الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




شرح الرضي على الكافية - رضي الدين الأستراباذي ج 4

شرح الرضي على الكافية

رضي الدين الأستراباذي ج 4


[ 1 ]

شرح الرضى على الكافية

[ 2 ]

جميع حقوق الطبع محفوظة 1398 ه‍ - 1978 م جامعة قاريونس

[ 3 ]

شرح الرضى على الكافية طبعة جديدة مصححة ومذيلة بتعليقات مفيدة الجزء الرابع تصحيح وتعليق يوسف حسن عمر الاستاذ بكلية اللغة العربية والدراسات الاسلامية كلية اللغة العربية والدراسات الاسلامية

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قسم الأفعال الفعل 1 معناه، وخواصه (قال ابن الحاجب): (الفعل: ما دل على معنى في نفسه مقترن بأحد الأزمنة) (الثلاثة، ومن خواصه: دخول قد، والسين، وسوف) (والجوازم، ولحقوق تاء فعلت، وتاء التأنيث الساكنة). (قال الرضي): قوله: (في نفسه)، يخرج الحرف، وقوله: (مقترن بأحد الأزمنة الثلاثه)، أي الماضي والحال والاستقبال، يخرج الاسم، وكل اعتراض ورد على طرد 2 حد الاسم، أي على قولنا: كل اسم فهو غير مقترن، أعني الاعتراض بباب الغبوق 3، واسم الفاعل


(1) هذه بداية الرابع والأخير من هذا الكتاب وهو يشتمل على قسمي الأفعال، والحروف، والله الموفق والمعين على اتمامه بمنه وكرمه. (2) تحدث الشارح وأفاض في معنى الاطراد والانعكاس، في شرحه لتعريف الاسم، وقد أحال هنا على ما ذكره هناك. (3) المراد به كل اسم يدل بوضعه على الزمن المعين، ومثل ذلك بالصبوح والغبوق، وهما ما يشرب من اللبن وغيره في وقتي الصباح والمساء (*).

[ 6 ]

العامل، فهو وارد على عكس حد الفعل، أعني على قولنا: كل فعل فهو مقترن...، وما ورد على عكس حد الاسم، أعني على قولنا: كل غير مقترن فهو اسم، من الاعتراض بالمضارع، والأفعال غير المتصرفة، كعسى، وشبهه، فهو وارد على طرد حد الفعل، أعني على قولنا: كل فعل فهو مقترن، والجواب عن الاعتراضات: كما تقدم في حد الاسم. وإنما اختص 1 (قد) بالفعل، لأنه موضوع لتحقيق الفعل: مع التقريب والتوقع في الماضي، ومع التقليل في المضارع. وأما السين وسوف، فسماهما سيبويه 2: حرفي التنفيس، ومعناه: تأخير الفعل إلى الزمان المستقبل، وعدم التضييق في الحال، يقال: نفست الخناق، أي وسعته، و (سوف) أكثر تنفيسا من السين، ويخفف (سوف) بحذف الفاء، فيقال: سو أفعل، وقد يقال: سي، بقلب الواو ياء، وقد تحذف الواو، وتسكن الفاء التي كان تحريكها 3 للساكنين نحو: سف أفعل. وقيل: إن السين 4 منقوص من سوف، دلالة بتقليل الحروف على تقريب الفعل، وإنما اختصا بالفعل، لكونهما موضوعين للدلالة على تأخير الفعل من الحال إلى الاستقبال، واختص الجوازم بالأفعال، لأنه لا جزم في الأسماء، كما ذكرنا: أنهم وفوا الأسماء،


(1) هذا شروع في بيان وجه اختصاص هذه العلامات بالأفعال، كما فعل مثل ذلك في شرح علامات الاسم، في الجزء الاول. (2) قال سيبويه: وأما سوف فحرف تنفيس، ج 2 ص 311، وغيره يسميها حرف تسويف، والجميع يطلقون على السين حرف التنفيس وهو أقل زمنا من التسويف. (3) يعني عند النطق بالكلمة تامة الحروف. (4) في نحو سيفعل. (5) ذكر ذلك في باب الاعراب في الجزء الأول، وهذا تلخيص لما قاله هناك (*).

[ 7 ]

لأصالتها في الاعراب، الحركات الثلاث، ونقصوا الفعل، لفرعيته على الأسماء في الاعراب: ما لا يكون 1 من عمله، وهو الجر، فلما نقص الجر، لم يحرك بشئ بدل الجر، فبقي مجزوما، أي ساكنا، ولو لا كراهة الخروج من إجماع النحاة، لحسن ادعاء كون المضارع المسمى مجزوما: مبنيا 2 على السكون، لأن عمل ما سمي جازما، لم يظهر فيه، لا لفظا ولا تقديرا، وذلك لأن أصل كل كلمة، اسما كانت أو فعلا أو حرفا: أن تكون ساكنة الآخر، ومن ثم لا تطلب العلة للبناء على السكون. وإنما سمي العامل عاملا، لكونه غير آخر الكلمة عما هو أصله، إلى حالة أخرى، لفظا أو تقديرا، ثم نقول 3: إن نحو: لم يغز ولم يخش، ولم يرم: مبني، كاغز، واخش وارم، وإنما حذف الآخر ليكون فرقا بين المعرب المقدر إعرابه، وبين المبني، وذلك لأنك تحذف في الفعل محل الأعراب، إذا كان حرفا يوهم سكونه أنه لاستثقال الحركة عليه لا للبناء،. أي حرف العلة، ليكون تنبيها على أنه: كما ليس الأعراب فيه بظاهر. ليس بمقدر 4، أيضا، لزوال محل الأعراب أي الحرف الأخير بلا علة، بخلاف: يا شجي، و: لا فتى، فإنك أبقيت حرف الأعراب ليكون الأعراب مقدرا فيه. فإن قيل: لا نسلم أن العامل إنما يكون عاملا، لتغيير آخر الكلمة عما هو أصله، بل إنما يكون عاملا لتغييره عن حالة إلى أخرى، سواء كانت الحالة الأولى أصلا لآخر الكلمة أي السكون، أو حالة إعرابية أخرى حاصلة لها قبل دخول العامل، فنحن إنما سمينا الجازم عاملا: لنقله آخر المضارع من الرفع الذي هو معمول وقوعه موقع الاسم،


(1) مفعول به لقوله: تقصوا الفعل... الخ. (2) تمهيد لما سيأتي من ادعاء أن المضارع المعتل الآخر مبني. (3) هذا بيان لما ارتضاه من أن الفعل المضارع المعتل الآخر مبني في حالة الجزم. (4) تقدير الكلام: تنبيها على أنه ليس بمقدر، كما أنه ليس بظاهر (*).

[ 8 ]

أو تجرده 1 من العوامل، إلى السكون، وذلك لأن عامل الرفع في المضارع مقدم على عاملي النصب والجزم، إذ عامل الرفع هو التجرد عنهما، أو الحاصل عند التجرد عنهما، وهو وقوعه موقع الاسم، فيكون الجازم طارئا على الرافع، قلنا: ليس زوال الرفع أثر الجازم، ومنسوبا إليه، بل هو منسوب إلى زوال عامل الرفع، أي الوقوع، أو التجرد، على ما قيل: إن علة العدم عدم العلة، فإن قيل: فيكون زوال الرفع أثرا لزوال عامل الرفع، وزوال عامل الرفع أثر للجازم، وأثر الأثر أثر، فزوال الرفع أي الانجزام أثر للجازم، قلنا: زوال عامل الرفع قد يكون أثرا للناصب أيضا، فيلزم أن يكون الناصب جازما، وأقصى ما يمكن في تمشية كلام النحاة 2، أن يقال: إن الناصب يزيل الرفع إلى بدل وهو النصب، والجازم يزيله لا إلى بدل، فلم يسموا الناصب جازما، لأن تعريفه بأثره الوجودي، أولى من تعريفه بأثره العدمي، ولما لم يكن للجازم أثر وجودي، عرفوه بالعدمي، فسمي جازما، إلا أنه لا يلزم، على هذا أن يكون الناصب في نحو: لن يضربا، ولن يضربوا، ولن تضربي: جازما لأزالة أثر الرفع لا إلى بدل، ولو اخترنا مذهب الكسائي 3، وهو أن ارتفاع المضارع بحروف المضارعة فيكون الجازم الطارى مسقطا للرفع الثابت بثبوت عامله ومانعا له بعد ذلك من إيجاد الرفع، فينسب زوال الرفع إلى الجازم، لا إلى زوال الرافع لأن عامل الرفع ثابت مع الجازم فكيف ينسب زوال الرفع إلى زوال عامله، لم يرد 4 الاعتراض المذكور.


(1) شارة إلى أحد الأقول في علة رفع المضارع. (2) أي في تفسيره تفسير مستقيما لا يرد عليه شئ من الاعتراضات. (3) زعيم نحاة الكوفة، وأحد القراء السبعة وهو ممن نقل عنهم الرضي كثيرا في هذا الشرح، وتقدم ذكره كثيرا في الأجزاء السابقة، وهذه أول مرة يرد ذكره في هذا الجزء. (4) جواب قوله: ولو اخترنا مذهب الكسائي (*).

[ 9 ]

قوله: (ولحق تاء فعلت)، يعني به: اتصاله بضمير الرفع البارز وإنما اختص بالفعل، لأن الاسم يستحق مثناه ومجموعه جمع السلامة الألف والواو، فلو لحقه ضمير الرفع البارز لاجتمع في المثنى ألفان، وفي الجمع واوان، فإن لم يحذف أحدهما: استثقل، وإن حذف: التبس، قوله: (وتاء التأنيث الساكنة)، لأنها سكنت للفرق بينها وبين التاء اللاحقة للاسم، وكانت أولى بالسكون من التاء الاسمية لخفة الاسم وثقل الفعل.

[ 11 ]

الماضي تعريفه، وبناؤه (قال ابن الحاجب): (الماضي: ما دل على زمان قبل زمانك، مبني على الفتح) (مع غير الضمير المرفوع المتحرك، والواو)، (قال الرضي): قوله: (ما دل)، أي: فعل دل، حتى لا ينتقض بأمس، ونحوه، وإنما لم يحتج إلى التصريح بلفظ الفعل، لأنه في قسم الأفعال. قوله (قبل زمانك)، أي قبل زمان تلفظك به، لا على وجه الحكاية، وقولنا: لا على وجه الحكاية، ليدخل فيه نحو (خرجت) في قولك اليوم 1: يقول زيد بعد غد: خرجت أمس، فخرجت: ماض وإن لم يدل هنا على زمان قبل زمان تلفظك به،. لأنك حاك، وزيد 2، يتلفظ به لا على وجه الحكاية، فيدل على زمان قبل زمان تلفظه به. ويخرج عنه أيضا نحو: أخرج، في قولك اليوم: قال زيد أول من أمس: أخرج غدا، فانه دال على زمان تلفظ الحاكي به. وأكثر ما يستعمل في الأنشاء الأيقاعي من أمثلة الفعل، هو الماضي، نحو: بعت،


(1) متعلق بكلمة: قولك، يعني أنت تقول الكلام الآتي في يومك الحاضر وكذلك في العبارة التي تليها. (2) المراد: زيد المتحدث عنه في المثال (*).

[ 12 ]

واشتريت، والفرق بين (بعت) الأنشائي، و: (أبيع) المقصود به الحال، أن قولك: أبيع، لا بد له من بيع خارج حاصل بغير هذا اللفظ، تقصد بهذا اللفظ مطابقته لذلك الخارج، فإن حصلت المطابقة المقصودة فالكلام صدق، وإلا فهو كذب، فلهذا قيل: إن الخبر محتمل للصدق والكذب، فالصدق محتمل اللفظ من حيث دلالته عليه، والكذب محتمله ولا دلالة للفظ عليه، وأما: (بعت) الأنشائي فإنه لا خارج له تقصد مطابقته، بل البيع يحصل في الحال بهذا اللفظ، وهذا اللفظ موجد له، فلهذا قيل: إن الكلام الأنشائي لا يحتمل الصدق والكذب: وذلك لأن معنى الصدق: مطابقة الكلام للخارج، والكذب، عدم مطابقته له، فإذا لم يكن هناك خارج، فكيف تكون المطابقة وعدمها. واعلم أن الماضي ينصرف إلى الاستقبال بالأنشاء الطلبي: إما دعاء، نحو: رحمك الله، وإما أمرا، كقول علي رضي الله عنه في النهج: (أجزأ امرؤ قرنه، وآسى آخاه بنفسه) 1، وينصرف إليه أيضا، بالاخبار عن الأمور المستقبلة مع قصد القطع بوقوعها، كقوله تعالى: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) 2، و: (وسيق الذين... 3)، والعلة في الموضعين: أنه من حيث إرادة المتكلم لوقوع الفعل قطعا: كأنه وقع ومضى، ثم هو يخبر عنه. وينصرف إليه، أيضا، إذا كان منفيا بلا، أو إن، في جواب القسم، نحو: والله لا فعلت، أو: إن فعلت، فلا يلزم تكرير (لا)، كما يلزم في الماضي الباقي على معناه، قال:


(1) هذا مما جاء في نهج البلاغة، وهو من خطبة للامام على رضي الله عنه يحرض فيها أصحابه على القتال، وصوابه كما أثبتناه: وآسى بالعطف على أجزأ، ومعناه: ليجزئ كل واحد منكم قرنه أي خصمه في الحرب، وليواس زميله في الحرب بنفسه ولا يتركه لعدوه، انظر نهج البلاغة ص 149 طبع مطابع الشعب بالقاهرة، اخراج الأستاذين: محمد البنا. ومحمد عاشور. وهي الطبعة التي ننقل عنها في تعليقاتنا على هذا الشرح، ثم انظر ما كتبناه في المقدمة عن استشهاد الرضي بكلام الأمام علي، وما قيل في نسبة نهج البلاغة إليه رضي الله عنه. (2) الآية 44 سورة الأعراف. (3) صدر كل من الآيتين: 71، 73 في سورة الزمر (*).

[ 13 ]

614 - حسب المحبين في الدنيا عذابهم تالله عذبتهم بعدها سقر 1 أي: لا تعذبهم. وينقلب إليه أيضا، بدخول (ان) الشرطية، وما يتضمن معناها، وبدخول (ما) النائبة عن الظرف المضاف 2، نحو: ما ذر شارق، و: (ما دامت السموات 3...)، لتضمنها معنى (إن)، أي: إن دامت: قليلا، أو كثيرا، وقد يبقى معها على المضي، كقوله تعالى: (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم) 4. ويحتمل المضي والاستقبال بعد همزة التسوية، نحو: سواء علي: أقمت أم قعدت، وبعد: (كلما) و (حيثما) لأن في الثلاثة رائحة الشرط 5، وكذا بعد حرف التخضيض (إذا كان للطلب، لا للتقريع) 6، كما يجئ في بابه. وكذا إذا كان صلة لموصول عام، هو مبتدأ، أو صفة لنكرة عامة كذلك، نحو: الذي أتاني فله درهم، أو: كل رجل أتاني فله درهم، لأن فيهما رائحة الشرط، كما ذكرنا في باب المبتدأ 7. قوله: (مبني على الفتح)، أما بناؤه فعلى الأصل، كما ذكرنا في أول الكتاب 8،


(1) من أبيات قالها المؤمل الحارثي من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية في أمراة كان يهواها من أهل الحيرة. منها قوله: شف المؤمل يوم الحيرة النظر * ليت المؤمل لم يخلق له بصر (2) يسميها النحاة المصدرية الظرفية. (3) من الآيتين 107. 108 سورة هود. (4) من الآية 117 سورة المائدة. (5) النحاة لا يعدون كلما من أدوات الشرط ولكنهم يعدون حيث المقرونة بما من أدوات الشرط فعلا. (6) هذه عبارة بعض النسخ كما أشير إلى ذلك بهامش المطبوعة، وهي أوضح مما في الأصل، لأن حرف (7) في آخر باب المبتدأ، في الجزء الأول من هذا الشرح. (8) انظر حديث الشارح عن الاعراب في أول الجزؤ الأول (*).

[ 14 ]

وأما بناؤه على الحركة فلمشابهته الاسم بوقوعه موقعه، نحو: برجل ضرب، أي: ضارب، فالمضارع لما شابهه 1 المشابهة التامة، استحق الأعراب، وهو 2، لمشابهته مشابهة ناقصة، استحق البناء على الحركة، وأيضا، لوقوعه موقع المضارع في المواقع المذكورة قبل 3. وخص بالفتح، لثقل الفعل لفظا، إذ لا تجد فعلا ثلاثيا ساكن الوسط بالأصالة، ومعنى، بدلالته على المصدر والزمان، وبطلب المرفوع دائما، والمنصوب كثيرا، فإذا اتصل به ضمير مرفوع متحرك، سكن آخره، كراهة توالى أربع حركات فيما هو كالكلمة الواحدة، وإنما كان الضمير المرفوع المتصل كجزء الكلمة لأن الضمير المتصل هو كالجزء مما قبله، كما مر في باب المضمرات، ولا سيما إذا كان فاعلا، وهم لا يجمعون في كلمة واحدة بين أربع حركات على الولاء 4، ولهذا قالوا: أصل هدبد وعلبط: هدابد، وعلابط 5. قوله: (الضمير المرفوع)، احترز به عن المنصوب، نحو: ضربك، وضربنا، فانه لا يسكن، قوله: (المتحرك)، احتراز من المرفوع الساكن، نحو: ضربا، فإنه لا يسكن معه لعدم توالي أربعة متحركات، وإذا اتصل به الواو: انضم آخره لمجانسة الواو.


(1) أي شابه الاسم. (2) أي الفعل الماضي. (3) وهي وقوعه خبرا وصفة وحالا. (4) يعني متوالية. (5) الهدبد مقصور من: هدابد، وهو اللبن الخاثر جدا، والعلبط أصله: العلابط ومعناه: الضخم، وقيل معناه: القطيع من الغنم (*).

[ 15 ]

المضارع تعريفه، وجه مشابهته للاسم شرط إعرابه (قال ابن الحاجب): (المضارع: ما أشبه الاسم بأحد حروف نأيت 1، لوقوعه) (مشتركا وتخصيصه بالسين، فالهمزة للمتكلم مفردا، والنون) (له مع غيره، والتاء للمخاطب مطلقا، وللمؤنث، والمؤنثتين) (غيبة، والياء للغائب غيرهما، وحرف المضارعة مضموم في) (الرباعي، مفتوح فيما سواه، ولا يعرب من الفعل غيره، إذا) (لم يتصل به نون تأكيد ولا نون جمع مؤنث). (قال الرضي): قوله: (ما أشبه الاسم)، أي الفعل الذي أشبه الاسم، وإنما عرف المضارع بمشابهته للاسم، لأنه لم يسم مضارعا إلا لهذا، ومعني المضارعة في اللغة: المشابهة، مشتقة من الضرع، كأن كلا الشبيهين ارتضعا 2 من ضرع واحد، فهما أخوان رضاعا، يقال: تضارع السخلان، إذا أخذ كل واحد منهما بحلمة من الضرع وتقابلا في الرضاع.


(1) كلمة جمعوا فيها أحرف المضارعة، وقد وافق تأليفها صيغة فعل ماض مسند إلى تاء الفاعل من نأى. وبعضهم يجمعها في أنيت، أو في تأتي الخ. (2) تثنية الضمير في: ارتضعا، مراعاة لمعنى (كلا) ويجوز مراعاة اللفظ، وكلاهما جائز وفصيح (*).

[ 16 ]

قوله: (بأحد حروف نأيت)، ليس بيانا لوجه المضارعة، بل بيانها هو قوله: لوقوعه مشتركا وتخصيصه بالسين، والباء، هنا 1، للسببية، إذ زيادة هذه الحروف على أول الماضي مع تغيير بعض حركاته سبب محصل لجهة مشابهة المضارع للاسم، وتلك الجهة: وقوعه مشتركا، كما ذكرنا، فالباء فيه، كما في قولك، بزيد صرت كقارون في الثروة. قوله: (بأحد حروف نأيت)، يخرج الماضي، قوله: (لوقوعه مشتركا)، بيان لوجه مشابهة المضارع لمطلق الاسم، وأما مشابهته لاسم الفاعل خاصة فبالموازنة، وصلاحيته للحال والاستقبال، فلذلك عمل عمله كما تقدم. قوله: (لوقوعه مشتركا)، أي: هو حقيقة في الحال والاستقبال، وقال بعضهم: هو حقيقة في الحال، مجاز في الاستقبال، وهو أقوى، لأنه إذا خلا من القرائن، لم يحمل إلا على الحال، ولا يصرف إلى الاستقبال إلا لقرينة، وهذا شأن الحقيقة والمجاز، وأيضا، من المناسب أن يكون للحال صيغة خاصة، كما لأخويه 2. وقيل: هو حقيقة في الاستقبال، مجاز في الحال، لخفاء الحال، حتى اختلف العلماء فيه، فقال الحكماء 3: إن الحال ليس بزمان موجود، بل هو فصل بين الزمانين، ولو كان زمانا لكان التنصيف تثليثا. وليس بشئ، لأن الحال عند النحاة غير (الآن) المختلف في كونه زمانا، بل هو ما على جنبتي 4 الآن من الزمان، مع الآن، سواء كان الآن زمانا، أيضا، أو: الحد المشترك بين الزمانين، ومن ثم تقول: إن (يصلي) في قولك: زيد يصلي، حال،


(1) يعني في قوله: بأحد حروف تأنيت. (2) يعني كما أن لكل من الماضي والمستقبل صيغة خاصة: والصيغة الخاصة بالمستقبل اتفاقا هي صيغة فعل الأمر. (3) هذا من كلام الفلاسفة، وذلك مراده بقوله: الحكماء (4) على جنبتي الآن أي حافتيه كما يعبر بعضهم والمراد بالآن وقت التكلم (*).

[ 17 ]

مع أن بعض صلاته ماض وبعضها باق، فجعلوا الصلاة الواقعة في الآنات الكثيرة المتتالية واقعة في الحال. وقيل: 1 المضارع يشبه الاسم بدخول لام الابتداء، نحو: إن زيدا ليخرج، كما تقول: إن زيدا لخارج، ولا يقال: إن زيدا لخرج 2، فإن هذه اللام الداخلة في حيز (إن) أصلها أن تدخل في المبتدأ ثم تأخرت عن الابتداء لدخول (إن)، فهي تدخل على الاسم، أو على ما أشبه الاسم، مراعاة لأصلها وهو المبتدأ، وأما قولهم: إن زيدا لفي الدار، فلقيام الظرف مقام (حاصل)، كما يجئ في باب (إن). وعند الكوفيين: لام الابتداء الداخلة على المضارع مخصصة له بالحال، كما أن السين تخصصه بالاستقبال، فلا يكون دخولها وجها آخر للمشابهة، بل كالسين في التخصيص فلذلك لا يجوزون: إن زيدا لسوف يخرج، لتناقض، والبصريون يجوزون ذلك، لأن اللام عندهم باقية على إفادة التوكيد فقط، كما كانت تفيده لما دخلت على المبتدأ، قوله: (لوقوعه مشتركا وتخصيصه بالسين)، يعني أن الاسم يكون مبهما نحو: رجل، ثم يختص بواحد، بسبب حرف 3، نحو: الرجل، وكذا المضارع: مبهم، لصلاحيته للحال والاستقبال، ثم يختص بأحدهما بالسين. والفعل المضارع معرب للمشابهة المذكورة عند البصريين، لا، لأجل توارد المعاني المختلفة عليه كالاسم. وقال الكوفيون: أعرب الفعل المضارع بالأصالة، لا للمشابهة، وذلك لأنه قد تتوارد عليه، أيضا، المعاني المختلفة، بسبب اشتراك الحروف الداخلة عليه، فيحتاج إلى إعرابه، ليتبين ذلك الحرف المشترك فيعين المضارع تبعا لتعينه، وذلك نحو قولك:


(1) استكمال للآراء في وجه مشابهة المضارع للاسم. (2) من المقرر أن لام الابتداء لا تدخل في خبر ان إذا فعلا ماضيا وقد يقترن بها إذا كان مسبوقا بقد. (3) وهو حرف التعريف في مثاله (*).

[ 18 ]

لا تضرب، رفعه مخلص لكون (لا) للنفي، دون النهي، وجزمه دليل على كونها للنهي، ونحو قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، نصب (تشرب) دليل على كون الواو للصرف 1، وجزمه دليل على كونها للعطف. ونحو قولك: ما بالله حاجة فيظلمك 2، نصب (يظلم) دليل على كون الفاء للسببية، ورفعه على كونها للعطف، ونحو: ليضرب، جزمه دليل على كون اللام للأمر، ونصبه، على كونها لام (كي)، أو لام الجحود، ويتغير المعنى بكل واحد من الأعرابات المذكورة، ثم طرد الحكم فيما لا يلتبس فيه معنى بمعنى، نحو: يضرب زيد، ولن يضرب زيد، ولم يضرب زيد، كما طرد الأعراب في الاسم فيما لم يلتبس فيه الفاعل بالمفعول نحو: أكل الخبز زيد، سواء كانت المواضع الملتبسة في الاسم أو في الفعل أكثر من غير الملتبسة، أو أقل أو مساوية لها، فانه قد يطرد في الأكثر، الحكم الذي ثبتت علته في الأقل، كحذفهم الواو في: تعد ونعد وأعد، لحدفهم لها في: يعد 3، وكذا، حذفوا الهمزة في: يكرم ونكرم وتكرم، لحذفهم لها في أكرم 4. قوله: (فالهمزة للمتكم مفردا)، تبيين لمعاني حروف المضارعة، ليعلم أنها لا تكون للمضارعة إلا باعتبار معانيها، وإلا، ففي أول (أكرمت) أيضا، همزة، وليست للمتكلم، لثبوتها مع الغائب والمخاطب، فلا يكون الفعل بسببها مضارعا. فالهمزة للمتكلم وحده، مذكرا كان أو مؤنثا، والنون للمتكلم مع غيره، سواء كانا مذكرين أو مؤنثين أو مختلفين، وكذا يصلح للجمع بالاعتبارات الثلاثة، ويقول الواحد المعظم، أيضا: نفعل، وفعلنا، وهو مجاز عن الجمع، لعدهم المعظم كالجماعة، ولم يجئ للواحد الغائب والمخاطب المعظمين: فعلوا، وفعلتم، في الكلام القديم المعتد به، وإنما هو استعمال المولدين.


(1) هذا اصطلاح الكوفيين في تسمية واو المعية، والمراد انها تصرف الكلام عن العطف الذي هو الأصل في الواو. (2) سيذكره الشارح في الكلام على نصب المضارع بعد واو المعية الواقعة في جواب النفي. (3) العلة متحققة في (يعد) فقط، وهي وقوع الواو بين الياء المفتوحة، والكسرة، أو بين عدويتها كما يقولون. (4) لاجتماع الهمزتين في صدر الكلمة، والحذف هنا مبالغة في تخفيف الهمزتين الملتقيتين في أول الكلمة (*).

[ 19 ]

والتاء للمخاطب، مذكرا كان أو مؤنثا، مفردا كان أو مثنى، أو مجموعا، وللمؤنث الغائب، وللمؤنثتين، أيضا، والياء للغائب غيرهما أي غير المؤنث والمؤنثتين فيكون للأربعة، أي لواحد المذكر، ومثناه، وجمعه، ولجمع المؤنث. قوله: (وحرف المضارعة مضموم في الرباعي)، سواء كانت حروفه أصلية، كيد حرج، أو فيه زائد، كيكرم، وأصله: يؤكرم، ويقطع، ويقاتل. وأصل الأفعال: ثلاثي، ورباعي، فتحت حروف المضارعة في الثلاثي، لأن الفتح، لخفته، هو الأصل، فكان بالثلاثي: الأصل 1، أولى، أو لأن الرباعي أقل، فاحتمل الأثقل الذي هو الضم، وتركوا الكسر، لأن الياء من حروف المضارعة يستثقل عليها 2، وكسر حروف المضارعة، إلا الياء، لغة غير الحجازيين إذا كان الماضي مكسور العين، كما يجئ في التصريف، ويكسرون الياء أيضا، إذا كانت بعدها ياء أخرى. فلما ضموا في الرباعي الأصلي حروفه، حمل عليه الرباعي المزيد فيه، كيفاعل، ويفعل ويفعل، وبقي غير الرباعي على أصل الفتح لخفته. وأما أهراق يهريق وأسطاع يسطيع، فرباعي زيد فيه الحرفان 3، على غير القياس كما يجئ في التصريف، إن شاء الله تعالى. قوله: (ولا يعرب من الفعل غيره)، قد تقدم علته. قوله: (إذا لم يتصل به نون التأكيد)، اعلم أنه اختلف في المضارع المتصل به نونا التوكيد، فقال جمهورهم: إنه مبني لتركبه مع النون وصيرورته معها كالكمة الواحدة، ولا إعراب في الوسط، وأما النون فحرف، ولا حظ له في الأعراب، فبقي الجزء ان مبنيين.


(1) أي الذي هو الأصل، فكلمة الأصل عطف بيان (2) أي الكسر. (3) أي: الهاء في أهراق، والسين في أسطاع لأنه بمعنى أطاع وقالوا ان السين فيه عوض من حركة العين التي أعلت بقلبها ألفا في أطاع وهمزته للقطع، بخلاف اسطاع المختصر من استطاع بحذف التاء (*).

[ 20 ]

فإن قيل: فلما امتزجا فهلا أعربت الكلمة على النون، كما يعرب الاسم المؤنث على التاء لما ركبا، أو: هلا أعرب مع هذا الامتزاج على ما قبل النون، كما أعرب الاسم مع امتزاجه بالتنوين على ما قبله ؟ قلت: إما لأن 1 الاسم أصل في الأعراب والفعل فرع عليه، فروعي إعراب الاسم بقدر ما أمكن، دون الفعل، ولا سيما والنون من خواص الأفعال فترجح جانب الفعلية، وضعفت مشابهة الاسم. وهذا على مذهب البصريين. وإما لأن علة إعراب الفعل ليست ظاهرة ظهور علة إعراب الاسم، وأكثر الأفعال مبنية، فيرجع إلى البناء لأدنى سبب. وهذا على مذهب الكوفيين. هذا، مع أن للعرب داعيا آخر إلى ترك إعراب ما قبل النون كما أعربوا الاسم على ما قبل التنوين فرجحوا لذلك الداعي موجب البناء مع ضعفه، وهو 2 اشتغال ما قبل النون المؤكدة بالحركة المجتلبة للفرق بين المفرد المذكر، والمجموع المذكر، والواحد المؤنث، ففتحوا في الأول، وضموا في الثاني، وكسروا في الثالث، لأجل الفرق، ولما كان أصل الاسم الأعراب، لم يبنوه مركبا مع التنوين، بناء الفعل مع النون، وأيضا، لم يكن للتنوين معه امتزاج قوي، ألا ترى إلى سقوطه في الوقف، وفي الأضافة، ومع اللام، ولضعف الامتزاج لم يعرب على التنوين كما أعرب على تاء التأنيث. وقال بعضهم: جميع ما اتصل به النونات 3 من المضارع، باق على إعرابه، كما أن الاسم معرب، لكن لما اشتغل حرف الأعراب بالحركة المجتلبة قبل إعراب الكلمة


(1) أي أن عدم الأعراب حينئذ إما لأن الخ. (2) أي الداعي إلى لترك اعراب ما قبل النون. (3) وهي نون النسوة، ونونا التوكيد: الثقيلة والخفيفة (*).

[ 21 ]

لأجل الفرق، صار الأعراب مقدرا، كما في نحو: غلامي، على مذهب المصنف 1. وقال بعضهم: المضارع مع النونين مبني للتركيب، إلا إذا أسند إلى الألف نحو: ان، أو الواو نحو: هل تضربون، أو الياء نحو: هل تضربين، لأن الضمائر التركيب لفصلها بينهما، والمحذوف للساكنين في حكم الثابت، فنحو: يضربن، وتضربن، كيخشون وتخشين فالمسند إلى أحد الأحرف الثلاثة معرب مقدر الاعراب، لاشتغال محله بحركة الفرق. فإن قيل: فإذا كانت 2 معربة فلم لم تعوض النون من الحركة، كما عوض في نحو: يضربان ويضربون وتضربين، لما اشتغل محل الأعراب. أي لام الكلمة بالحركات المناسبة للحروف التي هي ضمائر ؟ قلت: كراهة لاجتماع النونات ؟ وإنما لم يدر الأعراب عند هؤلاء على نون التأكيد، كما دار على ياء النسب، وتاء التأنيث، لمشابهتها للتنوين، والأعراب قبل التنوين لا عليه، ولتشابهما تقلب ألفا في نحو: (لنسفعا 3...). قوله: (ولا نون جمع)، اختلف فيه أيضا، فالجمهور على أن الفعل مبني للحاقها، قال سيبويه: إن (يضربن) شابه (ضربن)، يعني أنه لما سكن آخره وإن لم يجتمع فيه أربعة متحركات حملا على (ضربن)، جاز بناؤه، أيضا، حملا عليه، وإذا جاز لك تشبيه الفعل بالاسم وإخراجه عن أصله من البناء، فالأولى في الفعل المشابه للفعل أن يرد إلى أصله من البناء، مع أن هناك داعيا إلى بنائه وهو إلزامهم لحل الأعراب الأسكان، لمشابهته نحو: ضربن.


(1) للنجاة في المضاف إلى ياء المتكلم رأيان، فيرى بعضهم أنه مبني، ويرى ابن الحاجب انه معرب بحركات مقدرة وقد أيده الشارح، انظر باب الأعراب في الجزء الأول. (2) أي صور المضارع المسندة إلى الأحرف المذكورة. (3) الآية 15 سورة العلق (*).

[ 22 ]

وقال بعضهم: هو معرب لضعف علة البناء، مقدر الأعراب لالزامهم محله السكون، ولم يعوض النون من الأعراب خوفا من اجتماع النونين. أوجه الأعراب في المضارع (قال ابن الحاجب): (وإعرابه رفع ونصب وجزم، فالصحيح المجرد عن ضمير) (بارز مرفوع للتثنية والجمع والمخاطب المؤنث: بالضمة) (والفتحة والسكون، والمتصل به ذلك بالنون وحذفها، نحو:) (يضربان، ويضربون، وتضربين، والمعتل بالواو والياء:) (بالضمة تقديرا والفتحة لفظا، والحذف، والمعتل بالألف:) (بالضمة والفتحة تقديرا، والحذف). (قال الرضي): قوله: (وإعرابه رفع ونصب وجزم)، قد مضى علة اختصاصه بالجزم 1. قوله: (فالصحيح المجرد... إلى آخره)، تفصيل لأنواع الأفعال باعتبار الأعراب، لأن الأعراب يختلف في أنواعها، كما اختلف في أنواع الاسماء، فنحا نحو تبيينه في الاسماء، وبين، ههنا، اللفظي والتقديري في كل واحد من تلك الأنواع، لسهولة أمره، بخلاف الاسماء، فانه بين هناك: التقديري، ولم يبين اللفظي لعدم انحصاره. قوله: (فالصحيح)، احتراز عن المعتل نحو يغزو، ويرمي، ويخشى، فإنه ليس بالضمة رفعا والسكون جزما.


(1) تقدم ذلك عند الكلام على أنواع الأعراب في أول الجزء الأول من هذا الشرح (*).

[ 23 ]

قوله: (المجرد عن ضمير بارز)، احتراز عن الملتبس بالضمير البارز المرفوع، ثم بين أن ذلك الضمير لا يكون في المضارع إلا في المثنى والمجموع والمخاطب المؤنث، نحو: يضربان، ويضربون، وتضربين، وإنما احترز عن هذه الأمثله الخمسة 1، لأنها لا تكون بالضمة والفتحة والسكون، بل بالنون وحذفها، كما يجئ، وإنما قيد الضمير بالبارز، لأنه لو قال: المجرد عن الضمير، وسكت، لوجب ألا يكون المتصل بالضمير المستكن، نحو: زيد يضرب، وهند تضرب، وأنت تضرب، وأضرب، ونضرب: بالضمة 2 والفتحة والسكون، وإنما قيد الضمير البارز بالمرفوع، لأنه لو سكت على قوله: المجرد عن ضمير بارز، لوجب ألا يكون المتصل بالضمير البارز المنصوب نحو يضربك: بالضمة والفتحة والسكون. قوله: (والمتصل به ذلك)، أي المضارع المتصل به ذلك الضمير البارز المرفوع، وهو الألف، والواو، والياء، في الأمثلة الخمسة: يرتفع بالنون وينتصب وينجزم بحذفها. وإنما أعرب هذا بالنون، لأنه لما اشتغل محل الأعراب وهو اللام، بالضمة لتناسب الواو، وبالفتحة لتناسب الألف، وبالكسرة لتناسب الياء: لم يمكن دوران الأعراب عليه، ولم يكن فيه علة البناء حتى يمتنع الأعراب بالكلية، فجعل 3 النون بدل الرفع لمشابهته في الغنة للواو، وإنما خص هذا الأبدال بالفعل اللاحق به الواو والألف والياء، دون نحو: يدعو ويرمي ويخشى، والقاضي، وغلامي، وإن كان الأعراب في جميعها مقدرا لمانع مع كونها معربة، ليكون الفعل اللاحق به ذلك الضمير، كالاسم المثنى والمجموع بالواو والنون، وذلك لكون ألف (يضربان)، مشابها لألف (ضاربان)، وواو (يضربون) مشابها لواو (ضاربون)، وإن كان بينهما فرق من حيث إن اللاحق للاسم حرف، وحمل الياء في تفعلين على أخويه: الألف والواو، في لحاق النون بهما.


(1) الأمثلة الثلاثة المتقدمة يزاد عليها صيغة المخاطب في الأولين. (2) خبر عن قوله: الا يكون المتصل.. الخ. (3) مرتبط بقوله: لم يمكن دوران (*).

[ 24 ]

وإنما جاز وقوع علامة رفع الفعل بعد فاعله، أعني الواو والياء والألف، لأن الضمير المرفوع المتصل كالجزء، وخاصة إذا كان على حرف، ولا سيما إذا كانت تلك الحروف من حروف المد واللين، فالكلمة معها: كمنصور، ومسكين وعمار، وسقوط النون في الجزم ظاهر، لكونه علامة الرفع، وكذا في النصب، لأن علامة الرفع لا تكون في حالة النصب، إلا أن الرفع في الواحد، زال مع الناصب، وجاء في موضعه الفتح، وفي الأمثلة الخمسة، زال الرفع لا إلى بدل، كما كان البدل في الأسماء الستة، لأن حروف العلة يبدل بعضها ببعض في الأعراب لكونها متولدة من حركات الأعراب القائم بعضها مقام بعض، فصار النصب في الأمثلة الخمسة، إذن، في صورة الجزم، وتحذف هذه النونات الخمس، مع نوني التوكيد. أما عند من قال: الفعل معهما مبني، فظاهر، وأما عند من قال بإعراب الفعل معهما فلاجتماع النونات، فيكون الأعراب معهما مقدرا، كما في: قاض، وتكسر النون بعد الألف غالبا، لأن الساكن إذا حرك فالكسر أولى. وقرى في الشواذ 1: (أتعدانني.. 2)، وتفتح بعد الواو والياء، حملا على نون الجمع في الاسم، وندر حذفها لا للأشياء المذكورة نظما، ونثرا، قال: 615 - أبيت أسري وتبيتي تدلكي * شعرك بالعنبر والمسك الذكي 3. قوله: (والمعتل بالواو والياء: بالضمة تقديرا)، استثقلت الضمة على الواو والياء بعد الضمة والكسرة، ولم تستثقل الفتحة بعدهما لخفتها، وربما يظهر، في الضرورة: الرفع في الواو والياء، كما يظهر في الاسم جر الياء ورفعها، قال: 616 - ما إن رأيت ولا أرى في مدتي * كجواري يلعبن في الصحراء 4 ويقدر، لأجل الضرورة كثيرا، نصب الياء والواو، نحو قوله:


(1) قرأبها جماعة منهم الحسن وشيبة. (2) من الآية 17 سورة الأحقاف. (3) هذا الشاهد لا يعرف قائله، ونقله البغدادي عن ابن جني وهو في الخصائص ج 1 ص 388. (4) شرحه البغدادي ثم قال: إنه مع كثرة تداوله في كتب النحو واللغة لم أقف على قائله (*).

[ 25 ]

617 - فما سودتني عامر عن وراثة * أبى الله أن أسمو بأم ولا أب 1 وكذا في الاسم، قال: 618 - كأن أيديهن بالقاع القرق * أيدى جوار يتعاطين الورق 2 ويقدر أيضا في السعة، كثيرا، كقولهم في المثل: (أعط القوس باريها) وكذا يقدر، في الضرورة، رفع الحرف الصحيح وجره، قال: 619 - فاليوم أشرب غير مستحقب * إثما من الله ولا واغل 3 وإنما جاز حذف الواو والياء والألف في الجزم، لأن الجازم عندهم، يحذف الرفع في الآخر، والرفع في المعتل محذوف للاستثقال قبل دخول الجازم فلما دخل، لم يجد في آخر الكلمة إلا حرف العلة المشابه للحركة فحذفه، وقد لا 4 تحذف الأحرف الثلاثة في الضرورة، قال: 620 - إذا العجوز غضبت فطلق * ولا ترضاها ولا تملق 5.


(1) هذا البيت من قصيدة لعامر بن الطفيل، وروايته هكذا بالفاء في أوله، لأن قبله على ما رواه المبرد: فاني وإن كنت ابن فارس عامر * وفي السر منها والصريح المهذب وبعضهم يروي بيت المبرد: اني بدون فاء، قال لأنه أول القصيدة، وفي البيت روايات أخرى. (2) القرق بقافين: قيل معناه الأملس، وقيل: الخشن الذي فيه حصى، والمراد بالورق بكسر الراء: الدراهم، ويروى: أيدي نساء. وقال البغدادي ان هذا الشاهد رواه ابن رشيق في العمدة منسوبا إلى رؤية بن العجاج، ثم قال: ولم أره في ديوانه، وكأنه لا صلة له بالأرجوزة التي أولها: وقاتم الأعماق خاوي المخترق (3) المستحقب: المكتسب، وهو من قولهم استحقب أي وضع شيئا في الحقيبة، والواغل: الذي يدخل على الشاربين من غير أن يدعوه، والبيت من قصيدة لامرى القيس بن حجر الكندي، قالها بعد أن أخذ بثأر أبيه من قاتليه من بني أسد، وكان قد حلف لا يشرب خمرا إلا بعد أن يثار لأبيه منهم، وقبل هذا البيت: حلت لي الخمر وكنت امرءا * عن شربها في شغل شاغل (4) تكررت الأشارة في الأجزاء السابقة، إلى أن هذا التعبير لا تقره قواعد النحو، وهو ادخال قد، على الفعل المنفي، وإن كان بعض الباحثين يحاول أن يجد له وجها، لأنه ورد في بعض الاستعمالات. (5) من رجز منسوب إلى رؤية بن العجاج وقوله ترضاها وتملق أصلهما تترضاها وتتملق (*).

[ 26 ]

وقال: 621 - ألم يأتيك والأنباء تنمي * بما لاقت لبون بني زياد 1 فيقدر أنها كانت متحركة، فحذفت حركتها للجزم، أو يقال: إن الحروف حذفت للجزم، والحروف الموجودة الآن للاشباع كما في قوله: وإنني حيثما يدني الهوى بصري * من حيثما سلكوا أدنو فأنظور 2 - 11. وقوله: ينباع من ذفرى غضوب حسرة * زيافة مثل الفنيق المكدم 3 - 12 وربما جاء نحو: لم يأتي، في السعة. رفع المضارع وعامله وما يخلصه للحال، أو للاستقبال (قال ابن الحاجب): (ويرتفع إذا تجرد عن الناصب والجازم نحو: يقوم زيد). (قال الرضي): هذا، وإن لم يصرح بأن عامل الرفع هو التجرد عن العوامل، كما هو مذهب الفراء 4،


(1) الشاهد فيه قوله ألم ياتيك باثبات الياء في الفعل المعتل المجزوم، وهذا أول أبيات قالها قيس بن زهير العبسي، بعد أن أخذ إبلا للربيع بن زياد وكان الربيع أخذ درعا من قيس وامتنع من ردها إليه في قصة طويلة، وقوله تنمى أي تزيد، والباء في بما لاقت زائدة في الفاعل وفي البيت توجيهات غير ما تقدم وهو في سيبويه ج 2 ص 59. 2، 3 تقدم هذان البيتان متوالين كما هنا، في الجزء الأول من هذا الشرح وأولهما مجهول القائل والثاني من معلقة عنترة بن شداد العبسي. (4) الفراء من متقدمي نحاة الكوفة وتقدم ذكره في الأجزاء السابقة (*).

[ 27 ]

كالأيماء إلى ذلك المذهب، ولعل اختيار الفراء لهذا، حتى يسلم من الاعتراضات الواردة على مذهب البصريين، وهو أن ارتفاعه بوقوعه موقع الاسم، سواء وقع موقع اسم مرفوع،. كما في: زيد يضرب، أي: ضارب، أو مجرور أو منصوب، نحو: مررت برجل يضرب، ورأيت رجلا يضرب. وإنما ارتفع بوقوعه موقع الاسم، لأنه يكون، إذن، كالاسم، فأعطي أسبق إعراب الاسم وأقواه وهو الرفع. وتلك الاعتراضات 1 مثل أن يرتفع في مواضع لا يقع فيها الاسم، كما في الصلة، نحو: الذي يضرب، وفي نحو: سيقوم وسوف يقوم، وفي خبر (كاد) نحو: كاد زيد يقوم، وفي نحو: يقوم الزيدان. ويمكن الجواب عن نحو: الذي يضرب، ونحو: يقوم الزيدان، بأن يقال: هو واقع موقعه، لأنك تقول: الذي ضارب هو، على أن (ضارب) خبر مبتدأ مقدم عليه، وكذا: قائمان الزيدان، ويكفينا وقوعه موقع الاسم، وإن كان الأعراب مع تقديره اسما، غير الأعراب مع تقديره فعلا، وعن نحو: سيقوم، بأن سيقوم، مع السين، واقع موقع (قائم)، لا (يقوم) 2 وحده، والسين صار كأحد أجزاء الكلمة. وعن نحو: كاد زيد يقوم، بأن أصله صلاحية وقوعه موقع الاسم كما في قوله: 622 - فأبت إلى فهم وما كدت آيبا * وكم مثلها فارقتها وهي تصفر 3


(1) أي التي وجهت إلى رأي البصريين. (2) أي أنه ليس قائما مقام (يقوم) وحده. (3) الآيب: اسم فاعل من آب يؤوب، والقياس أن يقال آئب بابدال عين اسم الفاعل همزة، ولكن استعمل هكذا بالياء تخفيفا لاجتماع الهمزتين وبينهما ألف، والبيت من قطعة لثابت بن جابر (تأبط شرا) قالها وقد تخلص بحيلة من جماعة حاولوا أسره وأول هذه الأبيات: إذا المرء لم يحتل وقد جد جده * أضاع وقاسى أمره وهو مدبر ومن هذا الشعر: الشاهد الذي تقدم في باب المثنى في الجزء الثالث وهو قوله: هما خطتا إما إسار ومنه * وإما دم والقتل بالحر أجدر (*)

[ 28 ]

وإنما عدل عن ذلك الأصل، لما يجئ في بابه 1. وقال الكسائي: عامل الرفع فيه حروف المضارعة، لأنها دخلت في أول الكلمة فحدث الرفع بحدوثها، إذ أصل المضارع إما الماضي وإما المصدر، ولم يكن فيهما هذا الرفع، بل حدث مع حدوث هذه الحروف، فإحالته عليها، أولى من إحالته على المعنوي الخفى، كما هو مذهب البصريين والفراء، وإنما عزلها عامل النصب والجزم لضعفها وصيرورتها كجزء الكلمة، فيعزلها الطارئ المنفصل. ويتعين المضارع للحالية ب: (الآن) و: (آنفا)، وما في معناهما من الظروف الدالة على الحال، وبلام الابتداء عند الكوفيين، كما مر 2. وقال بعضهم: يتعين له بنفيه بليس نحو: ليس زيد يقوم وب: (ما)، نحو: ما يقوم زيد، أو: ما زيد يقوم، وب: (إن) نحو: إن يقوم زيد، عند المبرد، وقال أبو علي: 3 (إن) لمطلق النفي، و (ما) لنفي الحال، وقد مضى الكلام على (ما) في بابها، وسيجئ الكلام على ليس في بابه. ويتخلص للاستقبال بظرف مستقبل، نحو: أضرب غدا ونحوه، وبإسناده إلى متوقع، كتقوم القيامة، وباقتضائه طلب الفعل، وذلك في الأمر والنهي والدعاء والتحضيض والتمني والترجي، والأشفاق، لأن طلب الحاصل محال، وبكونه وعدا ، كقولك، واعدا، أكرمك وأحسن إليك، وبنوني التأكيد، ولام القسم، إذ الثلاثة توكيد، وهو إنما يليق بما لم يحصل، نحو: والله لأضرب، على ضعف 4، ولا ضربن. وأما الحاصل في الحال فإنه، وإن كان محتملا للتأكيد، وذلك بأن تخبر المخاطب أن الحاصل في الحال متصف بالتأكيد، لكن لما كان موجودا، وأمكن للمخاطب في


(1) في باب أفعال في هذا الجزء. (2) في أول هذا الجزء. (3) هو أبو علي الفارسي شيخ ابن جني وتكرر ذكره في هذا الشرح (4) وجه ضعفه أن جواب القسم في مثل ذلك واجب التوكيد عند الجمهور (*).

[ 29 ]

الأغلب أن يطلع على ضعفه وقوته لم يؤكد. وإذا كان القسم بما، فهو للحال، لظهور (ما) في الحالية، كما مضى في بابها. وينصرف إلى الاستقبال بكل ناصب أو جازم 1، فلذا كانت (إذن) الناصبة علامة للاستقبال، وإذا ارتفع المضارع بعدها فهو للحال 2، وينصرف إليه، أيضا، بلو، المصدرية، نحو قوله تعالى: (ودوالو تدهن... 3)، وكذا بكل أداة شرط وإن لم تعمل، إلا (لو) فإنها موضوعة للشرط في الماضي، ويجب كون الجزاء مستقبلا لأنه لازم الشرط الذي هو مستقبل، ولازم الشئ واقع في زمانه. ويتخلص، أيضا بحرف التنفيس، قال سيبويه ومن تبعه: 4 وبلا للنفي أيضا، وقال ابن مالك 5، بل يبقى على صلاحيته للحال، وليس ببعيد، لقوله تعالى: (ولا أقول لكم عندي خزائن الله) 6. وينصرف المضارع إلى المضي، بلم ولما الجازمة 7، وقال بعضهم: هما يدخلان على لفظ الماضي فيقلبانه إلى لفظ المضارع، ويبقى المعنى على ما كان، والأول أولى، لأن قلب المعنى أظهر وأكثر في كلامهم. وينصرف، أيضا، إلى المضي بلو، غالبا، وبإذ، وربما، فإنهما موضوعان للماضي.


(1) هذا التعميم في (كل جازم) ليس على ظاهره وسيأتي بعد أسطر انه يتصرف إلى المضي بعد لم ولما. (2) يأتي تفصيل ذلك في الكلام على اذن وقد أفاض الشارح هناك. (3) الآية 9 سورة القلم. (4) ربما يستفاد هذا من قول سيبويه ج 2 ص 306: وتكون (لا) نفيا لقوله يفعل ولم يقع الفعل فتقول لا يفعل. (5) الأمام جمال الدين بن مالك صاحب الألفية والتسهيل وينقل عنه الرضي كثيرا ويعبر عنه بالمالكي وقوله هذا في التسهيل في شرح أحزاء الكلمة وبيان علامات كل قسم. (6) الآية 31 سورة هود. (7) احتراز من لما التي بمعنى حين وهي تدخل على الفعل الماضي (*).

[ 30 ]

نصب المضارع الأدوات الناصبة، استعمالات أن (قال ابن الحاجب): (وينصب بأن، ولن، وإذن، وكي، وبأن مقدرة بعد حتى) (ولام كي، ولام الجحود، والفاء، والواو، وأو، مثل:) (أريد أن تحسن إلي، و: وأن تصوموا 1، والتي تقع بعد) (العلم مخففة من الثقيلة وليست هذه، مثل: علمت أن) (سيقوم، وأن لا يقوم، والتي تقع بعد الظن فيها الوجهان) (ولن، معناها نفي المستقبل مثل: فلن أبرح 2، وإذن،) (إذا لم يعتمد ما بعدها على ما قبلها وكان الفعل مستقبلا،) (مثل: إذن تدخل الجنة، وإذا وقعت بعد الواو، والفاء) (فوجهان، وكي مثل: أسلمت كي أدخل الجنة، ومعناها) (السببية). (قال الرضي): ذكر النواصب جملة، ثم ذكر منها ما يعمل مضمرا، ثم أخذ يفصل، وهو قوله (فأن مثل أريد أن تحسن إلى.. إلى آخره)،


(1) من الآية 184 سورة البقرة. (2) جزء من الآية 80 في سورة يوسف (*).

[ 31 ]

قوله: (والتي تقع بعد العلم مخففة من الثقيلة)، اعلم أن (أن) الثقيلة يصح وقوعها في كل موضع تكون فيه مع اسمها وخبرها في موضع المفرد، سواء كان معمول الفعل، أو، لا، نحو: عندي أنك قائم، ولو لا أنك قائم، وسواء كان معمول فعل التحقيق نحو: عرفت أنك خارج وعلمت أنك داخل، أو معمول فعل الشك نحو: شككت في أنك مسلم، وقال سيبويه 1: انه يضعف أن يقال: أرجو، أو أطمع، أو أخشى، أو أخاف أنك تفعل، وقال جار الله 2: ان الفعل الذي يدخل على أن المفتوحة، مشددة كانت أو مخففة يجب أن يشاكلها في التحقيق، وفيه نظر، لقوله: 623 - وددت وما تغني الودادة أنني * بما في ضمير الحاجبية عالم 3 وفي نهج البلاغة: (وددت أن أخي فلانا كان حاضرا 4) وكذا في تعليل المصنف للمنع من ذلك بقوله 5: لو قلت: أتمنى أنك تقوم، لكان كالمتضاد، قال : لأن التمني يدل على توقع القيام، و (أن) تدل على ثبوت خبرها وتحققه، وذلك 6 لأنا لا نسلم أن (أن) دال على ثبوت خبره وتحققه، بل على أن خبره مبالغ فيه مؤكد، فيصح أن يثبت هذا المؤكد نحو قولك: تحقق أنك قائم، وأن ينفى نحو قولك: لم يثبت أن زيدا قائم، وأنا شاك في أنه قائم، ولو كان بين معنى التمني ومعنى (أن) تنافيا، أو كالتنافي لم يجز: ليت أنك قائم. رجعنا إلى المقصود فنقول:


(1) ج 1 ص 482. (2) جار الله الزمخشري ممن تكرر ذكرهم في الأجزاء السابقة. (3) هذا من شعر كثير بن عبد الرحمن صاحب عزة، وهي المرادة بقوله: الحاجبية، نسبها إلى أحد أجدادها: حاجب بن غفار. (4) مثله كثير في نهج البلاغة ومن ذلك قوله رضي الله عنه في أهل الكوفة: لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، الخ. (5) كلام المصنف هذا ربما كان في شرحه هو على الكافية، أو في شرحه على المفصل للزمخشري (6) بيان لوجه النظر الذي أورده على كلام الزمخشري والمصنف ( *).

[ 32 ]

إذا خففت (أن) المشددة، تقاصرت خطاها، فلا تقع مجرورة الموضع كالمشددة، لا تقول: عجبت من أن ستخرج ولا تقع إلا بعد فعل التحقيق، كالعلم وما يؤدي معناه، كالتبين، والتيقن والانكشاف، والظهور، والنظر الفكري، والايحاء، والنداء، ونحو ذلك، أو بعد فعل الظن، بتأويل أن يكون ظنا غالبا متأخيا 1 للعلم، فلا تقول: أعجبني أن ستخرج ولا: وددت أن ستخرج، أو: رجوت أن ستخرج، كما تقول ذلك في المثقلة، وذلك أنها بعد التخفيف شابهت، لفظا ومعنى: (أن) المصدرية، أما لفظا فظاهر، وأما معنى فلكونهما حرفي المصدر، فأريد الفرق بينهما، فألزم قبل المخففة فعل التحقيق أو ما يؤدي مؤداه أو ما يجري مجراه من الظن الغالب، ليكون مؤذنا من أول الأمر أنها مخففة، لأن التحقيق بأن المخففة التي فائدتها التحقيق: أنسب وأولى، فلهذا لم يجئ بعد فعل التحقيق الصرف: أن المصدرية، وأما بعد فعل الظن وما يؤدي معنى العلم، فتجئ المصدرية والمشددة، والمخففة، ولم يقنعوا بهذا، لأن الأولوية لا تفيد الوجوب، فنظروا: فإن دخلت المخففة على الاسمية، كقوله: 624 - في فتية كسيوف الهند قد علموا * أن هالك كل من يحفى وينتعل 2 أو الفعلية الشرطية كقوله تعالى: (.. أن إذا اسمعتم 3..) و: (وأن لو استقاموا.. 4). لم يحتاجوا إلى فرق آخر، إذ المصدرية تلزم الفعلية المؤولة معها بالمصدر، فلا يحتمل أن تدخل على الاسمية والشرطية، وإن دخلت على الفعلية الصرفة، فإن كان ذلك الفعل غير متصرف كقوله تعالى: (أم لم ينبأ 6) أي: لم يعلم، إلى قوله: (وأن ليس للأنسان)،


(1) يقال تأخيت فلانا أي اتخذته أخا، والمراد هنا أن يكون الظن لقوته كأنه أخو العلم. (2) هذا أحد أبيات القصيدة اللامية للاعشى ميمون بن قيس، والتي يعدها بعضهم احدى المعلقات، ومنها شواهد أخرى في هذا الشرح، والبيت في سيبويه ج 1 ص 282. (3) من الآية 140 سورة النساء. (4) الآية 16 سورة الجن. (5) جواب قوله: فان دخلت المخففة على الاسمية (6) الآيات من 36 إلى 39 في سورة النجم (*).

[ 33 ]

وقوله: (أولم ينظروا... 1) أي يتفكروا، إلى قوله: (وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم)، لم يحتاجوا، أيضا، إلى فرق آخر، لأن (أن) المصدرية لا تدخل على الأفعال غير المتصرفة، لأنها تكون مع الفعل بعدها بتأويل المصدر، ولا مصدر لغير المتصرف. وان كان ذلك الفعل متصرفا، وجب أن تفصل المخففة من الفعل، إما بالسين، نحو: (علم أن سيكون 2)، أو سوف يكون، أو (قد) نحو: (ليعلم أن قد أبلغوا... 3) أو بحرف نفي نحو: علمت أن لم يقم، ولن يقوم، ولا يقوم، وما قام، وما يقوم، وذلك لأن (أن) المصدرية، لا يفصل بينها وبين الفعل بشئ من الحروف المذكورة لكونها مع الفعل بتأويل المصدر معنى، وعاملة في المضارع لفظا فلا يفصل بينها وبين الفعل، وكذا لا يفصل بين (لو) و (كي) المصدريتين والفعل كما يجئ، بلى، قد تفصل (لا) بين المصدرية والفعل، لأنها، لكثرة دورانها في الكلام تدخل في مواضع لا تدخلها أخواتها، نحو قولك، جئت بلا مال، فإذا اتفق وقوع (لا) بعد المخففة، فإن كانت المخففة بعد العلم، لم تلتبس بالمصدرية لما قدمنا: أن المصدرية لا تقع بعد فعل العلم، وإن كانت بعد الظن، جاز أن تكون مخففة ومصدرية، كما في قوله تعالى: (وحسبوا أن لا تكون فتنة) 4، قرئ بالرفع والنصب 5، فالرفع على أن الحسبان ظن غالب، فلا التباس بينهما على هذا، إلا في مثل هذا الموضع، ويسمي النجاة الحروف التي بعد (أن) المخففة: حروف التعويض، لأنها كالعوض من إحدى نوني أن. وكما جاز أن يؤول الظن، بالظن الغالب القريب من العلم فتقع بعده المخففة،


(1) الآية 185 سورة الأعراف. (2) من الآية 30 سورة المزمل. (3) الآية 28 سورة الجن. (4) الآية 71 سورة المائدة (5) الرفع قراءة أبي عمرو، وحمرة والكسائي، والنصب قراءة باقي السبعة (*).

[ 34 ]

وذلك كثير، وكذلك قد يشتد الخوف أو الرجاء ويقوى حتى يلحق باليقين فتقع بعدهما، أيضا، المخففة، كقوله: 625 - ولا تدفنني في الفلاة فإنني * أخاف إذا مامت أن لا أذوقها 1 جوز 2 بعضهم أن يؤول العلم بالظن مجازا فيقال: علمت أن يخرج زيد بالنصب، أي ظننت. وجوز الفراء، وابن الأنباري 3: وقوع المصدرية بعد فعل علم غير مؤول، فيجوز أن يكون قوله: 626 - فلما رأى أن ثمر الله ماله * وأثل موجودا وسد مفاقره 4 من هذا، ويجوز أن تكون مخففة من غير عوض، كما حكى المبرد عن البغاددة 6: علمت أن تخرج بالرفع، بلا عوض 7، وذلك شاذ. فنقول: إن (أن) التي ليست بعد العلم ولا ما يؤدي مؤداه، ولا ما يؤدي معنى القول، ولا بعد الظن، فهي مصدرية لا غير، سواء كانت بعد فعل الترقب، كحسبت،


(1) من أبيات لأبي محجن الثقفي، وهو شاعر إسلامي وكان مبتلى بشرب الخمر، وأقيم عليه الحد أكثر من مرة ولكنه تاب عنها باختياره في قصة جميلة وقعت له مع سعد بن أبي وقاص، وقد شرح البغدادي بيت الشاهد وذكر ما يتصل به. (2) مرتبط بقوله: وكما جاز أن يؤول الظن.. الخ. (3) ممن تكرر ذكرهم في الأجزاء السابقة. (4) أحد أبيات قالها النابغة الذبياني، يذكر فيها ما كان بينه وبين يزيد بن سنان من بني مرة، وشبهه بالرجل الذي قتلت الحية أخاه فاعد عدته للانتقام منها، وهي قصة طويلة ذكرها البغدادي أثناء شرحة لهذا الشاهد. وقوله سد مفاقره: المفاقر جمع مفقر وأصله مكان الفقر، والمراد: أزال سبب فقره. (5) خبر قوله ويجوز أن يكون قوله.. الخ. (6) جمع بغدادي والمراد نجاة بغداد. (7) أي بدون ذكر حرف من الحروف التي سماها عوضا عن التشديد (*)

[ 35 ]

وطمعت، ورجوت، وأردت، أو بعد غيره من الأفعال كقوله تعالى: (أولم يكن لهم آية أن يعلمه 1..) و: أعجبني أن قمت و: (ما كان جواب قومه. إلا أن قالوا 2..)، أو لا بعد فعل كقوله تعالى: (ولو لا أن كتب الله عليهم الجلاء 3..)، و: أن تقوم خير من أن تقعد. وقد تجئ المصدرية ولا تنصب المضارع كقوله: 627 - أن تقرآن على أسماء ويحكما * منى السلام وأن لا تشعرا أحدا وفي حرف مجاهد 5: (لمن أراد أن يتم الرضاعة) 6، وذلك إما للحمل على المخففة، أو للحمل على (ما) المصدرية. والتي بعد الظن إن كان بعدها غير (لا) من حروف العوض فمخففة لا غير، وكذا إن كانت بعدها (لا) داخلة على غير الفعل. نحو: ظننت أن لا مال عندك. وإن كانت بعدها (لا) داخلة على الفعل، احتملت المخففة والمصدرية. قوله: (والتي بعد العلم مخففة لا غير)، وكذا التي بعد ما يؤدي معنى العلم إن لم يكن فيه معنى القول، كأمر، ونزل، وأوحى، ونادى، فإن فيها معنى: أعلم وقال، معا، فنقول. إن وليها فعل غير متصرف، كناديته أن ليس عندنا شئ فهي مفسرة، أو مخففة،


(1) الآية 197 سورة الشعراء. (2) الآية 82 سورة الأعراف. (3) الآية 3 سورة الحشر. (4) أحد أبيات ثلاثة رواها ابن حبي ونقلها ابن يعيش في شرح المفصل ج 7 ص 15، وذكرها البغدادي وقال انها قلما خلا منها كتاب من كتب النحو، ومع ذلك لم يعزها أحد إلى قائل، ثم شرحها وأفاض في توجيهها. (5) نسبت هذه القراءة إلى غير ابن مجاهد أيضا. (6) لآية 233 سورة البقرة (*).

[ 36 ]

وإن وليها فعل متصرف من غير حرف عوض: احتملت أن تكون مصدريه وأن تكون مفسرة، ولا تحتمل المخففة لعدم العوض، وذلك كقوله تعالى: (نودي أن بورك من في النار 1)، بمعنى: أي بورك، أو بمعنى: بالمباركة، ولو قلنا إن (بورك) بمعنى الدعاء، فهي مفسرة لا غير، وكذا في نحو: أمرته أن قم، وذلك لأن صلة المخففة، كما لا تكون أمرا ولا نهيا ولا غيرهما مما فيه معنى الطلب إجماعا، فكذا صلة المصدرية، أيضا، على الأصح، كما يجئ في الحروف المشبهة بالفعل 2. وأجاز سيبويه 3 كون صلة المصدرية ذلك، على أن يكون معنى: أمرته أن قم، أي أمرته بأن قم أي بالقيام. وقال أبو علي 4 في قوله تعالى: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله 5..): يجوز أن تكون مصدرية فتكون بدلا من (ما) أو من الهاء في (به)، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أن اعبدوا، وأن تكون مفسرة. وفي حكمة: ناديته أن يا زيد قم، لأن الفصل بالنداء كلا فصل، وكأن الفعل ولي (أن). وإذا وليت ما فيه معنى القول، ووليها فعل متصرف مصدر بلا جاز كونها مخففة ومفسرة ومصدرية نحو قولك: أمرته أن لا يفعل، وأوحي إليك أن لا تفعل، فإن كانت مخففة، ف: (لا) للنفي، ولا يجوز أن تكون للنهي، لأن المخففة، كالمثقلة لا تدخل على الطلبية، فيرتفع الفعل، وإن كانت مفسرة جاز كون (لا) للنفي، أو للنهي، فيرتفع الفعل أو ينجزم، وإن كانت مصدرية، انتصب الفعل، أي: بألا يفعل، ولا يجوز


(1) الآية 8 سورة النمل. (2) وهي ان واخواتها، في آخر هذا الجزء. (3) ج 1 ص 479. (4) أي الفارسي وتقدم ذكره (5) الآية 107 سورة المائدة (*).

[ 37 ]

أن تكون (لا) نهيا، فينجزم الفعل إلا عند أبي علي، كما تقدم، فإن وليت ما فيه معنى القول، ووليها فعل متصرف مصدر بغير (لا) من حروف العوض نحو: أوحي اليك أن ستفعل، فمخففة أو مفسرة، وكذا قوله تعالى: (وناديناه أن يا إبرهيم قد صدقت الرؤيا) 1، لأن الفصل بالنداء كلا فصل. وإن وليت ما فيه معنى القول ولم يلها الفعل الصرف، بل وليها اسمية، نحو: ناديته أن زيد في الدار، فهي، أيضا، مفسرة، أو مخففة، ولا يجوز كونها مصدرية، لوجوب دخولها على الفعل. وكذا إن وليتها الشرطية كقوله تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم..) 2، وقوله تعالى: (قل أوحي إلي)، إلى قوله: (وأن لو استقاموا...) 3. وأجاز الأخفش 4 أن تنصب (أن) الزائدة 5. وجوز 6 الكوفيون كون (أن) شرطية بمعنى (إن) المكسورة، كما ذكرنا في قولك: أما أنت منطلقا انطلقت 7، وقالوا في قوله تعالى: (ولا يجر منكم شنآن قوم أن صدوكم.. 8) إن فتح الهمزة وكسرها بمعنى واحد، ومنع ذلك البصريون. وجوز بعضهم كون (أن) المفتوحة بمعنى (إن) المكسورة النافية.


(1) الآية 104 سورة الصافات (2) الآية 140 سورة النساء (3) من أول سورة الجن إلى الآية 16 منها. (4) الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة وتكرر ذكره كثيرا في الاجزاء السابقة. (5) استدل لذلك بقوله تعالى: (وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله) الآية 246 سورة البقرة وقد خرجها الجمهور على عدم الزيادة (6) انتقال إلى ذكر معنى جديد لأن (7) في خبر كان قسم المصنوبات في الجزء الثاني من هذا الشرح (8) الآية 2 سورة المائدة (*).

[ 38 ]

ولا يتقدم على (أن) الموصولة معمول معمولها كما تقدم في باب الموصولات 1، وأجاز الفراء ذلك مستشهدا بقوله: 628 - ربيته حتى إذا تمعددا * وآض نهدا كالحصان أجردا كان جزائي بالعصا أن أجلدا 2 وقوله: 629 - هلا سألت وخبر قوم عندهم * وشفاء غيك خابرا أن تسألي 3 وهما نادران، أو نقول: لا يتعلق (بالعصا) ب: (أن أجلدا)، بل خبر مبتدأ مقدر، أو متعلق ب: (أجلد) مقدرا، وكذا: (خابرا) منصوب ب: (تسألين مقدرا) لن ومعناها قوله: (ولن معناها نفي المستقبل)، هي تنفي المستقبل نفيا مؤكدا وليس للدوام والتأبيد كما قال بعضهم 4. قال الفراء: أصل (لن) و (لم): (لا)، فأبدل الألف نونا في أحدهما وميما في الآخر، وقال الخليل: أصل (لن): لا أن، قال:


(1) في أول الجزء الثالث من هذا الشرح. (2) الشاهد في الشطر الأخير حيث تقدم الجار والمجرور (بالعصا) على (أن) وهو متعلق بالفعل المنصوب بها. والرجز للعجاج ومعنى تجعدد قال بعضهم: صار مثل معد بن عدنان أي صار مثل واحد منهم وفسر بمعان أخرى. وآض بمعنى صار، ونهدا: عاليا مرتفعا، والمراد بذلك كله أنه رباه حتى اكتمل وصار غير محتاج إلى شئ. (3) الشاهد فيه تقديم خابرا على تسألي، وقد بين الشارح وجه التأويل فيه وفي الذي قبله. والبيت من قصيدة لربيعة بن مقروم الضبي، وهو أولها، وبعده: هل نكرم الاضياف ان نزلوا بنا * ونسود بالمعروف غير تمحل (4) يريد به جار الله: الزمخشري، وهذا الرأي مشهور عنه (*).

[ 39 ]

630 - يرجي المرء ما لا أن يلاقي * وتعرض دون أدناه الخطوب 1 أي: لن يلاقي، وقال سيبويه 2: إنه مفرد، إذ لا معنى للمصدرية في (لن) كما كانت في (أن)، ولأنه جاء تقديم معمول معموله عليه، حكى سيبويه عن العرب: عمرا لن أضرب. وللخيل أن يقول: لا منع أن تتغير الكلمة بالتركيب عن مقتضاها معنى وعملا، إذ هو وضع مستأنف، ولا دليل على قول الفراء. ونقل المصنف في (لا) منع تقديم معمول ما بعدها عليها، فلا يجوز: عمرا لا أضرب، والأصل جواز تقديم ما في حيز حروف النفي عليها إلا (ما) كما ذكرنا في المنصوب على شريطة التفسير 3. إذن وأحكامها قوله: (وإذن) إذا لم يعتمد ما بعدها على ما قبلها). الذي يلوح لي في (إذن) ويغلب في ظني: أن أصله (إذ)، حذفت الجملة المضاف إليها، وعوض منها التنوين، كما قصد جعله صالحا لجميع الأزمنة الثلاثة بعدما كان مختصا بالماضي. وذلك أنهم أرادوا الأشارة إلى زمان فعل مذكور، فقصدوا إلى لفظ (إذ) الذي هو بمعنى مطلق الوقت، لخفة لفظه، وجر دوه عن معنى الماضي وجعلوه صالحا للأزمنة.


(1) هذا أحد أبيات ثلاثة رواها أبو زيد، وابن الاعرابي منسوبة إلى جابر بن رألان الطائي وهو شاعر جاهلي، والاستشهاد به لمذهب الخليل بدليل ظهور أن بعد لا في البيت. (2) سيبويه ج 1 ص 407. والمثال الذي أورده سيبويه هو: أما زيدا فلن أضرب. (3) في الجزء الأول (*)،

[ 40 ]

الثلاثة، وحذفوا منه الجملة المضاف هو إليها، لأنهم لما قصدوا أن يشيروا به إلى زمان الفعل المذكور، دل ذلك الفعل السابق على الجملة المضاف إليها، كما يقول لك شخص، مثلا، أنا أزورك، فتقول: إذن أكرمك، أي: إذ تزورني أكرمك، أي وقت زيارتك لي أكرمك، وعوض التنوين من المضاف إليه لأنه 1 وضع في الأصل لازم الأضافة، فهو ككل وبعض، إلا أنهما معربان و (إذ) مبني. فإذن، على ما تقرر، صالح للماضي كقوله: 631 - إذن لقام بنصري معشر خشن * عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا 2 وللمستقبل نحو: إن جئتني، إذن أكرمك، وللحال نحو: إذن أظنك كاذبا. وإذن، ههنا هي (إذ) في نحو قولك: حينئذ ويومئذ، إلا أنه كسر ذاله في نحو: حينئذ، ليكون في صورة ما اضيف إليه الظرف المقدم، وإذا لم يكن قبله ظرف في صورة المضاف فكسره نادر، كقوله: نهيتك عن طلابك أم عمرو * بعاقبة وأنت إذ صحيح 3 - والوجه فتحه ليكون في صورة ظرف منصوب، لأن معناه الظرف. والغالب في المبني على الفتح تضمن معنى الشرط، وهو المعني بقول سيبويه 4: إذن جزاء، وإنما ضمن معنى الجزاء لكونه كإدما، وحيثما في حذف الجملة المضاف إليها، فإن الظرف الواجب إضافته إلى الجملة يقطع عن الأضافة لتضمنه معنى الشرط، وذلك لأن كلمات الشرط مبهمة، والأضافة توجد في المضاف تخصيصا، لكن لما كانت الجملة المضاف إليها (إذ) ثابتة من حيث المعنى ومبدل منها التنوين في اللفظ، بخلاف: (إذما)


(1) الضمير راجع إلى (إذ) (2) أحد أبيات مشهورة لقريط بن أنيف العنبري، وقد أغار قوم على ابل له فاستنجد بقومه فلم ينجدوه فقال هذه الأبيات وهي كثيرة التردد ومنها في هذا الشرح بعض الشواهد، (3) من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي وتقدم ذكره في باب الظروف من الجزء الثالث ؟ (4) تفصيل الكلام على إذن، في سيبويه ج 1 ص 410 وما بعدها (*).

[ 41 ]

و (حيثما) لم يجزم (إذن) ما هو جوابه نحو: إذن أكرمك، كما جزمت إذما وحيثما. وإنما قلنا بكون الغالب في (إذن) تضمين معنى الشرط، ولم نقل بوجوبه فيه، كما أطلق النجاة، لأنه لا معنى للشرط في قوله تعالى: (فعلتها إذن وأنا من الضالين) 1. وإذا كان للشرط جاز أن يكون للشرط في الماضي، نحو: لو جئتني، إذن لأكرمتك، وفي المستقبل، نحو: إذن أكرمك بنصب الفعل. وإذا كان بمعنى الشرط في الماضي، جاز إجراؤه مجرى (لو) في إدخال اللام في جوابه، كقوله تعالى: (إذن لأذقناك ضعف الحياة.. 2)، أي: لو ركنت إليهم شيئا قليلا لأذقناك، وكذا قوله: إذن لقام بنصري معشر خشن 3 - 630 وليس اللام جواب القسم المقدر، كما قال بعضهم. وإذا كان بمعنى الشرط في المستقبل، جاز دخول الفاء في جزائه، كما في جزاء (إن)، قال: 632 - ما إن أتيت بشئ أنت تكرهه * إذن لا رفعت سوطي إلي يدى 4 إذن فعاقبني ربي معاقبة * قرت بها عين من يأتيك بالحسد أي إن أتيت بشئ فلا رفعت..، ثم، قد يستعمل بعد (لو) و (إن)، توكيدا لهما، لأن (إذن) مع تنوينه الذي هو عوض من الفعل، بمعنى حرفي الشرط المذكورين مع فعل الشرط، نحو: لو زرتني إذن أكرمتك، وإن جئتني إذن ازرك، فكأنك كررت كلمتي الشرط مع الشرطين للتوكيد.


(1) الآية 30 سورة الشعراء، (2) من الآية 75 سورة الاسراء (3) الشاهد المتقدم قبل قليل، (4) من قصيدة النابغة الذبياني التي تعد إحدى المعلقات، وتضمن هذا الشرح عددا من أبياتها في مواضع متفرقة (*)،

[ 42 ]

ثم، كما يجوز تأخر كلمة الشرط مع الشرط عما هو جزاؤه معنى، نحو: أكرمك إن أكرمتني، وأكرمتك لو أكرمتني: جاز تأخر (إذن) الذي هو ككلمة الشرط مع الشرط عن جزائه، نحو: أكرمك إذن، وكذا يتوسط (إذن) بين جزأي ما هو جزاؤه معنى، تقول: أنا إذن خارج، وإن كان نحو ذلك لا يجوز في كلمة الشرط إلا ضرورة قال: هذا سراقة للقرآن يدرسه * والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب 1 - 82 كما يجئ ذلك، لضعف معنى الشرط في (إذن) وكذا تقول: والله إذن لأخرجن، كما تقول: والله إن كان كذا لأخرجن. ولما كان إذن إشارة إلى زمان الفعل المتقدم، وجب تقديم ذلك 2، إما في كلام المتكلم بإذن، نحو قولك: إن جئتني إذن أكرمك، قال تعالى: (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها، وإذن لا يلبثون خلافك إلا قليلا) 3، وإما في كلام متكلم آخر، كقولك: إذن أكرمك، وأنا إذن أكرمك، في جواب من قال: أنا أزورك. ثم اعلم أن (إذن) إذا وليه المضارع، احتمل أن يكون للشرط في المستقبل، كان، وأن يكون للحال، فلا يتضمن معنى الجزاء، كما تقول لمن يحدثك بحديث: إذن أظنك كاذبا، فإنه لا معنى للجزاء ههنا، إذ الشرط والجزاء، إما في المستقبل أو في الماضي، كما مر في باب الظروف المبنية، ولا مدخل للجزاء في الحال، فيكون (إذن) مع الحال، كما قلنا في قوله تعالى: (فعلتها إذن وأنا من الضالين) 4. فلما احتملت (إذن) التي يليها المضارع معنى الجزاء، فالمضارع بمعنى الاستقبال، واحتملت معنى مطلق الزمان، فالمضارع بمعنى الحال، وقصد التنصيص على معنى


(1) تقدم ذكره في الجزء الأول، (2) أي الفعل المتقدم المشار إليه باذن، (3) الآية 73 سورة الأسراء، (4) الآية 20 سورة الشعراء وتقدمت قبل قليل (*)،

[ 43 ]

الجزاء في (إذن)، نصبا لمضارع بأن المقدرة لأنها تخلص المضارع للاستقبال، فتحمل (إذن) على ما هو الغالب فيها أعني كونها للجزاء، لاستحالة حمل المضارع إذ ذاك على الحالية المانعة من الجزاء، وذلك بسبب النصب الحاصل بأن التي هي علم الاستقبال. وقريب من هذا: المضارع الواقع بعد الفاء الكائنة في جواب الأشياء الستة، كما يجئ فإنه لما قصد النص على كون الفاء للسببية دون العطف: اضمرت (أن) بعدها. لينتفي عن المضارع معنى الحالية المانعة من السببية. ومثله، أيضا، أنهم لما قصدوا بالواو معنى (مع)، وبأو، معنى (إلا) أو (إلى): نصب الفعل بعدهما، لأن النصب بأم النواصب أي (أن) المصدرية: أولى، فيكون معنى المصدرية مشعرا يكون الواو بمعنى (مع) التي لا ندخل إلا على الأسماء، وبكون (أو) بمعنى (إلا) أو (إلى) اللتين حقهما الدخول على الأسماء. وإذا جاز لك إضمار (أن) بعد الحروف التي هي الواو، والفاء، وأو، وحتي. فهلا جاز إضمارها بعد الاسم 2. وإنما لم يجز إظهار (أن) بعد (إذن)، لاستبشاعهم للتلفظ بها بعدها، ولم يجز الفصل بين (إذن) والمنصوب بعدها، لأن المقتضي لنصبه لما كان قصد التنصيص على أن (إذن) للجزاء، صار (إذن)، لاقتضائه النصب كأنه عامل النصب، كما أن فاء السببية، وواو الجمعية 3 صارتا كالعالمين في الفعل، فلم يجز الفصل بينهما وبين الفعل، فصار الفاء، والواو، وإذن، كنواصب الفعل التي لا يفصل بينها وبين الفعل، إلا أن


(1) جواب قوله: فلما احتملت الخ. (2) الذي هو إذن، كما ذهب إليه الشارح وأفاض في تعزيزه وإثباته، (3) هي التي يسميها النحويون واو المعية، ويطلق الشارح عليها في بعض الأحيان: واو الصرف كما هو اصطلاح الكوفيين، لأنها تصرف ما بعدها عن ظاهر العطف الذي هو أصل الواو (*)،

[ 44 ]

(إذن) لما كان اسما بخلاف أخواته، جاز أن يفصل بينه وبين الفعل بأحد ثلاثة أشياء، دون الفاء والواو. القسم، نحو: إذن والله أكرمك، والدعاء نحو: إذن رحمك الله، أكرمك ، والنداء نحو: إذن يا زيد أكرمك، وذلك لكثرة دور هذه الأشياء في الكلام. ولا يفصل بينه وبين منصوبه بالظرف وشبهه، فلا يقال: إذن عندك يفصل الأمر، ولا بالحال نحو: إذن قائما أضربك، لأن الظرف والحال، إذن، يكونان معمولين للفعل الذي هو صلة (أن)، ولا يتقدم على الموصول، ما في حيز الصلة، بخلاف القسم والدعاء والنداء. وإنما اشترط في نصب الفعل ألا يتوسط (إذن) بل يتصدر، لأن نصب الفعل، على ما قلنا، لغرض التنصيص على معنى الشرط في (إذن) والشرط مرتبته الصدر، فإذا توسطت كلمة الشرط ضعف معنى الشرطية الأصلية، فمن ثمة تقول: والله إن أتيتني لأضربنك 1 فكيف بالشرطية العارضة، فكما ضعف معنى الشرط، لم يراع ذلك بنصب الفعل بعده. فحصل مما تقدم: أن شرط وجوب انتصاب الفعل في الأفصح بعد (إذن) ثلاثة أشياء: تصدره 2، وذلك إذا كان جوابا، وأن يليه الفعل غير مفصول بينهما بغير القسم والدعاء والنداء، وألا يكون الفعل حالا، وأما إذا تصدر من وجه دون وجه، وذلك إذا وقع بعد العاطف، كقوله تعالى: (واذن لا يلبثون خلافك إلا قليلا 3)، وكقولك: تأتيني فإذن أكرمك، جاز 4 لك نصب الفعل وترك نصبه، وذلك أنك عطفت جملة


(1) يريد حذف الجواب عند توسط الشرط بين القسم وجوابه، (2) أي تصدر إذن، وسيشرح المراد من التصدر، (3) الآية 73 المتقدمة من سورة الأسراء، (4) هذا جواب أما، في قوله: وأما إذا تصدر من وجه الخ، وحقه أن يكون مقرونا بالفاء ويقع مثل هذا كثيرا في كلام الشارح، وكان يغنيه أن يقول: فان تصدر من وجه دون وجه الخ (*)،

[ 45 ]

مستقلة على جملة مستقلة، فمن حيث كون (إذن) في أول جملة مستقلة، هو مصدر، فيجوز انتصاب الفعل بعده، ومن حيث كون ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربط حرف العطف بعض الكلام ببعض، هو متوسط، وارتفاع الفعل بعد العاطف أكثر ولهذا لم يقرأ: (وإذن لا يلبثوا...) 1 إلا في الشاذ، لأنه غير متصدر في الظاهر ثم اعلم أن الفعل المنصوب المقدر بالمصدر 2، مبتدأ خبره محذوف وجوبا فمعنى، إذن أكرمك: إذن إكرامك حاصل، أو واجب، وإنما وجب حذف خبر المبتدأ لأن الفعل، لما التزم فيه حذف (أن) التي بسببها تهيا أن يصلح للابتدائية، لم يظهر فيه معنى الابتداء حق الظهور، فلو أبرز الخبر لكان كأنه أخبر عن الفعل، وكذا القول في المنصوب بعد الفاء، على ما يجئ. وأما قولهم 3 تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فشاذ. وإنما إرتكب ادعاء أن (إذن) زمانية محذوفة الجملة المضاف إليها، لظهور معنى الزمان فيها في جميع استعمالاتها، كما في (إذ)، فإن معنى إن جئتني إذن أكرمك، في وقت المجئ إكرامك، وكذا: لو زرتني إذن أكرمتك، ولا سيما في قوله تعالى: (فعلتها إذن وأنا من الضالين 4)، وقولهم: إذن أظنك كاذبا، بالرفع، فإنها متمحضة للزمان ولا شرطية فيها، وقلب نونها ألفا في الوقف 5 يرجح الاسمية فيها. ونقل عن المازني أنه كان لا يرى الوقف عليها بالألف، لكونها حرفا كان، وأجاز المبرد الوجهين، وقال الفراء: إذا أعملتها فاكتبها بالألف وإذا ألغيتها بالنون، لئلا


(1) منسوبة إلى ابن مسعود، (2) أي الواقع بعد إذن كما ارتضى أنه منصوب بأن مقدرة، (3) هذا المثل ورد بأوجه ثلاثة أقواها التصريح بأن، ويليه رفع تسمع على أنه مراد به مصدره فهو مبتدأ أيضا، وأضعفها النصب بدون (أن)، (4) تقدمت قريبا وهي الآية 20 من سورة الشعراء، (5) بين النجاة خلاف طويل في كتابة إذن، وفي الوقف عليها، وهو، غالبا، مبني على اختلافهم في أصل وضعها، وكتابتها بالنون وكذلك الوقف عليها رأي قوي، وقد جريت عليه (*).

[ 46 ]

تلتبس بإذا الزمانية، وأما إذا أعملتها فالعمل يميزها عنها. وجويز الفصل بينها وبين منصوبها بالقسم والدعاء والنداء، يقوي كونها غير ناصبة بنفسها، كأن، ولن، إذ لا يفصل بين الحرف ومعموله بما ليس من معموله 1. وأما قولهم في الشرط: إن زيدا تضرب، فهو عند البصريين بفعل مقدر، كما يجئ بعد، وأما قوله: 633 - فلا تلحني فيها فإن بحبها * أخاك مصاب القلب جم بلابله 2 فلقوة شبه (إن) بالفعل. هذا، ومذهب سيبويه، ورواه عن الخليل 3: أنها حرف ناصبة بنفسهإ قال سيبويه: ويروى عن الخليل أن انتصاب الفعل بعدها بأن مقدرة، وضعفه سيبويه بأنه، لو كان (أن) مقدرا، لجاز تقديره في: زيد (إذن) أكرمه، كما جاز في: إذن أكرم زيدا،. إذ المعنى لا يتغير، ويمكن توجيه هذا القول على ما ذكرنا. وقال بعض الكوفيين: إنه اسم منون، ويروى، أيضا عن الخليل، أن أصله إذ أن. فركبا، كما قال في (لن) أصله: لا أن، ووجهه أن يقال: تغير المعنى بتغير اللفظ، فلم يلزم الفعل بعدها، وجاز أن يليها الحال، وإنما قلنا قبل: إن النصب مع حصول الشرائط أفصح، لأن سيبويه قال 4: (وزعم عيسى بن عمر 5 أن ناسا من العرب يقولون: إذن أفعل ذلك في الجواب بالرفع، فأخبرت يونس 6 بذلك فقال: لا يتعذر ذا، ولم يكن يروي غير ما سمع)، هذا كلام سيبويه.


(1) سبق أنه استثنى الفصل بلا بين أن والفعل ؟ (2) الشاهد فيه تقديم الجار والمجرور (بحبها) على اسم أن وقد علله الشارح، وهذا الشاهد كما قال البغدادي من أبيات سيبويه التي لم يعرف قائلها، وهو في سيبويه ج 1 ص 280. (3) نظر سيبويه ج 1 ص 412، (4) (5) و (6) نظر سيبويه ج 1 ص 412، وعيسى عن عمر الثقفي، ويونس بن حبيب من شيوخ سيبويه، وتكرر ذكرهما في هذا الشرح (*)،

[ 47 ]

قوله: (إذا لم يعتمد ما بعدها على ما قبلها)، يعني بالاعتماد: أن يكون ما بعدها من تمام ما قبلها، وذلك في ثلاثة مواضع: الأول: أن يكون ما بعدها خبرا لما قبلها، نحو: أنا إذن أكرمك، وإني إذن أكرمك، وقد جاء منصوبا مع كونه خبرا عما قبلها، قال: 634 - لا تتركني فيهم شطيرا * إني إذن أهلك أو أطيرا 1 بتأويل أن الخبر هو: إذن أهلك، لا: (أهلك) وحده، فتكون (إذن) مصدرة، كما تقول: زيد لن يقوم. قال الأندلسي 2: يجوز أن يكون خبر (إن) محذوفا، أي: إني أذل 3، أو: لا أحتمل، ثم ابتدأ وقال: إذن أهلك، قال: والوجه رفع أهلك، وجعل (أو) بمعنى (إلا) 4. الموضع الثاني: أن يكون جزاء للشرط الذي قبل (إذن)، نحو: إن تأتني إذن أكرمك، وقول الشاعر: 635 - ازجر حمارك لا يرتع بروضتنا * إذن يرد وقيد العير مكروب 5 يجوز 6، على مذهب الكسائي 7: أن يكون (لا يرتع) مجزوما بكون (لا)


(1) استشهد به كثير من النجاة على إعمال إذن من غير أن تتصدر، فقيل انه شاذ، وتأوله بعضهم بما يخرجه عن بأوجه منها ما قاله الشارح، وقد استقصى البغدادي كل ما قيل في البيت من تأويلات ومع ذلك لا يعرف قائله: (2) أبو محمد، القاسم من علماء القرن السابع ونقل عنه الرضي كثيرا وهو من معاصريه، (3) أي أصير ذليلا. (4) وذلك ليصح نصب الفعل (أطيرا) بعد أن يرفع ما قبله، (5) من شواهد سيبويه ج 1 ص 411، ويروى: اردد، وقائله: عبد الله بن عنمة الضبي، شاعر إسلامي. وهو من أبيات وردت في المفضليات وفي حماسة أبي تمام، (6) خبر عن قوله: وقول الشاعر: الخ. (7) مذهب الكسائي في هذا أنه لا يشترط لصحة الجزم في جواب النهي بقاء (لا) مع تقدير أن، بل يقدر يحسب المعنى (*).

[ 48 ]

فيه للنهي، لا أنه جواب الأمر، و (يرد) مجزوما، لا منصوبا، بكونه جوابا للنهي، كما هو مذهبه في نحو قولك: لا تكفر تدهل النار، أي: إن تكفر تدخل النار، فيكون المعنى: لا يرتع، إن يرتع يرد. وعند غيره، يرد، منصوب، وإذن، منقطع عما قبله، مصدر، كأن المخاطب قال: لا أزجره، فأجاب بقوله: إذن يرد الثالث: أن يكون جوابا للقسم الذي قبلها، نحو: والله إذن لأخرجن، وقوله: 636 - لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها * وأمكنني منها إذن لا أقبلها 1 ولا يقع المضارع بعد (إذن) في غير هذه الثلاثة معتمدا على ما قبلها، بالاستقراء، بلى، تقع متوسطة في غير هذه المواضع، نحو: يقتل إذن زيد عمرا، ولبئس الرجل إذن زيد، ونحوه 2. ويجوز في نحو قولك: إن تأتني آتك وإذن أكرمك، ثلاثة أوجه: الجزم وهو الأقوى، بعطف الفعل على المجزوم، والنصب على الاستئناف، وعطف إذن مع الفعل، وهما كالجملة الشرطية، كما ذكرنا، على الجملة الشرطية، والرفع على إضمار المبتدأ بعد (إذن)، أي: إذن أنا أكرمك. استعمالات كي قوله: (وكي، مثل: أسلمت كي أدخل الجنة ومعناها السبية)، اعلم أن مذهب الأخفش: أن (كي) في جميع استعمالاتها حرف جر، وانتصاب الفعل بعدها بتقدير


(1) من قصيدة لكثير بن عبد الرحمن، صاحب عزة، في مدح عبد العزيز بن مروان واللام في قوله: لئن عاد واقعة في جواب القسم في قوله قبل هذا البيت: حلفت برب الراقصات إلى متى * بغور الفبافي نصها وذميلها وهو في سيبويه ج 1 ص 412. (2) مما ليس فيه مصارع بعد إذن (*)،

[ 49 ]

(أن)، وقد تظهر، كما حكى الكوفيون عن العرب: لكي أن أكرمك، قال: 637 - أردت لكيما أن تطير بقربتي * فتتركها شنا ببيداء بلقع 1 وقال: 638 - فقالت أكل الناس أصبحت مانحا * لسانك كيما أن تغر وتخدعا 2 ويعتذر لتقدم اللام عليها في نحو: (لكيلا تأسوا) 3، وتأخره عنها في نحو قوله: 639 - كي لتقضيني رقية ما * وعدتني غير مختلس 4. بأن كي، المتأخرة في الأول، بدل من اللام المتقدمة، واللام المتأخرة في الثاني بدل من كي، المتأخرة في الأول، بدل من اللام المتقدمة، واللام المتأخرة في الثاني بدل من كي، المتقدمة، وقد يبدل الحرف من مثله، الموافق له في المعني، قال: 640 - أراني إذا ما بت بت على هوى * ثم إذا أصبحت أصبحت غاديا 5 أبدل (ثم) من الفاء، عند بعضهم.


(1) شرح البغدادي هذا البيت وبين ما فيه ثم قال: وهذا البيت قلما خلا منه كتاب نحو، ولكنه لا يعرف قائله، وأورد مثله منسوبا إلى أبي ثروان نقلا عن الفراء وهو قوله: أردت لكيما أن ترى لي عثرة * ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل (2) الصحيح ان هذا البيت لجميل بن معمر، صاحب بثينة من قصيدة أولها: عرفت مصيف الحي والمتربعا * كما خطت الكف الكتاب المرجعا وخطأ البغدادي من نسبه إلى حسان بن ثابت، ويروى الشطر الثاني من البيت: لسانك هذا كي تغر وتخدعا، وبهذا يخرج عن الاستشهاد (3) الآية 23 سورة الحديد، (4) أحد أبيات لابن قيس الرقيات، وقوله: غير مختلس، إما أن (مختلس) مصدر ميمي، أي قضاء غير اختلاس، واما أن غير حال، ومختلس اسم مفعول، وقبله: ليتني ألقى رقية في * خلوة من غير ما أنس (5) من قصيدة جيدة لزهير بن أبي سلمى أولها: ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى * من الأمر أو يبدو لهم ما بد ليا (*)

[ 50 ]

وعند الخليل أن الناصب مضمر بعدها 1، بناء على مذهبه، وهو أنه لا ناصب سوى (أن). ومذهب الكوفيين، أنها في جميع استعمالاتها حرف ناصبة مثل (أن) ويعتذرون في نحو: كيما أن تغر، بأن (زائدة، أو بدل من كي، وفي: كي لتقضيني، بزيادة اللام، كما في: (ردف لكم... 2) وفي: (كيمه) 3 بأن الفعل المنصوب بكي، مقدر، و (ما) منصوب بذلك الفعل، كأنه قيل: جئتك، فتقول: كيمه، أي كي أفعل ماذا. وفي اعتدارهم هذا مخالفة لعدة أصول: أحدها: حذف الصلة وإبقاء معمولها 4، والثاني: نصب (ما) الاستفهامية متأخرة عن الفعل المقدر، ولا تنصب إلا مقدمة عليه، ولهم أن يقولوا: المقدر كالمعدوم، إلا أن (كي) يكون، إذن، متقدما على كلمة الاستفهام، مع أنه لا يكون مركبا معه ككلمة واحدة للاستفهام، كما في: لمه، وبمه، فإن الجار والمجرور ككلمة واحدة، فيسقط (ما) بهذا الوجه عن التصدر اللفظي. والثالث: حذف ألف (ما) الاستفهامية غير مجرورة، ولا نظير له في كلامهم. وعند البصريين: كي قد تكون ناصبة بنفسها كأن، وجارة مضمرا بعدها (أن)، فإذا تقدمها اللام نحو: (لكيلا تأسوا) 5، فهي ناصبة لا غير بمعنى (أن)، وليس فيها معنى التعليل، بل هو مستفاد من اللام، وإذا جاء بعدها (أن)، فهي، إذن، جارة لاغير، بمعنى لام التعليل، وهكذا في (كيمه) ولا تجر الاسم الصريح إلا في (كيمه)، وفي غير هذه المواضع، نحو: جئتك كي تكرمني، يحتمل أن تكون ناصبة بنفسها


(1) أي بعد كي، (2) من الآية 73 سورة النمل، (3) يعني في السؤال عن علة الشئ، والهاء للسكت، (4) الصلة هي الفعل المقدر، ومعمولها هو اسم الاستفهام المتصل بكي، (5) الآية 13 من سورة الحديد وتقدمت قريبا (*)،

[ 51 ]

بمعنى التعليل 1، وأن تكون جارة كاللام مضمرا بعدها (أن) واللام في: كي لتقضيني، زائدة عندهم أيضا، أو بدل من (كي) الجارة، و (أن) عندهم في: لكيما أن.. بدل من (كي)، لأن (كي) بعد اللام بمعنى (أن) كما مر. ولا يتقدم على (كي) معمول الفعل المنصوب بعدها، فلا يقال: جئتك كي زيدا تضرب، لأنها إما جارة أو ناصبة، ولا يتقدم عليهما 2 معمول ما بعدهما، وأجاز الكسائي تقديم معمول منصوب (كي) عليها. وأما قول الشاعر: 641 - إذا أنت لم تنفع فضر فانما * يراد الفتى كيما يضر وينفع 3 برفع يضر...، فقيل: (ما) كافة، وقيل، مصدرية وكي جارة، أي لمضرته ومنفعته، وجوز المبرد والكوفيون نصب المضارع بعد (كما) على أنها بمعنى (كيما) والياء محذوفة وأنشدوا: 642 - لا تظلموا الناس كما لا تظلموا 4 وقيل: بل الناصب: (ما) تشبيها لها بأن، والكاف للتشبيه، والبصريون يمنعون ذلك وينشدون:


(1) المعرف في مثل ذلك أن تكون ناصبة بنفسها فتكون لام التعليل مقدرة قبلها، قياسا، (2) أي على النوعين. (3) روي البيت بنصب يضر وينفع كما روي يرفعهما، وفي حالة النصب تكون (ما) زائدة والفعل منصوب بكي وقبلها لام التعليل مقدرة، وفيه توجيهات أخرى، وهذا بيت مفرد، ورد في ديوان قيس بن الخطيم، ونسبه بعضهم إلى النابغة الجعدي أو النابغة الذبباني، (4) هكذا ورد بإسناده الفعلين إلى ضمير الجماعة وهو، بهذه الصيغة غير معروف القائل، وقال البغدادي ان المشهور: لا تشتم الناس كما لا تشتم بخطاب الواحد، وهو بهذه الصيغة موجود في سيبويه ج 1 ص 459 وسيأتي بهذه الصيغة أيضا في قسم الحروف من هذا الشرح (*).

[ 52 ]

لا تظلم الناس كما لا تظلم بالتوحيد 1، وقد يجئ شرح (كما) في حروف الجر. وعلى مذهب الخليل، لا ينصب المضارع إلا بأن، ظاهرة، أو مقدرة، فيمكن أن يقال على مذهبه: إن المضارع إعرابه إما رفع أو نصب: أعرب بالرفع لما وقع موقع الاسم بنفسه، لأن الرفع أقوى من النصب ووقوعه موقع الاسم بنفسه أقوى من وقوعه موقعه مع غيره، وأعرب بالنصب لما وقع مع (أن) موقع الاسم، وهو المصدر وأما إذا لم يقع موقع الاسم بوجه، وذلك مع ما يسمى جوازم، فلم يعرب، إذن، لضعف المشابهة، كما اخترنا قبل. المضارع بعد حتى (قال ابن الحاجب): (وحتى، إذا كان مستقبلا بالنظر إلى ما قبله بمعنى كي أو إلي) (أن، مثل: أسلمت حتى أدخل الجنة، وكنت سرت حتى) (أدخل البلد، وأسير حتى تغيب الشمس، فإن أردت الحال) (تحقيقا أو حكاية، كانت حرف ابتداء، فيرفع، وتجب) (السببية، مثل: مرض حتى لا يرجونه، ومن ثم امتنع الرفع) (في: كان سيرى حتى أدخلها في الناقصة، و: أسرت حتى) (تدخلها، وجاز في التامة: كان سيرى حتى أدخلها، وأيهم) (سار حتى يدخلها).


(1) يعني بإسناده إلى ضمير الواحد، كما قدمنا في روايته الأخرى (*)،

[ 53 ]

(قال الرضي): ابتدأ بالحروف التي ينتصب الفعل بعدها بإضمار (أن). أن هذه الحروف مختلف فيها إذا انتصب الفعل بعدها بإضمار (أن)، فعند حتى، ولام كي، ولام الجحود: حروف جر، والواو، والفاء، وأو،. حروف عطف، ولا ينصب شئ منها بنفسه، لأن الثلاثة الأولى من عوامل الأسماء، ولا يعمل شئ منها في الأفعال، والثلاثة الأخيرة غير مختصة، وشرط العامل الاختصاص بأحد القبيلين 1، وجاءت (أن) ظاهرة بعد لام كي، خاصة، في بعض المواضع، فتبين بذلك أنها غير عاملة بنفسها. وعند الكوفيين أن حتى، واللامين، تنصب بنفسها، لقيامها مقام الناصب، فاللام قامت مقام كي، فعملت عملها، وكذلك حتى التعليلية، وأما إذا كانت بمعنى إلى، فتعمل عمل (أن). وفيما قالوا بعد، لأن الأصل عدم خروج الشئ عن أصله واعتقاد بقائه على أصله: أولى، ما لم يضطر إلى اعتقاد خروجه عن ذلك الأصل وفيما تأول البصريون من تقدير الناصب بعد هذه الجارة، حتى تبقى على أصلها، مندوحة عن اعتقاد خروجها عن أصلها، ولا سيما وقد ثبت تقدير الناصب في نحو قولها: 643 - للبس عباءة وتقر عيني * أحب إلي من لبس الشفوف 2 وفي قوله:


(1) أي قبيل الأسماء وقبيل الأفعال، (2) صواب الرواية: ولبس بواو العطف لأن قبله ببيتين: أول القصيدة وهو: لبيت تخفق الأرواح فيه * أحب إلي من قصر منيف والأرواح جمع ريح، وأخطأ من قال أرياح، وهذا من كلام ميسون بنت بحدل الكلابية، أم يزيد ابن معاوية، تزوجها معاوية وكانت في البادية لم تعجبها حياة القصور فقالت هذه الأبيات، ولذلك قال الشارح كقولها (*)،

[ 54 ]

ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي 1 - 10. على أن لام الجحود ليست بمعنى (كي)، ولا بمعنى (أن)، و (حتى) للغاية ليست بمعنى (أن)، فكيف تحملان في النصب على ما ليستا بمعناه. وقال الكسائي من بين الكوفيين: إن (حتى) ليست في كلام العرب حرف جر، وإن الجر الذي بعدها في نحو: (حتى مطلع الفجر 2)، بتقدير حرف الجر، أي (إلي) بعدها، أي: حتى انتهى إلى مطلع الفجر، فلا يرد عليه الاعتراض في حتى، بأن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال، كما ورد على سائر الكوفية، بل يرد عليه: أنها غير مختصة بقبيل، لكن في مذهبه بعد، لأن حذف الجار وبقاء عمله، في غاية القلة، فكيف اطرد بعد (حتى)، وأيضا، كيف اطرد حذف الفعل بعدها مع انجرار الاسم. وعند الجرمي 3: أن الفاء، والواو، وأو، ناصبة بنفسها. وقال الفراء: الأفعال بعد هذه الأحرف منتصبة على الخلاف، أي أن المعطوف بها صار مخالفا للمعطوف عليه في المعني فخالفه في الاعراب، كما انتصب الاسم الذي بعد الواو في المفعول معه، لما خالف ما قبله، وإنما حصل التخالف ههنا بينهما، لأنه طرأ على الفاء معنى السببية، وعلى الواو معنى الجمعية، وعلى (أو) معنى النهاية أو الاستثناء 4. وقولهم في نحو: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، انه نصب على الصرف بمعنى قولهم: نصب على الخلاف، سواء. وكذا زعموا أن انتصاب الظرف في نحو: زيد عندك: على الخلاف، كما مضى في باب المبتدأ، والظاهر من مذهبه أنه جعل الخلاف أمرا معنويا ناصيا، كما أن الابتداء


(1) تقدم في أول الكتاب، وهو من معلقة طرفة بن العبد، (2) من الآية الأخيرة في سورة القدر، (3) أبو عمر صالح بن اسحاق الجرمي تكرر ذكره في هذا الشرح. (4) يعني يصلح في موضعها حتى الدال على الانتهاء، أو إلا الاستثنائية، (5) تقدير الكلام: هما سواء (*)،

[ 55 ]

عند أكثر النحويين: رافع، ولو أو جب الخلاف الانتصاب، لم يجز العطف في نحو: ما مررت بزيد لكن عمرو، وجاءني زيد لا عمرو. ولا يرد على الجرمي الاعتراض بوجوب اختصاص العامل بأحد القبيلين، لأنه يقول: إن هذه الحروف بهذه المعاني مختصة بالمضارع، وأما قوله تعالى: (... فأنتم فيه سواء) 1، فقليل، وهو من باب وضع الاسمية موضع الفعلية، كما في قوله: 644 - لو بغير الماء حلقي شرق * كنت كالعصان بالماء اعتصاري 2 وقوله: 645 - ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة * إلي، فهلا نفس ليلى شفيعها 3 ولنرجع إلى ذكر المنصوب بعد (حتى) على مذهب البصريين: قالوا: حتى حرف جر، فلا يدخل إلا على اسم، ظاهر أو مقدر، ولا يصح تقدير الفعل اسما إلا بأن، أو كي، أو، ما، أو، لو، ولا يصح تقدير (ما) و (لو)، لأنهما لا تنصبان ظاهرتين، فكيف تنصبان مقدرتين، مع أن (لو) لا تجئ مصدرية إلا بعد فعل


(1) من الآية 28 سورة الروم، (2) الاعتصار أن يزيل المرء غصة الطعام أي وقوفه في حلقه. بالماء فهو يقول: إذا كانت غصة الطعام تزال بالماء فماذا يزيل الغصة إذا حدثت من الماء نفسه، وهذا البيت من شعر عدي بن زيد العبادي، وكان النعمان سجنه فأرسل إليه من السجن بأبيات يقول في أولها: أبلغ النعمان عني مألكا * أنه قد طال حبسي وانتظاري والمالك بضم اللام على وزن مفعل من الك بمعنى أرسل. (3) وود هذا الشاهد في خزانة الأدب في باب المنصوب على شريطة التفسير وشرحه هناك، ولكنه ليس في النسخة المطبوعة التي نقلنا عنها، غير أنه أشير إليه هناك بالهامش في تعليقات الجرجاني ولذلك لم نثبته في شواهد الجزء الأول، والبيت مما أورده أبو تمام في الحماسة، وينسب إلى مجنون بني عامر، وبعده: أأكرم من ليلى علي فتبتغي * به الجاه أم كنت امرء الا أطيعها وبعضهم ينسبه إلى عبد الله بن الدمينة (*)،

[ 56 ]

التمني، كما يجئ 1، ولا يصح تقدير (كي)، لأن (كي) لا تستعمل إلا في مقام السببية، سواء كانت بمعنى (أن)، نحو: لكي أقوم، أو بمعنى اللام، بلى، قد جاءت (كي) بمعنى (أن) من غير سببية، لكن بعد فعل الأرادة نحو قول أبي ذؤيب: 646 - تريدين كيما تجمعيني وخالدا * وهل يجمع السيفان، ويحك في غمد 2 كما جاءت اللام المنصوب بعدها الفعل لغير السببية بعد الأرادة، أيضا، كقوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس 3...)، وبعد فعل الأمر، كقوله تعالى: (وأمرت لأعدل بينكم 4)، فتكون اللام زائدة، كما في: (ردف لكم 5)، وإذا كان في (كي) معنى السببية، لم يصح تقديرها في نحو: أسير حتى تغرب الشمس. فلم يبق إلا (أن) التي هي أم الباب، ولأنه ثبت تقديرها أيضا في غير هذا الباب نحو: (وتقر عيني.. 6) و: (أحضر الوغى) 7، وحمل المشكوك فيه على ما ثبت أولى. قوله: (وحتى إذا كان مستقبلا بالنظر إلى ما قبله)، نحو: سرت حتى أدخلها، يعني، ليس يجب أن يكون الدخول وقت التكلم بهذا الكلام مستقبلا مترقبا، بل الشرط أن يكون مضمون الفعل الواقع بعد حتى، مستقبلا بالنظر إلى مضمون الفعل الذي قبلها، كالدخول بالنظر إلى السير، فان الدخول، كان عند السير مترقبا بلا ريب، فيجوز النصب، سواء كان الدخول وقت الأخبار، ماضيا أو حالا أو مستقبلا، أو لم يكن


(1) في قسم الحروف. (2) من أبيات قالها أبو ذؤيب الهذلي، وكان أرسل خالدا المذكور، وهو ابن عم له، وقيل هو ابن أخته، إلى امرأة يهواها، برسالة، وكان خالد جميلا فعشقته تلك المرأة وهجرت أبا ذؤيب، ثم ندمت وبعثت إلى أبي ذؤيب تستعيدوده، فقال هذه الأبيات، وهي، مع القصة في ديوان الهذليين، (3) الآية 31 سورة الأحزاب (4) الآية 15 سورة الشورى. (5) من الآية 72 سورة النمل وتقدمت. (6) و (7) إشارة إلى الشاهدين المتقدمين قريبا، كما تقدم ذكر الثاني منهما في الجزء الأول (*)،

[ 57 ]

على أحد الأوجه الثلاثة، وذلك بأن يكون منك السير، إما للدخول، على أن (حتى) بمعنى (كي)، أو إلى الدخول، على أن (حتى) بمعنى (إلى)، ثم عرض مانع منع من حصول الدخول، فلم يكن الدخول في أحد الأزمنة، وقوله: (إذا كان مستقبلا بالنظر إلى ما قبله)، لا يصلح أن يكون علامة يعرف بها نصب المضارع بعد (حتى) من رفعه، لأن (حتى) التي يقع بعدها المضارع مرفوعا كان أو منصوبا، لا تخلو: إما أن تكون بمعنى (كي)، أو (إلى)، فما بعدها إما مسبب عما قبلها، أو انتهاء له، والمسبب بعد السبب، والنهاية بعد البداية، فالأولى أن يجعل كون ما بعدها مستقبلا بالنظر إلى ما قبلها، جوابا عن اعتراض يورد، تقريره أن يقال: إنك إذا جوزت في نحو: سرت حتى أدخلها بالنصب: أن يكون الدخول ماضيا أو، حالا عند الأخبار كما تجوز كونه مستقبلا، فكيف انتصب الفعل بأن، التي هي علم الاستقبال، فيجاب عنه بأن الفعل مستقبل بالنظر إلى حال السير، لا بالنظر إلى حال التكلم، فمن ثم جاز انتصابه بأن 1 ثم إذا أردنا أن نبين متى يرفع المضارع بعد (حتى) ومتى ينصب، قلنا: ذاك إلى قصد المتكلم، فان قصد الحكم بحصول مصدر الفعل الذي بعد (حتى): إما في حال الأخبار، أو في الزمن المتقدم عليه على سبيل حكاية الحال الماضية، وجب رفع المضارع، سواء كان بناء الكلام المتقدم على اليقين، نحو: إن زيدا سار حتى يدخلها، واعلم أنه سار حتى يدخلها، أو على الظن والتخمين، نحو: أظن عبد الله سار حتى يدخلها، وأرى أنه سار حتى يدخلها، أو تعقب الكلام شك، نحو: سار زيد حتى يدخلها فيما أظن، وسار حتى يدخلها، بلغني ولا أدري، وذلك انك قد تحكم بحصول الشئ على سبيل الشك والظن، كما تحكم بحصوله على سبيل اليقين، فعلى هذا، شرط الرفع أن يكون الفعل الأول موجبا، بحيث يمكن أن يؤدي حصول مضمونه إلى حصول مضمون ما بعد (حتى) سواء اتصل مضمون الأول بمضمون الثاني نحو: سرت


(1) كان يمكن أن يقول: إذا كان الفعل بعدها مستقبلا ولو بالنظر إلى ما قبلها، ويسمى في هذه الحالة مستقبلا بالتأويل (*)،

[ 58 ]

حتى أدخلها، أو لم يتصل به نحو: رأى مني العام الأول شيئا، حتى لا أستطيع أن أكلمه العام بشئ، فعلى هذا يجب أن يكون ما قبل (حتى) سببا لحصول ما بعده، لا يجوز ما سرت حتى أدخلها بالرفع، و: أسرت حتى تدخلها، لأن السبب منتف في الأول وغير محكوم بثبوته، لا بالعلم ولا بالشك في الثاني، فكيف يمكن الحكم بحصول مسببه. وقال الأخفش: يجوز: ما سرت حتى أدخلها بالرفع، إلا أن العرب لم تتكلم به، وقد غلط فيه 1. وجاز: أيهم سار حتى يدخلها، لأنك حاكم بحصول السير غير مستفهم عنه، وإنما الاستفهام عن السائر، لا عن السير. وإذا قلت: فلما سرت حتى أدخلها، وقل رجل سار حتى يدخلها، فإن أردت الحكم بوقوع سير قليل، جاز الرفع ولكن على ضعف، وذلك لاجرائهم ذلك في اللفظ مجرى النفي المصرح به، وإن أردت بهذه الكلمات: النفي الصرف، وهو الأغلب في كلامهم، كما ذكرنا في باب الاستثناء، وجب النصب. وأما نحو: إنما سرت حتى أدخلها، فلفظ (إنما) يستعمل لمعنيين: إما لحصر الشئ كقولك: إنما سرت، وإنما قعدت، إذا حصرت سيره 2، فيجوز الرفع على قبح، لأن الحصر كالنفي، وإما للاقتصار على الشئ كقولك لمن ادعى الشجاعة والكرم والعلم: إنما أنت شجاع، أي فيك هذه الخصلة فقط، فيجوز الرفع، إذن، بلا قبح، ولا يجوز: سرت تى تغرب الشمس، بالرفع، لأن السير لا يكون سببا لغروب الشمس، ويجوز: ما سرت إلا يوما حتى أدخلها بالرفع، وما سرت إلا قليلا، لأن النفي انتقض بالا. هذا كله في رفع ما بعد حتى، وان قصد المتكلم أن مضمون ما بعد حتى، سيحصل


(1) عبارة: إلا أن العرب لم تتكلم به، منقولة عن الأخفش نفسه، (2) في بعض النسخ: إذا حقرت سيره وهي أنسب حتى يكون هذا الوجه مقابلا لأفادتها معنى الحصر الذي عبر عنه بالاقتصار (*)،

[ 59 ]

بعد زمان الاخبار، وجب النصب، وكذا يجب النصب إن لم يقصد، لا حصوله في أحد الأزمنة ولا عدم حصوله فيها بل قصد كونه مترقبا مستقبلا وقت الشروع في مضمون الفعل المتقدم، سواء حصل في أحد الأزمنة الثلاثة أو عرض مانع من حصوله. ومع النصب يجوز أن تكون (حتى) بمعنى (كي) وبمعنى (إلى)، فنحو: سرت حتى تغيب الشمس، متعين لمعنى الانتهاء، ونحو: أسلمت حتى أدخل الجنة، متعين لمعنى السببية، ونحو: سرت حتى أدخلها، محتمل لهما. ولا يجوز عطف المرفوع على المنصوب، ولا العكس، إلا مع إعادة ( حتى) نحو: سرت حتى أدخلها وحتى تغرب الشمس. قال الجزولي 1، ونعم مام قال، إذا كانت (حتى) بمعنى (كي)، لم تدخل على صريح الاسم، بخلاف ما إذا كانت للانتهاء نحو: (حتى مطلع الفجر 2)، بل وجب دخولها 3 على المضارع، كما أن (كي) التي بمعناها، لا تدخل، من الأسماء، إلا على لفظة واحدة، وهي (ما) الاستفهامية، نحو: كيمه، على خلاف فيها أيضا. وقال الأندلسي 4: لم يثبت (حتى) بمعنى (كي) بل لا تأتي إلا للانتهاء وأول نحو قولهم: كلمته حتى يأمر لي بشئ: بأن معناه: كلمته، أو: أكلمه حتى يأمر لي بشئ، أي إلى أن يأمر، فجوز صريح الاسم في موضع كل مضارع منصوب بعد حتى، نحو: كلمته حتى أمره لي بشئ لأنه بمعنى (إلى). وما ذكره تكلف، لا يتمشى له في نحو: أسلمت حتى أدخل الجنة. قوله: (كانت حرف ابتداء)، أي حرف استئناف، أي ما بعدها كلام مستأنف، لا يتعلق من حيث الأعراب بما قبلها، كما تعلق المنصوب، لأن حتى، المنصوب ما بعدها


(1) تقدم ذكره. (2) الآية الأخيرة من سورة القدر، وتقدمت، (3) مقابل قوله: لم تدخل على صريح الاسم، (4) تقدم ذكره كثيرا (*).

[ 60 ]

من الفعل، حرف جر متعلق بما قبلها، ولا نعني بذلك 1: أن ما بعدها مبتدأ مقدر، أي: أنا أدخلها، لأن ذلك لا يطرد في نحو قوله تعالى: (وزلزلوا حتى يقول الرسول... 2) بالرفع، فهو في الاستئناف مثل قوله تعالى: (حتى إذا جاء أمرنا 3) جاء 4 بعده جملة شرطية مستأنفة. وقال المصنف: إنما وجب مع الرفع السببية، لأن الاتصال اللفظي لما زال بسبب الاستئناف، شرط السببية التي هي موجبة للاتصال المعنوي، فإن السبب متصل بالمسبب معنى، حتى يكون جبرانا لما فات من الاتصال اللفظي، قال: 647 - ولا صلح حتى تضبعون ونضبعا 5 لعدم الصلح سبب الضبع، أي مد الأيدي بالسيوف، وقوله: ونضبعا، عطف على: تضبعون على توهم النصب، على نحو قوله تعالى: (فأصدق وأكن 6) ورفع قوله: وتضبعون وإن كان مستقبلا، لأنه مع العزم الجزم عليه، كأنه حاصل، أو قد حصل ومعنى 7، قوله: (ومن ثم امتنع الرفع)، أي من جهة كون (حتى)، المرفوع ما بعدها حرف استئناف، امتنعت المسألة المذكورة، لأنه تبقى كان الناقصة بلا خبر، ولو كانت


(1) أي بكونها حرف ابتداء. (2) من الآية 214 سورة البقرة، (3) من الآية 40 في سورة هود، (4) يعني جاء بعد حتى جملة شرطية الخ. (5) هكذا ورد هذا الشطر برفع تضبعون ونصب نضبعا، وروى: حتى تضبعونا فيكون منصوبا ومتصلا به ضمير المفعول، والشطر بالصورة التي في الشرح، قال البغدادي عنه: إنه لم يقف على قائله ولا على بقيته ولكنه أورد بيتا لعمرو بن شاس الجاهلي يقول فيه: نذود الملوك عنكم وتذودنا * إلى الموت حتى تضبعوا ثم نضبعا وقد فسر الشارح كلمة الضبع، (6) من الآية 10 في سورة المنافقون (7) أي انه حاصل وقت التكلم أو سبق حصوله قبل ذلك (*).

[ 61 ]

تامة، جاز الرفع، وامتنع: أسرت حتى تدخلها لما ذكرنا، وهو أنك لم تحكم بالسير الذي هو سبب الدخول فكيف تحكم بحصول الدخول. وأما في: أيهم سار حتى يدخلها، فأنت حاكم بحصول السير، سائل عن تعيين السائر. واعلم أن الأخفش أجاز الفصل بين (حتى) و: (أو)، وبين الفعل المنصوب بعدهما، بالشرط، نحو: انتظر حتى إن قسم شئ، تأخذ، بنصب تأخذ، ولو جئت بالشرط مجزوما، فليس لك في (تأخذ) إلا الجزم، وكذا بعد (أو)، نحو: لا أسير والله أو إذا قلت لك اركب: تركب بنصب تركب. واستقبح ابن السراج 1 الفصل بينهما، وقال: الفصل بالظرف أسهل، نحو: سكت حتى إذا أردنا أن نقوم: يقول 2، و: أقم حتى متى أكلنا تأكل، فالظرف مفصولا به على قبحه، أسهل من حرف الشرط أعني (إن)، وأما الفصل بالاسم غير الظرف، نحو: انتظر حتى من أخذ، تأخذ، فلا يجوز، بل يجب جزم (تأخذ) ولا يجوز الفصل، اتفاقا، بين (أن)، و (لن)، و (كي)، وبين منصوباتها، لأنها الناصبة بنفسها، ولا يفصل بين العامل الحرفي ومعموله 3، وكذا، لا يفصل بين الفاء والواو واللام وبين ما انتصب بعدها لكونها على حرف واحد. المضارع بعد اللام لام كي، ولام الجحود (قال ابن الحاجب): (ولام كي، مثل: أسلمت لأدخل الجنة، ولام الجحود:)


(1) أبو بكر محمد بن السري وهو ممن تكرر ذكرهم في هذا الشرح. (2) برفع يقول: (3) تكرر النص على استثناء الفصل بلا (*).

[ 62 ]

(لام تأكيد بعد النفي لكان، مثل: وما كان الله ليعذبهم 1). (قال الرضي): الظاهر أن (أن) تقدر، أيضا بعد اللام الزائدة التي تجئ بعد فعل الأمر أو الأرادة 2، نحو: (وأمرت لأعدل بينكم 3) و: (يريد الله ليذهب) 4. والتي لتأكيد النفي تختص من حيث الاستعمال، بخبر (كان) المنفية، إذا كانت ماضية، لفظا نحو: (وما كان الله ليعذبهم 5)، أو معنى نحو: (لم يكن الله ليغفر لهم 6)، وكأن هذه اللام في الأصل هي التي في نحو قولهم: أنت لهذه الخطة، أي مناسب لها وهي تليق بك، فمعنى ما كنت لأفعل كذا: ما كنت مناسبا لفعله ولا يليق بي ذلك، ولا شك أن في هذا معنى التأكيد. وأما قوله تعالى: (وما كان هذا القرآن أن يفترى.. 7) فكأن أصله: ليفترى، فلما حذفت اللام، بناء على جواز حذف اللام 8 مع أن وأن، جاز إظهار (أن) الواجبة الأضمار بعدها 9، وذلك لأنها كانت كالنائبة عنها.


(1) الآية 33 سورة الأنفال وستأتي في الشرح، (2) أي الفعلين المشتقين من هذين المصدرين كما سيمثل، (3) من الآية 15 في سورة الشورى، وتقدمت (4) من الآية 33 سورة الأحزاب، وتقدمت، (5) الآية 33 من سورة الأنفال وهي مذكورة في المتن، (6) من الآية 168 سورة النساء، (7) من الآية 37 سورة يونس، (8) المراد: لام الجحود هنا، (9) أي حين توجد اللام في اللفظ (*)

[ 63 ]

المضارع بعد حروف العطف تفصيل أحكامه (قال ابن الحاجب): (والفاء بشرطين: أحدهما السببية، والثاني أن يكون قبلها) (أمر، أو نهي، أو نفي، أو استفهام، أو تمن، أو عرض) (والواو بشرطين: الجمعية وأن يكون قبلها مثل ذلك، وأو) (بشرط معنى: إلى أن). (قال الرضي): ترك التحضيض، وهو من جملة الأشياء المذكورة، نحو: (لو لا أنزل عليه ملك فيكون معه نذيرا 1)، و: (لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك.. 2)، وترك الترجي أيضا، قال الله تعالى: (لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى 3)، على قراءة النصب، وقال الله تعالى: (لعلي أبلغ الأسباب 4) ثم قال: (فأطلع) بالنصب على قراءة حفص 5. وأما الدعاء فهو داخل في باب الأمر والنهي، عند النجاة، لا عند الأصوليين، كما نجئ في باب الأمر، نحو: اللهم لا تؤاخذني بذنبي فأهلك، و: اللهم ارزقني مالا فأصدق به، والكسائي والفراء، جوزا نصب الدعاء 6 المدلول عليه بالخبر أيضا، نحو: غفر الله لك فيدخلك الجنة.


(1) الآية 7 سورة الفرقان، (2) من الآية 47 سورة القصص، (3) الآيتان 3، 4 سورة عبس (4) من الآية 36 سورة غافر (5) حفص احد الراويين عن عاصم أحد القراء السبعة والراوي الثاني شعبة، (6) أي النضب في جوابه (*)،

[ 64 ]

قوله: (أن يكون قبلها أمر) إذا كان الأمر صريحا نحو: ائتني فأشكرك، فلا كلام، في صحته، وأما إذا لم يكن صريحا، وذلك بأن يكون مدلولا عليه بالخبر، نحو: اتقى الله امرؤ،.. وفعل خيرا فيثاب عليه، و: حسبك الكلام فينام الناس، أو اسم فعل، نحو: نزال فاقاتلك، وعليك زيدا فأكرمك، أو يكون الأمر مقدرا نحو: الأسد الأسد فتنجو، فالكسائي يجري جميع ذلك مجرى صريح الأمر، وقد وافقه ابن جني 1 في نحو: نزال، بناء على أنه مطرد كالأمر، على ما هو مذهب سيبويه 2. وأما النصب في قراءة أبي عمرو 3: (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له فيكون 4)، فلتشبيهه بجواب الأمر من حيث مجيئة بعد الأمر، وليس بجواب له من حيث المعنى، إذ لا معنى لقولك: قلت لزيد اضرب فيضرب أي: اضرب يا زيد فانك إن تضرب يضرب، أي يضرب زيد. وأما النهي فنحو: لا تشتمني فتندم، والنفي: ما تأتينا فتكرمنا، وهو: إما صريح، كما ذكرنا، أو مؤول نحو: قلما تلقاني فتكرمني، وكذا: قل رجل، أو: أقل رجل،. لأن هذه الكلمات تستعمل بمعنى النفي الصرف 5، وتستعمل في اللفظ استعماله أيضا. وأما ما يفيد معنى النفي، لكن لا يجري في استعمالهم مجراه فلا ينصب جوابه، كقولك: أنت غير أمير فتضربني، وكذا التقليل بقد، في المضارع، لا يقال: قد تجيئني فتكرمني. وقد جوز قوم نصب جواب كل ما تضمن النفي أو القلة، قياسا لا سماعا، وقد


(1) أبو الفتح عثمان بن جني، ممن تكرر ذكرهم في هذا الشرح، (2) يرى سيبويه أن صوغ اسم الفعل على وزن فعال مثل نزال وتراك قياسي من كل فعل ثلاثي تام متصرف انظر سيبويه ج 2 ص 41. (3) المراد: أبو عمرو بن العلاء، أحد زعماء النحو المتقدمين وأحد القراء السبعة، وتكرر ذكره. (4) من الآية 117 سورة البقرة، (5) أي النفي الخالص وإن كان وضعها من حيث اللفظ يدل على التقليل (*)،

[ 65 ]

يجئ التشبيه المفيد لمعنى النفي ملحقا بالنفي، أي منصوب الجواب، نحو: كأنك وال علينا فتشتمنا، أي: لست بوال، أما إن قصدت بالتشبيه الحقيقة لا النفي فلا يجوز ذلك. وذكر سيبويه 1: حسبته شتمني فأثب عليه، أي: لو شتمني لو ثبت عليه. وقد تضمر (أن) الناصبة بعد الواو، والفاء، الواقعتين إما بعد الشرط قبل الجزاء، نحو: أن تأتني فتكرمني أو تكرمني، آتك، أو بعد الشرط والجزاء نحو: أن تأتني آتك فأكرمك أو أكرمك، وذلك لمشابهة الشرط في الأول، والجزاء في الثاني، للنفي، إذ الجزاء مشروط وجوده بوجود الشرط، ووجود الشرط مفروض، فكلاهما غير موصوفين بالوجود حقيقة، وعليه حمل قوله تعالى: (ان يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد..) إلى قوله: (ويعلم) 2، على قراءة النصب 3. وقد جاء بعد الحصر بإنما نحو: إنما يجئني فيكرمني زيد، لما قلنا في (حتى) إن فيه معنى التحقير القريب من النفي 4، وأما بعد الحضر بالا نحو: ما قام إلا زيد فتحسن إليه، فلا يجوز اتفاقا، لأنه بعد إثبات صريح، بلى، إن لم يرجع الضمير الذي عمل فيه ما بعد الفاء بواسطة أو غير واسطة، إلى المستثنى المثبت، بل إلى شئ في حيز النفي، نحو: ما قام أحد إلا هند فأحسن إليه أو فأكرمه، والضمير لأحد، جاز، لأن المعنى: ما قام أحد فأحسن إليه إلا هند، على أن ذلك قبيح، لأن قولك: فأحسن إليه متعلق بما قبل (إلا) وقد تقدم في باب الفاعل، أن متعلق ما قبلها لا يقع بعد المستثنى عند البصرية، إلا الأشياء المعدودة هناك 5. وقد جاء ما بعد الفاء منصوبا، في ضرورة الشعر، فيما ليس فيه معنى النفي أصلا، كقوله:


(1) انظر سيبويه ج 1 ص 422 (2) الآيات 33، 34، 35 من سورة الشورى، (3) الرفع قراءة نافع وابن عامر، وباقي السبعة بالنصب، (4) هذا يؤيد ما جاء في بعض النسخ وأشرنا إليه في ص 58 ه 2، (5) عرض الشارح لهذا في بحث مستفيض في آخر باب الفاعل في الجزء الأول (*)،

[ 66 ]

648 - سأترك منزلي لبني تميم * وألحق بالحجاز فأستريحا 1 والمني 2، نحو: ليتك عندنا فنكرمك، والعرض، نحو: الا تزورنا فنعطيك، والاستفهام نحو: هل تزورنا فنحسن إليك. وكان الأصل في جميع الأفعال المنتصبة بعد فاء السببية: الرفع، على أنها جمل مستأنفة، لأن فاء السببية لا تعطف وجوبا، بل الأغلب أن يستأنف بعدها الكلام، كاذا المفاجأة، ومعنياهما، أيضا، متقاربان، ولذلك تقعان في جواب الشرط، إلا أن (إذا) المفاجأة مختصة بالاسمية 3، وقد يبقى ما بعد الفاء السببية على رفعه قليلا كقوله تعالى: (ولا يؤذن لهم فيعتذرون 4)، وقوله: 649 - ألم تسأل الربع القواء فينطق * وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق وقوله: 650 - ولقد تركت صبية مرحومة * لم تدر ما جزع عليك فتجزع 6 جاء جميع هذا على الأصل، ومعنى الرفع فيه كمعنى النصب، لو نصب. وكذا لا منع من إبقاء فيما بعد واو الجمع 7، إذا لم يلبس ويكون معنى الرفع والنصب فيه سواء، نحو: اضربني وأضربك بالرفع، وكذا في (أو)، قال الله تعالى: (.. تقاتلونهم


(1) من شواهد سيبويه ج 1 ص 421 ولم ينسبه أحد من شراح الشواهد، إلا العيني فقد نسبه إلى المغيرة بن حبناء التميمي، ونقل البغدادي ذلك وعقب عليه بقوله: رجعت إلى ديوانه وهو صغير، فلم أجده فيه، (2) رجوع إلى استكمال أنواع الطلب التي ينصب بعدها المضارع، (3) يأتي تفصيل الكلام على إذا المفاجأة في قسم الحروف، (4) الآية 36 سورة المرسلات، (5) مطلع قصيدة لجميل بن معمر وهو من شواهد سيبويه ج 1 ص 422. (6) من أبيات أوردها أبو تمام في باب المرائي من ديوان الحماسة لشاعر اسمه مويلك بن المزموم في رثاء امرأة له ماتت عن طفلة صغيرة، وقد روي: تركت صغيرة مرحومة، وبعده: قدت شمائل من لزامك حلوة * فتبيت تسهر ليلها تتفجع (7) أي الواو الدالة على المعية (*)،

[ 67 ]

أو يسلمون) 1، معنى الرفع فيه: معنى النصب، أي أن يسلموا: جاز لك ألا تصرف في المواضع المذكورة إلى النصب، اعتمادا على ظهور المعنى، والأكثر الصرف إليه بعد الأحرف الثلاثة، وإنما صرفوا ما بعد فاء السببية من الرفع إلى النصب، لأنهم قصدوا التنصيص على كونها سببية، والمضارع المرتفع، بلا قرينة مخلصة للحال أو الاستقبال: ظاهر في معنى الحال كما تقدم في باب المضارع 2، فلو أبقوه مرفوعا، لسبق إلى الدهن أن الفاء لعطف جملة حالية الفعل على الجملة التي قبل الفاء ، فصرفه إلى النصب منبه في الظاهر على أنه ليس معطوفا، إذ المضارع المنصوب بأن: مفرد وقبل الفاء المذكورة جملة، ومخلص المضارع للاستقبال اللائق بالجزائية 3، كما ذكرنا في المنصوب بعد (إذن)، فكان فيه شيئان: دفع جانب كون الفاء للعطف، وتقوية كونه للجزاء، فيكون إذن ما بعد الفاء مبتدأ محذوف الخبر وجوبا، كما ذكرنا في (إذن) سواء. وإنما اخترنا هذا 4 على قولهم: إن ما بعد الفاء بتقدير مصدر معطوف على مصدر الفعل المتقدم تقديرا، فتقدير زرني فأكرمك: ليكن منك زيارة فإكرام مني، لأن 5 فاء السببية إن عطفت، وهو قليل فهي إنما تعطف الجملة على الجملة، نحو: الذي يطير فيغضب زيد: الذباب. وكذا نقول في الفعل المنصوب بعد واو الصرف 6، إنهم لما قصدوا فيه معنى الجمعية، نصبوا المضارع بعدها، ليكون الصرف عن سنن الكلام المتقدم مرشدا من أول الأمر إلى أنها ليست للعطف، فهي، إذن، إما واو الحال، وأكثر دخولها على الجملة الاسمية،


(1) من الآية 16 سورة الفتح، (2) في أول الكلام على المضارع من هذا الجزء، (3) العبارة هكذا في المطبوعة ويحتمل أن في الكلام سفطا، وأن الأصل: وتقدير (أن) مخلص المضارع للاستقبال، (4) أي أن ما بعد الفاء من المصدر المؤول مبتدأ محذوف الخبر، (5) تعليل لقوله: وإنما اخترنا هذا، (6) اصطلاح الكوفيين في تسمية واو المعية (*)،

[ 68 ]

فالمضارع بعدها في تقدير مبتدأ محذوف الخبر وجوبا، فمعنى قم وأقوم، أي: قم وقيامي ثابت، أي في حال ثبوت قيامي، وإما بمعنى (مع) وهي لا تدخل إلا على الاسم فلما قصدوا ههنا، مصاحبة الفعل للفعل، نصبوا ما بعدها، فمعنى قم وأقوم: أي قم مع قيامي، كما قصدوا في المفعول معه مصاحبة الاسم للاسم فنصبوا ما بعد الواو، ولو جعلنا الواو عاطفة للمصدر على مصدر متصيد من الفعل قبله، كما قال النحاة، أي: ليكن منك قيام وقيام مني، لم يكن فيه نصوصية 1 على معنى الجمع، كما لم يكن، في تقديرهم، في الفاء معنى السببية، بل كون واو العطف للجمعية قليل، نحو: كل رجل وضيعته 2، والأولى في قصد النصوصية في شئ على معنى: أن يجعل على وجه يكون ظاهرا فيما قصد النصوصية عليه. وإنما شرطوا في نصب ما بعد فاء السببية كون ما قبلها أحد الأشياء المذكورة، لأنها غير حاصلة المصادر فتكون كالشرط الذي ليس بمتحقق الوقوع، ويكون ما بعد الفاء كجزائها، ثم حملوا ما قبل واو الجمعية في وجوب كونه أحد الأشياء المذكورة، على ما قبل فاء السببية، التي هي أكثر استعمالا من الواو في مثل هذا الموضع، أعني في انتصاب المضارع بعدها، وذلك لمشابهة الواو للفاء في أصل العطف، وفي صرف ما بعدها عن سنن العطف لقصد السببية في إحداهما والجمعية في الأخرى، وأيضا لقرب معنى الجمعية من التعقيب الذي هو لازم السببية. ثم اعلم، أنه لما كان ما بعد الفاء مبتدأ محذوف الخبر وجوبا 3، صارت الفاء مع ما بعدها أشد اتصالا بما قبلها من الجملة الجزائية بالجمله الشرطية، فجاز في هذا الجواب ما لا يجوز في الجملة الجزائية، وذلك أنك تفصل به بين الفعل الذي قبل الفاء ومفعوله، نحو: هل تعطي فيأتيك، زيدا، ويتوسط أيضا بين أداة الاستفهام التي هي (هل)


(1) كلمة مستحدثة من قبيل المصادر الصناعية معناها كون اللفظ دالا على معنى معين لا يحتمل غيره والرضي يستعملها كثيرا، (2) انظر باب المبتدأ في الجزء الأول، (3) بناء على ما اختاره فيما تقدم (*)،

[ 69 ]

أو الظرف، أو كيف، أو، لمه وبين الفعل المستفهم عنه، نحو: هل، فأتيك تخرج، ومتى، فأكرمك تزورني، وكيف فأستقبلك تجيئني، ولم فأسير تسير. ويجوز، أيضا حذف الفعل المستفهم عنه للوضوح، ولقيام هذا الجواب مقامه، لأنه في اللفظ، كالجزاء مما هو كالشرط، تقول: متى، فأسير معك، أي: متى تسير فأسير معك، ولا يجوز شئ من ذلك في صريح الشرط والجزاء، لأن كل واحد منهما، في اللفظ، جملة ظاهرة. قالوا: ولا جواب للجواب بالفاء، ولا يجاب، أيضا، الشئ الواحد بجوابين، فقوله تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي 1) جوابه قوله: (فتكون من الظالمين)، وقوله: (ما عليك من حسابهم من شئ، وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم) جملة متوسطة بينهما، ويجوز أن يكون (فتكون) معطوفا على (فتطردهم). وإنما لم يجب بجوابين، لأنه كالشرط والجزاء، ولا تجاب كلمة الشرط بجوابين. ومعنى النفي في نحو: ما تأتينا فتحدثنا: إن تأتنا تحدثنا، انتفى الحديث لانتفاء شرطه وهو الأتيان، كقوله تعالى: (لا يقضى عليهم فيموتوا 2)، هذا هو القياس، وذلك لأن فاء الجزاء، قياسه أن يجعل الفعل المتقدم عليه الذي هو غير موجب: موجبا 3، ويدخل عليه كلمة (إن) ويكون الفاء مع ما بعده من الفعل جزاء، كما تقول في قوله تعالى: (ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي 4)، أي: إن تطغوا فحلول الغضب حاصل 5 ويجوز، أيضا، أن يكون النفي راجعا إلى الحديث في الحقيقة لا إلى الأتيان، أي، ما يكون منك إتيان بعده حديث وإن حصل الأتيان، وبهذا المعنى، ليس في الفاء معنى


(1) الآية 52 سورة الأنعام. (2) الآية 36 سورة فاطر (3) مفعول ثان لقوله: أن يجعل الفعل. (4) الآية 81 سورة طه. (5) حسب التقدير الذي اختاره في إعراب ما بعد فاء السببية (*).

[ 70 ]

السببية، وحق الفعل أن ينتصب بعد فاء السببية، لكنه إنما انتصب 1، على تشبيها بفاء السببية كما يجئ. وإنما قلنا إن الفاء بهذا المعنى ليست للسببية، لأن قولك، إن أتيتني حدثتني، مخالف في المعنى لقولك: تأتيني ولا تحدثني، بل إنما يعطي هذه الفائدة، معنى فاء العطف الصرف: إما عاطفة للاسم على الاسم نحو: ما كان منك إتيان فحديث، على ما يؤولون به مثل هذا المنصوب، وإما عاطفة للفعل على الفعل نحو: ما تأتيني فتحدثني بالرفع، فيكون النفي في الموضعين شيئا واحدا واقعا على المعطوف والمعطوف عليه معا، فيكون المجموع المقيد بقيد تعقب الحديث إياه منفيا، والمركب من جزأين، ينتفي بانتفاء جزأيه معا، وبانتفاء كل واحد من جزأيه، أيضا، فعلى الأول، يكون المعنى ليس منك إتيان ولا حديث معه. ويجوز أن يكون قوله تعالى: (ولا يؤذن لهم فيعتذرون 2)، بهذا المعنى. وعلى نفيك الجزء الثاني فقط يكون المعنى: منك إتيان، لكن لا حديث بعده، ومنه قول علي رضي الله عنه في نهج البلاغة 3: (لا يخرج لكم من أمري رضى فترضونه ولا سخط فتجتمعون عليه). ولا يجوز أن يبقى الأول فقط، لأن الحديث الذي يكون بعد الأتيان، لا يكون من دون الأتيان، بلى، إن جعلت ما بعد الفاء على القطع والاستئناف، لا معطوفا على الفعل الأول، جاز هذا المعنى، فيكون المراد: ما تأتينا، فأنت تحدثنا بما يحدث به الجاهل بحالنا، كما قال: 651 - غير أنا لم تأتنا بيقين * فنرجي ونكثر التأميلا


(1) أي في حالة خروج الفاء عن السببية، (2) الآية 6 سورة المرسلات وتقدمت، (3) من خطبة له في تقريع أصحابه ص 208 من نهج البلاغة، طبع دار الشعب بالظاهرة، (4) من أبيات سيبويه التي لم يعرف لها قائل، وهو في سيبويه ج 1 ص 419 (*)،

[ 71 ]

أي، فنحن نرجي. ويجوز مع الرفع أيضا، أن تكون الفاء للسببية، والمبتدأ محذوف، فيكون معنى الرفع والنصب سواء، وإنما لم يصرفه إلى النصب لعدم اللبس، كما ذكرنا قبل، فيكون قوله تعالى: (ودوا لو تدهن فيدهنون 1)، منه، أي: فهم يدهنون، وكذا قوله تعالى: (ولا يؤذن لهم فيعتذرون 2)، أي: فهم يعتذرون، فكأنه قال: فيدهنوا، وفيعتذروا، كما أن قوله تعالى: (فأنتم فيه سواء 3) بمعنى: فتستوا، وكذا قوله: ألم تسأل الربع القواء فينطق 4 - 649 وقوله: لم تدر ما جزع عليك فتجزع 5 - 650 ولا أرى بأسا من أن لا يقدر في مثله المبتدأ، لأن فاء الجزاء قد تدخل على المضارع المثبت والمنفي بلا، من غير تقدير مبتدأ، كما يجئ في المجزوم، لكن الاستئناف والسببية مع تقدير المبتدأ أظهر وقال سيبويه 6: المعنى: فهي مما ينطق، بناء على توهمات الشعراء وتخيلاتهم، ثم رجع وقال: وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق. وقد لا 7 يصرف بعد واو الجمعية، أيضا، إلى النصب، أمنا من اللبس، كما ذكرنا


(1) الآية 9 في سورة القلم، (2) الآية 36 سورة المرسلات وتكرر ذكرها، (3) من الآية 28 سورة الروم، (4) الشاهد المتقدم قريبا من شعر جميل بثينة. (5) الشاهد المتقدم قبل قليل، (6) سيبويه ج 1 ص 422. (7) تكررت الأشارة إلى ضعف هذا التعبير، ويغني عنه: ربما لا يصرف، كما سيأتي بعد قليل (*).

[ 72 ]

في نحو: إيتني وأكرمك بالرفع، لأن واو الحال قد تدخل على المضارع المثبت، كما ذكرنا في باب الحال 1، نحو قولك: قمت وأضرب زيدا، أي: وأنا أضرب زيدا. وكذا، ربما لا يصرف، كما ذكرنا، بعد (أو) العاطفة إلى النصب، نحو قوله تعالى: (تقاتلونهم أو يسلمون 2)، مع أنه 3 بمعنى (الا) أمنا من اللبس، فان (أو) في الأصل لأحد الأمرين، والمعنى: لابد من أحد الأمرين: القتال أو الأسلام، وفيه إيماء إلى معنى (إلى)، أو (إلا). فللرفع بعد الفاء، إذن، أربعة معان، كما تقدم: وللنصب معنيان، عند سيبويه 4، وإنما جاز النصب عنده في المعنى الثاني، مع أن الفاء ليست للسببية، تشبيها للفاء وما بعدها، بفاء الجزاء، لكونها فاء بعدها مضارع كائنا 5 بعد نفي، كما شبه في: (كن فيكون) 6، والنفي بالمعنى الثاني كثير الاستعمال، كقولهم: لا يسعني شئ فيعجز عنك، أي ان وسعني شئ لم يعجز عنك، قال: 652 - وما قام منا قائم في ندينا * فينطق إلا بالتي هي أعرف 7 وقال: وما حل سعدي غريبا ببلدة * فينسب، إلا الزبرقان له أب 8 - 185


(1) أول الجزء الثاني من هذا الشرح، (2) من الآية 16 سورة الفتح وتقدمت قريبا. (3) مع أنه، أي لفظ أو، (4) ما يتعلق بالنصب بعد الفاء، مفصل في سيبويه ج 1 ص 418 وما بعدها، (5) كائنا، هكذا بالنصب، والرضي يرى جواز مجئ الحال من النكرة، (6) من الآية 117 سورة البقرة وتقدمت. (7) من قصيدة طويلة للفر زدق امتلات بالفخر ومنها بعض الشواهد في هذا الشرح، والبيت في سيبويه ج 1 ص 420،. (8) تقدم في باب الحال، في الجزء الثاني (*)،

[ 73 ]

أي يحل ولا ينسب..، ولو لا أن ما بعد الفاء في البيتين منفي، لما جاز الاستثناء، لأن الاستثناء المفرغ لا يكون في الموجب. وقد يستأنف بعد الواو، من غير معنى الجمعية، كقولك: دعني ولا أعود، أي: وأنا لا أعود على كل حال، وبعد (أو) من غير معنى (إلى) أو (إلا)، كما تقول: أنا أسافر، أو أقيم، حكمت أولا بالسفر، ثم بدا لك، فقلت: أو أقيم، أي: أو أنا أقيم، أي بل أنا أقيم. وجوز سيبويه 1 الرفع في قوله: 653 - فقلت له لا تبك عينك إنما * نحاول ملكا أو نموت فنعذرا 2 إما على العطف على (نحاول)، أو على القطع، أي: نحن نموت. وقوله تعالى: (أو يرسل رسولا 3) بالرفع، مقطوع، أي: هو يرسل. وقوله: 654 - إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا * أو تنزلون فانا معشر نزل 4 عند الخليل محمول على المعنى، أي تركبون أو تنزلون، كقوله: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب إلا ببين غرابها - 269


(1) قال سيبويه: ولو رفعت لكان عربيا جيدا... الخ ج 1 ص 427، (2) من قصيدة لامرئ القيس والمراد بصاحبه: عمرو بن محيئة الشاعر وهو الذي صحبه في رحلته إلى ملك الروم، (3) الآية 51 من سورة الشورى، (4) من قصيدة الأعشى التي تعد إحدى المعلقات والتي أولها: ودع هريرة ان الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل وهو من شواهد سيبويه ج 1 ص 429، ومن هذه القصيدة عدد من الشواهد في هذا الشرح، (5) تقدم في باب خبر ما العاملة عمل ليس في الجزء الثاني، وفي باب اسم التفضيل في الجزء الثالث، وهو من شواهد سيبويه ج 1 ص 83 وتكرر في موضعين آخرين فيه (*)،

[ 74 ]

وقال يونس، هو على القطع، أي بل أنتم نازلون، و (أو) بمعنى (بل) كما يجئ في حروف العطف، كما في قوله تعالى: (.. إلى مائة ألف أو يزيدون 1) أي: بل هم يزيدون. وقد يقطع بعد الواو، والفاء، وثم في غير هذا الباب، أي في غير الجمعية، قال: 655 - على الحكم المأتي يوما إذا قضى * حكومته أن لا يجور ويقصد 2 لم ينصب (يقصد) لأنه احتمل مع النصب، أن يكون معطوفا على (يجور) المنفي، فيكون المعنى: على الحكم أن لا يجور ولا يقصد، وهو تناقض، ويحتمل أن يكون عطفا على: لايجور، الكائن بمعنى: يعدل، بمعنى على الحكم أن لايجور وأن يقصد، فترك العطف خوفا من اللبس، ورفع على القطع، أي: وهو يقصد، كما تقول: زيد يجئ إذا اشتهيت مجيئة، فالمعنى: ينبغي له أن يقصد، أي: أن لا يجور. وقد يقطع مع الفاء التي لغير السببية، كما ذكرنا في قوله:... فترجي ونكثر التأميلا 3 - 850 ومثله قوله: 656 - فما هو إلا أن أراها فجاءة * فأبهت حتى ما أكاد أجيب 4


(1) الآية 147 سورة الصافات، (2) من شواهد سيبويه ج 1 ص 431 وهومن قصيدة لشاعر اسمه أبو اللجام التغلبي من شعراء الجاهلية ومن جيد أبياتها قوله: عسى سائل ذو حاجة إن منعته * من اليوم سؤلا أن يكون له غد وانك لا تدري باعطاء سائل * أأنت بما تعطيه أم هو أسعد (3) الشاهد المتقدم قريبا، (4) في سيبويه ج 1 ص 430 وقد وقع في شعر عروة بن حزام العذري وفي شعر كثير عزة بلفظ واحد، ووقع = (*)

[ 75 ]

يروى بنصب أبهت، ورفعه على القطع، أي: فأنا أبهت. قوله: (والواو بشرطين: الجمعية، وأن يكون قبلها مثل ذلك)، أي يجتمع مضمون ما قبلها ومضمون ما بعدها في زمان واحد، ويكون قبلها أمر، نحو: زرني وأزورك، أو نهي، نحو: 657 - لاتنه عن خلق وتأني مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم 1 أو استفهام، نحو: هل تزورني وتعطيني، أو تمن، نحو: ليتك عندنا وتكرمنا، أو تحضيض، نحو: هلا تزورنا وتكرمنا، أو عرض نحو: ألا تزورنا، وتكرمنا. والنحاة يؤولون هذا بواو العطف نحو: ليكن منك زيارة وزيارة مني، وقد ذكرت ما هو عليه في الفاء 2. قوله: (وأو، بشرط معنى إلى أن)، معنى (أو) في الأصل: أحد الشيئين أو الأشياء، نحو: زيد يقوم أو يقعد، أي يعمل أحد الشيئين، ولا بد له من أحدهما، فإن قصدت مع إفادة هذا المعنى، الذي هو لزوم أحد الأمرين: التنصيص على حصول أحدهما عقيب الآخر، وأن الفعل الأول يمتد إلى حصول الثاني، نصبت ما بعد (أو)، فسيبويه 3 يقدره بإلا، وغيره بإلى، والمعنيان يرجعان إلى شئ واحد، فإن فسرته بالا، فالمضاف بعده محذوف وهو الظرف، أي: لألزمنك إلا وقت أن تعطيني، فهو في محل النصب على أنه ظرف لما قبل (أو)، وعند من فسره بإلى: ما بعده بتأويل مصدر مجرور بأو التي بمعنى إلى.


= في قصيدة لأبي صخر الهذلي وشطره الثاني: فأبهت لا عرف لدي ولا نكر. (1) ورد في قصيدة للمتوكل الكناني، وفي قصيدة منسوبة إلى أبي الأسود الدولي وقال البغدادي: إذا صحت نسبته إلى المتوكل الكناني فقد أخذه من قصيدة أبي الأسود، وجاءت نسبته في سيبوبه ج 1 ص 424 إلى الأخطل: (2) اختار الرضي في مثل هذه التراكيب أن ما بعد الفاء أو الواو من المصدر المؤول، مبتدأ محذوف الخبر،. وقد تقدم ذلك وأفاض الرضي في شرحه وتأييده (3) سيبويه ج 1 ص 427 (*)،

[ 76 ]

هذا، وقال سيبويه 1 في قول الشاعر: 658 - وما أنا للشئ الذي ليس نافعي * ويغضب منه صاحبي بقؤول 2 يجوز رفع يغضب ونصبه، أما الرفع فلعطفه على الصلة، أعني قوله: ليس نافعي، وقال أبو علي، في كتاب الشعر 3، بل هو عطف على (نافعي)، وليس بشئ، لأنه يكون المعنى، إذن، ما أنا بقؤول للشئ الذي ليس يغضب منه صاحبي، أي: لا أقول شيئا لا يغضب منه صاحبي، وهذا ضد المقصود. وإذا نصبته 4 فهو على الصرف 5، قال المبرد: لا يجوز ذلك، لأن مراد الشاعر: الذي يغضب منه صاحبي لا أقوله: قلت: الذي قاله، إنما يلزم لو جعلنا هذا الصرف في سياق قوله: ليس نافعي، لأنه يكون المعنى، إذن، لا أقول قولا، لا يجمع النفع وغضب صاحبي، وأما إذا جعلناه في سياق النفي الذي هو: ما أنا، فلا يفسد المعني، لأنه يكون المعنى، إذن، لا يكون مني القول الذي لا ينفعني مع غضب صاحبي منه، وذلك إما بانتفائهما معا أو بانتفاء أحدهما لأن المركب ينتفي بانتفاء أحد جزأيه كما ينتفي بانتفاء مجموعهما، فتقدم الواو على ما هو منفي حقيقة، أعني القول، الذي تضمنه قوله: بقؤول، كتقدم الفاء على الفعل المستفهم عنه في قولك: متى فأكرمك تكرمني، كما تقدم في تعليل ذلك.


(1) قال سيبويه: ج 1 ص 426 - وسمعنا من ينشد هذا البيت من العرب... بالنصب والرفع أيضا جائز حسن... (2) هذا البيت من قصيدة لكعب بن سعد الغنوي - وهو شاعر إسلامي وقبله: وعوراء قد قيلت فلم ألتفت لها * وما الكلم العوران لي بقبول وبعده: ولن يلبث الجهال أن يتهضموا * أخا الحلم ما لم يستعن بجهول (3) كتاب الشعر، أو الأيضاح الشعري لأبي علي الفارسي وتكرر ذكر الكتاب وصاحبه. (4) أي الفعل: يغضب في البيت السابق، (5) أي على أن الواو للمعية (*).

[ 77 ]

وقال سيبويه 1، وتبعه أبو علي: إن يغضب المنصوب معطوف على (الشئ)، أي الذي غضب صاحبي منه أي: لمسبب غضب صاحبي. وفيه نظر، لأن الضمير في منه يرجع إلي الشئ غير النافع، فيكون المعنى: وما أنا بقؤول لشئ منه يحدث غضب صاحبي من الكلام الذي لا ينفعني، ولا معنى لهذا الكلام. ولا يجوز أن يرجع الضمير إلى المضاف المقدر، لأنك إنما أضفته إلى الغضب ليعلم أن الغضب منه، فلا يحتاج إلى لفظ (منه)، كما بينا في الظروف المضافة إلى الجمل: أن نحو قولك: يوم تسود فيه الوجوه: قبيح. إضمار أن بعد حروف العطف (قال ابن الحاجب): (وبعد العاطفة إذا كان المعطوف عليه اسما) (قال الرضي): عطف على (حتى) في قوله: وحتى إذا كان مستقبلا، أي: العاطفة يقدر بعدها أن، نحو قولها: للبس عباءة وتقر عيني * أحب إلي من لبس الشفوف 2 - 643 ليكون الاسم معطوفا على اسم، وكذا العطف بالفاء وغيره، نحو: أعجبني ضرب


(1) في الموضع السابق ذكره عند ذكر الشاهد، وتبعه أبو علي أي في كتابه الذي تقدمت الأشارة إليه. وقد نقل البغدادي عبارة الفارسي وأفاض في تفسير معنى البيت، (2) الشاهد المتقدم قريبا (*)،

[ 78 ]

زيد فيشتم، وضرب زيد ثم يشتم، وضرب زيد أو يشتم. والواو، والفاء، وأو، في مثل هذه المواضع، لا يشوبها معنى السببية، والجمعية والانتهاء 1 إظهار أن جوازا، ووجوبا (قال ابن الحاجب): (ويجوز إظهار أن، مع لام كي، والعاطفة ويجب مع لا) (في اللام). (قال الرضي): أخذ يبين المواضع التي يجوز فيها إظهار (أن) المقدرة، والموضع الذي يعرض فيه ما يوجب إظهار (أن)، فالذي يبقى بعد القسمين، هو الموضع الذي لا يجوز فيه إظهارها، فنقول: إنما جاز إظهارها مع لام (كي) والعاطفة واللام الزائدة، لا للجحود، نحو: (وأمرت لأن أكون 2)، لأن هذه الثلاثة تدخل على اسم صريح نحو: جئتك للاكرام، وأعجبني ضرب زيد وغضبه، وأردت لضربك كقوله تعالى: (ردف لكم 3)، فجاز أن يظهر معها ما يقلب الفعل إلى اسم صريح، وهو (أن) المصدرية.


(1) أراد بمعنى الانتهاء في أو أنها في حالة النصب يكون معناها: إلى أن... (2) الآية 12 سورة الزمر. (3) من الآية 72 سورة النمل وتكرر ذكرها (*).

[ 79 ]

وأما لام الجحود، فلما لم تدخل على الاسم الصريح، لم يظهر معها ذلك، وكذا (حتى) لم يظهر بعدها، لأن الأغلب فيها أن تستعمل بمعنى (كي) وهي بهذا المعنى لا تدخل على اسم صريح، كما مر 1، وحمل عليها: التي بمعنى (إلى)، لأن المعنى الأول أغلب من التي يليها المضارع. وأما الفاء، والواو، واو، فلأنها لما اقتضت نصب ما بعدها، للتنصيص على معنى السببية والجمعية والانتهاء، كما تقدم، صارت كعوامل النصب، فلم يظهر الناصب بعدها، وقد ظهرت (أن) بعد (أو) في الشعر، قال: 659 - أقضى اللبانة لا ا ء فرط ريبة * أو أن يلوم بحاجة لوامها 2 وأما وجوب الأظهار مع لام (كي) إذا وليها (لا) فلا ستكراه اللامين المتوالين. وأما قول المصنف 3: لأنهم لا يدخلون حروف الجر على حروف النفي لاستحقاقها صدر الكلام، ففيه نظر. لأن (لا) من بينها 4 يدخلها العوامل، نحو: كنت بلا مال، و: (وحسبوا أن لا تكون فتنة) 5. والكوفيون جوزوا إظهار (أن) مع لام الجحود، بدلا من اللام وتأكيدا له، لأن مذهبهم أن اللام هي الناصبة بنفسها، ويجوزون تقديم معمول الفعل بعدها، عليها، خلافا للبصريين، واستدلوا بقول الشاعر: 660 - لقد عذلتني أم عمرو، ولم أكن * مقالتها ما كنت حيا لأسمعا 6.


(1) في الكلام على حتى، (2) من معلقة لبيد بن ربيعة العامري، ومنها شواهد أخرى في هذا الشرح (3) أي ابن الحاجب، وقوله هذا إما في شرحه هو على الكافية أو في شرحه على المفصل. (4) أي من بين حروف النفي. (5) الآية 71 سورة المائدة. (6) ورد هذا البيت في شرح ابن تعيش على المفصل ج 7 ص 29، وفي كتاب الأنصاف ص 593 ولم ينسبه أحد، وقال البغدادي انه لم يقف على قائلة ولا على تتمته، يريد أنه لم يعرف شيئا يتصل به، قبله، أو بعده (*)،

[ 80 ]

لأن اللام عندهم هي الناصبة، وليست مصدرية، وهو عند البصريين: على تقدير فعل ناصب، أي: ما كنت أسمع مقالتها، ثم كرر (لأسمعا) مفسرا للمضمر. مواضع أخرى 1 تضمر فيها أن واعلم أن (أن) تضمر في غير المواضع المذكورة كثيرا، لكنه ليس بقياس، كما في تلك المواضع، فلا تعمل لضعفها، نحو قولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، ومنه: عساك تفعل كذا، على رأي، كما مر في المضمرات 2. ويقل ذلك إذا كان مقدرا باسم مرفوع، كما في: تسمع بالمعيدي... ولا سيما إذا كان فاعلا، وقد جاء قوله: 661 - جزعت حذار البين يوم تحملوا * وحق لمثلي يا بثينة يجزع 3 وقد تنصب 4 مضمرة شذوذا، كقوله: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى 5... - 10 يروى رفعا ونصبا، والكوفيون يجوزون النصب في مثله قياسا.


(1) استطراد من الشارح لاستكمال بحث أن. (2) في آخر الجزء الثاني من هذا الشرح. (3) من قصيدة لجميل بن معمر العذري صاحب بثينة، ويروى الشطر الثاني: وما كان مثلي يا بثينة يجزع، ولا شاهد فيه حينئذ. (4) يعني أن. (5) تقدم ذكره في الجزء الأول وتكرر بعد ذلك وهومن معلقة طرفة بن العبد (*).

[ 81 ]

الجوازم ذكر أدوات الجزم (قال ابن الحاجب): (وينجزم بلم، ولما، ولام الأمر، ولا، في النهي وكلم) (المجازاة، وهي: إن، ومهما، وإذما، وحيثما، وأين،) (ومتى، ومن، وما، وأني، وأما مع كيفما وإذا، فشاذ،) (وبإن مقدرة) (قال الرضي): هذا ذكر الجوازم مطلقا. جوازم الفعل الواحد (قال ابن الحاجب): (فلم، لقلب المضارع ماضيا، ونفيه، ولما، مثلها، وتختص) (بالاستغراق، وجواز حذف الفعل ولام الأمر المطلوب بها) (الفعل، ولاء 1 النهي المطلوب بها الترك) (قال الرضي): أخذ في التفصيل، قوله (فلم لقلب المضارع ماضيا)، قد ذكرنا في باب المضارع 2:


(1) الكلمات الثنائية وضعا وثانيها معتل، حين يقصد إعرابها يضعف ثانيها، فيصير ما ثانية ألف، بهمزة في آخره مثل: لاء. فقوله: لاء النهي يعني (لا) التي تفيد النهي واستعمل الرضي هذا في قوله سابقا: لاء التبرئة في: لا النافية للجنس: (2) يعني في بيان علاماته في أول هذا الجزء (*).

[ 82 ]

أن بعضهم يقول: أن (لم) دخل على الماضي فقلب لفظه إلى المضارع، وقد جاءت (لم) في الشعر غير جازمة، كقوله: 662 - لولا فوارس من نعم وأسرتهم * يوم الصليفاء لم يوفون بالجار 1 وجاءت، أيضا في الضرورة، مفصولا بينها وبين مجزومها، قال: 663 - فأضحت مغانيها قفازا رسومها * كأن لم، سوى أهل من الوحش تؤهل 2 قوله: (ولما مثلها)، يعني لقلب المضارع ماضيا، أي نفي الماضي قوله: (وتختص بالاستغراق)، اعلم أن (لما)، كما قالوا، كان في الأصل (لم) زيدت عليه (ما)، كما زيدت في (إما) الشرطية، وأينما، فاختصت بسبب هذه الزيادة بأشياء: أحدها: أن فيها معنى التوقع، كقد، في إيجاب الماضي 3، فهي تستعمل في الأغلب، في نفي الأمر المتوقع، كما يخبر بقد، في الأغلب، عن حصول الأمر المتوقع، تقول لمن يتوقع ركوب الأمر: قد ركب الأمير، أو: لما يركب، وقد استعمل في غير المتوقع، أيضا، نحو: ندم ولما ينفعه الندم. واختصت (لما)، أيضا، بامتداد نفيها من حين الانتفاء إلى حال التكلم، نحو: ندم ولما ينفعه الندم، فعدم النفع متصل بحال التكلم، وهذا هو المراد بقوله: وتختص بالاستغراق 4، ومنع الأندلسي 5 من معنى الاستغراق فيها، وقال: هي مثل (لم) في


(1) روى: لو لا فوارس من ذهل، ومن جرم، وهي أسماء قبائل، ويوم الصليفاء أحد أيام العرب، والبيت غير معروف القائل، وإنما أنشده الأخفش والفارسي وغيرهما بدون نسبته إلى أحد، (2) هذا من قصيدة طويلة لذي الرمة، مطلعها: قف العيس في أطلال مية فاسأل * رسوما كأخلاق الرداء المسلسل (3) يعني في الماضي المثبت، (4) أي المذكور في المتن، (5) تقدم ذكره في هذا الشرح كثيرا (*)،

[ 83 ]

احتمال الاستغراق وعدمه، والظاهر فيها الاستغراق، كما ذهب إليه النحاة، وأما (لم) فيجوز انقطاع نفيها دون الحال، نحو: لم يضرب زيد أمس، لكنه ضرب اليوم. واختصت (لما) أيضا، بعدم دخول أدوات الشرط عليها، فلا تقول: إن لما تضرب، ومن لما تضرب، كما تقول: ان لم تضرب، ومن لم تضرب، وكأن ذلك لكونها فاصلة قوية 1 بين العامل الحرفي وشبهه، وبين معموله. واختصت، أيضا، بجواز الاستغناء بها في الاختيار عن ذكر المنفى، ان دل عليه دليل، نحو: شارفت المدينة ولما، أي: ولما أدخلها، كما جاء ذلك في (قد) التي هي نظيرتها، قال: أزف الترحل غير أن ركابنا * لما تزل برحالنا وكأن قد 2 - 513 وقد جاء ذلك في (لم) ضرورة، كقوله: 664 - احفظ وديعتك التي استودعتها * يوم الأعازب ان وصلت وان لم 3 وإذا دخلت همزة الاستفهام على (لم) و (لما) فهي للاستفهام على سبيل التقرير، ومعنى التقرير: إلجاء المخاطب إلى الأقرار بأمر يعرفه، كقوله تعالى: (ألم نربك وليدا 4)، و: (ألم نشرح لك صدرك 5) وقوله: 665 - إليكم يا بني بكر إليكم * ألما تعرفوا منا اليقينا 6


(1) أي لكثرة حروفها عن لم، (2) تقدم في الجزء الثالث وهو للنابغة الذبياني. (3) يوم الأعازب: أحد أيام العرب، قال العيني انه يوم معهود، وعقب على ذلك البغدادي بقوله: لم أقف عليه في كتب أيام العرب، والبيت منسوب إلى ابراهيم بن هرمة، الشاعر العباسي، (4) الآية 18 سورة الشعراء (5) أول سورة الشرح، (6) من معلقة عمرو بن كلثوم وبعده: ألما تعلموا منا ومنكم * كتائب يطعن ويرتمينا (*)

[ 84 ]

قوله: (ولام الأمر)، اللام المطلوب بها الفعل، يدخل فيها لام الدعاء، نحو: ليغفر لنا الله، وهي مكسورة، وفتحها لغة وقد تسكن بعد الواو، والفاء، وثم، نحو: (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ليصلوا معك 1)، و: (ثم ليقضوا تفثهم 2)، وهو مع الفاء والواو أكثر، لكون اتصالهما أشد، لكونهما على حرف واحد، فصار الواو، والفاء مع اللام بعدهما، وحرف المضارعة، ككلمة على وزن فخذ وكتف، فتخفف بحذف الكسر، وأما (ثم) فمحمولة عليهما، لكونها حرفعطف مثلهما. وتلزم اللام، في النثر، فعل غير المخاطب، وهو إما فعل المفعول 3 نحو: لأضرب أنا، ولتضرب أنت، لأن هذا الفعل للفاعل الغائب، المحذوف، وإما فعل الغائب المذكور، نحو: ليضرب زيد، ولتضرب هند، وهما كثيران، وإما فعل المتكلم، كقوله عليه السلام: (قوموا فلأصل لكم)، وقال الله تعالى: (... ولنحمل خطاياكم 4). وهذا، أي أمر الانسان لنفسه، قليل الاستعمال، وإن استعمل، فلا بد من اللام كما رأيت، فإن كان المأمور جماعة بعضهم حاضر، وبعضهم غائب، فالقياس: تغليب الحاضر، نحو: افعلا، لحاضر وغائب، وافعلوا، لمن بعضهم حاضر، ويجوز على قلة: إدخال اللام في المضارع المخاطب لتفيد التاء: الخطاب واللام: الغيبة، فيكون اللفظ بمجموع الأمرين نصا على كون بعضهم حاضرا وبعضهم غائبا، كقوله عليه السلام: (لتأخذوا مصافكم)، وقرى في الشواذ 5: (فبذلك فلتفرحوا) 6. وجاء في النظم حذف هذه اللام في فعل غير الفاعل المخاطب قال:


= وقوله يطعن ويرتمينا من باب الافتعال من الطعن والرمي، أي يطعن ويرمي بعضهم بعضا (1) من الآية 102 سورة النساء (2) الآية 29 سورة الحج. (3) أي المبني للمجهول، (4) من الآية 12 سورة العنكبوت، (5) تنسب إلى أنس، وزيد، وأبي بن كعب، (6) من الآية 58 سورة يونس (*)

[ 85 ]

666 - محمد، تفد نفسك كل نفس * إذا ما خفت من أمر تبالا 1 وأجاز الفراء حذفها في النثر في نحو: قل له يفعل، قال الله تعالى: (قل لعبادي آمنوا يقيموا الصلاة) 2، وإنما ارتكب ذلك، لاستبعاده أن يكون القول سبب الأولى أن يقال في مثله: انه جواب الأمر، كأنه لما كان يحصل إقامتهم للصلاة عند قوله عليه الصلاة والسلام لهم: صلوا، جعل قوله عليه السلام كالعلة في إقامتها. وقال بعضهم: جزمه لكونه شبه الجواب، كما قلنا في قوله: (كن فيكون 3)، بالنصب، ولو كان كما قاله الفراء، لم يختص هذا بجواب الأمر. ثم اعلم أنه كان القياس في أمر الفاعل المخاطب أن يكون باللام، أيضا، كالغائب، لكن لما كثر استعماله، حذفت اللام وحرف المضارعة تخفيفا، وبني لزوال مشابهة الاسم بزوال حرف المضارعة، وذلك لأنه شابه الاسم بسبب عروض موازنته له عند زيادة حرف المضارعة في أولة، وقد جاء في الحديث أمر المخاطب باللام، نحو: (لتزرة، ولو بشوكة)، وفي آخر: (لتقوموا إلى مصافكم)، وهو الشعر أكثر، قال: 667 - لتقم أنت يا ابن خير قريش * فتضي حوائج المسلمينا 4 والذي غر الكوفيين حتى قالوا: انه مجزوم 5 والجازم مقدر، هو القياس المذكور، وأيضا مجيئة باللام في الشعر، وأيضا معاملة آخره مهاملة المجزوم، كما يجئ، وأيضا، الحمل على (لاء 6) النهي، فانها تعمل في المخاطب كما تعمل في الغائب.


(1) تفد مضارع فدى، وهو مجزوم بلام أمر محذوفة، المقصود بها الدعاء، ونسبه بعضهم إلى حسان بن ثابت. وقال بعضم انه لأبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل فيه انه للأعشى، نقل البغدادي ذلك كله ثم قال: والله أعلم بحقيقة الحال، (2) الآية 31 سورة ابراهيم. (3) جزء من الآية 117 من سورة البقرة وتكررت. (4) بيت لا يعرف قائلة وقال البغدادي انه مروي عن الكوفيين. (5) انه مجزم أي فعل الأمر وهذا رأي الكوفيين وهو أحد مسائل الخلاف التي تضمنها كتاب الانصاف ص 524 (6) تقدم توجيه ذلك عند ذكرها في كلام المصنف (*).

[ 86 ]

قوله: (ولاء النهي المطلوب بها الترك)، وهي تجزم بخلاف (لا) في النفي، وقد سمع عن العرب 1 بلا النفي، أيضا، إذا صح قبلها (كي) نحو: جئته لا يكن له علي حجة، ولا يكون، ولا منع أن تجعل (لا) في مثله للنهي. ولاء النهي تجئ للمخاطب والغائب على السواء، ولا تختص بالغائب كاللام، وقد جاء في المتكلم قليلا، كلام الأمر، وذلك قولهم: لا أرينك هنا 2، لأن المنهي في الحقيقة ههنا هو المخاطب، أي: لا تكن ههنا، حتى لا أراك. أدوات الشرط صور الجملتين بعدهما، وحكمهما (قال ابن الحاجب): (وكلم المجازاة تدخل على الفعلين، لسببية الأول ومسببية) (الثاني، ويسميان شرطا وجزاء، فإن كانا مضارعين أو) (الأول، فالجزم، وإن كان الثاني فالوجهان). (قال الرضي): اعلم أن أم الكلمات الشرطية (إن)، ومن ثمة، يحذف بعدها الشرط والجزاء، في الشعر خاصة، مع القرينة، قال: 668 - قالت بنات العم يا سلمى وإن * كان فقيرا معدما قالت وان 3


(1) أي سمع الجزم بالشرط المذكور. (2) استشهد له النجاة بقول النابغة الذبياني: لا أعرفن ربربا حورا مدامعها * مردفات على أعقاب أكوار اي لا تفعلوا ما يجعلني أعرف هذا، (3) فيه حذف جواب الشرط في قوله وإن كان فقيرا وتقديره: أترضين به، والحديث عن البعل الذي تمنت = (*)

[ 87 ]

ويحذف في السعة شرطها وحده إذا كان منفيا بلا، مع إبقاء (لا)، نحو ذلك: إيتني وإلا أضربك، أي: وإلا تأتني أضربك، وكذا يحذف بعد (إما) الشرطية مع بقاء (لا)، إذا تقدم ما يكون جوابا من حيث المعنى، كقولك: افعل هذا إما لا، أي: إما لا تفعل ذاك فافعل هذا. وعند الكوفيين، تجئ (إن) بمعنى (إذ)، قالوا في قوله تعالى: (وإن كنتم في ريب... 1): إنها بمعنى إذ، لأن (إن) مفيدة للشك تعالى الله عنه. والجواب: أن (إن) ليست للشك، بل لعدم القطع في الأشياء الجائز وقوعها وعدم وقوعها، لا للشك، ولو سلمنا ذلك أيضا، قلنا: انه تعالى يستعمل الكلمات استعمال المخلوقين 2، وإن كان يستحيل مدلولها في حقه تعالى، لضرب 3 من التأويل، كقوله تعالى: (ليبلوكم فيما آتاكم 4)، لما كان التكليف من حيث التخيير في صورة الابتلاء، وقال تعالى: (لعلكم تتقون 5)، لما كانوا في صورة من يرتجى منهم ذلك، وقال: (يضل من يشاء 6)، أي يترك الألطاف لمن يعلم النه لا ينفعه ذلك، فكذا قال تعالى: (إن كنتم مؤمنين 7)، و: (وإن كنتم في ريب 8)، لما كان أمرهم في نفسه محتملا للأيمان وضده، وللارتياب وضده، لا بالنسبة إلى علم الباري تعالى. قوله: (مهما)، اختلف فيها، فقال بعضهم: هي كلمة غير مركبة على وزن


= أن تجده، وفي آخر البيت ذكرت أداة الشرط فقط وحذف شرطها وجوابها، والرجز مما نسب إلى رؤبة بن العجاج، (1) الآية 23 سورة البقرة، (2) لأنه يخاطبهم بما يجري على ألسنتهم. (3) أي لنوع من التأويل. (4) الآية 165 سورة الأنعام، (5) من الآية 21 في سورة البقرة ومثلها كثير. (6) من الآية 8 في سورة فاطر، (7) من الآية 91 في سورة البقرة. (8) الآية المتقدمة قريبا (*).

[ 88 ]

فعلى، فحقها، على هذا، أن تكتب بالياء 1، ولو سمي بها لم تنصرف لكون الألف زائدة ولو قيل انها للتأنيث، لم تنصرف مع تنكيرها، أيضا. وقال الخليل 2: هي (ما) ألحقت بها (ما) كما تلحق بسائر كلمات الشرط، نحو: متى ما، وإما، ثم استكره تتابع المثلين، فأبدل ألف (ما) الأولى هاء، لتجانسهما في الهمس، وقول الخليل قريب، قياسا على أخواتها. وقال الزجاج 3: هي مركبة من (مه) بمعنى (كف) و (ما) الشرطية، وفيه بعد، وهو أن يقال في: مهما تفعل أفعل: إنه رد على كلام مقدر، كأنه قال لك قائل: أنت لا تقدر على ما أفعل، فقلت: مهما تفعل أفعل، ولو ثبت ما حكى الكوفيون عن العرب: مهمن بمعنى (من) كما في قوله: 669 - أماوي، مهمن يستمع في صديقه * أقاويل هذا الناس ماوي يندم 4 لكان مقويا لمذهب الزجاج. وقد جاء (مهما) في الاستفهام بمعنى (ما) الاستفهامية، أنشد أبو زيد 5 في نوادره: 670 - مهما لي الليلة مهما ليه * أودى بنعلي وسرباليه 6.


(1) لأنها ألف مقصور رابعة (2) انظر كتاب سيبويه ج 1 ص 433، (3) الزجاج: أبو اسحاق ابراهيم بن السري، تكرر ذكره، (4) هذا البيت قال عنه البغدادي انه يشبه شعر حاتم الطائي، وكانت زوجته تسمى ماوية، وترخم إلى ماوي وكثر ذكرها في شعره، قال البغدادي ولكني لم أجده في ديوانه ولم أقف عليه منسوبا إليه، (5) أبو زيد الأنصاري صاحب كتاب النوادر، وهو ممن تكرر ذكرهم في هذا الشرح، (6) مطلع قصيدة لعمرو بن ملقط الطائي أوردها كلها أبو زيد الأنصاري في نوادره كما أوردها ابن الأعرابي كذلك ومنها البيت الذي يستشهد به على الجمع بين الفاعل الظاهر والضمير وهو قوله: ألقينا عيناك عند القفا * أولى فأولى لك ذا واقية (*)

[ 89 ]

ومهما: اسم، بدليل رجوع الضمير إليه، قال تعالى: (مهما تأتنا به من آية 1..). وقال الشاعر: 671 - إذا سدته سدت مطواعة * ومهما وكلت إليه كفاه 2 وقد جاء (ما) و (مهما) ظرفي زمان، تقول: ما أجلس أجلس، ومهما تجلس أجلس، أي: ما تجلس من الزمان أجلس فيه. وأما (اذما) فهو عند سيبويه حرف 3، كإن، ولعله نظر إلى أن لفظة (ما) تدخل على (إذا) مع أن فيه معنى الشرط، وهي للمستقبل، وإن دخلت على الماضي، كإن، ولا تصير جازمة معها، فكيف بإذ، الخالية من معنى الشرط الموضوعة للماضي، فإذما. عنده غير مركبة. قال السيرافي 4: ما علمت أحدا من النجاة ذكر (اذما) عير سيبويه وأصحابه، واستشهد سيبويه ببيتين 5، أحدهما قوله: 672 - إذ ما دخلت على الرسول فقل له * حقا عليك إذا اطمأن المجلس 6 والآخر قوله:


(1) الآية 132 من سورة الأعراف. (2) روى الشطر الأول كما في الشار: إذا سدته من السيادة وهو بهذه الرواية من شعر المتنخل الهذلي، وروي: إذا سسته من السياسة وهو بهذه الرواية من شعر ذي الأصبع العدواني، وقال البغدادي قوله سدته ليس من السيادة كما قال بعضهم وإنما هو من المساودة بمعنى المسارة من السر: يعني إذا ساررته وحدثته وجدته مطواعا، (3) انظر سيبويه ج 1 ص 432، (4) أبو سعيد السيرافي شارح كتاب سيبويه وتكرر ذكره. (5) انظر ج 432 1، (6) قائله العباس بن مرداس من أبيات وجهها إلى النبي صلى الله عليه وسلم تحدث فيها عن غزوة حنين ويذكر مواقفه وبلاءة هو وقومه في هذه الغزوة، وتقدم أن البيت من شواهد سيبويه (*)،

[ 90 ]

673 - إذ ما تريني اليوم أزجي مطيتي * أصعد سيرا في البلاد وأفرع 1 وقال بعض النجاة: أصله إما، وهو لا يجئ إلا بنون ا لتوكيد بعده كقوله تعالى: (فإما ترين.. 2)، فلما كان ينكسر البيت بالنون، غير صورة إما، بقلب الميم الأولى ذالا، ولا يتم له هذا في قوله: إذ ما دخلت 3. وقال المبرد: اذما باقية على اسميتها، و (ما) كافة لها عن طلب الأضافة، مهيئة للشرط والجزم، كما في (حيث) فإنها صارت بما، بمعنى المستقبل، وجازمة. وأما الاعتراض بإذاما 4، فلا يلزم، إذ ربما اختص بعض الكلمات ببعض الأحكام اختيارا منهم بلا مرجح، ألا ترى أن (حيث) مثل (إذا) متضمن لمعنى الشرط الشرط، بل: (إذا) أقعد فيه، وتجزم (حيث) مع (ما) دون (إذا). وأما (حيثما، فنقول: (ما) فيها، كافة لحيث عن الأضافة، لا زائدة، كما في: متى ما، وإما، وذلك أن (حيث) كانت لازمة للأضافة، فكانت مخصصة بسبب المضاف إليه، فكفتها (ما) عن طلب الأضافة، لتصير مبهمة كسائر كلمات الشرط، وإنما وجب إبهام كلمات الشرط، لأنها، كلها تجزم لتضمنها معنى (ان)، التي هي للابهام، فلا تستعمل في الأمر المتيقن من المقطوع به، لا يقال، مثلا، إن غربت الشمس، أو طلعت، فجعل العموم في أسماء الشرط، كاحتمال الوجود والعدم في الشرط


(1) هذا هو الشاهد الثاني الذي استشهد به سيبويه في الموضع السابق، وقد أورد سيبويه بعده بيتا آخر يتضمن جواب الشرط وهو قوله: فإني من قوم سواكم وإنما * رجالي فهم بالحجاز وأشجع والبيتان كما نسبهما سيبويه لعبد الله بن همام السلولي وهو شاعر إسلامي، (2) من الآية 26 في سورة مريم، (3) يعني لأنه لا مجال للتوكيد هنا لأن الفعل ماض. (4) حيث لم تجزم إذا دخلت عليها ما، كما جزمت إذ ما، والمراد الجزم المطرد لأن إذا تجزم في الشعر حتى بدون ما (*)،

[ 91 ]

الواقع بعد (إن)، لأنه نوع عموم أيضا، والشرط بعد هذه الأسماء أيضا، كالشرط بعد (إن) في احتمال الوجود والعدم، وأيضا، فإنهم سلكوا طريق الاختصار، بتضمين هذه الكلمات العامة معنى (إن)، إذ كان يطول عليهم الكلام لو قالوا في من ضربت ضربت: إن ضربت زيدا، وإن ضربت بكرا، ضربت، إلى ما لا يتناهى، وكذا، ما، ومتى، وسائر أخواتهما، ويجوز اتصال (ما) الزائدة، بإن، وأي، وأيان، ومتى، وأما في: حيثما ، وإذما، فكافة، كما ذكرنا، العامل في الشرط والجزاء 1 وقد اختلف في العامل في الشرط والجزاء، قال السيرافي: إن العامل فيهما كلمة الشرط، لاقتضائها الفعلين اقتضاء واحدا، وربطها الجملتين: إحداهما بالأخرى حتى صارتا كالواحدة، فهي 2 كالابتداء العامل في الجزأين 3، وكظننت، وإن، وأخواتهما، عملت في الجزأين لاقتضائها لهما، وذهب الخليل، والمبرد، إلى أن كلمة الشرط تعمل في الشرط، وهما معا تعملان في الجزاء، لارتباطهما، وحرف الشرط ضعيف لا يقدر على عملين مختلفين، وهذا كما قيل: إن الابتداء والمبتدأ يعملان في الخبر، وأجيب عن ضعف الحرفين عن عملين بأن ذلك يجوز إذا اقتضى شيئين كإن وأخواتها، و (ما) و (لا).


(1) هذا استطراد من الرضي، ولم يأت لم ذكر في كلام ابن الحاجب، (2) أي كلمة الشرط التي يرى السيرا في أنها العامل في الشرط والجزاء معا شبهها بالابتداء، (3) بناء على الرأي القائل بأن الايتداء عامل في المبتدأ والخبر معا كسا تقدم في باب المبتدأ (*).

[ 92 ]

وقال الأخفش: إن الشرط مجزوم بالأداة، والجزاء مجزوم بالشرط وحده لضعف الأداة عن عملين، والشرط طالب للجزاء، فلا يستغرب عمله فيه، وأجيب باستغراب عمل الفعل الجزم، وقال الكوفيون: الشرط مجزوم بالأداة، والجواب مجزوم بالجوار، كما أنه جر بالجوار 1 في قوله: 674 - كأن ثبيرا في عرانين وبله * كبير أناس في بجاد مزمل 2 والجزم أخو الجر، وليس بشئ، لأن العمل بالجوار، للضرورة، وأيضا ذلك عند التلاصق، وينجزم الجزاء مع بعده عن الشرط المجزوم، وينجزم بدون الشرط المجزوم، وقال المازني: الشرط والجزاء مبنيان لعدم وقوعهما موقع الاسم ولعدم وقوعهما مشتركين ثم مختصين، وهو قريب، على ما اخترنا قبل، وكلمة (ان) لأصالتها في الشرط وكونها أم الباب، جاز أن تدخل اختيارا على الاسم، بشرط أن يكون بعده فعل، نحو: إن زيد ضرب، وإن زيدا ضربت، وكذا (لو) نحو: (لو أنتم تملكون 3)، بخلاف سائر كلمات الشرط، فإنه لا يجوز ذلك يها إلا في الضرورة، قال: فمتى واغل يزرهم يحيو 5، * وتعطف عليه كأس الساقي 4 - 156 وقال: صعدة نابتة في حائر * أينما الريح تميلها تمل 5 - 157 وقال:


(1) كما أنه: الضمير في أنه ضمير الشأن والتقدير: كما أنه حدث جر بالجوار في قوله.. الخ. (2) ثبير اسم جبل معين، والبجاء الكساء المخطط، ومزمل صفة لكبير وهو محل الشاهد والبيت من معلقة امرى القيس بن حجر الكندي، (3) من الآية 100 في سورة الأسراء، (4) تقدم الحديث عنه في الجزء الأول في باب المنصوب على شريطة التفسير، (5) وكذلك هذا البيت تقدم ذكره في المواضع المشار إليه في بيت الذي قبله (*)،

[ 93 ]

675 - ومن نحسن نؤمنه يبت وهو آمن * ومن لا نجره يمس منا مفزعا 1 وذلك كما جاز وقوع الاسم بعد الهمزة الاستفهامية، لما كانت أصلا في الاستفهام، وسواء ههنا، ولي الاسم فعل، كأزيد ذهب، أو، لا، كأزيد ذاهب، ولم يجز ذلك في سائر كلمات الاستفهام إذا كان بعد ذلك الاسم فعل، فلا تقول: متى زيدا تلقى أو تلقاه...، ومن زيد ضربه، ومتى زيد خرج، وهل زيد خرج، وهل زيدا ضربت أو ضربته، إلا اضطرارا، فإن لم يكن بعد ذلك الاسم فعل، نحو: متى زيد خارج وهل زيد ذاهب، جاز، وحق الفعل الذي يكون بعد الاسم الذي يلي (إن)، وما تضمن معناها من الأسماء أن يكون ماضيا، سواء كان ذلك الاسم مرفوعا أو منصوبا، نحو: إن زيد ذهب، وإن زيدا لقيت أو لقيته، وقد يكون مضارعا على الشذوذ نحو قوله: 676 - يثني عليك وأنت أهل ثنائه * ولديك إن هو يستزدك مزيد 2 وقوله: صعدة نابتة في حائر * أينما الريح تميلها تمل 3 - 157 وإنما ضعف مجئ المضارع لحصول الفصل بين الجازم مع ضعفه وبين معموله، فإن كان ذلك الاسم مرفوعا فهو عند الجمهور مرفوع بفعل مضمر يفسره ذلك الفعل الظاهر. ولا يجوز كونه مبتدأ، لامتناع: إن زيد لقيته، إلا ما حكى الكوفيون في الشاذ: لا تجزعي إن منفس أهلكته * فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي 4 - 46 وهو أيضا عندهم، ليس مبتدأ، بل هو مرفوع بمقدر يفسره الفعل الناصب أي: إن هلك أو أهلك، كما مر في المنصوب على شريطة التفسير 5.


(1) البيت من شواهد سيبويه ج 1 ص 458 ونسبه لهشام المري من بني مرة بن كعب شاعر قرشي جاهلي. (2) لعبد الله بن عنمة الضبي من أبيات أوردها أبو تمام في باب المرائي من الماسة. (3) البيت السابق قبل قليل، (4) تقدم هذا الشاهد في الجزء الأول وهو للنمر بن تولب: (5) في الجزء الأول: (*)

[ 94 ]

وذهب بعض الكوفيين إلى أن رفعه على الابتداء، لكنه مبتدأ يجب كون خبره فعلا، لطلب كلمة الشرط للفعل، سواء وليها، أو، لا، ونقل عن الأخفش أيضا، في مثله، أنه مبتدأ، لكن العامل في المبتدأ عنده هو الابتداء، وعند الكوفيين: الخبر، أو الضمير في الخبر، كما تقدم في باب المبتدأ، 1 وإن كان ذلك الاسم منصوبا، فإن كان الفعل بعده مشتغلا بضميره، أو متعلقه، فهو عند البصريين منصوب بالمقدر، وعند الكوفيين بالظاهر، كما مر في المنصوب على شريطة التفسير، وإن لم تشتغل ذلك الفعل بضميره ولا متعلقه، نحو: إن زيدا ضربت، فهو أيضا عند الكوفيين منصوب بالظاهر، وعند البصريين بالمقدر، وذلك لما ثبت عندهم من قوة طلب كلمة الشرط للفعل، حتى لم يجز الفصل بينهما لفظا، إلا في لفظة (إن)، لكونها أم الباب، ولم يجز أن تدخل كلمة الشرط على اسم لا فعل بعده، كما جاز في كلمة الاستفهام، وعند البصريين، حكم المنصوب والمرفوع المتقدمين على جواب الشرط: حكمهما متقدمين على الشرط، فيجوز، عندهم، إن قمت: زيد يقم، وإن لم تأتني، زيدا أضرب، فهما معمولان لمقدرين يفسرهما جواب الشرط، أما الكوفيون فلا يجوزون جزم جواب الشرط إذا تقدمه المرفوع، لأن الجزم عندهم بالجوار، وقد زال الجوار بفصل المرفوع الذي هو أجبني من الشرط، أما لو كان المرفوع من جملة الشرط فلا يعد فاصلا من الجوار، نحو: ان يضربني زيد، أضرب، فإن تقدمه المنصوب، فالفراء يمنع، أيضا، جزم الجواب مطلقا، كما في المرفوع للعلة المذكورة، والكسائي يفصل في الفاصل، فإن كان ظرفا للجزاء، لغوا، جزم الجزاء، لأنه كلا فصل، نحو: ان تأتني اليوم، غدا آتيك، وإن تأتني، إليك أقصد، وإن لم يكن ظرفا، لم يجز، للعلة المذكورة،


(1) في الجزء الأول من هذا الشرح، كالذي قبله (*)،

[ 95 ]

واستشهد البصريون بقول طفيل الغنوي: 677 - وللخيل أيام فمن يصطبر لها * ويعرف لها أيامها، الخبير تعقب 1 والقصيدة مكسورة القافية 2، والأكثر جعل المرفوع مبتدأ، فيجب، إذن، رفع المضارع اتفاقا، وتصدير المبتدأ بالفاء، نحو: إن قمت فزيد يقوم، وكذا: الأكثر تصدير المنصوب بالفاء، فيرتفع المضارع اتفاقا، نحو: إن ضربتني فزيدا أضرب، ويجوز اعتراض القسم والدعاء والنداء والاسمية الاعتراضية، بين الشرط والجزاء، نحو: ان تأتني والله آتك، وإن تأتني غفر الله لك، آتك، وإن تأتني يا زيد آتك، وإن تأتني، ولا فخر، أكرمك، ولا يجوز، عند البصريين تقديم معمول الشرط على أداة الشرط، نحو: زيدا ان تضرب يضربك، وكذا معمول الجزاء، فلا يجوز: زيدا إن جئتني أضرب 5، بالجزم، بل، إنما تقول: أضرب، مرفوعا، ليكون الشرط متوسطا، و (زيدا أضرب) دالا على جزائه، أي: إن جئتني فزيدا أضرب، وعلة ذلك كله، أن لكلمة الشرط صدر الكلام، كالاستفهام، ولا يجوز، أيضا: زيدا إن جاءك فأكرمه، لما ذكرنا في المنصوب على شريطة التفسير: أن ما لا ينصب بنفسه لا يفسر، وأما إذا قلت: زيدا إذا جاءك، تضرب، أو تضربه،


(1) من أبيات للطفيل الغنوي يتحدث فيها عن غارة له على طئ اثنى فيها على الخيل وذكر ما يحدث من انتصارات بسببها: (2) معناه: أن الكسر للقافية دليل على أن الفعل مجزوم، قال البغدادي: وإنما جاز الكسر في المجزوم دون المنصوب والمرفوع لأن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء: فلما احتيج إلى تحريكه للقافية حركوه بحركة النظير، ولأن النصب والجر يدخلان المضارع ولا يدخله الجر فلو حركوه لأجل القافية بالضم أو الفتح لا لتبس بالمضارع المرفوع أو المنصوب، ونتيجة ذلك ان الكسر في آخر المضارع دليل على أنه مجزوم (*)،

[ 96 ]

وزيدا حين جاءك تضرب أو تضربه، فإن لم تجر (إذا) و (حين) مجرى كلمات الشرط، بل جعلتهما كيوم الجمعة في قولك: زيدا يوم الجمعة تضرب: أو تضربه، فنصب (زيدا) أولى، إذا لم يشتغل الفعل بالضمير، لقبح: زيد ضربت على تأويل ضربته 1، فإن قيل: أليس يكفي الضمير ي: إذا جاءك، وحين جاءك ؟ قلت: لو لم يكن الفعل واقعا على زيد، نحو: زيد حين جاءك، وحين جاءك ؟ قلت: لو لم يكن الفعل واقعا على زيد، نحو: زيد حين جاءك تضرب عمرا، لكفى، لكن لما كان واقعا عليه معنى، وهو الخبر في الحقيقة، كان إظهار الضمير فيه أولى، وأما إذا اشتغل الفعل بالضمير فرفع زيد، أولى لما تبين في المنصوب على شريطة التفسير: أن (زيد زرته)، بالرفع، أولى من النصب 2، وان أجريت 3 (إذا) و (حين) مجرى كلمات الشرط وجب رفع (زيد) عند البصريين، كما ذكرنا في (إن)، وشغل (تضرب، إذن، بالضمير، أولى، إن كان واقعا على (زيد)، لأن جواب الشرط هو الخبر في الحقيقة، والشرط قيد فيه، فلا يعتبر الضمير الذي فيه، فقولك: زيد إن جاءك فأكرمه، أولى من: فأكرم، إن كان واقعا على غير المبتدأ من حيث المعنى، نحو: زيد إن جاءك فأكرمني، كفى الضمير في الشرط، وأما الكوفيون، فجوزوا تقديم معمول الجزاء المجزوم على أداة الشرط، قالوا: لأن حق الجواب التقديم، فنحو، ان تضرب أضرب، كان عندهم في الأصل: أضرب ان تضرب، فلما تأخر الجواب انجزم على الجوار، قالوا والدليل على أن مرتبته التقديم قوله: يا أقرع بن حابس يا أقرع * إنك إن يصرع الخوك تصرع 4 - 566 برفع الجواب، مراعاة لأصله من التقديم،


(1) لأن الخبر الفعلي يقبح حذف العائد منه، (2) لعدم احتياجه إلى التقدير (3) مقابل قوله: فإن لم تجر إذا، وحين مجرى كلمات الشرط، (4) تقدم ذكره في الجزء الثالث من هذا الشرح (*)،

[ 97 ]

ورد بمنع كون مرتبة الجزاء قبل الأداة، لأن الجزاء من حيث المعنى، لازم كما مر في الظروف المبنية 1، ومرتبة اللازم بعد الملزوم، وقوله: تصرع ضرورة، إما على حذف الفاء، كقوله: 678 - من يفعل الحسنات الله يشكرها 2 وقوله: هذا سراقة للقرآن يدرسه * والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب 3 - 82 وقوله: 679 - وإني متى أشرف من الجانب الذي * به أنت، من بين الجوانب ناظر 4 فإنه لا يعلق الشرط بين المبتدأ والخبر، إلا ضرورة، فلا يقال: زيد إن لقيته كريم، بل يقال: فكريم، أي: فهو كريم، حتى تكون الجملة الشرطية خبر المبتدأ، وأما تعليقه بين القسم وجوابه، نحو: والله إن جئتني لأكرمنك، فسيجئ 5، وإنما جاز تعليق (إذا) مع شرطه، بين المبتدأ والخبر في قوله تعالى: (إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) 6، فلعدم عراقة (إذا) في الشرطية، وإما 7 على التقديم والتأخير، للضرورة، أي إنك تصرع إن يصرع أخوك، ويجوز


(1) في الجزء الثالث، (2) جميع النجاة يستشهدون بهذا البيت على حذف الفاء من جواب الشرط للضرورة وتمامه: والشر بالشر عند الله مثلان، أو: سيان والبيت في سيبويه ج 1 ص 435 وقال الأصمعي ان صواب الرواية في البيت: من يفعل الخبر فالرحمن يشكره، كما سيأتي، وهو منسوب إلى عبد الرحمن بن حسان بن ثابت أو كعب ابن مالك الأنصاري، (3) تقدم هذا البيت أكثر من مرة، وهو مجهول القائل، (4) من شواهد سيبويه ج 1 ص 435، وهو من قصيدة الذي الرمة مطلعها لمية أطلال بحزوى دواثر * عفتها السوافي بعدنا والمواطر (5) في الكلام على القسم، واجتماعه مع الشرط، (6) الآية، 4 في سورة النحل (7) توجيه آخر لقوله إن بصرع أخوك، مقابل قوله قبل: اما على حذف الفاء (*)،

[ 98 ]

أن يكون البيتان المذكوران هكذا، وأما تقديم معمول الشرط على أداته، فأجازه الكسائي، دون الفراء، واعلم أنه إذا تقدم على أداة الشرط ما هو جواب من حيث المعنى، فليس عند البصريين بجواب له لفظا، لأن للشرط صدر الكلام، بل هو دال عليه، وكالعوض منه، وقال الكوفيون: بل هو جواب في اللفظ أيضا، لم يجزم ولم يصدر بالفاء لتقدمه، فهو عندهم، جواب واقع في موقعه، كما ذكرنا، وإنما ينجزم على الجوار إذا تأخر عن الشرط، وذلك نحو: أضرب إن ضربتني، ف (أضرب) جواب من حيث المعنى اتفاقا، لتوقف مضمونه على حصول الشرط، ولهذا لم يحكم بالأقرار في قولك: له علي ألف، إن دخلت الدار، وعند البصرية، أيضا، لا يقدر مع هذا المتقدم جواب آخر للشرط وإن لم يكن جوابا للشرط، لأنه، عندهم، يغني عنه، فهو مثل ( استجارك) 1 المذكور الذي هو كالعوض من المقدر، إذا ذكرت أحدهما لم تذكر الآخر، ولايجوز عندهم أن يقال: هذا المقدم هو الجواب الذي كان مرتبته التأخر عن الشرط، تقدم على أداته، لأنه لو كان هو الجواب، للزم جزمه، وللزم الفاء في نحو: أنت مكرم إن أكرمتني، ولجاز: ضربت غلامه إن ضربت زيدا، على أن الضمير في (غلامه) لزيد، فمرتبته الجزاء عند البصرية بعد الشرط، وعند الكوفية قبل الأداة، كما مر، وقد تدخل الواو على (ان) المدلول على جوابها بالمتقدم، ولا تدخل إلا إذا كان ضد الشرط المذكور أولى بذلك المتقدم الذي هو كالعوض من الجزاء: من 2 ذلك الشرط، كقولك: أكرمه وإن شتمني، فالشتم بعيد من إكرامك للشاتم، وضده وهو المدح أولى بالاكرام، وكذلك قوله: اطلبوا العلم ولو بالصين، والظاهر أن الواو الداخلة على كلمة متعلقا به معنى، مستأنفا لفظا على طريق الالتفات، كقوله:


(1) يعني في قوله تعالى: (وإن أحد من المشركين استجارك) التوبة: آية 6، (2) متعلق بقوله: أولى بذلك المتقدم (*)،

[ 99 ]

فأنت طلاق، والطلاق ألية * ثلاثا، ومن يخرق أعق وأظلم - 236 وقوله: 680 - وتحتقر الدنيا احتقار مجرب يرى كل من فيها، وحاشاك، فانيا 2 وقد تجئ بعد تمام الكلام، كقوله عليه الصلاة والسلام: (أنا سيد ولد آدم، ولا فخر)، فتقول في الأول: زيد، وإن كان غنيا: بخيل، وفي الثاني: زيد بخيل وإن كان غنيا، وجواب الشرط في مثله: مدلول الكلام، أي: إن كان غنيا فهو بخيل، فكيف إذا افتقر، والجملة كالعوض من الجواب المقدر، كما تقرر، ولو أظهرته، لم تذكر الجملة المذكورة، ولا الواو الاعتراضية، لأن جواب الشرط ليس جملة اعتراضية، وقال الجنزي 3، هي واو العطف، والمعطوف عليه محذوف، وهو ضد الشرط المذكور الذي قلنا إنه هو الأولى بالجزاء المذكور، فالتقدير، عنده، زيد إن لم يكن غنيا، وإن كان غنيا، فهو بخيل، وقد تقدم في باب العطف جواز حذف المعطوف عليه مع القرينة، لكنه يلزمه أن يأتي بالفاء في الاختيار فتقول: زيد وإن كان غنيا فبخيل، لما تقدم من أن الشرط لا يلغي بين المبتدأ والخبر اختيارا، وأما على ما اخترنا من كون الواو اعتراضية، فيجوز، لأن الاعتراضية تفصل بين أي جزأين من الكلام كانا، بلا تفصيل، إذا لم يكن أحدهما حرفا، وعن الزمخشري أن الواو في مثله للحال، فيكون الذي هو كالعوض من الجزاء عاملا في الشرط نصبا على أنه حال، كما عمل جواب (متى) عند بعضهم في (متى) النصب على أنه ظرفه، ومعنى الحال والظرف متقاربان.


(1) تقدم ذكره في الجزء الثاني من هذا الشرح، (2) من قصيدة لأبي الطيب المتنبي في مدح كافور الأخشيدي، والرضي يورد كثيرا من شعر المتنبي في هذا الشرح وفلنا إنه إما للتمثيل أو ان الرضي ممن يرون صحة الاستشهاد بمثل شعر المتنبي وأبي تمام، (3) هو أبو حفص، عمر بن عثمان بن شعيب لجنزي، إمام في النحو والادب، من علماء القرن السادس الهجري، ولم يذكر في هذا الشرح لا في هذا الموضع (*)،

[ 100 ]

ولا يصح اعتراض الجنزي عليه بأن معنى الاستقبال الذي في (إن) يناقض معنى الحال الذي في الواو، لأن حالية الحال باعتبار عامله، مستقبلا كان العامل أو ماضيا، نحو: اضربه غدا مجردا، وضربته أمس مجردا، واستقبالية (إن) باعتبار زمان التكلم، فلا تناقض بينهما، أحكام متفرقة 1 تتعلق بالجملة الشرطية واعلم أنه إذا تقدم على الشرط ما هو جواب في المعنى، فالشرط لا يكون، إذن، إلا ماضيا لفظا أو معنى، نحو: أضربك إن ضربتني، وأضربك إن لم تعطني، وإنما جاز 2 ذلك حتى لا تعمل الأداة في الشرط لفظا، كما لا تعمل فيما هو كالجزاء عند البصرية، أو ما هو جزاء عند الكوفية، وقد يجئ في الشعر مضارعا، نحو: آتيك إن أتيتني، أنشد سيبويه: 681 - فقلت تحمل فوق طوقك، إنها * مطبعة، من يأتها لا يضيرها 3 كأنه قال: لا يضيرها من يأتها، كقوله: والمرء عند الرشا ان يلقها ذيب 4 - 82 أي: المرء ذيب، على أحد التقديرين 5،


(1) استطراد أيضا من الرضي لاستكمال أحكام الشرط والجزاء، (2) قوله: وإنما جاز ذلك، ليس المراد ب الجواز المقابل للوجوب، وإنما يريد: إنما كان هذا الشرط، أو: وإنما اشترط هذا الخ، (3) الضمير في انها لقرية يصها بوفرة خيرها، وهو المراد من قوله مطبعة، أي مختومة بالطابع لأن الختم لا يكون إلا بعد أن يمتلى المختوم، والبيت من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي وهو في سيبويه: ج 1 ص 438، (4) تكرر ذكره في هذا الشرح، (5) والتقدير الثاني أنه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير فهو ذيب (*)،

[ 101 ]

فإن تقدم ما هو جواب معنى، على الظروف الزمانية، أو المكانية من كلمات الشرط، كمتى، وإذما، وأيان، وأين، وحيثما، وأنى، فلا شبهة في شبهة في تضمنها للشرط، إذ لا تصلح للاستفهام، ولا واسطة بين الشرط والاستفهام، في هذه الكلمات الصالحة لهما، وأما ما يصلح من كلمات الشرط لكونها موصولة، أيضا، نحو: من، وما، وأي: فإن جاء بعدها ماض، احتمل عند سيبويه 1 كونها موصولة، وشرطية، نحو: آتي من أتاني، فإن كانت موصولة، فمنصوبة بالفعل المتقدم، وإن كانت شرطية فمبتدأ، والخبر مختلف فيه، كما ذكرنا في باب المبتدأ، والتقدير: من أتاني آته، ولا محل للفعل بعد هذه الكلمات، إن قدرناها موصولة، وهو في محل الجزم إن كانت شرطية، وابن السراج 2 قطع بكونها موصولة، عملا بالظاهر، لأن جعلها شرطية يحتاج إلي حذف الجزاء عند البصرية، وجعل المتقدم كالعوض منه، وإن جاء بعدها مضارع نحو: آتي من يأتيني، فالوجه كونها موصولة، ويجوز جعلها شرطية على قبح فينجزم المصارع، وذلك لما تقدم من أن الشرط يكون ماضيا في الاختيار، إذا تقدم ما هو جوابه معنى، وإن جئت بالظروف قبل من، وما، وأي، على تقدير إضافة الظروف إلى الجمل، فالواجب، كما ذكر سيبويه 3: جعلها موصولة، سواء ولي الكلم المذكورة ماض نحو: أتذكر إذ من أتانا أكرمناه، أو مضارع نحو: أتذكر حين ما تفعله أفعله، وقد يجوز في ضرورة الشعر جعلها شرطية، قال لبيد: 682 - على حين من تلبث عليه ذنوبه * يجد فقدها إذ في المقام تدابر 4


(1) انظر سيبويه ج 1 ص 438، (2) تكرر ذكره في هذا الشرح، (3) في الموضع السابق، (4) من شواهد سيبويه ج 1 ص 441 وهو من أبيات قالها لبيد بن ربيعة، وكان له جار قد لجأ إليه فأهانه عم لبيد فغضب لبيد وقال في ذلك شعرا، منه هذا البيت، ومنها شاهد تقدم في الظروف المبنية وهو: فأصبحت أني تأتها تشتجر بها * كلا مركبيها تحت رجليك شاجر (*)

[ 102 ]

فإن قيل: لم جاز في السعة في نحو: غلام من تضرب أضرب، ولم يجز في نحو: أتذكر إذ من يأتنا نكرمه، و (إذ) مضاف إلى ما بعده، كما أن (غلام) مضاف كذلك، قلت: لأن (غلام) اتحد بكلمة الشرط بسبب إضافتها إليه، فصارا ككلمة واحدة فيها معنى الشرط، إذ سرى معنى الشرط من المضاف إليه إلى المضاف، فلذا يلزم تصدر المضاف، وأما (إذ) فإنه مضاف إلى الجملة، لا إلى (من)، وهو في الحقيقة مضاف إلى مضمون تلك الجملة كما مر في الظروف المبنية 1، وذلك المضمون، ههنا، مصدر (نكرمه) واقعا على معنى (من)، أي: أتذكر وقت إكرامنا من يأتينا، فلم يصر مع (من) كالكلمة الواحدة، ولم يكتس منه معنى الشرط، إذ ليس مضافا إلى (من) كما كان (غلام) مضافا إليه، فلذا لم يلزم تصدر (إذا)، كما لزم تصدر (غلام)، بل هو معمول لتذكر، المقدم عليه، فلا يجوز جعل (من) شرطية، حتى لا يسقط عن التصدر بتقدم (إذ) عليه، فإن قلت: ف (من) مع دخول (إذ) عليه: في صدر الكلام، ويكفي في كلمات الشرط والاستفهام كونها في صدر كلام ما، كما في نحو: زيد من يضربه أضربه، ونحو: جاءتني التي من يضربها تضربه، قلت: قد مر في باب المبتدأ، أن كلمة الشرط والاستفهام لايتقدم عليها ما يصير من تمام جملتها، إذا أثر في تلك الجملة وزاد في معناها شيئا، وأزيده ههنا شرحا فأقول: لا يجوز أن يتقدم على كلمات الشرط والاستفهام ما يجمع أمرين: أحدهما: أن يتصل بتلك الكلمات بلا فصل، والثاني: أن يحدث في الجملة التي هو من تمامها معنى من المعاني، وذلك مثل: إن، وكأن، وظن، وأخواتها، وما، النافية، لا تقول: ما من يضرب أضرب، وما إن تقعد أقعد، وأما (لا) فليست كما، لأنها تلغى في اللفظ، نحو كنت بلا مال، ومررت برجل لا كريم ولا شجاع، فلذا تقول: لا من يعطك تعطه، ولا من يكرمك تكرمه، وكذا تقول: لا إن أتيناك أعطيتنا، ولا إن قعدنا سألت


(1) في الجزء الثالث من هذا الشرح (*)،

[ 103 ]

عنا، والظروف المضافة إلى الجمل، لا شك في إحداثها في الجمل معنى وهو تصييرها بمعنى المصدر، ولا تبقي كلمة الشرط في الحقيقة في صدر الكلام، لأن المصدر مفرد، وليس الصلة وخبر المبتدأ كذلك، فإن قيل: خبر المبتدأ، أيضا إذا كان جملة يصير بسبب المبتدأ، بتقدير المفرد، قلت: لا نسلم، وما الدليل على ذلك، فإن هذا دعوى من بعض النحاة أطلقوها بلا برهان عليها قطعي، سوى أنهم قالوا: الأصل هو الافراد، فيجب تقديرها بالمفرد، وهم مطالبون 1 بأن أصل خبر المبتدأ الأفراد، بل لو ادعي أن الأصل فيه الجملة، لم يبعد، لأن الاخبار في الجمل أكثر، وكونها في محل الرفع لا يدل على تقديرها بالمفرد، بل يكفي في تقدير الأعراب في الجمل: وقوعها موقعا يصح وقوع المفرد فيه، وتقول: ما أنا ببخيل، ولكن إن تأتني أعطك، لأن (لكن) لا تغير معنى الجملة التي بعدها، بل هي لاستدراك ما قبلها، كما يجئ في الحروف المشبهة بالفعل، قال: 683 - فلست بحلال التلاع مخافة * ولكن متى يسترفد القوم أرفد 2 وأما قوله: 684 - وما ذاك أن كان ابن عمي ولا أخي * ولكن متى ما أملك الضر أنفع 3 برفع أنفع، لأن القوافي مرفوعة، فعلى التقديم والتأخير، لضرورة الشعر، كما مر في قوله: إنك ان يصرع أخوك تصرع 4 - 566 و (متى)، شرطية بلا شبهة، فتجزم (أملك)، إذ لا تجئ موصولة كما، ومن، وأي،


(1) أي مطالبون بإثبات ذلك، (2) من معلقة طرفة بن العبد، والتلاع جمعه (تلعة)، وهي مجرى الماء من رؤوس الجبال يقول إني لست ممن يستتر في التلاع مخافة الضيق أو غدر الأعداء ولكني أظهر وأعطي من يطلب مني، (3) من شواهد سيبويه ج 1 ص 442 وهو من قصيدة للعجير السلولي، وهي طويلة تتضمن قصة جرت له مع ابنة عم له كان يهواها ولكنها اختارت غيره حين خيرت، وهي في خزانة الأدب، (4) تقدم ذكره قريبا (*)،

[ 104 ]

وأما إذا المفاجأة، فيصح مجئ من، وما وأي، شرطية بعدها، نحو: مررت به فإذا من يأته يعطه، كما يجوز: فإذا من يأتيه يعطيه، على أن (من) موصولة، وذلك لأن (إذا) المفاجأة، لا تغير ما بعدها عن معناه، على الصحيح، إذ ليست بمضافة إليه، وأما عدم وقوع نحو: أين، ومتى، من الظروف بعدها فلاختصاصها بالجملة الاسمية الخبرية، ومن كان مذهبه أن (إذا) المفاجأة، مضافة إلي الجملة بعدها، يجب ألا يجيز وقوع كلمة الشرط بعدها، إلا على اضمار المبتدأ بعدها، أي: فإذا هو من يأته يعطه، لما ذكرنا في امتناع: أتذكر إذ من يأتنا نكرمه، والأضمار يحسن بعد (إذا) المفاجأة، ألا ترى إلى حذف الخبر في مثل: خرجت فإذا السبع، وأما (أما)، فإن كان بعدها: من، أو، ما، أو، أي، وبعدها فعل مضارع، فإنه يصح جعلها شرطية، لأن الجواب لأما، دون كلمة الشرط التي بعدها، كما يجئ في حروف الشرط، ويقبح جزم الشرط مع أنه لا جواب له ظاهرا، كما قلنا في: آتيك إن تأتني، فالأولى جعلها موصولة، نحو: أما من يأتيني فإني أكرمه، وإن كان بعدها ماض، جاز جعلها شرطية، وموصولة، نحو: أما من أتاني فإني أكرمه، قال تعالى: (فأما إن كان من المقربين فروح وريحان) 1، ولا تكون 2 بعد إن وأخواتها، وكان وأخواتها، وظن وأخواتها، وهل، إلا موصولة، لتأثيرها في معاني ما بعدها، وكان قياس همزة الاستفهام ألا تدخل على كلمات الشرط، لكن لها في الاستعمال سمعة، ألا ترى إلى دخولها على الواو، والفاء، وثم، فجاز: أمن يضربك تضربه، و: أمن لقيته شتمته، فإن قدرت في (كان) ضمير الشأن، جاز دخولها على كلمات الشرط، وكذا لو


(1) الآيتان 88، 89 سورة الواقعة، (2) أي كلمات الشرط (*)،

[ 105 ]

حذفت ضمير الشأن بعد (إن)، على قبح فيه، كما يأتي في باب الحروف المشبهة بالفعل، كقوله: إن من لام في بني بنت حسان * ألمه وأعصه في الخطوب 1 - 395 وذلك لأن كلم الشرط لم تل، إذن: تلك النواسخ في الحقيقة، وكذا، جاز كون المعمول الثاني لهذه النواسخ جملة مصدرة بكلم الشرط، نحو: كان زيد من يضربه أضربه، ولو قدمت ههنا الجزء الثاني على الأول فقلت: كان من يضربه أضربه زيد، لم يجز، لأنه ولي أداة الشرط: المؤثر في الجملة 2، وأما قولك: علمت ايهم زيد، وعلمت أزيد في الدار أم عمرو، فقد ذكرنا الاعتذار عنه في باب المبتدأ 3، واعلم أن الجزاء يحذف عند قيام القرينة، يقال: إن أتيتني أكرمك، فتقول: وأنا إن أتيتني، وكذا في (لو)، قال الله تعالى: (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) 4.. الآية، وإذا حذف جواب أداة الشرط الجازمة، فالواجب في الاختيار ألا ينجزم الشرط، بل يكون ماضيا لفظا أو معنى، نحو: إن لم أفعل، لئلا 5 تعمل الأداة في الشرط، كما لم تعمل في الجزاء، قوله: (فإن كانا مضارعين، أو الأول)، يعني أو كان الأول مضارعا والثاني غير مضارع، نحو: إن تزرني زرتك، أو: فأنت مكرم، فإن كانا مضارعين فهما مجزومان لا غير، وأما قوله: إنك إن يصرع أخوك تصرع 6 - 566


(1) تقدم في باب الضمائر - في الجزء الثاني، من هذا الشرح وهو للأعشى، ومن شواهد سيبويه ج 1 ص 439، (2) يعني أن الأداة وقعت بعد المؤثر، (3) في الجزء الأول من هذا الشرح، (4) الآية 31 في سورة الرعد، (5) يريد حتى لا تعمل الأداة في الشرط كما أنها لم تعمل في الجزاء لعدم وجوده، (6) تكرر ذكره، وقد تقدم قبل قليل (*)،

[ 106 ]

فقد تقدم الجواب عنه 1، وإن كانا ماضيين فهما مبنيان في محل الجزم، نحو: إن ضربت ضربت، وإن كان الأول مضارعا والثاني ماضيا فالأول مجزوم، ومثله قليل، لم يأت في الكتاب العزيز 2، وقال بعضهم لا يجئ إلا في ضرورة الشعر، قال: 685 - من يكدني بسئ كنت منه * كالشجا بين حلقه والوريد 3 والأجود كونهما مضارعين، تطبيقا للفظ بالمعنى، ثم كونهما ماضيين، لفظ نحو: ان ضربتني ضربتك، أو ماضيين معنى، نحو: إنلم تضربني لم أضربك، أو أحدهما ماضيا لفظا والآخر معنى، نحو: إن ضربتني لم أضربك، وإن لم تضربني ضربتك، وإن تخالفا ماضيا ومضارعا، فالأولى كون الشرط ماضيا والجزاء مضارعا، كقوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم..) 4، وعكسه أضعف الوجوه نحو: إن تزرني زرتك، لأن الأداة، إذن، تؤثر في الفعل الأبعد، بنقله إلى معنى المستقبل، من غير أن تؤثر في الأقرب شيئا يغير المعنى، ويجوز تخالف الشرط ومعطوفه مضيا واستقبالا، نحو: إن زرتني، وتكرمني، وإن تزرني واكرمتني، والأولى توافقهما، كالشرط والجزاء، وكذا في الجزاء نحو: إن زرتني أكرمتك وأعطلك وإن زرتني أكرمك وأعطيتك، وإذا ذكر بعد الشرط فعل ليس من ذيوله، أي لا يكون مفعولا ثانيا للشرط نحو: إن تحسبني أعصيك 5.. أو صلة نحو: أن تضرب الذي أضربه، أضربك، أو صفة نحو: أن تضرب رجلا أضربه يضربك، فإما أن يتفقا لفظا ومعنى، نحو: ان تزرني


(1) أي تقدم توجيه الرفع فيه، عند ذكره (2) استدل النحويون عليه بقوله تعالى: (ان نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) الشعراء الآية 4 - لأنه عطف (ظلت) على جواب الشرط والمعطوف على الجواب جواب، وفيه تكلف، (3) من قصيدة لأبي زبيد الطائي في رثاء ابن أخت له، (4) الآية 15 في سورة هود، (5) مثال لما هو من ذيول فعل الشرط لأنه مفعول ثان لتحسب (*)،

[ 107 ]

تزرني أحسن إليك، فيجب جزمه لكونه توكيدا لفظيا، وإما أن يختلفا لفظا ومعنى، نحو: أن تأتني تسأل، أحسن إليك، فيجب رفعه حالا، وإن جاز أن يكون مفعول الشرط بتقدير (إن) نحو: إن تأمرني أذهب أطعك، أي إن تأمرني أن أذهب، فهو منصوب المحل على أنه مفعول، وإما أن يتفقا معنى لا لفظا، نحو: (ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف) 1 فهو بدل من الأول، وإما أن يتفقا لفظا لا معنى، نحو: ان تضرب تضرب، أي تسير... 2، وحكمه حكم المخالف للأول لفظا ومعنى، وكذا الحكم إن جاء الفعل بعد الجواب، فالمتفقان لفظا ومعنى نحو: ان تأتني أحسن إليك، أحسن إليك، والمختلفان لفظا ومعنى نحو: أن تزرني أكرمك أسرع، والمختلفان لفظا لا معنى نحو: أن تبعث إلي آتك أجى، والمختلفان معنى لا لفظا نحو: إن تأتني أضرب، أضرب، أي أسير، وإن جاء مع المتوسط واو، أو فاء أو ثم، فالوجه الجزم، ولك النصب مع الواو والفاء على الصرف 3، كما ذكرنا في فاء السببية وواو الجمعية، وكذا في الفعل المتأخر، وينضاف إلى ذلك في المتأخر جواز استئنافه أيضا نحو: إن تقم آتك فأحسن إليك، أو: وأحسن إليك، فيكون النصب على السبية أو الجمعية، والجزم على العطف والرفع على الاستئناف، أي: فأنا أحسن إليك، قال ابن السراج 4: إذا قلت: تحمدإن تأمر بالمعروف، فعطفت فعلا عليهما، فإن


(1) الآتيان 68، 69 سورة الفرقان، (2) تفسير لأحد الفعلين، (3) أي على أن الواو للمعية، (4) تكرر ذكره (*)،

[ 108 ]

كان من شكل الأول، رفعته، لا غير، نحو: تحمد إن تأمر بالمعروف وتؤجر عليه، وإن كان من شكل الثاني نحو: تحمد إن تأمر بالمعروف وتنه عن المنكر، فلك فيه، أي في المعطوف، ثلاثة أوجه: الجزم على العطف، والنصب على الصرف والرفع على الاستئناف، وإن عطفت ما يصلح للأول والثاني، نحو: تحمد إن تأمر بالمعروف، وتشكر، ففيه أربعة أوجه: الرفع على وجهين: على العطف على الأول وعلى الاستئناف، والنصب على الصرف، والجزم عطفا على الثاني، قوله: (وإن كان الثاني فالوجهان)، أي إن كان الثاني أي الجزاء مضارعا والشرط ماضيا ففي ذلك وجهان: الرفع والجزم، والثاني أكثر، وعند الكوفيين يجب الرفع، لأن الجزم في الجواب للجوار، فإذا لم ينجزم الشرط لم ينجزم الجواب، فعند النجاة، الرفع في ذلك الجواب لأحد وجهين: إما لكونه في نية التقديم، وإما لنية الفاء قبل الفعل، وفيه نظر، لأن هذين الوجهين مختصان بالضرورة، وكلامنا في حال السعة، والأولى أن يقال: تغير عمل (إن) وضعفت في هذه الصورة عن جزم الجواب، لحيلولة الماضي بينها وبينه غير معمول فيه 1، فلما لم تعمل في الشرط، لم تعمل في الجزاء، فتكون الأداة جازمة لشئ واحد، وهو الشرط، تقديرا، كما تجزم سائر الجوازم فعلا واحدا، كلم ولما، ولام الأمر، ولاء النهي 2، وهكذا يقول المبرد فيمإ، تقدم عليه ما هو الجزاء في المعنى، يقول: هو جزاء غير معمول فيه، وذلك لضعف عمل 3 (إن) عن العمل في المتقدم عليها، فثبت أنها قد تنعزل عن جزم الجزاء بشيئين: بكون الشرط ماضيا والجزاء مضارعا، وبكون الجواب مقدما، وهذا عند المبرد،


(1) يعني لم تؤثر فيه الأداة لأنه ماض، (2) تقدم توجيه هذا التعبير، (3) كلمة (عمل) لا وجه لها ويكفي أن يقال: لضعف إن عن العمل الخ (*)

[ 109 ]

الفاء في جواب الشرط (قال ابن الحاجب:) (وإذا كان الجزاء ماضيا بغير قد لفظا أو تقديرا، لم تجز الفاء) (وإذا كان مضارعا مثبتا أو منفيا بلا فالوجهان، وإلا،) (فالفاء)، (قال الرضي:) اعلم أن أداة الشرط، سواء كانت (إن) أو ما تضمن معناها، أو (لو)، لأ، يكون شرطها إلا فعلا غبر مصدر بشئ من الحروف، لشدة طلبها للأفعال، بلى، يجئ مضارعا مصدرا من جملتها 1 بلا ولم، أما (لا) فلأنها لكثرة استعمالها، يتخطاها العامل، نحو: جئت بلا مال، وأما (لم) فلأنها لتغييرها معنى المضارع إلى الماضي، صارت كجزئه، مع قلة حروفها، أما (لما) أختها فكثيرة الحروف، ولا يصدر الماضي شرطا، بلا، فلا يجوز، إن لا ضرب ولا شتم، لقلة دخولها في الماضي، فعلى هذا، لا تقول: إن ستفعل، وإن لن تفعل، وإن ما تفعل 2 وإن قد فعلت وإن قد تفعل، وإن ما فعلت، ولا يكون الشرط جملة طلبية ولا إنشائية، لأن وضع أداة الشرط على أن تجعل الخبر الذي يليها مفروض الصدق، إما في الماضي، نحو: لو جئتني أكرمتك، أو في المستقبل نحو: إن زرتني أكرمتك، وأما الجزاء فليس شيئا مفروضا، بل هو مترتب على أمر مفروض،


(1) اي من جملة الحروف التي أشار إليها، (2) على أن (ما) نافية، وكذلك في إن ما فعلت (*)،

[ 110 ]

فجاز وقوعه طلبية وإنشائية، نحو: إن لقيت زيدا فأكرمه، وإن دخلت الدار فأنت حر، ولبعده عن كلمة الشرط جاز وقوعه اسمية وفعلية، مصدرا بأي حرف كان، فنقول: إن كان الجزاء مما يصلح أن يقع شرطا، فلا حاجة إلى رابطة بينه وبين الشرط لأن بينهما مناسبة لفطية من حيث صلاحية وقوعه موقعه، وإن لم يصلح له فلابد من رابط بينهما، وأولى الأشياء به 1: الفاء لمناسبته للجزاء معنى، لأن معناه: التعقيب بلا فصل، والجزاء متعقب للشرط كذلك، هذا إلى خفتها لفظا، وأما (إذا) 2 فاستعمالها قبل الاسمية أقل من الفاء لثقل لفظها، وكون معناها من الجزاء أبعد من معنى الفاء، وذلك لتأويله بأن وجود الشرط مفاجئ لوجود الجزاء ومتهجم عليه، فثبت بهذا، أن الجزاء، إن كان جملة طلبية كالأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض والتحضيض والدعاء والنداء، يجب مقارنتها لعلامة الجزاء، وكذا إن كانت إنشائية، كنعم وبئس، وكل ما تضمن معنى إنشاء المدح والذم، وكذا: عسى، وفعل التعجب، والقسم، وكذا إن كانت جملة اسمية، سواء تصدرت بالحرف 3 نحو قوله تعالى: (من يضلل الله فلا هادي له) 4، و: (إن تعذبهم فإنهم عبادك) 5، أو لا نحو: إن جئتني فأنت مكرم، وأما قوله تعالى: (وإن أطعموهم انكم لمشركون) 6، فلتقدير القسم، كما يجئ في بابه، ويجوز أن يكون قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات، ما كان حجتهم..) 7، مثله، أي بتقدير القسم، ويجوز أن تكون (إذا) لمجرد الوقت، من دون ملاحظة الشرط،


(1) أي بأن يكون رابطا، (2) المراد (إذا) الفجائية التي تدخل في جواب الشرط في بعض الحالات بدلا من الفاء، (3) أي بحرف مما تصدر به الجمل الاسمية غير الفاء، (4) الآية 186 سورة الأعراف، (5) الآية 118 سورة المائدة، (6) الآية 121 سورة الأنعام، (7) الآية 25 سورة الغاشية (*)،

[ 111 ]

كما لم يلاحظ في قوله تعالى: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) 1، وقوله: (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) 2. وقد تحذف علامة الجزاء ضرورة في موضع اللزوم كقوله: من يفعل الحسنات الله يشكرها 3 - 678 وروي: من يفعل الخير، فالرحمن يشكره، فلا ضرورة، إذن، وأجاز الكوفية حذف العلامة اختيارا، استدلالا بقوله تعالى: (أينما تكونوا يدرككم الموت) 4، على قراءة الرفع 5، وهي شاذة، وتجب الفاء، أيضا، في كل فعلية مصدرة بحرف، سوى: لا، ولم في المضارع، سواء كان الفعل المصدر بها ماضيا أو مضارعا، فتجب في الماضي مصدرا بقد، ظاهرة أو مقدرة، نحو قوله تعالى: (إن كنت قلته فقد علمته) 6، و: (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت) 7، أو مصدرا بما، أو، لا، نحو: إن زرتني فما أهنتك، وإن زرتني فلا ضربتك ولا شتمتك، وفي المضارع مصدرا بلن، وسوف والسين، و (ما)،.. هذا كله لأن هذه الأشياء لم تقع شرطا، فلا تقع، أيضا، جزاء إلا مع علامة الجزاء، بقى الماضي غير المصدر بحرف، والمضارع غير المصدر، أو المصدر بلا، أو، لم، أما الماضي غير المصدر، والمضارع المصدر بلم، فلا تدخلهما الفاء أصلا، نحو: إن ضربتني ضربتك، أو: لم أضربك، لأن لهما مع مناسبتهما لفظا للشرط كما بينا،


(1) الآية 39 سورة الشورى، (2) الآية 37 سورة الشورى، (3) الشاهد المتقدم قريبا، (4) الآية 78 سورة النساء، (5) هي قراءة طلحة بن سليمان، (6) الآية 116 سورة المائدة، (7) الآية 26 سورة يوسف (*)،

[ 112 ]

نعلقا بكلمة الشرط معنويا وذلك بانقلابهما إلى المستقبل بكلمة الشرط، فلم يحتاجا، إذن، إلى العلامة، بقي المضارع المجرد، والمصدر بلا، فنقول: يجوز فيهما الفاء وتركه، أما الفاء، فلأنهما كانا قبل أداة الشرط صالحين للاستقبال، فلا تؤثر الأداة فيهما تأثيرا ظاهرا، كما أثرت في: فعلت، ولم أفعل، وأما تركه، للتقدير تأثيرها فيهما، لأنهما كانا صالحين للحال والاستقبال، على ما تقدم في المضارع 1: أن (لا) صالحة لهما على الصحيح، فالأداة خلصتهما للاستقبال، وهو نوع تأثير، قال الله تعالى: (إن تنعوهم لا يسمعو دعاءكم) 2، وقال: (فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا)، 3 وقال ابن جعفر 4: يجوز دخول الفاء وتركه في (لم)، ولم يثبت، وقال الله تعالى في المثبت: (وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين) 5، وقال (ومن عاد فينتقم الله منه) 6،. ومذهب سيبويه: تقدير المبتدأ في الأخير 7، وقال المبرد: لا حاجة إليه، قال ابن جعفر: مذهب سيبويه أقيس، إذ المضارع صالح للجزاء بنفسه، فلولا أنه خبر مبتدأ، لم تدخل عليه الفاء، وعلى ما ذكرنا من تعليل دخول الفاء في مثبت المضارع 8، يسقط هذا التوجيه للأقيسية،


(1) في أول بحث الفعل المضارع في هذا الجزء، (2) الآية 14 سورة فاطر، (3) الآية 13 سورة الجن، (4) ابن جعفر، الأرجح أن المراد به: محمد بن جعفر بن أحمد الأنصاري المرسي البلنسي من علماء المغرب توفي سنة 587 ه. وتقدم له ذكر، (5) الآية 66 من سورة الأنفال، (6) الآية 95 سورة المائدة، (7) يقصد المثال الأخير المقرون بالفاء، (8) أي المضارع المثبت (*)،

[ 113 ]

وإن ثبت نحو قولك: إن غبت فيموت زيد، لم يكن لمذهب سيبويه وجه، إذ لا يمكن في مثله تقدير مبتدأ، إلا ضمير الشأن، ولا يجوز 1 إلا بعد (أن) المخففة قياسا، وبعد (إن) وأخواتها للضرورة، وإذا كان جواب الشرط مصدرا بهمزة الاستفهام، سواء كانت الجملة فعلية أو اسمية لم تدخل الفاء، لأن الهمزة من بين جميع ما يغير معنى الكلام، يجوز دخولها، كما تقدم، على أداة الشرط، فيقدر تقديم الهمزة على أداة الشرط نحو قولك: إن أكرمتك أتكرمني، كأنك قلت: أئن أكرمتك تكرمني، قال علي رضي الله عنه في نهج البلاغة 2: وإن فعل الله ذلك لكم أتؤمنون)، وقال الله تعالى: (أرأيت إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى) 3، ويجوز حمل (هل) وغيرها من أدوات الاستفهام على الهمزة، لأنها أصلها، قال الله تعالى: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون) 4، وقال تعالى: (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم، من إله غير الله يأتيكم به) 5، ويجوز دخول الفاء فيها لعدم عراقتها في الاستفهام، قال الله تعالى: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة، فمن ينصرني 6..)، وتقول: إن أكرمتك فهل تكرمني ؟


(1) أي تقدير ضمير الشأن، (2) هو في نهج البلاغة، ولكنه حكاية لكلام النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار حيث يقول سيدنا علي رضي الله عنه، بعد أن حكى ما حدث مع ملأ من قريش، طلبوا من النبي أن يدعو لهم هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديه، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: إن الله على كل شئ قدير، فإن فعل الله لكم ذلك أتؤمنون وتشهدون بالحق، إلى آخر ما جاء في كلام علي رضي الله عنه، وانظر نهج البلاغة ص 240 طبع مطابع الشعب بالقاهرة، (3) الآيتان 13، 14 سورة العلق، (4) الآية 47 سورة الأنعام (5) الآية 46 سورة الأنعام (6) الآية 63 سورة هود (*)،

[ 114 ]

والمصنف قال 1، وقد أحسن، مع أن على بعض ما ذكره كلاما: إتما تدخل 2 الفاء، إذا لم تؤثر الأداة من حيث المعنى في الجزاء معنى، ويغي بالتأثير تخليصه للاستقبال إن كان مضارعا، وقلبه إليه إن كان ماضيا، فتدخل على المضارع المصدر بالسين وسوف ولن، لتمحضه للاستقبال بدون أداة الشرط، وكذا في الأنشائية لتجردها عن الزمان، وفي الطلبية لتمحضها للاستقبال، وتدخل على الماضي الباقي على معناه، وذلك إذا كان مصدرا بقد، ظاهرة أو مقدرة، لأنه، إذن، يتمحض للماضي، وذلك لأن (قد) لتحقيق مضمون ما دخلت عليه، ماضيا كان أو مضارعا، وما تأكد ورسخ لم ينقلب ولم ينقلع، على أنه قد جاء قوله تعالى: (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى) 3، وهو بمعنى الاستقبال، قال: وإنما دخلت على المضارع المجرد لكونه في تقدير الاسمية على ما ذكرنا من مذهب سيبويه، وأما المصدر بلا النافية، فقال 4: إن (لا) وإن كانت للاستقبال، قد تجردت للنفي نحو: جئت بلا مال، فتكون الأداة قد أثرت في الفعل المصدر بها تخصيصا بالاستقبال، وإن لم تجرد للنفي أفادت الاستقبال من دون أداة الشرط فتجب الفاء، وكان على قياس ما قال، جواز عدم دخولها في الاسمية نحو: إن جئتني أنت مكرم، لأن الأداة خصصت مضمون الاسمية بالاستقبال، ثم اعلم أن (إن) يكون شرطها في الأغلب مستقبل المعنى، فإن أردت معنى الماضي، جعلت الشرط لفظ (كان)، كقوله تعالى: (إن كنت قلته..) 5 و: (إن كان قميصه..) 6،. وإنما اختص ذلك بكان، لأن الفائدة التي تستفاد منها في الكلام الذي هي فيه: الزمن


(1) ربما كان قوله هذا في شرحه على الكافية أو شرحه على المفصل، (2) هذا ما قاله المصنف. (3) الآية 81 سورة طه، (4) أي المصنف، وهذا الجزء من كلامه هو الذي قال عنه الرضي: مع أن على بعض ما ذكره كلاما، (5) من الآية 116 سورة المائدة، وتقدمت، (6) إشارة إلى الآية 26 من سورة يوسف (*)،

[ 115 ]

الماضي فقط، وذلك لأنها تدل على الزمن الماضي ومطلق الحدوث الذي تحصيصه يعلم من الخبر، نحو: كان زيد منطلقا، فمطلق الحدوث يستفاد من الخبر، لأنه يدل على تعيين الحادث، ويستحيل تعيين الحادث من دون مطلق الحدوث، فمعنى كان زيد قائما: في الزمن الماضي زيد قائم، ف: (كان) مدلوله هو الزمن الماضي فقط، ومع النص على المضي، لا يمكن استفادة الاستقبال، وهذا من خصائص (كان) دون سائر الأفعال الناقصة، لأن (صار) يدل على الانتقال الذي لم يدل عليه خبره، وكذإ، باقيها، ثم إن (كان) إذا كان شرطا، قد يكون بمعنى فرض الوقوع في الماضي، نحو: إن كنت قلته، و: إن كان قميصه... وقد يكون متحقق الوقوع فيه، نحو: زيد وإن كان غنيا إلا أنه بخيل، وقد يستعمل الماضي في الشرط متحقق الوقوع وإن كان بغير لفظ (كان)، لكنه قليل بالسنبة إلى (كان)، كقوله: 686 - أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا * جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم 1 ونحو قولك: أنت، وإن أعطيت مالا: بخيل، وأنت، وإن صرت أميرا، لا أهابك، وقال المصنف: التقدير: إن ثبت حز أذني قتيبة، ليكون الشرط مستقبلا، وليس بشئ، لأن الغرض أن ذلك ثابت، فلم يفرض ثبوت الثابت ؟ وقد تستعمل (كان) في الاستقبال، أيضا، نحو: إن كنت غدا جالسا فائتني، نظرا إلى ذلك الحدوث المطلق، دون الزمن العارض في جميع الأفعال بسبب الصيغة الطارئة على جوهر الكلمة، وكون (كان) للشرط في الماضي مذهب المبرد، وهو الحق، بدليل قوله تعالى: إن كنت قلته.... قال ابن السراج: أنا لا أقول هذا، ولكن أقول: ان المعنى: إن أكن قلته وهو ظاهر الفساد، لأن هذه الحكاية إنما تجري يوم القيامة، وكون عيسى قائلا ذلك أو غير قائل، إنما هو في الدنيا، وأيضا، يجوز التصريح بقولك: إن كنت أعطيتني أمس، فسوف أكافئك اليوم، وقوله تعالى: إن كان قميصه قد...، ظاهر في المضي،


(1) هذا البيت من شواهد سيبويه ج 1 ص 479 وهو من شعر الفرزدق، في قصيدة مدح بها سليمان بن عبد الملك وهجا فيها جريرا، والضمير الفاعل في تغضب راجع إلى قيس المذكور في بيت سابق وأنثه لأن المراد بقيس القبيلة، ويجوز أن يكون خطابا وفاعله تقديره أنت والمقصود جرير (*)،

[ 116 ]

ربط الجواب بإذا الفجائية (قال ابن الحاجب:) (وتجئ إذا مع الجملة الاسمية موضع الفاء) (قال الرضي:) الشرط ألا تكون الاسمية طلبية، وقد ذكرنا قبل 1، لم قامت مقام الفاء، وأي مناسبة بين معنييهما، (جزم المضارع) (في جواب الطلب وشرط ذلك) (قال ابن الحاجب:) (وإن مقدرة بعد الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض،) (إذا قصد السببية، مثل: أسلم تدخل الجنة، ولا تكفر) (تدخل الجنة، وامتنع: لا تكفر تدخل النار، خلافا) للكسائي، لأن التقدير: إن لا تكفر)، (قال الرضي:) اعلم أن كل ما يجاب بالفاء فينتصب المضارع بعد الفاء، يصح أن يجاب بمضارع مجزوم، إلا النفي، لأن غير النفي منها 2: طلب، والنفي خبر محض، والطلب أظهر في


(1) في بحث ربط الجواب بالفاء، (2) أي من الأشياء التي تجاب بالفاء وينتصب المضارع بعدها (*)،

[ 117 ]

تضمن معنى الشرط، إذا ذكر بعده ما يصلح للجزاء من الخبر، وذلك لأن كل كلام لا بد فيه من حامل للمتكلم به عليه وحامله على الكلام الخبري: إفادة المخاطب بمضمونه، ضرب زيد، أو: ما ضرب زيد، إذا قصدت إفهام المخاطب ضرب زيد أو عدم أما الحامل على الكلام الطلبي، فكون المطلوب مقصودا للمتكلم إما لذاته، أو بغيره، ومعنى كونه مقصودا لغيره: أنه يتوقف ذلك الغير 1 على حصوله، وهذا هو معنى الشرط، أعني توقف غيره عليه، فإذا ذكرت الطلب ولم تذكر بعده ما يصح توقفه على المطلوب، جوز المخاطب كون ذلك المطلوب مقصودا لنفسه، ولغيره، وإن ذكرت بعده ذلك، غلب على ظنه كون المطلوب مقصودا لذلك المذكور بعده، لا لنفسه، فيكون، إذن، معنى الشرط في الطلب مع ذكر ذلك الشئ ظاهرا، وأما الخبر، فإنه إذا ورد، حمله المخاطب على أنه إنما تكلم به المتكلم لأفادة المخاطب مضمونه، لا على أن مضمونه مقصود لنفسه أو لغيره، إذ قد يخبر بشئ مع أن ذلك الشئ غير مقصود للمخبر، كقولك: يضرب زيد، مع كراهيتك لضربه، فلو جئت، أيضا، بعد الخبر، بما يصلح أن يكون جزاء لمضمونه، لم يتبادر فهم المخاطب إلى أنه جزاؤه، إذ ذلك في الطلب إنما كان لتبادر فهمه إلى أن الطلب مقصود إما لذاته أو لغيره، ومع ذكر الغير فالأولى أن يكون له، فلما تقرر أن في الطلب مع ذكر ما يصلح جزاء له معنى الشرط، جاز لك أن تحذف فاء السببية وتجزم به 2 الجزاء كما تجزم بإن، وانجزام 3 الجزاء بهذه الأشياء، لا بإن مقدرة، ظاهر مذهب الخليل 4، لأنه قال: ان هذه الأوائل كلها فيها معنى (ان) فلذلك انجزم الجواب،


(1) أشرنا كثيرا إلى أن دخول حرف التعريف على كلمة (غير) لا يقره كثير من النجاة، وبعض الباحثين يلتمس له وجها، (2) أي بالطلب وهو أحد الأقوال في جزم الفعل الواقع في جواب الطلب (3) قوله وانجزام الجزاء بهذه الأشياء لا بإن مقدرة يفسر ما قاله في التعليق السابق، (4) نقله عنه سيبويه في ج 1 ص 449 (*)،

[ 118 ]

ومذهب غيره، أن (إن) مع الشرط مقدرة بعدها، وهي دالة على ذلك المقدر، ولعل ذلك لاستنكارهم إسناد الجزم إلى الفعل، وليس ما استبعدوه ببعيد، لأنه إذا جاز أن يجزم الاسم المتضمن معنى (ان) فعلين، فما المانع من جزم الفعل المتضمن معناها فعلا واحدا، ثم اعلم أنه يجوز جزم الجواب بعد الأمر المدلول عليه بالخبر، نحو: حسبك، أو كفيك، أو شرعك: ينم الناس، و: اتى الله امرؤ وفعل خيرا، يثب عليه، وكذا أسماء الأفعال نحو: صه، ونزال وتراك، والأمر المقدر، نحو: الأسد الأسد تنج، وإنما لم ينتصب الفعل في جواب هذه الأشياء التي فيها معنى الأمر بعد الفاء، بل وجب، للنصب، صريح الأمر أو النهي، عند غير الكسائي، بخلاف الجواب المجزوم، فإنه لم يشترط التصريح قبله بالأمر والنهي اتفاقا، لأن فاء السببية قد يرتفع ما بعدها مع بقائها على معنى السببية كما في قوله تعالى: (ولا يؤذن لهم فيعتذرون) 1، و:... لم تدر ما جزع عليك فتجزع 2 - 650 ومع الرفع تضعف دلالة الفاء على السببية، لأن الرفع محتمل، والنصب نص فيها، وقد تقدم أن الأمر والنهي وسائر الأشياء الثمانية، مشابهة للشرط في عدم ثبوت مدلولها، فهي، إذن، مقوية لمعنى السببية في الفاء، فأريد أن يكون قبل الفاء صريح الأمر العريق في الأمرية، حتى إن ضعفت دلالة السببية في الفاء بأن يرتفع الفعل بعدها، كان صريح الأمر قبلها أشد تقوية لسببيتها مما هو محمول على الأمر، من اسم الفعل وغيره، وأما الجزم فهو نص في السببية، ولا يضعف معناها معه فلم يحتج إلى صريح الأمر، بل يكفي معناه، وقيل في قوله تعالى: (هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم) 3 إلى قوله (يغفر لكم): إن قوله (يغفر لكم) جواب لقوله: (تؤمنون) لأنه بمعنى (آمنوا)، وليس


(1) الآية 36 سورة المرسلات (2) تقدم ذكره في هذا الباب، (3) الآيات 10، 11، 12 سورة الصف (*)،

[ 119 ]

بجواب: (هل أدلكم) لأن المغفرة لا تحصل بالدلالة، ولا منع من أن يكون هو جوابه، كما مر في لام الأمر في قوله تعالى: (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة) 1، وقال المبرد في مثله: إن (يقيموا) جواب (أقيموا) مقدرا، أي قل لهم: أقيموا، يقيموا، وليس بشئ، لأنه مثل: (كن فيكون) 2 على قراءة أبي عمرو 3، وفيه من التكلف ما فيه، قوله: (إذا قصد السببية)، أما إذا قصد الاستئناف نحو: قم، يدعوك الأمير، وقال: 687 - وقال رائدهم أرسوا نزاولها * فكل حتف امرئ يجري بمقدار 4 أو الوصف، نحو: (وليا يرثني) 5 على قراءة الرفع 6، أو الحال، نحو: (ذرهم في خوضهم يلعبون) 7، و: (ولا تمنن تستكثر) 8 وجب الرفع، 9 وفي نحو: مره يحفرها، يجوز الجزم على الجزاء، والرفع: إما على الاستئنانف أي إنه ممن يحفرها، أو بحذف (أن) أي بأن يحفرها ويجوز في: ذره يقول ذلك: الرفع


(1) الآية 31 سورة ابراهيم. (2) من الآية 117 في سورة البقرة، (3) أبو عمرو بن العلاء أحد النجاة المتقدمين وأحد القراء السبعة، وتقدم ذكره، (4) هذا من شواهد سيبويه: ج 1 ص 450 وهو من شعر الأخطل التغلبي، وقد أكثر الشراح من الأقوال في شرحه وفي بيان مرجع الضمير في قوله نزاولها: انظر شواهد سيبويه بشرح الأعلم، وخزانة الأدب للبغدادي، (5) من الآيتين 605 سورة مريم، (6) والرفع قراءة من عدا الكسائي وأبا عمرو. (7) الآية 91 سورة الأنعام، (8) الآية 5 في سورة المدثر، (9) جواب أما إذا قصد، وحقه الفاء (*).

[ 120 ]

على الاستئناف أو الحال، أو الجزم، وقوله تعالى: (فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف 1..)، إما حال، أو قطع، وكذا قوله: أرسوا نزاولها، ومما جاء حالا بعد الشرط الصريح قول الحطيئة: 688 - متى تأته تعشو إلى ضوء ناره * تجد خير نار عندها خير موقد 2 ويجوز في مثله البدل، لأن الثاني من جنس الأول، بخلاف قولك: إن تأتني تقرأ، أعطيك، فإنه لا يجوز فيه إلا الرفع، ويجئ بعد الجزاء، ظاهرا كان الشرط، أو مقدرا: الفعل المصدر بالفاء، أو الواو، أو ثم، نحو: إن تأتني آتك فأحدثك، وائتني آتك فأحدثك، فتجزم ما بعد الفاء على العطف، وترفعه على القطع، وتنصبه على أن الفاء للسببية، مع ضعف هذا الأخير 3 كما تقدم في المنصوبات، وكذا ما جاء بعد جواب الشرط المصدر بالفاء، نحو قوله تعالى: (من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم 4..)، قرى رفعا وجزما 5، ولا منع في العربية من النصب، فإذا جئت بثم، جاز الجزم والرفع، دون النصب، قال الله تعالى: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) 6، وقال: وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون) 7،


(1) الآية 77 سورة طه: (2) جاء الشطر الثاني لهذا البيت في النسخة المطبوعة، تجد حطبا ونارا تأججا، فلفق البيت من بيتين،. وصواب البيت الذي صدره في الشارح أن يكون جوابه ما ذكرنا، وهو بهذا الوجه من شعر الخطيئة، وأورده سيبويه بهذا الوجه ج 1 ص 445، والبيت الثاني الذي أورد الشارح شطره الأخير، في سيبويه أيضا ج 1 ص 446 ولفظه: متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا * تجد حطبا جزلا ونارا تأججا (3) لأنه مبني على اعتبار الشرط والجزاء في حكم النفي، (4) الآية 186 سورة الأعراف وتقدمت، (5) الجزم قراءة حمزة والكسائي والرفع قراءة الباقين. (6) الآية 38 سورة القتال، (7) الآية 111 سورة آل عمران (*).

[ 121 ]

فلما كان فاء السببية بعد الطلب واقعا موقع المجزوم، جاز جزم المعطوف عليه، قال تعالى: (... فأصدق وأكن من الصالحين) 1، وقال: 689 - دعني فأذهب جانبا * يوما وأكفك جانبا 2 وهذا الذي يقال انه عطف على التوهم، كما في قوله: 690 - بدا لي أني لست مدرك ما مضى * ولا سابق شيئا إذا كان جائيا 3 جروا الثاني، لأن الأول قد تدخله الباء، وجزموا الثاني، لأن الأول قد يكون مجزوما، قوله: (وامتنع: لا تكفر تدخل النار خلافا للكسائي)، يعني أن الكسائي يجوز عند قيام القرينة أن يضمر المثبت بعد المنفي، وعلى العكس، فيجوز: لا تكفر تدخل النار، أي إن تكفر تدخل النار، كما يجوز: لا تكفر تدخل الجنة، ويجوز، أيضا، أسلم تدخل النار، بمعنى: إن لا تسلم تدخل النار، وقال غيره: بل يجب أن يكون المقدر مثل المظهر نفيا وإثباتا، وأما قولهم في العرض: ألا تنزل تصب خيرا، أي إن تنزل فلأن كلمة العرض: همزة الأنكار دخلت على حرف النفي، فتفيد الاثبات، وليس ما ذهب إليه الكسائي ببعيد، لو ساعده نقل،


(1) الآية 10 سورة المنافقون، (2) وجه الشاهد فيه: عطف أكف بالجزم على جواب دعني، المنصوب بعد الفاء على توهم أن الفاء سقطت فجزم ما بعدها، وهذا البيت قال البغدادي أن صاحب المفصل نسبه إلى عمرو بن معد يكرب، قال وقد تصفحت ديوانه فلم أجده فيه: ثم قال وغيري تصفحه فلم يجده أيضا، (3) هذا من قصيدة زهير بن أبي سلمى التي تقدم منها بعض الشواهد والتي أولها: ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى * من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا وهو في سيبويه ج 1 ص 83، وتكرر في عدة مواضع أخرى منه (*)

[ 123 ]

(فعل الأمر) (وكيفية صوغه وحكم آخره) (قال ابن الحاجب:) (مثال الأمر: صيغة يطلب بها الفعل من الفاعل المخاطب) (بحذف حرف المضارعة، وحكم آخره حكم المجزوم،) (فإن كان بعده ساكن وليس برباعي زدت همزة وصل) (مضمومة، إن كان بعده ضمة، مكسورة فيما سواه،) (مثل: اقتل، اضرب، اعلم، وإن كان رباعيا فمفتوحة) (مقطوعة)، (قال الرضي:) لو قال: صيغة يصح أن يطلب بها الفعل، لكان أصرح في عمومه لكل ما يسميه النجاة أمرا، وذلك أنهم يسمون به كل ما يصح أن يطلب به الفعل من الفاعل المخاطب بحذف حرف المضارعة، سواء طلب به الفعل على سبيل الاستعلاء وهو المسمى أمرا عند الأصوليين، نحو قولك: اضرب، على وجه الاستعلاء، أو طلب به الفعل على وجه الخضوع، من 1 الله تعالى، وهو الدعاء، نحو: اللهم ارحم، أو من غيره ، وهو الشفاعة 2،


(1) متعلق بقوله أو طلب به الخ، (2) والنحويون يسمونه التماسا (*)،

[ 124 ]

أو لم يطلب به الفعل، بل كان إما على وجه الأباحة، نحو: (كلوا واشربوا) 1، أو للتهديد نحو: (اعملوا ما شئتم) 2، أو غير ذلك من محامل هذه الصيغة 3. وإنما سمى النجاة جميع ذلك أمرا، لأن استعمال هذه الصيغة في طلب الفعل على وجه الاستعلاء، وهو الأمر حقيقة: أغلب وأكثر، وذلك كما سموا نحو: المائت والضائق: اسم فاعل، لأن استعمال هذه الصيغة فيما هو فاعل حقيقة، كالضارب والقاتل: أكثر، وكذا الكلام في النهي، فإن قولك: لا تؤاخذني في نحو: اللهم لا تؤاخذني بما فعلت: نهي في اصطلاح النجاة، وإن كان دعاء في الحقيقة، قوله: (من الفاعل المخاطب)، ليخرج نحو: ليفعل زيد، فإنه لا يدخل في مطلق الأمر، بل يقال له أمر الغائب، وكذا يخرج نحو: لأفعل أنا، و: (ولنحمل خطاياكم) 4، فإن قيل: قولنا (الأمر) أعم من قولنا: أمر الغائب، وكل ما يصدق عليه الأخص يصدق عليه الأعم، قلت: لا نسلم أن لفظ الأمر في اصطلاح النجاة أعم من أمر الغائب، إذ مرادهم بالأمر: الأمر المطلق، وقولنا: المطلق قيد خصصه من الأمر المضاف إلي شئ آخر، وذلك كما يقول الفقهاء: إن الماء المطلق يصح سلبه عن المضاف، إذ صح أن يقال في ماء الباقلاء: انه ليس بماء، أي: ليس بماء مطلق، قوله: (بحذف حرف المضارعة)، يخرج نحو قوله: لتقسم أنت يا ابن خير قريش 5... - 667 وإن كان ذلك قليلا، ومنه القراءة الشاذة: 6 (فبذلك فلتفرحوا) 7 بالتاء،


(1) من الآية 31 سورة الأعراف، (2) من الآية 40 سورة فصلت. (3) مثل الندب والتخيير والتهديد، وغيرها مما ذكره الأصوليون، (4) من الآية 12 سورة العنكبوت، (5) تقدم هذا الشاهد في هذا الجزء، (6) ننسب إلى أنس، وزيد وأبي بن كعب، (7) من الآية 58 سورة يونس، وتقدمت (*)،

[ 125 ]

قوله: (وحكم آخره حكم المجزوم)، قال الكوفيون: هو مجزوم بلام مقدرة، كما في قول حسان في أمر الغائب: محمد، تفد نفسك كل نفس * إذا ما خفت من أمر تبالا 1 - 666 قالوا: حذف حرف المضارعة مع عدم اللام مطردا 2، لكثرة استعماله، بخلاف أمر الغائب فإنه أقل استعمالا منه، وبقي مجزوما بتلك اللام المقدرة، وقال البصريون: هو مبني على السكون، إلا أنه جعل آخره المجزوم في حذف الحركة وحرف العلة والنون، لأن قياسه، كما مر في باب المجزوم أن يكون مجزوما باللام كأمر الغائب، لكن حذفت اللام مع حرف المضارعة، لكثرة الاستعمال، فزالت علة الاعراب، أي الموازنة 3، فرجع إلى أصله من البناء وبقي آخره محذوفا للوقف 4، كما كان في الأصل محذوفا للجزم 5،. قوله: (فإن كان بعده ساكن)، أي بعد حرف المضارعة إذا حذفت اللام مع حرف المضارعة عند الفريقين، فلا يخلو: إما أن يكون بعد حرف المضارعة في المضارع متحرك، أو ساكن، فإن كان هناك متحرك، فإن كانت حركته أصلية، لم يفتقر إلى اجتلاب همزة الوصل، بل يبدأ في الأمر بذلك المتحرك، نحو: تكلم من: تتكلم، وتقاتل من تتقاتل، ودحرج من تدحرج، وقاتل من: تقاتل، وإن كانت منقولة إليه من متحرك بعده، نظر، فإن كان حذف بعد حرف المضارعة متحرك، رد ذلك المتحرك لأجل زوال علة حذفه وهي حرف المضارعة وذلك كما تقول في تقيم وتعيد: أقم وأعد، فإن همزة (أفعل) حذفت بعد حروف المضارعة، أما في:


(1) تقدم في أول الجوازم، في هذا الجزء. (2) أي حذفا مطردا، (3) أي موازنة المضارع لاسم الفاعل في الصورة النفظية، (4) أي البناء المقابل للأعراب (5) هذا مبني على ما قاله الشارح من قبل أنه ليس للأمر صيغة مستقلة (*)،

[ 126 ]

أقيم، فلاجتماع الهمزتين، وأما في نقيم ويقيم وتقيم، فطردا للباب، وحملا لسائر حروف المضارعة على الهمزة، وإن لم يكن حذف بعد حرف المضارعة متحرك، ابتدئ بالمتحرك بالحركة المنقولة نحو: قل، وعد، وخف، وهب، فإن قيل: كما حذفت الهمزة المتحركة في: تقيم لأجل حرف المضارعة، حذفت الواو الساكنة في تعد وتهب، له أيضا وذلك للحمل على يعد ويهب بالياء، كما يجئ في التصريف، فلم لم ترد الساكن بعد حذف حرف المضارعة في الأمر، كما رددت المتحرك ؟ قلت: لأنه لو رد، لاجتلبت له همزة الوصل فكنت تقول: اوعد، و: اوهب، ثم كنت تعله اعلال المضارع الذي هو أصله بحذف الواو، إذ هو أقرب إليه من المصدر نحو: عدة، ومقة، فكان يكون السعي في رد الساكن ضائعا، (وإن كان ما بعد حرف المضارعة ساكنا، فإن كان حذف قبله متحرك لأجل حرف المضارعة، رددته لزوال العلة، كأكرم من: تكرم) 1، وإن لم يحذف هناك شئ، اجتلبت همزة الوصل، نحو: اضرب، اقتل انطلق، استخرج، وإنما قلنا إن أصل يفعل، مضارع أفعل: يؤفعل، لأن قياس بناء المضارع، في جميع الأفعال: أن يزاد حرف المضارعة على الماضي نحو: كرم يكرم، وضرب يضرب، واستخرج يستخرج وانطلق ينطلق، وإنما تحذف همزة الوصل الثابتة في الماضي، من المضارع، استغناء بحركة حرف المضارعة عنها، فكان قياس يكرم: يؤكرم، لأن الهمزة، وإن كانت زائدة إلا أنها همزة


(1) هذا يشبه أن يكون تكرارا ما تقدم قريبا، وذلك ناشى من اختلاف النسخ (*).

[ 127 ]

قطع، فحذفت همزة الماضي في: أؤكرم لاجتماع الهمزتين، كما يأتي في التصريف، وحمل سائر حروف المضارعة عليها، قوله: (وليس برباعي)، يعني به باب أفعل وحده، فإنه هو الرباعي الذي ما بعد حرف مضارعته ساكن فقط، ويعني بالرباعي: ما ماضيه على أربعة أحرف، قوله: (مضمومة إن كان بعده ضمة، مكسورة فيما سواه)، اعلم أن أصل حركة همزة الوصل: الكسرة، في الأسماء كانت أو في الأفعال، أو في الحروف، ولا يعدل إلى حركة أخرى إلا لعلة، كما يجئ في التصريف إن شاء الله تعالى 1، وإنما ضمت فيما انضم ثالثه، في الأمر كان، كاقتل، أو في غيره كانطلق واقتدر 2، إتباعا، واستثقالا للخروج من الكسرة إلى الضمة، لأن الحاجز غير حصين لسكونه، وإذا بقي الأمر على حرف واحد، كقه 3، فإن وصلته بكلام بعده، فلا كلام 4، وإن وقفت عليه، فلا بد من هاء السكت، كما يجئ في آخر الكتاب،


(1) أشير بهامش النسخة المطبوعة إلى أن بعض النسخ جاء فيها نص ما أشار إليه الشارح مما سيجئ في التصريف واكتفيت بما هنا لأنه كاف في المطلوب وهو تلخيص لما سيأتي، (2) كلاهما بصيغة المبني للمفعول، (3) أمر من وقي، (4) أي لا حاجة إلي شئ آخر، كما يفهم من مقابله (*)،

[ 128 ]

(الفعل المبني للمجهول) 1 (والتغيير الذي يلحقه) (قال ابن الحاجب:) (فعل ما لم يسم فاعله: هو ما حذف فاعله، فإن كان) (ماضيا ضم أوله وكسر ما قبل آخره، ويضم الثالث مع) (همزة الوصل، والثاني مع التاء خوف اللبس، ومعتل العين،) (الأفصح: قيل وبيع، دون استخير وأقيم وإن كان مضارعا) (ضم أوله وفتح ما قبل آخره، ومعتل العين ينقلب فيه ألفا)، (قال الرضي:) قولهم: فعل ما لم يسم فاعله، أي فعل المفعول الذي لم يسم فاعله، وإنما أضيف 2 إلى المفعول، لأنه بني له، ويجوز أن يريد بما 3، لفظ ذلك الفعل، فتكون إضافة الفعل إليه من إضافة العام إلى الخاص، كقولهم: فعل الماضي وفعل المضارع وفعل الأمر، قوله: (هو ما حذف فاعله)، هذا حد مطرد عند سيبويه 4، وأما على مذهب الكسائي في نحو: ضربني وضربت زيدا، وهو أن الفاعل يحذف في الأول، على ما


(1) وضعت العنوان على أساس ما هو مشهور من تعبير النحويين، (2) أي نسب إليه. (3) أي لفظ (ما) في قولنا فعل ما لم يسم فاعله، وقوله يريد: المراد به المصنف أو المتكلم بهذه العبارة. (4) انظر سيبويه ج 1 ص 14 (*).

[ 129 ]

مر في باب التنازع 1، وعلى مذهب الأخفش، وهو ما حكى عنه أبو علي في كتاب الشعر 2، قال: جوز أبو الحسن 3 حذف الفاعل خلافا لسيبويه مستشهدا بمثل قوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر 4...) فليس ما ذكره المصنف بحد تام، إلا أن يقال 5: هو ما غير عن صيغته لأجل حذف فاعله، قوله: (فإن كان ماضيا ضم أوله وكسر ما قبل آخره)، هذا عام في كل ماض، سواء كان ثلاثيا مجردا كضرب، أو مزيدا فيه، كأكرم واستخرج، أو رباعيا مجردا، كد حرج، أو مزيدا فيه، كتدحرج، وإنما غيرت صيغة الفعل بعد حذف الفاعل، إذ لو لم تغير، لا لتبس المفعول المرفوع لقيامه مقام الفاعل، بالفاعل، وإنما اختير للمبنى للمفعول هذا الوزن الثقيل، دون المبنى للفاعل، لكونه أقل استعمالا منه، وإنما غير الثلاثي إلى وزن فعل، دون سائر الأوزان، لكون معناه غريبا في الأفعال، إذ الفعل من ضرورة معناه: ما يقوم به، 6 فلما حذف منه ذاك، خيف أن يلحق في أول وهلة النظر بقسم الأسماء، فجعل على وزن لا يكون في الأسماء، ولو كسر الأول وضم الثاني، لحصل هذا الغرض، الا أن الخروج من الكسرة إلى الضمة أثقل من العكس، لأن الأول طلب ثقل بعد خفة بخلاف الثاني، ثم حمل غير الثلاثي عليه في ضم الأول وكسر ما قبل الآخر،


(1) في الجزء الأول من هذا الشرح، (2) كتاب أبي علي الفارسي، الذي تكررت الأشارة إليه، (3) أي الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة، (4) من الآية 38 في سورة مريم، (5) أي في تعريف الفعل المبني للمجهول، (6) وهو الفاعل (*)،

[ 130 ]

قوله: (ويضم الثالث مع الهمزة والثاني مع التاء خوف اللبس)، يعني كل ما فيه همزة وصل، لو اقتصر فيه على ضمها وكسر ما قبل الآخر، لا لتبس الماضي المبني للمفعول بالأمر من ذلك الباب، إذا وقفت عليه، واتصل بما قبله 1، نحو: الا استخرج، ولو لم يضم ما بعد التاء، أيضا فيما أوله تاء زائدة، وهو نحو: تكلم، وتجاهل وتدحرج، لالتبس في حال الوقف بصيغة مضارع ما هو مطاوع له، نحو: تكلم وتجاهل وتدحرج، قوله: (ومعتل العين) يعني ما اعتل عينه من الماضي الثلاثي نحو: قال وباع، فيما بني للمفعول منه ثلاث لغات، قيل وبيع باشباع كسرة الفاء، وهي أفحصها، وأصلهما: قول، وبيع، استثقلت الكسرة على حرف العلة، فحذفت، عند المصنف، ولم تنقل إلى ما قبلها، قال: لأن النقل إنما يكون إلى الساكن دون المتحرك، فبقي: قول، وبيع بياء ساكنة بعد الضمة، فبعضهم يقلب الياء واوا لضمة ما قبلها فيقول: قول وبوع، وهي أقل اللغات، والأولى قلب الضمة كسرة في الياءي، فيبقي: بيع لأن تغيير الحركة أقل من تغيير الحرف، وأيضا لأنه أخف من: بوع، ثم حمل قول عليه، لأنه معتل العين مثله، فكسرت فاؤه، فانقلبت الواو الساكنة ياء، وعند الجزولي 2: استثقلت الكسرة على الواو، والياء، فنقلت إلى ما قبلهما، لأن الكسرة أخف من حركة ما قبلهما، وقصدهم التخفيف ما أمكن، فيجوز، على هذا، نقل الحركة إلى متحرك بعد حذف حركته، إذا كانت حركة المنقول منه أخف من حركة المنقول إليه، فبقي: قول وبيع، فقلبت الواو الساكنة ياء كما في: ميزان، قال: 3 وبعضهم يسكن العين، ولا ينقل الكسرة إلى ما قبلها، فتبقي الواو على حالها، وتقلب الياء واوا لضمة ما قبلها، وهذه أقلها، لثقل الضمة والواو، والأول أولى، لخفة الكسرة والياء،


(1) لأن همزة الوصل، إذن، لا تظهر، (2) تقدم ذكره في هذا الجزء وفي الأجزاء السابقة، (3) أي الجزولي (*)،

[ 131 ]

وقول الجزولي أقرب، لأن إعلال الكلمة بالنظر إلى نفسها أولى من حملها في العلة 1 على غيرها، والمصنف إنما اختار حذف الكسرة لاستبعاد نقل الحركة إلى متحرك، ولا بعد فيه، على ما بينا، وأما الاشمام فهو فصيح، وإن كان قليلا، وحقيقة هذا الاشمام: أن تنحو بكسرة فاء الفعل نحو الضمة، فتميل الياء الساكنة بعدها نحو الواو قليلا، إذ هي تابعة لحركة ما قبلها، هذا هو مراد القراء والنحاة بالاشمام في هذا الموضع، وقال بعضهم: الاشمام ههنا كالاشمام حالة الوقف أعني ضم الشفتين فقط، مع كسر الفاء كسرا خالصا،. وهذا خلاف المشهور عند الفريقين 2، وقال بعضهم: هوأن تأتي بضمة خالصة بعدها ياء ساكنة 3، وهذا أيضا، غير مشهور عندهم، لأن الاشمام عندهم ههنا حركة بين حركتي الضم والكسر، بعدها حرف بين الواو والياء، قال المصنف: والغرض من الاشمام: الأيذان بأن الأصل الضم في أوائل هذه الحروف، وإنما نبهوا على الضم الأصلي ههنا، بخلاف نحو: بيض، في جمع أبيض، لأنهم قصدوا بهذا الاشمام: التنبيه على هذا الوزن المستبعد في الأسماء لتحيل الغرض المذكور قبل 4، فإذا سقطت العين في المبني للمفعول باتصال الضمير المرفوع، فإن قامت قرينة، جاز لك إخلاص الضم في الواوي، وإخلاص الكسر في اليائي، نحو: عدت يا مريض، وبعت يا عبد، وإن لم تقم، نحو: بعت، وعدت، فالأولى أنه لا بد لك في الواوي من اخلاص الكسر أو الاشمام، وفي اليائي من إخلاص الضم أو الأشمام، لئلا يلتبس بالمبني للفاعل،


(1) أي في الاعلال، (2) أي القراء، والنجاة، (3) بصرف النظر عن كون عين الفعل ياء أو واوا، (4) وهو الفرق بين المبني للفاعل والمبني للمفعول ولا سيما إذا أسند الفعل إلى الضمير المرفوع كما سيبين الشارح، (5) يعني حين ينطق بذلك من وقع عليه البيع أو العيادة (*)،

[ 132 ]

وظاهر كلام السيرافي، أنه لا يجب فيه الفرق، بل يغتفر الالتباس لقلة وقوع مثله، قوله: (ومثله باب اختير وانقيد) يعني أن بابي افتعل وانفعل معتلي العين، كباب الثلاثي المعتل العين، في مجئ الوجوه الثلاثة فيهما، لمشاركتهما له في علتهما، وهي استثقال الكسرة على حرف العلة مع انضمام ما قبله، إلا أن ما قبل حرف العلة في افتعل: تاء، وهذا الفرق لا يؤثر في العلة، وأما في انفعل، فما قبل حرف العلة فاء، كما كان في الثلاثي المجرد، قوله: (دون استخير وأقيم)، يعني أن بابي استفعل وأفعل، معتلي العين، لا يجئ فيهما إلا إخلاص الكسر، دون الضم والاشمام، لأن سببهما في الثلاثي المجرد، والبابين المذكورين 1: ضم ما قبل حرف العلة، كما ذكرنا، وما قبله في بابي استفعل وأفعل ساكن، فلا بد من نقل حركة العين إليه، كما في غير هذا الموضع 2، نحو يقول، ويبيع، ويخاف، على ما يجئ في التصريف، إن شاء الله تعالى، واعلم أن شرط نقل حركة العين إلى ما قبلها في المواضع المذكورة 3، ألا يكون اللام حرف علة، فلا تنقل في: طوي، ولا: أقوي، ولا: استقوي، ولا: انطوي 4 على هذا، ولا: اجتوي، وإنما لم يفعل ذلك، إذ لو أعلت العين في الماضي من هذه الأبواب، لوجب الاعلال بقلب العين ألفا في المضارع، لأنه يتبع الماضي في الاعلال كما في: قيل يقال، وقال يقول، فكنت تقول: يطاي، ويقاي ويستقاي، وينطاي ويجتاي، ولا يحتمل في الفعل، لثقله، ياء مضمومة، وإن كان قبلها سكون، كما يحتمل في الاسم، نحو:


(1) وهما باب افتعل، وباب انفعل، (2) يعني كما هو مقرر في المواضع التي يجري فيها الاعلال بالنقل غير هذا. (3) في الأبواب السابقة التي تكون معتلة العين، (4) (على هذا) هو نائب الفاعل لأنه فعل لازم، (5) ياء نائب فاعل لقوله ولا يحتمل (*).

[ 133 ]

راي وزاي، لخفته، وكسر فاء فعل للأدغام نحو: رد: لغة، والضم أكثر، لأن نقل الكسرة في المعتل العين: اليائي والواوي، إنما كان لأنك إن حذفتها، اجتمع الثقيلان: الضمة والواو، كبوع وقول، وبنقلها يحصل الكسرة والياء وهما أخف، ولا يجتمع من حذف الكسرة في: رد: الثقيلان، لكن مع ذلك، جاز النقل على قلة، لكون الكسرة أخف من الضمة، وربما أشم فاء نحو: رد، ضمة، أيضا، وربما كسر فاء الفعل المبني للمفعول في الصحيح 2، للتخفيف، تقول في: عهد: عهد، كما تقول في المبني للفاعل في شهد: شهد وفي الاسم نحو فحذ: فخذ، وجميع ذلك في الحلقي العين، لما يجئ في التصرف، وقد حكى قطرب 3، ضرب زيد في: ضرب زيد، على نقل كسرة الراء إلى الضاد، وهو شاذ، قوله: (وإن كان مضارعا ضم أوله وفتح ما قبل آخره)، إنما ضم أول المضارع حملا على أول الماضي، وأما فتح ما قبل آخره دون الضم والكسر، فلتعتدل الضمة بالفتحة في المضارع الذي هو أثقل من الماضي، قوله: (ومعتل العين يقلب فيه ألفا)، أي عين المضارع في المعتل العين ينقلب في المبني للمفعول ألفا، نحو: يقال ويباع، وذلك للحمل على الماضي، في إسكان العين، كما يجئ في التصريف إن شاء الله تعالى، لأنه ماض زيد عليه حرف المضارعة، فهو يتبعه في مطلق الأعلال، لا في الأعلال المعين، ألا ترى أن (قال) أعل بقلب عينه، ويقول، بنقل حركة عينه، وكذا: أعل (قيل) بقلب عينه ياء، ويقال: بقلبها ألفا،


(1) الراي: اسم جنس جمعي لراية: والزاي اسم الحرف المعروف. (2) الذي يتفق مع الاصطلاح: أن يقول في السالم، لأن الصحيح قد يكون مضعفا كما تقدم في رد، (3) هو محمد بن المستنير تلميذ سيبويه وهو الذي لقبه بقطرب، وقد تقدم ذكره في الأجزاء السابقة من هذا الشرح (*)،

[ 134 ]

فهو يتبع الماضي في مجرد الأعلال، ويعل في كل واحد منهما بما يليق به، فكل ما له أصل معل، إذا انفتح عينه وسكن ما قبله، ينقل الفتح إلى الساكن ويقلب العين ألفا، نحو: يهاب وأقام واستقام، وليس النقل لأجل الثقل، لأن الفتح لا يستثقل، بل لأجل قصد قلب ذلك المفتوح ألفا للتخفيف، فلو لم تنقل الفتحة إلى ما قبلها لا لتقى ساكنان، وقد يجئ الكلام عليه في التصريف، (الأفعال الملازمة) 1 (للبناء للمفعول) وقد جاء في كلامهم بعض الأفعال، على ما لم يسم فاعله، ولم يستعمل منه المبني للفاعل،. والأغلب في ذلك: الأدواء، ولم يستعمل فاعلها لأنه من المعلوم في غالب العادة أنه هو الله تعالى، فحذف للعلم به، كما في قوله تعالى 2: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر) 3، وتلك الأفعال نحو: جن، وسل، وزكم، وورد، وحم، وفئد، قال سيبويه: لو أردت نسبتها إليه تعالى، لكان على أفعل، نحو: أجنة الله، وأسله، وأزكمة، وأورده،


(1) استطراد من الشارح لاستكمال ما يتصل بالفعل المبني للمجهول، (2) لأنه في الآية محذوف للعلم به وأنه هو الله تعالى، وإن كانت الأفعال التي في الآية تبني للفاعل ويذكر الفاعل معها، (3) الآية 44 سورة هود (*)،

[ 135 ]

ولعل ذلك لأنه لما لم يأت من فعل المذكور، كجن وسل: فعلته 1، صار كألم ووجع وعمي، ونحو ذلك من الآلام التي بابها فعل المكسور العين، فصار يعدى إلى المنصوب كما يعدى باب فعل، وذلك بالنقل إلى أفعل المتعدى، (المتعدي وغير المتعدي) (وأنواع المتعدي) (قال ابن الحاجب:) (المتعدي وغير المتعدي، فالمتعدي ما يتوقف فهمه على متعلق) (كضرب، وغير المتعدي بخلافه، كقعد، والمتعدي يكون) (إلى واحد كضرب، وإلى اثنين كأعطى، وعلم، وإلى) (ثلاثة كأعلم وأرى وأخبر، وخبر، وأنبأ ونبا، وحدث،) (فهذه مفعولها الأول كمفعول أعطيت، والثاني والثالث،) (كمفعولي علمت)، (قال الرضي:) قوله: (متعلق بفتح اللام، وقد ذكرنا شرح ذلك في المفعول به 2، وعلى ما حد، ينبغي أن يكون نحو: قرب وبعد، وخرج، ودخل: متعديا، إذ لاتفهم معانيها إلا بمتعلق، بلى، يقال لمثل هذه الأفعال: إنها متعدية بالحرف الفلاني،


(1) أي لم يجئ منها فعل ثلاثي متعد، (2) في الجزء الأول من هذا الشرح (*)،

[ 136 ]

لكن لا يقع عليها اسم المتعدي إذا أطلق، بل يقال: هي لازمة، وهذا كما ذكرنا في الأمر وأمر الغائب 1، ولا خلاف عندهم أن باب فعل، كله لازم، مع أن قرب وبعد، منه 2، وهو يتعدى إلى المفعول بحرف الجر، ولا يبعد أن يرسم المتعدي بأنه: الذي يصح أن يشتق منه 3 اسم مفعول غير مقيد على ما ذكرنا في حد المفعول به، ويرسم اللازم بأنه الذي لا يصح أن يشتق منه ذلك، واعلم أنه قيل في بعض الأفعال إنه متعد بنفسه مرة، ومرة: انه لازم، متعد بحرف الجر، وذلك إذا تساوى الاستعمالان، وكان كل واحد منهما غالبا 4، نحو: نصحتك ونصحت لك، وشكرتك وشكرت لك، والذي أرى: الحكم بتعدي مثل هذا الفعل مطلقا، إذ معناه مع اللام، هو معناه من دون اللام، والتعدي واللزوم بحسب المعنى، وهو بلا لام: متعد إجماعا، فكذا مع اللام، فهي، إذن، زائدة، كما في: (ردف لكم) 5، إلا أنها مطردة الزيادة في نحو: نصحت وشكرت، دون (ردف)، فإن كان تعديه بنفسه قليلا، نحو: أقسمت الله، أو مختصا بنوع من المفاعيل، كاختصاص (دخلت) بالتعدي إلى الأمكنة، وأما إلى غيرها فبقي، نحو: دخلت في الأمر، فهو لازم حذف منه حرف الجر 6،


(1) من حيث أنه إذا أطلق لفظ الأمر، انصرف إلى نوع معين، وإذا أريد أمر الغائب فلا بد من تقييده، (2) أي من باب فعل بضم العين، (3) يشتق منه أو من مصدره، ويصح أن يكون المعنى يشتق من مادته، (4) أي كثيرا في ذاته، وليس المراد أنه غالب للآخر ومتفوق عليه، لأن المفروض تساوي الاستعمالين، (5) من الآية 72 في سورة النمل وتكررت كثيرا،. (6) يعني في النوعين المذكورين (*)،

[ 137 ]

وإن كان تعديه بحرف الجر قليلا، فهو متعد، والحرف زائد، كما في: يقرآن بالسور 1، و: (ولا تلقوا بأيديكم) 2، و: (ردف لكم)، وإذا تعدى بحرف الجر، فالجار والمجرور في محل النصب على المفعول به، ولهذا قد يعطف على الموضع بالنصب، قال تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم) 3 بالنصب، وقال لبيد: فإن لم تجد من دون عدنان والدا * ودون معد فلتزعك العواذل 4 - 119 والتحقيق أن المجرور وحده منصوب المحل، لامع الجار، لأن الجار هو الموصل للفعل إليه، كالهمزة والتضعيف في: أذهبت زيدا، وكرمت عمرا، لكن لما كان الهمزة والتضعيف من تمام صيغة الفعل، والجار منفصلا عنه، وكالجزء من المفعول، توسعوا في اللفظ، وقالوا: هما في محل النصب، ولا يجوز حذف الجار في اختيار الكلام إلا مع (أن) و (أن) وذلك فيهما، أيضا، بشرط تعين الجار، فيحكم على موضعهما بالنصب عند سيبويه، وبالجر عند الخليل والكسائي، والأول أولى، لضعف حرف الجر عن أن يعمل مضمرا، ولهذا حكم بشذوذ: الله لأفعلن، ونحو قول رؤبة: خير، لمن قال له كيف أصبحت 5، وقوله: 691 - إذا قيل أي الناس شر قبيلة * أشارت كليب بالأكف الأصابع 6 وإنما جاز حذف الجار مع أن وأن، كثيرا قياسا، لاستطالتهما بصلتهما،


(1) إشارة إلى قول الشاعر: لا يقرأن بالسور في الشاهد الذي تكرر ذكره فيما تقدم، (2) من الآية 195 سورة البقرة، (3) من الآية 6 سورة المائدة، (4) تقدم ذكره في الجزء الأول وهو من قصيدة لبيد بن ربيعة التي تكرر منها عدد من الشواهد في هذا الشرح، (5) تقديره: أصبحت على خير، وقد روى في الرد أنه قال: كخير، بالكاف، (6) البيت من قصيدة للفر زدق في هجاء جرير وقومه، ومطلعها الشاهد الآتي بعد قليل، وهو قوله: منا الذي اختير الرجال سماحة (*).

[ 138 ]

والأخفش الأصغر 1، يجيز حذف الجار مع غيرهما، أيضا، قياسا، إذا تعين الجار، كما في: خرجت الدار، ولم يثبت، بلى، قد جاء في غيرهما، إما شذوذا 2 كقوله: 692 - تمرون الديار ولم تعوجوا * كلامكم علي إذن، حرام 3 وقوله تعالى: (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) 4، و: (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) 5، و:... أن تسترضعوا أولادكم) 6، والأولى في مثله أن يقال: ضمن اللازم معنى المتعدي، أي: تجوزون، الديار، و: لألزمن صراطك، و: ولا تنووا عقدة النكاح، و: ترضعوا أولادكم، حتى لا يحمل على الشذوذ، كما يضمن الفعل معنى غيره فيتعدى تعدية ما ضمن معناه، قال تعالى: (يخالفون عن أمره) 7، أي يعدلون عن أمره، ويتجاوزون عنه،


(1) هو أبو الحسن علي بن سليمان، وهو أحد من عرفوا بلقب الأخفش ولكنه لابد من تمييزه بالأصفر، كما أن أبا الخطاب شيخ سيبويه لايعرف الا بالأخفش الأكبر، أما سعيد بن مسعدة تلميذ سيبويه الذي تكرر ذكره فيكتفي فيه بلقب الأخفش بدون قيد، وقد يقال: الأخفش الأوسط، زيادة في الايضاح ! (2) جعل هذا من الشذوذ ينطبق على البيت الشاهد، ولكنه عطف عليه عددا من الآيات القرآنية وذلك غير مسلم، غير أنه سيقول بعد ذلك أن الأولى في مثل ذلك أن يكون من باب التضمين حتى لا يحمل على الشذوذ ؟ (3) من قصيدة لجرير في هجاء الأخطل وقبله: أقول لصحبتي وقد ارتحلنا * ودمع العين منهمل سجام ويروى مررتم بالديار، وبذلك لا يكون فيه شاهد، ومن أبيات هذه القصيدة الشاهد المتقدم في باب الفاعل، وهو قوله: لقد ولد الأخيطل أم سوء * على باب استها صلب وشام (4) الآية 11 سورة الأعراف (5) الآية 235 سورة البقرة (6) الآية 233 سورة البقرة (7) الآية 63 سورة النور (*)

[ 139 ]

وإما 1 لكثرة الاستعمال، كما ذكرنا فيما بعد (دخلت) من الظروف المختصة، وكقوله تعالى: (يبغونكم الفتنة) 2، أي: يبغون لكم، وكسبتك الخير، أي كسبت لك، ووزنتك المال، أي وزنت لك، وكلتك الطعام، أي كلت لك، و: (لا يألونكم خبالا) 3 أي لا يألون لكم، وزدتك دينارا، أي زدت لك، ونقصتك درهما أي نقصت لك، ويجوز أن يضمن (زدت) معنى (أعطيت)، و (نقصت) معنى: (حرمت)، وكذا يحذف 4 من المفعول الثاني، نحو: أمرتك الخير 5، واستغفرت الله ذنبا، 6 و: 693 - منا الذي اختير الرجال سماحة * وجودا إذا هب الرياح الزعازع 7 كل ذلك مع تعين الجار، ولا يغير شئ من حروف الجر معنى الفعل، إلا الباء، وذلك، أيضا، في مواضع، نحو: ذهبت بزيد، بخلاف نحو: مررت به، والذي تغير الباء معناه 8، يجب فيه،


(1) مقابل قوله: إما شذوذوا.. الخ. (2) من الآية 47 سورة التوبة، (3) من الآية 118 سورة آل عمران، (4) أي حرف الجر، (5) إشارة إلى قول الشاعر: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * فقد تركتك ذا مال وذا نشب وهو الشاهد رقم 52 المتقدم في الجزء الأول، وهو في سيبويه ج 1 ص 17، (6) وهذا أيضا إشارة إلى بيت أورده سيبويه ج 1 ص 17 مجهول القائل: وهو: أستغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد إليه الوجه والعمل (7) هذا البيت مطلع القصيدة التي منها الشاهد السابق والتي أشرنا إليها وهي من شعر الفرزدق، ويرويه بعضهم بالواو في أوله وسيبويه ذكره هكذا بدون واو، لأنه أول القصيدة، انظر سيبويه ج 1 ص 18، (8) أي الفعل الذي يتغير معناه بدخول حرف الجر (*)،

[ 140 ]

عند المبرد: مصاحبة الفاعل للمفعول به، لأن الباء المعدية، عنده، بمعنى (مع)، وقال سيبويه: الباء في مثله، كالهمزة والتضعيف، فمعنى ذهبت به: أذهبته، يجوز فيه المصاحبة وضدها، فقوله تعالى (لذهب بسمعهم) 1 الباء فيه، عند المبرد للتأكيد، كأن الله، سبحانه، ذهب معه، وأما الهمزة والتضعيف المعديين، فلا بد فيهما من معنى التغيير، وليس بمعروف حذف الباء المغيرة لمعنى الفعل إلا في قوله تعالى: (آتوني زبر الحديد) 2، أي بزبر، على قراءة: 3 (ائتوني) بهمزة الوصل، وإذا دخل الهمزة أو التضعيف على الفعل، فإن كان لازما صار متعديا إلى مفعول واحد، وإن كان متعديا إلى واحد تعدى إلى اثنين، نحو: أحفرته النهر، ولا ينقل من الثلاثي المتعدي إلى اثنين، إلى ثلاثة 4، الا علم ورأي، نحو: أعلم وأرى، والمفعول الذي يزيد بسبب الهمزة أو التضعيف، هو الذي كان فاعلا للفعل قبل دخولهما، وذلك لأن معناهما تصيير الفاعل مباشرا للفعل، فلذا كان مرتبة ما زاد بهما من المفاعيل مقدما على ما كان لأصل الفعل، فلذا تقول: أحفرت نهره زيدا 5، وتضعيف العين، يعدي إلى واحد، كفرحته، وإلى اثنين، كعلمته النحو، ولا يعدي إلى ثلاثة كالهمزة، وقل تعديته 6 للحلقي العين إلا في الهمزة نحو: نايته 7،


(1) من الآية 20 سورة البقرة، (2) من الآية 96 سورة الكهف، (3) قراءة شاذة قرأبها المفضل وأبو بكر، (4) متعلق بقوله: ولا ينقل، (5) لأن الضمير فيه عائد من المفعول الثاني إلى الأول، (6) أي التضعيف، (7) بمعنى: جعلته ينأى، أي يبعد (*)،

[ 141 ]

ويجوز أن يجتمع على فعل واحد، عدة من حروف الجر، إذا كانت مختلفة، نحو: خرجت من الكوفة إلى البصرة لا كرامك 1، وأما إذا اتفقت، فقد ذكرنا حكمها في آخر أفعل التفضيل 2، قوله: (وإلى اثنين كأعطى، وعلم)، يعني أن المتعدي إلى اثنين، على ضربين: إما أن لا يكون مفعولاه في الأصل مبتدأ وخبرا: كأعطيت زيدا درهما، ولا حصر لهذا النوع من الأفعال 3، وإما أن يكونا في الأصل مبتدأ وخبرا، كعلمت زيدا قائما، وعند الكوفيين: ثاني مفعولي باب علمت: حال، وكذا قالوا في خبر كان، وليس بشئ، إذ الحال يجوز حذفه، وأيضا، لا يكون الحال علما، ولا ضميرا، ولا اسم إشارة ولا غير ذلك من سائر المعارف، ويجوز ذلك في هذين المنصوبين، قوله: (وإلى ثلاثة كأعلم وأرى)، تدخل الهمزة على فعلين من جملة الأفعال المتعدية إلى اثنين، فيزيد، بسبب الهمزة، مفعول آخر، موضعه الطبيعي قبل المفعولين، لأن معنى همزة التعدية: حمل الشئ على أصل الفعل، فمعنى أعلمتك زيدا منطلقا: حملتك على أن تعلم زيدا منطلقا، فلا بد أن تذكر أولا المحمول، ثم تذكر متعلق أصل الفعل وهو المحمول عليه، لأن المحمول عليه معنى قائم بذلك المحمول، والعادة جارية بأن تذكر الذات أولا، ثم اللفظ الدال على المعنى القائم بها، كما في المبتدأ والخبر، والحال


(1) جاء بهامش المطبوعة التركية في هذا الموضع إشارة إلى زيادة في بعض النسخ تضمنت الاستشهاد على هذا المعنى، وهو اجتماع أكثر من حرف جر متعلقة بفعل واحد، بقول المتنبي: خرجت إلى أقطاعه في ثيابه * على طرفه من بيته بحسامه وتكرر من الرضي إيراد شعر المتنبي اما استشهادا أو تمثيلا، (2) في آخر الجزء الثالث من هذا الشرح، (3) يطلق النجاة على هذا النوع أنه من باب أعطى (*)،

[ 142 ]

وذي الحال، والموصوف والوصف، وكذلك في نحو: أحفرت زيدا النهر، أي حملته على حفر النهر 1، ولم يتفق أن ينقل إلى ثلاثة من المتعدية إلى اثنين بالتضعيف، فلم يقل: علمتك زيدا قائما، بل لم يستعمل لثاني مفعولي علمت، إلا ما هو مضمون الأول والثاني، أو مضمون الثالث لعلمت، تقول في، علمت زيدا منطلقا: علمت عمرا انطلاق زيد، أو: علمت عمرا الانطلاق، قال تعالى: وإذ علمتك الكتاب) 2، وعند الأخفش، ينقل بالهمزة إلى ثلاثة: باقي أفعال القلوب، أيضا، قياسا لا سماعا، فيقول: أحسبتك زيدا قائما، وكذا أظنتك وأخلتك وأزعمتك، وأوجدتك، ولو جاز القياس في هذا، لجاز، أيضا، في غير أفعال القلوب، نحو: أكسوتك زيدا جبة، وأجعلتك زيدا قائما، ولجاز بالتضعيف أيضا، في أفعال القلوب وغيرها، ولم يجز، اتفاقا، ولجاز نقل جميع الأفعال الثلاثية، متعديها ولازمها بالتضعيف والهمزة، نحو: أنصرت زيدا عمرا، وذهبت خالدا، فثبت أن هذا موكول إلى السماع، أعني النقل من الثلاثي إلى بعض أبواب المتشعبة 3، وأما أخبر، وخبر، وأنبا، ونبا، وحدث، ولم يستعمل أحدث بمعناه، فليست مما صار بالهمزة أو التضعيف متعديا إلى ثلاثة، بعد التعدي إلى اثنين، بل، لم يستعمل من ثلاثياتها فعل مناسب لهذا المعنى، إلا: خبر بكسر الباء، أي: علم، وأما حدث، ونبا، ثلاثين، فلم يستعملا مشتقين من النبأ، والحديث، لكن هذه الأفعال الخمسة 4، ألحقت في بعض استعمالاتها، بأعلم المتعدي إلى ثلاثة، لأن الانباء 5،


(1) هو ما عبر عنه منذ قليل بأنه: جعل الفاعل مباشرا للفعل، (2) الآية 110 سورة المائدة، (3) أي بعض أبواب المزيد المتشعبة منه، أي من الثلاثي، (4) هما أخبر وما عطف عليه، (5) الأنباء على وزن إفعال، مصدر أنبأ، والتنبئة مصدر نبأ بتشديد الباء وهو القياس الكثير في المهموز من (*)

[ 143 ]

والتنبئة، والاخبار والتخبير والتحديث، بمعنى الأعلام، ولم يلحق سيبويه من هذه الخمسة إلا (نبأ) وألحق البواقي غيره، وألحق بعضهم: أرى الحسية بأعلم، سماعا، نحو: أراني الله في النوم عمرا سالما، وتستعمل الخمسة متعدية إلى واحد بأنفسها، وإلى مضمون الثاني والثالث أو مضمون الثالث وحده بالباء، نحو: حدثتك بخروج زيد، وبالخروج، وهذا كما ينصب (علمت) المفعولين، وينصب مضمونهما الذي هو المفعول حقيقة، أو مضمون الثاني، نحو: علمت زيدا قائما، وعلمت قيام زيد، وعلمت القيام، لكن (علمت) يتعدى إلى المضمون المذكور بنفسه، كما رأيت، وأنبأت وحدثت، لا يتعديان إليه إلا بحرف الجر، فلا تقول: أخبرتك خروج عمرو، بل: بخروج عمرو، وأما: أنبأته نبأ، وخبرته خبرا، وحدثته حديثا، فهذه المنصوبات: أسماء صريحة مقامة مقام المصدر، أي: إنباء، واخبارا، وتحديثا، ولو كانت مفعولاتها، لجاز استعمال المفعول به مخصصا مقامها 1، نحو: تحدثته خروج زيد، ونبأته دخول خالد، ولا يجوز 2 في السعة اتفاقا، فإذا تقرر هذا، علمت أن قولك، حدثتك أو أنبأتك أو أخبرتك زيدا قائما: ليس بمعنى: حدثتك التحديث المخصوص، ونبأتك هذه التنبئة المعينة وخبرتك التخبير الخاص، فانتصاب (زيدا قائما)، لكونهما متضمنين للمفعول به كما ذكرنا، لأ لكونه مصدرا مبينا نوعه، كما في: ضربت ضرب الأمير، لأن: زيدا قائما، بيان المخبر به وتعيينه، وليس بيان كيفية نفس الأخبار الذي هو الحدث الواقع منك، أي اللفظ والتكلم المخصوص وأنه كان سريعا أو بطيئا أو غير ذلك من صفات اللفظ، فقولك: أخبرتك زيدا قائما، أي أخبرتك بهذا المخبر به، والمخبر به مفعول بلا شك، واسم المفعول به،


= فعل مثل جزأ تجزئة، ويجوز فيه التفعيل مثل الفعل السالم نحو: قدس تقديسا، (1) بمعنى استعماله، أو بمعنى قيامه مقامها، (2) لا يجوز أي قيام ما ذكر مقامها (*)،

[ 144 ]

لا يقع على المصدر، فلا يقال في ضربت ضربا، إن الضرب مضروب كما مضى في باب المفعول به 1، فظهر بهذا أن ما قال المصنف، وهو أن (زيدا قائما) في: أخبرتك زيدا قائما، خبر خاص، وأن (خبرا) في قولك: أخبرتك خبرا: خبر مطلق، وكلاهما منصوبان، على أنه 2 مفعول مطلق: ليس بشئ 3، بل الأول خبر خاص بلا ريب، لكن لفظ الخبر ههنا مفعول به أي مخبر به والثاني خبر مطلق، ولفظ الخبر ههنا بمعنى الأخبار، لا المخبر به، فجعل أحدهما كالآخر 4، إما غلط أو مغالطة، والدليل على كونه مفعولا به، كمفعولي (علمت)، أنك تقول: أخبرتك أن زيدا قائم، كما تقول: علمت أو أعلمتك أن زيدا قائم، فتصدر الجملة بأن، وأيضا تقول: أخبرتك أن زيدا قائما فأنا مخبر 5 أن زيدا قائم، فتضيف اسم الفاعل إلى ما كان في (أخبرتك) بعد الكاف، واسم الفاعل لا يضاف إلى المفعول المطلق، فلا يقال: أنت ضارب ضرب الأمير، وكذا ما اعترض به المصنف على نفسه من قوله: قلت زيد منطلق، ليس بشئ، إذ ليس (زيد منطلق) بمعنى المصدر الخاص، كما ذكره، بل هو بمعني المفعول به، أي المقول الخاص، بخلاف: قلت قولا سريعا، على أنه مفعول مطلق، ومنشأ الغلط أن الخبر يستعمل بمعنيين: بمعنى الأخبار، وبمعنى المخبر به، كما أن القول يستعمل بمعنى المصدر وبمعنى المقول، فاعرفه،


(1) في الجزء الأول من هذا الشرح، (2) أي على أن كلامنهما، كأنه قال وكلاهما منصوب على أنه.. الخ، (3) خبر عن قوله أن ما قال المصنف، (4) في أن كلا منهما مفعول مطلق، (5) بعدم التنوين لأنه مضاف إلى ما بعده كما سيوضحه الشارح (*)،

[ 145 ]

قوله: (فهذه، مفعولها الأول كمفعول أعطيت)، اعلم أن مفعولها الأول كأول مفعولي أعطيت، والثاني والثالث معا، كثاني مفعولي أعطيت، لأننا بينا في باب المفعول به، أن هذه الأفعال، في الحقيقة، متعدية إلى مفعولين، أولهما غير الثاني، فمفعولها الثاني في الحقيقة: مضمون الثاني والثالث معا، فمعنى، أعلمتك زيدا قائما: أعلمتك قيام زيد، فهو كأعطيت زيدا درهما، سواء 1، فيجوز لك ألا تذكر لها مفعولا أصلا، كباب أعطيت، وأن تذكر جميعها، وأن تذكر الأول دون الثاني والثالث، وأن تذكر الثاني والثالث دون الأول، وأما ذكر واحد من الثاني والثالث وترك الآخر، فعلى ما يجئ في أفعال القلوب 2، وظاهر مذهب سيبويه: أنه لا يجوز ذكر أولها، وترك الثاني والثالث، لأنه قال 3: لا يجوز أن يقتصر على واحد من الثلاثة، فبعض النحاة أجرى كلامه على ظاهره، ولم يجوز الاقتصار على الأول، وأجازه ابن السراج مطلقا، وقال السيرافي: أراد سيبويه أنه لا يحسن الاقتصار على الأول، لا أنه لا يجوز مطلقا، ومذهب ابن السراج أولى، إذ لا مانع، وتبعه المتأخرون، فإذا قطعت النظر عن الأول، فحال المفعول الثاني مع الثالث، كحال أول مفعولي علمت مع الثاني، لأنهما هما، والأول هو الذي زاد بسبب الهمزة، كما مضى،


(1) تقديره: الأمران سواء، (2) يأتي تفصيل ذلك بعد قليل، في البحث التالي لهذا. (3) سيبويه ج 1 ص 19 (*)،

[ 147 ]

(أفعال القلوب) (ذكرها، وبيان عملها) (قال ابن الحاجب:) (أفعال القلوب: ظننت، وحسبت، وخلت، وزعمت) (ورأيت، ووجدت، تدخل على الجملة الاسمية لبيان ما هي) (عنه، فتنصب الجزأين)، (قال الرضي:) اعلم أن الجمل التي تدخل عليها الأفعال، لا يخلو من أن يكون المقصود منها حكاية لفظها، أو، لا، فالأولى هي الواقعة بعد القول، نحو: قلت ضرب زيد، أو: زيد ضارب، ولا يعمل فيها القول 1، إذ القصد حكاية اللفظ، فيجب مراعاة المحكي، والثانية، أي التي المقصود منها معناها 2، دون لفظها، لابد أن يعمل الفعل الداخل عليها في جزأيها، لتعلق معناه بمضمونهما، فلا يدخل، إذن، إلا على الاسمية لأن ذلك الفعل إن خلا من المسند إليه تعذر عمله في الفعلية، لأن الضروري من عمل الفعل: رفع المسند ا ء ليه، فلا يرتفع به الفعل الذي في الجملة الفعلية، ولا يرتفع به ما أسند إليه ذلك


(1) أي لا يؤثر فيها لفظا، وإن كانت منصوبة المحل، (2) جملة: المقصود منها معناها، صلة التي (*)،

[ 148 ]

الفعل، أيضا، إذ لا يرتفع اسم بفعلين، إذ لا أثر واحد، عن مؤرين مستقلين، وإن كان مع المسند إليه لم يعمل ا ء لا النصب، فيجب أن ينصب كلا جزأي الفعلية، لتعلق معناه بمضمونهما، ولا ينتصب الفعل إلا بالحرف، والمسند إليه يستحيل انتصابه، فلا يتبين فيهما أثر الفعل الداخل، بلى، إذا كان فعل معلق عن النصب، جاز دخوله على الفعلية، لأنه لا يعمل، إذن، في الظاهر، كقولك: علمت بمن تمر، وعلمت أي يوم سرت، وأيهم رأيت، بنصب (أي)، على أنه معمول الفعل المؤخر، ثم نقول: الذي يطلبه الفعل من الاسمية المدخول عليها، إما فاعل، أو مفعول، فإن اقتضى فاعلا، وذلك في باب كان، رفعنا المبتدأ، تشبيها له بالفاعل، ونصبنا الخبر تشبيها له بالمفعول، ولم يجز رفعهما لأن الفعل لا يرفع فاعلين، فلا يرفع شبيهين بالفاعل، ولا نصبهما، إذ يبقى الفعل بلا مرفوع، ولا يجوز 1، ولا نصب الأول ورفع الثاني، لأن طلب الفعل للمرفوع قبل طلبه للمنصوب، والفاعل، في الحقيقة، في مثل هذا: مصدر الخبر مضافا إلى المبتدأ، ففي، كان زيد قائما: فاعل (كان): قيام زيد، لأنه هو الحادث الكائن في الحقيقة، وكذا في: صار زيد قائما، الصائر هو قيام زيد، وكذا في جميع أخوات (كان)، لأن كلها بمعنى (كان)، مع قيد آخر، فمعنى (صار): كان بعد أن لم يكن، ومعنى: ما زال، وأخواتها: كان دائما، ومعنى أصبح وأخواتها: كان في الصبح، والمساء، والضحى، ونحو ذلك، ومعنى (ليس): ما كان، وأما أفعال المقاربة، فليست من هذه، أي من الأفعال الداخلة في الأصل على الجملة، بل المرفوع بها فاعلها في الحقيقة، وأخبارها مفعولة، كما يجئ في بابها 2، وإن اقتضى مفعولا، نصبنا جزأي الجملة، لأن ثانيهما متضمن المفعول الحقيقي، وأولهما ما يضاف إليه ذلك المفعول الحقيقي، إذ معنى، علمت زيدا قائما: علمت قيام


(1) أي لا يجوز بقاء الفعلى بلا مرفوع، (2) في هذا الجزء بعد الانتهاء من الأفعال الناسخة (*)،

[ 149 ]

زيد، فاعراب الجزأين إعراب الاسم الواحد، أي ذلك المفعول الحقيقي، فلذلك يدخل على هذين الجزأين (أن) الجاعلة للجزأين في تقدير جزء واحد، ولم يدخل على الجزأين بعد (كان) وأخواتها، وإن كانا، أيضا، بتقدير المفرد كهذين الجزأين المنصوبين، المقتضى للمفعول، إما أفعال القلوب أو غيرها، فأفعال القلوب على أضرب: إما للظن فقط، وهي حجا يحجو، بمعنى ظن، وخال يخال، وحسب يحسب، وكذا، هب، غير متصرف، فإذا كانت الأفعال بالمعنى المذكور، ووليها الاسمية مجردة من (أن)، نصبت جزأيها، فإن كان (حجا) بمعنى غلب، أو قصد، أو غير ذلك، وخال بمعنى: اختال، وهب، أمرا من الهبة، أو كانت الاسمية مصدرة بأن، لم تنصب المفعولين، وكذا جميع أفعال القلوب المذكورة في المتن: تنصب المفعولين إذا وليها الاسمية غير مصدرة بأن، ويستعمل (أرى) الذي هو ما لم يسم فاعله من أرى، عاملا عمل (ظن) الذي هو بمعناه، ولم يستعمل بمعنى (علم) وإن كانت أريت بمعنى: أعلمت، وإما لليقين فقط 1، وهو (علم) بمعنى (عرف)، ولا يتوهم أن بين (علمت) و (عرفت) فرقا معنويا، كما قال بعضهم، فإن معنى، علمت أن زيدا قائم، و: عرفت أن زيدا قائم: واحد، إلا أن: (عرف) لا ينصب جزأي الجملة الاسمية كما ينصبها (علم)، لا لفرق معنوي بينهما، بل هو موكول إلى اختيار العرب، فإنهم قد يخصون أحد المتساويين في المعنى بحكم لفظي دون الآخر، وأجاز هشام 2، إلحاق (عرف)، و (أبصر)، بعلم في نصب المفعولين،


(1) مقابل قوله: إما للظن، وكذلك ما سيأتي، (2) هشام بن معاوية ويطلق عليه: هشام التصرير، وهو من زعماء النحو في الكوفة، وتقدم ذكره في الأجزاء السابقة (*)،

[ 150 ]

ويستعمل (درى) بمعنى علم، وتعلم، أمرا بمعنى (اعلم)، لكن لا ينصبان المفعولين، بل ترد الاسمية بعدهما مصدرة بأن، نحو: دريت أنك قائم، و: 694 - تعلم أن بعد الغي رشدا * وأن لتالك الغير انقشاعا 1 ولا يتصرف في (تعلم) بمعنى: اعلم، فإذا قيل لك: تعلم أن الأمركذا، فلا تقول: تعلمت، بل: علمت، وإن كان (درى) بمعنى (ختل)، وتعلم، من: تعلمت الشئ، أي تكلفت علمه، فليسا من هذا الباب، فعلم 2، ينصب الجزأين إذا لم يصدرا بأن، وإما للظن في الظاهر، مع احتماله في بعض المواضع لليقين، وهو (ظن) لا بمعنى: اتهم، قال تعالى في الظن بمعنى اليقين: (اني ظننت أني ملاق حسابيه) 3، وقد يجئ (ظن) بمعنى: اتهم، فينصب مفعولا واحدا، ومعنى الاتهام: أن تجعل شخصا موضع الظن السيئ، تقول: ظننت زيدا، أي: ظننت به أنه فعل سيئا، وكذا: اتهمته، وإما للاعتقاد الجازم في شئ أنه على صفة معينة، سواء كان مطابقا، أو، لا، وهو (رأى)، فإذا كان بالمعنى المذكور، ووليته الاسمية المجردة عن (أن) نصب جزأيها، نحو: رأيت زيدا غنيا، سواء كان في نفس الأمر غنيا، أو، لا، قال تعالى: (إنهم يرونه بعيدا) 4، وهو غير مطابق، (ونراه قريبا) 5، وهو مطابق،


(1) هذا البيت من قصيدة للقطامي، وتقدم منها بعض الشواهد، وقوله في الشطرل الثاني لتالك لغة في تلك التي هي اسم إشارة، وتقدم ذكر هذه اللغة في أسماء الأشارة في آخر الجزء الثالث، ويروى: وأن لهذه الغبر، والغبر جمع غبرة مثل غرفة وغرف. (2) تلخيص لما تقدم، وإن كان مستغنى عن ذكره، (3) الآية 20 سورة الحاقة، (4) الآية 6 سورة المعارج، (5) الآية 7 سورة المعارج أيضا (*)،

[ 151 ]

وقوله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا...) 1، متضمن معنى الانتهاء، أي: ألم ينته علمك إلى حالهم ؟ ! وقد تلحق (رأى) الحلمية، برأى العلمية، في نصب المفعولين، قال تعالى: (رأيتهم ليى ساجدين) 2، وإما لاعتقاد كون الشئ على صفة اعتقادا غير مطابق، نحو: عد وجعل، فإذا كانا بالمعنى المذكور، ووليتهما الاسمية المجردة، نصبا جزأيها، نحو: كنت أعده فقيرا فبان غنيا، وقال تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) 3، أي: اعتقدوا فيهم الأنوثة، وإما للقول بأن الشئ على صفة، قولا غير مستند إلى وثوق، نحو: زعمتك كريما، وقد يستعمل (زعم) في التحقيق، قال أمية: 695 - نودي قم واركب بأهلك إن * الله موف للناس ما زعموا 4 وإما لأصابة الشئ على صفة، وهو: وجد، وألفي، وعدا من أفعال القلوب، لأنك إذا وجدت الشئ على صفة، لزم أنتعلمه عليها بعد أن لم يكن معلوما، وقوله تعالى: (ووجدك عائلا) 5 لا يخرج عن هذا، لأنه تعالى، قد يستعمل 6 من الأفعال ما يستحيل


(1) الآية 243 سورة البقرة، (2) الآية 4 سورة يوسف، (3) الآية 19 سورة الزخرف، (4) البيت بهذه الرواية: ما زعموا، من قصيدة لأمية بن أبي الصلت، روى فيها بعض قصص الماضين من الأمم وهذا الجزء منها في قصة سيدنا نوح، وقيل بيت الشاهد في وصف الطوفان: تجري سفينة نوح في جوانبه * بكل موج من الأمواج تقتحم وقد ورد مثله في شعر للنابغة الجعدي غير أن آخره: موف للناس ما زعما والضمير فيه عائد على (الله) سبحانه وتعالى، واستدلوا به على أن (زعم) يأتي بمعنى أخبر، مطلقا، (5) الآية 8 سورة الضحى، (6) عبارة غير مناسبة وقد كررها من قبل والمراد أنه يرد في كلامه تعالى مثل هذا (*)،

[ 152 ]

مضمونه بالنسبة إليه، على سبيل التشبيه، كقوله: نبتليه، ويضل 1، ونحو ذلك،. فكأنه تعالى، قد صادفه عائلا، وعلمه بعد أن لم يعلم فأصلح حاله، ولا يستعمل: أصاب، وصادف، استعمال وجد، في نصب المفعولين خلافا لابن درستويه، فهذه هي الأفعال الداخلة على الاسمية التي مفعولها الحقيقي: مصدر الثاني مضافا إلى الأول، وكذا إذا كان الثاني جامدا، تحصل منه مصدر فمعنى علمت أخاك زيدا: علمت زيدية أخيك 3، وإن وقعت بعدها الفعلية، في الندرة، فضمير الشأن مقدر قبل الفعلية، لتصير به اسمية: نحو: حسبت يقول زيد، أي: حسبته 4 يقول زيد، وبعض هذه الأفعال يكثر نصبه لمفعول واحد، مع كونه بالمعنى المذكور 5، نحو: علمت زيدا، وعلمت خروج زيد، أي عرفته، وبعضها يقل فيه ذلك نحو: ظننت،. وحسبت، قال: ولقد نزلت فلا تظني غيره * مني بمنزلة المحب المكرم 6 - 191 أي لا تظني شيئا غير نزولك كذا 7، قال الفراء: وقد يقوم الضمير واسم الأشارة مقام مفعوليهما، تقول لمن قال: أظن


(1) يريد مثل انا خلقنا الأنسان من نطفة امشاج نبتليه، الآية 2 سورة الدهر، كما أنه يقصد مثل قوله تعالى: ويضل من يشاء الآية 8 سورة فاطر، (2) أبو محمد عبد الله بن جعفر، أخذ عن المبرد وعن ثعلب وغيرهما وتقدم له ذكر في الأجزاء السابقة، (3) أي كون زيد أخاك، (4) فالضمير للشأن هو المفعول الأول وجملة يقول الخ هي المفعول الثاني، (5) أي المعنى الذي يقتضي مفعولين، (6) تقدم ذكره في الجزء الثاني من هذا الشرح في باب الحال، (7) اي غير نزولك مني نزولك مني منزلة المحب المكرم، والبيت من معلقة عنترة (*)،

[ 153 ]

زيدا قائما: أنا أيضا أظنه، أو أظن هذا، وكذا باقي أفعال القلوب، قال الأندلسي 1: لو جاز قيام لفظ (ذاك) أو (هذا) مقام الجملة، لجاز وقوعه صلة، وليس ما قال بشئ، لأن مفعولي باب (علمت) بتقدير المفرد، على ما قدمناه،. والصلة لا تقدر بالمفرد على حال، قال الأندلسي وغيره: إن الضمير والأشارة بمعنى المصدر، أي: ظننت الظن، قلت: لا منع مما قاله الفراء، على ما ذكرنا، وتقول: ظننت به، إذا جعلته موضع ظنك، قال تعالى: (يظنون بالله غير الحق) 2، أي ظنا غير الحق، فهو مفعول مطلق، فلا منع من كونه مفعولا به، أي شيئا غير الحق، كما في قوله: فلا تظني غيره، قوله: (تدخل على الجملة الاسمية لبيان ما هي عنه) أي لتعيين الاعتقاد الذي هي عنه، أي تلك الجملة صادرة عن ذلك الاعتقاد، وقوله: هي عنه على حذف المضاف، أي: حكمها عنه، أي حكم المتكلم على المبتدأ بمضمون الخبر، صادر عنه، ففي قولك علمت زيدا قائما، حكمك بالقيام الذي هو مضمون الخبر، على المبتدأ، الذيى هو زيد، صادر عن علم، وفي ظننت زيدا قائما: عن ظن،


(1) تكرر ذكره، (2) الآية 154 سورة آل عمران (*)،

[ 154 ]

(خصائص) (أفعال القلوب) (حكم حذف المفاعيل، التعليق، الألغاء) (جواز اتحاد الفاعل والمفعول) (قال ابن الحاجب:) (ومن خصائصها: أنه إذا ذكر أحدهما ذكر الآخر، بخلاف) (باب أعطيت، ومنها: أنه يجوز فيها الألغاء، إذا توسطت) (أو تأخرت لاستقلال الجزأين كلاما، بخلاف باب) (أعطيت، مثل: زيد علمت، قائم، ومنها: أنها تعلق) (بحرف الاستفهام، والنفي، واللام، مثل: علمت أزيد) (عندك أم عمرو، ومنها: أنه يجوز أن يكون فاعلها ومفعولها) (ضميرين لشئ واحد، مثل علمتني منطلقا، ولبعضها) (معنى آخر يتعدي به إلى واحد، فظننت بمعنى اتهمت،) (وعلمت بمعنى عرفت، ورأيت بمعنى أبصرت، ووجدت) (بمعنى أصبت)، (قال الرضي:) قوله: (إذا ذكر أحدهما ذكر الآخر بخلاف باب أعطيت)، اعلم أن حذف المفعولين معا في باب أعطيت، يجوز بلا قرينة دالة على تعينهما فتحذفهما نسيا منسيا، تقول: فلان يعطى ويكسو، إذ يستفاد من مثله فائدة من دون ذكر المفعولين، بخلاف مفعولي باب علمت وظننت، فإنك لا تحذفهما معا نسيا منسيا، فلا تقول: علمت،. ولا: ظننت لعدم الفائدة، لأنه من المعلوم أن الأنسان لا يخلو في الأغلب من علم أو ظن،

[ 155 ]

فلا فائدة في ذكرهما من دون المفعولين، وأما مع القرينة، فلا بأس بحذفهما، نحو: من يسمع يخل، أي: يخل مسموعه صادقا، وقال: 696 - بأي كتاب أم بأية سنة * ترى حبهم عارا علي وتحسب 1 وهذا، أيضا من خواص هذه الأفعال، وأما حذف أحدهما دون الآخر، فلا شك في قلته، مع كونهما في الأصل مبتدأ وخبرا، وحذف المبتدأ والخبر، مع القرينة غير قليل، وسبب القلة ههنا، أن المفعولين معا كاسم واحد، إذ مضمونهما معا هو المفعول به في الحقيقة، كما تكرر ذكره، فلو حذفت أحدهما، كان كحذف بعض أجزاء الكلمة الواحدة، ومع هذا كله، فقد ورد ذلك مع القرينة، أما حذف المفعول الأول، فكما في قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين)، بالياء، إلى قوله: (هو خيرا لهم) 2، أي: بخلهم هو خيرا لهم، وأما حذف المفعول الثاني، فكما في قوله: لا تخلنا على غرائك، إنا * ظالما قد وشى بنا الأعداء 3 - 48 أي: لا تخلنا أذلة، على إغرائك الملك بنا، قوله: (ومنها أنه يجوز الألغاء)، الفرق بين التعليق والألغاء مع أنهما بمعنى إبطال العمل: أن التعليق: ابطال العمل لفظا لا معنى، والالغاء: إبطال العمل لفظا ومعنى، فالجملة مع التعليق في تأويل المصدر، مفعولا به للفعل المعلق، كما كان كذلك قبل


(1) من قصيدة طويلة للكميت بن زيد، في مدح آل البيت وهي إحدى الهاشميات وأولها: طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب ومنها بعض الشواهد في هذا الشرح، (2) الآية 80 سورة آل عمران، (3) من معلقة الحارث بن حلزة اليشكري، وتقدم في الجزء الأول (*)،

[ 156 ]

التعليق، فلا منع من عطف جملة أخرى منصوبة الجزأين على الجملة المعلق عنها الفعل، نحو: علمت لزيد قائم، وبكرا فاضلا، على ما قال ابن الخشاب 1، وأما الألغاء فالجملة معه ليست بتأويل المفرد، فمعنى زيد علمت قائم: زيد في ظني 2 قائم، فالجملة الملغى عنها، لا محل لها، لأنه لا يقع المفرد موقعها، والجملة المعلق عنها منصوبة المحل، والفرق الآخر: أن الألغاء أمر اختياري لا ضروري، والتعليق ضروري 3، وقيل: الجملة الملغي عنها في نحو: زيد قائم ظننت، مبنية على اليقين، والشك عارض، بخلاف المعلق عنها، وليس بشئ، لأن الفعل الملغى لبيان مإ، صدر عنه مضمون الجملة من الشك أو اليقين، ولا شك أن معنى الفعل الملغي: معنى الظرف فنحو زيد قائم ظننت بمعنى: زيد قائم في ظني، ويمنع الظرف كون الكلام الأول مبنيا على اليقين، ويقبح الألغاء مع تأخر الجملة عن فعل القلب، لأن عامل الرفع معنوي، عند النجاة، وعامل النصب لفظي، فمع تقدمهما، يغلب اللفظي المعنوي، وعلى ما اخترنا في عامل المبتدأ والخبر، كما شرحنا في حد الأعراب 4: ترافعهما ضعيف، فمع تقدم عامل غيرهما، يغلبهما، ومع ذلك قد جاء قوله: 697 - كذاك أدبت حتى صار من خلقي * أني وجدت: ملاك الشيمة الأدب 5 وقوله:


(1) هو أبو محمد، عبد الله بن أحمد البغدادي من علماء القرن السادس، (2) المناسب في تفسير المثال أن يقول في علمي، أو يكون المثال: زيد ظننت قائم، (3) لأنه إذا وجد المعلق امتنع العمل ولا يصح، (4) في الجزء الأول: (5) أحد بيتين أوردهما أبو تمام في الحماسة ونسبها إلى بعض الفزاريين ولم يذكر اسمه، والبيت الثاني من شواهد النحو أيضا، وهو قوله: أكنيه حين أناديه لأكرمه * ولا ألقبه والسوأة اللقب وقد روى البيتان بنصب آخرهما، فلا يتم استشهاد الشارح بالبيت (*)،

[ 157 ]

698 - أرجو وآمل أن تدنو مودتها * وما إخال لدينا منك تنويل 1 وإنما جاء ذلك، مع ضعفه، لأن أفعال القلوب ضعيفة، إذ ليس تأثيرها بظاهر كالعلاج، وأيضا، معمولها في الحقيقة: مضمون الجملة، لا الجملة، وسيبويه لا يحمل ذلك على الالغاء بل على التعليق، ويقول: اللام مقدرة، حذفت للضرورة: وقال بعضهم: ضمير الشأن مقدر بعد الفعل، وهذا أقرب، لثبوت ذلك ضرورة في غير ذلك الموضع من نواسخ الابتداء، نحو قوله: ان من يدخل الكنيسة يوما * يلق فيها جآذرا وظباء 2 - 77 فعلى هذا، الفعل عامل، لا ملغى، ولا معلق، ويقل القبح في نحو: متى تظن، زيد ذاهب، أعني إذا تقدم معمول الخبر، إذ هو كتقدم الخبر وتوسط فعل القلب بين المبتدأ والخبر، وهو، مع ذلك، ضعيف، وإذا توسط الفعل بين المبتدأ والخبر، جاز الألغاء بلا قبح ولا ضعف، وكذا جاز الأعمال، وهما متساويان، وذلك لأن الرافع 3 القوي، أي فعل القلب، تقدم على أحدهما وتأخر عن الآخر، وقد يقع الملغي بين الفعل ومرفوعه، نحو: ضرب، أحسب، زيد، وبين اسم الفاعل ومعموله، قال: 699 - ولستم فاعلين، إخال، حتى ينال أقاصي الحطب الوقود 4 وبين معمولي (إن)، نحو: ان زيدا، أحسب، قائم، وبين (سوف) ومصحوبها،


(1) من قصيدة بانت سعاد، لكعب بن زهير، ويستشهدون به أيضا على إسكان الفعل المضارع المعتل بالواو في حالة النصب في قوله أن تدنو مودتها، (2) تقدم ذكره في الجزء الأول، وهو من شعر الأخطل التغلبي، (3) الأظهر أنها محرفة عن: العامل، وهي هكذا في الأص ل المطبوع، وفي الهامش إشارة إلى عبارة بعض النسخ في هذا الموضع تؤيد أنها: العامل، (4) الشاهد فيه أن الجار والمجرور في قوله: حتى ينال.. متعلق باسم الفاعل وهو قوله: فاعلين، وقد وقع = (*)

[ 158 ]

كسوف، أحسب، يقوم زيد، وبين المعطوف والمعطوف عليه، نحو: جاءني زيد، وأحسب، عمرو، وتوكيد الملغي بمصدر، قبيح، إذ التوكيد دليل الاعتناء بحال ذلك العامل، والألغاء ظاهر في ترك الاعتناء به، فبينهما شبه التنافي، وأما توكيده بالضمير، واسم الأشارة المراد بهما المصدر، فأسهل، إذ ليسا بصريحين في المصدرية، نحو: زيد، أحسبه، أو: أحسب ذاك، قائم، ومصدر فعل القلب إذا لم يكن مفعولا مطلقا، يقوم مقام فعله في الأعمال والتعليق أعجبني ظنك زيدا قائما، وعلمك: لزيد قائم، وأما الألغاء فواجب مع التوسط أو التأخر، نحو: زيد قائم، ظني غالب، أي: ظني زيدا قائما: غالب، إذ المصدر لا ينصب ما قبله، كما قيل، وقد تقدم ذلك في باب المصدر 1، وإن كان مفعولا مطلقا، فإن كان الفعل مذكورا معه، فالعمل للفعل، كما مر في باب المصدر، وكذا إن حذف الفعل جوازا، نحو: ظنا زيدا قائما، ففي الصورتين يجوز إلغاء وإعماله، متوسطا ومتأخرا، لكن الألغاء قبيح، لما مر 2 من قبح تأكيد الفعل الملغى، وأما إن حذف الفعل وجوبا، كما إذا أضيف إلى الفاعل، نحو: ظنك زيدا قائما، أي: ظن ظنا، فعند من قال: العامل الفعل دون المصدر كما تقدم في باب المصدر،


= بينه وبين عامله: الفعل القلبي إخال، وهو أحد أبيات أوردها أبو تمام في الحماسة منسوبة إلى عقيل بن علفة الجهني، والمعنى أنكم في ظني لستم فاعلين ما أطلبه منكم حتى يبلغ الشر مداه وكنى عن ذلك ببلوغ النار أقاصي الحطب، (1) في الجزء الثالث من هذا الشرح، وكذلك فيما يأتي بعده، (2) تقدم قبل قليل (*)،

[ 159 ]

هو كما لو حذف جوازا: يجوز الألغاء متوسطا، ومتأخرا، نحو: متى زيد، ظنك، قائم، ومتى زيد قائم ظنك، ويجوز الاعمال، أيضا، لأنك تعمل الفعل لا المصدر، وكذا عند من قال: العامل هو المصدر لقيامه مقام الفعل، لا لكونه مقدرا بأن والفعل، يجوز الألغاء والأعمال، توسط، أو تأخر، لأن العامل فيما تقدم عليه هو الفعل في الحقيقة، لا المصدر، ولا يجوز أن يكون (ظنك) منصوبا لكونه مصدرا مؤكذا لغيره، كزيد قائم حقا، على ما قيل، لما ذكرنا في المفعول المطلق 1، قوله: (ومنها 2: أنها تعلق بحرف الاستفهام والنفي)، التعليق، مأخوذ من قولهم: امرأة معلقة، أي مفقودة الزوج، تكون كالشئ المعلق، لا مع الزوج لفقدانه، ولا بلا زوج، لتجويزها وجوده فلا تقدر على التزوج، فالعامل المعلق ممنوع من العمل لفظا، عامل معنى وتقديرا، لأن معنى: علمت لزيد قائم، علمت قيام زيد، كما كان كذا عند انتصاب الجزأين، فمن ثم جاز عطف الجزأين المنصوبين، على الجملة المعلق عنها، نحو: علمت لزيد قائم، وبكرا قاعدا، قوله: (بحرف الاستفهام)، المعلق قد يكون حرف الاستفهام، وهو الهمزة اتفاقا، وكذا (هل)، على خلاف فيها، كما يأتي، وقد يكون اسما متضمنا لمعنى الاستفهام كقوله تعالى: (لنعلم أي الحزبين) 3، و: علمت أين جلست ومتى تخرج، وفي معناه: الاسم المضاف إلى كلمة الاستفهام نحو: علمت غلام من عندك، وقد يكون لام الابتداء نحو: علمت لزيد عندك، وقد يكون حرف النفي، وهو: ما، وإن، ولا، نحو: علمت ما زيد قائما، وإن زيد قائم، ولا زيد في الدار ولا عمرو، ولا رجل في الدار،


(1) في الجزاء الأول من هذا الشرح، (2) أي من خصائص أفعال القلوب، (3) الآية 12 سورة الكهف (*)،

[ 160 ]

أما الاستفهام، ولام الابتداء، وما، وإن، النافيتان، فللزوم وقوعها في صدر الجمل وضعا، فأبقيت الجمل التي دخلتها على الصورة الجملية، رعاية لأصل هذه الحروف، وإن كانت في تقدير المفرد، وأما دخول لام الابتداء في المفرد، نحو: إن زيدا لقائم، فلضرورة ملجئة إليه، وهي اجتماع إن واللام، كما يجئ، وأما (لا) الداخلة على الجملة الاسمية فإنما كانت معلقة، لأنها لاء 1 التبرئة المشابهة لأن المكسورة اللازم دخولها على الجمل، ومن المعلقات: إن المكسورة، إذا لم يمكن فتحها، وذلك إذا جاء في حيزها لام الابتداء، نحو: علمت إن زيدا لقائم، فإن اللام لا تدخل إلا مع المكسورة، كما يجئ، وأما إذا تجردت (ان) عن اللام فإنها لا تعلق، لأمكان فتحها، وجعلها معمولة لفعل القلب، وذلك لأن المنصوبين بعد فعل القلب في تأويل المصدر، فإذا أمكنك جعل (أن) حرفا مصدريا معمولا لفعل القلب بأن تفتح همزها، فهو أولى من عزل العامل بكسر (إن) عن عمله، وأما قوله: 700 - ولقد علمت لتأتين منيتي * إن المنايا لا تطيش سهامها 2 فإنما أجرى (لقد علمت)، مجرى القسم، لتأكيده للكلام، لأن فيه اللام المفيدة للتأكيد، مع (قد) المؤكدة، وفي علمت معنى التحقيق فصار كقوله: إني لأمنحك الصدود وإنني * قسما إليك مع الصدود لأميل 3 - 89


(1) تقدم توجيهه وهو أنه قصد لفظ لا، وإعرابها، فضعف ثانيها وأبدل همزة، (2) في سيبويه ج 1 ص 456 نسبة هذا البيت إلى لبيد بن ربيعة، ووافقه الأعلم في شرح الشواهد، والموجود في معلقة لبيد، في وصف بقرة غافلتها الذئاب فأخذت ولدها: هو قوله: صادفن منها غرة فأصبنه * إن المنايا لا تطيش سهامها وقال البغدادي: ليس في شعر لبيد ما هو على هذا الروي الا المعلقة، (3) من قصيدة جيدة للأصوص الأنصاري وتقدم ذكره في باب المفعول المطلق من الجزء الأول (*)،

[ 161 ]

وقد يجري نحو: علم الله، مجرى القسم، فيجاب بجوابه، فتجئ بعده (إن) المكسورة، نحو: علم الله إنك قائم، أي: والله..، والفعل المعلق، قد يدخل على الجملة الفعلية، نحو: علمت بمن تمر، وعلمت أهم ضربت، بنصب (أيهم) على أنه مفعول ضربت، وعلمت أي يوم سرت، وعلمت أقمت أم قعدت، وإعراب الجملة المعلق عنها كاعرابها إذا لم يتقدم عليها فعل القلب، فيجوز في: علمت أي يوم: الجمعة، رفع (أي) على أنه خبر مقدم على المبتدأ، أي: أي يوم يوم الجمعة، ونصبه على أن الجمعة بمعنى الاجتماع، فيكون كعلمت أي يوم الخروج، قال: 701 - لقد علمت أي يوم عقبتي 1 والمنصوب، أيضا، خبر، لكنه ظرف، وإذا صدر المفعول الثاني بكلمة الاستفهام، فالأولى أن لا يتعلق فعل القلب عن المفعول الأول، نحو: علمت زيدا من هو، وعلمت بكرا أبو من هو، وجوز بعضهم تعليقه عن المفعولين، لأن معنى الاستفهام يعم الجملة التي بعد (علمت)، كأنه قيل: علمت أبو من زيد، وليس بقوي، لا تفاقهم على النصب في نحو: علمت زيدا ما هو قائما مع أن المعنى: علمت ما زيد قائما، وأما قولهم: أرأيت زيدا ما صنع، بمعنى أخبرني، فليس من هذا الباب، حتى يجوز الرفع في (زيد)، بل النصب فيه واجب، ومعنى أرأيت: أخير، وهو منقول من


(1) أورده سيبويه في ج 1 ص 122 بصورة لا تدل على أنه شعر، ولهذا لم يكتب عليه شراح شواهده ومنهم الأعلم، وقال البغدادي في خزانة الأدب إن أبا جعفر النحاس أورده مع أبيات من الرحز منها: أأنت يا بسيطة التي التي * هيبنيك في المقيل صحبتي وقال ان البسيطة أرض بالعراق، وهيبنيك، أي خوفني منك أصحابي (*)،

[ 162 ]

رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت، كأنه قيل: أأبصرته وشاهدت حاله العجيبة، أو: أعرفتها: أخبرني عنها، فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة لشئ، وقد يؤتى بعده بالمنصوب الذي كان مفعولا به لرأيت نحو: أرأيت زيدا ما صنع، وقد يحذف، نحو: (أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله) 1، الآية، و (كم) 2 ليس بمفعول كما يجئ، بل هو حرف خطاب، ولا بد، سواء أتيت بذلك المنصوب أو لم تأت به، من استفهام ظاهر أو مقدر، يبين الحال المستخبر عنها، فالظاهر نحو: أرأيت زيدا ما صنع، و: (أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة، هل يهلك) 3 و: (أرأيتم ما تدعون من دون الله، أروني ماذا خلقوا) 4، والمقدر نحو قوله تعالى: (أرأيتك هذا الذي كرمت علي، لئن أخرتني 5..) أي أرأيتك هذا المكرم، لم كرمته، وقوله تعالى: (لئن أخرتني) كلام مستأنف، وقد تكون الجملة المتضمنة للاستفهام جوابا للشرط، كقوله تعالى: (أرأيتكم إن أتاكم...) الآية، وقوله: (أرأيت الذي ينهي، عبدا إذا صلى) 6، إلى قوله: (ألم يعلم)، وقوله: (أرأيت إن كان)، كرر (أرأيت) للتوكيد، ولا محل للجملة المتضمنة لمعنى الاستفهام، لأنها مستأنفه لبيان الحال المستخبر عنها، كأنه قال المخاطب لما قلت أرأيت زيدا: عن أي شئ من حاله تسأل ؟ فقلت: ما صنع، فهو بمنزلة قولك: أخبرني عنه ما صنع، وليست الجملة المذكورة مفعولا ثانيا لرأيت، كما ظن بعضهم،


(1) الآية 40 في سورة الأنعام، وهي أيضا أول الآية 47 من السورة نفسها وستأتي: (2) المراد الضمير المتصل بالفعل أرأيت، والذي قال عنه انه حرف خطاب وسيأتي مثل هذا الصنيع منه في بعض أمثلة أخرى، (3) الآية 47 من سورة الأنعام التي تقدمت الأشارة إليها وهي تتفق مع الآية 4 في صدر كل منهما، (4) الآية 4 سورة الأحقاف،. (5) الآية 62 سورة الأسراء، (6) الآيات من 9 إلى 14 سورة العلق (*)،

[ 163 ]

وتلحق الكاف الحرفية بأرأيت الذي بمعنى أخبر، لأنه لما صار بمعنى أخبر، كان كاسم الفعل المنقول إلى الفعلية 1 عن شئ آخر، نحو: النجاءك فاستغنى بتصريف الكاف تثنية وجمعا وتأنيثا عن تصريف تاء الخطاب، فبقيت التاء في الأحوال مفردة مفتوحة، سواء كان المخاطب مذكرا، أو مؤنثا، مفردا، أو مثنى، أو مجموعا، وفاعل: أرأيتك: التاء، لا (أنت) المقدر في نحو: رويدك، لأن مفعوله بقي منصوبا علىؤ، حاله مع صيرورته بمعنى أخبرني، نحو: أرأيتك زيدا ما صنع، فلا منع من بقاء فاعله أيضا، وقال الفراء: بل أزيل الأسناد عن التاء إلى الكاف، وهو مثل رويدك، والنجاءك، كما مضي في أسماء الأفعال 2، أعني أن الكاف مرفوع المحل، فإذا أردت برأيت، فعل القلب، فالكاف الملحق به: اسم يتصرف بتصرف المفعول الثاني، وكذا التاء: يتصرف بتصرفهما، نحو: أرأيتك زيدا، و: أرأيما كما الزيدين، و: أرأيتموكم الزيدين، وأرأيتك هندا، و: أرأيتما كما الهندين، و: أرأيتن كن الهندات، واعلم أنك إذا قلت: قد علمت من قام، وجعلت (من) إما موصولة أو موصوفة، فالمعنى: عرفت ذات القائم بعد أن لم أعرفها، وإن جعلتها استفهامية، فليس في كلام دلالة على هذا المعنى، بل المعنى: علمت أي شخص حصل منه القيام، وربما كنت تعرف قبل ذلك ذات القائم وأنه زيد، مثلا، وذلك لأن كلمة الاستفهام يستحيل كونها مفعولا، لما تقدم 3 لفظه عليها، لاقتضائها صدر الكلام، فيكون مفعول علمت، إذن، مضمون الجملة، وهو قيام الشخص المستفهم عنه، أعني زيدا، والما إن كانت موصولة أو موصوفة، فالعلم واقع عليها، فكأنك قلت: علمت زيدا الذي قام،


(1) أي إلى كونه اسم فعل، وتعبيره فيه تساهل، (2) في الجزء الثالث من هذا الشرح، (3) اي للعامل الذي تقدم عليها لفظا (*)،

[ 164 ]

ويتبين الاستفهام من غيره في (أي) لكونه معربا، تقول في الاستفهام: علمت أيهم قام، برفع (أي)، وإذا كان موصولا قلت: علمت أيهم قام، بنصبه ، وليست أداة الاستفهام التي تلي باب علم في نحو: علم زيد أيهم قام، مفيدة لاستفهام المتكلم بها، للزوم التناقض في نحو: علمت أيهم قام، وذلك لأن (علمت)، المقدم على (أيهم): مفيد أن قائل هذا الكلام عارف بنسبة القيام إلى هذا القائم المعين، لما ذكرنا أن العلم واقع على مضمون الجملة، فلو كان (أي) لاستفهام المتكلم لكان دالا على أنه لا يعرف انتساب القيام إليه، لأن: أيهم قام، استفهام عن مشكوك فيه هو انتساب القيام إلى معين، ربما يعرفه الشاك بأنه زيد أو غيره، فيكون المشكوك فيه، إذن،. النسبة، وقد كان المعلوم هو تلك النسبة، وهو تناقض، فنقول: أداة الاستفهام، إذن، لمجرد الاستفهام، لا لاستفهام المتكلم، والمعنى: عرفت المشكوك فيه الذي يستفهم عنه وهو أن نسبة القيام إلى أي شخص هي، وذلك الشخص في فرضنا: زيد، فالمعنى: عرفت قيام زيد، وإنما لم يصرح باسم القائم ولم يقل: علمت زيدا قائما، أو: علمت قيام زيد، لأن المتكلم قد يكون له داع إلى إبهام الشئ على المخاطب مع معرفته بذلك المبهم كما يكون له داع إلى التصريح به، كقوله تعالى: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) 1، ومثله كثير، فعلى هذا يجوز وقوع الاستفهام الذي جوابه: لا، أو، نعم، بعد فعل القلب، نحو: علمت أزيد قائم، أو: هل زيد قائم، والمشكوك فيه، الذي يستفهم عنه هنا: انتساب القيام إلى زيد، أو عدم انتسابه كما كان المشكوك فيه مع الهمزة وأم، ومع أسماء الاستفهام: أن انتساب الفعل إلى هذا المعين أو إلى ذلك من الأشخاص الواقعة عليها كلمة الاستفهام، وكذا يجوز: علمت: أزيد قام أو عمرو، وعلمت: هل زيد قام، أو عمرو،


(1) الآية 24 سورة سبأ، وتمثيله بها لمطلق الابهام بصرف النظر عن موضوع البحث (*)،

[ 165 ]

وجوابها: لا، أو نعم، والمشكوك فيه، المستفهم عنه ههنا: نسبة القيام إلى واحد من المذكورين، أو عدم النسبة إليه، فالمعنى في جميع ذلك: علمت هذا، الذي يشك فيه فيستفهم عنه، ومنع قوم من وقوع استفهام جوابه: لا، أو، نعم، بعد فعل القلب، استدلالا بأن مضمون الجملة الاستفهامية، لا يصح أن يكون متعلقا للعلم إلا بتأويل، وهو أن يقال: متعلقه: ما يقال في جواب هذا الاستفهام والذي يقال في جواب الاستفهام بأم، وبأسماء الاستفهام: شئ معين منسوب إليه الحكم المذكور في الاستفهام، فمعنى علمت أزيد قائم أم عمرو: علمت أحدهما بعينه على صفة القيام، لأنه هو الذي يقال في جوابه: إما: زيد، أي زيد قائم، وإما عمرو، وأما إذا قلت: علمت هل زيد قائم، فليس جوابه نسبة القيام إلى زيد أو نفيها، حتى يقال: ان العلم يتعلق بتلك النسبة أو نفيها، وإنما جوابه: نعم، أو، لا، وليس فيه النسبة، والعلم لا يتعلق إلا بالنسبة، والجواب عما قالوا: أنا لا نسلم، أولا، أن مضمون الجملة الاستفهامية لا يكون متعلقا للعلم، بلى، مضمون استفهام المتكلم لا يصح أن يكون متعلقا للعلم، للتناقض المذكور في نحو: علمت أيهم قائم، ولو سلمنا ذلك قلنا: ان (نعم) أو (لا)، في الجواب، متضمن، أيضا، لمعنى النسبة ونفيها، لأن المعنى: بلى زيد قائم، وما زيد بقائم، فحصل المقصود أي المحكوم عليه والمحكوم به في الجواب، وهو المصحح لتعلق العلم، ثم اعلم أن جميع أدوات الاستفهام، ترد على الوجه المذكور، أي لمجرد الاستفهام، لا لاستفهام المتكلم، بعد كل فعل شك لا ترجيح فيه لأحد الجانبين على الآخر، لتبيين 1 المشكوك فيه، نحو، شككت: أزيد في الدار أم عمرو، و: نسيت، أو ترددت: أأقوم أم أقعد، كما ترد بعد كل فعل يفيد معنى العلم، كعلمت، وتبينت، ودريت،


(1) متعلق بقوله: ترد على الوجه المذكور (*)،

[ 166 ]

وبعد كل فعل يطلب به العلم، كفكرت، وامتحنت، وبلوت، وسألت، واستفهمت، وجميع أفعال الحواس الخمس، كلمست، وأبصرت، ونظرت، واستمعت، وشممت، وذقت، تقول: فكرت: أزيد يأتيني أم عمرو، وقد يضمر الدال على التفكر، كقوله تعالى: (يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون، أم يدسه في التراب) 1، أي متفكرا، أيمسكه أم يدسه، وفي نهج البلاغة: 2 (يتخالسان أنفسهما: أيهما يسقي صاحبه كأس المنون)، أي: متفكرين: أيهما يسقي، ولم يسمع مثل ذلك في الظن الذي هو لترجيح أحد المجوزين على الآخر، وجوز يونس 3، تعليق جميع الأفعال، نحو: ضربت أيهم في الدار، وقتلت أيهم في البيت، وقد مضى ذلك في باب الموصولات 4، ويجوز في نحو: سألتك هل زيد قائم، واستفهمت: أقام زيد، أن ينوى بعده القول، والجملة مفعول لذلك المنوي، على ما هو مذهب البصريين، أو يضمن السؤال معنى القول، فيلحق به في الحكاية بعده، على ما هو مذهب الكوفيين، كما يجئ بعد، من مذهب الفريقين، فنقول: الجملة بعد الفعل المعلق في موضع النصب، وهي: إما في موضع مفعول ينصب بنزع الخافض، وذلك بعد كل فعل يفيد معنى الشك، نحو: شككت أزيد في الدار أم عمرو، أي: شككت في هذا الأمر، أو في موضع مفعول تعدى إليه الفعل بنفسه، إما لاقتضاء الفعل إياه وضعا، وإما لتضمن الفعل ما يقتضيه، والأول: صريح العلم والمعرفة، وهذا الفعل إما أن يطلب مفعولا واحدا، نحو: عرفت هل زيد في الدار،


(1) الآية 59 سورة النحل، (2) ورد هذا في إحدى خطب سيدنا علي في نهج البلاغة طبع مطابع الشعب بالقاهرة ص 72 - وهي في وصف المؤمنين وقتالهم مع أعدائهم، (3) يونس بن حبيب، شيخ سيبويه، وتقدم ذكره في الأجزاء السابقة، (4) أول الجزء الثالث (*)،

[ 167 ]

فالجملة المعلق عنها في موضع مفعوله، أي: عرفت هذا الأمر، وإما أن يطلب أكثر، فتكون تلك الجملة، إما في مقام المفعول الأول والثاني، نحو: علمت هل زيد في الدار، أو في مقام الثاني والثالث نحو: أعلمتك هل زيد في الدار، أو في مقام الثاني وحده نحو: علمت زيدا أبو من هو، وكذا قوله تعالى: (وما أدراك ما يوم الدين) 1، فان (أدرى) يتعدى إلى مفعولين، كأدريتك الحق، وإن كان بمعنى أعلم، أو في مقام الثالث وحده، نحو: أعلمتك زيدا، أبو من هو، وأما الثاني، أي المتضمن لمعنى العلم، فهو كل فعل ذكرنا أنه مما يطلب به العلم، نحو: فكرت هل زيد في الدار، فإن (فكر) لازم وضعا لكن يتعدى إلى مفعول لتضمينه معنى (تعرف)، أي: تعرفت هذا الأمر، بالتفكير فيه، وكذا قولك: انظر إليه: أقائم هو أم قاعد ؟ أي: تعرف هذا الحكم بالنظر إليه، ورفع (زيد) في مثل: انظر، وسل، وزيد أبو من هو، لكونه بمعنى: انظر وسل أبو من زيد: أهون من رفعه في نحو: أعلم زيد أبو من هو، لأن انظر الذي بمعنى تفكر، وسل، الذي بمعنى: سل الناس، لا ينصبان زيدا، لو سلطتهما عليه، كما ينصبه (اعلم)، إذا سلطته عليه، وكذا الحكم إن كان الفعل المطلوب به العلم متعديا بالوضع، تعطيه من المفاعيل ما اقتضاه وضعه، ثم تجئ بالجملة المعلق عنها في موضع المفعول الزائد له بسبب تضمينه معنى التعرف، نحو: امتحنت زيدا: هل هو كريم، أي تعرفت كرمه بامتحانه، وأبصرت زيدا: هل هو في الدار، أي: تعرفت كونه في الدار بإبصاره، وكذا قوله تعالى: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها) 2، أي يترقبون وقت إرسائها بسؤالك عنها، وهذا كما قلنا في المفعول المطلق في: عمرك الله 3، ان الكاف مفعول أصل الفعل و:


(1) الآية 17 سورة الانفطار، (2) الآية 42 سورة النازعات، (3) شرح الرضي هذا التعبير وأمثاله وبين الأوجه الأعرابية فيه، ومراده بأصل الفعل: التعمير أي إطالة العمر = (*)

[ 168 ]

الله، مفعول الفعل المضمن، وقد تكون الجملة المعلق عنها بدلا مما قبلها، نحو: شككت في زيد هل هو قائم، أو، لا، أي: شككت في قامه، فهي في محل الجر، وتقول: عرفتك الحال: أزيد في الدار أم عمرو، فهي في محل النصب بدل من (الحال)، وكذا: عرفت زيدا أبو من هو: الجملة فيه بدل من (زيدا)، هذا، وقد أوجب الأخفش: إن زيدا لظننت أخوه قائم، قال، وإنما لم يجز: لظننت أخاه قائما، لأن اللام للابتداء، فلا تدخل على الماضي كما يجئ في باب (إن)، فهي في التقدير داخلة على (أخوة)، كأنك قلت: ظننت لأخوه قائم، وأما الألغاء والتعليق في: أعلم وأرى، عن المفعولين الأخيرين فالظاهر، كما ذهب إليه ابن مالك 1، أنه يجوز الألغاء والتعليق بالنسبة إليهما كما جاء ذلك في علم ورأي، تقول: أعلمتك لزيد منطلق، وأزيد قائم أم عمرو، وما زيد قائما، وزيد أعلمتك قائم، وزيد قائم أعلمتك، وكذا الحكم إذا بنيت باب أعلم لما لم يسم فاعله، نحو: أعلمت ما زيد قائما، وزيد أعلمت قائم، وقال الأندلسي 2: الذي أعول عليه: امتناع التعليق والألغاء بالنسبة إليهما، وفي بعض نسخ الجزولية 3، ما يدل على أنك إذا بنيت الفعل للفاعل امتنع إلغاؤه


= وأراد بالفعل المضمن: سألت، لأن تقديره سألت الله تعميرك أي إطالة عمرك، وهذا أحد الأوجه التي قالها في باب المفعول المطلق، في الجزء الأول من هذا الشرح، (1) جاء بهامش الأصل المطبوع، أن بعض النسخ جاء فيها في هذا المكان التعبير بالمالكي بدلا من ابن مالك، والرأي المنقول عنه قاله في التسهيل في باب أفعال القلوب، وهذا مما جعلني أرجح أن مراده بالمالكي هو: ابن مالك والله أعلم، (2) تقدم ذكر الأندلسي كثيرا، (3) الجزولية رسالة صغيرة للجزولي الذي تقدم ذكره (*)،

[ 169 ]

وتعليقه، وإذا بنيته للمفعول جاز، والذي أري، أنه لا منع من الألغاء والتعليق سواء بني الفعل للفاعل أو للمفعول، وقال ابن جعفر 1: لو ألغيت فقلت: زيد أعلمتك قائم، أو علقت فقلت: أعلمتك لزيد قائم، لحصل الألغاء والأعمال في حالة واحدة، لأنه لابد من إعماله في المفعول الأول، وكذا يحصل التعليق والأعمال في حالة واحدة، وليس ما قال بشئ، لأن اعماله بالنسبة إلى شئ، وإلغاءة، أو تعليقه بالنسبة إلى شئ آخر، فهو مثل: زيد علمت قائم، أعلمته في الفاعل وألغيته عن المفعول، وكذا في: علمت لزيد قائم: أعملته في الفاعل وعلقته عن المفعول، وأيضا، المعمل معنى الهمزة، أي التصيير والملغى أو المعلق: أصل علم، فالملغى غير المعمل، واعلم أنه لا خلاف في أنه لا يلغى ولا يعلق عن المفعول الأول إذ هو كأول مفعولي أعطيت، قوله: (ومنها أنه يجوز أن يكون فاعلها ومفعولها ضميرين لشئ واحد)، هذه الأفعال المذكورة في متن الكافية، ولفظة (هب) بمعنى: احسب، ورأي، الحلمية، يجوز أن يكون فاعلها ومفعولها ضميرين متصلين متحدي المعنى نحو: علمتني قائما، وقال تعالى: (إني أراني أعصر خمرا) 2، وكذا إن كان أحدهما بعض الآخر، نحو: رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، و: رأيتماك 3 تقول كذا، وقد يجري مجراها (رأي) البصرية، حملا على (رأي) القلبية، وكذا: عدم، وفقد، حملا على وجد، لأنهما ضداه في أصل الوضع، وإنما لم يجز ذلك في غير الأفعال المذكورة، لأن أصل الفاعل أن يكون مؤثرا والمفعول به متأثر منه، وأصل المؤثر أن يغاير المتأثر، فإن اتحدا معنى كره اتفاقهما لفظا، فلذا


(1) تقدم ذكره في هذا الجزء، (2) من الآية 36 في سورة يوسف، (3) أي إذا كان الخطاب لاثنين والمراد أحدهما (*).

[ 170 ]

لا تقول: ضرب زيد زيدا، وأنت تريد: ضرب زيد نفسه، فلم يقولوا: ضربتني، ولا ضربتنا، وإن تخالفا لفظا، لاتحادهما معنى ولاتفاقهما من حيث كون كل واحد منهما ضميرا متصلا، فقصد، مع اتحادهما معنى: تغايرهما لفظا بقدر الأمكان، فمن ثم قالوا ضرب زيد نفسه، لأنه صار النفس بإضافته إلى ضمير زيد كأنه غيره، لغلبة مغايرة المضاف للمضاف إليه، فصار الفاعل والمفعول في ضرب زيد نفسه، مظهرين 1، متغايرين في الظاهر، وأما أفعال القلوب، فإن المفعول به فيها، ليس المنصوب الأول في الحقيقة بل هو مضمون الجملة كما مضي، فجاز اتفاقهما لفظا، لأنهما ليسا في الحقيقة فاعلا ومفعولا به، والقياس جواز: ظن زيد زيدا قائما، أي نفسه، وأما إن كان أحدهما منفصلا والآخر متصلا، فيجوز في غير أفعال القلوب، أيضا، سواء وقع المنفصل بعد (إلا) أو معناها، أو لم يقع، نحو: ما ضربت إلا إياك و: إنما نقتل إيانا 2، وإياك فاضرب، وما ضربك إلا أنت، وأما إن كان الفاعل والمفعول متحدين معنى، وأحدهما ضمير متصل والآخر ظاهر، نحو: زيدا ظن قائما، وظنه زيد قائما، لم يجز المثال الأول مطلقا، وجاز الثاني في أفعال القلوب خاصة، وإن كان الضمير منفصلا، جاز مطلقا، وقد تقدم جميع ذلك بعلته في المنصوب على شريطة التفسير 3،


(1) أي حالة كونهما مظهرين، ومتغايرين: خبر صار، (2) إشارة إلى بيت تقدم ذكره في باب الضمائر، في آخر الجزء الثاني، وهو قول الشاعر: كأنا يوم قرى * إنما نقتل إيانا والبيت في سيبويه ج 1 ص 271، (3) في الجزء الأول من هذا الشرح (*)،

[ 171 ]

هذا ما ذكره المصنف من خواص أفعال القلوب ومن خواصها، أيضا، جواز دخول (أن) المفتوحة على الجملة المنصوبة الجزأين، نحو: علمت أن زيدا قائم، ولا يجوز: أعطيت أن زيدا درهم، وذلك لأن مفعولها في الحقيقة، على ما تقدم غير مرة، هو مصدر الخبر مضافا إلى المبتدأ، و (أن) المفتوحة موضوعة لهذا المعنى، فنقول: إذا دخلت أفعال القلوب على (أن) المفتوحة فهي ناصبة لمفعول واحد هو مفعولها الحقيقي، ويكثر ذلك إن كان ذلك الفعل مما يقل نصبه لمفعول واحد، نصبا صريحا، كحسبت، وخلت، ظننت، لأنها لا تطلب في ظاهر الاستعمال إلا مسندا ومسندا إليه، سواء نصبتهما، كما في: حسبت زيدا قائما، أو لم تنصبهما نحو: حسبت أن زيدا قائم، إذ مقصود الجزأين المنصوبين هو المصرع به في الجزأين المصدرين بأن، هذا مذهب سيبويه، أعني أن (أن) مع اسمها وخبرها، مفعول ظن، ولا مفعول له آخر مقدرا، والأخفش يجعل (أن) مع جزأيها في مقام المفعول الأول ويقدر الثاني، أي: علمت أن زيدا قائم حاصلا، أي: قيام زيد حاصلا، ولا حاجة إلى ذلك، كما بينا، ولو كان مقدرا لجاز إظهاره، إذ لم يسد مسده شئ حتى يكون واجب الأضمار، ولا نقول إن (أن) مع جزأيها في تقدير اسم مفرد في جميع المواضع، كما يجئ في الحروف المشبهة بالفعل، فكيف تكون في تقدير اسمين، بل الأولى أن يقال: ان الاسمين المنصوبين نحو: علمت زيدا قائما، سادان مسد (أن) مع اسمهإ وخبرها ومفيدان فائدتهما، إذ هما 1 بتقدير المصدر بلا آلة مصدرية كما كان الكلام مع (أن) بتقدير المصدر، هذا آخر الكلام في أفعال القلوب،


(1) علة الأولوية التي أشار إليها (*)،

[ 172 ]

(أفعال أخرى) (تنصب مفعولين) وأما غير أفعال القلوب مما ينصب جزأي الجملة بتقدير المصدر، فهو 1: صير وما رادفها من: جعل، وهب غير متصرف، ورد، وترك، وتخذ واتخذو: أكان 2، وأصل الباب: صير، ومفعولاه في الحقيقة، هما اسم وخبر لصار في الأصل، إذ متزلة صيرت زيدا قائما من: صار ريد قائما، كمنزلة: أحفرت زيدا النهر من: حفر زيد النهر، فحال المفعولين في عدم جواز حذفهما معا بلا قرينة، وجوازه معها، كحال مفعولي علمت، يقال: جعلت زيدا كريما، فتقول: بل أنا جعلت، وأما بلا قرينة فلا يجوز ذلك، إذ كل إنسان لا يخلو من تصيير شئ شيئا في الأغلب، فلا فائدة في ذكر الفعل وحده، كما قلنا في: علمت وظننت، وكذا لا يجوز حذف أحد المفعولين إلا قليلا، لأن مضمونهما هو المفعول لصير، كما كان مضمونهما فاعل صار، وكان القياس، بناء على أن المفعولين في تقدير المصدر: جواز تصديرهما بأن، كما في مفعولي علمت، إلا أنه روعي أصلهما حين كانا اسما وخبرا لصار، فإنهما لا يصدر ان، إذن، بها، كما ذكرنا في أول هذا الباب، وأما إلغاء صبر ومرادفاتها وتعليقها، فلم يأتيا، كما أتيا في أفعال القلوب، لأن ذلك فيها، لضعفها من حيث لم يظهر تأثيرها المعنوي، إذ هي أفعال باطنة، بخلاف التصيير، فإنه يظهر أثره في الأغلب، كجعلته غنيا فهو أمر ظاهر للعيون، إذ هو إحداث الشئ بعد أن لم يكن،


(1) فهو: أي غير أفعال القلوب المتحدث عنه. (2) المراد: الفعل (كان) مع همزة التعدية، وسيأتي أنه قليل الاستعمال (*)،

[ 173 ]

ومرادفات (صير) قد تخرج من هذا الباب، وذلك إذا لم تكن بمعناه، كقوله تعالى: (وجعل الظلمات والنور) 1، أي: خلق، ووهب، أي أعطى، ورده أي جعله راجعا، وترك، أي خلى، وتخذ واتخذ، أي أخذ، وأما (كان)، فهو قليل الاستعمال، لكنه لا يجئ إلا بمعنى (صير)، وذلك لما ذكرنا أن معنى صار: كان بعد أن لم يكن، ومعنى (أكان): جعله كائنا، فحصل من الهمزة معنى نقل غير الكائن إلى الكون وهو معنى التصيير، ولم يستعمل (كون) 2 متعديا إلى مفعولين، وقد جعل بعضهم (ضرب) مع (المثل) بمعنى (صير)، كقوله تعالى: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا) 3، ونحو ذلك، وإليه ذهب الأندلسي، فيكون (مثلا) مفعولا ثانيا، و (عبدا) هو الأول، أي جعله مثلا، أو صاغه مثلا، من ضرب الخاتم والطين، ويجوز أن يقال: معنى ضرب مثلا، أي: بين، فهو متعد إلى واحد، والمنصوب بعده: عطف بيان، وقال ابن درستويه 4: يلحق (غادر) بصير، كما ألحق به (ترك) الذي بمعناه، نحو: غادرته صريعا، وإذا كان الثاني تكرة، جاز جعله حالا، ويكون (غادر) بمعنى خلف وخلى، وأما إذا كان معرفة كما في قولك: غادرته جزر السباع 5، فإلحاق (غادر) (بصير) هو الظاهر،


(1) الآية الأولى في سورة الأنعام، (2) يعني لفظ كان متعديا بالتضعيف، (3) الآية 75 في سورة النحل، (4) تقدم ذكره، (5) إشارة إلى جزء من بيت عنترة العبسي في المعلقة وهو قوله: غادرته جزر السباع ينشنه * ما بين قلة رأسه والمعصم وقد ورد في غير شعر عنترة، وتعبير الشارح لا يجعله شاهدا شعريا حيث يقول: كقولك، واعتبره البغدادي شاهدا شعريا وكتب عليه (*)،

[ 174 ]

ومما ينصب المبتدأ والخبر، غير أفعال القلوب، ومن غير مرادفات (صير): سمع، المعلق بعين 1، نحو سمعتك تقول كذا، ومفعوله: مضمون الجملة، أي سمعت قولك، ويجوز تصدير الجملة بأن، نحو: سمعت أنك تقول، قالوا: وإذا عمل في المبتدأ والخبر، لم يكن الخبر إلا فعلا دالا على النطق نحو سمعتك تنطق بكذا، أو تتكلم، وأنا لا أرى منعا من نحو: سمعتك يمشي، لجواز سمعت أنك تمشي، اتفاقا، قال: 702 - سمعت الناس ينتجعون غيثا * فقلت لصيدح انتجعي بلالا 2 بنصب الناس، وقد روي برفعه، على حكاية الجملة، ومما يدخل على المبتدأ والخبر، القول، وما يتصرف منه، والأصل في استعماله: أن يقع بعده اللفظ المحكي: إما الذي مضى ذكره قبل، نحو: قلت زيد قائم، أو الذي هو واقع في الحال، نحو: أقول الآن: زيد قائم، فينبغي أن تكون الجملة الواقعة بعد القول في هذا الكلام متلفظا بها بلفظ آخر في غير هذا الكلام، وإلا، لم يكن حكاية، أو الذي يقع بعده نحو: أقول غدا: زيد قائم، أو: قل: زيد قائم، واللفظ الواقع بعده إما مفرد أو جملة، والجملة أكثر وقوعا، والمقصود من الجملة الواقعة بعده: إيراد اللفظ المتلفظ به في غير هذا الكلام، لا مجردا، بل: مع المعنى، نحو: قيل زيد قائم، أي: قيل هذا اللفظ، ومن حيث مراعاة المعنى الذي هو الأصل، جاز أن يغير اللفظ، بشرط وفاء اللفظ المغير إليه بالمعنى الذي فهم من الأصل، لأنه ربما يتعسر أداء اللفظ المقول بعينه من بعض القائلين، فجوز تغيير اللفظ في كلام من لا يتعسر عليه ذلك، أيضا، كالباري تعالى، وكذا غيره ممن يسهل عليه ذلك، لكن، مع تغيير اللفظ، يجب ألا يعمل القول في شئ آخر من أجزاء الجملة، إجراء لمثل هذه الجملة مجرى أصلها أي المحكية، بأعيان ألفاظها، فعلى هذا، لك أن تقول حكاية عمن قال: زيد قائم، قال فلان قام زيد،


(1) أي العامل في اسم ذات كالكاف في قوله سمعتك (2) من قصيدة لذي الرمة، في مدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الاشعري، وصيدح اسم ناقة ذي الرمة (*)،

[ 175 ]

ولهذا نرى الكتاب العزيز، يقص فيه عن الأمم المختلفة الألسنة، باللسان العربي، وتقول: قال زيد: أنا قائم، وقلت لعمرو: أنت بخيل، رعاية للفظ المحكي، ويجوز: قال زيد هو قائم، وقلت لعمرو: هو بخيل، بالمعنى الأول، اعتبارا بحكاية الحال، فإن زيدا، وعمرا في حال الحكاية غائبان، ومنه قوله تعالى: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا: لو كان خيرا ما سبقونا إليه) 1، والأول أكثر استعمالا، وكذا يجوز الوجهان فيما يؤدي معنى القول، قال تعالى: (تقاسموا بالله لنبيتنه) 2، و: (ليبيتنه) بالياء، والنون 3، وهذه الجملة المحكية منصوبة الموضع بكونها مفعولا بها، لا مفعولا مطلقا، على ما وهم المصنف كما تقدم في باب أعلم وأرى، وذلك لأن معنى قلت زيد قائم: قلت هذا اللفظ فهو مقول، وقد تقدم أن آية المفعول به: أن يطلق عليه اسم المفعول، كما تقول: ضربت زيدا فهو مضروب، ولا تقول ضربت ضربا فالضرب مضروب: وكذا تقول: أنا قائل 4 زيد قائم، بالأضافة، والفاعل لا يضاف إلى مصدره، فلا يقال: زيد ضارب الضرب القوي، والذي أوهم المصنف، قولهم إن معنى قلت زيد قائم: قلت هذا القول، وذهل عن أن القول يطلق على المقول، فلما ثبت كون الجملة منصوبة المحل في موضع المفعولبه، قلنا يجوز عطف المفرد عليها، منصوبا، نحو: قلت: إما زيد قائم أو لفظا آخر مثله 5،


(1) الآية 11 من سورة الأحقاف، (2) الآية 49 سورة النمل، (3) قرأ السبعة ما عدا حمزة والكسائي بالنون، وقرأ حمزة والكسائي بالثاء، أما قراءة الياء فهي قراءة مجاهد، (4) بإضافة قائل، ولذلك لاينون، (5) أو لفظا، معطوف على محل جملة زيد قائم فهو داخل في المثال الذي أورده (*)،

[ 176 ]

وقد يقع المفرد بعد القول، على خمسة أوجه: أحدها: أن يكون مؤديا معنى الجملة فقط، ويعتبر ذلك بأن تجعل مكان ذلك المفرد جملة، ثم تحمل ذلك المفرد على تلك الجملة، كما تقول، مثلا: قلت كلاما حقا، أو باطلا أو صدقا، أو كلاما حسنا، إذا قلت: زيد قائم ثم تقول: زيد قائم كلام حق، أو باطل أو كلام حسن، وثانيها: أن يعبر به عن المفرد لا غير، نحو قلت كلمة، أو لفظة عبارة عن زيد، ويعتبر ذلك بأن يقع خبرا عن اللفظ المفرد، نحو: زيد كلمة أو لفظ، وثالثها: أن يكون لفظا يصلح لأن يعبر به عن المفرد، وعن الجملة، نحو: قلت لفظا، فإنك تقول: زيد لفظ، وزيد قائم لفظ، فتنصب هذه الثلاثة، لأنها ليست أعيان اللفظ المحكي حتى تراعي، وليست، أيضا، جملا مغيرا لفظها اعتمادا على بقاء المعنى كما تقدم حتى يراعى أصلها، ورابعها: مفرد غير معبر به، لا عن جملة ولا عن مفرد، بل المراد به: نفس ذلك اللفظ بعينه، فيجب حكايته، ورعاية إعرابه، نحو: قال فلان: زيد، إذا تكلم بزيد مرفوعا، وأما بناؤه فهل يراعى أو، لا، ذكرناه في باب العلم 1، وخامسها: مفرد غير معبر به عن جملة ولا مفرد، ولا مقصود به نفس ذلك اللفظ، فيجب أن يقدر معه ما يكون به جملة، كقوله تعالى: (قال سلام، قوم منكرون) 2، أي: عليكم سلام، قال: 703 - إذا أقبلت قلت دباءة * من الخضر مغموسة في الغدر 3


(1) في الجزء الثالث من هذا الشرح، (2) الآية 25 سورة الذاريات، (3) من قصيدة لامرئ القيس بن حجر، وهو في وصف الفرس وبعده: وإن أدبرت قلت أثقية * ململمة ليس فيها أثر والدباة: واحدة الدباء وهو القرع، توصف بها الخيل لدقة مقدمها وعظم مؤخرها (*)،

[ 177 ]

أي: هي دباءة، وقوله تعالى: (قالوا سلاما قال سلام) 1، يجوز أن يكون (سلاما) المنصوب معبرا به عن الجملة، كما يقال فلان يقرئك السلام، أي: سلام عليك، فيكون المنصوب في: قالوا سلاما بمعنى المرفوع في قوله، قال سلام، ويجوز أن يكون من القسم الأخير من الخمسة الأوجه 2، فيكون مفعولا مطلقا لفعل محذوف، أي: سلمنا سلاما، فيكون الجواب المرفوع، أعني قوله: قال سلام، أحسن منه على ما قال تعالى: (فحيوا بأحسن منها) 3، وذلك لدلالة الجواب على الثبوت المستفاد من الرفع، على ما مضى في باب المبتدأ، ويلحق، عند الكوفيين بالقول، في الحكاية، ما في معناه، كقولك: ناديته: عجل، وأخبرته: زيد قائم، قال: 704 - تنادوا بالرحيل غدا * وفي ترحالهم نفسي 4 وعند البصريين، القول مقدر بعد مثل هذا الفعل، وليس ملحقا به، وإضمار القول ليس بعزيز في الكتاب العزيز، فالتقدير: أخبرته وقلت: زيد قائم، وتنادوا بقولهم: الرحيل غدا، وكلا القولين قريب، وتقول: ناديته سلام، كما تقول: قلت سلام، والتأويل ذلك التأويل، وقد يحذف المحكي بعد القول لقيام القرينة، كما يسأل: من قال زيد قائم، فتقول: أنا قلت، كما يحذف القول ويبقى المحكي، كما في قوله:


(1) من الآية 69 سورة هود، (2) أشرت كثيرا إلى استعمال الرضي للعدد المضاف المعرف، على هذا النحو وهو تعريف الجزأين وذلك مذهب الكوفيين، وبعض الأوقات يستعمل التركيب على مذهب البصريين فيقول مثلا: من خمسة الأوجه، (3) من الآية 86 سورة النساء، (4) الرحيل برواية الرفع مبتدأ خبره (غدا) والباء جارة للجملة، وقد بين الشارح تأويل البصريين له، فتكون الباء داخلة على القول المقدر، وقد شرح البغدادي هذا البيت وبين ما فيه ثم قال: لم أقف على هذا البيت بأكثر من هذا (*)،

[ 178 ]

جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط 1 - 94 واعلم أنه قد يجئ القول بمعنى الاعتقاد، ولا لفظ هناك، سواء كان ذلك الاعتقاد علما أو ظنا، كما تقول: كيف تقول في هذه المسألة، أي كيف تعتقد، فيلحق بالظن في نصب المفعولين، وليس بمعنى الظن خلافا لظاهر كلام سيبويه 2، وبعض المتأخرين، قال المصنف، والأندلسي: لو كان بمعنى الظن لم يستعمل في العلم، وقد يقال: كيف تقول زيدا قائما، فتجيب: أعلمه قائما بالسيف، فهو، إذن، بمعنى الاعتقاد علما كان أو ظنا، وجواز إلحاقه بالظن مطلقا: لغة سليم، وأكثر العرب لا يجوز هذا الألحاق إلا بشرط كون الفعل مضارعا مخاطبا، وقال الأندلسي: منهم من يشترط الخطاب دون المضارعة، وبعضهم يشترط المضارعة دون الخطاب، فيجوز نحو: أيقول زيد: عمرا قائما، على ما قال ابن جعفر 3، ولا بد عند الأكثر، في الألحاق من شرط تقدم استفهام متصل، نحو: أتقول زيدا قائما، أو منفصل بظرف، نحو: أقدامك تقول زيدا جالسا، و: أبا لسوط تقول زيدا ضاربا، أو بأحد المعمولين كقوله: 705 - أجهالا تقول بني لؤي * لعمر أبيك أم متجاهلينا 4 فإن نقص بعض الشرائط، رجع إلى الحكاية على لغة الأكثر، كما ذكرنا، وتجوز الحكاية عندهم مع استيفاء الشروط،


(1) تكرر ذكر هذا الشطر، (2) انظر سيبويه ج 1 ص 62، (3) تقدم ذكره قريبا، (4) من شواهد سيبويه ج 1 ص 63 ونسبه إلى الكميت بن زيد من قصيدته التي يهجر فيها الأعور الكلبي وأهل اليمن والتي تقدم منها بعض الشواهد، منها قوله: فلا أعني بذلك أسفليكم * ولكني أريد به الذوينا وفي خزانة الأدب أن الذي في ديوان الكميت: أنواما تقول... أم متناومينا (*)،

[ 179 ]

قوله: (ولبعضها معنى آخر)، بل لكلها، فإن (حسبت) بمعنى صرت أحسب، وهو الذي في شعره شقرة، وخلت أي صرت ذا خال، أي خيلاء وزعمت به أي كفلت، وهذه الثلاثة بهذه المعاني تكون لازمة، قوله: (وعلمت بمعنى عرفت، ووجدت بمعنى أصبت)، قد ذكرنا أنه إذا تعدى علمت، ووجدت، إلى مفعولين، فإنهما بمعنى عرفت وأصبت، أيضا، إلا أن المعروف، والمصاب 1، مضمون الجملة، ونصب المفعولين وعدم نصبها يتعلق بالاستعمال، فعرفت، وأصبت، مع كونهما بمعنى علمت، ووجدت، لا ينصبان المفعولين،


(1) المراد بالمعروف والمصاب: ما وقع عليه معنى، فعل المعرفة والأصابة (*).

[ 181 ]

(الأفعال الناقصة) (معناها، ألفاظها، ما يتضمن معناها) (قال ابن الحاجب:) (الأفعال الناقصة: ما وضع لتقرير الفاعل على صفة،) (وهي: كان وصار وأصبح وأمسى وأضحى وظل وبات) (وآض وعاد وغدا وراح، وما زال وما فتئ وما انفك وما) (برح، وما دام، وليس، وقد جاء: ما جاءت حاجتك) (وقعدت كأنها حربة، تدخل على الجملة الاسمية لأعطاء) (الخبر حكم معناها، فترفع الأول، وتنصب الثاني، مثل:) (كان زيد قائما)، (قال الرضي:) إنما سميت ناقصة، لأنها لا تتم بالمرفوع كلاما 1، بل بالمرفوع مع المنصوب بخلاف الأفعال التامة، فإنها تتم كلاما بالمرفوع دون المنصوب، وما قال بعضهم من أنها سميت ناقصة لأنها تدل على الزمان دون المصدر، ليس بشئ، لأن (كان) في نحو: كان زيد قائما، يدل على الكون الذي هو الحصول المطلق، وخبره


(1) أي لا تصير مع المرفوع كلاما تاما ومثله ما بعده (*)،

[ 182 ]

يدل على الكون المخصوص، وهو كون القيام، أي حصوله، فجئ أولا بلفظ دال على حصول ما، ثم عين بالخبر: ذلك 1 الحاصل، فكأنك قلت: حصل شئ ثم قلت: حصل القيام، فالفائدة في إيراد مطلق الحصول أولا ثم تخصيصه، كالفائدة في ضمير الشأن قبل تعيين الشأن 2، على ما مر في بابه، مع فائدة أخرى ههنا، وهي دلالته على تعيين زمان ذلك الحصول المفيد، ولو قلنا: قام زيد لم يحصل هاتان الفائدتان معا، ف (كان) يدل على حصول حدث مطلق تقييده في خبره، وخبره يدل على حدث معين واقع في زمان مطلق تقييده في (كان)، لكن دلالة (كان) على الحدث المطلق أي الكون: وضعية، ودلالة الخبر على الزمان المطلق: عقلية، وأما سائر الأفعال الناقصة، نحو: صار، الدال على الانتقال، وأصبح، الدال على الكون في الصبح، أو الانتقال، ومثله أخواته 3، وما دام الدال على معنى الكون الدائم، وما زال، الدال على الاستمرار وكذا أخواته 4، وليس، الدال على الانتفاء: فدلالتها على حدث معين لا يدل عليه الخبر: في غاية 5 الظهور، فكيف تكون جميعها ناقصة بالمعنى الذي قالوه، قوله: (ما وضع لتقرير الفاعل على صفة)، كان ينبغي أن يقيد الصفة فيقول: على صفة غير مصدره، فإن (زيد) في ضرب زيد، أيضا، متصف بصفة الضرب، وكذا جميع الأفعال التامة، وأما الناقصة فهي لتقرير فاعلها على صفة، متصفة بمصادر الناقصة، فمعنى كان زيد قائما: أن زيدا متصف بصفة القيام المتصف بصفة لكون أي الحصول والوجود، ومعنى صار زيد غنيا: أن زيدا متصف بصفة الغني المتصف بصفة الصيرورة أي الحصول بعد أن لم يحصل، قوله (لتقرير الفاعل على صفة)، أي جعله وتثبيته عليها،


(1) نائب فاعل: عين، (2) أي قبل تفسيره بذكر خبره، وهو الأبهام ثم التفصيل، (3) المراد بأخواته: الأفعال الدالة على وقت، مثل أمسى وأضحى، (4) وكذلك هذا، المراد بأخواته ما دل على الاستمرار، مثله، (5) خبر عن قوله: فدلالتها على حدث معين (*)،

[ 183 ]

قوله: (كان، وصار، إلى آخرها)، لم يذكر سيبويه منها سوى (كان)، و (صار) و (مادام) و (ليس)، ثم قال 1: وما كان نحوهن من الفعل مما لا يستغني عن الخبر، والظاهر أنها غير محصورة، وقد يجوز تضمين كثير من التامة معنى الناقصة، كما تقول: تتم التسعة بهذا عشرة، أي تصير عشرة تامة، وكمل زيد عالما، أي صار عالما كاملا، قال تعالى: (فتمثل لها بشرا سويا) 2، أي صار مثل بشر، ونحو ذلك، وقد زيد على عدد الأفعال التي ذكرها المصنف، ونقص منه، فالذي زيد من مرادفات (صار): آل، ورجع، وحال، وارتد، كانت كلها في الأصل بمعنى (رجع) تاما، وكذا: استحال وتحول، فإنهما كانا في الأصل بمعنى: انتقل، وكذا كان أصل (صار)، فكان حق جميعها أن تستعمل تامة فتتعدى إلى ما هو مصدر لخبرها بإلى، إن عديت، نحو: صار إلى الغنى، ثم ضمنت كلها معنى: كان بعد أن لم يكن، لأن الشخص إذا رجع إلى الفعل وانتقل إليه، فلذلك الفعل يصير كائنا بعد أن لم يكن، ففاعلها في الحقيقة، بعد صيرورتها ناقصة: مصدر خبرها مضافا إلى اسمها، إذ معنى جميعها ناقصة: كان بعد أن لم يكن، وذلك المصدر هو الكائن بعد أن لم يكن، وفاعلها حين كانت تامة هو المرتفع بها لأنه الراجع والمنتقل، ويجوز استعمال (صار) ومرادفاتها تامة على الأصل، قال: 706 - فصرنا إلى الحسنى ورق كلامها * ورضت فذلت صعبة أي إذلال 3 وقال: 707 - أيقنت أني لا محا * لة، حيث صار القوم صائر 4


(1) سيبويه ج 1 ص 21، (2) من الآية 17 سورة مريم، (3) من قصيدة طويلة لأمرئ القيس، تكرر في هذا الشرح ذكر شواهد منها، وأول شاهد ورد في الجزء الأول في إعراب جمع المؤنث السالم، وهو قوله: تنورتها من اذرعات وأهلها * بيثرب: أدنى دارها نظر عالي (4) هذا من أبيات لقس بن ساعدة الأيادي، ختم بها إحدى خطبه، أولها: (*)

[ 184 ]

أي: مكان القوم منتقل، وقال تعالى: (انه ظن أن لن يحور) 1، ولا بد في التامة أن يليها لفظة على، وإلى، ظاهرين أو مقدرين، لأن الرجوع والانتقال من الأمور النسبية، لا يفهم من دون المنتقل عنه، والمنتقل إليه، وليس إلحاق مثل هذه الأفعال، بصار، قياسا، بل سماع، ألا ترى أن نحو، انتقل، لا يلحق به، مع أنه بمعنى (تحول)، وكذا، زيد على 2 (ما زال)، من مرادفاتها: ما فتئ، وما أفتأ، وما انفك، وما وني، وما رام، من رام يريم 3، أي: برح، وأصل ما زال، وما برح، وما فتئ وما فتأ 4، وما انفك: أن تكون تامة بمعنى: ما انفصل، فتتعدى بمن إلى ما هو الآن مصدر خبرها، فيقال في موضع ما زال زيد عالما: ما زال زيد من العلم، أي: ما انفصل منه، لكنها جعلت بمعنى: كان دائما، فنصبت الخبر نصب (كان)، وإنما جعلت بمعناه، لأنه إذا لم ينفصل شخص عن فعل، كان فاعلا له دائما، وكذا أصل (برح) و (دام)، أن يكونا تامين، بمعنى: زال عن مكانه، فيتعديان بأنفسهما، وبمن، نحو: برحت بابك ومن بابك، ورمت بابك ومن بابك، وأصل (وني): قصر، فكان الأصل أن يتعدى بفي نحو: ما وني زيد في القيام، فجعل الثلاثة بمعنى: كان دائما، لأنه إذا كان لا ينفصل عن الفعل، ولا يقصر فيه، يكون فاعلا له دائما،


= في الذاهبين الأولين * من القرون لنا بصائر والبيت المستشهد به آخرها، (1) الآية 14 سورة الانشقاق، (2) تقدم أنه يريد الزيادة على ما ذكره ابن الحاجب في المتن، وكثير مما ذكره مزيدا على ما زال: مكرر مع ما جاء في المتن، اللهم إلا إذا كان هذا من اختلاف النسخ، (3) وأما ان كان من رام يروم فهو متعد بنفسه بمعنى قصد، (4) لم يذكر ما فتا الثلاثي بين ما ذكره فيما زيد على ما زال، وذكره هنا في بيان أصلها (*).

[ 185 ]

وإنما أفاد دخول النفي على النفي 1 دوام الثبوت، لأن نفي النفي إثبات، وإذا قيدت نفي الشئ بزمان، وجب أن يعم ذلك النفي جميع ذلك الزمان، بخلاف الأثبات، فإنك إذا قيدت إثبات الشئ بزمان، لم يلزم استغراق الأثبات لذلك الزمان، إذا قلت، مثلا، ضرب زيد، كفى في صدق هذا القول: وقوع الضرب في جزء من أجزاء الزمن الماضي، وأما قولك: ما ضرب، فإنه يفيد استغراق نفي الضرب لجميع أجزاء الزمن الماضي، وذلك لأنهم أرادوا أن يكون النفي والأثبات المقيدان بزمن واحد في طرفي نقيض، فلو جعل النفي كالاثبات مقيدا بوقوعه، أي وقوع النفي في جزء غير معين من أجزاء الزمان المخصوص، لم يكن يناقض ذلك الأثبات، إذ يمكن كون الجزء الذي يقيد الأثبات به غير الجزء الذي يقيد النفي به، فلا يتناقضان، فاكتفي في الأثبات بوقوعه مطلقا، ولو مرة، وقصدوا في النفي الاستغراق، إذ استمرار الفعل، أصعب وأقل من استمرار الترك، فصار نحو: ضرب، وما ضرب، كالموجبة الجزئية والسالبة الكلية، اللتين تناقض إحداهما الأخرى، فتبين بهذا، أن النهي يفيد التكرار، على ما ذهب إليه أكثر الأصوليين، فحصل من هذا كله، أن نفي النفي يكون، أيضا، دائما، ونفي النفي يلزم منه الأثبات، فيلزم من نفي النفي إثبات دائم، وهو المقصود، ولا يجعل كل فعل مفيد للنفي، داخل عليه النفي، بمعنى: كان دائما، بل ذلك موقوف على السماع، فلا يقال: ما انفصل أو ما فارق ضاربا، ولا يقال: ما زلت أميرا، بضم الزاي، ولا: ما أزول أميرا 2، وما زال، الناقص: واوي، مضارعه: ما يزال، كخاف يخاف، فأما زال، يزول، وقولك: زاله يزيله أي فرقه، من الياء 3، فتامان،


(1) أي على النفي المستفاد من معاني هذه الأفعال، (2) مع أن في الفعل معنى النفي، (3) من الياء راجع إلى: راله يزيله (*)،

[ 186 ]

وقد حكى سيبويه 1 وأبو الخطاب عن بعض العرب: ما زيل يفعل كذا، وكيد يفعل كذا، وأصلهما: زول وكود، فنقلوا كسرة الواو فيهما إلى ما قبلها وقلبت ياء، كما يفعل في المبني للمجهول في نحو: قيل، وهو 2 خلاف القياس، والأكثر: ما زال، وما كاد 3، وقد يستعمل بعض هذه الأفعال المصدرة بما، للنفي: تاما، نحو: ما برح من موضعه، قال تعالى: (فلن أبرح الأرض) 4، و: ما ونى في أمره، و: ما انفك من هذا الأمر، وأما: ما زال، أو: لا يزال، وما فتئ، أو: فتأ، أو أفتا، فلا يستعملان 5 إلا ناقصين، قال سيبويه: إن (به) في قولك: ما زلت به حتى فعل: مفعول به، والأولى أن نقول هو الخبر، أي: ما زلت معه، ونقص ابن مالك من أخوات أصبح: غدا، وراح 6، فقال: هما لا يكونان إلا تأمين، وإن جاء بعد مرفوعهما منصوب فهو حال كقوله: 708 - غدا طاويا يعارض الريح هافيا * يخوت بأذناب الشعاب ويعسل 7


(1) هذا في سيبويه ج 2 ص 360 وحقه أن يقول: وحكى سيبويه عن أبي الخطاب، لأن عبارة سيبويه: وحدثنا أبو الخطاب.. الخ وأبو الخطاب هو الأخفش الأكبر شيخ سيبويه كما تقدم بيانه، وتكرر ذكره، (2) أي هذا النقل والأبدال بالنسبة للمبني للمعلوم، (3) ذكر (ما) مع كاد في التمثيل للأكثر، غير ضروري ولكن المراد: الأكثر من حيث كون الفعل واوي العين، (4) الآية 80 سورة يوسف، (5) التثنية باعتبار أن المذكور نوعان من الأفعال هي: زال، وتصرفاتها ، وفتئ وتصرفاتها، (6) ما نقله عن ابن مالك موجود في التسهيل، باب الأفعال الرافعة للاسم، الناصبة للخبر، (7) هذا البيت من قصيدة الشنفري المعروفة بلامية العرب، وهو من الجزء الذي يصف فيه الذئب الجائع حين يبحث عن قوته، وقبل ذلك شبه نفسه بهذا الذئب حيث يقول: وأغدو على القوت الزهيد كما غدا * أزل تهاداه التنائف أطحل وقوله يعارض الريح هافيا: أي سريعا، وقيل معناه: جائعا، يخوت، يصرخ، ويعسل من العسلان وهو مشى فيه اضطراب، واشتهرت الذئاب بهذه المشية، ومن هذه اللامية شواهد أخرى في هذا الشرح، منها الشاهد الذي يأتي بعد قليل ؟ (*)

[ 187 ]

أقول 1: إذا كان (غدا) بمعنى مشى في الغداة، كقوله تعالى: (أن اغدوإ، على حرثكم) 2، وراح بمعنى رجع في الرواح وهو ما بعد الزوال إلى الليل، نحو: راح إلى بيته، فلا ريب في تمامهما، وأما نحو قوله: 709 - ولا خالف دارية متغزل * يروح ويغدو داهنا يتكحل 3 فإن كانا بمعنى يدخل في الرواح والغداة، فهما أيضا تامان، والمنصوب بعدهما حال، وإن كانا بمعنى يكون في الغداة، فهما أيضا تامان، والمنصوب بعدهما حال، وإن كانا بمعنى يكون في الغداة والرواح فهما ناقصان، فلا منع، إذن، من كونهما ناقصين، ومن الملحقات: جاء، في: ما جاءت حاجتك، أي: ما كانت حاجتك، و (ما) استفهامية، وأنت الضمير الراجع إليه، لكون الخبر عن ذلك الضمير مؤنثا، كما في: من كانت أمك، ويروى برفع حاجتك على أنها اسم (جاءت) و (ما) خبرها، وأول من قال ذلك 4: الخوارج، قالوه لابن عباس رضي الله عنهما حين جاء إليهم رسولا من علي رضي الله عنه، ومنها (قعد) في قول الأعرابي: أرهف شفرته حتى قعدت كأنها حربة، أي صارت، قال الأندلسي: لا يتجاوز بهذين: أعني جاء، وقعد، الموضع الذي استعملتهما فيه العرب، وطرده 5 بعضهم،


(1) مناقشة لابن مالك في رأيه أن غدا وراح لا يكونان إلا تامين، (2) الآية 22 سورة القلم، (3) من لامية الشنفري التي منها الشاهد السابق، وهو من أبيات يصف فيها نفسه، يقول: لست خالفا، والخالف الذي لا خير فيه من الرجال والدارية: الملازم لداره لا يفارقها أو الملازم لامرأته، والداهن والمتكحل يريد بهما أنه ليس كالذي لا هم له إلا التزين بالكحل والتطيب، (4) أي: ما جاءت حاجتك وفي سيبويه ج 1 ص 25: وزعم يونس أنه سمع رؤية يقول: ما جاءت حاجتك فرفع، (5) أي جعله مطردا يقاس عليه (*)،

[ 188 ]

وقال المصنف، واجاد: الأولى طرد جاء، في مثل: جاء البر قفيزين، وقيل: هو حال، وليس بشئ، لأنه لا يراد أن البرجاء في حال كونه قفيزين، ولا معنى له، قال 1: وأما (قعد) فلا يطرد، وإن قلنا بالطرد فإنما يطرد في مثل هذا الموضع الذي استعمل فيه أولا، يعني قول الأعرابي، فلا يقال: قعد كاتبا، بمعنى صار، بل يقال قعد كأنه سلطان، لكونه مثل: قعدت كأنها حربة، قوله: (تدخل على الجملة الاسمية لأعطاء الخبر حكم معناها)، وذلك لما قدمنا: أن مضمون الأفعال الناقصة صفة لمضمون خبرها، قوله: (فترفع الأول وتنصب الثاني)، تسمية مرفوعها اسما لها، أولى من تسميته فاعلا لها، إذ الفاعل، كما ذكرنا، في الحقيقة: مصدر الخبر مضافا إلى الاسم، فكما لا يسمى منصوبها المشبه بالمفعول مفعولا: فالقياس ألا يسمى مرفوعها المشبه للفاعل فاعلا، لكنهم سموه فاعلا على القلة ولم يسموا المنصوب مفعولا، لما مهدوا 2 من أن كل فعل لا بدله من فاعل وقد يستغني عن المفعول، (تفصيل أحكام) (الأفعال الناقصة) (قال ابن الحاجب:) (فكان، تكون ناقصة لثبوت خبرها ماضيا، دائما أو منقطعا) (وبمعنى صار، ويكون فيها ضمير الشأن، وتكون تامة) (بمعنى ثبت، وزائدة، وصار، للانتقال، وأصبح وأمسى)


(1) أي المصنف، (2) أي وضعوا من القواعد والأصول التي تتفرع عنها الجزئيات (*)،

[ 189 ]

(وأضحى لاقتران مضمون الجملة بأزمانها، وبمعنى صار،) (وتكون تامة، وظل وبات لاقتران مضمون الجملة بوقتيهما،) (وبمعنى صار وما زال وما فتئ وما انفك لاستمرار خبرها) (لفاعلها مذ قبله، ويلزمها النفي، وما دام لتوقيت أمر بمدة) (ثبوت خبرها لفاعله، ومن ثم احتاج إلى كلام لأنه ظرف،) (وليس، لنفي مضمون الجملة حالا، وقيل مطلقا)، (قال الرضي:) شرع يذكر معاني هذه الأفعال الناقصة، ويذكر، أيضا، مجئ بعضها تاما أو زائدا، قال: فكان، تكون ناقصة بمعنيين: أحدهما ثبوت خبرها مقرونا بالزمان الذي تدل عليه صيغة الفعل الناقص، إما ماضيا، أو حالا، أو استقبالا، فكان، للماضي، ويكون للحال أو للاستقبال، وذهب بعضهم إلى أن (كان) يدل على استمرار مضمون الخبر في جميع الزمن الماضي، وشبهته قوله تعالى: (وكان الله سميعا بصيرا) 1، وذهل عن أن الاستمرار مستفاد من قرينة وجوب كون الله سميعا بصيرا، لامن لفظ (كان)، ألا ترى أنه يجوز: كان زيد نائما نصف ساعة فاستيقظ، وإذا قلت: كان زيد ضاربا لم يفد الاستمرار، وقول المصنف: دائما أو منقطعا: رد على هذا القائل، يعني أنه يجئ دائما، كما في الآية، ومنقطعا كما في قولك: كان زيد قائما، ولم يدل لفظ (كان) على أحد الأمرين، بل ذاك إلى القرينة، والمعنى الثاني: أن يكون بمعنى (صار)، وهو قليل بالنسبة إلى المعنى الأول، قال: 710 - بتيهاء قفر والمطي كأنها * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها 2


(1) في الآية 134 سورة النساء، والأمثلة على ذا كثيرة في القرآن الكريم. (2) قال البغدادي: انه من أبيات لابن أحمر، شاعر إسلامي مخضرم، وقبله: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة * صحيح السري والعيس تجري غروضها (*)

[ 190 ]

قوله: (ويكون فيها ضمير الشأن) أي يكون في (كان) الناقصة على أي معنى كانت من معنييها: ضمير الشأن مقدرا، فيرتفع المبتدأ والخبر بعدها، منصوبة 1 المحل، خبرا لكان، وقال بعضهم: كان، المضمر فيها الشأن تامة، فاعلها ذلك الضمير، أي، وقعت القصة، ثم فسرت القصة بالجملة، والأول أولى، لأنه لم يثبت في كلام العرب ضمير شأن إلا مبتدأ في الحال، نحو: (قل هو الله أحد) 2، أو في الأصل كاسم (إن)، وأول مفعولي ظننت، نحو: انه زيد قائم، وظننته: زيد قائم، وتكون تامة بمعنى (ثبت) وقد تقدم 3 ما يرشدك إلى أن الناقصة، أيضا، تامة في المعنى، وفاعلها مصدر الخبر مضافا إلى الاسم، فوزانهما وزان 4 (علم) الناصبة لمفعول واحد، وعلم، الناصبة لمفعولين، فهما بمعنى واحد، ونقل أن (كان) تجئ بمعنى: كفل، وغزل 5، قوله: (وزائدة)، اعلم أن (كان) تزاد غير مفيدة لشئ، إلا محض التأكيد، وهذا معنى زيادة الكلمة في كلام العرب، كقوله 6: 711 - سراة بني أبي بكر تسامى * على، كان، المسومة العراب 7


= صحيح السري، أي غير جائر عن القصد، وتشبيه الابل بالقطا التي تركت فراخها وهي خارجة من البيض، يراد به السرعة الزائدة، (1) هكذا جاءت هذه الكلمة والمراد بها أن المبتدأ والخبر معا بعد كان: يصيران جملة منصوبة المحل، (2) اول آية في سورة الاخلاص، (3) في أول الباب، (4) أي تقديرها كتقدير علم، (5) في القاموس: يقال كان اليتيم كيانة أي كفله، وكان الغزل، أي غزله، (6) تمثيل لزيادة كان، لا لمطلق الزيادة، (7) سراة: جمع سري وهو الكريم، وتسامي أي تتسامي أي تتبارى، وقال البغدادي بعد أن شرح البيت: وهذا البيت مع شهرته وتداوله، لم أقف له على خبر (*)،

[ 191 ]

وكذا قيل في قوله تعالى: (من كان في المهد صبيا) 1: انها زائدة، غير مفيدة للماضي، وإلا، فأين المعجزة 2، و (صبيا) على هذا، حال، وكذا قولهم: ولدت فاطمة بنت الخرشب 3: الكلمة من عبس، لم يوجد، كان، مثلهم، وكذا قول الفرزدوق: 712 - في لجة غمرت أباك بحورها * في الجاهلية كان والأسلام 4 وأما إذا دلت (كان) على الزمان الماضي ولم تعمل، نحو: ما كان أحسن زيدا، وكذا قولهم: ان من أفضلهم كان، زيدا، فهي زائدة عند سيبويه 5، وقال المبرد: ان (زيدا) اسم إن، وكان خبرها، ومن أفضلهم، خبر كان، ورد بأن خبر (إن) لا يتقدم على اسمها، إلا إذا كان ظرفا، ففي تسميتها زائدة، نظر 6، لما ذكرنا: أن الزائد من الكلم عندهم، لا يفيد إلا محض التأكيد فالأولى أن يقال: سميت زائدة مجازا، لعدم عملها، وإنما جاز ألا تعملها مع أنها غير زائدة، لأنها كانت تعمل، لدلالتها على الحدث المطلق، الذي كان الحدث المقيد في الخبر يغني عنه، لا لدلالتها على زمن ماض، لأن الفعل إنما يطلب الفاعل والمفعول لما يدل عليه من الحدث، لا للزمان، فجاز لك أن تجردها في بعض المواضع عن ذلك الحدث المطلق، لأغناء الخبر عنه فإذا جردتها لم يبق إلا الزمان، وهو لا يطلب مرفوعا ولا منصوبا، فبقي 7 كالظرف


(1) الآية 29 سورة مريم. (2) يعني أن اعتبار كان مفيدة لمعنى الماضي أي غير زائدة تضيع معه المعجزة، لأنه لو لم تكن زائدة لكان المعنى أنه كلمهم بعد انقضاء فترة الطفولة، (3) الكملة: جمع كامل، وهو صفة أولاد فاطمة المذكورة، وقد اشتهروا بذلك، (4) من قصيدة للفرزدق في هجاء جرير وقبله: وحسبت بحر بني كليب مصدر * فغرقت حين وقعت في القمقام ويروى: وحسبت حبل.. أي ظننت أن ارتباطك بهم ينجيك من هجائي، (5) نقل ذلك سيبويه عن الخليل في الجزء الأول ص 289، (6) مبتدأ خيره قوله في تسميتها زائدة، وهذا راجع إلى ما تقدم من القول بزيادتها في مثل ما ذكر، (7) الحديث عن كان، وهو قد تحدث عنها من قبل بأسلوب التأنيث ثم قال فبقي، أي لفظ كان وقد أشرنا من قبل كثيرا إلى أن تذكير الألفاظ وتأنيثها جائز في ذاته باعتبارها ألفاظا أو كلمات، ولكن الرضي كثيرا (*)

[ 192 ]

دالا على الزمان فقط، فلذا جاز وقوعه موقعا لا يقع فيه غيره، حتى الظرف، تبيينا لألحاقه بالظروف التي يتسع فيها، فيقع بين (ما) التعجب 1، وفعله، وبين الجار والمجرور، نحو: على كان المسومة 2، فثبت أن (كان) المفيدة للماضي، التي لا تعمل، مجردة عن الحدث المطلق، وقد ذكر السيرافي 3: أن فاعلها: مصدرها، أي: كان الكون، وهو هوس 4، إذ لا معنى لقولك: ثبت الثبوت، وقوله 5: 713 - لعلك والموعود حق لقاؤه * بدا لك من تلك القلوص بداء 6 معناه: رأى باد، المصدر بمعنى اسم الفاعل، ومذهب أبي علي 7، أنه لا فاعل لها، على ما اخترنا، فعلى هذا، قول الفرزدق: 714 - فكيف إذا مررت بدار قوم * وجيران لنا كانوا كرام 8


= ما يجمع بين الحالتين في عبارة واحدة، مثل ما هنا، (1) كلمة (ما) مضاف، والتعجب مضاف إليه أي بعد ما الدالة على التعجب، ومثل هذا كثير في كلامه، (2) في الشاهد السابق، (3) شارح كتاب سيبويه، وتكرر ذكره، (4) الهوس نوع من الجنون، وهذا نقد لاذع من الرضي، رحمه الله، (5) هذا مبتدأ، خبره قول الشارح: معناه بار.. الخ، (6) بين الشارح وجه الاستشهاد بالبيت وهو من أبيات لمحمد بن بشير الخارجي، كان رجل قد وعده بقلوص ثم مطله، فقال هذه الأبيات، يقول فيها: فإن الذي ألقي إذا قال قائل * من الناس: هل أحستها، لعناء وقوله هل أحسستها أي وجدت حسها أي هل وصلت إليك، يقول انه يلقي عناء إذا سأله أحد عن وصول القلوص إليه، (7) أي الفارسي وتكرو ذكره، (8) من قصيدة للفرزدق في هجاء جرير، ووجه الشاهد فيه بينه الشارح (*)،

[ 193 ]

(كانوا) فيه، ليست بزائدة، كما ذهب إليه المبرد، وإنما قال ذلك لثبوت فاعلها، و (لنا) خبرها، أي: جيران كرام كانوا لنا، وقال سيبويه 1: هي زائدة مع الفاعل، لأنه كالجزء منها، والأول أولى، لأفادتها، معنى، وعملها لفظا، ثم اعلم أن الزائدة، والمجردة للزمان، أعني غير العاملة، لاتقعان أولا، لأن البداية تكون باللوازم والأصول، والمجردة للزمان كالزائدة، فلا يليق بهما الصدر، وتقعان في الحشو كثيرا، وفي الأخير، على رأي، نحو قولك: حضر الخطيب، كان، ولا تزاد، ولا تجرد إلا ماضية، لخفتها، وقد أجاز أبو البقاء 2: زيادة مضارع (كان) في قول حسان: 715 - كأن سبيئة من بيت رأس * يكون مزاجها عسل وماء 3 على رواية رفع مزاجها، وعسل وماء 4، قوله: (وصار للانتقال)، هذا معناها إذا كانت تامة، كما تقدم، ومعناها إذا كانت ناقصة: كان بعد أن لم يكن، فتفيد ثبوت مضمون خبرها، بعد أن لم يثبت، ومعنى يصير: يكون بعد أن لم يكن، قوله: (وأصبح وأمسى وأضحى، لاقتران مضمون الجملة بأزمانها)، هذه الثلاثة تكون ناقصة، وتامة، والناقصة بمعنيين: إما بمعنى (صار) مطلقا، من غير اعتبار الأزمنة


(1) سيبويه ج 1 ص 289، (2) أبو البقاء: عبد الله بن الحسين الضرير، العكبرى، صاحب الكليات وشارح ديوان المتبني، من أبرز العلماء توفي سنة 616 ه، (3) من قصيدة طويلة لحسان بن ثابت، مما قاله في الأسلام دفاعا عن النبي صلى الله عليه وسلم والبيت من مقدمتها الغزلية وفيها وصف الخمر، على عادتهم، وبعده، وفيه خبر كأن: على أتيا بها أو طعم غض * من التفاح هصره اجتناء (4) وروى برفع عسل وماء ونصب (مزاجها) على أنه خبر يكون فلا ضمير شأن في الكلام (*).

[ 194 ]

التى يدل عليها تركيب الفعل، أعني الصباح، والمساء، والضحى، بل باعتبار الزمن الذي تدل عليه صيغة الفعل، أعني الماضي والحال والاستقبال، وإما 1 بمعنى: كان في الصبح، وكان في المساء، وكان في الضحى، فيقترن، في هذا المعنى الأخير، مضمون الجملة أعي مصدر الخبر مضافا إلى الاسم، بزمان الفعل، أعني الذي يدل عليه تركيبه والذي تدل عليه صيغته،. فمعنى أصبح زيد أميرا: أن إمارة زيد مقترنة بالصبح في الزمان الماضي، ومعنى يصبح قائما: أن قيامه مقترن بالصبح في الحال أو في الاستقبال، وتكون تامة، كقولك: أصبحنا والحمد لله، وأمسينا والملك لله، أي: وصلنا إلى الصبح والمساء ودخلنا فيهما، وكذلك: أضحينا، فيدل، أيضا، كل منها على الزمانين، وحكى الأخفش زيادة (أصبح) و: (أمسى)، بعد (ما) التعجب، ككان، في لفظين، وهما: ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفأها، ورده أبو عمرو، وقال السيرافي: أنه ليس في كتاب سيبويه، وإنما كان حاشية في كتابه، أقول: لو ثبت ما حكى الأخفش، لكان كل منهما مجردا عن الحدث للزمانين، أي الصبح والمساء، والزمن الماضي، كما كان لفظ (كان) مجردا للماضي، قوله: (وظل وبات.. إلى آخرة)، يعني أن معنى ظل زيد متفكرا: كان في جميع النهار كذلك، فاقترن مضمون الجملة، وهو تفكر زيد، بجميع النهار مستغرقا له، ويقترن، أيضا، بزمانه الآخر المدلول عليه بالصيغة أي: الماضي، أو الحال، أو الاستقبال، وتصريفه: ظل يظل ظلولا، قالوا: ولم تستعمل (ظل) إلا تامة، وقال ابن مالك: تكون تامة بمعنى طال، أو دام، والعهدة عليه 2:


(1) مقابل قوله: أما بمعنى صار بعد قوله والناقصة بمعنيين، (2) أورده ابن مالك في التسهيل في هذا الباب (*)،

[ 195 ]

وقولك: بات زيد مهموما، أي كان في جميع الليل كذلك، فاقترن هم زيد، بزماني (بات)، وهما: جميع الليل والزمن الماضي، ومصدره: البيتوتة، ومضارعه: يبيت، ويبات كباع يبيع، وهاب يهاب، وتجئ تامة بمعنى: أقام ليلا، ونزل، وسواء نام أو لم يتم، وفي كلامهم: ليلة السبت، سر، وبت، وقد جاءت (ظل) ناقصة بمعنى (صار) مجردة من الزمان المدلول عليه بتركيبها، قال تعالى: (ظل وجهه مسودا) 1. وأما مجئ (بات) بمعنى صار، ففيه نظر، قال الأندلسي 2: جاء في الحديث بات بمعنى صار، وهو: أين باتت يده 3 قال 4: لأن النوم قد يكون بالنهار، قال: ويحتمل أن يقال: انها أخرجت في هذا الخبر مخرج الغالب، لأن غالب النوم بالليل، قوله: (وما زال... إلى آخرة)، قد ذكرنا أن معنى ما زال وأخواته: كان دائما، فقولك ما زال زيد أميرا، أي استمرت الأمارة ودامت لزيد مذ قبلها واستأهل لها، وهو 5 وقت البلوغ الذي يمكن قيامة بها فيه، لا قبل ذلك، قوله: (ويلزمها النفي)، إن كانت ماضية 6 فبما، ولم، وبلا في الدعاء، وان كانت مضارعة فبما ولا ولن، والأولى ألا يفصل بين لا، وما، وبينها بظرف أو شبهه، وإن جاز ذلك في غير هذه الأفعال، نحو: لا اليوم جئتني ولا أمس، وذلك لتركب حرف النفي معها لأفادة الثبوت، وقوله:


(1) الآية 58 سورة النحل، (2) تكرر ذكره، (3) ورد هذا في الأمر بغسل اليد قبل الوضوء عند القيام من النوم، وهو: فانه لا يدري أحدكم أين باتت يده، (4) أي الأندلسي، (5) أي وقت قبوله لها واستحقاله لها، (6) أي ماضبه ولو معنى كالمضارع المنفي بلم أو لما، ولا يكون المضارع ماضيا في المعنى إلا بعدهما (*)

[ 196 ]

716 - فلا، وأبى دهماء، زالت عزيزة على قومها ما فتل الزند قادح 1 شاذ، وليس مما حذف فيه حرف النفي كما في قوله تعالى: (تالله تفتأ تذكر يوسف) 2 بتأويل: لا وأبي دهماء، لا زالت، لأن 3 حذفهما 4 لم يسمع إلا من مضارعاتها، وإنما جاز حذفها لعدم اللبس، إذ تقرر أنها لا تكون ناقصة إلا معها، قال: 717 - تنفك تسمع ما حييت * بها لك حتى تكونه 5 وتحذف منها كثيرا في جواب القسم كقوله تعالى تالله تفتأ تذكر، وقوله: 718 - تزال حبال مبرمات أعدها * لها ما مشى يوما على خفه جمل 6 لأن حذف حرف النفي في جواب القسم ثابت في غير هذه الأفعال أيضا، نحو: والله أقوم: أي: لا أقوم، فكيف بها 7،


(1) روي: لعمر أبي دهماء - فليس فيه فصل، وإنما فيه حذف حرف النفي قبل زال وسيأتي أن ذلك خاص بالمضارع، وقال البغدادي: لم أقف على قائل هذا البيت ولا تكملته، يريد ما يتصل به من شعر قبله أو بعده. (2) الآية 85 سورة يوسف، (3) تعليل لقوله: وليس مما حذف فيه حرف النفي، (4) أي حرف النفي، وأراد (لا) بتأويل أنها كلمة، (5) هذا ثاني بيتين، نسبهما أبو عبيد: القاسم بن سلام لشاعر اسمه خليفة بن براز وهو شاعر جاهلي، وكان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يتمثل بهما، والبيت الثاني هو: والمرء قد يرجو الحياة * مؤملا والموت دونه (6) كان شاعر اسمه سالم بن قحفان، كريما، جاءة أحد أقاربه فأعطاه بعيرا وقال لامرأته هاتي حبلا يقرن به ما أعطيته ففعلت، وتكرر هذا الأمر حتى قالت له: ما بقي عندي حبل، فقال لها: علي الجمال وعليك الحبال ثم قال أبياتا منها: فلا تعذليني في العطاء ويسري * لكل بعير جاء طالبه حبلا فألقت إليه بخمارها، وقالت: اجعله حبلا ثم قالت: حلفت يمينا يا ابن قحفان بالذي * تكفل بالأرزاق في السهل والجبل ترال حبال، أي لا تزال، وبهذا يتحقق شرط تقدم القسم، وهو قولها حلفت يمينا.. (7) الباء في مثل هذا زائدة، أي فكيف هي أي هذه الأفعال، لأن ملازمة النفي لها في الاستعمال يكون قرينة عند حدفه (*)،

[ 197 ]

ولكون ما زال، وأخواتها بمعنى الأيجاب من حيث المعنى، لا تتصل أداة الاستثناء بخبرها، لأن الاستثناء المفرغ لا يكون في الموجب إلا في الفضلات، كما مر في بابه،. وخبر 1 المبتدأ ليس بفضلة، فلا يجوز: ما زال زيد إلا عالما، لاستحالة استمرار زيد على جميع الصفات إلا العلم، وأما خبر ليس، وأخبار كان، وصار، وأخواتهما، إذا كانت منفية فيجوز اقترانها بإلا، إذا قصدت الأثبات، وقد يمتنع ذلك فيها، أيضا، وذلك إذا تقدمت أخبارها عليها، فلا يجوز: إلا قائما لم يكن زيد، وإلا غنيا لم يصر خالد، لامتناع تصدر (الا)، كما مر في بابه 2، وقد خطى ذو الرمة في قوله: 719 - حراجيج ما تنفك إلا مناخة * على الخسف أو ترمي بها بلدا قفرا 3 واعتذر بأن (تنفك) تامة، أي: ما تفارق وطنها، ومناخة: حال، وعلى الخسف، متعلق بمناخة، جعل الخسف كالأرض التي تناخ عليها كقوله: 720 - وخيل قد دلفت لها بخيل * تحية بينهم ضرب وجيع 4 وترمي، عطف على مناخة، نحو قوله تعالى: (صافات ويقبضن) 5، وقيل: هي ناقصة، خبرها على الخسف، أي معه، ومناخة حال، وفيه ضعف من وجهين، إن كان


(1) الذي هو خبر هذه الأفعال (2) أي باب الاستثناء، في الجزء الثاني، (3) من قصيدة لذي الرمة مطلعها: لقد حشأت نفسي عشية مشرف * ويوم لوى حزوى فقلت لها صبرا وحراجيج: جمع حرجوج وهي الناقة الطويلة على وجه الأرض، وقيل هي الضامر، (4) من قصيدة لعمرو بن معد يكرب الزبيدي أولها: أمن ريحانة الداعي السميع * يؤرقني وأصحابي هجوع وتقدم هذا المطلع شاهدا في صيغ المبالغة، في الجزء الثالث من هذا الشرح، (5) الآية 19 سورة الملك، والتشبية في عطف الفعل على الاسم الذي بمعناه (*)،

[ 198 ]

العامل في الحال ما تنفك، أحدهما: أن المفرغ قلما يأتي في المثبت وإن كان المستثني فضلة، كالحال في مثالنا، والثاني أن العامل قبل (إلا) لا يعمل، عند البصريين، فيما بعد المستثنى الا في تابعه أو في المستثنى منه، كما مر في بابه 1، وإن كان العامل في الحال (على الخسف)، ففيه ضعف من ثلاثة أوجه: أحدها أن المفرغ قلما يأتي في المثبت، والثاني أن عامل الحال يكون الظرف المتأخر عنه، ولم يجزه سيبويه، خلافا للأخفش، والثالث أن المستثنى، إذن، يكون مقدما في الاستثناء المفرغ على عامله ولا يجوز ذلك عند البصريين، كما تقدم في باب الاستثناء. قوله: (وما دام لتوقيت أمر.. إلى آخره)، أي لتوقيت فعل بمدة ثبوت مصدر خبرها لفاعل ذلك المصدر، فأنت في قولك: اجلس ما دام زيد قائما أبوه، مؤقت لجلوس المخاطب بمدة ثبوت قيام أبي زيد، وكذا إن كان فاعل الخبر ضمير اسم دام، نحو: اجلس ما دام عمرو قائما، قوله: (ومن ثم احتاج..)، أي: ومن أجل كونه توقيتا لشئ، يكون ظرفا لذلك الشئ والظرف فضلة فلا بد من تقدم جملة، اسمية، كانت أو فعلية، لفظا أو تقديرا، كغيره من الفضلات، و (ما) التي في أول (ما دام) مصمدرية، والمضاف الذي هو الزمان محذوف، أي مدة دوام قيام زيد، قوله: (وليس لنفي مضمون الجملة) قال سيبويه، وتبعه ابن السراج: ليس، للنفي مطلقا، تقول: ليس خلق الله مثله 2 في الماضي، وقال تعالى: (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم) 3، في المستقبل، وجمهور النجاة على أنها لنفي الحال، قال الأندلسي، وأحسن 4، ليس بين القولين


(1) شرح الرضى بإسهاب هذا في باب الفاعل في الجزء الأول، وذكره في باب الاستثناء في الجزء الثاني. (2) بمعنى: ما خلق الله مثله. فلفظ خلق بصيغة الماضي، والمثال في سيبويه ج 1 ص 35 (3) الآية 9 سورة هود، (4) جملة معترضة، قصد بها التعجيل بتزكية رأي الأندلسي (*)،

[ 199 ]

تناقض، لأن خبر ليس، إن لم يقيد بزمان، يحمل على الحال، كما يحمل الأيجاب عليه في نحو: زيد قائم، وإذا قيد بزمان من الأزمنة فهو على ما قيد به، هذا قوله 1، وحكم (ما) كحكم (ليس)، في كونها عند الأطلاق لنفي الحال، وعند التقييد، على ما قيدت به، وقد ذكرنا حكم (لا) في باب المضارع 2، وأصل ليس: ليس، كهيب، كما يقال في علم: علم 3، وإلزامهم تخفيفها بالأسكان، وتركهم قلب يائها ألفا، كما هو القياس في: هاب، الماضي، لمخالفتها أخواتها في عدم التصرف، ولا يجوز أن يكون مفتوح الياء إذ الفتحة لا تحذف في العين تخفيفا، وسيبويه والأكثرون على أنه فعل غير متصرف، وقال أبو علي في أحد قوليه: انه حرف، إذ لو كان مخفف (فعل) كصيد في صيد، لعادت حركة العين على الياء، عند اتصال الضمير، كصيدت، ولو كان كهاب لكسرت الفاء، كهبت، والجواب: أن ذلك لمفارقته أخواته في عدم التصرف، قال أبو علي: وأما إلحاق الضمير به في: لست ولستما ولستم، فلتشبيهه بالفعل، لكونه على ثلاثة، وبمعنى (ما) وكونه رافعا فناصبا، كما ألحق الضمير في: هاء، هائيا، هاؤوا، هائي، هائيا، هائين، مع كونه اسم فعل، تشبيها بالفعل، والأولى الحكم بفعليته، لدلالة اتصال الضمائر به عليها، وهي لا تتصل بغير صريح الفعل إلا نادرا، كما ذكرنا في هاء 4،.


(1) أي قول الأندلسي، (2) في أول هذا الجزء، (3) أي فأكتفي في ليس بهذا التخفيف، وبه يزول سبب قلب الياء ألفا، لأنها أصبحت ساكنة وإن كان ما قبلها مفتوحا، (4) في باب أسماء الأفعال، في الجزء الثالث (*)،

[ 200 ]

(تقديم الخبر على الاسم) (وعلى الفعل الناقص) (قال ابن الحاجب:) (ويجوز تقديم أخبارها كلها على أسمائها، وهي في تقديمها) (عليها على ثلاثة أقسام، قسم يجوز، وهو من: كان، إلى) (راح، وقسم لا يجوز، وهو ما في أوله (ما)، خلافا لابن) (كيسان في غير ما دام، وقسم مختلف فيه وهو ليس.)، (قال الرضي:) ذكر ابن معط 1: أن خبر ما دام لا يتوسط بينه وبين الاسم، وهو غلط لم يذكره غيره، وقد ذكرنا ذلك في باب الموصولات، قوله: (من كان إلى راح)، كل ما ليس في أوله (ما) مما ذكره المصنف، ومما لم يذكره، من الأفعال الناقصة، يجوز تقديم أخبارها عليها، وفي (ليس) خلاف، على ما يجئ، وأما (ما دام) فلا خلاف في امتناع تقديم خبرها عليها كما ذكرنا في الموصولات،. وكذا لا يجوز فصل (ما) عن الفعل بالخبر، كما مر هناك، وأما غير (ما دام) مما في أوله (ما) من هذه الأفعال، فأجاز الكوفيون غير الفراء، ووافقهم ابن كيسان: تقديم خبرها عليها، قالوا: لأن (ما) لزمت هذه الأفعال الناقصة وصارت معها بمعنى الأثبات، فهي كجزئها، بخلاف نحو: ما فارق، وما انفصل، فإنها لم تلزمها، بل جاز حذفها لفظا ومعنى، والفصل بينها وبين الفعل ولم يجز ذلك في هذه الأفعال،


(1) أبو الحسن: يحيى بن عبد المعطي، من المغرب، رحل إلى الشام وقدم إلى مصر وانتفع الناس بعلمه وبمؤلفاته، ومنها الألفية التي أشار إليها ابن مالك في ألفيته (*)،

[ 201 ]

ولم يجوز ذلك غيرهم، نظرا إلى لفظ (ما)، ولو لم يكن فيها معنى النفي، لم يصر الكلام مثبتا بمعنى الدوام، وأما توسط الخبر بين (ما) النافية والفعل، في هذه الأفعال، فلم يجوزه أحد منهم، لأنها لازمت هذه الأفعال حتى صارت كبعض حروفها، فلا يجوز: ما قائما زال زيد، كما جاز: ما قائما كان زيد، اتفاقا، وكل حكم ذكرناه في (ما) النفي، فهو ثابت في (إن) النافية، وأما غيرهما من حروف النفي نحو لم، ولن، ولا، فإذا انتفى بها الأفعال المذكورة، لم يجز توسيط الخبر بينها وبين الأفعال، اتفاقا، لما ذكرنا في (ما)، ويجوز تقديمها عليها، اتفاقا، لأنها ليست كما في طلب التصدير، كما مر في المنصوب على شريطة التفسير، وأما ليس، فالأكثرون على جواز تقديم خبرها عليها، ومنع الكوفية من ذلك، لأن مذهبهم أنها حرف، كما، فألحقوها بها، كإن، ووافقهم المبرد، وإن كان مذهبه أنها فعل، نظرا إلى عدم تصرفها ومشابهتها لما، ولنقصان فعليتها، جاز ترك نون الوقاية معها، كما في قوله: إذ ذهب القوم الكرام ليس 1 - 380 ولذلك، أيضا، أجاز بعضهم ابطال عملها بإلا، كما في قولهم: ليس الطيب إلا المسك بالرفع، واستدل المجوز بقوله تعالى: (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم) 2، قالوا: لأن المعمول لا يجوز وقوعه إلا حيث يجوز وقوع العامل، ولا يطرد لهم ذلك، فإنك تقول: زيدا لن أضرب، ولم أضرب، ولا منع أن يقال: ان (يوم يأتيهم) ظرف لليس، فإن الأفعال الناقصة تنصب الظروف لدلالتها على مطلق الحدث،


(1) تقدم ذكره في نون الوقاية، والضمائر، الجزء الثاني، (2) الآية 9 سورة هود وتقدمت قريبا (*)،

[ 202 ]

واعلم أنه لا تدخلا الأفعال الناقصة على مبتدأ واجب الحذف، كما ذكرنا في باب المبتدأ، كما يكون للنعت المقطوع بالرفع، وللممدوح أو المذموم، ولا على مبتدأ لازم التصدر كأسماء الاستفهام والشرط، ولا على مبتدأ عادم التصرف، كما، التعجية، ولا على مبتدأ يلزم الابتدائية لكونه في المثل، كقولهم: الطعن يظئر 1، أو يلزمها لكونه في جملة كالمثل، كالجمل الاعتراضية، كقوله: فأنت طلاق، والطلاق عزيمة * ثلاثا ومن يخرق أعق وأظلم 2 - 236 أو يلزم الابتدائية لكونه بعد (أما) وإذا المفأجاة، أو لتضمنه معنى الدعاء، كسلام عليك، فإنه يلزم الابتدائية ليفيد معنى الثبوت، كما ذكرنا في باب المبتدأ، ولا تقع أخبار هذه الأفعال جملا طلبية، وذلك لأن هذه الأفعال، كما تقدم، صفات لمصادر أخبارها في الحقيقة، ألا ترى أن معنى كان زيد قائما: لزيد قيام له حصول في الزمن الماضي، ومعنى صار زيد قائما: لزيد قيام له حصول في الزمن الماضي بعد أن لم يكن، ومعنى أصبح زيد قائما: لزيد قيام له حصول في الزمن الماضي بعد أن لم يكن، ومعنى أصبح زيد قائما: لزيد قيام له حصول في الزمن الماضي وقت الصبح، وكذا سائرها، إذ في كلها معنى الكون مع قيد آخر، كما ذكرنا غير مرة، فلو كانت أخبارها طلبية لم تخل هي من أن تكون خبرية أو طلبية، فإن كانت خبرية، تناقض الكلام، لأن هذه الأفعال، لكونها صفة لمصدر خبرها، تدل على أن المصدر مخبر عنه بالحصول في أحد الأزمنة الثلاثة، والطلب في الخبر، يدل على أنه غير محكوم عليه بالحصول في أحدها فيتناقض، وبعبارة أخرى: مصدر الخبر في جميعها فاعل للفعل الناقص، كما مر تقديره، فلو قلت: كان زيد هل ضرب غلامه، كان ضربه


(1) أصل الظئر: المرأة التي ترضع ولد غيرها، ويلزم منه العطف، وقالوا: الطعن ظئار أي سبب للتعطف والتصالح وكذلك يظئر، (2) تقدم ذكره في الجزء الثاني من هذا الشرح، وهو أحد أبيات ثلاثة أرسل بها الكسائي إلى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة يسأله عن حكم ما تضمنته من هذه الصورة لايقاع الطلاق، وفي الأجابة عن ذلك تفصيل واسع، (*)

[ 203 ]

لغلامه مخبرا عنه بكان، ثابتا عند المتكلم، مسئولا عنه بهل، غير ثابت عنده، وهو تناقض، وأما قولهم: علمت أزيد عندك أم لا، فقد ذكرنا أن: أزيد، ليس لاستهام المتكلم بهذا الكلام حتى يلزم التناقض، وإن كانت الأفعال طلبية مع أخبارها، وهي، كما ذكرنا، صفة للأخبار، اكتفى بالطلب الذي فيها عن الطلب الذي في أخبارها إن كان الطلبان متساويين إذ الطلب فيها طلب في أخبارها، تقول: كن قائما، أي: قم، وهل يكون قائما، أي: هل يقوم، وقد جاء الطلب فيهما معا في الشعر، قال: 721 - وكوني بالمكارم ذكريني * ودلي دل ماجدة صناع 1 وإن اختلف الطلبان، بأن يكون أحدهما أمرا، مثلا، والآخر استفهاما، نحو: كوني هل ضربت، اجتمع طلبان مختلفان على مصدر الخبر في حالة واحدة وهو محال، وأما ا ءن كان خبرها مفردا متضمنا لمعنى الاستفهام، جاز 2، لأن ذلك المفرد يجب تقدمه عليها، نحو: أين كان زيد، وأيهم كان زيد، وكل كلمة استفهام تقدمت على جملة، أحدثت فيها معنى الاستفهام، فلا يبقى، إذن، في الفعل إخبار حتى يتناقض الكلام،


(1) أحد بيتين، أوردهما أبو زيد الأنصاري في نوادره لشاعر جاهلي من بني نهشل يقول لامرأته في البيت الذي قبل هذا: ألا يا أم فارع لا تلومي * علي شئ رفعت به سماعي أي رفعت به ذكري بين الناس وهو الكرم: وأم فارغ كأنه ترخيم فارعة وهو من أسماء النساء، وقوله في بيت الشاهد: دلي: أمر من دلت المرأة بمعنى تدللت، ودل مفعول مطلق له، (2) هذا جواب قوله: واما إن كان خبرها، فحقه أن يكون جملة مقرونة بالفاء، وكثيرا ما يأتي مثل هذا في كلامه، وكان يكفي أن يقول: وإن كان خبرها... الخ (*)،

[ 204 ]

فإن قيل: فيجب أن يجوز تقديم الجملة الطلبية عليها، على ما ذكرت، نحو: أيهم ضرب كان زيد، قلت: إن كملة الاستفهام تحدث في الجملة التي تليها بلا فصل، معنى الاستفهام، لا في جملة أخرى بعدها، فعلى هذا يجوز وقوع أسماء الاستفهام أخبارا لهذه الأفعال إذا لم تكن مصدرة بما، النفي 1، فلا تقول: أين، ما كان زيد، ولا: متى ما زال عمرو، لوجوب تصدر (ما) النفي، ويجوز: متى لم يزل زيد، وأي وقت لم يزل سماحك، ومنع الجزولي والشلوبيني 2: ذلك، في (ليس) نحو: أين ليس زيد، فإن منعا ذلك بناء على منع تقدم خبر ليس عليه، فقد مر الكلام عليه، وإن منعاه لأدائه إلى المحال، من حيث المعنى، لأن زيدا، لا يجوز أن يكون في جميع الأمكنة، فالجواب أن ذلك على سبيل المبالغة، ويفرض ذلك في غير المستحيل، نحو: متى ليس وجود الله، أو علمه، أو قدرته، ثم نقول: إذا كان الخبر مفردا مشتملا على ما له صدر الكلام، وجب تقديمه على كان وأخواته، إن لم تصدر بما، وذلك 3: اما كلمة الشرط نحو: أين تكن أكن، أو كلمة الاستفهام، نحو: أين كنت وأيهم كنت، وإذا كان الخبر ظرفا والاسم نكرة، وجب تأخير الاسم عن الخبر، نحو: كان في الدار رجل، وفي الدار كان رجل، وكذا إن دخل (إلا) على الاسم نحو: لم يكن قائما إلا زيد، أو: قائما لم يكن إلا زيد، لما ذكرنا في باب الفاعل 4، ويجب، أيضا


(1) هذا كقوله ما التعجب بالأضافة، (2) الجزولي تقدم ذكره. وأما الشلوبين أو الشلوبيني بياء النسب فهو أبو علي عمر بن محمد المولود باشبيلية له تعليق على كتاب سيبويه توفي سنة 645 ه. فهو قريب العهد من الرضي. (3) أي ما له صدر الكلام، (4) في الجزء الأول (*)،

[ 205 ]

تأخيره عن الخبر، إذا كان لجزء الخبر ضمير في الاسم، نحو: كان في الدار صاحبها، وكذا إذا كان الاسم (إن) مع صلتها، نحو: كان عندي أنك قائم، وعندي كان أنك قائم، إذ لو تأخر الخبر لاشتبهت المفتوحة بالمكسورة، على تقدير إضمار الشأن في الفعل، ويجب تأخير الخبر عن كان، واسمه معا إن دخله (الا) نحو: ما كان زيد إلا قائما، ويجب توسيطه أو تأخيره، إذا كان الفعل مصدرا بما يقتضي التصدر، وكان مما لا يفصل بينه وبين الفعل، كهل وأسماء الاستفهام والشرط، نحو: هل كان زيد قائما، ومتى كان قائما زيد، إذ لا تفصل هذه الكلم عن الفعل، كما مضى في المنصوب على شريطة التفسير 1، وأما همزة الاستفهام، وما، النفي، إذا لم يكن مع زال وأخواتها، فيجوز توسيط الخبر بينهما وبين الفعل الناقص، نحو: ما قائما كان زيد، و: أقائما كان زيد، ولا يجوز تقديمه عليهما، ويجب تأخير الخبر أيضا عن الاسم إذا تأخر مرفوعه عنه نحو: كان زيد حسنا وجهه، فلو قلت: كان حسنا زيد وجهه، أو: حسنا كان زيد وجهه، لفصلت بين العامل ومعموله الذي هو كجزئه، بالأجنبي، وأما إذا تأخر منصوبه، فيجوز على قبح، إذا لم يكن المنصوب ظرفا، نحو: ضاربا كان زيد عمرا، إذ المنصوب ليس كجزئه، أما إذا كان منصوبه ظرفا فإنه يجوز بلا قبح، نحو: ضاربا كان زيد اليوم أو في الدار، إذ الظروف متسع فيها، وألزم بعضهم تأخير الخبر إذا كان جملة، ولا وجه لمنع توسطها أو تقدمها، والأصل الجواز: ولا يفصل، عند البصرية، بين كان وأخواته، وبين المرفوع بها من معمولات الخبر إلا بالظرف، أو الجار والمجرور، نحو: كان أمامك زيد جالسا، وذلك لكون الفعل


(1) في الجزء الأول أيضا (*)،

[ 206 ]

الناقص عاملا ضعيفا، فلا يفصل بينه وبين معموله، من الأجنبيات إلا بالظرف، وإن كان العامل قويا، جاز الفصل بينه وبين معموله، بشرط أن يكون فضلة، بغير الظرف أيضا، نحو: عمرا كان زيد ضاربا، وأجاز الكوفيون الفصل بين كان ومرفوعه بغير الظرف أيضا، نحو: كان زيدا عمرو ضاربا، وفرق بعض البصريين، بين الخبر العامل المتصل بذلك المعمول الفاصل، وبينه إذا لم يتصل، فجوز في المتصل، نحو: كان زيدا ضاربا عمرو، ولم يجوز في المنفصل، نحو: كان زيدا عمرو ضاربا، وما أوهم خلاف ذلك، قدر فيه البصريون ضمير الشأن، اسما لكان وأخواته نحو: كان زيد الحمى تأخذ، أو: كان زيدا تأخذ الحمى، قال: 722 - قنافذ هدا جون حول بيوتهم * بما كان إياهم عطية عودا 1 ويجوز، في البيت، زيادة كان، واعلم أنه يخبر في هذا الباب عن النكرة المحضة إذا حصلت الفائدة، ولا يطلب التخصيص مع حصول الفائدة، على ما ذكرنا في باب المبتدأ، قال: 723 - ما دام فيهن فصيل حيا 2 وتقول: ما زال رجل واقفا بالباب، وكذا في باب (إن)، قال: 724 - وإن شفاء عبرة مهراقة * فهل عند رسم دارس من معول 3 كذا أنشده سيبويه، وقد يخبر، في هذا الباب، وفي باب (إن) بمعرفة عن نكرة ولم يجز ذلك في المبتدأ والخبر للالتباس، لاتفاق إعراب الجزأين هناك واختلافهما هنا،


(1) من قصيدة للفرزدق في هجاء جرير، وعطية هو أبو جرير، (2) من رجز منسوب إلى ابن ميادة وقبله: لتقربن قربا جلذيا، وبعده: وقد دجا الليل فهيا هيا، (3) من معلقة امرئ القيس، وهذه رواية سيبويه للبيت أي تنكبر شفاء ج 1 ص 284 ويروى: وان شفائي بالأضافة إلى ياء المتكلم (*)،

[ 207 ]

وقد ذكرنا 1 أن سيبويه قال في نحو من زيد: إن (زيد) هو الخبر، وقال الزمخشري 2: لا يخبر ههنا عن نكرة بمعرفة إلا ضرورة، نحو قوله: يكون مزاجها عسل وماء 3 - 714 فيمن نصب (مزاجها)، وقال: قفي قبل التفرق يا ضباعا * ولا يك موقف منك الوداعا 4 - 139 وقال ابن مالك: بل يجوز ذلك اختيارا 5، لأن الشاعر أمكنه أن يقول: ولا يك موقفي منك الوداعا وأن يرفع (مزاجها)، على إضمار الشأن في (كان)، كما في الرواية الأخرى، ولا خلاف، عند مجوزه اختيارا، أيضا: أن الأولى: جعل المعرفة اسما والنكرة خبرا، ألا ترى أنهم قالوا: ان (أن) 6 أولى بالاسمية مما تقدم 7 في نحو قوله تعالى: (ما كان حجتهم إلا أن قالوا) 8، مع كونهما معرفتين، لمشابهتها المضمر من حيث لا توصف كالمضمر، وإنما جرأهم على تنكير الاسم وتعريف الخبر: عدم اللبس في بابي كان وإن، لاختلاف إعراب الجزأين، وأورد سيبويه 9 للتمثيل بالاخبار عن النكرة بالمعرفة قوله:


(1) في باب المبتدأ والخبر - في الجزء الأول، (2) تكرر ذكره في هذا الجزء وفيما قبله: (3) تقدم ذكر هذا الشاهد قريبا، (4) تقدم في باب الترخيم في الجزء الأول وهو من شعر القطامي، (5) مبني على مذهبه في الضرورة وهي ما ليس للشاعر عنه مندوجة والجمهور يقولون هي ما وقع في الشعر ولو كان للشاعر عنه مندوحة، (6) يعني هي وما دخلت عليه من الفعل فيؤولان.. لمصدر، (7) أي مما قبلها في الآية وهو (حجتهم)، (8) الآية 25 سورة الجاثية، (9) أورد سيبويه الشواهد الثلاثة الآتية في ج 1 ص 23 (*).

[ 208 ]

725 - أسكران كان ابن المراغة إذ هجا * تميما بجوف الشام أم متساكر وقوله: فإنك لا تبالي بعد حول * أظبي كان أمك أم حمار 2 - 512 وقوله: 726 - ألا من مبلغ حسان عني * أطب كان سحرك أم جنون 3 ورد عليه المبرد بأن اسم كان، هو المضير وهو معرفة، وأجاب بعضهم المبرد عن سيبويه بأن همزة الاستفهام في: أطبي، و: أطب، و: أسكران: دخلت على اسم مرفوع بعده المفعل المسند إلى ضميره، فارتفاع ذلك المرفوع بمضمر يفسره الفعل أولى، فاسم كان، إذن، نكرة، ورد الجواب بأن (أم) المتصلة يليها أحد المستويين والآخر، الهمزة، ولو قدرت بعد الهمزة فعلا، لم يلهما المستويان، وأجيب عن رد الجواب، بأن الفعل لما كان محذوفا وجوبا لأجل المفسر فكأنه معدوم، وأيضا فإن استواء ما ولياهما قد لا يكون 5، في ضرورة الشعر، كما يجئ في باب العطف 6، هذا، ونحن قد ذكرنا في المنصوب على شريطة التفسير: أن المرفوع إنما يفسر رافعه بظاهر، إذا كان المرفوع بعد كلمة لازمة للفعل نحو: (ان امرؤ هلك) 7 وفي قوله خاصة: أظبي كان أمك أم حمار: الأولى أن يرتفع ظبي بكان المقدرة لما يجئ في باب العطف


(1) من شعر الفرزدق في هجاء جرير، (2) تقدم في باب المعرفة في الجزء الثالث، (3) قاله أبو قيس بن الأسلت الأنصاري الخزرجي في حسان بن ثابت وهو من الأوس، ويروى: اسحر كان داؤك وكان شأنك وهذا ما يريده من طبك، (4) أي ويلي الآخر الهمزة، (5) نبهنا غير مرة على هذا، وأنه مخالف لقواعد النحو، ويتردد كثيرا في كلام الرضي: (6) أي باب حروف العطف في قسم الحروف، من هذا الجزء: (7) من الآية 176 سورة النساء (*)،

[ 209 ]

أنه بعد سواء، ولا أبالي، لا تدخل همزة التسوية إلا على الفعل، وأجاب بعضهم، المبرد عن سيبويه بأن الضمير راجع إلى منكر فيكون منكرا، ورد جوابهم بأن الضمير الراجع إلى نكرة: معرفة بدليل وقوعه مبتدأ نحو: ضربت رجلا وهو راكب، ولو كان نكرة لصح وصفه، والجواب عن الرد: أن الضمير إذا عاد إلى نكرة مختصة بوجه فهو معرفة نحو: جاءني رجل فضربته، والا فهو نكرة نحو: أرجل ضربته أم امرأة، كما مر في حد المعرفة، والنكرات المفسرة للضمير في الأبيات الثلاثة: غير مختصة، فالمضائر، إذن، نكرات، واعلم أن (ليس) من بين أخواتها تختص بكثرة مجئ اسمها نكرة، لما فيها من النفي، وبجواز حذف خبرها كثيرا كقوله: 727 - وإذا أقرضت قرضا فاجزه * إنما يجزي الفتى ليس الجمل 1 أي ليس الجمل جازيا، وقيل: بل حملت على (لا) فصارت حرف عطف مثلها، وجميع هذه الأفعال متصرفة الا: ليس، ودام، ولتصاريفها ما لها، ولا يستعمل لما زال وأخواتها مصدر، واسم فاعل، إلا تامين، لأنها يلزمها حرف النفي، وهو لا يدخل على المفرد، وقد تحذف لام (تكن) للجزم، تشبيها لنونها بالواو، فحذفت مع أنه حذفت قبل، حركتها للجزم، وذلك لكثرة استعمالها، قال تعالى: (لم يك مغيرا نعمة) 2، كما حذفت كسرة لم أبال، فقيل لم أبل، بعد ما حذفت منه الياء، لكثرة الاستعمال، أيضا،


(1) من قصيدة جيدة قالها لبيد بن ربيعة العامري يقول فيها: واكذب النفس إذا حدثتها * إن صدق النفس يزري بالأمل غير أن لا تكذبنها في التفي * واخزها بالبر لله الأجل (2) الآية 53 سورة الأنفال (*)،

[ 210 ]

قال سيبويه: إذا لاقى نون (يكن) المجزوم، ساكنا بعدها لم يجز حذفها، قال تعالى: (لم يكن الذين كفروا) 1، لتقويها بالحركة، وخروجها بها عن شبه حرف المد، وأجازه يونس، أنشد أبو زيد في نوادره: 728 - لم يك الحق على أن هاجه * رسم دار قد تعفى بالسرر 2 قال السيرافي: هذا شاذ، قال سيبويه 3: تقديم الخبر إذا كان ظرفا: مستحسن، ويسمى ذلك الظرف مستقرا بفتح القاف، وكذا كل ظرف عامله مقدر، لأن ناصبه، وهو: (استقر) مقدر قبله، فقولك: كان في الدار زيد، أي: كان مستقرا في الدار زيد، فالظرف مستقر فيه،. ثم حذف الجار، كما يقال: المحصول، للمحصول عليه، ولم يستحسن تقديم الظرف اللغو، وهو ما ناصبه ظاهر، لأنه، إذن، فضلة فلا يهتم به، نحو: كان زيد جالسا عندك، وأما قوله تعالى: (ولم يكن له كفوا أحد) 4، فإنما قدم اللغو فيه لأنه معقد الفائدة، إذ ليس الغرض نفي الكف ء مطلقا، بل نفي الكف ء له تعالى، فقدم اهتماما بما هو المقصور، معنى، ورعاية للفواصل لفظا،


(1) الآية الأولى من سورة البينة، (2) أحد بيتين نسبهما أبو زيد، لشاعر جاهلي اسمه حسيل بن عرفطة وبعد البيت الذي في الشارح: غير الجدة من عرفاته * خرق الريح وطوفان المطر (3) هذا بمعناه في كتاب سيبويه ج 1 ص 27، (4) آخر آية في سورة الاخلاص (*)،

[ 211 ]

(أفعال المقاربة) (تحديد معناها) (قال ابن الحاجب:) (أفعال المقاربة: ما وضع لدنو الخبر، رجاء أو حصولا،) (أو أخذا فيه)، (قال الرضي:) الذي أري، أن (عسى)، ليس من أفعال المقاربة، إذ هو طمع في حق غيره تعالى، وإنما يكون الطمع فيما ليس الطامع على وثوق من حصوله، فكيف يحكم بدنو ما لا يوثق بحصوله، ولا يجوز أن يقال: ان معناه رجاء دنو الخبر، كما هو مفهوم من كلام الجزولي 1، والمصنف، أي: أن الطامع يطمع في دنو مضمون خبره، كقولك: عسى الله أن يشفي مريضي، أي: إني أرجو قرب شفائه، وذلك لأن (عسى) ، ليس متعينا بالوضع للطمع في دنو مضمون خبره بل لطمع حصول مضمونه مطلقا، سواء ترجى حصوله عن قريب أو بعده مدة مديدة، تقول: عسى الله أن يدخلني الجنة، وعسى النبي عليه السلام أن يشفع لي، فإذا قلت: عسى زيد أن يخرج، فهو بمعنى لعله يخرج، ولا دنو في (لعل) اتفاقا،


(1) تقدم ذكره في هذا الجزء والأجزاء السابقة (*)،

[ 212 ]

وكذا في عدهم (طفق) ومرادفاته من أفعال المقاربة، بمعنى كونها لدنو الخبر: نظر، لأن معنى: طفق زيد يخرج: أنه شرع في الخروج وتلبس بأول أجزائه، ولا يقال: ان الخروج قرب ودنا من زيد، إلا قبل شروعه فيه، لأن معنى القرب: قلة المسافة، بلى، يصح أن يقال فيمن شرع في الشئ: قرب تمام ذلك الشئ على يده وفراغه منه، فعلى هذا، ليس من أفعال المقاربة التي هي موضوعة لدنو الخبر، إلا: كاد ومرادفاته، وقول المصنف: (لدنو الخبر رجاء، أو حصولا، أو أخذا فيه)، فيه خبط، لأن نصب هذه المصادر 1، على التمييز في الظاهر، وهو تمييز نسبة، فيكون فاعلا 2 للدنو، في المعنى، كما في قولك: يعجبني طيب زيد علما، أي طيب علم زيد، فيكون المعنى: لدنو رجاء الخبر، أو لدنو حصوله، أو لدنو الأخذ فيه، وليس (عسى) لدنو رجاء خبره، بل لرجاء دنو خبره، على ما ذهب إليه، وكذا (طفق) وأخواته، ليست لدنو الأخذ فيه، بل هي للأخذ فيه، ولفظ الجزولي 3، أي: أن عسى لمقاربة الفعل في الرجاء، أوضح وأصح فيما قصده من المعنى، ولو جعلنا المنصوب حالا 4 من الخبر أي: لدنو الخبر مرجوا أو حاصلا أو مأخوذا فيه، على تكلف فيه، إذ الحد لا يستعمل فيه مثل هذه المحتملات البعيدة، لم يصح 5 قوله: حصولا، لأن الخبر في (كاد) ليس حاصلا، بل هو قريب الحصول، وتبين، أيضا، أن بين قرب الخبر، وحصوله تنافيا، لأن القريب: ما لم يحصل بعد،


(1) أي: رجاء وحصولا وأخذا، (2) أي قبل تحويله إلى التمييز، فهو من قبيل المحول عن الفاعل، (3) للجزولي كتاب في النحو، اسمه الجزوليه، ولعل هذا النقل منه، (4) أي حالا بالتأويل كما سيبينه الشارح، (5) جواب لو في قوله ولو جعلنا المنصوب حالا (*).

[ 213 ]

(أوجه استعمال) (أفعال المقاربة) (وتفصيل أحكامها) (قال ابن الحاجب:) (فالأول: عسى، وهو غير متصرف، تقول: عسى زيد) (أن يخرج وعسى أن يخرج زيد، وقد تحذف أن، والثاني:) (كاد، تقول: كاد زيد يجئ، وقد تدخل أن، وإذا دخل) (النفي على كاد، فهو كالأفعال على الأصح، وقيل يكون) (للاثبات، وقيل يكون في الماضي للأثبات، وفي المستقبل) (كالأفعال، تمسكا بقوله تعالى: (وما كادوا يفعلون)،) (وبقول ذي الرمة:) (إذا غير النأي المحبين لم يكد * رسيس الهوى من حب مية يبرح) (والثالث: جعل، وطفق، وكرب، وأخذ، وهي مثل) (كاد، وأوشك، وهي مثل عسى، وكاد في الاستعمال)، (قال الرضي:) قوله: (فالأول عسى)، أي الذي لرجاء مضمون الخبر، قال سيبويه 1: عسى، طمع وإشفاق، فالطمع في المحبوب، والاشفاق في المكروه، نحو: عسيت أن تموت، ومعنى الأشفاق: الخوف، وإنما لم يتصرف في (عسى) بل لم يأت منه إلا الماضي، لتضمنه معنى الحرف، أي


(1) سيبويه: ج 2 ص 311 (*)،

[ 214 ]

إنشاء الطمع والرجاء، كلعل، والأنشاءات، في الأغلب، من معاني الحروف، والحروف لا يتصرف فيها، وأما الفعل، نحو: بعت، والجملة الاسمية نحو: النت حر، فمعنى الأنشاء عارض فيهما، قال الجوهري 1: عسى من الله واجبة، لاستحالة الطمع والأشفاق عليه تعالى، إذ لا يكونان إلا في المجهول، وقوله تعالى: (عسى ربه إن طلقكن) 2 للتخويف، لا للخوف والأشفاق، كما أن (أو) في كلامه تعالى، للأبهام، والتشكيك، لا للشك، قال أبو عبيدة 3: عسى من الله إيجاب، فجاء على إحدى لغتي العرب لأن (عسى) للرجاء، ولليقين أيضا، وأنشد لابن مقبل: 729 - ظني بهم كعسى وهم بتنوفة * يتنازعون جوائز الأمثال 4 أي: ظني بهم يقين، هذا كلامه، 5، وأنا لا أعرف (عسى) في غير كلامه تعالى لليقين، فقوله (عسى) لليقين، فيه نظر، ويجوز أن يكون معنى، ظني بهم كعسى، أي مع طمع، وقد يكسرون سين (عسى)، إذا اتصل به ضمير المتكلم، نحو: عسيت، عسينا، أو ضمير المخاطب نحو: عسيت عسيتما عسيتم، عسيت عسيتما، عسيتن، أو نون جمع المؤنث نحو: عسين، وزعم الزجاج أن عسى حرف، لما رأى من عدم تصرفه، وكونه بمعنى لعل، واتصال المرفوع به يدفع ذلك، إلا أن يعتذر بما يعتذر به أبو علي 6 في ليس، كما تقدم،


(1) صاحب الصحاح وتقدم ذكره في الأجزاء السابقة، (2) الآية 5 سورة التحريم، (3) معمر بن المثنى من قدامى النحويين وشيخ أبي عبيد، القاسم بن سلام، (4) من شعر تميم بن أبي بن مقبل، ويختصر اسمه إلى تميم بن مقبل، والبيت في شرح ابن يعيش 7 / 120 (5) أي كلام أبي عبيدة، ذكره ليعقب عليه، وينقده، (6) أي الفارسي وتكرر ذكره (*)،

[ 215 ]

قوله: (عسى زيد أن يخرج)، المتأخرون على أن (عسى) يرفع الاسم وينصب الخبر، ككان، والمقرون بأن بعد اسمه منصوب المحل بأنه خبره، استدلالا بالمثل النادر الزباء، عسى الغوير أبوسا 1، وقوله: أكثرت في العذل ملحا دائما * لا تكثرن إني عسيت صائما 2 ونقل عن سيبويه 3 منع كون (أن يفعل) خبره، قيل: إنما قال ذلك، لأن الحدث لا يكون خبرا عن الجثة، وقوله: أبؤسا، وصائما، لتضمن (عسى) معنى (كان) فأجرى في الاستعمال مجراه، عذر من جعله خبرا أن يقدر مضافا، إما في الاسم، نحو: عسى حال زيد أن يخرج، أو في الخبر، نحو: عسى زيد صاحب أن يخرج، قال أبو علي في القصريات 4: عسى زيد أن يقوم أي عسى زيد ذا قيام، وفي هذا العذر تكلف، إذ لم يظهر هذا المضاف إلى اللفظ أبدا، لا في الاسم ولا في الخبر، وقال بعضهم: (أن) زائدة، وفيه، أيضا، نظر، لأن الزائد لا يلزم إلا مع بعض الكلم، كزيادة (ما) في قولهم: (افعل هذا آثرا ما) 5، ولزومه مطردا في موضع معين مع أي كلمة كانت: بعيد، وقيل: المقترن بأن، مشبه بالمفعول به، وليس بخبر، كخبر كان، حتى يلزم كون الحدث خبرا عن الجثة، وذلك لأن المعنى الأصلي: قارب زيد أن يخرج أي الخروج ثم تغير معنى الكلام عن ذلك الأصل، بإفادة (عسى) لأنشاء الطمع، كما كان أصل معنى: ما أحسن زيدا، شئ جعله حسنا، ثم تغير عنه بإفادة إنشاء التعجب، وكذا


(1) مما قاله الزباء في قصتها مع قصير الذي احتال عليها حتى قضى عليها، وينسب هذا الكلام إلى غير الزباء،. أيضا، (2) نسبه بعضهم إلى رؤبة بن العجاج وقال البغدادي انه لم يجده في ديوان رجزه، (3) هذا مستفاد من كلام سيبويه في كتابه ج 1 ص 477، ولفظه: وعسى محمولة عليها أن كما تقول: دنا أن يفعلوا، (4) من مؤلفات أبي علي الفارسي، واسمه المسائل القصرية، ومثله المسائل البغدادية وغيرها (5) بزيادة (ما) والمراد: افعل هذا مؤثرا له على غيره، أي أبدا به (*)،

[ 216 ]

قالوا: أصل معنى: عسى أن يخرج زيد، قرب أن يخرج زيد، أي خروج زيد، فهو في الاستعمال الأول كالفعل المتعدي، وفي الثاني كاللازم، وفيه، أيضا، نظر: إذ لم يثبت في عسى، معنى المقاربة، وضعا، ولا استعمالا، كما مر قبل، وقال الكوفيون: إن (أن يفعل) في محل الرفع، بدلا مما قبله، بدل الاشتمال، كقوله تعالى: (لا ينهاكم الله ن الذين لم يقاتلوكم...) 1، إلى قوله: (أن تبروهم)، أي لا ينهاكم عن أن تبروهم، والذي أري، أن هذا وجه قريب، فيكون في نحو: يا زيدون عسى أن تقوموا، قد جاء بما كان بدلا من الفاعل مكان الفاعل، والمعنى، أيضا، يساعد ما ذهبوا إليه، لأن (عسى) بمعنى: يتوقع، فمعنى عسى زيد أن يقوم: أي يتوقع ويرجى قيامه، وإنما غلب فيه بدل الاشتمال لأن فيه إجمالا ثم تفصيلا، كما مر في باب البدل 2، وفي إبهام الشئ ثم تفسيره وقع عظيم لذلك الشئ في النفس، كما مر في ضمير الشأن 3، وأما: عسيت صائما، وعسى الغوير أبوسا فشاذان، وقال بعضهم التقدير، عسى الغوير أن يكون أبؤسا، وعسيت أن أكون صائما، وجاز حذف (أن) مع الفعل مع كونها حرفا مصدريا، لقوة الدلالة، وذلك لكثرة وقوع (أن) بعد مرفوع (عسى)، فهو كحذف المصدر وإبقاء معموله، كما ذكرنا من مذهب سيبويه في المفعول معه، ومثله ما قدر الكسائي في البيت: إلا أن يكون الفرقدان 4، الا أن القرينة ههنا أدل كما ذكرنا،


(1) الآية 8 سورة الممتحنة، (2) في الجزء الثاني، (3) آخر الجزء الثاني، (4) إشارة إلى قول الشاعر: وكل الخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان وقد تقدم الاستشهاد به في باب الاستثناء في الجزء الثاني من هذا الشرح (*)،

[ 217 ]

فعلى مذهب الكوفيين، إذا حذفت (أن) في الخبر، مع قلة ذلك، قلنا انها مقدرة لقوة الدلالة عليه فيكون كقولهم تسمع بالمعيدي لا أن تراه، قوله: (وعسى أن يخرج زيد)، اعلم أن من ذهب إلى أن (أن) مع الفعل في: عسى زيد أن يخرج، خبر عسى، جاز أن يقول في عسى أن يخرج زيد: انه خبر، أيضا، وهو من باب التنازع، فيقول في التثنية على اختيار البصريين: عسيا أن يخرج الزيدان، وعلى اختيار الكوفيين: عسى أن يخرجا الزيدان، وعلى هذا قياس الجمع والمؤنث، وجاز أن يقول: إن (أن يخرج) فاعل (عسى) وزيد فاعل يخرج، فيقول في التثنية: عسى أن يخرج الزيدان لا غير، وقوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) 1، لو جعلنا الفعلين في (ربك) لم يجز اعمال الأول أعني (عسى)، لكون (ربك) وهو أجبني، إذن، فاصلا بين بعض الصلة وبعض، وقوله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا) 2، يجوز أن يكون الفعلان متنازعين في (شيئا) وقد أعمل الثاني، وأن يكون (أن تكرهوا) فاعل (عسى)، كما في قوله تعالى: (عسى أن يكونوا خيرا منهم)، و: (عسى أن يكن خيرا منهن) 3، وأما نحو: الزيدان عسى أن يقوما، والزيدون عسى أن يقوموا، فأن، فاعل (عسى) قولا واحدا، ولا يضمر في (عسى) ضمير الشأن، لأنه ليس من نواسخ الابتداء، كما كان (كاد) منها، وقوله تعالى: (من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق منهم) 4، في (كاد) ضمير الشأن، ويجوز أن يكون من باب التنازع وقد أعمل الأول، ولو أعمل الثاني لقال


(1) الآية 79 سورة الأسراء، (2) من الآية 216 سورة البقرة، (3) الآية 11 سورة الحجرات، (4) الآية 117 سورة التوبة، على قراءة من قرأ تزيغ بالتاء (*)

[ 218 ]

كادت، إلا عند الكسائي فإنه يحذف الفاعل في مثله، كما مر 1، وأما على قراءة من قرأ (كاد يزيغ) بالياء 2، فليس من باب التنازع وإلا وجب تأنيث أحد الفعلين لأسناده إلى ضمير المؤنث، بل هو على إضمار الشأن في (كاد)، وقولك: كاد يقوم زيد، يحتمل التنازع، فتعمل أيهما شئت، ويحتمل إضمار الشأن في (كاد)، ومثله: (ليس خلق الله مثله)، وليس بمشهور إضمار الشأن، من أفعال المقاربة، إلا في (كاد) ومن الأفعال الناقصة إلا في (كان) و (ليس)، ولا يتقدم (أن) مع الفعل على (عسى)، أما عند من قال انه خبر، فلضعف (عسى) لكونه غير متصرف، وأما عند من قال هو بدل، فلامتناع تقدمه على المبدل منه، وقد يحذف الخبر من هذا الباب ان علم، نحو: 731 - هممت ولم أفعل، وكذت، وليتني تركتعلى عثمان تبكي حلائله 3 أي كدت أفعل، وكذا تقول: كم (عسى زيد)، إذا قيل لك: عسى زيد أن يقوم، أي: كم (عسى زيد أن يقوم)، ولا يخلو المرفوع في هذا الباب، غالبا، من اختصاص، فلا يقال: كاد رجلا أن يقوم، ولا: عسى شخص أن يقوم، الا قليلا، قوله: (وقد يحذف (أن)، كقوله:


(1) باب التنازع في الجزء الأول، (2) هي قراءة حمزة، وحفص عن عاصم، والباقون بالتاء، (3) من قصيدة لضابئ البرجمي، وكان قد سجنه سيدنا عثمان بن عفان ولما طال سجنه استشفع إلى عثمان فأمر بإخراجه، ولكنه اعتزم قتل عثمان وعرف عثمان هذا التدبير فأعاده إلى السجن فقال هذه القصيدة التي تدل على إصراره على الانتقام، (*)

[ 219 ]

732 - عسى الكرب الذي أمسيت فيه * يكون وراءه فرج قريب 1 وهو قليل، وذلك لتشبيه (عسى) بكاد، عند من قال هو خبر، وقد مر أن ذلك عند الكوفيين بتقدير (أن)، ويتعين في أخبار جميع أفعال المقاربة أن يكون فاعل أخبارها ضميرا عائدا إلى اسمها، فلا تقول: كاد زيد يخرج غلامه، إلا أن يكون المسند إلى سببه بمعنى الفعل المسند إلى ضمير الاسم، نحو: كاد زيد تخرج نفسه، هو بمعنى: كاد زيد يموت، وقد يستعمل حري زيد أن يفعل كذا، واخلو لق عمرو أن يقوم، استعمال (عسى) بلفظ الماضي فقط، ومعناهما: صار حريا وحرى أي جديرا، وصار خليقا، وأصلهما: حري بأن يفعل، واخلولق بأن يقوم، فحذف حرف الجر، كما هو القياس مع أن وأن، ويقال أيضا: هو حرى أن يفعل، بفح الراء والتنوين، على أنه مصدر بمعنى الوصف، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، نحو: هن حرى أن يفعلن، وإن قلت: هو حري، على فعيل، أو حر بكسر الراء كعم 2، أن يكون، 3 ثنيت وجمعت وأنثت، ويقال أيضا: بالحرى أن يكون، وقد يقع بعد (اخلولق): أن مع الفعل، نحو: اخلولق أن يفعل زيد، كما قلنا في: عسى أن يفعل زيد، وقول الشاعر: 733 - عسى طيئ من طيئ بعد هذه * ستطفئ غلات الكلى والجوانح 4 السين فيه عند المتأخرين، قائمة مقام (أن) لكونها للاستقبال،


(1) من قصيدة لهدبة بن الخشرم قالها وهو في السجن منها البيت المشهور: فان يك صدر هذا اليوم ولي * فإن غدا لناظره قريب (2) صفة مشبهة على وزن فعل، مثل فرح فهو فرح،. (3) راجع إلى الأمثلة التي قبل: عم، (4) من أبيات أوردها أبو تمام في باب المراثي من الحماسة، وهذا البيت آخرها، والغلات بضم الغين جمع غلة والكلى جمع كلية (*).

[ 220 ]

والوجه عند الكوفيين أن يكون فاعل (عسى) مضمون الجملة الاسمية التي بعده، كما في قوله تعالى: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه) 1 أي: يتوقع إطفاء غلات الكلى، قوله: (والثاني كاد)، أي ما وضع لدنو حصول الخبر: كاد، وهو من كدت تكاد كيدا ومكادة، مثل: هبت تهاب، وحكى الأصمعي 2: كودا بالواو، فيكون، كخفت تخاف خوفا ومخافة والأول أشهر، وأوشك بمعناه، ومعنى (كاد) في الأصل: قرب، ولا يستعمل على أصل الوضع، فلا يقال: كاد زيد من الفعل، ومعنى أوشك في الأصل: أسرع، ويستعمل على الأصل، فيقال: أوشك فلان في السير، ومن مرادفات كاد وأوشك: أولى، وكرب وهلهل، وكرب في الأصل بمعنى قرب، يقال كربت الشمس أي دنت للغروب، وأما أولى فمعناه الأصلي قارب، قال 734 - فعادى بين هاديا يتين منها * وأولى أن يزيد على ثلاث 3 أي قارب وكاد، ولا يستعمل إلا مع (أن)، والأظهر كونها مفعولا لأولى، ويجب تجريد خبر (هلهل) من (أن)، وأما كاد وكرب وأوشك، فتستعمل أخبارها مع أن، ومجردة، والتجريد مع كاد وكرب أكثر وأعرف، وإذا كانت مع أن فهو بتقدير حرف الجر، أي: كاد أو كرب من أن يقوم، وأوشك في أن يقوم، ثم حذف حرف الجر على القياس، وأوجبوا ههنا حذفه لكثرة الاستعمال، و (أن) إما منصوبة أو مجرورة كما مر، وقد يقع بعد أوشك: أن، مع الفعل نحو أوشك أن يخرج زيد، أي أسرع خروجه،


(1) الآية 35 من سورة يوسف، (2) عبد الملك بن قريب الأصمعي: أحد أثمة ورواة الشعر، وتكرر ذكره في هذا الشرح، (3) البيت في وصف فرس، ونقله البغدادي عن الأصمعي من غير نسبة إلى أحد (*)،

[ 221 ]

ويجوز أن يكون على التنازع، فأوشك لمقاربة الفعل نحو كاد، لكن يستعمل استعمال كاد، أي مجرد الخبر من أن، ويستعمل استعمال عسى، على الوجهين المعلومين، وإذا حذفت أن من أخبار هذه الأفعال الثلاثة، فإما أن تقدر مع الحذف، كما في: تسمع بالمعيدي 1، وإما أن تحذف رأسا بلا تقدير، لاستعمال كاد وكرب وأوشك، لشدة دلالتها على مقاربة الفعل: استعمال كان، ولاستعمال كاد مثل كان، جاء في الضرورة، فأبت إلى فهم، وما كدت آيبا * وكم مثلها فارقتها وهي تصفر 2 - 622 ولهذا أضمر ضمير الشأن فيه في نحو: (كاد يزيغ قلوب فريق منهم) 3، واستعمل، أيضا، الأفعال التي للشروع في الفعل، استعمال (كان)، وهي طفق، وأخذ، وأنشأ، وأقبل، وقرب، وهب، وعلق، وجعل، وكانت بذلك، أولى من كاد، وأخواتها، لأن أخبارها حاصلة المضمون، كأخبار كان، بخلاف خبر كاد، وكان أصل استعمالها، أن يقال: طفق زيد في الفعل، وأخذ في الفعل، وجعل الفعل، من قوله تعالى: (وجعل الظلمات والنور) 4، أي أوجد، وكذا أنشأ الفعل، وأقبل على الفعل، وقرب الفعل، وهب في الفعل، من قولهم: هب البعير في سيره،. أي نشط فيه، فاستعملت استعمال كان لتضمينها معناها،. وأما هلهل، فإنما لزم تجريد خبره من أن، مع أنه بمعنى كاد، لا بمعنى طفق، لأن المبالغة في القرب فيه أكثر، ومثل هذا التركيب يدل على المبالغة مثل زلزل، وصرصر 5،


(1) الفائدة من تقديرها تأويل الفعل بالمصدر، وتكرر ذكر هذا المثل وبيان ما فيه من روايات،. (2) تقدم في الكلام على إعراب المضارع في أول هذا الجزء، (3) تقدمت قريبا، وهي الآية 117 سورة التوبة. (4) الآية الأولى من سورة الأنعام، (5) يرى بعض العلماء أن أصل مضعف الرباعي كزلزل أنه مضعف الثلاثي فلما أريد تضعيفه: قيل زلل، وكراهة توالى ثلاثة أمثال أبدلوا أحدها من جنس الفاء، ومن هنا تأتي المبالغة التي أشار إليها الشارح (*)،

[ 222 ]

فكأنه، للمبالغة في القرب، لاحق بالأفعال الدالة على الشروع فاستعمل خبره بغير أن، نحو: هلهلت أقوم، ولكون أفعال المقاربة، أي كاد، ومرادفاته، وأفعال الشروع أي طفق ومرادفاته فروعا لكان ومحمولة عليها، لم تقدم أخبارها عليها كما كان يتقدم خبر كان عليه، وإنما ألزم كون أخبار أفعال الشروع فعلا مضارعا مجردا عن أن، دون الاسم والماضي والمضارع المقترن بأن، لأن المضارع المجرد عن علامات الاستقبال ظاهر في الحال، كما مضى في بابه، فهو من حيث الفعلية يدل على الحدوث دون الاسم، بدليل أنك إذا قلت: كان زيد وقت الزوال قائما، لم يدل على حدوث القيام في ذلك الوقت، ومن حيث ظهوره في الحال، يدل على كونه مشتغلا به، دون الماضي، بدليل أنك إذا قلت: كان زيد وقت الزوال قام، دل على أنه كان فرغ من القيام في ذلك الوقت، وإذا قلت: كان زيد وقت الزوال يقوم، دل على اشتغاله بالقيام في ذلك الوقت مع حدوث القيام، فلما حملت هذه الأفعال على كان، وقصد المعنيان، أي حدوث مصدر خبرها وكون فاعلها مشتغلا به، وجب ألا يكون اسما، ولا ماضيا، ولا مضارعا بأن، وإنما غلب في أفعال المقاربة، أعني كاد ومرادفاته، كون أخبارها كذلك، وجوز اقترانها بأن، لكونها من شدة القرب الذي فيها، كأنها للانتقال والشروع أيضا، فهي ليست متضمنة لمعنى كان، مثل أفعال الشروع، بل محمولة عليه من حيث الاستعمال فقط، فجاز في بعضها: اقتران الخبر بأن، كقوله: 735 - قد كاد من طول البلى أن يمصحا 1 ولم يجز ذلك في خبر فعل الاشتغال، وأما التزامهم في خبر عسى كونه مضارعا بأن، ومنعهم من أن يكون مصدرا، نحو:


(1) من رجز نسبه بعضهم لرؤبة وأورد قبله: ربع عفا من بعد ما قد انمحى وقال البغدادي: لم أجده في ديوان رؤبة (*)،

[ 223 ]

عسى زيد القيام، وكذا منعوا من: عسى قيام زيد، فلأن المضارع المقترن بأن للاستقبال خاصة، والطمع والأشفاق مختصان بالمستقبل، فهو أليق بعسى من المصدر، ومن ثم قد تحمل لعل وإن كانت من أخوات (إن) عليه، نحو: لعلك أن تقوم 1، (دخول النفي) 2 (على كاد) قوله: (وإذا دخل النفي على كاد.. إلى آخرة)، قال بعضهم في كاد: ان نفيه إثبات وإثباته نفي، بخلاف سائر الأفعال، أما كون إثباته نفيا، فإن أرادوا به أنك إذا قلت: كاد زيد يقوم وأثبت الكود 3، أي القرب فهذا الأثبات نفي، فهذ غلط فاحش وكيف يكون إثبات الشئ نفيه، بل في: كاد زيد يقوم، إثبات القرب من القيام بلا ريب، وإن أرادوا أن إثبات كاد، دال على نفي مضمون خبره، فهو صحيح وحق، لأن قربك من الفعل لا يكون إلا مع انتفاء الفعل منك، إذ لو حصل منك الفعل لكنت آخذا في الفعل، لا قريبا منه، وأما كون نفيه إثباتا فنقول، أيضا: إن قصدوا أن نفي الكود أي القرب في: ما كدت أقوم: إثبات لذلك المضمون، فهو من أفحش الغلط، وكيف يكون نفي الشئ إثباته، وكذا إن أرادوا أن نفي القرب من مضمون الخبر إثبات لذلك المضمون، بل هو أفحش،


(1) يعني دخول أن في خبرها، (2) أفردت هذا البحث بعنوان خاص، وإن كان داخلا فيما ذكره ابن الحاجب في المتن لأنه موضع جدل بين النجاة، وقد أفاض الرضي رحمه الله في شرحه، (3) تقدم أنه نقل هذا المصدر عن الأصمعي (*)،

[ 224 ]

لأن نفي القرب من الفعل أبلغ في انتفاء ذلك الفعل من نفي الفعل نفسه، فإن: ما قربت من الضرب، آكد في نفي الضرب من: ما ضربت، بلى، قد يجئ مع قولك: ما كاد زيد يخرج، قرينة تدل على ثبوت الخروج بعد انتفائه وبعد انتفاء القرب منه، فتكون تلك القرينة دالة على ثبوت مضمون خبر كاد في وقت، بعد وقت انتفائه وانتفاء القرب منه، لا لفظ كاد 1، ولا تنافي بين انتفاء الشئ في وقت، وثبوته في وقت آخر، وإنما التناقض بين ثبوت الشئ وانقفائه في وقت واحد، فلا يكون، إذن، نفي كان مفيدا لثبوت مضمون خبره، بل المفيد لثبوته تلك القرينة، فإن حصلت قرينة هكذا، قلنا بثبوت مضمون خبر كاد، بعد انتفائه، كما في قوله تعالى: (فذبحوها وما كادوا يفعلون) 2، أي: ما كادوا يذبحون قبل ذبحهم وما قربوا منه، إشارة إلى ما سبق قبل ذلك من تعنتهم في قولهم: (أتتخذنا هزوا،.. ادع لنا ربك يبين لنا ما هي، ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها، ادع لنا ربك يبين لنا ما هي..)، وهذا التعنت دأب من لا يفعل ولا يقارب الفعل أيضا، وإن لم يثبت قرينة هكذا، كقولك: مات زيد وما كاد يسافر، قلنا بقي مضمون خبر كاد على انتفائه وعلى انتفاء القرب منه، كما في قوله تعالى: (لم يكد يراها) 3، وقوله: 736 - إذا غير النأي المحبين لم يكد * رسيس الهوى من حب مية يبرح 4 إذ ليس في هذه المواضع ما يدل على حصوله بعد انتفائه، ومثل هذه القرينة هي الشبهة لمن قال ان نفي كاد إثبات، فقال بعضهم إنه للأثبات، في الماضي كان، كقوله تعالى (وما


(1) يعني أن هذا المعنى مستفاد من القرينة، لا من لفظ كاد، (2) هذا الجزء، وما سيذكره الشارح من الآيات 67 إلى 71 في سورة البقرة، (3) من الآية 40 سورة النور، (4) قد أورده المصنف في المتن وهو من قصيدة لذي الرمة أولها: أمنزلتي مي سلام عليكما * على النأي والنائي يود وينصح (*)

[ 225 ]

كادوا يفعلون) 1، أو في المستقبل، واستدل على كونه في المستقبل أيضا للأثبات، بتخطئة الشعراء ذا الرمة في قوله: إذا غير النأي... البيت، وقولهم 2: نراه قد برح، حتى أدي ذلك إلى أن غير ذو الرمة، لم يكد، إلى: لم أجد، ولم يكد، مستقبل، لأنه جواب إذا، فلولا أنهم فهموا الأثبات، لم يخطئوه، والجواب عن الاستدلال بقوله تعالى: (وما كادوا يفعلون) أن اثبات الفعل مفهوم من القرينة، أي قوله تعالى (فذبحوها) لا من (كادوا) كما تقدم، ولهذإ، لم يفد الأثبات في قولنا: مات زيد وما كاد يسافر، لما لم تكن قرينة، وأما الجواب عن تخطئة الشعراء... فبأن تخطئتهم وتصويب ذا الرمة في بديهته، بناء على الدليل المذكور، أي أن نفي القرب من الفعل لا يكون إثباتا له، وقد خطا المخطئين، وذا الرمة، في رويته: من قال حين سمع تلك الحكاية: أصابت بديهته وأخطأت رويته 3، وقال بعضهم: ان نفي الماضي إثبات، لشبهة قوله تعالى: (فذبحوها، وما كادوا يفعلون)، ونفي المضارع نفي، لقوله: (لم يكد يراها)، وقول ذي الرمة: لم يكد يبرح، وعند الأخفش يجوز زيادة كاد، قوله: (والثالث) أي الذي يفيد شروع فاعله في مضمون الخبر، وقد ذكرنا مرادفات طفق، وأحوالها، يقال: طفق يطفق طفقا، كغرق يغرق غرقا، وحكى الأخفش عن بعضهم: طفوقا، وقد جاء: طفق يطفق، كجلس يجلس، ويستعمل مضارع: كاد، وأوشك، خصوصا من بين جميع الأفعال المذكورة في هذا الباب،


(1) الآية 71 سورة البقرة، (2) أي قول الشعراء الذين خطأوا ذي الرمة وقولهم نراه قد برح معناه أنهم فهموا من لم يكد يبرح أنه قد برح وزال وهذا وجه الخطأ، (3) معناه أن قوله الأول لم يكد يبرح كان على البديهة من غير تفكر، وقوله الثاني نشأ عن روية وتفكير بعد اتهام الشعراء له بالخطأ، وفي الخزانة أفاض البغدادي في شرح هذا البيت (*)،

[ 226 ]

قوله: (وهي مثل كاد في الاستعمال)، وقد يجئ خير جعل جملة اسمية، قال: 737 - وقد جعلت قلوص بني سهيل * من الأكوار مرتعها قريب 1 وقد يجئ شرطية مصدرة بإذا، نحو قولك: جعل زيد إذا كلمته يغضب، على أن الجزاء: المضارع، قال: 738 - وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني * ثوبي فأنهض نهض الشاب الثمل 2


(1) من أبيات الحماسة ولم ينسبه أحد، وهو يرتبط بالشاهد المتقدم في باب العطف في الجزء الثاني من هذا الشرح وهو قوله: فلست بنازل إلا ألمت * برحلي أو خيالتها الكذوب (2) جاء هذا البيت في أكثر كتب النحو: الشارب الثمل، كما هو هنا، وقال البغدادي إن الصواب فيه: الشارب السكر، قال: لأنه من أبيات رائية نسبها إلى عمرو بن أحمر الباهلي وبعده: وكنت أمشي على رجلين معتدلا * فصرت أمشي على أخرى من الشجر يقصد العصا، ونسبه الجاحظ في الحيوان: لأبي حية النميري وهو من المعمرين (*)،

[ 227 ]

(فعل التعجب) (معنى التعجب وصيغة) (شروط صوغه) (قال ابن الحاجب:) (فعل التعجب ما وضع لأنشاء التعجب، وهو صيغتان:) (ما أفعله وأفعل به، وهي غير متصرفة، مثل: ما أحسن) (زيدا وأحسن به، ولا يبنيان إلا مما يبنى منه أفعل التفضيل،) (ويتوصل في الممتنع بمثل: ما أشد استخراجه، وأشدد) (باستخراجه ولا يتصرف فيهما بتقديم ولا تأخير ولا فصل،) (وأجاز المازني الفصل بالظرف، و: ما، ابتداء، نكرة) (عند سيبويه، ما بعدها الخبر، موصولة عند الأخفش) (والخبر محذوف، وبه، فاعل عند سيبويه، فلا ضمير) (في أفعل، مفعول عند الأخفش والباء للتعدية، أو زائدة،) (ففيه ضمير)، (قال الرضي:) قوله: (ما وضع لأنشاء التعجب)، أي فعل وضع لأنشاء التعجب، لأنه في قسم الأفعال، فلا ينتقض الحد بنحو: ناهيك به، ولله دره، وواها له، ويا لك رجلا،

[ 228 ]

وكاليوم رجلا، وويلمه رجلا 1، بلى، ينتقض بنحو: قاتله الله من شاعر، ولا شل عشره، 2 فإنه فعل وضع لأنشاء التعجب، وليس بمحض الدعاء، وكذا قولهم: أبرحت ربا 3، إلا أن يقول: إن هذه الأفعال ليست موضوعة للتعجب، بل استعملت لذلك بعد الوضع، وأمإ، نحو: تعجبت، وعجبت، فهو، وإن كان فعلا: ليس للأنشاء، واعلم أن التعجب: انفعال يعرض للنفس عند الشعور بأمر يخفى سببه، ولهذا قيل: إذا ظهر السبب بطل العجب، ولا يجوز التعجب، منه 4 تعالى، حقيقة، إذ لا يخفى عليه شئ، ففعل التعجب في اصطلاح النجاة، هو ما يكون على صيغة: ما أفعله، أو: أفعل به دالا على هذا المعنى، وليس كل فعل أفاد هذا المعنى، يسمى عندهم فعل التعجب، قوله: (وهي غير متصرفة) لمشابهتها بالأنشاء للحروف وهي غير متصرفة، وأيضا، كل لفظ منها صار علما لمعنى من المعاني، وإن كان جملة، فالقياس ألا يتصرف فيه، احتياطا لتحصيل الفهم، كأسماء الأعلام، فلهذا، لم يتصرف في: نعم، وبئس، وفي الأمثال، قوله: (ولا يبنيان إلا مما يبنى منه أفعل التفضيل)، قد مضى ذلك في باب أفعل التفضيل 5، ويزيد عليه فعل التعجب بشرط، وهو أنه لا يبنى إلا مما وقع في الماضي واستمر، بخلاف التفضيل فإنك تقول: أنا أضرب منك غدا، ولا يتعجب إلا مما حصل في الماضي


(1) تقدم كثير من هذه الأمثلة في باب التمييز - في الجزء الثاني من هذا الشرح، (2) عشره أي عشر أصابعه، وهو كقوله لا شلت يداه، (3) إشارة إلى قول الأعشى: أبرحت ربا وأبرحت جارا، وقد تقدم في باب التمييز أيضا، (4) أي لا بصدر منه تعالى على الحقيقة، فقوله (منه) متعلق بيجوز، (5) في أواخر الجزء الثالث من هذا الشرح، وقد أحال الرضي هنا كثيرا على أفعل التفضيل (*)،

[ 229 ]

واستمر، حتى يستحق أن يتعجب منه، أما الحال الذي لم يتكامل بعد، والمستقبل الذي لم يدخل بعد في الوجود، والماضي الذي لم يستمر فلا تستحق التعجب منها، فلهذا كان أشهر صيغتي التعجب، على الماضي أعني: ما أفعل 1، قيل: لا يبنى فعل التعجب إلا من فعل، مضموم العين في أصل الوضع، أو من المنقول إلى فعل، إذا كان من غيره، نحو: ما أضرب وما أقتل، ليدل بذلك على أن المتعجب منه صار كالغريزة، لأن باب فعل موضوع لهذا المعنى، وكذا قيل في أفعل التفضيل، فكأن أصل: ما أضربك لزيد، وما أقتلك له، وأنت أضرب لزيد وأقتل له: ضرب لزيد وقتل له، ولم يستعمل هذا الأصل، لأن نقل الفعل إلى فعل، لبناء التعجب منه، لا لذاته، فلهذا لا يتعديان إلى المفعول الذي كان الفعل الثلاثي يتعدى إليه بنفسه، إلا باللام، كما رأيت، ولا يبني فعل التعجب من المبني للمفعول، لما مر في أفعل التفضيل، ويجوز تعليل امتناع مجيئهما للمفعول بكونهما مأخوذين من فعل المضموم العين كما ذكرنا، وهو لازم، وربما يبنى من المفعول إذا أمن التباسه بالفاعل نحو: ما أجنه، وما أشهره، وما أمقته إلي، وما أعجبه إلي وما أشهاه إلي، فيتعدى، كما ذكرنا في أفعل التفضيل، إلى ما هو الفاعل في المعنى بإلى، أو بعند، نحو: أحظى عندي، وذلك إذا تضمن معنى الحب، أو البغض، قال سيبويه: جميع ذلك مبني على فعل، وإن لم يستعمل، فكأن: أبغضه وأعجبه، وأمقته، من بغض، وعجب، ومقت، وإن لم يستعمل، وأشهاه، من شهو، كما يقال: رموت اليد يده، وقياس التعجب من المبني للمفعول أن يكون الفعل المبني له صلة ل (ما) المصدرية،


(1) اقتصر على التمثيل بالصيغة الأولى لأن في الثانية خلافا وإن كان المشهور أنها صيغة فعل ماض حولت إلى صورة الأمر وسيأتي تفصيل الكلام عليها واختيار الرضي فيها (*)،

[ 230 ]

القائمة مقام المتعجب منه بعد: ما أشد، وأشدد ونحوهما نحو: ما أشد ما ضرب، وأشدد بما سجن، ويبنى، أيضا من باب أفعل إفعالا، قياسا عند سيبويه، سماعا عند غيره، نحو: ما أعطاه للمعروف، وما أبغضني له، والأخفش والمبرد، جوزا بناءه من جميع الثلاثي المزيد فيه، كما مر في أفعل التفضيل، وربما بني من غير فعل نحو: ما أحنك هذه الشاة، كما قيل: هو أحنك الشاتين، أي آكلهما، وكذا يقال: ما آبله، وما أفرسه، وإن لم يستعمل منهما الفعل كما مر، ويستعمل منهما الفاعل، نحو: آبل وفارس، وقد يبنى من غير متصرف، نحو: ما أنعم وما أبأس، ويجوز أن يبنى من العيوب الباطنة كأفعل التفضيل، نحو: ما أحمقه وما أنوكه، وما ألده، وندر: ما خيره وما شره بحذف الهمزة، بخلاف خير، وشر في التفضيل، ويتعدى إلى غير المتعجب منه، كما يتعدى إليه أفعل التفضيل، سواء ولمشابهة أفعل التعجب، لأفعل التفضيل في الوزن، والأصل المبني منه، وشرائط بنائه، وتصحيح العين في نحو: ما أقوله وما أبيعه، وتعديه بما يتعدى به أفعل التفضيل، توهم غير الكسائي من الكوفيين أن أفعل التعجب: اسم كأفعل التفضيل ، وقوى وهمهم تصغيرهم إياه في قوله: ياما أميلح غزلانا شدن لنا * من هؤليائكن الضال والسمر 1 - 6 وأما الكسائي فوافق البصريين في فعليته، ولو لا انفتاح أفعل التعجب وانتصاب المتعجب منه بعده، انتصاب المفعول به، لكان مذهبهم جديرا بأن ينصر، وقد اعتذروا لفتح آخره بكونه متضمنا لمعنى التعجب الذي كان حقيقا بأن يوضع له حرف، كما مر في بناء اسم الأشارة، فبني لتضمنه معنى الحرف، وبني على الفتح لكونه أخف، فما مبتدأ، وأحسن خبره: أي: شئ من الأشياء متعجب من حسنه، و (ما) نكرة غير موصوفة، واعتذروا


(1) تقدم ذكره في الجزء الأول في علامات الاسم (*)،

[ 231 ]

لنصب المتعجب منه بعد أفعل: بكونه مشابها للمفعول لمجيئة بعد أفعل المشابه لفعل مضمر فاعله، فموقعه موقع المفعول به، فانتصب انتصابه، فهو نحو قوله: 739 - ونأخذ بعده بذناب عيش * أجب الظهر ليس له سنام 1 بنصب الظهر، وهو ضعيف، لأن النصب في مثل أجب الظهر وحسن الوجه توطئة لصحة الأضافة إلى ذلك المنصوب، كما مر في الصفة المشبهة 2، ولا يضاف أفعل إلى المتعجب منه، والجواب عن تصحيح العين في نحو: ما أقوله وما أبيعه، وأقول به وأبيع به: أن الأعلال نوع تصرف، وفعل التعجب غير متصرف، ومن ثم، لم يجز الأدغام في نحو: أشدد به 3 في التعجب، كما جاز في غيره، وأما التصغير فمع كونه شاذا مقصورا على السماع، إلا عند الكسائي، فإنه 4 يدعي إطراده، ويقيس عليه أفعل به في جواز التصغير، فإنما 5 جاز ذلك، لأنه بعدم التصرف فيه شابه أفعل، الاسمي كأبيض، وأقول منك، قوله: (ويتوصل في الممتنع)، يعني بالممتنع: ما لا يكون ثلاثيا، نحو: ما أحسن استخراجه ودحرجته، أو كان من الألوان والعيوب الظاهرة، نحو ما أشد بياضه، أو عوره، أو لم يكن تاما نحو: ما أشد كونه قائما، أما ما لزم النفي، كما نبس 6، أو كان مصوغا للمفعول، أو عادما لمصدر مشهور،


(1) من أبيات للنابغة الذبياني، وكان قد جاء معتذرا فعلم أنه مريض يتنقل على سرير من الخشب، وقيل هذا البيت: فإن يهلك أبو قابوس، يهلك * ربيع الناس والبلد الحرام (2) في الجزء الثالث من هذا الشرح، (3) مع وجود موجبه وهو اجتماع المثلين ولو أدغم لقيل: أشد، (4) أي الكسائي، (5) جواب قوله: وأما التصغير، (6) أي ما نطق، يقال: ما نبس ببنت شفة (*)،

[ 232 ]

فلا يمكن التوصل بمصادرها إلى التعجب منها، ولا إلى بيان التفضيل فيها، إذ لا مصدر منفيا لنحو: نبس، أو مصوغا 1 للمفعول لنحو جن، وكذا لا مصدر لنعم وبئس، ويذر ويدع، حتى يوقع 2 شيئا منها بعد ما أشد، وأشد منك، وربما استغنوا عن بعض ما يصح التعجب منه، بمثل التوصل المذكور كما لم يقل: ما أقيله، استغناء بما أكثر قائلته 3، قوله: (ولا يتصرف فيهما بتقديم ولا تأخير)، كل واحد من التقديم والتأخير يستلزم الآخر، لأنك إذا قدمت شيئا على شئ، فقد أخرت المقدم عليه عن المقدم، يريد أنك لا تقول: زيدا ما أحسن، ولا: ما زيدا أحسن، ولا بزيد أحسن، لما ذكرنا من الوجهين في عدم تصرفهما في أنفسهما، وأما الفصل بين الفعلين، والمتعجب منه، فإن لم يتعلق الفصل بهما، فلا يجوز اتفاقا، للفصل بين المعمول وعامله الضعيف بالأجنبي، فلا يجوز: لقيته فما أحسن أمس زيدا، على أن يتعلق (أمس) بلقيت، وكذا ان تعلق بهما وكان غير ظرف، نحو: ما أحسن قائما زيدا، وذلك لأنه نوع تصرف في علم التعجب 4، وإن كان بين الفعل والفضلة، وأما بالظرف فمنعه الأخفش 5 والمبرد، وأجازه الفراء والجرمي، وأبو علي، والمازني، نحو: ما أحسن بالرجل أن يصدق والحسن اليوم بزيد، وأجاز ابن كيسان توسيط الاعتراض بلولا الامتناعية، نحو: ما أحسن، لو لا كلفه 6، زيدا، ويفصل بكان، وحدها، بين (ما) وأفعل، وهي مزيدة على ما ذكرنا في باب


(1) أي ولا مصدر مصوغا للمفعول من نحو جن، (2) أي يؤتي بمصدر هذه الأفعال بعد ما أشد أو أشدد، وقوله حتى يوقع بالبناء للمعلوم أي يوقع المتكلم شيئا منها، (3) القائلة بمعنى القيلولة وهي النوم ظهرا، (4) أي في اللفظ المختص بالتعجب كاختصاص العلم بمسماه، (5) سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط. (6) الكلف بفتحتين: بقع تظهر في الوجه مغايرة للونه الأصلي فتعيبه بعض العيب (*)،

[ 233 ]

كان 1، وقال السيرافي: (كان) خبر (ما) وفيها ضميره، وأحسن زيدا، خبر (كان)، وفيه بعد، لأن (كان) ليس على صيغة التعجب وفعل التعجب لابد أن يكون على (أفعل)، وفائدة الفصل بكان في نحو: ما كان أحسن زيدا: أنه كان في الماضي حسن واقع دائم، الا أنه لم يتصل بزمان التكلم، بل كان دائما قبله،. وشذ الفصل بأصبح، وأمسى، في قولهم: ما أصبح أبردها والضمير للغداة، وما أمسى أدقأها، والضمير للعشية، ولا يتجاوز المسموع فيهما ولا يقاس (يكون) على (كان) في الفصل به، خلافا لابن كيسان، قوله: (وما، ابتداء) أي مبتدأ مع كونه نكرة عند سيبويه، والأخفش في أحد قوليه، وذلك لأن التعجب، كما ذكرنا، إنما يكون فيما يجهل سببه، فالتنكير يناسب معنى التعجب، فكأن معنى ما أحسن زيدا، في الأصل: شئ من الأشياء، لا أعرفه جعل زيدا حسنا، ثم نقل إلى إنشاء التعجب، وانمحى عنه معنى الجعل، فجاز استعماله في التعجب من شئ يستحيل كونه بجعل جاعل، نحو: ما أقدر الله، وما أعلمه، وذلك لأنه اقتصر من اللفظ على ثمرته وهي التعجب من الشئ، سواء كان مجعولا وله سبب، أو، لا، فهمزة أفعل، لتعدية ما كان لازما بالأصالة، نحو: ما أحسنه، أو لتعدية ما صار لازما بالنقل إلى فعل، إلى 2 مفعول غير مفعوله الأول، وهو فاعل أصل الفعل، نحو: ضرب زيد عمرا، في: ما أضرب زيدا لعمرو، فما مبتدأ، وأفعل، خبره، وفيه ضمير راجع إلى (ما) وهو فاعله، والمنصوب بعده مفعوله، وقال الأخفش في القول الآخر: ما موصولة، والجملة بعدها صلتها والخبر محذوف،


(1) باب الأفعال الناقصة في هذا الجزء، (2) متعلق بقوله: لتعدية ما كان.. الخ (*).

[ 234 ]

أي: الذي أحسن زيدا: موجود، وفيه بعد، لأنه حذف الخبر وجوبا مع عدم ما يسد مسده، وأيضا ليس في هذا التقدير معنى الأبهام اللائق بالتعجب، كمإ، كان في تقدير سيبويه، ومذهب سيبويه ضعيف من وجه، وهو أن استعمال (ما) نكرة غير موصوفة: نادر، نحو: (فنعما هي) 1، على قول، ولم تسمع مع ذلك مبتدأة، وقال الفراء، وابن درستويه: ما استفهامية، ما بعدها خبرها، وهو قوي من حيث المعنى، لأنه، كأنه جهل سببه فاستفهم عنه، وقد يستفاد من الاستفهام معنى التعجب،. نحو قوله تعالى: (وما أدراك ما يوم الدين) 2، و: أتدري من هو، و: لله دره أي رجل كان، قال: 740 - فأومأت إيماء خفيا لحبتر * ولله عينا حبتر أيما فتى 3 قيل: مذهبه 4 ضعيف، من حيث أنه نقل من معنى الاستفهام إلى معنى التعجب، فالنقل من إنشاء إلى إنشاء مما لم يثبت، وأما أحسن بزيد، فعند سيبويه: أفعل صورته أمر ومعناه الماضي، من أفعل، أي صار ذا فعل، كألحم أي صار ذا لم، والباء بعده زائدة في الفاعل لازمة، وقد تحذف إن كان المتعجب منه (أن) وصلتها نحو: أحسن أن تقول، أي بأن تقول، على ما هو القياس، وضعف قوله، بأن الأمر بمعنى الماضي مما لم يعهد، بل جاء الماضي بمعنى الأمر، نحو: اتقى امرؤ ربه 5، وبأن أفعل بمعنى صار ذا كذا، قليل، ولو كان منه، لجاز


(1) من الآية 271 سورة البقرة، (2) الآية 17 سورة الانفطار، (3) للراعي النميري، وحبتر: اسم غلامه وهو يذكر في الأبيات التي منها هذا: ما وقع له من نزول ضيف في سنة جدباء وكانت ابل الراعي غائبة فأومأ بعينه إلى حبتر فنحر ناقة الضيف... ثم لما عادت ابله أعطاه ناقة بدلا منها وزاده أخرى، (4) أي الفراء ومن أخذ برأيه، (5) معناه: ليتق كل امرئ ربه (*)،

[ 235 ]

ألحم بزيد، وأشحم بزيد، وبأن زيادة الباء في الفاعل قليلة، والمطرد زيادتها في المفعول، فقال الفراء، وتبعه الزمخشري وابن خروف: إن أحسن أمر لكل واحد بأن يجعل زيدا حسنا، وإنما يجعله حسنا كذلك بأن يصفه بالحسن، فكأنه قيل: صفه بالحسن كيف شئت، فإن فيه منه كل ما يمكن أن يكون في شخص، كما قال: 741 - وقد وجدت مكان القول ذا سعة * فإن وجدت لسانا قائلا فقل 1 وهذا معنى مناسب للتعجب بخلاف تقدير سيبويه، وأيضا، همزة الجعل أكثر من همزة: صار ذا كذا، وان لم يكن شئ منهما قياسا مطردا، وإنما لم يصرف على هذا القول، أفعل، وإن خوطب به مثنى أو مجموع أو مؤنث، فلم يقل: أحسنا، أحسنوا، أحسني، أحسن، لما ذكرنا من علة كون فعل التعجب غير متصرف، وسهل ذلك انمحاء معنى الأمر فيه كما انمحى في: ما أفعل، معنى الجعل، وصار معنى أفعل به كمعنى ما أفعل، وهو محض إنشاء التعجب، ولم يبق فيه معنى الخطاب حتى يثنى ويجمع ويؤنث باعتبار تثنية المخاطب وجمعه وتأنيثه، فهمزة أفعل، على هذا للجعل، كهمزة ما أحسن، والباء مزيدة في المفعول وهو كثير، كما يجئ في حروف الجر، وأجاز الزجاج أن تكون الهمزة للصيرورة، فتكون الباء للتعدية، أي: اجعله ذا حسن، والأول أولى، لقلة همزة الصيرورة، ثم ان الزجاج اعتذر لبقاء (أحسن) في الأحوال، على صورة واحدة بكون الخطاب لمصدر الفعل، أي: يا حسن أحسن بزيد، وفيه تكلف وسماجة من حيث المعنى، وأيضا، نحن نقول: أحسن بزيد يا عمرو، ولا يخاطب شيئان في حالة واحدة، إلا أن نقول: معنى خطاب الحسن قد انمحى، ويجب كون المتعجب منه مختصا، فلا يقال: ما أحسن رجلا، لعدم الفائدة، فإن


(1) هذا من شعر المتنبي في مدح سيف الدولة، وليس هنا للاستشهاد وإنما ذكره تأييدا للمعنى الذي ذكره في شرح صيغة التعجب (*)،

[ 236 ]

خصصته بوصف نحو: رجلا حاله كذا، جاز، وإذا علم المتعجب منه جاز حذفه، نحو: لقيت زيدا وما أحسن، قال تعالى: (أسمع بهم وأبصر) 1، فلفظ (بهم) إنما جاز حذفه عند الفراء لكونه مفعولا، وأما عند سيبويه فإنه وإن كان فاعلا والفاعل لا يجوز حذفه إلا أنه بملازمته للجر، وبكون الفعل قبله، في صورة ما فاعله مضمر والجار والمجرور بعده مفعوله 2، أشبه الفضلة فجاز حذفه، اكتفاء بما تقدم، فإن لم يلزمه 3 الجر، كما في: ما جاءني من رجل، وكفى بزيد، لم يجز حذفه، ولا يؤتي لفعلي التعجب، ولا لأفعل التفضيل بمفعول مطلق، خلافا لمن أجاز لك، لأنها، لجمودها صارت كنعم وبئس، مما لا مصدر له، ولا يجوز العطف على الضمير المستتر في: ما أحسن زيدا، ولا في: أحسن بزيد، ولا سائر التوابع، ولا الاخبار عنه بالذي أو باللام، لأنه انمحى عنه معني الفاعلية كما قدمنا، بل معناه الآن، أي حسن حسن زيد، فلو جئ بتوابعه، أو أخبر عنه، لا عتبر بعد انمحائه، وأجاز ذلك قوم بعد المنصوب، وأما قبله فلا، لما تقدم أنه لا يفصل إلا بالظرف،


(1) الآية 37 سورة مريم، (2) أي في صورة المفعول بواسطة حرف جر، (3) أي الفاعل في ذاته، وإن لم يكن في صيغه تعجب (*)،

[ 237 ]

(أفعال المدح والذم) (معناها - شرط فاعلها - المخصوص وإعرابه) (قال ابن الحاجب:) (أفعال المدح والذم: ما وضع لأنشاء مدح أو ذم، فمنها: نعم) (وبئس، وشرطها أن يكون الفاعل معرفا باللام، أو مضافا) (إلى المعرف بها، أو مضمرا مميزا بنكرة منصوبة، أو: بما،) (مثل: فنعما هي، وبعد ذلك المخصوص، وهو مبتدأ ما) (قبله خبره، أو خبر مبتدأ محذوف مثل: نعم الرجل) (زيد، وشرطه مطابقة الفاعل، و: بئس مثل القوم الذين،) (وشبهه متأول، وقد يحذف المخصوص إذا علم مثل:) (نعم العبدو: فنعم الماهدون، وساء، مثل بئس، ومنها) (حبذا، وفاعله: ذا، ولا يتغير، وبعده المخصوص) (وإعرابه كإعراب مخصوص نعم، ويجوز أن يأتي، قبل) (المخصوص أو بعده، تمييز، أو حال، على وفق) (مخصوصه)، (قال الرضي:) قوله: (ما وضع لأنشاء مدح أو ذم)، هذا، كما تقدم في باب الكنايات 1،


(1) في الجزء الثالث من هذا الشرح (*)،

[ 238 ]

في بيان أن (كم) الخبرية متضمنة للأنشاء، وذلك أنك إذا قلت: نعم الرجل زيد، فإنما تنشئ المدح وتحدثه بهذا اللفظ، وليس المدح موجودا في الخارج في أحد الأزمنة مقصودا مطابقة هذا الكلام إياه، حتى يكون خبرا، بلى، تقصد بهذا الكلام مدحه على جودته الموجودة خارجا، ولو كان إخبارا صرفا عن جودته خارجا لدخله التصديق والتكذيب، فقول الأعرابي لمن بشره بمولودة وقال، نعم المولودة: والله ما هي بنعم الولد 1..، ليس تكذيبا له في المدح إذ لا يمكن تكذيبه فيه، بل هو إخبار بأن الجودة التي حكمت بحصولها في الخارج ليست بحاصلة، فهو إنشاء جزؤه الخبر، وكذا الأنشاء التعجبي، والأنشاء الذي في (كم) الخبرية، وفي: رب، هذا غاية ما يمكن ذكره في تمشة 2 ما قالوا، من كون هذه الأشياء للأنشاء، ومع هذا كله فلي فيه نظر، إذ يطرد ذلك في جميع الأخبار لأنك إذا قلت: زيد أفضل من عمرو، ولا ريب في كونه خبرا، لم يمكن أن تكذب في التفضيل ويقال لك: إنك لم تفضل، بل التكذيب إنما يتعلق بأفضلية زيد، وكذا إذا قلت: زيد قائم وهو خبر بلا شك، لا يدخله التصديق والتكذيب من حيث الاخبار، إذ لا يقال أنك أخبرت أو لم تخبر، لأنك أوجدت بهذا اللفظ: الأخبار، بل يدخلانه من حيث القيام فيقال: إن القيام حاصل أو ليس بحاصل، فكذا قوله: ليس بنعم المولودة 3، بيان أن النعمية 4، أي الجودة المحكوم بثبوتها خارجا، ليست بثابتة، وكذا في التعجب، وفي كم، ورب، قوله: (فمنها نعم وبئس) اعلم أن نعم وبئس، في الأصل، فعلان على وزن فعل بكسر العين، وقد اطرد في لغة تميم، كما يجئ في التصريف 5، في ( فعل) إذا كان فاؤه مفتوحا وعينه حلقيا: أربع لغات، سواء كان اسما، كرجل لعث، أو فعلا، كشهد،


(1) بقيته: نصرها بكاء، وبرها سرقة، وسيأتي، (2) أي جعله مستقيما غير قابل للنقد، (3) هذا حكاية للعبارة السابقة بمعناها، (4) نسبة إلى كلمة نعم وهي مصدر صناعي، (5) في شرحه على الشافية لابن الحاجب أيضا (*)،

[ 239 ]

إحداها فعل وهي الأصل، والثانية: فعل، بإسكان العين مع فتح الفاء، والثالثة: فعل بإسكان العين مع كسر الفاء، والرابعة: فعل، بكسر الفاء إتباعا للعين، وكذا، اطرد اتباع الفاء للعين في فعيل إذا كان عينه حلقيا لمشاكلة العين، قالوا: رغيف، وشهيد، وشعير، والأكثر في هذين الفعلين خاصة: كسر الفاء وإسكان العين، إذا قصد بهما المدح والذم، عند بني تميم وغيرهم، قال سيبويه: كأن عامة العرب اتفقوا على لغة تميم، وقد استعمل طرفة (نعم) على الأصل في قوله: 742 - نعم الساعون في الأمر المبر 1 ومنه قوله تعالى: (فنعما هي) 2، بفتح الفاء وكسرها على القراءتين 3، ولم يجز إسكان كسرة العين مع (ما) لقصد الأدغام، وقرأ يحيى بن وثاب في الشاذ: (فنعم عقبى الدار) 4، بفتح الفاء وسكون العين، ولم يأت (بئس) في القرآن إلا مكسور الفاء ساكن العين،. وإنما لم يتصرف فيهما لكونهما علمين في المدح والذم، كما ذكرنا في باب التعجب 5، قوله: (وشرطه أن يكون الفاعل معرفا باللام أو مضافا إلى المعرف بها)، نحو:


(1) هذا شطر بيت من قصيدة لطرفة بن العبد، وقد اختلف في ألفاظه وفي صدره اختلافا كثيرا، ومن ذلك ما قيل أن صدره: ما أقلت قدم ناعلها، كما رواه صاحب الأنصاف، وقد استوفى الكلام عليه: البغدادي في خزانة الأدب وذكر كل ما يتعلق به، (2) من الآية 271 سورة البقر، (3) كسر النون والعين، قراءة أبي عمرو، وورش عن نافع، وحفص عن عاصم وفتح النون وكسر العين: قراءة حمزة والكسائي، (4) الآية 24 سورة الرعد، (5) في الباب الذي قبل هذا (*)،

[ 240 ]

نعم صاحب القوم 1، أو مضافا إلى المضاف إلى ذي اللام، وهلم جرا 2، نحو: نعم وجه فرس غلام الرجل، واعلم أن اللام في نحو: نعم الرجل زيد، ليست للاستغراق الجنسي، كما ذهب إليه أبو علي وأتباعه، لما ذكرنا في باب المعرفة أن علامة المعرف باللام الجنسية: صحة اضافة (كل) إليه، كما في قوله تعالى: (ان الأنسان لفي خسر) 3، ولا يصح أن يقال: نعم كل الرجل زيد، وكيف يكون زيد كل الرجال، فإن قلت: بل هذا على سبيل المجاز والمبالغة، كما تقول: أنت الرجل كل الرجل، قلت: امتناع التصريح في مثل هذا بنحو: نعم كل الرجل، يدل على أنه لم يقصد به ذلك المعنى، وكل قائل 4 بنحو: نعم الرجل، يجد من نفسه أنه لا يقصد ذلك المعنى، وأيضا، فإنه لا يقصد معنى المبالغة المذكورة إلا مع التصريح بلفظ (كل)، فلا يقال: أنت الرجل بمعنى أنت كل الرجل، بل معنى أنت الرجل، إذا قصدت المدح: أن من سواك كأنه بالنسبة إليك ليس برجل، وليست اللام في نعم الرجل للأشارة إلى ما في الذهن، كما قال المصنف، لما بينا في باب المعرفة 5، ودليل فعليتهما: لحاق التاء التي لا تقلب هاء في الوقف بهما، وهي إنما تلحق الفعل، وأربعة أحرف 6، احداها: لات، مع أن بعض الكوفيين يقول هي التاء التي تزاد في


(1) ورد مثله في بيت سيذكره الشارح في هذا الباب، (2) أسلوب يقصد به الاستمرار في صور القاعدة المذكورة ويرى بعض النحاة أنه مولد، وتقدم ذكره في الأجزاء السابقة وأشرنا إلى ما قيل فيه، (3) الآية 2 سورة العصر، (4) أي وكل متكلم أو ناطق، حتى يصح تعديته بالباء، (5) في الجزء الثالث من هذا الشرح، (6) أي كلمات، حتى يشمل (رب) على رأي الرضي القائل باسميتها كما سيأتي في قسم الحروف (*)،

[ 241 ]

أول (حين) و (الآن)، قال: 743 - نولي قبل نأي داري جمانا * وصلينا كما زعمت تلانا 1 وقال: العاطفون تحين ما من عاطف * والمطعمون زمان ما من مطعم 2 - كما مر في قسم الأسماء، والثانية والثالثة: اللتان تلحقان ثم، ورب، والأكثر أنهما لا تلحقهما إلا إذا وليهما المؤنث، إيذانا به من أول الأمر، وذلك إذا عطفت بثم قصة على قصة، قال:... فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني 3 - 56 ولا تقول: جاءني زيد ثمت عمرو، وقد جوزه ابن الأنباري 4، ولا أدري ما صحته، وقال: 744 - ماوي، يا ربتما غارة * شعواء كاللذعة بالميسم 5 وقد جاء: يا صاحبا، ربت انسان حسن * يسأل عنك اليوم أو يسأل عن 6 - ويجوز أن يكون أراد بالأنسان مؤنثا، والرابعة: التي تلحق (لعل)، نحو: لعلت هند قائمة،


(1) تولي معناه: أعطي وامنحي، وجمان اسم امرأة مرخم جمانة، وواضح أن موطن الاستشهاد فيه زيادة التاء على كلمة الآن والاكتفاء بها في النطق بالساكن عن همزة الوصل، ولم يذكر أحد اسم قائل هذا البيت، (2) تقدم ذكره في الجزء الثاني باب خبر ما ولا المشبهتان بليس، (3) تقدم في الجزء الأول وتكرر ذكره، (4) إن كان يقصد صاحب الانصاف فالأشهر في ذكره أن يقال: الأنباري، أما ابن الأنباري فالأشهر أنه أبو بكر محمد بن القاسم من علماء القرآن الثالث وتقدم ذكر كل منهما، (5) من كلام ضمرة بن ضمرة النهشي، والميسم آلة توضع في النار ثم تكوى بها الأبل كيا خفيا لتكون علامة لها، (6) تقدم في باب المذكر والمؤنث في الجزء الثالث (*)،

[ 242 ]

ودليل فعليتهما 1 أيضا، ما حكاه الكسائي من نحو: نعما رجلين، ونعموا رجالا والضمائر المرفوعة البارزة من خواص الأفعال، وأيضا، جواز استعمال جميع باب فعل مع فعليته، استعمال نعم وبئس، يقوي فعليتهما أيضا 2، ثم نقول: إنهما بعد ذلك، وهو كونهما فعلين مستقلين بفاعليهما كلاما صارا مع فاعليهما بتقدير المفرد، كصفة متقدمة على موصوفها، كما في قوله: والمؤمن العائذات الطير يمسحها * ركبان مكة بين الغيل فالسند 3 - وجرد فطيفة، فصار معنى نعم الرجل: رجل في غاية الجودة، فكأنه كان أصل نعم الرجل: رجل نعم، أي جيد، فصارا معا 4 جزء جملة بعدما كانا جملة مستقلة، ولهذا نظائر، نحو قوله تعالى: (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) 5، وظننت زيدا قائما، على ما مر في باب ظننت، ونحو: (يوم يجمع الله الرسل) 6، فإن الجمل في هذه الصور، منسلخة عن معنى الجملية بدليل كون مضمون الأولى مبتدأ، على ما قيل 7، وكون مضمون الثانية مفعولا، ومضمون الثالثة فاعلا 8، ومضمون الرابعة مضافا إليه، ومبني كلامهم أن الجمل إذا كانت بمعنى المفرد، فإن كانت علما فهي محكية مطلقا، وإن لم تكن، فإن كانت فعلية تركت على حالها، كما مر في باب علمت، قال تعالى: (ثم بدا لهم من بعد ما ءأوا الآيات ليسجننه) 9، أي: بدالهم سجنهم إياه،


(1) رجوع إلى الحديث عن نعم وبئس بعد هذا الاستطراد، (2) لا حاجة لذكر كلمة أيضا فقد بدأ بها الحديث، (3) من معلقة النابغة الذبياني وتقدم ذكره في باب النعت في الجزء الثاني، (4) يعني نعم والمرفوع بعدها، على الوجه الذي رآه الرضي، (5) الآية 6 في سورة البقرة، ومثلها في سورة يس، الآية 10 وسواء عليهم... (6) الآية 109 سورة المائدة، (7) ناقش الرضي إعراب النجاة لمثل هذا التركيب في باب حروف العطف، (8) ليس في النسخة المطبوعة ما يرجع إليه هذا، وفي بعض النسخ التمثيل بنحو: كان زيد منطلقا، فيكون هو المقصود بأن مضمون الجزأين فاعل، (9) من الآية 35 في سورة يوسف (*)،

[ 243 ]

وإن كانت اسمية، أعرب الجزآن بما استحقه مضمونهما فنصب الجزآن 1، إن كان مفعولا، نحو: علمت زيدا قائما، وأعرب الجزء الأول بإعراب الفاعل، والجزء الثاني بإعراب المفعول إن كان المضمون فاعلا كما في باب كان، إذ لم يجز رفعهما كما جاز نصب المذكورتين بعد علمت، إذ لا يرفع فعل واحد اسمين بلا إتباع، ولم يجز، أيضا حكايتهما، إذ الفعل لا بد له من مرفوع به، وحكي الجزآن 2، إن كان المضمون مضافا إليه، إذ لم يمكن جر اسم واحد إلا اسما واحدا من دون إتباع، ولو اقتصر على جر أولهما لم يكن لثانيهما إعراب مناسب، كما كان نصب الثاني مناسبا للرفع تشبيها بالمفعول، وأما الجمل التي هي خبر المبتدأ أو ما أصله المبتدأ، كخبر كان، وثاني مفعولي ظننت، والحال، والصفة، فليست بتقدير المفرد، ولا دليل في كونها ذات محل من الأعراب على كونها بتقدير المفرد كما مر 3، ولنرجع إلى المقصود، فنقول: لما صار: نعم الرجل بمعنى المفرد، وجب حكايتها لكونها فعلية، كما في: (سواء عليهم أأنذرتهم) 4، لكن ليس كونها بمعنى المفرد، كما في سائر الجمل المذكورة، أعني بتقدير مضمونها، بل بتقدير مفرد هو الفاعل موصوفا بالفعل المتقدم، كما ذكرنا، وكان الأصل تنكير فاعل نعم وبئس، لأنه من حيث المعنى خبر المبتدأ الذي هو المخصوص، كما يجئ، فكان القياس أن يقال: نعم رجل زيد، ونعم رجلان الزيدان، ونعم رجال الزيدون، إذ معنى نعم الرجل زيد: زيد رجل جيد، لكنهم التزموا أن يكون الفاعل معرفا باللام تعريفا لفظيا، كما في: اشتر اللحم، أو ضميرا مفسرا بما بعده،


(1) تفصيل لقوله أعرب الجزآن، (2) معطوف على قوله فنصب الجزآن، (3) تقدم في أكثر من موضع، والرضي يقول في كل مرة: لا دليل على ذلك، (4) تقدمت قريبا (*)،

[ 244 ]

وهو، أيضا، منكر في المعنى، كما مر في باب المعرفة 1، لداع 2 لهم إلى ذلك، وهو أنهم غلبوا تأخير هذا المبتدأ عن الخبر ليحصل به التفسير بعد الأبهام، إذ له في النفوس وقع، فأوردوا الفاعل في صورة المعرفة وإن كان نكرة في الحقيقة، ليكون الكلام المفيد للمدح أو الذم في الظاهر مصوغا على وجه لا ينكر، لأن مدح شخص منكور من الأشخاص أو ذمه، لا فائدة فيه، فبتوا أمر المدح والذم من أول الأمر، على وجه يصح في الظاهر، والجملة الفعلية، كما ذكرنا في تقدير مفرد، وهو الفاعل الموصوف بالفعل، وذلك لأنه سلب من الفعل معنى الزمان والحدوث، فصار معنى نعم: جيد، فكأنه صفة مشبهة، ومجوز ذلك كون جميع الأفعال في المعنى، صفات لفاعليها، فصار نعم الرجل، كجرد قطيفة 3، ولا يقال: ان ما ذكرت، قريب من دعوى علم الغيب 4، فإن 5 الأصول تدعو إليه، وذلك لأنه تقرر بالدليل أن المخصوص مرتفع بالابتداء، ما بعده خبره، لا خبر مبتدأ مقدر، إذ لو كان خبر مبتدأ مقدر، لم تدخل نواسخ الابتداء عليه مقدما على فعل المدح أو الذم، ومؤخرا عنه، نحو: كنت نعم الرجل، و: 745 - يمينا لنعم السيدان وجدتما * على كل حال من سحيل ومبرم 6 فإذا ظهر كونه مبتدأ ما قبله خبره، فلو كان الخبر باقيا على جمليته لوجب أن يكون فيها عائد إليه،


(1) في الجزء الثالث من هذا الشرح، (2) علة لقوله لكنهم التزموا، (3) أي من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، (4) كثيرا ما يرد الرضي على بعض ما يذكره من آراء النجاة بقوله وهذا قريب من دعوى علم الغيب، وقد فرض نا أنه يقال له ذلك فيما ذكره من تفسير نعم الرجل، (5) بيان لأنه لا يقال ذلك، (6) من معلقة زهير بن أبي سلمى في الجزء الذي يذكر فيه ما فعله هرم بن سنان المري والحارث بن عوف في الصلح بين عبس وذبيان، وأراد بالسحيل والمبرم: الأمور السهلة والصعبة المعقدة، وقد أطلب زهير في الحديث عن هذه القصة في معلقته (*)،

[ 245 ]

والاعتذار بكون ذي اللام جنسا مستغرقا 1، وكون الاستغراق له ولغيره بمنزلة العائد، قد ذكرنا ما عليه 2، ولو كان كذا، لم يبق مع الضمير المبهم 3 المفسر بالنكرة استغراق، استغراق المضمر للجنس غير معهود، والنكرة المفسرة، أيضا بعيدة من الاستغراق، حيز الأيجاب، والاعتذار بكون ذي اللام قائما مقام الضمير، على ما قاله المصنف، لايتم، إذ لو كان في مقام الضمير، لكان الضمير إذا قام مقامه راجعا إلى المبتدأ، غير محتاج إلى التمييز في نحو: زيد نعم رجلا، وكذا في نحو: نعم رجلا زيد، أيضا، لأن الضمير فيه 4، إذن، كما في قولك: أبوه قائم زيد، وليس، إذن، اعتذار الأندلسي 5، بكون اللام للتعريف الذهني المطابق لكل فرد فيكون، إذن، كالضمير الراجع: بشئ 6، إذ لا يجوز: زيد ضرب رجل، مع أن (رجل) يطابق كل فرد، وإن لم يكن فيه لام يشار بها إلى ما في الذهن على زعمهم، وقد مر في باب المعرفة 7، أن التعريف الذهني لا معنى له، فلم يبق، إذن، بعد بطلان الوجوه 8، إلا أن تكون الجملة في تقدير المفرد على الوجه المذكور حتى لا يحتاج إلى الضمير، ويؤيد كونها بتقدير المفرد: دخول حرف الجر، على نعم وبئس، مطردا، كقول الأعرابي لما بشر بمولودة وقيل له نعم المولودة: والله ما هي بنعم المولودة، نصرها بكاء،


(1) أي شاملا لكل فرد، (2) ذكر ذلك في روابط الخبر بالمبتدأ، في الجزء الأول، (3) في الصورة الثانية لنعم، وهي صورة الضمير المستتر المفسر بنكرة منصوبة، (4) أي في قولك نعم رجلا زيد، (5) تقدم ذكره، (6) خبر ليس في قوله: وليس اعتذار الأندلسي، (7) في الجزء الثالث، (8) أي الوجوه المذكورة (*)،

[ 246 ]

وبرها سرقة، وقولهم: نعم السير على بئس العير، وليس زيد بنعم الصاحب وغير ذلك، وليس ذلك 1 على الحكاية وحذف القول، كما قال بعضهم، كقوله: 746 - والله ما ليلي بنام صاحبه * ولا مخالط الليان جانبه 2 أي بمقول فيه ذلك، لأن ذلك في نعم وبئس، مطرد كثير، بخلاف: (بنام صاحبه)، وحكى قطرب 3: نعيم الرجل زيد، على وزن شديد وكريم، فهذه الحكاية إن صحت، تؤكد كون (نعم) كالصفة المشبهة، فيحمل ما جاء مطردا من نحو: يا نعم المولى، ويا نعم النصير، ويا بئس الرجل على أنه منادى، وأيضا يجوز دخول لام الابتداء، ولام القسم عليهما نحو: ان زيدا لنعم الرجل، و: والله لنعم الرجل أنت، مع أنهما لا تدخلان الماضي بدون (قد)، وهذه الاشياء، هي التي غرت الفراء حتى ظن أنهما في الأصل اسمان، ولو كانا كذلك، لم يكن لرفع ما بعدهما وجه، إلا بتكلف، ولأجل كون الجملة بمنزلة المفرد، لم يتوسط بين جزأيها، لا ظرف ولا غيره، فلا يقال: نعم اليوم الرجل، فإذا تقرر ذلك، قلنا في نعم الرجل زيد: ان (زيد) مبتدأ، و: (نعم الرجل) خبره، أي: زيد رجل جيد، ولم يحتج إلى الضمير العائد إلى المبتدأ، لأن الخبر في تقدير المفرد، والأكثر في الاستعمال كون المخصوص بعد الفاعل، ليحصل التفسير بعد الأبهام، كما مر، فيدخله عوامل الابتداء مؤخرا نحو: نعم الرجل كنت، وقوله:


(1) أي الأمثلة التي دخل فيها حرف الجر، على نعم وبئس، (2) الليان بتخفيف الياء مصدر لان، أي آن جانبه - أي جنبه لا يجد مكانا سهلا لينا والبيت مجهول القائل، (3) محمد بن المستنير تلميذ سيبويه، وكان شديد الملازمة له، وسيبويه هو الذي لقبه بقطرب، والقطرب دويبة لا تهدأ عن السعي نهارا وسيبويه قال له إنما أنت قطرب ليل، وتقدم ذكره (*)،

[ 247 ]

يمينا لنعم السيدان وجدتما * على كل حال من سحيل ومبرم 1 - وقد يتقدم المخصوص على نعم وبئس، نحو: زيد نعم الرجل، وهو قليل، ومع ذلك يستعمل الفاعل بلام زائدة كما رأيت، أو مضمرا مفسرا بما بعده، كقول الأخطل، 747 - أبو موسى، فجدك نعم جدا * وشيخ الحي خالك، نعم خالا 2 وإنما لزم كون الفاعل مبهما مع تقدم المبتدأ، لأن تقدمه كالنادر، بالنسبة إلى تأخره، ويدخله، مقدما، نواسخ المبتدأ، نحو: كنت نعم الرجل، وظننتك نعم الرجل، والضمير في: جدك نعم جدا، لا يرجع إلى المبتدأ، وإلا لم يحتج إلى التفسير، بل هو ضمير قبل الذكر مفسر بما بعده، فالذي روي، وإن كان كالشاذ لقلته في نحو: مررت بقوم نعم بهم قوما، ونعموا قوما، ليس الضميران، أي: هم، والواو، براجعين إلى الموصوف وإلا، لم يفسرا، قوله: (مضمرا مميزا بنكرة منصوبة)، اعلم أن الضمير المبهم في نعم وبئس، على الأظهر الأغلب، لا يثنى ولا يجمع، ولا يؤنث، اتفاقا بين أهل المصرين، لعلتين: احداهما: عدم تصرف نعم وبئس، فلم يقولوا: نعما رجلين، ونعموا رجالا، ونعمت امرأة، لأن ذلك نوع تصرف، ولهذا أجازوا: نعم المرأة هند، وبئس المرأة دعد، كما أجازوا نعمت المرأة، لكن الحاق تاء التأنيث أهون من إلحاق علامتي التثنية والجمع، لأنها تلحق بعض الحروف، أيضا، كلات، وثمت، وربت، ولعلت، فلذلك اطرد: نعمت المرأة، ولم يطرد: نعما رجلين ونعموا رجالا، والعلة الثانية: أن الضمير المفرد المذكر، أشد إبهاما من غيره، لأنك لا تستفيد منه، إذا لم يتقدمه ما يعود عليه، إلا


(1) تقدم ذكره قريبا، (2) من قصيدة لذي الرمة في مدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري وهو المقصود بقوله نعم جدا. وبعده مما يتصل بذلك المدح: مكارم ليس يحصيهن عد * ولا كذبا أقول ولا انفعالا وليس البيت للأخطل كما قال الشارح (*)،

[ 248 ]

معنى (شئ)، شئ، يصلح للمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، ولو ثنيته وجمعته وأنثته، لتخصص، بسبب إفادة معنى التثنية والجمع والتأنيث، والقصد بهذا الضمير: الأبهام، فما كان أوغل فيه كان أولى، وأما تمييز هذا الضمير، فيتصرف فيه إفرادا وتثنية وجمعا وتأنيثا، نحو: نعم رجلا أو رجلين، أو رجالا، أو امرأة، أو امرأتين، أو نسوة، اتفاقا منهم، أيضا، وأما الضمير في: ربه رجلا، فالبصريون يلتزمون إفراده للعلة الثانية المذكورة، والكوفيون يجعلونه مطابقا لما يقصد، فيثنونه، ويجمعونه، ويؤنثونه، وليس ما ذهبوا إليه ببعيد لأنه مثل قوله: ويلمها روحه 1، ويا لها قصة، ويا لك من ليل 2، وقد تصرف في الضمير، كما رأيت، وأما تمييز هذا الضمير، فذهب الجزولي 3، وتبعه من شرح كلامه إلى لزوم إفراده، والظاهر أنه وهم منهم، بل تجب مطابقته لما قصد، عند أهل المصرين، أما عند أهل الكوفة فظاهر، لأنهم يطابقون بالضمير تمييزه في التثنية والجمع والتذكير والتأنيث، وأما عند أهل البصرة فلأنهم لو التزموا افراده كما التزموا إفراد الضمير، لجاء اللبس، إذا قصد المثنى والمجموع، وقد صرح ابن مالك، والمصنف بمطابقته لما قصد، وهو الحق، ولا يجوز الفصل بين مثل هذا الضمير المبهم وتمييزه، لشدة احتياجه إليه، إلا بالظرف، قال الله تعالى: (بئس للظالمين بدلا) 4، وإذا لم يفصل في نحو: عشرون رجلا، بين


(1) إشارة إلى بيت لذي الرمة تقدم في باب التمييز، في الجزء الثاني، وهو قوله: ويلمها روحة والريح معصفة * والغيث مرتجز والليل مرتقب (2) وهذا إشارة إلى بيت من معلقة امرئ القيس تقدم أيضا في باب التمييز وهو قوله: فالك من ليل كأن نجوم * بكل مغار الفتل شدت بيذيل (3) فقدم ذكره في الأجزاء السابقة، (4) الآية 50 في سورة الكهف (*)،

[ 249 ]

المبهم وتمييزه، إلا في الضرورة، فما ظنك بمثل هذا الضمير، وقد جاء شاذا بغير الظرف نحو: نعم زيد رجلا، وأما الفصل بين ذا، في: حبذا، وتمييزه، فلجواز استغنائه عنه، فلذا قيل: حبذا رجلا زيد، وحبذا زيد رجلا، ولا يجوز أن يجاء، لهذا الضمير بالتوابع، كالبدل والتأكيد والعطف، لأنه من شدة الأبهام كالمعدوم، والاعتبار بتمييزه، وهو المفيد للمقصود، ويلزم هذا الضمير، غالبا، أن يميز، وقيل في قوله تعالى: (بئس مثل القوم الذين) 1: ان التمييز محذوف، أي: بئس مثلا مثل القوم، والأولى حذف المضاف من الذين، على أنه المخصوص أي: بئس مثل القوم: مثل الذين، أو حذف المخصوص، أي: بئس مثل القوم المكذبين مثلهم، كما يجئ، وقد يجئ، عند المبرد، وأبي علي، بعد الفاعل الظاهر تمييز للتأكيد، قال: 748 - تزود مثل زاد أبيك فينا * فنعم الزاد زاد أبيك زادا 2 وقال تعالى: (ذرعها سبعون ذراعا) 3 أي ذراعها، إذ المصدر لا يخبر عنه بأنه سبعون ذراعا، وهذا كمجئ الحال في: قم قائما، وتعالى جائيا للتأكيد، ومنع سيبويه ذلك، لأن وضع التمييز لرفع الأبهام، وتأول البيت بتزود مثل زاد أبيك زادا، على أن (مثل) حال من مفعول تزود، وهو (زادا) وقوله تعالى: ذرعها، مصدر بمعنى المفعول، أي مذروعها أي: طولها سبعون ذراعا، قوله: (أو بما، مثل فنعما هي)، اختلف في (ما) هذه، فقيل: كافة هيأت نعم وبئس، للدخول على الجمل، كما قيل في: قلما، وطالما،


(1) الآية 5 سورة الجمعة، (2) من قصيدة لجرير في مدح عمر بن عبد العزيز، وهو من الأبيات التي استشهد بها كثير من النجاة. (3) الآية 32 سورة الحاقة (*)،

[ 250 ]

ويمكن أن يقال: إنما جاز أن يكف نعم وبئس عن فعليتهما، لعدم تصرفهما، وشابهتهما للحرف، إلا أنه يحتاج إلى تكلف في إضمار المبتدأ في نحو: (فنعما هي) 1، وقال الفراء، وأبو على: هي موصولة بمعنى الذي، فاعل نعم وبئس، والجملة بعدها صلتها، ففي قوله تعالى: (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا) 2: ما، فاعل وأن يكفروا، مخصوص، وفي قوله تعالى: (ان الله نعما يعظكم به) 3، المخصوص محذوف، ويضعفه: قلة وقوع (الذي) مصرحا به، فاعلا لنعم وبئس ولزوم حذف الصلة بأجمعها في: (فنعما هي)، لأن (هي) مخصوص، أي نعم الذي فعله: الصدقات، وكذلك قولهم: دققته دقا نعما، وقال سيبويه 4، والكسائي: ما، معرفة تامة، بمعنى (الشئ) فمعنى: فنعما هي: نعم الشئ هي، فما، هو الفاعل، لكونه بمعنى ذي اللام، و (هي) مخصوص، ويضعفه: عدم مجئ (ما) بمعنى المعرفة التامة، أي: بمعنى (الشئ) في غير هذا الموضع، إلا ما حكى سيبويه أنه يقال: إني مما أفعل ذلك 5، أي: من الأمر والشأن أن أفعل ذلك، قال: وإن شئت قلت: إني مما أفعل، بمعنى: ربما أفعل، كما يجئ في الحروف، بل، يجئ (ما) بمعنى (شئ)، إما موصوفة نحو: (هذا ما لدي عتيد) 6، أو غير موصوفة كما مر في الموصولات 7، وأيضا، يلزم حذف الموصوف، أي المخصوص، وإقامة جملة مقامه، في نحو نعما يعظكم به، و: (ولبئس ما شروا به أنفسهم)،


(1) من الآية 271 في سورة البقرة، (2) الآية 90 في سورة البقرة، (3) من الآية 58 في سورة النساء، (4) في سيبوية ج 1 ص 476: في تفسير بئسما اشتروا... كأنه قيل له ما هو، فقال أن يكفروا، (5) قال سيبويه في الكتاب ج 1 ص 476: وتقول اني مما أفعل ذلك الخ عبارة الشارح، (6) الآية 23 سورة ق، (7) أول الجزء الثالث من هذا الشرح، (8) الآية 102 سورة البقرة (*)،

[ 251 ]

وهو قليل كما ذكرنا في باب النت في قوله: أنا ابن جلا، وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني 1 - 38 فيكون التقدير: نعم الشئ شئ يعظكم به، وبئس الشئ شئ شروا به أنفسهم، مع أنه قد جاء صريحا في قوله: 749 - نعم الفتى فجعت به إخوانه * يوم البقيع حوادث الأيام 2 أي فتى فجعت، ويجوز أن يكون (تخرج)، في قوله تعالى: (كبرت كلمة تخرج) 3، صفة مخصوص محذوف، وأن يكون صفة التمييز المذكور والمخصوص محذوف، أي: قولهم، وفي قوله تعالى: (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا) 4 يجوز أن يكون على هذا القول، أي كون (ما) بمعنى (الشئ) وقوله: اشتروا به أنفسهم، جملة متوسطة بين الفاعل والمذموم، بيانا لاستحقاقه الذم، وأن يكون صفة مذموم محذوف، فقوله: أن يكفروا، بدل من ذلك المذموم، أو خبر مبتدأ محذوف والجملة بيان للمذموم، قال الزمخشري 5 والفارسي في أحد قوليه (ما) نكرة مميزة منصوبة المحل، إما موصوفة بالجملة، والمخصوص إما محذوف كما في قوله (نعما يعظكم به)، أو مذكور كما في قوله تعالى: (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا) أو نكرة غير موصوفة، كما في نحو: فنعما هي، وقولهم: دققته دقا نعما، ولا يؤكد فاعل نعم الظاهر، تأكيدا معنويا، لأنه 6 لا يكون إلا للمعارف كما هو


(1) تقدم ذكره في الجزء الأول في ما لا يتصرف وهو من شعر سحيم بن ويل الرياحي، (2) من شعر لمحمد بن بشير الخارجي أورده أبو تمام في باب المرائي من ديوان الحماسة، ونسبه بعضهم لابرهيم ابن هرمة، (3) من الآية 5 سورة الكهف، (4) تقدمت قريبا، (5) انظر شرح ابن يعيش على المفصل ج 7 ص 134، (6) أي التوكيد المعنوي (*)،

[ 252 ]

مذهب البصريين، وهذا المعرف باللام في معنى النكرة، كما بينا، ويجوز تأكيده لفظا، نحو: نعم الرجل الرجل زيد، وقد يوصف كقوله تعالى: بس الرفد المرفود) 1 وقال: 750 - نعم الفتى المري أنت إذا هم * شبوا لدى الحجرات نار الموقد 2 خلافا لابن السراج 3، قال: لأن الصفة مخصصة، والمقصود العموم والأبهام، وقال: ان المرفود: مذمم، والمري: بدل من الفتي، وليس بشئ، لأن الأبهام مع مثل هذا التخصيص باق، إذ المخصوص لأ، يعين، فهو كقوله تعالى: (ولعبد مؤمن..) 4، ولا يمتنع عند أبي علي والمبرد، وهو الحق، خلافا لغيرهما: إسناد 5 نعم وبئس إلى (الذي) الجنسية، وكذا (من) و (ما)، وأعني بالجنسية ما تكون صلتها عامة، وفي نهج البلاغة: 6 (ولنعم دار من لم يرض بها دارا)، قال: 751 - فنعم مزكأ من ضاقت مذاهبه * ونعم من هو في سر وإعلان 7 وتقول: نعم الذي هو عبد: زيد، وأما إن كانت صلتها مخصوصة، نحو: نعم الذي كان اليوم في الدار، والأشارة إلى شخص معين، فلا يجوز، إذ يلزم فاعلها الأبهام،


(1) الآية 99 سورة هود، (2) من شعر زهير بن أبي سلمى في مدح سنان بن حارثة المري، (3) تقدم ذكره، (4) من الآية 221 سورة البقرة، (5) فاعل قوله: ولا يمتنع، (6) من إحدى خطبه رضي الله عنه: والمقصود بالكلام وصف الدنيا، انظر نهج البلاغة ص 273 طبع دار الشعب بالقاهرة، (7) من شعر قيل في مدح بشر بن مروان بن الحكم لا يعرف قائلة، وقبله: وكيف أرهب أمرا أو أراع له * وقد زكات إلى بشر بن مروان زكأت أي لجأت واعتصمت، والمزكأ: الملجأ (*)،

[ 253 ]

وقد يرد فاعلهما منكرا مفردا نحو: نعم رجل زيد، أو مضافا إليه 1، كقوله: 752 - فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم * وصاحب الركب عثمان بن عفانا 2 وهو قليل. وقد روي: مر بقوم نعم بهم قوما، والباء في الفاعل، لتشبيه نعم بفعل التعجب، وهو: أفعل به، وتضمينه معناه، فكأنه قيل: أنعم بهم قوما، وقد تدخل هذه الباء في المخصوص كقوله عليه السلام: (نعما بالمال الصالح للرجل الصالح)، أي نعم شيئا: المال الصالح، لأن المخصوص هو في المعنى متعجب منه ههنا، وقد روي: مررت بقوم نعموا قوما بإلحاق الضمير البارز، وهو قليل كما ذكرنا، وقال أبو علي انه سمع: نعم عبد الله زيد، وبئس عبد الله أنا ان كان كذا 3، وهو شاذ، إذ الفاعل ليس بمضاف إلى المعرف الجنسي، وينبغي أن يكون هذا على ما أجاز ابن كيسان 4 من تنكير المضاف الذي لا مانع فيه من التعريف لنية الانفصال، كما مر في باب الأضافة 5، وقد روي: شهدت صفين، فبئست الصفون، والأولى أن يكون هذا، وإن كان أيضا خلاف الأصل، مما ترك تمييز ضميرة، أي، بئست بقعة، فالصفون مخصوص، لا فاعل، ومثله قولهم: فبها ونعمت 6، أي: فمرحبا بهذه القضية، ونعمت هي، فالتمييز والمخصوص حذفا معا،


(1) أي إلى المنكر، (2) نسب إلى حسان بن ثابت، وإلى كثير بن عبد الله، وهو غير كثير عزة، والمقصود: عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقبله: ضحوا باشمط عنوان السجود به * يقطع الليل تسبيحا وقرآنا (3) نسب الأشموني هذا القول إلى بعض العبادلة، وهم عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وابن الزبير وابن عباس رضي الله عنهم، (4) تكرر ذكره في الأحزاء السابقة، (5) في الحزء الثاني من هذا الشر -، (6) ورد هذا في حديث: من توضأ يوم الجمعة فبا ولعمت، ومن اغتسل فليغسل فصل (*)،

[ 254 ]

وقد يؤنث نعم وبئس، وإن كان فاعلهما مذكرا لكون المخصوص مؤنثا نحو: نعمت الأنسان هند، قال ذو الرمة: 253 - أو حرة عيطل تبجاء مجفرة * دعائم الزور نعمت زورق البلد 1 وكذا يؤنث الفعل وإن كان المميز للضمير مذكرا، لتأنيث المخصوص كقوله تعالى: (ساءت مستقرا) 2، و (حسنت مستقرا) 3، قوله: (وهو مبتدأ ما قبله خبره، أو خبر مبتدأ محذوف)، قال ابن خروف 4: لا يجوز إلا أن يكون مبتدأ مقدم الخبر، لجواز دخول نواسخ المبتدأ عليه، وحكى الأندلسي 5 مثله عن سيبويه، وهذا الذي نصرناه من قبل، قوله: (وشرطه) أي شرط المخصوص مطابقة الفاعل، يعني ينبغي أن يصح إطلاقه عليه، و: (بئس مثل القوم) 6، متأول بأحد وجهين: اما على حذف المضاف أي بئس مثل القوم مثل الذين، أو على حذف المخصوص و (الذين) صفة القوم، أي: بئس مثل القوم المكذبين مثلهم، أي مثلا المذكورين، وشرط المخصوص، أيضا، أن يختص، لأنه للتخصيص بعد الأبهام، فلا يجوز: نعم الأنسان رجل، إلا أن تصفه بما يرفع الجهالة،


(1) العيطل الطويلة العنق، والثجباء الضخمة الصدر والمجفرة الواسعة الجوف، وهو في وصف ناقة شبهها بالسفينة في قوله نعمت زورق البلد، والبيت لذي الرمة من مدح بلال بن أبي بردة، يقول فيها بعد وصف الناقة: حنت إلى نعم الدهنا فقلت لها * أمي بلالا على التوفيق والرشد (2) من الآية 66 سورة الفرقان، (3) من الآية 76 سورة الفرقان، (4) ابن خروف: هو أبو الحسن علي بن محمد الأشبيلي وتقدم ذكره في هذا الشرح، (5) تكرر ذكره، (6) الآية المتقدمة قريبا (*)،

[ 255 ]

ولا يمتنع اعتراض (نعم) بذيوله 1، بين العامل ومعموله، لأنها كالجملة الاعتراضية، نحو قولك: أبصرت، ونعم الرجل هو، زيدا، ويجوز بالفاء، نحو: فنعم الرجل هو، قوله: (وساء مثل بئس)، نحو: (ساء مثلا القوم)، اعلم أنه يلحق بنعم وبئس: كل ما هو على فعل بضم العين، بالأصالة نحو: ظرف الرجل زيد، أو بالتحويل إلى الضم من فعل أو فعل، نحو: رموت اليد يده، وقضو الرجل زيد، بشرط تضمينه معنى التعجب، ولهذا كثر انجرار فاعل هذا الملحق بالباء، وذلك لكونه بمعنى: أفعل به، نحو: ظرف زيد، أي: أظرف به، ويكثر، أيضا، استغناؤه عن الألف واللام، كقوله تعالى: (وحسن أولئك رفيقا) 2، ورفيقا، تمييز لأبهام أولئك وقيل حال، ونحو قوله: 754 - فعدت له وصحبتي بين ضارج * وبين العذيب بعد ما متاملي 3 (ما) فيه زائدة، وكذا في قولهم: شد ما أنك ذاهب، و (أن) فاعل (شد)، ويجوز أن تكون (ما) فيهما، كما في: نعما، ومتأملي و (أن) 4 مخصوصان، ويضمر فاعل (فعل) المذكور، كثيرا، على وفق ما قبله، نحو: جاءني الزيدان وكرما، أي: ما أكرمهما، ولم يجز ذلك في نعم وبئس، وذلك لعدم عراقته في المدح والذم وكونه كفعل التعجب معنى، قوله: (ومنها حبذا، وفاعله ذا)، أصل (حب): حبب، كظرف، أي: صار حبيبا، فأدغم كغيره 5، وألزم منع التصرف، لما ذكرنا في نعم وبئس، قوله: (ولا يتغير)، يعني: لا يثني (ذا) ولا يجمع ولا يؤنث، بل يقال: حبذا الزيدان، وحبذا


(1) أي مع ما يتبعه من فاعل ومخصوص الخ، (2) من الآية 69 سورة النساء، (3) من معلقة امرئ القيس، وضارج والعذيب مكانان،. (4) أي المصدر المؤول منها ومن اسمها وخبرها، (5) أي مثل كل كلمة اجتمع فيها مثلان مستوفيان لشروط الادغام (*)،

[ 256 ]

الزيدون، وحبذا هند، ولا يقال: حب ذان، ولا: حب أولاء، ولا حب تا، لأنه مبهم، كالضمير في نعم وبئس، فألزم الأفراد مثله، وخلع منه الأشارة، لغرض الأبهام، فحبذا، بمعنى: حب الشئ، وعند المبرد وابن السراج: أن تركيب حب مع ذا، أزال فعلية (حب)، لأن الاسم أقوى، فحبذا مبتدأ والمخصوص 1 خبره، أي: المحبوب زيد، وقال بعضهم: المخصوص بعد حبذا، عطف بيان لذا، وكان ينبغي أن يجوز ادعاء مثل ذلك في مخصوص نعم وبئس، إلا أن دخول النواسخ يمنع من ذلك 2، وقال الربعي 3: (ذا) زائدة، كما في: ماذا صنعت، والمخصوص فاعل (حب)، وقد اشتق 4 منه فعل، نحو: لا تحبذه، كحولق، وبسمل ونحوهما، قوله: (وقد يقع قبل المخصوص أو بعده تمييز)، نحو: حبذا زيد رجلا، وحبذا رجلا زيد، وإن كان مشتقا، جاز أن يقع حالا، أيضا، والعامل (حب)، نحو: حبذا محمد رسولا، وحبذا رسولا محمد،


(1) على هذا الاعراب لا يسمى مخصوصا، وإنما سماه المخصوص باعتبار بعض الأوجه الاعرابية، (2) لأنها لا تدخل على التوابع، (3) أبو الحسن على بن عيسى، ممن تكرر ذكرهم في هذا الشرح. (4) أي من حب مع ذا، وهو نوع من النحت (*)،

[ 257 ]

ولم يجز في نعم تأخير التمييز عن المخصوص اختيارا، وجاز ههنا، لأن التمييز ههنا عن الظاهر، أي (ذا)، وهناك عن الضمير المستكن، وأيضا: التمييز لازم عن الضمير، جائز عن (ذا)، وإنما جاز ترك التمييز ههنا، تفضيلا للظاهر على الضمير، وقيل: إنما لم يجز ترك التمييز في نعم، إذ قد يلتبس المخصوص بالفاعل لولا التمييز في بعض المواضع، نحو: نعم السلطان، بخلاف حبذا، فإن (ذا) فيه، ظاهر فاعليته، وربما حذف المخصوص ههنا للقرينة كما حذف في نعم، وقد يفرد (حب) عن (ذا)، فيجوز، إذن، نقل ضمة عينها إلى فائها، كما يجوز حذفها 1، قال: 755 - فقلت اقتلوها عنكم بخراجها * وحب بها مقتولة ين تقتل 2 بفتح الحاء وضمها، وكذا كل ما هو على فعل، إذا كان المراد به المدح، أو التعجب، كقوله: بعد ما متأملي 3، وأنشد الجوهري 4: 756 - لا يمنع الناس مني ما أردت ولا * أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا 5 ويروى، أيضا: عظم البطن بطنك، والتغيير في اللفظ، دلالة على التغيير في المعنى، إلى المدح أو التعجب، وقد يجر فاعل (حب) بالباء، مفردا عن (ذا)، تشبيها بفاعل أفعل، تعجبا، كما قال: وحب بها مقتولة، تم قسم الأفعال والحمد لله رب العالمين،


(1) أي حذف الضمة، (2) من قصيدة للأخطل، وهو في وصف الخمر، (3) في بيت امرئ القيس السابق، (4) اسماعيل بن حماد الجوهري صاحب معجم الصحاح وتقدم ذكره، (5) من قصيدة لسهم بن حنظلة الغنوي، شاعر مخضرم أدرك الأسلام، ومن هذه القصيدة: قد يعلم الناس أني من خيارهم * في الدين دينا وفي أحسابهم حسبا (*)

[ 259 ]

(قسم الحروف) (الحرف وتعريفه) (قال ابن الحاجب:) (الحرف ما دل على معنى في غيره) (قال الرضي:) قد مضى شرحه في حد الاسم 1، (احتياج الحرف) (إلى كل من الاسم والفعل) (قال ابن الحاجب:) (ومن ثم احتاج في جزئيته إلى اسم وفعل)، (قال الرضي:) أي: ومن أجل أن معناه في غيره، احتاج في كونه جزء كلام إلى اسم، كالتنوين


(1) في أول الجزء الأول من هذا الشرح (*)،

[ 260 ]

في: زيد قائم، أو فعل، نحو (قد) في: قد قام زيد، فكل واحد من الكلامين المذكورين مركب من أربع كلمات 1، وقد ذكرنا في أول الكتاب: أن الكلام أخص من الجملة، فالاسم يصح أن يكون جزء الكلام من دون شئ آخر، وكذا الفعل في نحو: قام زيد، وأمإ، الحرف، فلا بد في كونه جزء كلام من فعل أو اسم وقد يحتاج إلى المفرد كما ذكرنا، وقد يحتاج إلى الجملة، كحرف النفي والاستفهام وحرف الشرط، وقد يحذف المحتاج إليه في نحو: نعم، ولا، وكأن قد، وخرجت ولما، (تفصيل الكلام) (على أنواع الحروف) (حروف الجر، الغرض منها، معنى من) (قال ابن الحاجب:) (حروف الجر: ما وضع للافضاء بفعل أو شبهه أو معناه) (إلى ما يليه، وهي: من، وإلى، وحتى، وفي، والباء)، (واللام، ورب وواوها، وواو القسم وتاؤه، وعن وعلى،) (والكاف، ومذ ومنذ، وحاشا وعدا وخلا، فمن، لابتداء) (الغاية، والتبيين، والتبعيض، وزائدة في غير الموجب،) (خلافا للكوفيين والأخش، وقد كان من مطر: متأول)،


(1) في الجملة الأولى اسمان وتنوينان، وفي الجملة الثانية، حرف وفعل واسم وتنوين، (*)

[ 261 ]

(قال الرضي:) الأفضاء: الوصول، والباء بعده للتعدية، أي لايصال فعل... والمراد بايصال الفعل إلى الاسم: تعديته إليه، حتى يكون المجرور مفعولا به لذلك الفعل فيكون منصوب المحل، فلذا جاز العطف عليه بالنصب في قوله تعالى: (وأرجلكم) 1، ويسميها بعضهم حروف الأضافة، لهذا المعنى، أي تضيف الأفعال إلى الأسماء أي توصلها إليها، ومن هذا سميت حروف الجر، لأنها تجر معناها إليها، والأظهر أنه قيل لها حروف الجر، لأنها تعمل إعراب الجر، كما سميت بعض الحروف حروف الجزم، وبعضها حروف النصب، وأراد بقوله: شبه الفعل: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، والمصدر، كما ذكرنا في الحال 2، نحو: مررت بزيد، وأنا مار بزيد، وزيد ممرور به، ومروري بزيد حسن، وزيد بعيد عن الأذى، ويعني بمعناه: الظرف، والجار والمجرور نحو قولك: زيد عندك أو في الدار لاكرامك، فاللام في: لأكرامك، يعدي الظرف إلى إكرامك، وهو في الحقيقة معد للفعل المقدر، أو لشبهه، وذلك لأن التقدير: زيد استقر أو مستقر، لكن لما سد الظرف مقام 3 الفعل أو شبهه، جاز أن يقال: إن الجار معد للظرف، وكذا في: يا زيد، فإن (يا) قائم مقام أنادي، وأورد المصنف لتمثيل تعديته معنى الفعل: هذا في الدار أبوه 4، ولا أراه من ذلك


(1) جزء من الآية 6 في سورة المائدة، (2) تقدم ذكر هذه الأشياء في باب الحال في أول الجزء الثاني من هذا الشرح، (3) مرتبط بقوله سد الظرف، اما على اعتبار انه مؤول بقام، أو بأن مقام مؤول بمسد، والرضي يسلك هذا الأسلوب كثيرا، (4) القصد أن تكون الأشارة إلى الأب فيكون اسم الأشارة مبتدأ وأبوه خبر (*)،

[ 262 ]

لأن: في الدار، حال، والعامل فيه معنى الأشارة، كما في: (وهذا بعلي شيخا) 1، ولو صرحت بما هو معناه لقلت: أشير إليه في الدار، أي كائنا في الدار، فلفظ أشير، يعمل النصب في لفظ (في الدار) لكونه حالا، لقيامه مقام الحال المحذوف، وعمل الشئ في الحال غير عمله في المفعول به، وكلامنا في عمل معنى الفعل في المفعول به بواسطة الحرف، وعمل الفعل أو شبهه أو معناه في الحال لا يحتاج إلى حرف الجر، ومن أمثلة تعدية الحرف لمعنى الفعل قولهم: أين أنت مني، لأن معنى أين: أنت بعدت، وقد مضى الكلام على ما اختلف فيه، هل هو حرف جر، أو، لا، من: لو لا، وكي، ولات 2، وقد اختلف في (لعل) وسيجئ الكلام عليه، قال المصنف: فالعشرة الأول، لا تكون إلا حروفا، والخمسة التي تليها تكون حروفا وأسماء، والثلاثة البواقي تكون حروفا وأفعالا، قال: ولم أعد (على) اسما وفعلا وحرفا، لأني أراعي في العد أن يكون بين الكلمتين المتخالفتين في النوع، المتماثلتين في اللفظ توافق وتناسب من حيث المعنى، كتشارك (على) الحرفية والاسمية في معنى العلو، فلهذا لم أعد (من) فعلا أيضا، مع أنه يكون أمرا من: مان يمين، وكذا (في) مع كونه أمرا للمؤنث من وفي بفي، و (له) أمرا من: ولي يلي، وكذا، لم أعد (إلى) اسما، مع كونه يجئ بمعنى النعمة 3، كل ذلك لاختلاف المعنيين، قال: وأراعي، أيضا، في العد، مع التشارك في المعنى: التساوي في أصل الوضع، و (على)، إذا كان فعلا يكتب بالألف وأصله الواو، بخلافه إذا كان اسما أو حرفا، وكذا (من) و (في)، و (له) أفعالا، أصلها: امين، واوفى، واولى،


(1) من الآية 72 في سورة هود، (2) تقدم كل منها في موضعه، (3) وجمعها آلاء كقوله تعالى فبأي آلاء ربكما تكذبان (*)،

[ 263 ]

وفيما قال نظر، لأن (على) الاسمية تكتب ألفا، وأصله واو اتفاقا لكنهإ، إذا أضيفت إلى الضمير، ينقلب الألف ياء، تشبيها بعلى الحرفيه، وقوله: 757 - باتت تنوش الحوض نوشا من علا * نوشا به تقطع أجواز الفلا 1 (علا) فيه، مبني على الضم، كقولهم: من عل، بحذف المضاف إليه، ثم اعترض على نفسه 2، وقال: فحاشا وخلا وعدا، الحرفية، لا أصل لألفاتها، بخلافها فعلية، وأجاب، بأنها لما تضمنت معنى الاستثناء أشبهت الحرف في عدم التصرف، فصارت كأنها لا أصل لألفاتها، وهذا عذر بارد 3، قوله: (فمن للابتداء)، كثيرا ما يجري في كلامهم أن (من) لابتداء الغاية، و (إلى) لانتهاء الغاية، ولفظ الغاية يستعمل بمعنى النهاية وبمعنى المدي، كما أن الأمد، والأجل، أيضا، يستعملان بالمعنيين، والغاية تستعمل في الزمان والمكان، بخلاف الأمد والأجل، فإنهما يستعملان في الزمان فقط، والمراد بالغاية في قولهم: ابتداء الغاية، وانتهاء الغاية: جميع المسافة، إذ لا معنى لابتداء النهاية وانتهاء النهاية، فمن، للابتداء في غير الزمان عند البصرية، سواء كان المجرور بها مكانا نحو: سرت من البصرة، أو غيره، نحو قولهم: هذا الكتاب من زيد إلى عمرو،


(1) تنوش أي تتناول أي أنها لا تمعن في الشرب، وهو في وصف ناقة أو في وصف ابل، والبيت من شواهد سيبويه التي لم يعرف لها قائل وهو في سيبويه ج 2 ص 123، ونسبه بعضهم إلى غيلان بن حريث، أحد الرجاز، (2) أي اعتراض على نفسه في القاعدة التي وضعها في عد الكلمات المشتركة بين الحرفية وغيرها، (3) كثيرا ما يعبر الرضي في نقده بمثل هذا التعبير القاسي (*)،

[ 264 ]

وأجاز الكوفيون استعمالها في الزمان، أيضا، استدلالأ بقوله تعالى: (من أول يوم) 1، وقوله تعالى: (إذا نودي الصلاة من يوم الجمعة) 2، وقوله: 758 - لمن الديار بقنة الحجر * أقوين من حجح ومن دهر 3 وأنا لا أرى في الآيتين معنى الابتداء، إذ المقصود من معنى الابتداء في (من)، أن يكون الفعل المتعدي بمن الابتدائية شيئا ممتدا، كالسير، والمشي ونحوه، ويكون المجرور بمن: الشئ الذي منه ابتداء ذلك الفعل نحو: سرت من البصرة أو يكون الفعل المتعدي بها أصلا للشئ الممتد، نحو: تبرأت من فلان إلى فلان، وكذا خرجت من الدار، لأن الخروج ليس شيئا ممتدا، إذ يقال: خرجت من الدار، إذ انفصلت عنها ولو بأقل من خطوة، وليس التأسيس والنداء حدثين ممتدين، ولا أصلين للمعنى الممتد، بل هما حدثان واقعان فيما بعد (من) وهذا معنى (في)، فمن في الآيتين بمعنى (في)، وذلك لأن (من)، في الظروف كثيرا ما تقع بمعنى (في) نحو: جئت من قبل زيد، ومن بعده، و: (ومن بيننا وبينك حجاب) 4، وكنت من قدامك، وقد ذكرنا ذلك في الظروف المبنية 5، وإقامة بعض حروف الجر مقام بعض غير عزيزة، وكذا الأقواء 6، لم يبتدئ من الحجج، بل المعنى من أجل مرور حجج وشهر، والظاهر مذهب الكوفيين، إذ لا منع من مثل قولك: نمت من أول الليل إلى آخرة، وصمت من أول الشهر إلى آخره،


(1) من الآية 108 في سورة التوبة، (2) الآية 9 في سورة الجمعة، (3) المشهور أن هذا البيت مطلع قصيدة لزهير بن أبي سلمى في مدح هرم بن سنان، ومن العلماء من ينكر ذلك ويقول ان حمادا الراوية صنعه مع بضعة أبيات ليكون مطلع قصيدة زهير التي بدأها بقوله: دع ذا وعد القول في هرم * خير البداة وسيد الحضر (4) الآية 5 سورة فصلت، (5) في الجزء الثالث من هذا الشرح. (6) المستفاد من قوله في البيت السابق: أقوين (*)،

[ 265 ]

وهو كثير الاستعمال، وتعرف (من) الابتدائية، بأن يحسن في مقابلتها (إلى) أو ما يفيد فائدتها، نحو قولك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن معني أعوذ به: أتلجئ إليه وأقر إليه، فالباء ههنا أفادت معنى الانتهاء، وإذا قصدت بمن مجرد كون المجرور بها موضعا انفصل عنه الشئ وخرج منه، لا كونه مبتدأ لشئ ممتد، جاز أن يقع موقعه (عن) لأنها لمجرد التجاوز، كما يجئ، تقول: خرجت من المكان وأخرج عنه، وانفصلت منه وعنه، ونهيت من كذا وعنه، وسقاه من العيمة 1 وعنها، أي بعده عنها، وأما (من) التفضيلية فهي، وإن كانت لمجرد المجاوزة، كما مر، لكنه لا يستعمل (عن) مكانها، لأنها صارت علما في التفضيل، وكبعض حروف أفعل التفضيل، فلا تغير ولا تبدل، وأجاز ابن السراج، كون (من) لابتداء غايتي الفاعل والمفعول، لكون الفعل مشتركا بينهما، نحو: رأيت الهلال من مكاني من خلل السحاب، فمبدأ رؤيتك: مكانك، ومبدأ كون الهلال مرئيا: خلل السحاب، وكذا قولهم شممت المسك من داري من الطريق، ومثال التبعيض: أخذت من الدراهم، والمفعول الصريح لأخذت: محذوف، أي أخذت من الدراهم شيئا، وإذا لم تذكر المفعول الصريح أو ذكرته معرفا، نحو: أخذت من الدراهم: هذا 2، فمن متعلقة بأخذت، لا غير، لأنه يقام مقام الفاعل نحو: أخذ من الدراهم، والدراهم مأخوذ منها، ولو ذكرته بعد المفعول المنكر ، نحو: أخذت شيئا من الدراهم جاز أن يكون الجار متعلقا بالفعل المذكور، وأن يكون صفة لشئ، فيتعلق بمقدر، أي: شيئا كائنا من الدراهم، فيجوز، إذا تقدم على النكرة أن يكون، أيضا، حالا عن النكرة المؤخرة، قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) 3، وتعرف (من) التبعيضية، بأن يكون هناك شئ ظاهر، وهو بعض المجرور بمن،


(1) العيمة: شهوة الأنسان إلى اللبن، فالمعنى، كما يقول الشارح: بعده منها أي عنها بسبب السقي، (2) أي بالأشارة إلى درهم معين، (3) من الآية 103 سورة التوبة (*)،

[ 266 ]

نحو: (خذ من أموالهم صدقة)، أو مقدر، نحو: أخذت من الدراهم، أي: من الدراهم شيئا، قال المبرد، وعبد القاهر، والزمخشري 1، ان أصل (من) المبعضة: ابتداء الغاية، لأن الدراهم في قولك أخذت من الدراهم: مبدأ الأخذ، قوله: (وللتبيين)، كما في قوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) 2، وتعرفها بأن يكون قبل (من)، أو بعدها، مبهم، يصلح أن يكون المجرور بمن، تفسيرا له، وتوقع اسم ذلك المجرور على ذلك المبهم، كما يقال، مثلا، للرجس: إنه الأوثان، ولعشرين، إنها الدراهم في قولك: عشرون من الدراهم، وللضمير في قولك: عز من قائل: إنه القائل، بخلاف التبعيضية، فإن المجرور بها لا يطلق على ما هو مذكور قبله أو بعده، لأن ذلك المذكور بعض المجرور، واسم الكل لا يقع على البعض، فإذا قلت عشرون من الدراهم، فإن أشرت بالدراهم إلى دراهم معينة أكثر من عشرين فمن مبعضة، لأن العشرين: بعضها، وإن قصدت بالدراهم: جنس الدراهم فهي مبينة، لصحة إطلاق اسم المجرور على العشرين، ولا يلزم أن يكون المأخوذ في نحو: أخذت من الدراهم، أقل من النصف، كما قال بعضهم، لأنه لا يمتنع أن تصرح وتقول: أخذت من الثلاثين: عشرين، ومن العشرة: تسعة، وقال الزمخشري 3: كونها للتبيين: راجع إلى معنى الابتداء، وهو بعيد، لأن الدراهم هي العشرون في قولك: عشرون من الدراهم، ومحال أن يكون الشئ مبدأ نفسه، وكذلك الأوثان: نفس الرجس، فلا تكون مبدأ له، وإنما


(1) أبو العباس المبرد، وعبد القاهر الجرجاني، وجار الله: الزمخشري، كلهم تقدم ذكرهم، (2) من الآية 30 سورة الحجج، (3) انظر شرح ابن يعيش على المفصل ج 8 ص 10، (*)

[ 267 ]

جاز تقديم (من) المبينة على المبهم في نحو قولك: أنا من خطه في روضة، ومن رعايته في حرم، وعندي من المال ما يكفي، ومن الخيل عشرون، لأن المبهم الذي فسر بمن التبيينية مقدم تقديرا، كأنك قلت: أنا في شئ من خطه في روضة، وعندي شئ من المال ما يكفي، وكذا قولك: يعجبني من زيد كرمه، أي من خصال زيد، كأنك قلت يعجبني شئ من خصال زيد: كرمه، ومثله: كسرت من زيد يده، أي: شئ من أعضاء زيد: يده، ففي جميع هذا: المعطوف عليه محذوف والذي بعد (من) عطف بيان له، كما ذكرنا في باب عطف البيان 1، كل ذلك ليحصل البيان بعد الأبهام، لأن معنى يعجبني من زيد، أي شئ من أشيائه بلا ريب فإذا قلت: وجهه، أو كرمه، فقد بينت ذلك الشئ المبهم، وأما ما يسمى (من) التجريدية، نحو: لقيت من زيد أسدا، فليس من هذا، بل هو مثله في حذف المضاف، أي لقيت من لقاء زيد أسدا، أي حصل لي من لقائه لقاء أسد، والمراد تشبيهه بالأسد، وكذا الباء التجريدية في نحو قوله تعالى: فاسأل به خبيرا) 2 وقولك لقيت بزيد أسدا، أي: سل بسؤاله خبيرا، ولقيت بلقاء زيد أسدا، وقد تكون (من) للبدل، في نحو قوله تعالى: (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) 3، وقوله: 759 - فليت لنا من ماء زمزم شربة * مبردة باتت على الطهيان 4 وتعرف بصحة قيام لفظ (بدل) مقامها،


(1) في الجزء الثاني من هذا الشرح، (2) من الآية 59 سورة الفرقان، (3) من الآية 30 سورة التوبة، (4) قائله يعلى الأحول الأزدي وكان أحد الفتاك واللصوص، والبيت أحد أبيات يذكر فيها عددا من الأماني = (*)

[ 268 ]

قوله: (وزائدة في غير الموجب)، هو إما نفي، نحو: ما رأيت من أحد، أو نهي، نحو: لا تضرب من أحد، أو استفهام نحو: هل ضربت من أحد، وغير الأخفش والكوفيين شرط فيها شرطين: كونها في غير الموجب، ودخولها في النكرات، والكوفيون والأخفش لا يشترطون ذلك استدلالا بقوله تعالى: (يغفر لكم من ذنوبكم) 1، فمن: في حيز الأيجاب، وهي داخلة على المعرفة، وهي، عند سيبويه: مبعضة، أي يغفر لكم من ذنوبكم شيئا، قالوا: فقوله تعالى: (إن الله يغفر الذنوب جميعا) 2، يناقضة، وأجيب بأن قوله تعالى: (يغفر لكم من ذنوبكم): خطاب لقوم نوح، عليه السلام، وقوله تعالى: (إن الله يغفر الذنوب جميعا)، خطاب لأمة محمد، صلى الله تعالى عليه وسلم، ولو كانا أيضا، خطابا لأمة واحدة، فغفران بعض الذنوب لا يناقض غفران كلها، بل عدم غفران بعضها يناقض غفران كلها، واستدلوا بما حكى البغداديون من قول العرب: قد كان من مطر، وأجيب بأنه على سبيل الحكاية، كأنه سئل: هل كان من مطر، فأجيب قد كان من مطر، فزيدت في الموجب، لأجل حكاية المزيدة في غير الموجب، كما قال: دعني من تمرتان، كما مر في الموصولات 3، وقول المصنف: شئ من مطر، ومن، للتبعيض أو التبيين، فيه نظر، لأن حذف الموصوف وإقامة الجملة أو الظرف مقامه بلا شرط ذكرناه في باب الموصوف 4: قليل، وخاصة إذا كان الموصوف فاعلا، لأن الجار والمجرور، لا يكون فاعلا للفعل المبني للفاعل،


= التي يشتهيها، وهو يرتبط ببيت تقدم في باب الضمائر، جاء شاهدا على حذف الحركة من الضمير وهو قوله: فبت لدى البيت العتيق أريغه * ومطواي مشتاقان له أرقان (1) من الآية 4 سورة نوح، (2) من الآية 53 سورة الزمر، (3) في أول الجزء الثالث، والجملة المنقولة في سيبويه ج 1 ص 403، (4) وهو أن يكون الموصوف بعض اسم متقدم مجرور بمن أو في: انظر باب النعت في الجزء الثاني (*)،

[ 269 ]

إلا إذا كان الجار زائدا، نحو: كفى بزيد، لأن حرف الجر موصل للفعل القاصر إلى ما كان يقصر عنه لولاه، والفعل لا يقصر عن فاعله، ولو صح تأويله، لجاز أن يكون الكاف في قوله: 760 - أتنتهون، ولن ينهى ذوي شطط * كالطعن يذهب فيه الزيت والقتل 1 حرف جر وقد حذف الفاعل وأقيم الجار مقامه، فلا يصح الاستدلال بالبيت على أن الكاف اسم، وقوله تعالى: (ولقد جاءك من نبأ المرسلين) 2، يجوز أن يستدل به على ما ذهب إليه المصنف، ويجوز أن يقال: إن ضمير: (جاء) للقرآن، وقوله: من نبأ، حال، والدليل على زيادة (من) الاستغرافية: دخولها على ما لا توصل الفعل إليه، أعني الفاعل، في نحو: ما جاءني من أحد، فعند سيبويه: لا تزاد (من) إلا استغراقية، وعند الكوفيين والأخفش، تزاد غير استغراقية كما في الموجب، وفائدة (من) الاستغراقية: ما ذكرنا في باب (لا) التبرئة 3، أعني التنصيص على كون النكرة مستغرقة للجنس، إذ لولاها لاحتمل احتمالا مرجوحا أن يكون معنى ما جاءني رجل: ما جاءني رجل واحد بل جاءني رجلان أو أكثر، فهي، إذن، لتأكيد ما استفيد من النكرة في غير الموجب من الاستغراق، وذلك أن النكرة كانت في الظاهر للاستغراق، لكنها كانت تحتمل غير ذلك، وليس كذا: زيادة الباء في نحو: ألقى بيده، فإنها ليست للتنصيص على أحد المحتملين،


(1) من قصيدة الأعشى، ميمون بن قيس، التي تعد إحدى المعلقات والتي أولها: ودع هريرة إن الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل ومنها شواهد كثيرة في هذا الشرح، (2) من الآية 34 سورة الأنعام، (3) في الجزء الثاني، وقد فسرنا أكثر من مرة وجه تسميتها (لا) التبرئة، (*)

[ 270 ]

وقيل: إن أصل (من) الاستغراقية في الأص ل: ابتدائية: أي: ما جاءني من أحد إلى ما لا يتناهى، وقد تجئ للتعليل، نحو: لم آتك من سوء أدبك، أي من أجله، وكأنها ابتدائية، لأن ترك الأتيان، حصل من سوء الأدب: وتكون (من) مضمومة الميم، ومكسورتها، بمعنى تاء القسم، ولا تدخل إذن، إلا على لفظ (الرب) كاختصاص التاء بالله، وشذ دخول كل واحدة منهما على معمول الأخري، نحو: تربي، و: من الله، وهي حرف جر عند سيبويه، جاز ضم ميمه في القسم خاصة، وقيل: المكسورة الميم، مقصورة من يمين، والمضمومتها مقصورة من أيمن، وتكون (من) في الظروف بمعنى (في) كما تقدم، وتختص (من) بجر: قبل، وبعد، وعند، ولدى، ومع، يقال جئت من معه أي من عنده، وكذا (بله) نحو: فمن بله أن يأتي بالصخرة، وقد ذكرنا ذلك في أسماء الأفعلل 1، واختصت أيضا بجر: عن، وعلى، اسمعين، (إلى - حتى) (في - الباء اللام) (قال ابن الحاجب:) (وإلى، للأنتهاء، وبمعنى (مع) قليلا، وحتى، كذلك) (وبمعنى مع، كثيرا، وتختص بالظاهر، خلافا للمبرد،) (وفي، للظرفية، وبمعنى على، قليلا، والباء للألصاق،)


(1) في الجزء الثالث من هذا الشرح (*)،

[ 271 ]

(والاستعانة والمصاحبة والمقابلة، والتعدية، والظرفية، وزائدة) (في الخبر في النفي والاستفهام قياسا، وفي غيره سماعا، نحو:) (بحسبك زيد، وألقى بيده، واللام للاختصاص، والتعليل) (وزائدة وبمعنى عن مع القول، وبمعنى الواو في القسم) (للتعجب)، (قال الرضي:) اعلم أن (إلى) تستعمل في انتهاء غاية الزمان والمكان بلا خلاف، نحو: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) 1، والأكثر عدم دخول حدي الابتداء، والانتهاء في المحدود، فإذا قلت: اشتريت من هذا الموضع إلى ذلك الموضع، فالموضعان لا يدخلان ظاهرا في الشراء، ويجوز دخولهما فيه مع القرينة، وقال بعضهم، ما بعد (إلى) ظاهره الدخول فيما قبلها، فلا تستعمل في غيره إلا مجازا، وقيل: إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، فالظاهر الدخول، وإلا، فالظاهر عدم الدخول، نحو: ثم أتموا الصيام إلى الليل، والمذهب هو الأول، قوله: (وبمعنى مع، قليلا)، كما في قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) 2 والتحقيق أنها بمعنى الانتهاء، أي تضمونها إلى أموالكم، وكذا قوله تعالى: (وأيديكم إلى المرافق) 3، أي مضافة إلى المرافق، و: الذود إلى الذود ابل، أي: مضافة إلى الذود، وقوله:


(1) من الآية 187 سورة البقرة، (2) من الآية الثانيه في سورة النساء، (3) من الآية 6 سورة المائدة (*):

[ 272 ]

761 - وأنت التي حببت شغبا إلى بدا * إلي، وأوطاني بلاد سواهما 1 أي: مضافا إلى بدا، كما في قوله: 762 - فلا تتركني بالوعيد كأنني * إلى الناس مطلي به القار أجرب 2 والظاهر أنها بمعناها، وذلك لأن معنى مطلي به القار أجرب: مكرة مبغض، والتكريه يتعدى بإلى، قال تعالى: (وكره إليكم الكفر...) 3، حملا على التحبب المضمن معنى الامالة، قال تعالى: (وحبب إليكم الأيمان) 4، كما قيل: بعت منه، حملا على: اشتريت منه، ورضيت عليه، حملا على سخطت، قال: 763 - إذا رضيت علي بنو قشير * لعمر الله أعجبني رضاها 5 وقيل: إن (إلى) في نحو: أنت إلي حبيب أو بغيض، وجلست إليه بمعنى (عند)، والأولى بقاؤها على أصلها، كما ذكرنا، وكذا هي في قوله: 764 - وإن يلتق الحي الجميع تلاقني * إلى ذروة البيت الكريم المصمد 6 بمعنى منتسب إلى ذروة، لا بمعنى (في) كما قيل، قوله: (وحتى كذلك)، أي لانتهاء الغاية مثل (إلى)، إلا أن بينهما فرقا، كما يجئ وعتى، بالعين لغة هذلية، وهي على ثلاثة أضرب: حرف جر، وحرف عطف،


(1) شنب، وبدا، اسمان لمكانين، والبيت منسوب إلى كثير عزة وإلى جميل بثينة وبعده: حللت بهذا حلة ثم حلة * بهذا، فطاب الواديان كلاهما (2) من قصيدة للنابغة الذبياني مما اعتذر به إلى النعمان بن المنذر وقوله مطلي به العار، من باب القلب المعنوي، والمقصود: كأنني مطلي بالقار، (3) و (4) الجزآن، من الآية 7 سورة الحجرات، (5) البيت لشاعر اسمه: القحيب العجلي، يمدح حكيم بن المسيب القشيري، ويتصل به بيت يستشهد به النحويون على زيادة الباء في الحال، وهو قوله: فما رجعت نجائبة ركاب * حكم بن المسيب منتهاها (6) من معلقة طرفة بن العبد، ومن أبياتها بعض الشواهد في هذا، الشرح، وأراد بقوله: وإن يلتق الحي.. لقاءهم للتفاخر، وذروة البيت أعلاه ومراده بيت الشرف الرفيع والمصمد الذي يعتمد إليه أي يقصد (*)،

[ 273 ]

وحرف استئناف، فإذا كانت حرف جر، فلها معنيان: (إلى)، و (كي)، ولا تجر، بمعنى (كي)، إلا مصدرا مؤولا به الفعل المنتصب بعدها بأن المضمرة، نحو: أسلمت حتى أدخل الجنة، ولا تقول: حتى دخول الجنة، والتي بمعنى (إلى) تجر ذلك، نحو: سرت حتى تغيب الشمس، وتجر الاسم الصريح أيضا، نحو: (حتى مطلع الفجر) 1، وينبغي أن يكون المجرور بها مؤقتا، لأنه حد، والتحديد بالمجهول لا يفيد، ونحو قوله تعالى: (ذرهم في غمرتهم حتى حين) 2، بمعنى المؤقت، أي: حين أخذهم، ومذهب الكسائي: أن جر ما بعدها بإلى، لا بحتى، لأن العامل ينبغي أن يكون لازما لأحد القبيلين و (حتى) تدخل على الأسماء والأفعال فهي، ك (ما)، في لغة تميم عنده، وقد ذكرنا ذلك في النواصب 3، وأما العاطفة فهي مثل الجارة في معنى الانتهاء، ولا تكون بمعنى (كي) ويجب توقيت ما بعدها، كما في حتى، الجارة، فلا تقول: جاءني القوم حتى رجل، لأنه حد فلا فائدة في إبهامه، وتشترك الجارة والعاطفة في أنه لابد قبلهما من ذي أجزاء، إلا أن ذلك يجب إظهاره في العاطفة حتى يكون معطوفا عليه، نحو: قدم الحجاج حتى المشاة، وأما في الجارة فيجوز إظهاره نحو: ضربت القوم حتى زيد ويجوز تقديره أيضا، نحو : نمت حتى الصباح، أي: نمت الليلة حتى الصباح، ويتفارقان، أيضا، بأن ما بعد (حتى) العاطفة يجب أن يكون جزءا مما قبلها نحو: ضربت القوم حتى زيدا، أو كجزئه بالاختلاط، نحو: ضربني السادة حتى عبيدهم، أو جزءا لما دل عليه ما قبلها، كما في قوله: ألقى الصحيفة كي يخفف رحله * والزاد حتى نعله ألقاها 4 - 152


(1) آخر آية في سورة القدر، (2) الآية 54 من سورة المؤمنون، (3) في قسم الأفعال في هذا الجزء، (4) تقدم ذكره في الجزء الأول، باب المنصوب على شريطة التفسير (*)،

[ 274 ]

عند من قال: إن نعله عطف على الصحيفة، أي ألقى جميع ما معه، لأنه إذا ألقى الصحيفة التي لا يمشي إلا لها 1، فقد ألقى كل شئ، ويجب أيضا دخول ما بعدها في حكم ما قبلها، فالضرب في: ضربت القوم حتى زيدا، لا محالة واقع على زيد أيضا، وأما الجارة فالأكثرون على تجويز كون ما بعدها متصلا بآخر أجزاء ما قبلها، كنمت البارحة حتى الصباح، وصمت رمضان حتى الفطر، كما يكون جزءا منه نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، بالجر،... والسيرافي 2، مع جماعة، أوجبوا أن يكون ما بعدها جزءا أيضا مما قبلها، كما في العاطفة، فلم يجيزوا: نمت البارحة حتى الصباح، جرا، كما لم يجيزوا نصبه، وهو مردود بقوله تعالى: (سلام هي حتى مطلع الفجر) 3، وأما دخول الفجر 4، المجرور بحتى في حكم ما قبلها، ففيه أقوال، جزم جار الله 5، بالدخول مطلقا، سواء كان جزءا مما قبلها، أو ملاقي آخر جزء منه، حملا على العاطفة، وتبعه المصنف، وجوز ابن مالك الدخول وعدم الدخول، جزءا كان، أو ملاقي آخر جزء منه، وفصل عبد القاهر، والرماني، والأندلسي 6، وغيرهم فقالوا: الجزء داخل في حكم الكل، كما في العاطفة، والملاقي غير داخل، وقال الأندلسي: إنما ذكرت (زيدا) مع دخوله في القوم، في قولك ضربت القوم حتى زيد بالجر، لغرض التعظيم أو التحقير،


(1) إشارة إلى قصة المتلمس وما فعل من إلقاء الصحيفة التي كان يرجو من ورائها خيرا كثيرا كما ذكر عند شرح البيت في المكان المشار إليه، (2) أبو سعيد السيرافي، شارح كتاب سيبويه، وتكرر ذكره، (3) آخر سورة القدر وتقدمت قريبا، (4) أي في الآية المذكورة لأن دخول مطلعه دخول له، (5) أي الزمخشري، وقوله هذا في متن المفصل في شرح ابن يعيش عليه ج 8 ص 15، (6) تقدم ذكر هؤلاء جميعا في هذا الجزء وفي الأجزاء السابقة (*)،

[ 275 ]

واستدل بأن حتى، كالتفصيل لما قبلها، فإذا دخل في الأجمال، دخل في التفصيل، وإذا لم يدخل، لم يدخل، ومذهب ابن مالك قريب، لكن الدخول مطلقا أكثر وأغلب، واعلم أنه لا يلزم أن يكون ما بعد (حتى) العاطفة، آخر أجزاء ما قبلها حسا، ولا آخرها دخولا في العمل، بل قد يكون كذلك، وقد لا يكون 1، لكنه يجب فيها أن يكون آخر الأجزاء، إذا رتبت الأجزاء: الأقوى فالأقوى، فإذا ابتدأت بقصدك من الجانب الأضعف مصعدا، كان آخر الأجزاء أقواها، نحو: مات الناس حتى محمد صلى الله عليه وسلم، بالعطف، وليس هو، عليه الصلاة والسلام، آخرهم حسا، ولا دخولا، بل هو آخرهم قوة وشرفا، وإذا ابتدأت بعنايتك 2 من الجانب الأقوى منحدرا، كان آخر الأجزاء أضعفها، نحو: قدم الحجاج حتى المشاة، عطفا، ويجوز أن يكونوا قادمين قبل الركاب، أو معهم، وأما الجارة فيجوز أن يكون ما بعدها كذلك، وألا يكون، فإذا لم يكن، وجب أن يكون آخر الأجزاء حسا أو ملاقيا له، نحو قولك: قرأت القرآن حتى سورة الناس، جرا، ولهذا جاء بعدها ما هو ملاق، أيضا، والتزم صاحب المغنى 3: التحقير فيما بعد (حتى) الجارة أيضا، وليس بمشهور، وكأن الجارة محمولة على (إلى)، في جواز عدم كون ما بعدها جزءا، خلافا للسيرافي، وفي جواز عدم دخوله في حكم ما قبلها، كما قال ابن مالك، وفي جواز قصد كونه آخر الأجزاء حسا، لاقوة، ولا ضعفا، لأنك إذا لم تقصد كونه آخرها ضعفا،


(1) تكررت الأشارة إلى ضعف هذا التركيب، ويغني عنه: ربما لا يكون، والرضي يكرره، (2) أي بقصدك، (3) منصور بن فلاح اليمني ولا يذكره الرضي إلا بقوله صاحب المغني وهو معاصر للرضي، وتقدم ذكره أكثر من مرة (*)،

[ 276 ]

أو قوة، وجب في حتى كونه آخرها حسا، كما ذكرنا، فلا يجوز: أكلت السمكة إلى نصفها وإلى ثلثها، والعاطفة كواو العطف في دخول ما بعدها في حكم ما قبلها، وليست بمعنى الواو، خلافا لمن توهم ذلك، لأن (حتى) لابد فيها من معنى الانتهاء، بخلاف الواو، وهذا كما توهم المصنف، لدخول ما بعد (حتى) الجارة كثيرا فيما قبلها كما بعد (مع): أن حتى تكون بمعنى (مع) فقال: وبمعنى مع كثيرا، وإذا عطفت بحتى العاطفة على مجرور، فالاختيار إعادة الجار، دفعا لتوهم كونها جارة، نحو: مررت بالقوم حتى بزيد، وقد يكون ذو الأجزاء الذي قبل (حتى)، جارة كانت أو عاطفة، من تمام جملة ما بعد حتى، نحو: القوم حتى زيدا رأيت، عطفا وجرا، وكل ما ذكرنا من الأحكام: هو لحتى العاطفة للاسم، وأما العاطفة للجملة فنحو: نظرت إليه حتى أبصرته، ويجوز أن يقال: ان حتى في مثله ابتدائية، وانها لا تعطف الجملة أبدا،. قوله: (وتختص بالظاهر خلافا للمبرد)، إذا كانت عاطفة جاز دخولها على المضمر نحو: جاءني القوم حتى أنت، ورأيت القوم حتى إياك، ومررت بالقوم حتى بك، وأما الجارة فلا تدخل على المضمر، اجتزاء بإلى، لكون (إلى) أشد تمكنا وأوسع تصرفا، فلهذا تدخل آخر الأجزاء وأوسطها وتقوم مقام الفاعل نحو: قيم إلى زيد، ولا يقال: قيم حتى عمرو، وشبهه المبرد قوله: 765 - وأكفيه ما يخشى وأعطيه سؤله * وألحقه حتاه بالقوم لاحق 1


(1) شرحه البغدادي وبين وجه الشاهد فيه كما قال الشارح، ولم يذكر مرجع الضمائر فيه، ثم قال: هذا البيت لم أقف له على خبر، والله أعلم (*)،

[ 277 ]

وليس ما في البيت بمعنى الجارة، وإلا لم يكن لرفع (لاحق) وجه، بل هي ابتدائية، أي حتى هو كما في قوله: فبيناه يشري رحله قال قائل... البيت 1 - 369 بقوله أيضا: 766 - فلا والله، لا يلفى أناس * فتى حتاك يا ابن أبي زياد 2 وهو شاذ، ومن الفرق بين حتى، وإلى، أن حتى يلزمه تقدم ذي الأجزاء إما لفظا أو تقديرا، كما ذكرنا، بخلاف إلى، وأن الأظهر دخول ما بعد حتى في حكم ما قبلها كما اخترنا، بخلاف إلى، فإن الأظهر فيها عدم الدخول إلا مع القرينة، وإن كان أيضا، جزءا، وقال الأندلسي: لا فرق بينهما من هذا الوجه، فإذا كان ما بعدهما جزءا مما قبلهما، فالظاهر الدخول فيهما، وإن لم يكن جزءا، فالظاهر فيهما عدم الدخول وما اخترناه: أظهر عند النجاة، ومن الفرق بينهما أن الفعل المتعدي بحتى، يجب أن يستوفي أجزاء المتجزئ الذي قبل حتى، شيئا فشيئا، حتى ينتهي إلى ما بعد حتى، من الجزء، أو الملاقي، وأما (إلى)، فإن كان قبلها ذو الأجزاء وبعدها الجزء أو الملاقي، فحكمها أيضا كذلك، وإلا فلا، نحو: قلبي إليك، ولا خلاف في صحة وقوع الملاقي بعد (إلى) وأما بعد (حتى) ففيه الخلاف كما مر، واعلم أن (حتى) لا يكون مستقرا 3، وإلا في نحو: كان سيري حتى أدخلها بنصب


(1) تقدم ذكره في المضمرات، آخر الجزء الثاني، (2) روي يا ابن أبي زياد كما روي يا ابن أبي يزيد، وقال البغدادي، لست أدري معنى الانتهاء فيه، لأن لا يعرف مراد الشاعر من المذكور حتى يبين معنى الانتهاء، ثم قال: لعله مصنوع، (3) المستقر من الظروف بفتح القاف هو ما كان تعلقه بمحذوف وجوبا، ومعنى مستقر: أنه استقر فيه الضمير بعد حذف المتعلق، وتفصيل ذلك في باب المبتدأ والخبر في الجزء الأول (*)،

[ 278 ]

أدخل، وأعني بالمستقر: ما يتعلق بمقدر، وأما حتى الابتدائية فقد ذكرناها في نواصب المضارع، ويقع بعدها الفعلية والاسمية كما ذكرناه هناك، وفائدة الابتدائية، أيضا، إما التحقير، كما في قوله: 767 - فواعجبا حتى كليب تسبني * كأن أباها نهشل أو مجاشع 1 أو التعظيم كقوله: 768 - فما زالت القتلى تمج دماءها * بدجلة حتى ماء دجلة أشكل 2 ويلزم في الاسمية أن يكون خبر المبتدأ من جنس الفعل المتقدم نحو: ركب القوم، حتى الأمير راكب، ولو قلت: حتى الأمير ضاحك لم يفد، ويجوز حذف الخبر مع القرينة، نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، أي رأسها مأكول، قوله: (وفي للظرفية)، إما تحقيقا، نحو: زيد في الدار، أو تقديرا، نحو نظر في الكتاب، وتفكر في العلم، وأنا في حاجتك، لكون الكتاب، والعلم والحاجة شاغلة للنظر والفكر والمتكلم، مشتملة عليها اشتمال الظرف على المظروف، فكأنها محيطة بها من جوانبها، وكذا قوله عليه الصلاة والسلام: (في النفس المؤمنة مائة من الأبل)، لي: في قتلها فالسبب الذي هو القتل متضمن للدية تضمن الظرف للمظروف، وهذه هي التي يقال انها للسببية،


(1) من قصيدة للفرزدق في هجاء جرير، ومنها بعض الشواهد في هذا الشرح، (2) دجلة بفتح الدال وكسرها، نهر بالعراق، والأشكل الذي تخالطة حمرة، والبيت من قصيدة لجرير في هجاء الأخطل، منها بيت يستشهد به النجاة على استعمال اللام بمعنى من وهو قوله: لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم * ونحن لكم يوم القيامة أفضل أي ونحن منكم أفضل (*)،

[ 279 ]

وقوله تعالى: (ولأصلبنكم في جذوع النخل) 1، قيل ان (في) فيه، وفي قوله: 769 - بطل كأن ثيابه في سرحة * يحذي نعال السبت ليس بتوأم 2 بمعنى (على)، والأولى أنها بمعناها، لتمكن المصلوب من الجذع تمكن المظروف في الظرف. وقيل انها بمعنى الباء في قوله: 770 - ويركب يوم الروع منا فوارس * بصيرون في طعن الأباهر والكلى 3 والأولى أن تكون بمعناها، أي لهم بصارة 4 وحذق في هذا الشأن، وقيل: هي بمعنى (إلى) في قوله تعالى: (فردوا أيديهم في أفواههم) 5، والأولى أن نقول هي بمعناها والمراد التمكن، وقيل: هي بمعنى (مع) في قوله تعالى: (فادخلي في عبادي) 6، وبمعنى الباء في قوله: 771 - نحابي بها أكفاءنا ونهينها * ونشرب في أثمانها ونقامر 7


(1) من الآية 71 سورة طه، (2) من معلقة عنترة العبسي، ومنها شواهد متعددة في هذا الشرح، وبطل بالجر صفة لمدجج في بيت قبله، وكنى عن طوله بقوله كأن ثيابه في سرحة أي شجرة عظيمة ويحذى نعال السبت كناية عن تنعمه، ونعال السبت بكسر السين نعال تتخذ من جلود البقر، وليس بتوأم كناية عن قوته لأنه لم يشاركه في بطن أمه أخ يزاحمه في غذائة فتضعف بنيته، (3) من أبيات لزيد الخيل الطائي يرد فيها على كعب بن زهير وكان قال شعرا ذكر فيه زيد الخيل فرد عليه زيد بهذه الأبيات، (4) مصدر بصر بضم الصاد، (5) من الآية 9 في سورة ابراهيم، (6) الآية 29 سورة الفجر، (7) نحابي من المحاباة قال البغدادي هو من باب المغالبة من حبا يحبو بمعنى أعطى أي نغالب أكفاءنا في منحها = (*)

[ 280 ]

والأولى في الموضعين كونها بمعناها، أي: حاصلة في زمرة عبادي، أو بمعنى: ادخلي أيتها الروح في أجسام عبادي، والشاعر جعل أثمانها ظرفا للشرب والقمار مجازا، وقولهم: في الله من كل فائت خلف، أي: في ألطافه، وقولهم: أنت أخي في الله، أي في رضاء الله، أي: رضاه تعالى مشتمل على مؤاخاتنا، لا تخرج عنه إلى الأغراض الدنيوية، وكذا قولهم: الحب في الله، والبغض في الله، قوله: (والباء للألصاق)، نحو: به داء، أي التصق به، وقولك: مررت به، أي: ألصقت المرور بمكان يقرب منه، ومنه: أقسمت بك، وبحياتك أخبرني، وتكون مستقرا نحو: الذي به: ضعف، وبه داء، وتكون للاستعانة نحو: كتبت بالقلم، وخطت بالابرة، وبتوفيق الله حججت، وهذا المعنى مجاز عن الألصاق، وتكون بمعنى (مع)، وهي التي يقال لها: باء المصاحبة، نحو (وقد دخلوا بالكفر، وهم قد خرجوا به) 1، واشتر الدار بآلاتها، قيل: ولا تكون بهذا المعنى إلا مستقرا، أي: كائنين بالكفر، وكائنة بآلاتها، والظاهر أنه لا منع من كونها لغوا، وتكون للمقابلة نحو: اشتريته به، وبدلته به، وتكون مستقرا أيضا، نحو: هذا بذاك، قوله: (وقد تكون للتعدية)، جميع حروف الجر: لتعدية الفعل القاصر عن المفعول، إليه 2، لكن معنى التعدية المطلقة: أن ينقل 3 معنى الفعل، كالهمزة والتضعيف، ويغيره،


= والبيت لسبرة بن عمرو الفقعسي من عدة أبيات، ونقل البغدادي أن بعضهم يفسر نحابي بأنه بمعنى نحبو: ونعطي، (1) الآية 61 سورة المائدة، (2) متعلق بقوله لتعدية الفعل القاصر، (3) أي الحرف الذي جئ به للتعدية (*)،

[ 281 ]

وهذا المعنى مختص بالباء من بين حروف الجر، نحو: ذهبت به، وقمت به، أي: أذهبته، وأقمته، ولا يكون مستقرا، وما سمعته مقدرا إلا في قراءة 1 من قرأ: (ائتوني زبر الحديد) 2، أي ائتوني بزبر الحديد، قوله: (والظرفية)، أي بمعنى (في) نحو: 772 - ما بكاء الكبير بالأطلال * وسؤالي وما ترد سؤالي 3 أي: فيها، وتكون للسببية، كقوله تعالى: (فبظلم من الذين هادوا..) 4 وقوله: 773 - غلب تشذر بالذحول كأنها * جن البدي رواسيا أقدامها 5 وهي فرع الاستعانة، وقيل: جاءت للتبعيض، نحو قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم) 6، قال ابن جني 7، ان أهل اللغة لا يعرفون هذا المعنى، بل يورده الفقهاء، ومذهبة أنها زائدة، لأن الفعل يتعدى إلى مجرورها بنفسه، وتجئ بمعنى (من)، نحو: (عينا يشرب بها عباد الله) 8، وبمعنى (عن) نحو:


(1) قراءة شاذة قرأ بها المفضل وتقدمت في باب المتعدي، (2) الآية 96 سورة الكهف، (3) مطلع قصيدة للأعشى ميمون بن قيس، وبعضهم يعدها هي المعلقة، ومنها بعض الشواهد في هذا الشرح، (4) الآية 160 سوره النساء، (5) من معلقة لبيد بن ربيعة العامري، والغلب جمع أغلب أي قوي شديد، والبدي واد قالوا ان الجن تسكنه لا تبرحه، وهو معنى قوله رواسبا اقدامها أي ثابتة لا تبرح، وقوله تشذر بالدخول، الذحول جمع ذحل وهو الثأر أي أنهم مشتملون على الأضغان يتصاولون بسببها، (6) من الآية 6 في سورة المائدة، (7) أبو الفتح بن جني ممن تكرر ذكرهم في هذا الشرح، (8) الآية 6 سورة الدهر (*)،

[ 282 ]

سأل سائل بعذاب واقع) 1، وتجئ للتجريد، نحو: رأيت بزيد أسدا، أي: برؤيته أسدا، كما مر في (من)، قوله: وزائدة في الخبر والاستفهام)، بهل، لا في مطلق الاستفهام، فلا يقال: أزيد بقائم، كما يقال: هل زيد بقائم، قوله: (والنفي)، بليس، نحو: ليس زيد براكب، وبما، نحو: ما زيد براكب، وقيل: بلا التبرئة أيضا، نحو: (لا خير بخير بعده النار) 2 والأولى أنها بمعنى (في) ولم يسمع في النفي بإن، فما كان للمصنف أن يطلق النفي والاستفهام، وتزاد قياسا في مفعول علمت وعرفت، وجهلت، وسمعت، وتيقنت وأحسست، وقولهم: سمعت بزيد وعلمت به، أي بحال زيد، على حذف المضاف، وتزاد قياسا، أيضا، في المرفوع في كل ما هو فاعل لكفى وتصرفاته، وفي فاعل أفعل في التعجب على مذهب سيبويه 3، وفي المبتدأ الذي هو: حسبك، وتزاد شاذا في خبر المبتدأ الموجب نحو: (جزاء سيئة بمثلها) 4، عند الأخفش، وتزاد سماعا بكثرة في المفعول به نحو: ألقى بيده، ونحو: 774 - نحن بنو ضبة أصحاب الفلج * نضرب بالسيف ونرجو بالفرج 5


(1) الآيتان الأولى والثانية سورة المعارج، (2) من كلام لسيدنا علي بن أبي طالب في نهج البلاغة، وقيل انه حديث وتقدم ذكره في الجزء الثاني باب لا النافية للجنس، (3) وهو أن أفعل ماض جاء على صورة الأمر، (4) من الآية 27 سورة يونس، (5) رواية الصدر هكذا برفع بنو، على أنه إخبار وليس من باب الاختصاص كما في بناء تميما، ورواه بعضهم بنصب بني على أنه اختصاص كما أن الرواية الصحيحة لهذا الرجز نحن بني جعدة، وهي قبيلة ومن هنا قال بعض شراح الشواهد انه للجعدي، ولم يقل النابغة الجعدي، والفلج، المراد به الظفر والنصر وقال البغدادي ان الرجز الذي فيه بني ضبة، هو: نحن بني ضبة أصحاب الجمل، قال وهو مما قيل في وقعة يوم الجمل (*)،

[ 283 ]

وقليلا في خبر (لكن)، قال: 775 - ولكن أجرا لو فعلت بهين * وهل ينكر المعروف في الناس والأجر 1 ومع (أن) مرفوعة 2، قال: 776 - ألا هل أتاها والحوادث جمة * بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا 3 وقد ذكرت مواضع زيادتها في (ما) الحجازية 4، ومن غريب زيادتها: أن تزاد في المجرور، نحو قوله: 777 - فأصبحن لا يسألنه عن بما به * أصعد في علو الهوى أم تصوبا 5 وتضمر كثيرا مع (الله) في القسم، نحو: ألله لأفعلن، وشاذا قليلا في غيره، كقول رؤبة: خبر، لمن قال له: كيف أصبحت ؟ قوله: (واللام للاختصاص)، لام الجر مكسورة مع غير الضمير، مفتوحة معه، وكسرها معه أيضا: لغة خزاعية، وربما فتحت قبل (أن) المضمرة، نحو: ليعلم 6 بفتح الميم، وتقل فتحها مع جميع المظهرات، اعلم أن كل كلمة على حرف واحد، كالواو، والفاء، ولام الابتداء... فحقها الفتح، لثقل الضمة والكسرة على الكلمة التي هي في غاية الخفة بكونها على حرف، وإنما كسرت باء الجر ولامه لموافقة معمولهما، ولم تكسر كاف التشبية، لأنها تكون


(1) وجه الشاهد فيه زيادة الباء في خبر لكن، وبعد أن شرحه البغدادي قال إن قائله غير معروف، (2) أي واقعة مع جملتها في محل رفع، (3) من قصيدة لامرئ القيس، قالها في رحلته إلى ملك الروم للاستنجاد به في الأخذ بثأر أبيه وتقدم بعض أبياتها، وتملك على صيغة الفعل المضارع: اسم أمراة من جدات امرئ القيس، وبيقر، فعل ماض معناه: هجر وطنه إلى وطن آخر، وله معان أخرى، أنسبها بالبيت ما ذكرنا، (4) في الجزء الثاني من هذا الشرح، (5) بيت مجهول القائل، مع استشهاد كثير من النحويين به، (6) بفتح لام الجر في أول الفعل، وقوله بفتح الميم ليبين أن اللام للتعليل وأن مقدرة بعدها ليكون الفعل من المواضع التي أشار إلى فتح اللام فيها (*)،

[ 284 ]

اسما، أيضا، فجرها، إذن، ليس بالأصالة، بل للقيام مقام الحرف، عند من قال إن المضاف هو الجار، وإنما بقيت لام الجر، الداخلة على المضمر على فتحها، إلحاقا لها بسائر اللامات كلام الابتداء، ولام جواب (لو) وغير ذلك، وإنما خصت لام المضمر بذلك، لأنها لا تلتبس، إذن، بغيرها من اللامات إذ المضمر المجرور، غير المرفوع، ولو فتحت في غير المضمر لالتبست بلام الابتداء، والفرق بالاعراب لايتم، إذ ربما يكون الظاهر مبنيا، أو موقوفا عليه، وفائدة اللام: الاختصاص، إما بالملكية، نحو: المال لزيد، أو بغيرها، نحو: الجل للفرس، والجنة للمؤمن، والابن لزيد، والتي تسمى لام العاقبة نحو: 778 - لدوا للموت وابنوا للخراب * فكلكم يصير إلى ذهاب 1 وقوله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم) 2، فرع لام الاختصاص، كأن ولادتهم للموت، وخلقهم لجهنم، وكذا التي للتعليل نحو: جئنك للسمن وللضرب، إذ المجئ مختص بذلك، واللام المقوية للعامل الضعيف بتأخيره عن معموله، نحو: لزيد ضربت، وبكونه اسم فاعل نحو: أنا ضارب لزيد، أو مصدرا، نحو: ضربي لزيد حسن، وبكونه مقدرا نحو: يا لزيد، ويا للماء: لام الاختصاص، صارت الأخيرة مع ذلك، علما للاستغاثة أو التعجب،


(1) الشطر الأول رواه بعضهم في أبيات منسوبة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه قال البغدادي وهي في الديوان المنسوب إليه، وأما مع العجز المذكور معه هنا فقد نقل البغدادي أن بعضهم نسبه إلى الملائكة، وصدره في ديوان علي بن أبي طالب: له ملك ينادي كل يوم.. لدوا للموت الخ وقد ورد هذا المعنى في شعر كثير، (2) الآية 179 سورة الأعراف (*)،

[ 285 ]

وقد تجئ بمعنى (إلى) نحو: سمع الله لمن حمده، أي: استمع الله إلى من حمده، و: (وجهت وجهي للذي)، أي إلى الذي، وبمعنى (على) نحو (: وتله للجبين) 1 أي عليه، و: (يخرون للأذقان سجدا) 2، أي عليها، قوله: (وزائدة)، في (ردف لكم) 3، لأن ردف يتعدى بنفسه، وكذا في: شكرت له، على ما مر في باب المتعدي 4، وأما في: وزنته المال، ووزنت له، فاللام ليست بزائدة، بل هي معدية قد تحذف تخفيفا، وهي في: لا أبا لك، زائدة عند سيبويه، وكذا اللام المقدرة بعدها (أن)، بعد فعل الأمر والأرادة، كقوله تعالى: (وما أمروا الا ليعبدوا) 5 وقولك: ما أريد لأنسى حاجتي، وقيل: هما بمعنى (أن) والظاهر هو الأول، لقوله تعالى: (وأمرت لأن أكون) 6، وهي زائدة أيضا، في قوله تعالى: (وإذ بوأنا لابرهيم مكان البيت) 7، لقوله: (ولقد بوأنا بني إسرائيل...) 8، وكذا اللام في قوله: فلا والله لا يلفى لما بي * ولا للما بهم أبدا دواء 9 - 130 ويجوز أن يقال: ان الثانية للتأكيد، تأكيدا لفظيا، قوله: (وبمعنى عن، مع القول)، يعني في نحو قوله تعالى: (وقال الذين كفروا


(1) الآية 03 سورة الصافات، (2) الآية 107 سورة الأسراء، (3) من الآية 72 سورة النمل، (4) من هذا الجزء، (5) من الآية 5 سورة البينة، (6) من الآية 12 سورة الزمر، (7) الآية 26 سورة الحج، (8) الآية 93 سورة يونس، (9) تقدم ذكره في الجزء الأول في تابع المنادي، وتكرر في باب التوكيد - قسم التوابع (*)،

[ 286 ]

للذين آمنوا: لو كان خيرا ما سبقتمونا إليه) 1، ولو كانت كاللام في قولك: قلت لزيد لا تفعل، لقال: ما سبقتمونا إليه، وقد ذكرنا في أفعال القلوب، الكلام على هذا 2، قوله: (وبمعنى الواو في القسم للتعجب) نحو: لله لا يؤخر الأجل، وقولهم في التعجب، يعنون: في الأمر العظيم الذي يستحق أن يتعجب منه، فلا يقال: لله لقد قام زيد، بل يستعمل في الأمور العظام، نحو: لله لتبعثن وقيل: ان اللام في: (لأيلاف قريش) 3، و: (للفقراء الذين أحصروا) 4، للتعجب، والأولى أن تكون للاختصاص، إذ لم يثبت لام التعجب إلا في القسم، وقيل: تجئ بمعنى (في) وبمعنى (بعد) وبمعنى (قبل)، في قوله تعالى: (جامع الناس ليوم) 5، أي في يوم، وكتبته لثلاث خلون، أي بعد ثلاث، ولثلاث بقين، أي: قبل ثلاث، والأولى بقاء الثلاثة على الاختصاص، كما مر في باب العدد 6، (رب) (معناها واستعمالها) (قال ابن الحاجب:) (ورب للتقليل، ولها صدر الكلام، مختصة بنكرة موصوفة) (على الأصح، وفعلها ماض محذوف غالبا، وقد تدخل)


(1) الآية 11 سورة الأحقاف، (2) في هذا الجزء (3) أول سورة قريش، (4) الآية 273 سورة البقرة، (5) الآية 9 سورة آل عمران، (6) في الجزء الثالث من هذا الشرح (*)،

[ 287 ]

(على ضمير مبهم مميز بنكرة، والضمير مفرد مذكر، خلافا) (للكوفيين في مطابقة التمييز، ويلحقها، ما، فتدخل على) (الجمل، وواوها تدخل على نكرة موصوفة)، (قال الرضي:) في (رب) ثماني لغات: أشهرها ضم الراء وفتح الباء مشددة، والثانية: ضم الراء وفتح الباء مخففة، والثالثة، ضم الراء وضم الباء المخففة، والرابعة: ضم الراء وإسكان الباء المخففة، والخامسة فتح الراء وفتح الباء المشددة، والسادسة فتح الراء وفتح الباء المخففة، والسابعة والثامنة: ضم الراء وفتح الباء مشددة ومخففة بعدها تاء مفتوحة، ووضع (رب) للتقليل، تقول في جواب من قال: ما لقيت رجلا، رب رجل لقيت، أي لا تنكر لقائي بالمرة، فإني لقيت منهم شيئا وإن كان قليلا، قال ابن السراج 1: النجاة كالمجمعين على أن (رب) جواب لكلام إما ظاهر أو مقدر، فهي في الأصل موضوعة لجواب فعل ماض منفي، فلهذا لا يجوزون: رب رجل كريم أضرب، بل: ضربت، وإنما كان محذوفا في الغالب لدلالة الكلام السابق عليه، هذا الذي ذكرنا من التقليل أصلها، ثم تستعمل في معنى التكثير، حتى صارت في معنى التكثير كالحقيقة وفي التقليل كالمجاز المحتاج إلى القرينة، وذلك نحو قوله: 779 - أزهير إن يشب القذال فإنه * رب هيضل لجب لفقت بهيضل 2 وقوله:


(1) تقدم ذكره كثيرا، (2) من شعر أبي كبير الهذلي، وزهير بفتح الراء ترخيم زهيرة وقد بدأ بذكرها كثيرا من قصائدة، والهمزة فيه للنداء (*)،

[ 288 ]

ماوي، يا ربتما غارة * شعواء كاللذعة بالميسم 1 - 744 وقوله: 780 - فإن تمس مهجور الفناء فربما * أقام به بعد الوفود وفود 2 ووجه ذلك أن المادح يستقل الشئ الكثير من المدائح لأن الكثير منها كأنه قليل بالنسبة إلى الممدوح بها، وذلك أبلغ الوجهين في المدح، ومن هذا القبيل قوله تعالى: (قد يعلم الله..) 3، لأن (قد) لتقليل المضارع في الأصل، وذلك كما يقول المتمدح بكثرة العلم: لا تنكر أني أعرف شيئا من العلم وإن كان قليلا، وهي حرف جر عند البصريين، خلافا للكوفيين والأخفش، وإنما حملهم على ارتكاب جعلها حرفا مع أنها في التقليل، مثل (كم) في التكثير، ولا خلاف في اسميتها، بل هي مفيدة للتكثير في الأغلب كما ذكرنا كإفادة (كم): أنهم لم يروها تنجر بحرف جر ولا بإضافة، كما تنجر (كم) فلا يقال برب رجل،. ولا: غلام رب رجل. وتشكل عليهم حرفيتها بنحو: رب رجل كريم أكرمت، فإن حروف الجر: هي ما يفضي الفعل إلى المفعول الذي لولاها لم يفض إليه، وأكرمت، يتعدى بنفسه، قال


(1) تقدم ذكره أكثر من مرة في هذا الجزء، (2) من أبيات أوردها أبو تمام في باب المراثي من الحماسة لأبي العطاء السندي، في رثاء يزيد بن هبيرة الغزاري يقول فيها: ألا ان عينا لم تجد يوم واسط * عليك بجاري دمعها لجمود وقوله فان تمس بالخطاب للميت، أي ان أمسى فناء بيتك مهجورا فربما أقام به الخ، (3) أول الآية 18 سورة الأحزاب (*)،

[ 289 ]

صاحب المغني 1: إنما ذلك لأنه يضعف الفعل المتأخر من المفعول، عن العمل، فيعمد بحرف الجر، كقوله تعالى: (إن كنتم للرؤيا تعبرون) 2، ولا سيما إذا وجب تأخير الفعل، كما في (رب)، والجواب، أن العادة، أن يعمد مثل ذلك الضعيف باللام فقط من بين حروف الجر، لأفادتها التخصيص، حتى تخص مضمون ذلك الضعيف عن العمل في ذلك المفعول، بذلك 3 المفعول، فلا يستنكر عمله فيه، نحو: لزيد ضربت وأنا ضارب لزيد، وضربي لزيد حسن، ويشكل أيضا بمثل قولك: رب رجل كريم أكرمته، لأن الفعل لا يتعدى إلى مفعول بحرف الجر، وإلى ضميره معا، فلا يقال: لزيد ضربته، واعتذروا بأن أكرمته، صفة وأن العامل محذوف، وهو عذر بارد، لأن معنى رب رجل كريم أكرمت، وأكرمته: شئ واحد، والأول جواب بلا خلاف، ولا شك أنك إذا قلت في جواب من قال، ما أكرمت رجلا: رب رجل كريم أكرمته، لم يحتج معنى الكلام إلى شئ آخر مقدر، مثل: تحققت أو: ثبت، على ما ادعوا، وإن اعتذروا بأن الضمير في أكرمته، للمصدر، أي: أكرمت الأكرام، كما قيل في قوله: هذا سراقة للقرآن يدرسه * والمرء عند الرشا ان يلقها ذيب 4 - 81 كان أبرد 5، لأن ضمير المصدر المنصوب بالفعل قليل الاستعمال، بخلاف نحو: رب


(1) منصور بن فلاح اليمني صاحب المغني في النحو، أحد معاصري الرضي، وتكرر ذكر، (2) من الآية 43 سورة يوسف، (3) متعلق بقوله حتى تخص أي اللام، أكثر من مرة في هذا الشرح، قوله قبل ذلك بقليل: وهذا عذر بارد، في رده على قولهم ان (أكرمته) صفة، وأن العامل صالح، ويكثر من الرضي مثل هذا الرد القاسي في نقده لآراء غيره (*)،

[ 290 ]

رجل كريم لقيته، وإن قالوا: إن (لقيته) مفسر للقيت، المقدر كما في: زيدا ضربته: جاء الأشكال الأول، مع أنه لم يثبت في كلامهم تفسير الناصب للجار والمجرور بفعل آخر، نحو: بزيد جاوزته، أي: مررت بزيد جاوزته، ويشكل، أيضا، بنحو: رب رجل كريم جاءني، في جواب من قال: ما جاءك رجل، ولا شك أن: جاءني، هو جواب رب، إذ لا يتوقف معنى الكلام على شئ آخر، بل تم بقولك: جاءني، فيكون كقولك: بزيد مر 1، والضمير في مر، لزيد، وكقولك: زيدا اضرب، والضمير للمنصوب، وقد مر في المنصوب على شريطة التفسير 2، امتناع ذلك، فإن ارتكب مرتكب متمحلا أن جاءني صفة، والعامل تحققت ونحوه، فهو محال لعدم توقف معنى الكلام عليه، مع أن المصنف صرح في شرح قوله: (محذوف غالبا) بأنه قد يظهر نحو: رب رجل كريم قد حصل، ويقوى عندي مذهب الكوفيين والأخفش، أعني كونها اسما، فرب: مضاف إلى النكرة، فمعنى رب رجل، في أصل الوضع: قليل من هذا الجنس، كما أن معنى كم رجل: كثير من هذا الجنس، وإعرابه: رفع أبدا، على أنه مبتدأ لا خبر له، كما اخترنا في باب الاستثناء في قولهم: أقل رجل يقول ذلك إلا زيد 3، فإنهما يتناسبان، بما في (رب) من معنى القلة. وكما أن نواسخ المبتدأ لا تدخل في نحو: غير مأسوف على زمن * ينقضي بالهم والحزن 4 - 53


(1) بصيغة المبني للمجهول، (2) في الجزء الأول من هذا الشرح، (3) انظر باب الاستثناء في الجزء الثاني من هذا الشرح، (4) تقدم ذكره في باب المبتدأ والخبر، من الجزء الأول وهو من شعر أبي نواس: السن بن هاني (*)،

[ 291 ]

وقولهم: خطيئة يوم لا أصيد فيه 1، لتضمنه معنى النفي الذي له صدر الكلام، فكذا لا تدخل على (رب)، لأن القلة، عندهم، تجري مجرى النفي فمن ثم، كان لرب صدر الكلام،. قال أبو عمرو: 2 رب لا عامل لها، لأنها ضارعت النفي، والنفي لا يعمل فيه عامل، ولتضمنها معنى النفي، كان القياس ألا يجئ وصف مجرورها إلا فعلية، كما في: أقل رجل، المتضمن معنى النفي، وذلك لأن النفي يطلب الفعل، إلا أن (رب) لخروجها إلى معنى الكثرة في أكثر مواضعها جاز وقوع نعت مجرورها: اسمية كما في قوله: 781 - يا رب هيجا هي خيرمن دعه 3 ويكثر وقوعه، أيضا، صفة معطية لمعنى الفعل ههنا، بخلاف باب: أقل رجل، كما مر في باب الاستثناء، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا: جائعة عارية يوم القيامة)، ويتم الكلام بقوله: جائعة عارية، بلا تقدير شئ آخر، خلافا لما ذهب إليه البصريون من تقدير العامل، والأكثر مراعاة الأصل في وقوعه فعلية، إما ظاهرة، أو مقدرة، فالظاهرة كقوله: 782 - رب رفد هرقته ذلك اليوم * وأسرى من معشر أقيال 4 وليس الجواب محذوفا، كما قال أبو علي 5، لأنه قد تم الكلام بقوله: رب رفد


(1) معناه يخطئ يوم لا أص يد فيه والمراد لا يمر يوم إلا ويحدث فيه صيد وانظره في باب المبتدأ، (2) أي أبو عمرو بن العلاء أحد متقدمي النجاة وكان إماما في القراءات وهو أحد القراء السبعة وتكرر ذكره في هذا الشرح، (3) من رجز قاله لبيد بن ربيعة العامري وهو صغير وجهه إلى النعمان بن المنذر وكان سببا في هجر النعمان للربيع بن زياد العبسي، لأن لبيدا ضمنه أوصافا في الربيع جعلت النعمان يتقزز من الأكل معه، (4) من القصيدة التي تقدم مطلعها للأعشى ميمون بن قيس والتي يرى بعض العلماء أنها المعلقة، وهذه في مدح الأسود بن المنذر أخي النعمان بن المنذر، (5) أي الفلوسي وتكرر ذكره، (*)

[ 292 ]

هرقته، ولا يتوقف على شئ آخر، والرفد: القدح الضخم، يقال: هريق رفده، إذا مات، وهو كناية كقولهم: صفر وطابه، والمقدرة كما في قوله: وأسري من معشر أقيال، أي: أسري من معشر، حصلت لي. وأما نعت مجرور (أقل)، ففعلية أو طرفية، كما اخترنا في باب الاستثناء، واستشهد الأخفش على اسمية (رب) بقوله: 783 - إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن * عارا عليك ورب قتل عار 1 وقال: رب مبتدأ، وعار خبره، والأولى أن يكون (عار) خبر مبتدأ محذوف والجملة نعت مجرور رب، كقوله: يا رب هيجاهي خير من دعه، قوله: (لها صدر الكلام)، لما ذكرنا، قوله: (مختصة بنكرة)، كما أن ( كم) مختصة بالنكرات، وإنما وجب دخولها على النكرة، لأن النكرة محتملة للقلة والكثرة، نحو: جاءني رجل، وما جاءني رجل، فلو لم تحتملها لم تستعمل فيهما، والمعرفة إما دالة على القلة فقط، كالمفرد والمثني المعرفين، وإما دالة على الكثرة دون القلة كالجمع المعرف، ورب، وكم، علامتان للقلة والكثرة، وإنما يحتاج إلى العلامة في المحتمل، حتى يصير بها نصا، قوله: (موصوفة على الأصح)، هذا مذهب أبي علي وابن السراج، ومن تبعهما، وقيل: لا يجب ذلك، والأولى: الوجوب، لأن (رب) مبتدأ على ما اخترنا، لا خبر له، لأفادة صفة مجروره معنى الجملة، كما في: أقل رجل يقول ذلك على ما اخترنا، وقولهم: خطيئة يوم لا ا ء صيد فيه، ولا يوصف (رب) فلا يقال: رب رجل كريم بالرفع، كما لا يوصف (أقل)، لكون (رب) كحروف النفي فإن التقليل عندهم كالنفي، فلهذا


(1) من أبيات في رثاء يزيد بن المهلب بن أبي صفرة قالها بن كعب الذي اشتهر بثابت قطنة لأنه أصيب بسهم في إحدى عينيه وذهب إلى الحرب، وكان فارسا، فحشى في عينه قطنة، فاشتهر بذلك وقبل فيه شعر (*)،

[ 293 ]

لا يتقدم عليه ناسخ، ولزم الصدر، قوله: (محذوف غالبا)، إذا كان الكلام الذي، رب جواب عنه، مصرحا به نحو: ما لقيت رجلا، لم يمتنع حذف نعت مجرور رب، لدلالة القرينة عليه، وكذا إذا كانت القرينة غير ذلك، كما في قوله: وأسرى من معشر أقيال 1، أي: أسرتهم، وإن لم تكن هناك قرينة، وجب وصف مجرور (رب) بما يفيد معنى الكلام التام، كما ذكرنا في: أقل رجل يقول ذلك، ووصفه، إما فعلية، نحو: رب رجل كريم لقيته، أو: جار ومجرور أو طرف، نحو: رب رجل في الدار، أو، أمامك، أو اسمية نحو: يا رب هيجا هي خبر من دعه 2 - 781 أو صفة مشتقة، نحو قوله صلى الله عليه وسلم: (رب نفس طاعمة ناعمة) الخبر بتمامه 3، وليس شئ من هذه الأشياء عاملا في (رب) بل هو وصف لمجرورها، كما ذكرنا، وتسميته بجواب (رب): بعيد، ويجوز أن يعطف قياسا على المجرور برب، وبكم، وعلى النكرة المجرورة بكل، وأي: اسم مضاف إلى ضميرها، لكون ذلك الضمير نكرة، كما مر في باب المعارف، نحو: رب شاة وسخلتها، وكم ناقة وفصيلها، وكل رجل وأخيه، وأي رجل وغلامه، وقال الجزولي 5: هذا المعطوف معرفة، لكنه جاز ذلك لأنه يجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع، ولو كان كما قال، لجاز رب غلام والسيد،


(1) الشاهد المتقدم من قصيدة الأعشى، (2) الرجز الذي تقدم أنه من شعر لبيد بن ربيعة، (3) إشارة إلى الحديث المتقدم قريبا، (4) في الجزء الثالث من هذا الشرح، (5) تقدم ذكره كثيرا (*)،

[ 294 ]

قوله: (وتدخل على مضمر)، هذا الضمير نكرة كما مر في باب المعارف، قوله: (مميز بنكرة، إلى قوله: في مطابقة التمييز)، مضى شرحه في باب نعم وبئس 1، قوله: (ويلحقها (ما)، إذا دخلها (ما) فالأكثر كونها كافة، ورب المكفوفة، لا محل لها من الأعراب، وإن كانت اسما على ما اخترنا، لكونها بمعنى (قلما)، كونها كحرف النفي الداخل على الجملة، وقد جاءت (ما) بعد (رب) زائدة، قال: 784 - ربما ضربة بسيف صقيل * بين بصرى، وطعنة نجلاء 2 وقال: ماوي، يا ربتما غارة شعواء * كاللذعة بالميسم 3 - 744 ومثلها (ما) التي تلي كاف التشبيه، الأولى أن تكون كافة، نحو: كن كما أنت، أي: كما أنت كائن، وزيد صديقي كما عمرو أخي، وشذ إعمال الكاف مع (ما)، و (ما) لا تكف (عن) نحو: (عما قليل) 4 وأما إذا وليت الباء ومن، فالأولى زيادتها، وإعمال الجارين، نحو: (فبما رحمة) 5، و: (مما خطيئاتهم) 6، وقد تكفهما، كما يجئ،


(1) في هذا الجزء. (2) من أبيات لشاعر اسمه عدي بن الرعلاء. منها البيتان المشهوران: ليس من مات فاستراح بميت... الخ البيتين، (3) تقدم ذكره قريبا، (4) من الآية 40 سورة المؤمنون، (5) من الآية 159 سورة آل عمران، (6) من الآية 25 سورة نوح (*)،

[ 295 ]

و (رب) المكفوفة، لا تدخل إلا على الفعل، كما قال سيبويه 1، وقوله: 785 - ربما الجامل المؤبل فيهم * وعناجيج بينهن المهار 2 شاذ عنده، ومثله قياس عند الجزولي، فيجيز: ربما زيد قائم، والتزم ابن السراج وأبو علي في الأيضاح: كون الفعل ماضيا، لأن وضع (رب)، للتقليل في الماضي، كما ذكرنا، والعذر عندهما في نحو قوله: (ربما يود الذين) 3، أن مثل هذا المستقبل، أي الأمور الأخروية: غالب عليها في القرآن ذكرها بلفظ الماضي، نحو: (وسيق الذين) 4 و: (ونادى أصحاب الجنة) 5،. وقال الربعي 6: أصله: ربما كان يود، فحذف (كان) لكثرة استعماله مع (ربما)، والأول أحسن، وقال: 786 - قتلنا ونال القتل منا وربما * يكون على القوم الكرام لنا الظفر 7 أي: ربما كان، مثل قوله: 787 - وانضح جوانب قبره بدمائها * فلقد يكون أخا دم وذبائح 8


(1) انظر سيبويه ج 1 ص 459، (2) العناجيج جمع عنجوج، وهي الخيل الطويلة الأعناق، والمهار جمع مهر، أما الجامل فهو اسم جمع جمل، والمؤبل الذي يتخذ للاقتناء، والبيت لأبي دؤاد الايادي من أبيات يتحذث فيها عن قومه وما كانوا عليه، ختمها بقوله: ذاك دهر مضى فهل لدهور * كن في سالف الزمان انكرار انكرار أي رجوع، (3) الآية الثانية في سورة الحجر، (4) صدر كل من الآيتين 71، 73 في سورة الزمر، (5) أول الآية 44 سورة الأعراف، (6) ممن تكرر ذكرهم في هذا الشرح، (7) أورده البغدادي ولم يتعرض لذكر قائله، (8) من قصيدة لزياد الأعجم، في رثاء المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة منها قوله: (*)

[ 296 ]

والمشهور جواز دخول (ربما) على المضارع بلا تأويل، كما ذكره أبو علي في غير الأيضاح، وقوله: ربما تكره النفوس من الأمر... البيت 1 - 425 (ما) فيه نكرة موصوفة عند النجاة، لا كافة، كما مر في الموصولات 2، وقد يحذف الفعل بعد ربما، عند القرينة، قال: 788 - فذلك إن يلق المنية يلقها * حميدا وإن يستغن يوما فربما 3 أي: ربما يتوقع ذلك، قوله: (وواوها)، أي واو رب، مثل قوله: 789 - وبلدة ليس بها أنيس * إلا اليعافير وإلا العيس 4 اعلم أن حروف الجر لا تحذف مع بقاء عملها قياسا، إلا في: (الله) قسما، عند البصريين، وأجاز الكوفية قياس سائر ألفاظ المقسم به، على (الله) نحو: المصحف لأفعلن، وذلك غير جائز عند البصرية، لاختصاص لفظة (الله) بخصائص ليست لغيرها تبعا لاختصاص


= ان السماحة والمروءة ضمنا * قبرا بمرو على الطريق الواضح وقبل بيت الشاهد قوله: فإذا مررت بقبره فاعقر به * كوم الجلاء وكل طرف سابح (1) تقدم ذكره في باب الموصول، أول الجزء الثالث، وهو في سيبويه ج 1 ص 270، (2) أول الجزء الثالث من هذا الشرح، (3) من أبيات نسبها بعضهم لعروة بن الورد: عروة الصعاليك، ولكن الذي في شعر عروة: آخره: وإن يستغن يوما فأجدر، ونسبها بعضهم لحاتم الطائي، ولحاتم قصيدة على هذا النمط ولكن البيت الذي يشتبه بهذا هو قوله: فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه * وان يحيى لا يقعد ضعيفا ملوما وقد عرض البغدادي ذلك كله وختم بقوله: والله أعلم بقائل هذه الأبيات التي منها الشاهد المذكور هنا، (4) من شعر جران العود النميري، واليعافير جمع يعفور، وهو نوع من الظباء، والعيس: الابل البيضاء (*)،

[ 297 ]

مسماها بخصائص، فمنها: اجتماع (يا) واللام في: يا الله، ومنها قطع الهمزة في: يا الله،. و: أفألله وها ألله، ومنها الجر بلا عوض من الجار، ومع عوض عنه بهاء التنبيه نحو: ها الله، وهمزة الاستفهام نحو: آلله، ومنها تعويض الميم عن حرف النداء نحو: اللهم، ومنها تفخيم لامه بعد الضم والفتح، وترقيقها بعد الكسر، ويحذف حرف الجر قياسا مع بقاء عمله، إذا كان الجار (رب) بشرطين: أحدهما أن يكون ذلك في ا لشعر خاصة، والثاني أن تكون بعد الواو، أو الفاء، أو بل، وأما حذفها من دون هذه الحروف نحو: 790 - رسم دار وقفت في طلله * كدت أقضي الحياة من جلله 1 فشاذ في الشعر، أيضا، فالواو، كقوله: وقاتم الأعماق خاوي المخترق 2 - 5 والفاء، كقوله: 791 - فإن أهلك فذي حنق لظاه * علي تكاد تلتهب التهابا 3 وبل، كقوله: 792 - بل بلد ذي صعد وأضباب 4


(1) من شعر جميل بن معمر، جميل بثينة، وبعده قوله: موحشا لا ترى به احدا * تنسج الريح ترب معتدله ومن هذا الشعر قوله: بينما نحن بالأراك معا * إذ بدا راكب على جمله (2) مطلع أرجوزة لرؤبة بن الحجاج وتقدم في الجزء الأول، (3) من قصيدة لربيعة بن مقروم الضبي، يقول فيها: أخوك أخوك من يدنو وترجو * مودته، وإن دعي استجابا وهي في ديوان الحماسة لأبي تمام، (4) من رجز لرؤية يتحدث فيه عن نفسه وما كان يقوم به من الأعمال الشاقة وكثرة الأسفار، قاله بعد أن = (*)

[ 298 ]

أما الفاء وبل، فلا خلاف عندهم أن الجر ليس بهما، بل برب مقدرة بعدهما، لأن (بل) حرف عطف بها على ما قبلها، والفاء جواب الشرط،. وأما الواو، فللعطف، أيضا، عند سيبويه: وليست بجارة، فإن لم تكن في أول القصيدة أو أول الرجز كقوله: 793 - وليلة نحس يصطلي القوس ربها * وأقطعه اللاتي بها يتنبل 1 فكونها للعطف ظاهر، وإن كانت في أولهما، كقوله: وقاتم الأعماق 2.. فإنه يقدر معطوفا عليه، كأنه قال: رب هول أقدمت عليه، وقاتم الأعماق، وعند الكوفيين والمبرد، أنها كانت حرف عطف، ثم صارت قائمة مقام (رب)، جارة بنفسها، لصيرورتها بمعنى (رب)، فلا يقدرون في نحو: وقاتم الأعماق، معطوفا عليه، لأن ذلك تعسف، وكذا إذا كان في وسط الكلام نحو: وليلة نحس، لا يقدرونه عاطفا على الكلام، بل هو عندهم بمعنى (رب)، وجار مثله، ولو كان للعطف لجاز إظهار (رب) بعده، كما جاز بعد الفاء وبل، فهذه الواو عندهم، كانت حرف عطف قياسا على الفاء، وبل، ولكنها صارت بمعنى (رب) فجرت كما تجر، ومع ذلك لا يجوز دخول حرف العطف في وسط الكلام نحو: ووليلة نحس، ولا: فوليلة نحس، اعتبارا بأصلها، بخلاف واو القسم، فإنها لما لم تكن في الأصل واو العطف، فلذا 3، جاز دخول واو العطف والفاء وثم، عليها نحو: ووالله، و: فوالله، و: ثم والله،


= لامته امرأة وعيرته بكبره وعجزه عن الأسفار، (1) من قصيدة الشنفري المعروفة بلامية العرب ومنها عدد من الشواهد في هذا الشرح، ومعنى يصطلي القوس أي يستدفئ بها من شدة البرد ويضم إليها أقطعه أي سهامه التي يتخذها نبالا يرمي بها وهذه مبالغة في وصف الليلة بشدة البرد، (2) الشاهد المتقدم من رز رؤبة، (3) قوله: جاز... هو جواب قوله: لما لم تكن في الأصل، فقوله (فلذا) لا حاجة إليه، (*)

[ 299 ]

وإضمار الباء باقيا عملها في قول رؤبة: خير، لما قيل له: كيف أصبحت، شاذ، وقيل في: كم رجل: انه مجرور بمن، وقد مر في بابه 1، وأما قوله: إذا قبل أي الناس شر قبيلة * أشارت كليب بالأكف الأصابع 2 - 691 فشاذ، وقال الخليل في: لاه أبوك: انه مجرور بلام مقدرة، كما قال في أمس في نحو: فعلته أمس انه مجرور بالباء، والأولى بناؤهما، كما ذكرنا في الظروف المبنية 3، هذا الذي ذكرنا في (رب) المقدرة: على مذهب البصريين في (رب)، وأما على ما اخترنا، فرب مضاف مقدر، مدلول عليه بالحروف الثلاثة، (أحرف القسم) (الأساليب المستعملة في القسم) (وتوجيه كل منها) (قال ابن الحاجب:) (واو القسم إنما يكون عند حذف الفعل لغير السؤال، مختصة) (بالظاهر، والتاء مثلها مختصة باسم الله تعالى، والباء أعم) (منهما في الجميع، ويتلقى القسم باللام، وإن وحرف النفي،) (ويحذف جوابه إذا اعترض، أو تقدمه ما يدل عليه)،


(1) في باب العدد في الجزء الثالث، (2) تقدم في هذا الجزء في باب المتعدي واللازم، (3) تحدث الرضي عن هذا بإسهاب في الباب المذكور، في الجزء الثالث من هذا الشرح (*)،

[ 300 ]

(قال الرضي:) اعلم أن واو القسم لها ثلاثة شروط: أحدها حذف فعل القسم معها فلا يقال: أقسم والله، وذلك لكثرة استعمالها في القسم، فهي أكثر استعمالا من أصلها، أي الباء، والثاني: ألا تستعمل في قسم السؤال، فلا يقال: والله أخبرني، كما يقال: بالله أخبرني،. والثالث: أنها لا تدخل على الضمير فلا يقال: وك، كما يقال: بك، واختصاصها بالحكمين الأخيرين، لكونها فرع الباء وبدلا منها، وإنما حكم بأصالتها لأن أصلها الألصاق، فهي تلصق فعل القسم بالمقسم به، وأبدلت الواو منها لأن بينهما تناسبا لفظيا لكونهما شفهيتين، ومعنويا، ألا ترى أن في واو العطف وواو الصرف 1 معنى الجمعية القريبة من معنى الألصاق، والتاء مبدل من الواو، كما في وارث وتراث، ووكلة ونكلة، واتعد، فلهذا قصرت عن الواو فلم تدخل إلا على لفظة (الله) وفيها الخصائص الثلاثة التي كانت في الواو، وحكى الأخفش: تربي، و: ترب الكعبة وهو شاذ، ولام الجر تجئ بمعنى الواو كما ذكرنا، مختصة، أيضا، بلفظ (الله) في الأمور العظام، وكذا (من) مكسورة الميم، وقد تضم 2، والكسر أكثر، مختصة بلفظ (ربي)، ومذهب سيبويه، كما ذكرنا، أنها حرف جر، قامت مقام الباء، وضم الميم لدلالة تغير معناها وخروجها عن بابها، كما تقول في العلم: شمس بن مالك 3، بضم الشين، ومذهب بعض الكوفيين: أن المضمومة الميم مقصورة 4 من أيمن، والمكسورتها مقصورة من يمين،


(1) هي التي يسمونها واو المعية، والرضي يقول في بعض الأوقات: واو الجمعية، ومعنى تسميتها واو الصرف وهي تسمية الكوفيين أنها تصرف ما بعدها عن مشاركة ما قبلها نظرا إلى أصل معنى الواو الذي هو الجمع، (2) أي الميم، وقد ذكر الرضي هذا الكلام أثناء الحديث عن معاني من الجارة، (3) تقدم في الممنوع من الصرف في الجزء الأول، أنه جزء من بيت شعر قاله ثابت بن جابر، تأبط شرا، في صديق له، وهو قوله: وإني لمهد من ثنائي فقاصد * به لابن عم الصدق شمس بن مالك (4) مقصورة أي مختصرة بالحذف، من أيمن (*)،

[ 301 ]

وفيه نظر، لأن (أيمن) كما يجئ، مختص بالله أو بالكعبة، و (من) مختصة بلفظ (ربي)، ولا منع أن يقال: تغير حكمه عند اختصاره، ويمكن أن يستدل ببنائه على أنه ليس محذوفا من (أيمن) المعرب، لأن اختصار المعرب ورده إلى حرفين، لا يوجب البناء، كما في: ودم، والأولى أن يقال إن ما روي من قولهم: من الله، مضمووم الميم والنون، اتبع الميم النون وإن كانت فتحتها عارضة للساكنين، طلبا للتخفيف، فعلى هذا، (من) الجارة تختص في القسم بربي، أو بالله، وقيل: بل الثلاثة، أي مضموم الميم والنون ومكسورها ومفتوحهما مع لفظة (الله) مقصورة من أيمن، أما اختصار: من الله بضمتين، فظاهر، وأما المكسورتهما والمفتوحتهما فلا أرى لكونهما مقصورتين منه وجها، لأن (أيمن)، عندهم واجب الرفع سماعا، كما يجئ والقصر لا يوجب البناء، فمن أين جاء كسر النون وفتحها، بلى، لوجاء أيمن الله على ثلاثة أوجه، أي بالرفع والنصب والجر، كما جاء يمين الله رفعا ونصبا عند الجميع، وجرا، أيضا عند الكوفيين، جاز أن يقال: أتبع الميم النون فتحا وكسرا، ويجوز أن يكون: من الله بفتحتين، مقصورا من: يمين الله بإتباع الميم للنون بعد القصر، ولا يجوز أن يكون: من الله بكسرتين مقصورا من يمين الله بإتباع النون للميم، لأن حركة الأعراب لا تزال لأجل الاتباع، وأما: أيم الله بفتح الهمزة وكسرها مع ضم الميم، فمقصوران من: أيمن الله، بفتح الهمزة وكسرها،

[ 302 ]

وقد يقال: هيم الله بقلب الهمزة هاء مفتوحة، وقد تحذف الياء مع النون، فيقال: أم الله بفتح الهمزة وكسرها، وكل ما قصر من أيمن لا يستعمل إلا مع لفظة (الله)، ولا يستعمل مع الكعبة، كما استعمل أيمن، معها، وقد يقال: ام الله، وم الله، بضم الميم وكسرها مقصورتين من (من) و (من) على ما قال سيبويه، وقيل: هما مقصورتان من أيمن، ففي كسر الميم، إذن، إشكال، وقيل: المكسورة مقصورة من يمين، وقيل: هما بدلان من الواو، كالتاء، لكون الميم والواو شفهيتين فاختصا بلفظ الله كالتاء، وفيه نظر، لأن الكلمة التي على حرف، لم تجئ في كلامهم مضمومة، وإذا حذف حرف القسم الأصلي، أعني الباء، فإن لم يبدل منها، فالمختار النصب بفعل القسم، ويختص لفظ (الله) بجواز الجر مع حذف الجار بلا عوض، والكوفيون يجوزون الجر في كل ما حذف منه الجار من المقسم به وإن كان بلا عوض، والكوفيون يجوزون الجر في كل ما حذف منه الجار من المقسم وبه وإن كان بلا عوض، نحو: الكعبة لأفعلن، و: المصحف لآتين، ويختص لفظ (الله) بتعويض (ها)، أو همزة الاستفهام من الجار، وكذا يعوض من الجار فيها: قطع همزة (الله) في الدرج، فكأنها حذفت للدرج ثم ردت عوضا من الحرف، وجار الله 1، جعل هذه الأحرف بدلا من الواو، ولعل ذلك لاختصاصها بلفظة (الله) كالتاء، فإذا جئت بهاء التنبيه بدلا، فلا بد أن تجئ بلفظ (ذا) بعد المقسم به نحو: لا، ها الله ذا، وإي ها الله ذا، وقوله: تعلمن ها لعمر الله ذا قسما * فاقصد بذرعك وانظر أين تنسلك 2 - والظاهر أن حرف التنبيه من تمام اسم الأشارة، كما يأتي في حروف التنبيه، قدم على لفظ المقسم به عند حذف الحرف، ليكون عوضا منه،


(1) أي الزمخشري وقوله هذا في المفصل الذي شرحه ابن يعيش، في ج 8 ص 32، (2) من شعر زهير بن أبي سلمى وتقدم في باب اسم الأشارة آخر الجزء الثاني، (*)

[ 303 ]

وإذا دخلت (ها) على (الله) ففيه أربعة أوجه، أكثرها إثبات ألف (ها) وحذف همزة الوصل من (الله) فيلتقي ساكنان: ألف (ها) واللام الأولى من (الله)، وكان القياس حذف الألف لأن مثل ذلك إنما يغتفر في كلمة واحدة، كالضالين، أما في كلمتين، فالواجب الحذف نحو: ذا الله، وما الله، إلا أنه لم يحذف، في الأغلب، ههنا، ليكون كالتنبيه على كون ألف (ها) من تمام (ذا)، فإن: ها الله ذا، بحذف ألف (ها)، ربما يوهم أن الهاء عوض عن همزة (الله)، كهرقت، في أرقت، وهياك في إياك، والثانية، وهي المتوسطة في القلة والكثرة، ها الله ذا، بحذف ألف (ها)، للساكنين، كما في: ذالله، وما الله، ولكونها حرفا، كلا وما وذا، والثالثة وهي دون الثانية في الكثرة: إثبات ألف (ها) وقطع همزة (الله) مع كونها في الدرج، تنبيها على أن حق (ها)، أن يكون مع (ذا) بعد (الله)، فكأن الهمزة لم تقع في الدرج، والرابعة حكاها أبو علي، وهي أقل الجميع: هأللة، بحذف همزة الوصل وفتح ألف (ها) للساكنين بعد قلبها همزة، كما في: الضالين ودأبه، قال الخليل 1: ذا من جملة جواب القسم، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذا، أو فاعل، أي: ليكونن ذا، أو لا يكون ذا، والجواب الذي يأتي بعده نفيا أو إثباتا، نحو: ها الله ذا لأفعلن، أو: لا أفعل: بدل من الأول، ولا يقاس عليه، فلا يقال: ها الله أخوك، أي لأنا أخوك ونحوه، وقال الأخفش: ذا، من تمام القسم، إما صفة لله، أي: الله الحاضر الناظر، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي: ذا قسمي، فبعد هذا إما أن يجئ الجواب، أو يحذف مع القرينة،


(1) نقله عنه سيبويه في الكتاب، ج 2 ص 145 (*)،

[ 304 ]

وأما همزة الاستفهام، فإما أن تكون للأنكار، كقول الحجاج في الحسن البصري،. رحمة الله: آلله ليقومن عبد من العبيد فيقولن كذا وكذا، أو للاستفهام، كما قال صلى الله عليه وسلم، لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما قال هذا رأس أبي جهل: آللة الذي لا إله غيره، فإذا دخلت همزة الاستفهام على (الله)، فإما أن تبدل الثانية ألفا صريحة، وهو الأكثر، أو تسهل كما هو القياس في: آلرجل، ونحوه 1، ولا تحذف للبس، ولا تبقى للاستثقال، وأما قطع همزة (الله)، فهو في مكان مخصوص، وذلك إذا كان قبله فاء، قبلها همزة الاستفهام، تقول لشخص، هل بعت دارك فيقول، نعم، فتقول: أفألله لقد كان كذا، ويجوز دخول الفاء من غير استفهام نحو: فألله لقد كان كذا، وهمزة الاستفهام ليست عوضا من حرف القسم ههنا، للفصل بينها وبين (الله) بفاء العطف، وعند الأخفش: الفاء: في: أفألله، زائدة، ودليل كون هذه الثلاثة أبدالا، معاقبتها لحرف القسم، ولزوم الجر معها دون النصب، مع أن النصب بلا عوض أكثر، كما تقدم، واعلم أن الجملتين، أعني القسم والجواب، كالشرط والجزاء، صارتا بقرينة القسم كجملة واحدة، فإن كانت القسمية اسمية، فإما أن يتعين الاسم الذي جعلته مبتدأ للقسم، كأيمن الله، ولعمرك، أو، لا، فإن تعين وجب حذف الخبر، كما مر في باب المبتدأ، لدلالة


(1) ورد الوجهان المذكوران في قراءتين قرئ بهما قوله تعالى: قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون، يونس - الآية 56 (*)،

[ 305 ]

ذلك اللفظ على تعين الخبر وهو: (ما اقسم به) 1، وسد الجواب مسد الخبر، وإن لم يتعين، كأمانة الله وعهد الله، ويمين الله، جاز لك حذف الخبر وإثباته، نحو، أمانة الله، ويمين الله وعهد الله لأفعلن، والمراد بأمانة الله: ما فرض الله على الخلق من طاعته، كأنها أمانة له تعالى عندهم، يجب عليهم أن يؤدوها إليه تعالى سالمة، قال تعالى: (إنا عرضنا الأمانة..) 2 الآية، ومعنى يمين الله تعالى: ما حلف به تعالى من قوله: (والشمس وضحاها) 3، و: (والليل) 4 و: (والضحى) 5، ونحوها، أو اليمين التي تكون باسمائه تعالى نحو: والله ورب الكعبة، والخالق، ونحو ذلك، والمعنى: يمين الله يميني، ويجوز إثبات الخبر، نحو: علي أمانة الله، وعلي عهد الله، وعلي يمين الله، وكذا تقول: الكعبة أو المصحف لأفعلن، أو: الكعبة يميني لأفعلن، وقال الفراء: إن كان المبتدأ اسم معنى نحو: لعمرك وأيمن الله فجواب القسم: خبره، ولايحتاج إلى تقدير خبر آخر، لأن: لعمرك: يمين، ولأفعلن: يمين أيضا، فهو هو، وليس بشئ، لأن العمر، معناه البقاء فهو مقسم به، و: لأفعلن، مقسم عليه، فكيف يكون هذا ذاك، وكذا الكلام في: أمانة الله، وأيمن الله، ونحوه، والمبتدأ المحذوف خبره، إن اقترن بلام الابتداء، نحو: لعمرك ولا يمن الله: وجب رفعه، قال الجزولي: لم يسمع في لفظ (الله) إلا النصب أو الجر، دون الرفع، وجوز الأندلسي الرفع قياسا،


(1) يعني أن التقدير مثلا: أيمن الله هو ما أقسم به، (2) الآية 72 سورة الأحزاب، (3) أول سورة الشمس، (4) أول سورة الليل، (5) اول سورة الضحي (*)،

[ 306 ]

وأيمن الله عند الكوفيين، جمع يمين، فهو مثل: يمين الله، جعلت همزة القطع فيه وصلا، تخفيفا لكثرة الاستعمال، كما قال الخليل في همزة (أل) المعرفة، 1 وعند سيبويه: هو مفرد مشتق من اليمن، وهو البركة، أي: بركة الله يميني، وهمزته للوصل في الأصل، والدليل عليه تجويز كسر همزته وإنما كان الأغلب فتح الهمزة لكثرة استعماله، ويستبعد أن تكون الهمزة في الأصل مكسورة ثم - فتحت تخفيفا، لعدم (إفعل) بكسر الهمزة 2 في الأسماء والأفعال، ولذا قالوا في الأمر من: نصر: انصر بضم الهمزة، ويستبعد أصالة (أفعل) في المفردات أيضا، فيصدق ههنا قوله: فأصبحت أني تأتها تشتجر بها * كلا مركبيها تحت رجليك شاجر 3 - وإذا تكررت الواو بعد واو القسم، نحو قوله تعالى: (والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى) 4، فمذهب سيبويه والخليل 5، أن المتكررة واو العطف وقال بعضهم هي واو القسم، والأول أقوى، وذلك لأنها لو كانت واو القسم لكانت بدلا من الباء ولم تفد العطف وربط المقسم به الثاني وما بعده بالأول، بل يكون التقدير: أقسم بالليل، أقسم بالنهار: أقسم بما خلق، فهذه ثلاثة أيمان كل واحد منها مستقل، وكل قسم لابد له من جواب، فتطلب ثلاثة أجوبة، فإن قلنا حذف جوابان استغناء بما بقي بعد الحذف، فالحذف خلاف الأصل، وإن جعلنا هذا الواحد جوابا للمجموع، مع أن كل واحد منها، لاستقلاله، يطلب جوابا مستقلا، فهو، أيضا، خلاف الأصل فلم يبق إلا أن نقول: القسم شئ واحد، والمقسم به ثلاثة، والقسم هو الطالب للجواب، لا المقسم به، فيكفيه جواب واحد،


(1) انظر باب المعرفة والنكرة في الجزء الثالث، (2) أي بكسر الهمزة وضم العين، (3) تقدم هذا الشاهد في باب الظروف المبنية، في الجزء الثالث، وهو من شعر لبيد بن ربيعة، ومن شواهد سيبويه ج 1 ص 432 والقصد من هنا أن اعتبار أيمن مفردا يوقع في إشكال سواء فتحت الهمزة أو كسرت، (4) الآيتان الأولى والثانية من سورة الليل، (5) في سيبويه ج 2 ص 146 (*)،

[ 307 ]

فكأنه قال: أقسم بالليل والنهار وما خلق: ان سعيكم لشتى) 1، أي أقسم بهذه الثلاثة: ان الأمر كذا، وأيضا، فانك تقول مصرحا بالعطف: بالله فالله لأفعلن، وبحياتك ثم حياتك لأفعلن، ولا تقول: أقسم بالله، أقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم لأفعلن، والحمل على ما ثبت في كلامهم أولى، واعترض على كون واو العطف، بلزوم العطف على عاملين، لأن النهار اذن، يكون معطوفا على الليل، وإذا تجلى، معطوف على: إذا يغشى، والعاطف واحد 2، أجاب جار الله 3 بأن قال: الواو كأنها عوض عن حرف القسم وفعله معا، وذلك لأنه، لكثرة ما استعمل في القسم، لم يستعمل الفعل معه، فصار، لما لم يجامع الفعل، كأنه عوض من الفعل، أيضا، كما أنه عوض من الحرف، فقوله: والنهار، كأنه معطوف على عامل واحد، هو الواو، قال المصنف: فيلزم على هذا: ألا يجيز: بالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، وقد جاء قوله تعالى: (فلا أقسم بالخنس، الجواز الكنس، والليل إذا عسعس) 4، فقوله تعالى: والليل، وإن لم يكن قبله معمولان، إلا أنه يكون الواو فيه قائمة مقام أقسم والباء، حتى كأنه يجر وينصب، وهو المحذور، وقال المصنف: إنما جاز هذا، لأنه مثل: ان في الدار زيدا والحجرة عمرا، كما مر في باب العطف، وعلى ما قدمنا في باب الظروف المبنية: ان التقدير: وعظمة الليل إذا يغشى، فالعامل في الليل، في الحقيقة، هو العظمة المقدرة، وكذا في: إذا يغشى، فيكون الواو قائما


(1) الآية 4 في سورة الليل، (2) انظر بحث العطف على معمولي عاملين في الجزء الثاني، (3) انظر شرح ابن يعيش على المفصل ج 8 ص 32 وما بعدها، (4) الآيات 15، 16، 17 في سورة التكوير (*)،

[ 308 ]

مقام المعظمة، وهي عامل واحد، فيكون التقدير: بعظمة الليل وقت عسعسته 1، فالعامل في المجرور والمنصوب شئ واحد، واعلم أن القسم على ضربين: إما قسم السؤال، وهو: نشدتك الله، وعمرتك الله، وعمرك الله، وقعدك الله، وبالله، لتفعلن، وقد يستعمل (لعمرك) في قسم السؤال، فجواب قسم السؤال: أمر أو نهي، أو استفهام كقوله: 794 - بدينك هل ضممت إليك ليلى * قبيل الصبح أو قبلت فاها 2 ويجاب بإلا، ولما، أيضا، نحو: نشدتك بالله الا فعلت، أو: لما فعلت، وقد مضى في باب الاستثناء 3، وقوله: فعيدك ألا تسمعيني ملامة * ولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا 4 - 85 أن فيه زائدة، وربما قيل في قسم الطلب، أيضا: لتفعلن، ولنفعلن، فيكون خبرا بمعنى الأمر، قوله: (ويتلقى القسم باللام، وإن، وحروف النفي)، معنى يتلقى: أي يستقبل، والمعنى: يجاب القسم، يقال: تلقاه بكذا واستقبله به، أي أجابه به، اعلم أن جواب القسم: إما اسمية أو فعلية، والاسمية إما مثبتة، أو منفية، فالمثبتة تصدر بإن مشددة، أو مخففة، أو باللام، وهذه اللام: لام الابتداء المفيدة للتأكيد، لا فرق بينها وبين (إن)، إلا من حيث العمل،


(1) المناسب للشرح أن يقول بعظمة الخنس والكنس والليل وقت عسعسته، (2) مما نسب إلى مجنون بني عامر: قيس بن الملوح، (3) في الجزء الثاني، (4) تقدم ذكره في باب المفعول المطلق في الجزء الأول (*)،

[ 309 ]

وإنما أجيب القسم بهما لأنهما مفيدان للتأكيد الذي لأجله جاء القسم، واللام الداخلة بعد (إن) المكسورة، في الأصل لام الابتداء، أيضا، كما يجئ في باب (إن)، فلا هذه اللام، أعني لام جواب القسم، إلا على ما تدخل عليه اللام الواقعة بعد (إن)، ب الكوفيين أن اللام في مثل، لزيد قائم، جواب القسم أيضا، والقسم قبله مقدر، فعلى هذا، ليس في الوجود، عندهم، لام الابتداء، قالوا: لأنك تقول: لطعامك زيد آكل، فقد دخلت على غير المبتدأ، وأجيب بأنها في التقدير داخلة على المبتدأ، ورد عليهم بنحو: ظننت لزيد قائم، ولام القسم لا مدخل له بعد (ظننت) المفيد للشك، ويجوز أن يعتذروا بأن الظن الغالب قائم مقام العلم، فهو مثل قولهم: يعلم الله إن زيدا قائم، بكسر (إن)، ولهذا قال بعضهم: ان قوله تعالى: (وظنوا ما لهم من محيص) 1: (ظنوا) كالقسم، و: ما لهم جوابه، وليس بنص، إذ يحتمل التعليق، بلى، لو جاء مثل: ظننت لقد فعل، لكان نصا في إجراء ظننت مجرى القسم 2، ثم نقول: ان الأولى كون اللام في: لزيد قائم: لام الابتداء، مفيدة للتأكيد، ولا نقدر القسم كما فعله الكوفية، لأن الأصل: عدم التقدير، والتأكيد المطلوب من القسم: حاصل من اللام، ثم انها لا تجامع حرف النفي، وإن جاز أن تؤكد الجملة التي في خبرها حرف النفي نحو: لزيد ما هو قائم، ولا يقال: لما زيد قائم، وذلك لأن اللام للتقرير والأثبات، وحرف النفي للرفع والأزالة، فبينهما في ظاهر الأمر تناف، وأما قولك: لزيد ما هو قائم، وإن زيدا لم يقم، فإن، واللام: أثبتا نفي مضمون الجملة بلا مجامعة بين الحرفين،


(1) الآية 48 سورة فصلت، (2) لأنه لا يكون من التعليق بسبب وجود قد بعد اللام (*)،

[ 310 ]

ثم إن لام الابتداء تدخل على المضارع لمشابهته للمبتدأ في كونه أول جزأي الجملة مثله مع مضارعته لمطلق الاسم، قال المتلمس: 795 - لأورث بعدي سنة يقتدى بها * وأجلو عمى ذي شبهة إن توهما 1 وتدخل على مضارع مصدر بحرف التنفيس نحو: (ولسوف يعطيك) 2، خلافا للكوفيين، كما مر، ولا تدخل على الماضي وإن كان أول جزأي الجملة، لبعده عن مشابهة الاسم، فإذا دخله (قد)، كثر دخول لام الابتداء عليه، نحو: (لقد سمع) 3، و: (ولقد آتينا) 4، وذلك لأنها تقرب الماضي من الحال، فتصير الماضي كالمضارع، مع تناسب معنى اللام ومعنى (قد)، لأن في (قد)، أيضا، معنى التحقيق والتأكيد، وتدخل، أيضا، لام الابتداء، على خبر المبتدأ، إذا وقع موقع المبتدأ، أي تقدم عليه نحو: لقائم زيد، ولفي الدار زيد، وعلى معمول خبر المبتدأ، أيضا، إذا وقع موقع المبتدأ، نحو: لطعامك زيد آكل، ولفي الدار زيد قائم، بشرط كون العامل اسما، كما ذكرنا، أو فعلا مضارعا نحو: لطعامك زيد يأكل، أو ماضيا مع (قد) نحو: لطعامك زيد قد أكل، ولا يقال: لطعامك زيد أكل، ولا تدخل على غير ما ذكرنا، من حرف الشرط وغنيره، وإنما تدخل على نعم وبئس، وإن كانا في الأصل ماضيين، بلا (قد) لما ذكرنا في بابهما من صيرورتهما بمعنى الاسم، فقولك: لنعم الرجل زيد، كقولك: لحسن زيد،


(1) هذا أحد أبيات من قصيدة جيدة من شعر المتلمس كما قال الشارح، واسمه جرير بن عبد المسيح وكان عمرو بن هند ملك الحيرة سأل خال المتلمس عن نسب المتلمس فأجابه الحارث بما يشكك في نسبه، وكان لذلك أثره في نفس المتلمس فقال هذه القصيدة التي ضمنها عتابا لخاله وفخرا بأمه حيث يقول: وهل لي أم غيرها إن ذكرتها * أبي الله إلا أن أكون لها ابنما (2) الآية 5 سورة الضحي، (3) الآية 181 سورة آل عمران، (4) من الآية 10 سورة سبأ (*)،

[ 311 ]

وإذا وقع لام الابتداء بعد (إن)، جاز وقوعها في غير هذه المواقع أيضا، نحو: خبر المبتدأ المؤخر، نحو ان زيدا لقائم، كما يجئ في باب (إن)، واللام في جميع ما ذكرنا ليست جوابا لقسم مقدر، خلافا للكوفية، بل هي لام الابتداء، والاسمية المنفية مصدرة بما، معملة عند أهل الحجاز، مهملة عند غيرهم أو بلا التبرئة، على اختلاف أحوالها، نحو: والله لا زيد فيها ولا عمرو، و: والله لا رجل في الدار، و: والله لا فيها رجل ولا امرأة، وإما مصدرة بإن نحو: والله إن زيد قائم، وإن كانت الجملة فعلية، فإن ك ان الفعل مضارعا مثبتا، فالأكثر تصديره باللام وكسعه 1 بالنون، نحو: لأضربن، الا أن تدخل اللام على متعلق للمضارع مقدم عليه، كقوله تعالى: (ولئن متم أو قتلتم لألى الله تحشرون) 2، فإن فيه اللام فقط، وكذا إن دخل على حرف التنفيس، نحو: والله لسوف أخرج، فلا يؤتى بالنون، اكتفاء بإحدى علامتي الاستقبال عن الأخرى، وقل خلو المضارع من اللام، اكتفاء بالنون، وقد جاء: 796 - وقتيل مرة أثأرن فإنه * فرع وإن أخاهم لم يقصد 3 ولا يجوز عند البصريين الاكتفاء باللام عن النون إلا في الضرورة، والكوفيون أجازوه


(1) الكسع: الضرب بالرجل على مؤخرة الانسان، ويستعمل الرضي هذا الفعل مريدا به إضافة شئ إلى ما قبله، ويريد هنا ضم نون التوكيد إلى آخر الفعل المبدوء باللام، (2) الآية 158 سورة آل عمران، (3) من قصيدة لعامر بن الطفيل قالها في ذكر ما حدث يوم الرقم، يوم من أيام العرب، منها الشاهد رقم 162 المتقدم في الجزء الأول باب المفعول فيه وهو قوله: فلأبغينكم قنا وعوارضا * ولأقيلن الخيل لابة ضرغد والمراد بقتيل مرة: أخوه الحكم بن الطفيل، قالوا انه شنق نفسه على شجرة في هذا اليوم خوفا من الأسر، وفرغ بالغين المعجمة أي ذهب دمه دهدرا لم يقتل به أحد، لأنه قتل نفسه، أو بالعين المهملة ومعناه الشريف العالي المنزلة في قومه، ولهذا اليوم قصة طويلة، ذكرها البغدادي وأورد كثيرا من أبيات القصيدة (*)،

[ 312 ]

بلا ضرورة، ويحكى عن أبي علي موافقتهم في تجويز التعاقب بين اللام والنون، قال: 797 - تألى ابن أوس حلفة ليردني * إلى نسوة كأنهن مفائد 1 بفتح اللام وضم الدال، ويروى: ليردني بكسر اللام ونصب الدال، وبعض العرب يكسر لام القسم الداخلة على الفعل المضارع نحو: والله لتفعلن، هذا كله إن كان المضارع استقبالا، فإن كان حالا، فالجمهور جوزوا وقوعه جوابا للقسم، خلافا للمبرد، وذلك لأنه متحقق الوجود، فلا يحتاج إلى تأكيده بالقسم كما مر في المضارع، والأولى الجواز، إذ رب موجود غير مشاهد، يصح إنكاره، وأنشد الفراء: 798 - لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم * ليعلم ربي أن بيتي واسع 2 وتقول: والله ليصلي زيد، فيجب الاكتفاء باللام، ولا يؤتى بالنون لأنها علامة الاستقبال، كما مر في المضارع، وإن كان المضارع منفيا فنفيه بما، وإن، ولا، على ما مضى، لكن (ما) و (إن) إذا لم يتقيدا بالزمان المستقبل فظاهرهما نفي الحال على ما تقدم في الأفعال الناقصة، فالمبرد لا يجوز: والله ما أقوم، وإن أقوم، لكونه، إذن، ظاهرا في الحال، ومذهبه أن المقسم عليه لا يكون حالا، ولا يجوز نفي المضارع بلم، ولن، في جواب القسم، لأنهم ينفونه بما يجوز حذفه للاختصار، كما يجئ، والعامل الحر في لا يحذف مع بقاء عمله، وإن أبطلوا العمل لم يتعين النافي المحذوف،


(1) قاله زيد الفوارس الضبي، من أبيات أوردها أبو تمام في الحماسة، وابن أوس خصم لزيد، تألى أي حلف حلفة: ليردني أي يأسرني ويدفعي إلى نسوة كأنهن أسياخ الحديد التي يشوى عليها اللحم، وهو معنى مفائد جمع مفاد وهو السفود، (2) من شعر الكميت بن معروف شاعر أدرك الأسلام، وهو غير الكميت بن زيد الشاعر صاحب الهاشميات التي مدح بها آل البيت، ونسبة البيت إلى الكميت بن معروف نقلها الفراء عن الكسائي (*)،

[ 313 ]

وإن كان الفعل ماضيا مثبتا، فالأولى الجمع بين اللام و (قد) نحو: والله لقد خرج، وأما في نعم وبئس، فباللام وحدها، إذ لا يدخلهما (قد) لعدم تصرفهما، قال: يمينا، لنعم السيدان وجدتما * على كل حال من سحيل ومبرم 1 - وإن طال الكلام أو كان ضرورة الشعر، جاز الاقتصار على أحدهما، قال تعالى في الاستطالة: (والشمس وضحاها)، إلى قوله: (قد أفلح) 2، فلم يأت باللام، للطول، وقال الشاعر: 799 - حلفت لها بالله حلفة فاجر * لتاموا فما إن من حديث ولا صال 3 ويجب تقدير (قد) بعد اللام، لأن لام الابتداء لا تدخل على الماضي المجرد كما مر، والاقتصار على اللام أكثر من العكس، وأما نحو قوله: 800 - وأقسم أن لو التقينا وأنتم * لكان لكم يوم من الشر مظلم 4 فمذهب سيبويه 5: أن (أن) موطئة كاللام في: لئن جئتني لأكرمنك، فاللام في: لكان، إذن، جواب القسم، لا جواب (لو)، فيكون جواب القسم في قوله: 801 - وأقسم لو شئ أتانا رسوله * سواك، ولكن لم نحد لك مدفعا 6


(1) تقدم هذا الشاهد في أفعال المدح والذم، في هذا الجزء، (2) من أول سورة الشمس إلى أول الآية 9 منها، (3) من قصيدة امرئ القيس التي أولها: الا عم صباحا أيها الطل البالي، ومن أبياتها عدد من الشواهد في هذا الشرح، (4) للمسيب بن علس يخاطب بني عامر بن ذهل من أبيات يذكر فيهإ، ما بينهم من العداوة، (5) سيبويه ج 1 ص 455 وفيه الشاهد المتقدم، (6) من قصيدة لامرئ القيس ويروى: وجدك لو شئ.. وجواب القسم في بيت بعده وهو: إذن لرددناه، ولو طال مكثه * لدينا ولكنا بحبك ولعا وجملة ولكن لم نجد لك مدفعا، معترضة بين القسم وجوابه أو بين لو الشرطية وجوابها (*)،

[ 314 ]

محذوفا، وسيجئ الكلام عليه في حروف الشرط. وإن كان الماضي منفيا، فبما، نحو: والله ما قام، وأما إن نفي بلا، وإن 1 انقلب إلى معنى المستقبل كما ذكرنا في باب الماضي قال: حسب المحبين في الدنيا عذابهم * تالله لا عذبتهم بعدها سقر 2 - أي لا تعذبهم، فلا 3 يلزم تكرير (لا)، كما لا يلزم تكريرها إذا كانت في الماضي الذي للدعاء نحو: لا رحمه الله، وذلك لأن الماضي في الموضعين، بمعنى المستقبل، وفي غيرهما يجب تكريرها، نحو: (فلا صدق ولا صلى) 4 وربما جاءت في الشعر غير مكررة، كقوله: 802 - وأي أمر سيئ لافعله 5 وأما قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة) 6، فإنما لم يكرر فيه، لتكرير تفسير العقبة، وهو قوله: (فك رقبة) 7، إلى آخره، فكأنه قال: لا فك رقبة ولا أطعم مسكينا، وإن كان المقسم عليه جواب شرط مستقبل، وقبل ذلك الشرط قسم، قرنت أداة الشرط، كثيرا، بلام مفتوحة تسمى موطئة، أي: ممهدة، ومعينة لكون الجواب للقسم،


(1) جملة معترضة: لأن نفي الماضي المقصود به الدعاء يحوله إلى مستقبل، (2) تقدم في الفعل الماضي أول هذا الجزء، (3) جواب قوله وإن كان الماضي منفيا... الخ، (4) الآية 31 سورة القيامة، (5) قائله شهاب بن العيف العبدي، شاعر جاهلي أمرة المنذر الأكبر أن يهجو الحارث بن جبلة فقال: لاهم إن الحارث بن جبلة * زنا على أبيه ثم قتله... الخ زنا بتشديد النون معناه ضيق عليه حتى قتله، أو مضعف من الزنا، يتهمه بأنه زنى بامرأة أبيه ثم قتله. وفيه توجيهات أخرى ذكرها البغدادي، وقد أسره الحارث وانتقم منه، (6) الآية 11 سورة البلد، (7) الآية 13 سورة البلد (*)،

[ 315 ]

لا للشرط، نحو قولك: والله لئن أتيتني لآتينك، ويجوز: والله إن تأتني لآتينك، بلا لام، فإن حذف القسم وقدر، فالأكثر: المجئ باللام الموطئة، تنبيها على القسم المقدر من أول الأمر، وقد يجئ من غير لام كقوله تعالى: (وإن أطعتموهم انكم لمشركون) 1، وإن تقدم القسم على الشرط الماضي، وهو ما يكون بلو، فسيجئ حكمه في حروف الشرط، ويجوز حذف النافي من المضارع الذي هو جواب القسم، ولا يجوز من الماضي، والاسمية، سواء كان المضارع: لا يزال وأخواته، أو غيرها، قال: 803 - فقلت يمين الله أبرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي 2 وقال: 804 - تالله يبقى على الأيام ذو حيد * بمشمخر به الظيان والآس 3 وإنما لم يحذف من الاسمية، لأنها أقل استعمالا في جواب القسم من الفعلية، والحذف لأجل التخفيف، وحذف من المضارع دون الماضي، لكونه في القسم أكثر استعمالا منه، مع أن لفظ المضارع أثقل، ومن ثم جاز حذف حرف النفي في غير القسم من: لا يزال وأخواته، قال:


(1) من الآية 121 سورة الأنعام، (2) من قصيدة امرئ القيس التي تقدمت الأشارة إليها قريبا وذكرنا أن من أبياتها عددا من الشواهد في هذا الشرح، (3) من قصيدة من جيد شعر أبي ذؤيب الهذلي ونسبها بعضهم إلى ساعدة بن جؤية الهذلي وهي في ديوان أشعار الهذليين، وأولها: يا مي ان تفقدي قوما ولدتهم * أو تخلسيهم فإن الدهر خلاس وهو في سيبويه ج 2 ص 144 برواية لله على أن اللام حرف قسم، والمراد بذي الحيد: الوعل المتحصن بشواهق الجبال، والظبيان والآس من أنواع الزهور الجبلية (*)،

[ 316 ]

تنفك تسمع ما حييت * بها لك حتى تكونه 1 - 717 وإنما جاز فيها خاصة، للزوم النفي إياها فلا يلتبس بالايجاب، وأما قوله: فلا وأبي دهماء، زالت عزيزة * على قومها، ما فتل الزند قادح 2 - 716 فلم يحذف النافي، بل فصل بينه وبين الفعل، كما مر في الأفعال الناقصة، وإنما جاز حذف علامة النفي في المضارع دون علامة الأثبات، لأنها تكون في الأغلب علامتين: اللام والنون، كما ذكرنا، فحذف إحداهما يستلزم حذف الأخرى، فيكثر الحذف، وإنما حكم بأن المحذوفة من المضارع (لا)، دون (ما) لأنها أكثر استعمالا في نفي المضارع من (ما)، قوله: (ويحذف جوابه، إذا اعترض، أو تقدم ما يدل عليه)، أي إذإ، اعترض القسم، أي توسط الكلام، نحو: زيد والله قائم، و: قام والله زيد، وفي نهج البلاغة: (قد والله، لقوا الله) 3، قوله: (أو تقدمه ما يدل عليه)، نحو: زيد قائم، والله، و: قام زيد والله، وهذا الكلام الذي توسط القسم، أو تأخر عنه، هو من حيث المعنى جواب القسم، وهو كالعوض من ذلك الجواب، مثل جواب الشرط في: أكرمك أن تأتني، كما مر في بابه 4،


(1) تقدم في الأفعال الناقصة بهذا الجزء، (2) كالذي قبلة تقدم في الأفعال الناقصة، (3) من خطبة لعلي رضي الله عنه تحدث فيها عن شهداء صفين، ص 212 من نهج البلاغة طبع دار الشعب بالقاهرة، (4) في هذا الجزء عند الكلام على الجوازم (*)،

[ 317 ]

وقد يجئ بعد الجملة الاسمية قرينة دالة على الجواب، فيحذف، وليست من حيث المعنى بجواب كالمذكورين، وذلك كقوله تعالى: (والفجر، وليال عشر) 1، أي: ليؤخذن، وليعاقبن، لدلالة قوله: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد) 2، الآية، عليه 3، وقد تحذف الجملة القسمية، لكون ظرف من معمولات الفعل الواقع جوابا، ذالا عليها، نحو: لا أفعله عوض، وعوض العائضين، وإنما كان كذلك لكثرة استعمال (عوض) مع القسم، مع أن معناه: أبدا، والبتة، ففيه من التأكيد ما يفيد فائدة القسم، ولأجل إفادته فائدته قد يقدم على عامله قائما مقام الجملة القسمية وإن كان عامله مقترنا بحرف يمنع عمله فيما تقدمه، كنون التأكيد و (ما)، فيقال: عوض لآتينك، وعوض ما آتيك لغرض سده مسد القسم، كما يجئ في حروف الشرط نحو: أما يوم الجمعة فإن زيدا قادم، وقد يستعمل في غير القسم كقوله: 805 - هذا ثنائي بما أوليت من حسن * لازلت عوض قرير العين محسودا 4 ويقوم مقام الجملة القسمية، أئضا، بعض حروف التصديق، وهو: (جير) بمعنى (نعم)، والجامع 5: أن التصديق توكيد وتوثيق كالقسم، تقول: جير، لأفعلن، كأنك قلت: والله لأفعلن، وهي مبنية على الكسر، وقد تفتح ككيف، وليست اسما بمعنى (حقا) خلافا لقوم، وبناؤهما عندهم، لموافقة، (جير) الحرفية لفظا ومعنى، ولا يكفي في البناء: الموافقة اللفظية، ألا ترى إعراب (إلى) بمعنى النعمة،


(1) الآيتان: الأولى والثانية من سورة الفجر، (2) الآية 6 من سورة الفجر، (3) متعلق بقوله: لدلالة، يعني أن الآية: ألم تر كيف دليل على جواب القسم الذي قدره، (4) من أبيات قالها ربيعة بن مقروم الضبي في مدح مسعود بن سالم بن أبي سلمي، وكان ربيعة قد وقع في الأسر وأخذ ماله مخلصه مسعود ورد إليه ماله فقال هذه الأبيات التي بقول فيها: متحدثا عن راحلته، لما تشكت إلي الأبن قلت لها * لا تتربحين ما لم ألق مسعودا وحتمها بالبيت المستشهد به: (5) أي الوجه المشترك بين القسم وبعض حروف التصديق التى يقوم مقامه (*)

[ 318 ]

وقد يؤتى بها دون قسم، قال: 806 - وقلن على الفردوس أول مشرب * أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره وربما نونت ضرورة، قال: 807 - وقائلة أسيت فقلت جير * أسي، إنني من ذاك، انه 2 وبه استدل من ذهب إلى اسميته، قال عبد القاهر: هو اسم فعل، بمعنى أعترف، ولا يتعذر ما ارتكبه في جميع حروف التصديق، وقد يستغنى بذكر القسم عن ذكر المقسم به كقوله: وأقسم لو شئ أتانا رسوله... 3 - 801 أي: أقسم بما يقسم به، ويستغنى، كثيرا، عن القسم بجوابه، إن أكد بالنون، نحو: لأضربنك، لأن النون لها مواضع، كما يجئ، ولا تجئ في الخبر الصرف، نحو: تضربن زيدا، وأما


(1) من أبيات لمضرس بن ربعي الأسدي أولها: تحمل عن ذات التنانير أهلها * وقلص عن نهي الدفينة حاضره ذات التنانير موضع، ونهى الدفينة اسم ماء بموضع اسمه الدفينة، والضمير في قلن على الفردوس: للنسوة، أي أنهن قلن ان ارتحلنا عن هذا الماء فإن أول ماء نرده هو الفردوس، وهو ماء لبني تميم، والدعاثر: الحياض المتهدمة، مفردها دعثور، وقياسه في الجمع دعاثير، وفي رواية للبيت الشاهد: وقلن ألا الفردوس... على أن ألا استفتاح والفردوس مبتدأ خبره: أول مشرب، (2) أحد أبيات أنشدها يعقوب بن السكيت وشرحها ولم ينسبها هو ولا غيره وهي في التحسر على قوم ماتوا قبل الشاعر، ومعنى البيت: رب سائلة تقول لي حزنت فقلت نعم: أسي أي أنا أسي، وقوله انني من ذاك، إما تقديره أنني أسي من أجل ذلك، أو معناه: أنني من ذلك الأسي أي مخلوق منه، وقوله انه في الآخر بمعنى نعم فهو تأكيد للجواب، أو تقديره: انه كذلك فتكون الهاء: اسم إن، (3) بيت امرئ القيس المتقدم (*)،

[ 319 ]

نحو: (لقد سمع الله) 1 ولزيد قائم، فلم يقم دليل على كونهما جوابي القسم، خلافا للكوفيين، كما تقدم، وقد يقوم مقام القسم: حقا، ويقينا، وقطعا، وما أشبهها، نحو: حقا لأفعلن، وكذا (كلا)، إذا لم يكن ردعا نحو: (كلا لينبذن) 2 وكذا الالتزام، إما نذر، نحو: لله علي كذا لأفعلن، أو: عهد، نحو: عاهدت الله لأفعلن، وعلي عهد الله لأقومن، (بقية حروف الجر) (عن، على، الكاف، مذ ومنذ،) (حاشا وعدا وخلا) (قال ابن الحاجب:) (وعن للمجاوزة، وعلى للاستعلاء، وقد يكونان اسمين) (بدخول من، والكاف للتشبيه، وزائدة، وقد تكون اسما،) (ومذ ومنذ للزمان: للابتداء في الماضي والظرفية في الحاضر،) (نحو: ما رأيته مذ شهرنا ومذ يومنا، وحاشا وعدا وخلا) (للاستثناء)، (قال الرضي:) قوله: (وعن للمجاوزة)، أي لبعد شئ عن المجرور بها بسبب إيجاد مصدر المعدى بها، نحو: رميت عن القوس، أي: بعد السهم عن القوس بسبب الرمي، وكذا، أطعمه


(1) الآية 181 سورة آل عمران، (2) الآية 4 سورة الهمزة (*)،

[ 320 ]

عن الجوع، أي: بعده عن الجوع بسبب الاطعام، وكذا: أديت الدين عن زيد، وقولهم: رويت عنه علما، وأخذته عنه: مجاز، كأنك نقلته عنه، وقولك: جلست عن يمينه، أي: تراخيت عن موضع يمينه بالجلوس، وقوله تعالى: (يخالفون عن أمرة) 1، مضمن معنى: يتجاوزون، و: (طبقا عن طبق) 2، أي طبقا متجاوزا في الشدة عن طبق آخر دونه في الشدة، فيكون كل طبق أعظم في الشدة مما قبله، وقوله: عن طبق، صفة لطبقا، وليس المراد: طبقين فقط، بل المقصود حنس أطباق، كل واحد منهإ أعظم من الآخر، فهو مثل التثنية في لبيك، وقوله تعالى: (كرتين) 3، والمراد في الكل: التكثير والتكرير، فاقتصر على أقل مراتب التكرير وهو الاثنان، تخفيفا، وكذا قولهم: 808 - ورث السيادة كابرا عن كابر 4 أي، كابرا متجاوزا في الفضل عن كابر آخر، وقال بعضهم: أي كابرا بعد كابر، والأولى: إبقاء الحروف على معناها ما أمكن، وقوله: لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب، * عي ولا أنت دياني فتخزوني 5 - 511 ضمن فيه (أفضلت) معنى: تجاوزت في الفضل،


(1) الآية 63 سورة النور، (2) الآية 19 سورة الانشقاق، (3) الآية 3 سورة الملك، (4) صدر بيت ورد بلفظ: ورث، في شعر الفرزدق وتمامه: ضخم الدسيعة كل يوم فخار، وورد بلفظ: ورثوا، في قصيدة لكعب بن زهير في مدح الأنصار، حيث عتبوا عليه بعد أن أشاد بالمهاجرين في قصيدته بانت سعاد، فأنشأ قصيدة خاصة في مدحهم، يقول فيها: من سره كرم الحياة فلا يزل * في مقنب من صالحي الأنصار ورثوا السيادة كابرا عن كابر * إن الخيارهم بنو الأخيار (5) من قصيدة لذي الأصبع العدواني، وتقدم الاستشهاد به في باب الظروف المبنية، الجزء الثالث (*)،

[ 321 ]

قال أبو عبيدة 1 في: (وما ينطق عن الهوى) 2، أي بالهوى، والأولى أنها بمعناها، والجار والمجرور صفة للمصدر، أي: نطقا صادرا عن الهوى، فمن في مثله تفيد السببية، كما في قولك: قلت هذا عن علم، أو عن جهل، أي قولا صادرا عن علم..، وقوله: 809 - تصد وتبدي عن أسيل وتتقي * بناظرة من وحش وجرة مطفل 3 ضمن تبدي معنى تكشف، أي تكشف الغطاء وتبعده عن وجه أسيل، قوله: (وعلى للاستعلاء)، إما حقيقة نحو: زيد على السطح، أو مجازا نحو: عليه دين، كما يقال: ركبه دين، كأنه يحمل ثقل الدين على عنقه أو على ظهره، ومنه: علي قضاء الصلاة، وعليه القصاص، لأن الحقوق كأنها راكبة لمن تلزمه، وكذا قوله تعالى: (كان على ربك حتما مقضيا)، 4 تعالى الله عن استعلاء شئ عليه، ولكنا إذا صار الشئ مشهورا في شئ من الاستعمال: لم يراع أصل معناه، نحو: ما أعظم الله، ومنه: توكلت على فلان، واعتمدت عليه، وأما قوله: إذا رضيت علي بنو قشير * لعمر الله أعجبني رضاها 5 - 763 فلحمل (رضيت) في التعدي على ضده، أي سخطت، كما حمل بعت منه، على:


(1) أبو عبيدة، بالتاء، هو معمر بن المثنى، شيخ أبي عبيد: بدون تاء، القاسم بن سلام صاحب القريب المصنف، وكلاهما تكرر ذكره في هذا الشرح، (2) الآية 3 سورة النجم، (3) من معلقة امرئ القيس التي تكرر الاستشهاد بأبياتها في هذا الشرح، والأسيل: الناعم، ووجرة اسم مكان، والمطفل: الظبية، أو الناقة معها طفلها، (4) الآية 71 سورة مريم، (5) تقدم في معاني (إلى) في هذا الجزء (*)،

[ 322 ]

اشتريت، وقربت منه على: انفصلت منه، وقوله: 810 - رعته أشهرا وخلا عليها * فطار التي فيها واستعارا 1 أي: على مذاقها، كأنه ملك مذاقها وتسلط عليه فهي تميل إليه وتتبعه، وقولهم: فلان على جلالته يقول كذا، أي: معها، وكأن المعنى أنه يلزمها لزوم الراكب لمركوبه من قولهم: ركبته الديون أي لزمته، ومنها: سر على اسم الله، أي ملتزما به، فكأنه مركب يحملك إلى مقصودك، ومنه قولهم: مررت على زيد، لأنه يفيد أن مرورك به كان من جهة الفوق، بخلاف معنى: مررت به، وقوله: 811 - ان الكريم وأبيك يعتمل * إن لم يجد يوما على من يتكل 2 (على) ليست فيه زائدة، بل الكلام على التقديم والتأخير، وأصله: إن لم يجد يوما من يتكل عليه، فامتنع حذف الضمير المجرور الراجع إلى الموصول، كما مر في باب الموصولات 3، فقدم على (على من يتكل) فصار: على من يتكل، فجاز حذف الضمير لانتصابه، بيتكل صريحا،


(1) من قصيدة للراعي النميري، يصف ناقة رعت نباتا معينا وانفردت به أشهرا، فسمنت، وهو معنى قوله: قطار النبي، أي ارتفع والتي الشحم يقال: نويت الناقة أي سمنت، وأما قوله استعار فقيل انه بالغين المعجمة والمعنى ذهب في جسمها وغار فيه، أو بالعين المهملة أي ذهب فيه يمينا وشمالا من قولهم عار الفرس أي أفلت فهو يذهب في كل ناحية، (2) من الأبيات المجهولة القائل وهو في سيبويه، ج 1 ص 433، قال البغدادي ان السيوطي أورد قبله: إني لساقيها وإني لكسل * وشارب من مائها ومغتسل (3) في أول الجزء الثالث من هذا الشرح (*)،

[ 323 ]

قوله: (وقد يكونان)، أي عن، وعلى، اسمين، فلا يستعملان إلا مجرورين، بمن، وإنما تتعين، إذن، اسميتهما، لأن الجر من خواص الأسماء، قال يصف قطاة، 812 - غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها * تصل وعن قيض ببيداء مجهل 1 وقال: 813 - ولقد أراني للرماح دريئة * من عن يميني مرة وأمامي 2 فيبنيان، إذن، لكونهما على لفظ الحرفين، ومناسبين لهما معنى، فيلزم (عن) الأضافة، ومعناه: جانب، بخلاف (على)، قال: باتت تنوش الحوض نوشا من علا * نوشا به تقطع أجواز الفلا 3 - 757 أي: من فوق، قوله: (والكاف للتشبيه)، ودليل حرفيته، وقوعه صلة في نحو: جاءني الذي كزيد، فهو مثل: الذي في الدار، فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون بمعنى المثل، والمبتدأ محذوف، أي: الذي هو كزيد، أي مثل زيد، قلت: قد تقدم في باب الموصولات: أن حذف المبتدأ في صلة غير (أي) إذا لم تطل، في غاية القلة، واستعمال نحو: الذي كزيد: شائع كثير، وتتعين اسميتها إذا انجرت، كما في قوله:


(1) من قصيدة لمزاحم العقيلي، والبيت في وصف قطاة عن فرخها وما حوله من قشر البيض بعد أن طال عطشها، وجوفها يصل أي يحدث صوتا من العطش، والقيض هو قشر البيض الذي خرج منه الفرخ، والزيزاء روى ببيداء مجهل أي صحراء يضل فيها السالك، (2) لقطري بن الفجاءة من أبيات أولها البيت الذي يستشهدون به على مجئ الحال من النكرة وهو: لا يركنن أحد إلى الأحجام * يوم الوغى متخوفا لحمام (3) تقدم في أول حروف الجر (*)،

[ 324 ]

814 - يضحكن عن كالبرد المنهم 1 وإذا ارتفعت، كما في قوله: أتنتهون، وهل ينهى ذوي شطط * كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل 2 - 760 أو على الابتداء، نحو: كذا عندي درهما، على ما قال بعضهم، واستدل بقولهم: إن كذا درهما مالك برفع: مالك، والأولى أن يدعى تركيب كذا كما مر في باب الكنايات 3، وما ذكره من رفع مالك، غير دال على مدعاه، وسيبويه 4 لا يحكم باسميتها إلا عند الضرورة، وأما الأخفش فيجوز ذلك من غير ضرورة، وتبعه الجزولي 5، وتكون أيضا، زائدة، إذا لم تلتبس بالأصلية، كما في قوله: 815 - لواحق الأقراب فيها كالمقق 6 أي فيها المقق وهو الطول، ويحكم بزيادتها عند دخولها على (مثل)، في نحو: (ليس كمثله شئ) 7، أو دخول مثل، عليها، كقوله: 816 - فصيروا مثل كعصف مأكول 8


(1) من رجز للعجاج، وقبله: عند أبي الصهباء أقصى همي * بيض ثلاث كنعاج جم.. الخ (2) من قصيدة الأعشى ميمون بن قيس، وتقدم في أول الكلام على حروف الجر، (3) في الجزء الثالث. (4) يستفاد هذا من كلامه في الكتاب ج 1 ص 13، (5) تكرر ذكره، (6) من أرجوزة رؤبة التي أولها: وقائم الأعماق خاوي المخترق، وهو يصف جماعة من حمير الوحش ضامرة البطون، اللواحق: جمع لاحقه أي ضامرة البطن والأقراب هي الخواصر، والمقق بفتح الميم والقاف: الطول، (7) الآية 11 سورة الشورى، (8) نقل البغدادي عن العيني نسبة إلى رؤبة، وقال ان قبله، يصف جماعة بالهلاك ويشبههم بأصحاب القيل حيث يقول: = (*)

[ 325 ]

إذ الغرض أنه لا يشبه بالمشبه، فلا بد من زيادة إحدى أداتي التشبيه، وزيادة ما هو على حرف: أولى، ولا سيما إذا كان من قسم الحروف في الأغلب، والحكم بزيادة الحرف أولى، وأما إذا اجتمع الكافان، نحو قوله: وصاليات ككما يوثفين 1 - 131 فاما أن يكون من باب التوكيد اللفظي، فهما إما اسمان أو حرفان كقوله:.... ولا للما بهم أبدا دواء 2 - 130 وإما أن تكون إحداهما زائدة، فتكون تلك الزائدة حرفا، إذ زيادة الحرف أولى، فتكون، إما الأولى، مثل قوله: ليس كمثله شئ، وإما الثانية، فهو كقوله: مثل كعصف، ولا يجوز أن يكونا اسمين أو حرفين، وإحداهما زائدة، فإن قلت: لفظ مثل، لا بد له من اسم مجرور، فكيف حكمت بزيادة الكاف في: مثل كعصف، قلت: لا يمتنع منع الاسم عن الجر، عند الضرورة، وإن كان لازما للأضافة، لأن عمله الجر، ليس بالأصالة، ويجوز أن يكون (مثل) مضافا إلى مقدر مدلول عليه بعصف، الظاهر، كما قلنا في: يا تيم تيم عدي 3، فعلى هذا، لا تكون الكاف زائدة، فكأنه قال: مثل عصف، كعصف، وكذا الكلام في: (ككما) 4، ويجوز في قوله تعالى: (ليس كمثله شئ): ألا يحكم بزيادة الكاف، بل يكون على طريقة قوله:


= ومسهم ما مس أصحاب القيل * ولعبت طير بهم أبابيل والبيت في سيبويه: ج 1 ص 203، (1) تقدم في باب المنادي، (2) وهو كالذي قبله تقدم في باب المنادي، (3) إشارة إلى بيت جرير: يا تيم تيم عدي لا أبالكم.. الخ الذي تقدم في باب المنادي أيضا، (4) في قوله: وصاليات ككما يؤثفين (*)،

[ 326 ]

817 - ولا ترى الضب بها ينجحر 1 وقولك: ليس لأخي زيد أخ، أعني نفي الشئ بنفي لازمه، لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم، فأخو زيد ملزوم، والأخ لازمه، لأنه لابد لأخي زيد من أخ هو زيد، فنفيت هذا اللازم والمراد نفي الملزوم، أي: ليس لزيد أخ، إذ لو كان له أخ لكان لذلك الأخ أخ، هو زيد، فكذا هنا: نفيت أن يكون لمثل الله مثل، والمراد نفي مثله تعالى، إذ لو كان له مثل لكان هو تعالى مثل مثله، والكاف لا يدخل على المضمر خلافا للمبرد، إذ لو دخله لأدى إلى إجتماع الكافين إذا شبهت بالمخاطب، فطرد المنع في الكل، وقد دخل في الشعر على المنصوب المنفصل، قال: 818 - فأجمل وأحسن في أسيرك انه * ضعيف ولم يأسر كإياك آسر 2 وهو من باب إقامة بعض الضمائر مقام بعض، وعلى المجرور أيضا، قال: 819 - فلا ترى بعلا ولا حلائلا * كه ولا كهن إلا حاظلا 3 وقال: 820 - وأم وأوعال كهأ أو أقربا 4


(1) منسوب إلى عمرو بن أحمر الباهلي في وصف فلاة، وقبله: لا تفزع الأرنب أهوالها... وفيه ما في الشطر الثاني من الاستشهاد، (2) قائله مجهول، ومعناه واضح، (3) من رجز لرؤبة يصف حمار وحش يمنع إناثه من أن يقربها غيره، والبيت في سيبويه ج 1 ص 392، (4) من أرجوزة للعجاج، وهو في هذا البيت يصف حمار الوحش وقد هرب بإناثه، وكان يريد الماء فأبصر الصياد، وقبله: خلى الذنابات شمالا كثبا، والذنابات وأم أوعال موضعان، يعني أنه جعل هذين المكانين عن شماله قريبا منه بل أحدهما أقرب من الآخر، وهو في سيبويه ج 1 ص 392 (*)،

[ 327 ]

وقد يدخل في السعة على المرفوع نحو: أنا كأنت، وتجئ (ما) الكافة بعد الكاف، فيكون ل: كما، ثلاثة معان: أحدها: تشبيه مضمون جملة بمضمون أخرى، كما كانت قبل الكف لتشبيه المفرد بالمفرد، قال تعالى: (اجعل لنا آلهة كما لهم آلهة) 1، وقال: 821 - فإن الحمر من شر المطايا * كما الحبطات شر بني تميم 2 فلا يقتضي الكاف ما يتعلق به، لأن الجار إنما كان يطلب ذلك، لكون المجرور مفعولا، وذلك لأن حروف الجر موضوعة، كما ذكرنا، لأن تفضى بالفعل القاصر عن المفعول به، إليه، والمفعول به لا بد له من فعل أو معناه، فإذا لم تجر، فلا مفعول هناك حتى تطلب فعلا، ومعنى: كن كما أنت: كن في المستقبل كما أنت كائن الآن، فأنت: مبتدأ محذوف الخبر، فأنت تشبه الكون المطلوب منه، بالكون الحاصل له الآن، ومنه قوله عليه السلام: (كما تكونون يولى عليكم)، شبه التولية عليهم المكروهة، بكونهم المكروه، أي بحالتهم المكروهة، وثانيها: أن يكون (كما) بمعنى (لعل) حكى سيبويه عن العرب 3: انتظرني كما آتيك، أي لعلما آتيك، قال رؤبة: 822 - لا تشتم الناس كما لا تشتم 4


(1) الآية 138 سورة الأعراف، (2) من أبيات لزياد الأعجم، وقع فيها الأقواء، لأن قبله: واعلم أنني وأبا حميد * كما النشوان والرجل الحليم وروى ان الأبيات التي منها الشاهد وردت موقوفا عليها، (3) هذا في الكتاب ج 1 ص 459، (4) هو في سيبويه ج 1 ص 459 منسوب لرؤية (*)،

[ 328 ]

فيكون قد تغير معنى الكلمة بالتركيب، وذلك، كما يجئ (مما) بمعنى (ربما)، قال: 823 - وإني لمما أضرب الكبش ضربة * على رأسه تلقى اللسان من الفم 1 أي: ربما، وتقول: إني لمما أفعل، أي: ربما أفعل، وقال بعضهم: إن (بما) يجئ، أيضا بمعنى (ربما)، نحو: إني بما أفعل، أي ربما، وثالثها: أن تكون بمعنى قران الفعلين في الوجود، نحو: ادخل كما يسلم الامام، و: كما قام زيد قعد عمرو، وجوز الكوفية نصب المضارع بعد (كما) يعني (كيما)، على أن يكون أصله (كيما) فحذفت الياء تخفيفا، ولم يدفعوا الرفع، ولم يثبت البصرية، لا إفادة (كما) للتقليل، ولا نصب الفعل بعده، واستحسن المبرد القولين، وأنشد الكوفية: لا تظلموا الناس كما لا تظلموا 2 - 642 والبصرية ينشدونه على الأفراد، لا تظلم الناس كما لا تظلم، أي: لعلما ، وقد تكون (ما) بعد الكاف مصدرية، أيضا، نحو: كما تدين تدان، و: افعل كما أفعل، ويجوز أن يكون القسم الأول، أعني نحو: كن كما أنت، وقوله: (كمإ، تكونون يولى عليكم)، من هذا النوع، كما يجوز أن يكون هذا النوع من القسم الأول، أي: تكون (ما) كافة، وأما (ما) التي بعد (رب)، فمن قال إن (رب) حرف، فهي تكفها عن العمل،


(1) لأبي حية النميري، ويروى: وإنا لمما نضرب، وهو في سيبويه ج 1 ص 477 وقد جاء صدره في شعر للفرزدق، وتمامه: على رأسه والحرب قد لاح نورها، قال البغدادي: كأن أبا حية النميري ألم ببيت الفرزدق لأنه متأخر عنه، (2) هذا غير قوله: لا تشتم الناس.. المتقدم، وقد تقدم الذي هنا في نواصب المضارع، أول هذا الجزء (*)،

[ 329 ]

فلا تطلب متعلقا، كما ذكرنا في (كما)، وتبقى (رب) للتقليل، أي لتقليل النسبة التي في الجملة الواقعة بعدها، ومن قال انها اسم، فهي كافة له، أيضا، عن طلب المضاف إليه، و (ما) التي بعد كثر، وقل، وطال، نحو: فلما، وكثر ما، وطالما: إما كافة للفعل عن طلب الفاعل، وإما مصدرية، والمصدر فاعل الفعل، وقال بعضهم: هي في قوله: 824 - صدددت فأطولت الصدود وقلما * وصال على طول الصدود يدوم 1 زائدة، ووصال فاعل (قل)، وهي عند سيبويه كافة ووصال مبتدأ، قوله: (ومذ ومنذ إلى آخره)، قد مضى شرحه في الظروف المبنية 2، قوله: (حاشا وخلا وعدا للاستثناء)، مضى شرحها في باب الاستثناء 3، واعلم أنه إذا أمكن في كل حرف يتوهم خروجه عن أصله وكونه بمعنى كلمة أخرى. أو زيادته: أن يبقى على أصل معناه الموضوع هو له، ويضمن فعله المعدى به معنى من المعاني يستقيم به الكلام، فهو الأولى، بل الواجب، فلا نقول ان (على) بمعنى (من) في قوله تعالى تعالى: (إذا كالوا على الناس) 4، بل يضمن (كالوا) معنى تحكموا في الاكتيال وتسلطوا، ولا يحكم بزيادة (في)، في قوله: وان تعتذر بالمحل من ذي ضروعها * إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي 5 - 100 بل يضمن (يجرح) معنى يؤثر بالجرح، وقد مضى كثير من ذلك في أماكنه،


(1) من قصيدة للمرار الفقعسي، وهو في سيبويه: ج 1 ص 12، 459 منسوب لعمر بن أبي ربيعة، وقال الأعلم في شرحه انه للمرار الفقعسي، (2) في الجزء الثالث من هذا الشرح، (3) في الجزء الثاني من هذا الشرح، (4) الآية الثانية من سورة المطففين، (5) تقدم في الجزاء الأول، آخر باب المفعول به (*)،

[ 330 ]

(الحروف المشبهة بالفعل) (إن وأخواتها) (قال ابن الحاجب:) (الحروف المشبهة بالفعل: إن، وأن، وكأن، ولكن،) (وليت، ولعل، لها صدر الكلام سوى أن، فهي بعكسها،) (وتلحقها ما، فتلغى على الأفصح، وتدخل حينئذ على) (الأفعال)، (قال الرضي:) إنما سميت الحروف المذكورة: الحروف المشبهة بالفعل، بخلاف (ما)، لأنها تشبه (ليس) الذي هو فعل ناقص، وهذه تشبه الفعل التام المتصرف المتعدي، وأيضا، (ما) الحجازية، تشبه (ليس) معنى، لا لفظا، وهذه تشبه الأفعال المتعدية، معنى كما يجئ، ولفظا من حيث كونها على ثلاثة أحرف فصاعدا، وأما فتحة أواخرها، فإن لم نقل إنها لمشابهتها للأفعال، بل قلنا: إنها لاستثقالها بسبب تشديد الأواخر، والياء في (ليت)، فهي جهة أخري بها تشابه الماضي، فتعمل عمل الأفعال، وإن قلنا إنها 1 لمشابهة الفعل فلا تشابه بسببها الأفعال، لأنها تكون، إذن، بسبب المشابهة المتقدمة، فما أعطيت بعد المشابهة، لا يكون بعض جهات المشابهة،


(1) أي فتحة أواخر هذه الكلمات (*)،

[ 331 ]

وكذلك نون الوقاية، إن قلنا: إنها لحفظ فتحتها، فقط، كما تحفظ سكون (من)، و (عن)، فهي من جهات المشابهة، وإن قلنا: هي لأجل المشابهة، فلا، فلما شابهت الأفعال المتعدية معنى، لطلبها الجزأين مثلها، وشابهت مطلق الأفعال لفظا بما ذكرنا 1، كانت مشابهتها للأفعال أقوى من مشابهة (ما) الحجازية، فجعل عملها أقوى، بأن قدم منصوبها على مرفوعها، وذلك لأن عمل الفعل الطبيعي أن يرفع ثم ينصب، فعكسه عمل غير طبيعي، فهو تصرف في العمل، وقيل: قدم المنصوب على المرفوع قصدا إلى الفرق بينها وبين الأفعال التي هي أصلها من أول الأمر، أو تنبيها بجعل عملها فرعيا على كونها فروعا للفعل، وهاتان العلتان ثابتتان في (ما) الحجازية، ولم يقدم منصوبها على مرفوعها، فالعلة هي الأولى، ومشابهتها معنى لمطلق الفعل، من حيث إن: في: (إن، وأن) معنى حققت وأكدت، وفي (كأن) معنى: شبهت، قال الزجاج: هي للتشبيه إذا كان خبرها جامدا، نحو: كأن زيدا أسد، وللشك، إذا كان صفة مشتقة، نحو: كأنك قائم، لأن الخبر هو الاسم، والشئ لا يشبه بنفسه، والأولى أن يقال: هي للتشبيه أيضا، والمعنى: كأنك شخص قائم، حتى يتغاير الاسم والخبر حقيقة، فيصح تشبيه أحدهما بالآخر، إلا أنه لما حذف الموصوف، وأقيم الوصف مقامه، وجعل الاسم بسبب التشبيه كأنه الخبر بعينه، صار الضمير في الخبر يعود إلى الاسم لا إلى الموصوف المقدر، فلهذا تقول: كأني أمشي، وكأنك تمشي، والأصل: كأني رجل يمشي، وكأنك رجل يمشي، وقيل: هي للتحقيق في نحو: كأنك بالدنيا لم تكن، وكأنك بالآخرة لم تزل، وكأنك بالليل قد أقبل،


(1) وهو قوله من حيث كونها على ثلاثة أحرف.. الخ (*)،

[ 332 ]

وأبو علي 1 يعتقد في مثله: زيادة الاسم وحرف الجر، حتى تبقى (كأن) للتشبيه، أي: كأن الدنيا لم تكن، والأولى أن نقول ببقاء (كأن) على معنى التشبيه، وألا نحكم بزيادة شئ، ونقول: التقدير: كأنك تبصر بالدنيا، أي تشاهدها، من قوله تعالى: (فبصرت به عن جنب) 2، والجملة بعد المجرور بالباء: حال، أي: كأنك تبصر بالدنيا وتشاهدها غير كائنة، ألا ترى إلى قولهم: كأني بالليل وقد أقبل، وكأني بزيد وهو ملك، والباء لا تدخل الجمل إلا إذا كانت أخبارا لهذه الحروف، وفي (لكن) معنى استدركت، ومعنى الاستدراك: رفع توهم يتولد من الكلام السابق، رفعا شبيها بالاستثناء، ومن ثم قدر الاستثناء المنقطع بلكن، فإذا قلت: جاءني زيد، فكأنه توهم أن عمرا جاءك لما بينهما من الألفة، فرفعت ذلك التوهم بقولك: لكن عمرا لم يجئ، وفي (ليت) معنى تمنيت، وفي (لعل) معنى ترجيت، وماهية التمني غير ماهية الترجي، لا أن الفرق بينهما من جهة واحدة، وهي استعمال التمني في الممكن والمحال، واختصاص الترجي بالممكن، وذلك لأن ماهية التمني: محبة حصول الشئ، سواء كنت تنتظره وترتقب حصوله أو، لا، والترجي: ارتقاب: الطمع والأشفاق فالطمع: ارتقاب شئ محبوب، نحو: لعلك تعطينا، والأشفاق: ارتقاب المكروه، نحو: لعلك تموت الساعة، وقد اضطرب كلامهم في (لعل) الواقعة في كلامه تعالى، لاستحالة ترقب غير الموثوق بحصوله، عليه، تعالى،


(1) أي الفارسي وتكرر ذكره، (2) من الآية 11 في سورة القصص (*)،

[ 333 ]

فقال قطرب 1 وأبو علي، معناها التعليل، فمعنى: (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) 2، أي: لتفلحوا 3، ولا يستقيم ذلك في قوله تعالى: (وما يدريك لعل الساعة قريب) 4، إذ لا معنى فيه للتعليل، وقال بعضهم: هي لتحقيق مضمون الجملة التي بعدها، ولا يطرد ذلك في قوله تعالى: (.. لعله يتذكر أو يخشى) 5، إذ لم يحصل من فرعون تذكر، وأما قوله تعالى: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل) 6، فتوبة يأس لا معنى تحتها، ولو كان تذكرا حقيقيا لقبل منه، والحق ما قاله سيبويه، وهو أن الرجاء أو الأشفاق، يتعلق بالمخاطبين، وإنما ذلك لأن الأصل ألا تخرج الكلمة عن معناها بالكلية، فلعل، منه تعالى: حمل لنا على أن نرجو أو نشفق، كما أن (أو) المفيدة للشك، إذا وقعت في كلامه تعالى، كانت للتشكيك أو الأبهام، لا للشك، تعالى الله عنه، وقيل: ان لعل، تجئ للاستفهام، تقول: لعل زيدا قائم، أي هل هو كذلك، وأخبار هذه الحروف، عند الكوفيين، مرتفعة بما ارتفعت به في حال الابتداء،


(1) محمد بن المستنير تلميذ سيبويه، وتقدم ذكره، (2) من الآية 77 في سورة الحج، (3) في النسخة المطبوعة: لترحموا، وهو مترتب على أنه ذكر آخر الآية لعلكم ترحمون، وفي القرآن كثير من نحو لعلكم ترحمون، ولعلكم تتقون، ولكن لم يرد بعد: وافعلوا الخير، الا: لعلكم تفلحون، فتصحيح بعد أي: تابع لتصحيح الآية، (4) من الآية 17 في سورة الشورى، (5) الآية 44 سورة طه، (6) الآية 90 سورة يونس (*)،

[ 334 ]

وكذا خبر (لا) التبرئة 1، ومذهب البصريين: عمل الحروف في المبتدأ والخبر معا، لطلبها لهما معا، ويجوز، عند الفراء، نصب الجزأين بليت، نحو: ليت زيدا قائما، لأنه بمعنى: تمنيت، ومفعوله: مضمون الخبر مضاا إلى الاسم، أي: تمنيت قيام زيد، فنصبت الجزأين، كما ذكرنا في علة نصب أفعال القلوب لهما، ومن ثم جاز: ليت أن زيدا قائم، كما جاز: علمت أن زيدا قائم، فهي، عنده، كأفعال القلوب في العمل، سواء 2، واستشهد الفراء بقوله: 825 - يا ليت أيام الصبا رواجعا 3 والبصريون يحملون (رواجعا) على الحالية، وعامله: خبر (ليت) المحذوف، أي: يا ليت أيام الصبا لنا، رواجع، والكسائي، يقدر (كان)، أي: يا ليت أيام الصبا كانت رواجع، وهو ضعيف، لأن (كان) و (يكون)، لا يضمران إلا فيما اشتهر استعمالهما فيه، فتكون الشهرة دليلا عليهما، كما في قولهم: إن خيرا فخير 4، ويجوز عند بعض أصحاب الفراء: نصب الجزأين بالخمسة الباقية، أيضا، كما رووا عنه عليه الصلاة والسلام: (إن قعر جهنم لسبعين خريفا)، وأنشدوا:


(1) أي: النافية للجنس وبينا وجه هذه التسمية في بابها، (2) أي هما سواء على ما اختاره الرضي، (3) من الشواهد المجهولة القائل، وهو في سيبويه ج 1 ص 284، (4) تقدم شرحه وبيان ما فيه من أوجه الأعراب في باب خبر كان، في الجزء الثاني (*)،

[ 335 ]

826 - كأن أذنيه إذا تشوفا * قادمة أو قلما محرفا 1 وذلك ان اسم (كأن) مشبه، وخبره مشبه به، فهما مفعولان لشبهت: الأول مفعول بلا جار، والثاني مفعول بحرف جر، وليس ما قالوا بمشهور، وقد رد على هذا الشاعر وقت إنشاده هذا البيت، وقال الممدوح 2: الصواب: تحسب أذنيه إذا تشوفا قادمة...، فنقول: ان (ليت) متضمنة معنى الفعل، بخلاف أفعال القلوب، فإنها أفعال صريحة، فلا تصل بهذا التضمن الضعيف مرتبة نصب الجزأين، بدلالة كون مضمونها مفعول فعل تضمنه (ليت)، وأما نحو قوله: 827 - يا ليت أني وسبيعا في غنم * والخرج منها فوق كراز أجم 3 فأن، مع اسمها وخبرها مغنية عن المعمولين، لا أنها مفعول تمنيت، وينبغي، على ما ذهب إليه الأخفش في نحو: علمت أن زيدا قائم، من تقدير المفعول الثاني: أن يقدر، أيضا، ههنا، خبر (ليت)، والاعتراض كالاعتراض، وأجاز الأخفش قياس (لعل)، في مجئ (أن) المفتوحة بعدها على: (ليت)، نحو: لعل أن زيدا قائم، ولم يثبت،


(1) من رجز منسوب إلى العماني، محمد بن ذؤيب، ونسبه بعضهم إلى أبي نخيلة السعدي والصواب أنه لمحمد بن ذؤيب العماني نسبة إلى عمان بضم العين وتخفيف الميم، (2) الممدوح هو الرشيد العباسي، قالوا: ان الحاضرين أدركوا أنه أخطأ ولم يصلحه إلا الرشيد، (3) رواه ابن السكيت في إصلاح المنطق، وسبيع بصيغة التصغير اسم رجل، والأجم الكبش الذي لا قرون له، ويختارونه لحمل خرج الراعي حتى: لا يشتغل بالنطاح، والراعي يضع خرجه فوق ظهره فيسمونه الكراز أي حامل الكرز، (*)

[ 336 ]

وأما نصب باقي أخوات (ليت) للجزأين، فمنوع، والمروي: إن قعر جهنم لسبعون خريفا، وأما قوله: كأن أذنية... البيت، فقد ذكرنا أنه مخطئ فيه، قوله: (لها صدر الكلام)، كل ما يغير معنى الكلام ويؤثر في مضمونه وكان حرفا، فمرتبته الصدر، كحروف النفي، وأما (لا) و (لم) و (لن) فقد مر في المنصوب على شريطة التفسير 1: علة جواز توسطها، وكحروف التنبية، والاستفهام، والتشبيه، والتحضيض والعرض وغير ذلك، وأما الأفعال، كأفعال القلوب، والأفعال الناقصة، فإنها، وإن أثرت في مضمون الجملة، فلم تلزم الصدر، إجراء لها مجرى سائر الأفعال، وإنما لزم تصدير المغير، الدال على قسم من أقسام الكلام 2، ليبني السامع ذلك الكلام من أول الأمر، على ما قصد المتكلم، إذ لو جوزنا تأخير ذلك المغير فأخر، والواجب على السامع حمل الكلام الخالي عن المغير من أول الأمر على كون مضمونه خاليا عن جميع المغيرات، لتردد ذهنه في أن هذا التغيير راجع إلى الكلام المتقدم الذي حمله على أنه خال عن جميع المغيرات، أو أن المتكلم يذكر بعد ذلك المغير كلاما آخر يؤثر فيه ذلك المغير، فيبقى في حيرة، وكل واحدة من هذه الأحرف تدل على قسم من أقسام الكلام، بخلاف 3 (ان) المكسورة، فإنها تؤكد معنى الجملة فقط، والتوكيد: تقوية الثابت، لا تغيير للمعنى، إلا أنها، مع ذلك حرف ابتداء، كاللام، فلذلك وجب تصديرها كاللام، وأما (أن) المفتوحة، فلكونها مع جزأيها في تأويل المفرد لكونها مصدرية، وجب وقوعها مواقع المفردات، كالفاعل والمفعول وخبر المبتدأ، والمضاف إليه، ولأ، تتصدر، وإن كانت في مقام المبتدأ الذي حقه الصدر، لما ذكرنا في باب المبتدأ،


(1) في الجزء من هذا الشرح، (2) يعني أن الحرف الذي يغير معنى الكلام، هو قسم من أقسام الكلام، لأنه كلمة، (3) قوله بخلاف يرجع إلى تغيير معنى الكلام، وليس راجعا إلى كون (أن) من أقسام الكلام (*)،

[ 337 ]

فليت، ولعل، وكأن، وأن المفتوحة، لا تدخل على مبتدأ في خبره معنى الطلب، سواء كان ذلك الخبر مفردا أو جملة، أما (ليت ولعل)، فلأنهما لطلب مضمون الخبر، فلا يتوجه إلى ذلك المضمون طلب آخر، إذ لا يجتمع طلبان على مطلوب واحد، وأما (كأن)، فلأن خبرها، أبدا، مفرد، لأنه مشبه به، كما ذكرنا، وهو إما ذات مذكورة شبه بها الاسم، نحو: كأن زيدا أسد، أو مقدرة، قامت الصفة مقامها نحو: كأنك قائم، وكأنك قمت أو تقوم، أو عندك، أو في الدار، كمإ، ذكرنا، والمفرد المتضمن لمعنى الطلب في كلامهم: اسم الاستفهام فقط، فلو كان خبرها اسم الاستفهام لوجب تقديمه عليها، فتسقط، إذن، عن مرتبة التصدر الواجب لها، والصفة القائمة مقام ذلك الخبر المفرد لا تكون إلا خبرية، لأن النعت، كما مر في بابه، لا يكون طلبيا، ومن ثم أول نحو قوله: جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط 1 - 94 وأما (أن) المفتوحة، فلأن وضعها لتكون مع جزأيها في تأويل المصدر، والمصدر لا طلب فيه، فتبين بهذا أن (أن) في نحو قولك: أمرته أن قم، لا يجوز أن تكون مصدرية، على ما أجاز سيبويه، وأبو علي، كما تقدم في نواصب المضارع 2، وأما (إن، ولكن)، فلا يمكن كون خبرهما مفردا متضمنا لمعنى الطلب لما مر في (كأن)، وأما الجملة الطلبية، كالأمر والنهي والدعاء، والجملة المصدرة بحرف الاستفهام


(1) تكرر ذكره، وقد صار ذكره عنوانا على إضمار القول في مثله، (2) في أوائل هذا الجزء (*)،

[ 338 ]

والعرض والتمني ونحو ذلك، فلا أرى منعا من وقوعها خبرا لهما، كما في خبر المبتدأ، وإن كان قليلا، نحو: أن زيدا لا تضربه، وإنك لا مرحبا بك، وإن زيدا هل ضربته، واضرب زيدا ولكن عمرا لا تضربه، وقال: 828 - ولو أرادت لقالت وهي صادقة * ان الرياضة لا تنصبك للشيب 1 قوله: وتلحقها (ما) فتلغى على الأفصح)، إذا دخلت (ما) على (ليت) جاز أن تعمل، وأن تلغى، وروي قوله: 829 - قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا * إلى حمامتنا أو نصفه فقد 2 رفعا، ونصبا، والألغاء أكثر، لأنها تخرج بما، عن الاختصاص بالجملة الاسمية، فالأولى ألا تعمل، كما تقدم في (ما) الحجازية، وإذا أهملت فما، كافة، ومذهب الجمهور أن (ما) الكافة حرف، وقال ابن درستويه 3: انها نكرة مبهمة بمنزلة ضمير الشأن، فتكون اسما والجملة بعدها خبرها، وإذا أعلمت، فما، زائدة حرفية، كما في قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم) 4، وروى أبو الحسن 5 وحده في: إنما وأنما: الأعمال والألغاء، والأعمال قليل فيهما


(1) من قصيدة للجميع الأسدي يذكر قبله أن رجلا حرض امرأته على الاضرار به فقال ولو أرادت وروي ولو أصابت، لنصحت هذا الذي يحرضها بأن يترك الشيب ولا يفكر في رياضتهم وتهذيبهم لأن لهم من التجارب ما يغنيهم عن نصح غيرهم لهم، (2) هو من معلقة النابغة اذبياني وهو يشير إلى ما يرونه عن زرقاء اليمامة حيث رأت سربا من الحمام كان عدده ستا وستين حمامة فقالت هذا، ولذلك قال النابغة بعد ذلك، فحسبوه فألفوه كما ذكرت * ستا وستين لم تنقص ولم تزد (3) تقدم ذكره في هذا الجزء وفي الأجزاء السابقة، (4) الآية 159 سورة آل عمران، (5) المراد الأخفش الأوسط: سويد بن مسعدة، وكنيته أبو الحسن، (*)

[ 339 ]

لضعف معنى الفعل فيهما، لأن التأكيد الذي هو معناهما: تقوية للثابت، لا معنى آخر متجدد، وعدم سماع الأعمال في: كأنما، ولعلما، ولكنما، وقياسها في الاعمال على: ليتما، سائغ عند الكسائي وأكثر النجاة، إذ لا فرق بينها وبين ليتما، وإذا سمع في: إنما مع ضعف معنى الفعل فيها، فما ظنك بهذه الحروف، لكن الألغاء أولى بالاتفاق، لعدم السماع وفوات الاختصاص بسبب (ما)،

[ 340 ]

(تفصيل أحكام) (هذه الحروف) (إن وأن) (قال ابن الحاجب:) (فإن، لا تغير معنى الجملة، وأن مع صلتها في حكم) (المفرد، ومن ثم وجب الكسر في موضع الجمل، والفتح) (في موضع المفرد، فكسرت ابتداء، وبعد القول، وبعد) (الموصول، وفتحت فاعلة ومفعولة ومبتدأة، ومضافا إليها) (وقالوا: لو لا أنك، لأنه مبتدأ، ولو أنك، لأنه فاعل، فإن) (جاز التقدير ان، جاز الأمران، مثل من يكرمني فإني أكرمه) (و: إذا أنه عبد القفا واللهازم وشبهه، ولذلك جاز العطف) (على اسم المكسورة لفظا أو حكما، بالرفع، دون المفتوحة،) (مثل: ان زيدا قائم وعمرو، ويشترط معنى الخبر لفظا) (أو تقديرا، خلافا للكوفيين، ولا أثر لكونه مبنيا، خلافا) (للمبرد والكسائي في مثل: انك وزيد ذاهبان ولكن،) (كذلك، ولذلك دخلت اللام مع المكسورة، دونها، على) (الخبر، أو على الاسم إذا فصل بينه وبينها، أو على ما بينهما،) (وفي لكن، ضعيف، وتخفف المكسورة، فتلزمها اللام،) (ويجوز إلغاؤها ويجوز دخولها على فعل أفعال المبتدأ،) (خلافا للكوفيين في التعميم، وتخفف المفتوحة فتعمل في)

[ 341 ]

(ضمير شأن مقدر فتدخل على الجمل مطلقا، وشذ إعمالها) (في غيره، ويلزمها مع الفعل: السين أو سوف، أو قد،) (أو حرف النفي)، (قال الرضي:) قوله: (فإن، لا تغير معنى الجملة)، أخذ في تفصيل معاني الحروف الستة، فإن، موضوعة لتأكيد معنى الجملة فقط، غير مغيرة لها، وأن المفتوحة موضوعة لتكون بتأويل مصدر خبرها مضافا إلى اسمها، فمعنى، بلغني أن زيدا قائم: بلغني قيام زيد، وكذا إن كان الخبر جامدا، نحو بلغني أنك زيد، أي: زيديتك، فإن ياء النسب إذا لحقت آخر الاسم وبعدها التاء أفادت معنى الصدر 1، نحو: الفرسية، والضاربية والمضروبية، وكذا بلغني أن زيدا في الدار، أي: حصول زيد في الدار، لأن الخبر في الحقيقة: حاصل المقدر، قوله: (ومن ثم وجب الكسر)، أي من جهة عدم تغيير المسكورة لمعنى الجملة، وتغيير المفتوحة لمعناها إلى المفرد، قوله: (فكسرت ابتداء) أي مبتدأ بها، سواء كان في أول كلام المتكلم نحو: إن زيدا قائم، أو كان في وسط كلام، لكنه ابتداء كلام آخر، نحو: أكرم زيدا، إنه فاضل، فقولك: إنه فاضل، كلام مستأنف، وقع علة لما تقدمه، ومنه قوله تعالى: (ولا يحزنك قولهم، إن العزة لله جميعا) 2، وكذا تكسر بعد القول، إذا قصدت به الحكاية، لا الاعتقاد، الشامل للعلم، والظن، فإنها تفتح، إدن، كما تفتح بعد الظن والعلم، وإنما كسرتها بعد القول بمعنى الحكاية، لأنه ابتداء الكلام المحكي، وكسرت


(1) ويسمونه المصدر الصناعي، وهو قليل في الكلام العربي القديم، مثل: الجاهلية، (2) الآية 65 سورة يونس (*)،

[ 342 ]

بعد الموصول لأن الصلة لا تكون إلا جملة، نحو: أكرمت الذي انه فاضل، قال تعالى: (.. ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة) 1، وكذا كسرت في جواب القسم، لأنه جملة لا محالة، نحو: بالله إنك قائم، وقد تفتح (ان) في جواب القسم عند المبرد والكوفيين، إذا لم يكن في خبرها اللام، ولعل ذلك لتأويلهم لها بالمفرد، أي أقسمت بالله على قيامك، وفيه بعد، إذ لا يقع المفرد الصريح جوابا للقسم، وتكسر أيضا، إذا كانت حالا، نحو: لقيتك وإنك لراكب، قال تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام) 2، لأن الجملة تقع حالا، ولا دليل على كونها في تأويل المفرد، كما مر، فإن قلت: أفتحها لتكون بتأويل المصدر، فإن المصدر أيضا، يقع حالا، قلت: ذلك إذا كان صريح المصدر، لا المؤول به، وتكسر، أيضا، إذا كانت في موضع خبر عن اسم عين، نحو: زيد إنه قائم، وكان عمرو إنه قائم، إذ لا دليل على أن الجملة إذا كانت خبر للمبتدأ، في تأويل المفرد، وأما إذا كان المبتدأ حدثا، جاز 3 فتح (ان) في الخبر، نحو: مأمولي انك قائم، وتكسر أيضا إذا دخلت في مبتدأ، في خبره لام الابتداء، فإنها لا تجامع إلا المكسورة، لأن وضع لام الابتداء لتأكيد مضمون الجملة، كإن المكسورة، فهما سواء في المعنى، قوله: (وفتحت فاعلة)، نحو: بلغني أنك قائم، لأن الفاعل لا يكون إلا مفردا، وكذا المفعول به نحو: علمت أنك قائم، أي: علمت قيامك، وكذا المبتدأ، نحو: عندي أنك قائم، وكذا المضاف إليه، نحو: فعلت هذا كراهية أنك قائم، وكذا المجرور


(1) من الآية 76 سورة القصص، (2) من الآية 20 سورة الفرقان، (3) هذا الاستعمال في كلام الرضي، حيث يجوز جواب أما من الفاء وكان أسهل عليه أن يقول: وان كان المبتدأ حدثا: جاز.. الخ (*)

[ 343 ]

بحرف الجر، نحو: عجبت من أنك قائم، قوله: (وقالوا لو لا أنك)، هو جواب سؤال مقدر، وهو: أن لو لا تدخل على الجملة الاسمية فوجب كسر (إن)، فأجاب بأن الجملة بعدها لا يجوز إظهار جزأيها، كما تقدم في باب المبتدأ، بل يجب حذف الخبر، فلو كسرنا (ان)، لكان خبر الاسمية ظاهرا غير مقدر، ولا يجوز، ففتحناها لتكون (أن) مع جزأيها في مواضع المبتدأ، والخبر محذوف، وأما على مذهب الفراء، ومذهب الكسائي في رفع الاسم الواقع بعد (لو لا) كما ذكرنا في باب المبتدأ، ففتح (أن) ظاهر 1، قوله: (ولو أنك، لأنه فاعل)، يعني أن (لو) حرف شرط، فلا بد من دخولها على الفعل، فلو كسرنا (ان)، لكانت داخلة على الاسمية، ولا يجوز 2، ففتحناها لتكون مع ما في حيزها فاعل فعل مقدر، وهو ثبت، كما مر في باب الفاعل 3، وسيجئ في حروف الشرط، وكذا يلزم فتحها بعد (ما) التوقيتية، نحو: اجلس ما أن زيدا قائم، لأنها لا تدخل إلا على الفعل، وذلك أنها مصدرية، ويندر دخولها على الاسمية، كما يجئ فالتقدير: ما ثبت أن زيدا قائم، كما في: لو أنك قمت، سواء 4، قوله: (فإن جاز التقدير ان)، أي تقدير الجملة وتقدير المفرد، جاز الأمران، أي فتح (أن) وكسرها، وذلك في مواضع: بعد فاء الجزاء، نحو: من يكرمني فإني أكرمه، الكسر بتأويل فأنا أكرمه، والفتح


(1) انظر تفصيل ذلك في الجزء الأول، من آخر باب المبتدأ أو الخبر، (2) يعني: وذلك لا يجوز، (3) في الجزء الأول، (4) أي هما سواء على ما اختاره الرضي في مثل ذلك (*)،

[ 344 ]

على أن (أن) مع ما في حيزها مبتدأ محذوف الخبر، أي: فإكرامي له ثابت، وكذا بعد (إذا) المفاجأة، كقوله: 830 - وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا * إذا انه عبد القفا واللهازم 1 أي: انه عبد قفاه، أي لئيم القفا، يعني (صفعان) 2، واللهزمتان: عظمان ناتئان في اللحيين تحت الأذنيين، جمعهما الشاعر بما حولهما، كقولك: جبت مذاكيره، فالكسر على تأويل: إذا هو عبد القفا، والفتح على تأويل: فإذا عبودية قفاه ثابتة، وكذا إذا وليت (إن): الواو، بعد قولك (هذا) أو (ذاك) تقريرا للكلام السابق،. قال تعالى: (ذلكم وأن الله موهن) 3، فذلكم خبر مبتدأ محذوف، و (ان) عطف على هذا الخبر، أي: الأمر ذلك، والأمر أيضا أن الله موهن، وإن كسرت، فعلى عطف (إن) مع جزأيها على الجملة المتقدمة المحذوف أحد جزأيها، قال: 831 - إني إذا خفيت نار لمرملة * ألفى بأرفع تل رافعا ناري 4 ذاك، وإني على جاري لذو حدب * أحنو عليه بما يحنى على الجار فهو مثل قوله تعالى: (ذلك، ومن عاقب..) 5 الآية، فالجملة الاسمية في الآية عطف على الجملة المتقدمة،


(1) من الأبيات التي لم يعرف لها قائل، وهو من سيبويه ج 472 1، ولذلك لا يعرف من المراد بزيد، وقد شرح الرضي بقية ألفاظ البيت، وفي العيني: أن قوله عبد اللهازم كناية عن أنه عبد بطنه، (2) في اللسان: رجل مصفعاني، أي يصفعه الناس، وفي تاج العروس: وكذلك رجل صفعان، ثم نقل عن الجوهري أن الصفع كلمة مولدة، (3) الآية 18 سورة الأنفال، (4) المراد بالمرملة بضم الميم الأولى وكسر الثانية: الجماعة التي نفد زادها كأنه مأخوذ من الرمل، كما يقال ترب الرجل أي افتقر بمعنى لصقت يده بالتراب والبيتان منسوبان إلى الأحوص الأنصاري، وهما في سيبويه ج 1 ص 463 وقبلهما قوله: عودت قومي إذا ما الضيف نبهني * عقر العشار على عسري وإيساري (5) الآية 60 سورة الحج (*)،

[ 345 ]

وكذا إذا وليت نحو: أول قولي، وأول كلامي.. فالفتح على أن (قولي) مصدر مضاف إلى فاعله، وليس بمعنى المقول، والتقدير: أول قولي أي أقوالي: حمد الله، فلم يجمع لأن المصدر لا يجمع إلا مع قصد الاختلاف، فيكون قد أخبر بالمصدر عن المصدر، والكسر على أن (قولي) بمعنى (مقولي) أي أول مقولاتي، فلم يجمع مع أنه بمعنى المفعول، مراعاة لأصل المصدر، والمعنى: أول مقولاتي هذا المقول وهذا الكلام وهو: إني أحمد الله، فيكون قد قال كلاما أوله إني أحمد الله، ثم أخبر عن ذلك، كما تقول في أول السورة: (بسم الله الرحمن الرحيم) 1، وقال عليه الصلاة والسلام (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله)، ولا يكون قوله: إني أحمد الله، معمولا للفظة قولي، كيف، وليس هو بمعنى المصدر بل بمعنى المقول، فهو كقولك: مضروبي زيد، فزيد مضروب من حيث المعنى، وليس معمولا لمضروبي، وقال أبو علي 2: قولي مصدر مضاف إلى الفاعل، و: إني أحمد الله، بالكسر مفعوله، وخبر المبتدأ محذوف، أي: أول قولي ونطقي بهذا الكلام: ثابت، ورده المصنف أحسن رد، وذلك أن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه، فيكون لنطقه بهذا الكلام أجزاء: أول ووسط وآخر، والجزء الأول باعتبار كلماته الثلاث: تلفظه بلفظ (إني)، وباعتبار الحروف: تلفظه بهمزة (إني)، فيكون المعنى: إذا صرحنا به: تلفظي باني، أو بهمزة اني: ثابت، وهو خلف من الكلام، وغير مقصود به للمتكلم، ويجوز الوجهان بعد (أما)، فإن فتحت (فأما فتحت، فأما بمعنى: حقا، تقول: أحقا أنك قائم، فأن، فاعل، أي: أحق ذلك حقا، أو نقول: حقا، في معنى الظرف، أي:


(1) البسملة جزء من الآية 30 في سورة النمل بالاتفاق وفي أوائل السور مختلف فيها، (2) أي الفارسي وتكرر ذكره (*)،

[ 346 ]

أفي حق، فيكون، (أن) اما فاعلا أو مبتدأ، على المذهبين، كما مر في باب المبتدأ، قال: 832 - ألا أبلغ بني خلف رسولا * أحقا أن أخطلكم هجاني 1 ودليل كونه في معنى الظرف قوله: 833 - أفي حق مواساتي أخاكم * بما لي ثم يظلمني السريس 2 فهو كقوله: أحقا بني أبناء سلمى بن جندل * تهددكم إياي وسط المجالس 3 - 64 وإن كسرت، فأما، حرف استفتاح، كألا، تقول: أما إنك قائم، قال تعالى: (ألا إن عادا كفروا ربهم) 4، وتقول أيضا، أما والله أنه ذاهب، أي: أفي حق والله أنه ذاهب، أي ذهابه، و: أما والله انه ذاهب كأنك قلت ألا إنه والله ذاهب، و (حتى) إن كانت ابتدائية، وجب كسر (إن) بعدها، وإن كانت جارة، أو عاطفة للمفرد فالفتح، نحو: عرفت أمورك حتى أنك صالح، وعجبت من أحوالك حتى أنك تفاخر، ولا يجوز كسر (ان) بعد مذ، ومنذ، وإن جاز وقوع الجملة والمفرد بعدهما نحو: ما لقيتك مذ زيد قائم ومذ قيام زيد، رفعا وجرا، لأن الجملة بعدهما مضاف إليها، كما


(1) بنو خلف هم رهط الأخطل التغلبي، وكانت بينه وبين النابغة الجعدي مهاجاة، فقال النابغة فيه ذلك،. كأنه يقول: انه لا يصدق إقدام الأخطل على هجائه، (2) لأبي زبيد الطائي، والسريس معناه الضعيف، أو الرجل الذي لم تكتمل رجولته، وفسره بعضهم بالعنين، وهو يعاتب أخواله بني تغلب الذين ظلموه ولم يردوا إليه ما أخذوه منه وبعده: فما أنا بالضعيف فتظلموني * ولا حظي اللقاء ولا الخسيس: اللقاء القليل، (3) تقدم الاستشهاد به في باب المبتدأ والخبر في الجزء الأول، (4) الآية 60 سورة هود (*)،

[ 347 ]

مر، في باب الظروف المبنية 1،. والغالب بعد (لاجرم): الفتح، قال تعالى: (لا جرم أن لهم النار) 2، فلا، إما رد للكلام السابق، على ما هو مذهب الخليل، أو زائدة، كما في: لا أقسم، لأن في جرم معنى القسم، وجرم، فعل ماض عند سيبويه والخليل 3، وقال سيبويه، معنى جرم: حق، فأن فاعله، واستشهد بقوله: 834 - ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا 4 برفع فزارة، وأن يغضبوا: بدل اشتمال منها، أي: حق غضب فزارة بعدها، وقال الفراء: بل الرواية: جرمت فزارة، بنصب فزارة، أي: كسبت الطعنة فزارة الغضب، أي: جرمت لهم الغضب، كقوله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم..) 5، أي: لا يجر من لكم، وبمثله فسر بعضهم الآية، أي: جرم كفرهم: أن لهم النار، فأن مفعول جرم، وقال الفراء: هي، أي لا جرم، كلمة كانت في الأصل بمعنى: لابد، ولا محالة، لأنه يروى عن العرب: لاجرم، والفعل والفعل 6، يشتركان في المصادر، كالرشد والرشد، والبخل والبخل، والجرم: القطع، أي: لا قطع من هذا، كما أن: لابد، بمعنى: لا قطع، فكثرت وجرت على ذلك حتى صارت بمعنى القسم للتأكيد الذي فيها، فلذلك تجاب بما يجاب به القسم فيقال: لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحسنت، ولا


(1) في الجزء الثالث، (2) من الآية 62 في سورة النحل، (3) تفصيل الكلام على: لاجرم في سيبويه ج 1 ص 469 وفيه الشاهد الآتي. (4) في سيبويه ج 1 ص 469 نسبة للغزاري، ولم يزد الأعلم على أن قال: انه لرجل من فزارة، ولم يعرف المراد من قوله: أبا عيينة، (5) في الآيتين: 2، 8 من سورة المائدة، (6) يعني المصدرين اللذين على هذين الورقتين (*)،

[ 348 ]

جرم انك قائم، فمن فتح، فللنظر إلى أصل: لا جرم، كما تقول: لابد أن تفعل كذا، ولا محالة أنك تفعل كذا، أي من أن تفعل، ومن أنك تفعل، ومن كسر، فللمعنى العارض في لا جرم 1، وحكى الكوفيون فيها عن العرب وجوها من التغيير: لاجر، بإسقاط الميم، و: لا ذا جرم، بزيادة (ذا)، و: لا ذا جر، بغير ميم، و: لا أن ذا جرم، و: لا عن ذا جرم، وأن: زائدة، وعين (عن) بدل من الهمزة كما في قوله: 835 - أعن ترسمت من خرقاء منزلة * ماء الصبابة من عينيك مسجوم 2 وتقول: شد ما أنك ذاهب، وعز ما أنك قائم، بالفتح، فشد، وعز، فعلان مكفوفان بما، كقلما، وطالما، وهما بمعنى (حقا)، فمعنى شد ما أنك قائم: حقا أنك قائم، أي: في حق، الا أن (في) لا تدخل على: شد، وعز، لكونهما في الأصل فعلين، ويجوز أن يكون (ما) اسما معرفة تامة، كما هو مذهب سيبويه 3 في: نعما صنيعك، وبئسما عملك، أي: نعم الصنيع صنيعك، وبئس العمل عملك، وقد ذكرنا أن جميع باب فعل مضموم العين، يجوز استعماله استعمال نعم وبئس، وتقول: زيد فاسق، كما أن عمرا صالح، ليس (ما) ههنا كافة، كمإ كانت في قولك: زيد صديقي، كما عمرو أخي، ولو كانت كافة، لوجب كسر (ان)، ولا يجوز إلا الفتح، فقال الخليل: (ما) زائدة، و (أن) مجرور بالكاف، ودليل زيادتها قولهم: هذا حق مثل ما أنك ههنا، لكنهم ألزموا الكاف مع أن، هذه الزيادة، كراهة أن يجئ لفظها مثل (كأن)،


(1) المراد: ما عرض لها من استعمالها استعمال القسم، (2) مطلع قصيدة لذي الرمة، وخرقاء، لقب كان يطلقه على مي التي يذكرها في قصائده، ومسجوم أي منسكب، والمراد بماء الصبابة: الدمع، (3) وهو أن (ما) معرفة تامة، وتقدم ذلك في باب أفعال المدح والذم (*)،

[ 349 ]

ومعنى زيد فاسق كما أن عمرا صالح: أي هذا صحيح كصحة ذاك، وتقول: حقا أنك ذاهب، وجهد رأيي أنك قائم، بالفتح لا غير، لأن المعنى: في حق، وفي جهد رأيي، وإذا جئت بأما فقلت: أما حقا فإنك ذاهب، وأما جهد رأيي فإنك قائم، فالكسر هو الوجه، لأنك لم تضطر مع (أما) إلى جعل الظرفين خبرين لأن، كما كنت مضطرا إليه من دون أما، وذلك لأن معمول ما في حيز (إن) يتقدم عليها مع (أما)، لما يجئ في حروف الشرط، نحو: أما يوم الجمعة فإنك سائر، وأما زيدا فإنك ضارب ولا يتقدم عليها من دون (أما)، فاضطررت إلى فتح (أن) وجعل الظرف المتقدم خبرا، قال سيبويه 1: يجوز: أما في رأيي فأنك ذاهب بالفتح، والوجه الكسر، لأنك غير مضطر إلى فتحها، وتقول: أما في الدار فإنك قائم بالكسر، إذا قصدت أن قيام المخاطب حاصل في الدار، وأما إن أردت أن: في الدار هذا الحديث وهذا الخبر فإنه يجب الفتح، والتعريف 2 المذكور، أعني: الفتح في مواضع المفردات، والكسر في مظان الجمل، أولى من تعريف أبي علي: (كل موضع يصلح للاسم والفعل فالكسر، وكل موضع تعين لأحدهما فالفتح)، لأن ما بعد فاء الجزاء يجوز فيه الفعل والاسم، كقوله تعالى: (ومن عاد فينتقم الله منه) 3، ولا يتعين الكسر فيه، وأيضا، ما بعد إذا المفاجأة، يتعين للاسم ولم يتعين فيه الفتح،


(1) في الكتاب، ج 1 ص 469، وفي هشذا الموضع من الكتاب كثير مما ذكره الشارح هنا، (2) يقصد الضابط الذي تعرف به مواضع كل من الفتح والكسر، (3) الآية 95 سورة المائدة (*).

[ 350 ]

(العطف على اسم ان) (وأخواتها) قوله: (ولذلك جاز العطف.. إلى آخره)، يعني: ولأجل أن (إن) المكسورة لا تغير معنى الجمل، كان اسمها المنصوب في محل الرفع، لأنهإ، كالعدم، إذ فائدتها التأكيد فقط، فجاز العطف على محل ذلك الاسم بالرفع، ثم اعلم أنه تختلف عبارتهم في ذلك، يقول بعضهم، كما قال المصنف: يعطف على اسم (إن) المكسورة بالرفع، وبعضهم يقول: على موضع (ان) مع اسمها، كما قال الجزولي 1، وكأن الأول نظر إلى أن الاسم هو الذي كان مرفوعا قبل دخول (إن)، ودخولها عليه كلا دخول، فبقي على كونه مرفوعا، لكن محلا، لاشتغال لفظه بالنصب، فان، كاللام في: لزيد، ولا شك أن المرفوع فيه هو زيد وحده، لا الاسم مع الحرف الداخل عليه، فكذا ينبغي أن يكون الأمر مع (إن)، ومن قال: على موضعها مع اسمها نظر إلى أن اسمها لو كان وحده مرفوع المحل، لكان وحده مبتدأ، والمبتدأ مجرد عن العوامل عندهم، واسمها ليس بمجرد، والجواب أنه باعتبار الرفع مجرد، لأن (إن) كالعدم، باعتباره، وإنما، يعتد بها إذا اعتبرت النصب، ويشكل عليه، بأن (إن) مع اسمها، لو كانت مرفوعة المحل، لكانت مع اسمها مبتدأة، والمبتدأ: هو الاسم المجرد على ما ذكرنا، وهي مع اسمها، ليست اسما مجردا، فالأولى أن يقال: العطف بالرفع، على اسمها وحده، وقد ذكرنا في باب الابتداء 2 طرفا من هذا،


(1) تكرر ذكره في هذا الشرح، (2) باب المبتدأ والخبر في الجزء الأول من هذا الشرح (*)،

[ 351 ]

قوله: (لفظا أو حكما) راجع إلى المكسورة، فالمكسورة لفظا نحو: إن زيدا قائم وعمرو، والمفتوحة التي في حكم المكسورة، نحو: علمت أن زيدا قائم وعمرو، فان، ههنا مع اسمها وخبرها، وإن كانت في تقدير المفرد من جهة أن المعنى: علمت قيام زيد، لكنها في تقدير اسمين، إذ (أن) مع اسمها وخبرها سادة مسد مفعولي علمت، كما أن (إن) المكسورة مع جزأيها بتقدير اسمين، أي المبتدأ والخبر، فحكم المفتوحة بعد فعل القلب: حكم المكسورة في قيامها، مع ما في حيزها مقام الاسمين، وفيما قال المصنف، مع هذا التحقيق البالغ، والتدقيق الكامل: نظر، وذلك لأنا بعد تسليم أن المفتوحة مع ما في حيزها، بتقدير اسمين، نقول: ان ذينك الاسمين بتقدير المفرد، فعلمت أن زيدا قائم، بتقدير: علمت زيدا قائما، وعلمت زيدا قائما بتقدير: علمت قيام زيد، كما مر في أفعال القلوب، فكونها بتقدير اسمين، لا يخرجها عن كونها مع جزأيها بتقدير المفرد، إذ، ذانك بتقدير الاسم المفرد، أعني المصدر الذي: ذانك الاسمان المنصوبان مؤولان به، وإنما دعا المصنف إلى هذا التكلف: أنه رأى سيبويه مستشهدا 1 على العطف على محل اسم (ان) المكسورة بقوله تعالى: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر، أن الله برئ من المشركين ورسوله) 2، و: أذان، بمعنى: إعلام، وكذا استشهد سيبويه 3 بقوله: 836 - وإلا فاعلموا أنا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق 4 على العطف على محل اسم المكسورة، بتقدير حذف الخبر من الأول، والتقدير: أنا


(1) جاء ذلك في سيبويه ج 1 ص 285 (2) الآية 3 سورة التوبة: (3) في الجزء الأول ص 290، (4) نسبه في سيبويه ج 1 ص 290 إلى بشر بن أبي خازم، والبغاة: جمع باغ والمراد به: الساعي في الفساد. أو المتسبب في حصوله (*)،

[ 352 ]

بغاة، وأنتم بغاة، فلو لا أن المفتوحة بعد فعل القلب في حكم المكسورة لما صح منه الاستدلال المذكور، وبعض النجاة، لما رأي سيبويه يستشهد للمكسورة بالمفتوحة، قال: إن المفتوحة حكمها مطلقا حكم المكسورة، في جواز العطف على محل اسمهإ بالرفع، لأنهما حرفان مؤكدان، أصلهما واحد، فيجوز العطف بالرفع في نحو: بلغني أن زيدا قائم وعمرو، والسيرافي 1، ومن تابعه، لم يلتفتوا إلى استدلال سيبويه، وقالوا: لا يجوز العطف بالرفع على محل اسم المفتوحة مطلقا، إذ لم يبق معها الابتداء، بل هي مع ما في حيزها في تأويل اسم مفرد، مرفوع أو منصوب أو مجرور، كما ذكرنا، فاسمها كبعض حروف الكلمة، ونظر أبي سعيد 2: صحيح، فنقول: إن قوله تعالى: (ورسوله) عطف على الضمير في (برئ)، وجاز ذلك بلا تأكيد بالمنفصل، لقيام الفصل بقوله: من المشركين، مقام التأكيد، أو نقول: رسوله مبتدأ خبره محذوف أي: ورسوله كذلك، والواو اعتراضية، لا عاطفة، ونقول في قوله: والا فاعلموا أنا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق 3 - 836 ان: ما بقينا في شقاق، خبر (أنا) وقوله: وأنتم بغاة، جملة اعتراضية لكن لايتم لنا مثل هذا في قوله: 837 - ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم * ولا أنني بالمشي في القيد أخرق 4 بعد قوله: 838 - فلا تحسبن أني تخشعت بعدكم * لشئ ولا أني من الموت أفرق 5


(1) شارح كتاب سيبويه وتكرر ذكره، (2) كنية السيرافي المتقدم ذكره، (3) البيت المتقدم قريبا، (4) و (5) هذان البيتان من قصيدة واحدة، وثانيهما مقدم على الولهما في القصيدة، وهي من شعر جعفر بن = (*)

[ 353 ]

لأن قوله: ولا أنني بالمشي في القيد أخرق، عطف على: أني تخشعت، فلو جعلنا قوله: ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم، جملة اعتراضية، لكانت (لا) داخلة على معرفة بلا تكرير، ولا يجوز ذلك إلا عند المبرد، ولو روي: ولا انني بالمشي في القيد، بالكسر، لارتفع الاشكال وكان قوله: ولا أنا ممن يزدهيه، مستأنفا، و (لا) مكررة، وحكم (لكن) في جواز العطف على محل اسمها: حكم (ان) المكسورة، خلافا لبعضهم، قال سيبويه 1 بعد ذكره جواز العطف على محل اسم (إن) بالرفع: لكن، الثقيلة في جميع الكلام بمنزلة (ان)، يعني في جواز العطف المذكور، وتفارقها في أن اللام لا تدخل على ما في حيزها، دون (إن)، كما يجئ، وإنما كانت (لكن) مثل (إن)، لأن معنى الابتداء بعدها لم يزل، لأن الاستدراك في الحقيقة معنى راجع إلى ما قبله، لا إلى ما بعده، إذ هو حفظ الكلام السابق، نفيا كان، أو إثباتا، عن أن يدخل فيه الاسم المنتصب بلكن، فقولك، ما قام زيد لكن عمرا قائم، حفظت فيه عدم القيام عما توهم من دخول عمرو فيه، وكذا في: قام زيد، لكن عمرا لم يقم، وأجاز الفراء رفع المعطوف على اسم (كأن)، و (ليت)، و (لعل) أيضا، لكونه في الأصل مبتدأ، ومنعه غيره، لخروجه عن معنى الابتداء، بما أوردت فيه الحروف من المعاني، وهو الحق، والوصف، وعطف البيان، والتوكيد، كالمنسوق عند الجرمي، والزجاج 2، والفراء،


= علبة الحارثي، قالها بعد أن حكم عليه بالقتل قصاصا، وقد أوردها أبو تمام في الحماسة، ومنها بيت البلاغة المشهور: هواي مع الركب اليمانين مصعد * جنيب، وجثماني بمكة موثق (1) هذا بنصه في سيبويه ج 1 ص 286، (2) تقدم ذكر هؤلاء كثيرا (*)،

[ 354 ]

في جواز الحمل على المحل، ولم يذكر غيرهم ذلك، لا منعا ولا إجازة، والأصل الجواز، إذ لا فارق، قال الزجاج: قوله تعالى: (علام الغيوب) في قوله: (قل ربي يقذف بالحق، علام الغيوب) 1، صفة ربي، ويحتمل رفعه وجوها أخر 2، ولم يذكروا البدل، والقياس كونه كسائر التوابع في جواز الرفع، تقول: إن الزيدين استحسنتهما، شمائلهما، بالرفع، كما جاز ذلك في اسم (لا) التبرئة المشبهة بإن، نحو: لا غلام رجل في الدار إلا زيد، فلا يحمل على المحل، عند البصريين إلا عند مضي الخبر، فلا يجوز، عندهم، أن زيدا وعمرو قائمان، وأجازه الكسائي، وإنما منعوا من ذلك لأن العامل في خبر المبتدأ عند جمهورهم: الابتداء، والعامل في خبر (إن)، فيكون قائمان خبرا عن زيد وعمرو معا، فيعمل عاملان مختلفان مستقلان في العمل، رفعا واحدا فيه، وذلك لا يجوز، لأن عامل النحو، عندهم، كالمؤثر الحقيقي، كما ذكرنا في صدر الكتاب 3، والأثر الواحد الذي لا يتجزأ: لا يصدر عن مؤثرين مستقلين في التأثير، كما ذكر في علم الأصول، لأنه يستغنى بكل واحد منهما عن الآخر، فيلزم من احتياجه إليهما معا: استغناؤه عنهما معا، ولو فرق الخبران بالعطف نحو: إن زيدا وهند: قائم وخارجة لم يأت الفساد المذكور، فيجب جوازه، ويكون الكلام من باب اللف كقوله تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) 4،


(1) الآية 48 سورة سبأ، (2) مثل أن يكون علام خبر مبتدأ محذوف أي: هو علام، (3) في الكلام على العامل في الجزء الأول، (4) الآية 73 سورة القصص (*)،

[ 355 ]

فإذا قدمت الخبر على العطف، فاما أن تأتي للمعطوف بالخبر ظاهرا نحو: ان زيدا قائم، وعمرو كذلك، أو تحذفه وتقدره، والأكثر الحذف، نحو: إن زيدا قائم وعمرو، ولا يجوز أن يكون هذا من باب عطف المفرد، لأن (قائم) لا يكون خبرا عن الاسمين، وإنما أجاز الكسائي نحو: إن زيدا وعمرو قائمان، لأن العامل عنده في خبر (إن): ما كان عاملا في خبر المبتدأ، لأن (إن) وأخواتها، لا تعمل عند الكوفيين في الخبر، فالعامل في خبر (ان) اسمها، لأن المبتدأ والخبر يترافعان عنده، فلا يلزم صدور أثر عن مؤثرين، والفراء، توسط مذهبي سيبويه والكسائي، فلم يمنع رفع المعطوف مطلقا، ولم يجوزه مطلقا، بل فصل وقال: إن خفي إعراب الاسم بكونه مبنيا، أو معربا مقدر الأعراب: جاز الحمل على المحل قبل مضي الخبر نحو: انك وزيد قائمان، وان الفتى وعمرو قاعدان، وإلا، فلا، لأنه لا ينكر في الظاهر، كما أنكر مع ظهور الأعراب في المعطوف، وذلك لأن خبرا واحدا عن مختلفين ظاهري الأعراب مستبدع، ولا كذلك إذا خفي إعراب المتبوع، ولا يلزمه، أيضا، توارد المستقلين على أثر واحد لأن مذهبه في ارتفاع خبر (إن): مذهب الكسائي،. وأما قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن...) 1، فعلى أن الواو في (والصابئون)، اعتراضية لا للعطف، وهو مبتدأ محذوف الخبر، أي: والصابئون كذلك، لسد خبر (إن) مسدة ودلالته عليه، كما في: يا تيم تيم عدي 2، على مذهب المبرد، ومنه قوله: 839 - فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيار بها لغريب 3


(1) الآية 69 سورة المائدة، (2) إشارة إلى الشاهد المتقدم في باب النداء من الجزء الأول، (3) البيت لضابي البرجمي، وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه قد حبسه، وقيار اسم فرسه، والبيت في سيبويه ج 1 ص 38 (*)،

[ 356 ]

أي: فإني، وقيار كذلك، بها لغريب، وسمع سيبويه 1 قبل الخبر: توكيد اسم (ان) المبني، وكذا المعطوف غير منوي الخبر، نحو: انهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيد ذاهبان، و (ذاهبان) خبر عنهما بلا شك، وسهل ذلك وجوزه بعض التجويز: بناء الاسم، وأجاز الكسائي رفع المعطوف على أول مفعولي: ظن وأخواته، أن خفي إعراب الثاني، نحو: ظننت غلامك زائري وعمرو، وليس بشئ، لأن (ظن) عامل قوي، أثر في الاسمين اللذين بعده، بأن صار به مضمونهما مفعولا به، وإذا منعوا ذلك في ليت ولعل، لما فيهما من معنى الفعل فكيف يجوز ذلك في الفعل الصريح، وإنما اشترط خفاء إعراب الثاني، ليكون المفعولان في الظاهر كاسم (ان) وخبرها، فتقل الشناعة، قوله: (خلافا للمبرد والكسائي)، الظاهر أن هذا مذهب الفراء والأطلاق مذهب الكسائي، كما هو مذكور في كتب النحو، قوله: (ولكن كذلك) أي في أحكام الجمل على المحل، قوله: (ولذلك دخلت اللام)، أي: ولأجل كون المكسورة، مع جزأيها في تقدير الجملة، قوله: (دونها)، أي دون المفتوحة،


(1) انظر سيبويه ج 1 ص 290 (*)،

[ 357 ]

(استطراد) (في تفصيل أحكام لام الابتداء) اعلم أن هذه اللام: لام الابتداء، المذكورة في جواب القسم، وكان حقها أن تدخل في أول الكلام، ولكن لما كان معناها هو معنى (ان)، سواء 1، أعني التأكيد والتحقيق، وكلاهما حرف ابتداء، كرهوا اجتماعهما، فأخروا اللام وصدروا (إن)، لكونها عاملة، والعامل حري بالتقديم على معموله، وخاصة إذا كان حرفا، إذ هو ضعيف العمل، وراعوا مع تأخير اللام شيئين: أحدهما: أن يقع بينيهما فصل، لأن المكروه هو الاجتماع، والآخر: أنها لما سقطت عن مرتبتها وهي صدر الكلام، أعني المبتدأ، أو الخبر المقدم،. أو معمول الخبر المقدم، كما مضي في جواب ا لقسم، نحو: لزيد قائم، ولقائم زيد، ولطعامك زيد آكل، لا تدخل 2 بعد التأخر إلا على أحد الثلاثة، نحو: إن من الشعر لحكمة، وان زيدا لقائم، وان زيدا لفي الدار قائم، ولا تدخل على متعلق الخبر المتأخر عن الخبر، فلا يقال: إن زيدا قائم لفي الدار، لئلا يبخس حقها كل البخس، بتأخير ما حقه صدر الكلام عن جزأي الكلام اللذين هما العمدتان، وإنما تدخل على الاسم إذا فصل بينه وبينها بظرف هو الخبر، نحو: (إن علينا للهدى) 3، أو بظرف متعلق بالخبر نحو: ان في الدار لزيدا قائم، ولا ينكر عمل ما بعد اللام فيما قبله لنقصان حقه في التصدر، وقوله تعالى: (وإن منكم لمن ليبطئن) 4، الاولى فيه لام الابتداء، والثانية جواب قسم محذوف، والجملة القسمية صلة من، أو صفته 5،


(1) أي هما سواء كما تكرر التنبية عليه، وهو اختيار الرضي في مثل هذا التركيب، (2) مرتبط بقوله: لما سقطت عن مرتبتها، (3) الآية 12 سورة الليل، (4) من الآية 72 سورة النساء، (5) أي على اعتبارها إما موصولة أو موصوفة (*)،

[ 358 ]

وإنما تدخل على الخبر إذا لم يكن ماضيا مجردا عن (قد)، فلا يجوز: ان زيدا لقام، كما يجوز: ان زيدا ليقوم، بل تقول: ان زيدا لقد قام، كما مضى في شرح جواب القسم، ويجوز في نعم وبئس، نحو: ان زيدا لنعم الرجل، كما مر هناك، وإذا كان الخبر مضارعا مصدرا بحرف التنفيس، جاز دخول هذه اللام عليه، نحو: ان زيدا لسوف يقوم، خلافا للكوفيين كما مر في باب المضارع، ولا تدخل هذه اللام في حروف النفي، كما مر في جواب القسم، ولا في حرف الشرط،. فلا تقول: ان زيدا لئن ضربته يضربك، ولا على اسم فيه معنى الشرط، لأن اللام والشرط مرتبة كليهما الصدر، فتنافرا، ولا تدخل على جواب الشرط، فلا تقول: إن زيدا من يضربه لأضربه، لأن جواب الشرط وحده، ليس هو الخبر، بل هو مع الشرط، وأجازة ابن الأنباري 1، ولا تدخل على واو المصاحبة المغنية عن الخبر، فلا تقول: ان كل رجل لوضيعته، لأن أصلها لام الابتداء، فلا تدخل إلا على ما كانت تدخل عليه، وقد ذكرنا مواضعها،. وأجازه الكسائي، نظرا إلى سدها مسد الخبر، وإذا وقعت الاسمية خبر (ان)، فالوجه دخولها على الجزء الأول، نحو: ان زيدا لأبوه قائم، وقد حكي: ان زيدا وجهه لحسن، وهو مثل دخولها على جواب الشرط الواقع موقع الخبر، على ما أجازة ابن الأنباري وكلاهما ضعيف، لأن حقها، لما سقطت عن التصدر: ألا تتأخر عن الاسم، وعن أول أجزاء الخبر، وإذا أردت إدخالها في خبر (إن) الذي في أوله لام القسم، وجب الفصل بينهما،


(1) إذا قيل ابن الأنباري، فالمراد في الأغلب: أبو بكر: محمد بن القاسم بن الأنباري من علماء القرن الثالث والرابع الهجريين حيث توفي سنة 327 ه، وقد يراد به صاحب الانصاف في مسائل الخلاف: أبو البركات عبد الرحمن بن محمد، والأكثر أن يقال لهذا: الانباري فقط، وكلاهما ممن نقل عنهم الرضي في هذا الشرح (*)،

[ 359 ]

لكراهة اجتماع اللامين، قال تعالى: (وإن كلا لما ليوفينهم) 1، فصل بينهما بما، الزائدة، كما قلنا في: زيد صديقي، كما أن عمرا أخي، وإنما تدخل على معمول الخبر المتقدم على الخبر، إذا لم يكن الخبر ماضيا مجردا عن (قد) نحو: إن زيدا لطعامك آكل، وإني لبك واثق، ولا تقول: ان زيدا لفي الدار قام، كما ذكرنا في جواب القسم، وأجازة الأخفش، وقد تدخل على غير الثلاثة المذكورة، وهو 2 الفصل المسمى عمادا كقوله تعالى: (إنك لأنت الحليم الرشيد) 3، وذلك لوقوعه موقع الخبر فكأنها دخلت على الخبر، مع أن كل فصل في مثل هذا المقام يحتمل أن يكون مبتدأ لارتفاع ما بعده، وقد تكرر اللام في الخبر وفي متعلقه المتقدم عليه، نحو: إن زيدا لفيك لراغب، وهو قليل، منع منه المبرد، وأجازة الزجاج قياسا، وقد شذ دخول اللام على خبر المبتدأ المؤخر مجردا من (إن) نحو قوله: 840 - أم الحليس لعجوز شهر به 4 وقدر بعضهم: لهي عجوز، لتكون في التقدير داخلة على المبتدأ، كما شذ في خبر (أن) المفتوحة، على قراءة سعيد بن جبير: (الا أنهم ليأكلون الطعام) 5، وكذا قرى في الشواذ: (وأن الله لسميع عليم) 6 بالفتح كما جاءت في الخبر معمولا لأضحى،


(1) الآية 111 سورة هود، (2) وهو: أي المراد بغير الثلاثة، (3) من الآية 87 سورة هود، (4) ينسب إلى شاعر اسمه عنترة بن عروس، على وزن جعفر، وينسب إلى رؤبة أيضا، والذي في ديوان عنترة لفظه: رب عجوز من سليم شهربه * ترضى من اللحم بعظم الرقبة (5) الآية 20 سورة الفرقان وتقدمت، (6) الآية 42 سورة الأنفال (*)،

[ 360 ]

نحو: أضحى زيد لمنطلقا، ولأمسى، قال: 841 - مروا عجالا فقالوا كيف صاحبكم * فقال من سئلوا أمسى لمجهودا 1 ولزال، قال: 842 - وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها * لكالهائم المقصى بكل مكان 2 ولما، في: ما زيد لقائما، وقوله: 843 - وأعلم أن تسليما وتركا * للامتشابهان ولا سواء 3 شاذ، لدخولها على حرف النفي، وشذ، أيضا، دخولها على (كأن، ولولا) قال: 844 - فباد حتى لكأن لم يكن * فاليوم أبكي ومتى لم يبكني 4 وقال: 845 - للولا قاسم وندا بسيل * لقد جرت عليك يد غشوم 5 واعلم أن أصل (شهدت) أن يتعدى بالباء نحو: شهدت بكذا، وشهدت بأن زيدا قائم، ويجوز، مع أن، حذف الجار، كما هو القياس، نحو: شهدت أنك قائم،.


(1) أورده ثعلب من غير نسبة، وكل الذين استشهدوا به نقلوه عن ثعلب ولم ينسبه أحد منهم وعجالا جمع عجل، وروي عجالى جمع عجلان، (2) هكذا أورده الرضي، ونقله البغدادي، بكل مزأد، ولعله كذلك في نسخته التي شرح عليها الشواهد، قال البغدادي: وصوابه: بكل سبيل لأنه من قصيدة لأمية من شعر كثير عزة، أولها: ألا حييا ليلى أجد رحيلي * وآذن أصحابي غدا بقفول (3) نقل البغدادي عن ابن جني نسبته إلى أبي حزام العكلي وهو غالب بن الحارث من قبيلة عكل بضم العين وسكون الكاف، وفسر التسليم بأنه التسليم على الناس، أو أن المراد: التسليم في الأمر وعدم المنازعة فيه، (4) قال البغدادي: الضمير في باد يرجع إلى المتحدث عنه بالهلاك في بيت قبله، ولم يذكر شيئا قبله ولا بعده: وإنما قال: لم أر هذا البيت إلا في: سر الصناعة، لابن جني، ولم أقف على ما قبله ولا على شئ من خبره، (5) وكذلك قال البغدادي في هذا البيت إنه رآه في سر الصناعة، وانه لم يقف له على خبر، ولذلك لا يعرف المراد من قاسم وبسيل أكثر من أنهما رجلان (*)،

[ 361 ]

وأما قوله تعالى: (نشهد إنك لرسول الله) 1، فنشهد، محمول على نعلم لأن أصل الشهادة أن تكون عن علم، ونشهد، معلق، كعلمت، في نحو: علمت لزيد قائم، إلا أن شهدت، لا ينصب المفعولين نصب علمت، فلا تقول: شهدت زيدا قائما، وعلمت، يجري مجرى القسم على ضعف، فتقول، إذن، علمت إن زيدا قائم بكسر إن، وكذا شهدت، تقول، في الشعر، أشهد إنك ذاهب، والمشهور الفتح فيهما، وكذا، قد يجئ: أشهد لقد رأيته كذا، كأنه قيل: والله لقد رأيته، وكذا: أشهد لأخرجن، قال: ولقد علمت لتأتين منيتي * ان المنايا لا تطيش سهامها 2 - 700 وقد يقال: ظننت لتموتن، لكونه بمعنى علمت، وإجراؤها مجرى القسم ضعيف، كما أن حذف اللام المعلقة بعدها ضعيف، كعلمت: زيد قائم، وشهدت: زيد فاضل، كقوله: إني وجدت ملاك الشيمة الأدب 3 - 697 والدليل على جواز إجراء الشهادة مجرى اليمين قوله تعالى: (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين) 4، ففي قولك: شهدت أن زيدا لقائم، وأشهد: لزيد قائم، يجوز أن يكون (شهدت) فيه معلقا كظننت لزيد قائم، ويجوز أن يكون مجرى مجرى القسم، واللام، وإن، جوابه، ولا يجوز إجراء شهدت مع الباء مجرى علمت، نحو: أشهد بان زيدا لقائم، لأن حرف الجر لا يعلق، ولا يجوز: أشهد أنه ذاهب وإنك لقائم، لعطفك الجملة على المفرد 5،


(1) أول سورة: المنافقون، (2) تقدم في هذا الجزء ص 160 وهو من شعر لبيد بن ربيعة، (3) تقدم أيضا في هذا الجزء، ص 156 (4) الآية 6 سورة النور، (5) في النسخة المطبوعة: لعطفك الجملة على الجملة، وجاء في بعض النسخ: على المفرد، وهو ما أثبتناه (*)،

[ 362 ]

واعلم أن من العرب من يقول: لهنك لرجل صدق، قال: 846 - أبائنة حبي، نعم وتماضر * لهنا لمقضي علينا التهاجر 1 وقال: 847 - لهني لأشقى الناس إن كنت غارما * لدومة بكرا ضيعته الأراقم 2 وقد تحذف اللام وهو قليل، كقوله: 848 - ألا ياسنا برق على قلل الحمى * لهنك من برق علي كريم 3 وفيه 4 ثلاثة مذاهب: أحدها لسيبويه 5، وهو أن الهاء بدل من همزة (ان)، كاياك وهياك، فلما غيرت صورة (إن) بقلب همزتها هاء، جاز مجامعة اللام إياها بعد الامتناع، والثاني قول الفراء، وهو أن أصله: والله إنك، كما روي عن أبي أدهم الكلابي: له ربي لا أقول ذلك، بقصر اللام ثم حذف حرف الجر، كما يقال: الله لأفعلن، وحذف لام التعريف، أيضا، كما يقال: لاه أبوك، ثم حذف ألف (فعال) 6، كما يحذف من الممدود إذا قصر، كما يقال: الحصاد، والحصد، قال:


(1) حبى بضم الحاء والألف المقصورة من أسماء النساء، وكذلك: تماضر، والتهاجر: أن يهجر كل واحد صاحبه، وقد أورد البغدادي هذا الشاهد مرويا عن أبي علي الفارسي، وقد أورد له نظائر وشرحها، ثم قال: لم أر هذا البيت مرويا عن غير الفارسي ولا أعرف قائله، (2) البيت بهذه الصورة وهذا العجز، مروي أيضا عن الفارسي، ولم يذكر البغدادي شيئا عنه أكثر من ذلك ثم شرح وجه الشاهد فيه وبين المراد بالأراقم وأنها ستة أحياء من العرب، ثم ذكر صدر هذا البيت مختوما بشطرين آخرين: أحدهما في شعر خداش بن زهير، والثاني في شعر: تليد الضبي، وأورد شيئا من شعر كل منهما، (3) لم ينسبه البغدادي ولا أحد ممن ذكره غير أنه مروي عن ثعلب والمبرد، ورواه ابن جني وجاء في سند روايته اسم محمد بن يزيد بن سلمة، فنسبه بعضهم إلى محمد بن سلمة وأخذ بذلك العيني في الشواهد الكبرى وهو من أبيات جميلة المعنى منسوبة لأحد أسرى بني تميم. (4) أي في الجمع بين إن واللام، (5) في سيبويه ج 1 ص 474 وبهامشها تلخيص للأقوال الثلاثة منقول عن السيرافي، (6) أي الألف في: إله، لأنه على وزن فعال (*)،

[ 363 ]

849 - ألا لا بارك الله في سهيل * إذا ما الله بارك في الرجال 1 ثم حدفت همزة (إنك)، ويما قال: تكلفات كثيرة، والثالث ما حكى المفضل بن سلمة عن بعضهم أن أصله لله إنك، واللام للقسم، فعمل به ما عمل في مذهب الفراء، وقول الفراء أقرب من هذا، لأنه يقال: لهنك لقائم،. بلا تعجب 2، وأما قولهم: ان زيدا ليضربن، بنون التأكيد، و: ان زيدا لقام بدون (قد)، فاللام فيهما جواب قسم مقدر، أي: والله ليضربن، و: والله لقام، وإنما جاز حذف (قد) في الماضي مع لام جواب القسم، دون لام (ان)، وإن كان كلاهما في الأصل لام الابتداء، لأن القسم يحتمل الحذف أكثر، لأن هناك جملتين في حكم جملة واحدة، ألا ترى إلى تخفيفات: أيمن، ووجوب حذف الخبر في: لعمرك، و: أيمن الله، وجواز حذف الجار في: ألله لأفعلن، ولا تجئ لام الابتداء، لأن القسم يحتمل الحذف أكثر، لأن هناك جملتين في حكم جملة واحدة، ألا ترى إلى تخفيفات: أيمن، ووجوب حذف الخبر في: لعمرك، و: أيمن الله، وجواز حذف الجار في: ألله لأفعلن، ولا تجئ لام الابتداء، من جملة الحروف الستة، إلا بعد (ان) المكسورة، وألحق الكوفيون بها (لكن) مستدلين بقوله: 850 - ولكتني من حبها لعميد 3 قالوا: إن ذلك لأنها لا تغير معنى الابتداء، كإن، ولذا جاز العطف على محل اسمها بالرفع،


(1) نقله البغدادي مع بيت آخر يشبهه: عن ابن عصفور، ونقل عنه أن قطرب هو الذي أنشدهما، قطرب هو محمد بن المستنير، ونقل البغدادي عن المبرد عن أبي عبيدة أن أبا حاتم السجستاني نسب البيت الآخر إلى قطرب وقال انه هو الذي صنعه، (2) لأنه تقدم أن لفظ الجلالة إذا استعمل في القسم باللام، فإنما يكون ذلك في الأمور العظام التي يتعجب منها، ونحو: لهنك قائم، لا تعجب فيه لأنه أمر عادي، (3) لم يذكر أحد ممن استشهد بهذا الشطر، تكملة له وأجمعوا على أنه غير معروف القائل وقد ورد في شرح ابن الناظم وله صدر هو قوله: يلومونني في حب ليلى عواذلي (*)،

[ 364 ]

وأما البصريون فقالوا: كان حق اللام ألا تجامع (إن) المكسورة، أيضا، لأنها تسقط بسببها عن مرتبة الصدر، لكن، جازت مجامعتها لها، لشدة تناسبهما بكونهما بمعنى واحد، فاغتفر لذلك سقوطها عن مرتبتها، بخلاف (لكن)، فإنها لا تناسبها معنى، فلم يغتفر معها، سقوطها عن مرتبتها، وما أنشدوه، فإما أن يكون شاذا كما في قوله: أم الحليس لعجوز شهر به 1 - 840 وإما أن يكون في الأصل: لكن انني، فخفف بحذف الهمزة ونون (لكن)، كما خففت في: (لكنا هو الله ربي) 2، اتفاقا منهم، بحذف الهمزة، وأصله: لكن أنا، واعلم أن (إن) المكسورة ترادف (نعم)، كما يجئ في حروف التصديق، فلا تعمل، وترادف المفتوحة (لعل)، فتعمل، والمفتوحة لكونها مع جزأيها: اسما مفردا، تقع اسما لهذه الأحرف الستة، لكن يجب فصلها عنها بالخبر، كراهة اجتماعهما، نحو: إن عندي أنك قائم، وليت في قلبك أنك تعطيني، وكذا في البواقي، و (أن) مع ما في حيزها: بدل اشتمال من (إحدى) في قوله تعالى: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم) 3، ومن (كم)، في قوله: (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون) 4، وأما قوله تعالى: (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون) 5 فقوله مخرجون، خبر لأنكم الأولى، وانكم الثانية معادة لتأكيد الأولى، لما تراخى ما بينها


(1) الشاهد المتقدم في ص 359، (2) الآية 38 سورة الكهف، (3) الآية 7 سورة الأنفال، (4) الآية 31 سورة يس، (5) الآية 35 سورة المؤمنون (*)،

[ 365 ]

وبين الخبر، كما كرر (فلا تحسبهم) لما تراخى ما بين مفعولي (لا تحسبن) في قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب) 1، ومثله قوله تعالى: (وهم بالآخرة هم كافرون) 2، وهذا قول الجرمي 3، وهو الحق، وقال المبرد: أنكم مخرجون: مبتدأ، خبره: إذا متم، والجملة الاسمية: خبر أنكم الأولى، أي أنكم وقت موتكم إخراجكم، ويجوز وقوع (ان) المكسورة خبرا للأحرف الستة، كقوله: 851 - إن الخليفة، إن الله سربله * لباس ملك به تزجى الخواتيم 4 وقوله: 852 - لقد علم الحي اليمانون أنني * إذا قلت أما بعد: إني خطيبها 5 بكسر (إن)، وروي: أني بالفتح، على أن يكون (أني) تكريرا لأنني الأولى، كما قلنا في الآية الكريمة، (تخفيف إن) (مفتوحة ومكسورة وأثره) قوله: (وتخفف المكسورة.. إلى آخره)، إذا خففت المكسورة، بطل اختصاصها بالأسماء فيغلب الألغاء، قال تعالى في الاعمال: (وإن كلا لما ليوفينهم )، بتخفيف


(1) الآية 188 سورة آل عمران، (2) من الآية 37 في سورة يوسف، الآية 7 في سورة فصلت، (3) أبو اسحاق الجرمي ممن تكرر كرهم في هذا الشرح، (4) من قصيدة لجرير في مدح عمر بن عبد العزيز، قال البغدادي: والذي رأيته في ديوانه في نسخة صحيحة قديمة: يكفي الخليفة أن الله.. الخ وعليه فلا شاهد فيه على ما قال الشارح، ثم أورد بعض أبيات من تلك القصيدة، (5) منسوب إلى سحبان بن وائل خطيب العرب في الجاهلية، وروى صدره (*):

[ 366 ]

(إن) 1، ولا يجوز عند الكوفيين اعمال المخففة، والآية رد عليهم، قال المصنف: ويلزمها اللام مع التخفيف، سواء أعملت أو أهملت، أما مع الأهمال فللفرق بين المخففة والنافية، وأما مع الاعمال فللطرد، وهو خلاف مذهب سيبويه، وسائر النجاة، فإنهم قالوا: المعملة لا يلزمها اللام، لحصول الفرق بالعمل، وقال ابن مالك، وهو حسن: يلزمها اللام إن خيف التباسها بالنافية، فعلى قوله، تلزم اللام إن كان الاسم مبنيا أو معربا مقصورا، وأما إن دخلت على الأفعال: لزمت 2 اللام، وقولهم: أما إن جزاك الله خيرا، لم تدخل فيه اللام، لأن الدعاء لا تدخله (إن) النافية 3، فإذا دخلت المخففة على الفعل، لزم عند البصرية، كونه من نواسخ الابتداء، حتى لا تخرج (ان) بالتخفيف عن أصلها بالكلية، والكوفيون يعممون جواز دخولها على الأفعال كلها، قياسا، كقوله: 853 - تالله ربك إن قتلت لمسلما * وجببت عليك عقوبة المتعمد 4 وقولهم: إن يزينك لنفسك، وإن يشينك لهبه، وهو عند البصريين شاذ، واختلف في هذه اللام الفارقة، فمذهب أبي علي وأتباعه أنها غير لام الابتداء التي


= وقد علمت قيس بن عيلان أنني... وتأنيث الفعل في علمت باعتبار أن (قيس) قبيلة ووصفها بابن باعتبار أن أصل قيس اسم لأبي هذه القبيلة، (1) مع تخفيف الميم من (لما)، (2) كثر هذا الاستعمال في كلام الرضي، وهو عدم قرن جواب أما بالفاء، وكان يكفي أن يقول: وإن دخلت... لزمت اللام، (3) فلا يحتاج إذن، إلى اللام الفارقة لأنه لا يلتبس، (4) روي: شلت يمينك: وهي الرواية المشهورة عند كل من استشهدوا به، وهو من شعر عاتكة بنت زيد العدوية، ترثي زوجها الزبير بن العوام الذي قتله ابن جرموز وتدعو عليه بالشلل في يده، ومعناه: ما قتلت إلا رجلا مسلما، وفي ألفاظ البيت روايات كثيرة، وقد وضح الشارح المقصود من ذكره (*)،

[ 367 ]

تجامع المشددة، بل هي لام أخرى للفرق، إذ لو كانت للابتداء لوجب التعليق في: إن علمت لزيدا قائما، ولما دخلت فيما لا تدخله لام الابتداء في نحو: إن قتلت لمسلما، وإن يزينك لنفسك، وذهب جماعة إلى أنها لام الابتداء، والجواب عن قولهم: إن علمت لزيدا قائما، أن التعليق واجب، لو دخلت على أول مفعولي أفعال القلوب، إلا أنها لا تدخل بعد الأفعال الناسخة للابتداء إلا على الجزء الأخير وهو الخبر، وتدخل مع المثقلة، إما على المبتدأ المؤخر، أو الخبر، أو القائم مقامه، وفي الأمثلة الواردة في التنزيل: لم تدخل إلا على ما كان خبرا في الأصل، نحو: (وإن كانت لكبيرة) 1، و: (وإن كنت من قبله لمن الغافلين) 2، و: (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) 3 و: (وإن نظنك لمن الكاذبين) 4، ولما نصب الأول لخلوه عن مانع ومعلق، فلا بد من نصب الثاني، وإن دخله لام الابتداء، قال تعالى: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك) 5، و: (وإن كادوا ليفتنونك) 6، وأما قوله: إن قتلت لمسلما، و: ان يزينك لنفسك فشاذ، وفرق الكسائي بين (إن) مع اللام في الأسماء، وبينها معها في الأفعال، فجعلها في الأسماء: المخففة، وأما في الأفعال فقال: إن، نافية، واللام بمعنى (إلا)، لأن المخففة بالاسم أولى، نظرا إلى أصلها، والنافية بالفعل أولى، لأن معنى النفي راجع إلى الفعل، وغيره من الكوفيين قالوا: إنها نافية مطلقا، دخلت في الفعل، أو في الاسم، واللام بمعنى (إلا)،


(1) الآية 143 سورة البقرة، (2) الآية 2 سورة يوسف،. (3) الآية 102 سورة الأعراف، (4) الآية 186 سورة الشعراء، (5) من الآية 51 سورة القلم، (6) الآية 73 سورة الأسراء (*)،

[ 368 ]

وقال البصريون: لو كانت اللام بمعنى (إلا)، لجاز: جاءني القوم لزيدا أي: إلا زيدا، ولا يلزم ما قالوا 1، إذ ربما اختص بعض الأشياء ببعض المواقع، كاختصاص (لما) بالاستثناء بعد النفي، ومنع أبو علي في المكسورة المخففة المهملة، من تقدير ضمير الشأن بعدها وجوز ذلك بعضهم قياسا على المفتوحة، وقد مر ذلك في باب الضمائر 2، قوله: (وتخفف المفتوحة فتعمل في ضمير شأن مقدر)، قد مر ذلك في ضمير الشأن، مع الخلاف في ذلك 3، وحكى بعض أهل اللغة اعمالها في المضمر في السعة نحو قولهم: أظن أنك قائم، وأحسب أنه ذاهب، وهذه رواية شاذة غير معروفة، وأما في الضرورة فجاء في المضمر فقط، قال: فلو أنك في يوم الرخاء سألتني * طلاقك لم أبخل وأنت صديق 4 - 396 وقال: 854 - بأنك ربيع وغيث مريع * وأنك هناك تكون الثمالا 5 قوله: (ويلزمها مع الفعل... إلى آخرة)، قد مضى شرحه في نواصب المضارع 6،


(1) دفاع من الرضي عن مذهب الكوفيين، (2) في آخر الجزء الثاني، (3) في بحث ضمير الشأن في الجزء الثاني، (4) تقدم ذكره في باب الضمائر، في بحث ضمير الشأن، في آخر الجزء الثاني، وهو بيت مجهول القائل مع كثرة ذكره في كتب النحو، وقوله وأنت صديق وإن كان صديق فعيلا بمعنى فاعل، قد ترك تأنيثه حملا على فعيل بمعنى مفعول، ومبر ره أن يكون مثل ضده وهو عدو، فعول بمعنى فاعل، (5) من شعر جنوب بنت العجلان الهذلية في رثاء أخيها عمرو بن العجلان الملقب بذي الكلب، وقبله: لقد علم اليف والمرملون * إذا اغبر أفق وهبت شمالا وخلت عن أولادها المرضعات * ولم تر عين لمزن بلالا. (6) في أول هذا الجزء (*)،

[ 369 ]

وإذا دخلت على الجملة الاسمية، فقد تكون الجملة مجردة، كقوله: في فتية كسيوف الهند قد علموا * أن هالك كل من يحفى وينتعل 1 - 624 وقد تكون مصدرة بلا، نحو: علمت أن لا شئ لك، أو بأداة الشرط، نحو: علمت أن من يضربك أضربه، أو: برب، نحو: علمت أن رب خصم لي، على مذهب الكوفيين، أو: بكم، نحو: علمت أن كم غلام لي، (بقية الأحرف) (معانيها واستعمالاتها) (قال ابن الحاجب:) (كأنك، للتشبيه، وتخفف، فتلغى على الأصح، ولكن،) (للاستدراك يتوسط بين كلامين متغايرين معنى، وتخفف) (فتلغى، ويجوز معها الواو، وليت للتمني، وأجاز الفراء:) (ليت زيدا قائما ولعل، للترجي، وشذ الجر بها)، (قال الرضي:) في (كأن) قولان، قال بعضهم: انها غير مركبة، لعدم الدليل عليه، ومذهب الخليل 2: أن أصل كأن زيدا أسد: إن زيدا كالأسد، قدمت أداة التشبيه لتؤذن من أول الأمر بقصد التشبيه، فوجب فتح (ان) المكسورة، رعاية للفظ الكاف، لأنها لا تدخل إلا على لفظ المفردات، ففتحت لفظا، وهي في المعنى باقية على حالها، لم تصر


(1) تقدم ذكره في هذا الجزء ص 32، (2) قال سيبويه ج 1 ص 474: وسألت الخليل عن كأن، فزعم أنها أن لحقتها الكاف.. الخ (*)،

[ 370 ]

بالفتح حرفا مصدريا، فصار الكاف مع (ان) كلمة واحدة، فلا عمل للكاف، كما كان لها حين كانت في محل خبر (إن)، لصيرورنها كجزء الحرف، كما ذكرنا في كاف (كذا) و (كأين) 1، ولا تقتضي ما تتعلق به، كما كانت تقتضيه حين كانت في محل الخبر، لأنها خرجت بالجزئية عن كونها جارة، فإذا خففت (كأن) فالأصح إلغاؤها، وقد جاء: 855 - كأن وريديه رشاء خلب 2 وقال: 856 - وصدر مشرق اللون * كأن ثدياه حقان 3 وإذا لم تعملها لفظا، ففيها ضمير شأن مقدر عندهم، كما في (أن) المخففة، ويجوز أن يقال: ان ذلك غير مقدر بعدها لعدم الداعي إليه، كما كان في (أن) المخففة، لكن لما لزم الفعلية التي تليها، ما لزم (أن) المخففة من حروف العوض 4، قوي إضمار الشأن بعدها، إجراء لها مجرى (أن)، ولزوم حرف العوض بعدها في الفعلية، يقوي كونها مركبة من الكاف وأن، ويجئ بعد المهملة، اسمية، كقوله:


(1) انظر باب الكنايات في الجزء الثالث، من هذا الشرح، (2) روي قبله: ومعتد فظ غليظ القلب، وبعد الشاهد: تركته مجدلا كالكنب، وهو في سيبويه ج 1 ص 480، ونسبه بعضهم لرؤية بن العجاج، والرشاء الحبل الذي يستقى به، والخلب أراد به البئر، (3) روى: ووجه، كما روي: ونحر، وأنسب الروايات: وصدر كما هو هنا، وهو أحد أبيات سيبويه التي لم يعرف قائلوها، وكثر تشبيه الشعراء للثدي بالحق، لأنه كان ينحت أحيانا من العاج، (4) الحروف التي تقدم ذكرها في الكلام على أن المفتوحة إذا خففت وعملت في ضمير الشأن (*)،

[ 371 ]

857 - عبأت له رمحا طويلا وألة * كأن قبس يعلى بها حين تشرع 1 وفعلية، كقوله تعالى: (كأن لم تغن بالأمس) 2، وقوله رضي الله عنه في نهج البلاغة: (كأن قد وردت الاظعان) 3، وقوله: أفد الترحل غير أن ركابنا * لما تزل برحالنا وكأن قد 513 4 أي: وكأن قد زالت بها، وإن جاء بعدها مفرد كقوله: 859 - ويوما توافينا بوجه مقسم * كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم 6 برفع ظبية، يجوز أن يكون (ظبية تعطو) جملة اسمية، وأن يكون (تعطو) صفة ظبية، واسم كأن محذوف، أي: كأنها ظبية، ويروى: كأن ظبية بالنصب على إعمال (كأن)، ويروى بجرها، على أن (أن) زائدة، أي: كظبية،


(1) من أبيات أوردها أبو تمام في الحماسة، ونسبت لشاعر اسمه مجمع بن هلال كما في شرح المرزوقي على الحماسة، وقوله: ألة بفتح الهمزة وتشديد اللام من الأليل وهو اللبريق واللمعان، يريد بها السنان وقال في اللسان هي الحربة العظيمة النصل، (2) الآية 24 سورة يونس، (3) أسلوب يراد به قرب وقوع الشئ، وهو كثير في الكلام العربي الفصيح، ومثله هذا قوله رضي الله عنه: كأن قد حل بكم الموت، (4) تقدم الاستشهاد به في باب المعرفة والنكرة من الجزء الثالث، (5) في الخزانة نسبه إلى رجل من بني سعد بن زيد مناة، مع بيت قبله وهو: وخيفاء ألقي الليث فيها ذراعة * فسرت وساءت كل ماش ومصرم وأورد صاحب الأنصاف البيتين معا، وفي اللسان نسبتهما إلى ذي الرمة، (6) قيل، إن قائلة باعث بن صريم اليشكري، وليس زيد بن أرقم، وهو من شواهد سيبويه ج 1 ص 181 وقد نسبه لباعث ووافقه الأعلم، وفي اللسان منسوب لشاعر آخر اسمه كعب بن أرقم اليشكري قاله في امرأته، قال ابن منظور وهو الصحيح (*)،

[ 372 ]

قوله: (ولكن)، هي عند البصريين مفردة، وقال الكوفيون: هي مركبة من (لا) و (إن) المكسورة، المصدرة بالكاف الزائدة، وأصله: لا كإن، فنقلت كسرة الهمزة إلى الكاف، وحذفت الهمزة، ف (لا) تفيد أن ما بعدها ليس كما قبلها بل هو مخالف له نفيا وإثباتا، و (إن) تحقق مضمون ما بعدها، ولا يخفى أثر التكلف فيما قالوا، وهو نوع من علم الغيب، وفيه نقل الحركة إلى المتحرك، وهو كما قالوا ان (كم) مركبة من الكاف و (ما)، والأصل عدم التركيب، قوله: (بين كلامين متغايرين معنى)، أي: في النفي والأثبات، والمقصود: التغاير المعنوي لا اللفظي، فإن اللفظي قد يكون نحو: جاءني زيد، لكن عمرا لم يجئ، وقد لا يكون 1، كقوله تعالى: (ولو أراكهم كثيرا) 2 إلى قوله: (ولكن الله سلم)، أي: ولكن الله لم يركهم كثيرا، وتقول: زيد حاضر، لكن عمرا مسافر، ولا يلزم التضاد بينهما تضادا حقيقيا بل يكفي تنافيهما بوجه ما، قال تعالى: (إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) 3، فإن عدم الشكر غير مناسب للأفضال، بل اللائق به أن يشكر المفضل، ومثله كثير، فإذا خففت ألغيت، والأخفش ويونس، أجازا إعمالها مخففة، ولا أعرف به شاهدا، ويجوز دخول الواو عليها مشددة ومخففة، ويجوز كون الواو عاطفة للجملة على الجملة، وجعلها اعتراضية أظهر من حيث المعنى، وجاء في الشعر حذف نون المخففة للساكنين، قال:


(1) نبهنا كثيرا إلى ضعف هذا الأسلوب، (2) من الآية 43 في سورة الأنفال، (3) الآية 243 سورة البقرة (*)،

[ 373 ]

860 - فلست بآتيه ولا مستطيعه * ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل 1 قوله: (وليت للتمني.. إلى آخره)، قد مضى شرحه في أول هذا الباب 2، قوله: (ولعل للترجي، وشذ الجر بها)، فيها إحدى عشرة لغة، أشهرها: لعل، جاء: لعن بعين غير معجمة، و: لغن، بغين معجمة، وآخرهما نون، وجاء: رعن، ورغن، بجعل الراء مقام اللام، ولأن، وأن، ولعاء بالمد، قال: 861 - لعاء الله فضلكم علينا * بشئ أن أمكم شريم 3 وقد يقال: لعلت، كربت، وعقيل: يجرون بلعل، مفتوحة اللام الأخيرة ومكسورتها، وكذا، بعل، مكسورة اللام ومفتوحتها، قال: 862 - فقلت ادع أخرى وارفع الصوت جهرة * لعل أبي المغوار منك قريب 4 وهي مشكلة، لأن جرها، عمل مختص بالحروف، ورفعها، لمشابهة الأفعال، وكون حرف عاملا عمل الحروف والأفعال في حالة واحدة مما لم يثبت، وأيضا، الجار لابد له من متعلق، ولا متعلق لها هنا، لا ظاهرا ولا مقدرا، فهي مثل (لو لا)، الداخلة على المضمر المجرور، عند سيبويه: جارة لا متعلق لها،


(1) من أبيات في وصف الذئب، قالها قيس بن عمرو بن مالك وشهرته النجاشي يصف لقاءة للذئب وأنه دعاه مشاركته في طعامه ومصادقته، فقال له الذئب إني لا أستطيع أن أخرج من طبعي... الخ والبيت في سيبويه ج 1 ص 9، (2) ص 332 في هذا الجزء، (3) المشهور الذي أورده كل من استشهد به من شراح الألفية وغيرهم: لعل، باللام المشددة كما هو المشهور في استعمالها وقوله شريم يقال امرأة شريم أي مفاضة اختلط قبلها بدبرها، وهو من العيوب، والبيت مجهول القائل، (4) من قصيدة لكعب بن سعد الغنوي، وأبو المغوار اسم رجل يرثيه كعب بهذه القصيدة، ويروى لعل أبا المغوار على اللغة الفصحي، وقبل هذا البيت قوله: وداع دعا يا من يجيب نداءه * فلم يستجبه عند ذاك مجيب... (*)

[ 374 ]

وفي البيت الذي أنشدناه، إن روي بفتح اللام الأخيرة، يحتمل أن يقال : اسم لعل، وهو ضمير الشأن، مقدر، وأبي المغوار مجرور بلام مقدرة، حذفت لتوالي اللامات، أي: لعله لأبي المغوار منك: جواب قريب، ويجوز أن يقال: ثاني لامي لعل محذوف، واللام المفتوحة جارة للمظهر، كما نقل عن الأخفش أنه سمع من العرب فتح لام الجر، الداخلة على المظهر، ونقل أيضا، ذلك عن يونس وأبي عبيدة 1 والأحمر 1، وإن روي بكسر اللام، فضمير الشأن، أيضا مقدر، مع حذف ثاني لامي لعل، لاجتماع الأمثال، ثم أدغمت الأولى، في لام الجر، ويجوز في هذه الرواية أن يقال: الأصل: لعا، أي انتعش، دعاء له، فأدغم تنوينه في لام الجر، وهذه الوجوه 2 متعذرة فيما أنشده أبو عبيدة: 863 - لعل الله يمكنني عليها * جهارا من زهير أو أسيد 3 بجر (الله)، واللام الأولى في (لعل) زائدة عند البصرية، أصلية عند الكوفية، لأن الأصل عدم التصرف في الحروف بالزيادة، إذ مبناها على الخفة، والبصرية نظروا إلى كثرة التصرف فيها والتلقب بها، وجواز زيادة التاء فيها، فإن سمي بها لم تنصرف عند البصريين، للتركيب والعلمية، وكذا عند الكوفيين، لشبه العجمة والعلمية، لأنها ليست من أوزان كلامهم،


(1) يونس بن حبيب، وأبو عبيدة: معمر بن المثنى، وخلف الأحمر، تقدم ذكرهم جميعا، (2) أي المذكورة في لعل، إذا جرت، (3) من أبيات قالها خالد بن جعفر من بني عامر، وهو شاعر جاهلي فارس، وزهير وأخوه أسيد بفتح الهمزة وكسر السين، ابني جذيمة بن رواحة العبسي كانت بينهما وبين بني عامر خصومة وقتل خالد زهيرا في قصة ذكرها البغدادي (*)،

[ 375 ]

(أحوال الاسم والخبر) (بعد هذه الأحرف) واعلم أن حال الاسم والخبر بعد دخول هذه الأحرف عليهما كحالهما قبل دخولها، لكنه يجب تأخير الخبر ههنا، إلا أن يكون ظرفا أو جارا أو مجرورا، فيجوز توسطه بين هذه الحروف وأسمائها، نحو: ان في الدار زيدا، وإن كان الاسم مع ذلك نكرة، وجب تأخيره، نحو: (إن لدينا أنكالا) 1 كما في المبتدأ والخبر، وكل ذلك قد ذكرناه في باب المرفوعات، في خبر (ان) 2، ولا يجوز حذف أسمائها التي ليست بضمير الشأن إلا في الشعر، على قلة وضعف، كقوله: 864 - فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي * ولكن زنجي غليظ المشافر 3 فيمن روى برفع (زنجي) أي: ولكنك زنجي، ومن روى بنصبه، فالخبر محذوف، أي: ولكن زنجيا هكذا، لا يعرف قرابتي، وأما ضمير الشأن فيجوز حذفه في الشعر كثيرا، كقوله: إن من لام في بني بنت حسان * ألمه، وأعصه في الخطوب 4 - 395 وقوله:


(1) الآية 12 سورة المزمل، (2) في الجزء الأول، (3) هو من شعر الفرزدق، وصوابه: غلاظا مشافره، لأنه من قصيدة موصولة بالهاء كما قال محقق الانصاف، والاستشهاد لا يتغير، والمشافر جمع مشفر بفتح الميم وكسرها وهو من البعير بمنزلة الشفة في الأنسان، وقصد الشاعر الشفاه وسماها مشافر تشبيها له بالأبل، (4) من شعر الأعشى ميمون بن قيس وتقدم ذكره في الجزء الثاني، في بحث ضمير الشأن (*)،

[ 376 ]

إن من يدخل الكنيسة يوما * يلق فيها جآذرا وظباء 1 - 77 وذلك لأن أداة الشرط، لا تعمل فيها العوامل اللفظية المتقدمة، وأما في غير الشعر ففيه خلاف، والأصح جوازه قليلا، لكن بشرط ألا يلي الأحرف فعل صريح، لكراهة دخول الأحرف المختصة بالاسم على الفعل الصريح، فلا تقول: ان قام زيد بمعنى إنه قام زيد، وحكى الخليل 2 عن بعض العرب: إن بك زيد مأخوذ، أي: إنه، وتقول: إن في الدار يجلس أخواك، قال: 865 - كأن على عرنينه وجبينه * أقام شعاع الشمس أو طلع البدر 3 وإنما جاز حذف ضمير الشأن من غير ضعف، لبقاء تفسيرة، وهو الجملة فهو كالزائد، وجاء في الخبر: (ان من أشد الناس عذابا يوم القيامة: المصورون)، وعند الكسائي: (من) فيه زائدة، وعند ابن كيسان 4 الحروف في مثله، غير عاملة لف ظا، كالمكفوفة، وإذا علم الخبر جاز حذفه مطلقا، سواء كان الاسم معرفة أو نكرة، والكوفيون يشترطون تنكير الاسم، لكثرة ما جاء كذلك، نحو قوله: 866 - إن محلا وإن مرتحلا * وإن في السفر إذ مضوا مهلا 5 أي: ان لنا محلا في الدنيا، ومرتحلا في الآخرة، وإن في رحيل السفر إذ مضوا إلى الآخرة مهلا، أي سبقا، أي: لا يرجع الراحلون إلى الآخرة،


(1) تقدم ذكره في باب المبتدأ والخبر في الجزء الأول وفي ضمير الشأن في آخر الجزء الثاني، (2) نقله عنه سيبويه في الجزء الأول ص 181، (3) قال البغدادي لم أقف على قائل هذا البيت ولم أره إلا في كتاب الضرائر، ثم ذكر ما يشبهه في معناه وأورد بيتا يتفق معه في صدره منسوبا إلى خارجة بن فليح الملكي ثم قال: لم أدر السابق منهما، (4) تكرر ذكره في هذا الجزء وفي الأجزاء السابقة، (5) من شعر الأعشى ميمون بن قيس واستشهد به كثير من النجاة، وهو في سيبويه ج 1 ص 284، وقد شرحه الرضي، وبين وجه الاستشهاد به (*)،

[ 377 ]

وتقول: إن مالا وإن ولدا، وإن غيرها ابلا أو شاء، أي: إن لنا ذلك، والفراء يشترط في جواز حذف أخبارها: تكرير (ان)، كما قيل، ان أعرابيا قيل له: إن الزبابة الفأرة 1، فقال: ان الزبابة، ان الفأرة، أي: هما مختلفان، والرد على المذهبين: ما روي أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله، ان الأنصار نصرونا ووصلونا، قد فضلونا، وآوونا، وفعلوا بنا، فقال عليه الصلاة والسلام: ألستم تعرفون ذلك، قالوا: بلى يا رسول الله، فقال عليه السلام: ان ذلك، أي: ان ذلك كذلك، وما روي من قول عمر بن عبد العزيز، لمن مت إليه 2 بقرابة: ان ذلك، أي مصدق، ثم ذكر المات حاجته، فقال عمر: لعل ذلك، أي: لعل مطلوبك حاصل ، وقال تعالى: (ان الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله) 3، أي: هلكوا، وقيل: الخبر: يصدون، والواو زائدة، وقال الشاعر: 867 - خلا أن حيا من قريش تفضلوا * على الناس أو أن الأكارم نهشلا 4 قال ابن يعيش 5: لم يأت خبر (ان) المحذوف، الا ظرفا أو جارا ومجرورا، قال: والجيد أن يقدر في: ان ذلك، ولعل ذلك: الظرف، أيضا، أي ان لك ذلك، ولعل لك ذلك 6، وأقول: لا ملجئ إلى جعل جميع الأخبار المحذوفة ظروفا، فلم نرتكبه ؟ بل نقدر


(1) الزبابة بالزاي: فأرة صماء يقال فيها أسرق من زبابة، فهي نوع من الفئران، (2) يقال مت إليه بقرابة، أي اتصل به على وجه من أوجه القرابة،. (3) الآية 24 سورة الحج، (4) ينسب إلى الأخطل التغلبي، وممن نسبه إلى الأخطل: ابن الشجري في أمالية، وقال ان البيت آخر القصيدة، قال البغدادي: وللأخطل قصيدة على هذا الوزن والروي، ولم أجده فيها، والأكارم جمع أكرم، ونهشل بن دارم أبو قبيلة من العرب، (5) في شرحه على المفصل، ج 1 ص 103، (6) أي في الجمل التي تقدمت في تقدمت في قصة عمر بن عبد العزيز مع من مت إليه بقرابة (*)،

[ 378 ]

ما يستقيم به معنى الكلام، ظرفا كان، أو، لا، وقد يسد مسد الخبر: واو المصاحبة، نحو: ان كل رجل وضيعته، والحال نحو: ان ضربي زيدا قائما، وأما قولك: ليت شعري، فالشعر بمعنى الفطنة، مصدر من شعرت اشعر كنصرت أنصر، أي فطنت له، قال سيبويه 1: أصله: ليت شعرتي حذفوا الهاء في الأضافة كما في قولهم: أبو عذرها 1، فلعلة لم يثبت عنده مصدرا إلا بالهاء، كالنشدة، والا فلا موجب لجعل المصدر من باب الهيئة كالجلسة والركبة، والتزم حذف الخبر في: ليت شعري، مردفا باستفهام، نحو: ليت شعري: أتأتيني أم لا، وهذا الاستفهام مفعول (شعري)، كما ذكرنا في أفعال القلوب في نحو: علمت أزيد عندك أم عمرو، أي ليت علمي بما يسأل عنه بهذا الاستفهام حاصل، وقال المصنف: هذا الاستفهام قائم مقام الخبر، كالجار والمجرور، في: ليتك في الدار، وفيه نظر، لأن (شعري) مصدر، معناه متعلق بمضمون الجملة الاستفهامية فهي من حيث المعنى مفعول (شعري)، ومفعول المصدر لا يكون ذلك المصدر حتى يخبر به عنه، لأن علمك بالشئ: غير ذلك الشئ، وقال ابن يعيش 3: الاستفهام ساد مسد الخبر، كسد جواب (لو لا) مسد خبر المبتدأ، وفيه، أيضا، لأن محل خبر (شعري) الذي هو مصدر، بعد جميع ذيوله، من فاعله ومفعوله، فمحله بعد الاستفهام، فكيف يكون الاستفهام في مقام الخبر، ومقامه بعده، بل هو خبر وجب حذفه بلا ساد مسده، لكثرة الاستعمال،


(1) ذكره سيبويه في باب المصادر التي تجئ على وزن فعلة... ج 2 ص 229، (2) العذرة: البكارة في المرأة، وبها سميت عذراء وأبو عذرتها وعذرها كأنه أخذ بكارتها، ويقال لمن فعل أمرا انفرد به، ولم يفعله غيره، (3) انظر شرحه على المفصل ج 1 ص 104، 105 (*)،

[ 379 ]

وقد يحذف الاستفهام مع العلم، نحو قوله: 868 - ليت شعري مسافر بن أبي عمرو، وليت يقولها المحزون 1 أي: ليت شعري أنجتمع أم لا، ومسافر، منادي، وقد يخبر ههنا، بشرط الأفادة، عن نكرة بنكرة، لأنا ذكرنا في باب المبتدأ، أن التخصيص غير مشروط في المبتدأ، مع حصول الفائدة، وإنما لم يخبر عن المبتدأ المنكر بخبر مؤخر، لئلا يلتبس المبتدأ بالخبر، وذلك لتوافق اعرابيهما، وأما ههنا فالأعرابان مختلفان، قال: فإن شفاء عبرة مهراقة 2... - 724 على ما أنشد سيبويه، ويجوز، أيضا، الأخبار عن النكرة بالمعرفة، نحو: ان كريما أبوك، قال تعالى: (فإن حسبك الله) 3، كما قلنا في باب كان، في:.. أظبي كان أمك أم حمار 4 - 512 ويجوز أن يكون (كفافا) في قوله: 869 - فليت كفافا كان خيرك كله * وشرك عني ما ارتوى الماء مرتوي 5


(1) أورده سيبويه في ج 2 ص 32، وليت، الثانية منونة مرفوعة لأنه قصد لفظها وفي شرح الشواهد للأعلم أن مسافر بن أبي عمرو، رجل من قريش كان صديقا لأبي طالب فرثاه، وبعد البيت: بورك الميت القريب كما بو * رك نضج الرمان والزيتون وهي في خزانة الأدب، (2) تقدم في ص 206 من هذا الجزء، (3) من الآية 62 سورة الأنفال، (4) تقدم في الجزء الثالث وفي هذا الجزء، (5) من قصيدة ليزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي، في عتاب عبد الرحمن بن عثمان بن أبي العاص، وهو ابن عمه، وهي قصيدة جيدة، أولها قوله (*):

[ 380 ]

اسم ليت، والجملة خبره، على أن يروى (خيرك) بالنصب، فيكون اسم كان، أيضا نكرة، لكونه ضميرا راجعا إلى (كفافا)، وإن روي برفعه، فاسم (ليت)، ضمير شأن محذوف، وقوله (خيرك وشرك) اسم كان، كفافا، خبره، ولم يثن لكونه مصدرا في الأصل، و (عني) متعلق بكفافا، أي، مكفوفين عني، والماء، على هذا الوجه، منصوب، أي: ما ارتوى من الماء مرتو، وقيل: شرك مرتو، بتقدير: مرتويا: اسم وخبر، معطوف على اسم كان وخبره، أعني خيرك كفافا، أي: كان خيرك كفافا وشرك مرتويا عني، أي كافا، فحذف النصب 1 ضرورة كما في قوله: 870 - فلو أن واش باليمامة داره * وداري بأعلى حضر موت، اهتدى ليا 2 ويكون الماء، على هذا الوجه، مرفوعا، فاعل (ارتوى)، أي: ما دام الماء ريان،


= تكاشرني كرها كأنك ناصح * وعينك تبدي أن صدرك لي دوى وشرح الرضي بيت الشاهد بما فيه الكفاية، والقصيدة بتمامها في الأمالي ج 1 ص 68، (1) أي حركته والحرف المتحرك بها في حالة التنوين، فعومل معاملة المرفوع والمجرور، (2) واش: اسم أن، وحقه أن يكون: واشيا، والبيت من قصيدة لمجنون بني عامر: قيس بن الملوح، قال البغدادي: هي من أشهر قصائدة، ومنها قبل هذا البيت: خليلي لا والله، لا أملك الذي * قضى الله في ليلي ولا ما قضي لياى قضاها لغيري وابتلاني بحبها * فهلا بشئ غير ليلى ابتلانيا (*)

[ 381 ]

(حروف العطف) (الواو، الفاء، ثم، حتى) (معانيها وأحكامها) (قال ابن الحاجب:) (الحروف العاطفة: الواو، والفاء، وثم، وحتى، وأو،) (وإما، وأم، ولا، وبل، ولكن، فالأربعة الأولى للجمع) (فالواو للجمع مطلقا، لا ترتيب فيها، والفاء للترتيب، وثم) (مثلها بمهلة، وحتى مثلها، ومعطوفها جزء من متبوعه) (لتفيد قوة أو ضعفا)، (قال الرضي:) اعلم أن بعضهم عد (أي) المفسرة منها، وعند الأكثرين: أن ما بعدها عطف بيان لما قبلها، كما قال بعضهم: ان (بل) التي بعدها مفرد، نحو: جاءني زيد بل عمرو، أو: ما جاءني زيد بل عمرو، ليست منها، لأن ما بعدها بدل غلط مما قبلها، وبدل الغلط بدونها غير فصيح، وأما معها ففصيح مطرد في كلامهم، لأنها موضوعة لتدارك مثل هذا الغلط، قوله: (للجمع)، مراد النجاة بالجمع ههنا: ألا تكون لأحد الشيئين أو الأشياء، كما كانت (أو) و (إما)، وليس المراد: اجتماع المعطوف والمعطوف عليه في الفعل،

[ 382 ]

في زمان أو في مكان، فقولك جاءني زيد وعمرو، أو: فعمرو، أو: ثم عمرو، أي حصل الفعل من كليهما، بخلاف: جاءني زيد أو عمرو، أي حصل الفعل من أحدهما دون الآخر، قوله: (فالواو للجمع مطلقا)، معنى المطلق، أنه يحتمل أن يكون حصل من كليهما في زمان واحد، وأن يكون حصل من زيد أولا، وأن يكون حصل من عمرو أولا، فهذه ثلاثة احتمالات عقلية، لا دليل في الواو على شئ منها، هذا مذهب جميع البصريين والكوفيين، ونقل بعضهم عن الفراء والكسائي وثعلب، والربعي، وابن درستويه 1، وبه قال بعض الفقهاء: انها للترتيب، دليل الجمهور: استعمالها فيما يستحيل فيه الترتيب، وفيما: الثاني فيه قبل الأول، كقوله: 871 - أغلى السباء بكل أدكن عاتق * أوجونة قدحت وفض ختامها 2 وقوله تعالى: (واسجدي واركعي) 3، وقوله تعالى: (نموت ونحيا) 4، والأصل في الاستعمال: الحقيقة، ولو كانت للترتيب، لتناقض قوله تعالى: (وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) 5، وقوله تعالى في موضع آخر: (وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا) 6، إذ القصة واحدة، ثم اعلم أن الواو، مرة تجمع وتشرك الاسمين فصاعدا، في فعل واحد، نحو: قام زيد وعمرو، أي حصل منهما القيام، ومرة تجمع الفعلين فصاعدا في اسم واحد نحو:


(1) تقدم ذكر هؤلاء جميعا في أجزاء هذا الشرح، (2) من معلقة لبيد بن ربيعة العامري، وقوله أغلى السباء، أي اشترى الخمر بالثمن الغالي، والمراد بالأدكن الزق الذي يوضع فيه الخمر، والجونة: الخابية المطلية بالقار والباء في بأد كن بمعنى في، أي اشترى الخمر الموضع في الزق الأدكن أو الجونة.. الخ، (3) من الآية 43 في سورة آل عمران، (4) من الآية 24 سورة الجائية، (5) الآية 58 سورة البقرة، (6) الآية 161 سورة الأعراف (*)،

[ 383 ]

زيد قام وقعد، أي حصل كلا الفعلين من زيد، ومرة تجمع مضموني الجملتين فصاعدا في الحصول، نحو: قام زيد، وقعد عمرو، ونحو: زيد قائم وعمرو قاعد، فإن قلت: لو لم تجئ بالواو في عطف الجملة، لعلم، أيضا، حصول مضموني الجملتين، فما فائدتها ؟ قلنا: بلى، ولكن كان يحتمل احتمالا مرجوحا: أن يكون الكلام الأول غلطا، ويحتمل حصول أحد الأمرين، فبالواو صار نصا في حصول الأمرين معا، ففائدة الواو في مثله، كفائدة (لا) في مثل قولك: ما جاءني زيد ولا عمرو، كما يجئ، فكأنه زائد يفيد النص، وإن لم يعده النجاة في الزوائد، واعلم أنك إذا نفيت نحو: جاءني زيد وعمرو، مثلا، وقلت: ما جاءني زيد وعمرو، بلا قيد، فهو في الظاهر نفي للاحتمالات الثلاثة، أي: لم يجيئا، لا في وقت واحد، ولا مع الترتيب والأكثر على ألا يعطف على المنفي بالواو، الا وبعد الواو (لا)، نحو: ما جاءني زيد ولا عمرو، وذلك لأن الواو، وإن كان في الظاهر للجمع المشتمل على الاجتماع في وقت، وعلى الترتيب، إلا أنه، لما كان يستعمل كثيرا للاجتماع في وقت، كما في المفعول معه، وواو الصرف 1، ومع العطف أيضا، نحو: كل رجل وضيعته، وكيف أنت وقصعة من ثريد، خيف أن يكون مراد المتكلم: ما جاءني زيد مع عمرو، فيكون قد نفى الاجتماع في وقت، لا ترتب مجئ أحدهما على مجئ الآخر، فجئ بلا، في الأغلب دفعا لهذا التوهم، وبيان أن المراد نفي الاحتمالات الثلاثة، وقد تزاد فيما لا يحتمل الترتيب طردا، كقوله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا


(1) المراد بها الواو التي ينصب بعدها المضارع في جواب الأمور المعروفة، لأنها تصرف ما بعدها عن ظاهر العطف الذي هو أصلها، وانظر تفصيل ذلك في نواصب المضارع أول هذا الجزء (*).

[ 384 ]

السيئة) 1، وقوله: (وما يستوي الأحياء ولا الأموات) 2، وإن أردت نفي بعض الاحتمالات دون بعض، فلا بد من القيد، نحو: مإ، جاءني زيد وعمرو معا، أو ما جاءني زيد أولا وعمرو ثانيا، أو: ما جاءني زيد ثانيا وعمرو أولا، فينتفي بعد أن تيد بأحد الاحتمالات الاحتمالان الآخران، وأما لو كررت العامل فقلت: ما جاءني زيد، وما جاءني عمرو، فهو، عند سيبويه: نفي للمجيئين، المنقطع أحدهما عن الآخر، كأن المخاطب توهم أنه حصل مجئ كل واحد منهما، لكن منقطعا عن مجئ الآخر، فرفعت بهذا الكلام وهمه، وعند المازني 3: هو أيضا، نفي للاحتمالات الثلاثة، كما كان من دون تكرير العامل، وهذا القول أقرب، وتكون فائدة تكرير الفعل المنفي، كفائدة زيادة (لا) بعد الواو، وأكثر، قوله: (والفاء للترتيب)، اعلم أن الفاء تفيد الترتيب، سواء كانت حرف عطف أو، لا، فإن عطفت مفردا على مفرد، ففائدتها: أن ملابسة المعطوف لمعنى الفعل المنسوب إليه وإلى المعطوف عليه: بعد ملابسة المعطوف عليه بلا مهلة، فمعني قام زيد فعمرو: أي حصل قيام عمرو عقيب قيام زيد بلا فصل، ومعنى ضربت زيدا فعمرا، أي وقع الضرب على عمرو عقيب وقوعه على زيد، وإذا دخلت على الصفات المتتالية والموصوف واحد، فالترتيب ليس في ملابستها لمدلول عاملها، كما كان في نحو: جاءني زيد فعمرو، بل في مصادر تلك الصفات، كقولك: جاءني زيد، الآكل فالنائم، أي: الذي يأكل فينام، كقوله:


(1) الآية 34 سورة فصلت، (2) الآية 22 سورة فاطر، (3) أبو عثمان المازني ممن تكرر ذكرهم في هذا الشرح (*)،

[ 385 ]

يا لهف زيابة للحارث الصا * ئح فالقائم فالآيب 1 - 340 أي: الذي يصبح فيغنم فيووب،. وإن لم يكن الموصوف واحدا، فالترتيب في تعلق مدلول العامل بموصوفاتها كما في الجوامد نحو قولهم في صلاة الجماعة: يقدم الأقرأ، فالأفقه، فالأقدم هجرة، فالأسن 2، فالأصح، وإن عطفت الفاء جملة على جملة، أفادت كون مضمون الجملة التي بعدها عقيب مضمون الجملة التي قبلها بلا فصل، نحو: قام زيد فقعد عمرو، وقد تفيد الفاء العاطفة للجمل: كون المذكور بعدها، كلاما مرتبا على ما قبلها في الذكر، لا أن مضمونها عقب مضمون ما قبلها في الزمان، كقوله تعالى: (ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين) 3، وقوله: (وأورثنا الأرض، نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين) 4، فإن ذكر ذم الشئ أو مدحه يصح بعد جري ذكره، ومن هذا الباب عطف تفصيل المجمل، على المجمل، كقوله تعالى: (ونادى نوح ربه، فقال رب إن ابني من أهلي) 5، الآية، وتقول: أجبته فقلت لبيك، وذلك أن موضع ذكر التفصيل، بعد الاجمال، ومنه قوله تعالى: (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا) 6، لأن تبييت البأس تفصيل للأهلاك، المجمل، وقد تجئ الفاء العاطفة للمفرد، بمعنى (إلى)، على ما حكى الزجاجي 7، تقول


(1) تقدم ذكره وانظر فهرس الشواهد، (2) أي الأكبر سنا، (3) الآية 72 من سورة الزمر، (4) الآية 74 سوره الزمر، (5) الآية 45 سورة هود، (6) الآية 4 سورة الأعراف، (7) الزجاجي: عبد الرحمن بن اسماعيل، منسوب إلى الزجاج لأنه تلميذه (*)،

[ 386 ]

العرب: مطرنا ما زبالة فالثعلبية 1، بحذف (بين) مع كونه مرادا، ويقيم 2 المضاف إليه مقام المضاف ويعربه بإعرابه، وهذا كما تقول: هي أحسن الناس ما بين قرن إلى قدم، وما بين قرن فقدم، وما قرنا فقدما، ولا يجوز حذف (ما) لكونه موصولا فلا تقول: مطرنا زبالة فالثعلبية، ولا: هي أحسن الناس قرنا فقدما، وحكي اجازته عن هشام 3، ومثل قوله: 872 - قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل 4 فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها * لما نسجتها من جنوب وشمأل الفاء فيه بمعنى (إلى)، أي: منازل بين الدخول إلى حومل، إلى توضح إلى المقراة، فإن قلت: كيف هذا وأنت لا تقول: خرجت إلى زيد إلى عمرو، إذ الفعل لا يتعلق به حرفا جر بمعنى واحد، كما مر، بلا عطف، قلت: يستعمل في تحديد الأماكن، نحو قولك: اشتريت ما بين الموضع الفلاني، إلى دار زيد، إلى دار عمرو، إلى دار خالد، بحذف الواو تخفيفا، لدلالة الكلام عليه، قال النابغة الجعدي: 873 - أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي * إلى جانب الصمان فالمتثلم 5 أقامت به البردين ثم تذكرت * منازلها بين الدخول فجرثم ومسكنها بين العروب إلى اللوى * إلى شعب ترعى بهن فغيهم


(1) مكانان بالعراق، (2) أي المتكلم بهذا الأسلوب الذي حكاه الزجاجي، (3) هشام بن معاوية الضرير، تقدم ذكره، (4) مطلع معلقة امرئ القيس، وتكرر الاستشهاد بأبياتها في هذا الشرح، والدخول وحومل، وتوضح، والمقراة، كلها أسماء أمكنة، (5) الأبيات الثلاثة مطلع قصيدة للنابغة الجعدي، وفي ألفاظها اختلاف في الرواية كما أن في ترتيبها هكذا خلاف أيضا، وكل ما فيها أسماء لأمكنة، والبردين تثنيه برد، والمراد: البرد في أول النهار والبرد في آخره (*)،

[ 387 ]

فإذا اكثر ذلك مع حرف الجر، أعني (إلى) فحذفه مع فاء العطف التي هي بمعناه: أولى، بل هو واجب لامتناع اجتماع حرفي عطف، ويجوز أن يكون المعنى: قفا نبك بين منازل الدخول فمنازل حومل، فمنازل توضح فمنازل المقراة، وكذا في غير هذا الموضع، وأما قوله: 874 - يا درامية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الأمد 1 فالفاء فيه لأفادة الترتيب في الذكر، لأنه يذكر في تعريف الأمكنة: الأخص بعد الأعم، فكأن العلياء موضع وسيع، تشتمل على مواضع منها السند، فهو كقولك: داري ببغداد فالكرخ، فإذا نفيت، مثلا، قولك: جاءني زيد فعمرو، فقلت: ما جاءني زيد فعمرو، فأنت ناف لتعقيب مجئ عمرو لمجئ زيد، فيمكن أن يحصل المجيئان في حالة، وأن يحصل مجئ عمرو قبل مجئ زيد، هذا الذي ذكرنا كله، حكم فاء العطف، والتي لغير العطف، أيضا، لا تخلو من معنى الترتيب، وهي التي تسمى فاء السبية، وتختص بالجمل، وتدخل على ما هو جزاء، مع تقدم كلمة الشرط نحو: إن لقيته فأكرمه، ومن جاءك فأعطه، وبدونها، نحو: زيد فاضل فأكرمه، وتعريفه 2 بأن يصلح تقدير (إذا) الشرطية قبل الفاء، وجعل مضمون الكلام السابق شرطها، فالمعنى في مثالنا: إذا كان كذا، فأكرمه، وهو كثير في القرآن المجيد، وغيره، قال تعالى: (أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما، فليرتقوا في الأسباب) 3، وقال تعالى: (قال أنا


(1) مطلع قصيدة النابغة الذبياني التي تعد إحدى المعلقات في رأي بعض العلماء، (2) أي الضابط الذي يمكن معرفته به، (3) الآية 10 سورة ص (*)،

[ 388 ]

خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، قال فاخرج منها) 1، أي: إذا كان عندك هذا الكبر فاخرج، وقال: (رب فأنظرني)، أي إذا كنت لعنتني فأنظرني، وقال: (فإنك من المنظرين)، أي إذا اخترت الدنيا على الآخرة فإنك من المنظرين، (قال فبعزتك)، أي إذا أعطيتني هذا المراد فبعزتك (لأغوينهم) وكثيرا ما تكون فاء السببية بمعنى لام السببية، وذلك إذا كان ما بعدها مسببا لما قبله، كقوله تعالى: (اخرج منها فإنك رجيم) 2، وتقول: أكرم زيدا فإنه فاضل، فهذه تدخل على ما هو الشرط في المعنى، كما أن الأولى دخلت على ما هو الجزاء في المعنى، وذلك أنك تقول: زيد فاضل فأكرمه، وتعكس فتقول: أكرمه فإنه فاضل، ثم اعلم أنه لا تنافي بين السببية والعاطفة، فقد تكون سببية وهي مع ذلك عاطفة جملة على جملة، نحو: يقوم زيد فيغضب عمرو، لكن لا يلازمها العطف نحو إن لقيته فأكرمه، ثم إنه قد يؤتى في الكلام بفاء موقعها موقع السببية، وليست بها، بل هي زائدة، وفائدة زيادتها: التنبية على لزوم ما بعدها لما قبلها لزوم الجزاء للشرط، كما تقدم في الظروف المبنية 3، وقد تجئ زائدة في غير هذا الموضع المذكور، نحو: زيد فوجد، عند الأخفش، وقوله: لا تجزعي ان مفغسا أهلكته * فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي 4 - 46 ثم اعلم ءن إفادة الفاء للترتيب، لا ينافيها كون الثاني المترتب يحصل بتمامه في زمان طويل، إذا كان أول أجزائه متعقبا لما تقدم، كقوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء


(1) هذا وكل ما سيذكره الشارح من الآيات: 76 إلى 82 في سورة ص: (2) الآية 34 سورة الحجر، (3) في الجزء الثالث، (4) تقدم الاستشهاد به في الجزء الأول باب المبتدأ والخبر: وتكرر في مواضع أخرى، وهو في سيبويه ج 1 ص 67، وهو للنمر بن تولب (*)،

[ 389 ]

فتصبح الأرض مخضرة) 1، فإن اخضرا الأرض، يبتدئ بعد نزول المطر، لكن يتم في مدة ومهلة، فجئ بالفاء، نظرا إلى أنه لا فصل بين نزول المطر وابتداء الاخضرار، ولو قال: ثم تصبح، نظرا إلى تمام الاخضرار، جاز، وكذا قوله تعالى: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة) 2، نظرا إلى تمام صيرورتها علقة، ثم قال: (فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما)، نظرا إلى ابتداء كل طور، ثم قال: (ثم أنشأناه خلقا آخر)، إما نظرا إلى تمام الطور الأخير، وإما استبعادا لمرتبة هذا الطور الذي فيه كمال الانسانية، من الأطوار المتقدمة، قوله: (وثم مثلها بمهلة)، أي مثل الفاء في الترتيب، إلا أنها تختص بالمهلة والتراخي، ومن ثم قال سيبويه في: مررت بزيد ثم عمرو: ان المرور: مروران 3، ولا تكون إلا عاطفة، ولا تكون للسببية، إذ لا يتراخى المسبب عن السبب التام، ولا تعطف المفصل على المجمل كالفاء، وقد تجئ في الجمل خاصة، لاستبعاد مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها، وعدم مناسبته له كما ذكرنا في قوله تعالى: (ثم أنشأناه خلقا آخر)، وكقوله تعالى: (خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) 4، فالاشراك بخالق السموات والأرض مستبعد، غير مناسب وهذا المعنى: فرع التراخي ومجازه، وكذا في قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة) ثم قال: (ثم كان من الذين آمنوا) 5، فإن الأيمان بعيد المنزلة من فك الرقبة، والأطعام، بل لا نسبة بينه وبينهما، وكذا قوله (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) 6، فإن بين توبة العبد، وهي انقطاع العبد إليه بالكلية وبين طلب المغفرة بونا بعيدا،


(1) الآية 63 سورة الحج، (2) الآيتان 13، 14 سورة المؤمنون، (3) يعني أن المرور حصل مرتين، (4) أول آية في سورة الأنعام، (5) من الآية 11 إلى 17 سورة البلد، (6) الآية 3 سورة هود (*)،

[ 390 ]

وقد تجئ (ثم) لمجرد الترتيب في الذكر، والتدرج في درج الارتقاء وذكر ما هو الأولى ثم الأولى من دون اعتبار التراخي والبعد بين تلك الدرج ولا أن الثاني بعد الأول في الزمان، بل ربما يكون قبله، كما في قوله: 875 - إن من ساد ثم ساد أبوه * ثم قد ساد قبل ذلك جده 1 فالمقصود ترتيب درجات معالي الممدوح، فابتدأ بسيادته، ثم بسيادة أبية، ثم بسيادة جده، لأن سيادة نفسه أخص ثم سيادة الأب ثم سيادة الجد، وإن كانت سيادة الأب مقدمة في الزمان على سيادة نفسه، فثم، ههنا، كالفاء في قوله تعالى (فبئس مثوى المتكبرين) 2 كما ذكرنا، وقد تكون ثم، والفاء، أيضا، لمجرد التدرج في الارتقاء، وإن لم يكن الثاني مترتبا في الذكر على الأول، وذلك أن تكرر الأول بلفظه، نحو: بالله، فبالله أو: والله ثم والله، وقوله تعالى: (وما أدراك ما يوم الدين، ثم ما أدراك ما يوم الدين) 3، وقوله: (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون) 4، وأما قوله تعالى: (فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون) 5، فأقام العلة مقام المعلول 6، وقوله تعالى: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدي) 7، أي بقي على ذلك الهدى من التوبة والأيمان والعمل الصالح، كما قيل في: ( اهدنا الصراط


(1) من أبيات لأبي نواس: الحسن بن هاني في مدح العباس بن عبيد الله بن جعفر والرواية: قل لمن سار.. الخ وبعده: وأبو جده فساد إلى أن يتلاقى نزاره ومعده، وليس القصد به الاستشهاد وإنما هو تمثيل لأمر معنوي، (2) الآية 72 المتقدمة من سورة الزمر، (3) الآيتان 17، 18 سورة الانطار، (4) الآيتان 3، 4 سورة التكاثر، (5) الآية 46 سورة يونس، (6) لأن التقدير: ثم نعذبهم لأن الله شهيد... (7) الآية 82 سورة طه (*)،

[ 391 ]

المستقيم) 1، أي أبقنا عليه، فاستعمل (ثم)، نظرا إلى تمام البقاء، واستبعادا لمرتبة البقاء عليها من مرتبة ابتدائها، لأن البقاء عليها أفضل، فيكون كما قلنا في قوله: (ثم أنشأناه خلقا آخر) 2، من الوجهين، (همزة الاستفهام) (مع هذه الأحرف) وقد تدخل همزة الاستفهام المفيدة للأنكار على واو العطف، كقوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات، وما يكفر بها إلا الفاسقون، أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم) 3، الآية، فقوله: أو كلما، عطف على (لقد أنزلنا)، والهمزة لأنكار الفعل 4، وقد يكون الاستفهام للتوبيخ، أو التقرير، إذا دخلت همزته على جملة منفية، كقوله تعالى: (قالوا لو لا أوتي مثل ما أوتي موسى، أو لم يكفروا...) 5، عطف (لم يكفروا) على: (قالوا لو لا أوتي)، وكذا تدخل على فاء العطف، للأنكار، كقوله تعالى: (ومنهم من يستمعون إليك) أفأنت تسمع الصم) 6، فقوله (أنت تسمع الصم)، عطف على: (ومنهم من يستمعون)، أي بعضهم يستمع إليك غير سامع في الحقيقة، أفأنت تسمع هؤلاء الصم،


(1) الآية 6 سورة فاتحة الكتاب، (2) في آية (المؤمنون) السابقة، (3) الآيتان 99، 100 سورة البقرة، (4) الذي هو النبذ في قوله نبذه فريق منهم، (5) الآية 48 سورة القصص، (6) الآية 42 سورة يونس (*)،

[ 392 ]

وكذا قوله: (ومنهم من ينظر إليك، أفأنت تهدي العمى) 1، أي ينظر إليك، غير مبصر في الحقيقة، وتكون الهمزة للتوبيخ أو التقرير إذا دخلت على النفي، وقد تدخل على فاء السببية كقوله تعالى: (من إله غير الله يأتيكم بضياء، أفلا تسمعون) 2، أي إذإ، كان كذا فلم لا تسمعون، وكذا قوله تعالى: (من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون) 3 فالفاء للسببية والهمزة للتوبيخ، أو التقرير، وكذا تدخل همزة الأنكار على (ثم)، المفيدة للاستبعاد، كقوله تعالى: (ماذا يستعجل منه المجرمون، أثم إذا ما وقع آمنتم به) 4، فثم، ههنا، مثلها في قوله تعالى: (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) 5، لأن الأيمان بالشئ مستبعد من استعجاله، استهزاء، وهذه الحروف، ليست بعاطفة على معطوف عليه مقدر، كما يدعيه جار الله في الكشاف، ولو كانت كما قال، لجاز وقوعها في أول الكلام، قبل تقدم ما يكون معطوفا عليه، ولم تجئ إلا مبنية على كلام متقدم، (زيادة هذه الأحرف) وهذه الحروف الثلاثة، تجئ عند الأخفش زائدة، والبصريون يؤولون فيما يقبل التأويل، صيانة للحروف من الزيادة،


(1) الآية 43 سورة يونس، (2) الآية 71 سورة القصص، (3) الآية 72 سورة القصص، (4) الآيتان 50، 51 سورة يونس، (5) أول سورة الأنعام وتقدمت قريبا (*)،

[ 393 ]

أما الواو، فمثل قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه) 1، قال البصريون: جواب (لما) محذوف، أي.. وتله للجبين وناديناه، كان هناك ما لا يوصف من ألطافه تعالى، وكذا قوله: 876 - فلما أجزنا ساحة الحي وانتحي * بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل 2 وأما قوله: 877 - ولما رأي الرحمن أن ليس فيهم * رشيد، ولا ناه أخاه عن الغدر 3 وصب عليهم تغلب ابنة وائل * فكانوا عليهم مثل راغية البكر فالمعنى: غضب عليهم، وصب بحذف المعطوف عليه، وكذا قوله: 878 - فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن * إلا كلمة حالم بخيال 4 أي: فإذا إلمامك وذلك الألمام، وأما الفاء ففي قوله: أراني إذا ما بت، بت على هوى * فثم إذا أصبحت، أصبحت غاديا 5 - 640 قيل: الفاء زائدة، وقيل: بل الزائد (ثم) لحرمة التصدر، وأجاز الأخفش: زيد فوجد، وزيد فقائم، قياسا على زيادة الفاء مستدلا بقول الشاعر:


(1) الآيتان 103، 104 سورة الصافات، (2) من معلقة امرئ القيس، التي تكرر الاستشهاد بأبيات منها، والخبت باطن الأرض الملساء، والحقاف جمع حقف وهو الرمل المنعطف، العقنقل: المجتمع الكثير، (3) البيتان من قصيدة للأخطل التغلبي، ويروى: أمال عليهم تغلب فيخرج بذلك عن موضوع الاستشهاد، وتغلب قبيلة الأخطل وقال: ابنة بهذا الاعتبار ثم قال فكانوا باعتبار الحي، (4) من أبيات لتميم بن مغيل، وأورد البغدادي نظائر لهذا الشاهد، من كلام أبي كبير الهذلي، وربيعة بن مقروم الضبي، واللمة بفتح اللام المشدة بمعنى الألمام وهو ملابسة الشئ على وجه سريع، (5) تقدم في هذا الجزء ص 49 وهو من قصيدة لزهير بن أبي سلمى (*)،

[ 394 ]

وقائلة خولان فانكح فتاتهم * واكرومة الحيين خلو كما هيا 1 - 76 والفاء في قوله: أبا خراشة أما أنت ذا نفر * فان قومي لم تأكلهم الضبع 2 - 240 زائدة عند البصريين دون الكوفيين، كما مر في بابه، وأما (ثم) فقال الأخفش: هي زائدة في قوله تعالى: (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ثم تاب عليهم) 3، ولا منع من ارتكاب حذف المعطوف عليه، أي: ألهمهم الأنابة، ثم تاب عليهم، وكل ما جاء من مثله، فإن أمكن الاعتذار عنه، فهو أولى، وإلا، فليحكم 5 بزيادة الحرف، وأنشد أبو زيد 4 لزيادة (أم) قول الراجز: 879 - يا دهر، أم ما كان مشيي رقصا * بل قد تكون مشيتي توقصا 5 قوله: (وحتى مثلها)، يعني: مثل (ثم) في الترتيب والمهلة، وقال الجزولي 6: المهلة في (حتى)، أقل منها في (ثم) فهي متوسطة بين الفاء، التي لا مهلة فيها، وبين (ثم)، المفيدة للمهلة، والذي أري: أن (حتى) لا مهلة فيها، بل (حتى) العاطفة، تفيد أن المعطوف هو


(1) تقدم في الجزء الأول، باب المبتدأ والخبر، (2) من شعر العباس بن مرداس، وتقدم في الجزء الثاني، في باب خبر كان وأخواتها، (3) من الآية 118 سورة التوبة، (4) المراد أبو زيد الأنصاري صاحب التوادر، (5) الرقص بفتح الراء والقاف المشي الخفيف قال ابن دريد هو شبيه بالنقزان، أي القفز، والتوقص الخطو المتقارب، ولم ينسب هذا الرجز بأكثر من روايته عن أبي زيد، (6) تقدم ذكره كثيرا (*)،

[ 395 ]

الجزء الفائق، إما في القوة أو في الضعف على سائر أجزاء المعطوف عليه، وقد يكون تعلق الفعل في المعطوف عليه والمعطوف، بما 1 بعد (حتى) أسبق من تعلقه بالأجزاء الأخر، كقولك: توفي الله كل أب لي، حتى آدم، وقد يكون تعلقه به في أثناء تعلقه بالأجزاء الأخر، نحو: مات الناس حتى الأنبياء، فالمقصود: أن الترتيب الخارجي، لا يعتبر فيها، أيضا، كما لا يعتبر فيها المهلة، بل المعتبر فيها ترتيب أجزاء ما قبلها، ذهنا، من الأضعف إلى الأقوى، كما في مات الناس حتى الأنبياء، أو من الأقوى إلى الأضعف، كما في: قدم الحجاج حتى المشاة، (أو، إما، أم) (أم المتصلة، والمنقطعة) (قال ابن الحاجب:) (وأو، وإما، وأم، لأحد الأمرين مبهما، وأم المتصلة) (لازمة لهمزة الاستفهام، يليها أحد المستويين والآخر الهمزة،) (بعد ثبوت أحدهما، لطلب التعيين، ومن ثم، لم يجز:) (أرأيت زيدا، أم عمرا، ومن ثم كان جوابها بالتعيين) (دون: نعم، أو: لا، والمنقطعة، كبل والهمزة، مثل:) (إنها لأبل أم شاء، و: إما، قبل المعطوف عليه لازمة مع) (إما، جائزة مع أو)، (قال الرضي:) اعلم أن الأحرف الثلاثة لأحد الأمرين، أو أحد الأمور، و (أو)، و (إما)


(1) متعلق بقوله وقد يكون تعلق الفعل (*)،

[ 396 ]

العاطفتان في المعنى سواء، الا في شئ واحد، وهو أن (أو)، تجئ بمعنى (إلى) أو (إلا) 1، وتجئ، أيضا، للأضراب بمعنى (بل) فلا يكون، إذن، بعدها الا الجمل، فلا تكون حرف عطف، بل حرف استئناف وإذا كانت حرف عطف، فقد تعطف المفرد على المفرد، نحو: جاءني زيد أو عمرو، وقد تعطف الجملة على الجملة، نحو: ما أبالي: أقمت أو قعدت، وتقول في الاستئناف: أنا أخرج اليوم، ثم يبدو لك الأقامة فتقول: أو أقيم، أي: بل أقيم على كل حال، وهي في هذه الصورة محتملة للعطف فتكون على ذلك التقدير مترددا بين الخروج والأقامة، وأما قوله: 881 - بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى * وصورتها أو أنت في العين أملح 2 فلا يحتمل العطف إذ لا يصح قيام الجملة بعدها مقام قوله: قرن الشمس، كما هو حق المعطوف، وكذا في قوله تعالى: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) 3، أي: بل يزيدون، وإنما جاز الاضراب ببل في كلامه تعالى، لأنه أخبر عنهم بأنهم مائة ألف، بناء على ما يحرز 4 الناس من غير تعمق، مع كونه تعالى عالما بعددهم وأنهم يزيدون، ثم أخذ، تعالى، في التحقيق، فأضرب عما يغلط فيه غيره بناء منهم على ظاهر الحزر، أي أرسلناه إلى جماعة يحزرهم الناس مائة ألف وهم كانوا زائدين على ذلك، وكذا قوله تعالى: (كلمح البصر) 5، بناء على ما يقول الناس في التحديد ثم أضرب


(1) أي يصح أن يقع في موقعها أحدهما، وانظر ص 75 من هذا الجزء في نواصب المضارع، (2) قوله: وصورتها بالجر، عطفا على قوله قرن الشمس أي هي مثل قرن الشمس أو مثل صورتها ثم أضرب ملتفتا إلى قوله أو أنت... ونسب ابن جني البيت إلى ذي الرمة وقال البغدادي: لم أجده في ديوانه، (3) الآية 147 سورة الصافات، (4) أي يقدرون تقديرا مبنيا على التخمين والحدس، (5) من الآية 77 في سورة النحل (*)،

[ 397 ]

عما يغلطون فيه، في هذه القضية ان قالوا ذلك، وحق وقال: (أو هو أقرب)، أي بل هو أقرب، وقالوا: ان ل: أو، إذا كان في الخبر ثلاثة معان: الشك، والأبهام، والتفصيل، وإذا كان في الأمر، فله معنيان: التخيير والأباحة، فالشك: إذا أخبرت عن أحد الشيئين ولا تعرفه بعينه، والابهام إذا عرفته وتقصد أن تبهم الأمر على المخاطب، فإذا قلت: جاءني زيد أو عمرو، ولم تعرف الجائي منهما، فأو، للشك، وإذا عرفته وقصدت الأبهام على السامع، فهو للأبهام، كقول لبيد: 882 - تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما * وهل أنا الا من ربيعة أو مضر 1 والظاهر 2: أنه كان يعرف أنه من أيهما، وقال الله تعالى: (أتاها أمرنا ليلا أو نهارا) 3، والتفصيل: إذا لم تشك، ولم تقصد الأبهام على السامع، كقولك: هذا إما أن يكون جوهرا أو عرضا، إذا قصدت الاستدلال على أنه جوهر لا عرض أو على أنه عرض لا جوهر، أو على أنه لا هذا ولا ذاك: وأما في الأمر، فإن حصل للمأمور بالجمع بين الأمرين فضيلة وشرف، في الغالب، فهي للأباحة، نحو: تعلم الفقه أو النحو، وجالس الحسن أو ابن سيرين، وإلا فهي للتخيير، نحو: اضرب زيدا أو عمرا، والفرق بينهما أن الأباحة يجوز فيها الجمع بين الفعلين والاقتصار على أحدهما، وفي التخيير يتحتم أحدهما، ولا يجوز الجمع،


(1) قوله: تمنى: أصله تتمنى بتاءين، وليس فعلا ماضيا، ومن أبيات لبيد هذه قوله: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر (2) يريد أن يقول انه من الواضح أن لبيدا يعرف أنه من أي القبيلتين، (3) الآية 24 سورة يونس (*)،

[ 398 ]

هذا ما قيل، وينبغي أن تعرف أن جواز الجمع بين الأمرين في نحو: تعلم الفقه أو النحو، لم يفهم من (اما) و (أو)، بل ليستا إلا لأحد الشيئين في كل موضع، وإنما استيدت الأباحة مما قبل العاطفة وما بعدها معا، لأن تعلم العلم خير، وزيادة الخير خير، فدلالة (أو) و (إما) في الأباحة والتخيير، والشك والأبهام والتفصيل على معنى أحد الشيئين أو الأشياء على السواء، وهذه المعاني تعرض في الكلام، لا من قبل (أو)، و (إما) بل من قبل أشياء أخر، فالشك من قبل جهل المتكلم وعدم قصده إلى التفصيل أو الأبهام، والتفصيل من حيث قصده إلى ذلك، والأباحة، من حيث كون الجمع يحصل به فضيلة، والتخيير من حيث لا يحصل به ذلك، وأما في سائر أقسام الطلب، فالاستفهام نحو: أزيد عندك أو عمرو، لا يعرض فيه شئ من المعاني المذكورة، وأما التمني نحو: ليت لي فرسا أو حمارا، فالظاهر فيه جواز الجمع، إذ في الغالب من العادات أن من يتمنى أحدهما لا ينكر حصولهما معا، وأما التحضيض، نحو: هلا تتعلم الفقه أو النحو، وهلا تضرب زيدا أو عمرا، والعرض نحو: ألا تتعلم الفقه أو النحو وألا تضرب زيدا أو عمرا، فكالأمر، في الأباحة والتخيير بحسب القرينة، ولما كثر استعمال (أو) في الأباحة التي معناها جواز الجمع، جاز استعمالها بمعنى الواو، قال: وكان سيان أن يسرحوا غنما * أو يسرحوه بها واغبرت السوح 1 - فإن (سيان) بمعنى: مستويان، وهو بين الشيئين، وقال: 883 - سيان كسر رغيفه * أو كسر عظم من عظامه 2 وقد تجئ (أو) بمعنى (إلى) أو (إلا) كما تقدم في نواصب المضارع، وإذا نفيت الخبر، نحو: رأيت زيدا أو عمرا، فإن أردت نفي رؤيتهما معا، قلت: ما رأيت واحدا


(1) تقدم ذكره في الجزء الثاني آخر باب العطف، (2) هو من شعر محمد بن يحيى اليزيدي وهو من المحدثين يهجو شخصا بالبخل، اسمه أبو المقاتل، وقبله: استبق ود أبي المقاتل * حين تدنو من طعامه (*)،

[ 399 ]

منهما أو: ما رأيت أحدهما، أو: ما رأيت زيدا ولا عمرا، وإن أردت نفي رؤية أحدهما لا رؤيتهما، فإن تعين عندك ذلك الواحد، وقصدت تعيينه للمخاطب، سميته، نحو: ما رأيت زيدا، أو: ما رأيت عمرا، وإن لم يتعين عندك، أو تعين وقصدت الأبهام قلت: ما رأيت زيدا أو عمرا، فيكون المعنى: ما رأيت أحدهما ورأيت الآخر، وكذا إن نفيت الأمر وهو النهي، كما إذا قلت مثلا في: اضرب زيدا أو عمرا: لا تضرب زيدا أو عمرا، فالقياس يقتضي أن يكون المعنى: لا تضرب أحدهما واضرب الآخر، كما كان في الأمر معناه: اضرب أحدهما ولا تضرب الآخر، فإن قلت: فلا يبقى، إذن، فرق بين الأمر والنهي، ولا بين الخبر المثبت والمنفي في: رأيت زيدا أو عمرا، وما رأيت زيدا أو عمرا، قلت: لا يبقى فرق في أصل الوضع، إلا إذا كان المعدود 1 أكثر من اثنين فإنك إذا قلت: اضرب زيدا أو عمرا أو خالدا، فالمعنى أضرب أحدهم ولا تضرب الباقيين، وإذا قلت: لا تضرب زيدا أو عمرا أو خالدا، فالمعنى: لا تضرب أحدهم واضرب الباقيين، وكذا في الخبر، نحو: رأيت زيدا أو عمرا أو خالدا، وما رأيت زيدا أو عمرا أو خالدا، وهذا القياس هو مقتضى أصل الوضع، ثم بعد ذلك، جرت عادتهم أنه إذا استعمل لفظ (أحد)، أو ما يؤدي معناه، في الأثبات، فمعناه: الواحد فقط، وإذا استعمل في غير الموجب فمعناه، العموم في الأغلب، ويجوز أن يراد الواحد فقط، أيضا، تفسير ذلك: أنك إذا قلت في الموجب مصرحا بالواحد: رأيت واحدا من زيد وعمرو، مثلا، وكذلك فيما يؤدي معنى الواحد، نحو: رأيت رجلا منهما، أو: رأيت زيدا أو عمرا، فإن كل واحد من الألفاظ الثلاثة أفاد أنك رأيت واحدا منهما فقط، وإذا قلت في غير الموجب: ما رأيت واحدا منهما، أو: ما رأيت رجلا منهما، أو: ما رأيت زيدا أو عمرا، فإن كل واحد من الألفاظ الثلاثة، وإن احتمل أن تريد به الواحد


(1) أي المذكور في الكلام والمقصود منه (*)،

[ 400 ]

فقط فيكون المعنى: ما لقيت واحدا منهما ولقيت الآخر، لكن الأظهر والأغلب في الاستعمال، أن يكون المراد: ما لقيت واحدا منهما فكيف بما فوق الواحد، أي أن المراد نفي رؤيتهما كليهما، وإنما كان كذلك لأن الأصل عدم الرؤية، فإذا قلت: لقيت واحدا منهما أو ما يؤدي معناه نحو: لقيت زيدا أو عمرا فقد أخرجت واحدا منهما مما كان أصله، أي عدم الرؤية، فيبقى الآخر على أصله، أي غير مرئي، وأما إذا قلت: ما لقيت واحدا منهما، أو ما يؤدي معناه، وهو: ما لقيت زيدا أو عمرا، والأصل عدم الرؤية، ولم يصرح فيه إلا بعدم رؤية واحد منهما، فبقاء الآخر على أصله من عدم الرؤية أولى، فيكون نفيا لمطلق الرؤية، فإن قلت: فإذا كان الأصل عدم الرؤية، كان عليك ألا تأتي بمفعول لرأيت، لا واحدا ولا أكثر، حين تخشى توهم المخاطب أن هذا الأصللم يبق على حاله، بل كان يكفيك أن تقول: ما لقيت من جنس الرجال، فما دعاك إلى تقييد نفي الرؤية بواحد ؟ قلت قصد المبالغة، وبيان ذلك أن الأصل، أي عدم الرؤية، بقي على حاله، ولم ينتف بتعلقها بأقل ما يكون أي الواحد، فما زاد، وإذا تقرر هذا ظهر لك علة قولهم: ان النكرة في غير الواجب تفيد العموم في الأغلب، وذلك أن النكرة تفيد الوحدة، والوحدة في غير الموجب تفيد العموم في الأغلب، كما مضى، فإن قصدت التنصيص على العموم قلت: ما لقيت من رجل، ومن واحد، وإذا قلت: ما لقيت رجلين، أو رجالا، فالمعنى: ما لقيت مثنى واحدا من هذا الجنس، وما لقيت جماعة واحدة منه، فمع عدم (من) يحتملان الاستغراق وغيره، ومع (من) يصير الأول نصا في استغراقه لجميع مثنيات هذا الجنس، والثاني نصا في استغراقه لجميع جماعاته، فظهر أن معنى: ما رأيت زيدا أو عمرا: ما رأيت زيدا ولا عمرا، في الأظهر، وكذا معنى، لا تضرب زيدا أو عمرا، ويحتمل احتمالا مرجوحا: لا تضرب أحدهما

[ 401 ]

واضرب الآخر، ويندفع هذا الاحتمال بمثل القرينة التي في قوله تعالى: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) 1، إذ لا يجوز أن يريد: لا تطع واحدا منهما وأطع الآخر، لقرينة الأثم والكفر، فلفظة (أو) في جميع الأمثلة، موجبة كانت، أو، لا، مفيدة لأحد الشيئين أو الأشياء، ثم معنى الوحدة في غير الموجب يفيد العموم، فلم تخرج (أو) مع القطع بالجمع في الانتهاء 2 في نحو: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا)، عن معنى الوحدة التي هي موضوعة له، والله أعلم، وأما (إما) فهي بمعنى (أو) في جميع الأحكام المذكورة، إلا أن المعطوف عليه بإما، لابد أن يكون مصدرا بإما أخرى، نحو: جاءني إما زيد وإما عمرو، فمبنى الكلام مع (إما)، على أحد الشيئين، أو الأشياء، وأما مع (أو) فإن تقدم (إما) على المعطوف عليه، نحو: جاءني إما زيد أو عمرو، فالكلام مبني على ذلك، وإن لم يتقدم، جاز أن يعرض للمتكلم معنى أحد الشيئين بعد ذكر المعطوف عليه، نقول مثلا: قام زيد، قاطعا بقيامه، ثم يعرض الشك، أو قصد الأبهام فتقول: أو عمرو، ويجوز أن يكون شاكا أو مبهما من أول الأمر، وإن لم يأت بحرف دال عليه، كما تقول مثلا: جاءني القوم، وأنت عازم من أول الأمر على الاستثناء بقولك: إلا زيدا، فإما الثانية، في كل كلام، لا بد لها من تقدم (إما) أخرى داخلة على المعطوف عليه، بخلاف (أو)، فإنه يجوز فيه تقدم (إما) عليه، وعدم تقدمها، نحو: جاءني إما زيد أو عمرو، و: جاءني زيد أو عمرو، وقد جاءت (إما) غير مسبوقة بإما أخرى، لكنها تقدر، حملا على الكثير الشائع من استعمالها، أنشد الفراء:


(1) الآية 24 سورة الدهر، (2) الانتهاء، أي ما يستفاد من صيغة النهي وهو الامتثال (*)،

[ 402 ]

884 - تلم بدار قد تقادم عهدها * وإما بأموات ألم خيالها 1 أي: إما بدار، وإما بأموات، وقد تخلف الثانية (إلا)، قال: 885 - فإما أن تكون أخي بصدق * فأعرف منك غثي من سميني 2 وإلا فاطرحني واتخذني * عدوا أثقيك وتتقيني وتلزم الثانية الواو، وربما ترد بلا واو، نحو خذ إما هذا، إما ذاك، قال: 886 - يا ليتما أمنا شالت نعامتها * إما إلى جنة، إما إلى نار 3 ويروى: إيما إلى جنة... وهي لغة في إما، وقالوا: إن (إما) لا تستعمل في النهي، وحكى قطرب 4 فتح همزة (إما) العاطفة، وهي عند سيبويه 5: مركبة من: إن وما، بدليل حذف (ما) للضرورة قال: 887 - سقته الرواعد من صيف * وإن من خريف فلن يعد ما 6 فارتكب الشاعر حذف (إما) الأولى، وحذف (ما) من الثانية، وقال:


(1) البيت للفرزدق من قصيدة مدح بها سليمان بن عبد الملك، وصواب الرواية تهاض بدار، وقبله: وكيف بنفس كلما قلت أشرفت * على البرء من دهماء، هيض اندمالها (2) من قصيدة المثقب العبدي التي أولها: أفاطم قبل بينك متعيني * ومنعك ما سألت كأن تبيني (3) شالت نعامتها، كناية عن موتها، يتمني موت أمه، لأنها كانت نهته عن التزوج بامرأة معينة فعصاها وتزوجها فقالت أمه فيه شعرا تذمه وتذم تلك المرأة فقال أبياتا في ذم أمه، قال البغدادي هو شاعر اسمه سعد بن قرط ويلقب بالنحيف، (4) هو محمد بن المستنير، تلميذ سيبويه، وتكرر ذكره، (5) سيبويه ج 1 ص 135، (6) الرواعد: السحب المملوءة بالماء، والمراد بالصيف والخريف الوقتان المعروفان من العام، والبيت من قصيدة للنمر بن تولب فيها كثير من المواعظ، ومنها قوله: فإن المنية من يخشها * فسوف تصادفه أينما ومنها: فلو أن من حتفه ناجيا * لألفيته الصدع الأعصما وهو يريد بالصدع الأعصم، نوعا من الوعول الجبلية، وهو مرجع الضمير في البيت الشاهد (*)،

[ 403 ]

888 - لقد كذبتك نفسك فاكذبنها * فإن جزعا وإن إجمال صبر 1 قال: التقدير: إما تجزع جزعا...، ولا منع من تغير معنى الكلمة وحالها بالتركيب، كما مضى من كون: (مما) بمعنى (ربما)، وقال غيره: هو مفرد غير مركب، إذ الافراد أصل في الحروف، وتأول البيتين بإن الشرطية، وشرطها: (كان)، المحذوفة، أي: فإن كان جزعا، ومنع أبو علي، وعبد القاهر 2 من كونها عاطفة، لأن الأولى داخلة على ما ليس بمعطوف على شئ، والثانية مقترنة بواو العطف، فلا تصلحان للعطف، وشبهة من جعلها حرف عطف: كونها بمعنى (أو) العاطفة، ولا يلزم ذلك، فإن معنى (أن) المصدرية هو معنى (ما) المصدرية، والأولى تنصب المضارع، بخلاف الثانية، وقال الأندلسي 3: إما الأولى مع الثانية حرف عطف، قدمت تنبيها على أن الأمر مبني على الشك، والواو جامعة بينهما، عاطفة لأما الثانية على الأولى، حتى تصيرا كحرف واحد، ثم تعطفان معا: ما بعد الثانية على ما بعد الأولى، وهذا عذر بارد من وجوه: لأن تقدم بعض العاطف على المعطوف عليه وعطف بعض العاطف على بعضه، وعطف الحرف على الحرف، غير موجودة 4 في كلامهم،


(1) هكذا أورده الشارح: فاكذبنها، بخطاب المفرد المذكر مؤكدا بالنون الخفيفة، وهو كذلك في سيبويه، وشرحه الأعلم على ذلك، قال البغدادي ان الصواب أن يكون بخطاب المفردة المؤنثة: لقد كذبتك نفسك فاكذبيها... قال وهو من قصيدة لدريد بن الصمة في رثاء معاوية بن عمرو، أخي الخنساء، والخطاب في البيت لها، فهو يقول لها لقد كذبتك نفسك فيها أملت من حياة أخيك فلا تصدقيها بعد ذلك فيما تحدثك به، فإما أن تجزعي وإما أن تصبري صبرا جميلا، (2) و (3) تكرر ذكر هؤلاء جميعا، (4) أي هذه الأمور التي ذكرها (*)،

[ 404 ]

فالحق: أن الواو هي العاطفة، و (إما) مفيدة لأحد السبئين، غير عاطفة، والواو في نحو قوله: إما إلى جنة إما إلى نار: مقدرة، قوله: (وأم المتصلة، لازمة لهمزة الاستفهام.. إلى آخره)، اعلم أن (أم) على ضربين: متصلة ومنفصلة، فالمتصلة تختص بثلاثة أشياء: أحدها تقدم الهمزة، إما للاستفهام نحو: أزيد عندك أم عمرو، أو للتسوية، نحو: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم) 1 وقد يجئ شرح همزة التسوية، وهذه الهمزة قد تكون مقدرة قبل (أم) المتصلة في الشعر، قال: 889 - لعمري ما أدري، وإن كنت درايا * بسبع رمين الجمر أم بثمان وقال: 890 - لعمرك ما أدري وإن كنت داريا * شعيث ابن سهم أم شعيث ابن منقر 3 وقال: 891 - كذبتك عينك، أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا 4 وليس بكثير، وربما تجئ (هل) قبل المتصلة على الشذوذ، نحو: هل زيد عندك أم عمرو، وإنما لزمت الهمزة في الأغلب، دون (هل)، لأن (أم) المتصلة لازمة لمعنى الاستفهام وضعا، وهي، مع أداة الاستفهام التي قبلها، بمعنى: أي الشيئين، فشاركت همزة الاستفهام


(1) الآية 6 سورة المنافقون، (2) من شعر عمر بن أبي ربيعة، ويروى فوالله ما أدري.. وقبله: بدالي منها معصم حين جمرت * وكف خضيب زينت بنان جمرت أي رمت الجمار، في الحج، (3) حيث بالثاء المثلثة في آخره، لا بالباء الموحدة وسهم، ومنقر من أسماء القبائل، والبيت من شعر الأسود ابن يعفر، كما قال سيبويه وقد أورد البيت في ج 1 ص 485 ونسبه المبرد إلى اللعين المنقري، (4) مطلع قصيدة للأخطل التغلبي في هجاء جرير، ورد عليه جرير بمثلها وزنا وقافية (*)،

[ 405 ]

التي هي أيضا عريقة في باب الاستفهام، وعادلتها حتى كانتا معا بمعنى (أي)، وأما (هل)، فإنها دخيلة في معنى الاستفهام، لأن أصلها (قد)، نحو قوله تعالى: (هل أثر على الأنسان حين من الدهر) 1،. لمنقطعة، فقد لا 2 يتقدمها الاستفهام، وقد يتقدمها الاستفهام بالهمزة أو بهل، ولا نفع بعد غيرهما من أسماء الاستفهام، إذا كان الاستفهام بأم عن اسم داخل في عموم اسم الاستفهام المتقدم، وفي الحكم المنسوب إليه، لأن أسماء الاستفهام إذا استفهم بها، عمت في الجميع فتغني عن كل استفهام بعدها، فلا تقول: من عندك أم عندك عمرو، لأن معنى قولك: أم عندك عمرو، مستفاد من قولك: من عندك ؟، وإذا لم يكن داخلا في عموم الاستفهام المتقدم، نحو: من عندك أم عندك حمار، وأين زيد أم عندك عمرو، أو في الحكم المنسوب إليه نحو: من عندك أم ضربت عمرا، ومن تضرب أم من تشتم: جاز وقوعها بعدها، وثانيها 3: أنه يجب أن يستفهم بها عن شيئين أو أشياء، ثابت أحدهما، أو أحدها عند المتكلم، لطلب التعيين، لأنها مع الهمزة بمعنى (أي) ويستفهم بأي، عن التعيين، فيكون المعطوف مع المعطوف عليه بتقدير استفهام واحد، لأن المجموع بمعنى (أي)، فجوابه بالتعيين، وأما في المنقطعة، فلا يثبت أحد الأمرين عند المتكلم، بل، ما قبل (أم) وما بعدها على كلامين، لأنه اضراب عن الكلام الأول، وشروع في استفهام مستأنف، فهي، إذن، بمعنى (بل) التي تدل على أن الأول وقع غلطا في نحو قولهم: انها لأبل، أم شاء، أو بمعنى (بل) التي تكون للانتقال من كلام إلى كلام آخر، لا لتدارك الغلط، كما


(1) أول سورة الدهر، (2) تكررت الأشارة إلى ضعفه، (3) أي ثاني الأمور التي اختصت بها أم (*)،

[ 406 ]

في قوله تعالى: (أم يقولون افتراه) 1، وقوله: (أم اتخذ مما يخلق بنات) 2، وفيها مع معنى (بل) معنى الهمزة الاستفهامية في نحو: انها لأبل، أم شاء، والهمزة الانكارية في نحو: (أم يقولون افتراه)، وقد تجئ بمعنى (بل) وحدها، كقوله تعالى: (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين) 3، إذ لا معنى للاستفهام ههنا، وكذا إذا جاءت بعدها أداة الاستفهام كقوله تعالى: (أم هل تستوي الظلمات والنور) 4 وقوله تعالى: (أم من هذا الذي هو جند لكم) 5، وقوله: 892 - أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به * رئمان أنف، إذا ما ضن باللبن 6 فهي في مثله بمعنى (بل) وحدها، والمقصود أن الكلام معها على كلامين، دون المتصلة، ولهذا سميت منقطعة، وسميت الأولى متصلة، لكونهما مع الهمزة التي قبلها، كأي،. وجواب المنقطعة: لا، أو: نعم، لأنه استفهام مستالنف، وثالثها 7: أنه يليها المفرد والجملة، بخلاف المنقطعة، فإنه لا يليها إلا الجملة ظاهرة


(1) الآية 3 سورة السجدة، ويوجد مثلها في مواضع أخرى، (2) الآية 16 سورة الزخرف، (3) الآية 52 سورة الزخرف، (4) الآية 16 سورة الرعد، (5) الآية 20 سورة الملك، (6) هذا آخر تسعة أبيات في المفضليات، من شعر أفنون التغلبي واسمه أبو عمرو، وهو شاعر جاهلي، وقبل هذا البيت: أني جزوا عامرا سوآى بفعلهم * أم كيف يجزونني السوآى من الحسن يقول: أعجب من قومي، كيف يعاملونني بالسوء في مقابلة ما أصنع معهم من الجميل، ثم ضرب لهم مثلا في البيت الشاهد بالناقة العلوق وهي التي ترأم وتعطف بأنفهما من غير أن تدر اللبن، وفي الخزانة كلام كثير عن معنى البيتين وأوجه الأعراب التي يمكن التخريج عليها، وفيها حكاية عن مناظرة جرت بين الكسائي والأمعي في إعراب قوله رثمان أنف، حيث جوز الكسائي فيه الرفع والنصب والجر، (7) أي الأمور التي اختصت بها أم (*)،

[ 407 ]

الجزأين، نحو: أزيد عندك أم عندك عمرو، أو مقدرا أحدهما نحو: انها لأبلأم شاء، أي: أم هي شاء، قال جار الله 1: لا يجوز حذف أحد جزأي الجملة بعد المنقطعة في الاستفهام لئلا تلتبس بالمتصلة، ويجوز في الخبر، إذ لا يلتبس، ثم اعلم أنه إذا ولى المتصلة مفرد، فالأولى أن يلي الهمزة قبلها مثل ما وليها، سواء 2، لتكون (أم) مع الهمزة بتأويل (أي)، والمفردان بعدهما بتأويل المضاف إليه (أي)، فنحو: أزيد عندك أم عمرو، بمعنى: أيهما عندك، و: أفي السوق زيد أم في الدار، بمعنى: في أي الموضعين هو ؟ وتجوز المخالفة بين ما ولياهما، نحو: أعندك زيد أم عمرو، و: أزيد عندك أم في الدار، و: ألقيت زيد أم عمرا، جوازا حسنا كما قال سيبويه 3، لكن المعادلة أحسن، وإن ولي (أم) والهمزة، جملتان مشتركتان في أحد الجزأين، فإن كانتا فعليتين مشتركتين في الفاعل، نحو: أقمت أم قعدت، و: أنام زيد أم انتبه، فهي متصلة، ويجوز مع عدم التناسب بين معنى الفعلين أن تكون منقطعة، نحو: أقام زيد أم تكلم، وإن كانتا فعليتين متساويتي النظم، مشتركتين في الفعل، نحو: أقام زيد أم قام عمرو، أو اسميتين كذلك مشتركتين في جزء، نحو: أزيد قائم أم هو قاعد، و: أزيد أخي أم عمرو هو، فالأولى أن (أم) في الصور الثلاث منقطعة، لأنك كنت قادرا على الاكتفاء بمفرد منها لو قصدت الاتصال، والمفرد أدل على كونها متصلة، وعلى كون ما قبلها وما بعدها في تقدير كلام واحد، فلو أردت الاتصال قلت في الأولى، أزيد قام أم عمرو، وفي الأخيرتين أقائم زيد أم قاعد، و: أزيد أخي أم عمرو، فعدولك إلى الجملتين مع


(1) انظر ابن يعيش ج 8 ص 98، (2) يعني هما سواء، (3) مباحث أم مع الهمزة، في سيبويه ج 1 ص 482 وما بعدها (*).

[ 408 ]

القدرة على المفردين، دليل الانفصال، وأما في الفعليتين المشتركتين في الفاعل، فلا تقدر على الاكتفاء بمفردين منهما، لأن كل فعل لا بد له من فاعل، وأما إن جئت بعدهما بجملتين غير مشتركتين في جزء، نحو: أزيد قائم، أم عمرو قاعد، و: أقائم زيد أم قاعد عمرو، و: أقام زيد أم قعد عمرو، وكذا: أضرب زيد عمرا أم قتله خالد، لأن المشترك فيه فضلة لا جزء جملة، فالمتأخرون على أنها منفصلة، لاغير، والمصنف والأندلسي، جوزا الأمرين، فإن كانت متصلة فالمعنى: أي هذين الأمرين كان، وليس ما ذهبا إليه ببعيد، بلى، إن وقع الاختلاف بين الجملتين: إما بكون إحداهما اسمية والأخرى فعلية، نحو: أقام زيد أم عمرو قاعد، أو بتقديم خبر إحدى الاسميتين وتأخير خبر الأخرى نحو: أقائم زيد، أم عمرو قاعد، و: أبكر قائم، أم قائم عمرو، فالظاهر فيها الانفصال، أما قوله تعالى: (سواء عليكم أدعو تموهم أم أنتم صامتون) 1، فجاز اختلاف الجملتين مع أنها متصلة لأمنهم من الالتباس بالمنقطعة، لأن التسوية لا معنى فيها للمنفصلة، فعلى هذا، إن كان بعد (أم) مفرد لفظا، وتقديرا، فهي متصلة قولا واحدا، وقبلها الهمزة في الأغلب لفظا أو تقديرا، وإن كان بعدها جملة فإن لم يكن قبلها الهمزة لا ظاهرة ولا مقدرة فهي منقطعة قولا واحدا، إلا في الشاذ القليل، نحو: هل زيد قائم أم عمرو، وإن كان قبلها الهمزة ميزت المتصلة عن المنفصلة بما ذكرت لك الآن، وقال سيبويه 2: (أم) في قولك: أزيد عندك أم لا: منقطعة، كان عند السائل أن زيدا عنده فاستفهم ثم أدركه مثل ذلك، الظن في أنه ليس عنده فقال: أم لا، وإنما


(1) الآية 193 سورة الأعراف، (2) سيبويه ج 1 ص 484 (*)،

[ 409 ]

عدها منقطعة، لأنه لو سكت على قوله: أزيد عندك لعلم المخاطب أنه يريد: أهو عندك أم ليس عندك، فلا بد أن يكون لقوله: أم لا فائدة مجددة، وهي تغير ظن كونه عنده إلى ظن أنه ليس عنده، وهذا معنى الانقطاع والأضراب، (شرح معنى التسوية) (في الهمزة وأم) وأما همزة التسوية وأم التسوية، فهما اللتان تليان قولهم سواء وقولهم لا أبالي، ومتصرفاته، نحو، قولك: سواء علي أقمت أم قعدت، ولا أبالي أقام زيد أم قعد، فعند النجاة: قولهم أقمت أم قعدت، جملتان في تقدير مفردين معطوف أحدهما على الآخر بواو العطف، أي سواء علي قيامك وقعودك، فقيامك مبتدأ، وقعودك عطف عليه، وسواء خبر مقدم، وقد أجاز أبو علي 1، أيضا، أن يكون (سواء) مبتدأ، و: أقمت أم قعدت خبره، لكونهما في الظاهر فعلين، قال أبو علي: إنما جعل الفعلان مع الحرفين في تأويل اسمين، بينهما واو العطف، لأن ما بعد همزة الاستفهام، وما بعد عديلتها مستويان في علم المستفهم، لأنك إنما تقول: أقمت أم قعدت، إذا استوى عندك قيام المخاطب وقعوده، فتطلب بهذا السؤال: التعيين، فلما كان الكلام استفهاما عن المستويين، أقيمت همزة الاستفهام وعديلتها مع ما بعدهما مقام المستويين، وهما: قيامك وقعودك، وهذا كما أيم لفظ النداء مقام الاختصاص في: أنا أفعل كذا أيها الرجل، لجامع الاختصاص، فكل منادى مختص، ولا ينعكس، وكل استفهام بأم المتصلة تسوية، ولا ينعكس، والذي يظهر لي أن (سواء) في مثله، خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الأمر ان سواء


(1) أي ا لفارسي وتقدم (*)،

[ 410 ]

علي، ثم بين الأمرين بقوله: أقمت أم قعدت، وهذا كما في قوله تعالى: (فاصبروا أو لا تصبروا، سواء عليكم) أي: الأمران سواء، وسواء، لا يثني ولا يجمع، وكأنه في الأصل مصدر، وحكى أبو حاتم تثنيته وجمعه، ورده أبو علي، وقولك: أقمت أم قعدت بمعنى: إن قمت وإن قعدت، والجملة الاسمية المتقدمة، أي: الأمران سواء، دالة على جواب الشرط، أي: إن قمت، وإن قعدت فالأمران سواء علي، ولا شك في تضمن الفعل بعد سواء، وما أبالي، معنى الشرط، ولذلك استهجن الأخفش، على ما حكى أبو علي عنه في الحجة 1: أن يقع بعدها الابتدائية، نحو: سواء علي، أو: ما أبالي: أدرهم مالك أم دينار، ألا ترى إلى إفادة الماضي في مثله معنى المستقبل، وما ذلك إلا لتضمنه معنى الشرط، وأما قوله تعالى: (سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) 2 فلتقدم الفعلية، وإلا لم يجز، ومن وقوع الاسمية موقع الفعلية قوله تعالى: (هل لكم فيما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء) 3، أي: فلتستووا، لتقدم الاستفهام الدال عليه، ومن ذلك قوله: لو بغير الماء حلقي شرق * كنت كالغصان بالماء اعتصاري 4 - 644 وكذلك استقبح الأخفش وقوع المضارع بعدهما، نحو: سواء علي أتقوم أم تقعد، وما أبالي أتقوم أم تقعد، لكون إفادة الماضي معنى الاستقبال أدل على إرادة معنى الشرط فيه،


(1) كتاب لأبي علي الفارسي في توجيه القراءات، وتقدم ذكره، (2) آية الأعراف المتقدمة قبل قليل، (3) الآية 28 سورة الروم، (4) تقدم ذكره ص 55 في هذا الجزء (*)،

[ 411 ]

قال أبو علي: ومما يدل على ما قال الأخفش: أن ما جاء في التنزيل من هذا النحو، جاء على مثال الماضي، قال الله تعالى: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا) 1، و: (سواء عليهم أأنذرهم) 2، و: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم يستغفر لهم) 3، وقال: 893 - سواء عليك اليوم، أنصاعت النوى * بخرقاء، أم أنحى لك السيف ذابح 4 وقال: 894 - ما أبالي أنب بالحزن تيس * أم جفاني بظهر غيب لئيم 5 وأما قوله: فإنك لا تبالي بعد حول أظبي * كان أمك أم حمار 6 - 512 فقد مر في باب كان، أن تقديره: أكان ظبي كان أمك، نحو: (وإن أحد من المشركين استجارك) 7، وإنما أفادت الهمزة فائدة (ان) الشرطية، لأن (إن) تستعمل في الأمر المفروض وقوعه، المجهول في الأغلب، فلا يقال: إن غربت الشمس، وكذا حرف الاستفهام، يستعمل فيما لم يتيقن حصوله، فجاز قيامها مقامها، فجردت عن معنى الاستفهام،


(1) الآية 21 سورة ابراهيم، (2) الآية 2 سورة البقرة، (3) الآية 6 سورة المنافقون، وتقدمت، (4) من قصيدة لذي الرمة، وخرقاء لقب كان يطلقه على مية التي بذكرها في مفتتح قصائدة، ويروى بصيداء وهو اسم امرأة أيضا وانصاع بمعنى رجع مسرعا، وهو في البيت بهمزة استفهام لأجلها همزة الوصل، وقوله: أنحى لك، أي قصدك الذابح واتجه إليك بالسيف، (5) من قصيدة لحسان بن ثابت يفتخر فيها على عبد الله بن الزبعري ومنها قوله: رب حلم أضاعه عدم المال * وجهل غطى عليه النعيم والنبيب مصدر نب التيس أي صوت عند هياجه، والحزن ما غلظ من الأرض، والمعنى: يستوى عند نيب التيس في الأرض الخشنة وهجاء اللثيم لي، (6) تكرر ذكره وانظر فهرس الشواهد، (7) الآية 6 سورة التوبة (*)،

[ 412 ]

وكذا (أم)، جردت عن معنى الاستفهام وجعلت بمعنى (أو)، لأنها مثلها في إفادة أحد الشيئين أو الأشياء، فمعنى سواء علي أقمت أم قعدت: إن قمت أو قعدت، ويرشدك إلى أن (سواء) ساد مسد جواب الشرط، لاخبر مقدم: أن معنى سواء أقمت أم قعدت، ولا أبالي أقمت أم قعدت، في الحقيقة، واحد، و: لا أبالي، ليس خبرا لمبتدأ، بل المعنى: إن قمت، أو قعدت فلا أبالي بهما، وقول ابن سينا 1: 895 - سيان عندي إن بروا وإن فجروا * فليس يجري على أمثالهم قلم 2 يقوي ذلك، وإن لم يكن الاستشهاد بمثله مرضيا، وأما مجئ الهمزة وأم، أو الهمزة وأو، بعد باب: دريت وعلمت، نحو: ما أدري أزيد عندك أم عمرو، ولا أعلم أزيد عندك أو عمرو، فليس من هذا الباب، إذ لا معنى للشرط فيه، كما في الذي نحن فيه، وإن قصدت معنى التسوية في الشرط في غير لفظي سواء وما أبالي، فالغالب التصريح بأو في موضع أم، بلا همزة استفهام قبلها، نحو: لأضربنه قام أو قعد، والمعنى ذلك المعنى، والتقدير ذاك التقدير، إذ المقصود: إن قام أو قعد فلأضربنه، أي قيامه وقعوده مستويان عندي، لا يمنعني أحدهما من ضربه، ويجب تكرير الشرط سواء كان مع (أو) أو مع (أم)، لأن المراد: التسوية في الشرط بين شيئين أو أكثر، فلا يجوز: ما أبالي قام، ولا: لأضربنه قام،


(1) و (2) الرئيس ابن سينا: أبو علي: الحسين بن عبد الله بن سينا أحد حكماء العرب ومن أشهر فلاسفتهم وقد صرح الرضي بأن الاستشهاد بشعره ليس مرضيا، قال البغدادي: كأن الشارح المحقق لم يحضره قول الفرزدق في قصيدته المشهورة التي مدح بها زين العابدين بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، وهو قوله: لا ينقص العسر بطا من أكفهم * سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا ولو استحضره لما عدل عنه إلى هذا البيت، ثم ذكر ابن سينا، وقال شيئا من تاريخه وأورد عددا من أبيات قصيدته التي منها هذا البيت وهي قصيدة يتحدث فيها ابن سينا عن نفسه ويذكر عدم إنصاف الزمان له، ومساواته بمن لا يصل إلى درجته، وفيها مبالغة في الافتخار بنفسه وعلمه وفضله، رحمه الله (*)،

[ 413 ]

وإنما غلب في سواء وما أبالي: الهمزة وأم المتصلة، مع أنه لا معنى للاستفهام ههنا، بل المراد الشرط، لأن بين لفظي: سواء، ولا أبالي، وبين معنى الهمزة وأم المتصلة جامعا ومناسبة، وهو التسوية، فهي التي جوزت الأتيان بهما بعد اللفظين، بتجريد الهمزة وأم عن معنى الاستفهام وجعلهما بمعنى: إن، وأو، كما تقدم، ويجوز، مع هذا، بعد سواء، ولا أبالي: أن تأتي بأو، مجردا عن الهمزة نحو: سواء علي قمت أو قعدت، ولا أبالي قمت أو قعدت، بتقدير حرف الشرط، قال: 896 - ولست أبالي بعد آل مطرف * حتوف المنايا أكثرت أو أقلت 1 وقال أبو علي: لا يجوز (أو) بعد سواء، فلا تقول: سواء علي قمت أو قعدت قال: لأنه يكون المعنى: سواء علي أحدهما، ويرد عليه أن معنى (أم)، أيضا، أحد الشيئين أو الأشياء، فيكون معنى سواء علي أقمت أم قعدت: سواء علي أيهما فعلت، أي الذي فعلت من الأمرين، لتجرد (أي) عن معنى الاستفهام وهذا أيضا ظاهر الفساد، وإنما لزمه ذلك في أو، في أم، لأنه جعل (سواء) خبرا مقدما، ما بعده مبتدأ، والوجه كما ذكرنا أن يكون (سواء) خبر مبتدأ محذوف ساد مسد جواب الشرط، وجوز الخليل 2 في غير سواء، ولا أبالي: أن يجري مجراهما فيذكر بعده (أم) والهمزة، نحو: لأضربنه: أقام أم قعد، مستدلا بصحة قولك: لأضربنه: أي ذلك كان، وهو بمعنى أقام أم قعد، وليس ما قال ببعيد، لأن معنى التسوية مع غيرها، أيضا ظاهر، أي قيامه وقعوده مستويان عندي، لا يمنعني أحدهما من ضربه، كما تقدم ذكره، قال:


(1) قال البغدادي بعد أن شرحه، انه من شواهد سيبويه التي لم يعرف لها قائل، والبيت في سيبويه ج 1 ص 490 من غير نسبة، وكذلك في شرح الشواهد للأعلم، (2) نقله عنه سيبويه في ج 1 ص 490 (*)،

[ 414 ]

897 - إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده * أطال فأملى أم تناهى فأقصرا 1 روي: أو تناهى، فالهمزة في (أطال) ليست استفهامية، بل: أطال، ماض من الأطالة، وروي: أم تناهى، فالهمزة استفهامية، وطال: ماض من الطول، ولا تجئ بالهمزة قبل (أو)، فلا تقل: لا أبالي أقمت أو قعدت، ولا: لأضربنه أقام أو قعد، لأنك إنما جئت بالهمزة مع أم) وإن لم يكن فيها معني، الاستفهام، لما فيها من معنى التسوية ههنا، وليس في الهمزة مع (أو) معنى التسوية، وقولك: لأقتلنه كائنا من كان، ولأفعلنه كائنا ما كان، (كائنا) فيهما، حال من المفعول، و (من) و (ما) في محل النصب على أنهما خبران لكائنا، وهما موصوفان، والضمير الراجع إليهما من الصفة محذوف أي: كانه، وفي (كائنا) و (كان) ضمير راجع إلى ذي الحال، أي: كائنا أي شئ كانه، قال المصنف: كل موضع قدرت فيه الجملتان، أي المعطوفة إحداهما على الأخرى: بالحال، فأو، نحو: لأضربنه قام أو قعد، إذ المعنى: قائما كان أو قاعدا، وإن قدر الكلام بالتسوية من غير استفهام، فأم، نحو: ما أبالي أقمت أم قعدت، هذا كلامه، ولقائل أن يطالبه باختصاص معنى الحالية بأو، وقد ذكرنا أن كل موضع يجوز فيه (أو) يجوز فيه (أم) وبالعكس، واعلم أن الفرق بين (أو) و (أم) المتصلة، في الاستفهام: أن معني قولك: أزيدا رأيت أو عمرا: أأحدهما رأيت، وجوابه: لا، أو نعم، ومعنى قولك: أزيدا رأيت أم عمرا: أيهما رأيت، وجوابه بالتعيين، كأن تقول: زيدا، أو تقول: عمرا، فالسؤال


(1) أحد أبيات أربعة لزياد بن زيد العذري، شاعر إسلامي، قتله هدبة بن الخشرم وقتل به، بسبب مهاجاة جرت بينهما، ومن أبيات زياد هذه قوله: ويخبرني عن غائب المرء هدبه * كفى الهدى عما غيب المرء مخبرا والهدى: السيرة، وقد بين الرضي معنى البيت المستشهد به (*)،

[ 415 ]

بأو، لا يمكن أن يكون بعد السؤال بأم، لأنك في (أم) عالم بوجود أحدهما عنده، فكيف تسأل عما تعلم، وتقول: أزيد أفضل أم عمرو، أي: أيهما أفضل من الآخر، ففيه ذكر المفصول معنى، ولو قلت: أزيد أفضل أو عمرو، لم يجز، الا إذا كان المفضول معلوما للمخاطب، إذ المعنى: أأحدهما أفضل، وذلك إنما يكون إذا قال لك، مثلا، شخص: عندي رجل أفضل من بكر، ثم حضر زيد وعمرو، فتقول: أزيد، أو عمرو أفضل، أي: أأحدهما أفضل من بكر، وحيث أشكل عليك الأمر في (أو) و (أم) المتصلة، فقدر (أو)، ب (أحدهما) و (أم) ب (أيهما)، تقول: الحسن أو الحسين أفضل، أم بن الحنفية 1، والمراد: أأحدهما أفضل من ابن الحنفية أم ابن الحنفية أفضل من أحدهما، والمعنى: أيهما أفضل من أحدهما وابن الحنفية، والجواب: أحدهما، قوله: (ومن ثم لم يجز: أرأيت زيدا أم عمرا)، أي لأنه لم يلهما المستويان إذ أحدهما فعل والآخر اسم، وقد تقدم أن سيبويه قال: إن مثل هذا جائز حسن إلا أن نحو: أزيدا رأيت أم عمرا، أحسن وأولى، قوله: (ومن ثم كان جوابها: التعيين)، أي لكونها لطلب التعيين،


(1) هو أخو الحسن والحسين، وأمه من بني حنيفة، تزوجها سيدنا علي رضي الله عنه بعد موت السيدة فاطمة الزهراء، رضي الله عنهم جميعا (*)،

[ 416 ]

(معنى: لاوبل ولكن) (وشرط العطف بها) (قال ابن الحاجب:) (ولا، وبل، ولكن، لأحدهما معينا، ولكن لازمة للنفي)، (قال الرضي:) اعلم أن (لا) لنفي الحكم عن مفرد، بعد إيجابه للمتبوع، فلا تجئ إلا بعد خبر موجب، أو أمر، ولا تجئ بعد الاستفهام والتمني والعرض والتحضيض ونحو ذلك، ولا بعد النهي، تقول: ضربت زيدا لا عمرا، واضرب زيدا لا عمرا، ولا تعطف بها الاسمية، ولا الماضي على الماضي فلا يقال: قام زيد لا قعد، لأنه جملة، ولفظة (لا) موضوعة لعطف المفردات، وقد تعطف مضارعا على مضارع، وهو قليل، نحو: أقوم، لا أقعد، والمجوز: مضارعته للاسم، فكأنك قلت: أنا قائم لا قاعد، ولا يجوز تكريرها، كسائر حروف العطف، لا تقول: قام زيد لا عمرو، لا بكر، كما تقول: قام زيد وعمرو وبكر، ولو قصدت ذلك: أدخلت الواو في المكرر، فقلت: ولا بكر ولا خالد، فتخرج (لا) عن العطف، وتتمحض لتأكيد النفي، لدخول العاطف عليها، وهذه الزائدة لا تدخلعلى العلم، تقول أنت غير قائم ولا قاعد، وغير القائم ولا القاعد، ولا تقول: أنت غير زيد ولا عمرو، بل تقول: غير زيد وعمرو، وقد مر هذا في قسم الأسماء 1، ومنع الزجاج من مجئ (لا) العاطفة بعد الفعل الماضي، ورد عليه بقول امرئ القيس:


(1) عند الكلام على (غير) في باب الاستثناء، في الجزء الثاني (*)،

[ 417 ]

898 - كأن دثارا حلقت بلبونه * عقاب تنوفى، لا عقاب القواعل 1 تنوفى، ثنية، والقواعل: صغار الجبال، وقال بعضهم (ليس) أيضا تكون عاطفة، كلا، قال: وإذا أقرضت قرضا فاجزه * إنما يجزي الفتى ليس الجمل 2 - 727 والظاهر: أنها على أصلها، والخبر محذوف، أي: ليس الجمل جازيا، وأما (بل)، فإما أن يليها مفرد، أو جملة، وفي الأول هي لتدارك الغلط، ولا يخلو أن تكون بعد نفي أو نهي، أو بعد إيجاب أو أمر، فإن جاءت بعد إيجاب أو أمر، نحو: قام زيد، بل عمرو، فهي لجعل المتبوع في حكم المسكوت عنه، منسوبا حكه إلى التابع، فيكون الأخبار عن قيام زيد، غلطا، يجوز أن يكون قد قام وأن لم يقم، أفدت ببل أن تلفظك بالاسم المعطوف عليه، كان غلطا، عن عمد، أو عن سبق لسان، ونقل صاحب المغني 3 عن الكوفيين: أنهم لا يجوزون العطف ببل، بعد الأيجاب، والظاهر أنه وهم من الناقل، فإنهم يجوزون عطف المفرد بلكن بعد الموجب حملا على (بل)، كما نقل عنهم ابن الأنباري والأندلسي 4، فكيف يمنعون هذا، وإذا عطفت ببل مفردا بعد النفي أو النهي، فالظاهر أنها للأضراب أيضا، ومعنى الأضراب: جعل الحكم الأول، موجبا كان أو غير موجب: كالمسكوت عنه بالنسبة


(1) من قصيدة لامرئ القيس، ودثار: راع للأبل، يقول كأن هذا الراعي الذي سلبت منه ابله، كأن أبله حلقت بها العقاب التي تأوي إلى أعالي الجبال، مثل تنوفي ولم تأخذها العقاب التي تأوي إلى القواعل وهي الجبال المنخفضة، التي يمكن الوصول إليها، (2) تقدم في باب الأفعال الناقصة، ص 209 في هذا الجزء، وهو من شعر لبيد بن ربيعة، (3) منصور بن فلاح اليمني صاحب كتاب المغني في النحو، وهو من معاصري الرضي، وتكرر ذكره، (4) تقدم ذكر ابن الأنباري، والأندلسي (*)،

[ 418 ]

إلى المعطوف عليه، ففي قولك: ما جاءني زيد، بل عمرو، أفادت (بل) أن الحكم على زيد بعدم المجئ كالمسكوت عنه، يحتمل أن يصح هذا الحكم فيكون زيد غير جاء، ويحتمل ألا يصح فيكون قد جاءك، كما كان الحكم على زيد بالمجئ في: جاءني زيد بل عمرو، احتمل أن يكون صحيحا وألا يكون، وهذا الذي ذكرنا: ظاهر كلام الأندلسي، وقال ابن مالك: بل، بعد النفي والنهي، كلكن، بعدهما، وهذا الأطلاق منه يعطي أن عدم مجئ زيد في قولك: ما جاءني زيد بل عمرو، متحقق بعد مجئ (بل)، أيضا، كما كان كذلك في: ما جاءني زيد لكن عمرو، بالاتفاق، وبه قال المصنف، لأنه قال في: ما جاءني زيد بل عمرو، يحتمل إثبات المجئ لعمرو، مع تحقق نفيه عن زيد، والظاهر ما ذكرناه أولا، وهذا كله حكم (بل) بالنظر إلى ما قبلها، وأما حكم ما بعد (بل)، الآتية بعد النفي أو النهي، فعند الجمهور أنه مثبت، فعمرو، جاءك في قولك: ما جاءني زيد بل عمرو، فكأنك قلت: بل جاءني عمرو، ف (بل)، أبطلت النفي والاسم المنسوب إليه المجئ، قالوا: والدليل على أن الثاني مثبت، حكمهم بامتناع النصب في: ما زيد قائما بل قاعد، ووجوب الرفع كما مر في بابه، وعند المبرد: أن الغلط في الاسم المعطوف عليه فقط، فيبقى الفعل المنفي مسندا إلى الثاني، فكأنك قلت: بل ما جاءني عمرو، كما كان في الأثبات: الفعل الموجب مسندا إلى الثاني، وإذا ضممت (لا) إلى (بل) بعد الأيجاب أو الأمر، نحو: قام زيد، لابل عمرو، و: اضرب زيدا، لابل عمرا، فمعنى (لا) يرجع إلى ذلك الأيجاب أو الأمر المتقدم، لا إلى ما بعد (بل)، ففي قولك: لا بل عمر، نفيت بلا: القيام عن زيد، وأثبته لعمرو ببل، ولو لم تجئ بلا، لكان قيام زيد كما ذكرنا، في حكم المسكوت عنه، يحتمل أن يثبت وألا يثبت، وكذا في الأمر، نحو: اضرب زيدا، لابل عمرا، أي: لا تضرب زيدا، بل اضرب عمرا، ولو لا (لا) المذكورة، لاحتمل أن يكون أمرا بضرب زيد، وألا يكون مع الأمر بضرب عمرو، وكذا (لا) الداخلة على (بل) بعد النهي والنفي:

[ 419 ]

راجعة إلى معنى ذلك النفي أو النهي، مؤكدة لمعناهما، وما بعد (بل) باق على الخلاف المذكور، بين المبرد والجمهور، ولا تجئ (بل) المفردة 1، العاطفة للمفرد، بعد الاستفهام، لأنها لتدارك الغلط الحاصل من الجزم بحصول مضمون الكلام أو طلب تحصيله ولا جزم في الاستفهام، لا بحصول شئ، ولا بتحصيله، حتى يقع الغلط فيتدارك، وكذا قيل: إنها لا تجئ بعد التحضيض والتمني والترجي والعرض، والأولى أنه يجوز استعمالها بعد ما يستفاد منه معنى الأمر والنهي، كالتحضيض والعرض، وأما (بل) التي تليها الجمل، ففائدتها الانتقال من جملة إلى أخرى، أهم من الأولى، وقد تجئ للغلط 2، والأولى تجئ بعد الاستفهام أيضا كقوله تعالى: (أتأتون الذكران من العالمين) 3، إلى قوله: (بل أنتم قوم عادون) والتي لتدارك الغلط نحو: ضربت زيدا، بل أكرمته، وخرج زيد، بل دخل خالد، وقد تشترك الجملتان في جزء، وقد لا 4 تشتركان، وأما لكن فشرطها مغايرة ما قبلها لما بعدها، نفيا وإثباتا، من حيث المعنى، لا من حيث اللفظ، كما مر في المثقلة، فإذا عطفت بها المفرد، ولا يكون في ذلك المفرد معنى النفي، لأن حروف النفي إنما تدخل الجمل، وجب أن يكون (لكن) بعد النفي، لتغاير ما بعدها لما قبلها، نحو: ما جاءني زيد لكن عمرو، وقد مر معنى الاستدراك في المشددة، فعدم مجئ زيد، باق على حاله، لم يكن الحكم به منك غلطا، وإنما جئت بلكن، دفعا لتوهم المخاطب أن عمرا، أيضا، لم يجئ كزيد، فهي في عطف المفرد نقيضة (لا) لأنها للأثبات للثاني بعد النفي عن الأول، و (لا) للنفي عن الثاني بعد الاثبات للأول،


(1) أي التي ليس معها (لا)، (2) أي تتدارك الغلط في الكلام الذي قبلها، (3) الآيتان 165، 166 سورة الشعراء، (4) الفصل بين قد والفعل بلا، أسلوب لا تقره القواعد (*)،

[ 420 ]

وأجاز الكوفيون مجئ (لكن) العاطفة للمفرد بعد الموجب أيضا، نحو: جاءني زيد لكن عمرو، حملا على (بل)، وليس لهم به شاهد، وكون وضع (لكن) لمغايرة ما بعدها لما قبلها يدفع ذلك، إلا أن: لا يسلموا هذا الوضع، وإذا وليها جملة، وجب، أيضا: المغايرة المذكورة، كما ذكرنا في المشددة، وتقع بعد جميع أنواع الكلام، إلا بعد الاستفهام والترجي والتمني والعرض والتحضيض، على ما قيل، وذهب يونس إلى أنها في جميع مواقعها مخففة من الثقيلة وليست بحرف عطف، وليها مفرد أو جملة، وذلك لجواز دخول الواو عليها، ففي المفرد يقدر العامل بعدها، ويشكل ذلك عليه، إذا وليها مجرور بلا جار، نحو: ما مررت بزيد لكن عمرو، فالأولى، كما قال الجزولي، إنها في المفرد عاطفة إن تجردت عن الواو، وأما مع الواو فالعاطفة هي الواو، و (لكن) لمجرد الاستدراك، واختار فيما بعدها الجمل أن تكون مخففة لا عاطفة، صحبتها الواو أو، لا، لموافقتها الثقيلة في مجئ الجملة بعدها، وهي مع الواو ليست عاطفة اتفاقا، وأما المجردة عنها فإن وليها المفرد فعاطفة، خلافا ليونس، وإن وليها جملة فقيل عاطفة، وهو ظاهر مذهب الزمخشري 1، فلا يحسن الوقف على ما قبلها، وقيل مخففة، كما هو مذهب الجزولي، فيحسن الوقف على ما قبلها، لكونها حرف ابتداء،


(1) انظر عبارته في المفصل وشرح ابن يعيش عليه، ج 8 ص 104 (*)،

[ 421 ]

(حروف التنبيه) (ألا - أما - ها) (قال ابن الحاجب:) (حروفا لتنبيه: ألا وأما، وها)، (قال الرضي:) اعلم أن (ألا) و (أما)، حرفا استفتاح يبتدأ بهما الكلام، وفائدتهما المعنوية: توكيد مضمون الجملة، وكأنهما مركبتان من همزة الأنكار وحرف النفي، والأنكار نفي، ونفي النفي إثبات، ركب الحرفان لأفادة الأثبات والتحقيق، فصارا بمعنى (إن)، الا أنهما غير عاملين، يدخلان على الجملة، خبرية كانت أو طلبية، سواء كانت الطلبية أمرا أو نهيا، أو استفهاما، أو تمنيا، أو غير ذلك، وتختصان بالجملة بخلاف (ها)، وفائدتهما اللفظية كون الكلام بعدهما مبتدأ به، وقد نسب التنبيه إليهما، كما هو مذهب المصنف في هذا الكتاب، وتدخل (ألا) كثيرا على النداء، و (أما) كثيرا على القسم، وقد تبدل همزة (أما) هاء، وعينا، نحو: هما، وعما، وقد تحذف ألفها في الأحوال الثلاث، نحو: أم، وهم، وعم، وقد تجئ (ألا) عند الخليل حرف تحضيض 1، أيضا كما ذكرنا عنه في قوله: ألا رجلا جزاه الله خيرا 2... - 158


(1) في سيبويه ج 1 ص 359، أنها بمنزلة هلا، وليس على التمني، الخ وفيها الشاهد الآتي، (2) تقدم الاستشهاد به أكثر من مرة، وانظر فهرس الشواهد في آخر الكتاب (*)،

[ 422 ]

وقد جاءت (أما) بمعنى (حقا) فتفتح (أن) بعدها كما مر في باب (ان)، وأما (أما) و (ألا) للعرض، فهما حرفان يختصان بالفعل ولا شك في كونهما، إذن، مركبين من همزة الأنكار وحرف النفي، وليستا كحرفي الاستفتاح، لأنهما بعد التركيب تدخلان على الجملتين: الاسمية والفعلية بلا خلاف، واللتان للعرض تختصان بالفعلية على الصحيح، كما قال الأندلسي، وأجاز المصنف دخولهما على الاسمية أيضا، كما مر في باب (لا) التبرئة، وأما (ها) فتدخل، من جميع المفردات، على أسماء الأشارة كثيرا، لما ذكرنا في بابها، ويفصل كثيرا، بين أسماء الأشارة وبينها، إما بالقسم نحو: ها الله ذا، وقوله: تعلمن، ها، لعمر الله، ذا قسما * فاقصد بذرعك وانظر أين تنسلك 1 - 400 وإما بالضمير المرفوع المنفصل، نحو: (ها أنتم أولاء) 2 وبغيرهما قليلا، نحو قوله: ها إن تا عذرة إن لم تكن نفعت * فإن صاحبها قد تاه في البلد 3 - 401 وقوله: ونحن اقتسمنا المال نصفين بيننا * فقلت لهم هذا لها، ها وذاليا 4 - 402 أي: وهذا ليا، ومذهب الخليل 5 أن (ها) المقدمة في جميع ذلك، كانت متصلة باسم الأشارة، أي كان القياس: الله هذا، ولعمرك هذا قسما، وانتم هؤلاء، وإن هاتا عذرة، والدليل على أنه فصل حرف التنبية عن اسم الأشارة ما حكى أبو الخطاب 6 عمن يوثق به: هذا


(1) تقدم ذكره في باب اسم الأشارة آخر الجزء الثاني، (2) الآية 119 سورة آل عمران، (3) تقدم ذكره في الموضع المذكور قبله، (4) وهذا أيضا، والأبيات الثلاثة متوالية هناك كما هي هنا، (5) انظر سيبويه: ج 1 ص 379، (6) الأخفش الأكبر، شيخ سيبويه، وتقدم له ذكر (*)،

[ 423 ]

أنا أفعل، وأنا هذا أفعل، في موضع: ها أناذا أفعل، وحدث يونس 1: هذا أنت تقول كذا، واعلم أنه ليس المراد بقولك: ها أنذا أفعل: أن تعرف المخاطب نفسك وأن تعلمه أنك لست غيرك، لأن هذا محال، بل المعنى فيه وفي: ها أنت ذا تقول وها هوذا يفعل: استغراب وقوع مضمون الفعل المذكور بعد اسم الأشارة من المتكلم أو المخاطب أو الغائب، كأن معنى: ها أنت ذا تقول، وها أنت ذا يضربك زيد: أنت هذا الذي أري لا من كنا نتوقع منه ألا يقع منه أو عليه مثل هذا الغريب، ثم بينت بقولك: تقول، وقولك: يضربك زيد: الذي استغربته ولم تتوقعه، قال الله تعالى: (ها أنتم أولاء تحبونهم) 2: فالجملة بعد اسم الأشارة لازمة، لبيان الحالة المستغربة، ولا محل لها، إذ هي مستأنفة، وقال البصريون هي في محل النصب على الحال، أي: ها أنت ذا قائلا، قالوا: والحال ههنا لازمة، لأن الفائدة معقودة بها، والعامل فيها حرف التنبيه، أو اسم الأشارة، ولا أري للحال فيه معنى، إذ ليس المراد: أنت المشار إليه في حال قولك، وجوز بعضهم أن تكون (ها) المقدمة في نحو: ها أنت ذا تفعل: غير منوي دخولها على (ذا)، استدلالا بقوله تعالى: (ها أنتم هؤلاء...) 3 ولو كانت هي التي كانت مع اسم الأشارة، لم تعد بعد (أنتم)، ويجوز أن يعتذر للخليل بأن تلك الأعادة للبعد بينهما، كما أعيد: (فلا تحسبنهم) لبعد قوله تعالى: (لا تحسبن الذين يفرحون) 4، وأيضا قوله تعالى: (ها أنتم هؤلاء)، دليل على أن المقصود في (ها أنتم أولاء) هو الذي كان مع اسم الأشارة، ولو كان في


(1) نقله عنه سيبويه في الموضع السابق، ج 1 ص 379، (2) الآية المتقدمة من سورة آل عمران، (3) الآية 66 سورة آل عمران، ومثلها الآية 109 في سورة النساء، (4) الآية 188 من سورة آل عمران (*)،

[ 424 ]

صدر الجملة من الأصل، لجاز من غير اسم الأشارة نحو: ها أنت زيد، وما حكى الزمخشري من قولهم: ها إن زيدا منطلق، وها، افعل كذا 1، مما لم أعثر له على شاهد، فالأولى أن نقول: ان هاء التنبيه مختص باسم الأشارة، وقد يفصل عنه كما مر، ولم يثب دخولها في غيره، من الجمل والمفردات، وقد عد ابن مالك (يا) من حروف التنبيه، قال 2: وأكثر ما يليها، منادى أو أمر، نحو: ألا يا اسجدوا) 3 أو تمن نحو: (يا ليتني كنت معهم) 4 أو تقليل نحو: ما وي يا ربتما غارة 5... 744 وقد يليها فعل المدح والذم والتعجب، ومن جعلها حرف نداء فقط، قدر في جميع هذه المواضع منادى، بخلاف من جعلها حرف تنبيه، ولجميع حروف التنبيه صدر الكلام، كما للاستفهام، كما تقدم، إلا (ها) الداخلة على اسم الأشارة غير مفصولة، فإنها تكون، إما في الأول، أو الوسط، بحسب ما يقع اسم الأشارة،


(1) انظر عبارته في شرح ابن يعيش ج 8 ص 113. (2) قاله ابن مالك في التسهيل، حروف النداء، (3) الآية 25 سورة النمل، (4) الآية 73 سورة النساء، (5) تقدم في هذا الجزء ص 241 (*)،

[ 425 ]

(حروف النداء) (قال ابن الحاجب:) (حروف النداء، يا: أعمها، وأيا، وهيا، للبعيد، وأي) (والهمزة للقريب)، (قال الرضي:) وقد تنوب (وا) مناب (يا) في النداء، والمشهور استعمالها في الندبة، وقد جاء (آ) بهمزة بعدها ألف، و: (آي) بهمزة بعدها ألف، بعدها ياء ساكنة، فيا: أعمها، أي ينادى بها القريب والبعيد، وقال الزمخشري 1: هي للبعيد، قال: وأما يا ألله، ويا رب، مع كونه تعالى أقرب إلى كل شخص من حبل وريده، فلاستصغار الداعي لنفسه واستبعاده لها عن مرتبة المدعو تعالى، وما ذكره المصنف: أولى، لاستعمالها في القريب والبعيد على السواء، ودعوى المجاز في أحدهما، أو التأويل خلاف الأصل، وأيا، وهيا وآ، وآي، ووا، في البعيد، وأي، والهمزة، في القريب،


(1) شرح ابن يعيش على المفصل: ج 8 ص 118 (*)،

[ 426 ]

(حروف الأيجاب) (ألفاظها، الفرق بينها في) (الاستعمال) (قال ابن الحاجب:) (حروف الأيجاب: نعم، وبلى، وإي، وأجل، وجير) (وإن، فنعم مقررة لما سبقها، وبلى، مختصة بإيجاب) (النفي، وإي، إثبات بعد الاستفهام، ويلزمها القسم وأجل،) (وجير، وإن، تصديق للخبر)، (قال الرضي:) قوله: (مقررة لما سبقها)، أي مثبتة لما سبقها من كلام خبري سواء كان موجبا نحو: نعم في جواب من قال قام زيد، أي: نعم قام، أو منفيا، نحو نعم، في جواب من قال: ما قام زيد، أي: نعم ما قام، وكذا تقرر ما بعد حرف الاستفهام مثبتا كأن، نحو نعم في جواب من قال أقام زيد، أي نعم قام، أو منفيا نحو نعم في جواب من قال ألم يقم زيد، أي: نعم، لم يقم، فنعم، بعد الاستفهام ليست للتصديق، لأن التصديق إنما يكون للخبر، فالأولى أن يقال: هي بعد الاستفهام، لأثبات ما بعد أداة الاستفهام نفيا كان أو إثباتا، ومن ثم قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو قالوا في جواب: (ألست بربكم) 1: نعم، لكان كفرا، فيصح بهذا الاعتبار، أن يقال لها حرف إيجاب، أي إثبات ما بعد حرف الاستفهام لكن الأظهر في الاستعمال أن يقال: الأيجاب في الكلام المثبت، لا المنفي، والمستفهم عنه،


(1) الآية 172 سورة الأعراف (*)،

[ 427 ]

وجوز بعضهم إيقاع نعم موقع بلى، إذا جاءت بعد همزة داخلة على نفي لفائدة التقرير، أي الحمل على الأقرار والطلب له، فيجوز أن يقال في جواب: (ألست بربكم) 1 و: (ألم نشرح لك صدرك) 2: نعم، 3 لأن الهمزة للأنكار دخلت على النفي فأفادت الأيجاب، ولهذا عطف على: ألم نشرح قوله: (ووضعنا عنك وزرك) 4، فكأنه قال: شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك وزرك، فتكون (نعم) في الحقيقة، تصديقا للخبر المثبت المؤول به الاستفهام مع النفي، لا تقريرا لما بعد همزة الاستفهام، فلا يكون جوابا للاستفهام لأن جواب الاستفهام يكون بما بعد أداته، بل هو كما لو قيل قام زيد بالأخبار، فتقول: نعم، مصدقا للخبر المثبت، فالذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما، مبني على كون (نعم) تقريرا لما بعد الهمزة، والذي جوزه هذا القائل، مبني على كونه تقريرا لمدلول الهمزة مع حرف النفي، فلا يتناقض القولان، والدليل على جواز استعمال ما قال هذا القائل، قول الشاعر: 899 - أليس الليل يجمع أم عمرو * وإيانا فذاك لنا تداني 5 نعم، وأرى الهلال كما تراه * ويعلوها النهار كما علاني أي: أن الليل يجمع أم عمرو وإيانا، نعم 6، وقد اشتهر في العرف ما قال هذا لقائل، فلو قيل لك: أليس لي عليك دينار، فقلت: نعم، لزمت بالدينار بناء على العرف الطارئ على الوضع،


(1) الآية السابقة ألست بربكم، (2) أول سورة الشرح، (3) مرتبط بقوله: فيجوز أن يقال... فلفظ نعم نائب فاعل، (4) الآية الثانية من سورة الشرح، (5) من قصيدة لجحدد بن مالك الحنفي، قالها وهو في سجن الحجاج الثقفي، وبعد البيتين المستشهد بهما: فما بين التفرق غير سبع * بقين من المحرم أو ثمان ومنها قوله: فان أهلك فرب فتى سيبكي * علي مهذب رخص البنان (6) ذكر كلمة نعم بعد شرحه لمعنى البيتين: فائدته التوكيد (*)،

[ 428 ]

وفي (نعم) أربع لغات: المشهورة، فتح النون والعين، والثانية: كسر العين، وهي كنانية، والثالثة كسر النون والعين، والرابعة: نحم، بفتح النون وقلب العين المفتوحة حاء، كما قلبت الحاء عينا في (حتى)، وتقع (نعم) في جواب الأمر، نحو: نعم لمن قال: زرني، أي: أزورك، وتقول نعم لمن قال: لا تضربني، أي: لا أضربك، ولو قلت نعم، في جواب التحضيض نحو: هلا تزورني، كان المعنى: الأيجاب، أي نعم، أزورك، وكذا في جواب العرض نحو: ألا تزورنا، قوله: (وبلى مختصة بإيجاب النفي)، يعني أن (بلى) تنقض النفي المتقدم، سواء كان ذلك النفي مجردا، نحو: بلى في جواب من قال: ما قام زيد، أي: بلى، قد قام، أو كان مقرونا باستفهام، فهي إذن، لنقض النفي الذي بعد ذلك الاستفهام كقوله تعالى: (ألست بربكم قالوا بلى) 1 أي بلى أنت ربنا، وزعم بعضهم أن (بلى) تستعمل بعد الأيجاب مستدلا بقوله: 900 - وقد بعدت بالوصل بيني وبينها * بلى، إن من زار القبور ليبعدا 2 أي: ليبعدن، بالنون الخفيفة، واستعمال (بلى) في البيبت لتصديق الأيجاب: شاذ، وزعم الفراء أن أصلها (بل) زيدت عليها الألف للوقف، فلذا كانت للرجوع عن النفي، كما كانت (بل) للرجوع عن الجحد في: ما قام زيد، بل عمرو، والأولى كونها حرفا برأسها،


(1) آية الأعراف المتقدمة، (2) قوله: ليبعدا بلام التأكيد، وآخره نون خفيفة مبدلة ألفا، قال البغدادي انه لم ير هذا البيت (يعني بصورته هذه) إلا في شرح الرضي، هذا ثم قال: وجاء عجزه في شعر الطهوي وهو: فلا تبعدن يا خير عمرو بن جندب * بلى، إن من زار القبور ليبعدا ولم يذكر من المراد بالطهوي (*)،

[ 429 ]

ولا يجاب بنعم وبلى، ولا بغيرهما من حروف الأيجاب: استفهام ألا إذا كان بالحرف، وهو الهمزة وهل، وأما الأسماء الاستفهامية، فان جواب (من): ما هو الخص منه، فلو قلت في جواب، من جاءك: شخص أو إنسان، لم يجز، لأن الأول أعم، والثاني مساو، فلم تعرف السائل ما لم يعرفه، بل تقول إما: رجل، أو: زيد، وكذا (من) الداخلة على الاسم، كما يقال: من الرجل، فتقول: زيد، أو: واحد من بني تميم، وأما جواب (ما)، فإن كان سؤالا عن الماهية، فنحو: إنسان، أو فرس، أو بقر، أو غير ذلك من الأنواع، وإن كان سؤالا عن صفة الماهية، نحو: ما زيد، فنحو: عالم، أو ظريف، أو فارس، كما تقدم في الموصولات 1، وجواب (أي) المضاف إلى المعارف: معرفة نحو: زيد أو عمرو، أو: أنا، أو: ذاك، في جواب من قال: أي الرجال فعل ذلك، أو نكرة مختصة بالوصف، نحو: رجل رأيته في موضع كذا، وجواب (أي) المضاف إلى النكرة: ما يصلح وصفا لتلك النكرة نحو: عالم، أو كتاب، في جواب: أي رجل، أو نكرة مخصصة بالنعت، وجواب (كيف)، لا يكون إلا نكرة، وجواب (كم) تعيين العدد، معرفة كان أو نكرة، ومنع ابن السراج كونه معرفة، وجواب (متى) و (أيان): تعيين الزمان دون المبهم منه، وجواب (أين) و (أتى): المكان الخاص، وجواب الهمزة مع (أم) الاسم وجواب الهمزة وحدها، أو مع (أو) وجواب (هل): نعم أو: بلى أو: لا، قوله: (وإي، إثبات بعد الاستفهام ويلزمها القسم)،


(1) في أول الجزء الثالث من هذا الشرح (*)،

[ 430 ]

لاشك في غلبة استعمالها مسبوقة بالاستفهام، وذكر بعضهم أنها تجئ لتصديق الخبر، أيضا، وذكر ابن مالك 1 أن (إي) بمعنى (نعم) فإن أراد أنه يقع مواقع نعم، فينبغي أن يقع بعد الخبر، موجبا كان أو منفيا فيكون لتقرير الكلام السابق كنعم، سواء 2، يقال: لا تضربني فتقول: إي والله لا أضربك، وكذا يقال: ما ضرب زيد فتقول: إي والله ما ضرب، وهذا مخالف للشرطين اللذين ذكرهما المصنف، أعني لزوم سبق الاستفهام وكونها للأثبات، وإن أراد أنه للتصديق مثل (نعم)، وإن لم يقع مواقعها، فكذا جميع حروف التصديق ولا يستعمل بعد (إي)، ولعمري، تقول: إي والله، وإي الله بحذف حرف القسم ونصب (الله) وإي ها الله ذا، وإي وأي لعمري، وإذا جاء بعدها لفظة (الله)، فإن كان مع (ها) نحو: إي، ها الله ذا، فقد مرت الوجوه الجائزة فيه في باب القسم 3، ويجب جر (الله) إذن، لنيابة حرف التنبية عن الجار، وإن تجردت عن (ها)، فالله، منصوب بفعل القسم المقدر، وفي ياء (إي) ثلاثة أوجه، حذفها للساكنين، وفتحها، تبيينا لحرف الأيجاب، وإبقاؤها ساكنة، والجمع بين ساكنين مبالغة في المحافظة على حرف الأيجاب بصون آخره عن التحريك والحذف وإن كان يلزم ساكنان على غير حده، لأنهما في كلمتين، إجراء لهما مجرى كلمة واحدة، كالضالين، وتمود الثوب، كما في: ها الله، وهذا، أيضا من خصائص لفظ (الله)،


(1) في هذا المكان جاءت بالهامش إلى أن في بعض النسخ: وذكر المالكي، بدلا من ابن مالك، وهذا القول في التسهيل لابن مالك، وهو يؤيد ما ذهبنا إليه من أن المراد من المالكي وابن مالك شخص واحد، (2) تقديره هما سواء، (3) ص 304 في هذا الجزء (*)،

[ 431 ]

قوله: (وأجل وجير وإن تصديق للخبر)، سواء كان الخبر موجبا أو منفيا، ولا تجئ بعد ما فيه معنى الطلب، كالاستفهام والأمر وغيرهما، وحكى الجوهري 1 عن الأخفش، أن (نعم) أحسن من (أجل)، في الاستفهام، وأجل، أحسن من نعم في الخبر، فجوز على ما ترى، مجيئها في الاستفهام، أيضا، وأما (جير) فقد مضى شرحها في القسم في حروف الجر، 2 وأما (إن) فقال سيبويه 3: هي في قول ابن قيس الرقيات: 901 - ويقلن شيب قد علاك، * وقد كبرت فقلت إنه 4 والهاء للسكت، وقيل ان (ان) فيه للتحقيق، والهاء اسمها والخبر محذوف، أي: انه كذلك، وقول ابن الزبير 5، لفضالة بن شريك حين قال له: لعن الله ناقة حملتني إليك: إن وراكبها، نص في كونها للتصديق، لكنه يدل على أنها تجئ لتقرير مضمون الدعاء، وهو خلاف ما قال المصنف من أن ثلاثتها، لتصديق الخبر،


(1) اسماعيل بن حماد الجوهري صاحب معجم الصحاح، وتقدم ذكره في هذا الشرح، (2) ص 318 في هذا الجزء، (3) ج 1 ص 475 وج 2 ص 279، (4) من شعر لابن قيس الرقيات أوله: بكر العواذل في الصبوح، * يلمنني وألومهنه (5) المراد به: عبد الله بن الزبير بن العوام، وفد عليه فضالة بن شريك فقال له إن ناقتي أصابها كذا وكذا فاحملني، فأخذ عبد الله بن الزبير يصف له علاجا لناقته، فقال فضالة: إنما جئتك مستحملا، لا مستوصفا، فلعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: ان وراكبها: وقيل إن القائل ليس فضالة وإنما هو عبد الله بن الزبير (بفتح الزاي) بن فضالة بن شريك، وهو قريب عبد الله بن الزبير بن العوام، والله أعلم (*)،

[ 432 ]

(حروف الزيادة) (ومواضع زيادة كل منها) (قال ابن الحاجب:) (حروف الزيادة: إن، وأن، وما، ولا، ومن، والباء) (واللام، فإن مع ما النافية، وقلت مع المصدرية، ولما،) (وأن، مع لما، وبين لو، والقسم وقلت مع الكاف،) (وما مع إذا ومتى، وأي وأين وإن شرطا وبعض حروف) (الجر، وقلت مع المضاف، ولا، مع الواو بعد النفي وبعد) (أن المصدرية، وقلت قبل القسم، وشذت مع المضاف،) (ومن، والباء، واللام، تقدم ذكرها)، (قال الرضي:) قيل، فائدة الحرف الزائد في كلام العرب: إما معنوية، وإما لفظية، فالمعنوية، تأكيد المعنى، كما تقدم في (من) الاستغراقية 1، والباء في خبر ما، وليس 2، فإن قيل: فيجب ألا تكون زائدة إذا أفادت فائدة معنوية، قيل: إنما سميت زائدة، لأنه لا يتغير بها أصل المعنى، بل لا يزيد بسببها إلا تأكيد المعنى الثابت وتقويته، فكأنها لم تفد شيئا، لما لم تغاير فائدتها العارضة: الفائدة الحاصلة قبلها،


(1) الفائدة فيها: النص على الاستغراق والشمول وهو بدونها محتمل احتمالا راجحا، (2) الفائدة في زيادة الباء في الخبر المنفى التأكيد (*)،

[ 433 ]

ويلزمهم أن يعدوا، على هذا، (إن)، ولام الابتداء، وألفاظ التأكيد، أسماء كانت، أو، لا: زوائد 1، ولم يقولوا به، وبعض الزوائد يعمل، كالباء، ومن، الزائدتين، وبعضها لا يعمل، نحو 2: (فيما رحمة) 3، وأما الفائدة اللفظية، فهي تزيين اللفظ، وكون زيادتها أفصح، أو كون الكلمة أو الكلام، بسببها، تهيأ لاستقامة وزن الشعر أو لحسن السجع، أو غير ذلك من الفوائد اللفظية، ولا يجوز خلوها من الفوائد اللفظية والمعنوية معا، وإلا، لعدت عبثا، ولا يجوز ذلك في كلام الفصحاء، ولا سيما في كلام الباري تعالى وأنبيائة، وأئمته، عليهم السلام، وقد تجتمع الفائدتان في حرف، وقد تنفرد إحداهما عن الأخرى، وإنما سميت هذه الحروف زوائد، لأنها قد تقع زائدة لا لأنها لا تقع إلا زائدة، بل وقوعها غير زائدة أكثر، وسميت، أيضا: حروف الصلة لأنها يتوصل بها إلى زيادة الفصاحة، أو إلى إقامة وزن أو سجع أو غير ذلك، أما 4 (إن) فتزاد مع (ما) النافية كثيرا لتأكيد النفي، وتدخل على الاسم والفعل، نحو: وما إن طبنا جبن ولكن * منايانا ودولة آخرينا 5 - 261 ونحو قوله:


(1) متصل بقوله: ويلزم أن يعدوا... (2) التمثيل راجع إلى ما، (3) من الآية 159 في سورة آل عمران، (4) بدا في تفصيل الكلام على الحروف الزائدة، بعد أن تحدث عنها إجمالا، (5) تقدم ذكره في الجزء الثاني، في باب خبر ما المشبهة بليس (*)،

[ 434 ]

902 - ما إن جزعت ولا هلعت * ولا يرد بكاي زندا 1 وقلت زيادتها مع (ما) المصدرية نحو: انتظرني ما إن جلس القاضي، ومع (ما) الاسمية نحو قوله تعالى: (ولقد مكناهم في ما إن مكناكم فيه) 2، وكذا بعد (ألا) الاستفتاحية، نحو: ألا إن قام زيد، وكذا مع (لما) بل زيادة (أن) المفتوحة بعدها، هي المشهورة، تقول: لما أن جلست جلست، فتحا وكسرا، والفتح أشهر، وأما (أن)، فتكثر زيادتها بعد لما، نحو: (فلما أن جاء البشير) 3، وبين (لو) والقسم، وقد مر في القسم 4 أن مذهب سيبويه كونها موطئة للقسم قبل (لو) كما أن اللام موطئة قبل (إن) وسائر كلمات الشرط، كقوله تعالى: (وإذا أخذ الله ميثاق النبيين، لما آتيتكم من كتاب وحكمة..) 5 الآية، ويجئ الكلام فيه، وقد تزاد في الأنكار، نحو: أنا أنيه 6، وقلت بعد كاف التشبيه نحو: ويوما توافينا بوجه مقسم * كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم 7 - 858 بالجر، وليست في قوله تعالى: (وأن عسى أن يكون) 8، و: (وأن لو استقاموا) 9، و: (وأن أقم وجهك) 10: زائدة، كما توهم بعضهم بل: الأوليان مخففتان، والثالثة مفسرة، كما تقدم في نواصب الفعل،


(1) من أبيات لعمرو بن معد يكرب، أوردها أبو تمام في الحماسة، وقبله: كم من أخ لي صالح * بوأته بيدي لحدا... (2) الآية 26 سورة الأحقاف، (3) الآية 96 سورة يوسف، (4) ص 313 من هذا الجزء، (5) الآية 81 من سورة آل عمران، (6) يأتي بحثه في آخر هذا الجزء، (7) تقدم ذكره في هذا الجزء ص 371 (8) الآية 185 سورة الاعراف، (9) الآية 16 سورة الجن، (10) الآية 105 سورة يونس (*)،

[ 435 ]

وأما (ما) فتزاد مع الخمس الكلمات 1 المذكورة، إذا أفادت معنى الشرط نحو: إذا ما تكرمني أكرمك بغير الجزم 2، ومتى ما تكرمني أكرمك بمعنى متى تكرمني، ولا تفيدها (ما) معنى التكرير 3، ولو أفادته لم تكن زائدة، فمن قال: ان (متى) للتكرير، فمتى ما، مثله، ومن قال ليست للتكرير، فكذا: متى ما، وأيا ما تفعل أفعل، وأينما تكن أكن، و: (فإما نذهبن بك) 4، وقد تدخل بعد (أيان) أيضا، قليلا، ويجئ حكم (ما) مع أن، في نوني التوكيد، قوله: (شرطا)، تقييد لجميع ما ذكر من: إذا، ومتى، وأي، وأين، وإن، لأنها كلها تستعمل شرطا وغير شرط، وزيادة (ما) فيها مختصة بحال الشرطية، ولم يعدوا (ما) الكافة، وإن لم يكن لها معنى، من الزوائد، لأن لهإ، تأثيرا قويا، وهو منع العامل من العمل، وتهيئته لدخول ما لم يكن له أن يدخله، وعلى مذهب من أعمل (ليتما)، وإنما، وأخواتها، تكون (ما) زائدة، وليست في: حيثما، وإذا ما، زائدة، لأنها هي المصححة لكونهما جازمتين، فهي الكافة لهما، أيضا، عن الأضافة، وينبغي ألا تعد في نحو: بعين ما أرينك 5، و: من عضة ما ينبتن سكيرها 6 - 242 زائدة، لأنها هي المصححة لدخول النون في الفعل على ما يجئ في بابها، وقد مضى الخلاف في مثل: (مثلا ما) 7 في الموصولات،


(1) تعريف الجزأين في العدد مذهب الكوفيين والرضي يستعمله كثيرا، وقد نقده في باب العدد، (2) لأن الجزم بإذا خاص بالشعر، (3) المستفاد من معنى الشرطية في متئ أي كلما، (4) الآية 41 سورة الزخرف، (5) هذا مثل يضرب لمن يخفي عن صاحبه أمرا هو عالم به ومعناه إني أراك وأعلم ما تفعل، (6) تقدم ذكره في الجزء الثاني آخر باب خبر كان وهو في سيبويه ج 2 ص 153 وقال إنه مثل، (7) من الآية 26 في سورة البقرة (*)،

[ 436 ]

وقد تزاد بعد بعض حروف الجر، نحو: (فبما رحمة) 1، و: (عما قليل) 2 و: (مما خطيئاتهم) 3، وزيد صديقي، كما عمرو أخي، وقيل إنها بعد حرف الجر: نكرة مجرورة، والمجرور بعدها بدل منها، وكذا قيل في: لا سيما زيد، بالجر، كما مر في باب الاستثناء 4، و (ما) في هذه اللفظة: لازمة، وقلت زيادتها بعد المضاف، نحو: من غير ما جرم، و: (أيما الأجلين قضيت) 5، و: (مثل ما أنكم تنطقون) 6، وقيل فيها أيضا، إنها نكرة، والمجرور بدل منها، وأما (لا) فتزاد بعد الواو العاطفة بعد نفي أو نهي، وقد مر ذكرها في باب حروف العطف، نحو: ما جاءني زيد ولا عمرو، وهي، وإن عدت زائدة، لكنها رافعة لاحتمال أحد المجيئين دون الآخر، كما مر في حروف العطف، والعجب، أنهم لا يرون تأثير الحروف معنويا، كالتأكيد في الباء، ورفع الاحتمال في (لا) هذه، وفي (من) الاستغراقية: مانعا 7 من كون الحروف زائدة، ويرون تأثيره لفظيا، ككونها كافة: مانعا من زيادتها، وتزاد بعد (أن) المصدرية، نحو: (ما منعك أن لا تسجد) 8، و: (لئلا يعلم أهل الكتاب) 9، وجاءت قبل المقسم به كثيرا، للأيذان بأن جواب القسم منفي، نحو: لا والله لا أفعل، قال:


(1) من الآية 159 في سورة آل عمران وتقدمت قريبا، (2) الآية 40 سورة المؤمنون، (3) الآية 25 سورة نوح، (4) في الجزء الثاني، (5) الآية 28 سورة القصص، (6) الآية 23 سورة الذاريات، (7) مفعول ثان لقوله: لا يرون، (8) الآية 12 سورة الأعراف، (9) الآية 29 سورة الحديد (*)،

[ 437 ]

903 - لا وأبيك ابنة العامري * لا يدعي القوم أني أفر 1 وجاءت قبل (أقسم) قليلا، وعليه حمل قوله تعالى: (لا أقسم بيوم القيامة) 2، بعد المضاف نحو: في بئر لا حور سرى وما شعر 3 - 250 والحور: الهلكة، وأما (من)، والباء، واللام، والكاف، فقد تقدم ذكرها في حروف الجر، (حرفا التفسير) (أي، وأن، واختصاص كل منهما) (قال ابن الحاجب:) (حرفا التفسير: أي، وأن، فأن مختصة بما في معنى القول)، (قال الرضي:) اعلم أن الفرق بين (أي) و (أن): أن (أي)، يفسر بها كل مبهم، من المفرد، نحو جاءني زيد أي أبو عبد الله، والجملة نحو: هريق دمه أي مات، قال:


(1) يروى هكذا بدون حرف قيل لا، ويروى فلا وأبيك، وهو مطلع قصيدة من شعر امرئ القيس، ومنها بعض الشواهد في هذا الشرح، (2) أول سورة القيامة، (3) تقدم في باب الأضافة من الجزء الثاني (*)،

[ 438 ]

904 - وترمينني بالطرف، أي أنت مذنب * وتقلينني لكن إياك لا أقلي 1 و (أن) لا تفسر إلا مفعولا مقدرا للفظ دال على معنى القول، مؤد معناه، كقوله تعالى: (وناديناه أن يا إبرهيم) 2، فقوله: يا إبرهيم، تفسير لمفعول نادينا، المقدر، أي: ناديناه بشئ، وبلفظ هو قولنا يا ابرهيم، وكذلك قولك كتبت إليه أن قم، أي: كتبت إليه شيئا هو: قم، فأن، حرف دال على أن (قم) تفسير للمفعول به المقدر لكتبت، وقد يفسر المفعول به الظاهر، كقوله تعالى: (إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى، أن اقذفيه) 3، وقوله تعالى: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به، أن اعبدوا الله) 4، فقوله: اعبدوا الله، تفسير للمضمر في (به)، وفي أمرت معنى القول، وليس مفسرا لما، في قوله: ما أمرتني، لأنه مفعول لصريح القول، وقد جوز بعضهم ذلك، مستدلا بهذه الآية، ولا استدلال بالمحتمل، وأجيب بأن (أن) مصدرية، وذلك على مذهب من جوز دخول الحرف المصدري على الجملة الطلبية، وعند صاحب هذا المذهب، يجوز أن يكون جميع (أن) المحكوم بكونها مفسرة: مصدرية، إذا دخلت على أمر أو نهي متصرف، لأن له، إذن، مصدرا، واستدل سيبويه على جواز كونها مصدرية بدخول حرف الجر عليها في نحو: أوعزت إليه بأن قم، ويجوز أن يقال: هي زائدة، لكراهة دخول الجار على ظاهر الفعل، والمعنى: أوعز إليه بهذا اللفظ،


(1) قوله: لكن اسمها محذوف تقديره: ولكنني، وإياك مفعول مقدم لقوله لا أقلي، وهو أحسن ما قيل في إعراب البيت، وجملة لا أقلي مع مفعوله المقدم خبر لكن، وهذا البيت، كما قال البغدادي غير معروف القائل، مع تردده في كثير من كتب النحو، (2) الآية 104 سورة الصافات، (3) الآيتان 37، 38 سورة طه، (4) الآية 117 سورة المائدة، (5) سيبويه ج 1 ص 479 ولفظه: أو عزت إليه بأن أفعل (*)،

[ 439 ]

وقيل إن (أن) في قوله (ان اعبدوا): زائدة، والأصل عدم الحكم بالزيادة، ما كان للحكم بالأصالة محتمل، وتمسك المجيز لتفسيرها مفعول صريح القول بقوله تعالى: (وانطلق الملأ منهم أن امشوا...) 1 قال: التقدير: قائلا بعضهم لبعض أن امشوا، وأجيب: إما بأنه زائد، أو بأن صريح القول المقدر كالفعل المؤول بالقول في عدم الظهور، أو بأن انطلق متضمن لمعنى القول، لأن المنطلقين من مجلس يتفاوضون فيما جرى فيه، أو بأن: انطلق الملأ بمعنى: انطلقوا في القول وشرعوا فيه، وينبغي أن تعرف أن ما بعد (أن) المفسرة، ليس من صلة ما قبلها، بل يتم الكلام دونه، ولا يحتاج إليه إلا من جهة تفسير المبهم المقدر فيه، فقوله تعالى: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) 2، ليست (أن) فيه مفسرة، لأن قوله تعالى: (أن الحمد لله رب العالمين) خبر المبتدأ المتقدم، ولا منع، لو ارتكب مرتكب أن المسماة بالمفسرة: زائدة في مفعول ما هو بمعنى القول، فمعنى أمرة أن قم: أي قال له قم، بتأويل أمر، بقال، أو بتقدير (قال) بعده على الخلاف المذكور في أفعال القلوب 3، و (أن) زائدة، وهذا يطرد في جميع الأمثلة،


(1) الآية 6 سورة ص، (2) الآية 10 سورة يونس، (3) ص 166 في هذا الجزء (*)،

[ 440 ]

(الحروف المصدرية) (وما يقع بعد كل منها من الجمل) (قال ابن الحاجب:) (حروف المصدر: ما، وأن وأن، فالأولان للفعلية وأن) (للاسمية)، (قال الرضي:) أما (ما) فتوصل بالفعل المتصرف، إذ الذي لا يتصرف لا مصدر له، حتى يؤول الفعل مع الحرف به، ولا توصل بالأمر، لأنه ينبغي أن يفيد المصدر المؤول به (ما)، مع الفعل، ما أفاده (ما) مع ذلك الفعل، وإلا فليسا مؤولين به، ألا ترى أن معنى: (.. بما رحبت) 1، وبرحبها، شئ واحد، وكذا معنى علمت أنك قائم، وعلمت قيامك: شئ واحد، والمصدر المؤول به (أن) مع الأمر، لا يفيد معنى الأمر، فقولك كتبت إليه أن قم: ليس بمعنى القيام، لأن قولك بالقيام ليس فيه معنى طلب القيام، بخلاف قولك: أن قم، ويتبين بهذا أن صلة (أن) لا تكون أمرا ولا نهيا، خلافا لما ذهب إليه سيبويه وأبو علي، ولو جاز كون صلة الحرف أمرا، لجاز ذلك في صلة (أن) المشددة، و (ما) و (كي) و (لو)، ولا يجوز ذلك اتفاقا، وتختص (ما) المصدرية بنيابتها عن ظرف الزمان المضاف إلى المصدر المؤول هي وصلتها، به، نحو: لا أفعله ما ذر شارق، أي مدة ما ذر، أي مدة ذرور، وصلتها، إذن، في الغالب، فعل ماضي اللفظ مثبت، كما ذكرنا، أو منفي بلم، نحو: تهددني


(1) من الآية 118 في سورة التوبة (*)،

[ 441 ]

ما لم تلقني ومعناها الاستقبال، كما مر في باب الماضي، ويقل كونها فعلا مضارعا، وصلة (ما) المصدرية، لا تكون، عند سيبويه، إلا فعلية، وجوز غيره أن تكون اسمية، أيضا، وهو الحق، وإن كان ذلك قليلا، كما في نهج البلاغة: (بقوا في الدنيا، ما الدنيا باقية)، وقال الشاعر: 905 - أعلاقة أم الوليد بعدما * أفنان رأسك كالثغام المخلس 1 وأجاز ابن جني، كون صلتها جارا ومجرورا، فيجوز على مذهبه: ما خلا زيد وما عدا زيد، بالجر، و (ما) مصدرية، وأما (أن) المصدرية، فلا تدخل إلا على الفعل المتصرف، وهو إما ماض، كقوله تعالى: (لو لا أن من الله علينا) 2، أو مضارع، ولها فيه خاصة، تأثيران آخران: نصبه وتخصيصه بالاستقبال، أو، أمر أو نهي، على مذهب سيبويه، كما مر، وتميم، وأسد، يقلبون همزتها عينا، وينشدون: أعن ترسمت من خرقاء منزلة * ماء الصبابة من عينيك مسجوم 3 - 835 وأما (أن) المشددة، فتوصل بمعموليها إذا كانت عاملة، وإذا كفت، فبالجملة الاسمية أو الفعلية، ومن الحروف المصدرية (كي)، إذا دخلتها لام التعليل، نحو: لكي تخرج، وهي بمعنى (أن) وتختص بالمضارع، وقد ذكرنا الخلاف فيها، في نواصب الفعل المضارع 4، فمن حتم كونها حرف جر، لم يجعلها في مثالنا مصدرية، بل قدر (أن) بعدها،


(1) أم الوليد تصغير وليد، ورواه بعضهم بدون تصغير وهو بالتصغير أقوى في وزن البيت والثغام نبت تبرز منه خيوط طوال دقاق، والمخلس الذي اختلط بياضه بالسواد، فإذا صار أبيض كله، قيل ممحل فيكون أشبه بالشيب والبيت للمرار الفقعسي، (2) الآية 82 سورة القصص، (3) تقدم في هذا الجزء ص 348، (4) انظر ص 48 وما بعدها في هذا الجزء (*)،

[ 442 ]

ومنها (لو) إذا جاءت بعد فعل يفهم منه معنى التمني، نحو قوله تعالى: (ودوا لو تدهن) 1، وقال: 906 - تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا * علي حراصا، لو يسرون مقتلي 2 وصلتها كصلة (ما) إلا أنها، لا تنوب عن ظرف الزمان، وقد يستغني بلو، عن فعل التمني، فينصب الفعل بعدها مقرونا بالفاء نحو: لو كان لي مال فأحج، أي أتمنى وأود لو كان لي مال، قال تعالى: (لو أن لي كرة فأكون من المحسنين) 3، (حروف التحضيض) (اختصاصها بالفعل) (قال ابن الحاجب:) (حروف التحضيض: هلا، وألا، ولو لا، ولو ما، لها صدر) (الكلام وتلزم الفعل لفظا أو تقديرا)، (قال الرضي:) اعلم أن معناها إذا دخلت في الماضي: التوبيخ واللوم على ترك الفعل، ومعناها في المضارع: الحض على الفعل والطلب له، فهي في المضارع بمعنى الأمر،


(1) الآية 9 سورة القلم، (2) هو من معلقة امرئ القيس، والأحراس جمع حرس، وحراص. جمع حريص مثل كريم وكرام، ومقتلي: مصدر ميمي بمعنى قتلي، (3) الآية 58 سورة الزمر (*)،

[ 443 ]

ولا يكون التحضيض في الماضي الذي قد فات، إلا أنها تستعمل كثيرا في لوم المخاطب على أنه ترك في الماضي شيئا، يمكنه تداركه في المستقبل، فكأنها من حيث المعنى، للتحضيض على فعل مثل ما فات، وقلما تستعمل في المضارع، أيضا، الا في موضع التوبيخ واللوم على ما كان يجب أن يفعله المخاطب قبل أن يطلب منه، فإن خلا الكلام من التوبيخ، فهو العرض، فتكون هذه الأحرف للعرض، وتستعمل في ذلك المعنى: (ألا) مخففة، أيضا، و (لو) التي فيها معنى التمني، نحو: لو نزلت فأكلت، و (أما) نحو: أما تعطف علي، قوله: (وتلزم الفعل لفظا)، نحو: (لولا أرسلت...) 1 و: (لو ما تأتينا) 2 أو تقديرا نحو قوله: تعدون عقر النيب أفضل مجدكم * بني ضوطرى، لو لا الكمى المقنعا 3 - 159 ويجوز: هلا زيدا ضربته، وجاءت الاسمية بعدها في ضرورة الشعر، نحو قوله: يقولون ليلى أرسلت بشفاعة * إلي فهلا نفس ليلى شفيعها 4 - 645 وإذا وليها الظرف فهو منتصب بالفعل الذي بعده، لا بمقدر قبله، كما في قوله تعالى: (ولو لا إذ دخلت جنتك قلت...) 5، لأن الظرف يتسع فيه، وأما إذا كان الفاصل منصوبا غير الظرف، نحو: هلا زيدا ضربت فهو على الخلاف الذي مضى، ولزومها صدر الكلام لما مر قبل،


(1) الآية 134 سورة طه، (2) الآية 7 سورة الحجر، (3) من شعر جرير، وتقدم في الجزء الأول في باب المنصوب على شريطة التفسير، (4) تقدم ذكره في هذا الجزء، ص 55 (5) الآية 39 سورة الكهف (*)،

[ 444 ]

وقد تجئ الفعلية بعد (لو لا) غير التحضيضية، قال: 907 - ألا زعمت أسماء أن لا أحبها * فقلت: بلى، لو لا ينازعني شغلي 1 فتؤول بلو لم، فهي، إذن، (لو) التي هي لامتناع الثاني لامتناع الأول، وقيل: هي (لو لا) المختصة بالاسمية، والفعل صلة لأن، المقدرة، كما في قولهم: تسمع بالمعيدي، لا أن تراه، (حرف التوقع) (معناه، وشرطه، وأوجه استعماله) (قال ابن الحاجب:) (حرف التوقع: قد، وهي في الماضي للتقريب وفي المضارع) (للتقليل)، (قال الرضي:) هذا الحرف، إذا دخل على الماضي أو المضارع فلا بد فيه من معنى التحقيق، ثم إنه ينضاف في بعض المواضع إلى هذا المعنى، في الماضي: التقريب من الحال مع التوقع، أي يكون مصدره متوقعا لمن تخاطبه واقعا عن قريب، كما تقول لمن يتوقع ركوب الأمير: قد ركب..، أي: حصل عن قريب ما كنت تتوقعه، ومنه قول المؤذن: قد قامت الصلاة،


(1) مطلع قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي، وبعده: جزيتك ضعف الود لما اشتكيته * وما إن جزاك الضعف من أحد قبلي ومن أبيات هذه القصيدة بعض الشواهد النحوية (*)،

[ 445 ]

ففيه، إذن، ثلاثه معان مجتمعة: التحقيق، والتوقع والتقريب، وقد يكون مع التحقيق: التقريب فقط، ويجوز أن تقول: قد ركب، لمن لم يكن يتوقع ركوبه، ولا تدخل على الماضي غير المتصرف، كنعم وبئس وعسى وليس، لأنها ليست بمعنى الماضي حتى تقرب معناها من الحال، وتدخل، أيضا، على المضارع المجرد من ناصب وجازم وحرف تنفيس، فينضاف إلى التحقيق في الأغلب: التقليل، نحو: ان الكذوب قد يصدق، أي، بالحقيقة يصدر منه الصدق، وإن كان قليلا، وقد تستعمل للتحقيق مجردا عن معنى التقليل، نحو: (قد نرى تقلب وجهك في السماء) 1، وتستعمل، أيضا، للتكثير في موضع التمدح، كما ذكرنا في (ربما) قال تعالى: (قد يعلم الله المعوقين) 2، وقال: 908 - قد أترك القرن مصفرا أنا مله * كأن أثوابه مجت بفرصاد 3 ولا تفصل من الفعل، إلا بالقسم، نحو: قد والله لقوا الله 4، وقد، لعمري، قال كذا، وقد يغني عن الفعل دليل فيحذف بعدها، قال: أزف الترحل غير أن ركابنا * لما تزل برحالنا وكأن قد 5 - 513


(1) الآية 144 سورة البقرة، (2) الآية 18 سورة الأحزاب، (3) من قصيدة لعبيد بن الأبرص، واصفرار الأنامل كناية عن الموت اي أقتله فينزف دمه، فتصفر انامله، والفرصاد ثمر التوت شبه به الدم الذي ينزف من القتيل، (4) تقدم ذكره (5) تقدم ذكره في أكثر من موضع، وانظر فهرس الشواهد (*)،

[ 446 ]

(حرفا الاستفهام) (الفرق بين الهمزة، وهل) (قال ابن الحاجب:) (حرفا الاستفهام: الهمزة، وهل، لهما صدر الكلام تقول:) (أزيد قائم، و: أقام زيد، وكذا هل، والهمزة أعم) (تصرفا، تقول: أزيدا ضربت، و: أتضرب زيدا وهو) (أخوك، و: أزيد عندك، و: أثم إذا ما وقع، و: أفمن) (كان، و: أو من كان، دون هل)، (قال الرضي:) قوله: (لهما صدر الكلام)، لما مر في باب (إن) 1، قوله: (أزيد قائم، و: أقام زيد، وكذلك هل) يعني تدخلان على الجملة الاسمية والفعلية، إلا أن الهمزة تدخل على كل اسمية، سواء كان الخبر فيها اسما أو فعلا، بخلاف (هل) فإنها لا تدخل على اسمية خبرها فعل نحو: هل زيد قام، إلا على شذوذ، وذلك لأن أصلها: أن تكون بمعنى (قد)، فقيل: أهل، قال: 909 - أهل عرفت الدار بالغريين 2 وكثر استعمالها كذلك، ثم حذفت الهمزة لكثرة استعمالها، استغناء بها عنها وإقامة لها مقامها، وقد جاءت على الأصل نحو قوله تعالى: (هل أتى على الأنسان) 3، أي: قد أتي،


(1) يقصد أنها تغير معنى الكلام، (2) من قصيدة لخطام المجاشعي، والمراد بالغريين هنا مكان بالكوفة، والغريان منارتان بناهما المنذر الأكبر على قبرين لنديميه وكان يغريهما أي يطليهما بالدماء وفي تفسير المراد منهما كلام كثير ذكره البغدادي، (3) أول سورة الدهر (*)،

[ 447 ]

فلما كان أصلها (قد) وهي من لوازم الأفعال، ثم تطفلت على الهمزة، فإن ءأت فعلا في حيزها، تذكرت عهودا بالحمى، وحنت إلى الألف المألوف وعانقته، وإن لم تره في حيزها تسلت عنه ذاهلة، ومع وجود الفعل، لا تقنع به مفسرا أيضا، للفعل المقدر بعدها، فلا يجوز اختيارا: هل زيدا ضربته، كما مر في المنصوب على شريطة التفسير 1، قوله: (والهمزة أعم)، يعني أنها تستعمل فيما لم تستعمل فيه (هل)، منها: أنه لا يقال: هل زيد خرج، لا على كون زيد مبتدأ، ولا على كونه فاعلا لفعل مقدر، ولا يقال: هل زيدا ضربت على أن زيدا منصوب بما بعده، ولا بمقدر، ولا يقال: هل زيدا ضربته على أن زيدا منصوب بمقدر، كل ذلك لما تقدم، ومنها: أن الهمزة تستعمل في الأثبات للاستفهام أو للأنكار أيضا، قال تعالى: (أتقولون على الله ما لا تعلمون) 2، وقال الشاعر: 910 - أطربا وأنت قنسري 3، ومن ذلك: أزيدنيه، في الأنكار 4، ولا تستعمل (هل) للأنكار، وإذا دخلت الهمزة على النافي، فلمحض التقرير، أي حمل المخاطب على أن يقر بأمر يعرفه، نحو: (ألم نشرح) 5 و: (ألم يجدك) 6، و: (أليس ذلك بقادر) 7 وهي في الحقيقة للأنكار،


(1) في الجزء الأول، (2) الآية 28 سورة الأعراف، (3) من أرجوزة أو قصيدة للعجاج أولها: بكيت والمحتزن البكي * وإنما يأتي الصبا الصبي قال البغدادي: القنسري معناه: الشيخ المسن، ولم يسمع إلا في هذا البيت، (4) يأتي بحثه في آخر الكتاب، (5) أول سورة الشرح، (6) الآية 6 سورة الضحى، (7) الآية 40 سورة القيامة (*)،

[ 448 ]

وإنكار النفي إثبات، وأما (هل) فلا تدخل على النافي أصلا، ومنها: أن الهمزة تستعمل مطردا مع (أم) التسوية، ولا تستعمل (هل) معها، إلا شاذا، كما مر، وتختص (هل) بحكمين دون الهمزة، وهما كونها للتقرير في الأثبات، كقوله تعالى: (هل ثوب الكفار) 1، أي ألم يثوب، وقولهم: هذه بتلك وهل جزيتك يا عمرو وإفادتها إفادة النافي، حتى جاز أن يجئ بعدها (الا) قصدا للأيجاب، كقوله تعالى: (هل جزاء الأحسان إلا الأحسان) 2 وقال: 911 - وهل أنا الا من غزية إن غوت * غويت، وإن ترشد غزية أرشد 3 ومن خصائص الهمزة أن تدخل على الفاء، والواو، وثم، كما تقدم في حروف العطف، ولا تدخل (هل) عليها، لأنها فرع الهمزة فلا تتصرف تصرفها، وهذه الحروف تدخل على (هل) ولا تدخل على الهمزة، لكونها أصلا في الاستفهام الطالب للتصدر، قال تعالى: (فهل أنتم مسلمون) 4، وقال الشاعر: وهل أنا إلا من غزية... البيت، وتقول: إن أكرمتك فهل تكرمني، ولا تقول: فأتكرمني كما مر في الجوازم، وتقول: أسلم عليه ثم هل يلتفت إلي، ولا تجئ الهمزة بعد (أم) ويجوز ذلك في (هل) وسائر كلم الاستفهام، لعروض معنى الاستفهام فيها، كما تبين من مذهب سيبويه، أعني حذف همزة الاستفهام قبل هذه الأسماء وعراقة الهمزة في الاستفهام فلا يجمع بين حرفي استفهام، قال:


(1) الآية 36 سورة المظففين، (2) الآية 60 سورة الرحمن، (3) من قصيدة لدريد بن الصمة في رثاء أخيه عبد الله يقول فيها: تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا * فقلت: أعبد الله ذلكم الردى وذكر البغدادي قصة طويلة في سبب قتله، وغزية اسم قبيلة دريد بن الصمة، (4) الآية 14 سورة هود (*)،

[ 449 ]

912 - أم هل كبير بكى لم يقض عبرته * إثر الأحبة يوم البين مشكوم 1 وقال الله تعالى: (أم من يجيب المضطر إذا دعاه) 2، وقال الشاعر: أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به * رئمان أنف إذا ماضن باللبن 3 - وغير ذلك، وإذا جاءت (أم) بعد اسم الاستفهام، فلا بد من إعادة ذلك الاسم بعد (أم)، نحو: من يطعمني، أم من يستقيني، و: أين آكل أم أين أشرب، إذا قصدوا إشراك ما بعد أم، فيه 4، فلا يجوز: من يطعمني أم يسقيني، وإن لم يقصد إشراكه فيه، نحو: من يطعمني أم يسقيني زيد، جاز، وإنما وجب إعادته مع الأشراك فيه، لأن (أم) منقطعة، إذا المتصلة لا بد لها من تقدم الهمزة، وأم المنقطعة حرف استئناف وهي بمعنى (بل) وساذج الاستفهام الذي هو معنى الهمزة، فلا تفيد معنى الأسماء الاستفهامية المتقدمة، لأن معناها: أشياء مقرونة بمعنى الاستفهام فإذا قصدت معناها ولم يستفد من (أم) لا بالعطف، لأن المنقطعة حرف استئناف، كما ذكرنا، ولا بالتضمين، كما تضمنت معنى الهمزة، لم يكن لك بد من التصريح بها بعد (أم)، وأما (هل)، فيجوز فيها ترك الأعادة، لأنها لساذج الاستفهام كالهمزة، ويجوز الأعادة تشبيها بأخواتها الاسمية في عدم العراقة وقد جمعهما الشاعر في قوله: 913 - هل ما علمت وما استودعت مكتوم * أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم أم هل كبير بكى لم يقض عبرته * إثر الأحبة يوم البين مشكوم وربما أبدلت هاء (هل) همزة،


(1) ثاني بيت في قصيدة طويلة من المفضليات بن عبدة المعروف بعلقمة الفحل، وسيأتي المطلع قريبا،. ومشكوم أي مجازى بما فعل، يعني هل يجازى حين يبكيي على فراق أحبابه يوم البين، (2) النمل 62، (3) تقدم الكلام عليه قريبا، ص 406 في هذا الجزء، (4) متعلق بإشراك في قوله إذا قصدوا الخ، (5) هذا هو مطلع قصيدة علقمة الفحل، ومعه البيت الذي يليه والذي تقدم قبل قليل (*)،

[ 450 ]

ومن خواص الهمزة: جواز ذكر المفرد، بعدها، اعتمادا على ما سبق من ذكر ما يتم به ذلك المفرد في كلام متكلم آخر، نحو قولك منكرا، أو مستفهما: أزيد، أو: أزيدا، أو: أبزيد، جوابا لمن قال: جاءني زيد، أو: رأيت زيدا، أو: مررت بزيد، ولا تقول: هل زيد، وهل زيدا، وهل بزيد، (حروف الشرط) (إن، ولو، والفرق بينهما) (أما ومعناها) (قال ابن الحاجب:) (حروف الشرط: ان، ولو، وأما، لها صدر الكلام، فإن) (للاستقبال، ولو للمضي، ويلزمان الفعل لفظا أو تقديرا،) (ومن ثم قيل: لو أنك بالفتح، لأنه فاعل، وانطلقت،) (بالفعل، موضع: منطلق، ليكون كالعوض، وإن كان) (جامدا، جاز لتعذره)، (قال الرضي:) إنما كان لها صدر الكلام، لما تقدم في باب (إن) 1، قوله: (فإن، للاستقبال، يعني سواء دخلت على المضارع أو الماضي، وكذا لو، للمضي على أيهما دخلت، قال تعالى: (لو يطيعكم في كثير من الأمر) 2،


(1) من تغييرها لمعنى الكلام، (2) الآية 7 في سورة الحجرات (*)،

[ 451 ]

هذا وضعهما، كما مر في الظروف المبنية، ومر فيها طرف من أحوالهما 1، ومذهب الفراء: أن (لو) تستعمل في المستقبل، كإن، وذلك مع قلته، ثابت لا ينكر، نحو: اطلبوا العلم ولو بالصين، ثم ان النجاة قالوا: ان (لو) لامتناع الثاني لامتناع الأول، وقال المصنف: بل هي لامتناع الأول لامتناع الثاني، قال: وذلك لأن الأول سبب والثاني مسبب، والمسبب قد يكون أعم من السبب، كالأشراق، الحاصل من النار، والشمس، قال: فالأولى أن يقال: لانتفاء الأول لانتفاء الثاني، لأن انتفاء المسبب يدل على انتفاء كل سبب، وفيما قال نظر 2، لأن الشرط عندهم ملزوم، والجزاء لازم، سواء كان الشرط سببا كما في قولك: لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجودا، أو شرطا، كما في قولك: لو كان لي مال لحججت، أو، لا شرطا ولا سببا، كقولك: لو كان زيد أبي لكنت ابنه، ولو كان النهار موجودا لكانت الشمس طالعة، والصحيح أن يقال كما قال المصنف: هي موضوعة لامتناع الأول لامتناع الثاني، أي أن امتناع الثاني دل على امتناع الأول، لكن لا للعلة التي ذكرها، بل لأن (لو) موضوعة ليكون جزاؤها مقدر الوجود في الماضي، والمقدر وجوده في الماضي يكون ممتنعا فيه، فيمتنع الشرط الذي هو ملزوم، لأجل امتناع لازمه، أي الجزاء، لأن الملزوم ينتفي بانتفاء لازمه، وقد يجئ جواب (لو) قليلا، لازم الوجود في جميع الأزمنة في قصد المتكلم، وآية ذلك أن يكون الشرط مما يستبعد استلزامه لذلك الجزاء، بل يكون نقيض ذلك الشرط أنسب، وأليق باستلزام ذلك الجزاء، فيلزم استمرار وجود ذلك الجزاء على كل تقدير، لأنك تحكم في الظاهر أنه لازم للشرط الذي نقيضه أولى باستلزام ذلك الجزاء، فيكون ذلك الجزاء لازما لذلك الشرط ولنقيضة، فيلزم وجوده أبدا، إذ النقيضان لا يرتفعان،


(1) في الجزء الثالث من هذا الشرح، (2) النظر الذي نقد به الرضي كلام ابن الحاجب، يرجع إلى التعليل الذي قاله ابن الحاجب، ولكنه يوافقه على ما قال من معنى لو (*)،

[ 452 ]

مثاله: لو أهنتني لأكرمتك، فإذا استلزمت الاهالة الاكرام، فكيف لا يستلزم الاكرام والاكرام، ومنه قوله تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) إلى قوله: (ما نفدت كلمات الله) 1، أي: لبقيت، وقول عمر رضي الله عنه: نعم العبد صهيب 2 لو لم يخف الله لم يعصه، أي: لو أمن لأطاع، وقوله تعالى: (ولو أسمعهم لتولوا) 3، ولكون (لو) بمعنى الماضي وضعا، لم يجزم بها إلا اضطرارا، لأن الجزم من خواص المعرب والماضي مبني، قال: 914 - لو يشأ، طار به ذو ميعة * لاحق الآطال نهد ذو خصل 4 وزعم بضهم أن جزمها مطرد على بعض اللغات، قوله: (وتلزمان الفعل لفظا أو تقديرا)، أما في نحو: لو ذات سوار لطمتني 5، ولو زيدا ضربته، فلا كلام في تقدير الفعل، وأما في نحو: لو زيدا ضربت، فينبغي أن يكون على الخلاف الذي ذكرنا في: إن زيدا ضربت، وجاء في الضرورة، شرطها: اسمية، قال: لو بغير الماء حلقي شرق * كنت كالغصان بالماء اعتصاري 6 - 644 وهذا من باب وضع الاسمية موضع الفعلية، كما في قوله: ... فهلا نفس ليلى شفيعها 7 - 645 قوله: (ومن ثم قيل: لو أنك بالفتح، لأنه فاعل)، هذا مذهب المبرد، أعني


(1) الآية 27 سورة لقمان، (2) المراد: صهيب الرومي أحد السابقين إلى الأسلام، (3) الآية 23 سورة الأنفال، (4) من أبيات قال البغدادي انها لامرأة من بني الحارث بن كعب، تصف قتيلا بالشجاعة وانه كان يستطيع الهرب، وذميعة أي ذو نشاط، صفة للفرس، (5) كلام قاله حاتم الطائي وقد لطمته إحدى الجواري وكان أسيرا، وتقدم ذكر القصة، (6) تقدم في هذا الجزء ص 55 (7) وهذا البيت أيضا تقدم في ص 55 (*)

[ 453 ]

تقدير الفعل بعد (لو) التي تليها (أن)، وقال السيرافي: ان الذي عندي: أنه لا يحتاج إلى تقدير الفعل، ولكن (أن) تقع نائبة عن الفعل الذي يجب وقوعه بعد (لو)، لأن خبر (أن)، إذن، فعل، ينوب لفظه عن الفعل بعد (لو)، فإذا قلت: لو أن زيدا جاءني، فكأنك قلت: لو جاءني زيد، قوله: (انطلقت موضع منطلق)، يعني أن (أن) إذا وقعت بعد (لو) المحذوف شرطها، فخبرها إن كان مشتقا وجب أن يكون فعلا، لأن الفعل المقدر، لابد له من مفسر، و (أن) لكونها دالة على معنى التحقيق والثبوت: تدل على معنى (ثبت)، فلزم أن يكون خبر (أن) فعلا ماضيا، لا اسم فاعل، ليكون كالعوض من لفظ الفعل المفسر، وأما المعنى فقد ذكرنا أن (أن) دلت عليه، وإن لم يكن مشتقا، جاز، للتعذر، كقوله تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام...) 1، وأما قوله تعالى: (يودوا لو أنهم بادون في الأعراب) 2، فلأن (لو) بمعنى (أن) المصدرية، وليست بشرطية، لمجيئها بعد فعل دال على التمني، ومنهم من لا يشترط مجئ الفعل في خبر (أن) الواقعة بعد (لو)، وإن كان مشتقا، أيضا، كما ذهب إليه ابن مالك، قال الأسود بن يعفر: 915 - هما خيياني كل يوم غنيمة * وأهلكتهم لو أن ذلك نافع 3 وقال كعب:


(1) الآية السابقة من سورة لقمان، (2) الآية 20 سورة الأحزاب، (3) في قصة طويلة ذكرها البغدادي في الخزانة، أن الجراح بن الأسود بن يعفر اغتصب فرسا اسمها العصماء، وعاد بها إلى أبيه وتكفل رجلان بإعادتها إليه، وهما حرير بن شمر، ورافع بن صهيب، واحتالا على الأسود وأخذا منه الفرس وهما المقصودان في قوله: هما خيباني والضمير يرجع إليهما في بيت قبله، ومعنى خيباني أصاباني بالخيبة وضياع ما كنت أرجو من الاستيلاء على هذه الفرس، وقوله: أهلكتهم، أي هجوتهم قال البغدادي، معناه أهلكتهم بالهجاء، ثم عقب على ذلك بقوله إن المعنى يجعل قوله لو أن ذلك نافع، من قبيل لو الدالة على التمني فيخرج عما أورده الشارح له (*)،

[ 454 ]

916 - أكرم بها خلة لو أنها صدقت * موعودها، أو لو أن النصح مقبول 1 ومع هذا، فلا شك أن استعمال الفعل في حيز خبر (أن) الواقعة بعد (لو) أكثر وإن لم يكن لازما، وإذا حصل الفعل، فالأكثر كونه ماضيا، لكونه كالعوض من شرط (لو)، الذي هو الماضي، وقد جاء مضارعا، قال: 917 - تمد بالأعناق أو تلويها * وتشتكي لو أننا نشكيها 2 وجواب (لو) إما فعل مجزوم بلم، نحو: لو ضربتني لم أضربك، أو ماض في أوله لام مفتوحة، وتحذف هذه اللام قليلا، وإن وقعت (لو) مع ما في حيزها صلة، فحذف اللام كثير، نحو: جاءني الذي لو ضربته شكرني، وذلك للطول، وكذا إذا طال الشرط بذيوله، كقوله تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) إلى قوله: (ما نقدت) 3، ولا يكون جواب (لو) اسمية، بخلاف جواب (إن)، لأن الاسمية صريحة في ثبوت مضمونها واستقراره، ومضمون جواب (لو) منتف ممتنع، كما ذكرنا، وأما قوله تعالى: (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير) 4، فلتقدير القسم قبل (لو) وكون الاسمية جواب القسم لاجواب (لو)، كما في قوله تعالى: (وإن أطعتموهم


(1) هذا البيت من قصيدة بانت سعاد التي مدح بها كعب بن زهير، النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من الأبيات الأولى فيها، أي من مقدمتها الغزلية، وأكرم بها يعني ما أكرمها، والضمير يرجع إلى سعاد، وخلة بمعنى خليلة وصديقة، (2) هو رجز في وصف ما تعانيه الابل من طول السفر، فهي تمد أعناقها وهذه عادة الابل إذا أعيت، وقوله نشكيها بضم النون أي نزيل ما كان سببا في شكواها ولم يذكر أحد اسم قائل هذا الرجز، وقد أنشده ابن جني في الخصائص بدون نسبة، وأورده أبو زيد الأنصاري في النوادر، وغيرهما، ولم ينسبه أحد منهم، (3) إشارة إلى الآية السابقة من سورة لقمان، (4) الآية 103 سورة البقرة (*)،

[ 455 ]

إنكم لمشركون) 1، وقوله تعالى: (كلا لو تعلمون، علم اليقين، لترون الجحيم) 2، وجواب القسم ساد مسد جواب (لو)، وذهب جار الله 3 إلى أن الاسمية في الآية جواب (لو)، قال: وإنما جعل جوابها اسمية، للدلالة على استقرار مضمون الجزاء، (اجتماع الشرط والقسم) (تفصيل ذلك) (قال ابن الحاجب:) (وإذا تقدم القسم أول الكلام على الشرط، لزمه الماضي) (لفظا أو معنى، وكان الجواب للقسم لفظا، مثل: والله إن) (أتيتني أو إن لم تأتني: لأكرمنك، وإن توسط بتقدم الشرط) (أو غيره، جاز أن يعتبر، وأن يلغي، كقولك: أنا والله) (إن تأتني آتك وإن أتيتني لآتينك، وإن أتيتني فوالله) (لآتينك، وتقدير القسم كاللفظ به، مثل: لئن اخرجوا) (و: إن أطعتموهم..)، (قال الرضي:) اعلم أن القسم إذا تقدم على الشرط، فإما أن يتقدم على القسم، ما يطلب الخبر،


(1) الآية 121 سوره الأنعام، (2) الآيتان 5، 6 سورة التكاثر، (3) ذكر هذا في تفسيره: الكشاف عند الآية: ولو أنهم آمنوا واتقوا، لمثوبة من عند الله (*)،

[ 456 ]

نحو: ازيد والله إن أتيته يأتك، وإن زيدا والله إن أكرمته يجازك، أو لا يتقدم، والأول قد يجئ الكلام عليه في قوله: وإن توسط بتقدم الشرط... وكلامه الآن فيما لم يتقدم عليه طالب خبر، بدليل قوله: أول الكلام، فنقول: إذا تقدم القسم أول الكلام، ظاهرا أو مقدرا، وبعده كلمة الشرط، سواء كانت (إن) أو (لو) أو (لو لا)، أو أسماء الشرط، فالأكثر والأولى: اعتبار القسم دون الشرط، فيجعل الجواب للقسم ويستغنى عن جواب الشرط، لقيام جواب القسم مقامه، أما في (إن) فكقوله تعالى: (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم) 1، الآية، وأما في (لو) فكقوله تعالى: (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير) 2، وقوله تعالى: (لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم) 3، وتقول: والله أن لو جئتني لجئتك، واللام جواب القسم، لا جواب (لو)، ولو كانت جواب (لو)، لجاز حذفها، ولا يجوز في مثله، وكذا تقول: والله لو جئتني ما جئتك، ولا تقول: لما جئتك ولو كان الجواب للو، لجاز ذلك، و (أن) التي بين (لو) والقسم عند سيبويه: موطئة كاللام قبل (إن) وقبل أسماء الشرط، وعند غيره زائدة، وأما في (لو لا) فتقول: والله لو لا زيد لضربتك، قال: 918 - والله لو لا شيخنا عباد * لكمرونا اليوم أو لكادوا 4 واللام جواب القسم، لا جواب (لو لا) ولذا لم يجز حذفها، وأما في أسماء الشرط فكقوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب


(1) الآية 12 سورة الحشر، (2) تقدمت قريبا... (3) الآية المتقدمة من سورة التكاثر، (4) هذا رجز مجهول القائل، حاصل معناه أن قوما تباروا في عظم الكمر، جمع كمرة وهي رأس الذكر، فيقول هذا الراجز أن واحدا من كبارنا اسمه عباد هو الذي جعلنا نغلبهم ولو لاه لغلبونا (*)،

[ 457 ]

وحكمة) إلى قوله (لتؤمنن به) 1 وقوله: (لمن تبعك منهم لأملأن جهنم) 2، ويجوز قليلا، في الشعر: اعتبار الشرط وإلغاء القسم مع تصدره، كقول الأعشى: 919 - لئن منيت بنا عن غب معركة * لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل 3 وقال: - 920 - لئن كان ما حدثته اليوم صادقا * أصم في نهار القيظ للشمس باديا 4 وقال: - 921 - حلفت له: إن تدلج الليل لا يزل * أمامك بيت من بيوتي سائر 5 وأما لو عكس الأمر، يعني تقدم الشرط على القسم، فالواجب: اعتبار الشرط،. ولك بعد ذلك إلغاء القسم نحو: إن جئتني والله أكرمك، واعتباره مع اعتبار الشرط نحو: إن جئتني فوالله لأكرمنك، وتعليل هذه الأحكام مبني على مقدمة، وهي أن أداتي القسم والشرط: أصلهما التصدر، كالاستفهام، لتأثيرهما في الكلام معنى، ثم إن كلا منهما لكثرة استعمالهم له، وبعدهما عما يؤثران فيه، أي جوابهما، قد يسقط عن درجة تصدره على جوابه، فيلغى باعتباره، أي: لا يكون في الجوابين علامتاهما، أما الشرط فنحو: آتيك ان تأتني، وأما


(1) الآية 81 سورة آل عمران، (2) الآية 18 سورة الأعراف، (3) من معلقة الأعشى، وتكررت أبياتها في هذا الشرح للاستشهاد بها، وقوله عن غب أي عقب معركة لا تلفنا أي لا تجدنا، من ألقى بمعنى وجد، ومفعولها الثاني: جملة ننتقل، أي نتنصل ونتبرأ والمعنى: لا نترك القتال ولا نحيد عنه، (4) أحد بيتين أنشدهما الفراء وقال أنشدنيهما بعض بني عقيل، بصيغة التصغير، والبيت الثاني بعد هذا، وهو: وأركب حمارا بين سرج وفروة * وأعر من الخاثام صغرى شماليا (5) قال البغدادي نقلا عن الفراء إن هذا البيت أنشده القاسم بن معن عن بعض العرب، ومعناه: إن سرت في الليل فإنك تكون في حراستي وضيافتي حتى تصل مأمنك، ومعنى البيت جميل، ولكن غير معروف القائل (*)،

[ 458 ]

القم فنحو: زيد والله القائم، وزيد قائم والله، فيضعف أمرهما، فلا يكون لهما جواب لفظا، وأما من حيث المعنى، فالذي يتقدم على الشرط جوابه، وكذا ما يتقدم على القسم أو يتخلله القسم، لكن القسم أكثر إلغاء من الشرط، لأنه أكثر دورانا في الكلام، حتى رفع الله المؤاخذة به بلا نية، لتمرن ألسنتهم عليه، وسمعاه لغوا فقال تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) 1، وأيضا، تأثيره في الأصل، في معنى الجواب: أقل من تأثير الشرط في جوابه، لأن القسم مؤكد للمعنى الثابت فيه، فهو كالزائد الذي يتم معنى الكلام بدونه، والشرط مورد في جوابه معنى لم يكن فيه، وهو التوقيف 2، فكانت أداة القسم أليق بالألغاء عن جوابه، من أداة الشرط، فلهذا قد يلغى القسم عن الجواب مع إمكان أن لا يلغي، بخلاف الشرط، تقول: أنا والله أكرمك بالألغاء، وقد أمكنك أن تعتبره فتقول: لأكرمنك، ولا تقول: أنا إن لقيني أكرمك بالرفع على أن (اكرمك) خبر المبتدأ وأداة الشرط ملغاة، بل تقول: أكرمك باعتبار الشرط، والجملة الشرطية خبر المبتدأ، ولهذا حمل قوله: إنك إن يصرع أخوك تصرع 566 3 على التقديم والتأخير، لضرورة الشعر، فإذا تقررت هذه المقدمة، قلنا: إذا تقدم القسم على كلمات الشرط، فاعتبار القسم أولى، لتقوي القسم بالتصدر الذي هو أصله، وضعف الشرط بالتوسط، ولا استدلال فيه للكوفيين على أن إعمال الأول في باب التنازع أولى، لأن الأول، وإن كان بعد من الثاني، إلا أن هذا البعيد تقوى بالتصدر الذي هو حقه وأصله، والقريب ضعيف بالتوسط الذي هو خلاف وضعه وأصله،


(1) الآية 89 سورة المائدة، (2) يقصد أن حصول الجواب متوقف على حصول الشرط، (3) تقدم في أكثر من موضع، وانظر فهرس الشواهد (*)،

[ 459 ]

وجاز، قليلا بالنظر إلى ضعف القسم في نفسه، كما ذكرنا: أن يرجح الشرط فيعتبر، لأجل كونه أقرب إلى الجواب، ويلغى القسم، كما مر في قوله: لئن منيت بنا عن غب معركة 1... البيت - 919 وإذا تقدم الشرط على القسم، وجب اعتباره، لتقوية بالتصدر مع كونه في الأصل أقوى من القسم، ويجوز لك بعد هذا: اعتبار القسم لأمكانه، نحو: إن أتيتني فوالله لآتينك، فالقسم وجوابه: جواب الشرط، ويجوز إلغاء القسم لتوسطه كما ذكرنا: أنه قد يلغى لضعفه مع إمكان اعتباره، فتقول: إن أتيتني والله آتك، فاتك جواب الشرط، والشرط وجوابه دال على جواب القسم وساد مسدة، وأما إذا تقدم (لو) و (لو لا) على القسم، فالواجب إلغاء القسم، لأن جوابهما لا يكون إلا جملة فعلية خبرية، ولا يصح أن يكون جملة قسمية تقول: لو جئتني والله، لأكرمنك، ولو لا زيد والله لضربتك، قوله: (وإن توسط)، أي القسم، قوله: (بتقدم الشرط)، قد ذكرناه، قوله: (أو غيره) يعني طالب الخبر، كالمبتدأ بلا ناسخ أو مع الناسخ، جاز أن يعتبر القسم وأن يلغي، سواء تقدم على الشرط أو تأخر عنه، فإن تقدم مع الألغاء فنحو: أنا والله إن أتيتني آتك، ألغيت القسم مع تقدمه على الشرط، وجواز اعتباره، لتقدم المبتدأ عليه، فالجملة الشرطية مع الجواب خبر المبتدأ، والقسم لغو، كما في: زيد والله يقوم، وتقول مع الاعتبار: أنا والله إن تأتني لآتينك، اعتبرته نظرا إلى تقدمه على الشرط وجعلت الجملة القسمية مع جوابها خبر المبتدأ فهو كقولك: زيد والله ليقومن، وهذا كله بناء على ما تقدم من أنه، لضعفه، قد يلغى مع إمكان الاعتبار، إذا كان هناك لجوابه طالب آخر،


(1) تقدم قبل قليل (*)،

[ 460 ]

وإن تأخر عن الشرط مع الألغاء، فنحو: أنا إن أتيتني والله آتك، ألغيته لتقدم طالبين للجواب عليه، أعني المبتدأ، والشرط، وتقول مع الاعتبار: أنا إن أتيتني فوالله لآتينك، جعلت الجملة القسمية مع جوابها جواب الشرط، والجملة الشرطية مع جوابها خبر المبتدأ، وإن توسط القسم بتوسط غير الشرط، أي طالب الخبر عليه، ولم يكن هناك لا شرط متقدم على القسم ولا متأخر عنه، فإن كان الخبر جملة، جاز أن يعتبر القسم وأن يلغى نحو: أنا والله لأقومن، وأنا والله أقوم، وإن كان الخبر مفردا، وجب إلغاء القسم لاستحالة اعتباره، لأن جواب القسم لا يكون إلا جملة، وذلك نحو: أنا والله قائم، وعلى هذا، لا يحسن إطلاق قول المصنف: وإن توسط بتقدم غير الشرط، جاز اعتباره وإلغاؤه، وطريق الحصر أن نقول: القسم إما أن يتقدم أول الكلام، أو يتوسطه، أو يتأخر عنه، فإن تقدم، وجب اعتباره، سواء وليه الشرط نحو: والله إن أتيتني لآتينك، أو، لا، نحو: والله إني آتيك، وإن توسط الكلام، فإما أن يتقدم عليه الشرط، أو، لا، فإن تقدم عليه وجب اعتبار الشرط، وجاز إلغاء القسم واعتباره، سواء تقدم على ذلك الشرط طالب خبر، نحو: أنا إن أتيتني فوالله لآتينك، وأنا إن أتيتني والله آتك، أو لم يتقدم عليه ذلك نحو: إن أتيتني فوالله لآتينك وإن أتيتني والله آتك، وإن لم يتقدم الشرط على هذا القسم المتوسط، فإما أن يتأخر عنه الشرط أو، لا، فإن تأخر، فإن اعتبرت القسم ألغيت الشرط، نحو: أنا والله إن أتيتني لآتينك، وإن ألغيته اعتبرت الشرط نحو: أنا والله إن تأتني آتك، وإن لم يتأخر عنه الشرط، فإن جاء

[ 461 ]

بعد القسم جملة جاز اعتباره والغاؤه، نحو: أنا والله لآتينك، وأنا والله آتيك، وإن جاء بعده مفرد وجب إلغاؤه نحو: أنا والله قائم، وإن تأخر القسم عن الكلام وجب إلغاؤه نحو: أنا قائم والله، وإن أتيتني آتك والله، هذا، وكل موضع قلنا إن (إن) وما تضمن معناها من الأسماء فيه ملغاة، أي لا جواب لها ظاهرا، فالأولى أن لا تعمل ظاهرا 1 في الشرط أيضا، كما ذكرناه في الجوازم، فيقل نحو: أجيئك أن تجئني، ووالله إن تجئني لأكرمنك، وقد جاء ذلك في الشعر، كقوله: 922 - فإن يك من جن لأبرح طارقا * وإن يك إنسا، ماكها الأنس تفعل 2 وقوله: 923 - فإن تبتئس بالشنفري أم قسطل * لما اغتبطت بالشنفري قبل أطول 3 وقوله: لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم * ليعلم ربي أن بيتي واسع 4 - 798 وقوله:


(1) يعني بأن يكون فعل الشرط ماضيا، أو مضارعا منفيا بلم فلا يكون لها أثر ظاهر فيه. (2) من قصيدة الشنفري الأزدي، المعروفة بلاميه العرب، وهو في هذا البيت يتحدث عن أثر غزوة غزاها ليلا وأصبح الناس يتحدثون عنها فقال بعضهم: إن كان ما حدث في هذه الليلة من فعل الجن فما أبرحه وما أعظمه طارقا، وإن كان من الأنس، فما تفعل الأنس مثل هذا الفعل الجرئ العظيم بهذه السرعة،. (3) وهذا البيت أيضا من لامية العرب المذكورة قبل ذلك، وهو من جزء آخر في القصيدة يتحدث فيه عن نفسه وأنه إذا مات فقدته المعارك والحروب، وأم قسطل كنية الحرب، والقسطل الغبار لأن الحرب تثير الغبار، يقول: إذا حزنت الحرب وايتأست لموتي، فطالما اغتبطت وان فترة اغتباطها بي أكثر من فترة حزنها علي، (4) تقدم ذكره في ص 312 من هذا الجزء (*)،

[ 462 ]

924 - إما ترينا حفاة لانعال لنا * إنا كذلك ما نحفى ونتعل 1 فقول المصنف: لزمه الماضي لفظا أو معنى ليس على الأطلاق، والأولى أن يقول: الأكثر كونه ماضيا لفظا أو معنى، ويعني بالمعنى، نحو: إن لم تزرني لأزورنك، وقد تبين، أيضا، أن قوله: وكان الجواب للقسم لفظا، ليس بحتم، بل قد يجئ الجواب للشرط، كقوله: لئن منيت بنا عن غب معركة.. البيت 2 - 919 ثم اعلم أنه لو وقع جواب القسم المتقدم على (ان) الشرطية، وما تضمن معناها: فعلا ماضيا، نحو: لفعل، وما فعل، وإن فعل 3، فالمراد الاستقبال، لكونه سادا مسد جواب الشرط، قال الله تعالى: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية، ما تبعوا قبلتك) 4 و: (لئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) 5 و: (لئن أرسلنا ريحا) إلى قوله: (لظلوا) 6، قوله: (وتقدير القسم كاللفظ به)، أي القسم المقدر كالملفوظ به، سواء كان هناك لام موطئة، كما في قوله: (لئن أخرجوا...) 7، أو لم تكن، كما في قوله:


(1) من معلقة الأعشى ميمون بن قيس، التي أولها: ودع هريرة ان الركب مرتحل * وهل تطيق وداعا أيها الرجل ومنها شواهد كثيرة في هذا الشرح، وقوله إما ترينا خطاب لامرأة يقول إذا كنت تشاهدين أننا مبتذلين، فهذا شأننا وتلك طريقة حياتنا نفتقر حينا ونتنعم حينا آخر، (2) الشاهد المتقدم قبل قليل من معلقة الأعشى، (3) على اعتبار (أن) نافية، (4) الآية 145 سورة البقرة، (5) الآية 41 سورة فاطر، (6) الآية 51 سورة الروم، (7) الآية المتقدمة قريبا في سورة الحشر (*)،

[ 463 ]

(وإن أطعتموهم انكم لمشركون) 1، وقال بعضهم ان قوله: (إنكم لمشركون) جواب الشرط، والفاء مقدرة، ولم يقدر قسما، وهو ضعيف، لأن ذلك إنما يكون لضرورة الشعر، كقوله: من يفعل الحسنات الله يشكرها... 2 - 678 (تقدم الهمزة على أدوات الشرط) وأما إذا تقدمت همزة الاستفهام على كلمة الشرط، سواء كانت تلك الكلمة اسما جازما، كمن، وما، وأين، ونحوها، أو حرفا كإن، ولو: فالجزاء لتلك الكلمة، والاستفهام داخل على الجملتين: الشرط والجزاء، لكونهما كجملة واحدة، نحو: أمن يضربك تضربه، بجزم تضرب، وكذا: ألو ضربك لضربته، وكذا: أئن تأتني آتك، بالجزم، ويونس يرفع الجزاء، لاعتماده على الهمزة، ولا يفعل ذلك في غير الهمزة من كلم الاستفهام، بل يقول: من إن أضربه يضربني، بالجزم لا غير، اتفاقا، لأن الهمزة هي الأصل في باب الاستفهام، ويقول في الهمزة: أئن أتيتني آتيك، بتقدير: آتيك إن أتيتني، وكذا: أمن تزره يكرمك، بالرفع، والحق هو الأول، أعني مذهب سيبويه 3، لأن كلمات الشرط، إنما تلغى إذا تقدم


(1) آية الأنعام المتقدمة قبل قليل، (2) تقدم في هذا الجزء ص 97، (3) انظر سيبويه ج 1 ص 444 (*)،

[ 464 ]

عليها ما يستحق الجواب، على ما مضى، وههنا ليس كذلك، فالأولى أن يجعل الجواب للشرط، ويجعل الاستفهام داخلا على الشرط والجزاء معا، كدخول الموصول عليهما معا نحو: جاءني الذي إن تأته يشكرك، بجزم يشكرك، والدليل عليه قوله تعالى: (أفإن مت فهم الخالدون) 1، والفاء في (فهم) لجواب الشرط، وفي (أفإن) للسببية، ولو كان التقدير: أفهم الخالدون، لم يقل: فإن مت، بل كان يقول: أئن مت فهم الخالدون، أي: أفهم الخالدون إن مت، والأصل عدم الحكم بزيادة الفاء، وأما الهمزة الداخلة على (إذا) فهي في الحقيقة داخلة على ما هو في موضع الجزاء، لأنه ليس بجزاء، كما مضى في الظروف المبنية 2، بل هو موضوع موضع الجزاء لغرض ذكرته هناك، فليست (إذا)، إذن، مع جملتيها، كإن مع جملتيها، بل مرتبة جزائها التقدم، من حيث المعنى، على (إذا) لأنه عاملها، كما تبين في الموضع المذكور، الاستفهام داخل في الحقيقة عليه، فمن ثم لم تأت الفاء في قوله تعالى: (.. أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا) 3، لأن التقدير: أئنا لفي خلق جديد إذا متنا، ولهذا كثيرا ما يكرر الاستفهام في (إنا) نحو قوله: (أئذا كنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون) 4، لطول الكلام وبعد العهد بالاستفهام حتى يعلم أن حق الاستفهام أن يدخل على ما هو في موضع الجواب، كما كرر قوله: (فلا تحسبنهم) بعد قوله: ولا تحسبن الذين...) 5 لما طال الكلام، والفاء في (فلا تحسبنهم) زائدة،


(1) الآية 34 سورة الأنبياء، (2) في الجزء الثالث من هذا الشرح، (3) الآية 49 سورة الأسراء، (4) الآية 53 سورة الصافات، (5) الآية 188 سورة آل عمران، وتكررت كثيرا (*)،

[ 465 ]

والعامل في (إذا) قوله (لمدينون) مع أن في أوله همزة الاستفهام، و (إن)، ولا يعمل في غير هذا الموضع ما بعدهما فيما قبلهما، وذلك للغرض المذكور فيما تقدم، فهو مثل قولك: أما يوم الجمعة فإن زيدا قائم، انتصاب (يوم) بقائم، على الصحيح، على ما يجئ مع كونه خبرا لأن، لغرض اذكره هناك 1، (دخول الشرط على الشرط) ثم اعلم أن الشرط إذا دخل على شرط، فإن قصدت أن يكون الشرط الثاني مع جزائة، جزاء للأول، فلا بد من الفاء في الأداة الثانية، لما ذكرنا في الجوازم عند ذكر مواقع دخول الفاء في الجزاء، تقول: إن دخلت الدار فإن سلمت فلك كذا، وإن سألت فإن أعطيتك فعلي كذا، لأن الأعطاء بعد السؤال، وإن قصدت إلغاء أداة الشرط الثاني، لتخللها بين أجزاء الكلام، الذي هو جزاؤها معنى، أعني الشرط الأول مع الجزاء الأخير، فلا يكون في أداة الشرط الثاني فاء، كقوله: 925 - فإن عثرت بعدها، إن وألت * رجلي من هاتا فقولا: لا لعا 2 فهو بمنزلة: والله إن أتيتني لآتينك، فثاني الشرطين لفظا: أولهما معنى، ومثله: إن تبت إن تذنب: ترحم، أي: إن أذنبت فإن تبت ترحم، وكذا إن كان أكثر من شرطين، نحو: إن سألت إن لقيتني إن دخلت الدار: أعطيتك، أي: إن دخلت الدار فإن لقيتني فإن سألتني أعطيتك، فقولك فإن سألتني مع الجزاء: جواب:


(1) يأتي تفصيل ذلك في الكلام على (أما) في الفصل الآتي، (2) هذا من مقصورة ابن دريد المشهورة، ولم يذكره الشارح للاستشهاد، وإن كان ابن دريد من أئمة اللغة المتقدمين، وقد يكون من رأيه صحة الاستشهاد بقوله، كما يفعل ذلك مع المتنبي وأبي تمام وأمثالهم (*)،

[ 466 ]

فإن لقيتني، وقولك: فإن لقيتني مع جزائة جواب: إن دخلت،... وعلى هذا فقس، إن كان أكثر 1، (أما) (بيان معناها، وتفصيل أحكامها) (قال ابن الحاجب:) (وأما: للتفصيل، والتزم حذف فعلها، وعوض بينها وبين) (فائها: جزء مما في حيزها مطلقا، مثل: أما يوم الجمعة) (فزيد منطلق، وقيل: هو معمول المحذوف مطلقا،) (وقيل: إن كان جائز التقديم، فمن الأول، وإلا فمن) (الثاني)، (قال الرضي:) اعلم أن (أما) موضوعة لمعنيين: لتفصيل مجمل، نحو قولك: هؤلاء فضلاء، أما زيد ففقيه، وأما عمرو فمتكلم، وأما بشر فكذا، إلى آخر ما تقصد، ولاستلزام 2 شئ لشئ، أي أن ما بعدها شئ يلزمه حكم من الأحكام، ومن ثم قيل إن فيها معنى الشرط، لأن معنى الشرط، أيضا، هو استلزام شئ لشئ، أي استلزم الشرط للجزاء، كما ذكرنا في الظروف المبنية 3، والمعنى الثاني، أي الاستلزام: لازم لها في جميع مواقع


(1) يبرز العلامة الرضي بين الحين والحين مقدرته العظيمة على تطبيق القواعد، وليس هذا بأكثر مما ذكره في آخر باب المبتدأ والخبر، من الجزء الأول، (2) معطوف على قوله: لتفصيل مجمل، (3) في الجزء الثالث من هذا الشرح (*)،

[ 467 ]

استعمالها، بخلاف معنى التفصيل فإنها قد تتجرد عنه، وقد التزم بعضهم هذا المعنى فيها، أيضا في جميع مواقعها، وحمل عليه قوله تعالى: (والراسخون في العلم) بعد قوله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ) 1، على معنى: (وأما الراسخون)، وهذا، وإن كان محتملا في هذا المقام 2، إلا أن جواز السكوت على مثل قولك: أما زيد فقائم، يدفع دعوى لزوم التفصيل فيها، وأما بيان معنى الشرط فيها، فبأن نقول: هي حرف بمعنى (إن)، وجب حذف شرطها لكثرة استعمالها في الكلام، ولكونها في الأصل موضوعة للتفصيل وهو مقتض تكررها، كما ذكرنا من قولنا: أما زيد ففقيه، وأما عمرو فمتكلم... فيؤدي إلى الاستثقال، لهذا أيضا، وأيضا، حذف ذلك وجوبا لغرض معنوي، وذلك أنهم أرادوا أن يقوم ما هو الملزوم حقيقة في قصد المتكلم مقام الشرط الذي يكون هو الملزوم في جميع الكلام، تفسير ذلك: أن أصل: أما زيد فقائم: أما يكن من شئ فزيد قائم يعني: إن يكن، أي ان يقع في الدنيا شئ، يقع قيام زيد، فهذا جزم بوقوع قيامه وقطع به، لأنه جعل وقوع قيامه وحصوله لازما لوقوع شئ في الدنيا، وما دامت الدنيا باقية، فلا بد من حصول شئ فيها، ثم، لما كان الغرض الكلي من هذه الملازمة المذكورة بين الشرط والجزاء: لزوم القيام لزيد، حذف الملزوم الذي هو الشرط، أي: (يكن من شئ)، وأقيم ملزوم القيام وهو زيد، مقام ذلك الملزوم، وبقيت الفاء بين المبتدأ والخبر، لأن فاء السببية: ما بعدها لازم لما قبلها، فحصل غرضك الكلي، وهو لزوم القيام لزيد، فلهذا الغرض وتحصيله جاز وقوع الفاء في غير موقعها، فقد تبين أنه حصل لهم من حذف الشرط وإقامة جزء الجزاء موقعه، شيئان مقصودان مهمان: أحدهما تخفيف الكلام بحذف الشرط الكثير الاستعمال، والثاني قيام ما هو


(1) من الآية 7 في سورة آل عمران، (2) أي في الآية المذكورة وما أشبهها (*)،

[ 468 ]

الملزوم حقيقة في قصد المتكلم مقام الملزوم في كلامهم، أعني الشرط، وحصل، أيضا من قيام جزء الجزاء موقع الشرط ما هو المتعارف عندهم من شغل حيز واجب 1 الحذف بشئ آخر، ألا ترى أن حذف خبر المبتدأ بعد (لو لا)، وبعد القسم، لم يحذف وجوبا إلا مع سد جواب (لو لا) وجواب القسم مسدة، وحصل أيضا، بقاء الفاء متوسطة للكلام كما هو حقها، ولو لم يتقدم جزء الجزاء لوقعت فاء السببية في أول الكلام، وكذا، يتقدم على الفاء من أجزاء الجزاء: المفعول به، أو الظرف، نحو: (فأما اليتيم فلا تقهر) 2، وأما يوم الجمعة فأنا ذاهب، إذا قصدت أنهما ملزومان لحكم، والمعنى أن عدم القهر ينبغي أن يكون لازما لليتيم، وذهابي: لازما 3 ليوم الجمعة، وكذا غير ذلك من معمولات الخبر كالحال نحو: أما مجردا فإني ضاربك، والمفعول المطلق نحو: أما ضرب الأمير فإني ضاربك، والمفعول له، نحو أما تأديبا فأنا ضاربك، فلا يستنكر عمل ما بعد فاء السببية يما قبلها، وإن كان ذلك ممتنعا في غير هذا الموضع، لأن تقديم المعمولات المذكورة، لأجل الأغراض المهمة المذكورة، ولا تقول، مثلا: إن جئتني، زيدا فأنا ضارب، على أن زيدا مفعول ضارب، إذ لم يحصل بالتقديم شئ من تلك الأغراض، ثم إنه يجوز التقديم للأغراض المذكورة وإن كان هناك مانع من التقديم غير الفاء، نحو: أما يوم الجمعة فإن زيدا سائر وكذا نحو: أما زيدا فما أضرب، ولا تقدم من اجزاء الجملة شيئين فصاعدا، لأنك لا تتجاوز قدر الضرورة، فلا تقول: أما زيد، طعامك فلا يأكل، وقد تقع كلمة الشرط، مع الشرط، من جملة أجزاء الجزاء، مقام الشرط، كقوله


(1) أي حيز الشئ الواجب الحذف، (2) الآية 9 سورة الضحى، (3) تقديره: وأن يكون ذهابي لازما (*)،

[ 469 ]

تعالى: (فأما إن كان من المقربين، فروح وريحان) 1 أي: أما يكن شئ، فإن كان المقربين فله روح وريحان، فقوله: روح، جواب (أما)، استغنى به عن جواب، والدليل على أنها ليست جواب (ان): عدم جواز: أما إن جئتني أكرمك، جوب أما إن جئتني فأكرمك، مع أنك تجوز إن ضربتني أكرمك بالجزم، أكثر من: إن ضربتني فأكرمك، قال تعالى: (وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول) 2، أي: أما يكن من شئ، فإذا ما ابتلاه يقول، وإنما وجبت الفاء في جواب (أما)، ولم يجز الجزم وإن كان فعلا 3 مضارعا، فلم يجز: أما زيد يقم: لأنه لما وجب حذف شرطها فلم تعمل فيه، فتح أن تعمل في الجزاء الذي هو أبعد منها، من الشرط، ألا ترى أنه إذا حذف الجزاء في نحو: آتيك إن أتيتني، فالأصل ألا تعمل الأداة في الشرط 4، فالجزاء، بعدم الانجزام عند حذف الشرط أولى، وأما قولهم: افعل وإلا أضربك 5، فإنما انجزم الجزاء لعدم لزوم حذف الشرط ههنا، و (أما): بمعنى (إن)، كما ذكرنا، وأما تفسير سيبويه 6 لقولهم: أما زيد فقائم، بمهما يكن من شئ فزيد قائم، فليس لأن (أما) (بمعنى) (مهما)، وكيف، وهذه حرف، و (مهما) اسم، بل قصده إلى المعنى البحت، لأن معنى مهما يكن من شئ فزيد قائم: إن كان شئ فزيد قائم، أي: هو قائم البتة، ويجوز أن يكون (أما) عند الكوفيين: (إن) الشرطية ضمت إليها (ما) عند حذف شرطها، على ما بينت من مذهبهم في: أما أنت منطلقا، انطلقت 7


(1) الآيتان 88، 89 في سورة الواقعة، (2) الآية 16 سورة الفجر، (3) يعني وإن كان جوابها فعلا مضارعا، (4) لأن الأصل أن يكون شرطها حينئذ، ماضيا أو مضارعا منفيا بلم، (5) أي بجزم الجواب مع أن الشرط محذوف، (6) قال سيبويه: وأما (أما) ففيها معنى الجزاء كأنه يقول عبد الله مهما يكن من أمره فهو منطلق ج 2 ص 312، (7) في الجزء الثاني، باب خبر كان وأخواتها (*)،

[ 470 ]

ولا تحذف الفاء في جواب (أما)، إلا لضرورة الشعر، نحو قوله: 926 - فأما الصدور، لا صدور لجعفر * ولكن أعجازا شديدا ضريرها، 1 أو مع قول محذوف يدل عليه محكية، كقوله تعالى: (وأما الذين كفروا، أفلم تكن آياتي) 2، أي فيقال لهم: أفلم تكن، ولا يقع بين (أما) وفائها، جملة تامة مستقلة، نحو: أما زيد قائم، فعمرو كذا، لأن الواقع بينهما، كما مضى، جزء الجزاء، المقصود كونه ملزوما للحكم الذي تضمنه ما بعد الفاء، فلا يكون جملة تامة مستقلة، واعلم أنه يأتي بعد (أما)، ما يتكرر ذكره بعد فائها، وذلك إما مصدر مكرر ضمنا بأن يذكر بعد الفاء ما اشتق من ذلك المصدر، نحو: أما سمنا، فسمين، وأما علما فعالم، وإما صفة تكرر لفظها بعد الفاء، نحو قولك: أما صديقا مصافيا فليس بصديق، وأما عالما فعالم ونحو ذلك، وإما غير ذلك نحو: أما البصرة فلا بصرة لك، وأما أبوك فلا أبا لك 3، وأما العبيد فذو عبيد، وأما زيد فقد قام زيد، فالمنكر من المصدر والوصف، يجب عند الحجازيين، نصبهما 4، ويختار ذلك بنو تميم، لا إلى حد الوجوب، والمعرف من المصدر، يجب رفعه عند بني تميم، على ما يعطيه ظاهر لفظ سيبويه 5، والأولى أنهم يجيزون الرفع والنصب فيه، كما يجئ، وأما الحجازيون


(1) قائل هذا البيت من قبيلة تسمى بالضباب وجعفر في البيت الشاهد اسم قبيلة أخرى، والقبيلتان تتصلان في النسب وقال البغدادي ان هذا الشاعر يهجو قبيلة جعفر بأنها لا صدور لها وفسر الصدور بكبار القوم وفرسانهم، وفسر الاعجاز بالنساء وضبط: ضريرها بالضاد المعجمة وفسرها بالضرر وقال ان المعنى: هؤلاء القوم لا يستطيع رجالهم فعل شئ، ولكن نساءهم شديدات الضرر، (2) الآية 31 سورة الجاثية، (3) هكذا مثل سيبويه في ج 1 ص 195، (4) التثنية باعتبار أن المنكر قد بين باثنين هما المصدر والوصف، (5) انظر سيبويه ج 1 ص 195 وما بعدها (*)،

[ 471 ]

فإنهم يجيزون فيه الرفع والنصب، والمعرف من الوصف، مرفوع عند الجميع بلا خلاف، وأما غير المصدر والوصف، فمرفوع عند الجميع معرفا كان أو منكرا إلا ما سيجئ، فالرفع في جميع ما يجوز فيه الرفع من ذلك، على الابتداء عند الفريقين، وأما النصب، فإن سيبويه 1 ذكر أن ذلك، في المصدر، معرفا كان أو منكرا، على أنه مفعول له عند الحجازيين، فقال شراح كلامه: وذلك لأنه رآهم ينصبون المعرفة والنكرة فلا يصلح للحال فيبقى مفعولا له، فمعنى، أما سمنا فسمين: مهما يذكر زيد لأجل السمن فهو سمين، وكذا المعرف نحو: أما العلم فعالم، أي: مهما يذكر زيد لأجل العلم فهو عالم، قال سيبويه: ونصب المنكر عند بني تميم على الحال، قال: لأنهم لما لم يجيزوا في معرف المصدر إلا الرفع، علمنا أن نصب المنكر على الحال، والعامل فيه إما محذوف قبله، كما تقول في أما علما فعالم: مهما تذكر زيدا عالما فهو عالم، أو المذكورة بعده، أي: عالم، في مثالنا، فيكون حالا مؤكدة، قال سيبويه: أما الرفع في المصدر فعلى أنه مبتدأ، والعائد إليه محذوف، فمعنى أما العلم فعالم، أي: فعالم به، كقوله تعالى: (واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا) 2 أي: لا تجزى فيه، أقول: والدليل على أنه يجوز عند بني تميم نصب معرف المصدر 3: أنهم جوزوا، على ما حكى سيبويه عنهم، أما العلم فعالم بزيد، أي فهو عالم بزيد العلم، فكذا ينبغي أن يجوز عندهم: أما الضرب فضارب، أي: فأنا ضارب الناس، فيكون نصب المصدر المعرف، على أنه مفعول مطلق لما بعد الفاء،


(1) في الموضع المذكور قبل ذلك، (2) الآية 28 سورة البقرة، ومثلها الآية 122، والاختلاف في بقية الآية، في كل منهما، (3) أي المصدر المعرف (*)،

[ 472 ]

وأما نصب الوصف المنكر، فعلى الحال عند الجميع، والعامل فيه أحد الشيئين المذكورين في المصدر الواقع حالا عند بني تميم، وأقول: كون المصدر المنصوب مفعولا له عند الحجازيين، لا دليل عليه، ولو كان كذا لجاز: أما للسمن فسمين، وأما للعلم فعالم، والأولى أن يقال: المنصوب عند بني تميم والحجازيين في الصفة على أنه حال مما بعد الفاء، وفي المصدر المعرف، على أنه مفعول مطلق لما بعد الفاء، وأما المرفوع فعلى أنه مبتدأ، ما بعد الفاء خبره، بلا تقدير ضمير، كل ذلك عند كلا الفريين، وكشف القناع عنه أن نقول: إن مثل هذا الكلام إنما يقال إذا ادعى شخص ثبوت الأشياء المذكورة أو يدعى له ذلك، فيسلم السامع بعض تلك الدعاوى أو يدفع، كما تقول، مثلا: أنا سمين وأنا عالم، فيقول السامع: أما سمنا فلست بسمين، وأما علما فعالم، فهذا حال، لأن المعنى: أما إذا كنت سمينا، وادعيت ذلك فلست بسمين، وأما إذا كنت عالما، أي أبديت من نفسك العلم وتزينت به وادعيت ذلك، فأنت في الحقيقة كذلك، كما يقال: إذا كنت مؤمنا فكن مؤمنا، وإذا كنت عالما فأنا عالم مثلك، وإذا كنت في أمر فكن فيه، ومنه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا) 1، على أحسن التأويلات 2، أي: يا أيها المدعون للأيمان: آمنوا حقيقة، فالحال، على هذا، مما بعد الفاء، والتقدير: إن يكن شئ فأنت عالم عالما أي: أنت عالم حقيقة، حين كنت عالما صورة، وفي زي العلماء، والمصدر المنكر بمعنى الوصف، حال أيضا، على هذا الوجه، أو نجعله مفعولا مطلقا، على أن معنى، أما سمنا فسمين: إن يكن شئ فهو سمين سمنا، وكذا في نحو: أما سمنا فلا سمن، أي: أما يكن شئ فلا سمن فيه سمنا،


(1) من الآية 136 سورة النساء، (2) ومن هذه التأويلات أن المعنى: استمروا واثبتوا (*)..

[ 473 ]

وأما المصدر المعرف، فمفعول مطلق، لا غير، مما بعد الفاء، فمعنى، أما العلم فعالم: أما يكن شئ فزيد عالم العلم، وأما الكلام على أنه كيف يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها في نحو: أما سمنا فما أنت بسمين، أو فأنت سمين، فقد مر أنه للغرض المذكور، وأما الرفع نحو: أما السمن فسمين وأما العلم فعالم، فإنما جاز ذلك لتضمن الخبر معنى المبتدأ لأن التقدير: أما السمن فأنت صاحبه، وسمين، وعالم، في مثله، خبر مبتدأ محذوف، أي: أنت سمين، وزيد عالم، ومعنى سمين وعالم: ذو سمن وذو علم، فهو كالظاهر القائم مقام المضمر، نحو: لا أري الموت يسبق الموت شئ * نغص الموت ذا الغنى والفقيرا 1 - 60 وكذا حال الرفع في غير المصدر، نحو: أما العبيد فذو عبيد، أي أنت صاحبهم ولم تقل: فذوهم، لأن (ذو) لا يضاف إلى مضمر، وكذا الوصف المرفوع، نحو: أما العلم فعالم، أي: فأنت عالم أي: فأنت هو، وأما نحو: أما العلم فلا علم، وأما العالم فلا عالم، فاستغراق: لا علم، ولا عالم، كالضمير الراجع إلى المبتدأ، وقولك: أما العلم، فلك علم، أي لك شئ منه، وأما العالم فلست بعالم أي: لست به، وإنما اكتفوا، مطردا، في مثل هذا الخبر، الساد مسد المضمر، وإن لم يطرد ذلك في غيره، على الأصح، كما مضى في باب المبتدأ، نحو: زيد ضرب زيد، لأنهم لما غيروا المبتدأ والخبر ههنا عن الهما بتوسط الفاء بينهما فكأنهما ليسا بمبتدأ وخبر، وأما غير المصدر والصفة، نحو: أما العبيد فذو عبيد، فالوجه فيه الرفع في جميع اللغات، معرفا كان أو، لا،


(1) تقدم ذكره في الجزء الأول في باب المبتدأ والخبر (*)،

[ 474 ]

وروى يونس عن بعض العرب نصبه، قال سيبويه 11: هي خبيثة قليلة، قال، ومع ذلك، لا يجوز هذا النصب الضعيف في المعرف، إلا إذا كان غير معين، ليكون في موضع الحال، كما في: الجماء الغفير، وأما إذا أردت بالعبيد عبيدا معينة، فلا يجوز فيه إلا الرفع، كما في قولك: أما البصرة فلا بصرة لك، وأما أبوك فلا أبا لك، أقول: أما الحمل على الحال في مثله فضعيف، ولا معنى له، بل هو على أنه مفعول به لما بعد الفاء، لأن معنى ذو عبيده: أي يملكهم، وذلك، كما روى الكسائي: أما قريشا فأنا أفضلهم، أي أغلبهم في الفضل، وقولهم: أما أن يكون عالما فهو عالم، (أن) فيه مبتدأ، أي: أما كونه عالما فحاصل، والخبر مدلول ما بعد الفاء، وكذا قولهم: أما أن لا يكون عالما فهو عالم، أي: أما عدم كونه عالما فليس بحاصل، وقال سيبويه 2: (لا) في: أن لا يكون، زائدة، كما في قوله: (لئلا يعلم أهل الكتاب) 3، وفي الصور التي ذكرتها خبط كثير للنجاة، وهذا الذي ذكرته أقرب عندي، وقد تحذف (أما) لكثرة الاستعمال نحو قوله تعالى: (وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر) 4، و: (هذا، فليذوقوه) 5، و: (فبذلك فليفرحوا) 6، وإنما يطرد ذلك، إذا كان ما بعد الفاء أمرا أو نهيا، وما قبلها منصوب به أو بمفسر به، فلا يقال:


(1) سيبويه ج 1 ص 195، (2) الموضع السابق ذكره، (3) الآية 29 سورة الحديد، (4) الآيات 3، 4، 5 في سورة المدثر، (5) الآية 57 سورة ص، (6) الآية 58 سورة يونس (*)،

[ 475 ]

زيدا فضربت، ولا زيدا فضربته، بتقدير (أما)، وأما قولك: زيد فوجد، فالفاء فيه زائدة، وقوله: وقائلة خولان فانكح فتاتهم... 1 - 76 قد ذكرنا في باب المبتدأ، أن مثله على كلامين عند سيبويه، وعلى زيادة الفاء عند الأخفش 2، وإنما جاز تقدير (أما) بالقيد المذكور، لأن الأمر، لالزام الفعل لفاعله، والنهي لالزام ترك الفعل لفاعله، فناسبا إلزام الفعل أو تركه للمفعول وذلك بأن يقدر (أما) قبل المنصوب، وتدخل فاؤها على الأمر والنهي، فإن ما قبل فاء (أما) ملزوم لما بعدها، كما ذكرنا، وأما قوله تعالى: (وإذ لم يهتدوا به فسيقولون) 3، وقوله: (فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا...) 4 فلأجراء الظرف مجرى كلمة الشرط، كما ذكر سيبويه في نحو قولهم: زيد حين لقيته فأنا أكرمه، على ما مر في الجوازم، وذلك في (إذ) مطرد، على ما مر في الظروف المبنية، ويجوز أن يكون قوله: وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون) 5، وقوله: (فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم) 6، من باب: (والرجز فاهجر) 7 أي: مما أضمر فيه (أما)، وإنما جاز إعمال المستقبل الذي هو (سيقولون) و (فأووا)، و: (فأقيموا): في الظروف الماضية التي هي: إذ لم يهتدوا، و: إذ اعتزلتموهم و: إذ لم تفعلوا، وإن


(1) تقدم في الجزء الأول، باب المبتدأ والخبر (2) فيكون ما بعدها خبرا عن خولان، (3) الآية 11 سورة الأحقاف، (4) الآية 13 سورة المجادلة، (5) الآية 16 سورة الكهف، (6) الآية السابقة، قبل قليل، (7) الآية الخامسة في سورة المدثر وتقدمت قريبا (*)،

[ 476 ]

كان وقوع الفعل المستقبل في الزمن الماضي محالا لما ذكرنا في نحو: أما زيد فمنطلق، من الغرض المعنوي، أي قصد الملازمة، حتى كأن هذه الأفعال المستقبلة، وقعت في الأزمنة الماضية، وصارت لازمة لها، كل ذلك لقصد المبالغة، قوله: (وهو معمول لما في حيزها)، أي: ما بين (أما) والفاء: معمول لما في حيز الفاء، أي لما بعدها، وليس ذلك بمطلق عند المصنف، لأن المبتدأ في نحو: أما زيد فقائم، خارج عنه، إذ العامل فيه الابتداء عنده، وكذا أداة الشرط مع الشرط في نحو قوله: (فأما إن كان من المقربين) 1، خارجة عنه، قوله: (مطلقا) أي سواء كان ما بعد الفاء شئ يجب له صدر الكلام كإن، وما، النافية في نحو: أما يوم الجمعة فإنك مسافر، أو لم يكن، وذلك للغرض المذكور، هذا مذهب المبرد، واختاره المصنف، وقال بعضهم: هو معمول للمحذوف مطلقا، أي سواء كان بعد الفاء شئ يمنع من عمل ما بعد الفاء فيما قبلها، أو، لا، فنحو أما زيد فقائم، عنده، بتقدير: أما ذكر زيد فهو قائم، وأما يوم الجمعة، فزيد قائم، أي: أما ذكرت يوم الجمعة..، وليس ذلك بشئ، إذ لو كان كذلك لجاز النصب في نحو: أما زيد فقائم، على تقدير: أما ذكرت زيدا فهو قائم، ولا يجوز اتفاقا، ولجاز الرفع في أما يوم الجمعة فزيد قائم، ولا يجوز إلا بتأويل بعيد أي قائم فيه، وإنما ارتكب هؤلاء هذا المذهب، نظرا إلى أن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها، ولا يفصل بين المبتدأ والخبر بالفاء في نحو: أما زيد فقائم،


(1) الآية 88 من سورة الواقعة وتقدمت قريبا (* )،

[ 477 ]

ولم يتنبهوا إلى أن التقديم في مثل هذا المقام الخاص للأغراض المذكورة، وذهب المازني إلى أنه: إن لم يكن بعد الفاء مستحق للتصدر، كإن، و (ما)، أو مانع آخر من عمل العامل فيما قبله، ككون العامل صفة ومعموله قبل موصوفة، نحو: أما زيدا فانا رجل ضارب، أو كون المعمول تمييزا وعامله اسم تام، نحو: أما درهما فعندي عشرون، أو كون العامل مع نون التأكيد نحو: أما زيدا فلأضربنه، أو صلة نحو: أما القميص فأن تلبس خير لك، فإن لم يكن أحدها، فالعمل لما بعد الفاء، وإن كان بعد الفاء أحد هذه الموانع، فالعامل هو المقدر، وهو معنى قوله: وإلا فمن الثاني، وليس، أيضا بشئ، لأنه إذا جاز التقديم المذكور مع المانع الواحد، وهو الفاء، فلا بأس بجوازه مع مانعين أو أكثر، لأن الغرض مهم، فيجوز، لتحصيلة، إلغاء مانعين فصاعدا، والدليل على ذلك: امتناع النصب في نحو: أما زيد، فإنه قائم، ولو كان معمولا لمقدر لم يمتنع تقدير ناصب، نحو: ذكرت، وغيره، قال ابن خروف 1: وقد تبدل الميم الأولى من (أما) ياء، قال: 927 - رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت * فيضحى، وأما بالعشي فيخصر 2


(1) أبو الحسن: علي بن محمد الأندلسي، بن خروف من علماء القرن السادس وتقدم له ذكر، (2) من قصيدة طويلة لعمر بن أبي ربيعة، وقد روى على الأصل: أما إذا الشمس، ومن أبيات هذه القصيدة بعض الشواهد في هذا الشرح (*)،

[ 478 ]

(حرف الردع) (وأوجه استعماله) (قال ابن الحاجب:) (حرف الردع: كلا، وقد جاء بمعنى: حقا)، (قال الرضي:) الردع بمعنى الزجر، تقول لشخص، فلأن يبغضك، فيقول: كلا، ردعا لك،. أي: ليس الأمر كما تقول، وتكون، أيضا، ردعا للطالب، كقوله تعالى: (رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت، كلا) 1، وقد يكون (كلا) بيانا لكونه منكرا، كقوله تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا، كلا) 2، وقد يكون (كلا) بمعنى (حقا) كقوله تعالى: (كلا، والقمر) 3، و: (كلا إن الأنسان ليطغى) 4، فيجوز أن يجاب بجواب القسم، كما في الآية، وأن لايجاب، كقوله تعالى: (كلا بل تحبون العاجلة) 5، و: (كلا إذا بلغت التراقي) 6، وليست للردع، إذ لا معنى له إلا بالنظر إلى ما قبلها، وقد تحتمل المعنيين، كما في قوله: (ثم يطمع أن أزيد، كلا إنه كان لآياتنا عنيدا) 6


(1) من الآيتين 99، 100 - المؤمنون، (2) الآيتين 81، 82 سورة مريم، (3) الآية 32 سورة المدثر، (4) الآية 6 سورة العلق، (5) الآية 20 سورة القيامة، (6) الآية 26 سورة القيامة، (7) الآية 16 سورة المدثر (*)،

[ 479 ]

وإن كانت بمعنى (حقا) لم يجز الوقف عليها، لأنها من تمام ما بعدها ويجوز ذلك إذا كانت للردع، لأنها ليست من تمام ما بعدها، وكأن الفعل الذي هي من تمامه محذوف، لأن الحرف لا يستقل، أي: كلا لا تقل، أو ليس الأمر كذا، وإذا كانت بمعنى (حقا) جاز أن يقال إنها اسم، بنيت لكون لفظها كلفظ الحرفية، ومناسبة معناها لمعناها، لأنك تردع المخاطب عما يقوله تحقيقا لضده، لكن النجاة حكموا بحرفيتها إذا كانت بمعنى (حقا) أيضا، لما فهموا من أن المقصود تحقيق الجملة، كالمقصود بإن، فلم يخرجها ذلك عن الحرفية، (تاء التأنيث) (المراد منها، وأحكامها) (قال ابن الحاجب:) (تاء التأنيث الساكنة، تلحق الماضي لتأنيث المسند إليه،) (فإن كان ظاهرا غير حقيقي فمخير، وأما إلحاق علامة) (التثنية والجمعين فضعيف)، (قال الرضي:) اعلم أنه إنما جاز إلحاق علامة التأنيث بالمسند، مع أن المؤنث هو المسند إليه دون المسند، للاتصال الذي بين الفعل، وهو الأصل في الأسناد وبين الفاعل، وذلك الاتصال من جهة احتياجه إلى الفاعل وكون الفاعل كجزء من أجزاء الفعل، حتى سكن اللام من نحو: ضربت، لئلا يتوالى أربع حركات فيما هو كالكلمة الواحدة، ألا ترى إلى وقوع الفاعل بين الفعل وإعرابه في نحو يضربان، وتضربون، وتضربين، فتأنيث الفعل لتأنيث فاعله مثل تثنية الفاعل وجمعة لأجل تكرير الفعل مرتين أو أكثر، كقول الحجاج:

[ 480 ]

يا حرسي: اضربا عنقة 1، أي: اضرب اضرب، وقوله تعالى: (رب ارجعون) 2، أي: أرجعني، أرجعني، ارجعني 3، وهذه التاء ساكنة بخلاف تاء الاسم، لأن أصل الاسم الأعراب وأصل الفعل البناء، فنبه من أول الأمر بسكون هذه على بناء ما لحقته لأنها كالحرف الأخير مما تلحقه، وبحركة تلك على إعراب ما وليته، ودليل كونها كلام الكلمة: دوران الأعراب عليها في نحو: قائمة، وتقلب الاسمية في الوقف هاء، بخلاف الفعلية، إذ القلب تصرف وهو بالمعرب أولى، ولكون أصل التاء الفعلية هو السكون، لم ترد اللام المحذوفة للساكنين في: رمتا، وغزتا، لأن التاء، وإن تحركت لأجل الألف التي بعدها، وهي كجزء الكلمة، فالحركة باعتبارها كاللازمة، إلا أن أصل البناء السكون، فالحركة عليها كلا حركة، بخلاف حركة اللام في: لم يخافا ولم يخافوا، و: خافا، و: خافوا، و: خافي، و: خافن، وبيعن وقولن، فإن عين الفعل في هذه لم تحذف لأن سكون لام المضارع ليس بأصل حتى إذا تحرك لعارض قلنا: الحركة كالعدم كما قلنا في التاء الفعلية، بل أصله تحرك اللام، وكذا الأمر، أصله المضارع، والأصل في، اضرب: لتضرب، كما بينا، فأصل لام: لم يخافا، وخافا، ولم يقولا وقولا: هو الحركة، وهي الآن متحركة بحركة كاللازمة، لأنها لأجل اتصال الضمير المرفوع الذي هو كجزء الكلمة، بخلاف نحو: لم يخف الله، وخف الله، ولم يبع الثوب، وبع الثوب، ولم يقل الحق، وقل الحق، لأن اللام وإن كان أصلها الحركة، الا أنها عارضة ليست كاللازمة، لأن الكلمة الثانية منفصلة، وكذا لم ترد اللام في: اخشون، واخشين، وإن تحركت الواو، والياء، لأن أصل هذين الحرفين: السكون، كالتاء الفعلية،


(1) الحرسي واحد الحرس، فهو مفرد، (2) الآية 99 سورة المؤمنون وتقدمت مع ما بعدها، (3) بتكرير: ارجعني، ثلاث مرات، وهي أقل الجمع، المستفاد من واو الجمع في الفعل (*)،

[ 481 ]

وجاءت لغة ضعيفة، باعتداد حركة التاء، لكون الألف كجزء الكلمة، فقالوا: رماتا وغزاتا، ولا تقول: رمات المرأة، لأن الحركة لأجل كلمة منفصلة، ليست كجزء ما قبلها، إذ الظاهر ليس في الاتصال كالضمير، قوله: (وأما إلحاق علامة التثنية والجمعين فضعيف)، يعني نحو: قاما أخواك، وقاموا إخوتك، وقمن النساء، فتكون الألف والواو والنون مثل التاء، حروفا منبئة من أول الأمر، أن الفاعل مثنى أو مجموع،. ولا تكون أسماء ضمائر، لئلا يلزم، إذن، تقدم الضمير على مفسره من غير فائدة، كما حصلت في: نعم رجلا، وربه عبدا، وفي باب التنازع، ولكونها حروفا لا ضمائر، جاز استعمال الواو في غير العقلاء، نحو: أكلوني البراغيث، وقيل: إنما فعل ذلك 1، لأن الأكل في الأصل موضوع للعقلاء، وجاز استعمال النون 2 في الرجال كقوله:... يعصرن السليط أقاربه 3 - 366 ويجوز أن يريد بالأقارب: النسوة، هذا ما قاله النجاة، ولا منع من جعل هذه الأحرف ضمائر وإبدال الظاهر منها، وأما الفائدة في مثل هذا الأبدال فما مر في بدل الكل من الكل 4، أو تكون الجملة خبر المبتدأ المؤخر، والغرض كون الخبر مهما،


(1) أي استعمال الواو في غير العقلاء، (2) أي نون النسوة في قوله يعصرون، (3) جزء من بيت شعر للفرزدق تقدم ذكره في باب الضمائر، آخر الجزء الثاني، (4) زيادة موجودة في بعض النسخ، وإثباتها مفيد (*)،

[ 482 ]

(التنوين) (أنواعه، حذفه في العلم) (قال ابن الحاجب:) (التنوين نون ساكنة، تتبع حركة الآخر، لا لتأكيد الفعل) (وهو للتمكن، والتنكير، والعوض، والمقابلة، والترنم، -) (ويحذف من العلم موصوفا بابن، مضافا إلى علم)، (قال الرضي:) (التنوين في الأصل، مصدر (نونت) أي أدخلت نونا) 4، قوله: (نون ساكنة)، يدخل فيه نون (من)، ولم يكن، قوله: (تتبع حركة الآخر) يخرج أمثالها، لأن آخر هذه الكلمات نون ساكنة، لا أن نونها تتبع حركة أواخرها، وقد استفيد منه أن التنوين وجودي، بعد الحركة، وإنما أطلق قوله حركة الآخر، ولم يقل آخر الاسم: ليشمل تنوين الترنم في الفعل، كقوله:... وقولي إن أصبت لقد أصابن 1 - 4 قوله: (لا لتأكيد الفعل) يخرج نون التوكيد الخفيفة، وإنما لم يجعل للتنوين في الكتابة، في الرفع والجر، صورة، لأن الكتابة مبنية على الوقف، والتنوين يسقط في الوقف رفعا وجرا، فلذا كتب في حال النصب ألفا، لأنه يقلب ألفا فيه، وقد ذكرنا أقسام التنوين في أول الكتاب، قوله: (ويحذف من العلم الموصوف بابن مضافا إلى علم)، نحو: جاءني زيد


(1) تقدم في أقسام التنوين في الجزء الأول (*)،

[ 483 ]

ابن عمرو، وذلك لكثرة استعمال (ابن) بين علمين وصفا، فطلب التخفيف لفظا بحذف التنوين من موصوفة، وخطا بحذف ألف (ابن)، وكذلك في قولك: هذا فلان بن فلان، لأنه كناية عن العلم، وكذا: طامر بن طامر، وهي بن بي، وضل بن ضل 1، لأنه قد يعبر به عمن لا يعرف، على إجرائه مجرى العلم، وإن كان يدخل فيه كل من كان بهذه الصفة، فإن لم يكن بين علمين، نحو: جاءني كريم ابن كريم، أو: زيد ابن أخينا، لم يحذف التنوين لفظا، ولا الألف خطا، لقلة الاستعمال، وكذا إذا لم يقع صفة نحو: زيد: ابن عمرو، على أنه مبتدأ وخبر، لقلة استعماله أيضا كذلك، مع أن التنوين حذف في الموصوف لكونه مع الصفة كاسم واحد، والتنوين علامة التمام، وليست هذه العلة موجودة في المبتدأ والخبر، وحكم (ابنة): حكم (ابن)، وفي الوصف ببنت، وجهان، كما مر في باب النداء 2، وحذفه في نحو قوله: وحاتم الطائي وهاب المئي 3 - 529 وقوله: 928 - فألفيته غير مستعتب * ولا ذاكر الله إلا قليلا 4 ضرورة، وقرئ في الشذوذ: (قل هو الله أحد الله الصمد) 5،


(1) الأمثلة الثلاثة كلها تطلق على من لا يعرف، ولا يعرف له أب، وضل في اللسان بضم الضاد، (2) في الجزء الأول من هذا الشرح، (3) تقدم ذكره أكثر من مرة وانظر فهرس الشواهد، (4) منسوب إلى أبي الأسود الدولي في شأن امرأة رغبت في الزواج منه فقبل، ثم لم تعجبه فطلقها وقال في ذلك: أريت امرءا كنت لم أبله * أتاني فقال اتخذني خليلا... الخ (5) الآيتان: الأولى والثانية، سورة الاخلاص، والقراءة التي أشار إليها تنسب إلى سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما (*)،

[ 484 ]

(نون التوكيد) (صورها واستعمالاتها) (قال ابن الحاجب:) (نون التوكيد: خفيفة ساكنة، ومشددة مفتوحة، تختص) (بالفعل المستقبل، في الأمر والنهي والاستفهام والتمني) (والعرض والقسم، وقلت في النفي، ولزمت في قسم مثبت،) (وكثرت في مثل: إما تفعلن، وما قبلها، مع ضمير) (المذكرين، مضموم، ومع المخاطبة مكسور، وفيما) (عداه مفتوح، - وتقول في التثنية وجمع المؤنث: اضربان) (واضربنان ولا تدخلهما الخفيفة خلافا ليونس، وهما في) (غيرهما مع الضمير البارز كالمنفصل، فإن لم يكن،) (فكالمتصل، ومن ثم قيل: هل ترين وترون وترين،) (واغزون واغزن واغزن، والمخففة تحذف للساكنين وفي) (الوقف فيرد ما حذف، والمفتوح ما قبلها تقلب ألفا)، (قال الرضي:) إنما حركت المشددة بالفتحة لثقلها وخفة الفتحة، وكسرت بعد ألف الاثنين وألف الفصل، نحو: اضربان واضربنان، تشبيها بنون الأعراب التي في المضارع، فإنها تكسر بعد الألف نحو: تضربان، وكذا النون في الاسم المثنى نحو: الزيدان، قوله: (تختص بالفعل المستقبل)، إنما لم تدخل على الحال والماضي، لما مر في المضارع 1، ودخولها في الأغلب المشهور في مستقبل فيه معنى الطلب، كالأمر والنهي


(1) قال هناك: لأن التوكيد إنما يليق بما لم يحصل، أما الحاصل في الحال فغير محتاج إلى التوكيد وإن كان ممكنا، لأنه مشاهد، هذا كلامه، ويفهم منه أن الماضي الذي وقع وانقطع، كذلك (*)،

[ 485 ]

والاستفهام والتمني والعرض، وأما في المستقبل الذي هو خبر محض فلا تدخل إلا بعد أن يدخل على الفعل ما يدل على التأكيد أيضا، كلام القسم نحو: والله لأضربن، و (ما) المزيدة نحو: إما تفعلن، ليكون ذاك الأول توطئة لدخول نون التأكيد، وإيذانا به، ثم الطلب على ضربين: إما طلب وجود الفعل، أو عدمه، كما في الأمر والنهي والتحضيض والعرض والتمني، أو السؤال عن حصول الفعل كما في الاستفهام، نحو: افعلن ولا تفعلن، وهلا تفعلن وألا تفعلن وليتك تفعلن وهل تفعلن، وكذا جمميع أدوات الاستفهام، اسمية كانت أو حرفية، قال: 929 - أفبعد كندة تمدحن قبيلا 1 وتقول: كم تمكثن، وانظر متى تفعلن، قال: 930 - فأقبل على رهطي ورهطك نبتحث * مساعينا حتى نرى كيف نفعلا 2 والخبر المصدر بحرف التأكيد نحو: والله لتضربن، وكذا كل أداة شرط بعدها (ما) الزائدة، سواء جاز حذفها كما في: إما تفعلن، ومتى ما تلعفن، وأيهم ما يفعلن، وأيا ما تفعلن، وأينما تكونن، أو كانت لازمة لكلمة الشرط، كإذما، وحيثما، وقد تدخل نون التأكيد اختيارا في جواب الشرط أيضا، إذا كان الشرط مما يجوز دخولها فيه نحو قوله: 931 - فمهما تشأ منه فزارة تعطكم * ومهما تشأ منه فزارة تمنعا 3 وقوله:


(1) ورد هذا الشطر في سيبويه ج 2 ص 151 منسوبا للمقنع الكندي، ولم ينسبه الأعلم ولم يكمله، وقال البغدادي انه من الشواهد الخمسين التي لم يعرف لها قائل، وجاء في طبعة الخزانة التي لم تكمل انه من قصيدة لامرئ القيس وان صدره: قالت فطيمة حل شعرك مدحه، (2) وهذا البيت أيضا مما ورد في سيبويه في المواضع السابق، ولم ينسبه هو ولا الأعلم، وقال البغدادي انه كذلك من الأبيات التي لم يعرف قائلها، مع أنه أشار إلى خلاف في ألفاظه، وفي المراد منه، والله أعلم، (3) في سيبويه ج 2 ص 152 منسوب لابن الحزع، قال البغدادي ليس في ديوان ابن الحزع وإنما هو من قصيدة للكميت بن ثعلبة وهو جد الكميت بن معروف الشاعر الجاهلي وأورد القصيدة وشرحها (*)،

[ 486 ]

932 - نبتم نبات الخيزراني في الوغى * حديثا متى ما يأتك الخير ينفعا 1 لكنه أقل من دخولها في الشرط، وربما دخلت في الشرط بلا تقدم (ما) نحو: إن تفعلن أفعل، قال: 933 - من تثقفن منهم فليس بآيب * أبدا وقتل بني قتيبة شافي 2 وتجئ النون، أيضا، بعد الأفعال المستقبلة التي تلحق أوائلها (ما) المزيدة في غير الشرط، اختيارا، لكن قليلا، نحو: بجهد ما يبلغن، وبعين ما أرينك، أي: أتحقق الذي أراه فيك، وبألم ما تختتنه 3، يضرب لمن يطلب أمرا لا يناله إلا بمشقة، و: ومن عضة ما ينبتن شكيرها 4 - 242 يضرب لمن كان له أصل وأمارة تدل على كون شئ آخر، وقلما يقولن، وكثر ما يقولن، وربما يقولن، وإنما كان دخولها مع (ما) التي في الشرط أكثر منها في غيره، لأن الشرط يشبه النهي في الجزم وعدم الثبوت، وأما قوله: 934 - ربما أوفيت في علم * ترفعن ثوبي شمالات 5


(1) نبتم بالنون في أوله من النبات، يعني نبت هؤلاء القوم كما ينبت الخيزران في الثرى منذ وقت حديث أي قريب، وقال البغدادي ان معناه لستم بأرباب نعمة قديمة وإنما حدثت فيكم عن قريب، ومثلهم بالخيزران لطراوته وعدم صلابته ونسب البيت للنجاشي الشاعر، (2) منسوب لامرأة يقال لها بنت مرة بن عاهان حين قتل أبوها مرة، قتله بنو قتيبة، والمعنى من نظفر به من هؤلاء القوم فلا يعود إلى أهله، وان قتلهم شاف لنا مما في النفوس وهذا تفسير الأعلم والبيت في سيبويه 2 / 152 وقد نقل البغدادي كلام الأعلم ونقده بإضافة، (3) تقدم قوله بعين ما أرينك قريبا، وقوله بألم ما تختينة، أصله تختنين خطاب لمؤنث بصفة المبني للمجمول، من الختان وهو مثل يضرب لمن يحرص على فعل لابد منه ويلقى في تحصيله ألما شديدا، (4) تقدم كثيرا، وقلنا إنه مثل أيضا وتقدم شرحه، (5) من أبيات لجذيمة الأبرش ملك الحيرة، يقول إنه إذا كان مع قومه وأراد البحث عن شئ، كان هو ربيئة قومه ومرشدهم، والعلم الجبل (*)،

[ 487 ]

فضرورة، وإنما حسن الزيادة، (ما) في (رب)، وترفعن، في حيزها 1، وتجئ النون بعد المنفي بلا، إذا كانت (لا) متصلة بالمنفي، قياسا عند ابن جني، لأنها، إذن، تشبه النهي، واستشهد بقوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) 2، وقيل: إن (لا) في الآية للنهي 3، وقد تجئ مع (لا) النافية منفصلة، نحو: لا في الدار يضربن زيد، وعند أبي علي، لا تجئ بعد النفي اختيارا، لعريه من معنى الطلب، وتجرده من (ما) المؤكدة في الأول، قال سيبويه 4: تدخل بعد (لم) تشبيها لها بلاء 5 النهي من جهة الجزم، قال: 935 - يحسبه الجاهل ما لم يعلما * شيخا على كرسيه معمما 6 وربما لحقت المضارع خاليا من جميع ما ذكرنا، قال سيبويه: ويجوز في الضرورة: أنت تفعلن،


(1) يعنى أن وجود (ما) متصلة برب، والفعل في حيزها، هو الذي جعل هذه الزيادة مقبولة وإن كان مع ذلك ضرورة، (2) الآية 25 سورة الأنفال، (3) على اعتبار (لا) نافية أو ناهية، جملة لا تصيبن صفة للفتنة، ولا فرق بينهما إلا أنه في حالة كونها ناهية لابد من تقرير القول لأن النعت لا يكون جملة طلبية، (4) سيبويه 2 / 152 وما بعدها، (5) تقدم أن هذا التعبير جاء من القصد إلى إعراب (لا) فضعف ثانيها وهو الألف فقلبت الثانية همزة، (6) الشاهد في سيبويه 2 / 152 بدون نسبة، ونسبه بعضهم إلى أبي الصمعاء: مساور بن هند العبسي، وفي العيني أنه لأبي حيان الفقعسي، وشرحه الأعلم على أن المراد به جبل كساه النبات من كثرة الخصب فأشبه شيخا ملففا في ثيابه وفرق بينه وبين قول امرئ القيس: كأن ثبيرا في عرانين وبله * كبير أناس في بجاد مزمل، قال البغدادي: لم بصب الأعلم في هذا، وذكر خلافا طويلا في نسبة الشعر، وأورد قطعة طويلة يتبين منها أن الشاهد في وصف لبن في اناء قد علته الرغوة فأشبه شيخا معمما جالسا على كرسي، وقال انه تشبيه ظريف جدا (*)،

[ 488 ]

قيل: وتدخل اسم الفاعل اضطرارا، تشبيها له بالمضارع، قال: 936 - أريت إن جاءت به أملودا * مرجلا ويلبس البرودا أقائلن أحضروا الشهودا 1 937 - يا ليت شعري عنكم حنيفا * أشاهرن بعدنا السيوفا 2 وهذا كما شبه به في دخول نون الوقاية في قوله: وليس حاملني إلا ابن حمال 3 - 286 ثم ان النون تلزم من هذه المواضع المذكورة: المقسم عليه مثبتا نحو: والله لأقومن، بشرط أن يتعلق به جار سابق، كقوله تعالى: (ولئن متم أو قتلتم لألى الله تحشرون) 4، وقوله: لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم * ليعلم ربي أن بيتي واسع 5 - 798 شاذ عند البصريين، كما ذكرت، وأكثر دخولها في الأمر والنهي والاستفهام، ومع (إما)، وعند الزجاج هي لازمة مع (إما)، خلافا للمبرد، قال: 938 - فإما تريني ولي لمة * فإن الحوادث أودى بها 6 وترك النون معها، جيد عند غيره، وإن كان الأكثر إثباتها،


(1) قالوا إن رجلا من العرب جاءت أمه له بولد فأنكره فقالت هذا الرجز، ولذلك يروى أحضري بدلا من أحضروا، كما يروى أقائلون بدون توكيد، وأورده البغدادي في رجز يربطه بالشاهد المتقدم في باب الموصول، وهو: كاللذ تزبى زيبة فاصطيدا، (2) من رجز رواه ابن دريد في الجمهرة بدون نسبة وبين الشطرين قوله: وقد جدعنا منكم الأنوفا - ورواية الجمهرة: أتحملون بعدنا السيوفا، وقد نسبه العيني إلى رؤبة بن العجاج، وعلق البغدادي بأنه لم يره في ديوان رؤبة، ثم وجه نقدا شديدا إلى العيني في كلامه على هذا الشاهد، (3) تقدم ذكره في باب الأضافة، الجزء الثاني، ويروى: وليس يجملني، (4) الآية 158 سورة آل عمران، (5) تقدم ذكره ص 312 من هذا الجزء، (6) هذا من قصيدة للأعشى في مدح أساقفة نجران يقول فيها يخاطب ناقته (*):

[ 489 ]

قوله: (وما قبلها مع ضمير المذكرين، مضموم)، لأن ضمير المذكرين، أعنى الواو، إما أن ينضم ما قبلها، كانصروا واغزوا، أو يفتح، كاخشوا، وارضوا، فالمضموم ما قبلها يحذف إذا اتصلت به نون التأكيد للساكنين في كلمتين، إلا أنهما، على كل حال، كلمتان، والثقل حاصل بوجود الواو المضموم ما قبلها، وعليها دليل إذا حذفت، وهو ضمة ما قبلها، قال سيبويه: لو قالوا اضربون واضربين، كما قيل: اضربان لم يكن خارجا عن القياس، كتمود الثوب، ومديق 2، والمفتوح ما قبلها يحرك للساكنين بالضم، وإنما لم يحذف لأنه ليس بمدة، كما يجئ في التصريف في باب التقاء الساكنين 3، وإنما ضم، ولم يكسر، ولم يفتح، اجراء لما قبل نون التوكيد في جمع المذكر في جميع الأنواع، مجرى واحدا، بالتزام الضمة فيه، قوله: (ومع المخاطبة مكسور)، لأن ضمير المخاطبة ياء، فإن كان ما قبلها مكسورا، كاضربي واغزي وارمي، حذفت الياء للساكنين، كما قلنا في الواو، وإن كان ما قبلها مفتوحا حرك بالكسر، كاخشين وارضين اجراء لما قبل النون في المخاطبة في جميع الأنواع مجرى واحدا، مع أن الكسر للساكنين هو الأصل، وقال ابن مالك 4: حذف ياء الضمير بعد الفتحة لغة طائية، نحو: ارضن في: ارضي،


= فكعبة نجران حتم عليك * حتى تناخي بأبوابها ومنها قوله: وكأس شربت على لذة * وأخرى تداويت منها بها (1) أي الكلمة الثانية وهي نون التوكيد، (2) تصغير مدق، آلة الدق، ومثال سيبويه: أصيم تصغير أصم، (3) أي في شرح الشافية، وقد ألفه الرضي بعد الانتهاء من شرحه هذا، (4) هذا القول ذكره ابن مالك في التسهيل، وقد جاء بهامش النسخة المطبوعة نسبة هذا القول للمالكي في بعض نسخ هذا الشرح (*)،

[ 490 ]

قوله: (وفيما عداه مفتوح) أي فيما عدا المذكور، وما عداه: الواحد المذكر، نحو: اضربن، واغزون، وارمين، واخشين، والمثنى، نحو: اضربان، وجمع المؤنث نحو: اضربنان، وليس ما قبلها في المثنى وجمع المؤنث مفتوحا، بل هو ألف، بلى قبل الألف فتحة، ولعل هذا مراده، أما فتح ما قبلها في الواحد المذكر، فلتركيب الفعل مع النون وبنائه على الفتح، لكون النون كجزء الكلمة، وإنما ردت اللامات المحذوفة للجزم أو الوقف 1 في نحو: ليغزون واغزون، وليرمين، وارمين، وليخشين، لأن حذفها كان للجزم أو للوقف الجاري مجراه، ومع قصد البناء على الفتح للتركيب: لا جزم ولا وقف، وهذا الذي ذكرناه من كونه مبنيا على الفتح مذهب سيبويه 2، والمبرد، وأبي علي، وقال الزجاج والسيرافي، بل الحركة للساكنين، معربا كل الفعل أو مبنيا، لأنه بلحاق النون، بعد الفعل عن شبه الأسماء فعاد إلى أصله من البناء، والأصل في البناء السكون فلزم تحريك للساكنين، فحرك بالفتح صيانة للفعل من الكسر أخي الجر، بلا ضرورة، كما كانت 3 في: اضربن إلا أنه تحريك للساكن بحركة كالحركة اللازمة، لكون اللام متحركة في الأصل أي المضارع، وكون النون كجزء الكلمة لاتصاله بنفس الفعل، لا بالضمير كما في: اخشون واخشين، بخلاف (الرجل) في: اضرب الرجل، فلكونها كاللازمة ردت العين المحذوفة للساكنين في: قومن، ولم ترد في: (قم الليل) 4،


(1) يريد به البناء المقابل للأعراب، (2) عبارة سيبويه في 2 / 154: وإذا كان فعل الواحد مرفوعا ثم لحقته النون، صيرت الحرف المرفوع مفتوحا، (3) أي الضرورة، وهي من اضربن، إبقاء الكسرة لتدل على ياء المخاطبة، (4) من الآية الثانية في سورة المزمل (*)،

[ 491 ]

هذا كله على مذهب الجمهور، الذاهبين إلى بناء ما اتصل به النون، وأما على مذهب من قال: الفعل باق على ما كان عليه قبل دخول النون من الأعراب أو البناء، فإنه يقول: إنما ردت اللام، وفتحت في الناقص، نحو: اغزون وارمين، إذ لو لم ترد، لقيل: اغزن بالضم، وارمن بالكسر، فكان يلتبس بالأول: جمع المذكر، وبالثاني: الواحد المؤنث، ففتحوا ما قبل النون في كل واحد مذكر، صحيحه ومعتله، وأما رد اللام في: ارضين واخشين، فلطرد الباب فقط، إذ لم يكن يلتبس به شئ آخر، هذا، ولغة طئ على ما حكى عنهم الفراء: حذف الباء الذي هو لام في الواحد المذكر بعد الكسر والفتح في المعرب والمبني، نحو: والله ليرمن زيد، وارمن يا زيد، وليخشن زيد، واخشن يا زيد، وعليه قوله: 939 - إذا قال قدني قال بالله حلفة * لتغنن عني ذا إنائك أجمعا 1 وإنما لم تحذف الألف في: اضربان وإن التقى ساكنان، كما حذفوا الواو والياء في: اضربن، واضربن، خوف اللبس بالواحد، لأن النون إنما كسرت لأجل الألف كما ذكرنا، فلو حذفت الألف لانفتحت النون، مع أن الألف أخف من الواو والياء، وأيضا، المد فيه أكثر منه في الواو والياء، والمد يقوم مقام الحركة، والنون كبعض الكلمة، فصار: اضربان، كالضالين 2،. وأما الألف في: اضربنان، فلم تحذف لأنها مجتلبة للفصل بين النونات فلو حذفت لحصل الوقوع فيما فر منه،


(1) البيت من قصيدة لحريث بن عتاب الكائي نقلها البغدادي عن أمالي ثعلب، وشرحها وفيها وصف لرجل ينشد ابلا، استضافه حريث وأكرمه وهو يقول قبل هذا البيت: دفعت إليه رسل كوماء جلدة * وأغضيت عنه الطرف حتى تضلعا ويروى بيت الشاهد: إذا قال قطني قلت آليت حلفة، كما يروى: لتغنن بلام القسم ونون التأكيد ومعنى البيت أنه كلما أراد الضيف الاكتفاء من شرب اللبن حلفت عليه أن يأتي على جميع ما في الاناء، وهو مبالغة في الكرم، والقطعة التي منها البيت جيدة، (2) الضالين، كلمة واحدة حقيقة، واضربان بسبب الامتزاج في حكم كلمة واحدة (*)،

[ 492 ]

وأما حذف النون التي هي علامة الرفع في الأمثله الخمسة فلأن الفعل صار مبنيا عند الجمهور، وعند غيرهم لاجتماع النونات، قوله: (ولا تدخلهما الخفيفة)، أي لا تدخل الخفيفة المثنى، وجمع المؤنث، لأنه يلزم التقاء الساكنين على غيره حده 1، وأما مع المثقلة فلأن النون المدغمة، وإن كانت ساكنة، فهي كالمتحركة، لأنه يرتفع اللسان بها، وبالمتحركة ارتفاعه واحدة، فهما كحرف واحد متحرك، ولا يجوز، عند سيبويه 2، أيضا، إلحاقها في نحو: اضرباني، بنون الوقاية واضربان، نعمان، وإن كان يزول التقاء الساكنين الممنوع بالأدغام في نون الوقاية ونون نعمان، لأن النونين المدغم فيهما ليستا بلازمتين، وأما يونس والكوفيون، فجوزوا إلحاق الخفيفة بالمثنى وجمع المؤنث، فبعد ذلك، إما أن تبقى النون عندهم ساكنة، وهو المروي عن يونس، لأن الألف قبلها، كالحركة لما فيها من المدة، كقراءة نافع 3: (ومحياي) 4 أو قراءة أبي عمرو 5: (واللاي) 6 وقولهم: التقت حلقتا البطان 7، ولا شك أن كل واحد 8 في مقام الشذوذ 9، فلا يجوز القياس عليه،


(1) حده هو أن يكون الساكنان في كلمة واحدة وأولهما مدة، (2) كل ما يتصل بنوني التوكيد في سيبويه ج 2 ص 149 وما بعدها وفيه كثير مما أورده الرضي هنا بلفظه، (3) نافع أحد القراء السبعة وهو من قراء المدينة، وتقدم له ذكر في هذا الشرح، (4) من الآية 62 في سورة الأنعام، (5) أبو عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة وإمام من أئمة النحو، وتقدم ذكره، (6) من الآية 4 سورة الطلاق، (7) كناية عن ضيق الأمر واشتداده، وورد مثله في شعر أوس بن حجر، وهو قوله: وازدحمت حلقتا البطان بأقوام * وجاشت نفوسهم جزعا (8) أي كل واحد مما أورده من الأمثلة، (9) الشارح الرضي لا يتحرج من نقد القراءات حيث يعتبر هنا أن كل ما تقدم من قبيل الشذوذ، وفيه بعض = (*)

[ 493 ]

وإما أن تحرك بالكسر للساكنين، وعليه حمل قوله تعالى: (ولا تتبعان) 1، بتخفيف النون، واعلم أن كلا من الثقيلة والخفيفة حرف برأسها، عند سيبويه 2، وعند أكثر الكوفيين: المخففة فرع المثقلة، قوله: (وهما في غيرهما)، أي النونان في غير المثنى وجمع المؤنث مع الضمير البارز وهو الواو والياء، قوله: (كالمنفصل)، أي: كالكلمة المنفصلة، يعني يجب أن يعامل آخر الفعل مع النونين معاملته مع الكلمة المنفصلة، من حذف الواو والياء، أو تحريكهما ضما وكسرا، وغرضه من هذا الكلام: بيان الأفعال المعتلة الآخر عند لحاق النون بها، وقد بينا نحن حكم جميعها في ضمن الكلام السابق، ومعنى كلامه: أن النونين حكمهما مع المثنى وجمع المؤنث ما ذكر، ومع غيرهما، على ضربين، إما مع ضمير بارز وهو شيئان: جمع المذكر نحو اغزوا وارموا، واخشوا، والواحد المؤنث نحو: ري، واغزي وارمي واخشي، وإما مع ضمير مستتر وهو الواحد المذكر، نحو: ره، واغز وارم واخشن فالنون مع الضمير البارز كالكلمة المنفصلة، فتقول: اغزن وارمن بحذف الواو، كما حذفتها مع الكلمة المنفصلة نحو: اغزوا الكفار، وارموا الغرض وكذا: اغزن وارمن يا امرأة، بحذف الياء كما حذفت في: اغزي الجيش وارمي الغرض، وتضم الواو المفتوح ما قبلها نحو: اخشون، كما ضممتها مع المنفصلة، نحو: اخشووا الرجل، وتكسر الياء المفتوح


= القراءات المتواترة، وقد صرح في باب الأضافة في الفصل بين المتضايفين بقوله لا نسلم تواتر القراءات، وللعلماء آراء متعددة في موضوع القراءات عموما، ليس هنا مجال ذكره، (1) من الآية 89 سورة يونس، (2) انظر سيبويه ج 2 ص 149 (*)،

[ 494 ]

ما قبلها كما كسرتها مع المنفصلة، تقول: اخشين، كاحشي الرجل، قوله (فإن لم يكن بارز)، وهو في الواحد المذكر، نحو: اغز، وارم واخش، فالنون كالمتصل، أي كالكلمة المتصلة، ويعني بها ألف التثنية نحو: اغزون وارمين واخشين، برد اللامات وفتحها، كما قلت: اغزوا وارميا واخشيا، قال: لما كان النون بعد الضمير البارز، صار كالكلمة المنفصلة، لأن الضمير فاصل، ولما لم يكن ضمير بارز، كان النون كالضمير المتصل، هذا زبدة كلامه، ويرد عليه أن المتصل ليس هو الألف فقط، بل الواو والياء في: ارضوا، وارضي، متصلان، أيضا، وأنت لا تثبت اللام معهما كما تثبتها مع الألف، فليس قوله، إذن، فكالمتصل، على إطلاقه، بصحيح، وأيضا يحتاج إلى التعليل فيما قاس النون عليه من المتصل، والمنفصل، إذا سئل، مثلا: لم لم تحذف اللام في: اخشيا وارميا واغزوا كما حذفت في: اخش وارم واغز، ولم ضمت الواو في: ارضوا الرجل وكسرت الياء في: ارضي الرجل، ولم تحذفا، كما في: ارمو الرجل وارمي الغرض، وكل علة تذكرها في المحمول عليه فهي مطردة في المحمول، فما فائدة الحمل، وإنما يحمل الشئ على الشئ، إذا لم يكن المحمول في ثبوت العلة فيه كالمحمول عليه، بل يشابهه من وجه فيلحق به لأجل تلك المشابهة، وإن لم تثبت العلة في المحمول، كحمل (إن) على الفعل المتعدي وإن لم يكن في (إن) العلة المقتضية للرفع والنصب كما كانت في المتعدي، قوله: (والمخففة تحذف للساكنين)، وذلك إذا لاقى المخففة ساكن بعدها، كقوله: 940 - لا تهين الفقير علك أن تركع * يوما والدهر قد رفعه 1


(1) من أبيات للأضبط بن قريع السعدي، ونقل عن ثعلب أنها قيلت قبل الأسلام بدهر طويل وأولها: لكل هم من الهموم سعة * والمسى والصبح لا بقاء معه (*)

[ 495 ]

حطا لها عن التنوين لازم للاسم المتمكن في الوصل إذا تجرد عن المانع وهو الأضافة واللام، بخلاف النون الخفيفة، فإنها قد تترك بلا مانع، وأيضا، ينبغي أن يكون للنون اللاحقة للاسم، فضل على النون اللاحقة للفعل، فالتنوين يحذف في الموصوف بابن، وابنة، بالشرط المذكور، قياسا، وفي غيره للضرورة، كقوله: وحاتم الطائي وهاب المئي 1 - 529 والنون الخفيفة تحذف للساكنين مطلقا، وقال سيبويه 2، عن يونس: إنه إذا جاء بعد النون المخففة في: اضربان واضربنان، ساكن، تبدلها همزة، نحو: اضرباء الرجل واضر بناء الرجل، قال سيبويه: لو جوزنا إلحاق الخفيفة بالمثنى، فالقياس حذفها للساكنين كما تحذف اتفاقا في المفردين: المذكر والمؤنث، وجمع المذكر، فيسقط الألف، أيضا، في اللفظ، للساكنين، وإذا وقف على فعل في آخره نون خفيفة، فحكمها حكم التنوين، أعني أنه، تقلب المفتوح ما قبلها ألفا، نحو: اضربا، في: اضربن، قال سيبويه 3: وقياس مذهب يونس في: اضربان، واضربنان، أن تقلب النون الخفيفة ألفا، فتمد فيها المدة الطولى بقدر ألفين، وقال الزجاج: لو مدت الألف وطال مدها، ما زادت على الألف، لأنها حرف، لا تتكرر ولا يؤتي بعدها بمثلها،


= والمسى بضم الميم أو كسرها مقابل الصبح، ومن جيد أبياتها قوله: قد يجمع المال غير آكله * ويأكل المال غير من جمعه فاقبل من الدهر ما أتاك به * من قر عينا بعيشه نفعه (1) تكرر ذكره، وانظره في باب العدد، بالجزء الثالث، (2) و (3) انظر بحث نوني التوكيد في سيبويه ج 2 ص 149 وما بعدها (*)،

[ 496 ]

وقال السيرافي: ليس هذا الرأي الذي أنكره الزجاج بمنكر، وذلك أنه يقدر أن المد الذي يزاد بعد النطق بالألف الأولى يرام به ألف آخر، وإن لم ينفصل عن الأول ولم يتميز، وتحذف في الوقف: المضموم ما قبلها والمكسور ما قبلها، نحو: اضربن واضربن، وكان يونس 1 يقول: أقلبها واوا بعد الضمة في نحو: اخشون، وياء بعد الكسرة في نحو: اخشين، فأقول: اخشوو، واخشيي، قال الخليل: لا أرى ذلك إلا على مذهب من قال من أهل اليمن: هذا زيدو، ومررت بزيدي، وهي غير فصيحة، وأما في نحو: اضربن واضربن، فيقول يونس: اضربو واضربي وفاقا لغيره في اللفظ، إلا أن الواو والياء، عنده، عوضان من النون، وعند غيره: هما الضميران المردودان بعد حذف النون كما يجئ، ويقول في: هل تضربن، وهل تضربن: هل تضربو وهل تضربي، بلا نون، والواو والياء بدلان من النون الخفيفة، وعند غيره: هل تضربون وهل تضربين، والواو والياء ضميران ردا بعد حذف نون التأكيد، فترد النون التي سقطت لأجل نون التأكيد، كما يجئ، قوله: (فيرد ما حذف)، يعني إذا حذفت النون، أعيد إلى الفعل الموقوف عليه: ما أزيل في الوصل بسببها، من الواو، والياء وحدهما، كما تقول في: اضربن واضربن، واخشون واخشين: اضربوا واضربي، واخشوا واخشي، أو، من الواو والياء مع النون التي بعدهما، كما تقول في: هل تضربن، وهل تضربن، وهل تخشون وهل تخشين: هل تضربون وهل تضربين، وهل تخشون وهل تخشين، وهذا أيضا، بناء على أنهم قدروا النون المخففة، المحذوفة للوقف: معدومة من أصلها لعدم لزومها للفعل، بخلاف التنوين، فإن الوقف في: جاءني قاض، بغير رد الياء على


(1) انظر الحاشية السابقة (*).

[ 497 ]

الأفصح، لكون التنوين لازما، إذ لم يكن مانع، فكأنه ثابت أيضا، مع عروض الحذف، هذا آخر شرح المقدمة، والحمد لله على إنعامه وإفضاله، بتوفيق إكماله، وصلواته على محمد وكرام آله، وقد تم تمامه، وحم 1 اختتامه، في الحضرة المقدسة الغروية 2، على مشرفها صلوات رب العزة وسلامه،. في شوال سنة ست وثمانين وستمائة


(1) حم بالبناء للمجهول بمعنى قدر له أن يختم، (2) انظر ما قلناه في شرح قول الرضي في مقدمة هذا الكتاب: فببركات الجناب المقدس الغروي (*)،

[ 498 ]

(استطرد) 1 (في ذكر بعض أحكام مفيدة) ولنذكر أحكام هاء السكت، وإن كان المصنف ذكر بعضها في التصريف، وحرف 2 التذكير، والأنكار، وشين الكشكشة وسين الكسكسة، أما هاء السكت، فهي هاء تزاد في آخر الكلمة الموقوف عليها في موضعين: أحدهما: إذا كان آخرها ألفا، والكلمة حرف أو اسم عريق البناء، نحو: لا، وذا، وهنا، وذلك لأن الألف حرف خفي، إذا جئت بعدها بحرف آخر، وذلك في الوصل، تبين النطق بها، وإذا لم تأت بعدها بشئ، وذلك في الوقف، خفيت، حتى ظن أن آخر الكلمة مفتوح، فلذا وصلت بحرف، ليبين جوهرها، واختاروا أن يكون ذلك الحرف هاء، لمناسبتها خفائها حرف اللين، فإذا جاءت ساكنة بعد الألف، فلا بد من تمكن مد الألف، ليقوم ذلك مقام الحركة فيمكن الجمع بين ساكنين، فتبين الألف بذلك التمكين والمد، وأما في الأسماء المتمكنة، نحو: أفعى وحبلى، أو العارضة البناء نحو: لا فتى، فلا تزيد هاء السكت، إما لخوف التباس هاء السكت بهاء الضمير المضاف إليه، فإن


(1) استطرد الشارح إلى ذكر هذه الأمور، بعد أن ختم شرحه على الكافية، وهي من مباحث الصرف، وقد أشار في كثير من المواضع في شرحه هذا إلى ما يدل على اعتزامه شرح الشافية في التصريف لابن الحاجب، وقد وفي بوعده، رحمه الله، وشرحها شرحا عظيما لا يقل فائدة عن هذا الشرح، (2) أي وأحكام حرف التذكير (*)،

[ 499 ]

الاسم العريق البناء، لا يضاف منه إلا (كم) و (لدن) و (لدى)، وإما لكون الأعراب مقدرا في أفعى، وشبه الحركة الأعرابية في: لا فتى، وسنذكر أنها لا تلحق المتحركة بحركة إعرابية أو شبه الأعراب، وأما ألف نحو: هذا، وهؤلاء 1، فليس الحركة الأعرابية فيه مقدرة بل لو كان مكان الألف حرف صحيح، أيضا، لكان محركا بحركة بنائية نحو: هو، وهي، وهؤلاء، ولا تلحق هذه الهاء ساكنا آخر، غير الألف المذكورة، سواء، كان واوا أو ياء، كهمو، وهذي، أو غيرهما، ككم ومن، وذلك لأن الألف أخفى، فهي إلى البيان أحوج، بلى، تلحق الألف والواو والياء في الندبة، نحو: واغلاماه، و: واغلامكموه، و: واغلامكيه، وفي الأنكار نحو: آلاميراه، و: آلأميروه، و: الأميرية، لقصدك إلى زيادة مد الصوت فيهما، وثاني الموضعين: إذا وقفت على كلمة متحركة الآخر غير إعرابية ولا مشبهة بالاعرابية، لبيان تلك الحركة اللازمة، إذ لو لم تزد الهاء لسقطت الحركة للوقف، وإنما لم تبين الأعرابية، لعروضها وسرعة زوالها: وذلك قولك: هما رجلانه، وضاربانه، وهنه، وضربتنه، وهلمه، وضربكه، وويحكه، وثمه، واضربنه، وانطلقنه وضربنه، وعصايه، وغلاميه، وقاضيه، وهوه، وهيه، وأينه، وكيفه وغير ذلك، ودخولها فيما قبل آخره ساكن، أقوى وأكثر من دخولها فيما قبل آخره متحرك، حتى لا يجتمع ساكنان، لو أسكن الآخر،


(1) بدون همزة في آخره، وهي لغة، وانظر باب أسماء الأشارة في آخر الجزء الثاني (*)،

[ 500 ]

ولم يلحقوها النونات في الأمثلة الخمسة، نحو: يضربانه، ويضربونه، وتضربينه.. 1، لأن النون علامة الرفع فهي كالحركة الأعرابية، وقد منع بعض البصريين أن يقال: انطلقنه، وضربنه لالتباس الأول بضمير المصدر، والثاني بالمفعول به، وليس بشئ، لأن الخليل حكى: انطلقنه عن العرب 2، ولو كان اللبس مانعا لم يقولوا: أعطيتكه، وإنه، وليته ولعله، واعلمنه، وقد استعملوا في بعض ذلك: الألف مكان الهاء، لمشابهتها لها وذلك في: أنا، وحيهلا، ولم يلحقوها آخر نحو: لا رجل، ويا زيد، ونحو: خمسة عشر، لأن حركة البناء عارضة، فتشبه، لذلك، الحركة الأعرابية، وكذا لم يلحقوها آخر الماضي المجرد، لأنه إنما حرك، كما ذكرنا في بابه، لمشابهته المعرب، فكأن حركته إعرابية، فلم يقولوا: ضربه، وإذا كانت الكلمة مما ذهب لامها، جزما، أو وقفا، فإن بقيت على حرف واحد، فهاء السكت واجبة، نحو: ره، وقه، لاستحالة الوقف على المتحرك والابتداء بالساكن، وإن كانت على أكثر من حرف نحو: اغزه، وارمه، واخشه، ولم يغزه، ولم يرمه، ولم يخشه، فالهاء في مثلها ليست بواجبة، لكنها ألزم ههنا منها في نحو: ثمه، ومسلمونه، لأنك إذا لم تأت بها سكنت آخر الكلمة بعد حذف حرف منها، وهو إجحاف، وهي في نحو: أعه وأقه، في قولك إن تع أعه، وإن تق أقه، ألزم 3 منها في:


(1) ذكر ثلاثة من الأمثلة الخمسة، والباقيان هما تفعلان وتفعلون، (2) نقله عنه سيبويه في الكتاب ج 2 ص 279، (3) أي أشد لزوما، ونقل ابن هشام في أوضح المسالك، رأي ابن مالك في وجوب هاء السكت في هذا النوع ورد عليه ردا قويا (*)،

[ 501 ]

اغزه ولم يرمه، لأن الاحجاف ههنا أكثر لو سكن العين، وذلك بحذف الفاء واللام وإسكان العين، وبعض العرب لا يلحقون هاء السكت، من المتحرك الآخر، إلا ما حذف من آخره شئ، ولا يقفون على ما لم يحذف منه شئ، كأنا، ولعل وليت، وسائر ما ذكرنا، إلا بالأسكان، وروى يونس وعيسى بن عمر 1: أن بعض العرب يقف على المحذوف الآخر أيضا، نحو: اغز، وارم، بالأسكان من غير هاء، قال سيبويه 2: هذه أقل اللغتين، وإلحاق الهاء في نحو: علام، وإلام، وحتام، وبم، وفيم وعم: أجود من حذفها، لأنه حذف منها الألف، كما حذف في نحو: اغزه، وارمه واخشه: الحرف الأخير، ويجوز إسكانها وإن صارت الميم على حرف واحد، لأنها امتزجت بحرف الجر قبلها، فصارتا معا، كحسام 3، لأن الجار لا ينفك عن المجرور، وهذا المجرور لكونه على حرف، صار كبعض حروف الجار، فالاتصال حاصل من الطرفين، وإذا وقفت على نحو: مجئ م جئت، فقلت: مجئ مه، فالهاء لازمة كما في: قه وره، لأن المضاف لكونه اسما، لا يمتزج بالمجرور امتزاج حرف الجر، بمجروره، وتحذف هاء السكت عند الوقف، في الدرج كهمزة الوصل، إلا أن يجرى الوصل مجرى الوقف، كقوله تعالى: (هلك عني سلطانيه، خذوه فغلوه) 4 وصلا، وحقها السكون وإن وقعت بعد الألف، لأن اجتماع الساكنين محتمل في الواقف، ويحركها من يثبتها وصلا بعد الألف مجريا للوصل مجرى الوقف: إما بالضمة، تشبيها لها


(1) و (2) كلاهما في سيبويه ج 2 ص 278، (3) يعني صارتا كاسم رباعي قبل آخره ألف بقطع النظر عن حركة أوله، وذلك خاص بما الاستفهامية المجرورة بكل من: إلى وعلى، وحتى، ويمكن أن تعلل بقية الأمثلة بما ذكره من الامتزاج، (4) الآيتان 29، 30 سورة الحاقة (*)،

[ 502 ]

بهاء الضمير، أو بالكسرة للساكنين، وروي على الوجهين: 941 - يا مرحباه بمار عفراء 1 وأما سين الكسكسة 2، وهي في لغة بكر بن وائل، فهي السين التي تلحقها بكاف المؤنث في الوقف، إذ لو لم تلحقها لسكنت الكاف، فتلتبس بكاف المذكر، وجعلوا ترك السين في الوقف علامة المذكر، فيقولون أكرمتكس فإذا وصلوا لم يأتوا بها، لأن حركة الكاف، إذن، كافية، في الفصل بين الكافين، وقوم من العرب يلحقون كاف المؤنث: الشين في الوقف، فإذا وصلوا حذفوا، وغرضهم: ما مر في إلحاق السين، وناس كثير من تميم ومن أسد يجعلون مكان كاف المؤنث في الوقف شينا، قال: 942 - تضحك مني أن رأتني أحترش * ولو حرشت لكشفت عن حرش 3 وذلك أيضا، للغرض المذكور، وإنما أبدلوها شيئا، لأنها مهموسه مثلها ولم يجعلوا مكانها مهموسة من الحلق، لأنها ليست حلقية، وقد يجري الوصل مجرى الوقف فيقال: إنش 4 ذاهبة، قال: 943 - فعيناش عيناها وحيدش جيدها * ولكن عظم الساق منش دقيق 5


(1) عفراء، صاحبة عروة بن حزام العذري وهذا مما نسب إليه، وذكروا إن بعده: إذا أتي قريته بما شاء * من الشعير والحشيش والماء (2) تكلم عنها وعن سين الكسكسة معا، إذ لا فرق بينهما إلا اختلاف الحرف، (3) الاحتراش: صيذ الضب، يقول لمن لامته في صيده: انك لو عرفت قيمته وفائدته لكشفت عن حرك أي عن فرجك، ولا يعرف قائل هذا الرجز، (4) بكسر الشين المبدلة من حرف الخطاب، (5) جاء في قصة مجنون بني عامر: قيس بن الملوح انه كان جالسا في وحدته، فمر به أخوه وابن عمه وقد قنصا ظبية فطلب منهما إخلاء سبيلها فامتنعا، فاشتد عليهما فتركاها له فأطلقها، قالوا فأقبلت الظبية تنظر إليه، فقال (*):

[ 503 ]

وأما حرف الأنكار، فهو زيادة تلحق آخر المذكور في الاستفهام بالألف خاصة، إذا قصدت إنكار اعتقاد كون المذكور على ما ذكر، الو إنكار كونه على خلاف ما ذكر، كما تقول، مثلا، جاءني زيد، فيقول من يقصد تكذيبك، وأن زيدا لا يأتيك أزيدنيه، أي: كيف يجيئك، فهذه العلامة بيان أنه لا يعتقد أنه أتاك، ويقول ذلك: من لا يشك أن زيدا جاءك، وينكر أنه لا يجيئك، فكأنه يقول: من يشك في ذلك، وكيف لا يجيئك، قال الأخفش: إن هذه الزيادة موضوعة لأنكار كون المذكور على ما ذكر، فقط، فإن أريد إنكار كونه بخلاف ما ذكر، فهو على وجه الهزء والسخرية، فكأنه يقول: كيف لا يجيئك زيد وأنت الجليل العظيم، كقوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) 2، هذا قوله، والأولى أن يقال إنه لأنكار كونه على خلاف ما ذكر، لا على وجه السخرية، وإنما تلحق هذه الزيادة بشرط الوقف، والأنكار بهمزة الاستفهام بلا فصل بينها، وبين الاسم المذكور، فإن وصل الاسم بما بعده، أو كان استفهاما على وجه الحقيقة، لا على وجه الأنكار، لم تلحق، وكذا لا تلحق، إذا فصل بين الهمزة والمذكور بقول أو ما يفيد فائدته، نحو: أتقول زيد، أو: أتتكلم زيد، والأغلب، مع حصول الشرائط وقصد إلحاق زيادة الأنكار: حكاية ذلك المذكور بلفظه وبحركته، إعرابية كانت أو بنائية، نحو: أذهبتوه، لمن قال: ذهبت، و: أأنا انيه، لمن قال: أنا فاعل، وربما زيدت مدة الأنكار من غير حكاية اللفظ المذكور، بل تلحق العلامة بما يصح المعنى بلحاقها به من جملة كلامك، فتقال لمن قال ذهبت: أذهبتاه، ومنه حكاية سيبويه 3: سمعنا من قيل له أتخرج إذا أخصبت البادية، فقال: أأنا إنيه،


= أيا شبه ليلى لا تراعي فانني * لك اليوم من بين الوحوش صديق فعيناك عيناها، الخ، (1) أي: ويقصد أن زيدا لا يأتيك استبعادا منه لذلك، (2) الآية 49 سورة الدخان، (3) سيبويه ج 1 ص 406 (*)،

[ 504 ]

منكرا لرأيه أن يكون على خلاف ذلك، ولو حكى لقال: أتخرجوه، ثم نقول: آخر الكلمة إما أن يكون ساكنا أو متحركا، والساكن إما حرف علة أو حرف صحيح، فالأول نحو: جاءني القاضي، ورأيت المعلي، وزيد يغزو، وحكمه أن يزاد على آخره مثل آخره، فيجتمع ساكنان فتحذف أولهما فتقول: القاضية و: المعلاه، وأيغزوه، وإن كان الساكن صحيحا، تنوينا كان أو غيره، فلا بد من تحريكه بالكسر للساكنين فلا تكون زيادة الأنكار، إذن، إلا الياء، نحو: أزيدنيه، و: ألم تضربيه، وإن كان متحركا فمدة الأنكار على وفق تلك الحركة، بنائية كانت أو اعرابية، فتكون بعد الضمة واوا، وبعد الفتحة ألفا، وبعد الكسرة ياء، نحو: أزيدوناه، و: أزيدينيه، و: آلأميراه، فليس مدة الأنكار، إذن، كعلامة الندبة، لأن تلك يجب كونها ألفا، إلا عند اللبس، ويجوز لك أن تلحق مدة الأنكار بإن، مزيدة بعد المذكور، مدخلا في أوله همزة الاستفهام، فلا تكون المدة، إذن، إلا ياء، لأنك تكسر نون (إن) للساكنين، وزيادة (ان) للبيان والأيضاح لأن حرف المد، والهاء، خفيان، فهي زائدة، كما في: ما إن فعل، قال المصنف: الظاهر أنهم لم يزيدوا (إن) إلا فيما آخره ساكن محافظة على ذلك الساكن، لأنه إن لم تزد (إن) تحرك الساكن إن كان صحيحا، وسقط إن كان مدة، ورد قوله بمجيئها بعد المتحرك في: أأنا إنيه، لأن نون (أنا) متحركة، وأجاب بأن الزيادة إنما تكون في حال الوقف، والوقف على (أنا) بالألف، فصار، وإن لم يكن فيه ألف، لمجئ (ان) بعده، في حكم الموقوف عليه بالألف، ولو لم تزد (إن) لقيل: أأناه بحذف إحدى الألفين،

[ 505 ]

وقياس ما قاله أن قال: المعلى إنيه و: القاضي إنية، و: أيغزو إنيه، أن أريد، وهذا الذي قال، من تخصيص (إن) بالساكن آخره، قياس منه لم يأت في كلام النجاة، ثم اعلم أنه يجوز لك الأنكار والحكاية مع ترك مدة الأنكار وإن كان الكلام وقفا، وأما إذا أردت الوصل فإنه يجب ترك الزيادة نحو: أزيدا يا فتى، كما تترك العلامات في (من) حين تقول: من يا فتى، وإنما يجوز إثبات التنوين ههنا في حال الوقف، لقصد الحكاية، ومع زيادة الأنكار يتوسط التنوين ويبقى الهاء موقوفا عليه، فلا يستنكر بقاء التنوين في الوقف، ومدة الأنكار تقع في منتهى الكلام بعد الصفة والمعطوف، وغير ذلك، نحو: أزيدا وعمرنيه، فيمن قال: لقيت زيدا وعمرا، و: أزيدا الطويلاه، وإذا قال: ضربت عمر، قلت أضربت عمراه، فتدخل همزة الأنكار على الجملة والمفرد، وعلى أي قسم شئت من أقسام الكلام بخلاف ألف الندبة كما مر في المنادي، وأما حرف التذكير، فليس في كلام فصيح، وإنما يكون ذلك إذا نطق من يتذكر 1، بكلمة ولا يريد أن يقف ويقطع كلامه، فيصل آخر تلك الكلمة بمدة تجانس حركتها، إن كان متحركا، كما تقول في: قال، ويقول، ومن العام: قالا، فتمد فتحة اللام إلى أن تتذكر ما نسيت وتصله به، ويقولو، ومن العامي، وتصله بياء ساكنة إن كان الآخر ساكنا صحيحا، تنوينا كان أو غيره، نحو: هذا سيفني إذا أردت: سيف من صفته كيت وكيت، وتقول في: قد فعل، وفي الألف واللام في نحو: الحارث مثلا: قدي... وألي...


(1) يعني من يريد ويحاول أن يتذكر شيئا، وقوله: بكلمة، متعلق بقوله: إذا نطق... (*)

[ 506 ]

وإن كان آخره ساكنا حرف مد، نحو القاضي، والعصا، ويغزو، مددت ذلك الحرف إلى أن تتذكر، ولا تجتلب مذة أخرى، ويجوز أن يقال: إنك تجتلبها وتحذف الأولى، كما قيل في مدة الأنكار، ولا تلي هذه الزيادة هاء السكت، بخلاف زيادة الأنكار، لأن هذه إنما تزاد إذا لم تقصد الوقف، تم الكتاب بحمد الله، وعونه، وحسن توفيقه، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب 1،


(1) بهذا ختم المحقق الرضي هذا الاستطراد الذي بدأه بعد أن انتهى من شرح الكافية، وهو استطراد مفيد على اختصاره ووجازته (*)،

[ 507 ]

الختام هذا ما وفق الله تعالى إليه، وأعان عليه، مما وسعه الجهد، وبلغته المقدرة، من إبراز هذا الأثر النافع، في هذه الصورة، التي لم تبلغ الأمل المنشود، ولكنها،


(1) بهذا ختم المحقق الرضي هذا الاستطراد الذي بدأه بعد أن انتهى من شرح الكافية، وهو استطراد مفيد على اختصاره ووجازته (*)،

[ 507 ]

الختام هذا ما وفق الله تعالى إليه، وأعان عليه، مما وسعه الجهد، وبلغته المقدرة، من إبراز هذا الأثر النافع، في هذه الصورة، التي لم تبلغ الأمل المنشود، ولكنها، إن شاء الله، قد حققت الانتفاع به والأفادة منه، وما يزال الرجاء قائما بأن يهيئ الله تعالى لهذا الكتاب العظيم من يوفيه حقه مما كنت أرجو أن أقوم به، وإني أعيد ما قلته في تقديمي لهذا الكتاب: إنه حسبي ممن يطلع عليه فيرضى عنه: دعوة صالحة، وممن يرى فيه شيئا من القصور أو التقصير، أن يلتمس العذر ويدعو بالمغفرة، والحمد لله الذى هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، وله الحمد في الأولى والآخرة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، أجمعين، ورحم الله أسلافنا وشيوخنا وكل من له حق علينا، وغفر لهم، آمين، يوسف حسن عمر

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية