد المحسوسة ولا يجاوزها في ذهنه كالسابح لا يفارق البر عند الموج قال الشاعر فلا توغلن إذا ما سبحت * م فإن السلامة في الساحل

[ 543 ]

فيكون مأمونا من النظر في سياسته مستقيم النظر في معاملة أبناء جنسه فيحسن معاشه وتندفع آفاته ومضاره باستقامة نظره وفوق كل ذي علم عليم ومن هنا يتبين أن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط لكثرة ما فيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس فإنها تنظر في المعقولات الثواني ولعل المواد فيها ما يمانع تلك الاحكام وينافيها عند مراعاة التطبيق اليقيني وأما النظر في المقولات الاول وهي التي تجريدها قريب فليس كذلك لانها خيالية وصور المحسوسات حافظة مؤذنة بتصديق انطباقه والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق الفصل الخامس والثلاثون في ان حملة العلم في الاسلام اكثرهم العجم من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الاسلامية أكثرهم العجم لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية إلا في القليل النادر وإن كان منهم العربي في نسبته فهو عجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي والسبب في ذلك أن الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة وإنما أحكام الشريعة التي هي أوامر الله ونواهيه كان الرجال ينقلونها في صدورهم وقد عرفوا مأخذها من الكتاب والسنة بما تلقوه من صاحب الشرع وأصحابه والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتأليف والتدوين ولا دفعوا إليه ولا دعتهم إليه حاجة وجرى الامر على ذلك زمن الصحابة والتابعين وكانوا يسمون المختصين بحمل ذلك ونقله إلى القراء أي الذين يقرأون الكتاب وليسوا أميين لان الامية يومئذ صفة عامة في الصحابة بما كانوا عربا فقيل لحملة القرآن يومئذ قراء إشارة إلى هذا فهم قراء لكتاب الله والسنة المأثورة عنه الله لانهم لم يعرفوا الاحكام الشرعية إلا منه ومن الحديث الذي هو في غالب موارده تفسير له وشرح قال صلى الله عليه وسلم تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي فلما بعد النقل من لدن دولة الرشيد فما بعد احتيج إلى وضع التفاسير القرآنية وتقييد الحديث مخافة ضياعه ثم احتيج إلى معرفة الاسانيد وتعديل الناقلين للتمييز بين الصحيح من الاسانيد وما دونه ثم كثر استخراج أحكام الواقعات من

[ 544 ]

الكتاب والسنة وفسد مع ذلك اللسان فاحتيج إلى وضع القوانين النحوية وصارت العلوم الشرعية كلها ملكات في الاستنباطات والاستخراج والتنظير والقياس واحتاجت إلى علوم أخرى وهي الوسائل لها من معرفة قوانين العربية وقوانين ذلك الاستنباط والقياس والذب عن العقائد الايمانية بالادلة لكثرة البدع والالحاد فصارت هذه العلوم كلها علوما ذات ملكات محتاجة إلى التعليم فاندرجت في جملة الصنائع وقد كنا قدمنا أن الصنائع من منتحل الحضر وأن العرب أبعد الناس عنها فصارت العلوم لذلك حضرية وبعد عنها العرب وعن سوقها والحضر لذلك العهد هم العجم أو من هم في معناهم من الموالي وأهل الحواضر الذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من الصنائع والحرف لانهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس فكان صاحب صناعة النحو سيبويه والفارسي من بعده والزجاج من بعدهما وكلهم عجم في أنسابهم وإنما ربوا في اللسان العربي فاكتسبوه بالمربى ومخالطة العرب وصيروه قوانين وفنا لمن بعدهم وكذا حملة الحديث الذين حفظوه عن أهل الاسلام أكثرهم عجم أو مستعجمون باللغة والمربي وكان علماء أصول الفقه كلهم عجما كما يعرف وكذا حملة علم الكلام وكذا أكثر المفسرين ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الاعاجم وظهر مصداق قوله صلى الله عليه وسلم لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وسوقها وخرجوا إليها عن البداوة فشغلتهم الرئاسة في الدولة وحاميتها وأولي سياستها مع ما يلحقهم من الانفة عن انتحال العلم حينئذ بما صار من جملة الصنائع والرؤساء ابدا يستنكفون عن الصنائع والمهن وما يجر إليها ودفعوا ذلك إلى من قام به من العجم والمولدين وما زالوا يرون لهم حق القيام به فإنه دينهم وعلومهم ولا يحتقرون حملتها كل الاحتقار حتى إذا خرج الامر من العرب جملة وصار للعجم صارت العلوم الشرعية غريبة النسبة عند أهل الملك بما هم عليه من البعد عن نسبتها وامتهن حملتها بما يرون أنهم بعداء عنهم مشتغلين بما لا يغني ولا يجدي عنهم في الملك والسياسة كما ذكرناه في نقل المراتب الدينية فهذا الذي قررناه هو السبب في أن حملة الشريعة أو عامتهم من العجم وأما العلوم العقلية أيضا فلم تظهر في الملة إلا بعد أن

[ 545 ]

تميز حملة العلم ومؤلفوه واستقر العلم كله صناعة فاختصت بالعجم وتركتها العرب وانصرفوا عن انتحالها فلم يحملها إلا المعربون من العجم شأن الصنائع كما قلناه أولا فلم يزل ذلك في الامصار مادامت الحضارة في العجم وبلادهم من العراق وخراسان وما وراء النهر فلما خربت تلك الامصار وذهبت منها الحضارة التي هي سر الله في حصول العلم والصنائع ذهب العلم من العجم جملة لما شملهم من البداوة واختص العلم بالامصار الموفورة الحضارة ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر فهي أم العالم وإيوان الاسلام وينبوع العلم والصنائع وبقي بعض الحضارة في ما وراء النهر لما هناك من الحضارة بالدولة التي فيها فلهم بذلك حصة من العلوم والصنائع لا تنكر وقد دلنا على ذلك كلام بعض علمائهم من تآليف وصلت إلينا إلى هذه البلاد وهو سعد الدين التفتازاني وأما غيره من العجم فلم نرلهم من بعد الامام ابن الخطيب ونصير الدين الطوسي كلاما يعول على نهايته في الاصابة فاعتبر ذلك وتأمله تر عجبا في أحوال الخليقة والله يخلق ما يشاء لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله الفصل السادس والثلاثون في علوم اللسان العربي أركانه أربعة وهي اللغة والنحو والبيان والادب ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة إذ مأخذ الاحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة وهي بلغة العرب ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب وشرح مشكلاتها من لغاتهم فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة وتتفاوت في التأكيد بتفاوت مراتبها في التوفية بمقصود الكلام حسبما يتبين في الكلام عليها فنا فنا والذي يتحصل أن الاهم المقدم منها هو النحو إذ به تتبين أصول المقاصد بالدلالة فيعرف الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر ولولاه لجهل أصل الافادة وكان من حق علم اللغة التقدم لولا أن أكثر الاوضاع باقية في موضوعاتها لم تتغير بخلاف الاعراب الدال على الاسناد والمسند والمسند إليه فإنه تغير بالجملة ولم يبق له أثر فلذلك كان علم النحو أهم من اللغة إذ في جهله الاخلال بالتفاهم جملة وليست كذلك

[ 546 ]

اللغة والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق علم النحو إعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده وتلك العبارة فعل لساني فلا بد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم وكانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات وأوضحها إبانة عن المقاصد لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني من المجرور أعني المضاف ومثل الحروف التي تفضي بالافعال إلى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى وليس يوجد ذلك إلا في لغة العرب وأما غيرها من اللغات فكل معنى أو حال لا بد له من ألفاظ تخصه بالدلالة ولذلك نجد كلام العجم من مخاطباتهم أطول مما تقدره بكلام العرب وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا فصار للحروف في لغتهم والحركات والهيئات أي الاوضاع اعتبار في الدلالة على المقصود غير متكلفين فيه لصناعة يستفيدون ذلك منها إنما هي ملكة في ألسنتهم يأخذها الآخر عن الاول كما تأخذ صبياننا لهذا العهد لغاتنا فلما جاء الاسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك الذي كان في أيدي الامم والدول وخالطوا العجم تغيرت تلك الملكة بما ألقى إليها السمع من المخالفات التي للمستعربين والسمع أو الملكات اللسانية ففسدت بما ألقي إليها مما يغايرها لجنوحها إليه باعتياد السمع وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأسا ويطول العهد بها فينغلق القرآن والحديث على المفهوم فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة شبه الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر أنواع الكلام ويلحقون الاشباه بالاشباه مثل أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب والمبتدأ مرفوع ثم رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات فاصطلحوا على تسميته إعرابا وتسمية الموجب لذلك التغير عاملا وأمثال ذلك وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم فقيدوها بالكتاب وجعلوها صناعة لهم مخصوصة واصطلحوا على تسميتها بعلم النحو وأول من كتب فيها أبو الاسود الدؤلي من بني كنانة ويقال باشارة علي رضي الله عنه لانه رأى تغير الملكة فأشار عليه بحفظها ففزع إلى

[ 547 ]

ضبطها بالقوانين الحاضرة المستقرأة ثم كتب فيها الناس من بعده إلى أن انتهت إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي أيام الرشيد وكان الناس أحوج إليها لذهاب تلك الملكة من العرب فهذب الصناعة وكمل أبوابها وأخذها عنه سيبويه فكمل تفاريعها واستكثر من أدلتها وشواهدها ووضع فيها كتابه المشهور الذي صار إماما لكل ما كتب فيها من بعده ثم وضع أبو علي الفارسي وأبو القاسم الزجاج كتبا مختصرة للمتعلمين يحذون فيها حذو الامام في كتابه ثم طال الكلام في هذه الصناعة وحدث الخلاف بين أهلها في الكوفة والبصرة المصرين القديمين للعرب وكثرت الادلة والحجاج بينهم وتباينت الطرق في التعليم وكثر الاختلاف في إعراب كثير من آي القرآن باختلافهم في تلك القواعد وطال ذلك على المتعلمين وجاء المتأخرون بمذاهبهم في الاختصار فاختصروا كثيرا من ذلك الطول مع استيعابهم لجميع ما نقل كما فعله ابن مالك في كتاب التسهيل وأمثاله أو اقتصارهم على المبادئ للمتعلمين كما فعله الزمخشري في المفصل وابن الحاجب في المقدمة له وربما نظموا ذلك نظما مثل ابن مالك في الارجوزتين الكبرى والصغرى وابن معطي في الارجوزة الالفية وبالجملة فالتآليف في هذا الفن أكثر من أن تحصى أو يحاط بها وطرق التعليم فيها مختلفة فطريقة المتقدمين مغايرة لطريقة المتأخرين والكوفيون والبصريون والبغداديون والاندلسيون مختلفة طرقهم كذلك وقد كادت هذه الصناعة تؤذن بالذهاب لما رأينا من النقص في سائر العلوم والنصائع بتناقص العمران ووصل إلينا بالمغرب لهذه العصور ديوان من مصر منسوب إلى جمال الدين بن هشام من علمائها استوفي فيه أحكام الاعراب مجملة ومفصلة وتكلم على الحروف والمفردات والجمل وحذف ما في الصناعة من المتكرر في أكثر أبوابها وسماه بالمغني في الاعراب وأشار إلى نكت إعراب القرآن كلها وضبطها بابواب وفصول وقواعد انتظم سائرها فوقفنا منه على علم جم يشهد بعلو قدره في هذه الصناعة ووفور بضاعته منها وكانه ينحو في طريقته منحاة أهل الموصل الذين اقتفوا أثر ابن جني واتبعوا مصطلح تعليمه فاتى من ذلك بشئ عجيب دال على قوة ملكته واطلاعه والله يزيد في الخلق ما يشاء

[ 548 ]

علم اللغة هذا العلم هو بيان الموضوعات اللغوية وذلك أنه لما فسدت ملكة اللسان العربي في الحركات المسماة عند أهل النحو بالاعراب واستنبطت القوانين لحفظها كما قلناه ثم استمر ذلك الفساد بملابسة العجم ومخالطتهم حتى تادى الفساد إلى موضوعات الالفاظ فاستعمل كثير من كلام العرب في غير موضوعه عندهم ميلامع هجنة المستعربين في اصطلاحاتهم المخالفة لصريح العربية فاحتيج إلى حفظ الموضوعات اللغوية بالكتاب والتدوين خشية الدروس وما ينشأ عنه من الجهل بالقرآن والحديث فشمر كثير من أئمة اللسان لذلك وأملوا فيه الدواوين وكان سابق الحلبة في ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي ألف فيها كتاب العين فحصر فيه مركبات حروف المعجم كلها من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي وهو غاية ما ينتهي إليه التركيب في اللسان العربي وتأتى له حصر ذلك بوجوه عديدة حاضرة وذلك أن جملة الكلمات الثنائية تخرج من جميع الاعداد على التوالي من واحد إلى سبعة وعشرين وهو دون نهاية حروف المعجم بواحد لان الحرف الواحد منها يؤخذ مع كل واحد من السبعة والعشرين فتكون سبعة وعشرين كلمة ثنائية ثم يؤخذ الثاني مع الستة والعشرين كذلك ثم الثالث والرابع ثم يؤخذ السابع والعشرون مع الثامن والعشرين فيكون واحدا فتكون كلها أعدادا على توالي العدد من واحد إلى سبعة وعشرين فتجمع كما هي بالعمل المعروف عند أهل الحساب ثم تضاعف لاجل قلب الثنائي لان التقديم والتاخير بين الحروف معتبر في التركيب فيكون الخارج جملة الثنائيات فيما يجمع من واحد إلى ستة وعشرين لان كل ثنائية يزيد عليها حرفا فتكون ثلاثية فتكون الثنائية بمنزلة الحرف الواحد مع كل واحد من الحروف الباقية وهي ستة وعشرون حرفا بعد الثنائية فتجمع من واحد إلى ستة وعشرين على توالي العدد ويضرب فيه جملة الثنائيات ثم تضرب الخارج في ستة جملة مقلوبات الكلمة الثلاثية فيخرج مجموع تراكيبها من حروف المعجم وكذلك في الرباعي والخماسني فانحصرت له التراكيب بهذا الوجه ورتب أبوابه على حروف المعجم بالترتيب المتعارف واعتمد فيه ترتيب المخارج فبدأ بحروف الحلق ثم بعده من حروف الحنك ثم الاضراس ثم

[ 549 ]

الشفة وجعل حروف العلدة آخرا وهي الحروف الهوائية وبدأ من حروف الحلق بالعين لانه الاقصر منها فلذلك سمي كتابه بالعين لان المتقدمين كانوا يذهبون في تسمية دواوينهم إلى مثل هذا وهو تسميته باول ما يقع فيه من الكلمات والالفاظ ثم بين المهمل منها من المستعمل وكان المهمل في الرباعي والخماسي اكثر لقلة استعمال العرب له لثقله ولحق به الثنائي لقلة دورانه وكان الاستعمال في الثلاثي أغلب فكانت أوضاعه أكثر لدورانه وضمن الخليل ذلك كله في كتاب العين واستوعبه أحسن استيعاب وأوعاه وجاء أبو بكر الزبيدي وكتب لهشام المؤيد بالاندلس في المائة الرابعة فاختصره مع المحافظة على الاستيعاب وحذف منه المهمل كله وكثيرا من شواهد المستعمل ولخصه للحفظ أحسن تلخيص وألف الجوهري من المشارقة كتاب الصحاح على الترتيب المتعارف لحروف المعجم فجعل البداءة منها بالهمزة وجعل الترجمة بالحروف على الحرف الاخير من الكلمة لاضطرار الناس في الاكثر إلى أواخر الكلم وحصر اللغة اقتداء بحصر الخليل ثم ألف فيها من الاندلسيين ابن سيده من أهل دانية في دولة علي بن مجاهد كتاب المحكم على ذلك المنحى من الاستيعاب وعلى نحو ترتيب كتاب العين وزاد فيه التعرض لاشتقاقات الكلم وتصاريفها فجاء من أحسن الدواوين ولخصه محمد بن أبي الحسين صاحب المستنصر من ملوك الدولة الحفصية بتونس وقلب ترتيبه إلى ترتيب كتاب الصحاح في اعتبار أواخر الكلم وبناء التراجم عليها فكانا توأمي رحم وسليلي أبوة هذه أصول كتب اللغة فيما علمناه وهناك مختصرات أخرى مختصة بصنف من الكلم ومستوعبة لبعض الابواب أو لكلها إلا أن وجه الحصر فيها خفي ووجه الحصر في تلك جلي من قبل التراكيب كما رأيت ومن الكتب الموضوعة أيضا في اللغة كتاب الزمخشري في المجاز بين فيه كل ما تجوزت به العرب من الالفاظ وفيما تجوزت به من المدلولات وهو كتاب شريف الافادة ثم لما كانت العرب تضع الشئ على العموم ثم تستعمل في الامور الخاصة ألفاظا أخرى خاصة بها فوق ذلك عندنا بين الوضع والاستعمال واحتاج إلى فقه في اللغة عزيز المأخذ كما وضع الابيض بالوضع العام لكل ما فيه بياض ثم اختص ما فيه بياض من الخيل بالاشهب ومن الانسان بالازهر ومن الغنم بالاملح حتى صار استعمال

[ 550 ]

الابيض في هذه كلها لحنا وخروجا عن لسان العرب واختص بالتأليف في هذا المنحى الثعالبي وأفرده في كتاب له سماه فقه اللغة وهومن أكد ما ياخذ به اللغوي نفسه أن يحرف استعمال العرب عن مواضعه فليس معرفة الوضع الاول بكاف في الترتيب حتى يشهد له استعمال العرب لذلك وأكثر ما يحتاج إلى ذلك الاديب في فني نظمه ونثره حذرا من أن يكثر لحنه في الموضوعات اللغوية في مفرداتها وتراكيبها وهو أشد من اللحن في الاعراب وأفحش وكذلك ألف بعض المتأخرين في الالفاظ المشتركة وتكفل بحصرها وإن لم تبلغ إلى النهاية في ذلك فهو مستوعب للاكثر وأما المختصرات الموجودة في هذا الفن المخصوصة بالمتداول من اللغة الكثير الاستعمال تسهيلا لحفظها على الطالب فكثيرة مثل الالفاظ لابن السكيت والفصيح لثعلب وغيرهما وبعضها أقل لغة من بعض لاختلاف نظرهم في الاهم على الطالب للحفظ والله الخلاق العليم لارب سواه علم البيان هذا العلم حادث في الملة بعد علم العربية واللغة وهو من العلوم اللسانية لانه متعلق بالالفاظ وما تفيده ويقصد بها الدلالة عليه من المعاني وذلك أن الامور التي يقصد المتكلم بها إفادة السامع من كلامه هي إما تصور مفردات تسند ويسند إليها ويفضي بعضها إلى بعض والدالة على هذه هي المفردات من الاسماء والافعال والحروف وإما تمييز المسندات من المسند إليها والازمنة ويدل عليها بتغير الحركات من الاعراب وأبنية الكلمات وهذه كلها هي صناعة النحو ويبقى من الامور المكتنفة بالواقعات المحتاجة للدلالة أحوال المتخاطبين أو الفاعلين وما يقتضيه حال الفعل وهو محتاج إلى الدلالة عليه لانه من تمام الافادة وإذا حصلت للمتكلم فقد بلغ غاية الافادة في كلامه وإذا لم يشتمل على شئ منها فليس من جنس كلام العرب فان كلامهم واسع ولكل مقام عندهم مقال يختص به بعد كمال الاعراب والابانة ألا ترى أن قولهم زيد جاءني مغاير لقولهم جاءني زيد من قبل أن المتقدم منهما هو الاهم عند المتكلم فمن قال جاءني زيد أفاد أن اهتمامه بالمجئ قبل الشخص المسند إليه ومن قال زيد جاءني أفاد أن اهتمامه بالشخص

[ 551 ]

قبل المجئ المسند وكذا التعبير عن أجزاء الجملة بما يناسب المقام من موصول أو مبهم أو معرفة وكذا تأكيد الاسناد على الجملة كقولهم زيد قائم وإن زيدا قائم وإن زيدا لقائم متغايرة كلها في الدلالة وإن استوت من طريق الاعراب فإن الاول العاري عن التأكيد إنما يفيد الخالي الذهن والثاني المؤكد بان يفيد المتردد والثالث يفيد المنكر فهي مختلفة وكذلك تقول جاءني الرجل ثم تقول مكانه بعينه جاءني رجل إذا قصدت بذلك التنكير تعظيمه وأنه رجل لا يعادله أحد من الرجال ثم الجملة الاسنادية تكون خبرية وهي التي لها خارج تطابقه أولا وإنشائية وهي التي لا خارج لها كالطلب وأنواعه ثم قد يتعين ترك العاطف بين الجملتين إذا كان للثانية محل من الاعراب فيشرك بذلك منزلة التابع المفرد نعتا وتوكيدا وبدلا بلا عطف أو يتعين العطف إذا لم يكن للثانية محل من الاعراب ثم يقتضي المحل الاطناب والا يجاز فيورد الكلام عليهما ثم قد يدل باللفظ ولا يراد منطوقه ويراد لازمه إن كان مفرداكما تقول زيد أسد فلا تريد حقيقة الاسد المنطوقة وإنما تريد شجاعته اللازمة وتسندها إلى زيد وتسمى هذه استعارة وقد تريد باللفظ المركب الدلالة على ملزومه كما تقول زيد كثير الرماد وتريد ما لزم ذلك عنه من الجود وقرى الضيف لان كثرة الرماد ناشئة عنهما فهي دالة عليهما وهذه كلها دلالة زائدة على دلالة الالفاظ من المفرد والمركب وإنما هي هيئات وأحوال الواقعات جعلت للدلالة عليها أحوال وهيئات في الالفاظ كل بحسب ما يقتضيه مقامه فاشتمل هذا العلم المسمى بالبيان على البحث عن هذه الدلالة التي للهيئات والاحوال والمقامات وجعل على ثلاثة أصناف الصنف الاول يبحث فيه عن هذه الهيآت والاحوال التي تطابق باللفظ جميع مقتضيات الحال ويسمى علم البلاغة والصنف الثاني يبحث فيه عن الدلالة على اللازم اللفظي وملزومه وهي الاستعارة والكناية كما قلناه ويسمى علم البيان وألحقوا بهما صنفا آخر وهو النظر في تزيين الكلام وتحسينه بنوع من التنميق إما بسجع يفصله أو تجنيس يشابه بين ألفاظه أو ترصيع يقطع أو تورية عن المعنى المقصود بايهام معنى أخفى منه لاشتراك اللفظ بينهما وأمثال ذلك ويسمى عندهم علم البديع وأطلق على الاصناف الثلاثة عند المحدثين اسم

[ 552 ]

البيان وهو اسم الصنف الثاني لان الاقدمين أول من تكلموا فيه ثم تلاحقت مسائل الفن واحدة بعد أخرى وكتب فيها جعفر بن يحيى والجاحظ وقدامة وأمثالهم إملاءات غير وافية فيها ثم لم تزل مسائل الفن تكمل شيئا فشيئا إلى أن محص السكاكي زبدته وهذب مسائله ورتب أبوابه على نحو ما ذكرناه آنفا من الترتيب وألف كتابه المسمى بالمفتاح في النحو والتصريف والبيان فجعل هذا الفن من بعض أجزائه وأخذه المتأخرون من كتابه ولخصوا منه أمهات هي المتداولة لهذا العهد كما فعله السكاكي في كتاب التبيان وابن مالك في كتاب المصباح وجلال الدين القزويني في كتاب الايضاح والتلخيص وهو أصغر حجما من الايضاح والعناية به لهذا العهد عند أهل المشرق في الشرح والتعليم منه أكثر من غيره وبالجملة فالمشارقة على هذا الفن أقوم من المغاربة وسببه والله أعلم أنه كمالي في العلوم اللسانية والصنائع الكمالية توجد في العمران والمشرق أوفر عمرانا من المغرب كما ذكرناه أو نقول لعناية العجم وهو معظم أهل المشرق كتفسير الزمخشري وهو كله مبني على هذا الفن وهو أصله وإنما اختص باهل المغرب من أصنافه علم البديع خاصة وجعلوه من جمله علوم الادب الشعرية وفرعوا له ألقابا وعددوا أبوابا ونوعوا أنواعا وزعموا أنهم أحصوها من لسان العرب وإنما حملهم على ذلك الولوع بتزيين الالفاظ وأن علم البديع سهل المأخذ وصعبت عليهم مآخذ البلاغة والبيان لدقة أنظارهما وغموض معانيهما فتجافوا عنهما وممن ألف في البديع من أهل أفريقية ابن رشيق وكتاب العمدة له مشهور وجرى كثير من أهل أفريقية والاندلس على منحاه واعلم أن ثمرة هذا الفن إنما هي في فهم الاعجاز من القرآن لان إعجازه في وفاء الدلالة منه بجميع مقتضيات الاحوال منطوقة ومفهومة وهي أعلى مراتب الكلام مع الكمال فيما يختص بالالفاظ في انتقائها وجودة رصفها وتركيبها وهذا هو الاعجاز الذي تقصر الافهام عن إدراكه وإنما يدرك بعض الشئ منه من كان له ذوق بمخالطة اللسان العربي وحصول ملكته فيدرك من إعجازه على قدر ذوقه فلهذا كانت مدارك العرب الذين سمعوه من مبلغه أعلى مقاما في ذلك لانهم فرسان الكلام وجهابذته والذوق عندهم موجود باوفر ما يكون وأصحه وأحوج ما يكون إلى هذا

[ 553 ]

الفن المفسرون وأكثر تفاسير المتقدمين غفل عنه ظهر جار الله الزمخشري ووضع كتابه في التفسير وتتبع آي القرآن باحكام هذا الفن بما يبدي البعض من إعجازه فانفرد بهذا الفضل على جميع التفاسير لولا أنه يؤيد عقائد أهل البدع عند اقتباسها من القرآن بوجوه البلاغة ولاجل هذا يتحاماه كثير من أهل السنة مع وفور بضاعته من البلاغة فمن أحكم عقائد السنة وشارك في هذا الفن بعض المشاركة حتى يقتدر على الرد عليه من جنس كلامه أو يعلم أنه بدعة فيعرض عنها ولا تضر في معتقده فإنه يتعين عليه النظر في هذا الكتاب للظفر بشئ من الاعجاز مع السلامة من البدع والاهواء والله الهادي من يشاء إلى سواء السبيل علم الادب هذا العلم لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته وهي الاجادة في فني المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الكلمة من شعر عالي الطبقة وسجع متساو في الاجادة ومسائل من اللغة والنحو مبثوثة أثناء ذلك متفرقة يستقري منها الناظر في الغالب معظم قوانين العربية مع ذكر بعض من أيام العرب يفهم به ما يقع في أشعارهم منها وكذلك ذكر المهم من الانساب الشهيرة والاخبار العامة والمقصود بذلك كله أن لا يخفى على الناظر فيه شئ من كلام العرب وأساليبهم ومناحي بلاغتهم إذا تصفحه لانه لا تحصل الملكة من حفظه إلا بعد فهمه فيحتاج إلى تقدير جميع ما يتوقف عليه فهمه ثم إنهم إذا أرادوا حد هذا الفن قالوا الادب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والاخذ من كل علم بطرف يريدون من علوم اللسان أو العلوم الشرعية من حيث متونها فقط وهي القرآن والحديث إذ لا مدخل لغير ذلك من العلوم في كلام العرب إلا ما ذهب إليه المتأخرون عند كلفهم يصناعة البديع من التورية في أشعارهم وترسلهم بالاصطلاحات العلمية فاحتاج صاحب هذا الفن حينئذ إلى معرفة اصطلاحات العلوم ليكون قائما على فهمها وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين وهي أدب الكتاب لابن قتيبة وكتاب الكامل للمبرد وكتاب البيان والتبيين للجاحظ

[ 554 ]

وكتاب النوادر لابي علي القالي البغدادي وما سوى هذه الاريعة فتبع لها وفروع عنها وكتب المحدثين في ذلك كثيرة وكان الغناء في الصدر الاول من أجزاء هذا الفن لما هو تابع للشعر إذ الغناء إنما هو تلحينه وكان الكتاب والفضلاء من الخواص في الدولة العباسية ياخذون أنفسهم به حرصا على تحصيل أساليب الشعر وفنونه فلم يكن انتحاله قادحا في العدالة والمروءة وقد ألف القاضي أبو الفرج الاصبهاني كتابه في الاغاني جمع فيه أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيامهم ودولهم وجعل مبناه على الغناء في المائة صوتا التي اختارها المغنون للرشيد فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب وأوفاه ولعمري إنه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الاحوال ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه وهو الغاية التي يسمو إليها الاديب ويقف عندها وأنى له بها ونحن الآن نرجع بالتحقيق على الاجمال فيما تكلمنا عليه من علوم اللسان والله الهادي للصواب الفصل السابع والثلاثون في ان اللغة ملكة صناعية إعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها وليس ذلك بالنظر إلى المفردات وإنما هو بالنظر إلى التراكيب فإذا حصلت الملكة التامة في تركيب الالفاظ المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة ومراعاة التاليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال بلغ المتكلم حينئذ الغاية من إفادة مقصوده للسامع وهذا هو معنى البلاغة والملكات لا تحصل إلا بتكرار الافعال لان الفعل يقع أولا وتعود منه للذات صفة ثم تتكرر فتكون حالا ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة ثم يزيد التكرار فتكون ملكة أي صفة راسخة فالمتكلم من العرب حين كانت ملكته اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها فيلقنها أولا ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقنها كذلك ثم لا يزال

[ 555 ]

سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ويكون كاحدهم هكذا تصيرت الالسن واللغات من جيل إلى جيل وتعلمها العجم والاطفال وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع أي بالملكة الاولى التي أخذت عنهم ولم ياخذوها عن غيرهم ثم إنه لما فسدت هذه الملكة لمضر بمخالطتهم الاعاجم وسبب فسادها أن الناشئ من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى عند الكيفيات التي كانت للعرب فيعبر بها عن مقصوده لكثرة المخالطين للعرب من غيرهم ويسمع كيفيات العرب أيضا فاختلط عليه الامر وأخذ من هذه وهذه فاستحدث ملكة وكانت ناقصة عن الاولى وهذا معنى فساد اللسان العربي ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم ثم من اكتنفهم من ثقيف وهذيل وخزاعة وبني كنانة وغطفان وبني أسد وبني تميم وأما من بعد عنهم من ربيعة ولخم وجذام وغسان وإياد وقضاعة وعرب اليمن المجاورين لامم الفرس والروم والحبشة فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الاعاجم وعلى نسبة بعدهم من قريش كان الاحتجاج بلغاتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق الفصل الثامن والثلاثون في ان لغة العرب لهذا العهد مستقلة مغايرة للغة مضر وحمير وذلك أنا نجدها في بيان المقاصد والوفاء بالدلالة على سنن اللسان المضري ولم يفقد منها إلا دلالة الحركات على تعين الفاعل من المفعول فاعتاضوا منها بالتقديم والتاخير وبقرائن تدل على خصوصيات المقاصد إلا أن البيان والبلاغة في اللسان المضري أكثر وأعرف لان الالفاظ باعيانها دالة على المعاني باعيانها ويبقى ما تقتضيه الاحوال ويسمى بساط الحال محتاجا إلى ما يدل عليه وكل معنى لا بد وأن تكتنفه أحوال تخصه فيجب أن تعتبر تلك الاحوال في تادية المقصود لانها صفاته وتلك الاحوال في جميع الالسن أكثر ما يدل عليها بالفاظ تخصها بالوضع وأما في اللسان العربي فانما يدل عليها باحوال وكيفيات في تراكيب الالفاظ وتاليفها من

[ 556 ]

تقديم أو تأخير أو حذف أو حركة أعراب وقد يدل عليها بالحروف غير المستقلة ولذلك تفاوتت طبقات الكلام في اللسان العربي بحسب تفاوت الدلالة على تلك الكيفيات كما قدمناه فكان الكلام العربي لذلك أوجز وأقل ألفاظا وعبارة من جميع الالسن وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا واعتبر ذلك بما يحكى عن عيسى بن عمر وقد قال له بعض النحاة إني أجد في كلام العرب تكرارا في قولهم زيد قائم وإن زيدا قائم وإن زيدا لقائم والمعنى واحد فقال له إن معانيها مختلفة فالاول لافادة الخالي الذهن من قيام زيد والثاني لمن سمعه فتردد فيه والثالث لمن عرف بالاصرار على إنكاره فاختلفت الدلالة باختلاف الاحوال وما زالت هذه البلاغة والبيان ديدن العرب ومذهبهم لهذا العهد ولا تلتفتن في ذلك إلى خرفشة النحاة اهل صناعة الاعراب القاصرة مدراكهم عن التحقيق حيث يزعمون أن البلاغة لهذا العهد ذهبت وأن اللسان العربي فسد اعتبارا بما وقع في أواخر الكلم من فساد الاعراب الذي يتدارسون قوانينه وهي مقالة دسها التشيع في طباعهم وألقاها القصور في أفئدتهم وإلا فنحن نجد اليوم الكثير من ألفاظ العرب لم تزل في موضوعاتها الاولى والتعبير عن المقاصد والتعاون فيه بتفاوت الابانة موجود في كلامهم لهذا العهد وأساليب اللسان وفنونه من النظم والنثر موجودة في مخاطباتهم وفهم الخطيب المصقع في محافلهم ومجامعهم والشاعر المفلق على أساليب لغتهم والذوق الصحيح والطبع السليم شاهدان بذلك ولم يفقد من أحوال اللسان المدون إلا حركات الاعراب في أواخر الكلم فقط الذي لزم في لسان مضر طريقة واحدة ومهيعا معروفا وهو الاعراب وهو بعض من أحكام اللسان وإنما وقعت العناية بلسان مضر لما فسد بمخالطتهم الاعاجم حين استولوا على ممالك العراق والشام ومصر والمغرب وصارت ملكته على غير الصورة التي كانت أولا فانقلب لغة اخرى وكان القرآن منزلا به والحديث النبوي منقولا بلغته وهما أصلا الدين والملة فخشي تناسيهما وانغلاق الافهام عنهما بفقدان اللسان الذي نزلا به فاحتيج إلى تدوين أحكامه ووضع مقاييسه واستنباط قوانينه وصار علما ذا فصول وأبواب ومقدمات ومسائل سماه أهله بعلم النحو وصناعة

[ 557 ]

العربية فاصبح فنا محفوظا وعلما مكتوبا وسلما إلى فهم كتاب الله وسنة رسوله وافيا ولعلنا لو اعثنينا بهذا اللسان العربي لهذا العهد واستقرينا أحكامه نعتاض عن الحركات الاعرابية في دلالتها بامور أخرى موجودة فيه تكون بها قوانين تخصها ولعلها تكون في أواخره على غير المنهاج الاول في لغة مضر فليست اللغات وملكاتها مجانا ولقد كان اللسان المضري مع اللسان الحميري بهذه المثابة وتغير عند مضر كثير من موضوعات اللسان الحميري وتصاريف كلماته تشهد بذلك الانقال الموجودة لدينا خلافا لمن يحمله القصور على أنها لغة واحدة ويلتمس إجراء اللغة الحميرية على مقاييس اللغة المضرية وقوانينها كما يزعم بعضهم في اشتقاق القيل في اللسان الحميري أنه من القول وكثير من أشباه هذا وليس ذلك بصحيح ولغة حمير لغة أخرى مغايرة للغة مضر في الكثير من أوضاعها وتصاريفها وحركات إعرابها كما هي لغة العرب لعهدنا مع لغة مضر إلا أن العناية بلسان مضر من أجل الشريعة كما قلناه حمل ذلك على الاستنباط والاستقراء وليس عندنا لهذا العهد ما يحملنا على مثل ذلك ويدعونا إليه ومما وقع في لغة هذا الجيل العربي لهذا العهد حيث كانوا من الاقطار شأنهم في النطق بالقاف فإنهم لا ينطقون بها من مخرج القاف عند أهل الامصار كما هو مذكور في كتب العربية أنه من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الاعلى وما ينطقون بها أيضا من مخرج الكاف وإن كان أسفل من موضع القاف وما يليه من الحنك الاعلى كما هي بل يجيئون بها متوسطة بين الكاف والقاف وهو موجود للجيل أجمع حيث كانوا من غرب أو شرق حتى صار ذلك علامة عليهم من بين الامم والاجيال مختصا بهم لا يشاركهم بها غيرهم حتى إن من يريد التقرب والانتساب إلى الجيل والدخول فيه يحاكيهم في النطق بها وعندهم أنه إنما يتميز العربي الصريح من الدخيل في العروبية والحضري بالنطق بهذه القاف ويظهر بذلك أنها لغة مضر بعينها فان هذا الجيل الباقين معظمهم ورؤساؤهم شرقا وغربا في ولد منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان من سليم بن منصور ومن بني عامر ابن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور وهم لهذا العهد أكثر الامم في المعمور وأغلبهم وهم من أعقاب مضر وسائر الجيل منهم في النطق بهذه القاف

[ 558 ]

أسوة وهذه اللغة لم يبتدعها هذا الجيل بل هي متوارثة فيهم متعاقبة ويظهر من ذلك انها لغة مضر الاولين ولعلها لغة النبي صلى الله عليه وسلم بعينها قد ادعى ذلك فقهاء أهل البيت وزعموا أن من قرأ في أم القرآن إهدنا إلى الصراط المستقيم بغير القاف التي لهذا الجيل فقد لحن وأفسد صلاته ولم أدر من أين جاء هذا فان لغة أهل الامصار أيضا لم يستحدثوها وإنما تناقلوها من لدن سلفهم وكان أكثرهم من مضر لما نزلوا الامصار من لدن الفتح وأهل الجيل أيضا لم يستحدثوها إلا أنهم أبعد من مخالطة الاعاجم من أهل الامصار فهذا يرجح فيما يوجد من اللغة لديهم أنه من لغة سلفهم هذا مع اتفاق أهل الجيل كلهم شرقا وغربا في النطق بها وأنها الخاصية التي يتميز بها العربي من الهجين والحضري فتفهم ذلك والله الهادى المبين الفصل التاسع والثلاثون في ان لغة اهل الحضر والامصار لغة قائمة بنفسها للغة مضر إعلم أن عرف التخاطب في الامصار وبين الحضر ليس بلغة مضر القديمة ولا بلغة أهل الجيل بل هي لغة أخرى قائمة بنفسها بعيدة عن لغة مضر وعن لغة هذا الجيل العربي الذي لعهدنا وهي عن لغة مضر أبعد فاما إنها لغة قائمة بنفسها فهو ظاهر يشهد له ما فيها من التغاير الذي يعد عند صناعة أهل النحو لحنا وهي مع ذلك تختلف باختلاف الامصار في اصطلاحاتهم فلغة أهل المشرق مباينة بعض الشئ للغة أهل المغرب وكذا أهل الاندلس معهما وكل منهم متوصل بلغته إلى تادية مقصوده والابانة عما في نفسه وهذا معنى اللسان واللغة وفقدان الاعراب ليس بضائر لهم كما قلناه في لغة العرب لهذا العهد وأما إنها أبعد عن اللسان الاول من لغة هذا الجيل فلان البعد عن اللسان إنما هو بمخالطة العجمة فمن خالط العجم أكثر كانت لغته عن ذلك اللسان الاصلي ابعد لان الملكة انما تحصل بالتعليم كما قلناه وهذه ملكة ممتزجة من الملكة الاولى التي كانت للعرب ومن الملكة الثانية التي للعجم فعلى مقدار ما يسمعونه من العجم ويربون عليه يبعدون عن الملكة الاولى واعتبر ذلك في أمصار أفريقية والمغرب والاندلس والمشرق أما أفريقية والمغرب فخالطت العرب فيها البرابرة من العجم بوفور عمرانها بهم ولم يكد يخلو عنهم مصر

[ 559 ]

ولا جيل فغلبت العجمة فيها على اللسان العربي الذي كان لهم وصارت لغة أخرى ممتزجة والعجمة فيها أغلب لما ذكرناه فهي عن اللسان الاول أبعد وكذا المشرق لما غلب العرب على أممه من فارس والترك فخالطوهم وتداولت بينهم لغاتهم في الاكرة والفلاحين والسبي الذين اتخذوهم خولا ودايات وأظآرا ومراضع ففسدت لغتهم بفساد الملكة حتى انقلبت لغة أخرى وكذا أهل الاندلس مع عجم الجلالقة والافرنجة وصار أهل الامصار كلهم من هذه الاقليم أهل لغة أخرى مخصوصة بهم تخالف لغة مضر ويخالف أيضا بعضهم بعضا كما نذكره وكانه لغة أخرى لاستحكام ملكتها في أجيالهم والله يخلق ما يشاء ويقدر الفصل الاربعون في تعليم اللسان المضري إعلم أن ملكة اللسان المضري لهذا العهد قد ذهبت وفسدت ولغة أهل الجيل كلهم مغايرة للغة مضر التي نزل بها القرآن وإنما هي لغة أخرى من امتزاج العجمة بها كما قدمناه إلا أن اللغات لما كانت ملكات كما مر كان تعلمها ممكنا شان سائر الملكات ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن ياخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث وكلام السلف ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عباراتهم وتاليف كلماتهم وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال ويزداد بكثرتهما رسوخا وقوة ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع والتفهم الحسن لمنازع العرب وأساليبهم في التراكيب ومراعاة التطبيق بينها وبين مقتضيات الاحوال والذوق يشهد بذلك وهو ينشأ ما بين هذه الملكة والطبع السليم فيهما كما نذكر وعلى قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع نظما ونثرا ومن حصل على هذه الملكات فقد حصل على لغة مضر وهو الناقد البصير بالبلاغة فيها وهكذا ينبغي

[ 560 ]

أن يكون تعلمها والله يهدي من يشاء بفضله وكرمه الفصل الحادي والاربعون في ان ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية ومستغنية عنها في التعليم والسبب في ذلك أن صناعة العربية إنما هي معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها خاصة فهو علم بكيفية لانفس كيفية فليست نفس الملكة وانما هي بمثابة من يعرف صناعة من الصنائع علما ولا يحكمها عملا مثل أن يقول بصير بالخياطة غير محكم لملكتها في التعبير عن بعض أنواعها الخياطة هي أن يدخل الخيط في خرت الابرة ثم يغرزها في لفقي الثوب مجتمعين ويخرجها من الجانب الآخر بمقدار كذا ثم يردها إلى حيث ابتدأت ويخرجها قدام منفذها الاول بمطرح ما بين الثقبين الاولين ثم يتمادى على ذلك إلى آخر العمل ويعطي صورة الحبك والتثبيت والتفتيح وسائر أنواع الخياطة وأعمالها وهو إذا طولب أن يعمل ذلك بيده لا يحكم منه شيئا وكذا لو سئل عالم بالنجارة عن تفصيل الخشب فيقول هو أن تضع المنشار على رأس الخشبة وتمسك بطرفه وآخر قبالتك ممسك بطرفه الآخر وتتعاقبانه بينكما وأطرافه المضرسة المحددة تقطع ما مرت عليه ذاهبة وجائية إلى أن ينتهي إلى آخر الخشبة وهو لو طولب بهذا العمل أو شئ منه لم يحكمه وهكذا العلم بقوانين الاعراب مع هذه الملكة في نفسها فان العلم بقوانين الاعراب إنما هو علم بكيفية العمل ولذلك نجد كثيرا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علما بتلك القوانين إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامة أو قصد من قصوده أخطأ فيها عن الصواب وأكثر من اللحن ولم يجد تأليف الكلام لذلك و العبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي وكذا نجد كثيرا ممن يحسن هذه الملكة ويجيد الفنين من المنظوم والمنثور وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول ولا المفعول من المجرور ولا شيئا من قوانين صناعة العربية فمن هذا تعلم أن تلك الملكة هي غير صناعة العربية وأنها مستغنية عنها بالجملة وقد نجد بعض المهرة في صناعة الاعراب بصيرا بحال هذه الملكة وهو قليل واتفاقي وأكثر ما يقع للمخالطين لكتاب سيبويه فانه لم يقتصر على قوانين الاعراب فقط

[ 561 ]

بل ملا كتابه من أمثال العرب وشواهد أشعارهم وعباراتهم فكان فيه جزء صالح من تعليم هذه الملكة فتجد العاكف عليه والمحصل له قد حصل على حظ من كلام العرب واندرج في محفوظه في أماكنه ومفاصل حاجاته وتنبه به لشأن الملكة فاستوفى تعليمها فكان أبلغ في الافادة ومن هؤلاء المخالطين لكتاب سيبويه من يغفل عن التفطن لهذا فيحصل على علم اللسان صناعة ولا يحصل عليه ملكة وأما المخالطون لكتب المتأخرين العارية عن ذلك إلا من القوانين النحوية مجردة عن أشعار العرب وكلامهم فقل ما يشعرون لذلك بامر هذه الملكة أو ينتبهون لشانها فتجدهم يحسبون أنهم قد حصلوا على رتبة في لسان العرب وهم أبعد الناس عنه وأهل صناعة العربية بالاندلس و معلموها أقرب إلى تحصيل هذه الملكة وتعليمها من سواهم لقيامهم فيها على شواهد العرب وأمثالهم والتفقه في الكثير من التراكيب في مجالس تعليمهم فيسبق إلى المبتدئ كثير من الملكة أثناء التعليم فتنقطع النفس لها وتستعد إلى تحصيلها وقبولها وأما من سواهم من أهل المغرب وأفريقية وغيرهم فأجروا صناعة العربية مجرى العلوم بحثا وقطعوا النظر عن التفقه في تراكيب كلام العرب إلا إن أعربوا شاهدا أو رجحوا مذهبا من جهة الاقتضاء الذهني لا من جهة محامل اللسان وتراكيبه فاصبحت صناعة العربية كأنها من جملة قوانين المنطق العقلية أو الجدل وبعدت عن مناحي اللسان وملكته وما ذلك إلا لعدولهم عن البحث في شواهد اللسان وتراكيبه وتمييز أساليبه وغفلتهم عن المران في ذلك للمتعلم فهو أحسن ما تفيده الملكة في اللسان وتلك القوانين إنما هي وسائل للتعليم لكنهم أجروها على غير ما قصد بها وأصاروها علما بحتا وبعدوا عن ثمرتها وتعلم مما قررناه في هذا الباب أن حصول ملكة اللسان العربي إنما هو بكثرة الحفظ من كلام العرب حتى يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم وخالط عباراتهم في كلامهم حتى حصلت له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم والله مقدر الامور كلها والله اعلم بالغيب

[ 562 ]

الفصل الثاني والاربعون في تفسير الذوق في مصطلح اهل البيان وتحقيق معناه وبيان انه لا يحصل للمستعر بين من العجم إعلم أن لفظة الذوق يتداولها المعتنون بفنون البيان ومعناها حصول ملكة البلاغة للسان وقد مر تفسير البلاغة وأنها مطابقة الكلام للمعنى من جميع وجوهه بخواص تقع للتراكيب في إفادة ذلك فالمتكلم بلسان العرب والبليغ فيه يتحرى الهيئة المفيدة لذلك على أساليب العرب وأنحاء مخاطباتهم وينظم الكلام على ذلك الوجه جهده فإذا اتصلت مقاماته بمخالطة كلام العرب حصلت له الملكة في نظم الكلام على ذلك الوجه وسهل عليه أمر التركيب حتى لا يكاد ينحو فيه غير منحى البلاغة التي للعرب وإن سمع تركيبا غير جار على ذلك المنحى مجه ونبا عنه سمعه بادنى فكر بل وبغير فكر إلا بما استفاد من حصول هذه الملكة فان الملكات إذا استقرت ورسخت في محالها ظهرت كأنها طبيعة وجبلة لذلك المحل ولذلك يظن كثير من المغفلين ممن لم يعرف شان الملكات أن الصواب للعرب في لغتهم إعرابا وبلاغة أمر طبيعي ويقول كانت العرب تنطق بالطبع وليس كذلك وإنما هي ملكة لسانية في نظم الكلام تمكنت ورسخت فظهرت في بادئ الرأي أنها جبلة وطبع وهذه الملكة كما تقدم إنما تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع والتفطن لخواص تراكيبه وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك التي استنبطها أهل صناعة اللسان فان هذه القوانين إنما تفيد علما بذلك اللسان ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في محلها وقد مر ذلك وإذا تقرر ذلك فملكة البلاغة في اللسان تهدي البليغ إلى وجود النظم وحسن التركيب الموافق لتراكيب العرب في لغتهم ونظم كلامهم ولو رام صاحب هذه الملكة حيدا عن هذه السبل المعينة والتراكيب المخصوصة لما قدر عليه ولا وافقه عليه لسانه لانه لا يعتاده ولا تهديه إليه ملكته الراسخة عنده وإذا عرض عليه الكلام حائدا عن أسلوب العرب وبلاغتهم في نظم كلامهم أعرض عنه ومجه وعلم أنه ليس من كلام العرب الذين مارس كلامهم وربما يعجز عن الاحتجاج لذلك كما تصنع أهل القوانين النحوية

[ 563 ]

والبيانية فان ذلك استدلال بما حصل من القوانين المفادة بالاستقراء وهذا أمر وجداني حاصل بممارسة كلام العرب حتى يصير كواحد منهم ومثاله لو فرضنا صبيا من صبيانهم نشأ وربي في جيلهم فانه يتعلم لغتهم ويحكم شان الاعراب والبلاغة فيها حتى يستولي على غايتها وليس من العلم القانوني في شئ وإنما هو بحصول هذه الملكة في لسانه ونطقه وكذلك تحصل هذه الملكة لمن بعد ذلك الجيل بحفظ كلامهم وأشعارهم وخطبهم والمداومة على ذلك بحيث يحصل الملكة ويصير كواحد ممن نشأ في جيلهم وربي بين أجيالهم والقوانين بمعزل عن هذا واستعير لهذه الملكة عندما ترسخ وتستقر اسم الذوق الذي اصطلح عليه أهل صناعة البيان وإنما هو موضوع لا دراك الطعوم لكن لما كان محل هذه الملكة في اللسان من حيث النطق بالكلام كما هو محل لادراك الطعوم استعير لها اسمه وأيضا فهو وجداني اللسان كما أن الطعوم محسوسة له فقيل له ذوق وإذا تبين لك ذلك علمت منه أن الاعاجم الداخلين في اللسان العربي الطارئين عليه المضطرين إلى النطق به لمخالطة أهله كالفرس والروم والترك بالمشرق وكالبربر بالمغرب فانه لا يحصل لهم هذا الذوق لقصور حظهم في هذه الملكة التي قررنا أمرها لان قصاراهم بعد طائفة من العمر وسبق ملكة أخرى إلى اللسان وهي لغاتهم أن يعتنوا بما يتداوله أهل مصر بينهم في المحاورة من مفرد ومركب لما يضطرون إليه من ذلك وهذه الملكة قد ذهبت لاهل الامصار وبعدوا عنها كما تقدم وإنما لهم في ذلك ملكة أخرى وليست هي ملكة اللسان المطلوبة ومن عرف تلك الملكة من القوانين المسطرة في الكتب فليس من تحصيل الملكة في شئ إنما حصل أحكامها كما عرفت وإنما تحصل هذه الملكة بالممارسة والاعتياد والتكرر لكلام العرب فان عرض لك ما تسمعه من أن سيبويه والفارسي والزمخشري وامثالهم من فرسان الكلام كانوا أعجاما مع حصول هذه الملكة لهم فاعلم أن أولئك القوم الذين تسمع عنهم إنما كانوا عجما في نسبهم فقط وأما المربى والنشأة فكانت بين أهل هذه الملكة من العرب ومن تعلمها منهم فاستولوا بذلك من الكلام على غاية لا شئ وراءها وكانهم في أول نشأتهم من العرب الذين نشأوا في أجيالهم

[ 564 ]

حتى أدركوا كنه اللغة وصاروا من أهلها فهم وإن كانوا عجما في النسب فليسوا باعجام في اللغة والكلام لانهم أدركوا الملة في عنفوانها واللغة في شبابها ولم تذهب آثار الملكة ولامن أهل الامصار ثم عكفوا على الممارسة والمدارسة لكلام العرب حتى استولوا على غايته واليوم الواحد من العجم إذا خالط أهل اللسان العربي بالامصار فاول ما يجد تلك الملكة المقصودة من اللسان العربي ممتحية الآثار ويجد ملكتهم الخاصة بهم ملكة أخرى مخالفة لملكة اللسان العربي ثم إذا فرضنا أنه أقبل على الممارسة لكلام العرب وأشعارهم بالمدارسة والحفظ يستفيد تحصيلها فقل أن يحصل له ما قدمناه من أن الملكة إذا سبقتها ملكة اخرى في المحل فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة وإن فرضنا أعجميا في النسب سلم من مخالطة اللسان العجمي بالكلية وذهب إلى تعلم هذه الملكة بالمدارسة فربما يحصل له ذلك لكنه من الندور بحيث لا يخفى عليك بما تقرر وربما يدعي كثير ممن ينظر في هذه القوانين البيانية حصول هذا الذوق له بها وهو غلط أو مغالطة وإنما حصلت له الملكة إن حصلت في تلك القوانين البيانية وليست من ملكة العبارة في شئ والله يهدي من يشاء إلى طريق مستقيم الفصل الثالث والاربعون في ان اهل الامصار على الاطلاق قاصرون في تحصيل هذه الملكة اللسانية التي تستفاد بالتعليم ومن كان منهم ابعد عن اللسان العربي كان حصولها له اصعب واعسر والسبب في ذلك ما يسبق إلى المتعلم من حصول ملكة منافية للملكة المطلوبة بما سبق إليه من اللسان الحضري الذي أفادته العجمة حتى نزل بها اللسان عن ملكته الاولى إلى ملكة أخرى هي لغة الحضر لهذا العهد ولهذا نجد المعلمين يذهبون إلى المسابقة بتعليم اللسان للولدان وتعتقد النحاة أن هذه المسابقة بصناعتهم وليس كذلك وإنما هي بتعليم هذه الملكة بمخالطة اللسان وكلام العرب نعم صناعة النحو أقرب إلى مخالطة ذلك وما كان من لغات اهل الامصار أعرق في العجمة وأبعد عن لسان مضر قصر بصاحبه عن تعلم اللغة المضرية وحصول

[ 565 ]

ملكتها لتمكن المنافاة حينئذ واعتبر ذلك في أهل الامصار فاهل أفريقية والمغرب لما كانوا أعرق في العجمة وأبعد عن اللسان الاول كان لهم قصور تام في تحصيل ملكته بالتعليم ولقد نقل ابن الرقيق أن بعض كتاب القيروان كتب إلى صاحب له يا أخي ومن لاعدمت فقده أعلمني أبو سعيد كلاما أنك كنت ذكرت أنك تكون مع الذين تاتي وعاقنا اليوم فلم يتهيأ لنا الخروج وأما أهل المنزل الكلاب من أمر الشين فقد كذبوا هذا باطلا ليس من هذا حرفا واحدا وكتابي إليك وأنا مشتاق إليك إن شاء الله وهكذا كانت ملكتهم في اللسان المضري شبيه بما ذكرنا وكذلك أشعارهم كانت بعيدة عن الملكة نازلة عن الطبقة ولم تزل كذلك لهذا العهد ولهذا ما كان بأفريقية من مشاهير الشعراء إلا ابن رشيق وابن شرف وأكثر ما يكون فيها الشعراء طارئين عليها ولم تزل طبقتهم في البلاغة حتى الآن مائلة إلى القصور وأهل الاندلس أقرب منهم إلى تحصيل هذه الملكة بكثرة معاناتهم وامتلائهم من المحفوظات اللغوية نظما ونثرا وكان فيهم ابن حيان المؤرخ إمام أهل الصناعة في هذه الملكة ورافع الراية لهم فيها وابن عبد ربه والقسطلي وأمثالهم من شعراء ملوك الطوائف لما زخرت فيها بحار اللسان والادب وتداول ذلك فيهم مئين من السنين حتى كان الانفضاض والجلاء أيام تغلب النصرانية وشغلوا عن تعلم ذلك وتناقص العمران فتناقص لذلك شان الصنائع كلها فقصرت الملكة فيهم عن شانها حتى بلغت الحضيض وكان من آخرهم صالح بن شريف ومالك بن مرحل من تلاميذ الطبقة الاشبيليين بسبتة وكتاب دولة ابن الاحمر في أولها وألقت الاندلس أفلاذ كبدها من أهل تلك الملكة بالجلاء إلى العدوة لعدوة الاشبيلية إلى سبتة ومن شرقي الاندلس إلى أفريقية ولم يلبثوا إلى أن انقرضوا وانقطع سند تعليمهم في هذه الصناعة لعسر قبول العدوة لها وصعوبتها عليهم بعوج ألسنتهم ورسوخهم في العجمة البربرية وهي منافية لما قلناه ثم عادت الملكة من بعد ذلك إلى الاندلس كما كانت ونجم بها ابن بشرين وابن جابر وابن الجياب وطبقتهم ثم إبراهيم الساحلي الطريخي وطبقته وقفاهم ابن الخطيب من بعدهم الهالك هذا العهد شهيدا بسعاية أعدائه وكان له في اللسان ملكة لا تدرك واتبع أثره تلميذه وبالجملة

[ 566 ]

فشان هذه الملكة بالاندلس أكثر وتعليمها أيسر وأسهل بما هم عليه لهذا العهد كما قدمناه من معاناة علوم اللسان ومحافظتهم عليها وعلى علوم الادب وسند تعليمها ولان أهل اللسان العجمي الذين تفسد ملكتهم إنما هم طارئون عليهم وليست عجمتهم أصلا للغة أهل الاندلس والبربر في هذه العدوة وهم أهلها ولسانهم لسانها إلا في الامصار فقط وهم فيها منغمسون في بحر عجمتهم ورطانتهم البربرية فيصعب عليهم تحصيل الملكة اللسانية بالتعليم بخلاف أهل الاندلس واعتبر ذلك بحال أهل المشرق لعهد الدولة الاموية والعباسية فكان شانهم شان أهل الاندلس في تمام هذه الملكة وإجادتها لبعدهم لذلك العهد عن الاعاجم ومخالطتهم إلا في القليل فكان أمر هذه الملكة في ذلك العهد أقوم وكان فحول الشعراء والكتاب أوفر لتوفر العرب وأبنائهم بالمشرق وانظر ما اشتمل عليه كتاب الاغاني من نظمهم ونثرهم فان ذلك الكتاب هو كتاب العرب وديوانهم وفيه لغتهم وأخبارهم وأيامهم وملتهم العربية وسيرتهم وآثار خلفائهم وملوكهم وأشعارهم وغناؤهم وسائر معانيهم له فلا كتاب أوعب منه لاحوال العرب وبقي أمر هذه الملكة مستحكما في المشرق في الدولتين وربما كانت فيهم أبلغ ممن سواهم ممن كان في الجاهلية كما نذكره بعد حتى تلاشى أمر العرب ودرست لغتهم وفسد كلامهم وانقضى أمرهم ودولتهم وصار الامر للاعاجم والملك في أيديهم والتغلب لهم وذلك في دولة الديلم والسلجوقية وخالطوا أهل الامصار والحواضر حتى بعدوا عن اللسان العربي وملكته وصار متعلمها منهم مقصرا عن تحصيلها وعلى ذلك نجد لسانهم لهذا العهد في فني المنظوم والمنثور وإن كانوا مكثرين منه والله يخلق ما يشاء ويختار والله سبحانه وتعالى اعلم وبه التوفيق لا رب سواه الفصل الرابع والاربعون في انقسام الكلام إلى فني النظم والنثر إعلم أن لسان العرب وكلامهم على فنين في الشعر المنظوم وهو الكلام الموزون المقفى ومعناه الذي تكون أوزانه كلها على روي واحد وهو القافية وفي النثر وهو الكلام غير الموزون وكل واحد من الفنين يشتمل على فنون ومذاهب

[ 567 ]

في الكلام فاما الشعر فمنه المدح والهجاء والرثاء وأما النثر فمنه السجع الذي يؤتي به قطعا ويلتزم في كل كلمتين منه قافية واحدة يسمى سجعا ومنه المرسل وهو الذي يطلق فيه الكلام إطلاقا ولا يقطع أجزاء بل يرسل إرسالا من غير تقييد بقافية ولا غيرها ويستعمل في الخطب والدعاء وترغيب الجمهور وترهيبهم وأما القرآن وإن كان من المنثور إلا أنه خارج عن الوصفين وليس يسمى مرسلا مطلقا ولا مسجعا بل تفصيل آيات ينتهي إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء الكلام عندها ثم يعاد الكلام في الآية الاخرى بعدها ويثنى من غير التزام حرف يكون سجعا ولا قافية وهو معنى قوله تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم وقال قد فصلنا الايات ويسمى آخر الآيات منها فواصل إذ ليست أسجاعا ولا التزم فيها ما يلتزم في السجع ولاهي أيضا قواف وأطلق اسم المثاني على آيات القرآن كلها على العموم لما ذكرناه واختصت بام القرآن للغلبة فيها كالنجم للثريا ولهذا سميت السبع المثاني وانظر هذا مع ما قاله المفسرون في تعليل تسميتها بالمثاني يشهد لك الحق برجحان ما قلناه. واعلم أن لكل واحد من هذه الفنون اساليب تختص به عند اهله ولا تصلح للفن الاخر ولا تستعمل فيه مثل النسيب المختص بالشعرو الحمد والدعاء المختص بالخطب والدعاء المختص بالمخاطبات وأمثال ذلك وقد استعمل المتأخرون أساليب الشعر وموازينه في المنثور من كثرة الاسجاع والتزام التقفية وتقديم النسيب بين يدي الاغراض وصار هذا المنثور إذا تأملته من باب الشعر وفنه ولم يفترقا إلا في الوزن واستمر المتأخرون من الكتاب على هذه الطريقة و استعملوها في المخاطبات السلطانية وقصروا الاستعمال في المنثور كله على هذا الفن الذي ارتضوه وخلطوا الاساليب فيه وهجروا المرسل وتناسوه وخصوصا أهل المشرق وصارت المخاطبات السلطانية لهذا العهد عنه الكتاب الغفل جارية على هذا الاسلوب الذي أشرنا إليه وهو غير صواب من جهة البلاغة لما يلاحظ في تطبيق الكلام على مقتضى الحال من أحوال المخاطب والمخاطب وهذا الفن المنثور المقفى أدخل المتأخرون فيه أساليب الشعر فوجب أن تنزه المخاطبات السلطانية عنه إذ أساليب الشعر تنافيها اللوذعية وخلط الجد بالهزل والاطناب في

[ 568 ]

الاوصاف وضرب الامثال وكثرة التشبيهات والاستعارات حيث لا تدعو ضرورة إلى ذلك في الخطاب والتزام التقفية أيضا من اللوذعة والتزيين وجلال الملك والسلطان وخطاب الجمهور عن الملوك بالترغيب والترهيب ينافي ذلك ويباينه والمحمود في المخاطبات السلطانية الترسل وهو إطلاق الكلام وإرساله من غير تسجيع إلا في الاقل النادر وحيث ترسله الملكة إرسالا من غير تكلف له ثم إعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى الحال فان المقامات مختلفة ولكل مقام أسلوب يخصه من إطناب أو إيجاز أو حذف أو إثبات أو تصريح أو إشارة أو كناية واستعارة وأما إجراء المخاطبات السلطانية على هذا النحو الذي هو على أساليب الشعر فمذموم وما حمل عليه أهل العصر إلا استيلاء العجمة على ألسنتهم وقصورهم لذلك عن إعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى الحال فعجزوا عن الكلام المرسل لبعد أمده في البلاغة وانفساح خطوبه وولعوا بهذا المسجع يلفقون به ما نقصهم من تطبيق الكلام على المقصود ومقتصى الحال فيه ويجبرونه بذلك القدر من التزيين بالاسجاع والالقاب البديعة ويغفلون عما سوى ذلك وأكثر من أخذ بهذا الفن وبالغ فيه في سائر أنحاء كلامهم كتاب المشرق وشعراؤه لهذا العهد حتى إنهم ليخلون بالاعراب في الكلمات والتصريف إذا دخلت لهم في تجنيس أو مطابقة يجتمعان معها فيرجحون ذلك الصنف من التجنيس ويدعون الاعراب ويفسدون بنية الكلمة عساها تصادف التجنيس فتأمل ذلك بما قدمناه لك تقف على صحة ما ذكرناه والله الموفق للصواب بمنه وكرمه والله تعالى أعلم. الفصل الخامس والاربعون في انه لا تتفق الا جادة في فني المنظوم والمنثور معا إلا للاقل والسبب في ذلك أنه كما بيناه ملكة في اللسان فإذا تسبقت إلى محله ملكة أخرى قصرت بالمحل عن تمام الملكة اللاحقة لان تمام الملكات وحصولها للطبائع التي على الفطرة الاولى أسهل وأيسر وإذا تقدمتها ملكة أخرى كانت منازعة لها في المادة القابلة وعائقة عن سرعة القبول فوقعت المنافاة وتعذر التمام في الملكات الصناعية كلها على الاطلاق وقد برهنا عليه في موضعه بنحو من هذا

[ 569 ]

البرهان فاعتبر مثله في اللغات فانها ملكات اللسان وهي بمنزلة الصناعة وانظر من تقدم له شئ من العجمة كيف يكون قاصرا في اللسان العربي أبدا فالاعجمي الذي سبقت له اللغة الفارسية لا يستولي على ملكة اللسان العربي ولا يزال قاصرا فيه ولو تعلمه وعلمه وكذا البربري والرومي. والافرنجي قل أن تجد أحدا منهم محكما لملكة اللسان العربي وما ذلك إلا لما سبق إلى ألسنتهم من ملكة اللسان الآخر حتى إن طالب العلم من أهل هذه الالسن إذا طلبه بين أهل اللسان العربي جاء مقصرا في معارفه عن الغاية والتحصيل وما أوتي إلا من قبل اللسان وقد تقدم لك من قبل أن الالسن واللغات شبيهة بالصنائع وقد تقدم لك أن الصنائع وملكاتها لا تزدحم وأن من سبقت له إجادة في صناعة فقل أن يجيد في أخرى أو يستولي فيها على الغاية والله خلقكم وما تعملون الفصل السادس والاربعون في صناعة الشعر ووجه تعلمه هذا الفن من فنون كلام العرب وهو المسمى بالشعر عندهم ويوجد في سائر اللغات إلا أننا الآن إنما نتكلم في الشعر الذي للعرب فان أمكن أن تجد فيه أهل الالسن الاخرى مقصودهم من كلامهم وإلا فلكل لسان أحكام في البلاغة تخصه وهو في لسان العرب غريب النزعة عزيز المنحى إذ هو كلام مفصل قطعا قطعا متساوية في الوزن متحدة في الحرف الاخير من كل قطعة من هذه القطعات عندهم بيتا ويسمى الحرف الاخير الذي تتفق فيه رويا وقافية ويسمى جملة الكلام إلى آخره قصيدة وكلمة وينفرد كل بيت منه بافادته في تراكيبه حتى كانه كلام وحده مستقل عما قبله وما بعده وإذا أفرد كان تاما في بابه في مدح أو تشبيب أو رثاء فيحرص الشاعر على إعطاء ذلك البيت ما يستقل في إفادته ثم يستأنف في البيت الآخر كلاما آخر لذلك ويستطرد للخروج من فن إلى فن ومن مقصود إلى مقصود بان يوطئ المقصود الاول ومعانيه إلى أن تناسب المقصود الثاني ويبعد الكلام عن التنافر كما يستطرد من التشبيب إلى المدح ومن وصف البيداء والطلول إلى وصف الركاب أو الخيل أو الطيف ومن وصف الممدوح إلى وصف

[ 570 ]

قومه وعساكره ومن التفجع والعزاء في الرثاء إلى التاثر وأمثال ذلك ويراعي فيه اتفاق القصيدة كلها في الوزن الواحد حذرا من أن يتساهل الطبع في الخروج من وزن إلى وزن يقاربه فقد يخفى ذلك من أجل المقاربة على كثير من الناس ولهذه الموازين شروط وأحكام تضمنها علم العروض وليس كل وزن يتفق في الطبع استعملته العرب في هذا الفن وإنما هي أوزان مخصوصة تسميها أهل تلك الصناعة البحور وقد حصروها في خمسة عشر بحرا بمعنى أنهم لم يجدوا للعرب في غيرها من الموازين الطبيعية نظما. واعلم أن فن الشعر من بين الكلام كان شريفا عند العرب ولذلك جعلوه ديوان علومهم وأخبارهم وشاهد صوابهم وخطائهم وأصلا يرجعون إليه في الكثير من علومهم وحكمهم وكانت ملكته مستحكمة فيهم شان الملكات كلها والملكات اللسانية كلها إنها تكتسب بالصناعة والارتياض في كلامهم حتى يحصل شبه في تلك الملكة والشعر من بين الكلام صعب المأخذ على من يريد اكتساب ملكته بالصناعة من المتأخرين لاستقلال كل بيت منه بانه كلام تام في مقصوده ويصلح أن ينفرد دون ما سواه فيحتاج من أجل ذلك إلى نوع تلطف في تلك الملكة حتى يفرغ الكلام الشعري في قوالبه التي عرفت له في ذلك المنحى من شعر العرب ويبرزه مستقلا بنفسه ثم يأتي ببيت اخر كذلك ثم ببيت ويستكمل الفنون الوافية بمقصوده ثم يناسب بين البيوت في موالاة بعضها مع بعض بحسب اختلاف الفنون التي في القصيدة ولصعوبة منحاه وغرابة فنه كان محكا للقرائح في استجادة أساليبه وشحذ الافكار في تنزيل الكلام في قوالبه ولا يكفي فيه ملكة الكلام العربي على الاطلاق بل يحتاج بخصوصه إلى تلطف ومحاولة في رعاية الاساليب التي اختصته العرب بهاو استعمالها ولنذكر هنا سلوك الاسلوب عند أهل هذه الصناعة وما يريدون بها في إطلاقهم فاعلم أنها عبارة عندهم عن المنوال الذي ينسج فيه التراكيب أو القالب الذي يفرغ فيه ولا يرجع إلى الكلام باعتبار إفادته أصل المعنى الذي هو وظيفة الاعراب ولا باعتبار إفادته كمال المعنى من خواص التراكيب الذى هو وظيفة البلاغة والبيان ولا باعتبار الوزن كما استعملة العرب فيه الذي هو وظيفة العروض فهذه العلوم

[ 571 ]

الثلاثة خارجة عن هذه الصناعة الشعرية وإنما يرجع إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وأشخاصها ويصيرها في الخيال كالقالب أو المنوال ثم ينتقي التراكيب الصحيحة عند العرب باعتبار الاعراب والبيان فيرصها فيه رصاكما يفعله البناء في القالب أو النساج في المنوال حتى يتسع القالب بحصول التراكيب الوافية بمقصود الكلام ويقع على الصورة الصحيحة باعتبار ملكة اللسان العربي فيه فان لكل فن من الكلام أساليب تختص به وتوجد فيه على أنحاء مختلفة فسؤال الطلول في الشعر يكون بخطاب الطلول كقوله يادار مية بالعلياء فالسند ويكون باستدعاء الصحب للوقوف والسؤال كقوله. قفانسأل الدار التي خف أهلها. أو باستبكاء الصحب على الطلل كقوله. قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل. أو بالاستفهام عن الجواب لمخاطب غير معين كقوله. ألم تسأل فتخبرك الرسوم. ومثل تحية الطلول بالامر لمخاطب غير معين بتحيتها كقوله. حي الديار بجانب الغزل. أو بالدعاء لها بالسقيا كقوله أسقى طلولهم أجش هزيم * وغدت عليهم نضرة ونعيم أو سؤاله السقيا لها من البرق كقوله يا برق طالع منزلا بالابرق * واحد السحاب لها حداء الاينق أو مثل التفجع في الجزع باستدعاء البكاء كقوله كذا فليجل الخطب وليفدح الامر * وليس لعين لم يفض ماؤها عذر أو باستعظام الحادث كقوله. أرأيت من حملوا على الاعواد. أو بالتسجيل على الاكوان بالمصيبة لفقده كقوله منابت العشب لا حام ولاراع * مضى الردى بطويل الرمح والباع أو بالانكار على من لم يتفجع له من الجمادات كقول الخارجية أيا شجر الخابور مالك مورقا * كأنك لم تجزع على ابن طريف أو بتهنئة فريقه بالراحة من ثقل وطأته كقوله ألقى الرماح ربيعة بن نزار * أودى الردى بفريقك المغوار

[ 572 ]

وأمثال ذلك كثير من سائر فنون الكلام ومذاهبه وتنتظم التراكيب فيه بالجمل وغير الجمل إنشائية وخبرية إسمية وفعلية متفقة وغير متفقة مفصولة وموصولة على ما هو شان التراكيب في الكلام العربي في مكان كل كلمة من الاخرى يعرفك فيه ما تسفيده بالارتياض في أشعار العرب من القالب الكلي المجرد في الذهن من التراكيب المعينة التي ينطبق ذلك القالب على جميعها فان مؤلف الكلام هو كالبناء أو النساج والصورة الذهنية المنطبقة كالقالب الذي يبنى فيه أو المنوال الذي ينسج عليه فان خرج عن القالب في بنائه أو عن المنوال في نسجه كان فاسدا ولا تقولن إن معرفة قوانين البلاغة كافية لذلك لانا نقول قوانين البلاغة إنما هي قواعد علمية قياسية تفيد جواز استعمال التراكيب على هيئتها الخاصة بالقياس وهو قياس علمي صحيح مطرد كما هو قياس القوانين الاعرابية وهذه الاساليب التي نحن نقررها ليست من القياس في شئ إنما هي هيئة ترسخ في النفس من تتبع التراكيب في شعر العرب لجريانها على اللسان حتى تستحكم صورتها فيستفيد بها العمل على مثالها والاحتذاء بها في كل تركيب من الشعر كما قدمنا ذلك في الكلام باطلاق وإن القوانين العلمية من العربية والبيان لا يفيد تعليمه بوجه وليس كل ما يصح في قياس كلام العرب وقوانينه العلمية استعملوه وإنما المستعمل عندهم من ذلك أنحاء معروفة يطلع عليها الحافظون لكلامهم تندرج صورتها تحت تلك القوانين القياسية فإذا نظر في شعر العرب على هذا النحو وبهذه الاساليب الذهنية التي تصير كالقوالب كان نظرا في المستعمل من تراكيبهم لا فيما يقتضيه القياس ولهذا قلنا إن المحصل لهذه القوالب في الذهن إنما هو حفظ أشعار العرب وكلامهم وهذه القوالب كما تكون في المنظوم تكون في المنثور فإن العرب استعملوا كلامهم في كلا الفنين وجاءوا به مفصلا في النوعين ففي الشعر بالقطع الموزونة والقوا في المقيدة واستقلال الكلام في كل قطعة وفي المنثور يعتبرون الموازنة والتشابه بين القطع غالبا وقد يقيدونه بالاسجاع وقد يرسلونه وكل واحدة من هذه معروفة في لسان العرب والمستعمل منها عندهم هو الذي يبني مؤلف الكلام عليه تأليفه ولا يعرفه إلا من حفظ كلامهم حتى يتجرد في ذهنه من القوالب المعينة الشخصية

[ 573 ]

قالب كلي مطلق يحذو حذوه في التأليف كما يحذو البناء على القالب والنساج على المنوال فلهذا كان من تآليف الكلام منفردا عن نظر النحوي والبياني والعروضي نعم إن مراعاة قوانين هذه العلوم شرط فيه لا يتم بدونها فإذا تحصلت هذه الصفات كلها في الكلام اختص بنوع من النظر لطيف في هذه القوالب التي يسمونها أساليب ولا يفيده إلا حفظ كلام العرب نظما ونثرا وإذا تقرر معنى الاسلوب ما هو فلنذكر بعده حدا أو رسما للشعر به تفهم حقيقته على صعوبة هذا الغرض فإنا لم نقف عليه لاحد من المتقدمين فيما رأيناه وقول العروضيين في حده إنه الكلام الموزون المقفى ليس بحد لهذا الشعر الذي نحن بصدده ولا رسم له وصناعتهم إنما تنظر في الشعر باعتبار ما فيه من الاعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصة فلا جرم إن حدهم ذلك لا يصلح له عندنا فلا بد من تعريف يعطينا حقيقته من هذه الحيثية فنقول الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والاوصاف المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده الجاري على أساليب العرب المخصوصة به فقولنا الكلام البليغ جنس وقولنا المبني على الاستعارة والاوصاف فصل عما يخلو من هذه فإنه في الغالب ليس بشعر وقولنا المفصل بأجزاء متفقة الوزن والروي فصل له عن الكلام المنثور الذي ليس بشعر عند الكل وقولنا مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده بيان للحقيقة لان الشعر لا تكون أبياته إلا كذلك ولم يفصل به شئ وقولنا الجاري على الاساليب المخصوصة به فصل له عما لم يجر منه على أساليب العرب المعروفة فإنه حينئذ لا يكون شعرا إنما هو كلام منظوم لان الشعر له أساليب تخصه لا تكون للمنثور وكذا أساليب المنثور لا تكون للشعر فما كان من الكلام منظوما وليس على تلك الاساليب فلا يكون شعرا وبهذا الاعتبار كان الكثير ممن لقيناه من شيوخنا في هذه الصناعة الادبية يرون أن نظم المتنبئ والمعري ليس هو من الشعر في شئ لانهما لم يجريا على أساليب العرب من الامم عند ما يرى أن الشعر يوجد للعرب وغيرهم ومن يرى أنه لا يوجد لغيرهم فلا يحتاج إلى ذلك ويقول مكانه الجاري على الاساليب المخصوصة وإذ قد فرغنا من الكلام على حقيقة الشعر فلنرجع

[ 574 ]

إلى الكلام في كيفية عمله فنقول. إعلم أن لعمل الشعر وإحكام صناعته شروطا أولها الحفظ من جنسه أي من جنس شعر العرب حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج على منوالها ويتخير المحفوظ من الحر النقي الكثير الاساليب وهذا المحفوظ المختار أقل ما يكفي فيه شعر شاعر من الفحول الاسلاميين مثل ابن أبي ربيعة وكثير وذي الرمة وجرير وأبي نواس وحبيب والبحتري والرضي وأبي فراس وأكثره شعر كتاب الاغاني لانه جمع شعر أهل الطبقة الاسلامية كله والمختار من شعر الجاهلية ومن كان خاليا من المحفوظ فنظمه قاصر ردئ ولا يعطيه الرونق والحلاوة إلا كثرة المحفوظ فمن قل حفظه أو عدم لم يكن له شعر وإنما هو نظم ساقط واجتناب الشعر أولى بمن لم يكن له محفوظ ثم بعد الامتلاء من الحفظ وشحذ القريحة للنسج على المنوال يقبل على النظم وبالاكثار منه تستحكم ملكته وترسخ وربما يقال إن من شرطه نسيان ذلك المحفوظ لتمحى رسومه الحرفية الظاهرة إذ هي صادرة عن استعمالها بعينها فإذا نسيها وقد تكيفت النفس بها انتقش الاسلوب فيها كأنه منوال يؤخذ بالنسج عليه بأمثالها من كلمات أخرى ضرورة ثم لا بد له من الخلوة واستجادة المكان المنظور فيه من المياه والازهار وكذا المسموع لاستنارة القريحة باستجماعها وتنشيطها بملاذ السرور ثم مع هذا كله فشرطه أن يكون على جمام ونشاط فذلك أجمع له وأنشط للقريحة أن تأتي بمثل ذلك المنوال الذي في حفظه قالوا وخير الاوقات لذلك أوقات البكر عند الهبوب من النوم وفراغ المعدة ونشاط الفكر وفي هؤلاء الجمام وربما قالوا إن من بواعثه العشق والانتشاء ذكر ذلك ابن رشيق في كتاب العمدة وهو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة وإعطاء حقها ولم يكتب فيها أحد قبله ولا بعده مثله قالوا فإن استصعب عليه بعد هذا كله فليتركه إلى وقت آخر ولا يكره نفسه عليه وليكن بناء البيت على القافية من أول صوغه ونسجه بعضها ويبني الكلام عليها إلى آخره لانه إن غفل عن بناء البيت على القافية صعب عليه وضعها في محلها فربما تجئ نافرة قلقة وإذا سمح الخاطر بالبيت ولم يناسب الذي عنده فليتركه إلى موضعه الاليق به فإن كل بيت مستقل بنفسه ولم تبق إلا المناسبة فليتخير فيها كما يشاء وليراجع شعره بعد

[ 575 ]

الخلاص منه بالتنقيح والنقد ولا يضن به على الترك إذا لم يبلغ الاجادة فإن الانسان مفتون بشعره إذ هو نبات فكره واختراع قريحته ولا يستعمل فيه من الكلام إلا الافصح من التراكيب والخالص من الضرورات اللسانية فليهجرها فإنها تنزل بالكلام عن طبقة البلاغة وقد حظر أئمة اللسان المولد من ارتكاب الضرورة إذ هو في سعة منها بالعدول عنها إلى الطريقة المثلى من الملكة ويجتنب أيضا المعقد من التراكيب جهده وإنما يقصد منها ما كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الفهم وكذلك كثرة المعاني في البيت الواحد فإن فيه نوع تعقيد على الفهم وإنما المختار منه ما كانت ألفاظه طبقا على معانيه أو أوفى فإن كانت المعاني كثيرة كان حشوا واستعمل الذهن بالغوص عليها فمنع الذوق عن استيفاء مدركه من البلاغة ولا يكون الشعر سهلا إلا إذا كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الذهن ولهذا كان شيوخنا رحمهم الله يعيبون شعر أبي بكر (1) بن خفاجة شاعر الاندلس لكثرة معانيه وازدحامها في البيت الواحد كما كانوا يعيبون شعر المتنبئ والمعري بعدم النسج على الاساليب العربية كما مر فكان شعرهما كلاما منظوما نازلا عن طبقة الشعر والحاكم بذلك هو الذوق وليجتنب الشاعر أيضا الحوشي من الالفاظ والمقصر وكذلك السوقي المبتذل بالتداول بالاستعمال فإنه ينزل بالكلام عن طبقة البلاغة أيضا فيصير مبتذلا ويقرب من عدم الافادة كقولهم النار حارة والسماء فوقنا وبمقدار ما يقرب من طبقة عدم الافادة يبعد عن رتبة البلاغة إذ هما طرفان ولهذا كان الشعر في الربانيات والنبويات قليل الا جادة في الغالب ولا يحذق فيه إلا الفحول وفي القليل على الشعر لان معانيها متداولة بين الجمهور فتصير مبتذلة لذلك وإذا تعذر الشعر بعد هذا كله فليراوضه ويعاوده فإن القريحة مثلا الضرع يدر بالامتراء ويجف بالترك والاهمال وبالجملة فهذه الصناعة وتعلمها مستوفى في كتاب العمدة لابن رشيق وقد ذكرنا منها ما حضرنا بحسب الجهد ومن أراد استيفاء ذلك فعليه بذلك الكتاب ففيه البغية من ذلك وهذه نبذة كافية والله المعين وقد نظم الناس في أمر هذه الصناعة الشعرية ما يجب فيها ومن أحسن ما قيل في ذلك وأظنه لابن رشيق


(1) قوله ابي بكر وفي نسخة ابي اسحاق الخ (*)

[ 576 ]

لعن الله صنعة الشعر ماذا * من صنوف الجهال منه لقينا يؤثرون الغريب منه على ما * كان سهلا للسامعين مبينا ويرون المحال معنى صحيحا * وخسيس الكلام شيئا ثمينا يجهلون الصواب منه ولا يدم * رون للجهل أنهم يجهلونا فهم عند من سوانا يلام