الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تقوية الايمان- محمد بن عقيل

تقوية الايمان

محمد بن عقيل


[ 1 ]

تقويه الايمان

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 3 ]

تقويه الايمان برد تزكيه ابن ابى سفيان ويليه فصل الحاكم في النزاع والتخاصم فيما بين بني امية وبني هاشم جمع العبد الضعيف محمد بن عقيل بن عبد الله بن يحيى العلوى الحسيني عفا الله عنهم أجمعين دار البيان العربي

[ 4 ]

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الاولى 1414 ه‍ - 1993 م دار البيان العربي الرويس - خلف سنتر محفوظ وحجازي - بنايه محمد الزين ت 821142 - 8 / 7 / 823526 - 823089 ص. ب 97 / 25 و 5789 / 113 بيروت لبنان

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمرى، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيرا من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبحك كثيرا، ونذكرك كثيرا، انك كنت بنا بصيرا " (1). الحمد لله، وصلاته وسلامه على نبيه ومصطفاه، سيدنا محمد رسول الله واله الصفوة الهداة، ونجباء أصحابه ومن اتبعه ووالاه، وعلينا معهم آمين. أما بعد فقد وصلت إلى نبذة كتبها بعض المعاصرين سماها (إعانة المسترشدين على اجتناب البدع في الدين) فحملني الاسم على قراءتها، فإذا هي مجموع أغلاط


(1) سورة طه الآيات 25 - 35. (*)

[ 6 ]

وسفسطة، وخبط تحمل مصدقها على الاستخفاف بالعظائم، وعدم المبالاة بارتكاب الجرائم، ناضل ملفقها عن رئيس الباغين، وإمام الخوارج الضالين المضلين، وحامل راية أعداء أهل بيت سيد المرسلين، واكثر من ذم المصلحين، ولا أظن ذلك صادرا عنه عن اعتقاد، ولكن مصانعة لمن قلدهم أو عاشرهم، ولذلك سميته بالمصانع، فيما ساكتبه ردا عليه هنا. كتبت هذه العجالة في سويعات اختلستها من بين يدي الاشغال خدمة للاسلام، ودفعا في صدر البدعة، وفقئآ لعين الفتنة، وكبحا لجماح دعاة النار، ونصحا لله ولكتابه ولرسوله ص وللمسلمين، " وسميتها تقوية الايمان برد تزكية ابن أبي سفيان " راجيا من الله تعالى التوفيق والتسديد، وأن يمدني بعونه إنه حميد مجيد. ثبت في الصحيح أن جبريل ع كان مع حسان بن ثابت يؤيده ما نافح عن رسول الله ص ولا شك أن من ذب عن سنة رسول الله ص وعن أهل بيته ع، إيمانا بالله تعالى وحبا له ولرسوله، ونصحا لامته، يكون متعرضا لذلك التأييد، وحريا بان يكون من الخلف الصالح الذين قال فيهم رسول الله ص: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الاغالين وانتحال

[ 7 ]

المبطلين). وقد تجشمت الشقة في التصنيف على قلة بضاعتي، وضيق وقتي، وقلة الكتب المعينة على التاليف، مستعينآ بالله وحده، وراجيا ممن وقف على ما أكتبه أن يعرضه على محكم كتاب الله جل جلاله، ثم على صحيح سنة رسول الله ص فما وافق ذلك فليأخذه، وما لا فليضرب به عرض الحائط (وما أبرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربى إن ربى غفور رحيم) (1). ولله القائل: الكتب تذكرة لمن هو عالم وصوابها بمحالها معجون والفكر غواص عليها مخرج والحق فيها لؤلؤ مكنون. تنبيه جميع ما تنقله من نبذة المصانع من مقولاته، ومنقولاته نكتبها كما كتبها، ثم نردها بالحجة النيرة إن شاء الله، ونمر كراما بما فيها من لحن وعجمة وتحريف، وإن


(1) سورة يوسف الآية 53. (*)

[ 8 ]

أخل ذلك بالمعنى حرصا على الاختصار، ولان ذلك مما لا يخفى على عالم، وقد نشير إلى شئ من ذلك. تنبيه ثان نأتي بالصلاة على النبي ص في كتابنا هذا كاملة كما علمنا نبينا، وكما أمرنا مجتنبين الصلاة البتراء، المنهي عنها، ومن أجل أن لفظ الال غير مذكور في كثير مما ننقله، فاننا نجعله بين قوسين هكذا (وآله) إلآ ما ندر، وقد تتابع الناس في الاتيان بالصلاة البتراء فتجدها مخطوطة في اكثر كتب الحديث وغيرها، وتسمعها فيما تلوكه ألسنة قراء الادعية حتى صارت من المنكر المألوف اتباعا لطواغيت النصب، وامتثالا لامر متقدمي أعداء الال، وقد يجوز أن يكون ذلك من غلط النساخ، وغفلة غيرهم. تنبيه ثالث صدر المصانع نبذته المردود عليها بتقاريظ كتبها بعض المشايخ على نبذ كتبها، وقد يغتر بعض البسطاء بذلك، ويتوهم أن تلك التقاريظ تشمل جميع ما كتبه وما يكتبه المصانع، ولو كان باطلا، وليس الامر كذلك، ولو فرضنا أن أحدا تجاسر فقرظ نبذته المردودة، فان التقريظ للباطل باطل، ولا يغني فتيلا عند من يعرف الرجال بالحق،

[ 9 ]

وهيهات أن يقدم على ذلك عالم عاقل، يخاف الله تعالى، فيساعد على رواج الخطا والتمحل، وتصغير العظائم، فيتعرض لسخط الله تعالى ومقته. نذييل اننا تد نترك البسط اكتفاء بما بيناه في كتاب النصائح الكافية، أو بما حرره شيخنا العلامة أبو بكر بن شهاب الدين في كتاب (وجوب الحمية) لتقدم نشرهما، ولذلك قد نحيل عليهما أو على أحدهما، وقد نكتفي بوجود البيان في أحدهما أحيانا كما قد نعيد قليلا مما في أحدهما لغرض. وهذا أوان الشروع في الرد على بعض ما في نبذة المصانع من الغلط رالخبط على سبيل الايجاز، أعاننا الله على ما يحبه ويرضاه منا أمين. قال المصانع في الصفحة 2 من النسخة المطبوعة في (بتاوى) بجاوا سنة 1329 ه‍: " أما بعد فهذه رسالة لطيفة في وجوب تبيين حكم الشريعة المحمدية باتيان أدلتها الواضحة الجلية على ضلال أهل البدع من الرافضة والوهابية، وعلى زيغ من تبعهم ني ضلالتهم الردية، وارتكب بوائقهم الرزية " انتهى.

[ 10 ]

وأقول: العبارة كما ترى، ذكر المصانع حكم الشريعة، والظاهر أن مراده حكم الله ولعله ظن أنه ما نقله من قال فلان، واختار فلان، بغير دليل ولا برهان، ومثل هذا لا يقال له حكم الله. واسمع ما عرف به العلماء حكم الله، قال الغزالي رحمه الله في المستصفى: " حكم الله خطاب مسموع أو مدلول عليه بدليل قطعي " انتهى. وقال ابن القيم في أعلام الموقعين: " لا يجوز للمفتي والحاكم أن يقول: هذا حكم الله، أو أحل الله، أو حرم الله لما يجده في كتابه الذي تلقاه عمن قلده " انتهى. وقال فيه: " إذا قال المستفتي: أريد حكم الله، أو ما هو الحق، لم يجز إفتاؤه إلآ بالاجتهاد " انتهى. وقال النيسابوري في تفسيره: " قول الرجل: هذا حلال وهذا حرام بغير علم يتناول مقلد الحق، لانه وإن كان مقلدا للحق لكنه قال ما لا يعلم فصار مستحقا للذم " انتهى. قلت: يدل على ما تقدم حديث بريدة الذى رواه. مسلم وأحمد والترمذي وصححه ولفظه (كان رسول الله ص إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه. في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا، ثم قال

[ 11 ]

له، وإذا حاصرت حصنا فارادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك، فانك لا تدرى أتصيب فيهم حكم الله أم لا) انتهى. وقد روى الحديث ابن ماجة أيضا. وقال ابن القيم في أعلام الموقعين: " لا يجوز الفتوى ولا العمل باي الاقوال شاء، ولا بد من الاجتهاد " انتهى. وقال النيسابوري في تفسيره: " ويقال للمقلد: أعرفت أن المقلد محق أم لا، فان لم تعرف فكيف قلدته، مع احتمال كونه مبطلا، وإن عرفت فاما بتقليد اخر ويلزم التسلسل، أو بالعقل، وذلك كاف في معرفة الحق، والتقليد ضائع، فظهر أن قبول قول الغير من غير دليل وبال وضلال " انتهى. ومما نقلناه يظهر لك جليآ أن بين ما يأتي به المصنف، وبين الحق بعد المشرقين، قال ربنا سبحانه: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ان الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم) (1).


(1) سورة النحل الآيتان 116، 117. (*)

[ 12 ]

ثم ذكر المصانع أدلة الشرع المحمدي، وهو مقلد عدو للمجتهدين والمستدلين إمعة (1) يحتقب دينه الرجال وما للمقلد والاستدلال، وما هذا الآ خبط وتغرير وخبال. ثم ذكر المصانع ضلال أهل ابدع من الرافضة والوهابية، وفي وقته لا يعرف بجهته رافضي ولا وهابي يرد عليهم، أو يحذر منهم، وانما يظهر من القرائن، ومما يذكره في نبذته المردودة أنه يعني بالرافضة من يبغض في الله تعالى طاغية الإسلام معاوية، أو يلعنه، ويعني بالوهابية من لا يسجد للقبور، ولا يتقرب إليها بالنذور، ومن لا يقبل قولا في الدين بغير دليل، وسيأتي من كلامه ما يفيد هذا. فيدخل في الرافضة على هذا أمير المومنين علي ع وأتباعه كالسادة العلويين، وكمصنف هذا الكتاب، ويدخل هولاء أيضا في من يسميهم وهابية، لانهم ممن لا يقلد الرجال.


(1) في النهاية الامعة بكسر الهمزه، وتشديد الميم الذي لا رأي له، فهو يتابع كل أحد على رأيه، وفي القاموس الامعة بكسر الهمزة، وتفتح الرجل يتابع كل أحد على رأيه لا يثبت على شئ، والمحقب الناس دينه، وحكى الاخير في تاج العروس عن ابن مسعود وقال: معناه. المقلد الذي جعل دينه تابعا لدين غيره بلا روية ولا تحصيل برهان اه‍ (المصحح). (*)

[ 13 ]

واعلم أن البدعة كما قال أبو البقاء في الكليات: هي عمل على غير مثال سبق " وفي القاموس: ا هي الحدث في الدين بعد اكمال، أو ما استحدث بعد النبي من الاهواء والاعمال " انتهى. إذا عرفت هذا تبين لك أن كبير المبتدعين في الدين هو معاوية كما سيأتي ان شاء الله أثناء هذا الكتاب ذكر شئ من بدعه ومحدثاته التي لم يزل كثير من المسلمين يتخبط في غمراتها إلى الان والى ما شاء الله. أليس هو أول من سن سب أخي النبي ص، وهو أول منقص لابي بكر بقوله: " إنه أول من نحى أهل البيت الطاهر عن مقامهم، وإنه في معاداته لهم مقتف أثره ومقتد به ". فما هو إذا مقام من يناضل عنه أتراه مقام من يحارب أهل البدع أم مقام من يحارب الدين، ويويد البدع، وينصر أهلها ؟ وإن من شر المبطلين ومن أضر الناس بالدين علماء السوء الذين يوالون، ويحبون من أمر الله بعداوته، وبغضه كاعادى مولى المومنين، علي سيد المسلمين، فينصرون

[ 14 ]

من يجب عليهم خذلانه، ويمد حون ويعظمون من يذم ويلعن أخا نبيهم ص بل من هو كنفسه، ويزعمون نصح من قلب الدين وبدله، ودعا إلى التبرئ من دين وصي رسول الله ص وختنه وأبي أولاده، ويناضلون عن متخذي مال الله دولا، وعباد الله خولا، وهيهات أن يغني عنهم فتيلا، ما يتظاهرون به زورا من كاذب الحب، ومن زعمهم أنهم ما عظموهم إلآ امتثالا لامر الله تعالى، لان ذلك باطل بين، وتغرير ظاهر، ورداء الكذب شفاف، ولو كان لدعواهم حظ من الصدق لابغضوا في الله امتثالا لامره، فمن زعم أنه يحب في الله وهو لا يبغض في الله فهو كاذب، ولو كانوا ناصحين للمؤمنين، لنفروهم عن محبة من حاد الله ورسوله، وبدل الدين، قال الله تعالى، وهو أصدق القائلين (لا تجد قوما يومنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله...) (1) الآية. ولو كانوا معظمين لرسول الله ص لنزهوا جنابه الرفيع عن الصحبة الخاصة للطغاة الفجار دعاه النار، إذ أي تعظيم له - نفسي له الفداء ص - في نسبة المنافقين القاسطين العتاة الظالمين المستبدين إلى صحبته الخاصة، بل الامر بالعكس عند من لم ينعكس حاله، ولم يستول


(1) سورة المجادلة الآية 22. (*)

[ 15 ]

الران على قلبه، ويعمي بصيرته. زعم المصانع أنه كتب نبذته تلك ردأ على الرافضة والوهابية، فاين ذلك الرد ؟ وأي شبهة لهم دحضها ؟ وأى حجة لهم نقضها ؟ ولو كان كلامه مع الرافضة الذين يكفرون الشيخين، أو مع الوهابية الذين يحكمون تشهيا وظلما على المسلمين بالشرك والكفر لو كان كلامه مع هؤلاء لكان لنا معه شان اخر. ولكنا قد عرفنا منه نبزه من لم يقبل خرافاته باحد هذين اللقبين: رافضي - أو - وهابي، وقد يتكرم بهما معا على بعض الناس ليتوسل بذلك إلى ما يريده، وحسبنا الله ونعم الوكيل. قال المصانع في الصفحة الثالثة نقلا عن العلامة السيد أحمد دحلان رحمه الله تعالى، وأخرج الخطيب البغدادي وغيره أنه ص قال: (إذا ظهرت البداع وسب أصحابي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله له صرفا ولا عدلا) انتهى. ونقول: أورد المصانع الحديث محتجا به، وفي إجماله وعدم بيانه غش ومغالطة، نبين ذلك بايجاز، فاما

[ 16 ]

الغش فهو في ايهامه أنه عالم قد وجب عليه اظهار علمه، وستري ماذا ظهر. وأما المغالطة ففى عدم تعريفه البدعة، وفي عدم تفسيره معنى السب، وبيان حكم ما هو بحق، وما ليس كذلك، وفي عدم بيان من هم الصحابة الذين يضلل سابهم، وسنوضح هذا باختصار. فتعريف البدعة قد تقدم (ص 12 - 14) أنفا، ويدخل فيها صنيع المصانع في نبذته المردودة. ومعنى السب: نسبة القبيح إلى أخر، وهو قسمان: حق وباطل، فما كان منه بحق فهو محمود، ومنه سب النبي وأخيه عليهما وألهما الصلاة والسلام للمشركين كابي سفيان وأصحابه، أو للبغاة القاسطين كمعاوية وأذنابه، لتبيين حالهم، وتحذير الامة من غوايتهم وضلالهم، وما كان منه بغير حق فهو مذموم كسب أبي سفيان، وابنه معاوية وأذنابهم لله ولرسوله ولاخيه. ومنه سب أمثال المصانع من صرح بالحق وذم البغاة والملحدين ودعاة النار والمبتدعة، وتسمية المصانع وأمثاله أهل الحق روافض أو وهابية لا يجعلهم كذلك، ولا يسوغ سبهم.

[ 17 ]

والصحابة الذين يصدق عليهم التعريف المخترع الحادث، وتحوى المعاجم أسماء كثير منهم قسمان: قسم أخلص في الايمان، وأحسن الصحبة، ووفى بالحق فهو محمود ممدوح أهل للثناء والتعظيم، والاحترام من كل مسلم. وقسم نافق وأساء الصحبة، رخان وغدر، وهو مذموم عند كل منصف (لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة...) (ا) (أم نجعل الذين امنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض...) (2) الاية. ولا يشك مسلم أن من أعلى رؤساء القسم الاول أخا النبي وسبطيه عليهم والهم الصلاة والسلام، وعمارا، وخيار معهم، كما لا يشك في أن من شر القسم الثاني أعداءهم دعاة النار وكلابها، ومن تولاهم، أو أحبهم فهو منهم ومعهم. ومن شر البدعة، وأخبث الضلال سب أحد من القسم الاول، ومن سب أحدا منهم فهو من شر الخلق، والنضال عنه إثم وتغرير، ومن الطاعات التى يثيب الله فاعلها سب


(1) سورة الحشر الآية 20. (2) سورة ص الآية 28. (*)

[ 18 ]

القسم الثاني للبيان والتحذير، والتقرب إلى الله بذم أعدائه، واقتداء بالنبي ووصيه، وأهل بيته، وخيار أمته. وحكم سب المؤمن كقتله حرام بغير الحق، قال الله تعالى (ومن يقتل مومنا متعمدا فجزاوه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه، وأعد له عذابا عظيما) (ا) ولا يدخل في هذا الوعيد من قتل مومنا قصاصا، أو حدا، أو لدفع صياله، أو لبغيه بل هو ممدوح ماجور، وقد قتل سيدنا وامامنا علي ع في ليلة الهرير خمسمائة وثلاثة وعشرين رجلا من بغاة الشام، وطلب قتل معاوية تقربا إلى الله تعالى وامتثالا لامره وطاعة لامر رسوله ص فحال القضاء دون ذلك، ولا شك في أن فعله هذا من أشرف الجهاد في سبيل الله تعالى. وبما بيناه يتضح لك أن جدال أمثال المصانع عن أئمة البغي والضلال قبيح جدأ، وغش للاسلام، وتغرير للعامة، ولا إخالهم بمنجاة من العذاب إلا إن عفاالله لانهم أحبوا ونصروا أول ساب، ولاعن، لاول الصحابة صحبة، وأول المسلمين إسلاما فشاركوا الخبيث فيما اقترف. وحمل كلام الله تعالى، وكلام رسوله على


(1) سورة النساء الآية 93. (*)

[ 19 ]

الاصطلاحات الحادثة لا يجوز، وقد غلط في ذلك بعض العلماء. قال المصانع في الصفحة الثالثة أيضا: " وما ذكر في هذا الفصل من وجوب تبيين حكم الشريعة عند ظهور البدع غيرة على الدين، والوعيد الشديد على السكوت هو الباعث بتوفيق الله تعالى على تأليف هذه الرسالة، وكذا باعث كل من ألف في الرد على أهل البدع، وكل من قرظ عليه فباعث الكل هو وجوب تبيين حكم شريعة سيد المرسلين ص ونصرة الدين والغيرة عليه لا غير " انتهى فتأمل. وأقول: ادعى المصانع أن الباعث له، ولكل مولف مثله هو تبيين حكم الشرع، والغيرة على الدين، والبوصيري رحمه الله تعالى يقول: والدعاوى ما لم تقيموا عليها بينات أبناوها أدعياء فاين البينة قال الله تعالى في المجاهدين مع رسوله ص يوم أحد، وهم من هم (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الاخرة) ولتقديمه في الذكر مريد الدنيا معنى فما بالك بمن يصنف لاجل الملك فلان، أو الامير فلان، أو المثري فلان.

[ 20 ]

وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا وما أسهل الدعوى، وما أصعب المعنى، وأما من يحاول زورا أن يثبت بدعة من يتقرب إلى الله تعالى بلعن طاغية الامة معاوية امتثالا لامر الله ورسوله، واقتداء بسيد المسلمين علي ع فأمره واضح مكشوف، ونسال الله العفور والعافية. ومعلوم أنه لا يصح إثبات بدعة لا عن الطاغية إلا إذا ثبتت بدعة أئمته في ذلك وهم علي والحسنان وصالح أولادهم، وهم العترة المنصوص على أنهم لن يفارقوا القران أبدا ففي القول ببدعتهم تكذيب جلي للنبي ص ومكذب النبي ص كافر. ومن المبتدعين بل من شرهم من يويد من ثبتت بدعته، وتحققت عداوته لله ولرسوله، ولاهل البيت، ومنهم من خذله الله فانتصر لاولئك الملاعين، وقلب الحقائق مجادلة عن الظالمين الفاسقين الملحدين القاسطين، وقد تقدم تعريف البدهة، وهو منطبق على هؤلاء إذ ليس لهم سلف فيما يقولونه هنا من العترة الذين من تقدمهم هلك، ومن تأخر عنهم هلك، ومن خالفهم كان

[ 21 ]

حزب إبليس كما في الحديث، وليس لهم أمام من خيار الصحابة، وإنما اتبعوا أقوالا محدثة مخترعة أساسها العصبية، ومغزاها النكاية لعلي وذويه ع، والكيد لهم باطراء أعدائهم ولاعنيهم. سدى تلك الاقوال الكذب والتحريف للنصوص والتاويلات الباطلة اتباعأ للامم الضالة، ولحمتها النصب، والمنتصرون لها هم حزب الفئة الباغية. اختلفت الامة بعد وقعة الجمل فرقتين فقط، ثم من بعد ذلك بمدة مرقت الخوارج فتثلثت القسمة، وكلهم في النار إلآ واحدة. الفرقة الاولى أهل البيت الطاهر وخيار الصحابة، أهل الحل والعقد، وأهل الدين، والفضل، فكانوا مع أخي النبي ص ووصيه أنصارا، وأتباعا وشيعة وأعوانا، وكان لهم رئيسا وإماما، وهاديا، وكان ع يلعن جهارا رؤوس البغي وأئمة الضلال دعاة النار معاوية وأعوانه، فكانت الفرقة الاولى تقره على ذلك، وتساعده، ولا تنكر عليه، ولم يكن هو ممن تأخذه العزة بالاثم، ويتبع الهوى، ولم يكن اتباعه ممن تأخذهم في الله لومة لائم، وبهذا نعلم على سبيل القطع أن الإجماع من أهل الحق قد انعقد على جواز لعن الطاغية معاوية وأذنابه، وأنه طاعة

[ 22 ]

يتقرب بها إلى الله في الصلوات، وهيهات أن يتطرق الشك إلى هذا أو تغبر في وجهه الشبهات التي أثارها الطماعون المتاجرون بدينهم، عاملهم الله بعدله امين، كيف وإجماع أهل البيت وحدهم حجة قطعية، في الدين حتى لو خالفهم من عداهم، والادلة القطعية متوفرة على ذلك كحديث الثقلين، والغدير، ولو جاز إجماعهم على الخطا لما أمر النبي ص بالتمسك بهم. والفرقة الثانية: غالبهم الطلقاء وأبناؤهم، والمولفة قلوبهم والمنافقون المعروف نفاقهم وحقدهم على الاسلام، وأهله ومن دخل في الاسلام كرها، ومسلمة الفتح، والطماعون والفساق والضلال والرعاع، وفراش جهنم، مع طاغية الامة لعين النبي ص معاوية، وكان قائدهم، وكبيرهم ومضلهم، وكانوا أعوانا وشركاء له، وهم القاسطون الناكبون عن الحق بنص الاحاديث، وقد كان رئيسهم يلعن جهارا أخا النبي ص عداوة لله ولرسوله، وكانت الفرقة الثانية تقره، وتساعده على ذلك، وتفعله في صلاتها. ولم تك هناك فرقة ثالثة تتولى تينك الطائفتين معا وتترضى عنهما. ومن المقرر في علم الاصول أن الامة إذا اختلفت على

[ 23 ]

قولين لا يجوز احداث ثالث، لانه باطل في قول الجميع. فما يدعو إليه أمثال المصانع من تولي علي وأعوانه أهل الحق مع تولي معاوية وأذنابه القاسطين مذهب مبتدع محدث لا مرية في ذلك إذ لم يكن عليه رسول الله ص، ثم لم يكن عليه عترته وخيار صحبه، رضي الله عنهم، و " كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ". ومعلوم أن من يتولى قوما فهو منهم، ومحب القوم معهم وشريك لهم، ومستحق لما يستحقونه من ثناء وثواب، أو ذم وعقاب فهل يرغب في مشاركة البغاة الفجرة الطغاة القاسطين في الخذلان المبين، وفي عداوة أخي النبي الامين إلا من سفه نفسه. وقعود من قعد من الصحابة وغيرهم عن القتال مع علي وأهل الحق عليهم الرضوان لا حجة فيه البتة، وقد قال فيهم الامام علي: " أولئك قوم قعدوا عن الحق، ولم يقوموا مع الباطل " وفي رواية " أولئك قوم خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل " انتهى. وقد ثبت وصح أن عددا منهم تاب قبل موته من قعوده، وندم وتحسر على ما فاته من فضيلة جهاد القاسطين، وقيل: إن بعضهم قعد لامور لا أحب نشرها،

[ 24 ]

وعلي لم يكره أحدا على بيعته، أو القتال معه، ولا يجوز أن يقال كان قعودهم تصويبا منهم للبغاة حاشا، وقد قعد عن القتال بين يدي رسول الله ص في بعض المواطن رجال من الصحابة، ولم تبلغنا عن عدد من خيارهم نكاية في العدو فيما حضروه من المشاهد، ولم يدل ذلك على نفاقهم، وأن ضلعهم كان مع مشركي قومهم، كلا ولم يعاتب أحد نصا في التخلف في غير تبوك. ثم إن تخلف من تخلف من المسلمين عن بيعة أمير المؤمنين ع لا يجعله في سعة في عدم نصره وامتثال أ مره. فما يسفسط به أمثال المصانع مما يخالف هذا فهو من الباطل، ومن الجدال به ولا قوة إلآ بالله. روى الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في كتاب الاستيعاب بسنده عن أبي قيس الاودي قال: " أدركت الناس وهم ثلاث طبقات: أهل دين يحبون عليا، وأهل دنيا يحبون معاوية، وخوارج " انتهى. قال المصانع في الصفحة الثالثة أيضا: قال الامام العارف بالله الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتابه الغنية: قال رسول الله ص (ألا إن بني إسرائيل إفترقت على موسى

[ 25 ]

بإحدى وسبعين فرقة كلها ضالة إلآ فرقة واحدة الاسلام وجماعتهم، ثم إنها افترقت على عيسى بن مريم باثنتين وسبعين فرقة كلها ضالة إلآ واحدة الاسلام وجماعتهم، ثم إنكم تكونون على ثلاث وسبعين فرقة كلها ضالة إلآ واحدة الاسلام وجماعتهم) انتهى. وأقول: حديث افتراق الامة على ثلاث وسبعين فرقة قد روي من طرق عديدة، وخرجه غير واحد من أئمة الحديث فشد بعض الروايات بعضها، وحصل من المجموع قوة تفيد ثبوت أصل أصيل للحديث، وليس هذا محل البحث في الحديث سند أو معنى، وقد تكلم كثير من العلماء على ذلك، وعدد بعضهم الفرق وعينها فرقة فرقة، وحكم كل منهم لفرقته بانها الفرقة الناجية، وسهل لهم ذلك ما قد مرنوا عليه من التحكم والتلاعب، ومن قرأ مذاهب القوم وجد أكثرهم قد اخترع قولا لم يكن عليه النبي ص ومن معه، وتتفاوت درجاتهم في ذلك. وتعيين من عين الفرق باسمائها، وجزم بانها التي عنى رسول الله ص مما لا ينهض به دليل فيما نرى. والحديث لا يدل على أن أكثر الامة في النار (الجنة ظ)، كلا بل يفيد أن الامر بالعكس لمن تأمل وزيادة (كلها في النار إلآ واحدة) صحيحة ثابتة.

[ 26 ]

وقد جاء وصف الفرقة الناجية فيما رواه الترمذي بانها التى تكون على ما كان عليه النبي ص وأصحابه، وفيما رواه الشيعة هي التي تكون على ما كان عليه النبي ص وأهل بيته، وعندي أن معنى الروايتين وموداهما واحد، وهو أن سبيل الفرقة الناجية هي سبيل النبي ص وعترته أهل بيته، وهم المعنيون بقوله (أصحابي) إذ يتحقق فيهم أعني في الذين كانوا معه ص أيام حياته الشريفة من العترة من لباب معنى الصحبة، اكثر مما يتحقق فيمن عداهم، ومعلوم أن خيار الصحابة هم المتمسكون بالعترة فصح ما قلناه ولله الحمد. ويؤيده ما تواتر عن النبي ص من دعائه بان يدور الحق مع علي حيث دار، ومن إخباره بان أهل بيته والقران لن يفترقا إلى ورود الحوض، إلى ما في معنى ذلك مما يطول ذكره، وليس في ثبوته مرية، وليس له معارض البتة. وبذلك يظهر ظهور الشمس في رابعة النهار مع الصحو أن الفرقة الناجية والطائفة التي لا تزال على الحق هم عترة محمد ص ومن معهم من المتمسكين بهم الموالين لمن والوه، المعادين لمن عادوه، ولا عبرة بالاختلاف في الفروع المذهبية، ولا بالتسمية والنبز، ويرحم الله الامام

[ 27 ]

الشافعي إذ يقول: ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم مذاهبهم في أبحر الغي والجهل ركبت على اسم الله في سفن النجا وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهم كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل إذا افترقت في الدين سبعون فرقة ونيف كما قد جاء في محكم النقل ولم يك ناج منهم غير فرقة فقل لي بها يا ذا الرجاحة والعقل أفي الفرق الهلاك ال محمد أم الفرقة اللاتي نجت منهم قل لي فان قلت في الناجين فالقول واحد وإن قلت في الهلاك حفت عن العدل إذا كان مولى القوم منهم فإنني رضيت بهم لا زال في ظلهم ظلي فخل عليأ لي إمامآ ونسله وأنت من الباقين في أوسع الحل ولا يتسع هذا المختصر المبارك إن شاء الله لاكثر من

[ 28 ]

هذا، وفي مجموعة ثمرات المطالعة مزيد شرح لهذه المسالة فاطلبه إن شئت. وإذا عرفت الفرقة الناجية، وعرفت أن غيرها من الفرق هالك، وضال، وضلال دون ضلال، وكفر دون كفر، ومهما اعتراك شك في شدة بعد بعض تلك الفرق عن منهج الحق، وهويها في سحيق مهاوي الضلال والخذلان إلى شر درك فلا اخالك تشك - إن كنت موفقا - في أن عدو الفرقة الناجية، وضدها ولاعنها أخبث الفرق الهالكة، وشرها وأشقاها، وأشدها بعدا عن طاعة الله وعن اتباع هدي رسوله، وأقربها إلى الشيطان، وأحراها أن تزحزح عن رحمة الله وشفاعة نبيه ص والمناضلون عنهم، والمحبون لهم منهم، وفيهم بدون ريب. ومعلوم عند كل منصف أن أخا النبي ص ووارثه، وباب مدينة علمه، وألصق الناس به مولى المؤمنين عليا ع، ومتبعيه هم أشد الناس معرفة بالدين وعلومه وأحكامه، والمكروهات فيه، فضلا عن المحرمات، وأبعد الناس عن مقاربتها فضلا عن مقارفتها، والاستمرار عليها، وأحرص الناس على اتباع رسول الله ص، وأسرع الناس إلى تعظيم من يحب الله تعظيمه، وأبعد الناس عن تحقير من أجله الله، وأحبه رسوله فضلا عن لعنه،

[ 29 ]

وطلب قتله، وهذا لا يخالفنا فيه من اطلع على سيرة القوم، وكان له حظ من الايمان والحياء، فماذا يقولون فيما تواتر عنهم في صلواتهم وخطبهم ورسائلهم وكلامهم من لعن معا وية وأذنا به. فهل يجوز أن يقال: إن رسول الله ص قصر فلم يعلم أخاه، وأول ذكر أسلم معه، وامن به، وصلى معه، ما ينبغي فعله في الصلاة، وما لا ينبغي مما تنزه عنه من مباح الكلام فضلا عن مكروهه وحرامه. وقد نقل المصانع في الصفحة (4، 5) عن الصواعق لابن حجر المكي ستة أحاديث لفظها: (أهل البدع شر الخلق والخليقة) (أصحاب البدع كلاب النار) (من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الاسلام) (أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يتوب من بدعته) (إذا مات صاحب بدعة فقد فتح في الاسلام فتحا) (لا يقبل الله لصاحب بدعة صلاة ولا صوما ولا صدقة ولا حجا ولا عمرة ولا جهادا ولا صرفا ولا عدلا يخرج من الاسلام كما تخرج الشعرة من العجين) انتهى. وأقول: هذه الاحاديث وجل ما كتبه بعدها حجة واضحة عليه، وعلى أمثاله من المناضلين عن كبير المبتدعين ليقال له: إقرأ كتابك، وتعريف البدعة قد

[ 30 ]

تقدم، وتكرر اقامة الدليل على أن بدعة معاوية أكبر ضررا على الدين من كل بدعة، وسيأتي لذلك مزيد بيان، فكل وعيد وذم جاء في البدعة وأهلها فحظ ذلك الطاغية منه اكبر، ولو فرضنا جدلا أن هناك شكا في صحة بدعة معاوية بعدما تواتر عنه لم يصح لنا إن أنصفنا أن نصف أحدا بعده بالابتداع، لان غيره إما مقتد به، وحكمه حكمه، وإما من هو أقل منه ضرا، وأخف شرا، وأصغر جرما، وهو أحق منه بالعذر، وهذا واضح، وما ورد فيمن وقر صاحب بدعة أو أعانه أو مدحه، فذلك مما يخص أنصار الطاغية، ومحبيه منه النصيب الاوفى، والقدح المعلى، وكذا ما جاء في غش الامة، والتغرير بها مضافا ذلك إلى شركة المحبة ونسال الله العافية. قال المصانع في الصفحة (6) الفصل الثالث في نقل نصوص أئمة أهل السنة والجماعة: " إن أهل البدع ياتون بالآيات القرانية يضعونها في غير مواضعها " الخ. انتهى. وأقول: ذكر المصانع في هذا الفصل آية وأحاديث في ذم من فسر القرآن بالرأى وجادل فيه، وكلاما نحو ذلك، وفي ذم التقليد، وأظن أنه لم يفهم ما ذكره أو تخيل أنه مستثنى منه، فيسوغ له ما لا يسوغ لغيره. وأيضا نرى أنه يتجاهل معنى السنة والجماعة

[ 31 ]

المحمودة، ولا يعرف من هم أهلها، وأئمتها وساداتها، أو يظن أنها لقب لمن يوالي أعداء أخي النبي، وأهل بيته، وأنهم المعنيون بما جاء في الثناء عليها، ولهذا لزمنا أن نبين ما هي السنة الممدوحة فنقول: السنة والجماعة الممدوحة التي كثر مدحها: هي ما كان عليه محمد ص ومن معه من اله الخيرة، ونجباء صحبه البررة فما كان متفقا عليه منها حكم بضلال مخالفه، ورد عليه قوله كائنا من كان. وعلي ع حامل راية تلك السنة والعترة والصحابة الاخيار، ومتبعوهم بإحسان هم عمدها وروساؤها وأهلها. وقد حدثت من بعد اصطلاحات حتى أطلق اسم السنة على لعن علي، وتسمى باهل السنة أعداء علي وسابوه على المنابر. وحدثت بعد ذلك اصطلاحات أخرى وقد تقدم القول بانه لا يجوز حمل كلام الله ورسوله على الاصطلاحات الحادثه من بعد وهكذا القول في كلام كل طائفة ممن تقدم فيجب حمله على مصطلحهم وعرفهم وتفسيره بغير ذلك غش وزور وتضليل. واعلم أرشدك الله أن من شر المفارقين لتلك السنة

[ 32 ]

والجماعة بدون برهان ولا عذر مقبول بل للطمع وللجشع وللطلب بثارات المشركين واتباع هوى النفس معاوية فهو وأذنابه ومروجو ضلالهم وبدعتهم من أعداء السنة والجماعة المحمودة بدون ريب ومدحهم قبيح من كل ذي دين، وهو ممن ينتسب إلى البيت النبوي، ويدعي حبهم واتباعهم أشد قبحا ونسال الله الهداية والتوفيق. ويرحم الله القائل: إذ العلوي تابع ناصبيا على نصب فما هو من أبيه وأن الكلب خير منه طبعا لان الكلب طبع أبيه فيه قال المصانع في الصفحة (10): ويعلم بما ذكر في هذا الفصل أيضا عدم جواز تقليد أهل الرأي ووجوب تقليد الائمة المذكورين. انتهى. وأقول ما قاله المصانع هنا باطل واضح بطلانه لانه إن أقام على قوله بوجوب التقليد دليلا فهو حينئذ مستدل لا مقلد وهذا خلف، وإن كان قلد غيره في ذلك انتقل السوال إليه فيتسلسل والتسلسل باطل. وإن قلد اعتباطا اتباعا للهوى فهو ضال. فهو على كل تقدير واقع في الباطل.

[ 33 ]

أما جواز التقليد فسياتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. ومن العجيب نقل المصانع في هذا الفصل شيئا مما جاء في ذم الخوارج، مع أنه لم يصنف كتابه إلا للنضال عن شرهم، وأكبرهم نكاية بالاسلام وأهله. قال المصانع في الصفحة (11): الفصل الرابع إن من ضلالتهم وقبائحهم ياتون بكلمة حق يريدون بها باطلآ، وهى قولهم: لا نعمل إلآ بالكتاب والسنة، وليس لاحد قول معهما فهذه كلمة حق بلا شك، والباطل هو زعمهم عدم جواز العمل بالمذاهمب الاربعة. انتهى. وأقول: أبهم المصانع القائل بعدم جواز العمل بالمذاهب الاربعة، وأراه يجهله لعدم وجود من أطلق القول به. وليت شعري من هو الذي قال بوجوب كون جميع المسلمين عربهم وعجمهم ذكورهم واناثهم حضرهم وبدوهم أحرارهم وأرقائهم أمة مجتهدين مستقلين، فإن ذلك مما لا يمكن عادة وقوعه، ولم يزعم أحد أنهم كانوا في وقت ما أو يكونون كذلك. فالذي يحمل كلام عالم عاقل عارف بسنة الله في

[ 34 ]

الخلق على ما لا يكون عادة بين خطأه، وإيراده لذلك جزافا من الهوس. ولعته فهم من قي الوجوب نفي الجواز، وهذا فهم مضحك، أو فسر بما قاله قول البعض بان الواجب على القادر الاجتهاد، وعلى غيره سؤال العلماء كما كان عليه أهل القرون الفاضلة، وهذا تفسير غريب. قال المصانع في الصفحة (11) أيضا: وهي مثل قول الخوارج: لا حكم إلا لثه، فلما سمعها أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه قال " كلمة حق أريد بها باطل ". انتهى. وأقول: إن ذكر الإمام علي ع بالنعوت التي ذكرها المصانع مستنرب عند من يعرف دلالات الألفاظ أن يصدر ممن يسود معاوية، ويعظمه، وبزعم أنه مثاب في لعنه وقتاله عليا سيد المسلمين، وفي إجباره الناس على البراءة من دين علي ع فتأمل جيدا. اللهم إلا إن أراد بما صنع دفع التهمة عن نفسه، ولكن كيف ورداء الكذب شفاف، وسيأتي فيما ننقله عن المصانع لعن ابن حجر المكي من يدخل فيهم علي ع، وكبار معه دخولا أوليا، ومع إقراره ذلك كيف يصح اعتقاده

[ 35 ]

لما سبق ذكره. (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) (1) (وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون). تود عدوي ثم تزعم أنني صديقك ليس النوك عنك بعازب قال العلامة الحبيب عبد الله الحداد تغمده الله برحمته من جواب سؤال عن حديث (المرء مع من أحب) ما لفظه: والمحبة دعوى لا تثبت حتى تقوم بها بينة الموافقة، فالذي يدعي محبة شخص، وهو مع ذلك يخالفه في أغراضه ومراداته التي يقدر عليها، ولا يوالي من يواليه، ولا يعادي من يعاديه، يقضي العقل بتكذيبه. انتهى. نقل المصانع انفا كلام مولى المؤمنين محتجا به، ونعم ما فعل، وكفى باخي النبي ومن يدور الحق معه حيثما دار حجة، فهل يقبل المصانع ما تواتر نقله عنه ع في ذم طاغية الاسلام وأذنابه، وفي لعنهم ؟ أم يؤمن ببعض ويكفر ببعض ؟ وهل يتكرم بجعل أعلم الامة وأقضاها علي في مقام ابن حجر المكي، وابن قاسم، وباعشن، وبافضل


(1) سورة البقرة الآية 9. (*)

[ 36 ]

الحضرمي، والكردي، والمليباري، الذين يسمي أقوالهم نصوصا، ويحتج بها في الدين أم لا ؟. أما ظاهر الحال فيفيد أن المصانع وجد كلمة صادفت هوى في فؤاده، فاحب التمويه بها حتى لا يخلو ما يكتبه عن ذكر علي وكلامه تغريرا، وربنا يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور. قال المصانع في الصفحة (11) أيضا: ويقولون: نحن لا نعمل باراء الرجال. انتهى. وأقول: نسب المصانع هذه المقالة التي يكرهها للذين يبغضهم لينفر بها عنهم البسطاء، ولو علم أن هذه المقالة مما قاله فحول الائمة الذين لا يتجاسر على انتقاصهم كالامام الحداد وغيره من أجلاء سادتنا العلويين لما قالها ولاكتفى بغيرها من هذر القول، ومن المقرر أن العالم الحقيقي لا يعتبر من اراء الرجال ما خالف الكتاب والسنة، وأما ما وافقهما، أو شهد له أحدهما فالاعتماد إنما كان لذلك الموافق أو الشاهد، وأقوال الرجال تفسير وتبيين. على هذا كان أئمة العترة ع، وعلماء الصحابة، وفقهاء التابعين عليهم الرضوان، وعليه كان أئمة المذاهب المعتبرة، وورثتهم، ومتبعوهم بإحسان.

[ 37 ]

وهنا نسال المصانع عن حكمه على جده لابيه العلامة الجليل السيد عقيل بن عمربن يحيى العلوي فإنه ممن لا يقلد الرجال، أيعترف بانه عالم مهتد محق، ويستثنيه من أهل هذه القرون ؟ أم يقول: بانه ضال مبتدع. ليت شعري متى صار الاجتهاد في الدين من المتأهل له بدعة مذمومة، وهو من أفضل الطاعات، ومن أهم فروض الكفاية التي تاثم وتفسق الامة بإغفاله وتركه، وخلو الزمان منه، وحاشا لله أن تجتمع الامة كلها على الضلال والعمى. وكيف انحصر فضل الله بمن كان في قرون مضت، وحرم منه غيرهم، أليس الله سبحانه يختص برحمته من يشاء، (وما كان عطاء ربك محظورا) (1) وهل ينكر عالم تجزء الاجتهاد وأن من عرف أدلة مسالة وتحققها كان مجتهدا فيها، أم يجهل أن الاستفتاء هو غير التقليد، وأن من أفتاه عالم في مسالة فعمل بفتواه لا يجب عليه اتباعه في كل ما يلزمه العمل به من الاحكام. كيف والمذاهب والتزام تقليدها لم يحدث إلا من بعد، وشر الامور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.


(1) سورة الإسراء الاية 20. (*)

[ 39 ]

قل هو الله أحد (1) قال المصانع في الصفحة (12) أيضا: وما علموا من جهلهم الذي أوصلهم إلى درجة الجنون أن المذاهب الاربعة إنما هي شروح للكتاب والسنة، لم يخرج شئ منها عنهما إما صراحة، وإما دلالة، ولا يقدر على استنباط الاحكام منها إلا أولئك الائمة المجتهدون اجتهادا مطلقا كما تقدم، ولم يبق للناس إلا تقليد هولاء الائمة الهادين المهتدين الذين ضبطوا بمذهبهم شريعة سيد المرسلين. إلى أن قال في الصفحة الثانية عشرة: ولكن الله تعالى وله الحمد والمنة قد قال (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) (2) ومن تمام حفظه أن يسر لفهمه أولئك الائمة


(1) الحاشية. (2) سورة الحجر الاية 9. (*)

[ 40 ]

الاعلام نواب خاتم الرسل الكرام سيدنا محمد عليه (واله) الصلاة والسلام. انتهى. وأقول: سبحانه الله ماذا يفعل الغرور والهوى، أرسل الله عبده محمدا ص رسولا إلى الاحمر والاسود بكتاب عربي مبين، فصله تفصيلا، ويسره تيسيرا، فيه تبيان لكل شئ قال فيه (... ما فرطنا في الكتاب من شئ...) (1) ثم أمر رسوله ص أن يبين للناس ما أنزل إليهم فاذى الامانة، وبلغ الرسالة، وأوضح الشريعة، وقطع الحجة، ونصح الامة جزاه الله عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته، فكمل الدين، وتمت النعمة والحمد لله وحده. أفبعد صحة هذا يجوز أن ياتينا المصانع زاعما أنه لا يقدر على استنباط الاحكام إلا أربعة رجال ! ! ! ما أبعد هذا المقال عن الصواب لقد حجر به واسعا، لو فرضنا جدلا أن الكتاب والسنة كانا من معمى الالغاز - وحاشاهما - لما عجز الناس كلهم عن حلها إلا أربعة فما هي حال المسلمين في حكم المصانع قبل وجود الاربعة، أيرى المسلمين كانوا في عمى وضلال، أم كانوا أهل بصائر ثم مسخهم الله كما مسخ أصحاب السبت الا أربعة أم هذا من وحي الشياطين إلى


(1) سورة الانعام الاية 38. (*)

[ 41 ]

أوليائهم، ويرحم الله البوصيرى إذ يقول: وإذا ضلت العقول على عل‍ م فماذا تقوله النصحاء إن نبينا محمدا ص أنبانا بخلاف ما يزعمه المتهوسون فقال فيما أخرجه الترمذي وابن حبان وصححه (أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم اخره) الحديث. إن مقالة أمثال المصانع جعلت كثيرا من الناس يرون أنه لم تبق من فائدة من كتاب الله بقراءته إلا استرزاق العمي على القبور، ونحو رقية اللديغ به، أو استعماله محوا في نحو النشرات، أو حملا في تمائم المتاجرين، وأنه لم تبق للسنة فائدة إلا التبرك بقراءتها، واستجلاب النصر على الاعداء، أو المطر بذلك مما لا يعرف في هدي صالحي سلف الامة، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وقول المصانع انفا في الائمة: الذين ضبطوا بمذاهبهم شريعة سيد المرسلين. اه‍. قول فيه جفاء إذ يفهم منه أن الشريعة قبل وجود هؤلاء كانت غير مضبوطة ومثل هذا إبطاله من تحصيل الحاصل، ومن تأمل كلام المصانع في نبذته عرف أنه يريد ما بينا فساده

[ 42 ]

وإن لم يصرح بذكر الاربعة في بعض ما رددناه عليه فراجع نبذته تتحقق منها صحة ما نسبناه إليه. وقد كتب المصانع في الصفحة (12) وما بعدها فصلا في انقطاع الاجتهاد، وأنه لا يوجد مجتهد مطلق بعد الاربعة، ونقل من كلام بعض الناس ما ظن أنه يوافق رأيه. ولا شك عندنا في سخافة تلك الاقوال وبطلانها لانها لا يدل عليها نقل ولا عقل، فهي بدون ريب من الرأي المذموم المنهي عنه، وقد تقدم ذكرنا لما نقله المصانع في نبذته في الصفحة (6) إلى (9) في ذم مثل ذلك، ولا أدري أنسي ما كتب أم تناسى. إن القول بمنع الاجتهاد ووجوب التقليد من الاحكام الشرعية، ولا تؤخذ إلا من نص شرعي، أو إجماع مستند إلى نص أو قياس صحيح على ذلك، فهل عند من قال ذلك حجة أو برهان فليأتوا به إن كانوا صادقين. وأما التقول والدعاوى فمما لا يغني فتيلا، وقد أورد المصانع في هذا الفصل ما يفيد نقيض ما نقله ليدعمه به غفلة منه أو جهلا ليوهم من لا فهم له أن من نقل عنهم يقولون بما يقوله. فمن ذلك ما نقله عن السيد علوي بن أحمد الحداد في

[ 43 ]

الصفحة الثالثة عشرة، وهو قوله: وخل مقالات الذين تخبطوا ولاتك إلا مع كتاب وسنة فثم الهدى والامن من ردى ومن بدعة تخشى وزيغ وفتنة إلى اخر الابيات من تائية القطب الغوث عبد الله بن علوي الحداد المجدد للقرن الحادي عشر. انتهى ما نقله. وأقول: صدر البيت الثاني محرف، وصوابه: فثم الهدى والنور والامن من ردى ومعنى كلام الحداد واضح، وهو وفحول أهل البيت طريقتهم الاستقلال، ووصيتهم به على نحو ما في البيتين، وهو التمسك بالكتاب والسنة أي مع التمسك بالعترة فكلام الحداد في واد، وكلام المصانع في واد اخر. وقد قال الامام الحداد رحمه الله في اخر جواب له على سؤال ما لفظه: ونحن على بصيرة من أمرنا، وهدى من ربنا، وكتاب الله وسنة رسوله بين أظهرنا، ولسنا جاهلين بامر الدين، ولا متحكمين بعقولنا في دين الله، ونقبل الحق ممن جاء به، ونرجع إليه ولا نكابر ولا نقلد الرجال فافهم ما ألقيناه إليك. انتهى كلام الحداد بحروفه.

[ 44 ]

وللامام الحداد من أبيات قوله: والمذهب المستقيم نسلكه نص الكتاب وصرح الخبر وقال رحمه الله في التمسك باهل البيت ص: ونحن على اثارهم وسبيلهم وما نحن عن حق لهم بنيام تأمل رحمك الله الامام الحداد يقول: خل مقالات المتخبطين، وهل هم سوى من يتقول على الله فيقول: أحل الله حرم الله، أوجب الله بغير برهان ولا دليل، ويقول: لا تكن إلا مع كتاب ربك وسنة نبيك، فهل يجوز أن يستدل عاقل بمثل مقال الحداد المنقول على وجوب التقليد، وهل هذا إلا تعكيس وهوس. ويقول الامام: إنه على أثر أولئك الاعلام الطيبين، وسالك سبيلهم، وغير غافل من أي حق يستحقونه، فهل يسوغ أن يزعم زاعم أنه محب وموال لعدو أهل البيت مترض عن لاعنيهم الخ الخ ما هذا إلا حماقة وجهل فاضح، فما أطال به المصانع، وشحن به نبذته المردودة حري بان يقال فيه:

[ 45 ]

فما مثله إلا كفارغ حمص خلي من المعنى ولكن يفرقع قال المصانع في الصفحة (15) نقلا عن ابن حجر المكي في مدعي الاجتهاد ما لفظه: التحقيق أنهم إنما ثبت لهم نوع اجتهاد لا الاستقلال، فدعوى الاجتهاد لمن لم يقرب منهم باطلة، وإذا أطرح مؤلفات أهل الشرع فبما يتمسك ذلك الرجل ؟ فانه لم يدرك النبي ص ولا أحدا من أصحابه الخ انتهى. وأقول: لخص المصانع عبارة ابن حجر فصارت كما ترى، ومراده أن أحدا ممن يدعي الاجتهاد في القرون الاخيرة لم يتلق علوم الشرع مشافهة من النبي ص بل ولا من أصحابه مباشرة، وإنما معهم رواية عنه، أو وجادة فهم إذا عيال على غيرهم لا مستقلون، وهذه مغالطة واضحة، فإن رؤساء المذاهب المشهورة هذا شانهم أيضا فيشملهم الحكم بل الصحابة أيضا، فان جلهم تعلم القران، أو كثيرا منه من أخوانه، وروى عنهم، فعلى هذا لا يكون في المسلمين مجتهد مستقل، إلا ان قيل: إنه علي ع لما اختص به من التربية والملازمة وغير ذلك. وهذا مما لا يوافق عليه المصانع ولا غيره، وهو قول

[ 46 ]

باطل، ووجود الوسائط لا يضر، وإن كان لقلتها مزية حسنة، والاجتهاد يتجزأ، ومن ثبت له نوع منه ولو في مسالة فهو حظه، وبعيد وجود مجتهد مستقل في جميع العلوم الشرعية، ودرجات العلماء متفاوتة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وقد ورد في الحديث الصحيح تشبيه الامة بالمطر لا يدري أوله خير أم اخره والكذب على النبي ص كان في زمنه ولم يزل الوضاعون يكذبون عليه وجواز رواية الاحاديث بغير ألفاظها بل بالمعنى الذي فهمه الراوي كان مذهب كثير من الصحابة فمن بعدهم ولذلك وهم بعضهم بعضا فيما خالفه فيه ولم يكذبه فيه وتجد في مجموعتنا ثمرات المطالعة بيان كثير من هذا النوع ودونت السنة بعد ذلك وقد أمن بعد التدوين كثير من التحريف والزيادات وأمكن جمع الالفاظ ونقدها للمتأخرين كما أنهم قد حصلت لهم وسائل سهلت عليهم الفهم كتدوين اللغة ووضع النحو والصرف وعلوم المعاني والبيان وغيرها وكالطباعة التي سهلت اقتناء الكتب وضبطها ووجود الكتبيات العامة والخاصة فبهذه الوسائل صار من القريب الهين على أحدنا مع ضعفه أن يتوصل في وقت يسير إلى ما لا يناله الجهبذ الكبير إلا برحلة طويلة شاقة وتعب كبير ونفقة غير قليلة.

[ 47 ]

وهذه مميزات مهمة ومثلها وجود ثمرات قرائح السلف وما تعبوا في تطلبه وكدوا أفهامهم في استنتاجه وما بحثوه من المباحث وما صنفوه في الكتب وما رد به بعضهم على بعض يجد المتأخر من نحو هذا ثروة واسعة وثمارا يانعة يستعين بها على ما يطلبه ويستنير بها في سيره فما يزعمه أمثال المصانع من منع الاجتهاد واستحالته لا يصح بل هو تثبيط للهمم وداع إلى التدلي المشين. نعم إن الذين يهبهم الله استعدادا للاجتهاد هم أفراد قليلون وحسب الانسان أن يحكم على نفسه فمن كان كليل الذهن فاتر الهمة مافون الرأي لم ياخذ من العلوم طرفا حسنا غير فقيه النفس فهو بعيد عن تلك الرتبة ويجب عليه أن لا يحسد من رزقه الله الاستقلال في الفكر وحسن الفهم وقوة الحفظ وذكاء القريحة وعلو الهمة وفقه النفس ونحو ذلك من صفات الائمة بل يسلم له بما استحقه. سبحان من قسم الحظو ظ فلا عتاب ولا ملامة أعمى وأعشى ثم ذو بصر وزرقاء اليمامة ويمشي في ضوء مشكاته ويستفيد من مواهبه لئلا يكون

[ 48 ]

من أشباه إبليس اللعين فيخسر الدنيا والدين. وإذا لم تر الهلال فسلم لاناس رأوه با لابصار ثم نقل المصانع في الصفحة السادسة عشرة عن بعضهم التصريح بانه لم يبق على البسيطة مجتهد مطلق وأن الله أعجز الخلائق عن هذا إعلاما بتصرم الزمان: انتهى بتصرف. وأقول هذا الحكم تحكم باطل لان مفاده أن الامة كلها عصت ربها وفسقت عن أمره وتركت أحد فروض الكفاية واجتمعت على الغواية وهيهات أن تتفق الامة المرحومة على ضلال. وليت شعري ما هي حجته عن الله أو عن رسوله على هذا البهتان المبين (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين). وابن عزب عنهم ما جاء في ذكر مجددي الدين والفرقة التي لا تزال على الحق ومن هم وكتاب الله معا لن يتفرقا إلى ورود الحوض. فقد روى أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي شيبة وابن سعد وأحمد في المسند عن أبي سعيد عن رسول الله ص أنه قال: يوشك أن أدعى فاجيب واني

[ 49 ]

تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي أهل بيتي وأن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لا يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما: ولهذا الحديث طرق عديدة وألفاظ وهو من الصحيح بل من المتواتر وفيه من التأكيد ما فيه فذكر أولا الثقلين مجملا ثم فصل إظهارا للاهتمام وللايضاح والبيان وشبه كتاب الله بالحبل الممدود من السماء إلى الارض وحذف الاداة لان المتمسك به يرقى إلى أعلى الرتب وذكر العترة ثم أبدل منها أهل بيتي والمبدل في نية الطرح لتاكيد التحديد ومزيد التشريف بالتنصيص وفي إضافتهم إليه من التشريف لهم بالخصوصية ما يقصر لسان التعبير عنه ليسد باب تحريف المتخرصين وفي ذكره لفظ العترة ثم إبداله منها لفظ أهل بيتي منع من دخول من حواه البيت المقدس من أمهات المؤمنين الطاهرات وغيرهن من نحو ربيب وخادم في تلك الخصوصية كما عملوا في غير هذا المحل مع ظهور عدم إرادة المتكلم لما زعموه وفي عزوه الخبر بعدم افتراق أهل البيت عن كتاب الله دائما وأبدا إلى اللطيف الخبير مع أنه لا ينطق عن الهوى دفع لوسواس من يزعم أنه قد يجتهد فيخطي وفي ذكر الاسمين العظيمين معا إشارة إلى أن مصدر كون

[ 50 ]

العترة عصمة للمتمسك بهم من كل ضلال هو اللطف الالهي وفيه إيماء إلى أن هذه المزية دائمة مستمرة لا تختص بطبقة دون أخرى ولا بزمن دون زمن ولهذا صرح بانهم لن يفارقوا القران إلى ورود الحوض وفي قرنه الخبير باللطيف قطع لشافة خرافات النواصب القائلين بان غير العترة أعلم منها بالدين وأحق بالامامة والزعامة فيه متعامين عن ما جاء من قوله تعلموا منهم ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ومن هذا الحديث وما في معناه يعرف المنصف أنه لا بد من وجود مجتهد صالح للاهتداء والتمسك به في كل زمن إذ لا فضل لمقلد على مقلدفيما قلدا فيه كما لافضل لاعمى على أعمى. قال المصانع في الصفحة 19: وحاصل ما ذكر في هذا الفصل اتفاق أئمة أهل السنة والجماعة على عدم وجود المجتهد الطلق الذي يجوز له استنباط الاحكام من الكتاب والسنة في هذا الزمن من مدة طويلة: انتهى. وأقول إن ما أتى به المصانع خبط بل ذم لمن أراد أن يناضل عنهم فدعوى أمثاله أن الله أعجز عبيده في القرون الاخيرة عن الاجتهاد لا أدري من وحي أي الشياطين إليهم كان وكقولهم إن العلماء أجمعوا على منع الاجتهاد فإن مقتضاه أنهم نسخوا ما افترضه الله من الاجتهاد وهل هذا إلا

[ 51 ]

عين تبديل الدين أعاذنا الله والمسلمين من كل بلاء ومحنة بمنه وكرمه. وحاشا أن يتفق من ذكرهم على نسخ أحكام الله وقد ذكر المصانع في كلامه السواد الاعظم وكانه يجهل أنه من كان على الحق ولو واحدا والكثرة تكون في الضلال: وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله: وقليل من عبادي الشكور: فالسواد الاعظم عند أهل الحق هم أهل البيت والمتمسكون بهم وهؤلاء هم الفرقة الناجية إن شاء الله وهم الطائفة التي لا تزال على الحق ومخالفوهم هم الفرق الاخرى المنحرفة عن الحق وتختلف مراتبهم في دركات الضلال. ثم كتب المصانع في الصفحة 20 فصلا في ضلال الرافضة وبدعتهم وفيما قاله أهل السنة فيهم الخ. وأقول قد قدمنا القول باننا إنما نناضل عن سادتنا أهل البيت والمتمسكين بهم وهم أهل الحق وتسميته لهم رافضة لبغضهم طاغية الاسلام وأمثاله في الله واجازتهم لعنه تقربا به إلى ربهم من الظلم وقلب الحقائق فإن كان عنى هؤلاء بما قاله فهو الضال المضل ونخشى أن يكون بكلامه هذا فيهم مكذبا لمزكيهم رسول الله ص وإن عنى غيرهم فليس من حاجتنا الكلام معه في ذلك في هذا المختصر.

[ 52 ]

وقد نقل المصانع في الصفحة 20 عن الصواعق المحرقة لابن حجر المكي ما لفظه: أخرج الدارقطني عن علي كرم الله وجهه ورضي عنه عن النبي ص قال سيأتي بعدي قوم لهم نبز يقال لهم الرافضة فإن أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشركون قال قلت يا رسول الله ما العلامة فيهم قال يفرطونك بما ليس فيك ويطعنون على السلف. وأخرجه عنه من طريق أخرى نحوه وكذلك من طريق أخرى وزاد ينتحلون حبنا أهل البيت وليسوا كذلك. وآية ذلك أنهم يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما: انتهى بحروفه. وقوله يفرطونك لعله محرف عن يقرظونك فليراجع. وأقول: إن عفونة الوضع تفوح من بعض ألفاظ ما نقله المصانع عن ابن حجر يشمها لم يصبه زكام النصب والتعصب ولا حاجة بنا إلى نشر العفونات وفي طي المصانع أو من نقل عنه ألفاظ الروايات الاخرى ما فيه لان لهذا الحديث ألفاظا وبعضها مما تنشق منه مرائر النواصب فكان من الجائز أن يكون طيها من باب دمغ رؤوس الرافضة وسنشير إلى شئ منها غير ملمين بذكر الاسانيد بل ولا المخرجين والطرق طلبا للاختصار ولانه لا حجة لامثال المصانع في هذا الحديث لو صح.

[ 53 ]

فقد روي هذا الحديث عن علي ع مرفوعا بلفظ: يكون بعدي قوم من أمتي يسمون الرافضة يرفضون الاسلام: وروي عن فاطمة ع أنها قالت نظر رسول الله ص إلى علي ع فقال: هذا في الجنة وإن من شيعته قوما يلفظون الاسلام لهم نبز يسمون الرافضة من لقيهم فليقتلهم فإنهم مشركون: وروي عنها ع من طريق أخرى ولفظه: قال رسول الله ص أما إنك يا ابن أبي طالب وشيعتك في الجنة وسيجئ أقوام ينتحلون حبك يقال لهم الرافضة فإن لقيتهم فاقتلهم فإنهم مشركون: وإذا تأملت ألفاظ الحديث وعرفت خلو الامهات الست منه ومما في معناه مع شدة توفر الدواعي على نقله بل وعلى الرحلة لتحصيله والمسابقة إلى ذلك لما يستفيده راويه من المال والجاه وما يناله من العز والرفعة وما يوسم به من نصر السنة ولا يوجد صارف عنه من خوف على النفس أو المال أو العرض وما كان هذا سبيله حقه أن يشتهر ويتواتر وأن تملى بشروحه الدفاتر المعتمدة وأن يكون حجة المجادل وسلاح المناظر ولكن شئ من ذلك لم يكن فدلنا ذلك على أن ليس له حظ من الصحة بل ربما كان مما أتى به أو زيد فيه أو حذف بعضه لدمغ رؤوس الرافضة...

[ 54 ]

وقوله فيما نقله عن ابن حجر في علامة أولئك المذمومين: ينتحلون حبنا أهل البيت وليسوا كذلك: ما يفيد أنهم كذابون يبطنون خلاف ما يدعون فيوالون أعداء أهل البيت ويحبونهم ويناضلون عنهم ويترضون تعظيما عن لاعني أهل بيت نبيهم وما أحسن ما قاله شيخنا العلامة ابن شهاب الدين في قصيدة في مدح أمير المؤمنين. هو الحب صدقا لا الغلو الذي به يفوه معاذ الله بعض طغامها ولا كاذب الحب أدعته طوائف تشيب قلاها بانتحال وئامها تخال الهدى والحق فيما تأولت غرورا وترميني سقاها بذامها وتنبزني بالرفض والزيغ أن صبا إليك فؤادي في غضون كلامها تلوم ويابى الله والدين والحجى وحرمة ابائي استماع ملامها فإني على علم وصدق بصيرة من الامر لم انقد بغير زمامها ولا شك أن موالي أعداء أهل بيت النبي عدو للنبي ص فقد كثرت الروايات عنه بانه سلم لمن سالمهم

[ 55 ]

حرب لمن حاربهم ومثله في خصوص أمير المؤمنين من أن سبه سب للنبي وسب النبي سب لله عزوجل كما في حديث أم سلمة وهو في الصحيح ونحوه ما صح في نفاق مبغضه وساب النبي كافر والمنافق في الدرك الاسفل من النار فما أحرى أولئك المنتحلي كاذب الحب بالذم. وفي ألفاظ الحديث بشارة عظيمة لمحقي شيعة أمير المؤمنين ع بانهم مع من يحبونه في الجنة وما أجدرهم بذلك جعلنا الله معهم وفيهم. وقوله في ألفاظ الحديث: مشركون: يرفضون الاسلام: يلفظون الاسلام: يقرظونك بما ليس فيك: ما يدل على أن من وصف عليا بما لم يصفه به أخوه رسول الله ص من الفضل والتفضيل مما لا ينبغي لاخي نبي ولا لوصي نبي فهو مذموم ومنهم من يدعي ألوهيته ع تعالى الله عن إفكهم فهؤلاء مشركون وقد وجدوا ولقيهم أمير المؤمنين ونفذ فيهم الحكم الذي أمره أخوه بتنفيذه ولا يجوز أن حكم بالشرك على من رفض شخصا من الصحابة مثلا ولا أن نقول إنه رفض الاسلام. والتنابز بالالقاب منهي عنه كتزكية النفس وقد عمت بذلك البلوى فكل طائفة تلقب نفسها باحسن الالقاب وتنبز

[ 56 ]

عدوها بشرها. فإن صح هذا الحديث فقد عرفت من هو أسعد الناس بما فيه من بشارة ومن هو الحري بما فيه من ذم وعلى فرض الصحة وعدمها لا حجة فيه للمصانع وأمثاله فإيراده تسويد للصحف بما تسود به الوجوه والصحف ونسال الله السلامة والعفو والعافية لنا وللمسلمين. وما جزم به المصانع من أن الرافضة مشركون قطعي البطلان لانه افتراء على الدين الاسلامي وكيف يصح تكفير من يؤمن بالله وكتبه ورسله واليوم الاخر ويصلي ويصوم بمجرد التشهي والدعاوي الباطلة الكاذبة وإن في الذين ينبزهم بالرفض أمثال المصانع الجم الغفير من علماء أهل البيت الطاهر ومن صميم محبيهم أهل التقوى والعبادة والتكفير أمر عظيم يتحاماه من يتقي الله تعالى ولو كنا مكفرين أحدا من أهل القبلة لجزمنا بكفر الذين يبغضون عليا لكثرة ما صح وتواتر عن الشارع فيهم. ولان يلقى الله العبد بكل ذنب غير الشرك به خير له من أن يلقاه بالنصب ونعوذ بوجه الله الكريم من موجبات سخطه كلها. قال المصانع في الصفحة 21 نقلا عن الشيخ

[ 57 ]

عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه أنه قال في كتاب الغنية: والرافضي من فضل عليا على عثمان: انتهى. وأقول قد اشتهر أن كتاب الغنية منحول للجيلاني وليس هو مصنفه وذلك هو الاقرب فإن فيه ما يمنعنا حسن ظننا بذلك الربانى أن نصدق بصدوره منه. ومن أجل أن المصانع أورد هذه الفقرة محتجا بها اقتضى الحال بيان ما هو الصواب إن شاء الله في ذلك بإيجاز. فنقول القول بالتفضيل بين علي وعثمان أو بين علي وسائر الصحابة ليس مما كلف الله به العباد وإنما أدخلها في المسائل الاعتقادية التحزب والتعصب ولذلك كثر الاختلاف في ذلك قديما وحديثا وافتعلت فيه الاحاديث من طائفتي السنة والشيعة كما اعترف بذلك القسطلاني وقال بالوقف كثير من العلماء. وحكى الوقف بين الاربعة في التفضيل الحبيب علوي بن أحمد الحداد في رسالته فصل الخطاب عن الجويني ثم قال ونقل الوقف ابن عبد البر عن جماعة من السلف وجزم بذلك الامام السهروردي في عقيدته المشهورة ويحيى القطان وغيره: انتهى. ولذلك لا يجوز تضليل المخالف فيها وحقيقة

[ 58 ]

الافضلية ومن هو الافضل قطعا من كل الوجوه لا يعلمه إلا الله ولا طريق لنا إلى علمه إلا بنص جلي عن الشارع. والقائلون بتفضيل أخي النبي علي ع على جميع الصحابة كثيرون منهم أهل البيت الطاهر كافة وبنو هاشم قاطبة وبنو المطلب جميعا وعدد جم من نخبة خيار الصحابة وأفاضلهم كالمقداد وزيد بن أرقم وسلمان وأبي ذر وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وعمار وأبي بن كعب وحذيفة وبريدة وأبي أيوب وسهل بن حنيف وعثمان بن حنيف وأبي الهيثم بن التيهان وخزيمة بن ثابت وقيس بن سعد وأبي الطفيل وغيرهم نقل هذا العلماء في كتبهم مفرقا كابن عبد البر وابن الاثير وغيرهما. وقد نقل كثيرا من هذا، لحبيب علوي بن أحمد الحداد في رسالته فصل الخطاب عن ابن عبد البر والعصامي وأورد الحبيب علوي في كتابه المذكور ما لفظه: ولم يرد عن السبطين وزين العابدين علي بن الحسين وابنه محمد الباقر والامام جعفر الصادق إلا أنهم يتولون ويثنون على الشيخين ولم يرد عنهم التفضيل للشيخين على علي: انتهى. وتفضيل الامام علي ع هو معنى كلام الحبيب عبد الله بن علوي الحداد في جوابه لمن ساله عن القطب كما في مكاتباته قال: أول الاقطاب علي. وقيل أبو بكر ثم

[ 59 ]

الخلفاء على الترتيب. ثم الحسين أي بعد الحسن ثم زين العابدين: إلى أن قال: القطب عبارة عن أفضل رجل من أهل الايمان في كل زمان: انتهى. فقد جزم بتقدم علي ثم أولاده مرتبا لهم وحكى قول الغير في تقديم أبي بكر ومن بعده بصيغة التبري والتمريض فتأمل وتفضيل علي هو معنى ما رويناه عن الشافعي في النصائح الكافية. والقول بذلك هو قول عمر بن عبد العزيز وجمع كثير من أفاضل علماء التابعين وساداتهم وهكذا في كل طبقة ولهؤلاء فيما ذهبوا إليه أدلة صحيحة واضحة لا تحصى كثرة. فلو صح ما نقله المصانع عن الجيلاني من أن الرافضي هو من يفضل عليا على عثمان أوما يزعمه بعضهم من أنه من يفضل عليا على الشيخين لكان هؤلاء كلهم رافضة ولكان الخير كله في ذلك الرفض بدون ريب. قال المصانع في الصفحة 22: كيف والرافضي من جنس المنافقين مذهبه التقية: انتهى. وأقول تقدم أن المصانع يسمي رافضيا من يفضل عليا على عثمان ومثله بالاولى من فضل عليا على سائر الصحابة ومن يبغض معاوية في الله تعالى ويرى لعنه من النوافل

[ 60 ]

والطاعات وتقدم أن من هؤلاء عترة محمد ص أجمعين ونخبة نجباء أصحابه وفضلاء متبعيهم بإحسان وقد قال فيهم المصانع ما نقلناه انفا ظلما لهم وهضما فما أفحشها من مقالة وما أبعدها عن الصواب وأعداء هؤلاء هم المنافقون المنصوص على نفاقهم فهل يقال للمصانع: رمتني بدائها وانسلت: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولون الا كذبا): لان حب علي وأهل البيت من أقوى علامات الايمان والتقية مما أجمع المسلمون على جوازه وإن اختلفت تسميتهم لها فسماها بعضهم الكذب لاجل الضرورة أو المصلحة وقد عمل بها الصالحون فهي من دين المتقين الابرار وعكس القول فيها كذب ظاهر. وأما المنافقون قطعا المجتمعة فيهم علامات النفاق فهم الذين يناضل عنهم المصانع في نبذته وإلى ربنا إيابهم وعليه حسابهم. قال المصانع في الصفحة 22 أيضا ما لفظه: وروي عن الامام مالك وغيره إنما أراد هولاء الرافضة في الصحابة الطعن في رسول الله ص ليقول القائل رجل سوء كان له أصحاب سوء لو كان صالحا لكان أصحابه صالحين: انتهى.

[ 61 ]

وأقول قد تقدم تعريفنا من يسميهم المصانع رافضة ونرى أن هذه المقالة لا تصح روايتها عن مالك أو قالها في شان رجال مخصوصين من أهل الخصوصية لانا قد علمنا مما حكاه ربنا في كتابه أن الصحبة تكون بين المسلم والكافر فاقرأ: قال له صاحبه ما هو جوابهم ولو عكس الكلام فقيل لمن ينسب إلى صحبته الخاصة ص معاوية وعمرا وبسرا والمغيرة وأبا الاعور وسمرة وشرحبيل وابن أبي وحرقوصا وذا الثدية وثعلبة وماتعا وابن صياد ومن هو مثلهم ممن لا يشك مؤمن عاقل منصف في أنهم من أخبث خلق الله وأفسقهم وشرهم إنما أردت أن تقول بهرج المسلمون فوصفوا نبيهم بغير صفته وهؤلاء أصحابه الممدوحون في شرعته فليكن صاحبهم مثلهم أفيكون قصدهم من صنيعهم هذا الكيد للاسلام والقدح في المقام الزكي ص. فإن زعموا أنهم ينفون صحبة ابن أبى بالنص على نفاقه قلنا لهم إن النبي ص لم ينفها فقال لمن استامره في قتله لا يقال إن محمدا يقتل أصحابه وهذا ثابت وفي الصحيح في المختلجين إلى النار المرتدين بعده ص قوله: أصيحابي أصيحابي: وهو مشهور وأيضا نقول لهم لم لم تعملوا النصوص كلها فتنفوا عن صحبته الخاصة مرتكبي فواقر الفواحش ورقاق الدين ومن أخبرنا بانهم من أهل النار

[ 62 ]

ودعاتها ومن على شاكلتهم فتكونوا صادقين. قال المصانع في الصفحة 22 و 23: ذكر الشيخ ابن حجر في كتابه الصواعق بعد قوله ليغيظ بهم الكفار قال ومن هذه الآية أخذ الامام مالك في رواية عنه كفر الرافضة الذين يبغضون الصحابة ومن ثم وافقه الشافعي (رض) في قوله بكفرهم ووافقة أيضا جماعة من الائمة انتهى ملخصا: انتهى المنقول عن المصانع بحروفه. ونقول نزلت هذه الآية عقيب صلح الحديبية والموجودون إذ ذاك من المسلمين هم المقصودون بها. فلا يصح شمولها لكل من سموه صحابيا قطعا فالاية خاصة واصطلاحهم الحادث عام فتأمل. ولفظ الذين في قول الله تعالى والذين معه عام فيمن قصد بالصلة التي هي هنا الظرف وهو مطلق المعية وهنا يجب صرفها إلى العهد كما حققه الاصوليون والمعهودون هنا هم الذين ذكرنا أنهم المقصودون بها. ولم يكن الطاغية منهم. ولو قيل بالعموم المطلق لدخل فيها كغيره من الطلقاء من جهتين متناقضتين هما الاسلام والكفر في قوله أشداء على الكفار وذلك باطل غير معقول وقد حقق الكلام على هذا شيخنا في وجوب الحمية فراجعه.

[ 63 ]

ولا شك أن أخا النبي وسبعماية رجل ممن حضر الحديبية وأغاظ الله بهم معاوية وأباه وهم معلنون شركهم قد حاربوا معاوية والقاسطين بصفين وأغاظهم الله بهم مع أخي نبيه كما أغاظهم بهم مع نبيه حتى دخلو في الاسلام كرها والسيوف مصلتة على رؤوسهم تعوذا من القتل وكذلك في صفين رفعوا المصاحف خداعا عائذين بها من القتل لما أخذتهم تلك السيوف بايدي أولئك الرجال فيتضح بهذا بطلان ما نقله المصانع وأن أخذ كفر الطاغية منها أقرب. وقد نص أهل السير على أن عبد الله بن أبي سلول كان ممن حضر بدرا ثم كان ممن حضر الحديبية فتذكر هذا. وبما أوضحناه تعلم فساد ما قاله المصانع وعدم صحة ما نقله وأن الدليل يقضي بخلافه والكلام في الصحبة وفضلها ومن هم الصحابة تجده مستوفي في النصائح الكافية ثم في كتاب وجوب الحمية فراجعهما. قال المصانع في الصفحة 24 نقلا عن ابن حجر المكي عن الامام علي ع ما لفظه: تفترق هذه الامة ثلاث وسبعون (كذا) فرقة شرها من ينتحل حبنا ويفارق أمرنا: انتهى. وأقول الحمد لله كثيرا قد أنطق الله المصانع بما يبين

[ 64 ]

كذبه وتضليله وأى مجنون يقول إن من أمر علي ع تولي معادى الله ورسوله معاوية وأذنابه القاسطين والترضي عن لاعنيه ولاعني شيعته من أئمة الكفر والمنافقين ففي ما نقله المصانع محتجا به دليل واضح على أنه ومن على شاكلته من المناضلين عن معاوية المحبين له شر فرق أمة الإجابة ويؤيد هذا أنهم فيما تقلدوه من انتحالهم زورا محبة علي وأهل البيت وانطواء جوانحهم على حب لاعنيهم ومبدلي دينهم ومبغضيهم وأعدى أعاديهم قد سلكوا مسلك سادتهم المنافقين في إظهارهم الاسلام وانطوائهم على ضده والمنافقون في الدرك الاسفل من النار لمخادعتهم لله ولرسوله وللمؤمنين وهؤلاء اتبعوهم فتولوا أعداء الله ونصروهم وغضبوا لهم وناضلوا عنهم مع زعمهم أنهم محبون موالون لعلي وأهل البيت خداعا ومكرا وما أشرنا إليه أمر ظاهر لا يحتاج إلى شرح عافانا الله مما ابتلى به أولئك وأعاذنا من مضلات الفتن بمنه. وليس يصح في الاذهان شئ إذا احتاج النهار إلى دليل قال المصانع في الصفحة 25 نقلا عن علي كرم الله وجهه: لا أجد أحدأ فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري: انتهى.

[ 65 ]

وأقول قد تقدم قريبا صفحة 56 وما بعدها ردنا لما نقله عن الجيلاني في مسألة التفضيل وأنها ليست مما كلفنا الله به قطعا ما يدل على بطلان هذا ولم يكلف الله أحدا من عباده أن يفضل أبا بكر على أبي هريرة فضلا عن غيره فما أحق بالتعزير زاعم التكليف لأنه مفتر على الله وهذه المقالة مما افتعله النواصب ووضوه لا يشك عاقل في ذلك ومثلها ما هو بمعناها ولا ينقلها مصدقا لها إلا مغرور أو مغرر. وقد ذكر المصانع في الصفحة 25 أيضا ما يطنطن ويطبل ويزمر به أمثاله تبعا لابن حجر المكي وأشباهه من أن عليا ع قد كان أشجع الشجعان وأقوى الصحابة جنانا وأعزهم أرومة وأنه من رؤوس من لا تأخذهم في الله لومة لائم وممن لا يغضي على القذاء فكيف يجد الخوف سبيلا إلى قلبه الممتلئ إيمانا فيلجأ إلى التقية ويسكت على ما يعتقد أن غيره أرضى منه لله ولرسوله إلى ما يشبه هذا من هذيا نهم ووسوستهم. والجواب أن أقوالهم ها ه محض نفاق وتضليل لأنهم يعتقدون خلافها ويصرحون با ن غير علي كان أشجع منه وأقوى إيمانا ووو... يكررون هذا في كتب عقائدهم ويلقنونه نساءهم

[ 66 ]

وصبيانهم كانه من معنى الشهادتين أو من المعلوم من الدين بالضرورة وبهذا تتحقق أنهم في مقالاتهم تلك إنما يقولون بافواههم ما ليس في قلوبهم ولم يكفهم ذلك بل زعموا أن مخالفيهم يكذبون ويبتدعون وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا إنما نحن مصلحون. والحق الذي لا مرية فيه أن عليا ع كان كما قالوا رجل الشجاعة وواحدها وكيف لا وهو صنو رسول الله ص وأشجعيته ع متفق عليها بين من عرف التاريخ الاسلامي لا يماري فيها إلا دجال رقيق الدين زمن المروءة مشاغب ولكنه ع لم يكن أشجع من أخيه رسول الله ص. وقد علمنا يقينا بخروجه ص من بيته بمكة ليلا خلسة وباختفائه ثلاث ليال في الغار خوفا من قريش. وعرفنا بكاء أبي بكر لما رأى سراقة مقبلا يجر رمحه وسراقة رجل واحد ولم تذكر عنه شجاعة وأبو بكر في زعم المطنطنين كان أشجع من علي وأكبر إقداما وأمض مضاربا وإن لم يعلم ذلك أحد ولم يروه أحد. وقد قرأنا في كتاب ربنا جل وعلا ما حكاه عن نبيه نوح ع: رب إني مغلوب فانتصر: وما ذكره عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما غلبه عصاة قومه ولم تك له

[ 67 ]

بهم طاقة: (واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي): الاية وما قاله لوط لقومه: (لو أن لي بكم قوة) الاية وقول نبيه يوسف ع: (ربي السجن أحب إلي مما يدعونني إليه): الاية وما أخبر به عن كليمه موسى ع: (فاصبح في المدينة خائفا يترقب) (ففررت منكم لما خفتكم) (رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي) الاية وقوله تعالى حاكيا عن نبيه هارون مخاطبا لاخيه موسى عليهما الصلاة والسلام: (إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني): الاية. وروينا ما صار لخير خلق الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى اله في صلح الحديبية. وقوله لام المؤمنين في شان الكعبة: لولا أن قومك: الحديث. فهل يرى أولئك المطنطنون أسوة لصنو رسول الله في الانبياء والمرسلين أم يزعمون أنه أرفع من هولاء المقربين وينكرون أنه من جنس الادميين فلا غضاضة عليه في خضوعه لسنة رب العالمين بل يزيده ذلك رفعة لإتيانه رخصة ربه باستعماله التقية الجائزة إجماعا وصيانته بذلك بيضة الدين سيما وما سكت عنه لم يكن مما يهدم أركان الاسلام. إن مجموع ما حوته بطون الدفاتر المعتبرة مما روي عن الامام علي يفيد القطع واليقين على أنه يرى أنه أحق

[ 68 ]

الناس بالامر وعلى التزامه التقية فمن كلامه: فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي وهم قليل حق قليل فضننت بهم عن القتل فاغضبت على القذى وشربت على الشجا وصبرت على أخذ الكظم وعلى أمر من طعم العلقم: وما في معنى هذا من كلامه في محاوراته وخطبه ومكاتباته يضيق نطاق الكتم عنه ويفيد اليقين فلا نطيل بنقله. قتل كليم الله موسى عليه سلام الله قبطيا واحدا من غمار القوم غير متعمد ولا قاصد قتله بل على سبيل الدفاع عن المضطهدين فاخبرنا الله عن حاله بقوله: فاصبح في المدينة خائفا يترقب: وأخبر أنه خاف وفر في قوله: ففررت منكم لما خفتكم: وأنه هاب العود إليهم بعد طول المدة واندمال الجرح: ولهم علي ذنب فاخاف أن يقتلون: وعلي ع قتل من لا يحص عددهم من سادات القوم ورؤسائهم وصناديدهم وأعيانهم ومن يفدونه بمهجهم ومن هو أعز ذوي قرباهم فكيف لا يخافهم ولا يتقيهم وهو محاط برجال من صميم سباع العرب وجبابرتهم الذين لا ينسون الثار فلا يقع بصره ع إلا على وجه رجل قد وتره بقتله جده أو أباه أو عمه أو خاله أو أخاه أو ابنه أو ابن عمه أو ابن أخيه أو قريبه والعهد قريب والجرح لما يندمل وكثير من القوم حديث عهدهم بالاسلام بل لم يلج الايمان قلوبهم

[ 69 ]

بل من الذين مردوا ومرنوا على النفاق وطبع الله على قلوبهم ممن أسلم كرها. حقا إن بقاء علي ع حيا بين ظهراني أولئك القوم إلى أن فتك به أشقاها لم تقتله الجن ولم تغله الغيلان ولم ياكل أعداؤه لحمه نهشا باسنانهم كما أكلت هند أم معاوية كبد عمه حمزة. إن بقاءه تلك المدة من أكبر معجزات أخيه ص وهذا واضح جلي عند من يتنزه عن التمويه والتغرير. تتميم إن قال قائل إنا نسلم جواز ما ذكرته عن أمير المؤمنين ع من التقية، ونقبله فيما كان قبل أن يستخلف، وأما بعد مبايعة عدول الامة له، والتفاف الالوف المؤلفة حوله ناصرين له، فاي مانع له إذ ذاك من تغييره كل ما لا يراه حقا وصوابا ؟ فليكن سكونه حينئذ عن ما كان من قبل رضاء به، وتقريرا له ؟. وجوابنا أنه ليس كل رئيس في جماعة يكون مطاعا، في كل شئ فكم من كافر صار رئيسا على مسلمين، وبالعكس، ولم يستطع تغيير أكثر ما يحب تغييره، وهذا أمر بين جلي.

[ 70 ]

وكل عارف بالتاريخ الاسلامي يعرف أن أمير المؤمنين عليا ع لم تستقربه الحال بل لم يزل في عناء وتعب منذ فارقه أخوه النبي ص إلى أن لحق بربه جل جلاله، ومن المحتم على الموفق أن يبدأ في أموره بالاهم فالاهم، وقد استغرق أوقات أمير المؤمنين حربه الناكثين، ثم القاسطين، ثم المارقين، ومعاناته رعيته الكثيرة الاود واللدد المختلفة الوجهة والرأي، إلى أن اختصه الله بالشهادة أثناء ذلك، ولم يصف له وقت ليصلح ويطهر، ويرد الامور إلى نصابها، ولقد كان يقول: (اقضوا كما كنتم تقضون) الخ وذلك خوف الفتنة، واعتبر بما صار من بعض كبار الصحابة لما ردهم إلى ما عرفته الكافة من سنة نبيهم في الاموال، وكيف صنعوا، فما بالك بغير ذلك، ولهذا كان ع يئن ويشكو ويومئ تارة، ويعرض أخرى، ولم يزل كلما رتق فتقا انخرق اخر، لان المرض أزمن واستحكم قال شيخنا العلامة ابن شهاب الدين من قصيدة: نبي الورى بعد انتقالك كم جرى ببيتك بيت المجد والمنصب السمي إلى أن قال أحسن الله إليه:

[ 71 ]

فكم كابد الكرار بعدك من قلى وخلف إلى فتك الشقي ابن ملجم وصبت على ريحانتيك مصائب شهيد المواضي والشهيد المسمم ضغائن ممن أعلن الدين مكرها ولولا العوالي لم يوحد ويسلم ذكر المصانع الصفحة (25) و (26) الإمامية، فخبط خبطا يشهد بانه جاهل بالفرق ومقالاتها، فاشبه كلامه كلام القائل: حارب معاوية بن أبي طالب علي بن أبي سفيان، الذي زوجته عائشة بنت محمد التي أمها فاطمة بنت أبي بكر. فلنمر كراما بذلك التناقض. تنبيه أكثر المصانع النقل عن ابن حجر المكي مغترا بما زخرفه من الزور في كتبه، ولقد أضرت تحريفات هذا الشيخ وتمويهاته بعقائد كثير من المسلمين في عدة أقطار، وهو والذهبي وابن تيمية من كبار نواصب أهل السنة، ومن أكثرهم تغريرا وزورا، وإن تفاوتت مراتبهم في ذلك، وقد شاركهم في كثير من ذلك بعض علماء تلك الطائفة المحترمة فتجد في طيات أقاويل بعضهم من دقائق النصب وخبثه ما هو

[ 72 ]

قرة عين إبليس، مما يدل على أنهم قد مردوا على النصب وغمر قلوبهم بغض علي وأهل البيت، فاعماها رانها، عاملهم الله بقسط عدله امين، فكن من زبدهم، وسموم نصبهم على حذر، ورضي الله عن شيخنا العلامة ابن شهاب الدين إذ كتب على ظهر الكتاب المسمى تطهير الجنان تصنيف ابن حجر المكي شعرا: لا تنكروا جمع تطهير الجنان ولا مدحا به كذبا فيمن بغى وفجر فإنما طينة الشيخين واحدة ذاك ابن صخر وهذا المادح ابن حجر وكتب المصانع في الصفحة (26) إلى الصفحة (57) فصلا في ذم الوهابية، وطلبا للاختصار نحيل طالب الحق على ما كتبه محققو العلماء أهل الاستدلال والإنصاف في حكم تلك المسائل، وننصح له بان لا يعتمد على شئ مما يهذي به المصانع، أو أشباهه من الجامدين المقلدين المتعصبين للاشياخ، فإن كثيرا منه مزاعم كاذبة، وخطا واضح. قال المصانع في الصفحة (57): الفصل التاسع في معرفة وصف أئمة أهل السنة والجماعة من الائمة الاربعة المجتهدين، وأتباعهم من الائمة المشهورين من المفسرين

[ 73 ]

والمحدثين، كارباب الامهات الست، والفقهاء المشهورين الذين من أجلهم علماء ساداتنا العلويين فهم كلهم ورثة الانبياء، هم أولياء الله، هم أهل السنة والجماعة، هم السواد الاعظم، هم حملة الشريعة المحمدية، هم الفرقة الناجية، هم المأمور على الامة (كذا) باتباعهم بالعض بالنواجذ (كذا) فهم الذين خصوا باستنباط الاحكام من الكتاب والسنة، وقام اجتهادهم مقام نصوص الشارع الذي يجب العمل به (كذا) ولا تجوز مخالفتهم. انتهى. وأقول: إننا ولربنا الحمد ممن يحب السنة السنية النبوية، ويحب اتباعها، ويكرم أتباعها، ويجل ويعظم حملتها وعلماءها، ويترضى عنهم، ولا يمنعنا ذلك من قولنا إن ما ذكره المصانع هنا كثير منه دعاوي لا يشهد بها نقل، ولا يؤيدها عقل، وكل ما كان كذلك فهو باطل. والنبي ص قد أمر أمته بالتمسك بعترته أهل بيته، وضمن لهم الهداية، وعدم مفارقة كتاب الله إلى ورود الحوض. وقد جاء الامر بسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فإن ثبت فهو مندرج تحت الامر بالتمسك بالعترة، لان سنة الخلفاء ما اتفقوا عليه كلهم.

[ 74 ]

ومن أجل أن عليا فيهم، وهو رئيس العترة وإمامها، وما قاله علي، وثبت عنه لم تخالفه العترة فيه - صح ما قلناه من دخول تلك السنة في عموم ما جاء عن العترة، وأما ما انفرد به بعضهم فذلك مذهبه وقوله خاصة، وليس من سنة الجميع، وهذا واضح، ولم يامر النبي ص أمته بالتمسك بطائفة أخرى بل حذر الامة من تلك الفرق. وعد المصانع للمفسرين والمحدثين من أتباع من ذكرهم لا يصح إن أراد التعميم، وإن أراد أن فيهم من كان من أولئك فقد صدق كما أن كثيرا من أولئك كانوا مستقلين، ومخالفين لبعض الاربعة في جمل من الاحكام. ولا يصح أيضا عده لعلماء سادتنا العلويين في جامدي المقلدين، فإن كثيرا منهم ممن لا يقلد الرجال، ووجود رجال منهم مقلدين يفتون بمذهب فلان أو فلان لا يكون حجة على غيرهم، والصحيح أن المقلد ليس بعالم حقيقي، ومذهب علماء السادة العلويين كتاب ربهم، وسنة نبيهم، والتمسك بالعترة، وأسانيدهم متصلة بآبائهم وأجدادهم، وقد ذكرنا فيما سبق ما يدل على هذا من كلام الامام الحداد رضي الله عنه، ونزيد الان ما نقله عنه المصانع في الصفحة (60) وهو قوله:

[ 75 ]

إن طريق السادة آل أبي علوي أقوم الطرق، وأعدلها، وسيرتهم أحسن السير وأمثلها، وأنهم على الطريق المثلى، والمهيع الافيح، والسبيل الاسلم الاصلح، ولا ينبغي لخلفهم أن ينتهجوا بغير المنهج الذي درج عليه أسلافهم. إلى أن قال: لانها طريقتهم التي يشهد لها الكتاب والسنة الكريمة، والاثار المرضية، وسيرة السلف الكمل، تلقوا ذلك خلف عن سلف، وأب عن جد، إلى النبي ص وهم متفاوتون فمن فاضل وأفضل، وكامل واكمل. انتهى بحروفه وتحريفه. وفي هذا المعنى يقول شيخنا العلامة أبو بكر بن شهاب الدين أسبغ الله عليه نعمه من قصيدة له فيهم: الاخذي علم الرسول شريعة وحقيقة من كابر عن كابر والسالكين طريقه قدما على قدم إلى القدم الشريف الطاهر يروون عن آبائهم عن جدهم عن جبرئيل عن العزيز الفاطر ونقل المصانع في الصفحة (59 - 60) عن العلامة

[ 76 ]

السيد طاهر بن الحسين بن طاهر قوله في وصف سيرة العلويين: فهي العروة الوثقى لا يتمسك بها إلا الاتقى، ولا يزيغ عنها إلا الاشقى، هي طريقة الرسول والخلفاء الراشدين الفحول، المأمور بالعض عليها بالنواجذ من كل طالب اخذ لان طريق سادتنا العلويين متصلة بتلك الاصول مسلسلة بالسند الصحيح إلى جدهم الرسول ص موطدة بصحيحات النقول، مؤسسة على تقوى من الله ورضوان محررة بدلائل السنة والقران لا يختلف في ذلك اثنان. انتهى. وفي هذا النقل حجة على فساد ما ادعاه المصانع على السادة العلويين، وأطلنا النقل هنا لئلا يتوهم من لا يعرفهم أن لما نسبه المصانع إليهم صحة، ولم نتكلم على بقية الدعاوي لظهور فسادها. ونقل المصانع في الصفحة (61) عن أبي هريرة عن رسول الله ص (أن الله عزوجل قال: من آذى لي وليا فقد اذنته بالحرب). انتهى. وأقول: ما أظن مؤمنا بالله ورسوله ص يشك في أن عليا ولي الله، ومن أخص خواص أوليائه، كما لا يشك عالم منصف في أن عدو الله معاوية اذاه ظلما، وعاداه حسدا وحقدا وعنادا لله ورسوله، فيكون من شر من اذنه الله بحرب

[ 77 ]

منه، ومن نصره تعصبا فهو شريكه ومستحق لمثل ما استحقه. وقد كرر المصانع القول بان لحوم العلماء مسمومة، وأن معادي العلماء من الاشقياء إلى نحو هذا فليت شعري ماذا يقول في علي أيجاحد في أعلميته، أم يتجاهل عالميته، وماذا حكمه في علماء أهل البيت الطاهر، وعلماء شيعتهم أهل الحق والإنصاف، أيشملهم الحكم، أم يستثنيهم تشهيا، أم يخرج نفسه ومن على شاكلته من هذه الاحكام، فيزعم أنه لا يلحق بهم، ولا يحق مليهم ذلك الوعيد بمعاداتهم حامة النبي ص ومحبيهم عليهم الرضوان، وما أدري ماذا أقول هنا: هل جهل معنى ما ينقل فيكون قد تعاطى زورا، قال العسقلاني في فتح الباري بعد ذكره الحديث في تحريم شهادة الزور ما لفظه: وفي الحديث تحريم شهادة الزور، وفي معناها كل ما كان زورا من تعاطي المرء ما ليس له أهلا. انتهى. أم أراد التغرير والتمويه، وكل ذلك وبال. قال المصانع في الصفحة (62) قال النبي ص (ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق ذو الشيبة في الاسلام، وذو العلم، وإمام مقسط) انتهى.

[ 78 ]

وأقول: إن أراد المصانع أن طاغية الاسلام أحد من يتصف ببعض هذه الصفات، وأن لاعنيه المستخفين به المبغضين له في الله، ومنهم أخو النبي ص علي ع ومتبعوه منافقون، فقد أعظم الفرية على الله وحكم بغير ما أنزل الله تعالى. وان أنكر أن سيد المسلمين، وصنو سيد المرسلين عليا ع لم تجتمع فيه تلك الصفات، وما هو خير منها وأطيب، وجحد أن المستخف به اللاعن له منافق قطعا، فقد أكبر البهتان. كتب المصانع في الصفحة (63) فصلا في فضل الصحابة، وفسر الصحبة بالاصطلاح الحادث، وهو قولهم: الصحابي من اجتمع بالنبي ص مسلما ومات على الاسلام. وهذا الاصطلاح قيل لينبني عليه معرفة إمكان كون الحديث قد سمعه عن النبي ص القائل: قال رسول الله، أو تحقق إرساله، وقد تكرر إيماؤنا إلى هذا فصنيع أمثال المصانع هنا من الغش، وبسط الكلام على الصحبة وفضلها، وبيان فساد الشبه التي زعمها بعضهم مفصل في النصائح الكافية، ثم في وجوب الحمية فليرجع

[ 79 ]

إليه من أحب. وليس مما ثبت من فضل الصحبة نصيب لطاغية الاسلام، وأذنابه، ومن على شاكلتهم، لانهم مسيئون في صحبتهم، وتد ورد في ذم ووعيد من أساء فيها أحاديث كثيرة جدا، صحيحة بل يفيد مجموعها اليقين بذم النبي ص لاولئك، وتجد في النصائح الكافية طرفا صالحا منها. وفي مجموعتنا ثمرات المطالعة أكثر من ذلك، فمنها حديث مسلم (في أصحابي اثنا عشر منافقا ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) الحديث. ومنها حديث البخاري (بينا أنا قائم - أي على الحوض - فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم: فقلت: أين ؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شانهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم: قلت: أين ؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شانهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم). قال الله تعالى: (ليس بامانيكم ولا أماني أهل

[ 80 ]

الكتاب من يعمل سوءا يجز به...) (1) وقال عز من قائل: (وممن حولكم من الاعراب منافقون، ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى هذاب عظيم) (2) وفي هذه الآية دليل واضح على أن منافقي من يسمونهم حسب اصطلاحهم الحادث صحابة كثيرون، ليسوا المشهورين المذكورين بالنفاق فقط، أو مع من أسر النبي ص أسماءهم إلى أخيه علي، أو إلى حذيفة كلا بل هم أكثر من ذلك لا يعرفهم جميعهم إلآ الله وحده، ولم يعرف بهم نبيه ص إلى وقت نزول هذه الآية، ومن يقول: إن الله عرف بهم نبيه بعد ذلك فعليه بالنص، وإلا فدعواه باطلة، فالقول بان ما ورد من الفضائل للصحابة يشمل كل من شملهم ذلك التعريف المخترع باطل قطعا. ولقد أساء المصانع فيما صنع، لانه قد اطلع على ما في النصائح الكافية من التحقيق في حكم الصحبة، ثم على ما في وجوب الحمية، ثم جرى على ما قد عرف بطلانه، ولم يتعرض لرد ما لم يرق له قبوله فيقرع الحجة بالحجة مع أنه كتب نبذته ردا على ذينك الكتابين، وإن لم يصحر، ولم


(1) سورة النساء الآية 123. (2) سورة التوبة الآية 101. (*)

[ 81 ]

يصرح والحق أحق أن يتبع. وخيار الصحابة قد خصهم الله تعالى، وله الحمد من الفضائل باطيب وأكثر مما ذكره المصانع فعليهم رحمة الله ورضوانه، وجزاهم عن حفظهم نبيهم في أهل بيته خير الجزاء فقد أدوا الامانة، وأحسنوا المكافاة بالجميل، وهيهات أن يعد فيمن هذه صفته من اتصف بضدها كعدو رسول الله ص ولعينه وابن لعينه، وعدو أهل بيته الداخل في الاسلام كرها، الخارج منه طوعا، عدو الاسلام، ومبدل أحكامه جهارا، فمحاولة إدخال من ذمهم النبي ص فيمن مدحهم ومن لعنهم، فيمن دعا لهم، ومن شهد لهم بالنار فيمن شهد لهم بالجنة خيانة للدين، وتعكيس للسنة، وتبديل للنصوص، وتحريف للشرع، وضلال مبين. وذكر المصانع في الصفحة (66) نقلا عن ابن حجر المكي فيما يظهر ما لفظه فوصفهم الله بالشدة والغلظة على الكفار وبالرحمة والبر والعطف على المؤمنين انتهى وأقول قد تقدم ذكر الاية والكلام عليها صفحة 38 ولا باس أن نزيد فنقول إننا ولربنا الحمد أشد حبا وتعظيما لخيار الصحابة من أمثال المصانع لانا نعظمهم كما أمر الله ونحبهم في الله طاعة لامر الله ورسوله لا تعصبا وتقليدا. وأما المنافقون والفجار

[ 82 ]

والضلال ودعاة النار فنحن بحمد الله وتوفيقه ممن يبغضهم في الله ويهتكهم امتثالا لامر رسول الله ص تحذيرا للناس من ضلالهم وهؤلاء وصفهم الصحيح ضد صفة أولئك فهم أشد على المؤمنين سيما ال بيت رسول رب العالمين حقدا عليه وتشفيا منه رحماء وبالكافرين والمنافقين. وأعوذ بالله أن أكون ممن يرى شدتهم، في قتال أخ النبي ص وفي قتلهم صاحبه الداعي لهم إلى الجنة بالنص المتواتر عمار بن ياسر الطيب المطيب وفي قتلهم حذيفة وأخوته. وفي دعوتهم عمارا والمسلمين إلى النار كما في النص الصريح المتواتر إن ذلك هو المقصود من الاية وأن من الرحمة لعنهم أخا النبي عليا وتسميمهم ابن النبي وريحانته الحسن وحرقهم محمد بن أبي بكر في جيفة حمار وقتلهم حجر بن عدي وأصحابه. وذكر المصانع في الصفحة (67) عن أبي زرعة الرازي ما لفظه: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق. انتهى. وأقول: أورد المصانع، هذه المقالة محتجا بها، ولنا أن نساله هل يعترف بان عليا من خيرة أصحاب رسول الله ص أم ينكر ذلك، وهل يرى لعن معاوية وسبه له على المنابر ظلما تنقيصا له أم لا، والانسان على نفسه

[ 83 ]

بصيره. وفي الصفحة (69) عقد المصانع فصلا في وعيد من يبغض أحدا من الصحابة الخ الخ. ومما تقدم قد عرفت الحق في مثل ما أورده المصانع هنا، فلا عود ولا إعادة، وهيهات أن يكون من الصواب سبك الطيب والخبيث في قالب واحد، وسلك الجهنميين، وأصحاب عليين في سلك واحد (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار) (1) (... قل الله أذن لكم أم على الله تفترون) (2). وفي الصفحة (70) نقل ما لفظه: قال عروة قالت لي عائشة رضى الله عنها: يا ابن أختي أمروا بالاستغفار لاصحاب محمد فسبوهم. انتهى. وذكر عن ابن عباس نحو ذلك. وأقول: إن عائشة قالت ذلك لما سب معاوية وأذنابه عليا وأولياءه، وروي عن أم سلمة عليها الرضوان مثل ما روي عن عائشة لذلك السبب، فأصحاب محمد المسبوبون


(1) سورة ص الآية 28. (2) سورة يونس الآية 59. (*)

[ 84 ]

هم علي وأولياؤه، وسابوهم هم الذين ينتصر لهم أشباه المصانع، وهذا وما في معناه حجة عليهم نيرة. ونقل المصانع أيضا في الصفحة (70) حديثين في نهي النبي ص عن سب أصحابه، وسبيلهما سبيل ما تقدم، ولا يدخل في الصحبة الخاصة الجهنميون والمنافقون، ودعاة النار، وكلابها بالنص بل يجب تنزيه الجناب المقدس عن صحبة أولئك الخبثاء، ولا ينسبهم إلى صحبته الخاصة من يعرف حالهم إلا إن كان في قلبه حقد على النبي ص، وأحب إفساد الدين، أو كان غافلا، أو مغرورأ. ونقل المصانع في الصفحة (71) عن الامام مالك ما لفظه: من شتم أحدا من أصحاب النبي ص أبا بكر، أو عمر أو عثمان أو معاوية، أو عمرو بن العاص، فإن قال: كانوا على ضلال وكفر قتل، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالا شديدا. انتهى. واقول: يجوز أن يكون ما نقله المصانع هنا عن مالك مكذوبا عليه قد دسه أعداؤه، كما يجوز أن يكون حمله على تلك المقالة خوف سوغ له أن يقولها تقية، وحسن ظننا بمالك يحملنا على عدم تصديقنا صدور تلك المقالة عنه، ولا ما يشبهها مما لا يصدر إلا عن ناصبي قد خذله الله وأبعده لا يبالي بالتقول على الله، ولقد علمنا ما أصاب مالكا

[ 85 ]

لموالاته أهل بيت رسول الله من ضرب وإهانة، ومثل هذه الروايات المكذوبة التي يلصقها أهل الاغراض بمالك حملت من لم يعرف ترجمته، وحقيقة حاله على أن يظن أنه كان يرى رأي الخوارج، ويتدين ببغض أخي النبي، وأهل البيت ع فممن توهم هذا صاحبنا العلامة الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي رحمه الله تعالى، وهو من أهل الإطلاع غير أنه قد انغرس في فؤاده ميل ما إلى مذهب سلفه الشاميين، ونسال الله لنا وله سابغ عفوه، فإنه قال في كتابه الجرح والتعديل في تزكية الخوارج صفحة (28) ما لفظه (ويكفي أن الامام مالكا رضي الله عنه عد ممن يرى رأيهم) انتهى. وقد اغتر بما نقله عن كامل المبرد، وسبيل من صدق صدور ما نقله المصانع عن مالك أن يعده في أولئك الحشرات الممقوتة، لان ما تكنه الصدور قد يتفلت فيترشح في فلتات الالسن، ومن أسنة الاقلام. وقد كتب إلينا أخونا العلامة المحدث الشريف محمد المكي بن عزوز، ألحقه الله باسلافه الطاهرين في عليين ينكر على القاسمي ذلك الوهم فقال: إن المبرد ليس ممن يلقي الكلام جزافا، ومراد المبرد رجل اخر كما بينه أبو حيان الشهير، كما رأيته بخطه على هاشم الكامل، كتب

[ 86 ]

ذلك سنة 717 في نسخة موجودة بالاستانة في مكتبة عاشر أفندي رحمهم الله: إن الرجل الموصوف بانه خارجي هو مالك بن أنس بن مسمع البكري البصري أحد رؤساء أهل البصرة وفقهائهم وعبادهم، لكنه متهم برأى الخوارج، ولم يقف لامره على حقيق والله أعلم. انتهى. ثم قال: قال أبو حيان في الامام مالك: إن هذا الامام الاعظم كان على الخوارج أشد من الموت الزؤام، والداء العقام، وقد سئل رضي الله عنه عن أهل حروراء، فقال: أحسب قول الله تعالى (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) (1) فيهم نزلت، والخوارج يبغضون المالكية أشد البغضاء لان إمامهم كان يقول بكفرهم في بعض الروايات عنه. انتهى. ومفهوم تلك المقالة التي نقلها المصانع أن معاوية وعمرا من الاصحاب، أهل الخصوصية، وذلك كذب وزور، لان خالد بن الوليد وأضرابه لم يكونوا من أهل ذلك المقام كما صح، فكيف يكون دعاة النار منهم. ويفهم منها أن عليا وأتباعه ممن يستحقون القتل، أو النكال الشديد (... كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن


(1) سورة الكهف الآية 104. (*)

[ 87 ]

يقولون إلا كذبا) (1) فتأمل جيدا واحذر من رسل إبليس وسماسرته. ونقل المصانع في الصفحة (71) عن ابن حجر المكي إطراء لمعاوية كله زور وتغرير وسفه، وهو مما يسوء محمدا ص وأخاه عليا ع، ولا يزيد قائله ومروجه إلا بعدا عن الله وعن شفاعة رسوله ص، ولا يزيده عند المؤمنين المخلصين إلا كرها في الله تعالى، ونسال الله السلامة من الوسواس الخناس من شياطين الجن ومردة الناس بمنه وكرمه. وقال المصانع في الصفحة (73): قال رسول الله ص (من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما. انتهى. وأقول: آمين امين لا أرض بواحدة حتى أضف إليها ألف امينا يشهد الله وملائكته وعلماء الاسلام أن عليا ع


(1) سورة الكهف الآية 5. (*)

[ 88 ]

أخو النبي ص، وأخص خواص أصحابه أهل الخصوصية، وقد تواتر لعن معاوية كبير القاسطين الباغين له ظلما وعدوانا، فان لم تنصب تلك اللعنة المذكورة في الحديث الشريف على أم رأس معاوية ثم أتباعه وأنصارهم، فلن تصيب أحدا من خلق الله أبدا، ولعنة الله على الكاذبين. وقد أطال المصانع الكلام والنقل في التحذير من ذم الصحابة، ومن الوقيعة فيهم، ومن الخوض فيما شجر بينهم إلى نحو ذلك شحن بذلك الصفحة (69) إلى الصفحة (75) مرددا له، وذكر فيما ذكر قول الامام الحداد: فذو القدح فيهم هادم أصل دينه ومرتبك في لج زيغ وبدعة وأقول: قد تقدم الكلام على من هم الصحابة، وعلى من يدخلهم فيهم غشا للامة أمثال المصانع كما ذكرنا، إننا ولربنا المنة ممن يحب في الله مؤمني أصحاب رسوله المحسنين في صحبتهم له، الموفين له بما عاهدوا الله عليه في حياته، وبعد لحوقه بربه، وإننا ممن يقدس نبينا ص عن الصحبة الخاصة مع الفجار والمنافقين، وحطب جهنم، ودعاة النار، وأما الصحبة العامة فهي ثابتة للكفار

[ 89 ]

فضلا عن المنافقين، ومثلها المصاهرة، قال الله تعالى: (وما صاحبكم بمجنون) (1) وقال (ما ضل صاحبكم وما غوى) (2). وصح قوله ص لما استاذنه بعضهم في قتل من لا شك في نفاقه: (لا يقال إن محمدا يقتل أصحابه). وصنيع المصانع، وكثير من أمثاله في سبكهم الخبيث مع الطيب في قالب من خيانة الامانة، ومن التغرير، واقتضاب المصانع بيت الامام الحداد رضي الله عنه من بين الابيات التي معه من ذلك القبيل، إذ لو كتب أبيات الحداد لظهر أنه خص بمدحه رجالا، وإليك أبيات الحداد رحمه الله ونفع به، قال: وأصحابه الغر الكرام أئمة مهاجرهم والقائمون بنصرة نجوم الهدى أهل الفضائل والندى لقد أحسنوا في حمل كل أمانة ومتبعوهم في سلوك سبيلهم إلى الله عن حسن اقتفاء وأسوة


(1) سورة التكوير الآية 22. (2) سورة النجم الآية 2. (*)

[ 90 ]

أولئك قوم قد هدى الله فاقتده بهم واستقم والزم ولا تتلفت ولا تعد عنهم إنهم مطلع الهدى وهم بلغوا حكم الكتاب وسنة فذو القدح فيهم هادم أصل دينه ومقتحم في لج زيغ وبدعة قال شيخنا العلامة أبو بكر بن شهاب الدين العلوي أحسن الله مجازاته في كتاب وجوب الحمية ردا على من فعل مثل ما صنعه المصانع ما لفظه: انظر كيف احترس هذا الإمام العظيم عن دخول معاوية، وأشباهه في تلك الاوصاف المحمودة التي مجد بها أفاضل الصحابة حيث قيدهم بالمهاجرين والانصار، ومتبعيهم بالإحسان كما قيد الله رضاه عنهم في الآية الكريمة بتلك القيود، ومن قدح فيمن ذكرهم هذا الإمام فلا شك في أنه هادم لدينه الخ. وانظر كيف عرف الحداد قدس سره صحبة النبي ص في آخر شرحه تصيدة العيدروس العدني قدس سره فقال: وصحبه هم الذين صحبوه في حياته وآمنوا به وهاجروا إليه، ونصروا دينه، وجاهدوا معه، وبلغوا عنه ما سمعوه، ورأوه من أقواله وأفعاله، فلاجتماع هذه المزايا، والفضائل لهم التي لم يشاركهم فيها غيرهم كانوا

[ 91 ]

سادات الورى، وأئمة الهدى. انتهى ما نقلناه عن وجوب الحمية. فهل لمعاوية شئ مما وصف به الحداد الصحابة، كلا بل هو القادح فيهم، الهادم أصل الدين القاتل جملة من أفاضلهم من الانصار والمهاجرين، أيظن المصانع أن الإمام الحداد يقول: إن عليا أخا النبي عليهما وآلهما الصلاة والسلام هادم أصل دينه بسبه معاوية الداعي إلى النار، كلا، ولكن التغرير والتمويه والمخادعة شان أهل الضلال، فدعهم وما يفترون، والحق وراء ذلك. إن من أفضل صفات الصحابة الهجرة، ومع ذلك فمهاجر أم قيس معروف حاله ومن أشرف صفاتهم الجهاد والشهادة فيه، وربنا جل جلاله يعلم من قاتل وقتل لتكون كلمة الله هي العليا (... منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة...) (1) وقد أبلى قزمان يوم احد أمام رسول الله ص وفعل ما قصر عنه بعض كبار الصحابة حتى أثبتته الجراحة، وقد أخبر النبي ص أنه في النار.


(1) سورة آل عمران الآية 152. (*)

[ 92 ]

تنبيه سب من يسمونهم الصحابة حسب اصطلاحهم الحادث بعضهم لبعض قد وقع قطعا، ولا سبيل لتاثيمهم كلهم، كما لا سبيل إلى القول بضد ذلك، وحيث أنه لم يقل أحد يعتد بقوله بتخطئة علي تحققنا أن سبه ع لاعدائه كان طاعة لله فهو فيه مثاب، ومثله من شاركه وناصره واتبعه كما تيقنا أن سب أعدائه له ع كان ظلما وإثما، ونفاقا وفسوقا. فما يفهمه قولهم من ذم كل ساب لاي فرد ممن سموهم باصطلاحهم صحابة باطل قطعا، وإلا لدخل فيه علي من جهتين متقابلتين ففي إثباته إبطاله فتأمل. وأما ذم الخوض فيما شجر بين الصحابة فسياتي الكلام عليه. وأما القول بوجوب تأويل هفوات الصحابة، وإثبات اجتهادهم فليس ذلك بالنسبة لمن شمله اصطلاحهم من حاضر وباد، ذكر وأنثى حر وعبد برا أو فاجرا، موفيا أو غادرا، ولكن قال ذلك من قاله فيما شجر بين فاطمة وعلي ع، وبين أبي بكر وعمر، وما يضارعه، قالوا: من أجل علمنا بما لهم من السوابق الحسنة، والايادي البيض في الاسلام ونصره، وورود الثناء عليهم من

[ 93 ]

مشرفهم، وما خدموا به الاسلام معه، وبعد وفاته، وثبوتهم على محبته وطاعته ص، وقد وجدنا لما ثبت عنهم من الهفوات احتمالات قريبة، لا تشبه المسخ والتحريف، فلمجموع ذلك قالوا ما تقدم ذكره. وبديهي أنه لا يشارك هؤلاء في هذا من اتصف بضد صفاتهم من دعاة النار والمنافقين والنواصب أعداء رسول الله ص وأعداء أهل بيته الذين ثبت ذم رسول الله ص ولعنه لهم، وإخباره بمروق مارقهم، وبغي باغيهم، وبمن يكون في تابوت من نار في النار، وبمن يموت على غير الملة، وبمن يكون ضرسه في النار مثل أحدووو... (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار) (1) (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة...) (2) فتعميم الخاص، وتفسير ألفاظ الكتاب والسنة، بالاصطلاح الحادث غلط، أو غش يبتعد عنه أهل الذمم الطاهرة. وقد كتب المصانع في الصفحة (76) فصلا في وجوب


(1) سورة ص الآية 28. (2) سورة الحشر الآية 20. (*)

[ 94 ]

الإمساك عن الخوض فيما شجر بين الصحابة. الخ. وأقول: قد قال هذا رجال، ولكن قل لي من هو الذي عمل به. ألم يكن الصحابة أنفسهم من أكثر الناس خوضا في ذلك، ومثلهم التابعون، وهكذا من بعدهم قرنا بعد قرن. نعم لعل الخوض الذي قالوا بمنعه هو الخوض بمثل ما شحن به المصانع نبذته من مدح الفساق وتعظيم أهل النفاق، وتبرير فواحش الفجار، ومدح دعاة النار، وتعميم الخاص، والتحريف والكذب، وما أشبه هذا، فإن كان ذلك كذلك فنوافقهم عليه. ثم إن جميع ما نقله المصانع عن العلماء، وما في معناه معارض باقوى منه مما يؤيده عمل علماء الامة سلفا وخلفا جيلا بعد جيل فالمفسرون والمحدثون والمؤرخون قد شحنوا كتبهم بصحيح تلك الاخبار وسقيمها أتراهم عصاة آثمين كما حكم عليهم أمثال المصانع أم ماذا. وقد أجاد وأفاد شيخنا العلامة ابن شهاب في كلامه في وجوب الحمية صفحة (44) على هذه المسالة فراجعه فبه غنية لمريد الحق. وفي الصفحة (77) نقل المصانع عن الغنية المنسوبة

[ 95 ]

للقطب الجيلاني عليه الرضوان ما لفظه: وأما خلافة معاوية بن أبي سفيان فثابتة صحيحة بعد موت علي رضي الله عنه، وبعد خلع الحسن بن علي رضي الثه عنهما نفسه عن الخلافة، وتسليمها إلى معاوية رأي راه الحسن، ومصلحة عامة تحققت له الخ. انتهى. وأفول: تد ذكرنا فيما تقدم أن كتاب الغنية لا تصح نسبته إلى القطب الجيلاني رحمه الئه تعالى، ولو تنزلنا وفرضنا صحة نسبة ذلك الكتاب لذلك الجناب، وتلنا: إن حضرة الغوث غشيه الشطح فتال في ملك معاوية: إنه خلافة ثابتة صحيحة، فاي ثمرة لذلك الشطح أتكون المسالة خلافية بين رسول الله ص إذ أخبرنا بانه ملك عضوض، وبين الشيخ عبد القادر إذ يقول: إنه خلافة ثابتة صحيحة ! ! !، ولكننا نجل عالي مقام الشيخ عبد القادر عن هذا التسفل، ومازال الدجالون يختلقون على كبار العلماء ما يروجون به ضلالاتهم، أو يدخلون به الشكوك في تدين أولئك العلماء، كما تقدم الكلام فيما نسبوه إلى الامام مالك رحمه الله، ولم يزد الله المخلصين من العلماء بكذب الضلال إلا رفعة (... وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) (1).


(1) سورة الشعراء الآية 227. (*)

[ 96 ]

وحديث (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك) نص في المسالة، وقد أخرجه أحمد في المسند، وأبو يعلى والترمذي وأبو داود وابن حبان والحاكم عن سفينة وغيره. وأخرجه.. نعيم في الفتن، والبيهقي في الدلائل، وكثيرون عن حذيفة وغيره، وفي لفظه (ثم يكون ملكا عضوضا) قال ابن حجر المكي: أي يصيب الناس فيه - أي في ذلك الملك - ظلم وعسف، كأنهم يعضون عضا. انتهى. قالوا: وقد تمت المدة المضروبة للخلافة النبوية بمدة الحسن ع فكان أول شرار الملوك معاوية، كما أخرج ذلك ابن أبي شيبة عن سفينة. فذكر معاوية في خلفاء الحق مع ورود النص بانه أول شرار الملوك، ومن دعاة النار ممن علم ذلك خيانة كبرى بل كيد للاسلام. تنبيه إن الخليفة الحق لا يملك الخلافة، كما يملك المتاع يسوغ له أن يتنازل عنه لمن شاء، بل الخلافة منصب ديني كبير لا يتحلى به إلا المتأهل له المجتمعة فيه شروطه المشهورة.

[ 97 ]

وانعقاد الخلافة للإمام الحسن محقق لاستحقاقه لها، واجتماع الشروط فيه، ومبايعة أهل الحل والعقد له، فنزوله عنها لا يصح إلا لنحو جنون، أو برضاء تام، ولم يكن شئ من هذا قطعا. وقد كان تنازل الحسن ع كرها إجماعا فلا حكم له، وخلافته الشرعية باقية كما هي، وحقوته ثابتة لم يمح منها الإكراه شيئا. ومن المقطوع به أن كبير دعاة النار أبعد خلق الله عن استحقاق خلافة نبيه الداعي إلى الجنة، فلم يزدد معاوية إلا بعدا عن الله وتوغلا في العصيان بما صنع وجميع هذا واضح. ومن هنا ساغ للحسن ع ما اشترطه من الاموال لانه وإن منع عن التصرف كرها يجب عليه أن يبذل كل جهده في نفع المسلمين واستخلاص ما أمكنه استخلاصه من حقوقهم وأموالهم باية وسبلة أمكنت، وتحت أي اسم كان، ليضع ما تمكن من استخلاصه في موضعه الذي أمر اله به. ومعاوية ممن لا يجوز ائتمانه على أمر ما من أمور المسلمين بعد ظهور ما ظهر منه، فمن ائتمنه بعد ذلك طائعا

[ 98 ]

كان من أكبر الخائنين الغاشين للامة الملعونين على لسان محمد ص وحاشا لله أن يكون من أولئك ابن النبي وريحانته، ومن يخن الامة ينعزل بخيانته عن ولايتها عند كثيرين، وقد استدلوا باحاديث صحيحة لا سبيل لتطرق التهمة إلى رواتها، لانها ضد ما يميل إليه ذوو الشوكة، وخزان الاموال، ومن العجيب قولهم: إن حاضن الصبي ينعزل بفسقه، ثم يزعمون أن متولي أمور الامة لا ينعزل، وإن جمع أشتات الفسوق، ولهذه المباحث بسط، أودعناه مفرقا في ثمرات المطالعة. ونقل المصانع في الصفحة (78) عن الشيخ الغزالي رحمه الله تعالى أنه قال: وما جرى بين معاوية، وعلي رضي الله عنه كان مبنيا على الاجتهاد لا منازعة من معاوية للإمامة إذ ظن علي رضي الله عنه أن تسليم قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة في بدايتها، فرأى التاخير أصوب، وظن معاوية أن تأخير أمرهم مع عظيم جنايتهم يوجب الإغراء بالائمة، ويعرض الدماء للسفك، وقد قال أفاضل العلماء: كل مجتهد مصيب، وقال قائلون: المصيب واحد، ولم يذهب إلى تخطئة علي ذو تحصيل أصلا. انتهى. وأقول: ما قاله الغزالي هنا مما لا أساس له بل هو

[ 99 ]

مبني على تخيلات شعرية لا وجود لها في الخارج، فهو كلام باطل مردود مضروب به عرض الحائط ما خلا فقرتين: إحداهما ما حكاه من قول البعض: بان المصيب واحد، وثانيتهما: قوله: لم يذهب إلى تخطئة علي ذو تحصيل أصلا، وما عدا هذا فخطا تبع فيه بعض من تقدمه، وردد صداهم، وأما قوله: كل مجتهد مصيب فسياتي بيان معان الصحيح إن شاء الله تعالى. وللغزالي رحمه الله على جلالة قدره وكثير علمه أغلاط مشهورة، وفي كتبه توجد مسائل مردودة كثيرة، وقد قال جمع من سادتنا العلويين رحمهم الله تعالى مع محبتهم للغزالي وكتبه سيما الإحياء: إن فيه مسائل نود محوها ولو بماء العيون، منها: انتصاره لاهل البغي، وسنتكلم على ما نقله المصانع عن الغزالي، ولو كان عمن لا يعبا به لمررنا به كراما فاستمع. إن قول الغزالي: ولم يذهب إلى تخطئة علي ذو تحصيل أصلا - مفاده أن عليا كان مصيبا في قتله جميع من قتلهم، وفي لعنه جميع من لعنهم، وفي عدم تسليمه من يطلبون تسليمهم، وأنه لم يداهن ولم يصانع، وكيف لا يكون علي هكذا، وهو صنو النبي ص الذي يدور معه الحق حيثما دار، واعتراف الغزالي بما ذكر ينسف تخيلاتهم

[ 100 ]

وأوهامهم التي سطروها. ثم إن قتال علي لمن قاتلهم من الناكثين والقاسطين والمارقين لم يكن جميعه عن اجتهاد محض بل جله كان عن أمر وتنصيص عن أخيه ص، وقد بسطنا النقل في ذلك في كتاب أحاديث المختار في معالي الكرار، ولذلك قال علي ع: (لم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمد ص). وأما قتال معاوية لعلي فليس شئ منه كان عن اجتهاد شرعي البتة، وإنما كان كله اجتهادا في الشر، وفي طاعة إبليس لاظغان بدرية، وأحقاد شركية، وأطماع دنيوية جاهلية، وشتان ما بين الاجتهاد الشرعي وبين مقاتلة صنو سيد المرسلين، وقتل خيار المهاجرين الاولين، وصفوة الانصار السابقين، ومخلصي البدريين الصادقين الموفين، ولعن أخي النبي الامين ص، وإكراه الناس على البراءة مما يدين الله به من الدين، وأي عاقل يشك في أن هذا عداوة لله رب العالمين. وأما الزعم أن معاوية لم يكن منازعا لعلي في الإمامة فزعم باطل. روى البخاري: خطب معاوية قال: من كان يريد أن

[ 101 ]

يتكلم في هذا الامر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه. انتهى. وهذا منه تعريض بابي بكر وعمر وعلي فراجع ما ذكره في فتح الباري، ودع عنك سفسطة الشيوخ الشفافة، ولم يستح بعض وقحاء المناضلين عن الطاغية من التصريح بانه كان أحق بالإمامة من علي، أو كان يرى أنه أحق بها منه. راجع تمويهات أشباه ابن تيمية عاملة الله بعدله. وقد ذكر بعضهم أن معاوية كان يؤسس الامر لنفسه منذ زمن عمر، وأن عمر كان عالما بذلك، وسكت خوف الفتنة، وذكروا أن تولية عثمان لم تتم إلا بتأثير معاوية، ونفوذه، فقولهم بعدم منازعة معاوية عليا في الإمامة مكابرة ظاهرة، ولذلك لم يقل بها كبار أنصاره المجاهدين المباهتين في نضالهم عنه كابن تيمية شيخ النصب مع أنه قد بلغ به اللجاج والغلو إلى أن صرح بتفضيل من يؤمن بنبوة يزيد بن معاوية على من يسميهم غلاة الرافضة. وأما تخيل الغزالي أن عليا أخر تسليم قتلة عثمان الخ. فقد ذكره غيره أيضا، ولكنه باطل. أولا: أن تسليم القتلة للاقتصاص منهم لا يكون إلا

[ 102 ]

بعد ثبوت قتلهم عمدا وظلما مسلما محترما، وهذا لا يكون إلا بعد المحاكمة ولم تقم دعوى من أولياء عثمان على أحد أمام حاكم بانه قتله، وأمامنا التاريخ الإسلامي شاهد عدل. ثانيا: أن المجلبين على عثمان والمتسببين في قتله كانوا أقساما: أحدها: المخلصون الطالبون للحق، ولا غرض لهم في مال ولا جاه، ومنهم عائشة أم المؤمنين، وعمار وكثيرون. وثانيها: من عاون هؤلاء كطلحة والزبير وغيرهما. وثالثها: أولو الاغراض السياسية، والاطماع الدنيوية، وهم الذين دسوا الدسائس، وحركوا الفتنة، وخذلوا وتباطؤا في نصر عثمان ليتمكنوا مما دبروه، ومنهم معاوية، ومروان، ويعلى، والوليد، وعمرو وغيرهم فهؤلاء هم أسس الفتنة، رموقدوها وناصبوا الحبائل، ومادوها ليجعلوا قتل عثمان قنطرة إلى أغراضهم الملعونة، وهذا كله ظاهر لمن بحث وتامل، ولم يعمه الغرض. والذين باشروا قتل عثمان لم يكونوا جيشا عرمرما بل كانوا ثلاثة أو اثنين، وقد قتلوا في دار عثمان بعد قتلهم له. وهل يطلب الاقتصاص ممن قد مات، فكل ما

[ 103 ]

يسفسط ويموه به الطاغية وأذنابه، والمناضلون عنه كذب وغش. والقسم الاول من المجلبين، وكذا الثاني ومن معهم من أهل مصر والكوفة إنما حصروا عثمان ليسلم إليهم مروان ليحاكموه لا ليقتلوه، أو ليعتزل إمرة المسلمين إن ضعف عنها. فالقول بان عليا: إنما ترك قتلة عثمان لاختلاطهم بالعسكر، ولكثرة عشائرهم اتقاء الفتنة غلط مكشوف بل محض تخيل بل تغرير. ومن هم هولاء الرؤوس المتبوعون الذين خافهم علي وآثر خوض المعامع، وقتل الالوف على كبحهم، اللهم لا أحد، وإنما خلقهم خيال أهل الاغراض لحاجة في نفس يعقوب. وإذا علمنا أن مذهب أهل السنة إهدار دم قتيل الفتنة اتسعت دائرة النظر. وقد صح قول علي ع لمعاوية: بايع ثم حاكم القوم إلي أحكم بينكم بحكم الله، فتأمل ما ذكرناه بإنصاف ترشد إن شاء الله تعالى. ويوضحه عدم مطالبة معاوية لما تم له الملك أحدا ما

[ 104 ]

بدم عثمان، بل لم يذكره، فهل طارت به العنقاء، ولم ينص عليه في الصلح، والصلح قد صرح معاوية بانه قد وضعه تحت قدميه، ولم يمنع الصلح معاوية عن قتله من قتلهم ظلما وتشفيا وحقدا، وعن سبه أخا النبي ص بغضا له، وعن تسميمه الحسن ع إلى كثير نحو هذا، فهل يترك ثار ابن عمه الذي أهلك الامة وأفسد الدين وقتل من لا يحصى عدده من المسلمين في زعمه الكاذب من أجله، وهو يراه من أجل الصلح هذا مما لا يعقل، والحق أن المقصود حصل والغرض تم، ولم يك الطاغية ممن يرقب إلا ولا ذمة. فإن أبى مجاحد قبول قولنا هذا، أوشك فيه أبله مغفل قلنا له: أي صلح يسقط الحدود الشرعية ! ومتى سامح أولياء عثمان قتلته، أو من شرك في قتله بزعمهم. تنبيه من عرف ما جرى في أيام الغزالي من الفتن بين أهل السنة والشيعة التي قتل بسببها من الطرفين مئات الالوف على ما ذكروا، وعرف أن الغزالي ممن اصطلى بنارها، وطال كربه، وتالم ضميره منها ربما عذره في عدم نقده الاقوال التي تتعلق بتلك المسائل، وقناعته بترديده بعض ما قاله من كان قبله وإلى الله يرجعون، والإنسان على نفسه بصيرة،

[ 105 ]

والعاقل لا يغتر بالافتراضات والتخيلات الشعرية. ونقل المصانع في الصفحة (78) أيضا من كتاب الترياق النافع لشيخنا أبي بكر بن شهاب الدين دامت إفاداته مقالة ميمون بن مهران لما سئل عن أهل صفين: تلك دماء طهر الله يدي منها فلا أخضب لساني بها، ونرى الكل ماجورين إن شاء الله الخ. انتهى. وأقول: إن شيخنا أحسن الله مجازاته إنما حل في الترياق جمع الجوامع وشرحه، ولم يذكر فيه ما يرجحه هو. وقد نقل المصانع ما نقل من النسخة المطبوعة، وفيها بالهامش قد فسر المصنف تلك المقالة فاعمى الغرض المصانع عن التفسير، وها هو بنصه صفحة (255) ج (2) مراد ميمون بن مهران رحمه الله بقوله: تلك دماء طهر الله منها يدي الخ - دماء حزب الإمام الحق سيدنا ومولانا علي كرم الله وجهه، إذ هي التي يمكن وصف اليد السالمة منها بالطهارة لا دماء الحزب الآخر فلا يمكن وصف الايدي السالمة منها بالطهارة، وكيف وأول يد لطخت بها يد الإمام علي رضي الله عنه مع أن النص والإجماع على أنه محق في سفكها، وأن قتال البغاة واجب ماجور فاعله انتهى مؤلف. انتهى.

[ 106 ]

وما ذكره شيخنا هو الاولى بان يفهمه من يحسن الظن بمهران، ويقول: إنه من أهل السنة، ويدل لهذا ما نقله حافظ المغرب ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستيعاب من رواية ميمون بن مهران هذا عن ابن عمر: أنه دخل عليه رجل فسأله عن تلك المشاهد فقال كففت يدي فلم أقدم والمقاتل على الحق أفضل: انتهى. ويجوز أن يفهم مفالة ميمون هذه على نحو ما فهمها المصانع من يقول أن ميمونا ناصبي مبغض لعلي ويجعلها من جملة ما يستدل به على نصب ميمون ونفاقه وقد ذكر العسقلاني رحمه الله تعالى في ترجمة ميمون هذا عن العجلي أنه كان يحمل على علي فإن ثبت هذا فهو منافق ملعون والله أعلم. وأما قول ميمون: ونرى الكل ماجورين: فهو رأي باطل وأمنية شيطانية كيف وربنا يقول: (ليس بامانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به): وسياتى الكلام على هذا إن شاء الله تعالى. ونقل المصانع أيضا في الصفحة 78 عن عائشة رضي الله عنها وعن مالك ما تقدم إيضاح الحق فيه وكرر فيها ما تقدم بيانه من ذم سب الصحابة كما كرر ذم الاعتماد على

[ 107 ]

جهلة المؤرخين ولم يسمهم. فإن عنى بهم أمثال المحدث محمد بن جرير الطبري والحافظ بن عبد البر وابن الاثير وابن قتيبة وابن سعد والزبير بن بكار والبيهقي والسيوطي والحافظ العسقلاني والحافظ البلاذري فذاك ما لا يوافقه عالم عاقل عليه. ونقل في الصفحة 78 أيضا عن أم المؤمنين عائشة: أنها قالت سمعت نبيكم ص يقول لا تذهب هذه الامة حتى يلعن أولها آخرها: انتهى. وأقول إن هذا الحديث حجة عليه لا له لان أول هذه الامة الاولية الحقيقية هو أخو النبي وصنوه عليهما وآلهما الصلاة والسلام والسابقون الاولون الذين لعن وقتل معاوية كثيرا منهم وأم المؤمنين عائشة ممن لعن معاوية وقنت عليه. وقد مر بك ما قاله ميمون بن مهران آنفا من أن الكل ماجورون وقد قال غير ميمون هذه المقالة بل غلا الشيخ ابن حجر المكي فزعم كما نقله المصانع عنه في الصفحة 79 أن معاوية وأذنابه ساعون في مرضاة الله وطاعته ومنشا ما صدر عنهم سعة علم ممنوح من النبي ص واجتهاد فراجع ألفاظه هناك إن شئت: (نكاد السموات يتفطرن منه

[ 108 ]

وتنشق الارض وتخر الجبال هدا): اللهم إننا نبرأ إليك من الضلال والتضليل هكذا فلتكن الوقاحة ورقة الديانة وخيانة الامانة إذا لم تستح فاصنع ما شئت التربع في كرسي الدعوة إلى النار ولعن من هو كنفس النبي المختار وقتل إخوانه كخزيمة وعمار تنشا هذه الفظائع والمخزيات عن سعة علم ممنوح من النبي ص وعن اجتهاد شرعي يستحق الثواب من الله فاعلوها: ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون: ما هذا إلا التلاعب بالدين والتمويه والتغرير والغش الواضح المبين: لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم: سيحملون أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم: (ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة): الآية ويكفي المنصف الموفق في رد القول بإثابة الباغين قول الله تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئآت أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون). فهذه المقالات وما في معناها مخالفة للفطرة وللعدل ولما يعتقده السلف الصالح وإنما اخترعها المتاجرون بدينهم وعلمهم الذين يحكمون بما يرغب فيه طواغيتهم ليحوزوا

[ 109 ]

بذلك صلاتهم وينالوا بذلك حمايتهم فيصنفوا لهم من الكتب ما يغوون به العوام ويحرفون الكلم عن مواضعه سلوكا لسبيل من تقدمهم من الامم ومنهم من يكشف القناع فيذكر في صدر كتابه أنه صنفه تبعا لرغبة الامير فلان: (اشتروا بآيات الله وإيمانهم ثمنا قليلا). قال الإمام المحدث الشريف محمد بن المرتضى رضي الله عنه في إيثار الحق: تواتر عن الصحابة أنهم كانوا يعتقدون في الباغي على أخيه المسلم، وعلى إمامه العادل أنه عاص آثم، وأن التأويل في ذلك مفارق للاجتهاد في الفروع فإنهم لم يتعادوا على شئ من مسائل الفروع، وتعادوا على البغي. وكذلك أجمعت الامة على الاحتجاج بسيرة علي ع في قتالهم، وليس المجتهد المعفو عنه يقاتل على اجتهاده، ويقتل ويهدر دمه. انتهى. والاجتهاد طلب حكم ما لا نص فيه، ممن توفرت فيه شروط الاجتهاد، ولا بد من إخلاص النية فيه، وإطراح الهوى، وبين ما عمله معاوية وبين هذا بعد المشرقين، وإنما هو متبع خطوات إمامه إبليس، ولم يدع معاوية أنه مجتهد طالب حق لانه كان له عقل، ويعرف أن ظاهر حاله يكذب تلك الدعاوى، ولكن وقحاء أذنابه هم مختلقوا هذه

[ 110 ]

الفرية الناعقون بها، وكان معاوية يصرح بانه طالب دنيا، وملك ويجاهر بذلك تهتكا وقلة مبالاة. ومن المتفق عليه انعقاد الإمامة لعلي بعد بيعة أهل الحل والعقد له، ولزوم طاعته أهل الشام كلزومها أهل المدينة سواء فبغي معاوية لو لم يات فيه النص المتواتر لكان مما لا شك فيه لما ذكرناه فاجتهاده إنما كان في الشر والبغي والضلال المبين، قياما بالدعوة إلى النار، وليس من الاجتهاد الشرعي في شئ. ومن يزعم أن معاوية من أهل الاجتهاد لا يسعه إن كان ذا عقل ودين إلا أن يعترف بان الاجتهاد الشرعي لون، والبغي والدعاء إلى النار الذين اتصف بهما معاوية لون آخر. لان من يدور أمره بين أن يكون له أجران أو أجر واحد لا يجوز ذمه فضلا عن أن يهدر دمه، ويثاب قاتله، وهذا ظاهر، وإن تعامى عنه من تعامى محاذرة أو غفلة، أو لغرض، والغرض يعمي ويصم. وقولهم: كل مجتهد مصيب معناه عندنا أن من توفرت فيه الشروط واجتهد فيما يجوز الاجتهاد فيه، وأخلص لوجه الله فإنه يكون مصيبا في فعله الاجتهاد، لانه

[ 111 ]

أتى ماله إتيانه طالبا به رضا ربه، ثم إنه إن أصاب الحق فيما حكم به باجتهاده كان له أجران، وإن أخطا فله أجر واحد لنيته الحسنة، ونصبه. ومن هذه حاله كالائمة والعلماء لم يتعادوا، ولم يلعن بعضهم بعضا بل الامر بالعكس فهل يزعم عباد عجل الامة أن هذا الحكم عرفه مثلا جعفر الصادق ومالك وأبو حنيفة، وزيد بن علي والشافعي وأحمد وجهله علي والحسنان وابن عباس وعمار. والبغي أمره عظيم، وقد سمى الصحابة من بغى على أبي بكر مرتدين كما نص على ذلك الائمة ومنهم الشافعي، وقال المفسر النيسابوري في تفسيره: واتفقوا على أن معاوية ومن تابعه كانوا باغين للحديث المشهور (إن عمارا تقتله الفئة الباغية) وقد يقال: إن الباغية في حال بغيها ليست بمؤمنة، وإنما سماهم المؤمنين باعتبار ما قبل البغي، كقوله (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه...) (1) والمرتد ليس بمؤمن بالاتفاق. انتهى. ويوضح بطلان ما توهمه بعضهم من إصابة كل مجتهد مطلقا ما ثبت من قول رسول الله ص فيمن أمرهم أميرهم


(1) سورة المائدة الآية 54. (*)

[ 112 ]

الذي أمره عليهم رسول الله ص وأمرهم بطاعته لما أمرهم أن يدخلوا النار: (لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة) وفي رواية (لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا). وهذا الحديث في الصحيحين ومسند أحمد، وفي سنن النسائي وأبي داود وأبي يعلى، وأخرجه ابن منده وابن خزيمة وابن أبي شيبة وأبو عوانة وابن حبان وابن جرير والبيهقي في الدلائل وغيرهم، وله ألفاظ فاطلبها إن شئت. إذا أحطت علما بما تقدم ذكره قطعت بان ما نقله المصانع من أن البغاة مثابون باطل واضح البطلان والله أعلم. وكل من فحش غلطه في الدينيات مذموم إذا أقيمت عليه الحجة، ولم يرجع. ومن هنا لم يقل أحد بعذر الخوارج على شدة عبادتهم وتقشفهم وصلابتهم، ومع كونهم أقل شرا من معاوية وأذنابه، لانهم طلبوا الحق فاخطاوه، ومعاوية وأذنابه طلبوا الباطل فأصابوه، وقد شهد على الطائفتين بهذا سيد المسلمين وصنو نبيهم ص، وصح عن الحسن ع تفضيله قتال معاوية على قتال أتباع أهل حروراء من الخوارخ.

[ 113 ]

وقتال البغاة أفضل من قتال الكفار، ولان فعلهم كفعل الفاحشة في المسجد. وزعمهم أنه كان لمعاوية فيما صنع أو في بعضه شبهة زعم بين الفساد، ولو كان لما زعموه شبه وجود لرجع طاغيتهم وتاب سيما بعد قتل عمار لصراحة النص وتواتره وسماعه له من النبي ص في بغيه، وفي أنه من دعاة النار، ولكن الرجل لم يسلم بل استسلم، وسيأتي النقل الصحيح الصريح بانه يموت كافرا. وهنا قد يخطر لبعضهم أنه لو كان الامر كما قلناه صحة ووضوحا لما قال كثير من العلماء المنتسبين إلى السنة بخلافه بل بنقيضه ولما صنفوا فيه الكتب، وجعلوه عقيدة وتبعهم فيه كثير من العوام طبقة بعد طبقة وجيلا بعد جيل. ولكنه إذا عرف أن كثيرا من العلماء ذوي الإطلاع والحذق ينفون العلوم الضرورية فضلا عن غيرها ويحتجون لخيالهم بزور القول وزخرفه على نحو ما يعمل أنصار الطاغية، وأن من أهل العقول والفلسفة عددا جما يجحدون وجود الخالق جل وعلا، ويصنفون في ذلك. ومن الوثنيين والمثلثين كثير ممن لهم قدم راسخ في العلوم وغوص على غامض المعاني ودقيقها يؤيدون مذاهبهم بما يسمونه

[ 114 ]

حججا، وممن ينسب إلى الإسلام بل إلى السنة من ينفي علم الباري سبحانه وتعالى بالجزئيات، وهو قطعي الثبوت، ومنهم من يناضل عن ابليس ويصرح بعذره، ويزعم أنه كامل الإيمان والإخلاص مستغرق في تنزيه التوحيد، ومنهم من يناضل عن فرعون موسى، ويزعم أنه أفضل من كليم الله في دقة المعرفة بالحق جل وعلا، وأنه من أهل الجنة كمعاوية إلى نحو هذا، وفي هؤلاء من هو أكبر علما وأوسع فهما من كثير من المنتصرين لمعاوية. فإذا عرف الموفق هذا، وعرت أن جميعهم يزعم أنه محق مخلمى ناصح مشفق على الناس هاد لهم مرشد إلى الحق صادع به. وعرف أن بعض شيوخ النصب، ويلقبه بعض علمائنا علانية بدون استحياء شيخ الإسلام (1) يصرح بان القائلين بنبوة يزيد ابن سيده معاوية خير من غلاة الشيعة، ويدخل في غلاة الشيعة في حكم هذا الضليل عدد من خيار خيار الامة إذا عرف ما ذكرناه بان وظهر له صدق ما قلناه. هذا فيما يحمل الهوس والخذلان عليه العلماء، وأما


(1) لحسن ظننا جاريناهم في بعض ما كتبناه فنعتنا ذلك الناصبي بشيخ الإسلام قبل أن نعرف زوره وتضليله انتهى. مؤلف. (*)

[ 115 ]

ما فيه رضاء أهل الحكم، ومن بيدهم المال والعز والنكال، وإليه ميل الجماهير والعوام وما ورثه الخلف عن سلفهم فالامر أكبر مما أشرنا إليه، وأمامنا كتابات العلماء اتباعأ لهوى الحكام تحليلا وتحريما وتصحيحا وإبطالا في كل قطر وكل عصر مما لا يتناوله الحصر، ونسال الله العفو والعافية. إن في العلماء الذين ينتمون إلى الإسلام من حمله الطمع والجشع على أن صنف لليهود كتابا ردأ على الإسلام بدراهم معدودة، ومثل هذا غير قليل في كل وقت، وياتي بعد هؤلاء مجانين العلماء ومتعصبوهم وذوو الحماقة والجمود منهم. قال شيخنا العلامة ابن شهاب الدين أسبغ الله عليه رضوانه: اللهم ضع العقل حيث شئت، ولا تؤت العلم إلا عاقلا. وقال رضي الله عنه: تباينت المذاهب واستطالت بها الاهواء واحتدم النزاع وضلل بعضهم بعضا وكل إلى تبديع غيرهم سراع

[ 116 ]

قصارى القوم نصر مقلديهم ومحض الحق بينهم مضاع إلى التأويل والتحريف لاذوا فذا كذب يريك وذا خداع وخالوا أن في التمويه فوزا وأن الحق يشرى أو يباع لئن كان اقتفائي كتاب ربي وسنة مصطفاه والإتباع ضلالا وابتداعا إن ديني وإن رغموا الضلال والابتداع ومن عرف الحق عرف أهله وهم قليلون (... وقليل من عبادي الشكور) (1). ونقل المصانع في الصفحة (79) أيضا وغيرها الحديث (إذا ذكر أصحابي فامسكوا). وقد حقق الكلام على هذا الحديث وما في معناه شيخنا العلامة ابن شهاب الدين رفع الله مقامه في كتاب وجوب الحمية فراجعه. واعلم أن المصانع حشا هذا الفصل بوسوسة شيطانية


(1) سورة سبا الآية 13. (*)

[ 117 ]

وبدع وضلالات يجب أن يحذرها الحريص على دينه وأن يعلم أن الذي آتاه بها هو رسول إبليس أخزاه الله لينظمه في حزب أعداء الله ورسوله المؤذين لهما (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) والمرء مع من أحب (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) فإن قبل الوسوسة خسر الدنيا والآخرة ولن يضر إلا نفسه، وإن رد الباطل فحظ نفسه أخذ، والمنة لله وحده عليه إذ حفظه وهداه. ولا يشك عالم عاقل في ظلم معاوية لعلي، ولا في أن ظلم علي وعداوته ومقاتلته ولعنه وتسميم الحسن من أشد وأقبح ما يؤذي النبي ص (... فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (1). وكتب المصانع في الصفحة (80) فصلا في نقل نصوص أئمة أهل السنة والجماعة في وجوب كف اللسان عن السب واللعن فقال: قد وردت الاحاديث الصحيحة ونصوص أئمة أهل السنة والجماعة في النهي الشديد ونفي الإيمان عمن يلعن من لا يستحق اللعن ومن سب الاموات. انتهى.


(1) سورة الحج الآية 46. (*)

[ 118 ]

وأقول: ما أرى المصانع إلا موافقا لي في أن صنو النبي ص من أقدس من لا يستحق اللعن ومعترفا بما تواتر عن عجله معاوية من لعنه عليا حيا وميتا وحمله الناس قهرا على ذلك، ولا أدري هل يطبق المصانع عليه الحكم كما قال أو يكابر، ويحاول تطبيقها على أهل الحق، ويعكس القضية أو يهملها. وسيأتي تحقيق أنه إنما كتب نبذته نضالا عن معاوية مكابرة للحق واتباعا لمن يكيد لعلي، ويلبس الحق بالباطل. ولعننا معاوية غضبا لله تعالى، واتباعا لسنة النبي ص في لعنه من لعن، وتاسيا بالملائكة المعصومين في عبادتهم ربهم بلعن مستحقي اللعنة، وبمن يدور الحق معه حيث دار، لفعله له حتى في صلاته، وتمسكا بالعترة الذين لا يفارقون كتاب الله، وأخذا بهدى السلف الصالح أهل الحق، وأدلتهم على فعلهم أكثر من أن تحصى، هو من الطاعات المثاب فاعلها، ولا شك في أن كل ذم ووعيد نقله المصانع واقع على معاوية، ثم على أنصاره والذابين عنه عاملهم الله بعدله. وقد حمل الطيش والغرور بعضهم فقال: إن اللعن من

[ 119 ]

السفه، وذلك منه وقاحة ظاهرة إن لم يكن عن غفلة مطبقة، ألم يعلم بان النبي ص اشتغل باللعن حتى في صلاته، وفي حال احتضاره وتبعه على هذا أخوه وأهل بيته، وصفوة أصحابه، ألم يقرأ كتاب الله فيرى ما فيه من اللعن، وقد تكلمنا على مسالتي اللعن وسب الاموات في النصائح الكافية ثم تكلم على ذلك شيخنا نفع الله به في وجوب الحمية وفي ذلك الكفاية لطالب الحق. زعم بعض مغالطيهم أن اللعن بالصفة العامة هو المأذون فيه، وأن لعن المعين هو المنهي عنه، وهذه سفسطة واضحة مكشوفة لانه يلزمنا لو قلنا بما زعموه القول بمنع رجم الزاني المحصن المعين، وقطع يد السارق المعين، وهكذا في كل حكم، ونعطل الحدود وننسخها كلها، ولا يبقى محل لحكم أبدا. والكلي لا وجود له، إلا في إفراده، فيقال لهم: ما هو الفرق بين قولنا هذا عمرو يشرب الخمر، وكل من يشرب الخمر ملعون، فهذا عمرو ملعون، وبين قولنا: هذا عمرو زان محصن، وكى، زان محصن مرجوم، فهذا عمرو مرجوم، اللهم لا فرق إلا التشهي تبديلا للدين من أجل طاغيتهم. فإن زعموا أنه قد ورد النهي الصريح الصحيح عن لعن

[ 120 ]

المسلم. قلنا: نعم ألف مرة، وأصرح منه وأوضح النهي عن قتل المسلم وتعذيبه، فكيف ساغ قتل الزاني وجلد. الشارب. لا شك أن ذلك لم يسوغه إلا استحقاقهم له لتعديهم حدود الله تعالى، فيكون مورد النهي من لا يستحق العقاب، ومورد الامر مستحقوه، وهذا واضح كالشمس في رابعة النهار، ليس دونها حجاب. ولن تجتمع في أحد من مسوغات اللعن ما اجتمع في طاغية الإسلام، فإذا زعموا أنه لا يسوغ لعنه فمن ذا هو الذي يسوغ لعنه. إن ما نجده الآن مسطورا في الكتب من قبائح معاوية وفواقره مما عجز عن ستره وجحده سماسرة أنصاره وأذنابه الخونة الغاشون للإسلام، وأهله المصغرون كبائر الفواحش، إنما هو شئ قليل ترشح من خلف السدول القوية، والحجب الغليظة. وقد كتب المصانع في الصفحة (84) فصلا في الاحاديث الموضوعة، وفي ذم الوضاعين. الخ. وأقول ذم الكذب وقبحه معلوم، وشر الكذب وأكبره إثما الكذب على الله جل جلاله، وعلى رسوله ص ومنه

[ 121 ]

تفسير ما ورد عنهما بغير المراد منه مما استحدث من الاصطلاحات، أو بالتأويلات البعيدة، أو الباطلة، أو بتصحيح الباطل، أو إبطال الصحيح. ويتوهم من لم يقرأ نبذة المصانع أنه ممن يتورع عن التغرير بالاحتجاج بالاحاديث الموضوعة، ولكنه يندهش من إكثاره من ذلك، وهكذا كل من ناضل عن طاغية الإسلام، فإنما سلاحه الكذب على الله ورسوله وتقوية الروايات الموضوعة والتحريف والتبديل والتاويل السخيف والافتراء والتقول، وهل يمكن نصر الباطل بغير ذلك، ولا عجب في صنيعهم هذا لان هذا كان سلاح سيدهم وإمامهم، ومحبوب قلوبهم الذي يناضلون عنه (تشابهت قلوبهم) (والمنافقون والمنانقات بعضهم من بعض). وقد تكلمنا في النصائح الكافية ص (70) في أسباب الوضع وذكرنا بذل معاوية أموال بيت مال المسلمين للوضاعين ورشوته لمن يذيع كذبا: إن قول الله تعالى (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا) الآيات نزلت في علي ع إلى نحو ذلك، تعالى الله عما يقولون. وأكاذيب معاوية لا تحصى ومواطاته لشهود الزور والوضاعين مشهورة، وأذنابه طبعا يسلكون سبيله، ولو لم

[ 122 ]

يشاكلوه لما اتبعوه وأحبوه حتى آثروه على الله ورسوله، فكل حديث فيه ثناء على أحد من حزب الفئة الباغية، أو كان فيه ما يحط من قدر علي ع أو ذويه، ولو على بعد فهو من الموضوعات كيادا وعداوة للنبي ولعلي، له إذا دققت النظر في الاسانيد وتراجم رجالها تجد حينئذ فيها من يتهم باختلاق ذلك كيادا لعلي، أو تزلفا إلى النواصب وطمعا في صلاتهم. وقد تصعب معرفة من في السند إذا جودوه، أي أخرجوا منه المتهمين من الوسط، وبقي لهم من يمكن عادة سلسلة الإسناد بهم، والتجويد هذا من أخبث أنواع التدليس، وأشدها خفاء إذ لا يدركه إلا من علم بوجود أولئك المتهمين في سلسلة الإسناد قبل التجويد، وقد راج كثير من الكذب لاختلاطه بالصدق، أو لوصوله من طريق من ظاهرهم الصلاح، أو لقبول بعضهم تلك المرويات لحسن ظنهم بمن رواها، أو لكونه من ذوي الصيت والجاه، أو من المقربين إلى الحكام المقبولي القول عندهم، أو لانه من المتخشعة المتنسكين رياء ليقنصوا المال والجاه، وليفسدوا الدين، أو لهيبة من روى ذلك وأظهر تصديقه، وصححه، وأدخله في كتابه، أو للخوف من أن ينبز بالرفض، أو لغير ذلك من الاغراض.

[ 123 ]

قال المصانع في الصفحة (85): إن أسباب الوضع كثيرة فمنها التي وضعها الزنادقة لقصد إفساد الشريعة، والتلاعب بالدين، أو لانتصار البدعة التي ارتكب، أو للتقرب من السلاطين والامراء، أو لاستمالة الاغنياء إلى الإعطاء. انتهى. وأقول: يظهر أن مقصود المصانع بما قاله - والله أعلم - أن من أسباب الوضع قصد الزنادقة به إفساد الشرع، والتلاعب به، أو نصر المبتدع بدعته، أو التقرب بذلك إلى الامراء، أو استدرار أكف الاغنياء. ومع هذا كيف خفي عليه اجتماع جميع ما أشار إليه فيما افتخروه من المناقب لطاغية الامة مع ضميمة هي النكاية بعلي ع، والكيد له، كما صرح بذلك أحمد بن حنبل إلى أسباب ومقاصد أخرى يعرفها أهل النهي، فمن العجب عزوب هذا كله عنه. وكما كان لوضاعي الاحاديث أغراض، فللذين يصنفون الكتب، ويحررون الفتاوى أغراض تحملهم على التحريف، والتبديل، وعلى مدح المذموم، وذم الممدوح، والاغراض لا تحصى. وأي إفساد للشرع وتلاعب بالدين أكبر من إيهام الناس

[ 124 ]

أن الملاحدة الدعاة إلى النار، أعداء النبي وآله ليسوا من لباب الاخيار، ومن الهداة إلى الجنة، ومن خواص رسول الله ص الممنوحين منه العلوم الواسعة الخ الخ. ونعوذ بالله من الضلال، وقد ذكر بعض أسباب الوضع أخونا السيد محمد رشيد رضا في مجلة المنار فقال: الخوف من الحكام والرجاء فيهم، فيحرف رجال الدين النصوص عن مواضها المقصودة، ويصرفونها إلى معان أخرى ليوافقوا ما يريد الحاكم فيامنوا شره، وينالوا بره، ومنها إرضاء العامة والاغنياء خاصة بموافقة أهوائهم لاستفادة الجاه والمال. انتهى. وقال المصانع في الصفحة (85) أيضا: تنبيه أفتى أئمتنا أهل السنة والجماعة بان الاحاديث الضعيفة تعمل في فضائل الاعمال، وأنها تعمل أيضا في مناقب الابرار، وقد عملوا بذلك لمقاصدهم الحسنة فلا يعترض عليهم إلا من ناواهم ممن لم ينور الله بصائرهم. انتهى. وأقول: أراد المصانع فيما يظهر لنا بصدر عبارته ما مفاده أن كثيرا من العلماء قال بجواز الاخذ بالحديث الضعيف في الفضائل، أو المناقب، وهذا واقع، ولكن بشرط أن لا يكون الحديث واهيا فضلا عن الموضوع، وأن لا يكون هناك معارض له، وقد كان الواجب عليه أن يبين

[ 125 ]

هذا، وأن لا يختزل عبارتهم ويحرفها، ولكن عذره أنه لو صنع كما يجب لما بقي له ما يغش به السذج، لان جميع ما ورد في معاوية إما موضوع، أو معارض بما هو أقوى منه ألف مرة، أو مصادم للواقع. وقول المصانع: وقد عملوا بذلك الخ. لم أتحقق مراده منه. وقوله: فلا يعترض عليهم الخ. فيه إجمال، فإن أراد به اعتراض الاغبياء الجهال، ذوي القلوب المريضة على العلماء الربانيين كاعتراضه هو على ما صح عن أخي النبي ص، أو عن علماء العترة ع فكلامه صواب، إذ لا يعترض عليهم إلا منكوس القلب مطموس النور، خبيث الذات رجس الاعتقاد، وإن أراد به اعتراض العالم الخبير على العالم النحرير، بتنبيهه على الخطا والسهو، والوهم وتبيين محل الضعف، وإظهار الحق والصواب بالدليل، فكلامه خطل باطل، لان ذلك أكبر خدمة يقدمها المخلص المحب للمحسن الفاضل، وأحسن طرفة يدخل بها عليهم السرور أحياء وأمواتا. وقد كتب المصانع في الصفحة (86) فصلا في التحذير من مطالعة كتب جهلة المؤرخين والمبتدعة، المشحونة بالاحاديث الموضوعة. الخ.

[ 126 ]

وأقول: أما الكتب المشحونة بالاحاديث الواهية والمكذوبة المملوءة بزبل النواصب وزبدهم وتحريفهم، وتمويههم، فهي التي استمد المصانع منها كثيرا مما رددناه عليه، وأما جهلة المؤرخين الذين تمحض كذبا ما نقلوه، أو غلب فيه الكذب فيجب أن يسميهم ليحذر المسلمون زورهم، وأما المحدثون والمؤرخون الذين يوجد فيما حوته كتبهم الغث والسمين، فاولئك هم رجال الامة، وكتبهم حجتها وعمدتها بعد التمحيص والفحص، والكتاب الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو كتاب ربنا جل وعلا (... فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة...) (1). وذكر المصانع في الصفحة (87) أن الحافظ العراقي قال: إنهم - يعني القصاص - ينقلون حديث رسول الله ص من غير معرفة بالصحيح والسقيم، وإن اتفق أن أحدهم نقل حديثا صحيحا كان آثما بإقدامه على ما لم يعلم. انتهى. وأقول: نقل المصانع هذه العباة محتجأ بها، وهو الذي شحن نبذته هذه بل وغيرها مما لفقه، لا أقول


(1) سورة آل عمران الآية 7. (*)

[ 127 ]

بالاحاديث الموجودة في الكتب المعتبرة، لا بل بالموضوعات والواهيات، فماذا نقول فيه: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم نقل المصانع هذه العبارة إيهاما بانه ممن ينقد الاحاديث، ويتحرى الصحيح منها، ثم هو بعد أقل من ثلاث صفحات يورد الاحاديث المقطوع بوضها في مناقب طاغية الإسلام جازما بصحتها افتراء وزورا وتغريرا بعد إجماع الحفاظ على أنه لم يصح في فضل الطاغية حديث، فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال المصانع في الصفحة (88): وحاصل ما تقرر هنا من نصوص هؤلاء الائمة أهل السنة والجماعة أنهم اتفقوا على منع قراءة كتب المؤرخين التي فيها الاحاديث الموضوعة التي اخترعها الرافضة والشيعة، وغيرهم فيما جرى بين الصحابة، وفي معناها الجرائد التي تحتوي على مثل ذلك، وذكروا علتها أنها تورث بغض الصحابة، وتنقيصهم لان القارئ لتلك الكتب والجرائد ياخذ طبع مصنفيها، ويتخذهم قرناء فقد قيل: فكل قرين بالمقارن يقتدي. انتهى.

[ 128 ]

وأقول: هذا هو الخبط والتخبط، تحريم واتفاق من القائل، ومتى كان ؟ ومن الذي نقل ؟ وفي أي كتاب معتبر ؟ وما هو الحد الجامع المانع المعين للمحرم قراءته بزعمه ؟ وما الدليل الشرعي ؟ اللهم لا شئ، بل كلها مزاعم باطلة كاذبة، وأوهام وخيالات. لي حيلة فيمن ينم وليس في الكذاب حيلة من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة أما المنع من المضر من حيث ضرره فهو مقصور على من يتضرر به، أو من يخشى أن يضره من باب سد الذرائع. والاحاديث الموضوعة مما يضر العوام ويشككهم، وبمجرد وجودها في كتاب ما لا نحكم بحرمة قراءة ذلك الكتاب مطلقا بسببها، وإلا لحرمت قراءة كتب التفسير والسير والتصوف، كالإحياء بل وكتب الحديث المشهورة أيضا، إذ قلما يخلو كتاب مما هو موضوع يقينا، أو غلبة ظن، وما من محدث إلا وقد راجت عليه بعض المختلقات، والعصمة لمن عصمه الله تعالى. وقول المصانع في الموضوعات: التي اخترعها

[ 129 ]

الرافضة والشيعة وغيرهم. قد يفهم منه أن النواصب وأهل السنة لم يضعوا الاحاديث، والحق أنهم أيضا قد وضعوا منها مالا يعد ولا يحيط به إلا الله تعالى، واعترف بما قلناه الحفاظ، وأكثر الاحاديث الموضوعة التي راجت وروجت، وأضرت بالناس هي التي وضعها النواصب، وأهل السنة لتحسينهم الظن بهم وموافقتها لهوى البعض. وأما ما جرى بين الصحابة ذوي الخصوصية فقد نقله الحفاظ الثقاة، الذين هم عمدة التاريخ والحديث، وكتبهم يتداولها الناس، وينتفعون بما فيها من الحق والصدق، ويتجنب نقاد العلماء ما كان فيها مما يخالف ذلك. وأما البغض فقد علمنا أن الحب في الله والبغض فيه أقوى عرى الإيمان، ومن عمل ما يوجب بغضه اثاب الله من أبغضه فيه امتثالا لامره، ومن نقص خائنا أو خبيثا فاجرا امتثالا لامر النبي ص بهتك الفاجر ليحذره الناس فقد أحسن وأجره على ربه. وبما أوضحناه يتضح مجازفة المصانع، وبطلان زعمه، وقد قدمنا النقل أن من الزور تعاطي المرء ما لا يحسنه، ومنه نقل الاحاديث الموضوعة ممن لا علم له بالمنقول، هذا إذا لم يعرف أنها موضوعة، وأما بعد علمه بوضها فالامر أغلظ، فإن زعم مع ذلك أنها صحيحة فهو

[ 130 ]

من الكذابين على رسول الله ص فإن احتج بها جمع إلى الكذب على النبي ص الغش للامة والله أعلم. قال المصانع في الصفحة (88) فصل في بيان خطا الرافضة ومن تبعهم في سب معاوية بن أبي سفيان (رض) وتكفيره واستحقاقه اللعن، وتلويحه بالزنا وشرب الخمر، واختلقوا في ذلك الاحاديث كذبا وزورا، وضعفوا الاحاديث الصحيحة في فضل معاوية، كما يعلم من أفعالهم في الفصول السابقة انتهى. وأقول: هذا الفصل المشؤوم هو مقصود المصانع من نبذته، وما قبله تمهيد له، كما أشار إلى ذلك آخر مقالته الآنفة، وقد احتوت هذه المقالة على الخطا والكذب. فقوله في أولها: في بيان خطا الرافضة... الخ خبط وتخليط وخطا، فإن لعن النبي ص معاوية بعد تظاهره بالإسلام ثابت، وإخباره بانه يموت على غير الملة صحيح، وإن كابر في ذلك وجحد بعض أنصاره، ولعن سيد المسلمين الذي يدور معه الحق حيثما دار، والعترة الذين لا يفارقون كتاب الله وخيار الصحابة لمعاوية مما لا مرية فيه، كما أنهم وصفوه بمذام عديدة، فهل يدخل المصانع هؤلاء في الرافضة الذين يخطئهم، أم يستثنيهم، ويخص بالذم من تبعهم، وبطلان ذلك واضح، لان الدين

[ 131 ]

واحد والحجة واحدة، والقصد واحد، فهيهات أن يختلف الحكم. ولا يستغربن أحد استفهامنا المصانع من إدخال النبي ص وأخيه علي في التخطئة، لان متحمسي المناضلين عن الطاغية لا حد لغلوائهم وغلوهم وتجاوزهم الحدود الشرعية والعقلية، فإن بعض متهوسيهم زعم أن لعن علي معاوية كان هفوة من علي ع، ومنهم من نازع في عصمة النبي ص في اجتهاده، وزعم أن ربه يقره على الخطا لايام عديدة، وذلك خلاف قول المسلمين فيما أعلم ما خلا رجلين أو ثلاثة من أنصار الفئة الباغية. وأما تكفير معاوية فقد قال به من قال به، وقد صح عن النبي ص ما يفيده، وسيأتي ذكر ذلك وتخريجه إن شاء الله تعالى. وأما نفاقه وفسوقه فمما لا غبار عليه كاستحقاقه اللعنة. وليس يصح في الاذهان شئ إذا احتاج النهار إلى دليل وما تواتر واشتهر من قبائح معاوية وفواقره أكبر من الزنا وشرب الخمر، ومن شك في نفاق معاوية وفجوره

[ 132 ]

وفسقه واستحقاقه اللعن والذم، فليخبرنا بمن يستحق ذلك. فإن من البديهي أن أفسق الفاسقين وأعتاهم على رب العالمين لو عمر مائة سنة لا تفوته لحظة في غير معصية، وقد اوتي من الشباب والاسباب كالقوة والثروة ما يتمناه وسخرت له في أغراضه الخبيثة شياطين الإنس ومردة الجن لو اجتمع كل هذا لانسان، وأحضر كتابه يوم المحشر لما ساوى جميع ما فيه وزر معاوية ساعة من نهار فضلا عن أكثر منها، فكيف بالسنين العديدة، وما نتج منها من بعد. لان هذا الفاجر المفترض الآن لا يجد أخا النبي عليهما وآلهما الصلاة والسلام فيقاتله ويعاديه، ويقتل معه نقاوة المهاجرين وصفوة الانصار، فيعمل فيهم سيوف طغامه انتقاما من النبي ص وحقدا عليه، ولا الحسن سبط النبي ص فيقطع كبده بالسم، ولا الحسين ع فيوصي بقتله للثارات البدرية، ولا الإسلام مجتمعا كتلة واحدة، فيصدع بيضته، ويشتت وحدته، ولا الدين غضا طريا نقيا، فيبتدع فيه، ويقلبه رأسا على عقب، ويمزجه بالباطل، ولا أحاديث النبي ص غير مكتوبة فيؤجر الوضاعين على رضع ما شاء شيطانه ليخرجوا من الدين ما هو منه، ويدخلوا فيه ما هو براء منه تضليلا للامة الامية إلى

[ 133 ]

ما يطول شرحه من هذا القبيل. فهل يشك عالم عاقل لم تسكره حميا حمية العصبية الجاهلية، ولم تعمه الاطماع الاشعبية في استحقاق من هذه صفاته اللعنة الابدية مع قوله بان الواشمة والمستوشمة، والتي لا تلبي دعوة زوجها لها إلى فراشه تستحق اللعن، وتتقرب الملائكة طول ليلها إلى الله بلعنها (... سبحانك هذا بهتان عظيم...) (1). واعلم أنه قد انعقد إجماع أهل الحق على التقرب إلى الله تعالى بلعن معاوية كما تقدم ذكر ذلك، وقد حقق شيخنا العلامة ابن شهاب الدين المسالة في وجوب الحمية فراجعه. ولو علم هؤلاء المغالطون في شان معاوية أنهم إنما يكذبون على ربهم، ويغرون الجهال بارتكاب الفواحش، ويصغرونها في صدورهم، لان الواحد من الاغرار إذا عرف، ولو طرفا من فظائع معاوية، وعرف أن هؤلاء الدجالين يمدحونه ويترضون عنه إجلالا له، ويقولون: إنما اقترف ما اقترف لسعة علم ممنوح له، وأنه من أهل الجنة، يقول: ما مقدار عملي في جنب ما تواتر فعل معاوية


(1) سورة النور الآية 16. (*)

[ 134 ]

له إلا أقل من معشار خردلة بالنسبة إلى مجموع السموات والارضين فلا يشك حينئذ في أن عصيانه لا يضره أبدا، فينهمك في الفسوق مسونا بتغرير هؤلاء له. ومعاوية أول من قال: بان الذنوب لا تغر، ولا غرو فهو إمام البدعة والمبتدعين، والمناضلون عنه شركاؤه في ذنوبه، وإلى الله إيابهم، وعليه حسابهم. ويظهر جليا من هذا أن المناضلين عن معاوية يدخلون أنفسهم بنضالهم عنه في حزب إبليس وأعوانه، ورسله ونوابه في إغواء الناس وتشجيعهم على المعاصي وتصغيرها في صدورهم. وقول المصانع: وضعفوا الاحاديث الصحيحة في فضل معاوية فرية بلا مرية منه على أعلام علماء الامة رحمهم الله، ودعوى بينة البطلان، إذ لم يصح في فضل الطاغية شئ باتفاق الحفاظ، ولم يجد عباده سبيلا إلى ترويج شئ مما اخترعوه ترويجا تاما مع إنفاقهم في ذلك الاموال، وبذلهم الجهد، ولم يزل هذا شانهم فترى أغبياء الاغنياء ينفقون أموالهم على من يصنف في النضال عن سيدهم معاوية أو في نشر ما يكتب فيه (... فسينفقونها ثم تكون

[ 135 ]

عليهم حسرة...) (1) ولعلماء السوء مرعى خصيب من تحريفهم النصوص، وبثهم الشكوك في هذا السبيل، وعمدة أنصار الطاغية سابقا ولاحقا الكذب والخداع، وكل ما رووه حتى ما قالوا إنه لم ينحط إلى درجة الموضوع يعلم من دقق البحث بإنصاف أنه زور مبين، وينثلج بهذا صدره حتى قبل بحثه عن ما يعارضه من الصحيح الثابت. وأما من عرف هذا وعلم ما ورد في ذمه، وقرأ سيرته وسبر أفعاله فإنه يقطع ويجزم بان جميع ما رواه أنصاره في فضله كذب صرف لم يتكلم المعصوم ص منه بحرف، لانه حاشاه أن يزين القبيح، ويمدح الفاجر، أو يخبر بخلاف الواقع، أو يتناقض كلامه، ومعلوم أن الخبر لا يدخله النسخ، وإنما افتعل تلك الاخبار الافاكون الطماعون المأجورون قاتلهم الله أنى يؤفكون. قال العسقلاني في فتح الباري: عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، سالت أبي ما تقول في علي ومعاوية ؟ فاطرق، ثم قال: اعلم أن عليا كان كثير الاعداء ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوا فعمدوا إلى رجل قد حاربه فاطروه كيادا لعلي، قال: فاشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من


(1) سورة الانفال الآية 36. (*)

[ 136 ]

الفضائل مما لا أصل له، وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس فيها ما يصح من طرين الإسناد، وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما. انتهى. وأقول: قوله: ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد فيه إشارة إلى - أنه قد يكون الإسناد صحيحا، ولا يثبت المتن لعلة فيه، فليس كل ما صح من طريق الإسناد يكون ثابتا يحتج به مطلقا، فالسند ولو كان كالشمس وضوحا لا يفيد صحة المتن المنكر. قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في اللآلى المصنوعة بعد أن ذكر أحاديث كثيرة في فضل معاوية قال: (كلها موضوعة لا أصل لها) ثم قال: (قال الحاكم: سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب بن يوسف يقول: سمعت أبي يقول: سمعت إبراهيم الحنظلي يقول: لا يصح في فضل معاوبة حديث) انتهى. وقال العيني في شرح البخاري: " فإن قلت قد ورد في فضله - يعني معاوية - أحاديث كثيرة ؟ قلت: نعم، ولكن ليس فيها حديث صحيح يصح من طرق الإسناد نص عليه إسحاق بن راهويه والنسائي، وغيرهما، فلذلك قال - يعني البخاري - باب ذكر معاوية، ولم يقل فضيلة ولا منقبة " انتهى.

[ 137 ]

وقال الشوكاني رحمه الله في الفوائد المجموعة: " اتفق الحفاظ على أنه لم يصح في فضل معاوية حديث ". انتهى. أترى المصانع يعني هؤلاء الائمة وإخوانهم بقوله (ضعفوا الاحاديث الصحيحة في فضل معاوية، أي خيانة منهم، أم يعني قوما لم يخلقوا بعد !). إن المصانع جمع به التعصب لطاغيته، فاتى بهذه الخزعبلة، وجهل أو تجاهل أنه لم يصح في طاغيته إلا اللعن، والإخبار بموته على غير الإسلام. أخرج الحافظ الجليل أحمد بن يحيى البلاذري في الجزء الاول من تاريخه الكبير قال رحمه الله: " حدثني عبد الله بن صالح، حدثني يحيى بن آدم عن شريك، عن ليث، عن طاووس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كنت جالسا عند النبي ص فقال: (يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت يوم يموت على غير ملتي) قال: وتركت أبي يلبس ثيابه، فخشيت أن يطلع فطلع معاوية. وحدثني إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام، أنبانا معمر عن ابن طاووس، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كنت - بمثله - انتهى.

[ 138 ]

قال أخونا العلامة المحدث الشريف محمد المكي بن عزوز المغربي رحمه الله ومنه استفدنا المنقول عن البلاذري: " الحديث الاول رجاله كلهم من رجال الصحيح حتى ليث فمن رجال مسلم، وهو ابن أبي سليم، وإن تكلم فيه لاختلاط وقع له في آخر أمره، فقد وثقه ابن معين وغيره، كما أفاده الشوكاني، على أن الوهم يرتفع بالسند الثاني الذي هو حدثني إسحاق الخ لان الراوي فيه عن طاووس عبد الله ابنه لا ليث، والسند متين والحمد لله. انتهى من خطه. وحيث صح إخبار النبي ص بان معاوية يموت على غير ملة الإسلام تعين القطع بوجوب البراءة منه فهو إذن مثل عتبة، وشيبة والوليد وأبي جهل لعنهم الله أجمعين. ومعاوية ممن أمر النبي ص بقتله لما أعلمه الله به عنه، وقد ذكرنا الحديث بذلك في النصائح وقلنا: قالوا إنه من تلك الطرق لا يصح سنده من جهة المعنى أيضا، ثم بينا هناك فساد قولهم بعدم صحته من جهة المعنى بما فيه كفاية، ورددنا الحكم في السند إلى أمانة أهل النقل، وذكرنا أن مؤدى ما قالوا بعدم صحته، وهو الامر بقتل معاوية، ومؤدى حديث مسلم (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهم) واحد، ويعضدهما ما أخرجه أحمد في مسنده

[ 139 ]

وهو (من قاتل عليا على الخلافة فاقتلوه كائنا من كان) إلى آخر ما حررناه هناك. ثم أفادنا أخونا المحدث الشريف محمد المكي بن عزوز رحمه الله تعالى أن الحافظ البلاذري قال في تاريخه الكبير ما لفظه: " حدثنا يوسف بن موسى، وأبو موسى إسحاق الفروي، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، حدثنا اسماعيل بن أبي خالد والاعمش عن الحسن، قال: قال رسول الله ص: (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه) فتركوا أمره فلم يفلحوا، ولم ينجحوا. انتهى. قال الشريف ابن عزوز رحمه الله تعالى: (سنده كلهم من رجالى البخاري بلا استثناء، وكونه مرسلا فالحديث الآتي متصل وهو) قال البلاذرى رحمه الله: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، أن رجلا من الانصار أراد قتل معاوية، فقلنا له: لا تسل السيف في عهد عمر، حتى نكتب إليه، فكتبوا إليه، فلم ياتهم جواب حتى مات. انتهى. قال ابن عزوز أحسن الله إليه: " حديث أبي سعيد

[ 140 ]

الخدري أول سنده إسحاق من رجال السنن، وثقه ابن معين، والدارقطني، متفق على صدقه، وأخرج له البخاري في الادب المفرد. حجاج بن محمد من رجال الصحيحين. حماد بن سلمة من رجال الصحيح من الاعلام الذين لا يسال عنهم. علي بن زيد من رجال السنن قال الترمذي: صدوق. أبو نضرة من رجال الصحيح. انتهى. وفي تهذيب التهذيب للعسقلاني في ترجمة عباد بن يعقوب، وهو من رجال البخاري وغيره أنه روى عن شريك بن عاصم عن زر عن عبد الله مرفوعا: (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلو.) وذكر فيه في ترجمة علي بن زيد التيمي، وهو من رجال مسلم والاربعة أنه روى عن أبي نضرة عن أبي سعيد رفعه: (إذا رأيتم معارية على هذه ا لاعواد فا قتلوه). وأخرجه أبو الحسن بن سفيان في مسنده عن إسحاق عن عبد الرزاق عن ابن عيينة عن علي بن زيد، والمحفوظ عن عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن علي، ولكن لفظ ابن عيينة (فارجموه) أورده ابن عدي، انتهى.

[ 141 ]

قلت: رواه عمرو بن عبيد الزاهد عن الحسن البصري. وقال ابن أبي الحديد رحمه الله تعالى في شرح النهج ص 347 ج 1 وروى نصر عن الحكم، عن اسماعيل عن الحسن، قال: وحدثنا الحكم أيضا عن عاصم عن أبي النجود عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود، قال قال رسول الله ص (إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على منبري فاضربوا عنقه) فقال الحسن: " فوالله ما فعلوا ولا أفلحوا " انتهى. وفي ميزان الذهبي ص 128 - ج 2، روى ابن عدي قال: حدثنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا ابن راهويه قال: حدثنا عبد الرزاق عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه) قال: وحدثناه محمد بن سعيد بن معاوية بنصيبين، حدثنا سليمان بن أيوب الصريفتي، حدثنا ابن عيينة، وحدثناه محمد بن العباس الدمشقي عن عمار بن رجاء عن ابن المديني عن سفيان، وحدثناه محمد بن إبراهيم الاصبهاني، حدثنا أحمد بن الفرات، حدثنا عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن ابن جدعان نحوه. انتهى.

[ 142 ]

وأخرج ابن جرير في تاريخه الكبير بسنده، قال رسول الله ص (من دعا إلى نفسه، أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله فاقتلوه). انتهى. فإذا تأملت ما سطرناه هنا مضافا إلى ما في النصائح الكافية جزمت بصحة الحديث من جهتي السند والمعنى معا، وتحققت أنه لا محل للطعن بعد ذلك إلا مجرد التشهي واللجاج، وتبين لك أن القول بضعفه غلط وذهول عن بقية الاسانيد ممن لم يطلع عليها. وفي الحديث ألفاظ هي قوله (على المنبر) (على منبري) (على الاعواد) ومعناها واحد، وقوله (فا قتلوه) (فاضربوا عنقه) أو (فارجموه) كذلك ليست من الاضطراب في شئ، ويكون لفظ فارجموه تلطيفا للعبارة تقية من بعض الرواة، أو بيان للقتلة التي أمروا أن يقتلوا بها هذا الطاغية، لانه شر من ألف ألف زان محصن، والمراد الرجم الشرعي. ومن المعلوم أنه لا يحدث بهذا الحديث أحد إلا وفرائصه ترتعد خوفا من فراعنة تلك الايام، وعبادهم من نواصب العلماء، فوصوله إلينا بهذه الاسانيد معجزة كبرى لنبينا محمد ص.

[ 143 ]

تنبيه قد يقول بعضهم إن مقام الصحابة يجل عن أن يتاخروا عن قتل معاوية بعد أمر النبي ص لهم بقتله لانهم لا يعصونه. وجوابه: أن خيار الصحابة كانوا من أحسن الناس طاعة لنبيهم، ولكنهم لم يقدروا على إزالة منكر واحد من منكرات معاوية التي كان يفعلها جهارا، كقتله المؤمنين ظلما رجالا ونساء وصبيانا، ولعنه من هو نفس النبي ص، أو كنفسه إلى ما لا يحصى من أفحش الفواحش لتحصنه بالالوف من غلف القلوب والمنافقين والطغام، وبعض الصحابة قد كانوا يتعمدون عصيانه حتى، وحتى وما يوم الخميس بخاف على عالم، بعضهم يؤخر تنفيذ بعغر ما يامرهم به لاسباب تامت عندهم، وما وصيته ص بإجلاء اليهود عن جزيرة العرب بمجهولة إلى ما يطول الكلام فيه. تتميم قال المحدث ابن عزوز رحمه الله: (قال الحافظ البلاذري في تاريخه الكبير: (حدثني خلف بن هشام البزار، حدثني أبو عوانة عن الاعمش عن سالم بن أبي

[ 144 ]

الجعد قال: قال رسول الله ص: (معاوية في تابوت مقفل عليه في جهنم) انتهى. سند هذا الحديث كلهم من رجال الصحيح، وهو مرسل والمرسل حجة عند الإمامين مالك وأبي حنيفة، وقد انفصل الامر بان معاوية مات على غير ملة الإسلام، وقد أمرهم النبي ص بقتله قبل أن يقع منه ما وقع فلم يفعلوا حال بينه وبينهم تأخر الاجل، وليقضي الله أمرا كان مفعولا، ومعاوية في تابوت في جهنم بنص من لا ينطق عن الهوى. انتهى المنقول عن ابن عزوز. ونقل المصانع في الصفحة (88) حديث (دعوا أصحابي وأصهاري فإن من حفظني فيهم كان معه من الله حافظ، ومن لم يحفظني فيهم تخلى الله عنه، ومن تخلى الله عنه يوشك أن ياخذه) انتهى. وأقول: إن صح هذا الحديث ومثله مما في معناه فإنما هو خاص بذوي الخصوصية الذين من أخصهم علي، ولم يدخل النبي ص فيهم خالدا وأضرابه، فكيف ندخل فيهم المنافقين ودعاة النار، سبحانك هذا بهتان عظيم، والمراد بالاصهار الصالحون فكما لا يدخل حيي اليهودي لا يدخل معاوية الداعي إلى النار، وقد أوضحنا في النصائح ما يتعلق بهذا فإيراده ممن وقف على ما أوردناه غش وخيانة،

[ 145 ]

فما أورده المصانع هنا إنما هو حجة عليه وعلى أمثاله. ونقل المصانع في الصفحة (89) أحاديث لا تقوم بها حجة منها: " لما نزلت (... لا يستوى القاعدون من المؤمنين...) (1) كتبها له أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أرقم وأبف بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الاسدي، وزيد بن ثابت، ومعاوية وشرحبيل بن حسنة. انتهى. وأقول: نقل عجيب ومناقب باهرة، ومعاوية... اسم عدد من الصحابة، والطاغية عدوه في كتاب الحاجات، ولم يكن من كتاب الوحي، وبيان هذا في النصائح. وحديث مسلم في كتابة معاوية مقطوع بوضعه، نص على ذلك الحفاظ، وإن حاول بعضهم عبثا إثباته وتمحل لذلك، ولا حاجة بنا للكلام على نفي ما ذكره المصانع من كتابة طاغيته تلك الآية، أو إثباته لان في إمكان كل كاتب أن يكتب آية، وأكثر بل مصحفآ، أو مصاحف، ولا فضيلة في ذلك تختص بزمن دون زمن، لانها كتابة نسخ تكون من (1) سورة النساء الآية 95.

[ 146 ]

المؤمن المخلص، ومن المنافق والكافر، وهذه المخازن تملا المصاحف التي طبعها النصارى والمجوس، فاي فضل لمعاوية المتربع في كرسي الدعوة إلى النار إذا صح وثبت أنه كتب بعض آية، أو آية أو أكثر، أو حفظ ذلك ليوهم من يراه أنه راغب في تحصيل القران، نفاقا وخداعا، وهيهات أن يكون هذا منقبة أو فضيلة يزمر ويطبل بها أمثال المصانع من عابدي معاوية، ومحبيه. والكتابة كالصحبة لا تعصم من الكفر، ولا من النفاق، وقد ارتد ومات كافرا بعض كتاب الوحي. والولادة التي هي أقوى صلة رابطة لا تعصم، ولا تمنع من الفسق فلقد وجد ني المنتمين إلى الزهراء البتول ع من يجادل بالباطل عن أعدى عدو لها، ولبعلها اللاعن له المسمم لابنها، ويناضل عنه ويتولاه، فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. وذكر المصانع في الصفحة (89) أن معاوية قد روى عنه بعض الصحابة، وبعض أهل الحديث. الخ. وأقول جرت العادة بالرواية عن المؤمن والكافر، وعن المخلص والمنافق، وعن العدل والفاجر، ولا حجة في دين الله إلا برواية الثقة الثبت الامين، والكتب مشحونة

[ 147 ]

بالرواية عن الوثنيين والملحده، من فرس وروم، وعن احبار اليهود، وعلماء النصارى، وعن القاسطين والمارقين ومعاوية واحد من أولئك، فإن كان له بالرواية فضل يستحق به الترضي عنه، فالإنصاف يقتضي بان لا ننسى أرسطاطاليس، وأنو شروان، وداهر، وداروين، فنبخسهم حظهم من الترضي أيضا... وأما ما ذكره المصانع في الصفحة (90) من دعاء النبي ص لمعاوية الخ. فقد أوضحنا الكلام عليه في النصائح إيضاحا لا مزيد عليه فذكره له بعد ذلك غش ومخادعة. ومن المضحك ما نقله المصانع في الصفحة (90) أيضا من أن معاوية صلى مع النبي ص فلما سمع قوله: سمع الله لمن حمده قال معاوية: ربنا لك الحمد. الخ. وأقول: أي منافق يعجز عن هدا وجهره به قد يفيد أنه أراد أن يستر نفاقه (يخادمون الله والذين آمنوا وما يخدعون الا أنفسهم..) (1) هذا عبد الله بن أبي المشهور نفاقه، قد كان يصلي ويزكي، ويقاتل معاوية وأباه، ومن معهم مع رسول الله ص وحضر بدرا، والحديبية، وعرضت (1) سورة البقرة الآية 9.

[ 148 ]

قريش عليه أن يطوف بالكعبة فقال: إن له في رسول الله أسوة، فهل أفاده ذلك، وهل أخرجه من كونه من رؤوس النفاق، فإيراد أمثال المصانع لهذه المضحكات تسويد للصحف بدون فائدة. وذكر المصانع في الصفحة (90) أيضا ما تقدم رده وإبطاله من ذكره اعتقاد أهل السنة والجماعة إنكار منازعة معاوية عليا في الخلافة، واختلاق سبب للحرب لم يكن، ودعاء النبي ص للطاغية. وفيما قدمناه من البيان غنية لطالب الحق إن شاء الله. ونقل في الصفحة (90) أيضا كلاما عن الإمام الحداد رضي الله عنه. وقد تكلم شيخنا ابن شهاب الدين جزاه الله خيرا على ذلك الكلام في وجوب الحمية بما يشفي الغليل، وبين أنه حجة على أمثال المصانع، فارجع إليه. ونقل في الصفحة (91) من كتاب الانوار ما لفظه: والباغون ليسوا بفسقة ولا كفرة، لكنهم مخطئون فيما يغعلونه، ويذهبون إليه، ولا يجوز الطعن في معاوية، لانه من كبار الصحابة، وأمره إلى مشيئة الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفى عنه، قاله الغزالي والمتولي. انتهى.

[ 149 ]

وأقول: أما الحكم عليهم أجمعين بالكفر فلم يقله منصف، وقال النيسابوري في تفسيره: واتفقوا على أن معاوية ومن تابعه كانوا باغين للحديث المشهور (إن عمارا تقتله الفئة الباغية) وقد يقال: إن الباغية في حال بغيها ليست بمؤمنة، وإنما سماهم المؤمنين باعتبار ما قبل البغي، كقوله (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه...) (1) والمرتد ليس بمؤمن بالاتفاق. انتهى. وأما الحكم بالفسق فمقطوع به على معاوية، ومن معه، وكفر معاوية قد تقدم نقل بعض ما جاء فيه، ولعل صاحب كناب الانوار شعر بتهافت ما نقله، فتبرأ منه تقذرا، وقال: قاله الغزالي والمتولي، ولعمري لقد أخطا، أو صغرا عظيما، وفتحا بقولهما على الامة بابا واسعا، لكل طماع خبيث، فاي طالب رياسة لا يقدر على ادعاء أسباب هي أقوى وأظهر مما اصطنعه معاوية، وكيف لا يكون الباغي فاسقا، والبغي مذموم، ومنهي عنه، ومرتكبه مهدر الدم، يثيب الله من يقتله، ويجب قتاله، ومن كان هكذا لا يعقل أن يكون غير فاسق. (1) سورة المائدة الآية 54.

[ 150 ]

وهبني قلت هذا الصبح ليل أيعمى العالمون عن الضياء وقولهما: " لا يجوز الطعن في معاوية " إن كانا قالاه تقية فلا باس، وإلا فهو مما يضرب به وجه الحائط ولا كرامة، لانه رد على من يدور الحق معه حيث دار، وعلى العترة الذين لا يفارقون القرآن، وتقول على الشرع الشريف، وإبطال لنصوصه الجلية، وسلوك لسبيل الامم قبلنا. وكثيرا ما يلجا الذين في قلوبهم مرض إلى قولهم: إنما نحن مقلدون، والذين قلدناهم علماء صلحاء، ومن قلد عالما لقي الله سالما. ومجاراة لهم نقول: إن العاجز عن معرفة الحق بالدليل، لا قائل بانه يجوز له أن يقلد أي عالم شاء مهما كانت صفته، بل عليه أن يقلد أتقاهم، وأعلمهم فيما يظن، وإذا كان الامر هكذا، فاي الطائفتين أولى وأحرى، أن تقلد، ويعذر الله تعالى مقلدهم أهم الغزالي والمتولي وابن حجر الهيتمي، وابن تيمية الحراني، وأضرابهم، أم صنو النبي ص وأعلم أمته، وسبطاه وأئمة العترة، ومتبعوهم بإحسان. لا يشك عاقل أن تقليد هؤلاء والتمسك بهم واتباعهم

[ 151 ]

هو الاحرى، إذ لا ضمان من الزيغ لغيرهم، وللعلم بان مخالف إجماعهم ضال، ولكنا كما عرفنا ما تقدم نعرف أن الذين يزعمون أنهم يقلدون أمثال الغزالي، والمتولي، إنما يتبعون هوى أنفسهم، وغواية شياطينهم، وقد وجدوا كلمة منقولة من هؤلاء لا يعلم إلا الله لم قالوها، إن صح عزوها إليهم فاتخذها هؤلاء دينا لموافقتها ما يحبونه، فمسخوا بها الحق الثابت الجلي (... إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) (1). قال المصانع في الصفحة (92): ومن كتاب التمهيد حاشية شرح العقائد لا يجوز اللعن على معاوية لان عليا صالح معه (كذا) ومنه أيضا أن الحسن بن علي صالح معه رضي الله عنه، ولو كان مستحقا للعن لكان لا يجوز الصلح معه. انتهى. وأقول: هذه العبارة فاسدة تركيبا ومعنى، فهي من الخبط الظاهر والخطا الواضع، والا لامتنع لعن المشركين لان رسول الله ص صالحهم، ولم يزل المسلمون يصالحون الكفار والخوارج. ولا يرون الصلح مانعا عن لعن الظالم والدعاء عليه. (1) سورة النجم الآية 23.

[ 152 ]

ونقل المصانع في الصفحة (92) أيضا عن الإمام علي ع أنه قال: (إخواننا بغوا علينا). وأقول: كرر المصانع نقل هذه الكلمة وجعلها ككثير من أمثاله، ترسا في وجه الحق، وقد رويت هذه الكلمة في حق أهل الجمل لا في القاسطين والمارقين، وحيث أن الاخوة الجنسية ثابتة حتى بين الانبياء، والمشركين، فلا فائدة في إطالة الكلام على ما لا طائل تحته، ومثله ما يروونه - وما أبعده من الصحة ! بل هو من الكذب القطعي - عن الإمام علي ع أنه قال - وحاشاه -: (قتلاي وقتلى معاوية في الجنة) وهذا مما لا يعرج عليه ذو تحصيل، والكلام على الإسناد لا يفهمه كثير من الناس وقد تقدم أن صحة الإسناد لا تفيد صحة المتن المنكر، فلذلك نكتفي هنا ببيان فساد هذا الكلام بما لا تبقى معه حاجة إلى ذكر السند، فاقول: فساد هذه المقالة ظاهر من وجوه: أولها: معارضتها للمتواتر عن علي من لعنه معاوية وأشياعه في صلاته وخطبه، وكلامه، وأهل الجنة لا يتعبد الله بلعنهم. ثانيها: ما صح عن رسول الله ص من أن عليا يقاتل الناكثين وهم أصحاب الجمل، والقاسطين وهم

[ 153 ]

معاوية وأشياعه، والمارقين وهم أهل النهروان، وصح عن علي وغيره هذا التفسير، وربنا يقول: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) (1)، وأهل الجنة يقول رتجنا فيهم (لا بسمعون حسيسها...) (2) الآية. ثالثها: ما صح عن علي ع من تصريحه بان معاوية حزب من الاحزاب، وأنه بقيتهم، وأنه ومن معه ليسوا باصحاب دين ولا تران، ومثله جاء عن النبي ط فيمن خالف أهل البيت ع، أنه حزب إبليس الخ، وأهل الجنة ليسوا كذلك قطعأ. رابعها: أن معاوية ومن معه باغون ظالمون مسيئون إجماعا وأن عليا ع وأنصاره أهل الحق مبني عليهم، وهم المتبعون أمر الله في جهاد أولئك البغاة الباذلون مهجهم طاعة لامر ربهم فكيف يصح أن يتساوى في الحكم من قتل لتكون كلمة الشيطان العليا ؟، هيهات كذب الضالون المضللون، كيف ! وأصدق القائلين يقول في محكم كتابه: (أم نجعل الذين امنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار) (3)


(1) سورة الجن الآية 15. (2) سورة الانبياء الآية 102. (3) سورة ص الآية 28. (*)

[ 154 ]

ويقول: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) (1). خامسها: قد ورد ما لا يحصى من الاحاديث عن النبي ص فيمن عادى عليا أو أبغضه، أو آذاه، وفي كثير منها أنه يبعث يهوديا، أو نصرانيا، كما في مسند أحمد من عدة طرق، وفي غيره من كتب الحديث كثير جدا، وورد في شان مؤذي أهل البيت ع ومقاتلهم شئ كثير في حرمانه الشفاعة، وطرده عن الحوض، وكونه منافقا، وغير ذلك مما يخالف حال أهل الجنة قطعا. فكيف يلغي المنصف جميع هذا من أجل كلمة اخترعها ماجور أو دجال، وأوردها محرف أو مخرف استهزاء بالدين، وأحكامه، وانتصارا للمذاهب المبتدعة، والصحيح ما صح عن عمار من أن قتلى معاوية في النار، وما جاء في أحاديث شهيرة في الامهات وغيرها من طرق من أن الخوارج كلاب النار، وشر قتلى تحت أديم السماء، ومن شرهم قتلى معاوية فتأمل ما رقمناه ترشد إن شاء الله، ولا يتسع هذا المختصر لاكثر مما ذكرناه.


(1) سورة الجاثية الآية 21. (*)

[ 155 ]

ونقل المصانع في الصفحة (92) أيضا عن ابن حجر الهيتمي عامله الله بعدله قوله: " وأما ما يستبيحه بعض المبتدعة من سبه ولعنه - أي معاوية - فله فيه أسوة بالشيخين وعثمان وأكثر الصحابة، فلا يلتفت لذلك، ولا يعول عليه، فإنه لم يصدر إلا من قوم حمقاء جهلاء أغبياء طغاة، لا يبالي الله بهم في أي واد هلكوا، فلعنهم الله وخذلهم أقبح اللعنة والخذلان الخ. انتهى. وأقول: لقد أظهر ابن حجر في هذه المقالة المشومة ضب صدره، وفاه بما يتحاشى المسلم العاقل عن التفوه به، أسكرته خمرة عصبية الجاهلية فانفجر، وكان نصبه فتدفق بالحمم، ورمى بنفسه في هوة عميقة عافانا الله مما ابتلاه به آمين. إن ابن حجر ممن عرف صحة الحديث في لعن النبي ص معاوية بعد إسلامه المزعوم، وعلم تواتر لعن علي صنو النبي لطاغيته، واتباع العترة له في ذلك، ومعهم خيار الصحابة، وأهل الحق، فلا أدري كيف ساغ له بعد هذا أن يقول ما نقل عنه آنفا. نقل المصانع في الصفحة 82: عن أبي الدرداء: قال قال رسول الله ص إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة

[ 156 ]

إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الارض فتغلق أبوابها دونها ثم تأخذ يمينا وشمالا فإذا لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن فإن (ان ظ) كان أهلا لذلك وإلا رجعت إلى قائلها رواه أبو داود: انتهى. وأقول يشهد الله وملائكته والمؤمنون أجمعون أن من ذكرناهم آنفا ممن لعن معاوية ومن اتبعهم ليسوا باهل للعنة ولكن مستحقي اللعن عدوهم ومعه من يحبه ويجادل عنه بالباطل. وما ذيل به ابن حجر عبارته لا يغني عنه شيئا ولا يخص الذم والشتم بطبقة دون طبقة وعند الله تجتمع الخصوم. وقد كرر المصانع في الصفحة 93 ما تكرر رده من اجتهاد معاوية ومن أن ما صدر منه ناشئ عن سعة علم ممنوح من النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم. وحاشا جنابه الاقدس عن ذلك فارجع إلى ما تقدم. وقال المصانع في الصفحة 93 ما مفاده أنه سمع بعض مشائخه يترضى عن معاوية وزعم أن الإمام الحداد ترضى عن معاوية وعمرو في بعض كتبه الخ. وأقول أما ما سمعه عن بعض مشائخه فمما لا قيمة له إذ لا حجة في ترضي ناصبي عن خارجي وتلك كتب الاباضية

[ 157 ]

مشحونة بالترضي عن ابن ملجم وذى الخويصرة وعمران بن حطان وأشباههم ولا نظن بصالحي مشائخه إلا الخير ولا نبرئ كثيرا منهم من الغفلة والغرارة والتقليد الصرف. وأما ما زعمه من ترضي الإمام الحداد عن الخبيثين فمما نجل كريم مقامه عنه وقد وضع الجهال من التلامذة على أساتذتهم كفريات جمة وطامات كثيرة ووضع خباث الطوية على الصالحين كذبا كثيرأ ولم يضروا إلا أنفسهم والإمام الحداد مكفوف النظر فلو فرضنا وجود ذلك في شئ من كتبه لترجح لنا أنه من زيادات جهلة النساخ: ويدل على ذلك ما نقله المصانع في الصفحة 91 عن الحداد من عدم ترضيه عن الخبيثين لما ذكرهما مع ترضيه عمن ذكره قبلهما بل قال فيهما وفيمن حارب عليأ قبلهما وبعدهما ما لفظه: وكلهم بغاة عندنا ومنازعون وخارجون بغير حق صريح وصواب واضح نعم من خرج منهم وله في خروجه شبهة فأمره أخف ممن خرج ينازع الامر ويطلبه لنفسه والله أعلم بنياتهم وسرائرهم: انتهى. وفي كلامه هذا إشارة ظاهرة إلى أن معاوية ممن لا شبهة له وإنما خرج منازعا في الامر طالبا للرياسة وكيف يسوغ أن يترضى عمن هذا حاله أم كيف يجوز أن يترضى الحداد عن عدو الله ورسوله ولا عن أصوله المشرفين له

[ 158 ]

وزيادة النساخ في الكتب معروفة فقد رأيت بعضهم ترضى عن أبي جهل وفي فهرست كتاب قرة العيون المبصرة لابن الجوزي المطبوع ما لفظه: ذكر عاد ع: ذكر ثمود ع: ومن تأمل فتح الباري للحافظ العسقلاني وما يذكره من تصرف النساخ في الالفاظ زيادة وحذقا وتحريفا وتصحيفا ظهر له ما قلناه ومن أمعن النظر في كثير من كتب الحديث يجد في بعضها من الترضي ما يجزم ببراءة المصنف منه كما تجدها إلا القليل مشحونة بالصلاة البتراء المنهي عنها فتأمل. والإمام الحداد هو القائل من قصيدة مدح بها المصطفى ص: وأنكر أقوام وصدوا وأعرضوا فقومهم بالمرهفات البواتر وسار إليهم بالجيوش وبعضها ملائكة اكرم من مؤازر ومازال يرميهم بكل كتيبة مكرمة أنصارها كالمهاجر إلى أن أجابوا دعوة الحق فاهتدوا وأسلم منهم كل طاغ وكافر

[ 159 ]

وأدخلهم في الدين قهرا وعنوة بحد المواضي والرماح الشواجر ومن الذى ينكر دخول الطاغية فيمن عناهم الحداد بقوله وأنكر أقوام وقوله وسار إليهم وفي قوله وأسلم منهم كل طاغ وكافر بعد قوله وأدخلهم في الدين قهرا وعنوة يعني ما قاله جده الإمام علي ع: ما أسلموا ولكنهم استسلموا: الخ وقوله لمعاوية: دخلت في الإسلام كرها وخرجت منه طوعا: وهذا هو الذي يمليه علينا حسن ظننا في الإمام الحداد رحمه الله تعالى وعلى التنزل نقول هب أن الحداد (وحاشاه) ترضى عن الطاغية والنبي ص وأخوه وأهل الحق لعنوه فبمن تتمسك وبمن تقتدي ومع من تحب أن تكون. إن أهل الحماقة واللجاج يريدون أن ينصروا ما هووه وتعصبوا له ولو يجعلهم الإسلام لعبة لاعب حتى يخيلوا للجاهل أن العلويين نواصب يعبدرن معاوية لقد أشربت قلوب أولئك المضللين حب معاوية كما أشربت قلوب اليهود حب العجل ولا غرو إن سلكوا سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع والله المستعان. وقد ظهر بحضرموت وغيرها في السنين القريبة أناس ممن انغرس في قلوبهم زخرف ابن تيمية وابن حجر الهيتمي ومن شاكلهما من نواصب السنة في طاغية الإسلام وفي

[ 160 ]

هؤلاء عدد من العلويين قليلون نسال الله لنا ولهم السلامة والعافية من كل سوء وما أحسن ما قاله فيهم شيخنا العلامة ابن شهاب الدين نفعنا الله بعلومه: إن السادة العلويين الموجودين الان قد تحقق من عدد منهم عقوقهم للطبقة الاولى من سلفهم الصالح علي بن أبي طالب ع ومن بعده من ذريته إلى سيدنا الفقيه المقدم رضوان الله عليهم. وتحقق عقوقهم للطبقة الثانية من السلف، وهم من بعد الفقيه المقدم إلى الزمن القريب. أما عقوقهم للطبقة الاولى فبتوليهم من حاد الله ورسوله، وحارب أهل ا لبيت، ولعن سادتهم على المنابر، وتقليدهم من عاداهم من النواصب. وأما عقوقهم للطبقة الثانية فباتهامهم للطبقة غلطا بانهم ممن يتولى أولئك الطغاة العتاة، وحملهم لسكوت من سكت منهم على أنه تورع، وتنزه عن لعنهم مع أنه لم يكن إلا لخوف الفتنة، ولم ينتبهوا لما في كلام كثير منهم من التصريح والإشارة بانهم لم يخالفوا أسلافهم في شئ ما من العقائد البتة. وكل هذا من الجهل وعدم الاطلاع، أو من الجمود والتقليد، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، انتهى كلام

[ 161 ]

شيخنا رفع الله مقامه آمين. ومن غرائب المصانع أنه كتب فصلا في الصفحة (93) وما بعدها في ذم المراء والجدال، وآفاتهما والنهي عن رد الحق، وعن التجرى على الفتوى بالهوى، ثم قال: ومنشا هذه الاخلاق ومنبعها من الجرائد والمجلات. انتهى. وأقول: إن كلامه في نبذته هذه من جنس ما ذمه هنا بدون ريب (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه...) (1). ونقل المصانع في الصفحة (99) عن جدنا العلامة السيد عبد الله بن عمر بن يحيى قوله: " فليحتط - فليحتط - كل من القاضي والعالم، وليقدر أنه يتكلم بحجته بين يدي الله بمحضر رسول الله ص فلا يتكلم إلا بما يراه الصواب وليحذر كل الحذر من الميل إلى الباطل متابعة للهوى، وميلا للجاه والمال، ونصرة الدعوى فإن ذلك يهلك الدين، ويدخل فاعله في حزب المفسدين المحادين لرب العالمين " انتهى. وأقول: في النقل تحريف ظاهر، ولو استمع المصانع لما قاله الجد لربح، وأراح واستراح، ولم يكتب شيئا من هذه النبذة.


(1) سورة يس الآية 78. (*)

[ 162 ]

إنه لا يحب أن يكون خصمه نبيه محمدأ ص وجده عليا، وأهل البيت، ولا بان يكون خصيما لاكبر الخائنين خيانة، وأكثرهم عداوة، ومحادة لله ورسوله، وأشدهم جدأ في هتك حرم الإسلام، ولا يسره أن يرى في صحيفته ما رقمه في نبذته من الضلال والجدال بالباطل، والترضي عمن هجيراهم (1) لعن اخي النبي ص ولكن الهوى يعمي ويصم. وكتب المصانع فصلا في الصفحة (101) في بيان أسباب سكوت السلف عن الخوض فيما شجر بين الصحابة. وأقول: إننا قد أوضحنا الصواب في هذه المقالات، فيما تقدم، وتكلم عليها شيخنا العلامة ابن شهاب الدين زاده الله من فضله في كتاب وجوب الحمية، ويتعين السكوت على من لا اطلاع له على ما جرى، وعلى من لا معرفة له بالاحكام لان خوض من ليس له أهلية من تعاطي الزور المنهي عنه، وأما خوض أهل المعرفة فمن بيان الحق المأمور به، ومن هتك الفاجر المثاب فاعله امتثالا للامر. والسكوت شئ، وما يعمله المصانع وأمثاله من


(1) أي عادتهم وشأنهم. (*)

[ 163 ]

المجادلة عن الظلمة والتولي لهم، وتعظيمهم، وتصغير فواحشهم شئ آخر، وتسميتهم له سكوتا من غلوهم في النصب والتمويه لا يغني فتيلا، والتسمية لا تغير أحكام المعاني والذوات، فالخمر هي الخمر، وإن سميتها نبيذا، والزنا هو الزنا وإن سميته مخادنة، والنصب هو النصب وإن لقبوه سنة، والسنة هي السنة وإن زعموها رفضا. وأكبر سبب لسكوت من سكت هو السيوف المسلولة، والسياط المشهورة، والقيود الثقيلة، وقد سكت البعض لجر نفع ما، وبعضهم عند الفرصة يشيرون إلى الحق، ولو من طرت خفي، أو بنوع تورية، وقد يصرحون أحيانا، ولكن كثيرا من خلف السوء السالكين سنن من قبلهم حذو القذة بالقذة حرفرا وبدلوا، وكذبوا، فضلوا وأضلوا من قلدهم، من عمه القلوب عمي البصائر، أتباع كل ناعق، من كل أحمق ناهق، فتعصبوا للباطل، وزعموا أنهم أهل الحق (... قل الله أذن لكم أم على الله تفترون) (1) ولله الفاضل الجليل، السيد علي بن الحسن العطاس العلوى رحمه الله تعالى حيث يقول من قصيدته:


(1) سورة يونس الآية 59. (*)

[ 164 ]

ومن كان يحكي عن معاو اصابة بحرب أبي السبطين فهو المحارب إلى أن قال: أوالي ولي الله ناصر دينه ومن نزل القرآن فيه يخاطب فويل ابن هند من عداوة مهتد ينازعه في حقه ويطالب له الويل ما أجراه فيما أتى به على حبر علم قدمته الاطائب ومولانا السيد علي المذكور ممن رد زعم الزاعمين أن السلامة في السكوت، وصرح بان إنكار المنكر من أهم الواجبات كيف لا، والحب في الله والبغض فيه من أقوى عرى الإيمان، ومن تولى قوما ورضى أفعالهم فهو شريك لهم. قال العلامة الجليل الشيخ محمد عبده المصري رحمه الله ورضي عنه في تفسيره عند ذكر ما نعاه الله سبحانه وتعالى على اليهود المعاصرين لنبينا محمد ص في قوله تعالى: (... وقتلهم الانبياء بغير حق...) (1) مع أن أولئك اليهود لم يقتلوا نبيا ولكنهم أحبوا وتولوا، وعظموا من فعل


(1) سورة آل عمران الآية 181. (*)

[ 165 ]

ذلك من سابقي سلفهم، وتاولوا لهم، وحرفوا الكلم، وتعصبوا لهم، قال الاستاذ ما لفظه: " إن الله تعالى نبهنا بهذا الضرب من التعبير إلى أن المتأخر إذا لم ينظر إلى عمل المتقدم بعين البصيرة، ويطبقه على الشريعة، فيستحسن منه ما استحسنت، ويستقبح منه ما استهجنت، ويسجل على المسئ من سلفه إساءته، وينفرعنها، فإنه يعد عند الله مثله، وشريكا له في إثمه، ومستحقا لمثل عقوبته. انتهى. ولا يشك منصف أن أنصار الطاغية قد سلكوا سبيل من تقدم من اليهود شبرا بشبر، وذراعا بذراع، وصدق الله ورسوله، ويرحم الله الشيخ الحفظي، حيث يقول: وما جرى فقد مضى وإنما يا ويل من والى لمن قد ظلما وكل من يسكت أو يلبس ومن لعذر فاسد يلتمس فذاك مفتون بكل حال قد خسر الربح ورأس المال واستبدل الاذى بكل خير وباع دينه بدنيا الغير وقد طنطن بمدح السكوت رجال غفلوا عما ذكر أن لم

[ 166 ]

يكونوا ممن أعماهم الغرض، أو في قلوبهم مرض، ويحتج بعضهم بقوله تعالى (... عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم...) (1) وقد غفل المسكين عن أن من أضل الضالين وأبعدهم من الهدى من لا يحب في الله ولا يبغض في فيه، ولا يوالي أولياء الله، ولا يعادى أعاديه، ومن لا يامر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومن هو هكذا فبينه وبين الهدى بعد بعيد، والمهتدي من قام بالواجبات حسب الاستطاعة (... الا أن تتقوا منهم تقاة...) (2) وحينئذ لا يضره ضلال من ضل، فتأمل ترشد إن شاء الله تعالى. وكتب المصانع فصلا في الصفحة (105) وما بعدها في وجوب متابعة سيرة السلف الصالحين من سادتنا العلويين. الخ، ونقل ما سبق ذكره من كلام الإمام الحداد رضي الله عنه في ذلك المعنى، وقال: نقلا عن السيد العلامة السمهودى رحمه الله ما لفظه: " ينبغي لاهل البيت أن يتبعوا سلفهم في اقتفاء آثارهم، والاهتداء بهديهم وأنوارهم وأقوالهم وأفعالهم، فإنهم أولى الناس بذلك ليكونوا خير الناس أسلافا وأخلاقا، وأعمالا، ويدخلون


(1) سورة المائدة الآية 105. (2) سورة آل عمران الآية 28. (*)

[ 167 ]

بذلك السرور على مشرفهم ص وبقية سلفهم عند عرض أعمالهم " انتهى. وقد حذر هؤلاء السلف خلفهم عن مخالفتهم أشد التحذير قال الحبيب عبد الله بن علوي الحداد رضى الله عنه: " ولا ينبغي لخلفهم أن ينتهجوا بغير المنهج الذى درج عليه أسلافهم، ولا أن يميلوا عن طريقتهم وسيرهم باتباع غيرهم، والإنجرار بجره " انتهى المنقول عن المصانع. وأقول: إن ما نقله كما ذكرناه صواب، وهو حجة قاطعة لهذره وتغريره، ومما لا نزاع فيه عند العلماء أن مذهب السادة العلويين الاخذ بمحكم الكتاب وصحيح السنة مع التمسك بالعترة، والاقتداء بإمامها أمير المؤمنين علي ع، ثم الائمة الهداة الاعلام من ولده ع، وسندهم بهم متصل أبا عن جد، ولا أرى المصانع يخالفنا في هذا كله لشهرته، ووضوحه. ولا أدرى ماذا قام بعقل المصانع، فخالف أسلافه، وشد عنهم واتبع خطوات أعدائهم، ومخالفيهم، فقابل بين ما نسطره عن علي والسلف، وعن المصانع ومن على شاكلته مما لا نزاع في ثبوته.

[ 168 ]

1 - علي ومتبعوه يبغضون في الله معاوية وأذنابه وناصريهم ويرون ذلك مما لا يتم الإيمان إلا به. 1 - المصانع ومن على شاكلته يحبون معاوية وأذنابه وينصرونه، ويزعمون أنه لا يتم الإيمان إلا بذلك. 2 - علي ومن معه يعادون معاوية في الله ولا يوالونه. 2 - المصانع وأشباهه يتولون معاوية ويعادون كل من لا يتولاه. 3 - علي ومتبعوه يلعنون معاوية، وأذنابه تقربا إلى الله بذلك. 3 - المصانع ومن يوافقه يترضون عن معاوية تعظيما له، وترغيما لمن يلعنه تقربا إلى الله بزعمهم، ويحكمون على من يلعن معاوية بانه رافضي، بل مشرك يستبيحون لعنه وذمه، كما تقدم نقله. 4 - علي ومن معه يعدون معاوية ومن تبعه حزبا من الاحزاب ليسوا باصحاب دين ولا قرآن. 4 - المصانع ومن يوافقه يعدون معاوية من الممنوحين سعة علم من النبي ص صدر عنها ما صدر من لعن أخي النبي، وقتل عمار والبدريين وغيرهم، وتسميم الحسن، ويقولون: ما فعل معاوية ومن معه ذلك إلا لطلب رضاء الله

[ 169 ]

تعالى. 5 - علي ومن ياتم به يعتقدون أن معاوية وأتباعه أعداء للإسلام، يبتغون له العثرات والغوائل ما أسلموا ولكنهم استسلموا. 5 - المصانع ومن يقول بقوله يعتقدون أن معاوية خليفة صدق، وإمام حق، كامل الإيمان، وأنه من أهل الجنة. فمع هذا التناقض الفاضح، كيف يجوز للمصانع أن يدعي أنه متبع للسلف الصالح، ولاهل البيت، ولو أردنا إطالة الكلام لاكثرنا من ذكر ما خالفوا فيه السلف الصالح، وتبعوا فيه أعداءهم، فدعوى الاقتداء بعلي وأهل البيت ع ممن يعتقد غير معتقدهم كذب، وهي مثل دعوى مثلثة النصارى الاقتداء بالمسيح إمام الموحدين عليه صلاة الله وسلامه، فالمخالفة محققة مقطوع بها، والعقوق ثابت أيضا. سارت مشرقة وسرت مغربا شتان بين مشرق ومغرب ولعل المصانع يزعم أن السلف هم الغزالي، والهيتمي والمتولي، ومن وافقهم، وأن مذهب علي

[ 170 ]

والعترة نسخ، وصار من سقط المتاع، والحق إن شاء الله تعالى أن هؤلاء وغيرهم من علماء المسلمين ليسوا حجة على أهل البيت، فإن وافقت أقوالهم قول العترة قبلناها، وعمدتنا التمسك بالعترة، وإن خالفت أقوالهم إجماع العترة ضربنا بها عرض الحائط، وعددنا عملنا هذا أكبر خدمة، وأسنى تحفة تزفها إلى أولئك العلماء لحسن ظننا بهم في اعتقادنا أنهم يحبون تقديم قول من أمر المعصوم بالتمسك بهم. وربما كابر بعضهم فانكر ما ذكرناه من قصد الترغيم، في ترضيهم عن الطاغية فنقول له: يراجع العقيدة المشهورة للكلواذي، وتد أقروه، ولم نر من أنكر عليه في قوله: ولابن هند في الفؤاد محبة مغروسة فليرغمن مفندي ومن أمثال المصانع من يامر الطلبة بحفظ تلك العقيدة، ويعلمها الاولاد، ولا أراهم يجهلون أن أول مفند لهم في حبهم عدو الله ورسوله، وعدو عترة محمد، وبعده أخوه علي عليهما والآل الصلاة والسلام. تود عدوي ثم تزعم أنني صديقك ليس النوك عنك بعازب

[ 171 ]

وقد رد شيخنا العلامة ابن شهاب الدين نفع الله بعلومه ضلالة الكلواذي فقال: قل لابن كلواذي وخيم المورد أوقعت نفسك في الحضيض الاوهد أفانت تطمع يا سخيف العقل في إرغام طه والوصي المهتدى والمسلمين الصادقي إيمانهم بالله جل وبالنبي محمد أو لست أنت القائل البيت الذى تصلى به وهج السعير الموصد " ولابن هند في الفؤاد محبة مغروسة فليرغمن مفندى، أرأيت ويلك ذا يتين لا يفن‍ - د ما يفوه به لسان الابعد أو هل ترى إلا بقلب منافق غرست محبة عجلك المتمرد أو ما علمت بان من أحببته رأس البغاة وخصم كل موحد لعن الوصي وبدل الاحكام وار تكب الكبائر باللسان وباليد

[ 172 ]

إن المحب مع الحبيب مقره ولسوف تعلم مستقرك في غد فعليكما سخط الإله ومقته وعلى الذي بك في العقيدة يقتدي وأقول أنا آمين. قال المصانع في الصفحة (108): قال سيدنا عمر رضي الله عنه: " إن أخوف ما أخاف عليكم - أو قال - على هذه الامة فاجر عليم اللسان " انتهى. وأقول: لا يشك عاقل أن عمر يعني بمقالته هذه من يهون الكبائر، ويصغر العظائم من المعاصي، ويقلب الحقائق، ويلبس الحق بالباطل، ويجادل عن المنافقين الخائنين، ويمدحهم، ويدعو الامة إلى حب من أوجب الله عليها بغضه، وهل يقول من يحسن ظنه بعمر أنه عنى بمقالته هذه الآمرين بالتمسك بالثقلين، ومن يدعو إلى بغض المؤذين لله ولرسوله ولاهل البيت - حاشاه. وذكر المصانع في الصفحة (110) ما مفاده أن من متابعة السلف ترك التسليم على أمير المؤمنين علي ع عند ذكره إلى هوس وخبط. وأقول: قاتل الله الجهل وحفظنا من الحماقة

[ 173 ]

والدعوى والجمود، وقد أوضح شيخنا ابن شهاب الدين جزاه الله عن نبيه خير الجزاء هذا المقام في كتاب وجوب الحمية فليرجع إليه محب الحق. تنبيه إن داء الحسد لاهل البيت الطاهر كثيرا ما يتولد في صدور بعض ذوي المراتب كالعلماء، ومشايخ السلوك، وأرباب الثروة، لحبهم العلؤ فيمتعضون مما يرونه من تعظيم المؤمنين لاهل البيت، وإن لم يكونوا مثلهم في المنصب، ويكبر ذلك عليهم، وتضيق منه صدورهم، إلا من عصمه الله تعالى، برسوخ الإيمان في قلبه، فلذلك تجد في عبارات بعض العلماء من اللمز والتعريض والكلام المريض ما ينم عما انطوت عليه صدورهم مما ذكرناه. إن العرانين تلقاها محسدة ولن ترى للئام الناس حسادا أخرج الطبراني في الكبير عن السيد الحسن (أن رسول الله ص قال: لا يبغضنا أحد، ولا يحسدنا أحد إلا ذيد يوم القيامة عن الحوض بسياط من نار). وقال مولانا علي ع: (لا تعلموا العلم أولاد السفلة فإنهم إن تعلموا تطلبوا معالي الامور، فإن أدركوها

[ 174 ]

اعتنوا بمذلة الاشراف). وقال شيخنا العلامة ابن شهاب الدين من قصيدة في الآل: عجبا لمن يتلو الكتاب مكررا وحديث إنسان الوجود الكامل فيرى ويسمع ثم يجحد مجدهم حسدا وتكذيبا لاصدق قائل أغويه أغراه أم في قلبه مرض سقاه نقيع سم قاتل ينهى فيابى النصح ملتجئا إلى مخصوص نص أو سقيم دلائل والعلم يخبث حيث تحسد عترة ال‍ هادي وخير منه جهل الجاهل خاتمة يرى الموفق فيما سبق تسطيره بيان تهافت مزاعم أنصار الطاغية، وظهور فسادها فيعجب من تجاسرهم على قلب الحقائق، وإلباسهم الحق بالباطل، وتغريرهم للناس، ومحاولتهم تبرير من لو مزجت البحار بقطرة من خبائثه التي لا تحصى لانتنت، ويقول: أين ذهبت

[ 175 ]

العقول، وعزبت الاحلام ؟ أين غاب خوف الله وذكر القيام بين يديه ؟ كيف يجادلون عن معاوية وهو من ألد أعداء الله ورسوله سابقا ولاحقا ؟، ويذهب به الفكر كل مذهب، فلا يجد عذرا لاولئك المغررين غير الخذلان، وغلبة الشقوة عليهم، ولذلك تتابعوا وتهالكوا في نصر من حاد الله ورسوله جهارا ليكونوا شركاء له في ذنوبه، وليستحقوا من العذاب ما يستحقه، أليس معاوية هو الذي صح لعن رسول الله ص له بعد إسلامه المدخول، وهو الذي صح الخبر عن رسول الله ص بانه يموت على غير ملة الإسلام ؟. أليس هو اللاعن أخا رسول الله ص الذي هو نفس النبي، أو كنفسه، ظلما وعدوانا على اكثر من سبعين ألف منبر السنين العديدة، وهو المحارب المعادي الساب سيد المسلمين بغيا، وأشرا وبطرا، للاحقاد الشركية والثارات البدرية، وهو القاتل حجر بن عدي وأصحابه صبرا ظلما وعدوانا، وهم الذين يغضب الله لهم، وأهل السماء كما في الحديث، وهو القاتل عمرو بن الحمق الصحابي الزاهد العابد غدرا، وهو الغاش للامة الإسلامية كلها حيا وميتا، وهو المؤجر شهود الزور ليلصق المخزيات بالطاهرين، وهو الباذل أموال بيت مال المسلمين رشوة لمن يضع

[ 176 ]

الاحاديث ويفتريها على النبي ص فيما يحبه ويهواه من أغراضه النجسة، وهو المفرق كلمة المسلمين المشتت وحدتهم، وهو المضرب بزوره وتغريره بين الصحابة، ومثير تلك الفتن، وهو المشير على عثمان بان يقتل عليا ع وغيره، وهو الراد حكم الشريعة جهارا، المقدم رأيه وهواه على النصوص الجلية، وهو المولي عمال السوء رشوة لهم لمساعدتهم على الغدر بالامة، وهو المرتكب كبائر الكبائر ليحمل ابنه الخبيث المخبث على أعناق الامة، ليتمم ما أراده بالإسلام وأهله من الدمار والضلال غشا لها، وهو المسمم بغيا وعدوانا الحسن سبط رسول الله ص والاشتر وعبد الرحمن بن خالد وغيرهم، وهو الفاتح باب القدح في أبي بكر وعمر، وهو الذي سن بيع الحرائر المسلمات علنا، وهو البائع الاصنام لمن يعبدها، وهو المتسبب في حفظ اريا استقلالها بصدعه جماعة الإسلام كما اعترف بذلك سياسيوها فنتج عن ذلك ما لا يزال المسلمون فيه من الذل والاضطهاد والفتن، وهو المستهزئ بالنبي ص وبكلامه ووعده ووعيده، وهو المعادي للانصار، ولاهل البيت المبغض لهم الشامت بما يصيبهم، وهو الذي لعنه أمير المؤمنين علي، واستمر على المداومة على لعنه في صلاته وغيرها، وهو الذي لعنه وذمه

[ 177 ]

من لا يحصى عددهم من خيار الصحابة والتابعين، الذين قلامة ظفر أحدهم خير من المناضلين عن معاوية تعصبا للباطل بعد علمهم بجلية حاله، وهو الذي لم تزل الامة مرتبكة فيما نصبه لها من الحبائل، وما أدخله عليها من الشبهات والجهائل، وهو المجمع على بغيه وعدوانه، وهو الذي لا دين له ولا مروءة، وهو الذى رضي بقتل صبيان عترة النبي ص علاوة على صبيان المسلمين ونسائهم، وهو المعلن سروره بما يسوء النبي ص في عترته ع، وهو المعترف خلاعة وتهتكا ووقاحة وقلة مبالاة، بانه طالب ملك ورياسة، مؤثر للدنيا، وهو الذى أمر النبي ص أمته بقتله، ليسلموا من كيده وإضلاله، فلم يفعلوا، وهو الذي صح دعاء الني ص بان لا يشبع الله بطنه، فكان كذلك، وماذاك إلا لاستخفافه بالنبي ونفاقه، وهو الذي استبد بالامة، وسن الاستبداد للطواغيت والفراعنة من بعده، ومهد الطريق لهم، وهو الذي قتل الالوف المؤلفة من المسلمين لينال شهوته عداوة للإسلام وحقدأ عليه، وهو الذي شهد عليه أخص أصدقائه بانه أكفر خلق الله، وهو الذي سكت لما سلموا عليه بالنبوة رضاء بذلك، وهو الذي ابتدع البدع الخبيثة، وحمل الناس عليها قهرا، وهو الذي أكل وبذر أموال بيت المسلمين في

[ 178 ]

أغراضه الملعونة، وهو الذى اصطفى لنفسه البيضاء والصفراء من فيئهم، وهو الذى خان وغدر وألحد وفجر، وهو الذى أبطن الكفر، وأظهر الإسلام، وهو الذي أصر على فظائعه واستمر إلى آخر نفس من حياته، وهو الذي جاء الخبر الحجة بانه في تابوت في جهنم أعاذنا الله منها ومن كل سوءبمنه. وما كان لمن يدعي الإيمان بالله واليوم الآخر أن يجادل عمن هذه أعماله، بل هذا نزر يسير من كبير، وقطرة من بحر، من قبائح من يناضل عنه المصانع وأمثاله، ويشيدون بانه لهم خليفة صدق، وإمام حق، وأنه من المغفور لهم وو و.. وقد جهلوا أو تجاهلوا، أو أعماهم الهوى عن أنه لو كان لما زعموه حظ ما من الصحة لصعب علينا أن نجد فاجرا في الدنيا. قال بعضهم مغالطا: إن القدح في طاغيتهم يجر إلى الطعن في سائر الصحابة، ويفتح الباب لمريد الدخول فيه، وقياس قوله هذا أن تكذيبنا لمسيلمة الكذاب يفتح باب القدح في أولي العزم من المرسلين، ومثل هذه المغالطة لا تروج إلا على غافل، أو أعمى مخذول.

[ 179 ]

وقد تجاهل الذابون عن معاوية أن ذبهم عنه يهدم الثقة بهم، وينادي عليهم بالجهل، والعمه والتعصب، ورقة الديانة، وعدم الإيمان بالآخرة وبالمجازاة فيها لرضائهم بمشاركة ذلك الطاغية في فجراته وغدراته، وضلالاته، وفي عداوته لله ولرسوله، ولاهل بيته بدون حامل لهم إلا العصبية أو التقليد الاعمى، وبذلك تتطرق التهمة إلى من يقاربهم، أو يظن أنه مثلهم. (... فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (1) (... ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) (2). ومن أحب الإطلاع على النقل والعزو والبسط لما في هذا المختصر، ولما في هذه الفذلكة خاصة فعليه بكتاب النصائح الكافية، وكتاب وجوب الحمية، ومجموعتنا ثمرات المطالعة. وليعلم أن جميع ما وصل إلينا من مخزيات هذا الجبار، وما حوته جميع مصنفات المسلمين منها لو جمع كله لما كان إلا شيئا تافها من جمها، وقطرة من متلاطم


(1) سورة الحج الآية 46. (2) سورة الزخرف الآية 58. (*)

[ 180 ]

يمها، كزنة حبة خردل فصلت من الارض لان أذنابه من علوج أمية كانوا يقدسونه، ويعذبون من يذكر من فظائعه شيئا، وعبادهم من علماء السوء يشون بمن روى من مثالب طاغيتهم شيئا، وينتهكون حرمته، ويشهرونه بانه، وبانه، لانهم يتاجرون بمدحه، ويتغنون بما يخترعونه كذبا له من المناقب، ويشيدون بما يضعونه في فضله من الاحاديث، ويعدلون رواتها، ويمدحونهم بانهم أنصار السنة، ومن أقمع الناس للبدعة، ووو... ولم تزل أخلافهم على هذا إلى الآن ينبحون كل من بذكر طاغيتهم بشئ ما مما تواتر عنه، ويؤذونه أشد الإيذاء، وينبزونه بالرفض، والفسق، ويكذبونه ظلما وزورا. فوصول ما وصل إلينا مما حوته الكتب الإسلامية مخترقا تلك السدود من فواحش عجل الامة، إنما هو من اكبر معجزات نبينا محمد ص فلربنا وحده الحمد والمنة. ونسال الله بوجهه الكريم كما يسر جمع هذا المختصر أن يجعله خالصا لوجهه، وأن ينفع به من أحبه من خلقه، ويجعلنا منهم بمنه، وأن يدخل به السررر على نبيه محمد ص في قبره الشريف، وعلى صنوه علي، وعلى البتول الطاهرة الزهراء، وأولادهم الكرام ع.

[ 181 ]

وأن يجعله غصة في حلوق الناصبة، والذين في قلوبهم مرض، وقذى في عيونهم، ونارا مؤججة في صدورهم وقبورهم، وأن يعافينا مما ابتلاهم به، وأن يهدينا لما يحبه ويرضاه، ولا يجعلنا مس أهواه هواه، وأن يحفظنا بالاعتصام بكتابه، والاتباع لسنة نبيه، والتمسك بعترته من كل زيغ، وضلال وابتداع حتى يحشرنا معهم غير مبدلين، ولا مستبدلين، وأن يعيذنا من شر كل ذي شر، وأن يتوب علينا من كل ذنب، ويسترنا بستره الجميل في الدنيا والآخرة، ويشفع فينا نبيه محمدا ص وأهل بيته، ع، ويعصمنا من كل فتنة وبلاء ومحنة بمنه وكرمه، ويختم لنا بالحسنى. وقد تم اختصاره من الأصل في بلد مدراس من الهند، في البيت رقم 3 سترتجر رود لعشر خلت من المحرم سنة 1337 ه‍، وتم تبييضه في سنغافورا في البيت رقم 43 وسكر رود عشية الثلاثاء لتسع بقين من شهر رجب سنة 1342 ه‍ والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب

[ 182 ]

العالمين). وكتبه العبد الفقير إلى ربه محمد بن عقيل بن عبد الله بن يحيى العلوي سامحه الله آمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين. قال العلامة المحقق السيد أبو بكر بن عبد الرحمن بن شهاب الدين العلوى رحمه الله: أنادي وكم ناديت سرا وإعلانا وجادلت بالحسنى وبالرفق أحيانا أقول لصحبي سادة السنة الاولى لهم أصبحت في الشرق والغرب عنوانا أسنة خير الرسل أم سنة الذي غوى فاستوى فوق المنابر لعانا تناهوا فإن البعض من علمائكم سروا في ظلام النصب رجلا وركبانا وقولوا لهم هل بعد قول محمد وبعد كتاب الله تبغون تبيانا ركبتم بتبرير المسيئ مطية الض‍ لال ولفقتم أحاديث بهتانا رويدكم استحيوا من الله إنكم جعلتم رؤوس البني للدين أركانا

[ 183 ]

إذا ما ذكرنا المصطفى أو وصيه وفاطم والسبطين أعلا الورى شأنا وجئنا بسادات الصحابة مثل صا حب الغار والفاروق والصهر عثمانا ذكرتم لنا الباغي معاوي وابنه وصخرا وعمرا والدعي ومروانا وهم شر صحب للنبي وبعده غدوا لكلاب النار في الدين إخوانا قرود كما قال الرسول وإنما رقصتم لهم لما استوى القرد سلطانا أما حاربوا الجبار لما تحزبوا لحرب أخي المختار بغيا وطغيانا ولما مضى ازدادوا عتوا وأطفأوا مصابيح بيت الدين مبدين أضغانا وقلتم جهاد باجتهاد وإن يكن خطاء فغي الأخرى سيجزون إحسانا نقول لكم هذي المساجد فاركعوا وأنتم تقولون ادخلوا مثلنا ألحانا صلاة إلى البيت العتيق وحبذا وأخرى إلى العزى عنادا وعدوانا

[ 184 ]

تأولتموا معنى الأحاديث كيفما تشاؤون غمطا للدليل وكتمانا خذوا الحذر إن الخطب إد وبادروا إلى التوب قبل الأوب راجين غفرانا دعوا قول من قلدتموه تعصب لهم واجعلوا وحي المهيمن ميزانا أوحي كلام الهيتمي وأحمد اب‍ - ن تيمية والأشعري وسفيانا فنقليدهم والحق يتلى عليكم يجر لكم يوم التغابن خسرانا وإن عذر الماضون في بعض ما جرى مداهنة فالعذر لا يوجد الآنا سرى فيكم داء التعصب والهوى فصرتم به صما عن الحق عميانا فحتى م هذا الميل عمن بحبهم من الله تزدادون قربا وإيمانا وحتى م دعواكم بان خصومهم اديلوا بمقت الله والطرد رضوانا نصحناكم حتى سئمنا ولم نجد لديكم بمحض النصح للحق إذعانا

[ 185 ]

ولم نأل جهدا في مداراتكم وكم أقمنا على الدعوى دليلا وبرهانا ولكن تعالوا نحتكم ثم نبتهل فنجعل عذاب الله يجتاح أشقانا

[ 187 ]

فصل الحاكم في النزاع والتخاصم

[ 189 ]

فصل العالم في النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم جمع العبد الضعيف معمر بن عقيل بن عبد اللة بن يحيي عفا الله عنهم آمين

[ 191 ]

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على خير خلقه سيدنا محمد وآله ومن تبعهم بإحسان. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلاته وسلامه على سيدنا ومولانا محمد وآله الهداة، ومن اتبعه ووالاه، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله مشتبها علينا فنتبع الهوى. أما بعد فقد قرأت كتاب النزاع والتخاصم فيما بين بني

[ 192 ]

أمية وبني هاشم للحافظ العلامة أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزى رحمه الله، فرأيته جمع فيه فوائد عديدة حسنة، وأدخل معها قليلا من الوهم والغلط، فاستخرت الله عزوجل، واستعنت به، وتوكلت عليه، واستخلصت منه زبدة صالحة ممزوجة بزيادات صحيحة زدتها، ولم أتقيد بألفاظ المصنف فيما استخلصته من كتابه، وقد أتممت البحث بتبيين الصواب، وكشف النقاب عن الوهم والغلط، الذى راج على المصنف رحمه الله تعالى. وأسال الله الكريم أن يجعل صنيعي خالصا لوجهه، وأن ينفعني به، وينفع به صالحي عباده إنه الجواد الرحيم. وقد سميته فصل الحاكم في النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم. ذكر المصنف رحمه الله بعد ديباجة كتابه أنه يكثر تعجبه من تطاول بني أمية إلى الخلافة مع بعدهم من جذم رسول الله ص فأين بنو أمية وبنو مروان بن الحكم طريد رسول الله ص ولعينه من التحدث بالخلافة سيما مع ما كانوا عليه، فإن العداوة والمباينة الشديدة بين بني أمية وبني

[ 193 ]

هاشم كانت في الجاهلية، ثابتة، ثم ازدادت شدة ورسوخا في الإسلام لمبالغة بني أمية في عداوة النبي ص وعداوة المسلمين، وأذيتهم، وجدهم واجتهادهم ني استئصال شأفتهم، واستمرارهم على ذلك إلى أن قهروا وألجئوا إلى الإسلام كرها يوم الفتح. ولم يزل فيهم بعد ذلك من يضمر العداوة للإسلام وأهله، ويعرف بذلك، فلعمري لا بعد أبعد مما بين بني أمية، والخلافة، إذ لا سبب ولا نسب لهم يمتون به إليها ما سوى القرشية التي يستوي معهم فيها قريش الظواهر. فذو القرابة القريبة غيرهم، والوصية إلى سواهم، والناصرون للإسلام ولنبيه أعداؤهم، والسابقون إليه مقاتلوهم. فليسوا في قليل ولا كثير ما يدلى به إلى الخلافة من دين أو علم به، أو نصر له، أو قرابة قريبة غير مجذوذة إلى صاحبه، أو وراثة، وكل هذا مجمع عليه، ولا نزاع فيه بين المسلمين. وحيث فد بعد القوم كل البعد عن كل مؤهل للخلافة، فليتهم سلموا مما يبعدهم أشد البعد عنها، ولكنه قد اجتمع فيهم من ذلك ما يعسر عده.

[ 194 ]

فعداوة كبيرهم أبي سفيان بن حرب لرسول الله ص ومحاربته له وإجلابه عليه، وغزوه إياه أشهر من أن ينكر، ولقد أسلم بعد ذلك كرها، فسلم ولم يكن خلاصه إلا بشفاعة العباس بن عبد المطلب، وقد طلب له حيئنذ ما طلب. فكانت المكافأة عن تلك اليد البيضاء محاربة علي، وتسميم الحسن ابنه، وقتل الحسين ومن معه من أولاد علي، وقرابات النبي ص وحمل نسائهم وذراريهم حواسر على الأقتاب، والكشف عن سوأة علي بن الحسين لما أشكل عليهم بلوغه، كما يصنع بأبناء المشركين، وقتل بسر بن أرطاة وزير معاوية وأميره ابني عبيد الله بن العباس طفلين صغيرين، فتدلهت أمهما، ورثتهما بشعرها السائر. وقتلهم أولاد عقيل بن أبي طالب مع زعمهم أنه كان قد أعانهم على حرب أخيه، فإن صدقوا فقد جزوه بما هم أهله، وإن كذبوا فما أحراهم بالبهتان. ومن عرف بني أمية لا يعجب مما صنعوا لأن مثلهم لا يكون منه إلا ما كان منهم، ولكن العجب كل العجب من صنيع الأمة معهم مع معرفتهم أحوالهم وتراجم رجالهم. فمنهم أبو أحيحية سعيد بن العاص بن أمية مات

[ 195 ]

مشركا كان من أشد الناس عداوة وبغضا لرسول الله ص، ومنهم عقبة بن أبي معيط كان فاجرا فاحشا، خبيثا، وجد رسول الله ص ساجدا لله تعالى فوطأ عنقه الشريف وطأ شديدا، ووجده مرة أخرى فوضع عليه سلا جزور أو شاة، وقد أسر ببدر، فأمر النبي ص عليا فقتله، فقال للنبي ص: يا محمد من للصبية ؟ قال: النار. ومنهم الحكم بن أبي العاص لعين رسول الله ص وطريده كان مؤذيا لرسول الله وعارا في الإسلام، لم يحسن إسلامه بل كان يتطلع أخبار النبي ص بالمدينة، ثم يخبر بها الكفار، ومشى مرة خلف النبي ص وهو يتخلج بأنفه وفمه، ويتفكك ويتمايل كأنه يحاكي النبي، فالتفت إليه النبي ص فرآه فقال له: كن كذلك، فمازال بقية عمره على ذلك. وطرده النبي ص من المدينة، ولعنه وما ولد، وقال: ويل لامتي مما في صلب هذا، وله أخبار سيئة كثيرة. وقال فيه عبد الرحمن بن حسان بن ثابت يخاطب ابنه:

[ 196 ]

إن اللعين أباك فارم عظامه إن ترم ترم مخلجأ مجنونا يضحي خميص البطن من عمل التقى ويظل من عمل الخبيث بطينا ومن أعداء النبي عتبة بن ربيعة عدو الله ورسوله، وهو جد معاوية، وقتله حمزة كافرا ببدر، فلما قتل حمزة بأحد لاكت هند بنت عتبة كبده، واتخذت لها حليا من آرابه، وأعطت حليها قاتله وحشيا، وقد استثناها النبي ص من الأمان العام يوم فتح مكة، وأمر بقتلها في من أمر بقتله، فأسلمت، وهى أم معاوية مبدل أحكام الإسلام، وهادم أركانه. ومنهم الوليد بن عتبة قتله علي ببدر كافرا، وهو خال معاوية. ومنهم شيبة بن ربيعة، وكان ممن يكيد لرسول الله ص ويؤذيه، وقتل ببدر كافرا. ومنهم أبو سفيان والد معاوية حامل راية عداوة الله ورسوله، وقائد الأحزاب، وأحد أكبر أئمة الكفر، وأشدهم عداوة لله ولرسوله، وللمسلمين، وأكثرهم اجتهادا في محاربته، وكيده، وأحرصهم على استئصال

[ 197 ]

شأفة الإسلام، ومحوه، وكان زنديقا في الجاهلية، ثم أسلم كرها إسلاما مدخولا، وخرج مع رسول الله ص في غزوة حنين، ومعه الأزلام يستقسم بها، وسر بهزيمة المسلمين، ثم كان كهفا للمنافقين، روى الحسن أن أبا سفيان دخل على عثمان حين ولي الخلافة فقال: أدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك، ولا أدري ما جنة ولا نار. ومنهم معاوية بن المغيرة، وهو ممن مثل بحمزة بعد قتله، وقتله علي وعمار كافرا بأمر من النبي ص. ومنهم حمالة الحطب عمة معاوية كانت تسب النبي ص وتؤذيه، وتضع الشوك في طريقه، وهلكت كافرة. فجميع هؤلاء ككثير ضيرهم من قراباتهم بذلوا جدهم وجهدهم في عداوة الله ورسوله، وفي أذيته، وأذية المسلمين حتى ألجأوهم إلى الهجرة إلى الحبشة، ثم إلى المدينة فرارا من الاضطهاد والظلم والتعذيب، فاستولى الظالمون على رباع ومخلفات المهاجرين وباعوها، وهموا بقتل النبي ص غير مرة فحفظه الله من مكرهم، وبالغ كل منهم، وبذل كل جهده بنفسه وبماله وعشيرته في كيده، ولما هاجر رسول الله ص إلى المدينة ونجاه الله من شرهم

[ 198 ]

جعلوا لمن يقتله مائة بعير نادوا بذلك في أعلى مكة وأسفلها حسدأ للنبي ص، وحقدا عليه. ففي هذه الطغمة كهف النفاق، والوزغ وابن الوزغ، وناقر ثنايا الحسين بالقضيب، وصبية النار، وآكلة الأكباد، وحمالة الحطب. ومن مآثرهم من بعد الإشادة بلعن صنو النبي وسيد المسلمين، وقتل فضلاء المهاجرين والأنصار والبدريين، وأصحاب الشجرة، ثم قتل الحسين بن النبي وريحانته، ووطء صدره وظهره الشريفين، بسنابك الخيل، وقتل زيد بن علي، ثم نبشهم له من قبره، وصلبه بعد أن ألقوا رأسه الكريم في عرصة الدار تطأه الأقدام، وتنقر دماغه الدجاج فقال الشاعر: اطردوا الديك عن ذؤابة زيد طالما كان لا تطاه الدجاج وقال شاعرهم مفتخرا بفجورهم: صلبنا لكم زيدأعلى جذغ نخلة ولم نر مهديا على الجذغ يصلب ثم قتلوا ابنه يحيى بن زيد، وسموا قاتله ثائر مروان، وناصر الدين، وضربوا علي بن عبد الله بن العباس بالسياط

[ 199 ]

مرتين، وسمموا أبا هاشم بن محمد بن علي، وقتلوا إبراهيم الإمام، ادخلوا رأسه في جراب نورة إلى أن مات، وبالحرة قتلوا عون بن عبد الله بن جعفر. وقد كان أعرق الناس في الكفر وفي عداوة النبي ص عبد الملك بن مروان بن الحكم، ومن الغريب أنه لم يمنعه ذلك عن أن يكون خليفة، ووالد خلفائهم أيضا، ومثل عبد الملك بعض قومه يعرف ذلك من عرفهم، فإن جد عبد الملك لأبيه الحكم بن أبي العاص، وقد مر ذكره، وجده لامه معاوية بن المغيرة، ومر ذكره، وأبوه مروان فضض من لعنة الله، وهو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون، هو وولده إلا الصالحين، وقليل ما هم كما صح بذلك الحديث، وهو من بني أمية الشجرة الملعونة في القرآن، وهل يكون أمير المؤمنين إلا أولاهم بالإيمان، وأقدمهم فيه. وقد حدا الحادي بهشام بن عبد الملك، وهو رجلهم فقال: إن عليك أيها البختي اكرم من تمشي به المطي فقال: صدق قولك.

[ 200 ]

وقال مرة: والله لأشكون سليمان بن عبد الملك يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وكفى بهذا جهلا. وولى ابنه سعيدا حمصا فبلغه زناه بنساء الناس، فقال له: يابن الخبيثة تزني وأنت ابن أمير المؤمنين ! أفجر فجور قريش، اقتل هذا وخذ مال هذا. وبنو أمية لهم أكبر سابقة في التهتك والفسوق، والوقاحة، فقد نافر أمية هاشما فنفره هاشم، فخرج أمية إلى الشام، وأقام بها عشر سنين، وكان مضعوفا، وصاحب عهار، ونافر حرب بن أمية عبد المطلب إلى نفيل بن عبد العزى، فتعجب نفيل من إقدام حرب على المنافرة، وقال له: أبوك معاهر وأبوه عف وذاد الفيل عن بلد حرام وقد صنع أمية شيئا لم يصنعه أحد من أهل الجاهلية، فقد نزل لابنه أبي عمرو في حياته عن زوجته، وزوجه بها فبنى بها أبو عمرو أمام أبيه، وكان المقيتون في الجاهلية الذين يتزوجون نساء آبائهم بعد موتهم، أما من يتزوج زوجة أبيه وهو حي على مرأى منه، فهذا لم يكن قط من غير

[ 201 ]

أمية، ولله القائل: عبد شمس قد أضمرت لبني ها شم حربا يشيب منها الوليد فابن حرب للمصطفى وابن هند لعلي وللحسين يزيد ولا شك أن الأمر كما قال الشاعر: إن العداوة تلقاها وإن قدمت كالعر يسكن أحيانا وينتشر إن رسول الله ص قد أبعد بني أمية عنه، وأخرجهم من قرابته، واختص بها بني هاشم، وبني المطلب صح بذلك الحديث من طرق، فلم يجعل ص القرابة النسبية وحدها قرابة معتبرة في أحكام دين الله تعالى ما لم تقترن بها القرابة الدينية، فلم ينفعهم كونهم من بني عبدمناف لعداوتهم في الدين، وخذلانهم وعنادهم بخلاف إخوانهم بني عبد المطلب بن عبد مناف، لمسالمتهم له في الجاهلية، وإسراعهم في نصره وموالاته، فلقد وقوه بأنفسهم، حين تخلى عنه الناس أجمعون، ودخلوا معه الشعب واحتملوا مضض الحصار والخوف والجوع الشديد مؤمنهم وكافرهم، ما خلا أبو لهب لعنه الله وأبعده، وقد

[ 202 ]

كان السابقون من المسلمين من غير أهل البيت إذ ذاك في أمن وخصب وراحة ولله القائل: وأرى القرابة لا تقرب قاطعا وأرى المودة أكبر الأسباب فمن أغرب الغرائب اضطهاد الأمة وقهرها وقتلها من نصر نبيها ص، ونصح له ووقاه بروحه، وبذل في حبه كامل جده واجتهاده، وأوصى النبي ص الأمة به، وحرضها على حفظه، وتكريمه، والتمسك به، وضمن لها عدم الضلال إن امتثلت ما أمرت، واختصه النبي ص بامتيازات ذوي القربى، واستخلافها وترئيسها، وتأميرها، ونصرها من حارب نبيها، وكذبه ونابذه وكاده، وآذاه واجتهد في أن يقتله، وفي أن يهلك الإسلام ويمحوه، ومن حذر النبي ص الأمة منه، وأخرجه من قرابته، فلم يجعل له حظا من سهم ذوي القربى، فكيف يستحق نصيبا في الخلافة من لم يستحق ذرة من المال، وكيف يقيم دين الله أعدى عدو لله ولرسوله. وليت بني أمية إذ أنزلتهم الأمة الإسلامية المنزلة التي لم يجعلها الله لهم، وملكتهم زمامها عدلوا وأصلحوا، وعملوا خيرا.

[ 203 ]

ولكنهم أفسدوا وفسقوا وجاروا، واستأثروا بأموال الأمة كلها، وأهلكوا عترة نبيها ص قتلا وتشريدا، وأهانوا أنصاره، وبدلوا الأحكام، حتى قرروا عند أهل الشام أنه لا قرابة لرسول الله ص يرثونه إلا بني أمية، وقال نائبهم الحجاج جهارا على المنبر: رسولك أفضل أم خليفتك، يعرض بأن عبد الملك بن مروان أفضل من رسول الله ص. وقام ابن شفى في مجلس هشام بن عبد الملك فقال أمير المؤمنين خليفة الله، وهو أكرم على الله من رسوله فأنت خليفته ومحمد رسول الله. وصرح أميرهم خالد بن عبد الله القسري على منبر مكة بأن عبد الملك بن مروان أفضل من خليل الرحمن ع كما نقل هذا ابن جرير. وقال يوسف بن عمر عامل هشام بن عبد الملك في خطبته يوم الجمعة: إن أول من فتح على الناس باب الفتنة، وسفك الدماء علي وصاحبه الزنجي، يعني عمار بن ياسر. وقد صحصح الحاكم حديث علي في قوله عزوجل (وأحلوا قومهم دار البوار) قال: هما الأفجران من

[ 204 ]

قريش: بنو أمية، وبنو المغيرة، فأما بنو المغيرة فقد قطع الله دابرهم، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. وبعد ذكر المقريزى أكثر ما تقدمت الإشارة إليه أفاد أنه طالت حيرته، وتفكر في ذلك سنين عديدة، وذاكر به مشيخة ممن لقيهم، فلم يجد طول عمره غير رجلين أحدهما قد عراه ما عرا المقريزي من الحيرة، وثانيهما مقلد لا يزيد مذاكره على التهويل شيئا. ثم (1) اتضح للمقريزي رحمه الله أن سبب طمع بني أمية في الخلافة رغما عما تقدمت الإشارة إليه من حالهم المنافي لها، وسبب منعها عن بني هاشم، مع تحليهم بشروطها واستحقاقهم لها. هو أنه لما مات رسول الله كان عامله على مكة عتاب بن أسيد الاموي، وأقره أبو بكر، وكان على صنعاء خالد بن سعيد بن العاص الاموي، وعلى البحرين أبان بن سعيد بن العاص الاموي، أو كان على البحرين العلاء بن الحضرمي، وهو حليفهم، وعلى تيماء وخيبر وتبوك، وفدك عمرو بن سعيد بن العاص الاموي، وعلى نجران أبو سفيان صخر بن حرب الاموي، وقيل: كان عليها أنصاري، وقيل: إن ابنه يزيد كان ممن يجمع


(1) هذا أول أوهامه وإليك البيان انتهى المؤلف. (*)

[ 205 ]

الصدقة، وكان على جرش حليف لبني أمية من الأزد. وقال عمر بن عبد العزيز: لما مات النبي ص كان من عماله أربعة رجال من بني أمية. ثم ذكر المقريزي أن العمال على سائر النواحي كانوا من غير بني هاشم قال: فإذا كان النبي ص قد أسس لهم الأساس، وأظهر بني أمية للناس بتوليته لهم الأعمال، فكيف لا يقوى ظنهم، وينبسط رجاؤهم. وكيف لا يقصر أمل بني هاشم، وقد ذكر البخاري عن الزهري أن العباس عم النبي وأكبر بني هاشم سنا، وعليا أخا النبي يريد أحدهما أن يستعلم الآخر من النبي ص في أيام مرضه هل الأمر فيهم أم في غيرهم ؟ فيأبى ذلك. وذكر قول العباس لعلي: امدد يدك أبايعك، فيقال: عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله، ويبايعك أهل بيتك، فإن مثل هذا الأمر لا يؤخر، وقول علي للعباس: يرحمك الله ومن يطلب هذا الأمر غيرنا، أو معناه، هذا على اختلاف الروايات. وسيأتي بيان ما اختلفوا فيه من إصابة أيهما وجه الرأي، وذكر أنها رويت مع ما ذكره أحاديث كثيرة، إن كانت صحيحة فلا سبيل إلى ردها، وإن كانت مفتعلة فقد

[ 206 ]

كانت داعية إلى الأمر الذي وقع النزاع فيه. وأتبعها ببعض أحاديث الفتن التي فيها ذكر ملك بني أمية، وجبروتهم، واتخاذهم مال الله دولا، وعباد الله خولا، ورؤيا النبي ص بني الحكم، أو بني العاص ينزون على المنبر نزو القردة فلم ير ص مستجمعا ضاحكا حتى توفي، وما في معنى ما ذكر. وأردفه بأن أبا بكر ولى عددا من بني أمية، وحلفائهم، وكذلك فعل عمر، ولم يوليا أحدا من بني هاشم. والنتيجة أن هذا وما يشبهه هو الذي حدد أنياب بني أمية، وفتح أبوابهم، وأترع كأسهم، وفتل أمراسهم، حتى لقد - قام أبو سفيان بن حرب على قبر حمزة رضي الله عنه، فقال: رحمك الله أبا عمارة، لقد قاتلتنا على أمر صار إلينا. وروي أن الأمر لما أفضى إلى عثمان بن عفان أتى أبو سفيان قبر حمزة فركله برجله، ثم قال: يا حمزة إن الأمر الذى كنت تقاتلنا عليه بالأمس قد ملكناه اليوم، وكنا أحق به من تيم وعدي. ثم ذكر المقريزي اختصاص أهل البيت بالفضل

[ 207 ]

واختيار الله لهم الآخرة، وقال: كان غير واحد من فضلاء الصحابة رضي الله عنهم يعلمون أن آل البيت أرفع قدرا عند الله من أن يبتليهم بأعمال الدنيا، منهم عبد الله بن عمر (رض) وذكر ما روي أنه قاله للحسين: والله لا يليها أحد منكم، وما صرفها الله عنكم إلآ للذي هو خير لكم. وروى أن ابن عباس قال للحسين: ما كان الله ليجمع لكم بين النبؤة والخلافة، قال: وهذا من فقههما. وذكر اختيار رسول الله ص أن يكون عبدا على أن يكون ملكا. وذكر زعم بعضهم أن السر في خروج الخلافة من علي إلى أبي بكر وعمر، لئلا يقال: ملك متوارث. قال: وقد ظهر لي أن ولاية رسول الله ص بني أمية الأعمال كانت إشارة منه ص إلى أن الأمر سيصير إليهم. وذكر أن له في مثل هذا التأويل سلفا، وهو ابن المسبب في تأوله جلوس النبي ص مع أبي بكر وعمر في قف البئر في جانب، وجلوس عثمان منفردا مقابلهم بأن قبورهم تجتمع ثلاثة، وينفرد عثمان، ثم أطال بذكر تشبثات لا يثبت شئ منها على المحك. كذكره أن صيرورة الخلافة إلى بني العباس إنما كانت

[ 208 ]

أيام ضعف الدين لعدم استحقاتهم الخلافة، وذكر طرفا من فظائع جبابرتهم وفراعنة عمالهم عاملهم الله بعدله آمين. وشرع بعد ذلك في المقارنة بين ما كان في الأمة الموسوية، وما صار مثله في الأمة المحمدية حذو القذة بالقذة. فذكر أنه خلف بعد موسى يوشع بن نون ع، وهو من سبط آخر، وبعده عن موسى كبعد أبي بكر عن النبي محمد ص. وخلف بعد يوشع جماعة مختلفة أنسابهم، كما قام بعد أبي بكررجال مختلفة أنسابهم. ثم استقر أمر بني إسرائيل في بني يهوذا عم موسى ع، وكذلك استقر أمر المسلمين في بني العباس عم النبي محمد ص، وذكر أمورا سلك فيها الآخرون سنن من قبلهم، إلى أن قال ما معناه: ولم يجتمع أمر بني إسرائيل بعد زوال دولتهم على واحد يقوم بدينهم، فكذلك المسلمون لم يتفقوا على خليفة واحد بعد بني العباس، أي أولهم. وبنو إسرائيل قطعهم الله في الأرض أمما، وكذلك قريش تفرقوا وصاروا رعية.

[ 209 ]

وبنو إسرائيل جهلت أنسابهم إلا بعض بني يهوذا، فإن نسبهم يتصل بداود ع، وكذلك قريش جهلت أنساب بطونها ما خلا بعض بني حسن وحسين، فإن أنسابهم متصلة بعلي. فانظر أعزك الله كيف شابه أمر هذه الأمة أمر الأمة اليهودية، مصداقا لما أنذرها بها رسول الله ص فيما صح وثبت عنه، فكان ذلك من أعلام نبوته، كما بيننه في كتاب إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأحوال والحفدة والمتاع. عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ص: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرأ بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال: فمن) أخرجاه في الصحيحين وله طرق. وقد انتهى ما أردنا استخلاصه من كلام المصنف رحمه الله ممزوجا بما زدناه عليه مما يقويه، ويوضحه ووفاء بما وعدنا به من تبيين ما دخل على المصنف من وهم وغلط، نقول: إن جميع ما ذكره المصنف في بني أمية من بعدهم عن رسول الله وعن ولايته، وولاية المؤمنين، ومن إخراجه ص لهم من قرابته إقصاء لهم، وطردا، ومن

[ 210 ]

اتصافهم بعداوة الله ورسوله والإسلام وأهله، وبالإلحاد والزندقة، والنفاق والنذالة، والعهار والدياثة، والخيانة، ومن مجازاتهم بالإساءة كل من أحسن إليهم، ومن جبروتهم وظلمهم وعسفهم، وجشعهم وطمعهم، كل ذلك ثابت واقع لا شك فيه ولا مرية. وكله مما يوجب على المسلمين إبعادهم وكبحهم والاحتراس الشديد منهم، والحذر من سموم ضلالهم، وعدم الركون إليهم، وكله مما يوضح أن النزاع إنما كان بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وما أحسن ما أتى به من المقارنة والتنظير بين ما وقع من الأمة اليهودية، وتبعهم فيه من تبعهم من الأمة المحمدية، حذو النعل بالنعل، وما كان أحرى الأمة بتجنب تلك المهاوي بعد إنذار نبيها لها، وإرشاده لها إلى ما فيه ضمان هداها. فإننا لا نشك في ضلال اليهود، وفي أن الله غضب عليهم، لمخالفتهم أوامر ربهم، ولولا ذلك لما حذرنا نبينا ص من اتباع سننهم، وأنذرنا رحمة منه بنا وإتماما للحجة علينا، ولذلك نقطع بضلال من نبذ التمسك بأهل بيت رسول الله واتبع سنن بني إسرائيل. ولا يلزم من كلامنا هذا الحكم بضلال جميع الأمة، كلا كيف لا، وقد صح عن النبي ص أن ربه اللطيف

[ 211 ]

الخبير أنبأه - وله الحمد والمنة - أن أهل بيته، وكتاب الله لن يفترقا إلى ورود الحوض، فهم ومن تمسك بهم أهل الحق، وهم الفرقة الناجية، وهم الطائفة التي لا تزال على الحق لا يضرها من ناواها. وبما تقرر مما ساق أكثره المصنف تتم الحجة في فصل الحكم فيما فيه النزاع، ويمتاز أهل الحق من المتبعين سنن من قبلهم. ومن العجائب إتيان المصنف به وعدم فهمه له مع وضوحه وظهوره، والسبب في اشتباه الأمر عليه حتى كثر تحيره، ومذاكرته مشيخته طول عمره به - فيما نرى والله أعلم - هو إن شاء الله ما جرت به العادة غالبا من نشأة الإنسان على ما عليه أهل شارعه وبلده وقومه وإعظامه لمن يعظمونهم، واعتقاده أنهم أهل الحق، وأن مخالفتهم ضلال. فينتحل التأويلات لكل ما يتراءى له من واضع خطائهم وأوهامهم، هكذا جرت العادة، ولهذا كذبت الأمم رسلها، واستكبرت وكبر عليها أن يكون الخطأ حليف من ارتكز تعظيمه في قلوبهم، وهذا حجاب عن معرفة الحق، قل من خرقه إلآ من وفقه الله وأعانه.

[ 212 ]

إن المصنف - وأمثاله كثير - لما بهره سطوع نور الحق، وظهر له ضلال من ضل تحير، ولم يصدق عقله، ولم يقنع بقواطع الحجج، بل استرسل مع الأوهام، وذهب يغالط نفسه، ويحاول ستر شمس الحق بخيوط من نسيج العناكب متتبعا للوساوس والخيالات الواهية. وإذا تأمل الموفق المنصف صنيع كثير من العلماء في أمثال هذه المواضيع مما تعصبوا له وجمدوا عليه، وأشربته قلوبهم، وارتضعوه مع اللبن، وربوا عليه يجدهم يتشبثون بأذيال الأوهام هيبة للإنفراد عن الجماهير، ونضالا عن آراء كبار مقلديهم وإعظاما لمقام سابقيهم، وتخوفا من أن ينبزوا بألقاب مكروهة عند العامة، كالرفض مثلا، وحذرا من أن تعوي خلفهم كلاب الطواغيت من سفلة العلماء فيتعمدوا إطفاء نور الفطرة، وإغماض عين البصيرة، وطمس معالم الهدى، وتخدير الضمائر بنحو قولهم: كذا قالوا، ولو لم يكن لهم مستند لما قالوا، وكقولهم: يسعنا ما وسعهم، وهم أعلم منا وأورع، وداعي الإنصاف يناديهم بلسان الحق المبين (هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين). والحق أن الذين هم أعلم وأورع هم من قال النبي ص فيهم (تعلموا منهم ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم) وهم الذين ضمن عدم الضلال للمتمسك بهم الذين

[ 213 ]

لن تقدمهم هلك، ومن تأخر عنهم هلك، ومن خالفهم هلك، وصار حزب إبليس. زعم المصنف رحمه الله تعالى أن الأمر اتضح له لنظره في أمور هي أن رسول الله ص لما توفاه الله تعالى كان رجال من بني أمية وحلفائهم عمالا له، ولم يكن أحد من قرابته ص إذ ذاك عاملا. وبنى المصنف على هذا قوله، فإذا كان رسول الله ص قد أسس لهم هذا الأساس وأظهر بني أمية لجميع الناس بتوليته لهم الأعمال. الخ. فقد جعل المصنف تأسيس دولة بني أمية مبنيا على هذه الشبهة الواهية، مقويا لها بما رواه البخاري عن الزهري من إشارة العباس على علي بسؤال النبي عن الخلافة الخ. مؤيدا ذلك برواية البخاري أيضا قول العباس لعلي: امدد يدك. الخ وجواب علي عليه. داعما جميع دعاويه بأحاديث الفتن التي حذر النبي ص أمته فيها جبروت بني أمية، واستبدادهم وطغيانهم لئلا يقعوا فيما وقع فيه من قبلهم من الأمم، وليعتصموا بحبل الله وعترة نبيه. ثم اتبع ما أشرنا إليه بما صنعه أبو بكر وعمر من

[ 214 ]

توليتهما جلائل الأعمال رجال بني أمية، وعدم توليتهما أحدا من أهل بيت رسول الله ص، وقد جعل ما ذكره ترشيحا لبني أمية، وتطريقا لهم إلى الخلافة، وحملا لهم على أعناق الأمة، وإقصاء لبني هاشم، وإبعادا لهم عن ما هم أحق خلق الله به، وسدا لباب الخلافة عنهم الخ الخ. والصواب إن شاء الله تعالى أنه قد كان ممن ولاه النبي ص جمع شياه الصدقة وبعرانها، وما أشبه ذلك رجال من بني أمية يعدون على أصابع اليد على نحو ما نقله المصنف عن عمربن عبد العزيز، وسنبين لك فيما سيأتي ما هو مقصود تلك الولاية من النبي ص - لا من غيره لاختلاف المعنى والصورة - وبه تعرف جليا أنها مما لا قيمة له فيما تخيله المصنف. وما قد يفهمه قول المصنف أنه لم يكن في عمال النبي ص أحد من بني هاشم من أن النبي ص لم يول أحدا منهم ليس بمراد قطعا، لأن النبي ص ولى عليا النداء ببراءة بعد أن كان أعطاها أبا بكر، فأمر عليا أن يأخذها منه وقال له: (لا يؤدي عني إلا أنا أو أنت) فأي ولاية تساوى ذرة من هذا الشرف، وما علينا من تمحلات من ديدنهم تصغير عظيم قدر أخي النبي ص وصنوه (... حسدا من مندأنفسهم من بعد ما تبين لهم

[ 215 ]

الحق...) (1) فليذهبوا في أودية الباطل حيث شاؤوا ومن الهزء قولهم: إن النبي ص إنما راعى في ذلك عادة عرب الجاهلية، وقد أعماهم الغرض عن أن النبي ص إنما بعث لهدم الجاهلية وعاداتها الخبيثة، وما أقره ص مما كانوا عليه فإنما هو من تراث اسماعيل ع، ولو كان هذا منه لما خفي على النبي ص وعلى أصحابه الكرام، وقد كان لواؤه الخاص في المواطن بيد أخيه علي وولاه على اليمن، كما ولاه إصلاح ما أفسده خالد بن الوليد، وتهدد من تلكأ عن الإسلام ببعثه عليهم خاصف النعل، وهو علي، وقال: (هو عديل نفسي وولي كل مؤمن بعدي) وتواتر قوله فيه (من كنت مولاه فهذا مولاه) ولم يول عليه أحدا طول حياته الشريفة، نفسي له الفداء إلى ما لا يحيط به الحصر من ومن ومن... فيا عجباه لم ير المصنف جميع ما ذكرناه مع ما أحاط به علمه مما في معناه ترشيحا لعلي للخلافة مع توفر شروطها فيه، واتصافه بجميع ما اتصف به غيره من الصفات الجميلة الحسنة، وعدم اجتماع ما فيه منها في أحد أبدا. وفهم واتضح له أن ما قبل من توليته لمن ولاه من بني


(1) سورة البقرة الآية 109. (*)

[ 216 ]

أمية لما سنذكره من الغرض لا أنها كانت ترشيحا للخلافة. فمن أغرب الغرائب وأبعدها عن العقول والفطر السليمة أن يفهم أحد أو يقول: اتضح لي أن الأمة إنما استسلمت إلى بني أمية أعداء الله ورسوله وأعداء الإسلام، وولتهم، وأقصت أخا نبيها، وأصدق صديق له، وقتلت ذريته وشردتهم لما تخيله المصنف. وقد ولت الأمة أبا بكر وعمر، ثم عثمان بدون ترشيح إذ لم يولهم النبي ص أعمالا تذكر، ولم تفهم الأمة أن في ذلك إقصاء لهم عن الأمر، وأن عمال الزكوات وجباة الخراج أحق به منهم، وكذلك لم يحتج أحد بشئ مما بني عليه المصنف العلالي والقصور يوم السقيفة، ولا يوم الشورى، ولم يتضح لأحد منهم ما اتضح له، ولكن الوهم قد يربو فيغمر العقل فتتجسم له الخيالات. وقد مات رسول الله ص وأسامة أمير على أبي بكر وعمر وكثير من المهاجرين والأنصار، ورايته عليهم معقودة، فلم يفهم هو ولا غيره أن ذلك ترشيح له للخلافة، وهو هو. أما السبب في تولية النبي ص من ولاه من بني أمية، ومن ضارعهم فيما يظهر لنا فهو أنهم كانوا من ألد

[ 217 ]

أعداء المسلمين، وأشدهم نكاية فيهم فثارات المسلمين عندهم كثيرة، وحنقهم عليهم شديد، وقد تقدم ذكر نموذج مما كانوا عليه، ثم كان إسلامهم عن قهر، وكره وغلبة، ولم تزل تبدو منهم فلتات تدل على أنهم إنما أظهروا الإسلام وأسروا الكفر، فكان نفار المسلمين منهم عظيما، وكرههم لهم متأصلا، وتقززهم منهم مستمرا، روى ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز قال: قال عمربن الخطاب لأبي سفيان بن حرب: لا أحبك أبدا، رب ليلة غممت فيها رسول الله ص. فهل ترى عمر يعتقد صحة إسلام أبي سفيان، ثم لا يحبه أبدا لذنب محاه الإسلام، حاشا ولكنه عرف نفاقه، وإصراره على ما كان عليه، وقال ابن أبي الحديد: جاء في الأخبار الصحيحة أن جماعة من أصحاب الصفة مربهم أبو سفيان بن حرب بعد إسلامه فعضوا أيديهم عليه، وقالوا: واأسفاه كيف لم تأخذ السيوف مآخذها من عتق عدو الله، وكان معه أبو بكر، فقال لهم: أتقولون هذا لسيد البطحاء، فرفع قوله إلى رسول الله ص فأنكره، وقال لأبي بكر: انظر لا تكون أغضبتهم فتكون قد أغضبت ربك، فجاء أبو بكر إليهم وترضاهم، وسألهم أن يستغفروا له، فقالوا: غفر الله لك. انتهى. أترى رسول الله ص يقر ما قاله أهل الصفة لو كان

[ 218 ]

أبو سفيان صحيح الإسلام حاشا وكلا، فأراد النبي ص من جهة تأليف قلوب أولئك الأعداء، ومداواة أودهم، ولددهم ومن جهة تخفيف نفرة المسلمين منهم، وتقريبهم إليهم، بتوليته لهم ما ولاهم عليه، ومن جهة ثالثة تفريقهم في الأطراف لئلا يتألف منهم حزب ضلال وإضلال، ومن جهة رابعة إبعادهم عن المدينة لئلا يبقوا بها عيونا وجواسيس للأعداء، ومأوى ومكمنا لكل غادر خبيث، ولئلا يفسدوا قلوب من في قلوبهم مرض، من ضعفاء اليقين (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا...) (1)، وقد سبق ذكرنا لإن أكثر ما ولاه رسول الله ص أولئك الملموزين في دينهم المدخول إسلامهم ولم تكن ولايات ذات خطر، سيما في تلك الأعصار بل هي من جنس ما ولاه الخائن ابن التبيه، والفاسق بنص القرآن ابن أبي معيط من جمع أعنز وضأن وأباعر بسيرة صدقة من الأعراب، أو جباية جزية قليلة لو حولت إلى عملة زمننا هذا لما ساوت ما يستلمه محصل متوسط، أو هي أشبه بإمامة كفر صغير، أو عرافة عريف كتيبة تغير على طرف من الأطراف، وتحل حين تعود، فلا يجوز أن يبنى عليه أكثر مما ذكرناه مهما بالغنا فيه. وأما عدم إكثار النبي ص من تولية بني هاشم


(1) سورة التوبة الآية 47. (*)

[ 219 ]

وأجلاء الصحابة، وتفريقهم في الأطراف، فله أسباب، ولا يجوز أن يكون في ذلك إقصاء لهم عن الخلافة، كما زعم المصنف اتضاح ذلك له، أو قطعا لطمعهم فيها: منها: أن بقاءهم بجوار رسول الله ص يحفظون ما ينزل من القرآن، ويتلقون ما تجدد من السنة ليبلغوا ذلك إلى الأمة أهم وأكثر نفعا للأمة من تحصيل نعم الصدقة، ونحو ذلك. ومنها: أن ذهاب أولئك الأقرباء والخواص إلى الأطراف يعرى به جانب رسول الله ص ويبقى بعدهم بين كثير من المنافقين الذين مردوا على النفاق من أهل الضغائن المتربصين بالإيمان وأهله الدوائر. ومن عرف أنه قد فر جمهور الصحابة عن رسول الله ص ولم يثبت معه إلا نفر قليل ني بعض المواطن، ثم في حنين ولوا عنه مدبرين، ولم تمنعهم بيعة الحديبية عن الفرار، ولم يثبت معه إلا أناس من أهل بيته فقط، كما ثبت في شعر العاس وغيره، فهل يكون من الصواب تفريق المحبين المخلصين الناصحين المستميتين في نصر الله ورسوله في السباسب والقفار وأطراف البلاد لجمع الزكوات، أو الجزية إن ذلك لبعيد عن الصواب.

[ 220 ]

وبهذا يظهر جليا بطلان ما استنتجه المصنف رحمه الله، وبنى عليه ما بنى، وفيه كفاية لمن يفهم، وينصف إن شاء الله تعالى. وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من أحاديث الفتن وما في معناها مما فيه نحو نزو بني مروان على المنبر الشريف نزو القردة، أو اتخاذهم مال الله دولا وعباد الله خولا لله، وقلبهم الدين ظهرا لبطن. فإن كان في ذكر أنبياء بني إسرائيل هلاك اليهود، وتخريب المسجد ترشيح وتأسيس لملك بخت نصر. أو كان في ذكر رسول الله في بني قنطوراء تمهيد لاستيلائهم على الأمة وإذلالها. أو كان في ذكره عليه وآله الصلاة والسلام المسيح الدجال إغراء للأمة على الاستخذاء له، والتسليم إليه، ووضع زمامها بين يديه إن كان شئ مما ذكرناه كذلك. فإن ما جاء من ذكر بني أمية وعسفهم واستبدادهم وظلمهم وما صح من اتباع الأمة سنن من قبلها تمهيد لملك بني أمية، واستبداد كل جبار وظالم، وكون هذا من أكبر الباطل بين، فكذلك ما توهمه المصنف.

[ 221 ]

ومن الحق الذي لا شك فيه أن إخبار المعصومين ع بوقوع أمر يفيد أنه سيقع حتما بدون خلف، وفق ما أخبروا ولكن مجرد الخبر لا يفيد أن المخبر عنه حق أو باطل، نعم إن اقترن الإخبار بالغبطة بالمخبر به، والتحبيذ له، والمدح له، أو الأمر به، فذلك الأمر حق، والسعيد من وفق له. وإن اقترن به ضد ما ذكر فهو ضلال والشقي من علق به. وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من تولية أبي بكر رجالا من بني أمية أعمالا فيمكن حمل شئ منها على ما تقدم بيانه في تولية رسول الله ص لمن ولاه من المغموصين، ويجوز أن يكون لشئ منها مغزى سياسي، وتولية عمر يتراءى أن جانب السياسة في بعضها أظهر والله أعلم. وأما عدم توليتهما أهل بيت رسول الله ص الأعمال فلا أعلم له معنى دينيا، وفوق كل ذي علم عليم. وما رواه عن ابن عمر أنه قال للحسين بن علي: والله لا يليها أحد منكم الخ، إن صح فهو غلط واضح، ومثله ما روي عن ابن عباس في هذا المعنى، ويقرب كل القرب أن

[ 222 ]

ذلك كذب موضوع، لأنه يبعد أن ينسى ترجمان القرآن قوله تعالى: (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) (1) ولقد كان نبينا محمد ص مع كونه نبيا عبدا خالصا مخلصا - يحكم بين الناس بما أنزل الله، ويجبي الأموال ويقسمها كما أمر الله، ويقود الجيوش محاربا وغازيا لمن حاد الله، ولو كان لما زعموه عن ابن عمر وابن عباس أصل لما كان نبينا في إلا كبعض أنبياء بني إسرائيل الذين اقتصروا على إرشاد ملوكهم، ونصحهم، وليس لهم من الأمر شئ، وهيهات هيهات. ولقد كان علي ع صنو النبي ص وأخوه مع كونه أفضل من غيره قد لابس ما لابس من أمور الخلافة، ولم يك ذلك لهوانه على الله تعالى حاشا وكلا، وهكذا الإمام المنتظر ع، ولكنها الغفلة واستشعار عظمة من نسب إليه القول تحمل المرء على قبول الكلام المتهافت الباطل. وما ذيل به المصنف ما نقله عن ابن عمر وابن عباس، وهو لفظ: (وذلك من فقههما) كلمة فيها جفاء شديد، وهل يظن عالم عاقل منصف أن الحسين ابن رسول الله،


(1) سورة النساء الآية 54. (*)

[ 223 ]

الذي خرج في سبيل الله مؤديا للواجب العيني عليه، قليل الفقه فيما استشهد في سبيله حاشا وكلا، ولعل المصنف وجد تلك الكلمة العوراء فيما نقل عنه من الكتب، فكتبها غافلا عن مدلولها، كما فهم من خطبة الحسن بعد الصلح خلاف ما تدل عليه، ومثله فهمه من على الصدقات الإشارة إلى الإمامة العظمى، وكل ذلك خطا باطل كما تقدم بيانه. وما ذكره من أن سر خروج الخلافة عن أهل البيت هو لئلا يقال: ملك متوارث، وما في معنى ذلك فهو مما لا قيمة له، لأن الخلافة مقام ومنصب ديني، ولن يتم ويحصل منه الغرض إلا إذا قام به أخص الناس بالدين، وأولاهم بالمسلمين. ولو كان لمثل تلك التخرصات والتفوهات حكم لما أوجب الله الصلاة على النبي وآل بيته ص، ولما جعل لهم الخمس، ولما افترض على الأمة حبهم فالجواب عن هذه الأمور هو الجواب عن الخلافة. ومن المضحكات قوله: إن الخلافة صارت إلى بني العباس لضعف الدين لعدم استحقاقهم لأنه يفيد أن الضعف في الدين إنما حصل حينئذ مع أنه لم يزل وما كان سبب حصولها لبني أمية شرا مما هو سبب حصولها لبني العباس بل هذا ابن ذاك، والشر لا ينبت إلا شرا، فالضعف قديم،

[ 224 ]

والماء صرف من الأعالي والداء مزمن جدا. وما نقله المصنف عن البخاري عن الزهري من إشارة العباس على علي في أيام مرض النبي ص بأن يسأله عن خليفته، واباء علي ذلك فغير صحيح عندنا لمعارضته لما هو أقوى منه مما لا تحوم التهم ولا الشكوك حوله مما يقوله علي، ويكرره علانية، في خطبه وكلامه، ومجموعه يوجب القطع بصدوره منه. وهذا المصنف نفسه قد نقل عن البخاري وغيره عن الزهري وغيره قول علي للعباس في محاورتهما في أمر الخلافة: وهل يطمع فيها غيرنا، أو ما معناه هذا على اختلاف الروايات، وليس بين صدور المقالة الأولى، وبين صدور الثانية، إلا ساعات غير كثيرة لو صح قولهم، ومن ذلك يظهر جليا للمتأمل المنصف أن بعض تلك الروايات كذب مخترع، وكذلك كل ما في معناها، فإنما أحدثته السياسة، وصححته القوة، وروجه سماسرتها من متاجري علماء السوء، وسهل ذلك الإرسال والتجويد بطي أسماء رجال بعض سلسلة الإسناد إذا كانوا من طبقة واحدة في المعاصرة، وكل هذا كان في تلك الأيام مشهورا. والزهري من أكبر رواة الصحيح، وقد كان من صنائع بني مروان، وعمالهم، بل هو من المنقطعين إليهم، ومن

[ 225 ]

المتقربين إلى أهل الدنيا فلا غرو إن روى ما يروج به أمرهم تزلفا إليهم، أو دفعا لشرورهم عنه، أو إبعادا لشكوكهم فيه. جاء في الكشاف في تفسير قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار...) (1) قال: قال الحسن رحمه الله: جعل الله الدين بين لاين (ولا تطغوا ولا تركنوا) ولما خالط الزهري السلاطين كتب له أخ في الدين: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله، ويرحمك، أصبحت شيخا كبيرا قد أثقلتك نعم الله بما فهمك من كتابه، وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء قال الله سبحانه: (لتبيننه للناس ولا تكتمونه) واعلم أن أيسر ما ارتكبت، وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي بدنوك ممن لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك، اتخذوك قطبا تدور عليك رحا باطلهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلما يصعدون فيك إلى ضلالهم، ويدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال. إلى آخر ما قال. انتهى.


(1) سورة هود الآية 113. (*)

[ 226 ]

وقد نقل العلامة الشيخ المحدث طاهر الجزائري في كتاب توجيه النظر أن الزهري كان يعمل لبني أمية. قال المحدثون: إن السند ولو كان كالشمس وضوحا لا يفيد صحة المتن المنكر، قال الحافظ بن عبد البر في الاستيعاب عند ذكره أحاديث مما رواه البخاري وغيره، وصححها غير واحد، قال: لا تصح لعدم صحة المعنى، أي ولا عبرة حينئذ بصحة السند، ونقل ابن السبكي في الطبقات أن أحمد بن حنبل أوصى أن يضرب على حديث أبي هريرة الذي فيه الإشارة إلى أمر الناس باعتزال قريش، مع أن رجاله ثقاة، وما ذاك إلا لمخالفته المشهور من الأحاديث. قال أخونا السيد محمد رشيد رضا، وفقه الله لمراضيه: إنني أعلم أنه ليس كل ما صحح بعض المحدثين سنده يكون صحيحا في نفسه، أو متفقا على تعديل رجاله، فكأين من رواية صحح بعضهم سندها، وقال بعضهم بوضعها لعلة في متنها، أو سندها، والجرح مقدم على التعديل، بشرطه، وقد ذكروا من علامات الوضع ما ردوا به بعض الروايات الصحيحة الإسناد. انتهى. وقد تكلم الشيخ طاهر الجزائري رحمه الله على هذا

[ 227 ]

الموضع في مواضع من كتابه توجيه النظر، وفي كتابنا العتب الجميل في هذا المعنى ما يفيد المستفيد فليراجع ذلك من أحب. وما ذكره المصنف من قول العباس لعلي ع: امدد يدك أبايعك، وامتناع علي ع فقد اختلف في أيهما كان رأيه الصواب، والذي يظهر لنا أن كليهما كان مصيبا من الجهة التي اعتمدها، ولكن عليا ع كان أتم إصابة، وأبعد نظرأ، وأحكم رأيا، فإن العباس بنى رأيه على حسن ظنه بالأمة، التي لم تر الخير إلا بواسطة رسول الله ص فلم يجوز منها أن تعرض عن أهل بيت نبيها، سيما صنوه وأخيه، وأفضل من تركه بعده، وأكبر مجاهد بين يديه. وعلي اخترق نظره الحجب فعرف جلية الأمر، وحقيقته إما بفراسة صادقة، أو بأخبار أخيه له بذلك عن ربه جل جلاله، فعلم ما تكنه سجف الغيوب، وضمائر القلوب، فحفظ بما صنعه الإسلام عن الزوال جزاه الله عن دينه وعن نبيه وعن المسلمين خير الجزاء، وما كان فعله ذلك أول خدمة ضحى فيها بكل نفيس غال. وما رواه المصنف من قيام أبي سفيان على قبر حمزة وخطابه له، وقد تقدم نقله فالرواية الأولى لعلها كانت بالمعنى، تلطيفا للشناعة، والرواية الثانية هي الصواب إن

[ 228 ]

شاء الله تعالى، وفيها أنه ركل قبر حمزة برجله اقتداء بإبليس في ركله جسد آدم ع، ونرى أن أبا سفيان أراد بمخاطبته حمزة بقوله: إن الأمر الذي كنت تقاتلنا عليه بالأمس قد ملكناه اليوم مقابلة خطاب رسول الله ص لأصحاب قليب بدر بقوله: (هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا) وهذا غير كبير ممن وقف على حمزة هذا مقتولا ممثلا به، وقد أكلت زوجته هند كبده، وقطعت آرابه، ومذاكيره فجعلتها حليا لها فضرب بزج رمحه شدق حمزة، وقال: ذق عقق، ذق عقق، ومن القائل لعثمان بن عفان فيما رواه الحافظ بن عبد البر حين استخلف على الناس عثمان: أدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك، ولا أدري ما جنة، ولا نار. وقد تقدم نقل المصنف لهذه المقالة. وقد انتهينا من كتابة ما رأينا في بيانه إفادة، وبقيت في زوايا كلام المصنف رحمه الله بقية لا حاجة بنا للكلام عليها مما أطال به فمنها ما هو بديهي البطلان متهانت، ومنها ما للكلام عليه محل آخر، ومنها ما هو صواب، وصحيح ثابت، وهو الموافق لما حققناه. وتم تسويد هذه الوريقات مع استعجال مع عزمنا على السفر من مدراس إلى سنغافورا، فالحمد لله الذي هدانا

[ 229 ]

لعثمان بن عفان فيما رواه الحافظ بن عبد البر حين استخلف على الناس عثمان: أدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك، ولا أدري ما جنة، ولا نار. وقد تقدم نقل المصنف لهذه المقالة. وقد انتهينا من كتابة ما رأينا في بيانه إفادة، وبقيت في زوايا كلام المصنف رحمه الله بقية لا حاجة بنا للكلام عليها مما أطال به فمنها ما هو بديهي البطلان متهانت، ومنها ما للكلام عليه محل آخر، ومنها ما هو صواب، وصحيح ثابت، وهو الموافق لما حققناه. وتم تسويد هذه الوريقات مع استعجال مع عزمنا على السفر من مدراس إلى سنغافورا، فالحمد لله الذي هدانا

[ 229 ]

لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله فما كان حقا وصوابا فمن الله وحده، وله الحمد والمنة وما كان باطلا وخطأ فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله للعمد والخطأ سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وكان الفراغ من تسويدها ظهر يوم الثلاثاء لثمان خلت من شهر صفر عام 1337 ه‍ وتم تبييضه ضحى يوم الاثنين لثلاث بقين من شهر رجب عام 1342 ه‍ في سنغافورا والحمد لله أولا وآخرا، وصلاته وسلامه على محمد وآله، ومن تبعهم بإحسان، وكتبه بيده العبد محمد بن عقيل بن يحيى عفا الله عنهم آمين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية