الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




حياة الإمام الحسين (ع) - الشيخ باقر شريف القرشي ج 2

حياة الإمام الحسين (ع)

الشيخ باقر شريف القرشي ج 2


[ 1 ]

حياة الامام الحسين بن علي عليهما السلام دراسة وتحليل - 2 - باقر شريف القرشي

[ 2 ]

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الاولى 1395 ه‍ - 1975 م مطبعة الاداب - النجف الاشرف

[ 3 ]

باقر شريف القرشى حياة الامام الحسين بن على عليهما السلام دراسة وتحليل الجزء الثاني مطبعة الاداب - النجف الاشرف

[ 4 ]

من مبرات المغفور له الحاج محمد جواد عجينة

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم ولا تحسين الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بماءاتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون القران الكريم

[ 7 ]

المقدمة - 1 - وأثرت الاحداث الرهيبة التي عاصرها الامام الحسين (ع) تأثيرا هائلا في تغيير مناهج الحياة الفكرية والاجتماعية في الاسلام، كما لعبت دورها الخطير على مسرح الحياة السياسية على امتداد التاريخ، وكان من أبرز نتائج تلك الاحداث التناحر على السلطة، والتنافس على الحكم، والصراع على الظفر بخيرات البلاد. وكان من الطبيعي ان يحدث ذلك الصراع السياسي باقسى صوره، وأبشع ألوانه، وان يحتدم الجدال كاشد واعنف ما يكون الجدال فقد سحرت عيون الكثيرين من الصحابة والتابعين ما رؤوه من ألوان الترف، وخفض العيش ورقته، وما شاهدوه من جلال الملك الذي أزالوه من فارس، وما احتلوه من بلاد الروم، وهالتهم الفتوحات التي تقوم بها الجيوش الاسلامية، وما يفتح الله على أيديهم، وما يجلبونه من البلاد المحتلة من الرقيق، وسائر الاموال التي لم يكونوا يحملون بالنظر إليها، كل ذلك دفعهم إلى التهالك على السلطة، وفتنهم عن دينهم. واستشف الرسول الاعظم (ص) من وراء الغيب ما تبلغه أمته من المجد والسيادة على جميع شعوب الارض، وسقوط الدول الكبرى تحت

[ 8 ]

وطاة الزحف الاسلامي المقدس، فادع ذلك بين المسلمين وآمنوا به كجزء من عقيدتهم، كما استشف النبي (ص) من وراء الغيب ما تمنى به أمته من الفتنة والفرقة فاحتاط لها كاشد ما يكون الاحتياط فوضع لها رصيدا يحسم كل داء، ويقضي على كل خلاف فدلل على امامة العترة الطاهرة من أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ولم يكن بذلك مدفوعا بدافع العاطفة أو الحب فان شان النبوة أسمى من أن يخضع لاي عامل من عوامل الحب أو غيره من الاعتبارات المادية. وبلغت أحاديث الرسول (ص) في فضل عترته حد التواتر، ولم يتطرق إليها الريب والشك عند أحد من المسلمين، فقد قرنهم بمحكم التنزيل - الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - وجعلهم سفن النجاة وأمن العباد، وأما سيد العترة الامام أمير المؤمنين (ع) فانه - حسب النصوص النبوية - أخو النبي ونفسه، وباب مدينة علمه، واقضى امته، وانه منه بمنزلة هارون من موسى، ومن كنت مولاه فهذا علي مولاه... ولكن القوم كرهوا اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد فتاولوا النصوص وزووا الخلافة عن أهل بيت النبوة، ومعدن الحكمة، ومهبط الوحي، وحرموا الامة من التمتع بظلال حكمهم الهادف إلى نشر عدالة السماء في الارض. وأدت عملية الفصل إلى التطاحن الفظيع على كراسي الحكم بين الاسر البارزة في الاسلام، فمنيت الامة من جراء ذلك بالكوارث والخطوب الني أحالت الحياة في تلك العصور إلى جحيم لا يطاق، فقد كان حكم النطع والسيف هو السائد بين الناس.

[ 9 ]

- 2 - وظهر الصراع السياسي يابشع ألوانه حينما استولى الامام أمير المؤمنين عليه السلام على زمام السلطة في البلاد، فقد تحركت القوى الطامعة في الحكم وهي تعلن العصيان المسلح محاولة بذلك اسقاط حكومته التي احتضنت مصالح الشعوب الاسلامية، وتبنت حقوق الانسان وراحت تؤسس معالم العدل والحق، وتدك حصون الظلم، وتنسف قلاع الباطل، وترفع منار الكرامة الانسانية، وتقضي على جميع أسباب التخلف والفساد التي تركها الحكم المباد. لقد أوجد الامام انقلابا جذريا، وتحولا اجتماعيا في الميادين السياسية والفكرية والاقتصادية، التي كان منها العدالة في التوزيع، وإلغاء الامتيازات التي منحتها حكومة عثمان لبني أمية وآل أبي معيط، ومصادرة الاموال التي اختلسوها بغير حق وعزل الولاة وسائر الموظفين الذين اتخذوا الحكم وسيلة للاثراء والاستعلاء على الناس بغير حق. وقد أدت التغييرات الاجتماعية التي أوجدتها حكومة الامام إلى زيادة الازمات النفسية في نفوس القرشيين وغيرهم من الحاقدين على الاصلاح الاجتماعي، فايقنوا أن حكومة الامام ستدمر مصالحهم الاقتصادية وغيرها، فهبوا متضامنين إلى اعلان المعارضة، ومن المؤسف - حقا - أن تضم المعارضة بعض أعلام الصحابة كطلحة والزبير، وأن يكون العضو البارز فيها السيدة عائشة زوج النبي (ص) ومن المؤكد أنه لم تكن للمعارضين أية أهداف اجتماعية أو اصلاحية، وإنما دفعتهم الانانية والاطماع حسب التصريحات التي أدلوا بها في كثير من المناسبات، وقد كان في طليعة القوى المنامرة على الامام الحزب الاموي فقد سخر جميع أرصدته المالية التي حصل

[ 10 ]

عليها أيام حكومة عثمان، فجعلها تحت تصرف المعارضين فاشتروا جميع أدوات الحرب ووهبوا الكثير من الاموال للمرتزقة وقد اندلعت بذلك نار الحرب التي اسماها بعض المؤرخين بحرب الجمل، وقد أسرع الامام إليها فاخمد نارها، وقضى على معالمها، إلا انها اسفرت عن أفدح الخسائر التي مني بها المسلمون، فقد فتحت باب الحرب بين المسلمين، ومهدت الطريق إلى معاوية أن يعلن تمرده على الامام، ويناجزه أعنف الحروب، وأشدها ضراوة. وأخذت الاحداث الجسام يتصل بعضها ببعض، ويتفرغ بعضها على بعض حتى انتهت بمقتل الامام أمير المؤمنين، وخذلان ولده الحسن وانتصار القوى الحاقدة على الاسلام، ويعرض هذا الكتاب الى تفصيل ذلك بصورة موضوعية بما لا تحيز فيه. - 3 - ونجحت الاموية باساليبها الماكرة، وبما استخدمته من وسائل دبلوماسيتها الغادرة في الاستيلاء على السلطة في البلاد، وظهرت على الصعيد الاسلامي دولة الامويين بقيادة زعيمهم معاوية بن أبي سفيان القائد الاول لجميع عمليات الحروب التي ناهضت الاسلام حينما فجر المعلم والقائد الرسول (ص) دعوته الخلافة الهادفة لتطوير الوعي الاجتماعي، وتاسيس مجتمع يقوم على العدل والمساواة. ووقعت الامة فريسة تحت أنياب الامويين، واستسلمت لحكم إرهابي عنيف تتصاعد فيه الاحقاد والاضغان على قيم الامة ومكوناتها الفكرية

[ 11 ]

والاجتماعية، وإزالة ما حققه الاسلام من المكاسب على الصعيد الاقتصادي والسياسي والتربوي. واتجهت السياسية الاموية تضع المخططات الرهيبة للقضاء على مقومات الامة، واستئصال أرصدتها الروحية والفكرية، وكان من أفجع وأقسى ما اتخدته من المقررات السياسية ما يلي: أ - الحط من قيمة أهل البيت الذين هم مركز الوعي الاجتماعي في الاسلام، والعصب الحساس في جسم الامة الذي يمدها بالنهوض والارتقاء وقد سخرت السلطة جميع أجهزتها السياسية والاقتصادية، وسائر امكانياتها الاخرى لتحويل قلوب المسلمين عن أهل البيت وفرض بغضهم على واقع الحياة الاسلامية، وجعله جزءا لا يتجزء من الاسلام، وقد استخدمت في هذا السبيل أجهزة التربية والتعليم، وأجهزة الوعظ والارشاد وغيرها، واتخذت سب العترة على المنابر فرضا واجبا تحاسب عليه وتنزل أقصى العقوبات على من يتهاون في أدائه. ب - ابادة العناصر الواعية في الاسلام، والتي تربت على هديه وواقعه فقد ساقت الى ساحات المجازر أعلام الاسلام كحجر بن عدي وميثم التمار ورشيد الهجري، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وأمثالهم من الذين يملكون القدرة على التوجيه الاجتماعي، والقابلية على صيانة الامة من الانحراف والسلوك في المنعطفات، وتذرعت السلطة في سفك دمائهم من أنهم خلعوا يد الطاعة، وفارقوا الجماعة، ولم يكن لذلك أي نصيب من الصحة، وإنما رؤا الاتجاه السياسي يتصادم مع الدين، ويتصادم مع مصالح الامة فامروا السلطة بالاستقامة والخلود الى التوازن، ومجافاة الاضرار بمصالح المجتمع، فاستباحت من أجل ذلك دمائهم. ج - تغيير الواقع المشرق للاسلام، وقلب جميع مفاهيمه ومقوماته،

[ 12 ]

وتدنيسه بالخرافات والاوهام حتى تشل طاقاته، ويصبح عاجزا عن مسايرة الحياة، والانطلاق مع الانسان لتنمية ملكاته، وقدراته وتطوير وسائل حياته ووضعت الحكومة لجان الوضع، ورصدت لها الاموال الهائلة لتضع الاحاديث على لسان المنقذ العظيم الرسول (ص) لتكون من بنود التشريع وتلحق بقافلة السنة التي هي من مدارك الاحكام، وقد راح الوضاعون يلفقون الاكاذيب، وينسبونها للنبي (ص) وكثير مما وضعوه يتنافى مع منطق العقل، ويتجافى مع سنن الحياة، ومن المؤسف أنها دونت في كتب السنة، ودرجت في كتب الاخبار، مما اضظر بعض تلك المسلمون فانه لم يكن الابتلاء به آنيا من الزمن، وانما ظل مستمرا مع امتداد التاريخ فقد تفاعلت تلك الموضوعات مع حياة الكثيرين من المسلمين، وظلوا متمسكين بها على أنها جزء من دينهم، وقد وضعت الحواجز في نمو المواهب وانطلاق الفكر، كما بقيت حجر عثرة في طريق التطور والابداع الذي يريده الاسلام لابنائه. - 4 - وعانى الانسان المسلم في عهد معاوية ضروبا شاقة وعسيرة من المحن والبلوى، فقد جهدت حكومة معاوية على نشر الظلم والجور في جميع أرجاء البلاد، وعهدت بامور المسلمين الى الجلادين والجزارين أمثال زياد بن أبيه وبسر بن أبي ارطاة، وسمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة، وأمثال هؤلاء من أرجاس البشرية، وقد صبوا على الناس وابلا من العذاب الاليم لم

[ 13 ]

تشهد له الانسانية مثيلا في كثير من مراحل تاريخها. لقد كانت المظالم الاجتماعية - في عهد معاوية - بمراى من الامام الحسين عليه السلام ومسمع، فروعته وافزعته إلى حد بعيد، فقد كان بحكم قيادته الروحية لامة جده يحسن باحاسيسها، ويتالم لآلامها، ويحيا بحياتها، وكان من أعظم ما عاناه من المحن والخطوب تتبع الجزارين والجلاد بن من ولاة معاوية لشيعة أهل البيت امعانا في قتلهم، وحرقا لبيوتهم، ومصادرة لاموالهم، لا يالون جهدا في ظلمهم بكل طريق، وقد قام الامام بدوره في شجب تلك السياسة الظالمة فبعث المذكرات الصارخة لطاغية دمشق يشجب فيها الاجراءات الظالمة التي اتخذها عماله وولاته لابادة محبي أهل البيت والعارفين بفضلهم، وقد جاء في بعض بنودها أنه نفى أن يكون معاوية من هذه الامة، وانما هو عنصر غريب، ومعاد لها، والحق إنه كذلك فقد أثبتت تصرفاته السياسية أنه من ألد أعدائها، وانه كان يبغي لها الغوائل ويكيد لها في غلس الليل، وفي وضح النهار، قد جهد في اذلالها وارغامها على الجور. وكان من أفج مارزا به معاوية الامة أنه فرض خليعه المهتوك يزيد القرود والفهود - كما يسميه المؤرخون - خليفة عليها يعيث في دينها ودنياها، ويجر لها الويلات والخطوب. - 5 - وفقدت الامة في عهد معاوية وخليعه يزيد جميع عناصرها ومقوماتها ولم تعد خير أمة أخرجت للناس - حسب ما يريده الله لها - فقد عاث فيها معاوية فرباها على الوصولية والانتهازية، ورباها على الذل والعبودية،

[ 14 ]

وسلب عنها صفاتها، وجرد عنها أخلاقها القويمة، فلم تعد تهتم بتحقيق أهدافها وآمالها، ولا بما يضمن لها الحياة الكريمة، قد استسلمت للحكم الاموي، وقبعت ذليلة مهانة تحت وطاة سياطه، وهو يسفك دماءها، ويستنزف ثرواتها، ويشبع فيها الجور والفساد، فقد تخدرت بشكل فظيع وأصبحت جثة هامدة لا وعي فيها ولا حراك، فلم تهب للدفاع عن كرامتها وعزتها، ولم تنطلق في ميادين الشرف والتضحية لتحمي نفسها من الظلم والاعتداء. راى الامام الحسين (ع) وهو سبط الرسول (ص) وأمله الباسم الذي تجسدت فيه جميع طاقاته حالة المسلمين، وما هم فيه من الذل والهوان وانهم لم يعودوا تلك الامة العظيمة التي تبنت رسالة الاسلام، وحملت مشعل الهداية والنور إلى جميع شعوب الارض. واستوعب الالم القاسي مشاعر الامام وعواطفه، وراح يطيل التفكير وينفق الليل ساهرا في انقاذ دين جده العظيم، وحمايته من الردة الجاهلية، فعقد المؤتمرات تارة في مكة وأخرى في يثرب، وعرض على الصحابة وأبنائهم الحالة الراهنة التي مني بها المسلمون، وأخذ يدلي بمنكرات معاوية وموبقاته، وقد استبان له أن هذه الطريقة لا تجدي باي حال في ميادين الاصلاح الاجتماعي، ولا يمكن أن ترد شوارد الاهواء وترجع للامة ما فقدته من معنويات، فراى أنه بين أمرين لا ثالث لهما وهما: 1 - أن يسالم الامويين، ويبايع ليزيد، ويغض الطرف عما تقترفه السلطة من الظلم والجور، وما تعانيه الامة من الازمات في مجالاتها العقائدية والاجتماعية، ويكون بذلك - على سبيل الاحتمال لا القطع - قد ضمن سلامته وحياته، ولكن هذا مما ياباه الله له، وياباه ضميره الحي المترع بتقوى الله فهو بحسب مكانته من رسول الله (ص) مسؤول أمام الله عن صيانة الامة

[ 15 ]

وحماية أهدافها ومبادئها، ومسؤول أمام جده الرسول (ص) عن رعاية الاصلاح الاجتماعي، وصيانة الاسلام من عبث العابثين، وكيد الفاجرين وقد أعلن سلام الله عليه هذه المسؤولية الخطيرة وما يفرضه الواجب عليه في خطابه الذي ألقاه على الحر و أصحابه من شرطة ابن زياد قائلا: " أيها الناس إن رسول الله (ص) قال: من راى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا عهده، مخالفا لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله... ". لقد كان الواجب الشرعي حسبما أدلى به مما يحتم عليه القيام في مقارعة الظلم ومناهضة الجور، والضرب على أيدي المعتدين والظالمين. 2 - أن يعلن الثورة، ويضحي بنفسه وأهل بيته وشيعته، وهو على يقين بعدم نجاح الثورة، فقد درس أوضاع المجتمع، وعرف أن الدين لعق على ألسنة الناس، إلا أنه أيقن أن تضحيته ستعود على المسلمين بالخير العميم فستتحرر ارادتهم، ويهبون الى ميادين الجهاد، ويرفعون أعلام الحرية وينزلون الجبابرة الطغاة من بني أمية من عروشهم إلى قبورهم واختار هذا الطريق المشرق على ما فيه من ماسي وخطوب لا يطيقها أي كائن حي. - 6 - ودرس الامام أبعاد التضحية بعمق وشمول، فراى أن يزج بجميع ثقله في المعركة، ويقدم أروع النضحيات التي تهز الضمير الانساني على امتداد التاريخ، وتعيد للامة أصالتها ووعيها عبر أجيالها الصاعدة... لقد خطط الامام فصول ماساته، وفصول تضحيته على أسس عميقة

[ 16 ]

من الوعي والادراك بحيث تؤدي إلى النتائج المشرقة التي منها انتصار القضية الاسلامية وإعادة الحياة الدينية الى شرايين الامة، وازالة التخدير الذي بسطه الامويون على جميع أجزائها. وقد أعلن سلام الله عليه ما صمم عليه، وأذاع فصول ماساته الخالدة في كثير من المناسبات، وهذه بعضها. 1 - أدلى بمصرعه، وهو بمكة في خطابه الذي أعلن فيه الثورة على بني امية، فقد جاء فيه " وخير لي مصرع أنا لاقيه كاني باوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا... " أليس في هذا الكلام دلالة على روعة العزم والتصميم على التضحية ؟ ! أليس فيه اخبار جازم عن مصرعه الكريم، وأنه في كربلاء، فهي التي تحضى بموارة جثمانه الطاهر كما أذاع ذلك جده وأبوه من قبل. 2 - وأعلن الامام العظيم الماسي الاليمة، والخطوب المفجعة التي تحل باهل بيته من القتل والسبي والاسر، وذلك حينما أشار عليه ابن عباس بان لا يحمل معه مخدرات النبوة وعقائل الوحي الى العراق، ويتركهن في يثرب حتى تستقيم له الامور، فاجابه الامام قائلا: " قد شاء الله أن يراهن سبايا ". لقد صحب معه عياله وهو يعلم ما سيجري عليها من الاسر والسبي لان بها سوف تستكمل رسالته، وتؤدي فعاليتها في القضاء على العرش الاموي واعادة الحياة الاسلامية الى واقعها المضيئ. 3 - كان الامام يتحدث وهو في طريقه الى العراق من أن راسه الشريف سوف يرفع على الحراب فيطاف به في الاقطار والامصار، ويهدى الى بغي من بغايا بني أمية كما صنع براس أخيه يحيى بن زكريا حيث أهدي الى بغي من بغايا بني اسرائيل.

[ 17 ]

لقد استهان بجميع ما يعانيه في سبيل احقاق الحق، واعلاء كلمة الله في الارض. - 7 - وفجر الامام ثورته الكبرى التي أوضح الله بها الكتاب، وجعلها عبرة لاولي الالباب، وهي بجميع مخططاتها جزء من رسالته الاسلام وامتداد مشرق لثورة الرسول الاعظم، وتجسيد حي لاهدافه وآماله، ولولاها لذهبت جهود النبي، وضاعت آماله، ولم يبق للاسلام أثر ولا عين. لقد انتصر الامام الحسين (ع) وفتح الله له الفتح المبين، فقد أشرقت سماء الاسلام بثورته الخالدة، وتفاعلت تضحيته مع مشاعر الناس وعواطفهم، وامتزجت بقلوبهم، وأصبحت أعظم مدرسة للايمان بالله، تبث روح العقيدة والفداء في سبيل الحق والعدل، وتغدي الناس بالقيم الكريمة والمثل العليا، وتعمل على توجيههم نحو الخير وتهديهم إلى سواء السبيل. لقد أقبل الناس بلهفة على ماساة أبي الاحرار، وهم يمنعون النظر في فصولها ويقتبسون منها أروع الدروس عن الكرامة والتضحية، والبطولات الخارقة والعزة التي لا يلويها الظلم والجور. إن الانسانية لتنحني اجلالا واكبارا للامام العظيم الذي رفع راية الحق عالية خفاقة. وتبنى حقوق المظلومين، ودافع عن مصالح المضطهدين... وانها لتمجد ذكره أكثر مما تمجد أي مصلح اجتماعي في الارض، وقد أحرز الامام العظيم بذلك من النصر ما لم يحرزه غير من المصلحين في العالم.

[ 18 ]

لقد كان من أوليات النصر الذي حققه الامام تحطيم الكيان الاموي فقد وضعت ثورته الخالدة العبوات الناسفة في قصور الامويين، وألغمت طريقهم، فلم يمض قليل من الزمن حتى تفجرت فاطاحت برؤوس الامويين واكتسحت نشوة نصرهم، وجعلتهم أثرا بعد عين، ويعرض هذا الكتاب بصورة موضوعية إلى بعض ما قدمته الثورة من المعطيات المشرقة على الصعيد الفكري والاجتماعي للعالم الاسلامي. - 8 - ولن يستطيع التاريخ الاسلامي أن ياخذ حظه من الحياة إذا كان مثقلا بالقيود والاغلال، ولم يخضع للدراسة والنقد، فلا بد أن تتسلط مجاهر البحث العلمي النزيه على أحداثه، وتدرس بدقة وتجرد، شان غيره من تاريخ الاممم الحية التي تتناول أحداثه أقلام المفكرين والباحثين بكثير من العمق والتحليل، فان دراسة التاريخ عندهم تحتل الصدارة في دراساتهم الثقافية والعلمية. إنا إذا أردنا للتاريخ الاسلامي أن يزدهر، ويساير النهضة الفكرية، والتطور العلمي في هذه العصور، فلا بد من دراسته دراسة واعية تعتمد على المناهج العلمية، وعلى التجرد من النزعات المذهبية والتقليدية، فننظر بدقة إلى الاحداث الجسام التي دهمت المسلمين في عصورهم الاولى فانها - فيما تعتقد - مصدر الفتنة الكبرى التي اخلدت لهم المصاعب، وجرت لهم الفتن والخطوب على امتداد التاريخ. إن البحث عن التاريخ الاسلامي في تلك الحقبة الخاصة من الزمن إذا لم يعرض لتلك الاحداث بالبسط والتحليل، ولم يلق الاضواء على

[ 19 ]

دوافعها ومجرياتها فانه يكون بحثا تقليديا لا روح فيه، ولا ثمرة تعود فيه على القراء. وقد ألمعنا في الحلقة الاولى من هذا الكتاب إلى الكثير من الاحداث وعرضنا الانظمة السياسية والاقتصادية التي وضع برامجها الخلفاء في العصر الاول، وقد تأملنا في كثير منها بتحفظ وتجرد شان الباحث الذي يهمه الوصول إلى الواقع مهما استطاع إليه سبيلا، وانى - فيما اعتقد - ان من الاثم وتعمد الجهل ان نتكلف اخفاء أي ناحية من النواحي السياسية أو الاجتماعية في ذلك العصر فان اخفاء ذلك من ألوان التضليل والدجل على القراء. وليس في دراسة التاريخ منهجية تغيير له أو قلب لمفاهيمه، أو خروج عن موازين البحث العلمي المجرد، وإنما هي من صميمه كما هي من متطلبات الحياة الثقافية في هذا العصر. وعلى أي حال فان هذه الدارسة ترتبط ارتباطا ذاتيا وموضوعيا بحياة الامام الحسين، فقد عاش ذلك الحقبة الخاصة من الزمن المليئة بالاحداث وقد نظر إليها بعمق وشمول، ووقف على أهدافها وهي - من دون شك - قد ساهمت مساهمة ايجابية في كثير من الاحداث التي فزع منها المسلمون والتي كان منها كارثة كربلاء، فانها كانت احدى النتائج المباشرة لذلك التخدير الذي منيت به الامة من جراء الحكم الاموي الذي جهد على شل الحياة الفكرية والاجتماعية واشاعة الانتهازية بين المسلمين. وأنا آمل أن أكون في هذه الدراسة قد واكبت الواقع، وابتعدت عن العواطف التقليدية وآثرت الحق في جميع ما كتبته لا ابتغي بذلك إلا ابراز التاريخ الاسلامي على واقعه من دون تحيز وقبل أن أقفل هذا التقديم أرى من الواجب علي أن أذكر بالوفاء والعرفان ما قام به سيادة المحسن

[ 20 ]

الكبير الحاج محمد رشاد عجينة من التشجيع البالغ على الخوض والاستمرار في خدمة أئمة أهل البيت (ع) ونشر ماثرهم التي هي من أفضل الخدمات التي تقدم لهذه الامة، وقد قادم سيادته بالانفاق على نشر هذا الكتاب وقد رغب أن تكون من الميراث التي أوصى بها المغفور له والده الحاج محمد جواد عجينة المتوفى سنة (1391 ه‍)، أجزل الله له الثواب، ووفقه لكل مسعى نبيل. النجف الاشرف - باقر شريف القرشي

[ 21 ]

مع القاسطين والناكثين

[ 23 ]

وفزعت القبائل القرشية كاشد ما يكون الفزع هولا من حكومة الامام وأيقنت أن جميع مخططاته السياسية والاقتصادية إنما هي امتداد ذاتي للاتجاهلات الفكرية والاجتماعية عند الرسول الاعظم (ص) الذي أطاح بغلوائهم، وكبريائهم، وحطم حياتهم الاقتصادية القائمة على الربا والاحتكار والاستغلال ومما زاد في فزعهم القرارات الحاسمة التي أعلنها الامام فور انتخابه للحكم والتي كان منها اقصاء ولاة عثمان عن جميع مراكز الدولة، ومصادرة جميع ما نهبوه من الخزينة المركزية، كما اضطربوا من اعلان الامام (ع) للمساواة العادلة بين جميع الشعوب الاسلامية، مساواة في الحقوق، والواجبات، ومساواة في كل شئ، وقد هالهم ذلك فكانوا يرون أن لهم التفوق على بقية الشعوب، ولهم امتيازات خاصة على بقية الناس. لقد ورمت آناف القرشيين وسائر القوى المنحرفة عن الحق من حكومة الامام فاجمع رأيهم على اعلان العصيان المسلح، واشعال نار الحرب في البلاد للاطاحة بحكومته التي اتخذت الحكم وسيلة للاصلاح الاجتماعي، وتطوير حياة الانسان، وأول الحروب التي اثيرت على الامام هي حرب الجمل، وأعقبها حرب صفين ثم حرب النهروان، وقد وضعت تلك الحروب الحواجز والسدود أمام حكمه الهادف الى رفع مستوى القيم الانسانية، والقضاء على جميع ألوان التاخر في البلاد. ويقول الرواة ان الرسول (ص) قد أحاط الامام علما بما يمنى به في عهد خلافته من تمرد بعض الفئات عليه، وقد عهد إليه بقتالهم وقد أسماهم الناكثين والقاسطين والمارقين (1) ولا بد لنا أن نعرض - بايجاز -


(1) مستدرك الحاكم 3 / 139، تاريخ بغداد 8 / 340، أسد الغابة 4 / 33، كنز العمال 6 / 82، مجمع الزوائد 9 / 235. (*)

[ 24 ]

لهذه الحروب التي تصور لنا الحياة السياسية والفكرية في ذلك العصر الذي اترعت فيه عواطف الكثيرين بحب الملك والسلطان كما تصور لنا الاحقاد التي تكنها القبائل القرشية على الامام، ومن المقطوع به أن هذه الاحداث قد ساهمت مساهمة ايجابية في خلق كارثة كربلاء فقد نشرت الاوبئة الاجتماعية وخلقت جيلا انتهازيا، لا ينشد إلا مطامعه الخاصة، وفيما بلي ذلك: الناكثون: وهم الذين نكثوا بيعتهم، وخاسوا ما عاهدوا عليه الله في التضحية والطاعة للامام، فانسابوا في ميادين الباطل وساحات الضلال، وتمرسوا في الاثم، وقد أجمع فقهاء المسلمين على تاثيمهم إذ لم يكن لهم أي مبرر في الخروج على السلطة الشرعية التي تبنت المصالح العامة، وأخذت على عاتقها أن تسير بين المسلمين بالحق المحض والعدل الخالص وتقضي على جميع أسباب التخلف في البلاد. اما اعلام الناكثين فهم طلحة والزبير، والسيدة عائشة بنت ابي بكر، ومروان بن الحكم، وسائر بني امية، وغيرهم من الذين ضاقوا ذرعا من عدل الامام، ومساواته. دوافع التمرد: والشئ المحقق انه لم تكن للناكثين أية اهداف اجتماعية، وانما دفعتهم مصالحهم الخاصة لنكث بيعة الامام، فطلحة والزبير قد خفا إليه بعد ان تقلد الخلافة يطلبان منحهما ولاية البصرة والكوفة، فلما خبا املهما

[ 25 ]

اظهرا السخط، وخفا الى مكة لاعلان الثورة عليه، وتمزيق شمل المسلمين وقد أدلى الزبير بتصريح أعرب فيه عن أهدافه، فقد أقبل إليه وإلى طلحة رجل فقال لهما: " إن لكما صحبة وفضلا فاخبراني عن مسيركما وقتالكما أشئ أمركما به رسول الله (ص) ؟ وسكت طلحة، وأما الزبير فقال: " حدثنا أن ها هنا بيضاء وصفراء - يعني دراهم ودنانير - فجئنا لنأخذ منها.. " (1) من أجل الظفر بالمنافع المادية أعلن الشيخان تمردها على حكومة الامام. وأما السيدة عائشة فانها كانت تروم ارجاع الخلافة الى اسرتها، فهي أول من قدح زناد الثورة على عثمان، وأخذت تلهب المشاعر والعواطف ضده وكانت تقول: " اقتلوا نعثلا فقد كفر " وقد جهدت على ترشيح طلحة للخلافة وكانت تشيد به في كل مناسبة إلا أنها أخيرا استجابت لعواطفها الخاصة المترعة بالود والحنان لابن أختها عبد الله بن الزبير فرشحته لامارة الصلاة وقدمته على طلحة. وأما بنو أمية فقد طلبوا من الامام ان يضع عنهم ما أصابوا من المال في أيام عثمان، فرفض الامام أن يضع عنهم ما اختلفوه من أموال الامة فاظهروا له العداء، وعملوا على اثارة الفتنة والخلاف. وعلى أي حال فانه لم تكن للناكثين نزعة اصلاحية أو دعوة إلى الحق وإنما كانت بواعثهم الانانية والاطماع، والاحقاد على الامام الذي هو نفس رسول الله (ص) وباب مدينة علمه.


(1) أنساب الاشراف ج 1 ق 1. (*)

[ 26 ]

خديعة معاوية للزبير: وأيقن معاوية باهداف الزبير وطلحة، فقام بدوره في خديعتهما واغرائهما ليتخذهما سلما يعبر عليهما لتحقيق أهدافها وماربه، فقد كتب الى الزبير رسالة جاء فيها: " لعبد الله الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان سلام عليك، أما بعد: فاني قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا واستوسقوا كما يستوسق الجلب، فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقك إليها ابن أبي طالب فانه لا شئ بعد هذين المصرين، وقد بايعت لطلحة بن عبيد الله من بعدك، فاظهروا الطلب بدم عثمان، وادعوا الناس إلى ذلك، وليكن منكما الجد والتشمير أظفركما الله وخذل مناوئكما... ". ولما وصلت هذه الرسالة إلى الزبير لم يملك اهابه من الفرح والسرور وخف الى طلحة فاخبره بذلك فلم يشكا في صدق نيته واخلاصه لهما، وتحفزا إلى اعلان الثورة على الامام، واتخذا دم عثمان شعارا لهما (1). مؤتمر مكة: وخف المتأمرون الى مكة فاتخذوها وكرا لدسائسهم التخريبية الهادفة لتقويض حكم الامام وقد وجدوا في هذا البلد الحرام تجاوبا فكريا مع الكثيرين من أبناء القبائل القرشية التي كانت تكن في أعماق نفسها الكراهية والحقد على الامام لانه قد وتر الكثيرين منهم في سبيل الاسلام. وعلى أي حال فقد تداول زعماء الفتنة الاراء في الشعار الذي يتبنونه والبلد الني يغزونها، وسائر الشؤون الاخرى التي تضمن لثورتهم النجاح.


(1) شرح النهج 1 / 231 (*)

[ 27 ]

قرارات المؤتمر: واتخذ أعضاء المؤتمر بالاجماع القرارات التالية، وهي: 1 - أن يكون شعار المعركة دم عثمان، والمطالبة بثاره لانه قتل مظلوما، واستباح الثوار دمه بعد توبته بغير حق، لقد رفعوا قميص عثمان شعارا لهم فكان شعارا للتمرد وشعارا للرأسمالية القرشية التي طغت في البلاد. 2 - تحميل الامام علي (ع) المسؤولية في اراقة دم عثمان لانه آوى قتلته، ولم يقتص منهم. 3 - الزحف الى البصرة واحتلالها، واتخاذها المركز الرئيسي للثورة لان لهم بها حزبا وأنصارا، وقد أعرضوا عن الزحف الى يثرب لان فيهما الخليفة الشرعي، وهو يتمتع بالقوى العسكرية التي لا قابلية لهم عليها، كما أعرضوا عن التزوج الى الشام لان الامويين لم يستجيبوا لهم، لانها كانت تحت قبضتهم، فخافوا عليها من التصدع والاحتلال. تجهيز الجيش بالاموال المنهوبة: وجهز يعلي بن امية جيش عائشة بالاموال التي نهبها من بيت المال حينما كان واليا على اليمن أيام عثمان، ويقول المؤرخون إنه أمد الجيش بستمائة بعير، وبستمائة ألف درهم (1) وأمدهم عبد الله بن عامر والي عثمان على البصرة بمال كثير (2) كان قد اختلسه من بيت المال، ولم يتحرج أعضاء القيادة العسكرية العامة في جيش عائشة من هذه الاموال المحرمة.


(1) و (2) تاريخ ابن الاثير 3 / 106. (*)

[ 28 ]

الخطاب السياسي لعائشة: وخطبت عائشة في مكة خطابا سياسيا حملت فيه المسؤولية في اراقة دم عثمان على الغوغاء فهم الذين سفكوا الدم الحرام في الشهر الحرام، وقد قتلوا عثمان بعد ما اقلع عن ذنوبه وأخلص في توبته، ولا حجة لهم فيها اقترفوه من سفك دمه (1)، وقد كان خطابها فيما يقول المحققون حافلا بالمغالطات السياسية، فان الغوغاء لم يسفكوا دمه، وإنما سفك دمه الذين رفعوا علم الثورة عليه، وفي طليعتهم كبار الصحابة كعمار بن ياسر وأبي ذر وعبد الله بن مسعود وطلحة والزبير، وكانت هي بالذات من أشد الناقمين عليه فقد اشتدت في معارضته، وأفتت في قتله وكفره فقالت: " اقتلوا نعثلا فقد كفر " فاي علاقة للغوغاء باراقة دمه ؟ وأما توبته فان عثمان أعلن غير مرة عن تراجعه عن أحداثه إلا أن بني أمية كانوا يزجونه في مخططاتهم السياسية فيعود الى سياسية الاولى، ولم يقلع عنها حتى قتل. وعلى أي حال فقد كان خطابها أول بادرة لاعلان العصيان المسلح على حكومة الامام وكان الاولى بعائشة بحسب مكانتها الاجتماعية أن تدعو إلى وحدة الصف وجمع كلمة المسلمين، وان تقوم بالدعم الكامل لحكومة الامام التي تمثل أهداف النبي (ص) وما تصبوا إليه الامة من العزة والكرامة.


(1) نص خطابها في تاريخ الطبري 3 / 468. (*)

[ 29 ]

عائشة مع أم سلمة: ومن الغريب حقا أن تخف عائشة إلى أم سلمة تطلب منها القيام بمناجزة الامام مع علمها بما تكنه من الولاء والتقدير له الامر الذي دل على عدم خبرتها بالاتجاهات الفكرية لضراتها من أزواج النبي (ص) ولما قابلتها خاطبتها بناعم القول قائلة: " يا بنت أبي امية أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله (ص) وأنت كبيرة أمهات المؤمنين، وكان رسول الله يقسم من بيتك، وكان جبرئيل أكثر ما يكون في منزلك.. " ورمقتها أم سملة بطرفها، وقالت لها بريبة: " لامر ما قلت هذه المقالة ؟ " فاجابتها عائشة مخادعة: " ان القوم استتبابوا عثمان فلما تاب قتلوه صائما في الشهر الحرام، وقد عزمت على الخروج إلى البصرة، ومعي الزبير وطلحة فاخرجي معنا لعل الله يصلح هذا الامر على أيدينا. " وأسدت لها أم سلمة النصيحة وذكرتها بموافقها مع عثمان ونقمتها عليه وحذرتها من الخروج على ابن عم رسول الله (ص) قائلة: " يا بنت أبي بكر بدم عثمان تطلبين ؟ ! ! والله لقد كنت من أشد الناس عليه، وما كنت تسميه الا نعثلا، فمالك ودم عثمان ؟ وعثمان رجل من بني عبد مناف وأنت امراة من بني تيم بن مرة، ويحك يا عائشة ! ! أعلى علي وابن عم رسول الله (ص) تخرجين وقد بايعه المهاجرون والانصار ؟... " وجعلت أم سلمة تذكر عائشة فضائل علي وماثره وقرب منزلته من

[ 30 ]

رسول الله وكان عبد الله بن الزبير يسمع حديثها فغاظه ذلك، وخلاف أن تصرف عائشة عن عزمها فصاح بها: " يا بنت أبي أمية، إننا قد عرفنا عداوتك لال الزبير ". فنهرته أم سلمة وصاحت به: " والله لتوردنها ثم لا تصدنها أنت ولا أبوك ! ! أتطمع أن يرضى المهاجرون والانصار بابيك الزبير وصاحبه طلحة، وعلي بن أبي طالب حي وهو ولي كل مؤمن ومؤمنة ". فقال لها ابن الزبير: ما سمعنا هذا من رسول الله (ص) ساعة قط ". فقالت أم سلمة: " إن لم تكن أنت سمعته فقد سمعته خالتك عائشة، وها هي فاسألها قد سمعته (ص) يقول: " علي خليفتي عليكم في حياتي ومماتي من عصاه فقد عصاني " أتشهدين يا عائشة بهذا أم لا ؟.. " فلم يسع عائشة الانكار وراحت تقول: " اللهم نعم.. ". ومضت أم سلمة في نصيحتها لعائشة قائلة: " اتق الله يا عائشة في نفسك، واحذر ما حذرك الله ورسوله، ولا تكون صاحبة كلاب الحواب، ولا يغرنك الزبير وطلحة فانهما لا يغنيان عنك من الله شيئا... " (1). ولم تع عائشة نصيحة أم سلمة، واستجابت لعواطفها، وأصرت على مناجزة الامام.


(1) الفتوح 2 / 282 - 283. (*)

[ 31 ]

وكتبت أم سلمة بجميع الاحداث التي جرت في مكة الى الامام (ع) واحاطته علما باعضاء الفتنة (1). الزحف الى البصرة: وتحركت كتائب عائشة صوب البصرة، ودق طبل الحرب، ونادى المتمردون بالجهاد، وقد تهافت ذوو الاطماع والحاقدون على الامام الى الالتحاق بجيش عائشة، قد رفعوا أصواتهم بالطلب بدم عثمان الذي سفكه طلحة والزبير وعائشة، واتجهت تلك الجيوش لتشق كلمة المسلمين، وتغرق البلاد بالثكل والحزن والحداد. عسكر: وسار موكب عائشة في البيداء يجذ السير، فصادفهم العرني صاحب عسكر فعرض له راكب فقال له: - يا صاحب الجمل أتبيع جملك ؟. - نعم. - بكم. بالف درهم. - ويحك ! !.. أمجنون أنت جمل يباع بالف درهم ؟ - نعم جملي هذا. فما طلبت عليه أحدا قط إلا أدركته، ولا طلبني وأنا عليه أحد قط الا فته...


(1) شرح النهج 2 / 79. (*)

[ 32 ]

" لو تعلم لمن نريده لاحسنت بيعتا " " لمن تريده ؟ " " لامك ". " لقد تركت أمي في بيتها قاعدة ما تريد براحا ". " إنما إريده لام المؤمنين عائشة ". " هو لك خذه بغير ثمن ". " ارجع معنا لك الرحل فلنعطك ناقة مهرية، ونزيدك دراهم ". فقفل معهم فاعطوه الناقة واربعمائة درهم أو ستمائة درهم، وقدم عسكر إلى عائشة فاعتلت عليه (1)، وقد أصبح كعجل بني اسرائيل فقطعت الايدي، وأزهقت الانفس واريقت الدماء من حوله. الحواب: وسارت قافلة عائشة فاجتازت على مكان يقال له (الحواب) فتلقت الركب كلاب الحي بهرير وعواء فذعرت عائشة، فالتفت إلى محمد بن طلحة فقالت له: - أي ماء هذا يا محمد ؟ - ماء الحواب يا أم المؤمنين. فهتفت وهي تلهث: - ما أراني إلا راجعة. - لم يا أم المؤمنين ؟ - سمعت رسول الله يقول لنسائه: كاني باحداكن قد نبحتها


(1) ابن الاثير 3 / 107، تاريخ الطبري 3 / 475، تذكرة الخواص. (*)

[ 33 ]

كلاب الحواب وإياك أن تكوني أنت يا حميراء (1). - تقدمي رحمك الله ودع هذا القول. فلم تبرح من مكانها، وطاقت بها الهموم والالام، وأيقنت بضلالة قصدها، وذعرت القيادة العسكرية من توقف عائشة التي اتخذوها قبلة لهم يغرون بها السذج والبسطاء فخفوا إليها في دهشة قائلين: " يا أمه ". فقطعت عليهم الكلاب وراحت تقول بنبرات ملؤها الاسى والحزن. " أنا والله صاحبة كلاب الحواب.. ردوني، ردوني ". وأسرع إليها ابن اختها عبد الله بن الزبير كانه ذئب فانهارت امامه، واستجابت لعواطفها، ولولاه لارتدت على عقبيها الى مكة فجاء لها بشهود اشترى ضمائرهم فشهدوا عندها أنه ليس بماء الحواب وهي أول شهادة زور تقام في الاسلام (2) فاقلعت عن فكرتها واخذت تقود الجيوش لحرب وصي رسول الله (ص) وباب مدينة علمه. في ربوع البصرة: ودهمت جيوش عائشة اهل البصرة فملئت قلوبهم ذعرا وفزعا،


(1) روى ابن عباس عن رسول الله (ص) أنه قال يوما لنسائه وهن جميعا عنده: ايتكن صاحبة الجمل الادب تنبحها كلاب الحواب، يقتل عن يمينها وشمالها قتلى كثيرة كلهم في النار، وتنجو بعدما كادت، شرح النهج 2 / 297، ابن كثير 6 / 297، ابن كثير 6 / 212، الخصائص للسيوطي 2 / 137 الاستيعاب وجاء فيه: " وهذا الحديث من اعلام نبوته (ص) ". (2) مروج الذهب 2 / 347، تاريخ اليعقوبي. (*)

[ 34 ]

وخوفا، فقد احاطت ببلدهم القوات العسكرية التي تنذر باحتلال بلدهم وجعلها منطقة حرب، وعصيان على الخليفة الشرعي، وانبرى حاكم البصرة عثمان بن حنيف وهو من ذوي الادارة والحزم والحريجة في الدين، فبعث أبا الاسود الدؤلي الى عائشة يسالها عن سبب قدومها الى مصرهم، ولما مثل عندها قال لها. - ما أقدمك يا أم المؤمنين ؟ - اطلب بدم عثمان. - ليس في البصرة من قتلة عثمان أحد. - صدقت، ولكنهم مع علي بن أبي طالب بالمدينة، وجئت أستنهض أهل البصرة لقتاله، انغضب لكم من سوط عثمان، ولا نغضب لعثمان من سيوفكم. ورد عليها أبو الاسود قائلا: " ما أنت من السوط والسيف، انما أنت حبيسة رسول الله (ص) أمرك أن تقري في بيتك وتتلي كتاب ربك، وليس على النساء قتال، ولا لهن الطلب بالدماء، وان عليا لاولى منك، وأمس رحما، فانهما ابنا عبد مناف ". ولم تذعن لقوله، وراحت مصرة على رأيها قائلة: " لست بمنصرفة حتى أمضي لما قدمت إليه، أفنظن أبا الاسود أن أحدا يقدم على قتالي ؟ ! ! ". وحسبت أنها تتمتع بحصانة لعلاقتها الزوجية من النبي (ص) فلا يقدم أحد على قتالها، ولم تعلم أنها أهدرت هذه الحرمة ولم ترع لها جانبا فأجابها أبو الاسود بالواقع قائلا: " أما والله لتقاتلن قتالا أهونه الشديد ".

[ 35 ]

ثم انعطف أبو الاسود صوب الزبير فذكره بماضي ولائه للامام وقربه منه قائلا. " يا أبا عبد الله عهد الناس بك، وأنت يوم بويع أبو بكر آخذا بقائم سيفك تقول: لا أحد أولى بهذا الامر من ابن أبي طالب، وأين هذا المقام من ذاك ؟ " فاجابه الزبير بما لم يؤمن به قائلا: " نطلب بدم عثمان ". " أنت وصاحبك وليتماه فيما بعد ". ولان الزبير واستحباب لنصيحة أبي الاسود الا انه طلب منه مواجهة طلحة وعرض الامر عليه، فاسرع أبو الاسود تجاه طلحة وعرض عليه النصيحة فابى من الاستجابة وأصر على الغي والعدوان (1) ورجع أبو الاسود من وفادته التي اخفق فيها فأحاط ابن حنيف علما بالامر فجمع أصحابه وخطب فيهم وقال: " أيها الناس، انما بايعتم الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فانهما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما والله لو علم علي أحدا أحق بهذا الامر منه ما قبله، ولو بايع الناس غيره لبايع، وأطاع وما به الى أحد من صحابة رسول الله (ص) حاجة وما باحد عنه غنى، ولقد شاركهم في محاسنهم، وما شاركوه في محاسنه، ولقد بايع هذان الرجلان، وما يريدان الله، فاستحلا الفطام قبل الرضاع، والرضاع قبل الولادة، والولادة قبل الحمل، وطلبا ثواب الله من العباد، وقد زعما أنهما بايعا مستكرهين، فان كانا استكرها قبل بيعتهما وكانا رجلين من عرض قريش لهما أن يقولا ولا يامرا، إلا وان الهدى ما كانت عليه


(1) شرح النهج 2 / 81. (*)

[ 36 ]

العامة، والعامة على بيعة علي فما ترون أيها الناس ؟ ". فقام إليه الفذ النبيل حكيم بن جبلة فخاطبه بمنطق الايمان والحق والاصرار على الحرب (1). وجرت مناظرات بين الفريقين إلا انها لم تنته الى خير، وخطب طلحة والزبير، وكان خطابهما الطلب بدم عثمان، فرد عليهما أهل البصرة ممن كانت تأتيهم رسل طلحة بالتحريض على قتل عثمان وحملوه المسؤولية في اراقة دمه وخطبت عائشة خطابها الذي كانت تكرره في كل وقت وهو التحريض على المطالبة بدم عثمان لانه قد خلص من دنوبه، واعلن توبته ولكنها لم تنه خطابها حتى ارتفعت الاصوات فقوم يصدقونها وقوم يكذبونها وتسابوا فيما بينهم وتضاربوا بالنعال، واقتتل الفريقان أشد القتال وأعنفه وأسفرت الحرب عن عقد هدنة بينهما حتى يقدم الامام علي، وكتبوا بينهم كتابا وقعه عثمان بن حنيف، وطلحة والزبير وقد جاء فيه باقرار عثمان ابن حنيف على الامرة، وترك المسلحة وبيت المال له، وان يباح للزبير وطلحة وعائشة ومن أنضم إليهم أن ينزلوا حيث شاءوا من البصرة. ومضى ابن حنيف يقيم بالناس الصلاة، ويقسم المال بينهم، ويعمل على نشر الامن واعادة الاستقرار في المصر، إلا أن القوم قد خاسوا بعهدهم ومواثيقهم، فاجمعوا على الفتك بابن حنيف، ويقول المؤرخون: ان حزب عائشة انتهزوا ليلة مظلمة شديدة الريح فعدوا على ابن حنيف وهو يصلي بالناس صلاة العشاء فاخذوه ثم عدوا الى بيت المال فقتلوا من حرسه أربعين رجلا، واستولوا عليه، وزجوا بابن حنيف في السجن وأسرفوا في تعذيبه بعد أن نتفوا لحيته وشاربيه (2).


(1) الامامة والسياسة 1 / 64. (2) شرح النهج 2 / 50. (*)

[ 37 ]

وغضب قوم من اهل البصرة، ولقموا على ما اقترفه القوم من نقض الهدنة، والنكاية بحاكمهم، واحتلال بيت المال فخرجوا يريدون الحرب، وكانت هذه الفئة من ربيعة يراسها البطل العظيم حكيم بن جبلة فقد خرج في ثلثمائة رجل من بني عبد القيس (1) وخرج اصحاب عائشة، وحملوها معهم على جمل، وسمي ذلك اليوم الجمل الاصغر (2) والتحم الفريقان في معركة رهيبة، وقد ابلى ابن جبلة بلاءا حسنا، ويقول المؤرخون ان رجلا من اصحاب طلحة ضربه ضربة قطعت رجله، فجثا حكيم واخذ رجله المقطوعة فضرب بها الذي قطعها فقتله، ولم يزل يقاتل حتى قتل (3) لقد اضاف القوم الى نقض بيعتهم للامام نكثهم للهدنة التي وقعوا عليها مع ابن حنيف، واراقتهم للدماء بغير حق ونهبهم ما في بيت المال وتنكيلهم بابن حنيف ويقول المؤرخون انهم قد هموا بقتله لولا انه هددهم باخيه سهل بن حنيف الذي يحكم المدينة من قبل علي وانه سيضع السيف في بني ابيهم إن اصابوه بمكروه، فخافوا من ذلك، واطلقوا سراحه فانطلق حتى التحق بالامام في بعض طريقه الى البصرة فلما دخل عليه قال للامام مداعبا: " ارسلتني الى البصرة شيخا فجثتك امرد ". واوغرت هذه الاحادث الصدور، وزادت الفرقة بين اهل البصرة فقد انقسموا على انفسهم فطائفة منهم تسللوا حتى التحقوا بالامام، وقوم انضموا الى جيش عائشة، وطائفة ثالثة اعتزلت الفتنة، ولم يطب لها الانضمام الى احد الفريقين.


(1) شرح النهج 2 / 50. (2) حياة الامام الحسن 1 / 430. (3) أسد الغابة 2 / 40. (*)

[ 38 ]

النزاع على الصلاة وليس من الغريب في شئ أن يتنازع كل من طلحة والزبير على امامة الصلاة فانهما انما نكثا بيعة الامام (ع) طمعا بالحكم وسعيا وراء المصالح المادية، ويقول المؤرخون إن كل واحد منهما كان يروم التقدم على صاحبه لامامة الناس، والاخر يمنعه حتى فات وقت الصلاة، فخافت عائشة من تطور الاحداث فأمرت ان يصلي بالناس يوما محمد بن طلحة، ويوما عبد الله ابن زبير (1) فذهب ابن الزبير ليصلي فجذبه محمد، وتقدم للصلاة فمنعه عبد الله، وراى الناس أن خير وسيلة لقطع حبل النزاع القرعة فاقنرعا فخرج محمد بن طلحة، فتقدم وصلى بالناس وقرا في صلاته " سال سائل بعذاب واقع " وأثارت هذه الصور الهزيلة السخرية عليهم بين الناس، واندفعوا الى نقدهم، وفي ذلك يقول الشاعر: تبارى الغلامان إذ صليا * وشح على الملك شيخاهما ومالي وطلحة وابن الزبير * وهذا بذي الجذع مولاهما فامهما اليوم غرتهما * ويعلي بن منية ولاهما (2) ان هذه البادرة تصور مدى تهالك القوم على الامرة والسلطان، وهم بعد في بداية الطريق فلو كتب لهم النجاح في القضاء على حكم الامام لفتح بعضهم على بعض باب الحرب للاستيلاء على زمام الحكم رسل الامام الى الكوفة: وأوفد الامام رسله الى أهل الكوفة يستنجد بهم، ويدعوهم الى


(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 157. (2) الاغاني 11 / 120 (*)

[ 39 ]

نصرته، والقيام معه لاخماد نار الفتنة التي أشعلها المتمردون، وأقبلت الرسل الى الكوفة فوجدوا عاملها أبا موسى الاشعري يدعو الى الفتنة، ويخذل الناس عن نصرة امامهم وبدعوهم الى التمرد، ويحبب لهم العافية، ولم تكن لابي موسى حجة في ذلك، وانما كان يعبر عن حقده، واضغانه على الامام وكان فيما أجمع عليه المؤرخون عثماني الهوى، وأقبلت رسل الامام على أبي موسى يعنفونه، ويلومونه، الا انه لم يعن بهم، فبعثوا الى الامام رسالة ذكروا فيها تمرده وعدم استجابته لنداء الحق، وأرسل إليه الامام هاشم المرقال وهو من خيرة أصحاب الامام، وزوده برسالة يطلب فيها مجئ أبي موسى إليه، ولما انتهى إليه هاشم وعرض عليه رسالة الامام لم يستجب له وبقي مصمما على عناده وعصيانه، فارسل هاشم الى الامام رسالة يخبره فيها بموقف أبي موسى، وتمرده فبعث الامام ولده الحسن وعمار بن ياسر ومعهما رسالة بعزله، وتعيين قرضة بن كعب الانصاري في مكانه، ولما وصل الامام الحسن الى الكوفة التام الناس حوله زمرا، وهم يظهرون له الطاعة والولاء، واعلن لهم عزل الوالي المتمرد وتعيين قرضة في منصبه الا ان ابا موسى بقي مصمما على غيه يثبط عزائم الناس ويدعوهم الى التخاذل والخروج عن الطاعة ولم يستجب للامام الحسن، وراى الزعيم الكبير مالك الاشتر ان الامر لايتم إلا باخراج ابي موسى مهان الجانب فجمع نفرا من قومه اولى باس شديد فاغار بهم على قصر الامارة، واخذ الناس ينهبون أمتعته وأمواله، فاضطر الجبان الى الاعتزال عن عمله، ومكث ليلته في الكوفة ثم خرج هاربا حتى أتى مكة فاقام مع المعتزلين. ودعا الامام الحسن (ع) الناس الى الخروج لنصرة أبيه، وقد نفر معه آلاف كثيرة فريق منها ركب السفن، وفريق آخر ركب المطي، وهم مسرورون كاشد ما يكون السرور بنصرتهم للامام.

[ 40 ]

وطوت الجيوش البيداء تحت قيادة الامام الحسن فانتهوا الى ذي قار حيث كان الامام (ع) مقيما هناك، وقد سر (ع) بنجاح ولده وشكر له مساعيه وجهوده، وانضمت جيوش الكوفة الى الجيش الذي كان مع الامام، والبالغ عدده أربعة آلاف، وكان فيهم أربع مائة ممن شهد بيعة الرضوان مع النبي (ص) وقد اسند الامام قيادة ميمنة جيشه الى الحسن، وقيادة ميسرته الى الحسين (ع) (1) كما كانت جيوشه مزودة باحسن السلاح، ويقول المؤرخون ان الحسين كان قد ركب فرس جده (ص) المسمى بالمرتجز (2). التقاء الجيشين: وتحركت قوات الامام من ذي قار، وهي على بينة من أمرها فلم تكن مترددة ولا شاكة في أنها على الهدى والحق، وقد انتهت الى مكان يسمى بالزاوية يقع قريبا من البصرة فاقام فيه الامام، وقد بادر الى الصلاة وبعد ما فرغ منها أخذ يبكي ودموعه تسيل على سحنات وجهه الشريف وهو يتضرع الى الله في أن يحقن دماء المسلمين، ويجنبه ويلات الحرب، ويجمع كلمة المسلمين على الهدى والحق. رسل السلام: وأوفد الامام (ع) رسل السلام للقاء عائشة وهم زيد بن صوحان


(1) جواهر المطالب في مناقب الامام أبي الحسن (ص 43) لشمس الدين أبي البركات من مصورات مكتبة الامام أمير المؤمنين. (2) وقعة الجمل (ص 35) تأليف محمد بن زكريا بن دينار. (*)

[ 41 ]

وعبيد الله بن العباس، ولما مثلا عندها: ذكراها بما أمرها الله أن تقر في بيتها وان لا تسفك دماء المسلمين وبالغاء في نصيحتها ولو أنها وعت نصيحتهما لعادت على الناس بالخير العميم وجنبتهم كثيرا من المشاكل والفتن إلا انها جعلت كلامهما دبر اذنيها وراحت تقول لهما: " إني لا أرد على ابن أبي طالب بالكلام لاني لا ابلغه في الحجاح. " (1). وبذل الامام قصارى جهوده في الدعوة الى السلم، وعدم اراقة الدماء الا أن هناك بعض العناصر لم ترق لها هذه الدعوى وراحت تسعى لاشعال نار الحرب وتقويض دعائم السلم. الدعوة الى القران: ولما باءت بالفشل جميع الجهود التي بذلها الامام من أجل حقن الدماء ندب الامام أصحابه، لرفع كتاب الله العظيم ودعوة القوم الى العمل بما فيه، وأخبرهم أن من يقوم بهذه المهمة فهو مقتول فلم يستجب له أحد سوى فتى نبيل من أهل الكوفة فانبرى الى الامام، وقال: " أنا له يا أمير المؤمنين ". فاشاح الامام بوجهه عنه، وطاف في أصحابه ينتدبهم لهذه المهمة فلم يستجب له أحد سوى ذلك الفتى فناوله الامام المصحف، فانطلق الفتى مزهوا لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب، وهو يلوح بالكتاب أمام عسكر عائشة، قد رفع صوته بالدعوة الى العمل بما فيه ولكن القوم قد دفعتهم الانانية الى الفتك به فقطعوا يمينه، فاخذ المصحف بيساره، وهو يناديهم بالدعوة الى العمل بما فيه، فاعتدوا عليه وقطعوا يساره، فاخذ المصحف


(1) الفتوح 2 / 306 (*)

[ 42 ]

باسنانه وقد نزف دمه، وراح يدعوهم الى السلم وحقن الدماء قائلا: " الله في دمائنا ودمائكم ". وانثالوا عليه يرشقونه بنبالهم فوقع على الارض جثة هامدة، فانطلقت إليه أمه تبكيه وترثيه بذوب روحها قائلة: يا رب ان مسلما أتاهم * يتلو كتاب الله لا يخشاهم فخضبوا من دمه لحاهم * وأمه قائمة تراهم وراى الامام بعد هذا الاعذر ان لا وسيلة له سوى الحرب فقال لاصحابه: " الان حل قتالهم، وطاب لكم الضراب " (1) ودعا الامام حضين ابن المنذر وكان شابا فقال له: " يا حضين دونك هذه الراية فو الله ما خفقت قط فيما مضى، ولا تخفق فيما بقي راية أهدى منها إلا راية خفقت على رسول الله (ص). ". وفي ذلك يقول الشاعر: لمن راية سوداء يخفق ظلها * إذا قيل قدمها حضين تقدما يقدمها للموت حتى يزيرها * حياض المنايا يقطر الموت والدما (2) الحرب العامة: ولما استياس الامام من السلم عبا جيشه تعبئة عامة، وكذلك فعل أصحاب عائشة، وقد حملوها على جملها (عسكر) وأدخلت هودجها المصفح بالدروع، والتحم الجيشان التحاما رهيبا، ويقول بعض المؤرخين: ان


(1) مروج الذهب 2 / 246. (2) أنساب الاشراف ج 1 ق 1 ص 180. (*)

[ 43 ]

الامام الحسين قد تولى قيادة فرقة من فرق الجيش وأنه كان على الميسرة، وخاض المعركة ببسالة وصمود (1) وكان جمل عائشة فيما يقول بعض من شهد المعركة هو راية أهل البصرة يلوذون به كما يلوذ المقاتلون براياتهم، وقد حمل الامام عليهم وقد رفع العلم بيسراه، وشهر في يمينه ذا الفقار الذي طالما ذب به عن دين الله وحارب به المشركين على عهد رسول الله (ص). واقتتل الفريقان كاشد ما يكون القتال ضراوة يريد أصحاب عائشة أن يحرزوا النصر ويحموا أمهم ويريد أصحاب علي أن يحموا امامهم ويموتوا دونه. مصرع الزبير: وكان الزبير رقيق القلب شديد الحرص على مكانته من النبي (ص) الا أن حب الملك هو الذي اغراه ودفعه الى الخروج على الامام يضاف الى ذلك ولده عبد الله فهو الذي زج به في هذه المهالك، وباعد ما بينه وبين دينه وقد عرف الامام (ع) رقة طبع الزبير فخرج الى ميدان القتال ورفع صوته: - اين الزبير ؟ فخرج الزبير وهو شاك في سلاحه فلما راه الامام بادر إليه واعتنقه وقال له بناعم القول: - يا أبا عبد الله ما جاء بك ها هنا ؟ ؟ - جئت أطلب دم عثمان. فرمقه الامام بطرفه وقال له:


(1) سير أعلام النبلاء 3 / 193.

[ 44 ]

- تطلب دم عثمان، ! ! - نعم. - قتل الله من قتل عثمان. وأقبل عليه يحدثه برفق، قائلا: " أنشدك الله يا زبير، هل تعلم أنك مررت بي وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو متكئ على يدك، فسلم علي رسول الله، وضحك إلي، ثم التفت إليك فقال لك: يا زبير إنك تقاتل عليا وأنت له ظالم.. ". وتذكر الزبير ذلك وقد ذهبت نفسه أسى وحسرات، وندم أشد ما يكون الندم على موقفه هذا والتفت الى الامام وهو يصدق مقالته: - اللهم نعم. - فعلام تقاتلني ؟ - نسيتها والله. ولو ذكرتها، ما خرجت إليك ولا قاتلتك (1). - ارجع. - كيف ارجع، وقد التقت حلقتا البطان هذا والله العار الذي لا يغسل ؟ - ارجع قبل أن تجمع العار والنار. وألوى عنان فرسه، وقد ملكت الحيرة والقلق أهابه، وراح يقول: اخترت عارا على نار مؤججة * ما إن يقوم لها خلق من الطين نادى علي بامر لست أجهله * عار لعمرك في الدنيا وفي الدين فقلت حسبك من عذل أبا حسن * فبضع هذا الذي قد قلت يكفيني (2) وقفل الامام راجعا الى أصحابه فقالوا له: تبرز الى زبير حاسرا،


(1) الامامة والسياسة 1 / 73. (2) مروج الذهب 2 / 247. (*)

[ 45 ]

وهو شاك السلاح، وأنت تعرف شجاعته ! ! فقال (ع): " انه ليس بقاتلي، انما يقتلني رجل خامل الذكر ضئيل النسب غيلة في غير ماقط (1) حرب ولا معركة رجال، ويل امه أشقى البشر ليود أن أمه هبلت به، أما أنه وأحمر ثمود لمقرونان في قرن... " (2). واستجاب الزبير لنداء الامام فاتجه صوب عائشة فقال لها: " يا أم المؤمنين إني والله ما وقفت موقفا قط الا عرفت اين أضع قدمي فيه الا هذا الموقف ؟ ! ! فاني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر. ؟ " وعرفت عائشة تغيير فكرته وعزمه على الانسحاب من حومة الحرب فقالت له باستهزاء وسخرية مثيرة عواطفه. " يا أبا عبد الله خفت سيوف بني عبد المطلب ؟ ! ! ". وعاثت هذه السخرية في نفسه فالتفت إليه ولده عبد الله فعيره بالجبن قائلا: " انك خرجت على بصيرة، ولكنك رايت رايات ابن أبي طالب، وعرفت ان تحتها الموت فجبنت ؟ ! ! ". انه لم يخرج على بصيرة ولا بينة من أمره، وانما خرج من أجل الملك والسلطان، والتاع الزبير من حديث ولده فقال له: - ويحك اني قد حلفت له أن لا اقاتله. - كفر عن يمينك بعتق غلامك سرجس. فاعتق غلامه وراح يجول في ميدان الحرب ليرى ولده شجاعته ويوضح له أنه انما فر بدينه لا جبنا ولا خورا، ومضى منصرفا على وجهه حتى أتى وادي السباع، وكان الاحنف بن قيس مع قومه مقيمين هناك،


(1) الماقط: ساحة القتال. (2) شرح النهج 1 / 135. (*)

[ 46 ]

فتبعه ابن جرموز فاجهز عليه وقتله غيلة، وحمل مقتله الى الامام فحزن عليه كاشد ما يكون الحزن، ويقول الرواة: انه أخذ سيفه وهو يقول: سيف طالما جلا الكروب عن وجه رسول الله (ص) وعلي أي حال لقد كانت النهاية الاخيرة للزبير تدعو الى الاسف والاسى، فقد تمرد على الحق واعلن الحرب على وصي رسول الله (ص) وباب مدينة علمه. مصرع طلحة: وخاض طلحة المعركة، وهو يحرض جيشه على الحرب فيصر به مروان بن الحكم فرماه بسهم طلبا بثار عثمان، فوقع على الارض يتخبط بدمه، وكان مروان يقول لبعض ولد عثمان لقد كفيتك ثار أبيك من طلحة وأمر طلحة مولاه أن ياوي به الى مكان ينزل فيه فاوى به بعد مشقة الى دار خربة من دور البصرة فهلك فيها بعد ساعة. قيادة عائشة للجيش: وتولت عائشة قيادة الجيش بعد هلاك الزبير وطلحة، وقد تفانت بنو ضبة والازد، وبنو ناجية في حمايتها، ويقول المؤرخون انهم هاموا بحبها فكانوا ياخذون بعر جملها ويشمونه، ويقولون: بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك. وكانوا محدقين به لا يريدون فوزا ولا انتصارا سوى حمايتها وان راجزهم يرتجز: يا معشر الازد عليكم امكم * فانها صلاتكم وصومكم


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 97. (*)

[ 47 ]

والحرمة العظمى التي تعمكم * فاحضروها جدكم وحزمكم لا يغلبن سم العدو سمكم * إن العدو ان علامكم زمكم وخصكم بجوره وعمكم * لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم (1) وكانت تحرض على الحرب كل من كان على يمينها ومن كان على شمالها، ومن كان أمامها قائلة: انما يصبر الاحرار، وكان أصحاب الامام يلحون على أصحاب عائشة بالتخلي عنها وراجزهم يرتجز: يا أمنا أعق أم نعلم * والام تغذو ولدها وترحم أما ترين كم شجاع يكلم * وتختلي منه يد ومعصم وكان أصحاب عائشة يردون عليهم ويقولون: نحن بني ضبة أصحاب الجمل * ننازل القرن إذا القرن نزل والقتل أشهى عندنا من العسل * نبغي ابن عفان باطراف الاسل ردوا علينا شيخنا ثم بجل واشتد القتال كاشد وأعنف ما يكون القتال، وكثرت الجرحى وملئت أشلاء القتلى وجه الارض. عقر الجمل: وراى الامام ان الحرب لا تنتهي ما دام الجمل موجودا، فصاح (ع) باصحابه اعقروا الجمل فان في بقائه فناء العرب، وانعطف عله الحسن فقطع يده اليمنى وشد عليه الحسين فقطع يده اليسرى (2) فهوى الى جنبه وله عجيج منكر لم يسمع مثله، وفر حماة الجمل في البيداء فقد تحطم صنمهم


(1) شرح النهج 2 / 81. (2) وقعة الجمل (ص 44) لمحمد بن زكريا. (*)

[ 48 ]

الذي قدموا له هذه القرابين، وأمر الامام بحرقه وتذرية رماده في الهواء لئلا تبقى منه بقية يفتتن بها السذج والبسطاء، وبعد الفراغ من ذلك قال: " لعنه الله من دابة فما أشبهه بعجل بني اسرائيل ! ! ". ومد بصره نحو الرماد الذي تناهبه الهواء فتلا قوله تعالى: " وانظر الى الهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لنفسنه في اليم نسفا ". وبذلك فقد وضعت الحرب أوزارها، وكتب النصر للامام وأصحابه وباءت القوى الغادرة بالخزي والخسران. وأوفد الامام للقيا عائشة الحسن والحسين ومحمد بن أبي بكر (1) فانطلقوا إليها فمد محمد يده في هودهجها فجفلت منه، وصاحت به. - من أنت ؟ - ابغض أهلك اليك. - ابن الخثعمية ؟ - نعم أخوك البر. - عقوق - هل اصابك مكروه ؟ - سهم لم يضرني. فانتزعه منها، وأخذ بحطام هودجها، وأدخلها في الهزيع الاخير من الليل الى دار عبد الله بن خلف الخزاعي على صفية بنت الحارث فاقامت فيه أياما. العفو العام: وسار علي في أهل البصرة سيرة رسول الله (ص) في أهل مكة


(1) وقعة الجمل (ص 45). (*)

[ 49 ]

- كما قال (ع) - فامن الاسود والاحمر - على حد تعبير اليعقوبي - (1) ولم ينكل باي أحد من خصومه، وجلس للناس فبايعه الصحيح منهم والجريح ثم عمد الى بيت المال فقسم ما وجد فيه على الناس بالسواء، وسار (ع) الى عائشة فبلغ دار عبد الله بن خلف الخزاعي الذي أقامت فيه عائشة، فاستقبلته صفية بنت الحارثة شر لقاء فقالت له: يا علي يا قاتل الاحبة ايتم الله بينك كما أيتمت بني عبد الله، وكان قد قتلوا في المعركة مع عائشة فلم يجبها الامام ومضى حتى دخل على عائشة، فأمرها أن تغادر البصرة وتمضي الى يثرب لتقر في بيتها كما أمرها الله، ولما انصرف اعادت عليه صفية القول الذي استقبلته به فقال لها: لو كنت قاتل الاحبة لقتلت من في هذا البيت، وهو يشير الى أبواب الحجرات المقفلة، وكان فيها كثير من الجرحى، وغيرهم من أعضاء المؤامرة، قد آوتهم عائشة، فسكتت صفية، وأراد من كان مع الامام أن يبطشوا بهم فزجرهم زجرا عنيفا، وبذلك فقد منح العفو لاعدائه وخصومه. وسرح الامام عائشة تسريحا جميلا، وأرسل معها جماعة من النساء بزي الرجال لتقر في بيتها حسب ما أمرها الله، وقد رحلت عائشة من البصرة وأشاعت في بيوتها الثكل والحزن والحداد، يقول عمير بن الاهلب الضبي وهو من أنصارها: لقد أورثتنا حومة الموت أمنا * فلم تنصرف الا ونحن رواء اطعنا بني تميم لشقوة جدنا * وما تيم الا أعبد واماء (2) لقد أوردت أم المؤمنين ابناءها حومة الموت، فقد كان عدد الضحايا من المسلمين فيما يقول بعض المؤرخين عشرة آلاف نصفهم من أصحابها،


(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 159. (2) مروج الذهب 2 / 256. (*)

[ 50 ]

والنصف الاخر من اصحاب الامام (1) وكان من اعظم الناس حسرة الاما لعلمه بما تجر هذه الحرب من المصاعب والمشاكل. متارك الحرب واعقبت حرب الجمل افدح الخسائر، واعظم الكوارث التي ابتلي بها المسلمون ومن بينها ما يلي. 1 - انها مهدت السبيل لمعاوية لمناجزة الامام، والتصميم على قتاله، فقد تبنى شعار معركة الجمل وهو المطالبة بدم عثمان ولولا حرب الجمل لما استطاع معاوية أن يعلن العصيان والتمرد على حكم الامام. 2 - انها اشاعت الفرقة والاختلاف بين المسلمين، فقد كانت روح المودة والالفة سائدة فيهم قبل حرب الجمل، وبعدها انتشرت البغضاء بين افراد الاسر العربية فقبائل ربيعة واليمن في البصرة اصبحت تكن اعمق البغض والكراهية لاخوانهم من ربيعة وقبائل اليمن في الكوفة وتطالبها بما اريق من دماء ابنائها بل اصبحت الفرقة ظاهرة شائعة حتى في البيت الواحد فبعض ابنائه كانوا شيعة لعلي والبعض الاخر كانوا شيعة لعائشة، ويقول المؤرخون: ان البصرة بقيت محتفظة بولائها لعثمان حفنة من السنين، وان الامام الحسين (ع) انما لم ينزح إليها لما عرفت به من الولاء لعثمان. 3 - انها اسقطت هيبة الحكم، وجرات على الخروج عليه، فقد تشكلت الاحزاب النفعية، التي لاهم لها الا الاستيلاء على السلطة والظفر بخيرات البلاد، حتى كان التطاحن على الحكم من ابرز سمات ذلك العصر.


(1) تاريخ الطبري 5 / 224 وفي رواية ابى العلاء في نساب الاشراف ج 1 ق 1 ص 180 ان عدد الضحايا عشرون الفا. (*)

[ 51 ]

4 - انها فتحت باب الحرب بين المسلمين، وقبلها كان المسلمون يتحرجون أشد ما يكون التحرج في سفك دماء بعضهم بعضا. 5 - انها عملت على تأخير الاسلام، وشل حركته، وايقاف نموه، فقد انصرف الامام بعد حرب الجمل الى مقاومة التمرد والعصيان الذي اعلنه معاوية وغيره من الطامعين في الحكم مما ادى الى افدح الخسائر التي مني بها الاسلام، يقول الفيلسوف (ولز): ان الاسلام كان ان يفتح العالم اجمع لو بقي سائرا سيرته الاولى، لو لم تنشب في وسطه من اول الامر الحرب الداخلية، فقد كان هم عائشة ان تقهر عليا قبل كل شئ. " (1) 6 - واستباحت هذه الحرب حرمة العترة الطاهرة التي قرنها النبي (ص) بمحكم التنزيل، وجعلها سفن النجاة، وامن العباد، فمنذ ذلك اليوم شهرت السيوف في وجه عترة النبي (ص) واستحل الاوغاد اراقة دمائهم، وسبي ذراريهم فلم يرع بنو أمية في وقعة كربلا اي حرمة للنبي (ص) في ابنائه، وانتهكوا معهم جميع الحرمات. هذه بعض متارك حرب الجمل التي جرت للمسلمين افدح الخسائر في جميع فترات التاريخ. القاسطون: ولم يكد يفرغ الامام (ع) من حرب الناكثين كما اسماهم رسول الله (ص) حتى جعل يتاهب لحرب القاسطين الذين اسماهم النبي (ص) بذلك، وراى الامام ان يغادر البصرة الى الكوفة ليستعد لحرب عدو عنيف هو معاوية بن ابي سفيان الذي حارب رسول الله (ص) وابلى في حربه أشد


(1) شيخ المضيرة (ص 173). (*)

[ 52 ]

البلاء وأقواه، ولم يكن معاوية باقل تنكرا للاسلام وبغضا لاهله من أبيه، وكان المسلمون الاولون ينظرون إليهما نظرة ريبة وشك في اسلامهما، وقد استطاع بمكره ودهائه أن يغزو قلب الخليفة الثاني، ويحتل المكانة المرموقة في نفسه فجعله واليا على الشام، وظل يبالغ في تسديده وتاييده، وبعد وفاته أقره عثمان وزاد في رقعة سلطانه، وظل معاوية في الشام يعمل عمل من يريد الملك والسلطان فأحاط نفسه بالقوة واشترى الضمائر، وسخر اقتصاد بلاده في تدعيم سلطانه، وبعد الاحداث التي ارتكبها عثمان علم معاوية أنه مقتول لا محالة، فاستغاث به عثمان حينما حوصر فابطا في نصره، وظل متربصا حتى قتل ليتخذ من قميصه ودمه وسيلة للتشبث بالملك، وقد دفعه الى ذلك حرب الجمل التي كان شعارها المطالبة بدم عثمان، فاتخذه خير وسيلة للتذرع لنيل الملك ويقول المؤرخون انه استعظم قتل عثمان وهول أمره، وراح يبني ملكه على المطالبة بدمه. وكان الامام (ع) محتاطا في دينه كاشد ما يكون الاحتياط فلم يصانع، ولم يحاب، وانما سار على الطريق الواضح، فامتنع أن يستعمل معاوية على الشام لحظة واحدة لان في اقراره على منصبه تدعيهما للظلم وتركيزا للجور. وعلى اي حال فان الامام بعد حرب الجمل قد غادر البصرة مع قواته المسلحة، واتجه الى الكوفة ليتخذها عاصمة ومقرا له، واتجه فور قدومه إليها يعمل على تهياة وسائل الحرب لمناهضة عدوه العنيف الذي يتمتع بقوى عسكرية هائلة اجمعت على حبه ونصرته، وكان الشني يحرض الامام ويحفزه على حرب اهل الشام، بعد ما أحرزه من النصر في وقعة الجمل وقد قال له: قل لهذا الامام قد خبت الحر * ب وتمت بذلك النعماء وفرغنا من حرب من نكث * العهد وبالشام حية صماء

[ 53 ]

تنفث السم ما لمن نهشته * - فارمها قبل ان تعض - شفاء (1) ايفاد جرير: وقبل أن يعلن الامام الحرب على غول الشام أوفد للقياه جرير بن عبد الله البجلي يدعوه الى الطاعة والدخول فيما دخل فيه المسلمون من مبايعته وقد زوده برسالة (2) دعاه فيها الى الحق من اقصر سبيله، وباوضح اساليبه، وفيها الحكمة الهادية لمن اراد الهداية، وشرح الله صدره، وفجر في فؤاده ينبوع النور، وانتهى جرير الى معاوية فسلمه رسالة الامام، والح عليه في الوعظ والنصيحة، وكان معاوية يسمع منه ولا يقول له شيئا، وانما اخذ يطاوله ويسرف في مطاولته، لا يجد لنفسه مهربا سوى الامهال والتسويف. معاوية مع ابن العاص: وراى معاوية انه لن يستطيع التغلب على الاحداث الا إذا انضم إليه داهية العرب عمرو بن العاص فيستعين به على تدبير الحيل، ووضع المخططات التي تؤدي الى نجاحه في سياسته فراسله طالبا منه الحضور الى دمشق، وكان ابن العاص فيما يقول المؤرخون: قد وجد على عثمان حينما عزله عن مصر، فكان يؤلب الناس عليه، ويحرضهم على الوقيعة به، وهو ممن مهد للفتنة والثورة عليه، ولما ايقن بحدوث الانقلاب عليه خرج الى ارض


(1) الاخبار الطوال (ص 145). (2) الرسالة في وقعة صفين (ص 34) (*)

[ 54 ]

كان يملكها بفلسطين فاقام فيها، وجعل يتطلع الاخبار عن قتله. ولما انتهت رسالة معاوية الى ابن العاص تحير في أمره فاستشار ولديه عبد الله ومحمدا أما عبد الله فكان رجل صدق وصلاح فاشار عليه ان يعتزل الناس ولا يجيب معاوية الى شئ حتى تجتمع الكلمة ويدخل فيما دخل فيه المسلمون واما ابنه محمد فقد طمع فيما يطمع فيه فتيان قريش من السعة والتقدم، وذيوع الاسم، فقد اشار عليه بان يلحق بمعاوية لينال من دنياه. فقال عمرو لولده عبد الله ! أما انت فأمرتني بما هو خير لي في ديني، وقال لولده محمد: أما انت فأمرتني بما هو خير لي في دنياي، واتفق ليله ساهرا يفكر في الامر هل يلتحق بعلي فيكون رجلا كسائر المسلمين له مالهم وعليه ما عليهم من دون ان ينال شيئا من دنياه، ولكنه يضمن امر آخرته أو يكون مع معاوية فيظفر بتحقيق ما يصبو إليه في الدنيا من الثراء العريض، وهو لم ينس ولاية مصر فكان يحن إليها حنينا متصلا، وقد أثر عنه تلك الليلة من الشعر ما يدل على الصراع النفسي الذي خامره تلك الليلة. ولم يسفر الصبح حتى آثر الدنيا على الاخرة فاستقر رأيه على الالتحاق بمعاوية، فارتحل الى دمشق ومعه ابناه فلما بلغها جعل يبكي امام اهل الشام كما تبكي المراة وهو يقول: " وا عثماناه انعى الحياء والدين " (1). قاتلك الله يا بن العاص أأنت تبكي على عثمان وانت الذي اوغرت عليه الصدور واثرت عليه الاحقاد، وكنت تلفي الراعي فتحرضه عليه سفك دمه الصدور واثرت عليه الاحقاد، وكنت تلفي الراعي فتحرضه عليه حتى سفك دمه لقد بلغ التهالك على السلطة في ذلك العصر مبلغا انسى الناس دينهم فاقترفوا في سبيل ذلك كل ما حرمه الله. ولما التقى ابن العاص بمعاوية فتح معه الحديث في حربه مع الامام فقال ابن العاص:


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 129. (*)

[ 55 ]

" أما علي فو الله لا تساوي العرب بينك وبينه في شئ من الاشياء وان له في الحرب لحظا ما هو لاحد من قريش إلا ان تظلمه ". واندفع معاوية يبين دوافعه في حربه للامام قائلا: " صدقت ولكنا نقاتله على ما في أيدينا، ونلزمه قتلة عثمان ". واندفع ابن العاص ساخرا منه قائلا: - واسواتاه ان أحق الناس أن لا يذكر عثمان انت ! ! - ولم ويحك ؟ ! ! - أما أنت فخذلته ومعك أهل الشام حتى استغاث بيزيد بن أسد البجلي فسار إليه وأما أنا فتركته عيانا وهربت الى فلسطين... (1). واستيقن معاوية ان ابن العاص لا يخلص له، وراى ان من الحكمة أن يستخلصه ويعطيه جزاءه من الدنيا، فصارحه قائلا: - أتحبني يا عمرو ؟ - لماذا ؟ للاخرة فوالله ما معك آخرة، أم للدنيا. فوالله لا كان حتى أكون شريكك فيها. - أنت شريكي فيها ؟ - اكتب لي مصر وكورها. - لك ما تريد. فسجل له ولاية مصر، وجعلها ثمنا لانضمامه إليه (2) في مناهضته لوصي رسول الله (ص) وقد ظفر بداهية من دواهي العرب وبشبخ من شيوخ قريش قد درس أحوال الناس، وعرف كيف يتغلب على الاحداث.


(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 162. (2) العقد الفريد 3 / 113. (*)

[ 56 ]

رد جرير: ولما اجتمع لمعاوية أمره واحكم وضعه رد جرير، وأرسل معه الى الامام رسالة حمله فيها المسؤولية في اراقة دم عثمان، وعرفه باجماع أهل الشام على حربه إن لم يدفع له قتلة عثمان، ويجعل الامر شورى بين المسلمين. وارتحل جرير الى الكوفة فانبا عليا بامتناع معاوية عليه، وعظم له أمر أهل الشام، وراى الامام ان يقيم عليه الحجة مرة أخرى فبعث له سفراء آخرين يدعونه الى الطاعة والدخول فيما دخل فيه المسلمون إلا أن ذلك لم يجد شيئا فقد أصر معاوية على غيه وعناده حينما أيقن ان له القدرة على مناجزة الامام ومناهضته. قميص عثمان: وألهب معاوية بمكره وخداعه قلوب السذج والبسطاء من أهل الشام حزنا واسى على عثمان فكان ينشر قيمصه الملطخ بدمائه على المنبر فيضجون بالبكاء والعويل، واستخدم الوعاظ فجعلوا يهولون أمره، ويدعون الناس الى الاخذ بثاره، وكان كلما فتر حزنهم عليه يقول له ابن العاص بسخرية واستهزاء: " حرك لها حوارها تحن.. ". فيخرج إليهم قميص عثمان فيعود لهم حزنهم، وقد أقسموا أن لا يمسهم الماء إلا من الاحتلام، ولا ياتون النساء، ولا ينامون على الفراش

[ 57 ]

حتى يقتلوا قتلة عثمان (1) وكانت قلوبهم تتحرق شوقا الى الحرب للاخذ بثاره، وقد شحن معاوية أذهانهم بان عليا هو المسؤول عن اراقة دمه، وانه قد آوى قتلته، وكانوا يستنهضون معاوية للحرب، ويستعجلونه أكثر منه. زحف معاوية لصفين: وعلم معاوية أنه لابد من الحرب لان الامام لا يحاب ولا يداهن في دينه، فلا يقره على ولاية الشام، ولا يسند له أي منصب من مناصب الدولة، وانما يقصيه عن جميع أجهزة الحكم لما يعرفه عنه من الالتواء في دينه وسار معاوية في جموع أهل الشام، وقدم بين يديه الطلائع، وقد أنزل أصحابه أحسن منزل، وأقربه إلى شريعة الفرات، وقد احتل الفرات وعد هذا أول الفتح لانه حبس الماء على عدوه، وبقيت جيوشه رابضة هناك تصلح أمرها، وتنضم قواها استعدادا للحرب. زحف الامام للحرب: وتهيا الامام للحرب وقام الخطباء في الكوفة يحفزون الناس للجهاد ويحثونهم على مناجزة معاوية بعدما احرزوه من النصر الكبير في معركة الجمل، وقد خطب فيهم الامام الحسين (ع) خطابا رائعا ومثيرا، قال فيه بعد حمد الله والثناء عليه: " يا أهل الكوفة أنتم الاحبة الكرماء، والشعار دون الدثار جدوا في


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 141. (*)

[ 58 ]

اطفاء ما دثر بينكم، وتسهيل ما توعر عليكم إلا أن الحرب شرها ذريع، وطعمها فظيع فمن أخذلها اهبتها واستعد لها عدتها، ولم يالم كلومها قبل حلولها فذاك صاحبها، ومن عاجلها قبل أوان فرصتها واستبصار سعيه فيها فذاك قمن ألا ينفع قومه، وان يهلك نفسه نسال الله بقوته ان يدعمكم بالفيئة. " (1) وحفل هذا الخطاب بالدعوة الى استعجال الحرب والاستعداد الشام لها، والامعان في وسائلها فان ذلك من موجبات النصر، ومن وسائل التغلب على الاعداء، وان اهمال ذلك، وعدم الاعتناء به مما يوجب الهزيمة والاندحار، ودل هذا الخطاب على خبرة الامام الواسعة في الشؤون العسكرية والحربية. وتهيا الناس بعد خطاب سبط النبي (ص) الى الحرب وأخذوا يجدون في تنظيم قواهم، ولما تمت عدتهم زحف بهم الامام أمير المؤمنين لحرب ابن أبي سفيان، وقد قدم طلائعه، وأمرهم ان لا يبداوا أهل الشام بقتال حتى يدركهم. وزحف كتائب الجيش العراقي كأنها السيل، وهي على يقين أنها انما تحارب القوى الباغية على الاسلام، والمعادية لاهدافه، وقد جرت في أثناء مسيرة الامام أحدث كثيرة لا حاجة الى اطالة الكلام بذكرها فانا لا نقصد بهذه البحوث ان نلم بها، وانما نشير إليها بايجاز. احتلال الفرات: ولم يجد أصحاب الامام شريعة على الفرات يستقون منها الماء الا وهي


(1) شرح النهج 3 / 186. (*)

[ 59 ]

محاطة بالقوى المكثفة من جيش معاوية يمنعونهم أشد المنع من الاستسقاء من الماء ولما راى الامام ذلك أوفد رسله الى معاوية يطلبون منه أن يخلي بينهم وبين الماء ليشربوا منه، فلم تسفر مباحثهم معه أي شئ، وانما وجدوا منه اصرارا على المنع يريد أن يحرمهم منه كما حرموا عثمان من الماء، وأضر الظما باصحاب الامام، وأنبرى الاشعث بن قيس يطلب الاذن من الامام أن يفتح باب الحرب، يقهر القوى المعادية على التخلي عن الفرات فلم يجد الامام بدا من ذلك فاذن له، فاقتتل الفريقان كاشد ما يكون القتال وكتب النصر لقوات الامام فاحتلت الفرات، وأراد أصحاب الامام أن يقابلوهم بالمثل فيحرمونهم منه، كما صنعوا ذلك معهم، ولكن الامام لم يسمح لهم بذلك، وعمل معهم عمل المحسن الكريم فخلى بينهم وبين الماء. لقد كان اللؤم والخبث من عناصر الامويين وذاتياتهم فقد أعادوا على صعيد كربلاء ما اقترفوه من الجريمة في صفين فحالوا بين الامام الحسين وبين الماء وتركوا عقائل الوحي ومخدرات الرسالة، وصبية أهل البيت قد صرعهم العطش، ومزق الظما قلوبهم، فلم يستجيبوا لاية نزعة انسانية، ولم ترق قلوبهم فيعطفوا علهيم بقليل من الماء. رسل السلام: وكان الامام متحرجا كاشد ما يكون التحرج في سفك دماء المسلمين فقد جهد على نشر السلام والوثام فاوقد إلى معاوية عدي بن حائم، وشبث ابن ربعي، ويزيد بن قيس، وزياد بن حفصة يدعونه الى حقن دماء المسلمين، ويذكرونه الدار الاخرة، ويحذرونه أن ينزل به ما نزل باصحاب الجمل، ولكن ابن هند لم يستجب لذلك وأصر على الغي والتمرد، وقد

[ 60 ]

حمل الامام المسؤولية في قتل عثمان بن عفان، وقد دفعه الى العصيان ما يتمتع به من القوى العسكرية واتفاق كلمتها واصرارها على الطلب بدم عثمان. ورجعت رسل السلام وقد اخفقت في سفارتهم، واستبان لها أن معاوية مصمم على الحرب، ولا رغبة له في الصلح، وأحاطوا الامام (ع) علما بذلك فجعل يتهيا للحرب، ويدعو الناس إلى القتال. الحرب: وعبا الامام أصحابه على راياتهم، واستعد للقتال، وقد أمر أصحابه أن لا يبداوهم بقتال كما عهد لهم في حرب الجمل، وان لا يقتلوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح، ولا يمثلوا بقتيل، ولا يهيجوا امراة الى غير ذلك من الوصايا التي تمثل شرف القيادة العسكرية في الاسلام. وجعلت فرق من جيش الامام تخرج الى فرق من جيش معاوية فيقتتل الفريقان نهارا كاملا أو طرفا منه، ثم يتحاجزان من دون أن تقع حرب عامة بينهما وقد رجا الامام بذلك أن يثوب معاوية الى الصلح وحقن الدماء، ودام الامر على هذا حفنة من الايام من شهر ذي الحجة فلما أطل شهر الحرام، وهو من الاشهر التي يحرم فيها القتال في الجاهلية والاسلام، توادعوا شهرهم كله، واتيح للفريقين أن يقتلوا آمنين، وقد آمن بعضهم بعضا ولم تقع بينهم أي حرب، وقد سعت يينهم سفراء السلم إلا أنها أخفقت في سعيها، وقد احتدم الجدال بين الفريقين فاهل العراق يدعون أهل الشام الى جمع الكلمة وحقن الدماء، ومبايعة وصي رسول الله (ص) والدخول فيما دخل فيه المسلمون، وأهل الشام يدعون العراقيين الى الطلب بدم عثمان ورفض بيعة الامام، واعادة الامر شورى بين المسلمين.

[ 61 ]

ولما انقضى شهر محرم مضى القوم على الحرب، ولكنها لم تكن عامة وانما كانت منقطعة تخرج الكتيبة للكتيبة، والفرقة للفرقة. وسئم الفريقان هذه الحرب المتقطعة، وتعجلوا الحرب العامة فعبا الامام جيوشه تعباء عامة، وكذلك فعل معاوية، والتحم الجيشان التحاما رهيبا، واقتتلوا أبرح قتال وأعنفه، وانكشفت ميمنة جيش الامام انكشافا بلغ الهزيمة فقاتل الامام ومعه الحسن والحسين (1) وانحاز الامام الى ميسرة جيشه من ربيعة، فاستماتت ربيعة دون الامام، وكان قائلهم يقول: لا عذر لكم بعد اليوم عند العرب إن اصيب أمير المؤمنين وهو فيكم، وتحالفت ربيعة على الموت، وصمدت في الحرب، ورجعت ميمنة الامام الى حالها بفضل الزعيم مالك الاشتر، واستمرت الحرب باعنف ما يتصور وقد ظهر الضعف وبان الانكسار في جيش معاوية، وهم معاوية بالفرار لو لا أنه تذكر قول ابن الاطنابة: أبت لي همتي وأبى بلائي * وأقدمي على البطل المشيح واعطائي على المكروه مالي * واخذي الحمد بالثمن الربيح وقولي كلما جشات وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي وقد رده هذا الشعر الى الصبر والثبات، كما كان يتحدث بذلك أيام الملك والسلطان. منع الحسنين من الحرب: ومنع الامام أمير المؤمنين سبطي رسول الله (ص) من الاشتراك في عمليات الحروب، فقال (ع): " املكوا عني هذين الغلامين - يعني


(1) أنساب الاشراف ج 1 ق 1. (*)

[ 62 ]

الحسن والحسين - لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله (ص) " (1). لقد حرص الامام (ع) على ريحانتي رسول الله (ص) لان بهما امتدادا لنسله وابقاء لذريته. مصرع عمار: وعمار بن ياسر من ألمع أصحاب النبي وأكثرهم جهادا وبلاءا في الاسلام، وقد شايع عليا ولازمه بعد وفاة النبي (ص) فقد أيقن أنه مع الحق والحق معه كما قال فيه النبي (ص) وكان في أيام صفين شيخا قد نيف على التسعين عاما، ولكن قلبه وبصيرته كانت بمامن من الشيخوخة فقد كان في تلك المعركة كانه في ريعان الشباب، وكان يحارب راية ابن العاص، وهو يشير إليها قائلا: " والله إن هذا الراية قاتلتها ثلاث عركات وما هذه بارشدهن " وكان يقول لاصحابه لما راى انكشافهم في المعركة: والله لو ضربونا حتى يبلغونا سعفان هجر لعلمنا أنا على الحق، وانهم على الباطل. ويقول الرواة: إنه جلس مبكرا في يوم من ايام صفين، وقد ازداد قلبه شوقا الى ملاقاة رسول الله (ص) وملاقاة أبويه، فخف الى الامام مسرعا يطلب منه الاذن في أن يلج الحرب لعله يرزق الشهادة فلم يسمح له الامام بذلك، وظل يعاود الامام مستاذنا، فلم تطب نفس الامام بذلك وراح يلح عليه فاذن له، وأجهش الامام بالبكاء حزنا وموجدة عليه. وانطلق عمار الى ساحات الحرب وهو موفور القوى، قد استرد نشاطه وهو جذلان فرح بما يصير إليه من الشهادة، وقد رفع صوته عاليا:


(1) نهج البلاغة. (*)

[ 63 ]

" اليوم القى الاحبة محمدا وحزبه. " وكان صاحب الراية في الكتيبة التى يقاتل فيها عمار هو هاشم بن عتبة المرقال وكان من فرسان المسلمين وخيارهم وأحبهم للامام وأخلصهم له وكان أعور، فاتجه نحوه عمار فجعل تارة يدفعه بعنف الى الحرب ويقول له: تقدم يا أعور، وأخرى يرفق به أشد الرفق ويقول له: احمل فداك أبي وأمي، وهاشم يقول له: رحمك الله يا أبا اليقظان انك رجل تستخف الحرب، واني انما ازحف لعلي أبلغ ما اريد، وضجر هاشم فحمل وهو يرتجز: قد اكثروا لومي وما أقلا * إني شريت النفس لن اعتلا أعور يبغي نفسه محلا * لابد أن يفل أو يفلا قد عالج الحياة حتى ملا * أشلهم بذي الكعوب شلا وقد دال هذا الرجل على تصميمه على الموت، وسئمه من الحياة، وجال في ميدان القتال، وعمار معه يقاتل ويرتجز: نحن ضربنا كم على تنزيله * واليوم نضربكم على تأويله ضربا يزبل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله أو يرجع الحق الى سبيله لقد قاتل عمار بايمان واخلاص المشركين مع رسول الله (ص) وناضل كاشد ما يكون النضال دفاعا عن كلمة التوحيد، وقاتل أعنف القتال مع أخي رسول الله (ص) دفاعا عن تأويل القران ودفاعا عن امام المسلمين فما أعظم عائدة عمار وألطافه على الاسلام. والتحم عمار مع القوى الغادرة التحاما رهيبا، وحمل عليه رجس من أرجاس البشرية يسمى أبو الغادية فطعنه برمحه طعنة قاتلة، فهوى الى الارض ذلك الصرح الشامخ من العقيدة والايمان يتخبط بدمائه الزكية،

[ 64 ]

وقد أضر به العطش فبادرت إليه امراة بلبن، فلما راه تبسم، وأيقن بدنو أجله، وراح يقول بنبرات هادئة مطمئنة: قال لي رسول الله (ص): آخر شرابك من الدنيا ضياح من لبن وتقتلك الفئة الباغية. ولم يلبث قليلا حتى لفظ انفاسه الاخيرة، وانطوت بموته أروع صفحة مشرقة من الايمان والجهاد، وارتفع ذلك العملاق الذي أضاء الحياة الفكرية باخلاصه واندفاعه نحو الحق. وكان الامام أمير المؤمنين (ع) برحا لم يقر له قرار حينما برز عمار الى ساحة الجهاد، فكان يقول: فتشوا لي عن ابن سمية، وانطلقت فصيلة من الجند تبحث عنه، فوجدوه قتيلا مضمخا بدم الشهادة فانبروا مسرعين الى الامام فاخبروه بشهادته، فانهد ركته، وانهارت قواه، وسرت موجات من الالم القاسي في محياه، فقد غاب عنه الناصر والاخ، ومشى الامام لمصرعه كئيبا حزينا، وعيناه تفيضان دموعا، وسار معه قادة الجيش وقد أخذتهم المائقة حزنا على البطل العظيم، ولما انتهى إليه القى بنفسه عليه وجعل يوسعه تقبيلا، وقد انفجر بالبكاء، وجعل يؤبنه بحرارة قائلا: " إن امرا من المسلمين لم يعظم عليه قتل ابن ياسر وتدخل عليه المصيبة الموجعة لغير رشيد. - رحم الله عمارا يوم أسلم. رحم الله عمارا يوم قتل. رحم الله عمارا يوم يبعث حيا. لقد رايت عمارا وما يذكر من أصحاب رسول الله أربعة إلا كان رابعا، ولا خمسة إلا كان خامسا، وما كان أحد من قدماء أصحاب رسول الله يشك أن عمارا قد وجبت له الجنة في غير موطن، ولا اثنين

[ 65 ]

فهنيئا لعمار بالجنة... ". وأخذ الامام راسه فجعله في حجره ودموعه تتبلور على خديه. وانبرى الامام الحسن وغيره فابنوا الشهيد العظيم بقلوب مذابة من الحزن، ثم قام الامام فواراه في مقره الاخير، ويقول المؤرخون: ان الفتنة وقعت في جيش معاوية حينما اذبع مقتل عمار فقد سمعوا ان رسول الله (ص) قال في فضل عمار ان الفئة الباغية تقتله، وقد اتضح لهم انه الفئة الباغية التي عناها رسول الله (ص) ولكن ابن العاص استطاع أن يزيل الخلاف فقال لهم: ان الذى أخرج عمارا هو الذي قتله، واذعن بسطاء أهل الشام لما قاله ابن العاص. واشتد القتال باعنفه بعد مقتل عمار، وقد تفللت جميع قوى معاوية وبان الضعف في جيشه. مكيدة ابن العاص: لعل أبشع مهازل التاريخ البشري في جميع فترات التاريخ هي مكيدة ابن العاص في رفع المصاحف، وقد وصفها (راو حوست ميلر) بانها من أشنع المهازل وأسوئها في التاريخ البشري (1) وأكاد أعتقد أنه هذه المكيدة لم تكن وليدة المصادقة أو المفاجئة، فقد حيكت اصولها ووضعت مخططاتها قبل هذل الوقت فقد كان ابن العاص على اتصال دائم احيط بكثير من الكتمان مع جماعة من قادة الجيش العراقي في طليعتهم الاشعث بن قيس، فهما اللذان دبرا هذا الامر وقد ذهب الى هذا الراي الدكتور طه حسين قال: " فما استبعد أن يكون الاشعث بن قيس وهو ماكر أهل


(1) العقيدة والشريعة في الاسلام (ص 190). (*)

[ 66 ]

العراق وداهيتهم قد اتصل بعمرو بن العاص ماكر أهل الشام وداهيتهم، ودبرا هذا الامر بينهم تدبيرا، ودبروا أن يقتتل القوم فان ظهر أهل الشام فذاك، وان خافوا الهزيمة أو أشرفوا عليها رفعوا المصاحف فاوقعوا الفرقة بين أصحاب علي وجعلوا باسهم بينهم شديدا " (1). وعلى أي حال فان الهزيمة لما بدت باهل الشام، وتفللت جميع قواعدهم فزع معاوية الى ابن العاص يطلب منه الراي فاشار عليه يرفع المصاحف فامر بالوقت يرفعها فرفعت زهاء خمسمائة مصحف على أطراف الرماح قعالت الاصوات من أهل الشام بلهجة واحدة. " هذا كتاب الله بيننا وبينكم من فاتحته الى خاتمته، من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام ؟ ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق ؟ ومن لجهاد الروم ؟ ومن للترك ؟ ومن للكفار ؟. " وكانت هذه الدعوى كالصاعقة على رؤوس الجيش العراقي فقد انقلب راسا على عقب، فتدافعوا كالموج نحو الامام وهم ينادون: " لقد أعطاك معاوية الحق، دعاك الى كتاب الله فاقبل منه... ". ودلهم الامام على زيف هذه الحيلة، وانها جاءت نتيجة فشلهم في العمليات العسكرية، وانها لم يقصد بها إلا خداعهم وانهم رفعوا المصاحف لا إيمانا بها وانما هو من الخداع والمكر ومما يؤسف له انهم لم يقرروا حق مصيرهم، ومصير الامة في تلك الفترات الحاسمة من تاريخهم التي اشرفوا فيها على الفتح والنصر، ولم يبق من دك حصون الظلم ونسف قواعد الجور إلا لحظات. يا للمصيبة والاسف لقد أصروا على التمرد، والعناد، فانحاز منهم اثنا عشر ألفا وهم أهل الجباه السود، فخاطبوا الامام باسمه الصريح قائلين:


(1) الفتنة الكبرى 2 / 89. (*)

[ 67 ]

" يا علي: اجب القوم الى كتاب الله إذ دعيت له، وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فوالله لنفعلنها إن لم تجبهم... ". فكلمهم الامام برقة ولطف ليقلع روح التمرد منهم الا ان كلام الامام ذهب هباء وراح القوم في غيهم يعمهون، وهم يصرون على ارغام الامام على ايقاف القتال، وكان الاشعث بن قيس هو الذي يدفعهم الى ذلك وينادي باعلى صوته بالرضاء والقبول لدعوة أهل الشام. ولم ير الامام بدا من اجابتهم، فاصدر أوامره بايقاف عمليات الحروب، وقلبه الشريف يتقطع ألما وحزنا، فقد أيقن أن الباطل قد انتصر على الحق، وان جميع متاعبه ودماء جيشه قد ذهبت سدى. وأصر المتمردون على الامام بسحب مالك الاشتر من ساحة الحرب وكان قد أشرف على الانتصار، ولم يبق بينه وبين الفتح إلا حلبة شاة، فارسل إليه الامام بالقدوم إليه فلم يعن بما امر به، وقال لرسول الامام: " قل لسيدي: ليست هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي اني قد رجوت الله أن يفتح لي فلا تعجلني... " ورجع الرسول فاخبر الامام بمقالة القائد العظيم فارتفعت أصوات اولئك الوحوش بالانكار على الامام قائلين: " والله ما نراك إلا أمرته ان يقاتل... " وامتحن الامام في أمرهم كاشد ما تكون المحنة فقال لهم: " أرايتموني ساررت رسولي (إليه) ؟ أليس انما كلمته على رؤوسكم علانية وانتم تسمعون ؟ ". وأصروا على الغي قائلين: " فابعث إليه فليأتيك، والا فوالله اعتزلناك.. ". وأجمعوا على الشر، وأوشكوا أن يفتكوا بالامام فاصدر أوامره المشددة

[ 68 ]

بانسحاب مالك من ساحة الحرب، واستجاب الاشتر لامر الامام فقفل راجعا وقد تحطمت قواه، وقال ليزيد الذي كان رسول الامام: " الرفع هذه المصاحف - يعني حدثت هذه الفتنة - ؟ " نعم ". وعرف الاشتر مكيدة ابن العاص فقال: " أما والله لقد ظننت انها حين رقعت ستوقع اختلافا وفرقة انها مشورة ابن العاهرة ". ألا ترى الى الفتح، الا ترى الى ما يلقون ؟ الا ترى الى الذي يصنع الله لنا، أينبغي أن ندع هذا وننصرف عنه ؟ ! ! ". وأحاطه يزيد علما بحراجة الموقف والاخطار الهائلة التي تحف بالامام قائلا: " أتحب انك ان ظفرت هاهنا، وان أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يفرج عنه ويسلم الى عدوه ؟.. ". فقال الاشتر مقالة المؤمن: " سبحان الله، لا والله ما أحب ذلك ! ! ". " فانهم قالوا: لترسلن الى الاشتر فليأتينك أو لنقتلنك باسيافنا كما قتلنا ابن عفان، أو لنسلمنك الى عدوك.. ". وقفل الاشتر راجعا قد استولى الحزن على اهابه، فقد ذهبت اماله ادراج الرياح فتوجه نحوهم يلومهم ويعنفهم، ويطلب منهم أن يخلوا بينه وبين عدوهم فقد أشرف على النصر والفتح. ولم يذعن أولئك الممسوخون لمقالة الاشتر فقد اصروا على الذل والوهن قائلين له: " لا لا ".

[ 69 ]

" امهلوني عدوة فرس فاني قد طمعت في النصر. " " اذن ندخل معك في خطيئتك.. ". وانبرى الاشتر يحاججهم وينقد ما ذهبوا إليه قائلا: " حدثوني عنكم - وقد قتل اماثلكم وبقي ارذالكم - متى كنتم محقين احين كنتم تقتلون أهل الشام، فانتم الان حين امسكتم عن القتال مبطلون، أم أنتم الان في امساككم عن القتال محقون ؟ فقتلاكم اذن الذين لا تنكرون فضلهم، وكانوا خيرا منكم في النار ". ولم يجد معهم هذا الكلام المشرق فقالوا له: " دعنا منك يا أشتر قاتلناهم في الله، إنا لستا نطيعك فاجتنبنا ". ورد عليهم الاشتر بعنف حينما يئس من اصلاحهم وأخذ يحذرهم من مغية هذه الفتنة وأنهم لا يرون بعدها عزا أبدا. وحقا انهم لم يروا عزا، فقد أفلت من افقهم دولة الحق، وآل أمرهم الى معاوية فاخذ يسومهم سوء العذاب. وطلب مالك من الامام أن يناجزهم الحرب فابى لان العارضين كانوا يمثلون الاكثرية الساحقة في جيشه وفتح باب الحرب يؤدي الى أقطع النتائج فان الامة تقع فريسة سائغة بايدي الامويين. واطرق الامام براسه، وقد طاقت يه موجات من الالام، وأخذ يطيل التفكير في العاقبة المرة التي جرها هؤلاء العصاة للامة ويقول المؤرخون انهم قد اتخذوا سكوته رضى منه بالتحكيم فهتفوا. " ان عليا أمير المؤمنين قد رضي الحكومة، ورضي بحكم القران ". والامام غارق في الهموم، فقد أفلت منه الامر، وتمرد عليه جيشه وليس باستطاعته ان يعمل شيئا، وقد أدلى (ع) بما مني به، بقوله:

[ 70 ]

" لقد كنت أمس أميرا، فاصبحت اليوم مامورا، وكنت أمس ناهيا فاصبحت اليوم منهيا.. ". التحكيم: ولم تقف محنة الامام وبلاؤه في جيشه المتمرد الى هذا الحد من العصيان والخذلان وانما تجاوز الامر الى أكثر من هذا، فقد أصر المتمردون بقيادة الاشعث بن قيس على انتخاب أبي موسى الاشعري الذي هو من ألد اعداء الامام وأكثر هم حقدا عليه، وانما ألحوا على انتخابه لعلمهم بانه سيعزل الامام عن الحكم وينتخب غيره ممن يحقق أطماعهم، وقد احتف هؤلاء العصاة بالامام، وهم يهتفون: " إنا رضينا بابي موسى الاشعري ". وزجرهم الامام، ونهاهم عن انتخابه قائلا: " انكم قد عصيتموني في أول الامر، فلا تعصوني الان، إني لا أرى أن أولي أبا موسى ". وأصروا على غيهم وعنادهم قائلين: " لا نرضى الا به، فما كان يحذرنا وقعنا فيه ". وأخذ الامام يدلي عليهم واقع أبي موسى وانحرافه عنه قائلا: " إنه ليس لي بثقة، قد فارقني وخذل الناس عني، ثم هرب عني حتى آمنته بعد أشهر، ولكن هذا ابن عباس توليه. " وامتنعوا من ترشيح ابن عباس، فارشدهم ثانيا الى انتخاب مالك الاشتر فرفضوه وأصروا على انتخاب الاشعري، ولم يجد الامام بعد هذا بدا من الرضا والاذعان.

[ 71 ]

وثيقة التحكيم: واتفق الفريقان على أن يحكموا ابن العاص من قبل أهل الشام، وأبا موسى الاشعري من قبل العراقيين، وقد كتبوا صحيفة سجلوا فيها ما اتفقوا عليه من الاخذ بما يتفق عليه الحكمان وهذا نصها كما رواها الطبري: " بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، قاضي علي على أهل الكوفة، ومن معهم من شيعتهم من المؤمنين والمسلمين، وقاضي معاوية على أهل الشام ومن كان معهم من المؤمنين والمسلمين إنا ننزل عند حكم الله عز وجل وكتابه، ولا يجمع بيننا غيره، وان كتاب الله عز وجل من فاتحته الى خاتمته نحيي ما أحيا، ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله عز وجل، وهما أبو موسى الاشعري عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص القرشي عملا به، وما لم يجدا في كتاب الله عز وجل فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة، وأخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين من العهود والميثاق والثقة من الناس انهما آمنان على أنفسهما وأهلهما، والامة لهما انصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد الله وميثاقه، العمل على ما في هذه الصحيفة، وان قد وجبت قضيتهما على المؤمنين، فان الامن والاستقامة ووضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم وشاهدهم، وغائبهم، وعلى عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه ان يحكما بين هذه الامة، ولا يرداها في حرب ولا فرقة حتى يعصيها، وأجل القضاء الى رمضان، وان أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على

[ 72 ]

تراض منهما، وإن توفي أحد الحكمين فان أمير الشيعة يختار مكانه، ولا يالوا من أهل المعدلة والقسط، وان مكان قضيتهم الذي يقضيان فيه مكان عدل بين أهل للكوفة وأهل الشام، وان رضيا وأحبا فلا يحضرهما فيه إلا من أردا، وياخذ الحكمان من أرادا من الشهود ثم يكتبان شهادتهم على ما في هذه الصحيفة، وهم أنصار على من ترك ما في هذه الصحيفة وأراد فيه إلحادا وظلما اللهم انا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة " (1). ووقع عليها طائفة من الفريقين، وأصبحت نافذة المفعول، وقد حققت آمال معاوية وأنفذته من الاخطار التي كادت ان تطوي حياته، وتقضي على أتباعه. والشئ المهم في هذه الوثيقة انها اهملت المطالبة بدم عثمان فلم تعرض لا بقليل ولا بكثير وانما كانت تنشد ايقاف الحرب، ونشر السلم والعافية بين الفريقين، وفيما اعتقد انها كتبت ولم يكن للامام فيها أي راي، فقد خلى بين جيشه وبين ما يريدون. رجوع الامام للكوفة: وغادر الامام صفين متجها الى الكوفة، ولا اعتقد أن يلم كاتب بتصوير المحنة الكبرى التي المت بالامام، فقد رجع مثقلا بالهموم يرى باطل معاوية قد استحكم وأمره قد تم، وينظر الى جيشه اصبح متمردا يدعوه فلا يستجيب، ويامره فلا يطيع قد مزقت الفتنة جميع كتائبه، فقد كانوا فيما يقول المؤرخون يتشاتمون، ويتضاربون بالسياط، وينبغي بعضهم على بعض، واخطر ما حدث فيه انبثاق الفكرة الحرورية التي سنتحدث


(1) تاريخ الطبري 6 / 30. (*)

[ 73 ]

عنها فانها كانت سوسة تنخر في المعسكر العراقي واهم من اي خطر داهم عليه، فقد اخذت تعمل على تفلل وحدة جيش الامام وتذيع الفتنة والخوف بين صفوفه. ودخل الامام الكوفة فراى لوعة وبكاءا قد سادت في جميع ارجائها حزنا على من قتل منها في صفين فان قتلى صفين بالقياس الى قتلى الجمل كانوا اضعافا اضعافا. مع المارقين: ويقول الرواة إن النبي (ص) سمى أهل النهروان بالمارقين، وانه قد عهد الى الامام امير المؤمنين (ع) بقتالهم كما عهد إليه بقتال الناكثين والقاسطين من بعده. والظاهرة البارزة في اتجاهات الخوارج هي الالتواء في السلوك، والاصرار على الجهل والعناد، فقد بنوا واقعهم على التعصب وعدم التدبر والامعان في حقائق الامور، وقد كان شعارهم الذي تفانوا في سبيله وقدموا له المزيد من الضحايا " لا حكم الا لله " ولكنهم لم يلبثوا أن جعلوا الحكم للسيف فنشروا الارهاب والخوف والفساد في الارض كما سنذكر ذلك وعلى اي حال فان الامام لما نزح من صفين الى الكوفة لم يدخلوا إليها، وانما انحازوا الى (حروراء) فنسبوا إليها، وكان عددهم فيما يقول المؤرخون اثني عشر الفا، وقد جعلوا اميرهم على القتال شبث بن ربعي وعلى الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري، وخلعوا الامام عن الخلافة، وجعلوا الامر شورى بين المسلمين. والتاع الامام من تمردهم فاوقد للقياهم عبد الله بن عباس، وأمره

[ 74 ]

ان لا يخوض معهم في ميدان الخضومة والنزاع حتى ياتيه الا انه لم يجد بدا من الحوار معهم وبينما هو يحاورهم إذ اطل عليهم الامام فنهى ابن عباس عن مناظرتهم، واقبل عليهم فقال لهم: اللهم إن هذا مقام من أفلج فيه كان اولى بالفلج يوم القيامة، ومن نطق وأوعث فيه فهو في الاخرة اعمى واضل سبيلا، ثم قال لهم: - من زعيمكم ؟ - ابن الكواء ! - ما اخرجكم علينا ؟ - حكومتكم يوم صفين - أنشدكم بالله، اتعلمون انهم حيث رفعوا المصاحف، فقلتم نجيببهم الى كتاب الله، قلت لكم: إني اعلم بالقوم منكم، انهم ليسوا باصحاب دين، ولا قران، اني صحبتهم وعرفتهم اطفالا ورجالا، فكانوا شر اطفال، وشر رجال، امضوا على حقكم، وصدقكم، فانهما رفع القوم هذه المصاحف خديعة، ودهنا ومكيدة، فرددتم علي رابي، وقلتم لا: بل نقبل منهم، فقلت لكم: اذكروا قولي لكم، ومعصيتكم اياي، فلما أبيتم الا الكتاب اشترطت على الحكمين ان يحييا ما احيا القران، وأن يميتا ما امات القران، فان حكما بحكم القران فليس لنا ان نخالف حكما يحكم بما في القران، وأن ابيا فنحن من حكمها براء " وابطلت هذه الحجة النيرة جميع اوهامهم، فهم المسؤولون عن التحكيم، كما هو مسؤلون عن كل ما حدث من الفتنة والفساد وليس للامام ظلع في ذلك، وايقنوا ان الذنب ذنبهم وليس على الامام أي تبعة في ذلك فقالوا له: - اتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء ؟

[ 75 ]

- لسنا حكمنا الرجال إنما حكمنا القران، وهذا القران انما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق وانما يتكلم به الرجال. - خبرنا عن الاجل لم جعلته فيما بينك وبينهم ؟ - ليعلم الجاهل، ويثبت العالم، ولعل الله يصلح في هذه الهدنة هذه الامة. وسد عليهم الامام كل نافذة ينفذون منها، ووجد منهم تقاربا واذعانا لمقالته، فخاطبهم بناعم القول: " ادخلوا مصركم رحمكم الله. " فأجابوه الى ذلك، ورجلوا عن آخرهم معه الى الكوفة، الا انهم بقوا مصرين على فكرتهم يذيعونها بين البسطاء، حتى شاع أمرهم، وقويت شوكتهم واخذوا ينشرون الخوف والارهاب، ويدعون الى البغي، وعزل الامام وجعل الامر شورى بين المسلمين (1). اجتماع الحكمين: وانتهت المدة التي عينها الفريقان للتحكيم، وقد استرد معاوية قواه التي فقدها ايام صفين، واستحكم أمره، وقد ارسل الى الامام يطلب منه الوفاء بالتحكيم، وانما سارع الى ذلك لعلمه بما مني به جيش الامام من الفرقة والخلاف، ثم هو على علم بان النتيجة ستكون من صالحه لان المنتخب للتحكيم هو أبو موسى الاشعري، وهو على علم بانحرافه عن الامام واشخص الامام أبا موسى الاشعري الى التحكيم، وارسل اربعمائة من اصحابه جعل عليهم شريح بن هاني، وعبد الله بن عباس يصلي بهم، والتقى


(1) حياة الامام الحسن 1 / 469 - 472 (*)

[ 76 ]

الحكمان الضالان على حد تعبير النبي (ص) (1) في دومة الجندل أو في اذرح، ويقول المؤرخون إن ابن العاص لم يفتح الحديث مع الاشعري ثلاثة ايام، فقد افرد له مكانا خاصا، وجعل يقدم له اطائب الطعام والشراب حتى استبطنه وارشاه، ولما ايقن انه صار العوبة بيده اخذ يضفي عليه النعوت الحسنة والالقاب الكريمة حتى ملك مشاعره وعواطفه فقد قال له: " يا أبا موسى انك شيخ اصحاب محمد (ص) وذو فضلها، وذو سابقتها، وقد ترى ما وقعت فيه هذه الامة من الفتنة العمياء التي لا بقاء معها، فهل لك ان تكون ميمون هذه الامة فيحقن الله بك دماءها فانه يقول: في نفس واحدة ومن احياها فكانما احيا الناس جميعا، فكيف بمن احيا هذا الخلق كله. " ومتى كان الاشعري شيخ صحابة النبي (ص) ومن ذوي الفضائل والسوابق في الاسلام ؟ وانخدع الاشعري بهذه الكلمات المعسولة فطفق يسال ابن العاص عن سبل الاصلاح وحقن الدماء، فاجابه ابن العاص: " تخلع انت علي بن ابي طالب، وأخلع أنا معاوية بن أبي سفيان ونختار لهذه الامة رجلا لم يحضر في شئ من الفتنة، ولم يغمس يده فيها.. " فبادر أبو موسى يسال عن الرجل الذي لم ينغمس في الفتنة قائلا:


(1) روى سويد بن غفلة قال: كنت مع أبي موسى الاشعري على شاطئ الفرات في خلافة عثمان فروى لي خبرا عن رسول الله (ص) قال: سمعته يقول: ان بني اسرائيل اختلفوا فلم يزل الاختلاف بينهم حتى بعثوا حكمين ضالين ضلا واضلا من اتبعهما، ولا تنفك أمر أمتي حتى يبعثوا حكمين يضلان، ويضلان من اتبعهما، فقلت له: احذر يا أبا موسي أن تكون أحدهما، قال: فخلع قميصه وقال: ابرا الى الله من ذلك كما يرا قميصي من هذا.. جاء ذلك في شرح النهج 13 / 315. (*)

[ 77 ]

" من يكون ذلك ؟ " وكان ابن العاص قد عرف ميول الاشعري واتجاهاته نحو عبد الله ابن عمر فقال: " انه عبد الله بن عمر " وسر الاشعري بذلك واندفع يطلب منه العهود على الالتزام بما قاله " كيف لي بالوثيقة منك ؟ " " يا أبا موسى الا بذكر الله تطمئن القلوب، خذ من العهود والمواثيق حتى ترضى... " ولم يبق يمينا الا اقسم على الالتزام بما قاله، وايقن الاشعري بمقالة ابن العاص فاجابه بالرضا والقبول وعينا وقتا خاصا يذيعان فيه ما اتفقا عليه. واقبلت الساعة الرهيبة التي كانت تنتظرها الجماهير بفارغ الصبر، واقبل الماكر ابن العاص مع زميله الاشعري الى منصة الخطابة ليعلنا للناس ما اتفقا عليه، واتجه ابن العاص نحو الاشعري فقال له: - قم فاخطب الناس يا أبا موسي. - قم انت فاخطبهم. وراح ابن العاص يخادع الاشعري قائلا له: " سبحان الله أنا أتقدمك ! ! وانت شيخ اصحاب رسول الله، والله لا فعلت ذلك أبدا.. " داخل الاشعري العجب بنفسه من هذه الالقاب الفخمة التي اضفاها عليه ابن النابغة، وطلب الخامل المخدوع من ابن العاص الايمان أن يفي له بما قال، فاقسم له على الوفاء بما اتفقا عليه، (1) ولم تخف هذه


(1) العقد الفريد 3 / 315. (*)

[ 78 ]

الخديعة على حبر الامة عبد الله بن عباس فالتفت الى الاشعري يحذره من مكيدة ابن العاص قائلا له: " ويحك والله إنى لاظنه قد خدعك، إن اتفقتما على أمر فقدمه فليتكلم بذلك الامر قبلك، ثم تكلم انت بعده، فان عمرو رجل غادر لا آمن من أن يكون قد اعطاك الرضا فيما بينك وبينه، فإذا قمت في الناس خالفك.. " ولم يعن الغبي بابن العباس، وانما راح يشتد نحو منصة الخطابة، فلما استوى عليها حمد الله واثنى عليه، وصلى على النبي (ص) ثم قال: " ايها الناس إنا قد نظرنا في أمرنا فراينا أقرب ما يحضرنا من الامن والصلاح ولم الشعث، وحقن الدماء، وجمع الالفة، خلعنا عليا ومعاوية وقد خلعت عليا كما خلعت عمامتي هذه " واهوى الى عمامته فخلعها " واستخلفنا رجلا قد صحب رسول الله (ص) بنفسه، وصحب ابوه النبي (ص) فبرز في سابقته، وهو عبد الله بن عمر... " (1) اف للزمان وتعسا للدهر أن يتحكم في المسلمين أمثال هؤلاء الصعاليك الذين ران الجهل على قلوبهم. لقد عزل الاشعري الامام امير المؤمنين حكيم هذه الامة، ورائد العدالة الكبرى في الارض، الذي طوق الدين بعبقرياته ومواهبه، لقد جعل الاشعري قيادة الامة بيد عبد الله بن عمر وهو لا يحسن طلاق زوجته - على حد تعبير أبيه - انها من مهازل الزمن التي تمثلت على مسرح الحياة العامة في ذلك العصر الذي اخمدت فيه اضواء العقل، وراح الانسان يسير خلف رغباته وميوله. وعلى أي حال فقد انبرى الخاتل الماكر ابن العاص الى منصة الخطابة


(1) الطبري 6 / 39 (*)

[ 79 ]

فحمد الله واثنى عليه ثم قال: " أيها الناس ان أبا موسى عبد الله بن قيس خلع عليا، وأخرجه من هذا الامر الذي يطلب، وهو اعلم به، الا واني خلعت عليا معه، وإثبت معاوية علي وعليكم، وان أبا موسى، قد كتب في الصحيفة (1) ان عثمان قد قتل مظلوما شهيدا وان لوليه أن يطلب بدمه حيث كان، وقد صحب معاوية رسول الله بنفسه، وصحب ابوه النبي (ص) ثم اخذ يثني على معاوية، ويصفه بما هو ليس اهلا له ثم قال: هو الخليفة علينا وله طاعتنا وبيعتنا على الطلب بدم عثمان.. " (2) واشتد الاشعري نحو ابن العاص بعد ما غور به ونكث عهده فصاح به. " مالك عليك لعنة الله ! ما انت إلا كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث وان تنركه يلهث " فزجره ابن العاص: " لكنك مثل الحمار يحمل أسفارا ". وصدق كل منهما في وصف صاحبه، لقد جر هذا التحكيم الى الامة كثيرا من المصاعب والفتن، وأخلد لها الخطوب والويلات. وماج العراقيون في الفتنة، وأيقنوا بضلال ما أقدموا عليه، وأنهزم الاشعري نحو مكة يصحب معه العار والخزي له ولذريته (3)، فقد غدر في


(1) وهي غير الصحيفة التي تم عليها ايقاف القتال. (2) أنساب الاشراف ج 1 ق 1 الامامة والسياسة 1 / 143. (3) لقد كان الناس يحقرون ذرية ابي موسى، ويسخرون منهم فقد سمع الفرزدق أبا بردة بن ابي موسى يقول: كيف لا اتبختر، وأنا ابن أحد الحكمين، فرد عليه الفرزدق قائلا: اما احدهما فمائق وأما الاخر = (*)

[ 80 ]

المسلمين غدرة منكرة، وأكثر شعراء ذلك العصر في هجاء الكوفيين وهجاء الاشعري يقول أيمن بن خريم الاسدي: لو كان للقوم راى يعصمون به * من الضلال رموكم بابن عباس لله در أبيه أيما رجل * ما مثله لفصال الخطب في الناس لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن * لم يدر ما ضرب اخماس لاسداس ان يخل عمرو به يقذفه في لجج * يهوي يه النجم تيسا بين أتياس أبلغ لديك عليا غير عاتبه * قول امرئ لا يرى بالحق من باس ما الاشعري بمأمون أبا حسن * فاعلم هديت وليس العجز كالراس فاصدم بصاحبك الادنى زعيمهم * ان ابن عمك عباس هو الآسي (1) وظفر معاوية بالنصر، فقد عاد إليه أهل الشام يسلمون عليه بامرة المؤمنين، وأما الامام أمير المؤمنين (ع) فقد أغرق جيشه في الفتنة والفرقة والخلاف، فجعل بعضهم يتبرأ من بعض، وقد شاع فيهم الخلاف، وعرفوا وبال ما جنت أيديهم، فخطب الامام الحسن خطابا مسهبا دعاهم فيه الى الالفة والمودة، وكذلك خطب فيهم عبد الله بن عباس، وعبد الله ابن جعفر، وقد شجبا في خطابهما التحكيم ودعا الناس الى الطاعة ونبذ الخلاف (2) وقد استجاب لهم بعض الناس، وأصر آخرون على التمرد والعصيان. ولما انتهى خبر التحكيم الى الامام بلغ به الحزن أقصاه فجمع الناس وخطبهم خطابا مؤثرا صعد فيه آلامه وأحزانه على مخالفة أوامره في ايقاف


(1) = ففاسق فكن ابن أيهما شئت، جاء ذلك في شرح النهج 19 / 353، ونظر رجل الى بعض ولد أبي موسى يختال في مشيته فقال الا ترون مشيته ؟ ! كان أباه خدع عمرو بن العاص (1) حياة الامام الحسن 1 / 529. (2) أنساب الاشراف ج 1 ق 1. (*)

[ 81 ]

القتال، والاستجابة لنداء عدوه الذي قضى فيه على ما احرزوه من الفتح والنصر، يقول (ع): " الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله، وان محمدا عبده ورسوله. اما بعد. فان مخالفة الناصح الشفيق المجرب تورث الحسرة، وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين، وهذه الحكومة بامري، ونخلت لكم رايي لو يطاع لقصير راي. ولكنكم أبيتم الا ما أردتم: فكنت وأياكم كما قال أخو هوازن. أمرتهم أمري بمنعرج اللوى * فلم يستبينوا الرشد الا ضحى الغد الا ان الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم الكتاب وراء ظهورهما وارتايا الراي من قبل انفسنهما فاماتا ما أحيا القران وأحييا ما أمات القران. ثم اختانا في حكمهما فكلاهما لا يرشد ولا يسدد فبرئ الله منها ورسوله وصالح المؤمنين فاستعدوا للجهاد، وتاهبوا للمسير، واصبحوا في معسكركم يوم الاثنين ان شاء الله.. " (1) وتهيات قواته المسلحة الى السفر في الموعد الذي ضربه لها، وكتب الى أهل البصرة يدعوهم الى نصرته فالتحقت به كتائب من الجيش. تمرد المارقين: وسافر الامام باصحابه يريد الشام، ولكنه لم يلبث حتى وافاته الانباء بتمرد الخوراج وفسادهم، وانهم عادوا الى فكرتهم، ويقول المؤرخون ان جماعة منهم خرجوا من الكوفة والتحق بهم اخوانهم من اهل البصرة، وساروا جميعا الى النهروان فاقاموا فيه وأخذوا يعيثون في الارض فسادا،


(1) انساب الاشراف ج 1 ق 1. (*)

[ 82 ]

فاستحلوا دماء المسلمين، وقالوا بكفرهم، واجتاز عليهم الصحابي عبد الله بن خباب بن الارت، فتصدوا له فسألوه عن اسمه فاخبرهم به، ثم سألوه عن انطباعاته الخاصة عن الامام امير المؤمنين فاثنى عليه فاستشاطوا غضبا فانبروا إليه فاوثقوه كتافا، واقبلوا به وبامراته وكانت حبلى قد اشرفت على الولادة فجاؤا بهما تحت نخل، فسقطت رطبة منها فبادر بعضهم إليها فوضعها في فيه فانكروا عليه فالقاها من فمه، واخترط بعضهم سيفا فضرب به خنزيرا لاهل الذمة فقتله فصاح به بعضهم ان هذا من الفساد في الارض، فبادر الرجل الى الذمي فارضاه فلما نظر عبد الله الى احتياطهم في الاموال قال لهم: " لئن كنتم صادقين فيما ارى ما علي منكم باس، والله ما أحدثت حدثا في الاسلام واني لمؤمن، وقد آمنتموني وقلتم لا روع عليك ". فلم يعنوا به، وعمدوا إليه فاقبلوا به الى الخنزير الذي قتلوه فوضعوه عليه، وذبحوه، واقبلوا على امراته، وهي ترتعد من الخوف فقالت لهم مسترحمة: " إنما إنا امراة اما تتقون الله ؟ " ولم تلن قلوبهم التي طبع عليها الزيغ، فذبحوها وبقروا بطنها، وعمدوا الى ثلاثة نسوة فقتلوهن، (1) وفيهن أم سنان الصيداوية وكانت قد صحبت النبي (ص)، وجعلوا يذيعون الذعر، وينشرون الفساد في الارض. وأوفد لهم الامام الحرث بن مرة العبدي يسالهم عن هذا الفساد الذي احدثوه ويطلب منهم ان يسلموا إليه الذين استحلوا قتل الانفس التي حرم الله ازهاقها بغير الحق، ولم يكد الرسول يدنو منهم حتى قتلوه ولم يدعوه يدلي بما جاء به.


(1) انساب الاشراف (*)

[ 83 ]

قتال المارقين: وكره اصحاب الامام أن يسيروا الى الشام، ويتركوا من ورائهم الخوراج يستبيحون أموالهم واعراضهم من بعدهم فطلبوا من الامام أن ينهض بهم لمناجزتهم فإذا فرغوا منهم تحولوا الى حرب معاوية، فأجابهم الامام الى ذلك وسار بهم حتى اتى النهروان فلما صار بازاء الخوارج، ارسل إليهم يطلب منهم قتلة عبد الله بن خباب ومن كان معه من النسوة، كما طلب منهم قتلة رسوله الحرث بن مرة، ليكف عنهم ويمضي الى حرب معاوية، ثم ينظر في امورهم فأجابوه. " ليس بيننا وبينك الا السيف الا ان تقر بالكفر وتتوب كما تبنا ! " فالتاع الامام منهم وانطلق يقول: " ابعد جهادي مع رسول الله، وايماني أشهد على نفسي بالكفر ؟ لقد ضللت إذا وما انا من المهتدين.. " (1) وجعل الامام يعظهم تارة ويراسلهم أخرى فجعل كثير منهم يتسللون، ويعودون الى الكوفة، وقسم منهم التحق بالامام، وفريق ثالث اعتزل الحرب، ولم يبق الا ذو الثفنات عبد الله بن وهب الراسبي زعيم الخوراج، ومعه ثلاث آلاف. ولما يئس الامام من ارشادهم عبا جيشه، وأمر بان لا يبدوءهم بقتال حتى يقاتلوهم، ولما نظر الخوارج الى تهياة الامام تهياؤا للحرب، وكانت قلوبهم تتحرق شوقا الى القتال تحرق الظمان الى الماء وهتف بعضهم " هل " من رائح الى الجنة " فتصايحوا جميعا " الرواح الى الجنة " ثم حملوا حملة منكرة على جيش الامام، وهم يهتفون بشعارهم " لا حكم الا الله " فانفرجت


(1) انساب الاشراف (*)

[ 84 ]

لهم خيل الامام فرقين، فرق يمضي الى الميمنة، وفرق يمضي الى الميسرة، والخوارج يندفعون بين الفرقين، ولم تمض الا ساعة حتى قتلوا عن آخرهم، ولم يفلت منهم الا تسعة (1). ولما وضعت الحرب أوزارها طلب الامام من اصحابه أن يلتمسوا له ذا الثدية في القتلي ففتشوا عنه فلم يظفروا به، فعادوا إليه يخبرونه بعدم ظفرهم به فامرهم ثانيا أن يبحثوا عنه قائلا: " والله ما كذبت ولا كذبت ويحكم التمسوا الرجل فانه في القتلي " فانطلقوا يبحثون عنه، فظفر به رجل من اصحابه، وكان قد سقط قتيلا في ساقية فمضى يهرول فاخبر الامام به فلما سمع النبا خر ساجدا هو ومن معه من اصحابه ثم رفع راسه وهو يقول: " ما كذبت، ولا كذبت ولقد قتلتم شر الناس... " واخذ الامام يحدث اصحابه بما سمعه من النبي (ص) فيه انه قال: " سيخرج قوم يتكلمون بكلام الحق لا يجاوز حلوقهم يخرجون من الحق خروج السهم - أو مروق السهم - ان فيهم رجلا مخدج اليد، في يده شعرات سود، فان كان فيهم فقد قتلتم شر الناس... وأمر الامام باحضار جثته فاحضرت له فكشف عن يده، فإذا على منكبه ثدي كثدي المراة، وعليها شعرات سود تمتد حتى تحاذي بطن يده الاخرى، فإذا تركت عادت الى منكبه، فلما راى ذلك خر لله ساجدا، ثم عمد الامام الى القتلى من الفريقين فدفنهم وقسم بين اصحابه سلاح الخوارج، ودوابهم ورد الامتعة والعبيد الى اهليهم، كما فعل ذلك باصحاب الجمل. وانتهت بذلك حرب النهروان التي تفرعت من واقعة صفين، وقد


(1) الملل والنحل 1 / 159 (*)

[ 85 ]

اسفرت عن تشكيل حزب ثوري عنيف ظهر في الاسلام، وهو حزب الحرورية الذي أخذ على نفسه التمرد على الحكومات القائمة في البلاد الاسلامية ومحاربتها بشكل سافر مما ادى الى اراقة الدماء، واشاعة الفتنة والخلاف في كثير من تلك العصور. لقد كان البارز في الانظمة الدينية للخوارج هو الحكم بكفر كل من لا يدين بفكرتهم من المسلمين، واستباحة دمائهم واموالهم، وفيما أحسب ان اكثر الجرائم المريعة التي صدرت في معركة كربلا تستند الى هؤلاء الممسوخين الذين سلبت عنهم كل نزعة انسانية، فقد تأثر الكثيرون من ذلك الجيش باخلاقهم فاندفعوا الى الجريمة بابشع صورها والوانها. مخلقات الحرب: واعقبت تلك الحروب اعظم المحن واشدها هولا، ولم يمتحن الامام بها وحده، وانما امتحن بها العالم الاسلامي، فقد اخلدت له الفتن، وجرت له الكثير من الويلات والخطوب، ولعل اعظم ماعانه منها ما يلي: انتصار معاوية: واتاحت الفرص لمعاوية بعد تلك الاحداث أن يعلن نفسه لاول مرة بانه المرشح للخلافة بعد أن كان حاكما على اقليم الشام، وراح يعلن انتصاره على الامام وتغلب عليه بقوله: " لقد حاربت عليا بعد صفين بغير جيش ولا عناء أو لا عتادا (1) واما الامام فقد اصبح بمعزل عن السلطات السياسية


(1) انساب الاشراف ج 1 ق 1 ص 200 (*)

[ 86 ]

والعسكرية، فكان يدعو فلا يسمع لدعوته، ويقول فلا يلتفت الى قوله لقد ادت تلك الحروب الى تحول الخلافة الاسلامية الى حكم قيصري لاظل فيه لحكم الاسلام، ومنطق القران، فقد آل الامر الى المعاوية، فاتخذ مال الله دولا، وعباد الله خولا، وارغم المسلمين على ما يكرهون. تفلل جيش الامام: وتفللت جميع القوات العسكرية في جيش الامام، وشاعت الفرقة والاختلاف فيما بينها، خصوصا بعد واقعة النهروان، فقد انحطت معنويات الجيش يقول البلاذري ان معاوية ارسل عمارة بن عقبة الى الكوفة ليتجسس له عن حالة جيش الامام، فكتب له خرج على علي اصحابه، ونساكهم فسار إليهم فقتلهم، فقد فسد عليه جنده وأهل مصره، ووقعت بينهم العداوة، وتفرقوا أشد الفرقة، فقال معاوية للوليد بن عقبة: اترضى أخوك بان يكون لنا عينا - وهو يضحك - فضحك الوليد وقال: إن لك في ذلك حظا ونفعا، وقال الوليد لاخيه عمارة: إن يك ظني يابن أمي صادقا * عمارة لا يطلب بذ حل ولا وتر مقيم واقبال ابن عفان حوله * يمشي بها بين الخورنق والجسر وتمشي رخي البال منتشر القوى * كانك لم تشعر بقتل ابن عمرو (1) لقد مني جيش الامام بالفتنة والخلاف، ولم يكن باستطاعة الامام بما يملك من طاقات خطابية هائلة أن يرجع إليهم حوازب احلامهم، ويقضي على عناصر الشغب والتمرد التي اصبحت من ابرز ذاتياتهم. ومما زاد في تمرد الجيش ان معاوية راسل جماعة من زعماء العراق


(1) انساب الاشراف. (*)

[ 87 ]

البارزين كالاشعث بن قيس فمناهم بالاموال، ووعدهم بالهبات والمناصب إذا قاموا بعمليات التخريب في جيش الامام وشعبه فاستجابوا إليه فقاموا بدورهم في اشاعة الاراجيف، وتضليل الراي العام، وبث روح التفرقة والخلاف بين الناس (1) وقد اثرت دعايتهم تأثيرا هائلا في اوساط ذلك الجيش، فقد خلعوا طاعة الامام، وعمدوا الى عصيانه. لقد كانت الاكثرية الساحقة في معسكر الامام لهم رغباتهم الخاصة التي تتنافى مع مصلحة الدولة، وغايات رئيسها في حين أن شعب الشام كان على العكس من ذلك يقول الحجاج بن خزيمة لمعاوية: " انك تقوى بدون ما يقوى به علي لان معك قوما لا يقولون إذا سكت، ويسكنون إذا نطقت، ولا يسالون إذا امرت ومع علي قوم يقولون إذا قال: ويسالون إذا سكت " (2) احتلال مصر: ولم تقف محنة الامام وبلاؤه عند حد، وانما اخذت تتابع عليه المحن، وهي كاشد ما تكون هولا، فانه لم يكد ينتهي من مناجزة المارقين حتى ابتلى في امر دولته فقد أخذ معاوية يحتل اطرافها، ويغير على بعضها، ويشيع فيها الخوف والارهاب فقد ايقن بتخاذل جيش الامام، وما مني به من الفرقة والاختلاف، وقد اجمع رأيه على احتلال مصر التي هي قلب البلاد العربية، وقد جعلها طعمة الى وزيره وباني دولته عمرو بن العاص ليتمتع وحده بخيراتها. وكان الامام قد ولى على مصر الزعيم الكبير قيس بن سعد الانصاري


(1) انساب الاشراف (2) الاخبار الطوال (ص 156). (*)

[ 88 ]

الذي كان من المع الشخصيات الاسلامية في حسن سياسته وعمق تفكيره وبعد نظره، وقد ساس المصريين أيام المحنة سياسة عدل وحق، وقضى على الاضطرابات الداخلية، ونشر المحبة والالفة فيها، وقد عزله الامام عنها وولى مكانه الطيب محمد بن أبي بكر، فاضطرب أمر مصر، وظهرت الدعوة العثمانية فيها فعزل الامام محمدا عنها وولى مكانه مالك الاشتر النخعي الذي هو من انصح الناس للامام واكثرهم اخلاصا له الا انه لم يكد ينتهي الى (القلزم) حتى مات واجمع المؤرخون على ان معاوية قد اغوى صاحب الخراج في (القلزم) فدس إليه سما في شربة من عسل فمات بها، وكان معاوية وصاحبه ابن العاص يتحدثان بعد ذلك، ويقولان: إن لله جنودا من عسل. وجهز معاوية جيشا لاحتلال مصر، وأمر عليه ابن العاص، ولما علم الامام ذلك أقر محمدا على مصر، ووعده بان يمده بالجيش والمال، واخذ يدعو أهل الكوفة لنجدة اخوانهم في مصر، فلم يستجيبوا له، وجعل الامام يلح عليهم ويطلب منهم النجدة فاستجاب له جند ضئيل كانما يساقون الى الموت فارسلهم الى مصر، ولكنه لم يلبث ان وافته الانباء بان ابن العاص قد احتل مصر، وان عامله محمدا قد قتل وأحرقت جثته في النار، فرد جنده، وخطب أهل الكوفة خطابا مثيرا ندد بهم، ونعى عليهم تخاذلهم وخور عزائمهم. وعلى اي حال فان احتلال مصر قد قوى شوكة معاوية، ودفعه الى ان يغزو اهل العراق في عقر دارهم.

[ 89 ]

الغارات: ولم يقنع معاوية بما احرزه من النصر في احتلاله لمصر، وانما راح يشيع الذعر والهلع في البلاد الخاضعة لحكم الامام ليشعر اهلها بان عليا قد ضعف سلطانه، وانه لا يتمكن على حمايتهم ورد الاعتداء عنهم، وقد شكل قطعا من جيوشه، وعهد إليها ان تتوغل في البلاد، وتشيع فيها الفساد والقتل، وقد ولى عليها جماعة من السفاكين الذين تمرسوا في الجرائم، وتجردوا من كل نزعة انسانية، وعهد لكل واحد منهم ان يقتل كل من كان شيعة للامام، ويغير على جهة خاصة بسرعة خاطفة، ونعرض - بايجاز - الى بعض تلك الغارات. الغارة على العراق: وشكل معاوية اربع قطع للغارة على اطراف العراق وداخله ليملا قلوب العراقيين فزعا وخوفا حتى لا يستجيبوا للجهاد إذا دعاهم الامام إليه، وهذه بعض المناطق العراقية التي غار عليها. 1 - عين التمر: وارسل معاوية النعمان بن بشير الانصاري في الف رجل الى عين التمر، وكان فيها مالك بن كعب، ومعه كتيبة من الجيش تبلغ الف رجل الا انه لم يعلم بغزو اهل الشام له، فاذن لجنده باتيان اهلهم في الكوفة وبقي في مائة رجل، ولما دهمه جيش معاوية قاومه مقاومة باسلة، وتوجهت

[ 90 ]

له نجده تبلغ خمسين رجلا فلما راهم النعمان فزع وولى هاربا فقد ظن ان لهم مددا ولما بلغت الامام انباء هذه الغارة قام خطيبا في جيشه يدعوهم الى نجدة عامله فقال (ع): " يا أهل الكوفة كلما اطلت عليكم سرية وأتاكم منسر من مناسر أهل الشام اغلق كل امرء منكم بابه قد انحجر في بيته انحجار الضب في جحره والضبع في وجارها، الذليل والله من نصرتموه، ومن رضي بكم رمى بافوق ناصل، فقبحا لكم وترحا، وقد ناديتكم، وناجيتكم، فلا احرار عند اللقاء، ولا اخوان (1) عند النجا، قد منيت منكم بصم لا يسمعون، وبكم لا يعقلون، وكمه لا يبصرون " (2) 2 - هيت: ووجه معاوية للغارة على هيت سفيان بن عوف وضم إليه ستة الاف، وأمره ان ياتي بعد الغارة عليها الى الانبار والمدائن فيوقع باهلها، وسار بجيشه الى هيت فلم يجد بها أحدا فانعطف نحو الانبار، فوجد بها مسلحة للامام تتكون من مائتي رجل فقاتلهم وقتل اشرس بن حسان الكبري مع ثلاثين رجلا من اصحابه، ثم نهبوا ما في الانبار من اموال، وتوجهوا الى معاوية، وهم مسرورون بما احرزوه من النصر، وبما نهبوه من الاموال (3) وبلغت انباء الانبار عليا فأثارته الى حد بعيد، وبلغ به الغيظ اقصاه، وكان عليلا لا يمكنه الخطاب فكتب كتابا قرا على الناس، وقد ادنى من السدرة ليسمع القراءة (4) وهذا نصه:


(1) في الطبري " ولا اخوان ثقة " (2) انساب الاشراف (3) تاريخ ابن الاثير 3 / 189 (4) انساب الاشراف (*)

[ 91 ]

" اما بعد: فان الجهاد باب من ابواب الجنة فمن تركه رغبة عنه البس ثوب الذلة، وشمله البلاء، وديث بالصغار، وسيم الخسف، ومنع النصف، وقد دعوتكم الى جهاده هؤلاء القوم ليلا ونهارا وعلانية وسرا، وأمرتكم أن تغزوهم قبل ان يغزوكم فانه ما غزي قوم في عقر دارهم الا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم، وثقل عليكم قولي، وعصيتم أمري وأتخذتموه وراءكم ظهريا، حتى شنت عليكم الغارات من كل ناحية، هذا أخو غامد قد وردت خيله الانبار فقتل ابن حسان البكري، وأزال مسالحكم عن مواضعها وقتل منكم رجالا صالحين، ولقد بلغني أن الرجل من أهل الشام كان يدخل بيت المسلمة والاخرى المعاهدة فيأخذ حجلها وقلبها وقلادتها، فيا عجبا يميت القلب، يجلب الهم، ويسعر الاحزان من جد هؤلاء القوم في باطلهم، وفشلكم عن حقكم فقبحا وترحا حيث صرتم غرضا يرمى، يغار عليكم فلا تغيرون، ويعصى الله فترضون، إذا قلت لكم: اغزوا عدوكم في الحر قلتم هذه حمارة القيظ من يغزوا فيها ؟ امهلنا ينسلخ عنا الحر، وإذا قلت: اغزوهم في انف الشتاء قلتم الحر والقر، فكل هذا منكم فرار من الحر والقر ؟ فانتم والله من السيف أفر، يا أشباه الرجال، حلوم الاطفال وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم اركم، وان الله اخرجني من بين اظهركم، فلقد ملئتم صدري غيظا وجرعتموني نغب التهمام انفاسا، وافسدتم علي رايي بالعصيان، حتى قالت قريش: إن ابن أبي طاب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب، لله ابوهم وهل منهم أحد اشد لها مراسا وقعاسا مني لقد نهضت فيها وقد بلغت العشرين (1) فهاناذا قد ذرت على الستين، ولكن لا راي لمن لا يطاع. " (2)


(1) في رواية " وما بلغت العشرين ". (2) انساب الاشراف (*)

[ 92 ]

وقد صور هذا الخطاب ما في نفس الامام من غيظ ممض، وياس شديد من اصحابه الذين امتلات قلوبهم خوفا وذلا من أهل الشام فتخاذلوا وقبعوا في بيوتهم يطاردهم الفزع، حتى فسد على الامام أمره، 3 - واقصة: ووجه معاوية الضحاك بن قيس الفهري الى واقصة ليغير على كل من كان فيها من شيعة الامام وضم إليه ثلاثة آلاف رجل، فسار الضحاك فنهب أموال الناس، وقتل كل من ظن أنه على طاعة الامام، وسار حتى انتهى الى القطقطانة، وهن يشيع القتل والارهاب ثم سار الى السماوة، وبعدها ولى الى الشام، ولما وافت الانباء الامام (ع) قام خطيبا في جيشه وقد دعاهم الى صد هذا الاعتداء فلم يستجب له أحد، فقال (ع): " وددت والله ان لي بكل عشرة منكم رجلا من أهل الشام، واني صرفتكم كما يصرف الذهب ولوددت أني لقيتهم على بصيرتي فاراحني الله من مقاساتكم ومداراتكم " وسار الامام وحده نحو الغريين لصد هذا الاعتداء فلحقه عبد الله بن جعفر بدابة فركبها، ولما راى الناس ذلك خف إليه بعضهم، فسرح (ع) لطلب الضحاك حجر بن عدي في اربعة آلاف، وسار في طلبه فلم يدركه فرجع (1) لقد اخذت غارات معاوية تتوالى على العراق، من دون ان تتعرض لاي مقاومة تذكر، وقد ايقن معاوية بالنصر، والظفر لما مني به اصحاب الامام من التخاذل.


(1) انساب الاشراف. (*)

[ 93 ]

الغارة على الحجاز واليمن: وبعث معاوية بسر بن أرطاة في ثلاثة آلاف للغارة على الحجاز واليمن فاتجه نحو يثرب فلم يجد من أهلها أية مقاومة، فصعد المنبر ورفع عقيرته يندب عثمان وينشر الرعب والارهاب بين الناس. وأخذ البيعة من أهلها لمعاوية، ثم سار الى اليمن، وكان عليها عبيد الله ابن عباس عاملا للامام، فهرب منه حتى أتى الكوفة، فاستخلف الامام عليها عبد الله الحارثي فقتله بسر، وقتل ابنه، وعمد الى طفلين لعبيد الله فقتلهما ولما انتهى خبرهما الى امها فقدت وعيها، وراحت ترثيهما بذوب روحها بابياتها المشهورة (1). لقد قام سلطان معاوية على قتل الابرياء، وذبح الاطفال، واشاعة الرعب والفزع في البلاد. ولما انتهت الانباء الاليمة الى الامام خارت قواه، ومزق الاسى قلبه وراح يخطب في جيشه يذكر ما عاناه من الخطوب والكوارث منهم قائلا: " انبئت بسرا قد اطلع اليمن (2) واني والله لاظن ان هؤلاء القوم سيدالون (3) منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، وبمعصيتكم امامكم في الحق وطاعتهم امامهم في الباطل، وبادائهم الامانة الى صاحبهم وخيانتكم، وبصلاحهم في بلادهم، وفسادكم، فلو أئتمنت أحدكم على


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 193. (2) اطلع اليمن: بلغها واحتلتها قواته. (3) سيدالون: أي ستكون لهم الدولة بسبب اجتماع كلمتهم، واختلاف راي العراقيين. (*)

[ 94 ]

قعب (1) لخشيت أن يذهب بعلاقته (2) اللهم اني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني فابدلني بهم خيرا منهم، وأبدلهم بي شرا مني، اللهم مث في قلوبهم كما يماث الملح في الماء أما والله لوددت ان لي الف فارس من بني فرس ابن غنم (3): هنا لك لو دعوت أتاك منهم * فوارس مثل ارمية الحميم ثم نزل عن المنبر (4) وهو غارق بالهموم والاحزان قد استولى الياس على نفسه من أصحابه الذين أصبحوا أعصابا رخوة خالية من الشعور والاحساس هذه بعض الغارات التي شنها معاوية على العراق وخارجه من الاقاليم الاسلامية الخاضعة لحكم الامام، وكان المقصود منها زعزعة هذه المناطق من ايمانها بمقدرة الامام على حمايتها من الاعتداء، واذاعة مقدرة معاوية وقوته العسكرية، وتقوية الروح المعنوية في جيشه، وحزبه المنتشر في تلك البلاد. وعلى أي حال فقد صورت هذه الغارات جانبا كبيرا من الضعف والتمرد في جيش الامام، حتى طمع معاوية في شن هجوم عام على العراق لاحتلاله، والقضاء على حكومة الامام، ومن المؤكد أنه لو فعل ذلك لوجد الطريق سهلا، ولم يجد أية صعوبة أو مقاومة تذكر، فقد خلد القوم الى الراحة، وسئموا من الجهاد.


(1) القعب: بالضم القدح الكبير. (2) علاقته: بكسر العين ما يعلق به القعب من ليف ونحوه. (3) بنو فرس: قبيلة عربية مشهورة بالشجاعة والاقدام. (4) نهج البلاغة محمد عبده 1 / 60. (*)

[ 95 ]

عبث الخوارج: وتواكبت المحن الشاقة على الامام يقفو بعضا، فغارات معاوية متصلة على العراق وخارجه، وهي تنشر الرعب والهلع في قلوب المواطنين والامام لا يتمكن على حماية الامن، وصيانة الناس من الاعتداء قد خلع جيشه يد الطاعة وأعلن العصيان والتمرد، ولم يعد له أي نفوذ أو سلطان عليه ومن تلك المحن الشاقة التي ابتلي بها الامام هي فتنة الخوارج فانه لم يقض عليهم في النهروان، وانما قضى على جماعة منهم، وبقي أكثرهم يعيشون معه، وهم يكيدون له، ويتربصون به الدوائر، ويحولون قلوب الناس عنه، قد امنوا من بطشه واستيقنوا انه لن يبسط عليهم يدا، ولا ينزل بهم عقوبة، وقد أطمعهم عدله، وأغراهم لينه فراحوا يجاهرون بالرد والانكار عليه، فقد قطع بعضهم عليه خطبته تاليا قوله تعالى: " لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " فاجابه الامام باية اخرى " فاصبر ان وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " وجاءه الخريت ابن راشد السامي في ثلاثين من أصحابه فقال له: يا علي والله لا أطيع أمرك، ولا اصلي خلفك، واني غدا مفارق لك، فلطف به الامام وحاججه وهلى بينه وبين حريته، فلم يسجنه، وانما ترك له الطريق مفتوحا وولى الرجل الى قومه من بني ناجية فاخبرهم بما كان بينه وبين الامام، ثم خرج في الليل يريد الحرب وجرت أحداث كثيرة في خروج الخريت وتمرده ذكرها المؤرخون بالتفصيل. وعلى أي حال فان المسؤولية الكبرى في كثير من الاحداث المفزعة التي مني بها العالم الاسلامي تقع على الخوارج فهم الذين قضوا على مصير

[ 96 ]

الامة في أهم الفترات الحاسمة من تاريخها حينما كتب النصر للامام، وباء معاوية بالهزيمة والفشل، بحيث لم يبق من حياته إلا فترة يسيرة من الزمن قدرها قائد القوات العسكرية في جيش الامام مالك الاشتر، بحلبة شاة أو بعدوة فرس، فاضاعوا ذلك النصر الكبير وأرغموا الامام على قبول التحكيم دعاء الامام على نفسه: وطاقت بالامام موجات رهيبة ومذهلة من الاحداث والازمات فهو يرى باطل معاوية قد استحكم، وأمره قد تم، ويرى نفسه في ارباض الكوفة قد احتوشته ذئاب العرب الذين كرهوا عدله، ونقموا عليه مساواته وعملوا جاهدين على الحيلولة بينه وبين تحقيق آماله من القضاء على الاثرة والاستعلاء والطغيان. والشئ الوحيد الذي أقض مضجع الامام هو تمزق جيشه، وتفلل جميع وحداته، فقد أصبح بمعزل عن جميع السلطات، وقد نظر (ع) الى المصير المؤلم الذي سيلاقونه من بعده فقال: " أما انكم ستلقون بعدي ذلا شاملا، سيفا قاطعا، واثرة يتخذها الظالمون فيكم سنة، فيفرق جماعتكم، ويبكي عيونكم، يدخل الفقر بيوتكم وتتمنون عن قليل انكم رأيتموني فنصرتموني، فستعلمون حق ما أقول لكم، ولا يبعد الله إلا من ظلم وأثم... " (1). ولم يجد نصح الامام معهم شيئا فقد تمادوا في الغي، وعادت لهم جاهليتهم الرعناء. وقد سئم الامام منهم وراح يتمني مفارقة حياته فكان كثيرا ما يقول


(1) أنساب الاشراف ج 1 ق 1 ص 200. (*)

[ 97 ]

في خطبة: " متى يبعث أشقاها " واخذ يلح بالدعاء، ويتوسل الى الله بقلب منيب أن يريحه منهم فقد روى البلاذري عن أبي صالح قال شهدت عليا، وقد وضع المصحف على راسه حتى سمعت تقعقع الورق وهو يقول: " اللهم إني سألتهم ما فيه فمنعوني ذلك، اللهم إني قد مللتهم وملوني، وابغضتهم وابغضوني، وحملوني على غير خلقي، وعلى اخلاق لم تكن تعرف لي، فابدلني خيرا لي منهم، وابدلهم بي شرا، ومث قلوبهم ميث الملح.. " (1). واستجاب الله دعاء وليه العظيم فنقله بعد قليل الى حضيرة القدس مع النبيين والصديقين واراحه من ذلك المجتمع الذي كره الحق، ونقم على العدل، وقد سلط الله عليهم ارجاس البشرية فاخذوا يمنعون في ظلمهم واذلالهم، فيأخذون البرئ بالسقيم، والمقبل بالمدبر، ويقتلون على الظنة والتهمة، فاستيقظوا عند ذلك، واخذوا يندمون أشد الندم على ما اقترفوه من الاثم تجاه الامام وما فرطوا به من عصيانه وخذلانه. هذه بعض مخلفات تلك الحروب التي امتحن بها الامام كاشد ما يكون الامتحان قسوة وارهاقا ولم يمتحن بها وحده، وانما امتحن بها العالم الاسلامي باسره، فقد اخلدت للمسلمين المشاكل والخطوب والقتهم في شر عظيم. لقد واكب الامام الحسين (ع) هذه الاحداث المفزعة التي جرث على أبيه، ووقف على واقعها، وقد استبان له كراهية القوم لابيه لانه لم يداهن في دينه، واراد أن يحمل الناس على الحق المحض والعدل الخالص، ولا يدع محروما، ولا مظلوما في البلاد. وعلى اي حال فان هذه الحروب قد ساهمت مساهمة ايجابية في خلق كارثة كربلاء التي لم تات الا بعد انهيار الاخلاق، وأماتة الوعي الديني، والاجتماعي، واشاعة الانتهازية والتحلل بين افراد المجتمع، فقد سيطرت


(1) انساب الاشراف ج 1 ق 1. (*)

[ 98 ]

الرأسمالية القرشية على الشؤون الاجتماعية فاخذت تعيث فسادا في الارض وتنقض جميع ما اقامه الاسلام من صروح للفضيلة والاخلاق، وكان من اسوء ما قامت به انها عملت جاهدة على اشاعة العداء والكراهية لاهل البيت (ع) الذين هم مصدر الوعي والاحساس في هذه الامة. فقد عمدت بشكل سافر الى تقطيع أو صالهم على صعيد كربلا، وابادتهم ابادة جماعية بصورة رهيبة لم يحدث لها نظير في تاريخ الانسانية.

[ 99 ]

أفول دولة الحق

[ 101 ]

وليس في تاريخ هذا الشرق ولا في غيره حاكم كالامام امير المؤمنين (ع) في عدله ونزاهته، وايثاره للحق على كل شئ، فقد كان - فيما اجمع عليه المؤرخون - لم يخضع لاية نزعة عاطفية، ولم يستجب لاي هوى مطاع، وانما سار على الطريق الواضح، والمنهج السليم الذي سلكه رسول الله (ص) فلم يحاب، ولم يداهن في دينه، وتبنى النصح الخالص لجميع المسلمين، وقد حاول جاهدا ايام حكومته ان يرفع راية الاسلام، ويحقق مبادئه التي كان منها رفع الحيف والظلم، ومنع الاستغلال، وازالة الفوارق بين ابناء المسلمين وكان من اعظم ما عنى به وضع اموال الدولة في مواضعها فلم ينفق اي شئ منها الا على مرافقها التي عينها الاسلام، وما تاجر بها، ولو اشترى بها العواطف والضمائر - كما كان يفعل معاوية - لما تنكر عليه النفعيون في جيشه كالاشعث بن قيس وغيره من اقطاب الخيانة والعمالة. لقد احتاط في اموال الدولة كاشد ما يكون الاحتياط، واجهد نفسه وحملها من امره رهقا من اجل أن يبسط العدل الاقتصادي بين الناس، يقول عبد الله بن رزين: دخلت على علي يوم الاضحى فقرب، إلينا حريرة، فقلت له: اصلحك الله لو قربت إلينا من هذا البط فان الله قد اكثر الخير، فقال: يابن رزين سمعت رسول الله (ص) يقول: لا يحل لخليفة من مال الله الا قصعتان قصعة ياكلها هو وأهله، وقصعة يضعها بين يدي الناس (1) وقد نقم على سياسته كل من استسلم لدوافع المادة وشهواتها، فراحوا يعملون جاهدين للاطاحة بحكومته، وتشكيل حكومة تضمن مصالحهم الاقتصادية والسياسية. ومن المؤكد ان الامام كان يعلم كيف يجلب له الطاعة، وكيف يبسط


(1) جواهر المطالب في مناقب الامام ابي الحسن (ص 43) لشمس الدين أبو البركات، من مصورات مكتبة الامام امير المؤمنين. (*)

[ 102 ]

سلطانه ونفوذه على اولئك الذين نقموا عليه، ولكن ذلك لا يتم الا بان يداهن في دينه فيوارب ويخادع ويعطي المال في غير حقه، فيكون كبقية عشاق الملك والسلطان، ومن الطبيعي ان الانحراف عن الحق، والمتاجرة بمصالح الامة مما ياباه علي وتاباه مثله العليا، فلا السلطة تغريه ولا اجتماع الناس حوله تزيده عزة، ولا تفرقهم عنه تزيده وحشة كما كان يقول. لقد كان الامام يؤمن ايمانا خالصا بالدين، ويرى من الضرورة أن يكون هو المسيطر على قلوب الناس وتفكيرهم، وان لا يكون هناك اي ظل للمنافع والاهواء، ومما لا شك فيه ان هذا النوع الخالص من الايمان لم يتحقق الا للقلة القليلة من اصحابه كحجر بن عدي ومالك الاشتر وعدي بن حاتم وميثم التمار ونظرائهم ممن تغذوا بهديه، وهم الذين قرؤا القران فاحكموه، وتدبروا الفرض فاقاموه احيوا السنة واماتوا البدعة - على حد تعبيره - اما الاكثرية الساحقة من جيشه وشعبه فانهم لم يعوا اهدافه ومبادثه، وجهلوا القيم العليا في سياسته المشرقة التي كانت تهدف الى ضمان حقوق المظلومين والمضطهدين. لقد تحرج الامام في سلوكه السياسي فاخضع سياسته العامة للقيم الدينية والخلقية، فبسط الحق بجميع رحابه ومفاهيمه، ولم يعد اي نفوذ للاقوياء، ولا سلطان للرأسمالية القرشية التي كانت تعتبر السواد بستانا لقريش. وقد هبت القوى المنحرفة عن الحق في وجه الامام فاشعلت نار الحرب، واوقفت مسيرة الامام في تطبيق العدل الاجتماعي، ووضعت السدود والحواجز في طريقه، وقد وقف الامام العظيم ملتاعا حزينا، قد احتوشته ذئاب الاثرة والاستغلال، وتناهب مشاعره الاحداث المفزعة التي تواكبت عليه، وكان من افجعها الفتن الداخلية التي كانت تثيرها الخوارج الذين كانوا يعيشون معه وهم يجاهرونه بالعداء، وينشرون الفتن والاختلاف، ويتربصون

[ 103 ]

الفرص للخروج عليه. مؤتمر مكة: ونزح فريق من الخوارج الى مكة، فعقدوا فيها مؤتمرا عرضوا فيه مصارع اخوانهم الذين قتلوا في النهروان، كما عرضوا فيه الاحداث الجسام التي يواجهها العالم الاسلامي، والتي ادت الى اختلافه وتفككه، وعزوها الى ثلاث - حسب ما يزعمون - الامام علي، ومعاوية وعمرو بن العاص، وقد عقدوا النية بعد تبادل الراي على القيام باغتيالهم، وانبرى لتنفيذ هذا المخطط كل من. 1 - عبد الرحمن بن ملجم تعهد بقتل الامام علي. 2 - الحجاج بن عبد الله الصريمي تعهد بقتل معاوية. 3 - عمرو بن بكر التميمي التزم بقتل ابن العاص. وقد اتفقوا على القيام بعملية الاغتيال في ليلة الثامن عشر من رمضان ساعة خروج هؤلاء الثلاثة الى صلاة الصبح، وقد اقاموا بمكة اشهرا، واعتمروا في رجب، ثم تفرقوا وقصد كل واحد لتنفيذ ما عهد إليه. راي رخيص: من الاراء الزائفة التي تحملها بعض الكتب ما ذهب إليه الدكتور بديع شريف من اتهام الفرس بقتل علي (1) وهل وقف الدكتور على نسب ابن ملجم، وانه كان فارسيا ؟ أليس هو من مراد احدى القبائل


(1) الصراع بين الموالي والعرب (ص 32 - 33) (*)

[ 104 ]

العربية التي كانت تقطن في الكوفة، وعلق الدكتور نوري جعفر على هذا الراي بقوله: " ومن يدري فلعل حب الفرس لعلي هو الذي جعل هؤلاء الكتاب يبغضونهم، ويكيلون لهم التهم بغير حساب " (1) اشتراك الامويين في المؤامرة: وذكر المؤرخون هذا الحادث الخطير بشئ كثير من التحفظ فلم يكشفوا النقاب عن ابعاده، والذي نراه في كثير من الترجيح ان المؤامرة لم تكن مقتصر على الخوارج، وانما كان للحزب الاموي ضلع كبير فيها، والذي يدعم ذلك ما يلي. 1 - ان أبا الاسود الدئلي القى تبعة مقتل الامام على بني امية، وذلك في مقطوعته التي رثا بها الامام فقد جاء فيها: الا أبلغ معاوية بن حرب * فلا قرت عيون الشامتينا أفي شهر الصيام فجعتمونا * بخير الناس طرا اجمعينا قتلتم خير من ركب المطايا * ورحلها ومن ركب السفينا (2) ومعنى هذه الابيات ان معاوية هو الذي فجع المسلمين بقتل الامام الذي هو خير الناس، فهو مسؤول عن اراقة دمه، ومن الطبيعي ان أبا الاسود لم ينسب هذه الجريمة لمعاوية الا بعد التاكد منها، فقد كان الرجل متحرجا أشد التحرج فيما يقول. 2 - ان القاضي نعمان المصري، وهو من المؤرخين القدامى قد ذكر قولا في أن معاوية هو الذي دس ابن ملجم لاغتيال الامام، قال مانصه:


(1) الصراع بين الموالي ومبادئ الاسلام (ص 103). (2) تاريخ ابن الاثير 3 / 198. (*)

[ 105 ]

" وقيل ان معاوية عامله - اي عامل ابن ملجم - على ذلك - أي على اغتيال الامام - ودس إليه فيه، وجعل له مالا عليه.. " (1) 3 - ومما يؤكد اشتراك الحزب الاموي في المؤامرة هو ان الاشعث ابن قيس قد ساند ابن ملجم، ورافقه اثناء عملية الاغتيال، فقد قال له: " النجا فقد فضحك الصبح " ولما سمعه حجر بن عدي صاح به " قتلته يا اعور " وكان الاشعث من اقوي العناصر المؤيدة للحزب الاموي، فهو الذي ارغم الامام على قبول التحكيم وهدد الامام بالقتل قبل قتله بزمان قليل كما كان عينا لمعاوية بالكوفة. إن المؤامرة - كما يقول الرواة - قد احيطت بكثير من السر والكتمان فما الذي اوجب فهم الاشعث ودعمه لها لولا الايعاز إليه من الخارج. 4 - ان مؤتمر الخوارج قد انعقد في مكة أيام موسم الحج، وهي حافلة - من دون شك - بالكثيرين من اعضاء الحزب الاموي الذين نزحوا الى مكة لاشاعة الكراهية والنقمة على حكومة الامام، واغلب الظن انهم تعرفوا على الخوارج الذين كانوا من اعدى الناس للامام، فقاموا بالدعم الكامل لهم على اغتيال الامام، ومما يساعد على ذلك ان الخوارج بعد انقضاء الموسم اقاموا بمكة الى رجب فاعتمروا في البيت ثم نزحوا الى تنفيذ مخططهم فمن المحتمل ان يكونوا في طيلة هذه المدة على اتصال دائم مع الحزب الاموي، وسائر الاحزاب الاخرى المناهضة لحكم الامام. 5 - والذي يدعو الى الاطمئنان في ان الحزب الاموي كان له الضلع الكبير في هذه المؤامرة هو ان ابن ملجم كان معلما للقران (2)


(1) المناقب والمثالب (ص 98) للقاضي نعمان المصري من مصورات مكتبة الامام الحكيم. (2) لسان ميزان 3 / 440. (*)

[ 106 ]

وكان ياخذ رزقه من بيت المال، ولم تكن عنده اية سعة مالية فمن اين له الاموال التي اشترى بها سيفه الذي اغتال به الامام بالف وسمه بالف ؟ ؟ ومن اين له الاموال التي اعطاها مهرا لقطام وهو ثلاثة الاف وعبد وقينة ؟ كل ذلك يدعو الى الظن أنه تلقى دعما ماليا من الامويين ازاء قيامه باغتيال الامام. 6 - ومما يؤكد ان ابن ملجم كان عميلا للحزب الاموي هو انه كان على اتصال وثيق بعمرو بن العاص وزميلا له منذ عهد بعيد، فانه لما فتح ابن العاص مصر كان ابن ملجم معه، وكان أثيرا عنده فقد أمره بالنزول بالقرب منه (1) واكبر الظن انه احاط ابن العاص علما بما اتفق عليه مع زميليه من عملية الاغتيال له وللامام، ومعاوية، ولذا لم يخرج ابن العاص الى الصلاة وانما استناب غيره، فلم تكن نجاته وليدة مصادفة وانما جاءت وليدة مؤامرة حكيت اصولها مع ابن العاص. هذه بعض الامور التي توجب الظن باشتراك الحزب الاموي في تدبير المؤامرة ودعمها. اغتيال الامام: واطل على المسلمين شهر رمضان الذي أنزل فيه القران، وقد كان الامام على يقين بانتقاله الى حظيرة القدس في بحر هذا الشهر العظيم، فكان يجهد نفسه ويرهقها على ان يفطر على خبز الشعير وجريش الملح، وان لا يزيد على ثلاث لقم حسب ما يقوله المؤرخون، وكان يحيى ليالي هذا الشهر بالعبادة، ولما اقبلت ليلة الثامن عشر احسن الامام بنزول الرزء القاصم


(1) لسان ميزان 3 / 440 (*)

[ 107 ]

فكان برما تساوره الهموم والاحزان، وجعل يتامل في الكواكب وهي مرتعشة الضوء كأنها ترسل أشعة حزنها إلى الارض، وطفق يقول: " ما كذبت ولا كذبت انها الليلة التي وعدت فيها ". وأنفق الامام ليله ساهرا، وقد راودته ذكريات جهاده وعظيم عنائه في الاسلام، وزاد وجيبه وشوقه لملاقاة ابن عمه رسول الله (ص) ليشكو إليه ما عاناه من أمته من الاود. وتوجه الامام بمشاعره وعواطفه الى الله يطلب منه الفوز والرضوان وقبل أن تشرق أنوار ذلك الفجر الذي دام في ظلامه على البؤساء والمحرومين انطلق الامام فاسبغ الوضوء، وتهيا الى الخروج من البيت، فصاحت في وجهه وز كأنها صاحب ملتاعة حزينة تنذر بالخطر العظيم الذي سيدهم أرض العرب والمسلمين، وتنبا الامام من لوعتهن بنزول القضاء، فقال: " لا حول ولا قوة إلا بالله صوائح تتبعها نوائح " (1). وخرج الامام الى بيت الله فجعل يوقظ الناس على عادته الى عبادة الله ثم شرع في صلاته وبينما هو ماثل بين يدي الله وذكره على شفيته إذ هوى عليه المجرم الخبيث عبد الرحمن بن ملجم، وهو يهتف بشعار الخوارج " الحكم لله لا لك " فعلا راس الامام بالسيف فقد جبهته الشريفة التي طالما عفرها بالسجود لله، وانتهت الضربة الغادرة الى. دماغه المقدس الذي ما فكر فيه إلا في سعادة الناس، وجمعهم على صعيد الحق. ولما أحس الامام بلذع السيف انفرجت شفتاه عن ابتسامة، وانطلق صوته يدوي في رحاب الجامع قائلا: " فزت ورب الكعبة ". لقد كنت - يا أمير المؤمنين - أول الفائزين، وأعظم الرابحين


(1) مروج الذهب 2 / 291. (*)

[ 108 ]

بمرضاة الله، فقد سايرت الحق منذ نعومة اظفارك، فلم تداهن في دينك ولم تؤثر رضا احد على طاعة الله، قد جاهدت وناضلت من أجل أن تعلو كلمة الله في الارض، ووقيت رسول الله (ص) بنفسك ومهجتك. لقد فزت، وانتصرت مبادؤك، وبقيت انت وحدك حديث الدهر بما تركته من سيرة مشرقة اضاءت سماء الدنيا، وغذت الاجيال بجوهر الحق والعدل. وخف الناس مسرعين الى الجامع حينما اذيع مقتل الامام فوجدوه طريحا في محرابه وهو يلهج بذكر الله، قد نزف دمه، ثم حمل الى داره والناس تعج بالبكاء وهم يهتفون بذوب الروح. قتل الامام الحق والعدل. قتل أبو الضعفاء واخو الغرباء. واستقبلته عائلته بالصراخ، فامرهن (ع) بالخلود الى الصبر، وغرق الامام الحسن بالبكاء فالتفت إليه الامام قائلا: " يا بني لا تبك فانت تقتل بالسم، ويقتل اخوك الحسين بالسيف. " وتحقق تنبؤ الامام فلم تمض حفنة من السنين وإذا بالحسن اغتاله معاوية بالسم، فذابت احشاؤه، واما الحسين فتناهب جسمه السيوف والرماح، وتقطعت أوصاله على صعيد كربلاء. ويقول المؤرخون ان الامام الحسين لم يكن حاظرا بالكوفة حينما اغتيل أبوه وانما كان في معسكر النخيلة قائدا لفرقة من الجيش الذي اعده الامام لمناجزة معاوية، وقد ارسل إليه الامام الحسن رسولا يعرفه بما جرى على ابيه، فقفل راجعا الى الكوفة، وهو غارق بالاسى والشجون، فوجد أباه على حافة الموت فالقى بنفسه عليه يوسعه تقبيلا ودموعه تتبلور على خديه.

[ 109 ]

واخذ الامام العظيم يوصي اولاده بالمثل الكريمة والقيم الانسانية، وعهد إليهم أن لا يقتلوا غير قاتله، وان لا يتخذوا من قتله سببا لاثارة الفتنة واراقة الدماء بين المسلمين كما فعل بنو أمية حينما قتل عميدهم عثمان الى الرفيق الاعلي: واخذ الامام يعاني الام الاحتضار وهو يتلو آيات الذكر الحكيم، وكان آخر ما نطق به قوله تعالى: " لمثل هذا فليعمل العاملون " ثم فاضت روحه الزكية، تحفها ملائكة الرحمن، فمادت اركان العدل في الارض، وانطمست معالم الدين لقد مات ملاذ المنكوبين والمحرومين الذي جهد نفسه أن يقيم في ربوع هذا الكون دولة تكتسح الاثرة والاستغلال، وتقيم العدل والحق بين الناس. وقام سبطا رسول الله (ص) بتجهيز ابيهما فغسلا جسده الطاهر وادرجاه في اكفانه، وفي الهزيع الاخير من الليل حملوه الى مقره الاخير فدفنوه في النجف الاشرف، وقد واروا معه العدالة الاجتماعية، والقيم الانسانية ويقول المؤرخون ان معاوية لما وافاه النباء بمقتل الامام فرح، واتخذ يوم قتله عيدا رسميا في دمشق فقد تمت بوارق اماله، وتم له اتخاذ الملك وسيلة لاستعباد المسلمين وارغامهم على ما يكرهون. متارك حكومة الامام: وتركت حكومة الامام آثارا بالغة الاهمية والخطورة في المجتمع الاسلامي ولعل من اهممها ما يلي:

[ 110 ]

1 - انها ابرزت الواقع الاسلامي بجميع طاقاته في عالم السياسة والحكم، فقد كان الامام يهدف في حكمه الى ازالة الفوارق الاجتماعية بين الناس، وتحقيق الفرض المتكافئة بينهم على اختلاف قومياتهم واديانهم، ومعاملة جميع الطوائف بروح المساواة والعدالة فيما بينهم من دون أن تتمتع اي طائفة بامتياز خاص وقد اوجدت هذه السياسة للامام رصيدا شعيبا هائلا، فقد ظل علي قائما في قلوب الجماهير الشعبية بما تركه من صنوف العدل والمساواة، وقد هام بحبه الاحرار، ونظروا إليه كاعظم مصلح اجتماعي في الارض، وقدموه على جميع اعلام تلك العصور، يقول ايمن ابن خريم الاسدي مخاطبا بني هاشم وعلى رأسهم الامام: أأجعلكم واقواما سواء * وبينكم وبينهم الهواء وهم أرض لارجلكم وأنتم * لا رؤوسهم واعينهم سماء (1) 2 - ان مبادئ الامام وآراءه النيرة ظلت تطارد الامويين وتلاحقهم في قصورهم فكانوا ينظرون إليها شبحا مخفيا يهدد سلطانهم، مما جعلهم يفرضون سبه على المنابر للحط من شانه، وصرف الناس عن قيمه ومبادئه. 3 - ان حكومة الامام التي رفعت شعار العدالة الاجتماعية الكبرى قد جرت لابنائه كثيرا من المشاكل والمصاعب، والحقت بهم التنكيل والقتل من حكام عصرهم، وقد تنبا النبي الاعظم (ص) بذلك فقد روى أبو جعفر الاسكافي أن النبي (ص) دخل على فاطمة فوجد عليا نائما فذهبت لتوقظه، فقال (ص): " دعيه فرب سهر له بعدي طويل، ورب جفوة لاهل بيتي من اجله " فكبت فاطمة، فقال لها: لا تبكي فانه معي وفي موقف الكرامة عندي (2).


(1) الاغاني 1 / 21. (2) شرح النهج 4 / 107. (*)

[ 111 ]

لقد امعن الحكم الاموي والعباسي في ظلم ابناء الامام لانهم تبنوا حقوق المظلومين والمضطهدين، وتبنوا المبادئ العليا التي رفع شعارها الامام امير المؤمنين فناضلوا كاشد ما يكون النضال في سبيل تحقيقها على مسرح الحياة، وكان من اشد ابناء الامام حماسا واندفاعا في حماية مبادئ ابيه الامام الحسين (ع) فقد انطلق الى ساحات الجهاد عازما على الموت آيسا من الحياة ليحمي مبادئ جده وأبيه ويرفع راية الاسلام عالية خفاقة وينكس اعلام الشرك والالحاد، ويحطم قيود العبودية والذل. 4 - وأوجد الامام في اثناء حكمه القصير وعيا اصيلا في مقارعة الظلم، ومناهضة الجور فقد هب في وجه الحكم الاموي اعلام اصحابه كحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وعبد الله بن عفيف الازدي وامثالهم من الذين تربوا بهدي الامام، فدوخوا اولئك الظالمين بثورات متلاحقة اطاحت بزهوهم وجبروتهم، لقد كان حكم الامام - حقا - مدرسة للنضال والثورة، ومدرسة لبث الوعي الديني والادراك الاجتماعي، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن مخلفات حكومة الامام. خلافة الحسن: وتقلد الامام الحسن (ع) ازمة الخلافة الاسلامية بعد أبيه، فتسلم قيادة حكومة شكلية عصفت بها الفتن، ومزقت جيشها الحروب والاحزاب ولم تعد هناك اية قاعدة شعبية تستند إليها الدولة، فقد كان الاتجاه العام الذي بمثله الوجوه والاشرف مع معاوية، فقد كانوا على اتصال وثيق به قبل مقتل الامام وبعده، كما كان لهم الدور الكبير في افساد جيش الامام حينما مني جيش معاوية بالهزيمة والفرار، وعلى اي حال فان الامام الحسن

[ 112 ]

بعد أن تقلد الخلافة اخذ يتهيا للحرب، وقد أمر بعقد اجتماع عام في جامع الكوفة وقد حضرته القوات المسلحة وغيرها، والقى الامام خطابا رائعا ومؤثرا دعا في الى تلاحم القوى ووحدة الصف، وحذر فيه من الدعايات التي تبثها اجهزة الحكم الاموي، ثم ندب الناس لحرب معاوية فلما سمعوا ذلك وجلت قلوبهم وكمت افواههم، ولم يستجب منهم احد سوى البطل الملهم عدي بن حاتم فانبرى يعلن دعمه الكامل للامام، ووجه اعنف اللوم والتقريع لاهل الكوفة على موقفهم الانهزامي واستبان للامام وغيره ان جيشه لا يريد الحرب، فقد خلع يد الطاعة، وانساب في ميادين العصيان والتمرد. وبعد جهود مكثفة قام بها بعض المخلصين للامام نفر للحرب اخلاط من الناس - على حد تعبير الشيخ المفيد - كان أكثرهم من الخوارج والشكاكين وذوي الاطماع، وهذه العناصر لم تؤمن بقضية الامام، وقد تطعمت بالخيانة والغدر، ويقول الرواة ان الامام اسند مقدمة قيادة جيشه لعبيد الله بن العباس الذي وتره معاوية بابنيه ليكون ذلك داعية اخلاص له و حينما التقى جيشه بجيش معاوية، مد إليه معاوية أسلاك مكره فمناه بميلون درهم يدفع نصفه في الوقت والنصف الاخر إذا التحق به (1) وسال لعاب عبيد الله فاستجاب لدنيا معاوية ومال عن الحق فالتحق بمعسكر الظلم والجور ومعه ثمانية الاف من الجيش (2) غير حافل بالخيانة والعار، ولا بالاضرار الفظيعة التي ألحقها بجيش ابن عمه، فقد تفللت جميع وحداته وقواعده، ولم تقتصر الخيانة على عبيد الله، وانما خان غيره من كبار قادة ذلك


(1) شرح ابن أبي الحديد 4 / 28. (2) تاريخ اليعقوبي 2 / 191. (*)

[ 113 ]

الجيش، فالتحقوا بمعاوية، وتركوا الامام في أرباض ذلك الجيش المنهزم يصعد آهاته وآلامه. ولم تقتصر محنة الامام وبلاؤه في جيشه على خيانة قادة فرقة، وإنما تجاوز بلاؤه الى ما هو أعظم من ذلك، فقد قامت فصائل من ذلك الجيش باعمال رهيبة بالغة الخطورة وهي: 1 - الاعتداء على الامام: وقام الرجس الخبيث الجراح بن سنان بالاعتداء على الامام فطعنه في فخذه بمغول (1) فهوى الامام جريحا، وحمل الى الموانى لمعالجة جرحة (2) وطعنه شخص آخر بخنجر في أثناء الصلاة (3) كما رماه شخص بسهم في أثناء الصلاة إلا انه لم يؤثر فيه شيئا (4) وأيقن الامام أن أهل الكوفة جادون في قتله واغتياله. 2 - الحكم عليه بالكفر. واصيب ذلك الجيش بدينه وعقيدته فقد رموا حفيد نبيهم وريحانته بالكفر والمروق من الدين، فقد جابهه الجراح بن سنان رافعا عقيرته قائلا: " اشركت يا حسن كما أشرك أبوك... " (5). وكان هذا راي جميع الخوارج الذين كانوا يمثلون الاكثرية الساحقة في ذلك الجيش. 3 - الخيانة العظمى: والخيانة العظمى التي قام بها بعض زعماء ذلك الجيش انهم راسلوا


(1) المغول: آلة تشبه السيف. (2) الارشاد (ص 170). (3) و (4) حياة الامام الحسن 2 / 102 - 105: (5) حياة الامام الحسن 2 / 103. (*)

[ 114 ]

معاوية وضمنوا له تسليم الامام اسيرا أو اغتياله متى رغب وشاء، (1) واقض ذلك مضجع الامام فخاف ان يؤسر ويسلم الى معاوية فيمن عليه، ويسجل بذلك يدا لبني أميه على الاسرة النبوية، كما كان (ع) يتحدث بذلك بعد ابرام الصلح 4 - نهب امتعة الامام. وعمد اجلاف أهل الكوفة الى نهب امتعة الامام واجهزته فنزعوا بساطا كان جالسا عليه كما سلبوا منه رداءه (2). هذه بعض الاحداث الرهيبة التي قام بها ذلك الجيش الذي تمرس في الخيانة والغدر. الصلح: ووقف الامام الحسن من هذه الفتن السود موقف الحازم اليقظ الذي تمثلت فيه الحكمة بجميع رحابها ومفاهيمها، فراى انه أمام امرين: 1 - ان يفتح باب الحرب مع معاوية، وهو على يقين لا يخامره ادنى شك ان الغلبة ستكون لمعاوية، فاما ان يقتل هو واصحابه واهل بيته الذين يمثلون القيم الاسلامية، ويخسر الاسلام بتضحيتهم قادته ودعاته من دون ان تستفيد القضية الاسلامية اي شئ فان معاوية بحسب قابلياته الدبلوماسية يحمل المسؤولية على الامام، ويلقي على تضحيته الف حجاب، أو انه يؤسر فيمن عليه معاوية فتكون سبة على بني هاشم وفخرا لبني امية. 2 - ان يصالح معاوية فيحفظ للاسلام رجاله ودعاته، ويبرز في


(1) حياة الامام الحسن 2 / 100. (2) تاريخ اليعقوبي. (*)

[ 115 ]

صلحه واقع معاوية، ويكشف عنه ذلك الستار الصفيق الذي تستر به، وقد اختار (ع) هذا الامر على ما فيه من قذى في العين وشجي في الحلق، ويقول المؤرخون إنه جمع جيشه فعرض عليهم الحرب أو السلم فتعالت الاصوات من كل جانب وهم ينادون. " البقية البقية " (1). لقد استجابوا للذل، ورضوا بالهوان، وما لوا عن الحق، وقد ايقن الامام أنهم قد فقدوا الشعور والاحساس، وانه ليس بالمستطاع أن يحملهم على الطاعة ويكرههم على الحرب فاستجاب - على كره ومرارة - الى الصلح. لقد كان الصلح امرا ضروريا يحتمه الشرع، ويلزم به العقل، وتقضي به الضروف الاجتماعية الملبدة بالمشاكل السياسية فان من المؤكدانه لو فتح باب الحرب لمني جيشه بالهزيمة، ومنيت الامة من جراء ذلك بكارثة لاحد لابعادها. اما كيفية الصلح وشروطه واسبابه وزيف الناقدين له فقد تحدثنا عنها بالتفضيل في كتابنا حياة الامام الحسن (ع). موقف الامام الحسين: والشئ المحقق ان الامام الحسين قد تجاوب فكريا مع أخيه في أمر الصلح، وانه تم باتفاق بينهما فقد كانت الاوضاع الراهنة تقضي بضرورته، وانه لا بد منه، وهناك بعض الروايات الموضوعة تعاكس ما ذكرناه، وان الامام الحسين كان كارها للصلح وقد هم ان يعارضه فانذره أخوه


(1) حماة الاسلام 1 / 123، المجتنى لابن دريد (ص 36). (*)

[ 116 ]

بان يقذفه في بيت فيطينه عليه حتى يتم أمر الصلح، فراى أن من الوفاء لاخيه أن يعطيه ولا يخالف له أمرا فاجابه الى ذلك، وقد دللنا على افتعال ذلك وعدم صحته اطلاقا في كتابنا حياة الامام الحسن. عدي بن حاتم مع الحسين: ولما ابرم أمر الصلح خف عدي بن حاتم ومعه عبيدة بن عمر الى الامام الحسين وقلبه يلتهب نارا فدعا الامام الى اثارة الحرب قائلا: " يا أبا عبد الله شريتم الذل بالعز، وقبلتم القليل وتركتم الكثير، اطعنا اليوم، واعصنا الدهر، دع الحسن، وما راى من هذا الصلح، واجمع إليك شيعتك من اهل الكوفة وغيرها وولني وصاحبي هذه المقدمة، فلا يشعر ابن هند الا ونحن نقارعه بالسيوف. ". فقال الحسين (ع)، " إنا قد بايعنا وعاهدنا ولا سبيل لنقض بيعتنا " (1) ولو كان الحسين يرى مجالا للتغلب على الاحداث لخاض الحرب، وناجز معاوية، ولكن قد سدت عليه وعلى اخيه جميع النوافذ والسبل، فرؤا انه لا طريق لهم الا الصلح. تحول الخلافة: وتحولت الخلافة الاسلامية من طاقتها الاصيلة ومفاهيمها البناءة الى ملك عضوض مستبد لا ظل فيه للعدل، ولا شبح فيه للحق قد تسلطت الطغمة


(1) الاخبار الطوال (ص 203). (*)

[ 117 ]

الحاكمة من نبي امية على الامة وهي تمعن في اذلالها ونهب ثرواتها، وارغامها على المعبودية، يقول بعض الكتاب: " ونجم عن زوال الخلافة الراشدة وانتقال الخلافة الى بني أمية نتائج كبيرة فقد انتصرت أسرة بني أمية على الاسرة الهاشمية، وهذا كان معناه انتصار الارستقراطية القرشية، واصحاب رؤوس المال والمضاربات التجارية على اصحاب المبادئ والمثل، لقد كان نصر معاوية هزيمة لكل الجهود التي بذلت للحد من طغيان الراسمالية القرشية، هزيمة لحلف الفضول، وهزيمة للدوافع المباشرة لقيام الاسلام وحربه على الاستغلال والظلم، هزيمة للمثل والمبادئ، ونجاح للحنكة والسياسة المدعومة بالتجربة والمال، ولقد كان لهذه الهزيمة وقع مفجع على الاسلام واجيال المسلمين. " ويقول (نيكلسون): " واعتبر المسلمون انتصار بني امية وعلى راسها معاوية انتصارا للارستقراطية والوثنية التي ناصبت الرسول واصحابه العداء، والتي جاهدها رسول الله (ص) حتى قضى عليها، وصبر معه المسلمون على جهادها ومقاومتها حتى نصرهم الله، واقاموا على انقاضها دعائم الاسلام ذلك الدين السمح الذي جعل الناس سواسية في السراء والضراء، وازال سيادة رهط كانوا يحتقرون الفقراء، ويستذلون الضعفاء، ويبتزون الاموال.. ". وعلى أي حال فقد فجع العالم الاسلامي - بعد الصلح - بكارثة كبرى فخرج من عالم الدعة والامن والاستقرار الى عالم ملئ بالظلم والجور فقد اسرع الامويون بعد ان استتب لهم الامر الى الاستبداد بشؤون المسلمين، وارغامهم على ما يكرهون. وعانى الكوفيون من الظلم ما لم يعانه غيرهم، فقد اخذت السلطة

[ 118 ]

تحاسيهم حسابا عسيرا على وقوفهم مع الامام في ايام صفين، وعهدت في شؤونهم الى الجلادين امثال المغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه فصبوا عليهم وابلا من العذاب الاليم، واخذ الكوفيون يندبون حظهم التعيس على ما اقترفوه من عظيم الاثم في خذلانهم للامام امير المؤمنين وولده الحسن، وجعلوا يلحون على الامام الحسين بوفودهم ورسائلهم لينقذهم من ظلم الامويين وجورهم الا ان من المدهش حقا انه لما استجاب لهم شهروا في وجهه السيوف، وقطعوا اوصاله واوصال ابنائه على صعيد كربلا... وبهذا ينتهي بنا المطاف عن افول دولة الحق.

[ 119 ]

حكومة معاوية

[ 121 ]

واستقبل المسلمون حكومة معاوية - بعد الصلح - بكثير من الذعر والفزع والخوف، فقد عرفوا واقع معاوية، ووقفوا على اتجاهاته الفكرية والعقائدية فخافوه على دينهم، وعلى نفوسهم واموالهم، وقد وقع ما خافوه فانه لم يكد يستولي على رقاع الدولة الاسلامية حتى اشاع الظلم والجور والفساد في الارض، ويقول المؤرخون انه ساس المسلمين سياسة لم يالفوها من قبل، فكانت سياسته تحمل شارات الموت والدمار، كما كانت تحمل معول الهدم على جميع القيم الاخلاقية والانسانية، وقد انتعشت في عهده الوثنية بجميع مساوئها التي نفر منها الناس، يقول السيد مير علي الهندي: " ومع ارتقاء معاوية الخلافة في الشام عاد حكم التوليغارشية الوثنية: السابقة فاحتل موقع ديمقراطية الاسلام وانتعشت الوثنية بكل ما يرافقها من خلاعات، وكانها بعثت من جديد، كما وجدت الرذيلة والتبذل الخلقي لنفسها متسعا في كل مكان ارتادته رايات حكام الامويين من قادة جند الشام.. " (1) والشئ المؤكد ان حكومة معاوية لم تستند الى رضى الامة أو مشورتها، وانما فرضت عليها بقوة السلاح، وقد اعترف معاوية بذلك اعترافا رسميا بتصريح ادلى به امام جمهور غقير من الناس فقال: " والله ما وليتها - اي الخلافة - بمحبة علمتها منكم ولا مسرة بولايتي، ولكن جالدتكم بسيفي هذا مجالدة، فان لم تجدوني اقوم مجتمعكم كله فاقبلوا مني بعضه.. ". ولما وقعت الامة فريسة تحت انيابه - بعد الصلح - خطب في (النخيلة) خطابا قاسيا اعلن فيه عن جبروته وطغيانه على الامة واستهانته بحقوقها فقد جاء فيه: " والله اني ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا، ولا لتحجوا ولا لتزكوا، انكم لتفعلون ذلك، وانما قاتلتكم لا تامر عليكم،


(1) روح الاسلام (ص 296). (*)

[ 122 ]

وقد اعطاني الله ذلك وانتم له كارهون " (1) ومثل هذا الخطاب الاتجاهات الشريرة التي يحملها معاوية فمن اجل الامرة والسيطرة على العباد اراق دماء المسلمين، واشاع في بيوتهم الثكل والحزن والحداد. ولا بدلنا من دراسة موجزة للمخططات السياسية التي تبنتها حكومة معاوية، وما رافقها من الاحداث الجسام فانها - فيما نعتقد - من المع الاسباب في ثورة الامام الحسين، فقد راى ما مني به المسلمون في هذا العهد من الحرمان والاضطهاد، وما اصيبوا به من الانحراف والتذبذب من جراء النقائص الاجتماعية التي اوجدها الحكم الاموي، فهب سلام الله عليه - بعد هلاك معاوية - الى تفجير ثورته الكبرى التي ادت الى ايقاظ الوعي الاجتماعي الذي اكتسح الحكم الاموي وازال جميع معالمه وآثاره،... وهذه بعض معالم سياسة معاوية. سياسته الاقتصادية: ولم تكن لمعاوية أية سياسة اقتصادية في المال حسب المعنى المصطلح لهذه الكلمة، وانما كان تصرفه في جباية الاموال وانفاقها خاضعا لرغباته واهوائه فهو يهب الثراء العريض للقوى المؤيدة له ويحرم العطاء للمعارضين له، وياخذ الاموال ويفرض الضرائب كل ذلك بغير حق. إن من المقطوع به انه لم يعد في حكومة معاوية اي ظل للاقتصاد الاسلامي الذي عالج القضايا الاقتصادية باروع الوسائل واعمقها، فقد عنى بزيادة الدخل الفردي، ومكافحة البطالة، واذابة الفقر، واعتبر مال


(1) حياة الامام الحسن 2 / 254. (*)

[ 123 ]

الدولة ملكا للشعب يصرف على تطوير وسائل حياته، وازدهار رخائه، ولكن معاوية قد أشاع الفقر والحاجة عند الاكثرية الساحقة من الشعب، وأوجد الرأسمالية عند فئة قليلة راحت تتحكم في مصير الناس وشؤونهم. وهذه بعض الخطوط الرئيسية في سياسته الاقتصادية. الحرمان الاقتصادي: واشاع معاوية الحرمان الاقتصادي في بعض الاقطار التي كانت تضم الجبهة المعارضة له فنشر فيها البؤس والحاجة حتى لا تتمكن من القيام باية معارضة له، وهذه بعض المناطق التي قابلها بالاضطهاد والحرمان. 1 - يثرب: وسعى معاوية لاضعاف يثرب فلم ينفق على المدنيين أي شئ من المال وجهد عل فقرهم وحرمانهم لانهم من معاقل المعارضة لحكمه، وفيهم كثير من الشخصيات الحاقدة على الاسرة الاموية والطامعة في الحكم، ويقول المؤرخون ؟ انه اجبرهم على بيع املاكهم فاشتراها بانجس الاثمان، وقد ارسل القيم على املاكه لتحصيل وارادتها فمنعوه عنها، وقابلوا حاكمهم عثمان بن محمد، وقالوا له: إن هذه الاموال لنا كلها، وان معاوية آثر علينا في عطائنا، ولم يعطنا درهما فما فوقه حتى مضنا الزمان ونالتنا المجاعة فاشتراها بجزء من مائة من ثمنها، فرد عليهم حاكم المدينة باقسى القول وأمره. ووفد على معاوية الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الانصاري فلم ياذن له تحقيرا وتوهينا به فانصرف عنه، فوجه له معاوية بستمائة درهم فردها جابر وكتب إليه: واني لاختار القنوع على الغنى * إذا اجتمعا والماء بالبارد المحض

[ 124 ]

واقضي على نفسي إذ الامر نابني * وفي الناس من يقضي عليه ولا يقضي والبس أثواب الحياء وقد ارى * مكان الغنى الا أهين له عرضي وقال لرسول معاوية: " قل له: والله يابن آكلة الاكباد لا تجد في صحيفتك حسنة أنا سببها أبدا. وانتشر الفقر في بيوت الانصار، وخيم عليهم البؤس حتى لم يتمكن الرجل منهم على شراء راحلة يستعين بها على شؤونه، ولما حج معاوية واجتاز على يثرب استقبله الناس، ومنهم الانصار وكان اكثرهم مشاة فقال لهم: " ما منعكم من تلقي كما يتلقاني الناس ! ! ؟ " فقال له سعيد بن عبادة: " منعنا من ذلك قلة الظهر، وخفة ذات اليد، والحاح الزمان علينا، وايثارك بمعروفك غيرنا ". فقال له معاوية باستهزاء وسخرية: " اين أنتم عن نواضح المدينة ؟ " فسدد له سعيد سهما من منطقه الفياض قائلا: " نحرناها يوم بدر، يوم قتلنا حنظلة بن أبي سفيان " (1) لقد قضت سياسة معاوية بنشر المجاعة في يثرب وحرمان اهلها من الصلة والعطاء، يقول عبد الله بن الزبير: في رسالته الى يزيد " فلعمري ما تؤتينا مما في يدك من حقنا الا القليل وانك لتحبس عنا منه العريض.. " وقد اوعز معاوية الى الحكومه المركزية في يثرب برفع اسعار المواد الغذائية فيها حتى تعم فيها المجاعة، وقد المع الى ذلك يزيد في رسالته التى بعثها للمدينين ووعدهم فيها بالاحسان ان خضعوا لسلطانه، وقد جاء فيها. " ولهم علي عهد أن اجعل الحنطة كسعر الحنطة عندنا، والعطاء


(1) انساب الاشراف ج 1 ق 2 / 73. (*)

[ 125 ]

الذي يذكرون أنه احتبس عنهم في زمان معاوية فهو علي لهم وفرا كاملا. " (1) وقد جعل معاوية الولاة على الحجاز تارة مروان بن الحكم، واخرى سعيد بن العاص وكان يعزل الاول ويولي الثاني، وقد جهدا في اذلال الاهل المدينة وفقرهم. 2 - العراق: اما العراق فقد قابله معاوية بالمزيد من العقوبات الاقتصادية باعتباره المركز الرئيسي للمعارضة، والقطر الوحيد الساخط على حكومته، وكان واليه المغيرة بن شعبة يحبس العطاء والارزاق عن أهل الكوفة، وقد سار حكام الامويين من بعد معاوية على هذه السيرة في اضطهاد العراق وحرمان اهله، فان عمر بن عبد العزيز اعدلهم لم يساو بين العراقيين والشاميين في العطاء، فقد زاد في عطاء الشاميين عشرة دنانير ولم يزد في عطاء اهل العراق (2) لقد عانى العراق في عهد الحكم الاموي اشد الوان الضيق مما جعل العراقيين يقومون بثورات متصلة ضد حكمهم. 3 - مصر: ونالت مصر المزيد من الاضطهاد الاقتصادي فقد كتب معاوية الى عامله: " ان زد على كل امرئ من القبط قيراطا " فانكر عليه عامله وكتب إليه: " كيف ازد عليهم وفي عهدهم ان لا يزاد عليهم " (3). وشمل الضيق الاقتصادي سائر الاقطار الاسلامية ليشغلها عن معارضة حكمه.


(1) الامامة والسياسة 1 / 151. (2) العقد الفريد 4 / 259. (3) حياة الامام موسى بن جعفر 1 / 302. (*)

[ 126 ]

الرفاه على الشام: وبينما كانت البلاد الاسلامية تعاني الجهد والحرمان نجد الشام في رخاء شامل واسعار موادها الغذائية منخفضة جدا، لانها اخلصت للبيت الاموي، وعملت على تدعيم حكمه " فكان الرفاه يعد فيها شائعا، اما ما يؤيد ذلك فهي رسالة يزيد التي ذكرناها قبل قليل.. وقد حملوا أهل الشام على رقاب الناس كما المع الى ذلك مالك بن هبيرة في حديثه مع الحصين بن نمير. يقول له: " هلم فلنبايع لهذا الغلام - اي خالد بن يزيد - الذي نحن ولدنا اباه وهو ابن اختنا، فقد عرفت منزلتنا من ابيه فانه كان يحملنا على رقاب العرب " (1). استخدام المال في تدعيم ملكه: واستخدم معاوية الخزينة المركزية لتدعيم ملكه وسلطانه، واتخذ المال سلاحا يمكنه من قيادة الامة ورئاسة الدولة، يقول السيد مير علي الهندي: " وكانت الثروات التي جمعها معاوية من عمالته على الشام يبذرها هو وبطانته على جنوده المرتزقة الذين ساعدوه بدورهم على اخفات كل همسة ضدهم.. " (2) وكانت هذه السياسة غريبة على المسلمين لم يفكر فيها أحد من الخلفاء السابقين، وقد سار عليها من جاء بعده من خلفاء الامويين فاتخذوا المال


(1) الطبري 7 / 38. (2) روح الاسلام (ص 296). (*)

[ 127 ]

وسيلة لدعم سلطانهم، يقول الدكتور محمد مصطفى: " وكان من عناصر سياسة الامويين استخدام المال سلاحا للارهاب، واداة للتقريب فحرموا منه فئة من الناس، واغدقوه اضعافا مضاعفة لطائفة اخرى ثمنا لضمائرهم، وضمانا لصمتهم. " (1) وجعل شكري فيصل المال احد العاملين الاساسيين اللذين خضع لهما المجتمع الاسلامي خضوعا عجيبا، وكان من جملة الاسباب في فتن السياسة، وسيطرة الطبقة الحاكمة من قريش، كما انه احد الاسباب في وقوع الخلاف ما بين العرب والعجم بل وما بين العرب انفسهم (2) المنح الهائلة لاسرته: ومنح معاوية الاموال الهائلة لاسرته فوهبهم الثراء العريض (3) وذلك لتقوية مركزهم، وبسط نفوذهم على العالم الاسلامي، في حين اشاع البؤس والحرمان عند اغلب فئات الشعب. منح خراج مصر لعمرو: ووهب معاوية خراج مصر لابن العاص، وجعله طعمة له مادام حيا، وذلك لتعاونه معه على مناجزة الامام امير المؤمنين رائد الحق والعدالة في الارض، وقد المعنا الى تفصيل ذلك في البحوث السابقة.


(1) اتجاهات الشعر العربي (ص 27). (2) المجتمعات الاسلامية في القرن الاول (ص 50) لشكري فيصل (3) الفخري (ص 145) (*)

[ 128 ]

هبات الاموال للمؤيدين: واغدق معاوية الاموال الهائلة على المؤيدين له والمنحرفين عن الامام امير المؤمنين وقد اسرف في ذلك الى حد بعيد، ويقول الرواة: ان يزيد بن منبه قدم عليه من البصرة يشكو له دينا قد لزمه، فقال معاوية: لخازن بيت المال اعطه ثلاثين الفا، ولما ولى قال: وليوم الجمل ثلاثين الفا أخرى (1) لقد وهب له هذه الاموال الضخمة جزاءا لمواقفه ومواقف أخيه الذي امد المتردين في حرب الجمل بالاموال التي نهبها من بيت مال المسلمين، وقد حفل التاريخ ببوادر كثيرة من هبات معاوية للقوى المنحرفة عن الامام، والمؤيدة له. شراء الاديان: وفتح معاوية بابا جديدا في سياسته الاقتصادية وهي شراء الاديان وخيانة الذمم، فقد وفد عليه جماعة من اشراف العرب فاعطى كل واحد منهم مائة الف واعطى الحتات عم الفرزدق سبعين الفا، فلما علم الحتات بذلك رجع مغضبا الى معاوية فقال له: " فضحتتني في بني تميم، اما حسبي فصحيح، أو لست ذا سن ؟ الست مطاعا في عشيرتي ؟ ". " بلى.. " " فما بالك خست بي دون القوم واعطيت من كان عليك اكثر ممن


(1) العقد الفريد 1 / 194. (*)

[ 129 ]

كان لك ! ! " فقال معاوية بلا حياء ولا خجل: " إني اشتريت من القوم دينهم، ووكلتك الى دينك " " انا اشتري مني ديني " فامر له باتمام الجائزة (1) لقد خسرت هذه الصفقة التي كشفت عن مسخ الضمائر وتحولها الى سلعة تباع وتشرى. عجز الخزينة المركزية: ومنيت الخزينة المركزية بعجز مالي خطير نتيجة الاسراف في الهبات لشراء الذممم والاديان ولم تتمكن الدولة من تسديد رواتب الموظفين مما اضطر معاوية الى أن يكتب لابن العاص راجيا منه أن يسعفه بشئ من خراج مصر الذي جعله طعمة له فقد جاء في رسالته: " اما بعد: فان سؤال أهل الحجاز، وزوار أهل العراق قد كثر وا علي، وليس عندي فضل من اعطيات الجنود فاعني بخراج مصر هذه السنة.. " ولم يستجب له ابن العاص وراح ينكر عليه، ويذكره باياديه التي اسداها عليه وقد اجابه بهذه الابيات: معاوي إن تدركك نفس شحيحة * فما ورثتني مصر امي ولا ابي وما نلتها عفوا ولكن شرطتها * وقد دارت الحرب العوان على قطب ولولا دفاعي الاشعري وصحبه * لالفيتها ترغو كراغية السغب ولما قرا معاوية الابيات تأثر منه، ولم يعاوده بشئ من امر مصر. (2)


(1) حياة الامام الحسن 2 / 153. (2) الاخبار الطوال (ص 204) (*)

[ 130 ]

مصادرة اموال المواطنين: واضطر معاوية بعد اسرافه وتبذيره الى مصادرة اموال المواطنين ليسد العجز المالي الذي منيت به خزينة الدولة، وقد صادر مواريث الحتات عم الفرزدق فانكر عليه الفرزدق وقال يهجوه: ابوك وعمي يا معاوى أورثا * تراثا فيختار التراث اقاربه فما بال ميراث الحتات اخذته * وميراث صخر جامد لك ذائبه فلو كان هذا الامر في جاهلية * علمت من المرء القليل حلائبه ولو كان في دين سوى ذا شنئتم * لنا حقنا أو غص بالماء شاربه الست اعز الناس قوما وأسرة * وامنعهم جارا إذا ضيم جانبه وما ولدت بعد النبي وآله * كمثلي حصان في الرجال يقاربه وبيتي الى جنب الثريا فناؤه * ومن دونه البدر المضئ كواكبه أنا ابن الجبال الشم في عدد الحصى * وعرق الثرى عرقي فمن ذا يحاسبه وكم من أب لي يا معاوى لم يزل * اغر يبارى الريح ازور جانبه نمته فروع المالكين ولم يكن * ابوك الذي من عبد شمس يقاربه (1) ومعنى هذه الابيات ان الاموال التي خلفها صخر جد معاوية قد انتقلت الى وراثة في حين ان ميراث عم الفرزدق قد صادره معاوية، ولو كان ذلك في الجاهلية لكان معاوية اقصر باعا من أن تمتد يده إليه، فان الفرزدق ينتمي الى اسرة هي من اعز الاسر العربية وامنعها.


(1) ابن الاثير 3 / 232، ديوان الفرزدق (ص 246) (*)

[ 131 ]

ضريبة النيروز: وفرض معاوى على المسلمين ضريبة النيروز ليسد بها نفقاته، وقد بالغ في ارهاق الناس واضطهادهم على ادائها، وقد بلغت فيما يقول المؤرخون عشرة ملايين درهم (1) وهي من الضرائب التي لم يالفها، المسلمون، وقد اتخذها الخلفاء من بعده سنة فارغموا المسلمين على ادائها. نهب الولاة والعمال: واصبحت الولاية في عهد معاوية مصدرا من مصادر النهب والسرقة، ومصدرا للثراء وجمع الاموال، يقول انس بن أبي اناس لحارثة الغذاني صاحب زياد بن أبيه حينما ولي على (سرق) وهي احدى كور الاهواز: احار بن بدر قد وليت امارة * فكن جرذا فيها تخون وتسرق وباه تميما بالغنى ان للغنى * لسانا به المرء الهيوبة ينطق ولا تحقرن ياحار شيئا أصبته * فحظك من ملك العراقيين سرق (2) ويصف عقبة بن هبيرة الاسدي ظلم الولاة واستصفائهم اموال الرعية بقوله: معاوي اننا بشر فاسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديد (3) اكلتم ارضنا فجردتموها * فهل من قائم أو من حصيد


(1) الحركات الفكرية في الاسلام (ص 42) تاريخ التمدن الاسلامي 2 / 22 (2) الشعر والشعراء (ص 462). (3) السجح: السهولة والين. (*)

[ 132 ]

فهبنا أمة ذهبت ضياعا * يزيد أميرها وابو يزيد أتطمع في الخلافة إذ هلكنا * وليس لنا ولالك من خلود ذروا خول الخلافة واستقيموا * وتامير الاراذل والعبيد واعطونا السوية لا تزركم * جنود مردفات بالجنود (1) وقد عانى المسلمون ضروبا شاقة وعسيرة من جور الولاة وظلم الجباة، فقد تمرسوا بالسلب والنهب، ولم يتركوا عند احد من الناس فضلا من المال الا صادروه: جباية الخراج: اما جباية الخراج فكانت خاضعة لرغبات الجباة واهوائهم، وقد سال صاحب اخنا عمرو بن العاص عن مقدار ما عليه من الجزية فنهره ابن العاص وقال له: " لو اعطيتني من الارض الى السقف ما اخيرتك ما عليك انما انتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم، وان خفف عنا خففنا عنكم.. " (2) وهدمت هذه الاجراءات الظالمة جميع قواعد العدل والمساوات التي جاء بها الاسلام. اصطفاء الذهب والفضة: وأوعز معاوية الى زياد بن أبيه ان يصطفي له الذهب والفضة فقام


(1) خزانة الادب 2 / 225. (2) تاريخ التمدن الاسلامي 2 / 79 - 80. (*)

[ 133 ]

زياد مع عماله باجبار المواطنين على مصادرة ما عندهم من ذلك وارساله الى دمشق (1) وقد ضيق بذلك على الناس، وترك الفقر آخذا بخناقهم. شل الحركة الاقتصادية: وشلت الحركة الاقتصادية في جميع انحاء البلاد فخربت الزراعة والثجارة، واصيب الاقتصاد العام بنكسة شاملة نتيجة تبذير معاوية واسرافه، وقد اعلن ذلك عبد الله بن همام السلولي فقد كتب شعرا في رقاع والقاها في المسجد الجامع يشكو فيها الجور الهائل والمظالم الفظيعة التي صبها معاوية وعماله على الناس وهذه هي الابيات: الا ابلغ معاوية بن صخر * فقد خرب السواد فلا سوادا ارى العمال اقساء علينا * بعاجل نفعهم ظلموا العبادا فهل لك ان تدارك بالدنيا * وتدفع عن رعيتك الفسادا وتعزل تابعا ابدا هواه * يخرب من بلادته البلادا إذا ما قلت اقصر عن هواه * تمادى في ضلالته وزادا (2) وقد صور السلولي بهذه الابيات سوء الحالة الاقتصادية وتسلط الولاة على ظلم الرعية ودعا السلطة الى عزلهم واقصائهم عن وظائفهم فقد جهدوا في خراب السواد وامتصوا الدماء، واتبعوا الهوى، وظلوا عن طريق القويم.


(1) حياة الامام موسى بن جعفر 1 / 301. (2) الاسلام والحضارة العربية 2 / 149 - 150. (*)

[ 134 ]

حجة معاوية: ويرى معاوية ان اموال الامة وخزينتها المركزية ملك له يتصرف فيها حيث ما شاء يقول: " الارض لله، وأنا خليفة الله، فما اخذ من مال الله فهو لي، وما تركته كان جائزا الي. " (1) وهذا المنطق بعيد عن روح الاسلام، وبعيد عن اتجاهاته فقد قنن اسسه الاقتصادية على اساس ان المال مال الشعب، وان الدولة ملزمة بتنميته وتطويره، وليس لرئيس الدولة وغيره ان يتلاعب باقتصاد الامة وينفقه على رغباته واهوائه فان ذلك يؤدى الى اذاعة الحاجة ونشر البطالة ويعرض البلاد للازمات الاقتصادية... لقد اعتبر الاسلام الفقر كارثة اجتماعية ووباءا شاملا يجب مكافحته بكل الطرق والوسائل، وليس لرئيس الدولة ان يصطفي من مال الامة اي شئ، هذا هو راي الاسلام، ولكن معاوية - بصورة لا تقبل الجدل - لم يع ذلك، فتصرف باموال المسلمين حسب رغباته واهوائه. هذه بعض معالم سياسة معاوية الاقتصادية التي فقدت روح التوازن واشاعت اليؤس والحرمان في البلاد. سياسة التفريق: وبنى معاوية سياسته على تفريق كلمة المسلمين وتشتيت شملهم، وبث روح التفرقة والغضاء بينهم، ايمانا منه بان الحكم لا يمكن أن يستقر له الا في


(1) حياة الامام موسى بن جعفر 1 / 301. (*)

[ 135 ]

تفلل وحدة الامة، واشاعة العداء بين ابنائها، يقول العقاد: " وكانت له - اي لمعاوية - حيلته التي كررها واتقنها وبرع فيها، واستخدمها مع خصومه في الدولة من المسلمين وغير المسلمين، وكان قوام تلك الحيلة العمل الداثب على التفرقة والتخذيل بين خصومه بالقاء الشبهات بينهم، واثارة الاحن فيهم، ومنهم من كانوا من أهل بيته وذوي قرباه.. كان لا يطيق ان يرى رجلين ذوي خطر على وفاق، وكان التنافس الفطري بين ذوي الاخطار مما يعينه على الايقاع بهم ". (1) لقد شتتت كلمة المسلمين، وفصم عرى الاخوة الاسلامية التي عقد أواصرها الرسول الكريم، وبنى عليها مجتمعه. اضطهاد الموالي: وبالغ معاوية في اضطهاد الموالي واذلالهم، وقد رام ان يبيدهم ابادة شاملة يقول المؤرخون: انه دعا الاحنف بن قيس وسمرة بن جندب وفال لهما: " اني رايت هذه الحمراء فد كثرت، وأراها قد قطعت على السلف، وكاني انظر الى وثبة منهم على العرب والسلطان، فقد رايت أن اقتل شطرا منهم، وادع شطرا لاقامة السوق وعمارة الطريق ". ولم يرتض الاحنف وسمرة هذا الاجراء الخطير فاخذا يلطفان به حتى عدل عن رأيه. (2) لقد سن معاوية اضطهاد الموالي، واخذت الحكومات التي تلت من بعده تشيع فيهم الجور والحرمان بالرغم من اشتراكهم في الميادين العسكرية


(1) معاوبة في الميزان (ص 64) (2) العقد الفريد 2 / 260. (*)

[ 136 ]

وغيرها من اعمال الدولة، يقول شاعر الموالي شاكيا مما ألم بهم من الظلم: ابلغ امية عني إن عرضت لها * وابن الزبير وابلغ ذلك العربا ان الموالي اضحت وهي عاتبة * على الخليفة تشكوا الجوع والحربا وانبرى احد الخراسانيين الى عمر بن عبد العزيز يطالبه بالعدل فيهم قائلا: له: " يا امير المؤمنين عشرون الفا من الموالي يغزون بلا عطاء، ولا رزق، ومثلهم قد اسلموا من أهل الذمة يؤدون الخراج. " (1) وكان الشعبي قاضي عمر بن عبد العزيز قد بغض المسجد حتى صار ابغض إليه من كناسة داره - حسب ما يقول - لان الموالي كانت تصلي فيه (2) وقد اضطر الموالي الى تأسيس مسجد خاص لهم اسموه (مسجد الموالي) كانوا يقيمون الصلاة فيه (3) ويميل خودا بخش الى الظن انهم انما اضطروا الى تادية صلاتهم فيه بعدما رؤوا تعصب العرب ضدهم، وانهم لم يكونوا يسمحون لهم بالعبادة معهم في مسجد واحد (4) وكان الموالي يلطفون بالرد على العرب ويدعونهم الى الهدى قائلين: " اننا لا ننكر تباين الناس، ولا تفاضلهم، ولا السيد منهم والمسود، والشريف والمشروف، ولكننا نزعم ان تفاضل الناس فيما بينهم هو ليس بابائهم، ولا باحسابهم ولكنه بافعالهم واخلاقهم، وشرف انفسهم، وبعد همهم، فمن كان دنئ الهمة، ساقط المرؤءة لم يشرف وان كان من بني هاشم في ذؤابتها ! ! إنما الكريم من كرمت افعاله، والشريف من


(1) الطبري 8 / 134، الكامل 5 / 19. (2) طبقات ابن سعد 6 / 175. (3) الطبري في احداث سنة 245. (4) الحضارة الاسلامية 1 / 43. (*)

[ 137 ]

شرفت همته. " (1) ولم يع الامويون ومن سار في ركابهم هذا المنطق المشتق من واقع الاسلام وهديه الذي أمر ببسط المساواة والعدل بين جميع الناس من دون فرق بين قومياتهم. وعلى أي حال فقد ادت هذه السياسة العنصرية الى اشاعة الاحقاد بين المسلمين واختلاف كلمتهم، كما ادت الى تجنيد الموالي لكل حركة ثورية تقوم ضد الحكم الاموي وكانوا بالاخير هم القوة الفعالة التي اطاحت بالامويين وطوت معالمهم وآثارهم. العصبية القبلية: وتبعا لسياسة التحزب والتفريق التي سار عليها الامويون فقد احيوا العصبيات القبلية، وقد ظهرت في الشعر العربي صورا مريعة ومؤلمة من الوان ذلك الصراع الذي كانت تخلقه السلطة الاموية لاشغال الناس بالصراع القبلي عن التدخل في الشؤون السياسية، وابعادهم عما يقننه معاوية من الظلم والجور، ويقول المؤرخون: إنه عمد الى اثارة الاحقاد القديمة ما بين الاوس والخزرج محاولا بذلك التقليل من أهميتهم، واسقاط مكانتهم امام العالم العربي والاسلامي.. كما تعصب لليمنيين على المضربين، واشعل نار الفتنة فيما بينهم حتى لا تتحد لهم كلمة تضر بمصالح دولته. وسار عمال معاوية على وفق منهج سياسته التخريبية فكان زياد بن أبيه يضرب القبائل بعضها ببعض ويؤجج نار الفتنة فيما بينها حتى تكون تحت مناطق نفوذه يقول ولها وزن: " وعرف زياد كيف يخضع القبائل


(1) العقد الفريد 258 2 - 259. (*)

[ 138 ]

بان يضرب احداها بالاخرى، وكيف يجعلها تعمل من اجله، وافلح في ذلك.. " (1). وحفلت مصادر التاريخ ببوادر كثيرة من الوان التناحر القبلي الذي اثاره معاوية وعماله مما ادى الى انتشار الصغائن بين المسلمين، وقد عانى الاسلام من جراء ذلك أشد الوان المحن فقد أوقف كل نشاط مثمر له " وخولف ما كان يدعو له النبي (ص) من الناخي والتعاطف بين المسلمين. سياسة البطش والجبروت: وساس معاوية الامة سياسة بطش وجبروت فاستهان بمقدراتها وكرامتها، وقد اعلن - بعد الصلح - انه انما قاتل المسلمين وسفك دماءهم ليتامر عليهم، وان جميع ما اعطاه للامام الحسن (ع) من شروط فهي تحت قدميه لا يفي بشئ منها، وقد ادلى بتصريح عبر فيه عن كبريائه وجبروته فقال: " نحن الزمان من رفعناه ارتفع، ومن وضعناه اتضع.. (2) وسار عماله وولاته على هذه الخطة الغادرة فقد خطب عتبة بن أبي سفيان بمصر فقال: " يا حاملي الام أنوف ركبت ببن أعين، إني قلمت اظفاري عنكم ليلين مسيئكم وسالتكم اصلاحكم إذا كان فسادكم باقيا عليكم فاما إذا أبيتم الا الطعن على السلطان والنقض للسلف، فوالله لا قطعن بطون السياط على ظهوركم، فان حسمت اداواءكم والا فان السيف من ورائكم، فكم حكمة منا لم تعها قلوبكم، ومن موعظة منا صمت عنها آذانكم، ولست ابخل


(1) الدولة العربية (ص 207) (2) نهاية الارب 6 / 7. (*)

[ 139 ]

بالعقوبة إذا جدتم بالمعصية.. " (1) وخاطب المصريين في خطاب آخر له فقال: " يا أهل مصر إياكم أن تكونوا للسيف حصيدا فان لله ذبيحا لعثمان لا تصيروا الى وحشة الباطل بعد انس الحق باحياء الفتنة، واماتة السنن فاطاكم والله وطاة لا رمق معها حتى تنكروا ما كنتم تعرفون ". (2) ومثلت هذه القطع من خطابه مدى احقاده على الامة وتنكره لجميع قيمها وأهدافها ومن اولئك الولاة الذين كفروا بالحق والعدل، خالد القسري، فقد خطب في مكة، وهو يهدد المجتمع بالدمار والفناء، فقد جاء في خطابه: " أيها الناس عليكم بالطاعة، ولزوم الجماعة، وإياكم والشبهات فاني - والله - ما أوتي لي باحد يطعن على امامه الا صلبته في الحرم.. (3) وكانت هذه الظاهرة ماثلة عند جميع حكام الامويين وولاتهم يقول الوليد بن يزيد: فدع عنك ادكارك آل سعدى * فنحن الاكثرون حصى ومالا ونحن المالكون الناس قسرا * نسومهم المذلة والنكالا ونوردهم حياض الخسف ذلا * وما نالوهم الا خبالا (4) وصورت هذه الابيات مدى استهانته بالامة، فانه مع بقية الحكام من اسرته، قد ملكوا الناس بالغلبة والقوة، وانهم يسومونهم الذل، ويوردونهم حياض الخسف... ومن اولئك الملوك عبد الملك بن مروان


(1) تهذيب الكامل للمبرد 1 / 17. (2) العقد الفريد 2 / 159. (3) تاريخ الطبري 8 / 80. (4) حياة الامام موسى بن جعفر 1 / 387. (*)

[ 140 ]

فقد خطب في يثرب امام ابناء المهاجرين والانصار فقال: " الا وإني لا أداوي أمر هذه الامة الا بالسيف حتى تستقيم قناتكم، وانكم تحفظون أعمال المهاجرين الاولين، ولا تعملون مثل عملهم، وانكم تأمروننا بتقوى الله، وتنسون انفسكم والله لا يامرني احد بتقوى الله بعد مقامي هذا - الا ضربت عنقه.. " (1) وحفل هذا الخطاب بالطغيان الفاجر على الامة، فهو لا يرى حلا لازماتها الا بسفك الدماء واشاعة الجور والارهاب، اما بسط العدل ونشر الدعة والرفاهية بين الناس فلم يفكر به ولا دار بخلده ولا في خلد واحد من حكام الامويين. احتقار الفقراء: وتبنى الحكم الاموي في جميع ادواره اضطهاد الفقراء واحتقار الضعفاء، ويقول المؤرخون ان بني امية كانوا لا يسمحون للفقراء بالدخول الى دوائرهم الرسمية الا في آخر الناس يقول زياد بن ابيه لعجلان حاجبه: - كيف تأذن للناس ؟ - على البيوتات، ثم على الاسنان، ثم على الادب. - من تؤخر ؟ - الذين لا يعبا الله بهم. - من هم ؟ - الذين يلبسون كسوة الشتاء في الصيف، وكسوة الصيف في الشتاء. (2)


(1) تاريخ ابن الاثير 4 / 33. (2) نهاية الارب 6 / 86. (*)

[ 141 ]

وهدمت هذه السياسة قواعد العدل والمساواة التي جاء بها الاسلام فانه لم يفرق بين المسلمين وجعلهم سواسية كاسنان المشط. سياسة الخداع: واقام معاوية دولته على المخاتلة والخداع فلا ظل للواقع في اي تحرك من تحركاته السياسية، فما كان مثل ذلك الضمير المتحجر ان يعي الواقع أو يفقه الحق، وقد حفل التاريخ بصور كثيرة من خداعه، وهذه بعضها: 1 - لما دس معاوية السم الى الزعيم الكبير مالك الاشتر اقبل على اهل الشام فقال لهم: " ان عليا وجه الاشتر الى مصر فادعوا الله ان يكفيكموه. " فكان اهل الشام يدعون عليه في كل صلاة، ولما اخبر بموته انبا اهل الشام بان موته نتج عن دعائهم لانهم حزب الله، ثم همس في اذن ابن العاص قائلا له: " ان لله جنودا من عسل ". (1) 2 - ومن خداع معاوية وأضاليله ان جرير اليجلي لما اوفده الامام الى معاوية يدعوه الى بيعته، طلب معاوية حضور شرحبيل الكندي، وهو من ابرز الشخصيات في الشام وقد عهد الى جماعة من اصحابه ان ينفرد كل واحد منهم به، ويلقي في روعه ان عليا هو الذي قتل عثمان بن عفان، ولما قدم عليه شرحبيل اخبره معاوية بوفادة جرير، وانه يدعوه الى بيعة الامام، وقد حبس نفسه في البيعة حتى ياخذ رأيه لان الامام قد قتل عثمان، وطلب منه شرحبيل ان يمهله لينظر في الامر، فلما خرج التقى به القوم كل على انفراده، واخبروه ان الامام هو المسؤول


(1) شرح النهج 2 / 23. (*)

[ 142 ]

عن اراقة دم عثمان فلم يشك الرجل في صدقهم فانبرى الى معاوية وهو يقول له: " يا معاوية اين الناس ؟ الا ان عليا قتل عثمان، والله ان بايعت لنخرجنك من شامنا ولنقتلنك. " فقال معاوية مخادعا له: " ما كنت لاخالف عليكم ما أنا الا رجل من أهل الشام.. " (1) بمثل هذا الخداع والبهتان اقام دعائم سلطانه، وبنى عليه عرش دولته. 3 - ومن الوان خداعه لاهل الشام انه لما راسل الزعيم قيس بن سعد يستميله ويمنيه بسلطان العراقيين وبسلطان الحجاز لمن احب من اهل بيته ان صار معه فرد عليه قيس باعنف القول فاظهر معاوية لاهل الشام انه قد بايع، وأمرهم بالدعاء له واختلق كتابا نسبه إليه وقد قراه عليهم وهذا نصبه: " اما بعد: ان قتل عثمان كان حدثا في الاسلام عظيما، وقد نظرت لنفسي وديني فلم ار بوسعي مظاهرة قوم قتلوا امامهم مسلما محرما برا تقيا فنستغفر الله لذنوبنا الا واني قد القيت لكم بالسلام، واحببت قتال قتلة امام الهدى المظلوم، فاطلب مني ما احببت مني من الاموال والرجال اعجله إليك.. " (2) وبهذه الاساليب المنكرة خدع أهل الشام وزج بهم لحرب وصي رسول الله (ص) و باب مدينة علمه. 4 - لقد كان الخداع من ذاتيات معاوية، ومن العناصر المقومة لسياسته، وقد بهر ولده يزيد حينما بويع وكان الناس يمدحونه فقال لابيه:


(1) شرج النهج 1 / 129. (2) شرح النهج 2 / 23. (*)

[ 143 ]

" يا امير المؤمنين ما ندري انخدع الناس ام يخدعوننا ؟ ؟ ". فاجابه معاوية: " كل من اردت خديعته فتخادع له حتى تبلغ منه حاجتك فقد خدعته ". (1) لقد جر معاوية ذيله على الخداع وغذي به أهل مملكته حتى نشا جبل كانت هذه الظاهرة من ابرز ما عرف منه. اشاعة الانتهازية: وعملت حكومة معاوية على اشاعة الانتهازية والوصولية بين الناس، ولم يعد ماثلا عند الكثيرين منهم ما جاء به الاسلام من ايثار الحق ونكران الذات، ومن مظاهر ذلك التذبذب ما رواه المؤرخون ان يزيد بن شجرة الرهاوي قد وفد على معاوية، وبينما هو مقبل على سماع حديثه إذ اصابه حجر عاثر فادماه فاظهر تصنعا عدم الاعتناء به فقال له معاوية: " لله انت ما نزل بك ! ! ؟ " " ما ذاك يا امير المؤمنين ؟ " " هذا دم وجهك يسيل.. " " إن حديث امير المؤمنين الهاني حتى غمز فكري فما شعرت بشئ حتى نبهني امير المؤمنين. " فبهر معاوية وراح يقول: " لقد ظلمك من جعلك في الف من العطاء، واخرجك من عطاء ابناء المهاجرين، وكماة أهل صفين. " وامر له بخمسمائة الف درهم،


(1) الكامل للمبرد 1 / 305. (*)

[ 144 ]

وزاد في عطائه الف درهم. (1) وكانت هذه الظاهرة سائدة في جميع ادوار الحكم الاموي فقد ذكر المؤرخون ان اسماعيل بن يسار كان زبير الهوى فلما ظفر آل مروان بال الزبير انقلب اسماعيل عن رأيه واصبح مروانيا، وقد استاذن على الوليد فاخره ساعة فلما اذن له دخل وهو يبكي فسأله الوليد عن سبب بكائه فقال: " اخرتني وأنت تعلم مروانيتي، ومروانية أبي " وأخذ الوليد يعتذر منه، وهو لا يزداد الا اغراقا في البكاء، فهون عليه الوليد واحسن صلته، فلما خرج تبعه شخص ممن يعرفه فسأله عن مروانيته التي ادعاها متى كانت ؟ فقال له: " بغضنا لال مروان، وهي التي حملت أباه يسار في حال موته ان يتقرب الى الله بلغن مروان بن الحكم، وهي التي دعت امه ان تلعن آل مروان مكان ما تتقرب به الى الله من التسبيح.. " (2) ونقل المؤرخون بوادر كثيرة من الوان هذا الخداع الذي ساد في تلك العصور وهو من دون شك من مخلفات سياسة معاوية الذي ربى جيله على التذبذب والانحراف عن الحق. الخلاعة والمجون: وعرف معاوية بالخلاعة والمجون، يقول ابن ابي الحديد: " كان معاوية أيام عثمان شديد التهتك موسوما بكل قبيح، وكان في أيام عمر يستر نفسه قليلا خوفا منه الا انه كان يلبس الحرير والديباج ويشرب في


(1) التاج في اخلاق الملوك (ص 55). (2) الاغاني 4 / 120. (*)

[ 145 ]

آنية الذهب والفضة، ويركب البغلات ذوات السروج المحلات بها - اي بالذهب - وعليها جلال الديباج والوشي، وكان حينئذ شابا وعند نزق الصبا، واثر الشبيبة وسكر السلطان والامرة، ونقل الناس عنه في كتب السيرة انه كان يشرب الخمر في ايام عثمان في الشام... ولا خلاف في انه سمع الغناء، وطرب عليه، ووصل عليه ايضا. وتأثر به ولده يزيد فكان مدمنا خليعا مستهترا، وتأثر بهذا السلوك جميع خلفاء بني أمية، يقول الجاحظ: " وكان يزيد - يعني بن معاوية - لا يمسي الا سكرانا، ولا يصبح الا مخمورا، وكان عبد الملك بن مروان يسكر في كل شهر مرة حتى لا يعقل في السماء هو أو في الماء.. وكان الوليد ابن عبد الملك يشرب يوما، ويدع يوما، وكان سليمان بن عبد الملك يشرب في كل ثلاث ليال ليلة، وكان هشام يشرب في كل جمعة، وكان يزيد بن الوليد، والوليد بن يزيد يدمنان اللهو والشراب، فاما يزيد بن الوليد فكان دهره بين حالتي سكر وخمار، ولا يوجد ابدا الا ومعه احدى هاتين، وكان مروان بن محمد يشرب ليلة الثلاثاء وليلة السبت. (1) وولى هشام بن عبد الملك الوليد على الحج سنة (119 ه‍) فحمل معه كلابا في صناديق فسقط منها صندوق وفيه كلب.. وحمل معه قبة عملها على قدر الكعبة ليضعها عليها، وحمل معه خمرا، واراد أن ينصب القبة على الكعبة ويجلس فيها فخوفه اصحابه، وقالوا له: لا نامن الناس عليك وعلينا فترك (2) ووفد علي بن عباس على الوليد بن يزيد في خلافته، وقد أتي بابن شراعة من الكوفة، فبادره قائلا: " والله ما بعثت اليك لاسالك عن كتاب الله وسنة رسوله.. "


(1) التاج في اخلاق الملوك (ص 151). (2) الطبري 8 / 288. (*)

[ 146 ]

فضحك ابن شراعة وقال: - انك لو سألتني عنهما لوجدتني حمارا. - أنا ارسلت إليك لاسالك عن القهوة - أي الخمر - اخبرني عن الشراب ؟ - يسال امير المؤمنين عما بدا له. - ما تقول في الماء ؟ - لا بد منه والحمار شريكي فيه. وأخذ يساله عن المشروبات حتى انتهى الى الخمر فقال له: - ما تقول في الخمر ؟ أواه تلك صديق روحي. - أنت والله صديق روحي. (1) وأرسل الوليد الى عامله على الكوفة يطلب منه أن يبعث إليه الخلعاء والشعراء الماجنين ليستمع ما يلهو به من الفسق والمجون، وقد سخر جميع اجهزة دولته للذاته وشهواته، وكتب الى واليه على خراسان أن يبعث إليه ببرابط وطنابير، وقال احد شعراء عصره ساخرا منه: ابشر يا امين الله * ابشر بتباشير بابل يحمل المال * عليها كالانابير (2) بغال تحمل الخمر * حقائبها طنابير فهذا لك في الدنيا * وفي الجنة تحبير (3) وسادت اللذة واللهو في المجتمع العربي، وتهالك الناس على الفسق


(1) نهاية الارب 4 / 93، العقد الفريد 3 / 184. (2) الانابير: اكداس من الطعام. (3) تاريخ الطبري 8 / 298. (*)

[ 147 ]

والفجور، ومن طريف ما ينقل في هذا الموضوع انه أوتي بشيخ الى هشام ابن عبد الملك وكان معه قيان وخمر وبربط، فقال: اكسروا الطنبور على راسه فبكى الشيخ فقال له احد الجالسين عليك بالصبر، فقال له الشيخ اتراني أبكي للضرب ؟ انما ابكي لاحتقاره البربط إذ سماه طنبورا (1) لقد كانت سيرة الامويين في جميع ادوارهم امتدادا لسيرة معاوية الذي اشاع حياة اللهو والخلاعة في البلاد للقضاء على اصالة الامة، وسلب وعيها الديني والاجتماعي. اشاعة المجون في الحرمين: وعمد معاوية الى اشاعة الدعارة والمجون في الحرمين للقضاء على قدسيتهما واسقاط مكانتهما الاجتماعية في نفوس المسلمين، يقول العلائلي: " وشجع الامويون حياة المجون في مكة والمدينة الى حد الاباحة، فقد استاجر طوائف من الشعراء والمخنثين من بينهم عمر بن أبي ربيعة لاجل أن يمسحوا عاصمتي مكة والمدينة بمسحة لا نليق، ولا تجعلهما صالحتين للزعامة الدينية. وقد قال الاصمعي: دخلت المدينة فما وجدت الا المخنثين، ورجلا يضع الاخبار والطرف: " (2) وقد شاعت في يثرب مجالس الغناء، وكان الوالي يحضرها ويشارك فيها (3) وانحسرت بذلك روح الاخلاق، وانصرف الناس عن المثل العليا التي جاء بها الاسلام.


(1) تاريخ الطبري 8 / 285. (2) سمو المعنى في سمو الذات (ص 30). (3) العقد الفريد 3 / 241. (*)

[ 148 ]

الاستخفاف بالقيم الدينية: واستخف معاوية بكافة القيم الدينية، ولم يعن بجميع ما جاء به الاسلام من الاحكام فاستعمل اواني الذهب والفضة، واباح الربا، وتطيب في الاحرام، وعطل الحدود، (1) وقد الغيت معظم الاحكام الاسلامية في اغلب ادوار الحكم الاموي، وفي ذلك يقول شاعر الاسلام الكميت: وعطلت الاحكام حتى كاننا * على ملة غير التي نتنحل أأهل كتاب نحن فيه وانتم * على الحق نقضي بالكتاب ونعدل كان كتاب الله يعني بامره * وبالنهي فيه الكوذني المركل (2) فتلك ملوك السوء قد طال ملكهم * فحتام حتام العناء المطول وما ضرب الامثال في الجور قبلنا * لاجور من حكامنا المتمثل (3) واستخف معاوية بالمقدسات الاسلامية واحتقرها، يقول الرواة إنه لما تغلب قيل له ! لو سكنت المدينة، فهي دار الهجرة، وبها قبر النبي (ص) فقال: قد ظللت إذا وما أنا من المهتدين (4) واقتدى به في ذلك جميع بني أمية فقد انبرى يحيى بن الحكم الى عبد الله بن جفعر فقال له: " كيف تركت الخبيثة - يعني مدينة رسول الله (ص) - ؟ " فانكر عليه ابن جعفر وصاح به:


(1) ذكرنا مصادر هذه الاحداث في الجزء الثاني من كتابنا (حياة الامام الحسن). (2) الكوذني: البليد. (3) للهاشميات (ص 111). (4) المناقب والمثالب (ص 70) للقاضي نعمان المصري. (*)

[ 149 ]

" سماها رسول الله (ص) طيبة وتمسيها خبيثة، فد اختلفتما في الدنيا وستختلفان في الاخرة.. " قال يحيى: " والله لان أموت وادفن بارض الشام المقدسة أحب إلي من ان أدفن بها. " فقال له: " اخترت مجاورة اليهود والنصارى على مجاورة رسول الله (ص) والمهاجرين ". (1) استلحاق زياد: ومن مظاهر استخفاف معاوية بالقيم الاسلامية استلحاقه زياد بن عبيد الرومي، والصاقه بنسبه من دون بينة شرعية، وانما اعتمد على شهادة ابي مريم الخمار وهو مما لا يثبت به نسب شرعي، وقد خالف بذلك قول رسول الله (ص): " الولد للفراش وللعاهر الحجر ". لقد قام بذلك انطلاقا وراء اهدافه السياسية، وتدعيما لحكمه وسلطانه... ومن طريف ما ينقل في الموضوع ان نصر بن حجاج خاصم عبد الرحمن بن خالد ابن الوليد عند معاوية في عبد الله مولى خاليد بن الوليد فامر معاوية حاجبه أن يؤخرهما حتى يحتفل مجلسه، فلما اكتمل مجلسه، أمر بحجر فادني منه، والقى عليه طرفا من ثيابه ثم اذن لهما، فترافعا عنده في شان عبد الله فقال له نصر: " إن اخي وابن أبي عهد الي انه - يعني عبد الله - منه " وقال عبد الرحمن: " مولاي وابن عبد ابي وامته ولد على فراشه "


(1) انساب الاشراف ج 1 ق 1. (*)

[ 150 ]

واصدر معاوية الحكم في المسالة فقال يا حرسي: خذ هذا الحجر فادفعه الى نصر بن حجاج، فقد قال رسول الله (ص): الولد للفراش وللعاهر الحجر ". وانبرى نصر فقال: " افلا اجريت هذا الحكم في زياد ؟ " فقال معاوية: " ذلك حكم معاوية وهذا حكم رسول الله (1). انكار الامام الحسين: وانكر الامام الحسين (ع) على معاوية هذا الاستلحاق الذي خالف به قول رسول الله (ص) فكتب إليه مذكرة تضمنت الاحداث الجسام التي اقترفها معاوية وقد جاء فيها: " أو لست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول الله (ص) " الولد للفراش وللعاهر الحجر " فتركت سنة رسول الله تعمدا واتبعت هواك بغير هدى من الله لقد اثار استلحاق معاوية لزياد موجة من الغضب والاستياء عند الاخيار والمتحرجين في دينهم، وقد بسطنا الكلام في ذلك في كتابنا (حياة الامام الحسن [ ع ]). الحقد على النبي: وحقد معاوية على النبي (ص) فقد مكث في ايام خلافته اربعين


(1) الطبري: ج 10 / 480، العقد الفريد: 6 / 133. (*)

[ 151 ]

جمعة لا يصلي عليه، وساله بعض اصحابه عن ذلك فقال: " لا يمنعني عن ذكره الا ان تشمخ رجال بانافها (1) وسمع المؤذن يقول: اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله، فلم يملك اهابه، واندفع يقول: " لله ابوك يا ابن عبد الله لقد كنت عالي الهمة، ما رضيت لنفسك الا ان يقرن اسمك باسم رب العالمين. " (2) ومن مظاهر حقده على الرسول الاعظم (ص) ما رواه مطرف بن المغيرة قال: وفدت مع أبي على معاوية، فكان أبي يتحدث عنده ثم ينصرف إلى، وهو يذكر معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه، واقبل ذات ليلة، وهو غضبان فامسك عن العشاء، فانتظرته ساعة، وقد ظننت انه لشئ جدث فينا أو في عملنا، فقلت له ! - مالي اراك مغتما منذ الليلة ؟ - يا بني جئتك من اخبث الناس. - ما ذاك ؟ - خلوت بمعاية فقلت له: إنك قد بلغت مناك يا امير المؤمنين فلو اظهرت عدلا وبسطت خيرا، فانك قد كبرت، ولو نظرت الى أخوتك من بني هاشم فوصلت ارحامهم فو الله ما عندهم اليوم شئ تخافه.. " فثار معاوية واندفع يقول: " هيهات ! ! هيهات ملك أخو تيم فعدل، وفعل ما فعل فو الله ما عدا ان هلك فهلك ذكره، الا أن يقول قائل أبو بكر: ثم ملك أخو عدي فاجتهد وشمر عشر سنين فو الله ما عدا ان هلك فهلك ذكره الا ان يقول قائل عمر، ثم ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه


(1) النصائح الكافية (ص 97). (2) النهج 10 / 101. (*)

[ 152 ]

فعمل به ما عمل فوالله ما عدا ان هلك فهلك ذكره وان اخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات: اشهد ان محمدا رسول الله (ص) فاي عمل يبقى بعد هذا لا ام لك الا دفنا دفنا.. " (1) ودلت هذه البادرة على مدى زعزعة العقيدة الدينية في نفس معاوية وانها لم تكن الا رداء رقيقا يشف عما تحته من حب الجاهلية والتاثر بها الى حد بعيد، وكانت النزعة الالحادية ماثلة عند اغلب ملوك الامويين يقول الوليد في بعض خمرياته منكرا للبعث والنشور: ادر الكاس يمينا * لاتدرها ليسار اسق هذا ثم هذا * صاحب العود النضار من كميت عتقوها * منذ دهر في حرار ختموها بالاماويه (2) * وكافور وقار فلقد ايقنت أني * غير مبعوث لنار ساروض الناس * حتي يركبوا دين الحمار وذروا من يطلب * الجنة يسعي لتبار (3) وتأثر الكثيرون من ولاتهم بهذا النزعة الالحادية، فكان الحجاج يخاطب الله امام الجماهير الحاشدة قائلا: " ارسولك افضل ام خليفتك يعني ان عبد الملك افضل من النبي العظيم (ص). " (4) وكان ينقم على الذين يزورون قبر رسول الله (ص) ويقول: " تبا لهم انما يطوفون باعواد


(1) شرح النهج 2 / 297. (2) الاماويه: من انواع الطيب. (3) رسالة الغفران (ص 145). (4) النزاع والتخاصم للمقريزي (ص 27) رسائل الجاحظ (ص 297) العقد الفريد 3 / 355. (*)

[ 153 ]

ورمة بالية، هلا طافوا بقصر امير المؤمنين عبد الملك الا يعلمون ان خليفة المرء خير من رسوله " (1). وهكذا كان جهاز الحكم الاموي في كثير من ادواره قد تنكر للرسول الاعظم (ص) وازدرى برسالته. تغيير الواقع الاسلامي: وعمد معاوية الى تغيير الواقع الاسلامي المشرق الذي تبني الحركات النضالية والقضايا المصيرية لجميع الشعوب، فاهاب بالمسلمين أن لا يقروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، وقد تبنى هذا الشعار المقدس الصحابي العظيم أبو ذر الغفاري الذي فهم الاسلام، عن واقعه، فرفع راية الكفاح في وجه الحكم الاموي، وطالب عثمان، ومعاوية بانصاف المظلومين والمضطهدين وتوزيع ثروات الامة على الفقراء والمحرومين. لقد اراد معاوية اقبار هذا الوعي الديني، واماتة الشعور بالسؤولية فاوعز الى لجان الوضع التي ابتدعها ان تفتعل الاحاديث على لسان المحرر العظيم الرسول (ص) في الزام الامة بالخضوع للظلم، والخنوع للجور، والتسليم لما تقترفه سلطانها من الجور والاستبداد وهذه بعض الاحاديث: 1 - روى البخاري بسنده عن رسول الله (ص) انه قال لاصحابه: " انكم سترون بعدى اثرة، وامورا تنكرونها. قالوا فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال: ادوا إليهم حقهم، واسالوا الله حقكم.. " (2) 2 - روى البخاري بسنده عن رسول الله (ص) أنه قال: " من


(1) شرح النهج 15 / 242. (2) صحيح البخاري 8 / 87. (*)

[ 154 ]

راى من أميره شيئا يكره فليصبر عليه فانه من فارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية.. " (1) 3 - روى البخاري بسنده عن مسلمة بن زيد الجعفي أنه سال رسول الله (ص) فقال له: يا نبي الله ارايت ان قامت علينا امراء يسالونا حقهم، ويمنعونا حقنا فما ترى ؟ فاعرض " ص " عنه فسأله ثانيا وثالثا والرسول معرض فجذبه الاشعث بن قيس، فقال رسول الله (ص): اسمعوا واطيعوا فان عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم. " (2) 4 - روى البخاري بسنده عن عجرفة قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الامة وهي جمع فاضربوه بالسيف كائنا ما كان. " (3) الى غير ذلك من الموضوعات التى خدرت الامة، وشلت حركتها الثورية، وجعلتها قابعة ذليلة تحت وطاة الاستبداد الاموي وجوره، وقد هب الامام الحسين (ع) الثائر الاول في الاسلام الى اعلان الجهاد المقدس ليوقظ الامة من سباتها ويعيد للاسلام نضارته وروحه النضالية التى انحسرت في عهد الحكم الاموي. مع أهل البيت: وسخر معاوية جميع اجهزته للحط من قيمة اهل البيت (ع) الذين هم وديعة رسول الله (ص) والعصب الحساس في هذه الامة، وقد


(1) صحيح البخاري 8 / 87. (2) صحيح البخاري 2 / 119. (3) صحيح البخاري 2 / 121. (*)

[ 155 ]

استخدام اخطر الوسائل في محاربتهم واقصائهم عن واقع الحياة الاسلامية، وكان من بين ما استخدمه في ذلك ما يلي: 1 - تسخير الوعاظ. وسخر معاوية الوعاظ في جميع انحاء البلاد ليحولوا القلوب عن أهل البيت (1) ويذيعوا الاضاليل في انتقاصهم تدعيما للحكم الاموي. 2 - استخدام معاهد التعليم. واستخدم معاوية معاهد التعليم واجهزة الكتاتيب لتغدية النشئ ببغض أهل البيت (ع) وخلق جيل معاد لهم (2) وقد قامت تلك الاجهزة بدور خطير في بث روح الكراهية في نفوس النشئ لعترة النبي (ص). 3 - افتعال الاخبار. واقام معاوية شبكة لوضع الاخبار تعد من اخطر الشبكات التخريبية في الاسلام فعهد إليها بوضع الاحاديث على لسان النبي (ص) للحط من قيمة أهل البيت (ع) اما الاعضاء البارزون في هذه اللجنة فهم: 1 - أبو هريرة الدوسي. 2 - سمرة بن جندب. 3 - عمرو بن العاص. 4 - المغيرة بن شعبة. وقد افتعلوا آلاف الاحاديث على لسان النبي (ص) وكانت عدة طوائف مختلفة حسب التخطيط السياسي للدولة وهي: الطائفة الاولى: وضع الاخبار في فضل الصحابة لجعلهم قبال أهل البيت، وقد عد الامام الباقر (ع) اكثر من مائة حديث منها:


(1) حياة الامام الحسن 2 / 161 الطبعة الثانية. (2) حياة الامام الحسن 2 / 161 الطبعة الثانية. (*)

[ 156 ]

أ - ان عمر محدث - بصيغة المفعول - اي تحدثه الملائكة. ب - إن السكينة تنطق على لسان عمر. ج - إن عمر يلقنه الملك. د - إن الملائكة لتستحي من عثمان (1). الى كثير من امثال هذه الاخبار التي وضعت في فضل الصحابة، يقول المحدث ابن عرفة المعروف بنفطويه: " ان اكثر الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في ايام بني امية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم... " (2) كما وضعوا في فضل الصحابة الاحاديث المماثلة للاحاديث النبوية في فضل العترة الطاهرة كوضعهم: " ان سيدي كهول أهل الجنة أبو بكر وعمر " وقد عارضوا بذلك الاحاديث المتواتر " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (3). الطائفة الثانية: وضع الاخبار في ذم العترة الطاهرة والحط من شانها فقد اعطى معاوية سمرة بن جندب اربع مائة الف على أن يخطب في أهل الشام، ويروي لهم أن الاية الكريمة نزلت في علي وهي قوله تعالى: " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو الد الخصام وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد " (4) فروى لهم سمرة ذلك واخذ العوض الضخم من بيت المال المسلمين (5)... ومما رووا أن النبي (ص) قال في آل


(1) حياة الامام الحسن 2 / 162 الطبعة الثانية. (2) النصائح الكافية (ص 74). (3) حياة الامام الحسن 2 / 162. (4) سورة البقرة: آية 203 و 204. (5) النصائح الكافية (ص 253). (*)

[ 157 ]

أبي طالب " إن آل أبي طالب ليسوا باولياء لي انما ولي الله وصالح المؤمنين " (1) وروى الاعمش انه لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة (سنة 41) جاء الى مسجد الكوفة فلما راى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته مرارا، وقال: يا أهل العراق أتزعمون أني اكذب (2) على رسول الله (ص) واحرق نفسي بالنار ؟ لقد سمعت رسول الله (ص) يقول: ان لكل نبي حرما، وان حرمي بالمدينة ما بين عير الى ثور فمن احدث فيهما حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين، واشهد بالله ان عليا احدث فيها ! ! فلما بلغ معاوية قوله اجازه واكرمه وولاه امارة المدينة (3). الى كثير من امثال هذه الموضوعات التي تقدح في العترة الطاهرة التي هي مصدر الوعي والاحساس في العالم الاسلامي. الطائفة الثالثة افتعال الاخبار في فضل معاوية لمحو العار الذي لحقه ولحق أباه واسرته في مناهضتهم للاسلام، واخفاء ما أثر عن النبي (ص) في ذمهم، وهذه بعض الاخبار المفتعلة: 1 - قال (ص): " معاوية بن أبي سفيان احلم أمتي واجودها " (4)


(1) شرح ابن ابي الحديد 3 / 15. (2) علق على ذلك العلامة فقيد الاسلام الشيخ محمود أبو رية في كتابه أبو هريرة (ص 236) بقوله " يدل هذا القول على أن كذب أبي هريرة على النبي كان قد اشتهر حتى عم الافاق واصبح الناس يتحدثون به في كل مكان. " (3) شرح نهج البلاغة 1 / 359. (4) البداية والنهاية 8 / 121، تطهير الجنان المطبوع على هامش الصواعق المحرقة (ص 26). (*)

[ 158 ]

2 - قال (ص): " صاحب سري معاوية بن أبي سفيان " (1) 3 - قال (ص) " اللهم علمه - يعني معاوية - الكتاب وقه العذاب وادخله الجنة.. " (2). 4 - قال (ص) " إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه (3) فانه امين هذه الامة " (4) الى غير ذلك من الاحاديث الموضوعة التي تعكس الصراع الفكري ضد الاسلام عند معاوية وانه حاول جاهدا محو هذا الدين والقضاء عليه. حديث مفتعل على الحسين: من الاحاديث الموضوعة على الامام الحسين ما روى أنه وفد على معاوية زائرا في يوم الجمعة وكان قائما على المنبر خطيبا فقال له رجل من القوم ائذن للحسين يصعد المنبر فقال له معاوية: ويلك دعني افتخر، ثم حمدالله وأنثى عليه، ووجه خطابه للحسين قائلا له: - سالكتك يا أبا عبد الله أليس أنا ابن بطحاء مكة ؟ - اي والذي بعث جدي بشيرا. - سألتك يا أبا عبد الله أليس أنا خال المؤمنين ؟ - اي والذي بعث جدي نبيا.


(1) تطهير الجنان (ص 26). (2) تطهير الجنان (ص 26). (3) وضع هذه الحديث لمعارضة الحديث الصحيح المروي عن رسول الله (ص) إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاضربوا عنقه ". (4) تاريخ بغداد. (*)

[ 159 ]

- سألتك يا أبا عبد الله أليس أنا كاتب الوحي ؟ - اي والذي بعث جدي نذيرا. ثم نزل معاوية عن المنبر، فصعد الحسين فحمد الله بمحامد لم يحمده الاولون والاخرون بمثلها ثم قال: حدثني أبي عن جدي عن جبرائيل عن الله تعالى ان تحت قائمة كرسي العرش ورقة آس خضراء مكتوب عليها " لا إله إلا الله محمد رسول الله، يا شيعة آل محمد لا ياتي أحدكم يوم القيامة الا ادخله الله الجنة ". فقال له معاوية: سألتك يا أبا عبد الله من شيعة آل محمد ؟ فقال عليه السلام: الذين لا يشتمون الشيخين أبا بكر وعمر، ولا يشتمون عثمان ولا يشتمونك يا معاوية. وعلق الحافظ ابن عساكر على هذا الحديث بقوله: " هذا حديث منكر ولا أرى سنده متصلا الى الحسين (1). وقد امتحن المسلمون امتحانا عسيرا بهذه الموضوعات التي دونت في كتب السنة، وظن الكثيرون من المسلمين أنها حق، فاضفوا على معاوية ثوب القداسة، وألحقوه بالرعيل الاول من الصحابة المتحرجين في دينهم وهم من دون شك لو علموا واقعها لتبرؤا منها - كما يقول المدايني - (2) ولم تقتصر الموضوعات على تقديس معاوية والحط من شان أهل البيت (ع) وانما تدخلت في شؤون الشريعة فالصقت بها المتناقضات والمستحيلات مما شوهت الواقع الاسلامي وأفسدت عقائد المسلمين.


(1) تاريخ ابن عساكر 4 / 313. (2) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد 3 / 16. (*)

[ 160 ]

سب الامام امير المؤمنين: وتمادى معاوية في عدائه الامام أمير المؤمنين (ع) فاعلن سبه ولعنه في نواديه العامة والخاصة وأوعز إلى جميع عماله وولاته أن يذيعوا سبه بين الناس، وسرى سب الامام في جميع انحاء العالم الاسلامي، وقد خطب معاوية في أهل الشام فقال لهم: " ايها الناس، ان رسول الله (ص) قال لي: إنك ستلي الخلافة من بعدي فاختر الارض المقدسة - يعني الشام - فان فيها الابدال، وقد اخترتكم فالعنوا أبا تراب ". وعج أهل الشام بسب الامام (1) وخطب في اولئك الوحوش فقال لهم: " ما ظنكم برجل - يعني عليا لا يصلح لاخيه - يعني عقيلا - يا أهل الشام إن أبا لهب المذموم في القران هو عم علي بن أبي طالب " (2). ويقول المؤرخون: انه كان إذا خطب ختم خطابه بقوله: " اللهم ان أبا تراب الحد في دينك وصد عن سبيلك فالعنه لعنا وبيلا، وعذبه عذابا اليما.. " وكان يشاد بهذه الكلمات على المنابر (3) ولما ولي معاوية المغيرة بن شعبة امارة الكوفة كان أهم ما عهد إليه ان لا يتسامح في شتم الامام (ع) والترحم على عثمان، والعيب لاصحاب علي واقصائهم، واقام المغيرة


(1) النصائح الكافية (ص 72). (2) شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد 3 / 361. (3) النصائح الكافية (ص). (*)

[ 161 ]

واليا على الكوفة سبع سنين وهو لا يدع ذم علي والوقوع فيه (1). وقد اراد معاوية بذلك ان يصرف القلوب عن الامام (ع) وان يحول بين الناس وبين مبادئه التي اصبحت تطارده في قصوره يقول الدكتور محمود صبحي: " لقد اصبح علي جثة هامدة لا يزاحمهم في سلطانهم، ويخيفهم بشخصه، ولا يعني ذلك - اي سب الامام - الا ان مبادئه في الحكم وآراءه في السياسة كانت تنغص عليهم في موته كما كانت في حياته.. " (2) لقد كان الامام رائد العدالة الانسانية والمثل الاعلى لهذا الدين، يقول الجاحظ: " لا يعلم رجل في الارض متى ذكر السبق في الاسلام والتقدم فيه، ومتى ذكر النخوة والذب عن الاسلام، ومتى ذكر الفقه في الدين، ومتى ذكر الزهد في الامور التي تناصر الناس عليها كان مذكورا في هذه الخلال كلها الا في علي. " (3) ويقول الحسن البصري: " والله لقد فارقكم بالامس رجل كان سهما صائبا من مرامي الله عز وجل، رباني هذه الامة بعد نبيها (ص) وصاحب شرفها وفضلها وذا القرابة القريبة من رسول الله (ص) غير مسؤم لامر الله، ولا سروقة لمال الله اعطى القران عزائمه فاورده رياضا مونقة، وحدائق مغدقة ذلك علي بن ابي طالب. " (4) لقد عادت اللعنات التي كان يصبها معاوية وولاته على الامام باظهار فضائله فقد برز الامام للناس اروع صفحة في تاريخ الانسانية كلها، وظهر للمجتمع انه المنادي الاول بحقوق الانسان، والمؤسس الاول للعدالة الاجتماعية


(1) تاريخ الطبري 6 / 141 طبع اوربا. (2) نظرية الامامة لدى الشيعة الاثنى عشرية (ص 282). (3) الاسلام والحضارة العربية 2 / 145. مناقب ابن المغازلي رقم الحديث 69. (*)

[ 162 ]

في الارض لقد انطوت السنون والاحقاب، واندكت معالم تلك الدول التي ناوئت الامام سواء أكانت من بني امية أم من بني العباس، ولم يبق لها أثر، وبقى الامام (ع) وحده قد احتل قمة المجد فها هو رائد الانسانية الاول وقائدها الاعلى وإذا بحكمه القصير الامد يصبح طغراء في حكام هذا الشرق، وإذا الوثائق الرسمية التي أثرت عنه تصبح منارا لكل حكم صالح يستهدف تحقيق القضايا المصيرية للشعوب، وإذا بحكم معاوية اصبح رمزا للخيانة والعمالة ورمزا لاضطهاد الشعوب واحتقارها. ستر فضائل أهل البيت وحاول معاوية بجميع طاقاته حجب فضائل آل البيت (ع) وستر ماثرهم عن المسلمين، وعدم اذاعة ما أثر عن النبي (ص) في فضلهم، يقول المؤرخون: إنه بعد عام الصلح حج بيت الله الحرام فاجتاز على جماعة فقاموا إليه تكريما ولم يقم إليه ابن عباس، فبادره معاوية قائلا: يابن عباس ما منعك من القيام ؟ كما قام أصحابك إلا لموجدة علي بقتالي إياكم يوم صفين ! ! يابن عباس إن ابن عمي عثمان قتل مظلوما. ! فرد عليه ابن عباس ببليغ منطقه قائلا: - فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوما، فسلم الامر الى ولده، وهذا ابنه - واشار الى عبد الله بن عمر - اجابه معاوية بمنطقه الرخيص. " إن عمر قتله مشرك.. " فانبرى ابن عباس قائلا: - فمن قتل عثمان ؟

[ 163 ]

- قتله المسلمون. وامسك ابن عباس بزمامه فقال له: " فذلك ادحض لحجتك إن كان المسلمون قتلوه وخذاوه فليس الا بحق " ولم يجد معاوية مجالا للرد عليه، فسلك حديثا آخر أهم عنده من دم عثمان فقال له: " إنا كتبنا الى الافاق ننهي عن ذكر مناقب علي وأهل بيته فكف لسانك يابن عباس " فانبرى ابن عباس بفيض من منطقه وبليغ حجته يسدد سهاما لمعاوية قائلا: - فتنهانا عن قراءة القران ؟ - لا - فتنهانا عن تأويله ؟ - نعم - فتقراه ولا نسال عما عنى الله به ؟ - نعم - فايهما أوجب علينا قراءته أو العمل به ؟ - العمل به. - فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا ؟ - سل عن ذلك ممن يتاوله على غير ما تتاوله أنت وأهل بيتك. - انما نزل القران على اهل بيتي، فاسال عنه آل ابي سفيان وآل ابي معيط ؟ ! ! - فاقراوا القران، ولا ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم، ومما قاله رسول الله (ص) فيكم، وارووا ما سوى ذلك.

[ 164 ]

وسخر منه ابن عباس، وتلا قوله تعالى: " يريدون أن يطفؤا نور الله بافواههم، ويابي الله ان يتم نوره ولو كره الكافرون ". وصاح به معاوية: " اكفني نفسك، وكف عني لسانك، وإن كنت فاعلا فليكن سرا، ولا تسمعه أحدا علانية... " (1) ودلت هذه المحاورة على عمق الوسائل التي اتخذها معاوية في مناهضته لاهل البيت، واخفاء ماثرهم. وبلغ الحقد بمعاوية على الامام أنه لما ظهر عمرو بن العاص بمصر على محمد بن ابي بكر، وقتله استولى على كتبه ومذكراته وكان من بينها عهد الامام له، وهو من اروع الوثائق السياسية، فرفعه ابن العاص الى معاوية فلما راه قال لخاصته: إنا لا نقول هذا من كتب على بن ابي طالب ولكن نقول: هذا من كتب ابي بكر التي كانت عنده (2) التحرج من ذكر الامام: واسرف الحكم الاموي الى حد بعيد في محاربة الامام امير المؤمنين (ع) فقد عهد بقتل كل مولود يسمى عليا، فبلغ ذلك علي بن رياح فخاف، وقال: لا اجعل في حل من سماني عليا فان اسمي علي - بضم العين - (3) ويقول المؤرخون: ان العلماء والمحدثين تحرجوا من ذكر الامام علي والرواية عنه خوفا من بني أمية فكانوا إذا ارادوا أن يرووا عنه يقولون:


(1) حياة الامام الحسن 2 / 343. (2) شرح النهج 2 / 28. (3) تهذيب التهذيب 7 / 319. (*)

[ 165 ]

" روى أبو زينب " (1) وروى معمر عن الزهري عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): " إن الله عز وجل منع بني اسرائيل قطر السماء لسوء رأيهم في انبيائهم، واختلافهم في دينهم، وانه اخذ على هذه الامة بالسنين، ومنعهم قطر السماء ببغضهم علي بن ابي طالب ". قال معمر: حدثني الزهري في مرضة مرضها، ولم اسمعه يحدث عن عكرمة قبلها ولا بعدها فلما ابل من مرضه ندم على حديثه لي وقال: " يا يماني اكتم هذا الحديث، واطوه دوني فان هؤلاء - يعني بني أمية - لا يعذرون احدا في تقريض علي وذكره. " قال معمر: " فما بالك عبت عليا مع القوم، وقد سمعت الذي سمعت ؟.. " قال الزهري: " حسبك يا هذا انهم اشركونا مهمامهم فاتبعناهم في اهوائهم.. " (2) وقد امتحن المسلمون امتحانا عسيرا في مودتهم للامام وتحرجوا اشد التحرج في ذلك، يقول الشعبي: " ما ذا لقينا من علي إن احببناه ذهبت دنيانا وان ابغضناه ذهب ديننا " ويقول الشاعر: حب علي كله ضرب * يرجف من تذكاره القلب هذه بعض المحن التي عاناها المسلمون في مودتهم لاهل البيت (ع) التي هي جزء من دينهم.


(1) شرح النهج 11 / 14. (2) مناقب ابن المغازلي رقم الحديث (149). (*)

[ 166 ]

مع الشيعة: واضطهدت الشيعة أيام معاوية اضطهادا رسميا في جميع انحاء البلاد، وقوبلوا بمزيد من العنف والشدة، فقد انتقم منهم معاوية كاشد ما يكون الانتقام قسوة وعذابا، فقد قاد مركبة حكومته على جثث الضحايا منهم، وقد حكى الامام الباقر (ع) صورا مريعة من بطش الامويين بشيعة آل البيت (ع) يقول: " وقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الايدي والارجل على الظنة، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ما له أو هدمت داره " (1) وتحدث بعض رجال الشيعة الى محمد بن الحنفية عما عانوه من المحن والخطوب بقول: " فما زال بنا الشين في حبكم حتى ضربت عليه الاعناق، وأبطلت الشهادات، وشردنا في البلاد، وأوذينا حتى لقد هممت أن أذهبت في الارض قفرا، فاعبد الله حتى القاه، لولا أن يخفى علي أمر آل محمد (ص) وحتى هممت أن اخرج مع اقوام (2) شهادتنا وشهادتهم واحدة على امرائنا فيخرجون فيقاتلون. " (3) لقد كان معاوية لا يتهيب من الاقدام على اقتراف اية جريمة من اجل ان يضمن ملكه وسلطانه، وقد كانت الشيعة تشكل خطرا على حكومته فاستعمل معهم اعنف الوسائل واشدها قسوة من اجل القضاء عليهم، ومن بين الاجراءات القاسية التي استعملها ضدهم ما يلي:


(1) شرح ابن ابي الحديد 3 / 15. (2) الاقوام: هم الخوارج. (3) طبقات ابن سعد 5 / 95. (*)

[ 167 ]

القتل الجماعي واسرف معاوية الى حد كبير في سفك دماء الشيعة، فقد عهد الى الجلادين من قادة جيشه يتتبع الشيعة وقتلهم حيثما كانوا، وقد قتل بسر بن أبي ارطاة - بعد التحكيم - ثلاثين الفا عدا من احرقهم بالنار (1) وقتل سمرة بن جندب ثمانية الالف من أهل البصرة (2) واما زياد بن ابيه فقد ارتكب افظع المجازر فقطع الايدي والارجل وسمل العيون، وانزل بالشيعة من صنوف العذاب ما لا يوصف لمرارته وقسوته. ابادة القوى الواعية: وعمد معاوية الى ابادة القوى المفكرة والواعية من الشيعة، وقد ساق زمرا منهم الى ساحات الاعلام، واسكن الثكل والحداد في بيوتهم، وفيما يلي بعضهم. 1 - حجر بن عدي: لقد رفع حجر بن عدي علم النضال، وكافح عن حقوق المظلومين والمضطهدين، وسحق ارادة الحاكمين من بني امية الذين تلاعبوا في مقدرات الامة وحولوها الى مزرعة جماعية لهم ولعملائهم واتباعهم... لقد استهان حجر من الموت وسخر من الحياة، واستلذ الشهادة في سبيل عقيدته، فكان احد المؤسسين لمذهب اهل البيت (ع).


(1) شرح النهج 2 / 6. (2) الطبري 6 / 32. (*)

[ 168 ]

وامتحن حجر كاشد ما تكون المحنة قسوة حينما راى السلطة تعلن سب الامام امير المؤمنين (ع) وترغم الناس على البراءة منه فانكر ذلك، وجاهر بالرد على ولاة الكوفة، واستحل زياد بن ابيه دمه فالقى عليه القبض، وبعثه مخفورا مع كوكبة من اخوانه الى معاوية، واوقفوا في (مرج عذراء) فصدرت الاوامر من دمشق باعدامهم، ونفذ الجلادون فيهم حكم الاعدام فخرت جثثهم على الارض وهي ملفعة بدم الشهادة والكرامة وهي تضئ للناس معالم الطريق نحو حياة افضل لا ظلم فيها، ولا طغيان. مذكرة الامام الحسين وفزع الامام الحسين حينما وافته الانباء بمقتل حجر فرفع مذكرة شديدة اللهجة الى معاوية ذكر فيها احداثه وبدعه، والتي كان منها قتله لحجر والبررة من اصحابه، وقد جاء فيها: " الست القاتل حجرا اخا كندة، والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم... قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما كنت اعطيتهم الايمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة ان لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ولا باحنة تجدها في نفسك عليهم.. " (1) واحتوت هذه المذكرة على ما يلي: 1 - الانكار الشديد على معاوية لقتله حجرا واصحابه من دون أن يقترقوا جرما أو يحدثوا فسادا في الارض. 2 - انها اشادت بالصفات البطولية في هؤلاء الشهداء من انكار الظلم،


(1) حياة الامام الحسن 2 / 365. (*)

[ 169 ]

ومقاومة الجور واستعظام البدع والمنكرات التي احدثتها حكومة معاوية، وقد هبوا الى ميادين الجهاد لاقامة الحق ومناهضة المنكر. 3 - انها اثبتت ان معاوية قد اعطى حجرا واصحابه عهدا خاصا في وثيقة وقعها قبل ابرام الصلح ان لا يعرض لهم باي احنة كانت بينه وبينهم، ولا يصيبهم باي مكروه، ولكنه قد خاس بذلك فلم يف به كما لم يف للامام الحسن بالشروط التي اعطاها له، وانما جعلها تحت قدميه كما اعلن ذلك في خطابه الذي القاه في النخيلة. لقد كان قتل حجر من الاحداث الجسام في الاسلام، وقد توالت صيحات الانكار على معاوية من جميع الاقاليم الاسلامية، وقد ذكرناها بالتفصيل في كتابنا (حياة الامام الحسن " ع "). 1 - رشيد الهجري: وفي فترات المحنة الكبرى التي منيت بها الشيعة في عهد ابن سمية تعرض رشيد الهجري لانواع المحن والبلوى فقد بعث زياد شرطته إليه فلما مثل عنده صاح به " ما قال لك خليلك - يعني عليا - انا فاعلون بك ؟.. " فاجابه بصدق وايمان: " تقطعون يدي ورجلي، وتصلبوني " وقال الخبيث مستهزءا وساخرا: " اما والله لاكذبن حديثه، خلوا سبييله. " وخلت الجلاوزة سراحه، وندم الطاغية فامر باحضاره فصاح به: " لا نجد شيئا اصلح مما قال صاحبك: إنك لا تزال تبغي لنا سوءا إن بقيت، اقطعوا يديه ورجليه " وبادر الجلادون فقطعوا يديه ورجليه، وهو غير حافل بما يعانيه من الالام، ويقول المؤرخون: انه اخذ يذكر مثالب بني امية، ويدعو الى ايقاظ الوعي والثورة، مما غاظ ذلك زيادا فامر بقطع

[ 170 ]

لسانه (1) الذي كان يطالب بالحق والعدل، وينافح عن حقوق الفقراء والمحرومين. 3 - عمرو بن الحمق الخزاعي: ومن شهداء العقيدة: الصحابي العظيم عمرو بن الحمق الخزاعي الذي دعا له النبي (ص) أن يمتعه الله بشبابه، واستحباب الله دعاء نبيه فقد اخذ عمرو بعنق الثمانين عاما ولم تر في كريمته شعرة بيضاء (2) وتأثر عمرو بهدي اهل البيت واخذ من علومهم فكان من اعلام شيعتهم... وفي اعقاب الفتنة الكبرى التي منيت بها الكوفة في عهد الطاغية زياد بن سمية شعر عمرو بتتبع السلطة له ففر مع زميله رفاعة بن شداد الى الموصل، وقبل أن ينتهيا إليه كمنا في جبل ليستجما فيه، وارتابت الشرطة فبادرت الى القاء القبض على عمرو اما رفاعة ففر ولم تستطع ان تلقي عليه القبض وجيئ بعمرو مخفورا الى حاكم الموصل عبد الرحمن الثقفي، فرفع امره الى معاوية فأمره بطعنه تسع طعنات بمشاقص (3) لانه طعن عثمان بن عفان، وبادرت الجلاوزة الى طعنه فمات في الطعنة الاولى، واحتز راسه الشريف وارسل الى طاغية دمشق فامر ان يطاف به في الشام، ويقول المؤرخون انه اول راس طيف به في الاسلام، ثم أمر به معاوية ان يحمل الى زوجته السيدة آمنة بنت شريد، وكانت في سجنه، فلم تشعر الا وراس زوجها قد وضع في حجرها، فذعرت وكادت أن تموت وحملت من السجن الى معاوية وجرت بينها وبينه محادثات دلت على ضعة معاوية واستهانته بالقيم العربية والاسلامية القاضية بمعاملة المراة معاملة كريمة ولا تؤخذ باي ذنب يقترفه زوجها أو غيره.


(1) سفينة البحار 1 / 522. (2) الاصابة 2 / 526. (3) المشاقص: - جمع مفردة مشقص - النصل العريض أو سهم فيه نصل عريض. (*)

[ 171 ]

مذكرة الامام الحسين: والتاع الامام الحسين (ع) أشد ما تكون اللوعة حينما علم بقتل عمرو فرفع مذكرة الى معاوية عدد فيها احداثه وما تعانيه الامة في عهده من الاضطهاد والجور، وجاء فيما يخص عمروا: " أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله (ص) العبد الصالح الذي ابلته العبادة فنحل جسمه، واصفر لونه، بعدما امنته، واعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو اعطيته طائرا لنزل إليك من راس الجبل، ثم قتلته جراءة على ربك واستخفافا بذلك العهد.. " (1) لقد خاس معاوية بما اعطاه لهذا الصحابي الجليل - بعد الصلح - من العهد والمواثيق بان لا يعرض له بسوء ولا مكروه. 4 - اوفى بن حصن: وكان اوفى بن حصن من خيار الشيعة - في الكوفة - واحد اعلامهم النابهين، وهو من اشد الناقمين على معاوية فكان يذيع مساوءه واحداثه، ولما علم به ابن سمية أوعز الى الشرطة بالقاء القبض عليه ولما علم اوفى بذلك اختفى، وفي ذات يوم استعرض زياد الناس فاجتاز عليه أوفى فشك في امره فسال عنه فاخبر باسمه، فامر باحضاره فلما مثل عنده ساله عن سياسته فعابها وانكرها، فامر زياد بقتله، فهوى الجلادون عليه بسيوفهم وتركوه جثة هامدة (2).


(1) حياة الامام الحسن. (2) تاريخ ابن الاثير 3 / 180، الطبري 6 / 130 - 132. (*)

[ 172 ]

5 - الحضرمي مع جماعته: وكان عبد الله الحضرمي من اولياء الامام امير المؤمنين ومن خلص شيعته كما كان من شرطة الخميس، وقد له الامام يوم الجمل: " ابشر يا عبد الله فانك واباك من شرطة الخميس، لقد اخبرني رسول الله باسمك واسم ابيك في شرطة الخميس ولما قتل الامام جزع عليه الحضرمي وبنى له صومعة يتعبد فيها وانضم إليه جماعة من خيار الشيعة، فامر ابن سمية باحضارهم، ولما مثلوا عنده أمر بقتلهم، فقتلوا صبرا (1). لقد كانت فاجعة عبد الله كفاجعة حجر بن عدي فكلاهما قتل صبرا وكلاهما اخذ بغير ذنب سوى الولاء لعترة رسول الله (ص). انكار الامام الحسين: وفزع الامام الحسين كاشد ما يكون الفزع الما ومحنة على مقتل الحضرمي وجماعته الاخيار فانكر على معاوية في مذكرته التي بعثها له وقد جاء فيها. " أو لست قاتل الحضرمي الذي كتب فيه إليك زياد أنه على دين علي (ع) فكتبت إليه أن اقتل كل من كان على دين علي، فقتلهم ومثل فيهم بامرك، ودين علي هو دين ابن عمه (ص) الذي اجلسك مجلسك الذي انت فيه، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين رحلة الشتاء والصيف. " ودلت هذه المذكرة - بوضوح - على أن معاوية قد عهد الى زياد بقتل كل من كان على دين علي (ع) الذي هو دين رسول الله (ص) كما دلت على ان زيادا قتل مثل بهؤلاء البررة بعد قتلهم تشفيا منهم لولائهم لعترة


(1) بحار الانوار 10 / 101. (*)

[ 173 ]

رسول الله (ص). 6 - جويرية العبدي: ومن عيون شيعة الامام جويرية بن مسهر العبدي، وفي فترات المحنة الكبرى التي امتحنت بها الشيعة أيام ابن سمية، بعث خلفه فامر بقطع يده ورجله وصلبه على جذع قصير (1). 7 - صيفي بن فسيل: ومن ابطال العقيدة الاسلامية صيفي بن فسيل الذي ضرب اروع الامثلة للايمان فقد سعي به الى الطاغية زياد فلما جيئ به إليه صاح به: - يا عدو الله ما تقول في ابي تراب ؟ - ما اعرف أبا تراب (2) - ما اعرفك به ؟ - اما تعرف علي بن أبي طالب ؟ - بلى - فذاك أبو تراب. - كلا ذاك أبو الحسن والحسين. وانبرى مدير شرطة زياد منكرا عليه: " يقول لك الأمير: هو أبو تراب، وتقول: أنت لا: ! ! " فصاح به البطل العظيم مستهزءا مننه ومن أميره. " وإن كذب الامير أتريد أن أكذب ؟ وأشهد على باطل كما شهد


(1) شرح ابن ابي الحديد. (2) كان الامويون يرمزون بهذه الكتبية الى جعل الامام كقاطع طريق جاء ذلك في التاريخ السياسي للدولة العربية 2 / 75، وجاء في الاغاني 13 / 168 ان زيادا كان يحتقر الشيعة ويسميهم الترابية. (*)

[ 174 ]

وتحطم كبرياء الطاغية، ضاقت به الارض فقال له: " وهذا ايضا مع ذنبك " وصاح بشرطته علي بالعصا، فاتوه بها، فقال له: " ما قولك ؟ " وانبرى البطل بكل بسالة واقدام غير حافل به قائلا: " أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين.. " واوعز السفاك الى جلاديه بضرب عاتقه حتى يلتصق بالارض، فسعوا إليه بهراواتهم فضربوه ضربا مبرحا حتى وصل عاتقه الى الارض، ثم أمرهم بالكف عنه، وقال له: " إيه ما قولك في علي ؟ " وحسب الطاغية ان وسائل تعذيبه سوف تقلبه عن عقيدته فقال له: والله لو شرحتني بالمواسي والمدى، ما قلت الا ما سمعت مني " وفقد السفاك اهابه فصاح به، " لتلعنه أو لاضربن عنقك.. " وهتف صيفي يقول: " إذا تضربها والله قبل ذلك، فان أبيت الا أن تضربها رضيت بالله وشقيت أنت.. " وأمر به ان يوقر في الحديد، ويلقى في ظلمات السجون (1) ثم بعثه مع حجر بن عدي فاستشهد معه (2). 8 - عبد الرحمن: وكان عبد الرحمن العنزي من خيار الشيعة وقد وقع في قبضة جلاوزة


(1) الطبري 4 / 198. (2) حياة الامام الحسن 2 / 362. (*)

[ 175 ]

زياد فطلب منهم مواجهة معاوية لعله أن يعفو عنه فاستجابوا له وارسلوه مخفورا الى دمشق فلما مثل عند الطاغية قال له: " إيه أخا ربيعة ما تقول في علي ؟... " " دعني ولا تسألني فهو خير لك... " " والله لا ادعك.. " فانبرى البطل الفذ يدلي بفضائل الامام، ويشيد بمقامه قائلا: أشهد انه كان من الذاكرين الله كثيرا، والامرين بالحق، والقائمين بالقسط، والعافين عن الناس " " والتاع معاوية فعرج نحو عثمان لعله أن ينال منه فيستحل اراقة دمه فقال له: " ما قولك في عثمان ؟ " فاجابه عن انطباعاته عن عثمان، فغاظ ذلك معاوية وصاح به: " قتلت نفسك " بل اياك قتلت، ولا ربيعة بالوادي. " وظن عبد الرحمن أن اسرته ستقوم بحمايته وانقاذه، فلم ينبر إليه احد ولما أمن منهم معاوية بعثه الى الطاغية زياد، وأمره بقتله فبعثه زياد الى " قس الناطف " (1) فدفنه وهو حي (2) لقد رفع هذا البطل العظيم راية الحق، وحمل معول الهدم على قلاع الظلم والجور، واستشهد منافحا عن اقدس قضية في الاسلام. هؤلاء بعض الشهداء من اعلام الشيعة الذين حملوا مشعل الحرية، واضاؤا الطريق لغيرهم من الثوار الذين اسقطوا هيبة الحكم الاموي، وعملوا على انقاضه.


(1) قس الناطف: موضع قريب من الكوفة. (2) الطبري 6 / 155. (*)

[ 176 ]

المروعون من اعلام الشيعة: وروع معاوية طائفة كبيرة من الشخصيات البارزة من رؤساء الشيعة وفيما يلي بعضهم: 1 - عبد الله بن هاشم المرقال. 2 - عدي بن حاتم الطائي. 3 - صعصعة بن صوحان. 4 - عبد الله بن خليفة الطائي. وقد ارهق معاوية هؤلاء الاعلام ارهاقا شديدا، فطاردتهم شرطته وافزعتهم الى حد بعيد وقد ذكرنا ما عانوه من الخطوب في كتابنا " حياة الامام الحسن ". ترويع النساء: ولم يقتصر معاوية في تنكيله على السادة من رجال الشيعة، وانما تجاوز ظلمه الى السيدات من نسائهم، فاشاع فيهم الذعر والارهاب، فكتب الى بعض عماله بحمل بعضهن إليه، فحملت له هذه السيدات: 1 - الزرقاء بنت عدي. 2 - أم الخير البارقية. 3 - سودة بنت عمارة. 4 - ام البراء بنت صفوان.

[ 177 ]

5 - بكارة الهلالية. 6 - اروى بنت الحارث. 7 - عكرش بنت الاطرش. 8 - الدارمية الحجونية. وقد قابلهن معاوية بمزيد من التوهين والاستخفاف، واظهر لهن الجبروت والقدرة على الانتقام غير حافل بوهن المراة وضعفها، وقد ذكرنا ما جرى عليهن في مجلسه من التحقير في كتابنا " حياة الامام الحسن " هدم دور الشيعة: واوعز معاوية الى جميع عماله بهدم دور الشيعة، فقاموا بنقضها (1) وتركوا شيعة آل البيت (ع) بلا ماوى ياوون إليه، ولم يكن هناك اي مبرر لهذه الاجراءات القاسية سوى تحويل الناس عن عترة رسول الله (ص) حرمان الشيعة من العطاء: ومن الماسي الكئيبة التي عانتها الشيعة في أيام معاوية أنه كتب الى جميع عماله نسخة واحدة جاء فيها " انظروا الى من قامت عليه البينة انه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان واسقطوا عطاءه ورزقه " (2) وبادر عماله في الفحص في سجلاتهم فمن وجدوه محبا لال البيت (ع) محوا اسمه واسقطوا عطاءه.


(1) شرح النهج 11 / 44. (2) شرح النهج 11 / 44. (*)

[ 178 ]

عدم قبول شهادة الشيعة: وعمد معاوية الى اسقاط الشيعة اجتماعيا فعهد الى جميع عماله بعدم قبول شهادتهم في القضاء وغيره (1) مبالغة في اذلالهم وتحقيرهم. ابعاد الشيعة الى الخراسان: واراد زياد بن أبيه تصفية الشيعة من الكوفة، وكسر شوكتهم فاجلى خمسين الفا منهم الى خراسان المقاطعة الشرقية في فارس (2) وقد دق زياد بذلك اول مسمار في نعش الحكم الاموي، فقد اخذت تلك الجماهير التي ابعدت الى فارس تعمل على نشر التشيع في تلك البلاد، حتى تحولت الى مركز للمعارضة ضد الحكم الاموي، وهي التي اطاحت به تحت قيادة أبي مسلم الخراساني. هذا بعض ما عانته الشيعة في عهد معاوية من صنوف التعذيب والارهاب، وكان ما جرى عليهم من الماسي الاليمة من اهم الاسباب في ثورة الامام الحسين، فقد رفع علم الثورة لينقذهم من المحنة الكبرى التي امتحنوا بها ويعيد لهم الامن والاستقرار. البيعة ليزيد: وختم معاوية حياته باكبر اثم في الاسلام وافظع جريمة في التاريخ،


(1) حياة الامام الحسن. (2) تاريخ الشعوب الاسلامية 1 / 147. (*)

[ 179 ]

فقد اقدم غير متحرج على فرض خليعه يزيد خليفة على المسلمين يعيث في دينهم ودنياهم، ويخلد لهم الويلات والخطوب،.. وقد استخدم معاوية شتى الوسائل المنحطة في جعل الملك وراثة في ابنائه، ويرى الجاحظ أنه تشبه بملوك الفرس البزنطيين فحول الخلافة الى ملك كسروي، وعصب قيصري.. وقبل أن نعرض الى تلك البيعة المشومة، وما رافقها من الاحداث نذكر عرضا موجزا لسيرة يزيد، وما يتصف به من القابليات الشخصية التي عجت بذمها كتب التاريخ من يومه حتى يوم الناس هذا، وفيما يلي ذلك ولادة يزيد: ولد يزد سنة (25) أو (26 ه‍) (1) وقد دهمت الارض شعلة من نار جهنم وزفيرها تحوط به دائرة السوء وغضب من الله، وهو اخبث انسان وجد في الارض فقد خلق للجريمة والاسائة الى الناس، واصبح علما للانحطاط الخلقي والظلم الاجتماعي وعنوانا بغيضا للاعتداء على الامة وقهر ارادتها في جميع العصور، يقول الشيخ محمد جواد مغنية: " اما كلمة يزيد فقد كانت من قبل اسما لابن معاوية أما هي الان عند الشيعة فانها رمز للفساد والاستبداد، والتهتك والخلاعة وعنوان للزندقة والالحاد فحيث يكون الشر والفساد فثم اسم يزيد، وحيثما يكون الخير والحق والعدل فثم اسم الحسين " (2) وقد أثر عن النبي (ص) انه نظر الى معاوية يتبختر في بردة حبرة وينظر الى عطفيه فقال (ص): " أي يوم لامتي منك، واي يوم سوء


(1) تاريخ القضاعي من مصورات مكتبة الامام الحكيم العامة. (2) الشيعة في الميزان (ص 455). (*)

[ 180 ]

لذريتي منك من جرو يخرج من صلبك يتخذ آيات الله هزوا ويستحل من حرمتي ما حرم الله عز وجل " (1). نشاته: نشا يزيد عند اخواله في البادية من بني كلاب الذين كانوا يعتنقون المسيحية قبل الاسلام، وكان مرسل العنان مع شبابهم الماجنين، فتاثر بسلوكهم الى حد بعيد فكان يشرب معهم الخمر ويلعب معهم بالكلاب، يقول العائلي: " إذا كان يقينا أو يشبه اليقين ان تربية يزيد لم تكن اسلامية خالصة أو بعبارة اخرى كانت مسيحية خالصة، فلم يبق ما يستغرب معه أن يكون متجاوزا مستهترا مستخفا بما عليه الجماعة الاسلامية، لا يحسب لتقاليدها واعتقاداتها أي حساب، ولا يقيم لها وزنا بل الذي نستغرب أن يكون على غير ذلك " (2) والذي نراه أن نشاته كانت نشاة جاهلية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، ولا تحمل أي طابع من الدين مهما كان، فان استهتاره في الفحشاء وامعانه في المنكر والاثم مما يوحي الى الاعتقاد بذلك. صفاته: اما صفاته الجسمية فقد كان شديد الادمة بوجهه آثار الجدري (3)


(1) المناقب والمثالب " ص 71 " للقاضي نعمان المصري. (2) سمو المعنى في سمو الذات " ص 59 ". (3) تاريخ القضاعي. (*)

[ 181 ]

كما كان ضخما ذا سمنة كثير الشعر (1) واما صفاته النفسية فقد ورث صفات جده أبي سفيان وأبيه معاوية من الغدر والنفاق، والطيش والاستهتار يقول السيد مير علي الهندي: " وكان يزيد قاسيا غدارا كابيه، ولكنه ليس داهية مثله كانت تنقصه القدرة على تغليف تصرفاته القاسية بستار من اللباقة الدبلوماسية الناعمة وكانت طبيعته المنحلة، وخلقه المنحط لا تتسرب إليهما شفقة ولا عدل.. كان يقتل ويعذب نشدانا للمتعة واللذة التي يشعر بها، وهو ينظر الى آلام الاخرين، وكان بؤرة لابشغ الرذائل، وهاهم ندماؤه من الجنسين خير شاهد على ذلك.. لقد كانوا من حثاله المجتمع.. " (2) لقد كان جافي الخلق مستهترا، بعيدا عن جميع القيم الانسانية، ومن ابرز ذاتياته ميله الى اراقة الدماء، والاسائة الى الناس ففي السنة الاولى من حكمه القصير اباد عترة رسول الله " ص " وفي السنة الثانية اباح المدينة ثلاثة ايام وقتل سبعمائة رجل من المهاجرين والانصار وعشرة آلاف من الموالي والعرب والتابعين. ولعه بالصيد: ومن مظاهر صفات يزيد ولعه بالصيد فكان يقضي اغلب أوقاته فيه، ويقول المؤرخون: " كان يزيد بن معاوية كلفا بالصيد لاهيا به، وكان يلبس كلاب


(1) تاريخ الاسلام للذهبي 1 / 267. (2) روح الاسلام (ص 296) (*)

[ 182 ]

الصيد الاساور من الذهب والجلال المنسوجة منه، ويهب لكل كلب عبدا يخدمه. " (1) شغفه بالقرود: وكان يزيد - فيما اجمع عليه المؤرخون - ولعا بالقرود، فكان له قرد يجعله بين يديه ويكنيه بابي قيس، ويسقيه فضل كاسه، ويقول: هذا شيخ من بني اسرائيل اصابته خطيئة فمسخ، وكان يحمله على اتان وحشية ويرسله مع الخيل في حلبة السباق، فحمله يوما فسبق الخيل فسر بذلك وجعل يقول: تمسك أبا قيس بفضل زمامها * فليس عليها ان سقطت ضمان فقد سبقت خيل الجماعة كلها * وخيل امير المؤمنين اتان وارسله مرة في حلبة السباق فطرحته الريح فمات فحزن عليه حزنا شديدا وأمر بتكفينه ودفنه كما أمر أهل الشام أن يعزوه بمصابه الاليم، وانشا راثيا له: كم من كرام وقوم ذوو محافظه * جاءوا لنا ليعزوا في أبي قيس شيخ العشيرة امضاها واجملها * على الرووس وفي الاعناق والريس لا يبعد الله قبرا أنت ساكنه * فيه جمال وفيه لحية التيس (2) وذاع بين الناس هيامه وشغفه بالقرود حتى لقبوه بها، ويقول رجل من تنوخ هاجيا له:


(1) الفخري (ص 45). (2) جواهر المطالب في مناقب الامام علي بن أبي طالب (ص 143) من مصورات مكتبة الامام الحكيم. (*)

[ 183 ]

يزيد صديق القرد مل جوارنا * فحن الى ارض القرود يزيد فتبا لم امسى علينا خليفة * صحابته الادنون منه قرود (1) ادمانه على الخمر: والظاهرة البارزة من صفات يزيد ادمانه على الخمر، وقد اسرف في ذلك الى حد كبير فلم ير في وقت الا وهو ثمل لا يعي من السكر، ومن شعره في الخمر اقول لصحب ضمت الكاس شملهم * وداعي صبابات الهوى يترنم خذوا بنصيب من نعيم ولذة * فكل وإن طال المدى يتصرم (2) وجلس يوما على الشراب وعن يمينه ابن زياد بعد قتل الحسين فقال: اسقني شربة تروي شاشي * ثم صل مل فاسق مثلها ابن زياد صاحب السر والامانة عندي * ولتسديد مغنمي وجهادي (3) وفي عهده طرا تحول كبير على شكل المجتمع الاسلامي فقد ضعف ارتباط المجتمع بالدين، وانغمس الكثيرون من المسلمين في الدعارة والمجون ولم يكن ذلك التغيير اقليميا، وانما شمل جميع الاقاليم الاسلامية فقد سادت فيها الشهوات والمتعة والشراب، وقد تغيرت الاتجاهات الفكرية التي ينشدها الاسلام عند اغلب المسلمين. وقد اندفع الاحرار من شعراء المسلمين في اغلب عصورهم الى هجاء


(1) انساب الاشراف 2 / 2. (2) تاريخ المظفري. (3) مروج الذهب 2 / 74. (*)

[ 184 ]

يزيد لادمانه على الخمر، يقول الشاعر بن عرادة: ابني أمية ان آخر ملككم * جسد بحو راين ثم مقيم طرقت منيته وعند وساده * كوب وزق راعف مرثوم ومرنة تبكي على نشوانه * بالصنج تقعد تارة وتقوم (1) ويقول فيه أنور الجندي: خلقت نفسه الاثيمة بالمكر * وهامت عيناه بالفحشاء فهو والكاس في عناق طويل * وهو والعار والخناء في خباء ويقول فيه بولس سلامة: وترفق بصاحب العرش مشغو * لا عن الله بالقيان الملاح الف " الله اكبر " لا تساوي * بين كفي يزيد نهلة راح تتلظى في الدن بكرا فلم * تدنس بلثم ولا بماء قراح (2) لقد عاقر يزيد الخمر، واسرف في الادمان حتى ان بعض المصادر تعز وسبب وفاته الى أنه شرب كمية كبيرة منه فأصابه انفجار فهلك منه (3) ندماؤه: واصطفى يزيد جماعة من الخلعاء والماجنين فكان يقضي معهم لياليه الحمراء بين الشراب والغناء وفي طليعة ندمائه الاخطل الشاعر المسيحي الخليع


(1) تاريخ الطبري 7 / 43. (2) ملحمة الغدير (ص 227). (3) تاريخ المظفري من مصورات مكتبة الامام الحكيم، وجاء في انساب الاشراف 4 / ق 2 / 2 ان سبب وفاة يزيد انه حمل قرده على اتان، وهو سكران فركض خلفها فاندقت عنقه فانقطع شئ في جوفه فمات. (*)

[ 185 ]

فكانا يشربان ويسمعان الغناء، وإذا اراد السفر صحبه معه (1) ولما هلك يزيد وآل أمر الخلافة الى عبد الملك بن مروان قربه فكان يدخل عليه بغير إستئذان، وعليه جبة خز، وفي عنقه سلسلة من ذهب، والخمر يقطر من لحيته (2). نصيحة معاوية ليزيد: ولما شاع استهتار يزيد واقترافه لجميع الوان المنكر والفساد، استدعاه معاوية فاوصاه بالتكتم في نيل الشهوات لئلا تسقط مكانته الاجتماعية، قائلا: يا بني ما اقدرك على أن تصير الى حاجتك من غير تهتك يذهب بمرؤتك وقدرك ثم انشده. انصب نهارا في طلاب العلى * واصبر على هجر الحبيب القريب حتى إذا الليل اتى بالدجا * واكتحلت بالغمض عين الرقيب فباشر الليل بما تشتهي * فانما الليل نهار الاريب كم فاسق تحسبه ناسكا * قد باشر الليل بامر عجيب (3) دفاع محمد عزة دروزة: من الكتاب الدين يحملون النزعة الاموية في هذا العصر محمد عزة دروزة فقد جهد نفسه - مع الاسف - على الدفاع عن منكرات الامويين


(1) الاغاني 7 / 170. (2) الاغاني 7 / 170. (3) البداية والنهاية 8 / 228. (*)

[ 186 ]

وتبرير ما أثر عنهم من الظلم والجور والفساد، وقد دافع عن معاوية ونزهه عما اقترفه من الموبقات التي هي لطخة عار في تاريخ الانسانية... وقد علق على هذه البادرة بقوله: " نحن ننزه معاوية صاحب رسول الله (ص) وكاتب وحيه، والذي أثرت عنه مخافة الله وتقواه وحرصه، عن أن يرضى من ابنه الشذوذ عن هذه الحدود بله التشجيع بل نستبعد هذا عن يزيد " (1) وهذا مما يدعو الى السخرية والتفكه، فقد تنكر دروزة للواضحات التي لا يشك فيها أي انسان يملك عقله واختياره، وقديما قد قيل. وليس يصح في الاذهان شئ * إذا احتاج النهار الى دليل أن ما أثر عن معاوية من الاحداث الجسام كقتله حجر بن عدي، ورشيد الهجري وعمرو بن الحمق الخزاعي ونظرائهم من المؤمنين، وسبه للعترة الطاهرة، ونكايته بالامة بفرض يزيد خليفة عليها وغير ذلك من الجرائم التي المعنا الى بعضها في البحوث السابقة وهي مما تدل على تشويه اسلامه وانحرافه عن الطريق القويم، ولكن دروزة وامثاله لا ينظرون الى الواقع الا بمنظار اسود فراحوا يقدسون الامويين الذين اثبتو بتصرفاتهم السياسية والادارية انهم خصوم الاسلام واعداؤه. اقرار معاوية لاستهتار يزيد: وهام معاوية بحب ولده يزيد فاقره على فسقه وفجوره، ولم يردعه عنه ويقول المؤرخون: انه نقل له ان ولده على الشراب فاتاه يتجسس عليه فسمعه ينشد:


(1) تاريخ الجنس العربي 8 / 86. (*)

[ 187 ]

اقول لصحب ضمت الكاس شملهم * وداعي صبابات الهوى يترنم خذوا بنصيب من نعيم ولذة * فكل وإن طال المدى يتصرم ولا تتركوا يوم السرور الى غد * فان غدا ياتي بما ليس يعلم الا ان اهنا العيش ما سمحت به * صروف الليالي والحوادث نوم فعاد معاوية الى مكانه ولم يعلمه بنفسخ، وراح يقول: والله لا كنت عليه، ولا نغصت عليه عيشه (1) حقد يزيد على النبي: واترعت نفس يزيد بالحقد على النبي (ص) والبغض له، لانه وتره باسرته يوم بدر، ولما أباد العترة الطاهرة جلس على اريكة الملك جذلانا مسرورا يهز اعطافه فقد استوفى ثاره من النبي (ص) وتمنى حضور اشياخه ليروا كيف أخذ بثأرهم وجعل يترنم بابيات ابن الزبعرى: ليت اشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل لاهلوا واستهلوا فرحا * ثم قالوا: يا يزيد لا تشل قد قتلنا القرم من اشياخهم * وعدلناه ببدر فاعتدل لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل لست من خندف إن لم انتقم * من بني احمد ما كان فعل (2)


(1) تاريخ المظفري من مصورات مكتبة الامام الحكيم. (2) البداية والنهاية 8 / 192. (*)

[ 188 ]

بغضه للانصار: وكان يزيد يبغض الانصار بغضا عارما لانهم ناصروا النبي (ص) وقاتلوا قريشا، وحصدوا رؤوس اعلامهم، كما كانوا يبغضون بني أمية فقد قتل عثمان بين ظهرانيهم ولم يدافعوا عنه، ثم بايعوا عليا، وذهبوا معه الى صفين لحرب معاوية، ولما استشهد الامام كانوا من أهم العناصر المعادية لمعاوية، وكان يزيد يتميز من الغيظ عليهم وطلب من كعب بن جعيل التغلبي أن يهجوهم فامتنع وقال له: " اردتني الى الاشراك بعد الايمان، لا اهجو قوما نصروا رسول الله (ص) ولكن ادلك على غلام منا نصراني كان لسانه لسان ثور - يعني الاخطل - " فدعا يزيد الاخطل، طلب منه هجاء الانصار فاجابه الى ذلك، وهجاهم بهذه الابيات المقذعة: لعن الاله من اليهود عصابة * ما بين صليصل وبين صرار (1) قوم إذا هدر القصير رايتهم * حمرا عيونهم من المسطار (2) خلوا المكارم لستم من اهلها * وخذوا مساحيكم بني النجار ان الفوارس يعلمون ظهوركم * اولاد كل مقبح اكاز (3) ذهبت قريش بالمكارم كلها * واللؤم تحت عمائم الانصار (4)


(1) صليصل وصرار: من الاماكن القريبة للمدينة. (2) المسطار: الخمر الصارعة لشاربها. (3) اكاز: الحراث. (4) طبقات الشعراء (ص 392) (*)

[ 189 ]

لقد ابتدا الاخطل هجاءه للانصار بذم اليهود وقرن بينهم وبين الانصار لانهم يساكنونهم في يثرب، وقد عاب على الانصار بانهم اهل زرع وفلاحة وانهم ليسوا أهل مجد ولا مكارم واتهمهم بالجبن عند اللقاء، ونسب الشرف والمجد الى القرشيين واللؤم كله تحت عمائهم الانصار، وقد أثار هذا الهجاء المر حفيظة النعمان بن بشير الذي هو احد عملاء الامويين، فانبرى غضبانا الى معاوية فلما مثل عنده حسر عمامته عن راسه وقال: " يا معاوية أترى لؤما ؟. " " لا بل ارى خيرا وكرما، فما ذاك ؟ ! ! " " زعم الاخطل أن اللؤم تحت عمائمنا ! ! " واندفع النعمان يستجلب عطف معاوية قائلا معاوي الا تعطنا الحق تعترف * لحق الازد مسدولا عليها العمائم أيشتمنا عبد الاراقم ضلة * فما ذا الذي تجدي عليك الاراقم فمالي ثار دون قطع لسانه * فدونك من ترضيه عنه الدراهم (1) قال معاوية: - ما حاجتك ؟ - لسانه - ذلك لك وبلغ الخبر الاخطل فاسرع الى يزيد مستجيرا به وقال له: هذا الذي كنت اخافه فطمانه يزيد وذهب الى أبيه، فاخبره بانه قد اجاره، فقال معاوية: لا سبيل الى ذمة أبي خالد - يعني يزيدا - فعفى عنه، وجعل الاخطل يفخر برعاية يزيد له، ويشمت بالنعمان بقوله:


(1) العقد الفريد 5 / 321 - 322. (*)

[ 190 ]

أبا خالد دافعت عني عظيمة * وادركت لحمي قبل أن يتبددا واطفات عني نار نعمان بعدما * أغذ لامر عاجز وتجردا ولما راى النعمان دوني ابن حرة * طوى الكشح إذ لم يستطعنى وعردا (1) هذه بعض نزعات يزيد واتجاهاته، وقد كشفت عن مسخه وتمرسه في الجريمة وتجرده من كل خلق قويم.. وان من مهازل الزمن وعثرات الايام ان يكون هذا الخليع حاكما على المسلمين واماما لهم. دعوة المغيرة لبيعة يزيد وأول من تصدى لهذه البيعة المشومة اعور ثقيف المغيرة بن شعبة صاحب الاحداث والموبقات في الاسلام (2) وقد وصفه بركلمان بانه رجل انتهازي لا ذمة له ولا ذمام (3) وهو احد دهاة العرب الخمسة (4) وقد قضى حياته في التامر على الامة، والسعي وراء مصالحه الخاصة. اما السبب في دعوته لبيعة يزيد - فيما يرويه المؤرخون - فهو ان معاوية اراد عزله من الكوفة ليولي عليها سعيد بن العاص (5) فلما بلغه ذلك سافر الى دمشق ليقدم استقالته من منصبه حتى لا تكون حزازة عليه في عزله، واطال التفكير في امره فراى ان خير وسيلة لاقراره في منصبه


(1) ديوان الاخطل (ص 89). (2) من موبقات المغيرة انه اول من رشي في الاسلام كما يروي البيهقي كما انه كان الوسيط في استلحاق زياد بمعاوية. (3) تاريخ الشعوب الاسلامية 1 / 145. (4) الطبري. (5) الامامة والسياسة 2 / 262. (*)

[ 191 ]

أن يجتمع بيزيد فيحبذ له الخلافة حتى يتوسط في شانه الى أبيه والتقى الماكر بيزيد فابدى له الاكبار، واظهر له الحب، وقال له: قد ذهب اعيان محمد (ص) وكبراء قريش وذوو اسنانهم، وانما بقى ابناؤهم، وانت من افضلهم واحسنهم رايا، واعلمهم بالسنة والسياسة، ولا ادري ما يمنع امير المؤمنين ان يعقد لك البيعة ؟.. ". وغزت هذه الكلمات قلب يزيد فشكره واثنى على عواطفه، وقال له: - أترى ذلك يتم ؟ - نعم. وانطلق يزيد مسرعا الى أبيه فاخبره بمقالة المغيرة، فسر معاوية بذلك وارسل خلفه، فلما مثل عنده أخذ يحفزه على المبادرة في أخذ البيعة ليزيد قائلا: " يا امير المؤمنين قد رايت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان وفي يزيد منك خلف فاعقد له، فان حدث بك حدث كان كهفا للناس، وخلفا منك، ولا تسفك دماء، ولا تكون فتنة. واصابت هذه الكلمات الوتر الحساس في قلب معاوية فراح يخادعه مستشيرا في الامر قائلا: - من لي بهذا ؟ - اكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالف. واستحسن معاوية رأيه فشكره عليه واقره على منصبه وأمره بالمبادرة الى الكوفة لتحقيق غايته، ولما خرج من عند معاوية قال لحاشيته: " لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمة محمد (ص)

[ 192 ]

وفتقت عليه فتقا لا يرتق ثم تمثل بقول الشاعر: بمثلي شاهد النجوى وغالى * بي الاعداء والخصم الغضابا ففي سبيل المغنم فتق المغيرة على أمة محمد (ص) فتقا لا يرتق، واخلدلها الكوارث والخطوب. وسار المغيرة الى الكوفة، وهو يحمل الشر والدمار لاهلها ولعموم المسلمين، وفور وصوله عقد اجتماعا ضم عملاء الامويين فعرض عليهم بيعة يزيد فأجابوه الى ذلك، وأوفد جماعة منهم الى دمشق وجعل عليهم ولده أبا موسى، فلما انتهوا الى معاوية حفزوه على عقد البيعة ليزيد، فشكرهم على ذلك وأوصاهم بالكتمان، والتفت الى ابن المغيرة فقال له: - بكم اشترى ابوك من هؤلاء دينهم ؟ - بثلاثين الف درهم. فضحك معاوية وقال ساخرا: لقد هان عليهم دينهم. ثم اوصلهم بثلاثين الف درهم (1) لقد استجاب لهذه البيعة ورضي بها كل من يحمل ضميرا قلقا عرضه للبيع والشراء. تبرير معاوية: ودافع جماعة من المؤلفين والكتاب عن معاوية وبرروا بيعته ليزيد التي كانت من افجع النكبات التي مني بها العالم الاسلامي، وفيما يلي بعضهم: - احمد دحلان ومن اصلب المدافعين عن معاوية احمد دحلان قال: " فلما نظر


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 249. (*)

[ 193 ]

معاوية إلى قوة شوكتهم - يعني الامويين - واستحكام عصبيتهم حتى انهم لو خرجت الخلافة عنهم بعده يحدثون فتنة ويقع افتراق للامة فاراد اجتماع الكلمة بجعل الامر فيهم، ثم انه نظر فيمن كان منهم اقوى شوكة فراه ابنه يزيد لانه كان كبيرا، وباشر امارة الجيوش في حياة أبيه وصارت له هيبة عند الامراء، وله تمكن، ونفاذ كلمة فلو جعل الامر لغيره منهم كان ذلك سببا لمنازعته لا سيما وله تمكن واقتدار على الاستيلاء على ما في بيت المال من الاموال فيقع الافتراق والاختلاف لو جعل الامر لغيره، فراى أن جعل الامر له بهذا الاجتهاد يكون سببا للالفة، وعدم الافتراق وهذا هو السبب في جعله ولي عهده، ولم يعلم ما يبديه الله بعد ذلك.. " (1). حفنة من التراب على أمثال هؤلاء الذين دفعتهم العصبية الاثمة إلى تبرير المنكر وتوجيه الباطل، فهل ان أمر الخلافة التي هي ظل الله في الارض يعود الى الامويين حتى يرعى معاوية عواطفهم ورغباتهم وهم الذين ناهضوا نبي الاسلام، وناجزوه الحرب، وعذبوا كل من دخل في دين الاسلام فكيف يكون أمر الخلافة بايديهم ولو كان هناك منطق ووعي ديني لكانوا في ذيل القافلة ولا يحسب لهم أي حساب. 2 - الدكتور عبد المنعم ومن المبررين لمعاوية في بيعته ليزيد الدكتور عبد المنعم ماجد قال: " ويبدو أن معاوية قصد من وراء توريث يزيد الخلافة القضاء على افتراق كلمة الامة الاسلامية، ووقوع الفتنة مثلما حدث بعد عثمان، ولعله أيضا أراد أن يوجد حلا للمسالة، التي تركها النبي (ص) دون حل وهي ايجاد سلطة دائمة للاسلام ومن المحقق أن معاوية لم يكن له مندوحة من أن يفعل


(1) تاريخ دول الاسلامية (ص 28). (*)

[ 194 ]

ذلك خوفا من غضب بني أمية الذين لم يكونوا يرضون بتسليم الامر إلى سواهم. " (1) وهذا الراي لا يحمل أي طابع من التوازن فان معاوية في بيعته ليزيد لم يجمع كلمة المسلمين وانما فرقها واخلد لهم الشر والخطوب فقد عانت الامة - في عهد يزيد - من ضروب البلاء والمحن ما لا يوصف لفضاعته ومرارته، فقد جهد حفيد أبي سفيان على تدمير الاسلام، وسحق جميع مقدساته وقيمه، فاباد العترة الطاهرة التي هي عديلة القران الكريم حسب النصوص النبوية المتواترة وأنزل باهل المدينة في واقعة الحرة من الجرائم ما تندى له جبين الانسانية، فهل جمع بذلك معاوية كلمة المسلمين ووحد صفوفهم ومما يدعو إلى السخرية ما ذهب إليه من أن النبي (ص) ترك مسالة الخلافة بغير حل فجاء معاوية فحل هذه العقدة، ببيعته ليزيد ! ! إن النبي (ص) لم يترك أي شان من شؤون أمته بغير حل وانما وضع لها الحلول الحاسمة، وكان أهم ما عنى به شان الخلافة فقد عهد بها إلى أفضل أمته وباب مدينة علمه الامام أمير المؤمنين (ع) وقد بايعه كبار الصحابة وعموم من كان معه في يوم الغدير، ولكن القوم كرهوا اجتماع النبوة والخلافة في ببت واحد فزووا الخلافة عن أهل بيت نبيهم فادى ذلك إلى أن يلي أمر المسلمين يزيد وأمثاله من المنحرفين الذين أثبتوا في تصرفاتهم أنهم لا علاقة لهم بالاسلام، ولا عهد لهم بالدين. 3 - حسين محمد يوسف ومن المدافعين - بحرارة - عن معاوية في ولايته ليزيد حسين محمد يوسف وقد أطال الكلام - بغير حجة - في ذلك، قال في آخر حديثه: وخلاصة القول في موقف معاوية أنه كان مجتهدا في راية، وانه حين دعا


(1) التاريخ السياسي للدولة العربية 2 / 62. (*)

[ 195 ]

الامة الى بيعة يزيد، كان حسن الظن به " لانه لم يثبت عنده أي نقص فيه، بل كان يزيد يدس على أبيه من يحسن له حاله، حتى اعتقد أنه أولى من أبناء بقية الصحابة كلهم " فان كان معاوية قد أصاب في اختياره فله اجران، وان كان قد أخطا فله أجر واحد، وليس لاحد بعد ذلك أن يخوض فيما وراء ذلك فانما الاعمال بالنيات ولك امرئ ما نوى " (1). ان من المؤسف - حقا - أن ينبري هؤلاء، لتبرير معاوية في اقترافه لهذه الجريمة النكراء التي اغرقت العالم الاسلامي بالفتن والخطوب.. ومتى اجتهد معاوية في فرض ابنه خليفة على المسلمين ؟ فقد سلك في سبيل ذلك جميع المنعطفات والطريق الملتوية، فارغم عليها المسلمين، وفرضها عليهم تحت غطاء مكثف من قوة الحديد... ان معاوية لم يجتهد في ذلك، وانما استجاب لعواطفه المترعة بالحنان والولاء لولده من دون أن يرعى أي مصلحة للامة في ذلك. هؤلاء بعض المؤيدين لمعاوية في عقده البيعة ليزيد، وهم مدفوعون بدافع غريب على الاسلام، وبعيد كل البعد عن منطق الحق. كلمة الحسن البصري: وشجب الحسن البصري بيعة يزيد، وجعلها من جملة موبقات معاوية قال: " أربع خصال: كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة: ابتزاؤه على هذه الامة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلاف ابنه بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير، ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زيادا، وقد


(1) سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي (ص 208). (*)

[ 196 ]

قال رسول (ص): الولد للفراش وللعاهر، وقتله حجرا وأصحابه ويل له من حجر وأصحابه.. " (1). كلمة ابن رشد: ويرى الفيلسوف الكبير ابن رشد أن بيعة معاوية ليزيد قد غيرت مجرى الحياة الاسلامية وهدمت الحكم الصالح في الاسلام، قال: " ان أحوال العرب في عهد الخلفاء الراشدين كانت على غاية من الصلاح فكانما وصف افلاطون حكومتهم في (جمهوريته) الحكومة الجمهوية الصحيحة التي يجب أن تكون مثالا لجميع الحكومات، ولكن معاوية هدم ذلك البناء الجليل القديم، وأقام مكانه دولة بني أمية وسلطانها الشديد ففتح بذلك بابا للفتن التي لا تزال الى الان قائمة حتى في بلادنا هذه - يعني الاندلس - " (2). لقد نقم على معاوية في بيعة يزيد جميع اعلام الفكر وقادة الراي في الامة الاسلامية منذ عهد معاوية حتى يوم الناس هذا، ووصفوها بانها اعتداء صارخ على الامة وخروج على ارادتها. دوافع معاوية: أما الدوافع التي دعت معاية لفرض ابنه السكير خليفة على المسلمين فكان من ابرزها الحب العارم لولده، فقد هام بحبه، وقد أدلى بذلك


(1) الطبري 6 / 257 وغيره. (2) ابن رشد وفلسفته (ص 60) لفرج انطون. (*)

[ 197 ]

في حديثه مع سعيد بن عثمان حينما طلب منه أن يرشحه للخلافة، وبدع ابنه يزيد، فسخر منه معاوية وقاله له: " والله " لو ملئت لي الغوطة رجالا مثلك لكان يزيد أحب إلي منكم كلكم.. " (1). لقد أعماه حبه لولده، واضله عن الحق، وقد قال: " لولا هواي في يزيد لابصرت رشدي.. " (2). وكان يؤمن بان استخلافه ليزيد من أعظم ما اقترفه من الذنوب، وقد صارح ولده بذلك فقال له: " ما ألقى الله بشئ أعظم في نفسي من استخلافي اياك " (3). لقد اقترف معاوية وزرا عظيما فيما جناه على الامة بتحويل الخلافة إيل ملك عضوض لا يعنى فيه بارادة الامة واختيارها. الوسائل الدبلوماسية في أخذ البيعة: أم الوسائل الدبلوماسية التي اعتمد عليها معاوية في فرض خليعه على المسلمين فهي: 1 - استخدام الشعراء أما الشعراء فكانوا في ذلك العصر - من أقوى أجهزة الاعلام


(1) البداية والنهاية 8 / 80. (2) المناقب والمثالب (ص 68) للقاضي نعمان المصري. (3) تاريخ الخلفاء لمولف مجهول قامت بنشره أكاديمية العلوم للاتحاد السوفيتي. (*)

[ 198 ]

وقد أجزل لهم معاوية العطاء، وأغدق عليهم الاموال فانطلقت ألسنتهم بالمديح والثناء على يزيد فاضافوا إليه الصفات الرفيعة، وخلعوا عليه النعوت الحسنة، وفيما يلي بعضهم: العجاج: ومدحه العجاج مدحا عاطرا فقال فيه: إذا زلزل الاقوام لم تزلزل * عن دين موسى والرسول المرسل وكنت سيف الله لم يفلل * يفرع (1) أحيانا وحينا يختلي (2) ومعنى هذا الشعر أن يزيد يقتفي أثر الرسول موسى والنبي محمد (ص) وانه سيف الله البتار الا انه كان مشهورا على أولياء الله وأحبائه. الاحوس: ومدحه الشاعر الاحوس بقصيدة جاء فيها: ملك تدين له الملوك مبارك * كادت لهيبته الجبال تزول يجبى له بلخ ودجلة كلها * وله الفرات وما سفى والنيل لقد جاءته تلك الهيبة التي تخضع لها الجباه، وتزول منها الجبال من ادمانه على الخمر ومزاملته للقرود، ولعبه بالكلاب واقترافه للجرائم والموبقات. مسكين الدارمي: ومن الشعراء المرتزقة مسكين الدارمي، وقد أوعز إليه معاوية أن يحثه على بيعة يزيد أمام من كان عنده من بني أمية وأشراف أهل الشام،


(1) يفرغ: يعلو رؤوس الناس. (2) شعراء النصرانية بعد الاسلام (ص 234). (*)

[ 199 ]

فدخل مسكين على معاوية فلما راى مجلسه حاشدا بالناس رفع عقيرته: ان ادع مسكينا فاني ابن معشر * من الناس أحمي عنهم وأذود الا ليت شعري ما يقول ابن عامر * ومروان ام ماذا يقول سعيد بني خلفاء الله مهلا فانما * يبوئها الرحمن حيث يريد إذا المنبر الغربي خلاه ربه * فان أمير المؤمنين يزيد على الطائر الميمون والجد ساعد * لكل أناس طائر وجدود فلا زلت اعلى الناس كعبا * ولم تزل وفود تساميها اليك وفود ولا زال بيت الملك فوقك عاليا * تشيد أطناب له وعمود (1) هؤلاء بعض الشعراء الذين مدحوا يزيد، وافتعلوا له الماثر لتغطية ما ذاع عنه من الدعارة والمجون. بذل الاموال للوجوه: وأنفق معاوية الاموال الطائلة بسخاء للوجوه والاشراف ليقروه على فرض ولده السكير خليفة على المسلمين، ويقول المؤرخون: إنه أعطى عبد الله بن عمر مائة الف درهم فقبلها منه (2) وكان ابن عمر من أصلب المدافعين عن بيعة يزيد وقد نقم على الامام الحسين (ع) خروجه عليه، وسنذكر ذلك بمزيد من التفصيل في البحوث الاتية.


(1) الاعاني 8 / 71. (2) تاريخ ابن الاثير 3 / 250. (*)

[ 200 ]

مراسلة الولاة: وراسل معاوية جميع عماله وولاته في الاقاليم الاسلامية بعزمه على عقد البيعة ليزيد، وأمرهم بتنفيذ ما يلي: 1 - اذاعة ذلك بين الجماهير الشعبية، واعلامها بما صممت عليه حكومة دمشق من عقد الخلافة ليزيد. 2 - الايعاز للخطباء وسائر أجهزة الاعلام بالثناء على يزيد، وافتعال الماثر له: 3 - ارسال الوفود إليه من الشخصيات الاسلامية حتى يتعرف على رأيها في البيعة ليزيد (1) وقام الولاة بتنفيذ ما عهد إليهم، فاذاعوا ما صمم عليه معاوية من عقد البيعة ليزيد، كما أو عزوا للخطباء وغيرهم بالثناء على يزيد. وفود الاقطار الاسلامية: واتصلت الحكومات المحلية في الاقطار الاسلامية بقادة الفكر فعرضت عليهم ما عزم عليه معاوية من تولية ولده للخلافة، وطلبوا منهم السفر فورا إلى دمشق لعرض آرائهم على معاوية، وسافرت الوفود إلى دمشق وكان في طليعتهم. 1 - الوفد العراقي بقيادة زعيم العراق الاحنف بن قيس. 2 - الوفد المدني بقيادة محمد بن عمرو بن حزم (2)


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 250. (2) نفس المصدر. (*)

[ 201 ]

وانتهت الوفود إلى دمشق لعرض آرائها على عاهل الشام، وقد قام معاوية بضيافتهم والاحسان إليهم. مؤتمر الوفود الاسلامية: وعقدت وفود الاقطار الاسلامية مؤتمرا في البلاط الاموي في دمشق لعرض آرائها في البيعة ليزيد، وقد افتتح المؤتمر معاوية بالثناء على الاسلام، ولزوم طاعة ولاة الامور، ثم ذكر يزيد وفضله، وعمله بالسياسة ودعاهم لبيعة. المؤيدون للبيعة: وانبرت كوكبة من أقطاب الحزب الاموي فايدوا معاوية وحثوه على الاسراع للبيعة وهم: 1 - الضحاك بن قيس 2 - عبد الرحمن بن عثمان 3 - ثور بن معن السلمي 4 - عبد الله بن عصام 5 - عبد الله بن مسعدة وكان معاوية قد عهد إليهم بالقيام بتاييده، والرد على المعارضين له

[ 202 ]

خطاب الاحنف بن قيس: وانبرى إلى الخطابة زعيم العراق وسيد تميم الاحنف بن قيس الذي تقول فيه ميسون أم يزيد: " لو لم يكن في العراق إلا هذا لكفاهم " (1) وتقدم فحمد الله وأثنى عليه ثم التفت إلى معاوية قائلا: " أصلح الله أمير المؤمنين " ان الناس في منكر زمان قد سلف، ومعروف زمان مؤتنف، ويزيد بن أمير المؤمنين نعم الخلف، وقد حلبت الدهر أشطره. يا أمير المؤمنين فاعرف من تسند إليه الامر من بعدك، ثم اعصي أمر من يامرك، ولا يغررك من يشير عليك، ولا ينظر لك، وأنت أنظر للجماعة، واعلم باستقامة الطاعة مع ان أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيا... ". وأثار خطاب الاحنف موجة من الغضب والاستياء عند الحزب الاموي فاندفع الضحاك بن قيس منددا به، وشتم أهل العراق، وقدح بالامام الحسن، ودعا الوفد العراقي الى الاخلاص لمعاوية والامتثال لما دعا إليه، ولم يعن به الاحنف فقام ثانيا فنصح معاوية ودعاه إلى الوفاء بالعهد الذي قعطه على نفسه من تسليم الامر إلى الحسن من بعده حسب اتفاقية الصلح التي كان من ابرز بنودها ارجاع الخلافة من بعده الى الامام الحسن كما انه هدد معاوية باعلان الحرب إذا لم يف بذلك.


(1) تذكرة ابن حمدون (ص 81). (*)

[ 203 ]

فشل المؤتمر: وفشل المؤتمر فشلا ذريعا بعد خطاب الزعيم الكبير الاحنف بن قيس، ووقع نزاع حاد بين أعضاء الوفود وأعضاء الحزب الاموي، وانبرى يزيد بن المقفع فهدد المعارضين باستعمال القوة قائلا: " أمير المؤمنين هذا - وأشار الى معاوية - فان هلك فهذا - وأشار الى يزيد - ومن أبي فهذا - وأشار الى السيف - ". فاستحسن معاوية قوله وراح يقول له: " أجلس فانت سيد الخطباء واكرمهم ". ولم يعن به الاحنف بن قيس فانبرى الى معاوية فدعاه إلى الامساك عن بيعة يزيد، وان لا يقدم أحدا على الحسن والحسين، واعرض عنه معاوية، وبقي مصرا على فكرته التي هي أبعد ما تكون عن الاسلام. وعلى أي حال فان المؤتمر لم يصل الى النتيجة التي أرادها معاوية فقد استبان له أن بعض الوفود الاسلامية لا تقره على هذه البيعة ولا ترضى بها. سفر معاوية ليثرب: وقرر معاوية السفر إلى يثرب التي هي محط أنظار المسلمين، وفيها أبناء الصحابة الذين يمثلون الجبهة المعارضة للبيعة، فقد كانوا لا يرون يزيدا ندا لهم، وان أخذ البيعة له خروج على ارادة الامة، وانحراف عن الشريعة الاسلامية التي لا تبيح ليزيد أن يتولى شؤون المسلمين لما عرف به من الاستهتار وتفسخ الاخلاق.

[ 204 ]

وسافر معاوية إلى يثرب في زيارة رسمية، وتحمل أعباء السفر لتحويل الخلافة الاسلامية إلى ملك عضوض لا ظل فيه للحق والعدل. اجتماع مغلق: وفور وصول معاوية إلى يثرب أمر باحضار عبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعقد معهم اجتماعا مغلقا، ولم يحضر معهم الحسن والحسين لانه قد عاهد الحسن أن تكون الخلافة له من بعده فكيف يجتمع به، وماذا يقول له ؟ وقد أمر حاجبه أن لا يسمح لاي أحد بالدخول عليه حتى ينتهي حديثه معهم. كلمة معاوية: وابتدا معاوية الحديث بحمد الله والثناء عليه، وصلى على نبيه ثم قال: " أما بعد: فقد كبر سني، ووهن عظمي، وقرب أجلي، وأوشكت أن ادعى فاجيب ؟ وقد رايت أن استخلف بعدي يزيد، ورايته لكم رضا وأنتم عبادلة قريش، وخيارهم، وابناء خيارهم، ولم يمنعني أن أحضر حسنا وحسينا الا انهما أولاد أبيهما علي، على حسن راي فيهما وشدة محبتي لهما فردوا على أمير المؤمنين خيرا رحمكم الله.. ". ولم يستعمل معهم الشدة والارهاب استجلابا لعواطفهم ولم يخف عليهم ذلك، فانبروا جميعا الى الانكار عليه،

[ 205 ]

كلمة عبد الله بن عباس: وأول من كلمه عبد الله بن عباس فقال بعد حمد الله والثناء عليه: " أما بعد: فانك قد تكلمت فانصتنا وقلت: فسمعنا، وان الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه اختار محمدا (ص) لرسالته، واختاره لوحيه وشرفه على خلقه فاشرف الناس من تشرف به، واولاهم بالامر أخصهم به، وانما على الامة التسليم لنبيها إذا اختاره الله لها، فانه انما اختار محمدا بعلمه، وهو العليم الخبير، واستغفر الله لي ولكم.. " وكانت دعوة ابن عباس صريحة في ارجاع الخلافة لاهل البيت (ع) الدين هم الصق الناس برسول الله (ص) وأمسهم به رحما، فان الخلافة انما هي امتداد لمركز رسول الله (ص) فاهل بيته أحق بمقامه وأولى بمكانته. كلمة عبد الله بن جعفر: وانبرى عبد الله بن جعفر فقال بعد حمد الله والثناء عليه: " أما بعد: فان هذه الخلافة إن أخذ فيها بالقران فاولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، وإن أخذ فيها بسنة رسول الله (ص) فاولو رسول الله (ص) وإن أخذ فيها بسنة الشيخين أبي بكر وعمر فاي الناس أفضل وأكمل واحق بهذا الامر من آل الرسول (ص) ؟ وأيم الله لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الامر موضعه لحقه وصدقه، والاطبع الرحمن، وعصي الشيطان، وما اختلف في الامة سيفان، فائق الله يا معاوية فانك قد صرت راعيا ونحن رعية فانظر لرعيتك فانك مسؤول عنها غدا،

[ 206 ]

وأما ما ذكرت من ابني عمي، وتركك أن تحضرهما، فوالله ما أصبت الحق، ولا يجوز ذلك الا بهما، وانك لتعلم انهما معدن العلم والكرم فقل أودع، واستغفر الله لى ولكم.. ". وحفل هذا الخطاب بالدعوة الى الحق والاخلاص للامة فقد رشح أهل البيت (ع) للخلافة وقيادة الامة، وحذره من صرفها عنهم كما فعل غيره من الخلفاء فكان من جراء ذلك ان منيت الامة بالازمات والنكسات وعانت أعنف المشاكل واقسى الحوادث: كلمة عبد الله بن الزبير: وانطلق عبد الله بن الزبير للخطابة فحمد الله وأثنى عليه وقال: " أما بعد: فان هذه الخلافة لقريش خاصة نتناولها بماثرها السنية وافعالها المرضية، مع شرف الاباء وكرم الابناء، فاتق الله يا معاوية وانصف نفسك فان هذا عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله (ص) وهذا عبد الله ابن جعفر ذي الجناحين ابن عم رسول الله (ص) وأنا عبد الله بن الزبير ابن عمة رسول الله (ص) وعلي خلف حسنا وحسينا وأنت تعلم من هما وما هما ؟ فاتق الله يا معاوية، وانت الحاكم بيننا وبين نفسك... ". وقد رشح ابن الزبير هؤلاء النفر للخلافة، وقد حفزهم بذلك لمعارضة معاوية وافساد مهمته:

[ 207 ]

كلمة عبد الله بن عمر: واندفع عبد الله بن عمر فقال بعد حمد الله والصلاة على نبيه: " أما بعد: فان هذه الخلافة ليست بهرقلية، ولا قيصرية، ولا كسروية يتوارثها الابناء عن الاباء، ولو كان كذلك كنت القائم بها بعد أبي فو الله ما ادخلني مع الستة من أصحاب الشورى، الا على أن الخلافة ليست شرطا مشروطا وانما هي في قريش خاصة لمن كان لها أهلا ممن ارتضاه المسلمون لانفسهم ممن كان اتقى وارضى، فان كنت تريد الفتيان من قريش فلعمري أن يزيد من فتيانها، واعلم انه لا يغني عنك من الله شيئا.. ". ولم تعبر كلمات العبادلة عن شعورهم الفردي، وانما عبرت تعبيرا صادقا عن راي الاغلبية الساحقة من المسلمين الذين كرهوا خلافة يزيد، ولم يرضوا بها. كلمة معاوية: وثقل على معاوية كلامهم، ولم يجد ثغرة ينفذ منها للحصول على رضاهم، فراح يشيد بابنه فقال: " قد قلت: وقلتم: وانه قد ذهبت الاباء، وبقيت الابناء فابني أحب إلي من ابنائهم، مع ان ابني إن قاولتموه وجد مقالا. وانما كان هذا الامر لبني عبد مناف لانهم اهل رسول الله فلما مضى رسول الله ولى الناس أبا بكر وعمر من غير معدن الملك والخلافة غير أنهما سارا بسيرة جميلة ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف فلا يزال فيهم إلى يوم القيامة، وقد

[ 208 ]

اخرجك الله يابن الزبير، وانت يابن عمر منها، فاما ابنا عمي هذا فليسا بخارجين من الراي ان شاء الله.. " (1). وانتهى اجتماع معاوية بالعبادلة، وقد اخفق فيه اخفاقا ذريعا، فقد استبان له ان القوم مصممون على رفض بيعة يزيد... وعلى اثر ذلك غادر يثرب، ولم تذكر المصادر التي بايدينا اجتماعه بسبطي رسول الله (ص) فقد اهملت ذلك واكبر الظن انه لم يجتمع بهما. فزع المسلمين: وذعر المسلمون حينما وافتهم الانباء بتصميم معاوية على فرض ابنه خليفة عليهم، وكان من اشد المسلمين خوفا المدنيون والكوفيون، فقد عرفوا واقع يزيد، ووقفوا على اتجاهاته المعادية للاسلام، يقول توماس آرنولد: " كان تقرير معاوية للمبدا الوراثي نقلة خطيرة في حياة المسلمين الذين ألفوا البيعة والشورى، والنظم الاولى في الاسلام وهم بعد قريبون منها ولهذا احسوا - وخاصة في مكة والمدينة حيث كانوا يتمسكون بالاحاديث والسنن النبوية الاولى - ان الامويين نقلوا الخلافة الى حكم زمني متاثر باسباب دنيوية مطبوع بالعظمة وحب الذات بدلا من أن يحنفظوا بتقوى النبي وبساطته " (2). لقد كان اقدام معاوية على فرض ابنه يزيد حاكما على المسلمين تحولا خطيرا في حياة المسلمين الذين لم يالفوا مثل هذا النظام الثقيل الذي فرض عليهم بقوة السلاح.


(1) الامامة والسياسة 1 / 180 - 183، جمهرة الخطب 2 / 233 - 236. (2) الخلافة (ص 10) لتوماس. (*)

[ 209 ]

الجبهة المعارضة: واعلن الاحرار والمصلحون في العالم الاسلامي رفضهم القاطع لبيعة يزيد، ولم يرضوا به حاكما على المسلمين، وفيما يلي بعضهم. 1 - الامام الحسين وفي طليعة المعارضين لبيعة يزيد الامام الحسين فقد كان يحتقر يزيد، ويكره طباعه الذميمة، ووصفه بانه صاحب شراب وقنص، وانه قد لزم طاعة الشيطان، وترك طاعة الرحمن، واظهر الفساد وعطل الحدود واستاثر بالفئ، وأحل حرام الله وحرم حلاله (1) وإذا كان بهذا الضعة فكيف يبايعه ويقره حاكما على المسلمين، ولما دعاه الوليد إلى بيعة يزيد قال له الامام: " أيها الامير إنا اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة بنا فتح الله، وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، وقاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله ". ورفض بيعة يزيد جميع أفراد الاسرة النبوية تبعا لزعيمهم العظيم، ولم يشذوا عنه. الحرمان الاقتصادي وقابل معاوية الاسرة النبوية بحرمان اقتصادي عقوبة لهم لامتناعهم عن بيعة يزيد، فقد حبس عنهم العطاء سنة كاملة (2) ولكن ذلك لم يثنهم عن عزمهم في شجب البيعة ورفضها.


(1) تاريخ ابن الاثير. (2) تاريخ ابن الاثير 3 / 252، الامامة والسياسة 1 / 200. (*)

[ 210 ]

2 - عبد الرحمن بن أبي بكر ومن الذين نقموا على بيعة يزيد عبد الرحمن بن أبي بكر، فقد وسمها بانها هرقلية كلما مات هرقل قام مكانه هرقل آخر (1) وأرسل إليه معاوية مائة الف درهم ليشتري بها ضميره فابى وقال: لا أبيع ديني (2). 3 - عبد الله بن الزبير ورفض عبد الله بن الزبير بيعة يزيد، ووصفه بقوله: " يزيد الفجور، ويزيد القرود، ويزيد الكلاب، ويزيد النشوات، ويزيد الفلوات " (3) ولما أجبرته السلطة المحلية في يثرب على البيعة فر منها، إلى مكة. 4 - المنذر بن الزبير وكره المنذر بن الزبير بيعة يزيد، وشجبها، وأدلى بحديث له عن فجور يزيد امام أهل المدينة فقال: " انه قد أجازني بمائة الف، ولا يمنعنى ما صنع بي أن أخبركم خبره والله إنه ليشرب الخمر، والله إنه ليسكر حتى يدع الصلاة " (4). 5 - عبد الرحمن بن سعيد وامتنع عبد الرحمن بن سعيد من البيعة ليزيد، وقال في هجائه:


(1) الاستيعاب. (2) الاستيعاب البداية والنهاية 8 / 89. (3) انساب الاشراف 4 / 30. (4) الطبري 4 / 368. (*)

[ 211 ]

لست منا وليس خالك منا * يا مضيع الصلاة للشهوات (1) 6 - عابس بن سعيد ورفض عابس بن سعيد بيعة يزيد، حينما دعاه إليه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال له: " أنا أعرف به منك، وقد بعث دينك بدنياك " (2). 7 - عبد الله بن حنظلة وكان عبد الله بن حنظلة من أشد الناقمين على البيعة ليزيد، وكان من الخارجين عليه في وقعة الحرة، وقد خاطب أهل المدينة فقال لهم: " فو الله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء.. إن رجلا ينكح الامهات والبنات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة والله لو لم يكن معي أحد من الناس لابليت لله فيه بلاءا حسنا.. " (3) وكان يرتجز في تلك الواقعة: بعدا لمن رام الفساد وطغى * وجانب الحق وآيات الهدى لا يبعد الرحمن الا من عصى (4)


(1) الحسين بن علي 2 / 6. (2) القضاة الكندي (ص 310). (3) طبقات ابن سعد. (4) تاريخ الطبري 7 / 12. (*)

[ 212 ]

موقف الاسرة الاموية: ونقمت الاسرة الاموية على معاوية في عقدة البيعة ليزيد، ولكن لم تكن نقمتهم عليه مشفوعة بدافع ديني أو اجتماعي، وانما كانت من أجل مصالحهم الشخصية الخاصة لان معاوية قلد ابنه الخلافة وحرمهم منها، وفيما يلي بعض الناقمين: 1 - سعيد بن عثمان وحينما عقد معاوية البيعة ليزيد أقبل سعيد بن عثمان إلى معاوية وقد رفع عقيرته قائلا: " علام جعلت ولدك يزيد ولي عهدك فو الله لابي خير من أبيه، وأمي خير من أمه، وأنا خير منه، وقد وليناك فما عزلناك، وبنا نلت ما نلت.. ". فراوغ معاوية: وقال له: " أما قولك: إن أياك خير من أبيه فقد صدقت، لعمر الله إن عثمان لخير مني، وأما قولك: ان أمك خير من أمه فحسب المراة أن تكون في بيت قومها وان يرضاها بعلها، وينجب ولدها، وأما قولك: انك خير من يزيد، فو الله ما يسرني أن لي بيزيد ملء الغوطة ذهبا مثلك وأما قولك: انكم وليتموني فما عزلتموني فما وليتموني انما ولاني من هو خير منكم عمر بن الخطاب فاقررتموني، وما كنت بئس الوالي لكم، لقد قمت بثأركم، وقتلت قتلة أبيكم، وجعلت الامر فيكم وأغنيت فقيركم، ورفعت الوضيع منكم... ".

[ 213 ]

وكلمة يزيد فارضاه، وجعله واليا على خراسان (1). 2 - مروان بن الحكم وشحب مروان بن الحكم البيعة ليزيد، وتقديمه عليه فقد كان شيخ الامويين وزعيمهم، فقال له: " اقم يا ابن أبي سفيان، واهدا من تأميرك الصبيان، واعلم ان لك في قومك نظراء وان لهم على مناوئتك وزرا ". فخادعه معاوية وقال له: " أنت نظير امير المؤمنين بعده، وفي كل شدة عضده، فقد وليتك قومك، وأعظمنا في الخراج سهمك، وإنا مجيرو وفدك ومحسنو وفدك " (2). وقال مروان: لمعاوية " جئتم بها هرقلية تبايعون لابناؤكم (3). 3 - زياد بن أبيه وكره زياد بن أبيه بيعة معاوية لولده، وذلك لما عرف به من الاستهتار والخلاعة والمجون ويقول المؤرخون: ان معاوية كتب إليه يدعوه إلى أخذ البيعة بولايته العهد ليزيد، وانه ليس أولى من المغيرة بن شعبة، فلما قرا كتابه دعا برجل من أصحابه كان ياتمنه حيث لا ياتمن أحدا غيره فقال له: اني أريد أن ائتمنك على ما لم أئتمن على بطون الصحائف إئت معاوية وقل له: يا إمير المؤمنين ان كتابك ورد علي بكذا، فماذا يقول


(1) وفيات الاعيان 5 / 389 - 390. (2) الامامة والسياسة 1 / 128. (3) الاسلام والحضارة العربية 2 / 395. (*)

[ 214 ]

الناس انا دعوناهم إلى بيعة يزيد، وهو يلعب بالكلاب والقرود، ويلبس المصبغ، ويدمن الشراب، ويمسي على الدفوف، ويحضرهم - أي الناس - الحسين بن علي، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله ابن عمر، ولكن تأمره أن يتخلق باخلاق هؤلاء حولا أو حولين، فعسانا أن نموه على الناس، وسار الرسول الى معاوية فادى إليه رسالة زياد فاستشاط غضبا، وراح يتهدده ويقول: " ويلي على ابن عبيد لقد بلغني أن الحادي حدا له أن الامير بعدي زياد، والله لاردنه الى أمه سمية والى أبيه عبيد. " (1). هؤلاء بعض الناقدين لمعاوية من الاسرة الاموية وغيرهم في توليته لخليعه يزيد خليفة على المسلمين. ايقاع الخلاف بين الامويين: واتبع معاوية سياسة التقريق بين الامويين حتى يصفو الامر لولده يزيد، فقد عزل عامله على يثرب سعيد بن العاص، واستعمل مكانه مروان بن الحكم، ثم عزل مروان واستعمل سعيدا مكانه، وأمره بهدم داره، ومصادرة أمواله، فابى سعيد من تنفيذ ما أمره به معاوية فعزله، وولى مكانه مروان، وأمره بمصادرة أموال سعيد وهدم داره فلما هم مروان بتنفيذ ما عهد إليه أقبل إليه سعيد وأطلعه على كتاب معاوية في شانه فامتنع مروان من القيام بما أمره معاوية، وكتب سعيد الى معاوية رسالة يندد فيها بعمله وقد جاء فيها: " العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا له أن يضغن بعضنا


(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 196. (*)

[ 215 ]

على بعض.. فامير المؤمنين في حمله وصبره على ما يكره من الاخبثين، وعفوه وادخاله القطيعة بنا، والشحناء وتوارث الاولاد ذلك " (1). وعلق عمر أبو النصر على سياسة التفريق التي تبعها معاوية مع اسرته بقوله: " إن سبب هذه السياسة هو رغبة معاوية في ايقاع الخلاف بين اقاربه الذين يخشى نفوذهم على يزيد من بعده فكان يضرب بعضهم ببعض حتى يظلوا بحاجة إلى عطفه وعنايته. " (2). تجميد البيعة: وجمد معاوية رسميا البيعة ليزيد الى اجل آخر حتى يتم له ازالة الحواجز والسدود التي تعترض طريقه، ويقول المؤرخون: انه بعد ما التقى بعبادلة قريش في يثرب واطلع على آرائهم المعادية لما ذهب إليه اوقف كل نشاط سياسي في ذلك وارجئ العمل الى وقت آخر (3). اغتيال الشخصيات الاسلامية: وراى معاوية انه لا يمكن باي حال تحقيق ما يصبوا إليه من تقليد ولده الخلافة مع وجود الشخصيات الرفيعة التي تتمتع باحترام بالغ في نفوس المسلمين فعزم على القيام باغتيالهم ليصفوله الجو فلا يبقى أمامه أي مزاحم


(1) الطبري 4 / 18. (2) السياسة عند العرب (ص 98) لعمر أبو النصر. (3) الامامة والسياسة 1 / 182. (*)

[ 216 ]

وقد قام باغتيال الذوات التالية: 1 - سعد بن أبي وقاص ولسعد المكانة العليا في نفوس الكثيرين من المسلمين فهو أحد اعضاء الشورى وفاتح العراق، وقد ثقل مركزه على معاوية فدس إليه سما فمات منه (1). 2 - عبد الرحمن بن خالد واخلص اهل الشام لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وأحبوه كثيرا وقد شاورهم معاوية فيمن يعقد له البيعة بعد وفاته، فقالوا له: رضينا بعبد الرحمن بن خالد، فشق ذلك عليه وأسرها في نفسه، ومرض عبد الرحمن، فامر معاوية طبيبا يهوديا كان مكينا عنده ان ياتيه للعلاج فيسقيه سقية تقتله، فسقاه الطبيب فمات على اثر ذلك (2). 3 - عبد الرحمن بن ابي بكر وكان عبد الرحمن بن أبي بكر من اقوى العناصر المعادية لبيعة معاوية لولده، وقد انكر عليه ذلك، وبعث إليه معاوية بمائة الف درهم فردها عليه، وقال: لا ابيع ديني بدنياي ولم يلبث أن مات فجاة بمكة (3) وتعزو المصادر سبب وفاته الى أن معاوية دس إليه سما فقتله.


(1) مقاتل الطالبيين (ص 29). (2) الاستيعاب. (3) المصدر نفسه. (*)

[ 217 ]

4 - الامام الحسن وقام معاوية باقتراف أعظم جريمة واثم في الاسلام، فقد عمد إلى اغتيال سبط النبي (ص) وريحانته الامام الحسن (ع) الذي عاهده بان يكون الخليفة من بعده... ولم يتحرج الطاغية من هذه الجريمة في سبيل انشاء دولة أموية تنتقل بالوارثة إلى أبنائه واعقابه، وقد وصفه " الميجر اوزبورن " بانه مخادع وذا قلب خال من كل شفقة، وانه كان لا يتهبب من الاقدام على أية جريمة من أجل أن يضمن مركزه فالقتل احدى وسائله لازالة خصومه وهو الذي دبر تسميم حفيد الرسول (ص) كما تخلص من مالك الاشتر قائد علي بنفس الطريقة (1). وقد استعرض الطاغية السفاكين ليعهد إليهم القيام باغتيال ريحانة النبي (ص) فلم ير أحدا خليقا بارتكاب الجريمة سوى جعيدة بنت الاشعث فانها من بيت قد جبل على المكر وطبع على الغدر والخيانة، فارسل الى مروان بن الحكم سما فاتكا كان قد جلبه من ملك الروم، وأمره بان يغري جعيدة بالاموال، وزواج ولده يزيد إذا استجابت له، وفاوضها مروان سرا، ففرحت، فاخذت منه السم، ودسته للامام وكان صائما في وقت ملتهب من شدة الحر، ولما وصل إلى جوفه تقطعت أمعاؤه، والتفت الى الخبيثة فقال لها: " قتلتيني قتلك الله، والله لا تصيبن مني خلفا، لقد غرك - يعني معاوية - وسخر منك يخزيك الله، ويخزيه. ". وأخذ حفيد الرسول (ص) يعاني الالام الموجعة من شدة السم،


(1) روح الاسلام (ص 295). (*)

[ 218 ]

وقد ذيلت نضارته واصفر لونه، حتى وافاه الاجل المحتوم، وقد ذكرنا تفصيل وفاته مع ما رافقها من الاحداث في كتابنا (حياة الامام الحسن) اعلان البيعة رسميا: وصفا الجو لمعاوية بعد اغتياله لسبط الرسول (ص) وريحانته، فقد قضى على من كان يحذر منه، وقد استبت له الامور، وخلت الساحة من أقوى المعارضين له، وكتب الى جميع عماله أن يبادروا دونما أي تأخير الى اخذ البيعة ليزيد، ويرغموا المسلمين على قبولها، واسرع الولاة في اخذ البيعة من الناس، ومن نحلف عنها نال اقصى العقوبات الصارمة. مع المعارضين في يثرب: وامتنعت يثرب من البيعة ليزيد، واعلن زعماؤهم وعلى رأسهم الامام الحسين (ع) رفضهم القاطع للبيعة، ورفعت السلطة المحلية ذلك الى معاوية فراى أن يسافر الى يثرب ليتولى بنفسه اقناع المعارضين، فان أبوا اجبرهم على ذلك، واتجه معاوية الى يثرب في موكب رسمي تحوطه قوة هائلة من الجيش، ولما انتهى إليها استقبله أعضاء المعارضة فجفاهم وهددهم وفي اليوم الثاني ارسل الى الامام الحسين والى عبد الله بن عباس، فلما مثلا عنده قابلهما بالتكريم والحفاوة، وأخذ يسال الحسين (ع) عن ابناء اخيه والامام يجيبه ثم خطب معاوية فاشاد بالنبي (ص) واثنى عليه، وعرض الى بيعة يزيد ومنح ابنه الالقاب الفخمة والنعوت الكريمة ودعاهما الى بيعته.

[ 219 ]

خطاب الامام الحسين: وانبرى أبى الضيم فحمد الله واثنى عليه ثم قال: " أما بعد: يا معاوية فلن يؤدي المادح وان اطنب في صفة الرسول (ص) من جميع جزءا، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول الله (ص) من ايجاز الصفة، والتنكب عن استبلاغ النعت، وهيهات هيهات يا معاوية ! ! فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج ولقد فضلت حتى افرطت، واستاثرت حتى اجحفت، ومنعت حتى بخلت، وجرت حتى جاوزت، ما بذلت لذي حق من اسم حقه من نصيب، حتى اخذ الشيطان حظه الاوفر، ونصيبه الاكمل. وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله، وسياسته لامة محمد (ص) تريد أن توهم الناس في يزيد كانك تصف محجوبا أو تنعت غائبا، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش والحمام السبق لاترابهن، والقيان ذوات المعازف، وضروب الملاهي تجده ناصرا. ودع عنك ما تحاول: فما اغناك ان تلقى الله بوزر هذا الخلق باكثر مما انت لا قيه، فو الله ما برحت تقدح باطلا في جور، وحنقا في ظلم، حتى ملات الاسقية، وما بينك وبين الموت الا غمضة فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص، ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الامر، ومتعتنا عن آبائنا تراثا، ولعمر الله اورثنا الرسول (ص) ولادة، وجئت لنا بها ما حججتم به القائم عند موت الرسول فاذعن للحجة بذلك ورده الايمان الى النصف فركبتم الاعاليل، وفعلتم الافاعيل وقلتم: كان

[ 220 ]

ويكون حتى اتاك الامر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك فهناك فاعتبروا يا أولي الابصار. وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله (ص) وتاميره له، وقد كان ذلك ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول وبيعته له، وما صار لعمر الله يومئذ مبعثهم حتى انف القوم امرته، وكرهوا تقديمه وعدوا عليه افعاله، فقال (ص): لا جرم يا معشر المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري، فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في اوكد الاحكام، وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب ؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابعا، وحولك من لا يؤمن في صحبته، ولا يعتمد في دينه وقرايته، وتتخطاهم الى مسرف مفتون، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بهذا الباقي في دنياه وتشقي بها في آخرتك، ان هذا لهو الخسران المبين، واستغفر الله لي ولكم.. ". وفند الامام في خطابه جميع شبهات معاوية وسد عليه جميع الطرق والنوافذ، وحمله المسؤولية الكبرى فيما اقدم عليه من ارغام المسلمين على البيعة لولده، كما عرض للخلافة وما منيت به من الانحراف عما أرادها الله من أن تكون في العترة الطاهرة الا ان القوم زووها عنهم، وحرفوها عن معدنها الاصيل. وذهل معاوية من خطاب الامام، وضاقت عليه جميع السبل فقال لابن عباس: " ما هذا يابن عباس ؟ ". " لعمر الله إنها لذرية الرسول (ص) وأحد اصحاب الكساء، ومن البيت المطهر قاله: عما تريد، فان لك في الناس مقنعا حتى يحكم الله

[ 221 ]

بامره وهو خير الحاكمين... " (1). ونهض ابي الضيم وترك معاوية يتميز من الغيظ، وقد استبان له أنه لا يتمكن أن يخدع الامام الحسين وياخذ البيعة منه. ارغام المعارضين: وغادر معاوية يثرب متجها الى مكة وهو يطيل التفكير في أمر المعارضين فراى أن يعتمد على وسائل العنف والارهاب، وحينما وصل الى مكة احضر الامام الحسين، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر وعرض عليهم مرة أخرى البيعة إلى يزيد فاعلنوا رفضهم لها، فانبرى إليهم مغضبا وقال: " اني أتقدم إليكم انه قد اعذر من انذر كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس فاحمل ذلك واصفح، واني قائم بمقالة فاقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى راسه، فلا يسبقني رجل الا على نفسه.. ". ودعا صاحب حرسه يحضرتهم فقال له: أقم على راس كل رجل من هؤلاء، رجلين ومع كل واحد سيف فان ذهب رجل منهم يرد علي كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفيهما، ثم خرج وخرجوا معه فرقى المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال: " ان هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم لا يبتز أمر دونهم،


(1) الامامة والسياسة 1 / 195 - 196. (*)

[ 222 ]

ولا يقضى الا عن مشورتهم، وانهم رضوا وبايعوا ليزيد، فبايعوا على اسم الله.. ". فبايعه الناس، ثم ركب رواحله، وغادر مكة (1) وقد حسب معاوية ان الامر قد تم لولده، واستقر الملك في بيته، ولم يعلم أنه قد جر الدمار على دولته، واعد المجتمع للثورة على حكومة ولده. موقف الامام الحسين: كان موقف الامام الحسين مع معاوية يتسم بالشدة والصرامة، فقد أخذ يدعو المسلمين بشكل سافر الى مقاومة معاوية، ويحذرهم من سياسته الهدامة الحاملة لشارات الدمار الى الاسلام. وفود الاقطار الاسلامية: واخذت الوفود تترى على الامام من جميع الاقطار الاسلامية وهي تعج بالشكوى إليه وتستغيث به مما ألم بها من الظلم والجور، وتطلب منه القيام بانقاذها من الاضطهاد، ونقلت الاستخبارات في ييثر الى السلطة المحلية تجمع الناس واختلافهم على الامام الحسين، وكان الوالي مروان ففزع من ذلك وخاف إلى حد بعيد.


(1) الكامل 3 / 252، الامالي 2 / 73، ذيل الامالي (ص 177) عيون الاخبار 2 / 210 البيان والتبيين 1 / 300. (*)

[ 223 ]

مذكرة مروان لمعاوية: ورفع مروان مذكرة لمعاوية سجل فيها تخوفه من تحرك الامام، واختلاف الناس عليه، وهذا نصها: " أما بعد فقد كثر اختلاف الناس الى حسين، والله اني لارى لكم منه يوما عصبيا " (1). جواب معاوية: وأمره معاوية بعدم القيام باي حركة مضادة للامام فقد كتب إليه: " اترك حسينا ما تركك، ولم يظهر لك عداوته، وبيد صفحته، واكمن عنه كمون الثرى ان شاء الله والسلام.. " (2). لقد خاف معاوية من تطور الا حدث، فعهد الى مروان بعدم التعرض له باي أذى أو مكروه. راى مروان في ابعاد الامام: واقترح مروان على معاوية ابعاد الامام عن يثرب وفرض الاقامة الجبرية عليه في الشام، ليقطعه عن الاتصال باهل العراق، ولم يرتض معاوية ذلك فرد عليه " اردت والله أن تستريح منه وتبتليني به، فان صبرت عليه صبرت على ما أكره وان اسات الله قطعت رحمه.. " (3).


(1) و (2) أنساب الاشراف ق 1 ج 1. (2) العقد الفريد 2 / 116. (*)

[ 224 ]

رسالة معاوية للحسين: واضطرب معاوية من تحرك الامام واختلاف الناس عليه فكتب إليه رسالة، وقد رويت بصورتين. 1 - رواها البلاذري وهذا نصها: " أما بعد: فقد انهيت إلي عنك امور إن كانت حقا فاني لم اظنها بك رغبة عنها، وان كانت باطلة فانت اسعد الناس بمجانبتها، وبحظ نفسك تبدا، وبعهد الله توفي فلا تحملني على قطعيتك والاسائة إليك، فانك متى تنكرني انكرك، ومتى تكدني اكدك فاتق الله يا حسين في شق عصا الامة، وان تردهم في فتنة. " (1). 2 - رواها ابن كثير وهذا نصها: " ان من اعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء، وقد انبئت أن قوما من أهل الكوفة قد دعوك الى الشقاق، وأهل العراق من قد جربت، قد افسدوا على أبيك وأخيك، فاتق الله، واذكر الميثاق فانك متى تكدني اكدك " (2). واحتوت هذه الرسالة حسب النص الاخير على ما يلي: 1 - ان معاوية قد طالب الامام بتنفيذ ما شرطه عليه في بنود الصلح أن لا يخرج عليه، وقد وفى له الامام بذلك الا ان معاوية لم يف بشئ مما أبرمه على نفسه من شروط الصلح. 2 - ان معاوية كان على علم بوفود أهل الكوفة التي دعت الامام للخروج عليه وقد وسمهم بانهم أهل الشقاق وانهم قد غدروا بعلي والحسن من قبل. 3 - التهديد السافر للامام بانه متى كاد معاوية فانه يكيده.


(1) انساب الاشراف ق 1 ج 1. (2) تاريخ ابن كثير 8 / 162. (*)

[ 225 ]

جواب الامام: ورفع الامام إلى معاوية مذكرة خطيرة كانت جوبا لرسالته حمله مسؤوليات جميع ما وقع في البلاد من سفك الدماء، وفقدان الامن، وتعريض الامة للازمات، وهي من أروع الوثائق الرسمية التي حفلت بذكر الاحداث التي صدرت من معاوية وهذا نصها: " أما بعد: فقد بلغني كتابك تذكر فيه أنه انتهت إليك عني أمور أنت عنها راغب وأنا بغيرها عندك جدير، وان الحسنات لا يهدي لها ولا يسدد إليها إلا الله تعالى. أما ما ذكرت أنه رقي إليك عني، فانه انما رقاه إليك الملاقون المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الجمع، وكذب الغاوون. ما أردت لك حربا، ولا عليك خلافا، واني لاخشى الله في ترك ذلك منك، ومن الاعذار فيه إليك وإلى اوليائك القاسطين حزب الظلمة. ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة واصحابه المصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم، ويستعظمون البدع، ويامرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم، ثم قتلتهم ظلما وعدوانا، من بعد ما أعطيتهم الايمان المغلظة والمواثيق المؤكدة، جراءة على الله واستخفافا بعهده. أو لست قاتل عمرو بن الحمق الخزاعي صاحب رسول الله (ص) العبد الصالح الذى ابلته العبادة فنحل جسمه واصفر لونه، فقتلته بعد ما أمنته واعطيته ما لو فهمته العصم لنزلت من رؤوس الجبال. أو لست بمدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت أن ابن أبيك، وقد قال رسول الله (ص): الولد للفراش وللعاهر الحجر

[ 226 ]

فتركت سنة رسول الله (ص) تعمدا وتبعت بغير هدى من الله ثم سلطته على أهل الاسلام يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم، ويسمل أعينهم، ويصلبهم على جذوع النخل، كانك لست من هذه الامة وليسوا منك. أو لست قاتل الحضرمي الذي كتب فيه إليك زياد أنه على دين علي كرم الله وجهه فكتب إليه أن اقتل كل من كان على دين علي، فقتلهم، ومثل بهم بامرك، ودين علي هو دين ابن عمه (ص) الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين رجلة الشتاء والصيف. وقلت: فيما قلت: انظر لنفسك ودينك ولامة محمد (ص) واتق شق عصا هذه الامة، وان تردهم الى فتنة، واني لا اعلم فتنة أعظم على هذه الامة من ولايتك عليها، ولا اعظم لنفسي ولديني ولامة محمد (ص) أفضل من ان أجاهرك، فان فعلت فانه قربة إلى الله، وان تركته فاني استغفر الله لديني، واساله توفيقه لارشاد أمري. وقلت: فيما قلت: إنني إن انكرتك تنكرني، وإن اكدك تكدني فكدني ما بدا لك وفاني أرجو أن لا يضرني كيدك، وان لا يكون على أحد أضر منه على نفسك، لانك قد ركبت جهلك وتحرصت على نقض عهدك. ولعمري ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتل هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والايمان والعهود والمواثيق فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقتلوا، ولم تفعل ذلك بهم الا لذكرهم فضلنا وتعظيمهم حقنا، مخافة أمر لعلك لو لم تقتلهم مت قبل يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا.

[ 227 ]

فابشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم أن الله تعالى كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها. وليس الله بناس لاخذك بالظنة وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك اياهم من دورهم الى دار الغربة واخذك الناس ببيعة ابنك الغلام الحدث يشرب الشراب، ويلعب بالكلاب ما أراك الا قد خسرت نفسك، وتبرت دينك (1) وغششت رعيتك وسمعت مقالة السفيه الجاهل واخفت الورع التقي والسلام " (2). لا اكاد أعرف وثيقة سياسة في ذلك العهد عرضت لعبث السلطة وسجلت الجرائم التي ارتكبها معاوية، والدماء التي سفكها، والنفوس التي أرعبها غير هذه الوثيقة، وهي صرخة في وجه الظلم والاستبداد " والله كم هي هذه الكلمة رقيقة شاعرة (كانك لست من هذه الامة وليسوا منك) هذه الكلمة المشبعة بالشعور القومي الشريف وقديما قال الصابي، " إن الرجل من قوم ليست له أعصاب تقسو عليهم " وهو اتهام من الحسين لمعاوية في وطنيته وفوميته، واتخذ من الدماء الغزيرة المسفوكة عنوانا على ذلك " (3). لقد حفلت هذه المذكرة بالاحداث الخطيرة التي اقترفها معاوية وعماله خصوصا زياد بن سمية الذي نشر الارهاب والظلم بين الناس فقتل على الظنة والتهمة، واعدم كل من كان على دين الامام امير المؤمنين الذى هو دين ابن عمه رسول الله (ص) وقد اسرف هذا الطاغية في سفك الدماء بغير حق، ومن الطبيعي انه لم يقترف ذلك الا بايعاز من معاوية فهو الذي عهد إليه بذلك:


(1) تبرت: اهلكت دينك. (2) الامامة والسياسة 1 / 284، رجال الكشي (ص 32) الدرجات الرفيعة (ص 334). (3) الامام الحسين (ص 338). (*)

[ 228 ]

صدى الرسالة: ولما انتهت رسالة الامام الى معاوية ضاق بها ذرعا، وراح يراوغ على عادته ويقول: " ان أثرنا بابى عبد الله الا أسدا " (1). المؤتمر السياسي العام: وعقد الامام في مكة مؤتمرا سياسيا عاما دعافيه جمهورا غفيرا ممن شهد موسم الحج من المهاجرين والانصار والتابعين وغيرهم من سائر المسلمين فانبرى (ع) خطيبا فيهم، وتحدث ببليغ بيانه بما ألم بعترة النبي (ص) وشيعتهم من المحن والخطوب التي صبها عليهم معاوية وما اتخذه من الاجراءات المشددة من أخفاء فضائلهم، وستر ما أثر عن الرسول الاعظم في حقهم والزم حضار مؤتمره باذاعة ذلك بين المسلمين، وفيما يلي نص حديثه فيما رواه سليم بن قيس قال: " ولما كان قبل موت معاوية بسنة حج الحسين بن علي، وعبد الله ابن عباس، وعبد الله بن جعفر، فجمع الحسين بني هاشم ونساءهم ومواليهم، ومن حج من الانصار ممن يعرفهم الحسين وأهل بيته، ثم أرسل رسلا، وقال لهم: لا تدعوا أحدا حج العام من أصحاب رسول الله (ص) المعروفين بالصلاح والنسك الا اجمعوهم لي، فاجتمع إليه بمنى اكثر من سبعمائة رجل وهم في سرادق، عامتهم من التابعين، ونحو من ماتئي رجل من اصحاب النبي (ص) فقام فيهم خطيبا " فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فان هذا الطاغية - يعني معاوية - قد فعل بنا وبشيعتنا


(1) سير الاعلام النبلاء 3 / 198. (*)

[ 229 ]

ما قد رأيتم، وعلمتم وشهدتم، واني أريد أن أسالكم عن شئ فان صدقت فصدقوني، وإن كذبت فكذبوني، اسمعوا مقالتي، واكتبوا قولي، ثم ارجعوا إلى امصاركم وقبائلكم، فمن أمنتم من الناس، ووثقتم به فادعوهم الى ما تعلمون من حقنا، فاني أتخوف أن يدرس هذا الامر ويغلب، والله متم نوره ولو كره الكافرون ". وما ترك شيئا مما أنزله الله فيهم من القران الا تلاه وفسره ولا شيئا مما قاله رسول الله (ص) في أبيه وأخيه وفي نفسه وأهل بيته إلا رواه. وكل ذلك يقول أصحابه: اللهم نعم. قد سمعنا وشهدنا، ويقول التابعي: اللهم قد حدثني به من أصدقه وأئتمنه من الصحابة فقال (ع). أنشدكم الله الا حدثتم به من تثقون به وبدينه.. " (1). وكان هذا المؤتمر أول مؤتمر اسلامي عرفه المسلمون في ذلك الوقت وقد شجب فيه الامام سياسة معاوية ودعا المسلمين لاشاعة فضائل أهل البيت (ع)، واذاعة ماثرهم التي حاولت السلطة حجبها عن المسلمين. رسالة جعدة للامام: وكان جعدة بن هبيرة بن أبي وهب من اخلص الناس للامام الحسين عليه السلام، واكثرهم مودة له وقد اجتمعت عنده الشيعة، وأخذوا يلحون عليه في مراسلة الامام للقدوم الى مصرهم ليعلن الثورة على حكومة معاوية، ورفع جعدة رسالة للامام وهذا نصها: " أما بعد: فان من قبلنا من شيعتك متطلعة انفسهم اليك، لا يعدلون بك أحد، وقد كانوا عرفوا راي الحسن اخيك في الحرب. وعرفوك باللين


(1) حياة الامام الحسن 2 / 216 - 217. (*)

[ 230 ]

لاوليائك والغلظة على أعدائك، والشدة في أمر الله، فان كنت تحب أن تطلب هذا الامر فاقدم علينا فقد وطنا أنفسنا على الموت معك. ". جواب الامام: ولم يكن من راي الامام الحسين الخروج على معاوية، وذلك لعلمه بفشل الثورة وعدم نجاحها، فان معاوية بما يملك من وسائل دبلوماسية وعسكرية لابد أن يقضي عليها، ويخرجها من اطارها الاسلامي الى حركة غير شرعية ويوسم القائمين بها بالتمرد والخروج على النظام، وقد اجابهم عليه السلام بعد البسملة والثناء على الله بما يلي: " أما اخي فاني ارجو أن يكون الله قد وفقه وسدده، وأما أنا فليس رايي اليوم ذلك، فالصقوا رحمكم الله بالارض، واكمنوا في البيوت واحترسوا من الظنة ما دام معاوية حيا، فان يحدث الله به حدثا وأنا حي كتبت إليكم برايي والسلام... " (1). لقد أمر (ع) شيعته بالخلود إلى الصبر والامساك عن المعارضة، وأن يلزموا بيوتهم خوفا عليهم من سلطان معاوية الذي كان ياخذ البرئ بالسقيم والمقبل بالمدبر ويقتل على الظنة والتهمة، واكبر الظن ان هذه الرسالة كانت في عهد زيادة الذي سمل عيون الشيعة، وصلبهم على جذرع النخل ودمرهم تدميرا ساحقا.


(1) الاخبار الطوال (ص 203) انساب الاشراف ج 1 ق 1. (*)

[ 231 ]

نصيحة الخدري للامام: وشاعت في الاوساط الاجتماعية أنباء وفود أهل الكوفة على الامام الحسين (ع) واستنجادهم به لانقاذهم من ظلم معاوية وجوره، وهذا نص حديثه: " يا أبا عبد الله اني انا ناصح، واني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة، يدعونكم الى الخروج إليهم، فلا تخرج إليهم، فاني سمعت أباك يقول بالكوفة، والله لقد مللتهم، وابغضتهم وملوني وأبغضوني، وما يكون منهم وفاء قط، ومن فاز به فاز بالسهم الاخيب، والله ما لهم ثبات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف " (1) وليس من شك في أن أبا سعيد الخدري كان من ألمع أصحاب الامام امير المؤمنين واكثرهم اخلاصا وولاء لاهل البيت، وقد دفعه حرصه على الامام الحسين، وخوفه عليه من معاوية أن يقوم بالنصيحة له في عدم خروجه على معاوية، ولم تذكر المصادر التي بايدينا جواب الامام الحسين له. استيلاء الحسين على اموال للدولة: وكان معاوية ينفق اكثر أموال الدولة على تدعيم ملكه، كما كان يهب الاموال الطائلة لبني أمية لتقوية مركزهم السياسي والاجتماعي، وكان الامام الحسين يشجب هذه السياسة، ويروي ضرورة انفاذ الاموال من من معاوية وانفاقها على المحتاجين، وقد اجتازت على يثرب أموال من اليمن الى خزينة دمشق، فعمد الامام الى الاستيلاء عليها، ووزعها على


(1) البداية والنهاية 8 / 161، تاريخ ابن عساكر 13 / 67. (*)

[ 232 ]

المحتاجين من بني هاشم وغيرهم وكتب الى معاوية: " من الحسين بن علي الى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد: فان عيرا مرت بنا من اليمن تحمل مالا وحللا وعنبرا وطيبا إليك، لتودعها خزائن دمشق، وتعل بها بعد النهل بني أبيك، واني احتجت إليها فاخذتها والسلام.. ". وأجابه معاوية: " من عبد الله معاوية الى الحسين بن علي، أما بعد: فان كتابك ورد علي تذكر ان عيرا مرت بك من اليمن تحمل مالا، وحللا وعنبرا وطيبا إلي لاودعها خزائن دمشق، واعل بها بعد النهل بني أبي، وانك احتجت إليها فاخذتها، ولم تكن جديرا باخذها إذ نسبتها إلي لان الوالي أحق بالمال، ثم عليه المخرج منه، وايم الله لو تركت ذلك حتى صار إلي لم ابخسك حظلك منه ولكنني قد ظننت يا بن أخي ان في راسك نزوة، وبودي أن يكون ذلك في زماني فاعرف لك قدرك، واتجاوز عن ذلك ولكنني والله اتخوف أن تبلى بمن لا ينظرك فواق ناقة ". وكتب في اسفل كتابه هذه الابيات: يا حسين بن علي ليس ما * جئت بالسائغ يوما والعلل أخذك المال ولم تؤمر به * ان هذا من حسين لعجل قد اجزناها ولم نغضب لها * واحتملنا من حسين ما فعل يا حسين بن علي ذا الامل * لك بعدي وثبة لا تحتمل وبودي انني شاهدها * فإليها منك بالخلق الاجل انني أرهب ان تصل بمن * عنده قد سبق السيف العذل (1)


(1) شرح نهج البلاغة 4 / 327 الطبعة الاولى. (*)

[ 233 ]

وفي هذا الكتاب تهديد للامام بمن يخلف معاوية وهو ابنه يزيد الذي لا يؤمن بمقام الحسين ومكانته من رسول الله (ص). وعلى أي حال فقد قام الامام بانقاذ هذه الاموال من معاوية وانفقها على الفقراء في حين أنه لم يكن ياخذ لنفسه أي صلة من معاوية، وقد قدم له مالا كثيرا وثيابا وافرة وكسوة فاخرة فرد الجميع عليه (1)، وقد روى الامام موسى بن جعفر (ع) ان الحسن والحسين كانا لا يقبلان جوائز معاوية (2). حديث موضوع: من الاخبار الموضوعة ما روي ان الامام الحسين وقد مع أخيه الحسن على معاوية فامر لهما بمائة ألف درهم وقال لهما: " خذاها وأنا ابن هند، ما اعطاها أحد قبلي، ولا يعطيها أحد بعدي.. ". فانبرى إليه الامام الحسين قائلا: " والله ما أعطى احد قبلك ولا بعدك لرجلين اشرف منا.. ". ولا مجال للقول بصحة هذه الرواية فان الامام الحسين (ع) لم يفد على معاوية بالشام، وانما وفد عليه الامام الحسن (ع) لا لاجل الصلة والعطاء كما يذهب لذلك بعض السذج من المؤرخين، وانما كان الغرض ابراز الواقع الاموي، والتدليل على مساوئ معاوية، كما اثبتت ذلك


(1) الحسين 1 / 117 لعلي جلال. (2) حياة الامام موسى بن جعفر 2 / 332. (*)

[ 234 ]

مناظراته مع معاوية وبطانته، والتي لم يقصد فيها الا تلك الغاية، وقد أوضحنا ذلك بصورة مفصلة في كتابنا (حياة الامام الحسن). الحسين مع بني أمية: كانت العداوة بين الحسين وبين بني أمية ذاتية فهي عداوة الضد للضد، وقد سال سعيد الهمداني الامام الحسين عن بني أمية فقال (ع) " إنا وهم الخصمان اللذان اختصما في ربهم.. " (1). أجل انهما خصمان في أهدافهما، وخصمان في اتجاههما، فالحسين (ع) كان يمثل جوهر الايمان بالله، وبمثل القيم الكريمة التي يشرف بها الانسان وبنو أمية كانوا يمثلون مساوئ الجاهلية التي تهبط بالانسان الى مستوى سحيق وكان الامويين بحسب طباعهم الشريرة، يحقدون على الامام الحسين ويبالغون في توهينه، وقد جرت منازعة بين الحسين وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان في مال كان بينهما فتحامل الوليد على الحسين في حقه، فثار الامام في وجهه وقال: " احلف بالله لتنصفي من حقي أو لاخذن سيفي، ثم لاقومن في مسجد رسول الله (ص) وادعون بحلف الفضول.. ". لقد أراد أن يحيى حلف الفضلول الذي أسسه الهاشميون والذي كان شعاره انصاف المظلومين والاخذ بحقوقهم، وقد حاربه الامويون في جاهليتهم لانه يتنافي مع طباعهم ومصالحهم. وانبرى عبد الله بن الزبير فانضم للحسين وانتصر له وقال:


(1) الكنى والاسماء 1 / 77 لابي بشر الدولابي. (*)

[ 235 ]

" وأنا احلف بالله لئن دعا به لاخذن سيفي ثم لاقومن معه حتى ينتصف من حقه أو تموت جميعا. ". وبلغ المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري الحديث فانضم للحسين، وقال بمثل مقالته وشعر الوليد بالوهن والضعف، فتراجع عن غيه، وانصف الحسين (ع) من حقه (1). ومن الوان الحقد الاموي على الحسين أنه كان جالسا في مسجد النبي (ص) فسمع رجلا يحدث اصحابه، ويرفع صوته ليسمع الحسين وهو يقول: " انا شاركنا آل أبي طالب في النبوة حتى نلنا منها مثل ما نالوا منها من السبب والنسب، ونلنا من الخلافة ما لم ينالوا فبم يفخرون علينا ؟ ". وكرر هذا القول ثلاثا، فاقبل عليه الحسين فقال له: اني كففت عن جوابك في قولك الاول حلما، وفي الثاني عفوا، وأما في الثالث فاني مجيبك اني سمعت أبي يقول: ان في الوحي الذي أنزله الله على محمد (ص) إذا قامت القيامة الكبرى حشر الله بني أمية في صور الذر يظاهم الناس حتى يفرغ من الحساب ثم يؤتى بهم فيحاسبوا، ويصار بهم الى النار (2) ولم يطق الاموي جوابا وانصرف وهو يتميز من الغيظ.. وبهذا ينتهي بنا الحديث عن موقف الامام مع معاوية وبني أمية، ونعرض فيما يلي الى وفاة معاوية وما رافقها من الاحداث.


(1) سيرة ابن هشام 1 / 142. (2) المناقب والمثالب للقاضي نعمان المصري (ص 61). (*)

[ 236 ]

مرض معاوية: ومرض معاوية وتدهورت صحته، ولم تجد معه الوصفات الطيبة، فقد تناهب جسمه الامراض، وفد شعر بدنو اجله، وكان في حزن على ما اقترفه في قتله لحجز بن عدى فكان ينظر إليه شبحا مخفيا، وكان يقول: ويلي منك يا حجر ! إن لي مع ابن عدي ليوما طويلا (1) وتحدث الناس عن مرضه، فقالوا إنه الموت، فامر أهله أن يحشوا عينيه اثمدا، ويسبغوا على راسه الطيب، ويجلسوه ثم أذن للناس فدخلوا وسلموا عليه قياما فلما خرجوا من عنده أنشد قائلا: وتجلدي للشامتين أريهم * أنى لريب الدهر لا اتضعضع فمسعه رجل من العلويين فاجابه. وإذا المنية أنشبت أظفارها * الفيت كل تميمة لا تنفع (2) وصاياه: ولما ثقل حال معاوية عهد بوصيته إلى يزيد، وقد جاء فيها " يا بني اني قد كفيتك الشر والترحال، ووطات لك الامور، وذلك لك الاعداء واخضعت لك رقاب العرب وجمعت لك ما لم يجمعه أحد فانظر أهل الحجاز فانهم أصلك، واكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب، وانظر أهل العراق فان سالوك أن تعزل كل يوم عاملا فافعل فان عزل عامل


(1) الفتنة الكبرى 2 / 245. (2) حياة الحيوان للدميري 1 / 59. (*)

[ 237 ]

أيسر من أن يشهر عليك مائة الف سيف، وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك، فان رابك من عدوك شئ فانتصر بهم فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام الى بلادهم فان أقاموا بغير بلادهم تغيرت اخلاقهم.. وانى لست اخاف عليك أن ينازعك في هذا الامر الا أربعة نفر من قريش الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن ابن أبي بكر، فاما ابن عمر فانه رجل قد وقذته العبادة، فإذا لم يبق احد غيره بايعك واما الحسين بن علي فهو رجل خفيف، ولن يترك أهل العراق حتى يخرجوه، فان خرج وظفرت به فاصفح عنه فان له رحما ماسة وحقا عظيما وقرابة من محمد، وأما ابن ابي بكر فان راى اصحابه صنعوا شيئا صنع مثله ليس له همة الا في النساء واللهو، واما الذي بجثم لك جثوم الاسد، ويراوغك مراوغة الثعلب فان أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير فان هو فعلها بك فظفرت به فقطعه اربا اربا واحقن دماء قومك ما استطعت... " (1). واكبر الظن ان هذه الوصية من الموضوعات فقد افتعلت لاثبات حلم معاوية وانه عهد الى ولده بالاحسان الشامل الى المسلمين وهو غير مسؤول عن تصرفاته... ومما يؤيد وضعها ما يلي: 1 - ان المؤرخين رووا أن معاوية أوصى يزيد بغير ذلك فقال له: ان لك من أهل المدينة يوما فان فعلوها فارمهم بمسلم بن عقبة فانه رجل قد عرفنا نصيحته (2) وكان مسلم بن عقبة جزارا جلادا لا يعرف الرحمة والرافة، وقد استعمله يزيد بعهد من أبيه في واقعة الحرة فاقترف كل موبقة


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 259. (2) تاريخ خليفة خياط 1 / 229. (*)

[ 238 ]

واثم، فكيف تلتقي هذه الوصيذة بتلك الوصية التي عهد فيها بالاحسان الى أهل الحجاز. 2 - انه اوصاه برعاية عواطف العراقيين، والاستجابة لهم إذا سألوه في كل يوم عزل من ولاه عليهم، وهذا يتنافى مع ما ذكره المؤرخون انه عهد بولاية العراق الى عبيد الله بن زياد، وهو يعلم شدته وصرامته وغدره، فهو ابن زياد الذي أغرق العراق بدماء الابرياء فهل العهد إليه بولايته العراق من الاحسان الى العراقيين والبر بهم ؟ ! ! 3 - انه جاء في هذه الوصية انه يتخوف عليه من عبد الله بن عمر وقد وصفه بانه قد وقذته العبادة، وإذا كان كذلك فهو بطبيعة الحال منصرف عن السلطة والمنازعات السياسية فما معنى التخوف منه ؟ ! ! 4 - انه جاء في هذه الوصية انه يتخوف عليه من عبد الرحمن بن أبي بكر، وقد نص المؤرخون انه توفي في حياة معاوية، فما معنى التخوف عليه من انسان ميت ؟ 5 - انه أوصاه برعاية الحسين (ع) وان له رحما ماسة وحقا عظيما وقرابة من رسول الله (ص) ومن المؤكد ان معاوية بالذات لم يرع أي جانب من جوانب القرابة من رسول الله، فقد قطع جميع أواصرها فقد فرض سبها على رؤوس الاشهاد، وعهد إلى لجان التربية والتعليم بتربية النشئ ببغض أهل البيت، ولم يتردد في ارتكاب أي وسيلة للحط من شانهم، وقد علق الاستاذ عبد الهادي المختار على هذه الفقرات من الوصية بقوله: " وتقول بعض المصادر ان معاوية أوصى ولده يزيد برعاية الحسين والذي نعتقده أنه لا أثر لها من الصحة، فان معاوية لم يتردد في اغتيال

[ 239 ]

الامام الحسن حتى بعد ما بايعه، فكيف يوصي ولده بالعفو عن الحسين ان ظفر به. لم يكن معاوية بالذي يرعي لرسول الله (ص) حرمة أو قرابة حتى يوصي ابنه برعاية آل محمد، كلا ابدا فقد حارب الرسول في الجاهلية حتى أسلم كرها يوم فتح مكة، ثم حارب صهر الرسول وخليفته وابن عمه عليا، ونزا على خلافة المسلمين، وانتزعها قهرا، وسم ابن بنت الرسول الحسن، فهل يصدق بعد هذا كله أن يوصي بمثل ما أوصى به. قد يكون أوصاه أن يغتاله سرا ويدس له السم، أو يبعث له من يطعنه بليل - ربما كان هذا الفرض اقرب الى الصحة من تلك الوصية - ولكن المؤرخون سامحهم الله أرادوا أن يبرؤا ساحة الاب، ويلقوا جميع التبعات على الابن وهما في الحقيقة غرس اثم واحد وثمرة جريمة واحدة وأضاف يقول: ولو ان الوصية المزعومة كانت صحيحة لما كان يزيد لاهم له بعد موت أبيه الا تحصيل البيعة من الحسين وتشديده على عامله بالمدينة بلزوم اجبار الحسين على البيعة. " (1). موت معاوية: واستقبل معاوية الموت غير مطمئن فكان يتوجع ويظهر الجزع على ما اقترفه من الاسراف في سفك دماء المسلمين ونهب أموالهم، وقد وافاه الاجل في دمشق محروما عن رؤية ولده الذي اغتصب له الخلافة وحمله


(1) مجلة الغري السنة الثامنة العدد 9 و 10. (*)

[ 240 ]

على رقاب المسلمين، وكان يزيد - فيما يقول المؤرخون مشغولا عن أبيه - في اثناء وفاته - برحلات الصيد وعربدات السكر، ونغمة العيدان. وبهذا ينتهي بنا الحديث عن حكومة معاوية، وما رافقها من الاحداث الجسام.

[ 241 ]

حكومة يزيد

[ 243 ]

وتسلم يزيد بعد هلاك أبيه قيادة الدولة الاسلامية، وهو في غضارة العمر، لم تهذبه الايام ولم تصقله التجارب، وانما كان - فيما اجمع عليه المؤرخون - موفور الرغبة في اللهو والقنص والخمر والنساء وكلاب الصيد وممعنا كل الامعان في اقتراف المنكر والفحشاء، ولم يكن حين هلاك أبيه في دمشق، وانما كان في رحلات الصيد في حوارين الثنية (1) فارسل إليه الضحاك بن قيس رسالة يعزيه فيها بوفاة معاوية، ويهنئه بالخلافة، ويطلب منه الاسراع الى دمشق ليتولى أزمة الحكم، وحينما قرا الرسالة اتجه فورا نحو عاصمته في ركب من أخواله، وكان ضخما كثير الشعر، وقد شعث في الطريق وليس عليه عمامة، ولا منقلدا بسيف، فاقبل الناس يسملون عليه، ويعزونه، وقد عابوا عليه ما هو فيه، وراحوا يقولون: " هذا الاعرابي الذي ولاه معاوية أمر الناس، والله ساله عنه " (2) واتجه نحو قبر أبيه فجلس عنده وهو باك العين، وانشا يقول: جاء البريد بقرطاس يخب به * فاوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا لك الويل ماذا في كتابكم * قال الخليفة أمسى مدنفا وجعا (3) ثم سار متجها نحو القبة الخضراء في موكب رسمي تحف به علوج أهل الشام واخواله وسائر بني أمية.


(1) الفتوح 4 / 265. (2) تاريخ الاسلام للذهبي 1 / 267. (3) تاريخ ابن الاثير 3 / 261. (*)

[ 244 ]

خطاب العرش: واتجه يزيد نحو منصة الخطابة ليعلن للناس سياسته، ومخططات حكومته، فلما استوى عليها ارتج عليه، ولم يطق الكلام، فقام إليه الضحاك بن قيس، فصاح به يزيد ما جاء بك ؟ قال له الضحاك: كلم الناس وخذ عليهم، فأمره بالجلوس (1)، وانبرى خطيبا فقال: " الحمد لله الذي ما شاء صنع، ومن شاء منع، ومن شاء خفض ومن شاء رفع ان امير المؤمنين - يعني معاوية - كان حبلا من حبال الله مده، ما شاء أن يمده، ثم قطعه حين أراد أن يقطعه، وكان دون من قبله، وخيرا مما ياتي بعده، ولا أزكيه عند ربه وقد صار إليه، فان يعف عنه فبرحمته وإن يعاقبه فبذنبه، وقد وليت بعده الامر ولست اعتذر من جهل، ولا اتي على طلب علم، وعلى رسلكم إذا كره الله شيئا غيره وإذا أحب شيئا يسره.. " (2). ولم يعرض يزيد في هذا الخطاب لسياسة دولته، ولم يدل باي شئ مما تحتاج إليه الامة في مجالاتهم الاقتصادية والاجتماعية، ومن المقطوع به ان ذلك مما لم يفكر به، وانما عرض لطيشه وجبروته واستهانته بالامة فهو لا يعتذر إليها من أي جهل يرتكبه، ولا من سيئة يقترفها، وانما على الامة الاذعان والرضا لظلمه وبطشه.


(1) تاريخ الخلفاء، نشر اكاديمية العلوم للاتحاد السوفيتي. (2) العقد الفريد 4 / 153 عيون الاخبار 2 / 239. (*)

[ 245 ]

خطابه في أهل الشام: وخطب في أهل الشام خطابا أعلن فيه عن عزمه وتصميمه على الخوض في حرب مدمرة مع أهل العراق، وهذا نصه: " يا أهل الشام فان الخير لم يزل فيكم، وسيكون بيني وبين أهل العراق حرب شديد، وقد رايت في منامي كان نهرا يجري بيني وبينهم دما عبيطا، وجعلت أجهد في منامي أن أجوز ذلك النهر فلم اقدر على ذلك حتى جاءني عبيد الله بن زياد فجازه بين يدي، وأنا أنظر إليه. ". وانبرى أهل الشام فاعلنوا تأييدهم ودعمهم الكامل له قائلين: " يا امير المؤمنين امض بنا حيث شئت " واقدم بنا على من أحببت فنحن بين يديك، وسيوفنا تعرفها أهل العراق في يوم صفين. " فشكرهم يزيد واثنى على اخلاصهم وولائهم له (1) وقد بات من المقطوع به عند أوساط الشام ان يزيد سيعلن الحرب على أهل العراق لكراهتهم لبيعة، وتجاوبهم مع الامام الحسين. مع المعارضة في يثرب: ولم يرق ليزيد أن يرى جبهة معارضة، لا تخضع لسلطانه، ولا تدين بالولاء لحكومته وقد عزم على التنكيل بها بغير هوادة، فقد استتبت له الامور وخضعت له الرقاب، وصارت أجهزة الدولة كلها بيده فما الذي يمنعه من ارغام اعدائه ومناوئيه. وأهم ما كان يفكر به من المعارضين الامام الحسين (ع) لانه يتمتع


(1) الفتوح 5 / 6. (*)

[ 246 ]

بنفوذ واسع النطاق، ومكانة مرموقة بين المسلمين فهو حفيد صاحب الرسالة وسيد شباب أهل الجنة، أما ابن الزبير فلم تكن له تلك الاهمية البالغة في نفسها. الاوامر المشددة الى الوليد: وأصدر يزيد أوامره المشددة الى عامله على يثرب الوليد بن عتبة بارغام المعارضين له على البيعة، وقد كتب إليه رسالتين: الاولى وقد رويت بصورتين وهما: 1 - رواها الخوارزمي وهذا نصها: أما بعد: فان معاوية كان عبدا من عباد الله أكرمه، واستخلصه، ومكن له ثم قبضه الى روحه وريحانه ورحمته، عاش بقدر ومات باجل، وقد كان عهد إلي وأوصاني ان الله تبارك وتعالى منتقم للمظلوم عثمان بآل أبي سفيان لانهم أنصار الحق وطلاب العدل فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة على أهل المدينة " (1). وقد احتوت هذه الرسالة على ما يلي: 1 - نعي معاوية إلى الوليد 2 - تخوف يزيد من الاسرة النبوية لانه قد عهد إليه أبوه بالحذر منها، وهذا يتنافى مع تلك الوصية المزعومة لمعاوية التي جاء فيها اهتمامه بشان الحسين (ع) والزام ولده بتكريمه ورعاية مقامه. 3 - الاسراع في اخذ البيعة من أهل المدينة. 2 - رواها البلاذري، وهذا نصها: " أما بعد: فان معاوية بن أبي سفيان كان عبدا من عباد الله أكرمه الله، واستخلفه، وخوله،


(1) مقتل الخوازمي 1 / 178. (*)

[ 247 ]

ومكن له فعاش بقدر ومات باجل، فرحمة الله عليه، فقد عاش محمودا ومات برا تقيا والسلام.. " (1). واكبر الظن ان هذه الرواية هي الصحيحة فالها قد اقتصرت على نعي معاوية الى الوليد من دون أن تعرض إلى أخذ البيعة من الحسين وغيره من المعارضين، اما على الرواية الاولى، فانه يصبح ذكر الرسالة التالية - التي بعثها يزيد الى الوليد لارغام الحسين على البيعة لغوا. الثانية: رسالة صغيرة، وصفت كأنها اذن فارة، وقد رويت بثلاث صور: 1 - رواها الطبري والبلاذري، وهذا نصها: " أما بعد، فخذ حسينا، وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام " (2). 2 - رواها اليعقوبي وهذا نصها: " إذا أتاك كتابي فاحضر الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، فخذهما بالبيعة فان امتنعا فاضرب أعناقهما، وابعث إلي برؤوسهما وخذ الناس بالبيعة فمن امتنع فانفذ فيه الحكم، وفي الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير والسلام " (3). وليس في الرواية الثانية ذكر لعبد الله بن عمر، واكبر الظن أنه أضيف اسمه الى الحسين وابن الزبير لالحاقه بالجبهة المعارضة وتبريره من التأييد السافر لبيعة يزيد. 3 - رواها الحافظ ابن عساكر، وهذا نصها: " إن ادع الناس


(1) انساب الاشراف ج 1 ق 1 ص 124. (2) تاريخ الطبري 6 / 84 أنساب الاشراف ج 1 ق 1 ص 124. (3) تاريخ اليعقوبي 2 / 215. (*)

[ 248 ]

فبايعهم، وابدا بوجوه قريش وليكن اول من تبدا بن الحسين بن علي فان أمير المؤمنين - يعني معاوية - عهد إلى في أمره الرفق واستصلاحه " (1) وليس في هده الرواية ذكر لابن الزبير وابن عمر إذ لم تكن لهما أية أهمية في نظر يزيد إلا انا نشك فيما جاء في أخر هذه الرسالة من أن معاوية قد عهد إلى يزيد الرفق بالحسين واستصلاحه، فان معاوية قد وقف موقفا ايجابيا يتسم بالعداء والكراهية لعمرم أهل البيت (ع) واتخذ ضدهم جميع الاجراءات القاسية كما المعنا الى ذلك في البحوث السابقة، واكبر الظن ان هذه الجملة قد اضيفت إليها لتبرير معاوية، ونفي للسؤلية عنه فيما ارتكبه ولده من الجرائم ضد العترة الطاهرة. بفي هنا شئ وهوان هذه الرسالة قد وصفها المؤرخون كأنها اذان فارة لصغرها ولعل السبب في ارسالها بهذا الحجم هو ان يزبد قد حسب ان الوليد سينفذ ما عهد إليه من قتل الحسين وابن الزبير، ومن الطبيعي ان لذك كثيرا من المضاعفات السيئة ومن أهمها ما يلحقه من التذمر والسخط الشامل بين المسلمين فاراد أن يجعل التبعة على الوليد، وأنه لم يعهد إليه بقتلهما، وانه لو أمره بذلك لا صدر مرسوما خاصا مطولا به. وحمل الرسالتين زريق مولى فاخذ يجذ في السير لا يلوي على شئ حتى انتهى الى يثرب (2) وكان معه عبد الله بن سعد بن أبى سرح متلثما لا يبدو منه الا عيناه فصادفه عبد الله بن الزبير فاخذ بيده وجعل


(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 68. (2) تاريخ الاسلام للذهبي 1 / 269، تاريخ خليفة خياط 1 / 222 وجاء في تاريخ ابن عساكر 13 / 68 وكتب يزيد مع عبد الله بن عمر، وابن ادريس العامري عامر بن لؤي هذه الرسالة. (*)

[ 249 ]

يساله عن معاوية وهو لا يجيبه، فقال له: امات معاوية ؟ فلم يكلمه بشئ فاعتقد بموت معاوية، وقفل مسرعا الى الحسين وأخبره الخبر (1)، فقال له الحسين: إني أظن ان معاوية قد مات، فقد رايت البارحة في منامي كان منير معاوية منكوس، ورايت داره تشتعل نارا فاولت ذلك في نفسي بموته (2). واقبل زريق الى دار الوليد فقال للحاجب استاذن لي، فقال قد دخل ولا سبيل إليه، فصاح به زريق: انى جئته بامر، فدخل الحاجب وأخبره بالامر فاذن له، وكان جالسا على سرير فلما قرا كتاب يزيد بوفاة معاوية جزع جزعا شديدا، وجعل يقوم على رجليه، ويرمي بنفسه على فراشه (3). فزع الوليد: وفزع الوليد مما عهد إلى يزيد من التنكيل بالمعارضين، فقد كان على يقين من أن أخذ البيعة من هؤلاء النفر ليس بالامر السهل، حتى يقابلهم بالعنف، أو يضرب أعناقهم - كما أمره يزيد - ان هؤلاء النفر لم يستطع معاوية مع ما يتمتع به من القابليات الدبلوماسية أن يخضعهم لبيعة يزيد، فكيف يصنع الوليد أمرا عجز عنه معاوية.


(1) شرح نهج البلاغة 2 / 115. (2) الفتوح 5 / 14. (3) تاريخ خليفة خياط 1 / 222. (*)

[ 250 ]

استشارته لمروان: وحار الوليد في امره فراى انه في حاجة الى مشورة مروان عميد الاسرة الاموية فبعث خلفه، فاقبل مروان وعليه قميص أبيض وملاه موردة (1) فنعى إليه معاوية فجزع مروان وعرض عليه ما أمره يزيد من ارغام المعارضين على البيعة له وإذا اصروا على الامتناع فيضرب أعناقهم، وطلب من مروان أن يمنحه النصيحة، ويخلص له في الراي. راي مروان: واشار مروان على الوليد فقال له: ابعث إليهم في هذه الساعة فتدعوهم الى البيعة والدخول في طاعة يزيد، فان فعلوا قبلت ذلك منهم، وان ابوا قدمهم، واضرب أعناقهم قبل أن يدروا بموت معاوية، فانهم إن عملوا ذلك وثب كل رجل منهم فاظهر الخلاف، ودعا إلى نفسه، فعند ذلك اخاف أن ياتيك من قبلهم مالا قبل لك به، الا عبد الله بن عمر فانه لا ينازع في هذا الامر أحدا... مع اني اعلم ان الحسين بن علي لا يجيبك إلى بيعة يزيد، ولا يرى له عليه طاعة، ووالله لو كنت في وضعك لم اراجع الحسين بكلمة واحدة حتى أضرب رقبته كاننا في ذلك ما كان. وعظم ذلك على الوليد وهو احنك بني أمية وأملكهم لعقله ورشده فقال لمروان: " يا ليت الوليد لم يولد ولم يك شيئا مذكورا. ".


(1) تاريخ الاسلام للذهبي 1 / 269. (*)

[ 251 ]

فسخر منه مروان وراح يندد به قائلا: " لا تجزع مما قلت لك: فان آل أبي تراب هم الاعداء من قديم الدهر ولم يزالوا وهم الدين قتلوا الخليفة عثمان بن عفان، ثم ساروا إلى أمير المؤمنين - يعني معاوية - فحاربوه... ". ونهره الوليد فقال له: " ويحك يا مروان عن كلامك هذا، واحسن القول في ابن فاطمة فانه بقية النبوة " (1). واتفق رأيهم على استدعاء القوم، وعرض الامر عليهم للوقوف على مدى تجاوبهم مع السلطة في هذا الامر. أضواء على موقف مروان: لقد حرض مروان الوليد على التنكيل بالمعارضين، واستهدف بالذات الامام الحسين، فالح بالفتك به ان امتنع من البيعة وفيما أحسب انه انما دعاه لذلك ما يلي: 1 - ان مروان كان يحفد على الوليد، وكانت بينهما عداوة متاصلة وهو - على يقين - ان الوليد يحب العافية، ولا ينفذ ما عهد إليه في شان الامام الحسين، فاستغل الموقف، وراح يشدد عليه في اتخاذ الاجراءات الصارمة ضد الامام، ليسبتين لطاغية الشام موقفه فيسلب ثقته عنه، وبقصيه عن ولاية يثرب، وفعلا قد تحقق ذلك فان يزيد حينما علم بموقف الوليد مع الحسين (ع) غضب عليه وقد وأقصاه عن منصبه.


(1) الفتوح 5 / 12 - 13. (*)

[ 252 ]

2 - ان مروان كان ناقما على معاوية حينما عهد بالخلافة لولده ولم يرشحه لها، لانه شيخ الامويين واكبرهم سنا، فاراد أن يورط يزيد في قتل الامام ليكون به زوال ملكه. 3 - كان مروان من الحاقدين على الحسين لانه سبط رسول الله (ص) الذي حصد رؤوس بني أمية ونفي اباه الحكم عن يثرب، وقد لعنه ولعن من تناسل منه، وقد بلغ الحقد بمروان للاسرة النبوية أنه منع من دفن جنازة الحسن (ع) مع جده رسول الله (ص) ويقول المؤرخون: إنه كان يبغض أبا هريرة لانه يروي ما سمعه من رسول الله (ص) فسمع في فضل سبطيه وريحانتيه، وقد دخل على أبي هريرة عائدا له فقال له: " يا أبا هريرة ما وجدت عليك في شئ منذ اصطحبنا الا في حبك الحسن والحسين ". فاجابه أبو هريرة: " اشهد لقد خرجنا مع رسول الله (ص) فسمع الحسن والحسين يبكيان، فقال: ما شان ابني ؟ فقالت فاطمة: العطش.. يا مروان كيف لا أحب هذين، وقد رايت من رسول الله ما رايت. " (1). لقد دفع مروان الوليد الى الفتك بالحسين لعله يستجيب له فيروي بذلك نفسه المترعة بالحقد والكراهية لعترة النبي (ص). 4 - كان مروان - على يقين - انه سيلي الخلافة، فقد أخبره الامام امير المؤمنين وصي النبي (ص) وباب المدينة علمه حينما تشفع الحسنان به بعد واقعة الجمل، فقال: ان له امرة كلعقة الكلب انفه، وقد اعتقد بذلك مروان، وقد حرض الوليد على الفتك بالحسين ليكون


(1) تاريخ ابن عساكر 4 / 208. (*)

[ 253 ]

ذلك سببا لزوال ملك بني سفيان، ورجوع الخلافة إليه. هذه بعض الاسباب التي حفزت مروان الى الاشارة على الوليد بقتل الامام الحسين وانه لم يكن بذلك مشفوعا بالولاء والاخلاص الى يزيد. استدعاء الحسين: وأرسل الوليد في منتصف الليل (1) عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو غلام حدث خلف الحسين وابن الزبير، وانما بعثه في هذا الوقت لعله يحصل على الوفاق من الحسين ولو سرا على البيعة ليزيد، وهو يعلم انه إذا اعطاه ذلك فلن يخيس بعهده، ولن يتخلف عن قوله. ومضى الفنى يدعو الحسين وابن الزبير للحضور عند الوليد فوجدهما في مسجد النبي (ص) فدعاهما إلى ذلك فاستجابا له، وأمراه بالانصراف وذعر ابن الزبير، فقال للامام: - ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها ؟ - أظن أن طاغيتهم - يعني معاوية - قد هلك فبعث إلينا بالبيعة قبل أن يفشو بالناس الخبر. - وأنا ما أظن غيره فما تريد أن تصنع ؟ - اجمع فتياني الساعة، ثم اسير إليه، واجلسهم على الباب. - إني اخاف عليك إذا دخلت. - لا آتيه إلا وأنا قادر على الامتناع (2).


(1) البداية والنهاية 8 / 160. (2) تاريخ ابن الاثير 3 / 264. (*)

[ 254 ]

وانصرف أبي الضيم الى منزله فاغتسل، وصلى ودعا الله (1) وأمر أهل بيته بلبس السلاح والخروج معه، فخفوا محدقين به، فامرهم بالجلوس على باب الدار، وقال لهم: اني داخل فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوني علي باجمعكم، ودخل الامام على الوليد فراى مروان عنده وكانت بينهما قطيعة فامرهما الامام بالتقارب والاصلاح، وترك الاحقاد، وكانت سجية الامام (ع) التي طبع عليها الاصلاح حتى مع أعدائه وخصومه، فقال (ع) لهما: " الصلة خير من القطيعة، والصلح خير من الفساد، وقد آن لكما أن تجتمعا، اصلح الله ذا بينكما. " (2) ولم يجيباه بشئ فقد علاهما صمت رهيب، والتفت الامام إلى الوليد فقال له: هل اتاك من معاوية خير ؟ فانه كان عليلا وقد طالت علته، فكيف حاله الان ؟ فقال الوليد بصوت خافت حزين النبرات: " آجرك الله في معاوية فقد كان لك عم صدوق، وقد ذاق الموت وهذا كناب أمير المؤمنين يزيد... ". فاسترجع الحسين، وقال له: " لماذا دعوتني ؟ ". " دعوتك للبيعة " (3) فقال (ع): إن مثلي لا يبايع سرا، ولا يجنزئ بها مني سرا، فإذا خرجت الى الناس ودعتهم للبيعة، دعوتنا معهم كان الامر واحدا.


(1) الدر النظيم (ص 162). (2) تاريخ ابن الاثير 3 / 264. (3) الفتوح 5 / 17. (*)

[ 255 ]

لقد طلب الامام تأجيل الامر الى الصباح، حنى يعقد اجتماع جماهيري فيدلي برايه في شحب البيعة ليزيد، ويستنهض همم المسلمين على الثورة والاطاحة بحكمه، وكان الوليد - فيما يقول المؤرخون - بحب العافية ويكره الفتنة فشكر الامام على مقالته، وسمح له بالانصراف الى داره، وانبرى الوغد الخبيث مروان بن الحكم وهو مغيظ محنق فصاح بالوليد " " لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبسه فان بايع والا ضربت عنقه ". ووثب أبي الضيم الى الوزغ ابن الوزغ فقال له: " يابن الزرقاء أأنت تقتلني أم هو ؟ كذبت والله ولؤمت " (1). وأقبل على الوليد فاخبره عن عزمه وتصميمه على رفض البيعة ليزيد قائلا: " أيها الامير إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة ومحل الرحمة، بنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب خمر قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر، وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة " (2). وكان هذا اول اعلان له على الصعيد الرسمي - بعد هلاك معاوية - في رفض البيعة ليزيد، وقد أعلن ذلك في بيت الامارة ورواق السلطة بدون مبالاة ولا خوف ولا ذعر. لقد جاء تصريحه بالرفض لبيعة يزيد معبرا عن تصميمه، وتوطين نفسه حتى النهاية على التضحية عن سمو مبدئه، وشرف عقيدته، فهو بحكم مواريثه الروحية ك، وبحكم بيته الذي كان ملتقى لجميع الكمالات الانسانية


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 264. (2) الفتوح 5 / 18. (*)

[ 256 ]

كيف ييايع يزيد الذي هو من عناصر الفسق والفجور، ولو اقره اماما على المسلمين لساق الحياة الاسلامية الى الانهيار والدمار وعصف بالعقيدة الدينية في متاهات سحيقة من مجاهل هذه الحياة. وكانت كلمة الحق الصارخة التي أعلنها أبو الاحرار قد احدثت استياء في نفس مروان فاندفع يعنف الوليد ويلومه على اطلاق سراحه قائلا: " عصيتني ! لا والله لا يمكنك مثلها من نفسه أبدا ". وتأثر الوليد من منطق الامام، وتيقظ ضميره فاندفع يرد أباطيل مروان قائلا: " ويحك ! ! انك أشرت علي بذهاب ديني ودنياي، والله ما أحب أن أملك الدنيا باسرها، واني قتلت حسينا: سبحان الله ! ! اأقتل حسينا ان قال: لا ابايع، والله ما اظن احدا يلقى الله بدم الحسين الا وهو خفيف الميزان، لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يزكيه وله عذاب اليم " وسخر منه مروان وطفق يقول: " إذا كان هذا رايك فقد اصبت ! ! " (1). وعزم الحسين على مغادرة يثرب والتوجه الى مكة ليلوذ بالبيت الحرام ويكون بمامن من شرور الامويين واعتدائهم. الحسين مع مروان: والتقى أبي الضيم في أثناء الطريق بمروان بن الحكم في صبيحة تلك الليلة التي اعلن فيها رفضه لبيعة يزيد، فبادره مروان قائلا:


(1) الطبري. (*)

[ 257 ]

" اني ناصح، فاطعني ترشد وتسدد.. ". " وما ذاك يا مروان ؟ ". " اني آمرك ببيعة امير المؤمنين يزيد فانه خير لك في دينك ودنياك. " والتاع كاشد ما تكون اللوعة واسترجع، وأخذ يرد على مقالة مروان ببليغ منطقه قائلا: " على الاسلام السلام، إذ قد بليت الامة براع مثل يزيد، ويحك يا مروان ! ! أتأمرني ببيعة يزيد، وهو رجل فاسق: لقد قلت: شططا من القول.. لا الومك على قولك، لانك اللعين الذي لعنك رسول الله (ص) وأنت في صلب أبيك الحكم بن أبي العاص وأضاف الامام يقول: " إليك عني يا عدو الله ! ! فانا أهل البيت رسول الله (ص) والحق فينا، وبالحق تنطق ألسنتنا، وقد سمعت رسول الله (ص) يقول: الخلافة محرمة على آل أبي سفيان، وعلى الطلقاء وابناء الطلقاء، وقال: إذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه، فوالله لقد راه أهل المدينة على منبر جدي فلم يفعلوا ما أمروا به.. ": وتميز الخبيث الدنس مروان غيظا وغضبا، واندفع يصيح: " والله لا تفارقني أو تبايع ليزيد صاغرا فانكم آل أبي تراب، قد اشربتم بغض آل أبي سفيان، وحق عليكم أن تبغضوهم، وحق عليهم أن يبغضوكم " وصاح به الامام: " إليك عني فانك رجس، وأنا من أهل بيت الطهارة الذين انزل الله فيهم على نبيه (ص): " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ". ولم يطق مروان الكلام، وقد تحرق ألما وحزنا، فقال له الامام: " ابشر يابن الزرقاء بكل ما تكره من الرسول (ص) يوم تقدم

[ 258 ]

على ربك فيسألك جدي عن حقي وحق يزيد.. ". وانصرف مروان مسرعا الى الوليد فاخبره بمقالة الحسين له (1). اتصال الوليد بدمشق: وأحاط الوليد يزيد علما بالاوضاع الراهنة في يثرب، وعرفه بامتناع الحسين (ع) من البيعة، وانه لا يرى له طاعة عليه، ولما فهم يزيد بذلك تمير غيظا وغضبا. الاوامر المشددة من دمشق: وأصدر يزيد أوامره المشددة الى الوليد باخذ البيعة من أهل المدينة ثانيا، وقتل الحسين (ع) وارسال راسه إليه وهذا نص كتابه. " من عبد الله يزيد أمير المؤمنين الى الوليد بن عتبة، أما بعد: فإذا ورد عليك كنا هذا فخذ البيعة ثانيا على أهل المدينة بتوكيد منك عليهم وذر عبد الله بن الزبير فانه لن يفوت أبدا مادام حيا، وليكن مع جوابك إلي براس الحسين بن علي، فان فعلت ذلك، فقد جعلت لك أعنة الخيل ولك عندي الجائزة، والحظ الاوفر والنعمة والسلام.. ". رفض الوليد: ورفض الوليد رسميا ما عهد إليه يزيد من قتل الحسين، وقال: لا والله لا يراني الله قاتل الحسين بن علي.. لا أقتل ابن بنت رسول الله (ص)


(1) الفتوح: 5 / 24. (*)

[ 259 ]

ولو أعطاني يزيد الدنيا بحذافيرها (1) وقد جاءته هذه الرسالة بعد مغادرة الامام يثرب الى مكة. وداع الحسين لقبر جده: وخف الحسين (ع) في الليلة الثانية الى قبر جده (ص) وهو حزين كثيب ليشكو إليه ظلم الظالمين له، ووقف أمام القبر الشريف - بعد أن صلى ركعتين - وقد ثارت مشاعره وعواطفه، فاندفع يشكو الى الله ما ألم به من المحن والخطوب قائلا: " اللهم إن هذا قبر نبيك محمد، وأنا ابن بنت محمد، وقد حضرني من الامر ما قد علمت، اللهم اني أحب المعروف وانكر المنكر، وأنا اسالك يا ذا الجلال والاكرام بحق هذا القبر ومن فيه الا ما اخترت لي ما هو لك رضى ولرسولك رضى. " رؤيا الحسين لجده: وأخذ الحسين يطيل النظر الى قبر جده، وقد وثقت نفسه أنه لا يتمتع برؤيته، وانفجر بالبكاء، وقبل أن يندلع نور الفجر غلبه النوم فراى جده الرسول (ص) قد اقبل في كتيبة من الملائكة فضم الحسين الى صدره وقبل ما بين عينيه، وهو يقول له: " يا بني كانك عن قريب اراك مقتولا مذبوحا بارض كرب وبلاء، بين عصابة من امتي، وانت مع ذلك عطشان لا تسقى، وظمان


(1) الفتوح 5 / 26 - 27. (*)

[ 260 ]

لا تروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي يوم القيامة، فما لهم عند الله من خلاق. حبيبي يا حسين إن أباك وأمك وأخاك قد قدموا علي، وهم إليك مشتاقون ان لك في الجنة درجات لن تنالها إلا بالشهادة... ". وجعل الحسين يطيل النظر إلى جده (ص) ويذكر عطفه وحنانه عليه فازداد وجيبه، وتمثلت أمامه المحن الكبرى التي يعانيها من الحكم الاموي فهو اما ان يبايع فاجر بني أمية أو يقتل، وأخذ يتوسل الى جده ويتضرع إليه قائلا: " يا جداه لا حاجة لي في الرجوع الى الدنيا، فخذني إليك، وادخلني معك الى منزلك ". والتاع النبي (ص) فقال له: " لا بد لك من الرجوع الى الدنيا، حتى ترزق الشهادة، وما كتب الله لك فيها من الثواب العظيم فانك، واباك، وأخاك، وعمك، وعم أبيك تحشرون يوم القيامة، في زمرة واحدة حتى تدخلوا الجنة " (1). واستيقظ الحسين فزعا مرعوبا قد المت به تيارات من الاسى والاحزان وصار على يقين لا يخامره أدنى شك انه لا بد أن يرزق الشهادة، وجمع أهل بيته فقص عليهم رؤياه الحزينة، فطافت بهم الالام، وأيقنوا بنزول الرزء القاصم، ووصف المؤرخون شدة حزنهم، بانه لم يكن في ذلك اليوم لا في شرق الارض ولا في غربها أشد غما من أهل البيت رسول الله (ص) ولا أكثر باكية وباك منهم (2).


(1) الفتوح 5 / 28 - 29. (2) مقتل العوالم (ص 54). (*)

[ 261 ]

وداعه لقبره امه وأخيه: وتوجه الحسين في غلس الليل البهيم الى قبر امه وديعة النبي (ص) وبضعته، ووقف امام قبرها الشريف مليا، وهو يلقى عليه نظرات الوداع الاخير، وقد ثمثلت امامه عواطفها الفياضة، وشدة حنوها عليه، وقد ود أن تنشق الارض لتواريه معها، وانفجر بالبكاء، وودع القبر وداعا حارا، ثم انصرف الى قبر أخيه الزكي أبي محمد، فاخذ يروي ثرى القبر من دموع عينيه، وقد ألمت به الالام والاحزان، ثم رجع إلى منزله، وهو غارق بالاسى والشجون (1). فزع الهاشميات: ولما عزم الامام على مغادرة يثرب واللجوء الى مكة اجتمعن السيدات من نساء بني عبد المطلب، وقد جاشت عواطفهن بالاسى والحزن: فقد تواترت عليهن الانباء عن رسول الله (ص) عن مقتل ولده الحسين، وجعلن ينحن، وتعالت أصواتهن بالبكاء، وكان منظرا مفزعا، وانبرى إليهن الحسين، وهو رابط الجاش فقال لهن: " انشدكن الله أن تبدين هذا الامر معصية لله ولرسوله ". فذابت نفوسهن، وصحن: " لمن نستبقي النياحة والبكاء، فهو عندنا كيوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي وفاطمة والحسن.. جعلنا الله فداك يا حبيب الابرار.. ".


(1) الفتوح 5 / 29. (*)

[ 262 ]

واقبلت عليه بعض عماته، وهي شاحبة اللون، فقالت بنبرات منقطعة بالبكاء لقد سمعت هاتفا يقول: وان قتيل الطف من آل الهاشم * اذل رقابا من قريش فذلت وجعل الامام (ع) يهدا أعصابهم، يامرها بالخلود الى الصبر، كما أمر سائر السيدات من بني عبد المطلب بذلك (1). مع أخيه ابن الحنفية: وفزع محمد بن الحنيفة الى الحسين، فجاء يتعثر في خطاه، وهو لا يبصر طريقه من شدة الحزن والاسى، ولما استقر به المجلس اقبل على الحسين قال له بنبرات مشفوعة بالاخلاص والحنو عليه. " يا أخي فدتك نفسي، أنت أحب الناس إلي، وأعزهم علي، ولست والله أدخر النصيحة لاحد من الخلق، وليس أحد أحق بها منك فانك كنفسي وروحي، وكبير أهل بيتي، ومن عليه اعتمادي، وطاعته في عنقه لان الله تبارك وتعالى قد شرفك وجعلك من سادات أهل الجنة واني اريد أن اشير عليك برايي فاقبله مني... ". لقد عبر محمد بهذا الحديث الرقيق عن عواطفه الفياضة المترعة بالولاء والاكبار لاخيه، واقبل عليه الامام فقال له محمد: " اشير عليك أن تتنخ ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الامصار ما استطعت، ثم ابعث برسلك الى الناس، فان بايعوك حمدت الله على ذلك وان اجتمعوا على غيرك لم ينقض الله بذلك دينك، ولا عقلك، ولم تذهب مروءتك، ولا فضلك، واني اخاف عليك أن تدخل مصرا من هذه


(1) مقتل الحسين للمقرم (ص 148). (*)

[ 263 ]

الامصار فيختلف الناس بينهم فطائفة معك، وأخرى عليك، فيقتتلون، فتكون لاول الاسنة غرضا، فإذا خير هذه الامة كلها نفسا وأبا وأما أضيعها دما واذلها اهلا.. ". وبادر الامام الحسين فقال له: " اين أذهب ؟ " " تنزل مكة فان اطمانت بك الدار، والا لحقت بالرمال، وشعب الجبال وخرجت من بلد الى آخر حتى ننظر ما يصير إليه أمر الناس، فانك اصوب ما تكون رايا واحزمهم عملا، حتى تستقل الامور استقبالا ولا تكون الامور أبدا اشكل عليك منها حتى تستدبرها استدبارا " (1). وانطلق الامام وهو غير حافل بالاحداث، فاخبره عن عزمه وتصميمه الكامل على رفض البيعة ليزيد قائلا: " يا أخي: لو لم يكن في الدنيا ملجا ولا ماوى لما بايعت يزيد ان معاوية ". وانفچر ابن الحنفية بالبكاء، فقد أيقن بالرزء القاصم، واستشف ماذا سيجري على أخيه من الرزايا والخطوب، وشكر الامام نصيحته وقال له: " يا اخى: جزاك الله خيرا لقد نصحت، وأشرت بالصواب، وأنا عازم على الخروج الى مكة، وقد تهيات لذلك أنا واخوتي وبنو أخي وشيعتي أمرهم أمري، ورأيهم رايي، وأما أنت فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عينا لا تخف عني شيئا من امورهم " (2).


(1) تاريخ الطبري 6 / 191. (2) الفتوح 5 / 32. (*)

[ 264 ]

وصيته لابن الحنفية: وعهد الامام بوصيته الخالدة إلى أخيه ابن الحنفية، وقد تحدث فيها عن أسباب ثورته الكبرى على حكومة يزيد وقد جاء فيها بعد البسملة: " هذاا ما أوصى به الحسين بن علي الى أخيه محمد بن الحنفية، ان الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وان محمدا عبده ورسوله جاء بالحق من عنده، وان الجنة حق، والنار حق، وان الساعة آتية لا ريب فيها، وان الله يبعث من في القبور. واني لم أخرج أشرا، ولا بطرا، ولا مفسدا، ولا ظالما، وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي (ص) أريد أن آمر بالمعروف وانهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق، فالله اولى بالحق، ومن رد علي اصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين. " وهذه وصيتي إليك يا أخي، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب " (1). من أجل هذه الاهداف النبيلة فجر الامام ثورته الخالدة فهو لم يخرج اشرا ولا بطرا، ولم يبغ أي مصلحة مادية له أو لاسرته، وانما خرج على حكم الظلم والطغيان، يريد أن يقيم صروح العدل بين الناس، وما أروع قوله: " فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين ". لقد حدود الامام خروجه بانه كان من أجل احقاق الحق واماتة الباطل


(1) الفتوح 5 / 33 مقتل الخوارزمي 1 / 188. (*)

[ 265 ]

ودعا الامة باسم الحق الى الالتفات حوله لتحمى حقوقها وتصون كرامتها وعزتها التي انهارت على أيدي الاموين، وإذا لم تستجب لنصرته فسيواصل وحده مسيرته النضالية بصبر وثبات في مناجزء الظالمين والمعتدين حتى يحكم الله بينه وبينهم بالحق وهو خير الحاكمين... كما حدد الامام خروجه بانه يريد أن يسير على منهاج جده وأبيه، وليس على منهاج أي أحد من الخلفاء. وهذه الوصية من البنود التي نرجع إليها في دراستنا عن اسباب ثورته (ع). وتهيا الامام بعد وصيته لاخيه محمد الى السفر الى مكة ليلتقي بحجاج بيت الله الحرام وغيرهم، ويعرض عليهم الاوضاع الراهنة في البلاد، وما تعانيه الامة من الازمات والاخطار في عهد يزيد. وقبل أن يغادر الامام (ع) يثرب متجها الى مكة دخل مسجد جده الرسول (ص) وهو غارق في الاسى والشجون فالقى عليه نظرة الوداع الاخير، وقد نظر الى محراب جده (ص) ومنبره، فطافت به ذكريات ذلك العطف الذي كان يفيضه عليه جده (ص) حينما كان في غضون الصبا، فلم ينس الحسين في جميع فترات حياته ذلك الحنان الذي اغدقه عليه جده حينما يقول فيه: " حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الاسباط... ": وتذكر كيف كان النبي (ص) يفرغ عليه ما انطوت عليه نفسه الكبيرة من المثل العليا التي كان بها خاتم النبين وسيد المرسلين، وأيقن انه لم يكن يشيع ذلك في نفسه بمحض العاطفة بل بشعور آخر هو الابقاء على رسالته، ومبادئه، وراى انه لا بد أن يقدم التضحية الرهيبة التي تصون

[ 266 ]

رسالة الاسلام من عبث الناقمين عليه... ويقول المؤرخون: انه دخل المسجد بين أهل بيته، وهو يعتمد في مشيه على رجلين ويتمثل بقول يزيد بن مفرغ: لا ذعرت السوام في فلق الصبح * مغيرا ولا دعيت يزيدا يوم أعطى من المهانة ضيما * والمنايا ترصدنني أن أحيدا (1) ويقول أبو سعيد: لما سمعت هذين البيتين قلت في نفسي: انه ما تمثل بهما الا لشئ يريده فما مكث الا قليلا حتى بلغني أنه سار الى مكة (2) لقد صمم على التضحية والفداء ليغير مجرى الحياة، ويرفع كلمة الله وفكرة الخيرر في الارض. أما يثرب مهد النبوة فانه حينما اذيع فيها مغادرة الحسين عنها علتها الكابة وخيم على أهلها الحزن والذعر فقد أيقنوا بالخسارة الفادحة التي ستحل بهم، فسيغيب عنهم قبس من نور الرسالة الذي كان يضئ لهم الحياة، وحزنت البقية الباقية من صحابة النبي (ص) كاعظم ما يكون الحزن، فقد كانوا يرون في الحسين امتدادا لجده الرسول (ص) الذي انقذهم من حياة التيه في الصحراء.


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 265. (2) تاريخ ابن عساكر 4 / 329، تاريخ الطبري. (*)

[ 267 ]

الثورة الحسينية اسبابها ومخططاتها

[ 269 ]

ولم يفجر الامام الحسين (ع) ثورته الكبرى أشرا، ولا بطرا، ولا ظالما، ولا مفسدا - حسب ما يقول - وانما انطلق ليؤسس معالم الاصلاح في البلاد، ويحقق العدل الاجتماعي بين الناس، ويقضي على أسباب النكسة الاليمة التي مني بها المسلمون في ظل الحكم الاموي الذي الحق بهم الهزيمة والعار. لقد انطلق الامام ليصحح الاوضاع الراهنة في البلاد، ويعيد للامة ما فقدته من مقوماتها وذاتياتها، ويعيد لشراينها الحياة الكريمة التي تملك بها ارادتها وحريتها في مسيرتها النضالية لقيادة أمم العالم في ظل حكم متوازن تذاب فيه الفوارق الاجتماعية، وتقام الحياة على أسس صلبة من المحبة والاخاء، انه حكم الله خالق الكون وواهب الحياة، لا حكم معاوية الذي قاد مركبة حكومته على اماتة وعي الانسان، وشل حركاته الفكرية والاجتماعية. لقد فجر الامام (ع) ثورته الكبرى التي أوضح الله بها الكتاب، وجعلها عبرة لاولي الالباب، فاضاء بها الطريق، وأوضح بها القصد، وانار بها الفكر، فانهارت بها السدود والحواجز التي وضعها الحكم الاموي امام التطور الشامل الذي يريده الاسلام لابنائه، فلم يعد بعد الثورة أي ظل للسلبيات الرهيبة التي أقامها الحكم الاموي على مسرح الحياة الاسلامية، فقد انتقضت الامة - بعد مقتل الامام - كالمارد الجبار وهي تسخر من الحياة، وتستهزا بالموت، وتزج بابنائها في ثورات متلاحقة حتى اطاحت بالحكم الاموي، واكتسحت معالم زهوه. ولم يقدم الامام على الثورة إلا بعد ان انسدت امامه جميع الوسائل وانقطع كل أمل له في اصلاح الامة، وانقاذها من السلوك في المنعطفات فايقن انه لا طريق للاصلاح إلا بالتضحية الحمراء، فهي وحدها التي

[ 270 ]

تتغير بها الحياة، وترتفع راية الحق عالية في الارض. وفيما اعتقد ان أهم ما يتطلبه القراء لامثال هذه البحوث الوقوف على أسباب الثورة الحسينية ومخططاتها، وفيما يلي ذلك. أسباب الثورة: واحاطت بالامام (ع) عدة من المسؤوليات الدينية والواجبات الاجتماعية وغيرها، فحفزته الى الثورة ودفعته الى التضحية والفداء وهذه بعضها. 1 - المسؤولية الدينية: واعلن الاسلام المسؤولية الكبرى على كل مسلم عما يحدث في بلاد المسلمين من الاحداث والازمات التي تتنافي مع دينهم، وتتجافي مع مصالحهم، فانه ليس من الاسلام في شئ أن يقف المسلم موقفا يتسم بالميوعة واللا مبالات أما الهزات التي تدهم الامة وتدمر مصالحها، وقد أعلن الرسول (ص) هذه المسؤولية، يقول (ص): كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته " فالمسلم مسؤول أمام الله عن رعاية مجتمعه، والسهر على صالح بلاده، والدفاع عن أمته. وعلى ضوء هذه المسؤولية الكبرى ناهض الامام جور الامويين، وناجز مخططاتهم الهادفة الى استعباد الامة واذلالها، ونهب ثرواتها، وقد أدلى (ع) بما يحتمه الاسلام عليه من الجهاد لحكم الطاغية يزيد، امام الحر وأصحابه قال (ع):

[ 271 ]

" يا أيها الناس: إن رسول الله (ص) قال: " من راى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله (ص) يعمل في عباد الله بالاثم والعدوان، فلم يغير عليه بقول ولا فعل كان حقا على الله أن يدخله مدخله ". لقد كان الواجب الديني يحتم عليه القيام بوجه الحكم الاموي الذي استحل حرمات الله، ونكث عهوده وخالف سنة رسول الله (ص)، وقد صرح جماعة من علماء المسلمين بان الواجب الديني كان يقضي على الامام أن ينطلق في ميادين الجهاد دفاعا عن الاسلام، وفيما يلي بعضهم. 1 - الامام محمد عبده والمع الامام محمد عبده في حديثه عن الحكومة العادلة والجائرة في الاسلام إلى خروج الامام على حكومة يزيد، ووصفه بانه كان واجبا شرعيا عليه، قال: " إذا وجد في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع، وحكومة جائرة تعطله، وجب على كل مسلم نصر الاولى، وخذل الثانية... ومن هذا الباب خروج الامام الحسين (ع) سبط الرسول (ص) على امام الجور والبغي الذي ولي أمر المسلمين بالقوة والمنكر يزيد بن معاوية خذله الله، وخذل من انتصر له من الكرامية والنواصب " (1). 2 - محمد عبد الباقي وتحدث الاستاذ محمد عبد الباقي سرور عن المسؤولية الدينية والاجتماعية اللتين تحتمان على الامام القيام بمناهضة حكم يزيد قال:


(1) تفسير المنار 1 / 367، و 12 / 183 و 185. (*)

[ 272 ]

" لو بايع الحسين يزيد الفاسق المستهتر، الذي اباح الخمر والزنا وحط بكرامة الخلافة الى مجالسة الغانيات، وعقد حلقات الشراب في مجلس الحكم، والذي البس الكلاب والقرود خلاخل من ذهب، ومئات الالوف من السلمين صرعى الجوع، والحرمان. لو بايع الحسين يزيد أن يكون خليفة لرسول الله (ص) على هذا الوضع لكانت فتيا من الحسين باباحة هذا للمسلمين، وكان سكوته هذا أيضا رضى، والرضا من ارتكاب المنكرات ولو بالسكوت اثم وجريمة في حكم الشريعة الاسلامية.. والحسين بوضعه الراهن في عهد يزيد هو الشخصية المسؤولة في الجزيرة العربية بل في البلاد الاسلامية كافة عن حماية التراث الاسلامي لمكانته في المسلمين، ولقرابته من رسول رب العالمين، ولكونه بعد موت كبار المسلمين كان أعظم المسلمين في ذلك الوقت علما ورهدا وحسبا ومكانة. فعلى هذا الوضع أحسن بالمسؤولية تناديه وتطلبه لا يقاف المنكرات عند حدها، ولا سيما ان الذي يضع هذه المنكرات ويشجع عليها هو الجالس في مقعد رسول الله (ص) هذا أولا: وثانيا: انه (ع) جاءته المبايعات بالخلافة من جزيرة العرب، وجاءه ثلاثون الفا من الخطابات من ثلاثين الف من العراقيين من سكان البصرة والكوفة يطلبون فيها منه الشخوص لمشاركتهم في محاربة يزيد بن معاوية، وألحوا تكرار هذه الخطابات حتى قال رئيسهم عبد الله بن الحصين الازدي: يا حسين سنشكوك الى الله تعالى يوم القيامة إذا لم تلب طلبنا، وتقوم بنجدة الاسلام، وكيف والحسين ذو حمية دينية ونخوة اسلامية، والمفاسد تترى أمام عينيه، كيف لا يقوم بتلبية النداء، وعلى هذا الوضع لبى النداء، كما تامر به الشريعة الاسلامية، وتوجه نحو العراق " (1).


(1) الثائر الاول في الاسلام (ص 79). (*)

[ 273 ]

وهذا الراي وثيق للغاية فقد شفع بالادلة الشرعية التي حملت الامام مسؤولية الجهاد والخروج على حكم طاغية زمانه. 3 - عبد الحفيظ أبو السعود يقول الاستاذ عبد الحفيظ أبو السعود: " وراى الحسين أنه مطالب الان - يعني بعد هلاك معاوية - أن يعلن رفضه لهذه البيعة، وان ياخذ البيعة لنفسه من المسلمين، وهذا اقل ما يجب حفاظا لامر الله، ورفعا للظلم، وابعادا لهذه العابث يعني يزيد - عن ذلك المنصب الجليل " (1). 4 - الدكتور احمد محمود صبحي وممن صرح بهذه المسؤولية الدينية الدكتور احمد محمود صبحي قال: " ففي اقدام الحسين على بيعة يزيد انحراف عن أصل من اصول الدين من حيث أن السياسة الدينية للمسلمين لا ترى في ولاية العهد وراثة الملك إلا بدعة هرقلية دخيلة على الاسلام، ومن حيث أن اختيار شخض يزيد مع ما عرف عنه من سوء السيرة، وميله الى اللهو وشرب الخمر، ومنادمة القرود ليتولى منصب الخلافة عن رسول الله (ص) اكبر وزر يحل بالنظام السياسي للاسلام. يتحمل وزره كل من شارك فيه ورضى عنه، فما بالك إذا كان المقدم على ذلك هو ابن بنت رسول الله. كان خروج الحسين إذا أمرا يتصل بالدعوة والعقيدة اكثر مما يتصل بالسياسة والحرب " (2).


(1) سبط الرسول (ص 133). (2) نظرية الامامة لدى الشيعة الاثنى عشرية (ص 334). (*)

[ 274 ]

5 - العلائلي يقول العلائلي: " وهناك واجب على الخليفة إذا تجاوزه وجب على الامة اسقاطه، ووجبت على الناس الثورة عليه وهو المبالغة باحترام القانون الذي يخضع له الناس عامة، والا فاي تظاهر بخلافه يكون تلاعبا وعبثا، ومن ثم وجب على رجل القانون أن يكون اكثر تظاهرا باحترام القانون من أي شخص آخر، واكبر مسؤولية من هذه الناحية، فإذا فسق الملك ثم جاهر بفسقه وتحدى الله ورسوله والمؤمنين لم يكن الخضوع له إلا خضوعا للفسق وخضوعا للفحشاء والمنكر، ولم يكن الاطمئنان إليه الا اطمئنانا للتلاعب والمعالنة الفاسقة. هذا هو المعنى التحليلي لقوله (ع): " ويزيد رجل فاسق، وشارب للخمر وقاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق " (1). هذه بعض الاراء التي أدلي بها جماعة من العلماء في الزام الامام شرعا بالخروج على حكم الطاغية يزيد، وانه ليس له أن يقف موقفا سليبا أمام ما يقترفه يزيد من الظلم والجور. 2 - مسؤولية الاجتماعية: وكان الامام (ع) بحكم مركزه الاجتماعي مسؤولا أمام الامة عما منيت به من الظلم والاضطهاد من قيل الامويين، ومن هو أولى بحمايتها ورد الاعتداء عنها غيره فهو سبط رسول الله (ص) وريحانته، والدين دين جده، والامة أمة جده، وهو المسؤول بالدرجة الاولى عن رعايتهما.


(1) الامام الحسين (ص 94). (*)

[ 275 ]

لقد راى الامام أنه مسؤول عن هذه الامة، وانه لا يجدي باي حال في تغيير الاوضاع الاجتماعية التزام جانب الصمت، وعدم الوثوب في وجه الحكم الاموي الملئ بالجور والاثام، فنهض (ع) باعباء هذه المسؤولية الكبرى، وأدى رسالته بامانة واخلاص، وضحى بنفسه وأهل بيته وأصحابه ليعيد على مسرح الحياة عدالة الاسلام وحكم القران. 3 - اقامة الحجة عليه: وقامت الحجة على الامام لاعلان الجهاد، ومناجزة قوى البغي والالحاد، فقد تواترت عليه الرسائل والوفود من أقوى حامية عسكرية في الاسلام، وهي الكوفة فكانت رسائل أهلها تحمله المسؤولية أمام الله إن لم يستجب لدعواتهم الملحة لانقاذهم من عسف الامويين وبغيهم، ومن الطبيعي أنه لو لم يجيبهم لكان مسؤولا أمام الله، وأمام الامة في جميع مراحل التاريخ، وتكون الحجة قائمة عليه. 4 - حماية الاسلام: ومن أوكد الاسباب التي ثار من أجلها حفيد الرسول (ص) حماية الاسلام من خطر الحكم الاموي الذي جهد على محو سطوره، وقلع جذوره واقبار قيمه، فقد أعلن يزيد وهو على دست الخلافة الاسلامية الكفر والالحاد بقوله: لعبت هاشم بالملك فلا خبر * جاء ولا وحي نزل

[ 276 ]

وكشف هذا الشعر عن العقيدة الجاهلية التي كان يدين بها يزيد فهو لم يؤمن بوحي ولا كتاب، ولا جنة ولا نار، وقد راى السبط أنه ان لم يثار لحماية الدين فسوف يجهز عليه حفيد أبي سفيان ويجعله أثرا بعد عين، فثار (ع) ثورته الكبرى التي فدى بها دين الله، فكان دمه الزاكي المعطر بشذى الرسالة، هو البلسم لهذا الدين، فان من المؤكد أنه لو لا تضحيته لم يبق للاسلام اسم ولا رسم، وصار الدين دين الجاهلية ودين الدعارة والفسوق، ولذهبت سدى جميع جهود النبي (ص) وما كان ينشده للناس من خير وهدى، وقد نظر النبي (ص) من وراء الغيب واستشف مستقبل امته، فراى بعين اليقين، ما تمنى به الامة من الانحراف عن الدين، وما يصيبها من الفتن والخطوب على أيدي أغيلمة من قريش، وراى أن الذي يقوم بحماية الاسلام هو الحسين (ع) فقال (ص) كلمته الخالدة: " حسين مني وأنا من حسين " فكان النبي (ص) حقا من الحسين لان تضحيته كانت وقاية للقران، وسيبقي دمه الزكي يروي شجرة الاسلام على ممر الاحقاب والاباد. 5 - صيانة الخلافة: ومن المع الاسباب التي ثار من أجلها الامام الحسين (ع) تطهير الخلافة الاسلامية من أرجاس الامويين الذين نزوا عليها بغير حق.. فلم تعد الخلافة - في عهدهم كما يريدها الاسلام - وسيلة لتحقيق العدل الاجتماعي بين الناس، والقضاء على جميع أسباب التخلف والفساد في الارض. لقد اهتم الاسلام اهتماما بالغا بشان الخلافة باعتبارها القاعدة الصلبة لاشاعة الحق والعدل بين الناس، فإذا صلحت نعمت الامة باسرها،

[ 277 ]

وإذا انحرفت عن واجباتها فان الامة تصاب بتدهور سريع في جميع مقوماتها الفكرية والاجتماعية... ومن ثم فقد عنى الاسلام في شانها أشد ما تكون العناية، فالزم من يتصدى لها بان تتوفر فيه النزعات الخيرة والصفات الشريفة من العدالة والامانة، والخبرة بما تحتاج إليه الامة في مجالاتها الاقتصادية والادارية والسياسية، وحرم على من فقد هذه الصفات أن يرشح نفسه للخلافة.. وقد تحدث (ع) في أولى رسائله الى أهل الكوفة عن الصفات التي يجب أن تتوفر فيمن يرشح نفسه الى امامة المسلمين وادارة شؤونهم قال (ع): " فلعمري ما الامام إلا العامل بالكتاب، والاخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله " (1). فمن تخلى بهذه الصفات كان له الحق في تقديم نفسه لامامة المسلمين وخلافتهم، ومن لم يتصف بها فلا حق له في التصدي لهذا المركز الخطير الذي كان يشغله الرسول (ص)... ان الخلافة الاسلامية ليست مجرد سلطة زمينة على الامة، وانما هي نيابة عن الرسول (ص) وامتداد ذاتي لحكومته المشرقة. وقد راي الامام الحسين أن مركز جده قد صار الى سكير مستهتر لا يعي الا شهواته ورغباته، فثار (ع) ليعيد للخلافة الاسلامية كيانها المشرق وماضيها الزاهر.


(1) الطبري 6 / 197. (*)

[ 278 ]

6 - تحرير ارادة الامة: ولم تملك الامة في عهد معاوية ويزيد ارادتها واختيارها فقد كانت جئة هامدة لا وعي فيها ولا اختيار، قد كبلت بقيود ثقيلة سدت في وجهها منافذ النور والوعي، وحيل بينها وبين ارادتها. لقد عمل الحكم الاموي على تخدير المسلمين وشل تفكيرهم، وكانت قلوبهم مع الامام الحسين، الا انهم لا يتمكنون من متابعة قلوبهم وضمائرهم فقد استولت عليها حكومة الامويين بالقهر، فلم يملكوا من أمرهم شيئا، فلا ارادة لهم ولا اختيار، ولا عزم ولا تصميم فاصبحوا كالانصاب لا وعي فيهم ولا حراك، قد قبعوا أذلاء " صاغرين تحت وطاة سياط الامويين وبطشهم ". لقد هب الامام الى ساحات الجهاد والفداء ليطعم المسلمين بروح العزة والكرامة، فكان مقتله نقطة تحول في تاريخ المسلمين وحياتهم، فانقلبوا راسا على عقب، فتسلحوا بقوة العزم والتصميم، وتحرروا ومن جميع السلبيات التي كانت ملمة بهم، وانقلبت مفاهيم الخوف والخنوع التي كانت جاثمة عليهم الى مبادئ الثورة والنضال، فهبوا متضامنين في ثورات مكثفة، وكان شعارهم (يا لثارات الحسين) فكان هذا الشعار هو الصرخة المدوية التي دكت عروش الامويين وازالت سلطانهم. 7 - تحرير اقتصاد الامة: وانهار اقتصاد الامة الذي هو شرايين حياتها الاجتماعية والفردية فقد عمد الامويين بشكل سافر الى نهب الخزينة المركزية والاستئتار بالفئ

[ 279 ]

وسائر تمرات الفتوح والغنائم، فحازوا الثراء العريض، وتكدست في بيوتهم الاموال الهائلة التي حاروا في صرفها، وقد اعلن معاوية امام المسلمين ان المال مال الله، وليس مال المسلمين فهو أحق به، ويقول سعيد بن العاص: انما السواد بستان قريش، وقد أخذوا ينفقون الاموال على اغراضهم السياسية التي لا تمت بصلة لصالح الامة. أما مواد انفاقهم البارزة فهي: أ - شراء الضمائر والاديان، وقد تقدمت الشواهد المؤيدة لذلك عند البحث عن سياسة معاوية الاقتصادية. ب - الانفاق على لجان الوضع لافتعال الاخبار التي تدعم الكيان الاموي وتحط من قيمة أهل البيت، وقد المعنا الى ذلك بصورة مفصلة. ج - الهبات الهائلة والعطايا الوافرة للوجوه والاشراف لكم افواههم عما تقترفه السلطة من الظلم للرعية. د - الصرف على المجون والدعارة، فقد امتلئت بيوتهم بالمغنين والمغنيات وادوات العزف وسائر المنكرات. هذه بعض الموارد التي كان ينفق عليها الاموال، في حين أن الجوع قد نهش الامة وعمت فيها المجاعة، وانتشر شبح الفقر في جميع الاقطار الاسلامية سوى الشام فقد رفه عليها لانها الحصن المنيع الذي كان يحمي جور الامويين وظلمهم. وقد ثار الامام الحسين (ع) ليحمي اقتصاد الامة ويعيد توازن حياتها المعاشية، وقد صادر أموالا من الخراج كانت قد ارسلت لمعاوية، كما صادر اموالا اخرى ارسلت من اليمن الى خزينة دمشق في أيام يزيد، وقد انفقها على الفقراء والمعوزين، وكان (ع) اكثر ما يعاني من الالام هو انه يرى الفقر قد أخذ بخناق المواطنين، ولم ينفق شئ من بيت المال على انعاش حياتهم.

[ 280 ]

8 - المظالم الاجتماعية: وانتشرت المظالم الاجتماعية في انحاء البلاد الاسلامية، فلم يعد قطر من الاقطار إلا وهو يعج بالظلم والاضطهاد من جورهم، وكان من مظاهر ذلك الظلم ما يلي: 1 - فقد الامن وانعدم الامن في جميع أنحاء البلاد، وساد الخوف والارهاب على جميع المواظنين، فقد أسرفت السلطة الاموية بالظلم، فجعلت تأخذ البرئ بالسقيم، والمقبل بالمدبر، وتعاقب على الظنة والتهمة، وتسوق الابراياء بغير حساب الى السجون والقبور، وكان الناس في عهد زياد يقولون: " انج سعد فقد هلك سعيد " ولا يوجد أحد الا وهو خائف على دمه، وماله، فثار الامام الحسين (ع) لينقذ الناس من هذا الجور الهائل. 2 - احتقار الامة وكان الخط السياسي الذي انتهجه الامويون العمل على اذلال الامة والاستهانة بها وكان من مظاهر ذلك الاحتقار انهم كانوا يختمون في اعناق المسلمين كما توسم الخيل علامة لاستعبادهم كما نقشوا على اكف المسلمين علامة لاسترقاقهم كما يصنع بالعلوج من الروم والحبشة (1) وقد هب الامام (ع) في ميادين الجهاد ليفتح للمسلمين أبواب العزة والكرامة، ويحطم عنهم ذلك الكابوس المظلم الذي احال حياتهم الى ظلام قاتم لا بصيص فيه من النور.


(1) تاريخ التمدن الاسلامي. (*)

[ 281 ]

9 - المظالم الهائلة على الشيعة: وذهبت نفس الامام الحسين أسى على ما عانته الشيعة - في عهد معاوية - من ضروب المحن والبلاء، فقد أمعن معاوية في ظلمهم وارهاقهم وفتك بهم فتكا ذريعا، وراح يقول للامام الحسين: " يا أبا عبد الله علمت أنا قتلنا شيعة أبيك فحنطناهم وكفناهم وصلينا عليهم ودفناهم " (1) وقد بذل قصارى جهوده في تصفية الحساب معهم، وقد ذكرنا عرضا مفصلا لما عانوه في عهد معاوية وخلاصته. 1 - اعدام اعلامهم كحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق الخزاعي وصيفي بن فسيل وغيرهم. 2 - صلبهم على جذوع النخل 3 - دفنهم أحياءا 4 - هدم دورهم 5 - عدم قبول شهادتهم 6 - حرمانهم من العطاء 7 - ترويع السيدات من نسائهم 8 - اذاعة الذعر والخوف في جميع أوساطهم إلى غير ذلك من صنوف الارهاق الذي عالوه، وقد ذعر الامام الحسين (ع) مما حل بهم، فبعث بمذكرته الخطيرة لمعاوية التي سجل فيها جرائم ما ارتكبه في حق الشيعة، وقد ذكرناها في البحث عن حكومة معاوية.


(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 206. (*)

[ 282 ]

لقد كانت الاجراءات القاسية التي اتخذها الحكم الاموى ضد الشيعة من اسباب ثورته فهب لانقاذهم من واقعهم المرير، وحمايتهم من الجور والظلم. 10 - محو ذكر اهل البيت: ومن ألمع الاسباب التي ثار من أجلها أبو الشهداء (ع) هو ان الحكم الاموي قد جهد على محو ذكر أهل البيت (ع) واستئصال ماثرهم ومناقبهم وقد استخذم معاوية في هذا السبيل أخبث الوسائل وهي: 1 - افتعال الاخبار في الحط من شانهم 2 - استخدام أجهزة التربية والتعليم لتربية النشئ على بغضهم 3 - معاقبة من يذكر مناقبهم باقصى العقوبات 4 - سبهم على المنابر والماذن وخطب الجمعة وقد عقد الامام الحسين (ع) مؤتمرة السياسي الكبير في مكة المكرمة وأحاط المسلمين علما بالاجراءات الخطيرة التي اتخذها معاوية إلى ازالة أهل البيت عن الرصيد السلامي... وكان (ع) يتحرق شوقا إلى الجهاد، ويود أن الموت قد وافاه ولا يسمع سب أبيه على المنابر والماذن. 11 - تدمير القيم الاسلامية: وعمد الامويون إلى تدمير القيم الاسلامية، فلم يعد لها اي ظل على واقع الحياة الاسلامية وهذه بعضها:

[ 283 ]

أ - الوحدة الاسلامية وأشاع الامويون الفرقة والاختلاف بين المسلمين فاحيوا العصبيات القبلية، وشجعوا الهجاء بين الاسر والقبائل العربية حتى لا تقوم وحدة بين المسلمين، وقد شجع يزيد الاخطل على هجاء الانصار الذين آووا النبي (ص) وحاموا عن دينه أيام غربة الاسلام ومحنته. لقد كانت الظاهرة البارزة في شعر ذلك العصر هي الهجاء المقذع فقد قصر الشعراء مواهبهم الاديبة على الهجاء والتفنن في أساليب القذف والسب للاسر التي كانت تنافس قبائلهم، وقد خلى الشعر الاموي عن كل نزعة انسانية أو مقصد اجتماعي، وتفرد بظاهرة الهجاء، وقد خولف بذلك ما كان ينشده الاسلام من الوحدة الشاملة بين أبنائه. ب - المساواة وهدم الامويون المساواة العادلة التي أعلنها الاسلام، فقدموا العرب على الموالي واشاعوا جوا رهيبا من التوتر والتكتل السياسي بين المسلمين، وكان من جراء ذلك أن الف الموالي مجموعة من الكتب في نقض العرب وذمهم، كما ألف العرب كتبا في نقص الموالي واحتقارهم، وعلى راس القائمة التي اثارت هذا النحو من التوتر بين المسلمين زياد بن أبيه فقد كان حاقدا على العرب، وقد عهد الى الكتاب بانتقاصهم. وقد خالفت هذه السياسة النكراء روح الاسلام الذي ساوى بين المسلمين في جميع الحقوق والواجبات على اختلاف قومياتهم.

[ 284 ]

ج - الحرية ولم يعد أي مفهوم للحرية ماثلا على مسرح الحياة طيلة الحكم الاموي فقد كانت السلطة تحاسب الشعب حسابا منكرا وعسيرا على كل بادرة لا تتفق مع رغباتها، حتى لم يعد في مقدور أي أحد أن يطالب بحقوقه، أو يتكلم ياي مصلحة للناس فقد كان حكم النطع والسيف هو السائد في ذلك العصر. لقد ثار أبو الاحرار لينقذ الانسان المسلم وغيره من الاضطهاد الشامل وبعيد للناس حقوقهم التي ضاعت في أيام معاوية ويزيد. 12 - انهيار المجتمع: وانهار المجتمع في عصر الامويين، وتحلل من جميع القيم الاسلامية أما أهل العوامل التي أدت إلى انهياره فهي: 1 - حرمان المجتمع من التربية الروحية فلم يحفل بها أحد من الخلفاء سوى الامام أمير المؤمنين (ع) فقد عني بها عناية بالغة إلا انه قد مني بالاحداث الرهيبة التي منعته من مواصلة مسيرته في اصلاح الناس وتقويم اخلاقهم. 2 - امعان الحكم الاموي في افساد المجتمع وتضليله، وتغديته بكل ما هو بعيد عن واقع الاسلام وهديه. ان هذين العاملين - فيما نحسب - من أهم العوامل التي أدت على الى انهيار ذلك المجتمع.. اما مظاهر ذلك التحلل والانهيار فهي:

[ 285 ]

1 - نقض العهود ولم يتاثم أغلب أبناء ذلك المجتمع من نقض العهود والمواثيق، فقد كان عدم الوفاء يها أمرا عاديا، ومتسالما عليه، وقد شجعهم على ذلك (كسرى العرب)، فقد أعلن في خطابه بالنخيلة ان كل ما شرطه على نفسه للامام الحسن لا يفي به، وعمد الى نقض جيمع الشروط التي أعطاها له.. وكانت هذه الظاهرة من ابرز ذاتيات الكوفيين، فقد اعطوا للامام الحسين أعظم العهود والمراثيق على مناصرته، ومناجزة عدوه إلا انهم خاسوا ما عاهدوا عليه الله فخذلوه وقتلوه. 2 - عدم التحرج من الكذب ومن الامراض التي أصيب بها ذلك المجتمع عدم التحرج من الكذب وقد مني الكوفيون بذلك بصورة خاصة، فانهم لما أحاطوا بالامام الحسين (ع) - يوم الطف - لقتله، وجه (ع) سؤالا الى قادة الفرق الذين كاتبوه بالقدوم إليهم فقال: " يا شبث بن ربعي، ويا حجار بن ابجر، ويا قيس بن الاشعث، ويا زيد بن الحرث، ألم تكتبوا إلي أن قد اينعت الثمار، واخضر الجناب وانما تقدم على جند لك مجندة.. ". ولم تخجل تلك النفوس القدرة من تعمد الكذب فأجابوه مجمعين: " لم نفعل " وبهر الامام فاندفع يقول: " سبحان الله ! ! بلى والله لقد فعلتم.. ".

[ 286 ]

وقد جروا الى المجتمع بما اقترفوه من الاثام كثيرا من الويلات والخطوب، وتسلح بهم أئمة الظلم والجور الى اضطهاد المسلمين وارغامهم على ما يكرهون. 3 - عرض الضمائر للبيع وقد كان من أحط ما وصل إليه ذلك المجتمع من الانحراف والزيغ عرض الضمائر والاديان لبيعها على السلطة جهارا، وقد المعنا الى ذلك بصورة مفصلة عند البحث عن عهد معاوية. 4 - الاقبال على اللهو وأقبل المجتمع بنهم على اللهو والدعارة، وقد شجع الامويون بصورة مباشرة حياة المجون لزعزعة العقيدة الدينية من النفوس، وصرف الناس عما ينشده الاسلام من التوازن في سلوك الفرد. هذه بعض الامراض التي المت بالمجتمع الاسلامي، وقد أدت إلى تسيبه، وانهيار قيمه وقد ثار الامام الحسين (ع) ليقضى على التذبذب والانحراف الذي منيت به الامة. 13 - الدفاع عن حقوقه: وانبرى الامام الحسين (ع) للجهاد دفاعا عن حقوقه التي نهبها الامويون واغتصبوها، وأهمها - فيما نحسب - ما يلي:

[ 287 ]

1 - الخلافة وآمن الامام الحسين (ع) - كابيه - أن العترة الطاهرة أولى بمقام رسول الله (ص) وأحق بمركزه من غيرهم، لانهم أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، بهم فتح الله، وبهم ختم - على حد تعبيره - وقد طبع على هذا الشعور وهو في غضون الصبا، فقد انطلق الى عمر وكان على منبر رسول الله (ص) فصاح به. " انزل عن منبر أبي، واذهب الى منبر أبيك ". ولم ينفرد الامام الحسين بهذا الشعور وانما كان سائدا عند أئمة أهل البيت عليهم السلام فهم يرون أن الخلافة من حقوقهم لانهم الصق الناس برسول الله (ص) واكثرهم وعيا لاهدافه.. وهناك شئ آخر جدير بالاهتمام وهو ان الحسين (ع) كان هو الخليفة الشرعي بمقتضى معاهدة الصلح التي تم الاتفاق عليها، فقد جاء في بنودها ليس لمعاوية أن يعهد بالامر الى أحد من بعده والامر بعده للحسن، فان حدث به حدث فالامر للحسين " (1) وعلى هذا، فلم تكن بيعة يزيد شرعية، فلم يخرج الامام الحسين (ع) على امام من أئمة المسلمين - كما يذهب لذلك بعض ذوي النزعات الاموية وانما خرج (ع) على ظالم مغتصب لحقه. 2 - الخمس والخمس حق مفروض لاهل البيت (ع) نص عليه القران وتواترت به السنة، ولكن الحكومات السابقة تناهيته فلم تؤد لهم منه شيئا لشل حركة المقاومة عند العلويين، وقد أشار الامام الحسين (ع) الى ذلك في


(1) حياة الامام الحسن 2 / 288 الطعبة الثانية. (*)

[ 288 ]

حديثه مع أبي هرة الذي نهاه عن الخروج على بني أمية، فقال (ع) له: " ويحك أبا هرة ان بني أمية أخذوا مالي فصبرت ". واكبر الظن ان المال الذي أخذته بنو أمية منه هو الخمس، وقد أعلن ذلك دعبل الخزاعي في رائعته التي انشدها أمام الرضا (ع) في خراسان بقوله: أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وايديهم من فيئهم صفرات والتاع الامام الرضا (ع) فجعل يقلب يديه وهو يقول: " انها - والله - لصفرات " وقد أقض مضاجع العلويين منعهم من الخمس باعتباره أحد المصادر الرئيسية لحياتهم الاقتصادية. ولعل الامام الحسين قد استهدف بنهضته ارجاع هذا الحق السليب لاهل البيت (ع). 14 - الامر بالمعروف: ومن أوكد الاسياب التي ثار من أجلها أبي الضيم (ع) اقامة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فانهما من مقومات هذا الدين، والامام بالدرجة الاولى مسؤول عنهما. وقد أدلى (ع) بذلك في وصيته لاخيه ابن الحنفية التي اعلن فيها عن اسباب خروجه على يزيد، فقال (ع) " اني لم اخرج أشرا، ولا بطرا، ولا ظالما، ولا مفسدا، وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي أريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ". لقد انطلق (ع) الى ميادين الجهاد ليقيم هذا الصرح الشامخ الذي بنيت عليه الحياة الكريمة في الاسلام، وقد انهارت دعائمة أيام الحكم الاموي فقد أصبح المعروف في عهدهم منكرا، والمنكر معروفا، وقد

[ 289 ]

انكر عليهم الامام في كثير من المواقف، والتي كان منها خطابه الرائع امام المهاجرين والانصار، فقد شجب فيه تخاذلهم عن نصرة الحق و دحض الباطل، وايثارهم للعافية، وقد ذكرناه في الحلقة الاولى من هذا الكتاب. ومما قاله (ع) في هذا المجال امام اصحابه واهل بيته يوم الطف: " الا ترون الى الحق لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه " لقد آثر الموت على الحياة، لانه يرى الحق قد تلاشى والباطل قد استشرى. 15 - اماتة البدع: وعمد الحكم الاموي الى نشر البدع بين المسلمين، التي لم يقصد منها إلا محق الاسلام، والحاق الهزيمة به، وقد اشار الامام (ع) إلى ذلك في رسالته بعثها لاهل البصرة يقول (ع): " فان السنة قد اميتت والبدعة قد احييت " (1). لقد ثار (ع) ليقضي على البدع الجاهلية التي تبناها الامويون، ويحيي سنة جده التي اماتوها، فكانت نهضته الخالدة من اجل اماته الجاهلية ونشر راية الاسلام.


(1) الطبري 6 / 200. (*)

[ 290 ]

16 - العهد النبوي: واستشف النبي (ص) من وراء الغيب ما يمنى به الاسلام من الاخطار الهائلة على أيدي الامويين، وانه لا يمكن باي حال تجديد رسالته وتخليد مبادثه إلا بتضحية ولده الامام الحسين (ع) فانه هو الذي يكون الدرع الواقي لصيانة الاسلام فعهد إليه بالتضحية والفداء، وقد أدلى الحسين بذلك حينما عدله المشفقون عليه من الخروج الى العراق فقال (ع) لهم: " أمرني رسول الله (ص) بامر وأنا ماض إليه.. ". ويقول المؤرخون: ان النبي (ص) كان قد نعى الحسين الى المسلمين وإحاطهم علما بشهادتهم وما يعانيه من أهوال المصائب، وكان - باستمرار - يتفجع عليه ويلعن قاتله، وكذلك أخير الامام أمير المؤمنين (ع) بشهادته وما يجرى عليه، وقد ذكرنا في الحلقة الاولى من هذا الكتاب الاخبار المتواترة بذلك.. وكان الامام الحسين (ع) على علم وثيق بما يجرى عليه فقد سمع ذلك من جده وأبيه وقد أيقن بالشهادة، ولم يكن له أي أمل في الحياة فمشى إلى الموت بعزم وتصميم امتثالا لامر جده الذي عهد إليه بذلك. 17 - العزة والكرامة: ومن أوثق الاسباب التي ثار من أجلها أبو الاحرار هو العزة والكرامة ققد أراد الامويون ارغامه على الذل، والخنوع، فابي إلا أن يعيش عزيرا تحت ظلال السيوف والرماح، وقد أعلن سلام الله عليه ذلك يوم الطف بقوله: " الا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة،

[ 291 ]

وهيهات منا الذلة يابى الله لنا ذلك ورسوله، ونفوس أبية، وانوف حمية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام.. ". وقال (ع): " لا أرى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا برما.. ". لقد عائق الموت بثغر باسم في سبيل ابائه وعزته، وضحى بكل شئ من أجل حريته وكرامته. 18 - غدر الامويين وفتكهم: وايقن الامام الحسين (ع) ان الامويين لا يتركونه، ولا تكف أيديهم عن الغدر والفتك به حتى لو سالمهم وبايعهم، وذلك لما يلي: 1 - ان الامام كان ألمع شخصية في العالم الاسلامي، وقد عقد له المسلمون في دخائل نفوسهم خالص الود والولاء لانه حفيد نبيهم وسيد شباب أهل الجنة، ومن الطبيعي انه لا يروق للامويين وجود شخصية تتمتع بنفوذ قوي: ومكانة مرموقة في جميع الاوساط فانها تشكل خطرا على سلطانهم وملكهم. 2 - ان الامويين كانوا حاقدين على النبي (ص) لانه وترهم في واقعة بدر، وألحق بهم الهزيمة والعار، وكان يزيد يترقب الفرص للانتقام من أهل البيت النبي (ص) لياخذ ثاراث بدر منهم، ويقول الرواة إنه كان يقول: لست من خندف إن لم انتقم * من بني احمد ما كان فعل ولما استوفى ثاره وروى احقاده بابادتهم أخذ يترنهم ويقول: قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلناه ببدر فاعتدل

[ 292 ]

3 - ان الامويين قد عرفوا بالغدر ونقض العهود، فقد صالح الحسن معاوية، وسلم إليه الخلافة ومع ذلك فقد غدر معاوية به فدس إليه سما فقتله، واعطوا الامان لمسلم بن عقيل فخانوا به.. وقد ذكرنا في البحوث السابقة مجموعة من الشخصيات التي اغتالها معاوية خشية منهم. وقد اعلن الامام الحسين (ع) ان بني أمية لا يتركونه يقول (ع) لاخيه محمد بن الحنفية: " لو دخلت في حجر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقتلوني " وقال (ع) لجعفر بن سليمان الضبعي: " والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة - يعني قلبه الشريف - من جوفي ". واختار (ع) أن يعلن الحرب ويموت ميتة كريمة تهز عروشهم وتقضي على جبروتهم وطغيانهم. هذه بعض الاسباب التي حفزت أبا الاحرار إلى الثورة على حكم يزيد راي رخيص: ووصف جماعة من المتعصبين لبني أمية خروج الامام على يزيد بانه كان من اجل الملك والظفر بخيرات البلاد، وهذا الراي ينم عن حقدهم على الامام بما احرزه من الانتصارات الرائعة في نهضته المباركة التي لم يظفر بمثل معطياتها أي مصلح اجتماعي في الارض، وقد يكون لبعضهم العذر لجهلهم بواقع النهضة الحسينية، وعدم الوقوف على اسبابها، لقد كان الامام على يقين باخفاق ثورته في الميادين العسكرية، لان خصمه كان يدعمه جند مكثف أولو قوة واولو باس شديد، وهو لم تكن عنده أية قوة عسكرية ليحصل على الملك، ولو كان الملك غايته - كما يقولون - لعاد

[ 293 ]

إلى الحجاز أو مكان آخر حينما بلغه مقتل سفيره مسلم بن عقيل، وانقلاب الكوفة عليه، ويعخمل حينئذ من جديد على ضمان غايته، نجاح مهمته لقد كان الامام على علم بان الاوضاع السائدة كلها كانت في صالح بني امية وليس منها مما يدعمه أو يعود لصالحه، يقول ابن خلدون: " ان هزيمة الحسين كانت امرا محتما لان الحسين لم تكن له الشوكة التي تمكنه من هزيمة الامويين لان عصبية مضر في قريش، وعصبية قريش في عبد مناف وعصبية عبد مناف في بني امية، فعرف ذلك لهم قريش وسائر الناس لا ينكرونه " (1). لقد كانت ثورة الامام من اجل غاية لا يفكر بها اولئك الذين فقدوا وعيهم، واختيارهم فقد كان خروجه على حكم يزيد من اجل حماية المثل الاسلامية والقيم الكريمة من الامويين الذين حملوا معول الهدم.. يقول بعض الكتاب المعاصرين. " ويحق لنا أن نسال ما ذا كان هدف الحسين عليه السلام، وماذا كانت القضية التي يعمل من أجلها ؟ أما لو كان هدفه شخصيا يتمثل في رغبته في اسقاط يزيد ليتولى هو بنفسه الخلافة التي كان يطمع إليها، ما وجدنا فيه هذا الاصرار على التقدم نحو الكوفة رغم وضوح تفرق الناس من حوله، واستسلامهم لابن زياد، وحملهم السلاح في اعداد كثيرة لمواجهته والقضاء عليه. ان أقصر الناس نظرا كان يدرك ان مصيره لن يختلف عما آل إليه فعله، ولو كان الحسين بهذه المكانة من قصر النظر لعاد إلى مكة ليعمل من جديد للوصول إلى منصب الخلافة.. ولو كان هدفه في أول الامر الوصول الى منصب الخلافة ثم لما بلغه مصرع ابن عمه قررموا صلة السفر للثار


(1) المقدمة (ص 152). (*)

[ 294 ]

من قاتليه - كما يزعم بعض الباحثين - استجابة لقضية اهله واقاربه، لو كان هذا هدفه لادرك ان جماعته التي خرجت معه للثار وهي لا تزيد على التسعين رجالا ونساءا واطفالا لن تصل إلى شئ من ذلك من دون ان يقضى على افرادها جميعا، وبغير ان يضحي هو بنفسه ضحية رخيصة في ميدان الثار. ومن ثم يكون من واجبه للثار ان يرجع ليعيد تجميع صفوف انصاره واقربائه، ويتقدم في الجمع العظيم من الغاصبين والموتورين. فالقضية إذا ليست في الجمع ثار والهدف ليس هدفا شخصيا، وانما الامر أمر الامة، والقضية كانت للحق، والاقدام اقدام الفدائي الذي أراد أن يضرب المثل بنفسه في البذل والتضحية، ولم يكن اصرار الحسين على التقدم نحو الكوفة بعد ما علم من تخاذل أهلها ونكوصهم عن الجهاد إلا ليجعل من استشهاده علما تلتف حوله القلة التي كانت لا تزال تؤمن بالمثل وتلتمس في القادة من ينير لها طريق الجد في الكفاح.. وتحريكا لضمائر المتخاذلين القاعدين عن صيانة حقوقهم ورعاية صوالحهم ". والم هذا القول بالواقع المشرق الذي ناضل من أجله الامام الحسين فهو لم يستهدف أي مصلحة ذاتية، وانما استهدف مصلحة الامة وصيانتها من الامويين. تخطيط الثورة: ودرس الامام الحسين (ع) أبعاد الثورة بعمق وشمول، وخطط أساليبها بوعي وايمان، فراى أن يزج بجميع ثقله في المعركة، ويضحي بكل شئ لانقاذ الامة من محنتها في ظل ذلك الحكم الاسود الذي تنكر لجميع متطلبات الامة.. وقد أدرك المستشرق الالماني ماريين تخطيط الامام

[ 295 ]

الحسين لثورته، فاعتبر أن الحسين قد توخى النصر منذ اللحظة الاولى، وعلم النصر فيه، فحركة الحسين في خروجه على يزيد - كما يقول - انما كانت عزمة قلب كبير عز عليه الاذعان، وعز عليه النصر العاجل، فخرج باهله وذويه ذلك الخروج الذي يبلغ به النصر الاجل بعد موته، ويحيي به قضية مخذولة ليس لها بغير ذلك حياة. لقد أيقن أبو الشهداء (ع) ان القضية الاسلامية لا يمكن أن تنتصر إلا بفخامة ما يقدمه من التضحيات فصمم بعزم وايمان على تقديم أروع التضحيات وهذه بعضها: 1 - للتضحية بنفسه: واعلن الامام (ع) عن عزمه على التضحية بنفسه، فاذاع ذلك في مكة فاخبر المسلمين ان أوصاله سوف تتقطع بين النواويس وكربلا، وكان في أثناء مسيرته الى العراق يتحدث عن مصرعه، ويشابه بينه وبين أخيه يحيى بن زكريا وان راسه الشريف سوف يرفع إلى بغي من بغايا بني أمية كما رفع راس يحيى إلى بغي من بغايا بني اسرائيل. لقد صمم على الموت واستهان بالحياة من أجل أن ترتفع راية الحق وتعلو كلمة الله في الارض وبقي صامدا على عزمه الجبار فلم يرتهب حينما أحاطت به الجيوش الهائلة وهي تبيد أهل بيته وأصحابه في مجزرة رهيبة اهتز من هولها الضمير الانساني، وقد كان في تلك المحنة الحازبة من أربط الناس جاشا، وأمضاهم جنانا، فلم ير قلبه ولا بعده شبيها له في شدة باسه وقوة عزيمته، كما لا يعرف التاريخ في جميع مراحله تضحية أبلغ أثرا في

[ 296 ]

حياة الناس من تضحيته عليه السلام فقد بقيت صرخة مدوية في وجوه الظالمين والمتسبدين. 2 - التضحية باهل بيته: وأقدم أبو الشهداء (ع) على أعظم تضحية لم يقدمها أي مصلح اجتماعي في الارض، فقد قدم أبناؤه وأهل بيته وأصحابه فداءا لما يرتايه ضميره من تعميم العدل واشاعة الحق والخير بين الناس. وقد خطط هذه التضحية، وآمن بانها جزء من رسالته الكبرى، وقد أذاع ذلك وهو في يثرب حينما خفت إليه السيدة أم سلمة زوج النبي تعذله عن الخروج، فاخبرها عن قتله وقتل أطفاله.. وقد مضى إلى ساحات الجهاد وهو متسلح بهذا الايمان، فكان يشاهد الصفوة من أصحابه الذين هم من أنبل من عرفتهم الانسانية في ولائهم للحق، وثم يتسابقون إلى المنية بين يديه، ويرى الكواكب من أهل بيته وأبنائه، وهم في غضارة العمر وريعان الشباب، وقد تناهبت أشلاءهم السيوف والرماح، فكان يامرهم بالثبات والخلود إلى الصبر قائلا: " صبرا يا بني عمومني، صبرايا أهل بيتي لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم أبدا ! ! ". واهتزت الدنيا من هول هذه التضحية التي تمثل شرف العقيدة، وسمو القصد وعظمته المبادئ التي ناضل من أجلها، وهي - من دون شك - ستبقى قائمة على ممر القرون والاجيال، تضئ للناس الطريق، وتمدهم باروع الدروس عن التضحية في سبيل الحق والواجب.

[ 297 ]

3 - التضحية بامواله: وضحى أبي الضيم بجميع ما يملك فداءا للقران، ووقاية لدين الله، وقد هجمت - بعد مقتله - الوحوش الكاسرة من جيوش الامويين على مخيمه فتناهبوا ثقله ومتاعه حتى لم يتركوا ملحفة أو ازارا على مخدرات الرسالة الا نهبوه، ومثلوا بذلك خسة الانسان حينما يفقد ذاتياته، ويمسخ ضميره. 4 - حمل عقائل النبوة: وكان من اروع ما خططه الامام العظيم (ع) في ثورته الكبرى حمله لعقائل النبوة ومخدرات الرسالة الى كربلاء، وهو يعلم ما سيجري عليهن من النكبات والخطوب، وقد اعلن ذلك حينما عذله ابن عباس عن حملهن معه الى العراق، فقال له: " قد شاء الله ان يراهن سبايا.. ". لقد اراد (ع) بذلك ان يستكمل اداء رسالته الخالدة في تحرير الامة وانقاذها من الاستبعاد الاموي. وقد قمن تلك السيدات بدور مشرق في اكمال نهضة أبي الشهداء (ع) فايقظن المجتمع بعد سباته، وأسقطن هيبة الحكم الاموي، وفتحن باب الثورة عليه، ولولا هن لم يتمكن أحد أن يفوه بكلمة واحدة أمام ذلك الطغيان الفاجر، وقد أدرك ذلك كل من تأمل في نهضة الامام ودرس ابعادها " وقد ألمع إليها بعض العلماء والكتاب، وفيما يلي بعضهم:

[ 298 ]

1 - الامام كاشف الغطاء وأكد الامام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء رحمه الله في كثير من مؤلفاته أن الغاية من خروج الامام بعائلته الى كربلا اكمالا لنهضته وبلوغا إلى هدفه في تحطيم دولة الامويين يقول: " وهل تشك وترتاب في أن الحسين (ع) لو قتل هي وولده، ولم يتعقبه قيام تلك الحرائر في تلك المقامات بتلك التحديات لذهب قتله جبارا، ولم يطلب به أحد ثارا ولضاع دمه هدرا، فكان الحسين يعلم أن هذا علم لابد منه، وأنه لا يقوم به إلا تلك العقائل فوجب عليه حتما أن يحملهن معه لا لاجل المظلومية بسببهن فقط، بل لنظر سياسي وفكر عميق، وهو تكميل الغرض، وبلوغ الغاية من قلب الدولة على يزيد، والمبادرة إلى القضاء عليها قبل أن تقضي على الاسلام وتعود الناس الى جاهليتها الاولى.. " (1). 2 - أحمد فهي يقول الاستاذ السيد أحمد فهمي: " وقد أدرك الحسين أنه مقتول إذ هو يعلم علم اليقين قبح طوية يزيد، واسفاف نحيزته، وسوء سريرته فيزيد بعد قتل الحسين ستمتد يده الى أن يؤذي النبي (ص) في سلالته من قتل الاطفال الابرياء، وانتهاك حرمة النساء، وحملهن ومن بقي من الاطفال من قفرة الى قفرة ومن بلد الى بلد، فيثير مراى اولئك حفيظة المسلمين، فليس ثمة اشنع، ولا أفظع من التشفي والانتقام من النساء والاطفال بعد قتل الشباب والرجال فهو بخروجه بتلك الحالة أراد أن يثار


(1) تحدث الامام كاشف الغطاء عن هذه الجهة بالتفضيل في كتابه السياسة الحسينية. (*)

[ 299 ]

من يزيد في خلافته، ويقتله في كرامته، وحقا لقد وقع ما توقعه، فكان لما فعله يزيد وعصبته من فظيع الاثر في نفوس المسلمين، وزاد في اضعانهم ما عرضوا به سلالة النبوة من هتك خدر النساء، وهن اللاتي ما عرفن إلا بالصيانة والطهر والعز والمنعة، مما اطلق السنة الشعراء بالهجاء والذم، ونفر أكثرر المسلمين من خلافة الامويين، واسخط عليهم قلوب المؤمنين، فقد قتله الحسين أشد من قتله إياه " (1). 3 - أحمد محمود صبحي يقول الدكتور احمد محمود صبحي: " ثم رفض - يعني الحسين - إلا أن يصحب أهله ليشهد الناس على ما يقترفه اعداؤه بما لا يبرره دين ولاوزاع من انسانية، فلا تضيع قضيته مع دمه المراق في الصحراء فيقترى عليه أشد الافتراء حين يعدم الشاهد العادل على كل ما جرى بينه وبين أعدائه، تقول الدكتورة بنت الشاطئ: افسدت زينت أخت الحسين على ابن زياد وبني أمية لذة النصر، وسكبت قطرات من السم الزعاف في كؤوس الظافرين وان كل الاحداث السياسية التي ترتبت بعد ذلك من خروج المختار وثورة ابن الزبير وسقوط الدولة الاموية وقيام الدولة العباسية ثم تاصل مذهب الشيعة انما كانت زينب هي باعثة ذلك ومثيرته (2). أريد أن أقول ما ذا يكون الحال لو قتل الحسين ومن معه جميعا من الرجال الا أن يسجل التاريخ هذه الحادثة الخطيرة من وجهة نظر أعدائه


(1) ريحانة الرسول (ص 167). (2) بطلة كربلا (ص 176 و 180). (*)

[ 300 ]

فيضيع كل اثر لقضيته مع دمه المسفوك في الصحراء.. " (1). هذه بعض الاراء التي تدعم ما ذكرناه من أن خروج الحسين (ع) بعائلته لم يكن الغرض من إلا بلورة الراي العام، وايضاح المقاصد الرفيعة التي ثار من أجلها ومن أهمها القضاء على دولة الامويين التي كانت تشكل خطرا مباشرا على العقيدة الاسلامية وهناك راي آخر أدلى به العلامة المغفور له الشيخ عبد الواحد المظفر، وهو ان الحسين انما خرج بعائلته خوفا عليها من اعتقال الامويين وزجها في سجونهم قال: " الحسين لو أبقى النساء في المدينة لوضعت السلطة الاموية عليها الحجر، لا بل اعتقلتها علنا وزجتها في ظلمات السجون، ولابد له حينئذ من أحد أمرين خطيرين كل منهما يشل أعضاء نهضته المقدسة ! اما الاستسلام لاعدائه واعطاء صففته لهم طائعا ليستنفذ العائلة المصونة وهذا خلاف الاصلاح الذي ينشده، وفرض على نفسه القيام به مهما كلفه الامر من الاخطار، أو يمضي في سبيل احياء دعوته، ويترك المخدرات اللواتي ضرب عليهن الوحي سترا من العظمة والاجلال، وهذا مالا تطيق احتماله نفس الحسين الغيور ولا يرادع امية رادع من الحياء، ولا يزجرها زاجر من الاسلام. ان امية لا يهمها اقتراف الشائن في بلوغ مقاصدها، وادراك غاياتها فتتوصل الى غرضها ولو بارتكاب أقبح المنكرات الدينية والعقلية. ألم يطرق سمعك سجن الامويين لزوجة عمرو بن الحمق الخزاعي، وزوجة عبيد الله بن الحر الجعفي واخيرا زوجة الكميت الاسدي " (2).


(1) نظرية الامامة لدى الشيعة الاثنى عشرية (ص 343). (2) توضيح الغامض من اسرار السنن والفرائض (ص 297 - 298). (*)

[ 301 ]

وعلى أي حال فقد حطم الامام بخروجه لعائلته جميع مخططات السياسة الاموية ونسف جميع ما أقامه معاوية من معالم الظلم، فقد قمن عقائل الوحي بدور فعال ببث الوعي الاجتماعي، وتعريف المجتمع بواقع الامويين وتجريدهم من الاطار الديني، ولولاهن لاندرست معالم ثورة الحسين، وذهبت ادراج الرياح. إن من ألمع الاسباب في استمرار خلود ماساة الامام الحسين (ع) واستمرار فعالياتها في بث الاصلاح الاجتماعي على امتداد التاريخ هو حمل ودائع الرسالة وعقائل الوحي مع الامام فقد قمن بدور مشرق ببلورة الراي العام، فحملن راية الايمان التي حملها الامام العظيم، ونشرن مبادءه العليا التي استشهد من أجلها، فقد انبرت حفيدة الرسول (ص) وشقيقة الحسين السيدة زينب بنت امير المؤمنين (ع) الى ساحات الجهاد، وهي تدك حصون الظالمين، وتدمر جميع ما احرزوه من الانتصارات في قتل اخيها، وتلحق بهم الهزيمة والعار، وتملا بيوتهم ماساة وحزنا. لقد اقبلت قائدة المسيرة الحسينية عقيلة الوحي زينب (ع) الى ساحة المعركة وهي تشق صفوف الجيش تفتش عن جثمان اخيها الامام العظيم فلما وقفت عليه شخصت لها ابصار الجيش، واستحال الى سمع فماذا تقول أمام هذه الخطوب المذهلة التي تواكبت عليها ؟ انها وقفت عليها غير مدهوشة لم تذهلها الرزايا التي تميد منها الجبال، فشخصت يبصرها الى السماء ؟ وهي تقول بحماسة الايمان وحرارة العقيدة قائلة: " اللهم تقبل منا هذا القربان ". واطلقت بذلك أول شرارة للثورة على الحكم الاموي بعد أخيها، وود الجيش أن تسبخ به الارض فقد استبان له عظم ما اقترفه من الاثم وانه قد أباد

[ 302 ]

عناصر الاسلام، ومراكز الوعي والايمان. ولما اقتربت سبايا اهل البيت (ع) الى الكوفة خرجت الجماهير الحاشدة لاستقبال السباسا فخطبت فيهم عقيلة الوحي خطابا مثيرا ومذهلا وإذا بالناس حيارى لا يعون ولا يدرون قد استحالت بيوتهم إلى ماتم وهم يندبون حظهم التعيس ويبكون على ما اقترفوه من الجرم، وحينما انتهت الى دار الامارة استقبلها الطاغية متشفيا باحط واخس ما يكون التشفي قائلا: " كيف رايت صنع الله باخيك ؟ " وانطلقت عقيلة بني هاشم ببسالة وصمود فأجابته بكلمات النصر والظفر قائلة: " ما رايت إلا جميلا هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يابن مرجانة ". واخزت هذه الكلمات ابن مرجانه فكانت اشق عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح، ولما انتهت إلى الشام هزت العرش الاموي بخطابها المثير الرائع، وحققت بذلك من النصر ما لم تحققه الجيوش... لقد كان حمل الامام الحسين لعائلته قائما على أساس من الوعي العميق الذي احرز به الفتح والنصر. وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض اسباب الثورة الحسينية ومخططاتها.

[ 303 ]

في مكة

[ 305 ]

وبعد ما اعلن الامام الحسين (ع) رفضه الكامل لبيعة يزيد اتجه مع اهل بيته إلى مكة التي هي حرم الله، وحرم رسوله، عائذا ببيتها الحرام الذي فرض فيه تعاى الامن والطمانينة لجميع العباد. لقد اتجه إلى هذا البلد الامين ليكون بمامن من شرور الامويين واعتداءاتهم، ويقول المؤرخون: إنه خرج ليلة الاحد لليلتين بقيتا من رجب سنة (60 ه‍) (1) وقد خيم الذعر على المدنيين حينما رؤوا آل النبي (ص) ينزحون عنهم إلى غير ماب. وفصل الركب من يثرب، وهو جاد في مسيرته، وكان الامام (ع) يتلو قوله تعالى: " رب نجني من القوم الظالمين " لقد شبه خروجه بخروج موسى على فرعون زمانه، وكذلك قد خرج على طاغية زمانه فرعون هذه الامة ليقيم الحق، ويبني صروح العدل وسلك الطريق العام الذي يسلكه الناس من دون أن يتجنب عنه، واشار عليه بعض اصحابه ان يحيد عنه - كما فعل ابن الزبير - مخافة أن يدركه الطلب من السلطة في يثرب، فاجابه عليه السلام بكل بساطة وثقة في النفس قائلا: (لا والله لا فارقت هذا الطريق ابدا أو انظر إلى ابيات مكة، أو يقضي الله في ذلك ما يجب ويرضى.. ". لقد رضي بكل قضاء يبرمه الله، ولم يضعف، ولم توهن عزيمته الاحداث الهائلة التي لا يطيقها أي انسان، وكان يتمثل في اثناء مسيرته


(1) خطط المقريزي 2 / 285، المنتظم لابن الجوزي، الافادة في تاريخ الائمة السادة وفي الفتوح 5 / 34 انه خرج لثلاث ليال مضين من شعبان. (*)

[ 306 ]

بشعر يزيد بن المفرغ: لا ذعرت السوام في فلق الصبح * مغيرا ولا دعيت يزيدا يوم اعطي مخافة الموت ضيما * والمنايا ترصدنني أن احيدا (1) لقد كان على ثقة ان المنايا ترصده ما دام مصمما على عزمه الجبار في أن يعيش عزيزا لا يضام ولا يذل ولا يخضع لحكم يزيد.. ويقول بعض الرواة انه كان في مسيرته ينشد هذه الابيات: إذا المرء لم يحم بنيه وعرسه * ونسوته كان اللئيم المسببا وفي دون ما يبقي يزيد بنا غدا * نخوض حياض الموت شرقا ومغربا ونضرب كالحريق مقدما * إذا ما راه ضيغم راح هاربا ودل هذا الشعر على مدى عزمه على أن يخوض حياض الموت سواء أكانت في المشرق أم في المغرب ولا يبايع يزيد بن معاويد. مع عبد الله بن مطيع: واستقبله في أثناء الطريق عبد الله بن مطيع العدوي، فقال له: - أين تريد أبا عبد الله، جعلني الله فداك ؟ - اما في وقني هذا أريد مكة، فإذا صرت إليها استخرت الله في أمري بعد ذلك. - خار الله لك، يا ابن بنت رسول الله فيما قد عزمت عليه، اني أشير عليك بمشورة فاقبلها مني. - ما هي ؟


(1) تاريخ الطبري. (*)

[ 307 ]

- إذا أتيت مكة فاحذر أن يغرك أهل الكوفة، فيها قتل أبوك واخوك طعنوه بطعنة كادت أن تاني على نفسه، فالزم الحرم فانك سيد العرب في دهرك " فو الله لئن هلكت ليهلكن اهل بيتك بهلاكك ". وشكره الامام وودعه ودعا له بخير (1) وسار موكب الامام يجد السير لا يلوي على شئ حتى انتهى إلى مكة فلما نظر الامام إلى جبالها تلا قوله تعالى: " ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " (2).


(1) المنتظم لابن الجوزي الجزء الخامس، الفتوح 5 / 34 وجاء في تاريخ ابن عساكر 13 / 55 ان الحسين مر بابن مطيع وهو يحفر بئرا، فقال له: إلى اين فداك أبي وأمي، فقال له: أردت مكة، وذكر له كتب أهل الكوفة إليه، فقال ابن مطيع: فداك ابي وامي متعنا بنفسك ولا تسر إليهم، فابي الحسين ثم قال له ابن مطيع: إن بئري هذه قد رسحتها وهذا اليوم أوان تمامها قد خرج إلينا في الدلو شئ من مائها، فلو دعوت الله لنا فيها بالبركة، فقال (ع): هات من مائها فاتاه منه فشرب منه، وتمضمض ورده في البئر فعذب ماؤها، وجاء في وسيلة المال في عد مناقب الال (ص 185) لصفي الدين: ان عبد الله لقى الحسين فقال له: جعلت فداك أين تريد ؟ فقال: أما الان فمكة، وأما بعدها فاستخير الله، فقال: خار الله لك وجعلنا فداك الزم الحرم فانك سيد العرب لا يعدل بك أهل الحجاز احدا، وتتداعى إليك الناس من كل جانب، لا تفارق الحرم فداك عمي وخالي، فو الله ان هلكت لنسترقن بعدك. (2) الفتوح 5 / 37. (*)

[ 308 ]

لقد كانت هجرته إلى مكة كهجرة موسى إلى مدين، فكل منهما قد فر من فرعون زمانه، وهاجر لمقاومة الظلم ومناهضة الطغيان. في مكة: وانتهى الامام إلى مكة ليلة الجمعة لثلاث ليال مضين من شعبان (1) وقد حط رحله في دار العباس بن عبد المطلب (2) وقد استقبل استقبالا حافلا من المكيين، وجعلوا يختلفون إليه بكرة وعشية، وهم يسالونه عن أحكام دينهم، واحاديث نبيهم، يقول ابن كثير: " وعكف الناس بمكة يفدون إليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، وينتفعون بما يسمعون منه، ويضبطون ما يروون عنه " (3) لقد كان بجاذبيته الروحية مهوي القلوب، وندي الافئدة، وقد حامت حوله النفوس تروي غليلها من نمير علومه التي هي امتداد من علوم جده مفجر العلم والنور في الارض. احتفاء الحجاج والمعتمرين به: وأخذ القادمون إلى بيت الله من الحجاج والمعتمرين من سائر الافاق يختلفون إليه (4) ويهتفون بالدعوة إليه، ويطوفون حوله، هذا يلتمس


(1) المنتظم لابن الجوزي، الافادة في تاريخ الائمة السادة. (2) تاريخ ابن عساكر 13 / 68، وفي الاخبار الطوال (ص 209) انه نزل في شعب علي. (3) البداية والنهاية (4) الفصول المهمة لابن الصباغ (170) وسيلة المال في عد مناقب الال (185). (*)

[ 309 ]

منه العلم والحديث، وذاك يقتبس منه الحكم النافعة، والكلم الجامعة ليهتدي بانوارهما في ظلمات الحياة (1) ولم يترك الامام ثانية من وقته تمر دون أن يبث الوعي الاجتماعي، ويدعو الى اليقظة والحذر من السياسة الاموية الهادفة إلى استعباد المسلمين واذلاهم. فزع ابن الزبير: وكان ابن الزبير لاجئا الى مكة فرارا من البيعة ليزيد، وقد ثقل عليه اختلاف الناس على الامام الحسين (ع) واجماعهم على تعظيمه وتبجيله وزهد الناس وانصرافهم عنه لانه لم يكن يتمتع بصفة محبوبة، ولا بنزعة كريمة، يقول زيد بن علي الجذعاني: " وكانت فيه خلال لا تصلح معها الخلافة لانه كان بخيلا ضيق العطن (2) سيئ الخلق، حسودا كثير الخلاف أخرج محمد بن الحنفية، ونفى عبد الله بن عباس الى الطائف " (3) ومن مظاهر ذاتياته الشح والبخل، وفيه يقول الشاعر: رايت أبا بكر وربك غالب * على أمره يبغي الخلافة بالتمر (4) وقد عانى الشعب في أيام حكمه القصير الجوع والحرمان، كما عانت الموالي التي بالغت في نصرته أشد ألوان الضيق، وقد عبر شاعرهم عن خيبة أملهم في نصرته يقول:


(1) نهضة الحسين (ص 73). (2) العطن: مبرك الابل، ومربض الغنم. (3) فوات الوفيات 1 / 448. (4) المعارف لابن قتيبة (ص 76). (*)

[ 310 ]

إن الموالي أمست وهي عاتبة * على الخليفة تشكو الجوع والسغبا ماذا علينا وماذا كان يرزؤنا * أي الملوك على من حولنا غلبا (1) واظهر ابن الزبير النسك والطاعة والتقشف تصنعا لصيد البسطاء واغراء السذج، وقد وصفه الامام امير المؤمنين (ع) بقوله: " ينصب حبالة الدين لاصطفاء الدنيا " (2). ومن المؤكد أنه لم يكن يبغي في خروجه على سلطان بني أمية وجه الله وانما كان يبغي الملك والسلطان، وقد أدلى بذلك عبد الله بن عمر حينما ألحت عليه زوجته في مبايعته، وذكرت له طاعته وتقواه فقال لها: " أما رايت بغلات معاوية التي كان يحج عليها الشهباء ؟ فان ابن الزبير ما يريد غيرهن " (3). وعلى أي حال فان ابن الزبير لم يكن شئ اثقل عليه من أمر الحسين لعلمه بانه لا يبايعه احد مع وجود الحسين (ع) لانه ابن رسول الله (ص) فليس على وجه الارض أحد يساميه ولا يساويه - كما يقول ابن كثير - (4) واكد ذلك (اوكلي) قال: ان ابن الزبير كان مقتنعا تماما بان كل جهوده ستضيع عبثا طالما بقي الحسين على قيد الحياة، ولكن إذا أصابه مكروه فان طريق الخلافة سيكون ممهدا له.


(1) مروج الذهب 3 / 22. (2) شرح النهج 7 / 24. (3) المختار (ص 95). (4) البداية والنهاية 8 / 150 وجاء في وسيلة المال (ص 185) وقد ثقلت وطاة الحسين على ابن الزبير لان اهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين بالبلد، ولا يتهيا له ما يطلب منهم مع وجود الحسين. (*)

[ 311 ]

وكان يشير على الامام بالخروج إلى العراق للتخلص منه، ويقول له: " ما يمنعك من شيعتك وشيعة أبيك ؟ فو الله لو أن لي مثلهم ما توجهت إلا إليهم " (1). ولم يمنح ابن الزبير النصيحة للامام، ولم يخلص له في الراي، وانما أراد أن يستريح منه، ولم تخف على الامام دوافعه، فراح يقول لاصحابه: " إن هذا - وأشار إلى ابن الزبير - ليس شئ من الدنيا أحب إليه من أن اخرج من الحجاز وقد علم أن الناس لا يعدلونه بي فود أني خرجت حتى يخلو له " (2). ولم تحفل السلطة الاموية بابن الزبير وإنما وجهت جميع اهتمامها نحو الامام الحسين. راي الغزالي: واستبعد الشيح محمد الغزالي أن ابن الزبير قد أشار على الحسين بالخروج إلى العراق ليستريح منه، قال: " فعبد الله بن الزبير اتقى الله وأعرق في الاسلام من أن يقترف هذه الدنية " (3). وهذا الراي بعيد عن الواقع فان ابن الزبير لم تكن له أية حريجة في الدين فهو الذي أجج نار الفتنة في حرب الجمل وزج أباه فيها، وقد تهالك على السلطان، وضحى بكل شئ في سبيله، وقد كان من


(1) تاريخ الاسلام للذهبي 2 / 268. تاريخ ابن الاثير 4 / 16، الطبري 6 / 216. (3) من معالم الحق (ص 131). (*)

[ 312 ]

أعدى الناس للعترة الطاهرة، ومن كان هذا شانه فهل يكون تقيا وعريقا في الاسلام ؟. راي رخيص: من الاراء الرخيصة ما ذهب إليه أنيس زكريا المعروف بنزعته الاموية ان من أهم الاسباب التي أدت إلى قتل الامام الحسين (ع) تشجيع ابن الزبير له في الخروج إلى العراق، فقد كان له أثره المهم في نفسه (1) وهذا القول من أهزل الاراء فان الامام الحسين (ع) لم يتاثر بقول ابن الزبير، ولم ينخدع بتشجيعه له، وانما كانت هناك عوامل أخرى حفزته إلى الخروج إلى العراق، وقذ ذكرناها بالتفصيل في البحوث السابقة. فزع السلطة المحلية: وذعرت السلطة المحلية في مكة من قدوم الامام إليها، وخافت أن يتخذها مقرا سياسيا لدعوته، ومنطلقا لاعلان الثورة على حكومة دمشق، وقد خفت حاكم مكة عمرو بن سعيد الاشدق وهو مذعور فقابل الامام، فقال له: - ما أقدمك ؟ - عائذا بالله، وبهذا البيت.. (2).


(1) الدولة الاموية في الشام (ص 54). (2) تذكرة الخواص (ص 248). (*)

[ 313 ]

لقد جاء الامام عائذا ببيت الله الحرام الذي من دخله كان آمنا، وكان محصنا من كل ظلم واعتداء. ولم يحفل الاشدق بكلام الامام وانما رفع رسالة إلى يزيد أحاطه بها علما بمجيئ الامام إلى مكة، واختلاف الناس إليه، وازدحامهم على مجلسه، واجماعهم على تعظيمه، وأخبره ان ذلك يشكل خطرا على الدولة الاموية. قلق يزيد: واضطرب يزيد كاشد ما يكون الاضطراب حينما وافته الانباء بامتناع الحسين عن بيعته وهجرته إلى مكة، واتخاذها مركزا لدعوته، وارسال العراق الوفود والرسائل إلى الدعوة لبيعته، فكتب إلى عبد الله بن عباس رسالة، وهذا نصها: " أما بعد: فان ابن عمك حسينا، وعدو الله ابن الزبير التويا ببيعتي ولحقا بمكة مرصدين للفتنة، معرضين أنفسهما للهلكة، فاما ابن الزبير فانه صريع الفنا، وقتيل السيف غدا، وأما الحسين فقد أحببت الاعذار إليكم أهل البيت مما كان منه، وقد بلغني أن رجالا من شعيته من أهل العراق يكاتبونه، ويكاتبهم، ويمنونه الخلافة، ويمنيهم الامرة، وقد تعلمون ما بيني وبينكم من الوصلة وعظيم الحرمة ونتائج الارحام، وقد قطع ذلك الحسين، وبته، وأنت زعيم أهل بيتك، وسيد بلادك، فالقه فاردده عن السعي في الفتنة، فان قبل منك وأناب فله عندي الامان، والكرامة الواسعة، وأجري عليه ما كان أبي يجريه على أخيه وإن طلب الزيادة فاضمن له ما أديك، وأنفذ ضمانك، وأقوم له بذلك

[ 314 ]

وله علي الايمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة بما تطمئن به نفسه، ويعتمد في كل الامور عليه، عجل بجواب كتابي، وبكل حاجة لك قبلي والسلام وختم كتابه بهذه الابيات: يا أيها الراكب العادي مطيته * على غذافرة في سيرها فحم ابلغ قريشا على ناي المزار بها * بيني وبين الحسين الله والرحم وموقف بفنا البيت أنشده * عهد الاله غدا وما توفي به الذمم عنيتم قومكم فخرا بامكم * أم لعمري حصان عفة كرم هي التي لا يداني فضلها أحد * بنت الرسول وخير الناس قد علموا اني لاعلم أو ظنا كعالمه * والظن يصدق أحيانا فينتظم ان سوف يترككم ما تدعون بها * قتلى تهاداكم العقبان والرخم يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ سكنت * وامسكوا بحبال السلم واعتصموا قد جرب الحرب من قد كان قبلكم * من القرون وقد بادت بها الامم فانصفوا قومكم لا تهلكوا برحا * فرب ذي برح زلت به القدم ودلت هذه الرسالة على غباوة يزيد فقد حسب ان الامام يطلب المال والثراء في خروجه عليه، ولم يعلم أنه انما ناهضه لا يبغي بذلك إلا الله والتماس الاجر في الدار الاخرة. جواب ابن عباس: وأجابه ابن عباس " أما بعد: فقد ورد كتابك تذكر فيه لحاق الحسين وابن الزبير بمكة، فاما ابن الزبير فرجل منقطع عنا برايه وهواه يكاتمنا مع ذلك اضغانا يسرها في صدره يوري علينا وري الزناد، لافك الله أسيرها فارى في أمره ما انت راء. واما الحسين فانه لما نزل مكة

[ 315 ]

وترك حرم جده، ومنازل آبائه سألته عن مقدمه فاخبرني ان عمالك بالمدينة أساؤا إليه، وعجلوا عليه بالكلام الفاحش، فاقبل إلى حرم الله مستجيرا به، وسالقاه فيما اشرت إليه، ولن أدع النصيحة فيما يجمع الله به الكلمة، ويطفئ به النائرة ويخمد به الفتنة، ويحقن به دماء الامة، فاتق الله في السر والعلانية، ولا تبيتن ليلة وأنت تريد لمسلم غائلة، ولا ترصده بمظلمة، ولا تحقر له مهراة (1) فكم من حافر لغيره حفرا وقع فيه، وكم من مؤمل أملا لم يؤت أمله، وخذ بحظك من تلاوة القران، ونشر السنة، وعليك بالصيام والقيام لا تشغلك عنهما ملاهي الدنيا وأباطيلها فان كل ما اشتغلت به عن الله يضر ويفنى وكل ما اشتغلت به من أسباب الاخرة ينفع ويبقى. والسلام... " (2). وحفلت هذه الرسالة بما يلي: 1 - إنه لا علاقة لبني هاشم بابن الزبير،، ولا هم مسؤولون عن تصرفاته، فقد كان عدوا لهم يتربص بهم الدوائر، ويبغي لهم الغوائل. 2 - ان الامام الحسين انما نزح من يثرب إلى مكة لا لائارة الفتنة وانما لاسائة عمال يزيد له، وقد قدم إلى مكة ليستجير ببيتها الحرام. اقصاء حاكم المدينة: كان الوليد بن عتبة بن أبي سفيان واليا على يثرب بعد عزل مروان عنها، وكان - فيما يقول المؤرخون - فطنا ذكيا يحب العافية ويكره الفتنة، ولما امتنع الامام الحسين (ع) من البيعة ليزيد لم يتخذ معه


(1) المهراة: الحفرة (2) تذكرة الخواص (ص 248 - 250) تاريخ ابن عساكر 13 / 70 (*)

[ 316 ]

الاجراءات الصارمة، ولم يكرهه على ما لا يحب، وانما فسح له المجال في الرحيل إلى مكة من دون أن يعوقه عنها، في حين قد اصر عليه مروان بالتنكيل به فرفض ذلك، وقد نقل الامويون موقفه المتسم باللين والتسامح مع الحسين الى يزيد فغضب عليه وعزله عن ولايته (1)، وقد عهد بها إلى جبار من جبابرة الامويين عمرو بن سعيد الاشدق (2) وقد عرف بالقسوة والغلظة، قدم إلى المدينة في رمضان بعد أن تسلم ولايته عليها فصلى، بالناس صلاة العتمة، وفي الصباح خرج على الناس وعليه قميص احمر وعمامة حمراء فرماه الناس بابصارهم منكرين ما هو عليه، فصعد المنبر فقال: " يا اهل المدينة، ما لكم ترموننا بابصاركم كانكم تقروننا سيوفكم ؟ انسيتم ما فعلتم ! أما لو انتقم في الاول ما عدتم إلى الثانية، اغركم إذ قتلتم عثمان فوجدتموه صابرا حليما، واماما، فذهب غضبه، وذهبت ذاته، فاغتنموا انفسكم، فقد وليكم امام بالشباب المقتبل البعيد الامل، وقد اعتدل جمسه، واشتد عظمه، ورمى الدهر ببصره، واستقبله باسره، فهو إن عض لهس، وان وطئ فرس، لا يقلقه الحصى، ولا تقرع له العصا " وعرض في خطابه لابن الزبير فقال: " فو الله لنغزونه، ثم لئن دخل الكعبة لنحرقنها عليه، على رغم


(1) البداية والنهاية 8 / 148. (2) الاشدق: لقب بذلك لتشادقه الكلام، وقيل انما لقب بذلك لانه كان افقم مائل الذقن، جاء ذلك في البيان والتبيين 1 / 315، وقيل انما لقب بذلك لانه أصابه اعوجاج في حلقه لاغراقه في شتم علي جاء ذلك في معجم الشعراء (231). (*)

[ 317 ]

انف من رغم.. " (1) ورعف الطاغية على المنبر فالقى إليه رجل عمامة فمسح بها دمه فقال رجل من خثعم: " دم على المنبر في عمامة، فتنة عمت وعلا ذكرها ورب الكعبة " (2). وقد أثر عن رسول الله (ص) أنه قال: " ليرعفن على منبري جبار من جبابرة بني أمية فيسيل رعافه " (3): وعزم الاشدق على مقابلة الجبهة المعارضة بالقوة والبطش، وقد حفزه إلى ذلك ما حل بسلفه الوليد من الاقصاء وسلب الثقة عنه نتيجة تساهله مع الحسين (ع)، ولعل من أوثق الاسباب التي دعت الامام الحسين (ع) إلى مغادرة الحجاز هو الحذر من بطش هذا الطاغية به، والخوف من اغتياله وهو في الحرم. الحسين مع ابن عمر وابن عباس: وكان عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر مقيمين في مكة حينما أقبل الامامم الحسين إليها، وقد خفا لاستقباله والتشرف بخدمته، وكانا قد عزما على مغادرة مكة، فقال له ابن عمر ! " أبا عبد الله، رحمك الله، اتق الله الذي إليه معادك، فقد عرفت من عداوة أهل البيت - يعني بني أمية - لكم، وقد ولي الناس هذا الرجل يزيد بن معاوية، ولست آمن أن يميل الناس إليه لمكان هذه الصفراء


(1) تاريخ الاسلام للذهبي 2 / 268. (2) سمط النجوم العوالي 3 / 57. (3) مجمع الزوائد 5 / 240. (*)

[ 318 ]

موطن، يريدون في ذلك قتله، وسفك دمه، وهو لم يشرك بالله ولا اتخذ من دونه وليا، ولم يتغير عما كان عليه رسول الله (ص). " وانبرى ابن عباس يؤيد كلامه، ويدعم قوله قائلا: " ما أقول: فيهم الا انهم كفروا بالله ورسوله، ولا ياتون الصلاة الا وهم كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله الا قليلا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا الى هؤلاء، ومن يظل الله فلن تجد له سبيلا، وعلى مثل هؤلاء تنزل البطشة الكبرى، وأما أنت يا بن رسول الله فانك راس الفخار برسول الله، فلا تظن يابن بنت رسول الله أن الله غافل عما يفعل الظالمون وأنا اشهد أن من رغب عن مجاورتك، وطمع في محاربتك، ومحاربة نبيك محمد فماله من خلاق... ". وانبرى الامام الحسين فصدق قوله قاثلا: " اللهم نعم ". وانطلق ابن عباس يظهر له الاستعداد للقيام بنصرته قاثلا: " جعلت فداك يابن بنت رسول الله، كانك تريدني إلى نفسك، وتريد مني أن أنصرك، والله الذي لا إله إلا هو ان لو ضربت بين يديك بسيفي هذا بيدي حتى انخلعا جميعا سن كفي لما كنت ممن وفى من حقك عشر العشر، وها انا بين يديك مرني بامرك ". وقطع ابن عمر كلامه، وأقبل على الحسين فقال له: " مهلا عما قد عزمت عليه، وارجع من هنا الى المدينة، وادخل في صلح القوم، ولا تغب عن وطنك، وحرم جدك رسول الله (ص) ولا تجعل لهؤلاء الذين لا خلاق لهم على نفسك حجة، وسبيلا، وإن أحببت أن لا تبايع فانت متروك حتى ترى رايك، فان يزيد بن معاوية عسى أن لا يعيش إلى قليلا فيكفيك الله أمره ". وزجره الامام، ورد عليه قوله قائلا:

[ 319 ]

والبيضاء، فيقتلونك، ويهلك فيك بشر كثير، فاني قد سمعت رسول الله (ص) يقول: " حسين مقتول، ولئن قتلوه وخذلوه، ولن ينصروه ليخذلهم الله إلى يوم القيامة، وأنا أشير عليك أن تدخل في صلح ما دخل فيه الناس واصبر كما صبرت لمعاوية من قبل، فلعل الله أن يحكم بينك وبين القوم الظالمين. ". فقال له ابي الضيم " " أنا أبايع يزيد، وأدخل في صلحه ؟ ! ! وقد قال النبي (ص) فيه وفي أبيه ما قال ": وانبرى ابن عباس فقال له: " صدقت أبا عبد الله قال النبي (ص) في حياته: " ما لي وليزيد لا بارك الله في يزيد، وانه يقتل ولدي، وولد ابنتي الحسين، والذي نفسي بيده، لا يقتل ولدي بين ظهراني قوم فلا يمنعونه الا خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم ". وبكى ابن عباس والحسين، والتفت إليه قائلا: " يا بن عباس أتعلم أني ابن بنت رسول الله (ص) ؟ ". " اللهم نعم.. نعلم ما في الدنيا أحد هو ابن بنت رسول الله غيرك وان نصرك لفرض على هذه الامة كفريضة الصلاة والزكاة التي لا يقبل أحدهما دون الاخرى.. ". فقال له الحسين: " يا بن عباس، ما تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول الله (ص) من داره، وقراره، ومولده وحرم رسوله، ومجاورة قبره ومسجده وموضع مهاجره، فتركوه خائفا مرعوبا لا يستقر في قرار، ولا ياوي في

[ 320 ]

" اف لهذا الكلام أبدا ما دامت السماوات والارض، اسالك يا عبد الله أنا عندك على خطا من أمري ؟ فان كنت على خطا ردني فانا أخضع، وأسمع وأطيع ": فقال ابن عمر: " اللهم لا، ولم يكن الله تعالى يجعل ابن بنت رسول الله على خطا وليس مثلك من طهارته وصفوته من رسول الله (ص) على مثل يزيد ابن معاوية، ولكن أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسيوف وترى من هذه الامة ما لا تحب، فارجع معنا إلى المدينة، وان لم تحب أن تبايع، فلا تبايع أبدا، واقعد في منزلك ". " والتفت إليه الامام فاخبره عن خبث الامويين، وسوء نواياهم نحوه قائلا: " هيهات يا بن عمر ان القوم لا يتركوني، وإن أصابوني، وان لم يصيبوني، فلا يزالون حى أبايع وأنا كاره، أو يقتلوني، أما تعلم يا عبد الله ان من هوان الدنيا على الله تعالى أنه أتي براس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني اسرائيل، والراس ينطق بالحجة عليهم ؟ ! ! أما تعلم يا أبا عبد الرحمن ان بني اسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيا ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كلهم كأنهم لم يصنعوا شيئا، فلم يعجل الله عليهم ثم أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر.. " (1). وكشفت هذه المحاورة عن تصميمه على الثورة، وعزمه على مناجزة يزيد لانه لا يتركه وشأنه، فاما أن يبايع، وبذلك يذل هو ويذل الاسلام


(1) الفتوح 5 / 38 - 42. (*)

[ 321 ]

وتستباح حرماته، وأما أن يقتل عزيزا كريما، فاختار المنية للحفاظ على كرامته وكرامة الامة ومقدساتها. وصيته لابن عباس: وأقبل الحسين على ابن عباس، فعهد إليه بهذه الوصية قائلا: " وأنت يابن عباس ابن عم أبي، لم تزل تامر بالخير منذ عرفتك، وكنت مع أبي تشير عليه بما فيه الرشاد والسداد، وقد كان أبي يستصحبك ويستنصحك ويستشيرك، وتشير عليه بالصواب، فامض إلى المدينة في حفظ الله، ولا تخف علي شيئا من أخبارك، فاني مستوطن هذا الحرم، ومقيم به ما رايت أهله يحيبونني، وينصرونني، فإذا هم خذلوني استبدلت بهم غيرهم، واستعصمت بالكلمة التي قالها ابراهيم يوم ألقي في النار (حسبي الله ونعم الوكيل، فكانت النار عليه بردا وسلاما..) (1). رسائله الى زعماء البصرة: وكتب الامام الى رؤساء الاخماس بالبصرة يستنهضهم على نصرته والاخذ بحقه وقد كتب إلى الاشراف ومن بينهم: 1 - مالك بن مسمع البكري 2 - الاحنف بن قيس 3 - المنذر بن الجارود 4 - مسعود بن عمرو


(1) مقتل الخوارزمي 1 / 193. (*)

[ 322 ]

5 - قيس بن الهيثم 6 - عمر بن عبيد الله بن معمر (1) وقد أرسل كتابا إليهم بنسخة واحدة وهذا نصه: " أما بعد: فان الله اصطفى محمدا (ص) من خلقه، وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه إليه، وقد نصح لعباده، وبلغ ما أرسل به، وكنا أهله وأولياءه وأوصياؤه وورثته، وأحق الناس بمقامه فاستاثر علينا قومنا بذلك، فرضينا، وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه: وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فان السنة قد أميتت، والبدعة قد أحببت فان تسمعوا قولي: اهدكم إلى سبيل الرشاد.. " (2). والقت هذه الرسالة الاضواء على الخلافة الاسلامية فهي - حسب تصريح الامام - حق لاهل البيت (ع) لانهم الصق الناس برسول الله (ص) وأكثرهم وعيا لاهدافه إلا أن القوم استاثروا بها، فلم يسع العترة الطاهرة إلا الصبر كراهة للفتنة وحفظا على وحدة المسلمين... كما حفلت هذه الرسالة بالدعوة إلى الحق بجميع رحابه ومفاهيمه، فدعت إلى احياء كتاب الله وسنة نبيه فان الحكم الاموي عمد إلى اقصائهما عن واقع الحياة... وعلق بعض الكتاب على دعوة الامام لاهل البصرة لبيعته فقال: " ان رسالة الحسين إلى أهل البصرة ترينا كيف كان يعرف مسؤليته ويمضي معها، فاهل البصرة لم يكتبوا إليه: ولم يدعوه الى بلدهم، كما فعل أهل الكوفة، ومع هذا فهو يكتب إليهم، ويعدهم للمجابهة المحتومة


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 268. (2) تاريخ الطبري 6 / 200. (*)

[ 323 ]

ذلك أنه حين قرر أن ينهض بتبعات دينه وأمته، كان قراره هذا آتيا من أعماق روحه وضميره، وليس من حركة أهل الكوفة ودعوتهم إياه ". وعلى أي حال فقد بعث الامام كتبه لاهل البصرة بيد مولى له يقال له سليمان، ويكني أبا رزين، وقد جد في السير حتى انتهى الى البصرة فسلم الكتب الى أربابها. جواب الاحنف بن قيس: وأجاب الاحنف بن قيس زعيم العراق الامام برسالة كتب فيها هذه الاية الكريمة ولم يزد عليها " فاصبر ان وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " (1) وقد طلب من الامام الخلود الى الصبر، ولا يستخفه الذين لا يوقنون بالله ولا يرجون له وقارا. جريمة المنذر: أما المنذر بن الجارود العبدي فقد كان من اجلاف العرب وحقرائهم فقد عمد إلى رسول الامام فبعثه مخفورا الى ابن زياد، وكان زوج ابنته ليظهر له الاخلاص والولاء، فقتله ابن مرجانة وصلبه عشية الليلة التي خرج في صبيحتها إلى الكوفة (2) واعتذر بعض المؤرخين عن المنذر أو هو اعتذر عن نفسه بانه خشي أن يكون الرسول من قبل ابن مرجانة


(1) سير اعلام النبلاء 3 / 200. (2) تاريخ الطبري 6 / 200. (*)

[ 324 ]

لاختياره فلذا سلمه إليه وهو اعتذار مهلهل، فان اللازم كان اجراء التحقيق معه حتى يستبين له الامر. استجابة يزيد بن مسعود: واستجاب الزعيم الكبير يزيد بن مسعود النهشلي إلى تلبية نداء الحق فاندفع بوحي من ايمانه وعقيدته إلى نصرة الامام، فعقد مؤتمرا عاما دعا فيه القبائل العربية الموالية له وهي: 1 - بنو تميم 2 - بنو حنظلة 3 - بنو سعد ولما اجتمعت هذه القبائل، انبري فيهم خطيبا، فوجه خطابه أولا إلى بني تميم فقال لهم: " يا بني تميم: كيف ترون موضعي فيكم، وحسبي منكم ؟ ! " وتعالت أصوات بني تميم، وهي تعلن ولاءها المطلق، واكبارها له قائلين بلسان واحد: " بخ بخ ! ! أنت والله فقرة الظهر، وراس الفخر حللت في الشرف وسطا، وتقدمت فيه فرطا.. " وسره تأييدهم فانطلق يقول: إني جمعتكم لامر أريد أن أشاوركم، وأستعين بكم عليه.. " واندفعوا جميعا يظهرون له الولاء والطاعة قائلين: " إنا والله نمنحك النصيحة، ونجهد لك الراى فقل حتى نسمع "

[ 325 ]

وتطاولت الاعناق، واشرابت النفوس لتسمع ما يقول: الزعيم الكبير، وانبرى قائلا: " إن معاوية مات، فاهون به - والله - هالكا ومفقودا، الا انه قد انكسر باب الجور والاثم، وتضعضعت أركان الظلم، وكان قد احدث بيعة عقد بها أمرا ظن أنه قد أحكمه، وهيهات الذي أراد ! ! اجتهد والله ففشل، وشاور فخذل، وقد قام يزيد شارب الخمور وراس الفجور يدعي الخلافة على المسلمين، ويتامر عليهم بغير رضا منهم مع قصر حلم وقلة علم، لا يعرف من الحق موطا قدميه، فاقسم بالله قسما مبرورا لجهاده على الدين أفضل من جهاد المشركين. وهذا الحسين بن علي، وابن رسول الله (ص) ذو الشرف الاصيل والراي الاثيل (1) له فضل لا يوصف، وعلم لا ينزف، وهو أولى بهذا الامر لسابقته وسنه، وقدمه وقرابته، يعطف على الصغير، ويحسن إلى الكبير، فاكرم به راعي رعية، وامام قوم وجبت لله به الحجة وبلغت به الموعظة، فلا تعشوا عن نور الحق، ولا تسكعوا في وهد الباطل، فقد كان صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله (ص) ونصرته، والله لا يقصر أحدكم عن نصرته إلا أورثه الله الذل في ولده، والقلة في عشيرته. وها أنا ذا قد لبست للحرب لامتها، وادرعت لها بدرعها، من لم يقتل يمت، ومن يهرب لم يفت، فاحسنوا رحمكم الله رد الجواب " وحفل هذا الخطاب الرائع بامور بالغة الاهمية وهي: أولا -: الاستهانة بهلاك معاوية، وانه قد انكسر بموته باب الظلم والجور.


(1) الراي الاثيل: الاصيل. (*)

[ 326 ]

ثانيا -: القدح في بيعة معاوية ليزيد. ثالثا -: عرض الصفات الشريرة الماثلة في يزيد من الادمان على الخمر، وفقد الحلم، وعدم العلم، وعدم التبصر بالحق. رابعا -: الدعوة إلى الالتفات حول الامام الحسين (ع) وذلك لما يتمتع به من الصفات الشريفة كاصالة الفكر، وغزارة العلم، وكبر السن، والعطف على الكبير والصغير وغير ذلك من النزعات الكريمة التي تجعله أهلا لامامة المسلمين. خامسا -: انه عرض للجماهير عن استعداده الكامل للقيام بنصرة الامام والذب عنه. ولما أنهى الزعيم العظيم خطابه انبرى وجهاء بني حنظلة فاظهروا الدعم الكامل له قائلين: " يا أبا خالد: نحن نبل كنانتك، وفرسان عشيرتك. إن رميت بنا اصبت، وان غزوت بنا فتحت. لا تخوض والله غمرة الا خضناها ولا تلقى والله شدة إلا لقيناها ننصرك باسيافنا ونقيك بابداننا إذا شئت " وكان منطقا مشرفا دل على تعاطفهم، ووقوفهم إلى جانبه، رقام من بعدهم بنو عامر فاعربوا عن ولائهم العميق له قائلين: " يا أبا خالد نحن بنو أبيك، وحلفاؤك لا نرضى إن غضبت، ولا نبقى ان ظعنت والامر اليك فادعنا إذا شئت.. ". وأما بنو سعيد فاظهروا التردد وعدم الرغبة فيما دعاهم إليه، قائلين: " يا أبا خالد: ان ابغض الاشياء الينا خلافك، والخروج عن رايك، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال يوم الجمل، فحمدنا أمرنا، وبفي عزنا فينا، فامهلنا نراجع المشورة، وناتيك براينا. ". وساءه تخاذلهم فاندفع يندد بهم قائلا:

[ 327 ]

" لئن فعلتموها لارفع الله السيف عنكم أبدا، ولا زال سيفكم فيكم.. ". جوابه للامام: ورفع يزيد بن مسعود رسالة للامام دلت على شرفه ولبله، واستجابته لدعوته، وهذا نصها: " أما بعد: فقد وصل إلي كتابك، وفهمت ما ندبتني إليه، ودعوتني له من الاخذ بحظي من طاعتك، والفوز بنصيبي من نصرتك.. وان الله لم يخل الارض قط من عامل بخير، ودليل على سبيل نجاة، وانتم حجة الله على خلقه، ووديعته في أرضه تفرعتم من زيتونة أحمدية هو أصلها وانتم فرعها، فاقدم سعدت باسعد طائر فقد ذلك لك اعناق بني تميم، وتركتهم أشد تتابعا في طاعتك من الابل الظماء لورود الماء يوم خمسها (1) وقد ذلك لك رقاب بني سعد، وغسلت درن قلوبها بماء سحابة مزن حين استهل برقها فلمع.. ". وحفلت هذه الرسالة بسمو أدبه، وكريم طباعه، وتقديره البالغ للامام، ويقول بعض المؤرخين انها انتهت الى الامام في اليوم العاشر من المحرم بعد مقتل أصحابه وأهل بيته، وهو وحيد فريد قد أحاطت به القوى الغادرة، فلما قرا الرسالة طفق يقول: " ما لك، آمنك الله من الخوف، وارواك يوم العطش الاكبر " ولما تجهز ابن مسعود لنصرة الامام بلغه قتله فجزع لذلك وذابت


(1) خمسها: بالكسر الابل الضماء التي ترعى ثلاثة أيام وترد الرابع (*)

[ 328 ]

نفسه أسى وحسرات (1). استجابة يزيد البصري: ولبى نداء الحق يزيد بن نبيط البصري، وكان - فيما يقول المؤرخون - يتردد إلى دار مارية ابنة سعد أو منقذ، وكانت دارها من منتديات الشيعة، وفيها تذاع فضائل أهل البيت (ع) وتنشر ماثرهم، ولما وجه الامام دعوته الى أهل البصرة لنصرته استجاب لها يزيد بن نبيط، ولحق به من أولاده العشرة عبد الله وعبيد الله، وخاف عليه أصحابه أن يدركه الطلب من شرطة ابن زياد، فقال لهم: لو استوت اخفافها بالجدد لهان علي طلب من طلبني (2) واستوى على جواده مع ولديه، وصحبه مولاه عامر، وسيف بن مالك والادهم بن أمية فلحقوا بالامام في مكة وصحبوه الى العراق واستشهدوا بين يديه في كربلا (3). نقمة العراق على الامويين: وكره العراقيون بصورة عامة حكم الامويين، وبغضوا سلطانهم، وفيما نحسب ان الاسباب في ذلك ما يلي: 1 - ان العراق أيام معاوية أصبح يساس بالروح العسكرية والاحكام العرفية التي يا تتقيد بالقانون خصوصا أيام زياد بن سمية فقد كان ياخذ


(1) اللهوف (ص 16 - 19). (2) تاريخ الطبري 6 / 198. (3) مقتل المقرم (ص 158) نقلا عن ذخيرة الدارين (ص 224). (*)

[ 329 ]

البرئ بالسقيم، والمقبل بالمدبر، ويقتل على الظنة والتهمة، مما أدى إلى اشاعة الكراهية للامويين. 2 - ان الكوفة كانت في عهد الامام أمير المؤمنين (ع) عاصمة الدولة الاسلامية، وفي أيام معاوية أصبحت دمشق العاصمة ومركز الحكم وأصبح العراق مصرا كسائر الامصار، وانتقلت عنه الخزينة المركزية، وقد أخذ الكوفيون يندبون حظهم التعيس بعد تحول الخلافة عنهم وأصبح اسم الامام عندهم رمزا الى دولتهم المفقودة، وتعلقت آمالهم بابناء الامام فكانوا ينظرون إليهم انهم الابطال لاستقلال بلادهم السياسي وتحررها من التبعية لدمشق فقد كره أهل العراق الخضوع لاهل الشام، كما كره أهل الشام الخضوع والسيطرة لاهل العراق وقد صور شاعر الشام هذه النزعة بقوله: أرى الشام تكره ملك العراق * وأهل العراق لهم كارهونا وقالوا: علي امام لنا * فقلنا: رضينا ابن هند رضينا وصور شاعر العراق هذه النزعة السائدة عند العراقيين بقوله مخاطبا أهل الشام: أتاكم علي باهل العراق * وأهل الحجاز فما تصنعونا فان يكره القوم ملك العراق * فقدما رضينا الذي تكرهونا (1) وكانت الثورات المتلاحقة التي قام بها العراق انما هي لكراهية أهل الشام والتخلص من حكم الامويين. 3 - ان السياسة الخاطئة التي تبعها معاوية مع زعماء الشيعة الذين تبنوا القضايا المصيرية للشعب العراقي وكافة الشعوب الاسلامية وما عانوه من القتل والتنكيل قد هزت مشاعر الكوفيين، وأوغرت صدورهم بالحقد


(1) الاخبار الطوال (ص 70) طبع ليدن (*)

[ 330 ]

على الامويين، كما ان سب الامام على المنابر قد زاد في بغضهم للامويين وأشعل جذوة المعارضة في نفوسهم. 4 - ان الامويين كانوا ينظرون الى أهل الكوفة انهم الجبهة المعارضة لحكمهم وانهم المصدر الخطير الذي يهدد دولتهم فقابلوهم بمزيد من القسوة والارهاب، مما دعى الكوفيين إلى العمل المستمر لمناهضة الحكم الاموي وتقويض سلطانه... هذه بعض الاسباب التي أدت إلى نقمة العراق على الحكم الاموي وبغضهم له، اعلان التمرد في العراق: وبعد هلاك معاوية أيقن العراقيون بانهيار الدولة الاموية، وقد رؤوا أن في تقليد يزيد مهام الخلافة انما هو استمرار للحكم الاموي الذي جهد على اذلالهم وقهرهم. وقد أجمعت الشيعة في الكوفة على مناجزته والخروج على سلطانه ورؤوا أن في كفاحهم له جهادا دينيا، حسب ما يقول جولد تسهير " (1) ويرى (كريمر) ان الاخيار والصلحاء من الشيعة كانوا ينظرون إلى يزيد نظرتهم إلى ورثة أعداء الاسلام وخلفاء أبي سفيان (2): وعلى أي حال فان شيعة الكوفة لم ترض بحكم يزيد، وأجمعت على خلعه، والبيعة للامام الحسين (ع) وقد قاموا بما يلي:


(1) (2) العقيدة والشريعة في الاسلام (ص 69). (*)

[ 331 ]

المؤتمر العام: وعقدت الشيعة بعد هلاك معاوية مؤتمرا عاما في بيت أكبر زعمائهما سليمان بن صرد الخزاعي، واندفعوا اندفاعا كليا في القاء الخطب الحماسية التي تظهر مساوئ الحكم الاموي وفضائحه، كما أشادوا بالامام الحسين ودعوا إلى البيعة له. خطبة سليمان: واعتلى سليمان بن صرد منصة الخطابة، فافتتح اولى جلساتهم بهذا الخطاب، وقد جاء فيه: " ان معاوية قد هلك، وان حسينا قد قبض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة وأنتم شيعته، وشيعة أبيه فان كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه، وان خفتم الوهن والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه.. ". وتعالت أصواتهم من كل جانب وهم يقولون بحماس بالغ: " نقتل أنفسنا دونه.. ". " لا بل نقاتل عدوه.. " (1). وأظهروا رغبتهم الملحة ودعمهم الكامل للامام، وقرروا ما يلي: 1 - خلع بيعة يزيد 2 - ارسال وفد للامام يدعونه للقدوم إليهم


(1) الارشاد (ص 223 - 224). (*)

[ 332 ]

3 - بعث الرسائل للامام من مختلف الطبقات الشعبية التي تمثل رغبة الجماهير الحاشدة لحكم الامام. وفد الكوفة: وأوفدت وفدا إلى الامام يدعوه إلى القدوم إليهم، ومن بين ذلك الوفد عبد الله الجدلي (1) ولما مثل الوفد عند الامام عرض عليه اجماع أهل الكوفة على نصرته والاخذ بحقه، وانه ليس لهم امام غيره، وحثوه على القدوم إليهم. الرسائل: وعمد أهل الكوفة بعد مؤتمرهم فكتبوا الرسائل إلى الامام (ع) وهي تعرب عن اخلاصهم وولائهم له، وتحثه على القدوم إليهم ليتولى قيادة الامة وهذه بعضها. 1 - قد جاء فيما بعد البسملة ما نصه: " من سليمان بن صرد، والمسيب بن نجية، ورفاعة بن شداد، وحبيب بن مظاهر، وشيعته والمسلمين من أهل الكوفة. أما بعد: فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد - يعني معاوية - الذي انتزى على هذه الامة فابتزها أمرها، واغتصبها فيئها، وتامر عليها بغير رضى منها، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها فبعدا له كما بعدت ثمود... إنه ليس علينا امام


(1) مقاتل الطالبيين (ص 95).

[ 333 ]

فاقبل لعل الله يجمعنا بك على الحق، والنعمان بن بشير في قصر الامارة لسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.. " (1). وكتبت هذه الرسالة في أواخر شهر شعبان، وحملها عبد الله الهمداني وعبد الله بن وائل الهمداني وقد أمروهما بالاسراع والحذر من العدو، وأخذا يجذان في السير لا يلويان على شئ وقدما مكة لعشر مضين من رمضان (2) وسلما الرسالة للامام وعرفاه بشوق الناس الى قدومه. وقد عرضت هذه الرسالة مساوئ الحكم الاموي، فوصفت معاوية بالجبار العنيد، وانه ابتز أمر الامة بالقهر والغلبة، وتامر عليها بغير رضى منها، وقد قتل خيارها وصلحاءها وجعل العطاء خاصة للاغنياء والوجوه، وحرم منه بقية طوائف الشعب، كما عرضت الى مقاطعة الشيعة لحاكم الكوفة النعمان بن بشير، وانهم إذا بلغهم قدوم الامام قاموا باقصائه عن الكوفة والحاقه بدمشق. 2 - وقد أرسل الرسالة الثانية جماعة من أهل الكوفة وهذا نصها: " إلى الحسين بن علي من شيعته والمسلمين، أما بعد: فحي هلا (3) فان الناس ينتظرونك ولا راي لهم غيرك (4) فالعجل ثم العجل والسلام " (5)


(1) انساب الاشراف (ق 1 ج 1) الامامة والسياسة 2 / 3 - 4 الطبري. (2) الفتوح 5 / 44. (3) حي هلا: اسم فعل بمعنى اقبل وعجل (4) في تاريخ اليعقوبي 2 / 215، لا امام لهم غيرك. (5) الارشاد (ص 224). (*)

[ 334 ]

وحمل هذه الرسالة قيس بن مسهر الصيداوي من بني أسد، وعبد الرحمن ابن عبد الله الارحبي وعمارة بن عبد الله السلولي، كما حملوا معهم نحوا من خمسين صحيفة من الرجل والاثنين والثلاثة والاربعة (1) وهي تحت الامام على الاسراع إليهم والترحيب بقدومه، وتعلن دعمهم الكامل له. 3 - وأرسل هذه الرسالة جماعة من الانتهازيين الذين لا يؤمنون بالله، وهم شبث بن ربعي اليربوعي ومحمد بن عمر التميمي، وحجار بن ابجر العجلي، ويزيد بن الحارث الشيباني، وعزرة بن قيس الاحمسي، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، وهذا نصها: " أما بعد: فقد اخضر الجناب، وأينعت الثمار، وطمت الجمام (2) فاقدم على جند لك جندة والسلام عليك،.. " (3). وأعربت هذه الرسالة عن شيوع الامل وازدهار الحياة، وتهياة البلاد عسكريا للاخذ بحق الامام، ومناجزة خصومه، وقد وقعها أولئك الاشخاص الذين كانوا في طليعة القوى التي زجها ابن مرجانة لحرب الامام ومن المؤكد أنهم لم يكونوا مؤمنين بحقه، وانما اندفعوا لمساومة السلطة الاموية، والحصول منها على الاموال ومتع الحياة، كما صرح الامام الحسين بذلك أمام أصحابه. 4 - ومن بين تلك الرسائل " انا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الصلاة مع الولاة، فاقدم علينا فنحن في مائة الف سيف، فقد فشا فينا الجور، وعمل فينا بغير كتاب الله وسنة نبيه، ونرجوا أن يجمعنا


(1) أنساب الاشراف ق 1 ج 4. (2) الجمام: الابار. (3) أنساب الاشراف ق 1 ج 1 مطالب السؤول في مناقب آل الرسول (ص 74). (*)

[ 335 ]

الله بك على الحق، وينفي عنابك الظلم، فانت أحق بهذا الامر من يزيد وأبيه الذي غضب الامة، وشرب الخمور، ولعب بالقرود والطنابير، وتلا عب بالدين " (1). 5 - وكتب جمهور أهل الكوفة الرسالة الاتية ووقعوها وهذا نصها: " للحسين بن علي أمير المؤمنين من شيعة أبيه (ع) أما بعد: فان الناس ينتظرونك لا راي لهم في غيرك العجل العجل يابن رسول الله (ص) لعل الله أن يجمعنا بك على الحق ويؤيد بك المسلمين والاسلام... بعد أجزل السلام وأتمه عليك ورحمة الله وبركاته " (2). 6 - وكتب إليه جماعة هذه الرسالة الموجزة: " انا معك، ومعنا مائة الف سيف " (3). 7 - وكانت آخر الرسائل التي وصلت إليه هذه الرسالة: " عجل القدوم يابن رسول الله فان لك بالكوفة مائة الف سيف فلا تتأخر " (4). وقد تتابعت عليه الرسائل ما ملا منها خرجين، ويقول المؤرخون: إنه اجتمع عنده في نوب متفرقة اثنا عشر الف كتاب (5) ووردت إليه قائمة فيها مائة وأربعون الف اسم يعربون عن نصرتهم له حال ما يصلى إلى


(1) تذكرة الخواص (ص 248) الصراط السوي في مناقب آل النبي للسيد محمود القادي من مصورات مكتبة الامام أمير المؤمنين، ويصورة موجزة رواه المسعودي في مروج الذهب 3 / 4. (2) وسيلة المال (ص 185) الفصول المهمة لابن الصباغ (ص 170) (3) أنساب الاشراف ق 1 ج 1. (4) بحار الانوار 10 / 180. (5) اللهوف (ص 19). (*)

[ 336 ]

الكوفة (1) كما وردت عليه في يوم واحد ستمائة كتاب (2). وعلى أي حال فقد كثرت كتب أهل الكوفة إلى الامام وقد وقع فيها الاشربف وقراء المصر وهي تمثل تعطشهم لقدوم الامام ليكون منقذا لهم من طغمة الحكم الاموي ولكن بمزيد الاسف فقد انطوت صحيفة ذلك الامل، وانقلب الوضع وتغيرت الحالة، وإذا بالكوفة تنتظر الحسين لتسقي سيوفها من دمه، وتطعم نبالها من لحمه.. تريد أن تحتضن جسد الحسين لتوزعه السيوف، تطعنه الرماح، وتسحقه الخيول بحوافراها: الكوفة تنتظر الحسين لتثب عليه وثبة الاسد، وتنشب أظفارها بذلك الجسد الطاهر، الكوفة تنتظر الحسين لتسبي عياله بدل أن تحميهم، وتروع أطفاله بدل أن تؤويهم (3). وهكذا شاءت المقادير، ولا راد لامر الله على نكث القوم لبيعة الامام واجماعهم على حربه ويقول المؤرخون ان الامام بعد ما وافته هذه الرسائل عزم على أن يلبي أهل الكوفة ويوفد إليهم ممثله العظيم مسلم بن عقيل.


(1) الوافي في المسالة الشرقية 1 / 43. (2) الدر المسلوك في احوال الانبياء والاوصياء 1 / 107 من مخطوطات مكتبة الامام الحكيم. (3) مع الحسين في نهضته (ص 157). (*)

[ 337 ]

إيفاد مسلم الى العراق

[ 339 ]

و تتابعت كتب أهل الكوفة - كالسيل - الى الامام الحسين، وهي تحثه على المسير والقدوم إليهم لانقاذهم من ظلم الامويين وعنفهم، وكانت بعض تلك الرسائل تحمله المسؤولية أمام الله والامة إن تأخير عن اجابتهم. وراى الامام - قبل كل شئ - أن يختار للقياهم سفيرا له يعرفه باتجاهاتهم، وصدق نياتهم، فان راى منهم نية صادقة، وعزيمة مصممة فيأخذ البيعة منهم، ثم يتوجه إليهم بعد ذلك، وقد اختار لسفارته ثقته وكبير أهل بيته، والمبرز بالفضل فيهم مسلم بن عقيل، وهو من أفذاذ التاريخ، ومن أمهر الساسة، وأكثرهم قابلية على مواجهة الظروف، وللصمود أمام الحداث، وعرض عليه الامام القيام بهذه المهمة. فاستجاب له عن رضى ورغبة، وزوده برسالة رويت بصور متعددة وهي: الاولى: رواها أبو حنيفة الدينوري وهذا نصها: " من الحسين بن علي الى من بلغه كتابي هذا من أوليائه وشيعته بالكوفة، سلام عليكم، أما بعد: فقد أتتني كتبكم، وفهمت ما ذكرتم من محبتكم لقدومي عليكم وأنا باعث إليكم باخي وابن عمي، وثقتي من أهلي مسلم بن عقيل ليعلم لي كنه أمركم، ويكتب إلي بما يتبين له من اجتماعكم فان كان أمركم على ما أتتني به كتبكم، واخبرتني به رسلكم أسرعت القدوم اليكم ان شاء الله والسلام.. " (1). الثانية: رواها صفي الدين وقد جاء فيها بعد البسملة: " أما بعد فقد وصلتني كتبكم، وفهمت ما اقتضته آراؤكم، وقد بعثت اليكم ثقتي وابن عمي مسلم بن عقيل، وساقدم عليكم وشيكا في أثره إن شاء الله.. " (2).


(1) الاخبار الطوال (ص 210). (2) وسيلة المال (ص 186) من مصورات مكتبة الامام الحكيم. (*)

[ 340 ]

وهذه الرواية شاذة إذ لم يذكر فيها مهمة مسلم في ايفاده إليهم من أخذ البيعة له، وغير ذلك مما هو من صميم الموضوع في ارسال مسلم. الثالثة: رواها الطبري وقد جاء فيها بعد البسملة: " من الحسين بن علي الى الملاء من المؤمنين والمسلمين أما بعد: فان هانئا وسعيدا (1) قدما علي بكتبكم، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم وقد فهمت كل الذي اقتصصتم، وذكرتم ومقالة جلكم، أنه ليس علينا امام فاقبل لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق. وقد بعثت لكم أخي وابن عمي، وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورايكم، فان كتب أنه قد اجتمع راي ملاكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت علي به رسلكم، وقرات في كتبكم، أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله، فلعمري ما الامام الا العامل بالكتاب والاخذ بالقسط والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله والسلام.. " (2). وحفلت هذه الرسالة - حسب نص الطبري - بالامور التالية: 1 - توثيق مسلم والتدليل على سمو مكانته، فهو ثقة الحسين. 2 - تحديد صلاحية مسلم باستكشاف الاوضاع الراهنة، ومعرفة التيارات السياسية، ومدى صدق القوم في دعواهم، ومن الطبيعي أنه لا تناط معرفة هذه الامور الحساسة إلا بمن كانت له المعرفة التامة بشؤون المجتمع وأحوال الناس: 3 - انه أوقف قدومه عليهم بتعريف مسلم له باجماع الجماهير ورجال الفكر على بيعته، فلا يقدم عليهم حتى يعرفه سفيره بذلك.


(1) هما: هانئ بن هانئ السبيعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي. (2) الطبري 6 / 197. (*)

[ 341 ]

4 - انه تحدث عما يجب أن يتصف به الامام، والقائد لمسيرة الامة من الصفات وهي: أ - العمل بكتاب الله ب - الاخذ بالقسط ج - الاداناة بالحق د - حبس النفس على ذات الله ولم تتوفر هذه الصفات الرفيعة إلا في شخصيته الكريمة التي تحكي اتجاهات الرسول (ص) ونزعاته. وتسلم مسلم هذه الرسالة، وقد أوصاه الامام بتقوى الله، وكتمان أمره (1) وغادر مسلم مكة ليلة النصف من رمضان (2) وعرج في طريقه على يثرب فصلى في مسجد الرسول (ص) وطاف بضريحه، وودع أهله وأصحابه (3) وكان ذلك هو الوداع الاخير لهم، واتجه صوب العراق وكان معه قيس بن مسهر الصيداوي، وعمارة بن عبد الله السلولي، وعبد الرحمن بن عبد الله الازدي، واستاجر من يثرب دليلين من قيس يدلانه على الطريق (4). وسارت قافلة مسلم تجذ في السير لا تلوي علي شئ، يتقدمها الدليلان وهما يتنكبان الطريق خوفا من الطلب، فضلا عن الطريق، ولم يهتديا له وقد اعياهما السير واشتد بهما العطش، فاشارا الى مسلم بسنن الطريق بعد


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 267 (2) مروج الذهب 2 / 86 (3) تاريخ الطبري 6 / 198 (4) الاخبار الطوال (ص 231) تاريخ ابن الاثير 3 / 267. (*)

[ 342 ]

أن بان لهما، وتوفيا في ذلك المكان حسبما يقوله المؤرخون (1) وسار مسلم مع رفقائه حتى افضوا إلى الطريق، ووجدوا ماءا فاقاموا فيه ليستريحوا مما ألم بهم من عظيم الجهد والعناء. رسالة مسلم للحسين: ويقول المؤرخون ان مسلم تخوف من سفره وتطير بعد أن أصابه من الجهد وموت الدليلين، فرفع للامام رسالة يرجو فيها الاستقالة من سفارته وهذا نصها: " أما بعد: فاني أقبلت من المدينة مع دليلين، فجازا (2) عن الطريق فضلا واشتد عليهما العطش فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبث، وقد تطيرت من توجهي هذا فان رايت اعفيتني منه، وبعثت غيري والسلام.. ". جواب الحسين: وكتب الامام الحسين جوابا لرسالة مسلم ندد فيه بموقفه، واتهمه بالجبن وهذا نصه: " أما بعد: فقد خشيت إن لا يكون حملك على الكتاب إلى في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن، فامض لوجهك الذي


(1) الارشاد (ص 227) (2) جازا عن الطريق: أي تركاه خلفهما. (*)

[ 343 ]

وجهتك فيه والسلام.. " (1). اضواء على الموضوع: واكبر الظن ان رسالة مسلم مع جواب الامام من الموضوعات، ولا نصيب لها من الصحة وذلك لما يلي: 1 - ان مضيق الخبث الذي بعث منه مسلم رسالته إلى الامام يقع ما بين مكة والمدينة حسب ما نص عليه الحموي (2) في حين أن الرواية تنص على أنه استاجر الدليلين من يثرب، وخرجوا الى العراق فضلوا عن الطريق، وماتا الدليلان، ومن الطبيعي ان هذه الحادثة وقعت ما بين المدينة والعراق ولم تقع ما بين مكة والمدينة. 2 - انه لو كان هناك مكان يدعى بهذا الاسم يقع ما بين يثرب والعراق لم يذكره الحموي فان السفر منه الى مكة ذهابا وايابا يستوعب زمانا يزيد على عشرة أيام في حين أن سفر مسلم من مكة الى العراق قد حدده المؤرخون فقالوا: انه سافر من مكة في اليوم الخامس عشر من رمضان، وقدم إلى الكوفة في اليوم الخامس من شوال فيكون مجموع سفره عشرين يوما، وهي أسرع مدة يقطعها المسافر من مكة الى المدينة فان المسافة بينهما تزيد على الف وستمائة كيلومتر، وإذا استثنينا من هذه المدة سفر رسول مسلم من ذلك المكان ورجوعه إليه، فان مدة سفره من مكة إلى الكوفة تكون أقل من عشرة أيام ويستحيل عادة قطع تلك


(1) الارشاد (ص 226) وفي الحدائق الوردية 1 / 117 خرج مسلم من مكة حتى اتى المدينة وأخذ منها دليلين قمرا به في البرية فأصابهما عطش فمات أحد الدليلين فكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه، فكتب إليه الحسين ان امض إلى الكوفة. (2) معجم البلدان 2 / 343. (*)

[ 344 ]

المسافة بهذه الفترة من الزمن. 3 - ان الامام اتهم مسلما - في رسالته - بالجبن، وهو يناقض توثيقه له من أنه ثقته وكبير أهل بيته، والمبرز بالفضل عليهم، ومع اتصافه بهذه الصفات كيف يتهمه بالجبن ؟ !. 4 - ان اتهام مسلم بالجبن يتناقض مع سيرته، فقد أبدى هذا البطل العظيم من البسالة والشجاعة النادرة ما يبهر العفول فانه حينما انقلبت عليه جموع أهل الكوفة قابلها وحده من دون أن يعينه أو يقف الى جنبه أي أحد، وقد أشاع في تلك الجيوش المكثفة القتل مما ملا قلوبهم ذعرا وخوفا ولما جئ به اسيرا إلى ابن زياد لم يظهر عليه أي ذل أو انكسار، ويقول فيه البلاذري انه أشجع بني عقيل وأرجلهم (1) بل هو أشجع هاشمي عرفه التاريخ بعد أئمة أهل البيت عليهم السلام.. ان هذا الحديث من المفتريات الذي وضع للحط من قيمة هذا القائد العظيم الذي هو من مفاخر الامة العربية والاسلامية. في بيت المختار: وسار مسلم يطوي البيداء حتى دخل الكوفة فاختار النزول في بيت المختار الثقفي (2) وهو من أشهر أعلام الشيعة وأحد سيوفهم، ومن أحب الناس وأنصحهم للامام الحسين.


(1) أنساب الاشراف ق 1 ج 1. (2) الارشاد (ص 226) تاريخ ابن الاثير 3 / 267، وقيل نزل مسلم في بيت مسلم بن عوسجة، وقيل نزل في بيت هانئ بن عروة جاء ذلك في كل من الاصابة 1 / 332 وتهذيب التهذيب. (*)

[ 345 ]

لقد اختار مسلم النزول في بيت المختار دون غيره من زعماء الشيعة وذلك لوثوقه باخلاصه للامام الحسين، وتفانيه في حبه، كما أن هناك عاملا آخر له أهميته، فقد كان المختار زوجا لعمرة بنت النعمان بن بشير حاكم الكوفة، ولا شك أن يده لن تمتد إلى المسلم طالما كان مقيما في بيت صهره المختار، وقد دل ذلك على احاطة مسلم بالشؤون الاجتماعية. وفتح المختار أبواب داره لمسلم، وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم ودعا الشيعة الى مقابلته فاقبلوا إليه من كل حدب وصوب، وهم يظهرون له الولاء والطاعة. ابتهاج الكوفة: وعمت الافراح بمقدم مسلم جميع الاوساط الشيعية في الكوفة، وقد وجد منهم مسلم ترحيبا حارا، وتاييدا شاملا، وكان يقرا عليهم رسالة الحسين، وهم يبكون، ويبدون التعطش لقدومه، والتفاني في نصرته، لينقذهم من جور الامويين وظلمهم، ويعيد في مصرهم حكم الامام امير المؤمنين مؤسس العدالة الكبرى في الارض، وكان مسلم يوصيهم بتقوى الله، وكتمان أمرهم حتى يقدم إليهم الامام الحسين. البيعة للحسين: وانثالت الشيعة على مسلم تبايعه للامام الحسين، وكانت صيغة البيعة الدعوة إلى كتاب الله وسنة رسوله، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين واعطاء المحرومين، وقسمة الغنائم بين المسلمين بالسوية، ورد المظالم الى

[ 346 ]

أهلها، ونصرة أهل البيت، والمسالمة لمن سالموا، والمحاربة لمن حربوا وقد شبه السيد المقرم هذه البيعة ببيعة الاوس والخزرج للنبي (ص) (1) وكان حبيب بن مظاهر الاسدي ياخذ البيعة منهم للحسين (2). كلمة عابس الشاكري: وانبرى المؤمن الفذ عابس بن شبيب الشاكري فاعرب لمسلم عن ولائه الشخصي واستعداده للموت في سبيل الدعوة الا انه لم يتعهد له باي أحد من أهل مصره قائلا: " أما بعد: فاني لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرك منهم، والله إني محدثك عما أنا موطن عليه نفسي، والله لاجيبنكم إذا دعوتم، ولاقاتلن معكم عدوكم، ولاضربن بسيفي دونكم حتى القى الله، لا أريد بذلك الا ما عند الله... ". وقد صدق عابس ما عاهد عليه الله، فلم يخن ضميره ففدى بنفسه ريحانة رسول الله (ص) واستشهد بين يديه في كربلا.. وانبرى حبيب ابن مظاهر فخاطب عابسا قائلا له: " رحمك الله، فقد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك، وانا والله الذي لا إله الا هو على مثل ما أنت عليه ". واندفع سعيد الحنفي فايد مقالة صاحبيه (3) وهؤلاء الابطال من


(1) الشهيد مسلم بن عقيل (ص 103). (2) الحدائق الوردية 1 / 125 من مخطوطات مكتبة الامام كاشف الغطاء العامة. (3) تاريخ الطبري 6 / 199. (*)

[ 347 ]

انبل من عرفهم التاريخ صدقا ووفاء، فقد بذلوا أرواحهم بسخاء إلى الامام الحسين، واستشهدوا بين يديه في كربلا: عدد الميايعين: وتسابقت جماهير الكوفة الى بيعة الحسين على يد سفيره مسلم بن عقيل، وقد اختلف المؤرخون في عدد من بايعه، وهذه بعض الاقوال: 1 - أربعون الفا (1). 2 - ثلاثون الفا ومن بينهم حاكم الكوفة النعمان بن بشير (2). 3 - ثمانية وعشرون الفا (3) 4 - ثمانية عشر الفا، حسب ما جاء في رسالة مسلم إلى الحسين يقول فيها: " وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر الفا فعجل الاقبال " (4)


(1) شرح شافية أبي فراس 1 / 90 من مصورات مكتبة الامام الحكيم مثير الاحزان لابن نما (ص 11). (2) دائرة معارف وجدي 3 / 444، حقائق الاخبار عن دول البحار، روضة الاعيان في أخبار مشاهير الزمان (ص 67) لمحمد بن أبي بكر المتوفي سنة (730 ه‍) من مصورات مكتبة الحكيم، مناقب الامام علي بن أبي طالب (ص 13) وجاء فيه ان النعمان قال: يا أهل الكوفة ابن بنت رسول الله (ص) احب إليكم من ابن بنت بجدل. (3) تاريخ ابي الفداء 1 / 300. (4) تاريخ الطبري 6 / 224. (*)

[ 348 ]

5 - اثنا عشر الفا.. (1). رسالة مسلم للحسين: وازداد مسلم ايمان ووثوقا بنجاح الدعوة حينما بايعه ذلك العدد الهائل من أهل الكوفة، فكتب للامام يستحثه فيها على القدوم إليهم، وكان قد كتبها قبل شهادته ببضع وعشرين ليلة (2) وهذا نصها: " أما بعد: فان الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر الفا (3) فعجل حين ياتيك كتابي، فان الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية راي ولا هوي " (4). لقد كتب مسلم هذه الرسالة لانه لم ير أية مقاومة لدعوته، وانما راى إجماعا شاملا على بيعة الامام، وتلهفا حارا لرؤيته، وحمل الكتاب جماعة من أهل الكوفة، وعليهم البطل العظيم عابس الشاكري، وقدم الوفد مكة المكرمة، وسلم الرسالة الى الامام، وقد استحثوه على القدوم الى الكوفة، وذكروا اجماع أهلها على بيعته، وما قالاه مسلم من الحفاوة البالغة منهم، وعند ذلك تهيا الامام إلى السفر للكوفة.


(1) مروج الذهب 3 / 4، الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 86) من مصورات مكتبة الامام الحكيم، تهذيب التهذيب 2 / 350 الاصابة 1 / 332، الحدائق الوردية 1 / 117. (2) انساب الاشراف ق 1 ج 1. (3) وفي رواية البلاذري " ان جميع أهل الكوفة معك ". (4) الطبري 6 / 224. (*)

[ 349 ]

موقف النعمان بن بشير: كان موقف النعمان بن بشير (1) من الثورة موقفا يتسم باللين والتسامح وقد اتهمه الحزب الاموي بالضعف، أو التضاعف في حفظ مصلحة الدولة والاهتمام بسلامتها فأجابهم. " لان أكون ضعيفا وأنا في طاعة الله أحب إلي من أن اكون قويا في معصية الله، وما كنت لاهتك سترا ستره الله " (2). وقد اعطى الشيعة بموقفه هذا قوة، وشجعهم على العمل ضد الحكومة علنا، ولعل سبب ذلك يعود لامرين: 1 - ان مسلم بن عقيل كان ضيفا عند المختار وهو زوج ابنته عمرة فلم يعرض للثوار بسوء رعاية للمختار.


(1) النعمان بن بشير الانصاري الخزرجي كان قد ولاه معاوية الكوفة بعد عبد الرحمن بن الحكم، وكان عثماني الهوى يجاهر ببغض علي ويسئ القول فيه، وقد حاربه يوم الجمل وصفين، وسعى باخلاص لتوطيد الملك إلى معاوية، وهو الذي قاد بعض الحملات الارهابية على بعض المناطق العراقية، ويقول المحققون: إنه كان ناقما على يزيد، ويتمنى زوال الملك عنه شريطة أن لا تعود الخلافة لال علي، ومن الغريب في شان هذا الرجل أن يزيد لما اوقع باهل المدينة وأباحها لجنده ثلاثة أيام لم يثار النعمان لكرامة وطنه وقومه، وفي الاصابة 3 / 530 انه لما هلك يزيد دعا النعمان إلى ابن الزبير ثم دعا إلى نفسه فقاتله مروان، فقتل وذلك في سنة (65 ه‍) وكان شاعرا مجيدا له ديوان شعر طبع حديثا. (2) سير أعلام النبلاء 3 / 206. (*)

[ 350 ]

2 - ان النعمان كان ناقما على يزيد وذلك لبغضه للانصار فقد أغرى الاخطل الشاعر المسيحي في هجائهم فثار لهم النعمان كما ألمعنا إلى ذلك في البحوث السابقة، ولعل لهذا ولغيره لم يتخذ النعمان أي اجراء مضاد للثورة. خطبة النعمان: وأعطى النعمان للشيعة قوة في ترتيب الثورة وتنظيما، وهيا لهم الفرص في احكام قواعدها مما ساء الحزب الاموي، فانكروا عليه ذلك، وحرضوه على ضرب الشيعة فخرج النعمان، وصعد المنبر فاعلن للناس سياسته المتسمة بالرفق، فقال بعد حمد الله والثناء عليه. " أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة فان فيها تهلك الرجال وتسفك الدماء، وتغضب الاموال. إني لم اقائل من لم يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب علي، ولا اشاتمكم، ولا اتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف (1) ولا الظنة ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم امامكم فو الله الذي لا إله إلا هو لاضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن منكم ناصر، أما اني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم اكثر ممن يرديه الباطل " (2). وليس في هذا الخطاب أي ركون إلى وسائل العنف والشدة، وانما كان فيه تحذير من مغبة الفتنة وحب للعافية، وعدم التعرض لمن لا يثب على السلطة، وعدم أخذ الناس بالظنة والتهمة كما كان يفعل زياد بن أبيه


(1) القرف: التهمة. (2) تاريخ ابن الاثير 3 / 267. (*)

[ 351 ]

والي العراق، وعلق انيس زكريا على خطاب النعمان بقوله: " ولنا من خطبه - أي خطب النعمان - في الكوفة برهان آخر على أنه كان يرى الفتنة يقظى، ولا بد أن تشتعل، وانه لن يهاجم القائمين بها قبل أن يهاجموه، فجعل لانصارها قوة وطيدة الاركان، ويدا فعالة في ترتيب المؤامرة وتنظيمها على الاسس المتينة " (1). سخط الحزب الاموي: وأغضبت سياسة النعمان عملاء الحكم الاموي فانبرى إليه عبد الله بن مسلم الحضرمي حليف بني امية، فانكر خطته قائلا: (إنه لا يصلح ما ترى الا الغشم (2) ان هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك راي المستضعفين ؟ ! " (3). ودافع النعمان عن نفسه بانه لا يعتمد على أية وسيلة تبعده عن الله ولا يسلك طريقا يتجافى مع دينه، وقد استبان للحزب الاموي ضعف النعمان، وانهياره أمام الثورة. اتصال الحزب الاموي بدمشق: وفزع الحزب الاموي من تجاوب الراي العام مع مسلم، واتساع نطاق الثورة في حين أن السلطة المحلية اغضت النظر عن محريات الاحداث


(1) الدولة الاموية في الشام (ص 41). (2) الغشم: الظلم. (3) تاريخ ابن الاثير 3 / 267. (*)

[ 352 ]

وقد اتهمتها بالضعف أو بالتوطا مع الثوار، وقام الحزب الاموي باتصال سريع بحكومة دمشق، وطلبوا منها اتخاذ الاجراءات الفورية قبل أن يتسع نطاق الثورة، وياخذ العراق استقلاله، وينفصل عن التبعية لدمشق، ومن بين الرسائل التي وفدت على يزيد رسالة عبد الله الحضرمي، جاء فيها: " أما بعد: فان مسلم بن عقيل، قدم الكوفة، وبايعته الشيعة للحسين بن علي، فان كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويا ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوك فان النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف. " (1). وتدعو هذه الرسالة الى اقصاء النعمان عن مركزه، واستعمال شخص آخر مكانه قوي البطش ليتمكن من القضاء على الثورة، فان النعمان لا يصلح للقضاء عليها، كتب إليه بمثل ذلك عمارة بن الوليد بن عقبة وعمر ابن سعد. فزع يزيد: وفزع يزيد حينما توافدت عليه رسائل عملائه في الكوفة بمبايعة أهلها للحسين، فراودته الهواجس، وظل ينفق ليله ساهرا يطيل التفكير في الامر فهو يعلم ان العراق مركز القوة في العالم الاسلامي وهو يبغضه ويحقد على أبيه، فقد أصبح موترا منهم لما صبوه عليه من الظلم والجور، وان كراهية أهل العراق ليزيد لا تقل عن كراهيتهم لابيه، كما انه على


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 267. (*)

[ 353 ]

يقين ان الاغلبية الساحقة في العالم الاسلامي تتعطش لحكم الامام الحسين لانه المثل الشرعي لجده وأبيه، ولا يرضون بغيره بديلا. استشارته لسرجون: وأحاطت الهواجس بيزيد، وشعر بالخطر الذي يهدد ملكه فاستدعى سرجون الرومي، وكان مستودع أسرار أبيه، ومن ادهى الناس، فعرض عليه الامر، وقال له: " ما رايك ان حسينا قد توجه إلى الكوفة، ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين، وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سئ، فما ترى من استعمل على الكوفة ؟ ". وتامل سرجون، واخذ يطيل التفكير فقال له: " أرايت أن معاوية لو نشر أكنت آخذا رأيه ؟ " فقال يزيد: نعم. فاخرج سرجون عهد معاوية لعبيد الله بن زياد على الكوفة، وقال: " هذا راي معاوية وقد مات، وقد أمر بهذا الكتاب " (1) أما دوافع سرجون في ترشيح ابن زياد لولاية الكوفة فهي لا تخلو من أمرين: 1 - إنه يعرف قسوة ابن زياد وبطشه وأنه لا يقوى أحد على اخضاع العراق غيره فهو الذي يتمكن من القضاء على الثورة بما يملك من وسائل الارهاب والعنف. 2 - انه قد دفعته العصبية القومية لهذا الترشيح فان ابن زياد رومي


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 268. (*)

[ 354 ]

ولاية ابن زياد على الكوفة: وكان يزيد ناقما على ابن زياد كاشد ما تكون النقمة، وأراد عزله عن البصرة (1) وذلك لمعارضة أبيه في البيعة له، الا انه استجاب لراي سرجون فقد راى فيه الحفاظ على مصلحة دولته، فهد له بولاية الكوفة والبصرة، وبذلك فقد خضع العراق باسره لحكمه، وكتب إليه هذه الرسالة: " أما بعد: فانه كتب إلي شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشق عصا المسلمين، فسر حين تقرا كتابي هذا حتى تاتي الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه، والسلام ". وأشارت هذه الرسالة إلى مدى قلق السلطة في دمشق وفزعها من مسلم ابن عقيل، وقد شددت على ابن زياد في الاسراع بالسفر إلى الكوفة لالقاء القبض عليه، وتنص بعض المصادر ان يزيد كتب إلى ابن زياد " ان كان لك جناحان فطر الى الكوفة " (2) وهذا مما ينبئ عن الخوف الذي الم بيزيد من الثورة في العراق. وحمل مسلم بن عمرو الباهلي العهد لابن زياد بولاية الكوفة مع تلك الرسالة، ويقول المؤرخون ان الباهلي كان من عيون بني أمية في الكوفة ومن أهم عملائهم، كما كان من أجلاف العرب وهو الذي ظن على مسلم أن يشرب جرعة من الماء حينما جيئ به أسيرا الى ابن زياد.


(1) البداية والنهاية 8 / 152. (2) سير اعلام النبلاء 3 / 201. (*)

[ 355 ]

وتسلم ابن زياد من الباهلي العهد له بولاية الكوفة، وقد طار فرحا فقد تم له الحكم على جميع أنحاء العراق بعد ما كان مهددا بالعزل عن ولاية البصرة، وقد سر ما خولته دمشق من الحكم المطلق على العراق. وبما سوغت له من استعمال الشدة والقسوة وسفك الدماء لكل من لا يدخل في طاعة يزيد أو يشترك باية مؤامرة ضده، وكان هذا التفويض المطلق في استعمال القسوة على الناس مما يتفق مع رغبات ابن زياد وميوله فقد كان من عوامل استمتاعاته النفسية حب الجريمة والاسائة إلى الناس، وعدم التردد في سفك الدماء. خطبة ابن زياد في البصرة: وتهيا ابن زياد لمغادرة البصرة والتوجه إلى الكوفة، وقبل مغادرته لها جمع الناس، وخطب فيهم خطابا قاسيا جاء فيه: " ان أمير المؤمنين يزيد ولاني الكوفة، وأنا غاد إليها الغداة، فو الله إني ما تقرن بي الصعبة، ولا يقعقع لي بالشنان، واني لنكل لمن عاداني، وسم لمن حاربني، انصف القارة من راماها. يا أهل البصرة قد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان، وإياكم والخلاف والارجاف فو الله الذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لاقتلنه وعرينه (1) ووليه، ولاخذن الادنى بالاقصى حتى تسمعوا لي، ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق... أنا ابن زياد اشبهه


(1) العرين: الجماعة (*)

[ 356 ]

بين من وطا الحصى، ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم " (1). ما أهون سفك الدماء عند اولئك البرابرة الوحوش من ولاة بني أمية ! ! لقد تحدث الطاغية عن نفسيته الشريرة التي توغلت في الاثم، فهو ياخذ البرئ بالسقيم، والمقبل بالمدبر، والادنى بالاقصى، ويقتل على الظنة والتهمة كما كان يفعل أبوه زياد الذي اشاع القتل في ربوع العراق. سفر الطاغية الى الكوفة: وسار الخبيث الدنس من البصرة متجها الى الكوفة ليقترف أعظم موبقة لم يقترفها شقي غيره، وقد صحبه من أهل البصرة خمسمائة رجل فيهم عبد الله بن الحارث بن نوفل وشريك بن الاعور الحارثي (2) وهو من اخلص اصحاب الامام الحسين، وقد صحب ابن زياد ليكون عينا عليه، وبتعرف على خططه، وقد صحب ابن زياد هذا العدد ليستعين بهم على بث الارهاب، واذاعة الخوف بين الناس والاتصال بزعماء الكوفة لصرفهم عن الثورة. وعلى أي حال فقد أخذ ابن زياد يجذ في السير لا يلوي على شئ قد واصل السير الى الكوفة مخافة أن يسبقه الحسين إليها، وقد جهد اصحابه، واعياهم المسير فسقط منهم جماعة منهم عبد الله بن الحارث فلم بعبا، ولما ورد القادسية سقط مولاه (مهران) فقال له ابن زياد: " إن امسكت على هذا الحال فتنظر الى القصر فلك مائة الف ". فقال له مهران: لا والله لا استطيع، ونزيل الطاغية فلبس ثيابا


(1) الطبري 6 / 200. (2) الطبري 6 / 199. (*)

[ 357 ]

يمانية وعمامة سوداء وتلثم ليوهم من راه أنه الحسين وسار وحده فدخل الكوفة مما يلي النجف (1) وكان قلبه كجناح طائر من شدة الخوف، ولو كانت عنده مسكة من البسالة والشجاعة لما تنكر وغير بزته، وأوهم على الناس أنه الحسين.. وقد تذرع الجبان بهذه الوسائل لحماية نفسه، وتنص بعض المصادر انه حبس نفسه عن الكلام خوفا من أن يعرفه الناس فتأخذه سيوفهم. في قصر الامارة: وأسرع الخبيث نحو قصر الامارة (2) وقد علاه الفزع. وساءه كاشد ما يكون الاستياء من تباشير الناس وفرحهم بقدوم الامام الحسين،


(1) مقتل الحسين للمقرم (ص 165). (2) قصر الامارة: هو أقدم بناية حكومية شيدت في الاسلام بناها سعد بن أبي وقاص، وقد اندثرت معالمه، كما اندثرت جميع معالم الكوفة ما عدا الجامع، وقد اهتمت مديرية الاثار العامة في العراق بالتعرف عليه، فكشفت في مواسم مختلفة اسسه، وقد اظهرت نتائج الحفائر التي اجريت عليه انه يتالف من سور خارجي يضم أربعة جدران تقريبا طولها 170 مترا ومعدل سمكها 4 امتار وتدعم كل ضلع من الخارج ستة ابراج نصف دائرية باستثناء الضلع الشمالي، حيث يدعمها برجان فقط، والمسافة ما بين كل برج وآخر 24 و 60 سنتمتر، وارتفاع هذا السور بابراجه يصل الى ما يقرب من عشرين مترا، وقد بني القصر بناء محكما، وصممت هندسته على غاية حربية ليكون في حماية آمنة من كل غزو خارجي جاء ذلك في تخطيط مدينة الكوفة للدكتور كاظم الجنابي (ص 135 - 155) = (*)

[ 358 ]

ولما انتهى إلى باب القصر وجده مغلقا، والنعمان بن بشير مشرف من اعلا القصر، وكان قد توهم أن القادم هو الحسين لان اصوات الناس قد تعالت بالترحيب به والهتاف بحياته، فانبرى يخاطبه. " ما أنا بمؤد إليك امانتي يا بن رسول الله، ومالي في قتالك من ارب.. ". ولمس ابن مرجانة في كلام النعمان الضعف والانهيار فصاح به بنبرات تقطر غيظا. " افتح لا فتحت فقد طال ليلك ". ولما تكلم عرفه بعض من كان خلفه فصاح بالناس: " انه ابن مرجانة ورب الكعبة " ومن الغريب أن ذلك المجتمع لم يميز بين الامام الحسين وبين ابن مرجانة، مع أن كلا منهما قد عاش فترة في ديارهم، ولعل الذي أوقعهم في ذلك تغيير ابن زياد لبزته، ولبسه للعمامة السوداء. وعلى أي حال فان الناس حينما علموا انه ابن زياد جفلوا وخفوا مسرعين إلى دورهم، وهم يتحدثون عما عانوه من الظلم والجور أيام أبيه وقد أوجسوا من عبيد الله الشر.. وبادر ابن زياد في ليلته فاستولى على المال والسلاح، وانفق ليله ساهرا قد جمع حوله عملاء الحكم الاموى فاخذوا يحدثونه عن الثورة ويعرفونه باعضائها البارزين، ويضعون معه المخططات للقضاء عليها.


= وقد وقفت عليه غير مرة، وتطلعت الى كثير من معالمه، ففي بعض ابوابه الرئيسية مظلات لحراس القصر قد ردمت ولم يبق منها إلا بعض معالمها، وفي جانب منه بعض الغرف التي اعدت للسجن، وقد صممت بشكل غريب، وفي جانب منه مطابخ القصر ولم يشر الاستاذ الجنابي إليها وقد احكم بناء القصر حتى كان من المتعذر اقتحامه والاستيلاء عليه. (*)

[ 359 ]

خطابه في الكوفة: وعندما انبثق نور الصبح أمر ابن مرجانة بجمع الناس في المسجد الاعظم، فاجتمعت الجماهير، وقد خيم عليها الذعر والخوف، وخرح ابن زياد متقلدا سيفه ومعتما بعمامة، فاعتلى اعواد المنبر، وخطب الناس فقال: " أما بعد: فان امير المؤمنين - أصلحه الله - ولاني مصركم وثغركم وفيئكم، وأمرني بانصاف مظلومكم واعطاء محرومكم، وبالاحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدة على مربيكم، فانا لمطيعكم كالوالد البر الشفيق وسيفي وسوطي على من ترك أمري، وخالف عهدي فليبق امرؤ على نفسه الصدق يبنئ عنك لا الوعيد.. " (1). وحفل هذا الخطاب بما يلي: 1 - اعلام أهل الكوفة بولايته على مصرهم، وعزل النعمان بن بشير عنه. 2 - تعريفهم أن حكومة دمشق قد عهدت له بالاحسان على من يتبع السلطة، ولم يتمرد عليها واستعمال الشدة والقسوة على الخارجين عليها. ولم يعرض ابن مرجانة في خطابه للامام الحسين وسفيره مسلم خوفا من انتفاضة الجماهير عليه وهو بعد لم يحكم أمره.


(1) مقاتل الطالبيين (ص 97). (*)

[ 360 ]

نشر الارهاب: وعمد ابن زياد الى نشر الارهاب، واذاعة الخوف، ويقول بعض المؤرخين: انه لما أصبح ابن زياد بعد قدومه الى الكوفة صال وجال، وارعد وابرق، وأمسك جماعة من أهل الكوفة فقتلهم في الساعة (1) وقد عمد الى ذلك لاماتة الاعصاب، وصرف الناس عن الثورة. وفي اليوم الثاني أمر بجمع الناس في المسجد. وخرج إليهم بزي غير ما كان يخرج به، فخطب فيهم خطابا عنيفا تهدد فيه وتوعد، فقد قال بعد حمد الله والثناء عليه: " أما بعد: فانه لا يصلح هذا الامر الا في شدة من غير عنف، ولين من غير ضعف، وان آخذ البرئ بالسقيم، والشاهد بالغائب، والولي بالولي ".. فانبرى إليه رجل من أهل الكوفة يقال له أسد بن عبد الله المري فرد عليه: " أيها الامير، إن الله تبارك وتعالى يقول: " ولا تزر وزارة وزر أخرى " انما المرء بجده والسيف بحده، والفرس بشده، وعليك أن تقول: وعلينا أن نسمع، فلا تقدم فينا السيئة قبل الحسنة.. ". وافحم ابن زياد فنزل عن المنبر ودخل قصر الامارة (2).


(1) الفصول المهمة (ص 197) وسيلة المال (ص 186) (2) الفتوح 5 / 67. (*)

[ 361 ]

تحول مسلم الى دار هانئ: واضطر مسلم إلى تغيير مقره، واحاطة نشاطه السياسي بكثير من السر والكتمان، فقد شعر بالخطر الذي داهمه حينما قد الطاغية إلى الكوفة فهو يعلم بخبث هذا الوغد، وانه لا يرجو لله وقارا ولا يتحرج من اقتراف الاثم، وقد أجمع أمره على مغادرة دار المختار لانه لم تكن عنده قوة تحميه ولم يكن ياوي الى ركن شديد، فالتجا الى دار هانئ بن عروة فهو سيد المصر وزعيم مراد، وعنده من القوة ما يضمن حماية الثورة والتغلب على الاحداث، فقد كان فيما يقول المؤرخون: إذا ركب يركب معه أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل، فإذا اجابتها احلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين الف دارع (1) كما كانت له الطاف واياد بيضاء على أسرته مما جعلتهم يكنون له أعمق الود والاخلاص، ومضى مسلم الى دار هذا الزعيم العربي الكبير فرحب به، واستقبله بحفاوة بالغة، وتنص بعض المصادر (2) انه قد ثقل على هانئ استجارة مسلم به، وعظم عليه أن يتخذ داره معقلا للثورة، ومركزا للتجمعات ضد الدولة، فانه بذلك يعرض نفسه للنقمة والبلاء الا أنه استجاب لمسلم على كره خضوعا للعادات العربية التي لا تطرد اللاجئ إليها، وان عانت من ذلك أعظم المصاعب والمشاكل.. والذي نراه انه لا صحة لذلك فان مسلما لو شعر منه عدم الرضا، والقبول لما ركن إليه، وتخرج كاشد ما يكون التحرج من دخول داره وذلك لما توفرت في مسلم من الطاقات التربوية الدينية، وما عرف به من الشمم والاباء الذي يبعده كل البعد من


(1) مروج الذهب 2 / 89. (2) الاخبار الطوال (ص 213). (*)

[ 362 ]

سلوك أي طريق فيه حرج أو تكلف على الناس، وبالاضافة الى ذلك فان مسلما لو لم يحرز منه التجاوب التام، والايمان الخالص بدعوته لما التجا إليه في تلك الفترة العصبية التي تحيط به. ان من المؤكد ان هانيا لم يستجب لحماية مسلم والدفاع عنه على كره أو حياء، وانما استجاب له عن رضى وايمان يوحي من دينه وعقيدته. وعلى أي حال فقد استقر مسلم في دار هانئ واتخذها مقرا للثورة، وقد احنف به هانئ، ودعا القبائل لمبايعته، فبايعه في منزله ثمانية عشر الفا (1) وقد عرف مسلم هانئا بشؤون الثورة، وأحاطه علما بدعاتها وأعضائها البارزين. امتناع مسلم من اغتيال ابن زياد: وذهب معظم المؤرخين إلى أن شريك بن الاعور مرض مرضا شديدا في بيت هانئ بن عروة أو في بيته (2) فانتهى خبره الى ابن زياد فارسل إليه رسولا يعلمه أنه آت لعيادته، فاغتنم شريك هذه الفرصة فقال لمسلم: " انما غايتك وغاية شيعتك هلاك هذا الطاغية، وقد أمكنك الله منه وهو صائر إلي ليعودني فقم فادخل الخزانة حتى إذا اطمان عندي فاخرج إليه فاقتله، ثم صر الى قصر الامارة فاجلس فيه فانه لا ينازعك فيه أحد من الناس، وان رزقني الله العافية صرت إلى البصرة فكفيتك أمرها، وبايع


(1) الاخبار الطوال (ص 214). (2) البداية والنهاية 8 / 153، والمشهور بين المؤرخون ان شريكا كان في بيت هانئ لا في بيته فقد كان مقيما بالبصرة، وجاء مع ابن زياد الى الكوفة. (*)

[ 363 ]

لك أهلها " (1). وكره هانئ أن يقتل ابن زياد في داره تمسكا بالعادات العربية التي لا تبيح قتل الضيف والقاصد إليها في بيوتها (2) فقال له: " ما أحب أن يقتل في داري " فقال له شريك: " ولم فو الله ان قتله لقربان الى الله " ولم يعن شريك بهانئ والتفت الى مسلم يحثه على اغتيال ابن زياد قائلا له: " لا تقصر في ذلك " وبينما هم في الحديث وإذا بالضجة على الباب فقد أقبل ابن مرجانة مع حاشيته، فقام مسلم ودخل الخزانة مختفيا بها، ودخل ابن زياد فجعل يسال شريكا عن مرضه، وشريك يجيبه، ولما استبطا شريك خروج مسلم جعل يقول: ما الانتظار بسلمى أن تحيوها * حيوا سليمى وحيوا من يحيها كاس المنية بالتعجيل فاسقوها (3)


(1) الاخبار الطوال (ص 214) مقاتل الطالبيين (ص 98) تاريخ ابن الاثير 3 / 269، وذهب بعض المؤرخين الى أن الذي دعا مسلما لاغتيال ابن زياد هو هانئ بن عروة كما في الامامة والسياسة 2 / 4. (2) يشير الى ذلك ما جاء في مقاتل الطالبيين (ص 98) ان هانئا استقبح قتل ابن زياد في داره. (3) مقاتل الطالبيين (ص 98) وفي مقتل أبي مخنف أنه أنشد هذه الابيات: ما تنظرون بسلمي لا تحييوها * حيوا سليمى وحيوا من يحيها هل شربة عذبة اسقى على ظما * ولو تلفت وكانت منيتي فيها وان تخشيت من سلمى مراقبة * فلست تأمن يوما من دواهيها = (*)

[ 364 ]

ورفع صوته ليسمع مسلما قائلا: " لله أبوك اسقنيها وان كانت فيها نفسي " (1) وغفل ابن زياد عن مراده، وظن أنه يهجر فقال لهانئ: - أيهجر ؟ - نعم أصلح الله الامير لم يزل هكذا منذ اصبح (2) وفطن مهران مولى ابن زياد، وكان ذكيا الى ما دبر لسيده، فغمزه ونهض به سريعا فقال له شريك: أيها الامير إني أريد أن أوصي إليك فقال له ابن زياد: اني اعود إليك والتفت مهران وهو مذعور الى ابن زياد فقال له: " انه أراد قتلك " فبهر ابن زياد، وقال: " كيف مع اكرامي له ؟ ! ! وفي بيت هانئ ويد أبي عنده ! " ولما ولى الطاغية خرج مسلم من الحجرة، فالتفت إليه شريك وقلبه يذوب أسى وحسرات قال له: " ما منعك من قتله ؟ " (3) فقال مسلم: منعني منه خلتان: احداهما كراهية هانئ لقتله في


= وفي الفتوح 5 / 72 والاخبار الطوال (ص 214) انه أنشد هذا البيت: ما تنظرون بسلمى عند فرصتها * فقدوني ودها واستوسق الصرم (1) مقاتل الطالبيين (ص 99). (2) تاريخ ابن الاثير 3 / 270. (3) تاريخ ابن الاثير 3 / 269 - 270. (*)

[ 365 ]

منزله، والاخرى قول رسول الله (ص): ان الايمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن، فقال له شريك: أما والله لو قتلته لاستقام لك أمرك، واستوسق لك سلطانك (1). ولم يلبث شريك بعد الحادثة الا ثلاثة أيام حتى توفي، فصلي عليه ابن زياد ودفنه بالثوية، ولما تبين له ما دبره له شريك طفق يقول: والله لا أصلي على جنازة عراقي، ولولا أن قبر زياد فيهم لنبشت شريكا (2) أضواء على الموقف: ويتساءل الكثيرون من الناس عن موقف مسلم، فيلقون عليه اللوم والتقريع، ويحملونه مسؤولية ما وقع من الاحداث، فلو اغتال الطاغية لانقذ المسلمين من شر عظيم، وما مني المسلمون بتلك الازمات الموجعة التي أغرقتهم في المحن والخطوب... أما هذا النقد فليس موضوعيا، ولا يحمل أي طابع من التوازن والتحقيق، وذلك لعدم التقائه بسيرة مسلم ولا بواقع شخصيته، فقد كان الرجل فذا من أفذاذ الاسلام في ورعه وتقواه، وتحرجه في الدين، فقد تربى في بيت عمه أمير المؤمنين (ع) وحمل اتجاهاته الفكرية، واتخذ سيرته المشرقة منهاجا يسير على أضوائها


(1) الاخبار الطوال (ص 214) وفي تاريخ ابن الاثير 3 / 270 ان هانئا قال لمسلم: لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا غادرا، وذكر ابن نما ان امراة هانئ تعلقت بمسلم، وأقسمت عليه بالله ان لا يقتل ابن زياد في دارها، فلما علم هانئ قال: يا ويلها قتلتني وقتلت نفسها والذي فرت منه وقعت فيه. (2) تاريخ الطبري 6 / 202، الاغاني 6 / 59. (*)

[ 366 ]

في حياته، وقد بنى الامام أمير المؤمنين (ع) واقع حياته على الحق المحض الذي لا التواء فيه، وتحرج كاعظم ما يكون التحرج في سلوكه فلم يرتكب أي شئ شذ عن هدي الاسلام وواقعه وهو القائل: " قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونها حاجز من تقوى الله ". وعلى ضوء هذه السيرة بنى ابن عقيل حياته الفكرية، وتكاد أن تكون هذه السيرة هي المنهاج البارز في سلوك العلويين يقول الدكتور محمد طاهر دروش: " كان للهاشميين مجال يحيون فيه، ولا يعرفون سواه، فهم منذ جاهليتهم للرياسة الدينية قد طبعوا على ما توحي به من الايمان والصراحة والصدق والعفة والشرف والفضيلة، والترفع والخلائق المثالية والمزايا الاديبة والشمائل الدينية والاداب النبوية " (1). ان مسلما لم يقدم على اغتيال عدوه الماكر لان الايمان قيد الفتك، ولا يفتك مؤمن، وعلق هبة الدين على هذه الكلمة بقوله: " كلمة كبيرة المغزى، بعيدة المدى فان آل علي من قوة تمسكهم بالحق والصدق نبذوا الغدر والمكر حتى لدى الضرورة، واختاروا النصر الاجل بقوة الحق على النصر العاجل بالخديعة، شنشنة فيهم معروفة عن اسلافهم، وموروثة في اخلاقهم، كأنهم مخلوقون لاقامة حكم العدل والفضيلة في قلوب العرفاء الاصفياء، وقد حفظ التاريخ لهم الكراسي في القلوب " (2). ويقول الشيخ احمد فهمي: " فهذا عبيد الله بن زياد، وهو من هو في دهائه، وشدة مراسه امكنت مسلما الفرصة منه إذا كان بين يديه، وراسه قريب المنال منه،


(1) الخطابة في صدر الاسلام 2 / 13. (2) نهضة الحسين (ص 84). (*)

[ 367 ]

وكان في استطاعته قتله ولو انه فعل ذلك لحرم يزيد نفسا جبارة، ويدا فتاكة، وقوة لا يستهان بها، ولكن مسلما متاثر بهدي ابن عمه عاف هذا المسلك وصان نفسه من أن يقتله غيلة ومكرا، (1). وان مهمة مسلم التي عهد بها إليه هي أخذ البيعة من الناس والتعرف على مجريات الاحداث، ولم يعهد إليه باكثر من ذلك، ولو قام باغتيال الطاغية لخرج عن حدود مسؤولياته.. على أن الحكومة التي جاء ممثلا لها انما هي حكومة دينية تعني قبل كل شئ بمبادئ الدين والالتزام بتطبيق سننه وأحكامه، وليس من الاسلام في شئ القيام بعملية الاغتيال. وقد كان أهل البيت (ع) يتحرجون كاشد ما يكون التحرج من السلوك في المنعطفات، وكانوا ينعون على الامويين شذوذ أعمالهم التي لا تتفق مع نواميس الدين، وما قام الحسين بنهضته الكبرى الا لتصحيح الاوضاع الراهنة واعادة المنهج الاسلامي الى الناس.. وما ذا يقول مسلم للاخيار والمتحرجين في دينهم لو قام بهذه العملية التي لا يقرها الدين. وعلى أي حال فقد استمسك مسلم بفضائل دينه وشرفه من اغتيال ابن زياد، وكان تحت قبضته، وان من أهزل الاقوال وأوهنها القول بان عدم فتكه به ناشئ عن ضعفه وخوره، فان هذا أمر لا يمكن أن يصغى إليه فقد أثبت في مواقفه البطولية في الكوفة حينما غدر به أهلها ما لم يشاهد التاريخ له نظيرا في جميع مراحله، فقد صمد أمام ذلك الزحف الهائل من الجيوش فقابلها وحده ولم تظهر عليه أي بادرة من الخوف والوهن، فقد قام بعزم ثابت يحصد الرؤوس ويحطم الجيوش حتى ضجت الكوفة من كثرة من قتل منها، فكيف يتهم بطل هاشم وفخر عدنان بالوهن والضعف ؟


(1) ريحانة الرسول (ص 178). (*)

[ 368 ]

المخططات الرهيبة: وأدت المخططات الرهيبة التي صممها الطاغية الى نجاحه في الميادين السياسية وتغلبه على الاحداث، فبعد أن كانت الكوفة تحت قبضة مسلم انقلبت عليه راسا على عقب، فزج بها الماكر الخبيث الى حرب مسلم، والقضاء عليه، ومن بين هذه المخططات. 1 - التجسس على مسلم: وأول بادرة سلكها ابن زياد هي التجسس على مسلم، ومعرفة جميع نشاطاته السياسية والوقوف على نقاط القوة والضعف عنده، وقد اختار للقيام بهذه المهمة مولاه معقلا، وكان من صنائعه، وتربى في كنفه، ودرس طباعه، ووثق باخلاصه، وكان فطنا ذكيا، فاعطاه ثلاثة آلاف درهم، وامره أن يتصل بالشيعة، ويعرفهم أنه من أهل الشام، وانه مولى الذي الكلاع الحميري، وكانت الصبغة السائدة على الموالي هي الاخلاص لاهل البيت (ع) ولذا أمره بالانتساب الى الموالي، حتى ينفي الشك والريب عنه، وقال له: انه إذا التقى بهم فليعرفهم بانه ممن انعم الله عليه بحب أهل البيت (ع) وقد بلغه قدوم رجل الى الكوفة يدعو للامام الحسين، وعنده مال يريد أن يلقاه ليوصله إليه حتى يستعين به على حرب عدوه، ومضى معقل في مهمته فدخل الجامع، وجعل يفحص ويسال عمن له معرفة بمسلم، فارشد الى مسلم بن عوسجة، فانبرى إليه، وهو يظهر الاخلاص والولاء للعترة الطاهرة قائلا له: " إني أتيتك لتقبض مني هذا المال، وتدلني على صاحبك لابايعه،

[ 369 ]

وان شئت أخذت بيعتي قبل لقائي اياه... ". فقال مسلم: لقد سرني لقاؤك اياي لتنال الذي تحب، وينصر الله بك أهل نبيه، وقد ساني معرفة الناس اياي من قبل أن يتم مخافة هذا الطاغية وسطوته، ثم اخذ منه البيعة وأخذ منه المواثيق المغلظة على النصيحة وكتمان الامر (1) وفي اليوم الثاني أدخله على مسلم فبايعه وأخذ منه المال وأعطاه إلى أبي ثمامة الصائدي، وكان قد عينه لقبض المال ليشتري به السلاح والكراع، وكان معقل فيما يقول المؤرخون: أول من يدخل على مسلم، وآخر من يخرج منه، وجميع البوادر والاحداث التي تصدر ينقلها بتحفظ في المساء إلى ابن زياد (2) حتى وقف على جميع اسرار الثورة. مع أعضاء الثورة. والذي يواجه أعضاء الثورة من المؤاخذات ما يلي: أولا: ان معقل كان من أهل الشام الذي عرفوا بالبغض والكراهية لاهل البيت (ع) والولاء لبني أمية والتفاني في حبهم فما معنى الركون إليه ؟ ثانيا: ان اللازم التريب حينما أعطى المال لمسلم بن عوسجة وهو يبكي، فما معنى بكائه أو تباكيه ؟ اليس ذلك مما يوجب الريب في شانه. ثالثا: انه حينما اتصل بهم كان أول داخل وآخر خارج، فما معنى هذا الاستمرار والمكث الطويل في مقر القيادة العامة ؟ اليس ذلك مما يوجب الشك في أمره ؟ لقد كان الاولى بالقوم التحرز منه، ولكن القوم قد خدعتهم الظاهر المزيقة، ومن الحق ان هذا الجاسوس كان ماهرا في صناعتهم، وخبيرا فيما انتدب إليه.


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 269. (2) الاخبار الطوال (ص 215). (*)

[ 370 ]

وعلى أي حال فان ابن زياد قد استفاد من عملية التجسس أمورا بالغة الخطورة فقد عرف العناصر الفعالة في الثورة، وعرف مواطن الضعف فيها، وغير ذلك من الامور التي ساعدته على التغلب على الاحداث 2 - رشوة الزعماء والوجوه: ووقف ابن زياد على نبض الكوفة، وعرف كيف يستدرج أهلها فبادر إلى ارشاء الوجوه والزعماء فبذل لهم المال بسخاء فاستمال ودهم، واستولى على قلوبهم فصارت السنتهم تكيل له المدح والثناء، وكانوا ساعده القوي في تشتيت شمل الناس وتفريق جموعهم عن مسلم. لقبد استعبدهم ابن مرجانة بما بذله من الامول فاخلصوا له ومنحوه النصيحة وخانوا بعهودهم ومواثيقهم التي أعطوها لمسلم، وقد أخبر بعض أهل الكوفة الامام عن هذه الظاهرة حينما التقي به في أثناء الطريق فقال له: " أما اشراف الناس فقد عظمت رشوتهم، وملئت غرائرهم، يستمال ودهم، ويستخلص به نصيحتهم، وأما سائر الناس فان أفئدتهم تهوى إليك، وسيوفهم غدا مشهورة عليك " (1). لقد تناسى الكوفيون كتبهم التي أرسلوها للامام وبيعتهم له على يد سفيره من أجل الامول التي أغدقتها عليه السلطة، يقول بعض الكتاب: " ان الجماعات التي أقامها النكير على بني أمية، وراسلت الحسين واكدت له اخلاصها، وذرقت أمام مسلم أعز دموعها هي الجماعات التي ابتاعها عبيد الله بن زياد بالدرهم والدينار، وقد ابتاعها فيما بعد مصعب


(1) تاريخ الطبري 6 / 233. (*)

[ 371 ]

ابن الزبير فتخلوا عن المختار، وتركوه وحيدا يلقى حتفه ثم اشتراها الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان فتخلوا عن مصعب، وتركوه يلقى مصيره على يد عبد الملك بن مروان " (1). الاحجام عن كبس دار هانئ: وعلم الطاغية ان هانئا هو العضو البارز في الثورة، فقد اطلعه الجاسوس الخطير معقل على الدور الفعال الذي يقوم به هانئ في دعم الثورة، ومساندتها بجميع قدراته، وعرفه أن داره اصبحت المركز العام للشيعة، والمقر الرئيسي لسفير الحسين مسلم... فلما ذا لم يقم بكبسها وتطويقها بالجيش ليقضي بذلك على الثورة، وانما احجم عن ذلك لعجزه عسكريا، وعدم مقدرته على فتح باب الحرب فان دار هانئ مع الدور التي كانت محيطة بها كانت تضم أربعة آلاف مقاتل ممن بايعوا مسلما بالاضافة الى اتباع هانئ ومكانته المرموقة في المصر، فلهذا لم يستطع ابن زياد من القيام بذلك نظرا للمضاعفات السيئة. رسل الغدر: وانفق ابن زياد لياليه ساهرا يطيل التفكير، ويطيل البحث مع حاشيته في شان هانئ، فهو أعز من في المصر، وأقوى شخصية يستطيع القيام بحماية الثورة، ولا يدع مسلما فريسة لاعدائه، فإذا قضى عليه فقد استاصل الثورة من جذورها، وقد أعرضوا عن القاء القبض عليه،


(1) المختار الثقفي مراة العصر الاموي (ص 69 - 70). (*)

[ 372 ]

وتطويق داره فان ذلك ليس بالامر الممكن، وقد اتفق رأيهم على خديعته بارسال وفد إليه من قبل السلطة يعرض عليه رغبة ابن زياد في زيارته، فإذا وقع تحت قبضته فقد تم كل شئ، ويكون تشتبت اتباعه ليس بالامر العسير، وشكلوا وفدا لدعوته وهم: 1 - حسان بن اسماء بن خارجة زعيم فزارة 2 - محمد بن الاشعث زعيم كندة 3 - عمرو بن الحجاج ولم يكن لحسان بن أسماء علم بالمؤامرة التي دبرت ضد هانئ، وانما كان يعلم بها محمد بن الاشعث وعمرو بن الحجاج، وقد أمرهم ابن زياد أن يحملوا له عواطفه ورغبته الملحة في زيارته، ويعلموا جاهدين على اقناعه. اعتقال هانئ: واسرع الوفد إلى هانئ عشية فوجدوه جالسا على باب داره فسلموا عليه، وقالوا له: " ما يمنعك من لقاء الامير فانه قد ذكرك ؟ وقال: لو أعلم أنه شاك لعدته ". فقال لهم: الشكوي تمنعني. وابطلوا هذا الزعم وقالوا له: إنه قد بلغه انك تجلس كل عشية على باب دارك، وقد استبطاك، والابطاء والجفاء لا يحتمله السلطان، أقسمنا عليك لما ركبت معنا. وأخذوا يلحون عليه في زيارته فاستجاب لهم على كره فدعا بثيابه

[ 373 ]

فلبسها، ودعا ببغلة فركبها فلما كان قريبا من القصر احست نفسه بالشر فعزم على الانصراف وقال لحسان بن سماء: يابن الاخ إني والله لخائف من هذا الرجل فما ترى ؟ فقال حسان: يا عم والله ما اتخوف عليك شيئا ولم تجعل على نفسك سبيلا ؟ واخذ القوم يلحون عليه حتى ادخلوه على ابن مرجانة، فاستقبله بعنف وشراسة، وقال: " أتتك بخائن رجلاه ". وكان شريح الى جانبه، فقال له: أريد حياته (1) ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد وذعر هانئ فقال له: " ما ذاك أيها الامير ؟ " فصاح به الطاغية بعنف " ايه يا هانئ ما هذه الامور التي تتربص في دارك لامير المؤمنين وعامة المسلمين ؟ جئت بمسلم بن عقيل فادخلته دارك، وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك، وظننت أن ذلك يخفى علي ؟ ". فانكر ذلك هانئ وقال: " ما فعلت ذلك وما مسلم عندي " " بلى قد فعلت " وطال النزاع واحتدم الجدال بينهما، فراى ابن زياد ان يحسم النزاع فدعا معقلا الذي جعله عينا عليهم فلما مثل عنده قال لهانئ: " اتعرف هذا ؟ " " نعم "


(1) يروى (حياءه) من العطاء. (*)

[ 374 ]

واسقط ما في يدي هانئ، واطرق براسه الى الارض، ولكن سرعان ما سيطرت شجاعته على الوقف، فانتفض كالاسد، وقال لابن مرجانة: " قد كان الذي بلغك، ولن اضيع يدك عندي (1) تشخص لاهل الشام انت واهل بيتك سالمين باموالكم، فانه جاء حق من هو أحق من حقك وحق صاحبك... " (2). فثار ابن زياد وصاح به: " والله لا تفارقني حتى تأتيني به. " وسخر منه هانئ، وانكر عليه قائلا له مقالة الرجل الشريف: " لا آتيك بضيفي ابدا " ولما طال الجدال بينهما انبرى الى هانئ مسلم بن عمر الباهلي وهو من خدام السلطة، ولم يكن رجل في المجلس غريب غيره فطلب من ابن زياد أن يختلي بهانئ، ليقنعه فاذن له، فقام وخلا به ناحية بحيث يراهما ابن زياد ويسمع صوتهما إذا علا، وحاول الباهلي اقناع هانئ فحذره من نقمة السلطان وان السلطة لا تنوي السوء بمسلم قائلا: " يا هانئ أنشدك الله ان تقتل نفسك، وتدخل البلاء على قومك، إن هذا الرجل - يعني مسلما - ابن عم القوم، وليسوا بقاتليه، ولا ضائريه، فادفعه إليه فليس عليك بذلك مخزاة، ولا منقصة انما تدفعه إلى السلطان.. ".


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 271. (2) مروج الذهب 3 / 7، سمط النجوم العوالي 3 / 61 تايخ الاسلام للذهبي 2 / 269 وروي كلامه بصورة أخرى وهي تخالف ما رواه مشهور المؤرخين. (*)

[ 375 ]

ولم يخنف على هانئ هذا المنطق الرخيص، فهو يعلم ان السلطة إذا ظفرت بمسلم فسوف تنكل به، ولا تدعه حيا وان ذلك يعود عليه بالعار والخزي ان سلم ضيفه وافد آل محمد فريسة لهم قائلا: " بلى والله علي في ذلك أعظم العار أن يكون مسلم في جواري وضيفي وهو رسول ابن بنت رسول الله (ص) وأنا حي صحيح الساعدين كثير الاعوان، والله لو لم اكن إلا وحدي لما سلمته أبدا ". وحفل هذا الكلام بمنطق الاحرار الذين يهبون حياتهم للمثل العليا ولا يحضعون لما يخل بشرفهم. ولما يئس الباهلي من اقناع هانئ انطلق نحو ابن زياد فقال له: " أيها الامير قد أبى ان يسلم مسلما أو يقتل " (1). وصاح الطاغية بهانئ: " أتأتيني به أو لاضربن عنقك " فلم يعبا به هانئ وقال: " اذن تكثر البارقة حولك " فثار الطاغية وانتفخت اوداجه وقال: " والهفا عليك أبا لبارقة تخوفني " (2) وصاح بغلامه مهران وقال: خذه، فاخذ بضفيرتي هانئ، وأخذ ابن زياد القضيب فاستعرض به وجهه، وضربه ضربا عنيفا حتى كسر انفه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى تحطم القضيب وسالت الدماء على ثيابه، وعمد هانئ الى قائم سيف شرطي محاولا اختطافه ليدافع به عن نفسه فمنعه منه، فصاح بن ابن زياد:


(1) الفتوح 5 / 83. (2) البارقة: السيوف التي يلمع بريقها. (*)

[ 376 ]

" أحروري احللت بنفسك وحل لنا قتلك ". وأمر ابن زياد باعتقاله في أحد بيوت القصر (1) واندفع حسان بن اسماء بن خارجة وكان ممن أمن هانئا وجاء به الى ابن زياد، وقد خاف من سطوة عشيرته ونقمتم عليه، فانكر عليه ما فعله بهانئ قائلا: " أرسله يا غادر امرتنا ان نجيئك بالرجل فلما اتيناك به هشمت وجهه، وسيلت دماءه وزعمت أنك تقتله ". وغضب منه ابن زياد فاوعز إلى شرطته بتاديبه فلهز وتعتع ثم ترك وأما ابن الاشعث المتملق الحقير فجعل يحرك راسه ويقول ليسمع الطاغية. " قد رضينا بما راى الامير لنا كان أم علينا، انما الامير مؤدب " (2) ولا يهم ابن الاشعث ما اقترفه الطاغية من جريمة في سبيل تامين مصالحه ورغباته. انتفاضة مذحج: وانتهى خبر هانئ إلى اسرته فاندفعت بتثاقل كالحشرات فقاد جموعها الانتهازي الجبان عمرو بن الحجاج الذي لا عهد له بالشرف والمروءة، فاقبل ومعه مذحج وهو يرفع عقيرته لتسمع السلطة مقالتهم قائلا: " أنا عمرو بن الحجاج وهذه فرسان مذحج ووجوهها لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة ". وحفل كلامه بالخنوع والمسالمة للسلطة وليس فيه اندفاع لانقاذ هانئ ولذا لم يحفل به ابن زياد فالتفت إلى شريح القاضي فقال له: ادخل على


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 271. (2) تاريخ ابن الاثير 3 / 271. (*)

[ 377 ]

صاحبهم فانظر إليه، ثم اخرج إليهم فاعلمهم أنه حي، وخرج شريح فدخل على هانئ فلما بصر به صاح مستجيرا. " يا للمسلمين أهلكت عشيرتي ؟ ! ! أين أهل الدين أين أهل المصر ! أيحذرونني عدوهم (1) وكان قد سمع الاصوات وضجيج الناس فالتفت الى شريح (2) قائلا: " يا شريح: اني لاظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين، انه ان دخل علي عشرة أنفر انقذوني.. " (3). وخرج شريح وكان عليه عين لابن زياد مخافة أن يدلي بشئ على خلاف رغبات السلطة فيفسد عليها أمرها فقال لهم: " قد نظرت الى صاحبكم وانه حي لم يقتل " وبادر عمرو بن الحجاج فقال: " إذا لم يقتل فالحمد لله " (4). وولوا منهزمين كانما اتيح لهم الخلاص من السجن وهم يصحبون العار والخزي، وظلوا مثالا للخيانة والجبن على امتداد التاريخ - وفيما احسب - أن هزيمة مذحج بهذه السرعة وعدم تأكدها من سلامة زعيمها جاءت نتيجة اتفاق سري بين زعماء مذحج وبين ابن زياد للقضاء على


(1) في رواية الطبري: " ايخلونى وعدوهم " (2) شريح القاضي ينتمي لاحدى بطون كندة جاء ذلك في الكامل للمبرد (ص 21). (3) تاريخ ابن الاثير 3 / 271، وجاء في تهذيب التهذيب 2 / 351 ان هانئا قال لشريح: يا شريح اتق الله فانه قاتلي: (4) تاريخ ابن الاثير 3 / 271. (*)

[ 378 ]

هانئ، ولولا ذلك لنفرت مذحج حينما اخرج هانئ من السجن في وضع النهار، ونفذ فيه حكم الاعدام في سوق الحذائين. وعلى أي حال فقد خلدت مذحج للذل، ورضيت بالهوان، وانبرى شاعر مجهول اخفى اسمه حذران من نقمة الامويين وبطشهم فرثى هانئا وندد باسرته محاولا بذلك أن يثير في نفوسهم روح العصبية القبلية ليثاروا لقتيلهم يقول: فان كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانئ في السوق وأبن عقيل إلى بطل قد هشم السيف وجهه * وآخر يهوي من طمار قتيل (1) أصابهما أمر الامير فاصبحا * أحاديث من يسري بلك سبيل (2) ترى جسدا قد غير الموت لونه * ونضح دم قد سال كل مسيل فتى كل أحيى من فتاة حيبة * واقطع من ذي شفرتين صقيل أيركب اسماء الهماليج آمنا * وقد طلبته مذحج بذحول (3)


(1) الطمار: اسم لغرفة شيدت فوق قصر الامارة، وفي اعلاها قتل مسلم بن عقيل، ورميت جثته إلى الارض، وما ذكره ابن ابي الحديد أن الطمار هو الجدار فليس بصحيح. (2) وفي رواية " اصابهما بغي الامير. (3) الهماليج: جمع هملاج وهو نوع من البرذون، والذحول: جمع ذحل الثار. (*)

[ 379 ]

تطوف حواليه (مراد) وكلهم * على رقية من سائل ومسول فان أنتم لم تثاروا باخيكم * فكونوا بغايا أرضيت بقليل (1) وعلق الدكتور يوسف خليف على هذه الابيات بقول: " واللحن هنا تأثر عنيف، والتعبير فيه قوى صريح بل تصل فيه الصراحة الى درجة الجراة، وشجع الشاعر على هذه الجراة أنه كان في مامن من بطش الامويين لانه استطاع أن يخفي اسمه، حتى أصبح شخصا مختلفا فيه عند بعض الرواة، ومجهولا تماما عند بعضهم، وهو في هذا اللحن لا يتحدث عن الحسين، ولا عن السياسة، وانما كل حرصه أن يثير روح العصبية القبلية في نفوس اليمنية ليثاروا لقتيلهم وهو - من أجل هذا - أغفل متعمدا من غير شك ذكر محمد من الاشعث اليمني، ولم يذكر إلا أسماء بن خارجة الفزاري على أنه هو المسؤول عن دم هانئ مع أن كليهما كان رسول ابن زياد إليه، ولكن الشاعر حرص على أن يغفل ذكر ابن الاشعث حتى لا يثير فتنة أو انقساما بين اليمينة، وهو في أشد الحاجة إلى أن يوحد صفوفهم حتى يدركوا ثارهم، واعتمد الشاعر في قصيدته على هذه الصورة المفزعة التي رسمها للقتيلين اللذين هشم السيف وجه أحدهما والقى بالاخر من أعلى القصر، واللذين أصبحا أحاديث للناس في كل مكان. وهو حريص في هذه الصورة على أن يعرض للناس منظرين رهيبين يثيران في نفوسهم كل عواطف الحزن والسخط والانتقام، منظر هذين الجسدين وقد


(1) في مروج الذهب 2 / 70 انها لشاعر مجهول وكذلك في الاغاني 13 / 35، وفي جمهرة الانساب (ص 228) انها للاخطل، وفي مقاتل الطالبيين (ص 108) انها لعبد الله بن الزبير الاسدي، وفي الطبري انها للفرزدق، وفي الاخبار الطوال (ص 219) انها لعبد الرحمن ابن الزبير الاسدي وفي لسان العرب 6 / 174 انها لسليم بن سلام الحنفي. (*)

[ 380 ]

غير الموت من لونهما، وهذا الدم الذي ينضخ منهما ويسيل كل مسيل، ثم منظر اسماء بن خارجة وهو يحتال في طرقات الكوفة على دوابه التي تتبختر به آمنا مطمئنا، ويسال إلى متى سيظل هذا الرجل في امنه وخيلائه ومن حوله قبيلة القتيل تطالبه بالثار، فلا يجد أشد من طعنها في كرامتها، فيقول لهم ان لم تثاروا بقتيلكم فكونوا بغايا ببغي شرفهن بثمن بخس دراهم معدودات (1). لقد تنكرت مذحج لزعيمها الكبير فلم تف له حقوقه فتركته أسيرا بيد ابن مرجانة يمعن في ارهاقه من دون أن تحرك ساكنا في حين أنها كانت لها السيادة والسيطرة على الكوفة كما يرى ذلك فلهوزن. وعلى أي حال فقد كان لاعتقال هانئ الاثر الكبير في ذيوع الفزع والخوف في نفوس الكوفيين مما أدى إلى تفرق الناس عن مسلم واخفاق الثورة. ثورة مسلم: ولما على مسلم بما جرى على هانئ بادر لاعلان الثورة على ابن زياد لعمله بانه سيلقى نفس المصير الذي لاقاه هانئا، فاوعز إلى عبد الله بن حازم أن ينادي في أصحابه وقد ملابهم الدور، فاجتمع إليه أربعة آلاف (2)


(1) حياة الشعر في الكوفة إلى نهاية القرن الثاني للهجرة (ص 463 - 464). (2) تاريخ ابن الاثير 3 / 271، المناقب لابن شهر اشوب 5 / 126 من مصورات مكتبة الامام امير المؤمنين. (*)

[ 381 ]

أو اربعون الفا (1) وهم ينادون بشعار المسلمين يوم البدر. " يا منصور أمت " (2). وقام مسلم بتنظيم جيشه، واسند القيادات العامة في الجيش إلى من عرفوا بالولاء والاخلاص لاهل البيت (ع) وهم: 1 - عبد الله بن عزيز الكندي: جعله على ربع كندة 2 - مسلم بن عوسجة: جعله على ربع مذحج 3 - أبو ثمامة الصائدي: جعله على ربع قبائل بني تميم وهمدان 4 - العباس بن جعدة الجدلي: جعله على ربع المدينة. واتجه مسلم بجيشه نحو قصر الامارة فأحاطوا به (3) وكان ابن زياد قد خرج من القصر ليخطب الناس على أثر اعتقاله لهانئ، فجاء إلى المسجد الاعظم فاعتلى أعواد المنبر، ثم التفت الى أصحابه فراهم عن يمينه وشماله وفي ايديهم الاعمدة وقد شهروا سيوفهم للحفاظ عليه، فهدا روعه وخاطب اهل الكوفة قائلا: " أما بعد: يا اهل الكوفة فاعتصموا بطاعة الله ورسوله، وطاعة ائمتكم ولا تختلفوا، ولا تفرقوا فتهلكوا، وتذلوا، وتندموا، وتقهروا، فلا يجعلن احد على نفسه سبيلا وقد اعذر من انذر ". وما أتم الطاغية خطابه حتى سمع الضجة واصوات الناس قد علت فسال عن ذلك فقيل له:


(1) تهذيب التهذيب 2 / 351، تذهيب التهذيب 1 / 150 للذهبي من مصورات مكتبة الامام امير المؤمنين. (2) هذا الشعار فيه تحريض للجيش على الموت في الحرب للتغلب على الاعداء، وفيه تفاؤل بالنصر. (3) تاريخ ابن الاثير 3 / 271. (*)

[ 382 ]

" الحذر، الحذر، هذا مسلم بن عقيل قد اقبل في جميع من بايعه.. ". واختطف الرعب لونه، وسرت الرعدة بجميع أوصاله فاسرع الجبان نحو القصر وهو يلهث من شدة الخوف، فدخل القصر، واغلق عليه ابوابه (1) وامتلا المسجد والسوق من اصحاب مسلم، وضاقت الدنيا على ابن زياد، وايقن بالهلاك إذ لم تكن عنده قوة تحميه سوى ثلاثين رجلا من الشرط، وعشرين رجلا من الاشراف الذين هم من عملائه (2)، وقد تزايد جيش مسلم حتى بلغ فيما يقول بعض المؤرخون ثمانية عشر الفا وقد نشروا الاعلام وشهروا السيوف، وقد ارتفعت اصواتهم بقذف ابن زياد وشتمه، وجرى بين اتباع ابن زياد وبين جيش مسلم قتال شديد كما نص على ذلك بعض المؤرخين. وامعن الطاغية في اقرب الوسائل التي تمكنه من انقاذ حكومته من الثورة فراى ان لا طريق له سوى حرب الاعصاب ودعايات الارهاب فسلك ذلك. حرب الاعصاب: واوعز الطاغية الى جماعة من وجوه اهل الكوفة ان يبادروا ببث الذعر ونشر الخوف بين الناس، وقد انتدب للقيام بهذه المهمة الذوات التالية: 1 - كثير بين شهاب الحارثي


(1) البداية والنهاية 8 / 154، الفتوح 5 / 85. (2) تاريخ ابن الاثير 3 / 271. (*)

[ 383 ]

2 - القعقاع بن شور الذهلي 3 - شبث بن ربعي التميمي 4 - حجار بن ابجر 5 - شمر بن ذي الجوشن الضبابي (1) وانطلق هؤلاء الى صفوف جيش مسلم فاخذوا يشيعون الخوف، ويبثون الاراجيف فيهم ويظهرون لهم الاخلاص والولاء خوفا عليهم عن جيوش أهل الشام فكان ما قاله كثير بن شهاب: " أيها الناس: الحقوا باهاليكم، ولا تعجلوا الشر، ولا تعرضوا انفسكم للقتل، فان هذه جنود امير المؤمنين - يعني يزيد - قد اقبلت، وقد اعطى الله الامير - يعني ابن زياد - العهد لئن اقمتم على حربه، ولم تنصرفوا من عشيتكم أن رم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتلكم في مغازي أهل الشام من غير طمع، وأن ياخذ البرئ بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتى لا تبقى فيكم بقية من أهل المعصية إلا ذاقها وبال ما جرت أيديها " (2) وكان هذا التهديد كالصاعقة على رؤوس أهل الكوفة فقد كان يحمل الوانا قاسية من الارهاب وهي: أ - التهديد بجيوش اهل الشام، فقد زحفت إليهم، وهي ستشيع فيهم القتل والتنكيل إن بقوا مصرين على المعصية والعناد. ب - حرمانهم من العطاء: وقد كانت الكوفة حامية عسكرية تتلقى جميع مواردهم الاقتصادية من الدولة. ج - تجميرهم في مغازي اهل الشام، وزجهم في ساحات الحروب


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 272. (2) تاريخ الطبري 6 / 208. (*)

[ 384 ]

د - انهم إذا اصروا على التمرد فان ابن زياد سيعلن الاحكام العرفية ويسوسهم بسياسة أبيه التي تحمل شارات الموت والدمار حنى يقضي على جميع الوان الشغب والعصيان. وقام بقية عملاء السلطة بنشر الارهاب واذاعة الذعر، وكان من جملة ما اذاعوه بين الناس. " يا اهل الكوفة: اتقوا الله، ولا تستعجلوا الفتنة، ولا تشقوا عصا هذه الامة، ولا توردوا على انفسكم خيول الشام، فقد ذقتموها، وجربتم شوكتها.. ". أوبئة الفزع والخوف: وسرت أوبئة الخوف والفزع في نفوس الكوفيين، وانهارت اعصابهم وكان الموت قد خيم عليهم، فجعل بعضهم يقول لبعض: " ما نصنع بتعجيل الفتنة، وغدا تأتينا جموع أهل الشام، ينبغي لنا أن نقيم في منازلنا، وندع هؤلاء القوم حتى يصلح الله ذات بينهم " (1). وكانت المراة تاتي ابنها أو أخاها أو زوجها، وهي مصفرة الوجه من الخوف فتتوسل إليه قاثلة: " الناس يكفونك " (2) وكان الرجل ياتي الى ولده وأخيه فيملا قلبه رعبا وخوفا، وقد نجح ابن زياد في ذلك إلى حد بعيد فقد تغلب على الاحداث، وسيطر على الموقف سيطرة تامة وقد خلع الكوفيون ما كانوا يرتدونه من ثياب


(1) الفتوح 5 / 87. (2) تاريخ أبي الفداء 1 / 300، تاريخ ابن الاثير 3 / 272. (*)

[ 385 ]

التمرد على بني أمية ولبسوا ثياب الذل والعبودية من جراء ذلك الارهاب الهائل والقسوة في الحكم فكانت الدماء تنرقرق بين العمائم واللحى. هزيمة الجيش: ومني جيش مسلم بهزيمة مخزية لم يحدث لها نظير في جميع فترات التاريخ، فقد هزمته الدعايات المضللة من دون أن تكون في قباله أية قوة عسكرية، ويقول المؤرخون: ان مسلما كلما انتهى الى زقاق انسل جماعة من اصحابه، وفروا منهزمين وهم يقولون: " ما لنا والدخول بين السلاطين ! " (1). ولم يمض قليل من الوقت حتى انهزم معظمهم، وقد صلى بجماعة منهم صلاة العشاء في الجامع الاعظم فكانوا يفرون في أثناء الصلاة، وما انهى ابن عقيل صلاته حتى انهزموا باجمعهم بما فيهم قادة جيشة، ولم يجد احدا يدله على الطريق، وبقى حيرانا لا يدري إلى اين مسراه، ومولجه (2) وكان قد اثخن بالجراح فيما يقوله بعض المؤرخين (3) وقد أمسى طريدا مشردا لا ماوى ياوي إليه، ولا قلب يعطف عليه.


(1) الدر المسلوك في احوال الانبياء والاوصياء 1 / 108 (2) مقامات الحريري 1 / 192. (3) الفتوح 5 / 87. (*)

[ 386 ]

في ضيافة طوعة: وسار القائد العظيم سليل هاشم وفخر عدنان متلددا في أزقة الكوفة وشوارعها، ومضى هائما على وجهه في جهة كندة (1) يلتمس دارا لينفق فيها بقية الليل، وقد خلت المدينة من المارة، وعادت كأنها واحة موحشة، فقد اسرع كل واحد من جيشه واعوانه، الى داره، واغلق عليه الابواب مخافة ان تعرفه مباحث الامن وعيون ابن زياد بانه كان مع ابن عقيل فتلقي عليه القبض. واحاطت بمسلم تيارات مذهلة من الهموم، وكاد قلبه ان ينفجر من شدة الالم وعظيم الحزن، وقد هاله اجماع القوم على نكث بيعته وغدرهم به، واستبان له انه ليس في المصر رجل شريف يقوم بضيافته وحمايته أو يدله على الطريق، فقد كان لا يعرف مسالك البلد وطرقها.. وسار وهو حائر الفكر خائر القوى حتى انتهى الى سيدة يقال لها (طوعة) هي سيدة من في المصر رجالا ونساء بما تملكه من انسانية ونبل وكانت أو ولد للاشعث بن قيس اعتقها، فتزوجها اسيد الحضرمي فولدت له بلالا (2) وكانت السيدة واقفة على الباب تنتظر ابنها، وترتقب طلوعه للاحداث الرهيبة التي حلت في المصر، ولما راها مسلم بادر إليها، فسلم عليها فردت عليه السلام بتثاقل، وقالت له: - ما حاجتك ؟


(1) الاخبار الطوال (ص 240). (2) تاريخ ابن الاثير 3 / 272، وفي الفتوح 5 / 88 انها كانت فيما مضى امراة قيس الكندي، فتزوجها رجل من بعده من حضر موت يقال له أسد بن البطين، فأولدها ولدا يقال له ولدا يقال له أسد. (*)

[ 387 ]

- إسقني ماء فبادرت إلى دارها، وجاءته بالماء، فشرب منه، ثم جلس فارتابت منه فقالت له: - ألم تشرب الماء ؟ - بلى اذهب الى اهلك ان مجلسك مجلس ريبة (1). وسكت مسلم، فاعادت عليه القوم بالانصراف وهو ساكت، وكررت عليه القوم ثالثا فلم يجبها فذعرت منه، وصاحت به: " سبحان الله ! ! إني لا احل لك الجلوس على بابي ! " ولما حرمت عليه الجلوس لم يجد بدا من الانصراف فقال لها بصوت خافت حزين النبرات: " ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة، فهل لك الى اجر ومعروف ؟ ولعلي اكافئك بعد اليوم ". وشعرت المراة بان الرجل غريب، وانه على شان كبير، وله مكانة عظمي يستطيع أن يجازيها على معروف واحسانها فبادرتها قائلة: " ما ذاك ؟ " فقال لها وعيناه تفيضان دموعا: " أنا مسلم بن عقيل كذبني القوم وغروني " فقالت المراة في دهشة واكبار: " أنت مسلم بن عقيل " " نعم " (2).


(1) تذهيب التهذيب 1 / 151 للذهبي. (2) تاريخ ابن الاثير 3 / 272. (*)

[ 388 ]

وانبرت السيدة بكل خضوع وتقدير فسمحت لضيفها الكبير بالدخول إلى منزلها، وقد حازت الشرف والمجد فقد آوت سليل هاشم، وسفير ريحانة رسول الله (ص) وأدخلته في بيت في دارها غير البيت الذي كانت تاوي إليه، وجاءته بالضياء والطعام، فابى أن ياكل، فقد مزق الاسى قلبه الشريف، وايقن بالرزء القاصم، وتمثلت أمامه الاحداث الرهيبة التي سيواجهها، وكان اكثر ما يفكر به كتابه للحسين بالقدوم إلى الكوفة. ولم يمض قليل من الوقت حتى جاء بلال ابن السيدة طوعة، فراي أمه تكثر الدخول والخروج الى ذلك البيت لتقوم برعاية ضيفها، فانكر عليها ذلك، واستراب منه، فسألها عنه، فانكرته فالح عليها فاخبرته بالامر بعد أن أخذت عليه العهود والمواثيق بكتمان الامر.. وطارت نفس الخبيث فرحا وسرورا، وقد أنفق ليله ساهرا يترقب بفارغ الصبر انبثاق نور الصبح ليخبر السلطة بمقام مسلم عندهم.. وقد تنكر هذا الخبيث للاخلاق العربية التي تلزم بقرى الضيف وحمايته، فقد كان هذا الخلق سائدا حتى في العصر الجاهلي.. وانا لنتخذ من هذه البادرة مقياسا عاما وشاملا لانهيار القيم الاخلاقية والانسانية في ذلك المجتمع الذي تنكر لجميع العادات والقيم العربية. وعلى أي حال فقد طوى مسلم ليلته حزينا، قد ساورته الهموم، وتوسد الارق، وكان فيما يقول المؤرخون قد قضى شطرا من الليل في عبادة الله ما بين الصلاة وقراءة القران، وقد خفق في بعض الليل فراى عمه امير المؤمنين (ع) فاخبره بسرعة اللحاق به فايقن عند ذلك بدنو الاجل المحتوم منه.

[ 389 ]

تأكد الطاغية من فشل الثورة: ولما انهزمت جيوش أهل الكوفة، وولت الادبار تصحب معها العار والخيانة، وقد خلا الجامع الاعظم منهم، فلم يطمئن الطاغية الجبان من ذلك، خوفا من أن يكون ذلك مكيدة وخديعة، فعهد الى اذنابه بالتأكد من انهزام جيش مسلم وأمرهم بان يشرفوا على ظلال المسجد لينتظروا هل كمن أحد من الثوار فيه ؟ واخذوا يدلون القناديل، ويشعلون النار في القصب، ويدلونها بالحبال فتصل الى صحن الجامع، وفعلوا ذلك بالظلة التي فيها المنبر، فلم يروا انسانا، فاخبروه بذلك، فاطمئن بفشل الثورة وايقن بالقضاء عليها (1). اعلان حالة الطوارئ: وأعلن الطاغية في الصباح الباكر حالة الطوارئ في جميع انحاء المصر وقد شدد على المدير العام لشرطته الحصين بن تميم بتفيذ ما يلي: أ - تفتيش جميع الدور والمنازل في الكوفة تفتيشا دقيقا للبحث عن مسلم. ب - الاحاطة بالطرق والسكك لئلا يهرب منها مسلم. ج - الاعتقالات الواسعة لجميع المؤيدين للثورة، وقد القت الشرطة القبض على هؤلاء: 1 - عبد الاعلى بن يزيد الكلبي. 2 - عمارة بن صلخب الازدي.


(1) تاريخ الطبري 6 / 209 - 210. (*)

[ 390 ]

3 - عبد الله بن نوفل بن الحارث 4 - مختار الثقفي 5 - الاصبغ بن نباتة 6 - الحارث الاعور الهمداني (1) راية الامان: واوعز الطاغية الى محمد بن الاشعث أن يرفع راية الامان، ويعلن الى الملاء ان من انضم إليها كان آمنا، ولعل اسباب ذلك ما يلي: 1 - التعرف على العناصر الموالية لمسلم لالقاء القبض عليها 2 - اعلان الانتصار والقضاء على الثورة 3 - شل حركة المقاومة، واظهار سيطرة الدولة على جميع الاوضاع في البلاد. ورفعت راية الامان فسارع الكوفيون الذيو كانوا مع مسلم الى الانضمام إليها لنفي التهمة واظهار اخلاصهم للحكم القائم آنذاك. اشتباه: ومن الغريب ما ذكره ابن قتيبة (2) والحر العاملي (3) من أن مسلما كان في بيت المختار ثم خرج لحرب ابن زياد، وبعد فشل ثورته التجا


(1) انساب الاشراف 5 / 314. (2) الامامة والسياسة 2 / 4. (3) الدر المسلوك 1 / 108. (*)

[ 391 ]

الى بيت هانئ، فاجاره هانئ، وقال له: ابن زياد يدخل داري فاضرب عنقه، فامتنع مسلم من الفتك به، وقام ابن زياد باعتقال هانئ ثم أرسل شرطه لالقاء القبض على مسلم فقاتلهم حتى ضعف عن المقاومة فوقع اسيرا بايديهم، وهذا الذي أفاداه لم يذهب إليه احد من المؤرخين فان تفصيل الحادثة حسب ما ذكرناه، وما عداه فهو من الاقوال الشاذة التي نشات من قلة التتبع. خطبة ابن زياد: ولما ايقن الطاغية بفشل ثورة مسلم، وتفلل قواته المسلحة أم بجمع الناس في الجامع، فتوافدت الجماهير وقد خيم عليها الذعر والخوف فجاء الطاغية، وهو يرعد ويبرق ويتهدد ويتوعد فصعد المنبر، فقال: " ايها الناس: ان مسلما بن عقيل انى هذه البلاد، وأظهر العناد، وشق العصا، وقد برئت الذمة من رجل اصبناه في داره.. ومن جاء به فله ديته، اتقو الله عباد الله، والزموا طاعتكم وبيعتكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا، ومن أتاني بمسلم بن عقيل فله عشر آلاف درهم، والمنزلة الرفيعة من يزيد بن معاوية، وله في كل يوم حاجة مقضية " (1). وحفل هذا الخطاب بالقسوة والصرامة وفيه هذه التقاط التالية: أ - الحكم بالاعدام على كل من آوى مسلما مهما كانت لذلك الشخص من مكانة اجتماعية في المصر. ب - إن دية مسلم تكون لمن جاء به ج - ان من ظفر بمسلم تمنحه السلطة عشرة آلاف درهم.


(1) الفتوح 4 / 90. (*)

[ 392 ]

د - ان من ياتي به يكون من القربين عند يزيد، وينال ئقته ه‍ - تكافئ السلطة من جاء به بقضاء حاجة له في كل يوم وتمنى اكثر اولئك الاوغاد الظفر بمسلم لينالوا المكافاة من ابن مرجانة والتقرب الى يزيد بن معاوية. الافشاء بمسلم: وطالت تلك الليلة على بلال ابن السيدة الكريمة طوعة التي آوت مسلما، فقد ظل يترقب بفارغ الصبر طلوع الصبح ليخبر السلطة بمقام مسلم عندهم، ولم يرقد تلك الليلة من الفرح والسرور، فقد تمت - فيما يحسب - بوارق آماله واحلامه، ولما طلع الصبح بادر الى القصر بحالة تلفت النظر إليها من الدهشة، فقصد عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث، وهو من الاسرة الخبيثة التي لا عهد لها بالشرف والمروءة فساره، واعلمه بمكان مسلم عنده، فأمره عبد الرحمن بالسكوت لئلا يسمع غيره فيبادر باخبار ابن زياد فينال الجائزة منه، واسرع عبد الرحمن الى أبيه محمد بن الاشعث، فاخبره بالامر، وفطن ابن زياد الى خطورة الامر فبادر يسال ابن الاشعث قائلا: - ما قال لك: عبد الرحمن ؟ - أصلح الله الامير البشارة العظمى ! ! - ما ذاك ؟ مثلك من بشر بخير. - ان ابني هذا يخبرني أن مسلما بن عقيل في دار طوعة. وسر ابن زياد: ولم يملك أهابه من الفرح، فانبرى يمني ابن الاشعث بالمال والجاه قائلا:

[ 393 ]

" قم فاتني به، ولك ما أردت من الجائزة والحظ الاوفى ". لقد تمكن ابن مرجانة من الظفر بسليل هاشم ليجعله قربانا الى امويته اللصيقة التي نحر في سبيلها هو وابوه جميع القيم الانسانية، واستباحا كل ما حرمه الله من اثم وفساد. الهجوم على مسلم: وندب الطاغية لحرب مسلم عمرو بن حريث المخزومي صاحب شرطته ومحمدا بن الاشعث (1) وضم إليهما ثلثمائة رجل من صناديد الكوفة وفرسانها، واقبلت تلك الوحوش الكاسرة لحرب القائد العظيم الذي أراد أن يحررها من الذل والعبودية، وينقذها من الظلم والجور.. ولما سمع وقع حوافر الخيل وزعقات الرجال علم أنه قد أتي إليه فبادر الى فرسه فاسرجه والجمه وصب عليه درعه، وتقلد سيفه، والتفت الى السيدة الكريمة طوعة فشكرها على ضيافتها، وأخبرها أنه انما أتي إليه من قبل ابنها الباغي اللئيم قائلا: " رحمك الله، وجزاك عني خيرا... اعلمي انما أتيت من قبل ابنك.. " (2). واقتحم الجيش عليه الدار فشد عليهم يضربهم بسيفه، ففروا منهزمين، ثم عادوا إليه فاخرجهم منها وانطلق نحوهم في السكة شاهرا سيفه لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب، فجعل يحصد رؤوسهم بسيفه وقد أبدى من البطولات النادرة ما لم يشاهد لها التاريخ نظيرا في جميع


(1) تذهيب التهذيب 1 / 151. (2) الفتوح 5 / 92 - 93. (*)

[ 394 ]

عمليات الحروب، وكان يقاتلهم وهو يرتجز: هو الموت فاصنع ويك ما أنت صانع * فانت بكاس الموت لا شك جارع فصبر لامر الله جل جلاله * فحكم قضاء الله في الخلق ذايع (1) وابدى سليل هاشم من الشجاعة وقوة الباس ما حير الالباب، وابهر العقول، فقد قتل منهم فيما يقول بعض المؤرخين واحدا وأربعين رجلا (2) ما عدا الجرحى، وكان من قوته النادرة أنه ياخذ الرجل بيده ويرمي به من فوق البيت (3) وليس في تاريخ الانسانية مثل هذا البطولة، ولا مثل هذه القوة وليس هذا غريبا عليه فعمه علي بن أبي طالب اشجع الناس واقواهم باسا، واشدهم عزيمة. واستعمل معه الجبناء من انذال اهل الكوفة الوانا قاسية وشاذة من الحرب فقد اعتلوا سطوح بيوتهم، وجعلوا يرمونه بالحجارة وقذائف النار (4) ولو كانت في ميدان فسيح لاتي عليهم ولكنها كانت في الازقة والشوارع. فشل الجيوش: وفشلت جيوش أهل الكوفة، وعجزت عن مقاومة البطل العظيم فقد اشاع فيهم القتل، والحق بهم خسائر فادحة وأسرع الخائن الجبان


(1) (2) مناقب ابن شهر اشوب 2 / 212. (3) المنذر النضيد (ص 164) نفس المهموم (ص 57) (4) المحاسن والمساوئ للبيهقي 1 / 43. (*)

[ 395 ]

محمد بن الاشعث يطلب من سيده ابن مرجانة أن يمده بالخيل والرجال فقد عجز عن مقاومة مسلم، ولامه الطاغية قائلا: " سبحان الله ! ! بعثناك إلى رجل واحد تأتينا به، فثلم في اصحابك هذه الثلمة العظيمة " (1). وثقل هذا التقريع على ابن الاشعث، فراح يشيد بابن عقيل قائلا: " اتظن أنك أرسلتني إلى بقال من بقالي الكوفة أو جرمقاني من جرامقة (2) الحيرة (3) وانما بعثتني الى أسد ضرغام وسيف حسام في كف بطل همام من آل خير الانام " (4). وأمده ابن زياد بقوى مكثفة من الجيش، فجعل البطل العظيم يقاتل وحده وهو يرتجز: أقسمت لا اقتل إلا حرا * وإن رايت الموت شيئا نكرا أو يخلط البارد سخنا مرا * رد شعاع الشمس فاستقرا كل امرئ يوما يلافي شرا * أخاف أن اكذب أو اغرا (5) لقد كنت يا بن عقيل سيد الاحرار، فقد رفعت لواء العزة والكرامة ورفعت شعار الحرية والاباء، واما خصومك الحقراء فهم العبيد الذين رضوا بالذل والهوان... وحلل الدكتور يوسف خليف هذا الرجز بقوله: " هو رجز - من الناحية النفسية - صادق كل الصدق، معبرا


(1) الفتوح 5 / 63. (2) الجرامقة: قوم من العجم صاروا الى الموصل. (3) مقتل الحسين للمقرم (ص 180). (4) الفتوح 5 / 93. (5) تاريخ الطبري. (*)

[ 396 ]

تعبيرا دقيقا عن الموجات النفسية التي كانت تندفع في نفس الشاعر، وهو في موقفه الضيق الحرج، فهو قبل كل شئ مصمم على أن يحتفظ بحريته ولو أدى هذا الى قتله، وهو يعلن في صراحة وصدق أن الموت شئ منكر ولا يقول هذا كما يقوله غيره ممن يغالطون أنفسهم أن الموت شئ محبب الى نفسه، وانما يعبر عن نفسيته تعبيرا صادقا، فالموت شئ لا يحبه، ولكنه لا يفر منه ما دام قد صمم على الاحتفاظ بحريته. ثم يحاول أن يهدئ من روعه، ويجعل هذه الموجة العالية الرهيبة تنحسر عن نفسه دون أن يجذبها في تيارات من الهلع والفزع، فيحدث عن نفسه بان الدنيا متقلبة، وكل امرئ فيها لا بد أن يلاقي ما يسوؤه، وهو يعرض هذا الحديث النفسي في صورة فنية رائعة. وأضاف يقول: انه حريص على الحياة، ولكنه حريص على الحرية بجعله مترددا لانه يخشى - بل يخاف - أن يكذب عليه اعداؤه أو يخدعوه فيقتلوه دون محاولة منه لتنفيذ عهده بان يموت في سبيل حريته، أو ياسروه فيفقد حريته التي يحرص عليها حرصه على الحياة. أرايت كيف استطاع أن يصور موقفه الضيق الحرج هذا التصوير الفتي الرائع الذي يشمل روعته من تعبيره عن نفسيته تعبيرا صادقا لا رياء فيه ولا تضليل ؟ ان هذا هو السر الذي يجعل هذه الشطور القليلة تؤثر في نفوسنا تأثيرا يجعلنا نشعر بما كان يعانيه قائلها من صراع داخلي هائل لا يعد له الا صراعه الخارجي مع أعدائه " (1).


(1) حياة الشعر في الكوفة (ص 371 - 372). (*)

[ 397 ]

أمان ابن الاشعث: ولما سمع محمد بن الاشعث رجز مسلم الذي أقسم فيه أن يموت ميتة الاحرار، وأن لا يخدع ولا يغر انبرى إليه قائلا: " انك لا تكذب ولا تخدع ان القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاريك " (1). فلم يعتن به مسلم، وانما مضى يقاتلهم أعنف القتال وأشده، ففروا منهزمين من بين يديه، واعتلوا فرق بيوتهم يرمونه بالحجارة، فانكر عليهم مسلم ذلك قائلا: " ويلكم ! ! ما لكم ترمونني بالحجارة، كما ترمى الكفار ! ! وأنا من أهل بيت الابرار، ويلكم أما ترعون حق رسول الله (ص) وذريته.. ". ولم يستطيعوا مقابلته وجبنوا عن مقابلته، وضاق بابن الاشعث أمره فصاح بالجيش: ذروه حتى أكلمه، ودنا منه، فخاطبه: " يا بن عقيل، لا تقتل نفسك، أنت آمن، ودمك في عنقي " ولم يحفل به مسلم فانه على علم بان الاشعث لم يمر في تاريخه ولا في تاريخ أسرته أي معنى من معاني الشرف والنبل والوفاء، فاندفع يقول له: " يا بن الاشعث، لا أعطي بيدي أبدا، وأنا أقدر على القتال، والله لا كان ذلك ابدا. ". وحمل مسلم على ابن الاشعث ففر الجبان يلهث كانه الكلب، وأخذ العطش القاسي من مسلم ماخذا عظيما فجعل يقول: " اللهم ان العطش قد بلغ مني ".


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 273. (*)

[ 398 ]

وتكاثرت الجنود عليه الا انها منيت بالذعر والجبن، وصاح بهم ابن الاشعث: " إن هذا هو العار والفشل ان تجزعوا من رجل واحد هذا الجزع احملوا عليه باجمعكم حملة واحدة " (1). وحملوا عليه حملة واحدة فضربه بكير بن حمران الاحمري ضربة منكرة على شفته العليا، وأسرع السيف الى السفى، وضربه مسلم ضربة أردته الى الارض. أسره: وبعد ما أثخن مسلم بالجراح، واعياه نزيف الدم، انهارت قواه، وضعف عن المقاومة فوقع أسيرا بايدي اولئك الاوغاد، فتسابقوا الى ابن زياد يحملون له البشرى باسرهم للقائد العظيم الذي جاء ليحررهم من الذل والعبودية، وقد طار الطاغية فرحا، فقد ظفر بخصمه، وتم له القضاء على الثورة... أما كيفية أسرة فقد اختلفت فيها أقوال المؤرخين، وهذه بعضها: 1 - ما ذكره ابن اعثم الكوفي أن مسلما وقف ليستريح مما ألم. به من الجروح، فطعنه من خلفه رجل من أهل الكوفة طعنة غادرة فسقط إلى الارض فاسرعوا الى أسره (2). 2 - ما ذكره الشيخ المفيد ان مسلما لما اثخن بالحجارة وعجز من القتال اسند ظهره الى جنب دار فقال له ابن الاشعث: لك الامان:


(1) الفتوح 5 / 94 - 95 (2) الفتوح 5 / 59. (*)

[ 399 ]

فقال مسلم: أأمن ؟ قال: نعم، فقال للقوم الذين معه: إلي الامان ؟ قالوا نعم: إلا عبيد الله بن العباس السلمي فانه قال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، وتنحى، فقال مسلم، أما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في أيديكم، وأتي ببغلة فحمل عليها فاجتمعوا حوله، وانتزعوا سيفه فكأنه عند ذلك أيتس، فقال: هذا أول الغدر (1). 3 - ما ذكره أبو مخنف انهم عملوا له حقيرة وستروها بالتراب، ثم انكشفوا بين يديه، فحمل عليهم فانكشفوا بين يديه، فلما انتهى إليها سقط فيها فازدحموا عليه وأسروه (2) وهذا القول لم يذهب إليه غير أبي مخنف. مع عبيد الله السملي: ولم يفكر مسلم في تلك الساعة الحرجة بما سيعانيه من القتل والتنكيل على يد الطاغية ابن مرجانة، وانما شغل فكره ما كتبه للامام الحسين بالقدوم الى هذا المصر، فقد أيقن أنه سيلا في نفس المصير الذي لاقاه، فدمعت عيناه، وظن عبيد الله بن العباس السلمي أنه يبكي لما صار إليه، من الاسر، فانكر عليه ذلك وقال له: " ان من يطلب مثل الذي تطلب، إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك.. ". فرد عليه مسلم ما توهمه فيه قائلا:


(1) الارشاد (ص 238) تاريخ ابن الاثير 3 / 273. (2) مقتل أبي مخنف مخطوط بمكتبة السيد محمود سعيد ثابت في كربلا، وذكر ذلك الطريحي في المنتخب (ص 299). (*)

[ 400 ]

" إني والله ما لنفسي بكيت، ولا لها من القتل ارثي، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلقها، ولكن أبكي لاهلي المقبلين.. أبكي لحسين.. " (1). وازدحمت الشوارع والازقة بالجماهير الحاشدة لتنظر ما يؤل إليه أمر القائد العظيم وما سبلاقيه من الامويين، ولم يستطع أحد منهم أن ينبس ببنة شفة حذرا من السلطة العاتية. مع الباهلي: وجيئ بمسلم أسيرا تحف به الشرطة وقد شهرت عليه السيوف، فلما انتهي به إلى قصر الامارة راى جرة فيها ماء بارد، وقد أخذ العطش منه ماخذا اليما، فالتفت إلى من حوله قائلا: " اسقوني من هذا الماء " فانبرى إليه اللئيم الدنس مسلم بن عمرو الباهلي فقال له: " أتراها ما أبردها ؟ والله لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنم. " ولا حد لظلم الانسان، ولا منتهى لو حشيته وجفائه، فما يضر اولئك الجفاة لو سقوه الماء، وهو أسير بين أيديهم لا يملك من أمره شيئا، وكان هذا السمت من التردي وسقوط الاخلاق قد عرف به جميع السفلة الساقطين من قتلة المصلحين.. فانبرى مسلم فاراد التعرف على هذا الانسان الممسوخ الذي تنكر لابسط القيم الانسانية قاثلا له: " من أنت ؟ "


(1) الارشاد (ص 238). (*)

[ 401 ]

فاجابه مفتخرا بانه من عملاء السلطة الاموية واذنابها قائلا: " أنا من عرف الحق إذ تركته، ونصح الامة، والامام إذ غششته وسمع وأطاع إذ عصيته.. أنا مسلم بن عمرو ". أي حق عرفه الباهلي ؟ وأي نصيحة أسداها للامة هذا الجلف الجافي ؟ الذي ارتطم في الباطل وماج في الضلال لقد كان منتهى ما يفخر به تماديه في خدمة ابن مرجانة الذي هو صفحة عار وخزى على الانسانية في جميع مراحل التاريخ ورد عليه مسلم بمنطقه الفياض قائلا: " لامك الثكل، ما أجفاك وأفظك واقسى قلبك واغلظك ؟ ! ! أنت يابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني ". واستحيا عمارة بن عقبة (1) من جفوة الباهلي وقسوته، فدعا بماء بارد، فصبه في قدح فاخذ مسلم كلما أراد أن يشرب يمتلئ القدح دما وفعل ذلك ثلاثا فقال وقد ذاب قلبه من الظما. " لو كان من الرزق المقسوم لشربته " (2). وهكذا شاءت المقادير أن يحرم من الماء ويموت ظامئا، كما حرم من الماء ابن عمه ريحانة الرسول (ص) وسيد شباب أهل الجنة. مع ابن زياد: وكان من أعظم ما رزئ به مسلم ان يدخل اسيرا علي الدعي ابن مرجانة، فقد ود أن الارض وارته، ولا يمثل أمامه وقد شاءت المقادير


(1) في الارشاد (ص 239) وبعث عمرو بن حريث غلاما له فجاء بقلة عليها منديل وقدح فصب فيه ماء، وقال له: اشرب (2) تاريخ ابن الاثير 3 / 273. (*)

[ 402 ]

ان يدخل عليه وقد دخل تحف به الشرطة، فلم يحفل البطل بابن زياد ولم يعن به فسلم على الناس ولم يسلم عليه، فانكر عليه الحرسي وهو من صعاليك الكوفة قائلا: " هلا تسلم على الامير ؟ " فصاح به مسلم محتقرا له ولاميره: " اسكت لا أم لك، مالك والكلام، والله ليس لي بامير فاسلم عليه " وكيف يكون ابن مرجانة أميرا على مسلم سيد الاحرار، واحد المستشهدين في سبيل الكرامة الانسانية، انما هو أمير على اولئك الممسوخين الذين لم يالفوا الا الخنوع والذل والعار. والتاع الطاغية من احتقار مسلم له، وتبدد جبروته، فصاح به: " لا عليك سلمت ام لم تسلم فانك مقتول " ولم يملك الطاغية سوى سفك الدم الحرام، وحسب أن ذلك يخيف مسلما أو يوجب انهياره وخضوعه له، فانبرى إليه بطل عدنان قائلا بكل ثقة واعتزاز بالنفس. " إن قتلتني فقد قتل من هو شر منك من كان خيرا مني ". ولذعه هذا الكلام الصارم، واطاح بغلوائه، فقد الحقه مسلم بالجلادين والسفاكين من قتلة الاحرار والمصلحين، واندفع الطاغية يصبح بمسلم: " يا شاق، يا عاق خرجت على امام زمانك، وشققت عصا المسلمين والقحت الفتنة.. ". أي امام خرج عليه مسلم وأي عصا للمسلمين شقها، وأي فتنة القحها ؟ انما خرج على قرين الفهود والقرود لقد خرج لينفذ الامة من محنتها ايام ذلك الحكم الاسود، وانبرى مسلم يرد عليه قائلا:

[ 403 ]

" والله ما كان معاوية خليفة باجماع الامة، بل تغلب على وصي النبي (ص) بالحيلة، وأخذ منه الخلافة بالغصب، وكذلك ابنه يزيد.. وأما الفتنة فانما القحتها أنت وابوك زياد من بني علاج. وأنا ارجو أن يرزقني الله الشهادة على يد شر بربته، فو الله ما خالفت ولا كفرت ولا بدلت، وانما أنا في طاعة أمير المؤمنين الحسين بن علي ونحن أولى بالخلافة من معاوية وابنه وآل زياد ". وكانت هذه الكلمات أشد على ابن مرجانة من الموت، فقد كشفت واقعه أمام شرطته وعملائه، وجردته من كل نزعة انسانية، وابرزته كاحقر مخلوق على وجه الارض، ولم يجد الدعي وسيلة يلجا إليها سوى الافتعالات الكاذبة التي هي بضاعته وبضاعة ابيه زياد من قبل، فاخذ يتهم مسلما بما هو برئ منه قاثلا: " يا فاسق ألم تكن تشرب الخمر في المدينة ؟ " فصاح به مسلم: " احق والله بشرب الخمر من يقتل النفس المحرمة، وهو يلهو ويلعب كانه لم يسمع شيئا ". واسترد الطاغية تفكيره فراى ان هذه الاكاذيب لا تجديه شيئا فراح يقول له: - منتك نفسك امرا حال الله بينك وبينه وجعله لاهله فقال مسلم باستهزاء وسخرية: - من اهله ؟ - يزيد بن معاوية - الحمد لله كفى بالله حاكما بيننا وبينكم - اتظن ان لك من الامر شيئا ؟

[ 404 ]

- لا والله ما هو الظن ولكنه اليقين - قتلني الله إن لم اقتلك. - انك لا تدع سوء القتلة، وقبح المثلة، وخبث السريرة، والله لو كان معي عشرة ممن أثق بهم، وقدرت على شربة ماء لطال عليك أن تراني في هذا القصر، ولكن ان كنت عزمت على قتلي فاقم لي رجلا من قريش أوصي له بما أريد (1) وسمح له الطاغية بان يوصي بما أهمه. وصية مسلم: ونظر مسلم في مجلس ابن زياد فراى عمر بن سعد فاحب أن يعهد إليه بوصيته فقال له: " لا أرى في المجلس قرشيا غيرك (2) ولي إليك حاجة وهي سر... " (3). واستشاط ابن زياد غضبا حيث نفاه مسلم من قريش، وابطل استلحاقه ببني أمية فقد أبطل ذلك النسب اللصيق الذي ثبت بشهادة ابي مريم الخمار ولم يستطع أن يقول ابن زياد شيئا. وامتنع ابن سعد من الاستجابة لمسلم أرضاه لعواطف سيده ابن مرجانة، وكسبا لمودته، وقد لمس ابن زياد خوره وخنوعه فاسرها في نفسه


(1) الفتوح 5 / 97 - 99. (2) جواهر المطالب في مناقب الامام علي بن أبي طالب (ص 134) (3) تاريخ ابن الاثير 3 / 274، الارشاد (ص 239). (*)

[ 405 ]

وراى انه خليق بان يرشحه لقيادة قواته المسلحة التي يزج بها لحرب ريحانة رسول الله (ص). وأمر ابن زياد عمر بن سعد بان يقوم مع مسلم ليعهد إليه بوصيته، وقام ابن سعد معه فاوصاه مسلم بما يلي: 1 - ان عليه دينا بالكوفة يبلغ سبعمائة درهم، فيبع سيفه ودرعه ليوفيها عنه (1) وقد دل ذلك على شدة احتياطه وتحرجه في دينه، كما اوصى أن يعطى لطوعة ما يفضل من وفاء دينه. 2 - أن يستوهب جئته من ابن زياد فيواربها (2) وذلك لعلمه بخبث الامويين، وانهم لا يتركون المثلة. 3 - ان يكتب للحسين بخبره (3) فقد شغله أمره لانه كتب إليه بالقدوم إلى الكوفة وأقبل ابن سعد يلهث على ابن زياد فقال له: " أتدري أيها الامير ما قال لي ؟ انه قال كذا وكذا " (4). وانكر عليه ابن زياد ابداءه السر فقال: " لا يخونك الامين، ولكن قد يؤتمن الخائن، أما ما له فهو لك تصنع به ما شئت، وأما الحسين فان لم يردنا لم نرده، وإن أرادنا لم تكف عنه، وأما جثته فانا لن نشفعك فيها " (5).


(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 274، وفي الطبري 6 / 212 ان علي ستمائة درهم، وفي الاخبار الطوال (ص 241) ان علي الف درهم. (2) تاريخ الطبري 6 / 212. (3) الارشاد (ص 239). (4) تاريخ ابن الاثير 3 / 274. (5) وفي الارشاد (ص 239) امام جثته فانا لا نبالي إذا قتلناه ما صنع بها. (*)

[ 406 ]

لقد ترك الطاغية شفاعة ابن سعد في جئة مسلم فقد عزم على التمثيل بها للتشفي منه، وليتخذ من ذلك وسيلة لارهاب الناس وخوفهم. الطاغية مع مسلم: وصاح ابن مرجانة بمسلم فقال له: " بماذا اتيت إلى هذا البلد ؟ شتت أمرهم، وفرقت كلمتهم، ورميت بعضهم على بعض، وانطلق فخر هاشم قائلا بكل ثقة واعتزاز بالنفس: " لست لذلك أتيت هذا البلد، ولكنكم اظهرتم المنكر، ودفنتم المعروف، وتامرتم على الناس من غير رضى، وحملتموهم على غير ما أمركم الله به، وعملتم فيهم باعمال كسرى وقيصر، فاتيناهم لنامر بالعروف، وننهى عن المنكر، ندعوهم الى حكم الكتاب والسنة، وكنا اهلا لذلك فانه لم تزل الخلافة لنا منذ قتل امير المؤمنين علي بن أبي طالب، ولا تزال الخلافة لنا فانا قهرنا عليها.. انكم اول من خرج على امام هدى، وشق عصا المسلمين، واخذ هذا الامر غصبا، ونازع أهله بالظلم والعدوان.. " (1). وأدلى مسلم بهذا الحديث عن أسباب الثورة التي اعلنها الامام الحسين على الحكم الاموى، وقد التاع الطاغية من كلام مسلم، وتبددت نشوة ظفره، فلم يجد مسلكا ينفذ منه لاطفاء غضبه سوى السب للعترة الطاهرة فاخذ يسب عليا والحسن والحسين، وثار مسلم في وجهه فقال له: " أنت وأبوك أحق بالشتم منهم، فاقض ما انت قاض، فنحن


(1) الفتوح 5 / 101. (*)

[ 407 ]

أهل البيت موكل بنا البلاء " (1). لقد ظل مسلم حتى الرمق الاخير من حياته عالي الهمة، وجابه الاخطار بباس شديد، فكان في دفاعه ومنطقه مع ابن مرجانة مثالا للبطولات النادرة. الى الرفيق الاعلى: وآن للقائد العظيم أن يقتل عن هذه الحياة بعد ما أدى رسالته بامانة واخلاص، وقد رزق الشهادة على يد الممسوخ القذر ابن مرجانة فندب لقتله بكيرا بن حمران الذي ضربه مسلم، فقال له: " خذ مسلما، واصعد به إلى أعلى القصر، واضرب عنقه بيدك ليكون ذلك أشفى لصدرك ". والتفت مسلم إلى ابن الاشعث الذي أعطاه الامان فقال له: " يابن الاشعث أما والله لولا انك آمنتني ما استسلمت، قم بسيفك دوني فقد اخفرت ذمتك " فلم يحفل به ابن الاشعث (2). واستقبل مسلم الموت بثغر باسم، فصعد به إلى اعلى القصر وهو يسبح الله ويستغفره بكل طمأنينة ورضا وهو يقول: " اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا، وخذلونا " (3). وأشرف به الجلاد على موضع الحذائيين فضرب عنقه، ورمى براسه


(1) الفتوح 5 / 102 وفي تاريخ ابن الاثير، والارشاد ان مسلما لم يكلم ابن زياد بعد شتمه له. (2) الطبري 6 / 213. (3) الفتوح 5 / 103. (*)

[ 408 ]

وجسده إلى الارض (1) وهكذا انتهت حياة هذا البطل العظيم الذي يحمل نزعات عمه أمير المؤمنين (ع) ومثل ابن عمه الحسين وقد استشهد دفاعا عن الحق ودفاعا عن حقوق المظلومين والمضطهدين. ونزل القاتل الاتيم فاستقبله ابن زياد فقال له: " ما كان يقول: وأنتم تصعدون به ؟ " " كان يسبح الله، ويستغفره، فلما أردت قتله قلت له: الحمد لله الذي أمكنني منك واقادني منك فضربته ضربة لم تغن شيئا فقال لي: أما ترى في خدشا تخدشنيه، وفاء من دمك ايها العبد ". فبهر ابن زياد وراح يبدي اعجابه واكباره له قائلا. " أو فخرا عند الموت ! ! " (2) وقد انطوت بقتل مسلم صفحة مشرقة من اروع صفحات العقيدة والجهاد في الاسلام، فقد استشهد في سبيل العدالة الاجتماعية، ومن اجل انقاذ الامة وتحريرها من الظلم والجور، وهو اول شهيد من الاسرة النبوية يقتل علنا امام المسلمين، ولم يقوموا بحمايته والذب عنه. سلبه: وانبرى سليل الخيانة محمد بن الاشعث (3) الى سلب مسلم، فسلب


(1) مروج الذهب 3 / 9. (2) تاريخ ابن الاثير 3 / 274. (3) الاشعث بن قيس: انما سمي بالاشعث لشعوثة راسه، واسمه سعد بن كرب هلك بعد مقتل الامام امير المؤمنين (ع) باربعين ليلة وكان عمره 63 سنة، جاء ذلك في تاريخ الصحابة (ص 5) أما محمد بن الاشعث فامه ام فروة اخت ابى بكر لابيه جاء ذلك في الرياض المستطاب (ص 8) (*)

[ 409 ]

سيفه ودرعه، وهو غير حافل بالعار والخزي، وقد تعرض للنقد اللاذع من جميع الاوساط في الكوفة، ويقول بعض الشعراء في هجائه: وتركت ابن عمك ان تقاتل دونه * فشلا ولولا أنت كان منيعا وقتلت وافد آل بيت محمد * وسلبت اسيافا له ودروعا (1) وعمد بعض اجلاف اهل الكوفة فسلبوا رداء مسلم وثيابه. تنفيذ الاعدام في هانئ: وأمر الطاغية باعدام الزعيم الكبير هانئ بن عروة، والحاقه بمسلم مبالغة في اذلال زعماء الكوفة واذاعة للذعر والخوف بين الناس، وقام محمد بن الاشعث فتشفع فيه خوفا من بطش اسرته قائلا: " اصلح الله الامير إنك قد عرفت شرفه في عشيرته (2) وقد عرف قومه أني واسماء بن خارجة جئنا به إليك، فانشدك الله أيها الامير لما وهبته لي، فاني أخاف عداوة أهل بيته، وانهم سادات أهل الكوفة واكثرهم عددا.. ". فلم يحفل بن ابن زياد، وانما زبره وصاح به فسكت العبد، واخرج البطل الى السوق في موضع تباع فيه الاغنام مبالغة في اذلاله، ولما علم أنه ملاق حتفه جعل يستنجد باسرته، وقد رفع عقيرته. " وامذحجاه ولا مذحج لي اليوم.. واعشيرتاه " (3).


(1) مروج الذهب 3 / 8. (2) وفي رواية (عرفت شرفه في مصره). (3) انساب الاشراف ق 1 ج 1 ص 155. (*)

[ 410 ]

ولو كانت عند مذحج صبابة من الشرف والنبل لانبرت الى انقاذ زعيمها، ولكنها كانت كغيرها من قبائل الكوفة، قد طلقت المعروف ثلاثا.. وعمد هانئ الى اخراج يده من الكتاف، وهو يطلب السلاح ليدافع به عن نفسه، فلما بصروا به بادروا إليه فاوثقوه كتافا وقالوا له: " امدد عنقك. " فأجاب برباطة جاش ورسوخ يقين: " لا والله ما كنت بالذي أعينكم على نفسي " وانبرى إليه وغد من شرطة ابن زياد يقال له: رشيد التركي (1) فصربه بالسيف فلم يصنع به شيئا، ورفع هانئ صوته قائلا: " اللهم الى رحمتك ورضوانك. اللهم اجعل هذا اليوم كفارة لذنوبي، فاني، انما تعصبت لابن بنت محمد.. ". وضربه الباغي ضرب أخرى فهوى إلى الارض يتخبط بدمه الزاكي ولم يلبث قليلا حتى فارق الحياة (2) وكان عمره يوم استشهد تسعا وتسعين سنة (3) وقد مضى شيهدا دون مبادئه وعقيدته وجزع لقتله الاحرار والمصلحون، وقد رثاه أبو الاسود الدئلي بقوله:


(1) وقد ثار لدم هانئ عبد الرحمن بن حصين فقتل رشيدا وفي ذلك يقول: إني قتلت راشدا التركيا * وليته أبيض مشرفيا أرضى بذلك النبيا جاء ذلك في انساب الاشراف ج 1 ق 1 ص 155. (2) الدر النظيم (ص 160) من مصورات مكتبة الامام امير المؤمنين أنساب الاشراف ق 1 ج 1. (3) مراة الزمان (ص 85). (*)

[ 411 ]

أقول: وذاك من جزع ووجد * أزال الله ملك بني زياد هم جدعوا الانوف وكن شما * بقتلهم الكريم أخا مراد (1) ورثاء الاخطل بن زياد بقوله: ولم يك عن يوم ابن عروة غائبا * كما لم يغب عن ليلة ابن عقيل اخو الحرب صراها فليس بنا كل * جبار ولا وجب الفؤاد ثقيل السحل في الشوارع: وعهد الطاغية الى زبانيته وعملائه بسحل جثة مسلم وهانئ في الشوارع والاسواع، فعمدوا إلى شد أرجلهما بالجبال، واخذوا يسحلونهما في الطرق (2) وذلك لاخافة العامة وشيوع الارهاب، وليكونا عبرة لكل من تحدثه نفسه بالخروج على الحكم الاموي. لقد سحب هانئ أمام اسرته وقومه، ولو كان عندهم ذرة من الشرف والحمية لا نبروا إلى تخليص جثة زعيمهم من أيدي الغوغاء الذين بالغوا في اهانتها. صلب الجثتين: ولما قضى الطاغية اربه في سحل جثة مسلم وهانئ أمر بصلبهما،


(1) انساب الاشراف ق 1 ج 1 / 155 ديوان أبي الاسود. (2) انساب الاشراف ق 1 ج 1 / 155، الدر النظيم (ص 160) مقتل الخوارزمي 1 / 215. (*)

[ 412 ]

فصلبا منكوسين (1) في الكناسة (2) فكان مسلم - فيما يقول المؤرخون - أول قتيل صلبت جثته من بني هاشم (3) وقد استعظم المسلمون كاشد ما يكون الاستعظام هذا الحادث الخطير، فان هذا التمثيل الفظيع انما هو جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الارض فسادا، ومسلم وهانئ انما هما من رواد الحق ودعاة الاصلاح في الارض. وعلى أي حال فقد اخضع الطاغية بعد قتله لمسلم وهانئ - العراق الثائر، وارتمت جميع اوساطه تحت قدميه بدون أية مقاومة. الرؤوس الى دمشق: وعمد ابن مرجانة الى ارسال راس مسلم وهانئ وعمارة بن صلخب الازدي (4) هدية الى سيده يزيد لينال الجائزة، ويحرز اخلاص الاسرة المالكة له، وقد أرسل معها هذه الرسالة: " أما بعد: فالحمد لله الذي أخذ لامير المؤمنين بحقه، وكفاه مؤونة عدوه. اخبر امير المؤمنين اكرمه الله ان مسلم بن عقيل لجا إلى دار هانئ بن عروة المرادي، واني جعلت عليهما العيون، ودسست إليهما الرجال، وكدتهما حتى استخرجتهما، وامكن الله منهما فضربت أعناقهما، وبعثت إليك براسيهما مع هانئ بن أبي حية الوداعي الهمداني، والزبير ابن الارواح التميمي، وهما من أهل السمع والطاعة، فليسالهما امير المؤمنين


(1) مناقب ابن شهر اشوب 2 / 94. (2) المناقب والمثالب (ص 172) (3) مروج الذهب 3 / 7. (4) انساب الاشراف ق 1 ج 1 / 155. (*)

[ 413 ]

عما أحب فان عندهما علما وصدقا وفهما وورعا والسلام " (1). واحتوت هذه الرسالة على العلميات التي قام بها الطاغية للقضاء على الثورة، والتي كان من أهمها: 1 - استعانته بالعيون والجواسيس في معرفة شؤون الثورة، والوقوف على اسرارها، وقد قام بهذه العملية معقل مولاه. 2 - انه دس لهانئ العضو البارز في الثورة الرجال حتى صار تحت قبضته، واعتقله، وكذلك كاد لمسلم حينما ثار عليه، فقد أرسل عيون أهل الكوفة ووجوهها مع العرفاء فاخذوا يذيعون الذعر وينشرون الارهاب حتى انهزم جيشه. جواب يزيد: ولما انتهب الرؤوس الى دمشق سر يزيد بذلك سرورا بالغا، وكتب لابن مرجانة جوابا عن رسالته شكره فيها، وهذا نصه: " أما بعد: فانك لم تعد إذ كنت كما أحب، عملت عمل الحازم وصلت صولة الشجاع الرابض، فقد كفيت، وصدقت ظني. ورايي فيك وقد دعوت رسوليك فسألتهما عن الذين ذكرت، فقد وجدتهما في رأيهما وعقلهما وفهمهما وفضلهما، ومذهبهما كما ذكرت، وقد أمرت لكل واحد منهما بعشرة آلاف درهم، وسرحتهما اليك فاستوص بهما خيرا. وقد بلغني ان الحسين بن علي قد عزم على المسير الى العراق، فضع المراصد والمناظر، واحترس، واحبس على الظن. واكتب إلي في كل


(1) الطبري 6 / 214. (*)

[ 414 ]

يوم بما تجدد لك من خير أو شر والسلام " (1). وحفلت هذه الرسالة بالتقدير البالغ لابن زياد، واضفت عليه صفة الحازم اليقظ، وانه قد حقق ظن يزيد فيه أنه أهل للقيام بمثل هذه الاعمال الخطيرة.. وقد عرفه يزيد بعزم الامام الحسين على التوجه إلى العراق، وأوصاه باتخاذ التدابير التالية: 1 - وضع المراصد والحرس على جميع الطرق والمواصلات. (2) التحرس في أعماله، وأن يكون حذرا يقظا. 3 - اخذ الناس بسياسة البطش والارهاب.


(1) الفتوح 5 / 109، انساب الاشراف ق 1 ج 1، ولم يعرض المؤرخون إلى شؤون هذه الرؤوس الكريمة فهل دفنت في دمشق أوفي مكان آخر فقد أهملوا ذلك إلا أنه جاء في مراة الزمان (ص 59) فيما يخص راس هانئ ما نصه: انه في هذه السنة: أي سنة 302 ه‍) ورد الخبر إلى بغداد انه وجد بخراسان بالقصر ازجا فيه الف راس في برج في اذن كل واحد خيط من ابريسم فيه رقعة فيها اسم صاحبه، وكان من جملتها راس هانئ بن عروة، وحاتم بن حنة، وطلق بن معاذ وغيرهم، وتاريخهم - أي تاريخ وضعهم في ذلك الازج - سنة سبعين من الهجرة، ونقل الزركلي في هامش اعلامه 9 / 51 عن صلة تاريخ الطبري ص 62 من حوادث سنة 304 ه‍ انه ورد الى بغداد كتاب من خراسان يذكر فيه انه وجد بالقندهار في ابراج سورها برج متصل بها فيه خمسة آلاف راس في سلال من حشيش، ومن هذه الرؤوس تسعة وعشرون راسا في اذن كل راس منها رقعة مشدودة بخيط ابريسم باسم رج منهم، وعد منهم هانئ ابن عروة، وقال: انهم قد وجدوا على حالهم الا انه قد جفت جلودهم والشعر عليها بحالته لم يتغير. (*)

[ 415 ]

4 - أن يكون على اتصال دائم مع يزيد، ويكتب له بجميع ما يحدث في القطر وطبق ابن مرجانة جميع ما عهده إليه سيده ونفذ ما يلي: اعلان الاحكام العرفية: وبعدما اطاح الطاغية بثورة مسلم قبض على العراق بيد من حديد، واعلن الاحكام العرفية في جميع انحاء العراق، واعتمد في تنفيذ خططه على القسوة البالغة فاشاع من الظلم والجور ما لا يوصف.. فكان اسمه موجبا لاثارة الفزع والخوف في نفوس العراقيين كما كان اسم أبيه زياد من قبل. لقد فوضت إليه حكومة دمشق السلطات الواسعة، وأمرته باخذ الناس بالظنة، واعدام كل من يحقد على الحكم الاموى، أوله ضلع بالاشتراك في أية مؤامرة تحاك ضده. وبهذه الاساليب الرهيبة ساق الناس لحرب الحسين، فقد كان يحكم بالموت على كل من يتخلف أو يرتدع عن الخوض في المعركة (1). احتلال الحدود العراقية: واحتل ابن زياد جميع الحدود العراقية احتلالا عسكريا، ومنع الناس من الدخول للعراق والخروج منه إلا باذن وتاشير خاص من شرطة الحدود وكانوا إذا أخذوا رجلا اجروا معه التحقيق الكامل فان علموا براءته اطلقوا سراحه، والا بعثوه مخفورا الى السلطة المركزية في الكوفة لتجري معه المزيد من التحقيق، وقد احتاط في هذه الجهة أشد الاحتياط مخافة أن يلج أحد إلى العراق أو يخرج منه من شيعة الامام الحسين، ويقول المؤرخون


(1) الدولة الاموية في الشام (ص 56). (*)

[ 416 ]

إنه جعل على جميع المفارق، ورؤوس المنازل عيونا من عسكره، كما عين في البر نقاطا ومسالح ترصد جميع الحركات وقد بعث الحصين بن نمير رئيس شرطته الى القادسية، ومنها الى خفان، ثم الى القطقطانية وجبل لعلع ورتب في كل مكان جماعة من الفرسان والخيالة لتفتيش الداخل والخارج، وقد حفظت هذه الاجراءات تلك المناطق من الاشتراك باي عمل ضد الدولة، كما حفظت خطوط المواصلات بين الكوفة والشام، وقد القت الشرطة القبض على مسهر الصيداوي رسول الامام الحسين الى الكوفة، وبعثته مخفورا الى ابن زياد، وسنذكر حديثه في البحوث الانية: الاعتقالات الواسعة: وقام ابن زياد بحملة اعتقالات واسعة النطاق في صفوف الشيعة فاعتقل منهم فيما يقول بعض المؤرخين اثني عشر الفا (1) وكان من بين المعتقلين سليمان بن صرد الخزاعي، والمختار بن يوسف الثقفي واربعمائة من الاعيان والرجوه (2). وقد اثارث هذه الاجراءات عاصفة من الفزع والهلع لا في الكوفة فحسب، وانما في جميع انحاء العراق وقد ابتعد الكوفيون عن التدخل في أية مشكلة سياسية، ولم تبد منهم أية حركة من حركات المعارضة وايقنوا أن لا قدرة لهم على الاطاحة بالعرش الاموي، وظلوا قابعين تحت وطاة سياطة القاسية.


(1) المختار مراة العصر الاموي (ص 74 - 75). (2) الدر المسلوك في احوال الانبياء والاوصياء 1 / 109. (*)

[ 417 ]

إخفاق الثورة

[ 419 ]

ويتساءل الكثيرون عن الاسباب التي أدت الى اخفاق مسلم في ثورته مع ما كان يتمتع به من القوى العسكرية في حين أن خصمه لم تكن عنده أية قوة يستطيع أن يدافع بها عن نفسه فضلا عن الهجوم والدخول في عمليات القتال، ويعزو بعضهم السبب في ذلك إلى قلة خبرة مسلم في الشؤون السياسية، وعجزه من السيطرة على الموقف، فترك المجال مفتوحا لعدوه حتى تغلب عليه... وهذا الراي - فيما يبدو - سطحي ليست له أية صبغة من التحقيق، وذلك لعدم ابتنائه على دراسة الاحداث بعمق وشمول ومن أهمها - فيما نحسب دراسة المجتمع الكوفي، وما مني به من التناقض في سلوكه الفردي والاجتماعي، والوقوف على المخططات السياسية التي اعتمد عليها ابن زياد للتغلب على الاحداث، والنظر في الصلاحيات المعطاة لمسلم بن عقيل من قبل الامام فان الاحاطة بهذه الامور توضح لنا الاسباب في اخفاق الثورة وفيما يلي ذلك. المجتمع الكوفي: ولا بد لنا أن نتحدث بمزيد من التحقيق عن طبيعة م المجتمع الكوفي فانه المراة الذي تنعكس عليه الاحداث الهائلة التي لعبت دورها الخطير في تاريخ الاسلام السياسي، وان نتبين العناصر التي سكنت الكوفة، وتنظر إلى طبيعة الصلات الاجتماعية فيما بينهما، والحياة الاقتصادية التي كانت تعيش فيها، فان البحث عن ذلك يلقي الاضواء على فشل الثورة، كما يلقي الاضواء على التذبذب والانحرافات الفكرية التي مني بها هذا المجتمع والتي كان من نتائجها ارتكابه لابشع جريمة في تاريخ الانسانية، وهي اقدامه على قتل ريحانة رسول الله (ص) والى القراء ذلك:

[ 420 ]

الظواهر الاجتماعية: أما الظواهر الاجتماعية التي تفرد بها المجتمع الكوفي دون بقية الشعوب فهي: التناقض في السلوك: والظاهرة الغريبة في المجتمع الكوفي أنه كان في تناقض صريح مع حياته الواقعية، فهو يقول شيئا ويفعل ضده، ويؤمن بشئ ويفعل ما ينافيه والحال انه يجب أن تتطابق أعمال الانسان مع ما يؤمن به، وقد أدلى الفرزدق بهذا التناقض حينما ساله الامام عن أهل الكوفة فقال له: " خلفت قلوب الناس معك، وسيوفهم مشورة عليك ". وكان الواجب يقضي أن تذب سيوفهم عما يؤمنون به، وان يناضلوا عما يعتقدون به، ولا توجد مثل هذه الظاهرة في تاريخ أي شعب من الشعوب. ومن غرائب هذا التناقض ان المجتمع الكوفي قد تدخل تدخلا ايجابيا في المجالات السياسية وهام في تياراتها، فكان يهتف بسقوط الدولة الاموية، وقد كانبوا الامام الحسين لينقذهم من جور الامويين وبطشهم، وبعثوا الوفود إليه مع آلاف الرسائل التي تحثه على القدوم لمصرهم، ولما بعث إليهم سفيره مسلم بن عقيل قابلوه بحماس بالغ، وأظهروا له الدعم الكامل، حتى كاتب الامام الحسين بالقدوم إليهم، ولكن لما دهمهم ابن مرجانة ونشر الرعب والفزع في بلادهم تخلوا عن مسلم، واقفلوا عليهم بيوتهم وراحوا يقولون:

[ 421 ]

" ما لنا والدخول بين السلاطين ". ان حياتهم العملية لم تكن صدى لعقيدتهم التي آمنوا بها، فقد كانوا يمنون قادتهم بالوقوف معهم ثم يتخلون عنهم في اللحظات الحاسمة. ومن مظاهر ذلك التناقض انهم بعدما ارغموا الامام الحسن (ع) على الصلح مع معاوية، وغادر مصرهم جعلوا ينوحون ويبكون على ما فرطوه تجاهه، ولما قتلوا الامام الحسين (ع) ودخلت سبايا أهل البيت (ع) مدينتهم أخذوا يعجون بالنياحة والبكاء فاستغرب الامام زين العابدين (ع) ذلك منهم وراح يقول: " إن هؤلاء يبكون وينوحون من أجلنا، فمن قتلنا ؟ ! ! ". ان فقدان التوازن في حياة ذلك المجتمع جر لهم الويلات والخطوب والقاهم في شر عظيم. الغدر والتذبذب: والظاهرة الاخرى في المجتمع الكوفي الغدر، فقد كان من خصائصهم التي اشتهروا بها، وقد ضرب بهم المثل فقيل: " اغدر من كوفي " (1) كما ضرب المثل بعدم وفائهم فقيل: " الكوفي لا يوفي " (2). وقد وصفهم امير المؤمنين (ع) بقوله: " اسود رواغة وثعالب رواغة ". وقال فيهم: " إنهم أناس مجتمعة ابدانهم، مختلفة اهواؤهم وان من فاز بهم فاز بالسهم الاخيب وانه أصبح لا يطمع في نصرتهم


(1) الفرق بين الفرق (ص 26) لعبد القاهر البغدادي. (2) أثار البلاد (ص 167) لزكريا القزويني. (*)

[ 422 ]

ولا يصدق قولهم (1). لقد كان الجانب العملي في حياتهم هو النقلب والتردد والتخاذل، وقد غروا زيد بن علي الثائر العظيم فقالوا له: ان معك مائة الف رجل من أهل الكوفة يضربون دونك بأسيافهم (2) وقد أحصى ديوانه منهم خمسة عشر الفا كانوا قد بايعوه على النصرة (3) ثم لما اعلن الثورة هبط عددهم الى مائتي وثمانية عشر رجلا (4) وقد نصح داود بن علي زيدا بان لا ينخدع باهل الكوفة فقال له: " يابن عم إن هؤلاء يغرونك من نفسك، اليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك جدك على بن أبي طالب حتى قتل، والحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه من عنقه، وانتهبوا فسطاطه وجرحوه ؟ أو ليس قد أخرجوا جدك الحسين وحلفوا له باوكد الايمان ثم خذلوه واسلموه ثم لم يرضوا بذلك حتى قتلوه " (5). وكانوا ينكثون البيعة بعد البيعة، وقد ألمع الى هذه الظاهرة أعشى همدان الذي كان شاعر ثورة محمد بن الاشعث الذي ثار على الحجاج يقول داعيا على اهل الكوفة: أبى الله إلا أن يتمم نوره * ويطفئ نور الفاسقين فيخمدا وينزل ذلا بالعراق وأهله * لما نقضوا العهد الوثيق المؤكدا وما أحدثوا من بدعة وعظيمة * من القول لم تصعد الى الله مصعدا


(1) الامامة والسياسة 1 / 238. (2) تاريخ الطبري 2 / 3 / 1677. (3) الطبري 2 / 3 / 1685. (4) (5) الطبري 2 / 3 / 1679. (*)

[ 423 ]

وما نكثوا من بيعة بعد بيعة * إذا ضمنوها اليوم خاسوا بها غدا (1) وقد عرفوا بهذا السمت عند جميع الباحثين، ويرى " فلهوزن " انهم مترددون متقلبون وانهم لم يالفوا النظام والطاعة، وان الاخلاص السياسي والعسكري لم يكن معروفا لهم على الاطلاق، واكد ذلك الباحث " وزتر شنين " يقول: إن من صفاتهم المميزة البارزة الهوائية والتقلب ونقص الثقة بانفسهم (2). ولم يكن هذا التذبذب في حياتهم مقتصرا على العامة، وانما كان شائعا حتى عند رجال الفكر والادب فسراقة الشاعر المعروف وقف في وجه المختار، واشترك في قتاله يوم جبانة السبيع فلما انتصر المختار وقع سراقة أسيرا بين يدي أصحابه فزج به في السجن فاخذ سراقة يستعطفه وينظم القصيد في مدحه، ويذكر مبادئ ثورته ويبالغ في تمجيده فكان مما قاله فيه: نصرت على عدوك كل يوم * بكل كتيبة تنعى حسينا كنصر محمد في يوم بدر * ويوم الشعب إذ لاقى حنينا فاسجح (3) إذ ملكت فلو ملكنا * لجرنا في الحكومة واعتدينا تقبل توبة مني فاني * ساشكر إن جعلت النقد دينا ولما عفا عنه المختار خرج من الكوفة فلم يبعد عنها قليلا حتى أخذ يهجو المختار ويحرض عليه، وقد قال في هجائه: الا بلغ أبا اسحاق أني * رايت البلق دهما مصمتات


(1) تاريخ الطبري 2 / 1113. (2) السيادة العربية (ص 74). السجع: حسن العفو. (*)

[ 424 ]

كفرت بوحيكم وجعلت نذرا * علي قتالكم حتى الممات ارى عيني ما لم تبصراه * كلانا عالم بالترهات إذا قالوا: اقول لهم كذبتم * وان خرجوا لبست لهم اداتي (1) لقد مضى يصب ثورته وسخريته على المختار وأصحابه في نفس الوزن الذي نظم فيه قصيدته السابقة، ومن الطبيعي ان هذا التناقض في حياتهم كان ناجما من الاضطراب النفسي، وعدم التوازن في السلوك: ومن غرائب ذلك التناقض أن بعضهم كان يحتاط في أبسط الامور ولا يتحرج من اقتراف أعظم الموبقات، فقد جاء رجل من أهل الكوفة إلى عبد الله بن عمر يستفتيه في دم البعوض يكون على الثوب اطاهر أم نجس ؟ فقال له ابن عمر: - من أين أنت ؟ - من أهل العراق. فبهر ابن عمر وراح يقول: انظروا الى هذا يسالني عن دم البعوض ! ! وقد قتلوا ابن بنت رسول الله (ص) وقد سمعته يقول فيه وفي أخيه: هما ريحانتاي من الدنيا (2). ويعزو بعضهم السبب في هذا الاضطراب إلى الظروف السياسية القاسية التي مرت عليهم، فان الحكم الاموي كان قد عاملهم بمنتهى القسوة والشدة فرماهم باقسى الولاة وأشدهم عنفا امثال المغيرة بن شعبة وزياد بن سمية مما جعل الحياة السياسية ضيقة ومتحرجة مما نجم عنه هذا التناقض في السلوك.


(1) أنساب الاشراف 5 / 234، الاخبار الطوال (ص 264). (2) الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 94) من مصورات مكتبة الامام أمير المؤمنين. (*)

[ 425 ]

التمرد على الولاة: والطابع الخاص الذي عرف به المجتمع الكوفي التمرد على الولاة والتبرهم منهم، فلا يكاد يتولى عليه وال وحاكم حتى أعلنوا الطعن عليه فقد طعنوا في سعد بن أبي وقاص مؤسس مدينتهم واتهموه بانه لا يحسن الصلاة (1) فعزله عمرو ولى مكانه الصحابي الجليل عمار بن ياسر، ولم يلبثوا أن شكوه إلى عمر فعزله، وولى مكانه أبا موسى الاشعري، ولم تمض أيام من ولايته حتى طعنوا فيه، وقالوا: لا حاجة لنا في أبي موسى (2) وضاق عمر بهم ذرعا وبدا عليه الضجر فسأله المغيرة عن شانه فقاله له: " ما فعلت هذا يا أمير المؤمنين إلا من عظيم، فهل نابك من نائب ؟ ". فانبرى عمر يشكو إليه الالم الذي داخله من أهل الكوفة قائلا: " وأي نائب أعظم من مائة الف لا يرضون عن أمير، ولا يرضى عنهم أمير. " (3). وتحدث عمر عنهم فقال: " من عذبري من أهل الكوفة إن استعملت عليهم القوي فجروه، وان وليت عليهم الضعيف حقروه. " (4). لقد جبلوا على التمرد فهم لا يطيقون الهدوء والاستقرار، ويرى ديمومبين أن هذه الظاهرة اعتادها الكوفيون من أيام الفرس الذين دابوا


(1) فتوح البلدان (ص 287) (2) الطبري، وجاء فيه انهم اتهموه بانه يتاجر في اقواتهم. (3) فتوح البلدان (ص 279). (4) مختصر كتاب البلدان (ص 184) لابن الفقيه. (*)

[ 426 ]

على تغيير حكامهم دوما (1) ويذهب فان فلوتن الى أن العرب المستقرين بالكوفة كانوا قد تعودوا على حياة الصحراء بما فيها من ضغن وشحناء وحب الانتقام، والتخريب والاخذ بالثار فلذا تعودوا على التمرد، وعدم الطاعة للنظام (2). الانهزامية: والظاهرة الغريبة التي عرف بها المجتمع الكوفي هي الانهزامية، وعدم الصمود أمام الاحداث فإذا جد الجد ولوا منهزمين على أعقابهم فقد أجمعوا في حماس على مبايعة مسلم ونصرته، ولما اعلن الثورة على ابن مرجانة انفضوا من حوله حتى لم يبق معه انسان يدله على الطريق وقد وقفوا مثل هذا الموقف من زيد بن علي، فقد تركوه وحده يصارع جيوش الامويين، وراح يقول: " فعلوها حسينية " وبايعوا عبد الله بن معاوية فقالوا له: " ادع الى نفسك فبنو هاشم أولى بالامر من بني مروان " (3) واخرجوه حيث كان مقيما، وأدخلوه القصر فبايعوه، ولما زحف لقتاله والي الامويين عبد الله بن عمر فروا منهزمين ونظر عبد الله بن معاوية فإذا الارض بيضاء من أصحابه فقد غدر به قائد قواته لانه كان على اتفاق مع والي الامويين فانهزم وانهزم معه الجيش (4) وكان عيسى بن زيد يقول فيهم " لا اعرف موضع ثقة يفي ببيعته، ويثبت عند اللقاء " (5)


(1) النظم الاسلامية (ص 26). (2) السيادة العربية (ص 11). (3) (4) الطبري 2 / 3 / 11880. (5) مقاتل الطالبيين (ص 418). (*)

[ 427 ]

مساوئ الاخلاق: واتصفت الاكثرية الساحقة من أهل الكوفة بمساوئ الاخلاق. يقول فيهم عبد الله بن الحسن انهم: (نفج العلانية، خور السريرة. هوج الردة، جزع في اللقاء، تقدمهم السنتهم، ولا تشايعهم، وإن حوريتم خرتم، وان اجتمع الناس على امام طعنتم، وإن جئتم الى مشاقة نكصتم " (1) ووصفهم المختار لعبد الله بن الزبير حينما ساله عنهم فقال: " لسلطانهم في العلانية أولياء وفي السر أعداء " وعلق ابن الزبير على قول المختار فقال: " هذه صفة عبيد السوء إذا رؤوا اربابهم خدموهم واطاعوهم، فإذا غابوا عنهم شتموهم " (2). وهجاهم اعشى همدان بقوله: وجبنا حشاه ربهم في قلوبهم * فما يقربون الناس الا تهددا فلا صدق في قول ولا صبر عندهم * ولكن فخرا فيهم وتزيدا (3) ويقول فيهم أبو السرايا: وما رست اقطار البلاد فلم أجد * لكم شبها فيما وطات من الارض خلافا وجهلا وانتشار عزيمة * ووهنا وعجزا في الشدائد والخفض لقد سبقت فيكم الى الحشر دعوة * فلا عنكم راض ولا فيكم مرضي (4)


(1) (2) الطبري 2 / 3 / 1681. (3) الطبري 2 / 2 / 1114. (4) يشير إلى دعوة الامام الشهيد الحسين (ع) على أهل الكوفة يوم عاشوراء بقوله " ولا يرضي الولاة عنكم أبدا ". (*)

[ 428 ]

سابعد داري من قلى عن دياركم * فذوقوا إذا وليت عاقبة البغض (1) وحلل الدكتور يوسف خليف هذه الابيات بقوله: " وأبو السرابا في هذه الابيات يردد تلك الفكرة القديمة التي عرفت عن أهل الكوفة من انهم أهل شقاق ونفاق ومساوئ أخلاق، فيصفهم بالشقاق والجهل وتفرق العزيمة والضعف والعجز، ويرى أن هذه صفاتهم التي تلازمهم دائما في الحرب والسلم، وهي صفات لم تجعل أحدا من زعمائهم أو أئمتهم يرضى عنهم، وهم منفردون بها من بين سائر البشر في جميع اقطار الارض التي وطاتها قدماه، ثم يعلن في النهاية ببغضه لهم واعتزامه البعد عنهم ليذوقوا من بعده سوء العاقبة وسوء المصير " (2). ووصفهم أبو بكر الهذلي بقوله: " ان اهل الكوفة قطعوا الرحم ووصلوا المثانة، كتبوا إلى الحسين بن علي انا معك مائة الف، وغروه حتى إذا جاء خرجوا إليه وقتلوه وأهل بيته صغيرهم وكبيرهم، ثم ذهبوا يطبون دمه، فهل سمع السامعون بمثل هذا ؟ " (3). الجشع والطمع: وهناك نزعة عامة سادت في اوساط المجتمع الكوفي، وهي التهالك على المادة والسعي على حصولها بكل طريق، فلا يبالون في سبيلها بالعار والخزي، ولقد لعبت هذه الجهة دورها الخطير في اخفاق ثورة مسلم، فقد بذل ابن زياد الاموال بسخاء للوجوه والاشراف فخفوا إليه سراعا


(1) مقاتل للطالبيين (ص ص 544 - 546) (2) حياة الشعر في الكوفة (ص 445). (3) مختصر البلدان (ص 173). (*)

[ 429 ]

فغدروا بمسلم، ونكثوا عهودهم، وقد ملكهم ابن زياد بعطائه فاخرجهم لحرب ريحانة رسول الله (ص) بعد أن أقسموا الايمان المغلطة على نصرته والذب عنه. التاثر بالدعايات: وظاهرة أخرى من ظواهر المجتمع الكوفي وهي سرعة التاثر بالدعايات من دون فحص ووقوف على واقعها، وقد استغل هذه الظاهرة الامويون ايام " مسكن " فاشاعوا في أوساط الجيش العراقي ان الحسن صالح معاوية وحينما سمعوا بذلك ماجوا في الفتنة وارتطموا في الاختلاف، فعمدوا الى امتعة الامام فنهبوها، كما اعتدوا عليه فطعنوه في فخذه ولما اذاعت عصابة ابن زياد بين جيوش مسلم أنه جيش أهل الشام قد أقبل إليكم فلا تجعلوا أنفسكم عرضة للنقمة والعذاب، فلما سمعوا ذلك انهارت اعصابهم، وولوا منهزمين، وأمسى ابن عقيل وحده ليس معه انسان يدله على الطريق. هذه بعض مظاهر الحياة الاجتماعية في الكوفة، وهي تكشف عن ضحالة ذلك المجتمع، وانهياره أمام الاحداث، فلم تكن له ارادة صلبة ولا وعي اجتماعي أصيل وقد جروا لهم بذلك الويل، فدمروا قضاياهم المصيرية وتنكروا لجميع حقوقهم، وفتحوا المجال للطاغية ابن مرجانه أن يتحكم فيهم ويصب عليهم وابلا من العذاب الاليم.

[ 430 ]

الحياة الاقتصادية: أما الحياة الاقتصادية في الكوفة فكانت تتسم بعدم التوازن فقد كانت فيها الطبقة الارستقراطية التي غرقت في الثراء العريض فقد منحتها الدولة الاموية أيام عثمان ومعاوية الهبات والامتيازات الخاصة فاثرت على حساب الضعفاء والمحرومين، ومن بين هؤلاء: 1 - الاشعث بن قيس، وقد اشترى في أيام عثمان أراضي واسعة في العراق، وكان في طليعة الاقطاعيين في ذلك العصر، وهو الذي ارغم الامام على قبول التحكيم لان حكومته كانت تهدد مصالحه وامتيازاته الخاصة. 2 - عمرو بن حريث، وكان اثرى رجل في الكوفة (1)، وقد لعب دورا خطيرا في افساد ثورة مسلم وشل حركنها. 3 - شبث بن ربعي، وهو من الطبقة الارستقراطية البارزة في الكوفة (2)، وهو أحد المخذلين عن مسلم، كما تولى قيادة بعض الفرق التي حاربت الحسين. هؤلاء بعض المثرين في ذلك العصر، وكانوا يدا لابن مرجانة وساعده القوي الذي اطاح بثورة مسلم، فقد كانوا يملكون نفوذا واسعا في الكوفة وقد استطاعوا أن يعلنوا معارضتهم للمختار رغم ما كان يتمتع به من الكتل الشعبية الضخمة المؤلفة من الموالي والعبيد، وهم الذين اطاحوا بحكومته. أما الاكثرية الساحقة في المجتمع الكوفي فكانت مرتبطة بالدولة تتلقى موادها المعاشية منها باعتبارها المعسكر الرئيسي للدولة فهي التي تقوم


(1) في الطبري ان عمرو بن حريث كان اكثر أهل الكوفة مالا. (2) حياة الشعر في الكوفة (ص 168). (*)

[ 431 ]

بالاتفاق عليها، وقد عانى بعضهم الحرمان والبؤس، وقد صور الشاعر الاسدي سوء حياته الاقتصادية بقصيدة يمدح بها بعض نبلاء الكوفة لينال من معروفه وكرمه يقول فيها: يا أبا طلحة الجواد اغثني * بسجال من سيبك المقسوم احي نفسي - فدتك نفسي - فاني * مفلس - قد علمت ذاك - عديم أو تطوع لنا بسلت دقيق * أجره - ان فعلت ذاك - عظيم قد علمتم - فلا تعامس عني - * ما قضى الله في طعام اليتيم ليس لي غير جرة واصيص * وكتاب منمنم كالوشوم وكساء أبيعه برغيف * قد رقعنا خروقة باديم واكاف اعارنيه نشيط * هو لحاف لكل ضيف كريم (1) أرايت هذا الفقر المدقع الذي دعا الشاعر الى هذا الاستعطاف والتذلل إنها مشكلة الفقر الذي أخذ بخناقه وعلق شوقي ضيف على هذه الابيات بقوله: " ومن هنا ارتفع صوت المال في القصيدة الاموية واحتل جوانب غير قليلة منها فقد كان اساسيا في حياة الناس، فطبيعي أن يكون أساسيا في فنهم وشعرهم، اليس دعامة هامة من دعائم الحياة، فلم يكون دعامة هامة من دعائم البناء الفني، انه يستنر في قاع الحياة، وقاع الشعر لان الشعر انما هو تعبير عن الحياة (2). ان الحياة الاقتصادية تؤثر أثرا عميقا وفعالا في كيان المجتمع، وتلعب دورا خطيرا في توجيه المجتمع نحو الخير أو الشر، وقد ثبت أن كثيرا من الجرائم التي يقترفها بعض المصابين في سلوكهم انما جاءت نتيجة لفقرهم وبؤسهم أو لجشعهم على تحصيل المادة، وقد اندفع اكثر الجيش


(1) حياة الحيوان للجاحظ 5 / 297 - 299. (2) التطور والتجدد في الشعر الاموي (ص 134). (*)

[ 432 ]

الذي خرج لحرب الامام الحسين (ع) حينما مناهم ابن مرجانة بزيادة مرتباتهم التي يتقاضونها من الدولة. وعلى أي حال فان سوء الحالة الاقتصادية في الكوفة كانت من الاسباب الفعالة في اخفاق ثورة مسلم وتحول الجماهير عنه حينما اغدق ابن زياد الاموال على الوجوه والعرفاء وغيرهم فاندفعوا الى القيام بمناهضة مسلم وصرف الناس عنه. عناصر السكان: كانت الكوفة أميمة قد امتزجت فيها عناصر مختلفة في لغاتها، ومتباينة في طباعها وعاداتهم وتقاليدها فكان فيها العربي والفارسي والنبطي الى جانب العبيد وغيرهم، ولم تعد مدينة عربية خالصة كمكة والمدينة وانما كانت مدينة أهلها اخلاط من الناس - كما يقول اليعقوبي - وقد هاجرت إليها هذه العناصر باعتبارها المركز الرئيسي للمعسكر الاسلامي فمنها تتدفق الجيوش الاسلامية للجهاد كما تتدفق بها المغانم الكثيرة التي وعد الله بها المجاهدين، وقد بلغ نصيب الجندي المقاتل من فئ المدائن اثني عشر الفا (1) مما دعا ذلك الى الهجرة إليها باعتبارها السبيل الى الثروة ونلمع الى بعض تلك العناصر.


(1) طبقات ابن سعد 6 / 4 مختصر كتاب البلدان (ص 166). (*)

[ 433 ]

العرب: وحينما تم تأسيس الكوفة على يد فاتح العراق سعد بن أبي وقاص اتجهت إليها أنظار العرب، وتسابقوا إلى الهجرة إليها، فقد سكنها في وقت مبكر سبعون بدريا وثلثمائة من أصحاب الشجرة (1) وقد ترجم ابن سعد في طبقاته مائة وخمسين صحابيا ممن نزلوا الكوفة (2) ويقول فيها السفاح: " وهي - أي الكوفة - منزل خيار الصحابة وأهل الشرف (3) أما قبائل العربية التي سكنتها فهي: القبائل اليمنية: وتسابقت القبائل اليمنية إلى سكنى الكوفة فكان عددهم - فيما يقول المؤرخون - اثني عشر الفا (4) وهي: 1 - قضاعة 2 - غسان 3 - بجيلة 4 - خثعم 5 - كندة


(1) طبقات ابن سعد 6 / 4. (2) طبقات ابن سعد 6 / 43. (3) مختصر كتاب البلدان (ص 73). (4) معجم قبائل العرب 1 / 15، فتوح البلدان (276) معجم البلدان 7 / 267. (*)

[ 434 ]

6 - حضر موت 7 - الازد 8 - مذحج 9 - حمير 10 - همدان 11 - النخع. فهذه هي الاسر التي تنتمي إلى اليمن، وقد استوطنت الكوفة، ونزلت في الجانب الشرقي من المسجد، ويرى فلهوزن أن القبائل المشهورة من اليمن وهي مذحج وهمدان وكندة قد كانت كلها السيطرة والسيادة على الكوفة، ويقول عبد الملك بن مروان بعد دخوله الى الكوفة حينما جاءته قبائل مذحج وهمدان: " ما أرى لاحد مع هؤلاء، شيئا ". القبائل العدنانية: أما القبائل العدنانية التي سكنت الكوفة فكان عددها ثمانية آلاف شخص، وهي تتشكل من اسرتين. 1 - تميم 2 - بنو العصر. قبائل بني بكر: وسكنت الكوفة قبائل بني بكر، وهي عدة أسر منها: 1 - بنو أسد

[ 435 ]

2 - غطفان 3 - محارب 4 - نمير وهناك مجموعة أخرى من القبائل العربية استوطنت الكوفة، وهي كنانة، وجديلة، وضبيعة وعبد القيس، وتغلب واياد وطي وثقيف وعامر ومزينة (1) ويرى ما سنيون انه إلى جانب القرشيين الذين سكنوا الكوفة عناصر شديدة البداوة من سكان الخيام وبيوت الشعر، وأصحاب الابل من بني دارم التميمي وجيرانهم اليمنيين القدماء من طئ، وعناصر نصف رحالة من ربيعة، وأسد من الغرب والشمال الغربي، وبكر من الشرق والجنوب الشرقي وعبد القيس الذين جاءوا من هجر من الجنوب الشرقي ثم عناصر متحضرة من القبائل الجنوبية الاصيلة من العربية الذين نزحوا من اليمن وحضر موت، وهؤلاء كانوا قسمين: عناصر نصف متحضرة من كندة وبجبلة وعناصر متحضرة تماما من سكان المدن والقرى اليمنية من مذحج وحمير وهمدان (2). ان العنصر العربي الذي استوطن الكوفة منذ تأسيسها كان مزيجا من اليمانية والنزارية وغيرها ولكن اليمانية كانت أكثر عددا كما كان تأثيرها في حياة المجتمع الكوفي أشد من غيرها. الروح القبلية: وسادت في قبائل المجتمع العربي في الكوفة الروح القبلية فكانت كل قبيلة


(1) الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة (ص 42). (2) خطط الكوفة (ص 12 - 13). (*)

[ 436 ]

تنزل في حي معين لها لا يشاركها فيها الا حلفاؤها، كما كان لكل قبيلة مسجدها الخاص، ومقبرتها الخاصة، ويرى ماسنيون ان جبانات الكوفة هي احدى الصفات المميزة لطبوغرافيتها (1) كما سميت شوارعها وسككها بالقبائل التي كانت تقطن فيها (2) وغدت المدينة صورة تامة للحياة القبلية وبلغ الاحساس بالروح القبلية والتعصب لها الى درجة عالية، فكانت القبائل تتنافس فيما بينها على احراز النصر كما حدث في واقعة الجمل. ومن هنا غلب على الحياة فيها طابع الحياة الجاهلية (9 3، ويحدثنا ابن أبي الحديد عن الروح القبلية السائدة في الكوفة بقوله: " ان أهل الكوفة في آخر عهد علي كانوا قبائل فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته فيمر بمنازل قبيلة أخرى، فينادي باسم قبيلته يا للنخع أو يا لكندة، فيتالب عليه فتيان القبيلة التي مر بها فينادون يا لتميم أو يا لربيعة، ويقبلون الى ذلك الصائح فيضربونه فيمضي إلى قبيلته فيسصرخها فتسل السيوف وتثور الفتنة " (4). لقد كانت الروح القبلية هي العنصر البارز في حياة المجتمع الكوفي وقد استغل ابن سمية هذه الظاهرة في القاء القبض على حجر واخماد ثورته فضرب بعض الاسر ببعض، وكذلك استغل هذه الظاهرة ابنه للقضاء على حركة مسلم وهانئ، وعبد الله بن عفيف الازدي.


(1) (2) خطط الكوفة (ص 18). (3) التطور والتجديد في الشعر الاموي (ص 80 - 81). (4) شرح النهج 3 / 239. (*)

[ 437 ]

الفرس: وإلى جانب العنصر العربي الذي استوطن الكوفة كان العنصر الفارسي، وكانوا يسمون الحمراء (1) وقد سالوا عن أمنع القبائل العربية فقيل لهم تميم فتحالفوا معهم (2) واكبر موجة فارسية استوطنت الكوفة عقيب تأسيسها هي المجموعة الضخمة من بقايا فلول الجيوش الساسانية التي انضمت الى الجيش العربي، وأخذت تقاتل معه، وقد عرفت في التاريخ باسم " حمراء ديلم " فكان عددهم - فيما يقول المؤرخون - أربعة آلاف جندي يراسهم رجل يسمى (ديلم) قاتلوا معه تحت قيادة رستم في القادسية فلما انهزمت الفرس، وقتل رستم عقدوا أمانا مع سعد بن أبي وقاص، وشرطوا عليه أن ينزلوا حيث شاؤوا، ويحالفوا من أحبوا وان يفرض لهم العطاء، وقد حالفوا زهرة بن حوية التميمي أحد قادة الفتح، وفرض لهم سعد في الف الف، وأسلموا وشهدوا فتح المدائن معه كما شهدوا فتح جلولاء، ثم تحولوا فنزلوا الكوفة (3). وقد كونت هذه الجالية مجموعة كبيرة في المجتع الكوفي، ويذكر فلهوزن انهم كانوا اكثر من نصف سكان الكوفة، وقد أخذ عددهم بازدياد حتى تضاءلت نسبة العرب في الكوفة، وتغلبوا في عصر المأمون حتى كانت اللغة الفارسية تحتل الصدارة في ذلك العصر (4) ويقول الجاحظ:


(1) الاخبار الطوال (ص 296). (2) تاريخ الطبري. (3) فتوح البلدان (ص 280) خطط الكوفة (ص 11). (4) فك العربية (ص 83 - 84) (*)

[ 438 ]

ان اللغة الفارسيات أثرت تأثيرا كبيرا في لغة الكوفة (1). وعلى أي حال فان الفرس كانوا يشكلون عنصرا مهما في الكوفة وكونوا بها جالية متميزة فكان أهل الكوفة يقولون: " جئت من حمراء ديلم " (2) ويقول البلاذري: ان زيادا سير بعضهم إلى الشام، وسير قوما منهم إلى البصرة (3) وقد شاركت هذه الجالية في كثير من الفتوحات الاسلامية، كما شكلت المد العالي للاطاحة بالحكم الاموي. الانباط: وكانت الانباط من العناصر التي سكنت الكوفة، وقد أثروا في الحياة العامة تأثيرا عقليا واجتماعيا، ويقول المؤرخون: إن الانباط ليسوا عنصرا خاصا من البشر وانما هم من العرب وكانوا يستخدمون اللغة الدارمية في كتابتهم، وكانوا يستوطنون بلاد العرب الصخرية وقد انتقلوا منها إلى العراق، واشتغلوا بالزراعة، وكانوا ينطقون بلغتهم الدارمية (4). وقد أثروا تأثيرا بالغا في حياة الكوفة يقول أبو عمرو بن العلاء لاهل الكوفة: " لكم حذلقة النبط، وصلفهم، ولنا زهاء الفرس واحلامهم " (5) ويروي الطبري أن رجلا من بني عبس أسر رجلا من أهل نهاوند اسمه دينار، وكان يواصل العبسي ويهدي إليه، وقد قدم


(1) البيان والتبيين 1 / 19 - 20. (2) اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني الهجري (ص 55). (3) فتوح البلدان (ص 279) (4) الحضارة الاسلامية (ص 97). (5) البيان والتبيين 2 / 106. (*)

[ 439 ]

الكوفة في أيام معاوية فقام في الناس وقال لهم: " يا معشر أهل الكوفة أنتم أول من مررتم بنا كنتم خيار الناس، فعمرتم بذلك زمان عمر عثمان ثم تغيرتم، وفشت فيكم خصال أربع: بخل، وخب، وغدر، وضيق ولم يكن فيكم واحدة منهن فرافقتكم فإذا ذلك في مواليدكم، فعلمت من أين أتيتم " (1). ويرى (دي بود) ان التغير الاجتماعي وتبدل الاخلاق في الكوفة قد نشاء في وقت مبكر أيام معاوية بن أبي سفيان (2) ومن الطبيعي ان للانباط ضلعا كبيرا في هذا التغيير. السريانية: والعنصر الرابع الذي شارك في تكوين الكوفة هي السريانية، فقد كانت منتشرة في العراق قبل الفتح الاسلامي، وكان الكثيرون منهم مقيمين على حوض دجلة، وبعضهم كان مقيما في الحيرة والكوفة وقد ارتبطوا باهل الكوفة وتاثروا بعاداتهم واخلاقهم فان الحياة الاجتماعية - كما يقول علماء الاجتماع - حياة تأثير وتأثر فكل انسان يتاثر ويؤثر فيمن حوله. هذه هي العناصر التي شاركت في استيطان الكوفة وبناء مجتمعا فهي لم تكن عربية خالصة وانما امتزجت بها هذه العناصر، وقد نشات بينها المصاهرة، فنشا جيل مختلط من هذه العناصر ولكن التغلب الجنسي كان للعرب باعتبارهم الاكثرية الساحقة في القطر، فقد أصبحت التقاليد


(1) تاريخ الطبري. (2) تاريخ الفلسفة في الاسلام (ص 15 - 18). (*)

[ 440 ]

الدينية والعادات الاجتماعية خاضعة للعرب، كما كانت لهم الكلمة العليا في البلاد.. وبهذا ينتهي بنا الحديث عن عناصر السكان في الكوفة. الاديان: ولم يكن المجتمع الكوفي يدين بدين واحد، وانما كانت فيه أديان متعددة، ولك دين الحرية في اقامة طقوسه الدينية، وهذه بعضها: 1 - الاسلام وكان الاسلام دين الاكثرية الساحقة للعرب الذين استوطنوا الكوفة فانها انما انشات لتكون حامية للجنود الاسلامية التي كانت تبعث بهم الدولة لحركات الفتوح، وعمليات الجهاد، ولكن الاسلام لم ينفذ إلى أعماق قلوب الكثيرين منهم، وانما جرى على ألسنتهم طمعا بثمرات الفتوح التي أفاء الله بها على المجاهدين، وقد أكد علم الاجتماع ان التحول الاجتماعي لا يكون إلا بعد أجيال واجيال، وان المجتمع يظل محافظا على عاداته وتقاليده التي اكتسبها من آبائه، ويؤيد ذلك ما مني به من الحركات الفكرية التي تتنافى مع الاسلام، وإلى الانقسامات الخطيرة بين صفوفه، ونلمع إلى بعض تلك الانقسامات: الخوارج: واعتنق هذه الفكرة القراء وأصحاب الجباه السود حينما رفعت المصاحف في صفين، وقد أرغموا الامام على قبول التحكيم بعد ما مني

[ 441 ]

معاوية بالهزيمة الساحقة، فاستجاب لهم الامام على كره، وقد حذرهم من أنها مكيدة وخديعة فلم يكن يجدي ذلك معهم، وأصروا على فكرتهم ولما استبان لهم ضلال ما اقترفوه اقبلوا على الامام وهو يقولون له: إنا قد كفرنا وتبنا، فاعلن توبتك وقر على نفسك بالكفر، لنكون معك فابى (ع) فاعتزلوه، واتخذوا لهم شعارا " لا حكم الا لله " وانغمسوا في الباطل وماجوا في الضلال، فحاربهم الامام وقضى على الكثيرين منهم إلا أن البقية الباقية منهم ظلت تواصل نشر افكارها بنشاط، وقد لعبت دورا مهما في افساد جيش الامام الحسن حتى اضطر إلى الصلح مع معاوية، كما كان أكثر الجيش الذي زجه ابن زياد لحرب الامام الحسين من الخوارج وكانوا موتورين من الامام أمير المؤمنين (ع) فرووا احقادهم من ابنائه الطيبين في كارثة كربلا. الحزب الاموي: وهؤلاء يمثلون وجوه الكوفة وزعماءها كقيس بن الاشعث، وعمرو ابن الحجاج الزبيدي، ويزيد بن الحرث، وشبث بن ربعي، وعمرو بن حريث وعمر بن سعد، وكانوا يدينون بالولاء لبني أمية، ويرون أنهم أحق بالخلافة وأولى بزعامة الامة من آل البيت (ع) وقد لعبوا دورا خطيرا في فشل ثورة مسلم، كما زجوا الناس لحرب الامام الحسين.

[ 442 ]

الشيعة: وهي التي تدين بالولاء لاهل البيت، وترى أنه فرض ديني، وقد اخلصت شيعة الكوفة في الولاء لهم، اما مظاهر حبهم فهي: 1 - الخطب الحماسية التي يمجدون فيها اهل البيت، ويذكرون فضلهم وماثرهم، وما شاهدوه من صنوف العدل والحق في ظل حكومة الامام امير المؤمنين. 2 - الدموع السخية التي يهريقونها حينما يذكرون آلام آل البيت عليه السلام وما عانوه في عهد معاوية من التوهين والتنكيل، ولكنهم لم يبذلوا أي تضحية تذكر لعقيدتهم فقد كان تشيعهم عاطفيا لا عقائديا وقد تخلوا عن مسلم وتركوه فريسة بيد الطاغية ابن مرجانة، ويروي البلاذري أنهم كانوا في كربلاء، وهم ينظرون الى ريحانة رسول الله (ص) وقد تناهب جسمه الشريف السيوف والرماح فكانوا يبكون، ويدعون الله قائلين: " اللهم انزل نصرك على ابن بنت نبيك " فانبرى إليهم أحدهم فانكر عليهم ذلك الدعاء وقال لهم: هلا تهبون الى نصرته بدل هذا الدعاء وقد جردهم الامام الحسين (ع) من اطار التشيع وصاح بهم يا شيعة آل أبي سفيان. والحق أن الشيعة بالمعنى الصحيح لم تكن الا فئة نادرة في ذلك العصر وقد التحق بعضهم بالامام الحسين واستشهدوا معه، كما زج الكثيرون منهم في ظلمات السجون. وعلى أي حال فلم يكن المسلمون في الكوفة على راي واحد وانما كانت هناك انقسامات خطيرة بين صفوفهم.

[ 443 ]

النصارى: من العناصر التي سكنت الكوفة النصارى، فقد أقبلوا إليها من الحيرة بعد زوال مجدها وقد اقاموا لهم في الكوفة عدة كنائس، فقد كانت لهم كنيسة في ظهر قبلة المسجد الاعظم (1) وكان لهم اسقفان أحدهما نسطوري، والاخر يعقوبي (2) وكانوا طائفين ! ! 1 - نصارى تغلب وقد استوطنوا الكوفة عند تخطيطها مع سعد، وكانت لهذه الطائفة عزة ومنعة (3) وقد رفض ابناؤها دفع الجزية مما اضطر عمر أن يعاملهم معاملة المسلمين فجعل جزيتهم مثل الصدقة المسلمين (4). 2 - نصارى نجران نزلوا الكوفة في خلافة عمر، واستوطنوا في ناحية منها سميت محلة (النجرانية) (5). وقد شاركت النصارى مشاركة ايجابية في كثير من أعمال الدولة فقد اتخذ أبو موسى الاشعري أمير الكوفة كاتبا نصرانيا (6) كما ولى الوليد ابن عقبة والي عثمان رجلا مسيحيا لادارة شؤون مسجد قريب من الكوفة (7).


(1) فتوح البلدان (ص 284). (2) خطط الكوفة (ص 35). (3) تاريخ الطبري. (4) تاريخ الطبري. (5) حياة الشعر في الكوفة (ص 144) (6) عيون الاخبار 1 / 43. (7) الاغاني 4 / 184. (*)

[ 444 ]

وقد شغل المسيحيون في الكوفة أعمال الصيرفة، وكونوا أسواقا لها (1) وكانت الحركة المصرفية بايديهم، كما كانوا يقومون بعقد القروض لتسهيل التجارة، وكانت تجارة التبادل والصيرفة بايديهم (2)، وقد مهروا في الصيرفة، ونظموها على شكل يشبه البنوك في هذا العصر. وكانت هذه البنوك الاهلية تستقرض منها الحكومة المحلية الاموال إذا حدثت ثورة في القطر، فكانت الاموال توزع على أعضاء الثورة لاخمادها وقد استقرض منها ابن زياد الاموال فوزعها على وجوه الكوفة واشرافها للقضاء على ثورة مسلم. وعلى أي حال فان المجتمع الكوفي كان مزيجا بين المسلمين والمسيحيين وكانت العلاقة بينهما وثيقة للغاية. اليهود: واستوطن اليهود الكوفة سنة (20 ه‍) (3) وقد قدم قسم كبير منهم من الحجاز بعد أن اجلاهم منه عمر بن الخطاب (4) وقد كانت لهم محلة تعرف باسمهم في الكوفة كما بنوا فيها معابد لهم، ويذكر الرحالة بنيامين


(1) تاريخ الكوفة (146) يبدا سوق البنوك والصيرفة من مسجد سهيل الى المسجد الاعظم، كما نصت على ذلك بعض المصادر. (2) خطط الكوفة (ص 146). (3) نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق (ص 103) ليوسف رزق الله غنيمة. (4) الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة (ص 105). (*)

[ 445 ]

ان بالكوفة سبعة آلاف يهودي، وفيها قبر يسكنه اليهود وحوله كنيس لهم (1) وقد زاولوا بعض الحرف التي كان العرب يانفون منها كالصياغة وغيرها.. وكانت اليهود تحقد على الرسول (ص) كاعظم ما يكون الحقد لانه اباد الكثيرين منهم والحق بهم العار والهزيمة، وقد قاموا بدور فعال - فيما يقول بعض المحققين - في مجزرة كربلا تشفيا من النبي (ص) بابنائه وذريته... وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الاديان السائدة في الكوفة، وقد اشتراك معظمها في حركات الجهاد وعمليات الحروب في ذلك العصر. تنظيم الجيش: وانشات الكوفة لتكون معسكرا للجيوش الاسلامية، وقد نظم الجيش فيها على اساس قبلي كما كانوا مرتبين وفق قبائلهم، وكانوا يقسمون في معسكراتهم باعتبار القبائل والبطون التي ينتمون إليها وقد رتبت كما يلي: نظام الاسباع: ووزع الجيش توزيعا سباعيا يقوم قبل كل شئ على أساس قبلي بالرغم من أنهم كانوا يقاتلون في سبيل الله الا ان الروح القبلية كانت سائدة ولم تضعف، وفيما يلي انظمتها: السبع الاول، كنانة وحلفاؤها من الاحابيش وغيرهم، وجديلة وكانوا اعوانا طيعين للولاة القرشيين منذ امارة سعد، وتولوا باخلاص


(1) رحلة بنيامين ترجمة عزار حداد (ص 146). (*)

[ 446 ]

عمال بني أمية وولاتهم. السبع الثاني: قضاعة، وغسان، وبجيلة، وخثعم، وكندة وحضر موت، والازد. السبع الثالث: مذحج وحمير وهمدان وحلفاؤهم، وقد اتسموا بالعداء لبني أمية والمساندة الكاملة للامام علي وأبنائه. السبع الرابع: تميم وسائر الرباب وحلفاؤهم السبع الخامس: أسد وغطفان ومحارب وضبيعة وتغلب والنمر السبع السادس: أياد وعك وعبد القيس وأهل هجر والحمراء السبع السابع: طي (1) وتحتوي هذه الاسباع على قطعات قبلية من الجيش، وقد استعمل هذا النظام لاجل التعبئة العامة للحروب التي جرت في ذلك العصر، وتوزيع الغنائم عليها بعد العودة من الحرب وظلت الكوفة على هذا التقسيم حتى إذا كانت سنة (50 ه‍) عمد زياد بن أبيه حاكم العراق فغير ذلك المنهج وجعله رباعيا، فكان على النحو التالي: 1 - أهل المدينة، وجعل عليهم عمرو بن حريث. 2 - تميم وهمدان، وعليهم خالد بن عرفطة 3 - ربيعة بكر وكندة، وعليهم قيس بن الوليد بن عبد شمس 4 - مذحج وأسد (2) وعليهم أبو بردة بن أبي موسى وانما عمد إلى هذا التغيير لاخضاع الكوفة لنظام حكمه، كما ان الذين انتخبهم لرئاسة الانظمة قد عرفوا بالولاء والاخلاص للدولة، وقد استعان بهم ابن زياد لقمع ثورة مسلم، كما تولى بعضهم قيادة الفرق التي


(1) حياة الشعر في الكوفة (ص 29 - 30) (2) خطط الكوفة (ص 15 - 16). (*)

[ 447 ]

زجها الطاغية لحرب الامام الحسين، فقد كان عمرو بن حريث وخالد بن عرفطة من قادة ذلك الجيش. أما رؤساء الانظمة فقد كانت الدولة لا تنتخب الا من ذوي المكانة الاجتماعية المعروفين بالنجدة والبسالة والتجربة في الحرب (1) ورؤساء الارباع يكونون خاضعين للسلطة الحكومية، كما ان اتصال السلطة بالشعب يكون عن طريقهم، ونظرا لاهميتهم البالغة في المصر فقد كتب إليهم الامام الحسين يدعوهم إلى نصرته والذب عنه (2). العرافة: وكانت الدولة تعتمد على العرفاء (3) فكانوا يقومون بامور القبائل ويوزعون عليهم العطاء كما كانوا يقومون بتنظيم السجلات العامة التي فيها أسماء الرجال والنساء والاطفال، وتسجيل من يولد ليفرض له العطاء من الدولة، وحذف العطاء لمن يموت (4) كما كانوا مسؤولين عن شؤون الامن والنظام، وكانوا في أيام الحرب يندبون الناس للقتال ويحثونهم على


(1) الطبري 7 / 207. (2) أنساب الاشراف 5 / 245 (3) العرفاء: - جمع مفردة عريف - وهو من يعرف أصحابه، ومنه الحديث " فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم امركم، والعريف هو القائم بامور القبيلة والجماعة من الناس يلي أمورهم، ويتعرف الامير منه أحوالهم جاء ذلك في تاج العروس 1 / 194. (4) الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة (ص 53). (*)

[ 448 ]

الحرب، ويخبرون السلطة باسماء الذين يتخلفون عن القتال (1) وإذا قصر العرفاء أو أهملوا واجباتهم فان الحكومة تعاقبهم أقسى العقوبات وأشدها (2). ومن أهم الاسباب في تفرق الناس عن مسلم هو قيام العرفاء في تخذيل الناس عن الثورة واشاعة الارهاب والاراجيف بين الناس (3) كما كانوا السبب الفعال في زج الناس واخراجهم لحرب الامام الحسين. إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن مظاهر الحياة الاجتماعية في الكوفة، وكان الالمام بها من ضرورات البحث وذلك لماها من الاثر في اخفاق الثورة. الطاغية ابن مرجانة: ولا بد لنا أن نتعرف على قائد الانقلاب الطاغية ابن مرجانة فنقف على نشاته وصفاته ومخططاته الرهيبة التي أدت إلى القضاء على الثورة، وإلى القراء ذلك. ولادته: ولد الطاغية سنة " 39 ه‍ " وقد ولد لخلق الكوارث واشاعة الخطوب في الارض، وعلى هذا فيكون عمره يوم قتله لريحانة رسول الله (ص) " 21 سنة " ولم تعين المصادر التي بايدينا المكان الذي ولد فيه.


(1) الطبري 7 / 226 (2) الاغاني 2 / 179. (3) البداية والنهاية 8 / 154. (4) البداية والنهاية 8 / 284. (*)

[ 449 ]

أبواه: أما ابوه فهو زياد بن سمية، وهو من عناصر الشر والفساد في الارض فقد سمل عيون الناس وصلبهم على جذوع النخل، وقتل على الظنة والتهمة وأخذ البرئ بذنب السقيم، وأغرق العراق بالحزن والثكل والحداد. وأما أمه مرجانة فكانت مجوسية (1) وقد عرفت بالبغي، وقد عرض بها عبيد الله التميمي أمام ابنها عبيد الله فقال: ان عمر بن الخطاب كان يقول: اللهم اني أعوذ بك من الزانيات وابناء الزانيات، فالتاع ابن زياد ورد عليه: إن عمر كان يقول: لم يقم جنين في بطن حمقاء تسعة أشهر الا خرج مائقا (2) وفارق زياد مرجانة فتزوج بها شيروية (3). نشاته: نشا الطاغية في بيت الجريمة، وقد قطع دور طفولته في بيت زوج امه شيروية، ولم يكن مسلما ولما ترعرع أخذه أبوه زياد، وقد رباه على سفك الدماء والبطش بالناس، ورباه على الغدر والمكر، وقد ورث جميع صفات أبيه الشريرة من الظلم والتلذذ بالاسائة الى الناس، وقد كان لا يقل قسوة عن أبيه، وقد قال الطاغية في بعض خطبه: " أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطا الحصى، ولم ينتزعني شبه


(1) البداية والنهاية 8 / 284 (2) البيان والتبيين 2 / 242. (3) البيان والتبيين 1 / 72 (*)

[ 450 ]

خال ولا ابن عم " (1) لقد كان كابيه في شدته وصرامته في الباطل وتنكره للحق. صفاته: أما صفاته النفسية فكان من ابرزها القسوة والتلذذ بسفك الدماء، وقد أخذ امراة من الخوارج فقطع يديها ورجليها، وأمر بعرضها في السوق (2) ووصفه الحسن البصري بانه غلام سفيه سفك الدماء سفكا شديدا (3) ويقول فيه مسلم بن عقيل: " ويقتل النفس التي حرم الله قتلها على الغضب والعداوة، وسوء الظن وهو يلهو ويلعب كانه لم يصنع شيئا ". وكان متكبرا لا يسمع من أحد نصيحة، وقد دخل عليه الصحابي عائذ بن عمرو فقال له: " أي بني اني سمعت رسول الله (ص) يقول: ان شر الرعاء الحطمة (4) فاياك أن تكون منهم ". فلذعه قوله وصاح به " اجلس انما أنت من نخالة أصحاب رسول الله (ص). " فانكر عليه عائذ وقال: " وهل كان فيهم نخالة ؟ انما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم " (5).


(1) تاريخ الطبري (2) قصص العرب 1 / 214. (3) سير اعلام النبلاء 3 / 357 (4) الحطمة: القاسي الذي يظلم الناس (5) البداية والنهاية 8 / 285 (*)

[ 451 ]

وعرف في أثناء ولايته على البصرة بالغش للرعية والخديعة لها، وقد نصحه معقل بن يسار أن يترك ذلك وقال له: اني سمعت رسول الله (ص) يقول: ما من عبد يسترعيه الله ويموت وهو غاش لرعيته الا حرم الله عليه الجنة (1) هذه بعض نزعاته وصفاته النفسية اما صفاته الجمسية فقد كان منها ما يلي: اللكنة: ونشاء الطاغية في بيت أمه مرجانة، ولم تكن عربية فاخذ لكنتها، ولم يكن يفهم اللغة العربية، فقد قال لجماعة، " افتحوا سيوفكم " وهو يريد سلوا سيوفكم، وإلى هذا يشير يزيد بن المفرغ في هجائه له: ويوم فتحت سيفك من بعيد * اضعت وكل أمرك للضياع وجرت بينه وبين سويد مشادة فقال له عبيد الله: " اجلس على أست الارض " فسخر منه سويد وقال: " ما كنت أحسب أن للارض استا " (2) وكان لا ينطق بالحاء وقد قال لهانئ: اهروري سائر اليوم " يريد احروري، وكان يقلب العين همزة كما كان يقلب القاف كافا، فقد قال يوما: " من كاتلنا كاتلناه " يريد من قاتلنا قاتلناه (3).


(1) صحيح مسلم 1 / 67 (2) البيان والتبيين 1 / 73 (3) البداية والنهاية 8 / 284 (*)

[ 452 ]

نهمة في الطعام: ويقول المؤرخون: انه كان نهما في الطعام فكان كل يوم ياكل خمس أكلات آخرها جنبة بغل ويوضع بين يديه بعد ما يفرغ عناق (1) أو جدي فياتي عليه وحده (2) وكذلك كان مسرفا في النساء فقد بنى ليلة قدومه إلى الكوفة بام نافع بنت عمارة بن عقبة بن أبي معيط (3) هذه بعض صفاته الجسمية. ولايته على البصرة: واسند إليه معاوية امارة البصرة وولاه امور المسلمين، وكان في ميعة الشباب وغروره وطيشه، وقد ساس البصرة كما ساسها أبوه فكان يقتل على الظنة والتهمة، وياخذ البرئ بالسقيم والمقبل بالمدبر، وقد وثق به معاوية وارتضى سيرته، وكتب إليه بولاية الكوفة إلا أنه هلك قبل إن يبعث إليه بهذا العهد.


(1) العناق: الانثى من أولاد المعز (2) نهاية الارب 3 / 343 (3) مراة الزمان (ص 285) (*)

[ 453 ]

احقاد يزيد على ابن مرجانة: وكان يزيد نقاما على ابن مرجانة، كاشد ما يكون الانتقام لامور كان من أهمها أن أباه زيادا كان من المنكرين على معاوية ولاته ليزيد، لاستهتاره، واقباله على اللهو والمجون، وقد أراد يزيد أن يعزل عبيد الله من البصرة، ويجرده من جميع الامتيازات الا انه لما اعلن الامام الحسين عليه السلام الثورة وبعث سفيره مسلما لاخذ البيعة من إهل الكوفة أشار عليه سرجون بان يقره على ولاية البصرة ويضم إليه الكوفة، ويندبه للقضاء على الثورة فاستجاب له يزيد، وقد خلص العراق باسره لحكم ابن زياد قبض عليه بيد من حديد، واندفع كالمسعور للقضاء على الثورة ليحرز بذلك ثقة يزيد به، وينال اخلاص البيت الاموي له. مخططات الانقلاب: وبالرغم من حداثه سن ابن زياد فانه كان من أمهر السياسيين في الانقلابات، واكثرهم تغلبا على الاحداث وقد استطاع بغدره ومكره أن يسيطر على حامية الكوفة، ويقضى على جذور الثورة ويخمد نارها، وقد كانت أهم مخططاته ما يلي: 1 - التجسس على مسلم والوقوف على جميع شؤون الثورة. 2 - نشر أوبئة الخوف، وقد أثار جوا من الفزع والارهاب لم تشهد له الكوفة نظيرا، وانشغل الناس بنفوسهم عن التدخل في أي شان من الشؤون السياسية. 3 - بذل المال للوجوه والاشراف، وقد صاروا عملاء عنده يوجههم

[ 454 ]

حيثما شاء، وقد أفسدوا عشائرهم والحقوا الهزيمة بجيش مسلم. 4 - الاحتيال على هانئ بالقاء القبض عليه، وهو أمنع شخصية في المصر، وقد قضى بذلك على أهم العناصر الفعالة في الثورة. هذه بعض المخططات الرهيبة التي استطاع أن يسيطر بها الطاغية على الموقف، ويقضي على الثورة ويزج حامية الكوفة الى حرب ريحانة رسول الله (ص). لم تشهد له الكوفة نظيرا، وانشغل الناس بنفوسهم عن التدخل في أي شان من الشؤون السياسية. 3 - بذل المال للوجوه والاشراف، وقد صاروا عملاء عنده يوجههم

[ 454 ]

حيثما شاء، وقد أفسدوا عشائرهم والحقوا الهزيمة بجيش مسلم. 4 - الاحتيال على هانئ بالقاء القبض عليه، وهو أمنع شخصية في المصر، وقد قضى بذلك على أهم العناصر الفعالة في الثورة. هذه بعض المخططات الرهيبة التي استطاع أن يسيطر بها الطاغية على الموقف، ويقضي على الثورة ويزج حامية الكوفة الى حرب ريحانة رسول الله (ص). مسلم بن عقيل: أما مسلم بن عقيل فكان من أعلام التقوى في الاسلام، وكان متحرجا في دينه كاشد ما يكون التحرج فلم يسلك أي منعطف في طريقه، ولا يقر أي وسيلة من وسائل المكر والخداع، وان توقف عليها النصر السياسي شانه في ذلك شان عمه أمير المؤمنين (ع) بالاضافة الى ذلك انه لم يبعث الى الكوفة كوال مطلق حتى يتصرف حسبما يراه، وانما كانت مهمته محدودة وهي أخذ البيعة للامام، والاستطاع على حقيقة الكوفيين فان راهم مجتمعين بعث الى الامام الحسين بالقدوم إليهم، ولم يؤمر بغير ذلك، وقد أطلنا الحديث في هذه الجهة في البحوث السابقة. ويهذا ينتهي بنا الحديث عن اخفاق ثورة مسلم التي كانت فاتحة لفاجعة كربلا، ومصدرا لآلامها العميقة كما ينتهي بنا الحديث عن الحلقة الثانية من هذا الكتاب.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية