موسوعة التأريخ الاسلامي العصر النبوي - العهد المدني (1) الجزء الثاني تأليف الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي
[ 4 ]
قم - ص. ب 3654 / 37185 الهاتف: 744810 الكتاب: موسوعة التأريخ الاسلامي / ج 2 المؤلف: الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي الطبعة: الاولى / ربيع الأول 1420 ه. ق تنضيد الحروف: مجمع الفكر الإسلامي الليتوغراف: نگارش - قم الطبعة: باقري - قم الكمية: 1000 نسخة جميع الحقوق محفوظة لمجمع الفكر الإسلامي
[ 5 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ 7 ]
أهم حوادث
السنة الاولى للهجرة
[ 9 ]
وصول النبي الى قباء: روى الكليني في " روضة الكافي " بسنده عن سعيد بن المسيب عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال (وهو في مسجد الرسول بالمدينة): قدم (الرسول) المدينة لاثنتي عشر ليلة خلت من شهر ربيع الأول مع زوال الشمس، فنزل بقباء فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين.. وكان نازلا على (بني) عمرو بن عوف، فأقام عندهم بضعة عشر يوما يقولون له: أتقيم عندنا فنتخذ لك منزلا ؟ فيقول: لا، إني أنتظر علي بن أبي طالب، وقد أمرته أن يلحقني، ولست مستوطنا منزلا حتى يقدم علي، وما أسرعه إن شاء الله. فقال له أبو بكر: انهض بنا الى المدينة، فان القوم قد فرحوا بقدومك، وهم يستريثون اقبالك إليهم، فانطلق بنا ولا تقم هاهنا تنتظر عليا، فما أظنه يقدم اليك الى شهر ! فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ولست اريم حتى يقدم ابن عمي وأخي في الله عزوجل وأحب أهل بيتي إلي، فقد وقاني بنفسه من المشركين !
[ 10 ]
فغضب عند ذلك أبو بكر واشمأز وداخله من ذلك حسد لعلي (عليه السلام)، وكان ذلك أول عداوة بدت منه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام)، وأول خلاف على رسول الله. فانطلق حتى دخل المدينة، وتخلف رسول الله بقباء حتى ينتظر عليا (عليه السلام) (1). إسلام سلمان: روى الطبرسي في " إعلام الورى ": أن سلمان الفارسي كان بعض أهل
الكتاب قد اخبروه بالدين الحنيف، فكان قد خرج من بلاده فارس يطلب ذلك الدين، فوقع الى راهب من رهبان النصارى بالشام فصحبه حتى سأله عن ذلك فقال له: اطلبه بمكة مخرجه، واطلبه بيثرب فثم مهاجره. فقصد مكة، فسباه بعض الأعراب فباعه على رجل من يهود المدينة، فكان سلمان يعمل في نخله، وكان على نخلة إذ دخل على صاحبه رجل من اليهود وقال له: يا أبا فلان، أشعرت أن هؤلاء المسلمة قد قدم عليهم نبيهم ؟ فقال سلمان: جعلت فداك ما الذي تقول ؟ ! فقال له صاحبه: ما لك وللسؤال عن هذا ؟ ! أقبل على عملك.. ونزل سلمان وأخذ طبقا من ذلك الرطب وحمله الى رسول الله. فقال له رسول الله: ما هذا ؟ قال: صدقة تمورنا، بلغنا أنكم قوم غرباء قدمتم هذه البلاد، فأحببت أن تأكلوا من صدقتنا. فقال رسول الله لأصحابه: سموا وكلوا. فعقد سلمان باصبعه وقال بالفارسية: " اين يكي ": هذه واحدة (أي من
(1) روضة الكافي: 280. (*)
[ 11 ]
العلائم). ثم ذهب فأتاه بطبق آخر من التمر. فقال له رسول الله: ما هذا ؟ فقال له سلمان: رأيتك لا تأكل الصدقة، فهذه هدية أهديتها لك. فأكل عليه الصلاة والسلام. فعقد سلمان بيده ثانية وقال بالفارسية: " اين دوتا ": هاتان اثنتان. ثم دار خلفه (وطلب إليه أن يزيح قميصه عن كتفه) فألقى عن كتفه الإزار، فنظر سلمان الى خاتم النبوة على الشامة، فأقبل يقبلها (وأسلم). فقال له رسول الله: من أنت ؟ قال: أنا رجل من أهل فارس - وحدثه بحديث طويل - فقال له رسول الله: أبشر واصبر، فان الله سيجعل لك فرجا من هذا اليهودي (1).
اسلام عبد الله بن سلام: وروى ابن اسحاق في اسلام عبد الله بن سلام عن (بعض أهله) عنه حديثا شبيها بحديث اسلام سلمان، قال: لما سمعت برسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم عرفت صفته واسمه وزمانه الذي كنا نترقبه ونتوقعه له، ولكني كنت مستسرا لذلك ساكتا حتى قدم رسول الله المدينة (2).
(1) إعلام الورى 1: 151، 152 وروى الخبر ابن اسحاق في سيرته 1: 87 - 93، وابن هشام عنه في سيرته 1: 228 - 236 بسنده عن عبد الله بن عباس. والطبرسي روى مختصره باختلاف في الألفاظ. وقد روى الصدوق في اكمال الدين: 159 - 164 خبرا عن الامام الكاظم (عليه السلام) عن اسلام سلمان أيضا، باختلاف في المعاني أيضا. ولم أجد تحديدا دقيقا لتاريخ اسلام سلمان زمانا أو مكانا: هل كان في قباء أو بعد انتقال الرسول الى المدينة، ولكن يبدو أنه كان في الأوائل، ويشبه خبره خبر اسلام عبد الله بن سلام الآتي. (2) نقل الطبرسي في مجمع البيان عن القاضي في تفسيره: أن عبد الله بن سلام انطلق الى = (*)
[ 12 ]
فلما نزل بقباء في بني عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر بقدومه وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة بنت الحارث جالسة عندي، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله كبرت، فحين سمعت عمتي تكبيري قالت: خيبك الله ! والله لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادما ما زدت ! فقلت لها: هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه، بعث بما بعث به. فقالت: أهو النبي الذي كانوا يخبروننا عنه أنه يبعث مع الساعة ؟ فقلت لها: نعم. ثم خرجت الى رسول الله فأسلمت، ثم رجعت الى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا، وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث. وكتمت اسلامي من اليهود.
ثم جئت رسول الله فقلت: يا رسول الله.. إني احب أن تدخلني في بعض بيوتك وتغيبني عنهم ثم تسألهم عني حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا باسلامي، فانهم إن علموا به عابوني وبهتوني. فأدخلني رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم في بعض بيوته (وأرسل إليهم أن يأتوه) فدخلوا عليه.. فقال لهم: أي رجل فيكم الحصين بن سلام ؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وعالمنا. فخرجت عليهم فقلت لهم: يا معشر يهود، اتقوا الله، واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله، واؤمن به واصدقه وأعرفه.
= رسول الله وهو بمكة فقال له رسول الله: انشدك بالله هل تجدني في التوراة رسول الله ؟ فقال: انعت لنا ربك. فنزلت هذه السورة (التوحيد) فقرأها النبي فكانت سبب اسلامه، الا أنه كان يكتم ذلك الى أن هاجر النبي الى المدينة ثم اظهر الاسلام: مجمع البيان 10: 859 وقال ابن اسحاق: كان عبد الله بن سلام الحبر الأعلم لبني قينقاع، وكان اسمه الحصين بن سلام فلما اسلم سماه رسول الله: عبد الله - سيرة ابن هشام 2: 162. (*)
[ 13 ]
فقالوا: كذبت ! ثم وقعوا بي. فقلت لرسول الله: ألم اخبرك يا رسول الله أنهم قوم أهل غدر وكذب وفجور ! (1). ثم روى حديثا عن شهادة صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير - وهي التي تزوجها الرسول فيما بعد - تشهد بمعرفة أبيها وعمها بالنبي وعداوتهم له، قالت: كنت أحب ولد أبي إليه وكذلك الى عمي أبي ياسر.. فلما قدم رسول الله المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر مغلسين، فلم يرجعا الا مع غروب الشمس، إذ أتيا كالين
كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا، فوالله ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم، وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو ؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتثبته ؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك منه ؟ قال: عداوته ما بقيت والله (2). بناء مسجد قباء: ولا خلاف في أخبار السيرة عامة أنه (صلى الله عليه وآله) مكث في قباء حتى جاء أبو الأوصياء علي (عليه السلام) (1)، وذكر الديار بكري والسمهودي أنه أمر عليا (عليه السلام) فخط لمسجد قباء، فلنذكر خبره: قالوا: كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها: لية، كانت تربط حمارا فيه (3).
(1) سيرة ابن هشام 2: 163 - 164. (2) سيرة ابن هشام 2: 165 - 166. (3) تاريخ المدينة لابن شبة 1: 54 ولذلك كره المنافقون الصلاة فيه. (4) ذكر عبد الرحمان خويلد في كتابه: المساجد والأماكن الأثرية المجهولة وذكر مسجدا يقع جنوب مسجد قباء بكيلومتر واحد فيما يعرف اليوم بالعين الزرقاء خلف خزانات مصلحة المياه والصرف الصحي، كان يعرف باسم مسجد المصبح، وحورته مديرية الأوقاف إلى مسجد الصبح برقم 79. وقيل في وجه اسمه أنه المكان الذي بات فيه النبي (صلى الله عليه وآله) حتى صلى فيه الصبح بانتظار وصول علي (عليه السلام) إلى المدينة من مكة للهجرة - كما في مجلة ميقات الحج 8: 247 - 249. (*)
[ 14 ]
وذكر السهيلي: أن عمارا هو الذي أشار على النبي (صلى الله عليه وآله) ببنيانه، وهو الذي جمع الحجارة له (1) ولذلك كان الشعبي يقول: إن أول من بنى مسجدا هو عمار بن
ياسر (2). وذكر الديار بكري، والسمهودي: أنه (صلى الله عليه وآله) أمر أبا بكر بأن يركب الناقة ويسير بها ليخط المسجد على ما تدور عليه، فلم تنبعث به ! فأمر عمر فكان كذلك ! فأمر عليا فانبعثت ودارت به، فأسس المسجد على حسب ما دارت عليه وقال: إنها مأمورة (3) فلما أسسه الرسول استتم بنيانه عمار (4). وروى البزاز: أن ابن أبي أوفى كان يقول: كنا نحمل حجارة المسجد الذي اسس على التقوى حجرين حجرين بالنهار، وأن امرأته ومواليها كن يحملن الحجارة له بالليل (5). وقد روى الكليني في " فروع الكافي " بسنده عن الصادق (عليه السلام) قال: إن المسجد الذي اسس على التقوى في قوله سبحانه: * (لمسجد اسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه) * (6) هو مسجد قباء (7)، وعنه قال: إبدأ بقباء فصل فيه فانه أول مسجد صلى فيه رسول الله في هذه العرصة (8).
(1) سيرة ابن هشام 2: 143 الهامش عن الروض الانف. (2) سيرة ابن هشام 2: 143 وطبقات ابن سعد 3: 178 وتاريخ ابن كثير 7: 311. (3) تاريخ الخميس 1: 338 ووفاء الوفاء 1: 251. (4) سيره ابن هشام 2: 143 الهامش عن الروض الانف. (5) حياة الصحابة 3: 112 عن مجمع الزوائد للهيثمي 2: 10. (6) التوبة: 108. (7) فروع الكافي 1: 81 كما في بحار الأنوار 19: 120. (8) فروع الكافي 1: 318 كما في بحار الأنوار 19: 120. (*)
[ 15 ]
وروى العياشي في تفسيره عنه (عليه السلام) سئل: هل كان النبي يصلي في مسجد
قباء ؟ قال: نعم، كان منزله على سعد بن خيثمة الأنصاري (1). فكأنه (عليه السلام) ذكر نزوله على سعد بن خيثمة يشير بذلك الى جواره المسجد. وكأن هذا مما أوهم لبعضهم فنسبوا بناءه الى سعد بن خيثمة (2) وهو وهم. وقال ابن اسحاق: قد سمعنا فيما يذكرون: أن رسول الله نزل على كلثوم بن هدم، ويقولون: وإذا خرج من منزل كلثوم بن هدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزبا لا أهل له، فكان منزله منزل العزاب من مهاجري الأصحاب فكان يقال لبيت سعد: بيت الأعزاب (3). أول صلاة جمعة وأول خطبة: روى الكليني في " فروع الكافي " بسنده عن سعيد بن المسيب عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال (وهو في مسجد الرسول بالمدينة): قدم علي (عليه السلام) والنبي في بيت (بني) عمرو بن عوف فنزل معه، ثم تحول منهم الى بني سالم بن عوف وعلي (عليه السلام) معه، مع طلوع الشمس من يوم الجمعة، فخط لهم مسجدا ونصب قبلته (الى بيت المقدس) وصلى بهم فيه الجمعة ركعتين وخطب خطبتين (4) ثم لم يرو الخطبتين.
(1) تفسير العياشي 2: 111، 112. (2) تاريخ المدينة لابن شبة 1: 54. (3) سيرة ابن هشام 2: 138 وانفرد اليعقوبي بقوله: نزل على كلثوم بن الهدم فلم يلبث الا أياما حتى مات كلثوم، وانتقل فنزل على سعد بن خيثمة فمكث أياما، ثم كان سفهاء بني عمرو بن عوف ومنافقوهم يرجمونه بالليل، فلما رأى ذلك قال: ما هذا الجوار ؟ وركب راحلته فارتحل عنهم. اليعقوبي 2: 41. (4) روضة الكافي: 338 - 341.
[ 16 ]
وروى الطبري في تاريخه بسنده عن سعيد بن عبد الرحمان الجمحي أنه
بلغه عن خطبة رسول الله في أول جمعة صلاها في بني سالم بن عوف بالمدينة أنه قال: الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره واستهديه، واومن به ولا اكفره، واعادي من يكفره. وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة، على فترة من الرسل وقلة من العلم، وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة وقرب من الأجل. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا. اوصيكم بتقوى الله، فان خير ما أوصى به المسلم المسلم: أن يحظه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله. فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، وإن تقوى الله لمن عمل به - على وجل ومخافة من ربه - عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة. ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره، في السر والعلانية، لا ينوي بذلك الا وجه الله، يكن ذكرا له في عاجل أمره، وذخرا له فيما بعد الموت حين يفتقر المرء الى ما قدم، وما كان سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه * (... أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد) * (1) والذي صدق قوله ونجز وعده لا خلف له فانه يقول: * (ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) * (2). فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية، فانه * (... من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا) * (3) ومن يتق الله * (... فقد فاز فوزا عظيما) * (4) وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي سخطه، وان تقوى الله تبيض
الوجوه وترضي الرب وترفع الدرجة. خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله، ليعلم * (... الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) * (1)، فأحسنوا كما أحسن الله اليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في سبيل الله * (... حق جهاده هو اجتباكم...) * (2) * (... هو سماكم المسلمين...) * (3) * (... ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة...) * (4) ولا حول و * (لا قوة الا بالله) * (5). فاكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد اليوم، فانه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه. الله اكبر ولا قوة الا بالله العلي العظيم (6). والخطبة هذه كما ترى واحدة، مع ما فيها من استشهاد بآيات من سور نازلة فيما بعد. ولكن ابن اسحاق قد روى الخطبتين عن أبي سلمة بن عبد الرحمان: أنه قام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " أما بعد أيها الناس، فقدموا لأنفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فيبلغك ؟ وآتيتك مالا وأفضلت عليك، فما قدمت لنفسك ؟ فلينظرن يمينا وشمالا
(1) العنكبوت: 3. (2) الحج: 78. (3) الحج: 78 الا أن الضمير فيها الى ابراهيم (عليه السلام). (4) الأنفال: 42. (5) الكهف: 39. وما عداها وق والقصص والعنكبوت مدنيات نزلن في فترات متباعدة بعد هذه الفترة، وهذا مما يفت في عضد هذا الخبر. (6) الطبري 2: 394، 395 ورواها الطبرسي في مجمع البيان 10: 432 بلا إسناد. (*
[ 18 ]
فلا يرى شيئا، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم. فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فان بها تجزى الحسنة عشر أمثالها الى سبعمئة ضعف. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ". ثم خطب مرة اخرى فقال: " إن الحمد لله، أحمده وأستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له. ان أحسن الحديث كتاب الله تبارك وتعالى، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الاسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه. أحبوا ما أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فانه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي، قد سماه الله خيرته من الأعمال ومصطفاه من العباد، والصالح من الحديث ومن كل ما اوتي الناس من الحلال والحرام. فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا به بروح الله بينكم، ان الله يغضب أن ينكث عهده، والسلام عليكم " (1). وليس في رواية ابن اسحاق هذه ما في رواية الطبري الاولى من إكثار الاستشهاد بآيات من سور مدنية نازلة بعد في فترات متباعدة بعد هذه الفترة، مما يفت في عضد تلك الرواية الاولى للطبري دون هذه الثانية لابن اسحاق. وفي تمام خبر الكليني في " روضة الكافي " عن سعيد بن المسيب عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: ثم راح (بعد العصر) من يومه الى المدينة على ناقته التي كان قدم عليها، وعلي (عليه السلام) معه لا يفارقه يمشي بمشيته، وليس يمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)
(1) سيرة ابن هشام 2: 146، 147. (*)
[ 19 ]
ببطن من بطون الأنصار الا قاموا إليه يسألونه أن ينزل عليهم فيقول لهم: خلوا سبيل الناقة فانها مأمورة. فانطلقت به ورسول الله واضع لها زمامها، حتى انتهت الى الموضع الذي ترى - وأشار بيده الى باب مسجد رسول الله الذي يصلى عنده على الجنائز - فوقفت عنده وبركت ووضعت جرانها على الأرض، فنزل رسول الله. وأقبل أبو أيوب مبادرا حتى احتمل رحله فأدخله منزله، ونزل رسول الله وعلي معه (عنده) حتى بني له مسجده وبنيت له مساكنه ومنزل علي (عليه السلام)، فتحولا الى منازلهما (1). سائر أخبار وصول الرسول: نقل الطبرسي في " إعلام الورى " عن ابن شهاب الزهري قال: كان ناس من المهاجرين قد قدموا على (بني) عمرو بن عوف قبل قدوم رسول الله فنزلوا فيهم.. فلما أقبل رسول الله ووافى ذا الحليفة سأل عن طريق بني عمرو بن عوف فدلوه. فوافى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونزل، واجتمع إليه بنو عمرو بن عوف وسروا به، فنزل على شيخ صالح منهم مكفوف البصر هو كلثوم بن هدم. وبنو عمرو بن عوف من بطون الأوس. فأقبل رسول الله يتصفح الوجوه فلا يرى أحدا من الخزرج.. لما كان بينهم من الحروب والعداوة (2).
(1) روضة الكافي: 280. (2) وهنا قال الطبرسي: وروي: أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما قدم المدينة جاء النساء والصبيان فقلن: = (*)
[ 20 ]
= طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
ثم يعود الى أخبار الرسول في قباء، بينما هذا الخبر عن نساء المدينة، فهو يقحمه بين أخبار قباء. وقد خلت سيرة ابن اسحاق وابن هشام وتواريخ اليعقوبي والطبري والمسعودي عن هذا الخبر. ولعل أول من نقله هو البيهقي (ت 458) في دلائل النبوة 2: 233 ثم ابن حجر (ت 852) في فتح الباري 7: 204 ثم السمهودي (ت 911) في وفاء الوفاء 4: 1172 ثم الديار بكري (ت 982) في تاريخ الخميس 1: 341 ثم الحلبي (ت 1044) في سيرته 2: 54. والسمهودي نقلها وقال: ولم أر لثنية الوداع ذكرا في سفر من الأسفار التي بجهة مكة. وقد قال قبله ياقوت الحموي (ت 626) في معجم البلدان 2: 85: الثنية: كل عقبة في الجبل مسلوكة، وثنية الوداع - بفتح الواو - ثنية مشرفة على المدينة يطؤها من يريد مكة، سمي لتوديع المسافرين. وكذلك في مراصد الاطلاع 1: 301. فقال السمهودي يرده: إن ثنيات الوداع ليست من جهة مكة ولا يراها القادم من مكة الى المدينة ولا يمر بها الا إذا توجه الى الشام فهي من جهة الشام. والظاهر أن مستند من جعلها من جهة مكة ما سبق من قول النسوة، وأن ذلك عند القدوم في الهجرة. ودور بني ساعدة في شامي المدينة، فلعله دخل المدينة من تلك الناحية. ولكن من نقل الخبر قال: ثم عدل ذات اليمين حتى نزل بقباء. فهل مر على بني ساعدة في المدينة قبل نزوله بقباء ؟ ! هذا من المستبعد جدا. وروى ابن شبة في تاريخ المدينة 1: 269 بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري: انما سميت ثنية الوداع لأن رسول الله أقبل من خيبر ومعه المسلمون ومعهم ازواجهم بالمتعة فقال لهم: دعوا ما بأيديكم من نساء المتعة. فارسلوهن فسميت ثنية الوداع، لتوديع النساء اللاتي استمتعوا بهن، كما في وفاء الوفاء 2: 275 وخلاصته: 361. فليست من قبل مكة، ولا كانت عند الهجرة بهذا الاسم. ويقال لها اليوم: كشك يوسف پاشا العثماني
لانه هو الذي نقر الثنية ومهد طريقها سنة 1914 م كما في هامش تاريخ المدينة. (*)
[ 21 ]
فلما صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاة المغرب والعشاء الآخرة جاء أسعد بن زرارة مقنعا فسلم على رسول الله ثم قال: يا رسول الله، ما ظننت أن أسمع بك في مكان فأقعد عنك، الا أن بيننا وبين إخواننا من الأوس ما تعلم، فكرهت أن آتيهم، فلما أن كان هذا الوقت لم أحتمل أن أقعد عنك ! فقال رسول الله للأوس: من يجيره منكم ؟ فقالوا: يا رسول الله، جوارنا في جوارك، فأجره. قال: لا، بل يجيره بعضكم. فقال عويم بن ساعدة وسعد بن خيثمة: نحن نجيره، فأجاروه، فكان يختلف الى رسول الله فيتحدث عنده ويصلي خلفه. فلما أمسى رسول الله فارقه أبو بكر ودخل المدينة ونزل على بعض الأنصار، وبقي رسول الله بقبا نازلا على كلثوم بن هدم. فجاء أبو بكر فقال: يا رسول الله تدخل المدينة، فإن القوم متشوقون إلى نزولك عليهم. فقال: لا اريم من هذا المكان حتى يوافي أخي علي (عليه السلام). فقال أبو بكر: ما أحسب عليا يوافي ! فقال: بلى ما أسرعه إن شاء الله. فبقي خمسة عشر يوما فوافى علي (عليه السلام) بعيال الرسول وعياله. وبقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد قدوم علي يوما أو يومين، ثم ركب راحلته فاجتمع إليه بنو عمرو بن عوف فقالوا: يا رسول الله، أقم عندنا فانا أهل الجد والجهد والحلقة والمنعة ! فقال: دعوها فانها مأمورة (أي الناقة).
[ 22 ]
وبلغ سائر الأوس والخزرج خروج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلبسوا السلاح وأقبلوا يعدون حول ناقته، وأخذ لا يمر بحي من أحياء الأنصار الا وثبوا في
وجهه وأخذوا بزمام ناقته وتطلبوا إليه أن ينزل عليهم. ورسول الله يقول: خلوا سبيلها فانها مأمورة. وكان خروج رسول الله من قبا يوم الجمعة، فوافى بني سالم عند زوال الشمس، فعرض له بنو سالم وقالوا: هلم يا رسول الله الى الجد والجلد والحلقة والمنعة ! وقد كانوا بنوا مسجدا قبل قدوم رسول الله، فبركت ناقته عند مسجدهم ! فنزل في مسجدهم وصلى بهم الظهر الى بيت المقدس، وخطبهم، وكانوا مئة رجل. فكان أول مسجد خطب فيه رسول الله بالجمعة (1). ثم ركب رسول الله ناقته وأرخى زمامها، فانتهت به الى عبد الله بن ابي بن سلول وهو (صلى الله عليه وآله) يقدر أنه يعرض عليه النزول عنده فوقف عليه، فثارت الغبرة، فأخذ كمه ووضعه على أنفه وقال: يا هذا اذهب الى الذين غروك وخدعوك وأتوا بك، فانزل عليهم ولا تغشانا في ديارنا ! فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله لا يعرض في قلبك من قول هذا شئ، فانا كنا قد اجتمعنا على أن نملكه علينا، وهو يرى - الآن - أنك قد سلبته أمرا قد كان أشرف عليه، فانزل علي يا رسول الله، فانه ليس في الخزرج - ولا في الأوس - اكثر فم بئر مني، ونحن أهل الجلد والعز، فلا تجزنا يا رسول الله. فأرخى زمام ناقته، فمرت تخب به حتى انتهت الى باب المسجد الذي هو اليوم، وكان مربدا ليتيمين من الخزرج يقال لهما: سهل وسهيل، وكانا في حجر
(1) بينما مر في خبر الكليني عن علي بن الحسين (عليه السلام): أنه خط مسجدهم ونصب قبلتهم وصلى بهم فيه الجمعة وخطب خطبتين، وسيأتي ذكر الخطبتين. (*)
[ 23 ]
أسعد بن زرارة، فبركت الناقة على باب أبي أيوب خالد بن يزيد، فنزل عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما نزل اجتمع عليه الناس وسألوه أن ينزل عليهم، فوثبت ام
أبي أيوب الى الرحل فحملته وادخلته منزلها. فلما أكثروا عليه قال رسول الله: أين الرحل ؟ فقالوا: ام أبي أيوب قد ادخلته بيتها. فقال: المرء مع رحله. وأخذ أسعد بن زرارة بزمام الناقة فحولها الى منزله. وكان أبو أيوب له منزل أسفل، وفوق المنزل غرفة، فكره أن يعلو رسول الله فقال: يا رسول الله بأبي أنت وامي، العلو أحب اليك أم السفل ؟ فأني اكره أن أعلو فوقك ؟ فقال: السفل أرفق لمن يأتينا. وكانوا يتناوبون في بعثة العشاء والغداء إليه: أسعد بن زرارة، وسعد بن خيثمة (1) والمنذر بن عمرو، وسعد بن الربيع، واسيد بن حضير. فكان أبو أمامة أسعد بن زرارة يبعث إليه في كل يوم غداء، في قصعة ثريد عليها عراق لحم، فكان يأكل من جاء حتى يشبعون ثم ترد القصعة كما هي، وكان سعد بن عبادة يبعث إليه في كل يوم عشاء ويتعشى معه من حضره وترد القصعة كما هي. ووافى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الصلاة وقد حمل اسيد بن حضير قدر الطعام بنفسه فقال له: حملتها بنفسك ؟ قال: نعم يا رسول الله لم أجد أحدا يحملها. فقال: بارك الله عليكم من أهل بيت (2).
(1) لعل في هذا سهوا، فان سعد بن خيثمة الأنصاري من بني عمرو بن عوف في قباء، وكان عزبا كما مر، فلعله كان يتكفل ذلك إذ كان الرسول عندهم في قباء لا في المدينة. (2) وهنا أيضا نقل الطبرسي عن (دلائل النبوة) للبيهقي عن أنس بن مالك: أن ناقة الرسول لما بركت على باب أبي أيوب بجوار أسعد بن زرارة من بني النجار خرجن جوار لهم يضربن بالدفوف ويقلن: = (*)
[ 24 ]
بناء مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله): ونقل عن علي بن ابراهيم القمي قال: وكان (صلى الله عليه وآله) يصلي بأصحابه في
المربد (1) فقال لأسعد بن زرارة: اشتر هذا المربد من أصحابه.. فاشتراه بعشرة دنانير. وكان فيه ماء مستنقع فأمر به رسول الله فسيل، وأمر باللبن فضربت. وحفروا في الأرض، ثم أمر بالحجارة فنقلت إليه من الحرة (موضع الحجارة السود خارج المدينة) فأقبل رسول الله يحمل حجرا على بطنه، فاستقبله اسيد بن حضير فقال: يا رسول الله أعطني أحمل عنك. قال: لا، إذهب فاحمل غيره.
= نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار ! فخرج إليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: أتحبونني ؟ ! فقالوا: إي والله يا رسول الله. فقال: وأنا والله احبكم. ثلاث مرات. والخبر في دلائل النبوة 2: 234 هو أول من رواه، ولم يروه ابن اسحاق وابن هشام واليعقوبي والطبري والمسعودي. وهنا نلفت النظر الى أن البيهقي كذلك هو أول من نقل خبر شعر جواري المدينة في استقبال الرسول (صلى الله عليه وآله): طلع البدر علينا. والكلام هنا هو الكلام السابق، فالسند غير تام. وقد قال العلامة الحلي (رحمه الله) في كتابه: نهج الحق وكشف الصدق: قد رووا عنه (عليه السلام)، أنه: " لما قدم من سفر خرجن إليه نساء المدينة يلعبن بالدف فرحا بقدومه وهو يرقص باكمامه " ثم علق عليه بقوله: هل يصدر هذا عن رئيس أو من له أدنى وقار ؟ ! نعوذ بالله من هذه السقطات ! مع أنه لو نسب أحدهم الى مثل هذا قابله بالشتم والسب وتبرأ منه، فكيف يجوز نسبة النبي (صلى الله عليه وآله) الى مثل هذه الأشياء التي يتبرأ منها ؟ ! كما في نهج الحق وكشف الصدق: 151، ودلائل الصدق 1: 389. (1) المربد: موضع نزول الابل، وتجفيف التمور. (*)
[ 25 ]
فنقلوا الحجارة (يضعونها في حفرة الجدار) حتى بلغ وجه الأرض فبناه بالسعيدة: لبنة لبنة، ثم بناه بالسميط وهو لبنة ونصف، ثم بناه بالانثى والذكر: لبنتين
مخالفتين، حتى رفع الحائط قدر قامة في مئة ذراع (1). هذا، وقد روى الكليني في " فروع الكافي " بسنده عن عبد الأعلى مولى آل سام قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كم كان طول مسجد رسول الله ؟ قال: كان ثلاثة آلاف وستمئة ذراع مكسرة (2). وظاهر الخبر السابق عن علي بن ابراهيم القمي: أن الأنحاء الثلاثة في البناء كان في مرة واحدة. بينما روى الخبر الكليني أيضا عنه بسنده عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله الصادق يقول: ان رسول الله بنى مسجده بالسميط، ثم ان المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فزيد فيه. فقال: نعم. فزيد فيه، وبناه بالسعيدة. ثم ان المسلمين كثروا فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فزيد فيه. فقال: نعم، فأمر به فزيد فيه وبنى جداره بالانثى والذكر. وقال: والسميط: لبنة لبنة، والسعيدة: لبنة ونصف، والذكر والانثى لبنتان مختلفتان (3). وتمام الخبر: ثم اشتد عليهم الحر فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فظلل. فقال: نعم. فأمر به فاقيمت فيه سواري من جذوع النخل، ثم طرحت عليه العوارض والخصف والأذخر.
(1) إعلام الورى 1: 159 بتغيير يسير في الترتيب. ونقله القطب الراوندي في قصص الأنبياء: 338. (2) فروع الكافي 1: 81 و 317. والصدوق في الفقيه 1: 75 والطوسي في التهذيب 1: 327. كما في الوسائل 3: 546. (3) فروع الكافي 1: 81 والصدوق في معاني الأخبار: 51 والطوسي في التهذيب 1: 327. (*)
[ 26 ]
فعاشوا فيه حتى أصابتهم الأمطار، فجعل المسجد يكف عليهم، فقالوا: يا
رسول الله لو أمرت بالمسجد فطين. فقال (صلى الله عليه وآله): لا، عريش كعريش موسى (عليه السلام). فلم يزل كذلك حتى قبض. وقال ابن شهرآشوب في " المناقب ": روي: أنه كان أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) يستقبلونه وينصرفون عند الظهيرة، فدخلوا يوما، فقدم النبي فأول من رآه رجل من اليهود فلما رآه صرخ باعلى صوته: يا بني قيلة (1) هذا جدكم (2) قد جاء. فنزل النبي (صلى الله عليه وآله) على كلثوم بن هدم، وكان يخرج فيجلس للناس في بيت سعد بن خيثمة (3). وكان مقام علي (عليه السلام) بعد النبي بمكة ثلاث ليال، ثم لحق برسول الله فنزل معه. فأقام النبي (صلى الله عليه وآله) بقباء يوم الاثنين والثلاثاء، والأربعاء والخميس، وأسس مسجده. وفي يوم الجمعة (رحل) فصلى (صلاة) الجمعة في بطن وادي رانوناء في المسجد، فكانت أول صلاة (جمعة) صلاها بالمدينة. (وكان الوادي لبني سالم بن عوف من الأوس أيضا) فأتاه غسان بن مالك وعباس بن عبادة في رجال من بني سالم فقالوا: يا رسول الله، أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة. فقال: خلوا سبيلها فانها مأمورة (يعني ناقته). ثم تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة. فقال كذلك. ثم اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة (من
(1) ام الأوس والخزرج. (2) أي: عظيمكم أوحظكم. (3) ومر ما انفرد به اليعقوبي 2: 41. (*)
[ 27 ]
الخزرج فقال كذلك). ثم اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث ابن الخزرج (فقال كذلك). فانطلقت (الناقة) حتى إذا وازت دار بني النجار بركت على مربد لغلامين يتيمين منهم، فلما بركت ولم ينزل رسول الله وثبت فسارت غير بعيد ثم التفتت الى خلفها فرجعت الى مبركها أول مرة فبركت، ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها (1) فنزل عنها رسول الله، واحتمل أبو أيوب رحله فوضعه في بيته، ونزل النبي في بيت أبي ايوب. وسأل عن المربد فاخبر أنه لسهل وسهيل يتيمين لمعاذ بن عفراء، فأرضاهما معاذ، وأمر النبي (صلى الله عليه وآله) ببناء المسجد، وعمل فيه رسول الله بنفسه، فعمل فيه المهاجرون والأنصار، وأخذ المسلمون يرتجزون وهم يعملون قال بعضهم: لئن قعدنا والنبي يعمل * لذاك منا العمل المضلل والنبي (صلى الله عليه وآله) يقول: لا عيش الا عيش الآخرة * اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة وعلي (عليه السلام) يقول: لا يستوي من يعمل المساجدا * يدأب فيها قائما وقاعدا ومن يرى عن الغبار حائدا ثم بنيت مساكنه (2) وبيوته، فانتقل من بيت أبي أيوب إليها.
(1) أي تحركت وتثاقلت ووضعت رقبتها على الأرض لتبرك فيه. (2) كما في ابن هشام 2: 143 وفي وفاء الوفاء 2: 462 عن الذهبي: أنه (صلى الله عليه وسلم) بنى أولا بيت سودة ثم لما احتاج الى منزل لعائشة بناه وهكذا سائر بيوته بناها في اوقات مختلفة. (*)
[ 28 ]
وكان مدة مقامه عنده من شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة القابلة (1). وفاة أسعد بن زرارة وصلاة الجنائز: قال ابن اسحاق: وهلك في تلك الأشهر أبو أمامة أسعد بن زرارة، أخذته الذبحة أو الشهقة. هذا والمسجد يبنى. ثم روى عن ابن حزم، عن حفيد أسعد بن زرارة: يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمان بن أسعد بن زرارة (عن أبيه عن جده): أن رسول الله قال: بئس الميت أبو أمامة ! ليهود ومنافقي العرب يقولون: لو كان نبيا لم يمت صاحبه ! ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا (2). وهذا أول مورد ورد فيه ذكر المنافقين في المدينة. وروى النميري البصري عن الواقدي بسنده عن محمد بن عبد الرحمان ابن أسعد بن زرارة (عن أبيه) قال: كان أسعد بن زرارة أول ميت بالمدينة من الأنصار، ودفن بالبقيع، ولم يكن قبل ذلك صلاة على الجنائز (3). وظاهر هذا الخبر أنه جمع لأسعد بن زرارة الأولين: فهو أول من صلي على جنازته، وهو أول من دفن بالبقيع. بينما روى النميري البصري خبرا رواه الحاكم الحسكاني بسنده عن أبي
(1) مناقب آل أبي طالب 1: 184 - 186 يبدو أنه مختصر خبر سيرة ابن هشام 2: 138 - 142 ما دون مدة اقامته بدار أبي أيوب، وقيل سبعة أشهر وقيل شهرا واحدا كما في وفاء الوفاء 1: 265 والسيرة الحلبية 2: 64، والقول الوسط أضبط، كما سيأتي ذلك. (2) ابن هشام 2: 153. (3) تاريخ المدينة 1: 96. (*)
[ 29 ]
سعيد الخدري قال: إن أول ما قدم رسول الله المدينة، كان إذا احتضر منا الميت
آذنا رسول الله فحضره واستغفر له، حتى إذا قبض انصرف النبي - صلى الله عليه [ وآله ] - فربما طال حبس رسول الله على ذلك، وخشينا مشقة ذلك عليه، فقال بعض القوم لبعض: لو كنا لا نؤذن النبي بأحد حتى يقبض فإذا قبض آذناه فلم يكن عليه في ذلك حبس ولا مشقة. فكنا نؤذنه بالميت بعد أن يموت فيأتيه ويصلي عليه.. فكنا على ذلك حينا. ثم قلنا: لو لم نشخص رسول الله بل حملنا جنائزنا إليه حتى يصلي عليها عند بيته كان ذلك أرفق به، ففعلنا ذلك (1). يثرب أم طيبة ؟ روى النميري البصري (ت 262) بسنده عن عبد الله بن جعفر قال: سمى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المدينة طيبة. أما متى كان ذلك ؟ فقد روى بسنده عن أبي قتادة الأنصاري وسهل بن سعد الساعدي قال: لما أقبلنا من غزوة تبوك قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): هذه طيبة، أسكننيها ربي (2). إذن فتغيير اسم المدينة من يثرب الى طيبة لم يكن في أوائل الهجرة.
(1) وروى عن الزهري قال: كان إذا هلك الميت شهده رسول الله فصلى عليه، ولما بدن رسول الله وثقل نقل إليه المؤمنون موتاهم فيصلي عليهم في موضع الجنائز عند بيته. وروى: أنه كان في موضع الجنائز (عند بيته والمسجد) نخلتان، كانوا يضعون الموتى عندهما فيصلي عليهم. فلما أراد عمر بن عبد العزيز أن يبني المسجد فيوسعه ابتاع النخلتين من بني النجار وقطعهما. تاريخ المدينة 1: 3 - 5. (2) تاريخ المدينة 1: 163، 164. (*)
[ 30 ]
آبار المدينة وسيولها: ذكر النميري البصري ست عشرة بئرا هي: الأعواف، وهي التي اشتراها
النبي (صلى الله عليه وآله) فيما بعد وتوضأ فيها فسالت، فجعلها صدقة جارية عامة (1). الأغرس، توضأ النبي (صلى الله عليه وآله) منها وأراق بقية وضوئه فيها، وهي بئر على نصف ميل من الشمال الشرقي من مسجد قباء (2). بئر أنس أو البرود، والمقصود أنس بن مالك الأنصاري قال: كان في داري بئر تدعى في الجاهلية " البرود " (3). بضاعة، كانت طيبة الماء في وسط بيوت بني ساعدة، فكان يستقى منها للنبي (صلى الله عليه وآله) فقيل له: قد يلقى فيها محائض النساء ولحوم الكلاب ؟ فقال: إن الماء طهور لا ينجسه شئ (4). البويرمة، لبني الحارث بن الخزرج (5). الجاسوم، كانت للهيثم بن التيهان، وشرب منه النبي (صلى الله عليه وآله) (6). الحاء، كانت في بستان لأبي طلحة الأنصاري في قبلة المسجد من جهة الشرق (إذ كانت القبلة الى الشام) وكان ماؤها طيبا فكان رسول الله يدخل البستان فيشرب منها، فتصدق بها أبو طلحة (أو أهداها للنبي) فلما أهدى حسان
(1) تاريخ المدينة 1: 159. (2) تاريخ المدينة 1: 161 وهامشه. (3) تاريخ المدينة 1: 160. (4) تاريخ المدينة 1: 156، 157 ومراصد الاطلاع 1: 140. (5) تاريخ المدينة 1: 169. (6) تاريخ المدينة 1: 160. (*)
[ 31 ]
ابن ثابت مولاه صفوان بن المعطل للنبي، أعطاه النبي بئر حاء (1) هدية معوضة. الحفير في الحرانية، كان إذا طغى سيل مهزوز وخيف منه على المدينة
صرف الى الحفير فصب فيها، وكان يصب فيها سهل مذينيب أيضا (2). بئر رومة، ورومة أرض نزلها المشركون عام الخندق بين الجرف ورعانة، وفيها البئر. واختلفت الأخبار فيها على أنها: كانت ليهودي، أو لرجل من مزينة، أو لرجل من بني غفار، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): بعنيها بعين في الجنة. فقال: يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها ولا أستطيع. قالوا: فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بخمس وثلاثين الف درهم وجعلها للمسلمين. وقالوا: اشتراها بأربعين الفا. وقالوا: بل ذكرت لعثمان وهو خليفة فابتاعها بثلاثين الف درهم من مال المسلمين وتصدق بها عليهم (3) وهو الأولى. بئر ذرع، بئر بني خطمة، بفناء مسجدهم، توضأ منها النبي وبصق فيها (4). السقيا، كانت في حسيكة، وهي اسم موضع بالمدينة طرف جبل ذباب، وبها منازل لليهود، من ناحية أرض ابن ماقية الى أداني الجرف كله، واسم أرض السقيا الفلج أو الفلجان، واسم بئرها السقيا، وكانت لذكوان بن عبد قيس
(1) تاريخ المدينة 1: 157، 158. (2) تاريخ المدينة 1: 169. (3) تاريخ المدينة 1: 153، 154. (4) تاريخ المدينة 1: 161. (*)
[ 32 ]
الزرقي، فابتاعها منه سعد بن أبي وقاص فيما بعد ببعيرين، وكان ماؤها عذبا يستقى منه لرسول الله (1).
العينية، عند كهف بني حرام، توضأ منها النبي ودخل ذلك الكهف (2). الغرس، كانت في دار سعد بن خيثمة في قباء، وكان الى جانبها مهراس وهو حجر منقور كالحوض عظيم لا يقدر على تحريكه، يتوضأ منه، توضأ وشرب وغسل منه رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) (3). بئر مدرى، كان في مسير سيل المهزور الى مسجد النبي، وعندها بني الردم لرد السيل عن المدينة والمسجد، في خلافة عثمان (4). اليسيرة، وهي لبني امية من الأنصار (لا المهاجرين) توضأ منها النبي وبصق فيها للبركة، وهو سماها " اليسيرة " (5). الهجير، بئر بالحرة فوق قصر ابن ماه (6). وللمدينة أودية ثلاث: بطحان، والعقيق، والقناة. فأما البطحان، فهو الوادي المتوسط بين بيوت المدينة، ويبدأ السيل فيه من ذي الجدر، وهي قرارة في الحرة اليمانية، يصب في شرقي ابن الزبير وعلى جفاف و ومرقبة وبني حجر، وبني كلب، والحساة، حتى يفضي الى فضاء بني خطمة، والأغرس، ثم يرد الجسر، ثم يستبطن الوادي حتى يصير في زغابة.
(1) تاريخ المدينة 1: 158، 159 وهامشها. (2) تاريخ المدينة 1: 160. (3) تاريخ المدينة 1: 162. (4) تاريخ المدينة 1: 169. (5) تاريخ المدينة 1: 161. (6) تاريخ المدينة 1: 169 والحرة اسم لارض ذات أحجار سود كأنها محترقة بالنار. (*)
[ 33 ]
ويظهر أن هذا السيل كان نافعا غير ضار ولذا روى النميري البصري
بسنده عن عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إن بطحان على ترعة من ترع الجنة (1). وكان يسيل فيه سيل آخر يدعى الرانونا، يأتي من جبل في يماني عير ومن حرس في شرق الحرة، ثم يصب على صريحة، ثم يتفرق في الصفاصف، فيصب في أرض القصبة ويستبطنها حتى يمر عن يمين قباء، ثم يدخل غوساء، ثم بطن ذي خصب، ثم يقرن بذي صلب، ثم يستبطن السراة حتى يمر على قعر البركة، ثم يفترق فرقتين، فتمر فرقة على بئر جشم تصب في سكة الخليج حتى يفرغ في وادي بطحان (2). وأما سيل وادي العقيق، فهو يأتي من موضع يقال له بطاويح، وهو حرس من الحرة، ومن غربي شطاي، حتى يصبا جميعا في النقيع، وهو من المدينة على أربعة برد في يمانيها، ثم يصب في غدير يلبن وبرام، ويدفع فيه وادي البقاع، وتصب فيه نقعاء، فيلتقين بأسفل موضع يقال له البقع، ثم يذهب السيل مشرقا فيصب على مزادتين يستقى منهما، ثم يستجمعن بوادي ربر في أسفل الحليفة العليا، ثم يصب على الاتمة وعلى الجام، ثم يفضي الى وادي الحمراء فيتبطن الوادي، حتى ينتهي الى ثنية الشريد، ثم يفضي الى الوادي، فيأخذ في ذي الحليفة، ثم يستبطن الوادي فتصب عليه شعاب الجماء ونمير، ثم يستبطن بطن الوادي ثم يفترش سيل العقيق يمنة ويسرة ثم يستجمع حتى يصب في زغابة، وكان سيلا مباركا (3).
(1) تاريخ المدينة 1: 167، 168. (2) تاريخ المدينة 1: 168. (3) تاريخ المدينة 1: 165 - 167. (*)
[ 34 ]
وأما بطن وادي مهزوز فهو الذي كان يتخوف منه الغرق على أهل المدينة.
وهو يأخذ من شرقي الحرة، ومن هكر، وحرة صفة، حتى يأتي على جبال بني قريظة (اليهود) ثم يسلك فيه شعب فيأخذ في واد يقال له مذينيب بين بيوت بني امية بن زيد، ثم يلتقي هو وسيل بني قريظة بالمشارف، ثم يجتمع الواديان مهزوز ومذينيب فيفترقان في الأملاك ثم يأخذ بطن الوادي ثم يأخذ في البقيع حتى يخرج على بني جديلة ببطن مهزوز، وآخره كومة أبي الحمراء ثم يفضي فيصب في وادي قناة. وروى بسنده عن الصادق عن أبيه الباقر (عليهما السلام) قال: قضى رسول الله في سيل مهزوز: أن لأهل النخل الى العقبين، ولأهل الزرع الى الشراكين، ثم يرسلون الماء إلى من هو أسفل منهم. وروى بسنده عن محمد بن اسحاق عن أبي مالك بن ثعلبة بن أبي مالك، عن أبيه ثعلبة، وكان امام مسجد بني قريظة، قال: قضى رسول الله في مهزوز ووادي بني قريظة: أن الماء الى العقبين، لا يحبس الأعلى على الأسفل ويحبس الأسفل على الأعلى. وتجتمع هذه السيول في وادي زغابة وهو طرف وادي إضم، وانما سمي اضم لانضام السيول به واجتماعها فيه، ثم تجتمع فتنحدر على عين أبي زياد، ثم تنحدر فيلقاها شعاب يمنة ويسرة، ثم يلقاها وادي مالك بذي خشب والجنينة، ثم يلقاها وادي أوان ودوافعه من الشرق، ويلقاها من الغرب واد يقال له بواط والخراز، ويلقاها من الشرق وادي الأتمة، ثم تمضي في وادي إضم وعيونه حتى يلقاه وادي برمة الذي يقال له ذو البيضة من الشام، ويلقاها وادي ترعة من القبلة، ثم يلتقي هو ووادي العيص من القبلة، ثم يلقاها دوافع واد يقال له حجر،
[ 35 ]
ووادي الجزل الذي به السقيا والرجة في نخيل ذي المروة مغربا، ثم يلقاها وادي
عمودان في أسفل ذي المروة، ثم يلقاه وادي سفيان، ثم يفضي الى البحر عند جبل يقال له أراك، ثم يدفع في الغمر من ثلاثة أمكنة في البحر يقال لها: اليعبوب، وحقيب والنتيجة (1). أسواق المدينة في الجاهلية والاسلام: روى النميري البصري عن أبي غسان قال: كان بالمدينة في الجاهلية: سوق بزبالة، بالناحية التي تدعى يثرب. وسوق بالجسر في بني قينقاع، وسوق بالصفاصف والعصبة (غربي مسجد قباء). وسوق في زقاق ابن حبين يقال له المزاحم، كانت تقوم في الجاهلية وأول الاسلام (2). وروى الشافعي في " الام " عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخطب يوم الجمعة، وكان لهم سوق يقال لها البطحاء، كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل والابل والغنم والسمن. ولعله السوق الذي روى النميري البصري عن عائشة أنها قالت: كان يقال لسوق المدينة: بقيع الخيل. وعن عطاء بن يسار قال: لما أراد رسول الله أن يجعل للمدينة سوقا أتى سوق بني قينقاع (بالجسر) ثم جاء الى سوق المدينة فضربه برجله وقال: هذا سوقكم فلا يضيق ولا يؤخذ فيه خراج (3).
(1) تاريخ المدينة 1: 169 - 173. (2) تاريخ المدينة 1: 306. (3) تاريخ المدينة 1: 304 - 306 وبهامشها. (*)
[ 36 ]
الدور حول المسجد: بنيت حول المسجد دور، اتخذ منها عبد الرحمان بن عوف دورا متعددة:
منهن الدار التي كان يقال لها " الدار الكبرى "، وانما سميت الدار الكبرى لأنها أول دار بناها أحد من المهاجرين بالمدينة، وقد بنى فيها النبي (صلى الله عليه وآله) بيده، وكان عبد الرحمان ينزل فيها ضيفان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكانت تسمى " دار الضيفان " وكانت على عهد النميري البصري (ت 262 ه) بيد بعض ولد عبد الرحمان بن عوف. ومنهن " دار القضاء " وانما سميت بذلك لأن عبد الرحمان بن عوف اعتزل فيها ليالي الشورى حتى قضي الأمر. باعها بنو عبد الرحمان من معاوية بن ابي سفيان، وكان فيها الدواوين وبيت المال فهدمها أبو العباس السفاح العباسي فصيرها رحبة للمسجد، فهي اليوم كذلك (على عهد النميري البصري). ومنهن دار وهبها عبد الرحمان بن عوف فيما بعد لعبد الله بن مكمل بن عوف (ابن اخيه) وباعها آل مكمل من المهدي العباسي فكانت بأيدي بعض ولده (ثم ادخلت في المسجد) ومنهن دار أنزلها ابن عوف فيما بعد مليكة بنت سنان المرية، قدمت المدينة في خلافة أبي بكر فقال: من ينزل هذه المرأة فأنزلها عبد الرحمان داره، فسميت دار مليكة. ثم باعها سهيل بن عبد الرحمان بن عوف من عبد الله ابن جعفر (رضي الله عنه) فباعها عبد الله من معاوية بن أبي سفيان، فلما ولي المهدي العباسي أدخلها في المسجد. وكن هذه الدور ثلاث يدعين " القرائن " وهي ثلاث جنابذ (أي قبب)
[ 37 ]
ادخلن في المسجد (1). وروى النميري البصري بسنده عن يحيى بن جعدة قال: لما قدم رسول الله المدينة أقطع الدور للناس (2). ثم قال النميري البصري: وقد أخبرني مخبر: أن منها دار نعيم بن عبد الله
النحام العدوي، التي بابها باتجاه زاوية رحبة دار القضاء فهي بأيدي ولده على حيازة الصدقات (3) وهى في غربي المسجد جوار دار ابن مكمل والطريق بينهما قدر ست أذرع. ثم الى جنب دار النحام: الدار التي منها اطم حسان بن ثابت التي كان يقال لها " الفارع " والتي دخل فيها بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وصارت الى جعفر بن يحيى البرمكي ثم صودرت منه. ثم دار كانت لسكينة بنت الحسين بن علي (عليهما السلام) ثم صارت الى نصير أو معين مولى المهدي (أو نصير صاحب المصلى). ثم الى جنبها الطريق ست أذرع. ثم الى جنب الطريق: دار كانت لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وهي الدار التي صارت لمنيرة مولاة ام موسى الهادي العباسي (4)، ثم صارت بعد
(1) تاريخ المدينة 1: 232 - 235. (2) تاريخ المدينة 1: 242. (3) تاريخ المدينة 1: 247 بينما قال ابن حجر في الاصابة 3: 538: ذكر عمر بن شبة في أخبار المدينة عن أبي عبيد المدني قال: ابتاع مروان من النحام داره بثلاثمئة درهم فأدخلها في داره. والنحام هنا ابراهيم بن نعيم. وهذا يخالف ما نقلناه هنا عن المؤلف والكتاب نفسهما. (4) تاريخ المدينة 1: 258. (*)
[ 38 ]
ليحيى بن خالد البرمكي، ثم صودرت (1). ثم الى جنبها حش (أي نخل صغار لا تسقى) لطلحة بن أبي طلحة الأنصاري، ثم صارت لآل برمك ثم صودرت وهي اليوم خراب. ثم الى جنبها الطريق خمس أذرع.
ثم الى جنب الطريق أبيات كانت لحباب مولى عتبة بن غزوان ثم صارت لخالصة مولاة الخليفة العباسي، فباعتها لابني حرملة الأسود الفزي مولى هارون الرشيد. ثم الى جنبها دار لأبي المغيث بن المغيرة بن حميد بن عبد الرحمان بن عوف، أوقفها صدقة بيد بني عذير. ثم الى جنبها بقية دار عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه)، صارت لجعفر بن يحيى البرمكي ثم صودرت منه (هذا كله في غربي المسجد). ثم من الشرق: دار ابتاعها عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب (عليهم السلام) وشاركه فيها موسى بن ابراهيم المخزومي، وظن عبيد الله أن موسى يريد الربح فتركها له. ثم دار عمرو بن العاص ثم دار خالد بن الوليد ثم دار جبلة بن عمر الساعدي، ثم صارت لسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، ثم صارت الى أسماء بنت الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس. ثم دار ربطة بنت أبي العباس، وهي اليوم لولدها. ثم الطريق بينها وبين دار عثمان بن عفان خمس أذرع. ثم دار عثمان.. ثم الطريق بعد دار عثمان.
(1) تاريخ المدينة 1: 234. (*)
[ 39 ]
ثم دار أبي أيوب الأنصاري (رضي الله عنه)، الذي نزله رسول الله، وابتاعه منه المغيرة بن عبد الرحمان المخزومي، وجعل فيه ماء يستقى منه في المسجد. ثم الى جنبه دار حارثة بن النعمان الأنصاري، فصارت الى جعفر بن محمد ابن علي الصادق (عليه السلام).
ثم الطريق بينها وبين دار ابراهيم بن هشام المخزومي، فصارت الى أبي مسلم مولى بني العباس ثم إلى جنبها بيت عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام، ثم دار عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي (1). هذه هي كل الدور التي ذكرها النميري البصري في كتابه " أخبار المدينة " تحت عنوان: " الدور الشوارع على مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) اليوم " ولذلك لم يذكر فيها من دور بني هاشم سوى دور: عبد الله بن جعفر، وذكر أنه اشتراها من سهيل بن عبد الرحمان بن عوف. ودار سكينة بنت الحسين (عليه السلام)، ودار الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) اشتراها من حارثة بن النعمان الأنصاري، ودار عبيد الله بن الحسين ابن علي بن الحسين (عليه السلام) اشتراها. ولم يذكر ما بينها دارا لعلي (عليه السلام) شارعة إلى المسجد. نعم مر ذكره لدار عثمان بن عفان، وذكر دارا لأبي بكر في ذكره لدور بني تيم قال: واتخذ أبو بكر دارا قبالة الدار الصغرى لعثمان في زقاق البقيع، واتخذ دارا اخرى عند المسجد، وهو الذي قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " سدوا عني هذه الأبواب الا ما كان من باب أبي بكر " أو قال: " سدوا عني هذه الأبواب الا ما كان من خوخة أبي بكر " (2).
(1) تاريخ المدينة 1: 256 - 260. (2) تاريخ المدينة 1: 242 وعلق عليه المحقق نقلا عن النهاية في غريب الحديث والرواية لابن الأثير 2: 86 الا خوخة علي. والخوخة: باب صغير كالنافذة الكبيرة تكون بين بيتين. (*)
[ 40 ]
وقد مر عنه: أن " دار القضاء " كانت من دور عبد الرحمان بن عوف في رواية، ولكنه قال: وسمعت من غير واحد: أن رحبة القضاء كانت لعمر بن الخطاب، وأنها انما سميت رحبة القضاء لأنه أوصى أن تباع بعد وفاته لدين كان
عليه، فسميت " دار القضاء " فلما ولي معاوية اشتراها، وفي سنة ثمان وثلاثين ومئة هدمها والي المدينة زياد بن عبيد الله وجعلها رحبة للمسجد وقسط اجرة هدمها على أهل السوق فلحق كل واحد منهم أربعة دوانيق (1). ثم ذكر النميري البصري محال القبائل من المهاجرين، فذكر دارا لجهينة بن زيد، ودارين للمصطلق بن سعد وكعب بن عمرو، وثلاث منازل لبني أفصى، وثلاث منازل لبني قيس بن عيلان، واثني عشر منزلا (اثنتي عشرة) اسرة. ومن قريش بدأ ببني أسد بن عبد العزى: الزبير بن العوام وأخيه عبد الرحمان بن العوام وحكيم بن حزام ونوفل بن عدي وهبار بن الأسود وذؤيب بن حبيب. وذكر دار طليب بن كثير من عبد قصي. ودار عمرو بن العاص من بني سهم. ودارين لبني محارب بن فهر. وثلاث دور لبني جمح. وأربع دور لبني تيم: أبي بكر وابنته أسماء وطلحة بن عبيد الله وحليفهم صهيب الرومي. وست دور لبني عامر بن لؤي منهم عبد الله بن أبي سرح (ولم يكن من المهاجرين الأولين) وثماني دور لبني عدي بن كعب منهم عمر وابنه عبد الله بن عمر.
(1) جمع دانق معرب: دانه أي واحدة، وهي سدس الدرهم. (*)
[ 41 ]
وثماني دور لبني مخزوم منهم الأرقم بن أبي الأرقم، وخالد بن الوليد (بعد الفتح) ودارا لعمار بن ياسر حليفهم بناها له عمر عند رجوعه من الشام، وهبتها له ام سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) فبعضها اليوم بأيدي بعض ولده، وبعضها باعوها
فصارت الى الفضل بن يحيى البرمكي. وكانت لعمار قبلها دار اخرى ادخلت في المسجد في الضلع الغربي اليماني منه. وذكر دارا لحليفهم الآخر: خراش بن امية الكعبي، وقال: انها كانت بين زقاق الصفارين وبابها شارع في سوق الخبازين، وأوقفها على ولده (1). وفي دور بني زهرة ذكر خمس دور لعبد الرحمان بن عوف الزهري: " دار مليكة " و " دار القضاء " و " الدار الذميمة " و " دار الضيفان الكبرى " ودارا باعها ابنه سهيل لعبد الله بن جعفر فباعها لمعاوية فصارت لمنيرة ثم صارت ليحيى البرمكي ثم صودرت. وذكر أن ثلاثا منها كانت تدعى " القرائن " و " الجنابذ " أي القباب، ادخلت في المسجد. واتخذ أخوه عبد الله بن عوف دارا فهي صدقة في ولده. وذكر أن سعد بن أبي وقاص الزهري اتخذ دارا بالمصلى عند زقاق الحمارين. وكانت له داران بالبقال، وكانت لأبي رافع القبطي دار قريبة فساومه عليها سعد فكان أبو رافع يريدها بخمسمئة دينار، وسعد يقول: لا والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة (أي مقسطة) فناقله أبو رافع على ذلك. ثم أوقفهما سعد على ذريته. واتخذ سعد دارا اخرى بالبلاط قبال دار ابراهيم بن هشام المخزومي. فلما قدم سعد من العراق وقاسم أمواله عمر على مقاسمته لأموال عماله قاسمه داره
(1) تاريخ المدينة 1: 243 - 246. (*)
[ 42 ]
هذه، بالنصف، فوهب نصفها لامرأة تدعى " جبى " كانت قد أرضعت عمرا، فكانت بيدها حتى سمعت نقيضا في سقف البيت، فقالت: والله لا سكنت هذا البيت، فخرجت منه ثم باعت الدار لبعض ولد عمر بن الخطاب فهي بأيديهم الى
اليوم. وباع سعد النصف الباقي له لعثمان بن عفان باثني عشر الف درهم، ثم صارت لعمرو بن عثمان. واتخذ اخواه عامر بن أبي وقاص داره، وعتبة بن أبي وقاص داره بالبلاط، وكانت بايدي ولديهما حتى ابتاعه الربيع حاجب المنصور من ولد عتبة بدارهم. وذكر لهم دارين آخرين لعبد الرحمان بن ازهر ومخرمة بن نوفل، وهي في زاوية المسجد عند المنارة الشرقية اليمانية، فاشترى المهدي بعضها فأدخله في رحبة المسجد، وصارت بقيتها لآل برمك ثم صودرت اليوم. وذكر أن المقداد بن عمرو البهرائي (ابن الاسود الكندي) حليف بني مخزوم اتخذ دارين صارتا الى ولد ابنته من وهب بن عبد الله الأسدي، باعوا احداهما ليزيد بن عبد الملك والاخرى بأيديهم في بني جديلة يقال لها: دار المقداد (1). قال ابن اسحاق: فأقام رسول الله في بيت أبي أيوب حتى بني له مسجده ومساكنه، ثم انتقل من بيت أبي أيوب الى مساكنه (2) ولم يعين مدة ذلك. وقد مر عن ابن شهرآشوب في " المناقب " قال: كان مدة مقامه عنده من شهر ربيع الأول الى صفر من السنة القابلة (3) وقيل سبعة أشهر، وقيل شهرا واحدا (4).
(1) تاريخ المدينة 1: 222 - 241. (2) سيرة ابن هشام 2: 143. (3) مناقب آل أبي طالب 1: 186. (4) وفاء الوفاء 1: 265 والسيرة الحلبية 2: 64. (*)
[ 43 ]
وفي " وفاء الوفاء " للسمهودي قال: استظهر الشمس الذهبي: أنه (صلى الله عليه وسلم) بنى أولا بيت سودة، ثم لما احتاج الى منزل عائشة بناه، وهكذا سائر بيوته بناها في
أوقات مختلفة (1). وسيأتي أن دخوله بعائشة كان في شهر شوال الثامن من هجرته، وكان قد تزوج بها وبسودة ودخل بها بمكة قبل الهجرة. وقد خرجت عائشة من مكة الى المدينة مع أخيها عبد الله وامها ام رومان ومعهم طلحة بن عبيد الله التيمي بعد أن رجع إليهم من المدينة عبد الله بن اريقط فأخبرهم بمكان أبيهم بالسنح من المدينة (2). أما علي (عليه السلام) فانما حمل معه امه فاطمة بنت أسد ومعها من بنات الرسول فاطمة وأما سائر بناته: فزينب مع زوجها أبي العاص بن الربيع، ورقية مع زوجها عثمان في هجرة الحبشة، وأما ام كلثوم فقد مر أن عكرمة كان قد طلقها ولم يذكر أنها هاجرت الى الحبشة، ولم يذكر أن عليا (عليه السلام) حملها مع اختها فاطمة الى المدينة. ولكن قالوا: إن رسول الله بعث أبا رافع القبطي وزيد بن حارثة الكلبي من المدينة الى مكة فحملا إليه زوجته سودة بنت زمعة وسائر بناته (3) بل هي ام كلثوم فقط. ويبدو أن ذلك كان قبل دخوله بعائشة لما مر أن أول بيت بناه كان لسودة ثم لعائشة فيبدو أن ذلك كان في الشهر السابع رمضان قبل دخوله بعائشة في الشهر الثامن شوال، وعليه فمدة اقامته بدار أبي أيوب سبعة أشهر وفيها بنى مسجده وبيته.
(1) وفاء الوفاء 2: 462. (2) الطبري 2: 400 وعنه الكازروني في المنتقى وعنه في بحار الأنوار 19: 129. (3) الطبري 2: 400 وعنه الكازروني في المنتقى وعنه في بحار الأنوار 19: 129. (
[ 44 ]
تشريع أذان الإعلام: قالوا: وفي السنة الاولى من الهجرة شرع الأذان (1). وروى محمد
ابن اسحاق عن محمد بن ابراهيم، عن محمد بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن زيد أنه قال: كان رسول الله حين قدم المدينة يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة، وكان لليهود بوق يدعون به لصلاتهم، فهم رسول الله أن يجعل لذلك بوقا كبوق اليهود. ثم كرهه. وأمر أن ينحت ناقوس ليضرب به للصلاة. فبينما هم على ذلك إذ طاف بي طائف: مر بي رجل عليه ثوبان اخضران يحمل ناقوسا في يده، فقلت له: يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس ؟ قال: وما تصنع به ؟ قال: قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على خير من ذلك ؟ قال: قلت: وما هو ؟ فعلمه فصول الأذان بلا اقامة، وليس فيها " حي على خير العمل ". فأتى رسول الله فقال له ذلك. فلما أخبر بها رسول الله قال: إنها لرؤيا حق ان شاء الله، فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها فانه أندى صوتا منك (2). " وهناك من أحاديثهم ما هو صريح بأن تلك الرؤيا كانت من أربعة عشر رجلا من الصحابة، كما في " شرح التنبيه " للجبيلي، ورووا أن الرائين تلك الليلة كانوا سبعة عشر رجلا من الأنصار وعمر وحده من المهاجرين، ورووا أن بلالا ممن رأى الأذان أيضا. وثمة متناقضات في هذا الموضوع أورد الحلبي منها ما يوجب العجب العجاب، وحاول الجمع بينها فحبط عمله. والشيخان البخاري ومسلم قد أهملا هذه الرؤيا بالمرة، فلم يخرجاها في
(1) بحار الأنوار 19: 131 عن المنتقى للكازروني. (2) سيرة ابن هشام 2: 154، 155. (*)
[ 45 ]
صحيحيهما أصلا لا عن ابن زيد، ولا عن ابن الخطاب، ولا عن غيرهما، وما ذاك الا لعدم ثبوتها عندهما.
نعم أخرجا في باب بدء الأذان من صحيحيهما عن ابن عمر قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة، وليس ينادي بها أحد. فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقا مثل بوق اليهود. فقال عمر: الا تبعثون رجلا ينادي للصلاة ؟ فقال رسول الله: يا بلال قم فناد بالصلاة. فنادى بالصلاة " (1). هذا، وقد روى المتقي الهندي في " كنز العمال " أنهم تذاكروا الأذان عند الحسن (عليه السلام) وذكروا رؤيا ابن زيد، فقال: إن شأن الأذان أعظم من ذلك، أذن جبرئيل في السماء مثنى مثنى وعلمه رسول الله (2). وروى القاضي النعمان المصري عن الصادق (عليه السلام) قال: سئل الحسين بن علي (عليه السلام) عن قول الناس في الأذان: أن السبب فيه كان رؤيا رآها عبد الله بن زيد فأخبر بها النبي فأمر بالأذان، فغضب (عليه السلام) وقال: الأذان وجه دينكم، والوحي ينزل على نبيكم وتزعمون أنه أخذ الأذان عن عبد الله بن زيد ؟ ! بل سمعت أبي علي بن أبي طالب يقول: أهبط الله عزوجل ملكا حين عرج برسول الله - وساق حديث المعراج بطوله الى أن قال - فبعث الله ملكا لم ير في السماء قبل ذلك الوقت ولا بعده، فأذن مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى. ثم قال جبرئيل للنبي: يا محمد هكذا أذن للصلاة (3).
(1) النص والاجتهاد: 230، 231 عن صحيح مسلم 2 كتاب الصلاة باب بدء الأذان. (2) عن كنز العمال 6: 277. (3) دعائم الاسلام 1: 142 وعنه في مستدرك الوسائل 4: 17 ط آل البيت. ومثله عن الجعفريات: 42. (*)
[ 46 ]
وروى الحلبي في سيرته عن أبي العلاء قال: قلت لمحمد بن الحنفية: إنا
لنتحدث: أن بدء هذا الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه، قال: ففزع لذلك محمد بن الحنفية فزعا شديدا وقال: عمدتم الى ما هو الأصل في شرائع الاسلام ومعالم دينكم فزعمتم أنه من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه، تحتمل الصدق والكذب إذ تكون أضغاث أحلام ! ! فقلت: هذا حديث قد استفاض في الناس ! قال: هذا والله هو الباطل، وانما أخبرني أبي: أن جبرئيل (عليه السلام) أذن في بيت المقدس ليلة الاسراء وأقام، ثم أعاد جبرئيل الأذان لما عرج بالنبي الى السماء (1). وروى العياشي في تفسيره عن عبد الصمد بن بشير قال: ذكر عند أبي عبد الله (عليه السلام) بدء الأذان فقيل: ان رجلا من الأنصار رأى في منامه الأذان فقصه على النبي (صلى الله عليه وآله) فأمره رسول الله أن يعلمه بلالا. فقال أبو عبد الله: كذبوا، ان رسول الله كان نائما في ظل الكعبة فأتاه جبرئيل ومعه طاس فيه ماء من الجنة فأيقظه وأمره أن يغتسل به، ثم وضعه في محل له ألف ألف لون من نور، ثم صعد به حتى انتهى الى أبواب السماء... فأمر الله جبرئيل فقال: الله اكبر، الله اكبر... فأتم الأذان وأقام الصلاة، وتقدم رسول الله فصلى بهم.. فهذا كان بدء الأذان (2). ولكن هذا لا يعني أن تشريع أذان الاعلام كان من حين رجوعه (صلى الله عليه وآله) من ذلك المعراج في مكة، بل لعله كان كما روى الكليني بسنده عن الصادق (عليه السلام) قال: هبط جبرئيل بالأذان على رسول الله وكان رأسه في حجر علي (عليه السلام) فأذن جبرئيل وأقام. فلما انتبه رسول الله قال: يا علي سمعت ؟ قال: نعم يا رسول الله،
قال: حفظت ؟ قال: نعم. قال: ادع بلالا فعلمه. فدعا علي (عليه السلام) بلالا فعلمه (1).
وروى بسنده عن الصادق (عليه السلام) قال: قال (رسول الله) لبلال: إذا دخل الوقت يا بلال اعل فوق الجدار - وكان طول حائط مسجد رسول الله قامة - وارفع صوتك بالأذان (2). وهذا يقتضي أن الأذان كان بعد بناء المسجد، وقد مر ترجيح أنه كان بعد سبعة أشهر من الهجرة، أي في شهر رمضان المبارك من السنة الاولى للهجرة. وروى ابن اسحاق عن عروة بن الزبير بخصوص أذان الفجر، عن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يأتي بيتي فيصعد ويجلس عليه في السحر ينتظر الفجر من كل غداة، فإذا رآه أذن للفجر (3). وقال اليعقوبي: وكان بلال يؤذن، ثم أذن معه ابن ام كلثوم، أيهما سبق أذن، فإذا كانت الصلاة أقام واحد. ثم نقل عن الواقدي قال: إن بلالا كان إذا أذن وقف على باب رسول الله فقال: الصلاة يا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح (4). المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: روى الطوسي في أماليه بسنده عن سعد عن أبيه حذيفة بن اليمان قال: آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين الأنصار والمهاجرين اخوة الدين، فكان يؤاخي بين
(1) فروع الكافي: 83 ومن لا يحضره الفقيه 1: 57 والتهذيب 1: 215. (2) فروع الكافي 1: 84 والتهذيب 1: 150. (3) سيرة ابن هشام 2: 156 بتصرف. (4) تاريخ اليعقوبي 2: 42. (*)
[ 48 ]
الرجل ونظيره. ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: هذا أخي. قال حذيفة: فرسول الله سيد المرسلين وامام المتقين ورسول رب العالمين
الذي ليس له في الأنام شبه ولا نظير، وعلي بن أبي طالب إخوة (1). ويبدو لي أن هذه الرواية من سعد بن حذيفة هي التي أشار إليها ابن اسحاق إذ قال: " بلغنا أن رسول الله قال - ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل -: تأخوا في الله أخوين أخوين. ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: هذا أخي. فكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سيد المرسلين وامام المتقين ورسول رب العالمين الذي ليس له خطير (أي شبه) ولا نظير.. وعلي بن أبي طالب أخوين. وأضاف: وكان حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وزيد بن حارثة مولى رسول الله أخوين، واليه أوصى حمزة يوم احد حين حضره القتال ان حدث به حادث الموت. وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين الطيار في الجنة ومعاذ بن جبل أخو بني سلمة أخوين. وكان أبو بكر الصديق ابن أبي قحافة وخارجة بن زهير الخزرجي أخوين. وعمر بن الخطاب وعبان بن مالك الخزرجي أخوين وعثمان بن عفان وأوس بن ثابت بن المنذر الخزرجي أخوين.. والزبير بن العوام وسلمة بن سلامة أخوين.. وطلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك أخوين.. وعبد الرحمان بن عوف وسعد بن الربيع الخزرجي أخوين.. وابو عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ أخوين.. ومصعب بن عمير بن هاشم وأبو أيوب (الأنصاري الخزرجي) أخوين.. وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان حليف الخزرج أخوين.. وأبو ذر الغفاري والمنذر بن عمرو
(1) أمالي الطوسي: 587 ح 1215 وعنه في بحار الأنوار 38: 333 ورواه ابن طاووس في الطرائف: 28 عن مناقب ابن المغازلي: 42 كما في بحار الأنوار 38: 346. (*
[ 49 ]
الخزرجي أخوين.. وسلمان الفارسي وأبو الدرداء عويمر أخوين. وبلال مؤذن رسول الله وأبو رويحة الخثعمي أخوين.. فهؤلاء ممن سمي لنا ممن كان رسول الله
آخى بينهم من أصحابه (1). ونقل المقريزي في " امتاع الأسماع " عن عبد الرحمان بن الجوزي قال: أحصيت جملة من آخى النبي (صلى الله عليه وسلم) بينهم فكانوا مئة وستة وثمانين رجلا. ويقال: كانوا تسعين رجلا: خمسة وأربعين رجلا من المهاجرين وخمسة وأربعين رجلا من الأنصار. ويقال: خمسين من هؤلاء وخمسين من هؤلاء. ويقال: انه لم يبق من المهاجرين أحد الا آخى بينه وبين أنصاري. وكانت المؤاخاة بعد مقدمه بخمسة أشهر. وقيل: بثمانية أشهر، ثم نسخ التوارث بالمؤاخاة بعد بدر (2). ونقل ابن شهرآشوب عن تاريخ النسوي أنها كانت بعد ثمانية أشهر (3). أما ابن اسحاق فانما سمى ثمانية وثلاثين رجلا: واحد وعشرون رجلا من المهاجرين وسبعة عشر رجلا من الأنصار (لمؤاخاة النبي والوصي، وحمزة وزيد ابن حارثة) ثم قال: " فهؤلاء ممن سمي لنا ممن كان رسول الله آخى بينهم من أصحابه " ولعله سمي له غيرهم ولم يذكرهم. وأما ابن حبيب في " المحبر " فقد زاد على من ذكرهم ابن اسحاق ستة
(1) سيرة ابن هشام 2: 151 - 153. (2) إمتاع الأسماع للمقزيزي: 340 وروى الحديث عن ابن عباس عنه (صلى الله عليه وآله) قال لعلي: أنت أخي وصاحبي. كما رواه أحمد في مسنده 1: 230 وابن عبد البر في الاستيعاب 2: 460 والمتقي الهندي في كنز العمال 6: 391. كما في الغدير 3: 116. (3) المناقب 1: 151. (*)
[ 50 ]
وثمانين رجلا، فالمجموع أربعة وعشرون رجلا من المهاجرين والأنصار، منهم: الحصين بن الحارث بن المطلب مع رافع بن عنجدة. والطفيل بن الحارث بن
المطلب مع المنذر بن محمد بن عقبة. وعبيدة بن الحارث بن المطلب مع عمير بن الحمام السلمي. وعبيدة هو الشهيد ببدر، ولذلك قالوا: كانت المؤاخاة قبل بدر ولم يكن بعد بدر مؤاخاة، كما في " المحبر " (1). وقد آخى رسول الله بين أصحابه مرتين: اولاهما في مكة، آخى بين جماعة منهم قبل الهجرة. وعن هذه المؤاخاة الاولى ذكر ابن حبيب في " المحبر " أنه (صلى الله عليه وسلم) آخى بين نفسه وعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، وآخى بين حمزة بن عبد المطلب وبين زيد بن حارثة مولى رسول الله، وبين أبي بكر وعمر، وبين عثمان بن عفان وعبد الرحمان بن عوف، وبين الزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، وبين عبيدة ابن الحارث بن المطلب وبلال مولى أبي بكر، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص، وبين أبي عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة، وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله (2). ومن ذكره لمصعب بن عمير يعلم أن ذلك كان قبل ارسال الرسول (صلى الله عليه وآله) له الى المدينة، أي قبل الهجرة بسنة تقريبا. وصرح ابن سيد الناس بأن هذه المؤاخاة كانت قبل الهجرة (3) كما جاء في
(1) المحبر: 70 - 71. (2) المحبر: 70 - 71. (3) السيرة لابن سيد الناس 1: 200 - 203 كما في الغدير 3: 114 وقد ذكر الأميني في الغدير عددا من مصادر أخبار المؤاخاة بين النبي والوصي 3: 111 - 125 من العامة. = (*)
[ 51 ]
" السيرة الحلبية " أيضا (1) وهو الظاهر من رواية الحاكم الحسكاني النيشابوري في " المستدرك على الصحيحين " (2). وقال ابن سعد في " الطبقات " (3) والسهيلي في " الروض الانف "
والكازروني في " المنتقى " ما معناه: أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما قدم المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار على الحق والمواساة يتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام، فلما كانت وقعة بدر أنزل الله تعالى في سورة الأنفال: * (واولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * نسخت هذه الآية ما كان قبلها، ورجع كل إنسان إلى نسبه وورثه ذو رحمه. وقال السهيلي: فلما عز الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة أنزل الله سبحانه: * (واولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) * أي في الميراث. ثم جعل المؤمنين كلهم اخوة فقال: * (إنما المؤمنون اخوة) * يعني في التودد وشمول الدعوة. وهذا يعني أن عقد المؤاخاة كان قبل نزول هذه الآية، وهذه الآية عممت الاخوة.
= والمجلسي في بحار الأنوار 38: 330 - 347 عن العامة والخاصة. وذكر ابن عساكر عشرين خبرا بأسنادها في ذلك من الخبر 141 إلى 161 وأضاف المحقق المحمودي مصادر اخرى للأخبار من صفحة 117 إلى 132 من القسم الأول من ترجمة الإمام علي (عليه السلام) من تأريخ دمشق لابن عساكر. (1) السيرة الحلبية 2: 23 و 102. (2) مستدرك الحاكم 3: 4. (3) الطبقات 1: 242. (*)
[ 52 ]
أول سرية بالمدينة: روى الواقدي: أن عير قريش جاءت من الشام تريد مكة في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجرة النبي (صلى الله عليه وآله)، وفيها أبو جهل (بن
هشام) في ثلاثمئة راكب من أهل مكة. فعقد رسول الله لواء (أبيض) لحمزة بن عبد المطلب، وكان أول لواء عقده بعد أن قدم المدينة (وكان يحمله أبو مرثد الغنوي) (1)، بعثه في ثلاثين راكبا خمسة عشر من المهاجرين وخمسة عشر من الأنصار، يعترضون لعير قريش. فبلغوا سيف البحر والتقوا هناك واصطفوا للقتال. وكان مجدي بن عمرو حليفا (؟) للفريقين فلم يزل يمشي الى هؤلاء وإلى هؤلاء حتى انصرف القوم وانصرف حمزة راجعا الى المدينة في أصحابه. ثم روى الواقدي: أن رسول الله لم يبعث أحدا من الأنصار حتى كانت بدر. ثم قال: وهو المثبت (2). وقال ابن اسحاق: بعثه الى سيف البحر من ناحية العيص، في ثلاثين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد. فلقي أبا جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلاثمئة راكب من أهل مكة، وكان مجدي بن عمرو الجهني موادعا للفريقين فحجز بينهم (3) ولم يقل أنه كان محالفا، ولعله هو الصحيح، إذ لم نعهد لهم حلفا. وكذلك في رواية الطبري عن الواقدي ليس فيها انه كان حليفا لهم.
(1) الطبري 2: 402 عن الواقدي، وليس في المغازي. وقال عنه اليعقوبي: كان حليفه 2: 70. (2) مغازي الواقدي 1: 9، 10. (3) سيرة ابن هشام 2: 245 واليعقوبي 2: 69 وأشار إليه في 2: 44. والتنبيه والاشراف: 200 والطبرسي في إعلام الورى بلا اسناد 1: 162. (*)
[ 53 ]
سرية عبيدة بن الحارث: روى الواقدي قال: ثم عقد لواء لعبيدة بن الحارث، في شوال على رأس
ثمانية أشهر، إلى رابغ - ورابغ على عشرة أميال من الجحفة إلى قديد - فخرج عبيدة في ستين راكبا كلهم من قريش (من المهاجرين ليس فيهم أنصاري) فلقي أبا سفيان بن حرب على ماء يقال له أحياء من بطن رابغ، وأبو سفيان يومئذ في مئتين.. لم يسلوا السيوف ولم يصطفوا للقتال.. وتقدم سعد بن أبي وقاص أمام أصحابه ونثر كنانته (ليرميهم) وترس أصحابه عنه، فرمى بما في كنانته حتى أفناها، وكان فيها عشرون سهما، وليس منها سهم إلا يقع فيجرح إنسانا أو دابة (ومع ذلك فإنهم) لم يسلوا السيوف ولم يصطفوا للقتال، بل انصرفوا.. فقال سعد لعبيدة: لو اتبعناهم لأصبناهم فإنهم قد ولوا مرعوبين. فلم يتابعه عبيدة على ذلك، بل انصرفوا إلى المدينة (1). وقال ابن اسحاق: وبعث رسول الله عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف في ستين راكبا من المهاجرين.. حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرة.. ورمى سعد بن أبي وقاص بسهم، وهو أول سهم رمي به في الإسلام ثم انصرف القوم عن القوم ولم يكن بينهم قتال (2). وكان المقداد بن عمرو حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان المازني حليف بني نوفل مسلمين (بمكة) فخرجا معهم ليتوصلوا بهم إلى المسلمين، ففروا منهم إليهم.
(1) مغازي الواقدي 1: 10، 11 بتصرف وكذلك في رواية الطبري عنه 2: 402. والتنبيه والإشراف: 201. (2) ونقله الطبرسي في إعلام الورى 1: 162 بلا إسناد. (*)
[ 54 ]
وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله لأحد من المسلمين، ولكن بعثه وبعث عبيدة كانا معا فشبه ذلك على الناس (1).
بيت سودة ثم عائشة: مر عن السمهودي عن الذهبي: أنه (صلى الله عليه وآله) بنى بيت سودة أولا.. ثم لما احتاج الى منزل عائشة بناه، وهكذا سائر بيوته بناها في أوقات مختلفة (2). والآن نذكر أن دخوله بعائشة كان في شهر شوال الثامن من هجرته، وعليه فيبدو أن إرساله لأبي رافع القبطي وزيد بن حارثة الشيباني من المدينة الى مكة ليحملا إليه أهله سودة بنت زمعة بن قيس كان قبل دخوله بعائشة في المدينة. ورجع عبد الله بن اريقط من المدينة الى مكة فأخبر عبد الله بن أبي بكر بمكان أبيه بالسنح من المدينة، فخرج عبد الله بعيال أبيه إليه وفيهم عائشة ومعهم طلحة بن عبيد الله التيمي (3). قالت عائشة: وكان أبو بكر قد نزل في بني الحارث بن الخزرج بالسنح، فقدمنا المدينة عليه. وجاء رسول الله فدخل بيتنا فاجتمع إليه رجال - من الأنصار - ونساء. وكنت أنا في ارجوحة بين عذقين يرجح بي، فجاءتني امي فأنزلتني، ومسحت وجهي بشئ من ماء، ووفت جمتي (شعري). وكان رسول الله جالسا على سرير في بيتنا، فقادتني امي حتى وقفت بي عند باب البيت، ثم أدخلتني فأجلستني.. وقالت له: هؤلاء أهلك، فبارك الله لك
(1) سيرة ابن هشام 2: 241، 242 بتصرف. واليعقوبي 2: 69 نقل نص ابن اسحاق. (2) وفاء الوفاء 2: 462. (3) الطبري 2: 400 والمنتقى وعنه في بحار الأنوار 19: 129. (*)
[ 55 ]
فيهن وبارك لهن فيك. ووثب القوم والنساء فخرجوا، فبنى بي رسول الله في بيتي، وأنا يومئذ ابنة تسع سنين ! ولا نحرت لي جزور ولا ذبحت علي شاة، حتى ارسل
الينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها الى رسول الله (1). ثم روى الطبري عن الكلبي: أن رسول الله تزوج عائشة قبل الهجرة بثلاث سنين، وهي ابنة سبع سنين، وجمع إليها بعد أن هاجر الى المدينة وهي ابنة تسع سنين، في شوال (2). سرية الخرار: قال الواقدي: في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من مهاجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال رسول الله لسعد بن أبي وقاص: اخرج يا سعد حتى تبلغ الخرار، فان عيرا لقريش ستمر به. والخرار من الجحفة قريب من خم (3) وعقد له لواء أبيض كان يحمله المقداد بن عمرو (4) وعهد إليه أن لا يجاوز الخرار. فخرج في أحد وعشرين رجلا (مهاجرا) على أقدامهم، يكمنون النهار ويسيرون بالليل، فبلغوا الخرار صباح الليلة الخامسة، فكان العير قد فاتهم فلم
(1) الطبري 3: 163. (2) الطبري 3: 164 و 2: 400 بالرواية عن عائشة، وقريبا منه في اعلام الورى 1: 276 والتنبيه والاشراف: 201 ومروج الذهب 2: 288 ولكنه أضاف: " وكان وفاتها سنة ثمان وخمسين وقد قاربت السبعين " فيكون عمرها في زواجها اثنتي عشرة سنة لا تسعة. ومن الطبيعي أن تصغر المرأة عمرها !. (3) مغازي الواقدي 1: 11. (4) الطبري 2: 403 عن الواقدي وليس في المغازي. (*)
[ 56 ]
يدركوه فرجعوا (1). وهذه هي السرية الثالثة والأخيرة في ثلاثة أشهر: رمضان وشوال وذي القعدة وقعدوا عن الخروج للحرب في الأشهر الحرم: ذي الحجة ومحرم، ويعود الرسول (صلى الله عليه وآله) الى القتال في شهر صفر من السنة الثانية.
ولكن رواية الواقدي هذه تقول: إن السرية هذه كانت في ذي القعدة الحرام، والآية: * (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام) * (2) وان كانت قد نزلت بعد هذا، ولكن ليس لسانها لسان ابتداء التشريع والتحريم، والواقدي نفسه يقول في الآية: فحدثهم الله أن القتال في الشهر الحرام كما كان.. وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه (3). وعليه فالأولى رواية ابن اسحاق إذ تجعل الخرار في جمادى الاولى من السنة الثانية (4). موقف اليهود وأحبارهم: قال ابن اسحاق: إن اليهود في المدينة لما رأوا أن الله اختار رسوله من العرب دونهم حسدوه فكذبوه وجحدوه وعادوه. وكان أحبارهم: من بني النضير: حيي بن أخطب، وأخواه: جدي ابن أخطب، وابو ياسر بن أخطب. وسلام بن أبي الحقيق وأبنا أخيه الربيع بن أبي
الحقيق: الربيع بن الربيع وكنانة بن الربيع. وكعب بن الأشرف الطائي النبهاني حليف بني النضير وامه منهم، وحليفاه: الحجاج بن عمرو وكردم بن قيس. وسلام بن مشكم، وعمرو بن جحاش. ومن بني قريظة: الزبير بن باطا بن وهب، وعزال بن شموئيل، وكعب بن
أسد، وشموئيل بن زيد، والنحام بن زيد، ووهب بن زيد وعدي بن زيد، وجبل ابن عمرو بن سكينة، وقردم بن كعب وكردم بن زيد، وأبو نافع، ونافع بن أبي نافع، والحارث بن عوف، واسامة بن حبيب، ورافع بن رميلة، وجبل بن أبي قشير، ووهب بن يهوذا. ومن يهود بني قينقاع: زيد بن اللصيت، وسعد بن حنيف، ومحمود بن سيحان، وعزيز بن أبي عزيز، وعبد الله بن صيف ومالك وبني صيف، وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وفنحاص، وأشيع، ونعمان بني أضا، وبحري بن عمرو، وشأس بن عدي، وشأس بن قيس، وزيد بن الحارث، ونعمان بن عمرو، وسكين بن أبي سكين، وعدي بن زيد، ونعمان بن أبي أوفى، ومحمود بن دحية، وكعب بن راشد، وعازر، ورافع بن أبي رافع، وخالد، وأزار بن أزار، ورافع بن حارثة، ورافع بن حريملة، ورافع بن خارجة، ومالك بن عوف، ورفاعة بن زيد. وكان حبرهم الأعلم الحصين بن سلام، وهو الذي أسلم فسماه رسول الله: عبد الله (1). اليهود من حلف الأوس والخزرج الى عهد المسلمين: روى الطوسي في " التبيان " وعنه الطبرسي في " مجمع البيان " عن عكرمة
(1) سيرة ابن هشام 2: 160 - 162. (*)
[ 58 ]
عن ابن عباس قال: إن اليهود كانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع، وهم حلفاء الخزرج، وطائفتا النضير وقريظة، وهم حلفاء الأوس. فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت بنو النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل فريق حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم وبأيديهم (1).
هذا وقد استجاب جمهور الخزرج لدعوة الإسلام وتبعهم الأوس، فلم يبق لحلفهم مع اليهود معنى.. فلعل هذا هو الذي دفعهم إلى ما رواه الطبرسي في " إعلام الورى " عن علي بن إبراهيم القمي قال: وجاءه اليهود: قريظة والنضير وقينقاع فقالوا: يا محمد إلام تدعو ؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله الذي تجدونني مكتوبا في التوراة، والذي أخبركم به علماؤكم: أن مخرجي بمكة ومهاجري بهذه الحرة (أي المدينة) وأخبركم عالم منكم جاءكم من الشام فقال: تركت الخمر والخمير وجئت إلى البؤس والتمور، لنبي يبعث في هذه الحرة (أي الحجارة) مخرجه بمكة ومهاجره ها هنا، وهو آخر الأنبياء وأفضلهم، يركب الحمار، ويلبس الشملة، ويجتزئ بالكسرة (من الخبز زهدا) وفي عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة. يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى، وهو الضحوك القتال، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر.
(1) التبيان 1: 336 ومجمع البيان 1: 303 وإليه الإشارة في قوله سبحانه: * (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من دياركم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان) * البقرة: 85. (*)
[ 59 ]
فقالوا له: قد سمعنا ما تقول، وقد جئناكم لنطلب منكم الهدنة على أن: لا نكون لك ولا عليك، ولا نعين عليك أحدا، ولا تتعرض لنا ولا لأحد من أصحابنا: حتى ننظر الى ما يصير أمرك وأمر قومك. فأجابهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى ذلك، وكتب بينهم كتابا: أن لا يعينوا على رسول الله ولا على أحد من أصحابه بلسان ولا يد ولا بسلاح ولا بكراع، في
السر والعلانية، لا بليل ولا بنهار، والله بذلك عليهم شهيد. فان فعلوا فرسول الله في حل من سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونسائهم وأخذ أموالهم. وكتب لكل قبيلة منهم (قريظة والنضير والقينقاع) كتابا على حدة. وكان الذي تولى أمر بني النضير حيي بن أخطب، فلما رجع الى منزله قال له إخوته، جدي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب: ما عندك ؟ قال: هو الذي نجده في التوراة، والذي بشر به علماؤنا، ولا أزال له عدوا لأن النبوة خرجت من ولد اسحاق وصارت في ولد اسماعيل، ولا نكون تبعا لولد اسماعيل أبدا ! (1). وكان الذي تولى أمر قريظة كعب بن أسد. والذي تولى أمر بني قينقاع مخيريق، وكان اكثرهم مالا وحدائق، فقال لقومه: إن كنتم تعلمون أنه النبي المبعوث فهلموا نؤمن به ونكون قد ادركنا الكتابين ! فلم تجبه قينقاع الى ذلك (2). ثم لم يرو الطبرسي ولا غيره من رواتنا نص المعاهدة، نعم روى الكليني في
(1) مر مثله في أخبار أوائل الهجرة في قباء عن ابن اسحاق عن صفية بنت حيي بن أخطب، ولعله تكرر منه ذلك، وإلا فمن المستعبد كتابة العهد في قباء. (2) إعلام الورى 1: 157، 158 عن علي بن ابراهيم بن هاشم القمي، ولم نجده في تفسيره. وقد مر مثله عن ابن اسحاق عن صفية بنت حيي بن اخطب بعد خبر اسلام عبد الله بن سلام أول الهجرة. (*)
[ 60 ]
" الكافي " والطوسي في " التهذيب " باسنادهما عن طلحة بن زيد عن الصادق عن أبيه الباقر (عليهما السلام) قال: قرأت في كتاب لعلي (عليه السلام): أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم منهم من أهل يثرب (1) ثم لم يزد على ثلاثة أسطر من العهد الا قليلا. واكمل النص ابن اسحاق قال: كتب رسول الله كتابا بين
المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: أنهم امة واحدة من دون الناس: المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم (2) بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة منهم تفدي
عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة تفدي
عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل (1). وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه. وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو اثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم (2). ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر. ولا ينصر كافرا على مؤمن. وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم. وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس. وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والاسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم. وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله
(1) المفرح، والمفدح: المثقل بالدين، والكثير العيال. (2) دسيعة ظلم: ظلما عظيما، أو ما ينال من الظلم. (*)
[ 62 ]
الا على سواء وعدل بينهم (1). " وإن كل غازية معنا يعقب بعضها بعضا، بالمعروف والقسط بين المسلمين. وإنه لا تجار حرمة إلا باذن أهلها.
وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وحرمة الجار على الجار كحرمة امه وأبيه " (2). وإن المؤمنين يبئ بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله (3). وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه. وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن. وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فانه قود به، إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه (4). وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر: أن ينصر محدثا أو أن يؤويه. وإن من نصره أو آواه فعليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. وإنكم مهما اختلفتم فيه من شئ فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد. وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين: وإن يهود بني عوف امة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم:
(1) سيرة ابن هشام 2: 147، 148. (2) هذا المقطع هو ما روي في الكافي والتهذيب، وقد ذكرها ابن اسحاق متفرقة. (3) يبئ ويبوء بمعنى واحد: يرجع، والمعنى أنهم يتساوون ويتناوبون في الغزو في سبيل الله. (4) العبط: الباطل، اعتبطه: قتله باطلا أي بلا حق. (*)
[ 63 ]
مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فانه لا يوتغ الا نفسه وأهل بيته (1). وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف. وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.
وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف. وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف. وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف. وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، الا من ظلم وأثم فانه لا يوتغ الا نفسه وأهل بيته. وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم. وإن موالي ثعلبة كأنفسهم. وان لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف. وإن بطانة يهود كأنفسهم. وإنه لا يخرج منهم أحد الا باذن محمد. وإنه لا ينحجز عن ثار جرح (2). وإنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته، الا من ظلم. وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم. وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة. وإن بينهم النصح والنصيحة والبر، دون الإثم. وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه.
(1) يوتغ: يهلك. (2) أي لا ينحجز جرح عن ثار، أي لا يترك ثار جرح، أي لا يترك قصاص جراحة، أي يؤخذ بالقصاص ولو كان جرحا فضلا عن القتل. (*)
[ 64 ]
وإن النصر للمظلوم. وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم. وإنه لا تجار حرمة الا باذن أهلها. وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فان مرده الى الله عزوجل والى محمد رسول الله، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره. وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها. وإن بينهم النصر على من دهم يثرب. وإذا دعوا الى صلح يصالحونه ويلبسونه، فانهم يصالحونه ويلبسونه. وانهم (اليهود) إذا دعوا الى مثل ذلك فانه لهم على المؤمنين الا من حارب في الدين. على كل اناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم. وإن يهود الأوس - مواليهم وأنفسهم - على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض. من أهل هذه الصحيفة. لا يكسب كاسب الا على نفسه. وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره. وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم. وإنه من خرج (من المدينة) آمن ومن قعد آمن، الا من ظلم أو أثم. وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله (1).
(1) سيرة ابن هشام 2: 147 - 150 ومصادر اخرى ذكرها المحقق الأحمدي في كتابه القيم: = (*)
[ 65 ]
نقل المحقق الأحمدي هذه المعاهدة في كتابه القيم " مكاتيب الرسول " ثم علق عليها يقول: إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان سيد الحكماء قبل أن يكون سيد الأنبياء، فقد آتاه رشده من قبل أن يؤتيه الكتاب، وكفى لذلك شاهدا هذه المعاهدة الخالدة
الباقية ما بقي الدهر، قليل لفظها غزير معناها. فعلى القراء الكرام التدبر في شروطها ونتائجها، فارجعوا النظر وفكروا في تفاصيلها (1). ونحن نفهم من مفهومها ومنطوقها: أن العرب يومئذ ومنهم الخزرج والأوس واليهود منهم بالمدينة كانوا إذا تحاربوا فأسر بعضهم بعضا، كانت تجتمع كل طائفة فتفتدي الأسير منها، وإذا تقاتلوا فقتل بعضهم بعضا كانت تجتمع كل طائفة فتؤدي العقل أي دية القتيل الى أهله. ونفهم أن الأنصار من الأوس كانوا أقل من الخزرج، وأن الأنصار من الخزرج كانوا على طوائف: بني عوف، وبني ساعدة، وبني الحارث، وبني جشم، وبني النجار - ومنهم آمنة بنت وهب ام الرسول فهم أخواله - وبني عمرو بن عوف، وبني النبيت، وبني الأوس. ونفهم أن الأوس كان منهم يهود، وأن الخزرج كذلك كان منهم يهود من طوائف: بني النجار، وبني عوف، وبني الحارث، وبني ساعدة، وبني جشم وبني ثعلبة ومنهم بنو جفنة، وبني الشطيبة. ونفهم أن هذه المعاهدة تركت المهاجرين من قريش على ربعتهم أي
= مكاتيب الرسول 1: 241 ومصادر اخرى ذكرها البروفيسور محمد حميد الله مستوفى في كتابه القيم: مجموعة الوثائق السياسية، ونقلها الأحمدي 1: 242. (1) مكاتيب الرسول 1: 261 و 263. (*)
[ 66 ]
حالتهم التي جاءهم الاسلام وهم عليها من فداء الاسراء وعقل القتلى أي ديتهم، وكذلك تركت الأنصار من الأوس والخزرج واليهود منهم على ربعتهم أيضا، لم تغير من ذلك شيئا. ونفهم أن القود أي القصاص كان مقررا وأقرته هذه المعاهدة، إلا أن
يرضى ولي المقتول، إلا أنها استثنت قتل المؤمن قصاصا بكافر. وكذلك قررت المعاهدة قصاص الجراحة أيضا. ونفهم أن البينة بمعنى الشهادة البينة كانت مفهومه وأقرتها المعاهدة في القتل. وطبيعي بعد هذه المعاهدة أن البينة تقام عند النبي أو من أقره لذلك حاكما أو قل قاضيا، أو من تراضى به الخصمان فترافعا إليه، مع سكوت المعاهدة عن ذلك. ونفهم أن الغزو والقتال في سبيل الله كانا قائمين، وقررت المعاهدة أنه إذا غزت جماعة غزوا فعليهم أن يعقب بعضهم بعضا في الغزو على العدل والتساوي، فلا يسلم جمع من المؤمنين عن القتال في سبيل الله دون جمع آخرين (1). وأنه يجوز أن يجير مؤمن - ولو من أدنى المؤمنين - كافرا. ولكن ليس له أن ينصر كافرا - ولو ولده - على مؤمن، ولا أن ينصر محدثا ولا أن يؤويه. أما الكفار المشركون في المدينة ومن حولها من الأعراب فلا يجوز لأحدهم أن يجير نفسا من مشركي قريش ولا مالا له، فيحول دونه أو دون
(1) هذا هو الظاهر من هذه المعاهدة، وإلا فمن المستبعد جدا أن تتحدث هذه المعاهدة عن ذلك من دون أن يكون قد بدئ به والغريب أن ابن اسحاق - وتبعه ابن هشام - ذكر هذه المعاهدة قبل ذكر السرايا والغزو، بل يبدو لي أن هذه المعاهدة كانت بعد عقد الاخوة بين المهاجرين أولا وبين المهاجرين والأنصار ثانيا، وهذه في الرتبة الثالثة، ولذلك جعلتها هنا بعد الاخوة وبدء السرايا. (*)
[ 67 ]
ماله على مؤمن (1). واشترطت المعاهدة على اليهود: 1 - أن إذا حارب أحد أهل هذه الصحيفة أو دهم يثرب فعلى اليهود النصح
والنصر بنفقتهم. على كل اناس حصتهم التي من جانبهم. 2 - وأنه إذا دعي المسلمون الى صلح فدعى المسلمون اليهود إليه كان عليهم أن يستجيبوا لذلك. 3 - وأن لا يجيروا قرشيا ولا من نصرها. 4 - وأن لا يجيروا حرمة من غير قريش والمحاربين الا بإذن أهلها. 5 - وأنهم إذا اختلفوا في شئ فمرده الى محمد رسول الله. واشترطت المعاهدة لهم: 1 - أن من تبعنا من اليهود فان له اسوة بغيره من المسلمين وله النصر على المسلمين بنفقتهم ولا يتناصر عليه. 2 - وأن لهم أن يجيروا غير قريش والمحاربين بشرط أن يكون الجوار بإذن أهل الداخل في الجوار. 3 - وأن لهم أن يصالحوا غير قريش والمحاربين ولهم ذلك على المؤمنين. وتوكيدا للأمن بين المسلمين واليهود حرم الرسول في المعاهدة جوف يثرب على أهل الصحيفة لصالحهم. وبذلك أمن المسلمون - حسب المعاهدة - على أموالهم وذراريهم ودورهم وزروعهم، من أن يتحد اليهود مع المشركين عليهم. وبه وجدوا مجالا لقتال
(1) وهذا يعني انهم كفار حربيون لا أمان لهم من مثلهم، إلا من مؤمن. وهذا يقتضي الاذن في القتال ايضا. (*)
[ 68 ]
المشركين ولنشر الدين. وتحريم النبي لمدينة " يثرب " إما ضمن هذه المعاهدة أو مستقلا كان مكتوبا في أديم خولاني عند رافع بن خديج جابه به مروان بن الحكم لما ذكر حرمة
مكة (1). ولا يذكر ابن اسحاق سنده الى المعاهدة، فلعله اكتتبها من رافع بن خديج هذا. ونلاحظ أن اسم المدينة " يثرب " في هذه المعاهدة على ما كان عليه لم يغير، وهذا يتفق مع ما سبق عن أبي قتادة الأنصاري وسهل بن سعد الساعدي: أن الرسول (صلى الله عليه وآله) لما قدم من غزوة تبوك قال: هذه طيبة أسكننيها ربي (2) هذا، وأما بين الاسمين: يثرب أو المدينة ؟ فقد روى ابن اسحاق بسنده عن عروة بن الزبير عن عائشة - وهذا يعني أن ذلك كان بعد قدومها المدينة وزواجها بالرسول - قالت: قدم رسول الله المدينة وهي أوبأ أرض الله من الحمى، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، منهم أبي أبو بكر ومولياه: عامر بن فهيرة وبلال، وكان ذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فدخلت عليهم أعودهم، فدنوت من أبي فقلت: كيف تجدك يا أبت ؟ قال: كل امرئ مصبح في أهله * والموت أدنى من شراك نعله فقلت في نفسي: والله ما يدري أبي ما يقول من شدة الوعك وألم المرض. ثم دنوت من عامر بن فهيرة فقلت له: كيف تجدك يا عامر ؟ قال:
(1) كما في مسند أحمد 4: 141. (2) تاريخ المدينة لابن شبة 1: 163، 164. (*)
[ 69 ]
لقد وجدت الموت قبل ذوقه * إن الجبان حتفه من فوقه فقلت في نفسي: والله ما يدري عامر ما يقول. وسمعت بلالا يقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة * بفخ وحولي إذخر وجليل ؟ ! فرجعت وقلت لرسول الله: انهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى،
وذكرت له ما سمعته منهم، فقال: " اللهم حبب الينا المدينة كما حببت الينا مكة أو أشد، وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل وباءها الى مهيعة (1) فصرف الله تعالى ذلك عنهم. وكأنه استبدل بهذه المناسبة اسمها من يثرب - بمعنى المتقطع أو الموبوء - الى المدينة، تفاؤلا باستبعاد الوباء والحمى عنها، كما ابعد عنها اسمها المتضمن لذلك المعنى المكروه. رأس المنافقين: ولعل ممن أصابته هذه الحمى من أصحاب رسول الله من غير المهاجرين سعد بن عبادة، وقد مر خبر عروة عن عائشة أنها عادت أباها ومولييه ولم يرو عنها عيادة النبي لهم، ولكنه روى عن اسامة بن زيد عيادة الرسول لسعد بن عبادة قال: ركب رسول الله الى سعد بن عبادة يعوده من شكوى أصابته، على حمار مخطوم بخطام من الليف فوقه قطيفة فدكية، فركبه وأردفني خلفه. فمر في طريقه الى سعد على عبد الله بن ابي ابن سلول وهو في ظل وحوله رجال من قومه منهم عبد الله بن رواحة في رجال من المسلمين، فلما رآه رسول الله كره أن يتجاوزه ولا ينزل إليه. فنزل وسلم وجلس قليلا. ثم تلا القرآن ودعا الى الله عزوجل وذكر الله وحذر وبشر وأنذر، وابن ابي ساكت لا يتكلم، حتى إذا فرغ
(1) سيرة ابن هشام 2: 238، 239. والمهيعة: الطريق الواسع. (*)
[ 70 ]
رسول الله من مقالته، قال: يا هذا إنه لا أحسن من حديثك هذا - إن كان حقا - ! فاجلس في بيتك ! فمن جاءك له فحدثه اياه، ومن لم ياتك فلا تغشه به، ولا تأته في مجلسه بما يكره منه !. فقال عبد الله بن رواحة: بلى فاغشنا به وائتنا في مجالسنا ودورنا وبيوتنا ! فهو والله مما نحب ومما اكرمنا الله به وهدانا له ! فقال عبد الله بن ابي:
متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل * تذل ويصرعك الذين تصارع فقام رسول الله حتى دخل على سعد بن عبادة وفي وجهه الغضب. فقال سعد: والله - يا رسول الله - إني لأرى في وجهك شيئا، لكأنك سمعت شيئا تكرهه ؟ ! قال: أجل. ثم أخبره بما قال ابن ابي. فقال سعد: يا رسول الله أرفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإنا لننظم له الخرز لنتوجه، فوالله إنه ليرى أن قد سلبته ملكا (1). وروى ابن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة: أن رسول الله لما قدم المدينة كان عبد الله بن ابي بن سلول العوفي لا يختلف عليه في شرفه من قومه اثنان. وإذ كان معه من الأوس رجل مثله شريفا مطاعا في قومه هو أبو حنظلة عبد عمرو بن صيفي، واذ كان هذا مع ابن ابي لذلك اجتمعت عليه الأوس والخزرج لم تجتمع على رجل من أحد الفريقين غيره قبله ولا بعده، فكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم. وبينما هم على ذلك إذ جاءهم الله تعالى برسوله فانصرف قومه عنه الى الاسلام، فكان يرى أن رسول الله قد استلبه ملكا فضغن عليه، ولكنه لما رأى
(1) سيرة ابن هشام 2: 236، 237 بتصرف. (*)
[ 71 ]
أن قومه دخلوا في الاسلام مصرين عليه دخل هو فيه كارها مصرا على الضغن والنفاق. وأما أبو حنظلة - غسيل الملائكة - المعروف بأبي عامر فانه لما رأى أن قومه الأوس اجتمعوا على الاسلام، أتى رسول الله - كما حدث جعفر بن عبد الله - فقال له:
ما هذا الدين الذي جئت به ؟ قال: جئت بالحنيفية دين ابراهيم. وكان أبو حنظلة قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح حتى كان يقال له الراهب فقال: فأنا عليها ! قال رسول الله: انك لست عليها. قال: بلى ! وانك يا محمد قد أدخلت في الحنيفية ما ليس منها ! قال رسول الله: ما فعلت، ولكني جئت بها بيضاء نقية. قال: الكاذب منا أماته الله طريدا غريبا وحيدا، يعرض برسول الله. قال رسول الله: أجل من كذب فعل الله به ذلك. فقام وانصرف. ثم خرج من المدينة مع بضعة عشر رجلا من قومه من المدينة الى مكة (1). وقد عد ابن اسحاق عددا من منافقي الأوس والخزرج:
(1) سيرة ابن هشام 2: 234، 235 وتمام الخبر: فلما افتتح رسول الله مكة خرج الى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام ولم يلحقه من جاء معه من قومه ولكن لحقه رجلان من الطائف: كنانة بن عبد ياليل الثقفي وعلقمة بن علاثة بن كلاب، فمات أبو حنظلة بالشام طريدا غريبا وحيدا عن قومه كما دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله). (*)
[ 72 ]
منافقو الأوس والخزرج: فمن الأوس: زوي بن الحارث، وجلاس بن سويد بن الصامت، واخوه الحارث بن سويد، وبجاد بن عثمان، ونبتل بن الحارث وعبد الله بن نبتل، وابو حبيبة بن الأزعر، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وعباد بن حنيف - أخو سهل بن حنيف - وعمرو بن خذام، ويخزج، وجارية بني عامر، وابناه زيد
ومجمع، ووديعة بن ثابت، وخذام بن خالد، وبشر ورافع ابنا زيد. ومربع بن قيظي، واخوه أوس بن قيظي، وحاطب بن امية، وبشير بن ابيرق، وحليفه قزمان، ويتهم معهم الضحاك بن ثابت. خمسة وعشرون رجلا. ومن الخزرج: رافع بن وديعة، وزيد بن عمرو، وعمرو بن قيس وكان صاحب آلهة في الجاهلية، وقيس بن عمرو بن سهل، والجد بن قيس، ووديعة، ومالك بن أبي قوقل، وسويد، وداعس، وهم رهط عبد الله بن ابي بن سلول (1) وهؤلاء عشرة، فهم أقل من الأوس وكان هؤلاء المنافقون يحضرون المسجد فيستمعون أحاديث المسلمين ويسخرون ويستهزئون بدينهم. فاجتمع يوما ناس منهم في المسجد، ورآهم رسول الله قد لصق بعضهم ببعض يتحدثون بينهم خافضي أصواتهم. فأمر رسول الله من حضره من أصحابه باخراجهم من المسجد إخراجا عنيفا. وكانوا ستة، اربعة من بني النجار من الخزرج (رهط النبي) هم: عمرو بن قيس، ورافع بن وديعة، وزيد بن عمرو، وقيس بن عمرو بن سهل، وواحد من
(1) سيرة ابن هشام 2: 166 - 173، وذكر لكثير منهم أحداثهم، ولكنها تتعلق بغير هذا الموضع من التاريخ فأجلناها الى مواضعها في السيرة. (*)
[ 73 ]
الأوس هو زوي بن الحارث. وآخر لم يذكر من أيهم: الحارث بن عمرو (ويرجح أنه من الخزرج). فأما زوي بن الحارث، فقد قام إليه رجل من اخوانه الأوس فأفف له وقال له: غلب عليك الشيطان وأمره، وأخرجه من المسجد اخراجا عنيفا. وأما الحارث بن عمرو فقد قام إليه عبد الله بن الحارث الخزرجي الخدري من رهط أبي سعيد الخدري، فأخذ بجمة الرجل فسحبه بها سحبا عنيفا حتى
أخرجه من المسجد، وقال له: لا تقربن مسجد رسول الله فانك نجس. وقام الى الأربعة من بني النجار ثلاثة منهم هم: مسعود بن أوس، وعمارة ابن حزم، وخالد بن يزيد أبو أيوب الأنصاري. فقام أبو أيوب الى عمرو بن قيس - وهو صاحب آلهتهم في الجاهلية - فأخذ برجله فسحبه حتى أخرجه وهو يقول: أتخرجني - يا أبا أيوب - من مربد بني ثعلبة ! ثم أقبل أبو أيوب الى رافع بن وديعة فلطم وجهه ثم لببه بردائه اجتذبه جذبا شديدا حتى أخرجه من المسجد وهو يقول له: اف لك منافقا خبيثا، أدراجك يا منافق من مسجد رسول الله. وقام عمارة بن حزم الى زيد بن عمرو، وكانت له لحية طويلة، فأخذ عمارة بلحية زيد فقاده بها قودا عنيفا حتى أخرجه من المسجد، ثم جمع يديه فدفعه في صدره دفعة خر منها الى الأرض، وهو يقول له: أبعدك الله يا منافق ! فما أعد الله لك من العذاب أشد من ذلك، فلا تقربن مسجد رسول الله. وقام أبو محمد مسعود بن أوس الى قيس بن عمرو بن سهل، وكان غلاما
[ 74 ]
شابا، فجعل أبو محمد يدفع في قفاه حتى أخرجه من المسجد (1). المنافقون من اليهود: قال ابن اسحاق: وممن أظهر الاسلام وهو منافق من أحبار اليهود من بني قينقاع: سعد بن حنيف، وزيد بن اللصيت، ونعمان بن أوفى، وأخوه عثمان بن أوفى، ورافع بن حريملة، ورفاعة بن زيد، وسلسلة بن برهام، وكنانة بن صوريا (2). نزول سورة البقرة:
قال ابن اسحاق: بلغني أن صدر سورة البقرة الى المئة منها (3). نزل في هؤلاء المنافقين من أحبار اليهود والأوس والخزرج. * (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) * يعني
(1) سيرة ابن هشام 2: 175، 176 ويلاحظ أن الرسول بدأ برهطه من قبل امه من بني النجار واستعان عليهم من قومهم، وهي حكمة منسجمة مع العرف السائد يومئذ، بل الى يومنا هذا. (2) سيرة ابن هشام 2: 174، 175. (3) هي قوله سبحانه: * (أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم، بل اكثرهم لا يؤمنون) * وبعدها قوله: * (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين اوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) * مما ظاهره وحدة السياق، وقد نقل ابن اسحاق ما يقتضي ذلك كذلك أيضا، بل استمر في سياق الآيات بشأن اليهود الى الآية المئة والسبعين. كما سيأتي ذلك. وروى في " فتح الباري " 8: 130 عن عائشة قالت: نزلت سورة البقرة وأنا عنده. (*)
[ 75 ]
المنافقين من الأوس والخرزج ومن كان على أمرهم * (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * في قلوبهم مرض) * أي شك * (فزادهم الله مرضا) * شكا. * (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون * وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا انما نحن مصلحون) * أي انما نريد الاصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب ! * (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون * وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون * وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا الى شياطينهم) * الذين يأمرونهم
بتكذيب الحق وخلاف ما جاء به الرسول * (قالوا انا معكم) * على مثل ما انتم عليه * (انما نحن مستهزئون) * نستهزئ بالقوم ونلعب بهم * (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون * اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) * اي الكفر بالايمان * (فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) *. ثم ضرب لهم مثلا فقال تعالى: * (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) * اي لما خرجوا من ظلمة الكفر بنور الحق أطفأوه بنفاقهم فيه، فتركهم الله في ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون عليه * (صم بكم عمي) * عن الخير فهم لا يصيبون نجاة ولا يرجعون الى خير ما داموا على ما هم عليه * (أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين) * أي إنهم بالنظر الى ظلمة ما هم فيه من الكفر، والحذر من القتل لما هم عليه، كالذي هو في ظلمة المطر الصيب يجعل أصابعه في اذنيه من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين * (يكاد البرق يخطف أبصارهم) *
[ 76 ]
لشدة ضوء الحق * (كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا) * اي كلما عرفوا الحق تكلموا به وإذا ارتكسوا في الكفر قاموا متحيرين * (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) * لما تركوا من الحق بعد معرفته * (إن الله على كل شئ قدير) *. ثم قال للفريقين من الكفار والمنافقين جميعا: * (يا أيها الناس اعبدوا) * أي وحدوا * (ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) * أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا
تضر ولا تنفع وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق لا شك فيه. * (وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين * فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين) * أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر. ثم رغبهم وحذرهم نقض الميثاق الذي أخذ عليهم (اليهود) لنبيه، وذكر لهم بدء خلقهم حين خلقهم وشأن أبيهم آدم (عليه السلام) وكيف صنع به حين خالف عن طاعته (1). ويفهم من سياق الآيات أن هناك أسبابا لنزولها. فمنها: ما يفهم من سياق الآية: 26: * (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) *: أن
(1) سيرة ابن هشام 2: 177 - 181. (*)
[ 77 ]
الذين كفروا وجهروا بالكفر أو نافقوا كانوا قد سمعوا الآية 41 من سورة العنكبوت المكية: * (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) * فقالوا: ماذا أراد الله من ذكر هذا ؟ (1) أو إن الله أجل من أن يضرب مثلا (2) فرد الله عليهم بهذه الآية من سورة البقرة. ومنها: أن اليهود كانوا يزعمون جهلا أنهم إذا أقروا برسول الله لزمهم الاقرار، والا فان لهم الانكار، ولذلك كانوا يتواصون بالانكار وأن لا يتحدثوا الى المسلمين بما فتح الله للمسلمين على اليهود برسول الله بعد أن كانوا هم (اليهود)
يستفتحون به على غيرهم من العرب في يثرب. وكأنهم إذا تحدثوا الى المسلمين بذلك قامت الحجة عليهم بذلك، وان لم يتحدثوا إليهم بذلك لم يكن علمهم بذلك حجة عليهم ! فرد الله عليهم بقوله سبحانه: * (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم الى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون * أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) * (3). روى الطوسي في " التبيان " عن الباقر (عليه السلام) قال: كان قوم من اليهود ليسوا بالمعاندين المتواطئين إذا لقوا المسلمين حدثوهم بما في التوراة من صفة محمد (صلى الله عليه وآله) فنهاهم كبراؤهم عن ذلك وقالوا: لا تخبروهم بما (فتح الله عليكم) في
(1) التبيان 1: 111 عن قتادة. وأرى أن إضافة الذباب إلى العنكبوت من خطأ الرواة إذ أن الذباب في سورة الحج المدنية المتأخرة عن البقرة بكثير. (2) التبيان 1: 111 عن ابن عباس وابن مسعود. (3) البقرة: 76 و 77 والخبر في سيرة ابن هشام 2: 185 بالمعنى. (*)
[ 78 ]
التوراة من صفة محمد (صلى الله عليه وآله) فيحاجوكم به عند ربكم. فنزلت الآية (1). وروى العياشي في تفسيره عن الصادق (عليه السلام) قال: كانت اليهود تجد في كتبها: أن مهاجر محمد - عليه الصلاة والسلام - ما بين احد وعير (جبل بالمدينة) فخرجوا يطلبون الموضع، فمروا بجبل يسمى حدادا (وحوله فدك وخيبر وتيماء) فقالوا: حداد واحد سواء، فتفرقوا عنده فنزل بعضهم بفدك، وبعضهم بخيبر، وبعضهم بتيماء (على عشر مراحل من المدينة). ثم مر أعرابي من قيس بالذين كانوا في تيماء فقال لهم: أمر بكم ما بين احد وعير. فاستأجروا منه إبله، فلما توسط بهم أرض المدينة قال لهم: ذاك عير وهذا
احد. فنزلوا عن ظهر إبله وقالوا له: قد أصبنا بغيتنا فلا حاجة لنا في ابلك، فاذهب حيث شئت. ثم كتبوا الى اخوانهم الذين بفدك وخيبر: إنا قد أصبنا الموضع فهلموا الينا. فكتبوا (جوابا) إليهم: انا قد استقرت بنا الدار، واتخذنا الأموال، وما أقربنا منكم، فإذا كان ذلك فما أسرعنا اليكم. ولما كثرت أموال هؤلاء بأرض المدينة وبلغ ذلك تبع الحميري غزاهم، فتحصنوا منه، فحاصرهم، فكانوا يرقون لضعفاء أصحاب تبع فيلقون إليهم بالليل التمر والشعير. فبلغ ذلك تبع، فرق لهم وأمنهم، فنزلوا إليه. فخلف فيهم الحيين: الأوس والخزرج، فلما كثروا كانوا يتناولون أموال اليهود فكانت اليهود تقول لهم: أما لو بعث محمد لنخرجنكم من ديارنا وأموالنا (2).
(1) التبيان 1: 316 ونقله في مجمع البيان 1: 286. (2) تفسير العياشي 1: 49، 50. (*)
[ 79 ]
وروى القمي في تفسيره بسنده عن الصادق (عليه السلام) أيضا قال: كانت اليهود تقول للعرب قبل مجئ النبي: أيها العرب، هذا أوان نبي يخرج بمكة وتكون هجرته الى هذه المدينة (يثرب) وهو آخر الأنبياء وأفضلهم، في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوة، يلبس الشملة ويجتزئ بالكسرة والتميرة، ويركب الحمار العاري، وهو الضحوك القتال، يضع سيفه على عاتقه ولا يبالي بمن لاقى، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر، وليقتلنكم الله به يا معشر العرب قتل عاد !. فلما بعث الله نبيه بهذه الصفة حسدوه وكفروا به كما قال الله (1). ومنها: أن اليهود - كما مر - كانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع، وهم
حلفاء الخزرج، وطائفتا النضير وقريظة وهم حلفاء الأوس. وكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت بنو النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل فريق حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم وبأيديهم، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم تصديقا لما في التوراة وأخذا به، يفتدي بنو قينقاع من كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي بنو النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج، ويبطلون ما أصابوا من الدماء وما قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لاهل الشرك عليهم، فأنبهم الله بذلك فقال: * (واذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون * ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان وان يأتوكم اسارى تفادوهم وهو محرم عليكم اخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى أشد العذاب
(1) تفسير القمي 1: 33. (*)
[ 80 ]
وما الله بغافل عما تعملون * اولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) * (1). ثم كر القرآن الكريم على استفتاح اليهود على الكفار بالنبي المختار فقال: * (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين *... فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين) * (2). وروى الطوسي في " التبيان ": عن ابن عباس قال: كان معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور قد قالا لليهود: اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون
علينا بمحمد ونحن أهل شرك - وتخبرونا بأنه مبعوث. فقال لهما سلام بن مشكم من بني النضير: ما جاء بشئ نعرفه وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فانزل الله ذلك (3). ومنها: ما في قوله سبحانه: * (قل من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك) * فان السياق - قال العلامة الطباطبائي -: يدل على أن الآية نزلت جوابا عما قالته اليهود، وأنهم تابوا واستنكفوا عن الايمان بما انزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعللوه بأنهم عدو لجبريل النازل بالوحي إليه (4).
(1) البقرة: 84 - 86 والخبر في التبيان 1: 336 ومجمع البيان 1: 303 عن عكرمة عن ابن عباس. وفي سيرة ابن هشام 2: 188. (2) البقرة: 89 و 90. (3) التبيان 1: 345 ومجمع البيان 1: 310 وفي سيرة ابن هشام 2: 196. (4) الميزان 1: 229، وروى الطوسي في " التبيان " وعنه الطبرسي في " مجمع البيان " عن ابن عباس وفي " الاحتجاج " عن العسكري (عليه السلام): أن سبب نزول الآية هو أن ابن صوريا = (*)
[ 81 ]
= وجماعة من أهل فدك لما قدم النبي الى المدينة قدموا إليه فسألوه فقالوا: كيف نومك ؟ فقد اخبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في آخر الزمان. فقال: تنام عيناي وقلبي يقظان. فقالوا: صدقت يا محمد. فأخبرنا عن الولد يكون من الرجل أو من المرأة ؟ فقال: أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل، وأما اللحم والدم والظفر والشعر فمن المرأة. قالوا: صدقت يا محمد. فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه من شبه أخواله شئ، أو يشبه أخواله ليس فيه من شبه أعمامه شئ ؟
فقال: أيهما علا ماؤه كان الشبه له. قالوا: صدقت يا محمد. فأخبرنا عن ربك ما هو ؟ (قال: قد) أنزل الله تعالى: * (قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد) *. فقال ابن صوريا: خصلة واحدة ان قلتها آمنت بك واتبعتك: أي ملك يأتيك بما ينزل الله لك ؟ قال: جبريل. قالوا: ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة والحرب، وميكائيل ينزل باليسر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك آمنا بك. فأنزل الله عزوجل هذه الآية. كما في التبيان 1: 363 وعنه في مجمع البيان 1: 325 عن ابن عباس وفي الاحتجاج 1: 46 - 48 عن العسكري (عليه السلام). وفيها: فأنزل الله: * (قل هو الله أحد) *. بينما هي مكية من الأوائل. وفي آخر الخبر: فأنزل الله هذه الآية. بينما مر عن ابن اسحاق قوله: بلغني أن صدر السورة الى المئة منها نزل في المنافقين. وهذه الآية من قبل المئة، فالمعنى أن هذه الآيات كلها نزلت بعد هذه الحوادث تشير إليها، لا أنها نزلت واحدة فواحدة. ونقل قريبا من شأن النزول هذا ابن اسحاق 2: 191. ولكن سيأتي في سياق حوادث السنة الرابعة خبر آخر عن الباقر (عليه السلام) بشأن لقاء ابن صوريا ورسول الله قريب من هذا. (*)
[ 82 ]
واختصر الخبر القمي في تفسيره قال: نزلت في اليهود الذين قالوا لرسول الله: إن لنا في الملائكة أصدقاء وأعداء. فقال رسول الله: من صديقكم ومن عدوكم ؟ فقالوا: جبرئيل عدونا، لأنه يأتي بالعذاب، ولو كان الذي ينزل عليك
القرآن ميكائيل لآمنا بك، فان ميكائيل صديقنا، وجبرئيل ملك الفضاضة والعذاب، وميكائيل ملك الرحمة. فأنزل الله الآية (1). وفي الآية التاسعة والتسعين: * (ولقد أنزلنا اليك آيات بينات وما يكفر بها الا الفاسقون) * روى الطوسي في " التبيان " عن ابن عباس قال: ان ابن صوريا القطراني (2) قال لرسول الله: يا محمد ما جئتنا بشئ نعرفه، وما انزل عليك من آية بينة فنتبعك لها. فأنزل الله في ذلك الآية (3). وفي الآية المئة: * (أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل اكثرهم لا يؤمنون) * قال ابن اسحاق: لما بعث رسول الله وهاجر وذكر لليهود ما اخذ عليهم من الميثاق وما عهد الله إليهم فيه، قال مالك بن الضيف: والله ما عهد الينا في محمد عهد، وما اخذ له علينا من ميثاق ! فأنزل الله فيه الآية (4).
(1) تفسير القمي 1: 54. (2) وفي سيرة ابن هشام 2: 196: ابن صلوبا الفطيراني. واسقط الطبرسي اللقب. (3) التبيان 1: 365 ومجمع البيان 1: 327 بحذف اللقب. (4) سيرة ابن هشام 2: 196. (*)
[ 83 ]
ومنها: ما يلوح من قوله سبحانه: * (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر...) * (1). ولم يعهد عن اليهود أنهم كانوا يكفرون سليمان. والكفر في الآية حسب سياقها كفر السحر، كما في الحديث: " الساحر كالكافر " واليهود كانوا ينسبون السحر الى سليمان. والسبب في ذلك ما رواه القمي في تفسيره بسنده عن الباقر (عليه السلام) قال: لما هلك سليمان بن داود وضع ابليس السحر وكتبه في كتاب ثم طواه وكتب على
ظهره: " هذا ما وضع آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم " (وفيه) من أراد كذا وكذا فليفعل كذا وكذا. ثم دفنه تحت السرير، ثم استثاره لهم فقرأوه. فقال الكافرون: ما كان سليمان يغلبنا الا بهذا، وقال المؤمنون: بل هو عبد الله ونبيه (2). فكان اليهود لا يرون السحر كفرا بل حلالا كان يعمل به سليمان بن داود، وان كانوا يرونه لذلك ملكا - كما مر في الخبر - لا نبيا رسولا، بل ينكرون ذلك على من يقول به. هذا " وقد استعظم الله قدر سليمان في مواضع من كلامه في عدة من السور المكية النازلة قبل هذه السورة: كسورة الأنعام، والأنبياء، والنمل، وص، وفيها أنه كان عبدا صالحا بل نبيا مرسلا آتاه الله العلم والحكمة ووهب له من الملك ما لا ينبغي لأحد من بعده، فلم يكن ساحرا " (3) ولم يكن قد غلبهم بذلك السحر.
(1) البقرة: 102. (2) تفسير القمي 1: 55. ورواه العياشي أيضا 1: 52. (3) الميزان 1: 235. (*)
[ 84 ]
ولذلك قال بعض أحبار اليهود - كما نقله الشيخ الطوسي عن ابن اسحاق - ألا تعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان نبيا ؟ ! والله ما كان الا ساحرا (1) قال: وروي عن الربيع: أن اليهود سألوه (صلى الله عليه وآله) عن السحر وخاصموه فيه، فأنزل الله الآية (2) فقالت: * (وما كفر سليمان) * باتباعه السحر والعمل به * (ولكن الشياطين كفروا) * باتباعهم السحر وعملهم به (3). ومنها: ما يفهم من قوله سبحانه: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب اليم) * وكأن في كلمة " راعنا " شئ من
النقيصة والوقيعة والفساد والسباب والشتيمة، كما روى الطوسي في " التبيان " عن الباقر (عليه السلام) قال: هذه الكلمة سب بالعبرانية، واليه كان (اليهود) يذهبون. وقال المغربي: فبحثت عن ذلك فوجدتهم يقولون: راع رنا - بتفخيم النون واشمامها - بمعنى الفساد والبلاء. وكان المسلمون يقولون: يا رسول الله راعنا من المراعاة أي راعنا سمعك حتى نفهمك وتفهم عنا. فلما عوتب اليهود على ذلك قالوا: انا نقول كما يقول المسلمون. فنهى الله المسلمين عن ذلك وقال: قولوا عوضها: انظرنا اي انظر الينا (4). ومنها: ما يفهم من قوله سبحانه: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير ألم تعلم أن الله له ملك السموات
(1) التبيان 1: 371 وفي سيرة ابن هشام 2: 192. (2) التبيان 1: 370 ومجمع البيان 1: 336. (3) سيرة ابن هشام 2: 192 وبه قال الشيخان الطوسي والطبرسي عن قتادة وابن جبير عن ابن عباس. (4) التبيان 1: 389 بتصرف، كما في مجمع البيان 1: 343 بتصرف. (*)
[ 85 ]
والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) * (1) وحسب السياق السابق كأنه كان مما اعترض به اليهود على رسول الله نسخ بعض الآيات. والآية السابقة هي قوله سبحانه: * (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) * وقد روى الطوسي في " التبيان " أنه سبحانه أراد بالخير والرحمة هنا النبوة (2). وقد مر أن اليهود جحدوا النبوة حسدا عليها أن يؤتيها الله العرب من ولد
اسماعيل على خلاف المعهود لديهم أن تكون النبوة في بني اسرائيل ذرية يعقوب ابن اسحاق بن ابراهيم. وعليه فالآيات الثلاث مترابطة تقول: إن الكافرين من أهل الكتاب (اليهود) لا يودون أن ينزل خير النبوة عليكم (يا بني اسماعيل دون بني اسرائيل) بينما الله يختص برحمته ومنها النبوة من يشاء، وأية آية ننسخها (بشأن النبوة في بني اسرائيل) نؤت بخير منها (في بني اسماعيل) إذ له ملك السموات والأرض وهو على كل شئ (من التكوين والتشريع) قدير (3). ومنها: ما يفهم من قوله سبحانه: * (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سواء السبيل) * (4). وقد روى الطوسي في " التبيان " عن ابن عباس قال: قال رافع بن حريملة
ووهب بن زيد لرسول الله: ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرأه، وفجر لنا أنهارا، نتبعك ونصدقك، فأنزل الله في ذلك الآية (1). ويؤيده قوله سبحانه في سورة النساء: * (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى اكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة) * (2). ومنها: ما يفهم من قوله سبحانه: * (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شئ قدير) * (3).
وقد روى الطوسي في " التبيان " عن ابن عباس أنهم حيي بن اخطب وأبو ياسر بن أخطب (4) وفي الآية: أن الحق قد تبين لهم، ولذلك اكمل الخبر الطبرسي: أنهما حينما قدم النبي المدينة دخلا عليه، فلما خرجا قيل لحيي: أهو النبي ؟ قال: هو هو. فقيل له: فما له عندك ؟ قال: العداوة الى الموت (5). وقد مر الخبر عن ابن اسحاق، وهنا أيضا قال ابن اسحاق بذلك وأضاف: وكانا جاهدين في رد الناس عن الاسلام بما استطاعا (6). ومنها: ما يفهم من الآيتين من قوله سبحانه: * (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها اولئك ما كان لهم أن يدخلوها الا خائفين
(1) التبيان 1: 402 ومجمع البيان 1: 351 وفي سيرة ابن هشام 2: 197. (2) النساء: 153. والغريب أن الميزان الذي اختاره الطباطبائي لتفسير القرآن بالقرآن لم يطبقه هنا بل قال: إن سياق الآية تدل على أن بعض المسلمين سألوه. الميزان 1: 259. (3) البقرة: 109. (4) التبيان 1: 405. (5) مجمع البيان 1: 353. (6) سيرة ابن هشام 2: 197. (*)
[ 87 ]
لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم * ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم) * (1). هاتان الآيتان الرابعة عشرة والخامسة عشرة بعد المئة من سورة البقرة، وآيات تحويل القبلة هي الآيات التسعة من 142 الى 150، فبين هذه الآية هنا وتلك الآيات خمس وعشرون آية في معاني اخرى. وعليه: فمن المستبعد أن تكون هذه الآية ردا على اليهود لما انكروا تحويل
القبلة الى الكعبة، كما رواه الطوسي في " التبيان " عن ابن عباس (2). وأبعد منه ما نقله عن قتادة وابن زيد: أنه كان للمسلمين التوجه بوجوههم في الصلاة الى حيث شاؤوا، ثم نسخ ذلك بقوله: * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) * (3) وانما كان النبي اختار التوجه الى بيت المقدس (4) بينما الله يقول: * (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) * (5). بل الأوجه ما ذكره الطوسي أيضا: أنها نزلت في قوم صلوا في ظلمة وقد خفيت عليهم جهة القبلة، فلما أصبحوا إذا هم صلوا الى غير القبلة (6) ورواه الطبرسي عن جابر قال: بعث رسول الله سرية كنت فيها فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة هي ها هنا، قبل الشمال، فصلوا. وقال بعضنا: بل القبلة ها هنا، قبل الجنوب، فلما أصبحوا وطلعت الشمس
أصبحت الخطوط لغير القبلة. فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي عن ذلك فسكت، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) فلعلها كانت في بعض السرايا السابقة - قبل تحويل القبلة من بيت المقدس في الشام - في مشرق المدينة الى الكعبة في جنوبها، كما يأتي تفصيله. ولو كانت الآية - كما روى الطوسي عن ابن عباس - ردا على اليهود،
فليس لانكارهم تحويل القبلة الى الكعبة، بل لانكارهم تحويل القبلة من الكعبة في بدء البعثة الى بيت المقدس في الشام بعد ذلك. والجواب * (لله المشرق والمغرب) * يتكرر عند تحويل القبلة الى الكعبة: * (قل لله المشرق والمغرب) * (2) ولكنه يصلح في المقامين، فكأنه كان هناك فاصل زمني بين اعتراض اليهود على ذلك وبين تحويل القبلة. وكأن الآية السابقة تقول: إنما منع مشركو مكة رسول الله من أن يذكر الله بالصلاة الى الكعبة في المسجد الحرام لاحتجاجهم على الرسول أنه يصلي الى الأصنام المنصوبة في الكعبة وحولها وعليها، وانما كان ذلك ظلما منهم، فهل أنتم اليهود تريدون أن تفعلوا مثل ذلك فتصدوا رسول الله عن الصلاة الى بيت المقدس ؟ ! ولما فعل مشركو مكة ذلك اذن ما يكون لهم أن يتوجهوا للدخول الى المسجد الحرام في مكة الا خائفين بفعل السرايا المرسلة على قوافلهم التجارية في طريقهم الى مكة. والطريف أن السرايا انما كانت تخوفهم حين توجههم للدخول الى مكة، لا حين خروجهم منها الى الشام. فالآية على هذا تضمنت امضاء بعث السرايا، قبل نزول قوله سبحانه: * (اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا..) * (3)
من سورة الحج المتأخرة النزول بغير قليل. ومنها: ما يفهم من قوله سبحانه: * (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون) * (1).
وقال ابن اسحاق: قال رافع بن حريملة لرسول الله: يا محمد، إن كنت رسولا من الله - كما تقول - فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله تعالى في ذلك الآية (2). وقد نقل الطوسي عن ابن عباس أن المعني بهذه الآية هم اليهود (3) وقد سبق قوله سبحانه: * (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه) * (4). ونقل الطوسي هناك عن ابن عباس أيضا: أنهم الذين اختارهم موسى من قومه، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره، وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم حين رجعوا إليهم (5). وعليه فالذين لا يعلمون والذين من قبلهم من اليهود تشابهت قلوبهم وعقولهم في الجهل. ومنها: ما يفهم من قوله سبحانه: * (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا
قل بل ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين * قولوا آمنا بالله وما انزل الينا وما انزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط وما اوتي موسى وعيسى وما اوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فانما هم في شقاق
فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم * صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون * قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون * أم تقولون إن ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل ءأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون * تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) * (1). وروى الطوسي في " التبيان " عن ابن عباس أنه قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله: ما الهدى الا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد (2) وروى ابن اسحاق مثله وقال: فأنزل الله تعالى في ذلك: * (وقالوا كونوا هودا) * الى قوله سبحانه: * (تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) * (3). وعن الطوسي عن ابن عباس نقله الطبرسي في " مجمع البيان " ولكنه أضاف الى ابن صوريا: كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وجماعة من اليهود (4) وقد
عطف هؤلاء النصارى على اليهود في هذا القول من دون أن يسموا أحدا منهم، ولا أظنه الا مجاراة لعطف الآية النصارى على اليهود. بينما يكفي لعطف النصارى في الآية أن يكونوا يقولون بمثل ما قال اليهود، ولا ضرورة لوقوع القول هذا منهم مع اليهود. وأضافهم الطبرسي الى نجران، ولم يعهد ورود منهم الى المدينة
للمناقشة سوى المباهلة وهي متأخرة عن أوائل الهجرة بغير قليل. وأضاف الطوسي في " التبيان " عن ابن عباس لمناسبة تسمية الأنبياء قال: إن نفرا من اليهود (ولعلهم الذين سماهم الطبرسي) أتوا رسول الله فسألوه عمن يؤمن به من الرسل. فقال: اؤمن بالله وما انزل الينا وما انزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط، وما اوتي موسى وعيسى. فلما ذكر عيسى قالوا: لا نؤمن بعيسى، ولا نؤمن بمن آمن به ! فأنزل الله فيهم الآيات (1). ولعل ابن صوريا هنا قال كلمته تلك، فالظاهر اتحاد القصتين لا تعددهما.
(1) التبيان 1: 481. (*)
[ 93 ]
أهم حوادث السنة الثانية للهجرة
[ 95 ]
اولى الغزوات غزوة الأبواء (1): لا تختلف رواية الواقدي ومن قبله رواية ابن اسحاق في أن غزوة الأبواء هي أول غزوة غزاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفسه، الا أن ابن اسحاق قال: قدم رسول الله المدينة لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول.. فأقام بها بقية شهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر، والجماديين، ورجبا وشعبان، وشهر رمضان، وشوالا، وذا القعدة وذا الحجة والمحرم. ثم خرج غازيا في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه المدينة، حتى بلغ ودان - وهي غزوة الأبواء - يريد قريشا (2). وقال الواقدي: ثم غزا رسول الله في صفر على رأس أحد عشر
(1) الأبواء: من قرى المدينة بعد الجحفة بثلاث وعشرين ميلا = 46 كم - معجم البلدان 1:
92. (2) سيرة ابن هشام 2: 241. (*)
[ 96 ]
شهرا (1) حتى بلغ الأبواء، يعترض لعير قريش، فلم يلق كيدا (ولم يذكر ودان) (2). ولاقى بني ضمرة من كنانة، فوادعه سيدهم مخشي بن عمرو الضمري (3) فكاتبهم على أن لا يعينوا عليه أحدا ولا يكثروا عليه (فكان ثاني عهد بعد عهد اليهود) ثم رجع، فكانت غيبته عن المدينة خمس عشرة ليلة (4) وكان معه في هذه الغزوة علي (عليه السلام) (5) فلعله هو الذي كتب كتاب العهد. فأقام في المدينة بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الأول (6). زواج علي بالزهراء (عليهما السلام) (العقد): واختلفوا في زواج الزهراء بعلي (عليهما السلام)، وأقدم مؤرخ تقدم في زواجها بتاريخ أسبق من غيره هو اليعقوبي قال: زوجها رسول الله من علي بعد قدومه بشهرين، وقد كان جماعة من المهاجرين خطبوها الى رسول الله، فلما زوجها عليا قالوا في ذلك، فقال رسول الله: ما أنا زوجته ولكن الله زوجه (7). وروى الكليني في " روضة الكافي " بسنده عن سعيد بن المسيب في حديث الهجرة قال سعيد: فقلت لعلي بن الحسين: فمتى زوج رسول الله فاطمة من
(1) وانما يختلف الواقدي عن ابن اسحاق في عد بقية ربيع الأول، فالأول لا يدخلها في الحساب والثاني يعدها شهرا. (2) مغازي الواقدي 1: 12. (3) سيرة ابن هشام 2: 241. (4) مغازي الواقدي 1: 12.
(5) الارشاد 1: 79 برواية البختري القرشي. (6) سيرة ابن هشام 2: 241. (7) اليعقوبي 2: 41. (*)
[ 97 ]
علي (عليهما السلام) ؟ قال: بالمدينة بعد الهجرة بسنة، وكان لها يومئذ تسع سنين (1). وينسجم هذا مع ما رواه الطبري عن الواقدي بسنده عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: تزوج علي بن أبي طالب (عليه السلام) فاطمة لليال بقين من شهر صفر من السنة الثانية (2). واكمله في موضع آخر وبنفس السند قال: وبنى بفاطمة (عليها السلام) في ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا (3). وبنفس السند والنص (الا: لليال بقين من) رواه الدولابي في " الذرية الطاهرة " عن الصادق (عليه السلام) (4). وبمعناه قال المسعودي: كان تزويج فاطمة بعلي (عليهما السلام) بعد سنة مضت من الهجرة وقيل أقل من ذلك (5) ثم عين الأقل فقال: وفي شهر صفر من السنة الثانية تزوج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بفاطمة (6) وفي آخر هذه السنة - سنة اثنتين من الهجرة - كان دخول علي بن أبي طالب بفاطمة (7) ثم عين الشهر فقال: في شهر ذي الحجة بنى علي بفاطمة (عليهما السلام) (8) من دون ان يسند ذلك الى
(1) روضة الكافي: 180. (2) الطبري 2: 410. (3) الطبري 2: 485. (4) الذرية الطاهرة: 93 وعنه في كشف الغمة 1: 364 وبتصحيف صفر الى رمضان ! وعنه في بحار الأنوار 43: 92 وبمعناه عن المنتقى في بحار الأنوار 19: 192.
(5) مروج الذهب 2: 282. (6) التنبيه والاشراف: 202. (7) مروج الذهب 2: 288. (8) التنبيه والاشراف: 207. وعن اليوم قال المفيد في " مسار الشيعة " كان ذلك: في أول يوم منه: 53 ط. قم، والطوسي في المصباح، كما في البحار 43: 92. (*)
[ 98 ]
قول الصادق أو الباقر (عليهما السلام). وبمعناه الاصفهاني في " مقاتل الطالبيين " عن الواقدي بسنده عن الباقر (عليه السلام) قال: كان تزويج علي بن أبي طالب بفاطمة في صفر بعد مقدم رسول الله المدينة، وبنى بها بعد رجوعه من غزوة بدر (1) وهذا صريح في أمر شهر صفر أنه الأول بعد الهجرة. ويلاحظ أن الاصبهاني يطابق الطبري في الاسناد عن الواقدي الى الباقر (عليه السلام) بواسطتين هما: أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن اسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، فالطبري يقول: عن أبي جعفر. ويكمل الاصبهاني: عن أبي جعفر محمد بن علي. وينفرد عنهما الدولابي بنفس سند الواقدي الا أنه عن: جعفر بن محمد. وتتفق الروايات الثلاثة في تاريخ الزواج في شهر صفر بعد الهجرة، وينفرد الطبري بقوله: لليال بقين من صفر. بقوله: " وبنى بها في ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا " أي بعد قدومه من بدر بشهرين. ويتوجه هذا أن يكون هو الصحيح من عبارة اليعقوبي " بعد قدومه بشهرين " فلعله سقط منه " من بدر " (2).
(1) مقاتل الطالبيين: 30 وأضاف: ولها يومئذ ثماني عشرة سنة !. وفي بحار الأنوار 43: 92
نقل المجلسي عن الاقبال عن حدائق الرياض للمفيد قال: في ليلة الخميس الحادي والعشرين من المحرم سنة ثلاث من الهجرة كان زفاف فاطمة ! ولم يسنده الى رواية. (2) أما ما انفرد به محمد بن سعد كاتب الواقدي عنه في " الطبقات " وعنه السبط في " التذكرة " عن الباقر (عليه السلام) أيضا قال " تزوج علي فاطمة في رجب بعد الهجرة بخمسة أشهر وبنى بها بعد مرجعه من بدر " فهو مما انفرد به مخالفا لما رووه قويا عن الواقدي نفسه عن الباقر (عليه السلام)، وموافقا للعامة ولا سيما في ذيله: " وفاطمة يومئذ بنت ثمان عشرة سنة " فهو مردود عليه. (*)
[ 99 ]
إذن، فالراجح أن نبني في تاريخ الزواج على تحديد الطبري: لليال بقين من صفر. وفي تاريخ الزفاف على تحديد الدولابي، باضافة تحديد اليوم من " مصباح المتهجد " قال: في أول يوم من ذي الحجة زوج رسول الله فاطمة من أمير المؤمنين (عليهما السلام) (1). وعليه فالفاصل الزمني بين الأمرين كان عشرة أشهر تقريبا، ولعل الاسراع بالعقد عليها كان ليقول الرسول كلمة الفصل في الاجابة على الخطوبات الملحة لها، وعدم الاسراع في زفافها كان نظرا لصغرها ريثما تتعدى طور الصبا وتكبر عنه شيئا ما فتبلغ مبالغ النساء جسدا، وان كانت هي سيدتهن عقلا ونبلا، وحكمة ودراية بالامور، بل هي معصومة عن الرجس والشرور، وعن التقصير والقصور. وإذا كان التاريخ قد ذكر مكث علي (عليه السلام) بمكة لأداء الأمانات لدى رسول الله الى أهلها ثم حمل الفواطم الى المدينة، فانا لا نجد فيه عن منزل هؤلاء الفواطم شيئا يذكر، فهل نزلن أو بعضهن ولا سيما فاطمة ابنة الرسول ثم اختها ام كلثوم على ابيهما في منزل أبي أيوب ؟ أم ماذا ؟
وروى الطبرسي في " إعلام الورى " عن علي بن ابراهيم القمي قال: وكان رسول الله حيث بنى منازله كانت فاطمة (عليها السلام) عنده، فخطبها أبو بكر، فقال له رسول الله: أنتظر أمر الله عزوجل، ثم خطبها عمر فقال له مثل ذلك. فقالوا لعلي: لم لا تخطب فاطمة ؟ قال: والله ما عندي شئ. فقيل له: ان رسول الله لا يسألك شيئا. فجاء الى رسول الله فاستحيا أن يسأله، فرجع. ثم جاءه في اليوم الثاني فاستحيا، فرجع.
(1) بحار الأنوار 43: 92. (*)
[ 100 ]
ثم جاءه في اليوم الثالث. فقال له رسول الله: يا علي، ألك حاجة ؟ قال: نعم يا رسول الله قال: لعلك جئت خاطبا ؟ قال: نعم، يا رسول الله. قال: فهل عندك شئ يا علي ؟ قال: ما عندي شئ - يا رسول الله - الا درعي (1). فزوجه رسول الله على اثنتي عشرة اوقية ونش (2) ودفع إليه درعه (3). وهذا الخبر إذا كان مرفوعا ثم لم يسم القائل لعلي (عليه السلام): لم لا تخطب فاطمة، فان الدولابي في " الذرية الطاهرة " روى بسنده عن الحارث (الهمداني) عن علي (عليه السلام) قال: خطب أبو بكر وعمر الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأبى رسول الله عليهما. فقال عمر: أنت لها يا علي. فقلت: ما لي من شئ الا درعي أرهنها (4). ولعله (عليه السلام) أرهنها وثيقة لاستدانته مبلغ المهر وأدى دينه بعد بدر من سهمه من غنائمها، ثم زفت إليه الزهراء (عليها السلام). وإذا لم يكن في خبر القمي: من قال له: إن رسول الله لا يسألك شيئا، ومن
أين له الدرع ؟ فقد روى الدولابي أيضا بسنده عن مجاهد عن علي (عليه السلام) قال: قالت لي مولاة لي: إن فاطمة قد خطبت، فما يمنعك أن تأتي رسول الله فيزوجك (اياها).
(1) من هنا يعلم أنه كان قد أعد درعا لنفسه للمشاركة في السرايا التي كانت قد بدأت. (2) النش: هو النصف أي ونصف الاوقية، وقد مر في مهر الرسول لخديجة تقديره. (3) إعلام الورى 1: 161 وليس في تفسير القمي. ومعنى الخبر أن المهر كان غائبا على الذمة. (4) الذرية الطاهرة: 93. (*)
[ 101 ]
فقلت: وعندي شئ أتزوج به ؟ فقالت: إنك ان جئت رسول الله زوجك. فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله، وكانت لرسول الله جلالة وهيبة، فلما قعدت بين يديه أفحمت فوالله ما استطعت أن أتكلم. فقال: ما جاء بك ؟ ألك حاجة ؟ فسكت. فقال: لعلك جئت تخطب فاطمة ؟ فقلت: نعم. فقال: فهل عندك شئ تستحلها به ؟ فقلت: لا. فقال: ما فعلت بالدرع التي سلحتكها ؟ فقلت: عندي، ولكنها - والذي نفسي بيده - لحطمية (1) ما ثمنها إلا أربعمئة درهم. قال: قد زوجتكها (بها) فابعث بها. فكان ذلك صداق فاطمة (2).
(1) قال الجزري في النهاية: قال لعلي: اين درعك الحطمية، وأشبه الأقوال أنها منسوبة الى بطن من عبد القيس كانوا يعملون الدروع. (2) الذرية الطاهرة: 94. قال الحلبي في مناقب آل أبي طالب 3: 350: وخطب النبي (صلى الله عليه وآله)
في تزويج فاطمة خطبة رويناها عن الرضا (عليه السلام) ويحيى بن معين في أماليه وابن بطة في الانابة باسنادهما عن أنس بن مالك مرفوعا أنه قال: " الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع في سلطانه، المرغوب إليه فيما عنده، المرهوب من عذابه، النافذ أمره في سمائه وأرضه، خلق الخلق بقدرته، وميزهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، واكرمهم بنبيه محمد. إن الله جعل المصاهرة نسبا لاحقا، وأمرا مفترضا، وشج بها الأرحام، وألزمها الانام. قال تعالى: * (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا) * (الفرقان: 5). ثم ان الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي، وقد زوجتها اياه على أربعمئة مثقال فضة (كذا) إن رضيت يا علي ". = (*)
[ 102 ]
ولعله (عليه السلام) بعث بها فأرهنها بمبلغ المهر كما في الخبر السابق. ولعل قوله (صلى الله عليه وآله): " زوجتكها " ليس ايجاب العقد من دون مراجعة فاطمة، بل وعدا به، وأما مراجعته لابنته فاطمة فقد جاء في خبر آخر رواه الدولابي أيضا بسنده عن عطاء بن أبي رباح قال: لما خطب علي فاطمة أتاها رسول الله فقال لها: إن عليا قد ذكرك. فسكتت: فخرج فزوجها (1). وقد يستغرب السامع من خطبة أبي بكر لفاطمة، ويلاحظ أن ذلك كان متزامنا مع بناء النبي (صلى الله عليه وآله) بعائشة ابنة أبي بكر، فلعل أبا بكر كان يرى ذلك مبررا لخطبته ابنة النبي لنفسه. وإذ كان الزفاف بعد العقد بعشرة أشهر في أول ذي الحجة من السنة الثانية فنحن نؤجل القول فيه الى هناك (2).
= فقال علي (عليه السلام): رضيت يا رسول الله. ثم روى الحلبي عن ابن مردويه: أنه (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): تكلم خطيبا لنفسك.
فقال: " الحمد لله الذي قرب من حامديه، ودنا من سائليه، ووعد الجنة من يتقيه، وأنذر بالنار من يعصيه. نحمده على قديم احسانه وأياديه، حمد من يعلم أنه خالقه وباريه، ومميته ومحييه، ومسائله عن مساويه، ونستعينه ونستهديه، ونؤمن به ونستكفيه. ونشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، شهادة تبلغه وترضيه، وأن محمدا عبده ورسوله صلاة تزلفه وتحظيه، وترفعه وتصطفيه. والنكاح ما أمر الله به، ويرضيه، واجتماعنا مما قدره الله وأذن فيه، وهذا رسول الله قد زوجني ابنته فاطمة على خمسمئة درهم، وقد رضيت ". (1) الذرية الطاهرة: 95. (2) من الصفحة: 225. (*)
[ 103 ]
غزوة بواط: وأقبلت قافلة تجارة لقريش فيها مئة رجل منهم، وفيهم امية بن خلف، ومعهم ألفان وخمسمئة بعير. فغزاهم رسول الله في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا، يعترض للقافلة، حتى بلغ بواط من المدينة على ثلاثة برد نحو ناحية ذي خشب (اثني عشر فرسخا = ستة وستين كيلومترا) ولم يلق قتالا فرجع (1). وتتفق هنا روايتا الواقدي وابن اسحاق على أن بدء هذه الغزوة كان في ربيع الأول، ثم يقول ابن اسحاق: ثم رجع الى المدينة فلبث بها بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى الاولى (2). غزوة بدر الاولى (الصغرى): هذا، وقال الواقدي: أغار كرز بن جابر الفهري (من مشركي قريش) على (مواشي) لأهل المدينة كانت ترعى بنواحي الجماء (على ستة كيلو مترات نحو الجرف).
فغزا في طلبه رسول الله في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا (3) حتى بلغ (بئر) بدر، ولم يدركه (4) وكان يحمل لواءه علي بن أبي طالب (عليه السلام)، واستخلف
(1) مغازي الواقدي 1: 12. (2) سيرة ابن هشام 2: 248 واختصر الخبر الطبرسي في اعلام الورى 1: 164. (3) هكذا يؤرخ الواقدي عن لسان رواته حتى يبلغ ستة وخمسين شهرا أي خمس سنين من الهجرة. مما قد يدل على عدم وجود قرار بالتاريخ بالسنين من الهجرة. (4) مغازي الواقدي 1: 12. (*)
[ 104 ]
على المدينة زيد بن حارثة (1) بينما يؤرخها ابن اسحاق بقرب العشر من جمادى الآخرة (2). غزوة ذي العشيرة: قال الواقدي: وجاءه الخبر بفصول العير من مكة تريد الشام، قد جمعت قريش لها أموالها فهي في تلك العير، فندب أصحابه فخرج في مئة وخمسين أو مئتين، يعترض لعير قريش، على رأس ستة عشر شهرا، فسلك على نقب بني دينار الى بيوت السقيا (الى جهة الجحفة) (3). وقال ابن اسحاق: فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر يقال لها: ذات الساق، فصلى عندها فهناك مسجده. وصنع له عندها طعام.. واستقي له من ماء يقال له المشترب. ثم ارتحل رسول الله فترك (أرض) الخلائق على يساره وسلك شعبة عبد الله، ثم مال الى يساره حتى هبط يليل فنزل بمجتمعه، واستقى من بئر بالضبوعة. ثم سلك الفرش حتى لقي الطريق بصحيرات اليمام، ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع. فأقام بها جمادى الاولى وليالي من جمادى الآخرة. ولم
يلق قتالا. ووادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة (4) (فهو ثالث العهود).
(1) الطبري 2: 407 عن الواقدي ولا يوجد في المغازي المنشور. (2) سيرة ابن هشام 2: 251. (3) مغازي الواقدي 1: 12. (4) وهذا غير ما مر من خبر الواقدي: أنه وادع بني ضمرة من كنانة، فانهم في بواط غير متحالفين مع بني مدلج، وهؤلاء منهم متحالفون مع بني مدلج في ذي العشيرة من ينبع. (*)
[ 105 ]
علي أبو تراب: ثم روى بسنده عن عمار بن ياسر قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة، فلما نزلها رسول الله وأقام بها، رأينا اناسا من بني مدلج يعملون في عين لهم وفي نخل. فقال لي علي بن أبي طالب: يا أبا اليقظان، هل لك في أن نأتي هؤلاء، فننظر كيف يعملون ؟ قلت: ان شئت. فجئناهم فنظرنا الى عملهم ساعة، ثم غشينا النوم، فانطلقت أنا وعلي حتى اضطجعنا بين صغار النخيل، في التراب اللين فنمنا. فما أيقظنا الا رسول الله يحركنا برجله وقد تتربنا من ذلك التراب اللين الذي نمنا فيه، وقال لعلي: ما لك يا أبا تراب ؟ لما رأى عليه من التراب. ثم قال لنا: ألا احدثكما بأشقى الناس رجلين ؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: احيمر ثمود الذي عقر الناقة. والذي يضربك يا علي على هذه - ووضع يده على مقدم رأسه - حتى يبل منها هذه. وأشار الى لحيته (1).
(1) سيرة ابن هشام 2: 249، 250 ثم روى عن بعض أهل العلم !: أن رسول الله انما سمى عليا أبا تراب لأنه كان إذا عتب على فاطمة في شئ.. أخذ ترابا فوضعه على رأسه. فرآه رسول الله وعلى رأسه التراب فقال له: مالك يا أبا تراب ؟ (بالمعنى).
ونقل محقق السيرة عن السهيلي في " الروض الانف " قال: وأصح من ذلك ما رواه البخاري في جامعه، وهو أنه كان قد خرج الى المسجد مغاضبا لفاطمة، فوجده رسول الله نائما وقد ترب جنبه، فجعل يمسح التراب عن جنبه ويقول: قم يا أبا تراب. ونقول: بل الأصح من هذه الثلاث هو ما رواه ابن اسحاق أولا مسندا عن يزيد ابن محمد عن أبيه محمد بن خيثم المحاربي عن عمار بن ياسر. أما ما رواه ثانيا مرفوعا عن بعض = (*)
[ 106 ]
ثم رجع الى المدينة.. فأقام بها بقية جمادى الآخرة ورجبا وشعبان (1). سرية نخلة: روى الواقدي عن عبد الله بن جحش قال: حين صلى العشاء رسول الله دعاني فقال: واف مع الصبح معك سلاحك أبعثك وجها. فوافيت صلاة الصبح وعلي سيفي وقوسي وجعبتي ومعي درقتي. فلما صلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بالناس الصبح
= أهل العلم، فهو يلتقي وخبر البخاري في اتهام الامام بالعتب والغضب على فاطمة وهي عليه ! وكأنما أراد البخاري وأصحابه أن يعالجوا ما قاله هو بشأن الزهراء والشيخين: ماتت فاطمة وهي غضبى عليهما. فكأنهم أرادوا أن يقولوا: لو أنها غضبت عليهما فلقد غضبت على علي كذلك من قبل ! فتأمل ولا تقبل. على أن هذا الخبر الأخير رواه الطبري في تاريخه خلوا من " مغاضبا لفاطمة " بسنده عن أبي حازم قال: قيل لسهل بن سعد (الساعدي): إن بعض امراء المدينة يريد أن يبعث اليك تسب عليا على المنبر ! قال: أقول ماذا ؟ قال: تقول: أبا تراب. قال: والله ما سماه بذلك الا رسول الله (صلى الله عليه وسلم). قال (أبو حازم): قلت: وكيف ذلك يا أبا العباس ؟ قال: دخل علي على فاطمة ثم خرج من عندها فاضطجع في فئ المسجد. ثم دخل رسول الله على فاطمة فقال لها: أين ابن عمك ؟ فقالت: هو ذاك مضطجع في المسجد فجاءه رسول الله فوجده قد سقط رداؤه عن ظهره وخلص التراب إليه فجعل يمسح التراب عنه
ويقول: اجلس أبا تراب. ثم قال سهل: فوالله ما سماه به الا رسول الله، ووالله ما كان اسم أحب إليه منه (الطبري 2: 409) فمن أين جاءت الزيادة في رواية البخاري: " مغاضبا لفاطمة " اللهم الا من حيث ذكرناه. ثم لا ننسى أنه (عليه السلام) لم يكن قد دخل بفاطمة (عليها السلام) بعد. (1) البداية والنهاية 3: 248. (*)
[ 107 ]
سبقته الى باب داره، وإذا معي نفر من قريش، وانصرف النبي عن صلاته فوجدني واقفا عند بابه ومعي نفر من قريش، فدخل رسول الله، ودعا ابي بن كعب فدخل عليه، فأمره فكتب صحيفة من أديم خولاني (1) فأعطانيها وقال: استعملتك على هؤلاء النفر (وأشار الى النفر من قريش) فامض حتى إذا سرت ليلتين فانشر كتابي ثم امض لما فيه. قلت: يا رسول الله، أي ناحية ؟ فقال: اسلك النجدية تؤم ركية (2). قال الواقدي: فانطلق حتى إذا كان ببئر ابن ضميرة نشر الكتاب فقرأه فإذا فيه: سر على اسم الله وبركاته، ولا تكرهن أحدا من أصحابك على المسير معك، وامض لأمري فيمن تبعك حتى تأتي بطن نخلة، فترصد بها عير قريش (3) وتعلم لنا من أخبارهم (4). فلما قرأ عليهم الكتاب قال لهم: لست مستكرها أحدا منكم، فمن كان يريد الشهادة (5) فليمض، فاني ماض لأمر رسول الله، ومن أراد الرجعة، فمن الآن. فقالوا: نحن سامعون مطيعون لله ولرسوله ولك، فسر على بركة الله حيث شئت.
(1) خولان: قريتان باليمن والشام كما في معجم البلدان 5: 94 والأديم من إحداهما وهذه أول مرة يذكر فيها ابي بن كعب كاتبا لرسول الله في غير الوحي، بعد الهجرة. (2) الركية: البئر. (3) مغازي الواقدي 1: 13. (4) سيرة ابن هشام 2: 252. (5) وهذه أول مرة تذكر فيها الشهادة، مما يشهد أن رسول الله كان قد شرحها لهم. (*)
[ 108 ]
فسار حتى بلغ نخلة، فوجد عيرا لقريش، فيها: عمرو بن الحضرمي، والحكم بن كيسان المخزومي (مولاهم) وعثمان بن عبد الله المخزومي، ونوفل بن عبد الله المخزومي (1). قال ابن اسحاق: وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعكاشة بن محصن، وعتبة بن غزوان، وسعد بن أبي وقاص، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله، وخالد بن البكير، وسهيل بن بيضاء. ليس فيهم من الأنصار أحد. فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش (2). ورأى واقد بن عبد الله وعكاشة بن محصن أن يغيروا عليهم، فحلق عامر ابن ربيعة رأس عكاشة بيده حتى إذا رآهم المشركون يقولون: هؤلاء معتمرون ثم أشرف عكاشة عليهم، فظن المشركون أن هؤلاء معتمرون، فأمنوا في أنفسهم وقيدوا ركائبهم وسرحوها، وصنعوا لأنفسهم طعاما (3). قال ابن اسحاق: وكان ذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام (4) وقال قائل منهم: لا نعلم هذا اليوم الا من الشهر الحرام ولا
نرى أن تستحلوه لطمع أشفيتم عليه. وقال قائل: لا يدرى أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا ؟
(1) مغازي الواقدي 1: 14. (2) سيرة ابن هشام 2: 253 ومغازي الواقدي 1: 16 وخمرا وفي عددهم قيل: كانوا اثني عشر رجلا 1: 17 و 19. (3) مغازي الواقدي 1: 14. (4) بالحرمة القديمة أو بالسنة. والخبر في السيرة 2: 253. (*)
[ 109 ]
وغلب على الأمر الذين كانوا يريدون عرض الحياة الدنيا (1) فشجعوا أنفسهم عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم (2). فخرج واقد بن عبد الله يقدم القوم قد فوق سهمه في قوسه وكان لا يخطئ، فرمى عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله. وشد القوم عليهم. فهرب نوفل ابن عبد الله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان (مولاهم) واستاقوا العير (3). وأقبل عبد الله بالأسيرين والعير، وكان ذلك قبل أن يفرض الله الخمس في المغانم، فقال عبد الله لأصحابه: إن لرسول الله مما غنمنا الخمس، فعزل لرسول الله خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه. فلما قدموا على رسول الله المدينة قال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام. فلما قال رسول الله ذلك سقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا. وعنفهم اخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. ووقف رسول الله العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا (4)، حتى
(1) مغازي الواقدي 1: 14. (2) ابن هشام 2: 253. (3) مغازي الواقدي 1: 15. (4) سيرة ابن هشام 2: 254. واختصر الخبر القمي في تفسيره 1: 71، 72 والطبرسي في اعلام الورى 1: 167، 74 ولعله عن القمي. وتمام الخبر: حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم أهل بدر، مغازي الواقدي 1: 18 وصرح ابن اسحاق أن ذلك كان بعد نزول القرآن فيما حدث منهم في الشهر الحرام، أي أن نزول الآيات أيضا كان بعد بدر. ولذلك فنحن نؤجل ذكر ذلك الى هنالك. (*)
[ 110 ]
رجع من بدر، فقسمها مع غنائم أهل بدر. وفي شهر شعبان من هذه السنة الثانية قال الطبري والمسعودي: فرض صوم شهر رمضان (1). غزوة بدر الكبرى: قال القمي في تفسيره: كانت بدر على رأس ستة عشر شهرا من مقدم رسول الله المدينة (2) وكان سبب ذلك أن عيرا لقريش خرجت الى الشام فيها خزائنهم (3) (ورجعت) (4) فأمر رسول الله أصحابه بالخروج إليها ليأخذوها وأخبرهم: أن الله قد وعده إحدى الطائفتين: إما العير وإما قريش إن ظفر بهم. فخرج في ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا (5).
(1) الطبري 3: 417 والتنبيه والاشراف: 203 ولم يقولا بنزول آيات الصيام. (2) تفسير القمي 1: 271. (3) قال الواقدي: وكانت العير ألف بعير، وكانت فيها أموال عظام، ولم يبق بمكة قرشي ولا قرشية له مثقال فصاعدا الا بعث به في العير، فكان يقال: كان فيها خمسون الف دينار،
قيل: كان لبني عبد مناف فيها عشرة آلاف مثقال، ولبني مخزوم مئتا بعير وخمسة آلاف مثقال ذهب، ولامية بن خلف الفا مثقال، وللحارث بن عامر بن نوفل الف مثقال وان اكثر ما فيها لآل سعيد بن العاص اما لهم أو قراضا بالنصف 1: 27. (4) قال الواقدي: ولما تحين رسول الله انصراف العير من الشام.. بعث طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد يتجسسان خبر العير، قبل خروجه من المدينة بعشر ليال 1: 19 ثم يقول: وخرج يوم الاحد لاثنتي عشرة خلت من رمضان 1: 21 فكان بعث الرجلين في الثاني من رمضان. (5) تفسير القمي 1: 261. ذكر ابن اسحاق ثلاثة وثمانين من المهاجرين من شهد ومن أسهم = (*)
[ 111 ]
= له الرسول 2: 333 - 342، ثم ذكر الأنصار من 342 الى 363 ثم قال: فجميع من شهد بدرا من المسلمين من المهاجرين والانصار من شهدها منهم ومن ضرب له بسهم: ثلاثمئة واربعة عشر رجلا، من المهاجرين: ثلاثة وثمانون رجلا، ومن الأوس: واحد وستون رجلا، ومن الخزرج: مئة وسبعون رجلا. وبتأريخه قال: لليال مضت من رمضان 2: 363. وقال الواقدي: وخرج رسول الله بمن معه يوم الأحد لاثنتي عشرة خلت من رمضان حتى انتهى الى بيوت السقيا بالبقع من نقب بني دينار، وبيوت السقيا متصلة بالمدينة 1: 21 وكانت تسمى البقع فسماها النبي بيوت السقيا 1: 23 وضرب عسكره هناك واستعرضه وقد بني في ذلك الموضع مسجد يسمى باسم الموضع مسجد السقيا، وهو اليوم في جنوبي المحطة القديمة لسكك الحديد العثمانية، على بعد كيلو مترين من المسجد النبوي الشريف، فهذا هو حد الترخيص للافطار يومئذ واستصغر ثمانية فردهم 1: 21 وأمرهم أن يستقوا 1: 22 واستعمل على المشاة: قيس بن عمرو بن زيد بن عوف (من بني عوف من الأنصار) وأمره حين فصل من بيوت السقيا أن يقف لهم ببئر أبي عتبة فيعدهم، فوقف وعدهم
وأخبره بذلك 1: 26 ورحل من بيوت السقيا الأحد لاثنتي عشرة مضت من رمضان ومعه ثلاثمئة وخمسة، وتخلف ثمانية فضرب لهم بسهم 1: 23 فهم ثلاثمئة وثلاثة عشر هكذا، ولكنه في: 47 الحق بهم خبيب بن يساف، فهو كابن اسحاق: 314 رجلا. ولكنه في تسميتهم قال: من شهد الوقعة ومن ضرب له رسول الله بسهم وهو غائب: ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا ثم عددهم 1: 152 - 172. وصلى في بيوت السقيا ودعا لأهل المدينة (وسماها المدينة) فقال: " اللهم إن ابراهيم عبدك وخليلك ونبيك دعاك لأهل مكة، واني محمد عبدك ونبيك أدعوك لأهل المدينة: أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم وثمارهم، اللهم حبب الينا المدينة، = (*)
[ 112 ]
قال القمي: وكان في العير أبو سفيان (1) فلما بلغه أن الرسول (صلى الله عليه وآله) قد خرج يتعرض للعير (2) خاف خوفا شديدا، فلما وافى البهرة (من نواحي المدينة) اكترى ضمضم (3) بعشرة دنانير وأعطاه قلوصا وقال له: امض الى قريش وأخبرهم: أن محمدا والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم فأدركوا العير. وأوصاه: أن يخرم أنف ناقته ويقطع اذنها حتى يسيل الدم، ويشق ثوبه من قبل ودبر، فإذا دخل مكة ولى وجهه الى ذنب البعير وصاح بأعلى صوته: يا آل
= واجعل ما بها من الوباء بخم. اللهم اني قد حرمت لابتيها كما حرم ابراهيم خليلك مكة " 1: 22. والطبري 3: 431 والمسعودي في التنبيه والاشراف: 204 وابن شهر آشوب في المناقب 1: 187 قالوا: كان خروجه لثلاث خلون من شهر رمضان. ولعله كان في الأصل: لثلاث عشرة خلت منه. والمسعودي في التنبيه والاشراف: 206 أرخ رجوع الرسول الى المدينة بثمان بقين من شهر رمضان.
ولعل هذا يرجح قول الواقدي أن يكون كل من ذهابه وايابه استغرق خمسة أيام. (1) في إعلام الورى 1: 168: في أربعين راكبا من قريش تجارا قافلين من الشام. وذكره في مجمع البيان 4: 802 وذكره ابن شهر آشوب في المناقب 1: 187 وقال: أو سبعين. (2) روى الواقدي 1: 28 عن عبد الله بن جعفر عن أبي عون مولى المسور، عن مخرمة بن نوفل قال: ادركنا بالشام رجل من جذام فأخبرنا: أن محمدا كان قد عرض لعيرنا في بدأتنا، وأنه ينتظر رجعتنا وقد حالف أهل الطريق ووادعهم. وعن عمرو بن العاص: أنه لقيهم في رجوعهم من غزة الشام بالزرقاء بناحية معان من أذرعات على مرحلتين. وأنه قال: عرض لكم محمد وأصحابه في بدأتكم فأقام شهرا ثم رجع الى يثرب. (3) الخزاعي، كذا. وفي سيرة ابن هشام 2: 258: ابن عمرو الغفاري، وكذلك في الواقدي 1: 28 واليعقوبي 2: 45 والطبري والمسعودي وابن شهر آشوب في المناقب 1: 187. وفي الواقدي عن عمرو بن العاص: بعثوا ضمضم من معان الاردن، وقيل: من تبوك 1: 28. (*)
[ 113 ]
غالب، اللطيمة اللطيمة، العير العير، أدركوا أدركوا، وما أراكم تدركون، فان محمدا والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم !. فخرج ضمضم يبادر الى مكة، ووافاها ينادي في الوادي: يا آل غالب، يا آل غالب، اللطيمة اللطيمة، العير العير، أدركوا أدركوا، وما أراكم تدركون، فان محمدا والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم التي فيها خزائنكم !. فتصايح الناس بمكة وتهيأوا للخروج. وقام سهيل بن عمرو، وصفوان بن امية، وأبو البختري بن هشام، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، ونوفل بن خويلد، فقالوا: يا معشر قريش، والله ما أصابكم، مصيبة أعظم من هذه: أن يطمع محمد والصباة من أهل يثرب أن يتعرضوا لعيركم
التي فيها خزائنكم ! فوالله ما قرشي ولا قرشية الا ولها في هذه العير شئ فصاعدا، وانه الذل والصغار أن يطمع محمد في أموالكم ويفرق بينكم وبين متجركم، فاخرجوا. وأخرج صفوان بن امية خمسمئة دينار وجهز بها. وأخرج سهيل بن عمرو خمسمئة، وما بقي أحد من عظماء قريش إلا أخرجوا مالا وحملوا وقووا، وخرجوا على الصعب والذلول، ما يملكون أنفسهم.. وأخرجوا معهم القينات يضربن بالدفوف وهم يشربون الخمور (1).
(1) روى الكليني في روضة الكافي بسنده عن الصادق (عليه السلام): قال: لما خرجت قريش الى بدر وأخرجوا معهم بني عبد المطلب (وفيهم) طالب بن أبي طالب، نزل يرتجز ويقول: يا رب إما خرجوا بطالب * في مقنب من هذه المقانب في مقنب المغالب المحارب * فاجعلهم المغلوب غير الغالب = (*)
[ 114 ]
خروج رسول الله: وخرج رسول الله في ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا (1) وكان في عسكره فرسان: فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن عمرو، وكان لهم سبعون جملا (2) يتعاقبون عليها، فكان رسول الله وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يتعاقبون على جمل مرثد (3). افطار الصوم وقصر الصلاة: روى الواقدي قال: خرج رسول الله بمن معه حتى انتهى الى بيوت السقيا - وهى متصلة (اليوم) بالمدينة - يوم الأحد لاثنتي عشرة خلت من شهر رمضان. ثم روى عن الأشجعي: أن النبي أمر أصحابه أن يستقوا من بئرهم يومئذ
وشرب منه.
= واجعلهم المسلوب غير السالب فرد وه. روضة الكافي: 307 وفي الطبقات 1: 121. (1) تفسير القمي 1: 257. (2) وفي اعلام الورى 1: 168: معهم ثمانون بعيرا. (3) تفسير القمي 1: 262. قال الواقدي: ثم سلك طريق المكيمن من بطن العقيق حتى خرج على بطحاء ابن أزهر وأصبح ببطن ملل وتربان بين الحفيرة وملل. وهناك أشار رسول الله لسعد بن أبي وقاص - وكان أرماهم بسهم - الى ظبي وقال له: ارم فرماه في نحره ثم عدا فوجده به رمق فذكاه، فقسمه 1: 26، 27. وهذا أول ذكر للتذكية في الاسلام. (*)
[ 115 ]
وروى عن عمرو بن أبي عمرو: أن النبي كان أول من شرب ذلك اليوم (1) أي نهار اليوم الأول من سفره في شهر رمضان بعد فرض الصيام فيه. وبعد يوم أو يومين - قال الواقدي - نادى مناديه: يا معشر العصاة إني مفطر فأفطروا ! وذلك أنه قد كان قال لهم قبل ذلك: أفطروا، فلم يفعلوا (2). هذا ما ذكره الواقدي في إفطار الصوم، ولا نجد فيه ولا في غيره عن قصر الصلاة شيئا، إلا أننا نجد في آخر أخبار بدر وما بعدها أمرين يدلان على أن إضافة ركعتي السنة الواجبة على الفريضة الاولى كان قبل بدر: الأول: أن من شهداء بدر: عمير بن عبد عمرو ذو اليدين أو ذو الشمالين، من حلفاء بني زهرة، من المهاجرين (3). وقد روى المشايخ في الكتب الأربعة عدة أخبار بأسانيد صحاح عن: أبي بصير، وأبي بكر الحضرمي، وأبي سعيد القماط، وجميل بن دراج، والحارث بن المغيرة النضري، وزيد الشحام، وسعيد الأعرج، وسماعة بن مهران، وغيرهم:
أن رسول الله صلى بالناس الظهر ركعتين، فقال له ذو الشمالين: يا رسول الله، أنزل في الصلاة شئ ؟ فقال: وما ذاك ؟ قال: إنما صليت ركعتين. فقال رسول الله لأصحابه: أتقولون مثل قوله ؟ قالوا: نعم. فقام فأتم بهم الصلاة أو: فأتم ما بقي من صلاته أو: فبنى على صلاته فأتم الصلاة أربعا (4). وهذا يدل على أن الصلاة كانت قد اتمت أربعا قبل بدر حيث
(1) مغازي الواقدي 1: 21. (2) مغازي الواقدي 1: 47، 48، وانظر الكافي 4: 127، والفقيه 1: 435، والتهذيب: 413. (3) سيرة ابن هشام 2: 337. والواقدي 1: 145. (4) وسائل الشيعة، الباب الثالث من أبواب الخلل 8: 198 - 204 ط آل البيت (عليهم السلام). (*)
[ 116 ]
استشهد الرجل. والأمر الثاني: أن تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة كان بعد بدر، وكانت الصلاة حينئذ تامة أربعا، فيعلم أن ذلك كان منذ مدة من قبل بدر، وإن لم نجد نصا بالتعيين إلا إجمالا: روى الكليني في " روضة الكافي " بسنده عن سعيد بن المسيب قال: سألت علي بن الحسين (عليه السلام): فمتى فرضت الصلاة على المسلمين على ما هم عليه اليوم ؟ قال: بالمدينة، حين ظهرت الدعوة وقوي الاسلام، وكتب الله عز وجل على المسلمين الجهاد، زاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الصلاة سبع ركعات: في الظهر ركعتين وفي العصر ركعتين، وفي المغرب ركعة، وفي العشاء الآخرة ركعتين، وأقر الفجر على ما فرضت (1).
(1) روضة الكافي: 180. ورواه الصدوق في الفقيه 1: 455 وعلل الشرائع: 116 والعياشي
في تفسيره. وروى معناه البخاري عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة كما في هامش السيرة 1: 260. هذا، وقد روى الكليني في فروع الكافي 3: 432 بسنده عن الصادق (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما نزل عليه جبرئيل بالتقصير قال له النبي: في كم ذلك ؟ قال: في بريد. قال: وكم البريد ؟ قال: ما بين ظل عير الى فئ وعير. ورواه الصدوق في الفقيه مرسلا 1: 447 ط طهران. وروى فيه عنه (عليه السلام) قال: سافر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى ذي خشب، وهي مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان - أربعة وعشرون ميلا - فقصر وأفطر فصارت سنة 1: 435. ورواه الطوسي في التهذيب 1: 415 عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): في كم يقصر الرجل ؟ فقال: في بياض يوم أو بريدين، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج الى ذي خشب فقصر. فقلت: فكم ذو خشب ؟ فقال: بريدان. بدون تعيين لتاريخ الوحي والسفر. ولعله كان بعد بدر، ولذلك روى الواقدي افطار الصوم في بدر دون قصر الصلاة. (*)
[ 117 ]
قال القمي في تفسيره فلما كان على ليلة من بدر (1) بعث بسبس بن عمرو وعدي بن أبي الزغباء (2)، يتجسسان خبر العير. فأتيا ماء بدر، وأناخا راحلتيهما، وسمعا جاريتين قد تشبثت احداهما بالاخرى تطالبها بدرهم كان لها عليها، فقالت الاخرى: عير قريش نزلت أمس في موضع كذا وكذا (3)، وهي تنزل غدا هاهنا وأنا أعمل لهم وأقضيك. فرجع (الرجلان) الى رسول الله فأخبراه بما سمعا (4). وأقبل أبو سفيان بالعير، فلما شارف بدرا تقدم العير وأقبل وحده حتى انتهى الى ماء بدر، وكان بها رجل من جهينة يقال له: كشد الجهني (5) فقال له: يا كشد، هل لك علم بمحمد وأصحابه ؟ قال: لا. قال: واللات والعزى لئن كتمتنا
أمر محمد فلا تزال قريش معادية لك آخر الدهر، فانه ليس أحد من قريش الا وله في هذه العير شئ فصاعدا، فلا تكتمني. فقال (كشد): والله ما لي علم بمحمد، وما بال محمد وأصحابه بالتجار ؟ !
(1) في إعلام الورى 1: 168: وبدر بئر منسوبة الى رجل من غفار يقال له بدر. وفي مجمع البيان 4: 804 بدر رجل من جهينة، والماء ماؤه فسمي به، وقال الواقدي 1: 44: كان بدر موسما من مواسم الجاهلية وأسواقها. (2) في القمي: بشير بن أبي الرعباء ومجد بن عمر. وأثبتنا ما في ابن هشام والواقدي واليعقوبي والطبري. وأظن أن بشير مصحف بسبس ومجد مصحف عدي مع تقديم وتأخير. كما لا ريب أن الرعباء مصحف الزغباء. نعم ذكر ابن اسحاق: مجدي بن عمرو، ولكنه كان نازلا على ماء بدر وليس أحد الرجلين. (3) في الواقدي 1: 40: قد نزلت الروحاء على ميلين من عرق الظبية. (4) قال الواقدي 1: 40: لقياه بعرق الظبية من الروحاء على ميلين. وفي: 51 قال: لقياه في المعترضة بعد الخبيرتين والخيوف وقبل بدر. (5) في القمي: كسب. وأثبتنا ما في ابن هشام والواقدي واليعقوبي والطبري. (
[ 118 ]
الا أني رأيت في هذا اليوم راكبين أقبلا وأناخا راحلتيهما واستعذبا من الماء ورجعا، فلا أدري من هما. فجاء أبو سفيان الى مناخ ابلهما ففت أبعار الابل بيده فوجد فيها النوى فقال: هذه علايف يثرب ! هؤلاء عيون محمد ! ورجع مسرعا وأمر بالعير فأخذ بها نحو ساحل البحر، وتركوا الطريق ومروا مسرعين. ونزل جبرئيل على رسول الله فأخبره: أن العير قد أفلتت، وأن قريشا قد أقبلت لتمنع عن عيرها. وأمره بالقتال، ووعده النصر.
اختبار الأنصار: وكان نازلا ماء الصفراء، فأحب أن يبلو الأنصار، لأنهم انما وعدوه أن ينصروه في الدار. فاخبرهم: إن العير قد جازت، وإن قريشا قد أقبلت لتمنع عن عيرها، وإن الله قد أمرني بمحاربتهم. فجزع أصحاب رسول الله من ذلك وخافوا خوفا شديدا ! فقال رسول الله: أشيروا علي. فقام (أبو بكر) فقال: يا رسول الله، إنها قريش وخيلاءها، ما آمنت منذ كفرت، ولا ذلت منذ عزت ! ولم تخرج (أنت) على هيئة الحرب ! (1).
(1) اجمل ابن اسحاق فقال: فقال وأحسن وكذلك عن عمر 2: 266 كذلك فعل الواقدي 1: 48 في أبي بكر، وعن عمر قال: ثم قال: يا رسول الله، إنها قريش وعزها، والله ما ذلت = (*)
[ 119 ]
فقال رسول الله له: إجلس. فجلس. فقال: أشيروا علي. فقام (عمر بن الخطاب) فقال مثل مقال الأول. فقال (صلى الله عليه وآله) له: إجلس. فجلس. ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله، إنا قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، ولو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا (1) وشوك الهراش (2) لخضنا معك. ولا نقول لك ما قالت بنو اسرائيل لموسى: " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون " (3) ولكنا نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فجزاه النبي خيرا، فجلس. ثم قال: أشيروا علي (4).
= منذ عزت، والله ما آمنت منذ كفرت، والله لا تسلم عزها أبدا، ولتقاتلنك فاتهب لذلك اهبته وأعد لذلك عدته 1: 48. وفي صحيح مسلم 5: 170 ومسند أحمد 3: 219 والبداية والنهاية 3: 263 والسيرة النبوية لابن كثير 2: 394: فأعرض عنه. (1) الغضا: شجر عظيم صلب الأخشاب يتقد طويلا. (2) الهراش: شجر شائك. (3) المائدة: 24، وعلق العلامة الطباطبائي على الموضع فقال: في بعض الأخبار ما يشعر بأن هذه الآيات نزلت قبل غزوة بدر في أوائل الهجرة على ما ستجئ الإشارة إليها في البحث الروائي التالي. الميزان 5: 286 ولكنه في البحث الروائي التالي لم يعد على الموضوع بشئ. وقال القمي بعد الآية 21: إن ذلك نزل بعد قوله * (إنا لن نصبر على طعام واحد..) * فنصف الآية في سورة البقرة ونصفها في سورة المائدة - تفسير القمي في المقدمة 12 و 164. (4) ونقل الطبرسي في مجمع البيان 4: 803 عن القمي وغيره قالوا: وإنما كان يريد الأنصار، لأن أكثر الناس منهم، ولأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: إنا براء من ذمتك حتى تصل إلى = (*)
[ 120 ]
فقام سعد بن معاذ فقال: بأبي أنت وامي يا رسول الله كأنك أردتنا ؟ قال: نعم. قال: فلعلك قد خرجت على أمر قد امرت بغيره ؟ قال: نعم. قال: بأبي أنت وامي يا رسول الله، إنا قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، فمرنا بما شئت، وخذ من أموالنا ما شئت واترك منها ما شئت، والذي أخذت منه أحب إلي من الذي تركت منه. والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك. فجزاه خيرا. ثم قال سعد:
بأبي أنت وامي والله ما خضت هذا الطريق قط، وما لي به علم، وقد خلفنا بالمدينة قوما لسنا نحن بأشد جهادا لك منهم، ولو علموا أنه الحرب لما تخلفوا. ولكن نعد لك الرواحل ونلقى عدونا، فانا لصبر عند اللقاء أنجاد في الحروب، وإنا لنرجو أن يقر الله عينك بنا. فان يك ما تحب فهو ذلك، وإن يكن غير ذلك قعدت على رواحلك فلحقت بقومنا. فقال رسول الله: أو يحدث الله غير ذلك، كأني بمصرع فلان ها هنا، وبمصرع فلان ها هنا، وبمصرع أبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ونبيه ومنبه ابني الحجاج، فان الله وعدني إحدى الطائفتين، ولن يخلف الله الميعاد.
= دارنا، ثم أنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان يتخوف لا ترى الأنصار عليها نصرته إلا في المدينة. (*)
[ 121 ]
ثم أمر رسول الله بالرحيل، فرحلوا حتى نزلوا عشاء على ماء بدر، وهي العدوة الشامية. نزول قريش: وأقبلت قريش فنزلت بالعدوة اليمانية. وبعثت عبيدها (1) تستعذب الماء فأخذهم أصحاب رسول الله (2) وحبسوهم، وقالوا لهم: من أنتم ؟ قالوا: نحن عبيد قريش. قالوا: فأين العير ؟ قالوا: لا علم لنا بالعير. فأقبلوا يضربونهم. وكان رسول الله يصلي فانفتل من صلاته فقال: إن صدقوكم ضربتموهم وان كذبوكم تركتموهم ؟ ! علي بهم. فأتوا بهم. فقال لهم: من أنتم ؟ قالوا: يا محمد، نحن عبيد قريش. قال: كم القوم ؟ قالوا: لا
علم لنا بعددهم. قال: كم ينحرون في كل يوم جزورا ؟ قالوا: تسعة أو عشرة. فقال: تسعمئة أو ألف. ثم قال: فمن فيهم من بني هاشم ؟ قالوا: العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، فأمر رسول
(1) في سيرة ابن هشام 2: 268 روى ابن اسحاق عن عروة بن الزبير أنه: أسلم غلام ابني الحجاج، وعريض غلام بني العاص بن سعيد. وروى الواقدي عن حكيم بن حزام قال: اخذ تلك الليلة: يسار غلام عبيد بن سعيد بن العاص، وأسلم غلام منبه بن الحجاج، وابو رافع غلام امية بن خلف 1: 52. (2) في سيرة ابن هشام 2: 268: روى ابن اسحاق عن عروة بن الزبير قال: فبعث رسول الله علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون له الخبر عليه. وفي الواقدي: فبعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص وبسبس ابن عمرو يتجسسون على الماء 1: 51. (*)
[ 122 ]
الله بهم فحبسوهم. وبلغ ذلك قريشا فخافوا خوفا شديدا، فاقبلوا يتحارسون يخافون البيات. وطلب رسول الله عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود فقال لهما: ادخلا في القوم واتياني بأخبارهم. فمضيا يجولان في عسكرهم لا يرون الا خائفا ذعرا. وسمعوا منبه بن الحجاج يقول: لا يترك الجوع لنا مبيتا * لا بد أن نموت أو نميتا فلما ذكرا لرسول الله ذلك قال (صلى الله عليه وآله): والله كانوا شباعا ولكنهم من الخوف قالوا هذا، والقى الله على قلوبهم الرعب. ولكن بلغ أصحاب رسول الله كثرة قريش ففزعوا فزعا شديدا وبكوا
واستغاثوا. فلما أمسى رسول الله وجنه الليل (1) ألقى الله على أصحابه النعاس حتى ناموا. وأنزل الله عليهم السماء، وكان على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)
(1) روى الطبرسي عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده أبي رافع قال: قال النبي لأصحابه: من يلتمس لنا الماء ؟ فسكتوا عنه وقال علي: أنا يا رسول الله، فأخذ القربة وذهب الى القليب وملأ القربة وأخرجها، وجاءت ريح فاهرقته، فعاد الى القليب وملأ القربة وخرج فجاءت ريح فأهرقته، فلما كانت المرة الرابعة ملأها فأتى بها الى النبي فأخبره بخبره فقال: أما الريح الاولى فجبرئيل في الف من الملائكة سلم عليك وسلموا، وأما الريح الثانية فميكائيل في ألف من الملائكة سلم عليك وسلموا، وأما الريح الثالثة فاسرافيل في ألف من الملائكة سلم عليك وسلموا - إعلام الورى 1: 357 وروى مثله ابن شهر آشوب في المناقب 2: 87. (*)
[ 123 ]
رذاذ بقدر ما لبد الأرض (1) وكانت قريش في موضع أنزل الله عليهم السماء حتى ثبتت اقدامهم في الأرض (وطمست). والتقى الجمعان: فلما أصبح رسول الله عبأ أصحابه بين يديه وقال لهم: غضوا أبصاركم، ولا تبدأوهم بالقتال، ولا يتكلمن أحد (2).
(1) الرذاذ: المطر الخفيف وقال القمي 1: 261 في قوله سبحانه: * (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب رجس الشيطان) *: ذلك ان بعض اصحاب النبي احتلم. وروى الواقدي عن رفاعة بن مالك قال غلبني النوم فاحتلمت حتى اغتسلت آخر الليل 1: 54. وهذا أول ذكر للاحتلام والاغتسال من جنابته. ولم يقل: قبل طلوع الفجر، لانهم لم يكونوا
صياما. (2) وفي اعلام الورى 1: 168: وكان لواء رسول الله يومئذ أبيض مع مصعب بن عمير، ورايته مع علي (عليه السلام). وذكر ذلك في مجمع البيان 2: 828 وأضاف: وصاحب راية الأنصار: سعد بن عبادة أو سعد بن معاذ. وكذلك في المناقب 1: 190 وفي الطبري 3: 431 بسنده عن ابن عباس. والأغاني 4: 175. وفي الواقدي 1: 101: أن سعد بن عبادة لما أخذ رسول الله في الجهاد كان يأتي دور الأنصار يحضهم على الخروج، فنهش في بعض تلك الاماكن فمنعه عن الخروج وروى عن ابن عباس وسعيد بن المسيب: أن رسول الله غزا الى بدر بسيف وهبه له سعد بن عبادة يقال له: العضب، ودرعه: ذات الفضول 1: 103 فقال رسول الله حين فرغ من القتال ببدر: لئن لم يكن يشهدها سعد بن عبادة لقد كان فيها راغبا. وضرب له بسهم من المغنم 1: 101. وهنا روى ابن اسحاق: أن رسول الله عدل صفوف أصحابه يوم بدر بسهم كان في يده، فمر بسواد بن غزية من حلفاء بني النجار وهو خارج عن الصف متقدم عليه، فطعنه النبي في بطنه بالسهم وقال: استو يا سواد. فقال: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق = (*)
[ 124 ]
فلما نظرت قريش الى قلة أصحاب رسول الله، قال عتبة بن ربيعة لأبي جهل: أترى لهم مددا أو كمينا ؟ فبعثوا عمر بن وهب الجمحي لينظر ذلك، وكان فارسا شجاعا، فجال بفرسه حتى طاف معسكر رسول الله فرجع الى قريش وقال لهم: ما لهم مدد ولا كمين، ولكن نواضح يثرب (1) قد حملت الموت الناقع ! أما ترونهم خرسا لا يتكلمون ! يتلمظون تلمظ الأفاعي ! ما لهم ملجأ الا سيوفهم ! وما أراهم يولون حتى يقتلون ! ولا يقتلون حتى يقتلون بعددهم ! فارتأوا رأيكم !.
فقال أبو جهل: كذبت وجبنت وانتفخ سحرك (2) حين نظرت الى سيوف يثرب !. وبعث رسول الله الى قريش من يقول لهم عنه: (3) يا معشر قريش، ما أحد من العرب أبغض إلي ممن بدأ بكم (4) خلوني
= والعدل، فاقدني ! فكشف رسول الله عن بطنه وقال: استقد. فاعتنق سواد رسول الله ثم انحنى فقبل بطنه ! فقال رسول الله: يا سواد ما حملك على هذا ؟ قال: يا رسول الله، حضر ما ترى فاردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك ! فدعا له رسول الله بخير 2: 278 وليس قبيل وفاته كما زعم بعضهم. (1) النواضح جمع الناضحة وهي الناقة على البئر يجلب عليها الماء. (2) السحر: الرية والجوف ومنه سحر الليل أي جوفه، وانتفخ سحرك أي ريتك أوجوفك من الخوف. (3) قال الواقدي 1: 61: أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) عمر بن الخطاب الى قريش. (4) كذا، اي: ليس هناك في العرب من يكون اكثر مبغوضا عندي ممن يبدأ القتال معكم، فانا ابغض أن أبدأ بالقتال معكم إن لم تقاتلوني. (*)
[ 125 ]
والعرب، فان اك صادقا فانتم أعلى بي عينا، وإن اك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمري، فارجعوا. فقال عتبة: والله ما أفلح قوم قط ردوا هذا ! وأقبل يقول: يا معشر قريش ! أطيعوني اليوم واعصوني الدهر وارجعوا الى مكة، واشربوا الخمور وعانقوا الحور، فان محمدا له إل وذمة، وهو ابن عمكم. فارجعوا. ولا تنبذوا رأيي. وانما تطالبون محمدا بالعير التي أخذها محمد بنخيلة ودم ابن الحضرمي، وهو حليفي وعلي عقله (1).
فلما سمع أبو جهل ذلك غاضه وقال: إن عتبة اطول الناس لسانا وأبلغهم في الكلام، ولئن رجعت قريش بقوله ليكونن سيد قريش آخر الدهر. ثم قال: يا عتبة ! نظرت إلى سيوف بني عبد المطلب وجبنت وانتفخ سحرك (2) وتأمر الناس بالرجوع، وقد رأينا ثارنا بأعيننا !. فنزل عتبة عن جمله وحمل على أبي جهل وهو على فرسه فعرقب فرسه وأخذ بشعره وقال: أمثلي يجبن ؟ ! وستعلم قريش اليوم أينا ألأم وأجبن ؟ وأينا المفسد لقومه ! لا يمشي الى الموت عيانا الا أنا وأنت ! ثم أخذ يجره بشعره ! فاجتمع الناس يقولون: يا أبا الوليد ! الله الله ! لا تفت في أعضاد الناس تنهى عن شئ وتكون أوله.. حتى خلصوا أبا جهل من يده. فذهب ولبس درعه، وطلبوا له بيضة تسع رأسه - وكان عظيم الهامة - فلم يجدوا. فاعتم بعمامتين. ثم أخذ سيفه ونظر الى ابنه الوليد فقال: قم يا بني. فقام
(1) العقل: الدية. (2) مر معناه. وفي القمي محرفا: منخرك، في الموضعين. (*)
[ 126 ]
معه. فنظر الى أخيه شيبة، فقام معه. المبارزة الاولى: وتقدم عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد. ونادى: يا محمد، أخرج الينا أكفاءنا من قريش. فبرز إليه ثلاثة نفر من الأنصار من بني عفرا: عوف وعوذ ومعوذ. فقال عتبة: من انتم ؟ انتسبوا لنعرفكم. فقالوا: نحن بنو عفرا أنصار الله وأنصار رسول الله.
قالوا: ارجعوا، لسنا اياكم نريد، انما نريد الأكفاء من قريش ! فبعث إليهم رسول الله: أن ارجعوا، فرجعوا ووقفوا موقفهم (1). ثم نظر رسول الله الى عمه عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وكان له سبعون سنة، فقال له: قم يا عبيدة ! فقام بين يديه بالسيف. ثم نظر الى حمزة بن عبد المطلب فقال: قم يا عم ! ثم نظر الى أمير المؤمنين فقال له: قم يا علي. وكان أصغرهم. ثم قال لهم: فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم، قد جاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد أن تطفئ نور الله. ثم قال: يا عبيدة عليك بعتبة، وقال لحمزة: عليك بشيبة. وقال لعلي: عليك بالوليد بن عتبة. فمروا حتى انتهوا الى القوم. فقال عتبة: من انتم ؟ أنتسبوا لنعرفكم. فقال عبيدة: أنا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب.
(1) لكنهم استشهدوا بعد، كما يأتي. (*)
[ 127 ]
فقال عتبة: كفو كريم. فمن هذان ؟ قال عبيدة: هما حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب. فقال عتبة: كفوان كريمان. لعن الله من أوقفنا واياكم هذا الموقف. ووقف حمزة بازاء شيبة، فقال له شيبة: من أنت ؟ قال حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله. فقال شيبة: لقد لقيت أسد الحلفاء (1)، فانظر كيف تكون صولتك يا أسد الله. فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه ضربة ففلق هامته. وضرب عتبة عبيدة على ساقه فقطعها، وسقطا.
وحمل حمزة على شيبة فتضاربا بالسيف حتى انثلما وكل واحد يتقي بدرقته. وحمل أمير المؤمنين (عليه السلام) على الوليد بن عتبة فضربه على عاتقه فاخرج السيف من ابطه، فأخذ الوليد يمينه المقطوعة بيساره فضرب بها هامة علي (عليه السلام). ونادى المسلمون: يا علي، أما ترى الكلب قد أبهر (أعجز) عمك ؟ !
(1) نقل الواقدي ذلك، ونقل عن أبي الزناد قال: لم أسمع كلمة أوهن من قوله: أنا أسد الحلفاء. يعني بالحلفاء الأجمة 1: 69 والاجمة تعني الغابة. وقال ابن أبي الحديد: قد رويت هذه الكلمة على صيغة اخرى: أنا أسد الأحلاف. وقالوا في تفسيرهما: أراد أنا سيد أهل الحلف المطيبين، وكان الذين حضروه: بني عبد مناف، وبني أسد بن عبد العزى، وبني تيم، وبني زهرة، وبني الحارث بن فهر. ورد قوم هذا التأويل فقالوا: ان المطيبين لم يكن يقال لهم: الحلفاء ولا الأحلاف، وانما ذلك لقب خصومهم واعدائهم الذين وقع التحالف لأجلهم، وهم: بنو عبد الدار، وبنو مخزوم، وبنو سهم، وبنو جمح، وبنو عدي بن كعب. وقال قوم في تفسيرهما: انما عنى حلف الفضول.. وهذا التفسير أيضا غير صحيح، لأن بني عبد شمس لم يكونوا في حلف الفضول، بل هم: بنو هاشم، وبنو أسد بن عبد العزى، وبنو زهرة، وبنو تيم - دون بني الحارث بن فهر - فقد بان أن ما ذكره الواقدي أصح واثبت - شرح نهج البلاغة 3: 334. (*)
[ 128 ]
فحمل علي (عليه السلام) على شيبة وقال لعمه حمزة: يا عم طأطئ رأسك. فأدخل حمزة رأسه في صدره، فضرب علي على رأس شيبة فطير نصفه ! ثم جاء إلى عتبة وفيه رمق فأجهز عليه. ثم حمل هو وحمزة عبيدة بن الحارث حتى أتيا به رسول الله، فنظر إليه رسول الله واستعبر فقال عبيدة: يا رسول الله، بأبي أنت وامي ألست شهيدا ؟ قال رسول الله: بلى، أنت أول شهيد من أهل بيتي.
قال عبيدة: أما لو كان عمك حيا لعلم أني أولى بما قال، منه. قال رسول الله: وأي أعمامي تعني ؟ قال عبيدة: أبا طالب، حيث يقول: كذبتم - وبيت الله - نبزي محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه، حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل فقال رسول الله: أما ترى ابنه كالليث العادي بين يدي الله ورسوله، وابنه الآخر في جهاد الله بأرض الحبشة ؟ فقال عبيدة: يا رسول الله، أسخطت علي في هذه الحالة ؟ ! فقال رسول الله: ما سخطت عليك (1). حامل راية قريش: وجاء إبليس إلى قريش في صورة سراقة بن مالك فقال لهم: ادفعوا إلي
(1) وفي الإرشاد 1: 74 فمات بالصفراء (في رجوعهم من بدر) وكذلك في المناقب 1: 188. وفي مغازي الواقدي 1: 147 عن يونس بن محمد قال: أراني أبي أربعة قبور في سير من مضيق الصفراء وثلاثة بالدبة أسفل من العين المستعجلة، وقبر عبيدة بن الحارث بذات أجدال بالمضيق أسفل من الجدول. (*)
[ 129 ]
رايتكم. فدفعوها إليه. وأقبلت قريش يقدمها ابليس في صورة سراقة بن مالك معه الراية. وقال أبو جهل لقريش: عليكم بأهل يثرب فاجزروهم جزرا، وعليكم بقريش فخذوهم أخذا حتى ندخلهم مكة فنعرفهم ضلالتهم التي كانوا عليها ! ونظر إليهم رسول الله فقال لأصحابه: غضوا أبصاركم، وعضوا على النواجذ، ولا تسلوا سيفا حتى آذن لكم.
ثم رفع يده الى السماء وقال: يا رب إن تهلك هذه العصابة لا تعبد، وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد. ثم اصابته الغشية ثم سري عنه وهو يسلت العرق عن وجهه ويقول لهم: هذا جبرئيل قد أتاكم في ألف من الملائكة مردفين (1). ونظر ابليس الى جبرئيل فتراجع ورمى باللواء ! فأخذ منبه بن الحجاج بمجامع ثوبه ثم قال له: ويلك يا سراقة تفت في أعضاد الناس !. فركله ابليس ركلة في صدره وقال: إني أرى ما لا ترون اني أخاف الله (2).
(1) وفي اعلام الورى 1: 168: وأيدهم الله بخمسة آلاف من الملائكة، وكثر الله المسلمين في اعين الكفار، وقلل المشركين في أعين المؤمنين كيلا يفشلوا. وكذلك في المناقب 1: 188. (2) جاءت الاشارة الى ذلك في تفسير العياشي 2: 52 و 65 عن زين العابدين والصادق (عليهما السلام) ونقل الطوسي في التبيان 5: 135 عن الباقر والصادق (عليهما السلام)، والسدي وقتادة عن ابن عباس ولعله عن علي (عليه السلام) قال: ظهر لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني المدلجي في جماعة من جنده وقال لهم: هذه كنانة قد اتتكم نجدة. فلما رأى الملائكة نكص على عقبيه، فقال الحارث بن هشام: الى أين يا سراقة ؟ ! فقال: اني أرى ما = (*)
[ 130 ]
وأخذ رسول الله كفا من حصى فرمى به في وجوه قريش وقال: شاهت الوجوه ! فبعث الله رياحا تضرب في وجوه قريش (1) فكانت الهزيمة (2).
= لا ترون. ونقله عن ابن اسحاق أيضا. وذلك في سيرته 2: 28 و 323. وروى الطوسي خلاصته في أماليه: 11 كما في بحار الأنوار 19: 270 عن جابر. ونقل الطبرسي في مجمع البيان 4: 844 عنهما (عليهما السلام) وعن الكلبي عن السدي عن ابن عباس، ولعله عن علي (عليه السلام) أيضا قال: أخذ ابليس بيد الحارث بن هشام فنكص على
عقبيه، فقال له الحارث: يا سراقة اين ؟ أتخذلنا على هذه الحالة ؟ ! قال له: اني أرى ما لا ترون ! قال الحارث: والله ما نرى الا جعاسيس يثرب ! فدفع ابليس في صدر الحارث وانطلق وانهزم الناس. فلما قدموا مكة قالوا: إن سراقة هزم الناس ! فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم ! فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان. ونقل كلاما عن الشيخ المفيد في توجيه ذلك. ونقله ابن شهر آشوب في المناقب 1: 188 كما في مجمع البيان. ونقل الخبر عن ابن عباس الواقدي 1: 70، 71 وعن رفاعة بن رافع: 75. (1) وفي الارشاد 1: 69 قال: وختم الأمر بمناولة النبي (صلى الله عليه وآله) كفا من الحصباء فرمى بها في وجوههم وقال: شاهت الوجوه. فلم يبق منهم احد الا ولى الدبر منهزما. ورواه الطوسي في التبيان 5: 93 عن ابن عباس قال: ان النبي (صلى الله عليه وآله) أخذ كفا من الحصباء فرماها في وجوههم وقال: شاهت الوجوه. فقسمها الله على أبصارهم فشغلهم بأنفسهم حتى غلبهم المسلمون وقتلوهم كل مقتل. وفي اعلام الورى 1: 169: وأخذ رسول الله كفا من تراب ورماه إليهم وقال: شاهت الوجوه. فلم يبق منهم أحد الا اشتغل بفرك عينيه. وكذلك في المناقب 1: 188 عن الثعلبي عن عكرمة عن ابن عباس عن علي (عليه السلام). وذكره ابن اسحاق في السيرة 2: 280 و 323 والواقدي 1: 81 و: 95 عن حكيم بن حزام ونوفل بن معاوية، والطبري 3: 424 عن عروة. = (*)
[ 131 ]
فقال رسول الله: اللهم لا يفلتن فرعون هذه الامة: أبو جهل بن هشام. مقتل أبي جهل: والتقى عمرو بن الجموح بأبي جهل فضرب عمرو أبا جهل بن هشام على
فخذيه، وضرب أبو جهل عمرا على يده فأبانها من العضد، فتعلقت بجلدة، فاتكأ عمرو على يده برجله ثم نزا في السماء حتى انقطعت الجلدة ورمى بيده. وانتهى عبد الله بن مسعود الى أبي جهل وهو يتشحط في دمه فقال له: الحمد لله الذي أخزاك !. فرفع رأسه فقال: انما أخزى الله عبد ابن ام عبد الله، لمن الدين ويلك ؟ قال ابن مسعود: لله ولرسوله. واني قاتلك ! ووضع رجله على عنقه. فقال أبو جهل: لقد ارتقيت مرتقا صعبا يا رويعي الغنم ! أما انه ليس شئ أشد علي من قتلك اياي في هذا اليوم ! ألا تولى قتلي رجل من المطيبين أو الأحلاف !. فاقتلع ابن مسعود بيضة كانت على رأسه فقتله وأخذ رأسه وجاء به الى رسول الله. وقال: يا رسول الله البشرى ! هذا رأس أبي جهل بن هشام. فسجد شكرا لله.
= (2) قال الواقدي: قالوا: وكان انهزام القوم وتوليهم حين زالت الشمس. فأمر رسول الله عبد الله بن كعب بقبض الغنائم وحملها، وأمر نفرا من أصحابه أن يعينوه. وصلى العصر ببدر ثم رحل 1: 112 ويقال: صلى العصر بالاثيل 1: 113. (*)
[ 132 ]
أسر العباس وعقيل: وأسر أبو اليسر الأنصاري (1) العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب، وجاء بهما الى رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال له رسول الله: هل أعانك عليه أحد ؟ قال أبو اليسر: نعم، رجل عليه ثياب بيض. فقال رسول الله: ذاك من الملائكة.
ثم قال العباس لرسول الله: يا رسول الله، قد كنت أسلمت، ولكن القوم استكرهوني. فقال رسول الله: إن يكن ما تذكر حقا فان الله يجزيك عليه، فأما ظاهر
(1) في مجمع البيان 4: 812: أبو اليسر كعب بن عمرو من بني سلمة، وكذلك في سيرة ابن هشام 2: 398 ومغازي الواقدي 2: 1252 ومن الطريف أن ابن اسحاق ذكر في سيرته عن العباس بن عبد المطلب وآله: رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب بشأن انتصار المسلمين على قريش 3: 258 وعن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن العباس اخرج مكرها فلا تقتلوه 2: 281 وعن أبي رافع مولاه: أنه وآله كانوا قد اسلموا 2: 301 وعده اول المطعمين من قريش 2: 320. وذكر أسر عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث 3: 3 ولم يذكر معهما العباس، وعلله أبو ذر الخشني (ت 604) من شراح السيرة قال: لأنه كان قد أسلم وكان يكتم اسلامه خوف قومه. كما في هامش السيرة 3: 3. والواقدي لم يذكر عن العباس سوى رؤيا اخته عاتكة 1: 29 وأنه اكبر من النبي بثلاث سنين 1: 70 وانما اليعقوبي ذكر أسره واسلامه وافتداءه نفسه وعقيلا ونوفلا 2: 46. وكذلك الطبري ويلاحظ أيضا أن ابن اسحاق ذكر نزول سورة الأنفال بعد بدر وفيها الآية: * (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى: إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما اخذ منكم ويغفر لكم) * ولم يذكر شيئا عن معناها وشأن نزولها في العباس، وأما الواقدي فلم يذكرها ضمن آيات الأنفال النازلة ببدر أصلا ! فلعل ذلك تحاشيا عن غضب بني العباس. (*)
[ 133 ]
أمرك فقد كنت علينا. ثم قال له: انكم خاصمتم الله فخصمكم. ثم قال رسول الله لعقيل: يا أبا يزيد، قد قتل الله أبا جهل بن هشام، وعتبة ابن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ونبيه ومنبه ابني الحجاج، ونوفل بن خويلد، وسهيل ابن عمرو، وفلانا وفلانا (1).
فقال عقيل: فان كنت قد اثخنت القوم إذا لا تنازع في تهامة، وإلا فاركب أكتافهم ! فتبسم رسول الله من قوله (2). وكان القتلى (من المشركين) سبعين (3) قتل منهم علي (عليه السلام) عشرين
(1) وعد منهم النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط. ثم يذكر أنهما قتلا بالاثيل في رجوعهم من بدر 1: 269. (2) وروى مثله الحميري في قرب الاسناد عن الصادق عن الباقر (عليهما السلام)، كما في الميزان 9: 139. (3) منهم فتية من قريش سمى خمسة منهم ابن اسحاق والواقدي وان كان الواقدي ذكرهم سبعة. قالوا عنهم: انهم كانوا قد أسلموا ورسول الله بمكة. فلما هاجر رسول الله الى المدينة حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة وفتنوهم فافتتنوا، فخرجوا معهم الى بدر وهم على الشك والارتياب، فلما قدموا بدرا ورأوا قلة أصحاب النبي قالوا: غر هؤلاء دينهم ! وهم مقتولون الآن فاصيبوا في بدر جميعا. وفيهم يقول الله تبارك وتعالى: * (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: غر هؤلاء دينهم، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) * إلى آخر الآيات وفيها: * (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون * الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون * فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون) * وفيها: * (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع العليم * وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله، هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم انه عزيز حكيم) * (الأنفال: 49 - 63 مغازي الواقدي 1: 72 و 73 وابن = (*)
[ 134 ]
رجلا (1).
= إسحاق لم يذكر هذه الآيات وانما قال: نزل فيهم من القرآن قوله: * (ان الذين توفاهم
الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا: فيم كنتم ؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض. قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ؟ فاولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) * النساء: 94 سيرة ابن هشام 2: 294. وفي مغازي الواقدي بسنده عن محمد بن كعب القرظي: أنزل الله بعد بدر فيمن كان يدعي الاسلام على الشك وقتل مع المشركين ببدر وهم سبعة نفر: * (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) * الى آخر ثلاث آيات، وهي من سورة النحل: 16 - 18. والواقدي 1: 73. والأول أولى. (1) وفي المغازي للواقدي 1: 152: اثنين وعشرين رجلا. وقال الشيخ المفيد في الارشاد 1: 69 - 72: كان المقتولون منهم سبعين رجلا، تولى كافة من حضر من المسلمين مع ثلاثة آلاف من الملائكة المسومين قتل الشطر منهم، وتولى أمير المؤمنين قتل الشطر الآخر وحده، بمعونة الله له وتأييده وتوفيقه ونصره.. قد أثبت رواة العامة والخاصة معا أسماء الذين تولى أمير المؤمنين (عليه السلام) قتلهم ببدر من المشركين، على اتفاق فيما نقلوه من ذلك واصطلاح. ثم ذكر من سموه ثم قال: فذلك ستة وثلاثون رجلا، سوى من اختلف فيه أو شرك أمير المؤمنين (عليه السلام) فيه غيره، وهم اكثر من شطر المقتولين ببدر. وفي إعلام الورى 1: 170: وقتل علي (عليه السلام) ببدر من المشركين ستة وثلاثين رجلا. وسمى عشرة ممن ذكرهم الشيخ المفيد، منهم: العاص بن سعيد بن العاص، وطعمية ابن عدي بن نوفل، ونوفل بن خويلد، وهو عم الزبير بن العوام، وهو الذي قرن طلحة وأبا بكر بحبل وعذبهما قبل الهجرة. وعمير بن عثمان التيمي عم طلحة، ومالكا وعثمان ابن عبيد الله اخوي طلحة وحنظلة بن أبي سفيان أخا معاوية ومعه زمعة بن الأسود والحارث ابنه. وقتل عمار بن ياسر: امية بن خلف. وأمر رسول الله أن تلقى القتلى في قليب بدر. (*)
[ 135 ]
وكان الأسرى سبعين - ولم يأسر علي (عليه السلام) أحدا (1) - فجمعوهم وقرنوهم
بالحبال. وجمعوا الغنائم (2). قصة القطيفة الغلول: وكان في الغنيمة التي أصابوها يوم بدر قطيفة حمراء ففقدت. فقال رجل من أصحاب رسول الله: ما لنا لا نرى القطيفة ؟ ما أظن الا أن رسول الله أخذها ! فجاء رجل الى رسول الله فقال: ان فلانا غل قطيفة فأخبأها هنالك. فأمر رسول الله بحفر ذلك الموضع، فاخرجت القطيفة (3).
(1) أي لم يكن علي (عليه السلام) مشمولا لعتاب الله للنبي والمسلمين على الأسر قبل الاثخان في القتل، ولم يطمع ولكن ابن اسحاق 2: 305 والواقدي 1: 139 ذكرا أن عليا (عليه السلام) قتل حنظلة بن أبي سفيان، وأسر عمرو بن أبي سفيان. (2) تفسير القمي 1: 256 - 269. وقال ابن اسحاق: ثم إن رسول الله أمر بما في العسكر مما جمعه الناس فجمع 2: 295 وجعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف 2: 297 وفي مغازي الواقدي استعمل عليها رسول الله عبد الله بن كعب بن عمرو المازني.. وكان فيها ابل ومتاع وأنطاع وثياب 1: 100 وكانت الابل مئة وخمسين بعيرا و 1: 102 وعشرة أفراس، وسلاحا 1: 103 وكانت الدروع فيهم كثيرة التقطها المسلمون 1: 96 وكان معهم أدم كثير حملوه للتجارة فغنمه المسلمون. (3) تفسير القمي 1: 126، 127. ونقله الواقدي وقال: فسأل رسول الله الرجل. فقال: لم أفعل يا رسول الله. فقال الدال: يا رسول الله احفروا هاهنا. فأمر رسول الله فحفروا هناك، فاستخرجت القطيفة. فقال قائل: يا رسول الله، استغفر لفلان، مرتين أو مرارا. فقال رسول الله: دعونا من آتي جرم - 1: 102. قالوا: وكان انهزام القوم وتوليهم حين زالت الشمس.. فصلى العصر ببدر ثم راح. = (*)
[ 136 ]
نزول سورة الأنفال: قال: ولما انهزم الناس كان أصحاب رسول الله على ثلاث فرق: فصنف كانوا عند خيمة النبي (صلى الله عليه وآله)، وصنف أغاروا على النهب، وفرقة طلبت العدو وأسروا وغنموا. وكان سعد بن معاذ أقام عند خيمة النبي (صلى الله عليه وآله). فلما جمعوا الغنائم والاسارى خاف سعد أن يقسم رسول الله الغنائم والأسلاب بين من قاتل ولا يعطي من تخلف على خيمة رسول الله شيئا، فقال: يا رسول الله، ما منعنا أن نطلب العدو زهادة في الجهاد ولا جبن عن العدو، ولكنا خفنا أن نعدو موضعك فتميل عليك خيل المشركين. والناس كثير - يا رسول الله - والغنائم قليلة، ومتى يعطى هؤلاء (المقاتلون) لم يبق لأصحابك شئ. وقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، أتعطي فارس القوم الذي يحميهم مثل ما تعطي الضعيف ؟ فقال النبي: ثكلتك امك ! وهل تنصرون الا بضعفائكم ! (1) فاختلفوا فيما بينهم حتى سألوا رسول الله: لمن هذه الغنائم ؟ فأنزل الله: * (بسم الله الرحمن الرحيم يسألونك عن الأنفال قل الانفال لله
= ولعله في الأصل: صلى الظهر ببدر ثم راح، إذ يعود فيقول: ويقال: صلى العصر بالاثيل (على أربعة أميال من بدر = 8 كم) 1: 113. (1) رواه الواقدي بسنده عن عكرمة 1: 99. (*)
[ 137 ]
والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) * (1).
فرجع الناس وليس لهم في الغنيمة شئ. ثم أنزل الله بعد ذلك: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل...) * (2). ولم يخمس رسول الله ببدر، وقسمه بين أصحابه (3). وقال الطوسي في " التبيان ": قال قوم: إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان نفل أقواما على بلاء، فأبلى اقوام وتخلف آخرون مع النبي، فلما انقضت الحرب اختلفوا، فقال قوم: نحن أخذنا لأنا قاتلنا، وقال آخرون: ونحن كنا وراءكم نحفظكم، وقال آخرون: نحن أحطنا بالنبي، ولو أردنا لأخذنا. فأنزل الله هذه الآية يعلمهم أن ما فعل فيها رسول الله ماض جائز. رواه عكرمة عن ابن عباس و (هو عن) عبادة بن الصامت (4). وينسجم مع هذه الرواية عن ابن عباس ما رواه عنه قبلها: أن الأنفال هي سلب الرجل وفرسه، فللنبي أن ينفله من شاء (5). ونقل عن قتادة: أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان ينفل الرجل من المؤمنين سلب الرجل
(1) الآية الاولى من سورة الأنفال. (2) الأنفال: 41. (3) تفسير القمي 1: 254، 255 ورواه الواقدي بسنده عن عبادة بن الصامت. وتمامه: ثم استقبل يأخذ الخمس بعد بدر. (4) التبيان 5: 72، 73. (5) التبيان 5: 72. (*)
[ 138 ]
من الكفار إذا قتله (1). ونقل الطبرسي في " مجمع البيان " قول ابن عباس وأضاف: إن النبي (صلى الله عليه وآله)
قال يوم بدر: من جاء بكذا فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا. فتسارع الشبان وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما انقضت الحرب طلب الشبان ما كان قد نفلهم النبي (صلى الله عليه وآله) فقال الشيوخ: كنا ردءا لكم، ولو وقعت عليكم الهزيمة لرجعتم الينا. وجرى بين أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري وبين سعد بن معاذ كلام. فنزع الله الغنائم منهم وجعلها لرسوله يفعل بها ما يشاء، فقسمها بينهم بالسوية. ثم روى مستند رواية ابن عباس عن عبادة بن الصامت قال: اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا فجعله الى رسوله، فقسمه بيننا على السواء. وكان ذلك في تقوى الله وطاعته وصلاح ذات البين (2). وقد روى السيوطي في " الدر المنثور " ما لعله تفصيل لهذا المجمل بإسناده عن عبادة بن الصامت قال: خرجت مع رسول الله وشهدت معه بدرا والتقى الناس وهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم المنهزمين يقتلون منهم، وأحدقت طائفة برسول الله لئلا يصيب العدو منه غرة، واكبت طائفة على غنيمة العسكر يجمعونها ويجوزونها. فلما فاء الناس بعضهم الى بعض وكان الليل قال الذين جمعوا الغنائم: نحن جمعناها وحويناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول
(1) التبيان 5: 74. (2) مجمع البيان 4: 796، 797 ورواها ابن اسحاق في ابن هشام 2: 296 و 322. (*
[ 139 ]
الله: لستم بأحق منا نحن أحدقنا برسول الله وخفنا أن يصيب العدو منه غرة. فنزلت: * (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله
وأصلحوا ذات بينكم) * فقسمها رسول الله بين المسلمين (1). في منزل اثيل: وقوله: " وكان الليل " يعني أن ذلك كان بعد رجوعهم من بدر وبعد مسألة الأسرى في منزل الاثيل (2) حيث قال علي بن ابراهيم القمي: فرحل رسول الله، وساقوا الاسارى على أقدامهم مقرونين بالحبال الى الجمال. وعند غروب الشمس نزلوا الاثيل (3) - وهو من بدر على ستة أميال (اثني عشر كيلو مترا الى المدينة). ونظر رسول الله الى عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث بن كلدة وهما في قران واحد، فقال لعلي (عليه السلام): يا علي، علي بالنضر وعقبة. فجاء علي (عليه السلام) فأخذ بشعر النضر فجره الى رسول الله. فقال النضر: يا محمد، أسألك - بالرحم الذي بيني وبينك - الا أجريتني كرجل من قريش، إن قتلتهم قتلتني، وإن فاديتهم فاديتني، وإن أطلقتهم أطلقتني. فقال رسول الله: لا رحم بيني وبينك، قطع الله الرحم بالاسلام.
(1) الدر المنثور 3: 159 وعنه في الميزان 9: 16. واذ كان التقسيم في منزل سير بعد الاثيل لذلك أجلنا تفصيل التقسيم بعد ذكر ما حدث في منزل الاثيل. (2) كما صرح بذلك الواقدي قال: لما خرج النبي من بدر وكان بالاثيل عرض عليه الأسرى - مغازي الواقدي 1: 106. (3) وفي إعلام الورى 1: 169: بالصفراء. (*)
[ 140 ]
ثم التفت الى علي وقال: قدمه - يا علي - فاضرب عنقه. فقدمه وضرب عنقه.
ثم قال: قدم عقبة فاضرب عنقه. فقدمه وضرب عنقه (1). فقام الأنصار وقالوا: يا رسول الله، قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين، وهم قومك واساراك، ولكن هبهم لنا يا رسول الله، وخذ منهم الفداء وأطلقهم (2) قالوا: يا رسول الله لا تقتلهم وهبهم لنا حتى نفاديهم. فنزل جبرئيل فقال: ان الله قد أباح لهم أن يأخذوا من هؤلاء الفداء ويطلقوهم، على أن يستشهد منهم في عام قابل بقدر من يأخذون منه الفداء من هؤلاء. فأخبرهم رسول الله بهذا الشرط. فقالوا: قد رضينا به، نأخذ العام الفداء من هؤلاء نتقوى به ويقتل منا في عام قابل بعدد ما نأخذ منهم الفداء وندخل الجنة (3). فاطلق لهم أن يأخذوا الفداء ويطلقوهم (4).
(1) كانا من المستهزئين والمحرضين على حرب بدر - الواقدي 1: 37. (2) تفسير القمي 1: 269، 270. (3) تفسير القمي 1: 126. (4) تفسير القمي 1: 270 وروى مثله الواقدي بسنده عن علي (عليه السلام) في المغازي 1: 107 واستظهر من هذا أن ما نزل من سورة الأنفال كان الى الثلثين من السورة، الى الآية الرابعة والخمسين منها، مشتملة في الآية الاولى على حكم الأنفال وفي الآية الواحدة والأربعين على حكم ما غنموا وتخميسه، أما العتاب في باب أخذهم الأسرى ثم تحليل ما غنموا من فدائهم لهم في الآيات: 67 الى 70 فهي بعد الآيات: 55 الى 66 التي قال الواقدي عنها أنها نزلت في بني قينقاع ووقعتهم في منتصف شهر شوال ثم قفول الرسول منهم الى المدينة ووصول وفود مكة في فداء الأسرى. (*)
[ 141 ]
العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب:
روى الكليني في " روضة الكافي " بسنده عن معاوية بن عمار الدهني عن الصادق (عليه السلام) قال: إن رسول الله نهى يوم بدر أن يقتل أحد من بني هاشم، فأسروا. ثم أرسل عليا وقال له: انظر من ها هنا من بني هاشم ؟ فمر علي (عليه السلام) ورجع الى رسول الله فقال له: هذا أبو الفضل في يد فلان، وهذا عقيل في يد فلان، وهذا نوفل بن الحارث في يد فلان. وجئ بالعباس فقيل له: افد نفسك وافد ابني أخيك (فالتفت الى النبي) وقال: يا محمد ! تركتني أسأل قريشا في كفي ؟ ! قال رسول الله: أعط مما خلفت عند ام الفضل وقلت لها: إن أصابني شئ في وجهي هذا فأنفقيه على نفسك وولدك. قال: يابن أخي ! من أخبرك بهذا ؟ قال: أتاني به جبرئيل من عند الله. فقال: والمحلوف به ! ما علم بهذا أحد الا أنا وهي، فأشهد أنك رسول الله (1). وروى الطبرسي في " مجمع البيان " عن الباقر (عليه السلام) قال: كان الفداء يوم بدر كل رجل من المشركين بأربعين اوقية، والاوقية: أربعون مثقالا، الا العباس فان فداءه كان مئة اوقية. وكان اخذ منه حين اسر عشرون اوقية ذهبا، فقال النبي:
(1) روضة الكافي: 202 ورواه العياشي في تفسيره 2: 68 و 69 والحميري في قرب الاسناد كما في الميزان 9: 140. (*)
[ 142 ]
ذلك غنيمة، ففاد نفسك وابني أخيك نوفلا وعقيلا. فقال: ليس معي شئ. فقال: أين الذهب الذي سلمته الى ام الفضل وقلت: ان حدث بي حدث فهو لك
وللفضل وعبد الله وقثم ؟ فقال: من أخبرك بهذا ؟ قال: الله تعالى. فقال: أشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد الا الله تعالى (1). قال الواقدي: ومن رسول الله من الأسرى يوم بدر على أبي عزة عمرو بن عبد الله الجمحي، وكان شاعرا، فقال لرسول الله: لي خمس بنات ليس لهن شئ، فتصدق بي عليهن يا محمد ! واعطيك موثقا لا اقاتلك ولا اكثر عليك أبدا. ففعل رسول الله وأعتقه وأرسله (2). الوصية بالأسرى: قال: قالوا: ولما حبس الأسرى ببدر استعمل النبي عليهم غلامه شقران وقد شهد بدرا ولم يعتقه يومئذ (3) وقال: إن بكم عيلة، فلا يفوتنكم رجل من
(1) مجمع البيان 4: 860 وقال في إعلام الورى 1: 169: قال العباس: والله يا رسول الله اني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا لشئ ما علمه غيري وغير ام الفضل. ثم فدى نفسه بمئة اوقية، وكل واحد من اولئك بأربعين اوقية. ومن الطريف أن ابن اسحاق والواقدي وابن هشام تحاشوا ذكر أسر العباس، وذكروا أخبارا تنبئ عن سابق اسلام العباس واسرته ! (2) فلما خرجت قريش الى احد خرج أبو عزة يدعو العرب يحشرهم ثم خرج مع قريش الى احد فاسر وحده من قريش، فقال: يا محمد ! لي بنات فامنن علي وانما اخرجت مكرها ! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أين ما أعطيتني من العهد والميثاق ؟ ! لا والله، لا تمسح عارضيك بمكة تقول: سخرت بمحمد مرتين، إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. يا عاصم بن ثابت، قدمه فاضرب عنقه. فقدمه وضرب عنقه. مغازي الواقدي 1: 111. (3) مغازي الواقدي 1: 105 و 107 و 116. (*)
[ 143 ]
هؤلاء الا بفداء أو ضربة عنق. فقال عبد الله بن مسعود: يا رسول الله، إلا سهيلا (أخ له) فاني رأيته يظهر
الاسلام بمكة. فسكت النبي فلم يرد عليه، ثم رفع رسول الله رأسه فقال: إلا سهيلا (1). وروي عن الزهري روى عن النبي قال لأصحابه في الأسرى: استوصوا بهم خيرا. فكان أبو العاص بن الربيع يقول: كنت مع رهط من الأنصار وكان التمر زادهم والخبز معهم قليل، وكنا إذا تغدينا أو تعشينا (2) أكلوا التمر وآثروني بالخبز، حتى إن الرجل لتقع في يده الكسرة فيدفعها إلي، جزاهم الله خيرا. وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة يقول مثل هذا ويزيد: وكانوا يحملوننا ويمشون (3) وروى ابن اسحاق عن أبي عزيز بن عمير أخي مصعب بن عمير - وكان صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث من بني عبد الدار - قال: كنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا لوصية رسول الله بنا إذا قدموا غداءهم أو عشاءهم خصوني بالخبز واكلوا التمر، حتى ما كانت تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها (4). وغالبا ما كان الأسير مع من أسره، وكان مالك بن الدخشم قد أسر أبا
(1) مغازي الواقدي 1: 109، 110 وعليه فهذا ثاني من من عليه واطلق بلا فداء. وفي الخبر: سهيل بن بيضاء، وقال الواقدي: سهيل بن بيضاء كان من مهاجرة الحبشة ولم يشهد بدرا، فهو وهم. (2) ذلك انهم مفطرون في سفرهم. (3) مغازي الواقدي 1: 119 وعليه فما مر عن القمي أنهم ساقوهم راجلين لم يدم طويلا. (4) سيرة ابن هشام 2: 119. (*)
[ 144 ]
يزيد سهيل بن عمرو من المطعمين بمكة. فروى الواقدي قال: في منزل شنوكة
قال سهيل لمالك: يا مالك خل سبيلي للغائط. فقام مالك على رأسه ! فقال سهيل: إني احتشم فاستأخر عني. فاستأخر عنه، فانتزع سهيل يده من القران ومضى على وجهه. فلما أبطأ سهيل افتقده مالك فصاح في الناس. وخرج النبي فقال: من وجده فليقتله ! وخرج النبي في طلبه فوجده نفسه قد أخفى أو دفن نفسه بين شجرات سمرات، فأمر به فربطت يداه الى عنقه ثم قرنه الى راحلته (1). تقسيم الغنائم: مر أن تقسيم الغنائم كان بعد اختلافهم فيها ونزول سورة الأنفال قطعا لخلافهم فيها وجوابا لسؤالهم عنها، ويبدو أن ذلك كان بعد بدر وقبل قفولهم من منزل سير. فقد قال ابن اسحاق: أمر رسول الله فجمع ما جمعه الناس مما كان في عسكر المشركين ببدر.. وأمر الناس أن يردوا ما كان في أيديهم من النفل.. ثم أقبل قافلا الى المدينة واحتمل معهم النفل الذي اصيب من المشركين، وجعل عليه عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف المازني من بني النجار. حتى خرج من مضيق الصفراء ونزل على كثيب بين المضيق والنازية يقال له سير، فقسم هنالك النفل على السواء (2). وروى الواقدي بسنده عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري قال: جمعت الغنائم واستعمل عليها رسول الله عبد الله بن كعب بن عمرو المازني - وقيل:
(1) فلم يركب خطوة حتى قدم المدينة مغازي الواقدي 1: 117، ومن هنا أيضا يفهم أن ما ذكره القمي لم يدم طويلا. (2) سيرة ابن هشام 2: 295 - 297. (*)
[ 145 ]
خباب بن الأرت - وقسمها بسير وهو شعب بمضيق الصفراء (1). وفي رواية اخرى عنه قال: أمر رسول الله: أن ترد الأسلاب وما أخذوا
في المغنم والأسرى، فقسم الأسلاب التي نفلها للرجل في المبارزة والذي اخذ في العسكر، قسمه بينهم على فواق (2)، وأقرع بينهم في الأسرى (3) يعني أنه استرد الجميع وقسمه. ولكن روى عن موسى بن سعد بن زيد بن ثابت عن أبيه عن جده قال: نادى منادي النبي يومئذ: من قتل قتيلا فله سلبه، ومن أسر أسيرا فهو له، فكان من قتل قتيلا يعطيه سلبه، وما وجد في العسكر وما أخذوه بغير قتال فقسمه بينهم على فواق. وهذا يعني أنه (صلى الله عليه وآله) لم يسترد الأسلاب بل انما سائر الغنائم والأسرى. ولذلك قال الواقدي والثبت عندنا من هذا: أن كل ما جعله لهم فانه قد سلمه لهم (4) وما لم يجعل لهم فقد قسمه بينهم. وقال: قالوا: أخذ علي (عليه السلام) درع الوليد بن عتبة ومغفره وبيضته، وأخذ حمزة سلاح عتبة، وأخذ عبيدة بن الحارث درع شيبة، فهي في ورثته. وأما سلب أبي جهل فقد روى عن سعيد بن خالد القارظي: أن النبي أعطاه لعبد الله بن مسعود، وروى عن خارجة بن كعب القرظي: أن النبي دفعه الى معاذ بن عمرو بن الجموح.
(1) مغازي الواقدي 1: 100 و 114. (2) قالوا في معناه: أي جعل من رأى تفضيله فوق بعض. (3) وهذا أول مورد للعمل بالقرعة في تقسيم الأسرى للمقاتلين. (4) سوى الأسرى فانه (صلى الله عليه وآله) جعلهم لمن أسرهم ثم لم يسلمهم لهم بل اقترع عليهم بينهم كما مر ويأتي. (*)
[ 146 ]
ثم روى بسنده عن عبد الله بن مكنف الأنصاري قال: كان الرجال ثلاثمئة
وثلاثة عشر رجلا، وكانت السهام ثلاثمئة وسبعة عشر سهما، أربعة أسهم للمقداد والزبير لخيلهما، وثمانية أسهم لثمانية نفر لم يحضروا وأسهم لهم رسول الله (1) ثلاثة من المهاجرين: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وطلحة بن عبيد الله اللذان بعثهما رسول الله يتحسسان العير (2) قال ابن اسحاق: وكان عثمان بن عفان بن أبي العاص بن امية بن عبد شمس قد تخلف على امرأته رقية بنت رسول الله، فضرب له رسول الله بسهمه (3) وقال الواقدي: خلفه رسول الله (4). ومن الأنصار: أبو لبابة بن عبد المنذر، خلفه على المدينة. وعاصم بن عدي، خلفه على قباء وأهل العالية. والحارث بن حاطب، أمره بأمره في بني عمرو بن عوف. وخوات بن جبير، والحارث بن الصمة، كسر بهم بالروحاء في الطريق الى بدر. وقد روى أنه ضرب لأربعة رجال آخرين ليس بمجتمع عليهم كاجتماعهم على الثمانية، منهم سعد بن عبادة، وقد مر خبره أنه كان قد نهش فمنعه ذلك عن الخروج. وسعد بن مالك الساعدي، وكان قد تجهز الى بدر فمرض، ومات خلاف
(1) كذا، ولا يخفى ما فيه من اختلال في التقسيم، فإن السبعة عشر بعد الثلاثمئة لا تزيد على الثلاثة عشر بعد الثلاثمئة الا بأربعة، فلو ذهب منها اثنان للفارسين بقيت سهمان لا ثمانية. (2) مغازي الواقدي 1: 101 وقال قبل ذلك: فقدم طلحة وسعيد المدينة اليوم الذي لاقاهم رسول الله ببدر، واستقبلا الرسول فلقياه على المحجة - لتربان بعد السيالة وقبل ملل 1: 20 والسيالة اولى المنازل الى مكة وملل ثانيتها. وقال ابن اسحاق فيهما في السيرة 2: 239 و 241: كانا في الشام وقدما. (3) سيرة ابن هشام 2: 334. (4) وسيأتي الكلام عليه في وفاة رقية في ذي الحجة. (*)
[ 147 ]
رسول الله، ولرجلين آخرين. وكانت الابل التي غنموها يومئذ مئة وخمسين بعيرا معها أدم كثير حملوه للتجارة. وغنموا من خيولهم عشرة أفراس وسلاحا. فكانت تصيب الرجل بعير ومتاع وآخر أنطاع (1). وكان لرسول الله صفي من الغنيمة قبل أن تقسم، فكان جمل أبي جهل له (صلى الله عليه وآله)، فكان يغزو عليه حتى ساقه هدي الحديبية. وتنفل رسول الله سيف المنبه بن الحجاج وكان يقال له: ذا الفقار (أي الفقرات بمعنى الحفر). وكان لا يرد سؤالا، فسأله الأرقم بن أبي الأرقم سيف المرزبان لابن عائذ المخزومي فأعطاه اياه. وسأله سعد بن أبي وقاص سيف العاص بن منبه فأعطاه. وكان مماليك اربعة حضروا بدرا فلم يسهم لهم ولكن اعطاهم شيئا منه: غلامه شقران استعمله على الاسرى فاعطي شيئا من فداء كل اسير. وغلام لسعد ابن معاذ، وغلام لعبد الرحمان بن عوف وغلام حاطب بن أبي بلتعة، أعطاهم من الغنائم (2). بعث البشير بالفتح: قال الواقدي: وقدم رسول الله عبد الله بن رواحة (بشيرا الى أهل العالية من المدينة، وزيد بن حارثة الى أهل السافلة منها) (3). وافترق عبد الله بن رواحة عن زيد بن حارثة من العقيق فاتبع دور
(1) وهذا هو معنى الفواق بعضهم فوق بعض أو بتفاوت، وهو طبيعي مع هذه الغنائم، وعليه فلا يصح ما في سيرة ابن هشام 2: 297 وغيرها: أنه قسمه على السواء. وكيف ؟ ! (2) مغازي الواقدي 1: 99 - 105. (3) سيرة ابن هشام 2: 296 وذكر ابن رواحة في 3: 54. (*)
[ 148 ]
الأنصار بالعالية وهم بنو خطمة وبنو عمرو بن عوف وبنو وائل، وجعل ينادي على راحلته: يا معشر الأنصار أبشروا بسلامة رسول الله وقتل المشركين وأسرهم، قتل ابنا ربيعة، وابنا الحجاج، وابو جهل، وامية بن خلف وزمعة بن الأسود، واسر سهيل بن عمرو ذو الأنياب في أسرى كثيرين، وغدا يقدم رسول الله ان شاء الله ومعه الأسرى مقرنين. وجعل الأطفال يشتدون معه ويقولون: قتل أبو جهل الفاسق، قتل أبو جهل الفاسق. وقدم زيد بن حارثة الى المدينة على الناقة القصواء، للنبي (صلى الله عليه وآله)، فلما بلغ المصلى صاح: قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وابنا الحجاج، وابو جهل وابو البختري، وامية بن خلف، وزمعة بن الأسود، واسر سهيل بن عمرو ذو الأنياب في اسرى كثيرة. فقال رجل من المنافقين لأبي لبابة بن عبد المنذر: هذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب، وقد قتل محمد وقتل معه علية أصحابه، وقد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون بعده أبدا، وهذه ناقة محمد نعرفها ! وقال آخر من المنافقين لاسامة بن زيد: قتل صاحبكم ومن معه !. قال اسامة: فجئت حتى خلوت بأبي (وقال ابن اسحاق: فجئته وهو واقف بالمصلى قد غشيه الناس) فقلت: يا أبه، أحق ما تقول ؟ قال: إي والله حقا يا بني (1). قال ابن اسحاق: وكان كعب بن الأشرف من (يهود) بني نبهان من طي وامه من بني النضير، فلما بلغه الخبر قال: أحق هذا ؟ أترون محمدا قتل هؤلاء
(1) مغازي الواقدي 1: 115. (*)
[ 149 ]
الذين يسميانهم هاذان الرجلان: زيد وعبد الله ؟ فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس ! والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم فبطن الأرض خير من ظهرها ! (1). استقبال الرسول: واستقبله الناس بالروحاء يهنئونه بفتح الله عليه. ولقيه في تربان عبد الله بن انيس فقال: يا رسول الله، الحمد لله على سلامتك وظفرك، كنت يا رسول الله ليالي خرجت مورودا (محموما بالنوبة) فلم يفارقني حتى أمس، فأقبلت اليك. فقال: آجرك الله. ولقيه اسيد بن حضير فقال: يا رسول الله، الحمد لله الذي ظفرك وأقر عينك ! والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوا، ولكني ظننت أنها العير، ولو ظننت أنه العدو ما تخلفت. فقال رسول الله: صدقت. أما الأسرى فقد قدموا بهم المدينة قبله أو بعده بيوم أو بعض يوم (2). ولما التقى برسول الله وجوه الخزرج يهنئونه بفتح الله، قال سلمة بن سلامة ابن وقش: ما الذي تهنئوننا به ؟ فوالله ما قتلنا إلا عجائز صلعا. فتبسم النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: يابن أخي اولئك الملأ، لو رأيتهم لهبتهم ولو
(1) ابن هشام 3: 55. (2) وقد قال في مرجعه من بدر: كان قتل عصماء بنت مروان لخمس ليال بقين من رمضان مرجع النبي (صلى الله عليه وآله) من بدر 1: 174 ونقل الطبري عن بعضهم قال: كان رجوعه الى المدينة يوم الاربعاء لثماني ليال بقين من رمضان 2: 482 ولعله عنه أخذ المسعودي في التنبيه والاشراف: 206: وكانت غيبة رسول الله الى أن عاد الى المدينة تسعة عشر يوما، ودخلها لثمان بقين من شهر رمضان. اي في الحادي أو الثاني والعشرين من رمضان. (*)
[ 150 ]
أمروك لأطعتهم، ولو رأيت فعالك مع فعالهم لاحتقرته، وبئس القوم كانوا لنبيهم ! فقال سلمة: أعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، انك يا رسول الله لم تزل عني معرضا منذ كنا بالروحاء في بدأتنا ؟ ! فقال رسول الله: أما ما قلت للأعرابي: وقعت على ناقتك فهي حبلى منك ! ففحشت وقلت ما لا علم لك به ! وأما ما قلت في القوم، فانك عمدت الى نعمة من نعم الله تزهدها ! فاعتذر الى النبي، فقبل منه رسول الله معذرته (1). البكاء على الشهداء: وعقد اسر الشهداء مناحة على شهدائهم منهم آل العفراء على ولديهم معوذ وعوف ابني العفراء، وشاركتهم سودة بنت زمعة زوج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكان ذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب (2). وروى الواقدي بسنده عن داود بن الحصين عن رجال من بني عبد الأشهل قالوا: لما بلغ مقتل حارثة بن سراقة الى امه بالمدينة، وكان مقتله على حوض بدر إذ أتاه سهم غرب (3) فوقع في نحره فقتل، قالت امه: فوالله لا أبكيه حتى يقدم رسول الله فأسأله، فان كان ابني في الجنة لم أبك عليه، وان كان ابني في النار بكيته ! فلما قدم رسول الله من بدر جاءت ام حارثة الى رسول الله فقالت: يا رسول الله، قد عرفت موضع حارثة من قلبي فأردت أن أبكي عليه فقلت: لا أفعل حتى أسأل رسول الله فان كان في الجنة لم أبك عليه، وان كان في
(1) مغازي الواقدي 1: 116. (2) مغازي الواقدي 1: 114 - 118 والخبر الأخير في سيرة ابن هشام أيضا 2: 299. (3) غرب: لا يعرف راميه. (*)
[ 151 ]
النار بكيته. فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): هبلت (هلكت) أجنة واحدة ؟ انها جنان كثيرة ! والذي نفسي بيده انه لفي الفردوس الأعلى !. فقالت: فلا أبكي عليه أبدا. فدعا رسول الله بماء فغمس يده فيه ومضمض فاه ثم ناول ام حارثة فشربت ثم ناولته ابنتها فشربت، ثم أمرهما فنضحتا منه في جيوبهما ففعلتا. فرجعتا من عند النبي (صلى الله عليه وسلم) وما بالمدينة امرأتان أقر عينا منهما ولا أسر (1). الأسرى في المدينة: قال: ولما قدموا بالأسرى لم يبق بالمدينة يهودي ولا مشرك ولا منافق الا ذل، وقال كعب بن الأشرف اليهودي: بطن الأرض اليوم خير من ظهرها، هؤلاء أشراف الناس وساداتهم وملوك العرب وأهل الحرم والأمن قد اصيبوا (2).
(1) مغازي الواقدي 1: 93، 94. (2) مغازي الواقدي 1: 121. وروى الواقدي بسنده عن كعب بن مالك، وجابر بن عبد الله الأنصاري قالا: لما رأى ابن الأشرف الأسرى مقرنين كبت وذل وقال لهم: ويلكم ! والله لبطن الأرض خير من ظهرها اليوم ! هؤلاء سراة القوم قد قتلوا واسروا، فما عندكم ؟ قالوا: عداوته ما حيينا ! قال: وما أنتم وقد وطأ قومه وأصابهم ؟ ! ولكني أخرج الى قريش فأحضهم وأبكي قتلاهم، فلعلهم ينتدبون فأخرج معهم. فخرج حتى قدم مكة، ووضع رحله عند أبي وداعه بن ضبيرة السهمي (وهو صهر بني امية وأول أسير افتدي) فجعل يرثي قريشا - المغازي 1: 185. وروى ابن اسحاق عن رواته قالوا: خرج حتى قدم مكة.. وجعل ينشد الأشعار يبكي أصحاب القليب من قريش الذين اصيبوا ببدر، ويحرض بذلك على رسول الله - 3: 55. = (*)
[ 152 ]
وقال آخر منهم: هو الذي نجده منعوتا، والله لا ترفع له راية بعد اليوم الا ظفرت ! وقال عبد الله بن نبتل: ليت أنا كنا خرجنا معه حتى نصيب معه غنيمة ! وخرج كعب الى مكة، ورثى قتلى بدر من المشركين وهجى المسلمين. فدعا رسول الله حسان بن ثابت الأنصاري فأخذ يهجو من نزل كعب عنده (أبا وداعة السهمي) حتى رجع كعب الى المدينة (1). وروى ابن اسحاق عن نبيه بن وهب قال: لما أقبل رسول الله بالاسارى فرقهم بين أصحابه واستوصاهم بهم خيرا (2). فداء الأسرى: وكان أبو وداعة بن ضبيرة (السهمي) أول من افتدي. وكان رسول الله قد قال لهم: إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال، وكأنكم به قد جاء في طلب فداء أبيه (3) وهو مغل فداءه (4) فلما قدم الحيسمان الخزاعي مكة بخبر قتلاهم
= أما عبد الله بن ابي رأس المنافقين فقد قال الواقدي فيه: كان لعبد الله بن ابي مقام يقومه كل جمعة شرفا له لا يريد تركه، فلما رجع رسول الله من (بدر) الى المدينة جلس على المنبر يوم الجمعة فقام ابن ابي فقال: هذا رسول الله بين أظهركم قد اكرمكم الله به، فانصروه وأطيعوه - 1: 318. وكلمة (بدر) في المطبوع (احد) ويبدو خطؤه من سياق الكلام. (1) مغازي الواقدي 1: 121، 122 باختصار. (2) سيرة ابن هشام 2: 299. (3) سيرة ابن هشام 2: 303. (4) مغازي الواقدي 1: 129. (*)
[ 153 ]
وأسراهم (1) انسل المطلب بن أبي وداعة ليلا وأخذ شرقي مكة فسار أربع ليال الى المدينة، فافتدى أباه بأربعة آلاف درهم وانطلق به (2) ثم قدم بعده بثلاث ليال خمسة عشر رجلا منهم في فداء أصحابهم: ابي بن خلف الجمحي، وجبير بن مطعم، وخالد بن الوليد المخزومي، وطلحة بن أبي طلحة، وعبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وعثمان بن أبي حبيش المخزومي، وعكرمة بن أبي جهل المخزومي، وعمرو بن قيس السهمي، وعمرو بن الربيع أخو أبي العاص بن الربيع صهر الرسول، وفروة بن السائب المخزومي، ومكرز بن حفص، وهشام بن الوليد المخزومي، والوليد بن عقبة بن أبي معيط. وكان الفداء من أربعة آلاف، الى ثلاثة آلاف، الى ألفين، الى ألف درهم، الى قوم لا مال لهم من عليهم رسول الله (3). وقد مرت رواية الواقدي عن سهل بن حثمة الأنصاري قال: أمر رسول الله أن يردوا الأسرى ثم أقرع بينهم فيهم (4) وروى عن أبي عفير قال: لما أمر النبي أن يردوا الأسرى، كان سعد بن أبي وقاص قد أسر الحارث بن أبي وجزة من بني عبد شمس، فرده، ثم صار إليه أيضا بالقرعة. فقدم في فدائه الوليد بن عقبة بن أبي معيط (فوجد أباه قد قتل) ففدى الحارث بأربعة آلاف درهم (5) وكان ممن أسره أبو اليسر الأنصاري: أبو عزيز بن عمير اخو مصعب بن عمير، ثم اقترع عليه
فصار لمحرز بن نضلة الأنصاري، فبعثت امه فيه بأربعة آلاف درهم. وافتدى عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي: امية بن أبي حذيفة، وخالد بن هشام، وعثمان بن عبد الله، كل رجل منهم بأربعة آلاف درهم. وافتدى خالد بن الوليد أخاه الوليد بن الوليد بأربعة آلاف درهم، وخرج به هو وأخوهم هشام حتى بلغا بالوليد الى ذي الحليفة (بينها وبين المدينة ستة أميال = إثنا عشر كيلومترا) فأفلت منهم وأتى النبي فأسلم وقال: كرهت أن اسلم قبل أن افتدى. وافتدى مكرز بن حفص: أبا يزيد سهيل بن عمرو بأربعة آلاف، فلما قالوا له: هات المال. قال: اجعلوا رجلا مكان رجل وخلوا سبيله. فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرز، وبعث سهيل بالمال مكانه من مكة، فأطلقوه (1). قال ابن اسحاق: وممن سمي لنا من الاسارى ممن من عليه بغير فداء: أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي، قال لرسول الله: يا رسول الله لقد عرفت أن ليس لي مال وأني ذو حاجة وذو عيال، فامنن علي (ومدحه بخمسة أبيات من الشعر) فأخذ عليه رسول الله أن لا يعين عليه أحدا ومن عليه فأطلقه (2). وروى الواقدي عن سعيد بن المسيب قال: قال لرسول الله: يا محمد، لي خمس بنات ليس لهن شئ فتصدق بي عليهن. ففعل رسول الله، فقال: اعطيك موثقا لا اقاتلك ولا اكثر عليك أبدا ! فأرسله رسول الله (3).
(1) مغازي الواقدي 1: 138. (2) ابن هشام 2: 315. (3) مغازي الواقدي 1: 111. وخالف يوم احد فحرض على رسول الله وشارك في احد فاسر فقتل، كما مر ويأتي. (*)
[ 155 ]
ولم يكن لربيعة بن دراج الجمحي مال، فاخذ منه شئ يسير وارسل. ولم يكن للسائب بن عبيد، وعبيد بن عمرو من بني المطلب بن عبد مناف، مال، فلم يقدم في فدائهما أحد، ففك رسول الله عنهما بغير فدية. وكان أبو أيوب الأنصاري قد أسر المطلب بن حنطب من بني أبي رفاعة، ولم يكن له مال، فأرسله بعد حين. ولم يكن لصيفي بن أبي رفاعة مال، فمكث عندهم مدة ثم أرسلوه. بينما افتدي اخوه أبو المنذر بن أبي رفاعة بألفين. وافتدي منهم عبد الله بن السائب بألف درهم، وكان قد أسره سعد بن أبي وقاص (1). وروى ابن سعد في " الطبقات " قال: كان رسول الله يفادي الأسرى على قدر أموالهم. وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن له فداء (وكان يكتب) دفع إليه عشرة من غلمان المدينة فيعلمهم (الكتابة) فإذا حذقوا (في الكتابة) فهو فداؤه (2). صهر النبي أبو العاص بن الربيع (3): مر ذكر الواقدي فيمن سماهم (3) ممن قدموا في فداء الأسرى من المشركين:
(1) مغازي الواقدي 1: 138 - 143. (2) الطبقات 2: 14. (3) قال ابن اسحاق: وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة، وكان لهالة بنت خويلد، فكانت خديجة خالته وكانت تعده بمنزلة ولدها، فسألت خديجة رسول الله أن = (*)
[ 156 ]
عمرو بن الربيع أخو أبي العاص بن الربيع صهر النبي (صلى الله عليه وآله). ولما رأت زينب بنت رسول الله أهل مكة يبعثون (الرجال بالأموال) في
فداء أسراهم، نقل في مجمع البيان عن كتاب علي بن ابرهيم القمي قال: بعثت زينب في فداء زوجها أبي العاص بن أبي الربيع (مع أخيه عمرو بن الربيع) قلائد لها كانت خديجة جهزتها بها - وكان أبو العاص ابن اخت خديجة - فلما رأى رسول الله تلك القلائد قال: رحم الله خديجة، هذه قلائد هي جهزتها بها. فأطلقه رسول الله بشرط أن يبعث إليه زينب ولا يمنعها من اللحوق به. فعاهده على ذلك ووفى له (1). وكان الذي أسره عبد الله بن جبير (2) وكان أبو العاص عند رسول الله. فأطلقوه، وردوا على زينب متاعها (3). قال ابن اسحاق: ولم يظهر من رسول الله أنه قد أخذ على صهره أبي
= يزوجه، وذلك قبل أن ينزل عليه الوحي، وكان رسول الله لا يخالفها، فزوجه، فلما اكرم الله رسوله بنبوته آمنت به خديجة وبناته، وثبت أبو العاص على شركه. فلما بادى رسول الله قريشا بالعداوة قالوا فيما بينهم: ردوا عليه بناته فاشغلوه بهن ! فمشوا الى أبي العاص فقالوا له: فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت ! قال: لا والله، اني لا افارق صاحبتي ولا احب أن لي بامرأتي امرأة من قريش فلما سارت قريش الى بدر (أخرجوا معهم) ابا العاص بن الربيع، فاسر يوم بدر، فكان عند رسول الله بالمدينة - ابن هشام 2: 306، 307. (1) مجمع البيان 4، 859 وليس في تفسير القمي. (2) مغازي الواقدي 1: 131. (3) سيرة ابن هشام 2: 308 والواقدي 1: 131. (*)
[ 157 ]
العاص، أو كان فيما شرط عليه في إطلاقه ولم يظهر من أبي العاص أنه وعد رسول الله بشئ بشأن زينب بنت الرسول، الا أنه لما اخلي سبيل أبي العاص وخرج الى
مكة، قال رسول الله لزيد بن حارثة ورجل آخر من الأنصار: كونا ببطن يأجج (1) حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها (2). فعلم أن ذلك كان إما بشرط من النبي عليه أو وعد منه له (صلى الله عليه وآله). وقد مر أن الواقدي قال: كان المطلب بن أبي وداعة أول من قدم المدينة بعد بدر في فداء المشركين، وسار من مكة إليها في أربع ليال، وبعده بثلاث ليال قدم خمسة عشر رجلا منهم عمرو بن الربيع أخو أبي العاص بن الربيع في فدائه (3) وهذا يعني أن قدومهم المدينة كان في أواخر شهر رمضان أو أوائل شوال. أما ارسال الرسول للرجلين الى بطن يأجج ليأتيا بزينب ابنته، فقد قال ابن اسحاق: كان ذلك بعد بدر بشهر أو شيعه (4) أي قريب منه، أي في أواسط شوال (5).
(1) موضع مسجد الشجرة بينه وبين مسجد التنعيم ميلان، أي بينه وبين مكة أربعة أميال اي 3 كم تقريبا. (2) سيرة ابن هشام 2: 308 والواقدي قال: اخذ النبي عليه بذلك 1: 131. (3) مغازي الواقدي 1: 129. (4) سيرة ابن هشام 2: 308 ويأتي تمام الخبر. (5) أما عن تاريخ بدر: فقد قال الطوسي في التبيان 5: 166: كانت في صبيحة السابع عشر من شهر رمضان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة. ورواه ابن اسحاق في السيرة 2: 278 عن الامام الباقر (عليه السلام) ونقله عنه الطبري 3: 446 ورواه عن حسن بن علي (عليهما السلام) وزيد ابن ثابت وعبد الله بن مسعود في احدى الروايتين عنه 3: 419، 420 وأطلقه الواقدي = (*)
[ 158 ]
أسير اطلق لفك الرهينة:
روى ابن اسحاق قال: كان من أسرى بدر: عمرو بن أبي سفيان صخر بن حرب، وكانت امه بنت عقبة بن أبي معيط (أو اخته أو عمته على قول ابن هشام) وقد أسره علي بن أبي طالب (عليه السلام). فقيل لأبي سفيان: افد ابنك عمرا. فقال: قتلوا حنظلة وأفدي عمرا ؟ ! دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم !. وكان بالنقيع (من المدينة) شيخ مسلم من بني عمرو بن عوف يدعى سعد ابن النعمان بن أكال، وكان في غنم له. وكان ظنه أن قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجا أو معتمرا الا بخير، ولا يظن أنه يحبس بمكة ولا يخشى ذلك. فخرج من النقيع معتمرا ومعه امرأته. فعدا عليه أبو سفيان بن حرب فحبسه بازاء ابنه عمرو (رهينة). فمشى بنو عمرو بن عوف الى رسول الله فأخبروه خبره وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكوا به صاحبهم. ففعل رسول الله ذلك (وأعطاهم عمرو ابن أبي سفيان) فبعثوا به إلى أبي سفيان. فخلى سبيل سعد بن النعمان. وكان أبو سفيان قد قال شعرا: أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه تعاقدتم ولا تسلموا السيد الكهلا
= وقال: يوم الجمعة 1: 51. ولكن روى الطوسي في التبيان 5: 125 عن الصادق (عليه السلام) أنه كان التاسع عشر منه، ورواه الطبري عن زيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود برواية اخرى عنهما 3: 419 و 418. (*)
[ 159 ]
وإن بني عمرو لئام أذلة لئن لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا فأجابه حسان بن ثابت فقال: ولو كان سعد يوم مكة مطلقا * لاكثر فيكم - قبل أن يؤسر - القتلا
بعضب حسام، أو بصفراء نبعة * تحن إذ ما انبضت تحفز النبلا (1). تحويل القبلة من القدس الى الكعبة: " بعد رجوعه (صلى الله عليه وآله) من بدر " صرف رسول الله الى الكعبة، فيما رواه الشيخ الطوسي في " التهذيب " عن رسالة " ازاحة العلة في معرفة القبلة " لشاذان بن جبرئيل القمي عن معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2). ونقلها عنها الحر العاملي في " وسائل الشيعة " وفيها تمامها: وكان يصلي في المدينة الى بيت المقدس سبعة عشر شهرا، ثم اعيد الى الكعبة (3) والخبر جواب على سؤال ابن عمار. وفي خبر آخر أخرجه الحميري في " قرب الأسناد " بسنده عن الصادق (عليه السلام) بدأ به عن أبيه الباقر (عليه السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) استقبل بيت المقدس تسعة عشر شهرا، ثم صرف الى الكعبة وهو في العصر (4). ونقله عنه الحر العاملي في " وسائل الشيعة " واعتمد على نسخة سجلت كما
(1) سيرة ابن هشام 2: 305، 306. والنبعة شجر ذو خشب اصفر كان يصنع منه الأقواس، يقول: إذ ما مد وترها تقذف النبل وترميه. وأشار الى أصل الخبر الواقدي في المغازي 1: 139. (2) التهذيب 2: 43 ح 135. (3) وسائل الشيعة 4: 298 ط آل البيت (ع). (4) قرب الأسناد: 69 وعنه في وسائل الشيعة 4: 303 ط آل البيت (ع). (*)
[ 160 ]
سبق: تسعة عشر شهرا. وأشار الى نسخة اخرى بين قوسين (سبعة عشر شهرا). والصحيح هو ما اعتمده أولا: تسعة عشر شهرا، بناء على الخبر الأول: أن ذلك كان بعد رجوعه من بدر، فان بدرا كان في رمضان الشهر التاسع عشر بعد الهجرة،
وليس سبعة عشر شهرا. وكذلك الأمر في الخبر الأول أيضا. وقد يفهم من قوله (عليه السلام) في الخبر الأول: ثم اعيد الى الكعبة. أن الكعبة كانت قبلته الاولى فاعيد إليها بعد بيت المقدس، ولكن في الخبر التالي عنه (عليه السلام) تفسير لذلك، بأنه كان يصلي الى بيت المقدس ولكنه في مكة كان يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس فلا يجعل الكعبة خلف ظهره، فكان يبدو أنه يصلي الى الكعبة، واعيد إليها مرة اخرى: فقد روى الكليني في " فروع الكافي " بسنده عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام): هل كان رسول الله يصلي الى بيت المقدس ؟ قال: نعم. فقلت: أكان يجعل الكعبة خلف ظهره ؟ فقال: أما إذ كان بمكة فلا، وأما إذ هاجر الى المدينة فنعم، حتى حول الى الكعبة (1). بل نقل الطبرسي في " الاحتجاج " عن الامام العسكري (عليه السلام) قال: لما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمكة أمره الله أن يتوجه نحو بيت المقدس في صلاته ويجعل الكعبة بينه وبينها إذا أمكن، وإذا لم يمكن استقبل بيت المقدس كيف كان. فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفعل ذلك طول مقامه ثلاث عشرة سنة. فلما كان بالمدينة وكان متعبدا باستقبال بيت المقدس استقبله وانحرف عن الكعبة (2). وقال القمي في تفسيره: إن اليهود كانوا يعيرون رسول الله ويقولون له:
(1) فروع الكافي 3: 286 ح 12 وعنه في وسائل الشيعة 4: 298. (2) الاحتجاج 1: 43. (*)
[ 161 ]
أنت تابع لنا تصلي الى قبلتنا. فاغتم من ذلك رسول الله غما شديدا، وخرج في جوف الليل ينظر في آفاق السماء ينتظر أمر الله تبارك وتعالى في ذلك، فلما أصبح وحضرت صلاة الظهر كان في مسجد بني سالم قد صلى بهم (من) الظهر
ركعتين، نزل جبرئيل (عليه السلام) فأخذ بعضديه فحوله الى الكعبة فصلى ركعتين الى الكعبة وأنزل عليه قوله سبحانه: * (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين اوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون * ولئن أتيت الذين اوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم انك إذا لمن الظالمين * الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون * الحق من ربك فلا تكونن من الممترين * ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات اينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شئ قدير * ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وانه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون * ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة الا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولاتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون * كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون * فاذكروني اذكركم واشكرو لي ولا تكفرون) * (1). قال القمي: فقالت اليهود والسفهاء من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟ ! فنزل قوله سبحانه: * (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن
(1) البقرة: 144 - 152. (*)
[ 162 ]
قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء الى صراط مستقيم * وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن
ينقلب على عقبيه وان كانت لكبيرة الا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع ايمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم) * (1). قال القمي: صلى رسول الله الى بيت المقدس بمكة ثلاثة عشر سنة، وبعد مهاجرته الى المدينة سبعة أشهر، ثم حول الله القبلة الى البيت الحرام (2). هذا ما قاله القمي في تفسيره، ولكن الطبرسي رواه عنه في " مجمع البيان " باسناده عن الصادق (عليه السلام) (3) واختصر الخبر في " إعلام الورى " قال: قال علي بن ابراهيم: وكان رسول الله يصلي الى بيت المقدس مدة مقامه بمكة، وبعد هجرته حتى أتى سبعة أشهر، فلما أتى له سبعة أشهر عيرته اليهود وقالوا له: أنت تابع لنا تصلي الى قبلتنا، ونحن أقدم منك في الصلاة. فاغتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذلك، وأحب أن يحول الله قبلته الى الكعبة، فخرج رسول الله في جوف الليل ونظر الى آفاق السماء ينتظر أمر الله. وخرج في ذلك اليوم الى مسجد بني سالم الذي جمع فيه أول جمعة كانت بالمدينة، وصلى بهم الظهر هناك، بركعتين الى بيت
(1) البقرة: 142 و 143. (2) تفسير القمي 1: 63 ويقول القمي: إن قوله تعالى: " قد نرى تقلب وجهك في السماء " نزل أولا، ثم نزل: " سيقول السفهاء من الناس " فهذه الآية متقدمة على تلك في الجمع. ونقله الطوسي عن قوم قالوا به (التبيان 1: 13) وهذا انما يلزم فيما لو كان تحويل القبلة بالآيات، ورده يستلزم القول بأن تحويل القبلة لم يكن بالآيات بل كان بعمل جبرئيل وتحول الرسول، فقال سفهاء اليهود: ما ولاهم ؟ ! فنزلت الآيات كلها دعما لعمل الرسول. (3) مجمع البيان 1: 413. (*)
[ 163 ]
المقدس وركعتين الى الكعبة، ونزل عليه: * (قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث كنتم فولوا
وجوهكم شطره) * (1). وقال الصدوق ابن بابويه القمي في " من لا يحضره الفقيه ": صلى رسول الله الى بيت المقدس بعد النبوة ثلاث عشرة سنة بمكة، وتسعة عشر شهرا بالمدينة، ثم عيرته اليهود فقالوا له: انك تابع لقبلتنا، فاغتم لذلك غما شديدا، فلما كان في بعض الليل خرج يقلب وجهه في آفاق السماء. فلما أصبح صلى الغداة، فلما صلى من الظهر ركعتين جاء جبرئيل (عليه السلام) فقال له: * (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام) * ثم أخذ بيد النبي فحول وجهه الى الكعبة، وحول من خلفه وجوههم، حتى قام الرجال مقام النساء والنساء مقام الرجال. فكان أول صلاته الى بيت المقدس وآخرها الى الكعبة. وبلغ الخبر مسجدا بالمدينة وقد صلى أهله من العصر ركعتين فحولوا نحو الكعبة، وكان أول صلاتهم الى بيت المقدس وآخرها الى الكعبة، فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين. فقال المسلمون: صلاتنا الى بيت المقدس تضيع يا رسول الله ؟ فأنزل الله عزوجل: * (وما كان الله ليضيع ايمانكم) * يعني: صلاتكم الى بيت المقدس. ثم قال الصدوق: وقد اخرجت الخبر في ذلك على وجهه في
(1) إعلام الورى 1: 162. وأما تأريخه الحدث بسبعة أشهر بعد الهجرة يصح فيما لو قدرنا ذلك بعد السنة الاولى للهجرة، فيكون المجموع تسعة عشر شهرا وينسجم مع ما جاء في الخبر الأول: بعد بدر، ومع الخبر الثاني: تسعة عشر شهرا. (*)
[ 164 ]
" كتاب النبوة " (1).
والخبر على وجهه في المسجد بالمدينة الذي بلغ أهله الخبر وقد صلوا من العصر ركعتين: هو ما أخرجه شاذان بن جبرئيل القمي في رسالة " ازاحة العلة في معرفة القبلة " بسنده عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ان بني عبد الأشهل أتوهم وهم في الصلاة قد صلوا ركعتين الى بيت المقدس، فقيل لهم: ان نبيكم حرف الى الكعبة. فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، وجعلوا الركعتين الباقيتين الى الكعبة، فصلوا صلاة واحدة الى قبلتين، فلذلك سمي مسجدهم مسجد القبلتين (2). وكذلك الخبر على وجهه في قوله سبحانه: * (وما كان الله ليضيع ايمانكم) * فقد روى العياشي في تفسيره عن الصادق (عليه السلام) قال: لما حرف الله نبيه عن بيت المقدس قال المسلمون للنبي (صلى الله عليه وآله): أرأيت صلاتنا التي كنا نصلي الى بيت المقدس ما حالنا فيها ؟ وحال من مضى من موتانا وهم كانوا يصلون الى بيت المقدس ؟ فأنزل الله الآية (3). وروى الطوسي في " التبيان " عن ابن عباس وقتادة والربيع قالوا: لما حولت القبلة قال ناس: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الاولى ؟ وكيف من مات من اخواننا قبل ذلك ؟ فأنزل الله الآيات (4).
(1) كتاب من لا يحضره الفقيه 1: 274، 276 ط طهران. فعلم أن النص كان تلخيص خبر. (2) ازاحة العلة: 2، وعنها في التهذيب 2: 43 ح 138، ورواه في التبيان 2: 11 وعن ابن عباس أيضا، وعنه في مجمع البيان 1: 417. (3) تفسير العياشي 1: 63. (4) التبيان 2: 11 وعنه في مجمع البيان 1: 417. (*)
[ 165 ]
وروى الطبرسي في " الاحتجاج " عن العسكري (عليه السلام) قال: لما كان هوى أهل مكة في الكعبة أراد الله أن يبين متبعي محمد ممن خالفه باتباع القبلة التي كرهها هو ومحمد يأمر بها. ولما كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس أمرهم بمخالفتها والتوجه الى الكعبة ليبين من يوافق محمدا فيما يكرهه. قال: ذلك في قوله: * (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها الا..) * (1). آيات اخرى من سورة البقرة: مر أن بني العفراء كانوا قد عقدوا مجلس عزاء على أبنائهم الشهداء عوف ومعوذ، وأن سودة زوج النبي كانت قد حضرت مأتمهم ذلك إذ دخل رسول الله المدينة راجعا من بدر. وقد مر آنفا أن تحويل القبلة من المقدس الى الكعبة كان بعد بدر، ونزلت بشأنه آيات هي لعلها العشرة من الآية 142 الى الآية 152 من سورة البقرة آخرها قوله سبحانه: * (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) *. ولم أجد فيما بأيدينا شأن نزول خاص للآية التالية، ولكني استظهر أنها نزلت بشأن شهداء بدر، قوله سبحانه: * (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ان الله مع الصابرين) * (2) أما قوله سبحانه: * (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وانا إليه راجعون * اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة
(1) الاحتجاج 1: 45، 46. (2) البقرة: 153. (*)
[ 166 ]
واولئك هم المهتدون) * (1) فقد نقل الطبرسي في " مجمع البيان " عن ابن عباس
أنها نزلت في قتلى بدر، كانوا يقولون: مات فلان فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقد قتل يومئذ من المسلمين أربعة عشر رجلا: ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار (2) وعليه فهذا اول بيان بهذه الفكرة: فكرة حياة الشهداء، مع أول عدد من الشهداء في أول غزوة مصيرية بينهم وبين مشركي مكة عاصمة الشرك والوثنية ولعلهم لذلك سموا شهداء أي هم شهود حضور. أما الآية التالية: * (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم) * (3). فقد روى العياشي في تفسيره عن بعض أصحابنا قال: سألت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) قلت: أليس الله يقول: * (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) * ؟ قال: إن رسول الله كان شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام (عن الصفا والمروة) في عمرة القضاء ؟ فتشاغل رجل من أصحابه حتى اعيدت الأصنام، فجاؤوا الى رسول الله وقيل له: إن فلانا لم يطف وقد اعيدت الأصنام ؟ فأنزل الله الآية (4). ونقل القمي معناه وقال: فلما كان عمرة القضاء في سنة سبع من الهجرة (5)
(1) البقرة: 154 - 157. (2) مجمع البيان 1: 433. (3) البقرة: 158. (4) تفسير العياشي 1: 70 ورواه الطبرسي في مجمع البيان 1: 440 وأشار إليه قبله الطوسي في التبيان 2: 44. (5) تفسير القمي 1: 64. (*)
[ 167 ]
وعليه فالآية في غير محلها من حيث ترتيب النزول في السورة.
ولكن روى الطبرسي في " مجمع البيان " خبرا آخر عن الصادق (عليه السلام) أيضا قال: كان المسلمون يرون أن الصفا والمروة مما ابتدع أهل الجاهلية، فأنزل الله هذه الآية (1) وقد مر أن بعض المسلمين كانوا يحجون أو يعتمرون قبل عمرة القضاء ومنهم سعد بن النعمان بن أكال الأنصاري بعد بدر، الذي حبسه أبو سفيان رهينة لابنه الأسير عمرو بن أبي سفيان حتى أطلقه المسلمون بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله). كما اعتمر قبله قبل بدر سعد بن معاذ أيضا (2). فلعل هذا الظن من المسلمين كان إذ ذاك، فنزلت الآية في سياق آيات سورة البقرة بعد بدر لتدفع ذلك الوهم لديهم. وكما أن الآية السابقة غير متحدة السياق مع ما قبلها من آيات القبلة (3) كذلك هي غير متحدة السياق مع ما بعدها، فهي في الذين يكتمون الهدى والبينات من كتاب الله السابق، وهو التوراة حسب ابتلاء المسلمين بهم في المدينة: * (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * الا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فاولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم) * (4). وروى ابن اسحاق بسنده الى ابن عباس قال: سأل معاذ بن جبل، وسعد ابن معاذ، وخارجة بن زيد نفرا من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة
(1) مجمع البيان 1: 440. (2) مغازي الواقدي 1: 35. (3) الميزان 1: 388. (4) البقرة: 159، 160 الى 169 أو اكثر. (*)
[ 168 ]
فكتموهم اياه وأبوا أن يخبروهم عنه فأنزل الله تعالى فيهم الآيات (1).
وروى الطوسي عنه أيضا: انهم اليهود مثل كعب بن الأشرف، وكعب بن اسيد، وابن صوريا، وزيد بن تابوه، الذين كتموا أمر محمد ونبوته وهم يجدونه مكتوبا في التوراة. أو علماء النصارى وهم يجدونه مكتوبا في الانجيل مبينا فيهما (2) والآيات متسقة الى الآية 169. والآية: 170: * (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) * الى الآية 177 متسقة السياق موصولة في المعنى. وروى ابن اسحاق بسنده عن ابن عباس: ان رسول الله دعا اليهود من أهل الكتاب الى الاسلام ورغبهم فيه وحذرهم عذاب الله ونقمته، فقال رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم وخيرا منا. فأنزل الله في ذلك: * (وإذا قيل لهم..) * (3). بل إن الآية 177: * (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب..) * وما نقله الطوسي في " التبيان " قال: قيل: لما حولت القبلة وكثر الخوض في ذلك، فصار كأنه لا يراعى بطاعة الله الا التوجه للصلاة، أنزل الله تعالى هذه الآية، وبين فيها: أن البر ما ذكره فيها. ودلت على أن الصلاة انما يحتاج إليها لما فيها من المصلحة الدينية، وأنه إنما يأمر بها لما في علمه أنها تدعو الى
(1) سيرة ابن هشام 2: 200. (2) التبيان 2: 46 وعنه في مجمع البيان 1: 441. (3) سيرة ابن هشام 2: 200 ورواه عن ابن عباس الطوسي في التبيان 2: 76. وعنه في مجمع البيان 1: 461. (*)
[ 169 ]
الصلاح وتصرف عن الفساد، وإن ذلك يختلف بحسب الأزمان والأوقات (1).
ونقل الطبرسي عن قتادة أنها نزلت في اليهود، وعن أبي القاسم البلخي: أن القبلة لما حولت وكثر الخوض في نسخ القبلة السابقة واكثر اليهود ذكرها كأنه لا يراعى بطاعة الله الا التوجه للصلاة أنزل الله هذه الآية (2). فالآية وهذا الشأن في النزول يدلان أو يشيران الى اتحاد سياق الآيات من الآية الاولى في القبلة: 142 حتى هذه الآية، ولا مانع من ذلك مع سبق الأسباب المذكورة. وهنا آيتان في القصاص: 178 و 179. ثم ثلاث آيات في الوصية: 180 - 182 لم أجد بشأنها سببا خاصا للنزول. ثم تأتي أربع آيات 183 - 186 في صيام شهر رمضان والدعاء، لا يذكر بشأنها سوى أنها نزلت لصيام شهر رمضان للسنة الثانية من الهجرة، ولا نجد تحديدا لنزولها قبل شهر رمضان أو قبل سفر الرسول فيه للتعرض لعير قريش، ولا نجد تصريحا بأن تشريع صيام شهر رمضان كان بها لا بسنة الرسول. وحيث نجدها في المصحف بعد آيات تحويل القبلة، وقد مرت النصوص المصرحة بكون ذلك بعد بدر، فلا مانع من أن يكون صيام شهر رمضان شرع بسنة الرسول قبل نزول الآيات، وكذلك افطار الصيام في الأسفار بعد حد الترخص كما مر، وبعد رجوع الرسول من بدر وتحويل القبلة ونزول الآيات، نزلت معها آيات الصيام. أو نزلت مع ما يذكر من شأن نزول للأخيرة من آيات الصيام الخمس: 187: ففي تفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام) قال: كانوا من قبل أن تنزل هذه
(1) التبيان 2: 95. (2) مجمع البيان 1: 475. (*)
[ 170 ]
الآية إذا نام أحدهم حرم عليه الطعام، وكان خوات بن جبير مع رسول الله في
الخندق وهو صائم، فأمسى على ذلك، فرجع الى أهله فقال: هل عندكم طعام ؟ فقالوا: لاتنم حتى نصنع لك طعامك. فاتكأ فنام. فقالوا: قد فعلت ؟ قال: نعم، فبات على ذلك وأصبح، فغدا الى الخندق، فجعل يغشى عليه. فمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما رأى الذي به سأله فأخبره كيف كان أمره. فنزلت الآية (1). ورواه القمي في تفسيره عن أبيه ابراهيم بن هاشم مرفوعا عن الصادق (عليه السلام) قال: كان النكاح والاكل محرمين في شهر رمضان بالليل بعد النوم، وكان النكاح حراما في الليل والنهار في شهر رمضان (كذا) وكان رجل من أصحاب رسول الله يقال له: خوات بن جبير الأنصاري أخو عبد الله بن جبير: شيخا كبيرا ضعيفا، وكان صائما، فأبطأت أهله بالطعام فنام قبل أن يفطر، فلما انتبه قال لأهله: قد حرم الله علي الاكل في هذه الليلة. فلما أصبح حضر حفر الخندق، فأغمي عليه، فرآه رسول الله فرق له، وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان، فأنزل الله عز وجل: * (احل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم..) * (2). والخبران يذكران أن ابن جبير كأنه كان مجبورا على الصيام وهو في حفر الخندق مع رسول الله، والخندق قيل: كان في شوال أو ذي القعدة من السنة الخامسة ! (3) وليس في شهر رمضان فلماذا الصوم مع ذلك وبتلك الكلفة على من لا يطيقه وهو في غير شهر رمضان، ولا في رجب أو شعبان كي يحتمل أن كان
(1) تفسير العياشي 1: 83. (2) تفسير القمي 1: 66. (3) تفسير القمي 1: 66. (*)
[ 171 ]
عليه واجب مضيق، فلماذا هذا التضييق ؟ ولم لم يأمره الرسول بالافطار إذ رق
له ؟ أما ما نقله الطوسي في " التبيان " فهو سليم عن كل هذا، ومنسجم مع اوائل تشريع صيام شهر رمضان: قال: قيل: إن هذه الآية نزلت في شأن أبي قيس بن حرمة كان يعمل في أرض له، فاراد الاكل، فقالت امرأته: نصلح لك شيئا، فغلبته عيناه، ثم قدمت إليه الطعام فلم يأكل، فلما أصبح لاقى جهدا، فأخبر رسول الله بذلك، فنزلت الآية. ثم قال: وروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) حديث أبي قيس، سواء (1). وروي: أن عمر أراد أن يواقع زوجته ليلا، فقالت: اني نمت. فظن أنها تعتل عليه فوقع عليها، ثم أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بذلك من الغد، فنزلت الآية فيهما (2). ورواه الطبرسي عن السدي عن ابن عباس: جاء الى رسول الله فقال: يا رسول الله، عملت في النخل نهاري أجمع حتى إذا أمسيت أتيت أهلي لتطعمني، فأبطأت، فنمت، فأيقظوني وقد حرم علي الأكل واصبحت وقد جهدني الصوم ؟ فقال عمر: يا رسول الله، أعتذر اليك من مثله: رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء، فأتيت امرأتي. وقام رجال فاعترفوا بمثل الذي سمعوا. فنزلت الآية (3). وإذ قال الله سبحانه: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * فلعل ذلك استدعى بعضهم ليسأل عن وجه الحكمة في زيادة الأهلة ونقصانها (4) وحيث كان
(1) التبيان 2: 137 و 138. (2) التبيان 2: 137. (3) مجمع البيان 2: 503. (4) التبيان 2: 141. (*)
[ 172 ]
بعضهم قد يحجون أو يعتمرون كما فعل في تلك الفترة سعد بن النعمان بن اكال كما مر، وكان قوم في الجاهلية إذا أحرموا - أو رجعوا من الحج - ينقبون في ظهر بيوتهم نقبا يدخلون منه ويخرجون (1)، ولا يدخلون بيوتهم من أبوابها، نزل قوله سبحانه: * (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى واتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون) * (2). وإذا كان تأليف الآيات ضمن كل سورة وفق ترتيب نزولها، فتكتب واحدة تلو الاخرى تدريجيا حسب النزول حتى تنزل بسملة اخرى فيعرف أن السورة قد انتهت وابتدأت سورة اخرى، حسب ما رواه العياشي في تفسيره عن الصادق (عليه السلام) قال: وانما كان يعرف انقضاء سورة بنزول بسم الله الرحمن الرحيم ابتداء للاخرى (3) وكما رواه اليعقوبي في تاريخه عن ابن عباس قال: كان يعرف فصل ما بين السورة والسورة بنزول بسم الله الرحمن الرحيم فيعلمون أن الاولى قد انقضت وابتدئ بسورة اخرى (4).... فالآيات التالية في القتال نزلت في أجواء ما بعد بدر، وبعد سرية النخلة في آخر يوم من شهر رجب الحرام: * (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث
(1) التبيان 2: 142. وعنه في مجمع البيان 2: 509. وفي وجه السؤال عن الهلال نقل: أن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله، إن اليهود يكثرون مساءلتنا عن الأهلة فنزل. (2) البقرة: 189. (3) تفسير العياشي 1: 19. (4) تاريخ اليعقوبي 2: 34 والحاكم في المستدرك 1: 231 وانظر التمهيد 1: 212 وبحوث في تاريخ القرآن وعلومه: 104 - 108. (*)
[ 173 ]
أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فان قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين * فان انتهوا فان الله غفور رحيم * وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فان انتهوا فلا عدوان الا على الظالمين * الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) * (1). فالآيات أمرت بالقتال في سبيل الله، ولكنها نهت عن الاعتداء وعن القتال عند المسجد الحرام (أو الحرم) (2) الا دفاعا، وعن القتال في الشهر الحرام الا قصاصا. وكأن بعض الأنصار قال لبعضهم سرا دون رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الاسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله على نبيه يرد عليهم ما قالوه: * (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) * (3) قال أبو أيوب الأنصاري: فكانت التهلكة: الاقامة في الأموال واصلاحها وتركنا الغزو (4). ثم تعود الآيات التالية الى فهرسة بعض احكام الحج في ثماني آيات من الآية: 196 الى الآية: 203. ولم أجد فيما بأيدينا سببا خاصا لنزولها، فهي عود على الآية: 189 بمناسبة اعتمار بعض المسلمين من الأنصار مثل سعد بن النعمان بن
(1) البقرة: 190 - 194. (2) روى الطوسي عن عطا عن ابن عباس قال: إن المسجد الحرام: الحرم كله - التبيان 2: 208. (3) البقرة: 195. (4) السيد ابن طاووس في مقدمة الملهوف على قتلى الطفوف، والسيد الطباطبائي في الميزان
2: 73 عن الدر المنثور. (*)
[ 174 ]
اكال كما مر، أضف الى ذلك أن وقوع القتال في سرية النخلة في آخر شهر رجب الحرام من جانب المسلمين. واستتباعه لاثارة غزوة بدر من جانب المشركين، استتبع أن قالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام (1) وقاتل أهل البلد الحرام ولا سيما بجوار الحرم في النخلة، وكأنه لا يعتد بالبلد الحرام ولا بالشهر الحرام. فاستدعى ذلك وبمناسبة السؤال عن وجه الحكمة في زيادة الأهلة ونقصانها: أن تعنى هذه الآيات بالحج والعمرة وأحكامها، ردا على ما قالوه وأشاعوه على الاسلام والمسلمين. ونسخت الآيات: * (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) * (2) * (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله) * (3) حيث كانت قريش تقول: نحن أولى الناس بالبيت ! وكانوا لا يفيضون الا من المزدلفة. فأمرهم الله أن يفيضوا من عرفة كما عن الصادق (عليه السلام) (4). وفي خبر آخر عنه (عليه السلام) أيضا قال: كانت قريش في الجاهلية تفيض من المزدلفة وتقول: نحن أولى بالبيت من الناس ! فأمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض الناس من عرفة (5). وفي آخر: إن أهل الحرم كانوا يقفون على المشعر الحرام، ويقف سائر الناس بعرفة (6).
(1) إعلام الورى 1: 167. (2) البقرة: 189. (3) البقرة: 199. (4) تفسير العياشي 1: 96، 97.
(5) تفسير العياشي 1: 96، 97. (6) تفسير العياشي 1: 96، 97. (*)
[ 175 ]
وفي آخر: إن قريشا كانت تفيض من جمع (المزدلفة) وربيعة ومضر من عرفات (1). وفي آخر: إن ابراهيم (عليه السلام) أخرج اسماعيل الى الموقف (بعرفات) فأفاضا منه، وكان الناس يفيضون منه. فلما كثرت قريش قالوا: لا نفيض من حيث أفاض الناس ! فكانوا يفيضون من المزدلفة، ومنعوا الناس أن يفيضوا معهم، الا من عرفات. فلما بعث الله محمدا - عليه الصلاة والسلام - أمره أن يفيض من حيث أفاض الناس (2). والخرافة الثالثة المردودة: * (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم أو أشد ذكرا...) * (3) حيث روى العياشي في تفسيره عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن العلاء الحضرمي، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن قول الله: * (فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم) * قال: كان الرجال في الجاهلية إذا قاموا بمنى بعد النحر يفتخرون بآبائهم يقولون: أبي الذي حمل الديات والذي قاتل كذا وكذا، وكانوا يحلفون بآبائهم: لا وأبي لا وأبي (4). ومن هنا تبدأ آيات ثلاث تصف بعض الناس ممن تأخذه العزة بالاثم فهو من المفسدين في الأرض وشديد الخصومة على الدنيا ولكنه شديد القول في ذمها، فهو منافق في ذلك: * (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد * وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة
(1) تفسير العياشي 1: 96، 97.
(2) تفسير العياشي 1: 96، 97. (3) البقرة: 200. (4) تفسير العياشي 1: 98 بالتلفيق بين خبرين هما واحد سندا. (*)
[ 176 ]
بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد) * (1). وقد نقل الطوسي في " التبيان " عن السدي: أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة (2) وكان يظهر الرغبة في دين النبي ويبطن خلاف ذلك (3). ويتبادر الى الذهن من هذا أنه كان من منافقي المسلمين بالمدينة، بينما الرجل كان معدودا في رجال قريش من مكة يوم خروجهم لحرب بدر، حتى فتح مكة، فلم يكن من منافقي المدينة يومئذ. ولعله لذلك نقل عن قوم غير السدي منهم ابن عباس والحسن البصري: أن المعني بهذه الآية كل منافق ومراء (4) ونقله الطبرسي في " مجمع البيان " وأضاف: وهو المروي عن الصادق (عليه السلام) (5). ثم تنفرد الآية: 207 في وصف بعض عباد الله ممن باعوا أنفسهم لله طلبا لرضاه: * (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد) * وقال القمي: ومعنى يشري نفسه أي: يبذل نفسه، وذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) (6). وروى العياشي في تفسيره عن ابن عباس قال: شرى علي نفسه إذ لبس ثوب النبي (صلى الله عليه وآله) ونام مكانه، فكان المشركون يرون رسول الله.. وجعل يرمى بالحجارة كما كان يرمى رسول الله وهو يتضور (7) ورواه الطبرسي عن
(1) البقرة: 204 - 206. (2) التبيان 2: 178 و 181. (3) مجمع البيان 2: 534.
(4) التبيان 2: 177 و 181. (5) مجمع البيان 2: 534 ولعله يعني ما في تفسير القمي 1: 71. (6) تفسير القمي 1: 71. (7) تفسير العياشي 1: 101. (*)
[ 177 ]
السدي عن ابن عباس (1). وروى العياشي في تفسيره عن الباقر (عليه السلام) قال: انها انزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) حيث بذل نفسه لله ولرسوله ليلة اضطجع على فراش رسول الله لما طلبته قريش (2). وروى الطوسي في " التبيان " عن الباقر (عليه السلام) أيضا قال: نزلت في علي حيث بات على فراش رسول الله لما أرادت قريش قتله، حتى خرج رسول الله وفات المشركين أغراضهم (3). وعليه وعلى القول بالترتيب الطبيعي للآيات، فالآيات هذه نزلت بعد بدر تذكر باختلاف الناس في مراتب الايمان والتفاني فيه، ومنهم المثل الأعلى علي (عليه السلام). وعلى القول بالترتيب الطبيعي للآيات، فالآيات هذه نزلت بعد بدر، بعد ما زل بعض المؤمنين فاتبعوا خطوات الشيطان فتنازعوا في الغنائم والأسرى، ولم يستسلموا لله ولرسوله مطلقا، بعد ما جاءتهم البينات بنزول الملائكة مددا لهم ! فهل هم أيضا ينتظرون ما كان المشركون ينتظرون: أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام ؟ ! * (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين * فان زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم * هل ينظرون الا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة
وقضي الأمر وإلى الله ترجع الامور) * (4).
(1) مجمع البيان 2: 535. (2) تفسير العياشي 1: 101. (3) التبيان 2: 183. (4) البقرة: 208 - 210. (*)
[ 178 ]
ثم تذكرهم الآية التالية بمصير بني اسرائيل إذ لم يقدروا نعمة الله عليهم: * (سل بني اسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فان الله شديد العقاب) * (1). ثم عرجت الآية التالية على مقارنة بين حال المؤمنين ورؤوس المشركين: * (زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب) * (2). فعن مقاتل: نزلت في عبد الله بن ابي وأصحابه كانوا يسخرون من ضعفاء المؤمنين. وعن عطاء: نزلت في رؤساء اليهود من بني قريظة والنضير وقينقاع، سخروا من فقراء المهاجرين. وعن ابن عباس: نزلت الآية في أبي جهل وغيره من رؤساء قريش حيث بسطت لهم الدنيا فكانوا يسخرون من قوم من المؤمنين فقراء مثل عبد الله بن مسعود (3). وعلى الترتيب الطبيعي للآيات فالمناسب هو الأخير من النقول الثلاث، ولا ننسى أن ابن مسعود هو الذي سعد في بدر بأن صعد على صدر أبي جهل فكان فوق صدره يفري نحره !.
والآية التالية انتقلت تذكر بأن هذا الاختلاف في الحق قديم قدم البشر منذ عهد نوح وآدم (عليهما السلام): * (كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين
ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم) * (1). روى العياشي عن الصادق (عليه السلام) قال: لما انقرض آدم وصالح ذريته بقي شيث وصيه لا يقدر على اظهار دين الله الذي كان عليه آدم وصالح ذريته، ذلك أن قابيل توعده بالقتل كما قتل أخاه هابيل. فسار فيهم بالتقية والكتمان، فازدادوا كل يوم ضلالا، حتى لم يبق على الأرض معهم الا من هو سلف.. فبدا لله تبارك وتعالى أن يبعث الرسل. قلت: أفضلالا كانوا قبل النبيين ؟ أم على هدى ؟ قال: لم يكونوا على هدى كانوا على فطرة الله التي فطرهم عليها لا تبديل لخلق الله، ولم يكونوا ليهتدوا حتى يهديهم الله، أما تسمع ابراهيم يقول: * (لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين) * أي ناسيا للميثاق (2). وروى الطوسي في " التبيان " عن الباقر (عليه السلام) قال: كانوا قبل نوح امة واحدة على فطرة الله، لا مهتدين ولا ضلالا، فبعث الله النبيين (3).
(1) البقرة: 213.
(2) تفسير العياشي 1: 104، 105 وانتقل الامام (عليه السلام) هنا الى التذكير باستمرار الامامة امتدادا للنبوة فقال: ولو سئل هؤلاء الجهال لقالوا: قد فرغ من الأمر. وكذبوا إنما (هو) شئ يحكم به الله في كل عام.. فيحكم الله بما يكون في تلك السنة من شدة أو رخاء أو مطر أو غير ذلك. وقرأ: " فيها يفرق كل أمر حكيم ". (3) التبيان 2: 195 وعنه في مجمع البيان 2: 543. (*)
[ 180 ]
والآية التالية عادت تذكر المؤمنين بحالهم قبل هذا النصر في بدر: * (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) * (1). ونقل الطبرسي في " مجمع البيان " عن عطاء قال: نزلت في المهاجرين من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة، إذ تركوا ديارهم وأموالهم ومسهم الضر (2). أما ما نقله الطوسي في " التبيان " عن السدي وقتادة: أنها نزلت في يوم الخندق (3) فلا ينسجم مع الترتيب الطبيعي للآيات، إلا أن لا نتقيد بذلك. وقد قال العلامة الطباطبائي في " الميزان ": إن هذه الآيات إلى آخر هذه الآية ذات سياق واحد يربط بعضها ببعض (4). وإذا كانت الآيات إلى آخر الآية السابقة ذات سياق واحد يربط بعضها ببعض، فالظاهر أن الآية التالية منفردة ليست في السياق ولا ترتبط بما قبلها ولا بما بعدها، إذ هي تبدأ بقوله سبحانه: * (يسألونك ماذا ينفقون) * والجواب: * (قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم) * (5). وقال الطبرسي في " مجمع البيان ": نزلت في عمرو بن الجموح، وكان شيخا
(1) البقرة: 214. (2) مجمع البيان 2: 546. (3) التبيان 2: 198 وعنه في مجمع البيان 2: 546. (4) الميزان 2: 158. (5) البقرة: 215. (*)
[ 181 ]
كبيرا ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله بماذا أتصدق ؟ وعلى من أتصدق ؟ فنزلت الآية (1). وطبيعي أن لا علاقة لهذا السؤال والجواب بوقائع بدر اللهم الا أن نعطف النظر الى الآية ما قبل عشر آيات، وهي: * (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة) * (2) وما روي عن أبي أيوب الأنصاري سببا لنزولها، إذ كان عمرو بن الجموح سيدا من سادات بني سلمة وأشرافهم (3) ولم يكن ممن حضر بدرا، وحضر بدرا ابناه معاذ وخلاد، وضرب معاذ رجل أبي جهل فقطعها، فضرب عكرمة بن أبي جهل على يد معاذ فقطعها (4) فلعل أباه عمرا سأل النبي عن الصدقة شكرا على حياة ابنه معاذ وكفارة عن عدم حضوره هو في بدر فاجيب. وتعود الآية التالية على موضوع القتال فتقول: * (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) * (5) والآية تقرير لعمل الرسول لا ابتداء تشريع للقتال. ثم تنتقل الآيتان التاليتان الى الاجابة على السؤال عن القتال في الشهر الحرام حيث وقع ذلك قبل بدر في سرية النخلة في آخر يوم من شهر رجب، فتقول: * (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل
(1) مجمع البيان 2: 547. (2) البقرة: 195. (3) سيرة ابن هشام 2: 95. (4) سيرة ابن هشام 2: 368. (5) البقرة: 216. (*)
[ 182 ]
الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فاولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة واولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله اولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم) * (1). قال القمي في تفسيره: كان سبب نزولها.. أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث السرايا الى الطرقات التي تدخل مكة تتعرض لعير قريش، حتى بعث عبد الله بن جحش في نفر من أصحابه الى نخلة. وساق الخبر الى أن قال: وأخذوا العير بما فيها وساقوها الى المدينة.. فعزلوا العير وما كان عليها ولم ينالوا منها شيئا. وكتبت قريش الى رسول الله: انك استحللت الشهر الحرام وسفكت فيه الدم وأخذت المال ! وكثر القول في هذا. وجاء أصحاب رسول الله فقالوا: يا رسول الله أيحل القتل في الشهر الحرام ؟ فأنزل الله: * (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه...) * (2). وقال الطبرسي في " اعلام الورى ": واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله - وكان ذلك قبل بدر بشهرين (ونصف) - فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله): والله ما
أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام. وأوقف الأسيرين والعير ولم يأخذ منها شيئا. وقالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام..
(1) البقرة: 217 و 218. (2) تفسير القمي 1: 71 و 72 وكأنما يلتفت القمي الى ان تقرير الشهر الحرام قد مر في الآية: 194، أي قبل اكثر من عشر آيات، فيقول: ثم انزلت: " الشهر الحرام بالشهر الحرام ". (*)
[ 183 ]
واسقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا.. فأنزل الله سبحانه: * (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه..) *. فلما نزل ذلك أخذ رسول الله المال وفداء الأسيرين (1). أما في تفسيره " مجمع البيان " فقد نقل القول عن المفسرين الى أن قال: فركب وفد كفار قريش حتى قدموا على النبي فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام ؟ فأنزل الله هذه الآية وانما سألوا ذلك على جهة العيب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام (2) وعليه فالسائل هو وفد مشركي قريش من مكة، وقبله نقله الطوسي في " التبيان " عن الحسن البصري (3) فلعله هو الوفد الذي وفد عليه لفداء اسراء بدر بعد بدر، وهم أربعة عشر رجلا، وفدوا عليه بعد رجوعه من بدر بأربعة أيام أو خمسة، أي في شهر رمضان قبل انقضائه. وهذا هو المنسجم مع الترتيب الطبيعي للآيات. وروى الواقدي بسنده عن أبي بردة بن نيار قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله) وقف غنائم أهل نخلة ومضى الى بدر، فلما رجع من بدر.. قالوا: ونزل القرآن وفيه: * (يسألونك عن الشهر الحرام) * قسمها مع غنائم أهل بدر واعطى كل قوم حقهم قالوا: وكان فداؤهم أربعين اوقية لكل واحد، والاوقية أربعون درهما. وروى بسنده عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: كان لأهل الجاهلية
المرباع (أي ربع الغنيمة للرئيس) فلما رجع عبد الله بن جحش من نخلة خمس ما غنم للنبي، فكان أول خمس خمس في الاسلام، ثم نزل بعد: * (واعلموا أن ما غنمتم
من شئ فأن لله خمسه وللرسول...) * (1). وروى ابن اسحاق عن الزهري عن عروة قال: أما عثمان بن عبد الله الذي استؤسر فافتدي فلحق بمكة حتى مات بها كافرا، وأما الحكم بن كيسان الذي استؤسر هو أيضا فقد أسلم وحسن اسلامه وأقام عند رسول الله حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا (2). وروى الواقدي بسنده عن كريمة ابنة المقداد بن عمرو عن أبيها المقداد قال: أنا أسرت الحكم بن كيسان.. فقدمنا به على رسول الله، فجعل رسول الله يدعوه الى الاسلام وأطال كلامه. فقال عمر بن الخطاب: تكلم هذا يا رسول الله ؟ والله لا يسلم هذا آخر الأبد ! دعني أضرب عنقه ويقدم الى امه الهاوية ! فجعل النبي (صلى الله عليه وآله) لا يقبل على عمر حتى أسلم الحكم. وروى عن الزهري قال: قال الحكم: وما الاسلام ؟ قال: تعبد الله وحده
(1) مغازي الواقدي 1: 17، 18 وانما يعني ذلك نزول آية الخمس في سورة الأنفال بعد تخميس ابن جحش لغنيمة نخلة وقبل ذلك إذ قال: وقسمها مع غنائم بدر. لابد أن نفترض فيه مسامحة في التعبير، إذ نص الواقدي 1: 100 وقبله ابن اسحاق 2: 297 على أن الرسول (صلى الله عليه وآله) قسم غنائم بدر في مضيق شعب سير بالصفراء في منصرفه من بدر الى المدينة وقبل أن يصلها، ونصا أيضا أن ذلك كان بعد نزول سورة الأنفال الواقدي 1: 131 وابن
هشام 2: 322 وطبيعي أن تقسيمه لغنيمة نخلة انما كان بعد رجوعه من بدر ووصوله الى المدينة من دون أن يكون قد حملها معه الى بدر ليكون قد قسمها مع غنائم بدر في شعب سير. وعليه فقد نزلت سورة الأنفال حين الاقفال من بدر فقسم غنائمها في شعب سير، ثم وصل المدينة ونزلت الآيات من سورة البقرة: " يسألونك عن الشهر الحرام " فقسم غنيمة نخلة. (2) سيرة ابن هشام 2: 255. (*)
[ 185 ]
لا شريك له، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: قد أسلمت. فالتفت النبي الى أصحابه فقال: لو أطعتكم فيه آنفا فقتلته دخل النار !. فأسلم، وحسن اسلامه، وجاهد في الله حتى قتل شهيدا يوم بئر معونة (1). والآيتان التاليتان قوله سبحانه: * (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس واثمهما اكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون * في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وان تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم) * (2). قال الطبرسي في " مجمع البيان ": آيتان في الكوفي، وآية واحدة فيما عداه، عد الكوفي " تتفكرون " آية، وتركها غيره (3). وقد التزم بعض المفسرين بذكر وجه انتظام الآيات في السورة، بل والسور في المصحف، والطبرسي من هؤلاء كما في تفسيره وفي مقدمته: ثم اقدم في كل آية ذكر الاختلاف في القراءات، ثم ذكر انتظام الآيات (4) وقد ذكر وجها لاتصال الآيات السابقة بما قبلها، أما في هاتين الآيتين فكأنه استبدل عن ذلك بذكر سبب النزول فقال: نزلت في جماعة من الصحابة أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: أفتنا في
الخمر والميسر فانها مذهبة للعقل مسلبة للمال. فنزلت الآية (5). وقد روى الكليني في " الكافي " عن علي بن يقطين قال: سأل المهدي
(1) مغازي الواقدي 1: 15 بتصرف يسير. (2) البقرة: 219 و 220. (3) مجمع البيان 2: 555. (4) مجمع البيان 1: 77. (5) مجمع البيان 2: 557. (*)
[ 186 ]
(العباسي) أبا الحسن (الكاظم) (عليه السلام) عن الخمر: هل هي محرمة في كتاب الله عزوجل ؟ فان الناس انما يعرفون النهي عنها ولا يعرفون تحريمها ! فقال له أبو الحسن (عليه السلام): بل هي محرمة. فقال: في أي موضع هي محرمة في كتاب الله عزوجل يا أبا الحسن ؟ فقال: قول الله تعالى: * (... انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق...) * (1) فأما الاثم فهي الخمر بعينها وقد قال الله تعالى في موضع آخر: * (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس واثمهما اكبر من نفعهما) *. فقال المهدي: يا علي بن يقطين، هذه فتوى هاشمية. فقلت له: صدقت يا أمير المؤمنين، الحمد لله الذي لم يخرج هذا العلم منكم أهل البيت. فوالله ما صبر المهدي أن قال لي: صدقت يا رافضي ! (2). وقد نقل الطوسي في " التبيان " هذا المعنى عن العامة منهم الحسن البصري قال: هذه الآية تدل على تحريم الخمر، لأنه ذكر أن فيها إثما، وقد حرم الله الاثم بقوله: * (قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم) * على أنه قد
وصفها بأن فيها اثما كبيرا، والكبير يحرم بلا خلاف (3). وقال الطبرسي في " مجمع البيان ": قال الحسن: في الآية تحريم الخمر من وجهين: احدهما: قوله: * (واثمهما اكبر من نفعهما) * فانه إذا زادت مضرة الشئ على منفعته اقتضى العقل الامتناع عنه.
(1) الاعراف: 33. (2) فروع الكافي 6: 46، الحديث الأول. (3) التبيان 2: 213. (*)
[ 187 ]
والثاني: أنه بين أن فيهما الإثم، وقد حرم في آية اخرى الإثم فقال: * (قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم) * (1). ولا ارتباط بين هذا السؤال والجواب وبين بدر وما تلاها. أما المقطع الآخر من الآية: * (ويسألونك ماذا ينفقون) * ؟ وقد سبقت الآية المماثلة: * (يسألونك ماذا ينفقون) * ؟ قبل أربع آيات، واختلف الجواب: فهناك * (قل ما أنفقتم من خير) * وهنا: * (قل العفو) * وقد مر هناك أن السائل كان عمرو بن الجموح، وقد مر هناك احتمال أن يكون الباعث على السؤال الآية التي تسبقها بعشر آيات: * (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (2) وهنا يكرر الطبرسي: أن السائل عمرو بن الجموح، ويصرح بأنه: سأل عن النفقة في الجهاد (3) فلعله قد تكرر السؤال مرة اخرى عن حد الانفاق فاجيب * (قل العفو) *. وروى الطوسي في " التبيان " عن الباقر (عليه السلام) قال: العفو: ما فضل عن قوت السنة. وروى عن الصادق (عليه السلام) قال: العفو هاهنا: الوسط (4).
وروى العياشي في تفسيره عنه (عليه السلام) أربع روايات بذلك عن يوسف، وأبي بصير، وعبد الرحمان، وجميل بن دراج، وتلا قوله سبحانه: * (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) * وقال: هذه هي الوسط (5).
(1) مجمع البيان 2: 558. (2) البقرة: 195. (3) مجمع البيان 2: 558. (4) التبيان 2: 214. وعنه في مجمع البيان 2: 558. (5) تفسير العياشي 1: 106. (*)
[ 188 ]
أما الآية التالية: * (... ويسألونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير) * فهي مناسبة مع توالي وقعة بدر وسقوط شهداء فيها وبقاء يتامى لهم بين المسلمين لأول مرة، فيسألون عن تكليفهم بالنسبة إليهم. فاجيبوا بأنهم اخوانهم فليخالطوهم وليصلحوا أمرهم وشأنهم. زكاة الفطرة وعيد الفطر: وكأنه لما تكرر السؤال عن الانفاق لما حصل المسلمون على ما يعتد به من المال من غنائم بدر وفداء الاسراء، ناسب أن يأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) باخراج زكاة الفطر في هذه السنة، كما قال المسعودي (1). وخرج بالناس الى المصلى في العيد ولم يخرج قبل ذلك، وذبح في المصلى شاة أو شاتين بيده، ووضعت العنزة - وهي الرمح الصغيرة - بين يديه، كما قال اليعقوبي (2). وروى الواقدي في العنزة عن الزبير بن العوام قال: كانت في يدي يوم بدر عنزة، إذ لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص على فرس وعليه لامة كاملة لا يرى منه الا عيناه، فطعنت بالعنزة في عينه، فوقع، فوطأت برجلي على خده حتى
أخرجت العنزة من حدقته فأخرجت حدقته. فأخذ رسول الله العنزة فكانت تحمل بين يديه (3). وروى في " الجعفريات " بسنده عن الصادق عن علي (عليهما السلام) قال: كانت
(1) التنبيه والاشراف: 206. (2) اليعقوبي 2: 46. (3) مغازي الواقدي 1: 85 بهامشه عن نوادر ثعلب: 126 قال: كان الامام إذا صلى جعلها بين يديه ووقف دونها، فتكون على ناحية منه، فسميت العنزة من قولهم: اعتنز الرجل، إذا تنحى. (*)
[ 189 ]
لرسول الله عنزة في أسفلها عكاز يخرجها في العيدين يصلي إليها ويتوكأ عليها (1). بينما روى بسنده عن علي (عليه السلام) أيضا قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى أن يخرج السلاح الى العيدين، الا أن يكون عدوا حاضرا (2) ولا منافاة بينهما ووجه الجمع ظاهر. وفسر الرسول (صلى الله عليه وآله) في هذا اليوم ما جاء في آيات الصيام: * (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) *: فقد روى الكليني في " اصول الكافي " عن الريان بن الصلت وياسر خادم الرضا (عليه السلام) أن المأمون العباسي لما حضر العيد سأل الرضا (عليه السلام) أن يصلي العيد ويخطب، فاستعفاه الرضا (عليه السلام) وقال: إن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله وأمير المؤمنين (عليهما السلام). فقال المأمون: اخرج كيف شئت. فلما طلعت الشمس قام فاغتسل، وتعمم بعمامة بيضاء من قطن القى طرفا منها على صدره وطرفا بين كتفيه.. ثم أخذ بيده عكازا ثم خرج.. فلما مشى.. كبر أربع تكبيرات قال: الله اكبر، الله اكبر، الله اكبر، الله اكبر على ما هدانا، والله اكبر على ما أولانا (3).
وروى الكليني في " فروع الكافي " بسنده عن الصادق (عليه السلام) قال: أما إن في الفطر تكبيرا، ولكنه مسنون. قلت: كيف أقول ؟ قال: تقول: الله اكبر الله اكبر الله اكبر، لا اله الا الله والله اكبر، الله اكبر ولله الحمد، الله اكبر على ما هدانا. ثم قال: وهو قول الله: * (ولتكبروا الله على ما هداكم) * (4).
(1) الجعفريات: 184 وفي من لا يحضره الفقيه مثله خبران 1: 509 ط طهران. (2) الجعفريات: 38. وفي فروع الكافي 3: 461 الحديث 6 والتهذيب 1: 292 مثله خبران. (3) اصول الكافي، باب مولد الرضا (عليه السلام) 1: 489 ط طهران. (4) فروع الكافي 4: 166 ح 1 ورواه العياشي في تفسيره 1: 82 والصدوق في الفقيه 2: 167 ط طهران والخصال 2: 609 والطوسي في التهذيب 3: 138 ح 311. (*)
[ 190 ]
غزوة بني سليم: قال الطبرسي في " إعلام الورى ": ولم يقم رسول الله بالمدينة لما رجع إليها من بدر الا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بني سليم، حتى بلغ ماء من مياههم يقال له: الكدر (1)، فأقام عليه ثلاث ليال ولم يلق كيدا فرجع الى المدينة (2). واختصر الخبر ابن شهر آشوب في " مناقب آل أبي طالب " (3) وأظن أن الطبرسي نقله عن نص ابن اسحاق في السيرة (4)، ولم يعين فيها يوم خروجه، ولكن الطبري بعد نقله لنص ابن اسحاق نقل عن بعضهم قال: خرج من المدينة يوم الجمعة غرة شوال أي يوم عيد الفطر بعد ما ارتفعت الشمس من السنة الثانية للهجرة (5). ونقل الطبري عن بعضهم قال: لم يلق النبي كيدا في غزوة الكدر وساق الرعاء والنعم فغنم وسلم، وكان قدومه منها لعشر خلون من شوال (6). سرية بني سليم:
قال: ويوم الأحد ولعشر ليال مضين من شوال بعث غالب بن عبد الله الليثي في سرية الى بني سليم وغطفان، فقتلوا فيهم وقتل منهم ثلاثة
(1) قرارة الكدر على ثمانية برد من المدينة الى جهة مكة - الطبقات 2: 12. (2) اعلام الورى 1: 172. (3) المناقب 1: 190. (4) ابن هشام 3: 46. (5) الطبري 2: 482. (6) الطبري 2: 483. (*)
[ 191 ]
وأخذوا النعم وانصرفوا بالغنيمة الى المدينة يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شوال (1). وعن سبب الغزوة والسرية الى بني سليم وغطفان قال: بلغه اجتماعهم عليه (2). إذ كان البدء بحصار بني قينقاع يوم السبت للنصف من شوال في قول الواقدي (3) وعليه فمقدمات الغزوة وقعت في هذه الفترة (ثلاثة أيام) بين عودة الرسول من بني سليم وحصر بني قينقاع. وحيث يستمر حصارهم الى هلال ذي القعدة فقبل نقل خبرهم هناك خبران آخران مما وقع في شوال هذه السنة، ولعل الخبر الأول يرتبط بالآيات التالية من سورة البقرة في: تزويج المشركين والزواج بالمشركات: قوله سبحانه: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم اولئك يدعون الى النار والله يدعو الى الجنة والمغفرة باذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون) * (4) وقد رووا في شأن نزولها أخبارا مختلفة
منها ما لا علاقة لها بأحداث ما بعد بدر، كما: روى السيوطي في " الدر المنثور " عن مقاتل قال: بلغنا: أنها كانت أمة (لحذيفة بن اليمان) فأعتقها وتزوجها.. فطعن عليه ناس وقالوا: نكح أمة !
فأنزل الله فيهم ذلك (1). وروى الواحدي في " أسباب النزول " عن السدي عن ابن عباس قال: إن عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء، وانه غضب عليها فلطمها، ثم فزع، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) وأخبره خبرها، فسأله النبي: ما هي يا عبد الله ؟ قال: تشهد أن لا اله الا الله وأنك رسول الله، وتحسن الوضوء وتصلي وتصوم. فقال: يا عبد الله هذه مؤمنة. فقال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها. ففعل. فطعن عليه ناس وقالوا: نكح أمة ! فأنزل الله فيهم: * (ولأمة مؤمنة خير من مشركة) * (2). ومن الأخبار ما لعله يرتبط بما حدث بعد بدر: فقد قال الطبرسي في " مجمع البيان ": نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي، بعثه رسول الله الى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين. وكان قويا شجاعا، وكانت بينه وبين امرأة يقال لها عناق خلة في الجاهلية، فدعته الى نفسها فأبى. فقالت: هل لك أن تتزوج بي ؟ فقال: حتى أستاذن رسول الله (صلى الله عليه وآله). فلما رجع استأذن في التزويج بها، فنزلت الآية (3). ونقله الطباطبائي في " الميزان " وقال: رواه السيوطي عن ابن عباس
أيضا. ثم قال: ولا تنافي بين هذه الروايات الواردة في أسباب النزول، لجواز وقوع عدة حوادث تنزل بعدها آية تشتمل على حكم جميعها (4). وأقول: ولا يبعد أن يكون مرثد بن أبي مرثد الغنوي في ارسال رسول
الله له الى مكة، هو الرجل الآخر مع زيد بن حارثة، حينما - كما ذكر ابن اسحاق - بعثهما رسول الله مع صهره أبي العاص بن الربيع لما خلى سبيله الى مكة، وقال لهما: كونا ببطن يا جج (1) حتى تمر بكما زينب، فتصحباها حتى تأتياني بها. وذلك بعد بدر بشهر أو قريب منه. ثم روى عن زينب: أنها لما فرغت من جهازها قدم لها كنانة بن الربيع أخو زوجها بعيرا فركبته، فخرج بها في هودج لها يقودها نهارا. وتحدث بذلك رجال من قريش، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى، فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود و (نافع بن عبد القيس) الفهري، فروعها هبار بالرمح وهي في هودجها، وكانت المرأة حاملا فلما ريعت طرحت ما في بطنها ! فبرك حموها كنانة بن الربيع وقال: والله لا يدنو مني رجل الا وضعت فيه سهما ! وأتى أبو سفيان في جمع من قريش فقال له: أيها الرجل، كف عنا نبلك حتى
نكلمك. فكف. فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد ! فإذا خرجت بابنته من بين أظهرنا، إليه علانية على رؤوس الناس يظن الناس أن ذلك عن ذل أصابنا من مصيبتنا التي كانت، وأن ذلك منا ضعف ووهن. ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة وما لنا في ذلك من ثأر، ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها، فسلها سرا
(1) يأجج: اسم لمكانين: على ثمانية أميال من مكة، وأقرب منه على موضع مسجد الشجرة بينه وبين مسجد التنعيم ميلان = 3 كم تقريبا. ومسجد التنعيم اليوم متصل بمكة. (*)
[ 194 ]
وألحقها بأبيها. فقبل كنانة وفعل ذلك. فأقامت ليالي حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها الى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها على رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1). وعليه، فالآية إذ نزلت كان تأييدا لما فعل الرسول من الفصل بين ابنته المسلمة وزوجها المشرك. ومن آيات الاحكام التي لها ارتباط تام بما بعد بدر وشهادة الشهداء الأربعة عشر فيها: آية عدة المتوفى عنها زوجها أو الشهيد، وفيها آيتان هما الآية 234 و 240. وقبلهما وبينهما آيات احكام هي وأسباب نزولها من تاريخ صدر الاسلام، فلا بأس بالالمام بها. روى السيوطي في " الدر المنثور " عن أنس بن مالك قال: كان اليهود إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يواكلوها ولم يشاربوها ولم يجتمعوا معها في البيوت. وروى عن السدي ومقاتل قال: فسأل ثابت بن الدحداحة الأنصاري (2) فأنزل الله: * (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء
(1) سيرة ابن هشام 2: 308 - 310. وذكر السهيلي في " الروض الانف " في شرح هذا الموضع من السيرة: أن هبارا نخس بها الراحلة فسقطت على صخرة وهي حامل، فهلك جنينها، ولم تزل تهريق الدماء. ماتت بالمدينة بعد اسلام بعلها أبي العاص بن الربيع. ولذلك روى ابن اسحاق عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله بسرية أنا فيها وقال لنا: ان ظفرتم بهبار بن الأسود أو نافع بن عبد القيس الفهري فاقتلوهما - سيرة ابن هشام 2: 312. (2) هو الذي صاح يوم احد: يا معشر الأنصار ان كان محمد قد قتل فان الله حي لا يموت فقاتلوا عن دينكم فالله ناصركم. فنصره نفر من الأنصار. فوقفت له كتيبة خالد بن الوليد = (*)
[ 195 ]
في المحيض) *، فقال رسول الله: جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شئ الا النكاح. فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا الا خالفنا فيه (1). وروى الطوسي عن الحسن والربيع وقتادة قالوا: إنما سألوا عن المحيض لأنهم كانوا على تجنب امور من: مواكلة الحائض ومشاربتها، حتى كانوا لا يجالسونها في بيت واحد. فاستعلموا: أواجب هو أم لا (2). ونقله عنه الطبرسي في " مجمع البيان " وبين: أنهم كانوا في الجاهلية يتجنبون ذلك (3) فان كان فقد تأثروا في ذلك واقتبسوه من أهل الكتاب واليهود خصوصا. والآية أمرت باعتزالهن: * (فاعتزلوا النساء في المحيض) * ولكنها فسرت الاعتزال: * (ولا تقربوهن) * وحددت ذلك بأجله: * (حتى يطهرن) * ثم شرعت التطهير منه * (فإذا تطهرن فأتوهن) * أو قاربوهن، جوازا، إذ هو أمر عقيب الحظر، ولتكن المقاربة * (من حيث أمركم الله) * باجتنابه، وهو الفرج (4). فلو كان المسلم يقاربها ولا يعتزلها فهو الآن يشعر وكأنه كان عاصيا
مذنبا، ولو كان يعتزلها اكثر من اللازم كاليهود فكذلك أيضا، فقال الله: * (إن الله يحب التوابين) * ثم علل الاعتزال حتى التطهير بقوله سبحانه: * (ويحب
= وحمل عليه خالد فطعنه بالرمح فقتله شهيدا - مغازي الواقدي 1: 281 وهذا يليق به أن يكون متقيا يسأل عن ذلك. (1) الدر المنثور 1: 258. (2) التبيان 2: 219، 220. (3) مجمع البيان 2: 562. (4) التبيان 2: 222 عن الربيع ومجاهد وقتادة عن ابن عباس. (*)
[ 196 ]
المتطهرين) * (1) الطالبين للنظافة عن الحيض والاغتسال منه ومن كل حدث وخبث، ومنه التطهير من الغائط، فالاية تشمله باطلاقها، وقد طبقها عليه الرسول: فقد روى العياشي في تفسيره عن الصادق (عليه السلام) قال: كانوا يستنجون بثلاثة أحجار، لأنهم كانوا يأكلون البسر وكانوا يبعرون بعرا، فأكل رجل من الأنصار الدباء (القرع) فلان بطنه فاستنجى بالماء.. (ثم أتى النبي وقال): يا رسول الله، اني والله ما حملني على الاستنجاء بالماء الا أني أكلت طعاما فلان بطني، فلم تغن عني الحجارة شيئا فاستنجيت بالماء. فقال رسول الله: فكنت أول من صنع ذا.. فان الله قد أنزل فيك الآية: * (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) * (2) بمعنى التطبيق لا النزول الخاص. وعن جريان السنة به روى الكليني في " الكافي " عنه (عليه السلام) أيضا قال: كان الناس يستنجون بالأحجار والكرسف (القطن) ثم احدث الوضوء (اي التطهير بالماء) وهو خلق كريم، فأمر به رسول الله وصنعه (3).
عليه فالآية اشارت الى التطهير بالماء من الحيض، وسن الرسول الكريم الغسل منه، والتطهير من الغائط. ولعل مع تشريع الحيض والغسل منه كان وضع
(1) وقارن بالميزان 2: 212. (2) تفسير العياشي 1: 109، 110 ورواه الصدوق في الفقيه. وقال الطباطبائي في الميزان 2: 216: والأخبار في هذا المعنى كثيرة، وفي بعضها: أن أول من استنجى بالماء البراء بن عازب والفيض في الوافي نقل الخبر عن الفقيه وقال: يقال: إن هذا الرجل كان البراء بن مبرور الأنصاري. وأقول: الصحيح هو البراء بن عازب لا ابن مبرور، فان ابن مبرور كان قد توفي قبيل هجرة الرسول فصلى على قبره كما مر. (3) فروع الكافي 3: 18، الحديث 13. (*)
[ 197 ]
الصلاة والصيام عن الحائض مع قضاء الصيام. وكما كان اليهود مبتدعين باعتزال الحائض اكثر من اللازم، كذلك كانوا مبتدعين بالمضايقة في كيفية إتيان النساء. فقد روى العياشي في تفسيره عن الصادق والرضا (عليهما السلام) قالا: إن اليهود كانت تقول: إذا أتى الرجل من خلفها خرج ولده أحول ! فأنزل الله: * (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) * يعني من خلف أو قدام، خلافا لقول اليهود، ولم يعن في أدبارهن (1) وهو بذلك يرد على ما ورد في صدر الخبر، حيث نقل له معمر بن خلاد عن أهل المدينة أنهم كانوا لا يرون بأسا في اتيان النساء في أعجازهن. ويبدو أنهم أخذوا ذلك من فقيههم مالك بن أنس: فقد نقل السيوطي في " الدر المنثور " عن أبي سليمان الجوزجاني قال: سألت مالك بن أنس عن وط ء الحلائل في الدبر، قال: الساعة غسلت رأسي عنه.
واستند مالك في ذلك الى ما أسنده عن نافع القارئ قال: قال لي ابن عمر: أمسك علي المصحف يا نافع. فأمسكت وقرأ حتى أتى على قوله سبحانه: * (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) * فقال لي: يا نافع تدري فيمن نزلت هذه الآية ؟ قلت: لا، قال: نزلت في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها فأعظم الناس ذلك، فأنزل الله الآية. قلت له: من دبرها في قبلها. قال: لا، إلا في دبرها. ولذلك كان ابن عباس يأخذ ذلك على ابن عمر: ففيه عن مجاهد عن ابن عباس قال: إن ابن عمر - والله يغفر له - أوهم، انما كان هذا الحي من الأنصار - وهم أهل وثن - مع هذا الحي من يهود وهم أهل
(1) تفسير العياشي 1: 111. (*)
[ 198 ]
كتاب، وكان يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم. وكان من أمر أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء الا على حرف، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم. بينما كان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا منكرا ويتلذذون، مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فانكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فاصنع ذلك، والا فاجتنبني ! فسرى أمرهما حتى بلغ ذلك رسول الله فأنزل الله عز وجل: * (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) * أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد ورواه ابن داود في سننه. كما روى السيوطي مختصره عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كانت الأنصار تأتي نساءها مضاجعة، بينما كانت قريش تشرح شرحا كثيرا. فتزوج رجل من قريش امرأة من الأنصار فأراد أن يأتيها فقالت، لا، الا كما نفعل.
فاخبر رسول الله بذلك فانزل: * (فأتوا حرثكم أنى شئتم) * أي قائما وقاعدا ومضطجعا في صمام واحد (1) أي في مدخل واحد هو القبل دون الدبر. ولذلك روى العياشي في تفسيره عن صفوان بن يحيى عن بعض أصحابنا قال: سألت أبا عبد الله الصادق عن قول الله: * (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) * فقال: من قدامها ومن خلفها في القبل. وعن زرارة قال: سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن قول الله: * (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) * قال: من قبل. وعليه تحمل الرواية الاخرى عن زرارة أيضا عن الباقر (عليه السلام) قال: حيث
(1) الدر المنثور 1: 261. (*)
[ 199 ]
شاء. يعني من القبل (1). وعن النظم والترتيب الطبيعي لنزول الآيات الأربع التالية من الآية 224 حتى الآية 227 قال الطبرسي في " مجمع البيان ": لما بين سبحانه أحوال النساء وما يحل منهن عقبه بذكر الايلاء، وهو: اليمين التي تحرم الزوجة، فابتدأ بذكر الأيمان أولا تأسيسا لحكم الايلاء فقال: * (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم) * (2) ثم بين سبحانه أقسام اليمين فقال: * (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور رحيم) * (3) ثم بين تعالى حكم الايلاء لأنه من جملة الأيمان والأقسام، وشريعة من شرائع الاسلام، فقال: * (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فان فاؤوا فان الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فان الله سميع عليم) * (4) ثم بين سبحانه حكم الطلاق والمطلقات ومتعلقاتها في خمس عشرة آية من الآية 228 حتى الآية 242، فالاولى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء..) * في
سبب نزولها في سنن أبي داود عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية قالت: طلقت على عهد رسول الله ولم يكن للمطلقة عدة، فانزل حين طلقت العدة للطلاق: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * (5).
(1) تفسير العياشي 1: 111. (2) مجمع البيان 2: 566 ونقل أن عبد الله بن رواحة حلف أن لا يصلح بين اخته وزوجها، فكان يقول: اني حلفت بهذا فلا يحل لي أن أفعله، فنزلت الآية. ولا يستقيم هذا مع الحكم الفقهي في المسألة فان عقد اليمين غير مشروط بالرجحان، فهو مردود. ولعله لذلك لم يذكره الطوسي في التبيان ولا العلامة في الميزان. (3) مجمع البيان 2: 568. (4) مجمع البيان 2: 570. (5) سنن أبي داود 2: 285. (*)
[ 200 ]
وما يتعلق منها صدقا وانطباقا على أزواج شهداء بدر هو ما يبين حكم عدة المتوفى عنها زوجها، وقد نزل بهذا الشأن آيتان، احداهما الآية: * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا الى الحول غير إخراج فان خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم) * (1). وقد نقل المرتضى عن تفسير النعماني بسنده عن علي (عليه السلام) قال: إن العدة كانت في الجاهلية على المرأة سنة كاملة، كان إذا مات الرجل القت المرأة خلف ظهرها شيئا بعرة أو ما يجري مجراها وقالت: البعل أهون علي من هذه، ولا اكتحل ولا أمتشط ولا أتطيب ولا أتزوج سنة. فكانوا لا يخرجونها من بيتها بل يجرون عليها من تركة زوجها سنة. فأنزل الله في أول الاسلام: * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا الى الحول غير إخراج) * فلما قوي
الاسلام أنزل الله تعالى: * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف..) * (2). وقد روى العياشي في تفسيره عن ابي بصير قال: سألت ابا جعفر الباقر (عليه السلام) عن الآية: * (متاعا الى الحول غير اخراج) * قال: هي منسوخة، نسختها: * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن اربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن اجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير) * قلت: وكيف كانت ؟ قال: كان الرجل إذا مات انفق على امرأته من صلب المال حولا ثم اخرجت بلا ميراث، ثم نسختها آية الربع والثمن، فالمرأة
(1) البقرة: 240. (2) وسائل الشيعة 15: 453. (*)
[ 201 ]
ينفق عليها من نصيبها (1). وقال القمي في تفسيره: كانت عدة النساء في الجاهلية إذا مات الرجل اعتدت امرأته سنة، فلما بعث رسول الله تركهم على عاداتهم ولم ينقلهم عن ذلك بل أنزل الله تعالى بذلك قرآنا فقال: * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج) * فكانت العدة حولا. فلما قوي الإسلام أنزل الله: * (الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) * فنسخت قوله: * (متاعا إلى الحول غير إخراج) * (2). وهنا نتوقف عن النظر في أخبار الآيات التالية من سورة البقرة، لنعرج على الخبر الآخر الواقع في شوال من هذه السنة قبل البدء بأخبار بني القينقاع، وهو الخبر عن:
قتل المحرض على النبي، نذرا: روى الواقدي عن إسماعيل بن مصعب بن إسماعيل بن زيد بن ثابت الأنصاري، عن أبيه عن جده عن زيد بن ثابت قال: كان في بني عمرو بن عوف شيخ كبير يدعى أبا عفك بلغ مئة وعشرين سنة لم يدخل في الإسلام بل كان يحرض على عداوة النبي، ولما خرج رسول الله إلى بدر ونصره الله حسده وقال شعرا: لقد عشت حينا وما (إن) أرى * من الناس دارا ولا مجمعا بأولى عقولا وآتى إلى * منيب سراعا إذا ما دعا
(1) تفسير العياشي 1: 122 و 129 وروى مثله عن ابن أبي عمير عنه (عليه السلام). (2) تفسير القمي 1: 6. (*)
[ 202 ]
فسلبهم أمرهم راكب * حراما حلالا لشتى معا فلو كان بالملك صدقتم * وبالنصر تابعتم تبعا فقال سالم بن عمير من بني النجار: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه ! وفي شوال على رأس عشرين شهرا (من الهجرة) كانت ليلة صائفة (1) نام فيها أبو عفك بفناء بني عمرو بن عوف، فأقبل سالم بن عمير حتى وضع السيف على كبده وحتى غرزه في الفراش، وصاح الرجل، وثاب إليه ناس فقبروه في منزله (2). غزوة قينقاع: ويبدو أن حسد الرسول على نصر الله له ببدر والتحريض عليه لم يكن خاصا بهذا الشيخ من بني عمرو بن عوف. فقد روى الواقدي عن ابن كعب القرظي قال: لما أصاب رسول الله
أصحاب بدر وقدم المدينة، بغت يهود (بني قينقاع) وقطعت ما كان بينها وبين النبي من عهد (3). ثم لم يسم بغيهم وقطيعتهم، ولكنه قال: فبيناهم على ما هم عليه.. إذ جاءت أمرأة من العرب كانت تحت رجل من الأنصار الى سوق بني قينقاع وجلست عند صائغ في حلي لها، وجاء رجل من يهود قينقاع فجلس من ورائها وهي لا تشعر فربط درعها الى ظهرها بشوكة، فلما قامت المرأة بدت عورتها فضحكوا منها.
فقام رجل من المسلمين واتبع (الرجل اليهودي الذي فعل ذلك بها) فقتله ! فاجتمعت بنو قينقاع على (المسلم) فقتلوه ! و (بذلك) حاربوا رسول الله ونبذوا العهد بينهم وبينه (1). قال القمي في تفسيره: فأتاهم رسول الله فقال: يا معشر اليهود، قد علمتم ما نزل بقريش، وهم اكثر عددا وسلاحا وكراعا منكم، فادخلوا في الاسلام. فقالوا: يا محمد، انك تحسب حربنا مثل حرب قومك ؟ ! قد والله لو لقيتنا للقيت رجالا (2) وقد تضمنت دعوته هذه لهم انذارا وتبشيرا: انذارا بحرب كحرب بدر لأنهم حاربوه ونقضوا عهده، وتبشيرا بأنهم لو دخلوا في الاسلام فالاسلام يجب ما قبله، فلا يطالبهم بالانتقام للمسلم المقتول الا قصاصا بل وعفوا. وقال الواقدي: قالوا: ولقد كانوا أشجع اليهود، وقد كان عبد الله بن ابي ابن سلول الخزرجي معهم في حلف سابق، وهو الذي كان قد أمرهم أن يتحصنوا،
وزعم لهم أنه سيدخل معهم ولم يدخل (3). فروى عن عروة قال: لما رجع رسول الله من بدر واظهر اليهود الغش، نزل جبرئيل (عليه السلام) بالآيات: * (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون فاما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم
(1) مغازي الواقدي 1: 176، 177. وابن هشام في السيرة 3: 51. (2) تفسير القمي 1: 97 واعلام الورى 1: 175 بلفظ آخر والمناقب 1: 190 مختصر الخبر وابن اسحاق في السيرة 3: 50 والواقدي في المغازي 1: 174. (3) مغازي الواقدي 1: 178. (*)
[ 204 ]
لا يعجزون) * فلما فرغ جبرئيل قال له رسول الله: فأنا أخافهم (1) الى قوله: * (وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم وان يريدوا أن يخدعوك فان حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين) * قال الواقدي: يعني قريظة والنضير فانهم قالوا: نحن نسلم ونتبعك (2). فاستخلف النبي (صلى الله عليه وآله) على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، كما كان (3) وسار إليهم حسب الآية فحاصرهم في حصنهم خمس عشرة ليلة أشد الحصار (4) وهم لزموا حصنهم فما رموا بسهم ولا قاتلوا (5) إذ قذف الله في قلوبهم الرعب، فقالوا: أفننزل وننطلق ؟ قال رسول الله: لا، الا على حكمي. فنزلوا على (6) صلح رسول الله وحكمه، على أن تكون أموالهم لرسول الله (7) وكانوا صاغة، فكانت لهم آلات صياغة وسلاح كثير.. ولم تكن لهم مزارع ولا أرضون (8) فكانت أموالهم لرسول
(1) مغازي الواقدي 1: 180 و 177 و 135 ونقله الطوسي في التبيان 5: 146 وعنه في مجمع
البيان 4: 850. (2) مغازي الواقدي 1: 135 ونقله عنه الطوسي في التبيان 5: 151 و 152. وهذا هو الذي يفسر سر اختلاف الحال بينهم وبين قينقاع، على أنهم كانوا حلفاء الأوس وهؤلاء حلفاء الخزرج بما بينهما من خلاف. (3) مغازي الواقدي 1: 180 عن أبي بكر بن حزم. (4) مغازي الواقدي 1: 177 وفي السيرة 3: 52 ولم يعينا البداية والنهاية الا أن الواقدي أرخ الغزوة: يوم السبت للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة 1: 176 فتكون البداية أوائل شوال. (5) مغازي الواقدي 1: 178. (6) مغازي الواقدي 1: 177. (7) مغازي الواقدي 1: 178. (8) مغازي الواقدي 1: 179. (*)
[ 205 ]
الله، ولهم الذرية والنساء (1) فلما نزلوا وفتحوا حصنهم، قبض محمد بن مسلمة أموالهم (2) وأمر رسول الله المنذر بن قدامة السلمي أن يربطهم، فكانوا يكتفون كتافا. فوثب ابن ابي الى النبي (صلى الله عليه وآله) فأدخل يده في جيب درعه من خلفه وقال: يا محمد ! أحسن الى موالي ! فتغير وجه النبي وأقبل عليه مغضبا وقال له: ويلك أرسلني ! فقال: لا ارسلك حتى تحسن في موالي، أربعمئة دارع وثلاثمئة حاسر (3) منعوني يوم بعاث ويوم الحدائق من الأحمر والأسود تريد أن تحصدهم في غداة واحدة ؟ ! إني والله امرؤ أخشى الدوائر (4)، فلما تكلم ابن ابي فيهم تركهم رسول
(1) مغازي الواقدي 1: 180. (2) مغازي الواقدي 1: 178. (3) وفي ابن هشام عن ابن اسحاق: اربعمئة حاسر وثلاثمئة دارع 3: 52. (4) وفيه نزل بعد ذلك قوله: * (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله ان يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما اسروا في انفسهم نادمين) *، المائدة: 52. وقد روى ابن اسحاق عن أبيه عن عبادة بن الوليد ابن عبادة بن الصامت عن أبيه الوليد: أن بني قينقاع لما حاربت رسول الله مشى أبوه عبادة ابن الصامت إلى رسول الله فخلعهم من حلفه وتبرأ إليه منه، ففيه وفي عبد الله بن ابي نزلت من سورة المائدة: * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) * الى قوله: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * سيرة ابن هشام 2: 52، 53 وهذا في ذيله وشموله لآية الولاية والزكاة في الركوع معارض بالكثير الكثير من الحديث بشأن نزول الآية بسبب تصدق علي أمير = (*)
[ 206 ]
الله من القتل، وأمر بهم أن يجلوا من المدينة (1). وأمر رسول الله عبادة بن الصامت أن يجليهم. فجعلت قينقاع تقول له: يا أبا الوليد، تفعل بنا هذا ونحن مواليك من بين الأوس والخزرج ؟ ! فقال عبادة: لما حاربتم رسول الله جئت إليه وقلت له: اني أبرأ اليك منهم ومن حلفهم. فقال ابن ابي: تبرأت من حلف مواليك ؟ ما هذه بيدهم عندك. وذكره بمواطن بلائهم. فقال عبادة: أبا الحباب أما والله انك لمعصم بأمر سترى غبه غدا، فلقد محا الاسلام العهود. فقالت قينقاع: يا محمد، إن لنا دينا في الناس. وطلبوا التنفس.
فقال عبادة: لكم ثلاث، لا أزيدكم عليها، وهذا أمر رسول الله، ولو كنت أنا لما نفستكم ! (2) فأخذوا بالخروج. وجاء ابن ابي ببعضهم يريد أن يكلم رسول الله أن يقرهم في ديارهم. فوجد على باب النبي عويم بن ساعدة، فذهب ليدخل فرده عويم وقال: لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله. فدفعه ابن ابي، فغلظ عليه عويم ودفعه فجرح وجهه وسال دمه، فأخذ يمسح الدم عن وجهه، وتصايح حلفاؤه من
= المؤمنين (عليه السلام) بخاتمه على المسكين في ركوع صلاته في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله)، فلا نسلم به، ونحول البحث في ذلك الى الكثير الكثير مما كتب في ذلك من التفسير والعقائد والكلام في الامامة وفضائل الامام أمير المؤمنين علي - عليه الصلاة والسلام -. وسورة المائدة من أواخر ما نزل وليس هنا. وقد روى خبر شفاعة ابن ابي لهم ونزول الآيات الى قوله " نادمين " اعلام الورى 1: 175 والمناقب 1: 191. (1) مغازي الواقدي 1: 178 وفي السيرة 3: 51، 52. (2) مغازي الواقدي 1: 179. (*)
[ 207 ]
اليهود ؟ ! قالوا: يا أبا الحباب لا نقيم بدار أصاب وجهك فيها هذا ولا نقدر أن نغيره ! فجعل ابن ابي يصيح عليهم يقول: ويحكم قروا ! وجعلوا هم يتصايحون: لا نقيم بدار أصاب وجهك فيها هذا ولا نستطيع تغييره ! وقبض محمد بن مسلمة أموالهم (1) وخمس رسول الله ما أصاب منهم (وهو أول خمس خمسه بعد آية الخمس) وقسم ما بقي على أصحابه. ووهب لمحمد بن مسلمة درعا من دروعهم، وأعطى سعد بن معاذ درعا يقال لها السحل.. وأخذ هو من سلاحهم ثلاث قسي: قوس تدعى الكتوم كسرت باحد، وقوس تدعى الروحاء، وقوس تدعى البيضاء. وأخذ من سلاحهم أيضا درعين: درعا يقال
لها الصغدية واخرى: فضة. وثلاثة أسياف: البتار والقلعي (نسبة الى قلعة بالبادية) وثلاثة أرماح. ولما مضت ثلاثة أيام خرج عبادة في آثارهم، حتى بلغ بهم خلف دباب سالكين طريق الشام، ثم رجع. فلما نزلوا في يهود وادي القرى أقاموا فيهم شهرا.. وكانوا قد حملوا الذرية والنساء على الابل وهم يمشون راجلين.. فحمل يهود وادي القرى من كان راجلا منهم، وأعانوهم، ثم ساروا حتى لحقوا بأذرعات، ولم يبقوا بها الا قليلا (2). وقد روى القمي في تفسيره وابن اسحاق عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس وعنه في " التبيان " بأن الآيات التي نزلت في بني قينقاع هي الآيات من سورة آل عمران: * (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون الى جهنم وبئس المهاد * قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله واخرى كافرة
(1) مغازي الواقدي 1: 178. (2) مغازي الواقدي 1: 178 - 180. وأذرعات كانت أول بلدة بحدود الاردن من الحجاز. (*)
[ 208 ]
يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لاولي الأبصار) * (1). وفي الآيات بوحدة سياقها قوله سبحانه: * (الم تر الى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يدعون الى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون) * مما يومئ الى وقوع دعوة الرسول لفريق من أهل الكتاب (بني قينقاع) وتوليهم وإعراضهم. فهي نزلت بعد الواقعة. وفي تاريخ الغزوة قال الواقدي: حاصرهم النبي يوم السبت للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا (من الهجرة) الى هلال ذي القعدة (2) وكان لواء
رسول الله مع حمزة (3) وفي ذي القعدة قعد النبي عن القتال، ولعله كان من حوادث ما بعد بدر: صفوان يريد اغتيال الرسول: روى ابن اسحاق عن عروة بن الزبير: أن عمير بن وهب الجمحي كان شيطانا من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله وأصحابه، ويلقون منه عناء وهو بمكة. وكان ممن حضر بدرا مع المشركين واسر ابنه وهب. وكان بعد بدر بيسير جالسا مع صفوان بن امية الجمحي، في حجر الكعبة، فذكر مصاب أهل بدر من قريش وأصحاب القليب منهم.
(1) تفسير القمي: 1: 97 وابن هشام 3: 51 وعنه في التبيان 2: 406 وعنه في مجمع البيان 2: 706. (2) مغازي الواقدي 1: 174. (3) الطبري 2: 481. (*)
[ 209 ]
فقال صفوان: والله لا خير في العيش بعدهم ! قال له عمير: صدقت والله، أما والله لولا دين علي ليس عندي ما يقضيه وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت الى محمد حتى أقتله، ولي عندهم حجة فان ابني أسير في أيديهم. فقال صفوان: دينك علي فانا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي ما بقوا. فأمر عمير بسيفه فشحذ وسم، ثم انطلق حتى قدم المدينة. فبينا عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، وإذا بعمير بن وهب أناخ راحلته على باب المسجد متوشحا سيفه. فقال عمر: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء الا لشر، وهو الذي حرش
بيننا يوم بدر. ثم دخل عمر على رسول الله فقال له: يا نبي الله، هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه. قال: فأدخله علي. فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه فلببه بها، وقال لرجال من الأنصار كانوا معه: ادخلوا على رسول الله فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث فانه غير مأمون. ثم دخل به على رسول الله. فلما رآه رسول الله قال: أرسله يا عمر. ثم قال لعمير: ادن يا عمير. فدنا وقال: انعموا صباحا. فقال رسول الله: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة. فقال عمير: أما والله يا محمد، إني لحديث عهد بها.
[ 210 ]
قال: فما جاء بك يا عمير (1) ؟ فقال: جئت في فكاك ابني (وهب). فقال له: كذبت ! بل قلت لصفوان بن امية وقد اجتمعتم في الحطيم وذكرتم قتلى بدر وقلتم: والله للموت أهون علينا من البقاء مع ما صنع محمد بنا ! وهل حياة بعد أهل القليب ؟ ! فقلت أنت: لولا عيالي ودين علي لأرحتك من محمد ! فقال صفوان: علي أن أقضي دينك وأن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما يصيبهن من خير أو شر ! فقلت أنت فأكتمها علي وجهزني حتى أذهب فأقتله ! فجئت لتقتلني ! فقال: صدقت يا رسول الله، فأنا أشهد أن لا اله إلا الله وأنك رسول الله (2).
فقال رسول الله: أطلقوا له أسيره، وفقهوه في دينه وأقرئوه القرآن. فقال عمير: يا رسول الله، اني كنت جاهدا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله عزوجل، وأنا احب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم الى الله تعالى والى رسوله وإلى الاسلام، لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت اوذي أصحابك في دينهم ؟ فأذن له رسول الله، فلحق بمكة. فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو الى الاسلام ويؤذي من خالفه أذى
(1) سيرة ابن هشام 2: 316، 317 ومغازي الواقدي 1: 125 - 128 بطريق آخر. (2) الاحتجاج على أهل اللجاج 1: 334 عن علي (عليه السلام)، ورواه في بحار الأنوار 19: 326 عن المنتقى للكازروني عن ابن اسحاق. وفي 18: 140 مختصر خبره عن مناقب آل أبي طالب للحلبي 1: 113. (*)
[ 211 ]
شديدا. فأسلم على يديه ناس كثير (1). وروى مثله الواقدي في " المغازي " بسنده عن عاصم بن عمر بن قتادة. ثم روى عن عبد الله بن عمرو بن امية قال: لما قدم عمير بن وهب نزل في أهله ولم يقرب صفوان بن امية، وأظهر الاسلام ودعا إليه، فبلغ صفوان.. ووقف عليه عمير وهو في الحجر فقال: أبا وهب ! فأعرض صفوان عنه، فقال عمير: أنت سيد من ساداتنا، أرأيت الذي كنا عليه من عبادة حجر والذبح له ؟ أهذا دين ؟ ! أشهد أن لا إله الا الله، وأن محمدا عبده ورسوله ! فلم يجبه صفوان بكلمة (2). زواج علي بالزهراء (عليهما السلام) (الزفاف): مر أن الزهراء عقدت لعلي (عليهما السلام) لليلتين بقيتا من شهر صفر بعد الهجرة، أي قبل تحول حول الهجرة، فبعضهم قال: بعد سنة من الهجرة، وبعضهم قال: في
شهر صفر من السنة الثانية للهجرة وهو يقصد البدء بالسنة الثانية من المحرم، فكلاهما كان يقصد معنى واحدا. وأما - على المصطلح العربي القديم - بناء علي (عليه السلام) بها أي الزفاف: فقد نقل الطبري عن الواقدي بسنده عن الباقر (عليه السلام) قال: إن علي بن أبي طالب بنى بفاطمة (عليهما السلام) في ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا (3) وقد روى صدره في موضع قبل هذا (4) وبنفس السند والنص (تقريبا) رواه الدولابي في " الذرية
الطاهرة " عن الصادق (عليه السلام)، وعنه الأربلي في " كشف الغمة " وعنه المجلسي في " بحار الأنوار " (1). أما عن اليوم فقد عينه المفيد في " مسار الشيعة " (2) والطوسي في " المصباح " باليوم الأول منه (3). وعليه فزفافها كان بعد قدوم اختها زينب زوجة أبي العاص بن الربيع الى المدينة إذ كان ذلك بعد بدر بشهر أو شيعه (4) أي قريب منه. ومع حضور اختها الاخرى ام كلثوم، أما الاخرى: رقية زوجة عثمان، فقد قالوا: انها مرضت قبل بدر وماتت بعد بدر وقبل رجوع الرسول الى المدينة، أي قبل زفاف اختها فاطمة في أول ذي الحجة بأكثر من الأربعين يوما تقريبا. ولكن سيأتي ترجيح أنها توفيت في ذي الحجة أو محرم أي بعد زفاف فاطمة، فهي أيضا كانت حاضرة شاهدة.
من سنن ليلة الزفاف: من سننه (صلى الله عليه وآله) ليلة زفاف ابنته (عليها السلام) ما رواه الخوارزمي في " المناقب " والكنجي الشافعي في " كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب (عليه السلام) " عن
(1) الذرية الطاهرة: 93 وكشف الغمة 1: 364 وبحار الأنوار 43: 92 وراجع فصل زواجها من هذا الكتاب: 104. (2) مسار الشيعة: 53 ولكنه يقصد العقد لا الزفاف، وأما الزفاف فذكره في الواحد والعشرين من المحرم لسنة ثلاث من الهجرة: 61، 62 ط قم. وكذلك في حدائق الرياض له نقله في الاقبال ونقله عنه في بحار الأنوار 43: 92. (3) كما في بحار الأنوار 43: 92. (4) ابن هشام 2: 308. (*)
[ 213 ]
الحافظ ابن بطة العكبري بسند وصفه بالحسن العالي عن ابن عباس قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخل على النساء فقال لهن: اني قد زوجت ابنتي لابن عمي، وقد علمتن منزلتها مني، واني دافعها إليه، ألا فدونكن ابنتكن. فقمن فجعلن في بيتها فراشا، حشوه ليف، ووسادة، وكساء خيبيريا، ومخضبا وهو المركن (1) وصارت ام أيمن البوابة. وقمن الى الفتاة فعلقن عليها من حليهن وطيبنها. ودعا رسول الله بلالا فقال له: اني قد زوجت فاطمة ابنتي بابن عمي وأنا احب أن يكون من سنن امتي الطعام عند النكاح، إذهب يا بلال الى الغنم وخذ شاتا وخمسة أمداد (2) شعيرا، واجعل لي قصعة (3) فلعلي أجمع عليها المهاجرين والأنصار ! ففعل ذلك، وأتاه بها حين فرغ فوضعها بين يديه، فطعن في أعلاها وبرك (من فمه) ثم قال: يا بلال، ادع الناس من المسجد، زفة زفة (4). فجعل الناس يزفون، كلما فرغت زفة وردت اخرى حتى فرغ الناس،
وفضل منها. فعمد النبي الى فضل ما فيها فبارك فيه (من فمه) ثم قال: يا بلال، احمل الى امهاتك فقل لهن: كلن وأطعمن من غشيكن. ففعل بلال ذلك. ثم ان رسول الله جاء الى بيته ومعه علي (عليهما السلام)، فهتف بفاطمة، فلما أقبلت رأت زوجها مع رسول الله ! فقال لها رسول الله: ادني مني. فدنت منه، فأخذ بيدها ويد علي، فلما أراد أن يجعل كفها في كف علي ضاق صدرها ودمعت عيناها ! فأشفق رسول الله أن يكون بكاؤها لأن عليا لا مال له ! فرفع رسول الله رأسه وقال لها:
(1) يغسل فيه الثياب. (2) المد: ثلاثة ارباع الكيلو أو أقل، ولعله 700 غراما. (3) القصعة: اناء كبير يسع لعشرة أشخاص. (4) جماعة ثم جماعة. (*)
[ 214 ]
ما يبكيك ؟ ! فوالله ما ألوتك (1) في نفسي، ولقد أصبت بك القدر وزوجتك خير أهلي، وأيم الله لقد زوجتك سيدا في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين. فلانت وأمكنته من كفها (فجعل كفها في كف علي) وقال لهما: اذهبا الى بيتكما (2)، بارك الله لكما، وأصلح بالكما، ولا تهيجا شيئا حتى آتيكما. فأقبلا حتى جلسا مجلسهما، وحولهما امهات المؤمنين من وراء حجاب (3). ثم أقبل النبي (صلى الله عليه وآله) حتى دق الباب فقالت ام أيمن: من هذا ؟ فقال: أنا
(1) قصرت عنك. (2) روى الطبرسي عن علي بن ابراهيم القمي خبرا عن حوادث أوائل ما بعد الهجرة، وبناء المسجد النبوي الشريف فقال: وابتنى رسول الله منازله ومنازل أصحابه حول المسجد، وخط لاصحابه خططا فبنوا منازلهم فيها... وخط لعلي بن ابي طالب (عليه السلام) مثل ما خط
لهم، فكانوا يخرجون من منازلهم فيدخلون المسجد. ثم روى سد الأبواب، ثم زواج علي بالزهراء (عليها السلام) فقال: قال له رسول الله: هيئ منزلا حتى تحول إليه فاطمة. فقال: يا رسول الله ما هاهنا منزل الا منزل حارثة بن النعمان. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): والله لقد استحيينا من حارثة ! قد أخذنا عامة منازله ! فبلغ ذلك حارثة، فجاء الى رسول الله فقال: يا رسول الله أنا ومالي لله ولرسوله، والله ما شئ أحب الي من ما تأخذه، والذي تأخذه أحب الي مما تترك. فجزاه رسول الله خيرا. وحولت فاطمة الى علي (عليهما السلام) في منزل حارثة. اعلام الورى 1: 161 والطبقات الكبرى لابن سعد 8: 14. ولكن فأين المنزل الذي خطه لعلي (عليه السلام) ؟ وما هي عامة منازل حارثة التي أخذها منه النبي ؟ الا منزلين أنزل فيها صفية بنت حيي بن اخطب بعد خيبر في اوائل السابعة، وكذلك مارية القبطية ام ابراهيم قبل أن ينقلها الى المشربة ولم نعهد منزلا أخذه منه قبل هذا. (3) هذا ولم يجب الحجاب بعد. وفاصل بيتهما عن بيته (صلى الله عليه وآله) قليل، وليس في هذا الخبر المعتبر ما جاء في القصص من أراجيز النساء: سرن بعون الله جاراتي. (*)
[ 215 ]
رسول الله. ففتحت له الباب وهي تقول: بأبي أنت وامي. فقال لها رسول الله: أثم أخي يا ام أيمن ؟ فقالت له: ومن أخوك ؟ فقال: علي بن أبي طالب. فقالت: يا رسول الله هو أخوك وزوجته ابنتك ؟ فقال: نعم. فقالت: انما نعرف الحلال والحرام منك يا رسول الله. ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله) دخل، فلما رآه النساء من وراء الستار وثبن وخرجن مسرعات، فلما بصرت به (أسماء بنت عميس) تهيأت للخروج، فقال لها رسول الله: على رسلك، من أنت ؟
قالت: أنا التي أحرس ابنتك، إن الفتاة ليلة يبنى بها لا بد لها من امرأة تكون قريبة منها إن عرضت لها حاجة أو أرادت شيئا أفضت بذلك إليها. فقال لها رسول الله: فاني أسأل الله أن يحرسك من بين يديك ومن خلفك، وعن يمينك وعن شمالك من الشيطان الرجيم. ناوليني المخضب واملئيه ماء. فنهضت (أسماء) فملأت المخضب ماء وأتته به، فغسل النبي منه وجهه وقدميه ومج فيه. ثم دعا بفاطمة فقامت إليه وعليها ازارها والنقبة (1) فأخذ كفا من الماء فضرب به على رأسها وكفا بين يديها، ثم رش منه على جيده وجلدها، ثم قال: اللهم انها مني وأنا منها، فكما أذهبت عني الرجس وطهرتني تطهيرا فطهرها. ثم أمرها أن تشرب من الماء وتغسل وجهها وتتمضمض وتستنشق، ثم دعا بمخضب آخر ودعا عليا وصنع به كما صنع بها ودعا له كما دعا لها، ثم قال: جمع الله بينكما، وبارك في نسلكما، وأصلح بالكما، قوما الى بيتكما. ثم خرج وأغلق عليهما الباب وانطلق، ودخل فاغلق عليه بابه. ثم علق الكنجي على الخبر فقال: هكذا رواه الحافظ ابن بطة العكبري،
(1) هذا ولم يجب الحجاب بعد. (*)
[ 216 ]
وهو حسن، الا أن ذكر أسماء بنت عميس في هذا الحديث غير صحيح، لأن أسماء هذه امرأة جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) وكانت مع زوجها جعفر بن أبي طالب بالحبشة في الهجرة الثانية، وقدم بها يوم فتح خيبر سنة سبع، وقال النبي: ما أدري أنا بأيهما أسر: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ؟ وكان زواج فاطمة (عليها السلام) بعد وقعة بدر بأيام يسيرة، فما أرى نسبتها في هذا الحديث الا غلطا وقع من بعض الرواة، نعم يصح أن أسماء المذكورة في هذا الحديث التي حضرت في عرس فاطمة انما هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصاري، وهي لها أحاديث عن النبي،
وروى عنها شهر بن حوشب وغيره من التابعين (1). ونقل الحديث عنه الأربلي في " كشف الغمة " ولكنه اختار وجها آخر: فقد نقل عن كتاب " الذرية الطاهرة " لأبي بشر بن حماد الأنصاري الدولابي: بسنده عن (أسماء بنت عميس) قالت: رهن علي (عليه السلام) درعه عند يهودي فأولم لفاطمة.. وكانت وليمته آصعا (2) من شعير وتمر وحيس (3). قالت: ولقد جهزت فاطمة بنت رسول الله الى علي بن أبي طالب (عليهما السلام) وما كان حشو فراشهما ووسائدهما الا ليفا ! ثم علق عليه فقال: قد تظاهرت الروايات - كما ترى - بأن (أسماء بنت
(1) كفاية الطالب: 307. (2) جمع الصاع = 750 / 2 كيلو غراما. (3) يبدو أنهم أعدوا من الشعير خبزا ومن التمر حيسا، ونجد معنى الحيس فيما رواه الخوارزمي في مناقبه بسنده عن علي (عليه السلام): أن النبي أخذ دراهم فدفعها الي وقال: اشتر سمنا وتمرا واقطا (لبنا مجففا متحجرا) فاشتريت واقبلت بها الى رسول الله، فدعا بسفرة من أدم وحسر عن ذراعيه وجعل يشدخ التمر والسمن ويخلطهما بالاقط حتى اتخذه حيسا - كما في كشف الغمة 1: 361. (*)
[ 217 ]
عميس) حضرت زفاف فاطمة.. وأسماء كانت مهاجرة بأرض الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب (عليه السلام)، ولم تعد هي ولا زوجها الا يوم فتح خيبر وذلك في سنة ست من الهجرة، ولم تشهد الزفاف لأنه كان في ذي الحجة من سنة اثنتين. والتي شهدت الزفاف (سلمى بنت عميس) اختها وهي زوجة حمزة بن عبد المطلب، ولعل الاخبار عنها، ولكن كانت أسماء أشهر من اختها عند الرواة فرووا عنها، أو سهى راو واحد فتبعوه ! (1).
وقد ورد التنبيه الى هذا في هامش النسخة الخطية من كتاب الدولابي المطبوع أيضا من دون الذيل (2). ولنا أن نجمع فنقول بحضور الاثنتين، وقد يقرب توجيه الاربلي بما مر عن أسماء أنها أجابت رسول الله: إن الفتاة ليلة يبنى بها لابد لها من امرأة تكون قريبة منها (3) على أن تكون قريبة من القرابة - لا من القرب - فان سلمى زوجة حمزة واخت أسماء زوجة جعفر تكون قريبة من الزهراء، وليس كذلك اسماء بنت السكن الأنصارية. ولكن محقق البحار المرحوم الرباني الشيرازي رجح توجيه الكنجي الشافعي (4) لأنها كان يقال لها خطيبة النساء، وكانت تكنى بام سلمة، فما روي في قصة زفاف الزهراء عن ام سلمة انما هي أسماء بنت السكن لا ام سلمة التي تزوجها النبي بعد ذلك باكثر من سنة (5). والحق معه.
صباح النكاح: ومن سنته (صلى الله عليه وآله) صباح النكاح: ما أخرجه ابن سعد في " الطبقات " بسنده عن (أسماء بنت عميس) قالت: كنت في زفاف فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما أصبحنا جاء النبي الى الباب فقال: يا ام أيمن، ادعي لي أخي ! قالت: هو اخوك وتنكحه ابنتك ؟ قال: نعم، يا ام أيمن. وسمعن النساء صوت النبي فتخبأن،
واختبأت في ناحية. فجاء علي، فنضح النبي عليه من الماء ودعا له. ثم قال: ادعي لي فاطمة. فجاءته تمشي على استحياء وخجل، فقال لها رسول الله: اسكني (اي اطمئني) فقد أنكحتك أحب أهل بيتي الي. ثم نضح النبي عليها من الماء ودعا لها، ثم رجع. فرآني بين يديه فقال: من هذا ؟ قلت: أنا. قال: أسماء ؟ قلت: نعم. قال: جئت تكرمين فاطمة بنت رسول الله في زفافها ؟ قلت: نعم. فدعا لي (1). وحدث سبط ابن الجوزي في " تذكرة الامة " عنه عن الخطيب القزويني صاحب " المناقب " وبسنده عن عبد الرزاق عن معمر بن راشد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد عن ابن عباس قال: لما زوج رسول الله فاطمة من علي (عليهم السلام)
(1) الطبقات 8: 24 وابن حنبل في الفضائل في موضعين برقمي: 958 و 1342 والدولابي في الذرية الطاهرة: 96، 97 وعنه في كشف الغمة 1: 366 وعنه في بحار الأنوار 43: 137 والبحراني في العوالم 11: 168. ويبدو لي أن هذا النص هو الاصل فيما مر عن الخوارزمي في المناقب والكنجي الشافعي في كفاية الطالب عن ابن عباس، وفيه أن الوليمة كانت من النبي خلافا للسنة، وفيه تجاهل للفاصل الزمني الطويل: عشرة أشهر بين عقد الزواج والزفاف، بل تجاهل للعقد أصلا وبلا ائتمار من الزهراء (عليها السلام)، ومستبعدات اخر أيضا، فراجع. (*)
[ 219 ]
قالت له: يا رسول الله، زوجتني من عائل لا شئ له ؟ فقال لها رسول الله: أما ترضين أن يكون الله اطلع على أهل الأرض فاختار منهم رجلين: أحدهما: أبوك، والآخر بعلك ؟ ! ثم علق عليه فقال: قد تكلموا في هذا الحديث وقالوا: رواه عبد الرزاق
وكان منسوبا الى التشيع ! ثم قال: وقد ذكرنا أن عبد الرزاق هذا من كبار العلماء وأنه شيخ أحمد بن حنبل وقد أخرج عنه الشيخان في الصحيحين، فلا يلتفت الى من تكلم فيه لغرض فاسد ! (1). غزوة السويق (2): روى ابن اسحاق بسنده عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري: أن أبا سفيان حين رجع الى مكة، ورجعت فلول المنهزمين من قريش من بدر، نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة (3) حتى يغزو محمدا - صلى الله عليه (وآله) وسلم -. فخرج في أربعين راكبا (4) أو مئتين، ليبر يمينه. فسلك الطريق النجدية (صحراء نجد) حتى نزل على قناة الى جبل ثيب، على نحو بريد (5) من المدينة.
(1) تذكرة الامة: 308، 309. (2) السويق: قمح أو شعير يقلى ثم يطحن زادا للمسافر يخلطه بلبن أو بسمن أو عسل أو ماء فيأكله. وسميت الغزوة به لكثرة ما طرح منه المشركون في انصرافهم يتخففون منه. (3) كان الاغتسال من الجنابة من بقايا الحنيفية الابراهيمية في الجاهلية، كما قاله في الروض الانف. (4) كما عن محمد بن كعب القرظي في الواقدي 1: 47. (5) تساوي 22 كيلومترا. (*)
[ 220 ]
ثم خرج ليلا حتى أتى الى حيي بن أخطب من رؤوس بني النضير، فطرق عليه بابه، فخافه وأبى أن يفتح عليه، فانصرف عنه الى سلام بن مشكم صاحب كنزهم (1) فأذن له وسقاه وقراه وأعلمه بأسرار الأخبار ثم رجع الى أصحابه. ثم بعث رجالا من قريش الى ناحية العريض من المدينة، فوجدوا بها
رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما، فقتلوهما وحرقوا حرثهما أو صغار النخل، ثم رجعوا. فاستعمل رسول الله على المدينة أبا لبابة بشير بن عبد المنذر (كما كان من قبل) ثم خرج في طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر (بناحية المعدن تبعد عن المدينة ثمانية برد) وفاته أبو سفيان وأصحابه، فرجع. فقال أصحابه: أنطمع أن تكون لنا غزوة ؟ قال: نعم. فسموها: غزوة السويق، لأنهم رأوا سويقا كثيرا قد طرحه المشركون يتخففون منه ليسرعوا هربا. وكان ذلك في ذي الحجة (2). يوم الأحد لخمس ليال خلون من ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا، فغاب خمسة أيام (3) ومعنى هذا أنه (صلى الله عليه وآله) رجع الى المدينة ليلة عيد الأضحى. عيد الأضحى: وفي عيد الأضحى روى النميري البصري بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كان أول أضحى رآه المسلمون صبيحة عشر من ذي الحجة
بعد ما رجعنا من بني قينقاع وذبحنا في بني سلمة، فعددت سبع عشرة اضحية (1). وقال اليعقوبي: وضحى رسول الله بالمدينة، وخرج بالناس الى المصلى.. وكانت العنزة بين يديه، وذبح بالمصلى شاة أو شاتين بيده، ومضى من طريق ورجع من اخرى (2). وفاة عثمان بن مظعون:
قال الطبري: وفي ذي الحجة من هذه السنة مات عثمان بن مظعون، فدفنه رسول الله بالبقيع وجعل عند رأسه حجرا علامة لقبره (3). روى ابن عبد البر في " الاستيعاب " عن عائشة قالت: إن النبي قبل عثمان ابن مظعون وهو ميت وهو يبكي وعيناه تهراقان (4). وروى ابن شبة النميري في " تاريخ المدينة " بسنده عن عمر المخزومي قال: كان عثمان بن مظعون من أول من مات من المهاجرين. فقالوا: يا رسول الله أين ندفنه ؟ قال: بالبقيع. ولحد له رسول الله، وفضل حجر من حجارة لحده فحمله رسول الله فوضعه عند رجليه (5).
(1) تاريخ المدينة 1: 137، 138 ونقله الطبري 2: 481 عن الواقدي: وليس في المغازي فلعله في سيرته. (2) تاريخ اليعقوبي 2: 46 ومثله الطبري 2: 481 والمسعودي في التنبيه والاشراف: 207 وعن الطبري الجزري في الكامل 2: 98 وعنه في بحار الأنوار 20: 8. (3) الطبري 2: 485 وعنه في الكامل 2: 98 وعنه في بحار الأنوار 20: 8. (4) الاستيعاب 3: 85. (5) تاريخ المدينة 1: 101، 102 وتمامه: فلما ولي مروان بن الحكم المدينة مر على ذلك الحجر = (*)
[ 222 ]
وروى بسنده عن المطلب بن عبد الله عن رجل من الصحابة قال: لما دفن النبي عثمان بن مظعون قال لرجل: هلم تلك الصخرة أضعها على قبر أخي أتعلمه بها، أدفن إليه من دفنت من أهلي. فقام الرجل إليها فلم يقدر عليها. فكأني أنظر الى بياض ساعدي رسول الله احتملها حتى وضعها عند قبره (1). وروى الكليني في " فروع الكافي " بسنده عن الصادق (عليه السلام) قال: لما مات عثمان بن مظعون سمع النبي امرأته تقول: يا أبا السائب هنيئا لك الجنة. فقال
النبي: وما علمك ؟ حسبك أن تقولي: كان يحب الله ورسوله (2). وروى النميري البصري عن قدامة بن موسى قال: كان في البقيع (شجر) غرقد، فلما مات عثمان ودفن بالبقيع قال رسول الله للموضع الذي دفن فيه: هذه الروحاء وأشار الى جهة الطريق من دار محمد بن زيد الى زاوية عقيل بن أبي طالب. ثم أشار الى ناحية اخرى وقال: وهذه من الروحاء، وأشار الى جهة الطريق من دار محمد بن زيد الى أقصى البقيع يومئذ (3).
= فأمر به أن يرمى وقال: والله لا يكون على قبر عثمان بن مظعون حجر يعرف به. فقالوا: عدت الى حجر وضعه النبي فرميت به ؟ ! بئس ما عملت، فأمر به فليرد. فقال: أم والله إذ رميت به فلا يرد ! ولعله لأنه قتل رجلا وأسر آخر في بدر !. (1) تاريخ المدينة 1: 102. (2) فروع الكافي 1: 72. والغريب أن الحميري في قرب الاسناد: 7 بسنده عن الباقر (عليه السلام) والصدوق في الخصال 2: 37 بسنده عن الصادق (عليه السلام) رويا: أن عثمان تزوج ام كلثوم فماتت ولم يدخل بها، فلما ساروا الى بدر زوجه رسول الله رقية.. وهذا يخالف مسلمات التاريخ والسيرة، وفي طريق الأول هارون وفي الثاني علي بن أبي حمزة البطائني فلعل الخلل منهما. وسيأتي وفاة ام كلثوم أيضا فيما بعد هذا. (3) تاريخ المدينة 1: 100. (*)
[ 223 ]
وفاة رقية بنت الرسول: روى ابن اسحاق مرسلا عن اسامة بن زيد قال: إن رسول الله بعث أبي زيد بن حارثة من بدر الى أهل السافلة (من المدينة) بشيرا بما فتح الله عليه.. وكان رسول الله قد خلفني مع عثمان بن عفان على رقية ابنته التي كانت عند عثمان، فأتاه الخبر حين سوينا التراب عليها (1).
بينما روى الواقدي: أن رسول الله عرض عسكره في بيوت السقيا حين خرج الى بدر فردا اسامة بن زيد فيمن رده لصغره، ولم يرو أنه خلفه على ابنته رقية مع عثمان بن عفان (2) بل روى رده في احد أيضا (3) وتوفي رسول الله واسامة ابن تسع عشرة سنة (4) بل كان أول ما قدم المدينة غلاما يسيل مخاطه على فيه فتتقذر منه عائشة حتى غسل وجهه رسول الله (5) هذا وغزوة بدر في منتصف الثانية من الهجرة فكيف يكون قد خلفه النبي مع عثمان على أمر رقية ؟ ! وانما راوي الخبر الزهري عن عروة عن اسامة بن زيد (6) أو النميري البصري بسنده عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن جده (7) ولم يذكروا متى خلفه رسول الله على ابنته رقية، ولم يذكروا عثمان فيمن رده الرسول من الطريق، اللهم الا ما رواه النميري البصري في " تاريخ المدينة " مرسلا: أن عبد الرحمان بن عوف عتب على
(1) سيرة ابن هشام 2: 296. (2) مغازي الواقدي 1: 21. (3) مغازي الواقدي 1: 216. (4 و 5) مغازي الواقدي 3: 1125. (6) وفاء الوفاء 2: 86. (7) تاريخ المدينة 1: 103. (*)
[ 224 ]
عثمان فذكر أنه شهد بدرا ولم يشهدها عثمان. فأرسل إليه عثمان: اني قد خرجت للذي خرجت له فردني رسول الله من الطريق الى بنته التي كانت تحتي ! لما بها من المرض، فوليت من بنت رسول الله الذي يحق علي حتى دفنتها، ثم لقيت رسول الله منصرفه من بدر فبشرني بأجري وأعطاني سهما (1). وقبله نقله الواقدي مرسلا أيضا فقال: ويقال: كان بين عثمان وعبد الرحمان
كلام فأرسل عبد الرحمان الى الوليد بن عقبة فدعاه وقال له: اذهب الى أخيك (من الرضاعة) فبلغه عني ما أقول لك، فاني لا أعلم أحدا يبلغه غيرك ! قل له: يقول لك عبد الرحمان: شهدت بدرا ولم تشهد.. فجاءه فأخبره فقال عثمان: صدق أخي ! تخلفت عن بدر على ابنة رسول الله وهي مريضة، فضرب رسول الله بسهمي وأجري (2). وليس فيه أن رسول الله رده من الطريق، ولا أنه دفنها يومئذ، وكذلك فيما رواه ابن حنبل عن عبد الله بن عمر في " المسند " (3) بل والبخاري في " الجامع الصحيح " (4) واذ كان ابن عوف حاضرا في بدر وعند ضرب سهامها وتقسيمها فكيف لم يعرف ذلك لعثمان ؟ ! وثمة رواية اخرى تقول: انه تخلف عن بدر لانه كان مريضا بالجدري (5).
(1) تاريخ المدينة 1: 104. (2) مغازي الواقدي 1: 278. (3) مسند أحمد 1: 68 و 2: 101. (4) صحيح البخاري 6: 122. (5) السيرة الحلبية 2: 141 و 185. وروى الواقدي 1: 131: عن ابن جريج في قوله سبحانه: * (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وان فريقا من المؤمنين لكارهون. = (*)
[ 225 ]
وقد روى ابن سعد في " الطبقات " بسنده عن ابن عباس - وأهل البيت أدرى بالبيت - قال: لما ماتت رقية بنت رسول الله، قال رسول الله الحقي بسلفنا الخير عثمان بن مظعون. وبكى النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه ! فأخذ النبي بيده وقال: دعهن يا عمر ! ثم قال للنساء: اياكن ونعيق الشيطان، فانه مهما يكن من العين
والقلب فمن الله ومن الرحمة، ومهما يكن من اليد واللسان فمن الشيطان. فجلست فاطمة على شفير القبر وبكت، وجعل النبي يمسح دموعها بثوبه (1). ومن قبله نقله شيخه الواقدي ولكنه علق عليه بقوله: هذا وهم.. لأن الثبت أن رقية ماتت ببدر. ولعلها غيرها من بناته، أو يحمل على أنه أتى قبرها بعد بدر (2) وفات الواقدي أن نص الخبر لا يحتمل هذا التأويل: لما ماتت رقية بنت رسول الله قال.. وقد روى الخبر الكليني في " فروع الكافي " بسنده عن أحدهما (عليهما السلام) قال: لما ماتت رقية ابنة رسول الله قال رسول الله: الحقي بسلفنا
= يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون الى الموت وهم ينظرون) * قال: كره خروج رسول الله الى بدر أقوام من أصحابه قالوا: نحن قليل، وما الخروج برأي. وقال قبل ذلك 1: 21: وكان من تخلف لم يلم لأنهم ما خرجوا على قتال وانما خرجوا للعير ! وتخلف قوم من أهل البصائر والنيات لو ظنوا أنه يكون قتال ما تخلفوا. هذه وجوه ثلاثة: الجدري، وظن الغنيمة، وكراهية القتال، ولعل تخلف عثمان من أحدها. (1) الطبقات 8: 24، 25. (2) الاصابة 4: 297 وبه قال السمهودي في وفاء الوفاء ورواه النميري البصري في تأريخ المدينة 1: 102 عن غير ابن سعد والواقدي. (*)
[ 226 ]
الصالح عثمان بن مظعون وأصحابه. وكانت فاطمة على شفير القبر تنحدر دموعها، ورسول الله قائم يتلقاها بثوبه ويدعو لرقية ثم قال: سألت الله عزوجل أن يجيرها من ضمة القبر (1). وفيه بسنده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام): أيفلت من ضغطة القبر أحد ؟ قال: نعوذ بالله منها، ما أقل من يفلت من ضغطة القبر، إن
رقية لما قتلها (2) عثمان وقف رسول الله (صلى الله عليه وآله) على قبرها فرفع رأسه الى السماء ودمعت عيناه وقال: اللهم هب لي رقية من ضمة القبر. فوهبها الله له فقال للناس: إني ذكرت هذه وما لقيت، فرققت لها واستوهبتها من ضمة القبر (3). أما تاريخ وفاتها: فقد تبين مما مر أنها توفيت بعد عثمان بن مظعون، وحيث نصوا على وفاته في ذي الحجة فهي كذلك بعده، كما نص عليه النووي (4) الا أن ابن قتيبة دقق فقال: توفيت لسنة وعشرة أشهر وعشرين يوما من مقدمه المدينة (5) أي في العشرين من شهر محرم الحرام أواخر السنة الثانية للهجرة أو أول الثالثة. وعن سبب وفاتها روى النميري البصري عن الزهري قال: أصابتها الحصبة (6).
(1) فروع الكافي 1: 66. (2) وروى النميري البصري عن الزهري قال: أصابتها الحصبة 1: 104. (3) فروع الكافي 1: 64 ويروي خبرا آخر عنه (عليه السلام) في منع عثمان عن الدخول في قبرها، وانما فيها: بنت رسول الله وليس فيها اسم رقية ولا ام كلثوم ولكنها تشتمل على حوادث ما بعد خيبر ولذلك فهي واخرى عن خرائج الراوندي في ام كلثوم وليس رقية، وسيأتي فيما بعد وفاة ام كلثوم. (4) تاريخ الخميس 1: 406. (5) ذخائر العقبى: 163. (6) تاريخ المدينة 1: 104. (*)
[ 227 ]
أهم حوادث السنة الثالثة للهجرة
[ 229 ]
وقعة ذي قار:
قال اليعقوبي: وكان يوم ذي قار بعد وقعة بدر بأشهر أربعة أو خمسة، إذ حاربت ربيعة كسرى وقالوا: عليكم بشعار التهامي، فنادوا: يا محمد يا محمد، فقتلوا من جيوش كسرى حتى هزموهم، فلما بلغ ذلك رسول الله قال: اليوم أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا (1). وقال المسعودي: كان الوقعة بذي قار بين بكر بن وائل (من ربيعة) وعليهم حنظلة بن سيار.. وبين الجيش الذي أرسله إليهم الملك خسرو پرويز عليهم الهامرز. وذلك لما امتنع هانئ بن قبيصة الشيباني من تسليم ما كان النعمان بن المنذر اللخمي ملك الحيرة أودعه إياه من أهله وماله وسلاحه قبل قتل كسرى إياه. فاقتتلوا قتالا شديدا فهزمت الفرس ومن كان معها من العرب من تغلب
(1) اليعقوبي 2: 46. (*)
[ 230 ]
وعليها بشر بن سوادة التغلبي، وطئ وعليها إياس بن قبيصة الطائي، وضبة وتميم وعليهما عطارد بن حاجب، والنمر وعليها أوس بن الخزرج النمري، وبهراء وتنوخ وغيرهم من العرب.. فلما بلغه ظهورهم على العجم قال: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا (1) وكأن المسعودي يرى أن تمجيد الرسول لهم لوفائهم وحفظهم لوديعتهم وأمانتهم، لأنهم عرضوا أموالهم للزوال، وأنفسهم للقتل وحرمهم للسبي دون أن يضيعوا وديعتهم وأمانتهم (2). وذكر الوقعة في " مروج الذهب " مرة في أيام خسرو پرويز من ملوك الساسانيين، وفيها قال: وفي رواية أنها كانت بعد وقعة بدر بأشهر - أو بأربعة أشهر - ورسول الله بالمدينة، وهو اليوم الذي قال فيه النبي (صلى الله عليه وآله): " هذا أول يوم
انتصفت فيه العرب من العجم، ونصرت عليهم بي " وكانت بين بكر بن وائل والهرمزان صاحب كسرى پرويز. ثم قال: وقد أتينا على هذه الأخبار بالشرح والإيضاح في " الكتاب الأوسط " (3). ومرة اخرى في ملوك الحيرة بشأن النعمان بن المنذر اللخمي قال: حين أراد المضي إلى كسرى مر على بني شيبان فأودعهم سلاحه وعياله عند هانئ بن مسعود الشيباني، فلما قضى كسرى على النعمان بعث إلى هانئ بن مسعود وطالبه بتركته، فامتنع وأبى أن يخفر الذمة، فكان ذلك السبب الذي أهاج حرب ذي قار. وقد أتينا على ذلك في " الكتاب الأوسط " (4).
وقد مر عن " التنبيه والإشراف " أن هانئا هو ابن قبيصة الشيباني، وقد روى الطبري عن معمر بن المثنى عن فراس بن خندق أنه: هانئ بن مسعود، ثم قال أبو عبيدة المثنى: قال بعضهم: إن هانئ بن مسعود لم يدرك هذا الأمر، وانما هو هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود، ثم قال: وهو الثبت عندي (1) والمسعودي في " التنبيه والإشراف " أشرف به على سائر كتبه السابقة ونبه به عليها، فلعل هذا أيضا من موارد التنبيه (2). غزوة قرقرة الكدر (3): مر أن ابن اسحاق ذكرها بعد رجوع الرسول من بدر باسبوع، والطبري نقل تحديد الخروج إليها في غرة شوال بعد الزوال، ولكن الواقدي قال: للنصف
من المحرم على رأس ثلاثة وعشرين شهرا، وغاب فيها خمس عشرة ليلة. ثم روى عن يعقوب بن عتبة قال: بلغ رسول الله أن بقرارة الكدر جمعا من بني سليم وغطفان (على العدوان) فاستخلف على المدينة عبد الله بن ام مكتوم يصلي بهم، ثم سار إليهم بمئتي رجل حتى أخذ عليهم الطريق، فرأى آثار النعم ومواردها ولم يجد في المجال أحدا، فأرسل نفرا من أصحابه الى أعلى الوادي.. فوجدوا - كما عن أبي أروى الدوسي - خمسمئة بعير يرعاها غلام يسمى يسار،
(1) الطبري 2: 206. (2) وننبه هنا الى أننا قد أوردنا خبر ذي قار في أوائل الكتاب، ولكني رجحت ذكره هنا لما ترجح عندي من العلاقة بين قولهم: نادوا بشعار التهامي فنادوا: يا محمد يا محمد، وبين قوله: وبي نصروا، وهذا أنسب أن يكون بعد بدر لا قبله. (3) قرقرة الكدر: بناحية معدن بني سليم قريب من الاخضية وراء سد معونة ثمانية برد عن المدينة = 176 كيلومترا. (*)
[ 232 ]
فساقوها في بطن الوادي، واستقبلهم رسول الله في بطن الوادي فسألهم عن الناس فقال يسار: انما أنا في النعم والناس قد ذهبوا الى المياه ولا علم لي بهم. فاغتنم النعم النبي، واسترق العبد وانحدر الى المدينة، فلما صلى الصبح رأى العبد يصلي، فتقبله عن سهمه في الغنيمة واعتقه. ولما انصرفوا الى صرار - على ثلاثة أميال = 5 كيلو مترات من المدينة - خمس النعم فأخرج خمسها مئة بعير، ثم قسم أربعة أخماسها على المسلمين فأصاب كل رجل منهم بعيران بعيران (1). بينما قال ابن اسحاق: لما رجع رسول الله من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجة ثم غزا نجدا يريد غطفان.. فأقام بها صفرا كله ولم يلق كيدا، ثم رجع الى المدينة. وقال: وهي غزوة ذي أمر (2) بينما قال الواقدي:
غزوة ذي أمر: على رأس خمسة وعشرين شهرا خرج رسول الله يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع، فغاب أحد عشر يوما (3). والواقدي أتم واكمل من ابن اسحاق في تاريخ الحوادث بصورة عامة، ولكن هذا التاريخ من التواريخ التي علينا أن نتأمل فيها، فانه سيقول في تاريخ إرسال الرسول السرية لقتل كعب بن الاشرف: إنه مشى معهم حتى أتى البقيع ثم وجههم في ليلة أربع عشرة من ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا (4) بينما
(1) مغازي الواقدي 1: 182، 184. (2) ابن هشام 3: 49. وذو أمر: واد قرب قرية النخيل على ثلاث مراحل = برد = 67 كيلو مترا من المدينة الى طريق فيد، كما في وفاء الوفاء 2: 249. (3) مغازي الواقدي 1: 193. (4) مغازي الواقدي 1: 189. (*)
[ 233 ]
لا يمكن أن يرافق النبي محمد بن مسلمة في الطريق بعد خروجه (لذي أمر) بيومين (1). ونجده في تاريخه لغزوة بني سليم ببحران بناحية الفرع يقول: لليال خلون من جمادى الاولى.. ثم يروي عن الزهري أن غيبته فيها كانت عشر ليال (2) وهذا يقرب من نص ابن اسحاق إذ قال: فأقام بها (من) شهر ربيع الآخر وجمادى الاولى ثم رجع الى المدينة (3). فلو كان خروجه لغزوة ذي أمر - كما قال الواقدي - في الثاني عشر من ربيع الأول تنافي ذلك مع مشايعته لسرية قتل ابن الأشرف في الرابع عشر منه، مع وجود التسالم على تاريخ مقتله ذلك، وعليه فلو أثبتنا تأريخ مقتل ابن الأشرف
واحتملنا في تاريخ الواقدي لغزوة ذي أمر أن " ربيع " في نصه هو " ربيع الآخر " لا الأول، وكانت غيبته فيها أحد عشر يوما بعد الثاني عشر منه تقارب بل تقارن رجوعه منها مع خروجه لغزوة بحران بناحية الفرع، مما يبعد أيضا. فيغلب في الظن أن نرجح هنا رواية ابن اسحاق: بأن غزوة ذي أمر كانت في شهر صفر، سيما مع خلوه من ذكر غزوة غيرها فيه أو سرية سواها، ولا سيما مع سلامة روايته من المعارض. الا أننا نأخذ تفصيل الرواية من الواقدي، إذ تخلو رواية ابن اسحاق عن ذلك. روى الواقدي عن جمع قالوا: بلغ رسول الله أن رجلا من بني محارب يدعى دعثور بن الحارث جمع جمعا منهم ومن ثعلبة بذي أمر يريدون أن يصيبوا
(1) مقدمة المحقق: 32. (2) مغازي الواقدي 1: 197. (3) سيرة ابن هشام 3: 50. (*)
[ 234 ]
من أطراف رسول الله. فندب رسول الله المسلمين فخرج في أربعمئة وخمسين رجلا، فأخذ على المنقى ثم مضيق الخبيت (على بريد = 22 كيلومترا من المدينة) ثم خرج الى ذي القصة (الى جهة نجد) فأصابوا بها رجلا من بني ثعلبة يدعى جبارا فأدخلوه على رسول الله فدعاه الى الاسلام فأسلم، فقالوا له: هل بلغك لقومك خبر ؟ قال: لا، الا أنه بلغني أن دعثور بن الحارث قد اعتزل في اناس من قومه وإنهم إن سمعوا بمسيرك هربوا في رؤوس الجبال ولن يلاقوك، وأنا سائر معك ودالك على ثغراتهم. فضمه النبي الى بلال، وخرج بهم فأخذ طريقا أهبطهم من كثب، فلما رآه اولئك الأعراب هربوا منه فوق الجبال، فلم يلاق النبي منهم أحدا، الا أنه يراهم
ويرونه من فوق الجبال (1). ونزل رسول الله وعسكر في معسكرهم، ثم ذهب لحاجته فأصابه مطر فبل ثوبه فنزع ثيابه ونشرها على شجرة لتجف واضطجع تحتها ينتظر جفافها. فقال الاعراب لسيدهم دعثور: ها قد انفرد محمد من أصحابه بحيث إذا استغاث بهم لا يغيثوه حتى تدركه فتقتله ! فقد امكنك محمد ! فاختار من سيوفهم سيفا صارما واشتمل عليه وأقبل حتى قام على رأس النبي شاهرا سيفه وقال: يا محمد ! من يمنعك مني اليوم ؟ ! قال رسول الله: الله، واندفع ووقع السيف من يده، فأخذه رسول الله وقام به عليه وقال: وأنت من يمنعك مني ؟ قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله، والله لا اكثر عليك جمعا أبدا ! فأعطاه رسول الله سيفه فأخذه وأدبر حتى أتى قومه،
(1) ونقل قريبا منه ابن الأثير في الكامل 2: 99 وعنه في بحار الأنوار 20: 9 وقال: وكان مقامه اثنتي عشرة ليلة. (*)
[ 235 ]
فقالوا: قد أمكنك والسيف في يدك فأين ما كنت تقول ؟ قال: والله كان ذلك، ولكني نظرت الى رجل أبيض طويل دفع في صدري فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملك، وشهدت أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله، والله لا اكثر عليه، وجعل يدعو قومه الى الاسلام (1). ومن الحوادث في هذا الشهر الربيع من هذه السنة الثالثة: أن عثمان خطب من عمر ابنته حفصة - بعد وفاة زوجها خنيس بن حذافة السهمي (2) - فأبى عمر أن يزوجه فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فخطبها وتزوجها (3)، وعوض عثمان عنها وعن ابنته رقية بابنته الاخرى ام كلثوم فزوجها اياه (4) بعد أن كان عمر وأبو بكر قد خطباها فلم يزوجهما (5) ولعله لكبرهما، ولعله زوجها عثمان لتكون لابن اختها
عبد الله بن عثمان من رقية كامه (6). سرية قتل ابن الأشرف: مر أن كعب بن الأشرف النبهاني الطائي لما رأى سراة قريش ببدر أسرى بالمدينة لم يتحمل ذلك دون أن خرج الى قريش بمكة ليبكي قتلاهم فيحثهم بذلك
(1) مغازي الواقدي 1: 193 - 196 ونقله الطبرسي في اعلام الورى 1: 173، 174 بلفظ الواقدي بلا اسناد، وصدره في مناقب آل أبي طالب 1: 190. (2) هو اخو خارجة بن حذافة مدير شرطة عمرو بن العاص السهمي والذي قتل بدلا عنه بيد الخوارج المتأمرين على علي (عليه السلام) ومعاوية وعمرو. (3) وسيأتي التفصيل عن زواجه بها قبل شهر رمضان. (4) ذخائر العقبى: 165 والمواهب اللدنية 1: 197 عن الخجندي. (5) مستدرك الحاكم 4: 49. (6) تاريخ المدينة المنورة لابن شبة 3: 952. (*)
[ 236 ]
ليخرجوا للانتقام من المسلمين فيخرج معهم، فخرج حتى قدم مكة على أبي وداعة بن ضبيرة السهمي، وزوجته عاتكة بنت اسيد بن أبي العيص بن امية بن عبد شمس، فجعل ينشد الأشعار ويبكي للذين اصيبوا من قريش ببدر ويحرض على رسول الله (1). فدعا رسول الله حسان بن ثابت (2) فأخبره بنزول كعب على عاتكة بنت اسيد وأن يهجوها، فقال حسان: ألا أبلغوا عني اسيدا رسالة * فخالك عبد بالسراب مجرب لعمرك ما أوفى اسيد بجاره * ولا خالد، لا والمفاضة زينب (3) وعتاب عبد غير موف بذمة * كذوب، شؤون الرأس، قرد مدرب !
فلما بلغها هجاؤه قالت لزوجها: ما لنا ولهذا اليهودي ؟ ! ألا ترى ما يصنع بنا حسان ؟ ! ونبذت رحله ! فتحول عنهم الى غيرهم، وكلما كان يتحول الى قوم كان رسول الله يدعو حسان فيخبره بنزول كعب على فلان، فلا يزال حسان يهجوهم حتى يخرجوه من عندهم، وحتى لم يجد مأوى في مكة، فرجع الى المدينة. فلما بلغ النبي قدوم ابن الأشرف قال: اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت في إعلانه الشر وقوله الأشعار (4).
(1) ابن هشام 3: 55 ومغازي الواقدي 1: 187. (2) وهذا أول مورد ورد فيه ذكر حسان شاعرا للرسول بالمدينة. (3) اسيد أبو عاتكة، وخالد لعله اسم أبي العيص، وزينب امه أو ام عاتكة، والمفاضة: المرأة الضخمة البطن ! (4) مغازي الواقدي 1: 186، 187. (*)
[ 237 ]
ثم روى ابن اسحاق عن عبد الله بن المغيث بن أبي بردة الظفري (عن أبيه عن جده) قال: رجع ابن الأشرف الى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم. فقال رسول الله لأصحابه: من لي بابن الأشرف ؟ فقال محمد بن مسلمة (الأوسي) وكان أخا ابن الاشرف من الرضاعة: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله. قال: فافعل ان قدرت على ذلك. فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثة أيام لا ياكل ولا يشرب الا ما يحفظ به نفسه، فذكر ذلك لرسول الله، فدعاه فقال له: لم تركت الطعام والشراب ؟ فقال:
يا رسول الله قلت قولا لا أدري هل أفين لك به أم لا ؟ فقال: إنما عليك الجهد (1)، وشاور سعد بن معاذ في أمره. فاجتمع محمد بن مسلمة ونفر من الأوس منهم عباد بن بشر بن وقش وأخوه سلكان بن سلامة بن وقش، وكان أخا ابن الأشرف من الرضاعة، والحارث بن أوس، وابو عبس بن جبر.. فقالوا: يا رسول الله، نحن نقتله، فأذن لنا فلنقل (2) فانه لابد لنا منه (3) قال: قولوا ما بدا لكم فانتم في حل من ذلك (4). وقبل أن يذهبوا الى كعب قدموا إليه أخاه من الرضاعة سلكان بن سلامة أبا نائلة وكان يقول الشعر، فخرج إليه وهو في نادي قومه وجماعتهم، وانما كان
(1) ابن هشام 3: 58. (2) يعني القول الكذب والباطل حيلة. (3) مغازي الواقدي 1: 187. (4) ابن هشام 3: 58. (*)
[ 238 ]
سلكان يريد أن يجعل كعبا لا ينكرهم إذا هم جاؤوا بالسلاح، فقال له: حدثت لنا حاجة اليك. فقال كعب: ادن مني فخبرني بحاجتك. فتحدثا ساعة وتناشدا الأشعار، ثم قال كعب: لعلك تحب أن يقوم من عندنا ؟ فلما سمع القوم ذلك قاموا. فقال أبو نائلة: اني كرهت أن يسمع القوم بعض كلامنا فيظنون بنا، كان قدوم هذا الرجل من البلاء علينا، عادتنا به العرب وحاربتنا ورمتنا عن قوس واحدة وتقطعت السبل عنا حتى جهدت الأنفس وضاع العيال ! فقال كعب: أنا ابن الأشرف ! أما والله لقد كنت اخبرك - يابن سلامة - أن الأمر سيصير الى ما أقول.
فقال أبو نائلة: ومعي رجال من أصحابي على مثل رأيي، وقد اردنا أن نأتيك فنبتاع منك طعاما أو تمرا وتحسن في ذلك الينا، ونرهنك ما يكون لك فيه ثقة. قال كعب: أما والله ما كنت احب - يا أبا نائلة - أن أرى بك هذه الخصاصة (1) وأنت أخي ومن اكرم الناس علي.. فماذا ترهنونني، أبناءكم ونساءكم ؟ (2). قال أبو نائلة: لقد أردت أن تفضحنا وتظهر أمرنا ! ولكنا نرهنك من الحلقة (3) ما ترضى به. فقال كعب: وإن في الحلقة لوفاء. وعين الليلة الآتية ميعادا وخرج من عنده.
(1) الجوع. (2) يعلم منه أنه كان أمرا معروفا لديهم غير منكر عندهم ! (3) أصله في حلقات الدروع ثم كناية عن كل سلاح. (*)
[ 239 ]
ورجع سلكان الى أصحابه فأخبرهم خبره، فأجمعوا أمرهم أن يذهبوا إليه على ميعاده. ثم أتوا النبي عشاء في ليلة أربع عشرة من ربيع الأول، وبعد أن صلوا العشاء أخبروه فمشى معهم حتى البقيع ثم قال لهم: امضوا على بركة الله وعونه. ورجع رسول الله الى بيته (1). وروى ابن اسحاق عن عكرمة عن ابن عباس عن محمد بن مسلمة قال: انهم اقبلوا حتى انتهوا الى حصن (2) ابن الأشرف، فهتف به أبو نائلة. فنزل في ملحفته (3) من الحصن، فتحدث معهم وتحدثوا معه، ثم قال له أبو نائلة: هل لك - يابن الأشرف - أن نتماشى الى شعب العجوز (4) فنتحدث. فخرجوا يتماشون (5).
وكان كعب حديث عهد بعرس، وكان جميلا ويتطيب بالمسك والعنبر، وكان شعره جعدا (6) فأدخل أبو نائلة يده في مقدم رأسه ثم شم يده وقال: ما رأيت طيبا أعطر قط ! ثم مشوا، ثم عاد لمثلها، ثم مشوا، ثم عاد لمثلها وأمسك به وقال: اضربوا عدو الله، فضربوه فاختلفت أسيافهم عليه فلم تغن شيئا، وأصاب بعض أسيافنا الحارث بن أوس فجرحه في رجله. قال محمد: فحين رأيت أسيافنا لم تغن شيئا ذكرت مغولا (7) في سيفي فأخرجته ووضعته قرب سرته ثم تحاملت عليه فوقع عدو الله.
(1) مغازي الواقدي 1: 189. (2) يقع هذا الحصن إلى الغرب من جبل قريظة، من طرف العوالي وقربان وقباء، بعد حديقة سد بطحان بأقل من كيلومتر واحد، ولا زالت أطلال قصره ترى واضحة من الشارع، كما ذكره عبد الرحمان خويلد في كتابه: المساجد والأماكن الأثرية المجهولة، وعنه في مجلة ميقات الحج 8: 244. (3) ما يلتحف به من شملة واسعة شاملة، وكأنهم كانوا في غير صيف. (4) موضع بظهر المدينة. (5) ابن هشام 3: 60. (6) مغازي الواقدي 1: 189. (7) سكين صغير. (*)
[ 240 ]
فخرجنا على بني امية بن زيد، ثم على بني قريظة، ثم على بعاث، فصعدنا في حرة العريص (من وادي المدينة) فوقفنا لصاحبنا الحارث بن أوس فأتانا يتبع آثارنا، فاحتملناه فجئنا به رسول الله آخر الليل، فخرج الينا وتفل على جرح صاحبنا (1) فلم يؤذه (2) فأخبرناه بقتل عدو الله.
وأصبحنا وقد خافت اليهود لوقعتنا بعدو الله، فلم يبق بها يهودي الا خاف على نفسه (3). ففزعت اليهود ومن معها من المشركين. فجاؤوا الى النبي حين أصبحوا فقالوا: قد طرق صاحبنا كعب بن الأشرف الليلة (البارحة) وهو سيد من ساداتنا، قتل غيلة بلا جرم ولا حدث علمناه ! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انه لو قر - كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه - ما اغتيل، ولكنه هجانا بالشعر ونال منا الأذى، ولم يفعل هذا أحد منكم الا كان له السيف. ودعاهم رسول الله الى أن يكتب بينهم كتابا ينتهون الى ما فيه. فكتبوا بينهم وبينه كتابا تحت العذق في دار ملة بنت الحارث. فحذرت اليهود وخافت وذلت من يوم قتل ابن الأشرف (4)
(1) ابن هشام 3: 60. (2) مغازي الواقدي 1: 190. (3) ابن هشام 3: 60 وعنه في الكامل 2: 100 والمنتقى: 116 وعنهما في بحار الأنوار 20: 10 - 12. (4) مغازي الواقدي 1: 192 ولم يذكر الكتاب، وروى: أن يهوديا يدعى ابن يامين النضري (من بني النضير) كان يمر على مروان بن الحكم وهو والي المدينة من قبل يزيد أو معاوية، فكان عنده يوما ومحمد بن مسلمة جالس وهو شيخ كبير، إذ قال مروان لابن يامين: يابن = (*)
[ 241 ]
وكتابة الكتاب. غزوة بحران من الفرع: روى الواقدي عن الزهري قال: بلغ رسول الله أن جمعا كثيرا (قد اجتمع عليه) من بني سليم في بحران. فتهيأ رسول الله لذلك، ولم يبد وجها خاصا،
واستخلف على المدينة ابن ام مكتوم. ثم خرج في ثلاثمئة رجل من أصحابه، فأسرعوا السير حتى إذا كانوا دون بحران بليلة لقوا رجلا من بني سليم فاستخبروه عن اجتماع القوم فأخبرهم: أنهم قد افترقوا ورجعوا إلى مائهم. فسار النبي حتى ورد بحران فإذا ليس به أحد، فأقام أياما ولم يلق كيدا فرجع. وكانت غيبته عشر ليال. قال الواقدي: كانت الغزوة لليال خلون من جمادى الاولى (1).
= يامين كيف ترى كان قتل ابن الأشرف ؟ قال ابن يامين: كان غدرا ! فلم ينكر عليه مروان ! فقال محمد بن مسلمة: يامروان ! أيغدر رسول الله عندك ؟ والله ما قتلناه الا بأمر رسول الله، والله لا يؤويني واياك سقف بيت الا المسجد. ثم التفت الى ابن يامين وقال له: وأما أنت يابن يامين فلله علي إن أفلت وقدرت عليك وفي يدي السيف الا ضربت به رأسك ! وفي يوم من الأيام كان محمد بن مسلمة في تشييع جنازة بالبقيع، وبالبقيع ابن يامين أيضا ورآه محمد بن مسلمة فقام الى نعش عليه جرائد رطبة فحله وقام الى إبن يامين فلم يزل يضربه بها وكلما تنكسر جريدة يضربه بجريدة أخرى حتى كسر تلك الجرائد على رأسه ووجهه ثم قال: والله لو قدرت على السيف لضربتك به، ثم أرسله ولا قدرة به ! (1) مغازي الواقدي 1: 196، 197 وفي نسخة اخرى: جمادى الآخرة، ويرجح الاولى ما = (*)
[ 242 ]
سرية القردة (1): قال الواقدي: خرج فيها زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله أميرا، لهلال جمادى الآخرة. ثم حدث بحديثها عن محمد بن الحسن بن اسامة بن زيد عن أبيه عن جده قال:
قدم من مكة الى المدينة نعيم بن مسعود الأشجعي وهو على دين قومه، فنزل على كنانة بن أبي الحقيق من بني النضير.. وكان سليط بن النعمان بن أسلم يذهب إليه، فشربوا عنده - ويومئذ لم تحرم الخمر - فذكر نعيم خروج صفوان بن امية الجمحي بعير قريش وما معه من الأموال: ثلاثمئة مثقال ذهب وقطع مذابة من الفضة وآنية فضة بوزن ثلاثين الف درهم وبضائع اخرى، في رجال من قريش منهم حويطب بن عبد العزى وعبد الله بن أبي ربيعة، وأنهم خرجوا على ذات عرق (2). فخرج سليط بن النعمان بن أسلم من ساعته الى النبي فأخبره خبره. فأرسل رسول الله زيد بن حارثة في مئة راكب، فاعترضوا لها، فأصابوا العير وأفلت أعيان القوم وأسروا رجلا هو فرات بن حيان العجلي،
= في ابن هشام 3: 50 وأن الواقدي بعد بحران يذكر سرية القردة في أول هلال جمادى الآخرة، وعنهما في الكامل 2: 99 وعنه في بحار الأنوار 20: 9. (1) القردة: طريق نجد الى العراق الى ناحية ذات عرق بعد الربذة وقبل الغمرة كما في الطبقات 2: 24. (2) ذات عرق: من منازل الطريق الى العراق وهو الحد بين نجد وتهامة كما في معجم البلدان 6: 154. (*)
[ 243 ]
وكان من حديثه: أن صفوان بن امية قال يوما لأصحابه: نحن في دارنا هذه ان أقمنا ناكل من رؤوس أموالنا فما لنا بها من نفقات، وانما نزلناها على التجارة في الصيف الى الشام وفي الشتاء الى أرض الحبشة، وإن محمدا وأصحابه قد عوروا علينا طريق تجارتنا على الساحل الى الشام لا يبرحونه وقد وادعوا أهله ودخل عامتهم
معهم، فما ندري أين نسلك ؟ فقال له الأسود بن المطلب: فنكب عن الساحل وخذ طريق العراق. قال صفوان: لست عارفا بها. قال الأسود: فأنا أدلك على أخبر دليل بها يسلكها وهو مغمض العين ! وهو فرات بن حيان العجلي. فرضي به صفوان، فأرسل إليه فجاءه. فقال له صفوان: اني اريد الشام، وطريق عيرنا على محمد وقد عوره علينا محمد، فاردت طريق العراق ؟ قال فرات: فأنا أسلك بك في طريق العراق، وليس يطأها أحد من أصحاب محمد. فتجهزوا وخرجوا. فلما أصابوهم، وقدموا بالعير على النبي خمسها فكان خمسها قيمة عشرين الف درهم، وقسم ما بقي على أهل السرية. وقيل لفرات بن حيان: إن تسلم نتركك من القتل، فأسلم، فتركوه (1).
(1) مغازي الواقدي 1: 197: 198 واختصر الخبر ابن اسحاق وقال: كان فيها أبو سفيان ابن حرب 3: 53 ونقل الطبري مختصر خبر الواقدي عنه وذكر فيه صفوان وأبا سفيان كليهما 2: 492، 493 ويبدو أنه نقله عن سيرة الواقدي لا المغازي. واختصر خبرهما الطبرسي في اعلام الورى 1: 174 - 175. (*)
[ 244 ]
زفاف ام كلثوم إلى عثمان: وفي حوادث هذه السنة الثالثة في شهر جمادى الثانية نقل الطبري عن الواقدي قال: إن ام كلثوم بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) زفت الى عثمان بن عفان، وكان قد تزوجها بعد وفاة اختها رقية بثلاثة أشهر في ربيع الأول من هذه السنة (1). ام شريك تهب نفسها للنبي:
وفي شهر رجب الحرام لم يذكر عنه (صلى الله عليه وآله) أمر من قتال وغيره. وفي أزواج رسول الله بعد خديجة ثم سودة ثم عائشة عد اليعقوبي: ام شريك غزية بنت دودان العامرية، وقال: وهبت نفسها للنبي. ثم عد حفصة بنت عمر (2). وقال الطوسي في " التبيان ": روي عن علي بن الحسين: أن المرأة التي وهبت نفسها للنبي هي امرأة من بني أسد يقال لها ام شريك (3). ونقله في " مجمع البيان " بزيادة قال: عن علي بن الحسين (عليه السلام) والضحاك وقتادة قالوا: هي امرأة من بني أسد يقال لها ام شريك بنت جابر. وقيل: انها لما وهبت نفسها للنبي (صلى الله عليه وآله) قالت عائشة: ما بال النساء يبذلن أنفسهن بلا مهر ؟ ! فنزلت الآية: * (يا أيها النبي انا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت اجورهن وما
(1) الطبري 2: 491 عن الواقدي وليس في مغازي الواقدي فلعله عن السيرة. وعن الطبري في الكامل 2: 100 والمنتقى 116 وعنه في بحار الأنوار 20: 12. (2) اليعقوبي 2: 84. (3) التبيان 8: 352. (*)
[ 245 ]
ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكي لا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما) * (1). فقالت عائشة: ما أرى الله الا يسارع في هواك ؟ ! فقال رسول الله: وإنك إن أطعت الله سارع في هواك (2). ولكن في رواية " الكافي " ما يدل على أن ذلك كان بعد زواجه بحفصة وأن
ذلك القول كان من حفصة، فقد روى بسنده عن الباقر (عليه السلام) قال: جاءت امرأة من الأنصار الى رسول الله فقالت: يا رسول الله، إن المرأة لا تخطب الزوج، وأنا إمرأة أيم لا زوج لي منذ دهر ولا ولد، فهل لك من حاجة ؟ فان تك فقد وهبت نفسي لك إن قبلتني. فقال لها رسول الله: يا اخت الأنصار، جزاكم الله عن رسول الله خيرا، فقد نصرني رجالكم ورغبت في نساؤكم ! فقالت لها حفصة: ما أقل حياءك وأجراك وأنهمك للرجال ! فقال رسول الله: كفي عنها يا حفصة فانها خير منك، رغبت في رسول الله ولمتها وعبتها. ثم قال للمرأة: انصرفي رحمك الله، فقد أوجب الله لك الجنة لرغبتك في وتعرضك لمحبتي وسروري، وسيأتيك أمري إن شاء الله. فأنزل الله عزوجل: * (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين) * فأحل الله عزوجل هبة المرأة نفسها
(1) الاحزاب: 50. (2) مجمع البيان 8: 581. وفي الدر المنثور 1: 209 روى عن علي بن الحسين: أنها ام شريك الأزدية. (*)
[ 246 ]
للنبي ولا يحل ذلك لغيره (1) ومفاد هذا الخبر هو أنه (صلى الله عليه وآله) كان متزوجا بحفصة ثم وهبت المرأة نفسها له. وجعل الطبرسي في " إعلام الورى " الرابعة من أزواجه: ام شريك غزية بنت دودان التي وهبت نفسها للنبي (صلى الله عليه وآله) وكانت قبله عند أبي العكر بن سمي الازدي فولدت له شريكا. وهذا غريب وعليه فلا يصح الخبر السابق، ولكنه لم يذكر سندا ولا مصدرا.
وجعل الخامسة: حفصة بنت عمر بن الخطاب. وقال: تزوجها بعدما مات زوجها خنيس بن حذافة السهمي (2). وابن شهر آشوب في " المناقب " ذكر ام شريك فيمن لم يدخل بهن وسماها: غزية بنت جابر من بني النجار، وذكر حفصة فيمن تزوجها بعد بدر في السنة الثانية (3). بينما قال الطبري: في هذه السنة (الثالثة) في شعبان تزوج النبي (صلى الله عليه وآله) حفصة بنت عمر، وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمي (4) وكان ممن شهد
(1) فروع الكافي 5: 568، الحديث 53. (2) إعلام الورى 1: 227 وقال: وكان رسول الله وجهه الى كسرى فمات. ومفاد هذا أنه (صلى الله عليه وآله) تزوجها بعد عام الحديبية في السنة السابعة، وهذا غريب مردود. وخنيس بن حذافة هو اخو خارجة بن حذافة السهمي صاحب شرطة عمرو بن العاص السهمي على مصر، وهو الذي قتل بدلا عنه كما مر. (3) مناقب آل أبي طالب 1: 160، 161. (4) الطبري 2: 449 وفي المنتقى 117 وعنه في بحار الأنوار 20: 12. (*)
[ 247 ]
بدرا مع رسول الله من بني سهم (1) وقالوا: نالته ثمة جراحة فمات منها بالمدينة (2) وأصدقها رسول الله أربعمئة درهم (3). زواج النبي من بنت نفيل ثم من بنت خزيمة: قال اليعقوبي: ثم بنت نفيل بن عبد العزى العدوي. ثم زينب بنت خزيمة بن الحارث، ام المساكين (4). وقال ابن اسحاق: كانت تسمى ام المساكين لرحمتها ورقتها عليهم، زوجه اياها قبيصة بن عمرو الهلالي (وهي هلالية) وأصدقها رسول الله أربعمئة درهم.
وكانت قبله عند عبيدة بن الحارث بن المطلب (5) ولعبيدة بن الحارث (منها) بنات (6). وقال المسعودي: وفيه (النصف من شهر رمضان للسنة الثالثة) تزوج
(1) ابن هشام 2: 341 والمغازي 1: 156 وأغرب الطبري فقال: كانت تحت خنيس بن حذافة في الجاهلية فتوفي عنها 2: 499 وتبعه في المنتقى: 117 وعنه في بحار الأنوار 20: 12. (2) ابن هشام 2: 6 في الهامش، وعليه فهي أرملة شهيد اكرمها النبي لزوجها فتزوجها. (3) ابن هشام 4: 294. (4) اليعقوبي 2: 84، هذا، ولا يعرف نفيل بن عبد العزى العدوي الا أنه جد عمر بن الخطاب، فهل تزوج النبي جدته ؟ ! الا أن يكون في الأصل اكمالا لنسب حفصة، المذكورة قبل ذلك، ثم وقع الالتباس والغلط ! (5) ابن هشام 4: 296، 297. فهي أيضا زوج شهيد تزوجها إكراما لزوجها الشهيد ابن عمه. فكان أبا الأرامل والأيتام. (6) ابن هشام 3: 366. (*)
[ 248 ]
رسول الله زينب بنت خزيمة المعروفة بام المساكين (1) أي بعد شهادة زوجها بسنة، واكراما له. وعدها الطبرسي التاسعة من أزواجه (2) وهو غريب، ولم يذكر مصدره. وعدها ابن شهر آشوب ممن لم يدخل بها (3). ميلاد الحسن (عليه السلام): نقل الدولابي في " الذرية الطاهرة " عن الليث بن سعد قال: ولدت فاطمة بنت رسول الله الحسن بن علي في شهر رمضان سنة ثلاث (4).
قال الطبري: في سنة ثلاث من الهجرة في النصف من شهر رمضان ولد الحسن بن علي بن أبي طالب (5) ومن قبل قال: وقيل: إن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ولد في هذه السنة (الثانية) ثم نقل عن الواقدي بسنده عن الباقر (عليه السلام): أن علي بن أبي طالب بنى بفاطمة في ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا. ثم قال: فان كانت هذه الرواية صحيحة فالقول الأول (في السنة الثانية) باطل (6) وقد مر تقرير ذلك وتثبيته، فهو كما قال.
(1) التنبيه والاشراف: 210 والمنتقى: 117 وعنه في بحار الأنوار 20: 12 وقال: وتوفيت بعد ثمانية أشهر. وقال المسعودي في مروج الذهب 2: 288: توفيت بعد شهرين. (2) إعلام الورى 1: 278. (3) المناقب 1: 160. (4) الذرية الطاهرة: 101، 202 وعنه في كشف الغمة 1: 514 وعنه في بحار الأنوار 44: 136. ونقل الدولابي قبله عن قتادة قال: ولدت حسنا بعد احد بسنتين. ولا يصح وفي المناقب 4: 28. (5) الطبري 2: 537. (6) الطبري 2: 485، 486. (*)
[ 249 ]
وقال المسعودي في السنة الثالثة: وللنصف من شهر رمضان كان مولد الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) (1). وفي " مروج الذهب " والإصفهاني في " مقاتل الطالبيين " إنما ذكر السنة الثالثة (2) وفي " الإرشاد " روى المفيد بسنده عن الصادق (عليه السلام): أنه ولد ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة (3). تسمية الحسن وبعض السنن:
روى الطوسي في " الأمالي " بسنده عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن علي بن الحسين (عليهم السلام) عن أسماء (بنت عميس) (4) قالت: إن فاطمة لما حملت بالحسن (عليه السلام)
(1) التنبيه والاشراف: 210 وعليه قال في عمره: توفي في سنة 49 وله 46 سنة: 260 وكذلك نقل الاربلي في كشف الغمة 2: 140 عن ابن طلحة في مطالب السؤول، وعن الكنجي الشافعي في كفاية الطالب. (2) مروج الذهب 2: 288 ومقاتل الطالبيين: 31 وقال: كانت وفاته سنة خمسين. ومع ذلك تردد في مبلغ سنه وقت وفاته بين خبرين عن الصادق (عليه السلام) أحدهما: 48 والآخر 46 وهو المتعين. ولكنه في: 52 قال: ان الحسن بن علي ولد سنة ثلاث من الهجرة وتوفي سنة احدى وخمسين ولا خلاف في ذلك، وسنه على هذا ثمان واربعون سنة أو نحوها. (3) الارشاد 2: 5 ويؤيده ما رواه الكليني في اصول الكافي 1: 461 بسنده عنه (عليه السلام) قال: قبض الحسن وهو ابن سبع وأربعين سنة في عام خمسين. ومع ذلك سبق الخبر فقال: ولد الحسن في شهر رمضان في سنة بدر، وروي في سنة ثلاث. وفي الارشاد 2: 15 قال: مضى لسبيله في شهر صفر سنة خمسين وله 48 سنة. وفي اعلام الورى 1: 402 و 403 تبع الارشاد في الميلاد وتبع خبر الكليني في الوفاة. والمناقب 4: 28 و 29 كذلك في الميلاد والوفاة. (4) فيه الاشكال بعدم حضور أسماء بنت عميس، والجواب بأنها هي بنت يزيد بن السكن الأنصارية الولادة الخطابة، وإنما الاشتباه والخلط من الرواة. (*)
[ 250 ]
وولدته جاء النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا أسماء، هلمي ابني. فدفعته إليه في خرقة صفراء فرمى بها النبي (صلى الله عليه وآله) وأذن في اذنه اليمنى وأقام في اذنه اليسرى، ثم قال لعلي (عليه السلام): بأي شئ سميت ابني ؟ قال: ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله (1).
فقال النبي: ولا أنا أسبق باسمه ربي. فهبط جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد، العلي الأعلى يقرؤك السلام ويقول: علي منك بمنزلة هارون من موسى، ولا نبي بعدك، سم ابنك هذا باسم ابن هارون. فقال النبي: وما اسم ابن هارون ؟ قال: شبر. قال النبي: لساني عربي. قال جبرئيل: سمه الحسن. فسماه الحسن. فلما كان يوم سابعه عق النبي عنه بكبشين أملحين وأعطى القابلة فخذا ودينارا، ثم حلق رأسه وتصدق بوزن الشعر ورقا (فضة) وطلى رأسه بالخلوق ثم قال: يا أسماء، الدم فعل الجاهلية (2). وروى الخبر الصدوق في " الأمالي " بسنده عن زيد بن علي عن أبيه علي ابن الحسين - بلا اسناد عن أسماء - قال: لما ولدت فاطمة الحسن قالت لعلي (عليه السلام): سمه. قال: ما كنت لأسبق باسمه رسول الله. فجاء رسول الله فاخرج إليه في خرقة صفراء فقال: ألم أنهكم أن تلفوه في صفراء ؟ ! ثم رمى بها، وأخذ خرقة بيضاء
(1) وروى الخبر الصدوق في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 25 بسنده عنه (عليه السلام) أيضا، وفيه هنا زيادة: " قد كنت احب أن اسميه حربا " وليس هذا فيما اخرجه الطوسي، وهو الأولى، فمن المستبعد جدا أن يحب علي (عليه السلام) التسمية بحرب ! (2) عيون أخبار الرضا 2: 25 ويعلم منه بعض السنن وأن العرب كانوا يطلون رأس الوليد بالدم ليصبح دمويا جريئا ! فنسخه الاسلام. (*)
[ 251 ]
فلفه فيها. ثم قال لعلي (عليه السلام): هل سميته ؟ قال: ما كنت لأسبقك باسمه. فقال: وما كنت لأسبق باسمه ربي عز وجل. فأوحى الله تبارك وتعالى الى جبرائيل: انه قد ولد لمحمد ابن فاهبط فاقرأه
السلام وهنه وقل له: إن عليا منك بمنزلة هارون من موسى، فسمه باسم ابن هارون. فهبط جبرائيل فهناه من الله عز وجل ثم قال: ان الله تبارك وتعالى يأمرك أن تسميه باسم ابن هارون. قال: وما كان اسمه ؟ قال: شبر. قال: لساني عربي ! قال: سمه الحسن. فسماه الحسن (1). قضاء وشفاعة: ومن الحوادث بعد بدر وقبل احد ما رواه الواقدي قال: خاصم الى رسول الله قبل احد يتيم من الأنصار أبا لبابة (ابن عبد المنذر) في عذق نخل بينهما، فقضى رسول الله لأبي لبابة، فجزع اليتيم على العذق، فطلب رسول الله العذق من أبي لبابة لليتيم فأبى أبو لبابة ! فجعل رسول الله يقول له: ادفعه إليه ولك به عذق في الجنة ! فأبى أبو لبابة. فتقدم ثابت بن الدحداحة فقال: يا رسول الله أرأيت إن اعطيت اليتيم عذقه ما لي ؟ قال: عذق في الجنة ! فذهب ثابت بن الدحداحة فاشترى من أبي لبابة ذلك العذق بحديقة نخل، ثم رد العذق على الغلام (اليتيم). فقال رسول الله: رب عذق مذلل لابن الدحداحة في الجنة ! (2).
أبو عامر الى مكة: مر في أخبار مواجهة كفار المدينة للرسول (صلى الله عليه وآله): رواية ابن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة: أنه كان يشارك عبد الله بن ابي بن سلول العوفي
الخزرجي في شرفه في قومه: أبو عامر عبد عمرو بن صيفي الأوسي، فانه كان في الأوس شريفا مطاعا، وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح فكان يقال له: الراهب. وروى عن جعفر بن عبد الله: أنه حين قدم رسول الله المدينة واجتمع قوم أبي عامر على الاسلام فارق قومه وأتى رسول الله وجادله في الحنيفية دين ابراهيم (عليه السلام)، واتهم رسول الله بأنه قد أدخل في الحنيفية ما ليس منها ! فقال (صلى الله عليه وآله): ما فعلت بل جئت بها بيضاء نقية. فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب (منا) طريدا غريبا وحيدا، وهو يعرض بذلك برسول الله. فقال النبي: أجل، فمن كذب فعل الله تعالى به ذلك. فحين اجتمع قومه على الاسلام أبى أبو عامر الا الفراق لقومه فخرج ببضعة عشر رجلا منهم مفارقا الاسلام ورسوله الى مكة، منهم علقمة بن علامة الكلابي وكنانة بن عبد ياليل الثقفي (1). وقال الواقدي: دعا قومه فقال لهم: إن محمدا ظاهر (منتصر) فاخرجوا بنا الى قوم نؤازرهم (عليه) فخرج الى قريش يحرضها ويعلمها أنها على الحق وما جاء به محمد باطل ! (2)
(1) ابن هشام 2: 234، 235. (2) مغازي الواقدي 1: 205، 206 وتمام كلامه: فسارت قريش الى بدر ولم يسر معها. = (*)
[ 253 ]
فروى ابن اسحاق عن بعض آل أبي عامر: أن رسول الله لما سمع بخبره قال: لا تقولوا: الراهب ولكن قولوا: الفاسق (1). وبقي ابنه حنظلة بن أبي عامر وصاهر عبد الله بن ابي بن سلول (2) ولكنه أسلم وامن وقتل في احد وهو غسيل الملائكة (3).
غزوة احد: قال القمي في تفسيره: كان سبب غزوة احد: أن قريشا لما رجعت من بدر الى مكة وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والأسر، فقد قتل منهم سبعون واسر منهم سبعون.. قال أبو سفيان: يا معشر قريش ! لا تدعوا النساء يبكين على قتلاكم، فان البكاء والدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن والحرقة والعداوة لمحمد، ويشمت بنا هو وأصحابه ! (4).
= وهذا مسلم أنه لم يكن معهم في بدر ولكن الصحيح انه لم يسر إليهم قبل بدر بل بعد مثل كعب بن الأشرف، الا أن كعبا رجع قبل احد وابو عامر لم يرجع. (1) ابن هشام 1: 235. (2) تفسير القمي 1: 118. (3) ابن هشام 2: 234. (4) تفسير القمي 1: 110، 111 وروى ابن اسحاق بسنده عن ابن الزبير قال: ناحت قريش على قتلاهم ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم 2: 302 ورواه الواقدي بسنده عنه عن عائشة 1: 123. وفصل فقال: قام فيهم أبو سفيان بن حرب فقال: يا معشر قريش لا تبكوا على قتلاكم ولا تنح عليهم نائحة ولا يبكيهم شاعر، وأظهروا الجلد والعزاء، فانكم إذا نحتم عليهم وبكيتموهم بالشعر أذهب ذلكم غيظكم فأكلكم ذلك عن = (*)
[ 254 ]
= عداوة محمد وأصحابه. مع أنه إن بلغ محمدا وأصحابه شمتوا بكم فيكون أعظم المصيبتين شماتتهم، ولعلكم تدركون ثأرهم. والدهن والنساء علي حرام حتى أغزو محمدا. فمكثت قريش شهرا لا يبكيهم شاعر ولا تنوح عليهم نائحة 1: 121. ولكنه نقل بعد ذلك أن كعب بن الأشرف اليهودي لما خرج الى مكة بعد بدر فنزل على أبي وداعة بن ضبيرة، جعل ينظم شعرا في رثاء قتلى بدر من قريش، ومن يلقاه من الصبيان والجواري ينشدهم
الأبيات، فأخذها الناس منه، ورثوا بها وأظهروا المراثي وناحت قريش على قتلاها شهرا، ولم تبق دار بمكة الا فيها نوح، وجز النساء شعر الرؤوس، كان يؤتى براحلة الرجل منهم أو بفرسه فتوقف بين أظهرهم فينوحون حولها، وخرجن الى السكك في الأزقة وقطعن الطرق لينحن ! 1: 122. ثم قال: قالوا: ومشى نساء قريش الى هند بنت عتبة فقلن: الا تبكين على أبيك وأخيك وعمك وأهل بيتك ؟ قالت: أنا أبكيهم فيبلغ ذلك محمدا وأصحابه ونساء بني الخزرج فيشمتوا بنا ؟ لا والله حتى أثأر محمدا وأصحابه، والدهن علي حرام إن دخل رأسي حتى نغزو محمدا. والله لو أعلم أن الحزن يذهب من قلبي لبكيت، ولكن لا يذهبه الا أن أرى ثأري بعيني من قتلة الأحبة. فمكثت على حالها. وبلغ نوفل بن معاوية الديلي أن قريشا بكت على قتلاها فقدم مكة وقال لقريش: يا معشر قريش، لقد خفت أحلامكم وسفه رأيكم وأطعتم نساءكم ! ومثل قتلاكم يبكى عليهم ؟ ! هم أجل من البكاء، مع أن ذلك يذهب غيظكم عن عداوة محمد وأصحابه ولا ينبغي أن يذهب الغيظ عنكم الا أن تدركوا ثأركم من عدوكم. فلما سمع أبو سفيان كلامه قال: يا أبا معاوية، والله ما ناحت امرأة من بني عبد شمس على قتيل لها الى اليوم، ولا بكاهن شاعر الا نهيته حتى ندرك ثارنا من محمد وأصحابه، واني لأنا الموتور الثائر، قتل ابني حنظلة وسادة أهل هذا الوادي 1: 124، 125. إذن فنهي أبي سفيان انما كان نافذا في بني عبد شمس، أما سائر قريش فلم يتمالكوا اكثر = (*)
[ 255 ]
فلما أرادوا أن يغزوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى احد ساروا في حلفائهم من كنانة وغيرها، فجمعوا الجموع والسلاح (1). وخرجوا من مكة في ثلاثة آلاف (2): ألف فارس وألفي راجل. وأخرجوا معهم النساء يذكرنهم ويحثنهم على حرب رسول الله، وخرجت معهم هند بنت
= من شهر ثم ناحوا شهرا ولم يتمكن أبو سفيان من منعهم ثم منعهم نوفل بن معاوية وقد قربوا
من موسم الحج بعد بدر. (1) القمي 1: 111. وروى الواقدي بأسناده: أن قريشا كانوا إذا قدموا بالعير مكة وأهل العير غائبون أوقفوها في دار الندوة حتى يحضر أهلها فلما قدم أبو سفيان مكة في أيام بدر أوقفها في دار الندوة ولم يفرقها لغيبة أهلها. فلما رجع من حضر بدرا من المشركين الى مكة مشى أشرافهم الى أبي سفيان فقالوا: يا أبا سفيان، انظر هذه العير.. إنها أموال أهل مكة ولطيمة قريش، وهم طيبوا الأنفس أن يجهزوا بهذه العير جيشا الى محمد، وقد ترى من قتل من آبائنا وأبنائنا وعشائرنا. فاحتبس العير لذلك. قال أبو سفيان: وقد طابت أنفس قريش بذلك ؟ قالوا: نعم. قال: فانا أول من أجاب الى ذلك وبنو عبد مناف معي، فانا والله الموتور الثائر، قد قتل ابني حنظلة ببدر وأشراف قومي. وكانت العير الف بعير، والمال خمسين الف دينار، وكانوا يربحون للدينار دينارا. فيقال: قالوا له: يا أبا سفيان، بع العير ثم اعزل أرباحها. فأخرج القوم أرباح العير، وانما أخذ من لا عشيرة له ولا منعة كل ما كان لهم في العير 1: 199، 200 ولعله باعها في الموسم. (2) وكذلك في ابن هشام 3: 70 وقال الواقدي: خرجت قريش وهم ثلاثة آلاف بمن انضم إليهم، وكان فيهم من ثقيف مئة رجل.. على ثلاثة آلاف بعير وفيهم سبعمئة دارع، وقادوا مئتي فرس 1: 203 وفي اعلام الورى 1: 176 والمشركون في ألفين. وفي المناقب 1: 191 في ثلاثة آلاف ويقال في الفين لهم سبعمئة درع ومنهم مئتا فارس والباقون ركب. (
[ 256 ]
عتبة بن ربيعة، وعمرة بنت علقمة الحارثية (1). فلما بلغ رسول الله ذلك جمع أصحابه وأخبرهم: أن الله قد أخبره: أن قريشا قد تجمعت تريد المدينة (2).
(1) وهي الكنانية التي حملت لواءهم بعد مقتل حملة الألوية التسعة من بني عبد الدار، واضاف ابن اسحاق: وخرج الحارث بن هشام بن المغيرة بفاطمة بنت الوليد، وخرج صهره عكرمة بن أبي جهل بام حكيم بنت الحارث بن هشام، وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج، وخرج صفوان بن امية ببرزة بنت مسعود الثقفي، وخرج طلحة بن عبد الله (حامل اللواء) بسلافة بنت سعد الأوسي، وخرج أبو عزيز بن عمير اخو مصعب بن عمير العبدري بامه خناس بنت مالك 3: 66. وأضاف الواقدي: خرج أبو سفيان بامرأتيه: هند واميمة الكنانية، وخرج صفوان بن امية بامرأتيه: برزة والبغوم الكنانية. وخرج الحارث بن سفيان بامرأته رملة بنت طارق، وخرج كنانة بن علي بامرأته ام حكيم بنت طارق. وخرج النعمان بن مسك الذئب وأخوه جابر بامهما الدغنية، وخرج سفيان بن عويف (حامل اللواء) بامرأته قتيلة بنت عمرو مع عشرة من ولده منهم ابنه غراب بن سفيان ومعه امرأته عمرة بنت الحارث بن علقمة (الكنانية) التي رفعت لواء قريش حين سقط حتى تراجعت قريش الى لوائها 1: 202، 203 وسبق عن ابن اسحاق أنه نسبها الى جدها علقمة. (2) تفسير القمي 1: 111. وقال ابن اسحاق: فأقبلوا حتى نزلوا بجبل ببطن السبخة على قناة عينين على شفير الوادي مقابل المدينة، وسمع بهم رسول الله والمسلمون أنهم نزلوا حيث نزلوا، فقال للمسلمين: اني قد رأيت بقرا (لي تذبح) ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة. وزاد ابن هشام: فأما البقر فهي ناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم في ذباب سيفي فهو رجل يقتل من أهل بيتي، وأما الدرع الحصينة فأولتها المدينة. فان رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فان أقاموا أقاموا بشر مقام، وان هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها 3: 67. = (*)
[ 257 ]
= وروى الواقدي بسنده عن ابن أبي حكيمة الأسلمي قال: لما أصبح أبو سفيان بالأبواء
اخبر: أن عمرو بن سالم الخزاعي وأصحابا له مروا بهم راجعين الى مكة. فقال أبو سفيان: أحلف بالله أنهم قد ذهبوا الى محمد فأخبروه بمسيرنا وعددنا، فهم الآن يلزمون صياصيهم، فما أرانا نصيب منهم شيئا في وجهنا ! فقال صفوان بن امية: إن أصحروا لنا فعددنا أكثر من عددهم، وسلاحنا اكثر من سلاحهم ولنا خيل ولا خيل لهم، ونقاتل على وتر ولا وتر لهم. وإن لم يصحروا عمدنا الى نخل الأوس والخزرج فقطعناه فتركناهم ولا أموال لهم ولا يجبرونها أبدا ! ولكنه نقل قبل ذلك: أنهم لما أجمعوا المسير كتب العباس بن عبد المطلب كتابا الى رسول الله يخبره فيه: أن قريشا قد اجمعت المسير اليك فما كنت صانعا إذا حلوا بك فاصنعه، وقد توجهوا اليك وهم ثلاثة آلاف ومعهم ثلاثة آلاف بعير وقادوا مئتي فرس وفيهم سبعمئة دارع. وختمه واستأجر رجلا من بني غفار وشرط عليه أن يسير الى رسول الله ثلاثا. فقدم الغفاري فلم يجد رسول الله بالمدينة ووجده بقباء، فخرج حتى وجده على باب مسجد قباء يركب حماره فدفع إليه الكتاب. فدعا رسول الله ابي بن كعب فقرأه عليه، فاستكتم رسول الله ابيا ما في الكتاب. وكان قد دخل منزل سعد بن الربيع فقال له: في البيت أحد ؟ قال سعد: لا، فتكلم بحاجتك، فكان قد أخبره بكتاب العباس بن عبد المطلب، واستكتم سعدا الخبر ثم خرج الى المدينة. فلما خرج، خرجت امرأة سعد فقالت له: ما قال لك رسول الله ؟ قال: مالك وذلك ؟ ! فأخبرت سعدا بالخبر، فأخذ بلمتها ثم خرج يعدو بها حتى أدرك النبي عند الجسر (جسر بطحان) وقد أعيت. فقال: يا رسول الله، إن امرأتي سألتني عما قلت فكتمتها، فجاءت بالحديث كله، فخشيت أن يظهر شئ فتظن أني أفشيت سرك ! فقال رسول الله: خل سبيلها. وشاع الخبر في الناس بمسير قريش 1: 204، 205. = (*)
[ 258 ]
قال الطبرسي: واستشار أصحابه، وكان رأيه أن يقاتل الرجال على أفوه
السكك، ويرمي الضعفاء من فوق البيوت (1). قال القمي فقال عبد الله بن ابي (الخزرجي): يا رسول الله، لا تخرج من المدينة حتى نقاتل في أزقتها، فيقاتل الرجل الضعيف، والمرأة والعبد والأمة على السطوح، فما أرادنا قوم قط فظفروا بنا ونحن في حصوننا ودورنا، وما خرجنا الى أعدائنا قط الا كان الظفر لهم (2).